5. خلافة بني العباس
التاريخ 2676لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ هَلَاكِ قَحْطَبَةَ وَهَزِيمَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَلَكَ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ . وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ قَحْطَبَةَ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ وَصَارَ فِي غَرْبِيِّهِ، وَذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ لِثَمَانٍ مَضَيْنَ مِنْهُ، وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ قَدْ عَسْكَرَ عَلَى فَمِ الْفُرَاتِ مِنْ أَرْضِ الْفَلُّوجَةِ الْعُلْيَا عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنَ الْكُوفَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ فُلُّ بْنُ ضُبَارَةَ، فَأَمَدَّهُ مَرْوَانُ بِحَوْثَرَةَ الْبَاهِلِيِّ، فَقَالَ حَوْثَرَةُ وَغَيْرُهُ لِابْنِ هُبَيْرَةَ: إِنَّ قَحْطَبَةَ قَدْ مَضَى يُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَاقْصِدْ أَنْتَ خُرَاسَانَ وَدَعْهُ وَمَرْوَانَ فَإِنَّكَ تَكْسِرُهُ وَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَتْبَعَكَ، قَالَ: مَا كَانَ لِيَتْبَعَنِي وَيَدَعَ الْكُوفَةَ، وَلَكِنَّ الرَّأْيَ أَنْ أُبَادِرَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَعَبَرَ دِجْلَةَ مِنَ الْمَدَائِنِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ حَوْثَرَةَ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَالْفَرِيقَانِ يَسِيرَانِ عَلَى جَانِبَيِ الْفُرَاتِ. وَقَالَ قَحْطَبَةُ: إِنَّ الْإِمَامَ أَخْبَرَنِي أَنَّ [ لِي ] فِي هَذَا الْمَكَانِ وَقْعَةً يَكُونُ النَّصْرُ [ فِيهَا ] لَنَا. وَنَزَلَ قَحْطَبَةُ الْجِبَارِيَةَ، وَقَدْ دَلُّوهُ عَلَى مَخَاضَةٍ، فَعَبَرَ مِنْهَا وَقَاتَلَ حَوْثَرَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ نَبَاتَةَ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَفَقَدُوا قَحْطَبَةَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَهْدٌ مِنْ قَحْطَبَةَ فَلْيُخْبِرْنَا بِهِ. فَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ مَالِكٍ الْعَتَكِيُّ: سَمِعْتُ قَحْطَبَةَ يَقُولُ: إِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ فَالْحَسَنُ ابْنِي أَمِيرُ النَّاسِ. فَبَايَعَ النَّاسُ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ لِأَخِيهِ الْحَسَنِ، وَكَانَ قَدْ سَيَّرَهُ أَبُوهُ فِي سَرِيَّةٍ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأَحْضَرُوهُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْأَمْرَ. وَلَمَّا فَقَدُوا قَحْطَبَةَ بَحَثُوا عَنْهُ فَوَجَدُوهُ فِي جَدْوَلٍ وَحَرْبَ بْنَ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ قَتِيلَيْنِ، فَظَنُّوا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ ضَرَبَ قَحْطَبَةَ لَمَّا عَبَرَ الْفُرَاتَ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ فَأَخْرَجُوهُ، فَقَالَ: شُدُّوا يَدَيَّ إِذَا مِتُّ وَأَلْقُونِي فِي الْمَاءِ لِئَلَّا يَعْلَمَ النَّاسُ بِقَتْلِي. وَقَاتَلَ أَهْلُ خُرَاسَانَ فَانْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ نَبَاتَةَ وَأَهْلُ الشَّامِ، وَمَاتَ قَحْطَبَةُ، وَقَالَ قَبْلَ مَوْتِهِ: إِذَا قَدِمْتُمُ الْكُوفَةَ فَوَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ فَسَلِّمُوا هَذَا الْأَمْرَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: بَلْ غَرِقَ قَحْطَبَةُ. وَلَمَّا انْهَزَمَ ابْنُ نَبَاتَةَ وَحَوْثَرَةُ لَحِقُوا بِابْنِ هُبَيْرَةَ، فَانْهَزَمَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِهَزِيمَتِهِمْ، وَلَحِقُوا بِوَاسِطَ وَتَرَكُوا عَسْكَرَهُمْ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَمَّا قَامَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ بِالْأَمْرِ أَمَرَ بِإِحْصَاءِ مَا فِي الْعَسْكَرِ. وَقِيلَ: إِنَّ حَوْثَرَةَ كَانَ بِالْكُوفَةِ فَبَلَغَهُ هَزِيمَةُ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَسَارَ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ.
التاريخ 2677لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خُرُوجِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ بِالْكُوفَةِ مُسَوِّدًا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِالْكُوفَةِ وَسَوَّدَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ وَأَخْرَجَ عَنْهَا عَامَلَ ابْنِ هُبَيْرَةَ ثُمَّ دَخَلَهَا الْحَسَنُ. وَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ أَنَّ مُحَمَّدًا خَرَجَ بِالْكُوفَةِ لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ مُسَوِّدًا وَعَلَى الْكُوفَةِ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى شُرَطِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْقَصْرِ، فَارْتَحَلَ زِيَادٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ الْقَصْرَ، وَسَمِعَ حَوْثَرَةُ الْخَبَرَ فَسَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَتَفَرَّقَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَامَّةُ مَنْ مَعَهُ لَمَّا بَلَغَهُمُ الْخَبَرُ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمِنَ الْيَمَانِيِّينَ، مَنْ كَانَ هَرَبَ مِنْ مَرْوَانَ، وَكَانَ مَعَهُ مَوَالِيهِ، وَأَرْسَلَ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ، وَلَمْ يَظْهَرْ بَعْدُ، إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْقَصْرِ تَخَوُّفًا عَلَيْهِ مِنْ حَوْثَرَةَ وَمَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ هَلَاكُ قَحْطَبَةَ، فَأَبَى مُحَمَّدٌ أَنْ يَخْرُجَ، وَبَلَغَ حَوْثَرَةَ تَفَرُّقُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ عَنْهُ فَتَهَيَّأَ لِلْمَسِيرِ نَحْوَهُ. فَبَيْنَا مُحَمَّدٌ فِي الْقَصْرِ إِذْ أَتَاهُ بَعْضُ طَلَائِعِهِ فَقَالَ لَهُ: قَدْ جَاءَتْ خَيْلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ عِدَّةً مِنْ مَوَالِيهِ، فَنَادَاهُمُ الشَّامِيُّونَ: نَحْنُ بَجِيلَةُ وَفِينَا مُلَيْحُ بْنُ خَالِدٍ الْبَجَلِيُّ جِئْنَا لِنَدْخُلَ فِي طَاعَةِ الْأَمِيرِ، فَدَخَلُوا، ثُمَّ جَاءَتْ خَيْلٌ أَعْظَمُ مِنْ تِلْكَ فِيهَا جَهْمُ بْنُ الْأَصْفَحِ الْكِنَانِيُّ، ثُمَّ جَاءَتْ خَيْلٌ أَعْظَمُ مِنْهَا مَعَ رَجُلٍ مِنْ آلِ بَحْدَلٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حَوْثَرَةُ مِنْ صُنْعِ أَصْحَابِهِ ارْتَحَلَ نَحْوَ وَاسِطَ. وَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ مِنْ لَيْلَتِهِ إِلَى قَحْطَبَةَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِهَلَاكِهِ، يُعْلِمُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِالْكُوفَةِ. فَقَدِمَ الْقَاصِدُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، فَلَمَّا دَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ ارْتَحَلَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَأَقَامَ مُحَمَّدٌ بِالْكُوفَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَيَوْمَ السَّبْتِ وَالْأَحَدِ وَصَبَّحَهُ الْحَسَنُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ أَقْبَلَ نَحْوَ الْكُوفَةِ بَعْدَ هَزِيمَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ فَهَرَبَ عَنْهَا، فَسَوَّدَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ وَخَرَجَ فِي أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَبَايَعَ النَّاسُ، وَدَخَلَهَا الْحَسَنُ مِنَ الْغَدِ.
التاريخ 2678لا حكم مسجّل
فَلَمَّا دَخَلَهَا -الكوفة- الْحَسَنُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَتَوْا أَبَا سَلَمَةَ، وَهُوَ فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَاسْتَخْرَجُوهُ، فَعَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى حَمَّامِ أَعْيَنَ، وَوَجَّهَ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ إِلَى وَاسِطَ لِقِتَالِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا سَلَمَةَ حَفْصَ بْنَ سُلَيْمَانَ مَوْلَى السُّبَيْعِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ وَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْأَمِيرُ، حَتَّى ظَهَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ. وَوَجَّهَ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ إِلَى الْمَدَائِنِ فِي قُوَّادٍ، وَبَعَثَ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ وَخَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ إِلَى دَيْرِ قُنَّى، وَبَعَثَ الْمُهَلَّبِيَّ وَشَرَاحِيلَ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَبَسَّامَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّامٍ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَبِهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ. فَلَمَّا أَتَى بَسَّامٌ الْأَهْوَازَ خَرَجَ عَنْهَا عَبْدُ الْوَاحِدِ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُ وَهَزَمَهُ بَسَّامٌ، وَبَعَثَ إِلَى الْبَصْرَةِ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ عَامِلًا عَلَيْهَا، فَقَدِمَهَا وَكَانَ عَلَيْهَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيُّ عَامِلًا لِابْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَدْ لَحِقَ بِهِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ هُبَيْرَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
التاريخ 2679لا حكم مسجّل
أَرْسَلَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى سَلْمٍ يَأْمُرُهُ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ دَارِ الْإِمَارَةِ، وَيُعْلِمُهُ مَا أَتَاهُ مِنْ رَأْيِ أَبِي سَلَمَةَ، وَامْتَنَعَ وَجَمَعَ مَعَهُ قَيْسًا وَمُضَرَ وَمَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَجَمَعَ سُفْيَانُ جَمِيعَ الْيَمَانِيَّةِ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَتَاهُمْ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ ابْنِ هُبَيْرَةَ كَانَ بَعَثَهُ مَدَدًا لِسَلْمٍ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ مِنْ كَلْبٍ، فَأَتَى سَلْمٌ سُوقَ الْإِبِلِ وَوَجَّهَ الْخُيُولَ فِي سِكَكِ الْبَصْرَةِ وَنَادَى: مَنْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ خَمْسُمِائَةٍ، وَمَنْ جَاءَ بِأَسِيرٍ فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَمَضَى مُعَاوِيَةُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي رَبِيعَةَ وَخَاصَّتِهِ، فَلَقِيَهُ خَيْلُ تَمِيمٍ، فَقُتِلَ مُعَاوِيَةُ وَأُتِيَ بِرَأْسِهِ إِلَى سَلْمٍ، فَأَعْطَى قَاتِلَهُ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَانْكَسَرَ سُفْيَانُ بِقَتْلِ ابْنِهِ فَانْهَزَمَ، وَقَدِمَ عَلَى سَلْمٍ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ، فَأَرَادُوا نَهْبَ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ، وَانْهَزَمَتِ الْأَزْدُ، وَنُهِبَتْ دُورُهُمْ، وَسُبِيَتْ نِسَاؤُهُمْ، وَهَدَمُوا الْبُيُوتَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَلَمْ يَزَلْ سَلْمٌ بِالْبَصْرَةِ حَتَّى أَتَاهُ قَتْلُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَشَخَصَ عَنْهَا، وَاجْتَمَعَ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ وَلَدِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ، فَوَلِيَهُمْ أَيَّامًا يَسِيرَةً حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ أَبُو مَالِكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُسَيْدٍ الْخُزَاعِيُّ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُسْلِمٍ. فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَّاهَا سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ حَرْبُ سُفْيَانَ وَسَلْمٍ بِالْبَصْرَةِ فِي صَفَرٍ. وَفِيهَا عَزَلَ مَرْوَانُ عَنِ الْمَدِينَةِ الْوَلِيدَ بْنَ عُرْوَةَ وَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ يُوسُفَ بْنَ عُرْوَةَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
التاريخ 2680لا حكم مسجّل
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَبَيْعَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِالْخِلَافَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْهُ، وَقِيلَ: فِي جُمَادَى الْأُولَى. النبوءة بخلافة بني العباس كَانَ بَدْءُ ذَلِكَ وَأَوَّلُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ الْخِلَافَةَ تَؤُولُ إِلَى وَلَدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ وَلَدُهُ يَتَوَقَّعُونَ ذَلِكَ، وَيَتَحَدَّثُونَ بِهِ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا هَاشِمِ ابْنَالْحَنَفِيَّةِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَلَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: [ يَا ابْنَ عَمِّ، إِنَّ عِنْدِي عِلْمًا أَنْبِذُهُ إِلَيْكَ، فَلَا تُطْلِعَنَّ عَلَيْهِ أَحَدًا ]، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي يَرْتَجِيهِ النَّاسُ فِيكُمْ. [ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ ]، فَلَا يَسْمَعَنَّهُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي خَبَرِ ابْنِ الْأَشْعَثِ قَوْلُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَمَّا إِذْ كَانَ الْفَتْقُ مِنْ سِجِسْتَانَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهُ بَأْسٌ، إِنَّمَا كُنَّا نَتَخَوَّفُ لَوْ كَانَ مِنْ خُرَاسَانَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: لَنَا ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ: مَوْتُ الطَّاغِيَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَرَأْسُ الْمِائَةِ، وَفَتْقُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَدْعُو لَنَا دُعَاةٌ، ثُمَّ تُقْبِلُ أَنْصَارُنَا مِنَ الْمَشْرِقِ حَتَّى تَرِدَ خَيْلُهُمُ [ الْمَغْرِبَ ] وَيَسْتَخْرِجُوا مَا كَنَزَ الْجَبَّارُونَ. فَلَمَّا قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَنَقَضَتِ الْبَرْبَرُ، بَعَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى خُرَاسَانَ دَاعِيًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى الرِّضَا، وَلَا يُسَمِّيَ أَحَدًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ خَبَرَ الدُّعَاةِ، وَخَبَرَ أَبِي مُسْلِمٍ ما جاء في أمر مروان بالقبض على إبراهيم بن محمد ومسير أبي العباس بأهله إلى الكوفة والبيعة له بالخلافة وَكَانَ مَرْوَانُ لَمَّا أَرْسَلَ الْمَقْبُوضَ عَلَيْهِ وَصَفَ لِلرَّسُولِ صِفَةَ أَبِي الْعَبَّاسِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَجِدُ فِي الْكُتُبِ: إِنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ يَقْتُلُهُمْ وَيَسْلُبُهُمْ مُلْكَهُمْ ! وَقَالَ لَهُ لِيَأْتِيَهُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ. فَقَدِمَ الرَّسُولُ فَأَخَذَ أَبَا الْعَبَّاسِ بِالصِّفَةِ، فَلَمَّا ظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ وَأَمِنَ، قِيلَ لِلرَّسُولِ: إِنَّمَا أُمِرْتَ بِإِبْرَاهِيمَ وَهَذَا عَبْدُ اللَّهِ. فَتَرَكَ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَأَخَذَ إِبْرَاهِيمَ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى مَرْوَانَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: لَيْسَ هَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ. فَقَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا الصِّفَةَ الَّتِي وَصَفْتَ، وَإِنَّمَا سَمَّيْتَ إِبْرَاهِيمَ فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ. فَأَمَرَ بِهِ فَحُبِسَ، وَأَعَادَ الرُّسُلَ فِي طَلَبِ أَبِي الْعَبَّاسِ فَلَمْ يَرَوْهُ. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ مِنَ الْحُمَيْمَةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أَخَذَهُ الرَّسُولُ نَعَى نَفْسَهُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ مَعَ أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَبِالسَّمْعِ لَهُ وَبِالطَّاعَةِ، وَأَوْصَى إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ. ( وَجَعَلَهُ الْخَلِيفَةَ بَعْدَهُ، فَسَارَ أَبُو الْعَبَّاسِ ) وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مِنْهُمْ: أَخُوهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْمَامُهُ دَاوُدُ، وَعِيسَى، وَصَالِحٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ بَنُو عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عَمِّهِ دَاوُدُ، وَابْنُ أَخِيهِ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَبَّاسٍ، حَتَّى قَدِمُوا الْكُوفَةَ فِي صَفَرٍ، وَشِيعَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ، فَأَنْزَلَهُمْ أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ دَارَ الْوَلِيدِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ فِي بَنِي أَوْدٍ، وَكَتَمَ أَمْرَهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مِنْ جَمِيعِ الْقُوَّادِ وَالشِّيعَةِ. وَأَرَادَ فِيمَا ذُكِرَ أَنْ يُحَوِّلَ الْأَمْرَ إِلَى آلِ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ عَنْ مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْجَهْمِ: مَا فَعَلَ الْإِمَامُ ؟ قَالَ: لَمْ يَقْدَمُ [ بَعْدُ ]. فَأَلَحَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ خُرُوجِهِ، لِأَنَّ وَاسِطًا لَمْ تُفْتَحْ بَعْدُ. وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْإِمَامِ يَقُولُ: لَا تَعْجَلُوا. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى دَخَلَ أَبُو حُمَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحِمْيَرِيُّ مِنْ حَمَّامِ أَعْيَنَ يُرِيدُ الْكُنَاسَةَ، فَلَقِيَ خَادِمًا لِإِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ يُقَالُ لَهُ سَابِقٌ الْخَوَارِزْمِيُّ، فَعَرَفَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ مَرْوَانَ قَتَلَهُ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ وَاسْتَخْلَفَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّهُ قَدِمَ الْكُوفَةَ وَمَعَهُ عَامَّةُ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَسَأَلَهُ أَبُو حُمَيْدٍ أَنْ يَنْطَلِقَ بِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ سَابِقٌ: الْمَوْعِدُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ غَدًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَكَرِهَ سَابِقٌ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ. فَرَجَعَ أَبُو حُمَيْدٍ إِلَى أَبِي الْجَهْمِ، فَأَخْبَرَهُ وَهُوَ فِي عَسْكَرِ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْطُفَ لِلِقَائِهِمْ، فَرَجَعَ أَبُو حُمَيْدٍ مِنَ الْغَدِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَاعَدَ فِيهِ سَابِقًا فَلَقِيَهُ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمْ سَأَلَ أَبُو حُمَيْدٍ مَنِ الْخَلِيفَةُ مِنْهُمْ. فَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: هَذَا إِمَامُكُمْ وَخَلِيفَتُكُمْ. وَأَشَارَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ وَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَ: مُرْنَا بِأَمْرِكَ. وَعَزَّاهُ بِإِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ. ثُمَّ رَجَعَ وَصَحِبَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، رَجُلٌ كَانَ يَخْدِمُ بَنِي الْعَبَّاسِ، إِلَى أَبِي الْجَهْمِ فَأَخْبَرَهُ عَنْ مَنْزِلِهِمْ، وَأَنَّ الْإِمَامَ أَرْسَلَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ يَسْأَلُهُ مِائَةَ دِينَارٍ يُعْطِيهَا الْجَمَّالَ كِرَاءَ الْجِمَالِ الَّتِي حَمَلَتْهُمْ، فَلَمْ يَبْعَثْ بِهَا إِلَيْهِمْ، فَمَشَى أَبُو الْجَهْمِ وَأَبُو حُمَيْدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ إِلَى مُوسَى بْنِ كَعْبٍ، وَقَصُّوا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَبَعَثُوا إِلَى الْإِمَامِ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ. وَاتَّفَقَ رَأْيُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ عَلَى أَنْ يَلْقَوُا الْإِمَامَ، فَمَضَى مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الْجَهْمِ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَسَلَمَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَشَرَاحِيلُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَسَّامٍ، وَأَبُو حُمَيْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ إِلَى الْإِمَامِ أَبِي الْعَبَّاسِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا سَلَمَةَ فَسَأَلَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ دَخَلُوا الْكُوفَةَ فِي حَاجَةٍ لَهُمْ، وَأَتَى الْقَوْمُ أَبَا الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: وَأَيُّكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَارِثِيَّةِ ؟ فَقَالُوا: هَذَا، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ وَعَزَّوْهُ فِي إِبْرَاهِيمَ، وَرَجَعَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الْجَهْمِ، وَأَمَرَ أَبُو الْجَهْمِ الْبَاقِينَ فَتَخَلَّفُوا عِنْدَ الْإِمَامِ. فَأَرْسَلَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَى أَبِي الْجَهْمِ: أَيْنَ كُنْتَ ؟ قَالَ: رَكِبْتُ إِلَى إِمَامِي، فَرَكِبَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَى الْإِمَامِ، فَأَرْسَلَ أَبُو الْجَهْمِ إِلَى أَبِي حُمَيْدٍ: إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ أَتَاكُمْ فَلَا يَدْخُلَنَّ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا وَحْدَهُ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَبُو سَلَمَةَ مَنَعُوهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَدَخَلَ وَحْدَهُ فَسَلَّمَ بِالْخِلَافَةِ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو حُمَيْدٍ: عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ ! فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَهْ ! وَأَمَرَ أَبَا سَلَمَةَ بِالْعَوْدِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَعَادَ. التعريف بأول خلفاء بني العباس وَبُويِعَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ بِالْكُوفَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْأَنْبَارِ فَسَكَنَهَا حَتَّى مَاتَ. وَأُمُّهُ رَائِطَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُدَانِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالشَّرَاةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ، وَاسْتُخْلِفَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ أَوَّلُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْ أَخِيهِ الْمَنْصُورِ. وَكَانَ أَشْعَرَ جَعْدًا طَوِيلًا أَبْيَضَ، أَقْنَى الْأَنْفِ، حَسَنَ الْوَجْهِ وَاللِّحْيَةِ جَعْدَهَا، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: السَّفَّاحُ، وَالْمُرْتَضَى، وَالْقَائِمُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَلَقَّبَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا لُقِّبَ بِالسَّفَّاحِ لِمَا سَفَحَ مِنْ دِمَاءِ الْمُبْطِلِينَ. وَرُفِعَتْ إِلَيْهِ سِعَايَةٌ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا بِنَصِيحَةٍ، فَوَقَّعَ عَلَيْهَا: "تَقَرَّبْتَ إِلَيْنَا بِمَا بَاعَدَكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا ثَوَابَ عِنْدِنَا لِمَنْ آثَرَنَا عَلَيْهِ". وَظَفِرَ بِبُرْدَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَابْتَاعَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَلَمْ يَرْوِ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: "اللَّهُ ثِقَةُ عَبْدِ اللَّهِ". وَكَانَ وَزِيرُهُ أَبُو الْجَهْمِ عَطِيَّةُ بْنُ حَبِيبٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ: أَوَّلُ مَنْ وَزَرَ لِبَنِي الْعَبَّاسِ أَبُو سَلَمَةَ حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْخَلَّالُ، ثُمَّ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ. أول خطبة لأبي العباس السفاح بعد البيعة له أَصْبَحَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَاصْطَفُّوا لِخُرُوجِ أَبِي الْعَبَّاسِ، وَأَتَوْا بِالدَّوَابِّ، فَرَكِبَ بِرْذَوْنًا أَبْلَقَ، وَرَكِبَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَدَخَلُوا دَارَ الْإِمَارَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَخَطَبَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ. ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ حِينَ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فَقَامَ فِي أَعْلَاهُ، وَصَعِدَ عَمُّهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَامَ دُونَهُ، فَتَكَلَّمَ أَبُو الْعَبَّاسِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اصْطَفَى الْإِسْلَامَ لِنَفْسِهِ، وَكَرَّمَهُ، وَشَرَّفَهُ، وَعَظَّمَهُ، وَاخْتَارَهُ لَنَا، فَأَيَّدَهُ بِنَا، وَجَعَلَنَا أَهْلَهُ، وَكَهْفَهُ، وَحِصْنَهُ، وَالْقُوَّامَ بِهِ، وَالذَّابِّينَ عَنْهُ، وَالنَّاصِرِينَ لَهُ، فَأَلْزَمَنَا كَلِمَةَ التَّقْوَى، وَجَعَلَنَا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا، وَخَصَّنَا بِرَحِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَرَابَتِهِ، وَأَنْشَأَنَا مِنْ آبَائِنَا، وَأَنْبَتَنَا مِنْ شَجَرَتِهِ، وَاشْتَقَّنَا مِنْ نَبْعَتِهِ، جَعَلَهُ مِنْ أَنْفُسِنَا عَزِيزًا عَلَيْهِ مَا عَنِتْنَا، حَرِيصًا عَلَيْنَا، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفًا رَحِيمًا، وَوَضَعَنَا مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْمَوْضِعِ الرَّفِيعِ. وَأَنْزَلَ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ كِتَابًا يُتْلَى عَلَيْهِمْ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيمَا أَنْزَلَ مِنْ مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا )، وَقَالَ تَعَالَى: ( قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )، وَقَالَ: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ )، وَقَالَ: ( مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى )، وَقَالَ: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى ). فَأَعْلَمَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَضْلَنَا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ حَقَّنَا وَمَوَدَّتَنَا، وَأَجْزَلَ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبَنَا تَكْرِمَةً لَنَا وَفَضْلًا عَلَيْنَا، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. وَزَعَمَتِ السَّبَئِيَّةُ الضُّلَّالُ أَنَّ غَيْرَنَا أَحَقُّ بِالرِّيَاسَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْخِلَافَةِ مِنَّا، فَشَاهَتْ وُجُوهُهُمْ ! وَلِمَ أَيُّهَا النَّاسُ ؟ ! وَبِنَا هَدَى اللَّهُ النَّاسَ بَعْدَ ضَلَالَتِهِمْ، وَبَصَّرَهُمْ بَعْدَ جَهَالَتِهِمْ، وَأَنْقَذَهُمْ بَعْدَ هَلَكَتِهِمْ، وَأَظْهَرَ بِنَا الْحَقَّ، وَدَحَضَ الْبَاطِلَ، وَأَصْلَحَ بِنَا مِنْهُمْ مَا كَانَ فَاسِدًا، وَرَفَعَ بِنَا الْخَسِيسَةَ، وَتَمَّمَ بِنَا النَّقِيصَةَ، وَجَمَعَ الْفُرْقَةَ حَتَّى عَادَ النَّاسُ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ أَهْلَ التَّعَاطُفِ وَالْبِرِّ وَالْمُوَاسَاةِ فِي دُنْيَاهُمْ، وَإِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ فِي آخِرَتِهِمْ. فَتَحَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنَّةً وَمِنْحَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَصْحَابُهُ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فَحَوَوْا مَوَارِيثَ الْأُمَمِ، فَعَدَلُوا فِيهَا وَوَضَعُوهَا مَوَاضِعَهَا، وَأَعْطَوْهَا أَهْلَهَا، وَخَرَجُوا خِمَاصًا مِنْهَا. ثُمَّ وَثَبَ بَنُو حَرْبٍ وَبَنُو مَرْوَانَ فَابْتَزُّوهَا وَتَدَاوَلُوهَا، فَجَارُوا فِيهَا، وَاسْتَأْثَرُوا بِهَا، وَظَلَمُوا أَهْلَهَا بِمَا أَمْلَى اللَّهُ لَهُمْ حِينًا حَتَّى آسَفُوهُ، فَلَمَّا آسَفُوهُ انْتَقَمَ مِنْهُمْ بِأَيْدِينَا، وَرَدَّ عَلَيْنَا حَقَّنَا، وَتَدَارَكَ بِنَا أُمَّتَنَا، وَوَلِيَ نَصْرَنَا وَالْقِيَامَ بِأَمْرِنَا، لِيَمُنَّ بِنَا عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ، وَخَتَمَ بِنَا كَمَا افْتَتَحَ بِنَا. وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَأْتِيَكُمُ الْجَوْرُ مِنْ حَيْثُ جَاءَكُمُ الْخَيْرُ، وَلَا الْفَسَادُ مِنْ حَيْثُ جَاءَكُمُ الصَّلَاحُ، وَمَا تَوْفِيقُنَا ( أَهْلَ الْبَيْتِ ) إِلَّا بِاللَّهِ. يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَنْتُمْ مَحَلُّ مَحَبَّتِنَا وَمَنْزِلُ مَوَدَّتِنَا، أَنْتُمُ الَّذِينَ لَمْ تَتَغَيَّرُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُثْنِكُمْ عَنْهُ تَحَامُلُ أَهْلِ الْجَوْرِ عَلَيْكُمْ حَتَّى أَدْرَكْتُمْ زَمَانَنَا، وَأَتَاكُمُ اللَّهُ بِدَوْلَتِنَا، فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِنَا، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْنَا، وَقَدْ زِدْتُكُمْ فِي أُعْطِيَّاتِكُمْ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَاسْتَعِدُّوا فَأَنَا السَّفَّاحُ الْمُبِيحُ، وَالثَّائِرُ الْمُبِيرُ. وَكَانَ مَوْعُوكًا فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَعْكُ. فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ. خطبة داود بن علي عم أبي العباس السفاح وَقَامَ عَمُّهُ دَاوُدُ عَلَى مَرَاقِي الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، شُكْرًا لِلَّذِي أَهْلَكَ عَدُوَّنَا، وَأَصَارَ إِلَيْنَا مِيرَاثَنَا مِنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ. أَيُّهَا النَّاسُ ! الْآنَ أَقْشَعَتْ حَنَادِسُ الدُّنْيَا، وَانْكَشَفَ غِطَاؤُهَا، وَأَشْرَقَتْ أَرْضُهَا وَسَمَاؤُهَا، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَطْلَعِهَا، وَبَزَغَ الْقَمَرُ مِنْ مَبْزَغِهِ، وَأَخَذَ الْقَوْسَ بَارِيهَا، وَعَادَ السَّهْمُ إِلَى مَنْزَعِهِ، وَرَجَعَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، أَهْلِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ بِكُمْ، وَالْعَطْفِ عَلَيْكُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ ! إِنَّا وَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا فِي طَلَبِ هَذَا الْأَمْرِ لِنُكْثِرَ لُجَيْنًا، وَلَا عِقْيَانًا، وَلَا نَحْفِرُ نَهْرًا، وَلَا نَبْنِيَ قَصْرًا، وَإِنَّمَا أَخْرَجَتْنَا الْأَنَفَةُ مِنَ ابْتِزَازِهِمْ حَقَّنَا، وَالْغَضَبُ لِبَنِي عَمِّنَا، وَمَا كَرِهْنَا مِنْ أُمُورِكُمْ، فَلَقَدْ كَانَتْ أُمُورُكُمْ تُرْمِضُنَا وَنَحْنُ عَلَى فُرُشِنَا، وَيَشْتَدُّ عَلَيْنَا سُوءُ سِيرَةِ بَنِي أُمَيَّةَ فِيكُمْ، وَاسْتِنْزَالُهُمْ لَكُمْ، وَاسْتِئْثَارُهُمْ بِفَيْئِكُمْ وَصَدَقَاتِكُمْ وَمَغَانِمِكُمْ عَلَيْكُمْ. لَكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ وَذِمَّةُ الْعَبَّاسِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَيْنَا أَنْ نَحْكُمَ فِيكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وَنَعْمَلَ فِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَنَسِيرَ فِي الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. تَبًّا تَبًّا لِبَنِي حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَبَنِي مَرْوَانَ ! آثَرُوا فِي مُدَّتِهِمُ الْعَاجِلَةَ عَلَى الْآجِلَةِ، وَالدَّارَ الْفَانِيَةَ عَلَى الدَّارِ الْبَاقِيَةِ، فَرَكِبُوا الْآثَامَ، وَظَلَمُوا الْأَنَامَ، وَانْتَهَكُوا الْمَحَارِمَ، وَغَشُوا بِالْجَرَائِمِ، وَجَارُوا فِي سِيرَتِهِمْ فِي الْعِبَادِ، وَسُنَّتِهِمْ فِي الْبِلَادِ، وَمَرِحُوا فِي أَعِنَّةِ الْمَعَاصِي، وَرَكَضُوا فِي مَيْدَانِ الْغَيِّ جَهْلًا بِاسْتِدْرَاجِ اللَّهِ، وَأَمْنًا لِمَكْرِ اللَّهِ، فَأَتَاهُمْ بَأْسُ اللَّهِ بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ، فَأَصْبَحُوا أَحَادِيثَ، وَمُزِّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَأَدَالَنَا اللَّهُ مِنْ مَرْوَانَ، وَقَدْ غَرَّهُ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، وَأَرْسَلَ لِعَدُوِّ اللَّهِ فِي عِنَانِهِ حَتَّى عَثَرَ فِي فَضْلِ خِطَامِهِ، أَظَنَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى حِزْبَهُ، وَجَمَعَ مَكَايِدَهُ وَرَمَى بِكَتَائِبِهِ، فَوَجَدَ أَمَامَهُ وَوَرَاءَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَبَأْسِهِ وَنِقْمَتِهِ مَا أَمَاتَ بَاطِلَهُ، وَمَحَا ضَلَالَهُ. وَجَعَلَ دَائِرَةَ السَّوْءِ بِهِ، وَأَحْيَا شَرَفَنَا وَعِزَّنَا وَرَدَّ إِلَيْنَا حَقَّنَا وَإِرْثَنَا. أَيُّهَا النَّاسُ ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَصَرَهُ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا، إِنَّمَا عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ كَارِهٌ أَنْ يَخْلِطَ بِكَلَامِ الْجُمْعَةِ غَيْرَهُ، وَإِنَّمَا قَطَعَهُ عَنِ اسْتِتْمَامِ الْكَلَامِ شِدَّةُ الْوَعْكِ، فَادْعُوا اللَّهَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَافِيَةِ، فَقَدْ بَدَّلَكُمُ اللَّهُ بِمَرْوَانَ عَدُوِّ الرَّحْمَنِ وَخَلِيفَةِ الشَّيْطَانِ، الْمُتَّبِعِ السَّفَلَةَ الَّذِينَ أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا بِإِبْدَالِ الدِّينِ وَانْتِهَاكِ حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ، الشَّابَّ الْمُتَكَهِّلَ الْمُتَمَهِّلَ الْمُقْتَدِيَ بِسَلَفِهِ الْأَبْرَارِ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ أَصْلَحُوا الْأَرْضَ بَعْدَ فَسَادِهَا بِمَعَالِمِ الْهُدَى وَمَنَاهِجِ التَّقْوَى. فَعَجَّ النَّاسُ لَهُ بِالدُّعَاءِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ ! إِنَّا وَاللَّهِ مَا زِلْنَا مَظْلُومِينَ مَقْهُورِينَ عَلَى حَقِّنَا، حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ شِيعَتَنَا أَهْلَ خُرَاسَانَ، فَأَحْيَا بِهِمْ حَقَّنَا، وَأَبْلَجَ بِهِمْ حُجَّتَنَا، وَأَظْهَرَ بِهِمْ دَوْلَتَنَا، وَأَرَاكُمُ اللَّهُ بِهِمْ مَا لَسْتُمْ تَنْتَظِرُونَ، فَأَظْهَرَ فِيكُمُ الْخَلِيفَةَ مِنْ هَاشِمٍ، وَبَيَّضَ بِهِ وُجُوهَكُمْ، وَأَدَالَكُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَنَقَلَ إِلَيْكُمُ السُّلْطَانَ، وَأَعَزَّ الْإِسْلَامَ، وَمَنَّ عَلَيْكُمْ بِإِمَامٍ مَنَحَهُ الْعَدَالَةَ، وَأَعْطَاهُ حُسْنَ الْإِيَالَةِ، فَخُذُوا مَا آتَاكُمُ اللَّهُ بِشُكْرٍ، وَالْزَمُوا طَاعَتَنَا، وَلَا تُخْدَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّ الْأَمْرَ أَمْرُكُمْ، وَإِنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ مِصْرًا وَإِنَّكُمْ مِصْرُنَا. أَلَا وَإِنَّهُ مَا صَعِدَ مِنْبَرَكُمْ هَذَا خَلِيفَةٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ. وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِينَا لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنَّا حَتَّى نُسَلِّمَهُ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَبْلَانَا وَأَوْلَانَا. ثُمَّ نَزَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ أَمَامَهُ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ وَأَجْلَسَ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ الْمَنْصُورَ يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ عَلَى النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمْ يَزَلْ يَأْخُذُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى صَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ، وَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ، فَدَخَلَ. وَقِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا تَكَلَّمَ قَالَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلِيفَةٌ إِلَّا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي خَلْفِي. ثُمَّ نَزَلَا خروج أبي العباس إلى العسكر ومكوثه أشهرا قبل الانتقال إلى قصر الإمارة وَخَرَجَ أَبُو الْعَبَّاسِ يُعَسْكِرُ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ فِي عَسْكَرِ أَبِي سَلَمَةَ، وَنَزَلَ مَعَهُ فِي حُجْرَتِهِ بَيْنَهُمَا سِتْرٌ، وَحَاجِبُ السَّفَّاحِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَسَّامٍ. وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا عَمَّهُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَبَعَثَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى أَبِي عَوْنِ بْنِ يَزِيدَ بِشَهْرَزُورَ، وَبَعَثَ ابْنَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى إِلَى الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُحَاصِرُ ابْنَ هُبَيْرَةَ بِوَاسِطٍ، وَبَعَثَ يَحْيَى بْنَ جَعْفَرِ بْنِ تَمَّامِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ بِالْمَدَائِنِ. وَبَعَثَ أَبَا الْيَقْظَانِ عُثْمَانَ بْنَ عُرْوَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ إِلَى بَسَّامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّامٍ بِالْأَهْوَازِ، وَبَعَثَ سَلَمَةَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ إِلَى مَالِكِ بْنِ الطَّوَّافِ. وَأَقَامَ السَّفَّاحُ بِالْعَسْكَرِ أَشْهُرًا، ثُمَّ ارْتَحَلَ فَنَزَلَ الْمَدِينَةَ الْهَاشِمِيَّةَ بِقَصْرِ الْإِمَارَةِ، وَكَانَ تَنَكَّرَ لِأَبِي سَلَمَةَ قَبْلَ تَحَوُّلِهِ حَتَّى عَرَفَ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ وَابْنَهُ مُوسَى لَمْ يَكُونَا بِالشَّامِ عِنْدَ مَسِيرِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى الْعِرَاقِ، إِنَّمَا كَانَا بِالْعِرَاقِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَخَرَجَا يُرِيدَانِ الشَّامَ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَسَأَلَهُمْ دَاوُدُ عَنْ خَبَرِهِمْ، فَقَصَّ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ قِصَّتَهُمْ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ لِيَظْهَرُوا بِهَا وَيُظْهِرُوا أَمْرَهُمْ. فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ تَأْتِي الْكُوفَةَ وَشَيْخُ بَنِي أُمَيَّةَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ بِحَرَّانَ مُطِلٌّ عَلَى الْعِرَاقِ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَشَيْخُ الْعَرَبِ يَزِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ بِالْعِرَاقِ فِي جُنْدِ الْعَرَبِ ! وَقَالَ: يَا عَمِّي مَنْ أَحَبَّ الْحَيَاةَ ذَلَّ، ثُمَّ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الْأَعْشَى: فَمَا مِيتَةٌ إِنْ مُتُّهَا غَيْرَ عَاجِزٍ بِعَارٍ إِذَا مَا غَالَتِ النَّفْسَ غُولُهَا. فَالْتَفَتَ دَاوُدُ إِلَى ابْنِهِ مُوسَى، فَقَالَ: صَدَقَ وَاللَّهِ ابْنُ عَمِّكَ، فَارْجِعْ بِنَا مَعَهُ نَعِشْ أَعِزَّاءَ أَوْ نَمُتْ كُرَمَاءَ. فَرَجَعُوا جَمِيعًا. فَكَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى يَقُولُ إِذَا ذَكَرَ خُرُوجَهُمْ مِنَ الْحُمَيْمَةِ يُرِيدُونَ الْكُوفَةَ: إِنَّ نَفَرًا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا خَرَجُوا مِنْ دَارِهِمْ وَأَهْلِهِمْ يَطْلُبُونَ مَا طَلَبْنَا لَعَظِيمَةٌ هِمَّتُهُمْ، كَبِيرَةٌ أَنْفُسُهُمْ، شَدِيدَةٌ قُلُوبُهُمْ. بعض من سياسة أمير المؤمنين أبي العباس السفاح ثُمَّ اسْتَعْمَلَ السَّفَّاحُ عَلَى الْكُوفَةِ عَمَّهُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعَلَى وَاسِطَ أَخَاهُ جَعْفَرًا وَحَضَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَذَكَرُوا جَمْعَ الْمَالِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ: سَمِعْتُ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمَا رَأَيْتُهَا مُجْتَمِعَةً، فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فَأَنَا أَصِلُكَ بِهَا حَتَّى تَرَاهَا مُجْتَمِعَةً، فَلَمَّا قَبَضَ الْمَالَ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَذِنَ لَهُ وَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا لِيَقْسِمَهُ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَسَمَهُ أَخَذُوا يَشْكُرُونَ أَبَا الْعَبَّاسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَؤُلَاءِ أَحْمَقُ النَّاسِ، يَشْكُرُونَ مَنْ أَعْطَاهُمْ بَعْضَ حَقِّهِمْ. فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ أَهْلَهُ، فَقَالُوا: أَدِّبْهُ، فَقَالَ: مَنْ شَدَّدَ أَنْفَرَ، وَمَنْ تَرَاخَى أُلِفَ، وَالْعَفْوُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، وَالتَّغَافُلُ مِنْ فِعْلِ الْكِرَامِ. قَالَ: أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ الْبَاهِلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ حَضَرَ مَجْلِسَ السَّفَّاحِ وَهُوَ أَحْشَدُ مَا كَانَ بِبَنِي هَاشِمٍ وَالشِّيعَةِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ وَمَعَهُ مُصْحَفٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَعْطِنَا حَقَّنَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَنَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ، قَالَ: فَأَشْفَقَ النَّاسُ [مِنْ] أَنْ يُعَجِّلَ السَّفَّاحُ بِشَيْءٍ إِلَيْهِ، وَلَا يُرِيدُونَ ذَلِكَ فِي شَيْخِ بَنِي هَاشِمٍ فِي وَقْتِهِ، أَوْ يَعْيَى بِجَوَابِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَارًا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ غَيْرَ مُغْضَبٍ وَلَا مُزْعَجٍ، فَقَالَ: إِنَّ جَدَّكَ عَلِيًّا -وَكَانَ خَيْرًا مِنِّي وَأَعْدَلَ- وَلِيَ هَذَا الْأَمْرُ فَمَا أَعْطَى جَدَّيْكَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ -وَكَانَا خَيْرًا مِنْكَ- شَيْئًا، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَهُ، فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ فَقَدْ أَنْصَفْتُكَ، وَإِنْ كُنْتُ زِدْتَكَ فَمَا هَذَا جَزَائِي مِنْكَ، قَالَ: فَمَا رَدَّ عَبْدُ اللَّهِ جَوَابًا، وَانْصَرَفَ النَّاسُ يَعْجَبُونَ مِنْ جَوَابِهِ لَهُ. وَكَتَبَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى خَالِهِ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ: قَرِّبْنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحِفْظِ جِيرَانِهِ، وَإِكْرَامِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَا تُسَلِّطْ هَوَاكَ فِيمَا وَجَبَ إِسْخَاطِي؛ فَإِنَّ اللَّهَ شَاهِدِي وَأَنْتَ الْمَأْخُوذُ بِالتَّقْصِيرِ. وَكَتَبَ إِلَى دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ: أَمَّا بَعْدُ، فَهَذِهِ سَنَةٌ طُمِسَ فِيهَا عُيُونُ الْجَوْرِ، وَأُخْمِدَ نِيرَانُ الظُّلْمِ، وَأَبَادَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ، فَهُنَّ زُوَّارُ بَيْتِ اللَّهِ بِنَصْرِ أَوْلِيَائِهِ، وَخِذْلَانِ أَعْدَائِهِ لِيَحْمَدُوهُ عَلَى ذَلِكَ.
التاريخ 2681لا حكم مسجّل
ذِكْرُ هَزِيمَةِ مَرْوَانَ بِالزَّابِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنْ قَحْطَبَةَ أَرْسَلَ أَبَا عَوْنٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَزِيدَ الْأَزْدِيَّ إِلَى شَهْرَزُورَ، وَأَنَّهُ قَتَلَ عُثْمَانَ بْنَ سُفْيَانَ، وَأَقَامَ بِنَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ، وَأَنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ سَارَ إِلَيْهِ مِنْ حَرَّانَ حَتَّى بَلَغَ الزَّابَ، وَحَفَرَ خَنْدَقًا، وَكَانَ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، وَسَارَ أَبُو عَوْنٍ إِلَى الزَّابِ، فَوَجَّهَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَى أَبِي عَوْنٍ عُيَيْنَةَ بْنَ مُوسَى، وَالْمِنْهَالَ بْنَ فَتَّانٍ، وَإِسْحَاقَ بْنَ طَلْحَةَ، كُلُّ وَاحِدٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. فَلَمَّا ظَهَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ بَعَثَ سَلَمَةَ بْنَ مُحَمَّدٍ فِي أَلْفَيْنِ، وَعَبْدَ اللَّهِ الطَّائِيَّ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَعَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ رِبْعِيٍّ الطَّائِيَّ فِي أَلْفَيْنِ، وَوِدَاسَ بْنَ نَضْلَةَ فِي خَمْسِمِائَةٍ إِلَى أَبِي عَوْنٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَسِيرُ إِلَى مَرْوَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ: أَنَا. فَسَيَّرَهُ إِلَى أَبِي عَوْنٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَتَحَوَّلَ أَبُو عَوْنٍ عَنْ سُرَادِقِهِ، وَخَلَّاهُ لَهُ وَمَا فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَخَاضَةٍ فَدُلَّ عَلَيْهَا بِالزَّابِ، فَأَمَرَ عُيَيْنَةَ بْنَ مُوسَى، فَعَبَرَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، فَانْتَهَى إِلَى عَسْكَرِ مَرْوَانَ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَمْسَوْا، وَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ. وَأَصْبَحَ مَرْوَانُ فَعَقَدَ الْجِسْرَ وَعَبَرَ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُ وُزَرَاؤُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَسَيَّرَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، فَنَزَلَ أَسْفَلَ مِنْ عَسْكَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُخَارِقَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ نَحْوَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ، فَسَرَّحَ إِلَيْهِ ابْنُ مَرْوَانَ الْوَلِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَالْتَقَيَا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْمُخَارِقِ، وَثَبَتَ هُوَ، فَأُسِرَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى مَرْوَانَ مَعَ رُءُوسِ الْقَتْلَى. فَقَالَ مَرْوَانُ: أَدْخِلُوا عَلَيَّ رَجُلًا مِنَ الْأَسْرَى. فَأَتَوْهُ بِالْمُخَارِقِ، وَكَانَ نَحِيفًا. فَقَالَ: أَنْتَ الْمُخَارِقُ ؟ قَالَ: لَا، أَنَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ. قَالَ: فَتَعْرِفُ الْمُخَارِقَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَانْظُرْ هَلْ تَرَاهُ فِي هَذِهِ الرُّءُوسِ. فَنَظَرَ إِلَى رَأْسٍ مِنْهَا فَقَالَ: هُوَ هَذَا. فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مَعَ مَرْوَانَ حِينَ نَظَرَ الْمُخَارِقَ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ: لَعَنَ اللَّهُ أَبَا مُسْلِمٍ حِينَ جَاءَنَا بِهَؤُلَاءِ يُقَاتِلُنَا بِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخَارِقَ لَمَّا نَظَرَ إِلَى الرُّءُوسِ قَالَ: مَا أَرَى رَأْسَهُ فِيهَا وَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ ذَهَبَ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ أَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِ الْمُنْهَزِمِينَ مَنْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ دُخُولِ الْعَسْكَرِ لِئَلَّا يُنْكِرَ قَوْمُهُمْ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَبُو عَوْنٍ أَنْ يُبَادِرَ مَرْوَانَ بِالْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ أَمْرُ الْمُخَارِقِ، فَيَفُتَّ ذَلِكَ فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، فَنَادَى فِيهِمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ وَالْخُرُوجِ إِلَى الْحَرْبِ، فَرَكِبُوا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَسْكَرِهِ مُحَمَّدَ بْنَ صُولٍ، وَسَارَ نَحْوَ مَرْوَانَ، وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبَا عَوْنٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْوَلِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ عَسْكَرُهُ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، ( وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ). فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ قَالَ مَرْوَانُ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنْ زَالَتِ الْيَوْمَ الشَّمْسُ وَلَمْ يُقَاتِلُونَا كُنَّا الَّذِينَ نَدْفَعُهَا إِلَى الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَإِنْ قَاتَلُونَا فَأَقْبَلَ الزَّوَالُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَأَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُهُ الْمُوَادَعَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَذَبَ ابْنُ زُرَيْقٍ، لَا تَزُولُ الشَّمْسُ حَتَّى أُوَطِّئَهُ الْخَيْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ مَرْوَانُ لِأَهْلِ الشَّامِ: قِفُوا لَا نَبْدؤُهُمْ بِالْقِتَالِ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الشَّمْسِ، فَحَمَلَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ خَتْنُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى ابْنَتِهِ، فَغَضِبَ وَشَتَمَهُ، وَقَاتَلَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبَا عَوْنٍ، فَانْحَازَ أَبُو عَوْنٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ لِمُوسَى بْنِ كَعْبٍ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مُرِ النَّاسَ فَلْيَنْزِلُوا. فَنُودِيَ: الْأَرْضَ، فَنَزَلَ النَّاسُ وَأَشْرَعُوا الرِّمَاحَ وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ فَقَاتَلُوهُمْ، وَجَعَلَ أَهْلُ الشَّامِ يَتَأَخَّرُونَ كَأَنَّهُمْ يُدْفَعُونَ. وَمَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ قُدُمًا وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ حَتَّى مَتَى نُقْتَلُ فِيكَ ؟ وَنَادَى: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ ! يَا لَثَارَاتِ إِبْرَاهِيمَ ! يَا مُحَمَّدُ ! يَا مَنْصُورُ ! وَاشْتَدَّ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ. فَقَالَ مَرْوَانُ لِقُضَاعَةَ: انْزِلُوا. فَقَالُوا: قُلْ لِبَنِي سُلَيْمٍ فَلْيَنْزِلُوا. فَأَرْسَلَ إِلَى السَّكَاسِكِ أَنِ احْمِلُوا، فَقَالُوا: قُلْ لِبَنِي عَامِرٍ فَلْيَحْمِلُوا. فَأَرْسَلَ إِلَى السَّكُونِ أَنِ احْمِلُوا، فَقَالُوا: قُلْ لِغَطَفَانَ فَلْيَحْمِلُوا. فَقَالَ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْزِلْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأَجْعَلَ نَفْسِي عَرَضًا. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَسُوءَنَّكَ ! فَقَالَ: وَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّكَ قَدَرْتَ عَلَى ذَلِكَ. وَكَانَ مَرْوَانُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَا يُدَبِّرُ شَيْئًا إِلَّا كَانَ فِيهِ الْخَلَلُ، فَأَمَرَ بِالْأَمْوَالِ فَأُخْرِجَتْ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: اصْبِرُوا وَقَاتِلُوا فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ لَكُمْ. فَجَعَلَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ يُصِيبُونَ مِنْ ذَلِكَ، ( فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ مَالُوا عَلَى هَذَا الْمَالِ وَلَا نَأْمَنُهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا بِهِ. فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ سِرْ فِي أَصْحَابِكَ إِلَى مُؤَخَّرِ عَسْكَرِكَ فَاقْتُلْ مَنْ أَخَذَ مِنَ ) الْمَالِ وَامْنَعْهُمْ. فَمَالَ عَبْدُ اللَّهِ بِرَايَتِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَقَالَ النَّاسُ: الْهَزِيمَةُ الْهَزِيمَةُ ! فَانْهَزَمَ مَرْوَانُ وَانْهَزَمُوا، وَقُطِعَ الْجِسْرُ، وَكَانَ مَنْ غَرِقَ يَوْمَئِذٍ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ. فَكَانَ مِمَّنْ غَرِقَ يَوْمَئِذٍ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ الْمَخْلُوعِ، فَاسْتَخْرَجُوهُ فِي الْغَرْقَى، فَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ). وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِالشَّامِ. وَقُتِلَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ سَعِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بِالشَّامِ. وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فِي عَسْكَرِهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ يُعَيِّرُ مَرْوَانَ: لَجَّ الْفِرَارُ بِمَرْوَانَ فَقُلْتُ لَهُ عَادَ الظَّلُومُ ظَلِيمًا هَمُّهُ الْهَرَبُ أَيْنَ الْفِرَارُ وَتَرْكُ الْمُلْكِ إِذْ ذَهَبَتْ عَنْكَ الْهُوَيْنَا فَلَا دِينٌ وَلَا حَسَبُ فَرَاشَةُ الْحِلْمِ، فِرْعَوْنُ الْعِقَابِ وَإِنْ تَطْلُبْ نَدَاهُ فَكَلْبٌ دُونَهُ كَلِبُ. وَكَتَبَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى السَّفَّاحِ بِالْفَتْحِ، وَحَوَى عَسْكَرَ مَرْوَانَ بِمَا فِيهِ، فَوَجَدَ سِلَاحًا كَثِيرًا وَأَمْوَالًا، وَلَمْ يَجِدْ فِيهِ امْرَأَةً إِلَّا جَارِيَةً كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ. فَلَمَّا أَتَى الْكِتَابُ السَّفَّاحَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَأَمَرَ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ بِخَمْسِمِائَةِ خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَرَفَعَ أَرْزَاقَهُمْ إِلَى ثَمَانِينَ. وَكَانَتْ هَزِيمَةُ مَرْوَانَ بِالزَّابِ يَوْمَ السَّبْتِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ مَعَهُ يَحْيَى بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ إِلَى الْقِتَالِ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فَتًى عَلَيْهِ أُبَّهَةُ الشَّرَفِ يُقَاتِلُ مُسْتَقْتِلًا فَنَادَاهُ: يَا فَتًى لَكَ الْأَمَانُ وَلَوْ كَنْتَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ ! فَقَالَ: إِنْ لَمْ أَكُنْهُ فَلَسْتُ بِدُونِهِ. قَالَ: فَلَكَ الْأَمَانُ، وَلَوْ كُنْتَ مَنْ كُنْتَ. فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: أَذَلُّ الْحَيَاةِ وَكُرْهُ الْمَمَاتِ وَكُلًّا أُرَاهُ طَعَامًا وَبِيلًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ إِحْدَاهُمَا فَسَيْرٌ إِلَى الْمَوْتِ سَيْرًا جَمِيلًا ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَإِذَا هُوَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.
التاريخ 2682لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامِ قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ حَبْسِهِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَوْتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ حَبَسَهُ بِحَرَّانَ، وَحَبَسَ سَعِيدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنَيْهِ عُثْمَانَ وَمَرْوَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيَّ، هَلَكَ مِنْهُمْ فِي وَبَاءٍ وَقَعَ بِحَرَّانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ هَزِيمَةِ مَرْوَانَ مِنَ الزَّابِ بِجُمْعَةٍ خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ وَابْنُ عَمِّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ، فَقَتَلُوا صَاحِبَ السِّجْنِ وَخَرَجُوا، فَقَتَلَهُمْ أَهْلُ حَرَّانَ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْغَوْغَاءِ، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ حَرَّانَ شَرَاحِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرٍ التَّغْلِبِيُّ، وَبِطْرِيقُ إِرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ وَاسْمُهُ كُوشَانُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ فِي الْحَبْسِ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِيمَنْ خَرَجَ، وَمَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَحِلُّوا الْخُرُوجَ مِنَ الْحَبْسِ، فَقَدِمَ مَرْوَانُ مُنْهَزِمًا مِنَ الزَّابِ، فَجَاءَ فَخَلَّى عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ هَدَمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَيْتًا فَقَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ شَرَاحِيلَ بْنَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ مَحْبُوسًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ فَكَانَا يَتَزَاوَرَانِ، فَصَارَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ، فَأَتَى رَسُولٌ مِنْ شَرَاحِيلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَوْمًا بِلَبَنٍ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ أَخُوكَ إِنِّي شَرِبْتُ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَاسْتَطَبْتُهُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ فَتَكَسَّرَ جَسَدُهُ مِنْ سَاعَتِهِ. وَكَانَ يَوْمًا يَزُورُ فِيهِ شَرَاحِيلَ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ شَرَاحِيلُ: إِنَّكَ قَدْ أَبْطَأْتَ فَمَا حَبَسَكَ ؟ فَأَعَادَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي لَمَّا شَرِبْتُ اللَّبَنَ الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ قَدْ أَسْهَلَنِي. فَأَتَاهُ شَرَاحِيلُ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا شَرِبْتُ الْيَوْمَ لَبَنًا، وَلَا أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَيْكَ ! فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! احْتِيلَ وَاللَّهِ عَلَيْكَ. فَبَاتَ إِبْرَاهِيمُ لَيْلَتَهُ وَأَصْبَحَ مَيِّتًا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرِمَةَ يَرْثِيهِ: قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُنِي جَلْدًا فَضَعْضَعَنِي قَبْرٌ بِحَرَّانَ فِيهِ عِصْمَةُ الدِّينِ فِيهِ الْإِمَامُ وَخَيْرُ النَّاسِ كُلِّهُمُ بَيْنَ الصَّفَائِحِ وَالْأَحْجَارِ وَالطِّينِ فِيهِ الْإِمَامُ الَّذِي عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ وَعَيَّلَتْ كُلَّ ذِي مَالٍ وَمِسْكِينِ فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْ مَرْوَانَ مَظْلَمَةً لَكِنْ عَفَا اللَّهُ عَمَّنْ قَالَ آمِينِ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَيِّرًا فَاضِلًا كَرِيمًا، قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَرَّةً فَفَرَّقَ فِي أَهْلِهَا مَالًا جَلِيلًا، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَبَعَثَ إِلَى جَمَاعَةِ الْعَلَوِيِّينَ بِمَالٍ كَثِيرٍ. فَأَتَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ صَغِيرٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. فَبَكَى حَتَّى بَلَّ رِدَاءَهُ وَأَمَرَ وَكِيلَهُ بِإِحْضَارِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ، فَأَحْضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ آخَرُ لَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ. وَسَيَّرَ مَعَهُ بَعْضَ مَوَالِيهِ إِلَى أُمِّهِ رَيْطَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِالْحَنَفِيَّةِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهَا. ( وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ بَرْبَرِيَّةٌ اسْمُهَا سَلْمَى ). وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُ قَتْلِهِ عَلَى هَزِيمَةِ مَرْوَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ لِتَتْبَعَ الْحَادِثَةُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
التاريخ 2683لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ بِبُوصِيرَ، مِنْ أَعْمَالِ مِصْرَ، لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ مَرْوَانُ لَمَّا هَزَمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِالزَّابِ أَتَى مَدِينَةَ الْمَوْصِلِ وَعَلَيْهَا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو التَّغْلِبِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيُّ فَقَطَعَا الْجِسْرَ، فَنَادَاهُمْ أَهْلُ الشَّامِ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَرْوَانُ ! فَقَالُوا: كَذَبْتُمْ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَفِرُّ ! وَسَبَّهُ أَهْلُ الْمَوْصِلِ، وَقَالُوا: يَا جَعْدِيُّ ! يَا مُعَطِّلُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَزَالَ سُلْطَانَكُمْ وَذَهَبَ بِدَوْلَتِكُمْ ! الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَتَانَا بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا ! فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى بَلَدٍ فَعَبَرَ دِجْلَةَ وَأَتَى حَرَّانَ، وَبِهَا ابْنُ أَخِيهِ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَامِلُهُ عَلَيْهَا، فَأَقَامَ بِهَا نَيِّفًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَدَخَلَهَا وَعَزَلَ عَنْهَا هِشَامًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ صُولٍ، ثُمَّ سَارَ فِي أَثَرِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ حَمَلَ مَرْوَانُ أَهْلَهُ وَعِيَالَهُ وَمَضَى مُنْهَزِمًا، وَخَلَّفَ بِمَدِينَةِ حَرَّانَ ابْنَ أَخِيهِ أَبَانَ بْنَ يَزِيدَ، وَتَحْتَهُ أُمُّ عُثْمَانَ ابْنَةُ مَرْوَانَ. وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ حَرَّانَ، فَلَقِيَهُ أَبَانٌ مُسَوِّدًا مُبَايِعًا لَهُ، فَبَايَعَهُ وَدَخَلَ فِي طَاعَتِهِ، فَآمَنَهُ وَمَنْ كَانَ بِحَرَّانَ وَالْجَزِيرَةِ. وَمَضَى مَرْوَانُ إِلَى حِمْصَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَأَقَامَ بِهَا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمَّ سَارَ مِنْهَا. فَلَمَّا رَأَوْا قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ طَمِعُوا فِيهِ، وَقَالُوا: مَرْعُوبٌ مُنْهَزِمٌ، فَاتَّبَعُوهُ بَعْدَمَا رَحَلَ عَنْهُمْ فَلَحِقُوهُ عَلَى أَمْيَالٍ. فَلَمَّا رَأَى غَبَرَةَ الْخَيْلِ كَمَّنَ لَهُمْ، فَلَمَّا جَاوَزُوا الْكَمِينَ صَافَّهُمْ مَرْوَانُ فِيمَنْ مَعَهُ وَنَاشَدَهُمْ، فَأَبَوْا إِلَّا قِتَالَهُ، فَقَاتَلَهُمْ وَأَتَاهُمُ الْكَمِينُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ حِمْصَ وَقُتِلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى قُرَيْبِ الْمَدِينَةِ. وَأَتَى مَرْوَانُ دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ مَرْوَانَ، فَخَلَّفَهُ بِهَا وَقَالَ: قَاتِلْهُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ أَهْلُ الشَّامِ. وَمَضَى مَرْوَانُ حَتَّى أَتَى فِلَسْطِينَ فَنَزَلَ نَهْرَ أَبِي فُطْرُسٍ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى فِلَسْطِينَ الْحَكَمُ بْنُ ضَبْعَانَ الْجُذَامِيُّ، فَأَرْسَلَ مَرْوَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيِّ فَأَجَارَهُ، وَكَانَ بَيْتُ الْمَالِ فِي يَدِ الْحَكَمِ. وَكَانَ السَّفَّاحُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ بِاتِّبَاعِ مَرْوَانَ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ، فَتَلَقَّاهُ مَنْ بِهَا مُسَوِّدِينَ وَفَتَحُوا لَهُ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ، فَتَلَّقَاهُ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ مُسَوِّدًا، كَمَا تَقَدَّمَ، فَآمَنَهُ وَهَدَمَ عَبْدُ اللَّهِ الدَّارَ الَّتِي حُبِسَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ. ثُمَّ سَارَ مِنْ حَرَّانَ إِلَى مَنْبِجَ، وَقَدْ سَوَّدُوا، فَأَقَامَ بِهَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ قِنَّسْرِينَ بِبَيْعَتِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ أَرْسَلَهُ السَّفَّاحُ مَدَدًا لَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسَارَ بَعْدَ قُدُومِ عَبْدِ الصَّمَدِ بِيَوْمَيْنِ إِلَى قِنَّسْرِينَ، وَكَانُوا قَدْ سَوَّدُوا، ( فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ )، ثُمَّ سَارَ إِلَى حِمْصَ وَبَايَعَ أَهْلَهَا وَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَعْلَبَكَّ، فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ مِزَّةَ دِمَشْقَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْغُوطَةِ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ مَدَدًا، فَنَزَلَ مَرْجَ عَذْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ فَنَزَلَ عَلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَنَزَلَ صَالِحٌ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، وَنَزَلَ أَبُو عَوْنٍ عَلَى بَابِ كَيْسَانَ، وَنَزَلَ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى بَابِ الصَّغِيرِ، وَنَزَلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَلَى بَابِ تُوَمَا، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، وَيَحْيَى بْنُ صَفْوَانَ وَالْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ عَلَى بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَفِي دِمَشْقَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَحَصَرُوهُ وَدَخَلُوهَا عَنْوَةً يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ سُورَ الْمَدِينَةِ مِنْ بَابٍ شَرْقِيٍّ عَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ، وَمِنْ نَاحِيَةِ بَابِ الصَّغِيرِ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَاتَلُوا بِهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَقُتِلَ الْوَلِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِيمَنْ قُتِلَ. وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ فِي دِمَشْقَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ فِلَسْطِينَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُ الْأُرْدُنِّ وَقَدْ سَوَّدُوا، وَأَتَى نَهْرَ أَبِي فُطْرُسٍ وَقَدْ ذَهَبَ مَرْوَانُ، فَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بِفِلَسْطِينَ، وَنَزَلَ بِالْمَدِينَةِ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ، فَأَتَاهُ كِتَابُ السَّفَّاحِ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ فِي طَلَبِ مَرْوَانَ. فَسَارَ صَالِحٌ مِنْ نَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَمَعَهُ ابْنُ فَتَّانٍ، وَعَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، فَقَدَّمَ صَالِحٌ أَبَا عَوْنٍ، وَعَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا الْعَرِيشَ. فَأَحْرَقَ مَرْوَانُ مَا كَانَ حَوْلَهُ مِنْ عَلَفٍ وَطَعَامٍ. وَسَارَ صَالِحٌ فَنَزَلَ النِّيلَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى الصَّعِيدَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ خَيْلًا لِمَرْوَانَ يُحْرِقُونَ الْأَعْلَافَ فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ فَأُخِذُوا، وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى صَالِحٍ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ، وَسَارَ فَنَزَلَ مَوْضِعًا يُقَالُ لَهُ ذَاتُ السَّلَاسِلِ. وَقَدَّمَ أَبُو عَوْنٍ عَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْحَارِثِيَّ، وَشُعْبَةَ بْنَ كَثِيرٍ الْمَازِنِيَّ فِي خَيْلِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، فَلَقُوا خَيْلًا لِمَرْوَانَ، فَهَزَمُوهُمْ وَأَسَرُوا مِنْهُمْ رِجَالًا، فَقَتَلُوا بَعْضًا وَاسْتَحْيَوْا بَعْضًا، فَسَأَلُوهُمْ عَنْ مَرْوَانَ فَأَخْبَرُوهُمْ بِمَكَانِهِ عَلَى أَنْ يُؤَمِّنُوهُمْ. وَسَارُوا فَوَجَدُوهُ نَازِلًا فِي كَنِيسَةٍ فِي بُوصِيرَ، فَوَافَوْهُ لَيْلًا، وَكَانَ أَصْحَابُ أَبِي عَوْنٍ قَلِيلِينَ، فَقَالَ لَهُمْ عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: إِنْ أَصْبَحْنَا وَرَأَوْا قِلَّتَنَا أَهْلَكُونَا وَلَمْ يَنْجُ مِنَّا أَحَدٌ. وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ وَفَعَلَ أَصْحَابُهُ مِثْلَهُ، وَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ مَرْوَانَ فَانْهَزَمُوا، وَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى مَرْوَانَ فَطَعَنَهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَصَاحَ صَائِحٌ: صُرِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ! فَابْتَدَرُوهُ فَسَبَقَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَانَ يَبِيعُ الرُّمَّانَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَأَخَذَهُ عَامِرٌ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عَوْنٍ، وَبَعَثَهُ أَبُو عَوْنٍ إِلَى صَالِحٍ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَمَرَ أَنْ يُقَصَّ لِسَانُهُ، فَانْقَطَعَ لِسَانُهُ، فَأَخَذَهُ هِرٌّ، فَقَالَ صَالِحٌ: مَاذَا تُرِينَا الْأَيَّامُ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْعِبَرِ ! هَذَا لِسَانُ مَرْوَانَ قَدْ أَخَذَهُ هِرٌّ. وَقَالَ شَاعِرٌ: قَدْ فَتَحَ اللَّهُ مِصْرًا عَنْوَةً لَكُمْ وَأَهْلَكَ الْفَاجِرَ الْجَعْدِيَّ إِذْ ظَلَمَا فَلَاكَ مِقْوَلَهُ هِرٌّ يُجَرِّرُهُ وَكَانَ رَبُّكَ مِنْ ذِي الْكُفْرِ مُنْتَقِمًا وَسَيَّرَهُ صَالِحٌ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ. وَكَانَ قَتْلُهُ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَرَجَعَ صَالِحٌ إِلَى الشَّامِ، وَخَلَّفَ أَبَا عَوْنٍ بِمِصْرَ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ السِّلَاحَ وَالْأَمْوَالَ وَالرَّقِيقَ. وَلَمَّا وَصَلَ الرَّأْسُ إِلَى السَّفَّاحِ كَانَ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا رَآهُ سَجَدَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَظْهَرَنِي عَلَيْكَ وَأَظْفَرَنِي بِكَ، وَلَمْ يُبْقِ ثَأْرِي قِبَلَكَ، وَقِبَلَ رَهْطِكَ أَعْدَاءِ الدِّينِ ! وَتَمَثَّلَ: لَوْ يَشْرَبُونَ دَمِي لَمْ يُرْوَ شَارِبُهُمْ وَلَا دِمَاؤُهُمْ لِلْغَيْظِ تَرْوِينِي وَلِمَا قُتِلَ مَرْوَانُ هَرَبَ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقُوا مِنَ الْحَبَشَةِ بَلَاءً، قَاتَلَهُمْ الْحَبَشَةُ فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَنَجَا عَبْدُ اللَّهِ فِي عِدَّةٍ مِمَّنْ مَعَهُ، فَبَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ، فَأَخَذَهُ نَصْرُ بْنُمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، عَامِلُ فِلَسْطِينَ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ. وَلَمَّا قُتِلَ مَرْوَانُ قَصَدَ عَامِرٌ الْكَنِيسَةَ الَّتِي فِيهَا حُرَمُ مَرْوَانَ، وَكَانَ قَدْ وَكَّلَ بِهِنَّ خَادِمًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَهُنَّ بَعْدَهُ، فَأَخَذَهُ عَامِرٌ وَأَخَذَ نِسَاءَ مَرْوَانَ وَبَنَاتِهِ، فَسَيَّرَهُنَّ إِلَى صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَلَمَّا دَخَلْنَ عَلَيْهِ تَكَلَّمَتِ ابْنَةُ مَرْوَانَ الْكُبْرَى، فَقَالَتْ: يَا عَمَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ! حَفِظَ اللَّهُ لَكَ مِنْ أَمْرِكَ مَا تُحِبُّ حِفْظَهُ، نَحْنُ بَنَاتُكَ وَبَنَاتُ أَخِيكَ، وَابْنِ عَمِّكَ فَلْيَسَعْنَا مِنْ عَفْوِكُمْ مَا وَسِعَكُمْ مِنْ جَوْرِنَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَبْقِي مِنْكُمْ وَاحِدًا ! أَلَمْ يَقْتُلْ أَبُوكِ ابْنَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ ؟ أَلَمْ يَقْتُلْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَصَلَبَهُ فِي الْكُوفَةِ ؟ أَلَمْ يَقْتُلِ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ يَحْيَى بْنَ زَيْدٍ، وَصَلَبَهُ بِخُرَاسَانَ ؟ أَلَمْ يَقْتُلِ ابْنُ زِيَادٍ الدَّعِيُّ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ ؟ أَلَمْ يَقْتُلْ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَأَهْلَ بَيْتِهِ ؟ أَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ بِحُرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبَايَا فَوَقَّفَهُنَّ مَوْقِفَ السَّبْيِ ؟ أَلَمْ يَحْمِلْ رَأْسَ الْحُسَيْنِ وَقَدْ قَرَعَ دِمَاغَهُ ؟ فَمَا الَّذِي يَحْمِلُنِي عَلَى الْإِبْقَاءِ عَلَيْكُنَّ ؟ ! قَالَتْ: فَلْيَسَعْنَا عَفْوُكُمْ ! فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ زَوَّجْتُكِ ابْنِيَ الْفَضْلَ ! فَقَالَتْ: وَأَيُّ عِزٍّ خَيْرٌ مِنْ هَذَا ! بَلْ تُلْحِقُنَا بِحَرَّانَ. فَحَمَلَهُنَّ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلْنَهَا وَرَأَيْنَ مَنَازِلَ مَرْوَانَ رَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِالْبُكَاءِ. ما قيل في من قتل مروان بن محمد قِيلَ: كَانَ يَوْمًا بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ مَعَ أَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ مَرْوَانُ يَتَحَدَّثُ، إِذْ مَرَّ بِهِ عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَأَتَى دِجْلَةَ وَاسْتَقَى مِنْ مَائِهَا ثُمَّ رَجَعَ، فَدَعَاهُ بُكَيْرٌ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ يَا فَتَى ؟ قَالَ: عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْحَارِثِ. قَالَ: فَكُنْ [ مِنْ ] بَنِي مُسْلِيَةَ. قَالَ: فَأَنَا مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ تَقْتُلُ مَرْوَانَ ! فَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي قَوَّى طَمَعَ عَامِرٍ فِي قَتْلِ مَرْوَانَ. وَ?َمَّا قُتِلَ مَرْوَانُ كَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ: تِسْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ حِينِ بُويِعَ إِلَى أَنْ قُتِلَ خَمْسَ سِنِينَ وَعَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ كُرْدِيَّةً، كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، أَخَذَهَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمَ قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ، فَوَلَدَتْ مَرْوَانَ، فَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفُ لِلسَّفَّاحِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَبْدَلَنَا بِحِمَارِ الْجَزِيرَةِ وَابْنِ أَمَةِ النَّخَعِ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.
التاريخ 2684لا حكم مسجّل
وَهَذَا شَيْءٌ مِنْ تَرْجَمَةِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَأُمُّهُ أَمَةٌ كُرْدِيَّةٌ يُقَالُ لَهَا: لُبَابَةَ. وَكَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ أَخَذَهَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمَ قَتَلَهُ، فَاسْتَوْلَدَهَا مَرْوَانَ هَذَا، وَيُقَالُ: إِنَّهَا كَانَتْ أَوَّلًا لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَقَدْ كَانَتْ دَارُ مَرْوَانَ هَذَا فِي سُوقِ الْأَكَّافِينَ. قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ. بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ قَتْلِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، وَبَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَخَلَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَاسْتَتَبَّ لَهُ الْأَمْرُ فِي النِّصْفِ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مَرْوَانُ الْجَعْدِيُّ، نِسْبَةً إِلَى رَأْيِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وَيُلَقَّبُ بِالْحِمَارِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَلَكَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَتْ خِلَافَتُهُ مُنْذُ سَلَّمَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى أَنْ بُويِعَ لِلسَّفَّاحِ خَمْسَ سِنِينَ وَشَهْرًا، وَبَقِيَ مَرْوَانُ بَعْدَ بَيْعَةِ السَّفَّاحِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا، أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ، كَبِيرَ اللِّحْيَةِ، ضَخْمَ الْهَامَةِ، رَبْعَةً، وَلَمْ يَكُنْ يُخَضِّبُ. وَلَّاهُ هِشَامٌ نِيَابَةَ أَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ وَالْجَزِيرَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، فَفَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً وَحُصُونًا مُتَعَدِّدَةً فِي سِنِينَ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ الْغَزْوَ، قَاتَلَ طَوَائِفَ مِنَ النَّاسِ وَالتَّرْكِ وَالْخَزَرِ وَاللَّانِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَسَرَهُمْ وَقَهَرَهُمْ، وَقَدْ كَانَ شُجَاعًا، بَطَلًا مِقْدَامًا، حَازِمَ الرَّأْيِ، وَلَكِنْ مَنْ يَخْذُلِ اللَّهَ يُخْذَلْ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّهُ تَذْهَبُ مِنْهُمُ الْخِلَافَةُ إِذَا وَلِيَهَا مَنْ أُمُّهُ أَمَةٌ، فَلَمَّا وَلِيَهَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً، فَأُخِذَتِ الْخِلَافَةُ مِنْ يَدِهِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ لِأَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: بسنده عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَزَالُ الْخِلَافَةُ فِي بَنِي أُمَيَّةَ يَتَلَقَّفُونَهَا تَلَقُّفَ الْغِلْمَانِ الْأُكْرَةَ، فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُمْ فَلَا خَيْرَ فِي عَيْشٍ. هَكَذَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُنْكَرٌ جِدًّا. وَقَدْ سَأَلَ الرَّشِيدُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ: مَنْ خَيْرُ الْخُلَفَاءِ ; نَحْنُ أَمْ بَنُو أُمَيَّةَ ؟ فَقَالَ: هُمْ كَانُوا أَنْفَعَ لِلنَّاسِ، وَأَنْتُمْ أَقْوَمُ بِالصَّلَاةِ. فَأَعْطَاهُ سِتَّةَ آلَافٍ. قَالُوا: وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ كَثِيرَ الْمُرُوءَةِ، كَثِيرَ الْعُجْبِ، يُعْجِبُهُ اللَّهْوَ وَالطَّرَبَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَشْتَغِلُ عَنْ ذَلِكَ بِالْحَرْبِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: قَرَأْتُ بِخَطِّ أَبِي الْحُسَيْنِ عَلِيِّ بْنِ مُقَلَّدِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُنْقِذٍ الْأَمِيرِ فِي مَجْمُوعٍ لَهُ: كَتَبَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى جَارِيَةٍ لَهُ تَرَكَهَا بِالرَّمْلَةِ عِنْدَ انْزِعَاجِهِ إِلَى مِصْرَ مُنْهَزِمًا: وَمَا زَالَ يَدْعُونِي إِلَى الصَّبْرِ مَا أَرَى فَآبَى وَيُدْنِينِي الَّذِي لَكَ فِي صَدْرِي وَكَانَ عَزِيزًا أَنْ تَبِيتِي وَبَيْنَنَا حِجَابٌ فَقَدْ أَمْسَيْتِ مِنِّي عَلَى عَشْرِ وَأَنْكَاهُمَا وَاللَّهِ لِلْقَلْبِ فَاعْلَمِي إِذَا زِدْتُ مِثْلَيْهَا فَصِرْتُ عَلَى شَهْرِ وَأَعْظَمُ مِنْ هَذَيْنِ وَاللَّهِ أَنَّنِي أَخَافُ بِأَنْ لَا نَلْتَقِي آخِرَ الدَّهْرِ سَأَبْكِيكِ لَا مُسْتَبْقِيًا فَيْضَ عَبْرَةٍ وَلَا طَالِبًا بِالصَّبْرِ عَاقِبَةَ الصَّبْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اجْتَازَ مَرْوَانُ وَهُوَ هَارِبٌ بِرَاهِبٍ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ الرَّاهِبُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَاهِبُ، هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِالزَّمَانِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، عِنْدِي مِنْ تَلَوُّنِهِ أَلْوَانٌ. قَالَ: هَلْ تَبْلُغُ الدُّنْيَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَنْ تَجْعَلَهُ مَمْلُوكًا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ ؟ قَالَ: تُحِبُّهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ مَمْلُوكٌ لَهَا. قَالَ: فَمَا السَّبِيلُ فِي الْعِتْقِ ؟ قَالَ: بُغْضُهَا وَالتَّخَلِّي عَنْهَا. قَالَ: هَذَا مَا لَا يَكُونُ. قَالَ الرَّاهِبُ: أَمَّا تَخَلِّيهَا مِنْكَ فَسَيَكُونُ، فَبَادِرْ بِالْهَرَبِ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تُبَادِرَكَ. قَالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنْتَ مِلْكُ الْعَرَبِ مَرْوَانُ تُقْتَلُ فِي بِلَادِ السُّودَانِ وَتُدْفَنُ بِلَا أَكْفَانِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْمَوْتَ فِي طَلَبِكَ، لَدَلَلْتُكَ عَلَى مَوْضِعِ هَرَبِكَ. قَالَ بَعْضُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ: كَانَ يُقَالُ: يَقْتُلُ ع بْنُ ع بْنِ ع بْنِ ع م بْنَ م بْنِ م. يَعْنُونَ يَقْتُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَلَسَ مَرْوَانُ يَوْمًا وَقَدْ أُحِيطَ بِهِ، وَعَلَى رَأْسِهِ خَادِمٌ لَهُ قَائِمٌ، فَقَالَ مَرْوَانُ يَوْمًا لِبَعْضِ مَنْ يُخَاطِبُهُ: أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ ؟ لَهْفِي عَلَى أَيْدٍ مَا ذُكِرَتْ، وَنِعَمٍ مَا شُكِرَتْ، وَدَوْلَةٍ مَا نُصِرَتْ. فَقَالَ لَهُ الْخَادِمُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ تَرَكَ الْقَلِيلَ حَتَّى يَكْثُرَ، وَالصَّغِيرَ حَتَّى يَكْبُرَ، وَالْخَفِيَّ حَتَّى يَظْهَرَ، وَأَخَّرَ فِعْلَ الْيَوْمِ لِغَدٍ، حَلَّ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا. فَقَالَ مَرْوَانُ: هَذَا الْقَوْلُ أَشُدُّ عَلَيَّ مِنْ فَقْدِ الْخِلَافَةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ قُتِلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ جَاوَزَ السِّتِّينَ، وَبَلَغَ الثَّمَانِينَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا عَاشَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ بِهِ انْقَضَتْ دَوْلَتُهُمْ.
التاريخ 2685لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ دَخَلَ سُدَيْفٌ عَلَى السَّفَّاحِ وَعِنْدَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ أَكْرَمَهُ، فَقَالَ سُدَيْفٌ: لَا يَغُرَّنَّكَ مَا تَرَى مِنَ الرِّجَالِ إِنَّ تَحْتَ الضُّلُوعِ دَاءً دَوِيَّا فَضَعِ السَّيْفَ وَارْفَعِ السَّوْطَ حَتَّى لَا تَرَى فَوْقَ ظَهْرِهَا أُمَوِيَّا. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَتَلْتَنِي يَا شَيْخُ ! وَدَخَلَ السَّفَّاحُ، وَأُخِذَ سُلَيْمَانُ فَقُتِلَ. وَدَخَلَ شِبْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ نَحْوُ تِسْعِينَ رَجُلًا عَلَى الطَّعَامِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ شِبْلٌ، فَقَالَ: أَصْبَحَ الْمُلْكُ ثَابِتَ الْأَسَاسِ بِالْبَهَالِيلِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ طَلَبُوا وِتْرَ هَاشِمٍ فَشَفَوْهَا بَعْدَ مَيْلٍ مِنَ الزَّمَانِ وَيَاسِ لَا تُقِيلَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ عِثَارًا وَاقْطَعَنْ كُلَّ رَقْلَةٍ وَغِرَاسِ ذُلُّهَا أَظْهَرَ التَّوَدُّدَ مِنْهَا وَبِهَا مِنْكُمْ كَحَرِّ الْمَوَاسِي وَلَقَدْ غَاظَنِي وَغَاظَ سَوَائِي قُرْبُهُمْ مِنْ نَمَارِقٍ وَكَرَاسِي أَنْزِلُوهَا بِحَيْثُ أَنْزَلَهَا اللَّ هُ بِدَارِ الْهَوَانِ وَالْإِتْعَاسِ وَاذْكُرُوا مَصْرَعَ الْحُسَيْنِ وَزَيْدًا وَقَتِيلًا بِجَانِبِ الْمِهْرَاسِ وَالْقَتِيلَ الَّذِي بِحَرَّانَ أَضْحَى ثَاوِيًا بَيْنَ غُرْبَةٍ وَتَنَاسِ . فَأَمَرَ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَضُرِبُوا بِالْعُمُدِ حَتَّى قُتِلُوا، وَبَسَطَ عَلَيْهِمُ الْأَنْطَاعَ، فَأَكَلَ الطَّعَامَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَسْمَعُ أَنِينَ بَعْضِهِمْ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا. وَأَمَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِنَبْشِ قُبُورِ بَنِي أُمَيَّةَ بِدِمَشْقَ، فَنُبِشَ قَبْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ إِلَّا خَيْطًا مِثْلَ الْهَبَاءِ، وَنُبِشَ قَبْرُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَوَجَدُوا فِيهِ حُطَامًا كَأَنَّهُ الرَّمَادُ، وَنُبِشَ قَبْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَوَجَدُوا جُمْجُمَتَهُ، وَكَانَ لَا يُوجَدُ فِي الْقَبْرِ [ إِلَّا ] الْعُضْوُ بَعْدَ الْعُضْوِ، غَيْرَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ وُجِدَ صَحِيحًا لَمْ يَبْلَ مِنْهُ إِلَّا أَرْنَبَةُ أَنْفِهِ، فَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ وَصَلَبَهُ وَحَرَقَهُ وَذَرَّاهُ فِي الرِّيحِ. وَتَتَبَّعَ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ أَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ وَغَيْرِهِمْ فَأَخَذَهُمْ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا رَضِيعٌ أَوْ مَنْ هَرَبَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَقَتَلَهُمْ بِنَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ، وَكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَالْغَمْرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقِيلَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الْمَخْلُوعَ قُتِلَ مَعَهُمْ، وَاسْتَصْفَى كُلَّ شَيْءٍ لَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُمْ قَالَ: بَنِي أُمَيَّةَ قَدْ أَفْنَيْتُ جَمْعَكُمُ فَكَيْفَ لِي مِنْكُمْ بِالْأَوَّلِ الْمَاضِي يُطَيِّبُ النَّفْسَ أَنَّ النَّارَ تَجْمَعُكُمْ عُوِّضْتُمْ [ مِنْ ] لَظَاهَا شَرَّ مُعْتَاضِ مُنِيتُمُ، لَا أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَكُمْ بِلَيْثِ غَابٍ إِلَى الْأَعْدَاءِ نَهَّاضِ إِنْ كَانَ غَيْظِي لِفَوْتٍ مِنْكُمُ فَلَقَدْ مُنِيتُ مِنْكُمْ بِمَا رَبِّي بِهِ رَاضِ . وَقِيلَ: إِنَّ سُدَيْفًا أَنْشَدَ هَذَا الشِّعْرَ لِلسَّفَّاحِ، وَمَعَهُ كَانَتِ الْحَادِثَةُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُمْ. وَقَتَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ أَيْضًا جَمَاعَةً مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، عَلَيْهِمُ الثِّيَابُ الْمُوشِيَةُ الْمُرْتَفِعَةُ، وَأَمَرَ بِهِمْ فَجُرُّوا بِأَرْجُلِهِمْ، فَأُلْقُوا عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَكَلَتْهُمُ الْكِلَابُ. فَلَمَّا رَأَى بَنُو أُمَيَّةَ ذَلِكَ اشْتَدَّ خَوْفُهُمْ، وَتَشَتَّتَ شَمْلُهُمْ، وَاخْتَفَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الِاخْتِفَاءِ، وَكَانَ مِمَّنِ اخْتَفَى مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: وَكُنْتُ لَا آتِي مَكَانًا إِلَّا عُرِفْتُ فِيهِ، فَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ، فَقَدِمْتُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُنِي، فَقُلْتُ: لَفَظَتْنِي الْبِلَادُ إِلَيْكَ، وَدَلَّنِي فَضْلُكَ عَلَيْكَ، فَإِمَّا قَتَلْتَنِي فَاسْتَرَحْتُ، وَإِمَّا رَدَدْتَنِي سَالِمًا فَأَمِنْتُ. فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ ؟ فَعَرَّفْتُهُ نَفْسِي، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ، مَا حَاجَتُكَ ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ الْحُرَمَ اللَّوَاتِي أَنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِنَّ، وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِنَّ، قَدْ خِفْنَ لِخَوْفِنَا، وَمَنْ خَافَ خِيفَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَبَكَى كَثِيرًا ثُمَّ قَالَ: يَحْقِنُ اللَّهُ دَمَكَ وَيُوَفِّرُ مَالَكَ وَيَحْفَظُ حُرَمَكَ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى السَّفَّاحِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ قَدْ وَفَدَ وَافِدٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَيْنَا، وَإِنَّا إِنَّمَا قَتَلْنَاهُمْ عَلَى عُقُوقِهِمْ لَا عَلَى أَرْحَامِهِمْ، فَإِنَّنَا يَجْمَعُنَا وَإِيَّاهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ، وَالرَّحِمُ تُبَلُّ وَلَا تُقْتَلُ، وَتُرْفَعُ وَلَا تُوضَعُ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَهَبَهُمْ لِي فَلْيَفْعَلْ، وَإِنْ فَعَلَ فَلْيَجْعَلْ كِتَابًا عَامًّا إِلَى الْبُلْدَانِ، نَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى نِعَمِهِ عِنْدَنَا، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْنَا. فَأَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ أَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ.
التاريخ 2686لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خَلْعِ حَبِيبِ بْنِ مُرَّةَ الْمُرِّيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَيَّضَ حَبِيبُ بْنُ مُرَّةَ الْمُرِّيُّ، وَخَلَعَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَثَنِيَّةِ وَحَوْرَانَ، وَكَانَ خَلْعُهُمْ قَبْلَ خَلْعِ أَبِي الْوَرْدِ، فَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ وَقَاتَلَهُ دَفَعَاتٍ، وَكَانَ حَبِيبٌ مِنْ قُوَّادِ مَرْوَانَ وَفُرْسَانِهِ. وَكَانَ سَبَبُ تَبْيِيضِهِ الْخَوْفَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَوْمِهِ، فَبَايَعَتْهُ قَيْسٌ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يَلِيهِمْ. فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ خُرُوجُ أَبِي الْوَرْدِ وَتَبْيِيضُهُ، دَعَا حَبِيبًا إِلَى الصُّلْحِ، فَصَالَحَهُ وَآمَنَهُ مَعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ أَبِي الْوَرْدِ.
التاريخ 2687لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خَلْعِ أَبِي الْوَرْدِ وَأَهْلِ دِمَشْقَ وَفِيهَا خَلَعَ أَبُو الْوَرْدِ مِجْزَاةُ بْنُ الْكَوْثَرِ بْنِ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَرْوَانَ وَقُوَّادِهِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ لَمَّا انْهَزَمَ قَامَ أَبُو الْوَرْدِ بِقِنَّسْرِينَ، فَقَدِمَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، فَبَايَعَهُ أَبُو الْوَرْدِ، وَدَخَلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ جُنْدُهُ، وَكَانَ وَلَدُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مُجَاوِرِينَ لَهُ بِبَالِسَ وَالنَّاعُورَةِ، فَقَدِمَ بَالِسَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، فَبَعَثَ بِوَلَدِ مَسْلَمَةَ وَنِسَائِهِمْ، فَشَكَا بَعْضُهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَبِي الْوَرْدِ، فَخَرَجَ مِنْ مَزْرَعَةٍ [ لَهُ ] يُقَالُ لَهَا خُسَافٌ، فَقَتَلَ ذَلِكَ الْقَائِدَ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَظْهَرَ التَّبْيِيضَ وَالْخَلْعَ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَدَعَا أَهْلَ قِنَّسْرِينَ إِلَى ذَلِكَ، فَبَيَّضُوا أَجْمَعُهُمْ، وَالسَّفَّاحُ يَوْمَئِذٍ بِالْحِيرَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ مُشْتَغِلٌ بِحَرْبِ حَبِيبِ بْنِ مُرَّةَ الْمُرِّيِّ بِأَرْضِ الْبَلْقَاءِ وَحَوْرَانَ وَالْبَثَنِيَّةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ تَبْيِيضُ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ وَخَلْعُهُمْ صَالَحَ حَبِيبَ بْنَ مُرَّةَ، وَسَارَ نَحْوَ قِنَّسْرِينَ لِلِقَاءِ أَبِي الْوَرْدِ، فَمَرَّ بِدِمَشْقَ، فَخَلَّفَ بِهَا أَبَا غَانِمٍ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ رِبْعِيٍّ الطَّائِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَكَانَ بِدِمَشْقَ أَهْلُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُ أَوْلَادِهِ وَثَقَلُهُ. فَلَمَّا قَدِمَ حِمْصَ انْتَقَضَ لَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ وَبَيَّضُوا، وَقَامُوا مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ سُرَاقَةَ الْأَزْدِيِّ، فَلَقُوا أَبَا غَانِمٍ وَمَنْ مَعَهُ فَهَزَمُوهُ، وَقَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِهِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَانْتَهَبُوا مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ خَلَّفَ مِنْ ثَقَلِهِ، وَلَمْ يَعْرِضُوا لِأَهْلِهِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى الْخِلَافِ. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ. وَكَانَ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَ أَبِي الْوَرْدِ جَمَاعَةٌ [ مِنْ ] أَهْلِ قِنَّسْرِينَ وَكَاتَبُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ وَتَدْمُرَ، فَقَدِمَ مِنْهُمْ أُلُوفٌ عَلَيْهِمْ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَدَعَوْا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: هَذَا السُّفْيَانِيُّ الَّذِي كَانَ يُذْكَرُ، وَهُمْ فِي نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَعَسْكَرُوا بِمَرْجِ الْأَخْرَمِ. وَدَنَا مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ أَخَاهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَكَانَ أَبُو الْوَرْدِ هُوَ الْمُدَبِّرَ لِعَسْكَرِ قِنَّسْرِينَ وَصَاحِبَ الْقِتَالِ، فَنَاهَضَهُمُ الْقِتَالَ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَانْكَشَفَ عَبْدُ الصَّمَدِ وَمَنْ مَعَهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أُلُوفٌ وَلَحِقَ بِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ. فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ مَعَهُ وَجَمَاعَةُ الْقُوَّادِ فَالْتَقَوْا ثَانِيَةً بِمَرْجِ الْأَخْرَمِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي الْوَرْدِ، وَثَبَتَ هُوَ فِي نَحْوٍ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا، وَهَرَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى لَحِقُوا بِتَدْمُرَ، وَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ، وَسَوَّدُوا وَبَايَعُوا وَدَخَلُوا فِي طَاعَتِهِ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى أَهْلِ دِمَشْقَ لِمَا كَانَ مِنْ تَبْيِيضِهِمْ [ عَلَيْهِ ]، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ هَرَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ قِتَالٌ، وَآمَنَ عَبْدُ اللَّهِ أَهْلَهَا وَبَايَعُوهُ وَلَمْ يَأْخُذْهُمْ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ. وَلَمْ يَزَلْ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ مُتَغَيِّبًا هَارِبًا وَلَحِقَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ ( وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَيَّامِ الْمَنْصُورِ )، فَبَلَغَ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ عَامِلَ الْمَنْصُورِ مَكَانُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَيْلًا فَقَاتَلُوهُ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا ابْنَيْنِ لَهُ أَسِيرَيْنِ، فَبَعَثَ زِيَادٌ بِرَأْسِ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّفْيَانِيِّ وَبِابْنَيْهِ، فَأَطْلَقَهُمَا الْمَنْصُورُ وَآمَنَهُمَا. وَقِيلَ: إِنَّ حَرْبَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي الْوَرْدِ كَانَتْ سَلْخَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 2688لا حكم مسجّل
ذِكْرُ تَبْيِيضِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَخَلْعِهِمْ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَيَّضَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَخَلَعُوا أَبَا الْعَبَّاسِ السَّفَّاحَ، وَسَارُوا إِلَى حَرَّانَ وَبِهَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ جُنْدِ السَّفَّاحِ، فَحَاصَرُوهُ بِهَا، وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ رَأْسٌ يَجْمَعُهُمْ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ، وَكَانَ سَارَ عَنْهَا حِينَ بَلَغَهُ هَزِيمَةُ مَرْوَانَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ، وَحَاصَرَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ نَحْوًا مِنَ الشَّهْرَيْنِ. وَوَجَّهَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ بِوَاسِطَ مُحَاصِرِينَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، فَسَارَ فَاجْتَازَ بِقَرْقِيسِيَّا وَالرَّقَّةِ، وَأَهْلُهُمَا قَدْ تَبَيَّضُوا، وَسَارَ نَحْوَ حَرَّانَ، فَرَحَلَ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى الرُّهَاءِ، وَذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَخَرَجَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ مِنْ حَرَّانَ فَلَقِيَ أَبَا جَعْفَرٍ. وَوَجَّهَ إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخَاهُ بَكَّارَ بْنَ مُسْلِمٍ إِلَى رَبِيعَةَ بِدَارَا وَمَارِدِينَ، وَرَئِيسُ رَبِيعَةَ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ يُقَالُ لَهُ بُرَيْكَةُ، فَعَمَدَ إِلَيْهِمْ أَبُو جَعْفَرٍ فَلَقِيَهُمْ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ بُرَيْكَةُ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَانْصَرَفَ بَكَّارٌ إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ بِالرُّهَاءِ، فَخَلَّفَهُ إِسْحَاقُ بِهَا وَسَارَ إِلَى سُمَيْسَاطَ فِي عُظْمِ عَسْكَرِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى الرُّهَاءِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَكَّارٍ وَقَعَاتٌ. وَكَتَبَ السَّفَّاحُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ فِي جُنُودِهِ إِلَى سُمَيْسَاطَ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِإِزَاءِ إِسْحَاقَ بِسُمَيْسَاطَ، وَإِسْحَاقُ فِي سِتِّينَ أَلْفًا وَبَيْنَهُمُ الْفُرَاتُ، وَأَقْبَلَ أَبُو جَعْفَرٍ مِنَ الرُّهَاءِ، وَحَاصَرَ إِسْحَاقَ بِسُمَيْسَاطَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ إِسْحَاقُ يَقُولُ: فِي عُنُقِي بَيْعَةٌ، فَأَنَا لَا أَدَعُهَا حَتَّى أَعْلَمَ أَنَّ صَاحِبَهَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ: إِنَّ مَرْوَانَ قَدْ قُتِلَ. فَقَالَ: حَتَّى أَتَيَقَّنَ. فَلَمَّا تَيَقَّنَ قَتْلَهُ طَلَبَ الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ، فَكَتَبُوا إِلَى السَّفَّاحِ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَمِّنُوهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا بِذَلِكَ، وَخَرَجَ إِسْحَاقُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ آثَرِ صَحَابَتِهِ، وَاسْتَقَامَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ. وَوَلَّى أَبُو الْعَبَّاسِ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ الْجَزِيرَةَ وَإِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى اسْتُخْلِفَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ هُوَ الَّذِي آمَنَ إِسْحَاقَ بْنَ مُسْلِمٍ.
التاريخ 2689لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ أَبِي سَلَمَةَ الْخَلَّالِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ فِي أَمْرِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَ قُدُومِهِمُ الْكُوفَةَ، بِحَيْثُ صَارَ عِنْدَهُمْ مُتَّهَمًا، وَتَغَيَّرَ السَّفَّاحُ عَلَيْهِ وَهُوَ بِعَسْكَرِهِ بِحَمَّامِ أَعْيَنَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْهَاشِمِيَّةِ، فَنَزَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ بِهَا وَهُوَ مُتَنَكِّرٌ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُعْلِمُهُ رَأْيَهُ فِيهِ وَمَا كَانَ هَمَّ بِهِ مِنَ الْغِشِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ فَلْيَقْتُلْهُ. فَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ لِلسَّفَّاحِ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَحْتَجَّ بِهَا أَبُو مُسْلِمٍ عَلَيْكَ، وَأَهْلُ خُرَاسَانَ الَّذِينَ مَعَكَ أَصْحَابُهُ، وَحَالُهُ فِيهِمْ حَالُهُ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَلْيَبْعَثْ إِلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ مِرَّارَ بْنَ أَنَسٍ الضَّبِّيَّ لِقَتْلِهِ، فَقَدِمَ عَلَى السَّفَّاحِ فَأَعْلَمَهُ بِسَبَبِ قُدُومِهِ، فَأَمَرَ السَّفَّاحُ مُنَادِيًا فَنَادَى: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ رَضِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَدَعَاهُ فَكَسَاهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْلَةً فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَحْدَهُ، فَعَرَضَ لَهُ مِرَّارُ بْنُ أَنَسٍ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَعْوَانِهِ فَقَتَلُوهُ، وَقَالُوا: قَتَلَهُ الْخَوَارِجُ. ثُمَّ أُخْرِجَ مِنَ الْغَدِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَدُفِنَ بِالْمَدِينَةِ الْهَاشِمِيَّةِ عِنْدَ الْكُوفَةِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْبَجَلِيُّ: إِنَّ الْوَزِيرَ وَزِيرَ آلِ مُحَمَّدٍ أَوْدَى فَمَنْ يَشْنَاكَ صَارَ وَزِيرًا وَكَانَ يُقَالُ لِأَبِي سَلَمَةَ: وَزِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ، وَلِأَبِي مُسْلِمٍ: أَمِيرُ آلِ مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا قُتِلَ أَبُو سَلَمَةَ وَجَّهَ السَّفَّاحُ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ سَايَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْأَعْرَجُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: يَا هَذَا، إِنَّا كُنَّا نَرْجُو أَنْ يَتِمَّ أَمْرُكُمْ، فَإِذَا شِئْتُمْ فَادْعُونَا إِلَى مَا تُرِيدُونَ. فَظَنَّ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنَّهُ دَسِيسٌ مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَتَى أَبَا مُسْلِمٍ فَأَخْبَرَهُ وَخَافَ أَنْ يُعْلِمَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَأَحْضَرَ أَبُو مُسْلِمٍ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ، وَقَالَ لَهُ: أَتَحْفَظُ قَوْلَ الْإِمَامِ لِي مَنِ اتَّهَمْتَهُ فَاقْتُلْهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ اتَّهَمْتُكَ. قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ ! قَالَ: لَا تُنَاشِدْنِي، فَأَنْتَ مُنْطَوٍ عَلَى غِشِّ الْإِمَامِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ. وَرَجَعَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى السَّفَّاحِ فَقَالَ: لَسْتَ خَلِيفَةً، وَلَا أَمْرُكَ بِشَيْءٍ إِنْ تَرَكْتَ أَبَا مُسْلِمٍ وَلَمْ تَقْتُلْهُ. قَالَ. وَكَيْفَ ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَصْنَعُ إِلَّا مَا أَرَادَ. قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: فَاكْتُمْهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ إِنَّمَا سَارَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ أَبُو سَلَمَةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السَّفَّاحَ لَمَّا ظَهَرَ تَذَاكَرُوا مَا صَنَعَ أَبُو سَلَمَةَ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ هُنَاكَ: لَعَلَّ مَا صَنَعَ كَانَ مِنْ رَأْيِ أَبِي مُسْلِمٍ. فَقَالَ السَّفَّاحُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا عَنْ رَأْيِهِ إِنَّا لَنَعْرِفَنَّ بَلَاءً إِلَّا أَنْ يَدْفَعَهُ اللَّهُ عَنَّا. وَأَرْسَلَ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ لِيَعْلَمَ رَأْيَهُ. فَسَارَ إِلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ مَا كَانَ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ مِرَّارَ بْنَ أَنَسٍ فَقَتَلَهُ.
التاريخ 2690لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مُحَاصَرَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ بِوَاسِطَ قَدْ ذَكَرْنَا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ يَزِيدَ بْنِ هُبَيْرَةَ وَالْجَيْشِ الَّذِينَ لَقُوهُ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مَعَ قَحْطَبَةَ، ثُمَّ مَعَ ابْنِهِ الْحَسَنِ، وَانْهِزَامَهُ إِلَى وَاسِطَ وَتَحَصُّنَهُ بِهَا، وَكَانَ لَمَّا انْهَزَمَ قَدْ وَكَّلَ بِالْأَثْقَالِ قَوْمًا، فَذَهَبُوا بِهَا، فَقَالَ لَهُ حَوْثَرَةُ: أَيْنَ تَذْهَبُ وَقَدْ قُتِلَ صَاحِبُهُمْ ؟ يَعْنِي قَحْطَبَةَ، امْضِ إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَكَ جُنْدٌ كَثِيرٌ، فَقَاتِلْهُمْ حَتَّى تُقْتَلَ أَوْ تَظْفَرَ. قَالَ: بَلْ نَأْتِي وَاسِطَ فَنَنْظُرُ. قَالَ: مَا تَزِيدُ عَلَى أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِكَ وَتُقْتَلَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ حُضَيْنٍ: إِنَّكَ لَوْ تَأْتِي مَرْوَانَ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْجُنُودِ، فَالْزَمِ الْفُرَاتَ حَتَّى تَأْتِيَهُ، وَإِيَّاكَ وَوَاسِطَ فَتَصِيرُ فِي حِصَارٍ، وَلَيْسَ بَعْدَ الْحَصْرِ إِلَّا الْقَتْلُ. فَأَبَى. وَكَانَ يَخَافُ مَرْوَانَ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ فَيُخَالِفُهُ، فَخَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَأَتَى وَاسِطَ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَسَيَّرَ أَبُو سَلَمَةَ إِلَيْهِ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ فَحَصَرَهُ، وَأَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ.. قَالَ أَهْلُ الشَّامِ لِابْنِ هُبَيْرَةَ: ايذَنْ لَنَا فِي قِتَالِهِمْ. فَأَذِنَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا وَخَرَجَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ ابْنُهُ دَاوُدُ، فَالْتَقَوْا وَعَلَى مَيْمَنَةِ الْحَسَنِ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، فَحَمَلَ خَازِمٌ عَلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَانْهَزَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ وَغَصَّ الْبَابُ بِالنَّاسِ، وَرَمَى أَصْحَابُهُ بِالْعَرَّادَاتِ. وَرَجَعَ أَهْلُ الشَّامِ، فَكَرَّ عَلَيْهِمُ الْحَسَنُ وَاضْطَرَّهُمْ إِلَى دِجْلَةَ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَتَلَقَّوْهُمْ بِالسُّفُنِ وَتَحَاجَزُوا، فَمَكَثُوا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ خَرَجُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يُقَاتِلُونَ إِلَّا رَمْيًا. وَبَلَغَ ابْنَ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ فِي الْحِصَارِ، أَنَّ أَبَا أُمَيَّةَ التَّغْلِبِيَّ قَدْ سَوَّدَ فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ، فَتَكَلَّمَ نَاسٌ مِنْ رَبِيعَةَ فِي ذَلِكَ وَمَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَخَذُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ فَزَارَةَ رَهْطِ ابْنِ هُبَيْرَةَ فَحَبَسُوهُمْ. ( وَشَتَمُوا ابْنَ هُبَيْرَةَ ) وَقَالُوا: لَا نَتْرُكُ مَا فِي أَيْدِينَا حَتَّى يَتْرُكَ ابْنُ هُبَيْرَةَ صَاحِبَنَا. وَأَبَى ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنْ يُطْلِقَهُ، فَاعْتَزَلَ مَعْنٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ فِيمَنْ مَعَهُمَا. فَقِيلَ لِابْنِ هُبَيْرَةَ: هَؤُلَاءِ فُرْسَانُكَ قَدْ أَفْسَدْتَهُمْ، وَإِنْ تَمَادَيْتَ فِي ذَلِكَ كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْكَ مِمَّنْ حَصَرَكَ. فَدَعَا أَبَا أُمَيَّةَ فَكَسَاهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَاصْطَلَحُوا وَعَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. وَقَدِمَ أَبُو نَصْرٍ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ مِنْ نَاحِيَةِ سِجِسْتَانَ إِلَى الْحَسَنِ، فَأَوْفَدَ الْحَسَنُ وَفْدًا إِلَى السَّفَّاحِ بِقُدُومِ أَبِي نَصْرٍ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ عَلَى الْوَفْدِ غَيْلَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ، وَكَانَ غَيْلَانُ وَاجِدًا عَلَى الْحَسَنِ لِأَنَّهُ سَرَّحَهُ إِلَى رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ مَدَدًا لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى السَّفَّاحِ وَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَّكَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَأَنَّكَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ. قَالَ: حَاجَتُكَ يَا غَيْلَانُ ؟ قَالَ: أَسْتَغْفِرُكَ. قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ. قَالَ غَيْلَانُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَّ عَلَيْنَا بِرَجُلٍ مِنْ [ أَهْلِ ] بَيْتِكَ. قَالَ: أَوَلَيْسَ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مُنَّ عَلَيْنَا بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ نَنْظُرْ إِلَى وَجْهِهِ، وَتَقَرَّ عَيْنُنَا بِهِ. فَبَعَثَ أَخَاهُ أَبَا جَعْفَرٍ لِقِتَالِ ابْنِ هُبَيْرَةَ عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنْ خُرَاسَانَ. وَكَتَبَ إِلَى الْحَسَنِ: إِنَّ الْعَسْكَرَ عَسْكَرُكَ، وَالْقُوَّادَ قُوَّادُكَ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ أَخِي حَاضِرًا، فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ وَأَحْسِنْ مُوَازَرَتَهُ. وَكَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَكَانَ الْحَسَنُ هُوَ الْمُدَبِّرَ لِأَمْرِ ذَلِكَ الْعَسْكَرِ. فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ عَلَى الْحَسَنِ تَحَوَّلَ الْحَسَنُ عَنْ خَيْمَتِهِ وَأَنْزَلَهُ فِيهَا، وَجَعَلَ الْحَسَنُ عَلَى حَرَسِ الْمَنْصُورِ عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ. وَقَاتَلَهُمْ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ يَوْمًا فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى خَنَادِقِهِمْ وَقَدْ كَمَّنَ لَهُمْ مَعْنٌ وَأَبُو يَحْيَى الْجُذَامِيُّ. فَلَمَّا جَازَهُمْ أَصْحَابُ مَالِكٍ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى جَاءَ اللَّيْلُ، وَابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى بُرْجِ الْخَلَّالِينَ، فَاقْتَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ اللَّيْلِ، وَسَرَّحَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى مَعْنٍ يَأْمُرُهُ بِالِانْصِرَافِ، فَانْصَرَفَ، فَمَكَثُوا أَيَّامًا. وَخَرَجَ أَهْلُ وَاسِطَ أَيْضًا مَعَ مَعْنٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ نُبَاتَةَ، فَقَاتَلَهُمْ أَصْحَابُ الْحَسَنِ فَهَزَمُوهُمْ إِلَى دِجْلَةَ حَتَّى تَسَاقَطُوا فِيهَا، وَرَجَعُوا وَقَدْ قُتِلَ وَلَدُ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُوهُ قَتِيلًا قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْحَيَاةَ بَعْدَكَ ! ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى أَهْلِ وَاسِطَ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمُ الْمَدِينَةَ. وَكَانَ مَالِكٌ يَمْلَأُ السُّفُنَ حَطَبًا، ثُمَّ يُضْرِمُهَا نَارًا لِتَحْرِقَ مَا مَرَّتْ بِهِ، فَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يَجُرُّ تِلْكَ السُّفُنَ بِكَلَالِيبَ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ طَلَبُوا الصُّلْحَ، وَلَمْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى جَاءَهُمْ خَبَرُ قَتْلِ مَرْوَانَ، أَتَاهُمْ بِهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ وَقَالَ لَهُمْ: عَلَامَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَقَدْ قُتِلَ مَرْوَانُ ؟ وَتَجَنَّى أَصْحَابُ ابْنِ هُبَيْرَةَ عَلَيْهِ. فَقَالَتِ الْيَمَانِيَّةُ: لَا نُعِينُ مَرْوَانَ وَآثَارُهُ فِينَا آثَارُهُ. وَقَالَتِ النِّزَارِيَّةُ: لَا نُقَاتِلُ حَتَّى تُقَاتِلَ مَعَنَا الْيَمَانِيَّةُ، وَكَانَ يُقَاتِلُ مَعَهُ صَعَالِيكُ النَّاسِ وَفِتْيَانُهُمْ. وَهَمَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِأَنْ يَدْعُوَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ، فَأَبْطَأَ جَوَابَهُ، وَكَاتَبَ السَّفَّاحُ الْيَمَانِيَّةَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَأَطْمَعَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ، وَزِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّانِ، وَوَعَدَا ابْنَ هُبَيْرَةَ أَنْ يُصْلِحَا لَهُ نَاحِيَةَ ابْنِ الْعَبَّاسِ، فَلَمْ يَفْعَلَا. وَجَرَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَابْنِ هُبَيْرَةَ، حَتَّى جَعَلَ لَهُ أَمَانًا، وَكَتَبَ بِهِ كِتَابًا مَكَثَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يُشَاوِرُ فِيهِ الْعُلَمَاءَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى رَضِيَهُ، فَأَنْفَذَهُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى أَخِيهِ السَّفَّاحِ، فَأَمَرَهُ بِإِمْضَائِهِ. وَكَانَ رَأْيُ أَبِي جَعْفَرٍ الْوَفَاءَ لَهُ بِمَا أَعْطَاهُ، وَكَانَ السَّفَّاحُ لَا يَقْطَعُ أَمْرًا دُونَ أَبِي مُسْلِمٍ، وَكَانَ أَبُو الْجَهْمِ عَيْنًا لِأَبِي مُسْلِمٍ عَلَى السَّفَّاحِ، فَكَتَبَ السَّفَّاحُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يُخْبِرُهُ أَمْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ: إِنَّ الطَّرِيقَ السَّهْلَ إِذَا أَلْقَيْتَ فِيهِ الْحِجَارَةَ فَسَدَ، لَا وَاللَّهِ لَا يَصْلُحُ طَرِيقٌ فِيهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ. وَلَمَّا تَمَّ الْكِتَابُ خَرَجَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ [ مِنَ الْبُخَارِيَّةِ ]، وَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى دَابَّتِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَاجِبُ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا [ بِكَ ] أَبَا خَالِدٍ، انْزِلْ رَاشِدًا ! وَقَدْ أَطَافَ بِحُجْرَةِ الْمَنْصُورِ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَنَزَلَ، وَدَعَا لَهُ بِوِسَادَةٍ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا، وَأَدْخَلَ الْقُوَّادَ ثُمَّ أَذِنَ لِابْنِ هُبَيْرَةَ وَحْدَهُ، فَدَخَلَ، وَحَادَثَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَ. ثُمَّ مَكَثَ يَأْتِيهِ يَوْمًا وَيَتْرُكُهُ يَوْمًا، فَكَانَ يَأْتِيهِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ وَثَلَاثِمِائَةِ رَاجِلٍ، فَقِيلَ لِأَبِي جَعْفَرٍ: إِنَّ ابْنَ هُبَيْرَةَ لَيَأْتِي فَيَتَضَعْضَعُ لَهُ الْعَسْكَرُ وَمَا نَقَصَ مِنْ سُلْطَانِهِ شَيْءٌ. فَأَمَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنْ لَا يَأْتِيَ إِلَّا فِي حَاشِيَتِهِ، فَكَانَ يَأْتِي فِي ثَلَاثِينَ، ثُمَّ صَارَ يَأْتِي فِي ثَلَاثَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ. وَكَلَّمَ ابْنُ هُبَيْرَةَ الْمَنْصُورَ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ: يَا هَنَاهْ ! أَوْ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ ! ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ عَهْدِي بِكَلَامِ النَّاسِ بِمِثْلِ مَا خَاطَبْتُكَ بِهِ لَقَرِيبٌ فَسَبَقَنِي لِسَانِي إِلَى مَا لَمْ أُرِدْهُ. فَأَلَحَّ السَّفَّاحُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ يُرَاجِعُهُ حَتَّى كَتَبَ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ لَتَقْتُلَنَّهُ أَوْ لَأُرْسِلَنَّ إِلَيْهِ مَنْ يُخْرِجُهُ مِنْ حُجْرَتِكَ ثُمَّ يَتَوَلَّى قَتْلَهُ. فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ، فَبَعَثَ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَالْهَيْثَمَ بْنَ ظُهَيْرٍ وَأَمَرَهُمَا بِخَتْمِ بُيُوتِ الْأَمْوَالِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى وُجُوهِ مَنْ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ مِنَ الْقَيْسِيَّةِ وَالْمُضَرِيَّةِ فَأَحْضَرَهُمْ، فَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ نُبَاتَةَ، وَحَوْثَرَةُ بْنُ سُهَيْلٍ فِي اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، فَخَرَجَ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: أَيْنَ ابْنُ نُبَاتَةَ وَحَوْثَرَةُ ؟ فَدَخَلَا وَقَدْ أَجْلَسَ أَبُو جَعْفَرٍ عُثْمَانَ بْنَ نَهِيكٍ وَغَيْرَهُ فِي مِائَةٍ فِي حُجْرَةٍ دُونَ حُجْرَتِهِ، فَنُزِعَتْ سُيُوفُهُمَا وَكُتِّفَا، وَاسْتَدْعَى رَجُلَيْنِ رَجُلَيْنِ يَفْعَلُ بِهِمَا مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَعْطَيْتُمُونَا عَهْدَ اللَّهِ ثُمَّ غَدَرْتُمْ بِنَا ! إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يُدْرِكَكُمُ اللَّهُ ! وَجَعَلَ ابْنُ نُبَاتَةَ يَضْرِطُ فِي لِحْيَةِ نَفْسِهِ وَقَالَ: كَأَنِّي كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى هَذَا. وَانْطَلَقَ خَازِمٌ وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةٍ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ فَقَالُوا: نُرِيدُ حَمْلَ الْمَالِ. فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: دُلَّهُمْ عَلَى الْخَزَائِنِ. فَأَقَامُوا عِنْدَ كُلِّ بَيْتٍ نَفَرًا، وَأَقْبَلُوا نَحْوَهُ وَعِنْدَهُ ابْنُهُ دَاوُدُ وَعِدَّةٌ مِنْ مَوَالِيهِ وَبُنَيٌّ لَهُ صَغِيرٌ فِي حِجْرِهِ. فَلَمَّا أَقْبَلُوا نَحْوَهُ قَامَ حَاجِبُهُ فِي وُجُوهِهِمْ، فَضَرَبَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَصَرَعَهُ، وَقَاتَلَ ابْنُهُ دَاوُدُ، وَأَقْبَلَ هُوَ إِلَيْهِ وَنَحَّى ابْنَهُ مِنْ حِجْرِهِ، فَقَالَ: دُونَكُمْ هَذَا الصَّبِيَّ، وَخَرَّ سَاجِدًا فَقُتِلَ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ. وَنَادَى بِالْأَمَانِ لِلنَّاسِ إِلَّا الْحَكَمَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرٍ، وَخَالِدَ بْنَ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ ذَرٍّ، فَاسْتَأْمَنَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لِابْنِ ذَرٍّ، فَآمَنَهُ، وَهَرَبَ الْحَكَمُ، وَآمَنَ أَبُو جَعْفَرٍ خَالِدًا فَقَتَلَهُ السَّفَّاحُ، وَلَمْ يُجِزْ أَمَانَ أَبِي جَعْفَرٍ. فَقَالَ أَبُو الْعَطَاءِ السِّنْدِيُّ يَرْثِي ابْنَ هُبَيْرَةَ: أَلَا إِنَّ عَيْنًا لَمْ تَجُدْ يَوْمَ وَاسِطٍ عَلَيْكَ بِجَارِي دَمْعِهَا لَجَمُودُ عَشِيَّةَ قَامَ النَّائِحَاتُ وَصَفَّقَتْ أَكُفٌّ بِأَيْدِي مَأْتَمٍ وَخُدُودُ فَإِنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الْفِنَاءِ فَرُبَّمَا أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الْوُفُودِ وُفُودُ فَإِنَّكَ لَمْ تَبْعُدْ عَلَى مُتَعَهِّدٍ بَلَى كُلُّ مَنْ تَحْتَ التُّرَابِ بَعِيدُ.
التاريخ 2691لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ عُمَّالِ أَبِي سَلَمَةَ بِفَارِسَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ عَلَى فَارِسَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَ عُمَّالَ أَبِي سَلَمَةَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَوَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ إِلَى فَارِسَ، وَعَلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ. فَأَرَادَ مُحَمَّدٌ قَتْلَ عِيسَى، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَا يَسُوغُ لَكَ. فَقَالَ: بَلَى أَمَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ أَنْ لَا يَقْدَمَ أَحَدٌ عَلَيَّ يَدَّعِي الْوِلَايَةَ مِنْ غَيْرِهِ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، ثُمَّ تَرَكَ عِيسَى خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ قَتْلِهِ، وَاسْتَحْلَفَ عِيسَى بِالْأَيْمَانِ الْمُحَرِّجَةِ أَنْ لَا يَعْلُوَ مِنْبَرًا، وَلَا يَتَقَلَّدَ سَيْفًا إِلَّا فِي جِهَادٍ، فَلَمْ يَلِ عِيسَى بَعْدَ ذَلِكَ وِلَايَةً، وَلَا تَقَلَّدَ سَيْفًا إِلَّا فِي غَزْوٍ، ثُمَّ وَجَّهَ السَّفَّاحُ بَعْدَ ذَلِكَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ وَالِيًا عَلَى فَارِسَ.
التاريخ 2692لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وِلَايَةِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَوْصِلَ وَمَا قِيلَ فِيهَا وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ السَّفَّاحُ أَخَاهُ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْمَوْصِلِ عِوَضَ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَوْصِلِ امْتَنَعُوا مِنْ طَاعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صُولٍ، وَقَالُوا: يَلِي عَلَيْنَا مَوْلَى الْخَثْعَمِ، وَأَخْرَجُوهُ عَنْهُمْ. فَكَتَبَ إِلَى السَّفَّاحِ بِذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ يَحْيَى بْنَ مُحَمَّدٍ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَجُلٍ. فَنَزَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ مُجَانِبَ مَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَمْ يُظْهِرْ لِأَهْلِ الْمَوْصِلِ شَيْئًا يُنْكِرُونَهُ، وَلَمْ يَعْتَرِضْهُمْ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ، ثُمَّ دَعَاهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَنَفَرَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَحَمَلُوا السِّلَاحَ، فَأَعْطَاهُمُ الْأَمَانَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ: مَنْ دَخَلَ الْجَامِعَ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَتَاهُ النَّاسُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ، فَأَقَامَ يَحْيَى الرِّجَالَ عَلَى أَبْوَابِ الْجَامِعِ، فَقَتَلُوا النَّاسَ قَتْلًا ذَرِيعًا أَسْرَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ قَتَلَ فِيهِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا مِمَّنْ لَهُ خَاتَمٌ وَمِمَّنْ لَيْسَ لَهُ خَاتَمٌ خَلْقًا كَثِيرًا. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ سَمِعَ يَحْيَى صُرَاخَ النِّسَاءِ اللَّاتِي قُتِلَ رِجَالُهُنَّ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الصَّوْتِ، فَأُخْبِرَ بِهِ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ الْغَدُ فَاقْتُلُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ فِي عَسْكَرِهِ قَائِدٌ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ زِنْجِيٍّ، فَأَخَذُوا النِّسَاءَ قَهْرًا. فَلَمَّا فَرَغَ يَحْيَى مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَكِبَ الْيَوْمَ الرَّابِعَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْحِرَابُ وَالسُّيُوفُ الْمَسْلُولَةُ، فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ وَأَخَذَتْ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ، فَأَرَادَ أَصْحَابُهُ قَتْلَهَا فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: أَلَسْتَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ؟ أَلَسْتَ ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَمَا تَأْنَفُ لِلْعَرَبِيَّاتِ الْمُسْلِمَاتِ أَنْ يَنْكِحَهُنَّ الزِّنْجُ ؟ فَأَمْسَكَ عَنْ جَوَابِهَا، وَسَيَّرَ مَعَهَا مَنْ يُبْلِغُهَا مَأْمَنَهَا، وَقَدْ عَمِلَ كَلَامُهَا فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَمَعَ الزِّنْجَ لِلْعَطَاءِ، فَاجْتَمَعُوا، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ فِي قَتْلِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ مَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مِنْ مَحَبَّةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَرَاهَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَنَّ امْرَأَةً غَسَلَتْ رَأْسَهَا وَأَلْقَتِ الْخِطْمِيَّ مِنَ السَّطْحِ فَوَقَعَ عَلَى رَأْسِ بَعْضِ الْخُرَاسَانِيَّةِ، فَظَنَّهَا فَعَلَتْ ذَلِكَ تَعَمُّدًا، فَهَاجَمَ الدَّارَ، وَقَتَلَ أَهْلَهَا، فَثَارَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَقَتَلُوهُ، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ. وَفِيمَنْ قُتِلَ مَعْرُوفُ بْنُ أَبِي مَعْرُوفٍ، وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا، وَقَدْ أَدْرَكَ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ وَرَوَى عَنْهُمْ.
التاريخ 2693لا حكم مسجّل
قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَائِشَةَ،: لَمَّا اسْتَقَامَ الْأَمْرُ لِأَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ خَطَبَ يَوْمًا فَأَحْسَنَ الْخُطْبَةِ، فَلَمَّا نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ قَامَ إِلَيْهِ السَّيِّدُ فَأَنْشَدَهُ: دُونَكُمُوهَا يَا بَنِي هَاشِمٍ فَجَدَّدَتْ أُمَرَاؤَهَا الطَّامِسَا دُونَكُمُوهَا مَا عَلَى كَعْبِ مَنْ أَمْسَى عَلَيْكُمْ مُلْكُهَا نَافِسَا دُونَكُمُوهَا فَالْبَسُوا تَاجَهَا لَا تُعْدَمُوا مِنْكُمْ لَهَا لَابِسَا خِلَافَةُ اللَّهِ وَسُلْطَانُهُ وَعُنْصُرًا كَانَ لَكُمْ دَارِسَا لَوْ خُيِّرَ الْمِنْبَرُ فُرْسَانَهُ مَا اخْتَارَ إِلَّا مِنْكُمْ فَارِسَا وَالْمُلْكُ لَوْ شُووِرَ فِي سَاسَةٍ مَا اخْتَارَ إِلَّا مِنْكُمْ سَائِسَا لَمْ يَبْقَ عَبْدَ اللَّهِ بِالشَّامِ مِنْ آلِ أَبِي الْعَاصِ امْرَأً عَاطِسَا فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ: سَلْ حَاجَتَكَ، قَالَ: تَرْضَى عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَتُوَلِّيهِ الْأَهْوَازَ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ عَهْدُ سُلَيْمَانَ عَلَى الْأَهْوَازِ، وَتُدْفَعَ إِلَى السَّيِّدِ، فَكُتِبَ ثُمَّ أَخَذَهُ السَّيِّدُ وَقَدِمَ عَلَى سُلَيْمَانَ بِالْبَصْرَةِ، فَلَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنُهُ أَنْشَدَهُ يَقُولُ: أَتَيْنَاكَ يَا قِرْمَ أَهْلِ الْعِرَاقِ بِخَيْرِ كِتَابٍ مِنَ الْقَائِمِ أَتَيْنَاكَ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ الْأَنَامِ وَذَاكَ ابْنُ عَمِّ أَبِي الْقَاسِمِ أَتَيْنَا بِعَهْدِكَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى مَنْ يَلِيكَ مِنَ الْعَالَمِ يُوَلِّيكَ فِيهِ جِسَامَ الْأُمُورِ فَأَنْتَ صَنِيعُ بَنِي هَاشِمِ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: شَرِيفٌ وَشَافِعٌ، وَوَافِدٌ وَشَاعِرٌ، وَنَسِيبٌ، سَلْ حَاجَتَكَ، قَالَ: جَارِيَةٌ فَارِهَةٌ جَمِيلَةٌ وَمَنْ يَخْدِمُهَا، وَبَدْرَةٌ وَمَنْ يَحْمِلُهَا، وَفَرَسٌ رَاتِعٌ وَسَائِسُهُ، وَتَخْتٌ مِنْ صُنُوفِ الثِّيَابِ وَحَامِلُهُ. قَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِجَمِيعِ مَا سَأَلْتَ، وَلَكَ عِنْدِي فِي كُلِّ سَنَةٍ مِثْلُهُ. قَالَ الصُّولِيُّ: وَحَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي هَذَا الْخَبَرَ، وَزَادَ فِيهِ: أَنَّ سُلَيْمَانَ قَالَ لِلسَّيِّدِ: احْتَكِمْ قَالَ: سَأَحْكُمُ إِذْ حَكَّمْتَنِي غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُقَصِّرٍ يَا ابْنَ الْكُمَاةِ الْأَكَارِمِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَبَغْلَةٌ وَجَارِيَةٌ حَسْنَاءُ ذَاتُ مَآكِمِ وَسَرْجٌ وَبِرْذَوْنٌ صَلِيعٌ وَكُسْوَةٌ وَمَا ذَاكَ بِالْإِكْثَارِ مِنْ حُكْمٍ حَاكِمِ عَلَى ذِي نَدًى يُعْطِيكَ حَتَّى كَأَنَّمَا يَرَى بِالَّذِي يُعْطِيكَ أَحْلَامَ نَائِمِ أَرِحْنِي بِهَا مِنْ مَجْلِسِي ذَا فَإِنَّنِي وَحَقِّكَ إِنْ لَمْ أُعْطَهَا غَيْرُ رَايِمِ
التاريخ 2694لا حكم مسجّل
وَلَمَّا جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ دِمَشْقَ نَزَلَ عَلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَنَزَلَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، وَنَزَلَ أَبُو عَوْنٍ عَلَى بَابِ كَيْسَانَ، وَبِسَامٌ عَلَى بَابِ الصَّغِيرِ وَحُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَلَى بَابِ تُومَا، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، وَيَحْيَى بْنُ صَفْوَانَ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ عَلَى بَابِ الْفَرَادِيسِ فَحَاصَرُوهَا أَيَّامًا، ثُمَّ افْتَتَحَهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةِ، فَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَبَاحَهَا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ، وَهَدَمَ سُورَهَا، وَيُقَالُ: إِنْ أَهْلَهَا لَمَّا حَاصَرَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، مَا بَيْنَ عَبَّاسِيٍّ وَأُمَوِيٍّ، حَتَّى اقْتَتَلُوا، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَقَتَلُوا نَائِبَهُمْ، ثُمَّ سَلَّمُوا الْبَلَدَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ السُّورَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ الطَّائِيُّ. وَمِنْ نَاحِيَةِ الْبَابِ الصَّغِيرِ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ أُبِيحَتْ دِمَشْقَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ بِهَا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَعْرَجِ مِنْ وَلَدِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى خَمْسَةِ آلَافٍ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فِي حِصَارِ دِمَشْقَ، أَنَّهُمْ أَقَامُوا مُحَاصِرِيهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: مِائَةُ يَوْمٍ. وَقِيلَ: شَهْرًا وَنِصْفًا. وَأَنَّ الْبَلَدَ كَانَ قَدْ حَصَّنَهُ نَائِبُ مَرْوَانَ تَحْصِينًا عَظِيمًا، وَلَكِنِ اخْتَلَفَ أَهْلُهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ بِسَبَبِ الْيَمَانِيَةِ وَالْمُضَرَيَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْفَتْحِ، حَتَّى إِنَّهُمْ جَعَلُوا فِي كُلِّ مَسْجِدٍ مِحْرَابَيْنِ لِلْقِبْلَتَيْنِ، حَتَّى فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مِنْبَرَيْنِ وَإِمَامَيْنِ يَخْطُبَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرَيْنِ، وَهَذَا مِنْ عَجِيبِ مَا وَقَعَ، وَغَرِيبِ مَا اتَّفَقَ، وَفَظِيعِ مَا أُحْدِثَ بِسَبَبِ الْفِتْنَةِ وَالْهَوَى وَالْعَصَبِيَّةِ، نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ. وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ الْحَافِظُ فِي التَّرْجَمَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَذَكَرَ فِي تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ دِمَشْقَ، دَخَلَهَا بِالسَّيْفِ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنَ النَّهَارِ، وَجَعَلَ مَسْجِدَ جَامِعِهَا سَبْعِينَ يَوْمًا إِصْطَبْلًا لِدَوَابِّهِ وَجِمَالِهِ. وَأَرْسَلَ -السفاح- امْرَأَةَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهِيَ عَبْدَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ صَاحِبَةُ الْخَالِ، مَعَ نَفَرٍ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مَاشِيَةً حَافِيَةً حَاسِرَةً، فَمَا زَالُوا يَزْنُونَ بِهَا، ثُمَّ قَتَلُوهَا.
التاريخ 2695لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا وَجَّهَ السَّفَّاحُ أَخَاهُ الْمَنْصُورَ وَالِيًا عَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ ، وَفِيهَا عَزَلَ عَمَّهُ دَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْكُوفَةِ وَسَوَادِهَا، وَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ وَالْيَمَنَ وَالْيَمَامَةَ، وَوَلَّى مَوْضِعَهُ مِنْ عَمَلِ الْكُوفَةِ ابْنَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، فَاسْتَقْضَى عِيسَى عَلَى الْكُوفَةِ ابْنَ أَبِي لَيْلَى. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى الْبَصْرَةِ هَذِهِ السَّنَةَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ الْمُهَلَّبِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَعَلَى السِّنْدِ مَنْصُورُ بْنُ جُمْهُورٍ، وَعَلَى فَارِسَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ وَإِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلَى الشَّامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مِصْرَ أَبُو عَوْنٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ أَبُو مُسْلِمٍ، وَعَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ.
التاريخ 2696لا حكم مسجّل
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ اخْتَفَى رِجَالٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ فِيمَنِ اخْتَفَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَتَّى أَخَذَ لَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَمَانًا مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ يَوْمًا: حَدِّثْنِي عَمَّا مَرَّ بِكَ فِي اخْتِفَائِكَ، فَقَالَ: كُنْتُ -يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- مُخْتَفِيًا بِالْحِيرَةِ فِي مَنْزِلٍ شَارِعٍ عَلَى الصَّحْرَاءِ. فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ نَظَرْتُ إِلَى أَعْلَامٍ سُودٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْكُوفَةِ تُرِيدُ الْحِيرَةَ، فَوَقَعَ فِي رُوعِي أَنَّهَا تُرِيدُنِي، فَخَرَجْتُ مِنَ الدَّارِ مُتَنَكِّرًا حَتَّى دَخَلْتُ الْكُوفَةَ وَلَا أَعْرِفُ بِهَا أَحَدًا أَخْتَفِي عِنْدَهُ، فَدَخَلْتُ مُتَلَدِّدًا، فَإِذَا أَنَا بِبَابٍ كَبِيرٍ وَرَحْبَةٍ وَاسِعَةٍ، فَدَخَلْتُ الرَّحْبَةَ، فَجَلَسْتُ فِيهَا، فَإِذَا رَجُلٌ وَسِيمٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ عَلَى فَرَسٍ قَدْ دَخَلَ الرَّحْبَةَ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ غِلْمَانِهِ وَأَتْبَاعِهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ وَمَا حَاجَتُكَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مُخْتَفٍ يَخَافُ عَلَى دَمِهِ وَاسْتَجَارَ بِمَنْزِلِكَ، قَالَ: فَأَدْخَلَنِي مَنْزِلَهُ ثُمَّ سَيَّرَنِي فِي حُجْرَةٍ تَلِي حَرَمَهُ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ حَوْلًا فِي كُلِّ مَا أُحِبُّ مِنْ مَطْعَمٍ وَمَشْرَبٍ وَمَلْبَسٍ، لَا يَسْأَلُنِي عَنْ شَيْءٍ مِنْ حَالِي، وَيَرْكَبُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رُكْبَةً، فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: أَرَاكَ تُدْمِنُ الرُّكُوبَ، فَفِيمَ ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سُلَيْمَانَ قَتَلَ أَبِي صَبْرًا، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ مُخْتَفٍ، فَأَنَا أَطْلُبُهُ لِأُدْرِكَ ثَأْرِي فَكَثُرَ تَعَجُّبِي مِنْ إِدْبَارِنَا إِذْ سَاقَنِي الْقَدَرُ إِلَى الِاخْتِفَاءِ فِي مَنْزِلِ مَنْ يَطْلُبُ دَمِي، وَكَرِهْتُ الْحَيَاةَ، وَسَأَلْتُ الرَّجُلَ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، فَأَخْبَرَنِي بِهِمَا، فَعَلِمْتُ أَنِّي قَتَلْتُ أَبَاهُ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا، قَدْ وَجَبَ عَلَيَّ حَقُّكَ، وَمِنْ حَقِّكَ أَنْ أُقَرِّبَ عَلَيْكَ الْخُطْوَةَ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَاتِلُ أَبِيكَ، فَخُذْ بِثَأْرِكَ، فَقَالَ: أَحْسَبُ أَنَّكَ رَجُلٌ قَدْ مَضَّهُ الِاخْتِفَاءُ فَأَحَبَّ الْمَوْتَ، فَقُلْتُ: بَلِ الْحَقُّ، قُلْتُ: قَتَلْتُهُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا بِسَبَبِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا عَرَفَ أَنِّي صَادِقٌ تَرَبَّدَ وَجْهُهُ، وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَسَتَلْقَى أَبِي فَيَأْخُذُ حَقَّهُ مِنْكَ، وَأَمَّا أَنَا فَغَيْرُ مُخَفِّرٍ ذِمَّتِي، فَاخْرُجْ عَنِّي فَلَسْتُ آمَنُ نَفْسِي عَلَيْكَ، وَأَعْطَانِي أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ أَقْبَلْهَا وَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَهَذَا أَكْرَمُ رَجُلٍ رَأَيْتُهُ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ مَرِيَّةَ زَوْجَةَ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ اسْتَأْذَنَتْ عَلَى الْخَيْزُرَانِ، وَعِنْدَهَا زَيْنَبُ [بِنْتُ] سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، فَلَمَّا دَخَلَتْ قَالَتْ زَيْنَبُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَزَالَ نِعْمَتَكِ وَصَيَّرَكِ عِبْرَةً، تَذْكُرِينَ يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ حِينَ أَتَاكِ أَهْلُ بَيْتِي يَسْأَلُونَكِ أَنْ تُكَلِّمِي أَصْحَابَكِ فِي أَمْوَالِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ فَلَقِيتِيهِنَّ ذَلِكَ اللِّقَاءَ، وَأَخْرَجْتِيهِنَّ ذَلِكَ الْمَخْرَجَ، فَضَحِكَتْ، وَقَالَتْ: أَيْ بِنْتَ عَمِّ، أَيُّ شَيْءٍ أَعْجَبَكِ مِنْ حُسْنِ صَنِيعِ اللَّهِ بِي عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَرَدْتِ أَنْ تَتَأَسَّيْ بِي فِيهِ؟! ثُمَّ وَلَّتْ خَارِجَةً.
التاريخ 2697لا حكم مسجّل
حَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَبُو سَلَمَةَ الْخَلَّالُ، وَزِيرُ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَزَرَ لَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ خَلَّالًا إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلُهُ بِالْكُوفَةِ بِقُرْبِ الْخَلَّالِينَ، وَكَانَ يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ فَسُمِّيَ خَلَّالًا. وَقُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حَوَادِثِ السَّنَةِ. الربيع بن أبي راشد الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ جَبْرٍ، وَمِنَ الثَّوْرِيِّ. وَكَانَ كَالْغَائِبِ عَنِ الْخَلْقِ. عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ فِي الْجَبَّانَةِ، فَقَرَأَ رَجُلٌ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ.... الْآيَةَ، فَقَالَ الرَّبِيعُ: حَالَ ذِكْرُ الْمَوْتِ بَيْنِي وَبَيْنَ كَثِيرٍ مِمَّا أُرِيدُ مِنَ التِّجَارَةِ، وَلَوْ فَارَقَ ذِكْرُ الْمَوْتِ قَلْبِي سَاعَةً خَشِيتُ أَنْ يَفْسَدَ عَلَيَّ قَلْبِي، وَلَوْلَا أَنْ أُخَالِفَ مَنْ كَانَ قَبْلِي لَكَانَتِ الْجَبَّانَةُ مَسْكَنِي إِلَى أَنْ أَمُوتَ. قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ الرَّبِيعَ بْنَ أَبِي رَاشِدٍ كَأَنَّهُ مِخْمَارٌ مِنْ [غَيْرِ] شَرَابٍ. زبان بن عبد العزيز [زَبَّانُ] بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَبُو إِبْرَاهِيمَ: كَانَ سَيِّدَ بَنِي عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفَارِسَهُمْ، حَضَرَ الْوَقْعَةَ مَعَ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ لَيْلَةَ بُوصِيرَ فَتَقَنْطَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَقَتَلَهُ الْمِسْوَرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَمْ يَعْرِفُوهُ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ. صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ، مَوْلَى حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ. كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَابِدًا. قَالَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ،: عَادَلَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ إِلَى مَكَّةَ، فَمَا وَضَعَ جَنْبَهُ فِي الْمَحْمَلِ حَتَّى رَجَعَ. قَالَ: سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ يَحْيَى: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَامِلُهُ عَلَيْهَا. قَالَ: فَصَلَّى بِالنَّاسِ الظُّهْرَ ثُمَّ فَتَحَ بَابَ الْمَقْصُورَةِ، وَاسْتَنَدَ إِلَى الْمِحْرَابِ وَاسْتَقْبَلَ النَّاسَ بِوَجْهِهِ، فَنَظَرَ إِلَى صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ عَنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ مَا رَأَيْتُ سَمْتًا أَحْسَنَ مِنْهُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: يَا غُلَامُ، كِيسٌ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، فَأُتِيَ بِكِيسٍ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ لِخَادِمِهِ: تَرَى هَذَا الرَّجُلَ الْقَائِمَ يُصَلِّي، فَوَصَفَهُ لِلْغُلَامِ حَتَّى أَثْبَتَهُ. قَالَ: فَخَرَجَ الْغُلَامُ بِالْكِيسِ حَتَّى جَلَسَ إِلَى صَفْوَانَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ صَفْوَانُ رَكَعَ وَسَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ ذَا يَنْظُرُ إِلَيْكَ وَإِلَيَّ أَنْ أَدْفَعَ إِلَيْكَ هَذَا الْكِيسَ فِيهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، وَهُوَ يَقُولُ لَكَ: اسْتَعِنْ بِهَذِهِ عَلَى زَمَانِكَ وَعَلَى عِيَالِكَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: لَيْسَ أَنَا بِالَّذِي أُرْسِلْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْغُلَامُ: أَلَسْتَ صَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ؟ قَالَ: بَلَى أَنَا صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، قَالَ: فَإِلَيْكَ أُرْسِلْتُ، قَالَ: اذْهَبْ فَاسْتَثْبِتْ، فَإِذَا أُثْبِتَّ فَهَلُمَّ، فَقَالَ الْغُلَامُ: فَأَمْسِكِ الْكِيسَ مَعَكَ وَأَنَا أَذْهَبُ، قَالَ: لَا، إِذَا أَمْسَكْتُ كُنْتُ قَدْ أَخَذْتُ، وَلَكِنِ اذْهَبْ فَاسْتَثْبِتْ وَأَنَا هَاهُنَا جَالِسٌ. فَوَلَّى الْغُلَامُ وَأَخَذَ صَفْوَانُ نَعْلَيْهِ وَخَرَجَ، فَلَمْ يُرَ بِهَا حَتَّى خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنَ الْمَدِينَةِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَاصِمٍ: وَحَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ حَازِمٍ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي نَسْأَلُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ وَهُوَ فِي مُصَلَّاهُ، فَمَا زَالَ أَبِي حَتَّى رَدَّهُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَأَخْبَرَتْنِي مَوْلَاتُهُ أَنَّ سَاعَةَ خَرَجْتُمْ مَاتَ. عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، مَوْلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، الْكَاتِبُ، كَاتِبُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ: كَانَ الْأَسَاسَ فِي الْبَلَاغَةِ، رَسَمَ رُسُومَهَا، وَأَصَّلَ أُصُولَهَا، وَفَرَّعَ فُرُوعَهَا، وَقَدْ كَانَ قَبْلَهُ سَالِمٌ مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مُقَدَّمًا فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ إِلَّا أَنَّهُ دُونَ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَكَانَ مُتَّصِلًا فِي حَدَاثَتِهِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الثَّقَفِيِّ كَاتِبِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَتَأَدَّبَ وَبَرَعَ، ثُمَّ اتَّصَلَ بِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَبْلَ الْخِلَافَةِ فَغَلَبَ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَبْلَ الْخِلَافَةِ أَحْسَنَ خَطٍّ، وَلَا يَنْتَحِلُ شَيْئًا مِنَ الْبَلَاغَةِ، ثُمَّ قَامَ فِي الْخِلَافَةِ مَقَامَ الْوَزِيرِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْكَاتِبُ: رَآنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ يَحْيَى وَأَنَا أَكْتُبُ خَطًّا رَدِيئًا، فَقَالَ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تُجَوِّدَ خَطَّكَ فَأَطِلْ جِحْفَتَكَ وَاشْمُمْهَا، وَحَرِّفْ قِطَّتَكَ وَأَيْمِنْهَا. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: انْقَرَضَ مُلْكُ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى أَرْبَعَةٍ لَمْ يَجْتَمِعْ مِثْلُهُمْ فِي دَوْلَةٍ: مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِي شَجَاعَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ فِي كِتَابَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَيَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فِي تَدْبِيرِهِ وَصِحَّةِ رَأْيِهِ، وَنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ فِي صَوْلَتِهِ وَضَبْطِهِ وَبُعْدِ صَوْتِهِ. عُمَرُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَقُوَّامِ اللَّيْلِ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عُمَرَ بْنِ الْمُنْكَدِرِ لِعُمَرَ: إِنِّي لَأَشْتَهِي أَنْ أَرَاكَ نَائِمًا، فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، وَاللَّهِ إِنَّ اللَّيْلَ لَيَرُدَّ عَلَيَّ فَيَهُولُنِي، فَيَنْقَضِي عَنِّي وَمَا قَضَيْتُ إِرْبِي. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: فَمَا هَذَا الْبُكَاءُ الْكَثِيرُ؟ فَقَالَ: آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَبْكَتْنِي: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ. مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، أَبُو عَتَّابٍ، السُّلَمِيُّ: أَسْنَدَ عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَعَبِّدِينَ الثِّقَاتِ. صَامَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَتَمَامَهَا، وَكَانَ مَحْرُومًا كَأَنَّهُ قَدْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، وَبَكَى حَتَّى عَمِشَ. عَنْ زَائِدَةَ بْنِ قُدَامَةَ، قَالَ: صَامَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَامَ لَيْلَهَا وَصَامَ نَهَارَهَا، وَكَانَ يَبْكِي اللَّيْلَ، فَتَقُولُ لَهُ أُمُّهُ: يَا بُنَيَّ، قَتَلْتَ قَتِيلًا؟ فَيَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ مَا صَنَعْتُ بِنَفْسِي، فَإِذَا أَصْبَحَ كَحَلَ عَيْنَيْهِ وَدَهَنَ رَأْسَهُ وَبَرَقَ شَفَتَيْهِ وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ، فَأَخَذَهُ ذَاتَ يَوْمٍ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ عَامِلُ الْكُوفَةِ يُرِيدُهُ عَلَى الْقَضَاءِ، فَامْتَنَعَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَقَدْ جِيءَ بِالْقَيْدِ لِيُقَيَّدَ، قَالَ: فَجَاءَهُ خَصْمَانِ، فَقَعَدَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَسْأَلْهُمَا وَلَمْ يُكَلِّمْهُمَا، فَقِيلَ لِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ: إِنَّكَ لَوْ نَثَرْتَ لَحْمَهُ لَمْ يَلِ لَكَ قَضَاءً، فَخَلَّى عَنْهُ وَتَرَكَهُ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ سَالِمٍ الْعَبْدِيِّ، قَالَ: كَانَ مَنْصُورٌ يُصَلِّي فِي سَطْحِهِ، فَلَمَّا مَاتَ قَالَ غُلَامٌ لِأُمِّهِ: يَا أُمَّاهُ الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ فِي آلِ فُلَانٍ لَيْسَ أَرَاهُ، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ لَيْسَ ذَلِكَ جِذْعٌ، ذَلِكَ مَنْصُورٌ، وَقَدْ مَاتَ. قَالَ: ابْنُ عُيَيْنَةَ،: رَأَيْتُ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: كِدْتُ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِعَمَلِ نَبِيٍّ. قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّ مَنْصُورًا صَامَ سِتِّينَ سَنَةً يَقُومُ لَيْلَهَا وَيَصُومُ نَهَارَهَا. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِيهَا قُتِلَ يَحْيَى بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالزَّابِ، وَيَحْيَى أَخُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ. وَفِيهَا قُتِلَ يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ بِدِمَشْقَ لَمَّا دَخَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَكَانَ عُمُرُهُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، قَتَلَهُ رَجُلَانِ مِنْ خُرَاسَانَ وَلَمْ يَعْرِفَاهُ، فَلَمَّا عَرَفَاهُ بَكَيَا عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ عَضَّتْهُ دَابَّةٌ مِنْ دَوَابِّهِ فَقَتَلَتْهُ، وَكَانَ ضَرِيرًا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَ قَاضِيَهَا. وَفِيهَا مَاتَ هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفٍ. وَسَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَخُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَارٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ خَالُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، ( خُبَيْبٌ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ). وَعُمَارَةُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ ثَابِتٌ مَوْلَى الْعَتِيكِ بْنِ الَأَزْدِ، وَهُوَ وَالِدُ حَرَمِيٍّ، كُنْيَتُهُ أَبُو رَوْحٍ، ( حَرَمِيٌّ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ). وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسِ بْنِ كَيْسَانَ الْهَمْدَانِيُّ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَفُقَهَائِهِمْ .
التاريخ 2698لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ مُلْكِ الرُّومِ مَلَطْيَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْبَلَ قُسْطَنْطِينُ، مَلِكُ الرُّومِ، إِلَى مَلَطْيَةَ وَكَمْخَ، فَنَازَلَ كَمْخَ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا إِلَى أَهْلِ مَلَطْيَةَ يَسْتَنْجِدُونَهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ مِنْهَا ثَمَانِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَقَاتَلَهُمُ الرُّومُ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَنَازَلَ الرُّومُ مَلَطْيَةَ وَحَصَرُوهَا، وَالْجَزِيرَةُ يَوْمَئِذٍ مَفْتُونَةٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَعَامِلُهَا مُوسَى بْنُ كَعْبٍ بِحَرَّانَ. فَأَرْسَلَ قُسْطَنْطِينُ إِلَى أَهْلِ مَلَطْيَةَ: إِنِّي لَمْ أَحْصُرْكُمْ إِلَّا عَلَى عِلْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاخْتِلَافِهِمْ، فَلَكُمُ الْأَمَانُ وَتَعُودُونَ إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَحْتَرِثَ مَلَطْيَةَ. فَلَمْ يُجِيبُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ، فَأَذْعَنُوا وَسَلَّمُوا الْبِلَادَ عَلَى الْأَمَانِ، وَانْتَقَلُوا إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَحَمَلُوا مَا أَمْكَنَهُمْ حَمْلُهُ، وَمَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حَمْلِهِ أَلْقَوْهُ فِي الْآبَارِ وَالْمَجَارِي. فَلَمَّا سَارُوا عَنْهَا أَخْرَبَهَا الرُّومُ وَرَحَلُوا عَنْهَا عَائِدِينَ، وَتَفَرَّقَ أَهْلُهَا فِي بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَسَارَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى قَالِيقَلَا، فَنَزَلَ مَرْجَ الْحَصَى، وَأَرْسَلَ كُوشَانَ الْأَرْمَنِيَّ فَحَصَرَهَا، فَنَقَبَ إِخْوَانٌ مِنَ الْأَرْمَنِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رَدْمًا كَانَ فِي سُورِهَا، فَدَخَلَ كُوشَانُ وَمَنْ مَعَهُ الْمَدِينَةَ وَغَلَبُوا عَلَيْهَا، وَقَتَلُوا رِجَالَهَا، وَسَبَوُا النِّسَاءَ، وَسَاقَ الْقَائِمَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ.
التاريخ 2699لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ السَّفَّاحُ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَلِيٍّ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ ، وَأَعْمَالِهَا وَكُوَرِ دِجْلَةَ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ وَمِهْرَجَانْقَذَقَ، وَاسْتَعْمَلَ عَمَّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى الْأَهْوَازِ وَوَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُدَانِ عَلَى الْيَمَنِ. فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْمَدِينَةَ وَجَّهَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ حَسَّانَ السُّلَمِيَّ، وَهُوَ أَبُو حَمَّادٍ الْأَبْرَصُ بْنُ الْمُثَنَّى، إِلَى يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ، فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ. وَعَلَى خُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ أَبُو مُسْلِمٍ، وَعَلَى قِنِّسْرِينَ وَحِمْصَ وَكُوَرِ دِمَشْقَ وَالْأُرْدُنِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مِصْرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَوْنٍ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ أَبُو جَعْفَرٍ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى أَرْمِينِيَّةَ صَالِحُ بْنُ صُبَيْحٍ، وَعَلَى أَذْرَبِيجَانَ مُجَاشِعُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ.
التاريخ 2700لا حكم مسجّل
وَفِيهَا قَتَلَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُمْ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ: يَا أَخِي إِذَا قَتَلْتَ هَؤُلَاءِ فَمَنْ تُبَاهِي بِمُلْكِهِ ؟ أَمَا يَكْفِيكَ أَنْ يَرَوْكَ غَادِيًا وَرَائِحًا فِيمَا يُذِلُّهُمْ وَيَسُوؤُهُمْ ؟ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَقَتَلَهُمْ. وَفِيهَا مَاتَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالْمَدِينَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَاسْتَخْلَفَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ابْنَهُ مُوسَى وَلَمَّا بَلَغَتِ السَّفَّاحَ وَفَاتُهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ خَالَهُ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُدَانِ الْحَارِثِيَّ.
التاريخ 2701لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تَوَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى فَتَحَهَا.
التاريخ 2702لا حكم مسجّل
وَفِيهَا خَرَجَ شَرِيكُ بْنُ شَيْخٍ الْمَهْرِيُّ بِبُخَارَى عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ ، وَنَقَمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْنَا آلَ مُحَمَّدٍ، أَنْ تُسْفَكَ الدِّمَاءُ وَأَنْ يُعْمَلَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ! وَتَبِعَهُ عَلَى رَأْيِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ زِيَادَ بْنَ صَالِحٍ الْخُزَاعِيَّ فَقَاتَلَهُ، وَقَتَلَهُ زِيَادٌ.
التاريخ 2703لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تَوَجَّهَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْخُتَّلِ فَدَخَلَهَا، وَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ حُبَيْشُ بْنُ الشِّبْلِ مَلِكُهَا بَلْ تَحَصَّنَ مِنْهُ هُوَ وَأُنَاسٌ مِنَ الدَّهَّاقِينَ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُدَ خَرَجَ مِنَ الْحِصْنِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ دَهَاقِينِهِ وَشَاكِرِيَّتِهِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَرْضِ فَرْغَانَةَ، ثُمَّ دَخَلُوا بَلَدَ التُّرْكِ، وَانْتَهَوْا إِلَى مَلِكِ الصِّينِ، وَأَخَذَ أَبُو دَاوُدَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ،
التاريخ 2704لا حكم مسجّل
وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بِالْمَوْصِلِ، قَتَلَهُ سُلَيْمَانُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَسْوَدُ بِأَمَانٍ كَتَبَهُ لَهُ.
التاريخ 2705لا حكم مسجّل
وَفِيهَا وَجَّهَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لِيَغْزُوَ الصَّائِفَةَ وَرَاءَ الدُّرُوبِ.
التاريخ 2706لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عُزِلَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ . وَإِنَّمَا عُزِلَ يَحْيَى لِقَتْلِهِ أَهْلَ الْمَوْصِلِ )، وَسُوءِ أَثَرِهِ فِيهِمْ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ ذَكَرْنَا إِلَّا الْحِجَازَ وَالْيَمَنَ وَالْمَوْصِلَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا مَنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا.
التاريخ 2707لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تَخَالَفَ إِخْشِيدُ فَرْغَانَةَ وَمَلِكُ الشَّاشِ، فَاسْتَمَدَّ إِخْشِيدُ مَلِكَ الصِّينِ فَأَمَدَّهُ بِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَحَصَرُوا مَلِكَ الشَّاشِ، فَنَزَلَ عَلَى حُكْمِ مَلِكِ الصِّينِ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ بِمَا يَسُوؤُهُمْ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا مُسْلِمٍ فَوَجَّهَ إِلَى حَرْبِهِمْ زِيَادَ بْنُ صَالِحٍ، فَالْتَقَوْا عَلَى نَهْرِ طِرَازٍ فَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ زُهَاءَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَسَرُوا نَحْوَ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَهَرَبَ الْبَاقُونَ إِلَى الصِّينِ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ.
التاريخ 2708لا حكم مسجّل
دَاوُدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ: رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ دَاوُدُ لَمَّا ظَهَرَ ابْنُ أَخِيهِ السَّفَّاحُ، وَصَعِدَ لِيَخْطُبَ النَّاسَ، فَحُصِرَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَوَثَبَ دَاوُدُ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ الْمِنْبَرِ، فَخَطَبَ وَذَكَرَ أَمْرَهُمْ وَخُرُوجَهُمْ، وَمَنَّى النَّاسَ وَوَعَدَهُمُ الْعَدْلَ فَتَفَرَّقُوا عَنْ خُطْبَتِهِ، وَوَلَّاهُ السَّفَّاحُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهِيَ أَوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَنُو الْعَبَّاسِ، ثُمَّ صَارَ دَاوُدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا أَشْهُرًا ثُمَّ مَاتَ بِهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ: رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَكَانَ مِنَ الْبَكَّاءِينَ، وَكَانَ قَدْ حَفَرَ لِنَفْسِهِ قَبْرًا قَبْلَ مَوْتِهِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ يَأْتِيهِ فَيَخْتِمُ فِيهِ الْقُرْآنَ. قَالَ: الْمُخَارِقُ،: كَانَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ طَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا جَلَسَا يَبْكِيَانِ. وقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ،: كَانَ ضِرَارُ بْنُ مُرَّةَ يَقُولُ لَنَا: لَا تَجِيئُونِي جَمَاعَةً، وَلَكِنْ لِيَجِيءَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ، فَإِنَّكُمْ إِذَا اجْتَمَعْتُمْ تَحَدَّثْتُمْ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَدْرُسَ جُزْأَهُ [مِنَ الْقُرْآنِ] أَوْ يَذْكُرَ رَبَّهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ . وَابْنُ الْمُعَلَّى الزُّرَقِيُّ الْأَنْصَارِيُّ. وَعَلِيُّ بْنُ بَذِيمَةَ مَوْلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِيِّ. ( بَذِيمَةَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ).
التاريخ 2709لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ [ ذِكْرُ خَلْعِ بَسَّامِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ بَسَّامُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بَسَّامٍ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَسَارَ مِنْ عَسْكَرِ السَّفَّاحِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ عَلَى رَأْيِهِ سِرًّا إِلَى الْمَدَائِنِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ السَّفَّاحُ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَسَّامٌ وَأَصْحَابُهُ، وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ لَحِقَهُ مُنْهَزِمًا. ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَرَّ بِذَاتِ الْمَطَامِيرِ، وَبِهَا أَخْوَالُ السَّفَّاحِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُدَانِ، وَهُمْ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَمِنْ غَيْرِهِمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنْ مَوَالِيهِمْ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا جَازَهُمْ شَتَمُوهُ. وَكَانَ فِي قَلْبِهِ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لِمَا بَلَغَهُ عَنْهُمْ مِنْ حَالِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْفَزَعِ وَأَنَّهُ لَجَأَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ بَسَّامٍ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ عَنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا: مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُجْتَازٌ لَا نَعْرِفُهُ فَأَقَامَ فِي قَرْيَتِنَا لَيْلَةً ثُمَّ خَرَجَ عَنَّا. فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ أَخْوَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَأْتِيكُمْ عَدُوُّهُ وَيَأْمَنُ فِي قَرْيَتِكُمْ ! فَهَلَّا اجْتَمَعْتُمْ فَأَخَذْتُمُوهُ ! فَأَغْلَظُوا لَهُ فِي الْجَوَابِ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ جَمِيعًا، وَهَدَمَ دُورَهُمْ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ انْصَرَفَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَمَانِيَّةَ فَاجْتَمَعُوا، وَدَخَلَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ مَعَهُمْ عَلَى السَّفَّاحِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ خَازِمًا اجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَاسْتَخَفَّ بِحَقِّكَ، وَقَتَلَ أَخْوَالَكَ الَّذِينَ قَطَعُوا الْبِلَادَ وَأَتَوْكَ مُعْتَزِّينَ بِكَ طَالِبِينَ مَعْرُوفَكَ حَتَّى صَارُوا فِي جِوَارِكَ، قَتَلَهُمْ خَازِمٌ وَهَدَمَ دُورَهُمْ، وَنَهَبَ أَمْوَالَهُمْ بِلَا حَدَثٍ أَحْدَثُوهُ. فَهَمَّ بِقَتْلِ خَازِمٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ، وَأَبَا الْجَهْمِ بْنَ عَطِيَّةَ، فَدَخَلَا عَلَى السَّفَّاحِ وَقَالَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلَغَنَا مَا كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَأَنَّكَ هَمَمْتَ بِقَتْلِ خَازِمٍ، وَإِنَّا نُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ لَهُ طَاعَةً وَسَابِقَةً، وَهُوَ يُحْتَمَلُ لَهُ مَا صَنَعَ، فَإِنَّ شِيعَتَكُمْ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدْ آثَرُوكُمْ عَلَى الْأَقَارِبِ وَالْأَوْلَادِ وَقَتَلُوا مَنْ خَالَفَكُمْ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ تَغَمَّدَ إِسَاءَةَ مُسِيئِهِمْ. فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ مُجْمِعًا عَلَى قَتْلِهِ فَلَا تَتَوَلَّ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ وَابْعَثْهُ لِأَمْرٍ إِنْ قُتِلَ فِيهِ كُنْتَ قَدْ بَلَغْتَ الَّذِي تُرِيدُ، وَإِنْ ظَفِرَ كَانَ ظَفَرُهُ لَكَ. وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَوْجِيهِهِ إِلَى مَنْ بِعُمَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَإِلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بِجَزِيرَةِ ابْنِ كَاوَانَ مَعَ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الَيَشْكُرِيِّ، فَأَمَرَ السَّفَّاحُ بِتَوْجِيهِهِ مَعَ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ، بِحَمْلِهِمْ إِلَى جَزِيرَةِ ابْنِ كَاوَانَ وَعُمَانَ، فَسَارَ خَازِمٌ.
التاريخ 2710لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أَمْرِ الْخَوَارِجِ وَقَتْلِ شَيْبَانَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا سَارَ خَازِمٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي الْجُنْدِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَكَانَ قَدِ انْتَخَبَ مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَمَوَالِيهِ وَمِنْ أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْبَصْرَةَ حَمَلَهُمْ سُلَيْمَانُ فِي السُّفُنِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ بِالْبَصْرَةِ أَيْضًا عِدَّةٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى أَرْسَوْا بِجَزِيرَةِ ابْنِ كَاوَانَ. فَوَجَّهَ خَازِمٌ فَضْلَةَ بْنَ نُعَيْمٍ النَّهْشَلِيَّ فِي خَمْسِمِائَةٍ إِلَى شَيْبَانَ، فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَكِبَ شَيْبَانُ وَأَصْحَابُهُ السُّفُنَ وَسَارُوا إِلَى عُمَانَ، وَهُمْ صُفْرِيَّةٌ. فَلَمَّا صَارُوا إِلَى عُمَانَ قَاتَلَهُمْ الْجُلُنْدَى وَأَصْحَابُهُ، وَهُمْ إِبَاضِيَّةٌ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَقُتِلَ شَيْبَانُ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ قَتْلُ شَيْبَانَ عَلَى هَذَا السِّيَاقِ. ثُمَّ سَارَ خَازِمٌ فِي الْبَحْرِ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَرْسَوْا إِلَى سَاحِلِ عُمَانَ، فَخَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَلَقِيَهُمُ الْجُلُنْدَى وَأَصْحَابُهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ يَوْمَئِذٍ فِي أَصْحَابِ خَازِمٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ فِي تِسْعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ اقْتَتَلُوا مِنَ الْغَدِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْخَوَارِجِ تِسْعُمِائَةٍ وَأُحْرِقَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ تِسْعِينَ رَجُلًا. ثُمَّ الْتَقَوْا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ مِنْ مَقْدِمِ خَازِمٍ عَلَى رَأْيٍ أَشَارَ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ خَازِمٍ، أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ فَيَجْعَلُوا عَلَى أَطْرَافِ أَسِنَّتِهِمُ الْمُشَاقَةَ، وَيَرْوُوهَا بِالنِّفْطِ وَيُشْعِلُوا فِيهَا النِّيرَانَ ثُمَّ يَمْشُوا بِهَا حَتَّى يُضْرِمُوهَا فِي بُيُوتِ أَصْحَابِ الْجُلُنْدَى، وَكَانَتْ مِنْ خَشَبٍ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ وَأُضْرِمَتْ بُيُوتُهُمْ بِالنِّيرَانِ اشْتَغَلُوا بِهَا وَبِمَنْ فِيهَا مِنْ أَوْلَادِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ خَازِمٌ وَأَصْحَابُهُ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ فَقَتَلُوهُمْ، وَقَتَلُوا الْجُلُنْدَى فِيمَنْ قُتِلَ، وَبَلَغَ عِدَّةُ الْقَتْلَى عَشَرَةَ آلَافٍ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَهَا سُلَيْمَانُ إِلَى السَّفَّاحِ، وَأَقَامَ خَازِمٌ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْهُرًا حَتَّى اسْتَقْدَمَهُ السَّفَّاحُ فَقَدِمَ.
التاريخ 2711لا حكم مسجّل
ذِكْرُ غَزْوَةِ كِسَّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَهْلَ كِسَّ، فَقَتَلَ الْإِخْرِيدَ مَلِكَهَا، وَهُوَ سَامِعٌ مُطِيعٌ، وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ وَأَخَذَ مِنْهُمْ مِنَ الْأَوَانِي الصِّينِيَّةِ الْمَنْقُوشَةِ الْمُذَهَّبَةِ مَا لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَمِنَ السُّرُوجِ وَمَتَاعِ الصِّينِ كُلِّهِ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالطُّرَفِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَحَمَلَهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَهُوَ بِسَمَرْقَنْدَ، وَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ دَهَاقِينِهِمْ، وَاسْتَحْيَا طَارَانَ أَخَا الْإِخْرِيدِ، وَمَلَّكَهُ عَلَى كِسَّ. وَانْصَرَفَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى مَرْوَ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ فِي أَهْلِ الصُّغْدِ وَبُخَارَى، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ سُورِ سَمَرْقَنْدَ، وَاسْتَخْلَفَ زِيَادَ بْنَ صَالِحٍ عَلَيْهَا وَعَلَى بُخَارَى، وَرَجَعَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى بَلْخَ.
التاريخ 2712لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حَالِ مَنْصُورِ بْنِ جُمْهُورٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ السَّفَّاحُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ إِلَى السِّنْدِ لِقِتَالِ مَنْصُورِ بْنِ جُمْهُورٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ عَلَى شُرَطِ السَّفَّاحِ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ، وَقَدِمَ مُوسَى السِّنْدَ فَلَقِيَ مَنْصُورًا فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَانْهَزَمَ مَنْصُورٌ وَمَنْ مَعَهُ وَمَضَى، فَمَاتَ عَطَشًا فِي الرِّمَالِ، وَقَدْ قِيلَ أَصَابَهُ بَطْنُهُ فَمَاتَ. وَسَمِعَ خَلِيفَتُهُ عَلَى السِّنْدِ بِهَزِيمَتِهِ فَرَحَلَ بِعِيَالِ مَنْصُورٍ وَثَقَلِهِ، فَدَخَلَ بِهِمْ بِلَادَ الْخَزَرِ.
التاريخ 2713لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى الْيَمَنِ ، فَاسْتَعْمَلَ السَّفَّاحُ مَكَانَهُ عَلِيَّ بْنَ الرَّبِيعِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَفِيهَا تَحَوَّلَ السَّفَّاحُ مِنَ الْحِيرَةِ إِلَى الْأَنْبَارِ فِي ذِي الْحِجَّةِ. وَفِيهَا ضُرِبَ الْمَنَارُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى مَكَّةَ وَالْأَمْيَالِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ. وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْيَمَنِ: عَلِيُّ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَعْمَالِهَا وَكُوَرِ دِجْلَةَ وَعُمَانَ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَعَلَى السِّنْدِ: مُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ: أَبُو مُسْلِمٍ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ: صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مِصْرَ: أَبُو عَوْنٍ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى إِرْمِينِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَعَلَى أَذْرَبِيجَانَ: مُحَمَّدُ بْنُ صُولٍ، وَعَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ: خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ: أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ. وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ مَنْ ذَكَرْنَا، وَعَلَى الشَّامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ.
التاريخ 2714لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: كَانَ عَلَى الْيَمَنِ مِنْ قِبَلِ السَّفَّاحِ، فَتُوُفِّيَ. فَكَتَبَ السَّفَّاحُ بِوِلَايَتِهَا لِعَلِيِّ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ، ابْنِ خَالِ السَّفَّاحِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَسَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: أَبُو هَارُونَ الْعَبْدِيُّ عُمَارَةُ بْنُ جُوَيْنٍ، وَيَزِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الدِّمَشْقِيُّ.
التاريخ 2715لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ زِيَادِ بْنِ صَالِحٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ وَرَاءَ النَّهْرِ، فَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ مَرْوَ مُسْتَعِدًّا لِلِقَائِهِ، وَبَعَثَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ نَصْرَ بْنَ رَاشِدٍ إِلَى تِرْمِذَ مَخَافَةَ أَنْ يَبْعَثَ زِيَادُ بْنُ صَالِحٍ إِلَى الْحِصْنِ وَالسُّفُنِ فَيَأْخُذُهَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ نَصْرٌ وَأَقَامَ بِهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الطَّالَقَانِ مَعَ رَجُلٍ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ فَقَتَلُوا نَصْرًا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَا دَاوُدَ بَعَثَ عِيسَى بْنَ مَاهَانَ فِي تَتَبُّعِ قَتَلَةِ نَصْرٍ، فَتَبِعَهُمْ فَقَتَلَهُمْ. وَمَضَى أَبُو مُسْلِمٍ مُسْرِعًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى آمُلَ وَمَعَهُ سِبَاعُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَزْدِيُّ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ أَرْسَلَهُ السَّفَّاحُ إِلَى زِيَادِ بْنِ صَالِحٍ وَأَمَرَهُ إِنْ رَأَى فُرْصَةً أَنْ يَثِبَ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَيَقْتُلَهُ. فَأُخْبِرَ أَبُو مُسْلِمٍ بِذَلِكَ، فَحَبَسَ سِبَاعًا بِآمُلَ، وَعَبَرَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى بُخَارَى، فَلَمَّا نَزَلَهَا أَتَاهُ عِدَّةٌ مِنْ قُوَّادِ زِيَادٍ قَدْ خَلَعُوا زِيَادًا فَأَخْبَرُوا أَبَا مُسْلِمٍ أَنَّ سِبَاعَ بْنَ النُّعْمَانِ هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ زِيَادًا، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِآمُلَ أَنْ يَقْتُلَهُ، وَلَمَّا أَسْلَمَ زِيَادًا قُوَّادُهُ وَلَحِقُوا بِأَبِي مُسْلِمٍ لَجَأَ إِلَى دِهْقَانٍ هُنَاكَ، فَقَتَلَهُ وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ. وَتَأَخَّرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ لِحَالِ أَهْلِ الطَّالَقَانِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ يُخْبِرُهُ بِقَتْلِ زِيَادٍ، فَأَتَى كِسَّ وَأَرْسَلَ عِيسَى بْنَ مَاهَانَ إِلَى بَسَّامٍ وَبَعَثَ جُنْدًا إِلَى شَاغِرَ فَطَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ. وَأَمَّا بَسَّامٌ فَلَمْ يَصِلْ عِيسَى إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَكَتَبَ عِيسَى إِلَى كَامِلِ بْنِ مُظَفَّرٍ صَاحِبِ أَبِي مُسْلِمٍ يَعْتِبُ أَبَا دَاوُدَ وَيَنْسُبُهُ إِلَى الْعَصَبِيَّةِ، فَبَعَثَ أَبُو مُسْلِمٍ بِالْكُتُبِ إِلَى أَبِي دَاوُدَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ هَذِهِ كُتُبُ الْعِلْجِ الَّذِي صَيَّرْتَهُ عِدْلَ نَفْسِكَ، فَشَأْنُكَ بِهِ. فَكَتَبَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى عِيسَى يَسْتَدْعِيهِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ حَبَسَهُ وَضَرَبَهُ ثُمَّ أَخْرَجَهُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْجُنْدُ فَقَتَلُوهُ، وَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى مَرْوَ.
التاريخ 2716لا حكم مسجّل
ذِكْرُ غَزْوَةِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ، وَغَنِمَ بِهَا وَسَبَى، وَظَفِرَ بِهَا مَا لَمْ يَظْفَرْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، بَعْدَ أَنْ غَزَا تِلْمِسَانَ. وَاشْتَغَلَ وُلَاةُ إِفْرِيقِيَّةَ بِالْفِتْنَةِ مَعَ الْبَرْبَرِ، فَأَمِنَ الصِّقِلِيَّةُ وَعَمَّرَهَا الرُّومُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَعَمَّرُوا فِيهَا الْحُصُونَ وَالْمَعَاقِلَ، وَصَارُوا يُخْرِجُونَ كُلَّ عَامٍ مَرَاكِبَ تَطُوفُ بِالْجَزِيرَةِ وَتَذُبُّ عَنْهَا، وَرُبَّمَا طَارَقُوا تُجَّارًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَأْخُذُونَهُمْ.
التاريخ 2717لا حكم مسجّل
حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَأَعْمَالِهَا، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
التاريخ 2718لا حكم مسجّل
إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، أَبُو يَحْيَى الْأَسَدِيُّ: سَمِعَ مِنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمَا. وَرَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَهُشَيْمٌ. نَزَلَ بَغْدَادَ قَبْلَ تَمْصِيرِهَا. وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ: ثِقَةٌ ثِقَةٌ. وَقَالَ يَحْيَى: هُوَ أَوْثَقُ مِنْ أَسَاطِينِ الْجَامِعِ. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ الْأَسَدِيُّ: الَّذِي رَوَى عَنْهُ هُشَيْمٌ وَأَصْحَابُهُ كَانَ ثِقَةً ثَبَتًا، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ فَسَكَنَ بَغْدَادَ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى وَتُسْكَنَ، وَكَانَتْ بِبَغْدَادَ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ خَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ رَابِطَةً، يُغِيرُونَ عَلَى الْخَوَارِجِ إِذَا خَرَجُوا فِي نَاحِيَتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَضْعُفَ أَمْرُهُمْ. رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ: قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى،: دَخَلْتُ عَلَى رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةِ بَيْتَهَا، فَرَأَيْتُ عَلَى وَجْهِهَا النُّورَ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الْبُكَاءِ، فَقَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَهَا آيَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ، فَصَاحَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ. وَدَخَلْتُ عَلَيْهَا وَهِيَ جَالِسَةٌ عَلَى قِطْعَةِ بُورِيٍّ خَلَقٍ فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ عِنْدَهَا بِشَيْءٍ، فَجَعَلْتُ أَسْمَعُ وَقْعَ دُمُوعِهَا عَلَى الْبَوَارِيِّ مِثْلَ الْوَكْفِ، ثُمَّ اضْطَرَبَتْ وَصَاحَتْ فَقُمْنَا وَخَرَجْنَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: دَخَلْتُ عَلَى رَابِعَةَ. وَكَانَتْ عَجُوزًا كَبِيرَةً بِنْتَ ثَمَانِينَ سَنَةً، كَأَنَّهَا الشَّنُّ، تَكَادُ تَسْقُطُ، وَرَأَيْتُ فِي بَيْتِهَا كُرَاخَةَ بَوَارِيٍّ، وَمِشْجَبَ قَصَبٍ فَارِسِيًّا، طُولُهُ مِنَ الْأَرْضِ قَدْرُ ذِرَاعَيْنِ، عَلَيْهِ أَكْفَانُهَا، وَسِتْرُ الْبَيْتِ جِلَّةٌ، وَرُبَّمَا بَوَارِيٌّ، وَحَبٌّ وَكُوزٌ وَلِبْدٌ هُوَ فِرَاشُهَا وَهُوَ مُصَلَّاهَا. وَكَانَتْ إِذَا ذَكَرَتِ الْمَوْتَ انْتَفَضَتْ وَأَصَابَتْهَا رِعْدَةٌ، وَإِذَا مَرَّتْ بِقَوْمٍ عَرَفُوا فِيهَا الْعِبَادَةَ. وَقَالَ لَهَا رَجُلٌ: ادْعِي لِي، فَالْتَصَقَتْ بِالْحَائِطِ وَقَالَتْ: مَنْ أَنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ، أَطِعْ رَبَّكَ وَادْعُهُ فَإِنَّهُ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ. قَالَ ابن الجوزي: كَانَتْ رَابِعَةُ مُحَقِّقَةً فَطِنَةً، وَمِنْ كَلَامِهَا الدَّالِّ عَلَى قُوَّةِ فَهْمِهَا قَوْلُهَا: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ قِلَّةِ صِدْقِي فِي قَوْلِي أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: مَرُّوا بِنَا إِلَى الْمُؤَدِّبَةِ الَّتِي لَا أَجِدُ مَنْ أَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ إِذَا فَارَقْتُهَا. وَقَالَ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْهَا: وَاَحُزْنَاهْ! فَقَالَتْ: لَا تَكْذِبْ، قُلْ: وَاقِلَّةَ حُزْنَاهْ، لَوْ كُنْتَ مَحْزُونًا مَا هَنَاكَ الْعَيْشُ. وَقِيلَ لَهَا: هَلْ عَمِلْتِ عَمَلًا تَرَيْنَ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكِ؟ فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ فَمَخَافَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ. وَقَدْ جَمَعْتُ أَخْبَارَهَا فِي كِتَابٍ؛ فَلِهَذَا اقْتَصَرْتُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ هَا هُنَا. دُفِنَتْ بِظَاهِرِ الْقُدْسِ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، وَقَبْرُهَا يُزَارُ. زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، أَبُو عَقِيلٍ التَّمِيمِيُّ: مَدِينِيٌّ سَكَنَ مِصْرَ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ. رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ رِشْدِينُ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدِينِيُّ: كَانَ يَقُولُ: كَانَ جَدِّي فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُكَنَّى أَبَا السَّائِبِ، وَبِهِ اكْتَنَيْتُ، وَكَانَ خَلِيطًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذَا ذَكَرَهُ فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: نِعْمَ الْخَلِيطُ، وَكَانَ لَا يُسَارِي وَلَا يُمَارِي. كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَدِيبًا فَاضِلًا خَيِّرًا عَفِيفًا، لَكِنَّهُ مُشْتَهِرٌ بِحُبِّ الْغَزَلِ، يَهُشُّ عِنْدَ سَمَاعِ الشِّعْرِ وَيَطْرَبُ لَهُ، قَدِمَ عَلَى السَّفَّاحِ الْأَنْبَارَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازُ، بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ، قَالَ: كَانَ أَبُو السَّائِبِ الْمَخْزُومِيُّ مَعَ حَسَنِ بْنِ زَيْدٍ بِالْأَنْبَارِ، وَكَانَ لَهُ مُكْرِمًا وَذَلِكَ فِي وِلَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَأَنْشَدَهُ لَيْلَةً الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ أَبْيَاتًا لِمَجْنُونِ بَنِي عَامِرٍ: وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّ تَيْمَاءَ مَنْزِلٌ لِلَيْلَى إِذَا مَا الضَّيْفُ أَلْقَى الْمَرَاسِيَا فَجَعَلَ أَبُو السَّائِبِ يَحْفَظُهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَذَكَرَهَا شَذَّ عَلَيْهِ بَعْضُهَا، فَرَجَعَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى الْبَابِ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَبَا فُلَانٍ، فَسَمِعَ ذَلِكَ الْحَسَنُ، فَقَالَ: افْتَحُوا الْبَابَ لِأَبِي السَّائِبِ فَقَدْ دَعَاهُ أَمْرٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: أَجَاءَ خَبَرٌ؟ قَالَ: أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: تُعِيدُ عَلَيَّ: وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّ تَيْمَاءَ مَنْزِلٌ لِلَيْلَى إِذَا مَا الضَّيْفُ أَلْقَى الْمَرَاسِيَا فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ حَتَّى حَفِظَهَا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ التَّيْمِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بَيْنَا أَبُو السَّائِبِ فِي دَارِهِ إِذْ سَمِعَ رَجُلًا يَتَغَنَّى بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَبْكِي الَّذِينَ أَذَاقُونِي مَوَدَّتَهُمْ حَتَّى إِذَا أَيْقَظُونِي لِلْهَوَى رَقَدُوا حَسْبِي بِأَنْ تَعْلَمِي أَنْ قَدْ يُحِبُّكُمُ قَلْبِي فَإِنْ تَجِدِي بَعْضَ الَّذِي أَجِدُ أَلْفَيْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحُبِّ مَعْرِفَةً فَلَيْسَ يَنْفُذُ حَتَّى يَنْفُذَ الْأَبَدُ وَلَيْسَ لِي مُسْعِدٌ فَامْنُنْ عَلَيَّ بِهِ فَقَدْ بَلِيتُ وَقَدْ أَضْنَانِيَ الْكَمَدُ قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو السَّائِبِ خَلْفَهُ وَقَالَ: قِفْ يَا حَبِيبُ فَقَدْ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ، [أَنَا مُسْعِدُكَ]، أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: خِيَامُ السَّعَفِ مِنْ وَادِي الْعَرْجِ، فَأَصَابَتْهُمَا سَمَاءٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ أَبُو السَّائِبِ يَقْرَأُ: فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَقَدْ كَادَتْ نَفْسُهُ تَتْلَفُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا السَّائِبِ، مَا الَّذِي تَصْنَعُ بِنَفْسِكَ؟ قَالَ: إِلَيْكُمْ عَنِّي، فَإِنِّي مَشَيْتُ فِي مَكْرُمَةٍ، وَأَحْبَبْتُ مُسْلِمًا، وَالْمُحْسِنُ مُعَانٌ. قَالَ ابن الجوزي: وَالْأَخْبَارُ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ حَتَّى أَنَّ ابْنَهُ أَنْشَدَهُ بَيْتَيْنِ وَقَدِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الدَّارِ عَلَى الْمَائِدَةِ، فَقَالَ لَهُ: أُمُّكَ طَالِقٌ إِنْ تَعَشَّيْنَا وَلَا تَسَحَّرْنَا إِلَّا بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ [فَرَفَعُوا الطَّعَامَ وَجَعَلُوا يُرَدِّدُونَ الْبَيْتَيْنِ]، ثُمَّ أَيْقَظَهُمْ سَحَرًا فَأَنْشَدُوهُ. وَجَازَ عَلَى حَدَّادٍ، وَهُوَ يُنْشِدُ، فَحَلَفَ لَيَنْفُخَنَّ لَهُ بِمِنْفَاخِهِ، فَجَلَسَ يَنْفُخُ وَذَلِكَ يُنْشِدُهُ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ، قَالَ: صَامَ أَبُو السَّائِبِ الْمَخْزُومِيُّ يَوْمًا، فَلَمَّا صَلَّى الْمَغْرِبَ وَقُدِّمَتْ مَائِدَتُهُ خَطَرَ بِقَلْبِهِ بَيْتٌ لِجَرِيرٍ: إِنَّ الَّذِينَ غَدَوْا بِقَلْبِكَ غَادَرُوا وَشَلًا بِعَيْنِكَ مَا يَزَالُ مَعِينًا غَيَّضْنَ مِنْ عَبَرَاتِهِنَّ وَقُلْنَ لِي مَاذَا لَقِيتَ مِنَ الْهَوَى وَلَقِينَا فَقَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ لَهُ طَالِقٌ وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ حُرٌّ إِنْ أَفْطَرَ اللَّيْلَةَ إِلَّا عَلَى هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ. أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو السَّائِبِ: يَا ابْنَ أَخِي، أَنْشِدْنِي لِلْأَحْوَصِ، فَأَنْشَدْتُهُ قَوْلَهُ: قَالَتْ وَقُلْتُ تَحَرَّجِي وَصِلِي حَبْلَ امْرِئٍ بِوِصَالِكُمْ صَبِّ صَاحَتْ إِذًا بَعْلِي فَقُلْتُ لَهَا الْعُذْرُ شَيْءٌ لَيْسَ مِنْ شَعْبِي ثِنْتَانِ لَا أُوثِرُ لِوَصْلِهِمَا عُرْسُ الْخَلِيلِ وَجَارَةُ الْجُنُبِ أَمَّا الْخَلِيلُ فَلَسْتُ فَاجِعَهُ وَالْجَارُ أَوْصَانِي بِهِ رَبِّي فَقَالَ: هَذَا يَا ابْنَ أَخِي الْمُحِبُّ غِبْنًا. عَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ: وَفِي اسْمِ أَبِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا مَيْسَرَةُ، وَالثَّانِي عَبْدُ اللَّهِ، وَفِي كُنْيَةِ عَطَاءٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَبُو عُثْمَانَ، وَالثَّانِي أَبُو أَيُّوبَ. وَأَصْلُهُ مِنْ بَلْخٍ، أَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ. قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ،: كُنَّا مُقَارِبِي عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً، وَكَانَ إِذَا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ ثُلُثُهُ أَوْ نِصْفُهُ نَادَانَا وَهُوَ فِي فُسْطَاطِهِ يَا إِسْمَاعِيلُ، يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، قُومُوا فَتَوَضَّئُوا وَصَلُّوا، فَإِنَّ صَلَاةَ هَذَا اللَّيْلِ وَصِيَامَ هَذَا النَّهَارِ أَيْسَرُ مِنْ شَرَابِ الصَّدِيدِ، وَمُقَطَّعَاتِ الْحَدِيدِ، الْوَحَا الْوَحَا! مُحِبُّ بْنُ حَازِمِ مَوْلَى ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُعَيْنٍ، يُكَنَّى أَبَا جَبْرَةَ: يَرْوِي عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا بِسَنَدِهِ، لَا يَرْوِي غَيْرَهُ، رَوَى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ أَيُّوبَ، وَضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَاللَّيْثُ بْنُ عَاصِمٍ. وَكَانَ فَاضِلًا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو خَازِمٍ الْأَعْرَجُ ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِفَارِسَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ أَمِيرًا عَلَى الْمَوْصِلِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ ثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ الدِّئِلِيُّ، وَكَانَ ثِقَةً. وَزِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَكَانَ مِنَ الْأَبْطَالِ. ( عَيَّاشٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ).
التاريخ 2719لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا قَدِمَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ خُرَاسَانَ عَلَى السَّفَّاحِ بِالْعِرَاقِ وَذَلِكَ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ الْخَلِيفَةَ فِي الْقُدُومِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْدَمَ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ وَتَرْتُ النَّاسَ، وَإِنِّي أَخْشَى مِنْ قِلَّةِ الْخَمْسِمِائَةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنِ اقْدَمْ فِي أَلْفٍ. فَقَدِمَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ فَرَّقَهُمْ، وَأَخَذَ مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالتُّحَفِ وَالْهَدَايَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَمَّا قَدِمَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِوَى أَلْفٍ مِنَ الْجُنْدِ، فَتَلْقَّاهُ الْقُوَّادُ الْكُبَرَاءُ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى السَّفَّاحِ أَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَكَانَ يَأْتِي إِلَى الْخِدْمَةِ كُلَّ يَوْمٍ، وَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي كُنْتُ عَيَّنْتُ إِمْرَةَ الْحَجِّ لِأَبِي جَعْفَرٍ لَأَمَّرْتُكَ. وَكَانَ مَا بَيْنَ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي مُسْلِمٍ خَرَابًا، وَذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنَ الْجَفْوَةِ مِنْهُ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ نَيْسَابُورَ فِي الْبَيْعَةِ لِلسَّفَّاحِ وَلِلْمَنْصُورِ مِنْ بَعْدِهِ، فَحَقَدَ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَشَارَ عَلَى السَّفَّاحِ بِقَتْلِهِ، وَحِينَ قَدِمَ حَرَّضَهُ عَلَى قَتْلِهِ أَيْضًا، فَقَالَ لَهُ السَّفَّاحُ: قَدْ عَلِمْتَ بَلَاءَهُ مَعَنَا وَخِدْمَتَهُ لَنَا. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا ذَلِكَ بِدَوْلَتِنَا، وَاللَّهِ لَوْ أَرْسَلْتَ سِنَّوْرًا لَسَمِعُوا لَهُ وَأَطَاعُوا، وَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَتَغَدَّ بِهِ تَعَشَّى بِكَ هُوَ. فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ فَحَادَثْتَهُ جِئْتُ أَنَا مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ. قَالَ: فَكَيْفَ بِمَنْ مَعَهُ ؟ قَالَ: هُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ. فَأَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى السَّفَّاحِ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ أَذِنَ لِأَخِيهِ فِيهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْخَادِمُ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ ذَاكَ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَدْ نَدِمَ عَلَيْهِ، فَلَا تَفْعَلْهُ. فَلَمَّا جَاءَهُ الْخَادِمُ وَجَدَهُ مُحْتَبِيًا بِالسَّيْفِ، مُتَهَيِّئًا لِمَا يُرِيدُ مِنْ قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ فَلَمَّا نَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ غَضِبَ أَبُو جَعْفَرٍ غَضَبًا شَدِيدًا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ عَنْ وِلَايَةِ أَخِيهِ السَّفَّاحِ وَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْحِجَازِ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ عَنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةِ وَإِذْنِهِ لَهُ فِي الْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ، فَلَمَّا رَجَعَا مِنَ الْحَجِّ فَكَانَا بِذَاتِ عِرْقٍ جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ - وَكَانَ يَسِيرُ قَبْلَ أَبِي مُسْلِمٍ بِمَرْحَلَةٍ - بِمَوْتِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ أَنْ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، فَالْعَجَلَ الْعَجَلَ. فَلَمَّا اسْتَعْلَمَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَبَرَ عَجَّلَ السَّيْرَ وَرَاءَهُ، فَلَحِقَهُ إِلَى الْكُوفَةِ فَكَانَتْ بَيْعَةُ الْمَنْصُورِ.
التاريخ 2720لا حكم مسجّل
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ وَذِكْرُ وَفَاتِهِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ السَّفَّاحُ - وَيُقَالُ لَهُ: الْمُرْتَضَى. وَ: الْقَائِمُ أَيْضًا - ابْنُ مُحَمَّدٍ الْإِمَامِ بْنِ عَلِيٍّ السَّجَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَبْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ ذِي الرَّأْيِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ شَيْبَةِ الْحَمْدِ بْنِ هَاشِمٍ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأُمُّهُ رَيْطَةُ - وَيُقَالُ: رَائِطَةُ - بِنْتُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمَدَانِ بْنِ الدَّيَّانِ الْحَارِثِيِّ، كَانَ مَوْلِدُ السَّفَّاحِ بِالْحُمَيْمَةِ مِنْ أَرْضِ الشَّرَاةِ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ بِالشَّامِ وَنَشَأَ بِهَا حَتَّى طُلِبَ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ، فَقَتَلَهُ مَرْوَانُ الْحِمَارُ بِحَرَّانَ، فَانْتَقَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ أَخِيهِ فِي حَيَاةِ مَرْوَانَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَيُقَالُ: فِي جُمَادَى سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَتُوفِّيَ بِالْجُدَرِيِّ بِالْأَنْبَارِ يَوْمَ الْأَحَدِ الْحَادِي عَشَرَ - وَقِيلَ: الثَّالِثَ عَشَرَ - مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ عُمْرُهُ ثَلَاثًا - وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ. وَقِيلَ: إِحْدَى - وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعُ سِنِينَ وَتِسْعَةُ أَشْهُرٍ. وَكَانَ أَبْيَضَ جَمِيلًا طَوِيلًا، أَقْنَى الْأَنْفِ، جَعْدَ الشَّعْرِ، حَسَنَ اللِّحْيَةِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، فَصِيحَ الْكَلَامِ، حَسَنَ الرَّأْيِ، جَيِّدَ الْبَدِيهَةِ. [شِدَّةُ ذَكَائِهِ وَسُرْعَةُ جَوَابِهِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ: (دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ عَلَى السَّفَّاحِ مَرَّةً وَالْمَجْلِسُ غَاصٌّ بِبَنِي هَاشِمٍ وَالشِّيعَةِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، وَمَعَهُ مُصْحَفٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَعْطِنَا حَقَّنَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَنَا فِي هَذَا الْمُصْحَفِ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَلِيًّا جَدَّكَ كَانَ خَيْرًا مِنِّي وَأَعْدَلَ، وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ فَأَعْطَى جَدَّيْكَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ - وَكَانَا خَيْرًا مِنْكَ - شَيْئًا، وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ أُعْطِيَكَ مِثْلَهُ؟! فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ... فَقَدْ أَنْصَفْتُكَ، وَإِنْ كُنْتُ زِدْتُكَ... فَمَا هَذَا جَزَائِي مِنْكَ! فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُحِرْ جَوَابًا، وَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ جَوَابِ السَّفَّاحِ). عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ - وَهُوَ وَالِدُ السَّفَّاحِ - قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَنْ تَجِدُونَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ ؟ قَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: أَنْتَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيَّ، فَقَالَ: وَهِيَ فِي ثِيَابِكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَعَلْتُ ذَلِكَ النَّصْرَانِيَّ فِي بَالِي، فَرَأَيْتُهُ يَوْمًا، فَأَمَرْتُ غُلَامِي أَنْ يَحْبِسَهُ عَلَيَّ، وَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِي، فَسَأَلْتُهُ عَمَّا يَكُونُ بَعْدُ فِي خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ فَذَكَرَهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَتَجَاوَزَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: ثُمَّ ابْنُكَ ابْنُ الْحَارِثِيَّةِ. قَالَ: وَكَانَ إِذْ ذَاكَ حَمْلًا. وَوَفَدَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَبَادَرُوا إِلَى تَقْبِيلِ يَدِهِ، وَتَرَكَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ الْعَدَوِيُّ وَإِنَّمَا حَيَّاهُ بِالْخِلَافَةِ، وَهَنَّأَهُ بِهَا فَقَطْ. وَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ كَانَتْ تَزِيدُكَ رِفْعَةً وَتَزِيدُنِي وَسِيلَةً إِلَيْكَ، مَا سَبَقَنِي إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَإِنِّي لَغَنِيٌّ عَمَّا لَا أَجْرَ فِيهِ. ثُمَّ جَلَسَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا نَقَصَهُ ذَلِكَ مِنْ حَظِّ أَصْحَابِهِ. نعي السفاح وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيُّ أَنَّ الرَّشِيدَ أَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ إِسْحَاقَ بْنِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ مَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ السَّفَّاحِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ عِيسَى أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى السَّفَّاحِ يَوْمَ عَرَفَةَ بُكْرَةً فَوَجَدَهُ صَائِمًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يُحَادِثَهُ فِي يَوْمِهِ هَذَا، ثُمَّ يَخْتِمُ ذَلِكَ بِفِطْرِهِ عِنْدَهُ. قَالَ: فَحَادَثْتُهُ حَتَّى أَخَذَهُ النَّوْمُ، فَقُمْتُ عَنْهُ، وَقُلْتُ: أُقِيلَ فِي مَنْزِلِي، ثُمَّ أَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ. فَذَهَبْتُ فَنِمْتُ قَلِيلًا ثُمَّ قُمْتُ، فَأَقْبَلْتُ إِلَى دَارِهِ، فَإِذَا عَلَى بَابِهِ بَشِيرٌ مِنْ أَهْلِ السِّنْدِ بِبَيْعَتِهِمْ لِلْخَلِيفَةِ وَتَسْلِيمِ الْأُمُورِ إِلَى نُوَّابِهِ. قَالَ: فَحَمِدْتُ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي وَفَّقَنِي لِأَنْ أَجِيئَهُ بِبِشَارَةٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ الدَّارَ، فَإِذَا آخَرُ مَعَهُ الْبِشَارَةُ بِفَتْحِ إِفْرِيقِيَّةَ فَحَمِدْتُ اللَّهَ أَيْضًا، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَبَشَّرْتُهُ بِذَلِكَ وَهُوَ يُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ، فَسَقَطَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! كُلُّ شَيْءٍ بَائِدٌ سِوَاهُ، نَعَيْتَ وَاللَّهِ نَفْسِي حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ، عَنْ أَبِي هَاشِمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيَّ فِي مَدِينَتِي هَذِهِ وَافِدَانِ ; وَافِدُ السِّنْدِ، وَالْآخَرُ وَافْدُ إِفْرِيقِيَّةَ بِسَمْعِهِمْ وَطَاعَتِهِمْ وَبَيْعَتِهِمْ، فَلَا يَمْضِي بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ حَتَّى أَمُوتَ. قَالَ: وَقَدْ أَتَانِي الْوَافِدَانِ، فَأَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكَ يَا عَمِّ فِي ابْنِ أَخِيكَ. فَقُلْتُ: كَلَّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: بَلَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَئِنْ كَانَتِ الدُّنْيَا حَبِيبَةً إِلَيَّ، فَصِحَّةُ الرِّوَايَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهَا، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْتُ. ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُؤَذِّنُ يُعْلِمُهُ بِوَقْتِ الظُّهْرِ خَرَجَ الْخَادِمُ يَأْمُرُنِي أَنْ أُصَلِّيَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ الْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، كُلُّ ذَلِكَ يَخْرُجُ الْخَادِمُ فَيَأْمُرُنِي أَنْ أُصَلِّيَ عَنْهُ، وَبِتُّ هُنَاكَ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ خَرَجَ الْخَادِمُ بِكِتَابٍ مَعَهُ يَأْمُرُنِي أَنْ أُصَلِّيَ عَنْهُ الْعِيدَ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى دَارِهِ، وَفِيهِ يَقُولُ: يَا عَمِّ، إِذَا مِتُّ فَلَا تُعْلِمِ النَّاسَ بِمَوْتِي حَتَّى تَقْرَأَ عَلَيْهِمْ هَذَا الْكِتَابَ فَيُبَايِعُوا لِمَنْ فِيهِ. قَالَ: فَصَلَّيْتُ بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ مِمَّا أُنْكِرُهُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ، فَإِذَا هُوَ عَلَى حَالِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَتْ فِي وَجْهِهِ حَبَّتَانِ صَغِيرَتَانِ، ثُمَّ كَثُرَتَا، ثُمَّ صَارَ فِي وَجْهِهِ حَبٌّ صِغَارٌ بِيضٌ - يُقَالُ: إِنَّهُ جُدَرِيٌّ - ثُمَّ بَكَّرْتُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِذَا هُوَ قَدْ هَجَرَ وَذَهَبَتْ عَنْهُ مَعْرِفَتِي وَمَعْرِفَةُ غَيْرِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ بِالْعَشِيِّ، فَإِذَا هُوَ قَدِ انْتَفَخَ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْزِّقِّ، وَتُوُفِّيَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَسَجَّيْتُهُ كَمَا أَمَرَنِي، وَخَرَجْتُ إِلَى النَّاسِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى الرَّسُولِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ قَلَّدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْخِلَافَةَ عَلَيْكُمْ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَخَاهُ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَقَدْ قَلَّدَ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ اللَّهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى إِنْ كَانَ. قَالَ: فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ: إِنْ كَانَ. قِيلَ: إِنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَ حَيًّا. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ. ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ مُطَوَّلًا، وَهَذَا مُلَخَّصٌ مِنْهُ، وَفِيهِ ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، وَهُوَ مُنْكَرٌ جِدًّا. وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ السَّفَّاحَ نَظَرَ يَوْمًا فِي الْمِرْآةِ - وَكَانَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ وَجْهًا - فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا أَقُولُ كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَنَا الْخَلِيفَةُ الشَّابُّ. وَلَكِنِّي أَقُولُ: اللَّهُمَّ عَمِّرْنِي طَوِيلًا فِي طَاعَتِكَ مُمَتَّعًا بِالْعَافِيَةِ. فَمَا اسْتَتَمَّ كَلَامَهُ حَتَّى سَمِعَ غُلَامًا يَقُولُ لِآخَرَ: الْأَجَلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ. فَتَطَيَّرَ مِنْ كَلَامِهِ، وَقَالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ، لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكُّلِي، وَبِهِ أَسْتَعِينُ. فَمَاتَ بَعْدَ شَهْرَيْنِ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ. ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الطَّبِيبَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَنْشَأَ السَّفَّاحُ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: انْظُرْ إِلَى ضَعْفِ الْحَرَا كِ وُذُلِّهِ بِيَدِ السُّكُونْ يُنْبِئْكَ أَنَّ بَيَانَهُ هَذَا مُقَدِّمَةُ الْمَنُونْ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: أَنْتَ صَالِحٌ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: يُبَشِّرُنِي بِأَنِّي ذُو صَلَاحٍ يَبِينُ لَهُ وَبِي دَاءٌ دَفِينُ لَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنِّي غَيْرُ بِاقٍ وَلَا شَكٌّ إِذَا وَضَحَ الْيَقِينُ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ: الْمُلْكُ لِلَّهِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، مَلِكِ الْمُلُوكِ، وَجَبَّارِ الْجَبَابِرَةِ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: اللَّهُ ثِقَةُ عَبْدِ اللَّهِ. وَكَانَ مَوْتُهُ بِالْجُدَرِيِّ فِي يَوْمِ الْأَحَدِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ بِالْأَنْبَارِ الْعَتِيقَةِ، عَنْ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ عَلَى أَشْهَرِ الْأَقْوَالِ. وَصَلَّى عَلَيْهِ عَمُّهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ وَدُفِنَ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ مِنَ الْأَنْبَارِ، وَتَرَكَ تِسْعَ جِبَابٍ وَأَرْبَعَةَ أَقْمِصَةٍ وَخَمْسَ سَرَاوِيلَاتٍ وَأَرْبَعَ طَيَالِسَةٍ وَثَلَاثَةَ مَطَارِفِ خَزٍّ.
التاريخ 2721لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَقَدَ السَّفَّاحُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ لِأَخِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِالْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ بَعْدِ أَبِي جَعْفَرٍ وَلَدَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَعَلَ الْعَهْدَ فِي ثَوْبٍ، وَخَتَمَهُ بِخَاتَمِهِ وَخَوَاتِيمِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَدَفَعَهُ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى. فَلَمَّا تُوُفِّيَ السَّفَّاحُ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِأَبِي جَعْفَرٍ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ وَفَاةَ السَّفَّاحِ وَالْبَيْعَةَ لَهُ، فَلَقِيَهُ الرَّسُولُ بِمَنْزِلِ صَفِيَّةَ فَقَالَ: صَفَتْ لَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ يَسْتَدْعِيهِ، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ قَدْ تَقَدَّمَ، فَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَيْهِ. فَلَمَّا جَلَسَ وَأَلْقَى إِلَيْهِ كِتَابَهُ قَرَأَهُ وَبَكَى وَاسْتَرْجَعَ وَنَظَرَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، وَقَدْ جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقَالَ: مَا هَذَا الْجَزَعُ وَقَدْ أَتَتْكَ الْخِلَافَةُ ؟ قَالَ: أَتَخَوَّفُ شَرَّ عَمِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَشَغَبَهُ عَلَيَّ. قَالَ: لَا تَخَفْهُ فَأَنَا أَكْفِيكَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، إِنَّمَا عَامَّةُ جُنْدِهِ وَمَنْ مَعَهُ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَهُمْ لَا يَعْصُونَنِي. فَسُرِّيَ عَنْهُ. وَبَايَعَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالنَّاسُ، وَأَقْبَلَا حَتَّى قَدِمَا الْكُوفَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ هُوَ الَّذِي كَانَ تَقَدَّمَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَعَرَفَ الْخَبَرَ قَبْلَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: عَافَاكَ اللَّهُ وَمَتَّعَ بِكَ، إِنَّهُ أَتَانِي أَمْرٌ أَفْظَعَنِي وَبَلَغَ مِنِّي مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ مِنِّي شَيْءٌ قَطُّ، وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعَظِّمَ أَجْرَكَ وَيُحْسِنَ الْخِلَافَةَ عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أَحَدٌ أَشَدَّ تَعْظِيمًا لِحَقِّكَ وَأَصْفَى نَصِيحَةً [ لَكَ ] وَحِرْصًا عَلَى مَا يَسُرُّكَ مِنِّي. ثُمَّ مَكَثَ يَوْمَيْنِ وَكَتَبَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِبَيْعَتِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَرْهِيبَ أَبِي جَعْفَرٍ. قَالَ: وَرَدَّ أَبُو جَعْفَرٍ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا وَعَلَى الْمَدِينَةِ لِلسَّفَّاحِ، وَقِيلَ: كَانَ قَدْ عَزَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ عَنْ مَكَّةَ، وَوَلَّاهَا الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ. وَلَمَّا بَايَعَ عِيسَى بْنُ مُوسَى النَّاسَ لِأَبِي جَعْفَرٍ أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ بِالشَّامِ يُخْبِرُهُ بِوَفَاةِ السَّفَّاحِ، وَبَيْعَةِ الْمَنْصُورِ وَيَأْمُرُهُ بِأَخْذِ الْبَيْعَةِ لِلْمَنْصُورِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى السَّفَّاحِ فَجَعَلَهُ عَلَى الصَّائِفَةِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ أَهْلَ الشَّامِ وَخُرَاسَانَ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ دُلُوكَ، وَلَمْ يُدْرِكْ، فَأَتَاهُ مَوْتُ السَّفَّاحِ، فَعَادَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ، وَقَدْ بَايَعَ لِنَفْسِهِ. طرف من سيرة أبي جعفر المنصور أمير المؤمنين قَالَ: طَيْفُورٌ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ،: حَدَّثَتْنِي سَلَّامَةُ أُمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: لَمَّا حَمَلْتُ بِأَبِي جَعْفَرٍ رَأَيْتُ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَرْجِي أَسَدٌ فَزَأَرَ، ثُمَّ أَقْعَى، فَاجْتَمَعَتْ حَوْلَهُ الْأُسْدُ، فَكُلَّمَا انْتَهَى إِلَيْهِ أَسَدٌ سَجَدَ لَهُ. قَالَ: حَمْدُونُ بْنُ سَعْدٍ الْمُؤَذِّنُ،: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ مُتَعَرِّقَ الْوَجْهِ، يَخْضِبُ بِالسَّوَادِ، وَكَانَ أَسْمَرَ طَوِيلًا نَحِيفًا خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ يُقَالُ لَهَا: سَلَّامَةُ. ذِكْرُ أَوْلَادِهِ [كَانَ لَهُ] الْمَهْدِيُّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَجَعْفَرٌ، أُمُّهُمَا أَرْوَى بِنْتُ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ شَمِرٍ الْحِمْيَرِيَّةُ، وَكَانَتْ تُكَنَّى أُمَّ مُوسَى، وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ شَرَطَ لَهَا أَلَّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَسَرَّى، وَكَتَبَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا وَأَشْهَدَتْ عَلَيْهِ شُهُودًا، فَبَقِيَ عَلَيْهِ عَشْرَ سِنِينَ مِنْ سُلْطَانِهِ كَذَلِكَ، وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى الْفَقِيهِ بَعْدَ الْفَقِيهِ لِيُفْتِيَهُ بِرُخْصَةٍ، فَإِذَا عَلِمَتْ أُمُّ مُوسَى أَرْسَلَتْ إِلَى ذَلِكَ الْفَقِيهِ بِمَالٍ فَلَا يُفْتِيهِ، فَلَمَّا مَاتَتْ أَتَتْهُ وَفَاتُهَا وَهُوَ بِحُلْوَانَ، فَأُهْدِيَتْ إِلَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِائَةُ بِكْرٍ. وَمِنْ أَوْلَادِ الْمَنْصُورِ صَالِحٌ، أُمُّهُ أَمَةٌ، وَيُقَالُ: بِنْتُ مَلِكِ الصُّغْدِ. وَسُلَيْمَانُ، وَعِيسَى، وَيَعْقُوبُ، أُمُّهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَلَدِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَالْغَالِيَةُ أُمُّهَا مِنْ وَلَدِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ. وَجَعْفَرٌ، وَالْقَاسِمُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْعَبَّاسُ. فَأَمَّا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ فَوَلِيَ الْمَوْصِلَ لأَبِي جَعْفَرٍ وَمَاتَ بِبَغْدَادَ، فَوُلِدَ لِجَعْفَرٍ إِبْرَاهِيمُ، وَزُبَيْدَةُ وَهِيَ أُمُّ جَعْفَرٍ، أُمُّهُمَا سَلْسَلُ أُمُّ وَلَدِ جَعْفَرِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَصَالِحُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَلُبَابَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ. فَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَلَا عَقِبَ لَهُ. وَأَمَّا زُبَيْدَةُ فَتَزَوَّجَهَا هَارُونُ الرَّشِيدُ، وَأَمَّا لُبَابَةُ فَكَانَتْ عِنْدَ مُوسَى بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَأَمَّا عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَوَلِيَ الْبَصْرَةَ وَكُوَرَهَا وَفَارِسَ وَالْأَهْوَازَ وَالْيَمَامَةَ وَالسِّنْدَ. قالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْأَفْرِيقِيُّ،: كُنْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ الْخِلَافَةِ، فَأَدْخَلَنِي يَوْمًا إِلَى مَنْزِلِهِ ثُمَّ قَدَّمَ طَعَامًا وَمُرَيْقَةً مِنْ حُبُوبٍ لَيْسَ فِيهَا لَحْمٌ، ثُمَّ قَدَّمَ إِلَيَّ زَبِيبًا ثُمَّ قَالَ: يَا جَارِيَةُ عِنْدَكِ حَلْوَاءُ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: وَلَا التَّمْرُ؟ قَالَتْ: وَلَا التَّمْرُ، فَاسْتَلْقَى ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ كُنْتَ تَفِدُ لِبَنِي أُمَيَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ كُنْتُ أَفِدُ لَهُمْ وَأَفِدُ إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ سُلْطَانِي مِنْ سُلْطَانِهِمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ سُلْطَانِهِمْ مِنَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي سُلْطَانِكَ، تَحْفَظُ يَوْمَ أَدْخَلْتَنِي مَنْزِلَكَ فَقَدَّمْتَ إِلَيَّ طَعَامًا وَمُرَيْقَةً مِنْ حُبُوبٍ لَمْ يَكُنْ فِيهَا لَحْمٌ، ثُمَّ قَدَّمْتَ إِلَيَّ زَبِيبًا ثُمَّ قُلْتَ: يَا جَارِيَةُ عِنْدَكِ حَلْوَاءُ؟ قَالَتْ: لَا، قُلْتَ: وَلَا التَّمْرُ، قَالَتْ: وَلَا التَّمْرُ. فَاسْتَلْقَيْتَ ثُمَّ تَلَوْتَ هَذِهِ الْآيَةَ: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَقَدْ وَاللَّهِ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّكَ، وَاسْتَخْلَفَكَ فِي الْأَرْضِ، فَانْظُرْ مَاذَا تَعْمَلُ، قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، إِنَّا لَا نَجِدُ الْأَعْوَانَ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، السُّلْطَانُ سُوقٌ نَافِقٌ لَوْ نَفَقَ عَلَيْكَ الصَّالِحُونَ لَجَلَبُوا إِلَيْكَ. قَالَ: فَكَأَنِّي أَلْقَمْتُهُ حَجَرًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا. قَالَ: أَبُو الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ،: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: بَيْنَا الْمَنْصُورُ ذَاتَ يَوْمٍ يَخْطُبُ وَقَدْ عَلَا بُكَاؤُهُ إِذْ قَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا وَصَّافُ تَأْمُرُنَا بِمَا تَجْتَنِبُهُ، وَتَنْهَى عَمَّا تَرْتَكِبُهُ، بِنَفْسِكَ فَابْدَأْ ثُمَّ بِالنَّاسِ. فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ ثُمَّ تَأَمَّلَهُ مَلِيًّا ثُمَّ قَطَعَ الْخُطْبَةَ وَقَالَ: يَا عَبْدَ الْجَبَّارِ خُذْهُ إِلَيْكَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَعَادَ إِلَى خُطْبَتِهِ فَأَتَمَّهَا، وَقَضَى الصَّلَاةَ ثُمَّ دَخَلَ، وَدَعَا بِعَبْدِ الْجَبَّارِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ الرَّجُلُ؟ فَقَالَ: مَحْبُوسٌ عِنْدَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أَمْلِ لَهُ [ثُمَّ اعْرِضْ لَهُ] بِالدُّنْيَا فَإِنْ عَزَفَ عَنْهَا فَلَعَمْرِي إِنَّهُ لَمُرِيدٌ [لِلْآخِرَةِ]، وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ لِيَقَعَ مَوْقِعًا حَسَنًا، وَإِنْ مَالَ إِلَى الدُّنْيَا وَرَغِبَ فِيهَا إِنَّ لِي فِيهِ أَدَبًا يَزَعُهُ عَنِ الْوُثُوبِ عَلَى الْخُلَفَاءِ وَطَلَبِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ. فَخَرَجَ عَبْدُ الْجَبَّارِ فَدَعَا بِالرَّجُلِ وَدَعَا بِغِذَائِهِ، فَقَالَ [لَهُ]: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: حَقٌّ لِلَّهِ كَانَ فِي عُنُقِي فَأَدَّيْتُهُ إِلَى خَلِيفَتِهِ، قَالَ: إِذًا، فَكُلْ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، قَالَ: وَمَا عَلَيْكَ مِنْ أَكْلِ الطَّعَامِ إِنْ كَانَتْ نِيَّتُكَ حَسَنَةً، فَدَنَا فَأَكَلَ، فَلَمَّا أَكَلَ طَمِعَ فِيهِ، فَتَرَكَهُ أَيَّامًا ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: لَهَا عَنْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ مَحْبُوسٌ، فَهَلْ لَكَ فِي جَارِيَةٍ تُؤْنِسُكَ وَتَسْكُنُ إِلَيْهَا؟ قَالَ: مَا أَكْرَهُ ذَلِكَ. فَأَعْطَاهُ جَارِيَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ: هَذَا الطَّعَامُ قَدْ أَكَلْتَ، وَالْجَارِيَةُ قَدْ قَبِلْتَ، فَهَلْ لَكَ فِي ثِيَابٍ تَكْتَسِيهَا وَتَكْسُو عِيَالَكَ إِنْ كَانَ لَكَ عِيَالٌ، وَنَفَقَةٌ تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى أَمْرِكَ إِلَى أَنْ يَدْعُوَ بِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَرَدْتَ الْوَسِيلَةَ عِنْدَهُ إِذَا ذَكَرَكَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: أُوَلِّيكَ الْحِسْبَةَ وَالْمَظَالِمَ، فَتَكُونُ أَحَدَ عُمَّالِهِ، تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، قَالَ: مَا أَكْرَهُ ذَلِكَ. فَوَلَّاهُ الْحِسْبَةَ وَالْمَظَالِمَ، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ شَهْرٌ قَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ لِلْمَنْصُورِ: الرَّجُلُ الَّذِي تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ فَأَمَرْتَ بِحَبْسِهِ قَدْ أَكَلَ مِنْ طَعَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَبِسَ مِنْ ثِيَابِهِ، وَعَاشَ فِي نِعْمَتِهِ، وَصَارَ أَحَدَ وُلَاتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أُدْخِلَهُ عَلَيْهِ فِي زِيِّ الشِّيعَةِ فَعَلْتُ. قَالَ: فَأَدْخِلْهُ. فَخَرَجَ عَبْدُ الْجَبَّارِ فَقَالَ: قَدْ دَعَا بِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ أَعْلَمْتُهُ أَنَّكَ أَحَدُ عُمَّالِهِ عَلَى الْمَظَالِمِ وَالْحِسْبَةِ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ فِي الزِّيِّ الَّذِي يُحِبُّ. فَأَلْبَسَهُ قَبَاءً، وَعَلَّقَ خِنْجَرًا فِي وَسَطِهِ وَسَيْفًا بِمَعَالِيقَ، وَأَسْبَلَ جُمَّتَهُ، وَدَخَلَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: وَعَلَيْكَ، أَلَسْتَ الْقَائِمَ بِنَا وَالْوَاعِظَ لَنَا وَمُذَكِّرَنَا بِأَيَّامِ اللَّهِ عَلَى رُؤُوسِ الْمَلَأِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ تَخَلَّيْتَ عَنْ مَذْهَبِكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَّرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذَا أَنَا [قَدْ] أَخْطَأْتُ فِيمَا تَكَلَّمْتُ بِهِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُصِيبٌ فِي مُشَارَكَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَمَانَتِهِ، قَالَ: هَيْهَاتَ! أَخْطَأَتِ اسْتُكَ الْحُفْرَةَ، هُنَاكَ يَوْمَ أَعْلَنْتَ الْكَلَامَ وَظَنَنَّا أَنَّكَ أَرَدْتَ اللَّهَ بِهِ فَكَفَفْنَا عَنْكَ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَنَا أَنَّكَ أَرَدْتَ الدُّنْيَا جَعَلْنَاكَ عِظَةً لِغَيْرِكَ حَتَّى لَا يَجْتَرِئَ بَعْدَكَ مُجْتَرِئٌ عَلَى الْخِلَافَةِ، أَخْرِجْهُ يَا عَبْدَ الْجَبَّارِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَأَخْرَجَهُ فَقَتَلَهُ. قَالَ: الْأَصْمَعِيُّ،: صَعِدَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ وَأُومِنُ بِهِ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُذَكِّرُكَ مَنْ أَنْتَ فِي ذِكْرِهِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: مَرْحَبًا مَرْحَبًا، لَقَدْ ذَكَرْتَ جَلِيلًا، وَخَوَّفْتَ عَظِيمًا، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِمَّنْ إِذَا قِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، وَالْمَوْعِظَةُ مِنَّا بَدَتْ، وَمِنْ عِنْدِنَا خَرَجَتْ، وَأَنْتَ يَا قَائِلَهَا فَأَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا اللَّهَ أَرَدْتَ بِهَا، إِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: قَامَ فَقَالَ فَعُوقِبَ فَصَبَرَ، وَأَهْوَنُ بِهَا مِنْ قَائِلِهَا، وَإِيَّاكُمْ مَعْشَرَ النَّاسِ وَأَمْثَالَهَا. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ. فَعَادَ إِلَى خُطْبَتِهِ كَأَنَّمَا يَقْرَأُهَا مِنْ قِرْطَاسٍ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَشْتَغِلُ فِي صَدْرِ نَهَارِهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوِلَايَاتِ، وَسَجْنِ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ، وَالنَّظَرِ فِي الْخَرَاجِ وَالنَّفَقَاتِ وَمَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ. فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ جَلَسَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ نَظَرَ فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ، وَشَاوَرَ سُمَّارَهُ، وَكَانَتْ وُلَاةُ الْبَرِيدِ يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ بِسِعْرِ الْقَمْحِ، وَالْحُبُوبِ وَالْإِدَامِ، وَكُلِّ مَا يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي فِي نَوَاحِيهِمْ، وَمَا يَرِدُ بَيْتَ الْمَالِ، وَكُلِّ حَدَثٍ، فَإِذَا صَلَّى الْمَغْرِبَ يَكْتُبُونَ إِلَيْهِ بِمَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَإِذَا نَظَرَ فِي كُتُبِهِمْ، فَإِنْ رَأَى الْأَسْعَارَ عَلَى حَالِهَا أَمْسَكَ، وَإِنَّ تَغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْهَا كَتَبَ إِلَى الْعَامِلِ هُنَاكَ وَسَأَلَهُ عَنِ الْعِلَّةِ، فَإِذَا وَرَدَ الْجَوَابُ تَلَطَّفَ حَتَّى يَعُودَ سِعْرُ ذَلِكَ الْبَلَدِ إِلَى حَالِهِ، وَإِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِمَّا قَضَى بِهِ الْقَاضِي كَتَبَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَسَأَلَ مَنْ بِحَضْرَتِهِ عَنْ عِلْمِهِ، فَإِنْ أَنْكَرَ شَيْئًا كَتَبَ إِلَيْهِ يُوَبِّخُهُ وَيَلُومُهُ. فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ قَامَ إِلَى فِرَاشِهِ وَانْصَرَفَ سُمَّارُهُ، فَإِذَا مَضَى الثُّلُثُ الْبَاقِي قَامَ مِنْ فِرَاشِهِ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَوَقَفَ فِي مِحْرَابِهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ. وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْخَيْشَ الْمَنْصُورُ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَكَاسِرَةُ تُطَيِّنُ لَهَا فِي الصَّيْفِ سَقْفَ بَيْتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ، فَتَكُونُ قَائِلَةُ الْمَلِكِ فِيهِ، وَكَانَ يُؤْتَى بِأَطْنَانِ الْخِلَافِ طِوَالًا غِلَاظًا فَيُوضَعُ حَوَالَيِ السَّرِيرِ، وَيُؤْتَى بِقِطَعِ الثَّلْجِ الْعِظَامِ مَا بَيْنَ أَضْعَافِهَا، وَكَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَفْعَلُ ذَلِكَ، فَاتَّخَذَ الْمَنْصُورُ الْخَيْشَ. وَشَكَى إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ عُمَّالِهِ فِي قِصَّةٍ فَوَقَّعَ عَلَيْهَا: أَكْفِنِي أَمْرَهُ وَإِلَّا كَفَيْتَهُ أَمْرَكَ. وَوَقَّعَ إِلَى عَامِلٍ آخَرَ: قَدْ كَثُرَ شَاكُوكَ وَقَلَّ شَاكِرُوكَ فَإِمَّا اعْتَدَلْتَ وَإِمَّا اعْتَزَلْتَ. قَالَ: أَبُو الْعَيْنَاءِ،: دَخَلَ الْمَنْصُورُ فِي بَابِ الذَّهَبِ، فَإِذَا ثَلَاثَةُ قَنَادِيلَ مُصْطَفَّةٌ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ أَمَا وَاحِدٌ مِنْ هَذَا كَانَ كَافِيًا! يُقْتَصَرُ مِنْ هَذَا عَلَى وَاحِدٍ. قَالَ: فَلَمَّا أَصْبَحَ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَغَدَّوْنَ، فَرَأَى الطَّعَامَ قَدْ خَفَّ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَشْبَعُوا، فَقَالَ: [يَا غُلَامُ، عَلَيَّ بِالْقَهْرَمَانِ، قَالَ: مَا لِي رَأَيْتُ الطَّعَامَ قَدْ خَفَّ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ قَبْلَ أَنْ يَشْبَعُوا؟!] قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُكَ قَدْ قَدَّرْتَ الزَّيْتَ فَقَدَّرْتُ الطَّعَامَ، فَقَالَ: وَيْلَكَ! أَنْتَ لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ زَيْتٍ يَحْتَرِقُ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ، وَبَيْنَ طَعَامٍ إِذَا فَضَلَ وَجَدْتَ لَهُ آكِلًا، أَبْطِحُوهُ، فَبَطَحُوهُ فَضَرَبَهُ سَبْعَ دِرَرٍ. وَذَكَرَ الصُّولِيُّ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: كَانَ الْمَنْصُورُ يَبْخَلُ إِلَّا فِي الطِّيبِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِهِ، فَكَانَ يَشْتَرِي فِي رَأْسِ كُلِّ سَنَةٍ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مِثْقَالٍ مِنْ سَائِرِهِ، فَيَتَطَيَّبُ كُلَّ شَهْرٍ بِأَلْفِ مِثْقَالٍ، يَخْضِبُ بِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ كَاتِبُ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ: وَلَمْ يُرَ فِي دَارِ الْمَنْصُورِ لَهْوٌ قَطُّ وَلَا شَيْءٌ يُشْبِهُ اللَّعِبَ وَالْعَبَثَ. وَقَالَ حَمَّادٌ التُّرْكِيُّ: كُنْتُ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِ الْمَنْصُورِ فَسَمِعَ جَلَبَةً فِي الدَّارِ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا حَمَّادُ انْظُرْ؟ فَذَهَبْتُ فَإِذَا خَادِمٌ لَهُ قَدْ حَبَسَ حَوْلَهُ الْجَوَارِيَ وَهُوَ يَضْرِبُ لَهُنَّ الطُّنْبُورَ وَهُنَّ يَضْحَكْنَ، فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ الطُّنْبُورُ؟ فَقُلْتُ: خَشَبَةٌ مِنْ حَالِهَا وَصِفَتِهَا، فَقَالَ: فَمَا يُدْرِيكَ أَنْتَ مَا الطُّنْبُورُ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ بِخُرَاسَانَ فَقَالَ: هَاتِ نَعْلِي، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَامَ يَمْشِي رُوَيْدًا حَتَّى أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا بَصُرُوا بِهِ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ: خُذْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَقَالَ: اضْرِبْ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَضْرِبُ بِهِ رَأْسَهُ حَتَّى كَسَرْتَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجْهُ مِنْ قَصْرِي، وَاذْهَبْ بِهِ إِلَى حُمْرَانَ بِالْكَرْخِ، وَقُلْ لَهُ يَبِيعُهُ. وَقَالَ سَالِمٌ الْأَبْرَشُ: كَانَ الْمَنْصُورُ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَإِذَا لَبِسَ ثِيَابَهُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ فَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَيَكُونُ مِنْهُ مَا يَكُونُ، فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ رَجَعَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَقَالَ يَوْمًا: يَا بَنِيَّ إِذَا رَأَيْتُمُونِي قَدْ لَبِسْتُ ثِيَابِي وَرَجَعْتُ مِنْ مَجْلِسِي فَلَا يَدْنُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنِّي؛ لِئَلَّا أَغِرَّهُ بِشَرٍّ. طرف من كلام أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور قَالَ: أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: الْخَلِيفَةُ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا التَّقْوَى، وَالسُّلْطَانُ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الطَّاعَةُ، وَالرَّعِيَّةُ لَا يُصْلِحُهَا إِلَّا الْعَدْلُ، وَأَوْلَى [النَّاسِ] بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ، وَأَنْقُصُ النَّاسِ عَقْلًا مَنْ ظَلَمَ مَنْ هُوَ دُونَهُ. قَالَ الْمَنْصُورُ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: الْعُرْيُ الْفَادِحُ خَيْرٌ مِنَ الزِّيِّ الْفَاضِحِ. وَقَالَ أَيْضًا: الْمُلُوكُ تَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا ثَلَاثًا: إِفْشَاءُ السِّرِّ، وَالتَّعَرُّضُ لِلْحُرْمَةِ، وَالْقَدْحُ فِي الْمَلِكِ. وَقَالَ: سِرُّكَ مِنْ دَمِكَ فَانْظُرْ مَنْ تُمَلِّكُهُ. وَقَالَ: مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صُنِعَ إِلَيْهِ فَقَدَ كَافَأَ، وَمَنْ أَضْعَفَ فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنَّمَا صَنَعَ إِلَى نَفْسِهِ لَمْ يَسْتَبْطِئِ النَّاسَ فِي شُكْرِهِمْ، وَلَا تَلْتَمِسْ مِنْ غَيْرِكَ شُكْرَ مَا أَتَيْتَهُ إِلَى نَفْسِكَ، وَوَقَيْتَ بِهِ عِرْضَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ طَالِبَ الْحَاجَةِ إِلَيْكَ لَمْ يُكْرِمْ وَجْهَهُ عَنْ قَصْدِكَ فَأَكْرِمْ وَجْهَكَ عَنْ رَدِّهِ.
التاريخ 2722لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الشَّامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مِصْرَ: صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى مَكَّةَ: الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ.
التاريخ 2723لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ فِي الْأَنْدَلُسِ الْحُبَابُ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّهْرِيُّ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ، فَسَارَ إِلَى الصُّمَيْلِ وَهُوَ أَمِيرُ قُرْطُبَةَ، فَحَصَرَهُ بِهَا وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَاسْتَمَدَّ الصُّمَيْلُ يُوسُفَ الْفِهْرِيَّ أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ، فَلَمْ يَفْعَلْ لِتَوَالِي الْغَلَاءِ وَالْجُوعِ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، وَلِأَنَّ يُوسُفَ قَدْ كَرِهَ الصُّمَيْلَ، وَاخْتَارَ هَلَاكَهُ لِيَسْتَرِيحَ مِنْهُ. وَثَارَ بِهَا أَيْضًا عَامِرٌ الْعَبْدَرِيُّ وَجَمَعَ جَمْعًا، وَاجْتَمَعَ مَعَ الْحُبَابِ عَلَى الصُّمَيْلِ، وَقَامَا بِدَعْوَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى الصُّمَيْلِ كَتَبَ إِلَى قَوْمِهِ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَسَارَعُوا إِلَى نُصْرَتِهِ وَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْحُبَابُ بِقُرْبِهِمْ سَارَ الصُّمَيْلُ عَنْ سَرَقُسْطَةَ وَفَارَقَهَا، فَعَادَ الْحُبَابُ إِلَيْهَا وَمَلَكَهَا، وَاسْتَعْمَلَ يُوسُفُ الْفِهْرِيُّ الصُّمَيْلَ عَلَى طُلَيْطُلَةَ.
التاريخ 2724لا حكم مسجّل
رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاسْمُهُ فَرُّوخٌ، مَوْلَى آلِ الْمُنْكَدِرِ التَّيْمِيِّ، تَيْمُ قُرَيْشٍ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ: رَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَيُكَنَّى رَبِيعَةُ أَبَا عُثْمَانَ، وَيُقَالُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَدِينِيٌّ: سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعَامَّةِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ عَالِمًا فَقِيهًا ثِقَةً، وَأَقْدَمَهُ السَّفَّاحُ الْأَنْبَارَ لِيُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ: رَأَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عِنْدَ رَبِيعَةَ وَمَجْهُودُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَفْهَمَ مَا يَقُولُ. وقَالَ: عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ، حَدَّثَنِي مَشْيَخَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: أَنَّ فَرُّوخًا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ خَرَجَ فِي الْبُعُوثِ إِلَى خُرَاسَانَ أَيَّامَ بَنِي أُمَيَّةَ غَازِيًّا، وَرَبِيعَةُ حَمْلٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَخَلَّفَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ أُمِّ رَبِيعَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ رَاكِبٌ فَرَسًا، وَفِي يَدِهِ رُمْحٌ، فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ دَفَعَ الْبَابَ بِرُمْحِهِ، فَخَرَجَ رَبِيعَةُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَتَهْجُمُ عَلَى مَنْزِلِي؟ فَقَالَ: لَا، وَقَالَ فُرُوخُّ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، أَنْتَ دَخَلْتَ عَلَى حُرْمَتِي، فَتَوَاثَبَا وَتَلَبَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ حَتَّى اجْتَمَعَ الْجِيرَانُ، فَبَلَغَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَالْمَشْيَخَةَ، فَأَتَوْا يُعِينُونَ رَبِيعَةَ، فَجَعَلَ رَبِيعَةُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا فَارَقْتُكَ إِلَّا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَجَعَلَ فَرُّوخٌ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا فَارَقْتُكَ إِلَّا بِالسُّلْطَانِ وَأَنْتَ مَعَ امْرَأَتِي، وَكَثُرَ الضَّجِيجُ، فَلَمَّا بَصَرُوا بِمَالِكٍ سَكَتَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَقَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ لَكَ سَعَةٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ الدَّارِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: هِيَ دَارِي، وَأَنَا فَرُّوخٌ مَوْلَى بَنِي فُلَانٍ، فَسَمِعَتِ امْرَأَتُهُ كَلَامَهُ فَخَرَجَتْ، فَقَالَتْ: هَذَا زَوْجِي، وَهَذَا ابْنِي الَّذِي خَلَّفَهُ وَأَنَا حَامِلٌ بِهِ، فَاعْتَنَقَا جَمِيعًا وَبَكَيَا، فَدَخَلَ فُرُوخٌّ الْمَنْزِلَ وَقَالَ: هَذَا ابْنِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخْرِجِي الْمَالَ الَّذِي [لِي] عِنْدَكِ، وَهَذِهِ مَعِي أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَقَالَتِ: الْمَالُ قَدْ دَفَنْتُهُ وَأَنَا أُخْرِجُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ. ثُمَّ خَرَجَ رَبِيعَةُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَجَلَسَ فِي حَلْقَتِهِ، وَأَتَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ أَبِي عَلِيٍّ اللَّهَبِيُّ، وَالْمُسَاحِقِيُّ، وَأَشْرَافُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَحْدَقَ النَّاسُ بِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: اخْرُجْ فَصَلِّ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى حَلْقَةٍ وَافِرَةٍ، فَأَتَاهَا فَوَقَفَ بِهَا وَفَرَجُوا لَهُ قَلِيلًا، وَنَكَّسَ رَبِيعَةُ رَأَسَهُ وَأَوْهَمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ، وَعَلَيْهِ طَرْحَةٌ طَوِيلَةٌ، فَشَكَّ فِيهِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالُوا لَهُ: هَذَا رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ ابْنِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لِوَالِدَتِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ وَلَدَكِ فِي حَالَةٍ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ أُمُّهُ: فَأَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، أَوْ هَذَا الْجَاهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ إِلَّا هَذَا، قَالَتْ: فَإِنِّي أَنْفَقْتُ الْمَالَ كُلَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا ضَيَّعْتِيهِ. قال بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّرُودِ الصَّنْعَانِيَّ،: أَتَيْنَا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُنَا عَنْ رَبِيعَةَ الرَّأْيِ، فَكُنَّا نَسْتَزِيدُهُ مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ، فَقَالَ لَنَا ذَاتَ يَوْمٍ: مَا تَصْنَعُونَ بِرَبِيعَةَ؟ هُوَ نَائِمٌ فِي ذَاكَ الطَّاقِ، فَأَتَيْنَا رَبِيعَةَ فَأَنْبَهْنَاهُ، فَقُلْنَا لَهُ: أَنْتَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: رَبِيعَةُ بْنُ فَرُّوخٍ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْنَا: رَبِيعَةُ الرَّأْيِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: كَيْفَ حَظِيَ بِكَ مَالِكٌ وَلَمْ تَحْظَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ مِثْقَالًا مِنْ دَوْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ حِمْلِ عِلْمٍ. وقَالَ مَالِكٌ: لَمَّا قَدِمَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي الْعَبَّاسِ أَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَأَعْطَاهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ لِيَشْتَرِيَ بِهَا جَارِيَةً، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَالَ لِي حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ: إِنْ سَمِعْتَ أَنِّي حَدَّثْتُهُمْ شَيْئًا أَوْ أَفْتَيْتُهُمْ فَلَا تَعُدَّنِي شَيْئًا، قَالَ: فَكَانَ كَمَا قَالَ، لَمَّا قَدِمَهَا لَزِمَ بَيْتَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يُحَدِّثْهُمْ بِشَيْءٍ حَتَّى رَجَعَ. قال مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ: ذَهَبَتْ حَلَاوَةُ الْفِقْهِ مُنْذُ مَاتَ رَبِيعَةُ الرَّأْيِ. تُوُفِّيَ رَبِيعَةُ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: بِالْأَنْبَارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، مَوْلَى بَنِي كِنَانَةَ: وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَرَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، وَكَانَ عَالِمًا زَاهِدًا. رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ عَالِمًا زَاهِدًا إِلَّا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ. وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: غَزَوْنَا إِلَى قُسْطَنْطِينِيَّةَ فَانْكَسَرَ مَرْكَبُنَا، فَأَلْقَانَا الْمَوْجُ عَلَى حَشَفَةٍ فِي الْبَحْرِ، وَكُنَّا خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً، فَأَنْبَتَ اللَّهُ بِعَدَدِنَا وَرَقًا، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا وَرَقَةً، فَكُنَّا نَمُصُّهَا فَتُشْبِعُنَا وَتَرْوِينَا، فَإِذَا أَمْسَيْنَا أَنْبَتَ اللَّهُ لَنَا مَكَانَهَا أُخْرَى حَتَّى مَرَّ بِنَا مَرْكَبٌ، فَحَمَلَنَا. تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِمِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَيُقَالُ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَصَلَّى [عَلَيْهِ] أَبُو عَوْنٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ أَمِيرُ مِصْرَ. عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، أَبُو الْحَارِثِ الْحَضْرَمِيُّ: رَوَى عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ وَغَيْرُهُمَا. وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَلَوْ قِيلَ: إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ غَدًا مَا كَانَ فِيهِ فَضْلٌ [لِمَزِيدٍ]، وَقِيلَ لَهُ: مَا أَحْسَنَ عَزَاءَكَ عِنْدَ الْمَصَائِبِ! فَقَالَ: إِنِّي أُوَطِّنُ نَفْسِي عَلَيْهَا قَبْلَ نُزُولِهَا. مُلَيْكَةُ بِنْتُ الْمُنْكَدِرِ: كَانَتْ عَابِدَةً مُجْتَهِدَةً، وَكُلِّمَتْ فِي الرِّفْقِ بِنَفْسِهَا، فَقَالَتْ: دَعُونِي أُبَادِرْ طَيَّ صَحِيفَتِي. قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: بَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ جَهِيرَةٍ فِي الْحِجْرِ وَهِيَ تَقُولُ: أَتَيْتُكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ مُؤَمَّلَةً بِمَعْرُوفِكَ، فَأَنِلْنِي مَعْرُوفًا مِنْ مَعْرُوفِكَ تُعِينُنِي بِهِ عَنْ مَعْرُوفِ مَنْ سِوَاكَ يَا مَعْرُوفًا بِالْمَعْرُوفِ. فَعَرَّفْتُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ، وَسَأَلْنَا عَنْ مَنْزِلِهَا، وَقَصَدْنَاهَا، وَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: قُولِي خَيْرًا يَرْحَمُكِ اللَّهُ، قَالَتْ: وَمَا أَقُولُ؟ أَشْكُو إِلَى اللَّهِ قَلْبِي وَهَوَايَ فَقَدْ أَضَرَّانِي وَشَغَلَانِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، قُومَا فَإِنِّي أُبَادِرُ طَيَّ صَحِيفَتِي. قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: فَمَا حَدَّثْتُ نَفْسِي بِامْرَأَةٍ قَبْلَهَا، فَقُلْتُ لَهَا: لَوْ تَزَوَّجْتِ رَجُلًا كَانَ يُعِينُكِ عَلَى مَا أَنْتِ عَلَيْهِ، قَالَتْ: لَوْ كَانَ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ أَوْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيَّ مَا أَرَدْتُهُ، فَقُلْتُ: أَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ وَهَذَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، فَقَالَتْ: أُفٍّ! لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَشْغَلُكُمَا ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ مُحَادَثَةِ النِّسَاءِ، وَأَقْبَلَتْ عَلَى صَلَاتِهَا، فَسَأَلْتُ عَنْهَا، فَقَالُوا: هَذِهِ مُلَيْكَةُ بِنْتُ الْمُنْكَدِرِ. تُوُفِّيَتْ مُلَيْكَةُ ؓ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَدُفِنَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ بِمَكَّةَ، وَاللَّهُ عَزَّ [وَجَلَّ أَعْلَمُ]. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْخَلِيفَةُ السَّفَّاحُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ سُوَيْدٍ اللَّخْمِيُّ الْفَرَسِيُّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْفَرَسِيُّ، بِالْفَاءِ، [ نِسْبَةً إِلَى فَرَسٍ لَهُ ]. وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ أَبُو زَيْدٍ الثَّقَفِيُّ. وَعُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ. .
التاريخ 2727لا حكم مسجّل
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمٍ، أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ دَوْلَةِ - وَيُقَالُ: دَعْوَةِ - بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أَمِينُ آلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ سَنْفِيرُونَ بْنِ أَسْفَنْدِيَارَ، أَبُو مُسْلِمٍ الْمَرْوَزِيُّ، صَاحِبُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، يَرْوِي عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. زَادَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي شُيُوخِهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَرْمَلَةَ، وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: رَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّائِغُ، وَبِشْرٌ وَالِدُ مُصْعَبِ بْنِ بِشْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيبٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَقُدَيْدُ بْنُ مَنِيعٍ صِهْرُ أَبِي مُسْلِمٍ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَكَانَ فَاتِكًا، شُجَاعًا، ذَا رَأْيٍ وَعَقْلٍ وَتَدْبِيرٍ وَحَزْمٍ. وَقَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ بِالْمَدَائِنِ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ فِي " تَارِيخِ أَصْبَهَانَ ": كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ يَسَارٍ. قِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ. وَرَوَى عَنِ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: كَانَ اسْمُ أَبِي مُسْلِمٍ - صَاحِبِ الدَّعْوَةِ - إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ يَسَارِ بْنِ شِيدُوسَ بْنِ جُودِرْنَ، مِنْ وَلَدِ بُزُرْجَمُهْرَ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ، وَوُلِدَ بِأَصْبَهَانَ، وَنَشَأَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ أَوْصَى إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى السَّرَّاجِ، فَحَمَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، فَلَمَّا بَعَثَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِلَى خُرَاسَانَ قَالَ لَهُ: غَيِّرِ اسْمَكَ وَكُنْيَتَكَ. فَتَسَمَّى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَاكْتَنَى بِأَبِي مُسْلِمٍ، فَسَارَ إِلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ بِإِكَافٍ، وَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ نَفَقَةً مِنْ عِنْدِهِ، فَرَحَلَ إِلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ آلَ بِهِ الْحَالُ حَتَّى صَارَتْ لَهُ خُرَاسَانُ بِأَزِمَّتِهَا وَحَذَافِيرِهَا، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ فِي مُرُورِهِ إِلَى خُرَاسَانَ عَدَا رَجُلٌ فِي بَعْضِ الْخَانَاتِ عَلَى حِمَارِهِ، فَهَلَبَ ذَنَبَهُ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ وَحَكَمَ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، جَعَلَهُ دَكًّا، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ خَرَابًا لَا يُسْكَنُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَصَابَهُ سِبَاءٌ فِي صِغَرِهِ، وَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ بَعْضُ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْإِمَامَ اسْتَوْهَبَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ، فَانْتَمَى إِلَيْهِ، وَزَوَّجَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، بِنْتَ أَبِي النَّجْمِ عِمْرَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الطَّائِيِّ، أَحَدِ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَوُلِدَ لِأَبِي مُسْلِمٍ بِنْتَانِ; إِحْدَاهُمَا أَسْمَاءُ، أَعْقَبَتْ، وَفَاطِمَةُ، وَلَمْ تُعْقِبْ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ مِنَ السِّنِينَ، كَيْفِيَّةَ اسْتِقْلَالِ أَبِي مُسْلِمٍ بِأُمُورِ خُرَاسَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَنَشْرِهِ دَعْوَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ. وَقَدْ كَانَ ذَا هَيْبَةٍ وَصَرَامَةٍ وَإِقْدَامٍ وَتَسَرُّعٍ; رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُصْعَبِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: مَا هَذَا السَّوَادُ الَّذِي أَرَى عَلَيْكَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وَهَذِهِ ثِيَابُ الْهَيْبَةِ، وَثِيَابُ الدَّوْلَةِ. يَا غُلَامُ، اضْرِبْ عُنُقَهُ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ الصَّائِغُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَجُلَسَائِهِ فِي زَمَنِ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ يَعِدُهُ إِذَا ظَهَرَ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ وَالْعَدْلَ، فَلَمَّا تَمَكَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ مَا زَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْمُونٍ يُلِحُّ عَلَيْهِ فِي الْقِيَامِ بِمَا وَعَدَهُ بِهِ حَتَّى أَحْرَجَهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَهُ: هَلَّا كُنْتَ تُنْكِرُ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَهُوَ يَعْمَلُ أَوَانِيَ الْخَمْرِ مِنَ الذَّهَبِ فَيَبْعَثُهَا إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ؟ ! فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَعِدُونِي مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا وَعَدْتَنِي أَنْتَ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ لِإِبْرَاهِيمَ مَنَازِلَ عَالِيَةً فِي الْجَنَّةِ; بِصَبْرِهِ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا اعْتَمَدَهُ أَبُو مُسْلِمٍ فِي أَيَّامِ السَّفَّاحِ مِنَ الطَّاعَةِ الْأَكِيدَةِ لَهُ، وَالْمُبَادَرَةِ إِلَى أَوَامِرِهِ، وَامْتِثَالِ مَرَاسِيمِهِ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ الْأَمْرُ إِلَى الْمَنْصُورِ اسْتَخَفَّ بِهِ وَاحْتَقَرَهُ، وَمَعَ هَذَا كَسَرَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ حِينَ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ بِالشَّامِ، فَاسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ وَرَدَّهَا إِلَى حُكْمِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ شَمَخَتْ نَفْسُهُ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَهَمَّ بِقَلْعِهِ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ الْمَنْصُورُ مَعَ مَا كَانَ مُبْطِنًا لَهُ مِنَ الْبِغْضَةِ، وَقَدْ سَأَلَ أَخَاهُ السَّفَّاحَ غَيْرَ مَرَّةٍ أَنْ يَقْتُلَهُ فَيَصْدِفَ عَنْ ذَلِكَ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ وَالْمَنْصُورِ مِنَ الْمُرَاسَلَاتِ وَالْمُكَاتَبَاتِ، حِينَ اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْمَنْصُورُ وَاتَّهَمَهُ بِسُوءِ النِّيَّةِ، وَمَا زَالَ يُرَاسِلُهُ وَيَسْتَدْعِيهِ وَيَخْدَعُهُ وَيُمَاكِرُهُ حَتَّى اسْتَحْضَرَهُ فَقَتَلَهُ.
التاريخ 2728لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَهْلِكِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ لَمَّا نَفَرَ النَّاسُ مِنَ الْحَجِيجِ سَبَقَ النَّاسَ بِمَرْحَلَةٍ، فَلَمَّا جَاءَهُ خَبَرُ السَّفَّاحِ فِي الطَّرِيقِ، كَتَبَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ يُعَزِّيهِ فِي الْخَلِيفَةِ، وَلَمْ يُهَنِّئْهُ بِالْخِلَافَةِ، وَلَا رَجَعَ إِلَيْهِ، فَغَضِبَ الْمَنْصُورُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مَا كَانَ مُضْمِرًا لَهُ مِنَ السُّوءِ، فَقَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ: اكْتُبْ إِلَيْهِ كِتَابًا غَلِيظًا. فَلَمَّا بَلَغَهُ الْكِتَابُ بَعَثَ يُهَنِّئُهُ بِالْخِلَافَةِ، وَانْقَمَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ لِأَبِي جَعْفَرٍ: إِنَّا نَرَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنْ لَا تُجَامِعَهُ فِي الطَّرِيقِ; فَإِنَّ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ مَنْ لَا يُخَالِفُهُ وَهُمْ لَهُ أَهْيَبُ، وَلَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ. فَأَخَذَ بِرَأْيِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي مُبَايَعَتِهِ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ مَا ذَكَرْنَاهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فَكَسَرَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ بَعَثَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ قُحْطُبَةَ لِأَبِي أَيُّوبَ كَاتِبِ رَسَائِلِ الْمَنْصُورِ يُشَافِهُهُ وَيُخْبِرُهُ بِأَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ يُتَّهَمُ فِي أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ; فَإِنَّهُ إِذَا جَاءَهُ الْكِتَابُ مِنْهُ يَقْرَؤُهُ ثُمَّ يَلْوِي شِدْقَيْهِ، وَيَرْمِي بِالْكِتَابِ إِلَى أَبِي نَصْرٍ، وَيَضْحَكَانِ اسْتِهْزَاءً، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: إِنَّ تُهْمَةَ أَبِي مُسْلِمٍ عِنْدَنَا أَظْهَرُ مِنْ هَذَا. وَلَمَّا بَعَثَ أَبُو جَعْفَرٍ مَوْلَاهُ أَبَا الْخَصِيبِ يَقْطِينَ; لِيَحْتَاطَ عَلَى مَا أُصِيبَ مِنْ مُعَسْكَرِ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ الثَّمِينَةِ وَغَيْرِهَا، غَضِبَ أَبُو مُسْلِمٍ، فَشَتَمَ أَبَا جَعْفَرٍ، وَهَمَّ بِأَبِي الْخَصِيبِ أَنْ يَقْتُلَهُ، حَتَّى كُلِّمَ فِيهِ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا هُوَ رَسُولٌ. فَتَرَكَهُ، وَرَجَعَ أَبُو الْخَصِيبِ، فَأَخْبَرَ الْمَنْصُورَ بِمَا كَانَ، وَبِمَا هَمَّ بِهِ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ قَتْلِهِ، فَغَضِبَ الْمَنْصُورُ، وَخَشِيَ أَنْ يَذْهَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى خُرَاسَانَ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ تَحْصِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ يَقْطِينَ: إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ الشَّامَ وَمِصْرَ، وَهُمَا خَيْرٌ مِنْ خُرَاسَانَ فَابْعَثْ إِلَى مِصْرَ مَنْ شِئْتَ، وَأَقِمْ أَنْتَ بِالشَّامِ; لِتَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِذَا أَرَادَ لِقَاءَكَ كُنْتَ مِنْهُ قَرِيبًا. فَغَضِبَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: قَدْ وَلَّانِي الشَّامَ وَمِصْرَ، وَلِي خُرَاسَانُ ! فَإِذًا أَذْهَبُ إِلَيْهَا، وَأَسْتَخْلِفُ عَلَى الشَّامِ وَمِصْرَ. فَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِذَلِكَ، فَقَلِقَ الْمَنْصُورُ مِنْ ذَلِكَ كَثِيرًا، وَرَجَعَ أَبُو مُسْلِمٍ مِنَ الشَّامِ قَاصِدًا خُرَاسَانَ، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَنْصُورِ، فَخَرَجَ الْمَنْصُورُ مِنَ الْأَنْبَارِ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ وَهُوَ عَلَى الزَّابِ عَازِمٌ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى خُرَاسَانَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَدُوٌّ إِلَّا أَمْكَنَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَقَدْ كُنَّا نَرْوِي عَنْ مُلُوكِ آلِ سَاسَانَ أَنْ أَخْوَفَ مَا يَكُونُ الْوُزَرَاءُ إِذَا سَكَنَتِ الدَّهْمَاءُ، فَنَحْنُ نَافِرُونَ مِنْ قُرْبِكَ، حَرِيصُونَ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِكَ مَا وَفَّيْتَ، حَرِيُّونَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ غَيْرَ أَنَّهَا مِنْ بَعِيدٍ حَيْثُ تُقَارِنُهَا السَّلَامَةُ، فَإِنْ أَرْضَاكَ ذَلِكَ فَأَنَا كَأَحْسَنِ عَبِيدِكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُعْطِيَ نَفْسَكَ إِرَادَتَهَا نَقَضْتُ مَا أَبْرَمْتُ مِنْ عَهْدِكَ ضَنًّا بِنَفْسِي. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى الْمَنْصُورِ كَتَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ: قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكَ، وَلَيْسَتْ صِفَتُكَ صِفَةَ أُولَئِكَ الْوُزَرَاءِ الْغَشَشَةِ مُلُوكَهُمُ، الَّذِينَ يَتَمَنَّوْنَ اضْطِرَابَ حَبْلِ الدَّوْلَةِ لِكَثْرَةِ جَرَائِمِهِمْ، وَإِنَّمَا رَاحَتُهُمْ فِي انْتِثَارِ نِظَامِ الْجَمَاعَةِ، فَلِمَ سَوَّيْتَ نَفْسَكَ بِهِمْ، وَأَنْتَ فِي طَاعَتِكَ وَمُنَاصَحَتِكَ وَاضْطِلَاعِكَ بِمَا حَمَلْتَ مِنْ أَعْبَاءِ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى مَا أَنْتَ بِهِ؟! وَلَيْسَ مَعَ الشَّرِيطَةِ الَّتِي أَوْجَبْتَ مِنْكَ سَمْعٌ وَلَا طَاعَةٌ، وَقَدْ حَمَّلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عِيسَى بْنَ مُوسَى رِسَالَةً لِتَسْكُنَ إِلَيْهَا إِنْ أَصْغَيْتَ إِلَيْهَا، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ الشَّيْطَانِ وَنَزَغَاتِهِ وَبَيْنَكَ; فَإِنَّهُ لَمْ يَجِدْ بَابًا يُفْسِدُ بِهِ نِيَّتَكَ أَوْكَدَ عِنْدَهُ وَأَقْرَبَ مِنْ ظَنِّهِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي فَتَحَهُ عَلَيْكَ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ: أَمَّا بَعْدُ; فَإِنِّي اتَّخَذْتُ رَجُلًا إِمَامًا وَدَلِيلًا عَلَى مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَانَ فِي مَحَلَّةِ الْعِلْمِ نَازِلًا، وَفِي قَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرِيبًا، فَاسْتَجْهَلَنِي بِالْقُرْآنِ، فَحَرَّفَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ طَمَعًا فِي قَلِيلٍ قَدْ نَعَاهُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ كَالَّذِي دُلِّيَ بِغُرُورٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُجَرِّدَ السَّيْفَ، وَأَرْفَعَ الرَّحْمَةَ، وَلَا أَقْبَلَ الْمَعْذِرَةَ، وَلَا أُقِيلَ الْعَثْرَةَ، فَفَعَلْتُ تَوْطِيدًا لِسُلْطَانِكُمْ حَتَّى عَرَّفَكُمُ اللَّهُ مَنْ كَانَ يَجْهَلُكُمْ، ثُمَّ اسْتَنْقَذَنِي اللَّهُ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ يَعْفُ عَنِّي فَقِدْمًا عُرِفَ بِهِ وَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَإِنْ يُعَاقِبْنِي فَبِمَا قَدَّمَتْ يَدَايَ، وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. ذَكَرَهُ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ. وَبَعَثَ الْمَنْصُورُ إِلَيْهِ جَرِيرَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ - وَكَانَ وَاحِدَ أَهْلِ زَمَانِهِ - فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَقَدْ كَانَ الْمَنْصُورُ قَالَ لَهُ: كَلِّمْ أَبَا مُسْلِمٍ بِأَلْيَنِ كَلَامٍ تَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّهُ يُرِيدُ رَفْعَكَ، وَعُلُوَّ قَدْرِكَ، وَالْإِطْلَاقَ لَكَ. فَإِنْ جَاءَ بِهَذَا فَذَاكَ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ فَقُلْ: إِنَّهُ يَقُولُ: هُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْعَبَّاسِ، إِنْ شَقَقْتَ الْعَصَا وَذَهَبْتَ عَلَى وَجْهِكَ هَذَا لَيُدْرِكَنَّكَ بِنَفْسِهِ وَلَيَلِيَنَّ قِتَالَكَ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَوْ خُضْتَ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ لَخَاضَهُ خَلْفَكَ حَتَّى يُدْرِكَكَ فَيَقْتُلَكَ أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ ذَلِكَ. وَلَا تَقُلْ لَهُ هَذَا حَتَّى تَيْأَسَ مِنْ رُجُوعِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أُمَرَاءُ الْمَنْصُورِ بِحُلْوَانَ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَلَامُوهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنْ مُنَابَذَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَغَّبُوهُ فِي الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، فَشَاوَرَ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ أُمَرَائِهِ، فَكُلٌّ نَهَاهُ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَأَشَارُوا بِأَنْ يُقِيمَ فِي الرَّيِّ فَتَكُونَ خُرَاسَانُ تَحْتَ حُكْمِهِ، وَجُنُودُهُ طَوْعٌ لَهُ، فَإِنِ اسْتَقَامَ لَهُ الْخَلِيفَةُ وَإِلَّا كَانَ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ. فَأَرْسَلَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى أُمَرَاءِ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ لَهُمُ: ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، فَلَسْتُ أَلْقَاهُ. فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ قَالُوا لَهُ ذَلِكَ الْكَلَامَ الَّذِي كَانَ الْمَنْصُورُ أَمَرَهُمْ بِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ كَسَرَهُ جِدًّا، وَقَالَ: قُومُوا عَنِّي السَّاعَةَ. وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ أَبَا دَاوُدَ خَالِدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ فِي غَيْبَةِ أَبِي مُسْلِمٍ حِينَ اتَّهَمَهُ: إِنَّ وِلَايَةَ خُرَاسَانَ لَكَ مَا بَقِيتَ. فَكَتَبَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ حِينَ بَلَغَهُ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُنَابَذَةِ الْخَلِيفَةِ: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا مُنَابَذَةُ خُلَفَاءِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَارْجِعْ إِلَى إِمَامِكَ سَامِعًا مُطِيعًا. فَزَادَهُ ذَلِكَ كَسْرًا أَيْضًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنِّي سَأَبْعَثُ إِلَيْهِ أَبَا إِسْحَاقَ، وَهُوَ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ. فَبَعَثَهُ إِلَيْهِ فَأَكْرَمَهُ، وَوَعَدَهُ بِنِيَابَةِ خُرَاسَانَ إِنْ هُوَ رَدَّهُ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ لَهُ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُمْ مُعَظِّمِينَ لَكَ يَعْرِفُونَ قَدْرَكَ. فَغَرَّهُ ذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَاسْتَشَارَ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ: نَيْزَكُ. فَنَهَاهُ، فَصَمَّمَ عَلَى الذَّهَابِ، فَلَمَّا رَآهُ نَيْزَكُ عَازِمًا عَلَى الذَّهَابِ تَمَثَّلَ نَيْزَكُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَا لِلرِّجَالِ مَعَ الْقَضَاءِ مَحَالَةٌ ذَهَبَ الْقَضَاءُ بِحِيلَةِ الْأَقْوَامِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: احْفَظْ عَنِّي وَاحِدَةً. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَيْهِ فَاقْتُلْهُ، ثُمَّ بَايِعْ مَنْ شِئْتَ بِالْخِلَافَةِ; فَإِنَّ النَّاسَ لَا يُخَالِفُونَكَ. وَكَتَبَ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى الْمَنْصُورِ يُعْلِمُهُ بِقُدُومِهِ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ كَاتِبُ الرَّسَائِلِ: فَدَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ وَهُوَ فِي خِبَاءِ شِعْرٍ بِالرُّومِيَّةِ جَالِسًا عَلَى مُصَلَّاهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ كِتَابٌ، فَأَلْقَاهُ إِلَيَّ فَإِذَا هُوَ كِتَابُ أَبِي مُسْلِمٍ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ الْخَلِيفَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ مَلَأْتُ عَيْنِي مِنْهُ لِأَقْتُلَنَّهُ. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَبِتُّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَا يَأْتِينِي نَوْمٌ، وَفَكَّرْتُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَقُلْتُ: إِنْ دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ خَائِفًا رُبَّمَا يَبْدُو أَنَّهُ يَبْدُرُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ يَدْخُلَ آمِنًا لِيَتَمَكَّنَ مِنْهُ الْخَلِيفَةُ. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَقُلْتُ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَتَوَلَّى مَدِينَةَ كَسْكَرٍ; فَإِنَّهَا مُغِلَّةٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؟ فَقَالَ: وَمَنْ لِي بِذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: فَاذْهَبْ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَتَلَقَّهُ فِي الطَّرِيقِ، فَاطْلُبْ مِنْهُ أَنْ يُوَلِّيَكَ تِلْكَ الْبَلَدَ; فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا وَرَاءَ بَابِهِ وَيَسْتَرِيحَ لِنَفْسِهِ. وَاسْتَأْذَنْتُ الْمَنْصُورَ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَذِنَ لَهُ، وَقَالَ لَهُ: سَلِّمْ عَلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّا بِالْأَشْوَاقِ إِلَيْهِ. فَسَارَ ذَلِكَ الرَّجُلُ - وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَابِرٍ - إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَخْبَرَهُ بِاشْتِيَاقِ الْخَلِيفَةِ إِلَيْهِ فَسَرَّهُ ذَلِكَ وَانْشَرَحَ، وَإِنَّمَا هُوَ غُرُورٌ وَمَكْرٌ بِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو مُسْلِمٍ بِذَلِكَ عَجَّلَ السَّيْرَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْمَدَائِنِ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْقَوَّادَ وَالْأُمَرَاءَ أَنْ يَتَلَقَّوْهُ، وَكَانَ دُخُولُهُ عَلَى الْمَنْصُورِ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَقَدْ أَشَارَ أَبُو أَيُّوبَ عَلَى الْمَنْصُورِ أَنْ يُؤَخِّرَ قَتْلَهُ فِي سَاعَتِهِ هَذِهِ إِلَى الْغَدِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ عَلَى الْمَنْصُورِ مِنَ الْعَشِيِّ، قَالَ: اذْهَبْ فَأَرِحْ نَفْسَكَ، وَادْخُلِ الْحَمَّامَ، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَأْتِنِي. فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَجَاءَهُ النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ طَلَبَ الْخَلِيفَةُ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ بَلَائِي عِنْدَكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْتُلَ نَفْسِي لَقَتَلْتُهَا. قَالَ: فَكَيْفَ بِكَ إِذَا أَمَرْتُكَ بِقَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ؟ قَالَ: فَوَجَمَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ قَوْلَةً ضَعِيفَةً: أَقْتُلُهُ. ثُمَّ اخْتَارَ لَهُ مِنْ عُيُونِ الْحَرَسِ أَرْبَعَةً، فَحَرَّضَهُمُ الْخَلِيفَةُ عَلَى قَتْلِهِ، وَقَالَ: كُونُوا مِنْ وَرَاءِ الرِّوَاقِ، فَإِذَا صَفَّقْتُ فَاخْرُجُوا عَلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ. ثُمَّ أَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ رُسُلًا تَتْرَى; يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ فَدَخَلَ دَارَ الْخِلَافَةِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَهُوَ يَبْتَسِمُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَعَلَ الْمَنْصُورُ يُعَاتِبُهُ فِي الَّذِي صَنَعَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَيَعْتَذِرُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فِيمَا كَانَ اعْتَمَدَهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَسَرَّعَ فِيهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرْجُو أَنْ تَكُونَ نَفْسُكَ قَدْ طَابَتْ عَلَيَّ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زَادَنِي هَذَا إِلَّا غَضَبًا عَلَيْكَ. ثُمَّ ضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، فَخَرَجَ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ، فَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَلَفُّوهُ فِي عَبَاءَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِلْقَائِهِ فِي دِجْلَةَ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَاتَبَهُ بِهِ الْمَنْصُورُ أَنَّهُ قَالَ: كَتَبْتَ إِلَيَّ مَرَّاتٍ تَبْدَأُ بِنَفْسِكَ، وَأَرْسَلْتَ تَخْطُبُ عَمَّتِي أَمِينَةَ، وَتَزْعُمُ أَنَّكَ ابْنُ سُلَيْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُقَالُ هَذَا لِي وَقَدْ سَعَيْتُ فِي أَمْرِكُمْ بِمَا عَلِمَهُ كُلُّ أَحَدٍ. فَقَالَ: وَيْلَكَ! لَوْ قَامَتْ فِي ذَلِكَ أَمَةٌ سَوْدَاءُ لَأَتَمَّهُ اللَّهُ; لِجَدِّنَا وَحَظِّنَا. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَعْدَائِكَ. فَقَالَ: وَأَيُّ عَدُوٍّ لِي أَعْدَى مِنْكَ ؟! ثُمَّ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْآنَ صِرْتَ خَلِيفَةً. وَيُقَالُ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَنْشَدَ عِنْدَ ذَلِكَ: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمًّا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ تَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ; هَلْ يَسْتَشِيرُ أَحَدًا فِي ذَلِكَ أَوْ يَسْتَبِدُّ هُوَ بِرَأْيِهِ; لِئَلَّا يَشِيعَ وَيَنْتَشِرَ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَشَارَ وَاحِدًا مِنْ نُصَحَائِهِ فِي قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [ الْأَنْبِيَاءِ: 22 ]. فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ أَوْدَعْتَهَا أُذُنًا وَاعِيَةً. ثُمَّ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ.
التاريخ 2729لا حكم مسجّل
قَالَ بَعْضُهُمْ: كَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ يَرِينُ عَلَى الْقُلُوبِ، وَتَطْبَعُ عَلَيْهَا الْمَعَاصِي، فَقَعْ أَيُّهَا الطَّائِرُ، وَأَفِقْ أَيُّهَا السَّكْرَانُ، وَانْتَبِهْ أَيُّهَا الْحَالِمُ، فَإِنَّكَ مَغْرُورٌ بِأَضْغَاثِ أَحْلَامٍ كَاذِبَةٍ، وَفِي بَرْزَخِ دُنْيَا قَدْ غَرَّتْ مَنْ قَبْلَكَ، وَسُمَّ بِهَا سَوَالِفُ الْقُرُونِ، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا [ مَرْيَمَ: 98 ]. وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْجِزُهُ مَنْ هَرَبَ، وَلَا يَفُوتُهُ مَنْ طَلَبَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ شِيعَتِي وَأَهْلِ دَعْوَتِي، فَكَأَنَّهُمْ قَدْ صَاوَلُوكَ، إِنْ أَنْتَ خَلَعْتَ الطَّاعَةَ، وَفَارَقْتَ الْجَمَاعَةَ، بَدَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَسِبُ، مَهْلًا مَهْلًا، احْذَرِ الْبَغْيَ أَبَا مُسْلِمٍ; فَإِنَّهُ مَنْ بَغَى وَاعْتَدَى تَخَلَّى اللَّهُ مِنْهُ، وَنَصَرَ عَلَيْهِ مَنْ يَصْرَعُهُ لِلْيَدَيْنِ وَالْفَمِ، وَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ سُنَّةً فِي الَّذِينَ قَدْ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، فَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ، وَأَعْذَرْتُ إِلَيْكَ وَإِلَى أَهْلِ طَاعَتِي فِيكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [ الْأَعْرَافِ: 175 ]. فَأَجَابَهُ أَبُو مُسْلِمٍ: أَمَّا بَعْدُ; فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، فَرَأَيْتُكَ فِيهِ لِلصَّوَابِ مُجَانِبًا، وَعَنِ الْحَقِّ حَائِدًا، إِذْ تَضْرِبُ فِيهِ الْأَمْثَالَ عَلَى غَيْرِ أَشْكَالِهَا، وَتَضْرِبُ فِيهِ آيَاتٍ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ، وَمَا يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَإِنَّنِي وَاللَّهِ مَا انْسَلَخْتُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، وَلَكِنَّنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ كُنْتُ رَجُلًا مُتَأَوِّلًا فِيكُمْ مِنَ الْقُرْآنِ آيَاتٍ أَوْجَبَتْ لَكُمْ بِهَا الْوِلَايَةَ وَالطَّاعَةَ، فَأْتَمَمْتُ بِأَخَوَيْنِ لَكَ مِنْ قَبْلِكَ، ثُمَّ بِكَ مِنْ بَعْدِهِمَا، فَكُنْتُ لَهُمَا شِيعَةً مُتَدَيِّنًا، أَحْسَبُنِي هَادِيًا، وَأَخْطَأْتُ فِي التَّأْوِيلِ، وَقَدِيمًا أَخْطَأَ الْمُتَأَوِّلُونَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ الْأَنْعَامِ: 54 ]. وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنَّ أَخَاكَ السَّفَّاحَ ظَهَرَ فِي صُورَةِ مَهْدِيٍّ، وَكَانَ ضَالًّا; أَمَرَنِي أَنْ أُجَرِّدَ السَّيْفَ، وَأَقْتُلَ بِالظِّنَّةِ، وَأُقْدِمَ بِالشُّبْهَةِ، وَأَرْفَعَ الرَّحْمَةَ وَلَا أُقِيلَ الْعَثْرَةَ، فَوَتَرْتُ أَهْلَ الدُّنْيَا فِي طَاعَتِكُمْ، وَتَوْطِئَةِ سُلْطَانِكُمْ حَتَّى عَرَفَكُمْ مَنْ كَانَ جَهِلَكُمْ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ تَدَارَكَنِي مِنْهُ بِالنَّدَمِ، وَاسْتَنْقَذَنِي بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ يَعْفُ عَنِّي وَيَصْفَحْ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا، وَإِنْ يُعَاقِبْنِي فَبِذُنُوبِي، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْمُجْرِمُ الْعَاصِي، فَإِنَّ أَخِي كَانَ إِمَامَ هُدًى، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنَ اللَّهِ، فَأَوْضَحَ لَكَ السَّبِيلَ، وَحَمَلَكَ عَلَى الْمَنْهَجِ، فَلَوْ بِأَخِي اقْتَدَيْتَ مَا كُنْتَ عَنِ الْحَقِّ حَائِدًا، وَعَنِ الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ صَادِرًا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْنَحْ لَكَ أَمْرَانِ إِلَّا كُنْتَ لِأَرْشَدِهِمَا تَارِكًا، وَلَأَغْوَاهُمَا مُوَافِقًا، تَقْتُلُ قَتْلَ الْفَرَاعِنَةِ، وَتَبْطِشُ بَطْشَ الْجَبَابِرَةِ، وَتَحْكُمُ بِالْجَوْرِ حُكْمَ الْمُفْسِدِينَ، ثُمَّ مِنْ خَبَرِي أَيُّهَا الْفَاسِقُ أَنِّي قَدْ وَلَّيْتُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ خُرَاسَانَ، وَأَمَرْتُهُ بِالْمُقَامِ بِنَيْسَابُورَ، فَإِنْ أَرَدْتَ خُرَاسَانَ لَقِيَكَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قُوَّادِي وَشِيعَتِي، وَأَنَا مُوَجِّهٌ لِلِقَائِكَ أَقْرَانَكَ، فَاجْمَعْ كَيْدَكَ وَأَمْرَكَ غَيْرَ مُسَدَّدٍ وَلَا مُوَفَّقٍ، وَحَسْبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَمْ يَزَلِ الْمَنْصُورُ يُرَاسِلُهُ تَارَةً بِالرَّغْبَةِ وَتَارَةً بِالرَّهْبَةِ، وَيَسْتَخِفُّ أَحْلَامَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ يَبْعَثُ بِهِمْ أَبُو مُسْلِمٍ، حَتَّى حَسَّنُوا لَهُ فِي رَأْيِهِ الْقُدُومَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ سِوَى أَمِيرٍ مَعَهُ يُقَالُ لَهُ: نَيْزَكُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُوَافِقْ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى أَبَا مُسْلِمٍ قَدِ انْصَاعَ مَعَهُمْ قَالَ: مَا لِلرِّجَالِ مَعَ الْقَضَاءِ مَحَالَةٌ ذَهَبَ الْقَضَاءُ بِحِيلَةِ الْأَقْوَامِ
التاريخ 2730لا حكم مسجّل
وَقَدْ خَطَبَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تُنَفِّرُوا أَطْرَافَ النِّعْمَةِ بِقِلَّةِ الشُّكْرِ، فَتَحِلَّ بِكُمُ النِّقْمَةُ، وَلَا تُسِرُّوا غِشَّ الْأَئِمَّةِ; فَإِنَّ أَحَدًا لَا يُسِرُّ مِنْكُمْ شَيْئًا إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ، وَصَفَحَاتِ وَجْهِهِ، وَطَوَالِعِ نَظَرِهِ، وَإِنَّا لَنْ نَجْهَلَ حُقُوقَكُمْ مَا عَرَفْتُمْ حَقَّنَا، وَلَا نَنْسَى الْإِحْسَانَ إِلَيْكُمْ مَا ذَكَرْتُمْ فَضْلَنَا، وَمَنْ نَازَعَنَا هَذَا الْقَمِيصَ أَوَطْأْنَا أُمَّ رَأَسِهِ خَبِيءَ هَذَا الْغِمْدِ، وَإِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ بَايَعَ عَلَى أَنَّهُ مَنْ نَكَثَ بَيْعَتَنَا وَأَظْهَرَ غِشَّنَا لَنَا فَقَدَ أَبَاحَنَا دَمَهُ، وَنَكَثَ، وَغَدَرَ، وَفَجَرَ، وَكَفَرَ، فَحَكَمْنَا عَلَيْهِ لِأَنْفُسِنَا حُكْمَهُ عَلَى غَيْرِهِ لَنَا، وَإِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ أَحْسَنَ مُبْتَدِئًا وَأَسَاءَ مُعَقِّبًا، وَأَخَذَ مِنَ النَّاسِ بِنَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَانَا، وَرَجَحَ قَبِيحُ بَاطِنِهِ عَلَى حُسْنِ ظَاهِرِهِ، وَعَلِمْنَا مِنْ خُبْثِ سَرِيرَتِهِ وَفَسَادِ نِيَّتِهِ مَا لَوْ عَلِمَ اللَّائِمُ لَنَا فِيهِ، لَعَذَرَنَا فِي قَتْلِهِ، وَعَنَّفَنَا فِي إِمْهَالِهِ، وَمَا زَالَ يَنْقُضُ بَيْعَتَهُ وَيَخْفِرُ ذِمَّتَهُ حَتَّى أَحَلَّ لَنَا عُقُوبَتَهُ، وَأَبَاحَنَا دَمَهُ، فَحَكَمْنَا فِيهِ حُكْمَهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَمْ يَمْنَعْنَا الْحَقُّ لَهُ مِنْ إِمْضَاءِ الْحَقِّ فِيهِ، وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ لِلنُّعْمَانِ - يَعْنِي ابْنَ الْمُنْذِرِ: - فَمَنْ أَطَاعَكَ فَانْفَعْهُ بِطَاعَتِهِ كَمَا أَطَاعَكَ وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً تَنْهَى الظَّلُومَ وَلَا تَقْعُدْ عَلَى ضَمَدِ
التاريخ 2731لا حكم مسجّل
قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: ثُمَّ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ هَمَّ بِقَتْلِ أَبِي إِسْحَاقَ صَاحِبِ حَرَسِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَبِقَتْلِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ عَلَى شَرْطِ أَبِي مُسْلِمٍ - فَكَلَّمَهُ أَبُو الْجَهْمِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جُنْدُهُ جُنْدُكَ، أَمَرْتَهُمْ بِطَاعَتِهِ فَأَطَاعُوهُ. فَدَعَا أَبَا إِسْحَاقَ وَقَالَ: أَنْتَ الْمُبَايِعُ لِعَدُوِّ اللَّهِ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى مَا كَانَ يَفْعَلُ. فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا تَخَوُّفًا مِنْ أَبِي مُسْلِمٍ. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: تَكَلَّمْ بِمَا أَرَدْتَ، فَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ الْفَاسِقَ. وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ إِلَيْهِ مُقَطَّعًا، فَخَرَّ أَبُو إِسْحَاقَ سَاجِدًا، فَأَطَالَ السُّجُودَ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهِ مَا أَمِنْتُهُ يَوْمًا وَاحِدًا، وَمَا جِئْتُهُ يَوْمًا إِلَّا وَقَدْ أَوْصَيْتُ وَتَكَفَّنْتُ وَتَحَنَّطْتُ. فَقَالَ: اسْتَقْبِلْ طَاعَةَ خَلِيفَتِكَ، وَاحْمَدِ اللَّهَ الَّذِي أَرَاحَكَ مِنَ الْفَاسِقِ، ثُمَّ دَعَا مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ فَكَلَّمَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِطَاعَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِتَفْرِيقِ جُنْدِ أَبِي مُسْلِمٍ. وَبَعَثَ إِلَى عِدَّةٍ مِنْ قُوَّادِ أَبِي مُسْلِمٍ بِجَوَائِزَ سَنِيَّةٍ، وَأَعْطَى جَمِيعَ جُنُودِهِ حَتَّى رَضُوا. وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ قَدْ خَلَّفَ أَصْحَابَهُ بِحُلْوَانَ وَقَدِمَ الْمَدَائِنَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَخَلَّفَ أَبَا نَصْرٍ عَلَى ثَقَلِهِ وَقَالَ: أَقِمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ كِتَابِي، قَالَ: فَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ آيَةً أَعْرِفُ بِهَا كِتَابَكَ. قَالَ: إِنْ أَتَاكَ كِتَابِي مَخْتُومًا بِنِصْفِ خَاتَمٍ فَأَنَا كَتَبْتُهُ، وَإِنْ أَتَاكَ بِخَاتَمٍ كُلِّهِ فَلَمْ أَكْتُبْهُ. فَلَمَّا قُتِلَ أَبُو مُسْلِمٍ كَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي نَصْرٍ كِتَابًا عَنْ لِسَانِ أَبِي مُسْلِمٍ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِ ثَقَلِهِ وَمَا خَلَّفَ عِنْدَهُ، وَأَنْ يَقْدَمَ. وَخَتَمَ الْكِتَابَ بِخَاتَمِ أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو نَصْرٍ نَقْشَ الْخَاتَمِ تَامًّا عَلِمَ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ لَمْ يَكْتُبْهُ، فَقَالَ: أَفَعُلْتُمُوهَا، وَانْحَدَرَ إِلَى هَمْدَانَ وَهُوَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى أَبِي نَصْرٍ بِعَهْدِهِ عَلَى شَهْرَزُورَ، فَلَمَّا مَضَى الْعَهْدُ جَاءَهُ الْخَبَرُ أَنَّهُ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى عَامِلِهِ بِهَمْدَانَ: إِنْ مَرَّ بِكَ أَبُو نَصْرٍ فَاحْبِسْهُ. فَأَخَذَهُ فَحَبَسَهُ، فَقَدِمَ صَاحِبُ [الْكِتَابِ] بِالْعَهْدِ لِأَبِي نَصْرٍ فَخَلَّى سَبِيلَهُ، ثُمَّ قَدِمَ كِتَابٌ آخَرُ بَعْدَهُ بِيَوْمَيْنِ يَقُولُ فِيهِ: إِنْ كُنْتَ أَخَذْتَ أَبَا نَصْرٍ فَاقْتُلْهُ. فَقَالَ: جَاءَنِي كِتَابُ عَهْدِهِ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. وَقَدِمَ أَبُو نَصْرٍ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ فَقَالَ لَهُ: أَشَرْتُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ بِالْمُضِيِّ إِلَى خُرَاسَانَ فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَتْ لَهُ عِنْدِي أَيَادٍ وَصَنَائِعُ، فَاسْتَشَارَنِي فَنَصَحْتُهُ، وَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِ اصْطَنَعْتَنِي نَصَحْتُ لَكَ وَشَكَرْتُ. فَعَفَا عَنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ أَصْبَهَانَ: لِلَّهِ دَمُكَ إِنْ فَاتَكَ - يَعْنِي أَبَا نَصْرٍ فَأَخَذَهُ وَأَوْثَقَهُ وَبَعَثَهُ إِلَيْهِ فَصَفَحَ عَنْهُ. وَقَدْ كَانَ أَبُو الْجَهْمِ بْنُ عَطِيَّةَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، وَكَانَ عَيْنًا لِأَبِي مُسْلِمٍ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا اتَّهَمَهُ الْمَنْصُورُ طَاوَلَهُ يَوْمًا بِالْحَدِيثِ حَتَّى عَطِشَ، فَاسْتَسْقَى مَاءً فَدَعِي لَهُ بِسَوِيقِ لَوْزٍ مَمْزُوجٍ بِالسُّكَّرِ، وَفِيهِ سُمٌّ، فَشَرِبَهُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِهِ أَحَسَّ بِالْمَوْتِ، فَوَثَبَ مُسْرِعًا فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى حَيْثُ أَرْسَلْتَنِي. فَرَجَعَ إِلَى رَحْلِهِ فَمَاتَ. فَقَالَ الشَّاعِرُ: تَجَنَّبْ سَوِيقَ اللَّوْزِ لَا تَقْرَبَنَّهُ فَشُرْبُ سَوِيقِ اللَّوْزِ أَوْدَى أَبَا الْجَهْمِ وَذَهَبَتْ "شَرْبَةُ أَبِي الْجَهْمِ" مَثَلًا لِلشَّيْءِ الطَّيِّبِ الطَّعْمِ الْخَبِيثِ الْعَاقِبَةِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظُ: إِنَّ الْمَنْصُورَ كَانَ يَقُولُ: ثَلَاثٌ كُنَّ فِي صَدْرِي شَفَى اللَّهُ مِنْهَا: كِتَابُ أَبِي مُسْلِمٍ إِلَيَّ وَأَنَا خَلِيفَةٌ: عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ مِنَ السُّوءِ، وَدُخُولُ رَسُولِهِ عَلَيْنَا وَقَوْلُهُ: أَيُّكُمُ ابْنُ الْحَارِثِيَّةِ؟ وَضَرْبُ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ ظَهْرِي بِالسِّيَاطِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ سُلَيْمَانُ قَدِ اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورَ عَلَى بَعْضِ كُوَرِ فَارِسَ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ الْخِلَافَةُ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، فَاحْتَجَزَ الْمَالَ لِنَفْسِهِ، فَضَرَبَهُ سُلَيْمَانُ بِالسِّيَاطِ ضَرْبًا شَدِيدًا وَأَغْرَمَهُ الْمَالَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ ضَرَبَ عُنُقَهُ.
التاريخ 2732لا حكم مسجّل
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ، بِسَنَدِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ سُئِلَ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ; أَكَانَ خَيْرًا أَمِ الْحَجَّاجُ؟ فَقَالَ: لَا أَقُولُ إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَحَدٍ، وَلَكِنْ كَانَ الْحَجَّاجُ شَرًّا مِنْهُ. وَقَدِ اتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَلَمْ أَرَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَخَافُ اللَّهَ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَقَدِ ادَّعَى التَّوْبَةَ مِمَّا كَانَ سَفَكَ مِنَ الدِّمَاءِ فِي إِقَامَةِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ. وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ارْتَدَيْتُ الصَّبْرَ، وَآثَرْتُ الْكِتْمَانَ، وَحَالَفْتُ الْأَحْزَانَ وَالْأَشْجَانَ، وَسَامَحْتُ الْمَقَادِيرَ وَالْأَحْكَامَ حَتَّى بَلَغْتُ غَايَةَ هِمَّتِي، وَأَدْرَكْتُ نِهَايَةَ بُغْيَتِي. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: قَدْ نِلْتُ بِالْحَزْمِ وَالْكِتْمَانِ مَا عَجَزَتْ عَنْهُ مُلُوكُ بَنِي مَرْوَانَ إِذْ حَشَدُوا مَا زِلْتُ أَضْرِبُهُمْ بِالسَّيْفِ فَانْتَبَهُوا مِنْ رَقْدَةٍ لَمْ يَنَمْهَا قَبْلَهُمْ أَحَدُ طَفِقْتُ أَسْعَى عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ وَالْقَوْمُ فِي مُلْكِهِمْ بِالشَّامِ قَدْ رَقَدُوا وَمَنْ رَعَى غَنَمًا فِي أَرْضِ مَسْبَعَةٍ وَنَامَ عَنْهَا تَوَلَّى رَعْيَهَا الْأَسَدُ قَالَ ابن الجوزي: نَقَلْتُ مِنْ خَطِّ أَبِي الْوَفَا بْنِ عُقَيْلٍ قَالَ: وَجَدْتُ فِي تَعَالِيقِ مُحَقِّقٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ سَبْعَةً مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، فَعَجِبْتُ مِنْ قِصَرِ أَعْمَارِهِمْ مَعَ بُلُوغِ كُلٍّ مِنْهُمُ الْغَايَةَ فِيمَا كَانَ فِيهِ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ، فَمِنْهُمُ: الْإِسْكَنْدَرُ ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَأَبُو مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَابْنُ الْمُقَفَّعِ صَاحِبُ الْخَطَابَةِ وَالْفَصَاحَةِ، وَسِيبَوَيْهِ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ وَالْمُتَقَدِّمُ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَأَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ وَمَا بَلَغَ مِنَ الشِّعْرِ وَعُلُومِهِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّظَّامُ الْمُعَمِّقُ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَابْنُ الرِّيوَنْدِيِّ وَمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنَ التَّوْغِيلِ فِي الْمَخَازِي. فَهَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ لَمْ يُجَاوِزْ أَحَدٌ مِنْهُمْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، بَلِ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْعُمْرِ.
التاريخ 2725لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْمَنْصُورِ لَمَّا رَجَعَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مِنَ الْحَجِّ دَخَلَ الْكُوفَةَ، فَخَطَبَ بِأَهْلِهَا يَوْمَ الْجُمْعَةِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ مِنْهَا إِلَى الْأَنْبَارِ، وَقَدْ أُخِذَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسَائِرِ الْبِلَادِ سِوَى الشَّامِ، وَقَدْ ضَبَطَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بُيُوتَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلَ لِلْمَنْصُورِ حَتَّى قَدِمَ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْأَمْرَ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ بِدُرُوبِ الرُّومِ يُعْلِمُهُ بِوَفَاةِ السَّفَّاحِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ نَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةً. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ وَالنَّاسُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ وَفَاةَ السَّفَّاحِ، ثُمَّ قَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَذَكَرَ أَنَّ السَّفَّاحَ كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى مَرْوَانَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَشَهِدَ لَهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ خُرَاسَانَ بِذَلِكَ، وَنَهَضُوا إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ، وَرَجَعَ إِلَى حَرَّانَ فَتَسَلَّمَهَا مِنْ نَائِبِ الْمَنْصُورِ بَعْدَ مُحَاصَرَةٍ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَقُتِلَ مُقَاتِلٌ الْعَكِّيُّ نَائِبُهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ بَعَثَ إِلَيْهِ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَقَدْ تَحَصَّنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بِحَرَّانَ، وَأَرْصَدَ عِنْدَهُ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالسِّلَاحِ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا. وَسَارَ أَبُو مُسْلِمٍ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ، وَلَمَّا تَحَقَّقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ قُدُومَ أَبِي مُسْلِمٍ إِلَيْهِ خَشِيَ مِنْ جَيْشِ خُرَاسَانَ الَّذِينَ مَعَهُ أَنْ لَا يُنَاصِحُوهُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَرَادَ قَتْلَ حُمَيْدِ بْنِ قُحْطُبَةَ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ. وَرَكِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، فَنَزَلَ نَصِيبِينَ وَخَنْدَقَ حَوْلَ عَسْكَرِهِ، وَأَقْبَلَ أَبُو مُسْلِمٍ، فَنَزَلَ نَاحِيَةً، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ: إِنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتَالِكَ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالِيًا عَلَى الشَّامِ فَأَنَا أُرِيدُهَا. فَخَافَ جُنُودُ الشَّامِ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَقَالُوا: إِنَّا نَخَافُ عَلَى ذَرَارِينَا وَأَمْوَالِنَا، فَنَحْنُ نَذْهَبُ إِلَيْهَا نَمْنَعُهُمْ مِنْهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ: وَيْحَكُمْ! وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَّا لِقِتَالِنَا. فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَرْتَحِلُوا نَحْوَ الشَّامِ فَتَحَوَّلَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ، وَقَصَدَ نَاحِيَةَ الشَّامِ، فَنَهَضَ أَبُو مُسْلِمٍ، فَنَزَلَ فِي مَوْضِعِ عَسْكَرِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَوَّرَ مَا حَوْلَهُ مِنَ الْمِيَاهِ، وَكَانَ نَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ مَنْزِلًا جَيِّدًا جِدًّا، وَاحْتَاجَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، فَنَزَلُوا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ أَبُو مُسْلِمٍ فَوَجَدُوهُ مَنْزِلًا رَدِيئًا، ثُمَّ أَنْشَأَ أَبُو مُسْلِمٍ الْقِتَالَ، فَحَارَبَهُمْ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عَلَى خَيْلِ عَبْدِ اللَّهِ أَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ بَكَّارُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ حَبِيبُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَسَدِيُّ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ أَبِي مُسْلِمٍ الْحَسَنُ بْنُ قُحْطُبَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ أَبُو نَصْرٍ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمْ وَقَعَاتٌ، وَقُتِلُ مِنْهُمْ جَمَاعَاتٌ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ إِذَا حَمَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَنْوِي أَهْلَهُ فَلَا رَجَعْ فَرَّ مِنَ الْمَوْتِ وَفِي الْمَوْتِ وَقَعْ وَكَانَ يُعْمَلُ لَهُ عَرِيشٌ، فَيَكُونُ فِيهِ إِذَا الْتَقَى الْجَيْشَانِ، فَمَا رَأَى فِي جَيْشِهِ مِنْ خَلَلٍ أَرْسَلَ فَأَصْلَحَهُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ أَوِ الْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ الْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَمَكَرَ بِهِمْ أَبُو مُسْلِمٍ; بَعَثَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ قُحْطُبَةَ أَمِيرِ الْمَيْمَنَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ بِمَنْ مَعَهُ إِلَّا الْقَلِيلَ، إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الشَّامِ انْحَازُوا إِلَى الْمَيْمَنَةِ بِإِزَاءِ الْمَيْسَرَةِ الَّتِي تَعَمَّرَتْ، فَأَرْسَلَ حِينَئِذٍ أَبُو مُسْلِمٍ إِلَى الْقَلْبِ أَنْ يَحْمِلَ بِمَنْ بَقِيَ فِي الْمَيْمَنَةِ عَلَى مَيْسَرَةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَحَطَّمُوهُمْ، فَجَالَ أَهْلُ الْقَلْبِ وَالْمَيْمَنَةِ مِنَ الشَّامِيِّينَ، فَحَمَلَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ، وَانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَ تَلَوُّمٍ، وَاحْتَازَ أَبُو مُسْلِمٍ مَا كَانَ فِي مُعَسْكَرِهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ، وَأَمَّنَ أَبُو مُسْلِمٍ بَقِيَّةَ النَّاسِ فَلَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ مَوْلَاهُ أَبَا الْخَصِيبِ لِيُحْصِيَ مَا وَجَدُوا فِي مُعَسْكَرِ عَبْدِ اللَّهِ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ، وَاسْتَوْسَقَتِ الْمَمَالِكُ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَأَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ عَلَى وُجُوهِهِمَا، فَلَمَّا مَرَّا بِالرُّصَافَةِ أَقَامَ بِهَا عَبْدُ الصَّمَدِ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو الْخَصِيبِ وَجَدَهُ بِهَا، فَأَخَذَهُ مُقَيَّدًا فِي الْحَدِيدِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَاسْتَأْمَنَ لَهُ مِنَ الْمَنْصُورِ، وَقِيلَ: بَلِ اسْتَأْمَنَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ زَمَانًا مُخْتَفِيًا، ثُمَّ عَلِمَ بِهِ الْمَنْصُورُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَسَجَنَهُ، فَلَبِثَ فِي السَّجْنِ تِسْعَ سِنِينَ، ثُمَّ سَقَطَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ فَمَاتَ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
التاريخ 2726لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ الْمَنْصُورِ [137 - 158 هـ] أَبُو جَعْفَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأُمُّهُ سَلَّامَةُ الْبَرْبَرِيَّةُ أُمُّ وَلَدٍ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَأَدْرَكَ جَدَّهُ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ، وَرَوَى عَنْ: أَبِيهِ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، وَعَنْهُ: وَلَدُهُ الْمَهْدِيُّ. وَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ، وَكَانَ فَحْلَ بَنِي الْعَبَّاسِ هَيْبَةً وَشَجَاعَةً، وَحَزْمًا وَرَأْيًا وَجَبَرُوتًا، جَمَّاعًا لِلْمَالِ، تَارِكًا لِلَّهْوِ وَاللَّعِبِ، كَامِلَ الْعَقْلِ، جَيِّدَ الْمُشَارَكَةِ فِي الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ، فَقِيهَ النَّفْسِ. قَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا حَتَّى اسْتَقَامَ مُلْكُهُ؛ وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْقَضَاءِ، ثُمَّ سَجَنَهُ، فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قَتَلَهُ بِالسُّمِّ لِكَوْنِهِ أَفْتَى بِالْخُرُوجِ عَلَيْهِ. وَكَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا، مُفَوَّهًا خَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَكَانَ غَايَةً فِي الْحِرْصِ وَالْبُخْلِ، فَلُقِّبَ: أَبَا الدَّوَانِيقِ، لِمُحَاسَبَتِهِ الْعُمَّالَ وَالصُّنَّاعَ عَلَى الدَّوَانِيقِ وَالْحَبَّاتِ. تَوَلَّى الْمَنْصُورُ الْخِلَافَةَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَأَوَّلُ مَا فَعَلَ: أَنْ قَتَلَ أَبَا مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيَّ صَاحِبَ دَعْوَتِهِمْ، وَمُمَهِّدَ مَمْلَكَتِهِمْ!!.
التاريخ 2733لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: خَرَجَ مُلَبَّدُ بْنُ حَرْمَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ بِنَاحِيَةِ الْجَزِيرَةِ: فَسَارَتْ إِلَيْهِ رَوَابِطُ الْجَزِيرَةِ وَهُمْ أَلْفٌ، فَقَاتَلَهُمْ مُلَبَّدٌ فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَارَتْ إِلَيْهِ رَوَابِطُ الْمَوْصِلِ فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، فَهَزَمَهُ أَيْضًا بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ مَوْلَاهُ الْمُهَلْهَلَ فِي أَلْفَيْنِ مِنْ نُخْبَةِ الْجُنْدِ، فَهَزَمَهُمْ مُلَبَّدٌ وَاسْتَبَاحَ عَسْكَرَهُمْ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِرَارًا، فَهَزَمَ الْكُلَّ إِلَى أَنْ قَدِمَ حُمَيْدُ بْنُ قُحْطُبَةَ فَهَزَمَهُ أَيْضًا، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ حُمَيْدٌ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ حَتَّى كَفَّ عَنْهُ. وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ ظُهُورَ مُلَبَّدٍ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ.
التاريخ 2734لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خُرُوجِ سُنْبَاذَ بِخُرَاسَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ سُنْبَاذُ بِخُرَاسَانَ يَطْلُبُ بِدَمِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَكَانَ مَجُوسِيًّا مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى نَيْسَابُورَ يُقَالُ لَهَا أَهْرَوَانَهْ، كَانَ ظُهُورُهُ غَضَبًا لِقَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ، لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ صَنَائِعِهِ، وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَكَانَ عَامَّتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجِبَالِ، وَغَلَبَ عَلَى نَيْسَابُورَ وَقُومِسَ وَالرَّيِّ، وَتُسَمَّى فَيْرُوزَ أَصْبَهْبَذَ. فَلَمَّا صَارَ بِالرَّيِّ أَخَذَ خَزَائِنَ أَبِي مُسْلِمٍ، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ خَلَّفَهَا بِالرَّيِّ حِينَ شَخَصَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، وَسَبَى الْحُرَمَ، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلتُّجَّارِ، وَكَانَ يُظْهِرُ أَنَّهُ يَقْصِدُ الْكَعْبَةَ وَيَهْدِمُهَا. فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ جُمْهُورَ بْنَ مِرَّارٍ الْعِجْلِيَّ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَالْتَقَوْا بَيْنَ هَمَذَانَ وَالرَّيِّ عَلَى طَرَفِ الْمَفَازَةِ، وَعَزَمَ جُمْهُورٌ عَلَى مُطَاوَلَتِهِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا قَدَّمَ سُنْبَاذُ السَّبَايَا مِنَ النِّسَاءِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْجِمَالِ، فَلَمَّا رَأَيْنَ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ قُمْنَ فِي الْمَحَامِلِ وَنَادَيْنَ: وَامُحَمَّدَاهُ ! ذَهَبَ الْإِسْلَامُ ! وَوَقَعَتِ الرِّيحُ فِي أَثْوَابِهِنَّ، فَنَفَرَتِ الْإِبِلُ وَعَادَتْ عَلَى عَسْكَرِ سُنْبَاذَ، فَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْهَزِيمَةِ. وَتَبِعَ الْمُسْلِمُونَ الْإِبِلَ وَوَضَعُوا السُّيُوفَ فِي الْمَجُوسِ وَمَنْ مَعَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَكَانَ عَدَدُ الْقَتْلَى نَحْوًا مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ وَنِسَاءَهُمْ، ثُمَّ قُتِلَ سُنْبَاذُ بَيْنَ طَبَرِسْتَانَ وَقُومِسَ. وَكَانَ بَيْنَ مَخْرِجِ سُنْبَاذَ وَقَتْلِهِ سَبْعَوْنَ لَيْلَةً، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ قَصَدَ طَبَرِسْتَانَ مُلْتَجِئًا إِلَى صَاحِبِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى طَرِيقِهِ عَامِلًا لَهُ اسْمُهُ طَوْسُ، فَتَكَبَّرَ عَلَيْهِ سُنْبَاذُ، فَضَرَبَ طَوْسُ عُنُقَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِقَتْلِهِ وَأَخَذَ مَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى صَاحِبِ طَبَرِسْتَانَ يَطْلُبُ مِنْهُ الْأَمْوَالَ، فَأَنْكَرَهَا، فَسَيَّرَ الْجُنُودَ إِلَيْهِ، فَهَرَبَ إِلَى الدَّيْلَمِ.
التاريخ 2735لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ . وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مَكَّةَ: الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ. وَمَاتَ الْعَبَّاسُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَوْسِمِ، فَضَمَّ إِسْمَاعِيلُ عَمَلَهُ إِلَى زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَقَرَّهُ الْمَنْصُورُ عَلَيْهِ. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَعْمَالِهَا: سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ السُّلَمِيُّ. وَعَلَى خُرَاسَانَ: أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى مِصْرَ: صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ: حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِيَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ الِاجْتِدَالِ.
التاريخ 2736لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 737 - خَيْرُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كُرَيْبٍ، أَبُو نُعَيْمٍ الْحَضْرَمِيُّ. وَلِيَ الْقَضَاءَ وَالْقَصَصَ فِي آخِرِ خِلَافَةٍ بَنِي أُمَيَّةَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ فَقِيهًا. رَوَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَرَوَى عَنْهُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَلِيٍّ: كُنْتُ أُجَالِسُ خَيْرَ بْنَ نُعَيْمٍ، فَرَأَيْتُهُ يَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَأَنْتَ أَيْضًا تَتَّجِرُ؟ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى كَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: انْتَظِرْ حَتَّى تَجُوعَ بِبَطْنِ غَيْرِكَ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَيْفَ يَجُوعُ الْإِنْسَانُ بِبَطْنِ غَيْرِهِ. فَلَمَّا بُلِيتُ بِالْعِيَالِ إِذَا أَنَا أَجُوعُ بِبُطُونِهِمْ. تُوُفِّيَ خَيْرُ بْنُ نُعَيْمٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 738 - عَبْدُ الرَّحْمَنِ، أَبُو مُسْلِمٍ الْمَرْوَزِيُّ. صَاحِبُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ. 739 - عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. سَمِعَ أَبَاهُ، وَرَوَى عَنْهُ أَخُوهُ هِشَامٌ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ. وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ وَسَادَاتِهِمْ، وَكَانَ جَمِيلَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الثَّوْبِ وَالْمَرْكَبِ، عَطِرًا، حَتَّى كَانَ أَبُوهُ يَقُولُ لَهُ وَهُوَ يُغَلِّفُ لِحْيَتَهُ بِالْغَالِيَةِ: إِنِّي لَأَرَاهَا سَتَقْطُرُ. وعن مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: وَفَدَ عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ عَلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ فَأَخْبَرَ بِهِ، فَقَالَ: أَنَا رَاكِبٌ غَدًا، فَلَا تَرُونِيهِ حَتَّى أَتَوَسَّمَهُ فِي النَّاسِ، فَرَكِبَ، فَتَصَفَّحَ وُجُوهَ النَّاسِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى بَعْضِ مَنْ مَعَهُ فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَا ذَاكَ عُثْمَانُ بْنُ عُرْوَةَ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ. فَقَالُوا: هُوَ هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَانَ وَسِيمًا جَسِيمًا فَأَعْطَاهُ مَرْوَانُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ فَأَغْلِي كِرَاءَ الْحُمُرِ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ تَلَقَّاهُ. فَقُلْتُ لَهُ: وَلِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: يَرْجُونَ وَاللَّهِ جَوَائِزَهُ. 740 - وَاهِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ الْكَعْبِيُّ. يَرْوِي عَنِ: ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ لَهِيعَةَ وَغَيْرُهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَرْقَةَ، وَكَانَ قَدْ عَمَّرَ.
التاريخ 2737لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ قُسْطَنْطِينُ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى بَلَدِ الْإِسْلَامِ، فَدَخَلَ مَلَطْيَةَ عَنْوَةً وَقَهْرًا وَغَلَبَ أَهْلَهَا وَهَدَمَ سُورَهَا، وَعَفَا عَمَّنْ فِيهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ
التاريخ 2738لا حكم مسجّل
وَفِيهَا بَايَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ لِلْمَنْصُورِ وَهُوَ مُقِيمٌ بِالْبَصْرَةِ مَعَ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ.
التاريخ 2739لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ الصَّائِفَةَ مَعَ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، فَوَصَلَهُ صَالِحٌ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ، فَوَصَلَهُ أَيْضًا بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَبَنَى صَالِحٌ مَا كَانَ صَاحِبُ الرُّومِ هَدَمَهُ مِنْ مَلْطِيَّةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ خُرُوجَ صَالِحٍ وَالْعَبَّاسِ إِلَى مَلْطِيَّةَ لِلْغَزْوِ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 2740لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خَلْعِ جُمْهُورِ بْنِ مِرَّارٍ الْعِجْلِيِّ وَفِيهَا خَلَعَ جُمْهُورُ بْنُ مِرَّارٍ الْمَنْصُورَ بِالرَّيِّ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ جُمْهُورًا لَمَّا هَزَمَ سُنْبَاذَ حَوَى مَا فِي عَسْكَرِهِ، وَكَانَ فِيهِ خَزَائِنُ أَبِي مُسْلِمٍ، فَلَمْ يُوَجِّهْهَا إِلَى الْمَنْصُورِ، فَخَافَ فَخَلَعَ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ نَحْوَ الرَّيِّ، فَفَارَقَهَا جُمْهُورٌ نَحْوَ أَصْبَهَانَ، ( وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ الرَّيَّ، وَمَلَكَ جُمْهُورٌ أَصْبَهَانَ )، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ عَسْكَرًا ( وَبَقِيَ فِي الرَّيِّ، فَأَشَارَ عَلَى جُمْهُورٍ بَعْضُ أَصْحَابِهِ أَنْ يَسِيرَ فِي نُخْبَةِ عَسْكَرِهِ ) نَحْوَ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ فِي قِلَّةٍ، فَإِنْ ظَفِرَ لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَعْدَهُ بَقِيَّةٌ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُجِدًّا. وَبَلَغَ خَبَرُهُ مُحَمَّدًا، فَحَذِرَ وَاحْتَاطَ، وَأَتَاهُ عَسْكَرٌ مِنْ خُرَاسَانَ فَقَوِيَ بِهِمْ، فَالْتَقَوْا بِقَصْرِ الْفِيرُوزَانِ بَيْنَ الرَّيِّ وَأَصْبَهَانَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا، وَمَعَ جُمْهُورٍ نُخْبَةُ فُرْسَانِ الْعَجَمِ، فَهُزِمَ جُمْهُورُ وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهَرَبَ جُمْهُورٌ فَلَحِقَ بِأَذْرَبِيجَانَ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ بِإِسْبَاذُرْوَا، قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ.
التاريخ 2741لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ مُلَبَّدٍ الْخَارِجِيِّ قَدْ ذَكَرْنَا خُرُوجَهُ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا، وَتَحَصُّنَ حُمَيْدٍ مِنْهُ، وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ ظَفَرُ مُلَبَّدٍ، وَتَحَصُّنُ حُمَيْدٍ مِنْهُ، وَجَّهَ إِلَيْهِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخَا عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَضَمَّ زِيَادَ بْنَ مُشْكَانَ، فَأَكْمَنَ لَهُ مُلَبَّدٌ مِائَةَ فَارِسٍ، فَلَمَّا لَقِيَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ خَرَجَ عَلَيْهِ الْكَمِينُ فَهَزَمُوهُ وَقَتَلُوا عَامَّةَ أَصْحَابِهِ. فَوَجَّهَ [ الْمَنْصُورُ ] إِلَيْهِ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ فِي نَحْوِ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَرْوَرُوذِيَّةِ، فَسَارَ خَازِمٌ حَتَّى نَزَلَ الْمَوْصِلَ، وَبَعَثَ إِلَى مُلَبَّدٍ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَعَبَرَ مُلَبَّدٌ دِجْلَةَ مِنْ بَلَدٍ وَسَارَ نَحْوَ خَازِمٍ. وَسَارَ إِلَيْهِ خَازِمٌ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ وَطَلَائِعِهِ نَضَلَةُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ خَازِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّهْشَلِيُّ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَامِرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ أَبُو حَمَّادٍ الْأَبْرَصُ، وَخَازِمٌ فِي الْقَلْبِ. فَلَمْ يَزَلْ يُسَايِرُ مُلَبَّدًا وَأَصْحَابَهُ إِلَى اللَّيْلِ وَتَوَاقَفُوا لَيْلَتَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ سَارَ مُلَبَّدٌ نَحْوَ كُورَةِ حَزَّةَ، وَخَازِمٌ وَأَصْحَابُهُ يُسَايِرُونَهُمْ حَتَّى غَشِيَهُمُ اللَّيْلُ، وَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ فَسَارَ مُلَبَّدٌ كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْهَرَبَ، فَخَرَجَ خَازِمٌ فِي أَثَرِهِ وَتَرَكُوا خَنْدَقَهُمْ، وَكَانَ خَازِمٌ قَدْ خَنْدَقَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْحَسَكِ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهُ حَمَلَ عَلَيْهِمْ مُلَبَّدٌ وَأَصْحَابُهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَازِمٌ أَلْقَى الْحَسَكَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَدَيْ أَصْحَابِهِ، فَحَمَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ خَازِمٍ فَطَوَوْهَا، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَى الْمَيْسَرَةِ وَطَوَوْهَا، ثُمَّ انْتَهَوْا إِلَى الْقَلْبِ وَفِيهِ خَازِمٌ، فَنَادَى خَازِمٌ فِي أَصْحَابِهِ: الْأَرْضَ الْأَرْضَ ! فَنَزَلُوا، وَنَزَلَ مُلَبَّدٌ وَأَصْحَابُهُ وَعَقَرُوا عَامَّةَ دَوَابِّهِمْ، ثُمَّ اضْطَرَبُوا بِالسُّيُوفِ حَتَّى تَقَطَّعَتْ. وَأَمَرَ خَازِمٌ نَضَلَةَ بْنَ نُعَيْمٍ أَنْ إِذَا سَطَعَ الْغُبَارُ وَلَمْ يُبْصِرْ بَعْضَنَا بَعْضًا فَارْجِعْ إِلَى خَيْلِكَ وَخَيْلِ أَصْحَابِكَ فَارْكَبُوهَا ثُمَّ ارْمُوهُمْ بِنُشَّابٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَتَرَاجَعَ أَصْحَابُ خَازِمٍ مِنَ الْمَيْمَنَةِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، ثُمَّ رَشَقُوا مُلَبَّدًا، وَأَصْحَابَهُ بِالنُّشَّابِ، فَقُتِلَ مُلَبَّدٌ فِي ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ مِمَّنْ تَرَجَّلَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَتَرَجَّلُوا زُهَاءُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَهَرَبَ الْبَاقُونَ، وَتَبِعَهُمْ نَضَلَةُ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا.
التاريخ 2742لا حكم مسجّل
وَفِيهَا كَانَتْ خِلَافَةُ الدَّاخِلِ عَلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْهِشَامِيُّ، كَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ فَاجْتَازَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِقَوْمٍ يَقْتَتِلُونَ عَلَى عَصَبِيَّةِ الْيَمَانِيَةِ وَالْمُضَرِيَّةِ، فَبَعَثَ مَوْلَاهُ بَدْرًا إِلَيْهِمْ فَاسْتَمَالَهُمْ إِلَيْهِ، فَبَايَعُوهُ وَدَخَلَ بِهِمْ، فَفَتَحَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ نَائِبِهَا يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الْفِهْرِيِّ وَقَتَلَهُ، وَسَكَنَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قُرْطُبَةَ، وَاسْتَمَرَّ فِي خِلَافَتِهِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ - إِلَى سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ فَتُوُفِّيَ فِيهَا، وَلَهُ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً وَأَشْهُرٌ. ثُمَّ قَامَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ هِشَامٌ سِتَّ سِنِينَ وَأَشْهُرًا ثُمَّ مَاتَ، فَوَلِي وَلَدُهُ الْحَكَمُ بْنُ هِشَامٍ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ ابْنُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ابْنُ ابْنِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْذِرِ. وَكَانَتْ أَيَّامُهُ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ بِدَهْرٍ، ثُمَّ زَالَتْ تِلْكَ الدَّوْلَةُ كَمَا سَنَذْكُرُ، ثُمَّ انْقَضَتْ تِلْكَ السُّنُونَ وَأَهْلُهَا فَكَأَنَّهُمْ عَلَى مِيعَادٍ.
التاريخ 2743لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَسَوَادِهَا: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ: أَبُو دَاوُدَ، وَعَلَى مِصْرَ: صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ.
التاريخ 2744لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمِسْوَرُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيُّ. وَسَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ أَبُو حَفْصٍ الْأَسْلَمِيُّ، يَرْوِي عَنْ سَفِينَةَ حَدِيثَ " الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ ". وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا: زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، وَالْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَلَيْثٌ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، فِي قَوْلٍ.
التاريخ 2745لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَرَغَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ عِمَارَةِ مَا أَخْرَبَهُ الرُّومُ مِنْ مَلَطْيَةَ، ثُمَّ غَزَوُا الصَّائِفَةَ مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ فَوَغَلَا فِي أَرْضِ الرُّومِ، وَغَزَا مَعَ صَالِحٍ أُخْتَاهُ أُمُّ عِيسَى وَلُبَابَةُ بَنْتَا عَلِيٍّ، وَكَانَتَا نَذَرَتَا إِنْ زَالَ مُلْكُ بَنِي أُمَيَّةَ أَنْ تُجَاهِدَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَغَزَا مِنْ دَرْبِ مَلَطْيَةَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ.
التاريخ 2746لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الْمَنْصُورِ، وَمَلِكِ الرُّومِ، فَاسْتَفْدَى الْمَنْصُورُ أَسْرَى قَالِيقَلَا وَغَيْرَهُمْ مِنَ الرُّومِ، وَبَنَاهَا وَعَمَّرَهَا وَرَدَّ إِلَيْهَا أَهْلِيهَا، وَنَدَبَ إِلَيْهَا جُنْدًا مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَغَيْرِهِمْ، فَأَقَامُوا بِهَا وَحَمَوْهَا. وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ صَائِفَةٌ فِيمَا قِيلَ إِلَّا سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، لِاشْتِغَالِ الْمَنْصُورِ بِابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ غَزَا الصَّائِفَةَ مَعَ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ، وَأَقْبَلَ قُسْطَنْطِينُ مَلِكُ الرُّومِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ فَبَلَغَ جَيْحَانَ، فَسَمِعَ كَثْرَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَحْجَمَ عَنْهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا صَائِفَةٌ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ.
التاريخ 2747لا حكم مسجّل
ذِكْرُ دُخُولِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ فَتْحَ الْأَنْدَلُسِ، وَعَزْلَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ عَنْهَا. فَلَمَّا عُزِلَ عَنْهَا وَسَارَ إِلَى الشَّامِ اسْتُخْلِفَ عَلَيْهَا ابْنُهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ، وَضَبَطَهَا وَحَمَى ثُغُورَهَا، وَافْتَتَحَ فِي وِلَايَتِهِ مَدَائِنَ كَثِيرَةً، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا، وَبَقِيَ أَمِيرًا إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، فَقُتِلَ بِهَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ قَتْلِهِ. فَلَمَّا قُتِلَ بَقِيَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ لَا يَجْمَعُهُمْ وَالٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبٍ اللَّخْمِيِّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ لِصَلَاحِهِ، وَتَحَوَّلَ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَجَعَلَهَا دَارَ إِمَارَةٍ فِي أَوَّلِ سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ. ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ اسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ الْحُرَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيَّ، فَقَدِمَهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، فَأَقَامَ وَالِيًا عَلَيْهَا سَنَتَيْنِ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ السَّمْحَ بْنَ مَالِكٍ الْخَوْلَانِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُمَيِّزَ أَرْضَهَا، وَيُخْرِجَ مِنْهَا مَا كَانَ عَنْوَةً وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْخُمْسَ وَيَكْتُبَ إِلَيْهِ بِصِفَةِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ رَأْيُهُ إِقْفَالَ أَهْلِهَا مِنْهَا لِانْقِطَاعِهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. فَقَدِمَهَا السَّمْحُ سَنَةَ مِائَةٍ فِي رَمَضَانَ، وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ عُمَرُ، وَقُتِلَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ، وَكَانَ قَدْ بَدَا لِعُمَرَ فِي نَقْلِ أَهْلِهَا عَنْهَا وَتَرْكِهِمْ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا. ثُمَّ وَلِيَهَا بَعْدَ السَّمْحِ عَنْبَسَةُ بْنُ سُحَيْمٍ الْكَلْبِيُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ غَزْوَةِ الْإِفْرِنْجِ. ثُمَّ وَلِيَهَا بَعْدَهُ يَحْيَى بْنُ سَلْمَى الْكَلْبِيُّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا وَالِيًا سَنَتَيْنِ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْأَبْرَصِ الْأَشْجَعِيُّ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ فَبَقِيَ وَالِيًا عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ عُزِلَ. ثُمَّ وَلِيَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي نِسْعَةَ الْخَثْعَمِيُّ، فَقَدِمَهَا سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، ( وَعُزِلَ آخِرَ سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ أَيْضًا، كَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ وَلِيَهَا الْهَيْثَمُ بْنُ عُبَيْدٍ الْكِنَانِيُّ، فَقَدِمَهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ )، فَأَقَامَ وَالِيًا عَلَيْهَا عَشَرَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَقَدَّمَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيَّ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ شَهْرَيْنِ. وَوَلِيَ بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيُّ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَاسْتُشْهِدَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. ثُمَّ وَلِيَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَطَنٍ الْفِهْرِيُّ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا سَنَتَيْنِ وَعُزِلَ. ثُمَّ وَلِيَهَا بَعْدَهُ عُقْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّلُولِيُّ، دَخَلَهَا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، فَوَلِيَهَا خَمْسَ سِنِينَ، وَثَارَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ بِهِ فَخَلَعُوهُ فَوَلَّوْا بَعْدَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ، وَهِيَ وِلَايَتُهُ الثَّانِيَةُ، ( وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي الْأَنْدَلُسِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فَوَلَّى أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ عَبْدَ الْمَلِكِ ). ثُمَّ وَلِيَهَا بَلْجُ بْنُ بشْرٍ الْقُشَيْرِيُّ، بَايَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَهَرَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَلَحِقَ بِدَارِهِ، وَهَرَبَ ابْنَاهُ قَطَنٌ وَأُمَيَّةُ فَلَحِقَ أَحَدُهُمَا بِمَارِدَةَ وَالْآخَرُ بِسَرَقُسْطَةَ، ثُمَّ ثَارَتِ الْيَمَنُ عَلَى بَلْجٍ وَسَأَلُوهُ قَتْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ، فَلَمَّا خَشِيَ فَسَادَهُمْ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَصُلِبَ، وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعِينَ سَنَةً. فَلَمَّا بَلَغَ ابْنَيْهِ قَتْلُهُ حَشَدَا مِنْ مَارِدَةَ إِلَى أَرْبُونَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا مِائَةُ أَلْفٍ، وَزَحَفُوا إِلَى بَلْجٍ وَمَنْ مَعَهُ بِقُرْطُبَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَلْجٌ فَلَقِيَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ بِقُرْبِ قُرْطُبَةَ فَهَزَمَهُمَا، وَرَجَعَ إِلَى قُرْطُبَةَ فَمَاتَ بَعْدَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ. وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِ بَلْجٍ الْأَنْدَلُسَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ عَمِّهِ كُلْثُومِ بْنِ عِيَاضٍ فِي وَقْعَةِ الْبَرْبَرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، فَلَمَّا قُتِلَ عَمُّهُ سَارَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَأَجَازَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَطَنٍ إِلَيْهَا، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ. ثُمَّ وَلَّى أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْأَنْدَلُسِ مَكَانَهُ ثَعْلَبَةَ بْنَ سَلَامَةَ الْعَامِلِيَّ فَأَقَامَ إِلَى أَنْ قَدِمَ أَبُو الْخَطَّارِ وَالِيًا عَلَى الْأَنْدَلُسِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَدَانَ لَهُ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ثَعْلَبَةُ، وَابْنُ أَبِي نِسْعَةَ، وَابْنَا عَبْدِ الْمَلِكِ، فَآمَنَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ، وَكَانَ شُجَاعًا ذَا رَأْيٍ وَكَرَمٍ. وَكَثُرَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَهُ، فَلَمْ تَحْمِلْهُمْ قُرْطُبَةَ، فَفَرَّقَهُمْ فِي الْبِلَادِ، فَأَنْزَلَ أَهْلَ دِمَشْقَ إِلْبِيرَةَ لِشَبَهِهَا بِهَا وَسَمَّاهَا دِمَشْقَ، وَأَنْزَلَ أَهْلَ حِمْصَ إِشْبِيلِيَّةَ، وَسَمَّاهَا حِمْصَ، وَأَنْزَلَ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ بَجَيَّانَ، وَسَمَّاهَا قِنَّسْرِينَ، وَأَنْزَلَ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ بِرَيَّةَ وَسَمَّاهَا الْأُرْدُنَّ، وَأَنْزَلَ أَهْلَ فِلَسْطِينَ بِشَذُونَةَ وَسَمَّاهَا فِلَسْطِينَ. وَأَنْزَلَ أَهْلَ مِصْرَ بِتُدْمِيرَ وَسَمَّاهَا مِصْرَ لِشَبَهِهَا بِهَا، ثُمَّ تَعَصَّبَ الْيَمَانِيَّةُ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لَتَأَلُّبِ الصُّمَيْلِ بْنِ حَاتِمٍ عَلَيْهِ مَعَ مُضَرَ وَحَرْبِهِ وَخَلْعِهِ. وَقَامَتْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ الصُّمَيْلُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ قَدْ قَدِمَ الْأَنْدَلُسَ فِي أَمْدَادِ الشَّامِ، فَرَأَسَ بِهَا، فَأَرَادَ أَبُو الْخَطَّارِ أَنْ يَضَعَ مِنْهُ فَأَمَرَ بِهِ يَوْمًا وَعِنْدَهُ الْجُنْدُ فَشُتِمَ وَأُهِينَ، فَخَرَجَ وَعِمَامَتُهُ مَائِلَةٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحُجَّابِ: مَا بَالُ عِمَامَتِكَ مَائِلَةً ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لِي قَوْمٌ فَسَيُقِيمُونَهَا، وَبَعَثَ إِلَى قَوْمِهِ فَشَكَا إِلَيْهِمْ مَا لَقِيَ. فَقَالُوا: نَحْنُ لَكَ تَبَعٌ، وَكَتَبُوا إِلَى ثَوَابَةَ بْنِ سَلَامَةَ الْجُذَامِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، فَوَفَدَ عَلَيْهِمْ وَأَجَابَهُمْ وَتَبِعَهُمْ لَخْمٌ وَجُذَامٌ. فَبَلَغَ ذَلِكَ إِلَى أَبِي الْخَطَّارِ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَأُسِرَ أَبُو الْخَطَّارِ، وَدَخَلَ ثَوَابَةُ قَصْرَ قُرْطُبَةَ وَأَبُو الْخَطَّارِ فِي قُيُودِهِ، فَوَلِيَ ثَوَابَةُ الْأَنْدَلُسَ سَنَتَيْنِ ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَأَرَادَ أَهْلُ الْيَمَنِ إِعَادَةَ أَبِي الْخَطَّارِ، وَامْتَنَعَتْ مُضَرُ، وَرَأَسَهُمُ الصُّمَيْلُ، فَافْتَرَقَتِ الْكَلِمَةُ، فَأَقَامَتِ الْأَنْدَلُسُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بِغَيْرِ أَمِيرٍ. ( وَقَدْ تَقَدَّمَ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. فَلَمَّا بَقُوا بِغَيْرِ أَمِيرٍ ) قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَثِيرٍ اللَّخْمِيَّ لِلْأَحْكَامِ. فَلَمَّا تَفَاقَمَ الْأَمْرُ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيِّ، فَوَلِيَهَا يُوسُفُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ أَنْ يَلِيَ سَنَةً ثُمَّ يَرُدَّ الْأَمْرَ إِلَى الْيَمَنِ فَيُوَلُّوا مَنْ أَحَبُّوا مِنْ قَوْمِهِمْ. فَلَمَّا انْقَضَتِ السَّنَةُ أَقْبَلَ أَهْلُ الْيَمَنِ بِأَسْرِهِمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَبَيَّتَهُمْ الصُّمَيْلُ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَهِيَ وَقْعَةُ شَقُنْدَةَ الْمَشْهُورَةُ، وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو الْخَطَّارِ وَاقْتَتَلُوا بِالرِّمَاحِ حَتَّى تَقَطَّعَتْ وَبِالسُّيُوفِ حَتَّى تَكَسَّرَتْ، ثُمَّ تَجَاذَبُوا بِالشُّعُورِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى يُوسُفَ وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ أَحَدٌ. ( وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ). ثُمَّ تَوَالَى الْقَحْطُ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، وَجَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا وَتَضَعْضَعَتْ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَفِيهَا اجْتَمَعَ تَمِيمُ بْنُ مَعْبَدٍ الْفِهْرِيُّ، وَعَامِرٌ الْعَبْدَرِيُّ بِمَدِينَةِ سَرَقُسْطَةَ، وَحَارَبَهُمَا الصُّمَيْلُ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِمَا يُوسُفُ الْفِهْرِيُّ فَحَارَبَهُمَا فَقَتَلَهُمَا، وَبَقِيَ يُوسُفُ عَلَى الْأَنْدَلُسِ إِلَى أَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ. هَذَا مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُلَاةِ الْأَنْدَلُسِ عَلَى الِاخْتِصَارِ، ( وَقَدْ تَقَدَّمَ أَبْسَطُ مِنْ هَذَا مُتَفَرِّقًا، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَاهُ هَاهُنَا مُتَتَابِعًا لِيَتَّصِلَ بَعْضُ أَخْبَارِ الْأَنْدَلُسِ بِبَعْضٍ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ مُتَفَرِّقَةً ). وَنَرْجِعُ إِلَى ذِكْرِ عُبُورِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ إِلَيْهَا. وَأَمَّا سَبَبُ مَسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى الْغَرْبِ ، فَإِنَّهُ يُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَتِ الدَّوْلَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ مَنْ قُتِلَ وَمِنْ شِيعَتِهِمْ، فَرَّ مِنْهُمْ مَنْ نَجَا فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بِذَاتِ الزَّيْتُونِ، فَفَرَّ مِنْهَا إِلَى فِلَسْطِينَ، وَأَقَامَ هُوَ وَمَوْلَاهُ بَدْرٌ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ. فَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أُعْطِينَا الْأَمَانَ ثُمَّ نُكِثَ بِنَا بِنَهْرِ أَبِي فُطْرُسٍ، وَأُبِيحَتْ دِمَاؤُنَا أَتَانَا الْخَبَرُ، وَكُنْتُ مُنْتَبَذًا مِنَ النَّاسِ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي آيِسًا، وَنَظَرْتُ فِيمَا يُصْلِحُنِي وَأَهْلِي، وَخَرَجْتُ خَائِفًا حَتَّى صِرْتُ إِلَى قَرْيَةٍ عَلَى الْفُرَاتِ ذَاتِ شَجَرٍ وَغِيَاضٍ، فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ بِهَا وَوَلَدِي سُلَيْمَانُ يَلْعَبُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ، خَرَجَ عَنِّي ثُمَّ دَخَلَ الصَّبِيُّ مِنْ بَابِ الْبَيْتِ بَاكِيًا فَزِعًا فَتَعَلَّقَ بِي، وَجَعَلْتُ أَدْفَعُهُ وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِي، فَخَرَجْتُ لِأَنْظُرَ وَإِذَا بِالْخَوْفِ قَدْ نَزَلَ بِالْقَرْيَةِ، وَإِذَا بِالرَّايَاتِ السُّودِ مُنْحَطَّةٌ عَلَيْهَا، وَأَخٌ لِي حَدِيثُ السِّنِّ يَقُولُ لِي: النَّجَاءَ النَّجَاءَ ! فَهَذِهِ رَايَاتُ الْمُسَوِّدَةِ !. فَأَخَذْتُ دَنَانِيرَ مَعِي وَنَجَوْتُ بِنَفْسِي وَأَخِي، وَأَعْلَمْتُ أَخَوَاتِي بِمُتَوَجَّهِي، فَأَمَرْتُهُنَّ أَنْ يُلْحِقْنَنِي مَوْلَايَ بَدْرًا، وَأَحَاطَتِ الْخَيْلُ بِالْقَرْيَةِ، فَلَمْ يَجِدُوا لِي أَثَرًا، فَأَتَيْتُ رَجُلًا مِنْ مَعَارِفِي وَأَمَرْتُهُ فَاشْتَرَى لِي دَوَابَّ وَمَا يُصْلِحُنِي، فَدَلَّ عَلَيَّ عَبْدٌ لَهُ الْعَامِلَ، فَأَقْبَلَ فِي خَيْلِهِ يَطْلُبُنِي، فَخَرَجْنَا عَلَى أَرْجُلِنَا هُرَّابًا وَالْخَيْلُ تُبْصِرُنَا، فَدَخَلْنَا فِي بَسَاتِينَ عَلَى الْفُرَاتِ، فَسَبَقْنَا الْخَيْلَ إِلَى الْفُرَاتِ فَسَبَحْنَا. فَأَمَّا أَنَا فَنَجَوْتُ، وَالْخَيْلُ يُنَادُونَنَا بِالْأَمَانِ وَلَا أَرْجِعُ. وَأَمَّا أَخِي فَإِنَّهُ عَجَزَ عَنِ السِّبَاحَةِ فِي نِصْفِ الْفُرَاتِ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ وَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَاحْتَمَلْتُ فِيهِ ثَكَلًا، وَمَضَيْتُ لِوَجْهِي، فَتَوَارَيْتُ فِي غَيْضَةٍ أَشِبَةٍ، حَتَّى انْقَطَعَ الطَّلَبُ عَنِّي، وَخَرَجْتُ فَقَصَدْتُ الْمَغْرِبَ فَبَلَغْتُ إِفْرِيقِيَّةَ. ثُمَّ إِنَّ أُخْتَهُ أُمَّ الْأَصْبَغِ أَلْحَقَتْهُ بَدْرًا مَوْلَاهُ، وَمَعَهُ نَفَقَةٌ لَهُ وَجَوْهَرٌ، فَلَمَّا بَلَغَ إِفْرِيقِيَّةَ لَجَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيُّ، قِيلَ هُوَ وَالِدُ يُوسُفَ أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَامِلُ إِفْرِيقِيَّةَ فِي طَلَبِهِ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَهَرَبَ مِنْهُ فَأَتَى مِكْنَاسَةَ، وَهُمْ قَبِيلٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَلَقِيَ عِنْدَهُمْ شِدَّةً يَطُولُ ذِكْرُهَا، ثُمَّ هَرَبَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَأَتَى نِفْزَاوَةَ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ، وَبَدْرٌ مَعَهُ. وَقِيلَ: أَتَى قَوْمًا مِنَ الزَّنَاتِيِّينَ، فَأَحْسَنُوا قَبُولَهُ وَاطْمَأَنَّ فِيهِمْ، وَأَخَذَ فِي تَدْبِيرِ الْمُكَاتَبَةِ إِلَى الْأُمَوِيِّينَ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ يُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِهِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، وَوَجَّهَ بَدْرًا مَوْلَاهُ إِلَيْهِمْ، وَأَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ حِينَئِذٍ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ. فَسَارَ بَدْرٌ إِلَيْهِمْ وَأَعْلَمَهُمْ حَالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ وَوَجَّهُوا لَهُ مَرْكَبًا فِيهِ ثُمَامَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَوَهْبُ بْنُ الْأَصْفَرِ، وَشَاكِرُ بْنُ أَبِي الْأَشْمَطِ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِ وَأَبْلَغُوهُ طَاعَتَهُمْ لَهُ، وَأَخَذُوهُ وَرَجَعُوا إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَأَرْسَى فِي الْمُنَكَّبِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، فَأَتَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ إِشْبِيلِيَّةَ، وَكَانَتْ أَيْضًا نُفُوسُ أَهْلِ الْيَمَنِ حَنِقَةً عَلَى الصُّمَيْلِ وَيُوسُفَ الْفِهْرِيِّ، فَأَتَوْهُ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى كُورَةِ رَيَّةَ فَبَايَعَهُ عَامِلُهَا عِيسَى بْنُ مُسَاوِرٍ. ثُمَّ أَتَى شَذُونَةَ فَبَايَعَهُ غِيَاثُ بْنُ عَلْقَمَةَ اللَّخْمِيُّ. ثُمَّ أَتَى مُوَرْوِرَ فَبَايَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَجَرَةَ عَامِلُهَا. ثُمَّ أَتَى إِشْبِيلِيَّةَ فَبَايَعَهُ أَبُو الصُّبَاحِ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَنَهَدَ إِلَى قُرْطُبَةَ. فَبَلَغَ خَبَرُهُ إِلَى يُوسُفَ وَكَانَ غَائِبًا عَنْ قُرْطُبَةَ بِنَوَاحِي طُلَيْطُلَةَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ نَحْوَ قُرْطُبَةَ. فَلَمَّا أَتَى قُرْطُبَةَ تَرَاسَلَ هُوَ وَيُوسُفُ فِي الصُّلْحِ، فَخَادَعَهُ نَحْوَ يَوْمَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ يَشُكَّ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ يُوسُفَ أَنَّ الصُّلْحَ قَدْ أُبْرِمَ، وَأَقْبَلَ عَلَى إِعْدَادِ الطَّعَامِ لِيَأْكُلَهُ النَّاسُ عَلَى السِّمَاطِ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُرَتِّبٌ خَيْلَهُ وَرَجِلَهُ، وَعَبَرَ النَّهْرَ فِي أَصْحَابِهِ لَيْلًا، وَنَشِبَ الْقِتَالُ لَيْلَةَ الْأَضْحَى، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ إِلَى أَنِ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، وَرَكِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى بَغْلٍ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَهْرُبُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ كَذَلِكَ سَكَنَتْ نُفُوسُهُمْ، وَأَسْرَعَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ يُوسُفَ وَانْهَزَمَ، وَبَقِيَ الصُّمَيْلُ يُقَاتِلُ مَعَ عِصَابَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ انْهَزَمُوا، فَظَفِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَلَمَّا انْهَزَمَ يُوسُفُ ( أَتَى مَارِدَةَ، وَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ قُرْطُبَةَ فَأَخْرَجَ حَشَمَ يُوسُفَ ) مِنَ الْقَصْرِ عَلَى عَوْدَةٍ وَدَخَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ سَارَ فِي طَلَبِ يُوسُفَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ يُوسُفُ خَالَفَهُ إِلَى قُرْطُبَةَ فَدَخَلَهَا وَمَلَكَ قَصْرَهَا، فَأَخَذَ جَمِيعَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَحِقَ بِمَدِينَةِ إِلْبِيرَةَ، وَكَانَ الصُّمَيْلُ لَحِقَ بِمَدِينَةِ شَوْذَرَ. وَوَرَدَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْخَبَرُ فَرَجَعَ إِلَى قُرْطُبَةَ طَمَعًا فِي لَحَاقِهِ بِهَا، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْهُ عَزَمَ عَلَى النُّهُوضِ إِلَيْهِ، ( فَسَارَ إِلَى إِلْبِيرَةَ، وَكَانَ الصُّمَيْلُ قَدْ لَحِقَ بِيُوسُفَ وَتَجَمَّعَ لَهُمَا هُنَاكَ جَمْعٌ )، فَتَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ يُوسُفُ بِأَمَانٍ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَنْ يَسْكُنَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِقُرْطُبَةَ، وَرَهَنَهُ يُوسُفُ ابْنَيْهِ: أَبَا الْأَسْوَدِ مُحَمَّدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَسَارَ يُوسُفُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا دَخَلَ قُرْطُبَةَ تَمَثَّلَ: فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ. وَاسْتَقَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِقُرْطُبَةَ، وَبَنَى الْقَصْرَ وَالْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، وَأَنْفَقَ فِيهِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمَاتَ قَبْلَ تَمَامِهِ، وَبَنَى مَسَاجِدَ الْجَمَاعَاتِ، وَوَافَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ يَدْعُو لِلْمَنْصُورِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّ دُخُولَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي ذِكْرِ دُخُولِهِ الْأَنْدَلُسَ لِئَلَّا نَخْرُجَ عَنِ الَّذِي قَصَدْنَا لَهُ مِنْ الِاخْتِصَارِ.
التاريخ 2748لا حكم مسجّل
وَفِيهَا وَسَّعَ الْمَنْصُورُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَكَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ خِصْبَةً جِدًّا، فَكَانَ يُقَالُ لَهَا: سَنَةُ الْخِصْبِ.
التاريخ 2749لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حَبْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَلَمَّا عُزِلَ سُلَيْمَانُ عَنِ الْبَصْرَةِ اخْتَفَى أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ خَوْفًا مِنَ الْمَنْصُورِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ فَأَرْسَلَ إِلَى سُلَيْمَانَ وَعِيسَى ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي إِشْخَاصِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَعْطَاهُمَا الْأَمَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ وَعَزَمَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا. فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ وَعِيسَى بِعَبْدِ اللَّهِ وَقُوَّادِهِ وَمَوَالِيهِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى الْمَنْصُورِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ أَذِنَ لِسُلَيْمَانَ وَعِيسَى فَدَخَلَا عَلَيْهِ، وَأَعْلَمَاهُ حُضُورَ عَبْدِ اللَّهِ وَسَأَلَاهُ الْإِذْنَ لَهُ، فَأَجَابَهُمَا إِلَى ذَلِكَ وَشَغَلَهُمَا بِالْحَدِيثِ، وَكَانَ قَدْ هَيَّأَ لِعَبْدِ اللَّهِ مَكَانًا فِي قَصْرِهِ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِ سُلَيْمَانَ وَعِيسَى، فَفُعِلَ بِهِ ذَلِكَ. ثُمَّ نَهَضَ الْمَنْصُورُ، وَقَالَ لِسُلَيْمَانَ وَعِيسَى: خُذَا عَبْدَ اللَّهِ مَعَكُمَا. فَلَمَّا خَرَجَا لَمْ يَجِدَا عَبْدَ اللَّهِ، فَعَلِمَا أَنَّهُ قَدْ حُبِسَ، فَرَجَعَا إِلَى الْمَنْصُورِ فَمُنِعَا عَنْهُ وَأُخِذَتْ عِنْدَ ذَلِكَ سُيُوفُ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَحُبِسُوا. وَقَدْ كَانَ خُفَافُ بْنُ مَنْصُورٍ حَذَّرَهُمْ ذَلِكَ، وَنَدِمَ عَلَى مَجِيئِهِ مَعَهُمْ، وَقَالَ: إِنْ أَطَعْتُمُونِي شَدَدْنَا شَدَّةً وَاحِدَةً عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَوَاللَّهِ لَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَنَا حَائِلٌ حَتَّى نَأْتِيَ عَلَيْهِ ! وَلَا يَعْرِضُ لَنَا أَحَدٌ إِلَّا قَتَلْنَاهُ وَنَنْجُو بِأَنْفُسِنَا ! فَعَصَوْهُ. فَلَمَّا أُخِذَتْ سُيُوفُهُمْ وَحُبِسُوا جَعَلَ خُفَافُ يَضْرِطُ فِي لِحْيَةِ نَفْسِهِ، وَيَتْفُلُ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْمَنْصُورُ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بِحَضْرَتِهِ، وَبَعَثَ الْبَاقِينَ إِلَى أَبِي دَاوُدَ خَالِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِخُرَاسَانَ فَقَتَلَهُمْ بِهَا. عُزِلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ إِمَارَةِ الْبَصْرَةِ ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي رَمَضَانَ.
التاريخ 2750لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا: سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ: أَبُو دَاوُدَ.
التاريخ 2751لا حكم مسجّل
[ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى الْحُرَقَةِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ مُهَاجِرٍ. جَمِيلُ بْنُ كُرَيْبٍ الْمَعَافِرِيُّ. مِنْ أَهْلٍ إِفْرِيقِيَّةَ. حَدَّثَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِيلِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ. وَسَأَلَهُ الْأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ تَوْلِيَةَ الْقَضَاءِ فَامْتَنَعَ، وَتَمَارَضَ وَشَرِبَ مَاءَ التِّبْنِ حَتَّى اصْفَرَّ لَوْنُهُ، فَبَعَثَ [إِلَيْهِ] عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ عَوْنًا عَلَى الْأَمْرِ، وَأُقَلِّدُكَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ فَتَحْكُمُ عَلَيَّ وَعَلَى مَنْ دُونِي بِمَا تَرَاهُ مِنَ الْحَقِّ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِي النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ جَمِيلٌ: آللَّهُ إِنَّكَ لَتَفْعَلُ؟ فَقَالَ: آللَّهُ، فَقَبِلَ، فَمَا مَرَّ إِلَّا أَيَّامٌ حَتَّى أَتَاهُ رَجُلٌ يَدَّعِي عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ دَعْوَى، فَمَضَى مَعَهُ إِلَى بَابِ دَارِ الْإِمَارَةِ، فَقَالَ لِلْحَاجِبِ: أَعْلِمِ الْأَمِيرَ بِمَكَانِي، وَأَنَّ هَذَا يَدَّعِي عَلَيْهِ بِدَعْوَى. فَدَخَلَ فَأَعْلَمَهُ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ أَغْنَى مَنْ وَلِيَ أَفْرِيقِيَّةَ، فَلَبِسَ رِدَاءً وَنَعْلَيْنِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَأَقْعَدَهُ جَمِيلٌ مَقْعَدَ الْخَصْمِ مَعَ صَاحِبِهِ، ثُمَّ نَظَرَ بَيْنَهُمَا، فَأَنْصَفَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَكَانَ جَمِيلٌ يَرْكَبُ حِمَارًا وَرَسَنَهُ لِيفٌ، فَمَرَّ يَوْمًا فَعَرَضَ لَهُ خَصْمَانِ فِي مَوْضِعٍ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ، وَقَعَدَ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُمْسِكَ رَأْسَ الْحِمَارِ، فَمَنَعَهُ وَأَمْسَكَهُ هُوَ، ثُمَّ رَكِبَ. وَكَانَ الْبَرْبَرُ قَدْ رَحَلُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ وَمَعَهُمُ ابْنُ كُرَيْبٍ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ ابْنُ كُرَيْبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، مَوْلَى عُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحِيمِ. كَانَ فَقِيهًا مُفْتِيًا، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِمِصْرَ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، أَبُو بَكْرٍ - وَاسْمُ أَبِي هِنْدٍ: دِينَارٌ - مَوْلَى لِآلِ الْأَعْلَمِ الْقُشَرِيِّينَ. وُلِدَ بِسَرْخَسَ، وَرَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَالْحَسَنِ. وَكَانَ يُفْتِي فِي زَمَنِ الْحَسَنِ. وعن سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ يَقُولُ: أَصَابَنِي - يَعْنِي الطَّاعُونَ - فَأُغْمِيَ عَلَيَّ، وَكَأَنَّ اثْنَانِ أَتَيَانِي، فَغَمَزَ أَحَدُهُمَا عَكْوَةَ لِسَانِي، وَغَمَزَ الْآخَرُ أَخْمَصَ قَدَمِي، فَقَالَ: أَيَّ شَيْءٍ تَجِدُ؟ فَقَالَ: تَسْبِيحًا وَتَكْبِيرًا، وَشَيْئًا مِنْ خَطْوٍ إِلَى الْمَسَاجِدِ وَشَيْئًا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. قَالَ: وَلَمْ أَكُنْ أَخَذْتُ الْقُرْآنَ حِينَئِذٍ، فَعُوفِيتُ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْقُرْآنِ فَتَعَلَّمْتُهُ. عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ يَقُولُ: صَامَ دَاوُدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُهُ. كَانَ خَزَّازًا يَحْمِلُ مَعَهُ غَدَاءَهُ مِنْ عِنْدِهِمْ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِي الطَّرِيقِ وَيَرْجِعُ عَشِيًّا فَيُفْطِرُ مَعَهُمْ. تُوُفِّيَ دَاوُدُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلًى لِعَبْدِ الْقَيْسِ. أَسْنَدَ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ. وَكَانَ عَالِمًا ثِقَةً زَاهِدًا. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: بسنده عن زُهَيْرٍ يَقُولُ: كَانَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ خَزَّازًا، فَجَاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ ثَوْبًا، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: انْشُرِ الرِّزْمَةَ. وَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الرِّزْمَةِ وَقَالَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: ارْفَعْهُ. وَأَبَى أَنْ يَبِيعَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ [قَدْ] مَدَحَهُ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: بسنده: حَدَّثَنَا أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ قَالَ: كَانَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ يَشْتَرِي الْإِبْرَيْسِمَ مِنَ الْبَصْرَةِ فَيَبْعَثُ بِهِ إِلَى وَكِيلِهِ بِالسُّوسِ، وَكَانَ وَكِيلُهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَتَاعَ عِنْدَهُمْ زَائِدٌ. وقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: بسنده حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى سُوقِ الْخَزَّازِينَ، فَقَالَ: أُرِيدُ مُطْرَفًا بِأَرْبَعِمِائَةٍ. قَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ عِنْدَنَا بِمِائَتَيْ [دِرْهَمٍ]، فَنَادَى مُنَادٍ بِالصَّلَاةِ. فَانْطَلَقَ يُونُسُ إِلَى بَنِي بَشِيرٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ، فَجَاءَ وَقَدْ بَاعَ ابْنُ أَخِيهِ الْمُطْرَفَ مِنَ الشَّامِيِّ بِأَرْبَعِمِائَةٍ، وَقَالَ يُونُسُ: مَا هَذِهِ الدَّرَاهِمُ؟ قَالَ: ذَاكَ الْمَطْرَفُ بِعْنَاهُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ. قَالَ يُونُسُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا الَّذِي عَرَضْتُ عَلَيْكَ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِنْ شِئْتَ فَخُذْهُ وَخُذْ مِائَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْهُ. قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: بَلْ أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟ وَمَا اسْمُكَ؟ قَالَ: يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ. قَالَ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَكُونُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْنَا قُلْنَا اللَّهُمَّ رَبَّ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ فَرِّجْ عَنَّا. أَوْ شَبِيهَ هَذَا. فَقَالَ يُونُسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ. تُوُفِّيَ يُونُسُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 2752لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ هَلَاكِ أَبِي دَاوُدَ عَامِلِ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَلَكَ أَبُو دَاوُدَ خَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الذُّهْلِيُّ عَامِلُ خُرَاسَانَ. وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْجُنْدِ ثَارُوا بِهِ وَهُوَ بِكُشْمَاهَنَ، وَوَصَلُوا إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَائِطِ لَيْلًا، فَوَطِئَ حَرْفَ آجُرَّةٍ خَارِجَةٍ، وَجَعَلَ يُنَادِي أَصْحَابَهُ لِيَعْرِفُوا صَوْتَهُ، فَانْكَسَرَتِ الْآجُرَّةُ تَحْتَهُ عِنْدَ الصُّبْحِ، فَسَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ، فَانْكَسَرَ ظَهْرُهُ، فَمَاتَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ. فَقَامَ عِصَامٌ صَاحِبُ شُرْطَتِهِ بَعْدَهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيُّ عَامِلًا عَلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَهَا أَخَذَ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ اتَّهَمَهُمْ بِالدُّعَاءِ إِلَى وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، مِنْهُمْ: مُجَاشِعُ بْنُ حُرَيْثٍ الْأَنْصَارِيُّ عَامِلُ بُخَارَى، وَأَبُو الْمُغِيرَةِ خَالِدُ بْنُ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ عَامِلُ قُوهِسْتَانَ، وَالْحَرِيشُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذُّهْلِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَبِي دَاوُدَ، فَقَتَلَهُمْ وَحَبَسَ جَمَاعَةً غَيْرَهُمْ، وَأَلَحَّ عَلَى عُمَّالِ أَبِي دَاوُدَ فِي اسْتِخْرَاجِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ.
التاريخ 2753لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ يُوسُفَ الْفِهْرِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَكَثَ يُوسُفُ الْفِهْرِيُّ، الَّذِي كَانَ أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ، عَهْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ كَانَ يَضَعُ عَلَيْهِ مَنْ يُهِينُهُ، وَيُنَازِعُهُ فِي أَمْلَاكِهِ، فَإِذَا أَظْهَرَ حُجَّةَ الشَّرِيعَةِ لَا يَعْمَلُ بِهَا، فَفَطِنَ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ، فَقَصَدَ مَارِدَةَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، فَسَارَ نَحْوَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ قُرْطُبَةَ نَحْوَهُ إِلَى حِصْنِ الْمُدَوَّرِ. ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ رَأَى أَنْ يَسِيرَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَإِلَى ابْنِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ عَلَى الْمُدَوَّرِ، فَسَارَ نَحْوَهَا، وَخَرَجَا إِلَيْهِ فَلَقِيَاهُ، فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ يُوسُفَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهَرَبَ يُوسُفُ وَبَقِيَ مُتَرَدِّدًا فِي الْبِلَادِ. فَقَتَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ بِنَوَاحِي طُلَيْطُلَةَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَنَصَبَهُ بِقُرْطُبَةَ، وَقَتَلَ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يُوسُفَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ رَهِينَةً، وَنَصَبَ رَأَسَهُ مَعَ رَأْسِ أَبِيهِ، وَبَقِيَ أَبُو الْأَسْوَدِ بْنُ يُوسُفَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ رَهِينَةً، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ. وَأَمَّا الصُّمَيْلُ فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَّ يُوسُفُ مِنْ قُرْطُبَةَ لَمْ يَهْرُبْ مَعَهُ، فَدَعَاهُ الْأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَمْ يُعْلِمْنِي بِأَمْرِهِ وَلَا أَعْرِفُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ تُخْبِرَ. فَقَالَ: لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَا رَفَعْتُهُمَا عَنْهُ، فَسَجَنَهُ مَعَ ابْنَيْ يُوسُفَ. فَلَمَّا هَرَبَا مِنَ السِّجْنِ أَنِفَ مِنَ الْهَرَبِ وَالْفِرَارِ، فَبَقِيَ فِي السِّجْنِ، ثُمَّ أُدْخِلَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَشْيَخَةُ مُضَرَ، فَوَجَدُوهُ مَيِّتًا وَعِنْدَهُ كَأْسٌ وَنُقْلٌ، فَقَالُوا: يَا أَبَا جَوْشَنٍ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ مَا شَرِبْتَ وَلَكِنْ سُقِيتَ ! وَدُفِعَ إِلَى أَهْلِهِ فَدَفَنُوهُ.
التاريخ 2754لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَلَكَ أَذْفَنْشُ مَلِكُ جِلِّيقِيَّةَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ تَدْوِيلِيَّةُ، وَكَانَ أَشْجَعَ مِنْ أَبِيهِ، وَأَحْسَنَ سِيَاسَةً لِلْمُلْكِ وَضَبْطًا لَهُ، وَكَانَ مُلْكُ أَبِيهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ قَوِيَ أَمْرُهُ، وَعَظُمَ سُلْطَانُهُ، وَأَخْرَجَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ثُغُورِ الْبِلَادِ، وَمَلَكَ مَدِينَةَ لُكَّ، وَبُرْطُقَالَ، وَشَلَمَنْقَةَ، وَشَمُورَةَ، وَأَيَلَةَ، وَشَقُوبِيَّةَ وَقَشْتَالَةَ، وَكُلُّ هَذِهِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ.
التاريخ 2755لا حكم مسجّل
وَفِيهَا سَيَّرَ الْمَنْصُورُ عَبْدَ الْوَهَّابِ ابْنَ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَالْحَسَنَ بْنَ قَحْطَبَةَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ إِلَى مَلَطْيَةَ، فَنَزَلُوا عَلَيْهَا وَعَمَّرُوا مَا كَانَ خَرَّبَهُ الرُّومُ مِنْهَا، فَفَرَغُوا مِنَ الْعِمَارَةِ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَكَانَ لِلْحَسَنِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَظِيمٌ، وَأَسْكَنَهَا الْمَنْصُورُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنَ الْجُنْدِ، وَأَكْثَرَ فِيهَا مِنَ السِّلَاحِ وَالذَّخَائِرِ، وَبَنَى حِصْنَ قَلَوْذِيَةَ. وَلَمَّا سَمِعَ مَلِكُ الرُّومِ بِمَسِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَالْحَسَنِ إِلَى مَلَطْيَةَ، سَارَ إِلَيْهِمْ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فَنَزَلَ جَيْحَانَ، فَبَلَغَهُ كَثْرَةُ الْمُسْلِمِينَ فَعَادَ عَنْهُمْ. وَلَمَّا عُمِّرَتْ مَلَطْيَةُ عَادَ إِلَيْهَا مَنْ كَانَ بَاقِيًا مِنْ أَهْلِهَا.
التاريخ 2756لا حكم مسجّل
وَفِيهَا أَمَرَ الْمَنْصُورُ بِعِمَارَةِ مَدِينَةِ الْمِصِّيصَةِ عَلَى يَدِ جَبْرَائِيلَ بْنِ يَحْيَى، وَكَانَ سُورُهَا قَدْ تَشَعَّثَ مِنَ الزَّلَازِلِ وَأَهْلُهَا قَلِيلٌ، فَبَنَى السُّورَ وَسَمَّاهَا الْمَعْمُورَةَ، وَبَنَى بِهَا مَسْجِدًا جَامِعًا، وَفَرَضَ فِيهَا لِأَلْفِ رَجُلٍ، وَأَسْكَنَهَا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا.
التاريخ 2757لا حكم مسجّل
وَفِيهَا حَجَّ الْمَنْصُورُ، فَأَحْرَمَ مِنَ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا قَضَى حَجَّهُ تَوَجَّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسَارَ مِنْهُ إِلَى الرَّقَّةِ، فَقَتَلَ بِهَا مَنْصُورَ بْنَ جَعْوَنَةَ الْعَامِرِيَّ وَعَادَ إِلَى هَاشِمِيَّةِ الْكُوفَةِ.
التاريخ 2758لا حكم مسجّل
[ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ: سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ . وَعَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَسَنٍ الْأَنْصَارِيُّ . وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ ، وَكَانَ ثِقَةً. وَأَبُو الْعَلَاءِ أَيُّوبُ الْقَصَّابُ . وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْإِسْكَافِيُّ ، وَهُوَ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ، وَأَئِمَّتِهِمْ، وَلَهُ طَائِفَةٌ تُنْسَبُ إِلَيْهِ. وَأَسْمَاءُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُخَارِقٍ ، وَالِدُ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ دَاوُدُ ابْنُ أَبِي هِنْدَ، وَأَبُو حَازِمٍ سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ، وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ السَّكُونِيُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 2759لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سُنَّةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: قُدُومُ الْمَنْصُورِ مِنَ الْحَجِّ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْحَدَرَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَقُتِلَ بِهَا مَنْصُورُ بْنُ جَعْوَنَةَ، لِأَنَّ الْمَنْصُورَ قَالَ: احْمَدُوا اللَّهَ يَا أَهْلَ الشَّامِ، فَقَدْ رُفِعَ عَنْكُمْ بِوِلَايَتِنَا الطَّاعُونُ. فَقَالَ مَنْصُورٌ: اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَجْمَعَكَ عَلَيْنَا وَالطَّاعُونَ. ثُمَّ انْحَدَرَ مِنَ الشَّامِ إِلَى شَطِّ الْفُرَاتِ حَتَّى نَزَلَ الْهَاشِمِيَّةُ بِالْكُوفَةِ.
التاريخ 2760لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ الرَّاوِنْدِيَّةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ خُرُوجُ الرَّاوِنْدِيَّةِ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ عَلَى رَأْيِ أَبِي مُسْلِمٍ صَاحِبِ الدَّعْوَةِ، يَقُولُونَ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ، يَزْعُمُونَ أَنَّ رُوحَ آدَمَ فِي عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ، وَأَنَّ رَبَّهُمُ الَّذِي يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ هُوَ الْمَنْصُورُ، وَأَنَّ جَبْرَائِيلَ هُوَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. فَلَمَّا ظَهَرُوا أَتَوْا قَصْرَ الْمَنْصُورِ فَقَالُوا: هَذَا قَصْرُ رَبِّنَا. فَأَخَذَ الْمَنْصُورُ رُؤَسَاءَهُمْ، فَحَبَسَ مِنْهُمْ مِائَتَيْنِ، فَغَضِبَ أَصْحَابُهُمْ، وَأَخَذُوا نَعْشًا، وَحَمَلُوا السَّرِيرَ، وَلَيْسَ فِي النَّعْشِ أَحَدٌ، وَمَرُّوا بِهِ حَتَّى صَارُوا عَلَى بَابِ السِّجْنِ فَرَمَوْا بِالنَّعْشِ، وَحَمَلُوا عَلَى النَّاسِ وَدَخَلُوا السِّجْنَ وَأَخْرَجُوا أَصْحَابَهُمْ. وَقَصَدُوا نَحْوَ الْمَنْصُورِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ رَجُلٍ، فَتَنَادَى النَّاسُ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ، فَخَرَجَ الْمَنْصُورُ مِنَ الْقَصْرِ مَاشِيًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَصْرِ دَابَّةٌ، فَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ [ الْيَوْمِ ] يَرْتَبِطُ دَابَّةً مَعَهُ فِي الْقَصْرِ. فَلَمَّا خَرَجَ الْمَنْصُورُ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَهَا وَهُوَ يُرِيدُهُمْ، ( وَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ حَتَّى كَادُوا يَقْتُلُونَهُ )، وَجَاءَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ ( الشَّيْبَانِيُّ، وَكَانَ مُسْتَتِرًا مِنَ الْمَنْصُورِ بِقِتَالِهِ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَالْمَنْصُورُ شَدِيدُ الطَّلَبِ لَهُ وَقَدْ بَذَلَ فِيهِ مَالًا كَثِيرًا، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ حَضَرَ عِنْدَ الْمَنْصُورِ مُتَلَثِّمًا، وَتَرَجَّلَ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا، وَكَانَ الْمَنْصُورُ رَاكِبًا عَلَى بَغْلَةٍ وَلِجَامُهَا بِيَدِ الرَّبِيعِ حَاجِبِهِ. فَأَتَى مَعْنٌ وَقَالَ: تَنَحَّ فَأَنَا أَحَقُّ بِهَذَا اللِّجَامِ مِنْكَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَأَعْظَمُ غَنَاءً. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: صَدَقَ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ. فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى تَكَشَّفَتِ الْحَالُ وَظَفِرَ بِالرَّاوِنْدِيَّةِ. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: طِلْبَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ. فَقَالَ: آمَنَكَ اللَّهُ عَلَى نَفْسِكَ وَمَالِكَ وَأَهْلِكَ، مِثْلُكَ يُصْطَنَعُ ). وَجَاءَ أَبُو نَصْرٍ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَنْصُورِ وَقَالَ: أَنَا الْيَوْمَ بَوَّابٌ. وَنُودِيَ فِي أَهْلِ السُّوقِ فَرَمَوْهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ، وَفُتِحَ بَابُ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَ النَّاسُ، فَجَاءَ خَازِمُ بْنُ خُزَيْمَةَ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى الْحَائِطِ، ثُمَّ حَمَلُوا عَلَيْهِ فَكَشَفُوهُ مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ خَازِمٌ لِلْهَيْثَمِ بْنِ شُعْبَةَ: إِذَا كَرُّوا عَلَيْنَا فَاسْتَبِقْهُمْ إِلَى الْحَائِطِ، فَإِذَا رَجَعُوا فَاقْتُلْهُمْ. فَحَمَلُوا عَلَى خَازِمٍ، فَاطَّرَدَ لَهُمْ وَصَارَ الْهَيْثَمُ مِنْ وَرَائِهِمْ فَقُتِلُوا جَمِيعًا. وَجَاءَهُمْ يَوْمَئِذٍ عُثْمَانُ بْنُ نَهِيكٍ فَكَلَّمَهُمْ، فَرَمَوْهُ بِسَهْمٍ عِنْدَ رُجُوعِهِ فَوَقَعَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَمَرِضَ أَيَّامًا وَمَاتَ مِنْهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، وَجَعَلَ عَلَى حَرَسِهِ بَعْدَهُ عِيسَى بْنَ نَهِيكٍ، فَكَانَ عَلَى الْحَرَسِ حَتَّى مَاتَ، فَجُعِلَ عَلَى الْحَرَسِ أَبُو الْعَبَّاسِ الطُّوسِيُّ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالْمَدِينَةِ الْهَاشِمِيَّةِ [ بِالْكُوفَةِ ]. فَلَمَّا صَلَّى الْمَنْصُورُ الظُّهْرَ دَعَا بِالْعَشَاءِ، وَأَحْضَرَ مَعْنًا وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ، وَقَالَ لِعَمِّهِ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ، أَسَمِعْتَ بِأَشَدِّ رَجُلٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ الْيَوْمَ مَعْنًا لَعَلِمْتَ أَنَّهُ مِنْهُمْ. فَقَالَ مَعْنٌ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ أَتَيْتُكَ وَإِنِّي لَوَجِلُ الْقَلْبِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ مَا عِنْدَكَ مِنْ الِاسْتِهَانَةِ بِهِمْ، وَشِدَّةِ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِمْ رَأَيْتُ مَا لَمْ أَرَهُ مِنْ خُلُقٍ فِي حَرْبٍ، فَشَدَّ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِي وَحَمَلَنِي عَلَى مَا رَأَيْتَ مِنِّي. وَقِيلَ: كَانَ مَعْنٌ مُتَخَفِّيًا مِنَ الْمَنْصُورِ لِمَا كَانَ مِنْهُ مِنْ قِتَالِهِ مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ اخْتِفَاؤُهُ عِنْدَ أَبِي الْخَصِيبِ حَاجِبِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ عَلَى أَنْ يَطْلُبَ [ لَهُ ] الْأَمَانَ، فَلَمَّا خَرَجَتِ الرَّاوِنْدِيَّةُ جَاءَ مَعْنٌ فَوَقَفَ بِالْبَابِ، فَسَأَلَ الْمَنْصُورُ أَبَا الْخَصِيبِ: مَنْ بِالْبَابِ ؟ فَقَالَ: مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ، شَدِيدُ النَّفْسِ، عَالِمٌ بِالْحَرْبِ، كَرِيمُ الْحَسَبِ، أَدْخِلْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: إِيهٍ يَا مَعْنُ ! مَا الرَّأْيُ ؟ قَالَ: الرَّأْيُ أَنْ تُنَادِيَ فِي النَّاسِ فَتَأْمُرَ لَهُمْ بِالْأَمْوَالِ. فَقَالَ: وَأَيْنَ النَّاسُ وَالْأَمْوَالُ ؟ وَمَنْ تَقَدَّمَ عَلَى أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ لِهَؤُلَاءِ الْعُلُوجِ ! لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا يَا مَعْنُ ! الرَّأْيُ أَنْ أَخْرُجَ فَأَقِفَ لِلنَّاسِ، فَإِذَا رَأَوْنِي قَاتَلُوا وَتَرَاجَعُوا إِلَيَّ، وَإِنْ أَقَمْتُ تَهَاوَنُوا وَتَخَاذَلُوا. فَأَخَذَ مَعْنٌ بِيَدِهِ وَقَالَ: لَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذًا، وَاللَّهِ تُقْتَلُ السَّاعَةَ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ ! فَقَالَ لَهُ أَبُو الْخَصِيبِ مِثْلَهَا، فَجَذَبَ ثَوْبَهُ مِنْهُمَا وَرَكِبَ دَابَّتَهُ، وَخَرَجَ وَمَعْنٌ آخِذٌ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ، وَأَبُو الْخَصِيبِ مَعَ رِكَابِهِ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَتَلَهُ مَعْنٌ حَتَّى قَتَلَ أَرْبَعَةً فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا سَاعَةً حَتَّى أَفْنَوْهُمْ. ثُمَّ تَغَيَّبَ مَعْنٌ، فَسَأَلَ الْمَنْصُورُ عَنْهُ أَبَا الْخَصِيبِ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مَكَانَهُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَيَظُنُّ مَعْنٌ أَنْ لَا أَغْفِرَ ذَنْبَهُ بَعْدَ بَلَائِهِ ؟ أَعْطِهِ الْأَمَانَ وَأَدْخِلْهُ عَلَيَّ، فَأَدْخَلَهُ إِلَيْهِ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْيَمَنَ.
التاريخ 2761لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خَلْعِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بِخُرَاسَانَ وَمَسِيرِ الْمَهْدِيِّ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَامِلُ خُرَاسَانَ لِلْمَنْصُورِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْجَبَّارِ لَمَّا اسْتَعْمَلَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى خُرَاسَانَ عَمَدَ إِلَى الْقُوَّادِ فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَحَبَسَ بَعْضَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ وَأَتَاهُ مِنْ بَعْضِهِمْ كِتَابٌ: قَدْ نَغِلَ الْأَدِيمُ. فَقَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ: إِنَّ عَبْدَ الْجَبَّارِ قَدْ أَفْنَى شِيعَتَنَا، وَمَا فَعَلَ ذَلِكَ إِلَّا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْلَعَ. فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إِلَيْهِ أَنَّكَ تُرِيدُ غَزْوَ الرُّومِ فَلْيُوَجِّهْ إِلَيْكَ الْجُنُودَ مِنْ خُرَاسَانَ وَعَلَيْهِمْ فُرْسَانُهُمْ وَوُجُوهُهُمْ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهَا فَابْعَثْ إِلَيْهِ مَنْ شِئْتَ فَلَا تُمْنَعُ. فَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَأَجَابَهُ: إِنَّ التُّرْكَ قَدْ جَاشَتْ، وَإِنْ فَرَّقْتُ الْجُنُودَ ذَهَبَتْ خُرَاسَانَ. فَأَلْقَى الْكِتَابَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ وَقَالَ لَهُ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: قَدْ أَمْكَنَكَ مِنْ قِيَادِهِ اكْتُبْ إِلَيْهِ: إِنَّ خُرَاسَانَ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ غَيْرِهَا وَأَنَا مُوَجِّهٌ إِلَيْكَ الْجُنُودَ، ثُمَّ وَجِّهْ إِلَيْهِ الْجُنُودَ لِيَكُونُوا بِخُرَاسَانَ، فَإِنْ هَمَّ بِخَلْعٍ أَخَذُوا بِعُنُقِهِ. فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ بِهَذَا عَلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ أَجَابَهُ: إِنَّ خُرَاسَانَ لَمْ تَكُنْ قَطُّ أَسْوَأَ حَالًا مِنْهَا [ فِي هَذَا ] الْعَامِ، وَإِنْ دَخَلَهَا الْجُنُودُ هَلَكُوا لِضِيقِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْغَلَاءِ. فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ أَلْقَاهُ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ: قَدْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ، وَقَدْ خَلَعَ فَلَا تُنَاظِرْهُ. وَوَجَّهَ الْمَنْصُورُ ابْنَهُ الْمَهْدِيَّ، وَأَمَرَهُ بِنُزُولِ الرَّيِّ، فَسَارَ إِلَيْهَا الْمَهْدِيُّ، وَوَجَّهَ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِحَرْبِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَسَارَ الْمَهْدِيُّ فَنَزَلَ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ مَرْوِ الرُّوذِ سَارُوا إِلَى عَبْدِ الْجَبَّارِ، وَحَارَبُوهُ وَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَلَجَأَ إِلَى مَقْطَنَةٍ فَتَوَارَى فِيهَا، فَعَبَرَ إِلَيْهِ الْمُجَشَّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ، مِنْ أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ خَازِمٌ أَتَاهُ بِهِ، فَأَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوفٍ، وَحَمَلَهُ عَلَى بَعِيرٍ، وَجَعَلَ وَجْهَهُ مِمَّا يَلِي عَجُزَ الْبَعِيرِ وَحَمَلَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَمَعَهُ وَلَدُهُ وَأَصْحَابُهُ، فَبَسَطَ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ حَتَّى اسْتَخْرَجَ مِنْهُمُ الْأَمْوَالَ، ثُمَّ أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدَا عَبْدِ الْجَبَّارِ وَرِجْلَاهُ، وَضُرِبَ عُنُقُهُ، وَأَمَرَ بِتَسْيِيرِ وَلَدِهِ إِلَى دَهْلَكَ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ بِالْيَمَنِ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى أَغَارَ عَلَيْهِمُ الْهِنْدُ فَسَبَوْهُمْ فِيمَنْ سَبَوْا، ثُمَّ فُودُوا بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ مِمَّنْ نَجَا مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، صَحِبَ الْخُلَفَاءَ، وَمَاتَ أَيَّامَ الرَّشِيدِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ. قِيلَ: وَكَانَ أَمْرُ عَبْدِ الْجَبَّارِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعِينَ.
التاريخ 2762لا حكم مسجّل
ذِكْرُ فَتْحِ طَبَرِسْتَانَ وَلَمَّا ظَفِرَ الْمَهْدِيُّ بِعَبْدِ الْجَبَّارِ بِغَيْرِ تَعَبٍ وَلَا مُبَاشَرَةِ قِتَالٍ كَرِهَ الْمَنْصُورُ أَنْ تَبْطُلَ تِلْكَ النَّفَقَاتُ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ طَبَرِسْتَانَ، وَيَنْزِلَ الرَّيَّ، وَيُوَجِّهَ أَبَا الْخَصِيبِ، وَخَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَالْجُنُودَ إِلَى الْأَصْبَهْبَذِ، وَكَانَ الْأَصْبَهْبَذُ يَوْمَئِذٍ مُحَارِبًا لِلْمُصْمُغَانِ، مَلِكِ دُنَبَاوَنْدَ، مُعَسْكِرًا بِإِزَائِهِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ دُخُولُ الْجُنُودِ بِلَادَهُ وَدُخُولُ أَبِي الْخَصِيبِ سَارِيَةَ قَالَ الْمُصْمُغَانُ لِلْأَصْبَهْبَذِ: مَتَى قَهَرُوكَ صَارُوا إِلَيَّ، فَاجْتَمَعَا عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ. فَانْصَرَفَ الْأَصْبَهْبَذُ إِلَى بِلَادِهِ فَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ، فَطَالَتْ تِلْكَ الْحُرُوبُ، فَوَجَّهَ الْمَنْصُورُ عُمَرَ بْنَ الْعَلَاءِ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ بَشَّارٌ: إِذَا أَيْقَظَتْكَ حُرُوبُ الْعِدَى فَنَبِّهْ لَهَا عُمَرًا ثُمَّ نَمْ. وَكَانَ عَالِمًا بِبِلَادِ طَبَرِسْتَانَ، فَأَخَذَ الْجُنُودَ وَقَصَدَ الرُّويَانَ وَفَتَحَهَا، وَأَخَذَ قَلْعَةَ الطَّاقِ وَمَا فِيهَا، وَطَالَتِ الْحَرْبُ، فَأَلَحَّ خَازِمٌ عَلَى الْقِتَالِ فَفَتَحَ طَبَرِسْتَانَ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَسَارَ الْأَصْبَهْبَذُ إِلَى قَلْعَتِهِ فَطَلَبَ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ بِمَا فِيهَا مِنَ الذَّخَائِرِ. وَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَوَجَّهَ الْمَنْصُورَ صَالِحًا صَاحِبَ الْمُصَلَّى، فَأَحْصَوْا مَا فِي الْحِصْنِ وَانْصَرَفُوا، وَدَخَلَ الْأَصْبَهْبَذُ بِلَادَ جِيلَانَ مِنَ الدَّيْلَمِ، فَمَاتَ بِهَا، وَأَخَذَتِ ابْنَتُهُ، وَهِيَ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَقَصَدَتِ الْجُنُودُ بَلَدَ الْمُصْمُغَانِ فَظَفِرُوا بِهِ وَبِالْبُحْتُرِيَّةِ، أُمِّ مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ.
التاريخ 2763لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُرِغَ مِنْ بِنَاءِ الْمِصِّيصَةِ عَلَى يَدَيْ جَبْرَئِيلَ بْنِ يَحْيَى الْخُرَاسَانِيِّ.
التاريخ 2764لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ عَنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فِي رَجَبٍ، وَعَلَى الطَّائِفِ وَمَكَّةَ: الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ.
التاريخ 2765لا حكم مسجّل
وَفِيهَا وَلِيَ مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَلِيَ عَلَيْهَا نَوْفَلُ بْنُ الْفُرَاتِ.
التاريخ 2766لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ صَالِحُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الشَّامِ. وَعَلَى الْكُوفَةِ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ الْمَهْدِيُّ، وَخَلِيفَتُهُ بِهَا السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ.
التاريخ 2767لا حكم مسجّل
وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ أَخُو يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ . وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ الْقَارِئُ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُوسَى بْنُ كَعْبٍ وَهُوَ عَلَى شُرَطِ الْمَنْصُورِ وَعَلَى مِصْرَ وَالْهِنْدِ، وَخَلِيفَتُهُ عَلَى الْهِنْدِ عُيَيْنَةُ ابْنُهُ، وَكَانَ قَدْ عُزِلَ مُوسَى عَنْ مِصْرَ، وَوَلِيَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، ثُمَّ عُزِلَ، وَوَلِيَهَا نَوْفَلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُرَاتِ. خَالِدُ بْنُ مِهْرَانَ، أَبُو الْمَنَازِلِ الْحَذَّاءُ، مَوْلًى لِقُرَيْشٍ لِآلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرْزٍ. سَمِعَ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَأَبَا قِلَابَةَ. وَكَانَ ثِقَةً، وَلَمْ يَكُنْ حَذَّاءً وَفِي تَلْقِيبِهِ بِالْحَذَّاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ إِلَى حَذَّاءٍ، فَلُقِّبَ بِذَلِكَ، قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَنَزَلَ عَلَيْهَا فِي الْحَذَّائِينَ. ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ يَقُولُ: احْذُوا عَلَى هَذَا النَّحْوِ، فَلُقِّبَ بِالْحَذَّاءِ. قَالَهُ فَهْدُ بْنُ حِبَّانَ الْقَيْسِيُّ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ. سَلَمَةُ بْنُ دِينَارٍ، أَبُو حَازِمٍ، مَوْلَى بَنِي أَشْجَعَ. كَانَ أَعْرَجَ زَاهِدًا عَابِدًا، يَقُصُّ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ. أَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: هَذَا الشِّتَاءُ قَدْ هَجَمَ عَلَيْنَا وَلَا بُدَّ لَنَا مِمَّا يُصْلِحُنَا فِيهِ، فَذَكَرَتِ الثِّيَابَ، وَالطَّعَامَ، وَالْحَطَبَ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا كُلُّهُ؟ وَلَكِنْ خُذِي فِيمَا لَا بُدَّ مِنْهُ: الْمَوْتَ، وَالْبَعْثَ، ثُمَّ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، ثُمَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ. كَانَ يَقُولُ: مَا مَضَى مِنَ الدُّنْيَا فَحُلْمٌ، وَمَا بَقِيَ فَأَمَانِيُّ. وعن مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّ بِضَا?َةَ الْآخِرَةِ كَاسِدَةٌ، فَاسْتَكْثِرُوا مِنْهَا فِي أَوَانِ كَسَادِهَا، فَإِنَّهُ لَوْ قَدْ جَاءَ يَوْمُ نِفَاقِهَا لَمْ نَصِلْ مِنْهَا إِلَى قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ. وعن عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: بَعَثَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَبِي حَازِمٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لِأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ أُخْرَاكُمْ، وَعَمَّرْتُمْ دُنْيَاكُمْ، فَأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ. قَالَ: صَدَقْتَ، فَكَيْفَ الْقُدُومُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ: أَمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يَقْدَمُ عَلَى أَهْلِهِ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ فَكَالْآبِقِ يَقْدَمُ عَلَى مَوْلَاهُ. فَبَكَى سُلَيْمَانُ وَقَالَ: لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ يَا أَبَا حَازِمٍ؟ فَقَالَ: اعْرِضْ نَفْسَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ مَا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، وَأَيْنَ أُصِيبُ ذَلِكَ؟ قَالَ: عِنْدَ قَوْلِهِ: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ؟ قَالَ: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: اعْفُنِي مِنْ هَذَا. قَالَ سُلَيْمَانُ: نَصِيحَةً تُلْقِيهَا. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّ نَاسًا أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ عَنْوَةً مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا اجْتِمَاعٍ مِنْ رَأْيِهِمْ، فَسَفَكُوا فِيهِ الدِّمَاءَ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا، ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهَا، فَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَالُوا وَمَا قِيلَ لَهُمْ. فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا شَيْخُ. فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: كَذَبْتَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَذَ عَلَى الْعُلَمَاءِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: اصْحَبْنَا يَا أَبَا حَازِمٍ تُصِبْ مِنَّا وَنُصِبْ مِنْكَ. قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ أَرْكَنَ إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلًا فَيُذِيقُنِي اللَّهُ ضِعَفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَيَّ. قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاكَ، وَأَنْ يَفْقِدَكَ حَيْثُ أَمَرَكَ. فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، ادْعُ لَنَا بِخَيْرٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ وَلِيَّكَ فَيَسِّرْهُ لِلْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَ عَدُوَّكَ فَخُذْ إِلَى الْخَيْرِ بِنَاصِيَتِهِ. فَقَالَ: يَا غُلَامُ، هَاتِ مِائَةَ دِينَارٍ. ثُمَّ قَالَ: خُذْهَا يَا أَبَا حَازِمٍ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِمَا سَمِعْتَ مِنْ كَلَامِي. وَكَانَ سُلَيْمَانُ أُعْجِبَ بِأَبِي حَازِمٍ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّهُ لَجَارِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً مَا كَلَّمْتُهُ قَطُّ. فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّكَ نَسِيتَ اللَّهَ فَنَسِيتَنِي، وَلَوْ أَحْبَبْتَ اللَّهَ لَأَحْبَبْتَنِي. قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَتَشْتُمُنِي؟ قَالَ سُلَيْمَانُ: بَلْ أَنْتَ شَتَمْتَ نَفْسَكَ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلْجَارِ عَلَى جَارِهِ حَقًّا؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا كَانُوا عَلَى الصَّوَابِ كَانَتِ الْأُمَرَاءُ تَحْتَاجُ إِلَى الْعُلَمَاءِ، وَكَانَتِ الْعُلَمَاءُ تَفِرُّ بِدِينِهَا مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَوْمٌ مِنْ أَذِلَّةِ النَّاسِ تَعَلَّمُوا ذَلِكَ الْعِلْمَ وَأَتَوْا بِهِ إِلَى الْأُمَرَاءِ، فَاسْتَغْنَتْ بِهِ عَنِ الزُّهَّادِ، وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَسَقَطُوا وَانْتَكَسُوا، وَلَوْ كَانَ عُلَمَاؤُنَا يَصُونُونَ عِلْمَهُمْ لَمْ تَزَلِ الْأُمَرَاءُ تَهَابُهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَأَنَّكَ إِيَّايَ تُرِيدُ، وَبِي تُعَرِّضُ. قَالَ: هُوَ مَا تَسْمَعُ. وعَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: دَخَلَ أَبُو حَازِمٍ الطَّوَّافُ، فَإِذَا هُوَ بِامْرَأَةٍ سَافِرَةٍ عَنْ وَجْهِهَا تَطُوفُ، وَقَدْ فَتَنَتِ النَّاسَ بِحُسْنِ وَجْهِهَا فَقَالَ: يَا هَذِهِ، أَلَا تُخَمِّرِينَ وَجْهَكِ؟ فَقَالَتْ: يَا أَبَا حَازِمٍ، إِنَّا مِنَ اللَّوَاتِي يَقُولُ فِيهِنَّ الشَّاعِرُ: أَمَاطَتْ قِنَاعَ الْخَزِّ عَنْ حُرِّ وَجْهِهَا وَأَبْدَتْ مِنَ الْخَدَّيْنِ بُرْدًا مُهَلْهَلَا مِنَ اللَّائِي لَمْ يَحْجُجْنَ تَبْغِينَ رِيبَةً وَلَكِنْ لِيَقْتُلْنَ الْبَرِيءَ الْمُغَفَّلَا وَتَرْمِي بِعَيْنَيْهَا الْقُلُوبَ إِذَا بَدَتْ لَهَا نَظَرٌ لَمْ يَخْطُ لِلْحَيِّ مَقْتَلَا فَأَقْبَلَ أَبُو حَازِمٍ عَلَى أَهْلِ الطَّوَافِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ بَيْتِ اللَّهِ، تَعَالَوْا نَدَعُ اللَّهَ أَنْ لَا يُعَذِّبَ هَذَا الْوَجْهَ بِالنَّارِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَقَالَ: يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ، وَلَكِنْ ظُرْفُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وعَنْ سُلَيْمَانَ الْعُمَرِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْقَارِئَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ لَهُ: أَبَا جَعْفَرٍ. فَقَالَ: نَعَمْ، أَقْرِئْ إِخْوَانِي مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَنِي مِنَ الشُّهَدَاءِ الْأَحْيَاءِ الْمَرْزُوقِينَ، وَأَقْرِئْ أَبَا حَازِمٍ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ: الْكَيْسَ الْكَيْسَ، فَإِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَتَرَاءَوْنَ مَجْلِسَكَ بِالْعَشِيَّاتِ.
التاريخ 2768لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَكَثَ الْأَصْبَهْبَذُ بِطَبَرِسْتَانَ الْعَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِبِلَادِهِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْمَنْصُورِ سَيَّرَ مَوْلَاهُ أَبَا الْخَصِيبِ، وَخَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَرَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ، فَأَقَامُوا عَلَى الْحِصْنِ يُحَاصِرُونَهُ وَهُوَ فِيهِ. فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامُ احْتَالَ أَبُو الْخَصِيبِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اضْرِبُونِي وَاحْلِقُوا رَأْسِي وَلِحْيَتِي. فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ. وَلَحِقَ بِالْأَصْبَهْبَذِ فَقَالَ لَهُ: فُعِلَ بِي هَذَا تُهْمَةً مِنْهُمْ لِي أَنْ يَكُونَ هَوَايَ مَعَكَ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَعَهُ، وَأَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَوْرَةِ عَسْكَرِهِمْ. فَقَبِلَ ذَلِكَ الْأَصْبَهْبَذُ، وَجَعَلَهُ فِي خَاصَّتِهِ وَأَلْطَفَهُ. وَكَانَ بَابُ حِصْنِهِمْ مِنْ حَجَرٍ يُلْقَى إِلْقَاءً، تَرْفَعُهُ الرِّجَالُ وَتَضَعُهُ عِنْدَ فَتْحِهِ وَإِغْلَاقِهِ، وَكَانَ الْأَصْبَهْبَذُ يُوَكِّلُ بِهِ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ نُوَّابًا بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا وَثِقَ الْأَصْبَهْبَذُ بِأَبِي الْخَصِيبِ وَكَّلَهُ بِالْبَابِ، فَتَوَلَّى فَتْحَهُ وَإِغْلَاقَهُ حَتَّى أَنِسَ بِهِ. ثُمَّ كَتَبَ أَبُو الْخَصِيبِ إِلَى رَوْحٍ وَخَازِمٍ، وَأَلْقَى الْكِتَابَ فِي سَهْمٍ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِالْحِيلَةِ، وَوَاعَدَهُمْ لَيْلَةً فِي فَتْحِ الْبَابِ، فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ فَتَحَ لَهُمْ، فَقَتَلُوا مَنْ فِي الْحِصْنِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَسَبَوُا الذُّرِّيَّةَ، وَأَخَذُوا شَكْلَةَ، أُمَّ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ. وَكَانَ مَعَ الْأَصْبَهْبَذِ سُمٌّ فَشَرِبَهُ فَمَاتَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 2769لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عُزِلَ نَوْفَلُ بْنُ الْفُرَاتِ عَنْ مِصْرَ وَوَلِيَهَا حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ.
التاريخ 2770لا حكم مسجّل
وَوَلَّى الْمَنْصُورُ الْجَزِيرَةَ وَالثُّغُورَ وَالْعَوَاصِمَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَعَزَلَ الْمَنْصُورُ عَمَّهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ جَدَّ أَحْمَدَ بْنِ نُصَيْرٍ الَّذِي قَتَلَهُ الْوَاثِقُ، وَكَانَ خَيْرَ أَمِيرٍ.
التاريخ 2771لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: اخْتَطَّ الْمَنْصُورُ بَغْدَادَ، وَلَمْ يَشْرَعْ فِي الْبِنَاءِ.
التاريخ 2772لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: خُرُوجُ الْمَنْصُورِ حَتَّى نَزَلَ بِعَسْكَرِهِ عِنْدَ جِسْرِ الْبَصْرَةِ الْأَكْبَرِ، وَبَنَى لَهُمْ قِبْلَتَهُمُ الَّتِي يُصَلُّونَ إِلَيْهَا فِي عِيدِهِمْ بِالْحُمَّانِ، وَاسْتَعْمَلَ عِيسَى بْنَ عَمْرٍو الْكِنْدِيَّ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَمَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ عَلَى الْيَمَنِ.
التاريخ 2773لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خَلْعِ عُيَيْنَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ عُيَيْنَةُ بْنُ مُوسَى بِالسِّنْدِ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا. وَسَبَبُ خَلْعِهِ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ اسْتَخْلَفَ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ عَلَى الشُّرَطِ، فَلَمَّا مَاتَ مُوسَى أَقَامَ الْمُسَيَّبُ عَلَى مَا كَانَ يَلِي مِنَ الشُّرَطِ، وَخَافَ أَنْ يُحْضِرَ الْمَنْصُورُ عُيَيْنَةَ فَيُوَلِّيَهُ مَا كَانَ إِلَى أَبِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِبَيْتِ شِعْرٍ، وَلَمْ يَنْسُبِ الْكِتَابَ إِلَى نَفْسِهِ: فَأَرْضَكَ أَرْضَكَ إِنْ تَأْتِنَا تَنَمْ نَوْمَةً لَيْسَ فِيهَا حُلُمْ فَخَلَعَ الطَّاعَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمَنْصُورِ سَارَ بِعَسْكَرِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى جِسْرِ الْبَصْرَةِ، وَوَجَّهَ عُمَرَ بْنَ حَفْصِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْعَتَكِيَّ عَامِلًا عَلَى السِّنْدِ وَالْهِنْدِ، فَحَارَبَهُ عُيَيْنَةُ، فَسَارَ حَتَّى وَرَدَ السِّنْدَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا.
التاريخ 2774لا حكم مسجّل
وَفِيهَا مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَعُمُرُهُ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ
التاريخ 2775لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ الْهَيْثَمَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضَهَا عِيسَى بْنَ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَعْمَالِهَا سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا سَوَّارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مِصْرَ حُمَيْدَ بْنَ قُحْطُبَةَ بْنِ شَبِيبٍ.
التاريخ 2776لا حكم مسجّل
فِيهَا مَاتَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو سَعِيدٍ قَاضِي الْمَدِينَةِ ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ . وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَيْضًا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَحْوَلُ ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ حُمَيْدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ طُرْخَانَ ، وَقِيلَ مِهْرَانُ، مَوْلَى طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ، وَهُوَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، يَرْوِي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعُمُرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَمُّ الْخَلِيفَةِ وَنَائِبُ الْبَصْرَةِ، كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ السَّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ عَبْدُ الصَّمَدِ. رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي بُرْدَةَ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ; بَنُوهُ جَعْفَرٌ وَمُحَمَّدٌ وَزَيْنَبُ، وَالْأَصْمَعِيُّ. وَكَانَ قَدْ شَابَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَخَضَّبَ لِحْيَتَهُ مِنَ الشَّيْبِ فِي ذَلِكَ السِّنِّ، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، كَانَ يَعْتِقُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ نَسَمَةٍ، وَبَلَغَتْ صِلَاتُهُ لِبَنِي هَاشِمٍ وَسَائِرِ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفٍ. وَاطَّلَعَ يَوْمًا مِنْ قَصْرِهِ، فَرَأَى نِسْوَةً يَغْزِلْنَ فِي دَارٍ مَنْ دُورِ الْبَصْرَةِ، فَاتَّفَقَ أَنْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: لَيْتَ الْأَمِيرَ اطَّلَعَ عَلَيْنَا; فَأَغْنَانَا عَنِ الْغَزْلِ. فَنَهَضَ فَجَعَلَ يَدُورُ فِي قَصْرِهِ، وَيَجْمَعُ مِنْ حُلِيِّ نِسَائِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا مَلَأَ بِهِ مِنْدِيلًا، ثُمَّ دَلَّاهُ إِلَيْهِنَّ، وَنَثَرَهُ عَلَيْهِنَّ، فَمَاتَتْ إِحْدَاهُنَّ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. وَقَدْ وَلِيَ الْحَجَّ أَيَّامَ السَّفَّاحِ، وَوَلِيَ الْبَصْرَةَ لِلْمَنْصُورِ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيلَ، وَدَاوُدَ، وَصَالِحٍ، وَعَبْدِ الصَّمَدِ، وَعَبْدِ اللَّهِ وَعِيسَى، وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ عَمُّ السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْقَدَرِيُّ، فِي قَوْلٍ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ بَابٍ - وَيُقَالُ: ابْنُ كَيْسَانَ - التَّمِيمِيُّ مَوْلَاهُمْ، أَبُو عُثْمَانَ الْبَصْرِيُّ، مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، شَيْخُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. رَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي قِلَابَةَ، وَعَنْهُ الْحَمَّادَانِ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَالْأَعْمَشُ - وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِهِ - وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَهَارُونُ بْنُ مُوسَى، وَيَحْيَى الْقَطَّانُ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُحَدَّثَ عَنْهُ. وَقَالَ عَلِيٌّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَزَادَ ابْنُ مَعِينٍ: وَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ، كَانَ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّمَا النَّاسُ مِثْلُ الزَّرْعِ. وَقَالَ الْفَلَّاسُ: مَتْرُوكٌ، صَاحِبُ بِدْعَةٍ، كَانَ يَحْيَى الْقَطَّانُ يُحَدِّثُنَا عَنْهُ ثُمَّ تَرَكَهُ، وَكَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: مَتْرُوكٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ: قَالَ لِي حُمَيْدٌ: لَا تَأْخُذْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْذِبُ عَلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَكَذَا قَالَ أَيُّوبُ وَعَوْفٌ وَابْنُ عَوْنٍ. وَقَالَ أَيُّوبُ: مَا كُنْتُ أَعُدُّ لَهُ عَقْلًا. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ: وَاللَّهِ لَا أُصَدِّقُهُ فِي شَيْءٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: إِنَّمَا تَرَكُوا حَدِيثَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو إِلَى الْقَدَرِ. وَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ آخَرُونَ فِي عِبَادَتِهِ، وَزُهْدِهِ وَتَقَشُّفِهِ; قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَذَا سَيِّدُ شَبَابِ الْقُرَى مَا لَمْ يُحْدِثْ. قَالُوا: فَأَحْدَثَ وَاللَّهِ أَشَدَّ الْحَدَثِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَرَعِ وَالْعِبَادَةِ إِلَى أَنْ أَحْدَثَ مَا أَحْدَثَ، وَاعْتَزَلَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ فَسُمُّوا الْمُعْتَزِلَةَ، وَكَانَ يَشْتُمُ الصَّحَابَةَ، وَيَكْذِبُ فِي الْحَدِيثِ وَهْمًا لَا تَعَمُّدًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَتْ: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ. فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَمَا لِلَّهِ عَلَى ابْنِ آدَمَ حُجَّةٌ. وَرُوِيَ لَهُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ". حَتَّى قَالَ: " فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ; رِزْقُهُ وَأَجَلُهُ وَعَمَلُهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ ". إِلَى آخِرِهِ، فَقَالَ: لَوْ سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَرْوِيهِ لَكَذَّبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُهُ مِنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ لَمَا أَحْبَبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُهُ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمَا قَبِلْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَلَوْ سَمِعَتُ اللَّهَ يَقُولُ هَذَا لَقُلْتُ: مَا عَلَى هَذَا أَخَذْتَ عَلَيْنَا الْمِيثَاقَ. وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْكُفْرِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، إِنْ كَانَ قَالَ هَذَا. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أَيُّهَا الطَّالِبُ عِلْمًا ايتِ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ فُخُذِ الْعِلْمَ بِحِلْمٍ ثُمَّ قَيِّدْهُ بِقَيْدٍ وَذَرِ الْبِدْعَةَ مِنْ آ ثَارِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: كَانَ يَغُرُّ النَّاسَ بِتَقَشُّفِهِ، وَهُوَ مَذْمُومٌ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ جِدًّا، مُعْلِنٌ بِالْبِدَعِ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: ضَعِيفُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: جَالَسَ الْحَسَنَ وَاشْتُهِرَ بِصُحْبَتِهِ، ثُمَّ أَزَالَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَالَ بِالْقَدَرِ وَدَعَا إِلَيْهِ، وَاعْتَزَلَ أَصْحَابَ الْحَسَنِ، وَكَانَ لَهُ سَمْتٌ وَإِظْهَارُ زُهْدٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ وُلِدَا سَنَةَ ثَمَانِينَ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، بِطَرِيقِ مَكَّةَ. وَكَانَ حَظِيًّا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ; لِأَنَّهُ كَانَ يَفِدُ مَعَ الْقُرَّاءِ، فَيُعْطِيهِمُ الْمَنْصُورُ فَيَأْخُذُونَ، وَلَا يَقْبَلُ عَمْرٌو مِنْهُ شَيْئًا، فَكَانَ ذَلِكَ يُعْجِبُ الْمَنْصُورَ; لِأَنَّ الْمَنْصُورَ كَانَ بَخِيلًا، وَكَانَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْدْ كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْدْ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدْ وَلَوْ تَبَصَّرَ الْمَنْصُورُ لَعَلِمَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ الْقُرَّاءِ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَالزُّهْدُ لَا يَدُلُّ عَلَى صَلَاحٍ، فَإِنَّ بَعْضَ الرَّهَابِينَ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الزُّهْدِ مَا لَا يُطِيقُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي زَمَانِهِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ ابْنَ أَبِي جَعْفَرٍ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَا مَاتَ بَعَبَّادَانَ، فَقَالَ لِي: أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَابْنُ عَوْنٍ فِي الْجَنَّةِ. قُلْتُ: فَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ؟ قَالَ: فِي النَّارِ. ثُمَّ رَآهُ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَيُرْوَى ثَالِثَةً، وَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ هَذَا. وَقَدْ رُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ قَبِيحَةٌ، وَقَدْ طَوَّلَ شَيْخُنَا فِي " تَهْذِيبِهِ " تَرْجَمَتَهُ، وَلَخَّصْنَا حَاصِلَهَا فِي كِتَابِ " التَّكْمِيلِ "، وَإِنَّمَا أَشَرْنَا هَاهُنَا إِلَى نُبَذٍ مِنْ حَالِهِ; لِيُعْرَفَ فَلَا يُغْتَرُّ بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 749 - حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ، أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ. رَوَى عَنْ أَبِي قَتِيلٍ، وَشَقِيِّ بْنِ مَاتِعٍ وَغَيْرِهِمَا. حَدَّثَ عَنْهُ اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِمِصْرَ إِسْحَاقُ بْنُ الْفُرَاتِ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَحْوَلُ الْبَصْرِيُّ. سَمِعَ أَنَسًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَرْخَسٍ، وَالْحَسَنَ. وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْمَدَائِنِ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ يَحْتَسِبُ عَلَى الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي كِتَابِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: رُبَّمَا رُئِيَ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وَهُوَ صَائِمٌ فَيُفْطِرُ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ تَنَحَّى فَصَلَّى، فَلَا يَزَالُ يُصَلِّي حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، لَا يَضَعُ جَنْبَهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 2777لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ الدَّيْلَمُ بِالْمُسْلِمِينَ ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَنْصُورَ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى قِتَالِ الدَّيْلَمِ وَجِهَادِهِمْ.
التاريخ 2778لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عُزِلَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَوَلِيَ ذَلِكَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ عَلَى الْيَمَامَةِ، فَسَارَ إِلَى مَكَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْيَمَامَةِ قُثَمَ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
التاريخ 2779لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عُزِلَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا نَوْفَلُ بْنُ الْفُرَاتِ، ثُمَّ عُزِلَ نَوْفَلٌ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ.
التاريخ 2780لا حكم مسجّل
وَفِيهَا ثَارَ بِالْأَنْدَلُسِ رِزْقُ بْنُ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيُّ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ رِزْقٌ عَلَى الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، فَسَارَ إِلَى شَذُونَةَ فَمَلَكَهَا، وَدَخَلَ مَدِينَةَ إِشْبِيلِيَّةَ، وَعَاجَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَحَصَرَهُ فِيهَا، وَضَيَّقَ عَلَى مَنْ بِهَا، فَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِتَسْلِيمِ رِزْقٍ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، فَآمَنَهُمْ وَرَجَعَ عَنْهُمْ.
التاريخ 2781لا حكم مسجّل
[بَدْءُ تَدْوِينِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ] قَالَ الذَّهَبِيُّ: (فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ: شَرَعَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فِي هَذَا الْعَصْرِ فِي تَدْوِينِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ؛ فَصَنَّفَ ابْنُ جُرَيْجٍ بِمَكَّةَ، وَمَالِكٌ «الْمُوَطَّأَ» بِالْمَدِينَةِ، وَالْأَوْزَاعِيُّ بِالشَّامِ، وَابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَغَيْرُهُمَا بِالْبَصْرَةِ، وَمَعْمَرٌ بِالْيَمَنِ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَصَنَّفَ ابْنُ إِسْحَاقَ «الْمَغَازِيَ»، وَصَنَّفَ أَبُو حَنِيفَةَ الْفِقْهَ وَالرَّأْيَ، ثُمَّ بَعْدَ يَسِيرٍ صَنَّفَ هُشَيْمٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، ثُمَّ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَبُو يُوسُفَ وَابْنُ وَهْبٍ، وَكَثُرَ تَدْوِينُ الْعِلْمِ وَتَبْوِيبُهُ، وَدُوِّنَتْ كُتُبُ الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَأَيَّامُ النَّاسِ، وَقَبْلَ هَذَا الْعَصْرِ كَانَ الْأَئِمَّةُ يَتَكَلَّمُونَ مِنْ حِفْظِهِمْ، أَوْ يَرْوُونَ الْعِلْمَ مِنْ صُحُفٍ صَحِيحَةٍ غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ).
التاريخ 2782لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ إِلَيْهِ وِلَايَةُ الْكُوفَةِ.
التاريخ 2783لا حكم مسجّل
سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ، أَبُو الْمُعْتَمِرِ التَّيْمِيُّ. نَزَلَ فِي التَّيْمِ فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ وَلَيْسَ بِتَيْمِيٍّ. وَكَانَ ثِقَةً مِنَ الْعُبَّادِ يُصَلِّي الْغَدَاةَ بِوُضُوءِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَكَانَ هُوَ وَابْنُهُ الْمُعْتَمِرُ يَدُورَانِ بِاللَّيْلِ فِي الْمَسَاجِدِ فَيُصَلِّيَانِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ وَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصْبِحَا. قَالَ: حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ: مَا أَبْقَى سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ مِنْ سَاعَةٍ يُطَاعُ اللَّهُ فِيهَا إِلَّا وَجَدْنَاهُ مُطِيعًا، إِنْ كَانَ فِي سَاعَةِ صَلَاةٍ وَجَدْنَاهُ مُصَلِّيًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سَاعَةِ صَلَاةٍ وَجَدْنَاهُ إِمَّا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ أَوْ عَائِدًا لِمَرِيضٍ أَوْ مُشَيِّعًا لِجِنَازَةٍ أَوْ قَاعِدًا فِي الْمَسْجِدِ يُسَبِّحُ، وَكُنَّا نَرَى أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. وعن: مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: سَمِعْتُ مُعْتَمِرَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: لَوْلَا أَنَّكَ بَيْنَ أَهْلِي مَا حَدَّثْتُكَ عَنْ أَبِي بِهَذَا، مَكَثَ أَبِي أَرْبَعِينَ سَنَةً يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَيُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ، وَرُبَّمَا أَحْدَثَ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ نَوْمٍ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: بسنده عَنْ رَقَبَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: وَعِزَّتِي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى سُلَيْمَانَ - يَعْنِي التَّيْمِيَّ. وَبَلَغَنَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ رَقَبَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: يَا رَقَبَةُ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، فَإِنَّهُ صَلَّى لِي أَرْبَعِينَ سَنَةً الْغَدَاةَ عَلَى ظَهْرِ الْعَتَمَةِ. قَالَ: فَجِئْتُ إِلَى سُلَيْمَانَ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ بِمِائَةِ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا جِئْتَنِي مِنْ هَذِهِ الْبِشَارَةِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَ يْدَةٍ مَاتَ فَرَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ. فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ. قَالَ: غَفَرَ لِي وَأَدْنَانِي وَقَرَّبَنِي وَغَلَفَنِي [بِيَدِهِ]. وَقَالَ: هَكَذَا أَفْعَلُ بِأَبْنَاءِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ. أَسْنَدَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَكَابِرِ التَّابِعِينَ. وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ تَكُونُ نَهَارَهَا، فَإِذَا جَنَّهَا اللَّيْلُ تُنَادِي بِصَوْتٍ حَزِينٍ: هَدَأَ اللَّيْلُ، وَاخْتَلَطَ الظَّلَامُ، وَأَوَى كُلُّ حَبِيبٍ إِلَى حَبِيبِهِ، وَخَلْوَتِي بِكَ أَيُّهَا الْمَحْبُوبُ أَنْ تُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطِيَّةَ صَاحِبُ الشَّارِعَةِ ، وَهِيَ نَخْلٌ، وَأَشْعَثُ بْنُ سَوَّارٍ ، وَمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ . يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سُهَيْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَبُو سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ. سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالْقَاسِمِ، وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ رَوَى عَنْهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْحٍ، وَشُعْبَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ فَقِيهًا ثِقَةً يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ ﷺ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَقْدَمَهُ الْمَنْصُورُ الْعِرَاقَ وَوَلَّاهُ الْقَضَاءَ بِالْهَاشِمِيَّةِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى بَغْدَادُ. وقَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَدْ سَاءَتْ حَالُهُ، وَأَصَابَهُ ضِيقٌ شَدِيدٌ، وَرَكِبَهُ الدَّيْنُ، فَبَيْنَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ أَتَاهُ كِتَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ يَسْتَقْضِيهِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: فَوَكَلَنِي يَحْيَى بِأَهْلِهِ وَقَالَ لِي: وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ وَأَنَا أَجْهَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا قَدِمَ الْعِرَاقَ كَتَبَ إِلَيَّ: إِنِّي كُنْتُ قُلْتُ لَكَ حِينَ خَرَجْتُ: قَدْ خَرَجْتُ وَمَا أَجْهَلُ شَيْئًا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَأَوَّلُ خَصْمَيْنِ جَلَسَا بَيْنَ يَدَيَّ، فَاقْتَضَيَا بِشَيْءٍ وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُهُ قَطُّ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَسَلْ رَبِيعَةَ وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِمَا يَقُولُ، وَلَا يَعْلَمُ أَنَّنِي كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِذَلِكَ. عَنْ وُهَيْبٍ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلَّا يَعْرِفُ وَيُنْكِرُ إِلَّا يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ. تُوُفِّيَ يَحْيَى بِالْهَاشِمِيَّةِ مِنَ الْأَنْبَارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، وَحُمَيْدُ بْنُ تِيرَوَيْهِ الطَّوِيلُ، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فِي قَوْلٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَيْثٌ ابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَلَى الصَّحِيحِ. حَمِيدُ بْنُ مِهْرَانَ، أَبُو عُبَيْدَةَ الطَّوِيلُ. مَوْلًى لِخُزَاعَةَ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ. حُيَيُّ بْنُ شُرَيْحٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ، ثُمَّ الْحُبُلِّيُّ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ لَهِيعَةَ وَغَيْرُهُ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِمِصْرَ ابْنُ وَهْبٍ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 2784لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا سَارَ مُحَمَّدٌ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ عَنْ أَمْرِ عَمِّهِ الْمَنْصُورِ إِلَى بِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَمَعَهُ الْجُيُوشُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَوَاسِطَ وَالْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ.
التاريخ 2785لا حكم مسجّل
وَفِيهَا رَجَعَ الْمَهْدِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَبَنَى بِرَيْطَةَ ابْنَةِ عَمِّهِ السَّفَّاحِ.
التاريخ 2786لا حكم مسجّل
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ رِيَاحِ بْنِ عُثْمَانَ الْمُرِّيِّ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ رِيَاحَ بْنَ عُثْمَانَ الْمُرِّيَّ، وَعَزَلَ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ عَنْهَا. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ وَعَزْلِ زِيَادٍ قَبْلَهُ أَنَّ الْمَنْصُورَ أَهَمَّهُ أَمْرُ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَتَخَلُّفُهُمَا عَنِ الْحُضُورِ عِنْدَهُ مَعَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عَامَ حَجَّ أَيَّامَ السَّفَّاحِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَذَكَرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْمَنْصُورَ مِمَّنْ بَايَعَهُ لَيْلَةَ تَشَاوَرَ بَنُو هَاشِمٍ بِمَكَّةَ فِيمَنْ يَعْقِدُونَ لَهُ الْخِلَافَةَ حِينَ اضْطَرَبَ أَمْرُ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا حَجَّ الْمَنْصُورُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ سَأَلَ عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيُّ: مَا يُهِمُّكَ مِنْ أَمْرِهِمَا، أَنَا آتِيكَ بِهِمَا. وَكَانَ مَعَهُ بِمَكَّةَ، فَرَدَّهُ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ الْمَنْصُورُ لَمْ يَكُنْ هَمُّهُ إِلَّا أَمْرَ مُحَمَّدٍ وَالْمَسْأَلَةَ عَنْهُ وَمَا يُرِيدُ، فَدَعَا بَنِي هَاشِمٍ رَجُلًا رَجُلًا يَسْأَلُهُ سِرًّا عَنْهُ، فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَ أَنَّكَ عَرَفْتَهُ يَطْلُبُ هَذَا الْأَمْرَ، فَهُوَ يَخَافُكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ لَا يُرِيدُ لَكَ خِلَافًا، وَمَا أَشْبَهَ هَذَا الْكَلَامَ، إِلَّا الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُ خَبَرَهُ وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ مَا آمَنُ وُثُوبَهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّهُ لَا يَنَامُ عَنْكَ، فَأَيْقَظَ بِكَلَامِهِ مَنْ لَا يَنَامُ، فَكَانَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ اطْلُبْ حَسَنَ بْنَ زَيْدٍ بِدِمَائِنَا. ثُمَّ أَلَحَّ الْمَنْصُورُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي إِحْضَارِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ سَنَةَ حَجَّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: يَا أَخِي بَيْنَنَا مِنَ الصِّهْرِ وَالرَّحِمِ مَا تَعْلَمُ، فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّنِي أَنْظُرُ إِلَى أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ السِّتْرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَنَا وَهُوَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: هَذَا الَّذِي فَعَلْتُمْ بِي، فَلَوْ كَانَ عَافِيًا عَفَا عَنْ عَمِّهِ. فَقَبِلَ عَبْدُ اللَّهِ رَأْيَ سُلَيْمَانَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَهُ وَلَمْ يُظْهِرِ ابْنَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْ رَقِيقِ الْأَعْرَابِ، وَأَعْطَى الرَّجُلَ مِنْهُمُ الْبَعِيرَ، وَالرَّجُلَ الْبَعِيرَيْنِ، وَالرَّجُلَ الذَّوْدَ، وَفَرَّقَهُمْ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ فِي ظَهْرِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَرِدُ الْمَاءَ كَالْمَارِّ، وَكَالضَّالِّ يَسْأَلُونَ عَنْهُ، وَبَعَثَ الْمَنْصُورُ عَيْنًا آخَرَ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا عَلَى أَلْسُنِ الشِّيعَةِ إِلَى مُحَمَّدٍ يَذْكُرُونَ طَاعَتَهُمْ وَمُسَارَعَتَهُمْ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِمَالٍ وَأَلْطَافٍ، وَقَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ فَسَأَلَهُ عَنِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ لَهُ، فَكَتَمَ لَهُ خَبَرَهُ، فَتَرَدَّدَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ، وَأَلَحَّ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ فِي جَبَلِ جُهَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُ: امْرُرْ بِعَلِيٍّ ابْنِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُدْعَى الْأَغَرَّ، وَهُوَ بِذِي الْإِبَرِ، فَهُوَ يُرْشِدُكَ، فَأَتَاهُ فَأَرْشَدَهُ. وَكَانَ لِلْمَنْصُورِ كَاتِبٌ عَلَى سِرِّهِ يَتَشَيَّعُ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ الْعَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ ارْتَاعُوا لَهُ وَبَعَثُوا أَبَا هَبَّارٍ إِلَى مُحَمَّدٍ وَإِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ يُحَذِّرُهُمَا الرَّجُلَ، فَخَرَجَ أَبُو هَبَّارٍ فَنَزَلَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ وَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي كَهْفٍ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ الْعَيْنُ مَعَهُمْ أَعْلَاهُمْ صَوْتًا، وَأَشَدُّهُمُ انْبِسَاطًا. فَلَمَّا رَأَى أَبَا هَبَّارٍ خَافَهُ، فَقَالَ أَبُو هَبَّارٍ لِمُحَمَّدٍ: لِي حَاجَةٌ. فَقَامَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، قَالَ: فَمَا الرَّأْيُ ؟ قَالَ: أَرَى إِحْدَى ثَلَاثٍ. قَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: تَدَعُنِي أَقْتُلُ هَذَا الرَّجُلَ. قَالَ: مَا أَنَا مُقَارِفٌ دَمًا إِلَّا كَرْهًا. قَالَ: أَثْقِلْهُ حَدِيدًا وَتَنْقُلُهُ مَعَكَ حَيْثُ تَنْقَلِبُ. قَالَ: وَهَلْ لَنَا فِرَارٌ مَعَ الْخَوْفِ وَالْإِعْجَالِ ؟ قَالَ: نَشُدُّهُ وَنُودِعُهُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِكَ مِنْ جُهَيْنَةَ. قَالَ: هَذِهِ إِذًا. فَرَجَعَا فَلَمْ يَرَيَا الرَّجُلَ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَيْنَ الرَّجُلُ ؟ قَالُوا: [ قَامَ ] بِرَكْوَةِ مَاءٍ وَتَوَارَى بِهَذَا الطَّرِيقِ يَتَوَضَّأُ، فَطَلَبُوهُ وَلَمْ يَجِدُوهُ فَكَأَنَّ الْأَرْضَ الْتَأَمَتْ عَلَيْهِ، وَسَعَى عَلَى قَدَمَيْهِ حَتَّى اتَّصَلَ بِالطَّرِيقِ، فَمَرَّ بِهِ الْأَعْرَابُ مَعَهُمْ حُمُولَةٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِبَعْضِهِمْ: فَرِّغْ هَذِهِ الْغِرَارَةَ وَأَدْخِلْنِيهَا أَكُنْ عِدْلًا لِصَاحِبَتِهَا وَلَكَ كَذَا وَكَذَا. فَفَعَلَ وَحَمَلَهُ حَتَّى أَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ. ثُمَّ قَدِمَ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ كُلَّهُ، وَنَسِيَ اسْمَ أَبِي هَبَّارٍ وَكُنْيَتَهُ وَقَالَ: وَبَّارٌ. فَكَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي طَلَبِ 9 وَبَّارٍ الْمُرِّيِّ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ اسْمُهُ وَبَرٌ فَسَأَلَهُ عَنْ قِصَّةِ مُحَمَّدٍ فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمَرَ بِهِ وَضُرِبَ سَبْعَمِائَةِ سَوْطٍ وَحُبِسَ حَتَّى مَاتَ الْمَنْصُورُ. ثُمَّ إِنَّهُ أَحْضَرَ عُقْبَةَ بْنَ سَلَمٍ الْأَزْدِيَّ فَقَالَ: أُرِيدُكَ لِأَمْرٍ أَنَا بِهِ مَعْنِيٌّ، لَمْ أَزَلْ أَرْتَادُ لَهُ رَجُلًا عَسَى أَنْ تَكُونَهُ، وَإِنْ كَفَيْتَنِيهِ رَفَعْتُكَ. فَقَالَ: أَرْجُو أَنْ أَصْدُقَ ظَنَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيَّ. [ قَالَ ]: فَأَخْفِ شَخْصَكَ، وَاسْتُرْ أَمْرَكَ، وَأْتِنِي يَوْمَ كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا. فَأَتَاهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ بَنِي عَمِّنَا هَؤُلَاءِ قَدْ أَبَوْا إِلَّا كَيْدًا لِمُلْكِنَا وَاغْتِيَالًا لَهُ، وَلَهُمْ شِيعَةٌ بِخُرَاسَانَ بِقَرْيَةِ كَذَا يُكَاتِبُونَهُمْ، وَيُرْسِلُونَ إِلَيْهِمْ بِصَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَأَلْطَافٍ مِنْ أَلْطَافِ بِلَادِهِمْ، فَاخْرُجْ بِكُسًا وَأَلْطَافٍ وَعَيْنٍ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ مُتَنَكِّرًا بِكِتَابٍ تَكْتُبُهُ عَنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ثُمَّ تَعْلَمُ حَالَهُمْ، فَإِنْ كَانُوا نَزَعُوا عَنْ رَأْيِهِمْ فَأَحْبِبْ وَاللَّهِ بِهِمْ وَأَقْرِبْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى رَأْيِهِمْ عَمِلْتُ ذَلِكَ وَكُنْتُ عَلَى حَذَرٍ، فَاشْخَصْ حَتَّى تَلْقَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ مُتَخَشِّعًا وَمُتَقَشِّفًا، فَإِنْ جَبَهَكَ، وَهُوَ فَاعِلٌ، فَاصْبِرْ وَعَاوِدْهُ حَتَّى يَأْنَسَ بِكَ وَيُلِينَ لَكَ نَاحِيَتَهُ، فَإِذَا أَظْهَرَ لَكَ مَا قِبَلَهُ فَاعْجَلْ عَلَيَّ. فَشَخَصَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَقِيَهُ بِالْكِتَابِ، فَأَنْكَرَهُ وَنَهَرَهُ وَقَالَ: مَا أَعْرِفُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ. فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ حَتَّى قَبِلَ كِتَابَهُ وَأَلْطَافَهُ وَأَنِسَ بِهِ، فَسَأَلَهُ عُقْبَةُ الْجَوَابَ. فَقَالَ: أَمَّا الْكِتَابُ، فَإِنِّي لَا أَكْتُبُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَكِنْ أَنْتَ كِتَابِي إِلَيْهِمْ، فَأَقْرِئْهُمُ السَّلَامَ، وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّنِي خَارِجٌ لِوَقْتِ كَذَا وَكَذَا. وَرَجَعَ عُقْبَةُ إِلَى الْمَنْصُورِ فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، فَأَنْشَأَ الْمَنْصُورُ الْحَجَّ، وَقَالَ لِعَقَبَةَ: إِذَا لَقِيَنِي بَنُو الْحَسَنِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فَأَنَا مُكْرِمُهُ، وَرَافِعٌ مَجْلِسَهُ، وَدَاعٍ بِالْغَدَاءِ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ طَعَامِنَا فَلَحَظْتُكَ فَامْثُلْ بَيْنَ يَدَيْهِ قَائِمًا، فَإِنَّهُ سَيَصْرِفُ عَنْكَ بَصَرَهُ، فَاسْتَدِرْ حَتَّى تَغْمِزَ ظَهْرَهُ بِإِبْهَامِ رِجْلِكَ حَتَّى يَمْلَأَ عَيْنَهُ مِنْكَ، ثُمَّ حَسْبُكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَرَاكَ مَا دَامَ يَأْكُلُ. فَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ، فَلَمَّا لَقِيَهُ بَنُو الْحَسَنِ أَجْلَسَ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى جَانِبِهِ ثُمَّ دَعَا بِالْغَدَاءِ فَأَصَابُوا مِنْهُ، ثُمَّ رُفِعَ فَأَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتَ مَا أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ أَلَّا تَبْغِيَنِي بِسُوءٍ وَلَا تَكِيدَ لِي سُلْطَانًا ؟ قَالَ: فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَحَظَ الْمَنْصُورُ عُقْبَةَ بْنَ سَلَمٍ فَاسْتَدَارَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَاسْتَدَارَ حَتَّى قَامَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَغَمَزَهُ بِإِصْبَعِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَمَلَأَ عَيْنَهُ مِنْهُ، فَوَثَبَ حَتَّى قَعَدَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: ( أَقِلْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَقَالَكَ اللَّهُ ! قَالَ: لَا أَقَالَنِي اللَّهُ إِنْ أَقَلْتُكَ ) ! ثُمَّ أَمَرَ بِحَبْسِهِ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْبَصْرَةَ، فَنَزَلَهَا فِي بَنِي رَاسِبٍ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ، وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَيْبَانَ أَحَدِ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عُبَيْدٍ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا، فَبَلَغَ الْمَنْصُورَ مَقْدِمُهُ الْبَصْرَةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا مُغِذًّا، فَنَزَلَ عِنْدَ الْحُرِّ الْأَكْبَرِ، فَلَقِيَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ هَلْ بِالْبَصْرَةِ أَحَدٌ تَخَافُهُ عَلَى أَمْرِنَا ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاقْتَصِرْ عَلَى قَوْلِكَ وَانْصَرِفْ. قَالَ: نَعَمْ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ سَارَ عَنْهَا قَبْلَ مَقْدِمِ الْمَنْصُورِ، فَرَجَعَ الْمَنْصُورُ، وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا عَدَنَ، ثُمَّ سَارَا إِلَى السِّنْدِ ثُمَّ إِلَى الْكُوفَةِ ثُمَّ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ حَجَّ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَقَسَّمَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً فِي آلِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ، فَسَأَلَ أَبَاهُمَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْهُمَا، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِمَا، فَتَغَالَظَا، فَأَمَصَّهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ حَتَّى قَالَ لَهُ: امْصُصْ كَذَا وَكَذَا مِنْ أُمِّكَ ! فَقَالَ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، بِأَيِّ أُمَّهَاتِي تُمِصُّنِي ؟ ! أَبِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَمْ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ؟ أَمْ بِأُمِّ إِسْحَاقَ بِنْتِ طَلْحَةَ ؟ أَمْ بِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ؟ [ قَالَ ]: لَا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَلَكِنْ بِالْحِرْبَاءِ بِنْتِ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ ! وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ طَيِّئٍ، فَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ ابْنِ الْفَاعِلَةِ ! فَقَامَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَلْقَى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ وَقَالَ: هَبْهُ لِي [ يَا ] أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَسْتَخْرِجْ لَكَ ابْنَيْهِ، فَتَخَلَّصَهُ [ مِنْهُ ]. وَكَانَ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ قَدْ تَغَيَّبَا حِينَ حَجَّ الْمَنْصُورُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَحَجَّ أَيْضًا فَاجْتَمَعُوا بِمَكَّةَ وَأَرَادُوا اغْتِيَالَ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْتَرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَا أَكْفِيكُمُوهُ ! فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُهُ أَبَدًا غِيلَةً حَتَّى أَدْعُوَهُ. فَنَقَضَ مَا كَانُوا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ الْمَنْصُورِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ اسْمُهُ خَالِدُ بْنُ حَسَّانٍ يُدْعَى أَبَا الْعَسَاكِرِ عَلَى أَلْفِ رَجُلٍ، فَنَمَّى الْخَبَرَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَطُلِبَ، فَلَمْ يُظْفَرْ بِهِ، فَظَفِرَ بِأَصْحَابِهِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَمَّا الْقَائِدُ فَإِنَّهُ لَحِقَ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ حَثَّ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى طَلَبِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ، فَضَمِنَ لَهُ ذَلِكَ وَوَعَدَهُ بِهِ، فَقَدِمَ مُحَمَّدٌ الْمَدِينَةَ قَدْمَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ زِيَادًا، فَتَلَطَّفَ لَهُ، وَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُظْهِرَ وَجْهَهُ لِلنَّاسِ، فَوَعَدَهُ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ، فَرَكِبَ زِيَادٌ مَعَ الْمَسَاءِ وَوَاعَدَ مُحَمَّدًا سُوقَ الظُّهْرِ، وَرَكِبَ مُحَمَّدٌ، فَتَصَايَحَ النَّاسُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، الْمَهْدِيُّ الْمَهْدِيُّ ! فَوَقَفَ هُوَ وَزِيَادٌ، فَقَالَ زِيَادٌ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الْحَقْ بِأَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شِئْتَ. فَتَوَارَى مُحَمَّدٌ. وَسَمِعَ الْمَنْصُورُ الْخَبَرَ فَأَرْسَلَ أَبَا الْأَزْهَرِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُطَّلِبِ، وَأَنْ يَقْبِضَ عَلَى زِيَادٍ وَأَصْحَابِهِ، وَيَسِيرَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ أَبُو الْأَزْهَرِ الْمَدِينَةَ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، وَأَخَذَ زِيَادًا وَأَصْحَابَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْمَنْصُورِ، وَخَلَّفَ زِيَادٌ فِي بَيْتِ مَالِ الْمَدِينَةِ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَجَنَهُمْ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَاسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ، وَأَمَرَهُ بِطَلَبِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَسَطَ يَدَهُ فِي النَّفَقَةِ فِي طَلَبِهِ. فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، فَأَخَذَ الْمَالَ وَرَفَعَ فِي مُحَاسَبَتِهِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً أَنْفَقَهَا فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ، فَاسْتَبْطَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ وَاتَّهَمَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِكَشْفِ الْمَدِينَةِ وَأَعْرَاضِهَا، فَطَافَ بِبُيُوتِ النَّاسِ فَلَمْ يَجِدْ مُحَمَّدًا. فَلَمَّا رَأَى الْمَنْصُورُ مَا قَدْ أَخْرَجَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِمُحَمَّدٍ اسْتَشَارَ أَبَا الْعَلَاءِ - رَجُلًا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ - فِي أَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَخِيهِ، فَقَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَعْمِلَ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ الزُّبَيْرِ أَوْ طَلْحَةَ، فَإِنَّهُمْ يَطْلُبُونَهُمَا بِذَحْلٍ، وَيُخْرِجُونَهُمَا إِلَيْكَ. فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ مَا أَجْوَدَ مَا رَأَيْتَ ! وَاللَّهِ مَا خَفِيَ عَلَيَّ هَذَا، وَلَكِنَّنِي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَا أَنْتَقِمُ مِنْ بَنِي عَمِّي وَأَهْلِ بَيْتِي بِعَدُوِّي وَعَدُوِّهِمْ، وَلَكِنِّي أَبْعَثُ عَلَيْهِمْ صُعْلُوكًا مِنَ الْعَرَبِ يَفْعَلُ بِهِمْ مَا قُلْتَ. فَاسْتَشَارَ يَزِيدَ بْنَ يَزِيدَ السُّلَمِيَّ وَقَالَ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى فَتًى مُقِلٍّ مِنْ قَيْسٍ أُغْنِيهِ وَأُشَرِّفُهُ وَأُمَكِّنُهُ مِنْ سَيِّدِ الْيَمَنِ، يَعْنِي ابْنَ الْقَسْرِيِّ، [ قَالَ ]: هُوَ رِيَاحُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ الْمُرِّيُّ، فَسَيَّرَهُ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ رِيَاحًا ضَمِنَ لِلْمَنْصُورِ أَنْ يُخْرِجَ مُحَمَّدًا وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ إِنِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ دَارَ مَرْوَانَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُهَا الْأُمَرَاءُ، قَالَ لِحَاجِبٍ كَانَ لَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: هَذِهِ دَارُ مَرْوَانَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّهَا مِحْلَالٌ مِظْعَانٌ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَظْعَنُ مِنْهَا. فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ قَالَ لِحَاجِبِهِ: يَا أَبَا الْبَخْتَرِيِّ، خُذْ بِيَدِي نَدْخُلْ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ، وَقَالَ رِيَاحٌ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَاللَّهِ مَا اسْتَعْمَلَنِي لِرَحِمٍ قَرِيبَةٍ، وَلَا لِيَدٍ سَلَفَتْ إِلَيْهِ، وَاللَّهِ لَا لَعِبْتَ فِيَّ كَمَا لَعِبْتَ بِزِيَادٍ وَابْنِ الْقَسْرِيِّ، وَاللَّهِ لَأُزْهِقَنَّ نَفْسَكَ، أَوْ لَتَأْتِيَنِّي بِابْنَيْكَ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ! فَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: نَعَمْ، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكَ لَأُزَيْرِقُ قَيْسٍ الْمَذْبُوحُ فِيهَا كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ !. قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: فَانْصَرَفَ وَاللَّهِ رِيَاحٌ آخِذًا بِيَدِي، أَجِدُ بَرْدَ يَدِهِ، وَإِنَّ رِجْلَيْهِ لَتَخُطَّانِ الْأَرْضَ مِمَّا كَلَّمَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ هَذَا مَا اطَّلَعَ عَلَى الْغَيْبِ. قَالَ: إِيهًا، وَيْلَكَ ! فَوَاللَّهِ مَا قَالَ إِلَّا مَا سَمِعَ. فَذُبِحَ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ. ثُمَّ إِنَّهُ دَعَا بِالْقَسْرِيِّ وَسَأَلَهُ عَنِ الْأَمْوَالِ، فَضَرَبَهُ وَسَجَنَهُ، وَأَخَذَ كَاتِبَهُ رِزَامًا وَعَاقَبَهُ فَأَكْثَرَ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ مَا أَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَهُوَ لَا يُجِيبُهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رِيَاحٌ: أَحْضِرِ الرَّفِيعَةَ وَقْتَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَحْضَرَهُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَنِي أَنْ أَرْفَعَ عَلَى ابْنِ خَالِدٍ، وَقَدْ كَتَبْتُ كِتَابًا لِأَنْجُوَ بِهِ، وَإِنَّا لَنُشْهِدُكُمْ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ بَاطِلٌ. فَأَمَرَ رِيَاحٌ فَضُرِبَ مِائَةَ سَوْطٍ، وَرُدَّ إِلَى السِّجْنِ. وَجَدَّ رِيَاحٌ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ رَضْوَى، جَبَلِ جُهَيْنَةَ، وَهُوَ فِي عَمَلِ يَنْبُعَ، فَأَمَرَ عَامِلَهُ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ، فَهَرَبَ مِنْهُ رَاجِلًا، فَأَفْلَتَ وَلَهُ ابْنٌ صَغِيرٌ وُلِدَ فِي خَوْفِهِ وَهُوَ مَعَ جَارِيَةٍ لَهُ فَسَقَطَ مِنَ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: مُنْخَرِقُ السِّرْبَالِ يَشْكُو الْوَجَى تَنْكُبُهُ أَطْرَافُ مَرْوِ حِدَادْ شَرَّدَهُ الْخَوْفُ فَأَزْرَى بِهِ كَذَاكَ مَنْ يَكْرَهُ حَرَّ الْجِلَادْ قَدْ كَانَ فِي الْمَوْتِ لَهُ رَاحَةٌ وَالْمَوْتُ حَتْمٌ فِي رِقَابِ الْعِبَادْ. وَبَيْنَا رِيَاحٌ يَسِيرُ فِي الْحَرَّةِ إِذْ لَقِيَ مُحَمَّدًا، فَعَدَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى بِئْرٍ هُنَاكَ فَجَعَلَ يَسْتَقِي، فَقَالَ رِيَاحٌ: قَاتَلَهُ اللَّهُ أَعْرَابِيًّا مَا أَحْسَنَ ذِرَاعَهُ !.
التاريخ 2787لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حَبْسِ أَوْلَادِ الْحَسَنِ قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ أَنَّ الْمَنْصُورَ حَبَسَهُمْ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا إِنَّ رِيَاحًا هُوَ الَّذِي حَبَسَهُمْ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ: حَضَرْنَا بَابَ رِيَاحٍ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ الْآذِنُ: مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ بَنِي الْحُسَيْنِ فَلْيَدْخُلْ. فَدَخَلُوا مِنْ بَابِ الْمَقْصُورَةِ، وَخَرَجُوا مِنْ بَابِ مَرْوَانَ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ بَنِي الْحَسَنِ فَلْيَدْخُلْ. فَدَخَلُوا مِنْ بَابِ الْمَقْصُورَةِ، وَدَخَلَ الْحَدَّادُونَ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ، فَدَعَا بِالْقُيُودِ فَقَيَّدَهُمْ وَحَبَسَهُمْ. وَكَانُوا: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنَ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَجَعْفَرَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَسُلَيْمَانَ وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَيْ دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَمُحَمَّدًا وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ بَنِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَعَبَّاسَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ. فَلَمَّا حَبَسَهُمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَابِدُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَعْدَ الصُّبْحِ إِذْ قَدْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مُتَلَفِّفٌ، فَقَالَ لَهُ رِيَاحٌ: مَرْحَبًا بِكَ، مَا حَاجَتُكَ ؟ قَالَ: جِئْتُكَ لِتَحْبِسَنِي مَعَ قَوْمِي، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، فَحَبَسَهُ مَعَهُمْ. وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَهُ عَلِيًّا إِلَى مِصْرَ يَدْعُو إِلَيْهِ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ عَامِلَ مِصْرَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ عَلَى الْوُثُوبِ بِكَ وَالْقِيَامِ عَلَيْكَ بِمَنْ شَايَعَهُ، فَقَبَضَهُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَاعْتَرَفَ لَهُ وَسَمَّى أَصْحَابَ أَبِيهِ، وَكَانَ فِيمَنْ سَمَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي، وَأَبُو حُبَيْرٍ، فَضَرَبَهُمَا الْمَنْصُورُ وَحَبَسَهُمَا وَحَبَسَ عَلِيًّا، فَبَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ مَاتَ. وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ إِلَى رِيَاحٍ أَنْ يَحْبِسَ مَعَهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْمَعْرُوفَ بِالدِّيبَاجِ، وَكَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، لِأَنَّ أُمَّهُمَا جَمِيعًا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَخَذَهُ مَعَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ حَبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَحْدَهُ، وَتَرَكَ بَاقِيَ أَوْلَادِ الْحَسَنِ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا، فَبَقِيَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ قَدْ نَصَلَ خِضَابُهُ حُزْنًا عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَقُولُ: مَا فَعَلَتِ الْحَادَّةُ ؟ وَمَرَّ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ يَعْلِفُ إِبِلًا لَهُ فَقَالَ: أَتَعْلِفُ إِبِلَكَ وَعَبْدُ اللَّهِ مَحْبُوسٌ ! يَا غُلَامُ، أَطْلِقْ عُقُلَهَا ! فَأَطْلَقَهَا ثُمَّ صَاحَ فِي أَدْبَارِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا بِعِيرٌ. . فَلَمَّا طَالَ حَبْسُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سَعِيدٍ لِلْمَنْصُورِ: أَتَطْمَعُ فِي خُرُوجِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَبَنُو الْحَسَنِ مُخَلَّوْنَ ؟ وَاللَّهِ لَلْوَاحِدُ مِنْهُمْ أَهْيَبُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْأَسَدِ ! فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ حَبْسِ الْبَاقِينَ.
التاريخ 2788لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حَمْلِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ وَلَمَّا حَجَّ الْمَنْصُورُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ أَرْسَلَ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ إِلَى بَنِي الْحَسَنِ، وَهُمْ فِي الْحَبْسِ، يَسْأَلُهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا إِلَيْهِ مُحَمَّدًا، وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَا عَلَيْهِمْ وَعَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَأَبْلَغَاهُمُ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا عَمَلُ ابْنَيِ الْمَشُومَةِ ! أَمَا وَاللَّهِ مَا هَذَا عَنْ رَأْيِنَا وَلَا عَنْ مَلَإٍ مِنَّا وَلَنَا فِيهِ حُكْمٌ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ: عَلَامَ تُؤْذِي أَخَاكَ فِي ابْنَيْهِ وَتُؤْذِي ابْنَ أَخِيكَ فِي أُمِّهِ ؟ ثُمَّ فَرَغَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ صَلَاتِهِ فَأَبْلَغَاهُ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ ( لَا أَرُدُّ عَلَيْكُمَا حَرْفًا، إِنْ أَحَبَّ ) أَنْ يَأْذَنَ لِي فَأَلْقَاهُ فَلْيَفْعَلْ. فَانْطَلَقَ الرَّسُولَانِ فَأَبْلَغَا الْمَنْصُورَ، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يَسْحَرَنِي، لَا وَاللَّهِ لَا تَرَى عَيْنُهُ عَيْنِي حَتَّى يَأْتِيَنِي بِابْنَيْهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يُحَدِّثُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا فَتَلَهُ عَنْ رَأْيِهِ. ثُمَّ سَارَ الْمَنْصُورُ لِوَجْهِهِ، فَلَمَّا حَجَّ وَرَجَعَ لَمْ يَدْخُلِ الْمَدِينَةَ وَمَضَى إِلَى الرَّبْذَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رِيَاحٌ إِلَى الرَّبْذَةِ، فَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُ بِإِشْخَاصِ بَنِي الْحَسَنِ إِلَيْهِ وَمَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَخُو بَنِي الْحَسَنِ لِأُمِّهِمْ، فَرَجَعَ رِيَاحٌ فَأَخَذَهُمْ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الرَّبْذَةِ، وَجُعِلَتِ الْقُيُودُ وَالسَّلَاسِلُ فِي أَرْجُلِهِمْ وَأَعْنَاقِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ فِي مَحَامِلَ بِغَيْرِ وِطَاءٍ. وَلَمَّا خَرَجَ بِهِمْ رِيَاحٌ مِنَ الْمَدِينَةِ وَقَفَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ يَرَاهُمْ وَيَرَوْنَهُ وَهُوَ يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى لِحْيَتِهِ وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَحْفَظُ اللَّهُ حَرَمَيْهِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ. وَلَمَّا سَارُوا كَانَ مُحَمَّدٌ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ يَأْتِيَانِ كَهَيْئَةِ الْأَعْرَابِ فَيُسَايِرَانِ أَبَاهُمَا وَيَسْتَأْذِنَانِهِ بِالْخُرُوجِ، وَيَقُولُ: لَا تَعْجَلَا حَتَّى يُمْكِنَكُمَا ذَلِكَ. وَقَالَ لَهُمَا: إِنْ مَنَعَكُمَا أَبُو جَعْفَرٍ، يَعْنِي الْمَنْصُورَ، أَنْ تَعِيشَا كَرِيمَيْنِ فَلَا يَمْنَعْكُمَا أَنْ تَمُوتَا كَرِيمَيْنِ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّبْذَةِ أُدْخِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيُّ عَلَى الْمَنْصُورِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَإِزَارٌ رَقِيقٌ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: إِيهًا يَا دَيُّوثُ ! قَالَ مُحَمَّدٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! لَقَدْ عَرَفْتَنِي بِغَيْرِ ذَلِكَ صَغِيرًا وَكَبِيرًا ! قَالَ: فَمِمَّنْ حَمَلَتِ ابْنَتُكَ رُقَيَّةُ ؟ وَكَانَتْ تَحْتَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنِي الْأَيْمَانَ أَنْ لَا تَغُشَّنِي وَلَا تُمَالِئَ عَلَيَّ عَدُوًّا، ثُمَّ أَنْتَ تَرَى ابْنَتَكَ حَامِلًا وَزَوْجُهَا غَائِبٌ، وَأَنْتَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ حَانِثًا أَوْ دَيُّوثًا ! وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَهُمُّ بِرَجْمِهَا ! قَالَ مُحَمَّدٌ: أَمَّا أَيْمَانِي فَهِيَ عَلَيَّ إِنْ كُنْتُ دَخَلْتُ لَكَ فِي أَمْرِ غِشٍّ عَلِمْتَهُ، وَأَمَّا مَا رَمَيْتَ بِهِ هَذِهِ الْجَارِيَةَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهَا بِوِلَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِيَّاهَا، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ حِينَ ظَهَرَ حَمْلُهَا أَنَّ زَوْجَهَا أَلَمَّ بِهَا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ. فَاغْتَاظَ الْمَنْصُورُ مِنْ كَلَامِهِ، وَأَمَرَ بِشَقِّ ثِيَابِهِ عَنْ ( إِزَارِهِ فَحُكِيَ أَنَّ عَوْرَتَهُ قَدْ كُشِفَتْ )، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ خَمْسِينَ وَمِائَةَ سَوْطٍ، فَبَلَغَتْ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ وَالْمَنْصُورُ يَفْتَرِي عَلَيْهِ لَا يَنِي، فَأَصَابَ سَوْطٌ مِنْهَا وَجْهَهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ اكْفُفْ عَنْ وَجْهِي ! فَإِنَّ لَهُ حُرْمَةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَغْرَى الْمَنْصُورُ فَقَالَ لِلْجَلَّادِ: الرَّأْسَ الرَّأْسَ ! فَضَرَبَ عَلَى رَأْسِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ سَوْطًا، وَأَصَابَ إِحْدَى عَيْنَيْهِ سَوْطٌ فَسَالَتْ، ثُمَّ أُخْرِجَ وَكَأَنَّهُ زِنْجِيٌّ مِنَ الضَّرْبِ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، وَكَانَ يُسَمَّى الدِّيبَاجَ لِحُسْنِهِ. فَلَمَّا أُخْرِجَ وَثَبَ إِلَيْهِ مَوْلًى لَهُ فَقَالَ: أَلَا أَطْرَحُ رِدَائِي عَلَيْكَ ؟ قَالَ: بَلَى جُزِيتَ خَيْرًا ! وَاللَّهِ إِنَّ لَشُفُوفَ إِزَارِي أَشُدُّ عَلَيَّ مِنَ الضَّرْبِ. وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ أَنَّ رِيَاحًا قَالَ لِلْمَنْصُورِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّا أَهْلُ خُرَاسَانَ فَشِيعَتُكَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَشِيعَةُ آلِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَوَاللَّهِ مَا عَلِيٌّ عِنْدَهُمْ إِلَّا كَافِرٌ، وَلَكِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيَّ لَوْ دَعَا أَهْلَ الشَّامِ مَا تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِ الْمَنْصُورِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخِذَ مَعَهُمْ، وَكَانَ حَسَنَ الرَّأْيِ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَوْنٍ كَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ: إِنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ قَدْ تَعَاشَوْا عَنِّي وَطَالَ عَلَيْهِمْ أَمْرُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُثْمَانِيِّ فَقُتِلَ، وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَرْسَلَ مَعَهُ مَنْ يَحْلِفُ أَنَّهُ رَأْسُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَّ أُمَّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قُتِلَ قَالَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! إِنْ كُنَّا لَنَأْمَنُ بِهِ فِي سُلْطَانِهِمْ ثُمَّ قَدْ قُتِلَ مِنَّا فِي سُلْطَانِنَا ! ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَخَذَهُمْ وَسَارَ بِهِمْ مِنَ الرَّبْذَةِ فَمَرَّ بِهِمْ عَلَى بَغْلَةٍ شَقْرَاءَ، فَنَادَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا هَكَذَا فَعَلْنَا بِأُسَرَائِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ ! فَأَخْسَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَثَقُلَ عَلَيْهِ وَمَضَى. فَلَمَّا قَدِمُوا إِلَى الْكُوفَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِمَنْ مَعَهُ: أَمَا تَرَوْنَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ مَنْ يَمْنَعُنَا مِنْ هَذَا الطَّاغِيَةِ ؟ قَالَ: فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ وَعَلِيٌّ ابْنَا أَخِيهِ مُشْتَمِلَيْنِ عَلَى سَيْفَيْنِ فَقَالَا لَهُ: قَدْ جِئْنَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَمُرْنَا بِالَّذِي تُرِيدُ. قَالَ: قَدْ قَضَيْتُمَا مَا عَلَيْكُمَا وَلَنْ تُغْنِيَا فِي هَؤُلَاءِ شَيْئًا، فَانْصَرَفَا. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَوْدَعَهُمْ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ شَرْقِيِّ الْكُوفَةِ، وَأَحْضَرَ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ، وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ صُورَةً، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الدِّيبَاجُ الْأَصْغَرُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَأَقْتُلَنَّكَ قِتْلَةً لَمْ أَقْتُلْهَا أَحَدًا ! ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَبُنِيَ عَلَيْهِ أُسْطُوَانَةٌ وَهُوَ حَيٌّ فَمَاتَ فِيهَا. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فَدُفِنَ قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَاتَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي الْقَبْرِ الَّذِي يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّهُ قَبْرُهُ وَإِلَّا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ. ثُمَّ مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا، وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ بِهِمْ فَسُقُوا السُّمَّ، وَقِيلَ: وَضَعَ الْمَنْصُورُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مَنْ قَالَ لَهُ إِنَّ ابْنَهُ مُحَمَّدًا قَدْ خَرَجَ فَقُتِلَ فَانْصَدَعَ قَلْبُهُ فَمَاتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا سُلَيْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَإِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ ابْنَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَجَعْفَرُ بْنُ الْحَسَنِ، وَانْقَضَى أَمْرُهُمْ.
التاريخ 2789لا حكم مسجّل
وَفِيهَا حَجَّ الْمَنْصُورُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى عَسْكَرِهِ وَالْمِيرَةِ خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ.
التاريخ 2790لا حكم مسجّل
كَانَ عَلَى مَكَّةَ هَذِهِ السَّنَةَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ رِيَاحُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عِيسَى بْنُ مُوسَى ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُهُ وَيَهْجُو يَزِيدَ بْنَ أُسَيْدٍ السُّلَمِيَّ: لَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْيَزِيدَيْنِ فِي النَّدَى يَزِيدَ سُلَيْمٍ وَالْأَغَرِّ بْنِ حَاتِمِ فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ. وَكَانَ مُمَدَّحًا جَوَادًا.
التاريخ 2791لا حكم مسجّل
وَفِيهَا ثَارَ هِشَامُ بْنُ عُذْرَةَ الْفِهْرِيُّ ( وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمْرٍو، وَيُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ ) بِطُلَيْطُلَةَ عَلَى الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، فَاتَّبَعَهُ مَنْ فِيهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَحَاصَرَهُ وَشَدَّدَ عَلَيْهِ الْحِصَارَ، فَمَالَ إِلَى الصُّلْحِ وَأَعْطَاهُ ابْنَهُ أَفْلَحَ رَهِينَةً، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَرَجَعَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَرَجَعَ هِشَامٌ وَخَلَعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَعَادَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَحَاصَرَهُ وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا لِحَصَانَتِهَا، فَقَتَلَ أَفْلَحَ ابْنَهُ، وَرَمَى رَأْسَهُ فِي الْمَنْجَنِيقِ، وَرَحَلَ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَلَمْ يَظْفَرْ بِهِشَامٍ.
التاريخ 2792لا حكم مسجّل
وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ . وَبُرَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ مَوْلَى سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ . وَعُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ الْأَيَلِيُّ صَاحِبُ الزُّهْرِيِّ ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمِصْرَ فَجْأَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَنِيُّ. وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمَدَنِيُّ. ( بُرَيْدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَعُقَيْلٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْقَافِ ). خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ - وَقِيلَ: [ابْنُ] يَزِيدَ - أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ. قَدِمَ بَغْدَادَ، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ ثِقَةٌ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سَعِيدُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، أَبُو مَسْعُودٍ الْجُرَيْرِيُّ. مَنْسُوبٌ إِلَى جُرَيْرٍ - بِضَمِّ الْجِيمِ - وَهُوَ جُرَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ، قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، يَرْوِي عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، وَأَبِي نُضْرَةَ. سَمِعَ مِنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ. وَكَانَ ثِقَةً، لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ. كَانَ فَصِيحَ الْعِبَارَةِ، جَيِّدَ الْكَلَامِ، وَلَهُ: "الْيَتِيمَةُ" كِتَابٌ فِيهِ آدَابٌ حِسَانٌ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ [فِيهِ]: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ اعْرِفِ الْأُصُولَ وَالْفُصُولَ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَطْلُبُ الْفُصُولَ مَعَ إِضَاعَةِ الْأُصُولِ، فَلَا تَكُونُ دَرَكُهُمْ دَرْكًا، وَمَنْ أَحْرَزَ الْأُصُولَ اكْتَفَى بِهَا مِنَ الْفُصُولِ، فَإِنْ أَصَابَ الْفَصْلَ بَعْدَ إِحْرَازِ الْأَصْلِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُ الْأَمْرِ أَنْ تُعْقَدَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَتُجْتَنَبَ الْكَبَائِرُ، وَتُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ، فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُجَاوِزَ إِلَى الْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَصْلُ الْأَمْرِ فِي إِصْلَاحِ الْبَدَنِ أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْبَاءَةِ إِلَّا خِفًّا، ثُمَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَعْلَمَ عَنْ جَمِيعِ مَنَافِعِ الْجَسَدِ وَمَضَارِّهِ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَأَصْلُ الْأَمْرِ فِي الْمَعِيشَةِ أَنْ لَا تَنِيَ عَنْ طَلَبِ الْحَلَالِ، وَتُحْسِنُ التَّقْدِيرَ لِمَا تَفِيدُ وَتُنْفِقُ، وَلَا تُغْرُنَّكَ سَعَةٌ تَكُونُ فِيهَا، فَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ خَطَرًا أَحْوَجُهُمْ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَالْمُلُوكُ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَيْهِ مِنَ السُّوقَةِ، فَإِنَّ السُّوقَةَ قَدْ يَعِيشُونَ بِغَيْرِ مَالٍ، وَالْمُلُوكُ لَا قِوَامَ لَهُمْ إِلَّا بِالْمَالِ. وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِالسُّلْطَانِ فَتَغَوَّثْ بِالْعُلَمَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَائِلَ الْمَدْحِ كَمَادِحِ نَفْسِهِ، وَالرَّادَّ لَهُ مَمْدُوحٌ، وَالْقَائِلَ لَهُ مَعِيبٌ، إِنَّكَ إِنْ تَلْتَمِسْ رِضَا النَّاسِ تَلْتَمِسْ مَا لَا يُدْرَكُ، فَعَلَيْكَ بِالْتِمَاسِ رِضَا الْأَخْيَارِ ذَوِي الْعُقُولِ، احْرِصِ الْحِرْصَ كُلَّهُ عَلَى أَنْ تَكُونَ خَابِرًا بِأُمُورِ عُمَّالِكَ، فَإِنَّ الْمُسِيءَ يُفَرِّقُ مِنْ خِبْرَتِكَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ وَقْعُكَ، وَإِنَّ الْمُحْسِنَ يَسْتَبْشِرُ بِعِلْمِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ مَعْرُوفُكَ، تَعْرِفُ النَّاسَ فِيمَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَخْلَاقِكَ، إِنَّكَ لَا تُعَاجِلْ بِالثَّوَابِ وَلَا بِالْعِقَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْوَمُ لِخَوْفِ الْخَائِفِ وَرَجَاءِ الرَّاجِي. وَاعْلَمْ أَنَّ رَأْيَكَ لَا يَتَّسِعُ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَدَعْهُ لِلْمُهِمِّ، فَإِنَّ مَالَكَ لَا يُغْنِي النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَاخْصُصْ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ، وَكَرَامَتَكَ لَا تُطِيقُ الْعَامَّةَ، فَتَوَخَّ بِهَا أَهْلَ الْفَضْلِ. وَاعْلَمْ إِنَّمَا شَغَلَتْ مِنْ رَأْيِكَ فِي غَيْرِ الْمُهِمِّ أَزْرَى بِكَ فِي الْمُهِمِّ، لَيْسَ لِلْمَلِكِ أَنْ يُغْضِبَ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا أَنْ يَكْذِبَ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِكْرَاهِهِ عَلَى مَا لَا يُرِيدُ، وَلَا أَنْ يَبْخَلَ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّاسِ عُذْرًا فِي خَوْفِ الْفَقْرِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ حَقُودًا، لِأَنَّ خَطَرَهُ قَدْ جَلَّ عَنِ الْمُجَازَاةِ، وَلْيَتَفَقَّدِ الْوَالِي حَاجَةَ الْأَحْرَارِ فَيَسُدُّ بِهَا طُغْيَانَ السَّفَلَةِ فَيَقْمَعُهُ وَلْيَتَّقِ حَرَمَ الْكَرِيمِ الْجَائِعِ، وَاللَّئِيمِ الشَّبْعَانِ، فَإِنَّمَا يَصُولُ الْكَرِيمُ إِذَا جَاعَ، وَاللَّئِيمُ إِذَا شَبِعَ. وَأَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى التَّثْبِيتِ الْمُلُوكُ، وَاللِّئَامُ أَصْبَرُ أَجْسَادًا وَالْكِرَامُ أَصْبَرُ قُلُوبًا. اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَوْقَعِ الْأُمُورِ فِي الدِّينِ، وَأَنْهَكِهَا لِلْجِسْمِ، وَأَتْلَفِهَا لِلْمَالِ، وَأَفْسَدِهَا لِلْعَقْلِ، وَأَذْهَبِهَا لِلْوَقَارِ الْإِغْلَامُ بِالنِّسَاءِ. وَمِنَ الْبَلَاءِ عَلَى الْحُرِّ الْغُرْمُ بِهِنَّ، إِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ يَسْأَمُ مَا عِنْدَهُ، وَتَطْمَحُ عَيْنَاهُ إِلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَمَجْهُولَاتُهُنَّ خُدَعٌ، وَرُبَّمَا هَجَمَ عَلَى مَا يَظُنُّهُ حَسَنًا، وَهُوَ قَبِيحٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا امْرَأَةٌ ظُنَّ أَنَّ لَهَا شَأْنًا غَيْرَ شَأْنِ مَا ذَاقَ، وَهَذَا مِنَ الْحُمْقِ. وَمَنْ أَتْخَمَ نَفْسَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالنِّسَاءَ كَانَ مِمَّا يُصِيبُهُ انْقِطَاعُ تِلْكَ اللَّذَّاتِ عَنْهُ لِخُمُودِ نَارِ شَهْوَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَضَعَ نَفْسَكَ دُونَ غَايَتِكَ بِرَبْوَةٍ فَافْعَلْ، لَا تُجَالِسْ أَمِيرًا بِغَيْرِ طَرِيقَتِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ لَاقَيْتَ الْجَاهِلَ بِالْعِلْمِ، وَالْغَنِيَّ بِالْبَيَانِ، ضَيَّعْتَ عَقْلَكَ، وَآذَيْتَ جَلِيسَكَ بِحَمْلِكَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ، كَمُخَاطَبَةِ الْأَعْجَمِيِّ بِمَا لَا يَفْقَهُ، إِذَا نَزَلَ بِكَ مُهِمٌّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ حِيلَةٌ فَلَا يَعْجَزُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا حِيلَةَ لَهُ فَلَا يَجْزَعُ. وَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَدَّبَكَ؟ قَالَ: نَفْسِي، إِذَا رَأَيْتَ شَيْئًا أَذُمُّهُ مِنْ غَيْرِي اجْتَنَبْتُهُ. وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ مَعَ هَذِهِ الْفَصَاحَةِ وَالْأَدَبِ كَرِيمًا. قال مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ: لَمَّا وَلِيَ ابْنُ شُبْرُمَةَ الْقَضَاءَ كَتَبَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ: إِنَّهُ قَدْ أَصَابَتْنِي حَاجَةٌ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: الْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. فَخَرَجَ إِسْمَاعِيلُ، [فَلَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ. فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ بَعْدَ هَذَا السَّنِّ؟] قَالَ: أَصَابَتْنِي حَاجَةٌ فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: الْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. قَالَ: اسْتَخَفَّ وَاللَّهِ بِكَ، لِأَنَّكَ مِنَ الْعَجَمِ، وَلَوْ كُنْتَ مِنَ الْعَرَبِ لَبَعَثَ إِلَيْكَ فِي مِصْرِكَ تَمَلَّكْ عَلَى نَفْسِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا تَأْتِيهِ. قَالَ: فَانْطَلَقَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَتَانِي بِسَبْعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ تَنْقُصُ دُرَيْهَمَاتٍ، وَأَتَمَّهُمَا بِخَلْخَالٍ، وَقَالَ: خُذْهَا الْآنَ إِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْتَ فَأْتِهِ، وَإِنْ شِئْتَ فَارْجِعْ إِلَى مِصْرِكَ. قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، لَا آتِيهِ وَلَا أُقِيمُ عِنْدَكَ. وَرَجَعْتُ إِلَى بَلَدِي. وَرَوَى شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِالْمِرْبَدِ - وَكَانَ مَوَاقِفَ الْأَشْرَافِ - إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ فَتَشَبَّثْنَا بِهِ، وَبَادَأْنَاهُ بِالسَّلَامِ، فَرَدَّ عَلَيْنَا، وَقَالَ: لَوْ مِلْتُمْ إِلَى دَارِي، فَوَدَّعْتُمْ أَبْدَانَكُمْ، وَأَرَحْتُمْ دَوَابَّكُمْ. فَمِلْنَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِنَا الْمَكَانُ قَالَ لَنَا: أَيُّ الْأُمَمِ أَعْقَلُ؟ فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَقُلْنَا: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَصْلَهُ مِنْ فَارِسَ. فَقُلْنَا: فَارِسُ. فَقَالَ: لَيْسُوا كَذَلِكَ، إِنَّهُمْ مَلَكُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَرْضِ، وَحَوَوْا عَظِيمًا مِنَ الْمُلْكِ، وَغَلَبُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَبِثَ فِيهِمْ عَقْدَ الْأَمْرِ، فَمَا اسْتَنْبَطُوا شَيْئًا بِعُقُولِهِمْ، وَلَا ابْتَدَعُوا حُكْمًا فِي أَنْفُسِهِمْ. قُلْنَا: فَالرُّومُ. قَالَ: أَصْحَابُ صَبْغَةَ. قُلْنَا: فَالصِّينُ. قَالَ: أَصْحَابُ طُرْفَةِ. قُلْنَا: فَالْهِنْدُ. قَالَ: أَصْحَابُ فَلْسَفَةٍ. قُلْنَا: السُّودَانُ. قَالَ: شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ. قُلْنَا: التُّرْكُ. قَالَ: كِلَابٌ مُخْتَلِسَةٌ. قُلْنَا: الْخَزْرُ. قَالَ: بَقَرٌ سَائِمَةٌ. قُلْنَا: فَقُلْ. قَالَ: الْعَرَبُ. فَضَحِكْنَا. قَالَ: إِنِّي مَا أَرَدْتُ مُوَافَقَتَكُمْ، وَلَكِنِّي إِذْ فَاتَنِي حَظِّي مِنَ النِّسْبَةِ فَلَا يَفُوتُنِي حَظِّي مِنَ الْمَعْرِفَةِ، إِنَّ الْعَرَبَ حَكَمَتْ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مَثُلَ لَهَا، [وَلَا آثَارٍ] أُثِرَتْ، أَصْحَابُ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، وَسُكَّانُ شَعْرٍ وَأُدْمٍ، يَجُودُ أَحَدُهُمْ بِقُوَّتِهِ، وَيَتَفَضَّلُ بِمَجْهُودِهِ، وَيُشَارِكُ فِي مَيْسُورِهِ وَمَعْسُورِهِ، وَيَصِفُ الشَّيْءَ بِعَقْلِهِ فَيَكُونُ قُدْوَةً، وَيَفْعَلُهُ فَيَصِيرُ حُجَّةً، وَيُحْسِنُ مَا يَشَاءُ فَيُحْسِنُ، وَيُقَبِّحُ مَا يَشَاءُ فَيُقَبَّحُ، أَدَّبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، وَرَفَعَتْهُمْ هِمَمُهُمْ، وَأَعْلَمَتْهُمْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، فَرَفَعَ اللَّهُ لَهُمْ أَكْرَمَ الْفَخْرِ، وَبَلَغَ بِهِمْ أَشْرَفَ الذِّكْرِ، وَخَتَمَ لَهُمْ بِمُلْكِ الدُّنْيَا عَلَى الدَّهْرِ، وَافْتَتَحَ دِينَهُ وَخِلَافَتَهُ مِنْهُمْ إِلَى الْحَشْرِ، فَمَنْ دَفَعَ حَقَّهُمْ خَسِرَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهُمْ خُصِمَ، وَدَفْعُ الْحَقِّ بِاللِّسَانِ أَكْبَتُ لِلْجَنَانِ. وَاجْتَمَعَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ بِالْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ فَقَالَ الْخَلِيلُ: عِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَقْلِهِ. وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ مَعَ هَذَا يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ، فَرُوِيَ عَنِ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا وَجَدْتُ كِتَابَ زَنْدَقَةٍ قَطُّ إِلَّا وَأَصْلُهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ. وَقَدْ حَكَى الْمُرْتَضَى عَنِ الْجَاحِظِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ وَمُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ وَمُنْقِذُ بْنُ زِيَادٍ يُتَّهَمُونَ فِي دِينِهِمْ. قَالَ الْمُرْتَضَى: وَمَرَّ ابْنُ الْمُقَفَّعِ بِبَيْتِ نَارٍ لِلْمَجُوسِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ، فَتَلْمَحُهُ ثُمَّ قَالَ: يَا بَيْتَ عَاتِكَةَ الَّذِي أَتَعَزَّلُ حَذَرَ الْعِدَى وَبِهِ الْفُؤَادُ مُوَكَّلُ إِنِّي لِأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأَمْيَلُ وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ قَدْ كَتَبَ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَتَبَ فِيهِ: وَمَتَى غَدَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِعَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ فَنِسَاؤُهُ طَوَالِقُ، وَدَوَابُّهُ حُبْسٌ، وَعَبِيدُهُ أَحْرَارٌ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِهِ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَكَتَبَ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ - فَقَتَلَهُ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ: أَنَّ الرَّبِيعَ الْحَاجِبَ قَالَ: لَمَّا قَرَأَ الْمَنْصُورُ الْأَيْمَانَ الَّذِي كَتَبَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ قَالَ: مَنْ كَتَبَ هَذَا؟ فَقِيلَ: رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ يَكْتُبُ لِعَمَّيْكَ سُلَيْمَانَ وَعِيسَى ابْنِي عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَصْرَةِ: لَا يُفْلِتَنَّكَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ حَتَّى تَقْتُلَهُ. فَاسْتَأْذَنَ يَوْمًا عَلَيْهِ مَعَ وُجُوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَخَّرَ سُفْيَانُ إِذْنَهُ وَأَذِنَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الدِّهْلِيزِ عَدَلَ بِهِ إِلَى حُجْرَةَ، فَقُتِلَ فِيهَا، وَخَرَجَ الْقَوْمُ فَرَأَوْا غِلْمَانَهُ فَسَأَلُوهُمْ عَنْهُ، فَقِيلَ: دَخَلَ بَعْدَكُمْ، فَخَاصَمَ سُلَيْمَانُ وَعِيسَى ابْنَا عَلِيٍّ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْمُهَلَّبِيَّ وَأَشْخَصَاهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ بِأَنَّ ابْنَ الْمُقَفَّعِ دَخَلَ دَارَ سُفْيَانَ سَلِيمًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَنَا أَنْظُرُ فِي هَذَا، وَأَقِيدُهُ بِهِ. وَوَعَدَهُمُ الْغَدَ، فَجَاءَ سُفْيَانُ لَيْلًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي صَنِيعِكَ وَمَتْبَعِ أَمْرِكَ أَنْ تُجْرِيَ قَتْلَهُ عَلَيَّ. قَالَ: لَا تَرْعَ وَاحْضُرْ. فَحَضَرَ وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بِابْنِ الْمُقَفَّعِ، ثُمَّ خَرَجَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ - وَأَوْمَأَ إِلَى بَابٍ خَلْفَهُ - مَنْ يَنْصِبُ لِي نَفْسَهُ حَتَّى أَقْتُلَهُ مَكَانَ سُفْيَانَ؟ فَرَجَعُوا كُلُّهُمْ عَنِ الشَّهَادَةِ وَانْدَفَعَ الْأَمْرُ. وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ: أَنَّ ابْنَ الْمُقَفَّعِ كَانَ يَعْبَثُ بِسُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بِالْحِيرَةِ، وَيَضْحَكُ مِنْهُ، فَغَضِبَ سُفْيَانُ يَوْمًا وَافْتَرَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: يَا ابْنَ الْمُغْتَلِمَةِ، وَاللَّهِ مَا اكْتَفَتْ أُمُّكَ بِرِجَالِ الْعِرَاقِ حَتَّى نَكَحَهَا رِجَالُ أَهْلِ الشَّامِ؟ وَكَانَتْ أُمُّ سُفْيَانَ: مَيْسُونُ بِنْتُ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْمُهَلَّبِ. فَاضْطَغَنَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ، فَقَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعِيسَى بْنُ عَلِيٍّ لِيَكْتُبُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَمَانًا. وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ يَكْتُبُ لِعِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ يَتَنَوَّقُ فِي الشَّرْطِ، فَكَتَبَ فِيمَا اشْتَرَطَ: إِنْ قَتَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا بَيْعَةَ لَهُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: مَنْ يَتَوَثَّقُ لَهُمْ؟ قَالُوا: ابْنُ الْمُقَفَّعِ. قَالَ: فَمَا أَحَدٌ يَكْفِينِي ابْنَ الْمُقَفَّعِ. فَكَتَبَ أَبُو الْخَصِيبِ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَحْكِي لَهُ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ فَاسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: أَتَذَكَّرُ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ. فَقَالَ: أُمِّي مُغْتَلِمَةٌ كَمَا قُلْتَ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ قِتْلَةً لَمْ يُقْتَلْ بِهَا أَحَدٌ. فَأَمَرَ بِتَنُّورٍ فَسُجِرَ حَتَّى إِذَا حَمِيَ أَمَرَ أَنْ تُقْطَّعَ أَعْضَاؤُهُ، فَكُلَّمَا قَطَعُوا عُضْوًا قَالَ: أَلْقُوهُ فِي النَّارِ. فَيُلْقُونَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَى عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ، ثُمَّ أَطْبَقَ التَّنُّورَ وَقَالَ: لَيْسَ عَلَيَّ فِي الْمُثْلَةِ بِكَ حَرَجٌ، لِأَنَّكَ زِنْدِيقٌ قَدْ أَفْسَدْتَ النَّاسَ، وَاخْتَفَى أَثَرُهُ، فَقَالَ عِيسَى لِغُلَامِهِ: قُلْ لِسُفْيَانَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ قَتَلْتَهُ فَخَلِّهِ، وَإِنْ كُنْتَ قَتَلْتَهُ فَوَاللَّهِ لَأُطَالِبَنَّكَ بِدِيَةٍ. قَالَ سُفْيَانُ: مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ. فَمَضَى عِيسَى إِلَى الْمَنْصُورِ وَقَالَ: قَتَلَهُ سُفْيَانُ فَجِيءَ بِسُفْيَانَ مُقَيَّدًا، وَجَعَلَ عِيسَى يَطْلُبُ الشُّهُودَ وَيُخَاطِبُ الْمَنْصُورَ، وَدَخَلَ الشُّهُودُ فَشَهِدُوا، فَقَالَ لَهُمُ الْمَنْصُورُ: قَدْ شَهِدْتُمْ، فَإِنْ أَتَيْتُكُمْ بِابْنِ الْمُقَفَّعِ حَتَّى يُخَاطِبَكُمْ، مَا تَرَوْنِي صَانِعًا بِكُمْ؟ فَقَامَ الشُّهُودُ، وَضَرَبَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ. الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِّيِّ. رَوَى عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ بَابٍ، أَبُو عُثْمَانَ. وَبَابٌ مِنْ سَبْيِ فَارِسَ، كَانَ عَمْرٌو يَسْكُنُ الْبَصْرَةَ، وَجَالَسَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، ثُمَّ أَزَالَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَالَ بِالْقَدَرِ، وَدَعَا إِلَيْهِ، وَاعْتَزَلَ أَصْحَابَ الْحَسَنِ، وَكَانَ لَهُ سَمْتٌ وَإِظْهَارُ زُهْدٍ، وَدَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ فَوَعَظَهُ. وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ هَارُونَ قَالَ: دَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَلَى الْمَنْصُورِ وَعِنْدَهُ الْمَهْدِيُّ بَعْدَ أَنْ بَايَعَ لَهُ بِبَغْدَادَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، عِظْنِي. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي أَصْبَحَ فِي يَدِكَ لَوْ بَقِيَ فِي يَدِ غَيْرِكَ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ، فَأُحَذِّرُكَ لَيْلَةً تَمَخَّضُ بِيَوْمٍ لَا لَيْلَةً بَعْدَهُ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ: يَا أَيُّهَذَا الَّذِي قَدْ غَرَّهُ الْأَمَلُ وَدُونَ مَا يَأْمُلُ التَّنْغِيصُ وَالْأَجَلُ أَلَا تَرَى أَنَّمَا الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا كَمَنْزِلِ الرَّكْبِ حَلُّوا ثُمَّتِ ارْتَحَلُوا حُتُوفُهَا رُصُدٌ، وَعَيْشُهَا نَكَدٌ وَصَفْوُهَا كَدَرٌ، وَمُلْكُهَا دُوَلُ تَظَلُّ تُفْزِعُ بِالرَّوْعَاتِ سَاكِنَهَا فَمَا يَسُوغُ لَهُ لِينٌ وَلَا جِذَلُ كَأَنَّهُ لِلْمَنَايَا وَالرَّدَى غَرَضٌ تَظَلُّ فِيهِ بَنَاتُ الدَّهْرِ تَنْتَضِلُ تُدِيرُهُ - مَا أَدَارَتْهُ - دَوَائِرُهَا مِنْهَا الْمُصِيبُ وَمِنْهَا الْمُخْطِئُ الزَّلِلُ وَالنَّفْسُ هَارِبَةٌ وَالْمَوْتُ يَرْصُدُهَا فَكُلُّ عَثْرَةِ رَجُلٍ عِنْدَهَا جَلَلُ وَالْمَرْءُ يَسْعَى بِمَا يَسْعَى لِوَارِثِهِ وَالْقَبْرُ وَارِثُ مَا يَسْعَى لَهُ الرَّجُلُ قَالَ: فَبَكَى الْمَنْصُورُ. وعن إِسْحَاقِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عَلَى بَابِ الْمَنْصُورِ وَإِلَى جَنْبِي عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ إِذْ طَلَعَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَلَى حِمَارٍ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ، وَنَحَّى الْبِسَاطَ بِرِجْلِهِ، وَجَلَسَ دُونَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ عُمَارَةُ فَقَالَ: لَا تَزَالُ بَصْرَتُكُمْ تَرْمِينَا بِأَحْمَقَ. فَمَا فَصَلَ كَلَامَهُ مِنْ فِيهِ، حَتَّى خَرَجَ الرَّبِيعُ وَهُوَ يَقُولُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. فَمَرَّ مُتَوَكِّئًا عَلَيْهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى عُمَارَةَ فَقُلْتُ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَحْمَقْتَ قَدْ دُعِيَ وَتَرَكَنَا. قَالَ: كَثِيرًا مَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا. فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ وَعَمْرٌو مُتَّكِئٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا غُلَامُ، حِمَارُ أَبِي عُثْمَانَ. فَمَا بَرِحَ حَتَّى عَلَا سَرْجَهُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ نَشْرَ ثَوْبَهُ، وَاسْتَوْدَعَهُ اللَّهَ. فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى الرَّبِيعِ فَقَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُمُ الْيَوْمَ بِهَذَا الرَّجُلِ فِعْلًا لَوْ فَعَلْتُمُوهُ بِوَلِيِّ عَهْدِكُمْ لَكُنْتُمْ قَدْ قَضَيْتُمْ حَقَّهُ. قَالَ: فَمَا غَابَ عَنْكَ وَاللَّهِ مِمَّا فَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُ وَأَعْجَبُ. قَالَ: فَإِنِ اتَّسَعَ لَكَ الْحَدِيثُ فَحَدِّثْنَا. فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَانِهِ، فَمَا أُمْهِلَ حَتَّى أَمَرَ بِمَجْلِسٍ فَفُرِشَ لُبُودًا، ثُمَّ انْتَقَلَ هُوَ وَالْمَهْدِيُّ، وَكَانَ عَلَى الْمَهْدِيِّ سَوَادُهُ وَسَيْفُهُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَتْكَأَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَتَحَفَّى بِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عِيَالِهِ يُسَمِّيهِمْ رَجُلًا رَجُلًا وَامْرَأَةً امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، عِظْنِي. فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ لَبِالْمِرْصَادِ. قَالَ: فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تِلْكَ الْآيَاتِ إِلَّا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَقَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، فَاشْتَرِ نَفْسَكَ مِنْهُ بِبَعْضِهَا، وَاعْلَمْ، أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي صَارَ إِلَيْكَ إِنَّمَا كَانَ فِي يَدِ مَنْ قَبْلَكَ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَيْكَ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْكَ إِلَى مَنْ هُوَ بَعْدَكَ، وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ لَيْلَةً تَمَخَّضُ صَبِيحَتُهَا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَبَكَى وَاللَّهِ أَشَدَّ مِنْ بُكَائِهِ الْأَوَّلِ حَتَّى جَفَّ جَفْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ خَالِدٍ: رِفْقًا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ أَتْعَبْتَهُ الْيَوْمَ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بِمِثْلِكَ ضَاعَ الْأَمْرُ وَانْتَشَرَ، لَا أَبَا لَكَ، وَمَاذَا خِفْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؟ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، أَعِنِّي بِأَصْحَابِكَ أَسْتَعِنْ بِهِمْ. قَالَ: أَظْهِرِ الْحَقَّ يَتْبَعْكَ أَهْلُهُ. قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ كَتَبَ إِلَيْكَ كِتَابًا. قَالَ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَهُ. قَالَ: فِيمَ أَجَبْتَهُ؟ قَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتَ رَأْيِي فِي السَّيْفِ أَيَّامَ كُنْتَ تَخْتَلِفُ إِلَيْنَا، إِنِّي لَا أُرَاهُ، قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنْ تَحْلِفُ لِي لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. قَالَ: لَئِنْ كَذَبْتُكَ تُقْيَةً لَأَحْلِفَنَّ لَكَ بَقِيَّةً. قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ الصَّادِقُ الْبَرُّ. ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى سَفَرِكَ وَزَمَانِكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَتَأْخُذَنَّهَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَا آخُذُهَا. فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: يَحْلِفُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَحْلِفُ؟ ! فَتَرَكَ الْمَهْدِيَّ وَأَقْبَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ وَقَالَ: مَنْ هَذَا الْفَتَى؟ قَالَ: هَذَا ابْنِي مُحَمَّدٌ، هُوَ الْمَهْدِيُّ وَوَلِيُّ الْعَهْدِ. قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْمَيْتَهُ اسْمًا مَا اسْتَحَقَّهُ عَمَلُهُ، وَأَلْبَسْتَهُ لِبَاسًا مَا هُوَ مِنْ لُبْسِ الْأَبْرَارِ، وَلَقَدْ مَهَّدْتَ لَهُ أَمْرًا أَمْتَعَ مَا يَكُونُ بِهِ، أَشْغَلَ مَا يَكُونُ عَنْهُ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا حَلَفَ أَبُوكَ حَلَفَ عَمُّكَ، لِأَنَّ أَبَاكَ أَقْدَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ مِنْ عَمِّكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا تَبْعَثُ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ. قَالَ: إِذًا لَا تَأْتِينِي. قَالَ: عَنْ حَاجَتِي سَأَلْتَنِي. قَالَ: فَاسْتَحْفَظَهُ اللَّهَ وَوَدَّعَهُ وَنَهَضَ، فَلَمَّا وَلَّى أَمَدَّهُ بِبَصَرِهِ وَهُوَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْدْ كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْدْ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدْ قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ لِأَجْلِ مَذْهَبِهِ فِي الْقَدَرِ، وَكَذَّبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنْ كَانَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ فَمَا عَلَى أَبِي لَهَبٍ مِنْ لَوْمٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَسَّالَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ مُسَبِّحَ بْنَ حَاتِمٍ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ - وَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّادِقِ وَالْمَصْدُوقِ - فَقَالَ: لَوْ سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ هَذَا لَكَذَّبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ هَذَا مَا أَجَبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ هَذَا مَا قَبِلْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا لَرَدَدْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ هَذَا لَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا أَخَذْتَ مِيثَاقَنَا. قال الْأَصْمَعِيُّ: جَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ [وَعَدَ اللَّهُ عَلَى] عَمَلٍ عِقَابًا، يُخْلِفُ وَعْدَهُ؟ فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: مِنَ الْعُجْمَةِ أَتَيْتَ يَا أَبَا عُثْمَانَ، إِنَّ الْوَعْدَ غَيْرَ الْوَعِيدِ، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعِدُ خَلَفًا وَلَا عَارًا، إِنْ تُعِدْ شَرًّا ثُمَّ لَا تَفْعَلُهُ، تَرَى ذَاكَ كَرَمًا وَفَضْلًا، إِنَّمَا الْخُلْفُ أَنْ تُعِدْ خَيْرًا ثُمَّ لَا تَفْعَلُهُ قَالَ: أَوْجِدْنِي هَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ إِلَى قَوْلِ الْأَوَّلِ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْأَفْطَسُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى سِوَاكَ مَا أَجَزْتُهُ. تُوُفِّيَ عَمْرٌو فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ بِمَرَّانَ عَلَى لَيَالٍ مِنْ مَكَّةَ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ. مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ. رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِيهِ. 763 - هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ، أَبُو الْعَلَاءِ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ الْعَبْدِيُّ. وَهُوَ بَصْرِيُّ سَكَنَ الْمَدَائِنَ، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ السُّوَائِيُّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ. رَوَى عَنْهُ: مِسْعَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ. وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فَقَالَ: وَيُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ أَخُو هِلَالٍ. وَقَالَ آخَرُ: هِلَالٌ وَيُونُسُ وَصَالِحٌ بَنُو خَبَّابٍ. وَكَانَ ذَلِكَ غَلَطًا لَيْسَ بَيْنَهُمْ قَرَابَةٌ، إِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقٌ فِي اسْمِ الْأَبِ. وَتُوُفِّيَ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ بِالْمَدَائِنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 2793لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ ظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ ظُهُورُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِبْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَدِينَةِ، لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَقِيلَ: رَابِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَخْبَارَهُ وَتَبِعَتَهُ وَحَمْلَ الْمَنْصُورِ أَهْلَهُ إِلَى الْعِرَاقِ. فَلَمَّا حَمَلَهُمْ وَسَارَ بِهِمْ رَدَّ رِيَاحًا إِلَى الْمَدِينَةِ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَأَلَحَّ فِي طَلَبِ مُحَمَّدٍ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَطَلَبَهُ حَتَّى سَقَطَ ابْنُهُ فَمَاتَ، وَأَرْهَقَهُ الطَّلَبُ يَوْمًا، فَتَدَلَّى فِي بِئْرٍ بِالْمَدِينَةِ يُنَاوِلُ أَصْحَابَهُ الْمَاءَ، وَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ إِلَى حَلْقِهِ، وَكَانَ بَدَنُهُ لَا يَخْفَى لِعِظَمِهِ، وَبَلَغَ رِيَاحًا خَبَرُ مُحَمَّدٍ وَأَنَّهُ بِالْمَذَارِ، فَرَكِبَ نَحْوَهُ فِي جُنْدِهِ، فَتَنَحَّى مُحَمَّدٌ عَنْ طَرِيقِهِ وَاخْتَفَى فِي دَارِ الْجُهَنِيَّةِ، فَحَيْثُ لَمْ يَرَهُ رِيَاحٌ رَجَعَ إِلَى دَارِ مَرْوَانَ. وَكَانَ الَّذِي أَعْلَمَ رِيَاحًا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ. فَلَمَّا اشْتَدَّ الطَّلَبُ بِمُحَمَّدٍ خَرَجَ قَبْلَ وَقْتِهِ الَّذِي وَاعَدَ أَخَاهُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْخُرُوجِ فِيهِ. وَقِيلَ: بَلْ خَرَجَ مُحَمَّدٌ لِمِيعَادِهِ مَعَ أَخِيهِ، وَإِنَّمَا أَخُوهُ تَأَخَّرَ لِجُدَرِيٍّ لَحِقَهُ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولَانِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا تَنْتَظِرُ بِالْخُرُوجِ ! فَوَاللَّهِ مَا عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَشْأَمُ مِنْكَ. اخْرُجْ وَلَوْ وَحْدَكَ. فَتَحَرَّكَ بِذَلِكَ أَيْضًا. وَأَتَى رِيَاحًا الْخَبَرُ أَنَّ مُحَمَّدًا خَارِجٌ اللَّيْلَةَ، فَأَحْضَرَ مُحَمَّدَ بْنَ عِمْرَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَاضِيَ الْمَدِينَةِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَغَيْرَهُمَا عِنْدَهُ، فَصَمَتَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَطْلُبُ مُحَمَّدًا فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَهُوَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ خَرَجَ لَأَقْتُلَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ !. وَقَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانِ: أَنْتَ قَاضِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَادْعُ عَشِيرَتَكَ، وَأَرْسِلْ لِتَجْمَعَ بَنِي زُهْرَةَ، فَأَرْسَلَ فَجَاءُوا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ فَأَجْلَسَهُمْ بِالْبَابِ، فَأَرْسَلَ فَأَخَذَ نَفَرًا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فِيهِمْ: جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَابْنُهُ خَالِدٌ. فَبَيْنَمَا هُمْ عِنْدَهُ إِذْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ، فَسَمِعُوا التَّكْبِيرَ، فَقَالَ ابْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيُّ: أَطِعْنِي فِي هَؤُلَاءِ وَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ إِلَيْكَ، إِنَّا لَعَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. وَأَقْبَلَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْمَذَارِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَأَتَى فِي بَنِي سَلِمَةَ بِهَؤُلَاءِ تَفَاؤُلًا بِالسَّلَامَةِ، وَقَصَدَ السِّجْنَ فَكَسَرَ بَابَهُ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ، وَكَانَ فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَابْنُ أَخِي النُّذَيْرِ بْنِ يَزِيدَ وَرِزَامٌ، فَأَخْرَجَهُمْ وَجَعَلَ عَلَى الرَّجَّالَةِ خَوَّاتَ بْنَ بُكَيْرِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَتَى دَارَ الْإِمَارَةِ وَهُوَ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَقْتُلُوا إِلَّا يَقْتُلُوا. فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ رِيَاحٌ، فَدَخَلُوا مِنْ بَابِ الْمَقْصُورَةِ، وَأَخَذُوا رِيَاحًا أَسِيرًا وَأَخَاهُ عَبَّاسًا، وَابْنَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فَحَبَسَهُمْ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الطَّاغِيَةِ عَدُوِّ اللَّهِ أَبِي جَعْفَرٍ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكُمْ مِنْ بِنَائِهِ الْقُبَّةَ الْخَضْرَاءَ الَّتِي بَنَاهَا مُعَانَدَةً لِلَّهِ فِي مُلْكِهِ، وَتَصْغِيرًا لِلْكَعْبَةِ الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ حِينَ قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى، وَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ فِي هَذَا الدِّينِ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الْمُوَاسِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ أَحَلُّوا حَرَامَكَ وَحَرَّمُوا حَلَالَكَ، وَآمَنُوا مَنْ أَخَفْتَ وَأَخَافُوا مَنْ آمَنْتَ ! اللَّهُمَّ فَأَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ! أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ [ مِنْ ] بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ وَأَنْتُمْ عِنْدِي أَهْلُ قُوَّةٍ وَلَا شِدَّةٍ، وَلَكِنِّي اخْتَرْتُكُمْ لِنَفْسِي ! وَاللَّهِ مَا جِئْتُ هَذِهِ وَفِي الْأَرْضِ مِصْرٌ يُعْبَدُ اللَّهُ فِيهِ إِلَّا وَقَدْ أُخِذَ لِي فِيهِ الْبَيْعَةُ ! وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَكْتُبُ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَى أَلْسُنِ قُوَّادِهِ يَدْعُونَهُ إِلَى الظُّهُورِ وَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ مَعَهُ، فَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: لَوِ الْتَقَيْنَا مَالَ إِلَيَّ الْقُوَّادُ كُلُّهُمْ. وَاسْتَوْلَى مُحَمَّدٌ عَلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّ، وَعَلَى بَيْتِ السِّلَاحِ: عَبْدَ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيَّ، وَعَلَى الشُّرَطِ: أَبَا الْقَلَمَّسِ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى دِيوَانِ الْعَطَاءِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى شُرَطِهِ: عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ فَعَزَلَهُ. وَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنِّي كُنْتُ لَأَظُنُّكَ سَتَنْصُرُنَا وَتَقُومُ مَعَنَا. فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ انْسَلَّ مِنْهُ وَأَتَى مَكَّةَ. وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ مُحَمَّدٍ أَحَدٌ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَّا نَفَرٌ، مِنْهُمْ: الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَخُبَيْبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدِ اسْتَفْتَوْا مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي الْخُرُوجِ مَعَ مُحَمَّدٍ وَقَالُوا: إِنَّ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةً لِأَبِي جَعْفَرٍ، فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعْتُمْ مُكْرَهِينَ، وَلَيْسَ عَلَى مُكْرَهٍ يَمِينٌ. فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَلَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ. فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَدَعَاهُ إِلَى بَيْعَتِهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَنْتَ وَاللَّهِ مَقْتُولٌ فَكَيْفَ أُبَايِعُكَ ؟ فَارْتَدَعَ النَّاسُ عَنْهُ قَلِيلًا. وَكَانَ بَنُو مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَأَتَتْ حَمَّادَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَتْ لَهُ: يَا عَمِّ إِنَّ إِخْوَتِي قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى ابْنِ خَالِهِمْ، وَإِنَّكَ إِنْ قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ثَبَّطْتَ النَّاسَ عَنْهُ، فَيُقْتَلُ ابْنُ خَالِي وَإِخْوَتِي. فَأَبَى إِسْمَاعِيلُ إِلَّا النَّهْيَ عَنْهُ. فَيُقَالُ: إِنَّ حَمَّادَةَ عَدَتْ عَلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ، فَأَرَادَ مُحَمَّدٌ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَقَالَ: أَتَأْمُرُ بِقَتْلِ أَبِي وَتُصَلِّي عَلَيْهِ ؟ فَنَحَّاهُ الْحَرَسُ وَصَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ. وَلَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَسْرِيُّ بِالْمَدِينَةِ فِي حَبْسِ رِيَاحٍ فَأَطْلَقَهُ. وَقَالَ ابْنُ خَالِدٍ: فَلَمَّا سَمِعْتُ دَعْوَتَهُ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا عَلَى الْمِنْبَرِ قُلْتُ: هَذِهِ دَعْوَةُ حَقٍّ، وَاللَّهِ لَأُبْلِيَنَّ لِلَّهِ فِيهَا بَلَاءً حَسَنًا. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ قَدْ خَرَجْتَ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَاللَّهِ لَوْ وَقَفَ عَلَى نَقْبٍ مِنْ أَنْقَابِهِ أَحَدٌ لَمَاتَ أَهْلُهُ جُوعًا وَعَطَشًا، فَانْهَضْ مَعِي فَإِنَّمَا هِيَ عَشْرٌ حَتَّى أَضْرِبَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيْفٍ. فَأَبَى عَلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ قَالَ: مَا وَجَدْنَا مِنْ خَيْرِ الْمَتَاعِ شَيْئًا أَجْوَدَ مِنْ شَيْءٍ وَجَدْنَاهُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي فَرْوَةَ خَتَنِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَكَانَ انْتَبَهَ، قَالَ: فَقُلْتُ: أَلَا أَرَاكَ قَدْ أَبْصَرْتَ خَيْرَ الْمَتَاعِ ! فَكَتَبْتُ إِلَى الْمَنْصُورِ فَأَخْبَرْتُهُ بِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ، فَأَخَذَنِي مُحَمَّدٌ فَحَبَسَنِي حَتَّى أَطْلَقَنِي عِيسَى بْنُ مُوسَى بَعْدَ قَتْلِهِ بِأَيَّامٍ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ آلِ أُوَيْسِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ، عَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ، اسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ صَخْرٍ بِالْمَدِينَةِ لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدٌ، فَسَارَ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ فَبَلَغَهُ فِي تِسْعَةِ أَيَّامٍ، فَقَدِمَ لَيْلًا، فَقَامَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ فَصَاحَ حَتَّى عَلِمُوا بِهِ وَأَدْخَلُوهُ، فَقَالَ الرَّبِيعُ: مَا حَاجَتُكَ هَذِهِ السَّاعَةَ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نَائِمٌ ؟ قَالَ: لَا بُدَّ لِي مِنْهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ ! قَالَ: قَتَلْتَهُ وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، أَخْبِرْنِي مَنْ مَعَهُ. فَسَمَّى لَهُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ. قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ وَعَايَنْتَهُ ؟ قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ وَعَايَنْتُهُ وَكَلَّمْتُهُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا، فَأَدْخَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ بَيْتًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ رَسُولٌ لِسَعِيدِ بْنِ دِينَارٍ غُلَامِ عِيسَى بْنِ مُوسَى يَلِي أَمْوَالَهُ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَتَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ أَخْبَارُهُ، فَأَخْرَجَ الْأُوَيْسِيَّ، فَقَالَ: لَأُوَطِّئِنَّ الرِّجَالَ عَقِبَيْكَ وَلَأُغْنِيَنَّكَ ! فَأَمَرَ لَهُ بِتِسْعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لِكُلِّ لَيْلَةٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَأَشْفَقَ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَارِثِيُّ الْمُنَجِّمُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُجْزِعُكَ مِنْهُ ؟ وَاللَّهِ لَوْ مَلَكَ الْأَرْضَ مَا لَبِثَ إِلَّا تِسْعِينَ يَوْمًا. فَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ خَرَجَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ فَأَشِرْ بِهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَحْبُوسَ مَحْبُوسُ الرَّأْيِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ: لَوْ جَاءَنِي حَتَّى يَضْرِبَ بَابِي مَا أَخْرَجْتُكَ، وَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ، وَهُوَ مَلِكُ أَهْلِ بَيْتِكَ. فَأَعَادَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ: ارْتَحِلِ السَّاعَةَ حَتَّى تَأْتِيَ الْكُوفَةَ فَاجْثُمْ عَلَى أَكْبَادِهِمْ، فَإِنَّهُمْ شِيعَةُ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ وَأَنْصَارُهُمْ، ثُمَّ احْفُفْهَا بِالْمَسَالِحِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهَا إِلَى وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَوْ أَتَاهَا مِنْ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَابْعَثْ إِلَى سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ يَنْحَدِرُ إِلَيْكَ، وَكَانَ بِالرَّيِّ، وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَمُرْهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَيْكَ مِنْ أَهْلِ الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ مَا حَمَلَ الْبَرِيدُ فَأَحْسِنْ جَوَائِزَهُمْ وَوَجِّهْهُمْ مَعَ سَلْمٍ. فَفَعَلَ. وَقِيلَ: أَرْسَلَ الْمَنْصُورُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مَعَ إِخْوَتِهِ يَسْتَشِيرُونَهُ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ لَهُمْ: لَا يَعْلَمُ عَبْدُ اللَّهِ أَنِّي أَرْسَلْتُكُمْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ: لِأَمْرٍ مَا جِئْتُمْ، مَا جَاءَ بِكُمْ جَمِيعًا وَقَدْ هَجَرْتُمُونِي مُذْ دَهْرٍ ؟ قَالُوا: إِنَّا اسْتَأْذَنَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَذِنَ لَنَا. قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَمَا الْخَبَرُ ؟ قَالُوا: خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: فَمَا تَرَوْنَ ابْنَ سَلَّامَةَ صَانِعًا ؟ يَعْنِي الْمَنْصُورَ. قَالُوا: لَا نَدْرِي وَاللَّهِ. قَالَ: إِنَّ الْبُخْلَ قَدْ قَتَلَهُ، فَمُرُوهُ فَلْيُخْرِجِ الْأَمْوَالَ وَلْيُعْطِ الْأَجْنَادَ، فَإِنْ غَلَبَ فَمَا أَسْرَعَ مَا يَعُودُ إِلَيْهِ مَالُهُ، وَإِنْ غُلِبَ لَمْ يَقْدَمْ صَاحِبُهُ عَلَى دِينَارٍ وَلَا دِرْهَمٍ. وَلَمَّا وَرَدَ الْخَبَرُ عَلَى الْمَنْصُورِ بِخُرُوجِ مُحَمَّدٍ كَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ خَطَّ مَدِينَةَ بَغْدَادَ بِالْقَصَبِ، فَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمِدَادِ،، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ خَرَجَ بِالْمَدِينَةِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَلَكَ وَأَهْلَكَ، خَرَجَ فِي غَيْرِ عُدَدٍ وَلَا رِجَالٍ. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَعْدَةَ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَرْوَانَ يَوْمَ الزَّابِ وَاقِفًا، فَقَالَ لِي مَرْوَانُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُقَاتِلُنِي ؟ قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُقَاتِلُنِي مَكَانَهُ، إِنَّ عَلِيًّا وَوَلَدَهُ لَا حَظَّ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، وَهَلْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ مَعَهُ رِيحُ الشَّامِ وَنَصْرُ الشَّامِ ؟ يَا ابْنَ جَعْدَةَ أَتَدْرِي مَا حَمَلَنِي أَنْ عَقَدْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بَعْدِي وَتَرَكْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ ابْنُ جَعْدَةَ: لَا. قَالَ: وَجَدْتُ الَّذِي يَلِي هَذَا الْأَمْرَ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَقْرَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَعَقَدْتُ لَهُ، فَاسْتَخْلَفَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، فَحَلَفَ لَهُ، فَسُرِّيَ عَنْهُ. وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خَبَرُ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ قَالَ لِأَبِي أَيُّوبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ: هَلْ مِنْ رَجُلٍ تَعْرِفَانِهِ بِالرَّأْيِ يَجْمَعُ رَأْيَهُ إِلَى رَأْيِنَا ؟ قَالَا: بِالْكُوفَةِ بُدَيْلُ بْنُ يَحْيَى، وَكَانَ السَّفَّاحُ يُشَاوِرُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: فَاشْحَنِ الْأَهْوَازَ بِالْجُنُودِ. قَالَ: إِنَّهُ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ ! قَالَ: قَدْ فَهِمْتُ وَإِنَّمَا الْأَهْوَازُ الْبَابُ الَّذِي تُؤْتَوْنَ مِنْهُ. فَلَمَّا ظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ بِالْبَصْرَةِ قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ، قَالَ: فَعَاجِلْهُ بِالْجُنُودِ وَاشْغَلِ الْأَهْوَازَ عَلَيْهِ. وَشَاوَرَ الْمَنْصُورُ أَيْضًا جَعْفَرَ بْنَ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيَّ عِنْدَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: وَجِّهِ الْجُنُودَ إِلَى الْبَصْرَةِ. قَالَ: انْصَرِفْ حَتَّى أُرْسِلَ إِلَيْكَ. فَلَمَّا صَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْبَصْرَةِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي خِفْتُ بَادِرَةَ الْجُنُودِ. قَالَ: وَكَيْفَ خِفْتَ الْبَصْرَةَ ؟ قَالَ: لِأَنَّ مُحَمَّدًا ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسُوا أَهْلَ الْحَرْبِ، بِحَسْبِهِمْ أَنْ يُقِيمُوا شَأْنَ أَنْفُسِهِمْ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ تَحْتَ قَدَمِكَ، وَأَهْلُ الشَّامِ أَعْدَاءُ آلِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْبَصْرَةُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَى مُحَمَّدٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ) الْآيَتَيْنِ، وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ أَنْ أُؤَمِّنَكَ، وَجَمِيعَ وَلَدِكِ، وَإِخْوَتَكَ، وَأَهْلَ بَيْتِكِ وَمَنِ اتَّبَعَكُمْ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَأُسَوِّغُكَ مَا أَصَبْتَ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، وَأُعْطِيكَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمَا سَأَلْتَ مِنَ الْحَوَائِجِ، وَأُنْزِلُكَ مِنَ الْبِلَادِ حَيْثُ شِئْتَ، وَأَنْ أُطْلِقَ مَنْ فِي حَبْسِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ. وَأَنْ أُؤَمِّنَ كُلَّ مَنْ جَاءَكَ وَبَايَعَكَ وَاتَّبَعَكَ أَوْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ ثُمَّ لَا أَتَّبِعُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ كَانَ مِنْهُ أَبَدًا، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَتَوَثَّقَ لِنَفْسِكَ فَوَجِّهْ إِلَيَّ مَنْ أَحْبَبْتَ يَأْخُذُ لَكَ مِنَ الْأَمَانِ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مَا تَتَوَثَّقُ بِهِ، وَالسَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ: ( طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) إِلَى: ( يَحْذَرُونَ ) وَأَنَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مِنَ الْأَمَانِ مِثْلَ مَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، فَإِنَّ الْحَقَّ حَقُّنَا وَإِنَّمَا ادَّعَيْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ بِنَا وَخَرَجْتُمْ لَهُ بِشِيعَتِنَا وَحَظِيتُمْ بِفَضْلِهِ، فَإِنَّ أَبَانَا عَلِيًّا كَانَ الْوَصِيَّ وَكَانَ الْإِمَامَ، فَكَيْفَ وَرِثْتُمْ وِلَايَتَهُ، وَوَلَدُهُ أَحْيَاءٌ ؟ ثُمَّ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُبِ الْأَمْرَ أَحَدٌ لَهُ مِثْلُ نَسَبِنَا وَشَرَفِنَا وَحَالِنَا وَشَرَفِ آبَائِنَا، لَسْنَا مِنْ أَبْنَاءِ اللُّعَنَاءِ وَلَا الطُّرَدَاءِ وَلَا الطُّلَقَاءِ، وَلَيْسَ يَمُتُّ أَحَدٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ بِمِثْلِ الَّذِي نَمُتُّ بِهِ مِنَ الْقُرَابَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالْفَضْلِ، وَإِنَّا بَنُو أُمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرٍو فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَبَنُو بِنْتِهِ فَاطِمَةَ فِي الْإِسْلَامِ دُونَكُمْ. إِنَّ اللَّهِ اخْتَارَنَا وَاخْتَارَ لَنَا، فَوَالِدُنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ أَفْضَلُهُمْ، وَمِنَ السَّلَفِ أَوَّلُهُمْ إِسْلَامًا عَلِيٌّ، وَمِنَ الْأَزْوَاجِ أَفْضَلُهُنَّ خَدِيجَةُ الطَّاهِرَةُ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى [ إِلَى ] الْقِبْلَةِ، وَمِنَ الْبَنَاتِ خَيْرُهُنَّ فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمِنَ الْمَوْلُودِينَ فِي الْإِسْلَامِ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ هَاشِمًا وَلَدَ عَلِيًّا مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَلَدَ حَسَنًا مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَدَنِي مَرَّتَيْنِ مِنْ قِبَلِ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ. وَإِنِّي أَوْسَطُ بَنِي هَاشِمٍ نَسَبًا وَأَصْرَحُهُمْ أَبًا، لَمْ تُعَرِّقْ فِيَّ الْعَجَمُ، وَلَمْ تُنَازِعْ فِيَّ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، فَمَا زَالَ اللَّهُ يَخْتَارُ لِي الْآبَاءَ، وَالْأُمَّهَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ حَتَّى اخْتَارَ لِي فِي الْأَشْرَارِ، ( فَأَنَا ابْنُ أَرْفَعِ النَّاسِ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، وَأَهْوَنِهِمْ عَذَابًا فِي النَّارِ )، وَلَكَ اللَّهُ عَلَيَّ إِنْ دَخَلْتَ فِي طَاعَتِي وَأَجَبْتَ دَعْوَتِي أَنْ أُؤَمِّنَكَ عَلَى نَفْسِكَ وَمَالِكَ وَعَلَى كُلِّ أَمْرٍ أَحْدَثْتَهُ إِلَّا حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَوْ حَقًّا لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهِدٍ، فَقَدْ عَلِمْتَ مَا يَلْزَمُنِي مِنْ ذَلِكَ. وَأَنَا أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْكَ وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ، لِأَنَّكَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ الْأَمَانِ وَالْعَهْدِ مَا أَعْطَيْتَهُ رِجَالًا قَبْلِي، فَأَيُّ الْأَمَانَاتِ تُعْطِينِي ؟ أَمَانُ ابْنِ هُبَيْرَةَ، أَمْ أَمَانُ عَمِّكَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، أَمْ أَمَانُ أَبِي مُسْلِمٍ ؟ فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُهُ عَلَى الْمَنْصُورِ قَالَ لَهُ أَبُو أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيُّ: دَعْنِي أُجِبْهُ عَلَيْهِ. قَالَ: لَا إِذَا تَقَارَعْنَا عَلَى الْأَحْسَابِ، فَدَعْنِي وَإِيَّاهُ. ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كَلَامُكَ وَقَرَأْتُ كِتَابَكَ، فَإِذَا جُلُّ فَخْرِكَ بِقَرَابَةِ النِّسَاءِ لِتُضِلَّ بِهِ الْجُفَاةَ وَالْغَوْغَاءَ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ النِّسَاءَ كَالْعُمُومَةِ وَالْآبَاءِ، وَلَا كَالْعَصَبَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْعَمَّ أَبًا، وَبَدَأَ بِهِ فِي كِتَابِهِ عَلَى الْوَالِدَةِ الدُّنْيَا، وَلَوْ كَانَ اخْتِيَارُ اللَّهِ لَهُنَّ عَلَى قَدْرِ قَرَابَتِهِنَّ كَانَتْ آمِنَةُ أَقْرَبَهُنَّ رَحِمًا، وَأَعْظَمَهُنَّ حَقًّا، وَأَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، [ غَدًا ] وَلَكِنَّ اخْتِيَارَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ عَلَى عِلْمِهِ فِيمَا مَضَى مِنْهُمْ وَاصْطِفَائِهِ لَهُمْ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ فَاطِمَةَ أُمِّ أَبِي طَالِبٍ وَوِلَادَتِهَا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْزُقْ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهَا الْإِسْلَامَ لَا بِنْتًا وَلَا ابْنًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رُزِقَ الْإِسْلَامَ بِالْقَرَابَةِ رُزِقَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَلَكَانَ أَوْلَاهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ لِلَّهِ يَخْتَارُ لِدِينِهِ مَنْ يَشَاءُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ). وَلَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَلَهُ عُمُومَةٌ أَرْبَعَةٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) فَأَنْذَرَهُمْ وَدَعَاهُمْ، فَأَجَابَ اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا أَبِي، وَأَبَى اثْنَانِ، أَحَدُهُمَا أَبُوكَ، فَقَطَعَ اللَّهُ وِلَايَتَهُمَا مِنْهُ وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَلَا مِيرَاثًا. وَزَعَمْتَ أَنَّكَ ابْنُ أَخَفِّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا وَابْنُ خَيْرِ الْأَشْرَارِ، وَلَيْسَ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ صَغِيرٌ، وَلَا فِي عَذَابِ اللَّهِ خَفِيفٌ وَلَا يَسِيرٌ، وَلَيْسَ فِي الشَّرِّ خِيَارٌ، وَلَا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ أَنْ يَفْخَرَ بِالنَّارِ، وَسَتَرِدُ فَتَعْلَمُ ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ) الْآيَةَ. وَأَمَّا أَمْرُ حَسَنٍ وَأَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وَلَدَهُ مَرَّتَيْنِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَلَدَكَ مَرَّتَيْنِ، فَخَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَلِدْهُ هَاشِمٌ إِلَّا مَرَّةً، وَلَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَّا مَرَّةً. وَزَعَمْتَ أَنَّكَ أَوْسَطُ بَنِي هَاشِمٍ وَأَصْرَحُهُمْ أُمًّا وَأَبًا، وَأَنَّهُ لَمْ يَلِدْكَ الْعَجَمُ وَلَمْ تُعَرِّقْ فِيكَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، فَقَدْ رَأَيْتُكَ فَخَرْتَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ طُرًّا، فَانْظُرْ، وَيْحَكَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنَ اللَّهِ غَدًا ! فَإِنَّكَ قَدْ تَعَدَّيْتَ طَوْرَكَ وَفَخَرْتَ عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ نَفْسًا وَأَبًا وَأَوْلَادًا وَأَخًا إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمَا خِيَارُ بَنِي أَبِيكَ خَاصَّةً وَأَهْلُ الْفَضْلِ مِنْهُمْ إِلَّا بَنُو أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، مَا وُلِدَ فِيكُمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ لِأُمِّ وَلَدٍ، وَلَهُوَ خَيْرٌ مِنْ جَدِّكَ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، وَمَا كَانَ فِيكُمْ بَعْدَهُ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَدَّتُهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَلَهُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ، وَلَا مِثْلُ ابْنِهِ جَعْفَرٍ وَجَدَّتُهُ أُمُّ وَلَدٍ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. وَأَمَّا قَوْلُكَ إِنَّكُمْ بَنُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ) وَلَكِنَّكُمْ بَنُو بِنْتِهِ، وَإِنَّهَا لَقَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ، وَلَكِنَّهَا لَا يَجُوزُ لَهَا الْمِيرَاثُ، وَلَا تَرِثُ الْوِلَايَةَ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا الْإِمَامَةُ، فَكَيْفَ تُورَثُ بِهَا ؟ وَلَقَدْ طَلَبَهَا أَبُوكَ بِكُلِّ وَجْهٍ فَأَخْرَجَ فَاطِمَةَ نَهَارًا، وَمَرَّضَهَا سِرًّا، وَدَفَنَهَا لَيْلًا، فَأَبَى النَّاسُ إِلَّا الشَّيْخَيْنِ، وَلَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ الَّتِي لَا اخْتِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْجَدَّ أَبَا الْأُمِّ وَالْخَالَ وَالْخَالَةَ لَا يُورَثُونَ. وَأَمَّا مَا فَخَرْتَ بِهِ مِنْ عَلِيٍّ وَسَابِقَتِهِ، فَقَدْ حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْوَفَاةُ فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ أَخَذَ النَّاسُ رَجُلًا بَعْدَ رَجُلٍ فَلَمْ يَأْخُذُوهُ، وَكَانَ فِي السِّتَّةِ فَتَرَكُوهُ كُلُّهُمْ دَفْعًا لَهُ عَنْهَا، وَلَمْ يَرَوْا لَهُ حَقًّا فِيهَا. وَأَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَدَّمَ عَلَيْهِ عُثْمَانَ وَهُوَ لَهُ مُتَّهِمٌ، وَقَاتَلَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، وَأَبَى سَعْدٌ بَيْعَتَهُ فَأَغْلَقَ بَابَهُ دُونَهُ، ثُمَّ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَهُ، ثُمَّ طَلَبَهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَقَاتَلَ عَلَيْهَا وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَشَكَّ فِيهِ شِيعَتُهُ قَبْلَ الْحُكُومَةِ، ثُمَّ حَكَّمَ حَكَمَيْنِ رَضِيَ بِهِمَا، وَأَعْطَاهُمَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، فَاجْتَمَعَا عَلَى خَلْعِهِ، ثُمَّ كَانَ حَسَنٌ فَبَاعَهَا مِنْ مُعَاوِيَةَ بِخِرَقٍ وَدَرَاهِمَ، وَلَحِقَ بِالْحِجَازِ، وَأَسْلَمَ شِيعَتَهُ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ، وَدَفَعَ الْأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، وَأَخَذَ مَالًا مِنْ غَيْرِ وَلَائِهِ وَلَا حِلِّهِ، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فِيهَا شَيْءٌ فَقَدْ بِعْتُمُوهُ وَأَخَذْتُمْ ثَمَنَهُ. ثُمَّ خَرَجَ عَمُّكَ حُسَيْنٌ عَلَى ابْنِ مَرْجَانَةَ، فَكَانَ النَّاسُ مَعَهُ عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَتَوْا بِرَأْسِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجْتُمْ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَقَتَلُوكُمْ وَصَلَبُوكُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَأَحْرَقُوكُمْ بِالنِّيرَانِ، وَنَفَوْكُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ، حَتَّى قُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ بِخُرَاسَانَ، وَقَتَلُوا رِجَالَكُمْ، وَأَسَرُوا الصِّبْيَةَ وَالنِّسَاءَ وَحَمَلُوهُمْ بِلَا وِطَاءٍ فِي الْمَحَامِلِ كَالسَّبْيِ الْمَجْلُوبِ إِلَى الشَّامِ. حَتَّى خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ فَطَلَبْنَا بِثَأْرِكُمْ، وَأَدْرَكْنَا بِدِمَائِكُمْ، وَأَوْرَثْنَاكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ، وَسَنَّيْنَا سَلَفَكُمْ وَفَضَّلْنَاهُ، فَاتَّخَذْتَ ذَلِكَ عَلَيْنَا حُجَّةً، وَظَنَنْتَ أَنَّا إِنَّمَا ذَكَرْنَا أَبَاكَ لِلتَّقْدِمَةِ مِنَّا لَهُ عَلَى حَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ وَجَعْفَرٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا ظَنَنْتَ، وَلَكِنْ خَرَجَ هَؤُلَاءِ مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ مُتَسَلَّمًا مِنْهُمْ، مُجْتَمَعًا عَلَيْهِمْ بِالْفَضْلِ، وَابْتُلِيَ أَبُوكَ بِالْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، وَكَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تَلْعَنُهُ كَمَا تَلْعَنُ الْكَفَرَةَ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَاحْتَجَجْنَا [ لَهُ ] وَذَكَّرْنَاهُمْ فَضْلَهُ وَعَنَّفْنَاهُمْ وَظَلَمْنَاهُمْ بِمَا نَالُوا مِنْهُ. فَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَكْرُمَتَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِقَايَةُ الْحَاجِّ الْأَعْظَمِ، وَوِلَايَةُ زَمْزَمَ، فَصَارَتْ لِلْعَبَّاسِ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ، فَنَازَعَنَا فِيهَا أَبُوكَ فَقَضَى لَنَا عَلَيْهِ عُمَرُ، فَلَمْ نَزَلْ نَلِيهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَلَقَدْ قَحَطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَتَوَسَّلْ عُمَرُ إِلَى رَبِّهِ وَلَمْ يَتَقَرَّبْ إِلَيْهِ إِلَّا بِأَبِينَا حَتَّى نَعَشَهُمُ اللَّهُ، وَسَقَاهُمُ الْغَيْثَ وَأَبُوكَ حَاضِرٌ لَمْ يُتَوَسَّلْ بِهِ، وَلَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُهُ فَكَانَتْ وِرَاثَةٌ مِنْ عُمُومَتِهِ، ثُمَّ طَلَبَ هَذَا الْأَمْرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَلَمْ يَنَلْهُ إِلَّا وَلَدُهُ، فَالسِّقَايَةُ سِقَايَتُهُ، وَمِيرَاثُ النَّبِيِّ لَهُ، وَالْخِلَافَةُ فِي وَلَدِهِ، فَلَمْ يَبْقَ شَرَفٌ وَلَا فَضْلٌ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا وَالْعَبَّاسُ وَارِثُهُ مُوَرِّثُهُ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ بَدْرٍ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ جَاءَ وَالْعَبَّاسُ يُمَوِّنُ أَبَا طَالِبٍ وَعِيَالَهُ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمْ لِلْأَزْمَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ، وَلَوْلَا أَنَّ الْعَبَّاسَ أُخْرِجَ إِلَى بَدْرٍ كَارِهًا لَمَاتَ طَالِبٌ وَعَقِيلٌ جُوعًا، وَلَلَحَسَا جِفَانَ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُطْعِمِينَ فَأَذْهَبَ عَنْكُمُ الْعَارَ وَالسُّبَّةَ وَكَفَاكُمُ النَّفَقَةَ وَالْمَئُونَةَ، ثُمَّ فَدَى عَقِيلًا يَوْمَ بَدْرٍ، فَكَيْفَ تَفْخَرُ عَلَيْنَا وَقَدْ عُلْنَاكُمْ فِي الْكُفْرِ وَفَدَيْنَاكُمْ [ مِنَ الْأَسْرِ ] وَحُزْنَا عَلَيْكُمْ مَكَارِمَ الْآبَاءِ، وَوَرِثْنَا دُونَكُمْ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَطَلَبْنَا بِثَأْرِكُمْ فَأَدْرَكْنَا مِنْهُ مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ، وَلَمْ تُدْرِكُوا لِأَنْفُسِكُمْ ! وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدِ اسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى مَكَّةَ، وَالْقَاسِمَ بْنَ إِسْحَاقَ عَلَى الْيَمَنِ، وَمُوسَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الشَّامِ، فَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْقَاسِمُ فَسَارَا إِلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَامِلُ الْمَنْصُورِ عَلَى مَكَّةَ فَلَقِيَهُمَا بِبَطْنِ أَذَاخِرَ فَهَزَمَاهُ. وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ مَكَّةَ وَأَقَامَ بِهَا يَسِيرًا، فَأَتَاهُ كِتَابُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ وَيُخْبِرُهُ بِمَسِيرِ عِيسَى بْنِ مُوسَى إِلَيْهِ لِيُحَارِبَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْ مَكَّةَ هُوَ وَالْقَاسِمُ، فَبَلَغَهُ بِنَوَاحِي قُدَيْدٍ قَتْلُ مُحَمَّدٍ، فَهَرَبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَتَفَرَّقُوا. فَلَحِقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بِإِبْرَاهِيمَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ، وَاخْتَفَى الْقَاسِمُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى أَخَذَتْ لَهُ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ - امْرَأَةُ عِيسَى - الْأَمَانَ لَهُ وَلِإِخْوَتِهِ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ. وَأَمَّا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَسَارَ نَحْوَ الشَّامِ وَمَعَهُ رِزَامٌ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ، فَانْسَلَّ مِنْهُ رِزَامٌ وَسَارَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِرِسَالَةٍ مِنْ مَوْلَاهُ مُحَمَّدٍ الْقَسْرِيِّ، فَظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، فَحَبَسَ مُحَمَّدًا الْقَسْرِيَّ، وَوَصَلَ مُوسَى إِلَى الشَّامِ فَرَأَى مِنْهُمْ سُوءَ رَدٍّ عَلَيْهِ وَغِلْظَةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَقِيتُ الشَّامَ وَأَهْلَهُ، فَكَانَ أَحْسَنَهُمْ قَوْلًا الَّذِي قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ مَلِلْنَا الْبَلَاءَ وَضِقْنَا حَتَّى مَا فِينَا لِهَذَا الْأَمْرِ مَوْضِعٌ وَلَا بِنَا بِهِ حَاجَةٌ، وَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ تَحْلِفُ لَئِنْ أَصْبَحْنَا مِنْ لَيْلَتِنَا وَأَمْسَيْنَا مِنْ غَدٍ لَيُرْفَعَنَّ أَمْرُنَا، فَكَتَبْتُ إِلَيْكَ وَقَدْ غَيَّبْتُ وَجْهِي، وَخِفْتُ عَلَى نَفْسِي. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: أَتَى الْبَصْرَةَ وَأَرْسَلَ صَاحِبًا لَهُ يَشْتَرِي لَهُ طَعَامًا، فَاشْتَرَاهُ وَجَاءَ بِهِ عَلَى حَمَّالٍ أَسْوَدَ فَأَدْخَلَهُ الدَّارَ الَّتِي سَكَنَهَا وَخَرَجَ، فَلَمْ يَكُنْ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ كُبِسَتِ الدَّارُ وَأُخِذَ مُوسَى وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَغُلَامُهُ، فَأُخِذُوا وَحُمِلُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَلَمَّا رَأَى مُوسَى قَالَ: لَا قَرَّبَ اللَّهُ قَرَابَتَكُمْ، وَلَا حَيَّا وُجُوهَكُمْ ! تَرَكْتَ الْبِلَادَ كُلَّهَا إِلَّا بَلَدًا أَنَا فِيهِ، فَإِنْ وَصَلْتُ أَرْحَامَكُمْ أَغْضَبْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنْ أَطَعْتُهُ قَطَعْتُ أَرْحَامَكُمْ. ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَأَمَرَ فَضُرِبَ مُوسَى وَابْنُهُ كُلُّ وَاحِدٍ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، فَلَمْ يَتَأَوَّهُوا. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَعْذَرْتُ أَهْلَ الْبَاطِلِ فِي صَبْرِهِمْ، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ مُوسَى: أَهْلُ الْحَقِّ أَوْلَى بِالصَّبْرِ. ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ وَأَمَرَ بِهِمْ فَسُجِنُوا. ( خُبَيْبُ بْنُ ثَابِتٍ: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَبِبَائَيْنِ مُوَحَّدَتَيْنِ وَبَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا ).
التاريخ 2794لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَسِيرِ عِيسَى بْنِ مُوسَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَقَتْلِهِ ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَحْضَرَ ابْنَ أَخِيهِ عِيسَى بْنَ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: شَاوِرْ عُمُومَتَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قَالَ: فَأَيْنَ قَوْلُ ابْنِ هَرْمَةَ: تَرَوْنَ أَمْرَأً لَا يُمْحِضُ الْقَوْمَ سِرَّهُ وَلَا يَنْتَجِي الْأُذْنَيْنِ عَمَّا يُحَاوِلُ إِذَا مَا أَتَى شَيْئًا مَضَى كَالَّذِي أَتَى وَإِنْ قَالَ إِنِّي فَاعِلٌ فَهْوَ فَاعِلُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: امْضِ أَيُّهَا الرَّجُلُ، فَوَاللَّهِ مَا يُرَادُ غَيْرِي وَغَيْرُكَ، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَشْخَصَ أَنْتَ أَوْ أَشْخَصَ أَنَا. فَسَارَ وَسَيَّرَ مَعَهُ الْجُنُودَ. وَقَالَ الْمَنْصُورُ لَمَّا سَارَ عِيسَى: لَا أُبَالِي أَيُّهُمَا قَتَلَ صَاحِبَهُ. وَبَعَثَ مَعَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ، وَكَثِيرَ بْنَ حُصَيْنٍ الْعَبْدِيَّ، وَابْنَ قَحْطَبَةَ، وَهَزَارَ مَرَدَ وَغَيْرَهُمْ، وَقَالَ لَهُ حِينَ وَدَّعَهُ: يَا عِيسَى إِنِّي أَبْعَثُكَ إِلَى مَا بَيْنَ هَذَيْنِ، وَأَشَارَ إِلَى جَنْبَيْهِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ بِالرَّجُلِ فَأَغْمِدْ سَيْفَكَ، وَابْذُلِ الْأَمَانَ، وَإِنْ تَغَيَّبَ فَضَمِّنْهُمْ إِيَّاهُ فَإِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ مَذَاهِبَهُ، وَمَنْ لَقِيَكَ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِاسْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَلْقَكَ فَاقْبِضْ مَالَهُ. وَكَانَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ تَغَيَّبَ عَنْهُ فَقَبَضَ مَالَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَنْصُورُ الْمَدِينَةَ قَالَ لَهُ جَعْفَرٌ فِي مَعْنَى مَالِهِ، فَقَالَ: قَبَضَهُ مَهْدِيُّكُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ عِيسَى إِلَى فَيْدَ كَتَبَ إِلَى النَّاسِ فِي خِرَقِ حَرِيرٍ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُطَّلِبِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِيمَنْ أَطَاعَهُ، فَخَرَجَ هُوَ، وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو عَقِيلٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأَبُو عِيسَى. وَلَمَّا بَلَغَ مُحَمَّدًا قُرْبُ عِيسَى مِنَ الْمَدِينَةِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ أَوِ الْمُقَامِ بِهَا، فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِالْمُقَامِ بِهَا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " رَأَيْتُنِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ "، فَأَقَامَ. ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فِي حَفْرِ خَنْدَقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ جَابِرُ بْنُ أَنَسٍ، رَئِيسُ سُلَيْمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ أَخْوَالُكَ وَجِيرَانُكَ، وَفِينَا السِّلَاحُ وَالْكُرَاعُ، فَلَا تُخَنْدِقِ الْخَنْدَقَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَنْدَقَ خَنْدَقَهُ لِمَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَإِنْ خَنْدَقْتَهُ لَمْ يَحْسُنِ الْقِتَالُ رَجَّالَةً، وَلَمْ تُوَجَّهْ لَنَا الْخَيْلُ بَيْنَ الْأَزِقَّةِ، وَإِنَّ الَّذِينَ تُخَنْدِقُ دُونَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَحُولُ الْخَنْدَقُ دُونَهُمْ. فَقَالَ أَحَدُ بَنِي شُجَاعٍ: خَنْدِقْ، خَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاقْتَدِ بِهِ، وَتُرِيدُ أَنْتَ أَنْ تَدَعَ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِرَأْيِكَ ! قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا ابْنَ شُجَاعٍ مَا شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ مِنْ لِقَائِهِمْ، وَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ مُنَاجَزَتِهِمْ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنَّمَا اتَّبَعْنَا فِي الْخَنْدَقِ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَرُدَّنِي أَحَدٌ عَنْهُ فَلَسْتُ بِتَارِكِهِ. وَأَمَرَ بِهِ فَحُفِرَ، وَبَدَأَ هُوَ فَحَفَرَ بِنَفْسِهِ الْخَنْدَقَ الَّذِي حَفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَحْزَابِ. وَسَارَ عِيسَى حَتَّى نَزَلَ الْأَعْوَصَ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ جَمَعَ النَّاسَ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ، وَحَصَرَهُمْ فَلَا يَخْرُجُونَ. وَخَطَبَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ قَدْ نَزَلَ الْأَعْوَصَ، وَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِهَذَا الْأَمْرِ لَأَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَلَا وَإِنَّا قَدْ جَمَعْنَاكُمْ وَأَخَذْنَا عَلَيْكُمُ الْمِيثَاقَ، وَعَدُوُّكُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَالنَّصْرُ مِنَ اللَّهِ وَالْأَمْرُ بِيَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي أَنْ آذَنَ لَكُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُقِيمَ أَقَامَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَظْعَنَ ظَعَنَ. فَخَرَجَ عَالَمٌ كَثِيرٌ، وَخَرَجَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِذَرَارِيِّهِمْ وَأَهْلِيهِمْ إِلَى الْأَعْرَاضِ وَالْجِبَالِ، وَبَقِيَ مُحَمَّدٌ فِي شِرْذِمَةٍ يَسِيرَةٍ، فَأَمَرَ أَبَا الْقَلَمَّسِ بِرَدِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَعْجَزَهُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَتَرَكَهُمْ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَرْسَلَ ابْنَ الْأَصَمِّ مَعَ عِيسَى يُنْزِلُهُ الْمَنَازِلَ، فَلَمَّا قَدِمُوا نَزَلُوا عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَصَمِّ: إِنَّ الْخَيْلَ لَا عَمَلَ لَهَا مَعَ الرَّجَّالَةِ، وَإِنِّي أَخَافُ إِنْ كَشَفُوكُمْ كَشْفَةً أَنْ يَدْخُلُوا عَسْكَرَكُمْ. فَتَأَخَّرُوا إِلَى سِقَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْجُرْفِ، وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ: لَا يُهَرْوِلُ الرَّاجِلُ أَكْثَرَ مِنْ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ حَتَّى تَأْخُذَهُ الْخَيْلُ. وَأَرْسَلَ عِيسَى خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ إِلَى بَطْحَاءِ أَزْهَرَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَقَامُوا بِهَا، وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَنْهَزِمَ مُحَمَّدٌ فَيَأْتِيَ مَكَّةَ فَيَرُدَّهُ هَؤُلَاءِ، فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى قُتِلَ. وَأَرْسَلَ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ آمَنَهُ وَأَهْلَهُ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ: يَا هَذَا إِنَّ لَكَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرَابَةً قَرِيبَةً، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، وَأُحَذِّرُكَ نِقْمَتَهُ وَعَذَابَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَلَيْهِ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَقْتُلَكَ مَنْ يَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ فَتَكُونَ شَرَّ قَتِيلٍ، أَوْ تَقْتُلَهُ فَيَكُونَ أَعْظَمَ لِوِزْرِكَ. فَلَمَّا بَلَغَتْهُ الرِّسَالَةُ قَالَ عِيسَى: لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إِلَّا الْقِتَالُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لِلرَّسُولِ: عَلَامَ تَقْتُلُونَنِي وَإِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ فَرَّ مِنْ أَنْ يُقْتَلَ ؟ قَالَ: الْقَوْمُ يَدْعُونَكَ إِلَى الْأَمَانِ، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا قِتَالَهُمْ قَاتَلُوكَ عَلَى مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ خَيْرُ آبَائِكَ [ عَلِيٌّ ] طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ عَلَى نَكْثِ بَيْعَتِهِمْ وَكَيْدِ مُلْكِهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَنْصُورُ قَوْلَهُ قَالَ: مَا سَرَّنِي أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ. وَنَزَلَ عِيسَى بِالْجُرْفِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَأَقَامَ السَّبْتَ وَالْأَحَدَ وَغَدَا يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَوَقَفَ عَلَى سَلْعٍ فَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَنْ فِيهَا فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دِمَاءَ بَعْضِنَا عَلَى بَعْضٍ، فَهَلُمُّوا إِلَى الْأَمَانِ ! فَمَنْ قَامَ تَحْتَ رَايَتِنَا فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَهُوَ آمِنٌ، خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَاحِبِنَا، فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا لَهُ ! فَشَتَمُوهُ. وَانْصَرَفَ مِنْ يَوْمِهِ وَعَادَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ فَرَّقَ الْقُوَّادَ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِ الْمَدِينَةِ، وَأَخْلَى نَاحِيَةَ مَسْجِدِ أَبِي الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَلَى بُطْحَانَ، فَإِنَّهُ أَخْلَى تِلْكَ النَّاحِيَةَ لِخُرُوجِ مَنْ يَنْهَزِمُ. وَبَرَزَ مُحَمَّدٌ فِي أَصْحَابِهِ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ شِعَارُهُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. فَبَرَزَ أَبُو الْقَلَمَّسِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ أَخُو أَسَدٍ وَاقْتَتَلُوا طَوِيلًا، فَقَتَلَهُ أَبُو الْقَلَمَّسِ، وَبَرَزَ إِلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ حِينَ ضَرَبَهُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْفَارُوقِ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى: قَتَلْتَ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ فَارُوقٍ. وَقَاتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا عَظِيمًا، فَقَتَلَ بِيَدِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَأَمَرَ عِيسَى حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ، فَتَقَدَّمَ فِي مِائَةٍ كُلُّهُمْ رَاجِلٌ سِوَاهُ، فَزَحَفُوا حَتَّى بَلَغُوا جِدَارًا دُونَ الْخَنْدَقِ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَهَدَمَ حُمَيْدٌ الْحَائِطَ وَانْتَهَى إِلَى الْخَنْدَقِ وَنَصَبَ عَلَيْهِ أَبْوَابًا وَعَبَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهَا فَجَازُوا الْخَنْدَقَ وَقَاتَلُوا مِنْ وَرَائِهِ أَشَدَّ قِتَالٍ مِنْ بُكْرَةٍ إِلَى الْعَصْرِ. وَأَمَرَ عِيسَى أَصْحَابَهُ فَأَلْقَوُا الْحَقَائِبَ وَغَيْرَهَا فِي الْخَنْدَقِ وَجَعَلَ الْأَبْوَابَ عَلَيْهَا وَجَازَتِ الْخَيْلُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْصَرَفَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ الظُّهْرِ فَاغْتَسَلَ وَتَحَنَّطَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! وَاللَّهِ مَا لَكَ بِمَا تَرَى طَاقَةٌ ! فَلَوْ أَتَيْتَ الْحَسَنَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ فَإِنَّ مَعَهُ جُلَّ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ: لَوْ خَرَجْتُ لَقُتِلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ حَتَّى أَقْتُلَ أَوْ أُقْتَلَ، وَأَنْتَ مِنِّي فِي سَعَةٍ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ. فَمَشَى مَعَهُ قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ جُلُّ أَصْحَابِهِ حَتَّى بَقِيَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ يَزِيدُونَ قَلِيلًا، فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: نَحْنُ الْيَوْمَ بِعِدَّةِ أَهْلِ بَدْرٍ. وَصَلَّى مُحَمَّدٌ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَكَانَ مَعَهُ عِيسَى بْنُ خُضَيْرٍ وَهُوَ يُنَاشِدُهُ إِلَّا ذَهَبْتَ إِلَى الْبَصْرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا تُبْتَلَوْنَ بِي مَرَّتَيْنِ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ ابْنُ خُضَيْرٍ: وَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْكَ ؟ ثُمَّ مَضَى فَأَحْرَقَ الدِّيوَانَ الَّذِي فِيهِ أَسْمَاءُ مَنْ بَايَعَهُ، وَقَتَلَ رِيَاحَ بْنَ عُثْمَانَ، وَأَخَاهُ عَبَّاسَ بْنَ عُثْمَانَ، وَقَتَلَ ابْنَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ، وَمَضَى إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَسْرِيِّ وَهُوَ مَحْبُوسٌ لِيَقْتُلَهُ، فَعَلِمَ بِهِ فَرَدَمَ الْأَبْوَابَ دُونَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ [ حَتَّى قُتِلَ ]. وَتَقَدَّمَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ وَتَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا صَارَ يَنْظُرُ مَسِيلَ سَلْعٍ عَرْقَبَ فَرَسُهُ، وَعَرْقَبَ بَنُو شُجَاعٍ الْخَمِيسِيُّونَ دَوَابَّهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدٌ: قَدْ بَايَعْتُمُونِي وَلَسْتُ بَارِحًا حَتَّى أُقْتَلَ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ. وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَهَزَمُوا أَصْحَابَ عِيسَى مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ جَعْفَرٍ: وَيْلُ أُمِّهِ فَتْحًا لَوْ كَانَ لَهُ رِجَالٌ ! فَصَعِدَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ وَانْحَدَرُوا مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِخِمَارٍ أَسْوَدَ، فَرُفِعَ عَلَى مَنَارَةِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ: دُخِلَتِ الْمَدِينَةُ، فَهَرَبُوا، فَقَالَ يَزِيدُ: لِكُلِّ قَوْمٍ جَبَلٌ يَعْصِمُهُمْ، وَلَنَا جَبَلٌ لَا نُؤْتَى إِلَّا مِنْهُ، يَعْنِي سَلْعًا. وَفَتَحَ بَنُو أَبِي عَمْرٍو الْغِفَارِيُّونَ طَرِيقًا فِي بَنِي غِفَارٍ لِأَصْحَابِ عِيسَى وَدَخَلُوا مِنْهُ أَيْضًا، وَجَاءُوا مِنْ وَرَاءِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَنَادَى مُحَمَّدٌ حُمَيْدَ بْنَ قَحْطَبَةَ: ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ حُمَيْدٌ: قَدْ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ الشَّرِيفُ ابْنُ الشَّرِيفِ الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ، لَا وَاللَّهِ لَا أَبْرُزُ إِلَيْكَ وَبَيْنَ يَدَيَّ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَغْمَارِ أَحَدٌ، فَإِذَا فَرَغْتُ مِنْهُمْ فَسَأَبْرُزُ إِلَيْكَ. وَجَعَلَ حُمَيْدٌ يَدْعُو ابْنَ خُضَيْرٍ إِلَى الْأَمَانِ وَيَشِحُّ بِهِ عَلَى الْمَوْتِ، وَابْنُ خُضَيْرٍ يَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ رَاجِلًا لَا يُصْغِي إِلَى أَمَانِهِ، وَهُوَ يَأْخُذُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى عَلَى أَلْيَتِهِ فَحَلَّهَا، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَشَدَّهَا بِثَوْبٍ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقِتَالِ، فَضَرَبَهُ إِنْسَانٌ عَلَى عَيْنِهِ فَغَاصَ السَّيْفُ وَسَقَطَ، فَابْتَدَرُوهُ فَقَتَلُوهُ وَاحْتَزُّوا رَأْسَهُ، وَكَأَنَّهُ بِاذِنْجَانَةٌ مُفَلَّقَةٌ مِنْ كَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِيهِ. فَلَمَّا قُتِلَ تَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ فَقَاتَلَ عَلَى جِيفَتِهِ، فَجَعَلَ يَهُذُّ النَّاسَ هَذًّا، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِقِتَالِ حَمْزَةَ. وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى ضَرَبَهُ رَجُلٌ دُونَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ الْيُمْنَى فَبَرَكَ لِرُكْبَتِهِ وَجَعَلَ يَذُبُّ عَنْ نَفْسِهِ وَيَقُولُ: وَيْحَكُمُ ابْنُ نَبِيِّكُمْ مُجَرَّحٌ مَظْلُومٌ ! فَطَعَنَهُ ابْنُ قَحْطَبَةَ فِي صَدْرِهِ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَيْهِ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَتَى بِهِ عِيسَى، وَهُوَ لَا يُعْرَفُ مِنْ كَثْرَةِ الدِّمَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى اتَّهَمَ ابْنَ قَحْطَبَةَ، وَكَانَ فِي الْخَيْلِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَاكَ تُبَالِغُ. فَقَالَ لَهُ: أَتَتَّهِمُنِي ؟ فَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ مُحَمَّدًا حِينَ أَرَاهُ بِالسَّيْفِ أَوْ أُقْتَلُ دُونَهُ. قَالَ: فَمَرَّ بِهِ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَضَرَبَهُ وَهُوَ مَقْتُولٌ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ. وَقِيلَ: بَلْ رُمِيَ بِسَهْمٍ وَهُوَ يُقَاتِلُ فَوَقَفَ إِلَى جِدَارٍ فَتَحَامَاهُ النَّاسُ، فَلَمَّا وَجَدَ الْمَوْتَ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَكَسَرَهُ، وَهُوَ ذُو الْفَقَارِ سَيْفُ عَلِيٍّ. وَقِيلَ: بَلْ أَعْطَاهُ رَجُلًا مِنَ التُّجَّارِ كَانَ مَعَهُ وَلَهُ عَلَيْهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ وَقَالَ: خُذْهُ فَإِنَّكَ لَا تَلْقَى أَحَدًا مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ إِلَّا أَخَذَهُ، وَأَعْطَاكَ حَقَّكَ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدِينَةَ فَأُخْبِرَ بِهِ، فَأَخَذَ السَّيْفَ مِنْهُ وَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى أَخَذَهُ مِنْهُ الْمَهْدِيُّ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْهَادِي، فَجَرَّبَهُ عَلَى كَلْبٍ فَانْقَطَعَ السَّيْفُ. وَقِيلَ: بَلْ بَقِيَ إِلَى أَيَّامِ الرَّشِيدِ، وَكَانَ يَتَقَلَّدُهُ وَكَانَ بِهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ فَقَّارَةً. وَلَمَّا أُتِيَ عِيسَى بِرَأْسِ مُحَمَّدٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَقُولُونَ فِيهِ ؟ فَوَقَعُوا فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا لِهَذَا قَاتَلْنَاهُ، وَلَكِنَّهُ خَالَفَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَ لَصَوَّامًا قَوَّامًا ! فَسَكَتُوا. فَأَرْسَلَ عِيسَى الرَّأْسَ إِلَى الْمَنْصُورِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْكِرَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَبِالْبِشَارَةِ مَعَ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رُءُوسَ بَنِي شُجَاعٍ. فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ فَطِيفَ بِرَأْسِ مُحَمَّدٍ فِي الْكُوفَةِ، وَسَيَّرَهُ إِلَى الْآفَاقِ، وَلَمَّا رَأَى الْمَنْصُورُ رُءُوسَ بَنِي شُجَاعٍ قَالَ: هَكَذَا فَلْيَكُنِ النَّاسُ، طَلَبْتُ مُحَمَّدًا فَاشْتَمَلَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ ثُمَّ نَقَلُوهُ وَانْتَقَلُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَاتَلُوا مَعَهُ حَتَّى قُتِلُوا. وَكَانَ قَتْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى قَدْ هُزِمَ، فَقَالَ: كَلَّا، أَيْنَ لَعِبُ أَصْحَابِنَا وَصِبْيَانِنَا بِهَا عَلَى الْمَنَابِرِ، وَمَشُورَةُ النِّسَاءِ ؟ مَا أَنَى لِذَلِكَ بَعْدُ ! ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ مُحَمَّدًا هَرَبَ فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَفِرُّ. فَجَاءَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّءُوسُ. وَلَمَّا وَصَلَ رَأْسُ مُحَمَّدٍ إِلَى الْمَنْصُورِ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَأَى الرَّأْسَ عَظُمَ عَلَيْهِ فَتَجَلَّدَ خَوْفًا مِنَ الْمَنْصُورِ، ( وَقَالَ لِنَقِيبِ الْمَنْصُورِ: أَهُوَ ؟ قَالَ: هُوَ فِلْذُهُمْ، وَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَا الرَّكَانَةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فَعَلَ وَلَا قَالَ، وَإِلَّا فَأُمُّ مُوسَى طَالِقٌ )، وَكَانَتْ غَايَةَ أَيْمَانِهِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَهُ، وَكَانَتْ نَفْسُهُ أَكْرَمَ عَلَيْنَا مِنْ نَفْسِهِ، فَبَصَقَ بَعْضُ الْغِلْمَانِ فِي وَجْهِهِ، فَأَمَرَ الْمَنْصُورُ بِأَنْفِهِ فَكُسِرَ عُقُوبَةً لَهُ. وَلَمَّا وَرَدَ الْخَبَرُ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بِالْبَصْرَةِ كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَنَعَاهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَظْهَرَ الْجَزَعَ عَلَيْهِ، وَتَمَثَّلَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَابَا الْمَنَازِلِ يَا خَيْرَ الْفَوَارِسِ مَنْ يُفْجَعْ بِمِثْلِكَ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ فُجِعَا اللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَوْ خَشِيتُهُمُ وَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ خَوْفٍ لَهُمْ فَزَعَا لَمْ يَقْتُلُوهُ وَلَمْ أُسْلِمْ أَخِي أَبَدًا حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا أَوْ نَعِيشَ مَعَا . وَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ أَرْسَلَ عِيسَى أَلْوِيَةً فَنُصِبَتْ فِي مَوَاضِعَ بِالْمَدِينَةِ وَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ دَخَلَ تَحْتَ لِوَاءٍ مِنْهَا فَهُوَ آمِنٌ. وَأَخَذَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فَصَلَبَهُمْ مَا بَيْنَ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى دَارِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَفَّيْنِ، وَوَكَّلَ بِخَشَبَةِ ابْنِ خُضَيْرٍ مَنْ يَحْفَظُهَا، فَاحْتَمَلَهُ قَوْمٌ مِنَ اللَّيْلِ فَوَارَوْهُ سِرًّا وَبَقِيَ الْآخَرُونَ ثَلَاثًا، فَأَمَرَ بِهِمْ عِيسَى، فَأُلْقُوا عَلَى مَقَابِرِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أُلْقُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي خَنْدَقٍ فِي أَصْلِ ذِبَابٍ، فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ أُخْتُ مُحَمَّدٍ وَابْنَةُ فَاطِمَةَ إِلَى عِيسَى: إِنَّكُمْ قَدْ قَتَلْتُمُوهُ وَقَضَيْتُمْ حَاجَتَكُمْ مِنْهُ، فَلَوْ أَذِنْتُمْ لَنَا فِي دَفْنِهِ ؟ فَأَذِنَ لَهَا، فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَقَطَعَ الْمَنْصُورُ الْمِيرَةَ فِي الْبَحْرِ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَذِنَ فِيهَا الْمَهْدِيُّ.
التاريخ 2795لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَعْضِ الْمَشْهُورِينَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ وَكَانَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَخُوهُ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحُسَيْنٌ وَعَلِيٌّ ابْنَا زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورُ أَنَّ ابْنَيْ زَيْدٍ أَعَانَا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ قَالَ: عَجَبًا لَهُمَا قَدْ خَرَجَا عَلَيَّ وَقَدْ قَتَلْنَا قَاتِلَ أَبِيهِمَا كَمَا قَتَلَهُ، وَصَلَبْنَاهُ كَمَا صَلَبَهُ، وَأَحْرَقْنَاهُ كَمَا أَحْرَقَهُ !. وَكَانَ مَعَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلِيٌّ وَزَيْدٌ ابْنَا الْحَسَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ أَبُوهُمَا مَعَ الْمَنْصُورِ، وَالْحَسَنُ وَيَزِيدُ وَصَالِحٌ بَنُو مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْمُرَجَّى عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مَعَ الْمَنْصُورِ. وَمِنْ غَيْرِهِمْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، أُخِذَ أَسِيرًا فَأُتِيَ بِهِ الْمَنْصُورُ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْخَارِجُ عَلَيَّ ؟ قَالَ: لَمْ أَجِدْ إِلَّا ذَلِكَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ. وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ [ أَبِي ] سَبْرَةَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَبِي عَوْنٍ مَوْلَى الْأَزْدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى بَنِي سِبَاعٍ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَإِسْحَاقُ، وَرَبِيعَةُ. وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَطَاءٌ، وَيَعْقُوبُ، وَعُثْمَانُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ، وَعِيسَى بْنُ خُضَيْرٍ، ( وَعُثْمَانُ بْنُ خُضَيْرٍ )، وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، هَرَبَ بَعْدَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ فَأَتَى الْبَصْرَةَ، فَأُخِذَ مِنْهَا وَأُتِيَ بِهِ الْمَنْصُورُ. فَقَالَ لَهُ: هِيهِ يَا عُثْمَانُ ! أَنْتَ الْخَارِجُ عَلَيَّ مَعَ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ: بَايَعْتُهُ أَنَا وَأَنْتَ بِمَكَّةَ فَوَفَّيْتُ بِبَيْعَتِي، وَغَدَرْتَ بَيْعَتَكَ ! قَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ ! قَالَ: ذَاكَ مَنْ قَامَتْ عَنْهُ الْإِمَاءُ ! يَعْنِي الْمَنْصُورَ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَكَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأُخِذَ أَسِيرًا، فَأَطْلَقَهُ الْمَنْصُورُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُنْطُبَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَهِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ.
التاريخ 2796لا حكم مسجّل
ذِكْرُ ظُهُورِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَخِي مُحَمَّدٍ فِيهَا كَانَ ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَخُو مُحَمَّدٍ، الْمُقَدَّمِ ذِكْرُهُ، وَكَانَ قَبْلَ ظُهُورِهِ قَدْ طُلِبَ أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَحَكَتْ جَارِيَةٌ لَهُ أَنَّهُ لَمْ تُقِرَّهُمْ أَرْضٌ خَمْسَ سِنِينَ، مَرَّةً بِفَارِسَ، وَمَرَّةً بِكَرْمَانَ، وَمَرَّةً بِالْجَبَلِ، وَمَرَّةً بِالْحِجَازِ، وَمَرَّةً بِالْيَمَنِ، وَمَرَّةً بِالشَّامِ. ثُمَّ إِنَّهُ قَدِمَ الْمَوْصِلَ، وَقَدِمَهَا الْمَنْصُورُ فِي طَلَبِهِ، فَحَكَى إِبْرَاهِيمُ قَالَ: اضْطَرَّنِي الطَّلَبُ بِالْمَوْصِلِ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى مَائِدَةِ الْمَنْصُورِ ثُمَّ خَرَجْتُ وَقَدْ كَفَّ الطَّلَبُ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَسْكَرِ يَتَشَيَّعُونَ فَكَتَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَسْأَلُونَهُ الْقُدُومَ إِلَيْهِمْ لِيَثِبُوا بِالْمَنْصُورِ، فَقَدِمَ عَسْكَرُ أَبِي جَعْفَرٍ وَهُوَ بِبَغْدَادَ وَقَدْ خَطَّهَا. وَكَانَتْ لَهُ مِرْآةٌ يَنْظُرُ فِيهَا فَيَرَى عَدُوَّهُ مِنْ صَدِيقِهِ، فَنَظَرَ فِيهَا فَقَالَ: يَا مُسَيَّبُ قَدْ رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فِي عَسْكَرِي وَمَا فِي الْأَرْضِ أَعْدَى لِي مِنْهُ، فَانْظُرْ أَيَّ رَجُلٍ يَكُونُ. ثُمَّ إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمَرَ بِبِنَاءِ قَنْطَرَةِ الصَّرَاةِ الْعَتِيقَةِ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مَعَ النَّاسِ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنُ الْمَنْصُورِ، فَخَنَسَ إِبْرَاهِيمُ، وَذَهَبَ فِي النَّاسِ، فَأَتَى فَامِيًا فَلَجَأَ إِلَيْهِ، فَأَصْعَدَهُ غُرْفَةً لَهُ، وَجَدَّ الْمَنْصُورُ فِي طَلَبِهِ، وَوَضَعَ الرَّصَدَةَ بِكُلِّ مَكَانٍ، فَنَشِبَ إِبْرَاهِيمُ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ سُفْيَانُ بْنُ حَيَّانَ الْقُمِّيُّ: قَدْ نَزَلَ بِنَا مَا تَرَى وَلَا بُدَّ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. قَالَ: فَأَنْتَ وَذَاكَ. فَأَقْبَلَ سُفْيَانُ إِلَى الرَّبِيعِ، فَسَأَلَهُ الْإِذْنَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ شَتَمَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا أَهْلٌ لِمَا تَقُولُ، غَيْرَ أَنِّي أَتَيْتُكَ تَائِبًا وَلَكَ عِنْدِي كُلُّ مَا تُحِبُّ، وَأَنَا آتِيكَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ بَلَوْتُهُمْ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِمْ خَيْرًا، فَاكْتُبْ لِي جَوَازًا وَلِغُلَامٍ مَعِي يَحْمِلُنِي عَلَى الْبَرِيدِ وَوَجِّهْ مَعِي جُنْدًا. فَكَتَبَ لَهُ جَوَازًا وَدَفَعَ إِلَيْهِ جُنْدًا وَقَالَ: هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ فَاسْتَعِنْ بِهَا. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وَأَخَذَ مِنْهَا ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَأَقْبَلَ وَالْجُنْدُ مَعَهُ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ جُبَّةُ صُوفٍ وَقَبَاءٌ كَأَقْبِيَةِ الْغِلْمَانِ، فَصَاحَ بِهِ، فَوَثَبَ وَجَعَلَ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ، وَسَارَ عَلَى الْبَرِيدِ. وَقِيلَ: لَمْ يَرْكَبِ الْبَرِيدَ. وَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدَائِنَ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْقَنْطَرَةِ بِهَا، فَدَفَعَ جَوَازَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَازَهَا قَالَ لَهُ الْمُوَكَّلُ بِالْقَنْطَرَةِ: مَا هَذَا غُلَامٌ، وَإِنَّهُ لَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، اذْهَبْ رَاشِدًا، فَأَطْلَقَهُمَا، فَرَكِبَا سَفِينَةً حَتَّى قَدِمَا الْبَصْرَةَ، فَجَعَلَ يَأْتِي بِالْجُنْدِ الدَّارَ لَهَا بَابَانِ فَيُقْعِدُ الْبَعْضَ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدِ الْبَابَيْنِ وَيَقُولُ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى آتِيَكُمْ، فَيَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ وَيَتْرُكَهُمْ، حَتَّى فَرَّقَ الْجُنْدَ عَنْ نَفْسِهِ وَبَقِيَ وَحْدَهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ أَمِيرَ الْبَصْرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمْ، وَطَلَبَ الْقُمِّيَّ فَأَعْجَزَهُ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ قَدِمَ الْأَهْوَازَ قَبْلَ ذَلِكَ وَاخْتَفَى عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ خُبَيْبٍ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ يَطْلُبُهُ، فَقَالَ يَوْمًا: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ إِلَيَّ يُخْبِرُنِي أَنَّ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرُوهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ نَازِلٌ بِالْأَهْوَازِ فِي جَزِيرَةٍ بَيْنَ نَهْرَيْنِ، وَقَدْ طَلَبْتُهُ فِي الْجَزِيرَةِ وَلَيْسَ هُنَاكَ، وَقَدْ عَزَمْتُ أَنْ أَطْلُبَهُ غَدًا بِالْمَدِينَةِ، لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ بَيْنَ نَهْرَيْنِ بَيْنَ دُجَيْلٍ وَالْمَسْرُقَانِ. فَرَجَعَ الْحَسَنُ بْنُ خُبَيْبٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرَهُ وَأَخْرَجَهُ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَلَمْ يَطْلُبْهُ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ خَرَجَ الْحَسَنُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ فَأَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، وَهُمَا عَلَى حِمَارَيْنِ، وَقْتَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَلَقِيَهُ أَوَائِلُ خَيْلِ ابْنِ الْحُصَيْنِ، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ حِمَارِهِ كَأَنَّهُ يَبُولُ، فَسَأَلَ ابْنُ الْحُصَيْنِ الْحَسَنَ بْنَ خُبَيْبٍ عَنْ مَجِيئِهِ، فَقَالَ: مِنْ عِنْدِ بَعْضِ أَهْلِي. فَمَضَى وَتَرَكَهُ. وَرَجَعَ الْحَسَنُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَأَرْكَبَهُ وَأَدْخَلَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: وَاللَّهِ لَقَدْ بُلْتُ دَمًا. قَالَ: فَأَتَيْتُ الْمَوْضِعَ فَرَأَيْتُهُ قَدْ بَالَ دَمًا. ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَقِيلَ: قَدِمَهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بَعْدَ ظُهُورِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: قَدِمَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ الَّذِي أَقْدَمَهُ وَتَوَلَّى كَرَاهُ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، يَحْيَى بْنُ زِيَادِ بْنِ حَيَّانَ النَّبَطِيُّ، وَأَنْزَلَهُ فِي دَارِهِ فِي بَنِي لَيْثٍ. وَقِيلَ: نَزَلَ فِي دَارِ أَبِي فَرْوَةَ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَةِ أَخِيهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ مُرَّةَ الْعَبْشَمِيُّ، وَعَفْوُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ الْهُجَيْمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ الرَّقَاشِيُّ، وَنَدَبُوا النَّاسَ، فَأَجَابَهُمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْفَزَعِ وَأَشْبَاهٌ لَهُ. وَأَجَابَهُ أَيْضًا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، وَمُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، وَعَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ هُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ، وَجَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ، حَتَّى أَحْصَى دِيوَانُهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ. وَشُهِرَ أَمْرُهُ، فَقَالُوا لَهُ: لَوْ تَحَوَّلْتَ إِلَى وَسَطِ الْبَصْرَةِ أَتَاكَ النَّاسُ وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ. فَتَحَوَّلَ فَنَزَلَ دَارَ أَبِي مَرْوَانَ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ فِي مَقْبَرَةِ بَنِي يَشْكُرَ، وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَدْ مَالَأَ عَلَى أَمْرِهِ. وَلَمَّا ظَهَرَ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ كَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالظُّهُورِ، فَوَجَمَ لِذَلِكَ وَاغْتَمَّ، فَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يُسَهِّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ: قَدِ اجْتَمَعَ لَكَ أَمْرُكَ فَتَخْرُجُ إِلَى السِّجْنِ فَتَكْسِرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَتُصْبِحُ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَكَ عَالَمٌ مِنَ النَّاسِ. وَطَابَتْ نَفْسُهُ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَقَدْ أَرْسَلَ ثَلَاثَةً مِنَ الْقُوَّادِ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِالْبَصْرَةِ مَدَدًا لَهُ لِيَكُونُوا عَوْنًا لَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنْ ظَهَرَ. فَلَمَّا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ الظُّهُورَ أَرْسَلَ إِلَى سُفْيَانَ فَأَعْلَمَهُ، فَجَمَعَ الْقُوَّادَ عِنْدَهُ. وَظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَغَنِمَ دَوَابَّ أُولَئِكَ الْجُنْدِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فِي الْجَامِعِ، وَقَصَدَ دَارَ الْإِمَارَةِ وَبِهَا سُفْيَانُ مُتَحَصِّنًا فِي جَمَاعَةٍ فَحَصَرَهُ، وَطَلَبَ سُفْيَانُ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُ إِبْرَاهِيمُ. وَدَخَلَ الدَّارَ فَفَرَشُوا لَهُ حَصِيرًا، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَقَلَبَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، فَتَطَيَّرَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّا لَا نَتَطَيَّرُ. وَجَلَسَ عَلَيْهِ مَقْلُوبًا وَحَبَسَ الْقُوَّادَ وَحَبَسَ أَيْضًا سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فِي الْقَصْرِ وَقَيَّدَهُ بِقَيْدٍ خَفِيفٍ لِيَعْلَمَ الْمَنْصُورُ أَنَّهُ مَحْبُوسٌ. وَبَلَغَ جَعْفَرًا وَمُحَمَّدًا ابْنَيْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ، فَأَتَيَا فِي سِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا إِبْرَاهِيمُ الْمَضَاءَ بْنَ الْقَاسِمِ الْجَزَرِيَّ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا، فَهَزَمَهُمَا، وَنَادَى مُنَادِي إِبْرَاهِيمَ: لَا يُتْبَعُ مَهْزُومٌ وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ. وَمَضَى إِبْرَاهِيمُ بِنَفْسِهِ إِلَى بَابِ زَيْنَبَ بِنْتِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَإِلَيْهَا يُنْسَبُ الزَّيْنَبِيُّونَ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ، فَنَادَى بِالْأَمَانِ وَأَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُمْ أَحَدٌ، فَصَفَتْ لَهُ الْبَصْرَةُ، وَوَجَدَ فِي بَيْتِ مَالِهَا أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَوِيَ بِذَلِكَ وَفَرَضَ لِأَصْحَابِهِ لِكُلِّ رَجُلٍ خَمْسِينَ خَمْسِينَ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ لَهُ الْبَصْرَةُ أَرْسَلَ الْمُغِيرَةَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَبَلَغَهَا فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ، وَكَانَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَامِلًا لِلْمَنْصُورِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْحُصَيْنِ وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ الْأَهْوَازَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا وَجَّهَ الْمُغِيرَةَ بَعْدَ مَسِيرِهِ إِلَى بَاخَمْرَى، وَسَيَّرَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى فَارِسَ عَمْرَو بْنَ شَدَّادٍ، فَقَدِمَهَا وَبِهَا إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ الصَّمَدِ ابْنَا عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَبَلَغَهُمَا دُنُوُّ عَمْرٍو وَهُمَا بِإِصْطَخْرَ، فَقَصَدَا دَارَابَجَرْدَ فَتَحَصَّنَا بِهَا، فَصَارَتْ فَارِسُ فِي يَدِ عَمْرٍو، وَأَرْسَلَ إِبْرَاهِيمُ مَرْوَانَ بْنَ سَعِيدٍ الْعِجْلِيَّ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا إِلَى وَاسِطَ، وَبِهَا هَارُونُ بْنُ حُمَيْدٍ الْإِيَادِيُّ مِنْ قِبَلِ الْمَنْصُورِ، فَمَلَكَهَا الْعِجْلِيُّ. وَأَرْسَلَ الْمَنْصُورُ لِحَرْبِهِ عَامِرَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْمُسْلِيَّ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، وَقِيلَ: فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقَعَاتٌ ثُمَّ تَهَادَنُوا عَلَى تَرْكِ الْحَرْبِ حَتَّى يَنْظُرُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَالْمَنْصُورِ. فَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ هَرَبَ مَرْوَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُمَا فَاخْتَفَى حَتَّى مَاتَ. فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ بِالْبَصْرَةِ يُفَرِّقُ الْعُمَّالَ وَالْجُيُوشَ حَتَّى أَتَاهُ نَعْيُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ قَبْلَ عِيدِ الْفِطْرِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْعِيدِ وَفِيهِ الِانْكِسَارُ فَصَلَّى بِهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِقَتْلِ مُحَمَّدٍ، فَازْدَادُوا فِي قِتَالِ الْمَنْصُورِ بَصِيرَةً، وَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ فَعَسْكَرَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ نُمَيْلَةَ وَخَلَّفَ ابْنَهُ حَسَنًا مَعَهُ.
التاريخ 2797لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَسِيرِ إِبْرَاهِيمَ وَقَتْلِهِ ثُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ، فَأَشَارَ أَصْحَابُهُ الْبَصْرِيُّونَ أَنْ " تُقِيمَ وَتُرْسِلَ الْجُنُودَ، فَيَكُونَ إِذَا انْهَزَمَ لَكَ جُنْدٌ أَمْدَدْتَهُمْ بِغَيْرِهِمْ، فَخِيفَ مَكَانُكَ، وَاتَّقَاكَ عَدُوُّكَ، وَجَبَيْتَ الْأَمْوَالَ، وَثَبَّتَّ وَطْأَتَكَ ". فَقَالَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِنَّ بِالْكُوفَةِ أَقْوَامًا لَوْ رَأَوْكَ مَاتُوا دُونَكَ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْكَ قَعَدَتْ بِهِمْ أَسْبَابٌ شَتَّى. فَسَارَ عَنِ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ لَمَّا بَلَغَهُ ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ ! مَا فِي عَسْكَرِي إِلَّا أَلْفَا رَجُلٍ، فَرَّقْتُ جُنْدِي: مَعَ الْمَهْدِيِّ بِالرَّيِّ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَمَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بِإِفْرِيقِيَّةَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَالْبَاقُونَ مَعَ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَاللَّهِ لَئِنْ سَلِمْتُ مِنْ هَذِهِ لَا يُفَارِقُ عَسْكَرِي ثَلَاثُونَ أَلْفًا. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ مُسْرِعًا، فَأَتَاهُ الْكِتَابُ وَقَدْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، فَتَرَكَهَا وَعَادَ. وَكَتَبَ إِلَى سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّيِّ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: اعْمِدْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَا يَرُوعَنَّكَ جَمْعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُمَا جَمَلَا بَنِي هَاشِمٍ الْمَقْتُولَانِ ! فَثِقْ بِمَا أَقُولُ. وَضَمَّ إِلَيْهِ غَيْرَهُ مِنَ الْقُوَّادِ. وَكَتَبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَسَيَّرَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَوَصَلَهَا وَقَاتَلَ الْمُغِيرَةَ، فَرَجَعَ الْمُغِيرَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَبَاحَ خُزَيْمَةُ الْأَهْوَازَ ثَلَاثًا. وَتَوَالَتْ عَلَى الْمَنْصُورِ الْفُتُوقُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَوَاسِطَ وَالْمَدَائِنِ وَالسَّوَادِ، وَإِلَى جَانِبِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ يَنْتَظِرُونَ بِهِ صَيْحَةً، فَلَمَّا تَوَالَتِ الْأَخْبَارُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَنْشَدَ: وَجَعَلْتُ نَفْسِي لِلرِّمَاحِ دَرِيئَةً إِنَّ الرَّئِيسَ لِمِثْلِ ذَاكَ فَعُولُ ثُمَّ إِنَّهُ رَمَى كُلَّ نَاحِيَةٍ بِحَجَرِهَا، وَبَقِيَ الْمَنْصُورُ عَلَى مُصَلَّاهُ خَمْسِينَ يَوْمًا يَنَامُ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مُلَوَّنَةٌ قَدْ اتَّسَخَ جَيْبُهَا، لَا غَيَّرَهَا وَلَا هَجَرَ الْمُصَلَّى، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ إِذَا ظَهَرَ لِلنَّاسِ لَبِسَ السَّوَادَ فَإِذَا فَارَقَهُمْ رَجَعَ إِلَى هَيْئَتِهِ. وَأُهْدِيَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ مِنَ الْمَدِينَةِ، إِحْدَاهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْأُخْرَى أُمُّ الْكَرِيمِ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ وَلَدِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَلَمْ يَنْظُرْ إِلَيْهِمَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمَا قَدْ سَاءَتْ ظُنُونُهُمَا. فَقَالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ أَيَّامُ نِسَاءٍ، وَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِمَا حَتَّى أَنْظُرَ رَأْسَ إِبْرَاهِيمَ لِي، أَوْ رَأْسِي لَهُ. قَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ قُتَيْبَةَ: لَمَّا تَتَابَعَتِ الْفُتُوقُ عَلَى الْمَنْصُورِ دَخَلْتُ مُسَلِّمًا عَلَيْهِ وَقَدْ أَتَاهُ خَبَرُ الْبَصْرَةِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَعَسَاكِرُ إِبْرَاهِيمَ قَدْ عَظُمَتْ، وَبِالْكُوفَةِ مِائَةُ أَلْفِ سَيْفٍ بِإِزَاءِ عَسْكَرِهِ يَنْتَظِرُ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَيَثِبُونَ بِهِ، فَرَأَيْتُهُ أَحْوَذِيًّا مُشَمِّرًا قَدْ قَامَ إِلَى مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ النَّوَائِبِ يَعْرُكُهَا ( فَقَامَ بِهَا )، وَلَمْ تَقْعُدْ بِهِ نَفْسُهُ. وَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: نَفْسُ عِصَامٍ سَوَّدَتْ عِصَامَا وَعَلَّمَتْهُ الْكَرَّ وَالْإِقْدَامَا وَصَيَّرَتْهُ مَلِكًا هُمَامَا. ثُمَّ وَجَّهَ الْمَنْصُورُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عِيسَى بْنَ مُوسَى فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَقَالَ لَهُ لَمَّا وَدَّعَهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْخُبَثَاءَ، يَعْنِي الْمُنَجِّمِينَ، يَزْعُمُونَ أَنَّكَ إِذَا لَاقَيْتَ إِبْرَاهِيمَ يَجُولُ أَصْحَابُكَ جَوْلَةً حَتَّى تَلْقَاهُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَيْكَ وَتَكُونُ الْعَاقِبَةُ لَكَ. وَلَمَّا سَارَ إِبْرَاهِيمُ عَنِ الْبَصْرَةِ مَشَى لَيْلَتَهُ فِي عَسْكَرِهِ سِرًّا فَسَمِعَ أَصْوَاتَ الطَّنَابِيرِ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَسَمِعَهَا أَيْضًا، فَقَالَ: مَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِ عَسْكَرٍ فِيهِ مِثْلُ هَذَا ! وَسُمِعَ يُنْشِدُ فِي طَرِيقِهِ أَبْيَاتَ الْقَطَامِيِّ: أُمُورٌ لَوْ يُدَبِّرُهَا حَلِيمٌ إِذًا لَنَهَى وَهَيَّبَ مَا اسْتَطَاعَا وَمَعْصِيَةُ الشَّقِيقِ عَلَيْكَ مِمَّا يَزِيدُكَ مَرَّةً مِنْهُ اسْتِمَاعَا وَخَيْرُ الْأَمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعَا وَلَكِنَّ الْأَدِيمَ إِذَا تَفَرَّى بِلًى وَتَعَيُّبًا غَلَبَ الصُّنَّاعَا . فَعَلِمُوا أَنَّهُ نَادِمٌ عَلَى مَسِيرِهِ. وَكَانَ دِيوَانُهُ قَدْ أَحْصَى مِائَةَ أَلْفٍ، وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ فِي طَرِيقِهِ عَشَرَةُ آلَافٍ. وَقِيلَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ لِيَأْخُذَ غَيْرَ الْوَجْهِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، وَيَقْصِدَ الْكُوفَةَ فَإِنَّ الْمَنْصُورَ لَا يَقُومُ لَهُ وَيَنْضَافُ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَيْهِ، وَلَا يَبْقَى لِلْمَنْصُورِ مَرْجِعٌ دُونَ حُلْوَانَ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَقِيلَ لَهُ لِيُبَيِّتَ عِيسَى. فَقَالَ: أَكْرَهُ الْبَيَاتَ إِلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ لِيَأْمُرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا لِيَدْعُوَ إِلَيْهِ النَّاسَ، وَقَالَ: أَدْعُوهُمْ سِرًّا ثُمَّ أَجْهَرُ، فَإِذَا سَمِعَ الْمَنْصُورُ الْهَيْعَةَ بِأَرْجَاءِ الْكُوفَةِ لَمْ يَرُدَّ وَجْهَهُ شَيْءٌ دُونَ حُلْوَانَ. فَاسْتَشَارَ بَشِيرًا الرَّحَّالَ، فَقَالَ: لَوْ وَثِقْنَا بِالَّذِي تَقُولُ لَكَانَ رَأْيًا، وَلَكِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ تَجِيئَكَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ فَيُرْسِلَ إِلَيْهِمُ الْمَنْصُورُ الْخَيْلَ، فَيَأْخُذَ الْبَرِيءَ وَالصَّغِيرَ وَالْمَرْأَةَ، فَيَكُونَ ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِلْمَأْثَمِ. فَقَالَ الْكُوفِيُّ: كَأَنَّكُمْ خَرَجْتُمْ لِقِتَالِ الْمَنْصُورِ وَأَنْتُمْ تَتَوَقَّوْنَ قَتْلَ الضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّغِيرِ ! أَوَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ لِيُقَاتِلَ وَيَكُونَ نَحْوُ هَذَا ؟ قَالَ بَشِيرٌ: أُولَئِكَ كُفَّارٌ وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ. وَاتَّبَعَ إِبْرَاهِيمُ رَأْيَهُ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بَاخَمْرَى، وَهِيَ مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، ( مُقَابِلَ عِيسَى بْنِ مُوسَى )، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ: إِنَّكَ قَدْ أَصْحَرْتَ وَمِثْلُكَ أَنْفِسُ بِهِ عَنِ الْمَوْتِ، فَخَنْدِقْ عَلَى نَفْسِكَ حَتَّى لَا تُؤْتَى إِلَّا مِنْ مَأْتًى وَاحِدٍ، فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَقَدْ أَغْرَى أَبُو جَعْفَرٍ عَسْكَرَهُ، فَتَخَفَّفْ فِي طَائِفَةٍ حَتَّى تَأْتِيَهُ فَتَأْخُذَ بِقَفَاهُ. فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ أَصْحَابَهُ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: نُخَنْدِقُ عَلَى أَنْفُسِنَا وَنَحْنُ الظَّاهِرُونَ عَلَيْهِمْ ! لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ. قَالَ: فَنَأْتِي أَبَا جَعْفَرٍ. قَالُوا: وَلِمَ وَهُوَ فِي أَيْدِينَا مَتَى أَرَدْنَا ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلرَّسُولِ: أَتَسْمَعُ ؟ فَارْجِعْ رَاشِدًا. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَصَافُّوا، فَصَفَّ إِبْرَاهِيمُ أَصْحَابَهُ صَفًّا وَاحِدًا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَجْعَلَهُمْ كَرَادِيسَ، فَإِذَا انْهَزَمَ كُرْدُوسٌ ثَبَتَ كُرْدُوسٌ، فَإِنَّ الصَّفَّ إِذَا انْهَزَمَ بَعْضُهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ. فَقَالَ الْبَاقُونَ: لَا نَصُفُّ إِلَّا صَفَّ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، يَعْنِي قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا ) الْآيَةَ. فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ مَعَهُ، فَعَرَضَ لَهُمْ عِيسَى يُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ وَالطَّاعَةَ فَلَا يَلْوُونَ عَلَيْهِ. فَأَقْبَلَ حُمَيْدٌ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: اللَّهَ اللَّهَ وَالطَّاعَةَ ! فَقَالَ: لَا طَاعَةَ فِي الْهَزِيمَةِ ! وَمَرَّ النَّاسُ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ عِيسَى إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْ مَكَانِكَ حَتَّى تَئُوبَ إِلَيْكَ النَّاسُ فَتَكُرَّ بِهِمْ. فَقَالَ: لَا أَزُولُ عَنْ مَكَانِي هَذَا أَبَدًا حَتَّى أُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ، وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ أَهْلُ بَيْتِي إِلَى وَجْهِي أَبَدًا وَقَدِ انْهَزَمْتُ عَنْ عَدُوِّهِمْ ! وَجَعَلَ يَقُولُ لِمَنْ يَمُرُّ بِهِ: أَقْرِئْ أَهْلَ بَيْتِي السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ لَمْ أَجِدْ فِدًى أَفْدِيكُمْ بِهِ أَعَزَّ مِنْ نَفْسِي، وَقَدْ بَذَلْتُهَا دُونَكُمْ ! فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ إِذْ أَتَى جَعْفَرٌ، وَمُحَمَّدٌ ابْنَا سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ ظُهُورِ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَا يَشْعُرُ بَاقِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الْمُنْهَزِمِينَ حَتَّى نَظَرَ بَعْضُهُمْ فَرَأَى الْقِتَالَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَعَطَفُوا نَحْوَهُ، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ يَتْبَعُونَهُمْ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَوْلَا جَعْفَرٌ وَمُحَمَّدٌ لَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ. وَكَانَ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لِلْمَنْصُورِ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَقِيَهُمْ نَهْرٌ فِي طَرِيقِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْوُثُوبِ وَلَمْ يَجِدُوا مَخَاضَةً، فَعَادُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَكَانَ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ قَدْ مَخَرُوا الْمَاءَ لِيَكُونَ قِتَالُهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا مَنَعَهُمُ الْمَاءُ مِنَ الْفِرَارِ، وَثَبَتَ إِبْرَاهِيمُ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَبْلُغُونَ سِتَّمِائَةٍ، وَقِيلَ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَقَاتَلَهُمْ حُمَيْدٌ وَجَعَلَ يُرْسِلُ بِالرُّءُوسِ إِلَى عِيسَى، وَجَاءَ إِبْرَاهِيمَ سَهْمٌ عَائِرٌ فَوَقَعَ فِي حَلْقِهِ فَنَحَرَهُ، فَتَنَحَّى عَنْ مَوْقِفِهِ وَقَالَ: أَنْزِلُونِي، فَأَنْزَلُوهُ عَنْ مَرْكَبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ( وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا )، أَرَدْنَا أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ غَيْرَهُ. وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَخَاصَّتُهُ يَحْمُونَهُ وَيُقَاتِلُونَ دُونَهُ، فَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ لِأَصْحَابِهِ: شُدُّوا عَلَى تِلْكَ الْجَمَاعَةِ حَتَّى تُزِيلُوهُمْ عَنْ مَوْضِعِهِمْ، وَتَعْلَمُوا مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ حَتَّى أَفْرَجُوهُمْ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَخَلَصُوا إِلَيْهِ، وَحَزُّوا رَأْسَهُ فَأَتَوْا بِهِ عِيسَى، فَأَرَاهُ ابْنَ أَبِي الْكِرَامِ الْجَعْفَرِيَّ فَقَالَ: نَعَمْ هَذَا رَأَسُهُ. فَنَزَلَ عِيسَى إِلَى الْأَرْضِ، فَسَجَدَ وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ. وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَكَثَ مُنْذُ خَرَجَ إِلَى أَنْ قُتِلَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ انْهِزَامِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ لَمَّا هَزَمُوا أَصْحَابَ الْمَنْصُورِ وَتَبِعُوهُمْ نَادَى مُنَادِي إِبْرَاهِيمَ: أَلَا لَا تَتْبَعُوا مُدْبِرًا ! فَرَجَعُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ أَصْحَابُ الْمَنْصُورِ رَاجِعِينَ ظَنُّوهُمْ مُنْهَزِمِينَ فَعَطَفُوا فِي آثَارِهِمْ، وَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ. وَبَلَغَ الْمَنْصُورَ الْخَبَرُ بِهَزِيمَةِ أَصْحَابِهِ أَوَّلًا، فَعَزَمَ عَلَى إِتْيَانِ الرَّيِّ، فَأَتَاهُ نَوْبَخْتُ الْمُنَجِّمُ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الظُّفْرُ لَكَ، وَسَيُقْتَلُ إِبْرَاهِيمُ ! فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِقَتْلِ إِبْرَاهِيمَ، فَتَمَثَّلَ: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ . فَأَقْطَعَ الْمَنْصُورُ نَوْبَخْتَ أَلْفَيْ جَرِيبٍ بِنَهْرِ جَوْبَرَ. وَحُمِلَ رَأْسُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ بَكَى حَتَّى خَرَجَتْ دُمُوعُهُ عَلَى خَدِّ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لِهَذَا كَارِهًا ! وَلَكِنَّكَ ابْتُلِيتَ بِي وَابْتُلِيتُ بِكَ !. ثُمَّ جَلَسَ مَجْلِسًا عَامًّا وَأَذِنَ لِلنَّاسِ. فَكَانَ الدَّاخِلُ يَدْخُلُ فَيَتَنَاوَلُ إِبْرَاهِيمَ وَيُسِيءُ الْقَوْلَ فِيهِ، وَيَذْكُرُ فِيهِ الْقَبِيحَ الْتِمَاسًا لِرِضَاءِ الْمَنْصُورِ، وَالْمَنْصُورُ مُمْسِكٌ مُتَغَيِّرٌ لَوْنُهُ. حَتَّى دَخَلَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الدَّارِمِيُّ فَوَقَفَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ابْنِ عَمِّكَ، وَغَفَرَ لَهُ مَا فَرَّطَ فِيهِ فِي حَقِّكَ ! فَأَسْفَرَ لَوْنُ الْمَنْصُورِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: يَا أَبَا خَالِدٍ مَرْحَبًا [ وَأَهْلًا ] هَاهُنَا ! فَعَلِمَ النَّاسُ أَنَّ ذَلِكَ يُرْضِيهِ، فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِ. وَقِيلَ: لَمَّا وُضِعَ الرَّأْسُ بَصَقَ فِي وَجْهِهِ رَجُلٌ مِنَ الْحَرَسِ، فَأَمَرَ بِهِ الْمَنْصُورُ فَضُرِبَ بِالْعُمُدِ فَهُشِّمَتْ أَنْفُهُ وَوَجْهُهُ، وَضُرِبَ حَتَّى خَمَدَ، وَأَمَرَ بِهِ فَجَرُّوا رِجْلَهُ فَأَلْقَوْهُ خَارِجَ الْبَابِ. وَقِيلَ: وَنَظَرَ الْمَنْصُورُ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ مُدَّةٍ رَاكِبًا فَقَالَ: لِلَّهِ الْعَجَبُ كَيْفَ يُفْلِتُنِي ابْنُ الْفَاعِلَةِ ! انْقَضَى أَمْرُ إِبْرَاهِيمَ ؓ.
التاريخ 2798لا حكم مسجّل
ذِكْرُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ وَالْأَخْبَارِ بِقَتْلِهِ كَانَ مُحَمَّدٌ أَسْمَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ، وَكَانَ مَنْصُورٌ يُسَمِّيهِ مُحَمَّمًا، وَكَانَ سَمِينًا شُجَاعًا كَثِيرَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، شَدِيدَ الْقُوَّةِ، وَكَانَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاعْتَرَضَ فِي حَلْقِهِ بَلْغَمٌ، فَتَنَحْنَحَ فَذَهَبَ، ثُمَّ عَادَ فَتَنَحْنَحَ فَذَهَبَ، ثُمَّ عَادَ فَتَنَحْنَحَ فَنَظَرَ، فَلَمْ يَرَ مَوْضِعًا يَبْصُقُ فِيهِ، فَرَمَى بِنُخَامَتِهِ فِي سَقْفِ الْمَسْجِدِ فَأَلْصَقَهَا فِيهِ. وَسُئِلَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ عَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: فِتْنَةٌ يُقْتَلُ فِيهَا مُحَمَّدٌ، وَيُقْتَلُ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ بِالْعِرَاقِ، وَحَوَافِرُ فَرَسِهِ فِي مَاءٍ. فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ قَبَضَ عِيسَى أَمْوَالَ بَنِي الْحَسَنِ كُلَّهَا وَأَمْوَالَ جَعْفَرٍ، فَلَقِيَ جَعْفَرٌ الْمَنْصُورَ فَقَالَ لَهُ: رُدَّ عَلَيَّ قَطِيعَتِي مِنْ أَبِي زِيَادٍ. قَالَ: إِيَّايَ تُكَلِّمُ بِهَذَا ؟ وَاللَّهِ لَأُزْهِقَنَّ نَفْسَكَ ! قَالَ: فَلَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، قَدْ بَلَغْتُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً وَفِيهَا مَاتَ أَبِي وَجَدِّي وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَلَيَّ كَذَا وَكَذَا إِنْ رِبْتُكَ بِشَيْءٍ، وَإِنْ بَقِيتُ بَعْدَكَ إِنْ رِبْتُ الَّذِي يَقُومُ بَعْدَكَ. فَرَقَّ لَهُ الْمَنْصُورُ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ قَطِيعَتَهُ، فَرَدَّهَا الْمَهْدِيُّ عَلَى وَلَدِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْأَسْلَمِيِّ: تَغْشَانَا سَحَابَةٌ فَإِنْ أَمْطَرَتْنَا ظَفِرْنَا، وَإِنْ تَجَاوَزَتْنَا إِلَيْهِمْ فَانْظُرْ إِلَى دَمِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَظَلَّتْنَا سَحَابَةٌ فَلَمْ تُمْطِرْنَا، وَتُجَاوِزْنَا إِلَى عِيسَى وَأَصْحَابِهِ فَظَفِرُوا وَقَتَلُوا مُحَمَّدًا، وَرَأَيْتُ دَمَهُ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ. ( وَكَانَ قَتْلُهُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ). وَكَانَ يُلَقَّبُ الْمَهْدِيَّ وَالنَّفْسَ الزَّكِيَّةَ. وَمِمَّا رُثِيَ بِهِ هُوَ وَأَخُوهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ: يَا صَاحِبَيَّ دَعَا الْمَلَامَةَ وَاعْلَمَا أَنْ لَسْتُ فِي هَذَا بِأَلْوَمَ مِنْكُمَا وَقِفَا بِقَبْرٍ لِلنَّبِيِّ فَسَلِّمَا لَا بَأْسَ أَنْ تَقِفَا بِهِ وَتُسَلِّمَا قَبْرٌ تَضَمَّنَ خَيْرَ أَهْلِ زَمَانِهِ حَسَبًا وَطِيبَ سَجِيَّةٍ وَتَكَرُّمَا رَجُلٌ نَفَى بِالْعَدْلِ جَوْرَ بِلَادِنَا وَعَفَا عَظِيمَاتِ الْأُمُورِ وَأَنْعَمَا لَمْ يَجْتَنِبْ قَصْدَ السَّبِيلِ وَلَمْ يَجُرْ عَنْهُ وَلَمْ يَفْتَحْ بِفَاحِشَةٍ فَمَا لَوْ أَعْظَمَ الْحَدَثَانِ شَيْئًا قَبْلَهُ ( بَعْدَ النَّبِيِّ بِهِ لَكُنْتَ الْمُعَظَّمَا أَوْ كَانَ أَمْتَعَ بِالسَّلَامَةِ قَبْلَهُ ) أَحَدًا لَكَانَ قِصَارُهُ أَنْ يَسْلَمَا ضَحَّوْا بِإِبْرَاهِيمَ خَيْرَ ضَحِيَّةٍ فَتَصَرَّمَتْ أَيَّامُهُ فَتَصَرَّمَا بَطَلًا يَخُوضُ بِنَفْسِهِ غَمَرَاتِهِ لَا طَائِشًا رَعِشًا وَلَا مُسْتَسْلِمَا حَتَّى مَضَتْ فِيهِ السُّيُوفُ وَرُبَّمَا كَانَتْ حُتُوفُهُمُ السُّيُوفَ وَرُبَّمَا أَضْحَى بَنُو حَسَنٍ أُبِيحُ حَرِيمُهُمْ فِينَا وَأَصْبَحَ نَهْبُهُمْ مُتَقَسَّمَا وَنِسَاؤُهُمْ فِي دُورِهِنَّ نَوَائِحُ سَجْعَ الْحَمَامِ إِذَا الْحَمَامُ تَرَنَّمَا يَتَوَصَّلُونَ بِقَتْلِهِ وَيَرَوْنَهُ شَرَفًا لَهُمْ عِنْدَ الْإِمَامِ وَمَغْنَمَا وَاللَّهِ لَوْ شَهِدَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ صَلَّى الْإِلَهُ عَلَى النَّبِيِّ وَسَلَّمَا إِشْرَاعَ أُمَّتِهِ الْأَسِنَّةَ لِابْنِهِ حَتَّى تَقَطَّرَ مِنْ ظُبَاتِهِمُ دَمَا حَتَّى لَأَيْقَنَ أَنَّهُمْ قَدْ ضَيَّعُوا تِلْكَ الْقَرَابَةَ وَاسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَا. وَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ قَامَ عِيسَى بِالْمَدِينَةِ أَيَّامًا ثُمَّ سَارَ عَنْهَا صُبْحَ تِسْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ يُرِيدُ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ كَثِيرَ بْنَ حُصَيْنٍ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا ثُمَّ اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيَّ.
التاريخ 2799لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وُثُوبِ السُّودَانِ بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا ثَارَ السُّودَانُ عَلَى عَامِلِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيِّ فَهَرَبَ مِنْهُمْ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَنْصُورَ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدِمَهَا لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، فَنَازَعَ جُنْدُهُ التُّجَّارَ فِي بَعْضِ مَا يَشْتَرُونَهُ مِنْهُمْ، فَشَكَا ذَلِكَ التُّجَّارُ إِلَى ابْنِ الرَّبِيعِ، فَانْتَهَرَهُمْ وَشَتَمَهُمْ، فَتَزَايَدَ طَمَعُ الْجُنْدِ فِيهِمْ، فَعَدَوْا عَلَى رَجُلٍ صَيْرَفِيٍّ فَنَازَعُوهُ كِيسَهُ، فَاسْتَعَانَ بِالنَّاسِ فَخَلَّصَ مَالَهُ مِنْهُمْ، وَشَكَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ ابْنُ الرَّبِيعِ. ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْجُنْدِ فَاشْتَرَى مِنْ جَزَّارٍ لَحْمًا يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَلَمْ يُعْطِهِ ثَمَنَهُ، وَشَهَرَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، فَضَرَبَهُ الْجَزَّارُ بِشَفْرَةٍ فِي خَاصِرَتِهِ فَقَتَلَهُ، وَاجْتَمَعَ الْجَزَّارُونَ، وَتَنَادَى السُّودَانُ عَلَى الْجُنْدِ، وَهُمْ يَرُوحُونَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَتَلُوهُمْ بِالْعُمُدِ، وَنَفَخُوا فِي بُوقٍ لَهُمْ، فَسَمِعَهُ السُّودَانُ مِنَ الْعَالِيَةِ وَالسَّافِلَةِ فَأَقْبَلُوا وَاجْتَمَعُوا، وَكَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: وَثِيقٌ، وَيَعْقِلُ، وَزَمْعَةُ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَتْلِ الْجُنْدِ حَتَّى أَمْسَوْا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَصَدُوا ابْنَ الرَّبِيعِ فَهَرَبَ مِنْهُمْ وَأَتَى بَطْنَ نَخْلٍ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَنَزَلَ بِهِ، فَانْتَهَبُوا طَعَامًا لِلْمَنْصُورِ وَزَيْتًا وَقَسْبًا فَبَاعُوا حِمْلَ الدَّقِيقِ بِدِرْهَمَيْنِ، وَرَاوِيَةَ الزَّيْتِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ. وَسَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُلَيْحٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَأَخْبَرَهُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ فِي الْحَبْسِ قَدْ أُخِذَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَضُرِبَ وَحُبِسَ مُقَيَّدًا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ السُّودَانِ مَا كَانَ خَرَجَ فِي حَدِيدِهِ مِنَ الْحَبْسِ فَأَتَى الْمَسْجِدَ فَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِمَا، فَأَحْضَرَهُمْ عِنْدَهُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَهَذِهِ الْبَلِيَّةُ الَّتِي وَقَعَتْ ! فَوَاللَّهِ إِنْ ثَبَتَتْ عَلَيْنَا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْفَعْلَةِ الْأُولَى، إِنَّهُ لَهَلَاكُ الْبَلَدِ وَأَهْلِهِ وَالْعَبِيدِ فِي السُّوقِ بِأَجْمَعِهِمْ، فَاذْهَبُوا إِلَيْهِمْ فَكَلِّمُوهُمْ. فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِمَوَالِينَا، وَاللَّهِ مَا قُمْنَا إِلَّا أَنَفَةً مِمَّا عُمِلَ بِكُمْ، فَأَمْرُنَا إِلَيْكُمْ، فَأَقْبَلُوا بِهِمْ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَخَطَبَهُمُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ وَحَثَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، فَتَرَاجَعُوا. وَلَمْ يُصَلِّ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ جُمُعَةً، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لَمْ يُجِبِ الْمُؤَذِّنَ أَحَدٌ إِلَى الصَّلَاةِ بِهِمْ، فَقَدِمَ الْأَصْبَغُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا وَقَفَ لِلصَّلَاةِ وَاسْتَوَتِ الصُّفُوفُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أُصَلِّي بِالنَّاسِ عَلَى طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَقُولُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ لَهُمُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: إِنَّكُمْ قَدْ كَانَ مِنْكُمْ بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ وَنَهَبْتُمْ طَعَامَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَبْقَيَنَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا رَدَّهُ، فَرَدُّوهُ، وَرَجَعَ ابْنُ الرَّبِيعِ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ فَقَطَعَ يَدَ وَثِيقٍ وَيَعْقِلَ وَغَيْرِهِمَا.
التاريخ 2800لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ فِيهَا ابْتَدَأَ الْمَنْصُورُ فِي بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدِ ابْتَنَى الْهَاشِمِيَّةَ بِنَوَاحِي الْكُوفَةِ، فَلَمَّا ثَارَتِ الرَّاوِنْدِيَّةُ فِيهَا كَرِهَ سُكَّانَهَا لِذَلِكَ وَلِجِوَارِ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَأْمَنُ أَهْلَهَا عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانُوا قَدْ أَفْسَدُوا جُنْدَهُ. فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ يَرْتَادُ لَهُ مَوْضِعًا يَسْكُنُهُ هُوَ وَجُنْدُهُ، فَانْحَدَرَ إِلَى جَرْجَرَايَا، ثُمَّ أَصْعَدَ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَسَارَ نَحْوَ الْجَبَلِ فِي طَلَبِ مَنْزِلٍ يُبْنَى بِهِ. وَكَانَ قَدْ تَخَلَّفَ بَعْضُ جُنْدِهِ بِالْمَدَائِنِ لِرَمَدٍ لَحِقَهُ، فَسَأَلَهُ الطَّبِيبُ الَّذِي يُعَالِجُهُ عَنْ سَبَبِ حَرَكَةِ الْمَنْصُورِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابٍ عِنْدَنَا أَنَّ رَجُلًا يُدْعَى مِقْلَاصًا يَبْنِي مَدِينَةً بَيْنَ دِجْلَةَ وَالصَّرَاةِ تُدْعَى الزَّوْرَاءَ، فَإِذَا أَسَّسَهَا وَبَنَى بَعْضَهَا أَتَاهُ فَتْقٌ مِنَ الْحِجَازِ، فَقَطَعَ بِنَاءَهَا وَأَصْلَحَ ذَلِكَ الْفَتْقَ، ثُمَّ أَتَاهُ فَتْقٌ مِنَ الْبَصْرَةِ أَعْظَمُ مِنْهُ فَلَا يَلْبَثُ الْفَتْقَانِ أَنْ يَلْتَئِمَا، ثُمَّ يَعُودَ إِلَى بِنَائِهَا فَيُتِمَّهُ، ثُمَّ يُعَمَّرُ عُمُرًا طَوِيلًا، وَيَبْقَى الْمُلْكُ فِي عَقِبِهِ. فَقَدِمَ ذَلِكَ الْجُنْدِيُّ إِلَى عَسْكَرِ الْمَنْصُورِ وَهُوَ بِنَوَاحِي الْجَبَلِ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَرَجَعَ وَقَالَ: إِنِّي أَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أُدْعَى مِقْلَاصًا وَأَنَا صَبِيٌّ ثُمَّ زَالَ عَنِّي، وَصَارَ حَتَّى نَزَلَ الدَّيْرَ الَّذِي حِذَاءَ قَصْرِهِ الْمَعْرُوفِ بِالْخُلْدِ، وَدَعَا بِصَاحِبِ الدَّيْرِ وَبِالْبِطْرِيقِ صَاحِبِ رَحَا الْبِطْرِيقِ، وَصَاحِبِ بَغْدَاذَ، وَصَاحِبِ الْمُخَرِّمِ، وَصَاحِبِ بُسْتَانِ النَّفْسِ، وَصَاحِبِ الْعَتِيقَةِ فَسَأَلَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، وَكَيْفَ هِيَ فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْأَمْطَارِ وَالْوُحُولِ وَالْبَقِّ وَالْهَوَامِّ، فَأَخْبَرَهُ كُلٌّ مِنْهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، وَوَقَعَ اخْتِيَارُهُمْ عَلَى صَاحِبِ بَغْدَاذَ، فَأَحْضَرَهُ وَشَاوَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلْتَنِي عَنْ هَذِهِ الْأَمْكِنَةِ وَمَا تَخْتَارُ مِنْهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تُنْزِلَ أَرْبَعَةَ طَسَاسِيجَ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ طَسُّوجَيْنِ، وَهُمَا بِقُطْرُبُّلَ وَبَادُورَيَا، وَفِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ طَسُّوجَيْنِ وَهُمَا نَهْرُ بُوقٍ وَكَلْوَاذَى، فَيَكُونَ بَيْنَ نَخْلٍ وَقُرْبَ الْمَاءِ، وَإِنْ أَجْدَبَ طَسُّوجٌ وَتَأَخَّرَتْ عِمَارَتُهُ كَانَ فِي الطَّسُّوجِ الْآخَرِ الْعِمَارَاتُ. وَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصَّرَاةِ، ( تَجِيئُكَ الْمِيرَةُ فِي السُّفُنِ مِنَ الشَّامِ وَالرَّقَّةِ، وَالْغَرْبِ فِي طَوَائِفِ مِصْرَ، وَتَجِيئُكَ الْمِيرَةُ مِنَ الصِّينِ، وَالْهِنْدِ، وَالْبَصْرَةِ، وَوَاسِطَ، وَدِيَارِ بَكْرٍ، وَالرُّومِ، وَالْمَوْصِلِ، وَغَيْرِهَا فِي دِجْلَةَ، وَتَجِيئُكَ الْمِيرَةُ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا فِي تَامَرَّا حَتَّى يَتَّصِلَ بِالزَّابِ، فَأَنْتَ بَيْنَ أَنْهَارٍ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ عَدُوُّكَ إِلَّا عَلَى جِسْرٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ، فَإِذَا قَطَعْتَ الْجِسْرَ، وَأَخْرَبْتَ الْقَنْطَرَةَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ، وَدِجْلَةُ وَالْفُرَاتُ وَالصَّرَاةُ خَنَادِقُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ، وَأَنْتَ مُتَوَسِّطٌ لِلْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَوَاسِطَ وَالْمَوْصِلِ وَالسَّوَادِ، وَأَنْتَ قَرِيبٌ مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَالْجَبَلِ. فَازْدَادَ الْمَنْصُورُ عَزْمًا عَلَى النُّزُولِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ مَدِينَةَ بَغْدَاذَ رَأَى رَاهِبًا فَنَادَاهُ، فَأَجَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ فِي كُتُبِكُمْ أَنَّهُ يُبْنَى هَاهُنَا مَدِينَةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَبْنِيهَا مِقْلَاصٌ. قَالَ: فَأَنَا كُنْتُ أُدْعَى مِقْلَاصًا فِي حَدَاثَتِي. قَالَ: فَإِذًا أَنْتَ صَاحِبُهَا. فَابْتَدَأَ الْمَنْصُورُ بِعَمَلِهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَكَتَبَ إِلَى الشَّامِ، وَالْجَبَلِ، وَالْكُوفَةِ، وَوَاسِطَ، وَالْبَصْرَةِ، فِي مَعْنَى إِنْفَاذِ الصُّنَّاعِ وَالْفَعَلَةِ، وَأَمَرَ بِاخْتِيَارِ قَوْمٍ مِنْ ذَوِي الْفَضْلِ وَالْعَدَالَةِ وَالْفِقْهِ، وَأَمَرَ بِاخْتِيَارِ قَوْمٍ مِنَ ذَوِي الْأَمَانَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْهَنْدَسَةِ. فَكَانَ مِمَّنْ أُحْضِرَ لِذَلِكَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَمَرَ فَخُطَّتِ الْمَدِينَةُ، وَحُفِرَ الْأَسَاسُ، وَضُرِبَ اللَّبِنُ، وَطُبِخَ الْآجُرُّ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْهَا أَنَّهُ أَمَرَ بِخَطِّهَا بِالرَّمَادِ، فَدَخَلَهَا مِنْ أَبْوَابِهَا وَفُصْلَانِهَا وَطَاقَاتِهَا وَرِحَابِهَا وَهِيَ مَخْطُوطَةٌ بِالرَّمَادِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الرَّمَادِ حَبُّ الْقُطْنِ وَيُشْعَلَ بِالنَّارِ، فَفَعَلُوا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَهِيَ تَشْتَعِلُ، فَفَهِمَهَا وَعَرَفَ رَسْمَهَا، وَأَمَرَ أَنْ يُحْفَرَ الْأَسَاسُ عَلَى ذَلِكَ الرَّسْمِ. وَوَكَّلَ بِهَا أَرْبَعَةً مِنَ الْقُوَّادِ، كُلُّ قَائِدٍ بِرُبْعٍ، وَوَكَّلَ أَبَا حَنِيفَةَ بِعَدَدِ الْآجُرِّ وَاللَّبِنِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ أَرَادَ أَبَا حَنِيفَةَ أَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ وَالْمَظَالِمَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَحَلَفَ الْمَنْصُورُ أَنَّهُ لَا يُقْلِعُ عَنْهُ أَوْ يَعْمَلُ لَهُ. فَأَجَابَهُ إِلَى أَنْ يَنْظُرَ فِي عِمَارَةِ بَغْدَاذَ وَيَعُدَّ اللَّبِنَ وَالْآجُرَّ بِالْقَصَبِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ. وَجَعَلَ الْمَنْصُورُ عَرْضَ أَسَاسِ السُّورِ مِنْ أَسْفَلِهِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَمِنْ أَعْلَاهُ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَجَعَلَ فِي الْبِنَاءِ الْقَصَبَ وَالْخَشَبَ، وَوَضَعَ بِيَدِهِ أَوَّلَ لَبِنَةٍ، وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالْأَرْضُ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. ثُمَّ قَالَ: ابْنُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَلَمَّا بَلَغَ السُّورُ مِقْدَارَ قَامَّةٍ جَاءَ الْخَبَرُ بِظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَطَعَ الْبِنَاءَ ثُمَّ أَقَامَ بِالْكُوفَةِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَرْبِ مُحَمَّدٍ وَأَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَتَمَّ بِنَاءَهَا، وَأَقْطَعَ فِيهَا الْقَطَائِعَ لِأَصْحَابِهِ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَعَدَّ جَمِيعَ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ بِنَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ خَشَبٍ وَسَاجٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَخْلَفَ حِينَ يَشْخَصُ إِلَى الْكُوفَةِ عَلَى إِصْلَاحِ مَا أَعَدَّ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدْ هَزَمَ عَسْكَرَ الْمَنْصُورِ، فَأَحْرَقَ مَا كَانَ خَلَّفَهُ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، فَبَلَغَ الْمَنْصُورَ ذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَسْلَمُ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ خَافَ أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ إِبْرَاهِيمُ فَيَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا. وَسَنَذْكُرُ كَيْفِيَّةَ بِنَائِهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
التاريخ 2801لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا خَرَجَتِ التُّرْكُ وَالْخَزَرُ بِبَابِ الْأَبْوَابِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِإِرْمِينِيَّةَ جَمَاعَةً كَثِيرَةً.
التاريخ 2802لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ مَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ عَنِ الْمَوْصِلِ بِابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَسَيَّرَ مَعَهُ حَرْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ قُوَّادِهِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْحَرْبِيَّةِ بِبَغْدَادَ، وَبَنَى بِأَسْفَلِ الْمَوْصِلِ قَصْرًا وَسَكَنَهُ، فَهُوَ يُعْرَفُ إِلَى الْيَوْمِ بِقَصْرِ حَرْبٍ، وَفِيهِ وُلِدَتْ زُبَيْدَةُ بِنْتُ جَعْفَرٍ زَوْجَةُ الرَّشِيدِ. وَعِنْدَهُ يَوْمَنَا هَذَا قَرْيَةٌ كَانَتْ مِلْكًا لَنَا، فَبَنَيْنَا فِيهَا رِبَاطًا لِلصُّوفِيَّةِ وَقَفْنَا الْقَرْيَةَ عَلَيْهِ، قَدْ جَمَعْتُ كَثِيرًا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ فِي دَارٍ لَنَا بِهَا، وَهِيَ مِنْ أَنْزَهِ الْمَوَاضِعِ وَأَحْسَنِهَا، وَأَثَرُ الْقَصْرِ بَاقٍ بِهَا إِلَى الْآنَ. سُبْحَانَ مَنْ لَا يَزُولُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الدُّهُورُ.
التاريخ 2803لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ: عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَلَى مِصْرَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ.
التاريخ 2804لا حكم مسجّل
إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ. كَانَ يَأْلَفُ الْوَحْدَةَ هُوَ وَأَخُوهُ، وَخَرَجَا إِلَى الْبَادِيَةِ ثُمَّ خَرَجَ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ عَلَى الْمَنْصُورِ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فَقُتِلَ. وَخَرَجَ هُوَ فَقُتِلَ عَلَى مَا سَبَقَ. إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. وَاسْمُ أَبِي خَالِدٍ: سَعْدٌ. رَأَى أَنَسًا، وَسَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى، وَعَمْرَو بْنَ حَوْشَبٍ. وَكَانَ سُفْيَانُ بِهِ مُعْجَبًا. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ طَرِيفٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَخِي عُمَيْرُ بْنُ طَرِيفٍ فَأَصْغَيْتُ إِلَى قَبْرِهِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ أَخِي صَوْتًا ضَعِيفًا أَعْرِفُهُ وَهُوَ يَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: فَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: الْإِسْلَامُ. الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. سَمِعَ أُمَّهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَدِمَ الْأَنْبَارَ عَلَى السَّفَّاحِ مَعَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ، فَأَكْرَمَهُمُ السَّفَّاحُ وَأَجَازَهُمْ، وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْمَنْصُورُ حَبَسَ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ وَأَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ لِأَجْلِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي حَبْسِهِ حَتَّى مَاتَ. قَالَ: غَسَّانُ اللَّيْثِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ قَدْ خَصَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ حَتَّى كَانَ يَتَفَضَّلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِقَمِيصٍ بِلَا سَرَاوِيلَ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: مَا رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ غَيْرَكَ، وَلَا أَعَدَّكَ إِلَّا وَلَدًا. ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ ابْنَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا خَلَّفَهُمَا عَنِّي، فَلَمْ يَفِدَا عَلَيَّ مَعَ مَنْ وَفَدَ عَلَيَّ مِنْ أَهْلِهِمَا، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُمَا [مَرَّةً] أُخْرَى. فَشَكَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى أَخِيهِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ عَلَيْكَ عَنْهُمَا فَقُلْ لَهُ: عِلْمُهُمَا عِنْدَ عَمِّهِمَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وَهَلْ أَنْتَ مُحْتَمِلٌ ذَلِكَ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا أَعَادَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْهُمَا قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِلْمُهُمَا عِنْدَ عَمِّهِمَا. فَبَعَثَ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَى الْحَسَنِ فَسَأَلَهُ عَنْهُمَا. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أُكَلِّمُكَ عَلَى هَيْبَةِ الْخِلَافَةِ، أَوْ كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ: بَلْ كَمَا يُكَلِّمُ الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدَّرَ لِمُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ أَنْ يَلِيَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا، فَجَهَدْتَ وَجَهَدَ أَهْلُ الْأَرْضِ مَعَكَ أَنْ تَرُدُّوا مَا قَدَّرَ اللَّهُ لَهُمَا أَيَرُدُّونَهُ!؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِنْ كَانَ اللَّهُ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُمَا أَنْ يَلِيَا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا، فَاجْتَمَعَا وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْضِ مَعَهُمَا عَلَى أَنْ يَنَالَا مَا لَمْ يُقْدَّرْ لَهُمَا، أَيَنَالَانِهِ؟ ! قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا تَنْغِيصُكَ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ النِّعْمَةَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بِهَا عَلَيْهِ. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: لَا أَذْكُرُهُمَا بَعْدَ الْيَوْمِ، فَمَا ذَكَرَهُمَا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنَهُمَا. قَالَ الْعَلَوِيُّ: قَالَ جَدِّي: تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ بِالْهَاشِمِيَّةِ فِي حَبْسِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. الْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ بْنِ عَامِرٍ، أَبُو ثَوْبَانَ الْهَمْدَانِيُّ الْهَوْزَنِيُّ. رَوَى عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ وَغَيْرِهِ. حَدَّثَ عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فِي خِلَافَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ. قَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ: دَخَلَ عَلَيْنَا الْحَسَنُ بْنُ ثَوْبَانَ يَوْمًا وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ فَوَقَفَ فَسَلَّمَ ثُمَّ ذَهَبَ فَجَالَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْنَا، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا ثَوْبَانَ، وَقَفْتَ عَلَيْنَا ثُمَّ ذَهَبْتَ ثُمَّ عُدْتَ فَقَالَ: إِنِّي طَلَبْتُ مَنْ هُوَ أَرْبَحُ لِي مِنْكُمْ، فَلَمْ أَجِدْهُ. تُوُفِّيَ الْحَسَنُ فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ. مَوْلَى لِمُزَيْنَةَ. سَمِعَ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَعِكْرِمَةَ. تُوُفِّيَ بِوَاسِطَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ يَوْمَ جَاءَتْ هَزِيمَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ سَوَّارٌ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ فَتَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ - وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ; سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، وَمَالِكٌ. وَكَانَ مُعَظَّمًا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ مُبَجَّلًا، وَكَانَ عَابِدًا كَبِيرَ الْقَدْرِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا. وَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَكْرَمَهُ، وَوَفَدَ عَلَى السَّفَّاحِ فَعَظَّمَهُ وَأَعْطَاهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَنْصُورُ عَكَسَ هَذَا الْإِكْرَامَ، وَأَخَذَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ مُقَيَّدِينَ مَغْلُولِينَ مُهَانِينَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْهَاشِمِيَّةِ، فَأَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ الضَّيِّقَ كَمَا قَدَّمْنَا، فَمَاتَ أَكْثَرُهُمْ فِيهِ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ هَذَا أَوَّلَ مَنْ مَاتَ فِيهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِ وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ عَمْدًا. وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ. قال مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَطُوفُ [فِي] بُنْيَانِهِ بِالْأَنْبَارِ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، فَجَعَلَ يُرِيهِ الْبِنَاءَ وَيَطُوفُ بِهِ فِيهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْشَدَهُ: أَلَمْ تَرَ حَوْشَبًا أَمْسَى يَبْنِي بُيُوتًا نَفْعُهَا لِبَنِي بُقَيْلَهْ يُؤَمِّلُ أَنْ يُعَمَّرَ عُمَرَ نُوحٍ وَأَمْرُ اللَّهِ يَحْدُثُ كُلَّ لَيْلَهْ فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: مَا أَرَدْتُ بِهَذَا. قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُزَهِّدَكَ فِي هَذَا. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَمَّا أَنْشَدَ الْبَيْتَيْنِ انْتَبَهَ فَقَالَ: أَقِلْنِي. فَقَالَ: لَا أَقَالَنِي اللَّهُ إِنْ بِتَّ فِي عَسْكَرِي فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَبُقَيْلَةُ أُمُّ وَلَدٍ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، جَاءَتْ مِنْهُ بِالْقَاسِمِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ، وَقُتِلُوا مَعَ الْحُسَيْنِ ؓ. وقَالَ: أَبُو مَعْقِلٍ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دَاجَةَ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: أَخَذَ أَبُو جَعْفَرٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ فِي دَارِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَبُو جَعْفَرٍ الْخُرُوجَ إِلَى الْحَجِّ جَلَسَتْ لَهُ ابْنَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ يُقَالُ لَهَا: فَاطِمَةُ، فَلَمَّا مَرَّ بِهَا أَنْشَأَتْ تَقُولُ: ارْحَمْ كَبِيرًا سِنُّهُ مُتَهَدِّمًا فِي السِّجْنِ بَيْنَ سَلَاسِلَ وَقُيُودِ وَارْحَمْ صِغَارَ بَنِي يَزِيدَ إِنَّهُمْ يُتِّمُوا لِفَقْدِكَ لَا لِفَقْدِ يَزِيدِ إِنْ جُدْتَ بِالرَّحِمِ الْقَرِيبَةِ بَيْنَنَا مَا جَدُّنَا مِنْ جَدِّكُمْ بِبَعِيدِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَذَكَّرْتِنِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَحُدِرَ إِلَى الْمُطَبَّقِ، فَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، أَبُو سُلَيْمَانَ - وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - وَاسْمُ أَبِي سُلَيْمَانَ، مَيْسَرَةُ، وَهُوَ عَمُّ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَزْرَمِيُّ. نَزَلَ جَبَّانَةَ عَزْرَمٍ بِالْكُوفَةِ فَنُسِبَ إِلَيْهَا. حَدَّثَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَطَاءٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ. وَكَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَعْجَبُ مِنْ حِفْظِهِ، وَكَانَ سُفْيَانُ يُسَمِّيهِ الْمِيزَانَ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى: هُوَ ثِقَةٌ. تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، دُفِنَ بِسُوقِ يَحْيَى. عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَزَرِيُّ. نَزَلَ الرَّقَّةَ، وَسَمِعَ أَبَاهُ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَشَرِيكٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ. وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا عَالِمًا دَيِّنًا. قَالَ: عَبْدُ الْمَلِكِ الْمَيْمُونِيُّ قَالَ: حَدَّثْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَالَ: لَمَّا رَأَيْتُ قَدْرَ عَمِّي عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ قُلْتُ: يَا عَمِّ، لَوْ سَأَلْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقْطِعَكَ قَطِيعَةً. فَسَكَتَ عَنِّي، فَلَمَّا أَلْحَحْتُ عَلَيْهِ قَالَ: يَا بُنِيَّ، إِنَّكَ لَتَسْأَلُنِي أَنْ أَسْأَلَهُ شَيْئًا قَدِ ابْتَدَأَنِي بِهِ هُوَ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَقَدْ قَالَ لِي يَوْمًا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُقْطِعَكَ قَطِيعَةً وَأَجْعَلَهَا لَكَ طَيِّبَةً، وَإِنَّ أَحْبَابِي وَوَلَدِي وَأَهْلِي يَسْأَلُونِي ذَلِكَ، فَآبَى عَلَيْهِمْ، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَقْبَلَهَا؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي رَأَيْتُ لَهُمُ الرَّجُلَ عَلَى قَدْرِ انْتِشَارِ صِيتِهِ، وَإِنِّي يَكْفِينِي مِنْ هَمِّي مَا أَحَاطَتْ بِهِ دَارِي، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُعْفِيَنِي فَعَلَ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. فَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أَعِدْهُ عَلَيَّ. فَأَعَدْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى حَفِظَهُ. وقَالَ: الْمَيْمُونِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: كَانَ عَمِّي عَمْرٌو يَعْطَشُ فَمَا يَسْتَسْقِي مِنْ أَحَدٍ مَاءً حَتَّى يَشْرَبَهُ مِنْ بَيْتِهِ، وَيَقُولَ: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ يُتَصَدَّقَ عَلَيَّ. تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ. وَفِي مَكَانِ مَوْتِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: الرَّقَّةُ. وَالثَّانِي: الْكُوفَةُ. مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. لَقِيَ نَافِعًا، وَسَمِعَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَزَلْ هُوَ وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ يَلْزَمَانِ الْبَادِيَةَ وَيُحِبَّانِ الْخَلْوَةَ، وَلَا يَأْتِيَانِ الْخُلَفَاءَ وَالْوُلَاةَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَنْصُورُ طَلَبَهُمَا فَنَفَرَا مِنْهُ وَهَرَبَا فِي الْجِبَالِ، وَأَشْخَصَ أَبَاهُمَا وَأَهْلَ بَيْتِهِمَا فَحُبِسُوا حَتَّى مَاتُوا فِي حَبْسِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَخَرَجَ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَبَيَّضَ وَدُعِيَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا [ثُمَّ وُجِّهَ إِلَى مَكَّةَ فَأَخَذَتْ لَهُ] فَبَيَّضُوا فَشَمَّرَ أَبُو جَعْفَرٍ فِي طَلَبِهِ وَحَرْبِهِ، فَقُتِلَ هُوَ وَأَخُوهُ عَلَى مَا سَبَقَ. وَكَانَ مُكْثُ مُحَمَّدٍ مِنْ حِينِ ظَهَرَ إِلَى أَنْ قُتِلَ شَهْرَيْنِ وَسَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَنَافِعٍ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي كَيْفِيَّةِ الْهُوِيِّ إِلَى السُّجُودِ، وَحَدَثَّ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَوَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى حَدِيثِهِ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْ بِهِ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَكَانَ طَوِيلًا سَمِينًا أَسْمَرَ ضَخْمًا، مُفَخَّمًا ذَا هِمَّةٍ سَامِيَّةٍ، وَسَطْوَةٍ عَالِيَةٍ، وَكَانَ مَقْتَلُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي مُنْتَصَفِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَقَدْ حُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَطَيْفَ بِهِ فِي الْأَقَالِيمِ. مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ. وَكَانَ يُعْرَفُ بِالدِّيبَاجِ لِحُسْنِ وَجْهِهِ، أُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِيهِ عِنْدَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَحَسَنًا، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، وَهُوَ الدِّيبَاجُ. وَكَانَ جَوَادًا ظَاهِرَ الْمُرُوءَةِ. حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ نَافِعٍ، وَعَنْ أَبِي الزِّنَادِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي السَّائِبِ قَالَ: احْتَجْتُ إِلَى لِقْحَةٍ، فَكَتَبْتُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ أَسْأَلُهُ أَنْ يَبْعَثَ لِي بِلِقْحَةٍ، فَإِنِّي لَعَلَى بَابِي فَإِذَا أَنَا بِزَجْرِ إِبِلٍ، وَإِذَا فِيهَا عَبْدٌ يَزْجُرُهَا، فَقُلْتُ: يَا هَذَا، لَيْسَ هَا هُنَا الطَّرِيقُ. فَقَالَ: أَرَدْتُ أَبَا السَّائِبِ. فَقُلْتُ: أَنَا أَبُو السَّائِبِ. فَدَفَعَ إِلَيَّ بِكِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِذَا فِيهِ: أَتَانِي كِتَابُكَ تَطْلُبُ فِيهِ لِقْحَةً، وَقَدْ جَمَعْتُ مَا كَانَ بِحَضْرَتِنَا مِنْهَا، وَهِيَ تِسْعَ عَشْرَةَ لِقْحَةً، وَبَعَثْتُ مَعَهَا بِعَبْدٍ رَاعٍ، وَهُنَّ بُدْنٌ، وَهُوَ حُرٌّ إِنْ رَجَعَ، فَمَا بَعَثْتُ بِهِ بِشَيْءٍ فِي مَالِي أَبَدًا. قَالَ: فَبِعْتُ مِنْهُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ سِوَى مَا احْتَبَسْتُ لِحَاجَتِي. أَخَذَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَتَلَهُ لَيْلَةَ جَاءَهُ خُرُوجُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى خُرَاسَانَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ لِأُمِّهِ. كَذَلِكَ ذَكَرَ الْخَطِيبُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ حَبَسَهُ فَمَاتَ فِي حَبْسِهِ، وَكَانَ لِهَذَا الرَّجُلِ بِنْتٌ تُسَمَّى: حَفْصَةُ، لَا نَعْرِفُ امْرَأَةً وَلَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ سِوَاهَا. لِأَنَّ أُمَّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأُمُّ عُرْوَةَ: أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمِّ أَبِيهَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ الْحُسَيْنِ: فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأُمُّ فَاطِمَةَ بِنْتُ الْحُسَيْنِ: أُمُّ إِسْحَاقَ بِنْتُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. 774 - يَزِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، أَبُو الْحُسَيْنِ النَّحْوِيُّ. نُسِبَ إِلَى بَطْنٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنِي نَحْوَةَ النَّحْوِ بْنِ شُمْسٍ - بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - بَطْنٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَلَيْسَ مَنْسُوبًا إِلَى النَّحْوِ. قَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ: وَكَذَلِكَ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنُ ابْنُ الْمُنَادِي: وَهُوَ يَزِيدُ لَا شَيْبَانُ. وَرَوَى يَزِيدُ عَنْ عَلْقَمَةَ، وَمُجَاهِدٍ. وَيَرْوِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَأَبِي حَمْزَةَ. وَفِيهَا مَاتَ يَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَّارِيُّ، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً. وَرُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ - وَالْعَجَّاجُ لَقَبٌ، وَاسْمُهُ أَبُو الشَّعْثَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُؤْبَةَ - أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ، الرَّاجِزُ ابْنُ الرَّاجِزِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا دِيوَانُ رَجَزٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَارِعٌ فِي فَنِّهِ، لَا يُجَارَى وَلَا يُمَارَى، عَالِمٌ بِاللُّغَةِ.
التاريخ 2805لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ انْتِقَالِ الْمَنْصُورِ إِلَى بَغْدَاذ وَكَيْفِيَّةِ بِنَائِهَا وَفِيهَا فِي صَفَرٍ، تَحَوَّلَ الْمَنْصُورُ مِنْ مَدِينَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ إِلَى بَغْدَاذَ وَبَنَى مَدِينَتَهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ السَّبَبَ الْبَاعِثَ لِلْمَنْصُورِ عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ، وَنَذْكُرُ الْآنَ بِنَاءَهَا. وَلَمَّا عَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى بِنَاءِ بَغْدَاذَ شَاوَرَ أَصْحَابَهُ، وَكَانَ فِيهِمْ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ، فَأَشَارَ أَيْضًا بِذَلِكَ، وَهُوَ خَطَّهَا، فَاسْتَشَارَهُ فِي نَقْضِ الْمَدَائِنِ وَإِيوَانِ كِسْرَى وَنَقْلِ نَقْضِهَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَقَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ يَسْتَدِلُّ بِهِ النَّاظِرُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُزَالَ مِثْلُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ بِأَمْرِ دُنْيَا، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى أَمْرِ دِينٍ، وَمَعَ هَذَا فَفِيهِ مُصَلَّى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ الْمَنْصُورُ: لَا، أَبَيْتَ يَا خَالِدُ إِلَّا الْمَيْلَ إِلَى أَصْحَابِكَ الْعَجَمِ ! وَأَمَرَ بِنَقْضِ الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ، فَنُقِضَتْ نَاحِيَةٌ مِنْهُ وَحُمِلَ نَقْضُهُ، فَنَظَرَ، فَكَانَ مِقْدَارُ مَا يَلْزَمُهُمْ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْحَدِيدِ. فَدَعَا خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنْ لَا تَفْعَلَ، فَأَمَّا إِذْ فَعَلْتَ فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَهْدِمَ لِئَلَّا يُقَالَ إِنَّكَ عَجَزْتَ عَنْ هَدْمِ مَا بَنَاهُ غَيْرُكَ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَتَرَكَ هَدْمَهُ. وَنَقَلَ أَبْوَابَ مَدِينَةِ وَاسِطَ فَجَعَلَهَا عَلَى بَغْدَاذَ، وَبَابًا جِيءَ بِهِ مِنَ الشَّامِ، وَبَابًا آخَرَ جِيءَ بِهِ مِنَ الْكُوفَةِ عَمِلَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَجَعَلَ الْمَدِينَةَ مُدَوَّرَةً لِئَلَّا يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ أَقْرَبَ إِلَى السُّلْطَانِ مِنْ بَعْضٍ، وَعَمِلَ لَهَا سُورَيْنِ، السُّورُ الدَّاخِلُ أَعْلَى مِنَ الْخَارِجِ، وَبَنَى قَصْرَهُ فِي وَسَطِهَا، وَالْمَسْجِدَ الْجَامِعَ بِجَانِبِ الْقَصْرِ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ هُوَ الَّذِي خَطَّ الْمَسْجِدَ، وَقِبْلَتُهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ يَحْتَاجُ الْمُصَلِّي أَنْ يَنْحَرِفَ إِلَى بَابِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُ وُضِعَ بَعْدَ الْقَصْرِ. وَكَانَ الْقَصْرُ غَيْرَ مُسْتَقِيمٍ عَلَى الْقِبْلَةِ. وَكَانَ اللَّبِنُ الَّذِي يُبْنَى بِهِ ذِرَاعًا فِي ذِرَاعٍ، وَوُزِنَ بَعْضُهَا لَمَّا نُقِضَ، وَكَانَ وَزْنُ لَبِنَةٍ مِنْهُ مِائَةَ رَطْلٍ وَسِتَّةَ عَشَرَ رَطْلًا، وَكَانَتْ مَقَاصِيرُ جَمَاعَةٍ مِنْ قُوَّادِ الْمَنْصُورِ وَكُتَّابِهِ تَشْرَعُ أَبْوَابُهَا إِلَى رَحْبَةِ الْجَامِعِ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ عَمُّهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الرُّكُوبِ مِنْ بَابِ الرَّحْبَةِ إِلَى الْقَصْرِ لِضَعْفِهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، قَالَ: فَاحْسُبْنِي رَاوِيَةً، فَأَمَرَ النَّاسَ بِإِخْرَاجِ أَبْوَابِهِمْ مِنَ الرَّحْبَةِ إِلَى فُصْلَانِ الطَّاقَاتِ. وَكَانَتِ الْأَسْوَاقُ فِي الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَسُولٌ لِمَلِكِ الرُّومِ، فَأَمَرَ الرَّبِيعَ فَطَافَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ ؟ قَالَ: رَأَيْتُ بِنَاءً حَسَنًا إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَعْدَاءَكَ مَعَكَ وَهُمُ السُّوقَةُ. فَلَمَّا عَادَ الرَّسُولُ عَنْهُ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ إِلَى نَاحِيَةِ الْكَرْخِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَخْرَجَهُمْ لِأَنَّ الْغُرَبَاءَ يَطْرُقُونَهَا وَيَبِيتُونَ فِيهَا، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمُ الْجَاسُوسُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ كَانَ يَتْبَعُ مَنْ خَرَجَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ أَبُو زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مُحْتَسِبُ بَغْدَاذَ، لَهُ مَعَ إِبْرَاهِيمَ مَيْلٌ، فَجَمَعَ جَمَاعَةً مِنَ السَّفَلَةِ فَشَغَبُوا عَلَى الْمَنْصُورِ، فَسَكَّنَهُمْ وَأَخَذَ أَبَا زَكَرِيَّاءَ فَقَتَلَهُ، وَأَخْرَجَ الْأَسْوَاقَ، فَكُلِّمَ فِي بَقَّالٍ، فَأَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ رُبْعٍ بَقَّالٌ يَبِيعُ الْبَقْلَ وَالْخَلَّ حَسْبُ. وَجُعِلَ الطَّرِيقُ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا. وَكَانَ مِقْدَارُ النَّفَقَةِ عَلَى بِنَائِهَا وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ وَالْقَصْرِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْفُصْلَانِ وَالْخَنَادِقِ وَأَبْوَابِهَا أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ دِرْهَمًا. وَكَانَ الْأُسْتَاذُ مِنَ الْبَنَّائِينَ يَعْمَلُ يَوْمَهُ بِقِيرَاطِ فِضَّةٍ، وَالرُّوزْكَارِيُّ بِحَبَّتَيْنِ، وَحَاسَبَ الْقُوَّادَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَأَلْزَمَ كُلًّا مِنْهُمْ بِمَا بَقِيَ عِنْدَهُ فَأَخَذَهُ، حَتَّى إِنَّ خَالِدَ بْنَ الصَّلْتِ بَقِيَ عَلَيْهِ خَمْسَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَحَبَسَهُ وَأَخَذَهَا مِنْهُ. ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي ذِكْرِ مَدِينَةِ بَغْدَادَ مِنَ الْآثَارِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى ضَعْفِ مَا رُوِيَ فِيهَا مِنَ الْأَخْبَارِ فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ، بَغْدَادُ وَبَغْدَاذُ بِإِهْمَالِ الذَّالِ الثَّانِيَةِ وَإِعْجَامِهَا، وَبَغْدَانُ بِالنُّونِ آخِرَهُ، وَبِالْمِيمِ مَعَ ذَلِكَ أَوَّلًا مَغْدَانُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ، قِيلَ: إِنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ بَغْ وَدَاذَ، فَقِيلَ: بَغْ بُسْتَانٌ، وَدَاذُ اسْمُ رَجُلٍ. وَقِيلَ: بَغِ اسْمُ صَنَمٍ - وَقِيلَ: شَيْطَانٌ - وَدَاذُ: عَطِيَّةٌ. أَيْ عَطِيَّةُ الصَّنَمِ، وَلِهَذَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا تَسْمِيَتَهَا بَغْدَاذَ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا: مَدِينَةُ السَّلَامِ. وَكَذَا سَمَّاهَا بَانِيهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ; لِأَنَّ دِجْلَةَ كَانَ يُقَالُ لَهَا: وَادِي السَّلَامِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُسَمِّيهَا الزَّوْرَاءَ، وَهُوَ لَقَبٌ لَهَا. فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَحَاسِنِ بَغْدَادَ وَمَا رُوِيَ فِيهَا عَنِ الْأَئِمَّةِ النُّقَّادِ قَالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ الْمِصْرِيُّ: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ: هَلْ رَأَيْتَ بَغْدَادَ؟ قُلْتُ: لَا. فَقَالَ: لَمْ تَرَ الدُّنْيَا. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: مَا دَخَلْتُ بَلَدًا قَطُّ إِلَّا عَدَدْتُهُ سَفَرًا، إِلَّا بَغْدَادَ فَإِنِّي حِينَ دَخَلْتُهَا عَدَدْتُهَا وَطَنًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الدُّنْيَا بَادِيَةٌ، وَبَغْدَادُ حَاضِرَتُهَا. وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ: مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ وَلَا أَحْسَنَ رَغْبَةً. وَقَالَ ابْنُ مُجَاهِدٍ: رَأَيْتُ أَبَا عَمْرٍو ابْنَ الْعَلَاءِ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ لِي: دَعْنِي مِنْ هَذَا، مَنْ أَقَامَ بِبَغْدَادَ عَلَى السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمَاتَ، نُقِلَ مِنْ جَنَّةٍ إِلَى جَنَّةٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: الْإِسْلَامُ بِبَغْدَادَ، وَإِنَّهَا لَصَيَّادَةٌ تَصِيدُ الرِّجَالَ، وَمَنْ لَمْ يَرَهَا لَمْ يَرَ الدُّنْيَا. وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: بَغْدَادُ دَارُ دُنْيَا وَآخِرَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ يَوْمُ الْجُمْعَةِ بِبَغْدَادَ، وَصَلَاةُ التَّرَاوِيحِ بِمَكَّةَ، وَيَوْمُ الْعِيدِ بِطَرَسُوسَ. قَالَ الْخَطِيبُ: مَنْ شَهِدَ الْجُمْعَةَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ عَظَّمَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ مَحَلَّ الْإِسْلَامِ; لِأَنَّ مَشَايِخَنَا كَانُوا يَقُولُونَ: يَوْمُ الْجُمْعَةِ بِبَغْدَادَ كَيَوْمِ الْعِيدِ فِي غَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنْتُ أُوَاظِبُ عَلَى الْجُمْعَةِ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ، فَعَرَضَ لِي شُغْلٌ فَصَلَّيْتُ فِي غَيْرِهِ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لِي: تَرَكْتَ الصَّلَاةَ بِالْجَامِعِ وَإِنَّهُ لَيُصَلِّي بِالْجَامِعِ كُلَّ جُمْعَةٍ سَبْعُونَ وَلِيًّا؟! وَقَالَ آخَرُ: أَرَدْتُ الِانْتِقَالَ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى غَيْرِهَا، فَرَأَيْتُ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ لِي فِي الْمَنَامِ: أَتَنْتَقِلُ مِنْ بَلَدٍ فِيهِ عَشَرَةُ آلَافِ وَلِيٍّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟! وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَتَيَا بَغْدَادَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اقْلِبْ بِهَا فَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَيْهَا. فَقَالَ الْآخَرُ: كَيْفَ أَقْلِبُ بِبَلَدٍ خُتِمَ فِيهِ الْقُرْآنُ اللَّيْلَةَ خَمْسَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ؟! وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى قَالَ: إِذَا كَانَ عِلْمُ الرَّجُلِ حِجَازِيًّا، وَخُلُقُهُ عِرَاقِيًّا، وَطَاعَتُهُ شَامِيَّةً فَقَدْ كَمُلَ. وَقَالَتْ زُبَيْدَةُ لِمَنْصُورٍ النَّمَرِيِّ: قُلْ شِعْرًا تُحَبِّبُ فِيهِ بَغْدَادَ إِلَى الرَّشِيدِ، فَقَدِ اخْتَارَ سُكْنَى الرَّافِقَةِ. فَقَالَ: مَاذَا بِبَغْدَادَ مِنْ طِيبِ الْأَفَانِينِ وَمِنْ مَنَازِلَ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ تُحْيِي الرِّيَاحُ بِهَا الْمَرْضَى إِذَا نَسَمَتْ وَجَوَّشَتْ بَيْنَ أَغْصَانِ الرَّيَاحِينِ قَالَ: فَأَعْطَتْهُ أَلْفَيْ دِينَارٍ. وَقَالَ الْخَطِيبُ: وَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ طَاهِرِ بْنِ مُظَفَّرِ بْنِ طَاهِرٍ الْخَازِنِ بِخَطِّهِ مِنْ شِعْرِهِ: سَقَى اللَّهُ صَوْبَ الْغَادِيَاتِ مَحَلَّةً بِبَغْدَادَ بَيْنَ الْكَرْخِ فَالْخُلْدِ فَالْجِسْرِ هِيَ الْبَلْدَةُ الْحَسْنَاءُ خُصَّتْ لِأَهْلِهَا بِأَشْيَاءَ لَمْ يُجْمَعْنَ مُذْ كُنَّ فِي مِصْرِ هَوَاءٌ رَقِيقٌ فِي اعْتِدَالٍ وَصِحَّةٍ وَمَاءٌ لَهُ طَعْمٌ أَلَذُّ مِنَ الْخَمْرِ وَدِجْلَتُهَا شَطَّانِ قَدْ نُظِمَا لَنَا بِتَاجٍ إِلَى تَاجٍ وَقَصْرٍ إِلَى قَصْرِ ثَرَاهَا كَمِسْكٍ وَالْمِيَاهُ كَفِضَّةٍ وَحَصْبَاؤُهَا مِثْلُ الْيَوَاقِيتِ وَالدُّرِّ وَقَدْ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ فِي هَذَا أَشْعَارًا كَثِيرَةً، وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ.
التاريخ 2806لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خُرُوجِ الْعَلَاءِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا سَارَ الْعَلَاءُ بْنُ مُغِيثٍ الْيَحْصُبِيُّ ( مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى مَدِينَةٍ ) بِنَاحِيَةٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَلَبِسَ السَّوَادَ، وَقَامَ بِالدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ وَخَطَبَ لِلْمَنْصُورِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ، فَالْتَقَيَا بِنَوَاحِي إِشْبِيلِيَّةَ، ثُمَّ تَحَارَبَا أَيَّامًا، فَانْهَزَمَ الْعَلَاءُ وَأَصْحَابُهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَقُتِلَ الْعَلَاءُ. وَأَمَرَ بَعْضَ التُّجَّارِ بِحَمْلِ رَأْسِهِ وَرُءُوسِ جَمَاعَةٍ مِنْ مَشَاهِيرِ أَصْحَابِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَإِلْقَائِهَا بِالسُّوقِ سِرًّا، فَفُعِلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حُمِلَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَى مَكَّةَ، فَوَصَلَتْ وَكَانَ بِهَا الْمَنْصُورُ، وَكَانَ مَعَ الرُّءُوسِ لِوَاءٌ أَسْوَدُ وَكِتَابٌ كَتَبَهُ الْمَنْصُورُ لِلْعَلَاءِ.
التاريخ 2807لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ . وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الْمَنْصُورَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِهَدْمِ دُورِ مَنْ خَرَجَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَبِعَقْرِ نَخْلِهِمْ، فَكَتَبَ سَلْمٌ: بِأَيِّ ذَلِكَ أَبْدَأُ، بِالدُّورِ أَمْ بِالنَّخْلِ ؟ فَأَنْكَرَ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَزَلَهُ. وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ، فَعَاثَ بِالْبَصْرَةِ وَهَدَمَ دَارَ أَبِي مَرْوَانَ، وَدَارَ عَوْنِ بْنِ مَالِكٍ، وَدَارَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ هَذِهِ السَّنَةَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيُّ. وَفِيهَا عُزِلَ عَنِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، فَقَدِمَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَفِيهَا عُزِلَ عَنْ مَكَّةَ السَّرِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَلِيَهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ.
التاريخ 2808لا حكم مسجّل
وَفِيهَا غَزَا مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ مَالِكُ الصَّوَائِفِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، بِلَادَ الرُّومِ فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً ثُمَّ قَفَلَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا بِمَوْضِعٍ يُدْعَى الرَّهْوَةَ نَزَلَ بِهَا ثَلَاثًا وَبَاعَ الْغَنَائِمَ وَقَسَّمَ سِهَامَ الْغَنِيمَةِ، فَسُمِّيَتْ تِلْكَ الرَّهْوَةُ رَهْوَةَ مَالِكٍ.
التاريخ 2809لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: دَخَلَتِ التُّرْكُ تَفْلِيسَ فَهَزَمُوا جِبْرِيلَ بْنَ يَحْيَى، وَقَتَلُوا حَرْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَبَوْا سَبْيًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
التاريخ 2810لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ.
التاريخ 2811لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 775 - إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ. عَمُّ الْمَنْصُورِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 776 - أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَبُو هَانِئٍ الْحُمْرَانِيُّ، مَوْلَى حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ. سَمِعَ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ. رَوَى عَنْهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ ثِقَةً. 777 - رَبَاحُ الْقَيْسِيُّ. يُكَنَّى: أَبَا الْمُهَاصِرِ. كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ وَالتَّعَبُّدِ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ غُلًّا مِنْ حَدِيدٍ يَضَعُهُ فِي عُنُقِهِ بِاللَّيْلِ وَيَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ إِلَى الصَّبَاحِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الْحَافِظُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَيَّاطُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَبَاحٌ فَقَالَ: هَلُمَّ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَتَّى نَبْكِيَ عَلَى قِصَرِ السَّاعَاتِ وَنَحْنُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَهُ إِلَى الْمَقَابِرِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقُبُورِ صَرَخَ، ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قَالَ: فَجَلَسْتُ وَاللَّهِ عِنْدَ رَأْسِهِ أَبْكِي، فَأَفَاقَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قُلْتُ: لِمَا أَرَى بِكَ. قَالَ: لِنَفْسِكَ فَابْكِ. ثُمَّ قَالَ: وَانَفْسَاهْ، وَانَفْسَاهْ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَرَحِمْتُهُ وَاللَّهِ مِمَّا نَزَلَ بِهِ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ عِنْدَ رَأْسِهِ حَتَّى أَفَاقَ، فَوَثَبَ وَهُوَ يَقُولُ: تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ، تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ. وَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ وَأَنَا أَتْبَعُهُ لَا يُكَلِّمُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَنْزِلِهِ، فَدَخَلَ وَأَصْفَقَ بَابَهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، وَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ. 778 - ضَيْغَمُ بْنُ مَالِكٍ، أَبُو مَالِكٍ الْعَابِدُ. كَانَ وِرْدُهُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، طَوِيلَ الْحُزْنِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ رِضَاهُ فِي أَنْ أَقْرِضَ لَحْمِي لَدَعَوْتُ بِالْمِقْرَاضِ فَقَرَضْتُهُ. قَالَ: مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ: قَالَتْ أُمُّ ضَيْغَمٍ لَهُ يَوْمًا: ضَيْغَمُ. قَالَ لَهَا: لَبَّيْكِ يَا أُمَّاهُ. قَالَتْ: كَيْفَ فَرَحُكَ بِالْقُدُومِ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: فَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِهِ أَنَّهُ صَاحَ صَحِيحَةً لَمْ يَسْمَعُوهُ صَاحَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَجَلَسَتِ الْعَجُوزُ تَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ وَتَقُولُ: بِأَبِي أَنْتَ، مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ يَدَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ رَبِّكَ. قَالَ: وَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا: ضَيْغَمُ. قَالَ: لَبَّيْكِ يَا أُمَّاهُ. قَالَتْ: تُحِبُّ الْمَوْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أُمَّاهُ. قَالَتْ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: رَجَاءَ خَيْرِ مَا عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: فَبَكَتِ الْعَجُوزُ وَبَكَى، وَتَسَامَعَ أَهْلُ الدَّارِ، فَجَلَسُوا يَبْكُونَ لِبُكَائِهِمْ. قَالَ: وَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا آخَرَ: ضَيْغَمُ. قَالَ: لَبَّيْكِ يَا أُمَّاهُ. قَالَتْ: تُحِبُّ الْمَوْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أُمَّاهُ. قَالَتْ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: رَجَاءَ خَيْرِ مَا عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: فَبَكَتِ الْعَجُوزُ وَبَكَى، وَتَسَامَعَ أَهْلُ الدَّارِ، فَجَلَسُوا يَبْكُونَ لِبُكَائِهِمْ. قَالَ: وَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا آخَرَ: ضَيْغَمُ. قَالَ: لَبَّيْكِ يَا أُمَّاهُ. قَالَتْ: تُحِبُّ الْمَوْتَ؟ قَالَ: لَا يَا أُمَّاهُ. قَالَتْ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: لِكَثْرَةِ تَفْرِيطِي وَغَفْلَتِي عَنْ نَفْسِي. قَالَ: فَبَكَتِ الْعَجُوزُ وَبَكَى ضَيْغَمُ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الدَّارِ يَبْكُونَ. وَكَانَتْ أُمُّهُ عَرَبِيَّةً كَأَنَّهَا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ. 779 - عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُلَائِيُّ. سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَعَطَاءً، وَعُمَرَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ. رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَكَانَ يُثْنِي عَلَيْهِ، وَيَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا يَكَادُ يَصْرِفُ بَصَرَهُ عَنْهُ، يَتَأَدَّبُ بِرَوِيَّتِهِ. وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا يُقَالُ: إِنَّهُ مِنَ الْأَبْدَالِ. وقَالَ: عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ بِثَوْبٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اشْتَرِ هَذَا الثَّوْبَ، وَاعْلَمْ أَنَّ غَزَلَهُ ضَعِيفٌ. قَالَ: فَكَانَ إِذَا جَاءَهُ إِنْسَانٌ فَعَرَضَهُ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَتَهُ أَخْبَرَتْنِي أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْلِهِ ضَعْفٌ. حَتَّى جَاءَهُ رَجُلٌ فَاشْتَرَاهُ، وَقَالَ: قَدْ أَبْرَأْنَاكَ مِنْهُ. وقَالَ: إِسْحَاقُ بْنُ خَلَفٍ: أَقَامَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ عِشْرِينَ سَنَةً صَائِمًا مَا يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُهُ، يَأْخُذُ غَدَاهُ وَيَغْدُو إِلَى الْحَانُوتِ، فَيَتَصَدَّقُ بِغَدَائِهِ وَيَصُومُ وَأَهْلُهُ لَا يَدْرُونَ. قَالَ: وَكَانَ إِذَا حَضَرَتْهُ الرِّقَّةُ يُحَوِّلُ وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ وَيَقُولُ: هَذَا الزُّكَامُ. وَإِذَا نَظَرَ إِلَى أَهْلِ السُّوقِ قَالَ: مَا أَغْفَلَ هَؤُلَاءِ عَمَّا أُعِدَّ لَهُمْ. قَالَ: حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: لَمَّا احْتَضَرَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ بَكَى. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: عَلَامَ تَبْكِي مِنَ الدُّنْيَا؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ مُنَغَّصَ الْعَيْشِ أَيَّامَ حَيَاتِكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا، إِنَّمَا أَبْكِي خَوْفًا أَنْ أُحْرَمَ خَيْرَ الْآخِرَةِ. قَالَ: الْمُحَارِبِيُّ: قَالَ لِي سُفْيَانُ: عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ هُوَ الَّذِي أَدَّبَنِي، عَلَّمَنِي قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، وَعَلَّمَنِي الْفَرَائِضَ، فَكُنْتُ أَطْلُبُهُ فِي سُوقِهِ، فَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ فِي سُوقِهِ وَجَدْتُهُ فِي بَيْتِهِ، إِمَّا يُصَلِّي وَإِمَّا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي الْمُصْحَفِ، كَأَنَّهُ يُبَادِرُ أُمُورًا تَفُوتُهُ، فَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ فِي بَيْتِهِ، وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ مَسَاجِدِ الْكُوفَةِ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ كَأَنَّهُ سَارِقٌ قَاعِدٌ يَبْكِي، فَإِنْ لَمْ أَجِدْهُ وَجَدْتُهُ فِي الْمَقْبَرَةِ قَاعِدًا يَنُوحُ عَلَى نَفْسِهِ. فَلَمَّا مَاتَ أَغْلَقَ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَبْوَابَهُمْ وَخَرَجُوا بِجِنَازَتِهِ، فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ إِلَى الْجَبَّانَةِ وَبَرَزُوا بِسَرِيرِهِ - وَكَانَ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ - فَلَمَّا تَقَدَّمَ أَبُو حَيَّانَ وَكَبَّرُوا سَمِعُوا صَائِحًا يَصِيحُ: قَدْ جَاءَ الْمُحْسِنُ، قَدْ جَاءَ الْمُحْسِنُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ. وَإِذَا الْبَرِّيَّةُ مَمْلُوءَةٌ مِنْ طَيْرٍ أَبْيَضَ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهَا وَحُسْنِهَا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهَا وَكَثْرَتِهَا. قَالَ أَبُو حَيَّانَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُونَ؟ هَذِهِ مَلَائِكَةٌ جَاءَتْ فَشَهِدَتْ عَمْرًا. قَالَ: أَبُو خَالِدٍ - هُوَ الْأَحْمَرُ -: لَمَّا مَاتَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ رَأَوُا الصَّحْرَاءَ مَمْلُوءَةً رِجَالًا عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ بِيضٌ، فَلَمَّا صُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ لَمْ يَرَوْا فِي الصَّحْرَاءِ أَحَدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ لِأَبِي جَعْفَرٍ فَقَالَ لِابْنِ شُبْرُمَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تَذْكُرَا هَذَا الرَّجُلَ لِي فَقَالَا: كَانَ يَسْأَلُنَا أَنْ لَا نَذْكُرَهُ لَكَ. اخْتَلَفُوا أَيْنَ تُوُفِّيَ، فَقِيلَ: بِالْكُوفَةِ، وَقِيلَ: بِسِجِسْتَانَ. وَقِيلَ: بِالشَّامِ. وَقِيلَ: بِبَغْدَادَ. وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ. 780 - هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَبُو الْمُنْذِرِ - وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - الْأَسَدِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، رَأَى ابْنَ عُمَرَ، وَجَابِرًا، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَسَمِعَ أَبَاهُ، وَابْنَ الْمُنْكَدِرِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ أَيُّوبُ السِّجِسْتَانِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ جُرَيْحٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ ثِقَةً، وَقَدِمَ عَلَى الْمَنْصُورِ. عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْضِ عَنِّي دَيْنِي. قَالَ: وَكَمْ دَيْنُكَ؟ قَالَ: مِائَةُ أَلْفٍ. قَالَ: وَأَنْتَ فِي فَضْلِكَ وَفَهْمِكَ تَأْخُذُ دَيْنًا مِائَةَ أَلْفٍ وَلَيْسَ عِنْدَكَ قَضَاؤُهَا؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، شَبَّ فِتْيَانٌ مِنْ فِتْيَانِنَا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُبَوِّئَهُمْ وَخَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ عَلَيَّ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا أَكْرَهُ فَبَوَّأْتُهُمْ وَاتَّخَذْتُ لَهُمْ مَنَازِلَ وَأَوْلَمْتُ عَنْهُمِ ثِقَةً بِاللَّهِ وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: فَرَدَّ عَلَيْهِ مِائَةَ أَلْفٍ اسْتِعْظَامًا لَهَا، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِعَشْرَةِ آلَافٍ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَعْطِنِي مَا أَعْطَيْتَ وَأَنْتَ طَيِّبُ النَّفْسِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً وَهُوَ بِهَا طَيِّبُ النَّفْسِ بُورِكَ لِلْمُعْطِي وَلِلْمُعْطَى" قَالَ: فَإِنِّي بِهَا طَيِّبُ النَّفْسِ. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: أَهْوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ إِلَى يَدِ الْمَنْصُورِ يُقَبِّلُهَا فَمَنَعَهُ وَقَالَ: يَا ابْنَ عُرْوَةَ، [إِنَّا نَكْرَهُ ذَلِكَ، ] إِنَّا نُكْرِمُكَ عَنْهَا وَنُكْرِمُهَا عَنْ غَيْرِكَ. تُوُفِّيَ هِشَامٌ عِنْدَ الْمَنْصُورِ فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَاخْتَلَفُوا فِي قَبْرِهِ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: أَبُو الْمُنْذِرِ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مَاتَ أَيَّامَ خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ، وَدُفِنَ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ خَارِجَ السُّورِ نَحْوَ بَابِ قُطْرَبُّلٍ. وعَنْ طَاهِرٍ الدَّقَّاقِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْخَفَرِ يَنْكَرُ أَنْ يَكُونَ قَبْرُ هِشَامٍ الْمَشْهُورُ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَيْزُرَانِيَّةِ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ. قَالَ أَحْمَدُ: وَنَرَى أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. [ وَفِيهَا ] مَاتَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ فِي شَعْبَانَ . وَعَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ. وَطَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ. ( وَفِيهَا تُوُفِّيَ ابْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ النَّسَّابَةُ ).
التاريخ 2812لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِيهَا أَغَارَ أَسْتَرْخَانُ الْخَوَارِزْمِيُّ فِي جَمْعٍ مِنَ التُّرْكِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِنَاحِيَةِ إِرْمِينِيَّةَ وَسَبَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ خَلْقًا وَدَخَلُوا تَفْلِيسَ، وَكَانَ حَرْبٌ مُقِيمًا بِالْمَوْصِلِ فِي أَلْفَيْنِ مِنَ الْجُنْدِ لِمَكَانِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ بِالْجَزِيرَةِ، وَسَيَّرَ الْمَنْصُورُ إِلَى مُحَارَبَةِ التُّرْكِ جَبْرَائِيلَ بْنَ يَحْيَى وَحَرْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَهُزِمَ جَبْرَائِيلُ وَقُتِلَ حَرْبٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ جَبْرَائِيلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
التاريخ 2813لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ وَخَلْعِ عِيسَى بْنِ مُوسَى وَفِيهَا خَلَعَ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ وَبُويِعَ لِلْمَهْدِيِّ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْمَنْصُورِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي خَلَعَ لِأَجْلِهِ نَفْسَهُ، فَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى لَمْ يَزَلْ عَلَى وِلَايَةِ الْعَهْدِ وَإِمَارَةِ الْكُوفَةِ مِنْ أَيَّامِ السَّفَّاحِ إِلَى الْآنَ، فَلَمَّا كَبِرَ الْمَهْدِيُّ وَعَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْبَيْعَةِ لَهُ كَلَّمَ عِيسَى بْنَ مُوسَى فِي ذَلِكَ، وَكَانَ يُكْرِمُهُ وَيُجْلِسُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَيُجْلِسُ الْمَهْدِيَّ عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ فِي مَعْنَى خَلْعِ نَفْسِهِ وَتَقْدِيمِ الْمَهْدِيِّ عَلَيْهِ أَبَى وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ بِالْأَيْمَانِ عَلَيَّ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ؟ لَيْسَ إِلَى الْخَلْعِ سَبِيلٌ !. فَتَغَيَّرَ الْمَنْصُورُ عَلَيْهِ وَبَاعَدَهُ بَعْضَ الْمُبَاعَدَةِ، وَصَارَ يَأْذَنُ لِلْمَهْدِيِّ قَبْلَهُ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَنْ يَمِينِهِ فِي مَجْلِسِ عِيسَى ثُمَّ يُؤْذَنُ لِعِيسَى فَيَدْخُلُ فَيَجْلِسُ إِلَى جَانِبِ الْمَهْدِيِّ، وَلَمْ يَجْلِسْ عَنْ يَسَارِ الْمَنْصُورِ، فَاغْتَاظَ مِنْهُ ثُمَّ صَارَ يَأْذَنُ لِلْمَهْدِيِّ وَلِعَمِّهِ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ لِعَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ لِعِيسَى بْنِ مُوسَى، وَرُبَّمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالْإِذْنِ لِلْمَهْدِيِّ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَتَوَهَّمَ عِيسَى أَنَّهُ يُقَدِّمُ إِذْنَهُمْ لِحَاجَةٍ لَهُ إِلَيْهِمْ، وَعِيسَى صَامِتٌ لَا يَشْكُو، ثُمَّ صَارَ حَالُ عِيسَى إِلَى أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ مَعَهُ بَعْضُ وَلَدِهِ فَيَسْمَعُ الْحَفْرَ فِي أَصْلِ الْحَائِطِ، وَيُنْثَرُ عَلَيْهِ التُّرَابُ، وَيَنْظُرُ إِلَى الْخَشَبَةِ مِنَ السَّقْفِ قَدْ حُفِرَ عَنْ أَحَدِ طَرَفَيْهَا لِتُقْلَعَ فَيَسْقُطَ التُّرَابُ عَلَى قَلَنْسُوَتِهِ وَثِيَابِهِ فَيَأَمُرُ مَنْ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ بِالتَّحَوُّلِ وَيَقُومُ هُوَ يُصَلِّي ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُ فَيَدْخُلُ بِهَيْئَتِهِ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ وَثِيَابِهِ لَا يَنْفُضُهُ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَنْصُورُ: يَا عِيسَى مَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدٌ بِمِثْلِ هَيْئَتِكَ مِنْ كَثْرَةِ الْغُبَارِ وَالتُّرَابِ ! أَفَكُلُّ هَذَا مِنَ الشَّارِعِ ؟ فَيَقُولُ: أَحْسَبُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَشْكُو شَيْئًا. وَكَانَ الْمَنْصُورُ يُرْسِلُ إِلَيْهِ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ عِيسَى بْنُ مُوسَى لَا يُؤْثِرُهُ وَيَتَّهِمُهُ. فَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ أَمَرَ أَنْ يُسْقَى عِيسَى بْنُ مُوسَى بَعْضَ مَا يُتْلِفُهُ فَوَجَدَ الْمَاءَ فِي بَطْنِهِ فَاسْتَأْذَنَ فِي الْعَوْدِ إِلَى بَيْتِهِ بِالْكُوفَةِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَمَرِضَ مِنْ ذَلِكَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ ثُمَّ عُوفِيَ بَعْدَ أَنْ أَشْفَى. وَقَالَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ لِلْمَنْصُورِ: إِنَّ ابْنَ مُوسَى إِنَّمَا يَتَرَبَّصُ بِالْخِلَافَةِ لِابْنِهِ مُوسَى فَابْنُهُ الَّذِي يَمْنَعُهُ، فَقَالَ لَهُ: خَوِّفْهُ وَتَهَدَّدْهُ، فَكَلَّمَهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ وَخَوَّفَهُ، فَخَافَ مُوسَى بْنُ عِيسَى. وَأَتَى الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: يَا عَمِّ إِنِّي أَرَى مَا يُسَامُ أَبِي مَنْ إِخْرَاجِ هَذَا الْأَمْرِ مِنْ عُنُقِهِ، وَهُوَ يُؤْذَى بِصُنُوفِ الْأَذَى وَالْمَكْرُوهِ، فَهُوَ يُهَدَّدُ مَرَّةً، وَيُؤَخَّرُ إِذْنُهُ مَرَّةً، وَيُهْدَمُ عَلَيْهِ الْحِيطَانُ مَرَّةً، وَتُدَسُّ إِلَيْهِ الْحُتُوفُ مَرَّةً، وَأَبِي لَا يُعْطِي عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا. وَلَكِنَّ هَاهُنَا طَرِيقٌ لَعَلَّهُ يُعْطِي عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا، قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: يُقْبِلُ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَا شَاهِدٌ فَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَبْخَلُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَنِ الْمَهْدِيِّ لِنَفْسِكَ لِكِبَرِ سِنِّكَ، وَأَنَّهُ لَا تَطُولُ مُدَّتُكَ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَبْخَلُ بِهِ لِابْنِكَ، أَفَتُرَانِي أَدَعُ ابْنَكَ يَبْقَى بَعْدَكَ حَتَّى يَلِيَ عَلَى ابْنِي ؟ كَلَّا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا، وَلَأَثِبَنَّ عَلَى ابْنِكَ وَأَنْتَ تَنْظُرُ حَتَّى تَيْأَسَ مِنْهُ. فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يُجِيبَ إِلَى مَا يُرَادُ مِنْهُ. فَجَاءَ الْعَبَّاسُ إِلَى الْمَنْصُورِ وَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قَالَ ذَلِكَ، وَكَانَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ حَاضِرًا، فَقَامَ لِيَبُولَ، فَأَمَرَ عِيسَى بْنُ مُوسَى ابْنَهُ مُوسَى لِيَقُومَ مَعَهُ يَجْمَعُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، فَقَامَ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ: بِأَبِي أَنْتَ وَبِأَبِي أَبٌ وَلَدَكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ بَعْدَكُمَا، وَأَنَّكُمَا لَأَحَقُّ بِهِ، وَلَكِنَّ الْمَرْءَ مُغْرًى بِمَا تَعَجَّلَ. فَقَالَ مُوسَى [ فِي نَفْسِهِ ]: امْكَنَنِي هَذَا وَاللَّهِ مِنْ مَقَاتِلِهِ وَهُوَ الَّذِي يُغْرِي بِأَبِي، وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ ! فَلَمَّا رَجَعَا قَالَ مُوسَى لِأَبِيهِ ذَلِكَ سِرًّا، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي أَنْ يَقُولَ لِلْمَنْصُورِ مَا سَمِعَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: أُفٍّ لِهَذَا رَأْيًا وَمَذْهَبًا ! ائْتَمَنَكَ عَمُّكَ عَلَى مَقَالَةٍ أَرَادَ أَنْ يُسِرَّكَ بِهَا فَجَعَلْتَهَا سَبَبًا لِمَكْرُوهِهِ، وَلَا يَسْمَعَنَّ هَذَا أَحَدٌ، ارْجِعْ إِلَى مَكَانِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ أَمَرَ الْمَنْصُورُ الرَّبِيعَ فَقَامَ إِلَى مُوسَى فَخَنَقَهُ بِحَمَائِلِهِ، وَمُوسَى يَصِيحُ: اللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! وَمَا يُبَالِي عِيسَى أَنْ تَقْتُلَنِي وَلَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، وَالْمَنْصُورُ يَقُولُ: يَا رَبِيعُ أَزْهِقْ نَفْسَهُ، وَالرَّبِيعُ يُوهِمُ أَنَّهُ يُرِيدُ تَلَفَهُ وَهُوَ يَرْفُقُ بِهِ وَمُوسَى يَصِيحُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ مِنْكَ هَذَا كُلَّهُ ! فَاكْفُفْ عَنْهُ، فَهَأَنَذَا أُشْهِدُكَ أَنَّ نِسَائِي طَوَالِقُ وَمَمَالِيكِي [ أَحْرَارٌ ] وَمَا أَمْلِكُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَصْرِفُ ذَلِكَ فِي مَنْ رَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! وَهَذِهِ يَدِي بِالْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ. فَبَايَعَهُ لِلْمَهْدِيِّ. ثُمَّ جَعَلَ عِيسَى بْنَ مُوسَى بَعْدَ الْمَهْدِيِّ. فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: هَذَا الَّذِي كَانَ غَدًا فَصَارَ بَعْدَ غَدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَنْصُورَ وَضَعَ الْجُنْدَ وَكَانُوا يُسْمِعُونَ عِيسَى بْنَ مُوسَى مَا يَكْرَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، فَنَهَاهُمُ الْمَنْصُورُ عَنْهُ، وَكَانُوا يَكُفُّونَ ثُمَّ يَعُودُونَ. ثُمَّ إِنَّهُمَا تَكَاتَبَا مُكَاتَبَاتٍ أَغْضَبَتِ الْمَنْصُورَ، وَعَادَ الْجُنْدُ مَعَهُ لِأَشَدَّ مَا كَانُوا، مِنْهُمْ: أَسَدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ، وَعُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ، وَنَصْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَغَيْرُهُمْ، فَكَانُوا يَمْنَعُونَ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَيُسْمِعُونَهُ، فَشَكَاهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي أَنَا وَاللَّهِ أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ وَعَلَى نَفْسِي، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ هَذَا الْفَتَى، فَلَوْ قَدَّمْتَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ لَكَفُّوا. فَأَجَابَ عِيسَى إِلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ إِنَّ الْمَنْصُورَ اسْتَشَارَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ فِي ذَلِكَ وَبَعَثَهُ إِلَى عِيسَى، فَأَخَذَ مَعَهُ ثَلَاثِينَ مِنْ كِبَارِ شِيعَةِ الْمَنْصُورِ مِمَّنْ يَخْتَارُهُمْ، وَقَالَ لِعِيسَى فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ، فَامْتَنَعَ، فَرَجَعُوا إِلَى الْمَنْصُورِ وَشَهِدُوا عَلَى عِيسَى أَنَّهُ خَلَعَ نَفْسَهُ فَبَايَعَ لِلْمَهْدِيِّ، وَجَاءَ عِيسَى فَأَنْكَرَ ذَلِكَ فَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ، وَشَكَرَ لِخَالِدٍ صَنِيعَهُ. وَقِيلَ: بَلِ اشْتَرَى الْمَنْصُورُ مِنْهُ ذَلِكَ بِمَالٍ قَدْرُهُ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ لَهُ وَلِأَوْلَادِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْخَلْعِ. وَكَانَتْ مُدَّةُ وِلَايَةِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْكُوفَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَعَزَلَهُ الْمَنْصُورُ وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهَا لِيُؤْذِيَ عِيسَى وَيَسْتَخِفَّ بِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يَزَلْ مُعَظِّمًا لَهُ مُبَجِّلًا.
التاريخ 2814لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَوْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَحْضَرَ عِيسَى بْنَ مُوسَى بَعْدَ أَنْ خَلَعَ نَفْسَهُ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْخِلَافَةَ صَائِرَةٌ إِلَيْكَ بَعْدَ الْمَهْدِيِّ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَضْعُفَ فَتَنْقُضَ عَلَيَّ أَمْرِي الَّذِي دَبَّرْتُهُ. ثُمَّ مَضَى إِلَى مَكَّةَ وَكَتَبَ إِلَى عِيسَى مِنَ الطَّرِيقِ يَسْتَعْلِمُ مِنْهُ مَا فَعَلَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي أَمَرَهُ، فَكَتَبَ عِيسَى فِي الْجَوَابِ: قَدْ أَنْفَذْتُ مَا أَمَرْتَ بِهِ، فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّهُ قَتَلَهُ. وَكَانَ عِيسَى حِينَ أَخَذَ عَبْدَ اللَّهِ مِنْ عِنْدِ الْمَنْصُورِ دَعَا كَاتِبَهُ يُونُسَ بْنَ فَرْوَةَ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ تَقْتُلَهُ ثُمَّ يَقْتُلَكَ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ سِرًّا ثُمَّ يَدَّعِيهِ عَلَيْكَ عَلَانِيَةً، فَلَا تَقْتُلْهُ وَلَا تَدْفَعْهُ إِلَيْهِ سِرًّا أَبَدًا وَاكْتُمْ أَمْرَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ عِيسَى. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَنْصُورُ وَضَعَ عَلَى أَعْمَامِهِ مَنْ يُحَرِّكُهُمْ عَلَى الشَّفَاعَةِ فِي أَخِيهِمْ عَبْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا وَشَفَعُوا، فَشَفَّعَهُمْ وَقَالَ لِعِيسَى: إِنِّي كُنْتُ دَفَعْتُ إِلَيْكَ عَمِّي وَعَمَّكَ عَبْدَ اللَّهِ لِيَكُونَ فِي مَنْزِلِكَ، وَقَدْ كَلَّمَنِي عُمُومَتُكَ فِيهِ، وَقَدْ صَفَحْتُ عَنْهُ فَأْتِنَا بِهِ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَمْ تَأَمُرْنِي بِقَتْلِهِ ؟ فَقَتَلْتُهُ ! قَالَ: مَا أَمَرْتُكَ ! قَالَ: بَلَى أَمَرْتَنِي. قَالَ: مَا أَمَرْتُكَ إِلَّا بِحَبْسِهِ وَقَدْ كَذَبْتَ ! ثُمَّ قَالَ الْمَنْصُورُ لِعُمُومَتِهِ: إِنَّ هَذَا قَدْ ( أَقَرَّ لَكُمْ ) بِقَتْلِ أَخِيكُمْ قَالُوا: فَادْفَعْهُ إِلَيْنَا نُقِيدُهُ بِهِ. فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا بِهِ إِلَى الرَّحْبَةِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَشُهِرَ الْأَمْرُ، وَقَامَ أَحَدُهُمْ لِيَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَفَاعِلٌ أَنْتَ ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ ! قَالَ: رُدُّونِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَرَدُّوهُ إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَرَدْتَ بِقَتْلِهِ أَنْ تَقْتُلَنِي. هَذَا عَمُّكَ حَيٌّ سَوِيٌّ. قَالَ: ائْتِنَا بِهِ. فَأَتَاهُ بِهِ. قَالَ: يَدْخُلُ حَتَّى أَرَى رَأْيِي، ثُمَّ انْصَرَفُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَجُعِلَ فِي بَيْتٍ أَسَاسُهُ مِلْحٌ وَأَجْرَى الْمَاءَ فِي أَسَاسِهِ فَسَقَطَ عَلَيْهِ، فَمَاتَ فَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ بَابِ الشَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دُفِنَ فِيهَا، وَكَانَ عُمُرُهُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً. قِيلَ: رَكِبَ الْمَنْصُورُ يَوْمًا وَمَعَهُ ابْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفُ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: تَعْرِفُ ثَلَاثَةَ خُلَفَاءَ أَسْمَاؤُهُمْ عَلَى الْعَيْنِ قَتَلَتْ ثَلَاثَةَ خَوَارِجَ مَبْدَأُ أَسْمَائِهِمْ عَلَى الْعَيْنِ ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ إِلَّا مَا يَقُولُ الْعَامَّةُ: إِنَّ عَلِيًّا قَتَلَ عُثْمَانَ، وَكَذَبُوا، وَعَبْدَ الْمَلِكِ قَتَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَشْعَثِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ سَقَطَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: إِذَا سَقَطَ عَلَيْهِ فَمَا ذَنْبِي أَنَا ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِنَّ لَكَ ذَنْبًا. قَوْلُهُ: ابْنُ الزُّبَيْرِ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إِنَّمَا قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ. ( عَيَّاشٌ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ).
التاريخ 2815لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الْمَنْصُورُ مُحَمَّدًا ابْنَ أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ الْبَصْرَةَ، فَاسْتَعْفَى مِنْهَا ، فَأَعْفَاهُ، فَانْصَرَفَ إِلَى بَغْدَاذَ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا نُخْبَةَ بْنَ سَالِمٍ، فَأَقَرَّهُ الْمَنْصُورُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَغْدَاذَ مَاتَ بِهَا. وَكَانَ عَامِلُ الْمَنْصُورِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ عَمَّهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُقْبَةُ بْنُ سَالِمٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا سَوَّارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ.
التاريخ 2816لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: ضُرِبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. قال مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: ضُرِبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ ؓ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. ضَرَبَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ سَبْعِينَ سَوْطًا. قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالسَّبَبُ فِي ضَرْبِهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ مُبَايَعَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةَ أَبِي جَعْفَرٍ. فَقَالَ: إِنَّمَا بَايَعْتُمْ مُكْرَهِينَ، وَلَيْسَ عَلَى مُكْرَهٍ يَمِينٌ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ إِلَى مُحَمَّدٍ. فَلِذَلِكَ ضُرِبَ.
التاريخ 2817لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: حَجَّ بِالنَّاسِ الْمَنْصُورُ، وَقَبَضَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بِالْمَدِينَةِ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ - وَلَمْ يَحْفَظِ الدُّعَاءَ وَبَعْضُهُ عَنْ غَيْرِهِ - قَالَ: حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَالَ: ابْعَثْ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَنْ يَأْتِينَا بِهِ مُتْعَبًا، قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْهُ. فَتَغَافَلَ عَنْهُ الرَّبِيعُ لِيَنْسَاهُ، ثُمَّ أَعَادَ ذِكْرَهُ لِلرَّبِيعِ وَقَالَ: ابْعَثْ إِلَيْهِ مَنْ يَأْتِي بِهِ مُتْعَبًا. فَتَغَافَلَ عَنْهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الرَّبِيعِ بِرِسَالَةٍ قَبِيحَةٍ فِي جَعْفَرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ فَفَعَلَ. فَلَمَّا أَتَاهُ فَقَالَ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اذْكُرِ اللَّهَ، فَإِنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَيْكَ الَّتِي لَا سِوَى لَهَا. قَالَ جَعْفَرٌ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. ثُمَّ أَعْلَمَ أَبَا جَعْفَرٍ حُضُورَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَوْعَدَهُ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: اتَّخَذَكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِمَامًا يَجْبُونَ إِلَيْكَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، وَتُلْحِدُ فِي سُلْطَانِي وَتَبْغِيهِ الْغَوَائِلَ، قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَإِنَّ أَيُّوبَ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، وَإِنَّ يُوسُفَ ظُلِمَ فَغَفَرَ، وَأَنْتَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: إِلَيَّ وَعِنْدِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبَرِيءَ السَّاحَةِ، السَّلِيمَ النَّاحِيَةِ، الْقَلِيلَ الْغَائِلَةِ، جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ أَفْضَلَ مَا جَزَى ذَوِي الْأَرْحَامِ عَنْ أَرْحَامِهِمْ. ثُمَّ تَنَاوَلَ يَدَهُ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى فَرْشِهِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالْمِحَفَّةِ. فَأَتَى بِدُهْنٍ فِيهِ غَالِيَةٌ فَعَلَّقَهُ بِيَدِهِ حَتَّى خَلَتْ لِحْيَتُهُ قَاطِرَةً، ثُمَّ قَالَ: فِي حِفْظِ اللَّهِ وَكِلَاءَتِهِ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِيعُ، أَلْحِقْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَائِزَتَهُ وَكُسْوَتَهُ، انْصَرِفْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فِي حِفْظِ اللَّهِ وَفِي كَنَفِهِ. فَانْصَرَفَ، وَلَحِقْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَأَيْتُ قَبْلَ ذَلِكَ مَا لَمْ تَرَهُ، وَرَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَدْ رَأَيْتَ، فَمَا قُلْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ حِينَ دَخَلْتَ. قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ احْرُسْنِي بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَأَكْنِفْنِي بِبَرَكَتِكَ الَّتِي لَا تُرَامُ، وَارْحَمْنِي بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ، فَلَا أَهْلَكُ وَأَنْتَ رَجَائِي، اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِمَّا أَخَافُ وَأَحْذَرُ، اللَّهُمَّ بِكَ أَدْفَعُ فِي نَحْرِهِ، وَأَسْتَعِيذُكَ مِنْ شَرِّهِ.
التاريخ 2818لا حكم مسجّل
وَفِيهَا أَغْزَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ مَوْلَاهُ بَدْرًا، وَتَمَّامَ بْنَ عَلْقَمَةَ طُلَيْطُلَةَ، وَبِهَا هَاشِمُ بْنُ عُذْرَةَ، وَضَيَّقَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَسَرَاهُ هُوَ وَحَيَاةُ بْنُ الْوَلِيدِ الْيَحْصُبِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَتَيَا بِهِمْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي جِبَابِ صُوفٍ وَقَدْ حُلِقَتْ رُءُوسُهُمْ وَلِحَاهُمْ وَقَدْ أُرْكِبُوا الْحَمِيرَ وَهُمْ فِي السَّلَاسِلِ، ثُمَّ صُلِبُوا بِقُرْطُبَةَ.
التاريخ 2819لا حكم مسجّل
وَفِيهَا قَدِمَ رَسُولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى الشَّامِ فِي إِحْضَارِ وَلَدِهِ الْأَكْبَرِ سُلَيْمَانَ، فَحَضَرَ وَسُلَيْمَانُ مَعَهُ، وَكَانَ قَدْ وُلِدَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْأَنْدَلُسِ وَلَدُهُ هِشَامٌ، فَقَدَّمَهُ الْأَمِيرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا حِقْدٌ وَغِلٌّ أَوْجَبَا مَا نَذْكُرُهُ فِيمَا بَعْدُ.
التاريخ 2820لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عَمُّهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ: جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى مِصْرَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ.
التاريخ 2821لا حكم مسجّل
وَفِيهَا مَاتَ أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الَحُدَّانِيُّ الْبَصْرِيُّ. وَهُشَامُ بْنُ حَسَّانٍ مَوْلًى لِعَتِيكٍ ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْيَامِيُّ أَبُو الْأَشْعَثِ الْكُوفِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ، وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ صَاحِبُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 781 - حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ الْبَصْرِيُّ. سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُرَيْدَةَ، وَيَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ. سَمِعَ مِنْهُ: شُعْبَةُ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَكَانَ ثِقَةً. 782 - سُهَيْلُ بْنُ حَيَّانَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو السَّحْمَاءِ الْكَلْبِيُّ. رَوَى عَنْهُ: اللَّيْثُ، وَابْنُ وَهْبٍ. وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ. تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 783 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، عَمُّ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ. أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ بَرْبَرِيَّةٌ، وَلَّاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ حَرْبَ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَضَمِنَ لَهُ أَنَّهُ إِنْ جَرَى قُتِلَ مَرْوَانُ عَلَى يَدِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ، فَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مَرْوَانَ حَتَّى قَتَلَهُ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَلَمْ يَزَلْ أَمِيرًا عَلَيْهَا مُدَّةَ خِلَافَةِ السَّفَّاحِ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ نِيَّةُ السَّفَّاحِ لَهُ، فَعَهِدَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَنْصُورُ خَالَفَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ مُحْتَجًّا بِمَا كَانَ السَّفَّاحُ وَعَدَهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ أَبَا مُسْلِمٍ صَاحِبَ الدَّوْلَةِ، فَحَارَبَهُ بِنَصِيبِينَ، فَانْهَزَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَاخْتَفَى، وَصَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ أَخَذَ لَهُ أَمَانًا مِنَ الْمَنْصُورِ، فَقَدِمَ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ فَحَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ فِي الْحَبْسِ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ فَقَتَلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عُمْرُهُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ. وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ بَابِ الشَّامِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دُفِنَ بِهَا. وَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ التَّوَارِيخِ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَالَ لِابْنِ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفِ - وَكَانَ لَهُ انْبِسَاطٌ عَلَى الْمَنْصُورِ - عَلَى طَرِيقِ الْمِزَاحِ: تَعَرَّفْ ثَلَاثَةً أَوَّلُ أَسْمَائِهِمْ عَيْنٌ، قَتَلُوا ثَلَاثَةً أَوَائِلُ أَسْمَائِهِمْ عَيْنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَتَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ قَتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَوَقَعَ الْبَيْتُ عَلَى عَمِّكَ عَبْدِ اللَّهِ. وَكَانَ قَدْ كَتَبَ الْعَهْدَ لِعَبْدِ اللَّهِ وَاسْتَوْثَقَ فِيهِ، وَغَلَّظَ فِي الْأَيْمَانِ، وَفِيهِ: أَنْ أَحُجَّ حَافِيًا حَاسِرًا، وَأَمْوَالِي وَأَمْلَاكِي حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَقُولُ كَذَا وَكَذَا، وَأَبْرَأُ مِنْ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا وَقَفَ الْمَنْصُورُ عَلَى هَذَا الْمَكْتُوبِ قَالَ: مَتَى وَقَعَتْ عَلَيْهِ عَيْنِي فَهَذَا كُلُّهُ يَلْزَمُنِي. فَلَمَّا جِيءَ بِهِ أُعْلِمَ بِمَجِيئِهِ، فَقَالَ: يُدْخَلُ بَيْتًا. وَكَانَ قَدْ أَعَدَّ لَهُ بَيْتًا بُنِيَ أَسَاسُهُ بِالْمِلْحِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِيهِ أُجْرِيَ الْمَاءُ حَوَالَيْهِ فَانْهَدَمَ الْبَيْتُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الصُّولِيُّ: وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: أَتَعْرِفُونَ عَيْنَ ابْنَ عَيْنِ ابْنِ عَيْنِ ابْنِ عَيْنِ ابْنِ عَيْنٍ قَتَلَ مِيمَ ابْنَ مِيمِ ابْنِ مِيمٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، عَمُّكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَتَلَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ. 784 - عُثْمَانُ، أَبُو عَمْرٍو الْبَتِّيُّ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرِيُّ. وَقِيلَ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ هُرْمُزَ. وَقِيلَ: ابْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ جُرْمُوزٍ. سَمِعَ الْحَسَنَ. وَرَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ. وَكَانَ يَبِيعُ الْبَتَّ، وَهِيَ ثِيَابٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْبَصْرَةِ. 785 - هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفِرْدَوْسِيُّ. رَوَى عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ: حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَارِسِيَّةٌ كَانَتْ تَكُونُ مَعَ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فِي الدَّارِ قَالَتْ: أَيُّ ذَنْبٍ عَمِلَ هَذَا مِنْ قِبَلِ هَذَا اللَّيْلِ كُلِّهِ يُبْكِي. تُوُفِّيَ هِشَامٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ. 786 - هَانِي بْنُ الْمُنْذِرِ الْكُلَاعِيُّ. رَوَى عَنْهُ ابْنُ لَهِيعَةَ. وَكَانَ عَلَّامَةً بِالْأَنْسَابِ، مُسْتَطْلِعًا مَعْرِفَتَهَا، وَبِأَخْبَارِ الْعَرَبِ وَأَيَّامِهَا، وَأَخْبَارِ مِصْرَ وَمَا جَرَى فِيهَا. وَكَانَ يُوثَقُ فِيمَا يَحْكِيهِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 2822لا حكم مسجّل
وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ: تَوَطَّدَتِ الْمَمَالِكُ كُلُّهَا لِلْمَنْصُورِ، وَعَظُمَتْ هَيْبَتُهُ فِي النُّفُوسِ، وَدَانَتْ لَهُ الْأَمْصَارُ، وَلَمْ يُبْقِ خَارِجًا عَنْهُ سِوَى جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ فَقَطْ؛ فَإِنَّهَا غَلَبَ عَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْأُمَوِيُّ الْمَرْوَانِيُّ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَلَقَّبْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بَلِ بِالْأَمِيرِ فَقَطْ، وَكَذَلِكَ بَنُوهُ.
التاريخ 2823لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ حَسَّانِ بْنِ مُجَالِدٍ وَفِيهَا خَرَجَ حَسَّانُ بْنُ مُجَالِدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَجْدَعِ الْهَمْدَانِيُّ. وَمَالِكٌ هَذَا هُوَ أَخُو مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ. وَكَانَ خُرُوجُهُ بِنَوَاحِي الْمَوْصِلِ بِقَرْيَةٍ تُسَمَّى بَافَخَّارَى قَرِيبٍ مِنَ الْمَوْصِلِ عَلَى دِجْلَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ، وَعَلَيْهَا الصَّقْرُ بْنُ نَجْدَةَ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَهَا بَعْدَ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ إِلَى الْجِسْرِ. وَأَحْرَقَ الْخَوَارِجُ أَصْحَابُ حَسَّانٍ السُّوقَ هُنَاكَ وَنَهَبُوهُ . ثُمَّ إِنَّ حَسَّانًا سَارَ إِلَى الرَّقَّةِ وَمِنْهَا إِلَى الْبَحْرِ وَدَخَلَ إِلَى بَلَدِ السِّنْدِ، وَكَانَتِ الْخَوَارِجُ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ يُدْخِلُونَهُمْ وَيَدَعُونَهُمْ، فَاسْتَأْذَنَهُمْ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَعَادَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الصَّقْرُ أَيْضًا، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَسَّانٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَبِلَالٌ الْقَيْسِيُّ، فَالْتَقَوْا فَانْهَزَمَ الصَّقْرُ، وَأُسِرَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَبِلَالٌ، فَقَتَلَ حَسَّانٌ بِلَالًا، وَاسْتَبْقَى الْحَسَنَ لِأَنَّهُ مِنْ هَمْدَانَ، فَفَارَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِهَذَا. وَكَانَ حَسَّانٌ قَدْ أَخَذَ رَأْيَ الْخَوَارِجِ عَنْ خَالِهِ حَفْصِ بْنِ أَشْيَمَ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ الْخَوَارِجِ وَفُقَهَائِهِمْ. وَلَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خُرُوجُ حَسَّانٍ قَالَ: خَارِجِيٌّ مِنْ هَمْدَانَ ؟ قَالُوا: إِنَّهُ ابْنُ أُخْتِ حَفْصِ بْنِ أَشْيَمَ. فَقَالَ: فَمَنْ هُنَاكَ ؟ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ الْمَنْصُورُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَامَّةَ هَمْدَانَ شِيعَةٌ لَعَلِيٍّ، وَعَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى إِنْفَاذِ الْجُيُوشِ إِلَى الْمَوْصِلِ وَالْفَتْكِ بِأَهْلِهَا. فَأَحْضَرَ أَبَا حَنِيفَةَ، وَ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، وَ ابْنَ شُبْرُمَةَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَهْلَ الْمَوْصِلِ شَرَطُوا إِلَيَّ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ عَلَيَّ، فَإِنْ فَعَلُوا حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَقَدْ خَرَجُوا. فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ وَتَكَلَّمَ الرَّجُلَانِ وَقَالَا: رَعِيَّتُكَ، فَإِنْ عَفَوْتَ فَأَهْلُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَإِنْ عَاقَبْتَ فَبِمَا يَسْتَحِقُّونَ. فَقَالَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَرَاكَ سَكَتَّ يَا شَيْخُ ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَبَاحُوكَ مَا لَا يَمْلِكُونَ، أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً أَبَاحَتْ فَرْجَهَا بِغَيْرِ عَقْدِ نِكَاحٍ وَمِلْكِ يَمِينٍ، أَكَانَ يَجُوزُ أَنْ تُوطَأَ ؟ قَالَ: لَا ! وَكَفَّ عَنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ وَأَمَرَ أَبَا حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ بِالْعَوْدِ إِلَى الْكُوفَةِ.
التاريخ 2824لا حكم مسجّل
ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَوْصِلِ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكَ . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ انْتِشَارُ الْأَكْرَادِ بِوِلَايَتِهَا وَإِفْسَادُهُمْ، فَقَالَ: مَنْ لَهَا ؟ فَقَالُوا: الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَأَشَارَ عُمَارَةُ بْنُ غَمْرَةَ بِخَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَوَلَّاهُ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، وَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَقَهَرَ الْمُفْسِدِينَ وَكَفَّهُمْ، وَهَابَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ هَيْبَةً شَدِيدَةً مَعَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ.
التاريخ 2825لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: تَوْجِيهُ الْمَنْصُورِ حُمَيْدَ بْنَ قُحْطَبَةَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ لِحَرْبِ التُّرْكِ الَّذِينَ قَتَلُوا حَرْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَاثُوا بِتَفْلِيسَ، فَسَارَ فَوَجَدَهُمْ قَدِ ارْتَحَلُوا، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ أَحَدًا.
التاريخ 2826لا حكم مسجّل
[ وِلَادَةُ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى ] وَفِيهَا وُلِدَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ الرَّشِيدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَأَرْضَعَتْهُ الْخَيْزُرَانُ أُمُّ الرَّشِيدِ بِلَبَنِ ابْنِهَا، فَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى أَخَا الرَّشِيدِ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَلِذَلِكَ يَقُولُ سَلْمٌ الْخَاسِرُ: أَصْبَحَ الْفَضْلُ وَالْخَلِيفَةُ هَارُو نُ رَضِيعَيْ لِبَانِ خَيْرِ النِّسَاءِ. وَقَالَ أَبُو الْجَنُوبِ: كَفَى لَكَ فَضْلًا أَنَّ أَفْضَلَ حُرَّةٍ غَذَّتْكَ بِثَدْيٍ وَالْخَلِيفَةَ وَاحِدِ .
التاريخ 2827لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وِلَايَةِ الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ خُرُوجُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ بَعَثَ إِلَى الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عِقَالِ بْنِ خَفَاجَةَ التَّمِيمِيِّ عَهْدًا بِوِلَايَةِ إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ هَذَا الْأَغْلَبُ مِمَّنْ قَامَ مَعَ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَقَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْعَهْدُ قَدِمَ الْقَيْرَوَانَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَأَخْرَجَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ الْمُضَرِيَّةِ، وَسَكَنَ النَّاسُ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ أَبُو قُرَّةَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْأَغْلَبُ، فَهَرَبَ أَبُو قُرَّةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَسَارَ الْأَغْلَبُ يُرِيدُ طَنْجَةَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْجُنْدِ وَكَرِهُوا الْمَسِيرَ وَتَسَلَّلُوا عَنْهُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ. وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ حَرْبٍ الْكِنْدِيُّ بِمَدِينَةِ تُونُسَ، وَكَاتَبَ الْجُنْدَ وَدَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ، فَأَجَابُوهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْقَيْرَوَانَ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ. وَبَلَغَ الْأَغْلَبَ الْخَبَرُ فَعَادَ مُجِدًّا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: لَيْسَ مِنَ الرَّأْيِ ( أَنْ تَعْدِلَ [ إِلَى ] لِقَاءِ الْعَدُوِّ فِي هَذِهِ الْعُدَّةِ الْقَلِيلَةِ، وَلَكِنَّ الرَّأْيَ أَنْ تَعَدِلَ إِلَى قَابِسَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَنْ مَعَهُ يَجِيءُ إِلَيْكَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا كَرِهُوا الْمَسِيرَ إِلَى طَنْجَةَ لَا غَيْرُ وَتَقْوَى بِهِمْ وَتُقَاتِلُ عَدُوَّكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَكَثُرَ جَمْعُهُ وَسَارَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحَسَنُ وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَمَضَى الْحَسَنُ إِلَى تُونُسَ ( فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ )، وَدَخَلَ الْأَغْلَبُ الْقَيْرَوَانَ. وَحَشَدَ الْحَسَنُ وَجَمَعَ فَصَارَ فِي عُدَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَصَدَ الْأَغْلَبَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْأَغْلَبُ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَأَصَابَ الْأَغْلَبَ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، وَثَبَتَ أَصْحَابُهُ، ( فَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمُ الْمُخَارِقُ بْنُ غِفَارٍ، فَحَمَلَ الْمُخَارِقُ عَلَى الْحَسَنِ، وَكَانَ فِي مَيْمَنَةِ الْأَغْلَبِ، فَهَزَمَهُ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا إِلَى تُونُسَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَوَلِيَ الْمُخَارِقُ إِفْرِيقِيَّةَ فِي رَمَضَانَ، وَوَجَّهَ الْخَيْلَ فِي طَلَبِ الْحَسَنِ، فَهَرَبَ الْحَسَنُ مِنْ تُونُسَ إِلَى كِنَايَهْ فَأَقَامَ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تُونُسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنَ الْجُنْدِ فَقَتَلُوهُ. ( وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْحَسَنَ قُتِلَ بَعْدَ قَتْلِ الْأَغْلَبِ، لِأَنَّ أَصْحَابَ الْأَغْلَبِ ثَبَتُوا بَعْدَ قَتْلِهِ ) فِي الْمَعْرَكَةِ، فَقُتِلَ الْحَسَنُ بْنُ حَرْبٍ أَيْضًا، وَوَلَّى أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ وَصُلِبَ الْحَسَنُ، وَدُفِنَ الْأَغْلَبُ وَسُمِّيَ الشَّهِيدَ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 2828لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْفِتَنِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ سَعِيدٌ الْيَحْصُبِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْمَطَرِيِّ بِالْأَنْدَلُسِ بِمَدِينَةِ لِبْلَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَكِرَ يَوْمًا، فَتَذَكَّرَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ الْيَمَانِيَّةِ مَعَ الْعَلَاءِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، فَعَقَدَ لِوَاءً، فَلَمَّا صَحَا رَآهُ مَعْقُودًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِهِ، فَأَرَادَ حَلَّهُ ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ لَأَعْقِدَ لِوَاءً ثُمَّ أَحُلَّهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ ! وَشَرَعَ فِي الْخِلَافِ، فَاجْتَمَعَتِ الْيَمَانِيَّةُ إِلَيْهِ وَقَصَدَ إِشْبِيلِيَّةَ وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَكَثُرَ جَمْعُهُ. فَبَادَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ فِي جُمُوعِهِ، فَامْتَنَعَ الْمَطَرِيُّ فِي قَلْعَةِ زَعْوَاقَ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَحَصَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِيهَا، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ أَهْلَ الْخِلَافِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَكَانَ قَدْ وَافَقَهُ عَلَى الْخِلَافِ غِيَاثُ بْنُ عَلْقَمَةَ اللَّخْمِيُّ، وَكَانَ بِمَدِينَةِ شَذُونَةَ، وَقَدِ انْضَافَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ يُرِيدُونَ إِمْدَادَ الْمَطَرِيِّ، وَهُمْ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ. فَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ذَلِكَ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ بَدْرًا مَوْلَاهُ فِي جَيْشٍ، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَطَرِيِّ، فَطَالَ الْحِصَارُ عَلَيْهِ وَقَلَّتْ رِجَالُهُ بِالْقَتْلِ، فَفَارَقَهُ بَعْضُهُمْ، فَخَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْقَلْعَةِ وَقَاتَلَ وَقُتِلَ وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَقَدَّمَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ عَلَيْهِمْ خَلِيفَةَ بْنَ مَرْوَانَ، فَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ أَهْلُهَا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ خَلِيفَةَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَآمَنَهُمْ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِ الْحِصْنَ وَخَلِيفَةَ، فَخَرَّبَ الْحِصْنَ وَقَتَلَ خَلِيفَةَ وَمَنْ مَعَهُ. ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى غِيَاثٍ، وَكَانَ مُوَافِقًا لِلْمَطَرِيِّ عَلَى الْخِلَافِ، فَحَصَرَهُمْ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ إِلَّا نَفَرًا كَانَ يَعْرِفُ كَرَاهَتَهُمْ لِدَوْلَتِهِ، فَإِنَّهُ قَبَضَ عَلَيْهِمْ، وَعَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهَا خَرَجَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُرَاشَةَ الْأَسَدِيُّ بِكُورَةِ جَيَّانَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ جُمُوعٌ، فَأَغَارَ عَلَى قُرْطُبَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَيْشًا، فَتَفَرَّقَ جَمْعُهُ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَبَذَلَهُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَفَّى لَهُ.
التاريخ 2829لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عَسْكَرَ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ بِدَابِقٍ وَلَمْ يَغْزُ.
التاريخ 2830لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ ، وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَّالَهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
التاريخ 2831لا حكم مسجّل
جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ [جَعْفَرٌ الصَّادِقُ]. أُمُّهُ أُمُّ فَرْوَةَ بِنْتُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. كَانَ عَالِمًا زَاهِدًا عَابِدًا، أَسْنَدَ عَنْ أَبِيهِ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ. عَنْ يَحْيَى بْنِ الْفُرَاتِ قَالَ: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إِلَّا بِثَلَاثَةٍ: تَعْجِيلُهُ، وَتَصْغِيرُهُ، وَسَتْرُهُ. قَالَ: الْهَيْثَمُ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَعْفَرٍ وَمُوسَى بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يُوصِيهِ بِهَذِهِ الْوَصِيَّةِ، فَكَانَ مِمَّا حَفِظْتُ مِنْهَا أَنْ قَالَ: يَا بُنَيَّ، اقْبَلْ وَصِيَّتِي، وَاحْفَظْ مَقَالَتِي، فَإِنَّكَ إِنْ حَفِظْتَهَا تَعِشْ سَعِيدًا، وَتَمُتْ حَمِيدًا، يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ مَنْ قَنِعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ اسْتَغْنَى، وَمَنْ مَدَّ عَيْنَهُ إِلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مَاتَ فَقِيرًا، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ اتَّهَمَ اللَّهَ فِي قَضَائِهِ، وَمَنِ اسْتَصْغَرَ زَلَّةَ غَيْرِهِ اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ نَفْسِهِ. يَا بُنَيَّ، مَنْ كَشَفَ حِجَابَ غَيْرِهِ انْكَشَفَتْ عَوْرَاتُ بَيْتِهِ، وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قُتِلَ بِهِ، وَمَنِ احْتَفَرَ لِأَخِيهِ بِئْرًا سَقَطَ فِيهَا، وَمَنْ دَاخَلَ السُّفَهَاءَ حَقُرَ، وَمَنْ خَالَطَ الْعُلَمَاءَ وَقَرَ، وَمَنْ دَخَلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ اتُّهِمَ. يَا بُنَيَّ، قُلِ الْحَقَّ لَكَ وَعَلَيْكَ، وَإِيَّاكَ وَالنَّمِيمَةَ، فَإِنَّهَا تَزْرَعُ الشَّحْنَاءَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ. يَا بُنَيَّ إِذَا طَلَبْتَ الْجُودَ فَعَلَيْكَ بِمَعَادِنِهِ. قال: الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا لِي أَرَاكَ قَدِ اعْتَزَلْتَ عَنِ النَّاسِ؟ قَالَ: يَا سُفْيَانُ، فَسَدَ الزَّمَانُ، وَتَغَيَّرَ الْإِخْوَانُ، فَرَأَيْتُ الِانْفِرَادَ أَسْكَنَ لِلْفُؤَادِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: ذَهَبَ الْوَفَاءُ ذَهَابَ أَمْسِ الذَّاهِبِ وَالنَّاسُ بَيْنَ مُخَاتِلٍ وَمُوَارِبِ يُفْشُونَ بَيْنَهُمُ الْمَوَدَّةَ وَالصَّفَا وَقُلُوبُهُمْ مَحْشُوَّةٌ بِعَقَارِبِ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَعْمَشُ، مَوْلَى بَنِي كَاهِلٍ. أَصْلُهُ مِنْ طَبَرِسْتَانَ، مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: دَبَاوَنْدُ. وُلِدَ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ، وَرَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ. وَرَأَى أَبَا بَكْرَةَ الثَّقَفِيَّ وَأَخَذَ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّمَا أَكْرَمْتَ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ. وَسَمِعَ الْمَغْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ، وَأَبَا وَائِلٍ، وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ مِنْ أَقْرَأِ النَّاسِ لِلْقُرْآنِ وَأَعْرَفِهِمْ بِالْفَرَائِضِ، وَأَحْفَظِهِمْ لِلْحَدِيثِ وَأَوْثَقِهِمْ قَالَ: عِيسَى بْنُ يُونُسَ: لَمْ نَرَ نَحْنُ وَلَا الْقَرْنُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا مِثْلَ الْأَعْمَشِ، وَمَا رَأَيْتُ الْأَغْنِيَاءَ وَالسَّلَاطِينَ عِنْدَ أَحَدٍ أَحْقَرَ مِنْهُمْ عِنْدَ الْأَعْمَشِ مَعَ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ. وقَالَ: أَبُو هِشَامٍ: سَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ: قَالَ عِيسَى بْنُ مُوسَى لِابْنِ أَبِي لَيْلَى: اجْمَعِ الْفُقَهَاءَ. قَالَ: فَجَمَعْتُهُمْ، فَجَاءَ الْأَعْمَشُ فِي جُبَّةِ فَرْوٍ وَقَدْ رَبَطَ وَسَطِهِ بِشَرِيطٍ، فَأَبْطَئُوا فَقَامَ الْأَعْمَشُ فَقَالَ: إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تُعْطُونَا شَيْئًا وَإِلَّا فَخَلُّوا سَبِيلَنَا. فَقَالَ: يَا ابْنَ أَبِي لَيْلَى، قُلْتُ لَكَ تَأْتِي بِالْفُقَهَاءِ تَجِيءُ بِهَذَا؟ ! قَالَ: هَذَا سَيِّدُنَا، هَذَا الْأَعْمَشُ. وعَنْ وَكِيعٍ قَالَ: كَانَ الْأَعْمَشُ قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ تَفُتْهُ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى، وَاخْتَلَفَتْ إِلَيْهِ قَرِيبًا مِنْ سَنَتَيْنِ، فَمَا رَأَيْتُهُ يَقْضِي رَكْعَةً. وقَالَ: جَرِيرٌ قَالَ: جِئْنَا الْأَعْمَشَ يَوْمًا فَوَجَدْنَاهُ قَاعِدًا فِي نَاحِيَةٍ، فَجَلَسْنَا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَفِي الْمَوْضِعِ خَلِيجٌ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَيْهِ سَوَادٌ، فَلَمَّا بَصُرَ بِالْأَعْمَشِ عْلِيهَ فَرْوَةٌ حَقِيرَةٌ قَالَ: قُمْ عَبِّرْنِي هَذَا الْخَلِيجَ. وَجَذَبَ بِيَدِهِ فَأَقَامَهُ وَرَكِبَهُ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ فَمَضَى بِهِ الْأَعْمَشُ حَتَّى تَوَسَّطَ بِهِ الْخَلِيجَ، ثُمَّ رَمَى بِهِ وَقَالَ: وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَ الْمُسَوِّدَ يَتَخَبَّطُ فِي الْمَاءِ. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ: كَانَ الْأَعْمَشُ إِذَا رَأَى ثَقِيلًا قَالَ [لَهُ]: كَمْ عَرْضُكَ تُقِيمُ فِي هَذِهِ الْبَلْدَةِ. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ: كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الْأَعْمَشِ فَيَقُولُ: فِي السَّمَاءِ غَيْمٌ. يَعْنِي هَا هُنَا مَنْ نَكْرَهُ. و عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: نَشَزَتْ عَلَى الْأَعْمَشِ امْرَأَتُهُ، وَكَانَ يَأْتِيهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْبِلَادِ مَكْفُوفٌ، فَصِيحٌ يَتَكَلَّمُ بِالْإِعْرَابِ يَتَطَلَّبُ الْحَدِيثَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْبِلَادِ، إِنَّ امْرَأَتِي قَدْ نَشَزَتْ عَلَيَّ، وَضَيَّعَتْ بَيْتِي وَغَمَّتْنِي، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهَا فَتُخْبِرُهَا بِمَكَانِي مِنَ النَّاسِ وَمَوْضِعِي عِنْدَهُمْ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: يَا هُنَيَّاهْ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ قَسْمَكَ، هَذَا شَيْخُنَا وَسَيِّدُنَا، وَعَنْهُ نَأْخُذُ أَصْلَ دِينِنَا، وَحَلَالَنَا وَحَرَامَنَا، لَا يُغْرُنَّكَ عُمُوشَةُ عَيْنَيْهِ، وَلَا خُمُوشَةُ سَاقَيْهِ. فَغَضِبَ الْأَعْمَشُ وَقَالَ: يَا أَعْمَى يَا خَبِيثُ، أَعْمَى اللَّهُ قَلْبَكَ، قَدْ أَخْبَرْتَهَا بِعُيُوبِي كُلِّهَا، اخْرُجْ مِنْ بَيْتِي. فَأَخْرَجَهُ مِنْ بَيْتِهِ. عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى بْنِ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي قَالَتْ: لَمْ تَكُنْ بِالْكُوفَةِ امْرَأَةٌ أَجْمَلُ مِنِ امْرَأَةِ الْأَعْمَشِ، فَابْتُلِيَتْ بِالْأَعْمَشِ وَبِقُبْحِ وَجْهِهِ، وَسُوءِ خُلُقِهِ. تُوُفِّيَ الْأَعْمَشُ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ. عَمَّارُ بْنُ سَعْدٍ السَّلْهَمِيُّ. يَرْوِي عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَكَانَ فَاضِلًا، كَانَ يَقُولُ: مِنْ تَخَايَلَ الثَّوَابَ خَفَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَمَا لَاءَمَ الْقَلْبَ خَفَّ عَلَى الْجَسَدِ، وَلِسَانُ الْحَكِيمِ فِي قَلْبِهِ وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي طَرَفِ لِسَانِهِ، مَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِهِ نَطَقَ بِهِ. مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، مَوْلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَكَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ، رَوَى عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَاللَّيْثُ، وَغَيْرُهُمَا. وَكَانَ يُخَضِّبُ بِالصُّفْرَةِ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قال صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى: مَكَثَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَشُقَّ بَطْنُ أُمِّهِ فَأُخْرِجَ وَقَدْ نَبَتَتْ أَسْنَانُهُ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ حَتَّى خَرَجَ بِالْمَدِينَةِ فَلَمَّا قُتِلَ وَوَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدِينَةَ بَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ فَأُتِيَ بِهِ فَبَكَّتَهُ وَكَلَّمَهُ كَلَامًا شَدِيدًا وَقَالَ لَهُ: خَرَجْتَ مَعَ الْكِلَابِ. وَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهِ. فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ بِكَلِمَةٍ إِلَّا أَنَّهُ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ بِشَيْءٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ، يَظُنُّ أَنَّهُ يَدْعُو. قَالَ: فَقَامَ مَنْ حَضَرَ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَأَشْرَافِهِمْ. فَقَالُوا: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ فَقِيهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَابِدُهَا، وَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَيْهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ الَّذِي جَاءَتْ فِيهِ الرِّوَايَةُ، فَلَمْ يَزَالُوا يَشْفَعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى تَرَكَهُ. فَوَلَّى مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ مُنْصَرِفًا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ إِلَى مَنْزِلِهِ. [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا مَاتَ زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ. وَأَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَيُقَالُ مَوْلَى تَمِيمٍ، وَهُوَ ثِقَةٌ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى الْقَاضِي. وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ الْمَدَنِيُّ. وَعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ الْوَاسِطِيُّ. وَيَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيُّ، مِنْ أَهْلِ الرَّمَلَةِ. ( سَيْبَانُ: بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتَ، ثُمَّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ: بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ ).
التاريخ 2836لا حكم مسجّل
وَفِيهَا أَغْزَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ بَدْرًا مَوْلَاهُ إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ فَجَاوَزَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ جِزْيَتَهَا
التاريخ 2837لا حكم مسجّل
وَكَانَ أَبُو الصَّبَّاحِ حُيَىُّ بْنُ يَحْيَى عَلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَعَزَلَهُ فَدَعَا إِلَى الْخِلَافِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَخَدَعَهُ حَتَّى حَضَرَ عِنْدَهُ فَقَتَلَهُ.
التاريخ 2832لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ أَرْضَ الرُّومِ وَمَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ ، فَمَاتَ مُحَمَّدٌ فِي الطَّرِيقِ.
التاريخ 2833لا حكم مسجّل
وَفِيهَا اسْتَتَمَّ الْمَنْصُورُ بِنَاءَ سُورِ بَغْدَاذَ وَخَنْدَقِهَا، وَفَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهَا ، وَسَارَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ ثُمَّ عَادَ.
التاريخ 2834لا حكم مسجّل
وَسَارَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ ثُمَّ عَادَ.
التاريخ 2835لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عُزِلَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ مَكَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَاسْتُعْمِلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ سِوَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ.
التاريخ 2838لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
التاريخ 2839لا حكم مسجّل
الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو يُونُسَ الْعِجْلِيُّ الْقَوِيُّ. سَمِعَ مِنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ. قَالَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ زِيَادٍ: إِنَّمَا [سُمِّيَ] أَبُو يُونُسَ: الْقَوِيَّ لِقُوَّتِهِ عَلَى الْعِبَادَةِ، صَلَّى حَتَّى أُقْعِدَ، وَبَكَى حَتَّى عَمِيَ، وَصَامَ حَتَّى صَارَ كَالْحَشَفَةِ. سَالِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ. كَانَ أَمِيرًا كَبِيرًا، غَزِيرَ الْعَقْلِ، حَسَنَ الْمَحْضَرِ. وَوَلَّاهُ الْمَنْصُورُ الْبَصْرَةَ ثُمَّ عَزَلَهُ. عَنْ أَبِي الْمُعَلَّى الثَّقَفِيِّ يَقُولُ: جَرَى ذِكْرُ رَجُلٍ فِي مَجْلِسِ سَالِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ فَتَنَاوَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: يَا هَذَا أَوْحَشْتَنَا مِنْ نَفْسِكَ، وَآنَسْتَنَا مِنْ مَوَدَّتِكَ، وَدَلَلْتَنَا عَلَى عَوْرَتِكَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَتَى أَهْلُنَا سَالِمَ بْنَ قُتَيْبَةَ فِي حَاجَةٍ فَقَالُوا لَهُ: جِئْنَاكَ فِيمَا لَا يَرْزَأُكَ وَلَا يَنْكَأُكَ. فَقَالَ: لَا جَاءَ اللَّهُ بِكُمْ إِذَنْ، فَلِمَ جِئْتُمُونِي عَلَيْكُمْ بِلِئَامِ النَّاسِ. تُوُفِّيَ سَالِمٌ فِي هَذِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَهْدِيُّ. عِمْرَانُ بْنُ حَرِيرٍ، أَبُو عُبَيْدَةَ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ. سَمِعَ عِكْرِمَةَ، وَأَبَا مِجْلَزٍ. وَسَمِعَ مِنْهُ: شُعْبَةُ، وَوَكِيعٌ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. كُرْزُ بْنُ وَبَرَةَ. كُوفِيُّ الْأَصْلِ، سَكَنَ جُرْجَانَ، أَسْنَدَ عَنْ طَاوُوسٍ، وَعَطَاءٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ مُتَعَبِّدًا. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى كُرْزِ بْنِ وَبَرَةَ بَيْتَهُ وَإِذَا عِنْدَ مُصَلَّاهُ حُفْرَةٌ قَدْ مَلَأَهَا تِبْنًا، وَبَسَطَ عَلَيْهَا كِسَاءً، مِنْ طُولِ الْقِيَامِ. وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ الْقُرْآنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وقَالَ: أَبُو سُلَيْمَانَ الْمُكْتِبُ قَالَ: صَحِبْتُ كُرْزًا إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ أَدْرَجَ ثِيَابَهُ فَأَلْقَاهَا عَلَى الرَّحْلِ، ثُمَّ تَنَحَّى لِلصَّلَاةِ، فَإِذَا سَمِعَ رُغَاءَ الْإِبِلِ أَقْبَلَ فَاحْتَبَسَ يَوْمًا عَنِ الْوَقْتِ، فَانْبَثَّتْ أَصْحَابُهُ فِي طَلَبِهِ. فَكُنْتُ فِيمَنْ طَلَبَهُ. قَالَ: فَأَصَبْتُهُ فِي وَهْدَةٍ يُصَلِّي فِي سَاعَةٍ حَارَّةٍ، وَإِذَا سَحَابَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا رَآنِي أَقْبَلَ نَحْوِي، فَقَالَ: يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ. قُلْتُ: وَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَكْتُمَ عَلَيَّ مَّا رَأَيْتَ. قَالَ: قُلْتُ: ذَاكَ لَكَ. قَالَ: أَوْثِقْ لِي. فَحَلَفْتُ أَنْ لَا أُخْبِرَ بِهِ أَحَدًا حَتَّى يَمُوتَ. كَهْمَسُ بْنُ الْحَسَنِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَيْسِيُّ. كَانَ مُتَعَبِّدًا وَرِعًا، يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَيَقُولُ لِنَفْسِهِ: قُومِي يَا مَأْوَى كُلِّ سُوءٍ، فَوَاللَّهِ مَا رَضِيتُكِ لِلَّهِ سَاعَةً قَطُّ. قَالَ: عُمَارَةُ بْنُ زَادَانَ: قَالَ لِي كَهْمَسٌ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، أَذْنَبْتُ ذَنْبًا، فَأَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قُلْتُ: مَا هُوَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: زَارَنِي أَخٌ لِي فَاشْتَرَيْتُ لَهُ سَمَكًا بِدَانَقٍ، فَلَمَّا أَكَلَ قُمْتُ إِلَى حَائِطِ جَارٍ لِي، فَأَخَذْتُ مِنْهُ قِطْعَةَ طِينٍ فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ، فَأَنَا أَبْكِي عَلَيْهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. عَابِدٌ عَلَوِيٌّ مَدِينِيٌّ. قَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَامِرٍ الْوَاعِظَ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَاءَنِي غُلَامٌ أَسْوَدُ بِرُقْعَةٍ فَقَرَأْتُهَا، فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَتَّعَكَ اللَّهُ بِمُسَامَرَةِ الْفِكْرَةِ، وَنَعَّمَكَ بِمُؤَانَسَةِ الْعِبْرَةِ، وَأَفْرَدَكَ بِحُبِّ الْخَلْوَةِ، يَا أَبَا عَامِرٍ، أَنَا رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِكَ بَلَغَنِي قُدُومُكُ الْمَدِينَةَ فَسُرِرْتُ بِذَلِكَ، وَأَحْبَبْتُ زِيَارَتَكَ وَبِي مِنَ الشَّوْقِ إِلَى مُجَالَسَتِكَ وَالِاسْتِمَاعِ لِمُحَادَثَتِكَ، مَا لَوْ كَانَ فَوْقِي لَأَظَلَّنِي، وَلَوْ كَانَ تَحْتِي لَأَقَلَّنِي، سَأَلْتُكَ بِالَّذِي حَبَاكَ بِالْبَلَاغَةِ لَمَا أَلْحَقْتَنِي جَنَاحَ التَّوَصُّلِ مِنْ زِيَارَتِكَ. وَالسَّلَامُ. قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَقُمْتُ مَعَ الرَّسُولِ حَتَّى أَتَى بِي إِلَى فِنَاءٍ فَأَدْخَلَنِي مَنْزِلًا رَحْبًا خَرِبًا. فَقَالَ لِي: قِفْ هَا هُنَا حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ. فَوَقَفَ، فَخَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ لِي: لِجْ. فَدَخَلْتُ، فَإِذَا بَيْتٌ مُفْرَدٌ فِي الْخَرِبَةِ، لَهُ بَابٌ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَإِذَا بِكَهْلٍ قَاعِدٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، تَخَالُهُ مِنَ الْوَلَهِ مَكْرُوبًا، وَمِنَ الْخَشْيَةِ مَحْزُونًا، قَدْ ظَهَرَتْ فِي وَجْهِهِ أَحْزَانُهُ، وَذَهَبَتْ مِنَ الْبُكَاءِ عَيْنَاهُ، وَمَرِضَتْ أَجْفَانُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، ثُمَّ تَحَرَّكَ، فَإِذَا هُوَ أَعْمَى أَعْرَجُ مِسْقَامٌ. فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَامِرٍ، غَسَلَ اللَّهُ مِنْ دَرَنِ الذُّنُوبِ قَلْبَكَ، لَمْ يَزَلْ قَلْبِي إِلَيْكَ تَوَّاقًا، وَإِلَى سَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ مِنْكَ مُشْتَاقًا، وَبِي جُرْحٌ بَعْدُ، قَدْ أَعْيَا الْوَاعِظِينَ دَوَاهُ، وَأَعْجَزَ الْمُتَطَبِّبِينَ شِفَاؤُهُ، وَقَدْ بَلَغَنِي نَفْعُ مَرَاهِمُكَ لِلْجِرَاحِ وَالْآلَامِ، فَلَا تَأْلُو - رَحِمَكَ اللَّهُ - فِي إِيقَاعِ التِّرْيَاقِ، وَإِنْ كَانَ مُرَّ الْمَذَاقِ، فَإِنِّي مِمَّنْ يَصْبِرُ عَلَى أَلَمِ الدَّوَاءِ رَجَاءَ الشِّفَاءِ. قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ بَهَرَنِي، وَسَمِعْتُ كَلَامًا قَطَّعَنِي، فَأَفْكَرْتُ طَوِيلًا، ثُمَّ تَأْتِي مِنْ كَلَامِي مَا تَأْتِي، وَسَهُلَ مِنْ صُعُوبَتِهِ مَا مِنْهُ يَرِقُّ لِي. فَقُلْتُ: يَا شَيْخُ، ارْمِ بِبَصَرِ قَلْبِكَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ، وَأَجِلَّ سَمْعَ مَعْرِفَتِكَ فِي سُكَّانِ الْأَرْجَاءِ، وَتَنَقَّلْ بِحَقِيقَةِ إِيمَانِكَ إِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى فَتَرَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ فِيهَا لِلْأَوْلِيَاءِ، ثُمَّ تُشْرِفُ عَلَى نَارٍ لَظَى فَتَرَى مَا أُعِدَّ فِيهَا لِلْأَشْقِيَاءِ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الدَّارَيْنِ، أَلَيْسَ الْفَرِيقَانِ فِي الْمَوْتِ سَوَاءً؟ قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَأَنَّ أَنَّةً، وَصَاحَ صَيْحَةً، وَزَفَرَ وَالْتَوَى، وَقَالَ: يَا أَبَا عَامِرٍ، وَقَعَ وَاللَّهِ دَوَاؤُكَ عَلَى دَائِي، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ شِفَائِي، زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا شَيْخُ، إِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِسَرِيرَتِكَ، مُطَّلِعٌ عَلَى خَفِيَّتِكَ، شَاهِدُكَ فِي خَلْوَتِكَ بِعَيْنِهِ، [أَيْنَ] كُنْتَ عِنْدَ اسْتِتَارِكَ مِنْ خَلْقِهِ وَمُبَارَزَتِهِ. فَصَاحَ صَيْحَةً كَصَيْحَتِهِ الْأُولَى. ثُمَّ قَالَ: مَنْ لِفَقْرِي، مَنْ لِفَاقَتِي، مَنْ لِذَنْبِي، مَنْ لِخَطِيئَتِي؟ أَنْتَ يَا مَوْلَايَ، وَإِلَيْكَ مُنْقَلَبِي. ثُمَّ خَرَّ مَيِّتًا رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَأُسْقِطَ فِي يَدِي وَقُلْتُ: مَا جَنَيْتُ عَلَى نَفْسِي. فَخَرَجْتُ إِلَى جَارِيَةٍ عَلَيْهَا مِدْرَعَةُ صُوفٍ، وَخِمَارٌ مِنْ صُوفٍ، قَدْ ذَهَبَ السُّجُودُ بِجَبِينِهَا وَأَنْفِهَا، وَاصْفَرَّ لِطُولِ الْقِيَامِ لَوْنُهَا، وَتَوَرَّمَتْ قَدَمَاهَا، فَقَالَتْ: أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ يَا حَادِيَ قُلُوبِ الْعَارِفِينَ، وَمُثِيرَ أَشْجَانِ غَلِيلِ الْمَحْزُونِينَ، لَا نَسِيَ لَكَ هَذَا الْمَقَامَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، يَا أَبَا عَامِرٍ، هَذَا الشَّيْخُ وَالِدِي، مُبْتَلًى بِالسَّقَمِ مُنْذُ عَشْرِ سِنِينَ، صَلَّى حَتَّى أُقْعِدَ، وَبَكَى حَتَّى عَمِيَ، وَكَانَ يَتَمَنَّاكَ عَلَى اللَّهِ وَيَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَ أَبِي عَامِرٍ الْبُنَانِيِّ، فَأَحْيَا مَوَاتَ قَلْبِي، وَطَرَدَ وَسَنَ نَوْمِي، فَإِنْ سَمِعْتُهُ ثَانِيَةً قَتَلَنِي، فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ وَاعِظٍ خَيْرًا، وَمَتَّعَكَ مِنْ كَلِمَكَ بِمَا أَعْطَاكَ، ثُمَّ أَكَبَّتْ عَلَى أَبِيهَا تُقَبِّلُ عَيْنَيْهِ وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: يَا أَبِي، يَا أَبَتَاهُ، يَا مَنْ أَعْمَاهُ الْبُكَاءُ، يَا أَبِي، يَا أَبَتَاهُ، يَا مَنْ قَتَلَهُ ذِكْرُ وَعِيدِ رَبِّهِ ثُمَّ عَلَا الْبُكَاءُ وَالنَّحِيبُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ، وَجَعَلَتْ تَقُولُ: يَا أَبِي، يَا أَبَتَاهُ، يَا حَلِيفَ الْحُرْقَةِ وَالْبُكَاءِ. يَا أَبِي يَا أَبَتَاهُ، يَا جَلِيسَ الِابْتِهَالِ وَالدُّعَاءِ، يَا أَبِي، يَا أَبَتَاهُ، يَا صَرِيخَ الْمُذَكِّرِينَ وَالْخُطَبَاءِ، يَا أَبِي يَا أَبَتَاهُ، يَا قَتِيلَ الْوُعَّاظِ وَالْحُكَمَاءِ. قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَأَجَبْتُهَا: أَيَّتُهَا الْبَاكِيَةُ الْجَرْبَاءُ، وَالنَّادِبَةُ الثَّكْلَى، إِنَّ أَبَاكِ نَحْبُهُ قَدْ قُضِيَ، وَوَرَدَ دَارَ الْجَزَاءِ، وَعَايَنَ كُلَّ مَا عَمِلَ، وَعَلَيْهِ يُحْصَى فِي كِتَابٍ عِنْدَ رَبِّي، لَا يَنْسَى لِمُحْسِنٍ فَلَهُ الزُّلْفَى، أَوْ مُسِيءٍ فَوَارِدٌ دَارَ مَنْ أَسَاءَ. فَصَاحَتِ الْجَارِيَةُ كَصَيْحَةِ أَبِيهَا، ثُمَّ جَعَلَتْ تَرْشَحُ عَرَقًا، وَخَرَجْتُ مُبَادِرًا إِلَى مَسْجِدِ الْمُصْطَفَى ﷺ، وَفَرَغْتُ إِلَى الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّضَرُّعِ وَالْبُكَاءِ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَجَاءَنِي الْغُلَامُ الْأَسْوَدُ فَأَذَنَنِي بِجِنَازَتَيْهِمَا وَقَالَ: احْضُرِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا وَدَفَنَتَهُمَا. وَسَأَلْتُ عَنْهُمَا فَقِيلَ لِي مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ. قَالَ أَبُو عَامِرٍ: فَمَا زِلْتُ جَزِعًا حَذِرًا مِمَّا جَنَيْتُ، حَتَّى رَأَيْتُهُمَا فِي الْمَنَامِ عَلَيْهِمَا حُلَّتَانِ خَضْرَاوَتَانِ، فَقُلْتُ: مَرْحَبًا بِكُمَا وَأَهْلًا، فَمَا زِلْتُ حَذِرًا بِمَا وَعَظْتُكُمَا بِهِ، مَاذَا صَنَعَ اللَّهُ بِكُمَا؟ فَقَالَ الشَّيْخُ: أَنْتَ شَرِيكِي فِي الَّذِي نِلْتُهُ مُسْتَأْهِلًا ذَاكَ يَا أَبَا عَامِرِ وَكُلُّ مَنْ أَيْقَظَ ذَا غَفْلَةٍ فَنِصْفُ مَا يُعْطَاهُ لِلْآمِرِ مَنْ رَدَّ عَبْدًا آبِقًا مُذْنِبًا كَانَ كَمَنْ قَدْ رَاقَبَ الْقَاهِرِ وَاجْتَمَعَا فِي دَارِ عَدْلِ وَفِي جِوَارِ رَبٍّ سَيِّدٍ غَافِرِ وَعِيسَى بْنُ عُمَرَ أَبُو عُمَرَ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرِيُّ النَّحْوِيُّ شَيْخُ سِيبَوَيْهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَإِنَّمَا نَزَلَ فِي ثَقِيفٍ، فَنُسِبَ إِلَيْهِمْ. كَانَ إِمَامًا كَبِيرًا جَلِيلًا فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ وَالْقِرَاءَاتِ، أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، وَسَمِعَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، وَالْأَصْمَعِيُّ، وَسِيبَوَيْهِ، وَلَزِمَهُ وَعُرِفَ بِهِ وَانْتَفَعَ بِهِ، وَأَخَذَ كِتَابَهُ الَّذِي صَنَّفَهُ وَسَمَّاهُ " الْجَامِعَ " فَزَادَ عَلَيْهِ وَبَسَطَهَ، فَهُوَ " كِتَابُ سِيبَوَيْهِ " الْيَوْمَ، وَكَانَ يَسْأَلُ عَمَّا أَشْكَلَ فِيهِ عَلَيْهِ شَيْخَهُ الْخَلِيلَ بْنَ أَحْمَدَ، وَقَدْ سَأَلَ الْخَلِيلُ يَوْمًا سِيبَوَيْهِ عَمَّا صَنَّفَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: جَمَعَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ كِتَابًا، ذَهَبَتْ كُلُّهَا إِلَّا كِتَابَهُ " الْإِكْمَالَ "، وَهُوَ بِأَرْضِ فَارِسَ وَكِتَابَهُ " الْجَامِعَ "، وَهُوَ الَّذِي أَشْتَغِلُ فِيهِ وَأَسْأَلُكَ عَنْ غَوَامِضِهِ. فَأَطْرَقَ الْخَلِيلُ سَاعَةً ثُمَّ أَنْشَدَ: ذَهَبَ النَّحْوُ جَمِيعًا كُلُّهُ غَيْرَ مَا أَحْدَثَ عِيسَى بْنُ عُمَرْ ذَاكَ إِكْمَالٌ وَهَذَا جَامِعٌ وَهُمَا لِلنَّاسِ شَمْسٌ وَقَمَرْ وَقَدْ كَانَ عِيسَى يُغْرِبُ وَيَتَقَعَّرُ فِي عِبَارَتِهِ جِدًّا، وَقَدْ حَكَى الْجَوْهَرِيُّ عَنْهُ فِي الصِّحَاحِ أَنَّهُ سَقَطَ يَوْمًا عَنْ حِمَارِهِ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ: مَا لَكُمْ تَكَأْكَأْتُمْ عَلَيَّ تَكَأْكُؤَكُمْ عَلَى ذِي جِنَّةٍ؟! افْرَنْقِعُوا عَنِّي. مَعْنَاهُ: مَا لَكُمْ تَجَمَّعْتُمْ عَلَيَّ تَجَمُّعَكُمْ عَلَى مَجْنُونٍ؟! انْكَشِفُوا عَنِّي. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ بِهِ ضِيقُ النَّفَسِ، فَسَقَطَ بِسَبَبِهِ، فَاعْتَقَدَ النَّاسُ أَنَّهُ مَصْرُوعٌ، فَجَعَلُوا يُعَوِّذُونَهُ وَيَقْرَءُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ مِنْ غَشِيَتِهِ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ جِنِّيَّتَهُ تَتَكَلَّمُ بِالْفَارِسِيَّةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ كَانَ صَاحِبًا لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، وَأَنَّ عِيسَى بْنَ عُمَرَ قَالَ يَوْمًا لِأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ: أَنَا أَفْصَحُ مِنْ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرٍو: كَيْفَ تُنْشِدُ هَذَا الْبَيْتَ: قَدْ كُنْ يَخْبَأْنَ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا فَالْيَوْمَ حِينَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ أَوْ " بَدَيْنَ " ؟ فَقَالَ: بَدَيْنَ. فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: أَخْطَأْتَ. وَلَوْ قَالَ: بَدَأْنَ. لَأَخْطَأَ أَيْضًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو عَمْرٍو تَغْلِيطَهُ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ: بَدَوْنَ، مِنْ بَدَا يَبْدُو إِذَا ظَهَرَ. وَبَدَأَ يَبْدَأُ إِذَا شَرَعَ فِي الشَّيْءِ.
التاريخ 2840لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ أُسْتَاذْ سِيسْ . وَفِيهَا خَرَجَ أُسْتَاذْ سِيسْ فِي أَهْلِ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ وَسِجِسْتَانَ وَغَيْرِهَا مِنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَغَلَبُوا عَلَى عَامَّةِ خُرَاسَانَ، وَسَارُوا حَتَّى الْتَقَوْا هُمْ وَأَهْلُ مَرْوِ الرُّوذِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْأَجْثَمُ الْمَرْوَرُّوذِيُّ فِي أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الْأَجْثَمُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ، وَهُزِمَ عِدَّةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، مِنْهُمْ: مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَجِبْرَائِيلُ بْنُ يَحْيَى، وَحَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو النَّجْمِ السِّجِسْتَانِيُّ، وَدَاوُدُ بْنُ كَرَّارٍ. وَوَجَّهَ الْمَنْصُورُ، وَهُوَ بِالرَّاذَانِ، خَازِمَ بْنَ خُزَيْمَةَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَوَلَّاهُ الْمَهْدِيُّ مُحَارَبَةَ أُسْتَاذْ سِيسْ وَضَمَّ إِلَيْهِ الْقُوَّادَ. فَسَارَ خَازِمٌ وَأَخَذَ مَعَهُ مَنِ انْهَزَمَ، وَجَعَلَهُمْ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ يُكَثِّرُ بِهِمْ مَنْ مَعَهُ، وَكَانَ مَعَهُ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. ثُمَّ انْتَخَبَ مِنْهُمْ سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ وَضَمَّهُمْ إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا كَانُوا مَعَهُ مِنَ الْمُنْتَخَبِينَ، وَكَانَ بَكَّارُ بْنُ سَلْمٍ فِيمَنِ انْتُخِبَ، وَتَعَبَّأَ لِلْقِتَالِ، فَجَعَلَ الْهَيْثَمَ بْنَ شُعْبَةَ بْنِ ظُهَيْرٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَنَهَارَ بْنَ حُصَيْنٍ السَّعْدِيَّ عَلَى مَيْسَرَتِهِ، وَبَكَّارَ بْنَ سَلْمٍ الْعُقَيْلِيَّ فِي مُقَدِّمَتِهِ، وَكَانَ لِوَاؤُهُ مَعَ الزِّبْرِقَانِ. فَمَكَرَ بِهِمْ وَرَاوَغَهُمْ ( فِي أَنْ يَنْقُلَهُمْ ) مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ وَخَنْدَقٍ إِلَى خَنْدَقٍ حَتَّى قَطَعَهُمْ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ رَجَّالَةً، ثُمَّ سَارَ خَازِمٌ إِلَى مَوْضِعٍ فَنَزَلَهُ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ لَهُ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ، وَجَعَلَ عَلَى كُلِّ بَابٍ أَلْفًا مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ انْتَخَبَ. وَأَتَى أَصْحَابُ أُسْتَاذْ سِيسْ وَمَعَهُمُ الْفُئُوسُ وَالْمُرُورُ وَالزُّبُلُ لِيَطُمُّوا الْخَنْدَقَ، فَأَتَوُا الْخَنْدَقَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ بَكَّارُ بْنُ سَلْمٍ، فَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ بَكَّارٍ حَمْلَةً هَزَمُوهُمْ بِهَا، فَرَمَى بَكَّارٌ بِنَفْسِهِ، فَتَرَجَّلَ عَلَى بَابِ الْخَنْدَقِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يُؤْتَى الْمُسْلِمُونَ مِنْ نَاحِيَتِنَا. تَرَجَّلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَعَشِيرَتِهِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ رُجَلًا وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى رَدُّوهُمْ مِنْ بَابِهِمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ خَازِمٌ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ أُسْتَاذْ سِيسْ مِنْ أَهْلِ سِجِسْتَانَ اسْمُهُ الْحَرِيشُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُدَبِّرُ أَمْرَهُ، فَلَمَّا رَآهُ خَازِمٌ مُقْبِلًا بَعَثَ إِلَى الْهَيْثَمِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ فِي الْمَيْمَنَةِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ بَكَّارٌ، فَإِنَّ مَنْ بِإِزَائِهِ قَدْ شُغِلُوا عَنْهُمْ، وَيَسِيرُ حَتَّى يَغِيبَ عَنْ أَبْصَارِهِمْ، ثُمَّ يَرْجِعُ مِنْ خَلْفِ الْعَدُوِّ، وَقَدْ كَانُوا يَتَوَقَّعُونَ قُدُومَ أَبِي عَوْنٍ، وَعَمْرِو بْنِ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ مِنْ طَخَارِسْتَانَ. وَبَعَثَ خَازِمٌ إِلَى بَكَّارٍ: إِذَا رَأَيْتَ رَايَاتِ الْهَيْثَمِ قَدْ جَاءَتْ كَبِّرُوا وَقُولُوا: قَدْ جَاءَ أَهْلُ طَخَارِسْتَانَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ الْهَيْثَمُ، وَخَرَجَ خَازِمٌ فِي الْقَلْبِ عَلَى الْحَرِيشِ وَشَغَلَهُمْ بِالْقِتَالِ، وَصَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ نَظَرُوا إِلَى أَعْلَامِ الْهَيْثَمِ فَتَنَادَوْا بَيْنَهُمْ: جَاءَ أَهْلُ طَخَارِسْتَانَ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهَا حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ خَازِمٍ فَكَشَفُوهُمْ، وَلَقِيَهُمْ أَصْحَابُ الْهَيْثَمِ فَطَعَنُوهُمْ بِالرِّمَاحِ وَرَمَوْهُمْ بِالنُّشَّابِ. وَخَرَجَ [ عَلَيْهِمْ ] نَهَارُ بْنُ حُصَيْنٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَيْسَرَةِ، وَبَكَّارُ بْنُ سَلْمٍ وَأَصْحَابُهُ مِنْ نَاحِيَتِهِمْ، فَهَزَمُوهُمْ وَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَكْثَرُوا، وَكَانَ عَدَدُ مَنْ قُتِلَ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَأَسَرُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَنَجَا أُسْتَاذْ سِيسْ إِلَى جَبَلٍ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَحَصَرَهُمْ خَازِمٌ، وَقَتَلَ الْأَسْرَى. وَوَافَاهُ أَبُو عَوْنٍ وَعَمْرُو بْنُ سَلْمٍ وَمَنْ مَعَهُمَا، فَنَزَلَ أُسْتَاذْ سِيسْ عَلَى حُكْمِ أَبِي عَوْنٍ، فَحَكَمَ أَنْ يُوثَقَ أُسْتَاذْ سِيسْ وَبَنُوهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ بِالْحَدِيدِ، وَأَنْ يُعْتَقَ الْبَاقُونَ وَهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، فَأَمْضَى خَازِمٌ حُكْمَهُ وَكَسَا كُلَّ رَجُلٍ ثَوْبَيْنِ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ إِلَى الْمَنْصُورِ. وَقِيلَ: إِنَّ خُرُوجَ أُسْتَاذْ سِيسْ كَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَكَانَتْ هَزِيمَتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ أُسْتَاذْ سِيسْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَأَظْهَرَ أَصْحَابُهُ الْفِسْقَ وَقَطْعَ السَّبِيلِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ جَدُّ الْمَأْمُونِ أَبُو أُمِّهِ مَرَاجِلُ، وَابْنُهُ غَالِبٌ خَالُ الْمَأْمُونِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ لِمُوَاطَأَةٍ مِنَ الْمَأْمُونِ، وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
التاريخ 2841لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّاهَا الْحَسَنَ بْنَ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ .
التاريخ 2842لا حكم مسجّل
وَفِيهَا خَرَجَ بِالْأَنْدَلُسِ غِيَاثُ بْنُ الْمُسَيَّرِ الْأَسَدِيُّ بِنَائِحَةَ، فَجَمَعَ الْعُمَّالُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَى غِيَاثٍ، فَوَاقَعَهُ، فَانْهَزَمَ غِيَاثٌ وَمَنْ مَعَهُ وَقُتِلَ غِيَاثٌ وَبُعِثَ بِرَأْسِهِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِقُرْطُبَةَ ).
التاريخ 2843لا حكم مسجّل
وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَبُوهُ، وَدُفِنَ لَيْلًا فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ .
التاريخ 2844لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَكَانَ هُوَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ الْعَامِلُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا سَوَّارٌ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ.
التاريخ 2845لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ . ذِكْرُ تَرْجَمَتِهِ هُوَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَاسْمُهُ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ التَّيْمِيُّ، مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ، فَقِيهُ الْعِرَاقِ، وَأَحَدُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالسَّادَةِ الْأَعْلَامِ، وَأَحَدُ أَرْكَانِ الْعُلَمَاءِ، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْمُتَّبَعَةِ، وَهُوَ أَقْدَمُهُمْ وَفَاةً; لِأَنَّهُ أَدْرَكَ عَصْرَ الصَّحَابَةِ، وَرَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قِيلَ: وَغَيْرَهُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَوَى عَنْ سَبْعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ، وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ عَجْرَدٍ، ؓ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ هَؤُلَاءِ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، فِي صِحَّتِهَا إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ نَظَرٌ; فَإِنَّ فِي الْإِسْنَادِ إِلَيْهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ، وَفِي مَتْنِ بَعْضِهَا نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. خَالِصًا مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ; تَغْدُو خِمَاصًا وَتَعُودُ بِطَانًا. وَعَنْ جَابِرٍ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ مَرْفُوعًا: رَأَيْتُ فِي عَارِضَتَيِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ بِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، لَا بِمَاءِ الذَّهَبِ; السَّطْرُ الْأَوَّلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. الثَّانِي: الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، فَأَرْشَدَ اللَّهُ الْأَئِمَّةَ وَغَفَرَ لِلْمُؤَذِّنِينَ. الثَّالِثُ: وَجَدْنَا مَا عَمِلْنَا، رَبِحْنَا مَا قَدَّمْنَا، خَسِرْنَا مَا خَلَّفْنَا، قَدِمْنَا عَلَى رَبٍّ غَفُورٍ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: حُبُّكَ لِلشَّيْءِ يُعْمِي وَيُصِمُّ، وَالدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ. وَفِي لَفْظٍ: " اللَّهْفَانِ ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ مَرْفُوعًا: إِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَمَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ. وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا: عَلَامَةُ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثٌ; إِذَا قَالَ صَدَقَ، وَإِذَا وَعَدَ وَفَى، وَإِذَا حَدَّثَ لَمْ يَخُنْ. وَعَنْ وَاثِلَةَ مَرْفُوعًا: لَا يَظْنُنَّ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِأَقْرَبَ مِنْ هَذِهِ الرَّكَعَاتِ. يَعْنِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ. وَعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ عَجْرَدٍ مَرْفُوعًا: الْجَرَادُ أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، لَا آكُلُهُ. وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ مِنْهُمْ; الْحَكَمُ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَسَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ. وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ; ابْنُهُ حَمَّادٌ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، وَأَسَدُ بْنُ عَمْرٍو الْقَاضِي، وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ اللُّؤْلُؤِيُّ، وَحَمْزَةُ الزَّيَّاتُ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ، وَزُفَرُ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُشَيْمٌ، وَوَكِيعٌ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ ثِقَةً، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّدْقِ، وَلَمْ يُتَّهَمْ بِالْكَذِبِ، وَلَقَدْ ضَرَبَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا. قَالَ: وَقَدْ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَخْتَارُ قَوْلَهُ فِي الْفَتْوَى، وَكَانَ يَحْيَى يَقُولُ: لَا نَكْذِبُ اللَّهَ، مَا سَمِعْنَا أَحْسَنَ مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ أَخَذَ بِأَكْثَرِ أَقْوَالِهِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَغَاثَنِي بِأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ لَكُنْتُ كَسَائِرِ النَّاسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ: رَأَيْتُ رَجُلًا لَوْ كَلَّمَكَ فِي هَذِهِ السَّارِيَةِ أَنْ يَجْعَلَهَا ذَهَبًا لَقَامَ بِحُجَّتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَنْ أَرَادَ السِّيرَةَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَمَنْ أَرَادَ الْحَدِيثَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مَالِكٍ، وَمَنْ أَرَادَ التَّفْسِيرَ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ: يَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يَدْعُوا فِي صَلَاتِهِمْ لِأَبِي حَنِيفَةَ; لِحِفْظِهِ الْفِقْهَ وَالسُّنَنَ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهَ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي زَمَانِهِ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: كَانَ صَاحِبَ غَوْصٍ فِي الْمَسَائِلِ. وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ الْأَرْضِ. وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ أَسَدِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَيَبْكِي حَتَّى يَرْحَمَهُ جِيرَانُهُ، وَمَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً يُصَلِّي الصُّبْحَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ، وَأَنَّهُ خَتَمَ الْقُرْآنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ سَبْعَةَ آلَافِ مَرَّةٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ - وَعَنِ ابْنِ مَعِينَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ، فَتَمَّ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعُونَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِبَغْدَادَ سِتَّ مَرَّاتٍ; لِكَثْرَةِ الزِّحَامِ، وَقَبْرُهُ هُنَاكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
التاريخ 2846لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ. 799 - حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، أَبُو أَرْطَأَةَ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ. سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرَهُ. وَرَوَى عَنْهُ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَهُشَيْمٌ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. وَكَانَ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ. اسْتُفْتِيَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً. وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْبَصْرَةِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُدَلِّسًا، يَرْوِي عَنْ مَنْ لَمْ يَلْقَهُ، فَيُرْسِلُ تَارَةً عَنْ مُجَاهِدٍ، وَتَارَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَمْ يَلْقَهُمَا، وَكَانَ مَعَ الْمَنْصُورِ فِي بِنَاءِ مَدِينَتِهِ، وَتَوَلَّى خَطَّهَا، وَنَصَبَ قِبْلَةَ مَسْجِدِهَا، وَكَانَ فِي هَذَا الرَّجُلِ تِيهٌ كَثِيرٌ، وَكِبْرٌ خَارِجٌ عَنِ الْحَدِّ. قَالَ: أَبُو قِلَابَةَ: سَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ لِبَنِي الْعَبَّاسِ بِالْبَصْرَةِ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، فَجَاءَ إِلَى حَلْقَةِ الْبَتِّيِّ، فَجَلَسَ فِي عُرْضِ الْحَلْقَةِ، وَقِيلَ لَهُ: ارْتَفِعْ إِلَى الصَّدْرِ. فَقَالَ أَنَا صَدْرٌ حَيْثُ كُنْتُ. قَالَ: وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ حُبِّبَ إِلَيَّ الشَّرَفُ. وعَنْ قَيْسِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ لَا يَشْهَدُ جُمْعَةً وَلَا جَمَاعَةً، وَيَقُولُ: أَكْرَهَ مُزَاحِمَةَ الْأَنْذَالِ. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ فِي أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ، فَضَمَّهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ بِالرَّيِّ وَالْمَهْدِيُّ بِهَا يَوْمَئِذٍ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ. وَكَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْمَكِّيُّ، مَوْلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدٍ. وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، وَأَبَا خَالِدٍ. سَمِعَ مِنْ طَاوُوسٍ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً، وَمِنْ مُجَاهِدٍ حَرْفَيْنِ فِي الْقِرَاءَاتِ. وَسَمِعَ الْكَثِيرَ مِنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَغَيْرِهِمْ. رَوَى عَنْهُ: الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ ثِقَةً، يُقَالُ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْكُتُبَ، وَكَانَ عَطَاءٌ يَقُولُ: ابْنُ جُرَيْجٍ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقِيلَ لَهُ: مَنْ نَسْأَلُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْفَتَى إِنْ عَاشَ - يَعْنِي ابْنَ جُرَيْجٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ عَلِمْتُ أَنَّهُ يَخْشَى [اللَّهَ]، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ صَاحِبَ لَيْلٍ. قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَهْلُ مَكَّةَ يَقُولُونَ أَخْذَ ابْنُ جُرَيْجٍ الصَّلَاةَ مِنْ عَطَاءٍ، وَأَخَذَهَا عَطَاءٌ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَأَخَذَهَا أَبُو الزُّبَيْرِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ حَسَنَ الصَّلَاةِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، هَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبْجَرَ الْمُتَطَبِّبُ. أَسْنَدَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَائِلَةَ، وَذَرٍّ، وَالشَّعْبِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ، خُصُوصًا فِي نُطْقِهِ، وَكَانَ مِنَ الْبَكَّاءِينَ. عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ قَالَ: مَا مِنَ النَّاسِ إِلَّا مُبْتَلًى بِعَافِيَةٍ لِيَنْظُرَ كَيْفَ شَكَرَهُ - أَوْ يُبْلِيَهُ لِيَنْظُرَ كَيْفَ صَبْرُهُ. عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الرَّاسِبِيُّ. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَلْمَانَ: سَمِعْتُ دَهْثَمًا - وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ - يَقُولُ: الْيَوْمَ الَّذِي كُنْتُ لَا آتِي فِيهِ عَبْدَ الْعَزِيزِ أَكُونُ مَغْبُونًا، وَأَبْطَأْتُ عَلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: مَا الَّذِي بَطَّأَ بِكَ. قُلْتُ: خَيْرٌ. قَالَ: عَلَى حَالٍ. قُلْتُ: شَغَلَنَا الْعِيَالُ، كَنْتُ أَلْتَمِسُ لَهُمْ شَيْئًا. [قَالَ:] فَوَجَدْتَهُ لَهُمْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هَلُمَّ فَلْنَدْعُ. قَالَ: فَدَعَا فَأَمَّنْتُ وَدَعَوْتُ فَأَمَّنَ، ثُمَّ نَهَضْنَا لِنَقُومَ، فَإِذَا وَاللَّهِ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ تَتَنَاثَرُ فِي حُجُورِنَا. فَقَالَ: دُونَكَهَا. وَمَضَى وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيَّ. قَالَ: فَأَخَذْتُهَا، فَإِذَا [هِيَ] مِائَةُ دِينَارٍ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ. قَالَ مُحَمَّدٌ: فَقُلْتُ لَهُ: مَا صَنَعْتَ بِهَا؟ قَالَ: احْتَبَسْتُ قُوتَ عِيَالِي جُمْعَةً حَتَّى لَا يَشْغَلَنِي عَنْ عِبَادَتِهِ وَشُكْرِهِ وَخِدْمَتِهِ فِكْرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا. ثُمَّ أَمْضَيْتُهَا وَاللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وقَالَ: وَاقِدٌ الصَّفَّارُ: دَعَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سُلَيْمَانَ يَوْمًا لِمَقْعَدٍ كَانَ فِي مَجْلِسِهِ وَأَمَّنَ إِخْوَانُهُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا انْصَرَفَ الْمُقْعَدُ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا مَاشِيًا عَلَى رِجْلَيْهِ. وقَالَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: قِيلَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ الرَّاسِبِيِّ - وَكَانَتْ رَابِعَةُ تُسَمِّيهِ: سَيِّدَ الْعَابِدِينَ - مَا بَقِيَ مِمَّا تَلَذُّ بِهِ؟ قَالَ: سِرْدَابٌ أَخْلُو فِيهِ. مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ بِشْرٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَلْخِيُّ. قَدِمَ بَغْدَادَ فَحَدَّثَ بِهَا عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَالضَّحَّاكِ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَجَمَعَ تَفَاسِيرَ النَّاسِ، فَجَعَلَهَا لِنَفْسِهِ، وَكَانَ يَرْوِي عَنِ الضَّحَّاكِ، وَقَدْ مَاتَ الضَّحَّاكُ قَبْلَ مَوْلِدِ مُقَاتِلٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قُلْتُ لَهُ: لِمَ تُحَدِّثُ عَنِ الضَّحَّاكِ وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ؟ قَالَ: كَانَ يُغْلِقُ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ الْبَابَ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: بَابُ الْمَدِينَةِ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ يَقُولُ: مُقَاتِلٌ مُتَّهَمٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي الصِّفَاتِ بِمَا لَا يَحِلُّ. وَقَالَ وَكِيعٌ: كَانَ مُقَاتِلٌ كَذَّابًا، فَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النِّسَائِيُّ: مُقَاتِلٌ مِنَ الْمَعْرُوفَيْنِ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: مُقَاتِلٌ لَا شَيْءَ الْبَتَّةَ. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ: مُقَاتِلٌ كَذَّابٌ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَكَذَلِكَ قَالَ السَّاجِي. تُوُفِّيَ مُقَاتِلٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مَسْعُودٌ الضَّرِيرُ، أَبُو جُهَيْرٍ الْبَصْرِيُّ. قَالَ: صَالِحٌ الْمُرِّيُّ قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: اغْدُ عَلَيَّ يَا صَالِحُ إِلَى الْجَبَّانِ فَإِنِّي قَدْ وَعَدْتُ نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِي بِأَبِي جُهَيْرٍ مَسْعُودٍ الضَّرِيرِ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ. قَالَ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ: وَكَانَ أَبُو جُهَيْرٍ هَذَا رَجُلًا قَدِ انْقَطَعَ إِلَى زَاوِيَةٍ يَتَعَبَّدُ فِيهَا، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ الْبَصْرَةَ إِلَّا يَوْمَ جُمْعَةٍ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ مِنْ سَاعَتِهِ. قَالَ: فَغَدَوْتُ إِلَى مَوْعِدِ مَالِكٍ إِلَى الْجَبَّانِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى مَالِكٍ وَقَدْ سَبَقَنِي وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، وَإِذَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَحَبِيبٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا قُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ يَوْمُ سُرُورٍ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُ أَبَا جُهَيْرٍ. قَالَ: فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا مَرَّ بِمَوْضِعٍ نَظِيفٍ قَالَ: يَا ثَابِتُ صَلِّ هَا هُنَا، لَعَلَّهُ يَشْهَدُ لَكَ غَدًا. قَالَ: فَكَانَ ثَابِتٌ يُصَلِّي، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا مَوْضِعَهُ فَسَأَلْنَا عَنْهُ، فَقَالُوا: الْآنَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: فَانْتَظَرْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَجُلٌ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ: قَدْ نُشِرَ مِنْ قَبْرِهِ. قَالَ: فَوَثَبَ رَجُلٌ فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَقَامَهُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَأَمْهَلَ يَسِيرًا، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَلَسَ كَهَيْئَةِ الْمَهْمُومِ فَتَوَافَدَ الْقَوْمُ فِي السَّلَامِ عَلَيْهِ، فَتَقَدَّمَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ لَا أَعْرِفُ صَوْتَكَ. قَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. قَالَ: مَا اسْمُكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ. قَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، أَنْتَ الَّذِي يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ – وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ - إِنَّكَ أَفْضَلُهُمْ، لِلَّهِ أَبُوكَ إِنْ قُمْتَ بِشُكْرِ ذَلِكَ، اجْلِسْ، فَجَلَسَ فَقَامَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ثَابِتُ، أَنْتَ الَّذِي يَزْعُمُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ أَنَّكَ مِنْ أَطْرَاهُمْ صَلَاةً، اجْلِسْ فَقَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّاكَ عَلَى رَبِّي. فَقَامَ إِلَيْهِ حَبِيبٌ أَبُو مُحَمَّدٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا حَبِيبٌ، أَبُو مُحَمَّدٍ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَنْتَ الَّذِي يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَنَّكَ لَمْ تَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاكَ، أَلَا سَأَلْتَهُ أَنْ يُخْفِيَ لَكَ ذَلِكَ، اجْلِسْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. قَالَ: وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ. قَالَ: بَخٍ بَخٍ أَبُو يَحْيَى إِنْ كُنْتَ كَمَا يَقُولُونَ، أَنْتَ الَّذِي يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ أَنَّكَ أَزْهَدُهُمُ، اجْلِسْ فَالْآنَ تَمَّتْ أَمْنِيَّتِي عَلَى رَبِّي فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا. قَالَ صَالِحٌ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ لِأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: انْظُرُوا كَيْفَ تَكُونُونَ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فِي مَجْمَعِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ؟ قُلْتُ: صَالِحٌ الْمُرِّيُّ. قَالَ: أَنْتَ الْفَتَى الْفَارِسِيُّ؟ أَنْتَ أَبُو مَعْشَرٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْرَأْ يَا صَالِحُ. فَابْتَدَأْتُ فَقَرَأْتُ، فَمَا اسْتَتْمَمْتُ الِاسْتِعَاذَةَ حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: عُدْ فِي قِرَاءَتِكَ. قَالَ صَالِحٌ: فَعُدْتُ فَقَرَأْتُ: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا. قَالَ: فَصَاحَ صَيْحَةً ثُمَّ انْكَبَّ لِوَجْهِهِ، وَانْكَشَفَ بَعْضُ جَسَدِهِ، فَجَعَلَ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، ثُمَّ هَدَأَ فَدَنَوْنَا مِنْهُ نَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ، فَخَرَجْنَا فَسَأَلْنَا: هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ قِيلَ: عَجُوزٌ تَخْدِمُهُ، تَأْتِيهِ الْأَيَّامَ، فَبَعَثْنَا إِلَيْهَا، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ: مَا لَهُ؟ قُلْنَا: قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَمَاتَ. قَالَتْ: حُقَّ لَهُ، مَنْ ذَا الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ؟ لَعَلَّهُ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ الْقَارِئُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَمَا يُدْرِيكِ؟ مَنْ صَالِحٌ؟ قَالَتْ: لَا أَعْرِفُهُ غَيْرَ أَنَّ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: إِنْ قَرَأَ عَلَيَّ صَالِحٌ قَتَلَنِي. قُلْنَا: فَهُوَ الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: هُوَ الَّذِي قَتَلَ حَبِيبِي. فَهَنَّأْنَاهُ، وَدَفَنَّاهُ رَحِمَهُ اللَّهُ]. [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مات عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، وَقِيلَ: مَاتَ عُمَرُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ، يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ. وَفِي سَنَةِ خَمْسِينَ مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ. وَأَبُو جَنَابٍ الْكَلْبِيُّ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، وَاسْمُ أَبِي عَرُوبَةَ مِهْرَانُ مَوْلَى بَنِي يَشْكُرَ، كُنْيَتُهُ أَبُو النَّضْرِ. ( يَسَارٌ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ ).
التاريخ 2847لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا أَغَارَتِ الْكُرْكُ عَلَى جُدَّةَ.
التاريخ 2848لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بِنَاءِ الرُّصَافَةِ لِلْمَهْدِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْمَهْدِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ فِي شَوَّالٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ أَهْلُ بَيْتِهِ مِنَ الشَّامِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، فَهَنَّأُوهُ بِمَقْدَمِهِ، فَأَجَازَهُمْ وَحَمَلَهُمْ وَكَسَاهُمْ، وَفَعَلَ بِهِمُ الْمَنْصُورُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَبَنَى لَهُ الرُّصَافَةَ. وَكَانَ سَبَبُ بِنَائِهَا أَنَّ بَعْضَ الْجُنْدِ شَغَبُوا عَلَى الْمَنْصُورِ وَحَارَبُوهُ عَلَى بَابِ الذَّهَبِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ شَيْخُهُمْ، وَلَهُ الْحُرْمَةُ وَالتَّقَدُّمُ عِنْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنِ الْتِيَاثِ الْجُنْدِ عَلَيْنَا ؟ وَقَدْ خِفْتُ أَنْ تُجْمَعَ كَلِمَتُهُمْ فَيَخْرُجَ هَذَا الْأَمْرُ مِنْ أَيْدِينَا، فَمَا تَرَى ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدِي رَأْيٌ إِنْ أَظْهَرْتُهُ لَكَ فَسَدَ، وَإِنْ تَرَكْتَنِي أُمْضِيهِ صَلُحَتْ [ لَكَ ] خِلَافَتُكَ وَهَابَكَ جُنْدُكَ. قَالَ لَهُ: أَفَتُمْضِي فِي خِلَافَتِي شَيْئًا لَا أَعْلَمُهُ ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتُ عِنْدَكَ مُتَّهَمًا فَلَا تُشَاوِرْنِي، وَإِنْ كُنْتُ مَأْمُونًا عَلَيْهَا فَدَعْنِي أَفْعَلْ رَأْيِي. قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: فَأَمْضِهِ. فَانْصَرَفَ قُثَمُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَدَعَا غُلَامًا لَهُ فَقَالَ [ لَهُ ]: إِذَا كَانَ غَدًا فَتَقَدَّمْنِي وَاجْلِسْ فِي دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ دَخَلْتُ وَتَوَسَّطْتُ أَصْحَابَ الْمَرَاتِبِ فَخُذْ بِعِنَانِ بَغْلَتِي فَاسْتَحْلِفْنِي بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ( وَبِحَقِّ الْعَبَّاسِ )، وَبِحَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مَا وَقَفْتُ لَكَ، وَسَمِعْتُ مَسْأَلَتَكَ، وَأَجَبْتُكَ عَنْهَا، فَإِنِّي سَأَنْتَهِرُكَ وَأُغْلِظُ لَكَ [ الْقَوْلَ ] فَلَا تَخَفْ وَعَاوِدَ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنِّي سَأَضْرِبُكَ فَعَاوِدْ وَقُلْ لِي: أَيُّ الْحَيَّيْنِ أَشْرَفُ، الْيَمَنُ أَمْ مُضَرُ ؟ فَإِذَا أَجَبْتُكَ فَاتْرُكِ الْبَغْلَةَ وَأَنْتَ حُرٌّ. فَفَعَلَ الْغُلَامُ مَا أَمَرَهُ، وَفَعَلَ قُثَمُ بِهِ مَا قَالَهُ، ثُمَّ قَالَ: مُضَرُ أَشْرَفُ لِأَنَّ مِنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَفِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَفِيهَا بَيْتُ اللَّهِ، وَمِنْهَا خَلِيفَةُ اللَّهِ. فَامْتَعَضَتْ لِذَلِكَ الْيَمَنُ إِذْ لَمْ يَذْكُرْ لَهُمْ شَيْئًا [ مِنْ شَرَفِهِمْ ]، وَقَالَ بَعْضُ قُوَّادِهِمْ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ مُطْلَقًا بِغَيْرِ فَضِيلَةٍ لِلْيَمَنِ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامٍ لَهُ: قُمْ إِلَى بَغْلَةِ الشَّيْخِ فَاكْبَحْهَا. فَفَعَلَ حَتَّى كَادَ يُقْعِيهَا، فَامْتَعَضَتْ مُضَرُ وَقَالُوا: أَيُفْعَلُ هَذَا بِشَيْخِنَا ! فَأَمَرَ بَعْضُهُمْ غُلَامَهُ فَضَرَبَ يَدَ ذَلِكَ الْغُلَامِ فَقَطَعَهَا، فَنَفَرَ الْحَيَّانِ. وَدَخَلَ قُثَمُ عَلَى الْمَنْصُورِ فَافْتَرَقَ الْجُنْدُ، فَصَارَتْ مُضَرُ فِرْقَةً، وَرَبِيعَةُ فِرْقَةً، وَالْخُرَاسَانِيَّةُ فِرْقَةً. فَقَالَ قُثَمُ لِلْمَنْصُورِ: قَدْ فَرَّقْتُ بَيْنَ جُنْدِكَ وَجَعَلْتُهُمْ أَحْزَابًا كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ يَخَافُ أَنْ يُحْدِثَ [ عَلَيْكَ ] حَدَثًا فَتَضْرِبَهُ بِالْحِزْبِ الْآخَرِ. وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْكَ فِي التَّدْبِيرِ بَقِيَّةٌ، وَهِيَ أَنْ تَعْبُرَ بِابْنِكَ فَتُنْزِلَهُ فِي ذَلِكَ الْجَانِبِ، وَتُحَوِّلَ مَعَهُ قِطْعَةً مِنْ جَيْشِكَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ بَلَدًا وَهَذَا بَلَدًا، فَإِنْ فَسَدَ عَلَيْكَ أُولَئِكَ ضَرَبْتَهُمْ بِهَؤُلَاءِ، وَإِنْ فَسَدَ عَلَيْكَ هَؤُلَاءِ ضَرَبْتَهُمْ بِأُولَئِكَ، وَإِنْ فَسَدَ عَلَيْكَ بَعْضُ الْقَبَائِلِ ضَرَبْتَهُمْ بِالْقَبِيلَةِ الْأُخْرَى. فَقَبِلَ رَأْيَهُ وَاسْتَقَامَ مُلْكُهُ وَبَنَى الرُّصَافَةَ، وَتَوَلَّى صَالِحٌ صَاحِبُ الْمُصَلَّى ذَلِكَ.
التاريخ 2849لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عَزْلِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَنِ السِّنْدِ وَوِلَايَةِ هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ عُمَرَ بْنَ حَفْصِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْمَعْرُوفَ بِهَزَارْمَرْدَ، يَعْنِي أَلْفَ رَجُلٍ، عَنِ السِّنْدِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو التَّغْلِبِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ عَنِ السِّنْدِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا لَمَّا ظَهَرَ مُحَمَّدُ وَإِبْرَاهِيمُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ الْمَعْرُوفَ بِالْأَشْتَرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَاشْتَرَى مِنْهَا خَيْلًا عِتَاقًا لِيَكُونَ سَبَبَ وُصُولِهِمْ إِلَى عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، لِأَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ بَايَعَهُ مِنْ قُوَّادِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ. وَسَارُوا فِي الْبَحْرِ إِلَى السِّنْدِ، فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يُحْضِرُوا خَيْلَهُمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: إِنَّا جِئْنَاكَ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنَ الْخَيْلِ وَبِمَا لَكَ فِيهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَأَعْطِنَا الْأَمَانَ إِمَّا قَبِلْتَ مِنَّا وَإِمَّا سَتَرْتَ وَأَمْسَكْتَ عَنْ إِيذَائِنَا حَتَّى نَخْرُجَ عَنْ بِلَادِكَ رَاجِعِينَ. فَآمَنُهُ. فَذَكَرَ لَهُ حَالَهُمْ وَحَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَرْسَلَهُ أَبُوهُ إِلَيْهِ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَبَايَعَهُمْ وَأَنْزَلَ الْأَشْتَرَ عِنْدَهُ مُخْتَفِيًا، وَدَعَا كُبَرَاءَ أَهْلِ الْبَلَدِ وَقُوَّادَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَأَجَابُوهُ، فَقَطَعَ أَلْوِيَتَهُمُ الْبِيضَ، وَهَيَّأَ لُبْسَهُ مِنَ الْبَيَاضِ لِيَخْطُبَ فِيهِ وَتَهَيَّأَ لِذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. فَوَصَلَهُ مَرْكَبٌ لَطِيفٌ فِيهِ رَسُولٌ مِنِ امْرَأَةِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ تُخْبِرُهُ بِقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلَى الْأَشْتَرِ فَأَخْبَرَهُ وَعَزَّاهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَشْتَرُ: إِنَّ أَمْرِي قَدْ ظَهَرَ وَدَمِي فِي عُنُقِكَ. قَالَ عُمَرُ: قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، هَاهُنَا مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ السِّنْدِ عَظِيمُ الشَّأْنِ كَثِيرُ الْمَمْلَكَةِ، وَهُوَ عَلَى شَوْكَةٍ، أَشَدُّ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَفِيٌّ، أَرْسِلْ إِلَيْهِ فَاعْقِدْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَقْدًا، فَأُوَجِّهُكَ إِلَيْهِ فَلَسْتَ تُرَامُ مَعَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِ الْأَشْتَرُ، فَأَكْرَمَهُ وَأَظْهَرَ بِرَّهُ، وَتَسَلَّلَتْ إِلَيْهِ الزَّيْدِيَّةُ حَتَّى اجْتَمَعَ مَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ إِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، فَكَانَ يَرْكَبُ فِيهِمْ وَيَتَصَيَّدُ فِي هَيْئَةِ الْمُلُوكِ وَآلَاتِهِمْ. فَلَمَّا انْتَهَى [ ذَلِكَ ] إِلَى الْمَنْصُورِ بَلَغَ مِنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ يُخْبِرُهُ مَا بَلَغَهُ، فَقَرَأَ الْكِتَابَ عَلَى أَهْلِهِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَقْرَرْتُ بِالْقِصَّةِ عَزَلَنِي، وَإِنْ صِرْتُ إِلَيْهِ قَتَلَنِي، وَإِنِ امْتَنَعْتُ حَارَبَنِي. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَلْقِ الذَّنْبَ عَلَيَّ وَخُذْنِي وَقَيِّدْنِي، فَإِنَّهُ سَيَكْتُبُ فِي حَمْلِي إِلَيْهِ، فَاحْمِلْنِي فَإِنَّهُ لَا يَقْدَمُ عَلَيَّ لِمَكَانِكَ فِي السِّنْدِ وَحَالِ أَهْلِ بَيْتِكَ بِالْبَصْرَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَخَافُ عَلَيْكَ خِلَافَ مَا تَظُنُّ. قَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَنَفْسِي فِدًا لِنَفْسِكَ. فَقَيَّدَهُ وَحَبَسَهُ وَكَتَبَ إِلَى الْمَنْصُورِ بِأَمْرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ يَأْمُرُهُ بِحَمْلِهِ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ ضَرَبَ عُنُقَهُ. ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَى السِّنْدِ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو التَّغْلِبِيَّ، وَكَانَ سَبَبُ اسْتِعْمَالِهِ أَنَّ الْمَنْصُورَ كَانَ تَفَكَّرَ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ السِّنْدَ، فَبَيْنَا هُوَ رَاكِبٌ وَالْمَنْصُورُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذْ غَابَ يَسِيرًا ثُمَّ عَادَ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَأَدْخَلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا انْصَرَفْتُ مِنَ الْمَوْكِبِ لَقِيَتْنِي أُخْتِي فُلَانَةُ، فَرَأَيْتُ مِنْ جِمَالِهَا وَعَقْلِهَا وَدِينِهَا مَا رَضِيتُهَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَطْرَقَ ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ يَأْتِكَ أَمْرِي. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ الْمَنْصُورُ لِحَاجِبِهِ الرَّبِيعِ: لَوْلَا قَوْلُ جَرِيرٍ: لَا تَطْلُبَنَّ خَئُولَةً فِي تَغْلِبٍ فَالزِّنْجُ أَكْرَمُ مِنْهُمْ أَخْوَالَا لَتَزَوَّجْتُ إِلَيْهِ، قُلْ لَهُ: لَوْ كَانَ لَنَا حَاجَةٌ فِي النِّكَاحِ لَقَبِلْتُ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَقَدْ وَلَّيْتُكَ السِّنْدَ. فَتَجَهَّزْ إِلَيْهَا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ ذَلِكَ الْمَلِكَ بِتَسْلِيمِ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنْ سَلَّمَهُ وَإِلَّا حَارِبْهُ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ بِوِلَايَتِهِ إِفْرِيقِيَّةَ. فَسَارَ هِشَامٌ إِلَى السِّنْدِ فَمَلَكَهَا، وَسَارَ عُمَرُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَوَلِيَهَا. فَلَمَّا صَارَ هِشَامٌ بِالسِّنْدِ كَرِهَ أَخْذَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْتَرِ، وَأَقْبَلَ يُرِي النَّاسَ أَنَّهُ يُكَاتِبُ ذَلِكَ الْمَلِكَ، وَاتَّصَلَتِ الْأَخْبَارُ بِالْمَنْصُورِ بِذَلِكَ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ إِلَيْهِ يَسْتَحِثُّهُ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ خَارِجَةٌ بِبِلَادِ السِّنْدِ، فَوَجَّهَ هِشَامٌ أَخَاهُ سَفَنَّجًا، فَخَرَجَ فِي جَيْشِهِ وَطَرِيقُهُ بِجَنَبَاتِ ذَلِكَ الْمَلِكِ. فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِذَا غُبْرَةٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ، فَظَنَّ أَنَّهُمْ مُقَدِّمَةُ الْعَدُوِّ الَّذِي يَقْصِدُهُ، فَوَجَّهَ طَلَائِعَهُ، فَزَحَفَتْ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ يَتَنَزَّهُ عَلَى شَاطِئِ مِهْرَانَ. فَمَضَى يُرِيدُهُ، فَقَالَ نُصَحَاؤُهُ: هَذَا ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَرَكَهُ أَخُوكَ مُتَعَمِّدًا مَخَافَةَ أَنْ يَبُوءَ بِدَمِهِ، فَلَمْ يَقْصِدْهُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَ أَخْذَهُ، وَلَا أَدَعُ أَحَدًا يَحْظَى بِأَخْذِهِ أَوْ قَتْلِهِ عِنْدَ الْمَنْصُورِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ فِي عَشَرَةٍ، فَقَصَدَهُ فَقَاتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَاتَلَ أَصْحَابُهُ حَتَّى قُتِلَ وَقُتِلُوا جَمِيعًا، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ، وَسَقَطَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْنَ الْقَتْلَى فَلَمْ يُشْعَرْ بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَصْحَابَهُ قَذَفُوهُ فِي مِهْرَانَ حَتَّى لَا يُحْمَلَ رَأْسُهُ، فَكَتَبَ هِشَامٌ بِذَلِكَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ يَشْكُرُهُ وَيَأْمُرُهُ بِمُحَارَبَةِ ذَلِكَ الْمَلِكِ، فَحَارَبَهُ حَتَّى ظَفِرَ بِهِ وَقَتَلَهُ وَغَلَبَ عَلَى مَمْلَكَتِهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ قَدِ اتَّخَذَ سَرَارِيَّ فَأَوْلَدَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَلَدًا، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأَشْتَرِ، فَأَخَذَ هِشَامٌ السَّرَارِيَّ وَالْوَلَدَ مَعَهُنَّ فَسَيَّرَهَنُ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَسَيَّرَ الْمَنْصُورُ الْوَلَدَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ مَعَهُ بِصِحَّةِ نَسَبِهِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى أَهْلِهِ.
التاريخ 2850لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وِلَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ إِفْرِيقِيَّةَ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ أَبَا جَعْفَرٍ عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ مِنْ وَلَدِ قَبِيصَةَ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ أَخِي الْمُهَلَّبِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ [ إِلَى ] بَيْتِ الْمُهَلَّبِ لِشُهْرَتِهِ. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ إِلَيْهَا أَنَّ الْمَنْصُورَ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ الْأَغْلَبِ بْنِ سَالِمٍ خَافَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهَا عُمَرَ وَالِيًا، فَقَدِمَ الْقَيْرَوَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَاجْتَمَعَ وُجُوهُ الْبَلَدِ فَوَصَلَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَأَقَامَ وَالْأُمُورُ مُسْتَقِيمَةٌ ثَلَاثَ سِنِينَ. فَسَارَ إِلَى الزَّابِ لِبِنَاءِ مَدِينَةِ طُبْنَةَ بِأَمْرِ الْمَنْصُورِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْقَيْرَوَانِ حَبِيبَ بْنَ حَبِيبٍ الْمُهَلَّبِيَّ، فَخَلَتْ إِفْرِيقِيَّةُ مِنَ الْجُنْدِ، فَثَارَ بِهَا الْبَرْبَرُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ حَبِيبٌ فَقُتِلَ، وَاجْتَمَعَ الْبَرْبَرُ بِطَرَابُلُسَ وَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ أَبَا حَاتِمٍ الْإِبَاضِيَّ، وَاسْمُهُ يَعْقُوبُ بْنُ حَبِيبٍ مَوْلَى كِنْدَةَ. وَكَانَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ عَلَى طَرَابُلُسَ الْجُنَيْدَ بْنَ بَشَّارٍ الْأَسَادِيَّ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ بِعَسْكَرٍ، فَالْتَقَوْا وَقَاتَلُوا أَبَا حَاتِمٍ الْإِبَاضِيَّ، فَهَزَمَهُمْ فَسَارُوا إِلَى قَابِسٍ، وَحَصَرَهُمْ أَبُو حَاتِمٍ وَعُمَرُ مُقِيمٌ بِالزَّابِ عَلَى عِمَارَةِ طُبْنَةَ، وَانْتَقَضَتْ إِفْرِيقِيَّةُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ. وَمَضَوْا إِلَى طُبْنَةَ فَأَحَاطُوا بِهَا فِي اثْنَيْ عَشَرَ عَسْكَرًا، مِنْهُمْ: أَبُو قُرَّةَ الصُّفْرِيُّ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، ( وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رُسْتُمٍ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا ) وَأَبُو حَاتِمٍ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، وَعَاصِمٌ السَّدِرَاتِيُّ الْإِبَاضِيُّ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَالْمَسْعُودُ الزَّنَاتِيُّ الْإِبَاضِيُّ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَغَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ إِحَاطَتَهُمْ بِهِ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى قِتَالِهِمْ، فَمَنَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: إِنْ أُصِبْتَ تَلِفَ الْعَرَبُ. فَعَدَلَ إِلَى إِعْمَالِ الْحِيلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي قُرَّةَ مُقَدَّمِ الصُّفْرِيَّةِ يَبْذُلُ لَهُ سِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَرْجِعَ عَنْهُ، فَقَالَ: بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ بِالْخِلَافَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً أَبِيعُ حَرْبَكُمْ بِعَرَضٍ قَلِيلٍ مِنَ الدُّنْيَا ؟ فَلَمْ يُجِبْهُمْ [ إِلَى ] ذَلِكَ. فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِي أَبِي قُرَّةَ فَدَفَعَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَثِيَابًا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فِي صَرْفِ أَخِيهِ وَالصُّفْرِيَّةِ، فَأَجَابَهُمْ وَارْتَحَلَ مِنْ لَيْلَتِهِ وَتَبِعَهُ الْعَسْكَرُ مُنْصَرِفِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَاضْطَرَّ أَبُو قُرَّةَ إِلَى اتِّبَاعِهِمْ. فَلَمَّا سَارَتِ الصُّفْرِيَّةُ سَيَّرَ عُمَرُ جَيْشًا إِلَى ابْنِ رُسْتُمٍ وَهُوَ فِي تَهُوذَا، ( قَبِيلَةٍ مِنَ الْبَرْبَرِ )، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ ابْنُ رُسْتُمٍ إِلَى تَاهَرْتَ، فَضَعُفَ أَمْرُ الْإِبَاضِيَّةِ عَنْ مُقَاوَمَةِ عُمَرَ، فَسَارُوا عَنْ طُبْنَةَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَحَصَرَهَا أَبُو حَاتِمٍ، وَعُمَرُ بِطُبْنَةَ يُصْلِحُ أُمُورَهَا وَيَحْفَظُهَا مِمَّنْ يُجَاوِرُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَلَمَّا عَلِمَ ضِيقَ الْحَالِ بِالْقَيْرَوَانِ سَارَ إِلَيْهَا. وَلَمَّا سَارَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ إِلَى الْقَيْرَوَانِ اسْتَخْلَفَ عَلَى طُبْنَةَ عَسْكَرًا. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو قُرَّةَ بِمَسِيرِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ سَارَ هُوَ إِلَى طُبْنَةَ فَحَصَرَهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسَاكِرِ وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَقُتِلَ مِنْ عَسْكَرِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَأَمَّا أَبُو حَاتِمٍ فَإِنَّهُ لَمَّا حَصَرَ الْقَيْرَوَانَ كَثُرَ جَمْعُهُ وَلَازَمَ حِصَارَهَا وَلَيْسَ فِي بَيْتِ مَالِهَا دِينَارٌ وَلَا فِي أَهْرَائِهَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ، فَدَامَ الْحِصَارُ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ الْجُنْدُ يَخْرُجُونَ فَيُقَاتِلُونَ الْخَوَارِجَ طَرَفَيِ النَّهَارِ حَتَّى جَهَدَهُمُ الْجُوعُ وَأَكَلُوا دَوَابَّهُمْ وَكِلَابَهُمْ. وَلَحِقَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا بِالْبَرْبَرِ، وَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ دُخُولِ الْخَوَارِجِ إِلَيْهَا، فَأَتَاهُمُ الْخَبَرُ بِوُصُولِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ مِنْ طُبْنَةَ، فَنَزَلَ الْهَرِيشَ، وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَزَحَفَ الْخَوَارِجُ إِلَيْهِ بِأَجْمَعِهِمْ وَتَرَكُوا الْقَيْرَوَانَ، فَلَمَّا فَارَقُوهَا سَارَ عُمَرُ إِلَى تُونِسَ، فَتَبِعَهُ الْبَرْبَرُ، فَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُجِدًّا وَأَدْخَلَ إِلَيْهَا مَا يَحْتَاجُ مِنْ طَعَامٍ وَدَوَابَّ وَحَطَبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَوَصَلَ أَبُو حَاتِمٍ وَالْبَرْبَرُ إِلَيْهِ فَحَصَرُوهُ، فَطَالَ الْحِصَارُ حَتَّى أَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَحَرْبٌ. فَلَمَّا ضَاقَ الْأَمْرُ بِعُمَرَ وَبِمَنْ مَعَهُ قَالَ لَهُمْ: الرَّأْيُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْحِصَارِ، وَأُغِيرَ عَلَى بِلَادِ الْبَرْبَرِ، وَأَحْمِلَ إِلَيْكُمُ الْمِيرَةَ. قَالُوا: إِنَّا نَخَافُ بَعْدَكَ، قَالَ: فَأُرْسِلُ فُلَانًا وَفُلَانًا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ، فَلَمَّا قَالَ لِلرَّجُلَيْنِ قَالَا: لَا نَتْرُكُكَ فِي الْحِصَارِ وَنَسِيرُ عَنْكَ. فَعَزَمَ عَلَى إِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَى الْمَوْتِ، فَأَتَى الْخَبَرُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ سَيَّرَ إِلَيْهِ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قُتَيْبَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فِي سِتِّينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ مَنْ عِنْدَهُ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْقِتَالِ إِلَى أَنْ يَصِلَ الْعَسْكَرُ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَخَرَجَ وَقَاتَلَ، فَقُتِلَ مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ حُمَيْدُ بْنُ صَخْرٍ، وَهُوَ أَخُو عُمَرَ لِأُمِّهِ، فَوَادَعَ أَبَا حَاتِمٍ وَصَالَحَهُ عَلَى أَنَّ حُمَيْدًا وَمَنْ مَعَهُ لَا يَخْلَعُونَ الْمَنْصُورَ وَلَا يُنَازِعُهُمْ أَبُو حَاتِمٍ فِي سَوَادِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، وَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَفُتِحَتْ لَهُ الْقَيْرَوَانُ، وَخَرَجَ أَكْثَرُ الْجُنْدِ إِلَى طُبْنَةَ، وَأَحْرَقَ أَبُو حَاتِمٍ أَبْوَابَ الْقَيْرَوَانِ وَثَلَمَ سُورَهَا. وَبَلَغَهُ وُصُولُ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ، فَسَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَأَمَرَ صَاحِبَهُ بِالْقَيْرَوَانِ بِأَخْذِ سِلَاحِ الْجُنْدِ، وَأَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمْ، فَخَالَفَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَالُوا: لَا نَغْدِرُ بِهِمْ، وَكَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى الْمُخَالِفِينَ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْفِهْرِيُّ، وَقَامَ فِي الْقَيْرَوَانِ وَقَتَلَ أَصْحَابَ أَبِي حَاتِمٍ، فَعَادَ أَبُو حَاتِمٍ، فَهَرَبَ عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى تُونِسَ، وَعَادَ أَبُو حَاتِمٍ إِلَى طَرَابُلُسَ لِقِتَالِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ. فَقِيلَ: كَانَ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَالْجُنُودِ مِنْ لَدُنْ قَاتَلُوا عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ إِلَى انْقِضَاءِ أَمْرِهِمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ وَقْعَةً.
التاريخ 2851لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ لَمَّا بَلَغَ الْمَنْصُورَ مَا حَلَّ بِعُمَرَ بْنِ حَفْصٍ مِنَ الْخَوَارِجِ جَهَّزَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ فِي سِتِّينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَسَيَّرَهُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَصَلَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. فَلَمَّا قَارَبَهَا سَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ جُنْدِهَا وَاجْتَمَعُوا بِهِ وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَسَارَ أَبُو حَاتِمٍ الْخَارِجِيُّ إِلَى جِبَالِ نَفُوسَةَ، وَسَيَّرَ يَزِيدُ طَائِفَةً مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَى قَابِسَ، فَلَقِيَهُمْ أَبُو حَاتِمٍ فَهَزَمَهُمْ، فَعَادُوا إِلَى يَزِيدَ، وَنَزَلَ أَبُو حَاتِمٍ فِي مَكَانٍ وَعْرٍ وَخَنْدَقَ عَلَى عَسْكَرِهِ. وَعَبَّأَ يَزِيدُ أَصْحَابَهُ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَتِ الْبَرْبَرُ، وَقُتِلَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَهْلُ نَجْدَتِهِ، وَطَلَبَهُمْ يَزِيدُ فِي كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَجَعَلَ آلُ الْمُهَلَّبِ يَقْتُلُونَ الْخَوَارِجَ وَيَقُولُونَ: يَالَثَارَاتِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ ! وَأَقَامَ شَهْرًا يَقْتُلُ الْخَوَارِجَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. فَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ مَعَ أَبِي حَاتِمٍ، فَهَرَبَ إِلَى كُتَامَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ جَيْشًا فَحَصَرُوا الْبَرْبَرَ وَظَفِرُوا بِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَهَرَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقُتِلَ جَمِيعُ مَنْ كَانَ مَعَهُ وَصَفَتْ إِفْرِيقِيَّةُ. وَأَحْسَنَ يَزِيدُ السِّيرَةَ وَآمَنَ النَّاسَ إِلَى أَنِ انْتَقَضَتْ وَرْفَجُومَةُ ( سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ بِأَرْضِ الزَّابِ ) وَعَلَيْهَا أَيُّوبُ الْهَوَّارِيُّ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا كَثِيرًا ( وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ يَزِيدَ بْنَ مَجْزَاءَ الْمُهَلَّبِيَّ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ يَزِيدُ وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقُتِلَ الْمُخَارِقُ بْنُ غِفَارٍ صَاحِبُ الزَّابِ. فَوَلِيَ مَكَانَهُ الْمُهَلَّبُ بْنُ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيُّ، وَأَمَدَّهُمْ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ سَعِيدٍ الْمُهَلَّبِيَّ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمُ الْمُنْهَزِمُونَ وَلَقُوا وَرْفَجُومَةَ ) وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَتِ الْبَرْبَرُ وَأَيُّوبُ، وَقُتِلُوا بِكُلِّ مَكَانٍ حَتَّى أُتِيَ عَلَى آخِرِهِمْ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْجُنْدِ أَحَدٌ. ثُمَّ مَاتَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَهُ دَاوُدَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ .
التاريخ 2852لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْعَبْدِيِّ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ مِنَ الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا نَافِعَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْبَحْرَيْنِ فَقَتَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ وَسَبَى أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَنْفَذَ بَعْضَ السَّبْيِ وَالْأُسَارَى إِلَى الْمَنْصُورِ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَوَهَبَ الْبَاقِينَ لِلْمَهْدِيِّ، فَأَطْلَقَهُمْ وَكَسَاهُمْ، ثُمَّ عَزَلَ عُقْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْصِ عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ. ( وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَنْصُورَ اسْتَعْمَلَ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيَّ عَلَى سِجِسْتَانَ هَذِهِ السَّنَةَ ). وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَكَانَ هُوَ الْعَامِلَ بِمَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ جَابِرُ بْنُ تَوْبَةَ الْكِلَابِيُّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ.
التاريخ 2853لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ الْمَهْدِيُّ عَلَى أَبِيهِ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَتَلَقَّاهُ أَبُوهُ وَالْأُمَرَاءُ وَالْأَكَابِرُ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، وَقَدِمَ نُوَّابُ الْبِلَادِ مِنَ الشَّامِ وَغَيْرِهَا لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ وَتَهْنِئَتِهِ بِالسَّلَامَةِ وَالنَّصْرِ.
التاريخ 2854لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: وَلَّى أَبُو جَعْفَرٍ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ سَجِسْتَانَ، وَحُمَيْدَ بْنَ قُحْطُبَةَ خُرَاسَانَ، وَقَدْ كَانَ الْمَنْصُورُ طَلَبَ مَعْنًا لِيُهْلِكَهُ ثُمَّ أَمَّنَهُ وَوَلَّاهُ. أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقُرَشِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ نَصْرٍ الْمُهَلَّبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نُعَيْمٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ: حَدَّثَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ قَالَ: كَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ طَلَبَ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيَّ طَلَبًا شَدِيدًا، وَجَعَلَ فِيهِ مَالًا، فَحَدَّثَنِي مَعْنٌ بِالْيَمَنِ أَنَّهُ اضْطُرَّ لِشِدَّةِ الطَّلَبِ حَتَّى قَامَ فِي الشَّمْسِ حَتَّى لَوَّحَتْ وَجْهَهُ، وَخَفَّفَ عَارِضَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَلَبِسَ جُبَّةَ صُوفٍ غَلِيظَةً، وَرَكِبَ حَمَلًا مِنْ حِمَالِ النَّقَّالَةِ، وَخَرَجَ لِيَمْضِيَ إِلَى الْبَادِيَةِ، وَقَدْ كَانَ أَبْلَى فِي حَرْبٍ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ بَلَاءً عَظِيمًا، فَغَاظَ الْمَنْصُورُ فِي طَلَبِهِ قَالَ مَعْنٌ: فَلَمَّا خَرَجَتْ مِنْ بَابِ حَرْبٍ تَبِعَنِي أَسْوَدُ مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا حَتَّى إِذَا غِبْتُ عَنِ الْحَرَسِ قَبَضَ عَلَى خِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَاخَهُ، وَقَبَضَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: أَنْتَ طِلْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْتُ: وَمَنْ أَنَا حَتَّى يَطْلُبَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَنْتَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ، وَأَيْنَ أَنَا مِنْ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، فَقَالَ: دَعْ ذَا عَنْكَ فَأَنَا وَاللَّهِ أَعْرَفُ بِكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُ فَهَذَا جَوْهَرُ حَمْلَتِهِ مَعِي بِأَضْعَافِ مَا بَذَلَهُ الْمَنْصُورُ لِمَنْ جَاءَ بِي، فَخُذْهُ وَلَا تَسْفِكْ دَمِي، قَالَ: هَاتِهِ، فَأَخْرَجْتُهُ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَاعَةً وَقَالَ: صَدَقْتَ فِي قِيمَتِهِ وَلَسْتَ نَائِلَهُ حَتَّى أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنْ صَدَقْتَنِي أَطْلَقْتُكَ، قُلْتُ: قُلْ، قَالَ: فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ وَصَفُوكَ بِالْجُودِ، فَأَخْبِرْنِي هَلْ وَهَبْتَ قَطُّ مَالَكَ كُلَّهُ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَنَصِفَهُ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَثُلُثَهُ قُلْتُ: لَا، حَتَّى بَلَغَ الْعُشْرَ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقُلْتُ: أَظُنُّ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ، قَالَ: مَا أَرَاكَ فَعَلْتَهُ أَنَا وَاللَّهِ رَجُلٌ رَاجِلٌ رِزْقِي مَعَ أَبِي جَعْفَرٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَهَذَا الْجَوْهَرُ قِيمَتُهُ آلَافُ دَنَانِيرَ، وَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكَ وَوَهَبْتُكَ نَفْسَكَ لِجُودِكَ الْمَأْثُورِ بَيْنَ النَّاسِ، وَلِتَحْتَقِرَ بَعْدَ هَذَا كُلَّ شَيْءٍ تَفْعَلُهُ وَلَا تَتَوَقَّفُ فِي مَكْرُمَةٍ، ثُمَّ رَمَى بِالْعِقْدِ فِي حِجْرِي وَخَلَّى خِطَامَ الْبَعِيرِ وَانْصَرَفَ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا، قَدْ وَاللَّهِ فَضَحْتَنِي، وَلَسَفْكُ دَمِي أَهْوَنُ عَلَيَّ مِمَّا فَعَلْتَهُ، فَخُذْ مَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكَ فَإِنِّي غَنِيٌّ عَنْهُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ تُكَذِّبْنِي فِي مَقَامِي هَذَا، وَاللَّهِ لَا آخُذُهُ وَلَا أَتَّخِذُ لِمَعْرُوفٍ ثَمَنًا أَبَدًا، وَمَضَى، فَوَاللَّهِ لَقَدْ طَلَبْتَهُ بَعْدَ أَنْ أَمَّنْتَ وَبَذَلْتَ لِمَنْ جَاءَنِي بِهِ مَا شَاءَ، فَمَا عَرَفْتُ لَهُ خَبَرًا.
التاريخ 2855لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا جَدَّدَ الْمَنْصُورُ لِنَفْسِهِ الْبَيْعَةَ، وَلِوَلَدِهِ الْمَهْدِيِّ مِنْ بَعْدِهِ ، وَلِعِيسَى بْنِ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِمَا، وَجَاءَ الْأُمَرَاءُ وَالْخَوَاصُّ فَبَايَعُوا وَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَ يَدَ الْمَنْصُورِ وَيَدَ ابْنِهِ الْمَهْدِيِّ، وَيَلْمَسُونَ يَدَ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَيُشِيرُونَ بِالتَّقْبِيلِ إِلَيْهَا وَلَا يُقَبِّلُونَهَا.
التاريخ 2856لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: شَخَصَ عُقْبَةُ بْنُ سَلْمٍ مِنَ الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ نَافِعَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى الْبَحْرِينِ، فَقَتَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ حَكِيمٍ الْعَبْدِيَّ وَسَبَى أَهْلَ الْبَحْرِينِ، وَبَعَثَ بِبَعْضِ مَنْ سَبَى مِنْهُمْ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ عِدَّةً، وَوَهَبَ بَقِيَّتَهُمْ لِلْمَهْدِيِّ، فَمَنَّ عَلَيْهِمْ وَأَعْتَقَهُمْ، وَكَسَا كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ ثَوْبَيْنِ مَرْوِيَّيْنِ، ثُمَّ عَزَلَ عُقْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ.
التاريخ 2857لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ . وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَوْصِلِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ .
التاريخ 2858لا حكم مسجّل
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ شَقْنَا وَخُرُوجِهِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِيهَا ثَارَ فِي الشَّرْقِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ رَجُلٌ مِنْ بَرْبَرِ مِكْنَاسَةَ كَانَ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ، وَكَانَ اسْمُهُ شَقْنَا بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُسَمَّى فَاطِمَةَ، وَادَّعَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ، ( ثُمَّ مِنْ وَلَدِ الْحُسَيْنِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ). وَتَسَمَّى بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَكَنَ شَنْتَ بَرِيَّةَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ فَلَمْ يَقِفْ لَهُ وَرَاغَ فِي الْجِبَالِ، فَكَانَ إِذَا أَمِنَ انْبَسَطَ، وَإِذَا خَافَ صَعِدَ الْجِبَالَ بِحَيْثُ يَصْعُبُ طَلَبُهُ. فَاسْتَعْمَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى طُلَيْطِلَةَ حَبِيبَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْتَعْمَلَ حَبِيبٌ عَلَى شَنْتَ بَرِيَّةَ سُلَيْمَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَأَمَرَهُ بِطَلَبِ شَقْنَا. فَنَزَلَ شَقْنَا إِلَى شَنْتَ بَرِيَّةَ وَأَخَذَ سُلَيْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَاشْتَدَّ أَمْرُهُ، وَطَارَ ذِكْرُهُ، وَغَلَبَ عَلَى نَاحِيَةِ قُورِيَّةَ، وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ. فَعَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ فَغَزَاهُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ فَأَعْيَاهُ أَمْرُهُ، فَعَادَ عَنْهُ وَسَيَّرَ إِلَيْهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ بَدْرًا مَوْلَاهُ، فَهَرَبَ شَقْنَا وَأَخْلَى حِصْنَهُ شَطْرَانَ، ثُمَّ غَزَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ بِنَفْسِهِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ شَقْنَا. ثُمَّ سَيَّرَ إِلَيْهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ أَبَا عُثْمَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ، فَخَدَعَهُ شَقْنَا، وَأَفْسَدَ عَلَيْهِ جُنْدَهُ، فَهَرَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَغَنِمَ شَقْنَا عَسْكَرَهُ ( وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا فِي الْعَسْكَرِ ). وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ أَيْضًا سَارَ شَقْنَا بَعْدَ أَنْ غَنِمَ عَسْكَرَ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى حِصْنِ الْهَوَارِيِّينَ الْمَعْرُوفِ بِمَدَائِنَ، وَبِهِ عَامِلٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَمَكَرَ بِهِ شَقْنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُ شَقْنَا وَأَخَذَ خَيْلَهُ وَسِلَاحَهُ وَجَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُ ).
التاريخ 2859لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَهُوَ نَائِبُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ جَابِرُ بْنُ تَوْبَةَ الْكِلَابِيُّ، وَعَلَى مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ . وَنَائِبُ خُرَاسَانَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَنَائِبُ سِجْسْتَانَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ .
التاريخ 2860لا حكم مسجّل
أَشْعَثُ الْحُدَّانِيُّ: قَالَ: حَزْمٌ، قَالَ: قَالَ لَنَا أَشْعَثُ الْحُدَّانِيُّ: انْطَلَقُوا إِلَى حَبِيبٍ أَبِي مُحَمَّدٍ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ - قَالَ: وَذَاكَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ - فَانْطَلَقْنَا مَعَهُ نُسَلِّمُ، فَخَرَجَ حَبِيبٌ فَأَخَذُوا فِي الْبُكَاءِ، فَمَا زَالُوا يَبْكُونَ حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرَ، فَصَلَّيْنَا ثُمَّ أَخَذُوا فِي الْبُكَاءِ فَمَا زَالُوا يَبْكُونَ حَتَّى حَضَرَتِ الْعَصْرُ. قَالَ: فَصَلَّيْنَا الْعَصْرَ، فَمَا زَالُوا يَبْكُونَ حَتَّى حَضَرَتِ الْمَغْرِبُ، ثُمَّ أَدْنَيْنَا حِمَارَهُ فَرَكِبَ فَقَالَ لَنَا: إِنَّ نَاسًا يَنْهَوْنَ عَنْ هَذَا أَفَأُطِيعُهُمْ؟ قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: إِذًا وَاللَّهِ لَا أُطِيعُهُمْ. جَعْفَرٌ الْأَكْبَرُ ابْنُ الْمَنْصُورِ: كَانَ يَتَوَلَّى إِمَارَةَ الْمَوْصِلِ وَمَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ. حُمَيْدُ بْنُ جَابِرٍ الشَّامِيُّ، الْأَمِيرُ: قَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا مِنَ الْأَيَّامِ مَارًّا مَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ فِي صَحْرَاءَ، إِذْ أَتَيْنَا عَلَى قَبْرٍ مُسَنَّمٍ، فَوَجَمَ عَلَيْهِ وَبَكَى، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: قَبْرُ حُمَيْدِ بْنِ جَابِرٍ أَمِيرِ هَذِهِ الْمَدَائِنِ كُلِّهَا، كَانَ غَرِقًا فِي بَحْرِ الدُّنْيَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهَا وَاسْتَنْقَذَهُ، لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ سُرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَلَاهِي مُلْكِهِ وَدُنْيَاهُ وَغُرُورِهِ، ثُمَّ نَامَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مَعَ مَنْ يَخُصُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، فَرَأَى رَجُلًا وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِ بِيَدِهِ كِتَابٍ، فَنَاوَلَهُ إِيَّاهُ فَفَتَحَهُ وَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ مَكْتُوبٌ بِالذَّهَبِ: لَا تُؤْثِرُونَ فَانِيًا عَلَى بَاقٍ، وَلَا تَغْتَرَّ بِمُلْكِكَ وَسُلْطَانِكَ وَعَبِيدِكَ وَلَذَّاتِكَ، فَإِنَّ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ جَسِيمٌ لَوْلَا أَنَّهُ عَدِيمٌ، وَهُوَ مَلِكٌ لَوْلَا أَنْ بَعْدَهُ هَلَكَ، وَهُوَ فَرَحٌ وَسُرُورٌ لَوْلَا أَنَّهُ لَهْوٌ وَغُرُورٌ، وَهُوَ يَوْمٌ لَوْ كَانَ يُوثَقُ فِيهِ بِغَدٍ، فَسَارِعْ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَانْتَبَهَ فَزِعًا وَقَالَ: هَذَا تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَوْعِظَةٌ. فَخَرَجَ مِنْ مُلْكِهِ إِذْ لَا يُعْلَمُ بِهِ، وَقَصَدَ هَذَا الْجَبَلَ، فَتَعَبَّدَ فِيهِ، فَلَمَّا بَلَغَنِي قِصِّتُهُ وَحُدِّثْتُ بِأَمْرِهِ قَصَدْتُهُ فَسَأَلْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِبَدْءِ أَمْرِهِ، فَمَا زِلْتُ أَقْصِدُهُ حَتَّى مَاتَ وَدُفِنَ هَاهُنَا، فَهَذَا قَبْرُهُ. حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: رَوَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَنَسٍ، وَثَابِتٍ. قَالَ: شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو حَكِيمٍ، قَالَ: خَرَجَ [حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ] يَوْمَ الْعِيدِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: كَمِ امْرَأَةً حَسَنَةٍ قَدْ رَأَيْتَ الْيَوْمَ؟ فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قَالَ: وَيْحَكِ مَا نَظَرْتُ إِلَّا فِي إِبْهَامِي مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِكِ حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْكِ. قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ،: كَتَبَ غُلَامٌ لِحَسَّانَ بْنِ أَبِي سِنَانٍ إِلَيْهِ مِنَ الْأَهْوَازِ: إِنَّ قَصَبَ السُّكَّرِ أَصَابَتْهُ آفَةٌ فَاشْتَرِ السُّكَّرَ فِيمَا قِبَلَكَ. فَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ فَلَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ إِلَّا قَلِيلٌ، فَإِذَا فِيمَا اشْتَرَى رِبْحُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. قَالَ: فَأَتَى صَاحِبَ السُّكَّرِ فَقَالَ: يَا هَذَا، إِنَّ غُلَامِي كَانَ كَتَبَ إِلَيَّ وَلَمْ أُعْلِمْكَ فَأَقِلْنِي فِيمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ، قَالَ الْآخَرُ: قَدْ أَعْلَمْتَنِي الْآنَ وَطَيَّبْتُهُ لَكَ. فَرَجَعَ فَلَمْ يَحْتَمِلْ قَلْبُهُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا هَذَا، إِنِّي لَمْ آتِ الْأَمْرَ مِنْ وَجْهِهِ فَأُحِبُّ أَنْ تَسْتَرِدَّ هَذَا الْبَيْعَ، فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى رَدَّهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ فَرْقَدٍ: دَخَلْنَا عَلَى حَسَّانَ بْنِ أَبِي سِنَانٍ وَقَدْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ، فَقَالَ لَهُ [بَعْضُ] إِخْوَانِهِ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي بِحَالِ الْمَوْتِ، قَالَ: أَفَتَجِدُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَرْبًا شَدِيدًا؟ قَالَ: فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: [إِنَّ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ:] يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْلُوَ عَنْ كَرْبِ الْمَوْتِ وَأَلَمِهِ لِمَا يَرْجُو مِنَ السُّرُورِ فِي لِقَاءِ اللَّهِ [عَزَّ وَجَلَّ]. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَرْطَبَانَ، يُكَنَّى أَبَا عَوْنِ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دُرَّةَ الْمُزَنِيِّ: كَانَ ثِقَةً وَرِعًا. قَالَ: بَكَّارٌ،: مَا رَأَيْتُ ابْنَ عَوْنٍ يُمَازِحُ أَحَدًا وَلَا يُمَارِي أَحَدًا [وَلَا يُنْشِدُ شِعْرًا]، وَكَانَ مَشْغُولًا بِنَفْسِهِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَكَثَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فِي مَجْلِسِهِ يَذْكُرُ اللَّهَ، فَإِذَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ صَلَّى، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَمَا رَأَيْتُهُ شَاتِمًا أَحَدًا قَطُّ عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا دَجَاجَةً وَلَا شَاةً، وَلَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَمْلَكَ لِلِسَانِهِ مِنْهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا حْتَى مَاتَ، وَمَا رَأَيْتُ بِيَدِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا قَطُّ، وَمَا رَأَيْتُهُ يَزِنُ شَيْئًا قَطُّ، وَكَانَ إِذَا تَوَضَّأَ لَا يُعِينُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَكَانَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ إِذَا تَوَضَّأَ بِالْمَنْدِيلِ أَوْ بِخِرْقَةٍ، وَكَانَ طَيِّبَ الرِّيحِ لَيِّنَ الْكُسْوَةِ، وَكَانَ إِذَا خَلَا فِي مَنْزِلِهِ صَمَتَ وَلَا يَزِيدُ عَلَى الْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّنَا، وَمَا رَأَيْتُهُ دَخَلَ حَمَّامًا قَطُّ، وَكَانَ إِذَا وَصَلَ إِنْسَانًا بِشَيْءٍ وَصَلَهُ سِرًّا، وَإِنْ صَنَعَ شَيْئًا صَنَعَهُ سِرًّا يَكْرَهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَكَانَ لَهُ سَبْعٌ يَقْرَأُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فَإِذَا لَمْ يَقْرَأْهُ بِاللَّيْلِ أَتَمَّهُ بِالنَّهَارِ، وَكَانَ يُحْفِي شَارِبَهُ، وَكَانَ يَأْخُذُهُ أَخْذًا وَسَطًا، وَكَانَ فِي مَرَضِهِ أَصْبَرَ مَنْ رَأَيْتُ، مَا رَأَيْتُهُ يَشْكُو شَيْئًا مِنْ عِلَّتِهِ حَتَّى مَاتَ فِي رَجَبٍ هَذِهِ السَّنَةَ. وَرَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَانَتْ لَهُ حَوَانِيتُ يُكْرِيهَا، وَكَانَ لَا يُكْرِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ لِهَذَا إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ رَوْعُهُ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أُرَوِّعَ الْمُسْلِمَ. عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ: يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، سَكَنَ فِلَسْطِينَ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا مَاتَ أُسَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ أَمِيرُ خُرَاسَانَ . وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْجُمَحِيُّ. وَعَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حُبِيٍّ أَخُو الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَكَانَا تَقِيَّيْنِ، فِيهِمَا تَشَيُّعٌ.
التاريخ 2861لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَفِيهَا غَزَا حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ كَابِلَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى خُرَاسَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ .
التاريخ 2862لا حكم مسجّل
وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُدْرِبْ.
التاريخ 2863لا حكم مسجّل
وَفِيهَا قَتَلَ الْمَنْصُورُ هَاشِمَ بْنَ الْأَسَاجِيجِ، وَ [ كَانَ ] قَدْ خَالَفَ وَعَصَى بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَحُمِلَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
التاريخ 2864لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عَزَلَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ سَعِيدٍ ، وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ سِوَى مَا ذَكَرْنَا الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ. وَبَعَثَ إِلَى نَائِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّهُ عَصَى وَخَالَفَ، فَلَمَّا جِيءَ بِهِ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ. وَعَزَلَ عَنِ الْبَصْرَةِ جَابِرَ بْنَ تَوْبَةَ الْكِلَابِيَّ، وَوَلَّاهَا يَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ.
التاريخ 2865لا حكم مسجّل
وَفِيهَا قَتَلَتِ الْخَوَارِجُ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ بِسِجِسْتَانَ . - مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَطَرِ بْنِ شَرِيكٍ، أَبُو الْوَلِيدِ الشَّيْبَانِيُّ: كَانَ مِنْ صَحَابَةِ الْمَنْصُورِ بِبَغْدَادَ لَمَّا بُنِيَتْ، ثُمَّ وَلَّاهُ الْيَمَنَ وَغَيْرَهَا، وَكَانَ جَوَادًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ [الْقَزَّازُ]، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ دَخَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَارَبَ فِي خَطْوِهِ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَبُرَتْ سِنُّكَ يَا مَعْنُ، قَالَ: فِي طَاعَتِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: إِنَّكَ لَجَلْدٌ، قَالَ: عَلَى أَعْدَائِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَإِنَّ فِيكَ لَبَقِيَّةٌ، قَالَ: هِيَ لَكَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ رَوْحٍ النَّهْرَوَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ النَّحْوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَعْنَبٌ، قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَلْمٍ: لَمَا وَلَّى الْمَنْصُورُ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ أَذْرَبِيجَانَ قَصَدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا صَارُوا بِبَابِهِ وَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهِ فَدَخَلَ الْآذِنُ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، بِالْبَابِ وَفْدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْعِرَاقِ؟ قَالَ: مِنَ الْكُوفَةِ، قَالَ ائْذَنْ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ مَعْنٌ فِي هَيْئَةٍ زَرِيَّةٍ، فَوَثَبَ عَلَى أَرِيكَتِهِ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِذَا نَوْبَةٌ نَابَتْ صَدِيقَكَ فَاغْتَنِمْ مَرَمَّتَهَا فَالدَّهْرُ بِالنَّاسِ قُلَّبُ فَأَحْسَنُ ثَوْبَيْكَ الَّذِي هُوَ لَابِسٌ وَأَفْرَهُ مُهْرَيْكَ الَّذِي هُوَ يَرْكَبُ وَبَادِرْ بِمَعْرُوفٍ إِذَا كُنْتَ قَادِرًا زَوَالَ اقْتِدَارٍ أَوْ غِنًى عَنْكَ يَعْقُبُ قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَلَا أُنْشِدُكَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: لِمَنْ؟ قَالَ: لِابْنِ عَمِّكَ ابْنِ هَرِمَةَ، قَالَ: هَاتِ، فَأَنْشَأَ وَجَعَلَ يَقُولُ: وَلِلنَّفْسِ تَارَاتٌ تُحَلُّ بِهَا الْعُرَى وَتَسْخُو عَنِ الْمَالِ النُّفُوسُ الشَّحَائِحُ إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَنْفَعْكَ حَيًّا فَنَفْعُهُ أَقَلُّ إِذَا ضُمَّتْ عَلَيْكَ الصَّفَائِحُ لِأَيَّةِ حَالٍ يَمْنَعُ الْمَرْءُ مَالَهُ غَدًا فَغَدًا وَالْمَوْتُ غَادٍ وَرَائِحُ فَقَالَ مَعْنٌ: أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ وَإِنْ كَانَ الشِّعْرُ لِغَيْرِكَ، يَا غُلَامُ أَعْطِهِمْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى أُمُورِهِمْ إِلَى أَنْ يَتَهَيَّأَ لَنَا فِيهِمْ مَا نُرِيدُ، فَقَالَ الْغُلَامُ: يَا سَيِّدِي أَجْعَلُهَا دَنَانِيرَ أَمْ دَرَاهِمَ؟ فَقَالَ مَعْنٌ: وَاللَّهِ لَا تَكُونُ هِمَّتُكَ أَرْفَعَ مِنْ هِمَّتِي، صَفِّرْهَا لَهُمْ قَالَ الْمُعَافَى: وَحَدَّثَنَا يَزْدَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ، قَالَ: قَدِمَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ بَغْدَادَ فَأَتَاهُ النَّاسُ وَأَتَاهُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، فَإِذَا الْمَجْلِسُ غَاصَ بِأَهْلِهِ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ فَقَالَ: وَمَا أَحْجَمَ الْأَعْدَاءُ عَنْكَ بَقِيَّةً عَلَيْكَ وَلَكِنْ لَمْ يَرَوْا فِيكَ مَطْمَعَا لَهُ رَاحَتَانِ الْجُودُ وَالْحَتْفُ فِيهِمَا أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ تَضُرَّ وَتَنْفَعَا فَقَالَ مَعْنٌ: احْتَكِمْ يَا أَبَا السِّمْطِ، فَقَالَ: عَشَرَةُ آلَافٍ، فَقَالَ مَعْنٌ: رَبِحْتُ وَاللَّهِ [عَلَيْكَ] تِسْعِينَ أَلْفًا. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: [أَخْبَرَنَا ابْنُ دُرَيْدٍ، قَالَ:] أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْأُشْنَانْدَانِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: وَقَفَ شَاعِرٌ بِبَابِ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ حَوْلًا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مَعْنٌ شَدِيدَ الْحِجَابِ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُ سَأَلَ الْحَاجِبَ أَنْ يُوصِلَ لَهُ رُقْعَةً، فَأَوْصَلَهَا فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ: إِذَا كَانَ الْجَوَادُ لَهُ حِجَابٌ فَمَا فَضْلُ الْجَوَادِ عَلَى الْبَخِيلِ فَأَلْقَى مَعْنٌ الرُّقْعَةَ إِلَى كِتَابِهِ وَقَالَ: أَجِيبُوهُ عَنْ بَيْتِهِ، فَخَلَطُوا وَأَكْثَرُوا وَلَمْ يَأْتُوا بِمَعْنًى، فَأَخَذَ الرُّقْعَةَ وَكَتَبَ فِيهَا: إِذَا كَانَ الْجَوَادُ قَلِيلَ مَالٍ وَلَمْ يُعْذَرْ تَعَلَّلَ بِالْحِجَابِ فَقَالَ الشَّاعِرُ: إِنَّا لِلَّهِ أَيُؤْيِسُنِي مِنْ مَعْرُوفِهِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ مُنْصَرِفًا، فَسَأَلَ مَعْنٌ عَنْهُ فَأُخْبِرَ بِانْصِرَافِهِ، فَأَتْبَعَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَقَالَ: هِيَ عِنْدَنَا فِي كُلِّ زَوْرَةٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ النَّصِيبِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْمُعَدِّلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاذٍ خَلَفُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُؤَدِّبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَاحِبُ شُرَطَةِ مَعْنٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عَلَى رَأْسِ مَعْنٍ إِذَا هُوَ بِرَاكِبٍ يُوضَعُ، فَقَالَ مَعْنٌ: مَا أَحْسَبُ هَذَا الرَّجُلَ يُرِيدُ إِلَّا إِيَّايَ، ثُمَّ قَالَ لِحَاجِبِهِ: لَا تَحْجُبُهُ، فَجَاءَ حَتَّى مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَلَّ مَا بِيَدِي فَمَا أُطِيقُ الْعِيَالَ إِذْ كَثُرُوا أَلَحَّ دَهْرٌ رَمَى بِكَلْكَلِهِ فَأَرْسَلُونِي إِلَيْكَ وَانْتَظَرُوا فَقَالَ مَعْنٌ وَأَخَذَتْهُ أَرْيَحِيَّةٌ: لَا جَرَمَ وَاللَّهِ لَأُعَجِّلَنَّ أَوَبِتَكَ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، نَاقَتِي الْفُلَانِيَّةُ وَأَلْفُ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ الْمُقْرِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ الْكَاتِبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِكْرِمَةَ الضَّبِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: خَرَجَ الْمَهْدِيُّ يَوْمًا يَتَصَيَّدُ، فَلَقِيَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ مُطَيْرٍ فَأَنْشَدَهُ يَقُولُ: أَضْحَتْ يَمِينُكَ مِنْ جُودٍ مُصَوَّرَةً لَكِنْ يَمِينُكَ مِنْهَا صُوِّرَ الْجُودُ مِنْ حُسْنِ وَجْهِكَ تَضْحَى الْأَرْضُ مُشْرِقَةً وَمِنْ بَنَانِكَ يَجْرِي الْمَاءُ فِي الْعُودِ فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: كَذَبْتَ يَا فَاسِقُ، وَهَلْ تَرَكْتَ فِي شِعْرِكَ مَوْضِعًا لِأَحَدٍ مَعَ قَوْلِكَ فِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ: أَلِمَّا بِمَعْنٍ ثُمَّ قُولَا لِقَبْرِهِ سَقَتْكَ الْغَوَادِي مَرْبَعًا ثُمَّ مَرْبَعَا فَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كُنْتَ أَوَّلَ حُفْرَةٍ مِنَ الْأَرْضِ حُطَّتْ لِلْمَكَارِمِ مَضْجَعًا أَيَا قَبْرَ مَعْنٍ كَيْفَ وَارَيْتَ جُودَهُ وَقَدْ كَانَ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْبَحْرُ مَتْرَعَا وَلَكِنْ حَوَيْتَ الْجُودَ وَالْجُودُ مَيِّتٌ وَلَوْ كَانَ حَيًّا ضِقْتَ حَتَّى تَصَدَّعَا وَمَا كَانَ إِلَّا الْجُودُ صُورَةُ وَجْهِهِ فَعَاشَ رَبِيعًا ثُمَّ وَلَّى فَوَدَّعَا فَلَمَّا مَضَى مَعْنٌ مَضَى الْجُودُ وَالنَّدَى وَأَصْبَحَ عِرْنِينُ الْمَكَارِمِ أَجْدَعَا فَأَطْرَقَ الْحُسَيْنُ ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهَلْ مَعْنٌ إِلَّا حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِكَ. فَرَضِيَ عَنْهُ وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ. بَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ دَخَلَ عَلَى مَعْنٍ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، لَوْ شِئْتَ أَنْ أَتَوَسَّلَ إِلَيْكَ بِبَعْضِ مَنْ يَثْقُلُ عَلَيْكَ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ سَهْلًا مُمْكِنًا وَلَكِنِّي اسْتَشْفَعْتُ إِلَيْكَ بِقَدْرِكَ، وَاسْتَعَنْتُ عَلَيْكَ بِفَضْلِكَ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَضَعَنِي مِنْ كَرَمِكَ حَيْثُ وَضَعْتُ نَفْسِي مِنْ رَجَائِكَ، فَإِنِّي لَمْ أُكْرِمْ نَفْسِي عَنْ مَسْأَلَتِكَ فَأَكْرِمْ وَجْهَكَ عَنْ رَدِّي، قَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ، قَالَ: أَلْفُ دِرْهَمٍ، قَالَ: رَبِحْتُ عَلَيْكَ رِبْحًا بَيِّنًا، قَالَ: مِثْلُكَ لَا يَرْبَحُ عَلَى سَائِلِهِ، قَالَ: أَضْعِفُوا لَهُ مَا سَأَلَ. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْفَضْلِ الْقَطَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: قُتِلَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ بِأَرْضِ خُرَاسَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. قَالَ الْخَطِيبُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْمَنْصُورَ وَلَّاهُ سَجِسْتَانَ فَنَزَلَ بِسَتٍّ فَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا فَقَتَلُوهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قَتَلَتْهُ الْخَوَارِجُ بِسِجِسْتَانَ.
التاريخ 2866لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَنْصُورُ.
التاريخ 2867لا حكم مسجّل
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ، وَاسْمُ أَبِي عَبْلَةَ شِمْرُ بْنُ يَقْطَانَ، أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْقَيْسِيُّ ثُمَّ الْعُقَيْلِيُّ: مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، إِنَّا قَدْ عَرَفْنَاكَ صَغِيرًا وَخَبَرْنَاكَ كَبِيرًا، وَرَضِينَا بِسِيرَتِكَ وَحَالِكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُخْلِطَكَ بِنَفْسِي وَبِخَاصَّتِي، وَأُشْرِكَكَ فِي عَمَلِي، وَقَدْ وَلَّيْتُكَ خَرَاجَ مِصْرَ، فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي عَلَيْهِ رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَجْزِيكَ وَيُثِيبُكَ وَكَفَى بِهِ جَازِيًا وَمُثِيبًا، وَأَمَّا الَّذِي [أَنَا] عَلَيْهِ فَمَا لِي بِالْخَرَاجِ تَصَرُّفٌ، وَمَا لِي عَلَيْهِ قُوَّةٌ. فَغَضِبَ حَتَّى اخْتَلَجَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: لِيَلِيَنِ طَائِعًا أَوْ لِيَلِينِ كَارِهًا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكَلَامِ حَتَّى رَأَيْتُ غَضَبَهُ قَدِ انْكَسَرَ وَثَوْرَتَهُ قَدْ طُفِئَتْ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَأَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا. الْآيَةَ. وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا غَضِبَ عَلَيْهِنَّ إِذَا أَبَيْنَ، وَلَا أَكْرَهَهُنَّ إِذْ كَرِهْنَ، وَمَا أَنَا بِحَقِيقٍ أَنْ تَغْضَبَ عَلَيَّ إِذْ أَبَيْتُ وَلَا تَكْرَهَنِي إِذْ كَرِهْتُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَبَيْتُ إِلَّا رِفْقًا فَقَدْ أَعْفَيْنَاكَ وَرَضِينَا عَنْكَ. خُوَيْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ: عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خُوَيْلَ بْنَ مُحَمَّدٍ - وَكَانَ عَابِدًا - يَقُولُ: كَانَ خُوَيْلًا قَدْ وَقَفَ لِلْحِسَابِ، فَقِيلَ: يَا خُوَيْلُ، قَدْ عَمَّرْنَاكَ سِتِّينَ سَنَةً، فَمَا صَنَعْتَ فِيهَا؟ فَجَمَعَ نَوْمَ سِتِّينَ سَنَةً مَعَ قَائِلَةِ النَّهَارِ فَإِذَا قِطْعَةٌ مِنْ عُمْرِي ذَهَبَتْ [فِي] نَوْمٍ، وَجَمَعْتُ سَاعَاتِ أَكْلِي فَإِذَا قِطْعَةٌ مِنْ عُمْرِي قَدْ ذَهَبَتْ فِي الْأَكْلِ، ثُمَّ جَمَعْتُ سَاعَاتِ وُضُوئِي فَإِذَا قِطْعَةٌ مِنْ عُمْرِي ذَهَبَتْ فِيهِ، ثُمَّ نَظَرْتُ فِي صَلَاتِي فَإِذَا صَلَاةٌ مَنْقُوصَةٌ وَصَوْمٌ مُخْرَقٌ، فَمَا هُوَ إِلَّا عَفْوُ اللَّهِ أَوِ الْهَلَكَةُ. مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارِ بْنِ حِبَّانَ، وَقِيلَ: ابْنُ يَسَارِ بْنِ كُوثَانَ الْمَدِينِيُّ، مَوْلَى قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَسَارٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، وَهُوَ أَوَّلُ سَبْيٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْعِرَاقِ، يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، وَقِيلَ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، وَسَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ]، وَأَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الْأَعْرَجَ، وَنَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَالزُّهْرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. وَكَانَ عَالِمًا بِالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي وَأَيَّامِ النَّاسِ وَالْمُبْتَدَأِ وَقَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ. وَحَدَّثَ عَنْهُ كِبَارُ الْأَئِمَّةِ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [الْأَنْصَارِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَشُعْبَةَ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَشَرِيكِ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا يَزَالُ بِالْمَدِينَةِ عِلْمٌ جَمٌّ مَا كَانَ فِيهِمُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ثِقَةً، وَضَعَّفَهُ فِي رِوَايَتِهِ. وَلِمَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ حَدِيثًا قَالَ زَوْجُهَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَذِبَ، لَقَدْ دَخَلْتُ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، وَمَا رَآهَا مَخْلُوقٌ حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ: لَعَلَّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا وَزَوْجُهَا لَا يَعْلَمُ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ كَذَّبَهُ أَيْضًا لِذَلِكَ. أَخْبَرَنَا الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْخَطِيبُ، قَالَ: قَدْ أَمْسَكَ عَنِ الِاحْتِجَاجِ بِرِوَايَاتِ ابْنِ إِسْحَاقَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ لِأَسْبَابٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يَتَشَيَّعُ، وَيُنْسَبُ إِلَى الْقَدَرِ، وَيُدَلِّسُ فِي حَدِيثِهِ، فَأَمَّا الصِّدْقُ فَلَيْسَ بِمَدْفُوعٍ عَنْهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ رَجُلٌ قَدْ أَجْمَعَ الْكُبَرَاءُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى الْأَخْذِ مِنْهُ، وَقَدِ اخْتَبَرَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ فَرَأَوْا صِدْقًا وَخَيْرًا، مَعَ مَدْحِ ابْنِ شِهَابٍ لَهُ، وَقَدْ ذَاكَرْتُ دُحَيْمًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِيهِ، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِالْقَدَرِ. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ: كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يُرْمَى بِالْقَدَرِ وَكَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَكَانَ إِذَا حَدَّثَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنَ الْمَعْرُوفِينَ فَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ صَدُوقٌ، وَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنِ الْمَجْهُولِينَ أَحَادِيثَ بَاطِلَةً. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَتَّهِمُ ابْنَ إِسْحَاقَ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: حَدِيثُهُ عِنْدِي صَحِيحٌ، قِيلَ لَهُ: فَكَلَامُ مَالِكٍ فِيهِ، فَقَالَ: مَالِكٌ لَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ، قِيلَ: فَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، فَقَالَ: الَّذِي قَالَ هِشَامٌ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لَعَلَّهُ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهُوَ غُلَامٌ فَسَمِعَ مِنْهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ يَشْتَهِي الْحَدِيثَ فَيَأْخُذُ كُتُبَ النَّاسِ فَيَضَعُهَا فِي كُتُبِهِ. وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ فِي السُّنَنِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالسَّاجِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَالْفَلَّاسُ، وَابْنُ عَرَفَةَ: سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَهْبِيُّ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْبُخَارِيُّ. مِسْعَرُ بْنُ كِدَامِ بْنِ ظُهَيْرٍ، أَبُو سَلَمَةَ: سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيَّ. رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ. وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا كَثِيرَ الْبُكَاءِ. قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَا لَقِيتُ أَحَدًا أُفَضِّلُهُ عَلَى مِسْعَرٍ. [أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ:] أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُجَاعُ بْنُ فَارِسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ كُنَاسَةَ، سَمِعْتُ مِسْعَرًا يَقُولُ: مَنْ أَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ تَبَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. قَالَ: جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،: أَتَيْتُ مِسْعَرَ بْنَ كِدَامٍ لِأَسْمَعَ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ رَجُلٌ [قَدْ] أُقِيمَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ لِيُلْقَى فِيهَا. قَالَ: أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ الْحَرَّانِيُّ، سَمِعْتُ مِسْعَرَ بْنَ كِدَامٍ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ آخِذٌ بِيَدِهِ وَهُمَا يَطُوفَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَ مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ. تُوُفِّيَ مِسْعَرٌ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ أَبُو عُمَرَ بْنُ حَمَاسٍ، وَقِيلَ: يُوسُفُ: وَكَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا يَصُومُ الدَّهْرَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. قَالَ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ يُونُسُ بْنُ يُوسُفَ مِنَ الْعُبَّادِ - أَوْ [قَالَ]: مِنْ خِيَارِ النَّاسِ - فَأَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ رَائِحٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ جَعَلْتَ لِي بَصَرِي نِعْمَةً وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ عَلَيَّ نِقْمَةٌ فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ. قَالَ: فَعَمِيَ، وَكَانَ يَرُوحُ إِلَى الْمَسْجِدِ يَقُودُهُ ابْنُ أَخٍ لَهُ، فَإِذَا اسْتَقْبَلَ بِهِ الْأُسْطُوَانَةَ اشْتَغَلَ الصَّبِيُّ بِلَعِبٍ مَعَ الصِّبْيَانِ فَإِنْ أَتَتْهُ حَاجَةٌ حَصَّبَهُ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ ضَحْوَةٍ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ حَسَّ فِي بَطْنِهِ بِشَيْءٍ فَحَصَّبَ الصَّبِيُّ فَاشْتَغَلَ عَنْهُ مَعَ الصِّبْيَانِ حَتَّى خَافَ الشَّيْخُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ كُنْتَ جَعَلْتَ لِي بَصَرِي نِعْمَةً وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نِقْمَةً فَسَأَلْتُكَ فَقَبَضْتَهُ إِلَيْكَ، وَقَدْ خَشِيَتُ الْفَضِيحَةَ فَرُدَّهُ [عَلَيَّ]. فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ صَحِيحًا يَمْشِي. قَالَ مَالِكٌ: فَرَأَيْتُهُ أَعْمَى وَرَأَيْتُهُ صَحِيحًا. [ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، رَوَى عَنْهُ عَمُّهُ. وَفِيهَا مَاتَ يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ، رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا. وَفِيهَا مَاتَ طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَضْرَمِيُّ. ( الْأَيْلِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَبِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ. وَالْعُقَيْلِيُّ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْقَافِ ). وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ،
التاريخ 2868لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا عَادَ الْمَنْصُورُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَجَهَّزَ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ إِلَى الْكُرْكِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ إِغَارَتِهِمْ عَلَى جُدَّةَ.
التاريخ 2869لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا غَضِبَ الْمَنْصُورُ عَلَى كَاتِبِهِ أَبِي أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيِّ وَسَجَنَهُ، وَسَجَنَ أَخَاهُ خَالِدًا وَبَنِي أَخِيهِ الْأَرْبَعَةَ; سَعِيدًا وَمَسْعُودًا وَمَخْلَدًا وَمُحَمَّدًا، وَطَالَبَهُمْ بِالْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ شَبِيبَتِهِ قَدْ وَرَدَ الْمَوْصِلَ وَهُوَ فَقِيرٌ لَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا مَعَهُ، فَأَجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ بَعْضِ الْمَلَّاحِينَ حَتَّى اكْتَسَبَ شَيْئًا تَزَوَّجَ بِهِ امْرَأَةً، ثُمَّ جَعَلَ يَعِدُهَا وَيُمَنِّيهَا أَنَّهُ مِنْ بَيْتٍ سَيَصِيرُ إِلَيْهِمُ الْمْلُكُ سَرِيعًا، فَاتَّفَقَ حَبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ تَطَلَّبَهُ بَنُو أُمَيَّةَ، فَهَرَبَ عَنْهَا، وَتَرَكَهَا حَامِلًا، وَوَضَعَ عِنْدَهَا رُقْعَةً فِيهَا نَسَبُهُ; أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَرَهَا إِذَا بَلَغَهَا أَمْرُهُ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَإِذَا وَلَدَتْ غُلَامًا أَنْ تُسَمِّيَهُ جَعْفَرًا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ جَعْفَرًا، وَنَشَأَ الْغُلَامُ فَتَعَلَّمَ الْكِتَابَةَ، وَغَوَى الْعَرَبِيَّةَ وَالْأَدَبَ، وَأَتْقَنَ ذَلِكَ إِتْقَانًا جَيِّدًا، ثُمَّ آلَ الْأَمْرُ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، فَسَأَلَتْ عَنِ السِّفَاحِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ صَاحِبَهَا، ثُمَّ قَامَ الْمَنْصُورُ، وَسَافَرَ الْوَلَدُ إِلَى بَغْدَادَ فَاخْتَلَطَ بِكُتَّابِ الرَّسَائِلِ، فَأُعْجِبَ بِهِ أَبُو أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيِّ صَاحِبُ دِيوَانِ الْإِنْشَاءِ لِلْمَنْصُورِ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ وَقَدَّمَهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَاتَّفَقَ حُضُورُهُ مَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ، فَجَعَلَ الْخَلِيفَةُ يُلَاحِظُهُ، ثُمَّ بَعَثَ يَوْمًا الْخَادِمَ لِيَأْتِيَهُ بِكَاتِبٍ، فَدَخَلَ وَمَعَهُ ذَلِكَ الْغُلَامُ، فَكَتَبَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ كِتَابًا، وَجَعَلَ الْخَلِيفَةُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَتَأَمَّلُهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَعْفَرٌ، فَقَالَ: ابْنُ مَنْ؟ فَسَكَتَ الْغُلَامُ، فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مِنْ خَبَرِي كَيْتَ وَكَيْتَ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أُمِّهِ فَأَخْبَرَهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَحْوَالِ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، فَجَعَلَ يُخْبِرُهُ وَالْغُلَامُ يَتَعَجَّبُ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ، فَاحْتَضَنَهُ وَقَالَ: أَنْتَ ابْنِي. ثُمَّ بَعَثَهُ بِعِقْدٍ ثَمِينٍ وَمَالٍ جَزِيلٍ وَكِتَابٍ إِلَى أُمِّهِ يُعْلِمُهَا بِحَقِيقَةِ حَالِ الزَّوْجِ. وَخَرَجَ الْغُلَامُ وَمَعَهُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ سِرِّ الْخَلِيفَةِ، فَأَحْرَزَ ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ، فَقَالَ: مَا أَبْطَأَ بِكَ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ اسْتَكْتَبَنِي فِي رَسَائِلَ كَثِيرَةٍ. ثُمَّ تَقَاوَلَا، ثُمَّ فَارَقَهُ الْغُلَامُ مُغْضَبًا، وَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ، فَاسْتَأْجَرَ إِلَى الْمَوْصِلِ لِيُعْلِمَ أُمَّهُ، وَيَحْمِلَهَا وَأَهْلَهَا إِلَى بَغْدَادَ إِلَى مَكَانٍ مِنْهَا أَمَرَ بِهِ الْخَلِيفَةُ. فَسَارَ مَرَاحِلَ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ أَبُو أَيُّوبَ، فَقِيلَ: سَافَرَ. فَظَنَّ أَبُو أَيُّوبَ أَنَّ هَذَا قَدْ أَفْشَى شَيْئًا مِنْ أَسْرَارِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَفَرَّ مِنْهُ، فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ رَسُولًا وَقَالَ: حَيْثُ وَجَدْتَهُ فَرُدَّهُ عَلَيَّ. فَسَارَ الرَّسُولُ فِي طَلَبِهِ، فَوَجَدَهُ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، فَخَنَقَهُ وَأَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ، وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ، فَرَجَعَ بِهِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ، فَلَمَّا وَقَفَ أَبُو أَيُّوبَ عَلَى الْكِتَابِ أُسْقِطَ فِي يَدِهِ، وَنَدِمَ عَلَى بَعْثِهِ خَلْفَهُ، وَانْتَظَرَ الْخَلِيفَةُ عَوْدَ وَلَدِهِ إِلَيْهِ وَاسْتَبْطَأَهُ، فَبَعَثَ مَنْ كَشَفَ خَبَرَهُ، فَإِذَا رَسُولُ أَبِي أَيُّوبَ قَدْ لَحِقَهُ وَقَتَلَهُ، فَحِينَئِذٍ اسْتَحْضَرَ أَبَا أَيُّوبَ، وَأَلْزَمَهُ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ، وَمَا زَالَ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ حَتَّى اسْتَصْفَى جَمِيعَ أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَقَالَ: هَذَا قَتَلَ حَبِيبِي. وَكَانَ الْمَنْصُورُ كُلَّمَا ذَكَرَ وَلَدَهُ حَزِنَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا.
التاريخ 2870لا حكم مسجّل
وَقَبَضَ الْمَنْصُورُ أَيْضًا عَلَى عَبَّادٍ مَوْلَاهُ، وَعَلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ بِخُرَاسَانَ، وَأُحْضِرَا مُقَيَّدَيْنِ لِتَعَصُّبِهِمَا لِعِيسَى بْنِ مُوسَى.
التاريخ 2871لا حكم مسجّل
وَفِيهَا خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفًا، مَا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَعَلَيْهِمْ أَبُو حَاتِمٍ الْإِبَاضِيُّ، وَأَبُو عَادٍ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ أَبُو قُرَّةَ الصُّفْرِيُّ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَاتَلُوا نَائِبَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَهَزَمُوا جَيْشَهُ وَقَتَلُوهُ، وَهُوَ عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عُثْمَانَ ابْنِ أَبِي صُفْرَةَ الَّذِي كَانَ نَائِبَ السِّنْدِ فَعَزَلَهُ الْمَنْصُورُ عَنْهَا بِسَبَبِ مُبَايَعَتِهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَوَلَّاهُ هَذِهِ الْبِلَادَ فَقَتَلَتْهُ الْخَوَارِجُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْثَرَتِ الْخَوَارِجُ الْفَسَادَ فِي الْبِلَادِ، وَقَتَلُوا الْحَرِيمَ وَالْأَوْلَادَ، وَآذَوْا عَامَّةَ الْعِبَادِ.
التاريخ 2872لا حكم مسجّل
وَفِيهَا أَخَذَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ بِتَلْبِيسِ الْقَلَانِسِ الطِّوَالِ الْمُفْرِطَةِ الطُّولِ، فَقَالَ أَبُو دُلَامَةَ: وَكُنَّا نُرَجِّي مِنْ إِمَامٍ زِيَادَةً فَزَادَ الْإِمَامُ الْمُصْطَفَى فِي الْقَلَانِسِ.
التاريخ 2873لا حكم مسجّل
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى الْحَجُورِيُّ فَوَصَلَ إِلَى حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ الرُّومِ لَيْلًا وَأَهْلُهُ نِيَامٌ، فَسَبَى وَأَسَرَ مَنْ كَانَ فِيهِ، ثُمَّ قَصَدَ اللَّاذِقِيَّةَ الْخَرَابَ، فَسَبَى مِنْهَا سِتَّةَ آلَافِ رَأْسٍ سِوَى الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ.
التاريخ 2874لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: وَلَّى الْمَنْصُورُ بَكَّارَ بْنَ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيَّ [أَرْمِينِيَّةَ].
التاريخ 2875لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ أَمِيرَ مَكَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمِيرَ الْمَدِينَةِ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَمِيرَ مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَلَى الْيَمَنِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ.
التاريخ 2876لا حكم مسجّل
إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَشِيطِ بْنِ يُوسُفَ، وَيُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ: كَانَ فَقِيهًا عَابِدًا رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَغَزَا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ مَعَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَرَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ وَهْبٍ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ مَالِكٍ، أَبُو زُرْعَةَ التُّجِيبِيُّ: رَوَى عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَكَانَ فَقِيهًا عَابِدًا مُجَابَ الدَّعْوَةِ. رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، وَابْنُ وَهْبٍ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا وُصِفَ لِي أَحَدٌ فَرَأَيْتُهُ إِلَّا كَانَ دُونَ مَا وَصَفَ إِلَّا حَيْوَةَ بْنَ شُرَيْحٍ، فَإِنَّ رُؤْيَتَهُ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ صِفَتِهِ. قَالَ: خَالِدُ بْنُ الْفِرْزِ،: كَانَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ دَعَّاءً مِنَ الْبَكَّائِينَ، وَكَانَ ضَيِّقَ الْحَالِ جِدًّا، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مُخْتَلٌّ وَحْدَهُ يَدْعُو، فَقُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ يُوَسِّعُ عَلَيْكَ فِي مَعِيشَتِكَ؟ قَالَ: فَالْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَأَخَذَ حَصَاةً مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا ذَهَبًا، قَالَ: فَإِذَا هِيَ وَاللَّهِ قُبَّرَةٌ فِي كَفِّهِ، مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَ: فَرَمَى بِهَا إِلَيَّ وَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْآخِرَةَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ، فَقُلْتُ: مَا أَصْنَعُ بِهَا، قَالَ: اسْتَنْفِقْهَا، فَهَبَتْهُ وَاللَّهِ أَنْ أَرَادَهُ. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْيَشْكُرِيُّ،: لَمَّا قَدِمَ أَبُو عَوْنٍ مِصْرَ وَقَتَلَ بِهَا مَنْ قَتَلَ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبَلَدِ أَرْسَلَ إِلَى حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ: ائْتِنِي، قَالَ: فَجَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّا مَعْشَرَ الْمُلُوكِ لَا نُعْصَى، فَمَنْ عَصَانَا قَتَلْنَاهُ، قَدْ وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ، [قَالَ]: أَوَآمُرَ أَهْلِي: قَالَ: اذْهَبْ، قَالَ: فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ، فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وَنَالَ شَيْئًا مِنَ الطِّيبِ، وَلَبِسَ أَنْظَفَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ جَعَلَ السَّحَرَةَ أَوْلَى بِمَا قَالُوا مِنَّا، اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ لَسْتُ أَتَوَلَّى لَكَ شَيْئًا. قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَرَجَعَ. تُوُفِّيَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ الْمُضَرِّبِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ، مَوْلَى بَجِيلَةَ: حَدَّثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَأَبِي زُهَيْرٍ الْمَكِّيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَغَيْرِهِمْ. رَوَى عَنْهُ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، وَشَبَابَةُ. وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ، ثُمَّ بَعَثَ الْمَنْصُورُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ إِلَى مَكَّةَ مَنْ يَقْدَمُ بِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ وَضَمَّ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ إِلَى الْمَهْدِيِّ. قَالَ: جَبَلَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، فَقَالَ: إِنَّ لِي عَلَى مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ دَقِيقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ مَطَلَنِي، وَيَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي الْيَوْمَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ الْحَسَنَ بْنُ عُمَارَةَ، وَقَالَ: أَعْطِ مِسْعَرًا كُلَّمَا أَرَادَ، وَإِذَا اجْتَمَعَ لَكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَتَعَالَ إِلَيَّ حَتَّى أُعْطِيَكَ. وَقَدْ قَدَحُوا فِي الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، وَكَانَ شُعْبَةُ يَشْهَدُ أَنَّهُ كَذَّابٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيُّ: أَمْرُهُ أَبْيَنُ مِنْ ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: كَانَ يَغْلَطُ، قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَغْلَطُ، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ. وَقَالَ يَحْيَى: لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: هُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْفَلَّاسُ: هُوَ رَجُلٌ صَدُوقٌ صَالِحٌ كَثِيرُ الْوَهْمِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ السَّاجِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ يَرْوِي عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ جَعَلْتُ إِصْبَعِي فِي أُذُنِي. تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو عَلِيٍّ الْبَلْخِيُّ: كَانَ ذَا ثَرْوَةٍ عَظِيمَةٍ، فَخَرَجَ مِنْهَا وَتَزَهَّدَ، وَصَحِبَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَقِيقٍ: كَانَ لِجَدِّي ثَلَاثُمِائَةِ قَرْيَةٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَفَنٌ يُكَفَّنُ فِيهِ، قُدِّمَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَثِيَابُهُ وَسَيْفُهُ إِلَى السَّاعَةِ مُعَلَّقٌ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ لِتِجَارَةٍ وَهُوَ حَدَثٌ، فَدَخَلَ إِلَى أَصْنَامِهِمْ فَقَالَ لِعَامِلِهِمْ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتَ فِيهِ بَاطِلٌ، وَلِهَذَا الْخَلْقِ خَالِقٌ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، رَازِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ: لَيْسَ يُوَافِقُ قَوْلُكَ فِعْلَكَ، فَقَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: زَعَمْتَ أَنَّ لَكَ خَالِقًا قَادِرًا وَقَدْ تَعَنَّيْتَ إِلَى هَاهُنَا لِطَلَبِ الرِّزْقِ، قَالَ شَقِيقٌ: فَكَانَ سَبَبُ زُهْدِي كَلَامَ التُّرْكِيِّ، فَرَجَعَ فَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَطَلَبَ الْعِلْمَ. قَالَ: حَاتِمٌ الْأَصَمُّ: كُنَّا مَعَ شَقِيقٍ الْبَلْخِيِّ وَنَحْنُ مُصَافُّو التُّرْكِ فِي يَوْمٍ لَا أَرَى فِيهِ إِلَّا رُءُوسًا تُبْدَرُ وَسُيُوفًا تَقْطَعُ، فَقَالَ لِي شَقِيقٌ وَنَحْنُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ: يَا حَاتِمُ، كَيْفَ تَرَى نَفْسَكَ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ تَرَاهَا مِثْلَهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي زُفَّتْ إِلَيْكَ امْرَأَتُكَ، فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ: لَكِنِّي وَاللَّهِ أَرَى نَفْسِي فِي هَذَا الْيَوْمِ مِثْلَهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي زُفَّتْ فِيهَا امْرَأَتِي. قَالَ: ثُمَّ نَامَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَدَرَقَتُهُ تَحْتَ رَأْسِهِ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ. عُمَيْرَةُ بْنُ أَبِي نَاجِيَةَ، أَبُو يَحْيَى: كَانَ عَابِدًا نَاسِكًا دَائِمَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ أَبُوهُ رُومِيًّا. [وَتُوَفِّيَ عُمَيُرَةُ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ]. مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، أَبُو عُرْوَةَ الْبَصْرِيُّ: سَكَنَ الْيَمَنَ وَقَالَ: طَلَبْتُ الْعِلْمَ يَوْمَ مَاتَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَسَمِعْتُ مِنْ قَتَادَةَ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا مِنْ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ فِي تِلْكَ السِّنِينَ إِلَّا وَكَأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي صَدْرِي. وَسَمِعَ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَرَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. مُوسَى بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ مِنْ وُجُوهِ بَنِي هَاشِمٍ وَأَفَاضِلِهِمْ، وَهُوَ أَخُو مُحَمَّدٍ، وَجَعْفَرٍ. قَدِمَ بَغْدَادَ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ، فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. هِشَامُ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَبُو الْعَبَّاسِ - وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - الْجُرَشِيُّ الشَّامِيُّ: سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، وَنَافِعًا، وَمَكْحُولًا. رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٌ، وَشَبَابَةُ، نَزَلَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، وَوَلَّاهُ الْمَنْصُورُ بَيْتَ الْمَالِ، وَكَانَ ثِقَةً مِنْ خِيَارِ النَّاسِ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاسْمُهُ سَنْبَرٌ، الدَّسْتُوَائِيُّ، مَوْلًى لِبَنِي سَدُوسٍ: كَانَ شَدِيدَ الْخَوْفِ [مِنَ اللَّهِ]، كَثِيرَ الْبُكَاءِ. قَالَ: سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ،: كَانَ هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أَظْلَمَ بَصَرُهُ مِنْ طُولِ الْبُكَاءِ، فَكُنْتَ تَرَاهُ يُبْصِرُ إِلَيْكَ وَلَا يَعْرِفُكَ حَتَّى تُكَلِّمَهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ بْنِ أَبِي الْوَرْدِ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: أَبَا عُثْمَانَ: وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْوَهَّابِ، فَصُغِّرَ فَقِيلَ وُهَيْبٌ. أَدْرَكَ عَطَاءً، وَمَنْصُورَ بْنَ زَاذَانَ، وَكَانَ شَدِيدَ الْوَرَعِ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ، وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِذَا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ يَقُولُ: قُومُوا بِنَا إِلَى الطَّبِيبِ، يَعْنِي وُهَيْبًا. قَالَ قَادِمٌ الدَّيْلَمِيُّ: قِيلَ لِوُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ: أَلَا تَشْرَبُ مِنْ زَمْزَمَ، قَالَ: بِأَيِّ دَلْوٍ. قَالَ الْمَرْوَزِيُّ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ يَقُولُ: قَالَ شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ: مَا احْتَمَلُوا لِأَحَدٍ مَا احْتَمَلُوا لِوُهَيْبٍ، كَانَ يَشْرَبُ بِدَلْوِهِ. قَالَ: ابْنُ عِيسَى،: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: مَا جَلَسْتُ إِلَى أَحَدٍ كَانَ أَنْفَعَ لِي مُجَالَسَةً مِنْ وُهَيْبٍ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ مِنَ الْفَوَاكِهِ، وَكَانَ إِذَا انْقَضَتِ السَّنَةُ وَذَهَبَتِ الْفَوَاكِهُ يَكْشِفُ عَنْ بَطْنِهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا وُهَيْبُ مَا أَرَى بِكَ بَأْسًا، مَا أَرَى تَرْكَكَ الْفَوَاكِهَ ضَرَّكَ شَيْئًا. قَالَ: بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ: كَانَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ تَئِنُّ خُضْرَةُ الْبَقْلِ مِنْ بَطْنِهِ مِنَ الْهُزَالِ. قَالَ ابْنُ مَخْلَدٍ: وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَتْحِ، قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرًا يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ وُهَيْبًا كَانَ إِذَا أُتِيَ بِقُرْصَيْهِ بَكَى حَتَّى يُبِلَّهُمَا. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عُبَيْدٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، قَالَ: حَلَفَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ أَلَّا يَرَاهُ اللَّهُ ضَاحِكًا وَلَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَأْتِي بِهِ رُسُلُ اللَّهِ. قَالَ: فَسَمِعُوهُ يَقُولُ عِنْدَ الْمَوْتِ: وَفَيْتَ لِي وَلَمْ أَفِ لَكَ. تُوُفِّيَ وُهَيْبٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ ابْنُ بِنْتِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَاضِي الْكُوفَةِ، فَاسْتُقْضِيَ [ مَكَانَهُ ] شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ هِشَامُ بْنُ الْغَازِ بْنِ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيُّ، ( وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: تِسْعٍ وَخَمْسِينَ ). وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ. وَثَوْرُ بْنُ زَيْدٍ. وَعَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ. وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ مِنْ وَلَدِ أَخِي حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ. وَفِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكُوفِيُّ. فِطْرٌ: بِالْفَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. ( وَالْجُرَشِيُّ: بِضَمِّ الْجِيمِ، وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ).
التاريخ 2877لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَنْصُورُ إِلَى الشَّامِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَسَيَّرَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا لِحَرْبِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَتَلُوا عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ وَأَنْفَقَ عَلَى هَذَا الْجَيْشِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
التاريخ 2878لا حكم مسجّل
وَجَهَّزَ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، وَوَلَّاهُ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَأَنْفَقَ عَلَى هَذَا الْجَيْشِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
التاريخ 2879لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: عَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ الرَّافِقَةِ، فَلَمَّا أَرَادَ بِنَاءَهَا امْتَنَعَ أَهْلُ الرَّقَّةِ وَأَرَادُوا مُحَارَبَتَهُ، وَقَالُوا: يُعَطِّلُ عَلَيْنَا أَسْوَاقَنَا وَيُذْهِبُ مَعَايِشَنَا وَيُضَيِّقُ مَنَازِلَنَا. فَهَمَّ بِمُحَارَبَتِهِمْ. وَالرَّافِقَةُ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ، كَانَتِ الرَّقَّةُ إِلَى جَانِبِهَا، فَخَرِبَتِ الرَّقَّةُ. وَالرَّافِقَةُ تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالرَّقَّةِ.
التاريخ 2880لا حكم مسجّل
وَسَقَطَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الصَّاعِقَةُ فَقَتَلَتْ بِالْمَسْجِدِ خَمْسَةَ نَفَرٍ. وقيل: فَقَتَلَتْ سِتَّةَ نَفَرٍ.
التاريخ 2881لا حكم مسجّل
وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ ظَبْيَانَ النُّمَيْرِيَّ
التاريخ 2882لا حكم مسجّل
وَغَزَا الصَّائِفَةَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ الْهِلَالِيُّ فَبَلَغَ الْفُرَاتَ.
التاريخ 2883لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ كَانَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَيُّوبَ، وَعَلَى قَضَائِهَا سَوَّارٌ، وَعَلَى السِّنْدِ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى إِفْرِيقِيَةَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ.
التاريخ 2884لا حكم مسجّل
إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ شَرَاحِيلَ، أَبُو خُزَيْمَةَ: دَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، وَرَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ. وَرَوَى عَنْهُ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ. وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ بَعْدَ أَنْ عَرَضَهُ الْأَمِيرُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ يَزِيدَ أَبُو عَوْنٍ عَلَى السَّيْفِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أَشْعَبُ الطَّامِعُ، وَيُقَالُ إِنَّ اسْمَهُ شُعَيْبٌ، وَاسْمُ أَبِيهِ جُبَيْرٌ: وُلِدَ أَشْعَبُ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَشْعَبُ خَالَ الْأَصْمَعِيِّ، وَقِيلَ: خَالَ الْوَاقِدِيِّ. وَفِي كُنْيَتِهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: أَبُو الْعَلَاءِ، وَالثَّانِي: أَبُو إِسْحَاقَ. وَفِي اسْمِ أُمِّهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: جَعْدَةُ مَوْلَاةُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَالثَّانِي: أُمُّ حُمَيْدَةَ، وَالثَّالِثُ: أُمُّ حَمِيدَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ. وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ مَوْلًى، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْلَاهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَالثَّانِي سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَالثَّالِثُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالرَّابِعُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ. وَعَمَّرَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَنَسَّكَ. وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعِكْرِمَةَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ أَخْبَارٌ طَرِيفَةٌ. قَالَ: أَبُو الْعَبَّاسِ نَسِيمٌ الْكَاتِبُ،: قِيلَ لِأَشْعَبَ: طَلَبْتَ الْعِلْمَ، وَجَالَسْتَ النَّاسَ، ثُمَّ تَرَكْتَ، فَلَوْ جَلَسْتَ لَنَا فَسَمِعْنَا مِنْكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ لَهُمْ فَقَالُوا: حَدِّثْنَا، فَقَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ الْعَبَّاسِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "خَلَّتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ ". ثُمَّ سَكَتَ، فَقَالُوا: مَا الْخَلَّتَانِ؟ فَقَالَ: نَسِيَ عِكْرِمَةُ وَاحِدَةً وَنَسِيتُ أَنَا الْأُخْرَى. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَقِيتُ أَشْعَبَ يَوْمًا فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ وَاقِدٍ قَدْ وَجَدْتَ دِينَارًا، فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْتُ: تُعَرِّفُهُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، قَلْتُ: فَمَا الرَّأْيُ؟ قَالَ: أَشْتَرِي بِهِ قَمِيصًا وَأُعَرِّفُهُ، قُلْتُ: إِذًا لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَذَاكَ أُرِيدُ. [قَالَ الْمُصَنِّفُ]: وَقَدْ نُقِلَتْ عَنْ أَشْعَبَ كَلِمَاتٌ مُضْحِكَاتٌ وَنَوَادِرُ. قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: أَسْلَمَتْهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ إِلَى الْبَزَّازِينَ، فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ بَلَغْتَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْبَزِّ؟ قَالَ: أُحْسِنُ أَنْشُرُ وَلَا أُحْسِنُ أَطْوِي، وَأَرْجُو أَنْ أَتَعَلَّمَ الطَّيَّ. وَمَرَّ بِرَجُلٍ يَتَّخِذُ طَبَقًا، فَقَالَ: اجْعَلْهُ وَاسِعًا لَعَلَّهُمْ أَنْ يُهْدُونَ إِلَيْنَا فِيهِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ: قَالَ أَشْعَبُ: مَا خَرَجْتُ فِي جِنَازَةٍ قَطُّ فَرَأَيْتُ اثْنَيْنِ يَتَشَاوَرَانِ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ الْمَيِّتَ قَدْ أَوْصَى لِي بِشَيْءٍ. قَالَ سُلَيْمَانُ الشَّاذَكُونِيُّ: كَانَ لِي بُنَيٌّ فِي الْمَكْتَبِ فَانْصَرَفَ إِلَيَّ يَوْمًا فَقَالَ: يَا أَبَتِ، أَلَا أُحَدِّثُكَ بِطَرِيفٍ؟ فَقُلْتُ: هَاتِ، فَقَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنَّ أَبِي يَدْعُوكَ وَأَشْعَبُ الطَّامِعُ عِنْدَهُ جَالِسٌ، فَلَبِسَ نَعْلَيْهِ وَقَالَ: امْشِ بَيْنَ يَدَيَّ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَقْرَأُ عُشْرِي، فَقَالَ: عَجِبْتُ أَنْ تَفْلَحَ أَوْ يَفْلَحَ أَبُوكَ. سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو شُجَاعٍ الْقِتْبَانِيُّ: رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَكَانَ ثِقَةً مِنَ الْعُبَّادِ الْمُجْتَهِدِينَ. كَانَ إِذَا أَصْبَحَ عَصَبَ سَاقَهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ. تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ [فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمُورِيَانِيُّ، مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ: كَانَ قَدِيمًا مَعَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، ثُمَّ اسْتَكْتَبَهُ الْمَنْصُورُ، ثُمَّ أَخْبَرَ الْمَنْصُورَ أَنَّ خَالِدًا أَخَا أَبِي أَيُّوبَ، وَكَانَ بِالْأَهْوَازِ قَدْ جَمَعَ مَالًا عَظِيمًا، فَغَضِبَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ فَحَبَسَهُ وَحَبَسَ أَخَاهُ خَالِدًا وَبَنِي أَخِيهِ، وَقَطَعَ أَيْدِي بَنِي أَخِيهِ وَقَتَلَهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ [سُلَيْمَانُ] كَرِيمًا جَوَادًا. قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: زَوَّجْتُ ابْنِي عَلَى أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَفَكَّرْتُ فِيمَنْ أَقْصِدُ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَبُو أَيُّوبَ الْمُورِيَانِيُّ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: لَكَ أَلْفَانِ، فَلَمَّا نَهَضْتُ لِأَقُومَ، قَالَ: وَالْمَهْرُ أَلْفَانِ فَأَيْنَ الْجِهَازُ؟ ثُمَّ قَالَ: أَلْفَانِ لِلْجِهَازِ، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ: الْمَهْرُ وَالْجِهَازُ فَأَيْنَ الْخَادِمُ؟ وَلَكَ أَلْفَانِ لِلْخَادِمِ، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ: وَالشَّيْخُ لَا يُصِيبُ شَيْئًا؟ وَلَكَ أَلْفَانِ، فَلَمْ أَزَلْ أَقُومُ وَيُقْعِدُنِي حَتَّى انْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ بِخَمْسِينَ أَلْفًا. قَالَ: الْعَبَّاسُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كَانَ أَبُو أَيُّوبَ إِذَا دَعَاهُ الْمَنْصُورُ يَصْفَرُّ وَيُرْعِدُ، فَإِذَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ تَرَاجَعَ لَوْنُهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّا نَرَاكَ مَعَ كَثْرَةِ دُخُولِكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأُنْسِهِ بِكَ إِذَا دَخَلْتَ إِلَيْهِ تُرْعِدُ، فَقَالَ: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ فِي هَذَا كَمَثَلِ بَازِي وَدِيكٍ تَنَاظَرَا، فَقَالَ الْبَازِي لِلدِّيكِ: مَا أَعْرِفُ أَقَلَّ وَفَاءً مِنْكَ، فَقَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: تُؤْخَذُ بَيْضَةً وَيَحْضُنُكَ أَهْلُكَ وَتَخْرُجُ عَلَى أَيْدِيهِمْ فَيُطْعِمُونَكَ بِأَكُفِّهِمْ حَتَّى إِذَا كَبُرْتَ صِرْتَ لَا يَدْنُو مِنْكَ أَحَدٌ إِلَّا طِرْتَ هَا هُنَا وَهَا هُنَا وَصِحْتَ، فَإِذَا عَلَوْتَ حَائِطَ دَارٍ كُنْتَ فِيهَا سِنِينَ طِرْتَ مِنْهَا وَتَرَكْتَهَا وَصِرْتَ إِلَى غَيْرِهَا. وَأَنَا أُؤْخَذُ مِنَ الْجِبَالِ وَقَدْ كَبُرْتُ فَأُطْعَمُ الشَّيْءَ الْيَسِيرَ وَأُؤْنِسُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أُطْلَقَ عَلَى الصَّيْدِ فَأَطِيرُ وَحْدِي وَآخُذُهُ وَأَجِيءُ بِهِ إِلَى صَاحِبِي. فَقَالَ لَهُ الدِّيكُ: [ذَهَبَتْ عَنْكَ الْحُجَّةُ] أَمَا لَوْ رَأَيْتَ بَازِيًا فِي سَفُّودٍ مَا عُدْتَ إِلَيْهِمْ أَبَدًا، وَأَنَا فِي كُلِّ وَقْتٍ أَرَى السَّفَافِيدَ مَمْلُوءَةً دُيُوكًا وَأَبِيتُ مَعَهُمْ، فَأَنَا أَكْثَرُ وَفَاءً مِنْكَ، وَلَوْ عَرَفْتُمْ مِنَ الْمَنْصُورِ مَا أَعْرِفُ لَكُنْتُمْ أَسْوَأَ حَالًا مِنِّي عِنْدَ طَلَبِهِ إِيَّاكُمْ. تُوُفِّيَ أَبُو أَيُّوبَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ الْمَدِينِيُّ: وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صُورَةً. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيِّ: أَنَّ الدِّيبَاجَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَطَبَا امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهَا فِي جَمَالِهِمَا، فَجَعَلَتْ تَسْأَلُ وَتَبْحَثُ إِلَى أَنْ خَرَجَتْ تُرِيدُ صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَتْهُمَا قَائِمَيْنِ فِي الْقَمَرِ يَتَعَاتَبَانِ فِي أَمْرِهَا، فَنَظَرَتْ إِلَى بَيَاضِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَطُولِهِ، فَتَزَوَّجَتْهُ، فَجَمَعَ النَّاسَ وَأَوْلَمَ لِدُخُولِهَا، فَبَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَدَعَاهُ فِيمَنْ دَعَاهُ، فَأَكْرَمَهُ وَأَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسٍ شَرِيفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ بَرَّكَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: وَبَيْنَا أُرَجِّي أَنْ أَكُونَ وَلَيَّهَا رُمِيتُ بِعَرْقٍ مِنْ وَلِيمَتِهَا سُخْنُ قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْخِزَامِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ وَغَيْرُهُمْ: أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَانَ فِيمَنْ أُسِرَ مَعَ مُحَمِّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدٌ حُمِلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ إِلَى الْمَنْصُورِ فِي حَدِيدٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: مَا رَضِيتَ أَنْ خَرَجْتَ عَلَيَّ حَتَّى خَرَجْتَ مَعَكَ بِثَلَاثَةِ أَسْيَافٍ مِنْ وَلَدِكَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، صِلْ رَحِمِي وَاعْفُ عَنِّي وَاحْفَظْ فِيَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَعَفَا عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اضْرِبْ عُنُقَهُ لَا يَطْمَعُ فِيكَ فِتْيَانُ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: إِذَا قَتَلْتُ هَذَا فَعَلَى مَنْ تُحِبُّ أَنْ أَتَأَمَّرَ. عَلِيُّ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ: وُلِدَ هُوَ وَأَخُوهُ الْحَسَنُ تَوْأَمًا فِي بَطْنٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ تَقَدَّمَ بِسَاعَةٍ، وَكَانَ الْحَسَنُ يُعَظِّمُهُ وَيَقُولُ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَكَانَ عَلِيٌّ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، وَأَسْنَدَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ: الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ قَالَ لِي أَخِي عَلِيٌّ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا: اسْقِنِي مَاءً، وَكُنْتُ قَائِمًا أُصَلِّي، فَلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلَاةَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَقَلْتُ يَا أَخِي، فَقَالَ: لَبَّيْكَ، فَقُلْتُ: هَذَا مَاءٌ، فَقَالَ: قَدْ شَرِبْتُ السَّاعَةَ، فَقُلْتُ: مَنْ سَقَاكَ وَلَيْسَ فِي الْغُرْفَةِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ؟ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ السَّاعَةَ بِمَاءٍ فَسَقَانِي وَقَالَ لِي: أَنْتَ وَأَخُوكَ وَأَبُوكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. وَخَرَجَتْ رُوحُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. الْفَضْلُ بْنُ عَطِيَّةَ الْخُرَاسَانِيُّ الْمَرْوَزِيُّ، مَوْلَى بَنِي عَبْسٍ: رَوَى عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. عَنْ سَلَّامِ بْنِ سَالِمٍ، قَالَ: زَامَلْتُ الْفَضْلَ بْنَ عَطِيَّةَ إِلَى مَكَّةَ فَلَمَّا رَحَلْنَا مِنْ فَيْدٍ أَنْبَهَنِي فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: مَا تَشَاءُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ إِلَيْكَ، قُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ، فَجَزِعْتُ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ: لَتَقْبَلَنَّ مَا أَقُولُ لَكَ، قُلْتُ: نَعَمْ فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَيْهَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: أُرِيتُ فِي مَنَامِي مَلَكَيْنِ فَقَالَا: إِنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِقَبْضِ رُوحِكَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: لَوْ أَخَّرْتُمَانِي إِلَى أَنْ أَقْضِيَ نُسُكِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ تَقَبَّلَ مِنْكَ نُسُكَكَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: افْتَحْ إِصْبَعَيْكَ، فَفَتَحَ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمَا ثَوْبَانِ مَلَأَتْ خُضْرَتُهُمَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَقَالَا: هَذَا كَفَنُكَ مِنَ الْجَنَّةِ، ثُمَّ طَوَاهُ وَجَعَلَهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، فَمَا وَرَدْنَا الْمَنْزِلَ حَتَّى قُبِضَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدِ اسْتَقْبَلَتْنَا وَهِيَ تَسْأَلُ الرِّفَاقَ: هَلْ فِيكُمُ الْفَضْلُ بْنُ عَطِيَّةَ؟ فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْنَا قُلْتُ: مَا حَاجَتُكِ إِلَى الْفَضْلِ؟ هَذَا الْفَضْلُ زَمِيلِي، فَقَالَتْ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُصَبِّحُنَا الْيَوْمَ رَجُلٌ مَيِّتٌ يُسَمَّى الْفَضْلُ بْنُ عَطِيَّةَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأَحْبَبْتُ [أَنْ أَشْهَدَ] الصَّلَاةَ عَلَيْهِ. مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ، أَبُو سُلَيْمَانَ: [وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْمَدِينَةِ لِبَنِي أُمَيَّةَ، ثُمَّ وَلَّاهُ ذَلِكَ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ مَهِيبًا قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَ] مَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَبَلَغَ مَوْتُهُ الْمَنْصُورَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ اسْتَوَتْ قُرَيْشٌ. عَنْ نُمَيْرٍ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَنْصُورُ الْمَدِينَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الطَّلْحِيُّ عَلَى قَضَائِهِ وَأَنَا كَاتِبُهُ، فَاسْتَعْدَى الْحَمَّالُونَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي شَيْءٍ ذَكَرُوهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْهِ كِتَابًا بِالْحُضُورِ مَعَهُمْ وَإِنْصَافِهِمْ، فَقُلْتُ: اعْفُنِي مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ يَعْرِفُ خَطِّي، فَقَالَ: اكْتُبْ، فَكَتَبْتُ ثُمَّ خَتَمَهُ وَقَالَ: لَا يَمْضِي بِهِ وَاللَّهِ غَيْرُكَ، فَمَضَيْتُ بِهِ إِلَى الرَّبِيعِ وَجَعَلْتُ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ فَقَالَ لِلنَّاسِ وَقَدْ حَضَرَ وُجُوهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَشْرَافُ وَغَيْرُهُمْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي قَدْ دُعِيتُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَلَا أَعْلَمَنَّ أَحَدًا قَامَ إِلَيَّ إِذَا خَرَجْتُ أَوْ بَدَأَنِي بِالسَّلَامِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ الْمُسَيَّبُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالرَّبِيعُ وَأَنَا خَلْفَهُ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ، فَمَا قَامَ إِلَيْهِ أَحَدٌ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى بَدَأَ بِالْقَبْرِ فَسَلَّمَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الرَّبِيعِ، فَقَالَ: يَا رَبِيعُ، وَيْحَكَ أَخْشَى إِنْ رَآنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ أَنْ يَدْخُلَ قَلْبَهُ هَيْبَةٌ فَيَتَحَوَّلُ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَتَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلَ لَا وَلِيَ لِي وِلَايَةً أَبَدًا. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ - وَكَانَ مُتَّكِئًا - أَطْلَقَ رِدَاءَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ثُمَّ احْتَبَى بِهِ وَدَعَى بِالْخُصُومِ وَبِالْحَمَّالِينَ، ثُمَّ دَعَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ ادَّعَوْا وَحَكَمَ عَلَيْهِ لَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ الدَّارَ قَالَ لِلرَّبِيعِ: اذْهَبْ فَإِذَا قَامَ وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ الْخُصُومِ فَادْعُهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا دَعَا بِكَ حَتَّى تَفْرَغَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ جَمِيعًا، فَدَعَاهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ دِينِكَ وَعَنْ بَنِيكَ وَعَنْ حَسَبِكَ وَعَنْ خَلِيفَتِكَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ، قَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ فَاقْبِضْهَا، فَكَانَتْ عَامَّةَ أَمْوَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الطَّلْحِيِّ مِنْ تِلْكَ الصِّلَةِ. ابْنُ عَمَّارٍ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ الْقَارِيُّ: وَقِيلَ: اسْمُهُ زَبَّانُ، وَقِيلَ: سُفْيَانُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ، وَكَانَ أَبُوهُ عَلَى طِرَازِ الْحَجَّاجِ. وَجَدَهُ عَمَّارٌ حَمَلَ رَايَةَ عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ صِفِّينَ. وُلِدَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَنَشَأَ بِالْبَصْرَةِ وَقَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنِ، وَشَيْبَةَ بْنِ نَصَّاحٍ، وَيَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَابْنِ كَثِيرٍ. وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي دَهْرِهِ، عَالِمًا بِالْقِرَاءَةِ. عَارِفًا بِوُجُوهِهَا، أَعْلَمَ النَّاسِ بِأُمُورِ الْعَرَبِ مَعَ صِدْقِ وَصِحَّةِ سَمَاعٍ. وَكَانَ قَدْ كَتَبَ عَنِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ مَا مَلَأَ بِهِ بَيْتًا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ السَّقْفِ، ثُمَّ أَنَّهُ تَقَرَّى فَأَحْرَقَهَا كُلَّهَا، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ بَعْدُ إِلَى عِلْمِهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا مَا قَدْ حَفِظَهُ، وَكَانَتْ عَامَّةُ أَخْبَارِهِ عَنْ أَعْرَابٍ قَدْ أَدْرَكُوا الْجَاهِلِيَّةَ. تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشُّعَيْثِيُّ النَّضْرِيُّ ( بِالنُّونِ ). وَفِيهَا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، وَجَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ الْجَزَرِيُّ، وَأَشْعَبُ الطَّامِعُ، وَعُمَرُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. وَقُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَهِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، وَهُوَ هِشَامُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ. ( الشُّعَيْثِيُّ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَفِي آخِرِهِ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ ).
التاريخ 2889لا حكم مسجّل
وَعُزِلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْعَتَكِيُّ. وَضَمَّ إِلَيْهِ سَعِيدَ بْنَ دَعْلَجٍ وَأَمَرَهُ بِبِنَاءِ سُورٍ لَهَا يُطِيفُ بِهَا، وَخَنْدَقَ عَلَيْهَا مِنْ دُونِ السُّورِ.
التاريخ 2890لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عَزْلِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتِعْمَالِ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ ، وَغَرَّمَهُ مَالًا، فَلَمْ يَزَلْ سَاخِطًا عَلَيْهِ، حَتَّى غَضِبَ عَلَى عَمِّهِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ، فَشَفَعَ فِيهِ عُمُومَةُ الْمَنْصُورِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ. فَقَالَ عِيسَى بْنُ مُوسَى لِلْمَنْصُورِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَى آلَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ نِعَمُكَ عَلَيْهِمْ سَابِغَةً، فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْحَسَدِ لَنَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّكَ غَضِبْتَ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ، مُنْذُ أَيَّامٍ، فَضَيَّقُوا عَلَيْكَ حَتَّى رَضِيتَ عَنْهُ، وَأَنْتَ غَضْبَانُ عَلَى أَخِيكَ الْعَبَّاسِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، فَمَا كَلَّمَكَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدِ اسْتَعْمَلَ الْعَبَّاسَ عَلَى الْجَزِيرَةِ بَعْدَ يَزِيدَ بْنِ أُسَيْدٍ، فَشَكَا يَزِيدُ مِنْهُ وَقَالَ: إِنَّهُ أَسَاءَ عَزْلِي، وَشَتَمَ عِرْضِي. فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: اجْمَعْ بَيْنَ إِحْسَانِي وَإِسَاءَتِهِ يَعْتَدِلَا. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ: إِذَا كَانَ إِحْسَانُكُمْ جَزَاءً لِإِسَاءَتِكُمْ كَانَتْ طَاعَتُنَا تَفَضُّلًا مِنَّا عَلَيْكَمْ. وَلَمَّا عَزَلَ الْمَنْصُورُ أَخَاهُ عَنِ الْجَزِيرَةِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُوسَى بْنَ كَعْبٍ .
التاريخ 2891لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عَزْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتِعْمَالِ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ وَفِيهَا عَزَلَ [ الْمَنْصُورُ ] مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ زُهَيْرٍ الضَّبِّيَّ أَخَا الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ. وَقِيلَ: إِنَّمَا عُزِلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ عَزْلُهُ لِأَسْبَابٍ بَلَغَتْهُ عَنْهُ، مِنْهَا أَنَّهُ قَتَلَ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَكَانَ قَدْ حَبَسَهُ عَلَى الزَّنْدَقَةِ وَهُوَ خَالُ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيِّ، فَكَثُرَ شُفَعَاؤُهُ عِنْدَ الْمَنْصُورِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ إِلَّا ظَنِينٌ مِنْهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِالْكَفِّ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ رَأْيُهُ. وَكَانَ ابْنُ أَبِي الْعَوْجَاءِ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ يَسْأَلُهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُعْطِيَهُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَلَمَّا ذُكِرَ لِمُحَمَّدٍ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا أَيْقَنَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ وَضَعْتُ أَرْبَعَةَ آلَافِ حَدِيثٍ حَلَّلْتُ فِيهَا الْحَرَامَ، وَحَرَّمْتُ فِيهَا الْحَلَالَ، وَاللَّهِ لَقَدْ فَطَّرْتُكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ، وَصَوَّمْتُكُمْ يَوْمَ فِطْرِكُمْ، فَقُتِلَ. وَوَرَدَ كِتَابُ الْمَنْصُورِ إِلَى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ عَنْهُ، فَوَصَلَ وَقَدْ قَتَلَهُ فَلَمَّا بَلَغَ قَتْلُهُ غَضِبَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُقِيدَهُ بِهِ ! ثُمَّ أَحْضَرَ عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ وَقَالَ لَهُ: هَذَا عَمَلُكَ، أَنْتَ أَشَرْتَ بِتَوْلِيَةِ هَذَا الْغُلَامِ الْغِرِّ، قَتَلَ فُلَانًا بِغَيْرِ أَمْرِي، وَقَدْ كَتَبْتُ بِعَزْلِهِ، وَتَهَدَّدَهُ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: إِنَّ مُحَمَّدًا إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلَى الزَّنْدَقَةِ، فَإِنْ كَانَ أَصَابَ فَهُوَ لَكَ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَعَلَيْهِ، وَلَئِنْ عَزَلْتَهُ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ لَيَذْهَبَنَّ بِالثَّنَاءِ وَالذِّكْرِ، وَلَتَرْجِعَنَّ بِالْمَقَالَةِ مِنَ الْعَامَّةِ عَلَيْكَ، فَمَزَّقَ الْكِتَابَ.
التاريخ 2892لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عُزِلَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا عَمُّهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ . وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ( وَعَلَى الْكُوفَةِ عَمْرُو بْنُ زُهَيْرٍ )، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ خَالِدُ بْنُ بَرْمَكٍ، وَقِيلَ: مُوسَى بْنُ كَعْبِ بْنِ سُفْيَانَ الْخَثْعَمِيُّ.
التاريخ 2885لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا دَخَلَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَافْتَتَحَهَا عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ تَغَلَّبَ عَلَيْهَا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَقَتَلَ أُمَرَاءَهُمْ، وَأَصْغَرَ كُبَرَاءَهُمْ، وَأَذَلَّ أَشْرَافَهُمْ، وَأَرْغَمَ آنَافَهُمْ، وَبَدَّدَ آلَافَهُمْ، وَاسْتَبْدَلَ أَهْلُ الْبِلَادِ هُنَاكَ بِالْخَوْفِ سَلَامَةً، وَبِالْإِهَانَةِ كَرَامَةً، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قَتَلَ مِنْ أُمَرَائِهِمْ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عَبَّادٍ الْخَارِجِيَّانِ. ثُمَّ لَمَّا اسْتَقَامَتْ لَهُ وَبِهِ الْأُمُورُ فِي الْبُلْدَانِ دَخَلَ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَادَ الْقَيْرَوَانِ، فَمَهَّدَهَا وَأَطَّدَهَا، وَأَقَرَّ أَهْلَهَا، وَقَرَّرَ أُمُورَهَا، وَأَزَالَ مَحْذُورَهَا.
التاريخ 2886لا حكم مسجّل
وَفِيهَا سَيَّرَ الْمَهْدِيَّ لِبِنَاءِ الرَّافِقَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَبَنَاهَا عَلَى بِنَاءِ مَدِينَةِ بَغْدَاذَ، وَعَمِلَ لِلْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ سُورًا وَخَنْدَقًا، وَجَعَلَ مَا أَنْفَقَ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِهَا. وَلَمَّا أَرَادَ الْمَنْصُورُ مَعْرِفَةَ عَدَدِهِمْ أَمَرَ أَنْ يُقَسَّمَ فِيهِمْ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَلَمَّا عَلِمَ عَدَدَهُمْ، أَمَرَ بِجِبَايَتِهِمْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ وَاحِدٍ، فَقَالَ الشَّاعِرُ: يَا لَقَوْمِي مَا لَقِينَا مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَا قَسَمَ الْخَمْسَةَ فِينَا وَجَبَانَا الْأَرْبَعِينَا.
التاريخ 2887لا حكم مسجّل
وَفِيهَا طَلَبَ مَلِكُ الرُّومِ الصُّلْحَ إِلَى الْمَنْصُورِ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ [ إِلَيْهِ ] الْجِزْيَةَ .
التاريخ 2888لا حكم مسجّل
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ
التاريخ 2893لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَنْكَرَتِ الْخَوَارِجُ الصُّفْرِيَّةُ الْمُجْتَمِعَةُ بِمَدِينَةِ سِجِلْمَاسَةَ عَلَى أَمِيرِهِمْ عِيسَى بْنِ جَرِيرٍ أَشْيَاءَ، فَشَدُّوهُ وَثَاقًا، وَجَعَلُوهُ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ، وَقَدَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَبَا الْقَاسِمِ سِمْكُو بْنَ وَاسُولَ الْمِكْنَاسِيَّ جَدَّ مِدْرَارٍ.
التاريخ 2894لا حكم مسجّل
( وَفِيهَا وُلِدَ أَبُو سِنَانٍ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ بِمَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ )
التاريخ 2895لا حكم مسجّل
زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ، أَبُو جُوَيْنٍ الْحَمْرَاوِيُّ: كَانَ عَلَى الْمَظَالِمِ بِمِصْرَ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ وَلِيَ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ فَاضِلًا مِنْ أَعْدَلِ وُلَاتِهِمْ. رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أَبُو هَاشِمٍ الزَّاهِدُ: مِنْ قُدَمَاءِ زُهَّادِ بَغْدَادَ وَمِنْ أَقْرَانِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرَاثِيِّ. كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أُرَائِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ حَتَّى جَالَسْتُ أَبَا هَاشِمٍ الزَّاهِدَ، فَأَخَذْتُ مِنْهُ تَرْكَ الرِّيَاءِ. وَكَانَ أَبُو هَاشِمٍ يَقُولُ: أَخْذُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ بِحُسْنِ الْأَدَبِ تَأْدِيبُ أَهْلِهِ. قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ،: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا، قَالَ: قَالَ أَبُو هَاشِمٍ الزَّاهِدُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَسَمَ الدُّنْيَا بِالْوَحْشَةِ لِيَكُونَ أُنْسُ الْمُرِيدِينَ بِهِ دُونَهَا لِيُقْبِلَ الْمُطِيعُونَ لَهُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا، فَأَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ مُسْتَوْحِشُونَ وَإِلَى الْآخِرَةِ مُشْتَاقُونَ. قَالَ: حَكِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ،: نَظَرَ هَاشِمٌ إِلَى شَرِيكٍ الْقَاضِي يَخْرُجُ مِنْ دَارِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ فَبَكَى وَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ الدِّمَشْقِيَّانِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، وَحَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى مَيْسَرَةُ - وَيُقَالُ: سَابُورُ - بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ عُبَيْدٍ الدَّيْلِمِيُّ الْكُوفِيُّ، مَوْلَى مُكْنِفِ بْنِ زَيْدِ الْخَيْلِ الطَّائِيِّ، كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَخْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَلُغَاتِهَا، وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ السَّبْعَ الْمُعَلَّقَاتِ الطِّوَالَ، وَإِنَّمَا سُمِّي الرَّاوِيَةَ; لِكَثْرَةِ رِوَايَتِهِ الشِّعْرَ عَنِ الْعَرَبِ، اخْتَبَرَهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْشَدَهُمْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ قَصِيدَةً عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، كُلُّ قَصِيدَةٍ نَحْوٌ مَنْ مِائَةِ بَيْتٍ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى شَاعِرٌ مِنْ شُعَرَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا أَنْشَدَ لَهُ مَا لَا يَحْفَظُهُ غَيْرُهُ، فَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ فِي كِتَابِهِ " دُرَّةِ الْغَوَّاصِ "، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ اسْتَدْعَاهُ مِنَ الْعِرَاقِ مِنْ نَائِبِهِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ فِي دَارٍ قَوْرَاءَ مُرَخَّمَةٍ بِالرُّخَامِ وَالذَّهَبِ، وَإِذَا عِنْدَهُ جَارِيَتَانِ حَسْنَاوَانِ جِدًّا، فَاسْتَنْشَدَهُ شَيْئًا فَأَنْشَدَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ: كَائِنَةً مَا كَانَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تُطْلِقُ لِي إِحْدَى هَاتَيْنِ الْجَارِيَتَيْنِ. فَقَالَ: هُمَا لَكَ وَمَا عَلَيْهِمَا. وَأَخْلَاهُ فِي بَعْضِ دَارِهِ، وَأَطْلَقَ لَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ. هَذَا مُلَخَّصُ الْحِكَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْخَلِيفَةَ إِنَّمَا هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ أَنَّهُ شَرِبَ مَعَهُ، وَهِشَامٌ لَمْ يَكُنْ يَشْرَبُ، وَلَمْ يَكُنْ نَائِبَهُ عَلَى الْعِرَاقِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَإِنَّمَا كَانَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ، وَبَعْدَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ. وَكَانَتْ وَفَاةُ حَمَّادٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ وَقِيلَ: إِنَّهُ أَدْرَكَ أَوَّلَ خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهَا قُتِلَ حَمَّادُ عَجْرَدٍ عَلَى الزَّنْدَقَةِ، وَهُوَ حَمَّادُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ كُلَيْبٍ الْكُوفِيُّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ وَاسِطِيٌّ. مَوْلَى بَنِي سُوَاءَةَ، وَكَانَ شَاعِرًا مَاجِنًا ظَرِيفًا خَلِيعًا، لَكِنَّهُ كَانَ مُتَّهَمًا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ أَدْرَكَ الدَّوْلَتَيْنِ الْأُمَوِيَّةَ وَالْعَبَّاسِيَّةَ، وَلَكِنَّهُ مَا اشْتُهِرَ إِلَّا فِي أَيَّامِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَشَّارِ بْنِ بُرْدٍ مُهَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ، وَلَمَّا قُتِلَ بِشَّارٌ عَلَى الزَّنْدَقَةِ أَيْضًا، دُفِنَ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ حَمَّادَ عَجْرَدٍ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 2896لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ مَعَ الْخَوَارِجِ قَدْ ذَكَرْنَا هَرَبَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَبِيبٍ، الَّذِي كَانَ أَبُوهُ أَمِيرَ إِفْرِيقِيَّةَ، مَعَ الْخَوَارِجِ، وَاتِّصَالَهُ بِكُتَامَةَ فَسَيَّرَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ الْعَسْكَرَ فِي أَثَرِهِ، وَقَاتَلُوا كُتَامَةَ. فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَيَّرَ يَزِيدُ عَسْكَرًا آخَرَ مَدَدًا لِلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَمَضَى هَارِبًا، وَفَارَقَ مَكَانَهُ، فَعَادَتِ الْعَسَاكِرُ عَنْهُ.
التاريخ 2897لا حكم مسجّل
ثُمَّ ثَارَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ أَبُو يَحْيَى بْنُ فَانُوسٍ الْهَوَّارِيُّ بِنَاحِيَةِ طَرَابُلُسَ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَكَانَ بِهَا عَسْكَرٌ لِيَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ مَعَ عَامِلِ الْبَلَدِ، فَخَرَجَ الْعَامِلُ وَالْجَيْشُ مَعَهُ، فَالْتَقَوْا عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ مِنْ أَرْضِ هَوَّارَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَبُو يَحْيَى بْنُ فَانُوسٍ، وَقُتِلَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَسَكَنَ النَّاسُ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَصَفَتْ لِيَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ.
التاريخ 2898لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَامِلُ الْبَصْرَةِ، بِعَمْرِو بْنِ شَدَّادٍ الَّذِي كَانَ عَامِلَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى فَارِسَ، وَسَبَبُ ظَفَرِهِ بِهِ أَنَّهُ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ، فَأَتَى الْهَيْثَمَ، فَدَلَّهُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ، فَقَتَلَهُ، وَصَلَبَهُ بِالْمِرْبَدِ.
التاريخ 2899لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عَزَلَ الْمَنْصُورُ الْهَيْثَمَ بْنَ مُعَاوِيَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا قَاضِيَهَا سَوَّارَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالصَّلَاةِ، وَجَعَلَ عَلَى شُرْطَتِهَا وَأَحْدَاثِهَا سَعِيدَ بْنَ دَعْلَجٍ، وَرَجَعَ الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى بَغْدَادَ، فَمَاتَ فِيهَا فَجْأَةً فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ عَلَى بَطْنِ جَارِيَةٍ لَهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ بَنِي هَاشِمٍ.
التاريخ 2900لا حكم مسجّل
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ الْهِلَالِيُّ
التاريخ 2901لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ إِشْبِيلِيَّةَ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى حَرْبِ شَقْنَا، وَقَصْدِ حِصْنِ شَيْطَرَانَ، فَحَصَرَهُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ ( فَهَرَبَ إِلَى الْمَفَازَةِ كَعَادَتِهِ )، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى قُرْطُبَةَ ابْنَهُ سُلَيْمَانَ، فَأَتَاهُ كِتَابُهُ يُخْبِرُهُ بِخُرُوجِ أَهْلِ إِشْبِيلِيَّةَ مَعَ عَبْدِ الْغَفَّارِ، وَحَيْوَةَ بْنِ مُلَابِسٍ عَنْ طَاعَتِهِ، وَعِصْيَانِهِمْ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَ مَنْ بِهَا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ مَعَهُمَا، فَرَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَلَمْ يَدْخُلْ قُرْطُبَةَ، وَهَالَهُ مَا سَمِعَ مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَقَدَّمَ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَرَ، وَكَانَ شِهَابَ آلِ مَرْوَانَ، وَبَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَلْفَهُ كَالْمَدَدِ لَهُ. فَلَمَّا قَارَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَهْلَ إِشْبِيلِيَّةَ قَدَّمَ ابْنَهُ أُمَيَّةَ لِيَعْرِفَ حَالَهُمْ، فَرَآهُمْ مُسْتَيْقِظِينَ فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ، فَلَامَهُ أَبُوهُ عَلَى إِظْهَارِ الْوَهَنِ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَجَمَعَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَخَاصَّتَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: طُرِدْنَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى أَقْصَى هَذَا الصُّقْعِ، وَنُحْسَدُ عَلَى لُقْمَةٍ تُبْقِي الرَّمَقَ، اكْسِرُوا جُفُونَ السُّيُوفِ، فَالْمَوْتُ أَوْلَى أَوِ الظَّفَرُ. فَفَعَلُوا وَحَمَلَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَهَزَمَ الْيَمَانِيَّةَ وَأَهْلَ إِشْبِيلِيَّةَ، فَلَمْ تَقُمْ بَعْدَهَا لِلْيَمَانِيَّةِ قَائِمَةٌ، وَجُرِحَ عَبْدُ الْمَلِكِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَتَاهُ وَجُرْحُهُ يَجْرِي دَمًا، وَسَيْفُهُ يَقْطُرُ دَمًا، وَقَدْ لَصِقَتْ يَدُهُ بِقَائِمِ سَيْفِهِ، فَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَجَزَاهُ خَيْرًا، وَقَالَ: يَا ابْنَ عَمٍّ قَدْ أَنْكَحْتُ ابْنِي وَوَلِيَّ عَهْدِي هِشَامًا ابْنَتَكَ فُلَانَةَ، وَأَعْطَيْتُهَا كَذَا وَكَذَا، وَأَعْطَيْتُكَ كَذَا وَأَوْلَادَكَ كَذَا، وَأَقْطَعْتُكَ وَإِيَّاهُمْ، وَوَلَّيْتُكُمُ الْوِزَارَةَ. وَهَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ هُوَ الَّذِي أَلْزَمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِقَطْعِ خُطْبَةِ الْمَنْصُورِ وَقَالَ لَهُ: تَقْطَعُهَا وَإِلَّا قَتَلْتُ نَفْسِي ! وَكَانَ قَدْ خَطَبَ لَهُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ، فَقَطَعَهَا. وَكَانَ عَبْدُ الْغَفَّارِ وَحَيْوَةُ بْنُ مُلَابِسٍ قَدْ سَلِمَا مِنَ الْقَتْلِ. فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ فَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِمَّنْ كَانَ مَعَ عَبْدِ الْغَفَّارِ وَحَيْوَةَ وَرَجَعَ. وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَغِشِّ الْعَرَبِ، مَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى اقْتِنَاءِ الْعَبِيدِ.
التاريخ 2902لا حكم مسجّل
وَفِيهَا سَخِطَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ عَلَى مَوْلَاهُ بَدْرٍ لِفَرْطِ إِدْلَالِهِ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْعَ حَقَّ خِدْمَتِهِ وَطُولَ صُحْبَتِهِ، وَصِدْقَ مُنَاصَحَتِهِ، فَأَخَذَ مَالَهُ، وَسَلَبَهُ نِعْمَتَهُ، وَنَفَاهُ إِلَى الثَّغْرِ، فَبَقِيَ بِهِ إِلَى أَنْ هَلَكَ.
التاريخ 2903لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ: عَمْرُو بْنُ زُهَيْرٍ، وَعَلَى الْأَحْدَاثِ وَالْجَوَالِي وَالشُّرَطِ بِالْبَصْرَةِ: سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجٍ وَعَلَى الصَّلَاةِ وَالْقَضَاءِ: سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ: عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ، وَعَلَى كَرْمَانَ وَالسِّنْدِ: هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ: مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ.
التاريخ 2904لا حكم مسجّل
رَبَاحُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ: كَانَ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ عَالِمًا زَاهِدًا يُضْرَبُ بِعِبَادَتِهِ الْمَثَلُ، وَهُوَ أَخُو قَحْذَمِ بْنِ يَزِيدَ الَّذِي كَانَ عَابِدًا بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ ، وَاسْمُ الْعَجَّاجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُؤْبَةَ بْنِ لَبِيدِ بْنِ صَخْرٍ، وَيُكَنَّى أَبَا الْجَحَّافِ وَأَبَا الْعَجَّاجِ: رَوَى عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ مِنْ رُجَّازِ الْإِسْلَامِ وَفُصَحَائِهِمُ الْمُقَدَّمِينَ مِنْهُمْ، وَهُوَ بَدَوِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَمَدَحَ بَنِي أُمَيَّةَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ، وَتُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ الْمَنْصُورِ، وَقَدْ أَخَذَ عَنْهُ وُجُوهُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَاحْتَجُّوا بِشِعْرِهِ. وَالرُّؤْبَةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى أَشْيَاءَ مِنْهَا اللَّبَنُ الْخَاثِرُ، وَمَاءُ الْفَحْلِ، وَالْحَاجَةُ وَالسَّاعَةُ تَمْضِي مِنَ اللَّيْلِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ عَرَبِيًّا قَطُّ أَفْصَحَ مِنْ رُؤْبَةَ، مَا كَانَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ أَفْصَحَ مِنْهُ، وَكَانَ رُؤْبَةُ يَأْكُلُ الْفَأْرَ فَعُوتِبَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: هِيَ أَنْظَفُ مِنْ دَوَاجِنِكُمْ وَدَجَاجِكُمُ اللَّاتِي تَأْكُلْنَ الْعَذِرَةَ، وَهَلْ يَأْكُلُ الْفَأْرُ إِلَّا نَقِيَ الْبُرِّ وَلُبَابَ الطَّعَامِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: دَفَنَّا الشِّعْرَ وَاللُّغَةَ وَالْفَصَاحَةَ الْيَوْمَ. حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ ، وَيُكَنَّى أَبَا عُمَارَةَ، مَوْلًى لِآلِ عِكْرِمَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ التَّيْمِيِّ: كَانَ يَجْلِبُ الزَّيْتَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى حُلْوَانَ، وَيَجْلِبُ مِنْ حُلْوَانَ الْجُبْنَ وَالْجَوْزَ إِلَى الْكُوفَةِ. وَكَانَ صَاحِبَ قُرْآنٍ وَفَرَائِضَ، صَدُوقًا صَاحِبَ سُنَّةٍ. وَقَدْ أَسْنَدَ عَنِ الْأَعْمَشِ. قال جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ: مَرَّ بِنَا حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ فَاسْتَسْقَى فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَالَ: أَنْتَ مِمَّنْ يَحْضُرُنَا فِي الْقِرَاءَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي مَائِكَ. وقَالَ: أَخْبَرَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّازُ، قَالَ: قَالَ لِي سُلَيْمُ بْنُ عِيسَى: دَخَلْتُ عَلَى حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ الزَّيَّاتَ فَوَجَدْتُهُ يُمَرِّغُ خَدَّيْهِ فِي الْأَرْضِ وَيَبْكِي، فَقُلْتُ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَقَدْ دُعِيَ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، فَكُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ بِكَلَامٍ عَذْبٍ: لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ إِلَّا مَنْ عَمِلَ بِالْقُرْآنِ، فَرَجَعْتُ الْقَهْقَرَى، فَهُتِفَ بِاسْمِي: أَيْنَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ؟ فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ، فَبَدَرَنِي مَلَكٌ فَقَالَ قُلْ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَقُلْتُ كَمَا قَالَ لِي، فَأَدْخَلَنِي دَارًا فِيهَا ضَجِيجُ الْقُرْآنِ، فَوَقَفْتُ أُرْعَدُ، فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ اقْرَأْ وَارْقَ، فَأَدَرْتُ وَجْهِي فَإِذَا أَنَا بِمِنْبَرٍ مَنْ دُرٍّ أَبْيَضَ دَفَّتَاهُ مِنْ يَاقُوتٍ أَصْفَرَ، مَرَاقِيهِ مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ، فَقَالَ لِي: اقْرَأْ سُورَةَ الْأَنْعَامِ. فَقَرَأْتُ وَأَنَا لَا أَدْرِي عَلَى مَنْ أَقْرَأُ حَتَّى بَلَغْتُ السِّتِّينَ آيَةً، فَلَمَّا بَلَغْتُ: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ (6: 18)، قَالَ لِي: يَا حَمْزَةُ، أَلَسْتُ الْقَاهِرَ فَوْقَ عِبَادِي؟ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: صَدَقْتَ، اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ حَتَّى أَتْمَمْتُهَا، فَقَالَ لِي: اقْرَأْ، فَقَرَأْتُ الْأَعْرَافَ حَتَّى بَلَغْتُ آخِرَهَا وَأَوْمَأْتُ إِلَى الْأَرْضِ بِالسُّجُودِ، فَقَالَ لِي: حَسْبُكَ مَا مَضَى، لَا تَسْجُدْ يَا حَمْزَةُ، مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ؟ فَقُلْتُ: سُلَيْمَانُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، مَنْ أَقْرَأَ سُلَيْمَانَ؟ قُلْتُ: يَحْيَى، قَالَ: صَدَقَ يَحْيَى، عَلَى مَنْ قَرَأَ يَحْيَى؟ فَقُلْتُ: عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، مَنْ أَقْرَأَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقُلْتُ: ابْنُ عَمِّ نَبِيِّكَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: صَدَقَ عَلِيٌّ، فَمَنْ أَقْرَأَ عَلِيًّا؟ قُلْتُ: نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، قَالَ: وَمَنْ أَقْرَأَ نَبِيِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: وَمَنْ أَقْرَأَ جِبْرِيلَ؟ فَسَكَتَ، فَقَالَ لِي: يَا حَمْزَةُ، قُلْ: أَنْتَ، فَقُلْتُ: مَا أَجْسُرُ أَنْ أَقُولَ أَنْتَ، فَقَالَ: قُلْ: أَنْتَ، فَقُلْتُ: أَنْتَ، فَقَالَ: صَدَقْتَ يَا حَمْزَةُ، وَحَقِّ الْقُرْآنِ لَأُكْرِمَنَّ أَهْلَ الْقُرْآنِ لَا سِيَّمَا إِذَا عَمِلُوا بِالْقُرْآنِ، يَا حَمْزَةُ، الْقُرْآنُ كَلَامِي وَمَا أُحِبُّ أَحَدًا كَحُبِّي أَهْلَ الْقُرْآنِ، ادْنُ يَا حَمْزَةُ، فَدَنَوْتُ فَضَمَخَنِي بِالْغَالِيَةِ وَقَالَ: لَيْسَ أَفْعَلُ بِكَ وَحْدَكَ، قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ بِنُظَرَائِكَ بِمَنْ فَوْقَكَ وَمَنْ دُونَكَ، وَمَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ كَمَا أَقْرَأْتَهُ، لَمْ يَزِدْ بِذَلِكَ غَيْرِي، وَمَا خَبَّأْتُ لَكَ يَا حَمْزَةُ عِنْدِي أَكْثَرُ، فَأَعْلِمْ أَصْحَابَكَ مَكَانِي مِنْ حُبِّي لِأَهْلِ الْقُرْآنِ وَفِعْلِي بِهِمْ، فَهُمْ الْمُصْطَفَوْنَ الْأَخْيَارُ، يَا حَمْزَةُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُعَذِّبُ لِسَانًا تَلَا الْقُرْآنَ بِالنَّارِ، وَلَا قَلْبًا وَعَاهُ، وَلَا أُذُنًا سَمِعَتْهُ، وَلَا عَيْنًا نَظَرَتْهُ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَكَ سُبْحَانَكَ أَيْ رَبِّ، فَقَالَ: يَا حَمْزَةُ أَيْنَ نُظَّارُ الْمَصَاحِفِ؟ فَقُلْتُ: يَا رَبِّ أَفَحُفَّاظٌ هُمْ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَحْفَظُهُ لَهُمْ حَتَّى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا لَقُونِي رَفَعْتُ لَهُمْ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً. أَفَتَلُومُنِي أَنْ أَبْكِيَ وَأَتَمَرَّغَ فِي التُّرَابِ. تُوُفِّيَ حَمْزَةُ بِحُلْوَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْمُدُودُ الطَّوِيلَةُ فِي الْقِرَاءَةِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِهَا بَعْضُ الْأَئِمَّةِ. وفيها مات عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ، وَعُمَرُ بْنُ ذَرٍّ. سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، أَبُو النَّضْرِ الْبَصْرِيُّ، وَاسْمُ أَبِي عَرُوبَةَ مِهْرَانُ مَوْلًى لِبَنِي عَدِيِّ بْنِ يَشْكُرَ: سَمِعَ النَّضْرَ بْنَ أَنَسٍ وَغَيْرَهُ، وَكَانَ كَثِيرَ الْحَدِيثِ إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، أَبُو خَالِدٍ الْإِفْرِيقِيُّ : سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ وَغَيْرَهُ. رَوَى عَنْهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ. وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَوَفَدَ إِلَى الْمَنْصُورِ فِي بَيْعَةِ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ وَشَكَى إِلَيْهِ جَوْرَ الْعُمَّالِ. قَالَ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: ظَهَرَ بِإِفْرِيقِيَّةَ جَوْرٌ مِنَ السُّلْطَانِ، فَلَمَّا قَامَ وَلَدُ الْعَبَّاسِ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَشَكَى إِلَيْهِ الْعُمَّالَ بِبَلَدِهِ، فَأَقَامَ بِبَابِهِ أَشْهُرًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: ظَهَرَ الْجَوْرُ بِبَلَدِنَا فَجِئْتُ لِأُعْلِمَكَ فَإِذَا الْجَوْرُ يَخْرُجُ مِنْ دَارِكَ، فَغَضِبَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهَمَّ بِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، قَالَ: أَرْسَلَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَيَّ، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ فَدَخَلْتُ وَالرَّبِيعُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَاسْتَدْنَانِي ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، كَيْفَ مَا مَرَرْتَ بِهِ مِنْ أَعْمَالِنَا إِلَى أَنْ وَصَلْتَ إِلَيْنَا؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ أَعْمَالًا سَيِّئَةً، وَظُلْمًا فَاشِيًا ظَنَنْتُهُ أَبْعَدَ الْبِلَادِ مِنْكَ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْكَ كَانَ أَعْظَمَ لِلْأَمْرِ. فَنَكَّسَ رَأْسَهُ طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: كَيْفَ لِي بِالرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَفَلَيْسَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَقُولُ: الْوَالِي بِمَنْزِلَةِ السُّوقِ يُجْلَبُ إِلَيْهَا مَا يُنْفَقُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ بَرًّا أَتَوْهُ بِبِرِّهِمْ، وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا أَتَوْهُ بِفُجُورِهِمْ. قَالَ: فَأَطْرَقَ طَوِيلًا، فَقَالَ لِي الرَّبِيعُ وَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنْ أَخْرُجَ، فَخَرَجْتُ وَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ. قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ قِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْحَافِظِ: تَحْتَجُّ بِحَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ ثِقَةٌ، وَأُنْكِرُ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِنَّمَا أُنْكِرُ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثَ. قَالَ ابن الجوزي: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ وَقَدْ جَازَ الْمِائَةَ. عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُسْلِيُّ: تُوُفِّيَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ. قَبَاثُ بْنُ رَزِينِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ صَالِحٍ، أَبُو هَاشِمٍ : رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، وَعِكْرِمَةَ. وَرَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ وَهْبٍ. وَكَانَ إِمَامَ مَسْجِدِ مِصْرَ، يُقْرِئُ الْقُرْآنَ فِي جَامِعِهَا. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. الْهَيْثَمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: وَلِيَ لِلْمَنْصُورِ الْبَصْرَةَ وَغَيْرَهَا. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَجْأَةً وَهُوَ عَلَى بَطْنِ جَارِيَةٍ لَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ.
التاريخ 2911لا حكم مسجّل
وَعُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكَاتِبُ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتُعْمِلَ مَوْلَاهُ مَطَرٌ، وَاسْتُعْمِلَ مَعْبَدُ بْنُ الْخَلِيلِ عَلَى السِّنْدِ، وَعُزِلَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو.
التاريخ 2912لا حكم مسجّل
وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ دَعْلَجٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَأَنْفَذَ إِلَيْهَا ابْنَهُ تَمِيمًا.
التاريخ 2905لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا بَنَى الْمَنْصُورُ قَصْرَهُ الْمُسَمَّى بِالْخُلْدِ فِي بَغْدَادَ، وَكَانَ الْمُسْتَحِثَّ فِي عِمَارَتِهِ أَبَانُ بْنُ صَدَقَةَ، وَالرَّبِيعُ مَوْلَى الْمَنْصُورِ.
التاريخ 2906لا حكم مسجّل
وَفِيهَا حَوَّلَ الْمَنْصُورُ الْأَسْوَاقَ إِلَى الْكَرْخِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ ذَلِكَ
التاريخ 2907لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: وَسَّعَ طُرُقَ الْمَدِينَةِ وَأَرْبَاضَهَا، وَوَضَعَهَا عَلَى مِقْدَارِ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَأَمَرَ بِهَدْمِ مَا شَخَصَ مِنَ الدُّورِ غَيْرَ ذَلِكَ الْقَدْرِ.
التاريخ 2908لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: عَرَضَ الْمَنْصُورُ جُنْدَهُ فِي السِّلَاحِ وَالْخَيْلِ فِي مَجْلِسٍ اتَّخَذَهُ عَلَى شَطِّ دِجْلَةَ دُونَ قُطْرَبُّلَ، وَأَمَرَ أَهْلَ بَيْتِهِ وَصَحَابَتَهُ يَوْمَئِذٍ بِلُبْسِ السِّلَاحِ، وَخَرَجَ هُوَ وَهُوَ لَابِسٌ دِرْعًا وَقَلَنْسُوَةً تَحْتَ الْبَيْضَةِ سَوْدَاءَ لَاطِئَةً مُضَرَّبَةً.
التاريخ 2909لا حكم مسجّل
وَفِيهَا أَمَرَ بِعَمَلِ جِسْرٍ عِنْدَ بَابِ الشَّعِيرِ.
التاريخ 2910لا حكم مسجّل
وَفِيهَا قَتَلَ الْمَنْصُورُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّاءَ الْمُحْتَسِبَ، وَكَانَ يَطْعَنُ عَلَى الْمَنْصُورِ وَيَجْمَعُ الْجَمَاعَاتِ فِيمَا قِيلَ.
التاريخ 2913لا حكم مسجّل
وَغَزَا الصَّائِفَةَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ فَوَجَّهَ سِنَانًا مَوْلَى الْبَطَّالِ إِلَى حِصْنٍ، فَسَبَى وَغَنِمَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا غَزَا الصَّائِفَةَ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ.
التاريخ 2914لا حكم مسجّل
وَفِيهَا أَخْرَجَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَقْظَانَ الْكَلْبِيُّ قَارْلَهْ مَلِكَ الْإِفْرِنْجِ. ( إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَلَقِيَهُ بِالطَّرِيقِ، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَامْتَنَعَ بِهَا فَاتَّهَمَ قَارْلَهْ مَلِكُ الْإِفْرِنْجِ ) سُلَيْمَانَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى بِلَادِهِ فَلَمَّا أَبْعَدَ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَاطْمَأَنَّ هَجَمَ عَلَيْهِ مَطْرُوحٌ وَعَيْشُونُ ابْنَا سُلَيْمَانَ فِي أَصْحَابِهِمَا، فَاسْتَنْقَذَا أَبَاهُمَا، وَرَجَعَا بِهِ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، وَدَخَلُوا مَعَ الْحُسَيْنِ، وَوَافَقُوا عَلَى خِلَافِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
التاريخ 2915لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ، وَقِيلَ كَانَ عَلَيْهَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْأَمْصَارِ مَنْ ذَكَرْنَا.
التاريخ 2916لا حكم مسجّل
[ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا مَاتَ عَامِرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمُسْلِيُّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ. وَتُوُفِّيَ سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ الْعَنْبَرِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ: وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ جَدُّ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ. وفيها مات الْأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ يَحْمَدَ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ. وَالْأَوْزَاعُ بَطْنٌ مِنْ حِمْيَرَ، وَهُوَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمْ يَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَإِنَّمَا نَزَلَ فِي مَحَلَّةِ الْأَوْزَاعِ، وَكَانَتْ قَرْيَةً خَارِجَ بَابِ الْفَرَادِيسِ مِنْ دِمَشْقَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيِّ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: وَأَصْلُهُ مِنْ سِبَاءِ السِّنْدِ فَنَزَلَ الْأَوْزَاعَ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ النِّسْبَةُ إِلَيْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: وُلِدَ بِبَعْلَبَكَّ، وَنَشَأَ بِالْبِقَاعِ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّهِ، وَكَانَتْ تَنْتَقِلُ بِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَتَأَدَّبَ بِنَفْسِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ وَالْوُزَرَاءِ أَعْقَلُ مِنْهُ، وَلَا أَوْرَعُ، وَلَا أَعْلَمُ، وَلَا أَفْصَحُ، وَلَا أَوْقَرُ، وَلَا أَحْلُمُ، وَلَا أَكْثَرُ صَمْتًا مِنْهُ، وَمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ إِلَّا كَانَ الْمُتَعَيَّنَ عَلَى مَنْ يُجَالِسُهُ أَنْ يَكْتُبَهَا; مِنْ حُسْنِهَا، وَكَانَ يُعَانِي الرَّسَائِلَ وَالْكِتَابَةَ. وَقَدِ اكْتُتِبَ فِي بَعْثٍ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى الرِّحْلَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَسْمَعَ مِنَ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَوَجَدَ الْحَسَنَ قَدْ تُوُفِّيَ مِنْ شَهْرَيْنِ، وَوَجَدَ ابْنَ سِيرِينَ مَرِيضًا، فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ لِعِيَادَتِهِ، فَقَوِيَ الْمَرَضُ بِهِ، وَمَاتَ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ شَيْئًا، وَجَاءَ فَنَزَلَ دِمَشْقَ بِمَحَلَّةِ الْأَوْزَاعِ خَارِجَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، وَسَادَ أَهْلَهَا فِي زَمَانِهِ وَسَائِرَ الْبِلَادِ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْمَغَازِي وَعُلُومِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ أَدْرَكَ خَلْقًا مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالزُّهْرِيِّ وَهُوَ مِنْ شُيُوخِهِ. وَأَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ; قَالَ مَالِكٌ: كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُ: كَانَ إِمَامَ أَهْلِ زَمَانِهِ. وَقَدْ حَجَّ مَرَّةً، فَدَخَلَ مَكَّةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ آخِذٌ بِزِمَامِ جَمَلِهِ، وَمَالِكٌ يَسُوقُ بِهِ، وَالثَّوْرِيُّ يَقُولُ: افْسَحُوا لِلشَّيْخِ. وَقَدْ تَذَاكَرَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الظُّهْرِ حَتَّى صَلَّيَا الْعَصْرَ، وَمِنَ الْعَصْرِ حَتَّى صَلَّيَا الْمَغْرِبَ، فَغَمَرَهُ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الْمَغَازِي، وَغَمَرَهُ مَالِكٌ فِي الْفِقْهِ. وَتَنَاظَرَ هُوَ وَالثَّوْرِيُّ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، فَاحْتَجَّ الْأَوْزَاعِيُّ بِمَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ، وَاحْتَجَّ الثَّوْرِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، فَغَضِبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ: أَتُعَارِضُ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ بِحَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ؟! فَاحْمَارَّ وَجْهُ الثَّوْرِيِّ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَعَلَّكَ كَرِهْتَ مَا قُلْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَقُمْ بِنَا حَتَّى نَلْتَعِنَ عِنْدَ الرُّكْنِ أَيُّنَا عَلَى الْحَقِّ. فَسَكَتَ الثَّوْرِيُّ. وَقَالَ هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ: أَفْتَى الْأَوْزَاعِيُّ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: رُوِيَ عَنْهُ سِتُّونَ أَلْفَ مَسْأَلَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: أَفْتَى فِي سَنَةٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُفْتِي حَتَّى مَاتَ. وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ مَالِكٍ: اجْتَمَعَ عِنْدِي الْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ. فَقُلْتُ: أَيُّهُمْ أَرْجَحُ؟ قَالَ: الْأَوْزَاعِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْصَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا رُئِيَ الْأَوْزَاعِيُّ ضَاحِكًا مُقَهْقِهًا قَطُّ، وَلَقَدْ كَانَ يَعِظُ النَّاسَ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي مَجْلِسِهِ إِلَّا بَكَى بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ، وَمَا رَأَيْنَاهُ يَبْكِي فِي مَجْلِسِهِ قَطُّ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ; الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالُكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَالْأَوْزَاعِيُّ ثِقَةٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الزُّهْرِيِّ بِذَاكَ. أَخَذَ كِتَابَ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَمَا أَقَلَّ مَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانَ ثِقَةً مُتَّبِعًا لِمَا سَمِعَ. قَالُوا: وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يَلْحَنُ فِي كَلَامِهِ، وَكَانَتْ كُتُبُهُ تَرِدُ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَيَنْظُرُ فِيهَا وَيَتَأَمَّلُهَا، وَيَتَعَجَّبُ مِنْ فَصَاحَتِهَا وَحَلَاوَتِهَا، فَقَالَ يَوْمًا لِأَحْظَى كُتَّابِهِ عِنْدَهُ وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُجَالِدٍ: يَنْبَغِي أَنْ تُجِيبَ الْأَوْزَاعِيَّ عَنْ كُتُبِهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّا لَنَسْتَعِينُ بِكَلَامِهِ فِيمَا نُكَاتِبُ بِهِ أَهْلَ الْآفَاقِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ كَلَامَ الْأَوْزَاعِيِّ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ جَلَسَ يَذْكُرُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَأْثُرُ عَنِ السَّلَفِ ذَلِكَ. قَالَ: ثُمَّ يَقُومُونَ فَيَتَذَاكَرُونَ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ. وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَقُلْتُ: بِفَضْلِكَ يَا رَبِّ. قُلْتُ: يَا رَبِّ أَمِتْنِي عَلَى الْإِسْلَامِ. فَقَالَ: وَعَلَى السُّنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ: قَالَ لِي شَيْخٌ بِجَامِعِ دِمَشْقَ: أَنَا مَيِّتٌ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ رَأَيْتُهُ فِي صَحْنِ الْجَامِعِ يَتَفَلَّى، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى سَرِيرِ الْمَوْتَى فَأَحْرِزْهُ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ؟! فَقَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكَ; إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ قَائِلًا يَقُولُ: فَلَانٌ قَدَرِيٌّ، وَفُلَانٌ كَذَا، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ نِعْمَ الرَّجُلُ، وَأَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ خَيْرُ مِنْ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَأَنْتَ مَيِّتٌ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ: فَمَا جَاءَ الظُّهْرُ حَتَّى مَاتَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَهَا، وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ. رَوَاهَا ابْنُ عَسَاكِرَ. وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، حَسَنَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ أَطَالَ الْقِيَامَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ هَوَّنَ اللَّهُ عَلَيْهِ طُولَ الْقِيَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا [ الْإِنْسَانِ: 26، 27 ]. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْعِبَادَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: حَجَّ فَمَا نَامَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، إِنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةٍ، فَإِذَا نَعَسَ اسْتَنَدَ إِلَى الْقَتْبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ مِنْ شِدَّةِ الْخُشُوعِ كَأَنَّهُ أَعْمَى. وَدَخَلَتِ امْرَأَةٌ عَلَى امْرَأَةِ الْأَوْزَاعِيِّ، فَرَأَتِ الْحَصِيرَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ مَبْلُولًا، فَقَالَتْ لَهَا: لَعَلَّ الصَّبِيَّ بَالَ هَاهُنَا. فَقَالَتْ: لَا، هَذَا مِنْ أَثَرِ دُمُوعِ الشَّيْخِ فِي سُجُودِهِ، وَهَكَذَا يُصْبِحُ كُلَّ يَوْمٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإِيَّاكَ وَرَأْيَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهُ بِالْقَوْلِ; فَإِنَّ الْأَمْرَ يَنْجَلِي وَأَنْتَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ. وَقَالَ أَيْضًا: اصْبِرْ عَلَى السُّنَّةِ، وَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ، وَقُلْ مَا قَالُوا، وَكُفَّ عَمَّا كَفُّوا، وَلْيَسَعْكَ مَا وَسِعَهُمْ. وَكَانَ يَقُولُ: الْعِلْمُ مَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَمَا لَمْ يَجِئْ عَنْهُمْ فَلَيْسَ بِعِلْمٍ. وَكَانَ يَقُولُ: لَا يَجْتَمِعُ حُبُّ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ إِلَّا فِي قَلْبٍ مُؤْمِنٍ. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ شَرًّا فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَابَ الْجَدَلِ وَسَدَّ عَنْهُمْ بَابَ الْعَمَلِ. قَالُوا: وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ وَأَسْخَاهُمْ، وَكَانَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْخُلَفَاءِ إِقْطَاعٌ، فَصَارَ إِلَيْهِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنِي الْعَبَّاسِ نَحْوٌ مَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ يَقْتَنِ مِنْهَا شَيْئًا، وَلَا تَرَكَ يَوْمَ مَاتَ سِوَى سَبْعَةِ دَنَانِيرَ، كَانَ يُنْفِقُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الْفُقَرَاءِ. وَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ دِمَشْقَ، وَسُلِبَ الْمُلْكُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ تَطَلَّبَ الْأَوْزَاعِيَّ، فَتَغَيَّبَ عَنْهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ وَفِي يَدِهِ خَيْزُرَانَةٌ، وَالْمُسَوِّدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، مَعَهُمُ السُّيُوفُ مُصْلَتَةٌ وَالْعُمُدُ الْحَدِيدُ، فَسَلَّمْتُ فَلَمْ يَرُدَّ، وَنَكَتَ بِتِلْكَ الْخَيْزُرَانَةِ الَّتِي فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَوْزَاعِيُّ، مَا تَرَى فِيمَا صَنَعْنَا مِنْ إِزَالَةِ أَيْدِي أُولَئِكَ الظَّلَمَةِ أَرِبَاطٌ هُوَ ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِىَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ. قَالَ: فَنَكَتَ بِالْخَيْزُرَانَةِ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ يَنْكُتُ، وَجَعَلَ مَنْ حَوْلَهُ يَعَضُّونَ أَيْدِيَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَوِزَاعِيُّ، مَا تَقُولُ فِي دِمَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ؟ فَقُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ; النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ. فَنَكَتَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: مَا تَقُولُ فِي أَمْوَالِهِمْ؟ فَقُلْتُ: إِنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمْ حَرَامًا فَهِيَ حَرَامٌ عَلَيْكَ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ حَلَالًا فَلَا تَحِلُّ لَكَ إِلَّا بِطَرِيقٍ شَرْعِيٍّ. فَنَكَتَ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ يَنْكُتُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا نُوَلِّيكَ الْقَضَاءَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ أَسْلَافَكَ لَمْ يَكُونُوا يَشُقُّونَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَتِمَّ مَا ابْتَدَءُونِي بِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ. فَقَالَ: كَأَنَّكَ تُحِبُّ الِانْصِرَافَ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ وَرَائِي حُرَمًا، وَهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى الْقِيَامِ عَلَيْهِمْ وَسَتْرِهِمْ. قَالَ: وَانْتَظَرْتُ رَأْسِي أَنْ يَسْقُطَ بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَمَرَنِي بِالِانْصِرَافِ، فَلَمَّا خَرَجْتُ إِذَا رَسُولُهُ مِنْ وَرَائِي، وَإِذَا مَعَهُ مِائَتَا دِينَارٍ، فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ الْأَمِيرُ: أَنْفِقْ هَذِهِ. قَالَ: فَتَصَدَّقْتُ بِهَا. وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ صَائِمًا طَاوِيًا، فَيُقَالُ: إِنَّ الْأَمِيرَ لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ عَرَضَ عَلَيْهِ الْإِفْطَارَ عِنْدَهُ، فَأَبَى أَنْ يُفْطِرَ عِنْدَهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالُوا: ثُمَّ رَحَلَ الْأَوْزَاعِيُّ مِنْ دِمَشْقَ، فَنَزَلَ بَيْرُوتَ مُرَابِطًا بِأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ. قَالَ: وَأَعْجَبَنِي فِيهَا أَنِّي مَرَرْتُ بِقُبُورِهَا، فَإِذَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ الْعِمَارَةُ يَا هَنْتَاهُ ؟ فَقَالَتْ: إِنْ أَرَدْتَ الْعِمَارَةَ فَهِيَ هَذِهِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْخَرَابَ فَأَمَامَكَ. وَأَشَارَتْ إِلَى الْبَلَدِ، فَعَزَمْتُ عَلَى الْإِقَامَةِ بِهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ يَقُولُ: خَرَجْتُ يَوْمًا إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَإِذَا رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا شَخْصٌ رَاكِبٌ عَلَى جَرَادَةٍ مِنْهَا وَعَلَيْهِ سِلَاحُ الْحَدِيدِ، وَكُلَّمَا قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا مَالَ الْجَرَادُ مَعَ يَدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: الدُّنْيَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ مَا فِيهَا، الدُّنْيَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ مَا فِيهَا، الدُّنْيَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ مَا فِيهَا. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يَخْرُجُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ إِلَى الصَّيْدِ وَلَا يَنْتَظِرُ الْجُمْعَةَ، فَخُسِفَ بِبَغْلَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا أُذُنُهَا. وَخَرَجَ الْأَوْزَاعِيُّ يَوْمًا مِنْ بَابِ مَسْجِدِ بَيْرُوتَ، وَهُنَاكَ دُكَّانٌ فِيهِ نَاطِفٌ، وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ يَبِيعُ الْبَصَلَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَحْلَى مِنَ النَّاطِفِ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا يَرَى هَذَا بِالْكَذِبِ بَأْسًا ؟. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كُنَّا قَبْلَ الْيَوْمِ نَضْحَكُ وَنَلْعَبُ، أَمَّا إِذْ صِرْنَا أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِنَا فَيَنْبَغِي أَنْ نَتَحَفَّطَ. وَكَتَبَ إِلَى أَخٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أُحِيطَ بِكَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَإِنَّهُ يُسَارُ بِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَاحْذَرِ اللَّهَ وَالْقِيَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِكَ بِهِ، وَالسَّلَامُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ كَاتِبَ اللَّيْثِ يَذْكُرُ عَنِ الْهِقْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، أَنَّهُ وَعَظَ فَقَالَ فِي مَوْعِظَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، تَقَوَّوْا بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي أَصْبَحْتُمْ فِيهَا عَلَى الْهَرَبِ مِنْ نَارِ اللَّهِ الْمُوقَدَةِ، الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، فَإِنَّكُمْ فِي دَارٍ الثَّوَاءُ فِيهَا قَلِيلٌ، وَأَنْتُمْ فِيهَا مُرَحَّلُونَ، خَلَائِفُ بَعْدَ الْقُرُونِ الَّتِي اسْتَقْبَلُوا مِنَ الدُّنْيَا أُنُفَهَا وَزَهْرَتَهَا، فَهُمْ كَانُوا أَطْوَلَ مِنْكُمْ أَعْمَارًا وَأَمَدَّ أَجْسَامًا، وَأَعْظَمَ آثَارًا، فَخَدَّدُوا الْجِبَالَ وَجَابُوا الصُّخُورَ، وَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ، مُؤَيَّدِينَ بِبَطْشٍ شَدِيدٍ، وَأَجْسَادٍ كَالْعِمَادِ، فَمَا لَبِثَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي أَنْ طَوَتْ مُدَّتَهُمْ وَعَفَتْ آثَارَهُمْ، وَأَخْرَبَتْ مَنَازِلَهُمْ، وَأَنْسَتْ ذِكْرَهُمْ، فَمَا تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ وَلَا تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا، كَانُوا بِلَهْوِ الْأَمَلِ آمِنِينَ، وَلِمِيقَاتِ يَوْمٍ غَافِلِينَ، أَوْ لِصَبَاحِ قَوْمٍ نَادِمِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِي نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ بَيَانًا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ، فَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، وَأَصْبَحَ الْبَاقُونَ يَنْظُرُونَ فِي آثَارِ نِقَمِهِ، وَزَوَالِ نِعَمِهِ، وَمَسَاكِنَ خَاوِيَةٍ، وَفِيهَا آيَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، وَعِبْرَةٌ لِمَنْ يَخْشَى، وَأَصْبَحْتُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ فِي أَجَلٍ مَنْقُوصٍ، وَدُنْيَا مَقْبُوضَةٍ، فِي زَمَانٍ قَدْ وَلَّى عَفْوُهُ، وَذَهَبَ رَخَاؤُهُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا حُمَةُ شَرٍّ، وَصُبَابَةُ كَدَرٍ، وَأَهَاوِيلُ غِيَرٍ، وَعُقُوبَاتُ عِبَرٍ، وَإِرْسَالُ فِتَنٍ، وَتَتَابُعُ زَلَازِلَ، وَرُذَالَةُ خَلْفٍ، بِهِمْ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَلَا تَكُونُوا أَشْبَاهًا لِمَنْ خَدَعَهُ الْأَمَلُ، وَغَرَّهُ طُولُ الْأَجَلِ، وَتَبَلَّغَ بِالْأَمَانِي، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ وَعَى نُذُرَهُ وَانْتَهَى، وَعَقَلَ مَثْوَاهُ فَمَهَدَ لِنَفْسِهِ. وَقَدِ اجْتَمَعَ الْأَوْزَاعِيُّ بِالْمَنْصُورِ حِينَ دَخَلَ الشَّامَ وَوَعَظَهُ، وَأَحَبَّهُ الْمَنْصُورُ وَعَظَّمَهُ، وَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ اسْتَأْذَنَهُ فِي أَنْ لَا يَلْبَسَ السَّوَادَ فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ الْمَنْصُورُ لِلرَّبِيعِ الْحَاجِبِ: الْحَقْهُ فَسَلْهُ لِمَ كَرِهَ لُبْسَ السَّوَادِ؟ وَلَا تُخْبِرْهُ أَنِّي قُلْتُ لَكَ. فَسَأَلَهُ الرَّبِيعُ فَقَالَ: لِأَنِّي لَمْ أَرَ مُحْرِمًا أَحْرَمَ فِيهِ، وَلَا مَيِّتًا كُفِّنَ فِيهِ، وَلَا عَرُوسًا جُلِيَتْ فِيهِ، فَلِهَذَا أَكْرَهُهُ. وَقَدْ كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي الشَّامِ مُعَظَّمًا مُكَرَّمًا، أَمْرُهُ أَعَزُّ عِنْدَهُمْ مِنْ أَمْرِ السُّلْطَانِ، وَهَمَّ بِهِ بَعْضُ الْوُلَاةِ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: دَعْهُ عَنْكَ فَوَاللَّهِ لَوْ أَمَرَ الشَّامِيِّينَ أَنْ يَقْتُلُوكَ لَقَتَلُوكَ. وَلَمَّا مَاتَ جَلَسَ عِنْدَ قَبْرِهِ بَعْضُ الْوُلَاةِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُ مِنْكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَخَافُ مِنَ الَّذِي وَلَّانِي. وَقَدْ قَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: مَا مَاتَ الْأَوْزَاعِيُّ حَتَّى جَلَسَ وَحْدَهُ، وَسَمِعَ شَتْمَهُ بِأُذُنِهِ. وعن مُحَمَّدٍ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الثَّوْرِيِّ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ رَيْحَانَةً مِنَ الْمَغْرِبِ قُلِعَتْ. قَالَ: إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ فَقَدْ مَاتَ الْأَوْزَاعِيُّ. فَكَتَبُوا ذَلِكَ، فَجَاءَ مَوْتُ الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: بَلَغَنَا أَنَّ سَبَبَ مَوْتِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ امْرَأَتَهُ أَغْلَقَتْ عَلَيْهِ بَابَ حَمَّامٍ، فَمَاتَ فِيهِ، وَلَمْ تَكُنْ عَامِدَةً لِذَلِكَ، فَأَمَرَهَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ. قَالَ: وَمَا خَلَّفَ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً وَلَا عَقَارًا وَلَا مَتَاعًا، إِلَّا سِتَّةَ دَنَانِيرَ فَضَلَتْ مِنْ عَطَائِهِ. وَكَانَ قَدِ اكْتُتِبَ فِي دِيوَانِ السَّاحِلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الَّذِي أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَ الْحَمَّامِ صَاحِبُ الْحَمَّامِ، وَذَهَبَ إِلَى حَاجَةٍ، ثُمَّ جَاءَ فَفَتَحَ الْحَمَّامَ، فَوَجَدَهُ مَيِّتًا قَدْ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قُلْتُ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ مَاتَ بِبَيْرُوتَ مُرَابِطًا، وَاخْتَلَفُوا فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ; فَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ يَحْيَى: رَأَيْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبَيْرُوتِيُّ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَحَدِ، أَوَّلَ النَّهَارِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ. وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُسْهِرٍ، وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ، وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ - فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ - وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَدُحَيْمٍ، وَخَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ. قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ: وَلَمْ يَبْلُغْ سَبْعِينَ سَنَةً. قُلْتُ: وَقَالَ غَيْرُهُ: جَاوَزَ السَّبْعِينَ. وَالصَّحِيحُ تِسْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً; لِأَنَّهُ كَانَ مِيلَادُهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَقَدْ رَآهُ بَعْضُهُمْ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى اللَّهِ. فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ فِي الْجَنَّةِ دَرَجَةً أَعْلَى مِنْ دَرَجَةِ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ الْمَحْزُونِينَ.
التاريخ 2917لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: نَزَلَ الْمَنْصُورُ قَصْرَهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْخُلْدِ عَلَى دِجْلَةَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ الْخُلْدَ تَشْبِيهًا لَهُ بِجَنَّةِ الْخُلْدِ، وَقَالَ: إِنَّمَا ابْتَنَيْتُهُ لِأَنْظُرَ إِلَى الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ. وَكَانَ مَوْضِعُهُ وَرَاءَ بَابِ خُرَاسَانَ، وَقَدِ انْدَرَسَ فَلَا عَيْنَ [لَهُ] وَلَا أَثَرَ. أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ]، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُعَدِّلُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ صَفْوَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَهْوَرٍ، قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ [أَبِي] هَاشِمٍ الْكُوفِيِّ بِالْخُلْدِ، فَنَظَرَ إِلَى الْآثَارِ فَوَقَفَ مُتَأَمِّلًا وَقَالَ: بَنَوْا وَقَالُوا لَا نَمُوتُ وَلِلْخَرَابِ بَنَى الْمُبَنِّي مَا عَاقِلٌ فِيمَا رَأَيْتُ إِلَى الْحَيَاةِ بِمُطْمَئِنِّ أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدَ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ رِزْقٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: مَرَرْتُ بِسُوَيْقَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَقَدْ خَرِبَتْ مَنَازِلُهَا وَعَلَى جِدَارٍ مِنْهَا مَكْتُوبٌ: هَذِي مَنَازِلُ أَقْوَامٍ عَهِدْتُهُمْ فِي رَغَدِ عَيْشٍ رَغِيبٍ مَا لَهُ خَطَرُ صَاحَتْ بِهِمْ نَائِبَاتُ الدَّهْرِ فَانْقَلَبُوا إِلَى الْقُبُورِ فَلَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرُ
التاريخ 2918لا حكم مسجّل
وَفِيهَا مَاتَ طَاغِيَةُ الرُّومِ.
التاريخ 2919لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ مُوسَى عَنِ الْمَوْصِلِ وَوِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ مَا أَسْخَطَهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ الْمَهْدِيَّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَإِذَا صَارَ بِالْبَلَدِ أَخَذَ مُوسَى وَقَيَّدَهُ وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَلْزَمَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْمَالَ وَإِلَّا قَتَلَهُ، فَقَالَ لِابْنِهِ يَحْيَى: يَا بُنَيَّ الْقَ إِخْوَانَنَا عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ، وَمُبَارَكًا التُّرْكِيَّ، وَصَالِحًا صَاحِبَ الْمُصَلَّى ( وَغَيْرَهُمْ ) وَأَعْلِمْهُمْ حَالَنَا. قَالَ يَحْيَى: فَأَتَيْتُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَنِي الدُّخُولَ عَلَيْهِ وَوَجَّهَ الْمَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَجَهَّمَنِي بِالرَّدِّ وَوَجَّهَ الْمَالَ [ سِرًّا إِلَيَّ ]. قَالَ: فَأَتَيْتُ عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ وَوَجْهُهُ إِلَى الْحَائِطِ، فَمَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَيَّ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ رَدًّا ضَعِيفًا. وَقَالَ: كَيْفَ أَبُوكَ ؟ فَعَرَّفْتُهُ الْحَالَ، وَطَلَبْتُ قَرْضَ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ: إِنْ أَمْكَنَنِي شَيْءٌ فَسَيَأْتِيكَ، فَانْصَرَفْتُ وَأَنَا أَلْعَنُهُ مِنْ تِيهِهِ، وَحَدَّثْتُ أَبِي بِحَدِيثِهِ، وَإِذْ قَدْ أَنْفَذَ الْمَالَ، قَالَ: فَجَمَعْنَا فِي يَوْمَيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَسَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَبَقِيَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ تُبْطِلُ الْجَمِيعَ بِتَعَذُّرِهَا. قَالَ: فَعَبَرْتُ عَلَى الْجِسْرِ وَأَنَا مَهْمُومٌ، فَوَثَبَ إِلَيَّ زَاجِرٌ فَقَالَ: فَرْخُ الطَّائِرِ أَخْبَرَكَ، فَطَوَيْتُهُ فَلَحِقَنِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِي، وَقَالَ لِي: أَنْتَ مَهْمُومٌ، وَوَاللَّهِ لَتَفْرَحَنَّ وَلَتَمُرَّنَ غَدًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالدَّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فَلِي عَلَيْكَ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَقُلْتُ: نَعَمْ ! وَأَنَا أَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ. وَوَرَدَ عَلَى الْمَنْصُورِ انْتِقَاضُ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَانْتِشَارُ الْأَكْرَادِ بِهَا، فَقَالَ: مَنْ لَهَا ؟ فَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ: عِنْدِي رَأْيٌ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَقْبَلُهُ مِنِّي، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ تَرُدُّهُ عَلَيَّ، وَلَكِنِّي لَا أَدَعُ نُصْحَكَ. قَالَ: قُلْ ! قُلْتُ: مَا لَهَا مِثْلُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ. قَالَ: فَكَيْفَ يَصْلُحُ لَنَا بَعْدَ مَا فَعَلْنَا ؟ قَالَ: إِنَّمَا قَوَّمْتَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَا الضَّامِنُ لَهُ. قَالَ: فَلْيَحْضُرْنِي غَدًا، فَأَحْضَرَهُ، فَصَفَحَ لَهُ عَنِ الثَّلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ الْبَاقِيَةِ، وَعَقَدَ لَهُ، وَعَقَدَ لِابْنِهِ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ. فَاجْتَازَ يَحْيَى بِالزَّاجِرِ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَنْفَذَ خَالِدٌ إِلَى عُمَارَةَ بِالْمِائَةِ أَلْفٍ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْهُ مَعَ ابْنِهِ يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ: صَيْرَفِيًّا كُنْتَ لِأَبِيكَ ؟ قُمْ عَنِّي، لَا قُمْتَ ! فَعَادَ بِالْمَالِ، وَسَارَ مَعَ الْمَهْدِيِّ، فَعَزَلَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ وَوَلَّاهُمَا. فَلَمْ يَزَلْ خَالِدٌ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَابْنُهُ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ، فَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: مَا هِبْنَا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَنَا خَالِدًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ هَيْبَةً كَانَتْ لَهُ فِي صُدُورِنَا.
التاريخ 2920لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ الْمُسَيَّبَ بْنَ زُهَيْرٍ عَنْ شُرْطَتِهِ، وَحَبَسَهُ مُقَيَّدًا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ ضَرَبَ أَبَانَ بْنَ بَشِيرٍ الْكَاتِبَ بِالسِّيَاطِ، حَتَّى قَتَلَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيكَ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ فِي وِلَايَةِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ الْحَكَمَ بْنَ يُوسُفَ، صَاحِبَ الْحِرَابِ، ثُمَّ كَلَّمَ الْمَهْدِيُّ أَبَاهُ فِي الْمُسَيَّبِ، فَرَضِيَ عَنْهُ، وَأَعَادَهُ إِلَى شُرْطَتِهِ.
التاريخ 2921لا حكم مسجّل
وَفِيهَا حَبَسَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ، وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ، جَمَاعَةً أَمَرَ الْمَنْصُورُ بِحَبْسِهِمْ، وَهُمْ رَجُلٌ مِنْ آلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ بِمَكَّةَ، وَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَعَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، وَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ مِنَ الْحَبْسِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمَنْصُورِ، فَغَضِبَ. وَكَانَ سَبَبُ إِطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ أَنْكَرَ، وَقَالَ: عَمَدْتَ إِلَى ذِي رَحِمٍ فَحَبَسْتَهُ، يَعْنِي بَعْضَ وَلَدِ عَلِيٍّ، وَإِلَى نَفَرٍ مِنْ أَعْلَامِ الْمُسْلِمِينَ فَحَبَسْتَهُمْ، وَتَقْدُمُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَعَلَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ، فَيَشُدُّ سُلْطَانَهُ، وَأَهْلَكَ فَأَطْلِقْهُمْ، وَتَحَلَّلْ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَارَبَ الْمَنْصُورُ مَكَّةَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِهَدَايَا فَرَدَّهَا عَلَيْهِ.
التاريخ 2922لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: وَجَّهَ الْمَنْصُورُ نَصْرَ بْنَ حَرْبٍ التَّمِيمِيَّ وَالِيًا عَلَى ثَغْرِ فَارِسَ.
التاريخ 2923لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: سَقَطَ الْمَنْصُورُ عَنْ دَابَّتِهِ بِجَرْجَرَايَا فَانْشَجَّ مَا بَيْنَ حَاجِبَيْهِ. وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مُشَيِّعًا وَلَدَهُ الْمَهْدِيَّ لَمَّا مَضَى إِلَى الرَّقَّةِ. وَفِيهَا: عَادَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى بَغْدَادَ فَدَخَلَهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
التاريخ 2924لا حكم مسجّل
وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى مِنْ دَرْبِ الْحَدَثِ، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ، فَاقْتَتَلُوا، ثُمَّ تَحَاجَزُوا. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا غَزْوَةُ يَزِيدَ بْنِ أُسَيْدٍ السُّلَمِيِّ الصَّائِفَةَ، وَفُتِحَتِ الطَّالَقَانُ وَطَبَرِسْتَانُ وَنَهَاوَنْدُ عَلَى يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْعَلَاءِ.
التاريخ 2925لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: أَمَرَ الْمَنْصُورُ بِمَرَمَّةِ الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ الَّذِي كَانَ كِسْرَى بَنَاهُ، وَأَمَرَ أَنْ يُغَرَّمَ كُلُّ مَنْ وُجِدَ فِي دَارِهِ شَيْءٌ مِنَ الْآجُرِّ الْخَسْرَوَانِيِّ، قَالَ: هَذَا فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ وَلَا مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ مَرَمَّةِ الْقَصْرِ.
التاريخ 2926لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَوْتِ الْمَنْصُورِ وَوَصِيَّتِهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ بِبِئْرِ مَيْمُونٍ، وَكَانَ عَلَى مَا قِيلَ قَدْ هَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ مِنْ قَصْرِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: أَمَا وَرَبِّ السُّكُونِ وَالْحَرَكِ إِنَّ الْمَنَايَا كَثِيرَةُ الشَّرَكِ عَلَيْكِ، يَا نَفْسُ إِنْ أَسَأْتِ، وَإِنْ أَحْسَنْتِ بِالْقَصْدِ، كُلُّ ذَاكَ لَكِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكِ إِلَّا تَنَقَّلَ السُّلْطَانُ عَنْ مَلِكٍ إِذَا انْتَهَى مُلْكُهُ إِلَى مَلِكِ حَتَّى يَصِيرَا بِهِ إِلَى مَلِكٍ مَا عِزُّ سُلْطَانِهِ بِمُشْتَرَكِ ذَاكَ بَدِيعُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْ مُرْسِي الْجِبَالِ الْمُسَخِّرِ الْفَلَكِ فَقَالَ الْمَنْصُورُ: هَذَا أَوَانُ أَجَلِي. قَالَ الطَّبَرِيُّ: وَقَدْ حَكَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَنْصُورِ يَوْمًا أُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ بَاهِتٌ لَا يُحِيرُ جَوَابًا، فَوَثَبْتُ لِمَا أَرَى مِنْهُ لِأَنْصَرِفَ، فَقَالَ [ لِي ] بَعْدَ سَاعَةٍ إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رُجَلًا يُنْشِدُنِي هَذِهِ [ الْأَبْيَاتَ ]: أَأُخَيَّ خَفِّضْ مِنْ مُنَاكَا فَكَأَنَّ يَوْمَكَ قَدْ أَتَاكَا وَلَقَدْ أَرَاكَ الدَّهْرَ مِنْ تَصَرُّفَيْهِ مَا قَدْ أَرَاكَا فَإِذَا أَرَدْتَ النَّاقِصَ الْ عَبْدَ الذَّلِيلَ، فَأَنْتَ ذَاكَا مُلِّكْتَ مَا مُلِّكْتَهُ وَالْأَمُرُ فِيهِ إِلَى سِوَاكَا . هَذَا الَّذِي تَرَى مِنْ قَلَقِي وَغَمِّي لِمَا سَمِعْتُ وَرَأَيْتُ، فَقُلْتُ: خَيْرًا رَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ لِيَحُجَّ نَزَلَ قَصْرَ عَبْدَوَيْهِ، فَانْقَضَّ فِي مَقَامِهِ هُنَالِكَ كَوْكَبٌ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، بَعْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، فَبَقِيَ أَثَرُهُ بَيِّنًا إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَأَحْضَرَ الْمَهْدِيَّ، وَكَانَ قَدْ صَحِبَهُ لِيُوَدِّعَهُ، فَوَصَّاهُ بِالْمَالِ وَالسُّلْطَانِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ مُقَامِهِ، بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَ فِيهِ قَالَ لَهُ: إِنِّي لَمْ أَدَعْ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِيهِ، وَسَأُوصِيكَ بِخِصَالٍ مَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ وَاحِدَةً مِنْهَا. ( وَكَانَ لَهُ سَفَطٌ فِيهِ دَفَاتِرُ عِلْمِهِ )، وَعَلَيْهِ قُفْلٌ لَا يَفْتَحُهُ غَيْرُهُ، فَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: انْظُرْ إِلَى هَذَا السَّفَطِ فَاحْتَفِظْ بِهِ، فَإِنَّ فِيهِ عِلْمَ آبَائِكَ، ( مَا كَانَ ) وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ أَحْزَنَكَ أَمْرٌ فَانْظُرْ فِي الدَّفْتَرِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ أَصَبْتَ فِيهِ مَا تُرِيدُ، وَإِلَّا فَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةً، فَإِنْ ثَقُلَ عَلَيْكَ، فَالْكُرَّاسَةُ الصَّغِيرَةُ، فَإِنَّكَ وَاجِدٌ فِيهَا مَا تُرِيدُ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَانْظُرْ هَذِهِ الْمَدِينَةَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَبْدِلَ بِهَا غَيْرَهَا، وَقَدْ جَمَعْتُ لَكَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا إِنْ كُسِرَ عَلَيْكَ الْخَرَاجُ عَشْرَ سِنِينَ كَفَاكَ لِأَرْزَاقِ الْجُنْدِ وَالنَّفَقَاتِ، وَالذُّرِّيَّةِ، وَمَصْلَحَةِ الْبُعُوثِ، فَاحْتَفِظْ بِهَا، فَإِنَّكَ لَا تَزَالُ عَزِيزًا مَا دَامَ بَيْتُ مَالِكَ عَامِرًا، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَأُوصِيكَ بِأَهْلِ بَيْتِكَ أَنْ تُظْهِرَ كَرَامَتَهُمْ، وَتُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَتُقَدِّمَهُمْ، وَتُوطِئَ النَّاسَ أَعْقَابُهُمْ، وَتُوَلِّيَهُمُ الْمَنَابِرَ، فَإِنَّ عِزَّكَ عِزَّهُمْ، وَذِكْرَهُمْ لَكَ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَانْظُرْ مَوَالِيَكَ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ، وَقَرِّبْهُمْ، وَاسْتَكْثِرْ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ مَادَّتُكَ لِشِدَّةٍ إِنْ نَزَلَتْ بِكَ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَأُوصِيكَ بِأَهْلِ خُرَاسَانَ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ أَنْصَارُكَ وَشِيعَتُكَ الَّذِينَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ فِي دَوْلَتِكَ، وَمَنْ لَا تَخْرُجُ مَحَبَّتُكَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، أَنْ تُحْسِنَ إِلَيْهِمْ، وَتَتَجَاوَزَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَتُكَافِئَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ، وَتَخْلُفَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَبْنِيَ مَدِينَةَ الشَّرْقِيَّةِ، فَإِنَّكَ لَا تُتِمُّ بِنَاءَهَا، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تَسْتَعِينَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ. وَإِيَّاكَ أَنْ تُدْخِلَ النِّسَاءَ فِي أَمْرِكَ، وَأَظُنُّكَ سَتَفْعَلُ. وَقِيلَ: قَالَ لَهُ: إِنِّي وُلِدْتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَوُلِّيتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ هَجَسَ فِي نَفْسِي أَنِّي أَمُوتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا حَدَانِي عَلَى الْحَجِّ ذَلِكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَعْهَدُ إِلَيْكَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدِي، يَجْعَلْ لَكَ فِيمَا كَرَبَكَ وَحَزَنَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَيَرْزُقْكَ السَّلَامَةَ وَحُسْنَ الْعَاقِبَةِ مِنْ حَيْثُ لَا تَحْتَسِبُ. يَا بُنَيَّ احْفَظْ مُحَمَّدًا ﷺ فِي أُمَّتِهِ، يَحْفَظْكَ اللَّهُ ( وَيَحْفَظْ ) عَلَيْكَ أُمُورَكَ، وَإِيَّاكَ وَالدَّمَ وَالْحَرَامَ، فَإِنَّهُ حُوبٌ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَعَارٌ فِي الدُّنْيَا لَازِمٌ مُقِيمٌ، وَالْزَمِ الْحُدُودَ، فَإِنَّ فِيهَا خَلَاصَكَ فِي الْآجِلِ وَصَلَاحَكَ فِي الْعَاجِلِ، وَلَا تَعْتَدِ فِيهَا فَتَبُورَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ عَلِمَ أَنْ شَيْئًا أَصْلَحُ مِنْهَا لِدِينِهِ وَأَزْجَرُ عَنْ مَعَاصِيهِ لَأَمَرَ بِهِ فِي كِتَابِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ لِسُلْطَانِهِ [ أَنَّهُ ] أَمَرَ فِي كِتَابِهِ بِتَضْعِيفِ الْعَذَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى مَنْ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا مَعَ مَا ذَكَرَ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ فَقَالَ: ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ) الْآيَةَ. فَالسُّلْطَانُ، يَا بُنَيَّ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَعُرْوَتُهُ الْوُثْقَى، وَدِينُهُ الْقَيِّمُ، فَاحْفَظْهُ، وَحَصِّنْهُ، وَذُبَّ عَنْهُ، وَأَوْقِعْ بِالْمُلْحِدِينَ فِيهِ، وَاقْمَعِ الْمَارِقِينَ مِنْهُ، وَاقْتُلِ الْخَارِجِينَ عَنْهُ بِالْعِقَابِ، وَلَا تُجَاوِزْ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ، وَاحْكُمْ بِالْعَدْلِ، وَلَا تُشْطِطْ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَقْطَعُ لِلشَّغَبِ، وَأَحْسَمُ لِلْعَدُوِّ، وَأَنْجَعُ فِي الدَّوَاءِ. وَعُفَّ عَنِ الْفَيْءِ، فَلَيْسَ بِكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ مَعَ مَا خَلَفَهُ اللَّهُ لَكَ، وَافْتَتِحْ [ عَمَلَكَ ] بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَبِرِّ الْقَرَابَةِ، وَإِيَّاكَ وَالْأَثَرَةَ وَالتَّبْذِيرَ لِأَمْوَالِ الرَّعِيَّةِ، وَاشْحَنِ الثُّغُورَ، وَاضْبُطِ الْأَطْرَافَ، وَأَمِّنِ السُّبُلَ، وَسَكِّنِ الْعَامَّةَ، وَأَدْخِلِ الْمَرَافِقَ عَلَيْهِمْ، وَادْفَعِ الْمَكَارِهَ عَنْهُمْ. وَأَعِدَّ الْأَمْوَالَ، وَاخْزُنْهَا، وَإِيَّاكَ وَالتَّبْذِيرَ، فَإِنَّ النَّوَائِبَ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ، وَهِيَ مِنْ شِيَمِ الزَّمَانِ. وَأَعِدَّ الْكُرَاعَ وَالرِّجَالَ وَالْجُنْدَ مَا اسْتَطَعْتَ، وَإِيَّاكَ وَتَأْخِيرَ عَمَلِ الْيَوْمِ إِلَى الْغَدِ، فَتَتَدَارَكُ عَلَيْكَ الْأُمُورَ وَتَضِيعُ، جِدَّ فِي إِحْكَامِ الْأُمُورِ النَّازِلَاتِ لِأَوْقَاتِهَا أَوَّلًا [ فَأَوَّلًا ]، وَاجْتَهِدْ وَشَمِّرْ فِيهَا. وَأَعِدَّ رِجَالًا بِاللَّيْلِ لِمَعْرِفَةِ مَا يَكُونُ بِالنَّهَارِ، وَرِجَالًا بِالنَّهَارِ لِمَعْرِفَةِ مَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ، وَبَاشِرِ الْأُمُورَ بِنَفْسِكَ، وَلَا تَضْجَرْ، وَلَا تُكْسِلْ، وَاسْتَعْمِلْ حُسْنَ الظَّنِّ [ بِرَبِّكَ ]، وَأَسِئَ الظَّنَّ بِعُمَّالِكَ وَكُتَّابِكَ. وَخُذْ نَفْسَكَ بِالتَّيَقُّظِ، وَتَفَقَّدْ مَنْ تَثَبَّتَ عَلَى بَابِكَ، وَسَهِّلْ إِذْنَكَ لِلنَّاسِ، وَانْظُرْ فِي أَمْرِ النُّزَّاعِ إِلَيْكَ، وَوَكِّلْ بِهِمْ عَيْنًا غَيْرَ نَائِمَةٍ، وَنَفْسًا غَيْرَ لَاهِيَةٍ، وَلَا تَنَمْ، وَإِيَّاكَ، فَإِنَّ أَبَاكَ لَمْ يَنَمْ مُنْذُ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَلَا دَخَلَ عَيْنَهُ الْغَمْضُ إِلَّا وَقَلْبُهُ مُسْتَيْقِظٌ. هَذِهِ وَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكَ. ثُمَّ وَدَّعَهُ وَبَكَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَجَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَسَاقَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَهُ، وَقَلَّدَهُ لِأَيَّامٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ. فَلَمَّا سَارَ مَنَازِلَ مِنَ الْكُوفَةِ عَرَضَ لَهُ وَجَعُهُ الَّذِي مَاتَ بِهِ وَهُوَ الْقِيَامُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ جَعَلَ يَقُولُ لِلرَّبِيعِ: بَادِرْنِي حَرَمَ رَبِّي هَارِبًا مِنْ ذُنُوبِي، وَكَانَ الرَّبِيعُ عَدِيلَهُ، وَوَصَّاهُ بِمَا أَرَادَ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بِئْرِ مَيْمُونٍ مَاتَ بِهَا مَعَ السَّحَرِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَمْ يَحْضُرْهُ عِنْدَ وَفَاتِهِ إِلَّا خَدَمُهُ، وَالرَّبِيعُ مَوْلَاهُ، فَكَتَمَ الرَّبِيعُ مَوْتَهُ، وَمَنَعَ مِنَ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ، فَحَضَرَ أَهْلُ بَيْتِهِ كَمَا كَانُوا يَحْضُرُونَ. وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ دَعَا عَمَّهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ، فَمَكَثَ سَاعَةً، ثُمَّ أَذِنَ ( لِابْنِ أَخِيهِ عِيسَى ) بْنِ مُوسَى وَكَانَ فِيمَا خَلَا يُقَدَّمُ عَلَى عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ أَذِنَ لِلْأَكَابِرِ وَذَوِي الْأَسْنَانِ مِنْهُمْ، ثُمَّ لِعَامَّتِهِمْ، فَبَايَعَهُمُ الرَّبِيعُ لِلْمَهْدِيِّ، وَلِعِيسَى بْنِ مُوسَى بَعْدَهُ عَلَى يَدَيْ مُوسَى الْهَادِي بْنِ الْمَهْدِيِّ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيْعَةِ بَنِي هَاشِمٍ بَايَعَ الْقُوَّادَ، وَبَايَعَ عَامَّةَ النَّاسِ، وَسَارَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَى مَكَّةَ لِيُبَايِعَا النَّاسَ، فَبَايَعُوا بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ. وَاشْتَغَلُوا بِتَجْهِيزِ الْمَنْصُورِ، فَفَرَغُوا مِنْهُ الْعَصْرَ، وَكُفِّنَ وَغُطِّيَ وَجْهُهُ وَبَدَنُهُ، وَجُعِلَ رَأْسُهُ مَكْشُوفًا لِأَجْلِ إِحْرَامِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عِيسَى بْنُ مُوسَى، وَقِيلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَدُفِنَ فِي مَقْبَرَةِ الْمَعْلَاةِ، وَحَفَرُوا لَهُ مِائَةَ قَبْرٍ لِيُغَمُّوا عَلَى النَّاسِ، وَدُفِنَ فِي غَيْرِهَا، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ، وَعِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَالرَّبِيعُ وَالرَّيَّانُ مَوْلَيَاهُ، وَيَقْطِينُ. وَكَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقِيلَ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ، وَقِيلَ ثَمَانِيًا وَسِتِّينَ سَنَةً، فَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ إِلَّا يَوْمَيْنِ. وَقِيلَ فِي مَوْتِهِ: إِنَّهُ لَمَّا نَزَلَ آخِرَ مَنْزِلٍ بِطَرِيقِ مَكَّةَ نَظَرَ فِي صَدْرِ الْبَيْتِ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَبَا جَعْفَرٍ حَانَتْ وَفَاتُكَ وَانْقَضَتْ سُنُوكُ، وَأَمْرُ اللَّهِ لَابُدَّ وَاقِعُ أَبَا جَعْفَرٍ هَلْ كَاهِنٌ أَوْ مُنَجِّمٌ لَكَ الْيَوْمَ مِنْ حَرِّ الْمَنِيَّةِ مَانِعُ . فَأَحْضَرَ مُتَوَلِّيَ الْمَنَازِلِ، وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْمَنَازِلَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا دَخَلَهَا أَحَدٌ مُنْذُ فُرِغَ [ مِنْهَا ]. فَقَالَ: اقْرَأْ مَا فِي صَدْرِ الْبَيْتِ ! فَقَالَ: مَا أَرَى شَيْئًا، فَأَحْضَرَ غَيْرَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَأَمْلَى الْبَيْتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِحَاجِبِهِ: اقْرَأْ آيَةً، فَقَرَأَ: ( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ). فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ، وَرَحَلَ مِنَ الْمَنْزِلِ تَطَيُّرًا، فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، فَانْدَقَّ ظَهْرُهُ وَمَاتَ، فَدُفِنَ بِبِئْرِ مَيْمُونٍ. وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ.
التاريخ 2927لا حكم مسجّل
وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ. وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، اسْمُهَا سَلَّامَةُ. رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ. أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السُّلَمِيِّ عَنِ الْمَأْمُونِ، عَنِ الرَّشِيدِ، عَنِ الْمَهْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ بِهِ. بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَخِيهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَعُمُرُهُ يَوْمَئِذٍ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً; لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي صَفَرٍ مِنْهَا بِالْحُمَيْمَةِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا أَيَّامًا. وَكَانَ أَسْمَرَ اللَّوْنِ، مَوْفُورَ اللِّمَّةِ، خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، رَحْبَ الْجَبْهَةِ، أَقْنَى الْأَنْفِ بَيِّنَ الْقَنَا، أَعْيَنَ كَأَنَّ عَيْنَيْهِ لِسَانَانِ نَاطِقَانِ، تُخَالِطُهُ أُبَّهَةُ الْمُلْكِ، وَتَقْبَلُهُ الْقُلُوبُ وَتَتْبَعُهُ الْعُيُونُ يُعْرَفُ الشَّرَفُ فِي تَوَاضُعِهِ، وَالْعِتْقُ فِي صُورَتِهِ، وَاللُّبُّ فِي مِشْيَتِهِ. هَكَذَا وَصَفَهُ بَعْضُ مَنْ رَآهُ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مِنَّا السَّفَّاحُ وَالْمَنْصُورُ وَالْمَهْدِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ. وَذَكَرَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ أُمَّهُ سَلَّامَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي أَسَدٌ، فَزَأَرَ وَأَقْعَى عَلَى يَدَيْهِ، فَمَا بَقِيَ أَسَدٌ حَتَّى جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ. وَقَدْ رَأَى الْمَنْصُورُ فِي صِغَرِهِ مَنَامًا غَرِيبًا، فَكَانَ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ فِي أَلْوَاحِ الذَّهَبِ، وَيُعَلَّقَ فِي أَعْنَاقِ الصِّبْيَانِ. قَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَهَا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُنَادٍ فَنَادَى: أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ؟ فَقَامَ أَخِي السَّفَّاحُ يَتَخَطَّى الرِّجَالَ حَتَّى جَاءَ بَابَ الْكَعْبَةِ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَأَدْخَلَهُ إِيَّاهَا، فَمَا لَبِثَ أَنْ خَرَجَ وَمَعَهُ لِوَاءٌ أَسْوَدُ. ثُمَّ نُودِيَ: أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ؟ فَقُمْتُ أَنَا وَعَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ نَسْتَبِقُ، فَسَبَقْتُهُ إِلَى بَابِ الْكَعْبَةِ، فَدَخَلْتُهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَبِلَالٌ، فَعَقَدَ لِي لِوَاءً، وَأَوْصَانِي بِأُمَّتِهِ، وَعَمَّمَنِي عِمَامَةً كَوَّرَهَا ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ كَوْرًا، وَقَالَ: خُذْهَا إِلَيْكَ أَبَا الْخُلَفَاءِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ سِجْنُ الْمَنْصُورِ فِي أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَاجْتَمَعَ بِهِ فِي السِّجْنِ نُوبَخْتُ الْمُنَجِّمُ، وَتَوَسَّمَ فِيهِ الرِّيَاسَةَ، فَقَالَ لَهُ: مِمَّنْ تَكُونُ؟ فَلَمَّا عَرَفَ نَسَبَهُ وَكُنْيَتَهُ قَالَ: أَنْتَ الْخَلِيفَةُ الَّذِي يَلِي الْأَرْضَ. فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! مَاذَا تَقُولُ؟ فَقَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ لَكَ، فَضَعْ لِي خَطَّكَ فِي هَذِهِ الرُّقْعَةِ أَنْ تُعْطِيَنِي شَيْئًا إِذَا وَلِيتَ. فَكَتَبَ لَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ أَكْرَمَهُ الْمَنْصُورُ، وَأَعْطَاهُ وَأَسْلَمَ نُوبَخْتُ عَلَى يَدَيْهِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَجُوسِيًّا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِ الْمَنْصُورِ عِنْدَهُ. وَقَدْ حَجَّ الْمَنْصُورُ بِالنَّاسِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، أَحْرَمَ مِنَ الْحِيرَةِ، وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَفِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ، ثُمَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ. وَبَنَى مَدِينَةَ السَّلَامِ بَغْدَادَ، وَالرَّافِقَةَ، وَقَصْرَ الْخُلْدِ. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ الْحَاجِبُ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ يَقُولُ: الْخُلَفَاءُ أَرْبَعَةٌ; أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالْمُلُوكُ أَرْبَعَةٌ; مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَهِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَنَا. وَقَالَ مَالِكٌ: قَالَ لِي الْمَنْصُورُ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ. فَقَالَ: أَصَبْتَ، وَذَلِكَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَعَنْ إِسْمَاعِيلَ الْفِهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَنْصُورَ عَلَى مِنْبَرِ عَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا سُلْطَانُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، أَسُوسُكُمْ بِتَوْفِيقِهِ وَرُشْدِهِ، وَخَازِنُهُ عَلَى مَالِهِ، أُقَسِّمُهُ بِإِرَادَتِهِ، وَأُعْطِيهِ بِإِذْنِهِ، وَقَدْ جَعَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ قُفْلًا، إِذَا شَاءَ أَنْ يَفْتَحَنِي لِإِعْطَائِكُمْ وَقَسْمِ أَرْزَاقِكُمْ فَتَحَنِي، وَإِذَا شَاءَ أَنْ يُقْفِلَنِي عَلَيْهِ أَقْفَلَنِي، فَارْغُبُوا إِلَى اللَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ، وَسَلُوهُ - فِي هَذَا الْيَوْمِ الشَّرِيفِ الَّذِي وَهَبَ لَكُمْ فِيهِ مِنْ فَضْلِهِ مَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ فِي كِتَابِهِ، إِذْ يَقُولُ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [ الْمَائِدَةِ: 3 ]. أَنْ يُوَفِّقَنِي لِلصَّوَابِ، وَيُسَدِّدَنِي لِلرَّشَادِ، وَيُلْهِمَنِي الرَّأْفَةَ بِكُمْ، وَالْإِحْسَانَ إِلَيْكُمْ، وَيَفْتَحَنِي لِإِعْطَائِكُمْ، وَقَسْمِ أَرْزَاقِكُمْ بِالْعَدْلِ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ. وَقَدْ خَطَبَ يَوْمًا، فَاعْتَرَضَهُ رَجُلٌ وَهُوَ يُثْنِي عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اذْكُرْ مَنْ أَنْتَ ذَاكِرُهُ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا تَأْتِيهِ وَتَذَرُهُ. فَسَكَتَ الْمَنْصُورُ حَتَّى انْتَهَى كَلَامُ الرَّجُلِ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِيهِ: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [ الْبَقَرَةِ: 206 ]. أَوْ أَنْ أَكُونَ جَبَّارًا عَصِيًّا، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْمَوْعِظَةَ عَلَيْنَا نَزَلَتْ، وَمِنْ عِنْدِنَا بُيِّنَتْ. ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَظُنُّكَ فِي مَقَالَتِكَ هَذِهِ تُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: وَعَظَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا فَتَفْعَلُوا كَفِعْلِهِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَاحْتُفِظَ بِهِ، وَعَادَ إِلَى خُطْبَتِهِ فَأَكْمَلَهَا، ثُمَّ قَالَ لِمَنْ هُوَ عِنْدَهُ: اعْرِضْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا فَإِنْ قَبِلَهَا فَأَعْلِمْنِي، وَإِنْ رَدَّهَا فَأَعْلِمْنِي. فَمَا زَالَ بِهِ الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُ حَتَّى أَخَذَ الْمَالَ وَالْجَوَارِيَ، وَوَلَّاهُ الْحِسْبَةَ وَالْمَظَالِمَ، وَأَدْخَلَهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ فِي بِزَّةٍ حَسَنَةٍ، وَثِيَابٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ الْخَلِيفَةُ: وَيْحَكَ! إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ مُحِقًّا لَمَا قَبِلْتَ شَيْئًا مِمَّا أَرَى، وَلَكِنْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ عَنْكَ: إِنَّكَ وَعَظْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَرَجْتَ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَقَدْ قَالَ الْمَنْصُورُ لِابْنِهِ الْمَهْدِيِّ: إِنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا التَّقْوَى، وَالسُّلْطَانَ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا الطَّاعَةُ، وَالرَّعِيَّةَ لَا يُصْلِحُهَا إِلَّا الْعَدْلُ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ، وَأَنْقَصُ النَّاسِ عَقْلًا مَنْ ظَلَمَ مَنْ هُوَ دُونَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: يَا بُنَيَّ، اسْتَدِمِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ، وَالْقُدْرَةَ بِالْعَفْوِ، وَالطَّاعَةَ بِالتَّأْلِيفِ، وَالنَّصْرَ بِالتَّوَاضُعِ وَالرَّحْمَةِ لِلنَّاسِ، وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَنَصِيبَكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. وَحَضَرَ عِنْدَهُ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ يَوْمًا، وَقَدْ أَمَرَ بِرَجُلٍ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ، وَأَحْضَرَ النِّطْعَ وَالسَّيْفَ، فَقَالَ لَهُ مُبَارَكٌ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: لِيَقُمْ مَنْ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ. فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا. فَأَمَرَ بِالْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ. ثُمَّ أَخَذَ يُعَدِّدُ عَلَى جُلَسَائِهِ عَظِيمَ جَرَائِمِهِ وَمَا كَانَ صَنَعَهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أُتِيَ الْمَنْصُورُ بِرَجُلٍ لِيُعَاقِبَهُ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الِانْتِقَامُ عَدْلٌ، وَالْعَفْوُ فَضْلٌ، وَنُعِيذُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ أَنْ يَرْضَى لِنَفْسِهِ بِأَوْكَسِ النَّصِيبَيْنِ، دُونَ أَنْ يَبْلُغَ أَرْفَعَ الدَّرَجَتَيْنِ. قَالَ: فَعَفَا عَنْهُ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ الْمَنْصُورُ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: احْمَدِ اللَّهَ يَا أَعْرَابِيُّ الَّذِي رَفَعَ عَنْكُمُ الطَّاعُونَ بِوِلَايَتِنَا. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ عَلَيْنَا حَشَفًا وَسُوءَ كَيْلٍ ; وِلَايَتَكُمْ وَالطَّاعُونَ. وَالْحِكَايَاتُ فِي ذِكْرِ حِلْمِهِ وَعَفْوِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَدَخَلَ بَعْضُ الزُّهَّادِ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، فَاشْتَرِ نَفْسَكَ بِبَعْضِهَا، وَاذْكُرْ لَيْلَةً تَبِيتُ فِي الْقَبْرِ لَمْ تَبِتْ قَبْلَهَا لَيْلَةً، وَاذْكُرْ لَيْلَةً تَمَخَّضُ عَنْ يَوْمٍ لَا لَيْلَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: فَأَفْحَمَ الْمَنْصُورَ قَوْلُهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ فَقَالَ: لَوِ احْتَجْتُ إِلَى مَالِكَ لَمَا وَعَظْتُكَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ الْقَدَرِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَأَدْنَاهُ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ، عِظْنِي. فَقَرَأَ عَلَيْهِ أَوَّلَ سُورَةِ " الْفَجْرِ " إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [ الْفَجْرِ: 14 ]. قَالَ: فَبَكَى الْمَنْصُورُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِهَذِهِ الْآيَاتِ قَبْلَ تِلْكَ السَّاعَةِ ثُمَّ قَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، فَاشْتَرِ نَفْسَكَ بِبَعْضِهَا، وَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ لِمَنْ قَبْلَكَ. ثُمَّ صَارَ إِلَيْكَ، ثُمَّ هُوَ صَائِرٌ لِمَنْ بَعْدَكَ، وَاذْكُرْ لَيْلَةً تُسْفِرُ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَبَكَى الْمَنْصُورُ أَشَدَّ مِنْ بُكَائِهِ الْأَوَّلِ حَتَّى اخْتَلَفَ جَفْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُجَالِدٍ: رِفْقًا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَمْرٌو: وَمَاذَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَبْكِيَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ أَمَرَ لَهُ الْمَنْصُورُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: وَاللَّهِ لَتَأْخُذَنَّهَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا آخُذَنَّهَا. فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ وَهُوَ جَالِسٌ فِي سَوَادِهِ وَسَيْفِهِ، إِلَى جَنْبِ أَبِيهِ: أَيَحْلِفُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَحْلِفُ أَنْتَ؟! فَالْتَفَتَ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَقَالَ: وَمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا ابْنِي مُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ وَلِيُّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِي. فَقَالَ: أَسْمَيْتَهُ اسْمًا لَمْ يَسْتَحِقَّهُ بِعَمَلِهِ هَذَا، وَأَلْبَسْتَهُ لَبُوسًا مَا هُوَ لَبُوسُ الْأَبْرَارِ، وَلَقَدْ مَهَّدْتَ لَهُ أَمْرًا أَمْتَعَ مَا يَكُونُ بِهِ، أَشْغَلَ مَا تَكُونُ عَنْهُ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَهْدِيِّ فَقَالَ: يَابْنَ أَخِي، إِذَا حَلَفَ أَبُوكَ حَلَفَ عَمُّكَ; لِأَنَّ أَبَاكَ أَقْدَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ مِنْ عَمِّكَ. ثُمَّ قَالَ الْمَنْصُورُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا تَبْعَثْ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ. فَقَالَ: إِذًا وَاللَّهِ لَا نَلْتَقِي. فَقَالَ: عَنْ حَاجَتِي سَأَلْتَنِي. فَوَدَّعَهُ وَانْصَرَفَ، فَلَمَّا وَلَّى أَبَدَّهُ بَصَرَهُ وَهُوَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْدْ كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْدْ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدْ وَيُقَالُ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ أَنْشَدَ الْمَنْصُورَ قَصِيدَةً فِي مَوْعِظَتِهِ إِيَّاهُ، وَهِيَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَذَا الَّذِي قَدْ غَرَّهُ الْأَمَلُ وَدُونَ مَا يَأْمَلُ التَّنْغِيصُ وَالْأَجَلْ أَلَا تَرَى أَنَّمَا الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا كَمَنْزِلِ الرَّكْبِ حَلُّوا ثُمَّتَ ارْتَحَلُوا حُتُوفُهَا رَصَدٌ وَعَيْشُهَا نَكَدٌ وَصَفْوُهَا كَدَرٌ وَمُلْكُهَا دُوَلٌ تَظَلُّ تَقْرَعُ بِالرَّوْعَاتِ سَاكِنَهَا فَمَا يَسُوغُ لَهُ لِينٌ وَلَا جَدَلُ كَأَنَّهُ لِلْمَنَايَا وَالرَّدَى غَرَضٌ تَظَلُّ فِيهِ بَنَاتُ الدَّهْرِ تَنْتَضِلُ تُدِيرُهُ مَا أَدَارَتْهُ دَوَائِرُهَا مِنْهَا الْمُصِيبُ وَمِنْهَا الْمُخْطِئُ الزَّلِلُ وَالنَّفْسُ هَارِبَةٌ وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهَا وَكُلُّ عَثْرَةِ رَجُلٍ عِنْدَهَا جَلَلُ وَالْمَرْءُ يَسْعَى بِمَا يَسْعَى لِوَارِثِهِ وَالْقَبْرُ وَارِثُ مَا يَسْعَى لَهُ الرَّجُلُ وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنِ الرِّيَاشِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: رَأَتْ جَارِيَةٌ لِلْمَنْصُورِ ثَوْبَهُ مَرْقُوعًا فَقَالَتْ: خَلِيفَةٌ وَقَمِيصُهُ مَرْقُوعٌ؟! فَقَالَ: وَيْحَكِ! أَمَا سَمِعْتِ مَا قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ: قَدْ يُدْرِكُ الشَّرَفَ الْفَتَى وَرِدَاؤُهُ خَلَقٌ وَجَيْبُ قَمِيصِهِ مَرْقُوعُ وَمِنْ شَعْرِهِ لَمَّا عَزَمَ عَلَى قَتْلِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ: إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْيٍ فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْيِ أَنْ تَتَرَدَّدَا وَلَا تُمْهِلِ الْأَعْدَاءَ يَوْمًا بِقُدْرَةٍ وَبَادِرْهُمْ أَنْ يَمْلِكُوا مِثْلَهَا غَدَا وَلَمَّا قَتَلَهُ وَرَآهُ طَرِيحًا بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: قَدِ اكْتَنَفَتْكَ خَلَّاتٌ ثَلَاثٌ جَلَبْنَ عَلَيْكَ مَحْتُومَ الْحِمَامِ خِلَافُكَ وَامْتِنَاعُكَ مِنْ يَمِينِي وَقَوْدُكَ لِلْجَمَاهِيرِ الْعِظَامِ وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا: الْمَرْءُ يَأْمُلُ أَنْ يَعِي شِ وَطُولُ عُمْرٍ قَدْ يَضُرُّهْ تَبْلَى بَشَاشَتُهُ وَيَبْ قَى بَعْدَ حُلْوِ الْعَيْشِ مُرُّهْ وَتَخُونُهُ الْأَيَّامُ حَتَّ ى لَا يَرَى شَيْئًا يَسُرُّهْ كُمْ شَامِتٍ بِي إِنْ هَلَكْ تُ وَقَائِلٍ لِلَّهِ دَرُّهْ قَالُوا: وَكَانَ الْمَنْصُورُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ يَتَصَدَّى لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْوِلَايَاتِ وَالْعَزْلِ، وَالنَّظَرِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَإِذَا صَلَّى الظُّهْرَ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَاسْتَرَاحَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِذَا صَلَّاهَا جَلَسَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَمَصَالِحِهِمُ الْخَاصَّةِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَشَاءَ نَظَرَ فِي الْكُتُبِ وَالرَّسَائِلِ الْوَارِدَةِ مِنَ الْآفَاقِ، وَجَلَسَ عِنْدَهُ مَنْ يُسَامِرُهُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيَنَامُ فِي فِرَاشِهِ إِلَى الثُّلُثِ الْآخِرِ، فَيَقُومُ إِلَى وَضُوئِهِ وَصَلَاتِهِ حَتَّى يَتَفَجَّرَ الصَّبَاحُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَجْلِسُ فِي إِيوَانِهِ. وَقَدْ وَلَّى بَعْضَ الْعُمَّالِ عَلَى بَلَدٍ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ تَصَدَّى لِلصَّيْدِ، وَأَعَدَّ لِذَلِكَ الْكِلَابَ وَالْبُزَاةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ وَعَدِمَتْكَ عَشِيرَتُكَ، وَيْحَكَ! إِنَّا إِنَّمَا اسْتَكْفَيْنَاكَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ نَسْتَكْفِكَ أُمُورَ الْوُحُوشِ، فَسَلِّمْ مَا كُنْتَ تَلِي مِنْ عَمَلِنَا إِلَى فُلَانٍ، وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ مَلُومًا مَدْحُورًا. وَأُتِيَ يَوْمًا بِخَارِجِيٍّ قَدْ هَزَمَ جُيُوشَ الْمَنْصُورِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا أُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: وَيْحَكَ! يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ، مِثْلُكُ يَهْزِمُ الْجُيُوشَ؟ فَقَالَ الْخَارِجِيُّ: وَيْلَكَ، سَوْءَةٌ لَكَ! بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَمْسِ السَّيْفُ وَالْقَتْلُ، وَالْيَوْمَ الْقَذْفُ وَالسَّبُّ! وَمَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ وَقَدْ يَئِسْتُ مِنَ الْحَيَاةِ، فَلَا تَسْتَقِيلُهَا أَبَدًا؟! قَالَ: فَاسْتَحْيَا مِنْهُ الْمَنْصُورُ وَأَطْلَقَهُ. فَمَا رَأَى لَهُ وَجْهًا إِلَى الْحَوْلِ. وَقَالَ أَيْضًا: يَا بُنَيَّ، لَيْسَ الْعَاقِلُ مَنْ يَحْتَالُ لِلْأَمْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَحْتَالُ لِلْأَمْرِ الَّذِي غَشِيَهُ حَتَّى لَا يَقَعَ فِيهِ. وَقَالَ الْمَنْصُورُ أَيْضًا يَوْمًا لِابْنِهِ الْمَهْدِيِّ: يَا بُنَيَّ، لَا تَجْلِسْ مَجْلِسًا إِلَّا وَعِنْدَكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يُحَدِّثُكَ; فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ: عِلْمُ الْحَدِيثِ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا ذُكْرَانُ الرِّجَالِ، وَلَا يَكْرَهُهُ إِلَّا مُؤَنَّثُوهُمْ، وَصَدَقَ أَخُو زُهْرَةَ. وَقَدْ كَانَ الْمَنْصُورُ فِي شَبِيبَتِهِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ مِنْ مَظَانِّهِ وَالْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ، فَنَالَ مِنْ ذَلِكَ جَانِبًا جَيِّدًا، وَطَرَفًا صَالِحًا، وَقَدْ قِيلَ لَهُ يَوْمًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنَ اللَّذَّاتِ لَمْ تَنَلْهُ؟ قَالَ: لَا، سِوَى شَيْءٍ وَاحِدٍ. قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: قَوْلُ الْمُحَدَّثِ لِلشَّيْخِ: مَنْ ذَكَرْتَ، رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَاجْتَمَعَ وُزَرَاؤُهُ وَكُتَّابُهُ، وَجَلَسُوا حَوْلَهُ، وَقَالُوا: لِيُمْلِ عَلَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ. فَقَالَ: لَسْتُمْ بِهِمْ، إِنَّمَا هُمُ الدَّنِسَةُ ثِيَابُهُمْ، الْمُشَقَّقَةُ أَرْجُلُهُمْ، الطَّوِيلَةُ شُعُورُهُمْ، بُرُدُ الْآفَاقِ، وَنَقْلَةُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْمَنْصُورُ يَوْمًا لِلْمَهْدِيِّ: كَمْ عِنْدَكَ رَايَةً؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ: هَذَا هُوَ التَّقْصِيرُ، أَنْتَ لِأَمْرِ الْخِلَافَةِ أَشَدُّ تَضْيِيعًا، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا بُنَيَّ. وَقَالَتْ خَالِصَةُ إِحْدَى حَظِيَّاتِ الْمَهْدِيِّ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْمَنْصُورِ وَهُوَ يَشْتَكِي ضِرْسَهُ، وَيَدَاهُ عَلَى صُدْغَيْهِ، فَقَالَ لِي: كَمْ عِنْدَكِ مِنَ الْمَالِ يَا خَالِصَةُ؟ فَقُلْتُ: أَلْفُ دِرْهَمٍ. فَقَالَ: ضَعِي يَدَكِ عَلَى رَأْسِي وَاحْلِفِي. فَقُلْتُ: عِنْدِي عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ. قَالَ: اذْهَبِي فَاحْمِلِيهَا إِلَيَّ. قَالَتْ: فَذَهَبْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي الْمَهْدِيِّ وَهُوَ مَعَ وَزَوْجَتِهِ الْخَيْزُرَانِ، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ مَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَكَلَنِي بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: وَيْحَكِ! إِنَّهُ لَيْسَ بِهِ وَجَعٌ، وَلَكِنِّي سَأَلْتُهُ بِالْأَمْسِ مَالًا، فَتَمَارَضَ وَإِنَّهُ لَا يَسَعُكِ إِلَّا مَا أَمَرَكِ بِهِ. فَذَهَبَتْ إِلَيْهِ خَالِصَةُ وَمَعَهَا عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَاسْتَدْعَى بِالْمَهْدِيِّ، فَقَالَ لَهُ: تَشْكُو الْحَاجَةَ وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ خَالِصَةَ؟ ! وَقَالَ الْمَنْصُورُ لِخَازِنِهِ: إِذَا عَلِمْتَ بِمَجِيءِ الْمَهْدِيِّ فَائْتِنِي بِخُلْقَانِ الثِّيَابِ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ. فَجَاءَ بِهَا فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَدَخَلَ الْمَهْدِيُّ وَالْمَنْصُورُ يُقَلِّبُهَا، فَجَعَلَ الْمَهْدِيُّ يَضْحَكُ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، مَنْ لَيْسَ لَهُ خَلَقٌ مَا لَهُ جَدِيدٌ، وَقَدْ حَضَرَ الشِّتَاءُ فَنَحْتَاجُ نُعِينُ الْعِيَالِ وَالْوَلَدَ. فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: عَلَيَّ كُسْوَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَعِيَالِهِ. فَقَالَ: دُونَكَ فَافْعَلْ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْهَيْثَمِ، أَنَّ الْمَنْصُورَ أَطْلَقَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِبَعْضِ أَعْمَامِهِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ فَرَّقَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَلَا يُعْلَمُ خَلِيفَةٌ فَرَّقَ مِثْلَ هَذَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ عِنْدَ الْمَنْصُورِ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [ الْحَدِيدِ: 24 ]. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الْمَالَ حِصْنٌ لِلسُّلْطَانِ وَدِعَامَةٌ لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا وَعِزُّهُمَا وَزِينَتُهُمَا مَا بِتُّ لَيْلَةً وَاحِدَةً وَأَنَا أُحْرِزُ مِنْهُ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا; لِمَا أَجِدُ لِبَذْلِ الْمَالِ مِنَ اللَّذَاذَةِ، وَلِمَا أَعْلَمُ فِي إِعْطَائِهِ مِنْ جَزِيلِ الْمَثُوبَةِ. وَقَرَأَ عِنْدَهُ قَارِئٌ آخَرُ: وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [ الْإِسْرَاءِ: 29 ]. فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا أَدَّبَنَا رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ! وَقَالَ الْمَنْصُورُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي; عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَادَةُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الْأَسْخِيَاءُ، وَفِي الْآخِرَةِ الْأَتْقِيَاءُ. وَلَمَّا عَزَمَ الْمَنْصُورُ عَلَى الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ - دَعَا وَلَدَهُ الْمَهْدِيَّ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَأَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَفِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَبِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَعَلَّمَهُ كَيْفَ يَفْعَلُ الْأَشْيَاءَ، وَيَسُدُّ الثُّغُورَ بِوَصَايَا يَطُولُ بَسْطُهَا، وَحَرَّجَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ خَزَائِنِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَحَقَّقَ وَفَاتَهُ; فَإِنَّ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا يَكْفِي الْمُسْلِمِينَ لَوْ لَمْ يُجْبَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ دِرْهَمٌ عَشْرَ سِنِينَ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، وَهُوَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ قَضَاءَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. فَامْتَثَلَ الْمَهْدِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَأَحْرَمَ الْمَنْصُورُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مِنَ الرُّصَافَةِ، وَسَاقَ بُدُنَهُ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي وُلِدْتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ لِي أَنِّي أَمُوتُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي حَدَانِي عَلَى الْحَجِّ عَامِي هَذَا. وَوَدَّعَهُ وَسَارَ، وَاعْتَرَاهُ مَرَضُ الْمَوْتِ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَمَا دَخَلَ مَكَّةَ إِلَّا وَهُوَ مُثْقَلٌ جِدًّا، فَلَمَّا كَانَ بِآخِرِ مَنْزِلٍ نَزَلَهُ دُونَ مَكَّةَ إِذَا فِي صَدْرِ مَنْزِلِهِ مَكْتُوبٌ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَبَا جَعْفَرٍ حَانَتْ وَفَاتُكَ وَانْقَضَتْ سُنُوكَ وَأَمْرُ اللَّهِ لَا بُدَّ وَاقِعُ أَبَا جَعْفَرٍ هَلْ كَاهِنٌ أَوْ مُنَجِّمٌ لَكَ الْيَوْمَ مِنْ كَرْبِ الْمَنِيَّةِ مَانِعُ فَدَعَا بِالْحَجَبَةِ، فَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَعَرَفَ أَنَّ أَجْلَهُ قَدْ نُعِيَ إِلَيْهِ. قَالُوا: وَرَأَى الْمَنْصُورُ فِي مَنَامِهِ، وَيُقَالُ: بَلْ هَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ، وَهُوَ يَقُولُ: أَمَا وَرَبِّ السُّكُونِ وَالْحَرَكْ إِنَّ الْمَنَايَا كَثِيرَةُ الشَّرَكْ عَلَيْكِ يَا نَفْسُ إِنْ أَسَأْتِ وَإِنْ أَحْسَنْتِ يَا نَفْسُ كَانَ ذَاكَ لَكْ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكْ إِلَّا بِنَقْلِ السُّلْطَانِ عَنْ مَلِكٍ إِذَا انْقَضَى مُلْكُهُ إِلَى مَلِكْ حَتَّى يَصِيرَا بِهِ إِلَى مَلِكٍ مَا عَزَّ سُلْطَانُهُ بِمُشْتَرَكِ ذَاكَ بَدِيعُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَاَلْ مُرْسِي الْجِبَالَ الْمُسَخِّرُ الْفَلَكِ فَقَالَ الْمَنْصُورُ: هَذَا وَاللَّهِ أَوَانُ حُضُورِ أَجَلِي وَانْقِضَاءِ عُمْرِي. وَكَانَ قَدْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَصْرِهِ الْخُلْدِ الَّذِي بَنَاهُ وَتَأَنَّقَ فِيهِ، مَنَامًا أَفْزَعَهُ، فَقَالَ لِلرَّبِيعِ: وَيْحَكَ يَا رَبِيعُ! لَقَدْ رَأَيْتُ مَنَامًا هَالَنِي; رَأَيْتُ قَائِلًا وَقَفَ فِي بَابِ هَذَا الْقَصْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ آهِلُهُ وَعُرِّيَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَنَازِلُهُ وَصَارَ رَئِيسُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ إِلَى جَدَثٍ تُبْنَى عَلَيْهِ جَنَادِلُهُ فَمَا أَقَامَ فِي الْخُلْدِ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ عَامَهُ هَذَا، وَمَرِضَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَدَخَلَهَا مُدْنَفًا ثَقِيلًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ لِسِتٍّ - وَقِيلَ: لِسَبْعٍ - مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَكَانَ آخَرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لِي فِي لِقَائِكَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ، إِنْ كُنْتُ عَصَيْتُكَ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَقَدْ أَطَعْتُكَ فِي أَحَبِّ الْأَشْيَاءِ إِلَيْكَ; شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا. ثُمَّ مَاتَ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: اللَّهُ ثِقَةُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِهِ يُؤْمِنُ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ وَفَاتِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً عَلَى الْمَشْهُورِ; مِنْهَا ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً فِي الْخِلَافَةِ، وَدُفِنَ بِبَابِ الْمُعَلَّى، رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمِمَّا رُثِيَ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قَوْلُ سَلْمٍ الْخَاسِرِ الشَّاعِرِ: عَجَبًا لِلَّذِي نَعَى النَّاعِيَانِ كَيْفَ فَاهَتْ بِمَوْتِهِ الشَّفَتَانِ مَلِكٌ إِنْ غَدَا عَلَى الدَّهْرِ يَوْمًا أَصْبَحَ الدَّهْرُ سَاقِطًا لِلْجِرَانِ لَيْتَ كَفًّا حَثَتْ عَلَيْهِ تُرَابًا لَمْ تَعُدْ فِي يَمِينِهَا بَبَنَانُ حِينَ دَانَتْ لَهُ الْبِلَادُ عَلَى الْعَسْ فِ وَأَغْضَى مِنْ خَوْفِهِ الثَّقَلَانِ أَيْنَ رَبُّ الزَّوْرَاءِ قَدْ قَلَّدَتْهُ الْ مُلْكَ عِشْرُونَ حِجَّةً وَاثْنَتَانِ إِنَّمَا الْمَرْءُ كَالزِّنَادِ إِذَا مَا أَخَذَتْهُ قَوَادِحُ النِّيرَانِ لَيْسَ يَثْنِي هَوَاهُ زَجْرٌ وَلَا يَقْ دَحُ فِي حَبْلِهِ ذَوُو الْأَذْهَانِ قَلَّدَتْهُ أَعِنَّةَ الْمُلْكِ حَتَّى قَادَ أَعْدَاءَهُ بِغَيْرِ عَنَانٍ يُكْسَرُ الطَّرْفُ دُونَهُ وَتُرَى الْأَيْ دِي مِنْ خَوْفِهِ إِلَى الْأَذْقَانِ ضَمَّ أَطْرَافَ مُلْكِهِ ثُمَّ أَضْحَى خَلْفَ أَقْصَاهُمْ وَدُونَ الدَّانِي هَاشِمِيُّ التَّشْمِيرِ لَا يَحْمِلُ الثِّقْ لَ عَلَى غَارِبِ الشَّرُودِ الْهِدَانِ ذُو أَنَاةٍ يَنْسَى لَهَا الْخَائِفُ الْخَوْ فَ وَعَزْمٍ يَلْوِي بِكُلِّ جَنَانِ ذَهَبَتْ دُونَهُ النُّفُوسُ حِذَارًا غَيْرَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ فِي الْأَبْدَانِ وَقَدْ دُفِنَ الْمَنْصُورُ بِثَنِيَّةِ الْمُعَلَّى عِنْدَ بَابِ مَكَّةَ، وَلَا يُعْرَفُ قَبْرُهُ; لِأَنَّهُ عُمِّيَ قَبْرُهُ; فَإِنَّ الرَّبِيعَ حَفَرَ مِائَةَ قَبْرٍ، وَدَفَنَهُ فِي غَيْرِهَا لِئَلَّا يُعْرَفَ.
التاريخ 2928لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ الْمَنْصُورِ قَالَ سَلَّامٌ الْأَبْرَشُ: كُنْتُ أَخْدُمُ الْمَنْصُورَ دَاخِلًا [ فِي مَنْزِلِهِ ]، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، وَأَشَدَّ احْتِمَالًا لِمَا يَكُونُ مِنْ عَبَثِ الصِّبْيَانِ، فَإِذَا لَبِسَ ثَوْبَهُ ارْبَدَّ لَوْنُهُ، وَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ مَا يَكُونُ. وَقَالَ لِي يَوْمًا: يَا بُنَيَّ ! إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ لَبِسْتُ ثِيَابِي، أَوْ رَجَعْتُ مِنْ مَجْلِسِي فَلَا يَدْنُوَنَّ مِنِّي مِنْكُمْ أَحَدٌ مَخَافَةَ أَنْ أَغُرَّهُ بِشَيْءٍ. قَالَ: وَلَمْ يُرَ فِي دَارِ الْمَنْصُورِ لَهْوٌ، وَلَا شَيْءٌ يُشْبِهُ اللَّهْوَ وَاللَّعِبَ وَالْعَبَثَ، إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، رُئِيَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ وَقَدْ رَكِبَ رَاحِلَةً، وَهُوَ صَبِيٌّ، وَتَنَكَّبَ قَوْسًا فِي هَيْئَةِ الْغُلَامِ الْأَعْرَابِيِّ، بَيْنَ جُوَالِقَيْنِ فِيهِمَا مُقْلٍ وَمَسَاوِيكَ وَمَا يُهْدِيهِ الْأَعْرَابُ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْكَرُوهُ، فَعَبَرَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِالرُّصَافَةِ فَأَهْدَاهُ لَهُ، فَقَبِلَهُ وَمَلَأَ الْجُوَالِقَيْنِ دَرَاهِمَ، فَعَادَ بَيْنَهُمَا، فَعَلِمَ أَنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ عَبَثِ الْمُلُوكِ. قَالَ حَمَّادٌ التُّرْكِيُّ: كُنْتُ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِ الْمَنْصُورِ، فَسَمِعَ جَلَبَةً، فَقَالَ: انْظُرْ مَا هَذَا ! فَذَهَبْتُ فَإِذَا خَادِمٌ لَهُ قَدْ جَلَسَ حَوْلَهُ الْجَوَارِي، وَهُوَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِالطُّنْبُورِ، وَهُنَّ يَضْحَكْنَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ الطُّنْبُورُ ؟، فَوَصَفْتُهُ لَهُ، فَقَالَ: مَا يُدْرِيكَ أَنْتَ مَا الطُّنْبُورُ ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ بِخُرَاسَانَ. فَقَامَ وَمَشَى إِلَيْهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَهُ تَفَرَّقْنَ، فَأَمَرَ بِالْخَادِمِ فَضُرِبَ رَأْسُهُ بِالطُّنْبُورِ، حَتَّى تَكَسَّرَ الطُّنْبُورُ، وَأَخْرَجَ الْخَادِمَ فَبَاعَهُ. قَالَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدِ اسْتَعْمَلَ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ عَلَى الْيَمَنِ، لِمَا بَلَغَهُ مِنَ الِاخْتِلَافِ هُنَاكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَأَصْلَحَهُ، وَقَصَدَهُ النَّاسُ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ لِاشْتِهَارِ جُودِهِ، فَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ، فَسَخِطَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ وَفْدًا مِنْ قَوْمِهِ، فِيهِمْ مُجَّاعَةُ بْنُ الْأَزْهَرِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْمَنْصُورِ لِيُزِيلُوا غَيْظَهُ وَغَضَبَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ ابْتَدَأَ مُجَّاعَةُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ حَتَّى عَجِبَ الْقَوْمُ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمَنْصُورَ وَمَا شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ، وَذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ صَاحِبَهُ. فَلَمَّا انْقَضَى كَلَامُهُ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ حَمْدِ اللَّهِ، فَاللَّهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ الصِّفَاتُ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَكْثَرَ مِمَّا قُلْتَ، وَأَمَّا مَا وَصَفْتَ بِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ فَضَّلَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُعِينُهُ عَلَى طَاعَتِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صَاحِبِكَ، فَكَذَبْتَ وَلَؤُمْتَ، اخْرُجْ، فَلَا يُقْبَلُ مَا ذَكَرْتَهُ. فَلَمَّا صَارُوا بِآخِرِ الْأَبْوَابِ أَمَرَ بِرَدِّهِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: مَا قُلْتَ ؟ فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ، فَأُخْرِجُوا، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَأُوقِفُوا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى مَنْ حَضَرَ مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفُونَ فِيكُمْ مِثْلَ هَذَا ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ تَكَلَّمَ حَتَّى حَسَدْتُهُ، وَمَا مَنَعَنِي أَنْ أُتِمَّ عَلَى رَدِّهِ إِلَّا أَنْ يُقَالَ حَسَدَهُ لِأَنَّهُ مِنْ رَبِيعَةَ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ رُجَلًا أَرْبَطَ جَأْشًا، وَلَا أَظْهَرَ بَيَانًا، رُدَّهُ يَا غُلَامُ. فَلَمَّا صَارَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: اقْصِدْ لِحَاجَتِكَ ! قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ عَبْدُكَ، وَسَيْفُكَ، وَسَهْمُكَ، رَمَيْتَ بِهِ عَدُوَّكَ، فَضَرَبَ، وَطَعَنَ، وَرَمَى حَتَّى سَهَّلَ مَا حَزُنَ، وَذَلَّ مَا صَعُبَ، وَاسْتَوَى مَا كَانَ مُعْوَجًّا مِنَ الْيَمَنِ، فَأَصْبَحُوا مِنْ خَوَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ، فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَنَةٌ مِنْ سَاعٍ، أَوْ وَاشٍ، فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِالْفَضْلِ عَلَى عَبْدِهِ، وَمَنْ أَفْنَى عُمُرَهُ فِي طَاعَتِهِ. فَقَبِلَ عُذْرَهُ وَأَمَرَ بِصَرْفِهِمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَ مَعْنٌ الْكِتَابَ بِالرِّضَا، قَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَكَرَ أَصْحَابَهُ، وَأَجَازَهُمْ عَلَى أَقْدَارِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالرَّحِيلِ إِلَى الْمَنْصُورِ. فَقَالَ مُجَّاعَةُ: آلَيْتُ فِي مَجْلِسٍ مِنْ وَائِلٍ قَسَمًا أَلَّا أَبِيعَكَ يَا مَعْنُ بِأَطْمَاعِ يَا مَعْنُ ! إِنَّكَ قَدْ أَوْلَيْتَنِي نِعَمًا عَمَّتْ لُحَيْمًا وَخَصَّتْ آلَ مُجَّاعِ فَلَا أَزَالُ إِلَيْكَ الدَّهْرَ مُنْقَطِعًا حَتَّى يُشَيِّدَ بِهُلْكِي هَتْفُهُ النَّاعِي. وَكَانَ [ مِنْ ] نِعَمِ مَعْنٍ عَلَى مُجَّاعَةَ أَنَّهُ قَضَى لَهُ ثَلَاثَ حَوَائِجَ مِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مَعْنٍ، اسْمُهَا زَهْرَاءُ، فَطَلَبَهَا، فَلَمْ يُجِبْهُ لِفَقْرِهِ، فَطَلَبَهَا مِنْ مَعْنٍ، فَأَحْضَرَ أَبَاهَا، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَمْهَرَهَا مِنْ عِنْدِهِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ طَلَبَ مِنْهُ حَائِطًا بِعَيْنِهِ، فَاشْتَرَاهُ لَهُ. وَمِنْهَا أَنَّهُ اسْتَوْهَبَ مِنْهُ شَيْئًا، فَوَهَبَ لَهُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ تَمَامَ مِائَةِ أَلْفٍ. قِيلَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَقُولُ: مَا أَحْوَجَنِي أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِي أَرْبَعَةُ نَفَرٍ لَا يَكُونُ عَلَى بَابِي أَعَفَّ مِنْهُمْ، هُمْ أَرْكَانُ الدَّوْلَةِ وَلَا يَصْلُحُ الْمُلْكُ إِلَّا بِهِمْ، أَمَّا أَحَدُهُمْ فَقَاضٍ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ شُرْطَةٍ يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ الْقَوِيِّ، وَالثَّالِثُ صَاحِبُ خَرَاجٍ يَسْتَقْصِي وَلَا يَظْلِمُ الرَّعِيَّةَ. ثُمَّ عَضَّ عَلَى إِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَقُولُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ: آهٍ آهٍ. قِيلَ: مَا هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: صَاحِبُ بَرِيدٍ يَكْتُبُ خَبَرَ هَؤُلَاءِ عَلَى الصِّحَّةِ. وَقِيلَ: دَعَا الْمَنْصُورُ بِعَامِلٍ قَدْ كَسَرَ خَرَاجَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَدِّ مَا عَلَيْكَ ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ شَيْئًا. وَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ! فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ مَا عَلَيَّ لِلَّهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَقِيلَ: وَأُتِيَ بِعَامِلٍ، فَحَبَسَهُ وَطَالَبَهُ، فَقَالَ الْعَامِلُ: عَبْدُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: بِئْسَ الْعَبْدُ أَنْتَ ! فَقَالَ: لَكِنَّكَ نِعْمَ الْمَوْلَى. قَالَ: أَمَّا لَكَ فَلَا. قِيلَ: وَأُتِيَ بِخَارِجِيٍّ قَدْ هَزَمَ لَهُ جُيُوشًا، فَأَرَادَ ضَرْبَ رَقَبَتِهِ، ثُمَّ ازْدَرَاهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْفَاعِلَةِ ! مِثْلُكَ يَهْزِمُ الْجُيُوشَ ؟ ! فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ وَسَوْأَةً لَكَ أَمْسِ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ السَّيْفُ، وَالْيَوْمَ الْقَذْفُ وَالسَّبُّ، وَمَا كَانَ يُؤَمِّنُكَ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ وَقَدْ يَئِسْتُ مِنَ الْحَيَاةِ فَلَا تَسْتَقِيلُهَا أَبَدًا ؟ فَاسْتَحْيَا مِنْهُ الْمَنْصُورُ وَأَطْلَقَهُ. قِيلَ: وَكَانَ شَغْلُ الْمَنْصُورِ، فِي صَدْرِ نَهَارِهِ، بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوِلَايَاتِ، وَالْعَزْلِ، وَشَحْنِ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ، وَأَمْنِ السُّبُلِ، وَالنَّظَرِ فِي الْخَرَاجِ وَالنَّفَقَاتِ، وَمَصْلَحَةِ مَعَاشِ الرَّعِيَّةِ، وَالتَّلَطُّفِ بِسُكُونِهِمْ وَهَدْيِهِمْ، فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ جَلَسَ لِأَهْلِ بَيْتِهِ. فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ جَلَسَ يَنْظُرُ فِيمَا وَرَدَ مِنْ كُتُبِ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ وَالْآفَاقِ، وَشَاوَرَ سُمَّارَهُ، فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ ( قَامَ إِلَى فِرَاشِهِ، وَانْصَرَفَ سُمَّارُهُ، وَإِذَا مَضَى الثُّلُثُ الثَّانِي قَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَجْلِسُ فِي إِيوَانِهِ. قِيلَ: وَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: لَا تُبْرِمْ أَمْرًا حَتَّى تُفَكِّرَ فِيهِ، فَإِنَّ فِكْرَ الْعَاقِلِ مِرْآتُهُ تُرِيهِ حَسَنَهُ وَسَيِّئَهُ. يَا بُنَيَّ ! لَا يَصْلُحُ السُّلْطَانُ إِلَّا بِالتَّقْوَى، وَلَا تَصْلُحُ رَعِيَّتُهُ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَلَا تَعْمُرُ الْبِلَادُ بِمِثْلِ الْعَدْلِ، وَأَقْدَرُ النَّاسِ عَلَى الْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ، وَأَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ ظَلَمَ مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَاعْتَبِرْ عَمَلَ صَاحِبِكَ وَعِلْمَهُ بِاخْتِبَارِهِ. يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! لَا تَجْلِسْ مَجْلِسًا إِلَّا وَمَعَكَ مِنْ [ أَهْلِ ] الْعِلْمِ مَنْ يُحَدِّثُكَ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ أَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَمَنْ أَبْغَضَ الْحَمْدَ أَسَاءَهَا، وَمَا أَبْغَضَ الْحَمْدَ أَحَدٌ إِلَّا اسْتُذِمَّ، وَمَا اسْتُذِمَّ إِلَّا كُرِهَ. يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! لَيْسَ الْعَاقِلُ الَّذِي يَحْتَالُ لِلْأَمْرِ الَّذِي غَشِيَهُ، بَلِ الْعَاقِلُ الَّذِي يَحْتَالُ لِلْأَمْرِ حَتَّى لَا يَقَعَ فِيهِ. وَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ يَوْمًا: كَمْ رَايَةً عِنْدَكَ ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: ( هَذَا وَاللَّهِ التَّضْيِيعُ، وَأَنْتَ ) لِأَمْرِ الْخِلَافَةِ أَشَدُّ تَضْيِيعًا، وَلَكِنْ قَدْ جَمَعْتُ لَكَ مَا لَا يَضُرُّكَ مَعَهُ مَا ضَيَّعْتَ، فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا خَوَّلَكَ. قِيلَ: وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ يَتَكَلَّمُ فَيَبْلُغُ حَاجَتَهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ، غَيْرُ الْمَنْصُورِ، وَأَخِيهِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَمِّهِمَا دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ. قِيلَ: وَخَطَبَ الْمَنْصُورُ يَوْمًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأُؤْمِنُ بِهِ، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَاعْتَرَضَهُ إِنْسَانٌ فَقَالَ: أَيُّهَا الْإِنْسَانُ أُذَكِّرُكَ مَنْ ذَكَّرْتَ بِهِ ! فَقَطَعَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ قَالَ: سَمْعًا، سَمْعًا لِمَنْ حَفِظَ عَنِ اللَّهِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ جَبَّارًا عَنِيدًا، أَوْ تَأْخُذُنِي الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ، لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ. وَأَنْتَ أَيُّهَا الْقَائِلُ، فَوَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ بِهَذَا الْقَوْلِ اللَّهَ، وَلَكِنَّكَ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ قَامَ، فَقَالَ، فَعُوقِبَ، فَصَبَرَ، وَأَهْوَنَ بِهَا، وَيْلَكَ، لَقَدْ هَمَمْتُ، وَاغْتَنِمْهَا إِذْ عَفَوْتُ، وَإِيَّاكَ، وَإِيَّاكُمْ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ أُخْتَهَا، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ عَلَيْنَا نُزِّلَتْ، وَمِنْ عِنْدِنَا فُصِّلَتْ، فَرُدُّوا الْأَمْرَ إِلَى أَهْلِهِ، تُورِدُوهُ مَوَارِدَهُ، وَتُصْدِرُوهُ مَصَادِرَهُ. ثُمَّ عَادَ إِلَى خُطْبَتِهِ، كَأَنَّمَا يَقْرَأُهَا، فَقَالَ: وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَاعِدٍ: خَطَبَ الْمَنْصُورُ بِمَكَّةَ، بَعْدَ بِنَاءِ بَغْدَاذَ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ). أَمْرٌ مُبْرَمٌ، وَقَوْلٌ عَدْلٌ، وَقَضَاءٌ فَصْلٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَفْلَجَ حُجَّتَهُ، وَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْكَعْبَةَ غَضًّا، وَالْفَيْءَ إِرْثًا وَ ( جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ )، لَقَدْ حَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ، فَكَمْ مِنْ بِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ، وَقَصْرٍ مَشِيدٍ أَهْمَلَهُمُ اللَّهُ حِينَ بَدَّلُوا السُّنَّةَ، وَاضْطَهَدُوا الْعِتْرَةَ، وَعَنَدُوا، وَاعْتَدَوْا، وَاسْتَكْبَرُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، ( هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ). قَالَ: وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يَشْكُو بَعْضَ عُمَّالِهِ، فَوَقَّعَ إِلَى الْعَامِلِ فِي الرُّقْعَةِ: إِنْ آثَرْتَ الْعَدْلَ صَحِبَتْكَ السَّلَامَةُ، وَإِنْ آثَرْتَ الْجَوْرَ فَمَا أَقْرَبَكَ مِنَ النَّدَامَةِ، فَأَنْصِفْ هَذَا الْمُتَظَلِّمَ مِنَ الظُّلَامَةِ. قِيلَ: وَكَتَبَ إِلَى [ الْمَنْصُورِ ] صَاحِبُ أَرْمِينِيَّةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْجُنْدَ قَدْ شَغَبُوا عَلَيْهِ، وَنَهَبُوا مَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَوَقَّعَ فِي كِتَابِهِ: اعْتَزِلْ عَمَلَنَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا، فَلَوْ عَقَلْتَ لَمْ يَشْغَبُوا، وَلَوْ قَوِيتَ لَمْ يَنْهَبُوا. وَهَذَا وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِهِ وَوَصَايَاهُ يَدُلُّ عَلَى فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ أَيْضًا مِنَ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ وَاحِدَ زَمَانِهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَبْخَلُ. وَمِمَّا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ: اسْتَزَارَنِي الْمَنْصُورُ، وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ قَبْلَ الْخِلَافَةِ، فَخَلَوْنَا يَوْمًا، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! مَا لَكَ ؟ قُلْتُ: الْخَبَرُ الَّذِي تَعْرِفُهُ. قَالَ: وَمَا عِيَالُكَ ؟ قُلْتُ: ثَلَاثُ بَنَاتٍ، وَالْمَرْأَةُ، وَخَادِمٌ لَهُنَّ. فَقَالَ: أَرْبَعٌ فِي بَيْتِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ! فَرَدَّدَهَا، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُعِينُنِي، ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ أَيْسَرُ الْعَرَبِ، أَرْبَعَةُ مَغَازِلَ يَدُرْنَ فِي بَيْتِكَ. قِيلَ: رُفِعَ غُلَامٌ لِأَبِي عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَقَالَ: هَذَا مَالِي. قَالَ: مِنْ أَيْنَ يَكُونُ مَالُكَ، وَوَاللَّهِ مَا وَلَّيْتُكَ عَمَلًا قَطُّ، وَلَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَحِمٌ وَلَا قَرَابَةٌ ! قَالَ: بَلَى ! [ كُنْتَ ] تَزَوَّجْتَ امْرَأَةً لِعُيَيْنَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ، فَوَرَّثَتْكَ مَالًا، وَكَانَ قَدْ عَصَى بِالسِّنْدِ، [ وَهُوَ وَالٍ عَلَى السِّنْدِ ]، وَأَخَذَ مَالِي فَهَذَا الْمَالُ مِنْ ذَاكَ. وَقِيلَ لِجَعْفَرٍ الصَّادِقِ: إِنَّ الْمَنْصُورَ يُكْثِرُ مِنْ لُبْسِ جُبَّةٍ هَرَوِيَّةٍ، وَإِنَّهُ يُرَقِّعُ قَمِيصَهُ. فَقَالَ جَعْفَرٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَطَفَ بِهِ، حَتَّى ابْتَلَاهُ بِفَقْرِ نَفْسِهِ فِي مُلْكِهِ. قِيلَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ إِذَا عَزَلَ عَامِلًا أَخَذَ مَالَهُ وَتَرَكَهُ فِي بَيْتِ مَالٍ مُفْرَدٍ سَمَّاهُ بَيْتَ مَالِ الْمَظَالِمِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ اسْمَ صَاحِبِهِ، وَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: قَدْ هَيَّأْتُ لَكَ شَيْئًا فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَادْعُ مَنْ أَخَذْتَ مَالَهُ، فَارْدُدْهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّكَ تُسْتَحْمَدُ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى الْعَامَّةِ، فَفَعَلَ الْمَهْدِيُّ ذَلِكَ. وَلَهُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ. قِيلَ: وَذَكَرَ زَيْدٌ مَوْلَى عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ قَالَ: دَعَانِي الْمَنْصُورُ، بَعْدَ مَوْتِ مَوْلَايَ، فَسَأَلَنِي: كَمْ خَلَّفَ مِنْ مَالٍ ؟ قُلْتُ: أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَنْفَقَتْهُ امْرَأَتُهُ فِي مَأْتَمِهِ. قَالَ: كَمْ خَلَّفَ مِنَ الْبَنَاتِ ؟ قُلْتُ: سِتًّا، فَأَطْرَقَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: اغْدُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ، فَأَعْطَانِي مِائَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. ثُمَّ دَعَانِي الْمَنْصُورُ فَقَالَ: عُدَّ عَلَيَّ بِأَكْفَائِهِنَّ حَتَّى أُزَوِّجَهُنَّ، فَفَعَلْتُ، فَزَوَّجَهُنَّ، وَأَمَرَ أَنْ تُحْمَلَ إِلَيْهِنَّ صَدُقَاتِهِنَّ مِنْ مَالِهِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ بِمَالِهِنَّ ضِيَاعًا لَهُنَّ يَكُونُ مَعَاشُهُنَّ مِنْهَا. قِيلَ: وَفَرَّقَ الْمَنْصُورُ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَعْمَامِهِ مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ، وَعِيسَى، وَصَالِحٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَصَلَ بِهَا. وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ رُجَلًا قَطُّ فِي حَرْبٍ، وَلَا سَمِعْتُ بِهِ فِي سِلْمٍ أَنْكَرَ، وَلَا أَمْكَرَ، وَلَا أَشَدَّ تَيَقُظًّا مِنَ الْمَنْصُورِ. لَقَدْ حَصَرَنِي تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَمَعِي فُرْسَانُ الْعَرَبِ، فَجَهَدْنَا بِكُلِّ الْجُهْدِ أَنْ نَنَالَ مِنْ عَسْكَرِهِ شَيْئًا، فَمَا تَهَيَّأَ، وَلَقَدْ حَصَرَنِي وَمَا فِي رَأْسِي شَعْرَةٌ بَيْضَاءُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ وَمَا فِي رَأْسِي شَعْرَةٌ سَوْدَاءُ. قِيلَ: وَأَرْسَلَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَهُوَ مُحَاصِرُهُ، يَدْعُو إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ مُتَعَدٍّ طَوْرَكَ، جَارٍ فِي عِنَانِ غَيِّكَ، يَعِدُكَ اللَّهُ مَا هُوَ مُصَدِّقُهُ، وَيُمَنِّيكَ الشَّيْطَانُ مَا هُوَ مُكَذِّبُهُ، وَيُقَرِّبُ مَا اللَّهُ مُبَاعِدُهُ، فَرُوَيْدًا يُتِمُّ الْكِتَابَ أَجَلَهُ.، وَقَدْ ضَرَبْتُ مَثَلِي وَمَثَلَكَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَسَدًا لَقِيَ خِنْزِيرًا، فَقَالَ لَهُ الْخِنْزِيرُ: قَاتِلْنِي ! فَقَالَ الْأَسَدُ: إِنَّمَا أَنْتَ خِنْزِيرٌ، وَلَسْتَ بِكُفْؤٍ لِي وَلَا نَظِيرٍ، وَمَتَى قَاتَلْتُكَ فَقَتَلْتُكَ قِيلَ لِي: قَتَلَ خِنْزِيرًا، فَلَا أَعْتَقِدُ فَخْرًا، وَلَا ذِكْرًا، وَإِنْ نَالَنِي مِنْكَ شَيْءٌ كَانَ سُبَّةً عَلَيَّ. فَقَالَ الْخِنْزِيرُ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ أَعْلَمْتُ السِّبَاعَ أَنَّكَ نَكَلْتَ عَنِّي، فَقَالَ الْأَسَدُ: احْتِمَالُ عَارِ كَذِبِكَ عَلَيَّ أَيْسَرُ مِنْ لَطْخِ شَرَابِي بِدَمِكَ. قِيلَ: وَكَانَ الْمَنْصُورُ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ الْخَيْشَ، فَإِنَّ الْأَكَاسِرَةَ كَانُوا يُطَيِّنُونَ كُلَّ يَوْمٍ بَيْتًا يَسْكُنُونَ فِي الصَّيْفِ، وَكَذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ. قِيلَ: وَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَشْيَاءَ، فَاصْدُقْنِي وَلَكَ الْأَمَانُ. قَالَ: نَعَمْ ! قَالَ: مِنْ أَيْنَ أُتِيَ بَنُو أُمَيَّةَ ؟ قَالَ: مِنْ تَضْيِيعِ الْأَخْبَارِ. قَالَ: فَأَيُّ الْأَمْوَالِ وَجَدُوهَا أَنْفَعَ ؟ قَالَ: الْجَوْهَرُ. قَالَ: فَعِنْدَ مَنْ وَجَدُوا الْوَفَاءَ ؟ قَالَ: عِنْدَ مَوَالِيهِمْ، فَأَرَادَ الْمَنْصُورُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي الْأَخْبَارِ بِأَهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ: اضَعُ مِنْهُمْ، فَاسْتَعَانَ بِمَوَالِيهِ.
التاريخ 2929لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أَوْلَادِ الْمَنْصُورِ مُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَجَعْفَرٌ الْأَكْبَرُ، مَاتَ فِي حَيَاتِهِ، وَأُمُّهُمَا أَرْوَى بِنْتُ مَنْصُورٍ، وَعِيسَى، وَيَعْقُوبُ، وَسُلَيْمَانُ، وَأُمُّهُمْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، مِنْ وَلَدِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَجَعْفَرٌ الْأَصْغَرُ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ كُرْدِيَّةٍ، وَصَالِحٌ الْمِسْكِينُ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ رُومِيَّةٍ يُقَالُ لَهَا: قَالِي الْفَرَّاشَةُ. وَالْقَاسِمُ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ أَيْضًا. وَالْعَالِيَةُ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ.
التاريخ 2930لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ وَالْبَيْعَةِ لَهُ ذِكْرُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْبَصْرَةِ حَاجًّا، فَاجْتَمَعْتُ بِالْمَنْصُورِ بِذَاتِ عِرْقٍ، فَكُنْتُ أُسَلِّمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا رَكِبَ، وَقَدْ أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمَّا صَارَ بِبِئْرِ مَيْمُونٍ وَنَزَلَ بِهِ، وَدَخَلْنَا مَكَّةَ، فَقَضَيْتُ عُمْرَتِي، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى الْمَنْصُورِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، وَلَمْ نَعْلَمْ، صَلَّيْتُ الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، وَرَكِبْتُ أَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ مِنْ مَشَايِخِ بَنِي هَاشِمٍ وَسَادَتِهِمْ، فَلَمَّا صِرْنَا بِالْأَبْطَحِ لَقِينَا الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ فِي خَيْلٍ إِلَى مَكَّةَ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِمَا وَمَضَيْنَا، فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ: أَحْسَبُ الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ، فَكَانَ كَذَلِكَ. ثُمَّ أَتَيْنَا الْعَسْكَرَ، فَإِذَا مُوسَى بْنُ الْمَهْدِيِّ قَدْ صَدَرَ عِنْدَ عَمُودِ السُّرَادِقِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ الْمَنْصُورِ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ السُّرَادِقِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَسِيرُ بَيْنَ الْمَنْصُورِ وَبَيْنَ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَرَفَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ الْقِصَصَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْمَنْصُورَ قَدْ مَاتَ. وَأَقْبَلَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْعُلْوِيُّ، وَجَاءَ النَّاسُ حَتَّى مَلَئُوا السُّرَادِقَ، وَسَمِعَنَا هَمْسًا مِنْ بُكَاءٍ، وَخَرَجَ أَبُو الْعَنْبَرِ، خَادِمُ الْمَنْصُورِ، مُشَقَّقَ الْأَقْبِيَةِ، وَعَلَى رَأْسِهِ التُّرَابُ، وَصَاحَ: وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ ! فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ، فَمَنَعَهُمُ الْخَدَمُ. وَقَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَمَا شَهِدْتُمْ مَوْتَ خَلِيفَةٍ قَطُّ ؟ اجْلِسُوا، فَجَلَسُوا، وَقَامَ الْقَاسِمُ فَشَقَّ ثِيَابَهُ، وَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَمُوسَى عَلَى حَالِهِ. ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ وَفِي يَدِهِ قِرْطَاسٌ، فَفَتَحَهُ، فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى مَنْ خَلَّفَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَشِيعَتِهِ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَكَى، وَبَكَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَمْكَنَكُمُ الْبُكَاءُ، فَأَنْصِتُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ. ثُمَّ قَرَأَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي كَتَبْتُ كِتَابِي هَذَا، وَأَنَا حَيٌّ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَمُ السَّلَامَ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَفْتِنَكُمْ بَعْدِي وَلَا يُلْبِسَكُمْ شِيَعًا، وَلَا يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ. ثُمَّ أَخَذَ فِي وَصِيَّتِهِمْ بِالْمَهْدِيِّ، وَإِذْكَارِهِمُ الْبَيْعَةَ لَهُ، وَحَثِّهِمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ، ثُمَّ تَنَاوَلَ يَدَ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ وَقَالَ: قُمْ فَبَايِعْ ! فَقَامَ إِلَى مُوسَى فَبَايَعَهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، ثُمَّ أَدْخَلَ بَنُو هَاشِمٍ عَلَى الْمَنْصُورِ وَهُوَ فِي أَكْفَانِهِ، مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، فَحَمَلْنَاهُ، حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ ثَلَاثَ أَمْيَالٍ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَالرِّيحُ تُحَرِّكُ شَعْرَ صُدْغَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ وَفَّرَ شَعَرَهُ لِلْحَلْقِ، وَقَدْ نَصَلَ خِضَابُهُ، حَتَّى أَتَيْنَا بِهِ حُفْرَتَهُ. وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ ارْتَفَعَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ أَنَّ عِيسَى بْنَ مُوسَى أَبَى الْبَيْعَةَ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ: وَاللَّهِ لَتُبَايِعَنَّ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ ! فَبَايَعَ. ثُمَّ وَجَّهَ مُوسَى بْنَ الْمَهْدِيِّ وَالرَّبِيعَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِخَبَرِ وَفَاةِ الْمَنْصُورِ، وَبِالْبَيْعَةِ لَهُ مَعَ مَنَارَةَ مَوْلَى الْمَنْصُورِ، وَبَعَثَا أَيْضًا بِالْقَضِيبِ، وَبُرْدَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِخَاتَمِ الْخِلَافَةِ، وَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ، فَقَدِمَ الْخَبَرُ عَلَى الْمَهْدِيِّ مَعَ مَنَارَةَ، مُنْتَصَفَ ذِي الْحِجَّةِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُ بَغْدَاذَ. وَقِيلَ: إِنَّ الرَّبِيعَ كَتَمَ مَوْتَ الْمَنْصُورِ، وَأَلْبَسَهُ، وَسَنَّدَهُ، وَجَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ كَلَّةً خَفِيفَةً يُرَى شَخْصُهُ مِنْهَا، وَلَا يُفْهَمُ أَمْرُهُ، وَأَدْنَى أَهْلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ قَرَّبَ مِنْهُ الرَّبِيعَ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ عَنْهُ بِتَجْدِيدِ الْبَيْعَةِ لِلْمَهْدِيِّ، فَبَايَعُوا، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بَاكِيًا مُشَقَّقَ الْجَيْبِ، لَاطِمًا رَأْسَهُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَهْدِيَّ أَنْكَرَهُ عَلَى الرَّبِيعِ، وَقَالَ: أَمَا مَنَعَتْكَ جَلَالَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ فَعَلْتَ بِهِ مَا فَعَلْتَ ؟ وَقِيلَ ضَرَبَهُ، وَلَمْ يُضْحِ ضَرْبَهُ.
التاريخ 2931لا حكم مسجّل
ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِ الْمَهْدِيِّ وَسِيرَتِهِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظَّاهِرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَيَّاطُ، قَالَ: دَخَلَ ابْنُ الْخَيَّاطِ الْمَكِّيُّ عَلَى الْمَهْدِيِّ وَقَدْ مَدَحَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا قَبَضَهَا فَرَّقَهَا عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: أَخَذْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الْغِنَى وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي فَلَا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ مَا عِنْدِي فَنُمِيَ إِلَى الْمَهْدِيِّ فَأَعْطَاهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ دِينَارًا. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سَلَامَةُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْخَيَّاطُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَيْمُونٍ الْخُزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُزْمَةَ الْبَاذَغِيسِيُّ، قَالَ: قَالَ الْمَهْدِيُّ: مَا تَوَسَّلَ أَحَدٌ بِوَسِيلَةٍ وَلَا تَذَرَّعَ بِذَرِيعَةٍ هِيَ أَقْرَبُ إِلَيَّ وَأَحَبُّ مِنْ أَنْ يُذَكِّرَنِي يَدًا سَلَفَتْ مِنِّي [إِلَيْهِ] أَتْبَعَهَا أُخْتَهَا وَأَحْسَنَ رَبُّهَا، لِأَنَّ مَنْعَ الْأَوَاخِرِ يَقْطَعُ [شُكْرَ] الْأَوَائِلِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ عَنْ حَسَنٍ الْوَصِيفِ، قَالَ قَعَدَ الْمَهْدِيُّ قُعُودًا عَامًّا لِلنَّاسِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي يَدِهِ نَعْلٌ فِي مِنْدِيلٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَهْدَيْتُهَا لَكَ، فَقَالَ: هَاتِهَا، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَقَلَبَ بَاطِنَهَا وَوَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وَأَمَرَ لِلرَّجُلِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا أَخَذَهَا وَانْصَرَفَ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَرَهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَبِسَهَا، وَلَوْ كَذَّبْنَاهُ لَقَالَ لِلنَّاسِ: أَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَدَّهَا عَلَيَّ وَكَانَ مَنْ يُصَدِّقُهُ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَدْفَعُ خَبَرَهُ، إِذْ كَانَ مِنْ شَأْنِ الْعَامَّةِ الْمَيْلُ إِلَى أَشْكَالِهَا، وَالنُّصْرَةُ لِلضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ، فَاشْتَرَيْنَا لِسَانَهُ وَقَبِلْنَا هَدِيَّتَهُ وَصَدَّقْنَا قَوْلَهُ، وَرَأَيْنَا الَّذِي فَعَلْنَاهُ أَنْجَحَ وَأَرْجَحَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي فَائِقَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَتْ: بَيْنَا أَنَا يَوْمًا عِنْدَ الْمَهْدِيِّ وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مُتَنَزِّهًا إِلَى الْأَنْبَارِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ الرَّبِيعُ وَمَعَهُ قِطْعَةٌ مِنْ جِرَابٍ فِيهِ كِتَابٌ بِرَمَادٍ وَخَاتَمٍ مِنْ طِينٍ قَدْ عُجِنَ بِالرَّمَادِ، وَهُوَ مَطْبُوعٌ بِخَاتَمِ الْخِلَافَةِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا رَأَيْتُ أَعْجَبَ مِنْ هَذِهِ الرُّقْعَةِ، جَاءَنِي بِهَا رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ يُنَادِي: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ، دُلُّونِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يُسَمَّى الرَّبِيعَ فَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْهِ - أَعْنِي هَذِهِ الرُّقْعَةَ. فَأَخَذَهَا الْمَهْدِيُّ وَضَحِكَ وَقَالَ: صَدَقَ هَذَا خَطِّي وَهَذَا خَاتَمِي، أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْقِصَّةِ؟ قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأْيُكَ أَعْلَى [عَيْنًا] فِي ذَلِكَ. قَالَ: خَرَجْتُ أَمْسِ إِلَى الصَّيْدِ فِي غِبِّ سَمَاءٍ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ هَاجَ عَلَيْنَا ضَبَابٌ شَدِيدٌ وَفَقَدْتُ أَصْحَابِي حَتَّى مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَأَصَابَنِي مِنَ الْبَرْدِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ مَا اللَّهُ بِهِ أَعْلَمُ، وَتَحَيَّرْتُ عِنْدَ ذَلِكَ فَذَكَرْتُ دُعَاءً سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ] الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وُفِّيَ وَكُفِيَ وَشُفِيَ مِنَ الْحَرْقِ وَالْغَرَقِ وَالْهَدْمِ وَمِيتَةِ السُّوءِ". فَلَمَّا قُلْتُهَا دُفِعَ لِي ضَوْءُ نَارٍ فَقَصَدْتُهَا، فَإِذَا بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ فِي خَيْمَةٍ لَهُ، وَإِذَا هُوَ يُوقِدُ نَارًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْأَعْرَابِيُّ هَلْ مِنْ ضِيَافَةٍ؟ قَالَ: انْزِلْ، فَنَزَلْتُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ: هَاتِي ذَاكَ الشَّعِيرَ، فَأَتَتْهُ بِهِ، فَقَالَ: اطْحَنِيهِ، فَابْتَدَأْتُ بِطَحْنِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: اسْقِنِي مَاءً، فَجَاءَ بِسِقَاءٍ فِيهِ مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ أَكْثَرُهُ مَاءٌ، فَشَرِبْتُ مِنْهَا شَرْبَةً مَا شَرِبْتُ قَطُّ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ أَطْيَبُ مِنْهُ، قَالَ: فَأَعْطَانِي حِلْسًا لَهُ فَوَضَعْتُ رَأْسِي عَلَيْهِ، فَنِمْتُ نَوْمَةً مَا نِمْتُ [نَوْمَةً] أَطْيَبَ مِنْهَا وَأَلَذَّ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ فَإِذَا هُوَ قَدْ وَثَبَ إِلَى شُوَيْهَةٍ فَذَبَحَهَا، وَإِذَا امْرَأَتُهُ تَقُولُ لَهُ: وَيْحَكَ قَتَلْتَ نَفْسَكَ وَصِبْيَتَكَ إِنَّمَا كَانَ مَعَاشُكُمْ مِنْ هَذِهِ الشَّاةِ فَذَبَحْتَهَا فَبِأَيِ شَيْءٍ نَعِيشُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: لَا عَلَيْكِ هَاتِ الشَّاةَ، فَشَقَّقْتُ جَوْفَهَا وَاسْتَخْرَجْتُ كَبِدَهَا بِسِكِّينٍ فِي خُفِّي فَشَرَّحْتُهَا ثُمَّ طَرَحْتُهَا عَلَى النَّارِ فَأَكَلْتُهَا، ثُمَّ قُلْتُ: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ أَكْتُبُ لَكَ فِيهِ؟ فَجَاءَنِي بِهَذِهِ الْقِطْعَةِ وَأَخَذْتُ عُودًا مِنَ الرَّمَادِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَكَتَبْتُ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ وَخَتَمْتُهُ بِهَذَا الْخَاتَمِ وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَجِيءَ وَيَسْأَلَ عَنِ الرَّبِيعِ فَيَدْفَعَهَا إِلَيْهِ فَإِذَا فِي الرُّقْعَةِ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَكِنْ جَرَتْ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، لَا أَنْقُصُ وَاللَّهِ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ غَيْرُهَا احْمِلُوهَا مَعَهُ. فَمَا كَانَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تَكَثَّرَتْ إِبِلُهُ وَشَاؤُهُ، وَصَارَ مَنْزِلًا مِنَ الْمَنَازِلِ تَنْزِلُهُ النَّاسُ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ مِنَ الْأَنْبَارِ إِلَى مَكَّةَ، وَسُمِّيَ مُضِيفَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الْقَاسِمِ الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ، قَالَ: وَخَرَجَ الْمَهْدِيُّ يَوْمًا إِلَى الصَّيْدِ فَانْقَطَعَ عَنْ خَاصَّتِهِ، فَدَفَعَ إِلَى أَعْرَابِيٍّ وَهُوَ يُرِيدُ الْبَوْلَ، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ، احْفَظْ عَلَيَّ فَرَسِي حَتَّى أَبُولَ، فَسَعَى نَحْوَهُ وَأَخَذَ بِرِكَابِهِ، فَنَزَلَ الْمَهْدِيُّ وَدَفَعَ الْفَرَسَ إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ الْأَعْرَابِيُّ عَلَى السَّرْجِ يَقْتَلِعُ حِلْيَتَهُ، فَفَطِنَ الْمَهْدِيُّ وَقَدْ أَخَذَ حَاجَتَهُ فَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَرَسَهُ، وَجَاءَتِ الْخَيْلُ نَحْوَهُ فَأَحَاطَتْ بِهِ وَنَذَرَ بِهَا الْأَعْرَابِيُّ فَوَلَّى هَارِبًا فَأَمَرَ بَرَدِّهِ وَخَافَ أَنْ يَكُونَ فَطِنَ بِهِ، فَقَالَ: خُذُوا مَا أَخَذْنَا مِنْكُمْ وَدَعُونَا نَذْهَبْ إِلَى حَرْقِ اللَّهِ وَنَارِهِ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا تَشَاءُ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَ فَرَسِكَ، فَضَحِكَ مَنْ حَضَرَهُ وَقَالُوا: وَيْلَكَ هَلْ رَأَيْتَ إِنْسَانًا قَدْ قَالَ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا أَقُولُ؟ قَالُوا: قُلْ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أَوَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ أَرْضَاهُ هَذَا مِنِّي فَمَا يُرْضِينِي ذَاكَ فِيهِ، وَلَكِنْ جَعَلَ [اللَّهُ] جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ فِدَاءَهُ، وَجَعَلَنِي فِدَاءَهُمَا. فَضَحِكَ الْمَهْدِيُّ وَاسْتَطَابَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الْمَهْدِيَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ عِيسَى بَاذَ رَكِبَ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ لِيَنْظُرَ فَدَخَلَهُ مُفَاجَأَةٌ وَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنَ النَّاسِ، وَبَقِيَ رَجُلَانِ خَفِيَا عَنْ أَبْصَارِ الْأَعْوَانِ، فَرَأَى الْمَهْدِيُّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ دُهِشَ مَا يَعْقِلُ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَنَا أَنَا، قَالَ: وَيْحَكَ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: لَا لَا، قَالَ: أَخْرِجُوهُ أَخْرَجَ اللَّهُ نَفْسَهُ، فَدُفِعَ فِي قَفَاهُ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِغُلَامٍ لَهُ: اتَّبِعْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ فَسَلْ عَنْ أَمْرِهِ [وَمِهْنَتِهِ] فَإِنِّي إِخَالُهُ حَائِكًا، فَخَرَجَ الْغُلَامُ يَقْفُوهُ. ثُمَّ رَأَى الْآخَرَ فَاسْتَنْطَقَهُ فَأَجَابَهُ بِقَلْبٍ جَرِيءٍ وَلِسَانٍ بَسِيطٍ، قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ إِلَى هَا هُنَا؟ قَالَ: جِئْتُ لِأَنْظُرَ إِلَى هَذَا الْبِنَاءِ الْحَسَنِ فَأَتَمَتَّعَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ وَأُكْثِرَ الدُّعَاءَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِطُولِ الْمُدَّةِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ وَنَمَاءِ الْعِزِّ وَالسَّلَامَةِ، قَالَ: أَفَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَطَبْتُ ابْنَةَ عَمِّي فَرَدَّنِي [أَبُوهَا] وَقَالَ: لَا مَالَ لَكَ وَالنَّاسُ يَرْغَبُونَ فِي الْأَمْوَالِ، وَأَنَا بِهَا مَشْغُوفٌ وَلَهَا وَامِقٌ. قَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَصَلْتَ فَأَجْزَلْتَ الصِّلَةَ، وَمَنَنْتَ فَأَعْظَمْتَ الْمِنَّةَ فَجَعَلَ اللَّهُ بَاقِيَ عُمْرِكَ أَكْثَرَ مِنْ مَاضِيهِ، وَآخِرَ أَيَّامِكَ خَيْرًا مِنْ أَوَّلِهَا، وَأَمْتَعَكَ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ وَأَمْتَعَ رَعِيَّتَكَ بِكَ: فَأَمَرَ أَنْ تُعَجَّلَ صِلَتُهُ، وَوَجَّهَ بَعْضَ خَاصَّتِهِ وَقَالَ: سَلْ عَنْ مِهْنَتِهِ فَإِنِّي إِخَالُهُ كَاتِبًا، فَرَجَعَ الرَّسُولَانِ مَعًا، فَقَالَ الْأَوَّلُ: وَجَدْتُ الْأَوَّلَ حَائِكًا، وَقَالَ الْآخَرُ: وَجَدْتُ الرَّجُلَ كَاتِبًا، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: لَمْ تَخْفَ عَلَيَّ مُخَاطَبَةُ الْكَاتِبِ وَالْحَائِكِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ [بْنُ عَلِيٍّ] الْخَطِيبُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ الْوَرَّاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ، قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْأَعْجَمِيُّ: اعْتَرَضَتِ امْرَأَةٌ لِلْمَهْدِيِّ فَقَالَتْ: يَا عَصَبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْظُرْ فِي حَاجَتِي، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: مَا سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ قَبْلَهَا، اقْضُوا حَاجَتَهَا وَأَعْطُوهَا عَشَرَةَ آلَافِ [دِرْهَمٍ]. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاضِي أَبُو الْعَلَاءِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَحْمَدَ الدِّيبَاجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَلِيفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَفِيعُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: كَانَ الْمَهْدِيُّ يُصَلِّي بِنَا الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ لَمَّا قَدِمَهَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَسْتُ عَلَى طُهْرٍ وَقَدْ رَغِبْتُ إِلَى اللَّهِ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَكَ فَأْمُرْ هَؤُلَاءِ يَنْتَظِرُونِي، فَقَالَ: انْتَظِرُوهُ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، وَدَخَلَ الْمِحْرَابَ وَوَقَفَ إِلَى أَنْ قِيلَ لَهُ: قَدْ جَاءَ الرَّجُلُ، فَكَبَّرَ فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ سَمَاحَةِ أَخْلَاقِهِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْهَاشِمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ فَرْقَدٍ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ زَمَنَ الْمَهْدِيِّ، فَدَخَلَ الْمَهْدِيُّ بَيْتًا فِي جَوْفِ بَيْتٍ وَأَلْزَقَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ هَذِهِ الْجِنَايَةِ، كُلُّ هَذَا الْخَلْقِ غَيْرِي فَإِنْ كُنْتُ الْمَطْلُوبَ مِنْ بَيْنِ خَلْقِكَ فَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ يَدَيْكَ، اللَّهُمَّ لَا تُشْمِتْ بِي أَهْلَ الْأَدْيَانِ، فَلَمْ يَزَلْ مَكَانَهُ حَتَّى انْجَلَتِ الرِّيحُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ قُدَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الشِّعَافِيُّ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ الْمَهْدِيِّ الْمَغْرِبَ وَمَعَنَا الْعَوْفِيُّ، وَكَانَ مِنْ مَظَالِمِ الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْمَغْرِبِ جَاءَ الْعَوْفِيُّ حَتَّى قَعَدَ فِي قِبْلَتِهِ، فَقَامَ يَتَنَفَّلُ، فَجَذَبَ ثَوْبَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: شَيْءٌ أَوْلَى بِكَ مِنَ النَّافِلَةِ، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: سَلَامُ مَوْلَاكَ، قَالَ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ: أَوْطَأَ قَوْمًا الْخَيْلَ وَغَصَبَهُمْ عَلَى ضَيْعَتِهِمْ وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عِنْدِي تَأْمُرُ بِرَدِّهَا وَتَبْعَثُ مَنْ يُخْرِجُهُمْ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: حَتَّى نُصْبِحَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ الْعَوْفِيُّ: لَا، إِلَّا السَّاعَةَ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: يَا فُلَانُ الْقَائِدَ، اذْهَبِ السَّاعَةَ إِلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا فَأَخْرِجْ مَنْ فِيهَا وَسَلِّمِ الضَّيْعَةَ إِلَى فُلَانٍ. قَالَ: فَمَا أَصْبَحُوا حَتَّى رُدَّتِ الضَّيْعَةُ عَلَى صَاحِبِهَا. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْجَازِرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي الْعَنْبَسِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَوَّارٌ، قَالَ: انْصَرَفْتُ يَوْمًا مِنْ دَارِ الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا دَخَلْتُ مَنْزِلِي دَعَوْتُ بِالْغَدَاءِ، فَجَاشَتْ نَفْسِي فَأَمَرْتُ بِهِ فَرُدَّ، ثُمَّ دَعَوْتُ جَارِيَةً لِي أُلَاعِبُهَا فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي بِذَلِكَ، فَدَخَلْتُ الْقَائِلَةَ فَلَمْ يَأْخُذْنِي النَّوْمُ، فَنَهَضْتُ وَأَمَرْتُ بِبَغْلَةٍ لِي فَأُسْرِجَتْ، فَرَكِبْتُهَا، فَلَمَّا خَرَجْتُ اسْتَقْبَلَنِي وَكِيلٌ لِي وَمَعَهُ مَالٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: أَلْفَا دِرْهَمٍ جَبَيْتُهَا مِنْ مُسْتَغَلِّكَ الْجَدِيدِ، قُلْتُ أَمْسِكْهَا مَعَكَ وَاتْبَعْنِي، قَالَ: وَخَلَّيْتُ رَأْسَ الْبَغْلَةِ حَتَّى عَبَرْتُ الْجِسْرَ، ثُمَّ مَضَيْتُ فِي شَارِعِ دَارِ الرَّقِيقِ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الصَّحْرَاءِ، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى بَابِ الْأَنْبَارِ، وَطَوَّفْتُ فَلَمَّا صِرْتُ فِي شَارِعِ دَارِ الْأَنْبَارِ انْتَهَيْتُ إِلَى بَابِ دَارٍ نَظِيفٍ وَعَلَيْهِ شَجَرَةٌ وَعَلَى الْبَابِ خَادِمٌ، فَوَقَفْتُ وَقَدْ عَطِشْتُ، فَقُلْتُ لِلْخَادِمِ: عِنْدَكَ مَاءٌ تَسْقِينِي؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَقَامَ فَأَخْرَجَ قُلَّةً نَظِيفَةً طَيِّبَةَ الرَّائِحَةِ عَلَيْهَا مِنْدِيلٌ، فَنَاوَلَنِي فَشَرِبْتُ، وَحَضَرَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَدَخَلْتُ مَسْجِدًا عَلَى الْبَابِ، فَصَلَّيْتُ فَلَمَّا قَضَيْتُ صَلَاتِي إِذَا أَنَا بِأَعْمَى يَتَلَمَّسُ، فَقُلْتُ: مَا تُرِيدُ يَا هَذَا؟ قَالَ: إِيَّاكَ أُرِيدُ، قُلْتُ: وَمَا حَاجَتُكَ؟ فَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ فَقَالَ: شَمَمْتُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ فَظَنَنْتُ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ فَأَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَ عَلَيْكَ شَيْئًا، فَقُلْتُ: قُلْ، قَالَ: أَتَرَى هَذَا الْقَصْرَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: هَذَا قَصْرٌ كَانَ لِأَبِي فَبَاعَهُ وَخَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَزَالَتْ عَنَّا النِّعَمُ الَّتِي كُنَّا فِيهَا، فَقَدِمْتُ فَأَتَيْتُ صَاحِبَ الدَّارِ لِأَسْأَلَهُ شَيْئًا يَصِلُنِي بِهِ وَأَصِيرُ إِلَى سَوَّارٍ فَإِنَّهُ كَانَ صَدِيقًا لِأَبِي، قُلْتُ: وَمَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، فَإِذَا هُوَ أَصْدَقُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا هَذَا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَتَاكَ بِسَوَّارٍ، مَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالنَّوْمَ حَتَّى جَاءَ بِهِ فَأَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْكَ، ثُمَّ دَعَوْتُ الْوَكِيلَ فَأَخَذْتُ الدَّرَاهِمَ مِنْهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: إِذَا كَانَ الْغَدُ فَصِرْ إِلَى الْمَنْزِلِ. ثُمَّ مَضَيْتُ فَقُلْتُ: مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِشَيْءٍ أَطْرَفَ مِنْ هَذَا. فَأَتَيْتُهُ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ وَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَأَمَرَ لِي بِأَلْفَيْ دِينَارٍ فَنَهَضْتُ، فَقَالَ: اجْلِسْ، عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: كَمْ؟ قُلْتُ: خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَ وَجَعَلَ يُحَدِّثُنِي سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: امْضِ إِلَى مَنْزِلِكَ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَإِذَا خَادِمٌ مَعَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ قَالَ: يَقُولُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بِهَا دَيْنَكَ، فَقَبَضْتُهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ فَأَبْطَأَ عَلَيَّ الْمَكْفُوفُ، وَأَتَانِي رَسُولُ الْمَهْدِيِّ يَدْعُونِي، فَجِئْتُهُ فَقَالَ: فَكَّرْتُ فِي أَمْرِكَ فَقُلْتُ: يَقْضِي دَيْنَهُ وَيَحْتَاجُ إِلَى الْحِيلَةِ وَالْقَرْضِ وَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَبَضْتُهَا وَانْصَرَفْتُ. فَأَتَانِي الْمَكْفُوفُ فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْأَلْفَيْ دِينَارٍ وَقُلْتُ: قَدْ رَزَقَ اللَّهُ كُلًّا بِكَرَمِهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَعْطَيْتُهُ مِنْ مَالِي أَلْفَيْ دِينَارٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ [بْنِ ثَابِتٍ]، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَالِعُ فِيمَا أَذِنَ لَهُ أَنْ نَرْوِيَهُ عَنْهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ يَعْقُوبَ بْنَ الْمَهْدِيِّ سَأَلَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ عَنْ أَرْحَاءِ الْبِطْرِيقِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الْبِطْرِيقُ الَّذِي نُسِبَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْأَرْحَاءُ؟ فَقَالَ الْفَضْلُ: إِنَّ أَبَاكَ ؓ لَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَافِدٌ مِنَ الرُّومِ فَاسْتَأْذَنَهُ ثُمَّ كَلَّمَهُ بِتُرْجُمَانٍ يُعَبِّرُ عَنْهُ، قَالَ الرُّومِيُّ: إِنِّي لَمْ أَقْدَمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِمَالٍ وَلَا عَرَضٍ، وَإِنَّمَا قَدِمْتُ شَوْقًا إِلَيْهِ وَإِلَى النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ لِأَنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ الثَّالِثَ مِنْ أَهْلِ نَبِيِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: قَدْ سَرَّنِي مَا قُلْتَ وَلَكَ عِنْدَنَا كُلُّ مَا تُحِبُّ، ثُمَّ أَمَرَ الرَّبِيعَ بِإِنْزَالِهِ وَإِكْرَامِهِ، فَأَقَامَ مُدَّةً ثُمَّ خَرَجَ يَتَنَزَّهُ، فَمَرَّ بِمَوْضِعِ الْأَرْحَاءِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلرَّبِيعِ: أَقْرِضْنِي خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَبْنِي بِهَا مُسْتَغَلًّا يُؤَدَّى إِلَيْهِ فِي السَّنَةِ خَمْسُمِائَةِ أَلْفِ [دِرْهَمٍ]، قَالَ: أَفْعَلُ، ثُمَّ أَخْبَرَ الْمَهْدِيَّ بِمَا ذَكَرَ، فَقَالَ: أَعْطِهِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمَا أَغَلَّتْ فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَإِذَا خَرَجَ إِلَى بِلَادِهِ فَابْعَثْ بِهِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ، قَالَ: فَفَعَلَ، فَبَنَى الْأَرْحَاءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بِلَادِهِ، فَكَانُوا يَبْعَثُونَ بِغَلَّتِهَا إِلَيْهِ حَتَّى مَاتَ الرُّومِيُّ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ أَنْ يُضَمَّ إِلَى مُسْتَغَلِّهِ. قَالَ: وَاسْمُ الْبِطْرِيقِ طَارَاثُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ طَرِيفٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْأَزْهَرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ وَضَّاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ، قَالَ: حَمَلْتُ دَيْنًا بِعَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، فَرَكِبَ الْمَهْدِيُّ يَوْمًا بَيْنَ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَعُمَرَ بْنِ بَزِيعٍ، وَأَنَا وَرَاءَهُ فِي مَوْكِبِهِ عَلَى بِرْذَوْنٍ قَطُوفٍ. فَقَالَ: مَا أَنْسَبُ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ؟ قَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ إِذْ يَقُولُ: وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلَّا لِتَضْرِبِي بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ قَالَ: هَذَا أَعْرَابِيٌّ قُحٌّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ بَزِيعٍ قَوْلُ كُثَيِّرِ بْنِ أَبِي جُمُعَةَ: أُرِيدُ لِأَنْسَى ذِكْرَهَا فَكَأَنَّمَا تَمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبِيلِ قَالَ: وَمَا هَذَا بِشَيْءٍ، وَمَا [لَهُ] يُرِيدُ أَنْ يَنْسَى ذِكْرَهَا حَتَّى تَمَثَّلَ لَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدِي حَاجَتُكَ - جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ - قَالَ: الْحَقْ، قُلْتُ: لَا لَحَاقَ لِي، لَيْسَ ذَاكَ فِي دَابَّتِي، قَالَ: احْمِلُوهُ عَلَى دَابَّةٍ، فَقُلْتُ: هَذَا أَوَّلُ الْفَتْحِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهَا فَلَحِقْتُهُ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ؟ قُلْتُ: قَوْلُ الْأَحْوَصِ: إِذَا قُلْتُ إِنِّي مُشْتَفٍ بِلِقَائِهَا فَحَمُّ التَّلَاقِي بَيْنَنَا زَادَنَا سَقَمَا قَالَ: أَحْسَنَ وَاللَّهِ، اقْضُوا عَنْهُ دَيْنَهُ. فَقَضَى عَنِّي دَيْنِي. وَكَانَ الْمَهْدِيُّ إِذَا جَلَسَ لِلْمَظَالِمِ قَالَ: أَدْخِلُوا عَلَيَّ الْقُضَاةَ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَدِّي لِلْمَظَالِمِ إِلَّا لِلْحَيَاءِ مِنْهُمْ. وَأُتِيَ الْمَهْدِيُّ بِرَجُلٍ قَدْ تَنَبَّأَ ، [فَلَمَّا رَآهُ] قَالَ: أَنْتَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَإِلَى مَنْ بُعِثْتَ؟ قَالَ: أَتَرَكْتُمُونِي أَذْهَبُ إِلَى مَنْ بُعِثْتُ إِلَيْهِ، وُجِّهْتُ بِالْغَدَاةِ فَأَخَذْتُمُونِي بِالْعَشِيِّ وَوَضَعْتُمُونِي فِي الْحَبْسِ، فَضَحِكَ الْمَهْدِيُّ مِنْهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: رَأَيْتُ الْمَهْدِيَّ فِي لَيْلَةٍ يُصَلِّي فَقَرَأَ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا رَبِيعُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ مُوسَى: وَقَامَ إِلَى صَلَاتِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ مُوسَى؟ ابْنُهُ مُوسَى، أَمْ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، وَكَانَ مَحْبُوسًا عِنْدِي، فَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ فَقُلْتُ: مَا هُوَ إِلَّا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، فَأَحْضَرْتُهُ، فَقَالَ: يَا مُوسَى، إِنِّي قَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ فَخَشِيتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ قَطَّعْتُ رَحِمَكَ، فَوَثِّقْ لِي أَنَّكَ لَا تَخْرُجُ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَوَثَّقَ لَهُ فَخَلَّاهُ.
التاريخ 2932لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، مَدِينَةَ قُورِيَّةَ، وَقَصَدَ الْبَرْبَرَ الَّذِينَ كَانُوا أَسْلَمُوا عَامِلَهُ إِلَى شَقْنَا فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا مِنْ أَعْيَانِهِمْ، وَاتَّبَعَ شَقْنَا، حَتَّى جَاوَزَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ وَالدَّرْبَ، فَفَاتَهُ.
التاريخ 2933لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ وَصِيَّةِ عَمِّهِ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي صَلَّى عَلَى الْمَنْصُورِ عِيسَى بْنُ مُوسَى وَلِيُّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ الْمَهْدِيِّ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ; لِأَنَّهُ كَانَ نَائِبَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَعَلَى إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عَمْرُو بْنُ زُهَيْرٍ الضَّبِّيُّ، أَخُو الْمُسَيِّبِ بْنِ زُهَيْرٍ أَمِيرِ الشُّرْطَةِ لِلْخَلِيفَةِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَعَلَى خَرَاجِ الْبَصْرَةِ وَأَرْضِهَا عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ، وَعَلَى صَلَاتِهَا وَقَضَائِهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ، وَعَلَى أَحْدَاثِهَا سَعِيدُ بْنُ دَعْلَجٍ.
التاريخ 2934لا حكم مسجّل
شَيْبَانُ الرَّاعِي . حَجَّ مَعَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فَلَقِيَا سَبْعًا، فَعَرَكَ شَيْبَانُ أُذُنَهُ وَقَالَ: لَوْلَا مَكَانُ الشُّهْرَةِ مَا وَضَعْتُ زَادِي إِلَّا عَلَى ظَهْرِهِ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الرَّبَضِيِّ قَالَ: كَانَ شَيْبَانُ الرَّاعِي إِذَا أَجْنَبَ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ دَعَا رَبَّهُ، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَأَظَلَّتْهُ فَاغْتَسَلَ مِنْهَا، وَكَانَ يَذْهَبُ إِلَى الْجُمُعَةِ فَيَخُطُّ عَلَى غَنَمِهِ فَيَجِيءُ فَيَجِدُهَا لَمْ تَتَحَرَّكْ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الْجَرَّاحِ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ. وَيُعْرَفُ بِالْمَنْتُوفِ. قَالَ: الْخَطِيبُ: حَدَّثَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَكَانَ رَاوِيَةً لِلْأَخْبَارِ وَالْآدَابِ. وَكَانَ مِنْ صَحَابَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَنَزَلَ بَغْدَادَ فِي دُورِ الصَّحَابَةِ نَاحِيَةَ شَطِّ الصَّرَاةِ، قَالَ: وَيُقَالُ: إِنَّ دِجْلَةَ مَدَّتْ وَأَحَاطَ الْمَاءُ بِدَارِهِ، فَرَكِبَ الْمَنْصُورُ يَنْظُرُ إِلَى الْمَاءِ، وَابْنُ عَيَّاشٍ مَعَهُ، فَرَأَى دَارَهُ وَسْطَ الْمَاءِ، فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ الدَّارُ قَالَ: لِوَلِيِّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ الْمَنْصُورُ: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَيَّاشٍ وَكَانَ جَرِيئًا عَلَيْهِ: مَا أَظُنُّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَحْفَظُ مِنَ الْقُرْآنِ آيَةً غَيْرَهَا، فَضَحِكَ مِنْهُ وَأَمَرَ لَهُ بِصِلَةٍ. قَالَ: الْوَضَّاحُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ التَّمِيمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الْمَنْصُورِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشٍ الْمَنْتُوفِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، وَكَانَ الْمَنْصُورُ وَلَّى سَلْمَ بْنَ قُتَيْبَةَ الْبَصْرَةَ، وَوَلَّى مَوْلًى لَهُ كُوَرَ الْبَصْرَةِ وَالْأُبُلَّةِ، فَوَرَدَ الْكِتَابُ مِنْ مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ يُخْبِرُ أَنَّ سَلْمًا ضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ، فَاسْتَشَاطَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَ: عَلَيَّ يَجْتَرِئُ سَلْمٌ، وَاللَّهِ لَأَجْعَلَنَّهُ نَكَالًا وَعِظَةً، وَجَعَلَ يَقْرَأُ كُتُبًا بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: فَرَفَعَ ابْنُ عَيَّاشٍ رَأْسَهُ - وَكَانَ مِنْ أَجْرَئِنَا عَلَيْهِ - فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَضْرِبْ سَلْمٌ مَوْلَاكَ بِقُوَّتِهِ وَلَا قُوَّةِ ابْنِهِ وَلَكِنَّكَ قَلَّدْتَهُ سَيْفَكَ، وَأَصْعَدْتَهُ مِنْبَرَكَ، وَأَرَادَ مَوْلَاكَ أَنْ يُطَأْطِئَ مِنْ سَلْمٍ مَا رَفَعْتَ، وَيُفْسِدَ مَا صَنَعْتَ، فَلَمْ يَحْتَمِلْ لَهُ ذَلِكَ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ غَضَبَ الْعَرَبِيِّ فِي رَأْسِهِ، فَإِذَا غَضِبَ لَمْ يَهْدَأْ حَتَّى يُخْرِجَهُ بِلِسَانِهِ أَوْ يَدِهِ، وَإِنَّ غَضَبَ النَّبَطِيِّ فِي اسْتِهِ، فَإِذَا خَرِيَ ذَهَبَ غَضَبُهُ، فَضَحِكَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ يَا مَنْتُوفُ. وَكَفَّ عَنْ سَلْمٍ. تُوُفِّيَ الْمَنْتُوفُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. الْأَسْوَدُ الْمَكِّيُّ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فَإِذَا النَّاسُ قَدْ قَحَطُوا مِنَ الْمَطَرِ وَهُمْ يَسْتَسْقُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَكُنْتُ فِي النَّاسِ مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي شَيْبَةَ، إِذْ أَقْبَلَ غُلَامٌ أَسْوَدُ عَلَيْهِ قِطْعَتَا خَيْشٍ، قَدِ ائْتَزَرَ بِإِحْدَاهُمَا، وَأَلْقَى الْأُخْرَى عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَارَ فِي مَوْضِعٍ خَفِيٍّ إِلَى جَانِبِي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِلَهِي أَخْلَقَتِ الْوُجُوهَ كَثْرَةُ الذُّنُوبِ وَمَسَاوِئُ الْأَعْمَالِ، وَقَدْ مَنَعْتَنَا غَيْثَ السَّمَاءِ لِتُؤَدِّبَ الْخَلِيقَةَ بِذَلِكَ، فَأَسْأَلُكَ يَا حَلِيمًا ذَا أَنَاةٍ، يَا مَنْ لَا يَعْرِفُ عِبَادُهُ مِنْهُ إِلَّا الْجَمِيلَ، اسْقِهِمُ السَّاعَةَ السَّاعَةَ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ السَّاعَةَ السَّاعَةَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِالْغَمَامِ، وَأَقْبَلَ الْمَطَرُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَجَلَسَ مَكَانَهُ يُسَبِّحُ، وَأَخَذْتُ أَبْكِي، فَلَمَّا قَامَ تَبِعْتُهُ حَتَّى عَرَفْتُ مَوْضِعَهُ، فَجِئْتُ إِلَى فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ فَقَالَ لِي: مَا لِي أَرَاكَ كَئِيبًا؟ فَقُلْتُ: سَبَقَنَا إِلَى اللَّهِ غَيْرُنَا، فَتَوَلَّاهُ دُونَنَا، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَصَاحَ وَسَقَطَ وَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الْمُبَارَكِ خُذْنِي إِلَيْهِ، قُلْتُ: قَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَسَأَبْحَثُ عَنْ شَأْنِهِ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ صَلَّيْتُ الْغَدَاةَ، وَخَرَجْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ فَإِذَا شَيْخٌ عَلَى الْبَابِ قَدْ بُسِطَ لَهُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَآنِي عَرَفَنِي وَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، حَاجَتَكَ. فَقُلْتُ لَهُ: احْتَجْتُ إِلَى غُلَامٍ أَسْوَدَ. فَقَالَ: نَعَمْ عِنْدِي عِدَّةٌ، فَاخْتَرْ أَيَّهُمْ شِئْتَ؟ فَصَاحَ يَا غُلَامُ، فَخَرَجَ غُلَامٌ جَلْدٌ، فَقَالَ: هَذَا مَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ، أَرْضَاهُ لَكَ، فَقُلْتُ: لَيْسَ هَذَا حَاجَتِي، فَمَا زَالَ يُخْرِجُ إِلَيَّ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى أَخْرَجَ إِلَيَّ الْغُلَامَ، فَلَمَّا أَبْصَرْتُ بِهِ بَدَرَتْ عَيْنَايَ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ لَيْسَ إِلَى بَيْعِهِ سَبِيلٌ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: قَدْ تَبَرَّكْتُ لِمَوْضِعِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَذَاكَ أَنَّهُ لَا يَزْرَأُنِي شَيْئًا، قُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ طَعَامُهُ؟ قَالَ: يَكْسِبُ مِنْ قِبَلِ الشَّرِيطِ نِصْفَ دَانِقٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَهُوَ قُوتُهُ، فَإِنْ بَاعَهُ فِي يَوْمِهِ وَإِلَّا طَوَى ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَأَخْبَرَنِي الْغِلْمَانُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَنَامُ هَذَا اللَّيْلَ الطَّوِيلَ، وَلَا يَخْتَلِطُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ مَشْغُولٌ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ أَحَبَّهُ قَلْبِي، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْصَرِفُ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِلَى فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَةٍ؟ فَقَالَ: إِنَّ مَمْشَاكَ عِنْدِي كَبِيرٌ، خُذْهُ بِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَاشْتَرَيْتُهُ وَأَخَذْتُ نَحْوَ دَارِ فُضَيْلٍ، فَمَشَيْتُ سَاعَةً، فَقَالَ لِي: يَا مَوْلَايَ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: لَا تَقُلْ لِي لَبَّيْكَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ أَوْلَى أَنْ يُلَبِّيَ الْمَوْلَى، قُلْتُ: حَاجَتَكَ يَا حَبِيبِي. قَالَ: أَنَا ضَعِيفُ الْبَدَنِ، لَا أُطِيقُ الْخِدْمَةَ، وَقَدْ كَانَ لَكَ فِي غَيْرِي سَعَةٌ، قَدْ أُخْرِجَ إِلَيْكَ مَنْ هُوَ أَجْلَدُ مِنِّي، فَقُلْتُ: لَا يَرَانِي اللَّهُ وَأَنَا أَسْتَخْدِمُكَ، وَلَكِنِّي أَشْتَرِي لَكَ مَنْزِلًا وَأُزَوِّجُكَ وَأَخْدُمُكَ أَنَا بِنَفْسِي، قَالَ: فَبَكَى، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فِيَّ هَذَا إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتَ بَعْضَ مُتَّصَلَاتِي بِاللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَلِمَ اخْتَرْتَنِي مِنْ بَيْنِ الْغِلْمَانِ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ بِكَ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا، فَقَالَ لِي: سَأَلْتُكَ بِاللَّهِ إِلَّا أَخْبَرْتَنِي، فَقُلْتُ: بِإِجَابَةِ دَعْوَتِكَ، فَقَالَ لِي: إِنِّي أَحْسَبُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ رَجُلًا صَالِحًا، إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ لَا يَكْشِفُ شَأْنَهُمْ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى، ثُمَّ قَالَ لِي: تَرَى أَنْ تَقِفَ عَلَيَّ قَلِيلًا، فَإِنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ عَلَيَّ رَكَعَاتٌ مِنَ الْبَارِحَةِ. قُلْتُ: هَذَا مَنْزِلُ فُضَيْلٍ قَرِيبٌ. قَالَ: لَا. هَاهُنَا أَحَبُّ إِلَيَّ، أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُؤَخَّرُ فَدَخَلَ مِنْ بَابِ الْبَاعَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَمَا زَالَ يُصَلِّي حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى مَا أَرَادَ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: لِأَنِّي أُرِيدُ الِانْصِرَافَ، قُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى الْآخِرَةِ. قُلْتُ: لَا تَفْعَلْ، دَعْنِي أُسَرُّ بِكَ. فَقَالَ لِي: إِنَّمَا كَانَتْ تَطِيبُ الْحَيَاةُ حَيْثُ كَانَتِ الْمُعَامَلَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ تَعَالَى فَأَمَّا إِذَا اطَّلَعْتَ عَلَيْهَا أَنْتَ فَسَيَطَّلِعُ عَلَيْهَا غَيْرُكَ فَلَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَّ لِوَجْهِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِلَهِي اقْبِضْنِي إِلَيْكَ السَّاعَةَ السَّاعَةَ. فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ. فَوَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهُ قَطُّ إِلَّا طَالَ حُزْنِي وَصَغُرَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِي. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَصَابَ النَّاسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَبَاءٌ شَدِيدٌ. فَتُوُفِّيَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، مِنْهُمْ أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ بِمَكَّةَ، وَزُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُكَمِّلِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ذُؤَيْبِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُنْجُودِ بْنِ جُنْدَبِ بْنِ الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ التَّمِيمِيُّ الْعَنْبَرِيُّ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِيُّ. أَقْدَمُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفَاةً، وَأَكْثَرَهُمُ اسْتِعْمَالًا لِلْقِيَاسِ، وَكَانَ عَابِدًا اشْتَغِلْ أَوَّلًا بِعِلْمِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ الْفِقْهُ وَالْقِيَاسُ. وُلِدَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَتُوَفِّي سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِيهَا مَاتَ أُورَالِي مَلِكُ جِلِّيقِيَّةَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سِتَّ سِنِينَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ شِيَالُونَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، الْفَقِيهُ الْبَجَلِيُّ بِالْكُوفَةِ، وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مُسْلِمٍ الْحَضْرَمِيُّ ( الْمِصْرِيُّ ).
التاريخ 2935لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَوَّلَ الْمَهْدِيُّ الْحَسَنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ مَحْبِسِهِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مَحْبُوسًا مَعَ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا أُطْلِقَ يَعْقُوبُ وَبَقِيَ هُوَ سَاءَ ظَنُّهُ، فَالْتَمَسَ مَخْرَجًا، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَحَفَرَ سِرْبًا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ يَعْقُوبَ، فَأَتَى ابْنَ عُلَاثَةَ الْقَاضِي، وَكَانَ قَدِ اتَّصَلَ بِهِ، فَقَالَ: عِنْدِي نَصِيحَةٌ لِلْمَهْدِيِّ، وَطَلَبَ إِلَيْهِ إِيصَالَهُ إِلَى أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَزِيرِهِ، لِيَرْفَعَهَا إِلَيْهِ، فَأَحْضَرَهُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ نَصِيحَتِهِ، سَأَلَهُ عَنْ إِيصَالِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ لِيُعْلِمَهُ بِهَا، فَأَوْصَلَهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَخْلَاهُ، فَأَعْلَمَهُ الْمَهْدِيُّ ثِقَتَهُ بِوَزِيرِهِ وَابْنِ عُلَاثَةَ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، حَتَّى قَامَا، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْحَسَنِ، فَأَنْفَذَ مَنْ يَثِقُ بِهِ، فَأَتَاهُ بِتَحْقِيقِ الْحَالِ، فَأَمَرَ بِتَحْوِيلِ الْحَسَنِ، فَحُوِّلَ. ثُمَّ احْتِيلَ لَهُ فِيمَا بَعْدُ، فَهَرَبَ وَطُلِبَ، فَلَمْ يُظْفَرْ بِهِ، فَأَحْضَرَ الْمَهْدِيُّ يَعْقُوبَ وَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَكَانَهُ، وَأَنَّهُ إِنْ أَعْطَاهُ الْأَمَانَ أَتَاهُ بِهِ فَآمَنَهُ وَضَمِنَ لَهُ الْإِحْسَانَ، فَقَالَ لَهُ: اتْرُكْ طَلَبَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُوحِشُهُ، فَتَرَكَ طَلَبَهُ. ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ تَقَدَّمَ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ، فَأُحْضِرَ الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَهُ. ذِكْرُ تَقَدُّمِ يَعْقُوبَ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وُصُولِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَحْضَرَهُ الْمَهْدِيُّ عِنْدَهُ فِي أَمْرِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنَّكَ قَدْ بَسَطْتَ عَدْلَكَ لِرَعِيَّتِكَ، وَأَنْصَفْتَهُمْ، وَأَحْسَنْتَ إِلَيْهِمْ، فَعَظُمَ رَجَاؤُهُمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ أَشْيَاءُ لَوْ ذَكَرْتُهَا لَكَ لَمْ تَدَعِ النَّظَرَ فِيهَا، وَأَشْيَاءُ خَلْفَ بَابِكَ تَعْمَلُ فِيهَا وَلَا تَعْلَمُ بِهَا، فَإِنْ جَعَلْتَ إِلَيَّ السَّبِيلَ إِلَيْكَ وَرَفَعْتُهَا. فَأَمَرَ بِذَلِكَ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ كُلَّمَا أَرَادَ، وَيَرْفَعُ إِلَيْهِ النَّصَائِحَ فِي الْأُمُورِ الْحَسَنَةِ الْجَمِيلَةِ، مِنْ أَمْرِ الثُّغُورِ، وَبِنَاءِ الْحُصُونِ، وَتَقْوِيَةِ الْغُزَاةِ وَتَزْوِيجِ الْعُزَّابِ، وَفِكَاكِ الْأَسْرَى وَالْمَحْبُوسِينَ، وَالْقَضَاءِ عَنِ الْغَارِمِينَ، وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْمُتَعَفِّفِينَ، فَحَظِيَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ، وَعَلَتْ مَنْزِلَتُهُ، حَتَّى سَقَطَتْ مَنْزِلَةُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، وَحُبِسَ، وَكَتَبَ الْمَهْدِيُّ تَوْقِيعًا قَدِ اتَّخَذَهُ أَخًا فِي اللَّهِ، وَوَصَلَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ. ذِكْرُ ظُهُورِ الْمُقَنَّعِ بِخُرَاسَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ مَوْتِ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، ظَهَرَ الْمُقَنَّعُ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ رُجَلًا أَعْوَرَ، قَصِيرًا، مِنْ أَهْلِ مَرْوٍ، وَيُسَمَّى حَكِيمًا، وَكَانَ اتَّخَذَ وَجْهًا مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَهُ عَلَى وَجْهِهِ لِئَلَّا يُرَى، فَسُمِّيَ الْمُقَنَّعَ وَادَّعَى الْأُلُوهِيَّةَ، وَلَمْ يُظْهِرْ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِ أَصْحَابِهِ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، فَتَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ، ثُمَّ فِي صُورَةِ نُوحٍ، وَهَكَذَا هَلُمَّ جَرًّا إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ فِي دَعْوَاهُ، هُوَ الْمُقَنَّعُ، وَيَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَتَابَعَهُ خَلْقٌ مِنْ ضُلَّالِ النَّاسِ، وَكَانُوا يَسْجُدُونَ لَهُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي كَانُوا، وَكَانُوا يَقُولُونَ فِي الْحَرْبِ: يَا هَاشِمُ أَعِنَّا. وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَتَحَصَّنُوا فِي قَلْعَةِ بَسْنَامَ، وَسَنْجَرْدَةَ، وَهِيَ مِنْ رَسَاتِيقِ كِشَّ، وَظَهَرَتِ الْمُبَيِّضَةُ بِبُخَارَى وَالصُّغْدِ مُعَاوِنِينَ لَهُ، وَأَعَانَهُ كُفَّارُ الْأَتْرَاكِ، وَأَغَارُوا عَلَى أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ يُنْكِرُ قَتْلَ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ، وَادَّعَى أَنَّهُ يَقْتُلُ قَاتِلِيهِ. وَاجْتَمَعُوا بَكِشَّ، وَغَلَبُوا عَلَى بَعْضِ قُصُورِهَا، وَعَلَى قَلْعَةِ نُواكِثَ، وَحَارَبَهُمْ أَبُو النُّعْمَانِ، وَالْجُنَيْدُ، وَلَيْثُ بْنُ نَصْرٍ، مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَقَتَلُوا حَسَّانَ بْنَ تَمِيمِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ وَغَيْرَهُمَا. وَأَنْفَذَ إِلَيْهِمْ جِبْرَائِيلَ بْنَ يَحْيَى وَأَخَاهُ يَزِيدَ، فَاشْتَغَلُوا بِالْمُبَيِّضَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِبُخَارَى، فَقَاتَلُوهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فِي مَدِينَةِ بُومِجَكْثَ، وَنَقَبَهَا عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعَمِائَةٍ، وَقَتَلَ الْحَكَمَ، وَلَحِقَ مُنْهَزِمُوهُمْ بِالْمُقَنَّعِ، وَتَبِعَهُمْ جِبْرَائِيلُ، وَحَارَبَهُمْ. ثُمَّ سَيَّرَ الْمَهْدِيُّ أَبَا عَوْنٍ لِمُحَارَبَةِ الْمُقَنَّعِ، فَلَمْ يُبَالِغْ فِي قِتَالِهِ، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاذَ بْنَ مُسْلِمٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَهْدِيُّ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ الصَّبَّاحِ الْكِنْدِيَّ ثُمَّ الْأَشْعَثِيَّ، وَقِيلَ عِيسَى بْنُ لُقْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيَّ. وَفِيهَا عَزَلَ سَعِيدَ بْنَ دَعْلَجٍ عَنْ أَحْدَاثِ الْبَصْرَةِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُمَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَيُّوبَ بْنِ ظَبْيَانَ النُّمَيْرِيَّ، وَأَمَرَهُ بِإِنْصَافِ مَنْ تَظَلَّمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ دَعْلَجٍ، ثُمَّ صُرِفَتِ الْأَحْدَاثُ فِيهَا إِلَى عُمَارَةَ بْنِ حَمْزَةَ فَوَلَّاهَا الْمِسْوَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيَّ. وَفِيهَا عَزَلَ قُثَمَ بْنَ الْعَبَّاسِ عَنِ الْيَمَامَةِ، فَوَصَلَ كِتَابُ عَزْلِهِ وَقَدْ مَاتَ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ بِشْرَ بْنَ الْمُنْذِرِ الْبَجَلِيَّ. وَفِيهَا عَزَلَ الْهَيْثَمَ بْنَ سَعِيدٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْفَضْلَ بْنَ صَالِحٍ. وَفِيهَا أَعْتَقَ الْمَهْدِيُّ الْخَيْزُرَانَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَتَزَوَّجَهَا وَتَزَوَّجَ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتَ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ أُخْتَ الْفَضْلِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا احْتَرَقَتِ السُّفُنُ عِنْدَ قَصْرِ عِيسَى بِبَغْدَاذَ بِمَا فِيهَا، وَاحْتَرَقَ نَاسٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا عُزِلَ مَطَرٌ مَوْلَى الْمَنْصُورِ عَنْ مِصْرَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا أَبُو ضَمْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ. وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ الرُّومِيَّةَ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْحَسَنُ الْوَصِيفُ، فَبَلَغُوا أَنْقَرَةَ، وَفَتَحُوا مَدِينَةً لِلرُّومِ، وَمَطْمُورَةَ، وَلَمْ يُصَبْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، وَرَجَعُوا سَالِمِينَ. وَفِيهَا وَلِيَ حَمْزَةُ بْنُ يَحْيَى سِجِسْتَانَ، وَجِبْرَائِيلُ بْنُ يَحْيَى سَمَرْقَنْدَ، فَبَنَى سُورَهَا، وَحَفَرَ خَنْدَقَهَا. عَزَلَ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكَثِيرِيَّ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ مُحَمَّدَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ الْجُمَحِيَّ. بناء سور رصافة وَفِيهَا بَنَى الْمَهْدِيُّ سُورَ الرُّصَافَةِ وَمَسْجِدَهَا، وَحَفَرَ خَنْدَقَهَا. إطلاق المهدي من كان في حبس المنصور وَفِيهَا أَطْلَقَ الْمَهْدِيُّ مَنْ كَانَ فِي حُبُوسِ الْمَنْصُورِ، إِلَّا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ تَبِعَةٌ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ، أَوْ مَنْ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَكَانَ فِيمَنْ أَطْلَقَ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ، مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ. من حج في هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ خَالُ الْمَهْدِيِّ، عِنْدَ قُدُومِهِ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ وَتَوْلِيَتِهِ الْمَوْسِمَ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ الْجُمَحِيَّ، وَعَلَى أَحْدَاثِ الْكُوفَةِ: إِسْحَاقُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْكِنْدِيُّ، وَعَلَى خَرَاجِهَا: ثَابِتُ بْنُ مُوسَى، وَعَلَى قَضَائِهَا: شَرِيكٌ، وَعَلَى صَلَاةِ الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَيُّوبَ، وَعَلَى أَحْدَاثِهَا: عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَعَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ وَكُوَرِ الْأَهْوَازِ وَكُوَرِ فَارِسَ: ( عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ ). وَعَلَى السِّنْدِ بِسْطَامُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى الْيَمَنِ رَجَاءُ بْنُ رَوْحٍ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ بِشْرُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَبُو عَوْنٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَزِيدَ، وَكَانَ حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ قَدْ مَاتَ فِيهَا، فَوَلَّى الْمَهْدِيُّ أَبَا عَوْنٍ. وَكَانَ عَلَى الْجَزِيرَةِ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ أَبُو ضَمْرَةَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ. بعث عبد الرحمن إلى شقنا في شنت برية ( وَفِيهَا كَانَ شَقْنَا قَدِ انْتَشَرَ فِي نَوَاحِي شَنْتَ بَرِيَّةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا، فَفَارَقَ مَكَانَهُ، وَصَعِدَ الْجِبَالَ كَعَادَتِهِ فَعَادَ الْجَيْشُ عَنْهُ ). مبايعة المهدي بولاية العهد للهادي ثم الرشيد وَلَمَّا وَلِيَ الْمَهْدِيُّ سَأَلَ عِيسَى بْنَ مُوسَى - وَكَانَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ الْمَهْدِيِّ - أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَمْرِ، فَامْتَنَعَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، وَسَأَلَ أَنْ يُقِيمَ بِأَرْضِ الْكُوفَةِ فِي ضَيْعَةٍ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى إِمْرَةِ الْكُوفَةِ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، فَكَتَبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ: إِنَّ عِيسَى بْنَ مُوسَى لَا يَأْتِي الْجُمْعَةَ وَلَا الْجَمَاعَةَ مَعَ النَّاسِ إِلَّا شَهْرَيْنِ مِنَ السَّنَةِ، وَإِنَّهُ إِذَا جَاءَ يَدْخُلُ بِدَوَابِّهِ إِلَى دَاخِلِ بَابِ الْمَسْجِدِ، فَتَرُوثُ دَوَابُّهُ حَيْثُ يُصَلِّي النَّاسُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ أَنْ يَعْمَلَ خَشَبًا عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ; حَتَّى لَا يَصِلَ النَّاسُ إِلَى الْجَامِعِ إِلَّا مُشَاةً، فَعَلِمَ بِذَلِكَ عِيسَى بْنُ مُوسَى، فَاشْتَرَى قَبْلَ الْجُمْعَةِ دَارَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَكَانَتْ مُلَاصِقَةَ الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يَأْتِي إِلَيْهَا مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ الْجُمْعَةِ رَكِبَ حِمَارًا إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَ عَنْهُ، وَشَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَ النَّاسِ، وَأَقَامَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي الْكُوفَةِ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ أَلَحَّ الْمَهْدِيُّ عَلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى فِي أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَتَوَعَّدَهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، وَوَعَدَهُ إِنْ فَعَلَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ أَقْطَاعًا عَظِيمَةً، وَجَعَلَ لَهُ مِنَ الْمَالِ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ. وَبَايَعَ الْمَهْدِيُّ لِوَلَدَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ; مُوسَى الْهَادِي، ثُمَّ لِهَارُونَ الرَّشِيدِ. وَفِيهَا: حَجَّ الْمَهْدِيُّ فَأَنْهَى إِلَيْهِ حَجَبَةُ الْكَعْبَةِ: أَنَّهُمْ يَخَافُونَ هَدْمَهَا; لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْأَسْتَارِ، فَأَمَرَ بِهَا فَجُرِّدَتْ وَاقْتُصِرَ عَلَى كُسْوَةِ الْمَهْدِيِّ، وَحَمَلَ إِلَى الْمَهْدِيِّ الثَّلْجَ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: (وَلَمْ يَتَهَيَّأْ ذَلِكَ لِمَلِكٍ قَطُّ ).
التاريخ 2936لا حكم مسجّل
حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ . حُمَيْدُ بْنُ قَحْطَبَةَ . عَامِلُ الْمَهْدِيِّ عَلَى خُرَاسَانَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَلَّى الْمَهْدِيُّ مَكَانَهُ أَبَا عَوْنٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ يَزِيدَ. أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ الْبَصْرِيُّ سُلْمَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلْمَى، أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ الْبَصْرِيُّ . حَدَّثَ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَعِكْرِمَةَ، وَالشَّعْبِيِّ وَالزُّهْرِيِّ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو مُعَاوِيَةَ وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَشَبَّابَةُ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَخْبَارِ النَّاسِ وَأَيَّامِهِمْ. وَقَالَ السَّفَّاحُ: مَا رَأَيْتُ [أَحَدًا] أَغْزَرَ عِلْمًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، لَمْ يُعِدْ عَلَيَّ حَدِيثًا قَطُّ، إِلَّا أَنَّ الْمُحَدِّثِينَ ضَعَّفُوهُ وَتَرَكُوا حَدِيثَهُ. عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ. رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ كَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَنَافِعٍ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ، وَذَهَبَ بَصَرُهُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَهْلُهُ عِشْرِينَ سَنَةً. عَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ خَمْسَمِائَةِ مَجْلِسٍ فَمَا أَحْسَبُ أَنَّ صَاحِبَ الشِّمَالِ كَتَبَ شَيْئًا. وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُبَيْقٍ قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ أَسْبَاطٍ يَقُولُ: مَكَثَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَرْفَعْ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَبَيْنَا هُوَ يَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ إِذْ طَعَنَهُ الْمَنْصُورُ أَبُو جَعْفَرٍ بِإِصْبَعِهِ فِي خَاصِرَتِهِ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهَا إِصْبَعُ جَبَّارٍ. تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِمَكَّةَ. مَعْبَدُ بْنُ الْخَلِيلِ [مَعْبَدُ] بْنُ الْخَلِيلِ . عَامِلُ الْمَهْدِيِّ. تُوُفِّيَ بِالسِّنْدِ وَهُوَ [عَامِلُهُ] عَلَيْهَا فَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ. أَبُو الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ [مُحَمَّدُ] بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ، أَبُو الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ، سَمِعَ عِكْرِمَةَ، وَالزُّهْرِيَّ وَخَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ فَقِيهًا وَرِعًا صَالِحًا ثِقَةً، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، أَقْدَمَهُ الْمَهْدِيُّ بَغْدَادَ، فَحَدَّثَ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَمَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. رَوَى عَنْهُ: الثَّوْرِيُّ وَوَكِيعٌ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَغَيْرُهُمْ. عَنْ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يُشْبِهُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: خَلَّفَ مِثْلَهُ بِبِلَادِهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِغَيْرِهَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ: كَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ثِقَةً صَدُوقًا أَفْضَلَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا أَشَدَّ تَنْقِيَةً لِلرِّجَالِ مِنَ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ لَا يُبَالِي عَمَّنْ يُحَدِّثُ. قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ لِلْمَنْصُورِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ هَلَكَ النَّاسُ، فَلَوْ أَعَنْتَهُمْ بِمَا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْفَيْءِ؟ قَالَ: وَيْلَكَ، لَوْلَا مَا سَدَدْتُ مِنَ الثُّغُورِ وَبَعَثْتُ مِنَ الْجُيُوشِ لَكُنْتَ تُؤْتَى فِي مَنْزِلِكَ وَتُذْبَحُ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: فَقَدْ سَدَّ الثُّغُورَ وَجَيَّشَ الْجُيُوشَ، وَفَتَحَ الْفُتُوحَ، وَأَعْطَى النَّاسَ أُعْطِيَاتِهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ وَيْلَكَ؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَنَكَّسَ الْمَنْصُورُ رَأْسَهُ، وَالسَّيْفُ بِيَدِ الْمُسَيِّبِ وَالْعَمُودُ بِيَدِ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَالْتَفَتَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، فَقَالَ: هَذَا الشَّيْخُ خَيْرُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَعَنْ حَسَنُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ قَدْ وُلِّيَ عَبْدُ الصَّمَدِ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَعَاقَبَ بَعْضَ الْقُرَشِيِّينَ وَحَبَسَهُ، قَالَ: فَكَتَبَ بَعْضُ قَرَابَتِهِ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَكَتَبَ أَبُو جَعْفَرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلَ رَسُولًا وَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ قَوْمًا مِنَ الْعُلَمَاءِ فَأَدْخِلْهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَرَوْا حَالَهُ وَيَكْتُبُوا إِلَيَّ بِهَا، فَأَدْخَلُوا عَلَيْهِ فِي حَبْسِهِ: مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَابْنَ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنَ أَبِيْ سَبْرَةَ وَغَيْرَهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَقَالُوا: اكْتُبُوا بِمَا تَرَوْنَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الصَّمَدِ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ حَلَّ عَنْهُ الْوَثَاقَ وَأَلْبَسَهُ ثِيَابًا، وَكَنَسَ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَرَشَّهُ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ: اكْتُبُوا بِمَا رَأَيْتُمْ، فَأَخَذُوا يَكْتُبُونَ شَهِدَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: لَا تَكْتُبُوا شَهَادَتِي أَنَا أَكْتُبُهَا بِيَدِي إِذَا فَرَغْتَ فَارْمِ إِلَيَّ بِالْقِرْطَاسِ قَالَ: فَكَتَبُوا رَأَيْنَا مَحْبِسًا لَيِّنًا وَرَأَيْنَا هَيْئَةً حَسَنَةً، وَذَكَرُوا مَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ. قَالَ: ثُمَّ دُفِعَ الْقِرْطَاسُ إِلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، فَلَمَّا نَظَرَ فِي الْكِتَابِ فَرَأَى هَذَا الْمَوْضِعَ نَادَى: يَا مَالِكُ، دَاهَنْتَ وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ وَمِلْتَ إِلَى الْهَوَى، لَكِنِ اكْتُبْ: رَأَيْتُ مَجْلِسًا ضَيِّقًا وَأَمْرًا شَدِيدًا. قَالَ: وَجَعَلَ يَذْكُرُ شِدَّةَ الْحَبْسِ وَضِيقَهُ. قَالَ: وَبَعَثَ الْكِتَابَ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، فَقَدِمَ أَبُو جَعْفَرٍ حَاجًّا، فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ جَعَلُوا يَذْكُرُونَ وَجَعَلَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يَذْكُرُ شِدَّةَ الْحَبْسِ وَضِيقَهُ، وَشِدَّةَ عَبْدِ الصَّمَدِ، وَمَا يَلْقَوْنَ مِنْهُ. قَالَ: وَجَعَلَ أَبُو جَعْفَرٍ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ، وَيَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ الصَّمَدِ غَضَبًا، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَرَدْتُ أَنْ أُلَيِّنَهُ، وَخَشِيتُ عَلَى عَبْدِ الصَّمَدِ مِنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَنْ يَعْجَلَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَرْضَى هَذَا أَحَدٌ قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: أَمَا وَاللَّهِ إِنْ يَسْأَلْنِي عَنْكَ لَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ [وُلِّيَ عَلَيْنَا] فَفَعَلَ بِنَا وَفَعَلَ. فَأَطْنَبَ فِيَّ. فَلَمَّا مَلَأَنِي غَيْظًا قُلْتُ: أَفَيُرْضِي هَذَا أَحَدًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ سَلْهُ عَنْ نَفْسِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ نَفْسِي فَقَالَ: لَا تَسْأَلْنِي، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَرَانِي؟ قَالَ: اللَّهُمَّ مَا أَعْلَمُكَ إِلَّا ظَالِمًا جَائِرًا، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ وَفِي يَدِهِ عَمُودٌ، قَالَ الْحَسَنُ فَجَمَعْتُ [إِلَيَّ] ثِيَابِي مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ دَمِهِ وَقُلْتُ: الْآنَ يَضْرِبُهُ بِالْعَمُودِ فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: يَا مَجُوسِيُّ أَتَقُولُ هَذَا لِخَلِيفَةِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ؟ وَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا عَلَيْهِ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يَقُولُ: إِنَّكَ نَشَدْتَنِي بِاللَّهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ. قَالَ: وَلَمْ يَنَلْهُ بِسُوءٍ [قَالَ]: وَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ: لَمَّا حَجَّ الْمَهْدِيُّ دَخَلَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ، إِلَّا ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ فَقَالَ لَهُ الْمُسَيِّبُ بْنُ زُهَيْرٍ: مَنْ هَذَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: لَقَدْ قَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِي. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ وَيُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الْهَمْدَانِيُّ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ الْمِصْرِيُّ، وَحَسَنُ بْنُ وَاقِدٍ مَوْلَى ابْنِ عَامِرٍ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ مَرْوٍ، وَكَانَ يَشْتَرِي الشَّيْءَ مِنَ السُّوقِ فَيَحْمِلُهُ إِلَى عِيَالِهِ.
التاريخ 2937لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خُرُوجِ يُوسُفَ الْبَرْمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ يُوسُفُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْرُوفُ بِالْبَرْمِ، بِخُرَاسَانَ، مُنْكِرًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْمَهْدِيِّ سِيرَتَهُ الَّتِي يَسِيرُ بِهَا، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، فَلَقِيَهُ فَاقْتَتَلَا، حَتَّى صَارَا إِلَى الْمُعَانَقَةِ، فَأَسَرَهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَبَعَثَ مَعَهُ وُجُوهَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغُوا النَّهْرَوَانِ حُمِلَ يُوسُفُ عَلَى بَعِيرٍ، قَدْ حُوِّلَ وَجْهُهُ إِلَى ذَنَبِهِ، وَأَصْحَابُهُ مِثْلُهُ، فَأَدْخَلُوهُمُ الرُّصَافَةَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَقُطِعَتْ يَدَا يُوسُفَ وَرِجْلَاهُ، وَقُتِلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَصُلِبُوا عَلَى الْجِسْرِ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ كَانَ حَرُورِيًّا، وَتَغَلَّبَ عَلَى بُوشَنْجَ وَعَلَيْهَا مُصْعَبُ بْنُ زُرَيْقٍ، جَدُّ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَتَغَلَّبَ أَيْضًا عَلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَالطَّالَقَانَ، وَالْجُوزَجَانِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابِهِ أَبُو مُعَاذٍ الْفِرْيَابِيُّ، فَقُبِضَ مَعَهُ. ذِكْرُ خَلْعِ عِيسَى بْنِ مُوسَى وَبَيْعَةِ مُوسَى الْهَادِي كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَشِيعَةِ الْمَهْدِيِّ قَدْ خَاضُوا فِي خَلْعِ عِيسَى بْنِ مُوسَى مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَالْبَيْعَةِ لِمُوسَى الْهَادِي بْنِ الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا عَلِمَ الْمَهْدِيُّ بِذَلِكَ سَرَّهُ، وَكَتَبَ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِقَرْيَةِ الرُّحْبَةِ، مِنْ أَعْمَالِ الْكُوفَةِ. فَأَحَسَّ عِيسَى بِالَّذِي يُرَادُ مِنْهُ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْقُدُومِ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَهْدِيُّ عَلَى الْكُوفَةِ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، لِلْإِضْرَارِ بِهِ، فَلَمْ يَجِدْ رَوْحٌ إِلَى الْإِضْرَارِ بِهِ سَبِيلًا، لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَقْرَبُ الْبَلَدَ إِلَّا كُلَّ جُمُعَةٍ أَوْ يَوْمَ عِيدٍ. وَأَلَحَّ الْمَهْدِيُّ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُجِبْنِي إِلَى أَنْ تَنْخَلِعَ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ لِمُوسَى اسْتَحْلَلْتُ مِنْكَ بِمَعْصِيَتِكَ مَا يُسْتَحَلُّ مِنْ أَهْلِ الْمَعَاصِي، وَإِنْ أَجَبْتَنِي عَوَّضْتُكَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ عَمَّهُ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ بِرِسَالَةٍ وَكِتَابٍ يَسْتَدْعِيهِ، فَلَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ. فَلَمَّا عَادَ الْعَبَّاسُ، وَجَّهَ الْمَهْدِيُّ إِلَيْهِ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَمَّدَ بْنَ فَرُّوخَ الْقَائِدَ فِي أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي التَّشَيُّعِ لِلْمَهْدِيِّ، وَجَعَلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَبْلًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَضْرِبُوا طُبُولَهُمْ جَمِيعًا عِنْدَ قُدُومِهِمْ إِلَيْهِ، فَوَصَلُوا سَحَرًا، وَضَرَبُوا طُبُولَهُمْ، فَارْتَاعَ عِيسَى رَوْعًا شَدِيدًا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَمَرَهُ بِالشُّخُوصِ مَعَهُ. ( فَاعْتَلَّ بِالشَّكْوَى، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَأَخَذَهُ مَعَهُ ). فَلَمَّا قَدِمَ عِيسَى بْنُ مُوسَى نَزَلَ دَارَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ فَأَقَامَ أَيَّامًا يَخْتَلِفُ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَلَا يُكَلِّمُ بِشَيْءٍ، وَلَا يَرَى مَكْرُوهًا، فَحَضَرَ الدَّارَ يَوْمًا قَبْلَ جُلُوسِ الْمَهْدِيِّ فَجَلَسَ فِي مَقْصُورَةٍ لِلرَّبِيعِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ شِيعَةُ رُؤَسَاءِ الْمَهْدِيِّ عَلَى خَلْعِهِ، فَثَارُوا بِهِ وَهُوَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَأَغْلَقَ الْبَابَ دُونَهُمْ، فَضَرَبُوا الْبَابَ بِالْعَمَدِ حَتَّى هَشَّمُوهُ ( وَشَتَمُوا عِيسَى أَقْبَحَ الشَّتْمِ ) وَأَظْهَرَ الْمَهْدِيُّ إِنْكَارًا لِمَا فَعَلُوهُ، فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَبَقُوا فِي ذَلِكَ أَيَّامًا إِلَى أَنْ كَاشَفَهُ أَكَابِرُ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ. وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمَهْدِيُّ، فَأَبَى، وَذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ أَيْمَانًا فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَأَحْضَرَ لَهُ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ عِدَّةً، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ، وَمُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ، فَأَفْتَوْهُ بِمَا رَأَوْا، فَأَجَابَ إِلَى خَلْعِ نَفْسِهِ، فَأَعْطَاهُ الْمَهْدِيُّ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَضِيَاعًا بِالزَّابِ وَكَسْكَرَ، وَخَلَعَ نَفْسَهُ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَبَايَعَ لِلْمَهْدِيِّ وَلِابْنِهِ مُوسَى الْهَادِي. ثُمَّ جَلَسَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْغَدِ، وَأَحْضَرَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَأَخَذَ بَيْعَتَهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْجَامِعِ، وَعِيسَى مَعَهُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَأَعْلَمَهُمْ بِخَلْعِ عِيسَى وَالْبَيْعَةِ لِلْهَادِي، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَيْهَا، وَأَشْهَدَ عَلَى عِيسَى بِالْخَلْعِ. فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: كَرِهَ الْمَوْتَ أَبُو مُوسَى وَقَدْ كَانَ فِي الْمَوْتِ نَجَاةٌ وَكَرَمُ خَلَعَ الْمُلْكَ وَأَضْحَى مُلْبَسًا ثَوْبَ لُؤْمٍ مَا تُرَى مِنْهُ الْقَدَمُ. ( الرُّحْبَةُ بِضَمِّ الرَّاءِ قَرْيَةٌ عِنْدَ الْكُوفَةِ، وَصُبِحَ: بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ). ذِكْرُ فَتْحِ مَدِينَةِ بَارْبَدَ كَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ سَيَّرَ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، جَيْشًا فِي الْبَحْرِ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شِهَابٍ الْمِسْمَعِيُّ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الْجُنْدِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ، وَفِيهِمُ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى بَارْبَدَ، فَلَمَّا نَازَلُوهَا حَصَرُوهَا مِنْ نَوَاحِيهَا. وَحَرَّضَ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا عَلَى الْجِهَادِ، وَضَايَقُوا أَهْلَهَا، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السَّنَةَ عَنْوَةً وَاحْتَمَى أَهْلُهَا بِالْبُدِّ الَّذِي لَهُمْ، فَأَحْرَقَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَاحْتَرَقَ بَعْضُهُمْ، وَقُتِلَ الْبَاقُونَ، وَاسْتُشْهِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ رُجَلًا، وَأَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَهَاجَ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ، فَأَقَامُوا إِلَى أَنْ يَطِيبَ، فَأَصَابَهُمْ مَرَضٌ فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَمَاتَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ فِيهِمُ الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، ثُمَّ رَجَعُوا. فَلَمَّا بَلَغُوا سَاحِلًا مِنْ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ بَحْرَ حُمْرَانَ عَصَفَتْ بِهِمُ الرِّيحُ لَيْلًا، فَانْكَسَرَ عَامَّةُ مَرَاكِبِهِمْ، فَغَرِقَ الْبَعْضُ، وَنَجَا الْبَعْضُ. قِيلَ: وَفِيهَا جُعِلَ أَبَانُ بْنُ صَدَقَةَ كَاتِبًا لِهَارُونَ الرَّشِيدِ وَوَزِيرًا لَهُ. وَفِيهَا عُزِلَ أَبُو عَوْنٍ عَنْ خُرَاسَانَ عَنْ سَخْطَةٍ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ. وَفِيهَا غَزَا ثُمَامَةُ بْنُ [ الْوَلِيدِ ] الْعَبْسِيُّ الصَّائِفَةَ، وَغَزَا الْغَمْرُ بْنُ الْعَبَّاسِ الْخَثْعَمِيُّ بَحْرَ الشَّامِ. ذِكْرُ رَدِّ نَسَبِ آلِ أَبِي بَكْرَةَ وَآلِ زِيَادٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِرَدِّ نَسَبِ آلِ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ إِلَى وَلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنْ رُجَلًا مِنْهُمْ رَفَعَ ظُلَامَتَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَتَقَرَّبَ إِلَيْهِ [ فِيهَا ] بِوَلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ هَذَا نَسَبٌ مَا يُقِرُّونَ بِهِ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالِاضْطِرَارِ إِلَى التَّقَرُّبِ إِلَيْنَا. فَقَالَ لَهُ: مَنْ جَحَدَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّا سَنُقِرُّ، وَأَنَا أَسْأَلُكَ أَنْ تَرُدَّنِي وَمَعْشَرَ آلِ أَبِي بَكْرَةَ إِلَى نَسَبِنَا مِنْ وَلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَأْمُرَ بِآلِ زِيَادٍ فَيَخْرُجُوا مِنْ نَسَبِهِمُ الَّذِي أُلْحِقُوا بِهِ، وَرَغِبُوا عَنْ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ: " أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَيَرُدُّوا إِلَى عُبَيْدٍ فِي مَوَالِي ثَقِيفٍ ". فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِرَدِّ آلِ أَبِي بَكْرَةَ إِلَى وَلَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَتَبَ فِيهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بِذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِذَلِكَ تَرَكَ مَالَهُ بِيَدِهِ، وَمَنْ أَبَاهُ اصْطَفَى مَالَهُ. فَعَرَضَهُمْ، فَأَجَابُوا جَمِيعًا إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَمَرَ بِرَدِّ نَسَبِ آلِ زِيَادٍ إِلَى عُبَيْدٍ. ( وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ). فَكَانَ الَّذِي حَمَلَ الْمَهْدِيَّ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، أَنَّ رُجَلًا مِنْ آلِ زِيَادٍ قَدِمَ عَلَيْهِ يُقَالُ لَهُ الصُّغْدِيُّ بْنُ سَلْمِ بْنِ حَرْبِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَمِّكَ. فَقَالَ: أَيُّ بَنِي عَمِّي أَنْتَ ؟ فَذَكَرَ نَسَبَهُ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: يَا ابْنَ سُمَيَّةَ الزَّانِيَةِ ! مَتَّى كُنْتَ ابْنَ عَمِّي ؟ وَغَضِبَ وَأَمَرَ بِهِ، فَوُجِئَ فِي عُنُقِهِ وَأُخْرِجَ. وَسَأَلَ عَنِ اسْتِلْحَاقِ زِيَادٍ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْعَامِلِ بِالْبَصْرَةِ بِإِخْرَاجِ آلِ زِيَادٍ مِنْ دِيوَانِ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى ثَقِيفٍ، وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ كِتَابًا بَالِغًا، يَذْكُرُ فِيهِ اسْتِلْحَاقَ زِيَادٍ، وَمُخَالَفَةَ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ فَأُسْقِطُوا مِنْ دِيوَانِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ رَشُّوا الْعُمَّالَ، حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ خَالِدٌ النَّجَّارُ: إِنَّ زِيَادًا وَنَافِعًا وَأَبَا بَكْرَةَ عِنْدِي مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ ذَا قُرَشِيٍّ كَمَا يَقُولُ وَذَا مَوْلًى وَهَذَا بِزَعْمِهِ عَرَبِي . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ، أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا مَكَانَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكَثِيرِيُّ، ثُمَّ عُزِلَ وَاسْتُعْمِلَ مَكَانَهُ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ الْهِلَالِيُّ، وَجُعِلَ عَلَى الْقَضَاءِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ الطَّلْحِيُّ. خَرَوَجَ عَبْدُ السَّلَامِ الْخَارِجِيُّ بِنَوَاحِي الْمَوْصِلِ وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ السَّلَامِ الْخَارِجِيُّ بِنَوَاحِي الْمَوْصِلِ. عُزِلَ بِسْطَامُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ السِّنْدِ وَفِيهَا عُزِلَ بِسْطَامُ بْنُ عَمْرٍو عَنِ السِّنْدِ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ. من حج في هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمَهْدِيُّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَاذَ ابْنَهُ مُوسَى وَخَالَهُ يَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَابْنَهُ هَارُونَ الرَّشِيدَ، وَكَانَ مَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ، فَأَتَاهُ بِمَكَّةَ بِالْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ الَّذِي كَانَ اسْتَأْمَنَ لَهُ، فَوَصَلَهُ الْمَهْدِيُّ وَأَقْطَعَهُ. نَزَعَ الْمَهْدِيُّ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَفِيهَا نَزَعَ الْمَهْدِيُّ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَكَسَاهَا ( كُسْوَةً جَدِيدَةً، وَكَانَ سَبَبُ نَزْعِهَا أَنَّ حَجَبَةَ الْكَعْبَةِ ) ذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُمْ يَخَافُونَ عَلَى الْكَعْبَةِ أَنْ تَتَهَدَّمَ لِكَثْرَةِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْكُسْوَةِ، فَنَزَعَهَا. وَكَانَتْ كُسْوَةُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنَ الدِّيبَاجِ الثَّخِينِ، وَمَا قَبْلَهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَنِ، وَقَسَمَ مَالًا عَظِيمًا، وَكَانَ مَعَهُ مِنَ الْعِرَاقِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ مِنْ مِصْرَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَمِنَ الْيَمَنِ مِائَتَا أَلْفِ دِينَارٍ، فَفَرَّقَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَفَرَّقَ مِائَةَ أَلْفِ ثَوْبٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ ثَوْبٍ، وَوَسَّعَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَخَذَ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يَكُونُونَ حَرَسًا لَهُ بِالْعِرَاقِ، وَأَقْطَعَهُمْ بِالْعِرَاقِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ. وَحَمَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الثَّلْجَ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ أَوَّلَ خَلِيفَةٍ حُمِلَ إِلَيْهِ الثَّلْجُ إِلَى مَكَّةَ، وَرَدَّ الْمَهْدِيُّ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَغَيْرِهِمْ وَظَائِفَهُمُ الَّتِي كَانَتْ مَقْبُوضَةً عَنْهُمْ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَكُوَرِ دِجْلَةَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانَ، وَكُوَرِ الْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ. بعث عبيد الله بن عثمان وتمام بن علقمة إلى شقنا وَفِيهَا أَرْسَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ بِالْأَنْدَلُسِ أَبَا عُثْمَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ، وَتَمَّامَ بْنَ عَلْقَمَةَ، إِلَى شَقْنَا، فَحَاصَرَاهُ شُهُورًا بِحِصْنِ شَبَطْرَانَ، وَأَعْيَاهُمَا أَمْرُهُ، فَقَفَلَا عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ شَقْنَا، بَعْدَ عَوْدِهِمَا عَنْهُ، خَرَجَ مِنْ شَبْطَرَانَ إِلَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى شَنْتَ بَرِيَّةَ رَاكِبًا عَلَى بَغْلَتِهِ الَّتِي تُسَمَّى الْخُلَاصَةَ، فَاغْتَالَهُ أَبُو مَعْنٍ وَأَبُو خُزَيْمٍ، وَهُمَا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَاهُ، وَلَحِقَا بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَعَهُمَا رَأْسُهُ، فَاسْتَرَاحَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ.
التاريخ 2938لا حكم مسجّل
الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، أَبُو سَعِيدٍ الْجَعْفَرِيُّ وَاسْمُ جَعْفَرٍ: عَجْلَانُ. أَسْنَدَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. عَنْ أَبُو عِمْرَانَ التَّمَّارُ قَالَ: غَدَوْتُ يَوْمًا قَبْلَ الْفَجْرِ إِلَى مَسْجِدِ الْجَفْرِيِّ، فَإِذَا بَابُ الْمَسْجِدِ مُغْلَقٌ، وَإِذَا حَسَنٌ جَالِسٌ يَدْعُو، وَإِذَا ضَجَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ وَجَمَاعَةٌ يُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِ فَقَامَ فَأَذَّنَ وَفَتَحَ بَابَ الْمَسْجِدِ، فَدَخَلْتُ، فَلَمْ أَرَ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ النَّاسُ، قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، إِنِّي وَاللَّهِ رَأَيْتُ عَجَبًا، قَالَ: وَمَا رَأَيْتَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ وَسَمِعْتُ، قَالَ: أُولَئِكَ جِنٌّ مِنْ أَهْلِ نَصِيبِينَ يَجِيئُونَ فَيَشْهَدُونَ مَعِي خَتْمَ الْقُرْآنِ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ. زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ الْمَكِّيُّ زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ الْمَكِّيُّ. رَوَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامٍ، وَابْنِ طَاوُوسٍ. وَرَوَى عَنْهُ: وَكِيعٌ. عَنْ مُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ رَاشِدٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: كَانَ زَمْعَةُ نَازِلًا عِنْدَنَا، وَكَانَ لَهُ أَهْلٌ وَبَنَاتٌ، وَكَانَ يَقُومُ فَيُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمُعَرِّسُونَ، أَكُلَّ هَذَا اللَّيْلِ تَرْقُدُونَ، أَلَا تَقُومُونَ، فَتَرْحَلُونَ. فَيُسْمَعُ مِنْ هَاهُنَا بَاكٍ، وَمِنْ هَاهُنَا دَاعٍ، وَمِنْ هَاهُنَا قَارِئٌ، وَمِنْ هَاهُنَا مُتَوَضِّئٌ. فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى. سُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ سُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ . كَانَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ الْفُطَنَاءِ قَالَ: يَزِيدَ بْنَ سَعِيدٍ دَخَلَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى سُلَيْمَانَ الْخَوَّاصِ فَقَالَ لَهُ: أَرَاكَ فِي ظُلْمَةٍ، قَالَ: ظُلْمَةُ الْقَبْرِ أَشَدُّ مِنْ هَذَا. قَالَ: أَرَاكَ وَحْدَكَ. قَالَ: إِنَّ لِلصَّاحِبِ عَلَى الصَّاحِبِ حَقًّا فَخِفْتُ أَنْ لَا أَقُومَ بِحَقِّ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَخْرَجَ سَعِيدٌ صُرَّةً فِيهَا شَيْءٌ، فَقَالَ لَهُ: تُنْفِقُ هَذَا، وَأَنَا أُحِلُّهَا لَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، إِنَّهُ حَلَالٌ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، فَقَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَا تَرَى مَا النَّاسُ فِيهِ دَعْوَةٌ. قَالَ: فَصَرَخَ سُلَيْمَانُ صَرْخَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ يَا سَعِيدُ، فَتَنْتَنِي بِالدُّنْيَا وَتَفْتِنِّي بِالدِّينِ، مَا لِي وَلِلدُّعَاءِ مَنْ أَنَا، فَخَرَجَ سَعِيدٌ، فَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ الْأَوْزَاعِيَّ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: دَعُوا سُلَيْمَانَ، لَوْ كَانَ سُلَيْمَانُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانَ مَثَلًا. شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ الْوَرْدِ شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ الْوَرْدِ ، أَبُو بِسْطَامٍ الْعَتَكِيُّ مَوْلَاهُمْ، وَاسِطِيُّ الْأَصْلِ بَصْرِيُّ الدَّارِ. وُلِدَ بِوَاسِطَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ، وَنَشَأَ بِهَا، وَانْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَرَأَى الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَسَمِعَ قَتَادَةَ، وَيُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَأَيُّوبَ السِّجِسْتَانِيَّ، وَخَالِدًا الْحَذَّاءَ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ، وَأَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَطَلْحَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَالْأَعْمَشَ وَغَيْرَهُمْ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ: أَيُّوبُ، وَالْأَعْمَشُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ عَالِمًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ صَدُوقًا زَاهِدًا مُتَعَبِّدًا، عَارِفًا بِالشِّعْرِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمْ نَرَ أَحَدًا أَعْلَمَ بِالشِّعْرِ مِنْ شُعْبَةَ. عَنْ قَرَّارُ أَبُو نُوحٍ قَالَ: رَأَى عَلَيَّ شُعْبَةُ قَمِيصًا فَقَالَ: بِكَمْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ. قَالَ: وَيْحَكَ، أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ تَلْبَسُ قَمِيصًا بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ ؟ أَلَا اشْتَرَيْتَ قَمِيصًا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، وَتَصَدَّقْتَ بِأَرْبَعَةٍ. قَالَ الضُّبَعِيُّ: وَحَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ إِلَى جَنْبِهِ يَقُولُ: خَرَجَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَوْمًا فَقَوَّمُوا ثِيَابَهُ وَدَابَّتَهُ وَخَاتَمَهُ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: خَرَجَ شُعْبَةُ يَوْمًا فَقَوَّمُوا حِمَارَهُ وَسَرْجَهُ وَلِجَامَهُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا إِلَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا. عَنْ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَحْرٍ الْبَكْرَاوِيَّ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَعْبَدَ لِلَّهِ مِنْ شُعْبَةَ، لَقَدْ عَبَدَ اللَّهَ حَتَّى جَفَّ جِلْدُهُ عَلَى عَظْمِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا لَحْمٌ. قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: كَانَ شُعْبَةُ مُتَشَاغِلًا بِالْعِلْمِ، لَا يَكْسِبُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا، وَكَانَ لَهُ إِخْوَةٌ يَقُومُونَ بِأُمُورِهِ، فَاشْتَرَى أَحَدُ إِخْوَتِهِ طَعَامًا مِنَ السُّلْطَانِ فَخَسِرَ فِيهِ، فَقَدِمَ شُعْبَةُ عَلَى الْمَهْدِيِّ فِي ذَلِكَ فَعَابَهُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، فَقَالَ شُعْبَةُ: هُوَ لَمْ يُحْبَسْ أَخُوهُ. وَعَنْ أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: اشْتَرَى أَخٌ لِشُعْبَةَ مِنْ طَعَامِ السُّلْطَانِ فَخَسِرَ هُوَ وَشُرَكَاؤُهُ، فَحُبِسَ عَلَى سِتَّةِ آلَافِ دِينَارٍ تَخُصُّهُ، فَخَرَجَ شُعْبَةُ إِلَى الْمَهْدِيِّ لِيُكَلِّمَهُ فِيهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْشَدَنِي قَتَادَةُ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُهُ صَبَاحٌ عَنِ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ وَلَا مَسَاءُ فَأَرْضُكَ أَرْضُ مَكْرُمَةٍ بَنَتْهُا بَنُو تَيْمٍ وَأَنْتَ لَهُمْ سَمَاءُ فَقَالَ: لَا يَا أَبَا بِسْطَامٍ، لَا تَذْكُرْهَا، قَدْ عَرَفْنَاهَا وَقَضَيْنَاهَا لَكَ، ادْفَعُوا إِلَيْهِ أَخَاهُ، وَلَا تُلْزِمُوهُ شَيْئًا. وَعَنْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السَّرَّاجُ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: وَهَبَ الْمَهْدِيُّ لِشُعْبَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَسَمَهَا، وَأَقْطَعَهُ أَلْفَ جَرِيبٍ بِالْبَصْرَةِ، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَطِيبُ لَهُ فَتَرَكَهَا وَلَمْ يَرْجِعْ. تُوُفِّيَ شُعْبَةُ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ الْجُمَحِيُّ . وَالِي الْمَدِينَةِ. تُوُفِّيَ فَوَلِي مَكَانَهُ زُفَرُ بْنُ عَاصِمٍ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْمَسْعُودِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْمَسْعُودِيُّ . سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ وَعَاصِمَ بْنَ بَهْدَلَةَ وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَابْنُ عُتْبَةَ، وَوَكِيعٌ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْعُودِيِّ: أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: كِلَاهُمَا ثِقَةٌ، الْمَسْعُودِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَكْثَرُهُمَا حَدِيثًا، قِيلَ: لَهُ إِخْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ لَهُ: هُمَا مِنْ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَوْ مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ؟ فَقَالَ: هُمَا مِنْ وَلَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: وَقَالَ رَجُلٌ لِلْمَسْعُودِيِّ: إِنَّكَ مِنْ وَلَدِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ فَغَضِبَ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الرَّبِيعُ بْنُ صُبَيْحٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، أَحَدُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ وَفِيهَا مَاتَ دَاوُدُ بْنُ نُصَيْرٍ الطَّائِيُّ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَفِيهَا تُوُفِّيَ الرَّبِيعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَمُّ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الْفَقِيهِ، كُنْيَتُهُ أَبُو مَالِكٍ، وَكَانُوا أَرْبَعَةَ إِخْوَةٍ، أَكْبَرُهُمْ أَنَسٌ وَالِدُ مَالِكٍ، ثُمَّ أُوَيْسٌ جَدُّ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُوَيْسٍ، ثُمَّ نَافِعٌ، ثُمَّ الرَّبِيعُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ الْعُصْفُرِيُّ اللَّيْثِيُّ، وَهُوَ جَدُّ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ. ( خَيَّاطٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ ) وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَصْرِيُّ الْفُرْهُودِيُّ النَّحْوِيُّ، الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ فِي النَّحْوِ، أُسْتَاذُ سِيبَوَيْهِ.
التاريخ 2939لا حكم مسجّل
وَفِيهَا خَرَجَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْمُقَنَّعُ. بِخُرَاسَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مَرْوَ، وَكَانَ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ضَلَالَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَجَهَّزَ لَهُ الْمَهْدِيُّ عِدَّةً مِنْ أُمَرَائِهِ، وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ جُيُوشًا كَثِيرَةً، مِنْهُمْ مُعَاذُ بْنُ مُسْلِمٍ أَمِيرُ خُرَاسَانَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ مَا سَنَذْكُرُهُ. ذِكْرُ تَغَيُّرِ حَالِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَغَيَّرَتْ حَالُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَزِيرِ الْمَهْدِيِّ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ سَبَبَ اتِّصَالِهِ بِهِ أَيَّامَ الْمَنْصُورِ، وَمَسِيرَهُ مَعَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَحَكَى الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ أَنَّ الْمَوَالِيَ كَانُوا يَقَعُونَ فِي أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ وَيُحَرِّضُونَهُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ كُتُبُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ تَرِدُ عَلَى الْمَنْصُورِ بِمَا يَفْعَلُ، وَيَعْرِضُهَا عَلَى الرَّبِيعِ، وَيَكْتُبُ الْكُتُبَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِالْوَصَاةِ بِهِ، وَتَرْكِ الْقَوْلِ فِيهِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ حَجَّ مَعَ الْمَنْصُورِ حِينَ مَاتَ، وَفَعَلَ فِي بَيْعَةِ الْمَهْدِيِّ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ جَاءَ إِلَى بَابِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ، قَبْلَ الْمَهْدِيِّ، وَقَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْفَضْلُ: تَتْرُكُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْزِلَكَ وَتَأْتِيهِ ! قَالَ: هُوَ صَاحِبُ الرَّجُلِ، وَيَنْبَغِي أَنْ نُعَامِلَهُ غَيْرَ مَا كُنَّا نُعَامِلُهُ بِهِ، وَنَتْرُكَ ذِكْرَ نُصْرَتِنَا لَهُ. فَوَقَفَ عَلَى بَابِهِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَلَمْ يَقُمْ لَهُ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَلَمْ يَجْلِسْ، وَلَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ الرَّبِيعُ أَنْ يَذْكُرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ، فَقَالَ: قَدْ بَلَغَنَا أَمْرُكُمْ، فَأَوْغَرَ صَدْرَ الرَّبِيعِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. ( قَالَ لَهُ ابْنُهُ الْفَضْلُ: لَقَدْ بَلَغَ فِعْلُ هَذَا بِكَ مَا فَعَلَ، وَكَانَ الرَّأْيُ أَنْ لَا تَأْتِيَهُ، وَحَيْثُ أَتَيْتَهُ وَحَجَبَكَ أَنْ تَعُودَ، وَحَيْثُ دَخَلْتَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقُمْ لَكَ أَنْ تَعُودَ ). فَقَالَ لِابْنِهِ: أَنْتَ أَحْمَقُ حَيْثُ تَقُولُ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِيءَ، وَحَيْثُ جِئْتَ وَحُجِبْتَ أَنْ تَعُودَ، وَلَمَّا دَخَلْتَ فَلَمْ يَقُمْ لَكَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعُودَ، وَلَمْ يَكُنِ الصَّوَابُ إِلَّا مَا عَمِلْتُهُ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ، وَأَكَّدَ الْيَمِينَ، لَأَخْلَعَنَّ جَاهِي، وَلَأُنْفِقَنَّ مَالِي حَتَّى أَبْلُغَ مَكْرُوهَهُ. وَسَعَى فِي أَمْرِهِ، فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ طَرِيقًا لِاحْتِيَاطِهِ فِي أَمْرِ دِينِهِ وَأَعْمَالِهِ، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ وَيَدُسُّ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَيَتَّهِمُهُ بِبَعْضِ حُرَمِهِ، وَبِأَنَّهُ زِنْدِيقٌ، حَتَّى اسْتَحْكَمَتِ التُّهْمَةُ عِنْدَ الْمَهْدِيِّ بِابْنِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُحْضِرَ، وَأُخْرِجَ أَبُوهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ ! اقْرَأْ، فَلَمْ يُحْسِنْ يَقْرَأُ شَيْئًا، فَقَالَ لِأَبِيهِ: أَلَمْ تُعْلِمْنِي أَنَّ ابْنَكَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُ فَارَقَنِي مُنْذُ سِنِينَ، وَقَدْ نَسِيَ. قَالَ: فَقُمْ فَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِدَمِهِ، فَقَامَ لِيَقْتُلَ وَلَدَهُ فَعَثَرَ فَوَقَعَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ يُعْفِيَ الشَّيْخَ، فَافْعَلْ، فَأَمَرَ بِابْنِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَقَالَ لَهُ الرَّبِيعُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! تَقْتُلُ ابْنَهُ وَتَثِقُ إِلَيْهِ ! لَا يَنْبَغِي ذَلِكَ. فَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ. ذِكْرُ عُبُورِ الصَّقْلَبِيِّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَقَتْلِهِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتِّينَ، عَبَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ الْفِهْرِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالصَّقْلَبِيِّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ لِطُولِهِ وَزُرْقَتِهِ وَشُقْرَتِهِ، مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ مُحَارِبًا لَهُمْ، لِيَدْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَكَانَ عُبُورُهُ فِي سَاحِلِ تُدْمِيرَ، وَكَاتَبَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَقْظَانَ بِالدُّخُولِ فِي أَمْرِهِ، وَمُحَارَبَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، وَالدُّعَاءِ إِلَى طَاعَةِ الْمَهْدِيِّ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ بِبَرْشَلُونَةَ، فَلَمْ يُجِبْهُ، فَاغْتَاظَ عَلَيْهِ، وَقَصَدَ بَلَدَهُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَهَزَمَهُ سُلَيْمَانُ، فَعَادَ الصَّقْلَبِيُّ إِلَى تُدْمِيرَ، وَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ نَحْوَهُ فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَأَحْرَقَ السُّفُنَ تَضْيِيقًا عَلَى الصَّقْلَبِيِّ فِي الْهَرَبِ، فَقَصَدَ الصَّقْلَبِيُّ جَبَلًا مَنِيعًا بِنَاحِيَةِ بَلَنْسِيَةَ. فَبَذَلَ الْأُمَوِيُّ أَلْفَ دِينَارٍ لِمَنْ أَتَاهُ بِرَأْسِهِ، فَاغْتَالَهُ رَجُلٌ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا ظَفِرَ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ بِالشَّامِ، فَأَخَذَهُ، وَقَدِمَ بِهِ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَحَبَسَهُ فِي الْمُطْبِقِ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ سَهْلَةَ الْأَشْعَرِيُّ، فَادَّعَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَتَلَ أَبَاهُ، وَحَاكَمَهُ عِنْدَ عَافِيَةَ الْقَاضِي، فَتَوَجَّهَ الْحُكْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ. فَجَاءَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ إِلَى الْقَاضِي فَقَالَ: زَعَمَ عَمْرُو بْنُ سَهْلَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَتَلَ أَبَاهُ، وَكَذَبَ وَاللَّهِ، مَا قَتَلَ أَبَاهُ غَيْرِي، أَنَا قَتَلْتُهُ بِأَمْرِ مَرْوَانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بَرِيءٌ مِنْ دَمِهِ، فَتُرِكَ عَبْدُ اللَّهِ، وَلَمْ يَعْرِضِ الْمَهْدِيُّ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ، لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِأَمْرِ مَرْوَانَ. غزو ثمامة بن الوليد الصائفة وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ ثُمَامَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَنَزَلَ بِدَابِقَ. وَجَاشَتِ الرُّومُ مَعَ مِيخَائِيلَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَأَتَى عُمْقَ مَرْعَشَ، فَقَتَلَ، وَسَبَى، وَغَنِمَ، وَأَتَى مَرْعَشَ فَحَاصَرَهَا، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِدَّةً كَثِيرَةً. وَكَانَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ مُرَابِطًا بِحِصْنِ مَرْعَشَ فَانْصَرَفَ الرُّومُ إِلَى جَيْحَانَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَهْدِيَّ، فَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَتَجَهَّزَ لِغَزْوِ الرُّومِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ صَائِفَةٌ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ. بناء القصور بطرق مكة وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِبِنَاءِ الْقُصُورِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، أَوْسَعَ مِنَ الْقُصُورِ الَّتِي بَنَاهَا السَّفَّاحُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى زُبَالَةَ، وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ الْمَصَانِعِ فِي كُلِّ مَنْهَلٍ مِنْهَا، وَبِتَجْدِيدِ الْأَمْيَالِ وَالْبِرَكِ، وَبِحَفْرِ الرَّكَايَا، وَوَلِيَ ذَلِكَ يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى، وَأَمَرَ بِالزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، وَتَقْصِيرِ الْمَنَابِرِ فِي الْبِلَادِ، وَجَعْلِهَا بِمِقْدَارِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْيَوْمِ. تَوْجِيهِ الْأُمَنَاءِ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ بِتَوْجِيهِ الْأُمَنَاءِ فِي جَمِيعِ الْآفَاقِ، فَفَعَلَ فَكَانَ لَا يُنْفِذُ الْمَهْدِيُّ كِتَابًا إِلَى عَامِلٍ فَيَجُوزُ حَتَّى يَكْتُبَ يَعْقُوبُ إِلَى أَمِينِهِ بِإِنْفَاذِ ذَلِكَ. غزو البحر وَفِيهَا غَزَا الْغَمْرُ بْنُ الْعَبَّاسِ فِي الْبَحْرِ. تولية نصر الأشعث السند وَفِيهَا وَلِيَ نَصْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ السِّنْدَ، ثُمَّ عُزِلَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شِهَابٍ، فَبَقِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ عُزِلَ وَأُعِيدَ نَصْرٌ مِنَ الطَّرِيقِ. اسْتَقْضَى الْمَهْدِيُّ عَافِيَةَ الْقَاضِي مَعَ ابْنِ عُلَاثَةَ وَفِيهَا اسْتَقْضَى الْمَهْدِيُّ عَافِيَةَ الْقَاضِي مَعَ ابْنِ عُلَاثَةَ بِالرُّصَافَةِ. عزل الفضل بن صالح عن الجزيرة وَفِيهَا عَزَلَ الْفَضْلَ بْنَ صَالِحٍ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ، وَاسْتَعْمَلَ عِيسَى بْنَ لُقْمَانَ عَلَى مِصْرَ، وَيَزِيدَ بْنَ مَنْصُورٍ عَلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَحَسَّانَ الشَّرَوِيَّ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَبِسْطَامَ بْنَ عَمْرٍو التَّغْلِبِيَّ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ. وفاة نصر بن مالك وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ فَالِجٍ أَصَابَهُ، وَوَلَّى الْمَهْدِيُّ بَعْدَهُ شُرْطَتَهُ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ، وَصَرَفَ أَبَانَ بْنَ صَدَقَةَ عَنْ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَجَعَلَ مَعَ مُوسَى الْهَادِي، وَجَعَلَ مَعَ هَارُونَ يَحْيَى بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ. عزل أبو ضمرة عن مصر وَفِيهَا عُزِلَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ مِصْرَ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَوَلِيَهَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ. من حج بالناس هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى الْهَادِي وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ. ( وَكَانَ عَامِلُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ: جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ، وَعَامِلُ الْيَمَنِ: عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ )، وَكَانَ عَلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ: يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَلَى أَحْدَاثِهَا: إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ.
التاريخ 2940لا حكم مسجّل
أَبُو دُلَامَةَ الشَّاعِرُ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 866 - زَنْدُ - بِالنُّونِ - بْنُ الْجَوْنِ، أَبُو دُلَامَةَ الشَّاعِرُ. [قَالَ الْمُؤَلِّفُ]: وَمَنْ قَالَ: زَيْدٌ [فَقَدْ] صَحَّفَ، وَكَانَ كُوفِيًّا أَسْوَدَ، مَوْلًى لِبَنِي أَسَدٍ، وَكَانَ أَبُوهُ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: قَصَاقِصُ فَأَعْتَقَهُ، أَدْرَكَ آخَرَ بَنِي أُمَيَّةَ - أَعْنِي أَبَا دُلَامَةَ - لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَبَاهَةٌ فِي أَيَّامِهِمْ وَنَبَغَ فِي أَيَّامِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَانْقَطَعَ إِلَى السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ، وَكَانُوا يُقَدِّمُونَهُ وَيُفَضِّلُونَهُ وَيَسْتَطِيبُونَ نَوَادِرَهُ، وَمَدَحَ الْمَنْصُورَ، وَذَكَرَ قَتْلَ أَبَا مُسْلِمٍ فَقَالَ فِيهَا: أَبَا مُسْلِمٍ خَوَّفْتَنِي الْقَتْلَ فَانْتَحَى عَلَيْكَ بِمَا خَوَّفْتَنِي الْأَسَدُ الْوَرْدُ أَبَا مُسْلِمٍ مَا غَيَّرَ اللَّهُ نِعْمَةً عَلَى عَبْدِهِ حَتَّى يُغَيِّرَهَا الْعَبْدُ وَأَنْشَدَهَا الْمَنْصُورَ فِي مَحْفِلٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: لَهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَمَرَ لَهُ بِهَا، فَلَمَّا خَلَا بِهِ قَالَ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ تَعَدَّيْتَهَا لَقَتَلْتُكَ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ الرَّشِيدِ وَلَا يَثْبُتُ. وَكَانَ مَطْبُوعًا كَثِيرَ النَّوَادِرِ. وَعَنْ أَبُو سَهْلٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ ثَعْلَبًا يَقُولُ: لَمَّا مَاتَتْ حَمَّادَةُ بِنْتُ عِيسَى امْرَأَةُ الْمَنْصُورِ، وَقَفَ الْمَنْصُورُ وَالنَّاسُ مَعَهُ عَلَى حُفْرَتِهَا يَنْتَظِرُونَ مَجِيءَ الْجِنَازَةِ وَأَبُو دُلَامَةَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الْمَنْصُورُ فَقَالَ: يَا أَبَا دُلَامَةَ مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْمَصْرَعِ؟ قَالَ: حَمَّادَةُ بِنْتُ عِيسَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَضْحَكَ الْقَوْمَ. عَنْ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: أَمَرَ الْمَنْصُورُ أَبَا دُلَامَةَ بِالْخُرُوجِ نَحْوَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ أَبُو دُلَامَةَ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُحْضِرَنِي شَيْئًا مِنْ عَسَاكِرِكَ، فَإِنِّي شَهِدْتُ تِسْعَةَ عَسَاكِرَ انْهَزَمَتْ كُلُّهَا، وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ عَسْكَرُكَ الْعَاشِرَ. فَضَحِكَ مِنْهُ وَأَعْفَاهُ. وَعَنْ الْعَتَّابِيُّ قَالَ: دَخَلَ أَبُو دُلَامَةَ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَطَلَبَ كَلْبًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَائِدَهُ فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ دَابَّةً، ثُمَّ جَارِيَةً تَطْبُخُ الصَّيْدَ، فَأَعْطَاهُ قَالَ: مَنْ يَعُولُهَا، أَقْطِعْنِي ضَيْعَةً أَعِيشُ فِيهَا وَعِيَالِي. قَالَ: قَدْ أَقْطَعَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِائَةَ جَرِيبٍ مِنَ الْعَامِرِ، وَمِائَةً مِنَ الْغَامِرِ قَالَ: وَمَا الْغَامِرُ؟ قَالَ: الْخَرَابُ الَّذِي لَا يُنْبِتُ، قَالَ أَبُو دُلَامَةَ: قَدْ أَقْطَعَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ خَمْسَمِائَةِ جَرِيبٍ مِنَ الْغَامِرِ أَرْضِ بَنِي أَسَدٍ، قَالَ: فَهَلْ بَقِيَتْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَأْذَنُ لِي أَنْ أُقَبِّلَ يَدَكَ، قَالَ: مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَدَدْتَنِي عَنْ حَاجَةٍ أَهْوَنَ عَلَيَّ فَقْدًا مِنْهَا. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: لَقِيَ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ بَعْضَ الْحُرُوبِ فَقَالَ لِأَبِي دُلَامَةَ - وَقَدْ دَعَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِلَى الْبِرَازِ - تَقَدَّمْ إِلَيْهِ، قَالَ: لَسْتُ بِصَاحِبِ قِتَالٍ، قَالَ: لِتَفْعَلَنَّ، قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، فَدَفَعَ إِلَيْهِ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَتَقَدَّمَ فَهَمَّ بِهِ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ أَبُو دُلَامَةَ: اصْبِرْ يَا هَذَا أَيَّ مُحَارِبٍ تَرَانِي؟ ثُمَّ قَالَ: أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ أَعْرِفُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا فِي الدُّنْيَا أَحْمَقُ مِنَّا وَدَعَاهُ لِلْغَدَاءِ فَتَغَدَّيَا جَمِيعًا وَافْتَرَقَا، فَسَأَلَ رُوحٌ عَمَّا فَعَلَ، فَحُدِّثَ فَضَحِكَ، وَدَعَا بِهِ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْقِصَّةِ فَقَالَ: إِنِّي أَعُوذُ بِرُوحٍ أَنْ تُقَدِّمَنِي إِلَى الْقِتَالِ فَيُخْزِي بِي بَنِي أَسَدِ إِنَّ الْمُهَلَّبَ حُبَّ الْمَوْتِ وَرَّثَكُمْ وَلَا وَرِثْتُ لِحُبِّ الْمَوْتِ مِنْ أَحَدِ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الثَّوْرِيُّ. مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وُلِدَ فِي خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَسَمِعَ خَلْقًا كَثِيرًا وَكَانَ مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، لَا يُخْتَلَفُ فِي إِمَامَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَحِفْظِهِ وَعِلْمِهِ وَزُهْدِهِ. وَعَنْ يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَعَطَاءً، وَمُجَاهِدًا وَتَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: هُوَ مَا أَقُولُ، مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَعَنْ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: مَا عَاشَرْتُ فِي النَّاسِ رَجُلًا أَرَقَّ مِنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَكُنْتُ أَرْمُقُهُ فِي اللَّيْلَةِ بَعْدَ اللَّيْلَةِ يَنْهَضُ مَرْعُوبًا يُنَادِي: النَّارُ النَّارُ، شَغَلَنِي ذِكْرُ النَّارِ عَنِ النَّوْمِ وَالشَّهَوَاتِ. وَعَنْ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ الْعِجْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: دَخَلَ سُفْيَانُ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، كَيْفَ أَنْتُمْ. ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: حَجَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [ ؓ ] فَأَنْفَقَ فِي حَجَّتِهِ سِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا، وَأَنْتَ حَجَجْتَ، فَأَنْفَقْتَ فِي حَجَّتِكَ بُيُوتَ الْأَمْوَالِ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تُرِيدُ، أَكُونُ مِثْلَكَ؟ قَالَ: فَوْقَ مَا أَنَا فِيهِ وَدُونَ مَا أَنْتَ فِيهِ. فَقَالَ وَزِيرُهُ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ كَانَتْ كُتُبُكَ تَأْتِينَا فَنُنْفِذُهَا. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ وَزِيرِي. قَالَ: احْذَرْهُ، فَإِنَّهُ كَذَّابٌ، أَنَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ. ثُمَّ قَامَ فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: إِلَى أَيْنَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَعُودُ، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ نَعْلَهُ حِينَ قَامَ، فَعَادَ فَأَخَذَهَا ثُمَّ مَضَى، فَانْتَظَرَهُ الْمَهْدِيُّ فَلَمْ يَعُدْ، قَالَ: وَعَدَنَا أَنْ يَعُودَ فَلَمْ يَعُدْ، قِيلَ: إِنَّهُ عَادَ لِأَخْذِ نَعْلِهِ فَغَضِبَ. وَقَالَ: قَدْ آمَنَ النَّاسُ إِلَّا سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَيُونُسَ بْنَ فَرْوَةَ الزِّنْدِيقَ، فَإِنَّهُ لَبِطَلَبٍ وَإِنَّهُ لَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَذَهَبَ فَأَلْقَى نَفْسَهُ بَيْنَ النِّسَاءِ فَجَلَّلْنَهُ، قِيلَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: إِنَّهُنَّ أَرْحَمُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ. فَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ: مَا أَشَدَّ الْغُرْبَةَ انْظُرُوا إِلَيَّ هَاهُنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بِلَادِي؟ فَنَظَرُوا فَإِذَا أَفْضَلُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشٍ أَخُو أَبِي بَكْرٍ، فَأَوْصَى إِلَى الْحَسَنِ فِي تَرِكَتِهِ، وَأَوْصَى إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ. تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. الْمُؤَمَّلُ بْنُ أُمَيْلٍ الْمُحَارِبِيُّ الشَّاعِرُ الْمُؤَمَّلُ بْنُ أُمَيْلٍ الْمُحَارِبِيُّ الشَّاعِرُ . مَدَحَ الْمَهْدِيَّ وَلَهُ أَشْعَارٌ. عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ قَالَ: ذُكِرَ الْمُؤَمَّلُ بَيْنَ يَدَيْ الْمُبَرَّدِ، فَقَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ الْمُؤَمَّلُ الْبَارِدُ. فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي شِعْرِهِ ذَلِكَ [وَلَكِنَّهُ] شَاعِرٌ، قَالَ: أَنْشَدَنِي لَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ الْمُعَدَّلِ: لَا تَغْضَبَنَّ عَلَى قَوْمٍ تُحِبُّهُمْ فَلَيْسَ يُنْجِيكَ مِنْ أَحْبَابِكَ الْغَضَبُ وَلَا تُخَاصِمْهُمْ يَوْمًا وَإِنْ ظَلَمُوا إِنَّ الْقُضَاةَ إِذَا مَا خُوصِمُوا غَلَبُوا يَا جَائِرِينَ عَلَيْنَا فِي حُكُومَتِهِمْ وَالْجَوْرُ أَعْظَمُ مَا يُؤْتَى وَيُرْتَكَبُ لَسْنَا إِلَى غَيْرِكُمْ مِنْكُمْ نَفِرُّ إِذَا جُرْتُمْ وَلَكِنْ إِلَيْكُمْ مِنْكُمُ الْهَرَبُ قَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: وَأَخْبَرَنِي الصُّولِيُّ قَالَ: يُقَالُ إِنَّ الْمُؤَمَّلَ لَمَّا قَالَ: شَفَى الْمُؤَمَّلَ يَوْمَ الْحَيْرَةِ النَّظَرُ لَيْتَ الْمُؤَمَّلَ لَمْ يُخْلَقْ لَهُ بَصَرُ عَمِيَ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ إِنْسَانًا يَقُولُ لَهُ: هَذَا مَا تَمَنَّيْتَ فِي شِعْرِكَ. نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ 869 - نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ. تُوُفِّيَ مِنْ فَالِجٍ أَصَابَهُ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ بَنِي هَاشِمٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَهْدِيُّ، وَوَلِيَ الشُّرْطَةَ بَعْدَهُ حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ. إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ. وَاسْمُ أَبِي إِسْحَاقَ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَمْدَانِيُّ وَسَبِيعٌ الَّذِي نُسِبَ إِلَيْهِ هُوَ صَعْبُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ مَالِكٍ، وَإِسْرَائِيلُ: يُكَنَّى أَبَا يُوسُفَ، وَهُوَ كُوفِيٌّ. سَمِعَ جَدَّهَ أَبَا إِسْحَاقَ، وَسِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَالْأَعْمَشَ. رَوَى عَنْهُ: وَكِيعٌ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ. قَالَ: يَحْيَى ثِقَةٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: هُوَ ضَعِيفٌ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ. وَقِيلَ سَنَةَ سِتِّينَ. وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ،
التاريخ 2941لا حكم مسجّل
مقتل عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ هَاشِمٍ الْيَشْكُرِيُّ بقنسرين ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِيهَا خَرَجَ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ هَاشِمٍ الْيَشْكُرِيُّ بِأَرْضِ قِنِّسْرِينَ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، فَقَاتَلَهُ خَلْقٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَجَهَّزَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ جُيُوشًا، وَأَنْفَقَ فِيهِمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَهَزَمَ الْخَارِجِيُّ الْجُيُوشَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ إِنَّهُ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ. غزو الحسن بن قحطبة الصائفة وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ سِوَى الْمُطَّوِّعَةِ، فَقَهَرَ الرُّومَ، وَحَرَقَ بُلْدَانًا كَثِيرَةً وَخَرَّبَهَا، وَأَسَرَ خَلْقًا مِنَ الذَّرَارِي. وَكَذَلِكَ غَزَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي أُسَيْدٍ السُّلَمِيُّ بِلَادَ الرُّومِ مِنْ بَابِ قَالِيقَلَا، فَغَنَمَ وَسَلِمَ وَسَبَى خَلْقًا كَثِيرًا. ظهور المحمرة بجرجان وَفِيهَا خَرَجَتْ طَائِفَةٌ بِجُرْجَانَ، فَلَبِسُوا الْحُمْرَةَ; وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُمُ: الْمُحَمِّرَةُ. مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْقَهَّارِ. فَغَزَاهُ عُمَرُ بْنُ الْعَلَاءِ مِنْ طَبَرِسْتَانَ، فَقَهَرَ عَبْدَ الْقَهَّارِ، فَقَتَلَهُ وَأَصْحَابَهُ. من حج بالناس في هذه السنة وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ . وَفِيهَا: وَضَعَ الْمَهْدِيُّ دَوَاوِينَ الْأَزِمَّةِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عُمَرَ بْنَ بَزِيعٍ مَوْلَاهُ، فَوَلَّى عُمَرُ [ابْنُ بَزِيعٍ] النُّعْمَانَ بْنَ عُثْمَانَ زِمَامَ خَرَاجِ الْعِرَاقِ. غزو باب قاليقلا وَفِيهَا: غَزَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي أُسَيْدٍ السُّلُمِيُّ [بَابَ] قَالِيقَلَا فَغَنِمَ، وَافْتَتَحَ ثَلَاثَةَ حُصُونٍ وَأَصَابُوا شَيْئًا كَثِيرًا وَأَسْرَى. تولية بعض العمال وَفِيهَا: عُزِلَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْيَمَنِ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعُزِلَ سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ عَنْ مِصْرَ وَوَلِيَهَا عِيسَى بْنُ لُقْمَانَ فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ عُزِلَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَوَلِيَهَا وَاضِحٌ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ عُزِلَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَوَلِيَهَا يَحْيَى الْحَرَشِيُّ. حبس المهدي موسى بن جعفر وَفِيهَا: حَبَسَ الْمَهْدِيُّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ: فَرَأَى فِي الْمَنَامِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَطْلَقَهُ. ( وَفِيهَا سَيَّرَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقُرَشِيِّ إِلَى الْقَائِدِ السُّلَمِيِّ، وَكَانَ حَسَنَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، فَشَرِبَ لَيْلَةً، وَقَصَدَ بَابَ الْقَنْطَرَةِ لِيَفْتَحَهُ عَلَى سُكْرٍ مِنْهُ، فَمَنَعَهُ الْحَرَسُ، فَعَادَ، فَلَمَّا صَحَا خَافَ، فَهَرَبَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يُرِيدُ الْخِلَافَ وَالشَّرَّ، فَعَاجَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِإِنْفَاذِ الْجُيُوشِ إِلَيْهِ، فَنَازَلَهُ فِي مَوْضِعٍ قَدْ تَحَصَّنَ فِيهِ، وَحَصَرَهُ، ثُمَّ إِنَّ السُّلَمِيَّ طَلَبَ الْبِرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مَمْلُوكٌ أَسْوَدُ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَا صَرِيعَيْنِ، ثُمَّ مَاتَا جَمِيعًا ).
التاريخ 2942لا حكم مسجّل
إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ اسمه ونسبه وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، أَحَدُ مَشَاهِيرِ الْعُبَّادِ، وَمِنْ أَكَابِرِ مَنْ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ مِنَ الْعُبَّادِ، وَدَاوُدُ الطَّائِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الصُّوفِيَّةِ، وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ. فَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَبُو إِسْحَاقَ التَّمِيمِيُّ، وَيُقَالُ: الْعِجْلِيُّ. فَهُوَ أَحَدُ الزُّهَّادِ، أَصْلُهُ مِنْ بَلْخَ. وَسَكَنَ الشَّامَ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، وَالْأَعْمَشِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ صَاحِبِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَخَلْقٍ. وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنْهُمْ; بَقِيَّةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ، وَحَكَى عَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يُصَلِّي جَالِسًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُصَلِّي جَالِسًا، فَمَا أَصَابَكَ؟ قَالَ: " الْجُوعُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ". قَالَ: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: " لَا تَبْكِ; فَإِنَّ شِدَّةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُصِيبُ الْجَائِعَ إِذَا احْتَسَبَ فِي دَارِ الدُّنْيَا ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ فَتَنْسِفُ الْعِبَادَ نَسْفًا، وَيَنْجُو الْعَالِمُ مِنْهَا بِعِلْمِهِ. قَالَ النَّسَائِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ، أَحَدُ الزُّهَّادِ. قصة هداية إبراهيم بن أدهم وَذَكَرَ الْأُسْتَاذُ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ فِي " رِسَالَتِهِ " أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَصَيَّدُ إِذْ أَتْبَعَ ثَعْلَبًا أَوْ أَرْنَبًا، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ مِنْ قَرَبُوسِ سَرْجِهِ: أَلِهَذَا خُلِقْتَ أَمْ بِهَذَا أُمِرْتَ؟ فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَجَاءَ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ لِأَبِيهِ، فَأَخَذَ جُبَّةً مِنْ صُوفٍ فَلَبِسَهَا، وَأَعْطَاهُ فَرَسَهُ وَلِبَاسَهُ وَمَا كَانَ مَعَهُ، وَذَهَبَ فِي الْبَادِيَةِ، فَدَخَلَ مَكَّةَ، وَصَحِبَ الثَّوْرِيَّ، وَالْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ، وَدَخَلَ الشَّامَ وَمَاتَ بِهَا. ورع وزهد إبراهيم بن أدهم وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، مِثْلَ الْحَصَادِ، وَحِفْظِ الْبَسَاتِينِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَإِنَّهُ رَأَى فِي الْبَادِيَةِ رَجُلًا عَلَّمَهُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَدَعَا بِهِ بَعْدَهُ، فَرَأَى الْخَضِرَ، فَقَالَ: إِنَّمَا عَلَّمَكَ أَخِي دَاوُدُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ. ثُمَّ سَاقَهُ الْقُشَيْرِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ لَا يَصِحُّ. وَرَوَاهَا ابْنُ عَسَاكِرَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ، وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ إِلْيَاسَ هُوَ عَلَّمَكَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ كَبِيرَ الشَّأْنِ فِي بَابِ الْوَرِعِ، وَيُحْكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَطِبْ مَطْعَمَكَ، وَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَقُومَ اللَّيْلَ، وَتَصُومَ النَّهَارَ. وَقِيلَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ انْقُلْنِي مِنْ ذُلِّ مَعْصِيَتِكَ إِلَى عِزِّ طَاعَتِكَ. وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: إِنَّ اللَّحْمَ قَدْ غَلَا. فَقَالَ: أَرْخِصُوهُ. أَيْ لَا تَشْتَرُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَتَفَ بِهِ الْهَاتِفُ قَائِلًا لَهُ مِنْ فَوْقِهِ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَا هَذَا الْعَبَثُ؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 115 ]. اتَّقِ اللَّهَ، وَعَلَيْكَ بِالزَّادِ لِيَوْمِ الْفَاقَةِ. قَالَ: فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَرَفَضَ الدُّنْيَا، وَأَخَذَ فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ - بِإِسْنَادٍ فِيهِ نَظَرٌ - عَنِ ابْتِدَاءِ أَمْرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي مَنْظَرَةٍ لِي بِبَلْخَ، وَإِذَا بِشَيْخٍ حَسَنٍ قَدِ اسْتَظَلَّ بِفَيْئِهَا، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ قَلْبِي، فَأَمَرْتُ غُلَامِي، فَطَلَبَهُ فَدَخَلَ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الطَّعَامَ، فَأَبَى، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ. قُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْحَجَّ. قُلْتُ: فِي هَذَا الْوَقْتِ؟ - وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ ثَانِيَهُ - فَقَالَ: يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. فَقُلْتُ: الصُّحْبَةَ. قَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ ذَلِكَ فَمَوْعِدُكَ اللَّيْلُ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَنِي فَقَالَ: قُمْ بِسْمِ اللَّهِ. فَأَخَذْتُ ثِيَابَ سَفَرِي، وَسِرْنَا نَمْشِي كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُجْذَبُ مِنْ تَحْتِنَا، وَنَحْنُ نَمُرُّ عَلَى الْبُلْدَانِ، وَنَقُولُ هَذِهِ فُلَانَةُ، هَذِهِ فُلَانَةُ. فَإِذَا كَانَ الصَّبَاحُ فَارَقَنِي وَيَقُولُ: مَوْعِدُكَ اللَّيْلُ. فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَنِي، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، فَزُرْنَا قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ سِرْنَا إِلَى مَكَّةَ، فَجِئْنَاهَا لَيْلًا، فَقَضَيْنَا الْحَجَّ مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى الشَّامِ، فَزُرْنَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَقَالَ: إِنِّي عَازِمٌ عَلَى الْمُقَامِ بِالشَّامِ. وَرَجَعْتُ أَنَا إِلَى بَلَدِي بَلْخَ أَسِيرُ سَيْرَ الضُّعَفَاءِ، حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهَا، وَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ أَمْرِي. وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِيهِ نَظَرٌ. أقوال العلماء في إبراهيم بن أدهم وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يُشْبِهُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ، وَلَوْ كَانَ فِي الصَّحَابَةِ لَكَانَ رَجُلًا فَاضِلًا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ رَجُلًا فَاضِلًا، لَهُ سَرَائِرُ، وَمَا رَأَيْتُهُ يُظْهِرُ تَسْبِيحًا وَلَا شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ، وَلَا أَكَلَ مَعَ أَحَدٍ طَعَامًا إِلَّا كَانَ آخِرَ مَنْ يَرْفَعُ يَدَهُ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي: أَرْبَعَةٌ رَفَعَهُمُ اللَّهُ بِطِيبِ الْمَطْعَمِ; إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، وَسُلَيْمَانُ الْخَوَّاصُ، وَوُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ، وَيُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: إِنَّمَا سَمِعَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ مِنْ مَنْصُورٍ حَدِيثًا، فَأَخَذَ بِهِ، فَسَادَ أَهْلَ زَمَانِهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُحِبُّنِي اللَّهُ عَلَيْهِ وَيُحِبُّنِي النَّاسُ. قَالَ: " إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يُحِبَّكَ اللَّهُ فَأَبْغِضِ الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ يُحِبَّكَ النَّاسُ فَمَا كَانَ عِنْدَكَ مِنْ فُضُولِهَا فَانْبِذْهُ إِلَيْهِمْ ". وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِدْرِيسَ قَالَ: جَلَسَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ إِلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَجَعَلُوا يَتَذَاكَرُونَ الْحَدِيثَ وَإِبْرَاهِيمُ سَاكِتٌ، ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ. ثُمَّ سَكَتَ، فَلَمْ يَنْطِقْ بِحَرْفٍ حَتَّى قَامَ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَعَاتَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَخْشَى مَضَرَّةَ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فِي قَلْبِي إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. وَقَالَ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ: مَرَّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ بِالْأَوْزَاعِيِّ، وَحَوْلَهُ حَلْقَةٌ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْحَلْقَةَ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ لَعَجَزَ عَنْهُمْ. فَقَامَ الْأَوْزَاعِيُّ وَتَرَكَهُمْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ: قِيلَ لِابْنِ أَدْهَمَ: لِمَ لَا تَكْتُبُ الْحَدِيثَ؟ فَقَالَ: إِنِّي مَشْغُولٌ بِثَلَاثٍ; بِالشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ، وَبِالِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَبِالِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ. ثُمَّ صَاحَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَسَمِعُوا هَاتِفًا يَقُولُ: لَا تَدْخُلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ أَوْلِيَائِي. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَوْمًا لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ: قَدْ رُزِقْتَ مِنَ الْعِبَادَةِ شَيْئًا صَالِحًا، فَلْيَكُنِ الْعِلْمُ مِنْ بَالِكَ; فَإِنَّهُ رَأَسُ الْعِبَادَةِ وَقِوَامُ الدِّينِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: مَاذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ! لَا يَسْأَلُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ زَكَاةٍ، وَلَا عَنْ حَجٍّ، وَلَا عَنْ جِهَادٍ، وَلَا عَنْ صِلَةِ رَحِمٍ، إِنَّمَا يَسْأَلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ. يَعْنِي الْأَغْنِيَاءَ. وَقَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: لَقِيتُ ابْنَ أَدْهَمَ بِالشَّامِ، وَقَدْ كُنْتُ رَأَيْتُهُ بِالْعِرَاقِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثُونَ شَاكِرِيًّا. فَقُلْتُ لَهُ: تَرَكْتَ خُرَاسَانَ، وَخَرَجْتَ مِنْ نِعْمَتِكَ؟ فَقَالَ: قَدْ تَهَنَّيْتُ بِالْعَيْشِ هَاهُنَا، أَفِرُّ بِدِينِي مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ، فَمَنْ يَرَانِي يَقُولُ: مُوَسْوَسٌ. أَوْ: حَمَّالٌ. أَوْ: مَلَّاحٌ. ثُمَّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يُؤْتَى بِالْفَقِيرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ لَهُ: يَا عَبْدِي، مَا لَكَ لَمْ تَحُجَّ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَمْ تُعْطِنِي شَيْئًا أَحُجُّ بِهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عَبْدِي، اذْهَبُوا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ قَالَ: أَقَمْتُ بِالشَّامِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لَمْ أَجِئْ لِجِهَادٍ وَلَا رِبَاطٍ، إِنَّمَا جِئْتُ لِأَشْبَعَ مِنْ خُبْزِ الْحَلَالِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: الْحُزْنُ حُزْنَانِ; حُزْنٌ لَكَ وَحُزْنٌ عَلَيْكَ; فَحُزْنُكَ عَلَى الْآخِرَةِ وَخَيْرِهَا لَكَ، وَحُزْنُكَ عَلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا عَلَيْكَ. وَقَالَ: الزُّهْدُ ثَلَاثَةٌ، وَاجِبٌ، وَمُسْتَحَبٌّ، وَزُهْدُ سَلَامَةٍ، فَالزُّهْدُ فِي الْحَرَامِ وَاجِبٌ، وَالزُّهْدُ عَنِ الشَّهَوَاتِ الْحَلَالِ مُسْتَحَبٌّ، وَالزُّهْدُ عَنِ الشُّبَهَاتِ سَلَامَةٌ. وَكَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمُ الْحَمَّامَ وَالْمَاءَ الْبَارِدَ وَالْحِذَاءَ، وَلَا يَجْعَلُونَ فِي مِلْحِهِمْ أَبْزَارًا. وَكَانَ إِذَا جَلَسَ عَلَى سُفْرَةٍ فِيهَا طَعَامٌ طَيِّبٌ رَمَى بِطَيِّبِهَا إِلَى أَصْحَابِهِ، وَأَكَلَ هُوَ الْخَبْزَ وَالزَّيْتُونَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: قِلَّةُ الْحِرْصِ وَالطَّمَعُ تُوَرِّثُ الصِّدْقَ وَالْوَرَعَ، وَكَثْرَةُ الْحِرْصِ وَالطَّمَعِ تُوَرِّثُ الْغَمَّ وَالْجَزَعَ. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَذِهِ جُبَّةٌ أُحِبُّ أَنْ تَقْبَلَهَا مِنِّي. فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ غَنِيًّا قَبِلْتُهَا، وَإِنْ كُنْتَ فَقِيرًا لَمْ أَقْبَلْهَا. قَالَ: أَنَا غَنِيٌّ. قَالَ: كَمْ عِنْدَكَ؟ قَالَ: أَلْفَانِ. قَالَ: تَوَدُّ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ فَقِيرٌ لَا أَقْبَلُهَا. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لَوْ تَزَوَّجْتَ؟! فَقَالَ: لَوْ أَمْكَنَنِي أَنْ أُطَلِّقَ نَفْسِي لَطَلَّقْتُهَا. وَمَكَثَ بِمَكَّةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا شَيْءَ مَعَهُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ زَادٌ سِوَى الرَّمْلِ بِالْمَاءِ. وَصَلَّى بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً. وَأَكَلَ يَوْمًا عَلَى حَافَّةِ الشَّرِيعَةِ كُسَيْرَاتٍ مَبْلُولَةً، وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ أَبُو يُوسُفَ الْغَسُولِيُّ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ جَاءَ فَاسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ، وَقَالَ: يَا أَبَا يُوسُفَ، لَوْ عَلِمَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لَجَالَدُونَا بِالسُّيُوفِ أَيَّامَ الْحَيَاةِ عَلَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ. فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: طَلَبَ الْقَوْمُ الرَّاحَةَ وَالنَّعِيمَ فَأَخْطَئُوا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ. فَتَبَسَّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا الْكَلَامُ؟ وَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا بِالْمِصِّيصَةِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ جَاءَهُ رَاكِبٌ فَقَالَ: أَيُّكُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ؟ فَأُرْشِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، أَنَا غُلَامُكَ، وَإِنَّ أَبَاكَ قَدْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا هُوَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَقَدْ جِئْتُكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ لِتُنْفِقَهَا عَلَيْكَ إِلَى بَلْخَ، وَفَرَسٍ وَبَغْلَةٍ. فَسَكَتَ إِبْرَاهِيمُ طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَالدَّرَاهِمُ وَالْفَرَسُ وَالْبَغْلَةُ لَكَ، وَلَا تُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا. وَيُقَالُ إِنَّهُ ذَهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَلْخَ، وَأَخَذَ الْمَالَ مِنَ الْحَاكِمِ، وَجَعَلَهُ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَكَانَ مَعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَمَكَثُوا شَهْرَيْنِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ شَيْءٌ يَأْكُلُونَهُ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: ادْخُلْ إِلَى هَذِهِ الْغَيْضَةِ. وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ. قَالَ: فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُ شَجَرَةً عَلَيْهَا خَوْخٌ كَثِيرٌ، فَمَلَأْتُ مِنْهُ جِرَابِي، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ؟ فَقُلْتُ: خَوْخٌ. فَقَالَ: يَا ضَعِيفَ الْيَقِينِ، لَوْ صَبَرْتَ لَوَجَدْتَ رُطَبًا جَنِيًّا، كَمَا رُزِقَتْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ. وَشَكَا إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ الْجُوعَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا حَوْلَهُ دَنَانِيرُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: خُذْ مِنْهَا دِينَارًا. فَأَخَذَهُ وَاشْتَرَى لَهُمْ بِهِ طَعَامًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِالْفَاعِلِ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَشْتَرِي الْخَبْزَ الْأَبْيَضَ وَالزُّبْدَ، وَتَارَةً الشِّوَاءَ وَالْجُوذَابَاتِ، وَالْخَبِيصَ فَيُطْعِمُهُ أَصْحَابَهُ وَهُوَ صَائِمٌ، فَإِذَا أَفْطَرَ يَأْكُلُ مِنْ رَدِيءِ الطَّعَامِ، وَيَحْرِمُ نَفْسَهُ الْمَطْعَمَ الطَّيِّبَ لِيُؤْثِرَ بِهِ النَّاسَ; تَأْلِيفًا لَهُمْ وَتَحَبُّبًا وَتَوَدُّدًا إِلَيْهِمْ. وَأَضَافَ الْأَوْزَاعِيُّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ، فَقَصَّرَ إِبْرَاهِيمُ فِي الْأَكْلِ، فَقَالَ: مَا لَكَ قَصَّرْتَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّكَ قَصَّرْتَ فِي الطَّعَامِ. ثُمَّ عَمِلَ إِبْرَاهِيمُ طَعَامًا كَثِيرًا، وَدَعَا الْأَوْزَاعِيَّ، فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: أَمَا تَخَافُ أَنْ يَكُونَ سَرَفًا؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا السَّرَفُ مَا كَانَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَأَمَّا مَا أَنْفَقَهُ الرَّجُلُ عَلَى إِخْوَانِهِ، فَهُوَ مِنَ الدِّينِ. وَذُكِرَ أَنَّهُ حَصَدَ مَرَّةً بِعِشْرِينَ دِينَارًا، فَجَلَسَ مَرَّةً عِنْدَ حَجَّامٍ هُوَ وَصَاحِبٌ لَهُ لِيَحْلِقَ رُءُوسَهُمْ وَيَحْجِمَهُمْ، فَكَأَنَّهُ تَبَرَّمَ بِهِمْ، وَاشْتَغَلَ عَنْهُمْ بِغَيْرِهِمْ، فَتَأَذَّى صَاحِبُهُ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّامُ فَقَالَ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: أُرِيدُ أَنْ تَحْلِقَ رَأْسِي وَتَحْجِمَنِي. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ تِلْكَ الْعِشْرِينَ دِينَارًا، وَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ لَا تُحَقِّرَ بَعْدَهَا فَقِيرًا أَبَدًا. وَقَالَ مَضَاءُ بْنُ عِيسَى: مَا فَاقَ إِبْرَاهِيمُ أَصْحَابَهُ بِصَوْمٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَلَكِنْ بِالصَّدَقَةِ وَالسَّخَاءِ. من أقوال إبراهيم بن أدهم وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ يَقُولُ: فِرُّوا مِنَ النَّاسِ كَفِرَارِكُمْ مِنَ الْأَسَدِ الضَّارِي، وَلَا تَخَلَّفُوا عَنِ الْجُمْعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. وَكَانَ إِذَا سَافَرَ مَعَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَخْدِمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ إِذَا حَضَرَ فِي مَجْلِسٍ فَكَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَّيْرُ; هَيْبَةً لَهُ وَإِجْلَالًا. وَرُبَّمَا تَسَامَرَ هُوَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فِي اللَّيْلَةِ التَّامَّةِ إِلَى الصَّبَاحِ، وَكَانَ الثَّوْرِيُّ يَتَحَرَّزُ مَعَهُ فِي الْكَلَامِ. وَرَأَى رَجُلًا، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا قَاتِلُ خَالِكَ. فَذَهَبَ إِلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَأَهْدَى لَهُ، وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الْيَقِينِ حَتَّى يَأْمَنَهُ عَدُوُّهُ. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: طُوبَى لَكَ; أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي الْعِبَادَةِ، وَتَرَكْتَ الدُّنْيَا وَالزَّوْجَاتِ. فَقَالَ: أَلَكَ عِيَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: لَرَوْعَةُ الرَّجُلِ بِعِيَالِهِ - يَعْنِي فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِنَ الْفَاقَةِ - أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ كَذَا وَكَذَا سَنَةً. وَرَآهُ الْأَوْزَاعِيُّ بِبَيْرُوتَ وَعَلَى عُنُقِهِ حِزْمَةُ حَطَبٍ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنَّ إِخْوَانَكَ يَكْفُونَكَ هَذَا. فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ يَا أَبَا عَمْرٍو، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ الرَّجُلُ مَوْقِفَ مَذَلَّةٍ فِي طَلَبِ الْحَلَالِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ. وَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَمَرَّ بِطَبَرِيَّةَ، فَأَخَذَتْهُ الْمَسْلَحَةُ فِي الطَّرِيقِ فَقَالُوا: أَنْتَ عَبْدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: آبِقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَسَجَنُوهُ. فَبَلَغَ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَبَرُهُ، فَجَاءُوا بِرُمَّتِهِمْ إِلَى نَائِبِ طَبَرِيَةَ فَقَالُوا: عَلَامَ سَجَنْتَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ؟ قَالَ: مَا سَجَنْتُهُ. قَالُوا: بَلَى، هُوَ فِي سِجْنِكَ. فَاسْتَحْضَرَهُ، فَقَالَ: عَلَامَ حُبِسْتَ؟ فَقَالَ: سَلِ الْمَسْلَحَةَ، قَالُوا: أَنْتَ عَبْدٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ. قَالُوا: وَأَنْتَ آبِقٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَأَنَا عَبْدٌ آبِقٌ مِنْ ذُنُوبِي. فَخَلَّى سَبِيلَهُ. مناقبه وكراماته وَذَكَرُوا أَنَّهُ مَرَّ مَعَ رُفْقَةٍ، فَإِذَا الْأَسَدُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ فَقَالَ لَهُ: يَا قَسْوَرَةُ، إِنْ كُنْتَ أُمِرْتَ فِينَا بِشَيْءٍ فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، وَإِلَّا فَعَوْدَكَ عَلَى بَدْئِكَ. قَالُوا: فَوَلَّى السَّبُعُ ذَاهِبًا يَضْرِبُ بِذَنَبِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا إِبْرَاهِيمُ فَقَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ احْرُسْنَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَاكْنُفْنَا بِرُكْنِكَ الَّذِي لَا يُرَامُ، وَارْحَمْنَا بِقُدْرَتِكَ عَلَيْنَا، وَلَا نَهْلِكُ وَأَنْتَ رَجَاؤُنَا، يَا اللَّهُ، يَا اللَّهُ، يَا اللَّهُ. قَالَ خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ: فَمَا زِلْتُ أَقُولُهَا مُنْذُ سَمِعْتُهَا فَمَا عَرَضَ لِي لِصٌّ وَلَا غَيْرُهُ. وَقَدْ رُوِيَ لِهَذَا شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَجَاءَهُ أُسْدٌ ثَلَاثَةٌ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَحَدُهُمْ، فَشَمَّ ثِيَابَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَرَبَضَ قَرِيبًا مِنْهُ، وَجَاءَ الثَّانِي فَفَعَلَ مِثْلَ كَذَلِكَ، وَجَاءَ الثَّالِثُ فَفَعَلَ كَذَلِكَ، وَاسْتَمَرَّ إِبْرَاهِيمُ فِي صِلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ قَالَ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ أُمِرْتُمْ بِشَيْءٍ فَهَلُمَّ، وَإِلَّا فَانْصَرِفُوا. فَانْصَرَفُوا. وَصَعِدَ مَرَّةً جَبَلًا بِمَكَّةَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لَوْ أَنَّ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ قَالَ لِجَبَلٍ: زُلْ. لَزَالَ. فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ تَحْتَهُ، فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: اسْكُنْ، فَإِنَّمَا ضَرَبْتُكَ مَثَلًا لِأَصْحَابِي. وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ الْجَبَلُ أَبَا قُبَيْسٍ. وَرَكِبَ مَرَّةً سَفِينَةً، فَأَخَذَهُمُ الْمَوْجُ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَلَفَّ إِبْرَاهِيمُ رَأْسَهُ بِكِسَائِهِ، وَاضْطَجَعَ، وَعَجَّ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ بِالضَّجِيجِ، وَأَيْقَظُوهُ، وَقَالُوا: أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذِهِ شِدَّةً، إِنَّمَا الشِّدَّةُ الْحَاجَةُ إِلَى النَّاسِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَرَيْتَنَا قُدْرَتَكَ فَأَرِنَا عَفْوَكَ. فَصَارَ الْبَحْرُ كَأَنَّهُ قَدَحُ زَيْتٍ. وَكَانَ قَدْ طَالَبَهُ صَاحِبُ السَّفِينَةِ بِأُجْرَةِ حَمْلِهِ دِينَارَيْنِ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ مَعَهُ مَرَّةً إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: أَيْنَ الدِّينَارَانِ. فَتَوَضَّأَ إِبْرَاهِيمُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا، فَإِذَا مَا حَوْلَهُ قَدْ مُلِئَ دَنَانِيرَ، فَقَالَ لَهُ خُذْ حَقَّكَ، وَلَا تَزِدْ، وَلَا تَذْكُرْ هَذَا لِأَحَدٍ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ الْمَرْعَشِيِّ قَالَ: أَوَيْتُ أَنَا وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ إِلَى مَسْجِدٍ خَرَابٍ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ مَضَى عَلَيْنَا أَيَّامٌ لَمْ نَأْكُلْ فِيهَا شَيْئًا، فَقَالَ لِي: كَأَنَّكَ جَائِعٌ. قُلْتُ: نَعَمْ. فَأَخَذَ رُقْعَةً فَكَتَبَ فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَنْتَ الْمَقْصُودُ إِلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ، الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَعْنًى: أَنَا حَامِدٌ أَنَا شَاكِرٌ أَنَا ذَاكِرٌ أَنَا جَائِعٌ أَنَا نَائِعٌ أَنَا عَارِي هِيَ سِتَّةٌ وَأَنَا الضَّمِينُ لِنِصْفِهَا فَكُنِ الضَّمِينَ لِنِصْفِهَا يَا بَارِي مَدْحِي لِغَيْرِكَ وَهْجُ نَارٍ خُضْتُهَا فَأَجِرْ عُبَيْدَكَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ ثُمَّ قَالَ لِي: اخْرُجْ وَلَا تُعَلِّقْ قَلْبَكَ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَادْفَعْ هَذِهِ الرُّقْعَةَ لِأَوَّلِ رَجُلٍ تَلْقَاهُ. فَخَرَجْتُ فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى بَغْلَةٍ، فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرَأَهَا بَكَى، وَدَفَعَ إِلَيَّ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ وَانْصَرَفْتُ فَسَأَلْتُ رَجُلًا: مَنْ هَذَا الَّذِي عَلَى الْبَغْلَةِ؟ فَقَالَ: هُوَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ. فَجِئْتُ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: الْآنَ يَجِيءُ فَيُسْلِمُ. فَمَا كَانَ غَيْرَ قَرِيبٍ حَتَّى جَاءَ، فَأَكَبَّ عَلَى رَأْسِ إِبْرَاهِيمَ، وَأَسْلَمَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ: دَارُنَا أَمَامَنَا، وَحَيَاتُنَا بَعْدَ وَفَاتِنَا، فَإِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ: مَثِّلْ لِبَصَرِ قَلْبِكَ حُضُورَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِهِ لَقَبْضِ رُوحِكَ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ، وَمَثِّلْ لَهُ هَوْلَ الْمَطْلَعِ وَمُسَاءَلَةَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ، وَمَثِّلْ لَهُ الْقِيَامَةَ وَأَهْوَالَهَا وَأَفْزَاعَهَا وَالْعَرْضَ وَالْحِسَابَ، وَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ. ثُمَّ صَرَخَ صَرْخَةً خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَنَظَرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ فَقَالَ لَهُ: لَا تَطْمَعْ فِيمَا لَا يَكُونُ، وَلَا تَيْأَسْ مِمَّا يَكُونُ. فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ هَذَا يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ فَقَالَ: لَا تَطْمَعْ فِي الْبَقَاءِ وَالْمَوْتُ يَطْلُبُكَ، فَكَيْفَ يَضْحَكُ مَنْ يَمُوتُ وَلَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ; إِلَى جَنَّةٍ أَمْ إِلَى نَارٍ؟! وَلَا تَيْأَسْ مِمَّا يَكُونُ، الْمَوْتُ يَأْتِيكَ صَبَاحًا أَوْ مَسَاءً. ثُمَّ قَالَ: أَوَّهْ أَوَّهْ. ثُمَّ خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَكَانَ يَقُولُ: مَا لَنَا نَشْكُو فَقْرَنَا إِلَى مِثْلِنَا، وَلَا نَسْأَلُ كَشْفَهُ مِنْ رَبِّنَا. ثُمَّ يَقُولُ: ثَكِلَتْ عَبْدًا أَمُّهُ أَحَبَّ الدُّنْيَا، وَنَسِيَ مَا فِي خَزَائِنِ مَوْلَاهُ. وَقَالَ: إِذَا كُنْتَ بِاللَّيْلِ نَائِمًا، وَبِالنَّهَارِ هَائِمًا، وَبِالْمَعَاصِي دَائِمًا، فَكَيْفَ يَرْضَى مَنْ هُوَ بِأَمْرِكَ قَائِمًا. وَرَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِمَسْجِدِ بَيْرُوتَ وَهُوَ يَبْكِي، وَيَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ ذَكَرْتُ يَوْمًا تَنْقَلِبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ. وَقَالَ: إِنَّكَ كُلَّمَا أَمْعَنْتَ النَّظَرَ فِي مِرْآةِ التَّوْبَةِ بَانَ لَكَ قُبْحُ شَيْنِ الْمَعْصِيَةِ. وَكَتَبَ إِلَى الثَّوْرِيِّ: مَنْ عَرَفَ مَا يَطْلُبُ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَبْذُلُ، وَمَنْ أَطْلَقَ بَصَرَهُ طَالَ أَسَفُهُ، وَمَنْ أَطْلَقَ أَمَلَهُ سَاءَ عَمَلُهُ، وَمَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ قَتَلَ نَفْسَهُ. أقواله من الشعر وَسَأَلَهُ بَعْضُ الْوُلَاةِ: مِنْ أَيْنَ مَعِيشَتُكَ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: نُرَقِّعُ دُنْيَانَا بِتَمْزِيقِ دِينِنَا فَلَا دِينُنَا يَبْقَى وَلَا مَا نُرَقِّعُ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: لِمَا تُوعِدُ الدُّنْيَا بِهِ مِنْ شُرُورِهَا يَكُونُ بُكَاءُ الطِّفْلِ سَاعَةَ يُوضَعُ وَإِلَّا فَمَا يُبْكِيهِ مِنْهَا وَإِنَّهَا لَأَرْوَحُ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَأَوْسَعُ إِذَا أَبْصَرَ الدُّنْيَا اسْتَهَلَّ كَأَنَّمَا يَرَى مَا سَيَلْقَى مِنْ أَذَاهَا وَيَسْمَعُ وَكَانَ يَتَمَثَّلُ أَيْضًا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ وَيُتْبِعُهَا الذَّلَ إِدْمَانُهَا وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُو بِ وَالْخَيْرُ لِلنَّفْسِ عِصْيَانُهَا وَمَا أَهْلَكَ الدِّينَ إِلَّا الْمُلُوكُ وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهْبَانُهَا وَبَاعُوا النُّفُوسَ فَلَمْ يَرْبَحُوا وَلَمْ يَغْلُ بِالْبَيْعِ أَثْمَانُهَا لَقَدْ وَقَعَ الْقَوْمِ فِي جِيفَةٍ تَبِينُ لِذِي اللُّبِ أَنْتَانُهَا وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: إِنَّمَا يَتِمُّ الْوَرَعُ بِتَسْوِيَةِ كُلِّ الْخَلْقِ فِي قَلْبِكَ، وَالِاشْتِغَالِ عَنْ عُيُوبِهِمْ بِذَنْبِكَ، وَعَلَيْكَ بِاللَّفْظِ الْجَمِيلِ مِنْ قَلْبٍ ذَلِيلٍ لِرَبٍّ جَلِيلٍ، فَكِّرْ فِي ذَنْبِكَ، وَتُبْ إِلَى رَبِّكَ يَثْبُتُ الْوَرَعُ فِي قَلْبِكَ، وَاقْطَعِ الطَّمَعَ إِلَّا مِنْ رَبِّكَ. وَقَالَ أَيْضًا: لَيْسَ مِنْ أَعْلَامِ الْحُبِّ أَنْ تُحِبَّ مَا يُبْغِضُهُ حَبِيبُكَ، ذَمَّ مَوْلَانَا الدُّنْيَا فَمَدَحْنَاهَا، وَأَبْغَضَهَا فَأَحْبَبْنَاهَا، وَزَهَّدَنَا فِيهَا فَآثَرْنَاهَا، وَرَغَّبَنَا فِي طَلَبِهَا، وَوَعَدَكُمْ خَرَابَ الدُّنْيَا فَحَصَّنْتُمُوهَا، وَنَهَاكُمْ عَنْ طَلَبِهَا فَطَلَبْتُمُوهَا، وَأَنْذَرَكُمُ الْكُنُوزَ فَكَنَزْتُمُوهَا، دَعَتْكُمْ إِلَى هَذِهِ الْغَرَّارَةِ دَوَاعِيهَا، فَأَجَبْتُمْ مُسْرِعِينَ مُنَادِيَهَا، خَدَعَتْكُمْ بِغُرُورِهَا، وَمَنَّتْكُمْ فَأَقْرَرْتُمْ خَاضِعِينَ لِأَمَانِيِّهَا، تَتَمَرَّغُونَ فِي زَهَرَاتِهَا، وَتَتَنَعَّمُونَ فِي لَذَّاتِهَا، وَتَتَقَلَّبُونَ فِي شَهَوَاتِهَا، وَتَتَلَوَّثُونَ بِتَبِعَاتِهَا، تَنْبُشُونَ بِمَخَالِبِ الْحِرْصِ عَنْ خَزَائِنِهَا، وَتَحْفِرُونَ بِمَعَاوِلِ الطَّمَعِ فِي مَعَادِنِهَا. وَشَكَى رَجُلٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ كَثْرَةَ الْعِيَالِ فَقَالَ: ابْعَثْ إِلَيَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا رِزْقُهُ عَلَى اللَّهِ. فَسَكَتَ الرَّجُلُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: مَرَرْتُ فِي بَعْضِ جِبَالِ الشَّامِ فَإِذَا بِحَجَرٍ مَكْتُوبٍ عَلَيْهِ بِالْعَرَبِيَّةِ: كُلُّ حَيٍّ وَإِنْ بَقِيَ فَمِنَ الْعُمْرِ يَسْتَقِي فَاعَمَلِ الْيَوْمَ وَاجْتَهِدْ وَاحْذَرِ الْمَوْتَ يَا شَقِي فَبَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ أَقْرَأُ وَأَبْكِي، إِذَا بِرَجُلٍ أَشْعَثَ أَغْبَرَ عَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ شَعْرٍ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: مِمَّ تَبْكِي؟ فَقُلْتُ: مِنْ هَذَا. فَأَخَذَ بِيَدِي وَمَضَى غَيْرَ بَعِيدٍ، فَإِذَا صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ مِثْلُ الْمِحْرَابِ فَقَالَ: اقْرَأْ وَابْكِ، وَلَا تُقَصِّرْ. وَقَامَ هُوَ يُصَلِّي فَإِذَا فِي أَعْلَاهُ نَقْشٌ بَيِّنٌ عَرَبِيٌّ: لَا تَبْتَغِي جَاهًا وَجَاهُكَ سَاقِطٌ عِنْدَ الْمَلِيكِ وَكُنْ لِجَاهِكَ مُصْلِحًا وَفِي الْجَانِبِ الْآخَرِ نَقْشٌ بَيِّنٌ عَرَبِيٌّ: مَنْ لَمْ يَثِقْ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لَاقَى هُمُومًا كَثِيرَةَ الضَّرَرْ وَفِي الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مِنْهُ نَقْشُ بَيِّنٌ عَرَبِيٌّ: مَا أَزْيَنَ التُّقَى، وَمَا أَقْبَحَ الْخَنَا ، وَكُلٌّ مَأْخُوذٌ بِمَا جَنَى، وَعِنْدَ اللَّهِ الْجَزَا . وَفِي أَسْفَلِ الْمِحْرَابِ فَوْقَ الْأَرْضِ بِذِرَاعٍ أَوْ أَكْثَرَ: إِنَّمَا الْفَوْزُ وَالْغِنَى فِي تُقَى اللَّهِ وَالْعَمَلْ قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الْتَفَتُّ فَإِذَا لَيْسَ الرَّجُلُ هُنَاكَ، فَمَا أَدْرِي انْصَرَفَ أَوْ حُجِبَ عَنِّي؟ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: أَثْقَلُ الْأَعْمَالِ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُهَا عَلَى الْأَبْدَانِ، وَمَنْ وَفَّى الْعَمَلَ وُفِّيَ لَهُ الْأَجْرُ، وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحَلَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ بِلَا قَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ. وَقَالَ أَيْضًا: كُلُّ سُلْطَانٍ لَا يَكُونُ عَادِلًا فَهُوَ وَاللِّصُّ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلُّ عَالَمٍ لَا يَكُونُ وَرِعًا فَهُوَ وَالذِّئْبُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكُلُّ مَنْ خَدَمَ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ وَالْكَلْبُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَالَ أَيْضًا: أَعْرَبْنَا فِي الْمَقَالِ حَتَّى لَمْ نَلْحَنْ، وَلَحَنَّا فِي الْفِعَالِ حَتَّى لَمْ نُعْرِبُ. وَقَالَ: كُنَّا إِذَا رَأَيْنَا الشَّابَّ يَتَكَلَّمُ فِي الْمَجْلِسِ أَيِسْنَا مِنْ خَيْرِهِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَصْحَابِهِ: جَانِبُوا النَّاسَ، وَلَا تَنْقَطِعُوا عَنْ جُمْعَةٍ وَلَا جَمَاعَةٍ. موعظة إبراهيم بن أدهم وَعَنْ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيُّ، سَمِعْتُ سَرِيًّا السَّقَطِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ الْحَافِي يَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ: وَقَفْتُ عَلَى رَاهِبٍ فِي جَبَلِ لُبْنَانَ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: عِظْنِي. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: خُذْ عَنِ النَّاسِ جَانِبًا كَيْ يَعُدُّوكَ رَاهِبًا إِنَّ دَهْرًا أَظَلَّنِي قَدْ أَرَانِي الْعَجَائِبَا قَلِّبِ النَّاسَ كَيْفَ شِئْ تَ تَجِدْهُمْ عَقَارِبًا قَالَ بِشْرٌ: فَقُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ الرَّاهِبِ لَكَ، فَعِظْنِي أَنْتَ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: تَوَحَّشْ مِنَ الْإِخْوَانِ لَا تَبْغِ مُؤْنِسًا وَلَا تَتَّخِذْ خِلًّا وَلَا تَبْغِ صَاحِبًا وَكُنْ سَامِرِيَّ الْفِعْلِ مِنْ نَسْلِ آدَمِ وَكُنْ أَوْحَدِيًّا مَا قَدَرْتَ مُجَانِبَا فَقَدْ فَسَدَ الْإِخْوَانُ وَالْحُبُّ وْالْإِخَا فَلَسْتَ تَرَى إِلَّا مَذُوقًا وَكَاذِبَا فَقُلْتُ وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ مُدَهْدَهٌ وَتُنْكَرُ حَالَاتِي لَقَدْ صِرْتُ رَاهِبًا قَالَ سَرِيٌّ: فَقُلْتُ لِبِشْرٍ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ إِبْرَاهِيمَ لَكَ، فَعِظْنِي أَنْتَ. فَقَالَ: عَلَيْكَ بِلُزُومِ بَيْتِكِ. فَقُلْتُ: بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا اللَّيْلُ وَمُلَاقَاةُ الْإِخْوَانِ مَا كُنْتُ أُبَالِي مَتَى مُتُّ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: يَا مَنْ يُسَرُّ بِرُؤْيَةِ الْإِخْوَانِ مَهْلًا أَمِنْتَ مَكَائِدَ الشَّيْطَانِ خَلَتِ الْقُلُوبُ مِنَ الْمَعَادِ وَذِكْرِهِ وَتَشَاغَلُوا بِالْحِرْصِ وَالْخُسْرَانِ صَارَتْ مَجَالِسُ مَنْ تَرَى وَحَدِيثُهُمْ فِي هَتْكِ مَسْتُورٍ وَخَلْقِ قُرَانِ قَالَ الْحَلَبِيُّ: فَقُلْتُ لِسَرِيٍّ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ بِشْرٍ لَكَ، فَعِظْنِي أَنْتَ. فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالْإِخْمَالِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ ذَاكَ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: يَا مَنْ يُرِيدُ بِزَعْمِهِ إِخْمَالَا إِنْ كَانَ حَقًا فَاسْتَعِدَّ خِصَالَا تَرْكُ الْمَجَالِسِ وَالتَّذَاكُرِ يَا أَخِي وَاجْعَلْ خُرُوجَكَ لِلصَّلَاةِ خَيَالَا بَلْ كُنْ بِهَا حَيًّا كَأَنَّكَ مَيَّتٌ لَا يَرْتَجِي مِنْهُ الْقَرِيبُ وِصَالَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَصْرِيُّ: قُلْتُ لِلْحَلَبِيِّ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ سَرِيٍّ لَكَ، فَعِظْنِي أَنْتَ. فَقَالَ: يَا أَخِي، أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا أُصْدِرَ إِلَيْهِ مِنْ قَلْبٍ زَاهِدٍ فِي الدُّنْيَا، فَازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَنْتَ فِيِ دَارِ شَتَاتٍ فَتَأَهَّبْ لِشَتَاتِكَ وَاجْعَلِ الدُّنْيَا كَيَوْمٍ صُمْتَهُ عَنْ شَهَوَاتِكَ وَاجْعَلِ الْفِطْرَ إِذَا مَا صُمْتَهُ يَوْمَ وَفَاتِكَ قَالَ ابْنُ خُرَّزَادَ: فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ الْحَلَبِيِّ لَكَ، فَعِظْنِي أَنْتَ. فَقَالَ لِي: احْفَظْ وَقْتَكَ وَاسْخُ بِنَفْسِكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَانْزِعْ قِيمَةَ الْأَشْيَاءِ عَنْ قَلْبِكَ يَصْفُ لَكَ بِذَلِكَ سِرُّكَ، وَيَزْكُ بِهِ ذِكْرُكَ. ثُمَّ أَنْشَدَنِي: حَيَاتُكَ أَنْفَاسٌ تُعَدُّ فَكُلَّمَا مَضَى نَفَسٌ مِنْهَا انْتُقِصْتَ بِهِ جُزْءًا فَتُصْبحُ فِي نَقْصٍ وَتُمْسِي بِمِثْلِهِ وَمَا لَكَ مَعْقُولٌ تُحِسُّ بِهِ رُزْءًا يُمِيتُكَ مَا يُحْيِيكَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَيَحْدُوكَ حَادٍ مَا يُرِيدُ بِكَ الْهُزْءَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ عَلِيٍّ لَكَ، فَعِظْنِي. فَقَالَ: يَا أَخِي، عَلَيْكَ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَبْرَحَ بَابَ الْقَنَاعَةِ، وَأَصْلِحْ مَثْوَاكَ، وَلَا تُؤْثِرْ هَوَاكَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَاكَ، وَاشْتَغِلْ بِمَا يَعْنِيكَ بِتَرْكِ مَا لَا يَعْنِيكَ. ثُمَّ أَنْشَدَنِي: نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي نَدَامَةً وَمَنْ يَتْبَعْ مَا تَشْتَهِي النَّفْسُ يَنْدَمِ فَخَافُوا لِكَيْمَا تَأْمَنُوا بَعْدَ مَوْتِكُمْ سَتَلْقَوْنَ رَبًّا عَادِلًا لَيْسَ يَظْلِمْ فَلَيْسَ لِمَغْرُورٍ بِدُنْيَاهُ زَاجِرٌ سَيَنْدَمُ إِنْ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلُ فَاعْلَمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ رَامِينَ فَقُلْتُ لِأَبِي مُحَمَّدٍ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ أَحْمَدَ لَكَ، فَعِظْنِي أَنْتَ. فَقَالَ: اعْلَمْ، رَحِمَكَ اللَّهُ، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يُنْزِلُ الْعَبِيدَ حَيْثُ نَزَلَتْ قُلُوبُهُمْ بِهُمُومِهَا، فَانْظُرْ أَيْنَ أَنْزَلَتْ قَلْبَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ تُقَرَّبُ الْقُلُوبُ عَلَى حَسَبِ مَا قَرُبَ إِلَيْهَا، فَانْظُرْ مَنِ الْقَرِيبُ مِنْ قَلْبِكَ. وَأَنْشَدَنِي: قُلُوبُ رِجَالٍ فِي الْحِجَابِ نُزُولُ وَأَرْوَاحُهُمْ فِيمَا هُنَاكَ حُلُولُ بِرَوْحِ نَعِيمِ الْأُنْسِ فِي عِزِّ قُرْبِهِ بِإِفْرَادِ تَوْحِيدِ الْمَلِيكَ تَحُولُ لَهُمْ بِفِنَاءِ الْقُرْبِ مِنْ مَحْضِ بِرِّهِ عَوَائِدُ بَذْلٍ خَطْبُهُنَّ جَلِيلُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: فَقُلْتُ لِلْقَاضِي أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ رَامِينَ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ الْحُمَيْدِيِّ لَكَ، فَعِظْنِي. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَثِقْ بِهِ وَلَا تَتَّهِمْهُ; فَإِنَّ اخْتِيَارَهُ لَكَ خَيْرٌ مِنَ اخْتِيَارِكَ لِنَفْسِكَ. وَأَنْشَدَنِي: اتَّخِذِ اللَّهَ صَاحِبًا وَذَرِ النَّاسَ جَانِبًا جَرِّبِ النَّاسَ كَيْفَ شِئْ تَ تَجِدْهُمُ عَقَارِبًا قَالَ أَبُو الْفَرَجِ غَيْثٌ الصُّورِيُّ: فَقُلْتُ لِلْخَطِيبِ الْبَغْدَادِيِّ: هَذِهِ مَوْعِظَةُ ابْنِ رَامِينَ لَكَ، فَعِظْنِي أَنْتَ. فَقَالَ: احْذَرْ نَفْسَكَ الَّتِي هِيَ أَعْدَى أَعْدَائِكَ أَنْ تُتَابِعَهَا عَلَى هَوَاهَا، فَذَاكَ أَعْضَلُ دَائِكَ، وَاسْتَشْعِرِ الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ بِخِلَافِهَا، وَكَرِّرْ عَلَى قَلْبِكَ ذِكْرَ نُعُوتِهَا وَأَوْصَافِهَا، فَإِنَّهَا الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ، وَالْمُورِدَةُ مَنْ أَطَاعَهَا مَوَارِدَ الْعَطَبِ وَالْبَلَاءِ، وَاعْمِدْ فِي جَمِيعِ أُمُورِكَ إِلَى تَحَرِّي الصِّدْقِ، وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ لِمَنْ خَالَفَ هَوَاهُ أَنْ يَجْعَلَ دَارَ الْخُلْدِ قَرَارَهُ وَمَأْوَاهُ. ثُمَّ أَنْشَدَ لِنَفْسِهِ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِي الرَّشَادَ مَحْضًا فِي أَمْرِ دُنْيَاكَ وَالْمَعَادِ فَخَالِفِ النَّفْسَ فِي هَوَاهَا إِنَّ الْهَوَى جَامِعُ الْفَسَادِ وفاة إبراهيم بن أدهم قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: الْمَحْفُوظُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ إِحْدَى. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ. وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِجَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ بَحْرِ الرُّومِ وَهُوَ مُرَابِطٌ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْخَلَاءِ لَيْلَةَ وَفَاتِهِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً، وَكُلُّ مَرَّةٍ يُجَدِّدُ الْوُضُوءَ بَعْدَهَا، فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمَوْتُ قَالَ: أَوْتِرُوا لِي قَوْسِي. وَقَبَضَ عَلَى الْقَوْسِ، وَمَاتَ وَهُوَ كَذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ الصَّائِغُ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: سَمِعَتْ السِّرِيَّ بْنَ حَيَّانَ يَقُولُ - وَكَانَ سُفْيَانُ مُعْجَبًا بِهِ -: أَجَاعَتْهُمُ الدُّنْيَا فَجَاعُوا وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ ذُو التَّقْوَى عَنِ الْعَيْشِ مُلْجَمًا أَخُو طَيِّئٍ دَاوُدُ مِنْهِمُ وَمِسْعَرٌ وَمِنْهُمْ وُهَيْبٌ وَالْغَرِيبُ ابْنُ أَدْهَمَا وَفِي ابْنِ سَعِيدٍ قُدْوَةَ الْبِرِّ وَالنُّهَى وَفِي الْوَارِثِ الْفَارُوقِ صِدْقًا مُقَدَّمًا وَحَسْبُكَ مِنْهُمْ بِالْفُضَيْلِ مَعَ ابْنِهِ وَيُوسُفُ إِنْ لَمْ يَأْلُ أَنْ يَتَسَلَّمَا أُولَئِكَ أَصْحَابِي، وَأَهْلُ مَوَدَّتِي فَصَلَّى عَلَيْهِمْ ذُو الْجَلَالِ وَسَلِّمَا فَمَا ضَرَّ ذَا التَّقْوَى نِصَالُ أَسِنَّةٍ وَمَا زَالَ ذُو التَّقْوَى أَعَزَّ وَأَكْرَمَا وَمَا زَالَتِ التَّقْوَى تُرِيكَ عَلَى الْفَتَى إِذَا مَحَّضَ التَّقْوَى مِنَ الْعِزِّ مِيسَمَا وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَدَبِ " عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، وَأَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " جَامِعِهِ " حَدِيثًا مُعَلَّقًا فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. دَاوُدُ الطَّائِيُّ وَأَمَّا دَاوُدُ الطَّائِيُّ فَهُوَ دَاوُدُ بْنُ نُصَيْرٍ الطَّائِيُّ، أَبُو سُلَيْمَانَ الْكُوفِيُّ الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ثُمَّ تَرَكَ طَلَبَ الْفِقْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَدَفَنَ كُتُبَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: وَهَلِ الْأَمْرُ إِلَّا مَا كَانَ عَلَيْهِ دَاوُدُ الطَّائِيُّ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ ثِقَةً. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: تَرَكَ الْفِقْهَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ حَتَّى مَاتَ، وَقَدْ قَدِمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ بَغْدَادَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ. مَاتَ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ. وَقِيلَ: مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ: أَبَا الْحَسَنِ. حَدَّثَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيِّ، وَكَانَ ثِقَةً. رَوَى عَنْ شُعْبَةَ، وَهُشَيْمٍ، وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ، فَقَدِمَ إِلَى بَغْدَادَ فَضَمَّهُ الْمَنْصُورُ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَعَلَّمَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ. وَتُوُفِّيَ بِالرَّيِّ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ. عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ أَبُو عُتْبَةَ الْخَوَّاصُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ أَبُو عُتْبَةَ الْخَوَّاصُ . [قَالَ الْمُؤَلِّفُ]: كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقَدِ اشْتَهَرَ بِأَبِي عُبَيْدَةَ الْخَوَّاصِّ، كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوَجْدِ وَالشَّوْقِ، وَأَسْنَدَ الْحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَغَيْرِهِ. وَعَنْ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ الْخَوَّاصَ عَلَى سُرَّتِهِ خِرْقَةٌ، وَعَلَى رَقَبَتِهِ خِرْقَةٌ، وَهُوَ يَمْشِي وَيَقُولُ: وَاشَوْقَاهُ إِلَى مَنْ يَرَانِي وَلَا أَرَاهُ. وَعَنْ عُقْبَةُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ الْخَوَّاصَ بَعْدَ مَا كَبِرَ وَهُوَ آخِذٌ بِلِحْيَتِهِ يَبْكِي وَيَقُولُ: قَدْ كَبِرْتُ فَأَعْتِقْنِي. عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى ، وَاسْمُهُ: مَاهَانُ، وَكُنْيَتُهُ: أَبُو جَعْفَرٍ التَّمِيمِيُّ. أَصْلُهُ مِنْ مَرْوَ، وَسَكَنَ الرَّيَّ، وَمَاتَ بِهَا، فَنُسِبَ إِلَيْهَا، سَمِعَ عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، وَقَتَادَةَ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَغَيْرَهُمْ. حَدَّثَ عَنْهُ شُعْبَةُ، وَجَرِيرٌ، وَوَكِيعٌ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا. لَكِنْ كَانَ سَيِّئَ الْحِفْظِ، يَهِمُ كَثِيرًا، وَكَانَ صَدِيقَ سُفْيَانَ فَابْتُلِيَ بِأَنْ صَحِبَهُمْ وَلَبِسَ السَّوَادَ، وَزَامَلَ الْمَهْدِيَّ إِلَى مَكَّةَ فَهَجَرَهُ سُفْيَانُ. عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ صَدِيقًا لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ مَعَهُ بِضَاعَةٌ، وَكَانَ يُكْثِرُ الْحَجَّ، فَكَانَ إِذَا قَدِمَ الْكُوفَةَ تَلَقَّاهُ سُفْيَانُ مِنَ الْقَنْطَرَةِ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ شَيَّعَهُ إِلَى النَّجَفِ، فَقَدِمَ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ مَدِينَةَ السَّلَامِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأَضِرَّاءُ. فَقَالُوا: يَا أَبَا جَعْفَرٍ، تُكَلِّمُ لَنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ قَدْ وَلَّى عَلَيْنَا رَجُلًا يَقْطَعُ أَرْزَاقَنَا، وَيُسِيءُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى شَيْءٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُفْيَانَ، فَتَلَقَّاهُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ وَشَيَّعَهُ حَتَّى جَاوَزَ النَّجَفَ، وَزَادَهُ فِي الْبِرِّ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَدِمَ أَبُو جَعْفَرٍ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأَضِرَّاءُ وَكَلَّمُوهُ بِمَا كَلَّمُوهُ بِهِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي، فَرَقَّ لَهُمْ، فَأَتَى بَابَ الذَّهَبِ فَقَالَ لِلْحَاجِبِ اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ بِالْبَابِ أَبَا جَعْفَرٍ الرَّازِيَّ، فَأَسْرَعَ الرَّسُولُ أَنِ ادْخُلْ، فَدَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَأَكْرَمَهُ بِغَايَةِ الْكَرَامَةِ، وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَحْوَالِهِ وَيَسْأَلُهُ هَلْ لَهُ حَاجَةٌ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّةَ الْأَضِرَّاءِ، فَقَالَ: يُعْزَلُ عَنْهُمْ كَاتِبُهُمْ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ مَنْ أَحَبُّوا، وَنَأْمُرُ لِأَبِي جَعْفَرٍ بِعَشَرَةِ آلَافِ [دِرْهَمٍ] لِسُؤَالِهِ إِيَّانَا هَذِهِ الْحَاجَةَ، فَلَمَّا صَارَتِ الدَّرَاهِمُ بِيَدِهِ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ، فَجَلَسَ بِسُورِ الْقَصْرِ، ثُمَّ دَعَا بِخِرَقٍ وَجَعَلَهَا صُرَرًا، وَفَرَّقَهَا عَلَى قَوْمٍ، فَنَفَضَ ثَوْبَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ الْكُوفَةَ تَوَارَى سُفْيَانُ فَطَلَبَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَسَأَلَ عَنْهُ، فَلَمْ يُدَلَّ عَلَيْهِ فَانْتَقَضَ عَلَيْهِ لِذَلِكَ بَعْضُ إِخْوَانِ سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ: أَلَكَ إِلَيْهِ حَاجَةٌ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اكْتُبْ كِتَابًا وَادْفَعْهُ إِلَيَّ أُوَصِّلْهُ لَكَ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ كِتَابًا وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. قَالَ: فَصِرْتُ بِالْكِتَابِ إِلَى سُفْيَانَ، فَإِذَا أَنَا بِهِ فِي غُرْفَةٍ وَإِذَا هُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرْتُ الْكِتَابَ، وَقُلْتُ: كِتَابُ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، فَقَالَ: اقْرَأْهُ، فَقَرَأْتُهُ، فَقَالَ لِي: اكْتُبْ جَوَابَهُ فِي ظَهْرِهِ. فَكَتَبْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: وَقُلْتُ: مَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ..، ارْدُدْ إِلَيْنَا بِضَاعَتَنَا لَا حَاجَةَ لَنَا فِي أَرْبَاحِهَا. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِالْكِتَابِ وَالنَّاسُ إِذْ ذَاكَ مُتَوَافِرُونَ بِالْكُوفَةِ، فَنَظَرَ فِي الْكِتَابِ، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ يُوَجِّهُونَ بِكِتَابَيْنِ إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَلَا يُعْلِمُونَهُ مِمَّنِ الْكِتَابُ وَلَا مَنْ صَاحِبُ الْجَوَابِ لِيَعْرِفُوا مَا عِنْدَهُ مِنَ الرَّأْيِ، فَوَجَّهُوا بِالْكِتَابَيْنِ، فَنَظَرَ فِيهِمَا، فَقَالَ: أَمَّا الْأَوَّلُ: فَكِتَابُ رَجُلٍ مُدَاهِنٍ، وَأَمَّا الْجَوَابُ فَجَوَابُ رَجُلٍ يُرِيدُ اللَّهَ بِفِعْلِهِ. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . كَانَ فَاضِلًا دَيِّنًا وَعَاقِلًا لَبِيبًا مَشْهُورًا بِالْجُودِ وَالْمُرُوءَةِ، وَكَانَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالْمَنْصُورِ. عَنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الْمَنْصُورُ يُعْجَبُ بِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بِمُؤَانَسَتِهِ وَمُفَاوَضَتِهِ وَمُدَاعَبَتِهِ وَيَلْتَذُّ لِمُحَادَثَتِهِ، وَكَانَ أَدِيبًا لَبِيبًا لَسِنًا، وَكَانَ لِحُسْنِ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ الْمَنْصُورِ، وَعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَهُ تَفْزَعُ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ فَيُكَلِّمُهُ فِيهَا فَيَقْضِيهَا حَتَّى أَكْثَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَوَائِجِ وَأَفْرَطَ فِيهَا، فَأَمَرَ الرَّبِيعَ أَنْ يَحْجُبَهُ، فَلَمَّا حَجَبَهُ قَعَدَ فِي مَنْزِلِهِ أَيَّامًا فَظَمِئَ الْمَنْصُورُ إِلَى رُؤْيَتِهِ، وَتَشَوَّقَ إِلَى مُحَادَثَتِهِ فَقَالَ: يَا رَبِيعُ، إِنَّ جَمِيعَ لَذَّاتِ مَوْلَاكَ قَدْ أَخْلَقْنَ [عِنْدَهُ] وَرَثَثْنَ فِي عَيْنِهِ سِوَى لَذَّتِهِ مِنْ مُحَادَثَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَإِنَّهَا تَتَجَدَّدُ عِنْدَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَقَدْ كَدَّرَهَا عَلَيَّ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ، فَاحْتَلْ لِمَوْلَاكَ فِيمَا كُدِّرَ عَلَيْهِ مِنْ لَذَّتِهِ. فَقَالَ الرَّبِيعُ: أَفْعَلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَتَى مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ فَعَاتَبَهُ عَلَى مَا يَحْمِلُ الْمَنْصُورُ عَلَيْهِ مِنْ حَوَائِجِ النَّاسِ وَيَسْأَلُهُ إِعْفَاءَهُ عَنْ ذَلِكَ فَنَضَحَ عَنْ نَفْسِهِ فِيمَا عَاتَبَهُ عَلَيْهِ وَأَجَابَهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ حَاجَةً لِأَحَدٍ وَأَمَرَهُ بِالْغُدُوِّ عَلَى الْمَنْصُورِ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَنْصُورِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ، وَبَلَغَ قَوْمًا مِنْ قُرَيْشٍ قَدِمُوا الْعِرَاقَ بِحَوَائِجِهِمْ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ [وَمِنَ الرَّبِيعِ، وَأَنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْغُدُوِّ عَلَى الْمَنْصُورِ فَكَتَبُوا حَوَائِجَهُمْ فِي رِقَاعٍ وَوَقَفُوا بِهَا عَلَى طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ]. فَلَمَّا غَدَا يُرِيدُ الْمَنْصُورَ عَرَضُوا لَهُ بِهَا وَمَتُّوا إِلَيْهِ بِقَرَابَاتِهِمْ، وَتَوَسَّلُوا [بِأَرْحَامِهِمْ]. وَسَأَلُوهُ إِيصَالَ رِقَاعِهِمْ إِلَيْهِ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَسَأَلَهُمْ أَنْ يُعْفُوهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَبَوْا وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَسْتُ أُكَلِّمُ الْمَنْصُورَ فِي حَاجَةٍ لِأَحَدٍ، فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تُودِعُوا رِقَاعَكُمْ كُمِّي فَافْعَلُوا فَقَدَّمُوا رِقَاعَهُمْ فِي كُمِّهِ، وَمَضَى حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ وَهُوَ فِي الْقُبَّةِ الْخَضْرَاءِ مُشْرِفٌ عَلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ وَدِجْلَةَ وَالصَّرَاةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْبَسَاتِينِ وَالْمَزَارِعِ فَعَاتَبَهُ، فَنَفَحَ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ حَادَثَهُ سَاعَةً، فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ: أَمَا تَرَى حُسْنَ مُسْتَشْرَفِنَا هَذَا؟ قَالَ: أَرَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَتَاكَ وَهَنَّأَكَ بِإِتْمَامِ النِّعْمَةِ عَلَيْكَ فِيمَا أَعْطَاكَ، فَمَا بَنَتِ الْعَرَبُ فِي دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ وَالْعَجَمُ فِي مُدَّةِ الْكُفْرِ مَدِينَةً أَحْصَنَ وَلَا أَحْسَنَ وَلَا أَجْمَعَ لِلْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ مِنْهَا، وَقَدْ سَمَّجَتْهَا فِي عَيْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَصْلَةٌ، قَالَ: [وَ] مَا هِيَ؟ قَالَ: لَيْسَ [لِي] فِيهَا ضَيْعَةٌ. فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنِّي أُحَسِّنُهَا فِي عَيْنِكَ بِثَلَاثِ ضِيَاعٍ أُقْطِعُكَ فِي أَكْنَافِهَا فَاغْدُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُسَجِّلْ لَكَ بِهَا، فَقَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَهْلُ الْمَوَارِدِ، كَرِيمُ الْمَصَالِحِ، فَجَعَلَ اللَّهُ بَاقِيَ عُمْرِكَ أَكْثَرَ مِنْ مَاضِيهِ، فَلَقَدْ بَرَرْتَ فَأَفْضَلْتَ، وَوَصَلْتَ فَأَجْزَلْتَ، وَأَنْعَمْتَ فَأَسْبَغْتَ فَبَدَتِ الرِّقَاعُ مِنْ كُمِّهِ وَهُوَ يَتَشَكَّرُ لَهُ، فَأَقْبَلَ يَرُدُّهُنَّ فِي كُمِّهِ وَيَقُولُ: لِتَرْجِعْنَ خَاسِئَاتٍ، فَضَحِكَ - يَعْنِي الْخَلِيفَةَ - وَقَالَ: بِحَقِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَ خَبَرَ هَذِهِ الرِّقَاعِ، فَأَعْلَمَهُ. فَقَالَ: أَبَيْتَ يَا ابْنَ مُعَلِّمِ الْخَيْرِ إِلَّا كَرَمًا، فَفِ لِلْقَوْمِ بِضَمَانِكَ وَأَلْقِهَا عَنْ كُمِّكَ لِنَنْظُرَ فِي حَوَائِجِهِمْ، فَطَرَحَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَتَصَفَّحَهَا ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى الرَّبِيعِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَتَمَثَّلَ بِقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ: لَسْنَا وَإِنْ أَحْسَابُنَا كَرُمَتْ يَوْمًا عَلَى الْأَحْسَابِ نَتَّكِلُ نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا وَقَالَ: قَدْ قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَوَائِجَهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِلِقَاءِ الرَّبِيعِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ رَبِحْتُ وَأَرْبَحْتُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، قَاضِي إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَدْ جَاوَزَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَسَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَكَلَ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ سَمَكًا، ثُمَّ شَرِبَ لَبَنًا، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ مَاسَوَيْهِ الطَّبِيبُ حَاضِرًا، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الطِّبُّ صَحِيحًا، مَاتَ الشَّيْخُ اللَّيْلَةَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ لَيْلَتِهِ تِلْكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 2943لا حكم مسجّل
هلاك الحكيم المقنع ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِيهَا حُصِرَ الْمُقَنَّعُ الزِّنْدِيقُ الَّذِي كَانَ قَدْ نَبَغَ بِخُرَاسَانَ وَقَالَ بِالتَّنَاسُخِ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى جَهَالَتِهِ وَضَلَالَتِهِ خَلْقٌ مِنَ الطَّغَامِ وَسُفَهَاءِ الْأَنَامِ، وَالسَّفِلَةِ مِنَ الْعَوَامِّ، وَمَنَعُوهُ مِنَ الْجُنُودِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَجَأَ إِلَى قَلْعَةِ كَشٍّ، فَحَاصَرَهُ سَعِيدٌ الْحَرِشِيُّ فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فِي الْحِصَارِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالْغَلَبَةِ تَحَسَّى سُمًّا وَسَمَّ نِسَاءَهُ، فَمَاتُوا جَمِيعًا، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ. وَدَخَلَ الْجَيْشُ الْإِسْلَامِيُّ قَلْعَتَهُ، فَاحْتَزُّوا رَأَسَهُ، وَبَعَثُوا بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ حِينَ جَاءَهُ رَأْسُ الْمُقَنَّعِ بِحَلَبَ. قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: الْمُقَنَّعُ الْخُرَاسَانِيُّ قِيلَ: اسْمُهُ عَطَاءٌ. وَقِيلَ: حَكِيمٌ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَكَانَ أَوَّلًا قَصَّارًا، ثُمَّ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَعْوَرَ قَبِيحَ الْمَنْظَرِ، وَكَانَ يَتَّخِذُ لَهُ وَجْهًا مِنْ ذَهَبٍ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى جَهَالَتِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ، وَكَانَ يُرِي النَّاسَ قَمَرًا يُرَى مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ يَغِيبُ، فَعَظُمَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ، وَمَنَعُوهُ بِالسِّلَاحِ، وَكَانَ يَزْعُمُ - لَعَنَهُ اللَّهُ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - أَنَّ اللَّهَ ظَهَرَ فِي صُورَةِ آدَمَ، وَلِهَذَا سَجَدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ فِي نُوحٍ، ثُمَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدًا وَاحِدًا، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا حَاصَرَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي قَلْعَتِهِ الَّتِي كَانَ جَدَّدَهَا بِنَاحِيَةِ كَشٍّ مِمَّا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَيُقَالُ لَهَا: سَنَامُ. سَقَى نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ سُمًّا، وَتَحَسَّى هُوَ أَيْضًا مِنْهُ، فَمَاتُوا كُلُّهُمْ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ - وَاسْتَحْوَذَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى حَوَاصِلِهِ وَأَمْوَالِهِ كُلِّهَا. غزو بلاد الروم وتولية هارون على الجيش وَفِيهَا جَهَّزَ الْمَهْدِيُّ الْبُعُوثَ مِنْ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ وَلَدَهُ هَارُونَ الرَّشِيدَ، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ مُشَيِّعًا لَهُ، فَسَارَ مَعَهُ مَرَاحِلَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَادَ وَلَدَهُ مُوسَى الْهَادِي، وَكَانَ فِي هَذَا الْجَيْشِ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةَ، وَالرَّبِيعُ الْحَاجِبُ، وَخَالِدُ بْنُ بَرْمَكَ، وَهُوَ مِثْلُ الْوَزِيرِ لِلرَّشِيدِ وَلِيِّ الْعَهْدِ، وَيَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، وَهُوَ كَاتِبُهُ وَإِلَيْهِ النَّفَقَاتُ. وَمَا زَالَ الْمَهْدِيُّ مَعَ وَلَدِهِ مُشَيِّعًا لَهُ حَتَّى بَلَغَ دَرْبَ الرُّومِ عِنْدَ جَيْحَانَ، وَارْتَادَ هُنَاكَ الْمَدِينَةَ الْمُسَمَّاةَ بِالْمَهْدِيَّةِ فِي بِلَادِ الرُّومِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الشَّامِ، وَزَارَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَسَارَ الرَّشِيدُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فِي جَحَافِلَ عَظِيمَةٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً، وَغَنِمُوا أَمْوَالًا جَزِيلَةً جِدًّا، وَكَانَ لِخَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ جَمِيلٌ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ، وَبَعَثُوا بِالْبِشَارَةِ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ بَرْمَكَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَكْرَمَهُ الْمَهْدِيُّ وَأَجْزَلَ عَطَاءَهُ. تولية هارون الرشيد بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينيا ومن حج بالناس هذه السنة وَفِيهَا وَلَّى الْمَهْدِيُّ وَلَدَهُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِلَادَ الْمَغْرِبِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ، وَجَعَلَ عَلَى رَسَائِلِهِ يَحْيَى بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَوَلَّى وَعَزَلَ جَمَاعَةً مِنَ النُّوَّابِ. من حج بالناس هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَلِيٌّ ابْنُ الْمَهْدِيِّ. عَزَلَ الْمَهْدِيُّ عَمَّهُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَفِي مَسِيرِ الْمَهْدِيِّ مَعَ ابْنِهِ هَارُونَ عَزَلَ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَوَلَّى مَكَانَهُ زُفَرَ بْنَ عَاصِمٍ الْهِلَالِيَّ. وَكَانَ السَّبَبُ أَنَّ الْمَهْدِيَّ سَلَكَ فِي سُفْرَتِهِ هَذِهِ طَرِيقَ الْمَوْصِلِ وَعَلَى الْجَزِيرَةِ عَبْدُ الصَّمَدِ، فَلَمَّا بَلَغَ أَرْضَ الْجَزِيرَةِ وَلَمْ يَتَلَقَّهُ عَبْدُ الصَّمَدِ وَلَا هَيَّأَ لَهُ، وَلَا أَصْلَحَ الْقَنَاطِرَ، فَاضْطَغَنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا لَقِيَهُ تَجَهَّمَهُ وَأَظْهَرَ لَهُ جَفَاءً فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ الصَّمَدِ بِأَلْطَافٍ لَمْ يَرْضَهَا، فَرَدَّهَا وَازْدَادَ عَلَيْهِ سُخْطًا، وَأَغْلَظَ لَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الصَّمَدِ، فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ وَعَزْلِهِ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَلَمْ يَزَلْ فِي حَبْسِهِ إِلَى أَنْ رَضِيَ عَنْهُ. وَأُتِيَ الْمَهْدِيُّ وَهُوَ بِحَلَبَ بِزَنَادِقَةٍ فَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ وَقَطَعَ كُتُبًا كَانَتْ مَعَهُمْ، ثُمَّ عَرَضَ بِهَا جُنْدَهُ.
التاريخ 2944لا حكم مسجّل
إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ . إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، أَبُو سَعِيدٍ الْخُرَاسَانِيُّ . وُلِدَ بِهَرَاةَ، وَنَشَأَ بِنَيْسَابُورَ، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَلَقِيَ جَمَاعَةً مِنَ التَّابِعِينَ مِثْلَ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الزُّبَيْرِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَأَبِي حَازِمٍ الْأَعْرَجِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ. وَوَرَدَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَسَكَنَهَا إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ. وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا دَيِّنًا جَوَادًا، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى الْإِرْجَاءِ. وَعَنْ مَالِكُ بْنُ سُلَيْمَانَ: كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ جِرَايَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَاخِرَةٌ، وَكَانَ يَسْخُو بِذَلِكَ، فَسُئِلَ يَوْمًا مَسْأَلَةً فِي مَجْلِسِ الْخَلِيفَةِ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالُوا لَهُ: تَأْخُذُ فِي كُلِّ شَهْرٍ كَذَا وَكَذَا وَلَا تُحْسِنُ مَسْأَلَةً؟ قَالَ: إِنَّمَا آخُذُهُ عَلَى مَا أُحْسِنُ، وَلَوْ أَخَذْتُ عَلَى مَا لَا أُحْسِنُ لَفَنِيَ بَيْتُ الْمَالِ وَلَا يَفْنَى مَا لَا أُحْسِنُ. فَأَعْجَبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَوَابُهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ فَاخِرَةٍ وَزَادَ فِي جِرَايَتِهِ. وَعَنْ أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - وَذُكِرَ عِنْدَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا مِنْ عِلَّةٍ فَاسْتَوَى جَالِسًا - وَقَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ الصَّالِحِينَ مُتَّكِئٌ، ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ فِي الْمَنَامِ وَمَعَهُ شَيْخٌ مَهِيبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ قَالَ: أَمَا تَعْرِفُ؟ هَذَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ قَالَ: نَحْنُ نَزُورُ كُلَّ يَوْمٍ إِبْرَاهِيمَ بْنَ طَهْمَانَ. قُلْتُ: وَأَيْنَ تَزُورُونَهُ؟ قَالَ: فِي دَارِ الصِّدِّيقِينَ، دَارِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا. تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بْنِ خَيْبَرَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بْنِ خَيْبَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَقِيلَ: أَبُو عَوْنٍ الرَّحَبِيُّ الْحِمْصِيُّ. سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَشِيرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنَ التَّابِعِينَ. رَوَى عَنْهُ: إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، وَبَقِيَّةٌ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ لَكِنَّهُ اتَّهَمُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ يَنْتَقِضُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَعَنْ جَرِيرَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ لِأَخِيهِ: قَتَلَ إِيَّايَ - يَعْنِي عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَعَنْ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَبَّ الْعِزَّةِ تَعَالَى فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا يَزِيدَ لَا تَكْتُبْ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ مَا عَلِمْتُ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا يَزِيدَ لَا تَكْتُبْ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَسُبُّ عَلِيًّا. وَعَنْ سَعِيدُ بْنُ شَادِي الْوَاسِطِيُّ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ فِي الْمَنَامِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي وَرَحِمَنِي وَعَاتَبَنِي، فَقُلْتُ: غَفَرَ لَكَ وَرَحِمَكَ وَعَاتَبَكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ لِي: يَا يَزِيدُ بْنَ هَارُونَ كَتَبْتَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عُثْمَانَ؟ قُلْتُ: يَا رَبَّ الْعِزَّةِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُبْغِضُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. [قَالَ الْمُؤَلِّفُ]: وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا سَبَبْتُهُ قَطُّ، وَإِنِّي أَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ. تُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ. سُلَيْمَانُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سُلَيْمَانُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى قُرَيْشٍ، ثُمَّ مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ. رَوَى عَنْهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ مِنَ الْعَابِدِينَ الزُّهَّادِ. عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْجُذَامِيُّ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْجُذَامِيُّ . رَوَى عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ فَقِيهًا مُتَدَيِّنًا. عُرِضَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ بِمِصْرَ فَلَمْ يَقْبَلْ. وَكَانَ اللَّيْثُ أَشَارَ بِوِلَايَتِهِ فَهَجَرَ اللَّيْثَ لِذَلِكَ. عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سَالِمٍ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 880 - عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى مَهْرَةَ. رَوَى عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ مُقَطَّعَاتٍ، وَكَانَ كَاتِبًا فِي دِيوَانِ مِصْرَ فِي خِلَافَةِ بَنِي أُمَيَّةَ. [قَالَ الْمُؤَلِّفُ]: وَلَيْسَ بِعَبْدِ الْحَمِيدِ الَّذِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْكِتَابَةِ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا تُوُفِّيَ قَبْلَ هَذَا. وَهَذَا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ ، أَبُو الْحَسَنِ مَوْلَى بَنِي جُمَحَ. رَوَى عَنْهُ: اللَّيْثُ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَرِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، وَكَانَ فَقِيهًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ بِمَسَائِلِ مَالِكٍ إِلَى مِصْرَ. وَتُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَمُّ السَّفَّاحِ الْمَنْصُورِ. حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ، وَرَوَى عَنْهُ: شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيُّ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ بِبَغْدَادَ قَصْرُ عِيسَى وَنَهْرُ عِيسَى. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ لَهُ مَذْهَبٌ جَمِيلٌ، وَكَانَ مُعْتَزِلًا لِلسُّلْطَانِ. وَعَنْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُطَبِيُّ قَالَ: تُوُفِّيَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مُوسَى بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ مِنْ قَصْرِ عِيسَى إِلَى مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ سِنُّهُ ثَمَانِيًا وَسَبْعِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ الْمَهْدِيَّ عَسْكَرَ بِالْبَرَدَانِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ يُرِيدُ الشَّامَ، وَتُوُفِّيَ عِيسَى، فَرَجَعَ مِنْ عَسْكَرِهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ، وَعَادَ إِلَى عَسْكَرِهِ. عُبَيْدَةُ بِنْتُ أَبِي كِلَابٍ عُبَيْدَةُ بِنْتُ أَبِي كِلَابٍ. بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعِينَ سَنَةً حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا. عَنْ يَحْيَى بْنِ بِسْطَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ الْأَفْقَمُ قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ بِنْتِ أَبِي كِلَابٍ مَا تَشْتَهِي؟ قَالَتِ: الْمَوْتَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَتْ: لِأَنِّي وَاللَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أُصْبِحُ أَخْشَى أَنْ أَجْنِيَ عَلَى نَفْسِي جِنَايَةً يَكُونُ فِيهَا عَطَبِي أَيَّامَ الْآخِرَةِ. وَعَنْ عُبَيْدَةُ بِنْتُ أَبِي كِلَابٍ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَابِعَةَ فِي الْمَنَامِ، قُلْتُ: مَا فَعَلَتْ عُبَيْدَةُ بِنْتُ أَبِي كِلَابٍ؟ قَالَتْ: هَيْهَاتَ سَبَقَتْنَا وَاللَّهِ إِلَى الدَّرَجَاتِ الْعُلَى. قُلْتُ: وَبِمَ وَقَدْ كُنْتِ عِنْدَ النَّاسِ أَكْبَرَ مِنْهَا. قَالَتْ: إِنَّهَا لَمْ تَكُنْ تُبَالِي عَلَى مَا أَصْبَحَتْ مِنَ الدُّنْيَا وَأَمْسَتْ. مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ. كَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ مُؤْثِرًا لِلْعُزْلَةِ. وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: قُلْتُ: لِمُحَمَّدِ بْنِ النَّضْرِ كَأَنَّكَ تَكْرَهُ أَنْ تُزَارَ قَالَ: أَجَلْ، قُلْتُ: أَمَا تَسْتَوْحِشُ؟ قَالَ: كَيْفَ أَسْتَوْحِشُ وَهُوَ يَقُولُ: "أَنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي"!؟ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اللَّخْمِيُّ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحِ بْنِ قَيْصَرَ بْنِ الْقِشْبِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اللَّخْمِيُّ ، أَمِيرُ مِصْرَ لِأَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ. وُلِدَ بِأَفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ تِسْعِينَ، قَدِمَ وَافِدًا عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنَةَ عَشْرَةٍ وَمِائَةٍ، وَكَانَ يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ. رَوَى عَنْهُ: اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ وَهْبٍ. تُوُفِّيَ [بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا: تُوُفِّيَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَهَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ الْمِصْرِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْأَشْهَبِ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ بِالْبَصْرَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَكَّارُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَاضِي الْمَوْصِلِ بِهَا، وَكَانَ فَاضِلًا، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا أَبُو مِكْرَزٍ الْفِهْرِيُّ، وَاسْمُهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرْزٍ.
التاريخ 2945لا حكم مسجّل
غَزْوَةُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: غَزْوَةُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ بِطْرِيقٌ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا، فَعَجَزَ عَنْهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ فَانْهَزَمَ، فَأَرَادَ الْمَهْدِيُّ ضَرْبَ عُنُقِهِ فَكُلِّمَ فِيهِ فَحَبَسَهُ. بناء المهدي بعيساباذ الكبرى وَفِيهَا: بَنَى الْمَهْدِيُّ بِعِيسَابَاذَ الْكُبْرَى قَصْرًا مِنْ لَبِنٍ إِلَى أَنْ أَسَّسَ قَصْرَهُ الَّذِي بِالْآجُرِّ، وَكَانَ تَأْسِيسُهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ. عَزَلَ الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَنْ أَعْمَالِهِ وَفِيهَا: عَزَلَ الْمَهْدِيُّ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَنْ أَعْمَالِهِ وَوَجَّهَ صَالِحَ بْنَ دَاوُدَ عَلَى مَا كَانَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ. عَنْ مُصْعَبٌ قَالَ: لَمَّا بَنَى الْمَهْدِيُّ عِيسَابَاذَ نَزَلَ مَنْزِلَهُ بِهَا، فَأَمَرَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَأَبْنَاءُ الْأَنْصَارِ، فَكَتَبُوا وَدَعَا نُقَبَاءَهُمْ وَجَلَسَ مَجْلِسًا عَامًّا لَهُمْ، فَفَرَّقَ فِيهِمْ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَغْنَى كُلَّ عَائِلٍ، وَجَبَرَ كُلَّ كَسِيرٍ، وَفَرَّجَ عَنْ كُلِّ مَكْرُوبٍ، ثُمَّ قَامَتِ الْخُطَبَاءُ فَخَطَبَتْ، وَدَخَلَ الشُّعَرَاءُ فَأَنْشَدُوا فَفَرَّقَ فِيهِمْ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ دَعَا بِغَدَائِهِ، وَحَضَرَ خَاصَّتُهُ وَبِطَانَتُهُ، وَأَهْلُ الْمَرَاتِبِ مِنْ قُوَّادِهِ فَطَعِمُوا فَلَمْ يَنْصَرِفْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِحِبَاءٍ وَكَرَامَةٍ، فَكَثُرَ الدُّعَاءُ لَهُ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْبَوَادِي، وَقَالَ النَّاسُ: هَذَا مِفْتَاحُ الْخَيْرِ، هَذَا مَهْدِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. وَقَامَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ فَأَنْشَدَهُ: مَا يَلْمَعُ الْبَرْقُ إِلَّا حَنَّ مُغْتَرِبُ كَأَنَّهُ مِنْ دَوَاعِي شَوْقِهِ وَصِبُ مَجَالِسُ الْأُنْسِ غَيْثًا طَلَّ وَابِلُهُ عَلَيَّ مِنْ رَاحَةِ الْمَهْدِيِّ يَنْسَكِبُ شَمْسًا فَمَا أَخْطَفَتْنَا مِنْ مَخَايِلِهِ سَحَابَةٌ صَوْبُهَا الْأَوْرَاقُ وَالذَّهَبُ صَدَّقْتَ يَا خَيْرَ مَأْمُولٍ وَمُعْتَمَدٍ ظَنِّي بِأَضْعَافِ مَا قَدْ كُنْتُ أَحْتَسِبُ أَعْطَيْتَ سَبْعِينَ أَلْفًا غَيْرَ مُتْبِعِهَا مِنَّا وَلَسْتَ بِمَنَّانٍ بِمَا تَهَبُ قَدْ لَاحَ لِلنَّاسِ بِالْمَهْدِيِّ نُورُ هُدًى يُضِيءُ وَالصُّبْحُ فِي الظَّلْمَاءِ مُحْتَجِبُ خَلِيفَةٌ طَاهِرُ الْأَثْوَابِ مُعْتَصِمٌ بِالْحَقِّ لَيْسَ لَهُ فِي غَيْرِهِ أَدَبُ شخص المهدي حين خرج إلى الحج وَفِيهَا: شَخَصَ الْمَهْدِيُّ حِينَ أَسَّسَ هَذَا الْقَصْرَ إِلَى الْكُوفَةِ حَاجًّا، فَأَقَامَ بِرُصَافَةِ الْكُوفَةِ أَيَّامًا ثُمَّ خَرَجَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحَجِّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْعَقَبَةِ، فَعَرَفَ قِلَّةَ الْمَاءِ، وَأَخَذَتْهُ حُمَّى، فَرَجَعَ مِنَ الْعَقَبَةِ، وَعَطِشَ النَّاسُ فَغَضِبَ عَلَى يَقْطِينٍ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ الْمَصَانِعِ، فَرَجَعَ الْمَهْدِيُّ وَبَعَثَ أَخَاهُ صَالِحَ بْنَ الْمَنْصُورِ فَحَجَّ بِالنَّاسِ. عُزِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْيَمَنِ وَفِيهَا: عُزِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ الْيَمَنِ عَنْ سَخْطَةٍ، وَوَجَّهَ مَنْ يَسْتَقْبِلُهُ وَيُفَتِّشُ مَتَاعَهُ وَيُحْصِي مَا مَعَهُ، ثُمَّ حَبَسَهُ عِنْدَ الرَّبِيعِ حِينَ قَدِمَ حَتَّى أَقَرَّ مِنَ الْمَالِ وَالْجَوْهَرِ وَالْعَنْبَرِ، بِمَا أَقَرَّ بِهِ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ مَنْصُورَ بْنَ يَزِيدَ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَامَةِ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى الْيَمَنِ مَنْصُورُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلَى صَلَاةِ الْكُوفَةِ وَأَحْدَاثِهَا وَكُوَرِ دِجْلَةَ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ وَكُوَرِ الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ صَالِحُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ. وَعَلَى خُرَاسَانَ الْمُسَيِّبُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ، وَعَلَى مِصْرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ، وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ وَجُرْجَانَ يَحْيَى الْحَرَشِيُّ، وَعَلَى الرَّيِّ خَلَفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مسير عبد الرحمن الأموي إلى سرقسطة وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ سَيَّرَ إِلَيْهَا ثَعْلَبَةَ بْنَ عُبَيْدٍ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَقْظَانَ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى قَدِ اجْتَمَعَا عَلَى خَلْعِ طَاعَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَمَا ذَكَرْنَا، وَهَمَّا بِهَا، فَقَاتَلَهُمَا ثَعْلَبَةُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ عَادَ إِلَى مُخَيَّمِهِ، فَاغْتَنَمَ سُلَيْمَانُ غِرَّتَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَقَبَضَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَهُ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ. وَاسْتَدْعَى سُلَيْمَانُ قَارْلَهْ مَلِكَ الْإِفْرِنْجِ، وَوَعَدَهُ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ وَثَعْلَبَةَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ لَمْ يُصْبِحْ بِيَدِهِ غَيْرُ ثَعْلَبَةَ، فَأَخَذَهُ وَعَادَ إِلَى بِلَادِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ عَظِيمَ الْفِدَاءِ، فَأَهْمَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُدَّةً، ثُمَّ وَضَعَ مَنْ طَلَبَهُ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَأَطْلَقُوهُ. فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ سَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، وَفَرَّقَ أَوْلَادَهُ فِي الْجِهَاتِ لِيَدْفَعُوا كُلَّ مُخَالِفٍ، ثُمَّ يَجْتَمِعُونَ بِسَرَقُسْطَةَ، فَسَبَقَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَيْهَا، وَكَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى قَدْ قَتَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَقْظَانَ، وَانْفَرَدَ بِسَرَقُسْطَةَ، فَوَافَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ، فَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا تَضْيِيقًا شَدِيدًا. وَأَتَاهُ أَوْلَادُهُ مِنَ النَّوَاحِي، وَمَعَهُمْ كُلُّ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَأَخْبَرُوهُ عَنْ طَاعَةِ غَيْرِهِمْ، فَرَغِبَ الْحُسَيْنُ فِي الصُّلْحِ، وَأَذْعَنَ لِلطَّاعَةِ، فَأَجَابَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَصَالَحَهُ، وَأَخَذَ ابْنَهُ سَعِيدًا رَهِينَةً، وَرَجَعَ عَنْهُ. وَغَزَا بِلَادَ الْفِرِنْجِ، فَدَوَّخَهَا، وَنَهَبَ وَسَبَى وَبَلَغَ قَلَهُرَّةَ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ فَكِيرَةَ، وَهَدَمَ قِلَاعَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَسَارَ إِلَى بِلَادِ الْبَشْكَنْسِ، وَنَزَلَ عَلَى حِصْنِ مَثْمَيْنَ الْأَقْرَعِ، فَافْتَتَحَهُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَلْدُوثُونَ بْنِ أَطْلَالٍ، وَحَصَرَ قَلْعَتَهُ، وَقَصَدَ النَّاسُ جَبَلَهَا، وَقَاتَلُوهُمْ فِيهَا، فَمَلَكُوهَا عَنْوَةً وَخَرَّبَهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قُرْطُبَةَ. وَفِيهَا ثَارَتْ فِتْنَةٌ بَيْنَ بَرْبَرِ بَلَنْسِيَةَ وَبَرْبَرِ شَنْتَ بَرِيَّةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَكَانَتْ وَقَائِعُهُمْ مَشْهُورَةً.
التاريخ 2946لا حكم مسجّل
حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ: وَهُوَ حَمَّادُ بْنُ مَيْسَرَةَ مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ، وَقِيلَ: هُوَ حَمَّادُ بْنُ سَابُورَ. وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَخْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَنْسَابِهَا. وَكَانَتْ بَنُو أُمَيَّةَ تُقَدِّمُهُ وَتُسْنِي عَطَاءَهُ، وَدَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ. وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ لِحَمَّادٍ: لِمَ سُمِّيتَ الرَّاوِيَةَ، وَمَا بَلَغَ مِنْ حِفْظِكَ حَتَّى اسْتَحْقَقْتَ هَذَا الِاسْمَ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ تَجْرِي عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ حَرْفًا، أَنَا أُنْشِدُكَ عَلَى كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا مِائَةَ قَصِيدَةٍ. فَقَالَ: هَاتِ، فَأَنْشَدَ حَتَّى مَلَّ الْوَلِيدُ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ مَنْ يَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى وَفَّاهُ مَا قَالَ فَأَجْزَلَ صِلَتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَنْشَدَهُ أَلْفَيْنِ وَسَبْعَمِائَةِ قَصِيدَةٍ لِلْجَاهِلِيَّةِ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الطِّرِمَّاحُ: أَنْشَدْتُ حَمَّادًا الرَّاوِيَةَ قَصِيدَةً لِي سِتِّينَ بَيْتًا فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: أَهَذِهِ لَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيَّ كُلَّهَا وَزِيَادَةَ عِشْرِينَ بَيْتًا زَادَهَا فِي وَقْتِهِ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِليُّ: دَخَلَ مُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ، وَيَحْيَى بْنُ زِيَادٍ عَلَى حَمَّادٍ الرَّاوِيَةِ، فَإِذَا سِرَاجُهُ عَلَى ثَلَاثِ قَصَبَاتٍ قَدْ جَمَعَ أَعْلَاهُنَّ وَأَسْفَلَهُنَّ بُطَيْنٌ فَقَالَ يَحْيَى: يَا حَمَّادُ، إِنَّكَ لَمُسْرِفٌ مُتَبَذِّلٌ، تَحَرَّ الْمَتَاعَ، فَقَالَ لَهُ مُطِيعٌ: أَلَا تَبِيعُ هَذِهِ الْمَنَارَةَ وَتَشْتَرِي أَقَلَّ ثَمَنًا مِنْهَا وَتُنْفِقُ عَلَيْنَا وَعَلَى نَفْسِكَ الْبَاقِيَ وَتَتَّسِعُ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: مَا أَحْسَنَ ظَنَّكَ بِهِ وَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذِهِ الْمَنَارَةُ؟ هَذِهِ وَدِيعَةٌ، أَوْ عَارِيَّةٌ، فَقَالَ مُطِيعٌ: إِنَّهُ لَعَظِيمُ الْأَمَانَةِ عِنْدَ النَّاسِ. قَالَ لِيَحْيَى: وَعَلَى عِظَمِ أَمَانَتِهِ فَمَا أَجْمَلَ مَنْ يُخْرِجُ هَذِهِ مِنْ دَارِهِ وَيَأْمَنُ عَلَيْهَا غَيْرَهُ. قَالَ مُطِيعٌ، مَا أَظُنُّهَا عَارِيَّةً وَلَا وَدِيعَةً، وَلَكِنِّي أَظُنُّهَا مَرْهُونَةً عِنْدَهُ عَلَى مَالٍ، وَإِلَّا فَمَنْ يُخْرِجُ هَذِهِ مِنْ بَيْتِهِ؟ فَقَالَ حَمَّادٌ: شَرٌّ مِنْكُمَا مَنْ يُدْخِلُكُمَا إِلَى بَيْتِهِ. وَقَالَ الْجَاحِظُ: كَانَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ وَحَمَّادُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ وَحَمَّادُ عَجْرَدٍ وَوَالِبَةُ بْنُ الْحُبَابِ وَبَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ اللَّاحِقِيُّ كُلُّهُمْ كَانَ مُتَّهَمًا فِي دِينِهِ. أَبُو مُعَاوِيَةَ التَّمِيمِيُّ الْمُؤَدِّبُ الْبَصْرِيُّ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو مُعَاوِيَةَ التَّمِيمِيُّ الْمُؤَدِّبُ الْبَصْرِيُّ . وَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ أَنَّ شَيْبَانَ النَّحْوِيَّ يُنْسَبُ إِلَى بَطْنٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو نَحْوِ بْنِ شُمْسٍ، بِضَمِّ الشِّينِ مِنْ بَطْنٍ مِنَ الْأَزْدِ. وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: الْمَنْسُوبُ إِلَى الْقَبِيلَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا نَحْوٌ هُوَ يَزِيدُ النَّحْوِيُّ لَا شَيْبَانُ. عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: كَانَ شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةً، وَكَانَ مُؤَدِّبًا لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْهَاشِمِيِّ وَكَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ فَانْتَقَلَ إِلَى الْكُوفَةِ. وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ بِبَابِ التِّبْنِ، كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: دُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْخَيْزُرَانِ. أَبُو مَعْمَرٍ الْخَطِيبُ الْمِنْقَرِيُّ الْبَصْرِيُّ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ، أَبُو مَعْمَرٍ الْخَطِيبُ الْمِنْقَرِيُّ الْبَصْرِيُّ . حَدَّثَ عَنِ الْحَسَنِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. رَوَى عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَالْأَصْمَعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. وَقَدِمَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمَنْصُورِ فَاتَّصَلَ بِهِ ثُمَّ بِالْمَهْدِيِّ مِنْ بَعْدِهِ وَكَانَ مُقَدَّمًا عِنْدَهُمَا. وَقَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ عِظْنِي وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَجْعَلَ فَوْقَكَ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، فَلَا تَرْضَ لَهُ مِنْ نَفْسِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَبْدًا لَهُ أَشْكَرَ مِنْكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَوْجَزْتَ. وَخَرَجَ مِنْ دَارِ الْمَهْدِيِّ فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَرَكْتَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: تَرَكْتُ الدَّاخِلَ رَاجِيًا وَالْخَارِجَ رَاضِيًا. وَعَنْ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ يُصَلِّي بِنَا الصُّبْحَ يَوْمًا وَقَرَأَ السَّجْدَةَ وَ هَلْ أَتَى، وَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا، فَإِنِّي كُنْتُ غَدَوْتُ لِحَاجَةٍ، فَلَمَّا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ دَخَلْتُ أُصَلِّي فَأَطَلْتَ الصَّلَاةَ حَتَّى فَاتَتْنِي حَاجَتِي. قَالَ: وَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: قَدِمْتُ مِنَ الثَّغْرِ فِي شَيْءٍ فِيهِ مَصْلَحَتُهُ، وَكُنْتُ وَعَدْتُ الْبُكُورَ إِلَى الْخَلِيفَةِ لِأَتَنَجَّزَ ذَلِكَ قَالَ: فَأَنَا أَرْكَبُ مَعَكَ، فَرَكِبَ مَعَهُ، وَدَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، قَالَ: فَيُرِيدُ مَاذَا؟ قَالَ: يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَدَفَعَهَا إِلَى الرَّجُلِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ شَبِيبٌ مِنْ مَالِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ لَهُ: [لَمْ] تَضُرَّكَ السُّورَتَانِ. عَنِ الرِّيَاشِيِّ قَالَ: تُوُفِّيَ ابْنٌ لِبَعْضِ الْمَهَالِبَةِ فَأَتَاهُ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ الْمِنْقَرِيُّ يُعَزِّيهِ وَعِنْدَهُ بَكْرُ بْنُ حَبِيبٍ السَّهْمِيُّ، فَقَالَ شَبِيبٌ: بَلَغَنَا أَنَّ الطِّفْلَ لَا يَزَالُ مُحْتَبِطًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ يَشْفَعُ لِأَبَوَيْهِ فَقَالَ بَكْرٌ: إِنَّمَا هُوَ مُحْتَبِطًا بِالطَّاءِ غَيْرِ الْمُعْجَمَةِ. فَقَالَ شُبَيْلُ الْقَوْلِ لِي هَذَا، وَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَفْصَحُ مِنِّي، فَقَالَ بَكْرٌ: وَهَذَا خَطَأٌ، تَأْتِي مَاءَ الْبَصْرَةِ وَاللُّوَبُ أَهْلَكُ، غَيَّرَكَ قَوْلُهُمْ: مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ يُرِيدُونَ الْحَرَّةَ، قَالَ أَبُو أَحْمَدَ: الْحَرَّةُ أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُودٌ، وَهِيَ اللَّابَةُ وَالْجَمْعُ لَابَاتٌ، فَإِذَا أَكْثَرْتَ فَهِيَ اللُّوَبُ، وَلِلْمَدِينَةِ لَابَتَانِ مِنْ جَانِبَيْهَا، وَلَيْسَ لِلْبَصْرَةِ لَابَةٌ وَلَا حَرَّةٌ. قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُحْتَبْطِي بِغَيْرِ هَمْزٍ: الْمُتَعَصِّبُ الْمُسْتَبْطِئُ لِلشَّيْءِ وَالْمُحْتَبْطِئُ بِالْهَمْزِ: الْعَظِيمُ الْبَطْنِ الْمُنْتَفِخُ. وَقَدْ تَكَلَّمَ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فِي شَبِيبٍ. سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَأْخُذُ عَنْ شَبِيبٍ؟ فَقَالَ: خُذُوا عَنْهُ، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ مِنْ أَنْ يَكْذِبَ. وَقَالَ السَّاجِيُّ: هُوَ صَدُوقٌ يَهِمُ. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ. هُوَ صَالِحُ الْحَدِيثِ. فَأَمَّا ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَ: لَيْسَ بِثِقَةٍ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ. عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ: مَيْمُونٌ مَوْلَى آلِ الْهَدِيرِ التَّيْمِيُّ، وَكُنْيَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. وَقِيلَ: أَبُو الْأَصْبَغِ. سَمِعَ الزُّهْرِيَّ، وَابْنَ الْمُنْكَدِرِ، وَأَبَا حَازِمٍ وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: وَكِيعٌ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَكَانَ عَالِمًا فَقِيهًا صَدُوقًا ثِقَةً ثَبَتًا. وَيَقُولُ: الْمَاجِشُونُ فَارِسِيٌّ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَاجِشُونَ لِأَنَّ وَجْنَتَيْهِ كَانَتَا حَمْرَاوَيْنِ. وَقَالَ: ابْنُ وَهْبٍ: حَجَجْتُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَصَائِحٌ يَصِيحُ: لَا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ. وَعَنْ عَمْرَو بْنَ خَالِدٍ الْحَرَّانِيَّ يَقُولُ: حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فَشَيَّعَهُ الْمَهْدِيُّ، فَلَمَّا أَرَادَ الْوَدَاعَ قَالَ: يَا بُنَيَّ، اسْتَهْدِنِي قَالَ: اسْتَهْدَيْتُكَ رَجُلًا عَاقِلًا، فَأَهْدَى لَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونَ. تُوُفِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَجَاءَ الْمَهْدِيُّ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ فِي خِلَافَتِهِ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ. الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، أَبُو فَضَالَةَ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ. حَدَّثَ عَنِ الْحَسَنِ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ. رَوَى عَنْهُ: يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَعَفَّانُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ. وَعَنْ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: إِنِّي يَوْمًا لَعِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ إِذْ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: يُقْتَلُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنَا حَاضِرٌ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنَ الْحَسَنِ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ حَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ فَيَقُومُ مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [تَعَالَى] فَيَقُولُ: لَيَقُومَنَّ مَنْ لَهُ عَلَى اللَّهِ يَدٌ فَلَا يَقُومُ إِلَّا مَنْ عَفَا". فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: آللَّهِ سَمِعْتَهُ مِنَ الْحَسَنِ؟ فَقُلْتُ: آللَّهِ سَمِعْتُهُ مِنَ الْحَسَنِ، فَقَالَ: خَلِّيَا عَنْهُ. [قَالَ الْمُؤَلِّفُ] اخْتَلَفَ كَلَامُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ فِي الْمُبَارَكِ فَقَالَ مَرَّةً: صَالِحٌ. وَقَالَ مَرَّةً: ثِقَةٌ، وَقَالَ مَرَّةً: ضَعِيفٌ. تُوُفِّيَ الْمُبَارَكُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَفِيهَا مَاتَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدِّمَشْقِيُّ، وَسَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ النَّمِرِيُّ الْأَزْدِيُّ، أَبُو رَوْحٍ.
التاريخ 2947لا حكم مسجّل
غَزْوَةُ هَارُونَ بْنِ الْمَهْدِيِّ الصَّائِفَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: غَزْوَةُ هَارُونَ بْنِ الْمَهْدِيِّ الصَّائِفَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، وَجَّهَهُ أَبُوهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِإِحْدَى [عَشْرَةَ] لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ غَازِيًا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ الرَّبِيعَ مَوْلَاهُ فَأَوْغَلَ هَارُونُ فِي بِلَادِ الرُّومِ فَلَقِيَتْهُ خُيُولٌ فَقَاتَلَهَا فَانْهَزَمَتْ، وَسَارَ هَارُونُ فِي خَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَتِسْعِينَ، وَحَمَلَ مِنَ الْفَيْءِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ وَثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا، وَمِنَ الْوَرِقِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَسَارَ هَارُونُ حَتَّى بَلَغَ خَلِيجَ الْبَحْرِ الَّذِي عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَصَاحِبُ الرُّومِ يَوْمَئِذٍ امْرَأَةُ أَلْيُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ زَوْجَهَا هَلَكَ وَابْنَهَا صَغِيرٌ، [فَكَانَ] فِي حِجْرِهَا فَجَرَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَارُونَ رُسُلٌ وَسُفَرَاءُ فِي طَلَبِ الصُّلْحِ وَالْمُوَادَعَةِ وَإِعْطَاءِ الْفِدْيَةِ. فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا هَارُونُ، وَشَرَطَ عَلَيْهَا الْوَفَاءَ بِمَا أَعْطَتْ، وَأَنْ تُقِيمَ لَهُ الْأَدِلَّاءَ وَالْأَسْوَاقَ فِي طَرِيقِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ مَدْخَلًا ضَيِّقًا مَخُوفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَجَابَتْهُ إِلَى مَا سَأَلَ، وَالَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الصُّلْحُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ تُؤَدِّيهَا فِي نِيسَانَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ، وَفِي كُلِّ سَنَةٍ فِي حُزَيْرَانَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَكَتَبُوا كِتَابَ الْهُدْنَةِ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَسَلَّمَتِ الْأُسَارَى، فَكَانَ الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى هَارُونَ إِلَى أَنْ أَذْعَنَتِ الرُّومُ بِالْجِزْيَةِ خَمْسَةَ آلَافِ رَأْسٍ وَسِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَأَرْبَعِينَ رَأْسًا، وَقُتِلَ مِنَ الْأُسَارَى أَلْفَانِ وَسَبْعُونَ أَسِيرًا [صَبْرًا]، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّوَابِّ الذُّلُلِ بِأَدَوَاتِهَا عِشْرِينَ أَلْفًا، وَذَبَحَ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِائَةَ أَلْفٍ، وَكَانَتِ الْمُرْتَزِقَةُ سِوَى الْمُطَّوِّعَةِ وَأَهْلِ الْأَسْوَاقِ مِائَةَ أَلْفٍ. تولية عيسى مولى جعفر على الري وَفِيهَا: عُزِلَ خَلَفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّيِّ وَوَلِيَهَا عِيسَى مَوْلَى جَعْفَرٍ. زواج هارون الرشيد بزبيدة بنت جعفر وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: تَزَوَّجَ الرَّشِيدُ زُبَيْدَةَ بِنْتَ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ وَبَنَى بِهَا، وَسَقَطَ بِبَغْدَادَ ثَلْجٌ قَامَ فِي الْأَرْضِ نَحْوَ ذِرَاعَيْنِ. من حج بالناس هذه السنة وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ صَالِحُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَكَانَتْ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَّالَهَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ الْعَامِلَ عَلَى أَحْدَاثِ الْبَصْرَةِ وَالصَّلَاةِ بِأَهْلِهَا كَانَ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ، وَعَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانَ، وَكَسْكَرَ، وَكُوَرِ الْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَكِرْمَانَ الْمُعَلَّى مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى السِّنْدِ اللَّيْثُ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.
التاريخ 2948لا حكم مسجّل
الْيَاقُوتَةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْيَاقُوتَةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ تُوُفِّيَتْ فَجَزِعَ عَلَيْهَا جَزَعًا شَدِيدًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ فَأَنْشَدَهُ يَقُولُ: فَحَسْبِي بَقَاءُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَيِّتٍ وَحَسْبِي ثَوَابُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ هَالِكِ إِذَا كَانَ رَبُّ الْعَرْشِ عَنِّي رَاضِيًا فَإِنَّ شِفَاءَ النَّفْسِ فِيمَا هُنَالِكِ فَدَعَا بِالطَّعَامِ ثُمَّ أَكَلَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرِ بْنِ عَطَاءٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرِ بْنِ عَطَاءٍ، أَبُو زَبْرٍ الْعِجْلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَحَدَّثَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَسَالِمٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ. رَوَى عَنْهُ: الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَشَبَّابَةُ، وَكَانَ ثِقَةً. رَوَّادٌ الْعِجْلِيُّ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. رَوَّادٌ الْعِجْلِيُّ. عَاهَدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا يَضْحَكَ حَتَّى يَرَاهُ. وَعَنْ سِكِّينُ بْنُ مِسْكِينٍ قَالَ: كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ رَوَّادٍ قَرَابَةٌ، فَسَأَلْتُ أُخْتًا لَهُ كَانَتْ أَصْغَرَ مِنْهُ، كَيْفَ كَانَ لَيْلُهُ؟ قَالَتْ: يَبْكِي عَامَّةَ اللَّيْلِ وَيَصْرُخُ. قُلْتُ: فَمَا كَانَ طَعَامُهُ؟ قَالَتْ: قُرْصًا مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَقُرْصًا فِي آخِرِهِ عِنْدَ السَّحَرِ، قُلْتُ: فَتَحْفَظِينَ مِنْ دُعَائِهِ شَيْئًا. قَالَتْ: نَعَمْ، كَانَ إِذَا كَانَ السَّحَرُ أَوْ قَرِيبٌ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ سَجَدَ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: مَوْلَايَ عَبْدُكَ يُحِبُّ الِاتِّصَالَ بِطَاعَتِكَ فَأَعِنْهُ عَلَيْهَا بِتَوْفِيقِكَ. مَوْلَايَ عَبْدُكَ يُحِبُّ اجْتِنَابَ خَطِيئَتِكَ فَأَعِنْهُ عَلَى ذَلِكَ بِمَنِّكَ. مَوْلَايَ عَبْدُكَ عَظِيمُ الرَّجَاءِ لِخَيْرِكَ فَلَا تَقْطَعْ رَجَاءَهُ يَوْمَ يَفْرَحُ بِخَيْرِكَ الْفَائِزُونَ. قَالَتْ: فَلَا يَزَالُ عَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، قَالَتْ: وَكَانَ قَدْ كَلَّ مِنَ الِاجْتِهَادِ جِدًّا وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ. قَالَ سِكِّينٌ: فَلَمَّا مَاتَ رَوَّادٌ وَحُمِلَ إِلَى حُفْرَتِهِ نَزَلُوا لِيُدَلُّوهُ فِي حُفْرَتِهِ فَإِذَا اللَّحْدُ مَفْرُوشٌ بِالرَّيْحَانِ، وَأَخَذَ بَعْضُ الْقَوْمِ مِنْ ذَلِكَ الرَّيْحَانِ شَيْئًا فَمَكَثَ سَبْعِينَ يَوْمًا طَرِيًّا لَا يَتَغَيَّرُ، يَغْدُو النَّاسُ وَيَرُوحُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، قَالَ فَكَثُرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ حَتَّى خَافَ الْأَمِيرُ أَنْ يُفْتَتَنَ النَّاسُ فَأَرْسَلَ إِلَى الرَّجُلِ، فَأَخَذَ ذَلِكَ الرَّيْحَانَ وَفَرَّقَ النَّاسَ، وَفَقَدَهُ الْأَمِيرُ مِنْ مَنْزِلِهِ لَا يَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَوُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ. وَفِيهَا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ شَهْرِ بْنِ مَثُوبٍ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَهْرٍ ذِي الْجَنَاحِ الْحِمْيَرِيِّ، خَالِ الْمَهْدِيِّ، وَقَدْ كَانَ وَلِيَ الْيَمَنَ وَالْبَصْرَةَ وَالْحَجَّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ فَتْحُ بْنُ الْوَشَّاحِ الْمَوْصِلِيُّ الزَّاهِدُ.
التاريخ 2949لا حكم مسجّل
البيعة لهارون بولاية العهد 166 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَخَذَ الْمَهْدِيُّ الْبَيْعَةَ لِوَلَدِهِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ ، بَعْدَ أَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي، وَلَقَّبَهُ الرَّشِيدَ. عُزِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ وَفِيهَا عُزِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيُّ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتُقْضِيَ خَالِدُ بْنُ طُلَيْقِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، فَاسْتَعْفَى أَهْلُ الْبَصْرَةِ مِنْهُ. وَفِيهَا: اعْتَمَرَ الْمَهْدِيُّ عُمْرَةً فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأَفْطَرَ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى بِهِمْ فِي الْفِطْرِ، وَاسْتَقْضَى أَبَا سُفْيَانَ. وَفِيهَا: عُزِلَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ . ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ وَفِي هَذِهِ سَخِطَ الْمَهْدِيُّ عَلَى وَزِيرِهِ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ طَهْمَانَ، ( وَكَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِمْ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ طَهْمَانَ )، وَهُوَ أَبُو يَعْقُوبَ، كَانَ يَكْتُبُ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، هُوَ وَإِخْوَتُهُ، فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ كَانَ دَاوُدُ يُعْلِمُهُ مَا يَسْمَعُهُ مِنْ نَصْرٍ، فَلَمَّا طَلَبَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ بِدَمِ يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ أَتَاهُ دَاوُدُ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَحْيَى، فَآمَنَهُ أَبُو مُسْلِمٍ فِي نَفْسِهِ، وَأَخَذَ مَالَهُ الَّذِي اسْتَفَادَ أَيَّامَ نَصْرٍ. فَلَمَّا مَاتَ دَاوُدُ خَرَجَ أَوْلَادُهُ أَهْلَ أَدَبٍ وَعِلْمٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عِنْدَ بَنِي الْعَبَّاسِ مَنْزِلَةٌ، فَلَمْ يَطْمَعُوا فِي خِدْمَتِهِمْ لِحَالِ أَبِيهِمْ مِنْ كِتَابَةِ نَصْرٍ، وَأَظْهَرُوا مَقَالَةَ الزَّيْدِيَّةِ وَدَنَوْا مِنْ آلِ الْحُسَيْنِ، وَطَمِعُوا أَنْ تَكُونَ لَهُمْ دَوْلَةٌ، فَكَانَ دَاوُدُ يَصْحَبُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ أَحْيَانًا. وَخَرَجَ مَعَهُ هُوَ وَعِدَّةٌ مِنْ إِخْوَتِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ طَلَبَهُمُ الْمَنْصُورُ، فَأَخَذَ يَعْقُوبَ وَعَلِيًّا وَحَبَسَهُمَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ أَطْلَقَهُمَا الْمَهْدِيُّ مَعَ مَنْ أَطْلَقَهُ، وَكَانَ مَعَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، فَاتَّصَلَ إِلَى الْمَهْدِيِّ بِسَبَبِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَقِيلَ: اتَّصَلَ بِهِ بِالسِّعَايَةِ بِآلِ عَلِيٍّ، وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ يَرْتَفِعُ، حَتَّى اسْتَوْزَرَهُ. وَكَانَ الْمَهْدِيُّ يَقُولُ: وُصِفَ لِي يَعْقُوبُ فِي مَنَامِي، فَقِيلَ لِي: اسْتَوْزِرْهُ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ رَأَيْتُ الْخِلْقَةَ الَّتِي وُصِفَتْ لِي، فَاتَّخَذْتُهُ وَزِيرًا، فَلَمَّا وَلِيَ الْوِزَارَةَ أَرْسَلَ إِلَى الزَّيْدِيَّةِ، فَجَمَعَهُمْ وَوَلَّاهُمْ أُمُورَ الْخِلَافَةِ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ: بَنِي أُمَيَّةَ هُبُّوا طَالَ نَوْمُكُمُ إِنَّ الْخَلِيفَةَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ ضَاعَتْ خِلَافَتُكُمْ يَا قَوْمِ فَالْتَمِسُوا خَلِيفَةَ اللَّهِ بَيْنَ النَّايِ وَالْعُودِ. فَحَسَدَهُ مَوَالِي الْمَهْدِيِّ، وَسَعَوْا بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ فِي يَدِ يَعْقُوبَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِمْ فَيَثُورُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَيَأْخُذُوا الدُّنْيَا [ لِإِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ ]، فَمَلَأَ ذَلِكَ قَلْبَ الْمَهْدِيِّ. وَلَمَّا بَنَى الْمَهْدِيُّ عِيسَابَاذَ أَتَاهُ خَادِمٌ مِنْ خَدَمِهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ لِي: أَبَنَى مُتَنَزَّهًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفِ أَلْفٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ؟ فَحَفِظَهَا الْمَهْدِيُّ، وَنَسِيَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، وَظَنَّ أَنَّ يَعْقُوبَ قَالَهَا، فَبَيْنَمَا يَعْقُوبُ بَيْنَ يَدَيْهِ إِذْ لَبَّبَهُ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، وَقَالَ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ كَيْتَ وَكَيْتَ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا قَلْتُهُ وَلَا سَمِعْتُهُ ! قَالَ: وَكَانَ السُّعَاةُ يَسْعَوْنَ لَيْلًا، وَيَتَفَرَّقُونَ وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ يَقْبِضُهُ بُكْرَةً فَإِذَا أَصْبَحَ غَدَا عَلَيْهِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ تَبَسَّمَ وَسَأَلَهُ عَنْ مَبِيتِهِ. وَكَانَ الْمَهْدِيُّ مُسْتَهْتِرًا بِالنِّسَاءِ، فَيَخُوضُ يَعْقُوبُ مَعَهُ فِي ذَلِكَ، فَيَفْتَرِقَانِ عَنْ رِضًى ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِيَعْقُوبَ بِرْذَوْنٌ كَانَ يَرْكَبُهُ، فَخَرَجَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ الْمَهْدِيِّ وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانٌ يَتَقَعْقَعُ مِنْ كَثْرَةِ دَقِّهِ، وَالْبِرْذَوْنُ مَعَ الْغُلَامِ وَقَدْ نَامَ الْغُلَامُ، فَرَكِبَ يَعْقُوبُ، وَأَرَادَ تَسْوِيَةَ الطَّيْلَسَانِ، فَنَفَرَ مِنْ قَعْقَعَتِهِ فَسَقَطَ، فَدَنَا مِنْ دَابَّتِهِ، فَرَفَسَهُ، فَانْكَسَرَ سَاقُهُ، فَانْقَطَعَ عَنِ الرُّكُوبِ. فَعَادَهُ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْغَدِ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهُ، فَتَمَكَّنَ السُّعَاةُ مِنْهُ، فَأَظْهَرَ الْمَهْدِيُّ السُّخْطَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُجِنَ فِي سِجْنِ نَصْرٍ، وَأُخِذَ عُمَّالُهُ وَأَصْحَابُهُ فَحُبِسُوا. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ: بَعَثَ إِلَيَّ الْمَهْدِيُّ يَوْمًا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ مَفْرُوشٍ بِفَرْشٍ مُوَرَّدٍ عَلَى بُسْتَانٍ فِيهِ شَجَرٌ، وَرُءُوسُ الشَّجَرِ مَعَ صَحْنِ الْمَجْلِسِ، وَقَدِ اكْتَسَى ذَلِكَ الشَّجَرُ بِالْأَزْهَارِ، فَمَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ، وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا نَحْوُ ذَلِكَ الْفَرْشِ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهَا. فَقَالَ لِي: يَا يَعْقُوبُ ! كَيْفَ تَرَى مَجْلِسَنَا هَذَا ؟ قُلْتُ: عَلَى غَايَةِ الْحُسْنِ، فَمَتَّعَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ قَالَ: هُوَ لَكَ بِمَا فِيهِ وَهَذِهِ الْجَارِيَةُ لِيَتِمَّ سُرُورُكَ بِهِ، قَالَ: فَدَعَوْتُ لَهُ. ثُمَّ قَالَ لِي: يَا يَعْقُوبُ، وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ أُحِبُّ أَنْ تَضْمَنَ لِي قَضَاءَهَا، قُلْتُ: الْأَمْرُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَيَّ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فَاسْتَحْلَفَنِي بِاللَّهِ وَبِرَأْسِهِ، فَحَلَفْتُ لَأَعْمَلَنَّ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُحِبُّ أَنْ تَكْفِيَنِي مَئُونَتَهُ وَتُرِيحَنِي مِنْهُ وَتُعَجِّلَ ذَلِكَ، قُلْتُ: أَفْعَلُ. فَأَخَذْتُهُ وَأَخَذْتُ الْجَارِيَةَ وَجَمِيعَ مَا فِي الْمَجْلِسِ، وَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلِشِدَّةِ سُرُورِي بِالْجَارِيَةِ صَيَّرْتُهَا فِي مَجْلِسٍ بَيْنِي وَبَيْنَهَا سِتْرٌ، وَأَدْخَلْتُ الْعَلَوِيَّ إِلَيَّ وَسَأَلْتُهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَنِي وَإِذَا هُوَ أَعْقَلُ النَّاسِ، وَأَحْسَنُهُمْ إِبَانَةً عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا يَعْقُوبُ، تَلْقَى اللَّهَ بِدَمِي، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ ! قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، فَهَلْ فِيكَ أَنْتَ خَيْرٌ ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتَ خَيْرًا شَكَرْتُ، وَلَكَ عِنْدِي دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ. فَقُلْتُ: أَيُّ الطُّرُقِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسَلْتُ إِلَى مَنْ يَثِقُ إِلَيْهِ الْعَلَوِيُّ، فَأَخَذَهُ وَأَعْطَيْتُهُ مَالًا، وَأَرْسَلَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى الْمَهْدِيِّ تُعْلِمُهُ الْحَالَ فَأَرْسَلَ إِلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَذَ الْعَلَوِيَّ وَصَاحِبَهُ وَالْمَالَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اسْتَحْضَرَنِي الْمَهْدِيُّ وَسَأَلَنِي عَنِ الْعَلَوِيِّ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَاسْتَحْلَفَنِي بِاللَّهِ وَبِرَأْسِهِ، فَحَلَفْتُ لَهُ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَخْرِجْ إِلَيْنَا مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، فَأَخْرَجَ الْعَلَوِيَّ وَصَاحِبَهُ وَالْمَالَ، فَبَقِيتُ مُتَحَيِّرًا، وَامْتَنَعَ مِنِّي الْكَلَامُ فَمَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: قَدْ حَلَّ لِي دَمُكَ، وَلَكِنِ احْبِسُوهُ فِي الْمُطْبِقِ وَلَا أُذَكَّرُ بِهِ. فَحُبِسْتُ فِي الْمُطْبِقِ، وَاتُّخِذَ لِي فِيهِ بِئْرٌ، فَدُلِّيتُ فِيهَا، فَبَقِيتُ مُدَّةً لَا أَعْرِفُ عَدَدَهَا، وَأُصِبْتُ بِبَصَرِي. قَالَ: فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ دُعِيَ بِي، وَقِيلَ لِي: سَلِّمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ! فَسَلَّمْتُ، قَالَ: أَيُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا ؟ قُلْتُ: الْمَهْدِيُّ، قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمَهْدِيَّ قُلْتُ: فَالْهَادِي، قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ الْهَادِي. قُلْتُ: فَالرَّشِيدُ، قَالَ: نَعَمْ ! سَلْ حَاجَتَكَ. قُلْتُ: الْمُقَامُ بِمَكَّةَ، فَمَا بَقِيَ فِيَّ مُسْتَمْتَعٌ لِشَيْءٍ وَلَا بَلَاغٌ، فَأَذِنَ لِي، فَسِرْتُ إِلَى مَكَّةَ، قَالَ: فَلَمْ تَطُلْ أَيَّامُهُ بِهَا حَتَّى مَاتَ. وَكَانَ يَعْقُوبُ قَدْ ضَجِرَ بِمَوْضِعِهِ قَبْلَ حَبْسِهِ، وَكَانَ أَصْحَابُ الْمَهْدِيِّ يَشْرَبُونَ عِنْدَهُ، فَكَانَ يَعْقُوبُ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَعِظُهُ، وَيَقُولُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا اسْتَوْزَرْتَنِي، وَلَا عَلَيْهِ صَحِبْتُكَ، أَبَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ يُشْرَبُ عِنْدَكَ النَّبِيذُ ؟ فَضَيَّقَ عَلَى الْمَهْدِيِّ حَتَّى قِيلَ: فَدَعْ عَنْكَ يَعْقُوبَ بْنَ دَاوُدَ جَانِبًا وَأَقْبِلْ عَلَى صَهْبَاءَ طَيِّبَةِ النَّشْرِ وَقَالَ يَعْقُوبُ يَوْمًا لِلْمَهْدِيِّ فِي أَمْرٍ أَرَادَهُ: هَذَا وَاللَّهِ السَّرَفُ ! فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: وَيْحَكَ يَا يَعْقُوبُ، إِنَّمَا يَحْسُنُ السَّرَفُ بِأَهْلِ الشَّرَفِ. وَلَوْلَا السَّرَفُ لَمْ يُعْرَفِ الْمُكْثِرُونَ مِنَ الْمُقِلِّينَ. قُدُومُ هَارُونَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: قُدُومُ هَارُونَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي الْمُحَرَّمِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ فِيهِ. وَقَدِمَتِ الرُّومُ بِالْجِزْيَةِ مَعَهُمْ، وَجَاءُوا مَعَ الْمَالِ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ رِطْلٍ مِنَ الْمِرْعِزَّى. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَهْدِيُّ إِلَى جُرْجَانَ، وَجَعَلَ عَلَى قَضَائِهِ أَبَا يُوسُفَ [ يَعْقُوبَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ ]. وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِإِقَامَةِ الْبَرِيدِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ، بِبِغَالٍ وَإِبِلٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ بَرِيدٌ قَبْلَ ذَلِكَ. وَفِيهَا اضْطَرَبَتْ خُرَاسَانُ عَلَى الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَوَلَّاهَا الْفَضْلَ بْنَ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيَّ أَبَا الْعَبَّاسِ. وَأَضَافَ إِلَيْهِ سِجِسْتَانَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى سِجِسْتَانَ تَمِيمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ دَعْلَجٍ. وَفِيهَا أَخَذَ الْمَهْدِيُّ دَاوُدَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ مُجَالِدٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ أَبِي أَيُّوبَ الْمَكِّيَّ، وَمُحَمَّدَ بْنَ طَيْفُورَ فِي الزَّنْدَقَةِ، فَاسْتَتَابَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَبَعَثَ دَاوُدَ إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأَمَرَهُ بِتَأْدِيبِهِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ. وَفِيهَا عُزِلَ مَنْصُورُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ الْيَمَنِ، وَاسْتُعْمِلَ [ مَكَانَهُ ] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّبْعِيُّ. وَفِيهَا أَطْلَقَ الْمَهْدِيُّ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ عَلِيٍّ مِنْ حَبْسِهِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: هَاشِمُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا: خَالِدُ بْنُ طُلَيْقٍ، وَعَلَى كُوَرِ دِجْلَةَ، وَكَسْكَرَ، وَأَعْمَالِ الْبَصْرَةِ وَالْبَحْرَيْنِ، وَالْأَهْوَازِ، وَفَارِسَ، وَكَرْمَانَ: الْمُعَلَّى مَوْلَى الْمَهْدِيِّ. وَعَلَى مِصْرَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ: يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ، وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ، وَالرُّويَانِ، وَجُرْجَانَ: يَحْيَى الْحَرَشِيُّ، وَعَلَى دُنْبَاوَنْدَ وَقُومِسَ: فَرَاشَةُ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، وَعَلَى الرَّيِّ: سَعْدٌ مَوْلَاهُ. وَعَلَى الْمَوْصِلِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَاشِمِيُّ، وَقِيلَ: مُوسَى بْنُ كَعْبٍ الْخَثْعَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا: عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ صَائِفَةٌ، لِلْهُدْنَةِ [ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا ].
التاريخ 2950لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْجَرَّاحُ بْنُ مُلَيْحٍ الرُّؤَاسِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ وَكِيعٍ. وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ ابْنَ أَخِيهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، وَهُذَيْلَ بْنَ الصُّمَيْلِ، وَسَمُرَةَ بْنَ جَبَلَةَ، لِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى خَلْعِهِ مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ حُمَيْدٍ الْقُشَيْرِيُّ، فَتَقَرَّبَ بِهِمْ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَدَقَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّمِينُ، وَأَبُو الْأَشْهَبِ الْعُطَارِدِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ النَّهْشَلِيُّ، وَعُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ.
التاريخ 2951لا حكم مسجّل
بعث موسى الهادي إلى جرجان ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِيهَا وَجَّهَ الْمَهْدِيُّ ابْنَهُ مُوسَى الْهَادِي إِلَى جُرْجَانَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَجَعَلَ عَلَى رَسَائِلِهِ أَبَانَ بْنَ صَدَقَةَ. عَزَلَ الْمَهْدِيُّ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ مُعَاوِيَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ وَفِيهَا عَزَلَ الْمَهْدِيُّ أَبَا عُبَيْدِ اللَّهِ مُعَاوِيَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ، وَوَلَّاهُ الرَّبِيعَ بْنَ يُونُسَ الْحَاجِبَ، فَاسْتَخْلَفَ فِيهِ سَعِيدَ بْنَ وَاقِدٍ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَى مَرْتَبَتِهِ. وقوع وباء شديد ببغداد والبصرة وَفِيهَا وَقَعَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ وَسُعَالٌ كَثِيرٌ بِبَغْدَادَ وَالْبَصْرَةِ وَأَظْلَمَتِ الدُّنْيَا فَكَانَتْ كَاللَّيْلِ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ، وَكَانَ ذَلِكَ لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. تتبع المهدي جماعة من الزنادقة وَفِيهَا تَتَبَّعَ الْمَهْدِيُّ جَمَاعَةً مِنَ الزَّنَادِقَةِ فِي سَائِرِ الْآفَاقِ، فَاسْتَحْضَرَهُمْ وَقَتَلَهُمْ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَانَ الْمُتَوَلِّيَ أَمْرَ الزَّنَادِقَةِ عُمَرُ الْكَلْوَاذِيُّ. زيادة مساحة المسجد الحرام وَفِيهَا أَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِزِيَادَةٍ كَبِيرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ دُورٌ كَثِيرَةٌ، وَوَلَّى ذَلِكَ يَقْطِينَ بْنَ مُوسَى الْمُوَكَّلَ بِأَمْرِ الْحَرَمَيْنِ وَمَصَالِحِهِمَا، فَلَمْ يَزَلْ فِي عِمَارَةِ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْمَهْدِيُّ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ صَائِفَةٌ; لِلْهُدْنَةِ. من حج بالناس في هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ نَائِبُ الْمَدِينَةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْحَجِّ بِأَيَّامٍ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فساد العرب في بادية البصرة بين اليمامة والبحرين وَفِيهَا أَفْسَدَ الْعَرَبُ فِي بَادِيَةِ الْبَصْرَةِ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَانْتَهَكُوا الْمَحَارِمَ، وَتَرَكُوا الصَّلَاةَ، فَأَرْسَلَ الْمَهْدِيُّ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَقَاتَلَهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْعَرَبُ، فَظَفِرُوا، وَقَتَلُوا عَامَّةَ الْعَسْكَرِ الْمُنْفَذِ إِلَيْهِمْ فَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ وَزَادَ شَرُّهُمْ. عَزَلَ يَحْيَى الْحَرَشِيَّ عَنْ طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ وَفِيهَا: عَزَلَ يَحْيَى الْحَرَشِيَّ عَنْ طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ، وَمَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَوَلَّاهَا عُمَرَ بْنَ الْعَلَاءِ، وَوَلَّى جُرْجَانَ فَرَاشَةَ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ.
التاريخ 2952لا حكم مسجّل
بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ بَشَّارُ بْنُ بُرْدٍ، أَبُو مُعَاذٍ الشَّاعِرُ ، مَوْلَى عَقِيلٍ. وُلِدَ أَعْمَى، وَكَانَ يُشَبِّهُ الْأَشْيَاءَ فِي شِعْرِهِ، فَيَأْتِي بِمَا لَا يَقْدِرُ الْبُصَرَاءُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ [لَهُ] يَوْمًا وَقَدْ قَالَ: كَأَنَّ مَثَارَ النَّقْعِ فَوْقَ رُءُوسِنَا وَأَسْيَافَنَا لَيْلٌ تَهَاوَى كَوَاكِبُهُ مَا قَالَ أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا التَّشْبِيهِ، فَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا وَلَمْ تَرَ الدُّنْيَا قَطُّ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَدَمَ النَّظَرِ يُقَوِّي ذَكَاءَ الْقَلْبِ، وَيَقْطَعُ عَنْهُ الشُّغْلَ بِمَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، فَيَتَوَفَّرُ حِسُّهُ وَتَذْكُو قَرِيحَتُهُ. وَكَانَ الْأَصْمَعِيُّ يَقُولُ: بَشَّارٌ خَاتِمَةُ الشُّعَرَاءِ، وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ أَيَّامَهُ تَأَخَّرَتْ لَفَضَّلْتُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ. قَالَ الْجَاحِظُ: كَانَ بَشَّارٌ شَاعِرًا خَطِيبًا صَاحِبَ مَنْثُورٍ وَمِرْوَاجٍ وَسَجْعٍ وَرَسَائِلَ، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُحْدَثِينَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ قَدِمَ بَغْدَادَ. وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ: أَشْعَرُ النَّاسِ وَأَشْبَهُهُمْ فِي الشِّعْرِ كَلَامًا بَعْدَ الطَّبَقَةِ الْأُولَى بَشَّارٌ، وَالسَّيِّدُ وَأَبُو نُوَاسٍ، وَمُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَهُمْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: قَالَ بَشَّارٌ الشِّعْرَ وَلَمْ يَبْلُغْ عَشْرَ سِنِينَ، وَقَالَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ جَيِّدٍ، وَلَا يَكُونُ عَدَدُ شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ هَذَا الْعَدَدَ. قَالَ: وَكَانَ بَشَّارٌ يَهْوَى امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهَا عُبَيْدَةُ، فَخَرَجَتْ عَنِ الْبَصْرَةِ مَعَ زَوْجِهَا إِلَى عُمَانَ [فَقَالَ بَشَّارٌ]: هَوَى صَاحِبِي رِيحَ الشَّمَالِ إِذَا جَرَتْ وَأَشْهَى لِقَلْبِي أَنْ تَهُبَّ جَنُوبُ وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهَا حِينَ تَنْتَهِي تَجِيءُ وَفِيهَا مِنْ عُبَيْدَةَ طِيبُ عَذِيرِي مِنَ الْعُذَّالِ يَعْذِلُونَنِي شِفَاهًا وَمَا فِي الْعَاذِلِينَ لَبِيبُ يَقُولُونَ لَوْ عَزَّيْتَ قَلْبَكَ لَارْعَوى فَقُلْتُ وَهَلْ لِلْعَاشِقِينَ قُلُوبُ إِذَا انْطَلَقَ الْقَوْمُ الْجُلُوسُ فَإِنَّنِي مُكِبٌّ كَأَنِّي فِي الْجَمِيعِ غَرِيبُ وَقِيلَ لِأَبِي حَاتِمٍ مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ؟ قَالَ: الَّذِي يَقُولُ: وَلَهَا مَبْسِمٌ كَثَغْرِ الْأَقَاحِي وَحَدِيثٌ كَالْوَشْيِ وَشْيِ الْبُرُودِ نَزَلَتْ فِي السَّوَادِ مِنْ حَبَّةِ الْقَلْبِ وَزَادَتْ زِيَادَةَ الْمُسْتَزِيدِ عِنْدَهَا الصَّبْرُ عَنْ لِقَائِي وَعِنْدِي زَفَرَاتٌ يَأْكُلْنَ صَبْرَ الْجَلِيدِ يَعْنِي: بَشَّارًا - وَكَانَ يُقَدِّمُهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ. فَبَلَغَ الْمَهْدِيَّ أَنَّ بَشَّارًا قَدْ هَجَاهُ، وَشَهِدَ قَوْمٌ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِضَرْبِهِ، فَضُرِبَ ضَرْبَ التَّلَفِ، فَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَقَدْ بَلَغَ نَيِّفًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. جَعْفَرُ بْنُ زِيَادٍ جَعْفَرُ بْنُ زِيَادٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَحْمَرُ الْكُوفِيُّ. حَدَّثَ عَنْ بَيَانِ بْنِ بِشْرٍ، وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، رَوَى عَنْهُ: سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَوَكِيعٌ وَغَيْرُهُمَا. وَكَانَ قَدْ خَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ فَبَلَغَ الْمَنْصُورَ عَنْهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامَةِ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ يَرَى رَأْيَ الرَّافِضَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ قَبَضَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ إِلَى بَغْدَادَ وَأَوْدَعَهُ السِّجْنَ دَهْرًا طَوِيلًا، ثُمَّ أَطْلَقَهُ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ ثِقَةٌ، وَكَانَ مِنَ الشِّيعَةِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ. صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ الْبَصْرِيُّ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ الْبَصْرِيُّ . لَهُ شِعْرٌ حَسَنٌ فِي الزُّهْدِ. صَلَبَهُ الْمَهْدِيُّ فِي الزَّنْدَقَةِ. [قَالَ الْمُؤَلِّفُ]: وَقَدْ ذَكَرْنَا حَالَهُ فِي الْحَوَادِثِ. أَبُو شُرَيْحٍ الْمَعَافِرِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَبُو شُرَيْحٍ الْمَعَافِرِيُّ . رَوَى عَنْهُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ وَهْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ عِيسَى بْنُ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . كَانَ أَبُو الْعَبَّاسِ السَّفَّاحُ قَدْ عَهِدَ عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَى أَخِيهِ الْمَنْصُورِ، وَمِنْ بَعْدِهِ إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَمَوْلِدُ عِيسَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، فَشَرَعَ الْمَنْصُورُ بَعْدَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ وَإِبْرَاهِيمَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ وَكَانَ قَتْلُهُمَا جَمِيعًا عَلَى يَدَيْ عِيسَى بْنِ مُوسَى فِي تَأْخِيرِ عِيسَى، وَتَقْدِيمِ الْمَهْدِيِّ فِي وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا خُطُوبٌ وَمُكَاتَبَاتٌ وَامْتِنَاعٌ مِنْ عِيسَى، ثُمَّ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَقَرَّ بِهِ وَأَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَخَطَبَ الْمَنْصُورُ النَّاسَ وَأَعْلَمَهُمْ مَا جَرَى مِنْ تَقْدِيمِ الْمَهْدِيِّ، وَرَضِيَ عِيسَى بِذَلِكَ وَتَكَلَّمَ عِيسَى وَسَلَّمَ الْأَمْرَ لِلْمَهْدِيِّ، فَبَايَعَ النَّاسُ لِلْمَهْدِيِّ، ثُمَّ لِعِيسَى مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَهْدِيُّ طَالَبَ عِيسَى بِخَلْعِ نَفْسِهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ الْبَتَّةَ وَتَسْلِيمِهِ لِمُوسَى بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ إِلْحَاحًا شَدِيدًا، وَبَذَلَ لَهُ مَالًا عَظِيمًا، وَجَرَتْ فِي ذَلِكَ خُطُوبٌ، إِلَى أَنْ أَقْدَمَهُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى بَغْدَادَ وَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، وَيُسَلِّمَ الْأَمْرَ لِمُوسَى، وَيَدْفَعَ الْمَهْدِيُّ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ. وَقَدْ كَانَ عِيسَى ذَكَرَ أَنَّ عَلَيْهِ أَيْمَانًا فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَأَحْضَرَ الْمَهْدِيُّ مِنَ الْقُضَاةِ وَالْفُقَهَاءِ مَنْ أَفْتَاهُ فِي ذَلِكَ وَعَوَّضَهُ الْمَهْدِيُّ وَأَرْضَاهُ فِيمَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْحِنْثِ فِي مَالِهِ وَرَقِيقِهِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ، وَرَضِيَ بِهِ، وَخَلَعَ نَفْسَهُ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، وَبَايَعَ الْمَهْدِيَّ، ثُمَّ لِمُوسَى بَعْدَهُ، وَأَقَرَّ بِذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَرَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ. فَتُوُفِّيَ بِهَا لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ وَاجِدًا عَلَيْهِ، وَوَالِي الْكُوفَةِ يَوْمَئِذٍ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، فَأَشْهَدَ رَوْحٌ عَلَى وَفَاتِهِ الْقَاضِيَ وَجَمَاعَةً مِنَ الْوُجُوهِ، ثُمَّ دُفِنَ وَلَهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَوُلِدَ لَهُ وَاحِدٌ وَثَلَاثُونَ ذَكَرًا وَعِشْرُونَ أُنْثَى وَوَرِثَهُ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً. عُتْبَةُ بْنُ أَبَانَ بْنِ ضَمْعَةَ عُتْبَةُ بْنُ أَبَانَ بْنِ ضَمْعَةَ ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: عُتْبَةُ الْغُلَامُ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِالْغُلَامِ لِجِدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ لَا لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَكَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ وَالْبُكَاءِ، خَشِنَ الْعَيْشِ، وَكَانَ يَشُقُّ الْخُوصَ، وَيَصُومُ الدَّهْرَ، وَيُفْطِرُ عَلَى الْخُبْزِ وَالْمِلْحِ. عَنْ سَوَّارٌ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: بَكَى عُتْبَةُ الْغُلَامُ فِي مَجْلِسِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ تِسْعَ سِنِينَ لَا يَفْتُرُ يَبْكِي مِنْ حِينِ يَبْدَأُ عَبْدُ الْوَاحِدِ فِي الْمَوْعِظَةِ إِلَى أَنْ يَقُومَ، لَا يَكَادُ يَفْتُرُ عَنْهُ، فَقِيلَ لِعَبْدِ الْوَاحِدِ: إِنَّا لَا نَفْهَمُ كَلَامَكَ مِنْ بُكَاءِ عُتْبَةَ الْغُلَامِ، قَالَ: وَأَصْنَعُ مَاذَا؟ يَبْكِي عُتْبَةُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَنْهَاهُ أَنَا، لَبِئْسَ وَاعِظُ قَوْمٍ أَنَا. وَعَنْ عَبْدُ الْخَالِقِ الْمَعْبَدِيُّ قَالَ: كَانَ لِعُتبَةَ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الشَّامِ أَقْفَلَهُ وَقَالَ: لَا تَفْتَحُوهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَكُمْ مَوْتِي، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ قَتْلُهُ، فَتَحُوهُ فَأَصَابُوا فِيهِ قَبْرًا مَحْفُورًا وَغُلًّا مِنْ حَدِيدٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حُيَيٍّ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَالْقَاسِمُ الْحُدَّانِيُّ، وَأَبُو هِلَالٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، وَأَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ جَعْفَرٌ الْأَحْمَرُ أَبُو شَيْبَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ.
التاريخ 2953لا حكم مسجّل
نقض الروم الصلح بينهم وبين هارون الرشيد ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: نَقْضُ الرُّومِ الصُّلْحَ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَارُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِ الصُّلْحِ وَبَيْنَ أَوَّلِ الْغَدْرِ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ شَهْرًا، فَوَجَّهَ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْجَزِيرَةِ وَقَيْسَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْبَطَّالِ سَرِيَّةً فِي خَيْلٍ إِلَى الرُّومِ فَظَفِرُوا وَغَنِمُوا. بعث المهدي سعيدًا الحرشي إلى طبرستان وَفِيهَا: وَجَّهَ الْمَهْدِيُّ سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ إِلَى طَبَرِسْتَانَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا. قتل جماعة من الزنادقة ببغداد وَفِيهَا: قَتَلَ الْمَهْدِيُّ جَمَاعَةً مِنَ الزَّنَادِقَةِ بِبَغْدَادَ. تولية المهدي علي بن يقطين زمام الأزمة على عمر وابن برزيع وَفِيهَا: وَلَّى الْمَهْدِيُّ عَلِيَّ بْنَ يَقْطِينٍ زِمَامَ الْأَزِمَّةِ عَلَى عُمَرَ وَابْنِ بَزِيعٍ، وَكَانَ عُمَرُ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ دِيوَانَ الزِّمَامِ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ، وَذَلِكَ: أَنَّهُ جُمِعَتْ لَهُ الدَّوَاوِينُ، فَفَكَّرَ فَإِذَا هُوَ لَا يَضْبِطُهَا إِلَّا بِزِمَامٍ يَكُونُ لَهُ عَلَى كُلِّ دِيوَانٍ [فَاتَّخَذَ دَوَاوِينَ الْأَزِمَّةِ وَوَلَّى كُلَّ دِيوَانٍ] رَجُلًا وَكَانَ وَالِيَهُ عَلَى دِيوَانِ الْخَرَاجِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ صُبَيْحٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِبَنِي أُمَيَّةَ دَوَاوِينُ أَزِمَّةٍ. من حج بالناس هذه السنة وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَلِيُّ بْنُ الْمَهْدِيِّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ ابْنُ رَيْطَةَ ذِكْرُ الْخَوَارِجِ بِالْمَوْصِلِ وَفِيهَا خَرَجَ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ خَارِجِيٌّ اسْمُهُ يَاسِينُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُ الْمَوْصِلِ، فَهَزَمَهُمْ، وَغَلَبَ عَلَى أَكْثَرِ دِيَارِ رَبِيعَةَ وَالْجَزِيرَةِ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى مَقَالَةِ صَالِحِ بْنِ مُسَرَّحٍ الْخَارِجِيِّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ أَبَا هُرَيْرَةَ بْنَ فُرُّوخَ الْقَائِدَ، وَهَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ مَوْلَى بَنِي ضَبَّةَ، فَحَارَبَاهُ، فَصَبَرَ لَهُمَا، حَتَّى قُتِلَ وَعِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ. ذِكْرُ مُخَالِفَةِ أَبِي الْأَسْوَدِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ أَبُو الْأَسْوَدِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفِهْرِيُّ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ: أَنَّهُ كَانَ فِي سِجْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِقُرْطُبَةَ مِنْ حِينِ هَرَبَ أَبُوهُ، وَقُتِلَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَحُبِسَ أَبُو الْأَسْوَدِ، وَتَعَامَى فِي الْحَبْسِ، فَصَارَ يُحَاكِي الْعُمْيَانَ، وَلَا يَطْرِفُ عَيْنَهُ لِشَيْءٍ، وَبَقِيَ دَهْرًا طَوِيلًا، حَتَّى صَحَّ عِنْدَ الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ ذَلِكَ. وَكَانَ فِي أَقْصَى السِّجْنِ سِرْدَابٌ يُفْضِي إِلَى النَّهْرِ الْأَعْظَمِ يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَسْجُونُونَ فَيَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ مِنْ غُسْلٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ الْمُوَكَّلُونَ يُهْمِلُونَ أَبَا الْأَسْوَدِ لِعَمَاهُ، فَإِذَا رَجَعَ مِنَ النَّهْرِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ الْأَعْمَى عَلَى مَوْضِعِهِ ؟ وَكَانَ مَوْلًى لَهُ يُحَادِثُهُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، فَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ بِخَيْلٍ يَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ يَوْمًا وَمَوْلَاهُ يَنْتَظِرُهُ، فَعَبَرَ النَّهْرَ سِبَاحَةً، وَرَكِبَ الْخَيْلَ، وَلَحِقَ بِطُلَيْطِلَةَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَرَجَعَ بِهِمْ إِلَى قِتَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ، فَالْتَقَيَا عَلَى الْوَادِي الْأَحْمَرِ بِقَسْطَلُونَةَ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَبُو الْأَسْوَدِ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ سِوَى مَنْ تَرَدَّى فِي النَّهْرِ، وَاتَّبَعَهُ الْأُمَوِيُّ يَقْتُلُ مَنْ لَحِقَ، حَتَّى جَاوَزَ قَلْعَةَ الرَّبَاحِ. ثُمَّ جَمَعَ، وَعَادَ إِلَى قِتَالِ الْأُمَوِيِّ، فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِمُقَدِّمَةِ الْأُمَوِيِّ انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَعَهُمْ، فَأَخَذَ عِيَالَهُ، وَقُتِلَ أَكْثَرُ رِجَالِهِ، وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ سَبْعِينَ، فَهَلَكَ بِقَرْيَةٍ ( مِنْ أَعْمَالِ طُلَيْطِلَةَ ). وَقَامَ بَعْدَهُ أَخُوهُ قَاسِمٌ، وَجَمَعَ جَمْعًا، فَغَزَاهُ الْأَمِيرُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ أَمَانٍ فَقَتَلَهُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا هَلَكَ شِيلُونَ مَلِكُ جِلِّيقِيَّةَ، فَوَلَّوْا مَكَانَهُ أَذْفُونَشَ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ مُورْقَاطُ، فَقَتَلَهُ، فَاخْتَلَّ أَمْرُهُمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ نَائِبُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِطُلَيْطِلَةَ فِي عَسَاكِرِهِ، فَقَتَلَ، وَغَنِمَ، وَسَبَى ثُمَّ عَادَ سَالِمًا. ( وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ وَاسُولَ مُقَدَّمُ الْخَوَارِجِ الصُّفْرِيَّةِ بِسِجِلْمَاسَةَ فُجَاءَةً فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهْرًا، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ إِلْيَاسُ ). حادثة عجيبة وَجَرَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَادِثَةٌ عَجِيبَةٌ: عَنْ أَبُو عَمْرٍو الْأَعْجَمِيُّ صَاحِبُ خَبَرِ السِّنْدِ أَيَّامَ الْمَنْصُورِ ثُمَّ وَلَّاهُ مُوسَى أَوَّلَ مَا اسْتُخْلِفَ - قَالَ: فَكَتَبَ فِي خَبَرِهِ. أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ السِّنْدِ مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ اشْتَرَى غُلَامًا أَسْوَدَ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَرَبَّاهُ وَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْغُلَامُ هَوِيَ مَوْلَاتَهُ، وَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَجَابَتْهُ، فَدَخَلَ مَوْلَاهُ يَوْمًا عَلَى غِرَّةٍ مِنْهُ فَإِذَا هُوَ عَلَى بَطْنِ امْرَأَتِهِ فَعَمَدَ إِلَيْهِ فَجَبَّ ذَكَرَهُ، وَتَرَكَهُ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ، ثُمَّ أَنَّهُ أَدْرَكَتْهُ عَلَيْهِ رِقَّةٌ وَتَخَوُّفٌ مِنْ فِعْلِهِ بِهِ، فَعَالَجَهُ إِلَى أَنْ أَبَلَّ مِنْ عِلَّتِهِ، فَأَقَامَ بَعْدَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ حِينًا يَطْلُبُ غِرَّةَ مَوْلَاهُ لِيَثْأَرَ مِنْهُ وَيُدَبِّرَ عَلَيْهِ أَمْرًا يَكُونُ فِيهِ شِفَاءُ قَلْبِهِ وَكَانَ لِمَوْلَاهُ ابْنَانِ، أَحَدُهُمَا طِفْلٌ، وَالْآخَرُ يَافِعٌ، فَغَابَ الرَّجُلُ عَنْ مَنْزِلِهِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ، فَأَخَذَ الْأَسْوَدُ الصَّبِيَّيْنِ فَصَعِدَ بِهِمَا ذُرْوَةَ سَطْحٍ عَالٍ فَنَصَبَهُمَا هُنَاكَ وَجَعَلَ يُعَلِّلُهُمَا بِالْمَطْعَمِ وَبِاللَّعِبِ، إِلَى أَنْ دَخَلَ مَوْلَاهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا بِابْنَيْهِ فِي شَاهِقٍ وَالْغُلَامُ، فَقَالَ: وَيْلَكَ يَا فُلَانُ عَرَّضْتَ ابْنَيَّ لِلْمَوْتِ، قَالَ: أَجَلْ قَدْ تَرَى مَوْضِعَهُمَا، فَوَاللَّهِ الَّذِي تَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ لَمْ تَجُبَّ نَفْسَكَ كَمَا جَبَبْتَنِي لَأَرْمِيَنَّ بِهِمَا. فَقَالَ: وَيْلَكَ اللَّهَ اللَّهَ فِي وَفِي بَنِيَّ، قَالَ: دَعْ عَنْكَ هَذَا، فَوَاللَّهِ مَا هِيَ إِلَّا نَفْسِي وَإِنِّي لَأَسْمَحُ بِهَا مِنْ شَرْبَةِ مَاءٍ أُسْقَاهَا، فَجَعَلَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَأْبَى، فَذَهَبَ لِيَرُومَ الصُّعُودَ إِلَيْهِ فَأَهْوَى بِهِمَا لِيُرْدِيَهُمَا مِنْ ذُرْوَةِ ذَلِكَ الشَّاهِقِ، فَقَالَ أَبُوهُمَا: وَيْلَكَ اصْبِرْ حَتَّى أُخْرِجَ مُدْيَةً، قَالَ: افْعَلْ مَا أَرَدْتَ، فَأَخَذَ مُدْيَةً وَاسْتَقْبَلَهُ لِيَرَى مَا يَصْنَعُ فَرَمَى ذَكَرَهُ وَهُوَ يَرَاهُ، فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ رَمَى بِالصَّبِيَّيْنِ فَتَقَطَّعَ الصَّبِيَّانِ، وَقَالَ: هَذَا الَّذِي فَعَلْتُ ثَأْرِي، وَهَذَا زِيَادَةٌ فِيهِ، فَأُخِذَ الْأَسْوَدُ وَكُتِبَ بِخَبَرِهِ، فَكَتَبَ مُوسَى إِلَى صَاحِبِ السِّنْدِ بِقَتْلِ الْغُلَامِ، وَقَالَ: مَا سَمِعْتُ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا، وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ مِنْ مُلْكِهِ وَمُلْكِ نِسَائِهِ كُلُّ أَسْوَدَ.
التاريخ 2954لا حكم مسجّل
الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [ ؓ ]، أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ الْمَدِينِيُّ. حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ، رَوَى عَنْهُ: ابْنُ إِسْحَاقَ، وَمَالِكٌ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ. وَكَانَ أَحَدَ الْأَجْوَادِ، وَوَلَّاهُ الْمَنْصُورُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ غَضِبَ عَلَيْهِ فَعَزَلَهُ وَاسْتَصْفَى كُلَّ شَيْءٍ لَهُ وَحَبَسَهُ بِبَغْدَادَ فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ الْمَنْصُورُ، فَأَخْرَجَهُ الْمَهْدِيُّ وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ مِنْهُ وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ. وَغَنْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ [بْنِ مُحَمَّدٍ] قَالَا: كَانَ أَوَّلَ مَا عُرِفَ بِهِ شَرَفُ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَهُوَ غُلَامٌ وَخَلَّفَ دَيْنًا أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَحَلَفَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ أَنْ لَا يُظِلَّ رَأْسَهُ سَقْفُ بَيْتٍ إِلَّا سَقْفُ مَسْجِدٍ أَوْ سَقْفُ بَيْتِ رَجُلٍ يُكَلِّمُهُ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَ أَبِيهِ، فَلَمْ يُظِلَّ رَأْسَهُ سَقْفُ بَيْتٍ حَتَّى قُضِيَ دَيْنُ أَبِيهِ. تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بِالْحَاجِرِ عَلَى خَمْسَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ مِنَ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً وَصَلَّى عَلَيْهِ الْمَهْدِيُّ: قَالَ النَّاقِلُ: وَهَذَا الْحَسَنُ هُوَ أَبُو السَّيِّدَةِ نَفِيسَةَ ؓ الْمَدْفُونَةِ فِي الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ. حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ 902 - حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَبُو سَلَمَةَ مَوْلًى لِبَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ كَانَ عَالِمًا عَابِدًا مُحَاسِبًا لِنَفْسِهِ لَا يُضَيِّعُ لَحْظَةً فِي غَيْرِ طَاعَةٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ: لَوْ قِيلَ لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ إِنَّكَ تَمُوتُ غَدًا مَا قَدَرَ أَنْ يَزِيدَ فِي الْعَمَلِ شَيْئًا. وَكَانَ يَبِيعُ الثِّيَابَ، فَإِذَا رَبِحَ حَبَّةً أَوْ حَبَّتَيْنِ نَهَضَ. وَعَنْ مُقَاتِلُ بْنُ صَالِحٍ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ [فَإِذَا] لَيْسَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا حَصِيرٌ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَمُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ وَجِرَابٌ فِيهِ عِلْمُهُ، وَمِطْهَرَةٌ يَتَوَضَّأُ فِيهَا، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ جَالِسٌ دَقَّ دَاقٌّ الْبَابَ، فَقَالَ: يَا صَبِيَّةُ اخْرُجِي فَانْظُرِي مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: رَسُولُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قُولِي لَهُ يَدْخُلُ وَحْدَهُ، فَدَخَلَ فَنَاوَلَهُ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ إِلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَمَّا بَعْدُ، فَصَبَّحَكَ اللَّهُ بِمَا صَبَّحَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ وَأَهْلَ طَاعَتِهِ، وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ، فَإِنَّنَا نَسْأَلُكَ عَنْهَا وَالسَّلَامُ. فَقَالَ: يَا صَبِيَّةُ هَلُمِّي الدَّوَاةَ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْلِبِ الْكِتَابَ وَاكْتُبْ: أَمَّا بَعْدُ: وَأَنْتَ فَصَبَّحَكَ اللَّهُ بِمَا صَبَّحَ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ وَأَهْلَ طَاعَتِهِ إِنَّا أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ وَهُمْ لَا يَأْتُونَ أَحَدًا، فَإِنْ كَانَتْ وَقَعَتْ مَسْأَلَةٌ فَأْتِنَا وَسَلْنَا عَلَى مَا بَدَا لَكَ، فَإِنْ أَتَيْتَنِي فَلَا تَأْتِنِي إِلَّا وَحْدَكَ، وَلَا تَأْتِنِي بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ، فَلَا أَنْصَحُكَ وَلَا أَنْصَحُ نَفْسِي وَالسَّلَامُ. فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ دَقَّ الْبَابُ، فَقَالَ: يَا صَبِيَّةُ، اخْرُجِي فَانْظُرِي مَنْ هَذَا؟ فَقَالَتْ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قُولِي لَهُ لِيَدْخُلْ وَحْدَهُ، فَدَخَلَ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا لِي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ امْتَلَأْتُ رُعْبًا، فَقَالَ حَمَّادٌ: سَمِعْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا أَرَادَ بِعِلْمِهِ وَجْهَ اللَّهِ هَابَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتَنِزَ بِهِ الْكُنُوزَ هَابَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". فَقَالَ: [أَرْبَعُونَ] أَلْفَ دِرْهَمٍ تَأْخُذُهَا تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ارْدُدْهَا عَلَى مَنْ ظَلَمْتَهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُعْطِيكَ إِلَّا مَا وَرِثْتُهُ، قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا ازْوِهَا عَنِّي زَوَى اللَّهُ عَنْكَ أَوْزَارَكَ، قَالَ: فَنُقَسِّمُهَا، قَالَ: فَلَعَلِّي إِنْ عَدَلْتُ فِي قِسْمَتِهَا أَنْ يَقُولَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُرْزَقْ مِنْهَا لَمْ يَعْدِلْ، ازْوِهَا عَنِّي زَوَى اللَّهُ عَنْكَ أَوْزَارَكَ. [قَالَ ابن الجوزي]: أَسْنَدَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُصَلِّي. وَعَنْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: خَيْرًا: قُلْتُ: فَمَاذَا؟ قَالَ: قِيلَ لِي طَالَ مَا كَدَّرْتَ نَفْسَكَ فَالْيَوْمَ أُطِيلُ رَاحَتَكَ وَرَاحَةَ الْمَتْعُوبِينَ فِي الدُّنْيَا، بَخٍ بَخٍ مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهُمْ. حَمَّادُ عَجْرَدٍ حَمَّادُ عَجْرَدٍ . هُوَ حَمَّادُ بْنُ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ بْنِ كُلَيْبٍ، مَوْلًى لِبَنِي سَوْأَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو، وَهُوَ كُوفِيٌّ. وَيُقَالُ: وَاسِطِيٌّ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَعْرَابِيًّا، مَرَّ بِهِ وَهُوَ غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْبَرْدِ وَهُوَ عُرْيَانٌ، فَقَالَ لَهُ: تَعَجْرَدْتَ يَا غُلَامُ، فَسُمِّيَ عَجْرَدًا، وَالْمُتَعَجْرِدُ الْمُتَعَرِّي، وَكَانَ خَلِيعًا مَاجِنًا ظَرِيفًا، وَنَادَمَ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ وَهَاجَى بَشَّارَ بْنَ بُرْدٍ - وَهُوَ فَحْلُ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ فَانْتَصَفَ مِنْهُ، وَكَانَ بَشَّارٌ يَضِجُّ مِنْهُ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ. وَعَنْ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ حَمَّادُ عَجْرَدٍ وَمُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ الْكِنَانِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ زِيَادٍ، فَنَزَلُوا بِالْقُرْبِ مِنَّا، وَكَانُوا لَا يُطَاقُونَ خُبْثًا وَمَجَانَةً. وَكَانَ مُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ، وَحَمَّادُ عَجْرَدٍ، وَيَحْيَى بْنُ زِيَادٍ يَقُولُونَ بِالزَّنْدَقَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي "طَبَقَاتُ الشُّعَرَاءِ" قَالَ: كَانَ بِالْكُوفَةِ ثَلَاثَةٌ يُقَالُ لَهُمُ الْحَمَّادُونَ: حَمَّادُ عَجْرَدٍ، وَحَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ النَّحْوِيُّ، وَكَانُوا يَتَعَاشَرُونَ وَكَانُوا كُلُّهُمْ يُرْمَوْنَ بِالزَّنْدَقَةِ، وَحَمَّادُ عَجْرَدٍ هُوَ الْقَائِلُ: إِنَّ الْكَرِيمَ لَتَخْفَى عَنْكَ عُسْرَتُهُ حَتَّى تَرَاهُ غَنِيًّا وَهُوَ مَجْهُودُ وَلِلْبَخِيلِ عَلَى أَمْوَالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ الْعُيُونِ عَلَيْهَا أَوْجُهٌ سُودُ إِذَا تَكَرَّمْتَ أَنْ تُعْطِيَ الْقَلِيلَ وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى سَعَةٍ لَمْ يَظْهَرِ الْجُودُ بُثَّ النَّوَالَ فَلَا يَمْنَعْكَ قِلَّتُهُ فَكُلُّ مَا سَدَّ فَقْرًا فَهُوَ مَحْمُودُ رَوَى حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اجْتَمَعَ حَفْصُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، وَحَمَّادُ عَجْرَدٍ، وَكَانَ حَفْصٌ أَعْمَشَ أَفْطَسَ، أَغْصَفَ، مُقَبَّحَ الْوَجْهِ، فَأَخَذَ حَفْصٌ يَطْعُنُ عَلَى مُرَقَّشٍ وَيَعِيبُ شِعْرَهُ فَقَالَ حَمَّادٌ: لَقَدْ كَانَ فِي عَيْنَيْكَ يَا حَفْصُ شَاغِلٌ وَأَنْفٌ كَمِثْلِ الْعُودِ عَمَّا تَتَبَّعُ تَتَبَّعُ لَحْنًا فِي كَلَامِ مُرَقَّشٍ وَجْهُكَ مَبْنِيٌّ عَلَى اللَّحْنِ أَجْمَعُ فَأُذُنَاكَ إِقْوَاءٌ وَأَنْفُكَ مُكَفَّأٌ وَعَيْنَاكَ إِيطَاءٌ فَأَنْتَ مُرَقَّعُ عُمَرُ الْكَلْوَذَانِيُّ 904 - عُمَرُ الْكَلْوَذَانِيُّ . الَّذِي وُلِّيَ عَلَى قَتْلِ الزَّنَادِقَةِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَلِيَ مَكَانَهُ حَمْدَوَيْهِ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى مِنْ أَهْلِ مَيْسَانَ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُرِّ الْعَنْبَرِيُّ 905 - عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُرِّ الْعَنْبَرِيُّ . قَاضِي الْبَصْرَةِ، سَمِعَ دَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ، وَخَالِدًا الْحَذَّاءَ، وَسَعِيدًا الْجُرَيْرِيَّ، رَوَى عَنْهُ: ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَكَانَ فَقِيهًا ثِقَةً، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ بَعْدَ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيِّ. وَعَنْ أَبُو سَهْلٍ الرَّازِيُّ قَالَ: لَمْ يُشْرَكْ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ أَحَدٍ قَطُّ إِلَّا بَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَبَيْنَ عُمَرَ بْنِ عَامِرٍ عَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ، فَكَانَا يَجْتَمِعَانِ جَمِيعًا فِي الْمَجْلِسِ وَيَنْظُرَانِ جَمِيعًا بَيْنَ النَّاسِ. قَالَ: فَقَدِمَ إِلَيْهِمَا قَوْمٌ فِي جَارِيَةٍ لَا تُنْبِتُ، فَقَالَ فِيهَا عُمَرُ بْنُ عَامِرٍ: هَذِهِ فَضِيلَةٌ فِي الْجِسْمِ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ: كُلُّ مَا خَالَفَ مَا عَلَيْهِ الْخِلْقَةُ فَهُوَ عَيْبٌ. وَعَنْ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ، فَلَمَّا وُضِعَ السَّرِيرُ جَلَسَ وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَغَلِطَ فِيهَا، فَقُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ، الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا وَكَذَا، فَأَطْرَقَ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: إِذَنْ أَرْجِعُ وَأَنَا صَاغِرٌ، إِذَنْ أَرْجِعُ وَأَنَا صَاغِرٌ، لَأَنْ أَكُونَ ذَنَبًا فِي الْحَقِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ رَأْسًا فِي الْبَاطِلِ. وَعَنْ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا أَنَّ الْمَهْدِيَّ كَتَبَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ - وَهُوَ قَاضِي الْبَصْرَةِ - كِتَابًا فَقَرَأَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ فَرَدَّهُ، فَحُمِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ فَعَاتَبَهُ، فَكَانَ فِيمَا عَاتَبَهُ بِهِ أَنْ قَالَ لَهُ: رَدَدْتَ كِتَابِي فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَمْ أَرُدَّ كِتَابَكَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَلْحُونًا فَصَدَّقَ الْمَهْدِيُّ مَقَالَتَهُ وَأَجَازَهُ، وَرَدَّهُ إِلَى عَمَلِهِ. تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ. غَوْثُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ زِيَادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نُعَيْمٍ غَوْثُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ زِيَادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نُعَيْمٍ ، أَبُو يَحْيَى الْحَضْرَمِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ [بِمِصْرَ] ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي أَيَّامِ الْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ وَهْبٍ، وَالْوَاقِدِيُّ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِالْعِرَاقِ أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ. وَعَنْ غَوْثَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: بَعَثَ إِلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، فَحُمِلْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِي: يَا غَوْثُ، إِنَّ صَاحِبَتَكُمُ الْحِمْيَرِيَّةَ خَاصَمَتْنِي إِلَيْكَ فِي شُرُوطِهَا، قُلْتُ، أَفَيَرْضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحَكِّمَنِي عَلَيْهِ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَالْحُكْمُ لَهُ شُرُوطٌ فَيَحْمِلُهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: يَأْمُرُهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُوَكِّلَ وَكِيلًا وَيُشْهِدَ عَلَى وَكَالَتِهِ خَادِمَيْنِ خَيِّرَيْنِ يُعَدِّلُهُمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نَفْسِهِ فَفَعَلَ، فَوَكَّلَتْ خَادِمًا، وَبَعَثَتْ مَعَهُ بِكِتَابِ صَدَاقِهَا وَشَهِدَ الْخَادِمَانِ عَلَى تَوْكِيلِهَا، فَقُلْتُ لَهُ: تَمَّتِ الْوَكَالَةُ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُسَاوِيَ الْخَصْمَ فِي مَجْلِسِهِ فَلْيَفْعَلْ، فَانْحَطَّ عَنْ فَرْشِهِ وَجَلَسَ مَعَ الْخَصْمِ، فَدَفَعَ إِلَيَّ الْوَكِيلُ كِتَابَ الصَّدَاقِ فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَيُقِرُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَرَى فِي الْكِتَابِ شُرُوطًا مُؤَكَّدَةً بِهَا تَمَّ النِّكَاحُ بَيْنَكُمَا أَرَأَيْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ إِنَّكَ خَطَبْتَ إِلَيْهَا وَلَمْ تَشْرُطْ لَهَا هَذَا الشَّرْطَ أَكَانَتْ تَزَوَّجَتْكَ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَبِهَذَا الشَّرْطِ تَمَّ النِّكَاحُ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ وَفَّى لَهَا بِشَرْطِهَا قَالَ: قَدْ عَلِمْتَ إِذْ أَجْلَسْتَنِي هَذَا الْمَجْلِسَ أَنَّكَ سَتَحْكُمُ عَلَيَّ قُلْتُ: أَعْظِمْ جَائِزَتِي وَأَطْلِقْ سَبِيلِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: بَلْ جَائِزَتُكَ عَلَى مَنْ قَضَيْتَ لَهُ، وَأَمَرَ لِي بِجَائِزَةٍ وَخِلْعَةٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْكُمَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ الْبَلَدُ بَلَدِي، وَلَا مَعْرِفَةَ لِي بِأَهْلِهِ. قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: فَأَنَا أَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَإِذَا أَنَا نَادَيْتُ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ بِخُصُومَةٍ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ تَأْذَنُ لِي بِالرُّجُوعِ إِلَى بَلَدِي؟ قَالَ: [نَعَمْ: قَالَ:] فَجَلَسْتُ فَحَكَمْتُ [بَيْنَهُمْ]، ثُمَّ انْقَطَعَ الْخُصُومُ فَنَادَيْتُ الْخُصُومَ، فَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ، فَرَحَلْتُ مِنْ وَقْتِي إِلَى مِصْرَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَرْقَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ الْمِسْوَرِ أَبُو رَجَاءٍ قَالَ: قَدِمَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الرِّيفِ فِي مِحَفَّةٍ وَغَوْثٌ قَاضِي مِصْرَ إِذْ ذَاكَ، فَوَافَتْ غَوْثَ بْنَ سُلَيْمَانَ عِنْدَ السَّرَّاجِينَ رَائِحًا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ أَمَرَهَا وَأَخْبَرَتْهُ بِحَاجَتِهَا، فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فِي بَعْضِ حَوَانِيتِ السَّرَّاجِينَ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْمَسْجِدَ، فَكَتَبَ لَهَا بِحَاجَتِهَا وَرَكِبَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَانْصَرَفَتِ الْمَرْأَةُ وَهِيَ تَقُولُ: أَصَابَتْ وَاللَّهِ أُمُّكَ حِينَ سَمَّتْكَ غَوْثًا أَنْتَ وَاللَّهِ غَوْثٌ. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ ، مِنْ وَلَدِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ. الَّذِي أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمْسِكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعَةً وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ. سَمِعَ قَيْسَ بْنَ عَمْرٍو، وَابْنَ مُرَّةَ، وَمُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ فِي آخَرِينَ. رَوَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَشُعْبَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَعَفَّانَ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ عَفَّانُ: كَانَ قَيْسٌ ثِقَةً. وَقَالَ شَرِيكٌ: مَا خَلَّفَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَالِكٍ أَبُو الْيَسَرِ الْعُقَيْلِيُّ . حَدَّثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٌ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ قَاضِيًا بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ بِبَغْدَادَ زَمَنَ الْمَهْدِيِّ. وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُلَاثَةَ يُقَالُ لَهُ: قَاضِي الْجِنِّ وَذَلِكَ أَنَّ بِئْرًا كَانَتْ بَيْنَ حَرَّانَ وَحِصْنِ مَسْلَمَةَ، فَكَانَ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا خَبَطَتْهُ الْجِنُّ، قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: أَيُّهَا الْجِنُّ إِنَّا قَدْ قَضَيْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْإِنْسِ، فَلَهُمُ النَّهَارُ، وَلَكُمُ اللَّيْلُ. قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا اسْتَقَى مِنْهَا بِالنَّهَارِ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ. وَعَنْ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الدُّورِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: مُحَمَّدُ بْنُ عُلَاثَةَ ثِقَةٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي الْفَتْحِ الْأَزْدِيِّ الْحَافِظِ أَنَّهُ طَعَنَ فِي ابْنِ عُلَاثَةَ وَلَا يُحْفَظُ هَذَا عَنْ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ: فِي حِفْظِهِ نَظَرٌ. أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ الْمَرْوَزِيُّ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ الْمَرْوَزِيُّ. عَنْ أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ: أَرَادَ جَارٌ لِأَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ أَنْ يَبِيعَ دَارَهُ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: بِكَمْ تَبِيعُهَا؟ قَالَ: بِأَلْفَيْنِ ثَمَنِ الدَّارِ، وَأَلْفَيْنِ [حَقِّ] جِوَارِ أَبِي حَمْزَةَ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا حَمْزَةَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَقَالَ خُذْهَا وَلَا تَبِعْ دَارَكَ. وعَنْ مُعَاذُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ السُّكَّرِيَّ يَقُولُ: مَا شَبِعْتُ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِي ضَيْفٌ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ أَبُو حَمْزَةَ السُّكَّرِيُّ مِنْ ثِقَاتِ النَّاسِ وَكَانَ إِذَا مَرِضَ عِنْدَهُ مَنْ قَدْ رَحَلَ إِلَيْهِ يَنْظُرُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْكِفَايَةِ فَيَأْمُرُ بِالْقِيَامِ بِهِ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَبِيعُ السُّكَّرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ السُّكَّرِيَّ لِحَلَاوَةِ كَلَامِهِ. رَوَى الْغَلَابِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَنَّ أَبَا حَمْزَةَ كَانَ إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ مِنْ جِيرَانِهِ تَصَدَّقَ بِمِثْلِ نَفَقَةٍ لِمَرِيضٍ بِمَا صُرِفَ عَنْهُ مِنَ الْعِلَّةِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ حَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَنَزِيُّ مِنْدَلُ بْنُ عَلِيٍّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَنَزِيُّ . حَدَّثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّينَانِيِّ، وَعَاصِمٍ، وَالْأَعْمَشِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّ اسْمَهُ عَمْرٌو، وَلَقَبَهُ مِنْدَلٌ، إِلَّا أَنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ. قَالَ يَحْيَى: مِنْدَلٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ مَرَّةً: ضَعِيفٌ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: كَانَ رَجُلًا فَاضِلًا صَدُوقًا، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ. تُوُفِّيَ فِي [رَمَضَانَ] هَذِهِ السَّنَةَ وَقِيلَ: فِي سَنَة سَبْعٍ. قَالَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ: دَخَلْتُ الْكُوفَةَ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَوْرَعَ مِنْ مِنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ. وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّزَّاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ قَالَ: مَرَّتْ جَارِيَةٌ مَعَهَا سَلَّةٌ فِيهَا رُطَبٌ بِمِنْدَلِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ حَوْلَهُ، فَوَقَفَتْ تَنْظُرُ وَتَسْمَعُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا مِنْدَلٌ، فَفَطِنَ أَنَّ السَّلَّةَ قَدْ أُهْدِيَتْ لَهُ، فَقَالَ: قَدِّمِيهَا، فَقَدَّمَتْهَا، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: كُلُوا مَا فِيهَا وَانْصَرَفَتِ الْجَارِيَةُ إِلَى سَيِّدِهَا وَقَدِ احْتَبَسَتْ، فَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا جِئْتِ، فَقَالَتْ: وَقَفْتُ أَسْمَعُ مِنْ هَذَا الشَّيْخِ، فَقَالَ: قَدِّمِي السَّلَّةَ، فَفَعَلْتُ، فَأَكَلَ الَّذِينَ حَوْلَهُ مَا فِيهَا. وَكَانَ سَيِّدُهَا رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْمَنْصُورُ عَلَى الْمَدِينَةِ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَلَهُ، وَحَبَسَهُ بِبَغْدَاذَ، وَأَخَذَ مَالَهُ. فَلَمَّا وَلِيَ الْمَهْدِيُّ أَخْرَجَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَكَانَ جَوَادًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مَائِلًا إِلَى الْمَنْصُورِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ.
التاريخ 2957لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْهَادِي وَبُويِعَ لِابْنِهِ مُوسَى الْهَادِي فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِجُرْجَانَ، يُحَارِبُ أَهْلَ طَبَرِسْتَانَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الْمَهْدِيُّ كَانَ الرَّشِيدُ مَعَهُ بِمَاسَبَذَانَ، فَأَتَاهُ الْمَوَالِي وَالْقُوَّادُ، وَقَالُوا لَهُ: إِنْ عَلِمَ الْجُنْدُ بِوَفَاةِ الْمَهْدِيِّ لَمْ تَأْمَنِ الشَّغَبَ، وَالرَّأْيُ أَنْ تُنَادِيَ فِيهِمْ بِالرُّجُوعِ، حَتَّى تُوَارِيَهُ بِبَغْدَاذَ. فَقَالَ هَارُونُ: ادْعُو إِلَيَّ أَبِي يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ، وَكَانَ يَحْيَى يَتَوَلَّى مَا كَانَ إِلَى الرَّشِيدِ مِنْ أَعْمَالِ الْمَغْرِبِ، مِنَ الْأَنْبَارِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَاسْتُدْعِيَ يَحْيَى إِلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَا رَأَى هَؤُلَاءِ ؟ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا لَا يَخْفَى، وَلَا آمَنُ إِذَا عَلِمَ الْجُنْدُ، أَنْ يَتَعَلَّقُوا بِمَحْمَلِهِ، وَيَقُولُوا: لَا نُخَلِّي حَتَّى نُعْطَى لِثَلَاثِ سِنِينَ وَأَكْثَرَ، وَيَتَحَكَّمُوا وَيَشْتَطُّوا وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يُوَارَى، رَحِمَهُ اللَّهُ، هَاهُنَا وَتُوَجِّهَ نُصَيْرًا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْهَادِي بِالْخَاتَمِ وَالْقَضِيبِ، وَالتَّعْزِيَةِ، وَالتَّهْنِئَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يُنْكِرُونَ خُرُوجَهُ، إِذْ هُوَ عَلَى بَرِيدِ النَّاحِيَةِ، وَأَنْ تَأْمُرَ لِمَنْ تَبِعَكَ مِنَ الْجُنْدِ بِجَوَائِزَ مِائَتَيْنِ، وَتُنَادِيَ فِيهِمْ بِالرُّجُوعِ فَلَا تَكُونُ لَهُمْ هِمَّةٌ سِوَى أَهْلِهِمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَبَضَ الْجُنْدُ الدَّرَاهِمَ تَنَادَوْا: بَغْدَاذَ بَغْدَاذَ ! وَأَسْرَعُوا إِلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغُوهَا وَعَلِمُوا خَبَرَ الْمَهْدِيِّ أَتَوْا بَابَ الرَّبِيعِ، وَأَحْرَقُوهُ، وَأَخْرَجُوا مَنْ كَانَ فِي الْحُبُوسِ، وَطَالَبُوا بِالْأَرْزَاقِ. فَلَمَّا قَدِمَ الرَّشِيدُ بَغْدَاذَ أَرْسَلَتِ الْخَيْزُرَانُ إِلَى رَبِيعٍ وَإِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ تَسْتَدْعِيهِمَا لِتُشَاوِرَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَأَمَّا الرَّبِيعُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا يَحْيَى فَامْتَنَعَ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ غَيْرَةِ الْهَادِي، وَجَمَعَ الْأَمْوَالَ حَتَّى أَعْطَى الْجُنْدَ لِسَنَتَيْنِ فَسَكَتُوا. وَكَتَبَ الْهَادِي إِلَى الرَّبِيعِ كِتَابًا يَتَهَدَّدُهُ بِالْقَتْلِ، وَكَتَبَ إِلَى يَحْيَى يَشْكُرُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِأَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ الرَّشِيدِ. وَكَانَ الرَّبِيعُ يَوَدُّ يَحْيَى وَيَثِقُ بِهِ. فَاسْتَشَارَهُ فِيمَا يَفْعَلُ خَوْفًا مِنَ الْهَادِي فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُرْسِلَ وَلَدَهُ الْفَضْلَ إِلَى طَرِيقِ الْهَادِي بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ، وَيَعْتَذِرَ، فَفَعَلَ، وَرَضِيَ الْهَادِي عَنْهُ. وَكَانَ الرَّبِيعُ قَدْ أَوْصَى إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. وَأُخِذَتِ الْبَيْعَةُ لِلْهَادِي بِبَغْدَاذَ وَكَتَبَ الرَّشِيدُ إِلَى الْآفَاقِ بِوَفَاةِ الْمَهْدِيِّ، وَأَخْذِ الْبَيْعَةِ لِلْهَادِي، وَسَارَ نُصَيْرٌ الْوَصِيفُ إِلَى الْهَادِي بِجُرْجَانَ، فَعَلِمَ بِوَفَاةِ الْمَهْدِيِّ وَالْبَيْعَةِ لَهُ، فَنَادَى بِالرَّحِيلِ وَرَكِبَ عَلَى الْبَرِيدِ مُجِدًّا، فَبَلَغَ فِي عِشْرِينَ يَوْمًا، وَلَمَّا قَدِمَهَا اسْتَوْزَرَ الرَّبِيعَ.
التاريخ 2958لا حكم مسجّل
نسبه وصفته وَهُوَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، وَأُمُّهُ: الْخَيْزُرَانُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً، وَفِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا تَقَلُّصٌ، وُلِدَ بِالرَّيِّ، وَكَانَ يَثِبُ عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ يُسَمِّيهِ: رَيْحَانَتِي. وَكَانَ يُسَمَّى مُوسَى أَطْبِقْ; لِأَنَّ شَفَتَهُ الْعُلْيَاِ كَانَتْ تَقْلَصُ، فَكَانَ أَبُوهُ وَكَّلَ بِهِ فِي صِغَرِهِ خَادِمًا كُلَّمَا رَآهُ مَفْتُوحَ الْفَمِ.. قَالَ: مُوسَى أَطْبِقْ، فَيُفِيقُ عَلَى نَفْسِهِ وَيَضُمُّ شَفَتَيْهِ، فَشُهِرَ بِذَلِكَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: (وَكَانَ يَتَنَاوَلُ الْمُسْكِرَ وَيَلْعَبُ، وَيَرْكَبُ حِمَارًا فَارِهًا، وَلَا يُقِيمُ أُبَّهَةَ الْخِلَافَةِ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ فَصِيحًا قَادِرًا عَلَى الْكَلَامِ، أَدِيبًا تَعْلُوهُ هَيْبَةٌ، وَلَهُ سَطْوَةٌ وَشَهَامَةٌ ). وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ جَبَّارًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَشَتِ الرِّجَالُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالسُّيُوفِ الْمُرْهَفَةِ وَالْأَعْمِدَةِ وَالْقِسِيِّ الْمُوَتَّرَةِ; فَاتَّبَعَهُ عُمَّالُهُ بِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَثُرَ السِّلَاحُ فِي عَصْرِهِ. ذِكْرُ أَوْلَادِهِ كَانَ لَهُ جَعْفَرٌ وَهُوَ الَّذِي يُرَشِّحُهُ لِلْخِلَافَةِ، وَالْعَبَّاسُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَإِسْحَاقُ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَسُلَيْمَانُ، وَمُوسَى وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَكُلُّهُمْ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ، وَكَانَ لَهُ ابْنَتَانِ: أُمُّ عِيسَى وَكَانَتْ عِنْدَ الْمَأْمُونِ، وَأُمُّ الْعَبَّاسِ. ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ سِيرَتِهِ وَأَخْبَارِهِ قَالَ: الْمُطَّلِبُ بْنُ عُكَّاشَةَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْهَادِي [شُهُودًا] عَلَى رَجُلٍ مِنَّا شَتَمَ قُرَيْشًا، وَتَخَطَّى إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَلَسَ لَنَا مَجْلِسًا أَحْضَرَ فِيهِ فُقَهَاءَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ عَلَى بَابِهِ، وَأَحْضَرَ الرَّجُلَ وَأَحْضَرَنَا، فَشَهِدْنَا عَلَيْهِ بِمَا سَمِعْنَا مِنْهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْهَادِي ثُمَّ نَكَّسَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي [الْمَهْدِيَّ] يُحَدِّثُ: عَنْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ. وَأَنْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَمْ تَرْضَ بِأَنْ أَرَدْتَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى تَخَطَّيْتَ إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، اضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى قُتِلَ. وَعَنْ الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَضِبَ مُوسَى الْهَادِي عَلَى رَجُلٍ، فَكُلِّمَ فِيهِ فَرَضِيَ عَنْهُ، فَذَهَبَ يَعْتَذِرُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّ الرِّضَا قَدْ كَفَاكَ مَئُونَةَ الِاعْتِذَارِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ قَالَ: دَخَلَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ عَلَى الْهَادِي فَأَنْشَدَهُ مَدِيحًا لَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ قَوْلَهُ: تَشَابَهَ يَوْمًا بَأْسُهُ وَنَوَالُهُ فَمَا أَحَدٌ يَدْرِي لِأَيِّهِمَا الْفَضْلُ فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مُعَجَّلَةٌ أَوْ مِائَةُ أَلْفٍ تَدُورُ فِي الدَّوَاوِينِ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ تُحْسِنُ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا، وَلَكِنَّكَ أُنْسِيتَهُ، أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُذَكِّرَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: تُعَجِّلُ الثَّلَاثِينَ الْأَلْفَ، وَتَدُورُ الْمِائَةُ الْأَلْفِ. قَالَ: بَلْ تُعَجَّلَانِ لَكَ جَمِيعًا، فَحُمِلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ سَلْمٍ: سِرْنَا مَعَ الْهَادِي بَيْنَ أَبْيَاتِ جُرْجَانَ، فَسَمِعَ صَوْتًا مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْبَسَاتِينِ مِنْ رَجُلٍ يَتَغَنَّى فَقَالَ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ السَّاعَةَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَشْبَهَ قِصَّةَ هَذَا الْخَائِنِ بِقِصَّةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِنَّهُ كَانَ فِي مُتَنَزَّهٍ لَهُ وَمَعَهُ حَرَمُهُ، فَسَمِعَ مِنْ بُسْتَانٍ آخَرَ صَوْتَ رَجُلٍ يَتَغَنَّى، فَدَعَا صَاحِبَ شُرْطَتِهِ فَقَالَ: عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذَا الصَّوْتِ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى الْغِنَاءِ وَأَنْتَ إِلَى جَنْبِي وَمَعِي حَرَمِي! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الرِّمَاكَ إِذَا سَمِعَتْ صَوْتَ الْفَحْلِ حَنَّتْ؟ قَالَ: فَجُبَّ الرَّجُلُ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ ذَهَبَ سُلَيْمَانُ إِلَى ذَلِكَ الْمُتَنَزَّهِ فَجَلَسَ وَذَكَرَ الرَّجُلَ، فَقَالَ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ الَّذِي جَبَبْنَاهُ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ لَهُ: إِمَّا بِعْتَ فَوَفَّيْنَاكَ، وَإِمَّا وَهَبْتَ فَكَافَأْنَاكَ قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا دَعَاهُ بِالْخِلَافَةِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: يَا سُلَيْمَانُ إِنَّكَ قَطَعْتَ نَسْلِي وَذَهَبْتَ بِمَاءِ وَجْهِي، وَحَرَمْتَنِي لَذَّتِي، ثُمَّ تَقُولُ: إِمَّا وَهَبْتَ وَإِمَّا بِعْتَ؟ لَا وَاللَّهِ حَتَّى أَقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ. قَالَ: فَقَالَ مُوسَى: يَا غُلَامُ، رُدَّ صَاحِبَ الشُّرْطَةِ، فَرَدَّهُ، قَالَ: لَا تَعْرِضْ لِلرَّجُلِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ: رَكِبَ الْهَادِي يَوْمًا يُرِيدُ عِيَادَةَ أُمِّهِ الْخَيْزُرَانِ مِنْ عِلَّةٍ كَانَتْ بِهَا، فَاعْتَرَضَهُ عُمَرُ بْنُ بَزِيعٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى وَجْهٍ هُوَ أَعْوَدُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: وَمَا هُوَ يَا عُمَرُ؟ قَالَ: الْمَظَالِمُ، لَمْ تَنْظُرْ فِيهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَوْمَأَ إِلَى الْمُطَرِّقَةِ أَنْ يَمِيلُوا إِلَى دَارِ الْمَظَالِمِ، وَبَعَثَ إِلَى الْخَيْزُرَانِ بِخَادِمٍ يَعْتَذِرُ مِنْ تَخَلُّفِهِ وَيَقُولُ: إِنَّ عُمَرَ أَخْبَرَنَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا هُوَ أَوْجَبُ عَلَيْنَا مِنْ حَقِّكِ، فَمِلْنَا إِلَيْهِ وَنَحْنُ عَائِدُونَ إِلَيْكِ فِي غَدٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [فَائِدَةٌ ] [فِي ذِكْرِ مَنْ وَلَدَتْ خَلِيفَتَيْنِ ] وَقَالَ الصُّولِيُّ: (لَا تُعْرَفُ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ خَلِيفَتَيْنِ إِلَّا الْخَيْزُرَانَ: أُمَّ الْهَادِي وَالرَّشِيدِ ، وَوَلَّادَةُ بِنْتُ الْعَبَّاسِ الْعَبْسِيَّةُ زَوْجُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ; وَلَدَتِ: الْوَلِيدَ وَسُلَيْمَانَ، وَشَاهِينَ بِنْتَ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ كِسْرَى، وَلَدَتْ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: يَزِيدَ النَّاقِصَ وَإِبْرَاهِيمَ، وَوَلِيَا الْخِلَافَةَ. قُلْتُ: يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ: بَايْ خَاتُونَ سَرِيَّةُ الْمُتَوَكِّلِ الْأَخِيرِ، وَلَدَتِ: الْعَبَّاسَ وَحَمْزَةَ، وَوَلِيَا الْخِلَافَةَ، وَكَزَلَ سَرِيَّتُهُ أَيْضًا، وَلَدَتْ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَوَلِيَاهَا. ركوب الهادي البريد من جرجان لبغداد ثُمَّ قَالَ الصُّولِيُّ: (لَا يُعْرَفُ خَلِيفَةٌ رَكِبَ الْبَرِيدَ إِلَّا الْهَادِيَ مِنْ جُرْجَانَ إِلَى بَغْدَادَ ، قَالَ: وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: اللَّهُ ثِقَةُ مُوسَى وَبِهِ يُؤْمِنُ ). مدح سلم الخاسر للهادي قَالَ الصُّولِيُّ: وَلِسَلَمٍ الْخَاسِرِ فِي الْهَادِي يَمْدَحُهُ: مُوسَى الْمَطَرُ غَيْثُ بَكْرِ ثُمَّ انْهَمَرَ أَلَوَى الْمِرَرِ كَمِ اعْتَسَرَ [ثُمَّ اتَّسَرِ ] وَكَمْ قَدَرَ ثُمَّ غَفَرْ عَدْلُ السَّيْرِ بَاقِي الْأَثَرِ خَيْرٌ وَشَرٌّ نَفْعٌ وَضُرِّ خَيْرُ الْبَشَرِ فَرْعُ مُضَرِ بَدْرٌ بَدْرٌ لِمَنْ نَظَرَ هُوَ الْوِزْرُ لِمَنْ حَضَرَ وَالْمُفْتَخَرُ لِمَنْ غَبَرَ قَالَ: (وَهَذَا عَلَى جُزْءٍ جُزْءٍ مُسْتَفْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهُ، وَلَمْ نَسْمَعْ لِمَنْ قَبْلَهُ شِعْرًا عَلَى جُزْءٍ جُزْءٍ ).تَوَاضُعُ الْهَادِي وَمَعْرِفَتُهُ قَدْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَسْنَدَ الصُّولِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمٍ قَالَ: (إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِلْهَادِي بِشَيْءٍ رَأَيْتُهُ مِنْهُ، حَضَرْتُهُ يَوْمًا وَأَبُو الْخَطَّابِ السَّعْدِيُّ يَنْشُدُهُ قَصِيدَةً فِي مَدْحِهِ...، إِلَى أَنْ قَالَ: يَا خَيْرَ مَنْ عَقَدَتْ كَفَّاهُ حُجْزَتَهُ وَخَيْرَ مَنْ قَلَّدَتْهُ أَمْرَهَا مُضَرُ فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: إِلَّا مَنْ ؟ وَيْلَكَ ! ! قَالَ سَعِيدٌ: وَلَمْ يَكُنِ اسْتَثْنَى فِي شِعْرِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ; إِنَّمَا يَعْنِي مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ، فَأَفْكَرَ الشَّاعِرُ فَقَالَ: إِلَّا النَّبِيَّ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ فَضْلًا، وَأَنْتَ بِذَاكَ الْفَضْلِ تَفْتَخِرُ فَقَالَ: الْآنَ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ). وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: (عَزَّى الْهَادِي رَجُلًا فِي ابْنٍ لَهُ، فَقَالَ: سَرَّكَ وَهُوَ فِتْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ، وَيُحْزِنُكَ وَهُوَ ثَوَابٌ وَرَحْمَةٌ ؟ ! ). وَقَالَ الصُّولِيُّ: قَالَ سَلْمٌ الْخَاسِرُ فِي الْهَادِي جَامِعًا بَيْنَ الْعَزَاءِ وَالْهَنَاءِ. لَقَدْ قَامَ مُوسَى بِالْخِلَافَةِ وَالْهُدَى وَمَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدُ فَمَاتَ الَّذِي غَمَّ الْبَرِّيَّةَ فَقْدُهُ وَقَامَ الَّذِي يَكْفِيكَ مَنْ يَتَفَقَّدُ وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ كَذَلِكَ: لَقَدْ أَصْبَحْتَ تَخْتَالُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ بِقَبْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَقَابِرُ وَلَوْ لَمْ تَسْكُنْ بِابْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لَمَا بَرِحَتْ تَبْكِي عَلَيْهِ الْمَنَابِرُ وَلَوْ لَمْ يَقُمْ مُوسَى عَلَيْهَا لَرَجَّعَتْ حَنِينًا كَمَا حَنَّ الصَّفَايَا الْعَشَائِرُ حَدِيثٌ مِنْ رِوَايَةِ الْهَادِي قَالَ الصُّولِيُّ: عَنْ الْمُطَّلِبُ بْنُ عُكَّاشَةَ الْمُرِّيُّ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى الْهَادِي شُهُودًا عَلَى رَجُلٍ شَتَمَ قُرَيْشًا وَتَخَطَّى إِلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَجَلَسَ لَنَا مَجْلِسًا أَحْضَرَ فِيهِ فُقَهَاءَ زَمَانِهِ، وَأَحْضَرَ الرَّجُلَ فَشَهِدْنَا عَلَيْهِ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْهَادِي، ثُمَّ نَكَّسَ رَأْسَهُ ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي الْمَهْدِيِّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ... أَهَانَهُ اللَّهُ ) وَأَنْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَمْ تَرْضَ بِأَنْ أَرَدْتَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى تَخَطَّيْتَ إِلَى ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، اضْرِبُوا عُنُقَهُ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ الصُّولِيِّ. مَوْتُ الْهَادِي وَسَبَبُهُ مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ ; وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ مَوْتِهِ: فَقِيلَ: إِنَّهُ دَفَعَ نَدِيمًا لَهُ مِنْ جَرْفٍ عَلَى أُصُولِ قَصَبٍ قَدْ قُطِعَ فَتَعَلَّقَ النَّدِيمُ بِهِ فَوَقَعَا فَدَخَلَتْ قَصَبَةٌ فِي مَخْرَجِهِ، فَمَاتَا جَمِيعًا. وَقِيلَ: أَصَابَتْهُ قُرْحَةٌ فِي جَوْفِهِ. وَقِيلَ: سَمَّتْهُ أُمُّهُ الْخَيْزُرَانُ لَمَّا عَزَمَ عَلَى قَتْلِ الرَّشِيدِ لِيُعْهَدَ إِلَى وَلَدِهِ. وَقِيلَ: كَانَتْ أُمُّهُ حَاكِمَةً مُسْتَبِدَّةً بِالْأُمُورِ الْكِبَارِ، وَكَانَتِ الْمَوَاكِبُ تَغْدُو إِلَى بَابِهَا، فَزَجَرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَكَلَّمَهَا بِكَلَامٍ فَجٍّ، وَقَالَ: لَئِنْ وَقَفَ بِبَابِكِ أَمِيرٌ... لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ; أَمَا لَكِ مِغْزَلٌ يَشْغَلُكِ، أَوْ مُصْحَفٌ يُذَكِّرُكِ، أَوْ سُبْحَةٌ ؟ ! فَقَامَتْ مَا تَعْقِلُ مِنَ الْغَضَبِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهَا بِطَعَامٍ مَسْمُومٍ، فَأَطْعَمَتْ مِنْهُ كَلْبًا فَانْتَثَرَ، فَعَمِلَتْ عَلَى قَتْلِهِ لَمَّا وُعِكَ; بِأَنْ غَمُّوا وَجْهَهُ بِبِسَاطٍ جَلَسُوا عَلَى جَوَانِبِهِ، وَخَلَّفَ سَبْعَةَ بَنِينَ. من شعر الهادي وَمِنْ شِعْرِ الْهَادِي فِي أَخِيهِ هَارُونَ لَمَّا امْتَنَعَ مِنْ خَلْعِ نَفْسِهِ. نَصَحْتُ لِهَارُونَ فَرَدَّ نَصِيحَتِي وَكُلُّ امْرِئٍ لَا يَقْبَلُ النُّصْحَ نَادِمُ وَأَدْعُوهُ لِلْأَمْرِ الْمُؤَلِّفِ بَيْنَنَا فَيَبْعُدُ عَنْهُ وَهُوَ فِي ذَاكَ ظَالِمُ وَلَوْلَا انْتِظَارِي مِنْهُ يَوْمًا إِلَى غَدٍ لَعَادَ إِلَى مَا قُلْتُهُ وَهُوَ رَاغِمُ .
التاريخ 2955لا حكم مسجّل
غزو الصائفة وَغَزَا الصَّائِفَةَ مِنْ طَرِيقِ دَرْبِ الرَّاهِبِ مَعْيُوفُ بْنُ يَحْيَى فِي جَحْفَلٍ كَثِيفٍ، وَقَدْ أَقْبَلَتِ الرُّومُ مَعَ بَطْرِيقِهَا فَبَلَغُوا الْحَدَثَ. ذِكْرُ ظُهُورِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ الْمَقْتُولُ بِفَخٍّ عِنْدَ مَكَّةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْهَادِيَ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا وَلِيَهَا أَخَذَ أَبَا الزِّفْتِ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَمُسْلِمَ بْنَ جُنْدُبٍ، الشَّاعِرَ الْهُذَلِيَّ، وَعُمَرَ بْنَ سَلَّامٍ، مَوْلَى آلِ عُمَرَ، عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ فَأَمَرَ بِهِمْ، فَضُرِبُوا جَمِيعًا، وَجُعِلَ فِي أَعْنَاقِهِمْ حِبَالٌ، وَطِيفَ بِهِمْ فِي الْمَدِينَةِ. فَجَاءَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى الْعُمَرِيِّ وَقَالَ لَهُ: قَدْ ضَرَبْتَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تَضْرِبَهُمْ لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا، فَلِمَ تُطَوِّفُ بِهِمْ ؟ فَأَمَرَ بِهِمْ فَرُدُّوا، وَحَبَسَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَيَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، كَفَلَا الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ، فَأَخْرَجَهُ الْعُمَرِيُّ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ قَدْ ضَمِنَ بَعْضُ آلِ أَبِي طَالِبٍ بَعْضًا، وَكَانُوا يُعْرَضُونَ، فَغَابَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْعَرْضِ يَوْمَيْنِ، فَأَحْضَرَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَيَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَأَلَهُمَا عَنْهُ، وَأَغْلَظَ لَهُمَا، فَحَلَفَ لَهُ يَحْيَى أَنَّهُ لَا يَنَامُ حَتَّى يَأْتِيَهُ بِهِ، أَوْ يَدُقَّ عَلَيْهِ بَابَ دَارِهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ جَاءَهُ بِهِ. فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا ؟ وَمِنْ أَيْنَ تَجِدُ حَسَنًا ؟ حَلَفْتَ لَهُ بِشَيْءٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا نِمْتُ حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهِ بَابَ دَارِهِ بِالسَّيْفِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنَّ هَذَا يَنْقُضُ مَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَصْحَابِنَا مِنَ الْمِيعَادِ. وَكَانُوا قَدْ تَوَاعَدُوا عَلَى أَنْ يَظْهَرُوا بِمِنًى وَبِمَكَّةَ فِي الْمَوْسِمِ، فَقَالَ يَحْيَى: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَا وَعَمِلَا فِي ذَلِكَ مِنْ لَيْلَتِهِمْ، وَخَرَجُوا آخِرَ اللَّيْلِ، وَجَاءَ يَحْيَى حَتَّى ضَرَبَ عَلَى الْعُمَرِيِّ بَابَ دَارِهِ، فَلَمْ يَجِدْهُ، وَجَاءُوا فَاقْتَحَمُوا الْمَسْجِدَ وَقْتَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى الْحُسَيْنُ الصُّبْحَ أَتَاهُ النَّاسُ، فَبَايَعُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ لِلْمُرْتَضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَجَاءَ خَالِدٌ الْبَرِيدِيُّ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ الْجُنْدِ، وَجَاءَ الْعُمَرِيُّ، وَوَزِيرُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ وَاقِدٍ الشَّرَوِيُّ، وَمَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَدَنَا خَالِدٌ مِنْهُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ يَحْيَى وَإِدْرِيسُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، فَضَرَبَهُ يَحْيَى عَلَى أَنْفِهِ فَقَطَعَهُ، وَدَارَ لَهُ إِدْرِيسُ مِنْ خَلْفِهِ، فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، ثُمَّ قَتَلَاهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلَ الْعُمَرِيُّ فِي الْمُسَوِّدَةِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ، فَهَزَمُوهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَانْتَهَبُوا بَيْتَ الْمَالِ، وَكَانَ فِيهِ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقِيلَ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَأَغْلَقَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَبْوَابَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ شِيعَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ فَقَاتَلُوهُمْ، وَفَشَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، وَاقْتَتَلُوا إِلَى الظُّهْرِ، ثُمَّ افْتَرَقُوا، ثُمَّ إِنَّ مُبَارَكًا التُّرْكِيَّ أَتَى شِيعَةَ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنَ الْغَدِ، وَكَانَ قَدِمَ حَاجًّا، فَقَاتَلَ مَعَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ إِلَى مُنْتَصَفِ النَّهَارِ. ثُمَّ تَفَرَّقُوا، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَوَاعَدَ مُبَارَكٌ النَّاسَ الرَّوَاحَ إِلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا غَفَلُوا عَنْهُ رَكِبَ رَوَاحِلَهُ وَانْطَلَقَ، وَرَاحَ النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَاتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ إِلَى الْمَغْرِبِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا. وَقِيلَ إِنَّ مُبَارَكًا أَرْسَلَ إِلَى الْحُسَيْنِ يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَسْقُطَ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُنِي الطَّيْرُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ تَشُوكَكَ شَوْكَةٌ، أَوْ أَقْطَعَ مِنْ رَأْسِكَ شَعْرَةً، وَكَانَ لَا بُدَّ مِنَ الْإِعْذَارِ، فَتَبَيَّتْنِي، فَإِنِّي مُنْهَزِمٌ عَنْكَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَسَنَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي نَفَرٍ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ عَسْكَرِهِ صَاحُوا وَكَبَّرُوا، فَانْهَزَمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَأَقَامَ الْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ أَيَّامًا يَتَجَهَّزُونَ، فَكَانَ مُقَامُهُمْ بِالْمَدِينَةِ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجُوا لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، فَلَمَّا خَرَجُوا عَادَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَوَجَدُوا فِيهِ الْعِظَامَ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَ، ( وَآثَارَهُمْ فَدَعَوْا ) عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا فَارَقَ الْمَدِينَةَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ ! لَا خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِخَيْرٍ. فَقَالُوا: بَلْ أَنْتَ لَا خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا رَدَّكَ عَلَيْنَا ! وَكَانَ أَصْحَابُهُ يُحْدِثُونَ فِي الْمَسْجِدِ، فَغَسَلَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَلَمَّا أَتَى الْحُسَيْنُ مَكَّةَ أَمَرَ فَنُودِيَ: أَيُّمَا عَبْدٍ أَتَانَا فَهُوَ حُرٌّ. فَأَتَاهُ الْعَبِيدُ. فَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى الْهَادِي، وَكَانَ قَدْ حَجَّ تِلْكَ السَّنَةَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مِنْهُمْ: سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمُوسَى وَإِسْمَاعِيلُ ابْنَا عِيسَى بْنِ مُوسَى، فَكَتَبَ الْهَادِي إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ عَلَى الْحَرْبِ، وَكَانَ قَدْ سَارَ بِجَمَاعَةٍ وَسِلَاحٍ مِنَ الْبَصْرَةِ لِخَوْفِ الطَّرِيقِ، فَاجْتَمَعُوا بِذِي طُوًى، وَكَانُوا قَدْ أَحْرَمُوا بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا مَكَّةَ طَافُوا وَسَعَوْا، وَحَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ، وَعَسْكَرُوا بِذِي طُوًى، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ حَجَّ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَمَوَالِيهِمْ وَقُوَّادِهِمْ. ثُمَّ إِنَّهُمُ اقْتَتَلُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَجُرِحَ، وَانْصَرَفَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى مَكَّةَ، وَلَا يَعْلَمُونَ مَا حَالُ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا بَلَغُوا ذَا طُوًى لَحِقَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُ: الْبُشْرَى، الْبُشْرَى، هَذَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ فَأَخْرَجَهُ، وَبِجَبْهَتِهِ ضَرْبَةٌ طُولَى، وَعَلَى قَفَاهُ ضَرْبَةٌ أُخْرَى، وَكَانُوا قَدْ نَادَوُا الْأَمَانَ، فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الزِّفْتِ، فَوَقَفَ خَلْفَ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَالْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَأَخَذَهُ مُوسَى بْنُ عِيسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَتَلَاهُ. فَغَضِبَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَخَذَ رُءُوسَ الْقَتْلَى، فَكَانَتْ مِائَةَ رَأْسٍ وَنَيِّفًا، وَفِيهَا رَأْسُ [ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَأُخِذَتْ أُخْتُ الْحُسَيْنِ، فَتُرِكَتْ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ سُلَيْمَانَ، وَاخْتَلَطَ الْمُنْهَزِمُونَ بِالْحَاجِّ، وَأُتِيَ الْهَادِي ( بِسِتَّةِ أَسْرَى )، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ، وَاسْتَبْقَى بَعْضَهُمْ، وَغَضِبَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِيسَى كَيْفَ قَتَلَ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَقَبَضَ أَمْوَالَهُ، فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ، وَغَضِبَ عَلَى مُبَارَكٍ التُّرْكِيِّ، وَأَخَذَ مَالَهُ، وَجَعَلَهُ سَائِسَ الدَّوَابِّ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ الْهَادِي. [ بَدْءُ الْأُسْرَةِ الْإِدْرِيسِيَّةِ بِالْمَغْرِبِ ] وَأَفْلَتَ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَتَى مِصْرَ وَعَلَى بَرِيدِهَا وَاضِحٌ مَوْلَى صَالِحِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَكَانَ شِيعِيًّا لَعَلِيٍّ، فَحَمَلَهُ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى أَرْضِ الْمَغْرِبِ، فَوَقَعَ بِأَرْضِ طَنْجَةَ، بِمَدِينَةِ وَلَيْلَةَ، فَاسْتَجَابَ لَهُ مَنْ بِهَا مِنَ الْبَرْبَرِ. فَضَرَبَ الْهَادِي عُنُقَ وَاضِحٍ وَصَلَبَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الرَّشِيدَ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ. وَإِنَّ الرَّشِيدَ دَسَّ عَلَى إِدْرِيسَ الشَّمَّاخَ الْيَمَامِيَّ، مَوْلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَتَاهُ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مِنْ شِيعَتِهِمْ، وَعَظَّمَهُ، وَآثَرَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَمَالَ إِلَيْهِ إِدْرِيسُ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ. ثُمَّ إِنْ إِدْرِيسَ شَكَا إِلَيْهِ مَرَضًا فِي أَسْنَانِهِ، فَوَصَفَ لَهُ دَوَاءً، وَجَعَلَ فِيهِ سُمًّا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَهَرَبَ الشَّمَّاخُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ إِدْرِيسُ الدَّوَاءَ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ الشَّمَّاخَ بَرِيدَ مِصْرَ. وَلَمَّا مَاتَ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خَلَفَ مَكَانَهُ ابْنُهُ إِدْرِيسُ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَعْقَبَ بِهَا، وَمَلَكُوهَا، وَنَازَعُوا بَنِي أُمَيَّةَ فِي إِمَارَةِ الْأَنْدَلُسِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحُمِلَتِ الرُّءُوسَ إِلَى الْهَادِي، فَلَمَّا وُضِعَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ بَيْنَ يَدَيِ الْهَادِي قَالَ: كَأَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ بِرَأْسِ طَاغُوتٍ مِنَ الطَّوَاغِيتِ ! إِنَّ أَقَلَّ مَا أَجْزِيكُمْ بِهِ أَنْ أَحْرِمَكُمْ جَوَائِزَكُمْ، فَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا. وَكَانَ الْحُسَيْنُ شُجَاعًا، كَرِيمًا، قَدِمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَفَرَّقَهَا فِي النَّاسِ بِبَغْدَاذَ وَالْكُوفَةِ، وَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ لَا يَمْلِكُ مَا يَلْبَسُهُ إِلَّا فَرْوًا لَيْسَ تَحْتَهُ قَمِيصٌ. اشتداد طلب موسى للزنادقة وَفِيهَا: اشْتَدَّ طَلَبُ مُوسَى لِلزَّنَادِقَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ كَاتِبُ يَقْطِينٍ وَابْنُهُ عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ حَجَّ فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ فِي الطَّوَافِ يُهَرْوِلُونَ فَقَالَ: مَا أَشْبَهَهُمْ بِبَقَرٍ يَدُوسُ فِي الْبَيْدَرِ. فَقَالَ شَاعِرٌ: قُلْ لِأَمِينِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَوُرَّاثِ الْكَعْبَةِ وَالْمِنْبَرْ مَاذَا تَرَى فِي رَجُلٍ كَافِرٍ يُشَبِّهُ الْكَعْبَةَ بِالْبَيْدَرْ وَيَجْعَلُ النَّاسَ إِذَا مَا سَعَوْا حُمْرًا يَدُوسُ الْبُرَّ وَالدَّوْسَرْ فَقَتَلَهُ مُوسَى ثُمَّ صَلَبَهُ، فَسَقَطَتْ خَشَبَتُهُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْحَاجِّ فَقَتَلَتْهُ وَقَتَلَتْ حِمَارَهُ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يَعْقُوبُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ أُتِيَ بِهِ وَبِابْنٍ لِدَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ فَحَبَسَهُمَا لَمَّا أَقَرَّا لَهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَقَالَ لِيَعْقُوبَ: لَوْلَا مُحَمَّدٌ [رَسُولُ اللَّهِ] ﷺ مَنْ كُنْتَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا إِنِّي كُنْتُ جَعَلْتُ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا إِنْ وَلَّانِي أَنْ لَا أَقْتُلَ هَاشِمِيًّا لَمَا نَاظَرْتُكَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْهَادِي فَقَالَ: يَا مُوسَى، أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ بِحَقِّي إِنْ وُلِّيتَ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِي أَنْ لَا تُنَاظِرَهُمَا سَاعَةً وَاحِدَةً. فَمَاتَ ابْنُ دَاوُدَ بْنِ عَلِيٍّ فِي الْحَبْسِ قَبْلَ وَفَاةِ الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا قَدِمَ الْهَادِي مِنْ جُرْجَانَ ذَكَرَ وَصِيَّةَ الْمَهْدِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَى يَعْقُوبَ فَأَلْقَى عَلَيْهِ فِرَاشًا، وَأُقْعِدَتْ عَلَيْهِ الرِّجَالُ حَتَّى مَاتَ، وَلَهَا عَنْهُ، وَكَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا فَقِيلَ لَهُ: قَدِ انْتَفَخَ، فَقَالَ: ابْعَثُوا بِهِ إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ الْفَضْلِ فَأَخْبِرُوهُ أَنَّهُ مَاتَ فِي الْحَبْسِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَإِذَا لَيْسَ فِيهِ مَوْضِعٌ لِلْغُسْلِ، فَدُفِنَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَكَانَ لِيَعْقُوبَ ابْنَةٌ تُسَمَّى فَاطِمَةَ، فَوُجِدَتْ حُبْلَى مِنْهُ، وَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ، فَأُدْخِلَتْ وَامْرَأَةُ يَعْقُوبَ بْنِ دَاوُدَ يُقَالُ لَهَا خَدِيجَةُ عَلَى الْهَادِي - أَوْ عَلَى الْمَهْدِيِّ - فَأَقَرَّتَا بِالزَّنْدَقَةِ وَأَقَرَّتْ فَاطِمَةُ أَنَّهَا حُبْلَى مِنْ أَبِيهَا، فَأَرْسَلَ بِهِمَا إِلَى رَيْطَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَبَّاسِ فَرَأَتْهُمَا مُكَحَّلَتَيْنِ مَخْضُوبَتَيْنِ، فَعَذَلَتْهُمَا، خُصُوصًا الْبِنْتَ، فَقَالَتْ: أَكْرَهَنِي - فَقَالَتْ لَهَا: فَمَا بَالُ الْخِضَابِ وَالْكُحْلِ وَلَعَنَتْهُمَا، فَفَزِعَتَا فَمَاتَتَا. وَفِيهَا خَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْخُزَاعِيُّ، وَعَلَى خَرَاجِهَا الْمَنْصُورُ بْنُ زِيَادٍ، فَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى الْخَارِجِيِّ، فَالْتَقَوْا بِبَاعَرْبَايَا، مِنْ بَلَدِ الْمَوْصِلِ، فَهَزَمَهُمُ الْخَارِجِيُّ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، فَأَتَى رَجُلَانِ، وَصَحِبَاهُ، ثُمَّ اغْتَالَاهُ فَقَتَلَاهُ. من حج في هذه السنة وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ. وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيُّ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ، وَعَلَى الْيَمَنِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي سُوَيْدٍ الخُرَاسَانِيُّ، وَعَلَى صَلَاةِ الْكُوفَةِ وَأَحْدَاثِهَا مُوسَى بْنُ عِيسَى، وَعَلَى صَلَاةِ الْبَصْرَةِ وَأَحْدَاثِهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَعَلَى قَضَائِهَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَلَى جُرْجَانَ الْحَجَّاجُ مَوْلَى الْهَادِي، وَعَلَى قُومِسَ زِيَادُ بْنُ حَسَّانَ، وَعَلَى طَبَرِسْتَانَ وَالرُّويَانِ صَالِحُ بْنُ شَيْخِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرَةَ الْأَسَدِيُّ.
التاريخ 2956لا حكم مسجّل
سبب موت المهدي ووقت ومكان وفاته ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا تُوَفِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيُّ ابْنُ الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَاسَبَذَانَ، كَانَ قَدْ خَرَجَ إِلَيْهَا لِيَبْعَثَ إِلَى ابْنِهِ الْهَادِي لِيَحْضُرَ إِلَيْهِ مِنْ جُرْجَانَ حَتَّى يَخْلَعَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَيَجْعَلَهُ بَعْدَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَامْتَنَعَ الْهَادِي مِنْ ذَلِكَ، فَرَكِبَ الْمَهْدِيُّ مِنْ بَغْدَادَ قَاصِدًا إِحْضَارَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِمَاسَبَذَانَ مَاتَ بِهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. وَكَانَ قَدْ رَأَى فِي النَّوْمِ وَهُوَ بِقَصْرِهِ بِبَغْدَادَ - وَأَظُنُّهُ الْمُسَمَّى بِقَصْرِ السَّلَامَةِ - كَأَنَّ شَيْخًا وَقَفَ بِبَابِ الْقَصْرِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَمِعَ هَاتِفًا يَقُولُ: كَأَنِي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ آهِلُهُ وَأَوْحَشَ مِنْهُ أَهْلُهُ وَمَنَازِلُهُ وَصَارَ عَمِيدُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ وَمُلْكٍ إِلَى قَبْرٍ عَلَيْهِ جَنَادِلُهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذِكْرُهُ وَحَدِيثُهُ يُنَادِي بِلَيْلٍ مُعْوِلَاتٍ حَلَائِلُهُ فَمَا عَاشَ بَعْدَهَا إِلَّا عَشْرًا حَتَّى تُوُفِّيَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَامَحَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ. وَيُرْوَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ الْهَاتِفَ: كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ آهِلُهُ وَقَدْ دَرَسَتْ أَعْلَامُهُ وَمَنَازِلُهُ فَأَجَابَهُ الْمَهْدِيُّ: كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ يَبْلَى جَدِيدُهَا وُكُلُّ فَتًى يَوْمًا سَتَبْلَى فَعَائِلُهُ فَقَالَ الْهَاتِفُ: تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّكَ مَسْئُولٌ فَمَا أَنْتَ قَائِلُهُ فَأَجَابَهُ الْمَهْدِيُّ: أَقُولُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ شَهِدْتُهُ فَذَلِكَ قَوْلٌ لَيْسَ تُحْصَى فَضَائِلُهُ فَقَالَ الْهَاتِفُ تَزَوَّدْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ رَاحِلٌ وَقَدْ أَزَفَ الْأَمْرُ الَّذِي بِكَ نِازِلُهُ فَأَجَابَهُ الْمَهْدِيُّ: مَتَى ذَاكَ خَبِّرْنِي هُدِيتَ فَإِنَّنِي سَأَفْعَلُ مَا قَدْ قُلْتَ لِي وَأُعَاجِلُهُ فَقَالَ الْهَاتِفُ: تَلَبَّثْ ثَلَاثًا بَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةً إِلَى مُنْتَهَى شَهْرٍ وَمَا أَنْتَ كَامِلُهُ قَالُوا: فَلَمْ يَعِشْ بَعْدَهَا إِلَّا تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا حَتَّى مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ اخْتِلَافًا فِي سَبَبِ مَوْتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ سَاقَ خَلْفَ ظَبْيٍ وَالْكِلَابُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَخَلَ الظَّبْيُ إِلَى خَرِبَةٍ، فَدَخَلَتِ الْكِلَابُ وَرَاءَهُ، وَجَاءَ الْفَرَسُ، فَحَمَلَ بِهِ فِي مِشْوَارِهِ، فَدَخَلَ الْخَرِبَةَ، فَكُسِرَ ظَهْرُ الْخَلِيفَةِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ وَفَاتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ بَعْضَ حَظَايَاهُ بَعَثَتْ إِلَى أُخْرَى لَبَنًا مَسْمُومًا، فَمَرَّ الرَّسُولُ بِالْمَهْدِيِّ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَمَاتَ. وَقِيلَ: بَلْ بَعَثَتْ إِلَيْهَا بِصِينِيَّةٍ فِيهَا كُمِّثْرَى، وَفِي أَعْلَاهَا وَاحِدَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا سُمٌّ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ يُعْجِبُهُ الْكُمِّثْرَى، فَمَرَّتِ الْجَارِيَةُ تَحْمِلُ تِلْكَ الصِّينِيَّةَ فَرَآهَا فَاسْتَدْعَاهَا، فَأَخَذَ الَّتِي فِي أَعْلَاهَا، فَأَكَلَهَا فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَجَعَلَتِ الْحَظِيَّةُ تَنْدُبُهُ، وَتَقُولُ: وَاأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ، أَرَدْتُ أَنْ تَكُونَ لِي وَحْدِي، فَقَتَلْتُكَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ - وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً عَلَى الْمَشْهُورِ. نسب المهدي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَهْدِيُّ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِالْمَهْدِيِّ طَمَعًا أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَوْعُودَ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ، فَلَمْ يَكُنْ بِهِ، وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الِاسْمِ; لِأَنَّهُ لَمْ يُشْبِهْهُ فِي الْفِعْلِ، ذَاكَ يَأْتِي آخِرَ الزَّمَانِ وَعِنْدَ فَسَادِهِ، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فِي أَيَّامِهِ يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ بِدِمَشْقَ. كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي أَحَادِيثِ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ وَذِكْرِ الْمَهْدِيِّ وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَبِهِ الثِّقَةُ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَقَدْ جَاءَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى التَّعْيِينِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: " الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ " فَهُوَ يُعَارِضُ هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمُّهُ أُمُّ مُوسَى بِنْتُ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيِّ. رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، جَهَرَ بِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ". رَوَاهُ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ الْبَتْلَهِيُّ قَاضِي دِمَشْقَ، وَذُكِرَ أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ الْمَهْدِيِّ حِينَ قَدِمَ دِمَشْقَ فَجَهَرَ فِي السُّورَتَيْنِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَأَسْنَدَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ. وَرَوَى الْمَهْدِيُّ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ. وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، وَأَبُو سُفْيَانَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَهْدِيٍّ. وَكَانَ مَوْلِدُ الْمَهْدِيِّ فِي سَنَةِ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ - وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى - وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، بِالْحُمَيْمَةِ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَاسْتُخْلِفَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، عَنْ ثَلَاثٍ أَوْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَشَهْرًا وَبَعْضَ شَهْرٍ. وَمِنْ أَخْبَارِ الْمَهْدِيِّ قَالَ الصُّولِيُّ: لَمَّا عَقَدَ الْمَهْدِيُّ الْعَهْدَ لِوَلَدِهِ مُوسَى... قَالَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ: عُقِدَتْ لِمُوسَى بِالرَّصَافَةِ بَيْعَةٌ شَدَّ الْإِلَهُ بِهَا عُرَى الْإِسْلَامِ مُوسَى الَّذِي عَرَفَتْ قُرَيْشٌ فَضْلَهُ وَلَهَا فَضِيلَتُهَا عَلَى الْأَقْوَامِ بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ حَيِيَ الْحَلَالُ وَمَاتَ كُلُّ حَرَامِ مَهْدِيُّ أُمَّتِهِ الَّذِي أَمْسَتْ بِهِ لِلذُّلِّ آمِنَةً وَلِلْإِعْدَامِ مُوسَى وَلِيُّ عَصَا الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ جَفَّتْ بِذَاكَ مَوَاقِعُ الْأَقْلَامِ وَقَالَ آخَرُ: يَا ابْنَ الْخَلِيفَةِ إِنَّ أُمَّةَ أَحْمَدِ تَاقَتْ إِلَيْكَ بِطَاعَةٍ أَهْوَاؤُهَا وَلَتَمْلَأَنَّ الْأَرْضَ عَدْلًا كَالَّذِي كَانَتْ تُحَدِّثُ أُمَّةً عُلَمَاؤُهَا حَتَّى تَمَنَّى لَوْ تَرَى أَمْوَاتُهَا مِنْ عَدْلِ حُكْمِكَ مَا تَرَى أَحْيَاؤُهَا فَعَلَى أَبِيكَ الْيَوْمَ بَهْجَةُ مُلْكِهَا وَغَدًا عَلَيْكَ إِزَارُهَا وَرِدَاؤُهَا [مُكَافَأَةُ مَنْ قَالَتْ: يَا عَصَبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] وَأَسْنَدَ الصُّولِيُّ: (أَنَّ امْرَأَةً اعْتَرَضَتِ الْمَهْدِيَّ فَقَالَتْ: يَا عَصَبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْظُرْ فِي حَاجَتِي، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: مَا سَمِعْتُهَا مِنْ أَحَدٍ قَطُّ; اقْضُوا حَاجَتَهَا، وَأَعْطُوهَا عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ ! ! ). وَدَخَلَ ابْنُ الْخَيَّاطِ عَلَى الْمَهْدِيِّ، وَامْتَدَحَهُ فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَفَرَّقَهَا ابْنُ الْخَيَّاطِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَخَذْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الْغِنَى وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي فَلَا أَنَا مِنْهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الْغِنَى أَفَدْتُ وَأَعْدَانِي فَبَدَّدْتُ مَا عِنْدِي قَالَ: فَنَمَّى ذَلِكَ إِلَى الْمَهْدِيِّ، فَأَعْطَاهُ بَدَلَ كُلِّ دِرْهَمٍ دِينَارًا. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهُ مَآثِرُ وَمَحَاسِنُ كَثِيرَةٌ. الشَّيْخُ لَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ وَقَالَ قُرَيْشٌ الْخَتْلِيُّ: (رُفِعَ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ الْبَصْرِيُّ إِلَى الْمَهْدِيِّ فِي الزَّنْدَقَةِ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْشَدَ لِنَفْسِهِ: مَا يَبْلُغُ الْأَعْدَاءُ مِنْ جَاهِلٍ مَا يَبْلُغُ الْجَاهِلُ مِنْ نَفْسِهِ وَالشَّيْخُ لَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ حَتَّى يُوَارَى فِي ثَرَى رَمْسِهِ فَصَرَفَهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ الْخُرُوجِ.. رَدَّهُ فَقَالَ: أَلَمْ تَقُلْ: وَالشَّيْخُ لَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَكَذَلِكَ أَنْتَ لَا تَدَعُ أَخْلَاقَكَ حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ أَمَرَ بِقَتْلِهِ ). أَشْهَدُ أَنَّ قَفَاكَ قَفَا كَذَّابٍ وَقَالَ زُهَيْرٌ: (قُدِمَ عَلَى الْمَهْدِيِّ بِعَشَرَةِ مُحَدِّثِينَ; مِنْهُمْ: فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ، وَغِيَاثُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَكَانَ الْمَهْدِيُّ يُحِبُّ الْحَمَامَ -، فَلَمَّا دَخَلَ غِيَاثٌ.. قِيلَ لَهُ: حَدِّثْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَدَّثَهُ: عَنْ فُلَانٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ» وَزَادَ فِيهِ: «أَوْ جَنَاحٍ» فَأَمَرَ لَهُ الْمَهْدِيُّ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا قَامَ... قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ قَفَاكَ قَفَا كَذَّابٍ; وَإِنَّمَا اسْتَجْلَبْتَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْحَمَامِ فَذُبِحَتْ ). لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَرُوِيَ: (أَنَّ شَرِيكًا دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَقَالَ لَهُ: لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ تَلِيَ الْقَضَاءَ، أَوْ تُؤَدِّبَ وَلَدِي وَتُحَدِّثَهُمْ، أَوْ تَأْكُلَ عِنْدِي أَكْلَةً، فَفَكَّرَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: الْأَكْلَةُ أَخَفُّ عَلَيَّ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِعَمَلِ أَلْوَانٍ مِنَ الْمُخِّ الْمَعْقُودِ بِالسُّكَّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَأَكَلَ، فَقَالَ الطَّبَّاخُ: لَا يُفْلِحُ بَعْدَهَا ! ! قَالَ: فَحَدَّثَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلَّمَهُمُ الْعِلْمَ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ ). هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي «الْجَعْدِيَّاتِ» عَنْ حَمْدَانَ الْأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: (كُنْتُ عِنْدَ شَرِيكٍ، فَأَتَاهُ ابْنُ الْمَهْدِيِّ، فَاسْتَنَدَ وَسَأَلَ عَنْ حَدِيثٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ شَرِيكٌ، ثُمَّ أَعَادَ فَعَادَ، فَقَالَ: كَأَنَّكَ تَسْتَخِفُّ بِأَوْلَادِ الْخُلَفَاءِ ؟ ! قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ أَزْيَنُ عِنْدَ أَهْلِهِ مِنْ أَنْ يُضَيِّعُوهُ، فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَقَالَ شَرِيكٌ: هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ ). وَمِنْ شَعْرِ الْمَهْدِيِّ - أَنْشَدَهُ الصُّولِيُّ -: مَا يَكُفُّ النَّاسُ عَنَّا مَا يَمَلُّ النَّاسُ مِنَّا إِنَّمَا هِمَّتُهُمْ أَنْ يَنْبِشُوا مَا قَدْ دَفَنَّا لَوْ سَكَنَّا بَاطِنَ الْأَرْ ضِ لَكَانُوا حَيْثُ كُنَّا وَهُمْ إِنْ كَاشَفُونَا فِي الْهَوَى يَوْمًا مَجَنَّا وَأَسْنَدَ الصُّولِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِمَارَةَ قَالَ: كَانَ لِلْمَهْدِيِّ جَارِيَةٌ شُغِفَ بِهَا وَهِيَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهَا تَتَحَامَاهُ كَثِيرًا، فَدَسَّ إِلَيْهَا مَنْ عَرَفَ مَا فِي نَفْسِهَا، فَقَالَتْ: أَخَافُ أَنْ يَمَلَّنِي وَيَدَعَنِي فَأَمُوتَ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ فِي ذَلِكَ: ظَفِرَتْ بِالْقَلْبِ مِنِّي غَادَةٌ مِثْلُ الْهِلَالِ كُلَّمَا صَحَّ لَهَا وُدِّ يَ جَاءَتْ بِاعْتِلَالِ لَا لِحُبِّ الْهَجْرِ مِنِّي وَالتَّنَائِي عَنْ وِصَالِي بَلْ لِإِبْقَاءٍ عَلَى حُبِّي لَهَا خَوْفَ الْمَلَالِ وَلَهُ فِي نَدِيمِهِ عُمَرَ بْنِ بَزِيعٍ: رَبِّ تَمِّمْ لِي نَعِيمِي بِأَبِي حَفْصٍ نَدِيمِي إِنَّمَا لَذَّةُ عَيْشِي فِي غِنَاءٍ وَكُرُومِ وَجَوَارٍ عَطِرَاتٍ وَسَمَاعٍ وَنَعِيمِ قُلْتُ: شِعْرُ الْمَهْدِيِّ أَرَقُّ وَأَلْطَفُ مِنْ شِعْرِ أَبِيهِ وَأَوْلَادِهِ بِكَثِيرٍ. اسْتِحْيَاءُ الْجَارِيَةِ وَأَسْنَدَ الصُّولِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ: دَخَلَ الْمَهْدِيُّ إِلَى حُجْرَةِ جَارِيَةٍ عَلَى غَفْلَةٍ، فَوَجَدَهَا وَقَدْ نَزَعَتْ ثِيَابَهَا وَأَرَادَتْ لُبْسَ غَيْرِهَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ.. غَطَّتْ بِيَدِهَا، فَقَصُرَتْ كَفُّهَا عَنْهُ، فَضَحِكَ وَقَالَ: أَبْصَرَتْ عَيْنِي لِحِينِي مَنْظَرًا يَجْلِبُ شَيْنِي ثُمَّ خَرَجَ فَرَأَى بَشَّارًا فَأَخْبَرَهُ وَقَالَ: أَجِزْ، فَقَالَ بَشَّارٌ: سَتَرَتْهُ إِذْ رَأَتْنِي بَيْنَ طَيِّ الْعُكْنَتَيْنِ فَبَدَا لِي مِنْهُ فَضْلٌ لَمْ يَسَعْ فِي الرَّاحَتَيْنِ وَأَسْنَدَ عَنْ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيِّ قَالَ: (كَانَ الْمَهْدِيُّ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ يَحْتَجِبُ عَنِ النُّدَمَاءِ; تَشَبُّهًا بِالْمَنْصُورِ نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ، فَأُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَجِبَ، فَقَالَ: إِنَّمَا اللَّذَّةُ مَعَ مُشَاهَدَتِهَا ). مَنِ اسْتَعَانَ بِخَائِنٍ كَانَ شَرِيكَهُ وَأَسْنَدَ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ سَابِقٍ قَالَ: (صَاحَ رَجُلٌ بِالْمَهْدِيِّ وَهُوَ فِي مَوْكِبِهِ: [مِنَ الْكَامِلِ ] قُلْ لِلْخَلِيفَةِ حَاتِمٌ لَكَ خَائِنٌ فَخَفِ الْإِلَهَ وَأَعْفِنَا مِنْ حَاتِمِ إِنَّ الْعَفِيفَ إِذَا اسْتَعَانَ بِخَائِنٍ كَانَ الْعَفِيفُ شَرِيكَهُ فِي الْمَأْثَمِ فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: يُعْزَلُ كُلُّ عَامِلٍ لَنَا يُدْعَى حَاتِمًا ) سَمَاحَةُ أَخْلَاقِ الْمَهْدِيِّ وَأَسْنَدَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: (كَانَ الْمَهْدِيُّ يُصَلِّي بِنَا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ لَمَّا قَدِمَهَا، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: لَسْتُ عَلَى طُهْرٍ; وَقَدْ رَغِبْتُ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَكَ، فَأْمُرْ هَؤُلَاءِ بِانْتِظَارِي. فَقَالَ: انْتَظِرُوهُ، وَدَخَلَ الْمِحْرَابَ فَوَقَفَ إِلَى أَنْ قِيلَ: قَدْ جَاءَ الرَّجُلُ، فَكَبَّرَ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ سَمَاحَةِ أَخْلَاقِهِ ). وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْمَهْدِيِّ، فَحَدَّثْتُهُ بِأَحَادِيثَ، فَكَتَبَهَا عَنِّي ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ بُيُوتَ نِسَائِهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ غَيْظًا، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْخَيْزُرَانِ، فَقَامَتْ إِلَيَّ، وَمَزَّقَتْ ثَوْبِي، وَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا. وَإِنِّي وَاللَّهِ يَا وَاقَدِيُّ إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا مِنْ نَخَّاسٍ، وَقَدْ نَالَتْ عِنْدِي مَا نَالَتْ، وَقَدْ بَايَعْتُ لِوَلَدَيْهَا بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِي. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّهُنَّ يَغْلِبْنَ الْكِرَامَ وَيَغْلِبُهُنَّ اللِّئَامُ. وَقَالَ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي. وَقَالَ خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ إِنْ قَوَّمْتَهُ كَسَرْتَهُ. وَحَدَّثْتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِكُلِّ مَا حَضَرَنِي، فَأَمَرَ لِي بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، فَلَمَّا وَافَيْتُ الْمَنْزِلَ إِذَا رَسُولُ الْخَيْزُرَانِ قَدْ لَحِقَنِي بِأَلْفَيْ دِينَارٍ إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَإِذَا مَعَهُ أَثْوَابٌ أُخَرُ، وَبَعَثَتْ تَتَشَكَّرُ لِي وَتُثْنِي عَلَيَّ مَعْرُوفًا. وَذَكَرُوا أَنَّ الْمَهْدِيَّ كَانَ قَدْ أَهْدَرَ دَمَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَجَعَلَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ مِائَةَ أَلْفٍ، فَدَخَلَ الرَّجُلُ بَغْدَادَ مُتَنَكِّرًا، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا فِي بَعْضِ أَزِقَّةِ بَغْدَادَ إِذْ لَقِيَهُ رَجُلٌ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَنَادَى: هَذَا طِلْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَلِتَ مِنْهُ فَلَا يَقْدِرُ، فَبَيْنَا هُمَا كَذَلِكَ إِذَا أَمِيرٌ فِي مَوْكِبِهِ قَدْ أَقْبَلَ وَإِذَا هُوَ مَعْنُ بْنُ زَائِدَةَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ، خَائِفٌ مُسْتَجِيرٌ. فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَا لَكَ وَلَهُ؟ فَقَالَ هَذَا طِلَبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ مِائَةَ أَلْفٍ. قَالَ مَعْنٌ: وَيْحَكَ! أَوَمَا عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ؟ أَرْسِلْهُ مِنْ يَدِكَ. ثُمَّ أَمَرَ بَعْضَ غِلْمَانِهِ فَتَرَجَّلَ وَأَرْكَبَهُ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَانْطَلَقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى بَابِ الْخَلِيفَةِ فَأَنْهَى إِلَيْهِ الْخَبَرَ، فَبَلَغَ الْمَهْدِيَّ. فَأَرْسَلَ إِلَى مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ الْمَهْدِيُّ. وَقَالَ: يَا مَعْنُ، أَبَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تُجِيرَ عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَنَعَمْ أَيْضًا. قَالَ: نَعْمَ، قَدْ قَتَلْتُ فِي دَوْلَتِكُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ مُصَلٍّ، أَفَلَا يُجَارُ لِي رَجُلٌ وَاحِدٌ؟! فَأَطْرَقَ الْمَهْدِيُّ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجْرْتَ يَا مَعْنُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الرَّجُلَ ضَعِيفٌ. فَأَمَرَ لَهُ الْمَهْدِيُّ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَقَالَ: إِنَّ جَرِيمَتَهُ عَظِيمَةٌ، وَإِنَّ جَوَائِزَ الْخُلَفَاءِ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِ الرَّعِيَّةِ. فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَحُمِلَتْ بَيْنَ يَدَيْ مَعْنٍ إِلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ مَعْنٌ: ادْعُ لِلْخَلِيفَةِ وَأَصْلِحْ نِيَّتَكَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ. وَقَدِمَ أَعْرَابِيٌّ وَمَعَهُ كِتَابٌ مَخْتُومٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الرَّبِيعُ؟ فَدَلُّوهُ عَلَى الرَّبِيعِ الْحَاجِبِ، فَأَخَذَ الْكِتَابَ وَجَاءَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوْقَفَ الْأَعْرَابِيَّ، وَفَتَحَ الْكِتَابَ، فَإِذَا هُوَ قِطْعَةُ أَدِيمٍ، فِيهَا كِتَابَةٌ ضَعِيفَةٌ، وَالْأَعْرَابِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ هَذَا خَطُّ الْخَلِيفَةِ، فَتَبَسَّمَ الْمَهْدِيُّ وَقَالَ: صَدَقَ الْأَعْرَابِيُّ هَذَا خَطِّي، إِنِّي خَرَجْتُ يَوْمًا إِلَى الصَّيْدِ، فَضِعْتُ مِنَ الْجَيْشِ، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ، فَتَعَوَّذْتُ بِتَعَوُّذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرُفِعُ لِي نَارٌ مِنْ بُعْدٍ، فَقَصَدْتُهَا فَإِذَا هُوَ الشَّيْخُ وَامْرَأَتُهُ فِي خِبَاءٍ يُوقِدَانِ نَارًا، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ السَّلَامَ، وَفَرَشَ لِي كِسَاءً، وَسَقَانِي مِنْ مَذْقَةٍ مِنْ لَبَنٍ مَشُوبٍ بِمَاءٍ، فَمَا شَرِبْتُ شَيْئًا إِلَّا وَهِيَ أَطْيَبُ مِنْهُ، وَنِمْتُ نَوْمَةً عَلَى تِلْكَ الْعَبَاءَةِ مَا أَذْكُرُ أَنِّي نِمْتُ نَوْمَةً أَحْلَى مِنْهَا. فَقَامَ إِلَى شُوَيْهَةٍ لَهُ فَذَبَحَهَا، فَسَمِعْتُ امْرَأَتَهُ تَقُولُ لَهُ: عَمَدْتَ إِلَى مَعِيشَتِكَ وَمَعِيشَةِ أَوْلَادِكَ فَذَبَحْتَهَا؟! أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَعِيَالِكَ. فَمَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا، وَاسْتَيْقَظْتُ مِنَ النَّوْمِ فَاشْتَوَيْتُ مِنْ تِلْكَ الشُّوَيْهَةِ، وَقُلْتُ لَهُ: أَعْنَدَكَ شَيْءٌ أَكْتُبُ لَكَ فِيهِ كِتَابًا؟ فَأَتَانِي بِهَذِهِ الرُّقْعَةِ مِنَ الْأَدِيمِ فَكَتَبْتُ لَهُ بِعُودٍ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَادِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَاللَّهِ لَأُنْفِذَنَّهَا لَهُ كُلَّهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ سِوَاهَا. فَقَبَضَهَا الْأَعْرَابِيُّ، وَاسْتَمَرَّ مُقِيمًا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَهُوَ فِي طَرِيقِ الْحَاجِّ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ فَجَعَلَ يُقْرِي النَّاسَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَعُرِفَ بِمَنْزِلِ مُضِيفِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ. وَعَنْ سَوَّارٍ - صَاحِبِ رَحْبَةِ سَوَّارٍ - قَالَ: انْصَرَفْتُ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ الْمَهْدِيِّ، فَجِئْتُ مَنْزِلِي فَوُضِعَ لِيَ الْغَدَاءُ، فَلَمْ تُقْبِلْ نَفْسِي عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ خَلْوَتِي لِأَنَامَ فِي الْقَائِلَةِ، فَلَمْ يَأْخُذْنِي نَوْمٌ، فَاسْتَدْعَيْتُ بِبَعْضَ حَظَايَايَ لِأَتَلَهَّى بِهَا، فَلَمْ يَقِرَّ لِي قَرَارٌ، فَنَهَضْتُ فَخَرَجْتُ مِنَ الْمَنْزِلِ، وَرَكِبْتُ بَغْلَتِي، فَمَا جَاوَزْتُ الدَّارَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَقِيَنِي رَجُلٌ وَمَعَهُ أَلْفَا دِرْهَمٍ، فَقُلْتُ: مَنْ أَيْنَ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مِنْ مُلْكِكَ الْجَدِيدِ. فَاسْتَصْحَبْتُهُ مَعِي، وَسِرْتُ فِي أَزِقَّةِ بَغْدَادَ أَتَشَاغَلُ مِمَّا أَنَا فِيهِ مِنَ الضَّجَرِ، فَحَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ عِنْدَ مَسْجِدٍ فِي بَعْضِ الْحَارَاتِ، فَنَزَلْتُ لِأُصَلِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الصَّلَاةَ إِذَا بِرَجُلٍ أَعْمَى قَدْ أَخَذَ بِثِيَابِي فَقَالَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. فَقُلْتُ: مَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرٌ، وَلَكِنَّنِي لَمَّا شَمَمْتُ رَائِحَةَ طِيبِكَ ظَنَنْتُ أَنَّكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النِّعْمَةِ وَالثَّرْوَةِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُفْضِيَ بِحَاجَتِي إِلَيْكَ. فَقُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْقَصْرَ الَّذِي تُجَاهَ الْمَسْجِدِ كَانَ لِأَبِي، فَسَافَرَ مِنْهُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَبَاعَهَ وَأَخَذَنِي مَعَهُ وَأَنَا صَغِيرٌ، فَافْتَرَقْنَا هُنَاكَ، وَأَصَابَنِي الضَّرَرُ، فَرَجَعْنَا إِلَى بَغْدَادَ، فَجِئْتُ إِلَى صَاحِبِ هَذَا الْقَصْرِ أَطْلُبُ مِنْهُ شَيْئًا أَتَبَلَّغُ بِهِ لَعَلِّي أَجْتَمِعُ بِسَوَّارٍ، فَإِنَّهُ كَانَ صَاحِبًا لِأَبِي، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ سِعَةٌ يَجُودُ مِنْهَا عَلَيَّ. فَقُلْتُ: وَمَنْ أَبُوكَ؟ فَذَكَرَ رَجُلًا كَانَ أَصْحَبَ النَّاسَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَنَا سَوَّارٌ صَاحِبُ أَبِيكَ، وَقَدْ مَنَعَنِي اللَّهُ فِي يَوْمِكَ هَذَا النَّوْمَ وَالْقَرَارَ وَالْأَكْلَ وَالرَّاحَةَ، حَتَّى أَخْرَجَنِي مِنْ مَنْزِلِي لِأَجْتَمِعَ بِكَ، وَأَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَأَمَرْتُ وَكِيلِي، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْأَلْفَيْنِ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ، وَقُلْتُ: إِذَا كَانَ الْغَدُ فَأْتِ مَنْزِلِي فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. وَرَكِبْتُ فَجِئْتُ دَارَ الْخِلَافَةِ وَقُلْتُ: مَا أُتْحِفَ الْمَهْدِيَّ اللَّيْلَةَ فِي السَّمَرِ بِأَغْرَبَ مِنْ هَذَا. فَلَمَّا قَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ تَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ جِدًّا، وَأَمَرَ لِلْأَعْمَى بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، وَقَالَ لِي: عَلَيْكَ دَيْنٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: كَمْ؟ قُلْتُ: خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. فَسَكَتَ وَحَادَثَنِي سَاعَةً، فَلَمَّا قُمْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَوَصَلْتُ الْمَنْزِلَ إِذَا الْحَمَّالُونَ قَدْ سَبَقُونِي إِلَى الْمَنْزِلِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَلْفَيْ دِينَارٍ لِلْأَعْمَى، فَانْتَظَرْتُ الْأَعْمَى أَنْ يَجِيءَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَتَأَخَّرَ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ جَلَسْتُ إِلَى الْمَهْدِيُّ فَقَالَ: قَدْ فَكَّرْتُ فِي أَمْرِكَ، فَوَجَدْتُكَ إِذَا قَضَيْتَ دَيْنَكَ لَمْ يَبْقَ مَعَكَ شَيْءٌ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ أُخْرَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ جَاءَنِي الْمَكْفُوفُ فَقُلْتُ: قَدْ رَزَقَ اللَّهُ بِسَبَبِكَ خَيْرًا كَثِيرًا، وَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْأَلْفَيْ دِينَارٍ الَّتِي مِنْ عِنْدِ الْخَلِيفَةِ، وَزِدْتُهُ أَلْفَيْ دِينَارٍ مِنْ مَالِي أَيْضًا. إِذْعَانُ الْمَهْدِيِّ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُسْنِدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَافِعٍ: (أَنَّ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ تَنَازَعُوا إِلَيْهِ فِي نَهْرٍ مَنْ أَنْهَارِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ فِي أَيْدِينَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَا لَمْ يَقَعْ لَهُ ابْتِيَاعٌ مِنْهَا... يَعُودُ ثَمَنُهُ عَلَى كَافَّتِهِمْ وَفِي مَصْلَحَتِهِمْ، فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا النَّهْرُ لَنَا بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً.. فَهِيَ لَهُ». وَهَذِهِ مَوَاتٌ. فَوَثَبَ الْمَهْدِيُّ عِنْدَ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى أَلْصَقَ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ، وَقَالَ: سَمِعْتُ لِمَا قَالَ وَأَطَعْتُ، ثُمَّ عَادَ وَقَالَ: بَقِيَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَرْضُ مَوَاتًا حَتَّى لَا أُعْرَضَ فِيهَا، وَكَيْفَ تَكُونُ مَوَاتًا وَالْمَاءُ مُحِيطٌ بِهَا مِنْ جَوَانِبِهَا ؟ ! فَإِنْ أَقَامُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى هَذَا.. سَلَّمْتُ. وَأُسْنِدَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: (سَمِعْتُ الْمَهْدِيَّ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ فَقَالَ: { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ } الْآيَةَ آثَرَهُ بِهَا مِنْ بَيْنِ الرُّسُلِ; إِذْ خَصَّكُمْ بِهَا مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ ). قُلْتُ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ، وَقَدِ اسْتَنَّهَا الْخُطَبَاءُ إِلَى الْيَوْمِ. وَلَمَّا مَاتَ... قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَقَدْ عُلِّقَتِ الْمُسُوحُ عَلَى قِبَابِ حَرَمِهِ: رُحْنَ فِي الْمُوَشَّى وَأَصْبَـ ـحْنَ عَلَيْهِنَّ الْمُسُوحُ كُلُّ نَطَّاحٍ مِنَ الدَّ هْرِ لَهُ يَوْمٌ نَطُوحُ لَسْتَ بِالْبَاقِي وَلَوْ عُمِّـ ـرْتُ مَا عُمِّرَ نُوحُ نُحْ عَلَى نَفْسِكَ يَا مِسْـ ـكِينُ إِنْ كُنْتَ تَنُوحُ ذِكْرُ أَحَادِيثَ مِنْ رِوَايَةِ الْمَهْدِيِّ عَنْ أَحْمَدُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَدَائِنِيُّ - وَهُوَ ثِقَةٌ صَدُوقٌ -، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَهْدِيَّ يَخْطُبُ فَقَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؓ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خُطْبَةً مِنَ الْعَصْرِ إِلَى مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ، حَفِظَهَا مَنْ حَفِظَهَا، وَنَسِيَهَا مَنْ نَسِيَهَا، فَقَالَ: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ...» الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَقَالَ الصُّولِيُّ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ وَفْدًا مِنَ الْعَجَمِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ - وَقَدْ أَحْفَوْا لِحَاهُمْ وَأَعْفَوْا شَوَارِبَهُمْ -، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «خَالِفُوهُمْ; أَعْفُوا لِحَاكُمْ، وَأَحْفُوا شَوَارِبَكُمْ». وَإِحْفَاءُ الشَّارِبِ: أَخْذُ مَا سَقَطَ عَلَى الشَّفَةِ مِنْهُ ، وَوَضَعَ الْمَهْدِيُّ يَدَهُ عَلَى أَعْلَى شَفَتِهِ. وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ: عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا الْمَهْدِيُّ الْمَغْرِبَ فَجَهَرَ بِـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ; مَا هَذَا ؟ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنِ جَدِّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَهَرَ بِـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقُلْتُ لِلْمَهْدِيِّ: نَأْثُرُهُ عَنْكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: (هَذَا إِسْنَادٌ مُتَّصِلٌ، لَكِنْ مَا عَلِمْتُ أَحَدًا احْتَجَّ بِالْمَهْدِيِّ وَلَا بِأَبِيهِ فِي الْأَحْكَامِ، تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ ). رثاؤه وَقَالَ سَلَمٌ الْخَاسِرُ يَرْثِيهِ: وَبَاكِيَةٍ عَلَى الْمَهْدِيِّ عَبْرَى كَأَنَّ بِهَا وَمَا جُنَّتْ جُنُونًا وَقَدْ خَمَشَتْ مَحَاسِنَهَا وَأَبْدَتْ غَدَائِرَهَا وَأَظْهَرَتِ الْقُرُونَا لَئِنْ بَلِيَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ عِزٍّ لَقَدْ أَبْقَى مَسَاعِيَ مَا بَلِينَا سَلَامُ اللَّهِ عِدَّةَ كُلِّ يَوْمٍ عَلَى الْمَهْدِيِّ حِينَ ثَوَى رَهِينَا تَرَكْنَا الدِّينَ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا بِحَيْثُ ثَوَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَا
التاريخ 2959لا حكم مسجّل
الْحَسَنُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْحَسَنُ بْنُ الْخَلِيلِ بْنِ مُرَّةَ . كَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ طَوِيلَ الْبُكَاءِ. عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ بِمِصْرَ مَنْ أُفَضِّلُهُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ فِي زُهْدِهِ وَوَرَعِهِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَحْمِلُ دَقِيقًا فِي جِرَابٍ لِلنَّاسِ بِأُجْرَةٍ، يَتَقَرَّبُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ بِحِمْلِ يَوْمٍ، ثُمَّ زَادَ أَمْرُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَدَّخِرُ لِوَقْتٍ ثَانٍ، وَعَلَيْهِ مُدَرَّعَةٌ قِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ دِرْهَمٍ، وَأَجْمَعَ أَهْلُ مِصْرَ أَنَّهُ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ. وَعَنْ مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَسَنَ بْنَ الْخَلِيلِ مَرَّةً بِعَرَفَاتٍ فَكَلَّمْتُهُ ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَتَقَبَّلَ حَجِّي، فَبَكَى وَدَعَا لِي، ثُمَّ أَتَيْتُ مِصْرَ، فَقُلْتُ إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ الْخَلِيلِ كَانَ مَعَنَا بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: مَا حَجَّ الْعَامَ، وَقَدْ كَانَ يَبْلُغُنِي أَنَّهُ يَمُرُّ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ فَمَا كُنْتُ أُصَدِّقُ حَتَّى رَأَيْتُهُ فَعَاتَبَنِي وَقَالَ: شَهَرْتَنِي، مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ تُحَدِّثَ بِهَذَا، فَلَا تَعُدْ بِحَقِّي عَلَيْكَ. الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ. وُلِدَ هُوَ وَأَخُوهُ عَلِيٌّ تَوْأَمًا سَنَةَ مِائَةٍ، فَكَانَا وَأُمُّهُمَا يَقُومُونَ اللَّيْلَ كُلَّهُ عَلَى الثُّلُثِ وَيَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ يَنَامُ وَيَقُومُ الْحَسَنُ الثُّلُثَ، وَيَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، فَمَاتَتْ أُمُّهُمَا فَحَزَّبَا اللَّيْلَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ مَاتَ عَلِيٌّ فَقَامَ الْحَسَنُ بِهِ كُلِّهِ، وَكَانَ يَخْتِمُ كُلَّ لَيْلَةٍ. وَبَاعَ الْحَسَنُ جَارِيَةً فَقَالَ: أَخْبِرُوهُمْ أَنَّهَا تَنَخَّمَتْ عِنْدَنَا مَرَّةً دَمًا. وَعَنْ سُلَيْمَانُ بْنُ إِدْرِيسَ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ: اشْتَهَى الْحَسَنُ أَخِي سَمَكًا، فَلَمَّا أُتِيَ بِهِ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى سُرَّةِ السَّمَكَةِ فَاضْطَرَبَتْ يَدُهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي ذَكَرْتُ لَمَّا ضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى بَطْنِهَا أَنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَلَمْ أَقْدِرْ أَنْ أَذُوقَهُ. وَعَنْ خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ أَنَّ حَسَنَ بْنَ صَالِحٍ كَانَ يُصَلِّي إِلَى السَّحَرِ، ثُمَّ يَجْلِسُ يَبْكِي فِي مُصَلَّاهُ، وَيَجْلِسُ عَلِيٌّ فَيَبْكِي فِي حُجْرَتِهِ، قَالَ: وَكَانَتْ أُمُّهُمْ تَبْكِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، قَالَ: فَمَاتَتْ ثُمَّ مَاتَ عَلِيٌّ، ثُمَّ مَاتَ حَسَنٌ، فَرَأَيْتُ حَسَنًا فِي مَنَامِي، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَتِ الْوَالِدَةُ؟ قَالَ: بُدِّلَتْ بِطُولِ ذَلِكَ الْبُكَاءِ سُرُورَ الْأَبَدِ، قُلْتُ: وَعَلِيٌّ؟ قَالَ: وَعَلِيٌّ عَلَى خَيْرٍ. قُلْتُ: فَأَنْتَ فَمَضَى وَهُوَ يَقُولُ: وَهَلْ يُتَّكَلُ إِلَّا عَلَى عَفْوِهِ. تُوُفِّيَ الْحَسَنُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. خَالِدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ خَالِدٍ خَالِدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ، أَبُو حُمَيْدٍ النَّهْرِيُّ. رَوَى عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ، وَحُمَيْدِ بْنِ هَانِي، حَدَّثَ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِمِصْرَ رَوْحُ بْنُ صَلَاحٍ الْمُرَادِيُّ. وَتُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أَبُو أُوَيْسٍ الْمَدِينِيُّ الْأَصْبَحِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُوَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ [أَبِي] عَامِرٍ، أَبُو أُوَيْسٍ الْمَدِينِيُّ الْأَصْبَحِيُّ . كَانَ زَوْجَ أُخْتِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَابْنَ ابْنِ عَمِّهِ لَحًّا، قَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَأَبِي الزِّنَادِ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ. رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ أَبُو بَكْرٍ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَشَبَّابَةُ، وَالْقَعْنَبِيُّ. وَثَّقَهُ يَحْيَى، [فِي رِوَايَةٍ] وَضَعَّفَهُ فِي أُخْرَى، وَقَالَ أَحْمَدُ: هُوَ صَالِحٌ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا وَإِذَا مَعَهُ جَوَارٍ يَضْرِبْنَ - يَعْنِي الْقِيَانَ - قَالَ: فَقُلْتُ لَا وَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ مِنْهُ شَيْئًا. عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ . مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَّاهُ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْمَدِينَةِ الْقَضَاءَ عَلَى إِكْرَاهٍ، فَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ رِزْقًا. وَكَانَ مَحْمُودَ السِّيرَةِ جَمِيلَ الذِّكْرِ. رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَهْدِيُّ الْمَدِينَةَ اسْتَعْفَاهُ مِنَ الْقَضَاءِ، وَجَرَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ قِصَّةٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي سَنَةِ سِتِّينَ فَأَعْفَاهُ. عُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، أَبُو خُرَيْمٍ . مَوْلَى بَاهِلَةَ الْبَصْرِيِّ، سَمِعَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَبَكْرًا الْمُزَنِيَّ، وَالْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَرَوَى عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، وَكَانَ ثِقَةً، انْتَقَلَ عَنِ الْبَصْرَةِ فَنَزَلَ الْمَدَائِنَ، ثُمَّ دَخَلَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ بَغْدَادَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ. مُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ مُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَنْصُورِ . رَأَى مَنَامًا قَبْلَ وَفَاتِهِ يَدُلُّ عَلَيْهَا. عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ: خَرَجْنَا مَعَ الْمَهْدِيِّ فَقَالَ لَنَا يَوْمًا: إِنِّي دَاخِلٌ الْبَهْوَ فَنَائِمٌ فِيهِ فَلَا يُوقِظْنِي أَحَدٌ حَتَّى أَسْتَيْقِظَ، قَالَ: فَنَامَ وَنِمْنَا، فَمَا أَنْبَهَنَا إِلَّا بُكَاؤُهُ، فَقُمْنَا فَزِعِينَ، فَقُلْنَا: مَا شَأْنُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَتَانِي السَّاعَةَ آتٍ فِي مَنَامِي، شَيْخٌ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ فِي مِائَةِ أَلْفِ شَيْخٍ لَعَرَفْتُهُ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ وَهُوَ يَقُولُ: كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ أَهْلُهُ وَأَوْحَشَ مِنْهُ رُكْنُهُ وَمَنَازِلُهْ وَصَارَ عَمِيدُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ وَمُلْكٍ إِلَى قَبْرٍ عَلَيْهِ جَنَادِلُهْ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذِكْرُهُ وَحَدِيثُهُ تُنَادِي عَلَيْهِ بِالْعَوِيلِ حَلَائِلُهْ وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ وَفَاتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: رَوَاهُ وَاضِحٌ قَهْرَمَانُ الْمَهْدِيِّ قَالَ: خَرَجَ الْمَهْدِيُّ يَتَصَيَّدُ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى مَاسَبَذَانَ فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ إِلَى بَعْدِ الْعَصْرِ وَانْصَرَفْتُ إِلَى مَضْرِبِي، وَكَانَ بَعِيدًا مِنْ مَضْرِبِهِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ رَكِبْتُ لِإِقَامَةِ الْوَظَائِفِ وَلَقِيَنِي أَسْوَدُ عُرْيَانٌ، فَدَنَا مِنِّي، ثُمَّ قَالَ: أَبَا سَهْلٍ، أَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكَ فِي مَوْلَاكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَدَخَلْتُ فَإِذَا بِهِ مُسَجًّى فِي قُبَّةٍ. فَقُلْتُ: فَارَقْتُكُمْ بَعْدَ [صَلَاةِ] الْعَصْرِ وَهُوَ أَسَرُّ مَا كَانَ حَالًا وَأَصَحُّهُ بَدَنًا، فَمَا كَانَ الْخَبَرُ؟ فَقَالُوا: اطَّرَدَتِ الْكِلَابُ ظَبْيًا فَمَا زَالَ يَتْبَعُهَا فَاقْتَحَمَ الظَّبْيُ بَابَ خَرِبَةٍ، فَاقْتَحَمَتِ الْكِلَابُ خَلْفَهُ وَاقْتَحَمَ الْفَرَسُ خَلْفَ الْكِلَابِ، فَدَقَّ ظَهْرَهُ بَابُ الْخَرِبَةِ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. الْقَوْلُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: بَعَثَتْ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِي الْمَهْدِيِّ إِلَى ضَرَّةٍ لَهَا لَبَنًا فِيهِ سُمٌّ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي الْبُسْتَانِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ عِيسَابَادَ، فَدَعَا بِهِ فَأَكَلَ، فَفَرِقَتِ الْجَارِيَةُ أَنْ تَقُولَ إِنَّهُ مَسْمُومٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ: أَنَّ الْمَهْدِيَّ كَانَ جَالِسًا فِي عُلِّيَّةِ قَصْرٍ بِمَاسَبَذَانَ، وَكَانَتْ جَارِيَتُهُ حَسَنَةُ قَدْ عَمَدَتْ إِلَى كُمَّثْرَى فَجَعَلَتْهُ فِي صِينِيَّةٍ وَسَمَّتْ وَاحِدَةً فِي أَحْسَنِهِ وَأَنْضَجِهِ، وَرَدَّتِ الْقُمْعَ عَلَيْهَا وَوَضَعَتْهَا فِي أَعْلَى الصِّينِيَّةِ، وَأَرْسَلَتْ بِذَلِكَ مَعَ وَصِيفَةٍ لَهَا إِلَى جَارِيَةِ الْمَهْدِيِّ - وَكَانَتْ حَظِيَّةً عِنْدَهُ - تُرِيدُ قَتْلَهَا، فَمَرَّتِ الْوَصِيفَةُ بِالصِّينِيَّةِ، فَرَآهَا الْمَهْدِيُّ، فَدَعَاهَا فَمَدَّ يَدَهُ فَأَخَذَ الْكُمَّثْرَاةَ الَّتِي فِي أَعْلَى الصِّينِيَّةِ وَهِيَ الْمَسْمُومَةُ، فَأَكَلَهَا فَصَرَخَ: جَوْفِي. فَأُخْبِرَتْ حَسَنَةُ الْخَبَرَ، فَجَاءَتْ تَلْطِمُ وَجْهَهَا وَتَبْكِي وَتَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَنْفَرِدَ بِكَ فَقَتَلْتُكَ، فَهَلَكَ مِنْ يَوْمِهِ فَجَعَلَتْ حَسَنَةُ عَلَى قُبَّتِهَا الْمُسُوحَ فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي ذَلِكَ: رُحْنَ فِي الْوَشْيِ وَأَصْبَحْنَ عَلَيْهِنَّ الْمُسُوحُ كُلُّ نَطَّاحٍ مِنَ الدَّهْرِ لَهُ يَوْمٌ نَطُوحُ لَسْتَ بِالْبَاقِي وَلَوْ عُمِّرْتَ مَا عُمِّرَ نُوحُ فَعَلَى نَفْسِكَ نُحْ إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ تَنُوحُ تُوُفِّيَ الْمَهْدِيُّ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا الرَّذُّ مِنْ مَاسَبَذَانَ فِي لَيْلَةِ الْخَمِيسِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَمْ تُوجَدْ لَهُ جِنَازَةٌ يُحْمَلُ عَلَيْهَا، فَحُمِلَ عَلَى بَابٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ هَارُونُ، وَدُفِنَ تَحْتَ جَوْزَةٍ كَانَ يَجْلِسُ تَحْتَهَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَشَهْرًا وَنِصْفَ شَهْرٍ، وَقِيلَ: عَشْرَ سِنِينَ وَتِسْعَةً وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا. نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَارِئُ الْمَدِينِيُّ نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ الْقَارِئُ الْمَدِينِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا نُعَيْمٍ. وَقِيلَ: أَبَا رُوَيْمٍ، وَقِيلَ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقِيلَ: أَبَا الْحَسَنِ. وَهُوَ مَوْلَى جَعُونَةَ بْنِ شَعُوبٍ اللَّيْثِيِّ حَلِيفِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَصْلُهُ مِنْ أَصْبَهَانَ. سَمِعَ مِنْ نَافِعٍ مَوْلَى عُمَرَ، وَعَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ فَوَجَدْتُ نَافِعًا إِمَامَ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ لَا يُنَازَعُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَقْرَأَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قُتِلَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَمَا ذَكَرْنَا. الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ الْحَاجِبُ، مَوْلَى الْمَنْصُورِ وَحَاجِبُهُ وَوَزِيرُهُ، وَقَدْ وَزَرَ أَيْضًا لِلْهَادِي. وَقِيلَ: إِنَّهُ وَزَرَ أَيْضًا لِلْمَهْدِيِّ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَطْعَنُ فِي نَسَبِهِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ فِي تَرْجَمَتِهِ حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِهِ، وَلَكِنَّهُ مُنْكَرٌ، فِي صِحَّتِهِ عَنْهُ نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَلِيَ الْحُجُوبِيَّةَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَلَّاهُ إِيَّاهَا الْخَلِيفَةُ الْهَادِي. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ، وَنَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ مُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ اللَّيْثِيُّ الْكِنَانِيُّ الشَّاعِرُ ، وَأَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُعَاوِيَةُ ( بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ) بْنِ بَشَّارٍ الْأَشْعَرِيُّ، مَوْلَاهُمْ، وَكَانَ وَزِيرَ الْمَهْدِيِّ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ، حَاجِبُ الْمَنْصُورِ، مَوْلَاهُ.
التاريخ 2960لا حكم مسجّل
وفي سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَزَمَ الْهَادِي عَلَى خَلْعِ أَخِيهِ هَارُونَ مِنَ الْخِلَافَةِ، وَوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ وَمُبَايَعَةِ ابْنِهِ جَعْفَرٍ ابْنِ الْهَادِي، كَانَ الْهَادِي قَدْ جَدَّ فِي خَلْعِ الرَّشِيدِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْهَادِيَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى خَلْعِهِ ذَكَرَهُ لِقُوَّادِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْن? مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَغَيْرُهُمْ. فَخَلَعُوا هَارُونَ، وَبَايَعُوا لِجَعْفَرٍ، وَوَضَعُوا الشِّيعَةَ، فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، وَتَنَقَّصُوا بِالرَّشِيدِ فِي مَجْلِسِ الْجَمَاعَةِ، وَقَالُوا لَا نَرْضَى بِهِ، وَصَعُبَ أَمْرُهُمْ، وَأَمَرَ الْهَادِي أَنْ لَا يُسَارَ بَيْنَ يَدَيْ هَارُونَ بِالْحَرْبَةِ، فَاجْتَنَبَهُ النَّاسُ، وَتَرَكُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ يَتَوَلَّى أُمُورَ الرَّشِيدِ بِأَمْرِ الْهَادِي، فَقِيلَ لِلْهَادِي: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ أَخِيكَ خِلَافٌ إِنَّمَا يَحْيَى يُفْسِدُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، وَتَهَدَّدَهُ، وَرَمَاهُ بِالْكُفْرِ، ثُمَّ إِنَّهُ اسْتَدْعَاهُ لَيْلَةً، فَخَافَ، وَأَوْصَى، وَتَحَنَّطَ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا يَحْيَى ! مَا لِي وَلَكَ ؟ قَالَ: مَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى مَوْلَاهُ إِلَّا طَاعَتُهُ ؟ !. قَالَ: لِمَ تَدْخُلُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي وَتُفْسِدُهُ عَلَيَّ ؟ قَالَ: مَنْ أَنَا حَتَّى أَدْخُلَ بَيْنَكُمَا ؟ إِنَّمَا صَيَّرَنِي الْمَهْدِيُّ مَعَهُ، ثُمَّ أَمَرْتَنِي أَنْتَ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى أَمْرِكَ. فَسَكَنَ غَضَبُهُ. وَقَدْ كَانَ هَارُونُ طَابَ نَفْسًا بِالْخَلْعِ، فَمَنَعَهُ يَحْيَى عَنْهُ. فَلَمَّا أَحْضَرَهُ الْهَادِي، وَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ إِنْ حَمَلْتَ النَّاسَ عَلَى نَكْثِ الْأَيْمَانِ هَانَتْ عَلَيْهِمْ أَيْمَانُهُمْ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ عَلَى بَيْعَةِ أَخِيكَ ثُمَّ بَايَعْتَ لِجَعْفَرٍ بَعْدَهُ، كَانَ ذَلِكَ أَوْكَدَ لِلْبَيْعَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، وَسَكَتَ عَنْهُ. فَعَادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ مِنَ الْقُوَّادِ وَالشِّيعَةِ، فَحَمَلُوهُ عَلَى مُعَاوَدَةِ الرَّشِيدِ بِالْخَلْعِ، فَأَحْضَرَ يَحْيَى وَحَبَسَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ عِنْدِي نَصِيحَةً، فَأَحْضَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ لَا تَبْلُغُهُ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُقْدِمَنَا قَبْلَهُ، يَعْنِي مَوْتَ الْهَادِي، أَتَظُنُّ النَّاسَ يُسَلِّمُونَ الْخِلَافَةَ لِجَعْفَرٍ، وَهُوَ لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ، أَوْ يَرْضَوْنَ بِهِ لِصَلَاتِهِمْ، وَحَجِّهِمْ، وَغَزْوِهِمْ ؟ ! قَالَ: مَا أَظُنُّ ذَلِكَ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَفَنَأْمَنُ أَنْ يَسْمُوَ إِلَيْهَا أَكَابِرُ أَهْلِكَ، مِثْلُ فُلَانٍ، وَيَطْمَعَ فِيهَا غَيْرُهُمْ، فَتَخْرُجَ مِنْ وَلَدِ أَبِيكَ ؟ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَعْقِدْهُ الْمَهْدِيُّ لِأَخِيكَ، لَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْقِدَهُ أَنْتَ لَهُ، فَكَيْفَ بِأَنْ تَحُلَّهُ عَنْهُ وَقَدْ عَقَدَهُ الْمَهْدِيُّ لَهُ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُقِرَّ الْأَمْرَ عَلَى حَالِهِ، فَإِذَا بَلَغَ جَعْفَرٌ أَتَيْتَهُ بِالرَّشِيدِ، فَخَلَعَ نَفْسَهُ لَهُ وَبَايَعَهُ. فَقَبِلَ قَوْلَهُ، وَقَالَ: نَبَّهْتَنِي عَلَى أَمْرٍ لَمْ أَتَنَبَّهْ لَهُ. وَأَطْلَقَهُ. ثُمَّ إِنَّ أُولَئِكَ الْقُوَّادَ عَاوَدُوا الْقَوْلَ فِيهِ، فَأَرْسَلَ الْهَادِي إِلَى الرَّشِيدِ فِي ذَلِكَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: اسْتَأْذِنْهُ فِي الصَّيْدِ، فَإِذَا خَرَجْتَ فَأَبْعِدْ، وَدَافِعِ الْأَيَّامَ فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَذِنَ لَهُ، فَمَضَى إِلَى قَصْرِ بَنِي مُقَاتِلٍ، فَأَقَامَ [ بِهِ ] أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَأَنْكَرَ الْهَادِي أَمْرَهُ، وَخَافَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالْعَوْدِ، فَتَعَلَّلَ عَلَيْهِ، فَأَظْهَرَ الْهَادِي شَتْمَهُ، وَبَسَطَ مَوَالِيهِ وَقُوَّادُهُ فِيهِ أَلْسِنَتَهُمْ، فَلَمَّا طَالَ الْأَمْرُ عَادَ الرَّشِيدُ. وَقَدْ كَانَ الْهَادِي فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ جَلَسَ، وَعِنْدَهُ نَفَرٌ مِنْ قُوَّادِهِ، وَعِنْدَهُ الرَّشِيدُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا هَارُونُ كَأَنِّي بِكَ وَأَنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ بِتَمَامِ الرُّؤْيَا، وَدُونَ ذَلِكَ خَرْطُ الْقَتَادِ. فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: يَا مُوسَى إِنَّكَ إِنْ تَجَبَّرْتَ وُضِعْتَ، وَإِنْ تَوَاضَعْتَ رُفِعْتَ، وَإِنْ ظَلَمْتَ قُتِلْتَ، وَإِنْ أَنْصَفْتَ سَلِمْتَ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُفْضِيَ الْأَمْرُ إِلَيَّ، فَأُنْصِفَ مَنْ ظَلَمْتَ، وَأَصِلَ مَنْ قَطَعْتَ، وَأَجْعَلَ أَوْلَادَكَ أَعْلَى مِنْ أَوْلَادِي، وَأُزَوِّجَهُمْ بَنَاتِي، وَأَبْلُغَ مَا يَجِبُ مِنْ حَقِّ الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ. فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ، ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، وَقَبَّلَ يَدَهُ، ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ: لَا وَالشَّيْخِ الْجَلِيلِ، وَالْمَلِكِ النَّبِيلِ، أَعْنِي الْمَنْصُورَ، لَا جَلَسْتَ إِلَّا مَعِي، فَأَجْلَسَهُ فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يُحْمَلَ إِلَيْهِ أَلْفُ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَنْ يُحْمَلَ إِلَيْهِ نِصْفُ الْخَرَاجِ. وَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرَّانِيِّ: اعْرِضْ عَلَيْهِ مَا فِي الْخَزَائِنِ مِنْ مَالِنَا، وَمَا أُخِذَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ اللَّعْنَةِ، يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ، فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ مَا أَرَادَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَامَ عَنْهُ. وَسُئِلَ الرَّشِيدُ عَنِ الرُّؤْيَا، فَقَالَ: قَالَ الْمَهْدِيُّ: رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي دَفَعْتُ إِلَى مُوسَى وَإِلَى هَارُونَ قَضِيبًا، فَأَوْرَقَ مِنْ قَضِيبِ مُوسَى أَعْلَاهُ، وَأَوْرَقَ قَضِيبُ هَارُونَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، فَعَبَّرْتُ لَهُمَا أَنَّهُمَا يَمْلِكَانِ مَعًا، فَأَمَّا مُوسَى فَتَقِلُّ أَيَّامُهُ، وَأَمَّا هَارُونُ فَيَبْلُغُ آخِرَ مَا عَاشَ خَلِيفَةً، وَتَكُونُ أَيَّامُهُ أَحْسَنَ أَيَّامٍ، وَدَهْرُهُ أَحْسَنَ دَهْرٍ، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَذُكِرَ أَنَّ الْهَادِيَ خَرَجَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ، فَمَرِضَ بِهَا، وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَانْصَرَفَ، وَكَتَبَ إِلَى جَمِيعِ عُمَّالِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا ثَقُلَ أَجْمَعَ الْقُوَّادُ الَّذِينَ كَانُوا بَايَعُوا جَعْفَرًا، وَتَوَامَرُوا فِي قَتْلِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، وَقَالُوا: إِنْ صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ قُتِلْنَا، وَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالُوا: لَعَلَّ الْهَادِيَ يُفِيقُ، فَمَا عُذْرُنَا عِنْدَهُ ؟ فَأَمْسَكُوا. وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ الْهَادِي أَرْسَلَتِ الْخَيْزُرَانُ إِلَى يَحْيَى تَأْمُرُهُ بِالِاسْتِعْدَادِ، فَأَحْضَرَ يَحْيَى كُتَّابًا فَكَتَبُوا الْكُتُبَ مِنَ الرَّشِيدِ إِلَى الْعُمَّالِ بِوَفَاةِ الْهَادِي، وَأَنَّهُ قَدْ وَلَّاهُمْ مَا كَانَ وَيَكُونُ فَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي سُيِّرَتِ الْكُتُبُ. وَقِيلَ إِنَّ يَحْيَى كَانَ مَحْبُوسًا. وَكَانَ الْهَادِي قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَإِنَّ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ هُوَ [ الَّذِي ] أَقْعَدَ الرَّشِيدَ، وَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي قَالَتِ الْخَيْزُرَانُ: قَدْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ خَلِيفَةٌ، وَيُمَلَّكُ خَلِيفَةٌ، وَيُولَدُ خَلِيفَةٌ، فَمَاتَ الْهَادِي، وَوَلِيَ الرَّشِيدُ، وَوُلِدَ الْمَأْمُونُ. وَكَانَتِ الْخَيْزُرَانُ قَدْ أَخَذَتِ الْعِلْمَ مِنَ الْأَوْزَاعِيِّ، وَكَانَ مَوْتُ الْهَادِي بِعِيسَابَاذَ. [فَائِدَةٌ ] [فِي ذِكْرِ مَنْ وَلَدَتْ خَلِيفَتَيْنِ ] وَقَالَ الصُّولِيُّ: (لَا تُعْرَفُ امْرَأَةٌ وَلَدَتْ خَلِيفَتَيْنِ إِلَّا الْخَيْزُرَانَ: أُمَّ الْهَادِي وَالرَّشِيدِ ، وَوَلَّادَةُ بِنْتُ الْعَبَّاسِ الْعَبْسِيَّةُ زَوْجُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ; وَلَدَتِ: الْوَلِيدَ وَسُلَيْمَانَ، وَشَاهِينَ بِنْتَ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ كِسْرَى، وَلَدَتْ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: يَزِيدَ النَّاقِصَ وَإِبْرَاهِيمَ، وَوَلِيَا الْخِلَافَةَ. قُلْتُ: يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ: بَايْ خَاتُونَ سَرِيَّةُ الْمُتَوَكِّلِ الْأَخِيرِ، وَلَدَتِ: الْعَبَّاسَ وَحَمْزَةَ، وَوَلِيَا الْخِلَافَةَ، وَكَزَلَ سَرِيَّتُهُ أَيْضًا، وَلَدَتْ: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَوَلِيَاهَا.
التاريخ 2961لا حكم مسجّل
تَرْجَمَةِ الْهَادِي هُوَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَادِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ ابْنِ الْمَنْصُورِ. وَلِيَ الْخِلَافَةَ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي النِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوِ الْآخِرِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ - وَقِيلَ أَرْبَعٌ. وَقِيلَ: سِتٌّ - وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ قَبْلَهُ فِي سِنِّهِ. وَكَانَ حَسَنًا جَمِيلًا طَوِيلًا أَبْيَضَ، فِي شَفَتِهِ الْعُلْيَا تَقَلُّصٌ، وَكَانَ قَوِيَّ الْبَأْسِ يَثِبُ عَلَى الدَّابَّةِ وَعَلَيْهِ دِرْعَانِ، وَكَانَ أَبُوهُ يُسَمِّيهِ رَيْحَانَتِي. بَعْضِ سِيرَتِهِ تَأَخَّرَ الْهَادِي عَنِ الْمَظَالِمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَرَّانِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنَّ الْعَامَّةَ لَا تَحْتَمِلُ هَذَا. فَقَالَ لِعَلِيِّ بْنِ صَالِحٍ: إِيذَنْ لِلنَّاسِ عَلَيَّ بِالْجَفَلَى، لَا بِالنَّقَرَى. فَخَرَجَ مَنْ عِنْدَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَجْسُرْ عَلَى مُرَاجَعَتِهِ، فَأَحْضَرَ أَعْرَابِيًّا، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْجَفَلَى أَنْ تَأْذَنَ لِعَامَّةِ النَّاسِ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلَ النَّاسُ عَنْ آخِرِهِمْ، وَنَظَرَ فِي أُمُورِهِمْ إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ قَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ مَا جَرَى لَهُ، وَسَأَلَهُ مُجَازَاةَ الْأَعْرَابِيِّ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! إِنَّهُ أَعْرَابِيٌّ، وَيُغْنِيهِ عَشَرَةُ آلَافٍ. فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَجُودُ أَنَا، وَتَبْخَلُ أَنْتَ !. وَقِيلَ: خَرَجَ يَوْمًا إِلَى عِيَادَةِ أُمِّهِ الْخَيْزُرَانِ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الرَّبِيعِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لَكَ مِنْ هَذَا ؟ تَنْظُرُ فِي الْمَظَالِمِ. فَرَجَعَ إِلَى دَارِ الْمَظَالِمِ، وَأَذِنَ لِلنَّاسِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ يَتَعَرَّفُ أَخْبَارَهَا. وَقِيلَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ يَتَوَلَّى شُرْطَةَ الْمَهْدِيِّ، قَالَ: فَكَانَ الْمَهْدِيُّ يَأْمُرُنِي بِضَرْبِ نُدَمَاءِ الْهَادِي وَمُغَنِّيهِ، وَحَبْسِهِمْ صِيَانَةً لَهُ عَنْهُمْ، فَكُنْتُ أَفْعَلُ وَكَانَ الْهَادِي يُرْسِلُ إِلَيَّ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ، وَلَا أَفْعَلُ، فَلَمَّا وَلِيَ الْهَادِي أَيْقَنْتُ بِالتَّلَفِ، اسْتَحْضَرَنِي يَوْمًا، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ مُتَحَنِّطًا مُتَكَفِّنًا وَهُوَ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَالسَّيْفُ وَالنَّطْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ: لَا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ ! أَتَذْكُرُ يَوْمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ فِي أَمْرِ الْحَرَّانِيِّ وَضَرْبِهِ، فَلَمْ تُجِبْنِي، وَفِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَعَدَّدَ نُدَمَاءَهُ، فَلَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِي. قُلْتُ: نَعَمْ ! أَفَتَأْذَنُ فِي ذِكْرِ الْحُجَّةِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ وَلَّيْتَنِي مَا وَلَّانِي الْمَهْدِيُّ، وَأَمَرْتَنِي بِمَا أَمَرَ، فَبَعَثَ إِلَيَّ بَعْضُ بَنِيكَ بِمَا يُخَالِفُ أَمْرَكَ، فَاتَّبَعْتُ أَمْرَهُ وَخَالَفْتُ أَمْرَكَ ؟ قَالَ: لَا ! قُلْتُ: فَكَذَلِكَ أَنَا لَكَ، وَكَذَا كُنْتُ لِأَبِيكَ. فَاسْتَدْنَانِي، فَقَبَّلْتُ يَدَهُ، ثُمَّ أَمَرَ لِي بِالْخُلَعِ، وَقَالَ: وَلَّيْتُكَ مَا كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ، فَامْضِ رَاشِدًا ! فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي مُفَكِّرًا فِي أَمْرِي وَأَمْرِهِ، وَقُلْتُ: حَدَثٌ يَشْرَبُ، وَالْقَوْمُ الَّذِي عَصَيْتُهُ فِي أَمْرِهِمْ نُدَمَاؤُهُ، وَوُزَرَاؤُهُ، وَكُتَّابُهُ. فَكَأَنِّي بِهِمْ حِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الشَّرَابُ قَدْ أَزَالُوهُ عَنْ رَأْيِهِ. قَالَ: فَإِنِّي لَجَالِسٌ، وَعِنْدِي بَيِّنَةٌ لِي، وَالْكَانُونُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَرُقَاقٌ أَشْطُرُهُ بِكَامَخٍ، وَأُسَخِّنُهُ، وَأُطْعِمُ الصِّبْيَةَ، وَآكُلُ، وَإِذَا بِوَقْعِ الْحَوَافِرِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ الدُّنْيَا قَدْ زُلْزِلَتْ لِوَقْعِهَا، وَلِكَثْرَةِ الضَّوْضَاءِ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا كُنْتُ أَخَافُهُ. وَإِذَا الْبَابُ قَدْ فُتِحَ، وَإِذَا الْخَدَمُ قَدْ دَخَلُوا، وَإِذَا الْهَادِي فِي وَسَطِهِمْ عَلَى دَابَّتِهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ وَثَبْتُ، فَقَبَّلْتُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، وَحَافِرَ دَابَّتِهِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! إِنِّي فَكَّرْتُ فِي أَمْرِكَ، فَقُلْتُ يَسْبِقُ إِلَى وَهْمِكَ أَنَّنِي إِذَا شَرِبْتُ وَحَوْلِي أَعْدَاؤُكَ، أَزَالُوا حُسْنَ رَأْيِي فِيكَ، فَيُقْلِقُكَ ذَلِكَ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِكَ لِأُونِسَكَ. وَأُعْلِمُكَ أَنَّ مَا كَانَ عِنْدِي لَكَ مِنْ الْحِقْدِ قَدْ زَالَ، فَهَاتِ وَأَطْعِمْنِي مِمَّا كُنْتَ تَأْكُلُ لِتَعْلَمَ أَنِّي قَدْ تَحَرَّمْتُ بِطَعَامِكَ، فَيَزُولَ خَوْفُكَ. فَأَدْنَيْتُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الرُّقَاقِ وَالْكَامَخِ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ: هَاتُوا الزُّلَّةَ الَّتِي أَزْلَلْتُهَا لِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَجْلِسِي، فَأُدْخِلَتْ إِلَيَّ أَرْبَعُمِائَةِ بَغْلٍ مُوَقَّرَةٍ دَرَاهِمَ وَغَيْرَهَا، فَقَالَ: هَذِهِ لَكَ، فَاسْتَعِنْ بِهَا عَلَى أَمْرِكَ، وَاحْفَظْ هَذِهِ الْبِغَالَ عِنْدَكَ لَعَلِّي أَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِبَعْضِ أَسْفَارِي، ثُمَّ انْصَرَفَ. قِيلَ: وَكَانَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ يَقُولُ: مَا لِعَرَبِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيِّ عِنْدَكَ مَا لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَإِنَّهُ دَخَلَ إِلَيَّ الْحَبْسَ، وَقَالَ لِي: أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْهَادِي أَنْ أَضْرِبَكَ مِائَةَ سَوْطٍ، فَأَقْبَلَ يَضَعُ السَّوْطَ عَلَى يَدَيَّ وَمَنْكِبِي يَمَسُّنِي بِهِ مَسًّا إِلَى أَنْ عَدَّ مِائَةَ سَوْطٍ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: مَا صَنَعْتَ بِهِ ؟ قَالَ: صَنَعْتُ الَّذِي أَمَرْتَنِي بِهِ، وَقَدْ مَاتَ الرَّجُلُ. فَقَالَ الْهَادِي: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَضَحْتَنِي، وَاللَّهِ عِنْدَ النَّاسِ، يَقُولُونَ: قُتِلَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ، فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ جَزَعِهِ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ حَيٌّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ مِنَ الْهَادِي بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، فَمَاتَ لَهُ وَلَدٌ، فَأَتَاهُ الْهَادِي يُعَزِّيهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ ! سَرَّكَ وَهُوَ عَدُوُّ وَفِتْنَةٌ، وَحَزَنَكَ وَهُوَ صَلَاةٌ وَرَحْمَةٌ ؟. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! مَا بَقِيَ مِنِّي جُزْءٌ فِيهِ حُزْنٌ، إِلَّا وَقَدِ امْتَلَأَ عَزَاءً. فَلَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ صَارَتْ مَنْزِلَتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ. قِيلَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي يُلَقَّبُ الْجَزَرِيَّ، قَدْ تَزَوَّجَ رُقَيَّةَ بِنْتَ عَمْرٍو الْعُثْمَانِيَّةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ الْمَهْدِيِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْهَادِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَعْيَاكَ النِّسَاءُ إِلَّا امْرَأَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا نِسَاءَ جَدِّي ﷺ فَأَمَّا غَيْرُهُنَّ فَلَا، وَلَا كَرَامَةَ، فَشَجَّهُ بِمِخْصَرَةٍ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَجَلَدَهُ خَمْسَمِائَةِ سَوْطٍ، وَأَرَادَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ قَدْ غُشِيَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّرْبِ. وَكَانَ فِي يَدِهِ خَاتَمٌ نَفِيسٌ، فَأَهْوَى بَعْضُ الْخَدَمِ عَلَى الْخَاتَمِ لِيَأْخُذَهُ، فَقَبَضَ عَلَى يَدِهِ فَدَقَّهَا، فَصَاحَ، فَأَتَى الْهَادِي، فَأَرَاهُ يَدَهُ، فَغَضِبَ، وَقَالَ: تَفْعَلُ هَذَا بِخَادِمِي عَلَى اسْتِخْفَافِكَ بِأَبِي وَقَوْلِكَ لِي مَا قُلْتَ ؟ قَالَ: سَلْهُ، وَاسْتَحْلِفْهُ أَنْ يَصْدُقَكَ، فَفَعَلَ. فَأَخْبَرَهُ الْخَادِمُ وَصَدَقَهُ، فَقَالَ: أَحْسَنَ وَاللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّهُ ابْنُ عَمِّي، وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَانْتَفَيْتُ مِنْهُ، وَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِ. قِيلَ: وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ قَالَ لِلْهَادِي يَوْمًا، وَقَدْ قَدِمَ إِلَيْهِ زِنْدِيقٌ، فَقَتَلَهُ وَأَمَرَ بِصَلْبِهِ: يَا بُنَيَّ، إِذَا صَارَ الْأَمْرُ إِلَيْكَ فَتَجَرَّدْ لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ، يَعْنِي أَصْحَابَ مَانِي، فَإِنَّهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى ظَاهِرٍ حَسَنٍ كَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَمَلِ لِلْآخِرَةِ. ثُمَّ تُخْرِجُهَا مِنْ هَذَا إِلَى تَحْرِيمِ اللُّحُومِ، وَمَسِّ الْمَاءِ الطَّهُورِ، وَتَرْكِ قَتْلِ الْهَوَامِّ تَحَرُّجًا، ثُمَّ تُخْرِجُهَا إِلَى عِبَادَةِ اثْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالْآخَرُ الظُّلْمَةُ، ثُمَّ تُبِيحُ بَعْدَ هَذَا نِكَاحَ الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ، وَالِاغْتِسَالَ بِالْبَوْلِ، وَسَرِقَةَ الْأَطْفَالِ مِنَ الطُّرُقِ، لِتُنْقِذَهُمْ مِنْ ضَلَالِ الظُّلْمَةِ إِلَى هِدَايَةِ النُّورِ. فَارْفَعْ فِيهَا الْخَشَبَ، ( وَجَرِّدِ السَّيْفَ فِيهَا، وَتَقَرَّبْ بِأَمْرِهَا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ جَدِّيَ الْعَبَّاسَ، ؓ )، فِي الْمَنَامِ قَلَّدَنِي سَيْفَيْنِ لِقَتْلِ أَصْحَابِ الِاثْنَيْنِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْهَادِي قَالَ: لَأَقْتُلَنَّ هَذِهِ الْفِرْقَةَ. وَأَمَرَ أَنْ يُهَيَّأَ لَهُ أَلْفُ جِذْعٍ فَمَاتَ بَعْدَ هَذَا الْقَوْلِ بِشَهْرَيْنِ. قِيلَ: وَكَانَ عِيسَى بْنُ دَأْبٍ مِنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحِجَازِ أَدَبًا، وَأَعْذَبِهِمْ أَلْفًاظًا، وَكَانَ قَدْ حَظِيَ عِنْدَ الْهَادِي حَظْوَةً لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَكَانَ يَدْعُو لَهُ بِمَا يَتَّكِئُ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ، وَمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ. وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: مَا اسْتَطَلْتُ بِكَ يَوْمًا وَلَا لَيْلًا، وَلَا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي إِلَّا تَمَنَّيْتُ أَنْ لَا أَرَى غَيْرَكَ، وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ابْنُ دَأْبٍ أَرْسَلَ قَهْرَمَانَةً إِلَى الْحَاجِبِ فِي قَبْضِهَا، فَقَالَ الْحَاجِبُ: هَذَا لَيْسَ إِلَيَّ، فَانْطَلِقْ إِلَى صَاحِبِ التَّوْقِيعِ، وَإِلَى الدِّيوَانِ، فَعَادَ إِلَى ابْنِ دَأْبٍ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: اتْرُكْهَا. فَبَيْنَمَا الْهَادِي فِي مُسْتَشْرَفٍ لَهُ بِبَغْدَاذَ رَأَى ابْنَ دَأْبٍ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا غُلَامٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ لِلْحَرَّانِيِّ: أَلَا تَرَى ابْنَ دَأْبٍ مَا غَيَّرَ حَالَهُ، وَقَدْ وَصَلْنَاهُ لِيُرَى أَثَرُنَا عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ: إِنْ أَمَرْتَنِي عَرَّضْتُ لَهُ بِالْحَالِ. فَقَالَ: لَا، هُوَ أَعْلَمُ بِحَالِهِ. وَدَخَلَ ابْنُ دَأْبٍ، وَأَخَذَ فِي حَدِيثِهِ، فَعَرَضَ الْهَادِي بِشَيْءٍ وَقَالَ: أَرَى ثَوْبَكَ غَسِيلًا، وَهَذَا شِتَاءٌ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْجَدِيدِ. فَقَالَ: بَاعِي قَصِيرٌ فَقَالَ: وَكَيْفَ، وَقَدْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ مَا فِيهِ صَلَاحُ شَأْنِكَ ؟ فَقَالَ: مَا وَصَلَ إِلَيَّ شَيْءٌ فَدَعَا صَاحِبَ بَيْتِ مَالِ الْخَاصَّةِ فَقَالَ: عَجِّلِ السَّاعَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَأُحْضِرَتْ وَحُمِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دَأَبٍ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الْهَادِي، إِذْ جِيءَ بِطَسْتٍ فِيهِ رَأْسَا جَارِيَتَيْنِ، لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُمَا، وَلَا مِثْلَ شُعُورِهِمَا، وَفِي شُعُورِهِمَا اللَّآلِئُ وَالْجَوَاهِرُ مُنَضَّدَةً، وَلَا مِثْلَ طِيبِ رِيحِهِمَا، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا شَأْنُ هَاتَيْنِ؟ قُلْنَا: لَا. فَقَالَ: إِنَّهُ ذُكِرَ لِي عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يَرْتَكِبَانِ الْفَاحِشَةَ، فَأَمَرْتُ الْخَادِمَ، فَرَصَدَهُمَا ثُمَّ جَاءَنِي فَقَالَ: إِنَّهُمَا مُجْتَمِعَتَانِ. فَجِئْتُ فَوَجَدْتُهُمَا فِي لِحَافٍ وَاحِدٍ وَهُمَا عَلَى الْفَاحِشَةِ، فَأَمَرْتُ بِحَزِّ رِقَابِهِمَا. ثُمَّ أَمَرَ بِرَفْعِ رُءُوسِهِمَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَرَجَعَ إِلَى حَدِيثِهِ الْأَوَّلِ، كَأَنْ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا. وَكَانَ شَهْمًا خَبِيرًا بِالْمُلْكِ كَرِيمًا. وَمِنْ كَلَامِهِ: مَا أُصْلِحَ الْمُلْكُ بِمِثْلِ تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ لِلْجَانِي، وَالْعَفْوِ عَنِ الزَّلَّاتِ الْقَرِيبَةِ، لِيَقِلَّ الطَّمَعُ عَنِ الْمُلْكِ. وَغَضِبَ يَوْمًا مِنْ رَجُلٍ، فَاسْتُرْضِيَ عَنْهُ فَرَضِيَ، فَشَرَعَ الرَّجُلُ يَعْتَذِرُ، فَقَالَ الْهَادِي: إِنَّ الرِّضَا قَدْ كَفَاكَ مُؤْنَةَ الِاعْتِذَارِ. وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ أَنْشَدَ الْهَادِي قَصِيدَةً لَهُ، مِنْهَا: تَشَابَهَ يَوْمًا بَأْسُهُ وَنَوَالُهُ فَمَا أَحَدٌ يَدْرِي لِأَيِّهِمَا الْفَضْلُ فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً أَوْ مِائَةُ أَلْفٍ تَدُورُ فِي الدَّوَاوِينِ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَكُونُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً وَمِائَةُ أَلْفٍ تَدُورُ بِالدَّوَاوِينِ. فَقَالَ الْهَادِي: أَوْ أَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ; نُعَجِّلُ الْجَمِيعَ لَكَ. فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مُعَجَّلَةً. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: بسنده عن الْمُطَّلِبُ بْنُ عُكَّاشَةَ الْمُزَنِيُّ قَالَ: قَدِمْنَا عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْهَادِي شُهُودًا عَلَى رَجُلٍ مِنَّا شَتَمَ قُرَيْشًا، وَتَخَطَّى إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَلَسَ لَنَا مَجْلِسًا أَحْضَرَ فِيهِ فُقَهَاءَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ عَلَى بَابِهِ، وَأَحْضَرَ الرَّجُلَ وَأَحْضَرَنَا، فَشَهِدْنَا عَلَيْهِ بِمَا سَمِعْنَا مِنْهُ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الْهَادِي، ثُمَّ نَكَّسَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي الْمَهْدِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَرَادَ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ، وَأَنْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَمْ تَرْضَ بِأَنْ أَرَدْتَ ذَلِكَ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى تَخَطَّيْتَ إِلَى ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! اضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى قُتِلَ. وَأَسْنَدَ الصُّولِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمٍ قَالَ: (إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِلْهَادِي بِشَيْءٍ رَأَيْتُهُ مِنْهُ، حَضَرْتُهُ يَوْمًا وَأَبُو الْخَطَّابِ السَّعْدِيُّ يَنْشُدُهُ قَصِيدَةً فِي مَدْحِهِ...، إِلَى أَنْ قَالَ: يَا خَيْرَ مَنْ عَقَدَتْ كَفَّاهُ حُجْزَتَهُ وَخَيْرَ مَنْ قَلَّدَتْهُ أَمْرَهَا مُضَرُ فَقَالَ لَهُ الْهَادِي: إِلَّا مَنْ ؟ وَيْلَكَ ! ! قَالَ سَعِيدٌ: وَلَمْ يَكُنِ اسْتَثْنَى فِي شِعْرِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ; إِنَّمَا يَعْنِي مِنْ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ، فَأَفْكَرَ الشَّاعِرُ فَقَالَ: إِلَّا النَّبِيَّ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهُ فَضْلًا، وَأَنْتَ بِذَاكَ الْفَضْلِ تَفْتَخِرُ فَقَالَ: الْآنَ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ). أولاده وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ تِسْعَةٌ; سَبْعَةٌ ذُكُورٌ وَابْنَتَانِ، فَالذُّكُورُ; جَعْفَرٌ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ قَدْ رَشَّحَهُ لِلْخِلَافَةِ - وَعَبَّاسٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَإِسْحَاقُ وَإِسْمَاعِيلُ وَسُلَيْمَانُ وَمُوسَى الْأَعْمَى الَّذِي وُلِدَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَسُمِّيَ بِاسْمِ أَبِيهِ، وَالْبِنْتَانِ هُمَا أُمُّ عِيسَى الَّتِي تَزَوَّجَهَا الْمَأْمُونُ، وَالْأُخْرَى أُمُّ الْعَبَّاسِ تُلَقَّبُ نُوتَةَ. وَفَاةِ الْهَادِي تُوُفِّيَ الْهَادِي فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ هَارُونُ وَلِيُّ الْعَهْدِ، وَدُفِنَ فِي قَصْرٍ بَنَاهُ وَسَمَّاهُ الْأَبْيَضَ بِعِيسَابَاذَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ. وَدُفِنَ فِي بُسْتَانِهِ وكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ لِسِتَّ عَشْرَةَ مِنْهُ، وَقِيلَ كَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ كَانَتْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، عُمُرُهُ سِتًّا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا مُحَمَّدٍ، وَأُمُّهُ الْخَيْزُرَانُ، أُمُّ وَلَدٍ وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ وَكَّلَ بِهِ خَادِمًا يَقُولُ لَهُ: مُوسَى أَطْبِقْ، فَيَضُمَّ شَفَتَهُ، فَلُقِّبَ: مُوسَى أَطْبِقْ. وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ وَفَاتِهِ، فَقِيلَ كَانَ سَبَبُهَا قُرْحَةً كَانَتْ فِي جَوْفِهِ، وَقِيلَ مَرَضٌ بِحَدِيثِةِ الْمَوْصِلِ، وَعَادَ مَرِيضًا فَتُوُفِّيَ. وَقِيلَ إِنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ جَوَارٍ لِأُمِّهِ الْخَيْزُرَانَ كَانَتْ أَمَرَتْهُنَّ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ سَبَبُ أَمْرِهَا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَتْ تَسْتَبِدُّ بِالْأُمُورِ دُونَهُ، وَتَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الْمَهْدِيِّ، حَتَّى مَضَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. فَانْثَالَ النَّاسُ إِلَى بَابِهَا، وَكَانَتِ الْمَوَاكِبُ تَغْدُو وَتَرُوحُ إِلَى بَابِهَا، فَكَلَّمَتْهُ يَوْمًا فِي أَمْرٍ لَمْ يَجِدْ إِلَى إِجَابَتِهَا سَبِيلًا، فَقَالَتْ: لَابُدَّ مِنْ إِجَابَتِي إِلَيْهِ، فَإِنَّنِي قَدْ ضَمِنْتُ هَذِهِ الْحَاجَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ. فَغَضِبَ الْهَادِي، وَقَالَ: وَيْلِي عَلَى ابْنِ الْفَاعِلَةِ ! قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ صَاحِبُهَا، وَاللَّهِ لَا قَضَيْتُهَا لَكِ. قَالَتْ: إِذًا وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُكَ حَاجَةً أَبَدًا، قَالَ: لَا أُبَالِي وَاللَّهِ، وَغَضِبَتْ فَقَامَتْ مُغْضَبَةً، فَقَالَ مَكَانَكِ وَاللَّهِ، وَإِلَّا أَنَا نَفِيٌّ مِنْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّهُ وَقَفَ بِبَابِكِ أَحَدٌ مِنْ قُوَّادِي، وَخَاصَّتِي لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، وَلَأَقْبِضَنَّ مَالَهُ. مَا هَذِهِ الْمَوَاكِبُ الَّتِي تَغْدُو وَتَرُوحُ إِلَى بَابِكِ ؟ أَمَا لَكِ مِغْزَلٌ يَشْغَلُكِ، أَوْ مُصْحَفٌ يُذَكِّرُكِ، أَوْ بَيْتٌ يَصُونُكِ ؟ إِيَّاكِ ! وَإِيَّاكِ ! لَا تَفْتَحِي بَابَكِ لِمُسْلِمٍ وَلَا ذِمِّيٍّ. فَانْصَرَفَتْ وَهِيَ لَا تَعْقِلُ، فَلَمْ تَنْطِقْ عِنْدَهُ بَعْدَهَا. ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّمَا خَيْرٍ أَنَا أَمْ أَنْتُمْ، وَأُمِّي أَمْ أُمَّهَاتُكُمْ ؟ قَالُوا: بَلْ أَنْتَ وَأُمُّكَ خَيْرٌ. قَالَ: فَأَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَتَحَدَّثَ الرِّجَالُ بِخَبَرِ أُمِّهِ، فَيُقَالُ: فَعَلَتْ أُمُّ فُلَانٍ، وَصَنَعَتْ ؟ قَالُوا: لَا نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ تَأْتُونَ أُمِّي، فَتَتَحَدَّثُونَ بِحَدِيثِهَا ؟ فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ انْقَطَعُوا عَنْهَا. ثُمَّ بَعَثَ بِأُرْزٍ، وَقَالَ: قَدِ اسْتَطَبْتُهَا، فَكُلِي مِنْهَا. فَقِيلَ لَهَا: أَمْسِكِي حَتَّى تَنْظُرِي ! فَجَاءُوا بِكَلْبٍ، فَأَطْعَمُوهُ، فَسَقَطَ لَحْمُهُ لِوَقْتِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا كَيْفَ رَأَيْتِ الْأُرْزَ ؟ قَالَتْ: طَيِّبًا. قَالَ: مَا أَكَلْتِ مِنْهَا، وَلَوْ أَكَلْتِ مِنْهَا، لَاسْتَرَحْتُ مِنْكِ، مَتَى أَفْلَحَ خَلِيفَةٌ لَهُ أُمٌّ ! وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ أَمْرِهَا بِذَلِكَ أَنَّ الْهَادِيَ لَمَّا جَدَّ فِي خَلْعِ الرَّشِيدِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ جَعْفَرٍ خَافَتِ الْخَيْزُرَانُ عَلَى الرَّشِيدِ، فَوَضَعَتْ جَوَارِيَهَا عَلَيْهِ لَمَّا مَرِضَ، فَقَتَلْنَهُ بِالْغَمِّ وَالْجُلُوسِ عَلَى وَجْهِهِ، فَمَاتَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ تُعْلِمُهُ بِمَوْتِهِ. وَحَكَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ: أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ بُثْرَةٌ، فَصَارَتْ كَاللَّوْزَةِ، وَافْتَصَدَ وَمَاتَ بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَجَاءَتْ أُمُّهُ الْخَيْزُرَانُ وَبِهِ رَمَقٌ، فَأَخَذَتْ خَاتَمَهُ مِنْ يَدِهِ وَقَالَتْ: أَخُوكَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ. وَهُوَ يَرَى ذَلِكَ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى حِيلَةٍ.
التاريخ 2962لا حكم مسجّل
خِلَافَةِ الرَّشِيدِ بْنِ الْمَهْدِيِّ . وَفِي سنة سبعين ومائة من الهجرة النبوية بُويِعَ لِلرَّشِيدِ هَارُونَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِالْخِلَافَةِ لَيْلَةَ مَاتَ أَخُوهُ الْهَادِي، وَذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمْرُ الرَّشِيدِ يَوْمَئِذٍ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَبَعَثَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ، وَقَدْ كَانَ الْهَادِي عَزَمَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى قَتْلِهِ وَقَتْلِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَأَخْرَجَهُ الرَّشِيدُ، وَكَانَ ابْنَهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَوَلَّاهُ حِينَئِذٍ الْوِزَارَةَ، وَوَلَّى يُوسُفَ بْنَ الْقَاسِمِ بْنِ صُبَيْحٍ كِتَابَةَ الْإِنْشَاءِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي قَامَ خَطِيبًا بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ أُخِذَتِ الْبَيْعَةُ لَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِعِيسَابَاذَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لِمَا مَاتَ الْهَادِي فِي اللَّيْلِ جَاءَ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ إِلَى الرَّشِيدِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: كَمْ تُرَوِّعُنِي، وَلَوْ سَمِعَ بِهَذَا الْكَلَامِ هَذَا الرَّجُلُ لَكَانَ ذَلِكَ أَكْبَرَ ذُنُوبِي عِنْدَهُ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: قَدْ مَاتَ الرَّجُلُ. فَجَلَسَ هَارُونُ فَقَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ. فَجَعَلَ يَذْكُرُ لَهُ وِلَايَاتِ الْأَقَالِيمِ لِرِجَالٍ يُسَمِّيهِمْ، فَيُوَلِّيهِمُ الرَّشِيدُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ وُلِدَ لَكَ السَّاعَةَ غُلَامٌ. فَقَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ الْمَأْمُونُ ثُمَّ أَصْبَحَ فَصَلَّى عَلَى أَخِيهِ الْهَادِي، وَدَفَنَهُ بِعِيسَابَاذَ، وَحَلَفَ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ إِلَّا بِبَغْدَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْجِنَازَةِ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِ أَبِي عِصْمَةَ الْقَائِدِ لِأَنَّهُ كَانَ مَعَ جَعْفَرٍ ابْنِ الْهَادِي فَزَاحَمُوا هَارُونَ عَلَى جِسْرٍ، فَقَالَ أَبُو عِصْمَةَ: قِفْ حَتَّى يَجُوزَ وَلِيُّ الْعَهْدِ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَمِيرِ. فَجَازَ جَعْفَرٌ وَوَقَفَ الرَّشِيدُ، فَلَمَّا وَلِيَ أَمَرَ بِقَتْلِ أَبِي عِصْمَةَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بَغْدَادَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى جِسْرِ بَغْدَادَ اسْتَدْعَى بِالْغَوَّاصِينَ فَقَالَ: إِنِّي سَقَطَ مِنِّي هَاهُنَا خَاتَمٌ، كَانَ وَالِدِي الْمَهْدِيُّ قَدِ اشْتَرَاهُ لِي بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَيَّامٍ بَعَثَ وَرَائِي الْهَادِي يَطْلُبُهُ، فَأَلْقَيْتُهُ إِلَى الرَّسُولِ، فَسَقَطَ هَاهُنَا. فَغَاصُوا وَرَاءَهُ فَوَجَدُوهُ، فَسُرَّ بِهِ الرَّشِيدُ سُرُورًا كَثِيرًا. تفويض الرشيد يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ أمر الرعية وَلَمَّا وَلَّى الرَّشِيدُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ الْوِزَارَةَ قَالَ لَهُ: قَدْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ أَمْرَ الرَّعِيَّةِ، وَخَلَعْتُ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِي، وَجَعَلْتُهُ فِي عُنُقِكَ، فَوَلِّ مَنْ رَأَيْتَ، وَاعْزِلْ مَنْ رَأَيْتَ. فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ سَقِيمَةً فَلَمَّا وَلِيَ هَارُونُ أَشْرَقَ نُورُهَا بِيُمْنِ أَمِينِ اللَّهِ هَارُونَ ذِي النَّدَى فَهَارُونُ وَالِيهَا وَيَحْيَى وَزِيرُهَا وَكَانَتِ الْخَيْزُرَانُ هِيَ الْمُشَاوَرَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، لَا يَقْطَعُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ أَمْرًا حَتَّى يُشَاوِرَهَا فِيمَا يُبْرِمُهُ وَيَحِلُّهُ وَيُمْضِيهِ وَيُحْكُمُهُ. وَذَكَرَ الصُّولِيُّ: أَنَّهُ كَانَ يَحْيَى يُسَايِرُ الرَّشِيدَ يَوْمًا فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَطِبَتْ دَابَّتِي، فَقَالَ: يُعْطَى خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَغَمَزَهُ يَحْيَى، فَلَمَّا نَزَلَ قَالَ: يَا أَبَةِ، أَوْمَأْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ وَقْتَ مَا أَمَرْتُ بِالدَّرَاهِمِ فَمَا هُوَ؟ فَقَالَ: مِثْلُكَ لَا يَجْرِي هَذَا الْمِقْدَارُ عَلَى لِسَانِهِ، إِنَّمَا يَذْكُرُ مِثْلُكَ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفٍ، عَشَرَةُ آلَافِ أَلْفٍ، قَالَ: فَإِذَا سُئِلْتُ مِثْلَ هَذَا كَيْفَ أَقُولُ؟ قَالَ: تَقُولُ: نَشْتَرِي لَهُ دَابَّةً، يُفْعَلُ بِهِ فِعْلَ نُظَرَائِهِ. وَلَمَّا مَاتَ الْهَادِي هَجَمَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى جَعْفَرِ بْنِ الْهَادِي فَأَخَذَهُ مِنْ فِرَاشِهِ، وَقَالَ لَهُ: لَتَخْلَعَنَّهَا أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ، فَأَجَابَ إِلَى الْخَلْعِ، وَرَكِبَ مِنَ الْغَدِ خُزَيْمَةُ،، وَأَظْهَرَ جَعْفَرًا لِلنَّاسِ فَأَشْهَدَهُمْ بِالْخَلْعِ، وَأَحَلَّ النَّاسَ مِنْ بَيْعَتِهِمْ، فَحَظِيَ بِهَا خُزَيْمَةُ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ بَحْرٍ قَالَ: أَجْمَعَ الرَّشِيدُ مَا لَمْ يُجْمَعْ لِأَحَدٍ مِنْ جِدٍّ وَهَزْلٍ: وُزَرَاؤُهُ الْبَرَامِكَةُ لَمْ يُرَ مِثْلُهُمْ سَخَاءً [وَسُرُورًا]، وَقَاضِيهِ أَبُو يُوسُفَ، وَشَاعِرُهُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ كَانَ فِي عَصْرِهِ كَجَرِيرٍ فِي عَصْرِهِ، وَنَدِيمُهُ عَمُّ أَبِيهِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ صَاحِبُ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَحَاجِبُهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ أَتْيَهُ النَّاسِ وَأَشَدُّهُمْ تَعَاظُمًا، وَمُغَنِّيهِ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِليُّ أَوْحَدُ عَصْرِهِ، وَضَارِبُهُ زُلْزُلٌ [، وَزَامِرُهُ بُرْصُومَا]، وَزَوْجَتُهُ أُمُّ جَعْفَرٍ أَرْغَبُ النَّاسِ فِي خَيْرٍ، وَأَسْرَعُهُمْ إِلَى كُلِّ بِرٍّ وَمَعْرُوفٍ، وَهِيَ الَّتِي أَدْخَلَتِ الْمَاءَ الْحَرَمَ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَى أَشْيَاءَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَمِنْ كِبَارِ قُوَّادِهِ الْمُعَلَّى وَلِيُّ الْبَصْرَةِ وَفَارِسَ وَالْأَهْوَازِ وَالْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ نَهْرُ مُعَلًّى.
التاريخ 2963لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سنة سبعين ومائة أَمَرَ الرَّشِيدُ بِسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى أَنْ يُقَسَّمَ فِي بَنِي هَاشِمٍ عَلَى السَّوَاءِ. وَفِيهَا تَتَبَّعَ الرَّشِيدُ خَلْقًا مِنَ الزَّنَادِقَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ طَائِفَةً كَثِيرَةً. وَفِيهَا خَرَجَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْبَيْتِ. وفِيهَا وُلِدَ الْأَمِينُ مُحَمَّدٌ ابْنُ الرَّشِيدِ مِنْ زُبَيْدَةَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّالَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا كَمُلَ بِنَاءُ مَدِينَةِ طَرَسُوسَ عَلَى يَدَيْ فَرَجٍ الْخَادِمِ التُّرْكِيِّ، وَنَزَلَهَا النَّاسُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ غَزَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ دَاوُدُ بْنُ رَزِينٍ الشَّاعِرُ: بِهَارُونَ لَاحَ النُّورُ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ وَقَامَ بِهِ فِي عَدْلِ سِيرَتِهِ النَّهْجُ إِمَامٌ بِذَاتِ اللَّهِ أَصْبَحَ شُغْلُهُ وَأَكْثَرُ مَا يُعْنَى بِهِ الْغَزْوُ وَالْحَجُّ تَضِيقُ عُيُونُ النَّاسِ عَنْ نُورِ وَجْهِهِ إِذَا مَا بَدَا لِلنَّاسِ مَنْظَرُهُ الْبَلْجُ وَإِنَّ أَمِينَ اللَّهِ هَارُونَ ذَا النَّدَى يُنِيلُ الَّذِي يَرْجُوهُ أَضْعَافَ مَا يَرْجُو وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَالِي إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ دَاوُدَ، وَانْتَقَضَتْ جِبَالُ بَاجَةَ، وَخَرَجَ فِيهَا الْإِبَاضِيَّةُ فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ دَاوُدُ جَيْشًا، فَظَفِرَ بِهِمِ الْإِبَاضِيَّةُ، وَهَزَمُوهُمْ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا آخَرَ، فَهُزِمَتِ الْإِبَاضِيَّةُ، فَتَبِعَهُمُ الْجَيْشُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ، فَأَكْثَرُوا. وَبَقِيَ دَاوُدُ أَمِيرًا إِلَى أَنِ اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَمَّهُ رَوْحَ بْنَ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيَّ أَمِيرًا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَتْ إِمَارَةُ دَاوُدَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعُمَرِيَّ عَنِ الْمَدِينَةِ، عَلَى سَاكِنِهَا السَّلَامُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهَا ظَهَرَ مَنْ كَانَ مُسْتَخْفِيًا، مِنْهُمْ طَبَاطَبَا الْعَلَوِيُّ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ( وَعَلِيُّ ) بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَبَقِيَ نَفَرٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ لَمْ يَظْهَرُوا، مِنْهُمْ: يُونُسُ بْنُ فَرْوَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْفَيْضِ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ الثُّغُورَ كُلَّهَا عَنِ الْجَزِيرَةِ وَقِنَّسْرِينَ وَجَعَلَهَا حَيِّزًا وَاحِدًا، وَسُمِّيَتِ الْعَوَاصِمَ وَفِيهَا أَوْقَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيُّ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ بِبَرَابِرِ نَفْزَةَ، فَأَذَلَّهُمْ، وَقَتَلَ فِيهِمْ. وَفِيهَا أَمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِبِنَاءِ جَامِعِ قُرْطُبَةَ، وَكَانَ مَوْضِعَهُ كَنِيسَةٌ وَأَخْرَجَ عَلَيْهِ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ.
التاريخ 2964لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ، وَقَسَمَ بِالْحَرَمَيْنِ عَطَاءً كَثِيرًا وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ: مُوسَى بْنُ عِيسَى وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَالْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ وَعُمَّانَ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلَى خُرَاسَانَ: الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ: عَبْدُ الْمَلِكِ.
التاريخ 2965لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ جَوْهَرَةُ الْعَابِدَةُ الْبَرَاثِيَّةُ جَوْهَرَةُ الْعَابِدَةُ الْبَرَاثِيَّةُ . نَزَلَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرَاثِيِّ، وَكَانَتْ جَارِيَةً لِبَعْضِ الْمُلُوكِ فَعُتِقَتْ وَتَرَكَتِ الدُّنْيَا، وَتَزَوَّجَتْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَتَعَبَّدَتْ مَعَهُ، وَكَانَتْ تُحَرِّضُهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَتُوقِظُهُ مِنَ اللَّيْلِ وَتَقُولُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كِرْوَانْ بِرْفِتْ، مَعْنَاهُ: قَدْ سَارَتِ الْقَافِلَةُ. عن حَكِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّاهِدَ، وَكَانَ يَسْكُنُ بَرَاثَا، وَكَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مُتَعَبِّدَةٌ يُقَالُ لَهَا جَوْهَرَةُ، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى جُلَّةِ خُوصٍ بَحْرَانِيَّةٍ، وَجَوْهَرَةُ جَالِسَةٌ حِذَاءَهُ عَلَى جُلَّةٍ أُخْرَى، فَأَتَيْنَاهُ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَتِ الْجُلَّةُ تَحْتَهُ، فَقُلْنَا لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا فَعَلَتِ الْجُلَّةُ الَّتِي كُنْتَ تَقْعُدُ عَلَيْهَا؟ قَالَ: أَرَى جَوْهَرَةَ أَيْقَظَتْنِي الْبَارِحَةَ، فَقَالَتْ: أَلَيْسَ يُقَالُ فِي الْحَدِيثِ: "إِنَّ الْأَرْضَ تَقُولُ لِابْنِ آدَمَ تَجْعَلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سِتْرًا وَأَنْتَ غَدًا فِي بَطْنِي" ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: هَذِهِ الْجِلَالُ لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا. فَقُمْتُ وَاللَّهِ فَأَخْرَجْتُهَا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي شُعَيْبٍ الزَّاهِدِ الْبَرَاثِيِّ أَنَّ جَارِيَةً مِنْ بَنَاتِ الْكِبَارِ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا نَظَرَتْ إِلَى زُهْدِهِ، فَتَزَوَّجَتْ بِهِ وَتَرَكَتِ الدُّنْيَا وَجَرَتْ لَهَا مَعَهُ مِثْلُ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي فَرْشٍ مِنْ خُوصٍ. الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ الرَّبِيعُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ - وَاسْمُ أَبِي فَرْوَةَ: كَيْسَانُ -. مَوْلَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ وَحَاجِبُهُ، وَوَزَرَ لَهُ بَعْدَ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرْزُبَانِيِّ. عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: دَخَلَ الْمَنْصُورُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَصْرًا فَرَأَى فِي جِدَارِهِ مَكْتُوبًا: وَمَا لِي لَا أَبْكِي بِعَيْنٍ حَزِينَةٍ وَقَدْ قُرِّبَتْ لِلظَّاعِنِينَ حُمُولُ وَتَحْتَهُ مَكْتُوبٌ: إِيهٍ إِيهٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَيُرْوَى آهْ آهْ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَيُّ شَيْءٍ أَهْ أَهْ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّبِيعُ وَهُوَ إِذْ ذَاكَ تَحْتَ يَدَيْ أَبِي الْخَصِيبِ الْحَاجِبِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ لَمَّا كَتَبَ الْبَيْتَ أَحَبَّ أَنْ يُخْبِرَ أَنَّهُ يَبْكِي، فَقَالَ قَائِلُهُ: اللَّهُ، مَا كَانَ أَظْرَفَهُ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَا ارْتَفَعَ بِهِ الرَّبِيعُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيُّ: أَنَّ الرَّبِيعَ قَالَ: كُنْتُ فِي خَمْسِينَ وَصِيفًا أُهْدُوا لِلْمَنْصُورِ، فَفَرَّقَنَا فِي خِدْمَتِهِ، فَصِرْتُ إِلَى يَاسِرٍ صَاحِبِ وُضُوئِهِ، فَكُنْتُ أَرَاهُ يُعْطِيهِ الْإِبْرِيقَ فِي الْمُسْتَرَاحِ، وَيَقِفُ مَكَانَهُ لَا يَبْرَحُ. فَقَالَ لِي يَوْمًا: كُنْ مَكَانِي فِي هَذَا، فَكُنْتُ أُعْطِيهِ الْإِبْرِيقَ، وَأَخْرُجُ مُبَادِرًا، فَإِذَا سَمِعْتُ حَرَكَتَهُ بَادَرْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِي: مَا أَخَفَّكَ عَلَى قَلْبِي يَا غُلَامُ، ثُمَّ دَخَلَ قَصْرًا فَرَأَى حِيطَانَهُ مَمْلُوءَةً مِنْ الشِّعْرِ وَإِذَا بِخَطٍّ مُنْفَرِدٍ فَقَرَأَهُ فَإِذَا هُوَ: وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَأَنْدُبُ نَاقَتِي إِذَا صَدَرَ الرُّعْيَانُ نَحْوَ الْمَنَاهِلِ وَكُنْتُ إِذَا مَا اشْتَدَّ شَوْقِي رَحَلْتُهَا فَسَارَتْ لِمَحْزُونٍ طَوِيلِ الْبَلَابِلِ وَتَحْتَهُ مَكْتُوبٌ: أَهْ أَهْ، فَلَمْ يَدْرِ مَا هُوَ، وَفَطِنْتُ لَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الشِّعْرَ، ثُمَّ تَأَوَّهَ فَكَتَبَ تَأَوُّهَهُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ لِي: مَا لَكَ قَاتَلَكَ اللَّهُ، قَدْ أَعْتَقْتُكَ وَوَلَّيْتُكَ مَكَانَ يَاسِرٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ: لَمْ يَزَلِ الرَّبِيعُ وَزِيرَ الْمَنْصُورِ حَتَّى تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَ الرَّبِيعُ لِلْمَهْدِيِّ الْبَيْعَةَ، فَشَكَرَ الْمَهْدِيُّ لَهُ ذَلِكَ، وَجَعَلَهُ حَاجِبَهُ، وَلَمْ يَسْتَوْزِرْهُ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سَالِمٍ الْحَافِظُ قَالَ: ذَكَرُوا أَنَّهُ لَمْ يُرَ فِي الْحِجَابَةِ أَعْرَقُ مِنَ الرَّبِيعِ، حَاجِبِ أَبِي جَعْفَرٍ وَمَوْلَاهُ، ثُمَّ صَارَ وَزِيرَهُ، ثُمَّ حَجَبَ لِلْمَهْدِيِّ، وَمِنْ وَلَدِهِ الْفَضْلُ [بْنُ الرَّبِيعِ] حَجَبَ هَارُونَ، وَمُحَمَّدَ الْأَمِينَ، وَابْنَهُ عَبَّاسَ بْنَ الْفَضْلِ حَجَبَ الْأَمِينَ، فَعَبَّاسٌ حَاجِبٌ ابْنُ حَاجِبٍ ابْنِ حَاجِبٍ. وَقَدْ مَدَحَهُمْ أَبُو نُوَاسٍ فِي قَوْلِهِ: سَارَ الْمُلُوكُ ثَلَاثَةً مَا مِنْهُمُ إِنْ حَصَلُوا إِلَّا أَعَزُّ قَرِيعُ عَبَّاسٌ عَبَّاسٌ إِذَا اخْتَرَمَ الْوَرَى وَالْفَضْلُ فَضْلٌ وَالرَّبِيعُ رَبِيعُ [تُوُفِّيَ الرَّبِيعُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. فَتْحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ وِشَاحٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ فَتْحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ وِشَاحٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ. ذَكَرَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَعْقَلُ مِنْهُ. [قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى]: وَلَيْسَ هَذَا بِفَتْحٍ الْمَوْصِليِّ الْمُكَنَّى بِأَبِي نَصْرٍ، فَإِنَّ أَبَا نَصْرٍ مَاتَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَابْنُ وِشَاحٍ مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَأَكْثَرُ الْحِكَايَاتِ عَنْ أَبِي نَصْرٍ لَا عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ. مُعَاوِيَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ، أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيُّ مَوْلَاهُمْ مِنْ أَهْلِ طَبَرِيَّةَ. وُلِدَ سَنَةَ مِائَةٍ، وَكَتَبَ الْحَدِيثَ، وَسَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ وَنَحْوَهُمَا، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا عَالِمًا، وَكَانَ يَكْتُبُ لِلْمَهْدِيِّ قَبْلَ الْخِلَافَةِ رَسَمَهُ لَهُ الْمَنْصُورُ، وَكَانَ جَمِيعُ أَمْرِ الْمَهْدِيِّ إِلَيْهِ، فَلَا يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ، ثُمَّ وَزَرَ لَهُ. عن عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَبْلَى أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُصَلَّيَيْنِ، وَأَسْرَعَ فِي الثَّالِثِ - أَوْ ثَلَاثَةٍ وَأَسْرَعَ فِي الرَّابِعِ - مَوْضِعِ الرُّكْبَتَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ، [قَالَ:] وَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ كُرُّ دَقِيقٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَكَانَ يَلِي ذَلِكَ مَوْلًى لَهُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْغَلَاءُ أَتَاهُ فَقَالَ: قَدْ غَلَا السِّعْرُ، فَلَوْ نَقَصْنَا مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَنْتَ شَيْطَانٌ، أَوْ رَسُولُ الشَّيْطَانِ، صَيِّرْهُ كُرَّيْنِ. فَكَانَ لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَعْدَ ذَلِكَ كُرَّانِ يُخْبَزَانِ لِلْمَسَاكِينِ قَالَ: وَأُخْبِرْتُ أَنَّ الْجُسُورَ يَوْمَ مَاتَ امْتَلَأَتْ فَلَمْ يَعْبُرْ عَلَيْهَا إِلَّا مَنْ تَبِعَ جِنَازَتَهُ مِنْ مَوَالِيهِ وَالْيَتَامَى وَالْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ قُرَيْشٍ بِبَغْدَادَ وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَهْدِيِّ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَرَاهِيدِيُّ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَرَاهِيدِيُّ - وَيُقَالُ الْفُرْهُودِيُّ - الْأَزْدِيُّ الْيَحْمَدِيُّ، شَيْخُ النُّحَاةِ، وَعَنْهُ أَخَذَ سِيبَوَيْهِ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَكَابِرِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَرَعَ عِلْمَ الْعَرُوضِ، قَسَّمَهُ إِلَى خَمْسِ دَوَائِرَ، وَفَرَّعَهُ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ بَحْرًا، وَزَادَ الْأَخْفَشُ فِيهِ بَحْرًا آخَرَ، وَهُوَ الْخَبَبُ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: قَدْ كَانَ شِعْرُ الْوَرَى صَحِيحًا مِنْ قَبْلُ أَنْ يُخْلَقَ الْخَلِيلُ وَقَدْ كَانَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِعِلْمِ النَّغَمِ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ أَيْضًا، وَلَهُ كِتَابُ " الْعَيْنِ " فِي اللُّغَةِ، ابْتَدَأَهُ وَأَكْمَلَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَأَضْرَابُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، كَمُؤَرِّجٍ السَّدُوسِيِّ، وَنَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيِّ. فَلَمْ يُنَاسِبُوا مَا وَضَعَهُ الْخَلِيلُ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ وَضَعَ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ كِتَابًا بَيَّنَ فِيهِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنَ الْخَلَلِ، فَأَفَادَ. وَقَدْ كَانَ الْخَلِيلُ رَجُلًا صَالِحًا عَاقِلًا كَامِلًا حَلِيمًا وَقُورًا، وَكَانَ مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا، صَبُورًا عَلَى الْعَيْشِ الْخَشِنِ الضَّيِّقِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا يُجَاوِزُ هَمِّي مَا وَرَاءَ بَابِي. وَكَانَ ظَرِيفًا حَسَنَ الْخُلُقِ. وَذُكِرَ أَنَّهُ اشْتَغَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي الْعُرُوضِ، قَالَ: وَكَانَ بَعِيدَ الْفَهْمِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ يَوْمًا: كَيْفَ تُقَطِّعُ هَذَا الْبَيْتَ؟ إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ فَشَرَعَ مَعِي فِي تَقْطِيعِهِ عَلَى قَدْرِ مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ نَهَضَ مِنْ عِنْدِي فَلَمْ يَعُدْ إِلَيَّ، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُسَمَّ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِأَحْمَدَ سِوَى أَبِيهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وُلِدَ الْخَلِيلُ سَنَةَ مِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ، وَزَعَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " شُذُورِ الْعُقُودِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 2966لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وفي سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ أَضَافَ الرَّشِيدُ الْخَاتَمَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ مَعَ الْوِزَارَةِ . وَفِيهَا خَرَجَ الْفَضْلُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرُورِيُّ فَقُتِلَ. وَخَرَجَتْ أُمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَيْزُرَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَامَتْ بِهَا حَتَّى شَهِدَتِ الْحَجَّ، وَكَانَ الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ عَمُّ الْخُلَفَاءِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَأَكْرَمَهُ، وَتَقَبَّلَ مِنْهُ. وَفِيهَا قَدِمَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الطُّوسِيُّ مِنْ خُرَاسَانَ ، وَاسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَيْهَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ سَيَّرَ ابْنَهُ الْعَبَّاسَ إِلَى كَابُلٍ، فَقَاتَلَ أَهْلَهَا حَتَّى افْتَتَحَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ سَانَهَارَ، وَغَنِمَ مَا كَانَ بِهَا. ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو الْعَبَّاسِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى تُوُفِّيَ، فَدَفَعَ الْخَاتَمَ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. وَفِيهَا قَتَلَ الرَّشِيدُ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَمَّدَ بْنَ فَرُّوخَ ، وَكَانَ عَلَى الْجَزِيرَةِ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ أَبَا حَنِيفَةَ حَرْبَ بْنَ قَيْسٍ، فَأَحْضَرَهُ إِلَى بَغْدَاذَ وَقَتَلَهُ. وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ بِإِخْرَاجِ الطَّالِبِيِّينَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ خَلَا الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ]. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ فِيمَنْ شَخَصَ. وَفِيهَا: خَرَجَ الْفَضْلُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرُورِيُّ فَقَتَلَهُ أَبُو خَالِدٍ الْمَرْوَرُّوذِيُّ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ صَالِحٍ الْهَاشِمِيَّ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ.
التاريخ 2967لا حكم مسجّل
وَفَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأُمَوِيِّ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ وفي سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ( وَمِائَةٍ، وَهُوَ أَصَحُّ ). وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِأَرْضِ دِمَشْقَ، وَقِيلَ بِالْعَلْيَاءِ مِنْ نَاحِيَةِ تَدْمُرَ، سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِقُرْطُبَةَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ هِشَامٍ، وَكَانَ هِشَامٌ بِمَدِينَةِ مَارِدَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، وَكَانَ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ الْأَكْبَرُ، بِطُلَيْطِلَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَلَمْ يَحْضُرَا مَوْتَ أَبِيهِمَا، وَحَضَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالْبَلَنْسِيِّ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِأَخِيهِ هِشَامٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِنَعْيِ أَبِيهِ وَبِالْإِمَارَةِ، فَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ. وَكَانَتْ دَوْلَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَكَانَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا الْمُطَرِّفِ، وَقِيلَ: أَبَا سُلَيْمَانَ، وَقِيلَ: أَبَا زَيْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: أَحَدَ عَشَرَ ذَكَرًا، وَتِسْعَ بَنَاتٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ بَرْبَرِيَّةً مِنْ سَبْيِ إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ أَصْهَبَ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، طَوِيلَ الْقَامَةِ، نَحِيفَ الْجِسْمِ، أَعْوَرَ لَهُ ضَفِيرَتَانِ. وَكَانَ فَصِيحًا لَسِنًا، شَاعِرًا، حَلِيمًا، عَالِمًا حَازِمًا، سَرِيعَ النَّهْضَةِ فِي طَلَبِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ، لَا يَخْلُدُ إِلَى رَاحَةٍ، ( وَلَا يَسْكُنُ إِلَى دَعَةٍ، وَلَا يَكِلُ الْأُمُورَ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَنْفَرِدُ فِي الْأُمُورِ بِرَأْيِهِ، شُجَاعًا مِقْدَامًا بَعِيدَ الْغَوْرِ )، شَدِيدَ الْحَذَرِ، سَخِيًّا، جَوَادًا، يُكْثِرُ لُبْسَ الْبَيَاضِ، وَكَانَ يُقَاسُ بِالْمَنْصُورِ فِي حَزْمِهِ وَشِدَّتِهِ، وَضَبْطِ الْمَمْلَكَةِ. ( وَبَنَى الرُّصَافَةَ بِقُرْطُبَةَ تَشَبُّهًا بِجَدِّهِ هِشَامٍ حَيْثُ بَنَى الرُّصَافَةَ بِالشَّامِ، وَلَمَّا سَكَنَهَا رَأَى فِيهَا نَخْلَةً مُنْفَرِدَةً، فَقَالَ: تَبَدَّتْ لَنَا وَسْطَ الرُّصَافَةِ نَخْلَةٌ تَنَاءَتْ بِأَرْضِ الْغَرْبِ عَنْ بَلَدِ النَّخْلِ فَقُلْتُ: شَبِيهِي فِي التَّغَرُّبِ وَالنَّوَى وَطُولِ التَّنَائِي عَنْ بَنِيَّ وَعَنْ أَهْلِي نَشَأْتِ بِأَرْضٍ أَنْتِ فِيهَا غَرِيبَةٌ فَمِثْلُكِ فِي الْإِقْصَاءِ وَالْمُنْتَأَى مِثْلِي سَقَتْكِ غَوَادِي الْمُزْنِ مِنْ صَوْبِهَا الَّذِي يَسِحُّ وَيَسْتَمْرِي السِّمَاكَيْنِ بِالْوَبْلِ وَقَصَدَهُ بَنُو أُمَيَّةَ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَمِنَ الْمَشْهُورِينَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ قُعْدُدُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ سَبَبَ قَطْعِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ بِالْأَنْدَلُسِ،، وَكَانَ مَعَهُ أَحَدَ عَشَرَ وَلَدًا لَهُ ).
التاريخ 2968لا حكم مسجّل
إِمَارَةِ ابْنِهِ هِشَامٍ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَدْ عَهِدَ إِلَى ابْنِهِ هِشَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَوَسَّمُ فِيهِ الشَّهَامَةَ، وَالِاضْطِلَاعَ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَلِهَذَا عَهِدَ إِلَيْهِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَانَ هُوَ بِمَارِدَةَ مُتَوَلِّيًا لَهَا، وَنَاظِرًا فِي أَمْرِهَا، وَكَانَ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، بِمَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ، وَكَانَ يَرُومُ الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ، وَيَحْسُدُ أَخَاهُ هِشَامًا عَلَى تَقْدِيمِ وَالِدِهِ لَهُ عَلَيْهِ، وَأَضْمَرَ لَهُ الْغِشَّ وَالْعِصْيَانَ، وَكَانَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالْبَلَنْسِيِّ حَاضِرًا بِقُرْطُبَةَ عِنْدَ وَالِدِهِ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ جَدَّدَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَيْعَةَ لِأَخِيهِ هِشَامٍ، بَعْدَ أَنْ صَلَّى عَلَى وَالِدِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ هِشَامً يُعَرِّفُهُ مَوْتَ وَالِدِهِ، وَالْبَيْعَةَ لَهُ، فَسَارَ مِنْ سَاعَتِهِ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَدَخَلَهَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمُلْكِ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى دَارِهِ، مُظْهِرًا لِطَاعَتِهِ، وَفِي نَفْسِهِ غَيْرُ هَذَا.
التاريخ 2969لا حكم مسجّل
الصَّحْصَحِ الْخَارِجِيِّ وَفِي سنة إحدى وسبعين ومائة خَرَجَ الصَّحْصَحُ الْخَارِجِيُّ بِالْجَزِيرَةِ ، وَكَانَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَوَجَّهَ عَسْكَرًا إِلَى الصَّحْصَحِ، فَلَقُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَسَارَ الصَّحْصَحُ إِلَى الْمَوْصِلِ فَلَقِيَهُ عَسْكَرُهَا بِبَاجَرْمَى، فَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، وَرَجَعَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَغَلَبَ عَلَى دِيَارِ رَبِيعَةَ، فَسَيَّرَ الرَّشِيدُ إِلَيْهِ جَيْشًا بِدُورَيْنِ، فَقَتَلُوهُ، وَعَزَلَ الرَّشِيدُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ الْجَزِيرَةِ.
التاريخ 2970لا حكم مسجّل
قَتْلِ رَوْحِ بْنِ صَالِحٍ وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي تَغْلِبَ رَوْحَ بْنَ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَهُوَ مِنْ قُوَّادِ الْمَوْصِلِ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَغْلِبَ خِلَافٌ، فَجَمَعَ جَمْعًا، وَقَصَدَهُمْ، فَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ، فَاجْتَمَعُوا، وَسَارُوا إِلَى رَوْحٍ فَبَيَّتُوهُ، فَقُتِلَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَسَمِعَ حَاتِمُ بْنُ صَالِحٍ، وَهُوَ بِالسُّكَيْرِ، فَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَى تَغْلِبَ، فَبَيَّتَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرَ مِثْلَهُمْ.
التاريخ 2971لا حكم مسجّل
اسْتِعْمَالِ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي سنة إحدى وسبعين ومائة اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ رَوْحَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، لَمَّا بَلَغَهُ وَفَاةُ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ بِهَا، فَقَدِمَهَا فِي رَجَبٍ، وَكَانَ دَاوُدُ بْنُ يَزِيدَ أَخِيهِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَ عَمُّهُ رَوْحٌ سَارَ دَاوُدُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَاسْتَعْمَلَهُ. قَالَ رَوْحٌ: كُنْتُ عَامِلًا عَلَى فَلَسْطِينَ، فَأَحْضَرَنِي الرَّشِيدُ، فَوَصَلْتُ وَقَدْ بَلَغَهُ مَوْتُ أَخِي يَزِيدَ، فَقَالَ: أَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ فِي أَخِيكَ، وَقَدْ وَلَّيْتُكَ مَكَانَهُ لِتَحْفَظَ صَنَائِعَهُ وَمَوَالِيَهُ. فَسَارَ إِلَيْهَا، وَلَمْ تَزَلِ الْبِلَادُ مَعَهُ آمِنَةً، سَاكِنَةً مِنْ فِتْنَةٍ، لِأَنَّ أَخَاهُ يَزِيدَ كَانَ قَدْ أَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي الْخَوَارِجِ بِإِفْرِيقِيَّةَ فَذَلُّوا. ثُمَّ تُوُفِّيَ رَوْحٌ بِالْقَيْرَوَانِ، وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ قَبْرِ أَخِيهِ يَزِيدَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. وَلَمَّا اسْتَعْمَلَ الْمَنْصُورُ يَزِيدَ بْنَ حَاتِمٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ رَوْحًا عَلَى السِّنْدِ فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ بَاعَدْتَ مَا بَيْنَ قَبْرَيْهِمَا، فَتُوُفِّيَ يَزِيدُ بِالْقَيْرَوَانِ، ثُمَّ وَلِيَهَا رَوْحٌ، فَتُوُفِّيَ بِهَا وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِ أَخِيهِ يَزِيدَ. وَكَانَ رَوْحٌ أَشْهَرَ بِالشَّرْقِ مِنْ يَزِيدَ، وَيَزِيدُ أَشْهَرَ بِالْغَرْبِ مِنْ رَوْحٍ لِطُولِ مُدَّةِ وِلَايَتِهِ، وَكَثْرَةِ خُرُوجِهِ فِيهَا وَالْخَارِجِينَ عَلَيْهِ.
التاريخ 2972لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ حَيَّانُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ حَيَّانُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ أَخُو مِنْدَلٍ . حَدَّثَ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، رَوَى عَنْهُ حَجَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَكَانَ صَالِحًا دَيِّنًا فَقِيهًا. قَالَ يَحْيَى: هُوَ صَدُوقٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يُضَعِّفُهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ الَّتِي تَلِيهَا. سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ . رَوَى [عَنْهُ] سُفْيَانُ وَوَكِيعٌ. عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ لَا يَكَادُ تَجِفُّ لَهُ دَمْعَةٌ، إِنَّمَا دُمُوعُهُ جَارِيَةٌ دَهْرَهُ، إِنْ صَلَّى فَهُوَ يَبْكِي، وَإِنْ جَلَسَ فَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَهُوَ يَبْكِي. قَالَ سُفْيَانُ: فَحَدَّثُونِي أَنَّ رَجُلًا عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَعْذِلَنِي وَتُعَاتِبَنِي عَلَى التَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ، وَأَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوْلَيَا عَلَيَّ. عن مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حَسَنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: جَلَسْتُ ذَاتَ يَوْمٍ أُحَدِّثُ وَمَعَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ، فَجَعَلَ سَعِيدٌ يَبْكِي حَتَّى رَحِمْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا سَعِيدُ، مَا يُبْكِيكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُنِي أَذْكُرُ أَهْلَ الْخَيْرِ وَفِعَالَهُمْ، قَالَ: يَا سُفْيَانُ، وَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَإِذَا ذَكَرْتَ مَنَاقِبَ أَهْلِ الْخَيْرِ كُنْتُ مِنْهُمْ بِمَعْزِلٍ، قَالَ: يَقُولُ سُفْيَانُ: وَحُقَّ لَهُ أَنْ يَبْكِيَ. تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُمَرُ بْنُ مَيْمُونِ بْنِ الرَّمَّاحِ، أَبُو عَلِيٍّ عُمَرُ بْنُ مَيْمُونِ بْنِ الرَّمَّاحِ، أَبُو عَلِيٍّ . قَاضِي بَلْخَ، تَوَلَّى الْقَضَاءَ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي وِلَايَتِهِ، مَذْكُورًا بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَهْمِ، حَدَّثَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكِ، رَوَى عَنْهُ: سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَ ثِقَةً، وَعَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُوُفِّيَ بِبَلْخَ فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. عِيسَى بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ دَابٍ، أَبُو الْوَلِيدِ عِيسَى بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ دَابٍ، أَبُو الْوَلِيدِ . أَحَدُ بَنِي اللَّيْثِ بْنِ بَكْرٍ الْمَدِينِيِّ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَأَقَامَ بِهَا، وَحَدَّثَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَكَانَ رَاوِيَةً عَنِ الْعَرَبِ، وَافِرَ الْأَدَبِ، عَالِمًا بِالنَّسَبِ، حَافِظًا لِلسِّيَرِ، عَارِفًا بِأَيَّامِ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَدَحُوا فِيهِ، فَقَالُوا: يَزِيدُ فِي الْأَحَادِيثِ مَا لَيْسَ فِيهَا، وَنَسَبَهُ خَلْفٌ الْأَحْمَرُ إِلَى الْكَذِبِ، وَوَضْعِ الْحَدِيثِ. عن أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: لَمْ يَتَوَلَّ الْخِلَافَةَ قَبْلَ الْهَادِي بِسِنِّهِ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ كَانَ حَدَثًا وَكَانَ يُحِبُّ الْأَدَبَ وَأَهْلَهُ وَيُعْطِي عَلَيْهِ. وَكَانَ عِيسَى بْنُ دَابٍ يُجَالِسُهُ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْحِجَازِ أَدَبًا، وَأَعْذَبَهُمْ أَلْفَاظًا، وَكَانَ قَدْ حَظِيَ عِنْدَ الْهَادِي، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: مَا اسْتَطَلْتُ بِكَ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي إِلَّا تَمَنَّيْتُ أَلَّا أَرَى غَيْرَكَ. وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ابْنُ دَابٍ، وَجَّهَ قَهْرَمَانَهُ فَطَالَبَ بِالْمَالِ، فَلَقِيَ الْحَاجِبَ فَأَبْلَغَهُ رِسَالَتَهُ [فَأَعْلَمَهُ] أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيعٍ، فَأَمْسَكَ ابْنُ دَابٍ، فَبَيْنَا الْهَادِي فِي مُسْتَشْرَفٍ لَهُ نَظَرَ إِلَى ابْنِ دَابٍ قَدْ أَقْبَلَ وَلَيْسَ مَعَهُ غُلَامٌ، فَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ الْحُدَّانِيِّ: أَمَا تَرَى ابْنَ دَابٍ، مَا غَيَّرَ حَالَهُ؟ وَلَا تَزَيَّى لَنَا، وَقَدْ بَرَزْنَاهُ بِالْأَمْسِ لِنَرَى أَثَرَنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَرَّضْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، قَالَ: لَا هُوَ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ. وَدَخَلَ ابْنُ دَابٍ، فَأَخَذَ فِي حَدِيثِهِ إِلَى أَنْ عَرَضَ لَهُ الْهَادِي شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: أَرَى ثَوْبَكَ غَسِيلًا، وَهَذَا شِتَاءٌ يَحْتَاجُ إِلَى لُبْسِ الْجَدِيدِ وَاللَّيِّنِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَاعِي قَصِيرٌ عَمَّا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: كَيْفَ ذَاكَ وَقَدْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ مِنْ بِرِّنَا مَا فِيهِ صَلَاحُ شَأْنِكَ؟ قَالَ: مَا وَصَلَ إِلَيَّ، فَدَعَا بِصَاحِبِ بَيْتِ مَالِ الْخَاصَّةِ، فَقَالَ: عَجِّلِ السَّاعَةَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَحُمِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْلَى الضَّبِّيُّ الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْلَى الضَّبِّيُّ . سَمِعَ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَالْأَعْمَشَ وَغَيْرَهُمْ. وَرَوَى الْقِرَاءَاتِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، رَوَى عَنْهُ: الْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ، وَغَيْرُهُمَا، وَكَانَ رَاوِيَةً لِلْآدَابِ وَأَيَّامِ الْأَعْرَابِ، عَلَّامَةً مُوَثِّقًا فِي رِوَايَتِهِ. عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرِيِّ قَالَ: قَالَ لَنَا جَحْظَةُ: قَالَ الرَّشِيدُ لِلْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ: مَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي الذِّئْبِ وَلَكَ هَذَا الْخَاتَمُ الَّذِي فِي يَدِي وَشِرَاؤُهُ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: قَوْلُ الشَّاعِرِ: يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِي بِأُخْرَى الْمَنَايَا فَهُوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ فَقَالَ: مَا أُلْقِيَ هَذَا عَلَى لِسَانِكَ إِلَّا لِذَهَابِ الْخَاتَمِ. وَرَمَاهُ إِلَيْهِ، فَاشْتَرَتْهُ أُمُّ جَعْفَرٍ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ وَبَعَثَتْ بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ: قَدْ كُنْتُ أَرَاكَ تُعْجَبُ بِهِ فَالْتَقَطَهُ الضَّبِّيُّ وَقَالَ: خُذْهُ وَخُذِ الدَّنَانِيرَ، فَمَا كُنَّا نَهَبُ شَيْئًا فَنَرْجِعُ فِيهِ. أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَرْبِيُّ الزَّاهِدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَرْبِيُّ الزَّاهِدُ . عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَجَالَسُ فِي الْجُمُعَةِ فَأَتَى رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ مُلْتَحِفٌ بِهِ، فَجَلَسَ إِلَيْنَا، فَأَلْقَى مَسْأَلَةً، فَمَا زِلْنَا نَتَكَلَّمُ فِي الْفِقْهِ حَتَّى انْصَرَفْنَا، ثُمَّ جَاءَنَا فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، فَأَجَبْنَاهُ وَسَأَلْنَاهُ عَنْ مَنْزِلِهِ، قَالَ: أَنْزِلُ الْخَرِيبَةَ، فَسَأَلْنَا عَنْ كُنْيَتِهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَرَغِبْنَا فِي مُجَالَسَتِهِ وَرَأَيْنَا مَجْلِسَنَا مَجْلِسَ فِقْهٍ، فَمَكَثْنَا بِذَلِكَ زَمَانًا، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنَّا، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، مَا حَالُنَا وَقَدْ كَانَ مَجْلِسُنَا عَامِرًا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ صَارَ يُوحِشُنَا فَوَعَدَ بَعْضُنَا بَعْضًا إِذَا أَصْبَحْنَا أَنْ نَأْتِيَ الْخَرِيبَةَ فَنَسْأَلَ عَنْهُ، فَأَتَيْنَاهُ الْخَرِيبَةَ وَكُنَّا عَدَدًا، فَجَعَلْنَا نَسْتَحِي أَنْ نَسْأَلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَنَظَرْنَا إِلَى صِبْيَانٍ قَدِ انْصَرَفُوا مِنَ الْكُتَّابِ فَقُلْنَا: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَعَلَّهُمْ يَعْنُونَ الصَّيَّادَ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالُوا: هَذَا وَقْتُهُ الْآنَ يَجِيءُ، فَقَعَدْنَا نَنْتَظِرُهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ مُؤْتَزِرًا بِخِرْقَةٍ، عَلَى كَتِفِهِ خِرْقَةٌ وَمَعَهُ أَطْيَارٌ مُذَبَّحَةٌ وَأَطْيَارٌ أَحْيَاءٌ، فَلَمَّا رَآنَا تَبَسَّمَ إِلَيْنَا وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَقُلْنَا: فَقَدْنَاكَ، وَقَدْ كُنْتَ عَمَّرْتَ مَجْلِسَنَا، فَمَا غَيَّبَكَ عَنَّا؟ قَالَ: أَصْدُقُكُمْ، كَانَ لَنَا جَارٌ كُنْتُ أَسْتَعِيرُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ ذَلِكَ الثَّوْبَ الَّذِي كُنْتُ آتِيكُمْ فِيهِ، وَكَانَ غَرِيبًا، فَخَرَجَ إِلَى وَطَنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِي ثَوْبٌ آتِيكُمْ فِيهِ، هَلْ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْمَنْزِلَ فَتَأْكُلُوا مِمَّا رَزَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا مَنْزِلَهُ، فَجَاءَ إِلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى قَلِيلًا ثُمَّ دَخَلَ، فَأَذِنَ لَنَا فَدَخَلْنَا، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَتَى بِقِطَعٍ مِنَ الْبَوَارِي فَبَسَطَهَا لَنَا فَقَعَدْنَا، فَدَخَلَ إِلَى الْمَرْأَةِ، فَسَلَّمَ إِلَيْهَا الْأَطْيَارَ الْمُذَبَّحَةَ، وَأَخَذَ الْأَطْيَارَ الْأَحْيَاءَ ثُمَّ قَالَ: أَنَا آتِيكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ قَرِيبٍ، فَأَتَى السُّوقَ فَبَاعَهَا وَاشْتَرَى لَنَا خُبْزًا، فَجَاءَ وَقَدْ صَنَعَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ الطَّيْرَ وَهَيَّئَتْهُ، فَقَدَّمَ إِلَيْنَا خُبْزًا وَلَحْمَ الطَّيْرِ، فَأَكَلْنَا، فَجَعَلَ يَقُومُ فَيَأْتِينَا بِالْمِلْحِ وَالْمَاءِ، فَكُلَّمَا قَامَ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: رَأَيْتُمْ مِثْلَ هَذَا؟ أَلَا تُغَيِّرُونَ وَأَنْتُمْ سَادَةُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ؟! فَقَالَ أَحَدُهُمْ: عَلَيَّ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: عَلَيَّ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَقَالَ هَذَا وَقَالَ هَذَا، ضَمِنَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَبَلَغَ الَّذِي جُمِعَ لَهُ فِي الْحِسَابِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالُوا: قُومُوا بِنَا نَذْهَبُ فَنَأْتِيهِ بِهَذَا الْمَالِ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا هُوَ فِيهِ، فَقُمْنَا فَانْصَرَفْنَا عَلَى حَالِنَا رُكْبَانًا، فَمَرَرْنَا بِالْمِرْبَدِ، وَإِذَا بِمُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ قَاعِدٌ فِي مَنْظَرَةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، آتِينِي بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، فَجِئْتُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْ قِصَّتِنَا وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْنَا، فَصَدَقْتُهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَنَا أَسْبِقُكُمْ إِلَى بِرِّهِ، يَا غُلَامُ، آتِينِي بِبَدْرَةِ دَرَاهِمَ، فَجَاءَ فَقَالَ: احْمِلْ هَذِهِ الْبَدْرَةَ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى يَدْفَعَهَا إِلَى مَنْ أَمَرْنَاهُ، فَفَرِحْتُ، ثُمَّ قُمْتُ مُسْرِعًا، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْبَابَ سَلَّمْتُ فَأَجَابَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى الْفِرَاشَ وَالْبَدْرَةَ عَلَى عُنُقِهِ كَأَنِّي سَفَيْتُ فِي وَجْهِهِ الرَّمَادَ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَقَالَ: مَا لِي وَلَكَ، تُرِيدُ أَنْ تَفْتِنَنِي؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اقْعُدْ حَتَّى أُخْبِرَكَ، إِنَّهُ مِنَ الْقِصَّةِ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ الَّذِي تَعْلَمُ أَحَدُ الْجَبَّارِينَ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ - وَلَوْ كَانَ أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَهَا حَيْثُ أَرَى لَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ إِنِّي قَدْ وَضَعْتُهَا، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَازْدَادَ عَلَيَّ غَيْظًا، وَقَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَصَفَقَ الْبَابَ فِي وَجْهِي فَجَعَلْتُ أُقَدِّمُ وَأُؤَخِّرُ، مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِلْأَمِيرِ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنَ الصِّدْقِ، فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: حَرُورِيٌّ وَاللَّهِ يَا غُلَامُ، عَلَيَّ بِالسَّيْفِ، فَجَاءَ بِالسَّيْفِ فَقَالَ: خُذْ بِيَدِ هَذَا حَتَّى يَذْهَبَ بِكَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيْكَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَآتِينِي بِرَأْسِهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، اللَّهَ اللَّهَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا رَجُلًا مَا هُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَلَكِنِّي أَذْهَبُ فَآتِيكَ بِهِ، وَمَا أُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا افْتِدَاءً مِنْهُ، قَالَ: فَضَمَّنِّيهِ، فَمَضَيْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْبَابَ فَسَلَّمْتُ، فَإِذَا الْمَرْأَةُ تَحِنُّ وَتَبْكِي، ثُمَّ فَتَحَتِ الْبَابَ وَتَوَارَتْ وَأَذِنَتْ فَدَخَلْتُ، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكُمْ وَشَأْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: وَمَا حَالُهُ؟ قَالَتْ: دَخَلَ فَمَالَ إِلَى الرَّكِيِّ فَنَزَعَ مِنْهَا مَاءً فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ وَلَا تَفْتِنِّي. ثُمَّ تَمَدَّدَ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ، فَلَحِقْتُهُ وَقَدْ قَضَى، فَهُوَ ذَاكَ مَيِّتٌ، فَقُلْتُ: يَا هَذِهِ، إِنَّ لَنَا قِصَّةً عَجِيبَةً، فَلَا تُحَدِّثُوا فِيهِ شَيْئًا، فَجِئْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَنَا أَرْكَبُ فَأُصَلِّي عَلَى هَذَا، قَالَ: وَشَاعَ خَبَرُهُ بِالْبَصْرَةِ، فَشَهِدَهُ الْأَمِيرُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
التاريخ 2973لا حكم مسجّل
خُرُوجِ سُلَيْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى أَخِيهِمَا هِشَامٍ وفِي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، خَرَجَ سُلَيْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، عَنْ طَاعَةِ أَخِيهِمَا هِشَامٍ بِالْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ هِشَامٌ قَدْ مَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ لَهُ الْمُلْكُ كَانَ مَعَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَعْرُوفُ بِالْبَلَنْسِيِّ، وَكَانَ هِشَامٌ يُؤْثِرُهُ وَيَبَرُّهُ وَيُقَدِّمُهُ، فَلَمْ يَرْضَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَّا بِالْمُشَارَكَةِ فِي أَمْرِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ خَافَ مِنْ أَخِيهِ هِشَامٍ، فَمَضَى هَارِبًا إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ بِطُلَيْطِلَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ قُرْطُبَةَ أَرْسَلَ هِشَامٌ جَمْعًا فِي أَثَرِهِ لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَلْحَقُوهُ، فَجَمَعَ هِشَامٌ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، فَحَصَرَ أَخَوَيْهِ بِهَا، وَكَانَ سُلَيْمَانُ قَدْ جَمَعَ وَحَشَدَ خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَمَّا حَصَرَهُمَا هِشَامٌ سَارَ سُلَيْمَانُ مِنْ طُلَيْطِلَةَ وَتَرَكَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ يَحْفَظَانِ الْبَلَدَ، وَسَارَ هُوَ إِلَى قُرْطُبَةَ لِيَمْلِكَهَا، فَعَلِمَ هِشَامٌ الْحَالَ، فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَلَا فَارَقَ طُلَيْطِلَةَ بَلْ أَقَامَ يَحْصُرُهَا. وَسَارَ سُلَيْمَانُ، فَوَصَلَ إِلَى شَقُنْدَةَ، فَدَخَلَهَا، وَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ قُرْطُبَةَ مُقَاتِلِينَ وَدَافِعِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ هِشَامًا سَيَّرَ فِي أَثَرِهِ ابْنَهُ عَمِيدَ الْمُلْكِ، فِي قِطْعَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، فَلَمَّا قَارَبَهُ مَضَى سُلَيْمَانُ هَارِبًا، فَقَصَدَ مَدِينَةَ مَارِدَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْوَالِي بِهَا لِهِشَامٍ، فَحَارَبَهُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ، وَبَقِيَ هِشَامٌ عَلَى طُلَيْطِلَةَ شَهْرَيْنِ وَأَيَّامًا مُحَاصِرًا لَهَا ثُمَّ عَادَ عَنْهَا، وَقَدْ قَطَعَ أَشْجَارَهَا، وَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَأَتَاهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَيَّرَ هِشَامٌ ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى تُدْمِيرَ، وَبِهَا سُلَيْمَانُ، فَحَارَبَهُ، وَخَرَّبُوا أَعْمَالَ تُدْمِيرَ، وَدَوَّخُوا أَهْلَهَا وَمَنْ بِهَا، وَبَلَغُوا الْبَحْرَ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنْ تُدْمِيرَ هَارِبًا، فَلَجَأَ إِلَى الْبَرَابِرِ بِنَاحِيَةِ بَلَنْسِيَةَ، فَاعْتَصَمَ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ الْوَعْرَةِ الْمَسْلَكِ، فَعَادَ مُعَاوِيَةُ إِلَى قُرْطُبَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْحَالَ اسْتَقَرَّ بَيْنَ هِشَامٍ وَسُلَيْمَانَ أَنْ يَأْخُذَ سُلَيْمَانُ أَهْلَهُ وَأَوْلَادَهُ وَأَمْوَالَهُ وَيُفَارِقَ الْأَنْدَلُسَ، وَأَعْطَاهُ هِشَامٌ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ مُصَالَحَةً عَنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْبَرَابِرِ فَأَقَامَ بِهِ. ذِكْرُ خُرُوجِ جَمَاعَةٍ عَلَى هِشَامٍ أَيْضًا وَفِيهَا خَرَجَ بِالْأَنْدَلُسِ أَيْضًا سَعِيدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى الْأَنْصَارِيُّ بِشَاغَنْتَ، مِنْ أَقَالِيمِ طَرْطُوشَةَ، فِي شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَدِ الْتَجَأَ إِلَيْهَا حِينَ قُتِلَ أَبُوهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَدَعَا إِلَى الْيَمَانِيَّةِ، وَتَعَصَّبَ لَهُمْ، فَاجْتَمَعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَمَلَكَ مَدِينَةَ طَرْطُوشَةَ، وَأَخْرَجَ عَامِلَهُ يُوسُفَ الْقَيْسِيَّ، فَعَارَضَهُ مُوسَى بْنُ فَرْتُونَ، وَقَامَ بِدَعْوَةِ هِشَامٍ، وَوَافَقَتْهُ مُضَرُ، ( فَاقْتَتَلَا، فَانْهَزَمَ سَعِيدٌ وَقُتِلَ وَسَارَ مُوسَى إِلَى سَرَقُسْطَةَ فَمَلَكَهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهِ مَوْلًى لِلْحُسَيْنِ بْنِ يَحْيَى اسْمُهُ جَحْدَرُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ فَقَاتَلَهُ وَقُتِلَ مُوسَى ). وَخَرَجَ أَيْضًا مَطْرُوحُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَقْظَانَ بِمَدِينَةِ بَرْشَلُونَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَمَلَكَ مَدِينَةَ سَرَقُسْطَةَ وَمَدِينَةَ وَشْقَةَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَكَانَ هِشَامٌ مَشْغُولًا بِمُحَارَبَةِ أَخَوَيْهِ سُلَيْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ.
التاريخ 2974لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سنة اثنتين وسبعين ومائة عَزَلَ الرَّشِيدُ إِسْحَاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنِ الْمَوْصِلِ ، وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ سَلْمٍ الْبَاهِلِيَّ، وَعَزَلَ الرَّشِيدُ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدِ بْنِ زَائِدَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ أَرْمِينِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَهْدِيِّ. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ . وَفِيهَا وَضَعَ الرَّشِيدُ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ الْعُشْرَ الَّذِي كَانَ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ بَعْدَ النِّصْفِ . وَحَجَّ بِالنَّاسِ يَعْقُوبُ بْنُ الْمَنْصُورِ. عَمُّ هَارُونَ الرَّشِيدِ. وَعُمَّالُ السَّنَةِ مَا قَبْلَهَا. ومِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: شُخُوصُ الرَّشِيدِ إِلَى مَرْجِ الْقَلْعَةِ، ثُمَّ مُرْتَادًا بِهَا مَنْزِلًا يَنْزِلُهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَثْقَلَ مَدِينَةَ السَّلَامِ وَكَانَ يُسَمِّيهَا الْبُخَارَ، فَخَرَجَ إِلَى مَرْجِ الْقَلْعَةِ فَاعْتَلَّ بِهَا، وَانْصَرَفَ، وَسُمِّيَتْ تِلْكَ السُّفْرَةُ بِسُفْرَةِ الْمُرْتَادِ. وَفِيهَا: تَزَوَّجَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسَةَ بِنْتَ الْمَهْدِيِّ، وَهِيَ أَوَّلُ بِنْتِ خَلِيفَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ نُقِلَتْ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، نَقَلَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَوَّلُ بِنْتِ خَلِيفَةٍ نُقِلَتْ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ صَفِيَّةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ، نُقِلَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ ذَكَرَهُ الصُّولِيُّ. وَفِيهَا: وَلِيَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ الْقَضَاءَ. عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: وَلِيَ مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ لَهُ مَحَلٌّ وَمَنْزِلَةٌ، فَلَمْ يَحْمَدْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَمْرَهُ [وَكَتَبُوا] وَكَثُرَ الْكَارِهُونَ لَهُ وَالْوَقَائِعُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صُرِفَ عَنِ الْقَضَاءِ أَظْهَرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ السُّرُورَ، وَنَحَرُوا النُّحُورَ وَتَصَدَّقُوا بِلَحْمِهَا، وَاسْتَتَرَ فِي بَيْتِهِ خَوْفَ الْوُثُوبِ عَلَيْهِ، ثُمَّ شَخَصَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الرَّشِيدِ فَاعْتَذَرَ، فَقَبِلَ عُذْرَهُ وَوَهَبَ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ مِنَ الْأَثْبَاتِ فِي الْحَدِيثِ.
التاريخ 2975لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ . الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ سَالِمٍ الْحَسَنُ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ سَالِمٍ، مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ الْقَارِئِ. مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ وَصِيَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَسَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيَّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَالْأَعْمَشَ، وَغَيْرَهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الْغَسِيلِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ. رَأَى سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، وَسَمِعَ عِكْرِمَةَ، رَوَى عَنْهُ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَكَانَ ثِقَةً. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَفِيهَا مَاتَ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ، وَتُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ مَوْلَى ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ. ( وَتُوُفِّيَ أَبُو يَزِيدَ رِيَاحُ بْنُ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ الزَّاهِدُ، بِمَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ).
التاريخ 2976لا حكم مسجّل
وفي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ ، فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ مَنْ قَبَضَ تَرِكَتَهُ، وَكَانَتْ عَظِيمَةً مِنَ الْمَالِ، وَالْمَتَاعِ، وَالدَّوَابِّ، فَحَمَلُوا مِنْهُ مَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ، وَتَرَكُوا مَا لَا يَصْلُحُ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا أَخَذُوا سِتُّونَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَلَمَّا قَدِمُوا بِذَلِكَ عَلَيْهِ أَطْلَقَ مِنْهُ لِلنُّدَمَاءِ وَالْمُغَنِّينَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَرَفَعَ الْبَاقِي إِلَى خِزَانَتِهِ. وَكَانَ سَبَبُ أَخْذِ الرَّشِيدِ تَرِكَتَهُ أَنَّ أَخَاهُ جَعْفَرَ بْنَ سُلَيْمَانَ كَانَ يَسْعَى بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ حَسَدًا لَهُ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، وَلَا ضَيْعَةَ إِلَّا وَقَدْ أَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا لِيَتَقَوَّى بِهِ عَلَى مَا تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسُهُ، يَعْنِي الْخِلَافَةَ. وَإِنَّ أَمْوَالَهُ حِلٌّ طِلْقٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ الرَّشِيدُ يَأْمُرُ بِالِاحْتِفَاظِ بِكُتُبِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ( أُخْرِجَتْ كُتُبُهُ إِلَى جَعْفَرٍ ) أَخِيهِ، وَاحْتُجَّ عَلَيْهِ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخٌ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ غَيْرَ جَعْفَرٍ، فَأَقَرَّ بِهَا، فَلِهَذَا قُبِضَتْ أَمْوَالُهُ. ترجمته وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ حَسَنٍ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ مِنْ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ وَشُجْعَانِهِمْ. جَمَعَ لَهُ الْمَنْصُورُ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَزَوَّجَهُ الْمَهْدِيُّ ابْنَتَهُ الْعَبَّاسَةَ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ دَخْلُهُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ. وَكَانَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ. فَسَقَطَ لَيْلَةً مِنْ يَدِهِ [لَيْلَةَ بِنَائِهِ بِالْعَبَّاسَةِ] فَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ: أَطْفِئُوا الشَّمْعَ فَفَعَلُوا فَرَأَوْهُ، وَكَانَ لَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ مَوْلًى مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفَ عَتَاقَةٍ، وَكَانَتْ بِهِ رُطُوبَةٌ فَكَانَ يَتَدَاوَى بِالْمِسْكِ يَسْتَعْمِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ عِشْرِينَ مِثْقَالًا وَيَتْرُكُهُ فِي عُكَنِ بَطْنِهِ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْأَكْبَرِ - وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ - حَدِيثًا مَرْفُوعًا فِي مَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ إِلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَمَسْحِ رَأْسِ مَنْ لَهُ أَبٌ إِلَى مُؤَخَّرِهِ. وَقَدْ وَفَدَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَهَنَّأَهُ بِالْخِلَافَةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، وَزَادَهُ فِي عَمَلِهِ شَيْئًا كَثِيرًا. وَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ خَرَجَ مَعَهُ الرَّشِيدُ يُشَيِّعُهُ إِلَى كَلْوَاذَى. تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقَدْ أَرْسَلَ الرَّشِيدُ مَنِ اصْطَفَى مِنْ مَالِهِ الصَّامِتِ، فَوَجَدَ لَهُ مِنَ الذَّهَبِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفٍ دِينَارٍ، وَمِنَ الدَّرَاهِمِ سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفٍ، خَارِجًا عَنِ الْأَمْلَاكِ وَالْجَوَاهِرِ. وعن الْحُسَيْنُ بْنُ سَلَّامٍ مَوْلَى آلِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ] قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ كَانَ رَأْسُهُ فِي حِجْرِ أَخِيهِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: وَانْقِطَاعَ ظَهْرَاهْ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَانْقِطَاعَ ظَهْرِ مَنْ يَلْقَى الْجَبَّارَ غَدًا [وَاللَّهِ] لَيْتَ أُمَّكَ لَمْ تَلِدْنِي، لَيْتَنِي كُنْتُ حَمَّالًا، وَأَنِّي لَمْ أَكُنْ فِيمَا كُنْتُ فِيهِ، وَوَلَّى الرَّشِيدُ مَكَانَهُ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: كَانَتْ وَفَاةُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَالْخَيْزُرَانِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ جَارِيَةً مِنْ جَوَارِي مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَقَفَتْ عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَتْ: أَمْسَى التُّرَابُ لِمَنْ هَوَيْتُ مَبِيتًا أَلْقِ التُّرَابَ فَقُلْ لَهُ حُيِّيتَا إِنَّا نُحِبُّكَ يَا تُرَابُ وَمَا بِنَا إِلَّا كَرَامَةُ مَنْ عَلَيْهِ حُثِيتَا
التاريخ 2977لا حكم مسجّل
[ وَفَاةُ الْخَيْزُرَانِ ] وَفِي سنة ثلاث وسبعين ومائة مَاتَتِ الْخَيْزُرَانُ وَهي أُمُّ أَمِيرَيِ الْمُؤْمِنِينَ الْهَادِي وَالرَّشِيدِ، اشْتَرَاهَا الْمَهْدِيُّ وَحَظِيَتْ عِنْدَهُ جَدَّا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَوَلَدَتْ لَهُ خَلِيفَتَيْنِ; مُوسَى الْهَادِي وَالرَّشِيدَ،. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْخَيْزُرَانِ، عَنْ مَوْلَاهَا الْمَهْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنِ اتَّقَى اللَّهَ وَقَاهُ اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ. وَلَمَّا عُرِضَتْ عَلَى الْمَهْدِيِّ لِيَشْتَرِيَهَا أَعْجَبَتْهُ إِلَّا دِقَّةَ سَاقَيْهَا، فَقَالَ لَهَا: يَا جَارِيَةُ، إِنَّكِ لَعَلَى غَايَةِ الْمُنَى لَوْلَا خُمُوشَةٌ فِي سَاقَيْكَ. فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ أَحْوَجُ مَا تَكُونُ إِلَيْهِمَا لَا تَرَاهُمَا. فَاسْتَحْسَنَ جَوَابَهَا وَاشْتَرَاهَا، وَحَظِيَتْ عِنْدَهُ جِدًّا. وعَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى الْمَهْدِيِّ فَدَعَا بِمِحْبَرَتِهِ وَدَفْتَرِهِ، وَكَتَبَ عَنِّي أَشْيَاءَ حَدَّثْتُهُ بِهَا، ثُمَّ نَهَضَ وَقَالَ: كُنْ بِمَكَانِكَ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ، وَدَخَلَ إِلَى دَارِ الْحَرَمِ ثُمَّ خَرَجَ مُتَنَكِّرًا مُمْتَلِئًا غَيْظًا، فَلَمَّا جَلَسَ: قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَرَجْتَ عَلَى خِلَافِ الْحَالِ الَّتِي دَخَلْتَ عَلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ دَخَلْتُ عَلَى الْخَيْزُرَانِ فَوَثَبَتْ إِلَيَّ وَمَدَّتْ يَدَهَا إِلَيَّ وَخَرَقَتْ ثَوْبِي، وَقَالَتْ: يَا قَشَّاشُ، وَأَيُّ خَيْرٍ رَأَيْتُ مِنْكَ؟ وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا مِنْ نَخَّاسٍ وَرَأَتْ مِنِّي مَا رَأَتْ وَعَقَدْتُ لِابْنَيْهَا وِلَايَةَ الْعَهْدِ وَيْحَكِ وَأَنَا قَشَّاشٌ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهُنَّ يَغْلِبْنَ الْكِرَامَ وَيَغْلِبُهُنَّ اللِّئَامُ" وَقَالَ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي"، وَقَالَ: "خُلِقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ إِنْ قَوَّمْتَهُ كَسَرْتَهُ". وَحَدَّثْتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ بِكُلِّ مَا حَضَرَنِي، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَأَسْفَرَ وَجْهُهُ، وَأَمَرَ لِي بِأَلْفَيْ دِينَارٍ، وَقَالَ: أَصْلِحْ بِهَذِهِ مِنْ حَالِكَ، وَانْصَرَفْتُ، فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَافَانِي رَسُولُ الْخَيْزُرَانِ، فَقَالَ: تَقْرَأُ عَلَيْكَ سِتِّي السَّلَامَ، وَتَقُولُ لَكَ: يَا عَمِّ قَدْ سَمِعْتُ جَمِيعَ مَا كَلَّمْتَ بِهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاكَ، وَهَذِهِ أَلْفَا دِينَارٍ إِلَّا عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بَعَثَتْ بِهَا إِلَيْكَ لِأَنِّي لَمْ أُحِبَّ أَنْ أُسَاوِيَ صِلَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَجَّهَتْ إِلَيَّ بِأَثْوَابٍ. وعن أَبِي الْفَضْلِ بْنِ الرَّبْعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ الْخَيْزُرَانَ حَاجَةً ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهَا بِهَدِيَّةٍ فَأَجَابَتْهُ: إِنْ كَانَ مَا وَجَّهْتَ بِهِ مِنْ هَدِيَّتِكَ ثَمَنًا لِرَأْيِي فِيكَ فَلَقَدْ بَخَسْتَنِي الْقِيمَةَ، وَإِنْ كَانَ اسْتِزَادَةً فَقَدِ اسْتَغْشَشْتَنِي فِي الْمَوَدَّةِ وَرَدَّتْهَا عَلَيْهِ. وَقَدْ حَجَّتِ الْخَيْزُرَانُ مَرَّةً فِي حَيَاةِ الْمَهْدِيِّ، فَكَتَبَ إِلَيْهَا وَهِيَ بِمَكَّةَ يَسْتَوْحِشُ لَهَا، وَيَتَشَوَّقُ إِلَيْهَا، يَقُولُ: نَحْنُ فِي غَايَةِ السُّرُورِ وَلَكِنْ لَيْسَ إِلَّا بِكُمْ يَتِمُّ السُّرُورُ عَيْبُ مَا نَحْنُ فِيهِ يَا أَهْلَ وُدِّي أَنَّكُمْ غُيَّبٌ وَنَحْنُ حُضُورُ فَأَجِدُّوا فِي السَّيْرِ بَلْ إِنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تَطِيرُوا مَعَ الرِّيَاحِ فَطِيرُوا فَأَجَابَتْهُ أَوْ قَالَتْ لِمَنْ أَجَابَهُ: قَدْ أَتَانَا الَّذِي وَصَفْتَ مِنَ الشَّوْ قِ فَكَدِنْا وَمَا فَعَلْنَا نَطِيرُ لَيْتَ أَنَّ الرِّيَاحَ كُنَّ يُؤَدِّي نَ إِلَيْكُمْ مَا قَدْ يُجِنُّ الضَّمِيرُ لَمْ أَزَلْ صَبَّةً فَإِنْ كُنْتَ بَعْدِي فِي سُرُورٍ فَدَامَ ذَاكَ السُّرُورُ وَذَكَرُوا أَنَّهُ أَهْدَى إِلَيْهَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ نَائِبُ الْبَصْرَةِ مِائَةَ وَصَيْفٍ، مَعَ كُلِّ وَصَيْفٍ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ مَمْلُوءٌ مِسْكًا. فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ: إِنْ كَانَ مَا بَعَثْتَهُ ثَمَنًا عَنْ ظَنِّنَا فِيكَ فَظَنُّنَا فِيكَ أَكْثَرُ مِمَّا بَعَثْتَ، وَقَدْ بَخَسْتَنَا فِي الثَّمَنِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ زِيَادَةَ الْمَوَدَّةِ فَقَدِ اتَّهَمْتَنِي فِي الْمَوَدَّةِ. وَرَدَّتْهَا عَلَيْهِ. وَقَدِ اشْتَرَتِ الدَّارَ الْمَشْهُورَةَ بِهَا بِمَكَّةَ الْمَعْرُوفَةَ بِدَارِ الْخَيْزُرَانِ، فَزَادَتْهَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَكَانَ مُغَلُّ ضِيَاعِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفًا. وَاتَّفَقَ مَوْتُهَا بِبَغْدَادَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَتْ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ أَخَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: رَأَيْتُ الرَّشِيدَ يَوْمَ مَاتَتِ الْخَيْزُرَانُ وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانٌ أَزْرَقُ قَدْ شَدَّ بِهِ وَسَطَهُ وَهُوَ آخِذٌ بِقَائِمَةِ السَّرِيرِ حَافِيًا يَعْدُو فِي الطِّينِ حَتَّى أَتَى مَقَابِرَ قُرَيْشٍ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَدَعَا بِخُفٍّ، فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدَخَلَ قَبْرَهَا، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَقْبَرَةِ وُضِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَدَعَا الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ وَقَالَ لَهُ: وَحَقِّ الْمَهْدِيِّ - وَكَانَ لَا يَحْلِفُ بِهَا إِلَّا إِذَا اجْتَهَدَ - إِنِّي لَأَهُمُّ بِالشَّيْءِ لَكَ مِنَ التَّوْلِيَةِ وَغَيْرِهَا فَتَمْنَعُنِي أُمِّي فَأُطِيعُ أَمْرَهَا، فَخُذِ الْخَاتَمَ مِنْ جَعْفَرٍ وَوَلِيَ الْفَضْلُ نَفَقَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ وَبَادُورْيَا وَالْكُوفَةِ، فَتَمَّتْ حَالُهُ، وَانْصَرَفَ الرَّشِيدُ مِنْ جِنَازَتِهَا يَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ مُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ: كُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ تَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا وَكَانَتْ غَلَّةُ الْخَيْزُرَانِ أَلْفَ أَلْفٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَاتَّسَعَ الرَّشِيدُ بِغَلَّتِهَا وَأَقْطَعَ النَّاسَ مِنْ ضِيَاعِهَا.
التاريخ 2978لا حكم مسجّل
وَفِي سنة ثلاث وسبعين ومائة اسْتَقْدَمَ الرَّشِيدُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ الْعَبَّاسَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ، أَحْرَمَ مِنْ بَغْدَاذَ .
التاريخ 2979لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ مُرَّةَ، أَبُو زِيَادٍ الْخُلْقَانِيُّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ مُرَّةَ، أَبُو زِيَادٍ الْخُلْقَانِيُّ ، مَوْلَى أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ يُلَقَّبُ شَقُوصًا. كُوفِيُّ الْأَصْلِ، سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَأَبَا إِسْحَاقَ وَالْأَعْمَشَ وَغَيْرَهُمْ وَكَانَ ثِقَةً. عن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا: كَانَ تَاجِرًا فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، نَزَلَ بَغْدَادَ فِي رَبَضِ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ وَمَاتَ بِهَا فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو عُمَرَ الْمَعَافِرِيُّ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو عُمَرَ الْمَعَافِرِيُّ. رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَيُقَالُ هُوَ الَّذِي أَعَانَ ابْنَ وَهْبٍ عَلَى تَصْنِيفِ كُتِبِهِ، وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ. تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الْمَوَالِي ، وَيُقَالُ: ابْنُ زَيْدٍ ابْنُ أَبِي الْمَوَالِي، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ، مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقِيلَ: مَوْلَى أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. حَدَّثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ، رَوَى عَنْهُ: الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، وَالْقَعْنَبِيُّ، وَقُتَيْبَةُ، وَكَانَ ثِقَةً. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. غَادِرُ جَارِيَةُ الْهَادِي غَادِرُ جَارِيَةُ الْهَادِي . حَكَى جَعْفَرُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ: كَانَ لِمُوسَى الْهَادِي جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: غَادِرُ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَجْهًا وَغِنَاءً، وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، فَبَيْنَا هِيَ تُغَنِّيهِ يَوْمًا عَرَضَ لَهُ فِكْرٌ وَسَهْوٌ تَغَيَّرَ لَهُ لَوْنُهُ، فَسَأَلَهُ مَنْ حَضَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَقَعَ فِي فِكْرِي أَنِّي أَمُوتُ، وَأَنَّ أَخِي هَارُونَ يَلِي الْخِلَافَةَ وَيَتَزَوَّجُ جَارِيَتِي هَذِهِ، فَقِيلَ لَهُ: نُعِيذُكَ بِاللَّهِ، وَنُقَدِّمُ الْكُلَّ قَبْلَكَ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ أَخِيهِ وَعَرَّفَهُ بِمَا خَطَرَ لَهُ فَأَجَابَهُ بِمَا يُوجِبُ زَوَالَ هَذَا الْخَاطِرِ، فَقَالَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تَحْلِفَ لِي إِنِّي مَتَى مُتُّ لَمْ تَتَزَوَّجْهَا. فَأَحْلَفَهُ وَاسْتَوْفَى عَلَيْهِ الْأَيْمَانَ مِنَ الْحَجِّ رَاجِلًا، وَطَلَاقِ نِسَائِهِ، وَعِتْقِ الْمَمَالِيكِ، وَتَسْبِيلِ مَا يَمْلِكُهُ، ثُمَّ نَهَضَ إِلَيْهَا فَأَحْلَفَهَا بِمِثْلِ ذَلِكَ فَمَا لَبِثَ إِلَّا نَحْوَ شَهْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَوَلِيَ الرَّشِيدُ فَبَعَثَ يَخْطُبُ الْجَارِيَةَ، فَقَالَتْ: كَيْفَ يَمِينِي وَيَمِينُكَ؟ فَقَالَ: أُكَفِّرُ عَنِ الْكُلِّ وَأَحُجُّ رَاجِلًا، فَتَزَوَّجَهَا وَزَادَ شَغَفُهُ بِهَا عَلَى شَغَفِ أَخِيهِ حَتَّى إِنَّهَا كَانَتْ تَضَعُ رَأْسَهَا عَلَى حِجْرِهِ وَتَنَامُ وَلَا يَتَحَرَّكُ حَتَّى تَنْتَبِهَ، فَبَيْنَا هِيَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ذَلِكَ انْتَبَهَتْ فَزِعَةً تَبْكِي، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: رَأَيْتُ أَخَاكَ السَّاعَةَ وَهُوَ يَقُولُ: أَخْلَفْتِ وَعْدِي بَعْدَ مَا جَاوَرْتُ سُكَّانَ الْمَقَابِرْ وَنَسِيتِنِي وَحَنِثْتِ فِي أَيْمَانِكِ الْكَذِبِ الْفَوَاجِرْ وَنَكَحْتِ غَادِرَةً أَخِي صَدَقَ الَّذِي سَمَّاكِ غَادِرْ أَمْسَيْتِ فِي أَهْلِ الْبِلَادِ وَغَدَوْتُ فِي حُورِ الْغَرَائِرْ لَا يَهْنِكِ الْإِلْفُ الْجَدِيدُ وَلَا تَدُرْ عَنْكِ الدَّوَائِرْ وَلَحِقْتِ بِي قَبْلَ الصَّبَاحِ فَصِرْتِ حَيْثُ غَدَوْتُ صَائِرْ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَأَنِّي لَمَّا سَمِعْتُهَا كَتَبَهَا فِي قَلْبِي فَمَا أُنْسِيتُ مِنْهَا كَلِمَةً، فَقَالَ لَهَا الرَّشِيدُ: أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ، فَقَالَتْ: كَلَّا. ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَضْطَرِبُ وَتَرْتَعِدُ حَتَّى مَاتَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. هِيلَانَةُ جَارِيَةُ الرَّشِيدِ هِيلَانَةُ جَارِيَةُ الرَّشِيدِ . عن الْأَصْمَعِيُّ قَالَ: كَانَ الرَّشِيدُ شَدِيدَ الْحُبِّ لِهِيلَانَةَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ لِيَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، فَدَخَلَ يَوْمًا إِلَى يَحْيَى قَبْلَ الْخِلَافَةِ فَلَقِيَتْهُ فِي مَمَرٍّ فَأَخَذَتْ بِكُمِّهِ فَقَالَتْ: نَحْنُ لَا يُصِيبُنَا مِنْكَ يَوْمٌ، فَقَالَ لَهَا: فَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَتْ: تَأْخُذُنِي مِنْ هَذَا الشَّيْخِ، فَقَالَ لِيَحْيَى: أُحِبُّ أَنْ تَهَبَ لِي فُلَانَةَ فَوَهَبَهَا لَهُ حَتَّى غَلَبَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تُكْثِرُ أَنْ تَقُولَ: هِي، إِلَّا أَنَّهُ، فَسَمَّاهَا هِيلَانَةَ، فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَتْ، فَوَجَدَ عَلَيْهَا وَجْدًا شَدِيدًا وَأَنْشَدَ: قَدْ قُلْتُ لَمَّا ضَمَّنُوكِ الثَّرَى وَجَالَتِ الْحَسْرَةُ فِي صَدْرِي اذْهَبْ فَلَا وَاللَّهِ لَا سَرَّنِي بَعْدَكِ شَيْءٌ آخِرَ الدَّهْرِ وعن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَتْ هِيلَانَةُ جَارِيَةُ الرَّشِيدِ أَمَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ الْأَحْنَفِ أَنْ يَرْثِيَهَا فَقَالَ: يَا مَنْ تَبَاشَرَتِ الْقُبُورُ بِمَوْتِهَا قَصَدَ الزَّمَانُ مَسَاءَتِي فَرَمَاكِ أَبْغِي الْأَنِيسَ فَلَا أَرَى لِي مُؤْنِسًا إِلَّا التَّرَدُّدَ حَيْثُ كُنْتُ أَرَاكِ مَلِكٌ بَكَاكِ وَطَالَ بَعْدَكِ حُزْنُهُ لَوْ يَسْتَطِيعُ بِمُلْكِهِ لَفَدَاكِ يَحْمِي الْفُؤَادَ عَنِ النِّسَاءِ حَفِيظَةً كَيْلَا يَحِلَّ حِمَى الْفُؤَادِ سِوَاكِ فَأَمَرَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِكُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةُ آلَافٍ وَقَالَ: لَوْ زِدْتَ لَزِدْنَاكَ. ( وَفِيهَا مَاتَ مُورْقَاطُ مَلِكُ جِلِّيقِيَّةَ، مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ بُرْمُنْدُ بْنُ قُلُورِيَةَ الْقِسُّ ثُمَّ تَبَرَّأَ مِنَ الْمُلْكِ، وَتَرَهَّبَ، وَجَعَلَ ابْنَ أَخِيهِ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ). وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ ( بِتَشْدِيدِ اللَّامِ )، وَجُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءِ بْنِ عُبَيْدٍ الْبَصْرِيُّ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسْمَاءٍ الْفَزَارِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَكَّةَ فُجَاءَةً.
التاريخ 2980لا حكم مسجّل
وفي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَقَعَتْ عَصَبِيَّةٌ بِالشَّامِ وَتَخْبِيطٌ بَيْنَ أَهْلِهَا . وَفِيهَا اسْتَقْضَى الرَّشِيدُ يُوسُفَ ابْنَ الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ وَأَبُوهُ حَيٌّ. وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ . وَفِيهَا: خَرَجَ الرَّشِيدُ إِلَى الْبَصْرَةِ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَزَادَ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ، وَخَرَجَ فَبَدَأَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَسَّمَ فِي أَهْلِهَا مَالًا عَظِيمًا. فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ مَكَّةَ بَلَغَهُ أَنَّ بِهَا وَبَاءً، فَلَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ حَتَّى كَانَ وَقْتُ الْوُقُوفِ فَوَقَفَ، ثُمَّ جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ، ثُمَّ مِنًى، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، فَطَافَ وَسَعَى، وَارْتَحَلَ، وَلَمْ يَنْزِلْ بِهَا. وفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ إِسْحَاقَ بْنَ سُلَيْمَانَ عَلَى السِّنْدِ وَمُكْرَانَ . وَفِيهَا هَلَكَ رَوْحُ بْنُ حَاتِمٍ، وَسَارَ الرَّشِيدُ آلَ الْجُودِيِّ، وَنَزَلَ بِقَرْدَى وَبَازَبْدَى مِنْ أَعْمَالِ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ، فَابْتَنَى بِهَا قَصْرًا. وَفِيهَا عُزِلَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ قَضَاءِ الْمَوْصِلِ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زِيَادٍ الدُّولَابِيُّ.
التاريخ 2981لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وُلِدَ سَنَةَ مِائَةٍ، وَكَانَ عَابِدًا، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ فُرْغَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ فُرْغَانَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَضْرَمِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ. وَرَوَى عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ، وَغَيْرِهِ. وَكَانَ قَاضِي مِصْرَ، وَرَوَى عَنْهُ: اللَّيْثُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ. وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ ضَعِيفًا. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، يُكَنَّى: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ - وَاسْمُ أَبِي الزِّنَادِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ - مَوْلَى رَمْلَةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، وَكُنْيَةُ مُحَمَّدٍ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْمَدِينِيُّ. كَانَ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ مَعَ أَبِيهِ، وَلَقِيَ عَامَّةَ شُيُوخِهِ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فِي السِّنِّ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَحَدِيثُهُ قَلِيلٌ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ. وَكَانَ عَالِمًا بِالْقِرَاءَةِ وَالْحَدِيثِ، وَالْفَرَائِضِ، وَالْحِسَابِ، وَالْعَرُوضِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمَاتَ أَبُوهُ قَبْلَهُ بِإِحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، وَدُفِنَا فِي مَقَابِرِ بَابِ التِّينِ. وَقِيلَ: فِي مَقْبَرَةِ الْخَيْزُرَانِ. مَنْصُورٌ، مَوْلَى عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ مَنْصُورٌ، مَوْلَى عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ، وَلَقَبُهُ: زَلْزَلَ فَغَلَبَ عَلَيْهِ وَنُسِيَ اسْمُهُ. وَكَانَ يَضْرِبُ بِالْعُودِ، فَيُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ، وَعَمِلَ بِبَغْدَادَ بِرْكَةً لِلسَّبِيلِ كَانَ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ. قَالَ: [ أَبُو بَكْرٍ ] أَحْمَدُ [بْنُ عَلِيٍّ ] الْخَطِيبُ قَالَ: أَنْشَدَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَبِي قَالَ: أَنْشَدَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ نِفْطَوَيْهِ لِنَفْسِهِ: لَوْ أَنَّ زُهَيْرًا وَامْرَأَ الْقَيْسِ أَبْصَرَا مَلَاحَةَ مَا تَحْوِيهِ بِرْكَةُ زَلْزَلِ لَمَا وَصَفَا سَلْمَى وَلَا أُمَّ سَالِمٍ وَلَا أَكْثَرَا ذِكْرَ الدُّخُولِ فَحَوْمَلِ عن إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ لِي زَلْزَلُ: عِنْدِي جَارِيَةٌ مِنْ حَالِهَا مِنْ قِصَّتِهَا قَدْ عَلَّمْتُهَا الْغِنَاءَ. فَكُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَرَاهَا، وَأَسْتَحِي أَنْ أَسَأَلَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ زَلْزَلُ بَلَغَنِي أَنَّ وَرَثَتَهُ يَعْرِفُونَ الْجَارِيَةَ، فَصِرْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْرَجُوهَا فَإِذَا هِيَ جَارِيَةٌ كَادَ الْهُزَالُ يَكْوِيهَا، لَوْلَا مَا تَمَّ مِنْهَا وَنَقَصَ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهَا: غَنِّي، فَغَنَّتْ وَعَيْنَاهَا تَذْرِفَانِ، ثُمَّ شَهِقَتْ، ظَنَنْتُ أَنَّ نَفْسَهَا قَدْ خَرَجَتْ. فَرَكِبْتُ مِنْ سَاعَتِي، فَدَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَهَا، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ: غَنِّي. فَغَنَّتْ وَجَعَلَتْ تُرِيدُ الْبُكَاءَ، فَتَمْنَعُهَا هَيْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَرَحِمَهَا وَأُعْجِبَ بِهَا، وَقَالَ: أَتُحِبِّينَ أَنْ أَشْتَرِيَكِ ؟ فَقَالَتْ: يَا سَيِّدِي، أَمَّا إِذْ خَيَّرْتَنِي فَقَدْ وَجَبَ نُصْحُكَ عَلَيَّ، وَاللَّهِ لَا يَشْتَرِينِي أَحَدٌ بَعْدَ زَلْزَلَ فَيَنْتَفِعُ بِي. فَأَمَرَ بِشِرَائِهَا وَأَعْتَقَهَا وَأَجْرَى عَلَيْهَا رِزْقًا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ قَالَ: أَتُحِبِّينَ أَنْ أَشْتَرِيَكِ ؟ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ عَرَضْتَ عَلَيَّ مَا يَقْصُرُ عَنْهُ الْأَمَلُ، وَلَكِنْ لَيْسَ مِنَ الْوَفَاءِ أَنْ يَمْلِكَنِي أَحَدٌ فَيَنْتَفِعَ بِي. فَزَادَ رِقَّةً عَلَيْهَا، وَقَالَ: غَنِّي [صَوْتًا ] فَغَنَّتْ: الْعَيْنُ تُظْهِرُ كِتْمَانِي وَتُبْدِيهِ وَالْقَلْبُ يَكْتُمُ مَا ضَمَّنْتُهُ فِيهِ وَكَيْفَ يَنْكَتِمُ الْمَكْنُونُ بَيْنَهُمَا وَالْعَيْنُ تُظْهِرُهُ وَالْقَلْبُ يُخْفِيهِ فَاشْتَرَاهَا وَأَعْتَقَهَا، وَأَجْرَى عَلَيْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. عَابِدٌ مِصْرِيٌّ مُبْتَلًى عَابِدٌ مِصْرِيٌّ مُبْتَلًى. عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْحُكَمَاءِ قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدَ الرِّبَاطَ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِعَرِيشِ مِصْرَ أَوْ دُونَهُ إِذَا أَنَا بِمِظَلَّةٍ، وَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ قَدْ ذَهَبَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَبَصَرُهُ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْمَدُكَ حَمْدًا يُوَافِي مَحَامِدَ خَلْقِكَ، كَفَضْلِكَ عَلَى سَائِرِ خَلْقِكَ، إِذْ فَضَّلْتَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْتَ تَفْضِيلًا. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَسْأَلَنَّهُ أَعُلِّمَهُ أَمْ أُلْهِمَهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ تُخْبِرُنِي بِهِ. قَالَ: إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ أَخْبَرْتُكَ. فَقُلْتُ: عَلَى أَيِّ نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِهِ تَحْمَدُهُ أَمْ عَلَى أَيِّ فَضِيلَةٍ تَشْكُرُهُ ؟ قَالَ: أَلَيْسَ تَرَى مَا قَدْ صَنَعَ بِي ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ صَبَّ عَلَيَّ السَّمَاءَ نَارًا فَأَحْرَقَتْنِي، وَأَمَرَ الْجِبَالَ فَدَمَّرَتْنِي، وَأَمَرَ الْبَحَّارَ فَغَرَّقَتْنِي، وَأَمَرَ الْأَرْضَ فَخَسَفَتْ بِي، مَا ازْدَدْتُ لَهُ إِلَّا حُبًّا وَشُكْرًا وَإِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قُلْتُ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: كَانَ لِي مَنْ يَتَعَاهَدُنِي فِي وَقْتِ صَلَاتِي وَيُطْعِمُنِي عِنْدَ إِفْطَارِي، وَقَدْ فَقَدْتُهُ مُنْذُ أَمْسِ، انْظُرْ [لِي ]، هَلْ تُحِسُّهُ لِي. فَقُلْتُ: إِنَّ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ هَذَا الْعَبْدِ لَقُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي كُثْبَانٍ مِنْ رَمْلٍ، إِذَا سَبْعٌ قَدِ افْتَرَسَ الْغُلَامَ فَأَكَلَهُ، فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، كَيْفَ آتِي هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ مِنْ وَجْهٍ رَقِيقٍ فَأُخْبِرُهُ الْخَبَرَ لِئَلَّا يَمُوتَ، فَأَتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ، أَتُخَبِّرُنِي بِهِ ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمٌ أَخْبَرْتُكَ بِهِ. قُلْتُ: أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْزِلَةً أَمْ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؟ قَالَ: بَلْ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنِّي، وَأَعْظَمَ مَنْزِلَةً. فَقُلْتُ: أَلَيْسَ [قَدْ ] ابْتَلَاهُ فَصَبَرَ، حَتَّى اسْتَوْحَشَ مِنْهُ مَنْ كَانَ يَأْنَسُ بِهِ، وَصَارَ غَرَضًا لِمُرَّارِ الطَّرِيقِ ؟ فَقَالَ: بَلَى. قُلْتُ: إِنَّ ابْنَكَ الَّذِي أَخْبَرْتَنِي مِنْ قِصَّتِهِ مَا أَخْبَرْتَنِي، خَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بَيْنَ كُثْبَانِ رَمْلٍ، إِذَا أَنَا بِالسَّبْعِ قَدِ افْتَرَسَ الْغُلَامَ وَأَكَلَهُ. فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ فِي قَلْبِي حَسْرَةً مِنَ الدُّنْيَا. ثُمَّ شَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ. فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَنْ يُعِينُنِي عَلَى غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ. فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِرَكْبٍ يُرِيدُونَ الرِّبَاطَ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهِمْ فَأَقْبَلُوا، فَقَالُوا: مَا أَنْتَ وَهَذَا ؟ فَأَخْبَرْتُهُمْ بِالَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، فَثَنَوْا رَحْلَهْمْ فَغَسَّلْنَاهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ، وَكَفَّنَّاهُ بِأَثْوَابٍ كَانَتْ مَعَهُمْ، وَوَلَّيْتُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَدَفَنَّاهُ فِي مِظَلَّتِهِ تِلْكَ، وَمَضَى الْقَوْمُ إِلَى رِبَاطِهِمْ، وَبَتُّ فِي مِظَلَّتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ آنِسًا بِهِ. فَلَمَّا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مِثْلُ مَا بَقِيَ، إِذَا أَنَا بِصَاحِبِي فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ قَائِمًا يَتْلُو الْوَحْيَ، فَقُلْتُ: أَلَيْسَ أَنْتَ صَاحِبِي ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَمَا الَّذِي صَيَّرَكَ إِلَى مَا أَرَى ؟ قَالَ: وَرَدْتُ مِنَ الصَّابِرِينَ عَلَى دَرَجَةٍ لَمْ يَنَالُوهَا إِلَّا بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْبَلَاءِ، وَالشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخَاءِ. فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا زِلْتُ أُحِبُّ أَهْلَ ذَلِكَ الْبَلَاءِ مُنْذُ حَدَّثَنِي الْحَكِيمُ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
التاريخ 2982لا حكم مسجّل
وفي سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ: عَقَدَ الرَّشِيدُ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ مِنْ بَعْدِهِ وِلَايَةَ الْعَهْدِ، فَأَخَذَ لَهُ بَيْعَةَ الْقُوَّادِ وَالْجُنْدِ بِبَغْدَادَ، وَسَمَّاهُ: الْأَمِينَ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ خَمْسُ سِنِينَ، فَقَدَّمَهُ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَالْمَأْمُونُ أَكْبَرُ مِنْهُ، لِأَنَّ أُمَّهُ زُبَيْدَةُ. فَقَالَ فِي ذَلِكَ سَلْمٌ الْخَاسِرُ: قَدْ وَفَّقَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ إِذْ بَنَى بَيْتَ الْخِلَافَةِ لِلْهِجَانِ الْأَزْهَرِ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ شَهِدَا عَلَيْهِ بِمَنْظَرٍ وِبَمَخْبَرِ قَدْ بَايَعَ الثَّقَلَانِ فِي مَهْدِ الْهُدَى لِمُحَمَّدٍ ابْنِ زُبَيْدَةَ ابْنَةِ جَعْفَرِ وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ بسنده عن الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّشِيدُ يَقُولُ: إِنِّي لَأَتَعَرَّفُ فِي عَبْدِ اللَّهِ حَزْمَ الْمَنْصُورِ، وَنُسُكَ الْمَهْدِيِّ، وَعِزَّةَ نَفْسِ الْهَادِي، فَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أَنْسُبَهُ إِلَى الرَّابِعَةِ فِيَّ لَنَسَبْتُهُ، وَإِنِّي لَأَرْضَى سِيرَتَهُ، وَأَحْمَدُ طَرِيقَتَهُ، وَاسْتَحْسِنُ سِيَاسَتَهُ، وَأَرَى قُوَّتَهُ وَذِهْنَهُ، وَآمَنُ ضَعْفَهُ وَوَهَنَهُ، وَإِنِّي لَأَقُدِّمُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ مُنْقَادٌ لِهَوَاهُ، مُتَصَرِّفٌ فِي طَرِيقِهِ، مُبَذِّرٌ لِمَا حَوَتْهُ يَدُهُ، مُشَارِكٌ لِلنِّسَاءِ وَالْإِمَاءِ فِي رَأْيِهِ، وَلَوْلَا أُمُّ جَعْفَرٍ وَمَيْلُ بَنِي هَاشِمٍ إِلَيْهِ لَقَدَّمْتُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَيْهِ. قَالَ الصُّولِيُّ: ثُمَّ جَعَلَ يَرَى فَضْلَ الْمَأْمُونِ، وَعَقَلَهُ فَيَنْدَمُ عَلَى تَقْدِيمِهِ مُحَمَّدًا، فَقَالَ: لَقَدْ بَانَ وَجْهُ الرَّأْيِ لِي غَيْرَ أَنَّنِي غُلِبْتُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي كَانَ أَحْزَمَا فَكَيْفَ يُرَدُّ الذَّرُّ فِي الضَّرْعِ بَعْدَ مَا تَوَزَّعَ حَتَّى صَارَ نَهْبًا مُقَسَّمًا أَخَافُ الْتِوَاءَ الْأَمْرِ بَعْدَ انْصِدَاعِهِ وَأَنْ يُنْقَضَ الْأَمْرُ الَّذِي كَانَ أُبْرِمَا وَكَانَ السَّبَبُ فِي التَّقَدُّمِ لِمُحَمَّدٍ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ مَدُّوا أَعْنَاقَهُمْ إِلَى الْخِلَافَةِ بَعْدَ الرَّشِيدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيُّ عَهْدٍ، فَمَضَى عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ لَمَا عَمِلْتَ فِي الْبَيْعَةِ لِابْنِ أُخْتِي - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ زُبَيْدَةَ - فَإِنَّهُ وَلَدُكَ، وَخِلَافَتُهُ لَكَ. فَوَعَدَهُ أَنْ يَفْعَلَ، فَلَمَّا صَارَ الْفَضْلُ إِلَى خُرَاسَانَ فَرَّقَ فِيهِمْ أَمْوَالًا وَأَعْطَى [الْجُنْدَ ] عَطِيَّاتٍ مُتَتَابِعَةً، ثُمَّ أَظْهَرَ الْبَيْعَةَ لِمُحَمَّدٍ، فَبَايَعَ النَّاسُ لَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ فَبُويِعَ لَهُ، فَأَنْكَرَ قَوْمٌ الْبَيْعَةَ لِصِغَرِ سِنِّهِ. وَحَكَى [أَبُو بَكْرٍ ] الصُّولِيُّ أَنَّ الرَّشِيدَ بَايَعَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ [وَمِائَةٍ ] لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْعَهْدِ بَعْدَ الْأَمِينِ، وَسَمَّاهُ: الْمَأْمُونَ، وَوَلَّاهُ الْمَشْرِقَ كُلَّهُ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمَا كِتَابًا عَلَّقَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
التاريخ 2983لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سنة خمس وسبعين ومائة: عَزَلَ الرَّشِيدُ الْعَبَّاسَ بْنَ جَعْفَرٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا خَالَهُ الْغِطْرِيفَ بْنَ عَطَاءٍ. وَفِيهَا: صَارَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ إِلَى الدَّيْلَمِ، فَتَحَرَّكَ هُنَاكَ. وَفِيهَا: غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ. [قَالَ الْوَاقِدِيُّ: الَّذِي غَزَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ]. قَالَ: وَأَصَابَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ بَرْدٌ قَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ. وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ. وَقِيلَ: بَلْ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ. وَفِيهَا سَيَّرَ هِشَامٌ أَيْضًا يُوسُفَ بْنَ بُخْتٍ فِي جَيْشٍ إِلَى جِلِّيقِيَّةَ، فَلَقِيَ مَلِكَهُمْ وَهُوَ بُرْمُنْدُ الْكَبِيرُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَتِ الْجَلَالِقَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ عَالَمٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا انْقَادَ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ إِلَى طَاعَةِ الْأَمِيرِ هِشَامٍ فَآمَنَهُمْ. وَفِيهَا سَجَنَ هِشَامٌ أَيْضًا ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ لِشَيْءٍ بَلَغَهُ عَنْهُ، فَبَقِيَ مَسْجُونًا حَيَاةَ أَبِيهِ وَبَعْضَ وِلَايَةِ أَخِيهِ، فَتُوُفِّيَ مَحْبُوسًا سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا وُلِدَ إِدْرِيسُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنَ الْحَوَادِثِ فِي أَيَّامِهِ : فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ: افْتَرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيُّ عَلَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ الْعَلَوِيِّ: أَنَّهُ طَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ عَلَى الرَّشِيدِ، فَبَاهَلَهُ يَحْيَى بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ وَشَبَّكَ يَدَهُ فِي يَدِهِ; وَقَالَ: قُلِ اللَّهُمَّ; إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ يَحْيَى لَمْ يَدْعُنِي إِلَى الْخِلَافِ وَالْخُرُوجِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا... فَكِلْنِي إِلَى حَوْلِي وَقُوَّتِي، وَأَسْحِتْنِي بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِكَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ، فَتَلَجْلَجَ الزُّبَيْرِيُّ وَقَالَهَا، ثُمَّ قَالَ يَحْيَى مِثْلَ ذَلِكَ وَقَامَا، فَمَاتَ الزُّبَيْرِيُّ لِيَوْمِهِ.
التاريخ 2984لا حكم مسجّل
ظَفَرِ هِشَامٍ بِأَخَوَيْهِ وَمَطْرُوحٍ وَفِيهَا فَرَغَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، مِنْ أَخَوَيْهِ سُلَيْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ، وَأَجْلَاهُمَا عَنِ الْأَنْدَلُسِ، فَلَمَّا خَلَا سِرُّهُ مِنْهُمَا انْتَدَبَ لِمَطْرُوحِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَقْظَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُثْمَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُثْمَانَ. فَسَارُوا إِلَى مَطْرُوحٍ، وَهُوَ بِسَرَقُسْطَةَ، فَحَصَرُوهُ بِهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، فَرَجَعَ أَبُو عُثْمَانَ عَنْهُ، وَنَزَلَ بِحِصْنِ طَرَسُونَةَ، بِالْقُرْبِ مِنْ سَرَقُسْطَةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ عَلَى أَهْلِ سَرَقُسْطَةَ يُغِيرُونَ وَيَمْنَعُونَ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ. ثُمَّ إِنَّ مَطْرُوحًا خَرَجَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ، آخِرَ النَّهَارِ، يَتَصَيَّدُ، فَأَرْسَلَ الْبَازِي عَلَى طَائِرٍ، فَاقْتَنَصَهُ، فَنَزَلَ مَطْرُوحٌ لِيَذْبَحَهُ بِيَدِهِ، وَمَعَهُ صَاحِبَانِ لَهُ قَدِ انْفَرَدَ بِهِمَا عَنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَاهُ وَاحْتَزَّا رَأْسَهُ وَأَتَيَا بِهِ أَبَا عُثْمَانَ، فَسَارَ إِلَى سَرَقُسْطَةَ، فَكَاتَبَهُ أَهْلُهَا بِالطَّاعَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ، وَسَارَ إِلَيْهَا فَنَزَلَهَا، وَأَرْسَلَ رَأْسَ مَطْرُوحٍ إِلَى هِشَامٍ.
التاريخ 2985لا حكم مسجّل
غَزَاةِ هِشَامٍ بِالْأَنْدَلُسِ ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُثْمَانَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ مَطْرُوحٍ أَخَذَ الْجَيْشَ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَقَصَدَ أَلَبَةَ، وَالْقِلَاعَ، فَلَقِيَهُ الْعَدُوُّ، فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
التاريخ 2986لا حكم مسجّل
وَفِي سنة خمس وسبعين ومائة خَرَجَ بِخُرَاسَانَ حُصَيْنٌ الْخَارِجِيُّ، وَهُوَ مِنْ مَوَالِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، مِنْ أَهْلِ أُوقَ، وَكَانَ عَلَى سِجِسْتَانَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَارَةَ، فَأَرْسَلَ جَيْشًا، فَلَقِيَهُمْ حُصَيْنٌ، فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ أَتَى خُرَاسَانَ وَقَصَدَ بَاذَغِيسَ، وَبُوشَنْجَ، وَهَرَاةَ، وَكَتَبَ الرَّشِيدُ إِلَى الْغِطْرِيفِ فِي طَلَبِهِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْغِطْرِيفُ دَاوُدَ بْنَ يَزِيدَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلَقِيَهُمْ حُصَيْنٌ فِي سِتِّمِائَةٍ، فَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ سَارَ فِي خُرَاسَانَ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 2987لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْحَكَمُ بْنُ فُضَيْلٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ الْحَكَمُ بْنُ فُضَيْلٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيُّ . نَزَلَ الْمَدَائِنَ، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَيَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، رَوَى عَنْهُ: أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، وَكَانَ الْحَكَمُ ثِقَةً عِنْدَ أَهْلِ زَمَانِهِ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. شَعْوَانَةُ الْعَابِدَةُ شَعْوَانَةُ الْعَابِدَةُ . كَانَتْ كَثِيرَةَ التَّعَبُّدِ، شَدِيدَةَ الْخَوْفِ، طَوِيلَةَ الْبُكَاءِ، وَسَأَلَهَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ الدُّعَاءَ فَقَالَتْ: يَا فُضَيْلُ، أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ مَا إِنْ دَعَوْتَهُ اسْتَجَابَ لَكَ ؟ فَشَهِقَ الْفُضَيْلُ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وعن مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي يَوْمًا: انْطَلِقْ بِنَا حَتَّى نَأْتِيَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ الصَّالِحَةَ، فَنَنْظُرَ إِلَيْهَا - يَعْنِي شَعْوَانَةَ - فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو هَمَّامٍ فَدَخَلْنَا عَلَيْهَا فَقَالَتْ: مَرْحَبًا يَا ابْنَ مَنْ لَمْ نَرَهُ وَنَحْنُ نُحِبُّهُ، أَمَا وَاللَّهِ يَا بُنِيَّ إِنِّي لَمُشْتَاقَةٌ إِلَى أَبِيكَ، وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ إِتْيَانِهِ إِلَّا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشْغَلَهُ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ، وَخِدْمَةِ سَيِّدِهِ أَوْلَى بِهِ مِنْ مُحَادَثَةِ شَعْوَانَةَ، ثُمَّ قَالَتْ: وَمَنْ شَعْوَانَةُ، وَمَا شَعْوَانَةُ ؟ ! أَمَةٌ سَوْدَاءُ عَاصِيَةٌ. ثُمَّ أَخَذَتْ فِي الْبُكَاءِ فَلَمْ تَزَلْ تَبْكِي حَتَّى خَرَجْنَا وَتَرَكْنَاهَا. وعن إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: قَدِمَتْ شَعْوَانَةُ وَزَوْجُهَا مَكَّةَ، فَجَعَلَا يَطُوفَانِ وَيُصَلِّيَانِ، فَإِذَا كَلَّ أَوْ أَعْيَا جَلَسَ، وَجَلَسَتْ خَلْفَهُ فَيَقُولُ هُوَ فِي جُلُوسِهِ: أَنَا الْعَطْشَانُ مِنْ حُبِّكِ لَا أَرْوَى. وَتَقُولُ هِيَ: أَنْبَتَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فِي الْجِبَالِ وَدَوَاءُ الْمُحِبِّينَ فِي الْجِبَالِ لَمْ يَنْبُتْ. اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو الْحَارِثِ . يُقَالُ إِنَّهُ مَوْلَى خَالِدِ بْنِ ثَابِتٍ الْفَهْمِيِّ. وُلِدَ بِقَرْقَشَنْدَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَسْفَلِ أَرْضِ مِصْرَ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَرَوَى عَنْ: عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَنَافِعٍ فِي آخَرِينَ. حَدَّثَ عَنْ: هُشَيْمٍ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِمَا. وَكَانَ فَقِيهًا فَاضِلًا ثِقَةً جَوَادًا، يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَيَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَالْعَرَبِيَّةَ وَالشِّعْرَ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: كَتَبَ مَالِكُ [بْنُ أَنَسٍ ] إِلَى اللَّيْثِ [بْنِ سَعْدٍ: ] أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَ ابْنَتِي عَلَى زَوْجِهَا فَأُحِبُّ أَنْ تَبْعَثَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ عُصْفُرَ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ اللَّيْثُ ثَلَاثِينَ حِمْلًا عُصْفُرَ فَصَبَغَ لِابْنَتِهِ، وَبَاعَ مِنْهُ بِخَمْسِ مِائَةِ دِينَارٍ وَبَقِيَ عِنْدَهُ فَضْلَةٌ. وعن أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّسَائِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ اللَّيْثِ يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي حَاجًّا، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ بِطَبَقٍ فِيهِ رُطَبٌ، فَجَعَلَ عَلَى الطَّبَقِ أَلْفَ دِينَارٍ وَرَدَّهُ إِلَيْهِ. وقَالَ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: كَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَسْتَغِلُّ كُلَّ سَنَةٍ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالَ: مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ زَكَاةٌ قَطُّ، وَأَعْطَى ابْنَ لَهِيعَةَ أَلْفَ دِينَارٍ وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَعْطَى مَنْصُورَ بْنَ عَمَّارٍ أَلْفَ دِينَارٍ، وَجَارِيَةً تَسَاوِي ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ: وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى اللَّيْثِ [بْنِ سَعْدٍ ] فَقَالَتْ: يَا أَبَا الْحَارِثِ إِنَّ ابْنِي عَلِيلٌ وَقَدِ اشْتَهَى عَسَلًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، أَعْطِهَا مِرْطًا مِنْ عَسَلٍ. وَالْمِرْطُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا. تُوُفِّيَ اللَّيْثُ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّهُ سُمِعَ قَائِلٌ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ اللَّيْثُ: ذَهَبَ اللَّيْثُ فَلَا لَيْثَ لَكُمْ وَمَضَى الْعِلْمُ غَرِيبًا وَقُبِرْ فَالْتَفَتُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا. الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ . كَانَ مِنْ سَرَوَاتِ قُرَيْشٍ، وَأَهْلِ الْفَضْلِ. وعن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: دَعَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيُّ إِلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ أَرَ رَجُلًا قَطُّ كَانَ لَهُ اسْتِعْفَاءٌ مِنْهُ، قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: إِنِّي كُنْتُ وُلِّيتُ وِلَايَةً فَخَشِيتُ أَنْ لَا أَكُونَ سَلِمْتُ مِنْهَا، فَأَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَلِيَ وِلَايَةً أَبَدًا، وَأَنَا أُعِيذُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَنَفْسِي أَنْ يَحْمِلَنِي عَلَى أَنْ أَخِيسَ بِعَهْدِ اللَّهِ. قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [ الْمَهْدِيُّ: ] فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَيْتَ هَذَا مِنْ نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ أَدْعُوَكَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَيْتُ هَذَا مِنْ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ تَدْعُوَنِي. فَقَالَ: قَدْ أَعْفَيْتُكَ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي غَيْرُ عَمِّي مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: عَرَضَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيُّ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يَلِيَ لَهُ الْقَضَاءَ فَاسْتَعْفَى، فَقَالَ: لَا أُعْفِيكَ حَتَّى تَدُلَّنِي عَلَى إِنْسَانٍ أُوَلِّيهِ الْقَضَاءَ. فَدَلَّهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ فَاسْتَقْضَاهُ، فَحَجَّ تِلْكَ الْأَيَّامَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُوهُ فَاكْتَرَى لِأَبِيهِ إِلَى الْحَجِّ وَمَا يَجِدُ مَا يَكْتَرِي لِنَفْسِهِ فَحَجَّ مَاشِيًا. تُوُفِّيَ الْمُنْذِرُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُسْلِمٍ الضَّبِّيُّ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ عَلَى شُرَطِ الْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ، وَوَلَّاهُ الْمَهْدِيُّ خُرَاسَانَ.
التاريخ 2988لا حكم مسجّل
ظُهُورِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِالدَّيْلَمِ ( وفِي سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ ظَهَرَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بِالدَّيْلَمِ ) وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُ، وَكَثُرَ جُمُوعُهُ، وَأَتَاهُ النَّاسُ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَاغْتَمَّ الرَّشِيدُ لِذَلِكَ، فَنَدَبَ إِلَيْهِ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى فِي خَمْسِينَ أَلْفًا، وَوَلَّاهُ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ وَالرَّيَّ وَغَيْرَهَا، وَحَمَلَ مَعَهُ الْأَمْوَالَ، فَكَاتَبَ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَطُفَ بِهِ، وَحَذَّرَهُ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ، وَبَسَطَ أَمَلَهُ. وَنَزَلَ الْفَضْلُ ( الطَّالَقَانَ )، بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ أَشَبُّ، وَوَالَى كُتُبَهُ إِلَى يَحْيَى، وَكَاتَبَ صَاحِبَ الدَّيْلَمِ، وَبَذَلَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنْ يُسَهِّلَ لَهُ خُرُوجَ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَأَجَابَ يَحْيَى إِلَى الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يَكْتُبَ لَهُ الرَّشِيدُ أَمَانًا بِخَطِّهِ يُشْهِدُ عَلَيْهِ فِيهِ الْقُضَاةَ، وَالْفُقَهَاءَ، وَجِلَّةَ بَنِي هَاشِمٍ، وَمَشَايِخَهُمْ، مِنْهُمْ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، فَأَجَابَهُ الرَّشِيدُ إِلَى ذَلِكَ، وَسُرَّ بِهِ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَةُ الْفَضْلِ عِنْدَهُ وَسَيَّرَ الْأَمَانَ مَعَ هَدَايَا وَتُحَفٍ، فَقَدِمَ يَحْيَى مَعَ الْفَضْلِ بَغْدَاذَ، وَتَلْقَّاهُ الرَّشِيدُ، وَأَكْرَمَهُ وَأَجْزَلَ لَهُ الْعَطَاءَ، وَخَدَمَهُ آلُ بَرْمَكَ خِدْمَةً عَظِيمَةً، بِحَيْثُ إِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ كَانَ يَتَوَلَّى خِدْمَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَعَظُمَ الْفَضْلُ عِنْدَ الرَّشِيدِ جَدًّا بِهَذِهِ الْفِعْلَةِ; حَيْثُ سَعَى فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالْفَاطِمِيِّينَ. مدح مروان بن أبي حفصة الفضل بن يحيى لإصلاح بين العباسيين والفاطميين فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مَرْوَانُ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ يَمْدَحُ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى، وَيَشْكُرُهُ عَلَى سَعْيِهِ هَذَا: ظَفِرْتَ فَلَا شُلَّتْ يَدٌ بَرْمَكِيَّةٌ رَتَقْتَ بِهَا الْفَتْقَ الَّذِي بَيْنَ هَاشِمٍ عَلَى حِينِ أَعْيَا الرَّاتِقينَ الْتِئَامُهُ فَكَفُّوا وَقَالُوا لَيْسَ بِالْمُتَلَائِمِ فَأَصْبَحَتْ قَدْ فَازَتْ يَدَاكَ بِخُطَّةٍ مِنَ الْمَجْدِ بَاقٍ ذِكْرُهَا فِي الْمَوَاسِمِ وَمَا زَالَ قِدْحُ الْمُلِكِ يَخْرُجُ فَائِزًا لَكُمْ كُلَّمَا ضُمَّتْ قِدَاحُ الْمُسَاهِمِ قَالُوا: ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ تَنَكَّرَ لِيَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَتَغَيَّرَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَجَنَهُ، ثُمَّ اسْتَحْضَرَهُ الرَّشِيدُ وَعِنْدَهُ الْقَاضِيَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَحْضَرَ الْأَمَانَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، فَسَأَلَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْأَمَانِ أَصَحِيحٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَغَيَّظَ الرَّشِيدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحٍ، فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا شِئْتَ. وَمَزَّقَ الْأَمَانَ، وَبَصَقَ فِيهِ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَأَقْبَلَ الرَّشِيدُ عَلَى يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: هِيهِ هِيهِ. وَهُوَ يَتَبَسَّمُ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، وَقَالَ إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّا سَمَمْنَاكَ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لَنَا قَرَابَةً وَرَحِمًا وَحَقًّا، فَعَلَامَ تُعَذِّبُنِي وَتَحْبِسُنِي؟ فَرَقَّ لَهُ الرَّشِيدُ، فَاعْتَرَضَ بَكَّارُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لَا يُغْرُنَّكَ كَلَامُ هَذَا، فَإِنَّهُ عَاصٍ شَاقٌّ، وَإِنَّمَا هَذَا مِنْهُ مَكْرٌ وَخُبْثٌ، وَقَدْ أَفْسَدَ عَلَيْنَا مَدِينَتَنَا، وَأَظْهَرَ فِيهَا الْعِصْيَانَ. فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: وَمَنْ أَنْتُمْ عَافَاكُمُ اللَّهُ؟ وَإِنَّمَا هَاجَرَ أَبُوكَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِآبَائِي، وَآبَاءِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا النَّاسُ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ جَاءَ إِلَيَّ هَذَا حِينَ قُتِلَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ قَاتِلَهُ. وَأَنْشَدَنِي فِيهِ مَرْثِيَّةً نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا، وَقَالَ: إِنْ تَحَرَّكْتَ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُكَ، وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَلْحَقَ بِالْبَصْرَةِ وَأَيْدِينَا مَعَ يَدِكَ؟ قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ الزُّبَيْرِيِّ، وَأَنْكَرَ وَشَرَعَ يَحْلِفُ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ: إِنَّهُ لَكَاذِبٌ فِي ذَلِكَ. وَتَنَمَّرَ الرَّشِيدُ، وَقَالَ لِيَحْيَى: أَتَحْفَظُ شَيْئًا مِنَ الْمَرْثِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَأَنْشَدَهُ مِنْهَا جَانِبًا. فَازْدَادَ الزُّبَيْرِيُّ فِي الْإِنْكَارِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَقُلْ: إِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَقَدْ بَرِئْتَ مِنْ حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَوَكَلَنِي اللَّهُ إِلَى حَوْلِي وَقُوَّتِي. فَامْتَنَعَ مِنَ الْحَلِفِ بِذَلِكَ، فَعَزَمَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ، وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَحَلَفَ بِذَلِكَ، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الرَّشِيدِ فَرَمَاهُ اللَّهُ بِالْفَالِجِ فَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ امْرَأَتَهُ غَمَّتْ وَجْهَهُ بِمِخَدَّةٍ، فَقَتَلَتْهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ أَطْلَقَ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، وَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَيُقَالُ: إِنَّمَا حَبَسَهُ بَعْضَ يَوْمٍ. وَكَانَ جُمْلَةُ مَا وَصَلَهُ مِنَ الْمَالِ مِنَ الرَّشِيدِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ شَهْرًا وَاحِدًا، ثُمَّ مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ.
التاريخ 2989لا حكم مسجّل
وِلَايَةِ عُمَرَ بْنِ مِهْرَانَ مِصْرَ . وَفِي سنة ست وسبعين ومائة عَزَلَ الرَّشِيدُ مُوسَى بْنَ عِيسَى عَنْ مِصْرَ، وَرَدَّ أَمْرَهَا إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا جَعْفَرٌ عُمَرَ بْنَ مِهْرَانَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الرَّشِيدَ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى عَازِمٌ عَلَى الْخَلْعِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعْزِلُهُ إِلَّا بِأَخَسَّ مَنْ عَلَى بَابِي ! فَأَمَرَ جَعْفَرًا، فَأَحْضَرَ عُمَرَ بْنَ مِهْرَانَ، وَكَانَ أَحْوَلَ، مُشَوَّهَ الْخَلْقِ، وَكَانَ لِبَاسُهُ خَسِيسًا، وَكَانَ يُرْدِفُ غُلَامَهُ خَلْفَهُ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: أَتَسِيرُ إِلَى مِصْرَ أَمِيرًا ؟ قَالَ: أَتَوَلَّاهَا عَلَى شَرَائِطَ، إِحْدَاهَا أَنْ يَكُونَ إِذْنِي إِلَى نَفْسِي، إِذَا أَصْلَحْتُ الْبِلَادَ انْصَرَفْتُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. فَسَارَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَتَى دَارَ مُوسَى فَجَلَسَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ، فَلَمَّا تَفَرَّقُوا قَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ ! ثُمَّ دَفَعَ إِلَيْهِ الْكُتُبَ، فَلَمَّا قَرَأَهَا قَالَ: هَلْ يَقْدَمُ أَبُو حَفْصٍ، أَبْقَاهُ اللَّهُ ؟ قَالَ: أَنَا أَبُو حَفْصٍ، قَالَ مُوسَى: لَعَنَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ حَيْثُ قَالَ: ( أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ )، ثُمَّ سَلَّمَ لَهُ الْعَمَلَ. وَارْتَحَلَ عَنْهَا، وَأَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ مِهْرَانَ عَلَى عَمَلِهِ، فَكَانَ لَا يَقْبَلُ شَيْئًا مِنَ الْهَدَايَا إِلَّا مَا كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ قُمَاشًا، وَيَكْتُبُ عَلَى ذَلِكَ اسْمَ مُهْدِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ طَالَبَ بِالْخَرَاجِ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَشَرَعَ بَعْضُهُمْ فِي مُمَاطَلَتِهِ، فَأَقْسَمَ لَا يُمَاطِلُهُ أَحَدٌ فَيَقْبِضَ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَبْعَثُهُ إِلَى بَغْدَادَ وَيَزِنُ خَرَاجَهُ بِهَا، وَيَأْتِي بِوَرَقَةِ الْقَبْضِ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِبَعْضِ النَّاسِ فَتَأَدَّبَ بَقِيَّتُهُمْ، ثُمَّ جَبَاهُمُ الْقِسْطَ الثَّانِي، فَلَمَّا كَانَ الثَّالِثُ عَجَزَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنِ الْأَدَاءِ، فَجَعَلَ يَسْتَحْضِرُ مَا كَانُوا أَهْدَوْا إِلَيْهِ; فَإِنْ كَانَ نَقْدًا أَدَّاهُ عَنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ بُرًّا بَاعَهُ وَاعْتَدَّ بِهِ عَنْهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا ادَّخَرْتُ هَذَا لَكْمْ إِلَى وَقْتِ حَاجَتِكُمْ. ثُمَّ أَكْمَلَ اسْتِخْرَاجَ جَمِيعَ الْخَرَاجِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدٌ قَبْلَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَى الرَّشِيدِ أَنَّهُ إِذَا مَهَّدَ الْبِلَادَ وَجَبَى الْخَرَاجَ، فَذَاكَ إِذْنُهُ فِي الِانْصِرَافِ. وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سِوَى مَوْلَاهُ أَبِي دُرَّةَ وَهُوَ حَاجِبُهُ، وَهُوَ مَنْفِذُ أُمُورِهِ.
التاريخ 2990لا حكم مسجّل
الْفِتْنَةِ بِدِمَشْقَ وَفِي سنة ست وسبعين ومائة هَاجَتِ الْفِتْنَةُ بِدِمَشْقَ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ ، وَكَانَ رَأْسَ الْمُضَرِيَّةِ أَبُو الْهَيْذَامِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمٍ النَّاعِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ نُشْبَةَ بْنِ غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ الْمُرِّيُّ، أَحَدُ فُرْسَانِ الْعَرَبِ الْمَشْهُورِينَ. وَكَانَ سَبَبُ الْفِتْنَةِ أَنَّ عَامِلًا لِلرَّشِيدِ بِسِجِسْتَانَ قَتَلَ أَخًا لِأَبِي الْهَيْذَامِ، فَخَرَجَ أَبُو الْهَيْذَامِ بِالشَّامِ، وَجَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا، وَقَالَ يَرْثِي أَخَاهُ: سَأَبْكِيكَ بِالْبِيضِ الرِّقَاقِ وَبِالْقَنَا فَإِنَّ بِهَا مَا يُدْرِكُ الطَّالِبُ الْوِتَرَا وَلَسْنَا كَمَنْ يَنْعَى أَخَاهُ بِغَيْرِهِ يُعَصِّرُهَا مِنْ مَاءِ مُقْلَتِهِ عَصْرَا وَإِنَّا أُنَاسٌ مَا تَفِيضُ دُمُوعُنَا عَلَى هَالِكٍ مِنَّا وَإِنْ قَصَمَ الظَّهْرَا وَلَكِنَّنِي أَشْفِي الْفُؤَادَ بِغَارَةٍ أُلَهِّبُ فِي قَطَرَيْ كَتَائِبِهَا جَمْرَا وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِغَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا لَهُ. ثُمَّ إِنَّ الرَّشِيدَ احْتَالَ عَلَيْهِ بِأَخٍ لَهُ كَتَبَ إِلَيْهِ فَأَرْغَبَهُ، ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَكَتَفَهُ، وَأَتَى بِهِ الرَّشِيدَ، فَمَنَّ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَهُ. وَقِيلَ: كَانَ أَوَّلُ مَا هَاجَتِ الْفِتْنَةُ فِي الشَّامِ أَنْ رُجَلًا مِنْ [ بَنِي ] الْقَيْنِ خَرَجَ بِطَعَامٍ لَهُ يَطْحَنُهُ فِي الرَّحَا بِالْبَلْقَاءِ، فَمَرَّ بِحَائِطِ رَجُلٍ مِنْ لَخْمٍ أَوْ جُذَامٍ، وَفِيهِ بِطِّيخٌ وَقِثَّاءٌ، فَتَنَاوَلَ مِنْهُ، فَشَتَمَهُ صَاحِبُهُ، وَتَضَارَبَا، وَسَارَ الْقَيْنِيُّ، فَجَمَعَ صَاحِبُ الْبِطِّيخِ قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لِيَضْرِبُوهُ إِذَا عَادَ، فَلَمَّا عَادَ ضَرَبُوهُ وَأَعَانَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَقُتِلَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ، وَطَلَبُوا بِدَمِهِ، فَاجْتَمَعُوا لِذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى دِمَشْقَ حِينَئِذٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، فَلَمَّا خَافَ النَّاسُ أَنْ يَتَفَاقَمَ ذَلِكَ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالرُّؤَسَاءِ لِيُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، فَأَتَوْا بَنِي الْقَيْنِ فَكَلَّمُوهُمْ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَأَتَوُا الْيَمَانِيَّةَ فَكَلَّمُوهُمْ، فَقَالُوا: انْصَرِفُوا عَنَّا حَتَّى نَنْظُرَ، ثُمَّ سَارُوا، فَبَيَّتُوا [ بَنِي ] الْقَيْنِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سِتَّمِائَةٍ، وَقِيلَ ثَلَاثَمِائَةٍ، فَاسْتَنْجَدَتِ الْقَيْنُ قُضَاعَةَ وَسَلِيحًا، فَلَمْ يُنْجِدُوهُمْ، فَاسْتَنْجَدَتْ قَيْسًا فَأَجَابُوهُمْ، وَسَارُوا مَعَهُمْ إِلَى الصَّوَالِيكِ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، فَقَتَلُوا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ ثَمَانِمِائَةٍ، وَكَثُرَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ فَالْتَقَوْا مَرَّاتٍ. وَعُزِلَ عَبْدُ الصَّمَدِ عَنْ دِمَشْقَ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، فَدَامَ ذَلِكَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَالْتَقَوْا بِالْبَثْنِيَّةِ، فَقُتِلَ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ نَحْوُ ثَمَانِمِائَةٍ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا بَعْدَ شَرٍّ طَوِيلٍ. وَوَفَدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى الرَّشِيدِ، وَكَانَ مَيْلُهُ مَعَ الْيَمَانِيَّةِ، فَوَقَعَ فِي قَيْسٍ عِنْدَ الرَّشِيدِ، فَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ بِشْرٍ النَّصْرِيُّ مِنْ بَنِي نَصْرٍ، فَقَبِلَ عُذْرَهُمْ، وَرَجَعُوا. وَاسْتَخْلَفَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى دِمَشْقَ ابْنَهُ إِسْحَاقَ، وَكَانَ مَيْلُهُ أَيْضًا مَعَ الْيَمَانِيَّةِ، فَأَخَذَ جَمَاعَةً مِنْ قَيْسٍ، فَحَبَسَهُمْ، وَضَرَبَهُمْ وَحَلَقَ لِحَاهُمْ، فَنَفَرَ النَّاسُ، وَوَثَبَ غَسَّانُ بِرَجُلٍ مِنْ وَلَدِ قَيْسِ بْنِ الْعَبْسِيِّ فَقَتَلُوهُ، فَجَاءَ أَخُوهُ إِلَى نَاسٍ مِنَ الزَّوَاقِيلِ بِحَوْرَانَ، فَاسْتَنْجَدَهُمْ فَأَنْجَدُوهُ وَقَتَلُوا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ نَفَرًا. ثُمَّ ثَارَتِ الْيَمَانِيَّةُ بِكُلَيْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجُنَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعِنْدَهُ ضَيْفٌ لَهُ، فَقَتَلُوهُ، فَجَاءَتْ أُمُّ الْغُلَامِ بِثِيَابِهِ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: انْصَرِفِي حَتَّى نَنْظُرَ، فَإِنِّي لَا أَخْبِطَ خَبْطَ الْعَشْوَاءِ، حَتَّى يَأْتِيَ الْأَمِيرُ وَنَرْفَعَ إِلَيْهِ دِمَاءَنَا، فَإِنْ نَظَرَ فِيهَا وَإِلَّا فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُ فِيهَا. ثُمَّ أَرْسَلَ إِسْحَاقُ فَأَحْضَرَ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَحَضَرَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ نَاسًا مِنَ الزَّوَاقِيلِ قَتَلُوا رُجَلًا مِنَ الْيَمَانِيَّةِ، وَقَتَلَتِ الْيَمَانِيَّةُ رُجَلًا مِنْ سُلَيْمٍ، وَنَهَبَتْ أَهْلَ تَلْفِياثَا، وَهُمْ جِيرَانُ مُحَارِبٍ، فَجَاءَتْ مُحَارِبٌ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَرَكِبَ مَعَهُمْ إِلَى إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ، فَوَعَدَهُمُ الْجَمِيلَ فَرَضِيَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ أَرْسَلَ إِسْحَاقُ إِلَى الْيَمَانِيَّةِ يُغْرِيهِمْ بِأَبِي الْهَيْذَامِ، فَاجْتَمَعُوا، وَأَتَوْا أَبَا الْهَيْذَامِ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَهَزَمَهُمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى دِمَشْقَ، وَأَخْرَجَ أَهْلَ السُّجُونِ عَامَّةً. استنجاد اليمانية بكلب ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْيَمَانِيَّةِ اسْتَجْمَعَتْ، وَاسْتَنْجَدَتْ كَلْبًا وَغَيْرَهُمْ فَأَمَدُّوهُمْ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمُضْرِيَّةِ، فَأَتَتْهُ الْأَمْدَادُ وَهُوَ يُقَاتِلُ الْيَمَانِيَّةَ عِنْدَ بَابِ تُومَا، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ. ( ثُمَّ إِنَّ الْيَمَانِيَّةَ أَتَتْ قَرْيَةً لِقَيْسٍ عِنْدَ دِمَشْقَ، فَأَرْسَلَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَيْهِمُ الزَّوَاقِيلَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ ) أَيْضًا، ثُمَّ لَقِيَهُمْ جَمْعٌ آخَرُ فَانْهَزَمُوا أَيْضًا، ثُمَّ أَتَاهُمُ الصَّرِيخُ: أَدْرِكُوا بَابَ تُومَا، فَأَتَوْهُ فَقَاتَلُوا الْيَمَانِيَّةَ فَانْهَزَمَتْ أَيْضًا، فَهَزَمُوهُمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِسْحَاقُ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ، فَفَعَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَمَانِيَّةِ: قَدْ كَفَفْتُهُ عَنْكُمْ، فَدُونَكُمُ الرَّجُلُ فَهُوَ غَارٌّ، فَأَتَوْهُ مِنْ بَابِ شَرْقِيٍّ مُتَسَلِّلِينَ، فَأَتَى الصَّرِيخُ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَرَكِبَ فِي فَوَارِسَ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ. ثُمَّ بَلَغَهُ خَبَرُ جَمْعٍ آخَرَ لَهُمْ عَلَى بَابِ تُومَا، فَأَتَاهُمْ، فَهَزَمَهُمْ أَيْضًا، ثُمَّ جَمَعَتِ الْيَمَانِيَّةُ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ وَالْخَوْلَانَ وَكَلْبًا وَغَيْرَهُمْ، وَأَتَى الْخَبَرُ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَلَمْ يَقِفْ لَهُمْ عَلَى خَبَرٍ فِي ذَلِكَ، وَجَاءُوا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَانَ آمِنًا مِنْهَا لِبِنَاءٍ فِيهَا. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ وَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَرَّقَ أَصْحَابَهُ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَهَا مَعَهُمْ، وَخَلَّفَ طَلِيعَةً، فَلَمَّا رَآهُ إِسْحَاقُ قَدْ دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَى ذَلِكَ الْبِنَاءِ فَهَدَمَهُ، وَأَمَرَ الْيَمَانِيَّةَ بِالْعُبُورِ، فَفَعَلُوا، فَجَاءَتِ الطَّلِيعَةُ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، وَهُوَ عِنْدَ بَابِ الصَّغِيرِ. وَدَخَلَتِ الْيَمَانِيَّةُ الْمَدِينَةَ وَحَمَلُوا عَلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَلَمْ يَبْرَحْ، وَأَمَرَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَأْتِيَ الْيَمَانِيَّةَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا رَأَتْهُمُ الْيَمَانِيَّةُ تَنَادَوْا: الْكَمِينَ الْكَمِينَ، وَانْهَزَمُوا، وَأَخَذَ مِنْهُمْ سِلَاحًا وَخَيْلًا. فَلَمَّا كَانَ مُسْتَهَلُّ صَفَرٍ جَمَعَ إِسْحَاقُ الْجُنُودَ، فَعَسْكَرُوا عِنْدَ قَصْرِ الْحَجَّاجِ، وَأَعْلَمَ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، فَجَاءَتْهُ الْقَيْنُ وَغَيْرُهُمْ، وَاجْتَمَعَتِ الْيَمَنُ إِلَى إِسْحَاقَ، فَالْتَقَى بَعْضُ الْعَسْكَرِ فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَنَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي الْهَيْذَامِ بَعْضَ دَارِيَّا، وَأَحْرَقُوا فِيهَا وَرَجَعُوا، وَأَغَارَ هَؤُلَاءِ، فَنَهَبُوا وَأَحْرَقُوا، وَاقْتَتَلُوا غَيْرَ مَرَّةٍ، فَانْهَزَمَتِ الْيَمَانِيَّةُ أَيْضًا. فَأَرْسَلَتِ ابْنَةُ الضَّحَّاكِ بْنِ رَمْلٍ السَّكْسَكِيِّ، وَهِيَ يَمَانِيَّةٌ، إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ تَطْلُبُ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهَا، وَكَتَبَ لَهَا، وَنَهَبَ الْقُرَى الَّتِي لِلْيَمَانِيَّةِ بِنَوَاحِي دِمَشْقَ وَأَحْرَقَهَا، فَلَمَّا رَأَتِ الْيَمَانِيَّةُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ خَارِجَةَ الْحَرَشِيُّ، وَابْنُ عَزَّةَ الْخُشَنِيُّ، وَأَتَاهُ الْأَوْزَاعُ وَالْأَوْصَابُ، وَمُقْرَا، وَأَهْلُ كَفْرِ سُوسِيَّةَ، وَالْحِمْيَرِيُّونَ، وَغَيْرُهُمْ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَآمَنُهُمْ، فَسَكَنَ النَّاسُ وَأَمِنُوا. وَفَرَّقَ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، فَطَمِعَ فِيهِ إِسْحَاقُ، فَبَذَلَ الْأَمْوَالَ لِلْجُنُودِ لِيُوَاقِعَ أَبَا الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ الْعُذَافِرَ السَّكْسَكِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى أَبِي الْهَيْذَامِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الْعُذَافِرُ. وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ أَبِي الْهَيْذَامِ وَبَيْنَ الْجُنُودِ مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْمَسَاءِ، وَحَمَلَتْ خَيْلُ أَبِي الْهَيْذَامِ عَلَى الْجُنْدِ، فَجَالُوا ثُمَّ تَرَاجَعُوا وَانْصَرَفُوا، وَقَدْ جُرِحَ مِنْهُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَذَلِكَ نِصْفَ صَفَرٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَقْتَتِلُوا إِلَى الْمَسَاءِ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ تَقَدَّمَ إِسْحَاقُ فِي الْجُنْدِ، فَقَاتَلَهُمْ عَامَّةَ اللَّيْلِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَاسْتَمَدَّ أَبُو الْهَيْذَامِ أَصْحَابَهُ، وَأَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ فَاقْتَتَلُوا وَالْجُنْدُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَجَاءَتْهُمُ الْيَمَانِيَّةُ، وَخَرَجَ أَبُو الْهَيْذَامِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ، وَهُمْ قَلِيلُونَ: انْزِلُوا، فَنَزَلُوا، وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ، حَتَّى أَزَالُوهُمْ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ جَمْعًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ أَغَارُوا عَلَى قَرْيَةٍ لِأَبِي الْهَيْذَامِ، فَأَرْسَلَ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمَ أَهْلُ حِمْصَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَحْرَقُوا قُرًى فِي الْغُوطَةِ لِلْيَمَانِيَّةِ، وَأَحْرَقُوا دَارِيَّا، ثُمَّ بَقُوا نَيِّفًا وَسَبْعِينَ يَوْمًا لَمْ تَكُنْ حَرْبٌ. فَقَدِمَ السِّنْدِيُّ، مُسْتَهَلَّ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فِي الْجُنُودِ مِنْ عِنْدِ الرَّشِيدِ فَأَتَتْهُ الْيَمَانِيَّةُ تُغْرِيهِ بِأَبِي الْهَيْذَامِ، وَأَرْسَلَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ عَلَى الطَّاعَةِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ دِمَشْقَ، وَإِسْحَاقُ بِدَارِ الْحَجَّاجِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ السِّنْدِيُّ قَائِدًا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الْهَيْذَامِ أَلْفًا، فَلَمَّا رَآهُمُ الْقَائِدُ رَجَعَ إِلَى السِّنْدِيِّ، فَقَالَ: أَعْطِ هَؤُلَاءِ مَا أَرَادُوا، فَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا الْمَوْتُ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنَ الْحَيَاةِ، فَصَالَحَ أَبُو الْهَيْذَامِ، وَأَمِنَ أَهْلُ دِمَشْقَ وَالنَّاسُ. وَسَارَ أَبُو الْهَيْذَامِ إِلَى حَوْرَانَ، وَأَقَامَ السِّنْدِيُّ بِدِمَشْقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَدِمَ مُوسَى بْنُ عِيسَى وَالِيًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا أَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، وَاغْتَنَمَ غِرَّةَ أَبِي الْهَيْذَامِ فَأَرْسَلَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَكَبَسُوا دَارَهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَابْنُهُ خُرَيْمٌ وَعَبْدٌ لَهُ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَنَجَا مِنْهُمْ وَانْهَزَمَ الْجُنْدُ. وَسَمِعَتْ خَيْلُ أَبِي الْهَيْذَامِ، فَجَاءَتْهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَقَصَدَ بُصْرَى، وَقَاتَلَ جُنُودَ مُوسَى بِطَرَفِ اللَّجَاةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَانْهَزَمُوا، وَمَضَى أَبُو الْهَيْذَامِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَاهُ خَمْسُ فَوَارِسَ فَكَلَّمُوهُ، فَأَوْصَى أَصْحَابَهُ بِمَا أَرَادَ، وَتَرَكَهُمْ وَمَضَى، وَذَلِكَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ. ( وَكَانَ أُولَئِكَ النَّفَرُ قَدْ أَتَوْهُ مِنْ عِنْدِ أَخِيهِ يَأْمُرُهُ بِالْكَفِّ، فَفَعَلَ، وَمَضَى مَعَهُمْ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّفَرُّقِ، وَكَانَ آخِرَ الْفِتْنَةِ، وَمَاتَ أَبُو الْهَيْذَامِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ). فلما هَدَأَتِ الْفِتْنَةُ، وَاسْتَقَامَ أَمْرُ الشَّامِ، وَحَمَلُوا جَمَاعَاتٍ مِنْ رُءُوسِ الْفِتْنَةِ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ، فَرَدَّ الرَّشِيدُ أَمْرَهُمْ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَأَطَلْقَهُمْ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: قَدْ هَاجَتِ الشَّامُ هَيْجًا يُشِيبُ رَاسَ وَلِيدِهِ فَصَبَّ مُوسَى عَلَيْهَا بِخَيْلِهِ وَجُنُودِهِ فَدَانَتِ الشَّامُ لَمَّا أَتَى نَسِيجُ وَحِيدِهِ هَذَا الْجَوَادُ الَّذِي بَذَّ كُلَّ جُودٍ بِجُودِهِ أَعْدَاهُ جُودُ أَبِيهِ يَحْيَى وَجُودُ جُدُودِهِ فَجَادَ مُوسَى بْنُ يَحْيَى بِطَارِفٍ وَتَلِيدِهِ وَنَالَ مُوسَى ذُرَى الْمَجْ دِ وَهُوَ حَشْوُ مُهُودِهِ خَصَصْتُهُ بِمَدِيحِي مَنْثُورِهِ وَقَصِيدِهِ مِنَ الْبَرَامِكِ عُودٌ لَهُ فَأَكْرِمْ بَعُودِهِ حَوَوْا عَلَى الشِّعْرِ طُرًّا خَفِيفِهِ وَمَدِيدِهِ
التاريخ 2991لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي سنة ست وسبعين ومائة غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بِجَيْشِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ ، فَبَلَغَ أَلَبَةَ، وَالْقِلَاعَ، فَغَنِمَ، وَسَلِمَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ ابْنَهُ الْحَكَمَ عَلَى طُلَيْطِلَةَ ، وَسَيَّرَهُ إِلَيْهَا، فَضَبَطَهَا، وَأَقَامَ بِهَا، وَوُلِدَ لَهُ بِهَا ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ الَّذِي وَلِيَ الْأَنْدَلُسَ بَعْدَ أَبِيهِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الْمَوْصِلِ الْحَاكِمَ بْنَ سُلَيْمَانَ. وَفِيهَا خَرَجَ الْفَضْلُ الْخَارِجِيُّ بِنَوَاحِي نَصِيبِينَ، فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِهَا مَالًا، وَسَارَ إِلَى دَارَا وَآمِدَ وَأَرْزَنَ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ مَالًا، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِخِلَاطَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَصِيبِينَ، وَأَتَى الْمَوْصِلَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرُهَا، فَهَزَمَهُمْ عَلَى الزَّابِ، ثُمَّ عَادُوا لِقِتَالِهِ، فَقُتِلَ الْفَضْلُ وَأَصْحَابُهُ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ الْغِطْرِيفَ بْنَ عَطَاءٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا حَمْزَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيَّ الْمُلَقَّبَ بِالْعَرُوسِ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفَتَحَ حِصْنًا. وَحَجَّتْ زُبَيْدَةُ زَوْجَةُ الْخَلِيفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَمَعَهَا أَخُوهَا. وَكَانَ أَمِيرَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سُلَيْمَانُ ابْنَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَمُّ الرَّشِيدِ. ومِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: تَوْلِيَةُ الرَّشِيدِ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى كُورَ الْجِبَالِ، وَطَبَرَسْتَانَ، وَدُنْبَاوَنْدَ، وَقُومِسَ، وَأَرْمِينِيَّةَ، وَأَذْرَبَيْجَانَ. وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ: فُتِحَتْ مَدِينَةُ دِبْسَةَ عَلَى يَدِ الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ الْعَبَّاسِيِّ .
التاريخ 2992لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، كَانَ أَمِيرًا عَلَى مِصْرَ، تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ، حَكَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرْمَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرْمَةَ، الشَّاعِرُ، وَهُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَرْمَةَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفِهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ، شَاعِرٌ مُفَلِّقٌ، وَفَدَ عَلَى الْمَنْصُورِ بَغْدَادَ فِي وَفْدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حِينَ اسْتَوْفَدَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَجَلَسُوا إِلَى سِتْرٍ دُونَ الْمَنْصُورِ، يَرَى النَّاسَ مِنْ وَرَائِهِ وَلَا يَرَوْنَهُ، وَأَبُو الْخَصِيبِ الْحَاجِبُ وَاقِفٌ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا فُلَانٌ الْخَطِيبُ. فَيَأْمُرُهُ فَيَخْطُبُ، وَيَقُولُ: هَذَا فُلَانٌ الشَّاعِرُ. فَيَسْتَنْشِدُهُ، حَتَّى كَانَ مِنْ آخِرِهِمْ ابْنُ هَرْمَةَ هَذَا، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، وَلَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَيْنًا. قَالَ: فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَتْ وَاللَّهِ نَفْسِي، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَقُلْتُ: يَا نَفْسُ، هَذَا مَوْقِفٌ إِنْ لَمْ تَشْتَدِّي فِيهِ هَلَكْتِ. ثُمَّ اسْتَنْشَدَنِي، فَأَنْشَدْتُهُ قَصِيدَتِي الَّتِي أَقُولُ فِيهَا: سَرَى ثَوْبَهُ عَنْكَ الصِّبَا الْمُتَخَايِلُ وَقَرَّبَ لِلْبَيْنِ الْخَلِيطُ الْمُزَايِلُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِي: فَأَمَّا الَّذِي أَمَّنْتَهُ يَأْمِنُ الرَّدَى وَأَمَّا الَّذِي حَاوَلْتَ بِالثُّكْلِ ثَاكِلُ قَالَ: فَأَمَرَ بِرَفْعِ الْحِجَابِ، فَإِذَا وَجْهُهُ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ، فَاسْتَنْشَدَنِي بَقِيَّةَ الْقَصِيدَةِ، وَأَمَرَنِي بِالْقُرْبِ إِلَيْهِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ ! لَوْلَا ذُنُوبٌ بَلَغَتْنِي عَنْكَ لَفَضَّلْتُكَ عَلَى أَصْحَابِكَ، فَأَقِرَّ عَلَيَّ بِذُنُوبِكَ أَعْفُهَا عَنْكَ. فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ فَقِيهٌ عَالِمٌ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَنِي بِحُجَّةٍ تَجِبُ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كُلُّ ذَنْبٍ بَلَغَكَ مِمَّا عَفَوْتَهُ عَنِّي فَأَنَا مُقِرٌّ بِهِ. فَتَنَاوَلَ الْمِخْصَرَةَ، فَضَرَبَنِي بِهَا ضَرْبَتَيْنِ فَقُلْتُ: أَصْبِرُ مِنْ ذِي ضَاغِطٍ عَرَكْرَكٍ أَلْقَى بَوَانِي زَوْرِهِ لِلْمَبْرَكِ ثُمَّ ثَنَّى فَضَرَبَنِي، فَقُلْتُ: أَصْبِرُ مِنْ عَوْدٍ بِجَنْبَيْهِ جَلْبٌ قَدْ أَثَّرَ الْبِطَانُ فِيهِ وَالْحَقَبُ فَقَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَلْحَقْتُكَ بِنُظَرَائِكَ مِنْ طَرِيحِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، وَرُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ وَلَئِنْ بَلَغَنِي عَنْكَ أَمْرٌ أَكْرَهُهُ لَأَقْتُلَنَّكَ. قُلْتُ: نَعَمْ، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ [وَسِعَةٍ ] مِنْ دَمِي إِنْ بَلَغَكَ أَمْرٌ تَكْرَهُهُ. قَالَ ابْنُ هَرِمَةَ: فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ. فَأَتَانِي رَجُلٌ مَنَّ الطَّالِبِيِّينَ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ فَقُلْتُ: تَنَحَّ عَنِّي لَا تُشِيطُ بِدَمِي. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَنْقِمُهُ الْمَنْصُورُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَمَهْمَا أُلَامُ عَلَى حُبِّهِمْ فَإِنِّي أُحِبُّ بَنِي فَاطِمَهْ بَنِي بِنْتِ مَنْ جَاءَ بِالْمُحْكَمَاتِ وَبِالدِّينِ وَالسُّنَّةِ الْقَائِمَهْ فَلَسْتُ أُبَالِي بِحُبِّي لَهُمْ سِوَاهُمْ مِنَ النَّعْمِ السَّائِمَهْ فَقِيلَ لَهُ فِي دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ كَذَا. وَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ، فَقَالَ: أَعَضَّ اللَّهُ قَائِلَهَا بِهِنَّ أُمَّهُ، فَقَالَ لَهُ مَنْ يَثِقُ بِهِ: أَلَسْتَ قَائِلَهَا ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُعُضُّ بِهِنَّ أُمِّي خَيْرٌ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ. وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرِيبِ ] ابْنِ أَخِي الْأَصْمَعِيِّ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقَصَدْتُ مَنْزِلَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَرِمَةَ، فَإِذَا بُنَيَّةٌ لَهُ صَغِيرَةٌ تَلْعَبُ بِالطِّينِ، فَقُلْتُ لَهَا: مَا فَعَلَ أَبُوكِ ؟ قَالَتْ: وَفَدَ إِلَى بَعْضِ الْأَجْوَادِ، فَمَا لَنَا بِهِ عِلْمٌ مُنْذُ مُدَّةٍ. فَقُلْتُ: انْحَرِي لَنَا نَاقَةً، فَإِنَّا أَضْيَافُكِ. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا نَاقَةٌ. قُلْتُ: فَشَاةً. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا. قُلْتُ: فَدَجَاجَةً، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا. قُلْتُ: فَأَعْطِينَا بَيْضَةً. قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا. قُلْتُ: فَبَاطِلٌ مَا قَالَ أَبُوكِ: كَمْ نَاقَةٍ قَدْ وَجَأْتُ مَنْحَرَهَا بِمُسْتَهَلِّ الشُّؤْبُوبِ أَوْ جَمَلِ قَالَتْ: فَذَلِكَ الْفِعْلُ مِنْ أَبِي هُوَ الَّذِي أَصَارَنَا إِلَى أَنْ لَيْسَ عِنْدَنَا شَيْءٌ. قَالَ الْأَخْفَشُ: قَالَ لَنَا ثَعْلَبٌ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: خُتِمَ الشُّعَرَاءُ بِابْنِ هَرْمَةَ، وَهُوَ آخِرُ الْحُجَجِ. ذَكَرَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظِمِ ". وَالْجَرَّاحُ بْنُ مَلِيحٍ، وَالِدُ وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ. وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيلٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ، وَلِيَ قَضَاءَ بَغْدَادَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِعَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَدِمَ قَاضِيًا بِالْعِرَاقِ فَمَاتَ فِي هَذَا الْعَامِ. الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو مُسْلِمٍ الضَّبِّيُّ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو مُسْلِمٍ الضَّبِّيُّ، كَانَ وَالِيَ الشُّرْطَةِ بِبَغْدَادَ فِي أَيَّامِ الْمَنْصُورِ وَالْمَهْدِيِّ وَالرَّشِيدِ، وَوَلِيَ خُرَاسَانَ مَرَّةً لِلْمَهْدِيِّ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً. سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيلٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَمِيلٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ . وَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ فِي عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَزَمَنَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَوَلِيَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَحَدَّثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ. قَالَ يَحْيَى: هُوَ ثِقَةٌ. تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. صَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ صَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ، أَبُو بِشْرٍ الْقَارِئُ، الْمَعْرُوفُ بِالْمُرِّيِّ. مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، كَانَ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَ عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَثَابِتٍ، رَوَى عَنْهُ: عَفَّانُ، وَغَيْرُهُ. وَكَانَ عَبْدًا صَالِحًا، كَثِيرَ الْخَوْفِ، شَدِيدَ الْبُكَاءِ، وَكَانَ يُذَكِّرُ وَيَعِظُ، فَحَضَرَ مَجْلِسَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ: هَذَا نَذِيرُ قَوْمٍ. [قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ] وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، وَالَّذِي نَرَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْلِطُ فِيمَا يَرْوِي، وَلَا يَتَعَمَّدُ الْخَطَأَ. عن [ابْنُ ] الْغَلَابِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنَ الْكُتَّابِ: أَنَّ صَالِحًا الْمُرِّيِّ [لَمَّا ] أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَهْدِيُّ، قَدِمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَدَنَا بِحِمَارِهِ مِنْ بِسَاطِ الْمَهْدِيِّ أَمَرَ ابْنَيْهِ - وَهُمَا وَلِيَّا عَهْدِهِ - مُوسَى وَهَارُونَ، فَقَالَ: قُومَا فَأَنْزِلَا عَمَّكُمَا. فَلَمَّا أَقْبَلَا إِلَيْهِ أَقْبَلَ صَالِحٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: يَا صَالِحُ [لَقَدْ ] خَبْتَ وَخَسِرْتَ، إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا عَمِلْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ. عن أَبُو نُعَيْمِ بْنُ أَعْيَنَ قَالَ: قَالَ صَالِحٌ الْمُرِّيِّ: دَخَلْتُ عَلَى الْمَهْدِيِّ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، احْمِلْ لِلَّهِ مَا أُكَلِّمُكَ بِهِ الْيَوْمَ، فَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ أَحْمَلُهُمْ لِغِلْظَةِ النَّصِيحَةِ فِيهِ، وَجَدِيرٌ بِمَنْ لَهُ [قَرَابَةٌ ] بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرِثَ أَخْلَاقَهُ، وَيَأْتَمَّ بِهُدَاهُ وَقَدْ وَرَّثَكَ اللَّهُ مِنْ فَهْمِ الْعِلْمِ مِيرَاثًا قَطَعَ بِهِ عُذْرَكَ، اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَصْمُ مَنْ خَالَفَهُ فِي أُمَّتِهِ، وَمَنْ كَانَ مُحَمَّدٌ خَصْمَهُ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ، فَاعْتَدْ لِمُخَاصَمَةِ اللَّهِ، وَمُخَاصَمَةِ رَسُولِهِ حُجَجًا تَضَمْنُ لَكَ النَّجَاةَ، أَوِ اسْتَسْلِمْ لِلْهَلَكَةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ أَبْطَأَ الصَّرْعَى نَهْضَةً صَرِيعُ هَوًى يَدَّعِيهِ إِلَى اللَّهِ قُرْبَةً، وَإِنَّ أَثْبَتَ النَّاسِ قَدَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ آخَذُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَمِثْلُكَ لَا يُكَاثِرُ بِتَجْرِيدِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ تَتَمَثَّلُ لَكَ الْإِسَاءَةُ إِحْسَانًا، وَيَشْهَدُ لَكَ عَلَيْهَا خَوَنَةُ الْعُلَمَاءِ، وَبِهَذِهِ الْحِبَالَةِ تَصَيَّدَتِ الدُّنْيَا نُظَرَاءَكَ، فَأَحْسِنِ الْحِلْمَ فَقَدْ أَحْسَنْتُ إِلَيْكَ الْأَدَاءَ قَالَ: فَبَكَى الْمَهْدِيُّ. قَالَ أَبُو هَمَّامٍ: فَأَخْبَرَنِي بَعْضُ الْكُتَّابِ أَنَّهُ رَأَى هَذَا الْكَلَامَ مَكْتُوبًا فِي دَوَاوِينِ الْمَهْدِيِّ. الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ نُعَيْمٍ، أَبُو فَضَالَةَ الْحِمْصِيُّ التَّنُوخِيُّ الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ نُعَيْمٍ، أَبُو فَضَالَةَ الْحِمْصِيُّ التَّنُوخِيُّ [مِنْ أَنْفَسِهِمْ ]. سَكَنَ بَغْدَادَ، وَكَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ بِهَا فِي [أَوَّلِ ] خِلَافَةِ الرَّشِيدِ. حَدَّثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَغَيْرِهِمَا. رَوَى عَنْهُ: عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ. وَذَكَرَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِهِ أَنَّهُ وُلِدَ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي غَزْوَةِ مَسْلَمَةَ الطُّوَانَةَ جَاءَ الْخَبَرُ بِوِلَادَتِهِ [يَوْمَ فُتِحَتِ الطَّوَانَةُ، فَأُعْلِمَ أَبُوهُ مَسْلَمَةَ ] فَقَالَ مَسْلَمَةُ: مَا سَمَّيْتَهُ ؟ قَالَ: سَمَّيْتُهُ الْفَرَجَ لِمَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنَّا فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالْفَتْحِ. فَقَالَ مَسْلَمَةُ [لِفَضَالَةَ: ] أَصَبْتَ وَكَانَ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الطَّوَانَةِ شِدَّةٌ شَدِيدَةٌ. وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْقَزْوِينِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَصْحَابِنَا يَقُولُ: أَقْبَلَ الْمَنْصُورُ يَوْمًا رَاكِبًا وَالْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ جَالِسٌ عِنْدَ بَابِ الذَّهَبِ، فَقَامَ النَّاسُ، فَدَخَلَ مِنَ الْبَابِ وَلَمْ يَقُمْ لَهُ الْفَرَجُ فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَدَعَا بِهِ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ مِنَ الْقِيَامِ حِينَ رَأَيْتَنِي ؟ قَالَ: خِفْتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ لِمَ فَعَلْتَ، وَيَسْأَلَكَ لِمَ رَضِيتَ، وَقَدْ كَرِهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَبَكَى الْمَنْصُورُ وَقَرَّبَهُ وَقَضَى حَوَائِجَهُ. تُوُفِّيَ الْفَرَجُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ وَضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ. الْوَضَّاحُ أَبُو عَوَانَةَ الْوَضَّاحُ أَبُو عَوَانَةَ، مَوْلَى يَزِيدَ بْنِ عَطَاءٍ الْوَاسِطِيِّ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: يَزِيدُ بْنُ عَطَاءٍ، وَيَزِيدُ مَوْلَى [بَنِي ] يَشْكُرَ، وَكَانَ مِنْ سَبْيِ جُرْجَانَ، رَأَى الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ، وَسَمِعَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، وَقَتَادَةَ، وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَالْأَعْمَشِ، رَوَى عَنْهُ: شُعْبَةُ، وَابْنُ عُلَيَّةَ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَكَانَ أَمِينًا ثَبْتًا [ثِقَةً ] صَدُوقًا. عن أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: اشْتَرَى عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَبَا عَوَانَةَ لِيَكُونَ مَعَ أَبِيهِ يَزِيدَ، وَكَانَ لِأَبِي عَوَانَةَ صَدِيقٌ قَاصٌّ، وَكَانَ أَبُو عَوَانَةَ يُحْسِنُ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْقَاصُّ: مَا أَدْرِي بِأَيِّ شَيْءٍ أُكَافِئُهُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا إِلَّا قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: أَدْعُو اللَّهَ لِعَطَاءٍ الْبَزَّارِ، فَإِنَّهُ أَعْتَقَ أَبَا عَوَانَةَ. فَكَانَ قَلَّ مَجْلِسٌ إِلَّا ذَهَبَ إِلَى عَطَاءٍ مَنْ يَشْكُرُهُ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَعْتَقَهُ. تُوُفِّيَ أَبُو عَوَانَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ خَمْسٍ، وَلَهُ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ النَّحْوِيُّ الْكُوفِيُّ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ .
التاريخ 2993لا حكم مسجّل
غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِي سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ سَيَّرَ هِشَامٌ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، جَيْشًا كَثِيفًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ، فَدَخَلُوا بِلَادَ الْعَدُوِّ، فَبَلَغُوا أَرْبُونَةَ، وَجَرَنْدَةَ، فَبَدَأَ بِجَرَنْدَةَ، وَكَانَ بِهَا حَامِيَةُ الْفِرِنْجِ، فَقَتَلَ رِجَالِهَا، وَهَدَمَ أَسْوَارَهَا وَأَبْرَاجَهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فَتْحِهَا. فَرَحَلَ عَنْهَا إِلَى أَرْبُونَةَ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِهِمْ، وَوَطِئَ أَرْضَ شُرْطَانِيَةَ، فَاسْتَبَاحَ حَرِيمَهَا، وَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهَا، وَجَاسَ الْبِلَادَ شُهُورًا يُخَرِّبُ الْحُصُونَ، وَيُحَرِّقُ وَيَغْنَمُ، قَدْ أَجَفَلَ الْعَدُوُّ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ هَارِبًا، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِهِمْ، وَرَجَعَ سَالِمًا مَعَهُ مِنَ الْغَنَائِمِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ مَغَازِي الْمُسْلِمِينَ بِالْأَنْدَلُسِ.
التاريخ 2994لا حكم مسجّل
اسْتِعْمَالِ الْفَضْلِ بْنِ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ، اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ، وَكَانَ الرَّشِيدُ لَمَّا تُوُفِّيَ رَوْحٌ اسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ حَبِيبَ بْنَ نَصْرٍ الْمُهَلَّبِيَّ، فَسَارَ الْفَضْلُ إِلَى بَابِ الرَّشِيدِ، وَخَطَبَ وِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَلَّاهُ، فَعَادَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَدِينَةِ تُونِسَ ابْنَ أَخِيهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ بِشْرِ بْنِ رَوْحٍ، وَكَانَ غَارًّا، فَاسْتَخَفَّ بِالْجُنْدِ. وَكَانَ الْفَضْلُ أَيْضًا قَدْ أَوْحَشَهُمْ، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ مَعَهُمْ، بِسَبَبِ مَيْلِهِمْ إِلَى نَصْرِ بْنِ حَبِيبٍ الْوَالِي قَبْلَهُ، فَاجْتَمَعَ مَنْ بِتُونِسَ، وَكَتَبُوا إِلَى الْفَضْلِ يَسْتَعْفُونَ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ عَنْ كِتَابِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى تَرْكِ طَاعَتِهِ. فَقَالَ لَهُمْ قَائِدٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيَّةِ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَارِسِيِّ: كُلُّ جَمَاعَةٍ لَا رَئِيسَ لَهَا فَهِيَ إِلَى الْهَلَاكِ أَقْرَبُ، فَانْظُرُوا رُجَلًا يُدَبِّرُ أَمْرَكُمْ. قَالُوا: صَدَقْتَ، فَاتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ قَائِدٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ، يُعْرَفُ بِعَبْدَوَيْهِ الْأَنْبَارِيِّ، فَقَدَّمُوهُ عَلَيْهِمْ، وَبَايَعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَخْرَجُوا الْمُغِيرَةَ عَنْهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى الْفَضْلِ يَقُولُونَ: إِنَّا لَمْ نُخْرِجْ يَدًا عَنْ طَاعَةٍ، وَلَكِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ، فَأَخْرَجْنَاهُ، فَوَلِّ عَلَيْنَا مَنْ نَرْضَاهُ. فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ تُونِسَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الْجَارُودِ جَمَاعَةً لِيَنْظُرُوا فِي أَيِّ شَيْءٍ قَدِمَ وَلَا يُحْدِثُوا حَدَثًا إِلَّا بِأَمْرِهِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ الْفَضْلَ يَخْدَعُكُمْ بِوِلَايَةِ هَذَا، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْكُمْ بِإِخْرَاجِكُمْ أَخَاهُ. فَعَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا مَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ أُسَارَى، فَاضْطَرَّ حِينَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْقِيَامِ وَالْجِدِّ فِي إِزَالَةِ الْفَضْلِ. فَتَوَلَّى ابْنُ الْفَارِسِيِّ الْأَمْرَ، وَصَارَ يَكْتُبُ إِلَى كُلِّ قَائِدٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَمُتَوَلِّي مَدِينَةٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا نَظَرْنَا فِي صَنِيعِ الْفَضْلِ فِي بِلَادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسُوءِ سِيرَتِهِ، فَلَمْ يَسَعْنَا إِلَّا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِنُخْرِجَهُ عَنَّا، ثُمَّ نَظَرْنَا فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا أَوْلَى بِنَصِيحَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِبُعْدِ صَوْتِهِ وَعَطْفِهِ عَلَى جُنْدِهِ مِنْكَ، فَرَأَيْنَا أَنْ تُجْعَلَ نُفُوسُنَا دُونَكَ، فَإِنْ ظَفِرْنَا جَعَلْنَاكَ أَمِيرَنَا، وَكَتَبْنَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ نَسْأَلُهُ وِلَايَتَكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ أَنَّنَا أَرَدْنَاكَ، وَالسَّلَامُ. فَأَفْسَدَ بِهَذَا كَافَّةَ الْجُنْدِ عَلَى الْفَضْلِ، وَكَثُرَ الْجَمْعُ عِنْدَهُمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمُ الْفَضْلُ عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُنْهَزِمًا، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ ابْنِ الْجَارُودِ، فَحَاصَرُوا الْقَيْرَوَانَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ فَتَحَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ الْأَبْوَابَ. وَدَخَلَ ابْنُ الْجَارُودِ وَعَسْكَرُهُ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَأَخْرَجَ الْفَضْلَ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَوَكَّلَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهِ أَنْ يُوصِلَهُمْ إِلَى قَابِسَ، فَسَارُوا يَوْمَهُمْ، ثُمَّ رَدَّهُمُ ابْنُ الْجَارُودِ، وَقَتَلَ الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ. فَلَمَّا قُتِلَ الْفَضْلُ غَضِبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْجُنْدِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى قِتَالِ ابْنِ الْجَارُودِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ عَسْكَرًا فَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُ، وَعَادَ إِلَيْهِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَاسْتَوْلَى أُولَئِكَ الْجُنْدُ عَلَى الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ ابْنُ الْجَارُودِ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ تَفَرَّقُوا بَعْدَ دُخُولِ الْقَيْرَوَانِ. فَوَصَلَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْجَارُودِ، فَلَقَوْهُ وَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمُ ابْنُ الْجَارُودِ وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِهِمْ، فَانْهَزَمُوا، فَلَحِقُوا بِالْأَرْبَسِ، وَقَدَّمُوا عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ سَعِيدٍ وَالِي بَلَدِ الزَّابِ وَسَارُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ.
التاريخ 2995لا حكم مسجّل
وِلَايَةِ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ . اتَّفَقَ وُصُولُ يَحْيَى بْنِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ الرَّشِيدِ لَمَّا قَصَدَ الْعَلَاءُ وَمَنْ مَعَهُ الْقَيْرَوَانَ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ أَنَّ الرَّشِيدَ بَلَغَهُ مَا صَنَعَ ابْنُ الْجَارُودِ، وَإِفْسَادُهُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَجَّهَ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ وَمَعَهُ يَحْيَى بْنُ مُوسَى، لِمَحَلِّهِ عِنْدَ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَأَمَرَ أَنْ يَتَقَدَّمَ يَحْيَى، وَيَلْطُفَ بِابْنِ الْجَارُودِ، وَيَسْتَمِيلَهُ لِيُعَاوِدَ الطَّاعَةَ قَبْلَ وُصُولِ هَرْثَمَةَ. فَقَدِمَ يَحْيَى الْقَيْرَوَانَ، فَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الْجَارُودِ كَلَامٌ كَثِيرٌ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ: أَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَقَدْ قَرُبَ مِنِّي الْعَلَاءُ بْنُ سَعِيدٍ وَمَعَهُ الْبَرْبَرُ، فَإِنْ تَرَكْتُ الْقَيْرَوَانَ وَثَبَ الْبَرْبَرُ فَمَلَكُوهَا، فَأَكُونُ قَدْ ضَيَّعْتُ بِلَادَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنِّي أَخْرُجُ إِلَى الْعَلَاءِ فَإِنْ ظَفِرَ بِي فَشَأْنُكُمْ وَالثُّغُورَ، وَإِنْ ظَفِرْتُ بِهِ انْتَظَرْتُ قُدُومَ هَرْثَمَةَ فَأُسَلِّمَ الْبِلَادَ إِلَيْهِ، وَأَسِيرُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَكَانَ قَصْدُهُ الْمُغَالَطَةَ، فَإِنْ ظَفِرَ بِالْعَلَاءِ مَنَعَ هَرْثَمَةَ عَنِ الْبِلَادِ، فَعَلِمَ يَحْيَى ذَلِكَ، وَخَلَا بِابْنِ الْفَارِسِيِّ، وَعَاتَبَهُ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَةِ، فَاعْتَذَرَ، وَحَلَفَ أَنَّهُ عَلَيْهَا، وَبَذَلَ مِنْ نَفْسِهِ الْمُسَاعَدَةَ عَلَى ابْنِ الْجَارُودِ، فَسَعَى ابْنُ الْفَارِسِيِّ فِي إِفْسَادِ حَالِهِ، وَاسْتَمَالَ جَمَاعَةً مِنْ أَجْنَادِهِ، فَأَجَابُوهُ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَخَرَجَ إِلَى قِتَالِ ابْنِ الْجَارُودِ. فَقَالَ ابْنُ الْجَارُودِ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْمُهُ طَالِبٌ: إِذَا تَوَاقَفْنَا فَإِنَّنِي سَأَدْعُو ابْنَ الْفَارِسِيِّ لِأُعَاتِبَهُ فَاقْصِدْهُ أَنْتَ وَهُوَ غَافِلٌ فَاقْتُلْهُ ! فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَوَاقَفَ الْعَسْكَرَانِ، وَدَعَا ابْنُ الْجَارُودِ مُحَمَّدَ بْنَ الْفَارِسِيِّ وَكَلَّمَهُ، وَحَمَلَ طَالِبٌ عَلَيْهِ وَهُوَ غَافِلٌ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَتَوَجَّهَ يَحْيَى بْنُ مُوسَى إِلَى هَرْثَمَةَ بِطَرَابُلُسَ. وَأَمَّا الْعَلَاءُ بْنُ سَعِيدٍ فَإِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ النَّاسُ بِقُرْبِ هَرْثَمَةَ مِنْهُمْ كَثُرَ جَمْعُهُ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَسَارُوا إِلَى ابْنِ الْجَارُودِ، فَعَلِمَ ابْنُ الْجَارُودِ أَنَّهُ لَا قُوَّةَ لَهُ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَى يَحْيَى بْنِ مُوسَى يَسْتَدْعِيهِ لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ الْقَيْرَوَانَ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جُنْدِ طَرَابُلُسَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا وَصَلَ قَابِسَ تَلَقَّاهُ عَامَّةُ الْجُنْدِ، وَخَرَجَ ابْنُ الْجَارُودِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ. وَأَقْبَلَ الْعَلَاءُ بْنُ سَعِيدٍ وَيَحْيَى بْنُ مُوسَى يَسْتَبِقَانِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، ( كُلٌّ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ لَهُ )، فَسَبَقَهُ الْعَلَاءُ وَدَخَلَهَا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْجَارُودِ، وَسَارَ إِلَى هَرْثَمَةَ وَسَارَ ابْنُ الْجَارُودِ أَيْضًا إِلَى هَرْثَمَةَ، فَسَيَّرَهُ هَرْثَمَةُ إِلَى الرَّشِيدِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّ الْعَلَاءَ كَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ، فَكَتَبَ الرَّشِيدُ يَأْمُرُهُ بِإِرْسَالِ الْعَلَاءِ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهُ، فَلَمَّا وَصَلَ لَقِيَهُ صِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الرَّشِيدِ وَخُلَعٌ، فَلَمْ يَلْبَثْ بِمِصْرَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى تُوُفِّيَ. وَأَمَّا ابْنُ الْجَارُودِ فَإِنَّهُ اعْتُقِلَ بِبَغْدَاذَ، وَسَارَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَقَدِمَهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فَآمَنَ النَّاسَ وَسَكَّنَهُمْ، وَبَنَى الْقَصْرَ الْكَبِيرَ بِالْمُنَسْتِيرِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَبَنَى سُورَ مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ بِوِلَايَةِ الزَّابِ، فَأَكْثَرَ الْهَدِيَّةَ إِلَى هَرْثَمَةَ وَلَاطَفَهُ، فَوَلَّاهُ هَرْثَمَةُ نَاحِيَةً مِنَ الزَّابِ فَحَسُنَ أَثَرُهُ ( فِيهَا. ثُمَّ إِنَّ عِيَاضَ بْنَ وَهْبٍ الْهَوَّارِيَّ وَكُلَيْبَ بْنَ جُمَيْعٍ الْكَلْبِيَّ جَمَعَا جُمُوعًا، وَأَرَادَا قِتَالَ هَرْثَمَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، فَفَرَّقَ جُمُوعَهُمَا، وَقَتَلَ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ ). وَلَمَّا رَأَى هَرْثَمَةُ مَا بِإِفْرِيقِيَّةَ مِنَ الِاخْتِلَافِ وَاصَلَ كُتُبَهُ إِلَى الرَّشِيدِ يَسْتَعْفِي، فَأُمِرَ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ إِلَى الْعِرَاقِ ( فَسَارَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ )، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا.
التاريخ 2996لا حكم مسجّل
الْفِتْنَةِ بِالْمَوْصِلِ . وَفِيهَا خَالَفَ الْعَطَّافُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَزْدِيُّ عَلَى الرَّشِيدِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَجَبَى الْخَرَاجَ، وَكَانَ عَامِلُ الرَّشِيدِ عَلَى الْمَوْصِلِ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيَّ، وَقِيلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ، وَالْعَطَّافُ غَالِبٌ عَلَى الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَهُوَ يَجْبِي الْخَرَاجَ، وَأَقَامَ عَلَى هَذَا سَنَتَيْنِ، حَتَّى خَرَجَ الرَّشِيدُ إِلَى الْمَوْصِلِ فَهَدَمَ سُورَهَا بِسَبَبِهِ.
التاريخ 2997لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: أَنَّ الرَّشِيدَ عَزَلَ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى عَنْ مِصْرَ، وَوَلَّاهَا إِسْحَاقَ بْنَ سُلَيْمَانَ. وَعَزَلَ حَمْزَةَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَوَلَّاهَا الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى إِلَى مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ. وَهِيَ الرَّيُّ وَسِجِسْتَانُ وَغَيْرُهُمَا. وَفِيهَا: غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ التَّغْلِبِيُّ. وَكَانَ فِي لَيْلَةِ الْأَحَدِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ ظُلْمَةٌ وَحُمْرَةٌ وَرِيحٌ، ثُمَّ كَانَتْ ظُلْمَةٌ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنَ الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ كَانَتْ رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ. وَفِيهَا: حَجَّ الرَّشِيدُ بِالنَّاسِ.
التاريخ 2998لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ شُرَيْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ، الْقَاضِي شُرَيْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ، الْقَاضِي . أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَيْرٍ، وَسِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ، وَسَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ، وَحَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ، وَالْأَعْمَشَ وَخَلْقًا كَثِيرًا. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ الثِّقَاتُ، إِلَّا أَنَّ قَوْمًا قَدَحُوا فِي حِفْظِهِ. عن أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: مَرَّ شُرَيْكٌ الْقَاضِي بِالْمُسْتَنِيرِ بْنِ عَمْرٍو النَّخَعِيِّ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَنْ أَدَّبَكَ ؟ قَالَ: أَدَّبَتْنِي نَفْسِي، وَاللَّهِ وُلِدْتُ بِبُخَارَى فَحَمَلَنِي ابْنُ عَمٍّ لَنَا حَتَّى طَرَحَنِي عِنْدَ بَنِي عَمٍّ لِي، فَكُنْتُ أَجْلِسُ إِلَى مُعَلِّمٍ لَهُمْ فَعَلِقَ بِقَلْبِي تَعَلُّمُ الْقُرْآنِ، فَجِئْتُ إِلَى شَيْخِهِمْ فَقُلْتُ: يَا عَمَّاهُ، الَّذِي كُنْتَ تُجْرِيهِ عَلَيَّ هُنَا أَجْرِهِ عَلَيَّ بِالْكُوفَةِ أَعْرِفُ بِهَا السُّنَّةَ وَقَوْمِي، فَفَعَلَ، فَكُنْتُ بِالْكُوفَةِ أَضْرِبُ اللَّبِنَ وَأَبِيعُهُ وَأَشْتَرِي دَفَاتِرَ وَطُرُوسًا، فَأَكْتُبُ فِيهَا الْعِلْمَ وَالْحَدِيثَ، ثُمَّ طَلَبْتُ الْفِقْهَ فَبَلَغْتُ مَا تَرَى فَقَالَ الْمُسْتَنِيرُ لِوَلَدِهِ: سَمِعْتُمْ قَوْلَ [ابْنِ ] عَمِّكُمْ، وَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي الْأَدَبِ وَلَا أَرَاكُمْ تُفْلِحُونَ فِيهِ، فَلْيُؤَدِّبْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ نَفْسَهُ، فَمَنْ أَحْسَنَ فَلَهَا، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا. لَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ اضْطَرَبَ حِفْظُهُ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الصَّوَّافُ قَالَ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِنَا عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ مَسْرُوقٍ مَا يَدُلُّ حَالُهُ عَلَى السَّمَاعِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا كُرَيْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ يَمَانٍ يَقُولُ: لَمَّا وَلِيَ شُرَيْكٌ الْقَضَاءَ أُكْرِهَ عَلَى ذَلِكَ، وَأُقْعِدَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرْطَةِ يَحْفَظُونَهُ، ثُمَّ طَابَ لِلشَّيْخِ [فَقَعَدَ ] مِنْ نَفْسِهِ، فَبَلَغَ الثَّوْرِيَّ أَنَّهُ قَعَدَ مِنْ نَفْسِهِ، فَجَاءَ فَتَرَاءَى لَهُ، فَلَمَّا رَأَى الثَّوْرِيَّ قَامَ إِلَيْهِ فَعَظَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ مَسْأَلَةٌ. قَالَ: أَوَلَيْسَ عِنْدَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا يُجْزِيكَ ؟ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُذَاكِرَكَ بِهَا. قَالَ: قُلْ. قَالَ: مَا تَقُولُ فِي امْرَأَةٍ جَاءَتْ فَجَلَسَتْ عَلَى بَابِ رَجُلٍ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْبَابَ وَاحْتَمَلَهَا، فَفَجَرَ بِهَا [، لِمَنْ تَحُدُّ مِنْهُمَا ؟ ] فَقَالَ لَهُ: دُونَهَا لِأَنَّهَا مَغْصُوبَةٌ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَتْ فَتَزَيَّنَتْ [وَتَبَخَّرَتْ ] وَجَلَسَتْ عَلَى ذَلِكَ الْبَابِ، فَفَتَحَ الرَّجُلُ الْبَابَ فَرَآهَا فَاحْتَمَلَهَا فَفَجَرَ بِهَا، لِمَنْ تَحُدُّ مِنْهُمَا ؟ قَالَ: أَحُدُّهُمَا جَمِيعًا، لِأَنَّهَا جَاءَتْ مِنْ نَفْسِهَا، وَقَدْ عَرَفَتِ الْخَبَرَ بِالْأَمْسِ. قَالَ: أَنْتَ كَانَ عُذْرُكَ حَيْثُ كَانَ الشُّرَطُ يَحْفَظُونَكَ، الْيَوْمَ أَيُّ عُذْرٍ لَكَ ؟ قَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أُكَلِّمُكَ. قَالَ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَرَانِي أُكَلِّمُكَ أَوْ تَتُوبَ. قَالَ: فَوَثَبَ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى مَاتَ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: أَيُّ رَجُلٍ كَانَ لَوْ لَمْ يُفْسِدُوهُ. وعن أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شَيْخٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَ شُرَيْكٌ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ فَخَرَجَ يَلْقَى الْخَيْزُرَانَ، فَبَلَغَ شَاهِيَ وَأَبْطَأَتِ الْخَيْزُرَانُ، فَأَقَامَ يَنْتَظِرُهَا ثَلَاثًا وَيَبِسَ خُبْزُهُ، فَجَعَلَ يَبُلُّهُ بِالْمَاءِ وَيَأْكُلُهُ، فَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ الْمِنْهَالِ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَدْ قُلْتَ حَقًّا بِأَنْ قَدْ أَكْرَهُوكَ عَلَى الْقَضَاءِ فَمَا لَكَ مَوْضِعًا فِي كُلِّ يَوْمٍ تَلَقَّى مَنْ يَحُجُّ مِنَ النِّسَاءِ مُقِيمٌ فِي قُرَى شَاهِي ثَلَاثًا بِلَا زَادٍ سِوَى كِسْرٍ وَمَاءِ وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْهَيَّاجِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَتَتْهُ امْرَأَةٌ يَوْمًا - يَعْنِي شُرَيْكًا - وَهُوَ فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَقَالَتْ: إِنَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِالْقَاضِي، امْرَأَةٌ مِنْ وَلَدِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبِ النَّبِيِّ ﷺ. وَرَدَّدَتِ الْكَلَامَ فَقَالَ: إِيهًا عَنْكِ الْآنَ مَنْ ظَلَمَكِ ؟ فَقَالَتْ: الْأَمِيرُ مُوسَى بْنُ عِيسَى، كَانَ لِي بُسْتَانٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، لِي فِيهِ نَخْلٌ وَرِثْتُهُ عَنْ آبَائِي، فَقَاسَمْتُ إِخْوَتِي وَبَنَيْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ حَائِطًا، وَجَعَلْتُ فِيهِ فَارِسِيًّا فِي بَيْتٍ يَحْفَظُ النَّخْلَ، وَيَقُومُ بِبُسْتَانِي، فَاشْتَرَى الْأَمِيرُ مُوسَى بْنُ عِيسَى مِنْ إِخْوَتِي جَمِيعًا، وَسَاوَمَنِي وَأَرْغَبَنِي فَلَمْ أَبِعْهُ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ بَعَثَ بِخَمْسِمِائَةِ فَاعِلٍ فَاقْتَلَعُوا الْحَائِطَ، فَأَصْبَحْتُ لَا أَعْرِفُ مِنْ نَخْلِي شَيْئًا، وَاخْتَلَطَ بِنَخْلِ إِخْوَتِي، فَقَالَ: يَا غُلَامُ طَيِّنْهُ بِخَتْمٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: امْضِي إِلَى بَابِهِ حَتَّى يَحْضُرَ مَعَكِ. فَجَاءَتِ الْمَرْأَةُ بِالطِّينَةِ فَأَخَذَهَا الْحَاجِبُ وَدَخَلَ بِهَا إِلَى مُوسَى فَقَالَ: أَعْدَى شُرَيْكٌ عَلَيْكَ، فَقَالَ: ادْعُ لِي صَاحِبَ الشُّرَطِ. فَدَعَا بِهِ، فَقَالَ: امْضِ إِلَى شُرَيْكٍ، فَقُلْ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا رَأَيْتُ أَعْجَبَ مِنْ أَمْرِكَ امْرَأَةٌ ادَّعَتْ دَعْوَى لَمْ تَصِحَّ أَعْدَيْتَهَا عَلَيَّ ! قَالَ: يَقُولُ لَهُ صَاحِبُ الشُّرَطِ، إِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يُعْفِيَنِي فَلْيَفْعَلْ، فَقَالَ: امْضِ وَيْلَكَ. فَخَرَجَ فَأَمَرَ غِلْمَانَهُ أَنْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى الْحَبْسِ بِفِرَاشٍ وَغَيْرِهِ مِنْ آلَةِ الْحَبْسِ، فَلَمَّا جَاءَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ شُرَيْكٍ فَأَدَّى الرِّسَالَةَ ؟ قَالَ: خُذْ بِيَدِهِ فَضَعْهُ فِي الْحَبْسِ. قَالَ: قَدْ عَرَفْتُ وَاللَّهِ إِنَّكَ تَفْعَلُ بِي هَذَا، فَقَدَّمْتُ مَا يُصْلِحُنِي إِلَى الْحَبْسِ، وَبَلَغَ مُوسَى بْنَ عِيسَى الْخَبَرُ، فَوَجَّهَ الْحَاجِبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا رَسُولٌ، أَيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ ؟ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ قَالَ: أَلْحِقْهُ بِصَاحِبِهِ فَحُبِسَ. فَلَمَّا صَلَّى الْأَمِيرُ الْعَصْرَ بَعَثَ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ الصَّبَّاحِ الْأَشْعَثِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْدِقَاءِ شُرَيْكٍ. فَقَالَ: امْضُوا إِلَيْهِ وَأَبْلِغُوهُ سَلَامِي، وَأَعْلِمُوهُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَخَفَّ بِي وَإِنِّي لَسْتُ كَالْعَامَّةِ، فَمَضَوْا وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَأَبْلَغُوهُ الرِّسَالَةَ، فَلَمَّا انْقَضَى كَلَامُهُمْ قَالَ [لَهُمْ: ] مَا لِي لَا أَرَاكُمْ جِئْتُمْ فِي غَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ فَكَلَّمْتُمُونِي ؟ مَنْ هَا هُنَا مِنْ فِتْيَانِ الْحَيِّ ؟ فَلْيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِيَدِ رَجُلٍ، فَيَذْهَبْ بِهِ إِلَى الْحَبْسِ لَا يَنَمْ وَاللَّهِ إِلَّا فِيهِ. قَالُوا: أَجَادٌّ أَنْتَ ؟ قَالَ: حَقًّا حَتَّى لَا تَعُودُوا بِرِسَالَةِ ظَالِمٍ. فَحَبَسَهُمْ فَرَكِبَ مُوسَى بْنُ عِيسَى فِي اللَّيْلِ إِلَى بَابِ الْحَبْسِ، فَأَطْلَقَهُمْ جَمِيعًا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ وَجَلَسَ شُرَيْكٌ لِلْقَضَاءِ، جَاءَ السَّجَّانُ فَأَخْبَرَهُ فَدَعَا بِالْقِمَطْرِ فَخَتَمَهُ، وَوَجَّهَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامِهِ أَلْحِقْنِي بِثِقْلِي إِلَى بَغْدَادَ، فَوَاللَّهِ مَا طَلَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ أَكْرَهُونَا عَلَيْهِ، وَلَقَدْ ضَمِنُوا لَنَا الْإِعْزَازَ فِيهِ إِذْ [قَدْ ] تَقَلَّدْنَاهُ لَهُمْ، وَمَضَى نَحْوَ قَنْطَرَةِ الْكُوفَةِ إِلَى بَغْدَادَ. وَبُلِّغَ مُوسَى بْنَ عِيسَى الْخَبَرُ، فَرَكِبَ فِي مَوْكِبِهِ فَلَحِقَهُ وَجَعَلَ يُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَيَقُولُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ تَثَبَّتْ، انْظُرْ إِخْوَانَكَ تَحْبِسُهُمْ دَعْ أَعْوَانِي. قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّهُمْ مَشَوْا لَكَ فِي أَمْرٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْمَشْيُ فِيهِ، وَلَسْتُ بِبَارِحٍ أَوْ يُرَدُّوا جَمِيعًا إِلَى الْحَبْسِ وَإِلَّا مَضَيْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَعْفَيْتُهُ مِمَّا قَلَّدَنِي. فَأَمَرَ بِرَدِّهِمْ جَمِيعًا إِلَى الْحَبْسِ، وَهُوَ وَاللَّهِ وَاقِفٌ مَكَانَهُ حَتَّى جَاءَهُ السَّجَّانُ فَقَالَ لَهُ: قَدْ رَجَعُوا إِلَى الْحَبْسِ. فَقَالَ لِأَعْوَانِهِ: خُذُوا بِلِجَامِهِ، فَرُدُّوهُ بَيْنَ يَدَيَّ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ فَمَرُّوا بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى أُدْخِلَ الْمَسْجِدَ وَجَلَسَ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالْجُوَيْرِيَةِ الْمُتَظَلِّمَةِ [مِنْ هَذَا ] فَجَاءَتْ فَقَالَ: هَذَا خَصْمُكِ قَدْ حَضَرَ، وَهُوَ جَالِسٌ مَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أُولَئِكَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَبْسِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، أَخْرِجُوهُمْ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِيمَا تَدَّعِيهِ هَذِهِ [الْمَرْأَةُ ؟ ] قَالَ: صَدَقَتْ. قَالَ: فَرُدَّ جَمِيعَ مَا أُخِذَ مِنْهَا وَتَبْنِي حَائِطَهَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ سَرِيعًا كَمَا هُدِمَ. قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ: بَقِيَ لَكَ شَيْءٌ. قَالَ: تَقُولُ الْمَرْأَةُ بَيْتُ الْفَارِسِيِّ وَمَتَاعُهُ. قَالَ: يَقُولُ مُوسَى بْنُ عِيسَى: وَنَرُدُّ ذَلِكَ [جَمِيعَهُ ]، بَقِيَ لَكِ شَيْءٌ تَدَّعِينَهُ ؟ قَالَتْ: لَا، وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. قَالَ: قُومِي، ثُمَّ وَثَبَ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِ مُوسَى بْنِ عِيسَى، فَأَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسِهِ، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ تَأْمُرُ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ آمَرُ ؟ ! وَضَحِكَ. وعن أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: كَانَ شُرَيْكٌ الْقَاضِي لَا يَجْلِسُ حَتَّى يَتَغَدَّى ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُخْرِجُ رُقْعَةً مِنْ قِمَطْرَةٍ فَيَنْظُرُ فِيهَا، ثُمَّ يَدْعُو بِالْخُصُومِ، وَإِنَّمَا كَانَ يُقَدِّمُهُمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَقِيلَ لِابْنِ شُرَيْكٍ: نُحِبُّ أَنْ نَعْلَمَ مَا فِي هَذِهِ الرُّقْعَةِ ؟ فَنَظَرَ فِيهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا إِلَيْنَا، فَإِذَا فِيهَا: يَا شُرَيْكُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ [اذْكُرِ الصِّرَاطَ وَحِدَّتَهُ، يَا شُرَيْكُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ] اذْكُرِ الْمَوْقِفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى. تُوُفِّيَ شُرَيْكٌ بِالْكُوفَةِ يَوْمَ السَّبْتِ غُرَّةَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ. ( وَجَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ). وَمُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَمُوسَى بْنُ أَعْيَنَ.
التاريخ 2999لا حكم مسجّل
الْفِتْنَةِ بِمِصْرَ وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَثَبَتَ طَائِفَةٌ مِنَ الْحُوفِيَّةِ مِنْ قَيْسٍ وَقُضَاعَةَ بِعَامِلِ مِصْرَ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقَاتَلُوهُ وَجَرَتْ بِهَا فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، فَبَعَثَ الرَّشِيدُ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ نَائِبَ فِلَسْطِينَ فِي خَلْقٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَدَدًا لِإِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَذْعَنُوا بِالطَّاعَةِ، وَأَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخَرَاجِ وَالْوَظَائِفِ، وَاسْتَمَرَّ هَرْثَمَةُ نَائِبًا عَلَى مِصْرَ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ عِوَضًا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ صَالِحٍ
التاريخ 3000لا حكم مسجّل
وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ سَارَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ بِهَا، وَبَنَى فِيهَا الرُّبُطَ وَالْمَسَاجِدَ، وَغَزَا مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَاتَّخَذَ بِهَا جُنْدًا مِنَ الْعَجَمِ سَمَّاهُمُ الْعَبَّاسِيَّةَ، وَجَعَلَ وَلَاءَهُمْ لَهُمْ وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، وَبَعَثَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا إِلَى بَغْدَادَ فَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِهَا بِالْكُرُنْبِيَّةِ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ: مَا الْفَضْلُ إِلَّا شِهَابٌ لَا أُفُولَ لَهُ عِنْدَ الْحُرُوبِ إِذَا مَا تَأْفُلُ الشُّهُبُ حَامٍ عَلَى مُلْكِ قَوْمٍ عَزَّ سَهْمُهُمُ مِنَ الْوِرَاثَةِ فِي أَيْدِيهِمُ سَبَبُ أَمْسَتْ يَدٌ لِبَنِي سَاقِي الْحَجِيجِ بِهَا كَتَائِبُ مَا لَهَا فِي غَيْرِهِمْ أَرَبُ كَتَائِبُ لِبَنِي الْعَبَّاسِ قَدْ عَرَفَتْ مَا أَلَّفَ الْفَضْلُ مِنْهَا الْعُجْمُ وَالْعَرَبُ أَثْبَتَّ خَمْسَ مِئِينٍ فِي عِدَادِهِمْ مِنَ الْأُلُوفِ الَّتِي أَحْصَتْ لَهَا الْكُتُبُ يُقَارِعُونَ عَنِ الْقَوْمِ الَّذِينُ هُمُ أَوْلَى بِأَحْمَدَ فِي الْفُرْقَانِ إِنْ نُسِبُوا إِنَّ الْجَوَادَ ابْنَ يَحْيَى الْفَضْلَ لَا وَرِقٌ يَبْقَى عَلَى جُودِ كَفَّيْهِ وَلَا ذَهَبُ مَا مَرَّ يَوْمٌ لَهُ مُذْ شَدَّ مِئْزَرَهُ إِلَّا تَمَوَّلَ أَقْوَامٌ بِمَا يَهَبُ كَمْ غَايَةٍ فِي النَّدَى وَالْبَأْسِ أَحْرَزَهَا لِلطَّالِبِينَ مَدَاهَا دُونَهَا تَعَبُ يُعْطِي اللُّهَى حِينَ لَا يُعْطِي الْجَوَادُ وَلَا يَنْبُو إِذَا سُلَّتِ الْهِنْدِيَّةُ الْقُضُبُ وَلَا الرِّضَا وَالرِّضَا لِلَّهِ غَايَتُهُ إِلَى سِوَى الْحَقِّ يَدْعُوهُ وَلَا الْغَضَبُ قَدْ فَاضَ عَرْفُكَ حَتَّى مَا يُعَادِلُهُ غَيْثٌ مُغِيثٌ وَلَا بَحْرٌ لَهُ حَدَبُ وَكَانَ قَدْ أَنْشَدَهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى خُرَاسَانَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْجُودَ مِنْ لَدْنِ آدَمَ تَحَدَّرَ حَتَّى صَارَ فِي رَاحَةِ الْفَضْلِ إِذَا مَا أَبُو الْعَبَّاسِ رَاحَتْ سَمَاؤُهُ فَيَا لَكَ مِنْ هَطِلٍ وَيَا لَكَ مِنْ وَبْلِ إِذَا أُمَّ طِفْلٍ رَاعَهَا جُوعُ طِفْلِهَا دَعَتْهُ بِإِسْمِ الْفَضْلِ فَاسْتَطْعَمَ الطِّفْلُ لِيَحْيَى بِكَ الْإِسْلَامُ إِنَّكَ عِزُّهُ وَإِنَّكَ مِنْ قَوْمٍ صَغِيرُهُمْ كَهْلُ قَالَ: فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ سَلْمٌ الْخَاسِرُ فِيهِمْ أَيْضًا: وَكَيْفَ تَخَافُ مِنْ بُؤْسٍ بِدَارٍ تَكَنَّفَهَا الْبَرَامِكَةُ الْبُحُورُ وَقَوْمٌ مِنْهُمُ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى نَفِيرٌ مَا يُوَازِنُهُ نَفِيرُ لَهُ يَوْمَانِ يَوْمُ نَدًى وَبَأْسٍ كَأَنَّ الدَّهْرَ بَيْنَهُمَا أَسِيرُ إِذَا مَا الْبَرْمَكِيُّ غَدَا ابْنَ عَشْرٍ فَهِمَّتُهُ أَمِيرٌ أَوْ وَزِيرُ وَقَدِ اتَّفَقَ لِلْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى فِي هَذِهِ السَّفْرَةِ إِلَى خُرَاسَانَ أَشْيَاءُ غَرِيبَةٌ، وَفَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، مِنْهَا كَابُلُ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَهَرَ مَلِكَ التُّرْكِ هُنَاكَ وَكَانَ مُمْتَنِعًا، وَأَطْلَقَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جِدًّا، ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا إِلَى بَغْدَادَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهَا خَرَجَ الرَّشِيدُ وَوُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ الشُّعَرَاءُ وَالْخُطَبَاءُ وَأَكَابِرُ النَّاسِ، فَجَعَلَ يُطْلِقُ الْأَلْفَ أَلْفٍ، وَالْخَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ وَنَحْوَهَا، فَصَرَفَ مِنَ الْأَمْوَالِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ إِلَّا بِكُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، وَالْبِدَرُ مَوْضُوعَةٌ مَخْتُومَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهِيَ تُفَرَّقُ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: كَفَى اللَّهُ بِالْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ وَجُودِ يَدَيْهِ بُخْلَ كُلِّ بَخِيلِ فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ جَزِيلٍ.
التاريخ 3001لا حكم مسجّل
خُرُوجِ الْوَلِيدِ بْنِ طَرِيفٍ الْخَارِجِيِّ وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ خَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ طَرِيفٍ التَّغْلِبِيُّ بِالْجَزِيرَةِ، فَفَتَكَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ خَازِمِ بْنِ خُزَيْمَةَ بِنَصِيبِينَ، ثُمَّ قَوِيَتْ شَوْكَةُ الْوَلِيدِ، فَدَخَلَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَحَصَرَ خِلَاطَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَافْتَدَوْا مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. ثُمَّ سَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، ثُمَّ إِلَى حُلْوَانَ وَأَرْضِ السَّوَادِ، ثُمَّ عَبَرَ إِلَى غَرْبِ دِجْلَةَ، وَقَصَدَ مَدِينَةَ بَلَدَ، فَافْتَدَوْا مِنْهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَعَاثَ فِي أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيَّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: سَتَعْلَمُ يَا يَزِيدُ إِذَا الْتَقَيْنَا بِشَطِّ الزَّابِ أَيُّ فَتًى يَكُونُ. فَجَعَلَ يَزِيدُ يَخْتَالُهُ وَيُمَاكِرُهُ، وَكَانَتِ الْبَرَامِكَةُ مُنْحَرِفَةً عَنْ يَزِيدَ فَقَالُوا لِلرَّشِيدِ: إِنَّمَا يَتَجَافَى يَزِيدُ عَنِ الْوَلِيدِ لِلرَّحِمِ، لِأَنَّهُمَا كِلَاهُمَا مِنْ وَائِلٍ، وَهَوَّنُوا أَمْرَ الْوَلِيدِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ كِتَابَ مُغْضَبٍ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ وَجَّهْتَ أَحَدَ الْخَدَمِ لَقَامَ بِأَكْثَرَ مِمَّا تَقُومُ بِهِ، وَلَكِنَّكَ مُدَاهِنٌ، مُتَعَصِّبٌ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنْ أَخَّرْتَ مُنَاجَزَتَهُ لَأُوَجِّهَنَّ إِلَيْكَ مَنْ يَحْمِلُ رَأْسَكَ. فَلَقِيَ الْوَلِيدَ عَشِيَّةَ خَمِيسٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ، فَيُقَالُ: جَهِدَ عَطَشًا حَتَّى رَمَى بِخَاتَمِهِ فِي فِيهِ، وَجَعَلَ يَلُوكُهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا شِدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَاسْتُرْهَا ! وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: فِدَاكُمْ أَبِي وَأُمِّي إِنَّمَا هِيَ الْخَوَارِجُ، وَلَهُمْ حَمْلَةٌ، فَاثْبُتُوا، فَإِذَا انْقَضَتْ حَمْلَتُهُ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ إِذَا انْهَزَمُوا لَمْ يَرْجِعُوا. فَكَانَ كَمَا قَالَ، حَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً، فَثَبَتَ يَزِيدُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ عَشِيرَتِهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَانْكَشَفُوا، فَيُقَالُ: إِنَّ أَسَدَ بْنَ يَزِيدَ كَانَ شَبِيهًا بِأَبِيهِ جِدًّا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا إِلَّا ضَرْبَةٌ فِي وَجْهِ يَزِيدَ تَأْخُذُ مِنْ قَصَاصِ شَعْرِهِ، مُنْحَرِفَةً عَلَى جَبْهَتِهِ، فَكَانَ أَسَدُ يَتَمَنَّى مِثْلَهَا، فَهَوَتْ إِلَيْهِ ضَرْبَةٌ، فَأَخْرَجَ وَجْهَهُ مِنَ التُّرْسِ، فَأَصَابَتْهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَيُقَالُ لَوْ خُطَّتْ عَلَى ضَرْبَةِ أَبِيهِ مَا عَدَا. وَاتَّبَعَ يَزِيدُ الْوَلِيدَ بْنَ طَرِيفٍ، فَلَحِقَهُ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَائِلٌ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا لَا يَفُلُّ الْحَدِيدَ إِلَّا الْحَدِيدُ . فَلَمَّا قُتِلَ الْوَلِيدُ صَبَّحَتْهُمْ أُخْتُهُ لَيْلَى بِنْتُ الطَّرِيفِ، مُسْتَعِدَّةً، عَلَيْهَا الدِّرْعُ، فَجَعَلَتْ تَحْمِلُ عَلَى النَّاسِ، فَعُرِفَتْ، فَقَالَ يَزِيدُ: دَعُوهَا ! ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهَا فَضَرَبَ بِالرُّمْحِ قَطَاةَ فَرَسِهَا، ثُمَّ قَالَ: اعْزُبِي عَزَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ، فَقَدْ فَضَحَتِ الْعَشِيرَةَ. فَاسْتَحْيَتْ وَانْصَرَفَتْ وَهِيَ تَقُولُ تَرْثِي الْوَلِيدَ: بِتَلِّ تَبَاثَا رَسْمُ قَبْرٍ كَأَنَّهُ عَلَى عَلَمٍ فَوْقَ الْجِبَالِ مُنِيفِ تَضَمَّنَ جُودًا حَاتِمِيًّا وَنَائِلًا وَسَوْرَةَ مِقْدَامٍ وَقَلْبَ حَصِيفِ أَلَا قَاتَلَ اللَّهُ الْجُثَى كَيْفَ أَضْمَرَتْ فَتًى كَانَ بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ عَفِيفِ فَإِنْ يَكُ أَرْدَاهُ يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدٍ فَيَا رُبَّ خَيْلٍ فَضَّهَا وَصُفُوفِ أَلَا يَا لَقَوْمِي لِلنَّوَائِبِ وَالرَّدَى وَدَهْرٍ مُلِحٍّ بِالْكِرَامِ عَنِيفِ وَلَلْبَدْرِ مِنْ بَيْنِ الْكَوَاكِبِ قَدْ هَوَى وَلَلشَّمْسِ هَمَّتْ بَعْدَهُ بِكُسُوفِ فَيَا شَجَرَ الْخَابُورِ مَا لَكَ مُورِقًا كَأَنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ فَتًى لَا يُحِبُّ الزَّادَ إِلَّا مِنَ التُّقَى وَلَا الْمَالَ إِلَّا مِنْ قَنَا وَسُيُوفِ وَلَا الْخَيْلَ إِلَّا كُلَّ جَرْدَاءَ شَطَبَةٍ وَكُلَّ حِصَانٍ بِالْيَدَيْنِ عَرُوفِ فَلَا تَجْزَعَا يَا ابْنَيْ طَرِيفٍ فَإِنَّنِي أَرَى الْمَوْتَ نَزَّالًا بِكُلِّ شَرِيفِ فَقَدْنَاكَ فُقْدَانَ الرَّبِيعِ فَلَيْتَنَا فَدَيْنَاكَ مِنْ دَهْمَائِنَا بِأُلُوفِ . وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي قَتْلِ الْوَلِيدِ وَرِفْقِ يَزِيدَ فِي قِتَالِهِ مِنْ قَصِيدَةِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: يَفْتَرُّ عِنْدَ افْتِرَارِ الْحَرْبِ مُبْتَسِمًا إِذَا تَغَيَّرَ وَجْهُ الْفَارِسِ الْبَطَلِ مُوفٍ عَلَى مُهَجٍ فِي يَوْمِ ذِي رَهَجٍ كَأَنَّهُ أَجَلٌ يَسْعَى إِلَى أَمَلِ يَنَالُ بِالرِّفْقِ مَا يَعْيَا الرِّجَالُ بِهِ كَالْمَوْتِ مُسْتَعْجِلًا يَأْتِي عَلَى مَهَلِ ( وَهِيَ حَسَنَةٌ جِدًّا ).
التاريخ 3002لا حكم مسجّل
غَزْوِ الْفِرِنْجِ وَالْجَلَالِقَةِ بِالْأَنْدَلُسِ وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ سَيَّرَ هِشَامٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ عَسْكَرًا مَعَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَغَزَا أَلَبَةَ، وَالْقِلَاعَ، فَغَنِمَ وَسَلِمَ. وَسَيَّرَ أَيْضًا جَيْشًا آخَرَ مَعَ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ إِلَى بِلَادِ الْجَلَالِقَةِ فَخَرَّبَ دَارَ مَلِكِهِمْ أَذَّفَنْشَ وَكَنَائِسَهُ، وَغَنِمَ. فَلَمَّا قَفَلَ الْمُسْلِمُونَ ضَلَّ الدَّلِيلُ بِهِمْ، فَنَالَهُمْ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ وَمَاتَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَنَفَقَتْ دَوَابُّهُمْ، وَتَلِفَتْ آلَاتُهُمْ، ثُمَّ سَلِمُوا وَعَادُوا.
التاريخ 3003لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ وَثَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَقَتَلُوا الْفَضْلَ بْنَ رَوْحِ بْنِ حَاتِمٍ، وَأَخْرَجُوا مَنْ كَانَ بِهَا مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الرَّشِيدُ هَرْثَمَةَ، فَرَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ عَلَى يَدَيْهِ. وَفِيهَا فَوَّضَ الرَّشِيدُ أُمُورَ الْخِلَافَةِ كُلَّهَا إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ . وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُعَاوِيَةُ بْنُ زُفَرَ بْنِ عَاصِمٍ، وَغَزَا الشَّاتِيَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ. وَمَعَهُ الْبَنْدُ بِطَرِيقِ صِقِلِّيَةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ نَائِبُ مَكَّةَ، كَرَّمَهَا اللَّهُ.
التاريخ 3004لا حكم مسجّل
فِتْنَةِ تَاكُرُنَّا وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ هَاجَتْ فِتْنَةُ تَاكُرُنَّا بِالْأَنْدَلُسِ، وَخَلَعَ بَرْبَرُهَا الطَّاعَةَ ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَأَغَارُوا عَلَى الْبِلَادِ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَسَيَّرَ هِشَامٌ إِلَيْهِمْ جُنْدًا كَثِيفًا عَلَيْهِمْ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ أَبَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَصَدُوهَا وَتَابَعُوا قِتَالَ مَنْ فِيهَا إِلَى أَنْ أَبَادُوهُمْ قَتْلًا وَسَبْيًا، وَفَرَّ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَدَخَلَ فِي سَائِرِ الْقَبَائِلِ، وَبَقِيَتْ كُورَةُ تَاكُرُنَّا وَجِبَالُهَا خَالِيَةً مِنَ النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ.
التاريخ 3005لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ يُونُسَ عَبْثَرُ بْنُ الْقَاسِمِ، أَبُو زُبَيْدٍ الْكُوفِيُّ . سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيَّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ، وَالْأَعْمَشَ، وَالثَّوْرِيَّ، رَوَى عَنْ قُتَيْبَةَ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 3006لا حكم مسجّل
غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ وَفِي سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ سَيَّرَ هِشَامٌ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا كَثِيفًا عَلَيْهِمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُغِيثٍ، إِلَى جِلِّيقِيَّةَ، فَسَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى إِسْتَرْقَةَ، وَكَانَ أُذْفُونَشُ، مَلِكُ الْجَلَالِقَةِ، قَدْ جَمَعَ وَحَشَدَ، وَأَمَدَّهُ مَلِكُ الْبَشْكَنْسِ، وَهُمْ جِيرَانُهُ، وَمَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمَجُوسِ، وَأَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي، فَصَارَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَرَجَعَ أُذْفُونَشَ هَيْبَةً لَهُ، وَتَبِعَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقْفُو أَثَرَهُمْ، وَيُهْلِكُ كُلَّ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ، فَدَوَّخَ بِلَادَهُمْ، وَأَوْغَلَ فِيهَا، وَأَقَامَ فِيهَا يَغْنَمُ، وَيَقْتُلُ، وَيُخَرِّبُ، وَهَتَكَ حَرِيمَ أُذْفُونَشَ، وَرَجَعَ سَالِمًا. وَكَانَ قَدْ سَيَّرَ هِشَامٌ جَيْشًا آخَرَ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَدَخَلُوا أَيْضًا عَلَى مِيعَادٍ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْرَبُوا، وَنَهَبُوا وَغَنِمُوا، فَلَمَّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ مِنْ بِلَادِ الْعَدُوِّ اعْتَرَضَهُمْ عَسْكَرٌ لِلْفِرْنِجِ فَنَالَ مِنْهُمْ، وَقَتَلَ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ تَخَلَّصُوا، وَسَلِمُوا، وَعَادُوا سَالِمِينَ سِوَى مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ.
التاريخ 3007لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا كَانَ قُدُومُ الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى مِنْ خُرَاسَانَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ شُرَحْبِيلَ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ عَلَيْهَا مَنْصُورَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيَّ. وَفِيهَا عَزَلَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ عَنِ الْحَجَبَةِ، وَرَدَّهَا إِلَى الْفَضْلِ بْنِ رَبِيعٍ. وَفِيهَا خَرَجَ بِخُرَاسَانَ حَمْزَةُ بْنُ أَتْرَكَ السِّجِسْتَانِيُّ،. وَفِيهَا خَرَجَ الرَّشِيدُ مِنْ بَغْدَادَ مُعْتَمِرًا شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا قَضَى عُمْرَتَهُ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَمَشَى مِنْ مَكَّةَ إِلَى مِنًى، ثُمَّ إِلَى عَرَفَاتٍ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ وَالْمَشَاعِرَ كُلَّهَا مَاشِيًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَغْدَادَ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ.
التاريخ 3008لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ الشَّاعِرُ الرَّافِضِيُّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ، أَبُو هَاشِمٍ الْحِمْيَرِيُّ الْمُلَقَّبُ بِالسَّيِّدِ، كَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَالْمُبَرَّزِينَ فِي هَذِهِ الصِّنَاعَةِ الْمُفَوَّهِينَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا خَبِيثًا، وَشِيعِيًّا غَثِيثًا، كَانَ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَقُولُ بِالرَّجْعَةِ، أَيْ بِالدَّوْرِ. قَالَ يَوْمًا لِرَجُلٍ: أَقْرِضْنِي دِينَارًا، وَلَكَ عِنْدِي مِائَةُ دِينَارٍ إِذَا عُدْنَا إِلَى الدُّنْيَا. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَعُودَ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا، فَيَذْهَبُ مَالِي. وَكَانَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، يَسُبُّ الصَّحَابَةَ فِي شِعْرِهِ وَيَشْتُمُ الْخِيَرَةَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَدَّمْتُ عَلَيْهِ أَحَدًا فِي طَبَقَتِهِ. وَلَا سِيَّمَا الشَّيْخَيْنِ وَابْنَيْهِمَا، ؓ، وَلَعَنَهُ وَأَسْحَقُهُ وَأَبْعَدَهُ. وَكَانَ يَقُولُ بِإِمَامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُقِيمٌ بِجَبَلِ رَضْوَى، وَإِنَّهُ لَمْ يَمُتْ. وَمِنْ شَعْرِهِ فِي ذَلِكَ: أَلَا قُلْ لِلْوَصِيِّ فَدَتْكَ نَفْسِي أَطَلَّتْ بِذَلِكَ الْجَبَلُ الْمُقَامَا أَضَرَّ بِمَعْشَرٍ وَالُوكَ مِنَّا وَسُمُّوكَ الْخَلِيفَةَ وَالْإِمَامَا وَعَادُوا فِيكَ أَهْلَ الْأَرْضِ طُرًّا مُقَامُكَ فِيهِمْ سِتِّينَ عَامًا وَمَا ذَاقَ ابْنُ خَوْلَةَ طَعْمَ مَوْتٍ وَلَا وَارَتْ لَنَا أَرْضٌ عِظَامًا لَقَدْ أَمْسَى بِمُورَقِ شِعْبِ رَضْوَى تُرَاجِعُهُ الْمَلَائِكَةُ الْكَلَامَا هَدَانَا اللَّهُ إِذْ حِرْتُمْ لِأَمْرٍ بِهِ وَارِثُهُ يَلْتَمِسُ الْتِمَامًا تَمَامَ مَوَدَّةِ الْمَهْدِيِّ حَتَّى تَرَوْا آيَاتِنَا تَتْرَى نِظَامًا وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ قَالَ: كَانَ السَّيِّدُ الْحِمْيَرِيُّ يَزْعُمُ أَنَّ جَهَنَّمَ بِحَضْرَمَوْتَ وَبِوَادِي بَرْهُوتَ. وَقَالَ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؓ يَصِفُ عَدَاءَهُمَا عِنْدَهُ: أَمْسَتْ عِظَامُهُمَا بِطَيْبَةَ لِلْبِلَى وَبِحَضْرَمَوْتَ شَرُّهَا رُوحَاهُمَا وَقَالَ فِي ذَمِّ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ ؓ: أَعَائِشُ إِنَّكِ فِي الْمُحْدَثَاتِ وَفِي الْمُحْدَثِينَ بِوَادِي الْيَمَنِ بِبَرْهُوتَ تُسْقَيْنَ مِنْ مَائِهَا شَرَابًا كَرِيهًا شَدِيدَ الْأَسَنْ قَالَ: وَكَانَ شَدِيدَ اللَّهَجِ بِسَبِّ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ وَسَيِّدَتِنَا حَفْصَةَ ؓ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: جَاءَتْ مَعَ الْأَشَقِّينَ فِي هَوْدَجٍ تُزْجِي إِلَى الْبَصْرَةِ أَجْنَادَهَا كَأَنَّهَا فِي فِعْلِهَا حَيَّةٌ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَ أَوْلَادَهَا قَالَ: وَكَانَ يَقْصِدُ قَذْفَ حُرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْعَظَائِمِ. ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ - يَعْنِي [فِي - ] عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ: إِحْدَاهُمَا نَمَّتْ عَلَيْهِ حَدِيثَهُ وَبَغَتْ عَلَيْهِ بَغْيَةً إِحْدَاهُمَا فَهُمَا اللَّتَانِ سَمِعَتْ رَبَّ مُحَمَّدٍ فِي الذِّكْرِ قَصَّ عَلَى الْعِبَادِ نَبَاهُمَا [قَالَ الْمُصَنِّفُ ]: وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ لِتَعْرِفَ هَذَا اللَّعِينَ وَغَوْرَهُ فِي الْكُفْرِ. وَاخْتَلَفُوا أَيْنَ مَاتَ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَقِيلَ: بِوَاسِطَ، أَخَذَهُ كَرْبٌ فَجَلَسَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا كَانَ جَزَائِي لِحُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ، فَمَاتَ فَلَمْ يَدْفِنُوهُ لِكُفْرِهِ وَسَبِّهِ الصَّحَابَةَ ؓ. وَقِيلَ: بَلْ تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ، وَاسْوَدَّ وَجْهُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأَفَاقَ مِنْ سَكْرَتِهِ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَفْعَلُ هَذَا لِوَلِيِّكَ ؟ قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَمَاتَ، فَدُفِنَ بِالْحَدِيثَةِ بِبَغْدَادَ وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ. حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ، مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَى نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ غَيْمَانَ - بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتِهَا - بْنِ جُثَيْلِ - بِالْجِيمِ بَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ - بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ ذُو أَصْبَحَ. حُمِلَ بِمَالِكٍ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَكَانَ طِوَالًا عَظِيمَ الْهَامَةِ، أَصْلَعَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ إِلَى الشُّقْرَةِ، أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. رَأَى خَلْقًا مِنَ التَّابِعِينَ، وَرَوَى عَنْهُمْ، وَكَانَ ثِقَةً حُجَّةً، يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْعَدَنِيَّةَ الْجِيَادَ، وَكَانَ نَقَشَ خَاتَمَهُ "حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " فَقِيلَ لَهُ: لِمَ نَقَشْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ عَقِبَ هَذِهِ الْآيَةِ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَكَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ فَأَدْخَلَ رِجْلَهُ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ. وعن إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحَدِّثَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اغْتَسَلَ وَتَبَخَّرَ وَتَطَيَّبَ، فَإِذَا رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ عِنْدَهُ قَالَ: اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ فَمَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ عِنْدَ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَأَنَّمَا رَفَعَ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وعن أَبَا مُصْعَبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ: مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ. وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: سَأَلَ رَجُلٌ مَالِكًا عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: لَا أُحْسِنُهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي ضَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ كَذَا وَكَذَا لِأَسْأَلَكَ عَنْهَا. فَقَالَ لَهُ مَالِكُ [ابْنُ أَنَسٍ ] إِذَا رَجَعْتَ إِلَى مَكَانِكَ وَمَوْضِعِكَ فَأَخْبِرْهُمْ إِنِّي قَدْ قُلْتُ لَكَ لَا أُحْسِنُهَا. وعن نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا ارْتَفَعَ مِثْلَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مِنْ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ سَرِيرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا دُعِيَ مَالِكٌ وَسُورٌ وَسُمِعَ مِنْهُ شَنِفَ النَّاسُ لَهُ وَحَسَدُوهُ، فَلَمَّا وَلِيَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَدِينَةَ سَعَوْا بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَرَى أَيْمَانَ بَيْعَتِكُمْ بِشَيْءٍ، وَهُوَ يَأْخُذُ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ ثَابِتٍ عَنِ الْأَحْنَفِ، فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَغَضِبَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، فَدَعَا بِمَالِكٍ، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِ بِمَا رُقِيَ إِلَيْهِ، ثُمَّ جَرَّدَهُ وَمَدَّهُ وَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ، وَمُدَّتْ يَدُهُ حَتَّى انْخَلَعَ كَتِفَاهُ، وَارْتُكِبَ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ بِمَالِكٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ رِفْعَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، وَكَأَنَّمَا [كَانَتْ ] تِلْكَ السِّيَاطُ حُلِيًّا حُلِّيَ بِهَا. وَكَانَ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ وَالْجَنَائِزَ وَالْجُمْعَةَ، وَيَعُودُ الْمَرْضَى، وَيَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ تَرَكَ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَتَرَكَ شُهُودَ الْجَنَائِزِ، وَكَانَ يَأْتِي أَهْلَهَا فَيُعَزِّيهِمْ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَلَمْ يَكُنْ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي مَسْجِدٍ وَلَا الْجُمْعَةَ، وَلَا يَأْتِي أَحَدًا يُعَزِّيهِ، وَاحْتَمَلَ النَّاسُ لَهُ ذَلِكَ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَرُبَّمَا كُلِّمَ فِي ذَلِكَ فَيَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَقْدِرُ يَتَكَلَّمُ بِعُذْرِهِ. وَمُنْذُ خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ [ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ] حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ لَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قُتِلَ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ يَجْلِسُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى ضِجَاعٍ لَهُ وَنَمَارِقَ مَطْرُوحَةٍ يُمْنَةً وَيُسْرَةً فِي سَائِرِ الْبَيْتِ لِمَنْ يَأْتِيهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَ مَجْلِسُهُ مَجْلِسَ وَقَارٍ وَحِلْمٍ، وَكَانَ نَبِيلًا مَهِيبًا لَا يُسْتَفْهَمُ هَيْبَةً. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ اشْتَكَى مَالِكٌ أَيَّامًا يَسِيرَةً، فَسَأَلْتُ بَعْضَ أَهْلِنَا عَمَّا قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ: تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. وَتُوُفِّيَ فِي صَبِيحَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، فِي خِلَافَةِ هَارُونَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ وَالِي الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ؓ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهُ الْمَكِّيُّ، وَصَحِبَهُ الشَّافِعِيُّ قَبْلَ مَالِكٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْهَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الزِّنْجِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ. وَعَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْمُهَلَّبِيُّ الْبَصْرِيُّ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ الْحَنَفِيُّ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو الْهَيْثَمِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو الْهَيْثَمِ . وَقِيلَ: أَبُو أَحْمَدَ الطَّحَّانُ، مَوْلَى مُزَيْنَةَ. مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ، وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ يُونُسَ بْنَ عُبَيْدٍ، وَابْنَ عَوْنٍ، وَغَيْرَهُمَا. رَوَى عَنْهُ: وَكِيعٌ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَعَفَّانُ بْنُ مُسَدِّدٍ، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا. قَالَ إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ: مَا أَدْرَكْتُ أَفْضَلَ مِنْ خَالِدٍ. قِيلَ: قَدْ رَأَيْتُ سُفْيَانَ فَقَالَ: كَانَ سُفْيَانُ رَجُلَ نَفْسِهِ، وَكَانَ خَالِدُ رَجُلَ عَامَّةٍ. وعن أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ الطَّبَرَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَقُولُ: قَالَ أَبِي: كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ مِنْ أَفَاضِلِ الْمُسْلِمِينَ اشْتَرَى نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَتَصَدَّقَ بِوَزْنِ نَفْسِهِ فِضَّةً أَرْبَعَ مَرَّاتٍ. تُوُفِّيَ فِي رَجَبِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
التاريخ 3009لا حكم مسجّل
وَفَاةِ هِشَامٍ وَفِي سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ مَاتَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، فِي صَفَرٍ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْوَلِيدِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَّ وَلَدٍ. كَانَ أَبْيَضَ أَشْهَلَ، مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، بِعَيْنَيْهِ حَوَلٌ، وَخَلَّفَ خَمْسَةَ بَنِينَ، وَكَانَ عَامِلًا حَازِمًا، ذَا رَأْيٍ وَشَجَاعَةٍ وَعَدْلٍ، خَيِّرًا، مُحِبًّا لِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، شَدِيدًا عَلَى الْأَعْدَاءِ، رَاغِبًا فِي الْجِهَادِ. وَمِنْ أَحْسَنِ عَمَلِهِ أَنَّهُ أَخْرَجَ مُصَدِّقًا يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ أَيَّامَ وِلَايَتِهِ، وَهُوَ الَّذِي تَمَّمَ بِنَاءَ الْجَامِعِ بِمَدِينَةِ قُرْطُبَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهُ، وَبَنَى مَسَاجِدَ مَعَهُ، وَبَلَغَ مِنْ عِزِّ الْإِسْلَامِ فِي أَيَّامِهِ وَذُلِّ الْكُفْرِ أَنَّ رُجَلًا مَاتَ فِي أَيَّامِهِ، فَأَوْصَى أَنْ يُفَكَّ أَسِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَطُلِبَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُوجَدْ فِي دَارِ الْكُفَّارِ أَسِيرٌ يُشْتَرَى وَيُفَكُّ لِضَعْفِ الْعَدُوِّ وَقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ. ( وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ قَدْ ذَكَرَهَا أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ كَثِيرًا، وَبَالَغُوا حَتَّى قَالُوا كَانَ يُشْبِهُ فِي سِيرَتِهِ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُ اللَّهُ ).
التاريخ 3010لا حكم مسجّل
وِلَايَةِ ابْنِهِ الْحَكَمِ وَلَقَبِهِ الْمُنْتَصِرِ وَلَمَّا مَاتَ اسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ ابْنَهُ الْحَكَمَ، وَكَانَ الْحَكَمُ صَارِمًا، حَازِمًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنَ الْمَمَالِيكِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَارْتَبَطَ الْخَيْلَ بِبَابِهِ، وَتَشَبَّهَ بِالْجَبَابِرَةِ. وَكَانَ يُبَاشِرُ الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ فَصِيحًا، شَاعِرًا، وَلَمَّا وَلِيَ خَرَجَ عَلَيْهِ عَمَّاهُ سُلَيْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَا فِي بَرِّ الْعُدْوَةِ الْغَرْبِيَّةِ، فَعَبَرَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَلَنْسِيُّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَتَوَلَّى بَلَنْسِيَةَ، وَتَبِعَهُ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، وَكَانَ بِطَنْجَةَ، وَأَقْبَلَا يُؤَلِّبَانِ النَّاسَ عَلَى الْحَكَمِ، وَيُثِيرَانِ الْفِتْنَةَ، فَتَحَارَبُوا مُدَّةً وَالظَّفَرُ لِلْحَكَمِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَكَمَ ظَفِرَ بِعَمِّهِ سُلَيْمَانَ، فَقَتَلَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. [ وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ ] فَأَقَامَ بِبَلَنْسِيَةَ، وَقَدْ كَفَّ عَنِ الْفِتْنَةِ، وَخَافَ فَرَاسَلَ الْحَكَمَ فِي الصُّلْحِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَوَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَزَوَّجَ أَوْلَادَ عَبْدِ اللَّهِ بِأَخَوَاتِهِ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ. وَلَمَّا اشْتَغَلَ الْحَكَمُ بِالْفِتْنَةِ مَعَ عَمَّيْهِ اغْتَنَمَ الْفِرِنْجُ الْفُرْصَةَ، فَقَصَدُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ، وَأَخَذُوا مَدِينَةَ بَرْشَلُونَةَ وَاتَّخَذُوهَا دَارًا، وَنَقَلُوا أَصْحَابَهُمْ إِلَيْهَا، وَتَأَخَّرَتْ عَسَاكِرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهَا، وَكَانَ أَخْذُهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 3011لا حكم مسجّل
غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ سَيَّرَ الْحَكَمُ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا مَعَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُغِيثٍ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَدَخَلَ الْبِلَادَ، وَبَثَّ السَّرَايَا يَنْهَبُونَ، وَيُقَتِّلُونَ، وَيُحَرِّقُونَ الْبِلَادَ، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً، فَجَازُوا خَلِيجًا مِنَ الْبَحْرِ كَانَ الْمَاءُ قَدْ جَزَرَ عَنْهُ، وَكَانَ الْفِرِنْجُ قَدْ جَعَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وَرَاءَ الْخَلِيجِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ أَحَدًا لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْبُرَ إِلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَالِهِمْ، وَأَسَرُوا الرِّجَالَ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ فَأَكْثَرُوا، وَسَبَوُا الْحَرِيمَ، وَعَادُوا سَالِمِينَ إِلَى عَبْدِ الْكَرِيمِ. وَسَيَّرَ طَائِفَةً أُخْرَى، فَخَرَّبُوا كَثِيرًا مِنْ بِلَادِ فَرَنْسِيَّةَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَ أَهْلِهَا، وَأَسَرُوا الرِّجَالَ، فَأَخْبَرَهُ بَعْضُ الْأَسْرَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ قَدْ سَبَقُوا الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَادٍ وَعْرِ الْمَسْلَكِ عَلَى طَرِيقِهِمْ، فَجَمَعَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ عَلَى تَعْبِئَةٍ، وَجَدَّ السَّيْرَ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْكُفَّارُ إِلَّا وَقَدْ خَالَطَهُمْ الْمُسْلِمُونَ، فَوَضَعُوا السَّيْفَ فِيهِمْ، فَانْهَزَمُوا، وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ، وَعَادَ سَالِمًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ.
التاريخ 3012لا حكم مسجّل
وِلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى خُرَاسَانَ . وَفِي سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ مَاتَ عَزَلَ الرَّشِيدُ مَنْصُورَ بْنَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَوَلِيَهَا عَشْرَ سِنِينَ، وَفِي وِلَايَتِهِ خَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ أَتُرْكَ الْخَارِجِيُّ أَيْضًا، فَجَاءَ إِلَى بُوشَنْجَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَمْرُوَيْهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَزْدِيُّ، وَكَانَ عَلَى هَرَاةَ، فِي سِتَّةِ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ حَمْزَةُ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةً. وَمَاتَ عَمْرُوَيْهِ فِي الزِّحَامِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى ابْنَهُ الْحُسَيْنَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَلَمْ يُحَارِبْ حَمْزَةَ، فَعَزَلَهَ، وَسَيَّرَ عِوَضَهُ ابْنَهُ عِيسَى بْنَ عَلِيٍّ فَقَاتَلَ حَمْزَةَ، فَهَزَمَهُ حَمْزَةُ، فَرَدَّهُ أَبُوهُ إِلَيْهِ أَيْضًا، فَقَاتَلَهُ بِبَاخَرْزَ، وَكَانَ حَمْزَةُ بِنَيْسَابُورَ، فَانْهَزَمَ حَمْزَةُ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ، وَبَقِيَ فِي أَرْبَعِينَ رُجَلًا، فَقَصَدَ قُهُسْتَانَ. وَأَرْسَلَ عِيسَى أَصْحَابَهُ إِلَى أُوقَ وَجُوَيْنَ، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَقَصَدَ الْقُرَى الَّتِي كَانَ أَهْلُهَا يُعِينُونَ حَمْزَةَ، فَأَحْرَقَهَا، وَقَتَلَ مَنْ فِيهَا، حَتَّى [ وَصَلَ ] إِلَى زَرَنْجَ، فَقَتَلَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا وَرَجَعَ، وَخَلَّفَ بِزَرَنْجَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ النَّسَفِيَّ، فَجَبَى الْأَمْوَالَ وَسَارَ بِهَا، فَلَقِيَهُ حَمْزَةُ بِأَسْفِزَارَ، فَقَاتَلَهُ، فَصَبَرَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصُّغْدِ. فَانْهَزَمَ حَمْزَةُ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَجُرِحَ فِي وَجْهِهِ، وَاخْتَفَى هُوَ وَمَنْ سَلِمَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْكُرُومِ، ثُمَّ خَرَجَ وَسَارَ فِي الْقُرَى يَقْتُلُ، وَلَا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى قَدِ اسْتَعْمَلَ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ عَلَى بُوشَنْجَ، فَسَارَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ، وَانْتَهَى إِلَى مَكْتَبٍ فِيهِ ثَلَاثُونَ غُلَامًا، فَقَتَلَهُمْ، وَقَتَلَ مُعَلِّمَهُمْ، وَبَلَغَ طَاهِرًا الْخَبَرُ، فَأَتَى قَرْيَةً فِيهَا قَعَدُ الْخَوَارِجِ، وَهُمُ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، وَلَا دِيوَانَ لَهُمْ، فَقَتَلَهُمْ طَاهِرٌ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ. وَكَانَ يَشُدُّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ فِي شَجَرَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمَا، ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا، فَتَأْخُذُ كُلُّ شَجَرَةٍ نِصْفَهُ، فَكَتَبَ الْقَعَدُ إِلَى حَمْزَةَ بِالْكَفِّ، فَكَفَّ وَوَاعَدَهُمْ، وَأَمِنَ النَّاسُ مُدَّةً، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ.
التاريخ 3013لا حكم مسجّل
وفي سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ هَاجَتِ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ بَيْنَ النِّزَارِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ، فَانْزَعَجَ الرَّشِيدُ لِذَلِكَ، فَنَدَبَ جَعْفَرًا الْبَرْمَكِيَّ إِلَى الشَّامِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْجُنُودِ، فَدَخَلَ الشَّامَ، فَانْقَادَ النَّاسُ لَهُ، وَلَمْ يَدَعْ جَعْفَرٌ بِالشَّامِ فَرَسًا وَلَا سَيْفًا وَلَا رُمْحًا إِلَّا اسْتَلَبَهُ مِنَ النَّاسِ. وَأَطْفَأَ اللَّهُ بِهِ نَارَ تِلْكَ الْفِتْنَةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: لَقَدْ أُوقِدَتْ بِالشَّامِ نِيرَانُ فِتْنَةٍ فَهَذَا أَوَانُ الشَّامِ تُخْمَدُ نَارُهَا إِذَا جَاشَ مَوْجُ الْبَحْرِ مِنْ آلِ بَرْمَكَ عَلَيْهَا خَبَتْ شُهْبَانُهَا وَشِرَارُهَا رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِجَعْفَرٍ وَفِيهِ تَلَاقَى صَدْعُهَا وَانْجِبَارُهَا رَمَاهَا بِمَيْمُونِ النَّقِيبَةِ مَاجِدٍ تَرَاضَى بِهِ قَحْطَانُهَا وَنِزَارُهَا ثُمَّ كَرَّ جَعْفَرٌ رَاجِعًا إِلَى بَغْدَادَ بَعْدَمَا اسْتَخْلَفَ عَلَى الشَّامِ عِيسَى ابْنَ الْعَكِّيِّ، فَلَمَّا قَدِمَ دَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ فَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي آنَسَ وَحْشَتِي وَأَنْسَأَ فِي أَجَلِي حَتَّى أَرَانِي وَجْهَ سَيِّدِي وَأَكْرَمَنِي بِقُرْبِهِ، وَرَدَّنِي إِلَى خِدْمَتِهِ، فَوَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَذْكُرُ غَيْبَتِي، وَالْمَقَادِيرَ الَّتِي أَزْعَجَتْنِي، فَأَعْلَمُ أَنَّهَا كَانَتْ بِمَعَاصٍ لَحِقَتْنِي، وَلَوْ طَالَ مُقَامِي لَخِفْتُ أَنْ يَذْهَبَ عَقْلِي إِشْفَاقًا عَلَى قُرْبِكَ وَأَسَفًا عَلَى فِرَاقِكَ.
التاريخ 3014لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سَنَةُ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ أَخَذَ الرَّشِيدُ الْخَاتَمَ مِنْ جَعْفَرِ بْنِ عِيسَى، فَدَفَعَهُ إِلَى أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. وَفِيهَا وَلَّى جَعْفَرًا خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا بَعْدَ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عِيسَى بْنَ جَعْفَرٍ، وَوَلَّى جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى الْحَرَسَ. وَفِيهَا هَدَمَ الرَّشِيدُ سُورَ الْمَوْصِلِ بِسَبَبِ الْعَطَّافِ بْنِ سُفْيَانَ الْأَزْدِيِّ، سَارَ إِلَيْهَا بِنَفْسِهِ، وَهَدَمَ سُورَهَا، وَأَقْسَمَ لَيَقْتُلَنَّ مَنْ لَقِيَ مِنْ أَهْلِهَا، فَأَفْتَاهُ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ، وَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ الْعَطَّافُ قَدْ سَارَ عَنْهَا نَحْوَ أَرْمِينِيَّةَ فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ الرَّشِيدُ، وَمَضَى إِلَى الرَّقَّةِ فَاتَّخَذَهَا وَطَنًا. وَفِيهَا عُزِلَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَقْدَمَهُ إِلَى بَغْدَاذَ وَاسْتَخْلَفَهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى عَلَى الْحَرَسِ. وَفِيهَا كَانَتْ بِمِصْرَ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ سَقَطَ مِنْهَا رَأْسُ مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. ( وَفِيهَا خَرَجَ حُرَّاشَةُ الشَّيْبَانِيُّ بِالْجَزِيرَةِ، فَقَتَلَهُ مُسْلِمُ بْنُ بَكَّارٍ الْعُقَيْلِيُّ ). وَفِيهَا عُزِلَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى عَنْ طَبَرِسْتَانَ، وَالرُّويَانِ، وَوَلِيَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَوَلِيَ سَعِيدُ بْنُ سَلْمٍ الْجَزِيرَةَ، وَغَزَا الصَّائِفَةَ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ زُفَرَ بْنِ عَاصِمٍ. وَفِيهَا سَارَ الرَّشِيدُ إِلَى الْحَيْرَةِ، وَابْتَنَى بِهَا الْمَنَازِلَ، فَأَقْطَعَ أَصْحَابَهُ الْقَطَائِعَ فَثَارَ بِهِمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَسَاءُوا مُجَاوَرَتَهُ، فَعَادَ إِلَى بَغْدَاذَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الْمَوْصِلِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْحَرَشِيَّ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا، وَظَلَمَهُمْ، وَطَالَبَهُمْ بِخَرَاجِ سِنِينَ مَضَتْ، فَجَلَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْبَلَدِ. وَفِيهَا ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ بِجُرْجَانَ يُقَالُ لَهُمُ: الْمُحَمِّرَةُ. لَبِسُوا الْحُمْرَةَ، وَاتَّبَعُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَمْرَكِيُّ. وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الزَّنْدَقَةِ، فَبَعَثَ الرَّشِيدُ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ بِمَرْوَ، وَأَطْفَأَ اللَّهُ نَارَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ بِبِنَاءِ مَدِينَةِ عَيْنِ زَرْبَى وَحِصْنِهَا، وَسَيَّرَ إِلَيْهَا جُنْدًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهِمْ، فَأَقْطَعَهُمْ بِهَا الْمَنَازِلَ.
التاريخ 3015لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ . مَوْلَى بَنِي زُرَيْقٍ، قَارِئُ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ، وَشُرَيْكَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَغَيْرَهُمْ. وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا. فَأَقَامَ بِبَغْدَادَ يُؤَدِّبُ عَلِيَّ بْنَ الْمَهْدِيِّ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَلِيُّ بْنُ الْمَهْدِيِّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ عَلِيُّ بْنُ الْمَهْدِيِّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ ، وَأُمُّهُ رَيْطَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَبَّاسِ. تَوَلَّى أُمُورَ الْحَجِّ وَإِمَارَةَ الْمَوْسِمِ غَيْرَ مَرَّةٍ. وعن إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطْبِيُّ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ فِي بُسْتَانِهِ بِعَيْسَابَاذَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، لِأَنَّ مَوْلِدَهُ بِالرَّيِّ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَهُوَ أَسَنُّ مِنْ أَخِيهِ الرَّشِيدِ بِشُهُورٍ. سَلَمَةُ بْنُ صَالِحٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْجُعْفِيُّ الْأَحْمَرُ الْكُوفِيُّ سَلَمَةُ بْنُ صَالِحٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْجُعْفِيُّ الْأَحْمَرُ الْكُوفِيُّ . حَدَّثَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِوَاسِطَ فِي زَمَنِ الرَّشِيدِ ثُمَّ عُزِلَ وَقَدِمَ بَغْدَادَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ عَنْ وَاسِطَ: أَنَّ هُشَيْمَ بْنَ بَشِيرٍ تَقَدَّمَ مَعَ خَصْمٍ لَهُ إِلَيْهِ، فَكَلَّمَ الْخَصْمُ هُشَيْمًا بِكَلِمَةٍ، فَرَفَعَ هُشَيْمٌ يَدَهُ، فَلَطَمَ الْخَصْمَ، فَأَمَرَ سَلَمَةُ بِهُشَيْمٍ فَضُرِبَ عَشْرَ دُرَرٍ وَقَالَ: تَتَعَدَّى عَلَى خَصْمِكَ بِحَضْرَتِي ؟ فَأَغْضَبَ ذَلِكَ مَشْيَخَةَ وَاسِطَ، فَخَرَجُوا إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَقَوْهُ بِمَكَّةَ يَطُوفُ، فَكَلَّمُوهُ فِي سَلَمَةَ وَقَالُوا: لَسْنَا نَطْعَنُ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ رَجُلٌ مَوْضِعُ رَجُلٍ. فَأَمَرَ بِعَزْلِهِ وَتَقْلِيدِ سِوَاهُ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ خِلَاسٍ قَالَ: لَمَّا عُزِلَ شُرَيْكٌ عَنِ الْقَضَاءِ تَعَلَّقَ بِهِ رَجُلٌ بِبَغْدَادَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لِي عَلَيْكَ ثَلَاثُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْطِنِيهَا. قَالَ: وَمَنْ أَنَا ؟ قَالَ: أَنْتَ شُرَيْكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، الْقَاضِي. قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ ؟ قَالَ: ثَمَنُ هَذَا الْبَغْلِ الَّذِي تَحْتَكَ. قَالَ: نَعَمْ، تَعَالَ. فَجَاءَ يَمْشِي مَعَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْجِسْرَ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ أُولَئِكَ الشَّرْطُ، فَقَالَ: خُذُوا هَذَا فَاحْبِسُوهُ، لَئِنْ أَطْلَقْتُمُوهُ لَأُخْبِرَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ. فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَتَعَلَّقُ بِالْقَاضِي [إِذَا عُزِلَ ] فَيَدَّعِي عَلَيْهِ فَيَفْتَدِي مِنْهُ، قَدْ تَعَلَّقَ بِسَلَمَةَ الْأَحْمَرِ حِينَ عُزِلَ عَنْ وَاسِطَ، فَأَخَذَ مِنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: هَكَذَا ؟ فَكُلِّمَ فِيهِ، فَأَبَى أَنْ يُطْلِقَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ: إِلَى كَمْ يُحْبَسُ ؟ قَالَ: إِلَى أَنْ يَرُدَّ عَلَى سَلَمَةَ الْأَحْمَرِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ: فَرَدَّ عَلَى سَلَمَةَ الْأَحْمَرِ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ سَلَمَةُ إِلَى شُرَيْكٍ فَشَكَرَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا ضَعِيفُ كُلُّ مَنْ سَأَلَكَ مَالَكَ أَعْطِيَّتَهُ إِيَّاهُ. اضْطَرَبَ عَلَى سَلَمَةَ حِفْظُهُ فَضَعَّفَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ . كَانَ عَلَّامَةَ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ بِأَخْبَارِهَا، وَأَشْعَارِهَا، وَأَيَّامِهَا، وَأَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَشْعَارِهَا، وَأَيَّامِهَا. وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ هُوَ وَأَبُوهُ، وَلَمَّا اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى الْيَمَنِ وَجَّهَ الضَّحَّاكَ خَلِيفَةً لَهُ عَلَيْهَا، وَفَرَضَ لَهُ كُلَّ سَنَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَلَّمَ لَهُ الْخَلِيفَةَ فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَكَانَ مَحْمُودَ السِّيرَةِ. وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنَ الْيَمَنِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، أَبُو مُعَاوِيَةَ الْبَصْرِيُّ. سَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ. وَرَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، غَزِيرَ الْعَقْلِ، ذَا هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ. عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو عُبَيْدَةَ التَّمِيمِيُّ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو عُبَيْدَةَ التَّمِيمِيُّ، مَوْلَى بَنِي الْعَنْبَرِ . شَهِدَ لَهُ شُعْبَةُ بِالْإِتْقَانِ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَافِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ الْقَاضِي عَافِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ الْقَاضِي . وَلَّاهُ الْمَهْدِيُّ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَحَدَّثَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَالْأَعْمَشِ، وَغَيْرِهِمَا. وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِينَ يُجَالِسُونَهُ، فَكَانَ أَصْحَابُهُ يَخُوضُونَ فِي مَسْأَلَةٍ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ عَافِيَةُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تَرْفَعُوا الْمَسْأَلَةَ حَتَّى يَحْضُرَ عَافِيَةُ، فَإِذَا حَضَرَ، فَإِنْ وَافَقَهُمْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَثْبِتُوهَا، وَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُثْبِتُوهَا. وَكَانَ عَافِيَةُ هُوَ وَابْنُ عُلَاثَةَ فَكَانَا يَقْضِيَانِ فِي عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ فِي جَامِعِ الرَّصَافَةِ، هَذَا فِي أَدْنَاهُ وَهَذَا فِي أَعْلَاهُ. وعن إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: كَانَ عَافِيَةُ الْقَاضِي يَتَقَلَّدُ لِلْمَهْدِيِّ الْقَضَاءَ، وَكَانَ عَافِيَةُ عَالِمًا زَاهِدًا، فَصَارَ إِلَى الْمَهْدِيِّ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ وَهُوَ خَالٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَدْخَلَهُ، فَإِذَا مَعَهُ قِمَطْرَةٌ فَاسْتَعْفَاهُ مِنَ الْقَضَاءِ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي تَسْلِيمِ الْقِمَطْرِ إِلَى مَنْ يَأْمُرُ بِذَلِكَ، فَظَنَّ أَنَّ بَعْضَ الْوُلَاةِ قَدْ غَضَّ مِنْهُ، أَوْ أَضْعَفَ يَدَهُ فِي الْحُكْمِ، فَقَالَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: مَا جَرَى مِنْ هَذَا شَيْءٌ، قَالَ: فَمَا كَانَ سَبَبُ اسْتِعْفَائِكَ ؟ قَالَ: كَانَ يَتَقَدَّمُ إِلَيَّ خَصْمَانِ مُوسِرَانِ وَجِيهَانِ مُنْذُ شَهْرَيْنِ فِي قَضِيَّةٍ مُعْضِلَةٍ مُشْكِلَةٍ، وَكُلٌّ يَدَّعِي بَيِّنَةً وَشُهُودًا، وَيُدْلِي بِحُجَجٍ تَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ وَتَثَبُّتٍ، فَرَدَدْتُ الْخُصُومَ رَجَاءَ أَنْ يَصْطَلِحُوا أَوْ يَتَبَيَّنَ لِي وَجْهُ فَصْلِ مَا بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَوَقَفَ أَحَدُهُمَا مِنْ خَبَرِي عَلَى أَنِّي أُحِبُّ الرُّطَبَ السُّكَّرَ، فَعَمَدَ فِي وَقْتِنَا - وَهُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الرُّطَبِ - إِلَى أَنْ جَمَعَ لِي رُطَبًا سُكَّرًا لَا يَتَهَيَّأُ فِي وَقْتِنَا جَمْعُ مِثْلِهِ إِلَّا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ وَرَشَا بَوَّابِي جُمْلَةَ دَرَاهِمَ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ الطَّبَقَ إِلَيَّ وَلَا يُبَالِيَ أَنْ يُرَدَّ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيَّ أَنْكَرْتُ ذَلِكَ وَطَرَدْتُ بَوَّابِي وَأَمَرْتُ بِرَدِّ الطَّبَقِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمَ تَقَدَّمَ إِلَيَّ مَعَ خَصْمِهِ فَمَا تَسَاوَيَا فِي قَلْبِي وَلَا فِي عَيْنِي، وَهَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ أَقْبَلْ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالِي لَوْ قَبِلْتُ، وَلَا آمَنُ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ حِيلَةٌ فِي دِينِي فَأَهْلَكَ، وَقَدْ فَسَدَ [النَّاسُ ]. فَأَقِلْنِي أَقَالَكَ اللَّهُ وَأَعْفِنِي، فَأَعْفَاهُ. وعن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرِيبٍ الْأَصْمَعِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ يَوْمًا، فَرُفِعَ إِلَيْهِ فِي قَاضٍ يُقَالُ لَهُ: عَافِيَةُ، فَكَبُرَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، فَأُحْضِرَ، وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَجَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُخَاطِبُهُ وَيُوقِفُهُ عَلَى مَا رُفِعَ إِلَيْهِ، وَطَالَ الْمَجْلِسُ، ثُمَّ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَطَسَ فَشَمَّتَهُ مَنْ كَانَ بِالْحَضْرَةِ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْهُ سِوَاهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يُشَمِّتْهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: مَا بَالُكَ لَمْ تُشَمِّتْنِي كَمَا فَعَلَ الْقَوْمُ ؟ فَقَالَ لَهُ عَافِيَةُ [لِأَنَّكَ ] يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ، فَلِذَلِكَ لَمْ أُشَمِّتْكَ، هَذَا النَّبِيُّ ﷺ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الْآخَرَ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بِكَ شَمَّتَّ ذَلِكَ وَلَمْ تُشَمِّتْنِي ؟ قَالَ: "لِأَنَّ هَذَا حَمَدَ اللَّهَ فَشَمَّتْنَاهُ وَأَنْتَ لَمْ تَحْمَدْهُ فَلَمْ أُشَمِّتْكَ ". فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: ارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ، فَأَنْتَ لَمْ تُسَامِحْ فِي عَطْسَةٍ تُسَامِحُ فِي غَيْرِهَا ؟ وَصَرَفَهُ مُنْصَرَفًا جَمِيلًا وَزَبَرَ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا رَفَعُوا عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ: خَاصَمَ أَبُو دُلَامَةَ رَجُلًا إِلَى عَافِيَةَ فَقَالَ: لَقَدْ خَاصَمَتْنِي غُوَاةُ الرِّجَا لِ وَخَاصَمْتُهُمْ سَنَةً وَافِيَهْ فَمَا دَحَضَ اللَّهُ لِي حُجَّةً وَمَا خَيَّبَ اللَّهُ لِي قَافِيَهْ فَمَنْ كُنْتُ مِنْ جَوْرِهِ خَائِفًا فَلَسْتُ أَخَافُكَ يَا عَافِيَهْ فَقَالَ لَهُ عَافِيَةُ: لَأَشْكُوَنَّكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: لِمَ تَشْكُونِي ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ هَجَوْتَنِي قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ شَكَوْتَنِي لَيَعْزِلَنَّكَ. قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْهِجَاءَ مِنَ الْمَدِيحِ. عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ، أَبُو بِشْرٍ، الْمَعْرُوفُ بِسِيبَوَيْهِ النَّحْوِيُّ - عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ قُنْبُرٍ، أَبُو بِشْرٍ، الْمَعْرُوفُ بِسِيبَوَيْهِ النَّحْوِيُّ، مَوْلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ . وَقِيلَ: مَوْلَى آلِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ. وَتَفْسِيرُ سِيبَوَيْهِ: رَائِحَةُ التُّفَّاحِ، وَكَانَتْ وَالِدَتُهُ تُرَقِّصُهُ فِي الصِّغَرِ بِذَلِكَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: سُمِّيَ سِيبَوَيْهِ لِأَنَّ وَجَنَّتَيْهِ كَانَتَا كَأَنَّهُمَا تُفَّاحَةٌ. قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وَكَانَ سِيبَوَيْهِ يَصْحَبُ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءَ، وَيَطْلُبُ الْآثَارَ، وَكَانَ يَسْتَمْلِي عَلَى حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، فَلَحَنَ فِي حَرْفٍ، فَعَابَهُ حَمَّادٌ فَأَنِفَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَزِمَ الْخَلِيلَ فَبَرَعَ فِي النَّحْوِ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ وَنَاظَرَ الْكِسَائِيَّ. وعن إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَائِشَةَ يَقُولُ: كُنَّا نَجْلِسُ مَعَ سِيبَوَيْهِ النَّحْوِيِّ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ شَابًّا جَمِيلًا نَظِيفًا، قَدْ تَعَلَّقَ مِنْ كُلِّ عِلْمٍ بِسَبَبٍ، وَضَرَبَ فِي كُلِّ أَدَبٍ بِسَهْمٍ مَعَ حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَبَرَاعَتِهِ فِي النَّحْوِ. قَالَ التَّارِيخِيُّ بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ قَالَ: كَانَ سِيبَوَيْهِ جَالِسًا فِي حَلْقَةٍ بِالْبَصْرَةِ، فَتَذَاكَرْنَا شَيْئًا مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ، فَذَكَرَ حَدِيثًا غَرِيبًا وَقَالَ: لَمْ يَرْوِ هَذَا غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْعُرُوبَةِ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ: مَا هَاتَانِ الزِّيَادَتَانِ يَا أَبَا بِشْرٍ ؟ قَالَ: هَكَذَا يُقَالُ، لِأَنَّ الْعُرُوبَةَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ، فَمَنْ قَالَ عُرُوبَةً فَقَدْ أَخْطَأَ، قَالَ ابْنُ سَلَّامٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيُونُسَ فَقَالَ: أَصَابَ، لِلَّهِ دَرُّهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ السِّيرَافِيُّ: أَخَذَ سِيبَوَيْهِ اللُّغَاتِ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ الْأَخْفَشِ وَغَيْرِهِ، وَعَمِلَ كِتَابَهُ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إِلَى مِثْلِهِ وَلَا لَحِقَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ، وَكَانَ كِتَابُهُ لِشُهْرَتِهِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ عَلَمًا، فَكَانَ يُقَالُ بِالْبَصْرَةِ قَرَأَ فُلَانٌ لِلْكِتَابِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ كِتَابُ سِيبَوَيْهِ، وَكَانَ الْمُبَرِّدُ إِذَا أَرَادَ مُرِيدٌ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ يَقُولُ لَهُ: هَلْ رَكِبْتَ الْبَحْرَ. تَعْظِيمًا لَهُ وَاسْتِصْعَابًا لِمَا فِيهِ. وَقَالَ السِّيرَافِيُّ: لَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا قَرَأَ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ عَلَيْهِ، إِنَّمَا قُرِئَ بَعْدَهُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ، وَرَأَيْتُ فِي تَعَالِيقِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْزُبَانِيِّ: قَالَ ثَعْلَبٌ: اجْتَمَعَ أَرْبَعُونَ نَفْسًا حَتَّى عَمِلُوا كِتَابَ سِيبَوَيْهِ هُوَ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ أَصُولُ الْخَلِيلِ وَنُكَتُهُ فَادَّعَاهُ سِيبَوَيْهِ، وَأَنَا أَسْتَبْعِدُ هَذَا لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَخْفَى، وَالْكُلُّ قَدْ سَلَّمُوا لِلرَّجُلِ. وعن أَبُو بَكْرٍ الْعَبْدِيُّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ سِيبَوَيْهِ بَغْدَادَ، فَنَاظَرَ سِيبَوَيْهِ الْكِسَائِيَّ وَأَصْحَابَهُ، فَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ، فَسَأَلَ مَنْ يَبْذُلُ مِنَ الْمُلُوكِ وَيَرْغَبُ فِي النَّحْوِ ؟ فَقِيلَ لَهُ: طَلْحَةُ بْنُ طَاهِرٍ. فَشَخَصَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى سَاوَةَ مَرِضَ مَرَضُهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَتَمَثَّلَ عِنْدَ الْمَوْتِ: يُؤَمِّلُ دُنْيَا لِتَبْقَى لَهُ فَمَاتَ الْمُؤَمِّلُ قَبْلَ الْأَمَلِ حَثِيثًا يَرْوِي أُصُولَ الْفَسِيلِ فَعَاشَ الْفَسِيلُ وَمَاتَ الرَّجُلُ وعن أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ يَزِيدَ: احْتَضَرَ سِيبَوَيْهِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ أَخِيهِ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَدَمَعَتْ عَيْنُ أَخِيهِ فَأَفَاقَ فَرَآهُ يَبْكِي فَقَالَ: فَكُنَّا جَمِيعًا فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا إِلَى الْأَمَدِ الْأَقْصَى فَمَنْ يَأْمَنُ الدَّهْرَا ؟ تُوُفِّيَ سِيبَوَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ: وَيُقَالُ أَنَّ سِنَّهُ كَانَتِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. عُفَيْرَةُ الْعَابِدَةُ عُفَيْرَةُ الْعَابِدَةُ . كَانَتْ طَوِيلَةَ الْحُزْنِ، كَثِيرَةَ الْبُكَاءِ، قَدِمَ أَخٌ لَهَا، فَبُشِّرَتْ بِقُدُومِهِ، فَبَكَتْ، فَقِيلَ لَهَا هَذَا وَقْتُ بُكَاءٍ ؟ فَقَالَتْ: مَا أَجِدُ لِلسُّرُورِ فِي قَلْبِي مَسْكَنًا مَعَ ذِكْرِ الْآخِرَةِ، وَلَقَدْ أَذْكَرَنِي قُدُومُهُ يَوْمَ الْقُدُومِ عَلَى اللَّهِ فَمِنْ بَيْنِ مَسْرُورٍ وَمَثْبُورٍ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى امْرَأَةٍ بِالْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهَا: عُفَيْرَةُ، فَقِيلَ لَهَا: [يَا عُفَيْرَةُ ]، ادْعِي اللَّهَ لَنَا. فَقَالَتْ: لَوْ خَرِسَ الْخَاطِبُونَ مَا تَكَلَّمَتْ عَجُوزُكُمْ، وَلَكِنَّ الْمُحْسِنَ أَمِنَ الْمُسِيءَ بِالدُّعَاءِ، جَعَلَ اللَّهُ قِرَاكُمْ مِنْ بَيْتِي فِي الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ الْمَوْتَ مِنِّي وَمِنْكُمْ عَلَى بَالٍ. مُسْلِمُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ خَرْجَةَ، أَبُو خَالِدٍ. وَيُلَقَّبُ: الزِّنْجِيَّ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ خَرْجَةَ، أَبُو خَالِدٍ. وَيُلَقَّبُ: الزِّنْجِيَّ. كَانَ فَقِيهًا، عَابِدًا، يَصُومُ الدَّهْرَ. تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْغَلَطِ وَالْخَطَأِ فِي حَدِيثِهِ. حَسَّانُ بْنُ سِنَانٍ حَسَّانُ بْنُ سِنَانٍ حَسَّانُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَوْفَى بْنِ عَوْفٍ التَّنُوخِيُّ الْأَنْبَارِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَرَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَدَعَا لَهُ، فَجَاءَ مِنْ نَسْلِهِ قُضَاةٌ وَوُزَرَاءُ وَصُلَحَاءُ، وَأَدْرَكَ الدَّوْلَتَيْنِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ، وَكَانَ يُعَرِّبُ الْكُتُبَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِيعَةَ لَمَّا وَلَّاهُ السَّفَّاحُ الْأَنْبَارَ. عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ التَّنُّورِيُّ، أَحَدُ الثِّقَاتِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْمُبَارَكُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ أَخُو سُفْيَانَ، وَسَعِيدُ بْنُ خُثَيْمٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَأَبُو ضَمْرَةَ أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ.
التاريخ 3016لا حكم مسجّل
وِلَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلِ بْنِ حَكِيمٍ الْعَكِّيَّ، لَمَّا اسْتَعْفَى مِنْهَا هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ هَذَا رَضِيعَ الرَّشِيدِ، فَقَدِمَ الْقَيْرَوَانَ أَوَّلَ رَمَضَانَ، فَتَسَلَّمَهَا، وَعَادَ هَرْثَمَةُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِيهَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَحْمُودِ السِّيرَةِ، فَاخْتَلَفَ الْجُنْدُ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَقْدِيمِ مَخْلَدِ بْنِ مُرَّةَ الْأَزْدِيِّ، ( وَاجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْجُنْدِ وَالْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ جَيْشًا، فَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ مَخْلَدٌ وَاخْتَفَى فِي مَسْجِدٍ، فَأُخِذَ وَذُبِحَ ). وَخَرَجَ عَلَيْهِ بِتُونِسَ تَمَّامُ بْنُ تَمِيمٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَسَارُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الْعَكِّيُّ فِي الَّذِينَ مَعَهُ، ( فَاقْتَتَلُوا بِمُنْيَةِ الْخَيْلِ )، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْعَكِّيِّ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَسَارَ تَمَّامٌ فَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ وَأَمَّنَ ابْنَ الْعَكِّيِّ، عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ فِي رَمَضَانَ إِلَى طَرَابُلُسَ. فَجَمَعَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ التَّمِيمِيُّ جَمْعًا كَثِيرًا، وَسَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُنْكِرًا لِمَا فَعَلَهُ تَمَّامٌ، فَلَمَّا قَارَبَهَا سَارَ عَنْهَا إِلَى تُونِسَ [ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ]، وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ يُعْلِمُهُ الْخَبَرَ، وَيَسْتَدْعِيهِ إِلَى عَمَلِهِ، فَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى تَمَّامٍ، فَجَمَعَ جَمْعًا وَسَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَ مُحَمَّدًا وَيُسَاعِدُونَهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلَ قَالَ ابْنُ الْأَغْلَبِ لِمُحَمَّدٍ: إِنَّ تَمَّامًا انْهَزَمَ مِنِّي وَأَنَا فِي قِلَّةٍ، فَلَمَّا وَصَلْتَ إِلَى الْبِلَادِ تَجَدَّدَ لَهُ طَمَعٌ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْجُنْدَ يَخْذُلُونَكَ، وَالرَّأْيُ أَنْ أَسِيرَ أَنَا وَمَنْ مَعِي مِنْ أَصْحَابِي فَنُقَاتِلَهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ تَمَّامٌ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ إِلَيْهِ لِيَحْصُرَهُ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ.
التاريخ 3017لا حكم مسجّل
وِلَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ لَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَطَاعَهُ تَمَّامٌ، كَرِهَ أَهْلُ الْبِلَادِ ذَلِكَ، وَحَمَلُوا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ عَلَى أَنْ كَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ يَطْلُبُ مِنْهُ وِلَايَةَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ كُلَّ سَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ تُحْمَلُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ مَعُونَةً، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ ذَلِكَ، وَبَذَلَ أَنْ يَحْمِلَ كُلَّ سَنَةٍ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَحْضَرَ الرَّشِيدُ ثِقَاتِهِ وَاسْتَشَارَهُمْ ( فِيمَنْ يُوَلِّيهِ ) إِفْرِيقِيَّةَ، وَذَكَرَ لَهُمْ كَرَاهَةَ أَهْلِهَا وِلَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ. فَأَشَارَ هَرْثَمَةُ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَذَكَرَ لَهُ مَا رَآهُ مِنْ عَقْلِهِ وَدِينِهِ وَكِفَايَتِهِ، وَأَنَّهُ قَامَ بِحِفْظِ إِفْرِيقِيَّةَ عَنِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، فَوَلَّاهُ الرَّشِيدُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، فَانْقَمَعَ الشَّرُّ، وَضَبَطَ الْأَمْرَ، وَسَيَّرَ تَمَّامًا، وَكُلَّ مَنْ يَتَوَثَّبُ عَلَى الْوُلَاةِ، إِلَى الرَّشِيدِ، فَسَكَنَتِ الْبِلَادُ، وَابْتَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْعَبَّاسِيَّةَ بِقُرْبِ الْقَيْرَوَانِ، وَانْتَقَلَ إِلَيْهَا بِأَهْلِهِ وَعَبِيدِهِ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ، سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْعَرَبِ بِمَدِينَةِ تُونِسَ، اسْمُهُ حَمْدِيسُ، فَنَزَعَ السَّوَادَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَغْلَبِ عِمْرَانَ بْنَ مَخْلَدٍ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُبْقِيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْ ظَفِرَ بِهِمْ. فَسَارَ عِمْرَانُ، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَصَارَ أَصْحَابُ حَمْدِيسَ يَقُولُونَ: بَغْدَاذَ ! بَغْدَاذَ ! وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، فَانْهَزَمَ حَمْدِيسُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ عَشَرَةُ آلَافِ رَجُلٍ، وَدَخَلَ عِمْرَانُ تُونِسَ. ثُمَّ بَلَغَ ابْنَ الْأَغْلَبِ أَنَّ إِدْرِيسَ بْنَ إِدْرِيسَ الْعَلَوِيَّ قَدْ كَثُرَ جَمْعُهُ بِأَقَاصِي الْمَغْرِبِ، فَأَرَادَ قَصْدَهُ، فَنَهَاهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: اتْرُكْهُ مَا تَرَكَكَ، فَأَعْمِلِ الْحِيلَةَ، وَكَاتِبِ الْقَيِّمَ بِأَمْرِهِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَاسْمُهُ بَهْلُولُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَأَهْدِ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى فَارَقَ إِدْرِيسَ وَأَطَاعَ إِبْرَاهِيمَ، وَتَفَرَّقَ جَمْعُ إِدْرِيسَ، فَكَتَبَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَسْتَعْطِفُهُ، وَيَسْأَلُهُ الْكَفَّ عَنْ نَاحِيَتِهِ، وَيَذْكُرُ لَهُ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَفَّ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ مَخْلَدٍ، وَكَانَ مِنْ بِطَانَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَيَنْزِلُ مَعَهُ فِي قَصْرِهِ، رَكِبَ يَوْمًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ، فَلَمْ يَفْهَمْ مِنْ حَدِيثِهِ شَيْئًا لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ بِمُهِمٍّ كَانَ لَهُ، فَاسْتَعَادَ الْحَدِيثَ مِنْ عِمْرَانَ فَغَضِبَ وَفَارَقَ إِبْرَاهِيمَ، وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَثَارَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ بَيْنَ الْقَيْرَوَانِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ، وَصَارَتِ الْقَيْرَوَانُ وَأَكْثَرُ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ مَعَهُ. فَخَنْدَقَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْعَبَّاسِيَّةِ، وَامْتَنَعَ فِيهَا، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا سَنَةً كَامِلَةً، فَسَمِعَ الرَّشِيدُ الْخَبَرَ، فَأَنْفَذَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ خِزَانَةَ مَالٍ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ أَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ كَانَ مِنْ جُنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلْيَحْضُرْ لِأَخْذِ الْعَطَاءِ. فَفَارَقَ عِمْرَانَ أَصْحَابُهُ وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ فَانْهَزَمُوا، فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ بِالْأَمَانِ وَالْحُضُورِ لِقَبْضِ الْعَطَاءِ، فَحَضَرُوا فَأَعْطَاهُمْ وَقَلَعَ أَبْوَابَ الْقَيْرَوَانِ وَهَدَمَ فِي سُورِهَا. وَأَمَّا عِمْرَانُ، فَسَارَ حَتَّى لَحِقَ بِالزَّابِ، فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ فَأَمَّنَ عِمْرَانَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَأَسْكَنَهُ مَعَهُ، فَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ هَذَا ثَأْرٌ بِأَبِيكَ، وَلَا نَأْمَنُهُ عَلَيْكَ، فَقَتَلَهُ. وَلَمَّا انْهَزَمَ عِمْرَانُ سَكَنَ الشَّرُّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَأَمِنَ النَّاسُ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَعُمُرُهُ سِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَإِمَارَتُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ.
التاريخ 3018لا حكم مسجّل
( ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ ) وَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ وَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ غَائِبًا بِطَرَابُلُسَ قَدْ حَصَرَهُ الْبَرْبَرُ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، فَعَهِدَ إِلَيْهِ أَبُوهُ بِالْإِمَارَةِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ زِيَادَةَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يُبَايِعَ لِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِالْإِمَارَةِ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَبِالْإِمَارَةِ، فَفَارَقَ طَرَابُلُسَ، وَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَاسْتَقَامَتِ الْأُمُورُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِهِ شَرٌّ، وَلَا حَرْبٌ، وَسَكَنَ النَّاسُ فَعُمِّرَتِ الْبِلَادُ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ.
التاريخ 3019لا حكم مسجّل
مَنْ خَالَفَ بِالْأَنْدَلُسِ عَلَى صَاحِبِهَا وَفِي سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ خَالَفَ بَهْلُولُ بْنُ مَرْزُوقٍ، الْمَعْرُوفُ بِأَبِي الْحَجَّاجِ، فِي نَاحِيَةِ الثَّغْرِ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَدَخَلَ سَرَقُسْطَةَ وَمَلَكَهَا، فَقَدِمَ عَلَى بَهْلُولٍ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَمُّ صَاحِبِهَا الْحَكَمِ، وَيُعْرَفُ بِالْبَلَنْسِيِّ، وَكَانَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْفِرِنْجِ. وَخَالَفَ فِيهَا عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ بِطُلَيْطِلَةَ، وَأَمَرَ الْحَكَمُ الْقَائِدَ عَمْرُوسَ بْنَ يُوسُفَ، وَهُوَ بِمَدِينَةِ طَلَبِيرَةَ، أَنْ يُحَارِبَ أَهْلَ طُلَيْطِلَةَ فَكَانَ يُكْثِرُ قِتَالَهُمْ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّ عَمْرُوسَ بْنَ يُوسُفَ كَاتَبَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ يُعْرَفُونَ بِبَنِي مَخْشِيٍّ، وَاسْتَمَالَهُمْ. فَوَثَبُوا عَلَى عُبَيْدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ وَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوهُ رَأْسَهُ إِلَى عَمْرُوسَ، فَسَيَّرَ الرَّأْسَ إِلَى الْحَكَمِ، وَأَنْزَلَ بَنِي مَخْشِيٍّ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَرْبَرِ الَّذِينَ بِمَدِينَةِ طَلَبِيرَةَ ذُحُولٌ، فَتَسَوَّرَ الْبَرْبَرُ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُ، فَسَيَّرَ عَمْرُوسُ رُءُوسَهُمْ مَعَ رَأْسِ عُبَيْدَةَ إِلَى الْحَكَمِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. [ ثُمَّ إِنَّ عَمْرُوسَ أَعْمَلَ جَهْدَهُ فِي اسْتِجْلَابِ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ بِمُكَاتَبَتِهِمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُ الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا بَنَى الْقَصْرَ عَلَى بَابِ جِسْرِهَا فَأَحْكَمَهُ، وَأَتْقَنَ أَمْرَهُ، ثُمَّ سَعَى فِي قَتْلِ رِجَالِ طُلَيْطِلَةَ، وَقَطْعِ شَرِّهِمْ، وَحَسْمِ دَائِهِمْ، تَوْطِيدًا لِلْمَمْلَكَةِ، فَأَعَدَّ لِلْكَيْدِ صَنِيعًا، أَظْهَرَ أَنَّهُ يَذْبَحُ فِيهِ الْبَقَرَ وَأَمَرَ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ النَّاسِ عَلَى بَابٍ وَخُرُوجُهُمْ ] مِنْ بَابٍ آخَرَ، فَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ عُدِلَ بِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَتَلُوهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ، فَاسْتَقَامَتْ تِلْكَ النَّاحِيَةُ.
التاريخ 3020لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ غَزَا الرَّشِيدُ أَرْضَ الرُّومِ، فَافْتَتَحَ حِصْنَ الصَّفْصَافِ . فَقَالَ فِي ذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصْطَفَى قَدْ تَرَكَ الصَّفْصَافَ قَاعًا صَفْصَفًا وَفِيهَا غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ أَرْضَ الرُّومِ، فَبَلَغَ أَنْقِرَةَ، وَافْتَتَحَ مَطْمُورَةَ. وَفِيهَا تَغَلَّبَتِ الْمُحَمِّرَةُ عَلَى جُرْجَانَ. وَفِيهَا أَمَرَ الرَّشِيدُ أَنْ يُكْتَبَ فِي صُدُورِ الرَّسَائِلِ الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ وَتَعَجَّلَ فِي النَّفْرِ، وَسَأَلَهُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ أَنْ يُعْفِيَهُ مِنَ الْوِلَايَةِ، فَأَعْفَاهُ وَأَقَامَ يَحْيَى بِمَكَّةَ. وفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ الْفِدَاءُ بَيْنَ الرُّومِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَوَّلُ فِدَاءٍ كَانَ أَيَّامَ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ هُوَ الْمُتَوَلِّي لَهُ، ( وَكَانَ الْمَلِكُ نِقْفُورَ )، ( فَفَرِحَ بِذَلِكَ النَّاسُ )، فَفُودِيَ بِكُلِّ أَسِيرٍ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَكَانَ الْفِدَاءُ بِاللَّامِسِ، عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَرَسُوسَ اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا، وَحَضَرَ ثَلَاثُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ مَعَ أَبِي سُلَيْمَانَ، فَخَرَجَ الْخَادِمُ، مُتَوَلِّي طَرَسُوسَ، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الثُّغُورِ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْأَسْرَى ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسَبْعَمِائَةٍ، وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
التاريخ 3021لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَبُو الْحَسَنِ الْحَسَنُ بْنُ قَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ أَخُو حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ. وَالْحَسَنُ أَحَدُ قُوَّادِ الدَّوْلَةِ [الْعَبَّاسِيَّةِ ]. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ بْنِ صَاعِدٍ، أَبُو أَحْمَدَ الْأَشْجَعِيُّ خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ بْنِ صَاعِدٍ، أَبُو أَحْمَدَ الْأَشْجَعِيُّ. رَوَى عَنْهُ: هُشَيْمٌ، وَقُتَيْبَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ. وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، نَزَلَ الْكُوفَةَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى وَاسِطَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى بَغْدَادَ فَأَقَامَ بِهَا، حَتَّى تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّةٍ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ، مَوْلَى بَنِي حَنْظَلَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيُّ، مَوْلَى بَنِي حَنْظَلَةَ . كَانَ أَبُو تُرْكِيَا [وَكَانَ عَبْدًا لِرَجُلٍ مِنَ التُّجَّارِ ] مِنْ هَمَذَانَ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا قَدِمَ هَمَذَانَ يَخْضَعُ لِوَالِدَيْهِ وَيُعَظِّمُهُمْ، وَكَانَتْ أُمُّهُ خَوَارِزْمِيَّةً. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَالْأَعْمَشَ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ، وَحُمَيْدَ الطَّوِيلَ، وَابْنَ عَوْنٍ وَمَالِكًا، وَالثَّوْرِيَّ، وَالْأَوْزَاعِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمَوْصُوفِينَ بِالْحِفْظِ وَالْفِقْهِ وَالْعَزِيمَةِ وَالزُّهْدِ وَالْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ. وَلَهُ التَّصَانِيفُ الْحِسَانُ، وَالشِّعْرُ الْمُتَضَمِّنُ لِلزُّهْدِ وَالْحِكْمَةِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْغَزْوِ وَالْمُرَابَطَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: نَظَرْتُ فِي أَمْرِ الصَّحَابَةِ وَأَمْرِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، فَمَا رَأَيْتُ لَهُمْ عَلَيْهِ فَضْلًا إِلَّا بِصُحْبَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وعن مُعَاذُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ: مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ إِلَّا وَقَدْ جَعَلَهَا فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَلَقَدْ حَدَّثَنِي أَصْحَابِي أَنَّهُمْ صَحِبُوهُ مِنْ مِصْرَ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُطْعِمُهُمُ الْخَبِيصَ وَهُوَ الدَّهْرَ صَائِمٌ. وعن أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَةَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ مَعَ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي بِلَادِ الرُّومِ، فَصَادَفْنَا الْعَدُوَّ، فَلَمَّا الْتَقَى الصَّفَّانِ خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَدَعَى إِلَى الْبِرَازِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَطَارَدَهُ سَاعَةً، فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ دَعَى إِلَى الْبِرَازِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَطَارَدَهُ سَاعَةً فَقَتَلَهُ، فَازْدَحَمَ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَكُنْتُ فِيمَنِ ازْدَحَمَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ يَلْثِمُ وَجْهَهُ بِكُمِّهِ، فَأَخَذْتُ بِطَرَفٍ كُمِّهِ فَمَدَدْتُهُ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، فَقَالَ: وَأَنْتَ يَا أَبَا عَمْرٍو مِمَّنْ يُشَنِّعُ عَلَيْنَا. وعن مُحَمَّدُ بْنُ جِبْرِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَسَّانَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ عَرَفَةَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: اسْتَعَرْتُ قَلَمًا بِأَرْضِ الشَّامِ، فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مَرْوَ نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ مَعِي، فَرَجَعْتُ يَا أَبَا عَلِيٍّ إِلَى [أَرْضِ ] الشَّامِ حَتَّى رَدَدْتُهُ عَلَى صَاحِبِهِ. وعن أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ الْمِصِّيصِيُّ قَالَ: قَدِمَ هَارُونُ الرَّشِيدُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الرِّقَّةَ [وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بَعْدَهُ ] فَانْجَفَلَ النَّاسُ خَلْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَتَقَطَّعَتِ النِّعَالُ، وَارْتَفَعَتِ الْغَبَرَةُ، فَأَشْرَفَتْ أُمُّ وَلَدٍ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بُرْجٍ مِنْ قَصْرِ الْخَشَبِ، فَلَمَّا رَأَتِ النَّاسَ قَالَتْ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: عَالِمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَدِمَ الرِّقَّةَ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ. فَقَالَتْ: هَذَا وَاللَّهِ الْمُلْكُ لَا مُلْكُ هَارُونَ الَّذِي لَا يَجْمَعُ النَّاسَ إِلَّا بِسَوْطٍ وَأَعْوَانٍ. وعن نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى مَعْمَرٍ فَسَمِعْتُ مِنْهُ وَأَمَرْتُ لَهُ بِجَارِيَةٍ وَخَمْسِينَ دِينَارًا، ثُمَّ وَدَّعْتُهُ وَخَرَجْتُ، فَلَمَّا كُنْتُ عَلَى مَرْحَلَةٍ ذَاكَرَنِي عَنْهُ إِنْسَانٌ بِحَدِيثٍ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ فَقُلْتُ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا، فَقَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّكَ مِنْهُ قَرِيبٌ. فَقُلْتُ: بَعْدَ مَا بَرَرْتُهُ لَا أَرْجِعُ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِيهِ غَضَاضَةٌ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبِرِّ، حَدَّثْنِي أَنْتَ عَنْهُ. فَحَدَّثَنِي عَنْهُ. قَالَ الْحَاكِمُ: بسنده سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ يَقُولُ. لَا أَرَى لِصَاحِبِ عَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ أَنْ يَدَعَ الْكَسْبَ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ آمَنْ أَنْ لَا يَعْطِفَ عَلَى جَارِهِ وَلَا يُوَسِّعَ عَلَى عِيَالِهِ. قَالَ الْحَاكِمُ: بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَدَثِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي بَعْضِ مَا كَانَ وَمَعَهُ إِخْوَانٌ لَهُ، فَشَكَى إِلَيَّ الْعُزْبَةَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَشْتَرِيَ لَهُ جَارِيَةً. قَالَ: فَاشْتَرَيْتُ لَهُ [جَارِيَةً ] وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ فَرَضِيَهَا، وَقَالَ: ابْعَثْ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ. قَالَ: فَأَتَيْتُ بِهَا أَهْلِي فَأَقَامَتْ حَتَّى حَاضَتْ وَطَهُرَتْ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي: ابْعَثْ بِهَا اللَّيْلَةَ، فَأَتَيْتُ بَنَاتِي فَأَخْبَرْتُهُنَّ، فَقُمْنَ إِلَيْهَا فَمَشَّطْنَهَا وَهَيَّأْنَهَا. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَجَّهْتُهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ لِلْجَارِيَةِ: امْضِي إِلَى أَهْلِ فُلَانٍ. قَالَ: فَجَاءَتِ الْجَارِيَةُ فَسَأَلَتْهَا بَنَاتِي وَأُمُّهُنَّ عَنْ حَالِهَا فَقَالَتْ: مَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيَّ، قَالَ: فَغَدَوْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، شَكَوْتَ إِلَيَّ الْعُزْبَةَ، وَأَمَرْتَنِي فَاشْتَرَيْتُ لَكَ جَارِيَةً، وَعَرَضْتُهَا عَلَيْكَ فَرَضِيتَهَا، وَقَامَتْ بَنَاتِي فَهَيَّأْنَهَا، وَإِنَّ أُمَّ فُلَانٍ أَخْبَرَتْنِي أَنَّكَ لَمْ تَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهَا ؟ ! قَالَ: لِي يَا أَبَا فُلَانٍ، الْقَوْلُ مَا قُلْتُ لَكَ مِنْ شِدَّةِ الْعُزْبَةِ، لَكِنِّي لَمَّا خَلَوْتُ بِهَا ذَكَرْتُ إِخْوَانِي فَتَذَهَّمْتُ أَنْ أَنَالَ شَهْوَةً لَا يَنَالُوهَا، وَلَيْسَ فِي يَمِينِي مَا يَسَعُهُمْ أَخْرِجِ الْجَارِيَةَ فَبِعْهَا. وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْحِكَايَةِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَتَرْكِي مُوَاسَاةَ الْأَخِلَّاءِ بِالَّذِي تَنَالُ يَدِي ظُلْمٌ لَهُمْ وَعُقُوقُ وَإِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنَ النَّاسِ أَنْ أُرَى بِحَالِ اتِّسَاعٍ وَالصَّدِيقُ مُضِيقُ قَالَ الْحَاكِمُ: بسنده عن يَعْقُوبَ [بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ ] الشَّيْبَانِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يَحُجُّ وَمَعَهُ أَحْمَالٌ وَصَنَادِيقُ وَخَدَمٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ مَعَ بَعْضِ خَدَمِهِ قَبَجَةٌ فَلَمَّا ارْتَحَلُوا مِنَ الْمَنْزِلِ قَدِمَ أَثْقَالَهُمْ، فَنَظَرَ صَاحِبُ الْقَبَجَةِ إِلَى الْقَبَجَةِ وَهِيَ مَيِّتَةٌ، فَأَلْقَاهَا عَلَى كُنَاسَةٍ، وَبِقُرْبِ الْكُنَاسَةِ بَابٌ صَغِيرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ عَلَى دَابَّتِهِ، وَنَظَرَ إِلَى جُوَيْرِيَةٍ تُخْرِجُ رَأْسَهَا وَتَرْجِعُ لِتَجِدَ بِذَلِكَ فُرْصَةً لِكَيْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ، فَتَغَافَلَ عَنْهَا عَبْدُ اللَّهِ، فَخَرَجَتْ فِي إِزَارِهَا لَيْسَ عَلَيْهَا قَمِيصٌ وَلَا مِقْنَعَةٌ، فَحَمَلَتْ تِلْكَ الْقَبَجَةَ، وَدَخَلَتِ الدَّارَ تَعْدُو، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِغُلَامٍ لَهُ: انْزِلْ وَاقْرَعْ هَذَا الْبَابَ. وَنَزَلَ الْغُلَامُ وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَخَرَجَتْ تِلْكَ الْجَارِيَةُ، فَسَأَلَهَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ حَالِهَا وَقِصَّتِهَا وَقِصَّةِ الْقَبَجَةِ الْمَيِّتَةِ، لِمَاذَا حَمَلَتْهَا ؟ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا وَأُخْتٌ لِي فِي هَذِهِ الْحُجْرَةِ لَيْسَ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا هَذَا الْإِزَارُ [الْوَاحِدُ ] وَكَانَ وَالِدُنَا رَجُلًا مُوسِرًا [فَمَاتَ ] فَظُلِمْنَا وَغُصِبْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا، فَبَقِينَا بِحَالٍ تُحِلُّ لَنَا [أَكْلَ ] الْمَيْتَةِ، وَلَيْسَ فِي مَنْزِلِنَا شَيْءٌ إِلَّا هَذَا الْإِزَارُ، إِذَا لَبِسْتُهُ بَقِيَتْ أُخْتِي عُرْيَانَةً، فَهُوَ كِسْوَتُنَا وَفِرَاشُنَا وَدِثَارُنَا. فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ: لَيْسَ لَكُمْ قَيِّمٌ ؟ قَالَتْ: لَا، وَاللَّهِ. فَرَقَّ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِغُلَامِهِ: الْحَقْ فَرُدَّ الْأَثْقَالَ، فَرَدَّهَا، فَسَأَلَ وَكِيلَهُ: أَيْنَ النَّفَقَةُ ؟ فَقَالَ: عَلَى وَسَطِي. وَكَانَ حَمِّلْ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: يَا غُلَامُ، عُدَّ عِشْرِينَ دِينَارًا لِنَفَقَتِنَا إِلَى مَرْوٍ، وَصُبَّ الْبَاقِيَ فِي إِزَارِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ. فَفَعَلَ الْغُلَامُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْمَنْزِلِ قِيلَ لَهُ: مَا رَدَّكَ ؟ قَالَ: اسْتَقْبَلَنِي مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ. وَرَجَعَ إِلَى مَرْوٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ: بسنده عن الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ يَقُولُ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ الْمُبَارَكِ جُلُوسًا، فَجَاءَ سَائِلٌ فَسَأَلَهُ شَيْئًا، فَقَالَ: يَا غُلَامُ نَاوِلْهُ دِرْهَمًا، فَلَمَّا وَلَّى السَّائِلُ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَؤُلَاءِ السُّؤَّالُ يَتَغَدَّوْنَ بِالشِّوَاءِ وَالْفَالَوْذَجِ ! كَانَ يَكْفِيهِ قِطْعَةٌ، فَلِمَ أَمَرْتَ لَهُ بِدِرْهَمٍ ؟ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يَا غُلَامُ، رُدَّهُ، إِنَّمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ بِالْبَقْلِ وَالْخَلِّ عِنْدَ غَدَائِهِمْ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ غَدَاؤُهُمْ بِالشِّوَاءِ وَالْفَالَوْذَجِ فَلَا بُدَّ مِنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ، يَا غُلَامُ نَاوِلْهُ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ. وعن سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ قال: إِنِّي لَأَجْهَدُ أَنْ أَكُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى حَالَةٍ يَكُونُ عَلَيْهَا ابْنُ الْمُبَارَكِ سَنَةً فَمَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. تُوُفِّيَ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِهِيتَ، فِي رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. عِيسَى بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ عِيسَى بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ. تُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، أَبُو الْحَسَنِ الْخَزَّازُ عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْبَرِيدِ، أَبُو الْحَسَنِ الْخَزَّازُ. الْكُوفِيُّ قَدِمَ بَغْدَادَ، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، الْأَعْمَشِ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ [كَانَ ] ثِقَةً [وَلَكِنْ ] كَانَ يَتَشَيَّعُ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَبُو مُعَاوِيَةَ الرُّعَيْنِيُّ الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَبُو مُعَاوِيَةَ الرُّعَيْنِيُّ، ثُمَّ الْقِتْبَانِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ وَالْوَرَعِ، وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، دَعَا إِلَى اللَّهِ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُ الْأَمَلَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، وَكَادَ يَخْتَلِسُ عَقْلُهُ وَلَمْ يُهْنِئْهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا، فَدَعَى اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَيْهِ، فَرَدَّهُ فَرَجَعَ إِلَى حَالِهِ. قَالَ ابْنُ رُمْحٍ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ جَارٍ لِي مُشَاجَرَةٌ فِي حَائِطٍ، فَقَالَتْ أُمِّي: امْضِ إِلَى الْقَاضِي الْمُفَضَّلِ بْنِ فَضَالَةَ فَقُلْ لَهُ: أُمِّي تَقُولُ لَكَ: أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَ فَتَنْظُرَ هَذِهِ الْحَائِطَ لَنَا أَوْ لِجَارِنَا ؟ فَمَضَيْتُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ اجْلِسْ لِي بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى آتِيَكَ. فَجَلَسْتُ لَهُ، فَأَتَى فَدَخَلَ إِلَى دَارِنَا ثُمَّ دَخَلَ إِلَى دَارِ جَارِنَا، فَنَظَرَ ثُمَّ قَالَ: الْحَائِطُ لِجَارِكُمْ. ثُمَّ انْصَرَفَ. تُوُفِّيَ فِي شَوَّالِ هَذِهِ السَّنَةِ. يَعْقُوبُ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ يَعْقُوبُ الْعَابِدُ الْكُوفِيُّ. عن مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ: خَرَجْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ، فَإِذَا عَلَيَّ لَيْلٌ، فَقَعَدْتُ عِنْدَ بَابٍ صَغِيرٍ، فَإِذَا بِصَوْتِ شَابٍّ يَبْكِي وَيَقُولُ: وَعِزَّتُكَ وَجَلَالُكَ مَا أَرَدْتُ بِمَعْصِيَتِي مُخَالَفَتَكَ، وَلَقَدْ عَصَيْتُكَ حِينَ عَصَيْتُكَ، وَمَا أَنَا بِنَكَالِكَ جَاهِلٌ، وَلَا بِعُقُوبَتِكَ مُتَعَرِّضٌ، وَلَا بِنَظَرِكَ مُسْتَخِفٌّ، وَلَكِنْ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، وَغَلَبَتْنِي شِقْوَتِي، وَغَرَّنِي سِتْرُكَ الْمُرْخَى عَلَيَّ، عَصَيْتُكَ حِينَ عَصَيْتُكَ بِجَهْلِي، وَخَالَفْتُكَ بِجَهْدِي، فَالْآنَ مِنْ عَذَابِكَ مَنْ يَسْتَنْقِذُنِي، وَبِحَبْلِ مَنْ أَتَّصِلُ إِنْ قَطَعْتَ حَبْلَكَ عَنِّي ؟ وَاسَوْأَتَاهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ أَيَّامِي فِي مَعْصِيَةِ رَبِّي، يَا وَيْلِي كَمْ أَتُوبُ وَكَمْ أَعُودُ، قَدْ آنَ لِي أَنْ أَسْتَحِيَ مِنْ رَبِّي. قَالَ مَنْصُورٌ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلَامَهُ، قُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ.. الْآيَةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا وَاضْطِرَابًا شَدِيدًا، فَمَضَيْتُ لِحَاجَتِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ رَجَعْتُ، وَإِذَا أَنَا بِجِنَازَةٍ عَلَى الْبَابِ، وَعَجُوزٌ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ، فَقُلْتُ لَهَا: مَنِ الْمَيِّتُ ؟ فَقَالَتْ: اذْهَبْ [عَنِّي ] لَا تُجَدِّدُ عَلَيَّ أَحْزَانِي. فَقُلْتُ: إِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ. فَقَالَتْ: هَذَا وَلَدِي، مَرَّ بِنَا الْبَارِحَةَ رَجُلٌ - لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - فَقَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُ النَّارِ، فَلَمْ يَزَلْ وَلَدِي يَضْطَرِبُ وَيَبْكِي حَتَّى مَاتَ. قَالَ مَنْصُورٌ: هَكَذَا وَاللَّهِ صِفَةُ الْخَائِفِينَ يَا ابْنَ عَمَّارٍ. حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ، وَلِيَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْكِسَائِيِّ، الْمُقْرِئُ، النَّحْوِيُّ، بِالرَّيِّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مَرْوَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي حَفْصَةَ الشَّاعِرُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ ( يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ طَهْمَانَ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ ) يَعْقُوبُ وَزِيرَ الْمَهْدِيِّ. وَهَاشِمُ بْنُ الْبَرِيدِ. وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ. وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ مِنْ صَنْعَاءِ دِمَشْقَ.
التاريخ 3022لا حكم مسجّل
أَخَذَ الرَّشِيدُ لِوَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ الْبَيْعَةَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ ابْنِ زُبَيْدَةَ الْأَمِينِ، وَذَلِكَ بِالرَّقَّةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنَ الْحَجِّ. وفِي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ بَايَعَ الرَّشِيدُ لِعَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ الْأَمِينِ، وَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا إِلَى هَمَذَانَ، وَلَقَّبَهُ الْمَأْمُونَ، وَسَلَّمَهُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى. ( وَهَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ، فَإِنَّ الرَّشِيدَ قَدْ رَأَى مَا صَنَعَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ الْمَنْصُورُ بِعِيسَى بْنِ مُوسَى، حَتَّى خَلَعَ نَفْسَهُ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَمَا صَنَعَ أَخُوهُ الْهَادِي لِيَخْلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْعَهْدِ، فَلَوْ لَمْ يُعَاجِلْهُ الْمَوْتُ لَخَلَعَهُ، ثُمَّ هُوَ يُبَايِعُ لِلْمَأْمُونِ بَعْدَ الْأَمِينِ، وَحُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ ). ثم وَجَّهَهُ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ، وَمَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ: جَعْفَرُ بْنُ الْمَنْصُورِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ. وَمِنَ الْقُوَّادِ: عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، فَبُويِعَ لَهُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ حِينَ قَدِمَهَا الْحُسَيْنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ. قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الشَّافِعِيُّ إِلَى بَغْدَادَ وَافَقَ عَقْدَ الرَّشِيدِ لِلْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ [عَلَى الْعَهْدِ ]. قَالَ: فَبَكَّرَ النَّاسُ لِيُهَنِّئُوا الرَّشِيدَ، فَجَلَسُوا فِي دَارِ الْعَامَّةِ يَنْتَظِرُونَ الْإِذْنَ، قَالَ: فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: كَيْفَ نَدْعُو لَهُمَا ؟ فَإِنَّا إِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ كَانَ دُعَاءً عَلَى الْخَلِيفَةِ، وَإِنْ لَمْ نَدْعُ لَهُمَا كَانَ تَقْصِيرًا ؟ قَالَ: فَدَخَلَ الشَّافِعِيُّ ؓ، فَجَلَسَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُ الْمُوَفِّقُ. فَلَمَّا أَذِنَ دَخَلَ النَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ الشَّافِعِيُّ ؓ فَقَالَ: لَا قَصَّرَا عَنْهَا وَلَا بَلَغْتُهُمَا حَتَّى تَطُولَ عَلَى يَدَيْكَ طُوَالُهَا
التاريخ 3023لا حكم مسجّل
وَفِي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ حُمِلَتِ ابْنَةُ خَاقَانَ مَلِكِ الْخَزَرِ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَمَاتَتْ بِبَرْذَعَةَ، فَرَجَعَ مَنْ مَعَهَا إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا قُتِلَتْ غِيلَةً، فَتَجَهَّزَ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ. وَغَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَبَلَغَ أُفْسُوسَ، مَدِينَةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ. وَفِيهَا سَمَلَتِ الرُّومُ عَيْنَيْ مَلِكِهِمْ قُسْطَنْطِينَ بْنِ أَلْيُونَ، وَأَقَرُّوا أُمَّهُ رِينِي وَتُلَقَّبُ: عَطْسَةَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى. وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ. ( وَفِيهَا جَازَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، إِلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ مِنَ الشَّرْقِ، وَتَعَرَّضَ لِحَرْبِ ابْنِ أَخِيهِ الْحَكَمِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، صَاحِبِ الْبِلَادِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْحَكَمُ فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَى سُلَيْمَانَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَمَنْ يُرِيدُ الْفِتْنَةَ، فَالْتَقَيَا وَاقْتَتَلَا، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ وَاتَّبَعَهُ عَسْكَرُ الْحَكَمِ، وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ ثَانِيَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَانْهَزَمَ فِيهَا سُلَيْمَانُ، وَاعْتَصَمَ بِالْوَعْرِ وَالْجِبَالِ، فَعَادَ الْحَكَمُ. ثُمَّ عَادَ سُلَيْمَانُ فَجَمَعَ بَرَابِرَ، وَأَقْبَلَ إِلَى جَانِبِ إِسْتِجَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الْحَكَمُ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ، وَاحْتَمَى بِقَرْيَةٍ، فَحَصَرَهُ الْحَكَمُ، وَعَادَ سُلَيْمَانُ ( مُنْهَزِمًا ) إِلَى نَاحِيَةِ فِرِّيشَ ). ( وَفِيهَا كَانَ بِقُرْطُبَةَ سَيْلٌ عَظِيمٌ، فَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْ رَبَضِهَا الْقِبْلِيِّ، وَخَرِبَ كَثِيرٌ مِنْهُ، وَبَلَغَ السَّيْلُ شَقُنْدَةَ ). وَفِيهَا رَجَعَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ مِنْ مُجَاوَرَتِهِ بِمَكَّةَ إِلَى بَغْدَادَ . وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ.
التاريخ 3024لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَنْسِيُّ، أَبُو عُتْبَةَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَنْسِيُّ، أَبُو عُتْبَةَ. مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. وَسَمِعَ مِنَ الْأَكَابِرِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَسَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى عَنْهُ: الْأَعْمَشُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَقَدِمَ بَغْدَادَ عَلَى الْمَنْصُورِ فَوَلَّاهُ خِزَانَةَ الْكُسْوَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: وَرِثْتُ عَنْ أَبِي أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ فَأَنْفَقَهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِسْمَاعِيلُ ثِقَةٌ، وَالْعِرَاقِيُّونَ يَكْرَهُونَ حَدِيثَهُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: إِذَا حَدَّثَ عَنْ أَهْلِ بَلَدِهِ فَصَحِيحٌ، وَإِذَا حَدَّثَ عَنْ غَيْرِ أَهْلِ بَلَدِهِ فَفِيهِ نَظَرٌ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ. عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْيَقْظَانِ الْكُوفِيُّ عَمَّارُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو الْيَقْظَانِ الْكُوفِيُّ. ابْنُ أُخْتِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، سَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ عَنِ الْأَعْمَشِ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ. وَقَدْ وَثَّقَهُ قَوْمٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ مِمَّنْ فَحُشَ خَطَؤُهُ وَكَثُرَ وَهْمُهُ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ. تُوُفِّيَ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ [الْعَبْسِيُّ ] الْكُوفِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ [الْعَبْسِيُّ ] الْكُوفِيُّ. وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا [ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ] كَانَ رَجُلًا جَمِيلًا ثِقَةً كَيِّسًا، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ فَارِسَ، وَمَاتَ بِفَارِسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَبُو سُفْيَانَ الْيَشْكُرِيُّ يُعْرَفُ بِالْمَعْمَرِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَبُو سُفْيَانَ الْيَشْكُرِيُّ يُعْرَفُ بِالْمَعْمَرِيِّ. [لَقِيَ ] مَعْمَرَ بْنَ رَاشِدٍ، وَلِرِحْلَتِهِ [إِلَيْهِ ] سُمِّيَ الْمَعْمَرِيَّ. وَسَمِعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ وَغَيْرَهُ. وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا فَاضِلًا. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مَرْوَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ [بْنِ يَحْيَى ] بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، أَبُو الْهَيْذَامِ مَرْوَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ [بْنِ يَحْيَى ] بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، أَبُو الْهَيْذَامِ. وَقِيلَ: أَبُو السِّمْطِ. وَاسْمُ أَبِي حَفْصَةَ: يَزِيدُ، وَكَانَ مِنْ سَبْيِ إِصْطَخْرَ، سُبِيَ غُلَامًا فَاشْتَرَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَوَهَبَهُ لِمَرْوَانَ [بْنِ الْحَكَمِ ] فَأَعْتَقَهُ يَوْمَ الدَّارِ، لِأَنَّهُ أَبْلَى يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا حَفْصَةَ كَانَ طَبِيبًا يَهُودِيًّا أَسْلَمَ عَلَى يَدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَقِيلَ: عَلَى يَدِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. كَانَ مَرْوَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا، وَمَدَحَ الْمَهْدِيَّ وَالرَّشِيدَ وَمَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ. وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: إِنَّمَا الشِّعْرُ سِقَاءٌ تَمَخَّضَ، فَدُفِعَتِ الزُّبْدَةُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ. وعن الْفَضْلُ بْنُ بَزِيعٍ قَالَ: رَأَيْتُ مَرْوَانَ بْنَ أَبِي حَفْصَةَ قَدْ دَخَلَ عَلَى الْمَهْدِيِّ بَعْدَ مَوْتِ مَعْنِ [بْنِ زَائِدَةَ ] فَمَدَحَهُ بِأَبْيَاتٍ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: شَاعِرُكَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ تَقُولُ: أَقَمْنَا بِالْيَمَامَةِ بَعْدَ مَعْنٍ مَقَامًا مَا نُرِيدُ بِهِ زِيَالًا وَقُلْنَا أَيْنَ نَرْحَلُ بَعْدَ مَعْنٍ وَقَدْ ذَهَبَ النَّوَالُ فَلَا نَوَالَا قَدْ جِئْتَ تَطْلُبُ نَوَالَنَا، وَقَدْ ذَهَبَ النَّوَالُ فَلَا شَيْءَ لَكَ عِنْدَنَا، جُرُّوا بِرِجْلِهِ. فَجُرَّ بِرِجْلِهِ حَتَّى أُخْرِجَ. فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ تَلَطَّفَ حَتَّى دَخَلَ مَعَ الشُّعَرَاءِ. وَإِنَّمَا كَانَتِ الشُّعَرَاءُ تَدْخُلُ عَلَى الْخُلَفَاءِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، فَمَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَنْشَدَهُ: طَرَقَتْكَ زَائِرَةً فَحَيِّ خَيَالَهَا إِلَى أَنْ بَلَغَ [مِنْهَا ] شَهِدَتْ مِنَ الْأَنْفَالِ آخِرُ آيَةٍ بِتُرَاثِهِمْ فَأَرَدْتُمْ أَبْطَالَهَا فَجَعَلَ الْمَهْدِيُّ يَتَزَاحَفُ عَنْ مُصَلَّاهُ إِعْجَابًا بِقَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: كَمْ هِيَ بَيْتًا ؟ قَالَ: مِائَةُ بَيْتٍ. فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الرَّشِيدِ أَنْشَدَهُ فَقَالَ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ فِي مَعْنٍ كَذَا وَكَذَا ؟ وَذَكَرَ الْبَيْتَيْنِ، ثُمَّ أَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، فَتَلَطَّفَ حَتَّى عَادَ وَدَخَلَ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً، فَأَمَرَ لَهُ بِعَدَدِ أَبْيَاتِهَا أُلُوفًا. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: خَرَجَ مَرْوَانُ مِنْ دَارِ الْمَهْدِيِّ وَمَعَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَمَرَّ بِزَمِنٍ، فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ ثُلْثَيْ دِرْهَمٍ، فَقِيلَ لَهُ: هَلَّا أَعْطَيْتَهُ دِرْهَمًا ؟ فَقَالَ: لَوْ أُعْطِيتُ مِائَةَ أَلْفٍ لَأَتْمَمْتُ لَهُ دِرْهَمًا. قَالَ: وَكَانَ مَرْوَانُ يَبْخَلُ فَلَا يُسْرَجُ لَهُ فِي دَارِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَضَاءَتْ لَهُ الْجَارِيَةُ بِقَصَبَةٍ إِلَى أَنْ يَنَامَ. وعن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كَانَ الْمَهْدِيُّ يُعْطِي ابْنَ أَبِي حَفْصَةَ وَسَلْمًا الْخَاسِرَ عَطِيَّةً وَاحِدَةً، وَكَانَ سَلْمٌ يَأْتِي بَابَ الْمَهْدِيِّ عَلَى بِرْذَوْنٍ قِيمَتُهُ عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمِ، وَلِبَاسُهُ الْخَزُّ وَالْوَشْيُ وَالطِّيبُ يَفُوحُ مِنْهُ، وَيَجِيءُ مَرْوَانُ وَعَلَيْهِ فَرْوٌ وَكْلٌ وَقَمِيصُ كَرَابِيسَ، وَكِسَاءٌ غَلِيظٌ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ بُخْلًا حَتَّى يُقَدَّمَ إِلَيْهِ، فَإِذَا قُدِّمَ [إِلَيْهِ ] أَرْسَلَ غُلَامَهُ فَاشْتَرَى لَهُ رَأْسًا فَأَكَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: نَرَاكَ لَا تَأْكُلُ إِلَّا الرُّءُوسَ. فَقَالَ: الرَّأْسُ أَعْرِفُ شَعْرَهُ فَآمَنُ خِيَانَةَ الْغُلَامِ، وَلَيْسَ بِلَحْمٍ يَطْبُخُهُ الْغُلَامُ فَيَقْدِرُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَآكُلُ مِنْهُ أَلْوَانًا: آكُلُ عَيْنَيْهِ لَوْنًا، وَأُذُنَيْهِ لَوْنًا، وَغَلْصَمَتَهُ لَوْنًا، وَدِمَاغَهُ لَوْنًا، وَأُكْفَى مَئُونَةَ طَبْخِهِ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ لِي فِيهِ مَرَافِقُ. قَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: بسنده عن أَبُو الْعَيْنَاءِ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ مِنْ أَبْخَلِ النَّاسِ، خَرَجَ يُرِيدُ الْمَهْدِيَّ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ: مَا لِي عَلَيْكَ إِنْ رَجَعْتَ بِالْجَائِزَةِ ؟ قَالَ: إِنْ أُعْطِيتُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ أَعْطَيْتُكِ دِرْهَمًا، فَأُعْطِيَ سِتِّينَ أَلْفًا، فَدَفَعَ إِلَيْهَا أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ. تُوُفِّيَ مَرْوَانُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ بِبَغْدَادَ فِي مَقْبَرَةِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ. الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ وَالْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ حَبْتَةَ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَأَبُوهُ بَحِيرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَسَعْدٌ هَذَا لَهُ صُحْبَةٌ، اسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي هَذَا كَانَ أَكْبَرَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِيِنٍ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تُوُفِّيَ أَبِي وَأَنَا صَغِيرٌ، فَأَسْلَمَتْنِي أُمِّي إِلَى قَصَّارٍ، فَكُنْتُ أَمُرُّ عَلَى حَلْقَةِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَأَجْلِسُ فِيهَا، فَكَانَتْ أُمِّي تَتْبَعُنِي، فَتَأْخُذُ بِيَدِي مِنَ الْحَلْقَةِ وَتَذْهَبُ بِي إِلَى الْقَصَّارِ، ثُمَّ كُنْتُ أُخَالِفُهَا فِي ذَلِكَ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ قَالَتْ أُمِّي لِأَبِي حَنِيفَةَ: إِنَّ هَذَا صَبِيٌّ يَتِيمٌ، لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا أُطْعِمُهُ مِنْ مِغْزَلِي، وَإِنَّكَ قَدْ أَفْسَدْتَهُ عَلَيَّ. فَقَالَ لَهَا: اسْكُتِي يَا رَعْنَاءُ، هَا هُوَ ذَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ، وَسَيَأْكُلُ الْفَالَوْذَجَ بِدُهْنِ الْفُسْتُقِ. فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَلَمَّا وَلِيتُ الْقَضَاءَ - وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلَّاهُ الْقَضَاءَ الْهَادِي، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ بِقَاضِي الْقُضَاةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: قَاضِي قُضَاةِ الدُّنْيَا. لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَنِيبُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ الَّتِي يَحْكُمُ فِيهَا الْخَلِيفَةُ - قَالَ أَبُو يُوسُفَ: فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدَ الرَّشِيدِ إِذْ أُتِيَ بِفَالَوْذَجَ وَكُنْتُ لَا أَعْرِفُهَا، فَقَالَ لِي: كُلْ مِنْ هَذَا; فَإِنَّهُ لَا يُصْنَعُ لَنَا كُلَّ وَقْتٍ. فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هَذَا الْفَالَوْذَجُ. قَالَ: فَتَبَسَّمْتُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَتَبَسَّمُ؟ فَقُلْتُ: لَا شَيْءَ، أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لَتُخْبِرَنِّي: فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ مِنْ أَوَّلِهَا، فَقَالَ: إِنَّ الْعِلْمَ يَنْفَعُ وَيَرْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. ثُمَّ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا حَنِيفَةَ، فَلِقَدْ كَانَ يَنْظُرُ بِعَيْنِ عَقْلِهِ مَا لَا يَرَاهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ. وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: إِنَّهُ أَعْلَمُ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ الْمُزَنِيُّ: كَانَ أَبُو يُوسُفَ أَتْبَعَهُمْ لِلْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: كَانَ صَدُوقًا. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: كَانَ ثِقَةً. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَانَ سَلِيمًا مِنَ التَّجَهُّمِ. وَقَالَ بَشَّارٌ الْخَفَّافُ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَحَرَامُ كَلَامُهُ، وَفَرْضٌ مُبَايَنَتُهُ. وَمِنْ كَلَامِهِ الَّذِي يَنْبَغِي كِتَابَتُهُ بِمَاءِ الذَّهَبِ قَوْلُهُ: مَنْ طَلَبَ الْمَالَ بِالْكِيمْيَاءِ أَفْلَسَ، وَمَنْ تَتَبَّعَ غَرَائِبَ الْحَدِيثِ كَذَبَ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِالْكَلَامِ تَزَنْدَقَ. وَلَمَّا تَنَاظَرَ هُوَ وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ فِي مَسْأَلَةِ الصَّاعِ وَزَكَاةِ الْخَضْرَاوَاتِ احْتَجَّ مَالِكٌ بِمَا اسْتَدْعَى بِهِ مِنْ تِلْكَ الصِّيعَانِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ آبَائِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ، وَبِأَنَّهُ لَمْ تَكُنِ الْخَضْرَاوَاتُ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. فَقَالَ: لَوْ رَأَى صَاحِبِي مَا رَأَيْتُ لَرَجَعَ كَمَا رَجَعْتُ. وَهَذَا إِنْصَافٌ. وَقَدْ كَانَ يَحْضُرُ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى طَبَقَاتِهِمْ، حَتَّى إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ شَابًّا، وَكَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّاسِ، فَيَتَنَاظَرُونَ وَيَتَبَاحَثُونَ فِيهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَحْكُمُ وَيُصَنِّفُ أَيْضًا. وَقَالَ: وُلِّيتُ هَذَا الْحُكْمَ، وَأَرْجُو اللَّهَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ جَوْرٍ وَلَا مَيْلٍ إِلَى أَحَدٍ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا; جَاءَنِي رَجُلٌ فَذَكَرَ أَنَّ لَهُ بُسْتَانًا، وَأَنَّهُ فِي يَدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَدَخَلْتُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْلَمْتُهُ، فَقَالَ: الْبُسْتَانُ لِي، اشْتَرَاهُ لِي الْمَهْدِيُّ. فَقُلْتُ: إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحْضِرَهُ لِأَسْمَعَ دَعْوَاهُ. فَأَحْضَرَهُ فَادَّعَى بِالْبُسْتَانِ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هُوَ بُسْتَانِي. فَقُلْتُ لِلرَّجُلِ: قَدْ سَمِعْتَ مَا أَجَابَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: يَحْلِفُ. فَقُلْتُ: أَتَحْلِفُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: سَأَعْرِضُ عَلَيْكَ الْيَمِينَ ثَلَاثًا، فَإِنْ حَلَفْتَ وَإِلَّا حَكَمْتُ عَلَيْكَ. فَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَامْتَنَعَ، فَحَكَمْتُ بِالْبُسْتَانِ لِلْمُدَّعِي. قَالَ: فَكُنْتُ فِي أَثْنَاءِ الْخُصُومَةِ أَوَدُّ أَنْ نَنْفَصِلَ، وَلَمْ يُمْكِنِّي أَنْ أُجْلِسَ الرَّجُلَ مَعَ الْخَلِيفَةِ. وَبَعَثَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ فِي تَسْلِيمِ الْبُسْتَانِ إِلَى الرَّجُلِ. وَرَوَى الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ، بسنده عَنْ بِشْرِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ قَدْ نِمْتُ فِي الْفِرَاشِ، إِذَا رَسُولُ الْخَلِيفَةِ يَطْرُقُ الْبَابَ، فَخَرَجْتُ مُنْزَعِجًا فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَدْعُوكَ. فَذَهَبْتُ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ وَمَعَهُ عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، فَقَالَ لِي الرَّشِيدُ: إِنَّ هَذَا قَدْ طَلَبْتُ مِنْهُ جَارِيَةً يَهَبُنِيهَا، فَلَمْ يَفْعَلْ، أَوْ يَبِيعُنِيهَا فَلَمْ يَفْعَلْ، وَإِنِّي أُشْهِدُكَ إِنْ لَمْ يُجِبْنِي إِلَى ذَلِكَ قَتَلْتُهُ. فَقُلْتُ لِعِيسَى: لِمَ لَمْ تَفْعَلْ؟ فَقَالَ: إِنِّي حَالِفٌ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصَدَقَةِ مَالِي كُلِّهِ أَنْ لَا أَبِيعَهَا وَلَا أَهَبَهَا. فَقَالَ لِي الرَّشِيدُ: فَهَلْ لَهُ مِنْ مَخْلَصٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، يَبِيعُكُ نِصْفَهَا، وَيَهَبُكَ نِصْفَهَا. فَوَهَبَهُ النِّصْفَ، وَبَاعَهُ النِّصْفَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَقَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَأُحْضِرَتِ الْجَارِيَةُ، فَلَمَّا رَآهَا الرَّشِيدُ قَالَ: هَلْ لِي مِنْ سَبِيلٍ عَلَيْهَا اللَّيْلَةَ؟ قُلْتُ: إِنَّهَا مَمْلُوكَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِبْرَائِهَا، إِلَّا أَنْ تُعْتِقَهَا وَتَتَزَوَّجَهَا، فَإِنَّ الْحُرَّةَ لَا تُسْتَبْرَأُ. قَالَ: فَأَعْتَقَهَا وَزَوَّجْتُهَا مِنْهُ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَمَرَ لِي بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعِشْرِينَ تَخْتًا مِنْ ثِيَابٍ، وَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ الْجَارِيَةُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، فَجَاءَتْهُ هَدِيَّةٌ مِنْ ثِيَابٍ دَبِيقِيٍّ وَطِيبٍ وَتَمَاثِيلَ نِدٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَذَاكَرَنِي رَجُلٌ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ: " مَنْ أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ فَهُمْ شُرَكَاؤُهُ ". فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنَّمَا ذَاكَ فِي الْأَقِطِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلَمْ تَكُنِ الْهَدَايَا مَا تَرَوْنَ، يَا غُلَامُ، شِلْ إِلَى الْخَزَائِنِ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: صَحِبْتُ أَبَا حَنِيفَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ انْصَبَّتْ عَلَيَّ الدُّنْيَا سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَا أَظُنُّ أَجَلِي إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ. فَمَا كَانَ شُهُورٌ حَتَّى مَاتَ. وَقَدْ مَاتَ أَبُو يُوسُفَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ تِسْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَقَدْ مَكَثَ فِي الْقَضَاءِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ يُوسُفُ. وَقَدْ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ. وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الرُّوَاةِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اجْتَمَعَ بِأَبِي يُوسُفَ كَمَا يَقُولُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلَوِيُّ الْكَذَّابُ فِي الرِّحْلَةِ الَّتِي سَاقَهَا الشَّافِعِيُّ، فَقَدْ أَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا وَرَدَ بَغْدَادَ فِي أَوَّلِ قَدْمَةٍ قَدِمَهَا إِلَيْهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ. وَإِنَّمَا اجْتَمَعَ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَنَآنٌ، كَمَا قَدْ يَذْكُرُهُ بَعْضُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِهَذَا الشَّأْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ طَهْمَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَعْقُوبُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ طَهْمَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ، اسْتَوْزَرَهُ الْمَهْدِيُّ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ أَزِمَّةَ الْأُمُورِ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ جِدًّا، ثُمَّ لَمَّا أَمَرَهُ بِقَتْلِ ذَلِكَ الْعَلَوِيِّ فَأَرْسَلَهُ، وَنَمَّتْ عَلَيْهِ الْجَارِيَةُ، وَتَحَقَّقَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، سَجَنَهُ فِي بِئْرٍ، وَبُنِيَتْ عَلَيْهِ قُبَّةٌ، وَنَبَتَ عَلَيْهِ شَعْرٌ كَمَا يَنْبُتُ شَعْرُ الْأَنْعَامِ، وَعَمِيَ، وَيُقَالُ: عَشِيَ بَصَرُهُ، وَمَكَثَ نَحْوًا مِنْ خَمْسَ عَشْرَ سَنَةً فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ لَا يَرَى شَيْئًا، وَلَا يَسْمَعُ صَوْتًا إِلَّا حِينَ الصَّلَوَاتِ يُعْلَمُ بِهِ، وَيُدَلَّى إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفٌ وَكُوزُ مَاءٍ، حَتَّى انْقَضَتْ أَيَّامُ الْمَهْدِيِّ وَأَيَّامُ الْهَادِي وَصَدْرٌ مِنْ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ، قَالَ يَعْقُوبُ: فَأَتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فَقَالَ: عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبُ فَيَأَمَنَ خَائِفٌ وَيُفَكُّ عَانٍ وَيَأْتِي أَهْلَهُ النَّائِي الْغَرِيبُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ نُودِيتُ فَظَنَنْتُ أَنِّي أُعْلَمُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَدُلِيَّ إِلَيَّ حَبْلٌ، وَقِيلَ لِي: ارْبُطْ هَذَا الْحَبْلَ فِي وَسَطِكِ. فَأَخْرَجُونِي، فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَى الضِّيَاءِ لَمْ أُبْصِرْ شَيْئًا، وَأُوقِفْتُ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ. فَظَنَنْتُهُ الْمَهْدِيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ أَنَّهُ الْمَهْدِيُّ، فَقَالَ: لَسْتُ بِهِ. قُلْتُ: فَالْهَادِي؟ فَقَالَ: لَسْتُ بِهِ. فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدَ. فَقَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَشْفَعْ فِيكَ عِنْدِي أَحَدٌ، وَلَكِنِّي الْبَارِحَةَ حَمَلْتُ جَارِيَةً لِي صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِي، فَذَكَرْتُ حَمْلَكَ إِيَّايَ عَلَى عُنُقِكَ، فَرَحِمْتُ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ، فَأَخْرَجْتُكَ. ثُمَّ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. فَغَارَ مِنْهُ يَحْيِي بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَخَشِيَ أَنْ يُعِيدَهُ إِلَى الْمَنْزِلَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ، وَفَهِمَ ذَلِكَ يَعْقُوبُ، فَاسْتَأْذَنَ الْخَلِيفَةَ فِي الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْعَيْشِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ الْعَيْشِيُّ، كَانَ ثِقَةً عَالِمًا عَابِدًا وَرِعًا، تُوُفِّيَ أَبُوهُ وَكَانَ وَالِيَ الْبَصْرَةِ، وَتَرَكَ مِنَ الْمَالِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا يَزِيدُ دِرْهَمًا وَاحِدًا، وَكَانَ يَعْمَلُ الْخُوصَ، وَيَأْكُلُ مِنْهُ. وَتُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الطَّيَالِسِيُّ الْمُحَدِّثُ. وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، مَوْلَى جُهَيْنَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ دَارَابَجِرْدَ، فَاسْتَثْقَلُوا نِسْبَتَهُ إِلَيْهَا فَقَالُوا دَرَاوَرْدِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ دَرَّاجُ أَبُو السَّمْحِ، ( وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّمْحِ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ السَّمْحِ بْنِ ) أُسَامَةَ التُّجِيبِيُّ، الْمِصْرِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَعَفِيفُ بْنُ سَالِمٍ الْمَوْصِلِيُّ.
التاريخ 3025لا حكم مسجّل
غَزْوِ الْخَزَرِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ وَفِي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ خَرَجَ الْخَزَرُ بِسَبَبِ ابْنَةِ خَاقَانَ مِنْ بَابِ الْأَبْوَابِ، فَأَوْقَعُوا بِالْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ، وَسَبَوْا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، وَانْتَهَكُوا أَمْرًا عَظِيمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ فِي الْأَرْضِ، فَوَلَّى الرَّشِيدُ أَرْمِينِيَّةَ يَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ مُضَافًا إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَوَجَّهَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ نَصِيبِينَ رِدْءًا لِأَهْلِ أَرْمِينِيَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ خُرُوجِهِمْ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ سَلْمٍ قَتَلَ الْمُنَجِّمَ السُّلَمِيَّ، فَدَخَلَ ابْنُهُ بِلَادَ الْخَزَرِ، وَاسْتَجَاشَهُمْ عَلَى سَعِيدٍ، فَخَرَجُوا وَدَخَلُوا أَرْمِينِيَّةَ مِنَ الثُّلْمَةِ، فَانْهَزَمَ سَعِيدٌ، وَأَقَامُوا نَحْوَ سَبْعِينَ يَوْمًا، فَوَجَّهَ الرَّشِيدُ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ، وَيَزِيدَ بْنَ مَزْيَدٍ، فَأَصْلَحَا مَا أَفْسَدَ سَعِيدٌ، وَأَخْرَجَا الْخَزَرَ، وَسَدَّا الثُّلْمَةَ.
التاريخ 3026لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ اسْتَقْدَمَ الرَّشِيدُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى مِنْ خُرَاسَانَ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ ابْنِهِ الْمَأْمُونِ ، وَأَمَرَهُ بِحَرْبِ أَبِي الْخَصِيبِ. وَفِيهَا خَرَجَ بِنَسَا مِنْ خُرَاسَانَ أَبُو الْخَصِيبِ وُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّسَائِيُّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَادِي. ( وَفِيهَا كَانَتْ بِالْأَنْدَلُسِ فِتْنَةٌ وَحَرْبٌ بَيْنَ قَائِدٍ كَبِيرٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو عِمْرَانَ، وَبَيْنَ بَهْلُولِ بْنِ مَرْزُوقٍ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَلَنْسِيُّ مَعَ أَبِي عِمْرَانَ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ بَهْلُولٍ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ.
التاريخ 3027لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ. سَمِعَ أَبَاهُ، وَابْنَ هِشَامٍ، وَابْنَ شِهَابٍ وَابْنَ عُرْوَةَ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: شُعْبَةُ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَانَ ثِقَةً، وَنَزَلَ بَغْدَادَ فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ بَابِ التِّينِ. بُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ الْإِفْرِيقِيُّ بُهْلُولُ بْنُ رَاشِدٍ الْإِفْرِيقِيُّ. رَوَى عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، وَالْقَعْنُبِيِّ وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ، أَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ مُقَاتِلٍ الْعَتَكِيَّ الْأَمِيرَ بِالْمَعْرُوفِ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. دَاوُدُ بْنُ مَهْرَانَ بْنِ زِيَادٍ، أَبُو هَاشِمٍ الرِّبْعِيُّ دَاوُدُ بْنُ مَهْرَانَ بْنِ زِيَادٍ، أَبُو هَاشِمٍ الرِّبْعِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ مِائَةٍ، وَقَدِمَ مِصْرَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَخَرَجَ عَنِ الْمَغْرِبِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَقَامَ بِهَا وَرَجَعَ إِلَى مِصْرَ سَنَةَ سِتِّينَ وَخَرَجَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَأَقَامَ بِهَا، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ فَمَاتَ بِهَا فِي رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ عَالِمًا دَيِّنًا فِي خُلُقِهِ زَعَارَةٌ لَا يُحَدِّثُ. عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ. مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَكَانَ مُتَعَبِّدًا، مُجْتَهِدًا، شَدِيدَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ، يُدَقِّقُ فِي الْوَرَعِ، وَيُبَالِغُ فِي النَّظَرِ فِي الْمَطْعَمِ، وَقَدْ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَغَيْرِهِمَا. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْفُضَيْلِ يُصَلِّي حَتَّى يَزْحَفَ إِلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ [يَلْتَفِتُ إِلَى أَبِيهِ ] فَيَقُولُ: يَا أَبَتِ، سَبَقَنِي الْعَائِدُونَ. قَالَ الدَّوْرَقِي: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَخْوَفَ مِنَ الْفُضَيْلِ وَابْنِهِ عَلِيٍّ. عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْعَبْسِيُّ الْمَغْرِبِيُّ عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْعَبْسِيُّ الْمَغْرِبِيُّ. مِنْ أَهْلِ تُونِسَ، رَحَلَ إِلَى الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. وَرَوَى عَنْ: الثَّوْرِيِّ، وَمَالكٍ، وَهُوَ الَّذِي أَدْخَلَ الْمَغْرِبَ "جَامِعَ الثَّوْرِيِّ "، وَ "مُوَطَّأَ مَالِكٍ " وَفَسَّرَ لَهُمْ قَوْلَ مَالِكٍ وَلَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ [قَبْلَ ذَلِكَ ]، وَهُوَ مُعَلِّمُ سَحْنُونِ بْنِ سَعِيدٍ الْفَقِيهِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُذَكِّرُ مُحَمَّدُ بْنُ صُبَيْحٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُذَكِّرُ، مَوْلَى بَنِي عِجْلٍ، يُعْرَفُ: بِابْنِ السَّمَّاكِ. سَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَالْأَعْمَشَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: حُسَيْنُ بْنُ [عَلِيٍّ ] الْجُعْفِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَلَهُ مَوَاعِظُ حِسَانٌ، وَمَقَامَاتٌ عِنْدَ الرَّشِيدِ. وعن أَبِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعَيْبٍ قَالَ: حَضَرْتُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ [وَهُوَ ] يَقُولُ لِابْنِ السَّمَاكِ: إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَوْجِزْ وَلَا تُكْثِرْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لَكَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مُقَامًا، وَإِنَّ لَكَ مِنْ مُقَامِكَ مُنْصَرَفًا، فَانْظُرْ إِلَى أَيْنَ مُنْصَرَفُكَ إِلَى الْجَنَّةِ أَمْ إِلَى النَّارِ. قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ حَتَّى كَادَ أَنْ يَمُوتَ. تُوُفِّيَ ابْنُ السَّمَاكِ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، أَبُو الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ مُوسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، أَبُو الْحَسَنِ الْهَاشِمِيُّ . وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. وَوُلِدَ لَهُ أَرْبَعُونَ وَلَدًا مِنْ ذِكْرٍ وَأُنْثَى، وَكَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ، جَوَادًا، وَإِذَا بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ أَنَّهُ يُؤْذِيهِ بَعَثَ إِلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَرَجَ إِلَى الصُّلْحِ. وَأَهْدَى لَهُ بَعْضُ الْعَبِيدِ عَصِيدَةً، فَاشْتَرَى الضَّيْعَةَ الَّتِي فِيهَا ذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْعَبْدَ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَأَعْتَقَهُ وَوَهَبَهَا لَهُ. وَأَقْدَمَهُ الْمَهْدِيُّ بَغْدَادَ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ لِمَنَامٍ لَهُ رَآهُ. وعن الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ لَمَّا حَبَسَ الْمَهْدِيُّ مُوسَى بْنَ جَعْفَرٍ رَأَى الْمَهْدِيُّ فِي النَّوْمِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ؓ وَهُوَ يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ قَالَ الرَّبِيعُ: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ لَيْلًا، فَرَاعَنِي ذَلِكَ فَجِئْتُهُ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ، وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ صَوْتًا. وَقَالَ عَلَيَّ بِمُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ: فَجِئْتُهُ بِهِ فَعَانَقَهُ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ، وَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، رَأَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي النَّوْمِ فَقَرَأَ عَلَيَّ كَذَا، فَتُؤَمِّنُنِي أَنْ تَخْرُجَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ وَلَدِي ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، وَلَا هُوَ مِنْ شَأْنِي قَالَ: صَدَقْتَ، يَا رَبِيعُ أَعْطِهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَرُدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ الرَّبِيعُ: فَأَحْكَمْتُ أَمْرَهُ لَيْلًا، فَمَا أَصْبَحَ إِلَّا وَهُوَ عَلَى الطَّرِيقِ خَوْفَ الْعَوَائِقِ. قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ إِلَى أَيَّامِ الرَّشِيدِ، فَحَجَّ الرَّشِيدُ فَاجْتَمَعَا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ مِنْهُ الرَّشِيدُ كَلَامًا غَيَّرَهُ. وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ مَنْصُورٌ الْقَزَّازُ بسنده عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَزْدِيُّ قَالَ: حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ فَأَتَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ زَائِرًا لَهُ وَحَوْلَهُ قُرَيْشٌ وَأَفْيَاءُ الْقَبَائِلِ وَمَعَهُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الْقَبْرِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا ابْنَ عَمٍّ. افْتِخَارًا عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، فَدَنَا مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتِ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ هَارُونَ وَقَالَ: هَذَا الْفَخْرُ يَا أَبَا الْحَسَنِ حَقًّا ؟ ثُمَّ اعْتَمَرَ الرَّشِيدُ فِي رَمَضَانِ سَنَةِ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ، فَحَمَلَ مُوسَى مَعَهُ إِلَى بَغْدَادَ فَحَبَسَهُ بِهَا، فَتُوُفِّيَ فِي حَبْسِهِ، فَلَمَّا طَالَ حَبْسُهُ كَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ بِمَا أَخْبَرَنَا بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ بسنده قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: بَعَثَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى الرَّشِيدِ مِنَ الْحَبْسِ رِسَالَةً كَانَتْ: إِنَّهُ لَنْ يَنْقَضِيَ عَنِّي يَوْمٌ مِنَ الْبَلَاءِ إِلَّا انْقَضَى عَنْكَ مَعَهُ يَوْمٌ مِنَ الرَّخَاءِ، حَتَّى نَقْضِيَ جَمِيعًا إِلَى يَوْمٍ لَيْسَ فِيهِ انْقِضَاءٌ، يَخْسَرُ فِيهِ الْمُبْطِلُونَ. تُوُفِّيَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبِ هَذِهِ السَّنَةِ. وعن أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلَّالَ يَقُولُ: مَا أَهَمَّنِي أَمْرٌ، فَقَصَدْتُ قَبْرَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، فَتَوَسَّلْتُ بِهِ إِلَّا سَهَّلَ اللَّهُ لِي مَا أُحِبُّ. هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ ، وَاسْمُ أَبِي حَازِمٍ: الْقَاسِمُ بْنُ دِينَارٍ. وَكُنْيَةُ هُشَيْمٍ: أَبُو مُعَاوِيَةَ، السُّلَمِيُّ الْوَاسِطِيُّ. بُخَارِيُّ الْأَصْلِ. وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُوهُ طَبَّاخَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. سَمِعَ هُشَيْمٌ مِنْ: عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَأَيُّوبَ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ. رَوَى عَنْهُ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ. وعن أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجَلَّابُ قَالَ: قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ كَانَ هُشَيْمٌ رَجُلًا كَانَ أَبُوهُ صَاحِبَ صَحْنَاةٍ وَكَوَامِيخَ، يُقَالُ لَهُ: بِشْرٌ، فَطَلَبَ ابْنُهُ هُشَيْمٌ الْحَدِيثَ وَاشْتَهَاهُ، وَكَانَ أَبُوهُ يَمْنَعُهُ، فَكَتَبَ الْحَدِيثَ حَتَّى جَالَسَ أَبَا شَيْبَةَ الْقَاضِيَ، وَكَانَ يُنَاظِرُ أَبَا شَيْبَةَ فِي الْفِقْهِ، فَمَرِضَ هُشَيْمٌ، فَقَالَ أَبُو شَيْبَةَ: مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْفَتَى الَّذِي كَانَ يَجِيءُ إِلَيْنَا ؟ قَالُوا: عَلِيلٌ. فَقَالَ: قُومُوا بِنَا حَتَّى نَعُودَهُ [فَقَامَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ جَمِيعًا يَعُودُونَهُ حَتَّى جَاءُوا إِلَى مَنْزِلِ بَشِيرٍ، فَدَخَلُوا إِلَى هُشَيْمٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى بَشِيرٍ وَيَدُهُ فِي الصَّحْنَاةِ. فَقَالَ: الْحَقِ ابْنَكَ، قَدْ جَاءَ الْقَاضِي إِلَيْهِ يَعُودُهُ ] فَجَاءَ بَشِيرٌ وَالْقَاضِي فِي دَارِهِ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، قَدْ كُنْتُ أَمْنَعُكَ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا. فَصَارَ الْقَاضِي يَجِيءُ إِلَى بَابِي، مَتَى أَمَّلْتُ أَنَا هَذَا ؟. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ عَوْنٍ قَالَ: مَكَثَ هُشَيْمٌ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِوُضُوءِ عِشَاءِ الْآخِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ عَشْرَ سِنِينَ. تُوُفِّيَ هُشَيْمٌ بِبَغْدَادَ فِي شَعْبَانِ هَذِهِ السَّنَةِ. يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، أَبُو سَعِيدٍ. سَمِعَ أَبَاهُ وَهِشَامًا بْنَ عُمَرَ، وَالْأَعْمَشَ. [وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى ] وَغَيْرُهُمْ وَوَلِيَ قَضَاءَ الْمَدَائِنِ، وَكَانَ عَالِمًا ثِقَةً. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: انْتَهَى الْعِلْمُ إِلَيْهِ فِي زَمَانِهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْكُتُبَ بِالْكُوفَةِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ. صَحِبَ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ، وَسَمِعَ مِنَ الْعَرَبِ. وَقَدْ رَوَى عَنِ الْعَرَبِ. وَرَوَى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ، فَأَكْثَرَ. وَلَهُ مَذْهَبٌ فِي النَّحْوِ تَفَرَّدَ بِهِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ، وَكَانَتْ حَلَقَتُهُ بِالْبَصْرَةِ يَتَبَاهَى بِهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَأَهْلُ الْأَدَبِ وَفُصَحَاءُ الْعَرَبِ وَالْبَادِيَةِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَهُ ثَمَانٍ وَتِسْعُونَ سَنَةً.
التاريخ 3028لا حكم مسجّل
وفِي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ رَجَعَ الرَّشِيدُ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى بَغْدَادَ، فَأَخَذَ النَّاسَ بِأَدَاءِ بَقَايَا الْخَرَاجِ الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَوَلَّى رَجُلًا يَضْرِبُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ وَيَحْبِسُ، وَوَلَّى عَلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَعَزَلَ وَقَطَعَ وَوَصَلَ. وَخَرَجَ بِالْجَزِيرَةِ أَبُو عَمْرٍو الشَّارِي، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ مَنْ قَتَلَهُ بِشَهْرَزُورَ. وفِيهَا: غَرِقَ أَكْثَرُ بَغْدَادَ بِزِيَادَةِ الْمَاءِ. وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ حَمَّادًا الْبَرْبَرِيَّ الْيَمَنَ وَمَكَّةَ ، وَوَلَّى دَاوُدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيَّ السِّنْدَ، وَيَحْيَى الْحَرَشِيَّ الْجَبَلَ، وَمَهْرَوَيْهِ الرَّازِيَّ طَبَرِسْتَانَ، وَقَامَ بِأَمْرِ إِفْرِيقِيَّةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا الرَّشِيدُ. وَفِيهَا طَلَبَ أَبُو الْخَصِيبِ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَأَعْمَالِهَا يَزِيدُ بْنُ مَزْيَدِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ. ( وَفِيهَا سَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَلَنْسِيُّ إِلَى مَدِينَةِ أَشِقَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَنَزَلَ بِهَا مَعَ أَبِي عِمْرَانَ، وَمَعَ الْعَرَبِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بَهْلُولُ بْنُ مَرْزُوقٍ، وَحَاصَرَهُمْ فِيهَا، فَتَفَرَّقَ الْعَرَبُ عَنْهُمْ، وَدَخَلَ بَهْلُولٌ مَدِينَةَ أَشِقَةَ، وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مَدِينَةِ بَلَنْسِيَةَ فَأَقَامَ بِهَا ).
التاريخ 3029لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ أَحْمَدُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هارون الرَّشِيدِ أَحْمَدُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الرَّشِيدِ كَانَ زَاهِدًا عَابِدًا قَدْ تَنَسَّكَ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ، يَعْمَلُ فِي الطِّينِ، وَلَيْسَ يَمْلِكُ إِلَّا مَرًّا وَزِنْبِيلًا - أَيْ مِجْرَفَةً وَقُفَّةً - وَكَانَ أُجْرَتُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِ مِنَ الْجُمْعَةِ إِلَى الْجُمْعَةِ دِرْهَمًا وَدَانِقًا، وَكَانَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا فِي يَوْمِ السَّبْتِ فَقَطْ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى الْعِبَادَةِ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْجُمْعَةِ. قال أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْمُوَفَّقِ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْفُتُوحِ يَقُولُ: خَرَجْتُ يَوْمًا أَطْلُبُ رَجُلًا يَرِمُّ لِي شَيْئًا فِي الدَّارِ، فَذَهَبْتُ، فَأُشِيرَ لِي إِلَى رَجُلٍ حَسَنِ الْوَجْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مِزْوَدٌ وَزِنْبِيلٌ، فَقُلْتُ: تَعْمَلُ لِي ؟ قَالَ: نَعَمْ بِدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ. فَقُلْتُ: قُمْ. فَقَامَ فَعَمِلَ لِي عَمَلًا بِدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ [وَدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ، وَدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ ] ثُمَّ أَتَيْتُ يَوْمًا آخَرَ فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَقِيلَ ذَاكَ رَجُلٌ لَا يُرَى فِي الْجُمْعَةِ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا يَوْمَ كَذَا. قَالَ: فَجِئْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَقُلْتُ: تَعْمَلُ لِي ؟ قَالَ: نَعَمْ بِدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ. فَقُلْتُ أَنَا: بِدِرْهَمٍ. فَقَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانَقٍ. وَلَمْ يَكُنْ بِي الدَّانَقُ، وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَعْلِمَ مَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءَ وَزَنْتُ لَهُ دِرْهَمًا، فَقَالَ لِي: مَا هَذَا ؟ قُلْتُ: دِرْهَمٌ. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: دِرْهَمٌ وَدَانَقٌ ؟ ! أَفْسَدْتَ عَلَيَّ. فَقُلْتُ: وَأَنَا أَلَمْ أَقُلْ لَكَ بِدِرْهَمٍ ؟ فَقَالَ: لَسْتُ آخُذُ مِنْهُ شَيْئًا قَالَ: فَوَزَنْتُ لَهُ دِرْهَمًا وَدَانَقًا. فَقُلْتُ: خُذْ. فَأَبَى [أَنْ يَأْخُذَ ] وَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَقُولُ [لَكَ ] لَا آخُذُ وَتُلِحُّ عَلَيَّ ! ؟ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهُ وَمَضَى. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَهْلِي، وَقَالَتْ: فَعَلَ اللَّهُ بِكَ مَا أَرَدْتَ مِنْ رَجُلٍ عَمِلَ لَكَ عَمَلًا بِدِرْهَمٍ أَنْ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ. قَالَ: فَجِئْتُ يَوْمًا أَسْأَلُ عَنْهُ، فَقِيلَ لِي: مَرِيضٌ، فَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى بَيْتِهِ فَأَتَيْتُهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَدَخَلْتُ وَهُوَ مَبْطُونٌ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ إِلَّا ذَلِكَ الْمِزْوَدَ وَالزِّنْبِيلَ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، وَتَعْرِفُ فَضْلَ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أُحِبُّ لَمَا جِئْتَ إِلَى بَيْتِي أُمَرِّضُكَ. قَالَ: وَتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: بِشَرَائِطَ ثَلَاثٍ. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْ لَا تَعْرِضَ عَلَيَّ طَعَامًا حَتَّى أَسْأَلَكَ، وَإِذَا أَنَا مِتُّ أَنْ تَدْفِنِّي فِي كِسَائِي وَجُبَّتِي هَذِهِ. قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَالثَّالِثَةُ أَشَدُّ مِنْهُمَا، وَهِيَ شَدِيدَةٌ، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ. فَحَمَلْتُهُ إِلَى مَنْزِلِي عِنْدَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ نَادَانِي يَا عَبْدَ اللَّهِ [فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ. قَالَ ] قَدِ احْتَضَرْتُ، افْتَحْ صُرَّةً عَلَى كُمِّ جُبَّتِي. قَالَ: فَفَتَحْتُهَا فَإِذَا فِيهَا خَاتَمٌ عَلَيْهِ فَصٌّ أَحْمَرُ، فَقَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ وَدَفَنْتَنِي فَخُذْ هَذَا الْخَاتَمَ، ثُمَّ ادْفَعْهُ إِلَى هَارُونَ [الرَّشِيدِ ] أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ صَاحِبُ هَذَا الْخَاتَمِ: وَيْحَكَ ! لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ نَدِمْتَ. قَالَ: فَلَمَّا دَفَنْتُهُ سَأَلْتُ يَوْمَ خُرُوجِ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَتَبْتُ قِصَّةً، وَتَعَرَّضْتُ لَهُ وَأُوذِيتُ أَذًى شَدِيدًا، فَلَمَّا دَخَلَ قَصْرَهُ وَقَرَأَ الْقِصَّةَ وَقَالَ: عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ. قَالَ: فَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مُغْضَبٌ يَقُولُ: يَتَعَرَّضُونَ لَنَا وَيَفْعَلُونَ. فَلَمَّا رَأَيْتُ غَضَبَهُ أَخْرَجْتُ الْخَاتَمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا [الْخَاتَمُ ] قُلْتُ: دَفَعَهُ إِلَيَّ رَجُلٌ طَيَّانٌ. فَقَالَ لِي: طَيَّانٌ طَيَّانٌ، وَقَرَّبَنِي مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ أَوْصَانِي بِوَصِيَّةٍ. فَقَالَ لِي: وَيْحَكَ ! قُلْ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ أَوْصَانِي إِذَا أَوْصَلْتُ إِلَيْكَ هَذَا الْخَاتَمَ أَنْ أَقُولَ لَكَ يُقْرِئُكَ صَاحِبُ هَذَا الْخَاتَمِ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: وَيْحَكَ لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَيْهَا نَدِمْتَ. فَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا وَضَرَبَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْبِسَاطِ، وَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ نَصَحْتَ أَبَاكَ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَأَنَّهُ ابْنُهُ، ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءُوا بِالْمَاءِ، فَمَسَحُوا وَجْهَهُ، وَقَالَ: كَيْفَ عَرَفْتَهُ ؟ قَالَ: فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ. قَالَ: فَبَكَى وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ مَوْلُودٍ لِي، وَكَانَ أَبِي الْمَهْدِيُّ ذَكَرَ لِي زُبَيْدَةَ أَنْ يُزَوِّجَنِي بِهَا، فَبَصُرْتُ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِي، وَكَانَتْ خَسِيسَةً فَتَزَوَّجْتُهَا سِرًّا مِنْ أَبِي، فَأَوْلَدْتُهَا هَذَا الْمَوْلُودَ، وَأَحْدَرْتُهَا إِلَى الْبَصْرَةِ [وَأَعْطَيْتُهَا ] هَذَا الْخَاتَمَ وَأَشْيَاءَ، وَقُلْتُ لَهَا: اكْتُمِي نَفْسَكِ، فَإِذَا بَلَغَكِ أَنِّي قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ فَأْتِينِي، فَلَمَّا قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ سَأَلْتُ عَنْهُمَا فَقِيلَ [لِي إِنَّهُمَا ] مَاتَا، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ بَاقٍ، فَأَيْنَ دَفَنْتَهُ ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَفَنْتُهُ فِي قُبُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، إِذَا كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَقِفْ لِي بِالْبَابِ حَتَّى أَنْزِلَ إِلَيْكَ [فَأَخْرُجَ ] مُتَنَكِّرًا إِلَى قَبْرِهِ. فَوَقَفْتُ لَهُ، فَخَرَجَ مُتَنَكِّرًا وَالْخَدَمُ حَوْلَهُ حَتَّى وَضَعَ يَدَيْهِ بِيَدِي، وَصَاحَ بِالْخَدَمِ فَتَنَحَّوْا، فَجِئْتُ بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، فَمَا زَالَ لَيْلَتَهُ يَبْكِي إِلَى أَنْ أَصْبَحَ وَيَدَاهُ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ عَلَى قَبْرِهِ [وَجَعَلَ ] يَقُولُ: يَا بُنَيَّ، لَقَدْ نَصَحْتَ أَبَاكَ. قَالَ: فَجَعَلْتُ أَبْكِي لِبُكَائِهِ رَحْمَةً مِنِّي لَهُ، ثُمَّ سَمِعَ كَلَامًا فَقَالَ: كَأَنِّي أَسْمَعُ كَلَامَ النَّاسِ. قُلْتُ: أَجَلْ أَصْبَحْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ. فَقَالَ لِي: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاكْتُبْ عِيَالَكَ مَعَ عِيَالِي، فَإِنَّ لَكَ عَلَيَّ حَقًّا بِدَفْنِكَ وَلَدِي، وَإِنْ أَنَا مُتُّ أَوْصَيْتُ: مَنْ يَكُونُ مِنْ بَعْدِي أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْكَ مَا بَقِيَ لَكَ عَقِبٌ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي حَتَّى إِذَا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ الْقَصْرِ [وَيَدُهُ بِيَدِي، فَلَمَّا صَارَ إِلَى الْقَصْرِ ] قَالَ: انْظُرْ مَا أُوصِيكَ بِهِ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقِفْ لِي حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْكَ فَأَدْعُوَ بِكَ فَتُحَدِّثَنِي حَدِيثَهُ. قُلْتُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ. [قَالَ الْمُصَنِّفُ ]: وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ السَّبْتِيِّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَفِيهِ أَشْيَاءُ تُخَالِفُ هَذَا، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ الَّتِي سُقْنَاهَا أَصَحُّ، وَأَسْنَادُهَا ثِقَاتٌ. وَقَدْ زَادَ الْقُصَّاصُ فِي حَدِيثِ السَّبْتِيِّ، وَأَبْدَأُوا وَأَعَادُوا وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ مِنْ زُبَيْدَةَ، وَأَنَّهُ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ فَوَعَظَهُ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، فَوَقَعَ مِنْ فَرَسِهِ وَأَشْيَاءَ كُلُّهَا مُحَالٌ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، أَبُو بَكْرٍ الْأَسَدِيُّ . رَوَى عَنْ أَبِي حَازِمٍ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، وَغَيْرِهِمْ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَهْدِيُّ الْمَدِينَةَ اتَّصَلَ بِهِ، وَصَارَ أَحَدَ خَوَاصِّهِ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ فِي آبَائِهِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ، وَمَا لَهُ فِي النَّاسِ نَظِيرٌ فِي كَمَالِهِ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ فَرَدَّهَا وَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنِّي لَا أَقْبَلُ صِلَةً إِلَّا مِنْ خَلِيفَةٍ أَوْ وَلِيِّ عَهْدٍ. وَلَمَّا بَايَعَ الْمَهْدِيُّ لِمُوسَى قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ: اشْدُدْ بِهَارُونَ حِبَالَ الْعَقْدِ وَوَلِّهِ بَعْدَ وَلِيِّ الْعَهْدِ فَبَايَعَ لَهُ بَعْدَ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ: لَا قَصَّرَا عَنْهَا وَلَا بَلَغَتْهُمَا حَتَّى تَطُولَ عَلَيَّ يَدَيْكَ طُوَالُهَا فَلَمَّا وَلِيَ الرَّشِيدُ عَرَضَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ الْوِلَايَةَ [فَأَبَى ]، فَأَلْزَمَهُ، فَكَانَ جَمِيلَ السِّيرَةِ. وعن الزُّبَيْرُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ قَالَ: كَانَ أَبِي يَكْرَهُ الْوِلَايَةَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ وِلَايَةَ الْمَدِينَةِ، فَأَبَى فَأَلْزَمَهُ، فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُلْزِمُهُ فَيَأْبَى، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ قَالَ لَهُ: اغْدُ عَلَيَّ بِالْغَدَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَغَدَا [عَلَيْهِ ] فَدَعَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَنَاةٍ وَعِمَامَةٍ، فَعَقَدَ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: عَلَيْكَ طَاعَةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَخُذْ هَذَا اللِّوَاءَ. فَأَخَذَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَمَا إِذَا ابْتَلَيْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْعَافِيَةِ فَلَا بُدَّ لِي أَنْ أَشْتَرِطَ لِنَفْسِي ؟ قَالَ لَهُ: اشْتَرِطْ. فَاشْتَرَطَ خِلَالًا، مِنْهَا: أَنَّهُ قَالَ لَهُ مَالُ الصَّدَقَاتِ مَالٌ قَسَمَهُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَلَسْتُ أَسَتَجِيزُ أَنْ أَرْتَزِقَ مِنْهُ، وَلَا بُدَّ أَنْ أُرْزِقَ الْمُرْتَزَقَةَ، فَاحْمِلْ مَعِي رِزْقِي وَرِزْقَ الْمُرْتَزَقَةِ مِنْ مَالِ الْخَرَاجِ. قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى ذَلِكَ. قَالَ: وَأُنْفِذُ مِنْ كُتُبِكَ مَا رَأَيْتُ [، وَأَقِفُ ] عَمَّا لَا أَرَى، قَالَ: وَذَلِكَ لَكَ. قَالَ: فَوَلِيَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ يَأْمُرُ بِمَالِ الصَّدَقَاتِ يَصِيرُ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ، وَإِلَى آخَرَ مَعَهُ وَهُوَ يَحْيَى بْنُ أَبِي غَسَّانَ، فَكَانَا يَقْسِمَانِهِ، ثُمَّ وَلَّاهُ الرَّشِيدُ الْيَمَنَ، وَزَادَهُ مَعَهَا وِلَايَةُ عَكٍّ، وَكَانَتْ عَكٌّ إِلَى وَالِي مَكَّةَ، وَرَزَقَهُ أَلْفَيْ دِينَارٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ. فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ رِزْقُ وَالِي الْيَمَنِ أَلْفَ دِينَارٍ، فَجَعَلْتَ رِزْقَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ أَلْفَيْ دِينَارٍ، وَأَخَافُ أَنْ لَا يَرْضَى أَحَدٌ تُوَلِّيهِ الْيَمَنَ مِنَ الرِّزْقِ مِنْ ?َوْمِكَ بِأَقَلَّ مَا أَعْطَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبٍ، فَلَوْ جَعَلْتَ رِزْقَهُ أَلْفَ دِينَارٍ كَمَا كَانَ [يَكُونُ ] وَأَعَضَّتْهُ مِنَ الْأَلْفِ الْأُخْرَى مَالًا تُجِيزُهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ حُجَّةٌ لِأَحَدٍ مِنْ قَوْمِكَ فِي الْجَائِزَةِ فَصَيَّرَ رِزْقَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَجَازَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْيَمَنِ الضَّحَّاكَ بْنَ عُثْمَانَ. قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ وَلِيَ الْمَدِينَةَ ابْنُهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَشَخَصَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ إِلَى بَغْدَادَ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الرِّقَّةِ فِي صُحْبَةِ الرَّشِيدِ، فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَتَلَهَّفَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ، وَبَعَثَ ابْنَهُ الْمَأْمُونَ فَصَلَّى عَلَيْهِ. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ: أُرِيتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ: يُولَدُ لَكَ ابْنٌ مِنْ أُمِّ وَلَدِكَ وَلَا تَرَاهُ، فَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَثْقَلَ عَلَيْهِ مِنْ [حَمْلِ ] أُمِّ وَلَدِهِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ، فَوَلَدَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ يَوْمَ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمْ يَرَهُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَمْرِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَمْرِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. أَدْرَكَ أَبَا طُوَالَةَ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا، وَوَعَظَ الرَّشِيدَ فَبَالَغَ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَغَوِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: كُنْتُ بِمَكَّةَ فِي رِوَاقِ الشَّطَوِيِّ وَإِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ [الْعَمْرِيُّ ] وَقَدْ حَجَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ، فَقَالَ لِي إِنْسَانٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هُوَ ذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْعَى، قَدْ أُخْلِيَ لَهُ الْمَسْعَى. قَالَ الْعَمْرِيُّ لِلرَّجُلِ: لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي خَيْرًا، كَلَّفْتَنِي أَمْرًا كُنْتُ عَنْهُ غَنِيًّا. ثُمَّ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ وَقَامَ، فَتَبِعْتُهُ، فَأَقْبَلَ هَارُونُ [الرَّشِيدُ ] مِنَ الْمَرْوَةِ يُرِيدُ الصَّفَا، فَصَاحَ بِهِ: يَا هَارُونُ قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: لَبَّيْكَ يَا عَمُّ. قَالَ: ارْقَ الصَّفَا. فَلَمَّا رَقِيَهُ قَالَ: ارْمِ بِطَرْفِكَ [إِلَى الْبَيْتِ ] قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: كَمْ هُمْ ؟ قَالَ: وَمَنْ يُحْصِيهِمْ ؟ قَالَ: فَكَمْ فِي النَّاسِ مِثْلُهُمْ ؟ قَالَ: خَلْقٌ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: اعْلَمْ أَيُّهَا الرَّجُلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسْأَلُ عَنْ حَاجَتِهِ نَفْسُهُ، وَأَنْتَ تُسْأَلُ وَحْدَكَ عَنْهُمْ كُلِّهِمْ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ. قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ، وَجَلَسَ وَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ مَنْدِيلًا مَنْدِيلًا لِلدُّمُوعِ. قَالَ الْعَمْرِيُّ: وَأُخْرَى أَقُولُهَا [لَكَ ] قَالَ: قُلْ يَا عَمُّ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيُسْرِعُ فِي مَالِهِ فَيَسْتَحِقُّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ أَسْرَعَ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ ؟ ثُمَّ مَضَى وَهَارُونُ يَبْكِي. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ قَالَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَحُجَّ كُلَّ سَنَةٍ مَا يَمْنَعُنِي إِلَّا رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ عُمَرَ، ثَمَّ يُسْمِعُنِي مَا أَكْرَهُ. وَقَدْ رُوِيَ لَنَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ لَقِيَهُ بِالْمَسْعَى، فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَأَهْوَى الْأَجْنَادُ إِلَيْهِ، فَكَفَّهُمْ عَنْهُ الرَّشِيدُ، فَكَلَّمَهُ، فَإِذَا دُمُوعُ الرَّشِيدِ تَسِيلُ عَلَى مَعْرَقَةِ دَابَّتِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. وَإِنَّهُ لَقِيَهُ مَرَّةً فَقَالَ: يَا هَارُونُ، فَعَلْتَ وَفَعَلْتَ. فَجَعَلَ يَسْمَعُ مِنْهُ وَيَقُولُ: مَقْبُولٌ مِنْكَ يَا عَمُّ، عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَالُ النَّاسِ كَيْتَ وَكَيْتَ. فَقَالَ: عَنْ غَيْرِ عِلْمِي وَأَمْرِي. وَخَرَجَ الْعَمْرِيُّ إِلَى الرَّشِيدِ مَرَّةً لِيَعِظَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ الْكُوفَةَ زَحَفَ الْعَسْكَرُ، حَتَّى لَوْ [كَانَ ] نَزَلَ بِهِمْ مِائَةُ أَلْفٍ مِنَ الْعَدُوِّ وَمَا زَادُوا عَلَى هَيْئَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ. تُوُفِّيَ الْعَمْرِيُّ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً. 1005 مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَعْدَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مَعْدَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْفَهَانِيُّ. أَدْرَكَ التَّابِعِينَ، وَتَشَاغَلَ بِالتَّعَبُّدِ، وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يُسَمِّيهِ عَرُوسَ الزُّهَّادِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَهْدِيِّ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَكَانَ كَأَنَّهُ قَدْ عَايَنَ. وعن يُوسُفُ بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ لَا يَشْتَرِي زَادَهُ مِنْ خَبَّازٍ وَاحِدٍ وَلَا مِنْ بَقَّالٍ وَاحِدٍ، قَالَ: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونِي فَيُحَابُونِي، فَأَكُونُ مِمَّنْ يَعِيشُ بِدِينِهِ. وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ بَايَنْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلَمْ يَكُنْ يَضَعُ جَنْبَهُ. تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، وَلَمْ تَكْتَمِلْ لَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، أَبُو مَسْعُودٍ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، أَبُو مَسْعُودٍ الْأَزْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ. رَحَلَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ إِلَى الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ، وَجَالَسَ الْعُلَمَاءَ، وَلَازَمَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فَتَفَقَّهَ بِهِ وَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِ، حَدَّثَ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي ذِئْبٍ، وَمَالِكٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: أَنْتَ مُعَافَى كَاسْمِكَ. وَكَانَ يُسَمِّيهِ الْيَاقُوتَةَ، فَيَقُولُ: يَا يَاقُوتَةَ الْعُلَمَاءِ. وَصَنَّفَ كُتُبًا، وَرَوَى عَنْهُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَبِشْرُ الْحَافِي، وَكَانَ زَاهِدًا عَابِدًا، فَاضِلًا عَاقِلًا، صَاحِبَ سُنَّةٍ ثِقَةً. وعن إِسْحَاقُ بْنُ الضَّيْفِ قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرَ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ: قُتِلَ لِلْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ ابْنَانِ فِي وَقْعَةِ الْمَوْصِلِ، فَجَاءَ إِخْوَانُهُ يُعَزُّونَهُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كُنْتُمْ جِئْتُمْ لِتُعَزُّونِي فَلَا تُعَزُّونِي، وَلَكِنْ هَنِّئُونِي، قَالَ: فَهَنَّوْهُ، فَمَا بَرِحُوا حَتَّى غَدَّاهُمْ وَغَلَّفَهُمْ بِالْغَالِيَةِ. تُوُفِّيَ الْمُعَافَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْمَوْصِلِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ خَمْسٍ. وَقِيلَ: سِتٍّ. يَعْقُوبُ بْنُ الرَّبِيعِ. حَاجِبُ الْمَنْصُورِ يَعْقُوبُ بْنُ الرَّبِيعِ. حَاجِبُ الْمَنْصُورِ. وَهُوَ أَخُو الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، كَانَ أَدِيبًا شَاعِرًا، حَسَنَ الِافْتِنَانِ فِي الْعُلُومِ، وَكَانَ لَهُ جَارِيَةٌ طَلَبَهَا سَبْعَ سِنِينَ يَبْذُلُ فِيهَا مَالَهُ وَجَاهَهُ حَتَّى مَلَكَهَا، وَأُعْطِي بِهَا [مِائَةَ ] أَلْفِ دِينَارٍ فَلَمْ يَبِعْهَا، وَلَمْ تَمْكُثْ عِنْدَهُ إِلَّا سِتَّةَ أَشْهُرٍ حَتَّى مَاتَتْ، فَرَثَاهَا بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ. وعن التَّنُوخِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ الْمَرْزُبَانِيُّ قَالَ: أَنْشَدَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْأَخْفَشُ لِيَعْقُوبَ بْنِ الرَّبِيعِ: أَضْحَوْا يَصِيدُونَ الظِّبَاءَ وَإِنَّنِي لَأَرَى تَصَيُّدَهَا عَلَيَّ حَرَامَا أَشْبَهْنَ مِنْكِ سَوَالِفًا وَمَدَامِعًا فَأَرَى بِذَاكَ لَهَا عَلَيَّ ذِمَامَا أَعْزِزْ عَلَيَّ بِأَنْ أُوَدِّعَ شِبْهَهَا أَوْ أَنْ تَذُوقَ عَلَى يَدَيَّ حِمَامَا وَلَهُ أَيْضًا فِي جَارِيَتِهِ: لَئِنْ كَانَ قُرْبُكِ لِي نَافِعًا لَبُعْدُكِ أَصْبَحَ لِي أَنْفَعَا لِأَنِّي أَمِنْتُ رَزَايَا الدُّهُورِ وَإِنْ جَلَّ خَطْبٌ بِأَنْ أَجْرَعَا زَيْنُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ كُرَيْبٍ، أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَعَافِرِيُّ زَيْنُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ كُرَيْبٍ، أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَعَافِرِيُّ . رَوَى عَنْهُ: ابْنُ وَهْبٍ، وَغَيْرُهُ، وَآخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ: مُرَّةُ التَّرَسُّلِيُّ. وَكَانَتْ لَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ، كَانَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي زَيْنُ بْنُ شُعَيْبٍ وَكَانَ وَاللَّهِ زَيْنًا. تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْعَابِدُ. وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ الْحَبْحَابِ الْأَزْدِيُّ. وَعَبْدُ الْأَعْلَى [ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ] بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّامِيُّ الْبَصْرِيُّ مِنْ بَنِي شَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ. وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ.
التاريخ 3030لا حكم مسجّل
ومِنَ الْحَوَادِثِ فِي سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ: قَتَلَ أَهْلُ طَبَرَسْتَانَ مَهْرَوَيْهِ الرَّازِيَّ وَالِيَهَا، فَوَلَّى الرَّشِيدُ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ [الْحَرَشِيَّ ]. وَفِيهَا: قَتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَبْنَاوِيُّ أَبَانَ بْنَ قَحْطَبَةَ الْخَارِجِيَّ بِمَوْجِ الْقَلْعَةِ. وَفِيهَا: أَغَارَ حَمْزَةُ الشَّارِي بَبَاذَغِيسَ مِنْ خُرَاسَانَ فَوَثَبَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَشْرَةِ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِ حَمْزَةَ فَقَتَلَهُمْ، وَبَلَغَ كَابُلَ، وَزَابُلَسْتَانَ. وَفِيهَا: شَخَصَ الرَّشِيدُ إِلَى الرِّقَّةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَوْصِلِ. وَاسْتَأْذَنَهُ فِيهَا يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ فِي الْعُمْرَةِ وَالْمُجَاوَرَةِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ فِي شَعْبَانِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَاعْتَمَرَ عُمْرَةَ رَمَضَانَ، ثُمَّ رَابَطَ بِجِدَّةَ إِلَى وَقْتِ الْحَجِّ. وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَوَقَعَتْ صَاعِقَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى بَعْضِ ظِلَالِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَحْرَقَتِ الظُّلَّةَ، وَقَتَلَتْ رَجُلَيْنِ وَفِيهَا غَدَرَ أَبُو الْخَصِيبِ ثَانِيَةً )، وَغَلَبَ عَلَى أَبِيوَرْدَ، وَطُوسَ، وَنَيْسَابُورَ، وَحَصَرَ مَرْوَ، ثُمَّ انْهَزَمَ عَنْهَا وَعَادَ إِلَى سَرَخْسَ، وَعَادَ أَمْرُهُ قَوِيًّا. ( وَفِيهَا جَمَعَ الْحَكَمُ صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ عَسَاكِرَهُ، وَسَارَ إِلَى عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ بِنَاحِيَةِ فِرِّيشَ، فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ سُلَيْمَانُ، وَقَصَدَ مَارِدَةَ، فَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ الْحَكَمِ فَأَسَرُوهُ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَ الْحَكَمِ قَتَلَهُ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى قُرْطُبَةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَوْلَادِ سُلَيْمَانَ وَهُمْ بِسَرَقُسْطَةَ كِتَابَ أَمَانٍ، وَاسْتَدْعَاهُمْ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُ بِقُرْطُبَةَ ). وَفِيهَا مَاتَ يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى بِبَغْدَاذَ.
التاريخ 3031لا حكم مسجّل
وَفِي سنة خمس وثمانين ومائة مَلَكَ الْفِرِنْجُ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - مَدِينَةَ بَرْشَلُونَةَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَأَخَذُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَنَقَلُوا حُمَاةَ ثُغُورِهِمْ إِلَيْهَا، وَتَأَخَّرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى وَرَائِهِمْ. وَكَانَ سَبَبَ مُلْكِهِمْ إِيَّاهَا اشْتِغَالُ الْحَكَمِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ بِمُحَارَبَةِ عَمَّيْهِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
التاريخ 3032لا حكم مسجّل
وفِي سنة خمس وثمانين ومائة تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ مَزَيْدِ بْنِ زَائِدَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، بِمَدِينَةِ بَرْذَعَةَ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ أَسَدُ بْنُ يَزِيدَ. وَكَانَ يَزِيدُ مُمَدَّحًا، جَوَدًا، كَرِيمًا، وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مَرَاثِيَهُ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الْمَرَاثِي مَا قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ رِثَاءً لَهُ، فَأَثْبَتُّهُ لِجَوْدَتِهِ: أَحَقًّا أَنَّهُ أَوْدَى يَزِيدُ ؟ تَبَيَّنْ أَيُّهَا النَّاعِي الْمُشِيدُ أَتَدْرِي مَنْ نَعَيْتَ وَكَيْفَ فَاهَتْ بِهِ شَفَتَاكَ ؟ كَانَ بِهَا الصَّعِيدُ أَحَامِي الْمَجْدِ وَالْإِسْلَامِ أَوْدَى ؟ فَمَا لِلْأَرْضِ وَيْحَكَ لَا تَمِيدُ ؟ تَأَمَّلْ، هَلْ تَرَى الْإِسْلَامَ مَالَتْ دَعَائِمُهُ ؟ وَهَلْ شَابَ الْوَلِيدُ ؟ وَهَلْ مَالَتْ سُيُوفُ بَنِي نِزَارٍ وَهَلْ وُضِعَتْ عَنِ الْخَيْلِ اللُّبُودُ ؟ وَهَلْ تَسْقِي الْبِلَادَ عِشَارُ مُزْنٍ بِدَرَّتِهَا ؟ وَهَلْ يَخْضَرُّ عُودُ ؟ أَمَا هُدَّتْ لِمَصْرَعِهِ نِزَارٌ ؟ بَلَى ! وَتَقَوَّضَ الْمَجْدُ الْمَشِيدُ [ وَحَلَّ ضَرِيحَهُ إِذْ حَلَّ فِيهِ طَرِيفُ الْمَجْدِ وَالْحَسَبُ التَّلِيدُ ] أَمَا وَاللَّهِ مَا تَنْفَكُّ عَيْنِي عَلَيْكَ بِدَمْعِهَا أَبَدًا تَجُودُ فَإِنْ تَجْمُدْ دُمُوعُ لَئِيمِ قَوْمٍ فَلَيْسَ لِدَمْعِ ذِي حَسَبٍ جُمُودُ أَبَعْدَ يَزِيدَ تَخْتَزِنُ الْبَوَاكِي دُمُوعًا، أَوْ يُصَانُ لَهَا خُدُودُ ؟ لِتَبْكِكَ قُبَّةُ الْإِسْلَامِ لَمَّا وَهَتْ أَطْنَابُهَا وَوَهَى الْعَمُودُ وَيَبْكِكَ شَاعِرٌ لَمْ يُبْقِ دَهْرٌ لَهُ نَسَبًا وَقَدْ كَسَدَ الْقَصِيدُ فَمَنْ يَدْعُو الْإِمَامَ لِكُلِّ خَطْبٍ يَنُوبُ وَكُلِّ مُعْضِلَةٍ تَئُودُ وَمَنْ يَحْمِي الْخَمِيسَ إِذَا تَعَايَا بِحِيلَةِ نَفْسِهِ الْبَطَلُ النَّجِيدُ فَإِنْ يَهْلِكْ يَزِيدُ فَكُلُّ حَيٍّ فَرِيسٌ لِلْمَنِيَّةِ أَوْ طَرِيدُ أَلَمْ تَعْجَبْ لَهُ ؟ ! إِنَّ الْمَنَايَا فَتَكْنَ بِهِ وَهُنَّ لَهُ جُنُودُ قَصَدْنَ لَهُ وَكُنَّ يَحِدْنَ عَنْهُ إِذَا مَا الْحَرْبُ شَبَّ لَهَا وَقُودُ لَقَدْ عَزَّى رَبِيعَةَ أَنَّ يَوْمًا عَلَيْهَا مِثْلَ يَوْمِكَ لَا يَعُودُ وَكَانَ الرَّشِيدُ إِذَا سَمِعَ هَذِهِ الْمَرْثِيَّةَ بَكَى، وَكَانَ يَسْتَجِيدُهَا وَيَسْتَحْسِنُهَا. [ الْوَفَيَاتُ ]
التاريخ 3033لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عَظِيمَ الْخَلْقِ، وَكَانَتْ فِيهِ عَجَائِبُ: مِنْهَا: أَنَّهُ حَجَّ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَحَجَّ عَبْدُ الصَّمَدِ بِالنَّاسِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. كَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَجَّ يَزِيدُ بِالنَّاسِ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ سَنَةَ خَمْسِينَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَكَانَ بَيْنَ حَجِّهِمَا [مِائَةُ سَنَةٍ عَلَى قَوْلِ الْخَطِيبِ، وَهُمَا فِي النَّسَبِ إِلَى عَبْدِ مَنَافٍ سَوَاءٌ، لِأَنَّ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَعَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ]. وَمِنْهَا: أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ. وَوُلِدَ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ سَنَةَ سِتِّينَ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ فِي الْمَوْلِدِ أَرْبَعٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ سَنَةً سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَتُوُفِّيَ عَبْدُ الصَّمَدِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَفَاةِ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. وَمِنْهَا: أَنَّهُ وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَعَبْدُ الصَّمَدِ إِلَى عَبْدِ مَنَافٍ سَوَاءٌ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَدْرَكَ [أَبَا ] الْعَبَّاسِ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ، وَأَدْرَكَ الْمَنْصُورَ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَهْدِيَّ وَهُوَ عَمُّ أَبِيهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْهَادِيَ وَهُوَ عَمُّ جَدِّهِ، ثُمَّ أَدْرَكَ الرَّشِيدَ. وَقَالَ يَوْمًا لِلرَّشِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا مَجْلِسٌ فِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَمُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَمُّ عَمِّهِ، وَعَمُّ عَمِّ عَمِّهِ، وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ جَعْفَرٍ عَمُّ الرَّشِيدِ. وَالْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَمُّ سُلَيْمَانَ، وَعَبْدَ الصَّمَدِ عَمُّ الْعَبَّاسِ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ مَاتَ بِأَسْنَانِهِ الَّتِي وُلِدَ بِهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرْ، وَكَانَتْ أَسْنَانُهُ قِطْعَةً وَاحِدَةً مِنْ أَسْفَلَ. وَمِنْهَا: أَنَّهُ طَارَتْ رِيشَتَانِ إِلَى عَيْنَيْهِ فَذَهَبَ بَصَرُهُ. وعن إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ - وَكَانَ يَجْلِسُ لِوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ يَعِظُهُمْ وَيُحَدِّثُهُمْ - قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ الْمَنْصُورُ بُكْرَةً وَاسْتَعْجَلَنِي الرَّسُولُ فَدَخَلْنَا، فَإِذَا الرَّبِيعُ وَاقِفٌ عِنْدَ السِّتْرِ، وَإِذَا الْمَهْدِيُّ وَلِيُّ الْعَهْدِ فِي الدِّهْلِيزِ جَالِسٌ، وَإِذَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ، وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ [وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ ]، وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ الرَّبِيعُ: اجْلِسُوا مَعَ بَنِي عَمِّكُمْ فَجَلَسْنَا، ثُمَّ دَخَلَ الرَّبِيعُ وَخَرَجَ، وَقَالَ لِلْمَهْدِيِّ: ادْخُلْ أَصْلَحَكَ اللَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ادْخُلُوا جَمِيعًا. [فَدَخَلْنَا ] فَسَلَّمْنَا، وَأَخَذْنَا مَجَالِسَنَا، فَقَالَ لِلرَّبِيعِ: هَاتِ دَوًى وَمَا يَكْتُبُونَ فِيهِ. فَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا دَوَاةً وَوَرَقًا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا عَمُّ، حَدِّثْ وَلَدَكَ وَإِخْوَتَكَ، وَبَنِي أَخِيكَ بِحَدِيثِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ. فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الْبِرَّ وَالصِّلَةِ لَيُطِيلَانِ فِي الْأَعْمَارِ، وَيُعَمِّرَانَ الدِّيَارَ، وَيُثْرِيَانِ الْأَمْوَالَ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْمُ فُجَّارًا ". ثُمَّ قَالَ: يَا عَمُّ، الْحَدِيثَ الْآخَرَ. فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ لَيُخَفِّفَانِ سُوءَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: يَا عَمُّ، الْحَدِيثَ الْآخَرَ. فَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَلِكَانِ أَخَوَانِ عَلَى مَدِينَتَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا بَارًّا بِرَحِمِهِ، عَادِلًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ الْآخَرُ عَاقًّا بِرَحِمِهِ، جَائِرًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، وَكَانَ فِي عَصْرِهِمَا نَبِيٌّ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِ هَذَا الْبَارِّ ثَلَاثُ سِنِينَ، وَبَقِيَ مِنْ هَذَا الْعَاقِّ ثَلَاثُونَ سَنَةً. قَالَ: فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ رَعِيَّةَ هَذَا وَرَعِيَّةَ هَذَا، فَأَحْزَنَ ذَلِكَ رَعِيَّةَ الْعَادِلِ، وَأَحْزَنَ ذَلِكَ رَعِيَّةَ الْجَائِرِ، قَالَ: فَفَرَّقُوا بَيْنَ الْأَطْفَالِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَتَرَكُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ، وَخَرَجُوا إِلَى الصَّحْرَاءِ يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُمَتِّعَهُمْ بِالْعَادِلِ، وَيُزِيلَ عَنْهُمْ أَمْرَ الْجَائِرِ [فَأَقَامُوا ثَلَاثًا، ] فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ أَنْ أَخْبِرْ عِبَادِي أَنِّي قَدْ رَحِمْتُهُمْ، وَأَجَبْتُ دُعَاءَهُمْ، فَجَعَلْتُ مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِ هَذَا الْبَارِّ لِذَلِكَ الْجَائِرِ، وَمَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِ الْجَائِرِ لِهَذَا الْبَارِّ. قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، وَمَاتَ الْعَاقُّ لِتَمَامِ الثَّلَاثِ سِنِينَ، وَبَقِيَ الْعَادِلُ فِيهِمْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. ثُمَّ الْتَفَتَ الْمَنْصُورُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حَدِّثْ بَنِي عَمِّكَ وَإِخْوَتِكَ بِحَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ ] عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْبِرِّ. فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا مِنْ مَلِكٍ يَصِلُ رَحِمَهُ وَذَا قُرْبَتِهِ وَيَعْدِلُ فِي رَعِيَّتِهِ إِلَّا شَيَّدَ اللَّهُ مُلْكَهُ، وَأَجْزَلَ لَهُ ثَوَابَهُ، وَأَكْرَمَ مَا بِهِ، وَخَفَّفَ حِسَابَهُ ". تُوُفِّيَ عَبْدُ الصَّمَدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْجُدَرِيِّ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الرَّشِيدُ لَيْلًا، وَدُفِنَ فِي بَابِ الْبَرْدَانِ، وَلَهُ إِحْدَى وَثَمَانُونَ سَنَةً. عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو سَهْلٍ الْوَاسِطِيُّ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو سَهْلٍ الْوَاسِطِيُّ . سَمِعَ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو نُعَيْمٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا. وعن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ كَانَ مِنْ أَهْلِ وَاسِطٍ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، فَأَخَذَهُ هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَحَبَسَهُ زَمَانًا، ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ، فَأَقَامَ بِبَغْدَادَ، وَكَانَ يَنْزِلُ بِالْكَرْخِ عَلَى نَهْرِ الْبَزَّازِينَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ تِسْعٍ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ. مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْرُوفُ بِالْإِمَامِ، ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْرُوفُ بِالْإِمَامِ، ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ . كَانَ يَلِي إِمَارَةَ الْحَجِّ وَالْمَسِيرِ بِالنَّاسِ إِلَى مَكَّةَ وَإِقَامَةِ الْمَنَاسِكِ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ عِدَّةَ سِنِينَ. وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّالِ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ الرَّشِيدُ إِذْ ذَاكَ قَدْ شَخَصَ إِلَى الرِّقَّةِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ الْأَمِينُ، وَدُفِنَ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْعَبَّاسِيَّةِ بِبَابِ الْمَيْدَانِ. مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْرُوفِ بِالْإِمَامِ بْنِ الْحَسَنِ، أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، الْمَعْرُوفِ بِالْإِمَامِ بْنِ الْحَسَنِ، أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ . كَانَ هَرَوِيَّ الْأَصْلِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي مَعْمَرٍ إِسْمَاعِيلَ وَأَبِي الْهُذَيْلِ إِسْحَاقَ. سَمِعَ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْحَافِظُ: هُوَ صَدُوقٌ لَا بَأْسَ بِهِ. وَفيها توفي حَجَّاجٌ الصَّوَّافُ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُثْمَانَ مَيْسَرَةَ. وفاة بعض من مشايخ الحديث وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنْ مَشَايِخِ الْحَدِيثِ ضِمَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَعُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ زِيَادٍ، وَالْمُعَافَى بْنُ عُمْرَانَ فِي قَوْلٍ، وَيُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ الْأَوْزَاعِيِّ فِي الْمَغَازِي وَالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ. رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ رَابِعَةُ الْعَدَوِيَّةُ، هِيَ رَابِعَةُ بِنْتُ إِسْمَاعِيلَ الْعَدَوِيَّةُ مَوْلَاةُ آلِ عَتِيكٍ، الْبَصَرِيَّةُ الْعَابِدَةُ الْمَشْهُورَةُ. ذَكَرَهَا الْقُشَيْرِيُّ فِي " الرِّسَالَةِ " وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ "، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " صِفَةِ الصَّفْوَةِ "، وَالشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي " الْمَعَارِفِ " وَأَثْنَى عَلَيْهَا أَكْثَرُ النَّاسِ، وَتَكَلَّمَ فِيهَا أَبُو دُوَادَ السِّجِسْتَانِيُّ، وَاتَّهَمَهَا بِالزَّنْدَقَةِ، فَلَعَلَّهُ بَلَغَهُ عَنْهَا أَمْرٌ. وَأَنْشَدَ لَهَا السُّهْرَوَرْدِيُّ فِي " الْمَعَارِفِ ": إِنِّي جَعَلْتُكَ فِي الْفُؤَادِ مُحَدِّثِي وَأَبَحْتُ جِسْمِي مَنْ أَرَادَ جُلُوسِي فَالْجِسْمُ مِنِّى لِلْجَلِيسِ مُؤَانِسٌ وَحَبِيبُ قَلْبِي فِي الْفُؤَادِ أَنِيسِي وَقَدْ ذُكِرَ لَهَا أَحْوَالٌ وَأَعْمَالٌ صَالِحَةٌ، وَقِيَامُ لَيْلٍ وَصِيَامُ نَهَارٍ، وَرُؤِيَتْ لَهَا مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ. فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَتُوُفِّيَتْ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَقَبْرُهَا شَرْقِيُّهُ بِالطُّورِ.
التاريخ 3034لا حكم مسجّل
ذِكْرُ اتِّفَاقِ الْحَكَمِ صَاحِبِ الْأَنْدَلُسِ وَعَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ وفِي سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ اتَّفَقَ الْحَكَمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ، وَعَمُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَلَنْسِيُّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا سَمِعَ بِقَتْلِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ عَظُمَ عَلَيْهِ، وَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَزِمَ بَلَنْسِيَةَ وَلَمْ يُفَارِقْهَا، وَلَمْ يَتَحَرَّكْ لِإِثَارَةِ فِتْنَةٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْحَكَمِ يَطْلُبُ الْمُسَالَمَةَ، وَالدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ. وَقِيلَ: بَلِ الْحَكَمُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رُسُلًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْمُسَالَمَةَ، وَيُؤَمِّنُهُ، وَبَذَلَ لَهُ الْأَرْزَاقَ الْوَاسِعَةَ، وَلِأَوْلَادِهِ، فَأَجَابَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الِاتِّفَاقِ، وَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى يَدِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، صَاحِبِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَزَوَّجَ الْحَكَمُ أَخَوَاتِهِ مِنْ أَوْلَادِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَأَكْرَمَهُ الْحَكَمُ، وَعَظَّمَ مَحَلَّهُ، وَأَجْرَى لَهُ وَلِأَوْلَادِهِ الْأَرْزَاقَ الْوَاسِعَةَ وَالصِّلَاتِ السَّنِيَّةَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَاسَلَةَ فِي الصُّلْحِ كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةَ، وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 3035لا حكم مسجّل
حَجِّ الرَّشِيدِ وَأَمْرِ كِتَابِ وِلَايَةِ الْعَهْدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ ( بِالنَّاسِ هَارُونُ ) الرَّشِيدُ، وَكَانَ شُخُوصُهُ مِنَ الرِّقَّةِ فِي رَمَضَانَ، فَمَرَّ بِالْأَنْبَارِ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَدِينَةَ السَّلَامِ، وَلَكِنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلًا عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَأَخْرَجَ مَعَهُ ابْنَيْهِ الْأَمِينَ وَالْمَأْمُونَ، فَبَدَأَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَعْطَى فِيهَا ثَلَاثَةَ أَعْطِيَةٍ، أَعْطَى هُوَ عَطَاءً، وَمُحَمَّدٌ الْأَمِينُ عَطَاءً، وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ عَطَاءً، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فَأَعْطَى أَهْلَهَا، فَبَلَغَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَكَانَ عَقَدَ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ وِلَايَةَ الْعَهْدِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَسَمَّاهُ الْأَمِينَ وَكَانَ إِلَى الْأَمِينِ وِلَايَةُ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَإِلَى الْمَأْمُونِ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى بِلَادِ الْمَشْرِقِ. ثُمَّ بَايَعَ الرَّشِيدُ لِوَلَدِهِ الْقَاسِمِ مِنْ بَعْدِ أَخَوَيْهِ، وَلَقَّبَهُ الْمُؤْتَمَنَ، وَوَلَّاهُ الْجَزِيرَةَ وَالثُّغُورَ وَالْعَوَاصِمَ، وَكَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَهُ الْقَاسِمَ هَذَا كَانَ فِي حِجْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، فَلَمَّا بَايَعَ الرَّشِيدُ لِوَلَدَيْهِ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ كَتَبَ إِلَيْهِ: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّذِي لَوْ كَانَ نَجْمًا كَانَ سَعْدَا اعْقِدْ لِقَاسِمِ بَيْعَةً وَاقْدَحْ لَهُ فِي الْمُلْكِ زَنْدَا اللَّهُ فَرْدٌ وَاحِدٌ فَاجَعَلْ وُلَاةَ الْعَهْدِ فَرْدَا فَفَعَلَ الرَّشِيدُ ذَلِكَ، وَقَدْ حَمِدَهُ قَوْمٌ عَلَى ذَلِكَ، وَذَمَّهُ آخَرُونَ، وَلَمْ يَنْتَظِمْ لِلْقَاسِمِ هَذَا أَمْرٌ، بَلِ اخْتَرَمَتْهُ الْأَقْدَارُ عَنْ بُلُوغِ الْأَوْطَارِ. وَلَمَّا قَضَى الرَّشِيدُ حَجَّهُ وَمَنَاسِكَهُ أَحْضَرَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ، وَأَحْضَرَ وَلِيِّيَ الْعَهْدِ; مُحَمَّدًا الْأَمِينَ وَعَبْدَ اللَّهِ الْمَأْمُونَ، وَأَشْهَدَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِأَخِيهِ، وَأَلَّا يُنَازِعَهُ مَا وَلَّاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَكَتَبَ بِمَضْمُونِ ذَلِكَ صَحِيفَةً، وَكَتَبَ فِيهَا الْأُمَرَاءُ وَالْوُزَرَاءُ خُطُوطَهُمْ بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَأَرَادَ الرَّشِيدُ أَنْ يُعَلِّقَهَا فِي الْكَعْبَةِ فَسَقَطَتْ، فَقِيلَ: هَذَا الْأَمْرُ سَرِيعٌ انْتِقَاضُهُ. وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ فِي عَقْدِ هَذِهِ الْبَيْعَةِ فِي الْكَعْبَةِ: خَيْرُ الْأُمُورِ مَغَبَّةً وَأَحَقُّ أَمْرٍ بِالتَّمَامِ أَمْرٌ قَضَى أَحْكَامَهُ الرَّ حْمَنُ فِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ . وَتَقَدَّمَ إِلَى الْحَجَبَةِ فِي حِفْظِ الْكِتَابَيْنِ وَمَنْعِ مَنْ أَرَادَ إِخْرَاجَهُمَا. وَكَانَتْ نُسْخَةُ الْكِتَابِ: "هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [كَتَبَهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ] فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ وَجَوَازٍ [مِنْ ] أَمْرِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِي الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِهِ وَصَيَّرَ الْبَيْعَةَ لِي فِي رِقَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هَارُونَ [أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ] الْعَهْدَ وَالْخِلَافَةَ، وَجَمِيعَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدِي، بِرِضًا مِنِّي وَتَسْلِيمِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ، وَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَثُغُورَهَا، وَكُورَهَا، وَحَرْبَهَا، وَجُنْدَهَا، وَخَرَاجَهَا، وَبُيُوتَ أَمْوَالِهَا، [وَصَدَقَاتِهَا، وَعُشْرَهَا، وَجَمِيعَ أَعْمَالِهَا فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَهُ، وَشَرَطْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِرِضًا مِنِّي وَطِيبِ نَفْسِي أَنَّ لِأَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ عَلَيَّ الْوَفَاءَ بِمَا عَقَدَ لَهُ هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعَهْدِ وَالْوِلَايَةِ وَالْخِلَافَةِ وَأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعًا بَعْدِي، وَتَسْلِيمَ ذَلِكَ لَهُ، وَمَا جُعِلَ لَهُ مِنْ وِلَايَةِ خُرَاسَانَ ] وَأَعْمَالِهَا كُلِّهَا، وَمَا أَقْطَعُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَطِيعَتِهِ أَوْ جَعَلَ لَهُ مِنْ عِقْدِهِ أَوْ ضَيْعَةٍ مِنْ ضَيَاعِهِ، وَابْتَاعَ مِنَ الضَّيَاعِ وَالْعَقْدِ وَمَا أَعْطَاهُ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ حُلِيٍّ أَوْ جَوْهَرٍ، أَوْ مَتَاعٍ، أَوْ كُسْوَةٍ، أَوْ مَنْزِلٍ، أَوْ دَوَابَّ، أَوْ قَلِيلٍ، أَوْ كَثِيرٍ، فَهُوَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُوَفَّرًا مُسَلَّمًا إِلَيْهِ، وَقَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَإِنْ حَدَثَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَوْتُ، وَأَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَعَلَى مُحَمَّدٍ إِنْفَاذُ مَا أَمَرَ بِهِ هَارُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوْلِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خُرَاسَانَ وَثُغُورِهَا مِنْ لَدُنِ الرَّيِّ إِلَى أَقْصَى خُرَاسَانَ لَيْسَ لِمُحَمَّدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُحَوِّلَ عَنْهُ قَائِدًا وَلَا رَاجِلًا وَاحِدًا مِمَّنْ ضَمَّ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ ضَمَّهُمْ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يُحَوِّلُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وِلَايَتِهِ الَّتِي وَلَّاهَا إِيَّاهُ هَارُونُ [أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ] مِنْ ثُغُورِ خُرَاسَانَ وَأَعْمَالِهَا كُلِّهَا بُنْدَارًا وَلَا عَامِلًا، وَلَا يُدْخِلُ عَلَيْهِ فِي صَغِيرٍ مِنْ أَمْرِهِ وَلَا كَبِيرٍ ضِرَارًا، وَلَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَأْيِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَلَا يَعْرِضُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ ضَمَّ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَصَحَابَتِهِ، وَقُضَاتِهِ، وَعُمَّالِهِ، وَكُتَّابِهِ، وَخَدَمِهِ، وَمَوَالِيهِ، وَجُنْدِهِ بِمَا يَلْتَمِسُ إِدْخَالَ الضَّرَرِ وَالْمَكْرُوهِ عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَلَا قَرَابَتِهِمْ، وَلَا مَوَالِيهِمْ، وَلَا أَمْوَالِهِمْ، وَلَا فِي ضَيَاعِهِمْ وَدُورِهِمْ وَرَبَاعِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِأَمْرِهِ وَرَأْيِهِ يَتَرَخَّصُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا يَنْزِعُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِمَّنْ ضَمَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلَ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَحَابَتَهُ وَعُمَّالَهُ وَخَدَمَهُ وَجُنْدَهُ، وَرَفْضَ اسْمِهِ [وَمَكْتَبِهِ ] وَمَكَانِهِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، عَاصِيًا لَهُ أَوْ مُخَالِفًا، فَعَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَدُّهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِصُغْرٍ لَهُ وَقَمَاءٍ حَتَّى يُنَفِّذَ رَأْيَهُ وَأَمْرَهُ. فَإِنْ أَرَادَ مُحَمَّدُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلْعَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وِلَايَةِ خُرَاسَانَ وَثُغُورِهَا وَأَعْمَالِهَا، أَوْ صَرْفَ أَحَدٍ مِنْ قُوَّادِهِ الَّذِينَ ضَمَّهُمْ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ أَنْ يَنْتَقِصَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا مِمَّا جَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، أَوْ بِحِيلَةٍ مِنَ الْحِيَلِ، فَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخِلَافَةُ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى مُحَمَّدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ وَلِيُّ الْأَمْرِ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالطَّاعَةُ مِنْ جَمِيعِ قُوَّادِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْقِيَامُ مَعَهُ، وَالْمُجَاهَدَةُ لِمَنْ خَالَفَهُ، وَالذَّبُّ عَنْهُ، مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي أَبْدَانِهِمْ. وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يُخَالِفَهُ أَوْ يَعْصِيَهُ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْ طَاعَتِهِ، وَلَا يُطِيعُ مُحَمَّدَ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي خَلْعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَصَرْفِ الْعَهْدِ عَنْهُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى غَيْرِهِ أَوْ يَنْتَقِصُهُ شَيْئًا مِمَّا جَعَلَهُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ فِي حَيَاتِهِ وَصِحَّتِهِ. وَاشْتَرَطَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ عَلَيْهِ فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَفِي كِتَابِهِ هَذَا. وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدَّقُ فِي قَوْلِهِ، وَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنَ الْبَيْعَةِ الَّتِي فِي أَعْنَاقِكُمْ لِمُحَمَّدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْقَادَ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيُسَلِّمَ لَهُ الْخِلَافَةَ. وَلَيْسَ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِعَبْدِ اللَّهِ أَنْ يَخْلَعَا الْقَاسِمَ ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يُقَدِّمَا عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِمَا وَقِرَابَاتِهِمَا وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ جَمِيعِ الْبَرِيَّةِ، فَإِذَا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَالْأَمْرُ إِلَيْهِ فِي إِمْضَاءِ مَا جَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعَهْدِ لِلْقَاسِمِ بَعْدَهُ، أَوْ صَرْفِ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَى مَنْ رَأَى مِنْ وَلَدِهِ وَإِخْوَتِهِ، وَتَقْدِيمِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُقَدَّمَ قَبْلَهُ، يَحْكُمُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَحَبَّ وَأَرَادَ، فَعَلَيْكُمْ مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنْفَاذُ مَا كَتَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِهِ هَذَا وَشَرَطَ، وَعَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّتُهُ وَذِمَمُ الْمُسْلِمِينَ وَالْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ الَّتِي أَخَذَ اللَّهُ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَالْمُرْسَلِينَ وَالنَّبِيِّينَ، وَوَكَّدَهَا فِي أَعْنَاقِ الْمُؤْمِنِينَ لِيُقَرِّبَ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا سَمَّى، وَلِمُحَمَّدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمِ بَنِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا سَمَّى، وَكَتَبَ فِي كِتَابِهِ هَذَا وَاشْتَرَطَ عَلَيْكُمْ، فَبَرِئَتْ مِنْكَ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَذِمَمُ الْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ مَالٍ هُوَ الْيَوْمَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَوْ يَسْتَفِيدُهُ إِلَى خَمْسِينَ سَنَةً فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَعَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمُ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ خَمْسِينَ حَجَّةً نَذْرًا وَاجِبًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ إِلَّا الْوَفَاءَ بِذَلِكَ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ - أَوْ يَمْلِكُهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ إِلَى خَمْسِينَ سَنَةً - حُرٌّ، وَكُلُّ امْرَأَةٍ لَهُ فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا أَلْبَتَّةَ طَلَاقَ الْحَرَجِ، لَا مَثْنَوِيَّةَ لِذَلِكَ فِيهَا، وَاللَّهُ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ كَفِيلٌ، وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا. وَنُسْخَةُ الشَّرْطِ الَّذِي كَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [بِخَطِّ يَدِهِ فِي الْكَعْبَةِ: هَذَا كِتَابٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ] كَتَبَهُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَجَوَازِ أَمْرٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَصِدْقِ نِيَّةٍ، فِيمَا كَتَبَهُ فِي كِتَابِهِ هَذَا، وَمَعْرِفَةٍ بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالصَّلَاحِ لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونَ وَلَّانِي الْعَهْدَ وَالْخِلَافَةَ وَجَمِيعَ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ، وَوَلَّانِي فِي حَيَاتِهِ ثُغُورَ خُرَاسَانَ وَكُورَهَا، وَجَمِيعَ أَعْمَالِهَا، وَشَرَطَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْوَفَاءَ بِمَا عَقَدَ لِي مِنَ الْخِلَافَةِ وَوِلَايَةِ الْعِبَادِ وَالْبِلَادِ بَعْدَهُ وَوِلَايَةِ خُرَاسَانَ وَجَمِيعِ أَعْمَالِهَا، وَلَا يَعْرِضُ لِي فِي شَيْءٍ مِمَّا أَقْطَعَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَوِ ابْتَاعَ لِي مِنَ الضِّيَاعِ وَالْعَقْدِ وَالرَّبَاعِ، أَوِ ابْتَعْتُ مِنْهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَعْطَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْكِسَاءِ وَالْمَتَاعِ وَالدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَعْرِضُ لِي وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ عُمَّالِي وَكُتَّابِي بِسَبَبِ مُحَاسَبَةٍ، وَلَا يَتَّبِعُ لِي فِي ذَلِكَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُ عَلَيَّ وَلَا عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى مَنْ كَانَ مَعِي مِمَّنِ اسْتَعَنْتُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ مَكْرُوهًا فِي نَفْسِي وَلَا دَمٍ، وَلَا شَعْرٍ، وَلَا بَشَرٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّ بِهِ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا أَكَّدَ فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ وَرَضِيَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَبِلَهُ فَشَرَطْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَعَلْتُ لَهُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا أَعْصِيَهُ، وَأَنْصَحَهُ وَلَا أَغُشَّهُ، وَأُوفِيَ بِبَيْعَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَلَا أَغْدِرَ، وَلَا أَنْكُثَ، وَأُنَفِّذَ كُتُبَهُ وَأَوَامِرَهُ، وَأُحْسِنَ مُؤَازَرَتَهُ، وَجِهَادَ عَدُوِّهِ فِي نَاحِيَتِي، مَا وَفَّى لِي عَلَى مَا شَرَطَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَمْرِي، وَسَمَّى فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِ احْتَاجَ مُحَمَّدٌ إِلَى جُنْدٍ وَكَتَبَ إِلَيَّ يَأْمُرُنِي بِإِشْخَاصِهِ إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ النَّوَاحِي، أَوْ عَدُوٍّ خَالَفَهُ وَأَرَادَ نَقْضَ شَيْءٍ مِنْ سُلْطَانِهِ أَوْ سُلْطَانِي الَّذِي أَسْنَدَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْنَا أَنْ أُنَفِّذَ أَمْرَهُ وَلَا أُخَالِفَهُ، وَلَا أُقَصِّرَ فِي شَيْءٍ كَتَبَ بِهِ إِلَيَّ، وَإِنْ أَرَادَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلًا مِنْ وُلَاةِ الْعَهْدِ وَالْخِلَافَةِ بَعْدِي، فَذَلِكَ لَهُ مَا وَفَّى لِي بِمَا جَعَلَهُ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَاشْتَرَطَ لِي عَلَيْهِ، وَعَلَيَّ إِنْفَاذُ ذَلِكَ وَالْوَفَاءُ لَهُ بِهِ وَلَا أَنْقُضُ ذَلِكَ وَلَا أُبَدِّلُهُ، وَلَا أُقَدِّمَ قَبْلَهُ أَحَدًا مِنْ وَلَدِي، وَلَا قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا مِنَ النَّاسِ، إِلَّا أَنْ يُوَلِّيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ الْعَهْدَ بَعْدِي فَيَلْزَمُنِي وَمُحَمَّدًا الْوَفَاءُ لَهُ. وَجَعَلْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلِمُحَمَّدٍ الْوَفَاءَ لِي بِمَا شَرَطْتُ وَسَمَّيْتُ فِي كِتَابِي هَذَا، مَا وَفَّى لِي مُحَمَّدٌ بِجَمِيعِ مَا اشْتَرَطَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ فِي نَفْسِي، وَمَا أَعْطَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمُسَمَّاةِ فِي هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ، وَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَذِمَّتِي وَذِمَمُ آبَائِي وَذِمَمُ الْمُسْلِمِينَ وَأَشَدُّ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى مِيثَاقِهِ عَلَى النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ مِنْ خَلْقِهِ، مِنْ عُهُودِهِ وَمَوَاثِيقِهِ، وَالْأَيْمَانُ الْمُؤَكَّدَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ الْوَفَاءَ بِهَا، وَنَهَى عَنْ نَقْضِهَا وَتَبْدِيلِهَا، وَإِنْ أَنَا نَقَضْتُ شَيْئًا مِمَّا شَرَطْتُ وَسَمَّيْتُ فِي كِتَابِي هَذَا، أَوْ غَيَّرْتُ أَوْ بَدَّلْتُ، أَوْ نَكَثْتُ أَوْ غَدَرْتُ، فَبَرِئْتُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ وِلَايَتِهِ وَدِينِهِ، وَمُحَمَّدٍ رَسُولِهِ ﷺ، وَلَقِيتُ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَافِرًا مُشْرِكًا، وَكُلُّ امْرَأَةٍ هِيَ لِي الْيَوْمَ، أَوْ أَتَزَوَّجُهَا إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً طَالِقٌ ثَلَاثًا أَلْبَتَّةَ [طَلَاقَ الْحَرَجِ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ هُوَ لِي الْيَوْمَ أَوْ أَمْلِكُهُ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً أَحْرَارٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، وَعَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ الَّذِي بِمَكَّةَ ثَلَاثِينَ حَجَّةً، نَذْرًا وَاجِبًا عَلَيَّ فِي عُنُقِي حَافِيًا رَاجِلًا، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِّي إِلَّا الْوَفَاءَ بِذَلِكَ، وَكُلُّ مَالٍ لِي أَوْ أَمْلِكُهُ إِلَى ثَلَاثِينَ سَنَةً ] هَدْيٌ بَالِغُ الْكَعْبَةِ، وَكُلُّ مَا جَعَلْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَشَرَطْتُ فِي كِتَابِي هَذَا لَازِمٌ لَا أُضْمِرُ غَيْرَهُ، وَلَا أَنْوِي غَيْرَهُ. وَشَهِدَ سُلَيْمَانُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ. وَكُتِبَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَ فِي نُسْخَةِ الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ هَارُونُ إِلَى الْعُمَّالِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ وَلِيُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلِيُّ مَا وَلَّاهُ، وَالْحَافِظُ لِمَا اسْتَرْعَاهُ وَأَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ خِلَافَتِهِ وَسُلْطَانِهِ وَالصَّانِعُ لَهُ فِيمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ مِنْ أُمُورِهِ، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَالْكَالِئُ وَالْحَافِظُ وَالْكَافِي مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ، وَهُوَ الْمَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ آلَائِهِ، وَالْمَسْئُولُ تَمَامَ حُسْنِ مَا مَضَى مِنْ قَضَائِهِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَادَتِهِ الْجَمِيلَةِ عِنْدَهُ، وَإِلْهَامِ مَا يَرْضَى بِهِ، وَيُوجِبُ لَهُ عَلَيْهِ أَحْسَنَ الْمَزِيدِ مِنْ فَضْلِهِ. وَلَمْ يَزَلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُنْذُ اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى عَقْدِ الْعَهْدِ لِمُحَمَّدِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [مِنْ ] بَعْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَعْدِ مُحَمَّدٍ، يُعْمِلُ رَأْيَهُ وَنَظَرَهُ وَرَوِيَّتَهُ فِيمَا فِيهِ الصَّلَاحُ لَهُمَا وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ وَالْجَمْعُ لِلْكَلِمَةِ، وَاللَّمُّ لِلشَّعْثِ، وَالْحَسْمُ لِكَيْدِ أَعْدَاءِ النِّعَمِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالْغِلِّ، وَالْقَطْعُ لِآمَالِهِمْ مِنْ كُلِّ فُرْصَةٍ يَرْجُونَ إِدْرَاكَهَا وَانْتِهَازَهَا، وَيَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي ذَلِكَ وَيَسْأَلُهُ الْعَزِيمَةَ لَهُ عَلَى مَا فِيهِ الْخِيَرَةُ لَهُمَا وَلِجَمِيعِ الْأُمَّةِ. فَعَزَمَ اللَّهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الشُّخُوصِ بِهِمَا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَأَخْذِ الْبَيْعَةِ مِنْهُمَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ، وَاكْتِتَابِ الشَّرْطِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَهُمَا بِأَشَدِّ الْمَوَاثِيقِ وَالْعُهُودِ وَأَغْلَظِ الْأَيْمَانِ وَالتَّوْكِيدِ، وَأَخَذَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِمَا الْتَمَسَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اجْتِمَاعَ أُلْفَتِهِمَا وَمَوَدَّتِهِمَا وَتَوَاصُلِهِمَا وَمُكَانَفَتِهِمَا عَلَى حُسْنِ النَّظَرِ لِأَنْفُسِهِمَا وَلِرَعِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّتِي اسْتَرْعَاهُمَا. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَظْهَرَ لِمُحَمَّدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ، وَمَا نَظَرَ فِيهِ لَهُمَا، فَقَبِلَا مَا دَعَاهُمَا إِلَيْهِ، وَكَتَبَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَطْنِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ بِخُطُوطِهِمَا، بِمَحْضَرٍ مِمَّنْ شَهِدَ الْمَوْسِمَ وَأَهْلِ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقُوَّادِهِ وَقُضَاتِهِ وَحَجَبَةِ الْكَعْبَةِ وَشَهَادَاتِهِمْ عَلَيْهِمَا كِتَابَيْنِ اسْتَوْدَعَهُمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْحَجَبَةَ، وَأَمَرَ بِتَعْلِيقِهِمَا فِي دَاخِلِ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا فَرَغَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ أَمَرَ قُضَاتَهُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِمَا، وَحَضَرُوا كِتَابَيْهِمَا، أَنْ يُعْلِمُوا جَمِيعَ مَنْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ مِنَ الْحَاجِّ وَالْعُمَّارِ وَوُفُودِ الْأَمْصَارِ مَا شَهِدُوا عَلَيْهِ مِنْ شَرْطِهِمَا وَكِتَابَيْهِمَا لِيَعْرِفُوا ذَلِكَ وَيُؤَدُّوهُ إِلَى إِخْوَانِهِمْ وَأَهْلِ بُلْدَانِهِمْ. فَفَعَلُوا، وَقُرِئَ عَلَيْهِمُ الشَّرْطَانِ جَمِيعًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَانْصَرَفُوا. وَقَدِ اشْتَهَرَ عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَأَثْبَتُوا الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ، وَعَرَفُوا نَظَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِصَلَاحِهِمْ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَلَمِّ شَعْثِهِمْ وَإِطْفَاءِ جَمْرَةِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَأَعْدَاءِ دِينِهِ. وَقَدْ نَسَخَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذَيْنَكَ الشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ كَتَبَهُمَا مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ فِي أَسْفَلِ كِتَابِهِ هَذَا. وَكَتَبَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ صُبَيْحٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِسَبْعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. وَأَمَرَ هَارُونُ الرَّشِيدُ لِلْمَأْمُونِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ حُمِلَتْ لَهُ مِنَ الرِّقَّةِ إِلَى بَغْدَادَ . فَلَمَّا قَسَّمَ الْأَرْضَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: قَدْ أَحْكَمَ الْمَلِكُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَلْقَى بِأَسْهُمٍ بَيْنَهُمْ، وَعَاقِبَةُ مَا صَنَعَ مَخُوفَةٌ عَلَى الرَّعِيَّةِ.
التاريخ 3036لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي سنة ست وثمانين ومائة سَارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ مِنْ مَرْوَ إِلَى نَسَا لِحَرْبِ أَبِي الْخَصِيبِ، فَحَارَبَهُ، فَقَتَلَهُ وَسَبَى نِسَاءَهُ وَذَرَارِيَهُ، وَاسْتَقَامَتْ خُرَاسَانُ. وَفِيهَا: حَبَسَ الرَّشِيدُ ثُمَامَةَ بْنَ أَشْرَسَ لِوُقُوفِهِ عَلَى كَذِبِهِ فِي أَمْرِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدٍ . وَكَانَتْ بِبَغْدَادَ رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ فِي رَمَضَانَ.
التاريخ 3037لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ أَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَبُو زَيَّانَ أَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَبُو زَيَّانَ حَكَى عَنْهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي أَصْبَغُ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِيكَ كَلَامًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِهِ: لَئِنْ يُخْطِئُ الْإِمَامُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ. تُوُفِّيَ أَصْبَغُ فِي رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ. حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو هِشَامٍ الْعَنْزِيُّ الْكُوفِيُّ، قَاضِي كَرْمَانَ حَسَّانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو هِشَامٍ الْعَنْزِيُّ الْكُوفِيُّ، قَاضِي كَرْمَانَ . وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، رَأَى مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ، وَسَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَالثَّوْرِيَّ، وَرَوَى عَنْهُ عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ. سَلْمٌ الْخَاسِرُ الشَّاعِرُ سَلْمٌ الْخَاسِرُ الشَّاعِرُ هُوَ: سَلْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَمَّادِ بْنِ عَطَاءٍ. يُقَالُ إِنَّهُ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ. وَيُقَالُ: بَلْ مَوْلَى الْمَهْدِيِّ. وَاخْتُلِفَ لِمَ سُمِّيَ الْخَاسِرَ، فَقَالَ الْيَزِيدِيُّ: وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ [وَأَصَابَ مِنْ مَدَائِحِ الْمُلُوكِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ] فَأَنْفَقَهَا كُلَّهَا عَلَى الْأَدَبِ [وَأَهْلِهِ ]. وَحَكَى الْأَصْفَهَانِيُّ: أَنَّهُ وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ مُصْحَفًا فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ طُنْبُورًا. وَذَكَرَ الصُّولِيُّ أَنَّ الرَّشِيدَ قَالَ لَهُ: لِمَ سَمَّيْتَ الْخَاسِرَ ؟ فَقَالَ: بِعْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ مُصْحَفًا وَاشْتَرَيْتُ بِثَمَنِهِ شِعْرَ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَقَدْ رَزَقَنِي اللَّهُ حِفْظَ الْقُرْآنِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: فَأَنْتَ الْآنَ الرَّابِحُ. قَالَ: وَقِيلَ إِنَّهُمْ رَأَوْهُ يَوْمًا فِي سُوقِ الدَّفَاتِرِ وَقَدْ بَاعَ مُصْحَفًا بِشِعْرِ الْأَعْشَى، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: أَنْتَ وَاللَّهِ الْخَاسِرُ. فَبَقِيَتْ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ مُقْتَدِرًا عَلَى الشِّعْرِ بَلَغَ مِنَ اقْتِدَارِهِ أَنَّهُ اخْتَرَعَ شِعْرًا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ، وَأَقَلُّ شِعْرٍ سُمِعَ لِلْعَرَبِ عَلَى حَرْفَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ: يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبُّ فِيهَا وَأَضَعْ فَقَالَ سَلْمُ [الْخَاسِرُ ] لِمُوسَى الْهَادِي شِعْرًا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْهُ: مُوسَى الْمَطَرْ غَيْثٌ بَكَرْ ثُمَّ انْهَمَرْ كَمِ اعْتَسَرْ ثُمَّ اقْتَسَرْ وَكَمْ قَدَرْ ثُمَّ غَفَرْ عَدْلُ السِّيَرْ بَاقِي الْأَثَرْ خَيْرُ الْبَشَرْ فَرْعُ مُضَرْ بَدْرٌ بَدَرْ لِمَنْ نَظَرْ هُوَ الْوَزَرْ لِمَنْ حَضَرْ وَالْمُفْتَخَرْ لِمَنْ غَبَرْ وَالْمُجْتَبِرْ لِمَنْ عَثَرْ وَذَكَرَ الْخَطِيبُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ غَيْرِ مَرْضِيَّةٍ مِنَ الْمُجُونِ وَالْخَلَاعَةِ وَالْفِسْقِ، ثُمَّ تَعَرَّى وَتَرَكَ ذَلِكَ، فَرَقَّتْ حَالُهُ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ، وَرَجَعَ إِلَى شَرِّ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَوَّلًا، فَبَاعَ مُصْحَفًا كَانَ لَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ دَفْتَرًا فِيهِ شِعْرٌ، فَشَاعَ خَبَرُهُ فِي النَّاسَ فَسَمَّوْهُ: سَلْمًا الْخَاسِرَ لِذَلِكَ. وَكَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ، وَكَانَ مِنْ تَلَامِذَةِ بَشَّارٍ، وَصَارَ يَقُولُ أَرَقَّ مِنْ شِعْرِهِ، فَغَضِبَ بَشَّارٌ، وَكَانَ بَشَّارٌ قَدْ قَالَ: مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ لَمْ يَظْفَرْ بِحَاجَتِهِ وَفَازَ بِالطَّيِّبَاتِ الْفَاتِكُ اللَّهِجُ فَقَالَ هُوَ: مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غَمًّا وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسُورُ فَغَضِبَ بَشَّارٌ وَقَالَ: ذَهَبَ وَاللَّهِ بَيْتِي، تَأْخُذُ الْمَعَانِيَ الَّتِي قَدْ تَعِبْتُ فِيهَا فَتَكْسُوهَا أَلْفَاظًا أَخَفَّ مِنْ أَلْفَاظِي ! ؟ لَا أَرْضَى عَنْكَ. فَمَا زَالُوا يَسْأَلُونَهُ حَتَّى رَضِيَ عَنْهُ. وعن الْجَوَّانِيُّ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: كَانَ سَلْمٌ قَدْ كَسَبَ مَالًا بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي مَدَحَ بِهَا الْمَهْدِيَّ، الَّتِي أَوَّلُهَا: حَضَرَ الرَّحِيلُ وَشُدَّتِ الْأَحْدَاجُ وَحَدَا بِهِنَّ مُشَمَّرٌ مِزْعَاجُ شَرِبَتْ بِمَكَّةَ مِنْ ذُرَى بَطْحَائِهَا مَاءَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ فِيهِ مِزَاجُ وَكَانَ الْمَهْدِيُّ أَعْطَى [ هَارُونَ ] بْنَ أَبِي حَفْصَةَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، الَّتِي أَوَّلُهَا: طَرَقَتْكَ زَائِرَةً فَحَيِّ خَيَالَهَا فَأَرَادَ أَنْ يُنْقِصَ سَلْمًا عَنْ هَذِهِ الْجَائِزَةِ، فَحَلَفَ سَلْمٌ أَنْ لَا يَأْخُذَ إِلَّا مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: تُطْرَحُ الْقَصِيدَتَانِ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ حَتَّى يُخَيِّرُوا بِتَقْدِيمِ قَصِيدَتِي، فَأَنْفَذَ لَهُ الْمَهْدِيُّ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى زَمَانِ الرَّشِيدِ قَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي أَوَّلُهَا: قُلْ لِلْمَنَازِلِ بِالْكَثِيبِ الْأَعْفَرِ أَسْقَيْتَ غَادِيَةَ السَّحَابِ الْمُمْطِرِ قَدْ بَايَعَ الثَّقَلَانِ مَهْدِيَّ الْهُدَى لِمُحَمَّدِ ابْنِ زُبَيْدَةَ ابْنَةِ جَعْفَرِ فَحَشَتْ زُبَيْدَةُ فَاهُ دُرًّا، فَبَاعَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَهَذَا حِينَ بَايَعَ الرَّشِيدُ لِمُحَمَّدِ ابْنِ زُبَيْدَةَ. وَمَاتَ سَلْمٌ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ وَقَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ الْمَالِ قِيمَةُ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَوْدَعَهَا أَبَا السَّمْرَاءِ الْغَسَّانِيَّ، فَبَقِيَتْ عِنْدَهُ، وَأَتَى إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ يَوْمَ [الْعِيدِ ] عِنْدَ الرَّشِيدِ وَغَنَّاهُ فَأَطْرَبَهُ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، سَلْ مَا شِئْتَ. قَالَ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي، أَسْأَلُ شَيْئًا لَا يَرْزَأُكَ، قَالَ: مَا هُوَ ؟ قَالَ: مَاتَ سَلْمٌ وَلَيْسَ لَهُ وَارِثٌ، وَقَدْ خَلَّفَ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ عِنْدَ أَبِي السَّمْرَاءِ الْغَسَّانِيِّ، تَأْمُرُهُ بِدَفْعِهَا إِلَيَّ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ فَدَفَعَهَا. وَكَانَ الْجَمَّازُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدِمَ هُوَ وَأَبَوْهُ يَطْلُبَانِ مِيرَاثَ سَلْمٍ. وَأَنَّهُمَا مِنْ قَرَابَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ تَرِكَتَهُ كَانَتْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: تَعَالَى اللَّهُ يَا سَلْمُ بْنَ عُمَرَ وَذَلَّ الْحِرْصُ أَعْنَاقَ الرِّجَالِ غَضِبَ سَلْمٌ وَقَالَ: يَزْعُمُ أَنِّي حَرِيصٌ، فَقَالَ يَرُدُّ عَلَيْهِ: مَا أَقْبَحَ التَّزْهِيدَ مِنْ وَاعِظٍ يُزَهِّدُ النَّاسَ وَلَا يَزْهَدُ لَوْ كَانَ فِي تَزْهِيدِهِ صَادِقًا أَضْحَى وَأَمْسَى بَيْتُهُ الْمَسْجِدَ وَرَفَضَ الدُّنْيَا فَلَمْ يَلْقَهَا وَلَمْ يَكُ يَسْعَى وَيَسْتَرْفِدُ [يَخَافُ أَنْ تَنْفَذَ أَرْزَاقُهُ وَالرِّزْقُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَنْفَدُ ] وَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ عَلَى مَا تَرَى يَنَالُهُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ كُلًّا يُوَفَّى رِزْقَهُ كَامِلًا مَنْ كَفَّ عَنْ جُهْدٍ وَمَنْ يَجْهَدُ قَالَ أَبُو هَفَّانَ: وَصَلَ إِلَى سَلْمٍ مِنَ الْبَرَامِكَةِ خَاصَّةً عِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَمِنَ الرَّشِيدِ مِثْلُهَا. شُقْرَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْإِفْرِيقِيُّ شُقْرَانُ بْنُ عَلِيٍّ الْإِفْرِيقِيُّ ، صَاحِبُ الْفَرَائِضِ. كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، بِعِبَادَتِهِ يُضْرَبُ الْمَثَلُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ بْنِ وَاقِدٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ، الْكِلَابِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ بْنِ وَاقِدٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ، الْكِلَابِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ. سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ مُعَاذٍ، وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَهُشَيْمَ بْنَ بَشِيرٍ، وَابْنَ عُلَيَّةَ، وَغَيْرَهُمْ. وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْكِسَائِيِّ. رَوَى عَنْهُ: الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُمَا. وَكَانَ فَوْقَ الثِّقَةِ. الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ ] الْعَبَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [بْنِ ] الْعَبَّاسِ . كَانَ مِنْ رِجَالَاتِ بَنِي هَاشِمٍ، وَوَلِيَ إِمْرَةَ الْجَزِيرَةِ أَيَّامَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ رَأْيًا، وَكَانَ الرَّشِيدُ يَقُولُ: عَمِّي الْعَبَّاسُ. يُذَكِّرُنَا أَسْلَافَنَا. وعن أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وُلِّيَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ - الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْعَبَّاسِيَّةُ - الْجَزِيرَةَ، وَصَارَ إِلَى الرِّقَّةِ، وَأَمَرَ الرَّشِيدُ فَفُرِشَ لَهُ فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ، وَاتُّخِذَتْ لَهُ فِيهِ الْآلَاتُ وَشُحِنَ بِالرَّقِيقِ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ خَمْسَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بِبَغْدَادَ فِي رَجَبٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْأَمِينُ، وَدُفِنَ فِي الْعَبَّاسِيَّةِ وَسِنُّهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا. وعن أَبُو سَلَمَةَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ: إِنِّي أَتَيْتُكَ لِحَاجَةٍ صَغِيرَةٍ. فَقَالَ لَهُ: اطْلُبْ لَهَا رَجُلًا صَغِيرًا. يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى يَقْطِينُ بْنُ مُوسَى. كَانَ أَحَدَ الدُّعَاةِ إِلَى دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَانَ حَازِمًا دَاهِيَةً، وَلَمَّا حَبَسَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامَ تَحَيَّرَتِ الشِّيعَةُ فَلَمْ تَدْرِ مَنِ الْإِمَامُ بَعْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ يَقْطِينُ: أَنَا أُعْلِمُكُمْ. فَمَضَى إِلَى الشَّامِ فَوَقَفَ لِمَرْوَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا رَجُلٌ تَاجِرٌ، قَدِمْتُ بِمَتَاعٍ، فَأُدْخِلْتُ إِلَى هَيْئَةٍ فَابْتَاعَهُ مِنِّي، وَلَمْ يَزَلْ يُسَوِّفُنِي بِثَمَنِهِ، حَتَّى جَاءَتْ رُسُلُكَ فَحَبَسَتْهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَتَأْخُذَ لِي بِحَقِّي. فَقَالَ مَرْوَانُ لِبَعْضِ خَدَمِهِ: يَا غُلَامُ، امْضِ مَعَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَقُلْ لَهُ أَخْرِجْ لِهَذَا مِنْ حَقِّهِ. فَمَضَى مَعَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِلَى مَتَى تَمْطُلُنِي وَمَنْ أَمَرْتَ بِدَفْعِ مَالِي إِلَيَّ ؟. فَقَالَ: إِلَى ابْنِ الْحَارِثِيَّةِ. فَعَادَ إِلَى الشِّيعَةِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ هُوَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. وَبِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ. وَأَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِسَلَمِيَّةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي رَجَبٍ، وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي السَّفَّاحِ وَالْمَنْصُورِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ يُونُسَ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْحَجِّ بِالْيَمَامَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ الْفَقِيهُ بِبَغْدَاذَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ رَاشِدُ مَوْلَى عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ الْمَغْرِبَ مَعَ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ، وَقَامَ بَعْدَهُ بِأَمْرِ الْبَرْبَرِ أَبُو خَالِدٍ يَزِيدُ بْنُ إِلْيَاسَ ).
التاريخ 3038لا حكم مسجّل
مَهْلِكُ الْبَرَامِكَةِ وفِي سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ كَانَ مَقْتَلُ الرَّشِيدِ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيَّ ، وَدَمَارُ دِيَارِهِمْ وَانْدِثَارُ آثَارِهِمْ، وَذَهَابُ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ فَقَالَ بَخْتِيشُوعُ: إِنِّي لَقَاعِدٌ فِي مَجْلِسِ الرَّشِيدِ إِذْ طَلَعَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، وَكَانَ يَدْخُلُ بِلَا إِذْنٍ، فَلَمَّا صَارَ بِالْقُرْبِ مِنَ الرَّشِيدِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْهِ رَدًّا ضَعِيفًا، فَعَلِمَ يَحْيَى أَنَّ أَمْرَهُمْ قَدْ تَغَيَّرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ الرَّشِيدُ فَقَالَ: يَا بَخْتِيشُوعُ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ فِي مَنْزِلِكَ أَحَدٌ بِلَا إِذْنِكَ ؟ فَقُلْتُ: لَا، وَلَا يَطْمَعُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا بَالُنَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بِلَا إِذْنٍ. فَقَامَ يَحْيَى فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدَّمَنِي اللَّهُ قَبْلَكَ، وَاللَّهِ مَا ابْتَدَأْتُ ذَلِكَ السَّاعَةَ، وَمَا هُوَ إِلَّا شَيْءٌ خَصَّنِي بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَفَعَ بِهِ ذِكْرِي حَتَّى إِنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ وَهُوَ فِي فِرَاشِهِ، وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَرِهَ مَا كَانَ يُحِبُّ، وَإِذْ عَلِمْتُ فَإِنِّي أَكُونُ فِي الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ وَالثَّالِثَةِ إِنْ أَمَرَنِي سَيِّدِي بِذَلِكَ. قَالَ: فَاسْتَحَى، وَكَانَ مِنْ أَرَقِّ الْخُلَفَاءِ وَجْهًا، وَعَيْنَاهُ فِي الْأَرْضِ، مَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ. ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَدْتُ مَا تَكْرَهُ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ. وَخَرَجَ يَحْيَى. وَقَالَ ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ: رَفَعَ مُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ رِسَالَةً إِلَى الرَّشِيدِ يَعِظُهُ فِيهَا وَيَقُولُ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ لَا يُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَقَدْ جَعَلْتَهُ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أَنْتَ إِذَا وَقَفْتَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَسَأَلَكَ عَمَّا عَمِلْتَ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، فَقُلْتَ: اسْتَكْفَيْتُ يَحْيَى أُمُورَ عِبَادِكَ. أَتُرَاكَ تَحْتَجُّ بِحُجَّةٍ يَرْضَاهَا. مَعَ كَلَامٍ فِيهِ تَوْبِيخٌ وَتَقْرِيعٌ، فَدَعَى الرَّشِيدُ يَحْيَى وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ خَبَرُ الرِّسَالَةِ، فَقَالَ: تَعْرِفُ مُحَمَّدَ بْنَ اللَّيْثِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَيُّ الرِّجَالِ هُوَ ؟ قَالَ: مُتَّهَمٌ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَأَمَرَ بِهِ، فَوُضِعَ فِي الْحَبْسِ دَهْرًا، فَلَمَّا تَنَكَّرَ الرَّشِيدُ لِلْبَرَامِكَةِ ذَكَرَهُ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، فَأُحْضِرَ فَقَالَ لَهُ بَعْدَ مُخَاطَبَةٍ طَوِيلَةٍ: يَا مُحَمَّدُ، أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: تَقُولُ هَذَا ! ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَضَعْتَ رِجْلِي فِي الْأَكْبَالِ، وَحُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعِيَالِ بِلَا ذَنْبٍ أَتَيْتُ، وَلَا حَدَثٍ أَحْدَثْتُ، سِوَى قَوْلِ حَاسِدٍ يَكِيدُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَيُحِبُّ الْإِلْحَادَ وَأَهْلَهُ، فَكَيْفَ أُحِبُّكَ ؟ قَالَ: صَدَقْتَ. وَأَمَرَ بِإِطْلَاقِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ قَدْ ذَهَبَ مَا فِي قَلْبِي. فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأُحْضِرَتْ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتُحِبُّنِي ؟ قَالَ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، قَدْ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ، وَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ. قَالَ: انْتَقَمَ اللَّهُ مِمَّنْ ظَلَمَكَ، وَأَخَذَ لَكَ بِحَقِّكَ مِمَّنْ بَعَثَنِي عَلَيْكَ. قَالَ: فَقَالَ النَّاسُ فِي الْبَرَامِكَةِ، فَأَكْثَرُوا، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا ظَهَرَ مِنْ تَغَيُّرِ حَالِهِمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ مَوْلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: دَخَلَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الرَّشِيدِ، فَقَامَ الْغِلْمَانُ إِلَيْهِ فَقَالَ الرَّشِيدُ لِمَسْرُورٍ [الْخَادِمِ ]: مُرِ الْغِلْمَانَ أَنْ لَا يَقُومُوا إِلَيْهِ إِذَا دَخَلَ. فَدَخَلَ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَارْبَدَّ لَوْنُهُ، وَكَانَ الْغِلْمَانُ وَالْحُجَّابُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا رَأَوْهُ أَعْرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ رُبَّمَا اسْتَسْقَى الشَّرْبَةَ فَلَا يَسْقُونَهُ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ: مَنْ قَالَ إِنَّ الرَّشِيدَ قَتَلَ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى بِغَيْرِ سَبَبِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ فَلَا تُصَدِّقْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ دَفَعَ يَحْيَى إِلَى جَعْفَرٍ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ دَعَى بِهِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ فَأَجَابَهُ إِلَى أَنْ قَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي وَلَا تَتَعَرَّضْ أَنْ يَكُونَ خَصْمَكَ غَدًا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَوَاللَّهِ مَا أَحْدَثْتُ حَدَثًا، وَلَا آوَيْتُ مُحْدِثًا. فَرَقَّ لَهُ وَقَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ مِنْ بِلَادِ اللَّهِ. قَالَ: وَكَيْفَ أَذْهَبُ وَلَا آمَنُ أَنْ أُؤْخَذَ بَعْدَ قَلِيلٍ. فَأُرَدَّ إِلَيْكَ أَوْ عَلَى غَيْرِكَ. فَوَجَّهَ إِلَيْهِ مَنْ أَدَّاهُ إِلَى مَأْمَنِهِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ مِنْ عَيْنٍ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَاصِّ خَدَمِهِ، فَدَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ فَأَخْبَرَهُ، فَأَرَاهُ أَنَّهُ لَا يَعْبَأُ بِخَبَرِهِ وَقَالَ: مَا أَنْتَ وَهَذَا، لَا أُمَّ لَكَ، فَلَعَلَّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِي. فَانْكَسَرَ الْفَضْلُ، وَجَاءَهُ جَعْفَرٌ فَدَعَا بِالْغَدَاءِ فَأَكَلَا، وَجَعَلَ يُلْقِمُهُ وَيُحَادِثُهُ، إِلَى أَنْ كَانَ آخِرَ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا أَنْ قَالَ: مَا فَعَلَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: بِحَالِهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَبْسِ الضَّيِّقِ وَالْأَكْبَالِ الثَّقِيلَةِ. فَقَالَ: بِحَيَاتِي ! فَأَحْجَمَ جَعْفَرٌ، وَكَانَ مِنْ أَرَقِّ الْخَلْقِ ذِهْنًا، وَأَصَحِّهِمْ فِكْرًا، فَهَجَسَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: لَا وَحَيَاتِكَ يَا سَيِّدِي، وَلَكِنْ أَطْلَقْتُهُ وَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا حَيَاةَ بِهِ، وَلَا مَكْرُوهَ عِنْدَهُ. قَالَ: نَعَمْ مَا فَعَلْتَ، مَا عَدَوْتَ مَا كَانَ فِي نَفْسِي. فَلَمَّا خَرَجَ أَتْبَعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى كَادَ يَتَوَارَى عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ بِسَيْفِ الْهُدَى عَلَى عَمَلِ الضَّلَالَةِ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ. فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. وَقَالَ إِدْرِيسُ بْنُ بَدْرٍ: عَرَضَ رَجُلٌ لِلرَّشِيدِ فَقَالَ: نَصِيحَةً، فَقَالَ لِهَرْثَمَةَ: خُذْ إِلَيْكَ الرَّجُلَ وَسَلْهُ عَنْ نَصِيحَتِهِ. فَسَأَلَهُ فَأَبَى أَنْ يُخْبِرَهُ وَقَالَ: هِيَ سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ الْخَلِيفَةِ. فَأَخْبَرَ هَرْثَمَةُ الرَّشِيدَ فَقَالَ لَهُ: لَا تَبْرَحْ بِالْبَابِ حَتَّى أَفْرُغَ لَهُ. فَلَمَّا كَانَ فِي الْهَاجِرَةِ، وَانْصَرَفَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، دَعَا بِهِ، فَقَالَ: أَخْلِنِي. فَالْتَفَتَ هَارُونُ إِلَى بَنِيهِ فَقَالَ: انْصَرِفُوا يَا فِتْيَانُ. فَوَثَبُوا، وَبَقِيَ خَاقَانُ وَحُسَيْنٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا الرَّجُلُ فَقَالَ: تَنَحَّيَا عَنَّا. فَفَعَلَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ: هَاتِ مَا عِنْدَكَ. فَقَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنَنِي. قَالَ: عَلَى أَنْ أُؤَمِّنَكَ وَأُحْسِنَ إِلَيْكَ. قَالَ: كُنْتُ بِحُلْوَانَ فِي خَانٍ مِنْ خَانَاتِهَا، فَإِذَا أَنَا بِيَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي دُرَّاعَةِ صُوفٍ غَلِيظَةٍ وَكِسَاءِ صُوفٍ أَخْضَرَ غَلِيظٍ، وَإِذَا مَعَهُ جَمَاعَةٌ يَنْزِلُونَ إِذَا نَزَلَ، وَيَرْحَلُونَ إِذَا رَحَلَ، وَيَكُونُونَ مِنْهُ بِرَصَدٍ، يُوهِمُونَ مَنْ رَآهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ وَهُمْ أَعْوَانُهُ، وَمَعَ [كُلِّ ] وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْشُورٌ يَأْمَنُ لَهُ إِنْ عُرِضَ لَهُ. قَالَ: تَعْرِفُ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَعْرِفُهُ قَدِيمًا، وَذَلِكَ الَّذِي حَقَّقَ مَعْرِفَتِي بِهِ بِالْأَمْسِ. قَالَ: فَصِفْهُ. قَالَ: مَرْبُوعٌ، أَسْمَرُ، رَقِيقُ الْبَشَرَةِ، أَجْلَحُ، حَسَنُ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمُ الْبَطْنِ. قَالَ: صَدَقْتَ هُوَ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَرَأَيْتُ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِهِ أَعْرِفُهُ قَدِيمًا جَالِسًا عَلَى بَابٍ بِالْخَانِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَتَاهُ بِثَوْبٍ غَسِيلٍ، فَأَلْقَاهُ فِي عُنُقِهِ، وَنَزَعَ الْجُبَّةَ الصُّوفَ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنُ اللَّهُ جَزَاءَكَ، وَشَكَرَ سَعْيُكَ، فَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ هَذِهِ الدَّوْلَةِ، وَأَصْلِي مِنْ مَرْوٍ، وَمَوْلِدِي مَدِينَةُ السَّلَامِ. قَالَ: فَمَنْزِلُكَ بِهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ احْتِمَالُكَ لِمَكْرُوهٍ تُمْتَحَنُ بِهِ فِي طَاعَتِي ؟ قَالَ: أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ أَحَبَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: كُنْ بِمَكَانِكَ حَتَّى أَرْجِعَ. فَدَخَلَ حُجْرَةً كَانَتْ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَأَخْرَجَ كِيسًا فِيهِ أَلْفَا دِينَارٍ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ وَدَعْنِي وَمَا أُدَبِّرُ فِيكَ. فَأَخَذَهَا وَضَمَّ عَلَيْهَا ثِيَابَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ. فَأَجَابَهُ خَاقَانُ وَحُسَيْنٌ، فَقَالَ: اصْفَعَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ، فَصَفَعَاهُ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ صَفْعَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجَاهُ إِلَى مَنْ بَقِيَ فِي الدَّارِ وَعِمَامَتُهُ فِي عُنُقِهِ، فَقُولَا: هَذَا جَزَاءُ مَنْ يَسْعَى بِبِطَانَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَائِهِ ! فَفَعَلَا ذَلِكَ وَتَحَدَّثُوا بِخَبَرِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ الرَّجُلِ أَحَدٌ، وَلَا بِمَا أَلْقَى إِلَى الرَّشِيدِ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ الْبَرَامِكَةِ مَا كَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْبَرَامِكَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ إِبْطَالَ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ وَإِظْهَارَ الزَّنْدَقَةِ. وَقِيلَ: بِسَبَبِ الْعَبَّاسَةِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ ذَكَرَهُ. رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الرَّشِيدَ سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَهْلَكَ الْبَرَامِكَةَ فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ قَمِيصِي يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَحْرَقْتُهُ. وَقَدْ كَانَ جَعْفَرٌ يَدْخُلُ عَلَى الرَّشِيدِ بِغَيْرِ إِذْنٍ حَتَّى كَانَ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْفِرَاشِ مَعَ حَظَايَاهُ، وَهَذِهِ وَجَاهَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ، وَكَانَ مِنْ أَحْظَى الْعُشَرَاءِ عَلَى الشَّرَابِ - فَإِنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ فِي أَوَاخِرِ مُلْكِهِ الْمُسْكِرَ، وَكَأَنَّهُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ - وَكَانَ أَحَبَّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ أُخْتُهُ الْعَبَّاسَةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ يُحْضِرُهَا مَعَهُ، وَجَعْفَرٌ الْبَرْمَكِيُّ حَاضِرٌ أَيْضًا، فَزَوَّجَهُ بِهَا لِيَحِلَّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأْهَا، فَكَانَ الرَّشِيدُ رُبَّمَا قَامَ وَتَرَكَهُمَا وَهُمَا ثَمِلَانِ مِنَ الشَّرَابِ، فَرُبَّمَا وَاقَعَهَا جَعْفَرٌ فَاتَّفَقَ حَمْلُهَا مِنْهُ فَوَلَدَتْ وَلَدًا، وَبَعْثَتْهُ مَعَ بَعْضِ جَوَارِيهَا إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُرَبَّى بِهَا. سبب آخر في مقتل جعفر البرمكي وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ فِي " الْوَفَيَاتِ " صِفَةً أُخْرَى فِي مَقْتَلِ جَعْفَرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا زَوَّجَ الرَّشِيدُ جَعْفَرًا مِنَ الْعَبَّاسَةِ أَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَرَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ مِنْ خَشْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاحْتَالَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تُهْدِي إِلَيْهِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ جَارِيَةً حَسْنَاءَ بِكْرًا فَقَالَتْ لِأُمِّهِ: أَدْخِلِينِي عَلَيْهِ فِي صِفَةِ جَارِيَةٍ مِنْ تِلْكَ الْجَوَارِي فَهَابَتْ مِنْ تِلْكَ، فَتَهَدَّدَتْهَا حَتَّى فَعَلَتْ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يَتَحَقَّقُ وَجْهَهَا مِنْ مَهَابَةِ الرَّشِيدِ، فَوَاقَعَهَا فَقَالَتْ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ خَدِيعَةَ بَنَاتِ الْمُلُوكِ. فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْعَبَّاسَةُ. وَحَمَلَتْ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ فَقَالَ لَهَا. بِعْتِينِي وَاللَّهِ بِرَخِيصٍ. ثُمَّ إِنَّ وَالِدَهُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ جَعَلَ يُضَيِّقُ عَلَى عِيَالِ الرَّشِيدِ فِي النَّفَقَةِ، حَتَّى شَكَتْهُ إِلَى الرَّشِيدِ زُبَيْدَةُ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَفْشَتْ لَهُ سِرَّ الْعَبَّاسَةِ، فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ أَرْسَلَتْ بِهِ إِلَى مَكَّةَ حَجَّ عَامَهُ ذَلِكَ حَتَّى تَحَقَّقَ الْأَمْرَ. وَيُقَالُ: إِنَّ بَعْضَ الْجَوَارِي نَمَّتْ عَلَيْهَا إِلَى الرَّشِيدِ، وَأَخْبَرَتْهُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ، وَأَنَّ الْوَلَدَ بِمَكَّةَ، وَعِنْدَهُ جَوَارٍ وَمَعَهُ أَمْوَالٌ وَحُلِيٌّ كَثِيرٌ، فَلَمْ يُصَدِّقْ حَتَّى حَجَّ فِي السَّنَةِ الْحَالِيَّةِ، فَكَشَفَ عَنِ الْحَالِ، فَإِذَا هُوَ كَمَا ذَكَرَتْ تِلْكَ الْجَارِيَةُ. وَقَدْ حَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْوَزِيرُ، وَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْغَضَبَ مِنَ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَعْبَةِ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ عَنِّي سَلْبُ مَالِيَ وَوَلَدِي وَأَهْلِي فَافْعَلْ ذَلِكَ بِي، وَأَبْقِ عَلَيَّ مِنْهُمُ الْفَضْلَ. ثُمَّ خَرَجَ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ رَجَعَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ وَالْفَضْلُ مَعَهُمْ، فَإِنِّي رَاضٍ بِرِضَاكَ عَنِّي وَلَا تَسْتَثْنِ مِنْهُمْ أَحَدًا. وَسُمِعَ أَيْضًا يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ: اللَّهُمَّ إِنَّ ذُنُوبِي جَمَّةٌ عَظِيمَةٌ لَا يُحْصِيهَا غَيْرُكَ. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تُعَاقِبُنِي فَاجْعَلْ عُقُوبَتِي بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنْ أَحَاطَ ( ذَلِكَ بِسَمْعِي ) وَبَصَرِي وَوَلَدِي وَمَالِي، حَتَّى يَبْلُغَ رِضَاكَ، وَلَا تَجْعَلْ عُقُوبَتِي فِي الْآخِرَةِ. فَاسْتُجِيبَ لَهُ. فَلَمَّا قَفَلَ الرَّشِيدُ مِنَ الْحَجِّ صَارَ إِلَى الْحِيرَةِ، ثُمَّ رَكِبَ فِي السُّفُنِ إِلَى الْعُمْرِ مِنْ أَرْضِ الْأَنْبَارِ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ سَلْخَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ أَرْسَلَ مَسْرُورًا الْخَادِمَ، وَمَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَالِمٍ أَبُو عِصْمَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ فَأَطَافُوا بِجَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى لَيْلًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ، وَعِنْدَهُ بُخْتَيَشُوعُ الْمُتَطَبِّبُ، وَأَبُو زَكَّارٍ الْأَعْمَى الْمُغَنِّي الْكَلْوَذَانِيُّ، وَهُوَ فِي أَمْرِهِ، وَأَبُو زَكَّارٍ يُغَنِّيهِ: فَلَا تَبْعَدْ فَكُلُّ فَتًى سَيَأْتِي عَلَيْهِ الْمَوْتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي فَقَالَ الْخَادِمُ لَهُ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، هَذَا الْمَوْتُ قَدْ طُرَقَكَ، أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَامَ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَ قَدَمَيْهِ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ، أَنْ يَدْخُلَ إِلَى أَهْلِهِ، فَيُوصِيَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَمَّا الدُّخُولُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، فَأَوْصَى جَعْفَرٌ وَأَعْتَقَ جَمَاعَةً مِنْ مَمَالِيكِهِ، وَجَاءَتْ رُسُلُ الرَّشِيدِ تَسْتَحِثُّ الْخَادِمَ، فَأَخْرَجَهُ إِخْرَاجًا عَنِيفًا يَقُودُهُ، حَتَّى أَتَى الْمَنْزِلَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرَّشِيدُ فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِ حِمَارٍ، وَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ بِمَا كَانَ فَعَلَ، فَأَمَرَهُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَجَاءَ إِلَى جَعْفَرٍ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِرَأْسِكَ، فَقَالَ: يَا أَبَا هَاشِمٍ، لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَكْرَانُ، فَإِذَا صَحَا عَاتَبَكَ عَلَى ذَلِكَ، فَعَاوِدْهُ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَعَلَّكَ مَشْغُولٌ. فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ ! ائْتِنِي بِرَأْسِهِ. فَكَرَّرَ عَلَيْهِ جَعْفَرٌ الْمُعَاوَدَةَ، فَقَالَ لَهُ: بَرِئْتُ مِنَ الْمَهْدِيِّ لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِرَأْسِهِ لَأَبْعَثَنَّ مَنْ يَأْتِينِي بِرَأْسِكَ وَرَأْسِهِ. فَرَجَعَ إِلَى جَعْفَرٍ، فَحَزَّ رَأْسَهُ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ، فَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ الْبُرُدَ فِي الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْبَرَامِكَةِ جَمِيعِهِمْ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِسَبِيلٍ فَأُخِذُوا كُلُّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَحَبَسَ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ فِي مَنْزِلِهِ، وَحَبَسَ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى فِي مَنْزِلٍ آخَرَ، وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَالْمَوَالِي، وَالْحَشَمِ، وَالْخَدَمِ، وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، وَبَعَثَ الرَّشِيدُ بِرَأْسِ جَعْفَرٍ وَجُثَّتِهِ، ثُمَّ قُطِعَتْ بِاثْنَيْنِ، فَنُصِبَ الرَّأْسُ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَعْلَى، وَشِقُّ الْجُثَّةِ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَسْفَلِ، وَشِقُّهَا الْآخَرُ عِنْدَ الْجِسْرِ الْآخَرِ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَنُودِيَ فِي بَغْدَادَ أَنْ لَا أَمَانَ لِلْبَرَامِكَةِ وَلَا لِمَنْ آوَاهُمْ، إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ بَيْنِ الْبَرَامِكَةِ لِنُصْحِهِ لِلْخَلِيفَةِ. مقتل أنس بن أبي شيخ وَأَتَى الرَّشِيدُ بِأَنَسِ بْنِ أَبِي شَيْخٍ - وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ مُصَاحِبًا لِجَعْفَرٍ الْبَرْمَكِيِّ - وَذَلِكَ لَيْلَةَ قُتِلَ جَعْفَرٌ، فَدَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كَلَامٌ، فَأَخْرَجَ الرَّشِيدُ سَيْفًا مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِهِ، وَجَعَلَ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتٍ قِيلَ فِي أَنَسٍ قَبْلَ ذَلِكَ: تَلَمَّظَ السَّيْفُ مِنْ شَوْقٍ إِلَى أَنَسٍ فَالسَّيْفُ يَلْحَظُ وَالْأَقْدَارُ تَنْتَظِرُ فَضُرِبَتْ عُنُقُ أَنَسٍ، فَسَبَقَ السَّيْفُ الدَّمَ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبٍ. فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ السَّيْفَ كَانَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ. وَشُحِنَتِ السُّجُونُ بِالْبَرَامِكَةِ، وَاسْتُلِبَتْ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا. وَقَدْ كَانَ الرَّشِيدُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَتَلَ فِي آخِرِهِ جَعْفَرًا، هُوَ وَإِيَّاهُ رَاكِبَيْنِ فِي الصَّيْدِ، وَقَدْ خَلَا بِهِ دُونَ وُلَاةِ الْعُهُودِ، وَطَيَّبَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْغَالِيَةِ بِيَدِهِ، وَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَوَدَّعَهُ الرَّشِيدُ، ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ خَلْوَتِي بِالنِّسَاءِ مَا فَارَقْتُكَ، فَاذْهَبْ إِلَى مَنْزِلِكَ وَاشْرَبْ وَاطْرَبْ لِتَكُونَ عَلَى مِثْلِ حَالِي. فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَشْتَهِي ذَلِكَ إِلَّا مَعَكَ. فَانْصَرَفَ عَنْهُ جَعْفَرٌ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ بَعْضُهُ حَتَّى أَوْقَعَ بِهِ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّكَالِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ السَّبْتِ آخَرَ لَيْلَةٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا مُسْتَهَلُّ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. وَكَانَ عُمْرُ جَعْفَرٍ إِذْ ذَاكَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ بِقَتْلِهِ قَالَ: قَتَلَ اللَّهُ ابْنَهُ. وَلَمَّا قِيلَ لَهُ: قَدْ خُرِّبَتْ دَارُكَ. قَالَ: خَرَّبَ اللَّهُ دَوْرَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَى دَارِهِ وَقَدْ هُتِكَتْ سُتُورُهَا، وَاسْتُبِيحَتْ قُصُورُهَا، وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا، قَالَ: هَكَذَا تَقُومُ السَّاعَةُ. وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يُعَزِّيهِ فِيمَا وَقَعَ، فَكَتَبَ جَوَابَ التَّعْزِيَةِ: أَنَا بِقَضَاءِ اللَّهِ رَاضٍ، وَبِالْخِيَارِ عَالِمٌ، وَلَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَّا بِذُنُوبِهِمْ، وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَمَا يَغْفِرُ اللَّهُ أَكْثَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. الحزن على مقتل البرامكة وعن عَلِيُّ بْنُ أَبِي عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مَسْرُورًا قَالَ: اسْتَدْعَانِي الْمَأْمُونُ فَقَالَ لِي: قَدْ أُكْثِرَ عَلَيَّ أَخْبَارُ السِّرِّ بِأَنَّ شَيْخًا يَأْتِي خَرَابَ الْبَرَامِكَةِ فَيَبْكِي وَيَنْتَحِبُ طَوِيلًا ثُمَّ يَنْشُدُ شِعْرًا يَرْثِيهِمْ بِهِ وَيَنْصَرِفُ، فَارْكَبْ أَنْتَ وَدِينَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاسْتَتِرْ بِالْجُدْرَانِ، فَإِذَا جَاءَ وَشَاهَدْتُمَا مَا فَعَلَ وَسَمِعْتُمَا مَا قَالَ فَأْتِيَانِي بِهِ، فَرَكِبْنَا مُغَلِّسِينَ، فَأَتَيْنَا الْمَوْضِعَ فَاخْتَفَيْنَا فِيهِ وَأَبْعَدْنَا الدَّوَابَّ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا بِخَادِمٍ أَسْوَدَ قَدْ أَقْبَلَ وَمَعَهُ كُرْسِيٌّ حَدِيدٌ، فَطَرَحَهُ وَجَاءَ عَلَى أَثَرِهِ كَهْلٌ فَجَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ وَتَلَفَّتَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَبَكَى وَانْتَحَبَ حَتَّى قُلْتُ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: وَلَمَّا رَأَيْتُ السَّيْفَ خَلَّلَ جَعْفَرًا وَنَادَى مُنَادٍ لِلْخَلِيفَةِ فِي يَحْيَى وَذَكَرَ أَبْيَاتًا قَدْ تَقَدَّمَتْ، فَلَمَّا قَامَ قَبَضْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تُرِيدَانِ مِنِّي. قُلْتُ: هَذَا دِينَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا مَسْرُورٌ خَادِمُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ يَسْتَدْعِيكَ فَالْبِسْ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا آمَنُهُ عَلَى نَفْسِي، فَأَمْهِلْنِي حَتَّى أُوصِيَ. قُلْتُ: شَأْنُكَ. فَسِرْنَا مَعَهُ فَوَقَفَ عَلَى دُكَّانِ رَجُلٍ وَاسْتَدْعَى دَوَاةً وَبَيْضَاءَ، فَكَتَبَ فِيهَا وَصِيتَهُ، وَدَفَعَهَا إِلَى خَادِمِهِ، وَسِرْنَا بِهِ، فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ زَبَرَهُ وَقَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ وَبِمَ اسْتَحَقَّ مِنْكَ الْبَرَامِكَةُ مَا تَصْنَعُ. فَقَالَ غَيْرَ هَائِبٍ وَلَا مُحْتَشِمٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِلْبَرَامِكَةِ عِنْدِي أَيَادِيَ خَضْرَاءَ، فَإِنْ أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثْتُهُ بِبَعْضِهَا. فَقَالَ: هَاتِ. فَقَالَ: أَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الدِّمَشْقِيُّ، نَشْأَتُ فِي نِعْمَةٍ فَزَالَتْ حَتَّى أَفْضَتْ إِلَى بَيْعِ دَارِي، وَأَمْلَقْتُ إِلَى [غَيْرِ ] غَايَةٍ، فَأُشِيرَ عَلَيَّ بِقَصْدِ الْبَرَامِكَةِ، فَخَرَجْتُ إِلَى بَغْدَادَ وَمَعِي نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً وَصَبِيًّا، فَدَخَلْتُ بِهِمْ إِلَى [مَسْجِدٍ ] بِبَغْدَادَ، ثُمَّ خَرَجْتُ وَتَرَكْتُهُمْ جِيَاعًا لَا نَفَقَةَ لَهُمْ، فَمَرَرْتُ بِمَسْجِدٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ عَلَيْهِمْ أَحْسَنُ زِيٍّ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ أُرَدِّدُ فِي صَدْرِي مَا أُخَاطِبُهُمْ بِهِ فَتَحِيدُ نَفْسِي عَنْ ذُلِّ السُّؤَالِ، فَإِذَا خَادِمٌ قَدْ أَزْعَجَ الْقَوْمَ، فَقَامُوا فَقُمْتُ مَعَهُمْ، فَدَخَلُوا دَارًا كَبِيرَةً، فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ، فَإِذَا يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ عَلَى دِكَّةٍ وَسَطَ بُسْتَانٍ، فَجَلَسُوا وَجَلَسْتُ، وَكُنَّا مِائَةَ رَجُلٍ وَرَجُلٍ، فَخَرَجَ مِائَةُ خَادِمٍ وَخَادِمٍ، فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِجْمَرَةٌ ذَهَبٌ، فِيهَا قِطْعَةُ عَنْبَرٍ، فَسَجَرُوا الْعُودَ، وَأَقْبَلَ يَحْيَى عَلَى الْقَاضِي فَقَالَ زَوِّجِ ابْنَ عَمِّي هَذَا بِابْنَتِي عَائِشَةَ فَخَطَبَ وَعَقَدَ النِّكَاحَ، فَأَخَذْنَا النِّثَارَ مِنْ فُتَاتِ الْمِسْكِ وَبَنَادِقِ الْعَنْبَرِ وَتَمَاثِيلِ النِّدِّ، فَالْتَقَطَ النَّاسُ وَالْتَقَطَ، ثُمَّ جَاءَنَا الْخَدَمُ فِي يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صِينِيَّةُ فِضَّةٍ، فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ، مَخْلُوطٌ بِالْمِسْكِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَ كُلُّ وَاحِدٍ يَأْخُذُ الدَّنَانِيرَ فِي كُمِّهِ، وَالصِّينِيَّةَ تَحْتَ إِبِطِهِ، وَيَخْرُجُ، فَبَقِيتُ وَحْدِي، لَا أَجْسُرُ أَفْعَلُ ذَلِكَ، فَغَمَزَنِي بَعْضُ الْخَدَمِ وَقَالَ: خُذْهَا [ وَقُمْ ]، فَأَخَذْتُهَا وَقُمْتُ، وَجَعَلْتُ أَمْشِي، وَأَلْتَفِتُ [خَوْفًا مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنِّي، ] وَيَحْيَى يُلَاحِظُنِي مِنْ حَيْثُ لَا أَفْطَنُ، فَلَمَّا قَارَبْتُ السِّتْرَ رُدِدْتُ فَيَئِسَتْ مِنَ الصِّينِيَّةِ، فَجِئْتُ فَأَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ، فَجَلَسْتُ فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِي فَحَدَّثْتُهُ بِقِصَّتِي، فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِمُوسَى. فَجَاءَهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَوْلَادِ النِّعَمِ، قَدْ رَمَتْهُ الْأَيَّامُ بِصَرْفِهَا، فَخُذْهُ وَاخْلِطْهُ بِنَفْسِكَ، فَأَخَذَنِي فَخَلَعَ عَلَيَّ وَأَمَرَ لِي بِحِفْظِ الصِّينِيَّةِ فَكُنْتُ فِي الْعَيْشِ يَوْمِي وَلَيْلَتِي، ثُمَّ اسْتَدْعَى [أَخَاهُ ] الْعَبَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ الْوَزِيرَ سَلَّمَ إِلَيَّ هَذَا، وَأُرِيدُ الرُّكُوبَ إِلَى دَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ الْيَوْمَ. فَكَانَ يَوْمِي مِثْلَ أَمْسِي، وَأَقْبَلُوا يَتَدَاوَلُونِي وَأَنَا قَلِقٌ بِأَمْرِ عِيَالِي، وَلَا أَتَجَاسَرُ أَنْ أَذْكُرَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ أُدْخِلْتُ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ يَوْمِي وَلَيْلَتِي، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ جَاءَنِي خَادِمٌ فَقَالَ: قُمْ إِلَى عِيَالِكَ وَصِبْيَانِكَ. فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، ذَهَبَتِ الصِّينِيَّةُ وَمَا فِيهَا، فَيَا لَيْتَ هَذَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. فَقُمْتُ وَالْخَادِمُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَخْرَجَنِي مِنَ الدَّارِ، فَازْدَادَ يَأْسِي، ثُمَّ أَدْخَلَنِي إِلَى دَارٍ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِنْ جَوَانِبِهَا، وَفِيهَا مِنْ صُنُوفِ الْآلَاتِ وَالْفُرُشِ، فَلَمَّا تَوَسَّطْتُهَا رَأَيْتُ عِيَالِي يَرْتَعُونَ فِيهَا فِي الدِّيبَاجِ وَالسُّتُورِ، وَقَدْ حُمِلَ إِلَيْهِمْ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعَشْرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَسَلَّمَ إِلَيَّ الْخَادِمُ صَكًّا بِضَيْعَتَيْنِ جَلِيلَتَيْنِ، وَقَالَ: هَذِهِ الدَّارُ وَمَا فِيهَا وَالضِّيَاعُ لَكَ. فَأَقَمْتُ مَعَ الْبَرَامِكَةِ فِي أَخْفَضِ عَيْشٍ إِلَى الْآنَ. ثُمَّ قَصَدَنِي عَمْرُو بْنُ مَسْعَدَةَ فِي الضَّيْعَتَيْنِ، فَأَلْزَمَنِي مِنْ خَرَاجِهِمَا مَا لَا يَفِي بِهِ دَخْلُهُمَا، فَكُلَّمَا لَحِقَتْنِي نَائِبَةٌ قَصَدْتُ دُورَهُمْ فَبَكَيْتُهُمْ، فَاسْتَدْعَى الْمَأْمُونُ عَمْرَو بْنَ مَسْعَدَةَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الرَّجُلِ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْهُ، وَيُقَرِّرَ خَرَاجَهُ عَلَى مَا كَانَ فِي أَيَّامِ الْبَرَامِكَةِ. فَبَكَى الرَّجُلُ بُكَاءً شَدِيدًا، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَلَمْ أَسْتَأْنِفْ لَكَ جَمِيلًا ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّ هَذَا مِنْ بَرَكَةِ الْبَرَامِكَةِ. فَقَالَ: امْضِ، فَإِنَّ الْوَفَاءَ مُبَارَكٌ، وَحُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ. مراثي في البرامكة وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنَ الْمَرَاثِي فِي الْبَرَامِكَةِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّقَاشِيِّ - وَيُذْكَرُ أَنَّهَا لِأَبِي نُوَاسٍ -: أَلَانَ اسْتَرَحْنَا وَاسْتَرَاحَتْ رِكَابُنَا وَأَمْسَكَ مَنْ يُجْدِي وَمَنْ كَانَ يَجْتَدِي فَقُلْ لِلْمَطَايَا قَدْ أَمِنْتِ مِنَ السُّرَى وَطَيِّ الْفَيَافِي فَدْفَدًا بَعْدَ فَدْفَدِ وَقُلْ لِلْمَنَايَا قَدْ ظَفِرْتِ بِجَعْفَرٍ وَلَنْ تَظْفَرِي مِنْ بَعْدِهِ بَمُسَوَّدِ وَقُلْ لِلْعَطَايَا بَعْدْ فَضْلٍ تَعَطَّلِي وَقُلْ لِلرَّزَايَا كُلَّ يَوْمٍ تَجَدَّدِي وَدُونَكِ سَيْفًا بَرْمَكِيًّا مُهَنَّدًا أُصِيبَ بِسَيْفٍ هَاشِمِيٍّ مُهَنَّدِ وَقَالَ الرَّقَاشِيُّ وَقَدْ نَظَرَ إِلَى جَعْفَرٍ وَهُوَ عَلَى جِذْعِهِ مَصْلُوبٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا خَوْفُ وَاشٍ وَعَيْنٌ لِلْخَلِيفَةِ لَا تَنَامُ لَطُفْنَا حَوْلِ جِذْعِكَ وَاسْتَلَمْنَا كَمَا لِلنَّاسِ بِالْحَجَرِ اسْتِلَامُ فَمَا أَبْصَرْتُ قُبْلَكَ يَابْنَ يَحْيَى حُسَامًا فَلَّهُ السَّيْفُ الْحُسَامُ عَلَى اللَّذَّاتِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا وَدَوْلَةِ آلِ بَرْمَكٍ السَّلَامُ قَالَ: فَاسْتَدْعَى بِهِ الرَّشِيدُ وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! كَمْ كَانَ يُعْطِيكَ جَعْفَرٌ كُلَّ عَامٍ؟ قَالَ: أَلْفُ دِينَارٍ. فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى وَقَفَتِ امْرَأَةٌ عَلَى حِمَارٍ فَارِهٍ، فَقَالَتْ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ آيَةً فَلَقَدْ كُنْتَ فِي الْمَكَارِمِ غَايَةً. ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: وَلَمَّا رَأَيْتُ السَّيْفَ خَالَطَ جَعْفَرًا وَنَادَى مُنَادٍ لِلْخَلِيفَةِ فِي يَحْيَى بَكَيْتُ عَلَى الدُّنْيَا وَأَيْقَنْتُ أَنَّمَا قُصَارَى الْفَتَى يَوْمًا مُفَارَقَةُ الدُّنْيَا وَمَا هِيَ إِلَّا دَوْلَةٌ بَعْدَ دَوْلَةٍ تُخَوِّلُ ذَا نُعْمَى وَتُعْقِبُ ذَا بَلْوَى إِذَا أَنْزَلَتْ هَذَا مَنَازِلَ رِفْعَةٍ مِنَ الْمُلْكِ حَطَّتْ ذَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى قَالَ ثُمَّ حَرَّكَتْ حِمَارَهَا، فَذَهَبَتْ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ رِيحًا لَا أَثَرَ لَهَا، وَلَا يُعْرَفُ أَيْنَ ذَهَبَتْ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ " أَنَّ جَعْفَرًا كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا: فَنْفَنَةُ. مُغَنِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ، كَانَ مُشْتَرَاهَا عَلَيْهِ بِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْجَوَارِي مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَطَلَبَهَا مِنْهُ الرَّشِيدُ، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الرَّشِيدُ اصْطَفَى تِلْكَ الْجَارِيَةَ، فَأَحْضَرَهَا لَيْلَةً فِي مَجْلِسِ شَرَابِهِ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ جُلَسَائِهِ وَسُمَّارِهِ وَأَحْبَابِهِ، فَأَمَرَ مَنْ مَعَهَا أَنْ يُغَنِّينَ، فَانْدَفَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَغَنِّي، حَتَّى انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إِلَى فَنْفَنَةَ، فَأَمَرَهَا بِالْغِنَاءِ، فَأَسْبَلَتْ دَمْعَهَا وَقَالَتْ: أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا. فَغَضِبَ الرَّشِيدُ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَأَمَرَ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَيْهِ فَقَدْ وَهَبَهَا لَهُ، ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ: لَا تَطَأْهَا. فَفَهِمُوا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ كَسْرَهَا. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْضَرَهَا، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهَا وَأَمَرَهَا بِالْغِنَاءِ، فَامْتَنَعَتْ وَأَرْسَلَتْ دُمُوعَهَا وَقَالَتْ: أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا. فَغَضِبَ الرَّشِيدُ أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَقَالَ: النِّطْعُ وَالسَّيْفُ. وَجَاءَ السَّيَّافُ، فَوَقَفَ عَلَى رَأْسِهَا، وَقَالَ لَهُ: إِذَا أَمَرْتُكَ ثَلَاثًا وَعَقَدْتُ أَصَابِعِي ثَلَاثًا فَاضْرِبْ. ثُمَّ قَالَ لَهَا: غَنِّي. فَبَكَتْ وَقَالَتْ: أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا. فَعَقَدَ أُصْبَعَهُ الْخِنْصَرَ، ثُمَّ أَمَرَهَا الثَّانِيَةَ فَامْتَنَعَتْ، فَعَقَدَ اثْنَتَيْنِ، فَارْتَعَدَ الْحَاضِرُونَ، وَأَشْفَقُوا غَايَةَ الْإِشْفَاقِ، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا يَسْأَلُونَهَا أَنْ لَا تَقْتَلَ نَفْسَهَا، وَأَنْ تُجِيبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْهَا. ثُمَّ أَمَرَهَا الثَّالِثَةَ، فَانْدَفَعَتْ تَغَنِّي: لَمَّا رَأَيْتُ الدِّيَارَ قَدْ دَرَسَتْ أَيْقَنْتُ أَنَّ النَّعِيمَ لَمْ يَعُدْ قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهَا الرَّشِيدُ، وَأَخَذَ الْعُودَ مِنْ يَدِهَا، وَأَقْبَلَ يَضْرِبُ بِهِ وَجْهَهَا، وَرَأْسَهَا حَتَّى تَكَسَّرَ، وَأَقْبَلَتِ الدِّمَاءُ، وَتَطَايَرْنَا مِنْ حَوْلِهَا، وَحُمِلَتِ الْجَارِيَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَمَاتَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ. وَرُوِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَغْرَانِي بِالْبَرَامِكَةِ، فَمَا وَجَدْتُ بَعْدَهُمْ لَذَّةً وَلَا رَاحَةً وَلَا رَخَاءً، وَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي شُوطِرْتُ نِصْفَ عُمْرِي وَمُلْكِي وَأَنِّي تَرَكْتُهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ. بعض من أخبار جعفر البرمكي وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ جَعْفَرًا اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَالْتَفَتَتْ إِلَى بَائِعِهَا وَقَالَتْ لَهُ: اذْكُرِ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْ ثَمَنِي شَيْئًا. فَبَكَى سَيِّدُهَا وَقَالَ: اشْهَدُوا أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا. فَقَالَ جَعْفَرٌ: اشْهَدُوا أَنَّ الثَّمَنَ لَهُ أَيْضًا. قَالَ: وَكَتَبَ إِلَى نَائِبٍ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ; فَقَدْ كَثُرَ شَاكُوكَ، وَقَلَّ شَاكِرُوكَ، فَإِمَّا أَنْ تَعْدِلَ وَإِمَّا أَنْ تَعْتَزِلَ. وَمِنْ أَحْسَنِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ التَّلَطُّفِ فِي إِزَالَةِ هَمِّ الرَّشِيدِ وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مُنَجِّمٌ يَهُودِيٌّ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَحَمَلَ الرَّشِيدُ هَمًّا عَظِيمًا، فَدَخَلَ جَعْفَرٌ فَسَأَلَ: مَا الْخَبَرُ؟ فَأُخْبِرَ بِقَوْلِ الْيَهُودِيِّ لِلْخَلِيفَةِ: أَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْ عَامِهِ هَذَا، فَاسْتَدْعَى جَعْفَرٌ الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ لَهُ: كَمْ وَجَدْتَ بَقِيَ لَكَ مِنَ الْعُمْرِ؟ فَذَكَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً، فَأَقْبَلَ عَلَى الرَّشِيدِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اقْتُلْهُ حَتَّى تَعْلَمَ كَذِبَهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ مَوْتِكَ، كَمَا عَلِمْتَ كَذِبَهُ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ عُمْرِهِ. فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِالْيَهُودِيِّ فَقُتِلَ، وَسُرِّيَ عَنِ الرَّشِيدِ هَمُّهُ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
التاريخ 3039لا حكم مسجّل
قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ [بْنِ عُثْمَانَ ] بْنِ نَهِيكٍ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قُتِلَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. فبَعْدَ مَقْتَلِ الْبَرَامِكَةِ قَتَلَ الرَّشِيدُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ نَهِيكٍ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ: أَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يَذْكُرُ الْبَرَامِكَةَ فَيَبْكِي حُبًّا لَهُمْ، إِلَى أَنْ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الْبُكَاءِ وَدَخَلَ فِي بَابِ طَالِبِي الثَّأْرِ، فَكَانَ إِذَا خَلَا بِجَوَارِيهِ فَشَرِبَ وَسَكِرَ قَالَ: يَا غُلَامُ، سَيْفِي، فَيَجِيءُ غُلَامُهُ بِالسَّيْفِ، فَيَنْتَضِيهِ ثُمَّ يَقُولُ: وَا جَعْفَرَاهُ، وَا سَيِّدَاهُ، وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ قَاتِلَكَ. فَلَمَّا كَثُرَ هَذَا مِنْ فِعْلِهِ جَاءَ ابْنُهُ عُثْمَانُ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ فَأَخْبَرَهُ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ الرَّشِيدَ، فَقَالَ: أَدْخِلْهُ. فَأَدْخَلَهُ فَقَالَ: مَا الَّذِي قَالَ عَنْكَ الْفَضْلُ ؟ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ أَبِيهِ وَفِعْلِهِ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: فَهَلْ سَمِعَ هَذَا أَحَدٌ مَعَكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَادِمُهُ. فَدَعَا خَادِمَهُ سِرًّا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: قَدْ قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَقْتُلَ وَلِيًّا مِنْ أَوْلِيَائِي بِقَوْلِ غُلَامٍ وَخَصِيٍّ، لَعَلَّهُمَا تَوَاصَيَا عَلَى هَذَا. فَأَرَادَ أَنْ يَمْتَحِنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لِلْفَضْلِ: إِذَا حَضَرَ الشَّرَابُ فَادْعُهُ، فَإِذَا شَرِبَ خَلِّنِي وَإِيَّاهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ الْفَضْلُ، فَلَمَّا خَلَا بِهِ الرَّشِيدُ قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، كَيْفَ أَنْتَ وَمَوْضِعُ السِّرِّ مِنْ قَلْبِكَ ؟ قَالَ: يَا سَيِّدِي، أَنَا كَأَحْسَنِ عَبِيدِكَ وَأَطْوَعِ خَدَمِكَ. قَالَ: إِنَّ فِي نَفْسِي أَمْرًا أُرِيدُ أَنْ أُودِعَكَ إِيَّاهُ قَدْ ضَاقَ صَدْرِي، وَأَسْهَدَ لَيْلِي. قَالَ: إِذًا أُخْفِيهِ أَنْ تَعْلَمَهُ نَفْسِي. قَالَ: وَيْحَكَ ! قَدْ نَدِمْتُ عَلَى قَتْلِ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى نَدَامَةً مَا أُحْسِنُ أَنْ أَصِفَهَا، فَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ مُلْكِي، وَأَنَّهُ كَانَ بَقِيَ لِي، فَمَا وَجَدْتُ طَعْمَ النَّوْمِ مُنْذُ فَارَقْتُهُ، وَلَا لَذَّةَ الْعَيْشِ مُنْذُ قَتَلْتُهُ. فَلَمَّا سَمِعَهَا إِبْرَاهِيمُ أَسْبَلَ دَمْعَهُ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْفَضْلِ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ، وَاللَّهِ يَا سَيِّدِي لَقَدْ أَخْطَأْتَ فِي قَتْلِهِ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: قُمْ عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ ! فَقَامَ مَا يَعْقِلُ، فَانْصَرَفَ إِلَى ابْنِهِ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، ذَهَبَتْ وَاللَّهِ نَفْسِي. فَمَا كَانَ إِلَّا ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى قُتِلَ.
التاريخ 3040لا حكم مسجّل
الْقَبْضِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ وَفِي سنة سبع وثمانين ومائة غَضِبَ الرَّشِيدُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَكَانَ مِنْ رُحَّالِ النَّاسِ، فَسَعَى بِأَبِيهِ هُوَ وَقُمَامَةُ كَاتِبُ أَبِيهِ، وَقَالَا لِلرَّشِيدِ: إِنَّهُ يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ، وَيَطْمَعُ فِيهَا. فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ عِنْدَ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَأَحْضَرَهُ يَوْمًا حِينَ سَخِطَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: أَكُفْرًا بِالنِّعْمَةِ، وَجُحُودًا لِجَلِيلِ الْمِنَّةِ وَالتَّكْرِمَةِ ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ بُؤْتُ إِذًا بِالنَّدَمِ، وَتَعَرَّضْتُ لِاسْتِحْلَالِ النِّقَمِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بَغْيُ حَاسِدِنَا، فَنَسِيَ فِيكَ مَوَدَّةَ الْقَرَابَةِ وَتَقْدِيمَ الْوِلَايَةِ، إِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ، وَأَمِينُهُ عَلَى عِتْرَتِهِ، لَكَ عَلَيْهَا فَرْضُ الطَّاعَةِ، وَأَدَاءُ النَّصِيحَةِ، وَلَهَا عَلَيْكَ الْعَدْلُ فِي حُكْمِهَا، وَالْغُفْرَانُ لِذُنُوبِهَا، وَالتَّثَبُّتُ فِي حَادِثِهَا. فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: أَتَضَعُ [ لِي ] مِنْ لِسَانِكَ، وَتَرْفَعُ [ لِي ] مِنْ جَنَانِكَ ؟ هَذَا كَاتِبُكَ قُمَامَةُ يُخْبِرُ بِغِلِّكَ وَفَسَادِ نِيَّتِكَ، فَاسْمَعْ كَلَامَهُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَعْطَاكَ مَا لَيْسَ فِي عِقْدِهِ، وَلَعَلَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَعْضَهَنِي أَوْ يَبْهَتَنِي بِمَا لَمْ يَعْرِفْهُ مِنِّي. فَأُحْضِرَ قُمَامَةُ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: تَكَلَّمْ غَيْرَ هَائِبٍ وَلَا خَائِفٍ ! فَقَالَ: أَقُولُ: إِنَّهُ عَازِمٌ عَلَى الْغَدْرِ بِكَ وَالْخِلَافِ عَلَيْكَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَيْفَ لَا يَكْذِبُ عَلَيَّ مِنْ خَلْفِي [ وَهُوَ ] يَبْهَتُنِي فِي وَجْهِي ؟ فَقَالَ الرَّشِيدُ: فَهَذَا ابْنُكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يُخْبِرُنِي بِعُتُوِّكَ، وَفَسَادِ نِيَّتِكَ، وَلَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَحْتَجَّ عَلَيْكَ لَمْ أَجِدْ أَعْدَلَ مِنْ هَذَيْنِ الِاثْنَيْنِ لَكَ، فَلِمَ تَدْفَعُهُمَا عَنْكَ ؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هُوَ مَأْمُورٌ، أَوْ عَاقٌّ مَجْبُورٌ، فَإِنْ كَانَ مَأْمُورًا فَمَعْذُورٌ، وَإِنْ كَانَ عَاقًّا فَفَاجِرٌ كَفُورٌ، أَخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِعَدَاوَتِهِ، وَحَذَّرَ مِنْهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ فَنَهَضَ الرَّشِيدُ وَهُوَ يَقُولُ: مَا أَمْرُكَ إِلَّا قَدْ وَضَحَ، وَلَكِنِّي لَا أَعْجَلُ، حَتَّى أَعْلَمَ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - فِيكَ، فَإِنَّهُ الْحَكَمُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: رَضِيتُ بِاللَّهِ حَكَمًا، وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَاكِمًا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُؤْثِرَ هَوَاهُ عَلَى رِضَى رَبِّهِ. وَأَحْضَرَهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا آخَرَ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ لَهُ: أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى شُؤْبُوبِهَا قَدْ هَمَعَ، وَعَارَضِهَا قَدْ لَمَعَ، وَكَأَنِّي بِالْوَعِيدِ قَدْ أَوْرَى زِنَادًا يَسْطَعُ، فَأَقْلَعَ عَنْ بَرَاجِمَ بِلَا مَعَاصِمَ، وَرُءُوسٍ بِلَا غَلَاصِمَ، فَمَهْلًا مَهْلًا بَنِي هَاشِمٍ، فَبِي وَاللَّهِ سُهِّلَ لَكُمُ الْوَعِرُ، وَصَفَا لَكُمُ الْكَدِرُ، وَأَلْقَتْ إِلَيْكُمُ الْأُمُورُ أَزِمَّتَهَا، فَنَذَارِ لَكُمْ نَذَارِ قَبْلَ حُلُولِ دَاهِيَةٍ، خَبُوطٍ بِالْيَدِ، لَبُوطٍ بِالرِّجْلِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: اتَّقِ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا وَلَّاكَ مِنْ رَعِيَّتِهِ الَّتِي اسْتَرْعَاكَ، وَلَا تَجْعَلِ الْكُفْرَ مَكَانَ الشُّكْرِ، وَلَا الْعِقَابَ مَوْضِعَ الثَّوَابِ، فَقَدْ نَخَلْتُ لَكَ النَّصِيحَةَ، وَمَحَضْتُ لَكَ الطَّاعَةَ، وَشَدَدْتُ أَوَاخِيَ مُلْكِكَ بِأَثْقَلَ مِنْ رُكْنَيْ يَلَمْلَمَ، وَتَرَكْتُ عَدُوَّكَ مُشْتَغِلًا، فَاللَّهَ اللَّهَ ( فِي ذِي رَحِمِكَ أَنْ تَقْطَعَهُ بَعْدَ أَنْ وَصَلْتَهُ، بِظَنٍّ أَفْصَحَ الْكِتَابُ [ لِي ] بِعِضَهِهِ، أَوْ بِبَغْيِ بَاغٍ يَنْهَسُ اللَّحْمَ، وَيَلِغُ الدَّمَ، فَقَدْ وَاللَّهِ سَهَّلْتُ لَكَ الْوُعُورَ، وَذَلَّلْتُ لَكَ الْأُمُورَ، وَجَمَعْتُ عَلَى طَاعَتِكَ الْقُلُوبَ فِي الصُّدُورِ، فَكَمْ [ مِنْ ] لَيْلِ تَمَامٍ فِيكَ كَابَدْتُهُ، وَمَقَامٍ ضَيِّقٍ [ لَكَ ] قُمْتُهُ، كُنْتُ [ فِيهِ ] كَمَا قَالَ أَخُو بَنِي جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ - يَعْنِي لَبِيدًا -: وَمَقَامٍ ضَيِّقٍ فَرَّجْتُهُ بِبَيَانٍ وَلِسَانٍ وَجَدَلْ لَوْ يَقُومُ الْفِيلُ أَوْ فَيَّالُهُ زَلَّ عَنْ مِثْلِ مَقَامِي وَزَحَلْ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: وَاللَّهِ لَوْلَا إِبْقَائِي عَلَى بَنِي هَاشِمٍ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ. ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى مَحْبِسِهِ. فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الرَّشِيدِ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ الْعَظِيمِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا عَلِمْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ إِلَّا نَاصِحًا، فَعَلَامَ حَبَسْتَهُ ؟ فَقَالَ: بَلَغَنِي عَنْهُ مَا أَوْحَشَنِي، وَلَمْ آمَنْهُ أَنْ يَضْرِبَ بَيْنَ ابْنَيَّ هَذَيْنِ - يَعْنِي الْأَمِينَ وَالْمَأْمُونَ - فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنْ نُطْلِقَهُ مِنَ الْحَبْسِ أَطْلَقْنَاهُ. فَقَالَ: أَمَا إِذْ حَبَسْتَهُ، فَلَسْتُ أَرَى فِي قُرْبِ الْمُدَّةِ أَنْ تُطْلِقَهُ، وَلَكِنْ تَحْبِسُهُ مَحْبَسًا كَرِيمًا. قَالَ: فَإِنِّي أَفْعَلُ. فَأَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَيْهِ، وَيَنْظُرَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَيُوَظِّفَهُ لَهُ، فَفَعَلَ. وَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمَلِكِ مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ الرَّشِيدُ، فَأَخْرَجَهُ الْأَمِينُ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الشَّامِ، فَأَقَامَ بِالرَّقَّةِ، وَجَعَلَ لِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ عَهْدَ اللَّهِ لَئِنْ قُتِلَ وَهُوَ حَيٌّ لَا يُعْطِي الْمَأْمُونَ طَاعَةً أَبَدًا، فَمَاتَ قَبْلَ الْأَمِينِ، وَكَانَ مَا قَالَ لِلْأَمِينِ: إِنْ خِفْتَ فَالْجَأْ إِلَيَّ فَوَاللَّهِ لَأَصُونَنَّكَ. وَقَالَ الرَّشِيدُ يَوْمًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ: مَا أَنْتَ لِصَالِحٍ ! قَالَ: فَلِمَنْ أَنَا ؟ قَالَ: لِمَرْوَانَ الْجَعْدِيِّ. قَالَ: مَا أُبَالِي أَيُّ الْفَحْلَيْنِ غَلَبَ عَلَيَّ. وَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ يَوْمًا إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَرَادَ الْخُرُوجَ عَلَيَّ وَمُنَازَعَتِي فِي الْمُلْكِ، وَعَلِمْتُ ذَلِكَ، فَأَعْلِمْنِي مَا عِنْدَكَ فِيهِ، فَإِنَّكَ إِنْ صَدَقْتَنِي أَعَدْتُكَ إِلَى حَالِكِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا اطَّلَعْتُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، وَلَوِ اطَّلَعْتُ عَلَيْهِ لَكُنْتُ صَاحِبَهُ دُونَكَ، لِأَنَّ مُلْكَكَ كَانَ مُلْكِي، وَسُلْطَانَكَ كَانَ سُلْطَانِي، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ كَانَ فِيهِ عَلَيَّ وَلِيَّ، وَكَيْفَ يَطْمَعُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ مِنِّي، وَهَلْ كَانَ إِذَا فَعَلْتُ بِهِ ذَلِكَ، يَفْعَلُ مَعِي أَكْثَرَ مِنْ فِعْلِكَ ؟ وَأُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَظُنَّ بِي هَذَا الظَّنَّ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُحْتَمَلًا يَسُرُّنِي أَنْ يَكُونَ فِي أَهْلِكَ مِثْلُهُ، فَوَلَّيْتَهُ لَمَّا حَمِدْتَ أَثَرَهُ وَمَذْهَبَهُ، وَمِلْتَ إِلَيْهِ لِأَدَبِهِ وَاحْتِمَالِهِ. فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ بِهَذَا أَعَادَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَنْتَ لَمْ تُقِرَّ عَلَيْهِ قَتَلْتُ الْفَضْلَ ابْنَكَ. فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ مُسَلَّطٌ عَلَيْنَا، فَافْعَلْ مَا أَرَدْتَ. فَأَخَذَ الرَّسُولُ الْفَضْلَ فَأَقَامَهُ، فَوَدَّعَ أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ رَاضِيًا عَنِّي ؟ قَالَ: بَلَى، فَ ؓ. فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمَا فِي ذَلِكَ شَيْئًا جَمَعَهُمَا.
التاريخ 3041لا حكم مسجّل
غَزْوِ الرُّومِ وَفِي سنة سبع وثمانين ومائة دَخَلَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ أَرْضَ الرُّومِ فِي شَعْبَانَ، فَأَنَاخَ عَلَى قُرَّةَ، وَحَصَرَهَا، وَوَجَّهَ الْعَبَّاسَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَحَصَرَ حِصْنَ سِنَانٍ، حَتَّى جَهِدَ أَهْلُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الرُّومُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَسِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ يَرْحَلَ عَنْهُمْ، فَأَجَابَهُمْ وَرَحَلَ عَنْهُمْ صُلْحًا. وَمَاتَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَكَانَ يَمْلِكُ الرُّومَ حِينَئِذٍ امْرَأَةٌ اسْمُهَا رِينِي، فَخَلَعَتْهَا الرُّومُ وَمَلَّكَتْ نِقْفُورَ، وَتَزْعُمُ الرُّومُ أَنَّهُ مِنْ أَوْلَادِ جَفْنَةَ بْنِ غَسَّانَ، وَكَانَ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَ يَلِي دِيوَانَ الْخَرَاجِ، وَمَاتَتْ رِينِي بَعْدَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ مِنْ خَلْعِهَا.
التاريخ 3042لا حكم مسجّل
وَفِي سنة سبع وثمانين ومائة نَقَضَتِ الرُّومُ الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي كَانَ عَقَدَهُ الرَّشِيدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رِينَى مَلِكَةِ الرُّومِ الْمُلَقَّبَةِ أُغُسْطَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّومَ عَزَلُوهَا عَنْهُمْ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ النَّقْفُورَ، وَكَانَ شُجَاعًا، يُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ آلِ جَفْنَةَ، وَإِنَّهُ قَبْلَ الْمُلْكِ كَانَ يَلِي دِيوَانَ الْخَرَاجِ، وَمَلَّكُوا نَقْفُورَ هَذَا عَلَيْهِمْ، فَخَلَعُوا رِينَى وَسَمَلُوا عَيْنَيْهَا، فَكَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ: مِنْ نَقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى هَارُونَ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَلِكَةَ الَّتِي كَانَتْ قَبِلُ أَقَامَتْكَ مُقَامِ الرُّخِّ، وَأَقَامَتْ نَفْسَهَا مُقَامِ الْبَيْدَقِ، فَحَمَلَتْ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِهَا مَا كُنْتَ حَقِيقًا بِحَمْلِ أَمْثَالِهِ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مِنْ ضَعْفِ النِّسَاءِ وَحُمْقِهِنَّ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَارْدُدْ مَا حَصَلَ لَكَ مِنْ أَمْوَالِهَا، وَافْتَدِ نَفْسَكَ، وَإِلَّا فَالسَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الرَّشِيدُ الْكِتَابَ اسْتَفَزَّهُ الْغَضَبُ، حَتَّى لَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يُخَاطِبَهُ، وَتَفَرَّقَ جُلَسَاؤُهُ خَوْفًا مِنْهُ، وَاسْتَدْعَى بِدَوَاةٍ وَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نَقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ، وَالْجَوَابُ مَا تَرَاهُ دُونَ مَا تَسْمَعُهُ، وَالسَّلَامُ. ثُمَّ سَارَ مِنْ يَوْمِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى هِرَقْلَةَ فَفَتَحَ وَغَنِمَ وَأَحْرَقَ وَخَرَّبَ، فَسَأَلَهُ نِقْفُورُ الْمُصَالَحَةَ عَلَى خَرَاجٍ يَحْمِلُهُ كُلَّ سَنَةٍ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ غَزْوَتِهِ وَصَارَ بِالرَّقَّةِ نَقَضَ نِقْفُورُ الْعَهْدَ، وَكَانَ الْبَرْدُ شَدِيدًا، فَأَمِنَ رَجْعَةَ الرَّشِيدِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ بِنَقْضِهِ مَا جَسَرَ أَحَدٌ عَلَى إِخْبَارِ الرَّشِيدِ، خَوْفًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْعَوْدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْبَرْدِ، وَإِشْفَاقًا مِنَ الرَّشِيدِ، فَاحْتِيلَ لَهُ بِشَاعِرٍ مِنْ أَهْلِ جُنْدِهِ، وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَقِيلَ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ التَّمِيمِيُّ، فَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: نَقَضَ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ نِقْفُورُ فَعَلَيْهِ دَائِرَةُ الْبَوَارِ تَدُورُ أَبْشِرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ فَتْحٌ أَتَاكَ بِهِ الْإِلَهُ كَبِيرُ فَتْحٌ يَزِيدُ عَلَى الْفُتُوحِ يَؤُمُّنَا بِالنَّصْرِ فِيهِ لِوَاؤُكَ الْمَنْصُورُ فِي أَبْيَاتٍ غَيْرِهَا. فَلَمَّا سَمِعَ الرَّشِيدُ ذَلِكَ قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ نِقْفُورُ ؟ وَعَلِمَ أَنَّ الْوُزَرَاءَ قَدِ احْتَالُوا لَهُ فِي ذَلِكَ، فَرَجَعَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فِي ( أَشَدِّ زَمَانٍ وَأَعْظَمِ كُلْفَةٍ، حَتَّى بَلَغَ بِلَادَهُمْ )، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى شَفَى وَاشْتَفَى وَبَلَغَ مَا أَرَادَ. وَقِيلَ: كَانَ فِعْلُ نِقْفُورَ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ سَبَبًا لِسَيْرِ الرَّشِيدِ وَفَتْحِ هِرَقْلَةَ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: أَلَا بَادَتْ هِرَقْلَةُ بِالْخَرَابِ مِنَ الْمَلِكِ الْمُوَفَّقِ لِلصَّوَابِ غَدَا هَارُونُ يَرْعَدُ بِالْمَنَايَا وَيَبْرُقُ بِالْمُذَكِّرَةِ الْقَضَّابِ وَرَايَاتٍ يَحِلُّ النَّصْرُ فِيهَا تَمُرُّ كَأَنَّهَا قِطَعُ السَّحَابِ
التاريخ 3043لا حكم مسجّل
مُلْكِ الْفِرِنْجِ مَدِينَةَ تُطِيلَةَ بِالْأَنْدَلُسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَلَكَ الْفِرِنْجُ مَدِينَةَ تُطِيلَةَ بِالْأَنْدَلُسِ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَكَمَ صَاحِبَ الْأَنْدَلُسِ اسْتَعْمَلَ ( عَلَى ثُغُورِ الْأَنْدَلُسِ قَائِدًا كَبِيرًا مِنْ أَجْنَادِهِ، اسْمُهُ عَمْرُوسُ بْنُ يُوسُفَ، فَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ يُوسُفَ ) عَلَى تُطِيلَةَ، وَكَانَ قَدِ انْهَزَمَ مِنَ الْحَكَمِ أَهْلُ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْدَلُسِ أُولُو قُوَّةٍ وَبَأْسٍ، لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ، فَالْتَحَقُوا بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَوِيَ أَمْرُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ شَوْكَتُهُمْ، وَتَقَدَّمُوا إِلَى مَدِينَةِ تُطِيلَةَ فَحَصَرُوهَا، وَمَلَكُوهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَسَرُوا أَمِيرَهَا يُوسُفَ بْنَ عَمْرُوسٍ، وَسَجَنُوهُ بِصَخْرَةِ قَيْسٍ. وَاسْتَقَرَّ عَمْرُوسُ بْنُ يُوسُفَ بِمَدِينَةِ سَرَقُسْطَةَ لِيَحْفَظَهَا مِنَ الْكُفَّارِ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَيَّرَهَا مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَلَقِيَ الْمُشْرِكِينَ، وَقَاتَلَهُمْ، فَفَضَّ جَمْعَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَنَجَا الْبَاقُونَ مَنْكُوبِينَ، وَسَارَ الْجَيْشُ إِلَى صَخْرَةِ قَيْسٍ، فَحَصَرُوهَا وَافْتَتَحُوهَا، وَلَمْ يَقْدِرِ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْعِهَا مِنْهُمْ، لِمَا نَالَهُمْ مِنَ الْوَهْنِ بِالْهَزِيمَةِ، وَلَمَّا فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ خَلَّصُوا يُوسُفَ بْنَ عَمْرُوسٍ أَمِيرَ الثَّغْرِ، وَسَيَّرُوهُ إِلَى أَبِيهِ، وَعَظُمَ أَمْرُ عَمْرُوسٍ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَبَعُدَ صَوْتُهُ فِيهِمْ، وَأَقَامَ فِي الثَّغْرِ أَمِيرًا عَلَيْهِ.
التاريخ 3044لا حكم مسجّل
إِيقَاعِ الْحَكَمِ بِأَهْلِ قُرْطُبَةَ كَانَ الْحَكَمُ فِي صَدْرِ وِلَايَتِهِ تَظَاهَرَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَالِانْهِمَاكِ فِي اللَّذَّاتِ، وَكَانَتْ قُرْطُبَةُ دَارَ عِلْمٍ، وَبِهَا فُضَلَاءُ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ، مِنْهُمْ: يَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ، رَاوِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْهُ، وَغَيْرُهُ، فَثَارَ أَهْلُ قُرْطُبَةَ، وَأَنْكَرُوا فِعْلَهُ، وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمْ بِمَنْ حَضَرَ مِنَ الْجُنْدِ، وَسَكَنَ الْحَالُ. ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ اجْتَمَعَ وُجُوهُ أَهْلِ قُرْطُبَةَ وَفُقَهَاؤُهَا، وَحَضَرُوا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْقُرَشِيِّ الْمَرْوَانِيِّ، عَمِّ هِشَامِ بْنِ حَمْزَةَ، وَأَخَذُوا لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَعَرَّفُوهُ أَنَّ النَّاسَ قَدِ ارْتَضَوْهُ كَافَّةً، فَاسْتَنْظَرَ لَيْلَةً لِيَرَى رَأْيَهُ، وَيَسْتَخِيرَ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - فَانْصَرَفُوا، فَحَضَرَ عِنْدَ الْحَكَمِ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى الْحَالِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ عَلَى بَيْعَتِهِ، فَطَلَبَ الْحَكَمُ تَصْحِيحَ الْحَالِ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ مَعَهُ بَعْضَ ثِقَاتِ الْحَكَمِ، وَأَجْلَسَهُ فِي قُبَّةٍ فِي دَارِهِ، وَأَخْفَى أَمْرَهُ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ الْقَوْمُ يَسْتَعْلِمُونَ مِنْهُ هَلْ تَقَلَّدَ أَمْرَهُمْ أَمْ لَا، فَأَرَاهُمُ الْمَخَافَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَظَّمَ الْخَطْبَ عَلَيْهِمْ، وَسَأَلَهُمْ تِعْدَادَ أَسْمَائِهِمْ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَذَكَرُوا لَهُ جَمِيعَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ، وَصَاحِبُ الْحَكَمِ يَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ: يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ. وَمَشَى إِلَى الْحَكَمِ مَعَ صَاحِبِهِ، فَأَعْلَمَاهُ جَلِيَّةَ الْحَالِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، فَمَا أَتَى عَلَيْهِ اللَّيْلُ حَتَّى حَبَسَ الْجَمَاعَةَ الْمَذْكُورِينَ عَنْ آخِرِهِمْ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَصُلِبُوا عِنْدَ قَصْرِهِ، وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: أَخُو يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَابْنُ أَبِي كَعْبٍ، وَكَانَ يَوْمُهُمْ يَوْمًا شَنِيعًا، فَتَمَكَّنَتْ عَدَاوَةُ النَّاسِ لِلْحَكَمِ.
التاريخ 3045لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سنة سبع وثمانين ومائة ثَارَتِ الْعَصَبِيَّةُ أَيْضًا بِالشَّامِ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ مَنْصُورِ بْنِ زِيَادٍ فَأَصْلَحَ بَيْنِهِمْ. وَفِيهَا كَانَتْ زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ بِالْمِصِّيصَةِ، فَانْهَدَمَ بَعْضُ سُورِهَا، وَنَضَبَ مَاؤُهُمْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ . وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ السَّلَامِ بِآمِدَ، فَحَكَّمَ، فَقَتَلَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْعُقَيْلِيُّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ.
التاريخ 3046لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة سبع وثمانين ومائة مِنَ الْأَعْيَانِ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ أَبُو الْفَضْلِ الْبَرْمَكِيُّ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ أَبُو الْفَضْلِ الْبَرْمَكِيُّ الْوَزِيرُ ابْنُ الْوَزِيرِ، وَقَدْ وَلَّاهُ الرَّشِيدُ الشَّامَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْبِلَادِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الرَّشِيدَ بَعَثَهُ إِلَى دِمَشْقَ لَمَّا ثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنِ الْعِشْرَيْنِ بَحُورَانَ بَيْنَ قَيْسٍ وَيَمَنٍ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا أَنْشَئُوهُ فِي الْإِسْلَامِ، كَانَ خَامِدًا فَأَثَارُوهُ فِي هَذَا الْأَوَانِ، فَلِمَا قَدِمَ جَعْفَرٌ بِجَيْشِهِ خَمَدَتِ الشُّرُورُ وَظَهَرَ السُّرُورُ، وَقِيلَتْ فِي ذَلِكَ أَشْعَارٌ حِسَانٌ قَدْ ذَكَرَهَا فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ " تَارِيخِهِ " فَمِنْهَا: لَقَدْ أُوقِدَتْ فِي الشَّامِ نِيرَانُ فِتْنَةٍ فَهَذَا أَوَانُ الشَّامِ تُخْمَدُ نَارُهَا إِذَا جَاشَ مَوْجُ الْبَحْرِ مِنْ آلِ بَرْمَكٍ عَلَيْهَا خَبَتْ شُهْبَانُهَا وَشِرَارُهَا رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِجَعْفَرٍ وَفِيهِ تَلَاقَى صَدْعُهَا وَانْجِبَارُهَا رَمَاهَا بِمَيْمُونِ النَّقِيبَةِ مَاجِدٍ تَرَاضَى بِهِ قَحْطَانُهَا وَنِزَارُهَا هُوَ الْمَلِكُ الْمَأْمُولُ لِلَّبِرِّ وَالتُّقَى وَصَوْلَاتُهُ لَا يُسْتَطَاعُ خِطَارُهَا وَزِيرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَسَيْفُهُ وَمُدْيَتُهُ وَالْحَرْبُ تَدْمَى شِفَارُهَا وَمَنْ تُطْوَ أَسْرَارُ الْخَلِيفَةِ دُونَهُ فَعِنْدَكَ مَأْوَاهَا وَأَنْتَ قَرَارُهَا إِذَا مَا ابْنُ يَحْيَى جَعْفَرٌ قَصَدَتْ لَهُ مُلِمَّاتُ خَطْبٍ لَمْ تَرُعْهُ كِبَارُهَا لَقَدْ نَشَأَتْ بِالشَّامِ مِنْكَ غَمَامَةٌ يُؤْمَلُ جَدْوَاهَا وَيُخْشَى دَمَارُهَا وَهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ، اقْتَصَرْنَا مِنْهَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَكَانَتْ لَهُ فَصَاحَةٌ وَبَلَاغَةٌ وَكَرَمٌ زَائِدٌ، كَانَ أَبُوهُ قَدْ ضَمَّهُ إِلَى الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ، فَتَفَقَّهُ عَلَيْهِ، وَصَارَ لَهُ اخْتِصَاصٌ بِالرَّشِيدِ، وَقَدْ وَقَّعَ لَيْلَةً بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ زِيَادَةً عَلَى أَلْفِ تَوْقِيعٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عَنْ مُوجَبِ الْفِقْهِ. وَقَدْ رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَاتِبِ الْوَحْيِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا كَتَبْتَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَبَيِّنِ السِّينَ فِيهِ ". رَوَاهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ: قَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى لِلرَّشِيدِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لِي أَبِي يَحْيَى: إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ فَأَعْطِ ; فَإِنَّهَا لَا تَفْنَى، وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْكَ فَأَعْطِ ; فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى. قَالَ جَعْفَرٌ: وَأَنْشَدَنَا أَبِي: لَا تَبْخَلَنَّ لِدُنْيَا وَهْيَ مُقْبِلَةٌ فَلَيْسَ يَنْقُصُهَا التَّبْذِيرُ وَالسَّرَفُ فَإِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا فَالْحَمْدُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَتْ خَلَفُ مكانة جعفر البرمكي عند الرشيد قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: وَقَدْ كَانَ جَعْفَرٌ مِنْ عُلُوِّ الْقَدْرِ وَنَفَاذِ الْأَمْرِ وَعِظَمِ الْمَحَلِّ وَجَلَالَةِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الرَّشِيدِ بِحَالَةٍ انْفَرَدَ بِهَا، وَلَمْ يُشَارَكْ فِيهَا، وَكَانَ سَمْحَ الْأَخْلَاقِ، طَلْقَ الْوَجْهِ، ظَاهِرَ الْبِشْرِ. فَأَمَّا جُودُهُ وَسَخَاؤُهُ وَبَذْلُهُ وَعَطَاؤُهُ فَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ، وَكَانَ أَيْضًا مِنْ ذَوِي الْفَصَاحَةِ الْمَذْكُورِينَ وَالْبَلَاغَةِ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ مُهَذَّبٍ حَاجِبِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، صَاحِبِ قَطِيعَةِ الْعَبَّاسِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ، أَنَّهُ أَصَابَتْهُ ضَائِقَةٌ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُطَالِبُونَ، وَعِنْدَهُ سَفَطٌ فِيهِ جَوْهَرٌ شِرَاؤُهُ عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَحَمَلَهُ إِلَى جَعْفَرٍ لِيَبِيعَهُ مِنْهُ، فَاشْتَرَاهُ بِثَمَنِهِ وَوَزَنَ لَهُ أَلْفَ أَلْفٍ، وَقَبَضَ مِنْهُ السَّفَطَ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِذَا السَّفَطُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَيْهِ لِيَشْكُرَهُ، فَوَجَدَهُ مَعَ أَخِيهِ الْفَضْلِ عَلَى بَابِ الرَّشِيدِ يَسْتَأْذِنَانِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: إِنِّي قَدْ ذَكَرْتُ أَمْرَكَ لِلْفَضْلِ، وَقَدْ أَمَرَ لَكَ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَمَا أَظُنُّهَا إِلَّا قَدْ سَبَقَتْكَ إِلَى أَهْلِكَ، وَسَأُفَاوِضُ فِيكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا دَخَلَ ذَكَرَ أَمْرَهُ وَمَا لَحِقَهُ مِنَ الدُّيُونِ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ جَعْفَرٌ لَيْلَةً فِي سَمَرِهِ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَتِ الْخُنْفُسَاءُ، حَتَّى رَكِبَتْ ثِيَابَ الرَّجُلِ، فَأَلْقَاهَا عَنْهُ جَعْفَرٌ. وَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّ مَنْ قَصَدَتْهُ الْخُنْفُسَاءُ يُبَشَّرُ بِمَالٍ يُصِيبُهُ. فَأَمَرَ لَهُ جَعْفَرٌ بِأَلْفِ دِينَارٍ. ثُمَّ عَادَتِ الْخُنْفُسَاءُ، فَرَجَعَتْ إِلَى الرَّجُلِ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ أُخْرَى. وَحَجَّ مَرَّةً مَعَ الرَّشِيدِ، فَلَمَّا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ: انْظُرْ جَارِيَةً أَشْتَرِيهَا تَكُونُ فَائِقَةً فِي جَمَالِهَا وَغِنَائِهَا وَذَكَائِهَا. فَفَتَّشَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ جَارِيَةً عَلَى النَّعْتِ، فَطَلَبَ سَيِّدُهَا فِيهَا مَالًا كَثِيرًا عَلَى أَنْ يَرَاهَا جَعْفَرٌ، فَذَهَبَ جَعْفَرٌ إِلَى مَنْزِلِ سَيِّدِهَا، فَلَمَّا رَآهَا أُعْجِبَ بِهَا، فَلَمَّا غَنَّتْهُ أَعْجَبَتْهُ أَكْثَرَ، فَسَاوَمَ صَاحِبَهَا فِيهَا، وَقَالَ: قَدْ أَحْضَرْنَا مَالًا فَإِنْ أَعْجَبَكَ وَإِلَّا زِدْنَاكَ. فَقَالَ لَهَا سَيِّدُهَا: إِنِّي كُنْتُ فِي نِعْمَةٍ، وَكُنْتِ عِنْدِي فِي غَايَةِ السُّرُورِ وَالسِّعَةِ، وَإِنَّهُ قَدِ انْقَبَضَ عَلَيَّ حَالِي، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَبِيعَكَ لِهَذَا الْمَلِكِ، لِتَكُونِي عِنْدَهُ كَمَا كُنْتِ عِنْدِي. فَقَالَتْ: يَا سَيِّدِي، وَاللَّهِ لَوْ مَلَكْتُ مِنْكَ مَا مَلَكْتَ مِنِّي لَمْ أَبِعْكَ بِالدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَأَيْنَ مَا كُنْتَ عَاهَدْتَنِي أَنْ لَا تَبِيعَنِي، وَلَا تَأْكُلَ ثَمَنِي؟! فَقَالَ سَيِّدُهَا لِجَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ نَهَضَ جَعْفَرٌ، وَقَامَ أَصْحَابُهُ، وَأَمَرُوا الْحَمَّالَ أَنْ يَحْمِلَ الدَّرَاهِمَ، فَقَالَ جَعْفَرٌ: وَاللَّهِ لَا تَتْبَعُنِي. وَقَالَ لِلرَّجُلِ: قَدْ مَلَّكْتُكَهَا. فَأَنْفِقْهَا عَلَى أَهْلِكَ. وَذَهَبَ وَتَرَكَهُ. هَذَا وَقَدْ كَانَ يُبَخَّلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَخِيهِ الْفَضْلِ، إِلَّا أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ مَالًا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدِهِ أَنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ جَعْفَرٌ وَجَدُوا لَهُ فِي جَرَّةٍ أَلْفَ دِينَارٍ، زِنَةُ كُلِّ دِينَارٍ مِائَةُ دِينَارٍ، مَكْتُوبٌ عَلَى صَفْحَةِ الدِّينَارِ الْوَاحِدَةُ جَعْفَرٌ، وَالْأُخْرَى: وَأَصْفَرَ مِنْ ضَرْبِ دَارِ الْمُلُوكِ يَلُوحُ عَلَى وَجْهِهِ جَعْفَرُ يَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَاحِدًا مَتَى تُعْطِهِ مُعْسِرًا يُوسِرُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْمُعَلَّى الرَّاوِيَةُ: كَتَبَتْ عِنَانُ جَارِيَةُ النَّاطِفِيِّ إِلَى جَعْفَرٍ تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ لِأَبِيهِ يَحْيَى أَنْ يُشِيرَ عَلَى الرَّشِيدِ بِشِرَائِهَا، وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ مِنْ شَعْرِهَا فِي جَعْفَرٍ: يَا لَائِمِي جَهْلًا أَلَا تُقْصِرُ مَنْ ذَا عَلَى حَرِّ الْهَوَى يَصْبِرُ لَا تَلْحَنِي إِذَا شَرِبْتُ الْهَوَى صَرْفًا فَمَمْزُوجُ الْهَوَى سُكْرُ أَحَاطَ بِيَ الْحُبُّ فَخَلْفِي لَهُ بَحْرٌ وَقُدَّامِي لَهُ أَبْحُرُ تُخْفِقُ رَايَاتِ الْهَوَى بِالرَّدَى فَوْقِي وَحَوْلِي لِلْهَوَى عَسْكَرُ سِيَّانَ عِنْدِي فِي الْهَوَى لَائِمٌ أَقَلَّ فِيهِ وَالَّذِي يَكْثُرُ أَنْتَ الْمُصَفَّى مِنْ بَنِي بَرْمَكٍ يَا جَعْفَرَ الْخَيْرَاتِ يَا جَعْفَرُ لَا يَبْلُغُ الْوَاصِفُ فِي وَصْفِهِ مَا فِيكَ مِنْ فَضْلٍ وَلَا يَعْشُرُ مَنْ وَفَّرَ الْمَالَ بِأَعْرَاضِهِ فَجَعْفَرٌ أَعْرَاضُهُ أَوْفَرُ دِيبَاجَةُ الْمُلْكِ عَلَى وَجْهِهِ وَفِي يَدَيْهِ الْعَارِضُ الْمُمْطِرُ سَحَّتْ عَلَيْنَا مِنْهُمَا دِيمَةٌ يَنْهَلُّ مِنْهَا الذَّهَبُ الْأَحْمَرُ لَوْ مَسَحَتْ كَفَّاهُ جُلْمُودَةً أَنْضَرَ فِيهَا الْوَرَقُ الْأَخْضَرُ لَا يَسْتَتِمُّ الْمَجْدُ إِلَّا فَتًى يَصْبِرُ لِلْبَذْلِ كَمَا يَصْبِرُ يَهْتَزُّ تَاجُ الْمُلْكِ مِنْ فَوْقِهِ فَخْرًا وَيُزْهِي تَحْتَهُ الْمِنْبَرُ أَشْبَهَهُ الْبَدْرُ إِذَا مَا بَدَا أَوْ غُرَّةٌ فِي وَجْهِهِ تُزْهِرُ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَبَدْرُ الدُّجْى فِي وَجْهِهِ أَمْ وَجْهُهُ أَنْوَرُ يَسْتَمْطِرُ الزُّوَّارُ مِنْكَ النَّدَى وَأَنْتَ بِالزُّوَّارِ تَسْتَبْشِرُ وَكَتَبَتْ تَحْتَ أَبْيَاتِهَا حَاجَتَهَا، فَرَكِبَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى أَبِيهِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِشِرَائِهَا، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَشْتَرِيهَا وَقَدْ قَالَ فِيهَا الشُّعَرَاءُ فَأَكْثَرُوا، وَاشْتَهَرَ أَمْرُهَا، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا أَبُو نُوَاسٍ: إِنَّ عِنَانَ النِّطَافَ جَارِيَةٌ أَصْبَحَ حِرُّهَا لِلنَّيْكِ مَيْدَانَا لَا يَشْتَرِيهَا إِلَّا ابْنُ زَانِيَةٍ أَوْ قَلْطَبَانٌ يَكُونُ مَنْ كَانَا وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ قَالَ: بِتُّ لَيْلَةً مَعَ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَانْتَبَهَ مِنْ مَنَامِهِ يَبْكِي مَذْعُورًا، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ شَيْخًا جَاءَ فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيْ هَذَا الْبَابِ وَقَالَ: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ قَالَ فَأَجَبْتُهُ: بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأَبَادَنَا صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودُ الْعَوَاثِرُ قَالَ ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ: فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْمُقْبِلَةُ قَتَلَهُ الرَّشِيدُ، وَنَصَبَ رَأَّسَهُ عَلَى الْجِسْرِ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّشِيدُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَتَأَمَّلَهُ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: تَقَاضَاكَ دَهْرُكَ مَا أَسْلَفَا وَكَدَّرَ عَيْشَكَ بَعْدَ الصَّفَا فَلَا تَعْجَبَنَّ فَإِنَّ الزَّمَانَ رَهِينٌ بِتَفْرِيقِ مَا أَلَّفَا قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى جَعْفَرٍ، وَقُلْتُ: أَمَا لَئِنْ أَصْبَحْتَ آيَةً، فَلَقَدْ كُنْتُ فِي الْخَيْرِ غَايَةً. قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ الرَّشِيدُ كَأَنَّهُ جَمَلٌ صَئُولٌ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: مَا يُعْجِبُ الْعَالَمَ مِنْ جَعْفَرٍ مَا عَايَنُوهُ فَبِنَا كَانَا مَنْ جَعْفَرٌ أَوْ مَنْ أَبُوهُ وَمَنْ كَانَتْ بَنُو بَرْمَكٍ لَوْلَانَا ثُمَّ حَوَّلَ وَجْهَ فَرَسِهِ وَانْصَرَفَ. وعن عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الْإِسْكَافِيَّ قَالَ: كَانَ أَحْمَدُ بْنُ الْجُنَيْدِ الْإِسْكَافِيُّ وَكَانَ أَخَصَّ النَّاسِ بِجَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ، وَكَانَ النَّاسُ يَقْصِدُونَهُ فِي حَوَائِجِهِمْ إِلَى جَعْفَرٍ، وَإِنَّ رِقَاعَ النَّاسِ كَثُرَتْ فِي خُفِّ أَحْمَدَ بْنِ الْجُنَيْدِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تَهَيَّأَتْ لَهُ الْخَلْوَةُ بِجَعْفَرٍ فَقَالَ لَهُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فَدَاكَ، قَدْ كَثُرَتْ رِقَاعُ النَّاسِ مَعِي وَأَشْغَالُكَ كَثِيرَةٌ، وَأَنْتَ الْيَوْمَ خَالٍ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَنْظُرَ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: عَلَى أَنْ تُقِيمَ عِنْدِي الْيَوْمَ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَصَرَفَ دَوَابَّهُ وَأَقَامَ، فَلَمَّا تَغَدَّوْا جَاءَهُ بِالرِّقَاعِ، فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: هَذَا وَقْتُ ذَا دَعْنَا الْيَوْمَ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَنْظُرْ فِي الرِّقَاعِ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ خَلَا بِهِ، فَأَذْكَرَهُ [الرِّقَاعَ ]، فَقَالَ: نَعَمْ، عَلَى أَنْ تُقِيمَ عِنْدِي الْيَوْمَ. فَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَفَعَلَ بِهِ مِثْلَ الْفِعْلِ الْأَوَّلِ، حَتَّى فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ أَذْكَرَهُ فَقَالَ: دَعْنِي السَّاعَةَ. وَنَامَا، فَانْتَبَهَ جَعْفَرٌ قَبْلَ أَحْمَدَ، فَقَالَ لِخَادِمٍ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى خُفِّ أَحْمَدَ بْنِ الْجُنَيْدِ فَجِئْنِي بِكُلِّ رُقْعَةٍ فِيهِ، وَانْظُرْ لَا يَعْلَمُ أَحْمَدُ. فَذَهَبَ الْغُلَامُ، وَجَاءَ بِالرِّقَاعِ، فَوَقَّعَ فِيهَا جَعْفَرٌ عَنْ آخِرِهَا بِخَطِّهِ بِمَا أَحَبَّ أَصْحَابُهَا، وَوَكَّدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَمَرَ الْغُلَامَ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى الْخُفِّ، فَرَدَّهَا، فَانْتَبَهَ أَحْمَدُ وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا شَيْئًا، وَانْصَرَفَ أَحْمَدُ، فَرَكِبَ يُعَلِّلُ أَصْحَابَ الرِّقَاعِ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ لِكَاتِبٍ لَهُ: وَيْحَكَ هَذِهِ الرِّقَاعُ قَدْ أَخْلَقَتْ فِي خُفِّي، وَهَذَا لَيْسَ يَنْظُرُ فِيهَا، فَخُذْهَا فَتَصَفَّحْهَا، وَجَدِّدْ مَا أَخْلَقَ مِنْهَا. فَأَخَذَهَا الْكَاتِبُ، فَنَظَرَ فِيهَا، فَوَجَدَ الرِّقَاعَ مُوَقَّعًا فِيهَا بِمَا سَأَلَ أَصْحَابُهَا، فَتَعَجَّبَ مِنْ كَرَمِهِ وَنُبْلِ أَخْلَاقِهِ، وَمِنْ أَنَّهُ قَضَى حَاجَتَهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ بِهَا لِئَلَّا يَظُنَّ أَنَّهُ اعْتَدَّ بِهَا عَلَيْهِ. وفاة جعفر البرمكي وَقَدْ كَانَ مَقْتَلُ جَعْفَرٍ فِي لَيْلَةِ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ لَهُمْ فِي الْوِزَارَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَدْ دَخَلَتْ عُبَادَةُ أُمُّ جَعْفَرٍ عَلَى أُنَاسٍ فِي يَوْمِ عِيدِ أَضْحَى تَسْتَمْنِحُ مِنْهُمْ جِلْدَ شَاةٍ تَتَدَفَّأُ بِهِ، وَسَأَلُوهَا عَنْ أَمْرِهِمْ: فَقَالَتْ: أَذْكُرُ أَصْبَحْتُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ وَإِنَّ عَلَى رَأْسِي أَرْبَعَمِائَةِ وَصِيفَةٍ، وَإِنِّي لَأَقُولُ: إِنَّ ابْنِي جَعْفَرًا عَاقٌّ بِي. وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ الرَّشِيدِ جَعْفَرًا، وَمَا أَحَلَّ بِالْبَرَامِكَةِ مِنَ النِّقْمَةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ جَعْفَرًا كَانَ قَدْ كَفَانِي مَئُونَةَ الدُّنْيَا فَاكْفِهِ مَئُونَةَ الْآخِرَةِ. وقَالَ أَبُو يَزِيدَ الرَّيَاحِيُّ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ خَشَبَةِ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ أَتَفَكَّرُ فِي زَوَالِ مُلْكِهِ، وَحَالِهِ الَّتِي صَارَ إِلَيْهَا إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ رَاكِبَةٌ لَهَا رِوَاءٌ وَهَيْئَةٌ، فَوَقَفَتْ عَلَى جَعْفَرٍ فَبَكَتْ فَأَحْزَنَتْ، وَتَكَلَّمَتْ فَأَبْلَغَتْ، وَقَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَصْبَحْتَ فِي النَّاسِ آيَةً، لَقَدْ بَلَغْتَ فِيهِمُ الْغَايَةَ، وَلَئِنْ زَالَ مُلْكُكَ، وَخَانَكَ دَهْرُكَ، وَلَمْ يَطُلْ بِكَ عُمْرُكَ، لَقَدْ كُنْتَ الْمَغْبُوطَ حَالًا، النَّاعِمَ بَالًا، يَحْسُنُ بِكَ الْمُلْكُ، فَاسْتَعْظَمَ النَّاسُ فَقْدَكَ إِذْ لَمْ يَسْتَخْلِفُوا مَلِكًا بَعْدَكَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ الصَّبْرَ عَلَى عَظِيمِ الْفَجِيعَةِ وَجَلِيلِ الرَّزِيَّةِ الَّتِي لَا تُسْتَعَاضُ بِغَيْرِكَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَدَاعَ غَيْرِ قَالٍ وَلَا نَاسٍ لِذِكْرِكَ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: الْعَيْشُ بَعْدَكَ مُرٌّ غَيْرُ مَحْبُوبٍ وَمُذْ صُلِبْتَ وَمَقْنَا كُلَّ مَصْلُوبٍ أَرْجُو لَكَ اللَّهَ ذَا الْإِحْسَانِ إِنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَيْنَا وَعَفْوًا غَيْرَ مَحْسُوبٍ ثُمَّ سَكَتَتْ سَاعَةً وَتَأَمَّلَتْهُ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: عَلَيْكَ مِنَ الْأَحِبَّةِ كُلَّ يَوْمٍ سَلَامُ اللَّهِ، مَا ذُكِرَ السَّلَامُ لَئِنْ أَمْسَى صَدَاكَ بِرَأْيِ عَيْنٍ عَلَى خَشَبٍ حَبَاكَ بِهَا الْإِمَامُ فَمِنْ مُلْكٍ إِلَى مَلَكٍ بِرَغْمٍ مِنَ الْأَمْلَاكِ أَسْلَمَكَ الْحِمَامُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الْعُبَّادِ، وَعَلَمُ الزُّهَّادِ، وَوَاحِدُ الْعُلَمَاءِ الْأَوْلِيَاءِ، وُلِدَ بِخُرَاسَانَ بِكَوْرَةِ أَبِيوَرْدَ، وَقَدِمَ الْكُوفَةَ وَهُوَ كَبِيرٌ، فَسَمِعَ الْأَعْمَشَ، وَمَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ وَعَطَاءَ بْنَ السَّائِبِ، وَحُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَغَيْرَهُمْ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَتَعَبَّدَ بِهَا، وَكَانَ حَسَنَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَكَانَ سَيِّدًا كَبِيرَ الشَّأْنِ، ثِقَةً مِنْ أَئِمَّةِ الرِّوَايَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَضِيَ عَنْهُ، وَلَهُ مَعَ الرَّشِيدِ قِصَّةُ مَوْعِظَتِهِ لَهُ، وَقَدْ رُوِّينَا ذَلِكَ مُطَوَّلًا فِي كَيْفِيَّةِ دُخُولِ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ مَنْزِلَهُ، وَمَا قَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ، وَعَرْضِ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ الْمَالَ، فَأَبَى ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ فِي هَذَا الْعَامِ، فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهُ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ شَاطِرًا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، وَكَانَ يَتَعَشَّقُ جَارِيَةً، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهَا جِدَارًا إِذْ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ [ الْحَدِيدِ: 61 ]. فَقَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. وَأَقْلَعَ عَمَّا هُوَ فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى خَرِبَةٍ، فَبَاتَ بِهَا فَسَمِعَ سِفَارًا يَقُولُونَ: إِنَّ فُضَيْلًا أَمَامَكُمْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ. فَأَمَّنَهُمْ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى تَوْبَتِهِ، حَتَّى كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ مِنَ السِّيَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ، ثُمَّ صَارَ عَلَمًا يُقْتَدَى بِهِ وَيُهْتَدَى بِكَلَامِهِ وَفِعَالِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالَ الْفُضَيْلُ: لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا حَلَالٌ لَا أُحَاسَبُ بِهَا، لَكُنْتُ أَتَقَذَّرُهَا كَمَا يَتَقَذَّرُ أَحَدُكُمُ الْجِيفَةَ إِذَا مَرَّ بِهَا أَنْ تُصِيبُ ثَوْبَهُ. وَقَالَ: الْعَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالْإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا. وَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا: مَا أَزْهَدَكَ! فَقَالَ: أَنْتَ أَزْهَدُ مِنِّي ; لِأَنِّي زَهِدْتُ فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَأَنْتَ زَهِدْتَ فِي الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ. وَمِنْ كَلَامِهِ: لَوْ أَنَّ لِي دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً لَدَعَوْتُ بِهَا لِإِمَامِ عَامَّةٍ ; فَإِنَّهُ إِذَا صَلَحَ أَمِنَتِ الْبِلَادُ وَالْعِبَادُ. وَقَالَ: إِنِّي لَأَعْصِي اللَّهَ فَأَعْرِفُ ذَلِكَ فِي خُلِقِ حِمَارِي وَخَادِمِي. وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الْمُلْكِ: 2 ]. قَالَ: يَعْنِي أَخْلَصَهُ وَأَصْوَبَهُ ;إِنَّ الْعَمَلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِلَّهِ، وَصَوَابًا عَلَى مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ. وعن إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ الْفُضَيْلِ حَزِينَةً شَهِيَّةً بَطِيئَةً مُتَرَسِّلَةً، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ إِنْسَانًا، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا ذِكْرُ الْجَنَّةِ تَرَدَّدَ فِيهَا وَسَأَلَ، وَكَانَ يُلْقَى لَهُ حَصِيرٌ بِاللَّيْلِ فِي مَسْجِدِهِ، فَيُصَلِّي مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ سَاعَةً حَتَّى تَغْلِبُهُ عَيْنَاهُ فَيَنَامُ عَلَى الْحَصِيرِ، فَيَنَامُ قَلِيلًا، ثُمَّ يَقُومُ، فَإِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ نَامَ، ثُمَّ يَقُومُ، هَكَذَا حَتَّى يُصْبِحَ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا لَمْ تَقْدِرْ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ فَاعْلَمْ أَنَّكَ مَحْرُومٌ مُكَبَّلٌ، كَبَّلَتْكَ خَطِيئَتُكَ. وعن الْفُضَيْلُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: حَجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَتَانِي فَخَرَجْتُ مُسْرِعًا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ أَتَيْتُكَ. فَقَالَ: وَيْحَكَ ! قَدْ حَكَّ فِي نَفْسِي شَيْءٌ، فَانْظُرْ لِي رَجُلًا أَسْأَلُهُ. فَقُلْتُ: هُنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. فَقَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ. فَأَتَيْنَاهُ فَقَرَعْتُ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ ذَا ؟ قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَخَرَجَ مُسْرِعًا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ أَتَيْتُكَ، فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَحَدَّثَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دَيْنٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَبَا الْعَبَّاسِ، اقْضِ دَيْنَهُ. فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا، انْظُرْ لِي رَجُلًا أَسْأَلُهُ. قُلْتُ: هُنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ. قَالَ: امْضِ بِنَا إِلَيْهِ. فَأَتَيْنَاهُ، فَقَرَعْتُ الْبَابَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَخَرَجَ مُسْرِعًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَرْسَلْتَ إِلَيَّ أَتَيْتُكَ. قَالَ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ. فَحَادَثَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ عَلَيْكَ دَيْنٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَبَا عَبَّاسٍ، اقْضِ دَيْنَهُ. فَلَمَّا خَرَجْنَا قَالَ: مَا أَغْنَى عَنِّي صَاحِبُكَ شَيْئًا، انْظُرْ لِي رَجُلًا أَسْأَلُهُ. قُلْتُ: هُنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ. قَالَ: مُرَّ بِنَا إِلَيْهِ. فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، يَتْلُو آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ، يُرَدِّدُهَا، فَقَالَ: اقْرَعِ الْبَابَ. فَقَرَعْتُ الْبَابَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ فَقُلْتُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مَا لِي وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَمَا عَلَيْكَ طَاعَةٌ، أَلَيْسَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَيْسَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ " ؟ فَنَزَلَ فَفَتَحَ الْبَابَ ثُمَّ ارْتَقَى إِلَى الْغُرْفَةِ، فَأَطْفَأَ الْمِصْبَاحَ، ثُمَّ الْتَجَأَ إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْبَيْتِ، فَدَخَلْنَا فَجَعَلْنَا نَجُولُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا، فَسَبَقَتْ كَفُّ هَارُونَ قَبْلِي إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا لَهَا مِنْ كَفٍّ، مَا أَلْيَنَهَا، إِنْ نَجَتْ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَيُكَلِّمَنَّهُ اللَّيْلَةَ بِكَلَامٍ مِنْ قَلْبٍ نَقِيٍّ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ لِمَا جِئْنَاكَ لَهُ رَحِمَكَ اللَّهُ. قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَةَ دَعَا سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، وَرَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْأَمْرِ فَأَشِيرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَصُمْ [عَنِ ] الدُّنْيَا، وَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ فِيهَا الْمَوْتَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ فَلْيَكُنْ كَبِيرُ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَكَ أَبًا، وَأَوْسَطُهُمْ أَخًا، وَأَصْغَرُهُمْ عِنْدَكَ وَلَدًا، فَوَقِّرْ أَبَاكَ، وَأَكْرِمْ أَخَاكَ، وَتَحَنَّنْ عَلَى وَلَدِكَ. وَقَالَ لَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: إِنْ أَرَدْتَ النَّجَاةَ غَدًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَحِبَّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، ثُمَّ مُتْ إِذَا شِئْتَ، وَإِنِّي أَقُولُ لَكَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَشَدَّ الْخَوْفِ، يَوْمًا تَزِلُّ فِيهِ الْأَقْدَامُ، فَهَلْ مَعَكَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - مَنْ يُشِيرُ عَلَيْكَ بِمِثْلِ هَذَا ؟ فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: ارْفُقْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَا بْنَ أُمِّ الرَّبِيعِ، تَقْتُلُهُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ وَأَرْفُقُ أَنَا بِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلَغَنِي أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ شَكَى إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: يَا أَخِي، أُذَكِّرُكَ اللَّهَ طُولَ سَهَرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ الْأَبَدِ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَنْصَرِفَ بِكَ مَنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْكَ وَانْقِطَاعَ الرَّجَاءِ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ طَوَى الْبِلَادَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ ؟ قَالَ: خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ، لَا أَعُودُ إِلَى وِلَايَةٍ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ الْمُصْطَفَى ﷺ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِّرْنِي عَلَى إِمَارَةٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ الْإِمَارَةَ حَسْرَةٌ وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَكُونَ أَمِيرًا فَافْعَلْ ". قَالَ: فَبَكَى هَارُونُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَقَالَ لَهُ: زِدْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ. قَالَ: يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنْتَ الَّذِي يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَقِيَ هَذَا الْوَجْهَ مِنَ النَّارِ فَإِيَّاكَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ وَفِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَصْبَحَ غَاشًّا لِرَعِيَّتِهِ لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ". فَبَكَى هَارُونُ وَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ دَيْنٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ، دَيْنٌ لِرَبِّي لَمْ يُحَاسِبْنِي عَلَيْهِ، فَالْوَيْلُ لِي إِنْ سَأَلَنِي، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ نَاقَشَنِي، وَالْوَيْلُ لِي إِنْ لَمْ أُلْهَمْ حُجَّتِي. قَالَ: أَعْنِي مِنْ دَيْنِ الْعِبَادِ. قَالَ: إِنَّ رَبِّيَ لَمْ يَأْمُرْنِي بِهَذَا، أَمَرَنِي أَنْ أُوَحِّدَهُ وَأُطِيعَ أَمْرَهُ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ. فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ أَلْفُ دِينَارٍ خُذْهَا أَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ، وَتَقَوَّ بِهَا عَلَى عِبَادَتِكَ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقِ النَّجَاةِ وَأَنْتَ تُكَافِئُنِي بِمِثْلِ هَذَا ؟ سَلَّمَكَ اللَّهُ وَوَفَّقَكَ. ثُمَّ صَمَتَ، فَلَمْ يُكَلِّمْنَا، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا صِرْنَا عَلَى الْبَابِ قَالَ: أَبَا الْعَبَّاسِ، إِذَا دَلَلْتِنِي عَلَى رَجُلٍ فَدُلَّنِي عَلَى مِثْلِ هَذَا، هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ. فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ فَقَالَتْ لَهُ: يَا هَذَا، قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ ضِيقِ الْحَالِ، فَلَوْ قَبِلْتَ هَذَا الْمَالَ فَانْفَرَجْنَا بِهِ. فَقَالَ لَهَا: مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانَ لَهُمْ بَعِيرٌ يَأْكُلُونَ مِنْ كَسْبِهِ، فَلَمَّا كَثُرَ نَحَرُوهُ فَأَكَلُوا لَحْمَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ هَارُونُ هَذَا الْكَلَامَ قَالَ: تَدْخُلُ فَعَسَى يَقْبَلُ الْمَالَ، فَلَمَّا عَلِمَ الْفُضَيْلُ خَرَجَ فَجَلَسَ عَلَى السَّطْحِ عَلَى بَابِ الْغُرْفَةِ، فَجَلَسَ هَارُونُ إِلَى جَنْبِهِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهُ فَلَا يُجِيبُهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ خَرَجَتْ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: يَا هَذَا، قَدْ أَذَيْتَ الشَّيْخَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، فَانْصَرِفْ رَحِمَكَ اللَّهُ. فَانْصَرَفْنَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ الْعَمِّيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْأَمِيرُ بِبِلَادِ الرُّومِ مَعَ الْقَاسِمِ ابْنِ الرَّشِيدِ فِي الصَّائِفَةِ، وَمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَبُو شُعَيْبٍ الْبَرَاثِيُّ أَبُو شُعَيْبٍ الْبَرَاثِيُّ الْعَابِدُ . عن مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: سَمِعْتُ الْجُنَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو شُعَيْبٍ الْبَرَاثِيُّ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ بَرَاثَا فِي كُوخٍ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَمَرَّتْ بِكُوخِهِ جَارِيَةٌ مِنْ بَنَاتِ الْكِبَارِ مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا كَانَتْ رُبِّيَتْ فِي قُصُورِ الْمُلُوكِ، فَنَظَرَتْ إِلَى أَبِي شُعَيْبٍ فَاسْتَحْسَنَتْ حَالَهُ، فَصَارَتْ كَالْأَسِيرِ لَهُ، فَعَزَمَتْ عَلَى التَّجَرُّدِ عَنِ الدُّنْيَا وَالِاتِّصَالِ بِأَبِي شُعَيْبٍ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ وَقَالَتْ: أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ لَكَ خَادِمَةً. فَقَالَ لَهَا: إِنْ أَرَدْتِ ذَلِكَ فَغَيِّرِي مِنْ هَيْئَتِكِ وَتَجَرَّدِي عَمَّا أَنْتِ فِيهِ حَتَّى تَصْلُحِي لِمَا أَرَدْتِ. فَتَجَرَّدَتْ عَنْ كُلِّ مَا تَمْلِكُهُ وَلَبِسَتْ لُبْسَةَ النُّسَّاكِ وَحَضَرَتْهُ فَتَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْكُوخَ رَأَتْ قِطْعَةَ خَصَافٍ وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهَا أَبُو شُعَيْبٍ تَقِيهِ مِنَ النَّدَى، فَقَالَتْ: مَا أَنَا بِمُقِيمَةٍ فِيهَا حَتَّى تُخْرِجَ مَا تَحْتَكَ، لِأَنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: إِنَّ الْأَرْضَ تَقُولُ لِابْنِ آدَمَ: تَجْعَلُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ حِجَابًا وَأَنْتَ غَدًا فِي بَطْنِي، فَمَا كُنْتُ لِأَجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابًا، فَأَخَذَ أَبُو شُعَيْبٍ الْخَصَافَ فَرَمَى بِهِ، فَمَكَثَتْ مَعَهُ سِنِينَ كَثِيرَةً يَتَعَبَّدَانِ أَحْسَنَ عِبَادَةٍ، وَتُوُفِّيَا عَلَى ذَلِكَ مُتَعَاوِنَيْنِ. [قَالَ الْمُصَنِّفُ: ] وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ جَوْهَرَةَ زَوْجَةَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَرَاثِيِّ جَرَى لَهَا نَحْوُ هَذَا. وَعُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ الْكُوفِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو مُسْلِمٍ مُعَاذُ الْهَرَّاءُ النَّحْوِيُّ، وَقِيلَ: كُنْيَتُهُ أَبُو عَلِيٍّ. وَعَنْهُ أَخَذَ الْكِسَائِيُّ النَّحْوَ، ( وَوُلِدَ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ).
التاريخ 3047لا حكم مسجّل
وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ غَزَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جِبْرَائِيلَ الصَّائِفَةَ ، فَدَخَلَ أَرْضَ الرُّومِ مِنْ دَرْبِ الصَّفْصَافِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ نِقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، فَأَتَاهُ مِنْ وَرَائِهِ أَمْرٌ صَرَفَهُ عَنْهُ، وَلَقِيَ جَمْعًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَجُرِحَ ثَلَاثَ جِرَاحَاتٍ، وَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ - فِيمَا قِيلَ - أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَسَبْعُمِائَةٍ. وقَالَ أَبُو الشِّيصِ يَمْدَحُ الرَّشِيدَ عِنْدَ وُرُودِ الْخَبَرِ بِهَزِيمَةِ نَقْفُورَ وَفَتْحِ بَلَدِ الرُّومِ مِنْ قَصِيدَةٍ: شَدَدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُوَى الْمُلْكِ صَدَعْتَ بِفَتْحِ الرُّومِ أَفْئِدَةَ التُّرْكِ قَرَنْتَ بِسَيْفِ اللَّهِ هَامَ عَدُوِّهِ وَطَأْطَأْتَ بِالْإِسْلَامِ نَاصِيَةَ الشِّرْكِ فَأَصْبَحْتَ مَسْرُورًا وَلَا تَعْيَ ضَاحِكًا وَأَصْبَحَ نَقْفُورُ عَلَى مُلْكِهِ يَبْكِي .
التاريخ 3048لا حكم مسجّل
وفي سنة ثمان وثمانين ومائة حَجَّ بِالنَّاسِ الرَّشِيدُ، فَقَسَّمَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَلَقِيَهُ بُهْلُولٌ فِي الطَّرِيقِ، فَوَعَظَهُ. فعَنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: حَجَجْتُ مَعَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَمَرَرْنَا بِالْكُوفَةِ، فَإِذَا بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ يَهْذِي، فَقُلْتُ: اسْكُتْ فَقَدْ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَسَكَتَ، فَلَمَّا حَاذَاهُ الْهَوْدَجُ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بَابِلَ قَالَ: حَدَّثَنَا قُدَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِمِنًى عَلَى جَمَلٍ، وَتَحْتَهُ رَحْلٌ رَثٌّ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ طَرْدٌ وَلَا ضَرْبٌ وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ. قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ، قَالَ: قَدْ عَرَفْتُهُ، قُلْ يَا بُهْلُولُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: فَهَبْ أَنْ قَدْ مَلَكْتَ الْأَرْضَ طُرًّا وَدَانَ لَكَ الْعِبَادُ فَكَانَ مَاذَا أَلَيْسَ غَدًا مَصِيرُكَ جَوْفُ قَبْرٍ وَيَحْثُو التُّرْبَ هَذَا ثُمَّ هَذَا قَالَ: أَجَدْتَ يَا بُهْلُولُ، أَفَغَيْرُهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ جَمَالًا وَمَالًا، فَعَفَّ فِي جَمَالِهِ، وَوَاسَى فِي مَالِهِ، كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْأَبْرَارِ. قَالَ: فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ شَيْئًا، قَالَ: فَإِنَّا قَدْ أَمَرْنَا بِقَضَاءِ دَيْنِكَ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَقْضِ دَيْنًا بِدَيْنٍ، ارْدُدِ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ، وَاقْضِ دَيْنَ نَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ. قَالَ: إِنَّا قَدْ أَمَرْنَا أَنْ نُجْرِيَ عَلَيْكَ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُعْطِيكَ شَيْئًا وَيَنْسَانِي، أَجْرَى عَلَيَّ الَّذِي أَجْرَى عَلَيْكَ، لَا حَاجَةَ لِي فِي جِرَايَتِكَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ بسنده قَالَ: لَمَّا دَخَلَ الرَّشِيدُ إِلَى الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْفُضَيْلُ، ثُمَّ عَرَفَهُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ يَا حَسَنَ الْوَجْهِ، اسْتَكْثِرْ مِنْ زِيَارَةِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَحُجُّ خَلِيفَةٌ بَعْدَكَ. قَالَ الصُّولِيُّ: بسنده عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ مَرَّ بِهِ الرَّشِيدُ بِالْكُوفَةِ مُنْصَرِفًا مِنَ الْحَجِّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ: لَا يَحُجُّ الرَّشِيدُ بَعْدَ هَذِهِ الْحَجَّةِ، وَلَا يَحُجُّ بَعْدَهُ خَلِيفَةٌ أَبَدًا.
التاريخ 3049لا حكم مسجّل
وَفِي سنة ثمان وثمانين ومائة رَابَطَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ بِدَابِقَ.
التاريخ 3050لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ ترجمته . كَانَ عَالِمًا صَاحِبَ سُنَّةٍ، أَسْنَدَ الْحَدِيثَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَالْأَوْزَاعِيِّ. وَتُوُفِّيَ بِالْمِصِّيصَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ. إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَاهَانَ بْنِ بَهْمَنَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَاهَانَ بْنِ بَهْمَنَ، أَبُو إِسْحَاقَ، الْمَعْرُوفُ بِالْمَوْصِلِيِّ. وَهُوَ مِنْ أَرَجَانَ، يُنْسَبُ إِلَى وَلَاءِ الْحَنْظَلِيِّينَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْفُرْسِ. خَرَجَ أَبُوهُ مِنْ أَرَجَانَ بِأُمِّهِ وَهِيَ حَامِلَةٌ بِهِ، فَقَدِمَ الْكُوفَةَ فَوَلَدَتْهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَصَحِبَ بِالْكُوفَةِ فِتْيَانًا فِي طَلَبِ الْغِنَاءِ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْهِ أَخْوَالُهُ فِي ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَى الْمَوْصِلِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَقَالَ لَهُ أَخْوَالُهُ: مَرْحَبًا بِالْفَتَى الْمَوْصِلِيِّ، وَنَظَرَ فِي الْأَدَبِ، وَقَالَ الشِّعْرَ: وَاتَّصَلَ بِالْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ. وعن إِسْحَاقُ الْمَوْصِلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: جَاءَنِي غُلَامِي فَقَالَ: بِالْبَابِ رَجُلٌ حَائِكٌ يَطْلُبُ عَلَيْكَ الْإِذْنَ. فَقُلْتُ: وَيْلَكَ ! مَا لِي وَلِلْحَائِكِ ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي غَيْرَ أَنَّهُ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يُكَلِّمَكَ لِحَاجَتِهِ. فَقُلْتُ: ائْذَنْ لَهُ. فَدَخَلَ، فَقُلْتُ: مَا حَاجَتُكَ ؟ قَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، أَنَا رَجُلٌ حَائِكٌ كَانَ بِالْأَمْسِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي وَأَنَا تَذَاكَرْنَا الْغِنَاءَ وَالْمُقَدَّمِينَ فِيهِ، فَأَجْمَعَ مَنْ حَضَرَ أَنَّكَ رَأْسُ الْقَوْمِ وَبُنْدَارُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ فِيهِ، فَحَلَفْتُ بِطَلَاقِ ابْنَةِ عَمِّي أَعَزِّ الْخَلْقِ عَلَيَّ، ثِقَةً مِنِّي بِكَرَمِكَ عَلَى أَنْ تَشْرَبَ عِنْدِي غَدًا وَتُغَنِّيَنِي، فَإِنْ رَأَيْتَ - جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ - أَنْ تَمُنَّ عَلَى عَبْدِكَ بِذَلِكَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَنْزِلُكَ ؟ قَالَ فِي دُورِ الصَّحَابَةِ. قُلْتُ: فَصِفْ لِلْغُلَامِ مَوْضِعَهُ. فَلَمَّا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَضَيْتُ، فَلَمَّا دَخَلْتُ قَامَ لِي الْحَاكَةُ وَأَكَبُّوا عَلَيَّ، فَقَبَّلُوا أَطْرَافِي، وَعَرَضُوا عَلَيَّ الطَّعَامَ، فَقُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمْتُ فِي الْأَكْلِ، وَقُلْتُ لَهُ: اقْتَرِحْ. فَقَالَ لِي الْحَائِكُ: غَنِّنِي بِحَيَاتِي: يَقُولُونَ لِي لَوْ كَانَ بِالْوَصْلِ لَمْ تَمُتْ نُسَيْبَةُ وَالطُّرَّاقُ يَكْذِبُ قِيلُهَا فَغَنَّيْتُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. ثُمَّ قُلْتُ: اقْتَرِحْ. فَقَالَ: غَنِّنِي بِحَيَاتِي: وَخُطَّا بِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ مَضْجَعِي وَرُدَّا عَلَى عَيْنِي فَضْلَ رِدَائِيَا فَغَنَّيْتُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. فَقُلْتُ: اقْتَرِحْ. فَقَالَ غَنِّنِي بِحَيَاتِي: أَحَقًّا عِبَادَ اللَّهِ أَنْ لَسْتُ وَارِدًا وَلَا صَادِرًا إِلَّا عَلَيَّ رَقِيبُ فَقُلْتُ: يَا بْنَ اللَّخْنَاءِ، [أَنْتَ ] بِابْنِ سُرَيْجٍ أَشْبَهُ مِنْكَ بِالْحَاكَةِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنْ عُدْتَ ثَانِيَةً حَلَّتِ امْرَأَتُكَ لِغُلَامِي قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ لَكَ. ثُمَّ انْصَرَفْتُ، وَجَاءَ رَسُولُ الرَّشِيدِ يَطْلُبُنِي، فَمَضَيْتُ مِنْ فَوْرِي [ذَلِكَ ] فَدَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ ؟ فَقُلْتُ: وَلِي الْأَمَانُ ؟ فَقَالَ: وَلَكَ الْأَمَانُ [، فَحَدَّثْتُهُ ] فَضَحِكَ وَقَالَ: هَذَا أَنْبَلُ حَائِكٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَرَمْتَ فِي أَمْرِهِ وَأَحْسَنْتَ فِي إِجَابَتِهِ. وَبَعَثَ إِلَى الْحَائِكِ فَاسْتَنْطَقَهُ وَسَأَلَهُ، فَاسْتَطَابَهُ وَاسْتَظْرَفَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: مَلَّ وَاللَّهِ طَبِيبِي مِنْ مُقَاسَاةِ الَّذِي بِي سَوْفَ أُنْعَى عَنْ قَرِيبٍ لِعَدُوٍّ وَحَبِيبِ وَيُقَالُ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَوُجِدَ لَهُ مِنَ الْمَالِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ قُرْطِ بْنِ هِلَالٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ الرَّازِيُّ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ قُرْطِ بْنِ هِلَالٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ الرَّازِيُّ. كُوفِيُّ الْأَصْلِ، وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَرَأَى أَيُّوبَ السِّجِسْتَانِيَّ. وَسَمِعَ مِنْ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ، وَحُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَالْأَعْمَشِ، وَغَيْرِهِمْ. رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَالطَّيَالِسِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ صَاحِبَ لَيْلٍ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ ابْنُ شُبْرُمَةَ أَنْ يُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، فَأَبَى. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. رَشْدِينُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُفْلِحٍ، أَبُو الْحَجَّاجِ رَشْدِينُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مُفْلِحٍ، أَبُو الْحَجَّاجِ. وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَرَوَى عَنْهُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَبَقِيَّةُ. وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا أَدْرَكَهُ نَوْعٌ [مِنَ ] التَّغَفُّلِ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، أَبُو حَفْصٍ الْعَبْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ، أَبُو حَفْصٍ الْعَبْدِيُّ الْمَوْصِلِيُّ. رَحَلَ إِلَى الشَّامِ، وَالْعِرَاقِ، وَأَكْثَرَ مِنْ سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكِتَابَتِهِ، وَسَمِعَ مِنَ الْمُعَافَى بْنِ عِمْرَانَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَخَلْقٍ كَثِيرٍ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمَدَحَهُ، وَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ، وَكَانَتْ لَهُ هَيْئَةٌ. وعن الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَمَّارٍ: رَأَيْتُ [عُمَرَ ] بْنَ أَيُّوبَ أَخْرَجَ صُوفًا [مِنْ قُفَّةٍ ] مُرَقَّعَةٍ فَدَفَعَهُ إِلَى ابْنِهِ، فَذَهَبَ بِهِ فَبَاعَهُ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَأَبَيْنَا أَنْ نَأْكُلَ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ، وَمَا رَأَيْتُهُ يَذْكُرُ الدُّنْيَا بِوَاحِدَةٍ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ حَيَاءً. تُوُفِّيَ [ بِالرِّقَّةِ ] فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ الشَّاعِرُ ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَمَاتَ أَبُوهُ الْأَحْنَفُ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ. ( وَفِيهَا تُوُفِّيَ شُهَيْدُ ) بْنُ عِيسَى بِالْأَنْدَلُسِ ، وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَكَانَ دُخُولُهُ الْأَنْدَلُسَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ.
التاريخ 3051لا حكم مسجّل
مَسِيرِ هَارُونَ الرَّشِيدِ إِلَى الرَّيِّ وَفِي سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ سَارَ الرَّشِيدُ إِلَى الرَّيِّ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ عَلَى خُرَاسَانَ ظَلَمَ أَهْلَهَا، وَأَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ، فَكَتَبَ كُبَرَاءُ أَهْلِهَا وَأَشْرَافُهَا إِلَى الرَّشِيدِ يَشْكُونَ سُوءَ سِيرَتِهِ وَظُلْمَهُ، وَاسْتِخْفَافَهُ بِهِمْ، وَأَخْذَ أَمْوَالِهِمْ. وَقِيلَ لِلرَّشِيدِ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى قَدْ أَجْمَعَ عَلَى الْخِلَافِ. فَسَارَ إِلَى الرَّيِّ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَمَعَهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ، وَالْقَاسِمُ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدٍ بَعْدَ الْمَأْمُونِ، وَجَعَلَ أَمْرَهُ إِلَى الْمَأْمُونِ إِنْ شَاءَ أَقَرَّهُ، وَإِنْ شَاءَ خَلَعَهُ، وَأَحْضَرَ الْقُضَاةَ وَالشُّهُودَ وَأَشْهَدَهُمْ أَنَّ جَمِيعَ [ مَا ] فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخَزَائِنِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِلْمَأْمُونِ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ شَيْءٌ. وَأَقَامَ الرَّشِيدُ بِالرَّيِّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى أَتَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مِنْ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَهْدَى لَهُ الْهَدَايَا الْكَثِيرَةَ، وَالْأَمْوَالَ الْعَظِيمَةَ، وَأَهْدَى لِجَمِيعِ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَوَلَدِهِ، وَكُتَّابِهِ، وَقُوَّادِهِ، مِنَ الطُّرَفِ وَالْجَوَاهِرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وكَانَ إِلَى جَانِبِهِ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، هَذَا الَّذِي أَشَرْتَ عَلَيْنَا أَنْ لَا نُوَلِّيَهُ هَذَا الثَّغْرَ فَخَالَفْنَاكَ فِيهِ، وَكَانَ فِي خِلَافِكَ الْبَرَكَةُ. وَهُوَ كَالْمَازِحِ مَعَهُ إِذْ ذَاكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، أَنَا وَإِنْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أُصِيبَ فِي رَأْيِي وَأُوَافَقَ فِي مَشُورَتِي، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَى، وَفِرَاسَتُهُ أَثْقَبَ، وَمَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَكْثَرَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَرَاءَهُ مَا تَكْرَهُ. قَالَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: إِنِّي أَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَ هَذَا أُخِذَ ظُلْمًا. فَوَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الرَّشِيدِ، فَلَمَّا عَاثَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بِخُرَاسَانَ وَوَتَرَ أَشْرَافَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَاسْتَخَفَّ بِرِجَالِهِمْ شَكَى النَّاسُ سُوءَ سِيرَتِهِ، وَسَأَلُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُبْدِلَهُمْ مَنْ أَحَبَّ مِنْ كَفَاءَتِهِ، فَدَعَا يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ فَشَاوَرَهُ فِي أَمْرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى وَفِي صَرْفِهِ، وَقَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ بِرَجُلٍ تَرْضَاهُ لِذَلِكَ الثَّغْرِ، يُصْلِحُ مَا أَفْسَدَ ذَلِكَ الْفَاسِقُ وَيَرْتِقُ مَا فَتَقَ. فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِيَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ. وَلَمَّا أَقَامَ الرَّشِيدُ بِالرَّيِّ سَيَّرَ حُسَيْنًا الْخَادِمَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَكَتَبَ مَعَهُ أَمَانًا لِشَرْوِينَ بْنِ أَبِي قَارَنَ، وَأَمَانًا لِوَنْدَا هُرْمُزَ، جَدِّ مَازْيَارَ، وَأَمَانًا لِمَرْزُبَانَ بْنِ جُسْتَانَ، ( صَاحِبِ الدَّيْلَمِ، فَقَدِمَ جُسْتَانُ ) وَوَنْدَا هُرْمُزَ فَأَكْرَمَهُمَا، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا، وَضَمِنَ وَنْدَا هُرْمُزَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ، وَأَدَاءَ الْخَرَاجِ عَنْ شَرْوِينَ. ثُمَّ عَادَ إِلَى بَغْدَادَ فَأَدْرَكَهُ عِيدُ الْأَضْحَى بِقَصْرِ اللُّصُوصِ، فَضَحَّى عِنْدَهُ، وَدَخَلَ بَغْدَادَ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِالْجِسْرِ أَمَرَ بِجُثَّةِ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى الْبَرْمَكِيِّ، فَأُحْرِقَتْ، وَكَانَتْ مَصْلُوبَةً مُنْذُ قَتَلَهُ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ الرَّشِيدُ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الرَّقَّةِ وَهُوَ مُتَأَسِّفٌ عَلَى بَغْدَادَ وَطِيبِهَا، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِمُقَامِهِ بِالرَّقَّةِ رَدْعُ الْمُفْسِدِينَ بِهَا، وَقَدْ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ فِي سُرْعَةِ خُرُوجِهِمْ مِنْ بَغْدَادَ مَعَ الرَّشِيدِ: مَا أَنَخْنَا حَتَّى ارْتَحَلْنَا فَمَا نُ فَرِّقُ بَيْنَ الْمُنَاخِ وَالْإِرْتِحَالِ سَاءَلُونَا عَنْ حَالِنَا إِذْ قَدِمْنَا فَقَرَنَّا وَدَاعَهُمْ بِالسُّؤَالِ
التاريخ 3052لا حكم مسجّل
الْفِتْنَةِ بِطَرَابُلُسِ الْغَرْبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَثُرَ شَغَبُ أَهْلِ طَرَابُلُسِ الْغَرْبِ عَلَى وُلَاتِهِمْ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عِدَّةَ وُلَاةٍ، فَكَانُوا يَشْكُونَ مِنْ وُلَاتِهِمْ، فَيَعْزِلُهُمْ، وَيُوَلِّي غَيْرَهُمْ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ السَّنَةَ سُفْيَانَ بْنَ الْمَضَاءِ، وَهِيَ وِلَايَتُهُ الرَّابِعَةُ، فَاتَّفَقَ أَهْلُ الْبَلَدِ عَلَى إِخْرَاجِهِ عَنْهُمْ، وَإِعَادَتِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَزَحَفُوا إِلَيْهِ، فَأَخَذَ سِلَاحَهُ وَقَاتَلَهُمْ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْ دَارِهِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، فَقَاتَلَهُمْ فِيهِ، فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ ثُمَّ أَمَّنُوهُ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَاسْتَعْمَلَ الْجُنْدُ الَّذِينَ بِطَرَابُلُسَ عَلَى الْبَلَدِ وَأَهْلِهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سُفْيَانَ التَّمِيمِيَّ. ثُمَّ وَقَعَ بَيْنَ الْأَبْنَاءِ بِطَرَابُلُسَ أَيْضًا وَبَيْنَ قَوْمٍ يُعْرَفُونَ بِبَنِي أَبِي كِنَانَةَ وَبَنِي يُوسُفَ - حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَقِتَالٌ، حَتَّى فَسَدَتْ طَرَابُلُسُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ، فَأَرْسَلَ جَمْعًا مِنَ الْجُنْدِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُحْضِرُوا الْأَبْنَاءَ وَبَنِي أَبِي كِنَانَةَ، وَبَنِي يُوسُفَ، فَأَحْضَرُوهُمْ عِنْدَهُ بِالْقَيْرَوَانِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ سَأَلُوهُ الْعَفْوَ عَنْهُمْ فِي الَّذِي فَعَلُوهُ، فَعَفَا عَنْهُمْ، فَعَادُوا إِلَى بَلَدِهِمْ.
التاريخ 3053لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وفي سنة تسع وثمانين ومائة فَادَى الرَّشِيدُ الْأُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِبِلَادِ الرُّومِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ بِهَا أَسِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ الْأَلِبَّاءِ: وَفُكَّتْ بِكَ الْأَسْرَى الَّتِي شُيِّدَتْ لَهَا مَحَابِسُ مَا فِيهَا حَمِيمٌ يَزُورُهَا عَلَى حِينِ أَعْيَا الْمُسْلِمِينَ فِكَاكُهَا وَقَالُوا سُجُونُ الْمُشْرِكِينَ قُبُورُهَا وَفِيهَا رَابَطَ الْقَاسِمُ ابْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِمَرْجِ دَابِقٍ مُحَاصِرًا الرُّومَ. وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَفِيهَا وَلَّى الرَّشِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ طَبَرِسْتَانَ، وَالرَّيَّ، [ وَالرُّويَانَ ]، وَدُنْبَاوَنْدَ، وَقُومِسَ وَهَمَذَانَ، وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الرَّيِّ، فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي مَسِيرِهِ إِلَيْهَا، وَكَانَ الرَّشِيدُ وُلِدَ بِهَا: إِنَّ أَمِينَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ حَنَّ بِهِ الْبِرُّ إِلَى مَوْلِدِهْ لِيُصْلِحَ الرَّيَّ وَأَقْطَارَهَا وَيُمْطِرَ الْخَيْرَ بِهَا مِنْ يَدِهْ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: قَدِمَ سَعِيدٌ الْجُرَشِيُّ بِأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ طَبَرَسْتَانَ، فَأَسْلَمُوا عَلَى يَدِ الرَّشِيدِ.
التاريخ 3054لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ. مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، سَكَنَ بَغْدَادَ، وَكَانَ لَهُ قَدْرٌ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ، وَأَبُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ كَانَ يُقَالُ لَهُ: عَزِيزٌ، وَكَانَ إِسْحَاقُ فِي صَحَابَةِ الْمَهْدِيِّ، وَالْهَادِي، وَالرَّشِيدِ وَهَلَكَ فِي خِلَافَتِهِ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالصَّفَاءِ وَالْجُودِ، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ الْهَيْصَبِيُّ فِيهِ وَلِأَخِيهِ يَعْقُوبَ: نَفَى الْجُوعَ عَنْ بَغْدَادَ إِسْحَاقُ ذُو النَّدَى كَمَا قَدْ نَفَى جُوعَ الْحِجَازِ أَخُوهُ وَمَا يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا فِعَالُ غُرَيْرٍ قَبْلَهُمْ وَرِثُوهُ فَأُقْسِمُ لَوْ ضَافَ الْغُرَيْرِيَّ بَغْتَةً جَمِيعُ بَنِي حَوَّاءَ مَا حَفَلُوهُ هُوَ الْبَحْرُ بَلْ لَوْ حَلَّ بِالْبَحْرِ وَفْدُهُ وَمَنْ يَجْتَدِيهِ سَاعَةً نَزَفُوهُ وعن أَبُو عَزِيَّةَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: كَانَ إِسْحَاقُ بْنُ غُرَيْرٍ مُعْجَبًا بِعَبَّادَةَ جَارِيَةِ الْمُهَلَّبِيَّةِ، وَكَانَتِ الْجَارِيَةُ مُنْقَطِعَةً إِلَى الْخَيْزُرَانِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ ذَاتُ مَنْزِلَةٍ عِنْدَهَا قَالَ: فَرَكِبَ يَوْمًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِسْحَاقُ بْنُ غُرَيْرٍ إِلَى الْمَهْدِيِّ، وَكَانَا يَأْتِيَانِهِ فِي كُلِّ عَشِيَّةٍ إِذَا صَلَّى النَّاسُ الْعَصْرَ، فَيُقِيمَانِ مَعَهُ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ سَمَرُهُ، فَلَقِيَا يَوْمًا عَبَّادَةَ فِي طَرِيقِهِمَا، فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ غُرَيْرٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذِهِ عَبَّادَةُ الَّتِي كُنْتَ تَسْمَعُنِي أَذْكُرُهَا. وَرَكَضَ دَابَّتَهُ حَتَّى اسْتَقْبَلَهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ. فَضَحِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ مِمَّا صَنَعَ. ثُمَّ مَضَيَا فَدَخَلَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَهْدِيِّ، فَحَدَّثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ حَدِيثَ إِسْحَاقَ بْنِ غُرَيْرٍ وَعَبَّادَةَ، وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِهَا تِلْكَ الْعَشِيَّةَ، فَقَالَ لِإِسْحَاقَ: أَنَا أَشْتَرِيهَا لَكَ. وَقَامَ فَدَخَلَ عَلَى الْخَيْزُرَانِ، فَقَالَ: أَيْنَ الْمُهَلَّبِيَّةُ ؟ فَأَمَرَتْ بِهَا فَدُعِيَتْ لَهُ، فَقَالَ [لَهَا ]: أَتَبِيعِينِي عَبَّادَةَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ؟ فَقَالَتْ: يَا سَيِّدِي، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهَا لِنَفْسِكَ فَبِهَا - فَدَاكَ اللَّهُ - فَقَالَ: إِنَّمَا أُرِيدُهَا لِإِسْحَاقَ بْنِ غُرَيْرٍ. فَبَكَتْ وَقَالَتْ: يَدِي وَرِجْلِي وَلِسَانِي فِي حَوَائِجِي تَنْزِعُهَا مِنِّي لِإِسْحَاقَ بْنِ غُرَيْرٍ. فَقَالَتِ الْخَيْزُرَانُ: مَا يُبْكِيكِ ؟ لَا يَقْدِرُ وَاللَّهِ إِسْحَاقُ عَلَيْهَا. وَقَالَتْ لِلْمَهْدِيِّ: صَارَ ابْنُ غُرَيْرٍ يَتَعَشَّقُ جَوَارِيَ النَّاسِ. فَخَرَجَ الْمَهْدِيُّ فَأَخْبَرَ إِسْحَاقَ الْخَبَرَ، وَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَخَذَهَا، فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: مَنْ صَدَقَ الْحُبَّ لِأَحْبَابِهِ فَإِنَّ حُبَّ ابْنِ غُرَيْرٍ غُرُورُ أَنْسَاهُ عَبَّادَةَ ذَاتَ الْهَوَى وَأَذْهَلَ الْحُبَّ لَدَيْهِ الضَّمِيرُ خَمْسُونَ أَلْفًا كُلُّهَا وَازِنٌ [خَشِنٌ ] لَهَا فِي كُلِّ كِيسٍ صَرِيرُ وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا: حُبُّكَ الْمَالَ لَا كَحُبِّكَ عَبَّا دَةَ يَا فَاضِحَ الْمُحِبِّينَا وعن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّدِيمُ قَالَ: أَنْشَدَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَنْشَدَنِي الزُّبَيْرُ لِمُنْكَفٍّ - وَهُوَ مِنْ وَلَدِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى - يَرْثِي إِسْحَاقَ بْنَ غُرَيْرٍ: [بَكَتِ الْعُيُونُ فَأَقْرَحَتْ أَجْفَانَهَا عَبَرَاتُهَا جَزَعًا عَلَى إِسْحَاقَ ] فَلَئِنْ بَكَتْ جَزَعًا عَلَيْهِ فَقَدْ بَكَتْ حُزْنًا عَلَيْهِ مَكَارِمُ الْأَخْلَاقِ يَا خَيْرَ مَنْ بَكَتِ الْمَكَارِمُ فَقْدَهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَكَ لِلْمَكَارِمِ بَاقِ لَوْ طَافَ فِي شَرْقِ الْبِلَادِ وَغَرْبِهَا لَمْ يَلْقَ إِلَّا حَامِدًا لِلَّاقِي مَا بَثَّ مِنْ كَرَمِ الطَّبَائِعِ لَيْلَةً إِلَّا لِعَرْضِكَ مِنْ نَوَالِكَ وَاقِ بَخِلَتْ بِمَا حَوَتِ الْأَكُفُّ وَإِنَّمَا خَلَقَ الْإِلَهُ يَدَيْكَ لِلْإِنْفَاقِ الزُّبَيْرُ بْنُ خُبَيْبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْأَسَدِيُّ الزُّبَيْرُ بْنُ خُبَيْبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْأَسَدِيُّ . سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبَّادٍ. وَرَوَى عَنْهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى، وَكَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ الْعُبَّادِ. قَدِمَ بَغْدَادَ مَرَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ، وَالْأُخْرَى فِي زَمَنِ الرَّشِيدِ. وعن مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هَارُونُ الرَّشِيدُ: دُلَّنِي عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ قُرَيْشٍ، لَهُ فَضْلٌ مُنْقَطِعٌ. قَالَ: قُلْتُ: عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ ابْنِ عَمِّكَ الزُّبَيْرِ بْنِ خُبَيْبٍ ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّمَا سَأَلَتَنِي عَنِ النَّاسِ، وَلَوْ سَأَلَتَنِي عَنْ أُسْطُوَانٍ مِنْ أَسَاطِينِ الْمَسْجِدِ قُلْتُ لَكَ الزُّبَيْرُ بْنُ خُبَيْبٍ. تُوُفِّيَ الزُّبَيْرُ بِوَادِي الْقُرَى فِي ضَيْعَةٍ لَهُ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدِينِيُّ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدِينِيُّ. وَلِيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ الْمَهْدِيِّ، وَوَفِدَ عَلَى الرَّشِيدِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْمَذْهَبِ، حَسَنَ الطَّرِيقَةِ. وعن نَوْفَلُ بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: جَاءَ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ شَاهِدًا فَرَدَّ شَهَادَتَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ شَاهِدًا فَأَخَذَ شَهَادَتَهُ، فَنَظَرَ فِيهَا سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَالَ: الْمُؤْمِنُ لَا يَشْفِي غَيْظَهُ، أَوْقِعْ شَهَادَتَهُ يَا ابْنَ دِينَارٍ، فَأَوْقَعَهَا. سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ الْأَزْدِيُّ الْكُوفِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ الْأَزْدِيُّ الْكُوفِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. سَمِعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ، وَالْأَعْمَشَ، رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَانَ سُفْيَانُ يَقُولُ: هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَكَانَ يَنْقِمُ عَلَيْهِ خُرُوجَهُ مَعَ [إِبْرَاهِيمَ بْنِ ] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، فَهَجَرَهُ لِذَلِكَ. وَقَالَ يَحْيَى: هُوَ ثِقَةٌ. وعن عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَفْسُ اخْرُجِي، وَاللَّهِ لَخُرُوجُكِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ بَقَائِكِ فِي بَدَنِي. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ تِسْعِينَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ. مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَّاهُ هَارُونُ الرَّشِيدُ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ صَرَفَهُ وَوَلَّاهُ مَكَّةَ، ثُمَّ صَرَفَهُ وَرَدَّهُ إِلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَزَلَهُ فَقَدِمَ بَغْدَادَ وَأَقَامَ فِي نَاحِيَةِ الرَّشِيدِ، ثُمَّ سَافَرَ مَعَهُ إِلَى الرَّيِّ، فَمَاتَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَيْرُوزَ الْمَعْرُوفُ بِالْكِسَائِيِّ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْكِسَائِيِّ النَّحْوِيِّ . أَحَدُ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءِ، مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، اسْتَوْطَنَ بَغْدَادَ، وَعَلَّمَ الرَّشِيدَ، ثُمَّ الْأَمِينَ بَعْدَهُ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ عَلَى حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، فَأَقْرَأَ بِبَغْدَادَ زَمَانًا بِقِرَاءَةِ حَمْزَةَ، ثُمَّ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ قِرَاءَةً، فَأَقْرَأَ بِهَا النَّاسَ. وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَآخَرِينَ. وَرَوَى عَنْهُ: الْفَرَّاءُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَبَحَّرَ فِي النَّحْوِ فَهُوَ عِيَالٌ عَلَى الْكِسَائِيِّ. وعن أَبُو يَزِيدَ الْوَضَّاحِيُّ قَالَ: قَالَ لِي الْفَرَّاءُ: إِنَّمَا تَعَلَّمَ الْكِسَائِيُّ النَّحْوَ عَلَى الْكِبَرِ، وَكَانَ سَبَبُ تَعَلُّمِهِ: أَنَّهُ جَاءَ يَوْمًا وَقَدْ مَشَى حَتَّى أَعْيَ، فَجَلَسَ إِلَى الْهَبَّارِينَ فَقَالَ: قَدْ عَيِيتُ. فَقَالُوا لَهُ: أَتُجَالِسُنَا وَأَنْتَ تَلْحَنُ ؟ ! فَقَالَ: كَيْفَ لَحَنْتُ ؟ فَقَالُوا لَهُ: إِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ مِنَ التَّعَبِ فَقُلْ أُعْيِيتُ، وَإِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ مِنَ انْقِطَاعِ الْحِيلَةِ وَالتَّدْبِيرِ وَالتَّحَيُّرِ فِي الْأَمْرِ فَقُلْ: عَيِيتُ - مُخَفَّفَةً فَأَنِفَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ، فَسَأَلَ عَمَّنْ يُعَلِّمُ النَّحْوَ. فَأَرْشَدُوهُ إِلَى مُعَاذٍ الْهَرَا، فَلَزِمَهُ حَتَّى أَنْفَذَ مَا عِنْدَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْبَصْرَةِ [فَلَقِيَ الْخَلِيلَ وَجَلَسَ فِي حَلَقَتِهِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ: تَرَكْتَ أَسَدَ الْكُوفَةِ وَتَمِيمَهَا وَعِنْدَهَا الْفَصَاحَةُ، وَجِئْتَ إِلَى الْبَصْرَةِ ؟ ] فَقَالَ لِلْخَلِيلِ: مِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ عِلْمَكَ [هَذَا ] ؟ فَقَالَ: مِنْ بَوَادِي الْحِجَازِ، وَنَجْدٍ، وَتِهَامَةَ. فَخَرَجَ وَرَجَعَ وَقَدْ أَنْفَذَ خَمْسَ عَشْرَةَ قِنِّينَةً حِبْرًا فِي الْكِتَابَةِ عَنِ الْعَرَبِ سِوَى مَا حَفِظَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ غَيْرَ [ الْبَصْرَةِ وَ ] الْخَلِيلِ، فَوَجَدَ الْخَلِيلَ قَدْ مَاتَ وَقَدْ جَلَسَ مَوْضِعَهُ يُونُسُ النَّحْوِيُّ، فَمَرَّتْ بَيْنَهُمْ مَسَائِلُ أَقَرَّ لَهُ يُونُسُ فِيهَا وَصَدَّرَهُ مَوْضِعَهُ. قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِالْكِسَائِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَحْرَمَ فِي كِسَاءٍ. وعن عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُوسَى قَالَ: قُلْتُ لِلْكِسَائِيِّ: لِمَ سُمِّيتَ الْكِسَائِيَّ ؟ قَالَ: لِأَنِّي أَحْرَمْتُ فِي كِسَاءٍ. الْقَوْلُ الثَّانِي: وعن أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ خَلَفَ بْنَ هِشَامٍ: لِمَ سُمِّيَ الْكِسَائِيُّ كِسَائِيًّا ؟ قَالَ: دَخَلَ الْكِسَائِيُّ الْكُوفَةَ فَجَاءَ إِلَى مَسْجِدِ السَّبِيعِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ يُقْرِئُ فِيهِ، فَتَقَدَّمَ الْكِسَائِيُّ مَعَ أَذَانِ الْفَجْرِ وَهُوَ مُلْتَفٌّ بِكِسَاءٍ، فَرَمَقَهُ الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ حَائِكًا فَسَيَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ، وَإِنْ كَانَ مَلَّاحًا فَسَيَقْرَأُ سُورَةَ طَهَ، فَسَمِعَهُمْ، فَابْتَدَأَ بِسُورَةِ يُوسُفَ، فَلَمَّا بَلَغَ قِصَّةَ الذِّئْبِ قَرَأَ: فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ: الذِّئْبُ بِالْهَمْزِ. فَقَالَ لَهُ الْكِسَائِيُّ: وَكَذَلِكَ أَهَمِزِ الْحُوتَ فَالْتَقَمَهُ الْحُؤْتُ. قَالَ: لَا. قَالَ: فَلِمَ هَمَزْتَ الذِّئْبَ وَلَمْ تَهْمِزِ الْحُوتَ ؟ وَهَذَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ، وَهَذَا فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ ؟ فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ إِلَى خَلَّادِ الْأَحْوَلِ، وَكَانَ أَجْمَلَ غِلْمَانِهِ، فَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ [مِنْ ] أَهْلِ الْمَجْلِسِ فَنَاظَرُوهُ فَلَمْ يَصْنَعُوا شَيْئًا. فَقَالُوا: أَفِدْنَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهُمُ الْكِسَائِيُّ: تَفْهَمُوا عَنِ الْحَائِكِ ؟ تَقُولُ إِذَا نَسَبْتَ [الرَّجُلَ ] إِلَى الذِّئْبِ: قَدِ اسْتَذْأَبَ الرَّجُلُ، فَلَوْ قُلْتَ: اسْتَذَابَ - بِغَيْرِ هَمْزٍ - لَكُنْتَ إِنَّمَا نَسَبْتَهُ إِلَى الْهُزَالِ، تَقُولُ: قَدِ اسْتَذَابَ الرَّجُلُ إِذَا اسْتَذَابَ شَحْمُهُ - بِغَيْرِ هَمْزٍ - وَإِذَا نَسَبْتَهُ إِلَى الْحُوتِ تَقُولُ: قَدِ اسْتَحَاتَ الرَّجُلُ، أَيْ كَثُرَ أَكْلُهُ، لِأَنَّ الْحُوتَ يَأْكُلُ كَثِيرًا، لَا يَجُوزُ فِيهِ الْهَمْزُ، فَلِتِلْكَ الْعِلَّةِ هُمِزَ الذِّئْبُ وَلَمْ يُهْمَزِ الْحُوتُ، وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ: لَا تَسْقُطُ الْهَمْزَةُ مِنْ مُفْرَدِهِ وَلَا مِنْ جَمْعِهِ، وَأَنْشَدَهُمْ: أَيُّهَا الذِّئْبُ وَابْنُهُ وَأَبُوهُ أَنْتَ عِنْدِي مِنْ أَذْأَبِ الضَّارِيَاتِ قَالَ: فَسُمِّيَ الْكِسَائِيَّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ. وعن أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ: وَفَدَ عَلَيْنَا عَامِلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَمْ أَرَ فِي عُمَّالِ السُّلْطَانِ بِالْبَصْرَةِ أَبْرَعَ مِنْهُ، فَدَخَلْتُ مُسَلِّمًا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: يَا سِجِسْتَانِيُّ، مَنْ عُلَمَاؤُكُمْ بِالْبَصْرَةِ ؟ قُلْتُ: الزِّيَادِيُّ أَعْلَمُنَا بِعِلْمِ الْأَصْمَعِيِّ، وَالْمَازِنِيُّ أَعْلَمُنَا بِالنَّحْوِ، وَهِلَالُ الرَّأْيِ أَفْقَهُنَا، وَالشَّاذَكُونِيُّ أَعْلَمُنَا بِالْحَدِيثِ، وَأَنَا رَحِمَكَ اللَّهُ أُنْسَبُ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ، وَابْنُ الْكَلْبِيِّ مِنْ أَكْتَبِنَا لِلشُّرُوطِ. قَالَ: فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: إِذَا كَانَ غَدٌ فَاجْمَعْهُمْ. قَالَ: فَجَمَعَنَا فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَبُو عُثْمَانَ الْمَازِنِيُّ ؟ قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: هَا أَنَا ذَا يَرْحَمُكَ اللَّهُ. قَالَ: هَلْ يُجْزِي فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عِتْقُ عَبْدٍ أَعْوَرَ ؟ قَالَ الْمَازِنِيُّ: لَسْتُ صَاحِبَ فِقْهٍ، أَنَا صَاحِبُ عَرَبِيَّةٍ. فَقَالَ: يَا زِيَادِيُّ، كَيْفَ يُكْتَبُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ خَالَعَهَا زَوْجُهَا عَلَى الثُّلْثِ مِنْ صَدَاقِهَا ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ عِلْمِي، هَذَا مِنْ عِلْمِ هِلَالِ الرَّأْيِ. قَالَ: يَا هِلَالُ، كَمْ أَسْنَدَ ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الْحَسَنِ ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ عِلْمِي، هَذَا مِنْ عِلْمِ الشَّاذَكُونِيِّ. قَالَ: يَا شَاذَكُونِيُّ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ قَالَ: لَيْسَ هَذَا مِنْ عِلْمِي، هَذَا مِنْ عِلْمِ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ: يَا أَبَا حَاتِمٍ، كَيْفَ تَكْتُبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا تَصِفُ فِيهِ خَصَاصَةَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَمَا أَصَابَهُمْ فِي الثَّرْمَةِ، وَتَسْأَلُهُ لَهُمُ النَّظَرَ وَالنَّظْرَةَ ؟ قَالَ: لَسْتُ - رَحِمَكَ اللَّهُ - صَاحِبَ بَلَاغَةٍ وَكِتَابَةٍ، أَنَا صَاحِبُ قُرْآنٍ. فَقَالَ: مَا أَقْبَحَ الرَّجُلَ يَتَعَاطَى الْعِلْمَ خَمْسِينَ سَنَةً لَا يَعْرِفُ إِلَّا فَنًّا وَاحِدًا، حَتَّى إِذَا سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُلْ فِيهِ وَلَمْ يَمُرَّ، وَلَكِنَّ عَالِمَنَا بِالْكُوفَةِ الْكِسَائِيَّ لَوْ سُئِلَ عَنْ هَذَا كُلِّهِ أَجَابَ. وعن سَلَمَةُ بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: صَلَّيْتُ بِهَارُونَ الرَّشِيدِ فَأَعْجَبَتْنِي قِرَاءَتِي، فَغَلِطْتُ فِي آيَةٍ مَا غَلِطَ فِيهَا صَبِيٌّ قَطُّ، أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: ( لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فَقُلْتُ: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعِينَ، فَوَاللَّهِ مَا اجْتَرَأَ هَارُونُ [أَنْ ] يَقُولَ لِي أَخْطَأْتَ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا سَلَّمْتُ قَالَ لِي: يَا كِسَائِيُّ، أَيُّ لُغَةٍ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ يَعْثُرُ الْجَوَادُ. فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ. وعن أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الْفَرَّاءُ: لَقِيتُ الْكِسَائِيَّ يَوْمًا فَرَأَيْتُهُ كَالْبَاكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ: هَذَا الْمَلِكُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ يُوَجِّهُ إِلَيَّ فَيَحْضُرُنِي فَيَسْأَلُنِي عَنِ الشَّيْءِ، فَإِنْ أَبْطَأْتُ فِي الْجَوَابِ لِحَقَنِي مِنْهُ عَيْبٌ، وَإِنْ بَادَرْتُ لَمْ آمَنِ الزَّلَلَ. قَالَ: فَقُلْتُ - مُمْتَحِنًا لَهُ -: يَا أَبَا الْحَسَنِ، مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ قُلْ مَا شِئْتَ، فَأَنْتَ الْكِسَائِيُّ. فَأَخَذَ لِسَانَهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: قَطَعَهُ اللَّهُ إِنْ قُلْتُ مَا لَا أَعْلَمُ. وعن سَلَمَةُ بْنُ عَاصِمٍ قَالَ: حَلَفْتُ أَنْ لَا أُكَلِّمَ عَامِّيًّا إِلَّا بِمَا يُوَافِقُهُ وَيُشْبِهُ كَلَامَهُ، فَوَقَفْتُ عَلَى نَجَّارٍ فَقُلْتُ: بِكَمْ هَذَانِ الْبَابَانِ ؟ فَقَالَ: بِسَلْحِتَانِ يَا مُصْفَعَانِ. تُوُفِّيَ الْكِسَائِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَابْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي. وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، فَدَفَنَهُمَا الرَّشِيدُ، قَالَ: وَبَلَغَ الْكِسَائِيُّ سَبْعِينَ سَنَةً. وعن أَبُو مِسْحَلٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْكِسَائِيَّ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ وَجْهَهُ الْبَدْرُ فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي بِالْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ؟ قَالَ: ذَاكَ فِي عِلِّيِّينَ مَا نَرَاهُ إِلَّا كَمَا نَرَى الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ. مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَرْقَدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَرْقَدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيُّ مَوْلَاهُمْ، صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، أَصْلُهُ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ، قَدِمَ أَبُوهُ الْعِرَاقَ، فَوُلِدَ بِوَاسِطَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَنَشَأَ بِالْكُوفَةِ، فَسَمِعَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمِسْعَرٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَعُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، وَمَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، وَكَتَبَ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، وَكَتَبَ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ حِينَ قَدِمَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَقْرَ بَعِيرٍ، وَوَلَّاهُ الرَّشِيدُ قَضَاءَ الرَّقَّةِ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَخَرَجَ مَعَ الرَّشِيدِ إِلَى الرَّيِّ فَمَاتَ بِهَا. وَكَانَ يَقُولُ لِأَهْلِهِ: لَا تَسْأَلُونِي حَاجَةً مِنْ حَاجَاتِ الدُّنْيَا فَتَشْغَلُوا قَلْبِي، وَخُذُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ وَكِيلِي، فَإِنَّهُ أَقَلُّ لِهَمِّي وَأَفْرَغُ لِقَلْبِي. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْتُ حَبْرًا سَمِينًا مِثْلَهُ، وَلَا رَأَيْتُ أَخَفَّ رُوحًا مِنْهُ، وَلَا أَفْصَحَ مِنْهُ، كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ كَأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، كَانَ يَمْلَأُ الْعَيْنَ وَالْقَلْبَ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ طَلَبَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ كِتَابَ السِّيَرِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى الْإِعَارَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قُلْ لِلَّذِي لَمْ تَرَ عَيْ نَا مَنْ رَآهُ مِثْلَهُ حَتَّى كَأَنَّ مَنْ رَآهُ قَدْ رَأَى مَنْ قَبْلَهْ الْعِلْمُ يَنْهَى أَهْلَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ أَهْلَهْ لَعَلَّهُ يَبْذُلُهُ لِأَهْلِهِ لَعَلَّهْ قَالَ: فَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْهِ فِي الْحَالِ هَدِيَّةً لَا عَارِيَّةً. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ هَذِهِ الْمَسَائِلُ الدِّقَاقُ مِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ؟ قَالَ: مِنْ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. وَكَانَتْ وَفَاةُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْكِسَائِيِّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ عُمْرُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ثَمَانِيًا وَخَمْسِينَ سَنَةً. قَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ: تُوُفِّيَ الْكِسَائِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: دَفَنْتُ الْيَوْمَ اللُّغَةَ وَالْفِقْهَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ دُرُسْتَ: مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْكِسَائِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَاتَ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَأَبُو نُوَاسٍ، وَمَاتَ ابْنُ دُرَيْدٍ وَأَبُو هَاشِمِ بْنُ عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَاتَ الشِّبْلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْوَزِيرُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَدُفِنَا جَمِيعًا بِالْخَيْزُرَانِيَّةِ وَمَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ الْأَصْفَهَانِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْقَاضِي فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَاتَ الْقَاضِيَانِ أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ - وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الشَّرْقِيَّةِ - وَالْحَسَنُ بْنُ الْجَعْدِ - وَكَانَ عَلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ - فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَمَاتَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ وَإِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ. يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، أَبُو زَكَرِيَّا الْعِجْلِيُّ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، أَبُو زَكَرِيَّا الْعِجْلِيُّ. كُوفِيٌّ، سَمِعَ الثَّوْرِيَّ، وَرَوَى عَنْهُ: يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، وَكَانَ صَالِحًا صَدُوقًا، كَثِيرَ الْحِفْظِ، لَكِنَّهُ نَسِيَ فَصَارَ يَغْلَطُ. وعن الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ بِشْرًا يَقُولُ: كُنْتُ جَالِسًا بَيْنَ يَدَيْ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ. قَالَ: فَكُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ ثِيَابِهِ، وَكَانَ يَعْجَبُ مِنْ ثِيَابِي، وَذَكَرَ كَثْرَةَ رِقَاعٍ فِي جُبَّةِ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ. قَالَ بِشْرٌ: فَمَرَّ إِنْسَانٌ عَلَيْهِ بِزَّةٌ فَقَالَ: ثِيَابُكَ أَحْسَنُ مِنْ ثِيَابِي. قَالَ بِشْرٌ: أَرَادَ أَنْ يُقَوِّيَنِي. تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ، وَكَانَ قَدْ فُلِجَ. وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الرُّؤَاسِيُّ، أَبُو عَوْفٍ. وَسَابِقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَوْصِلِيُّ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْبَكَّائِينَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -.
التاريخ 3055لا حكم مسجّل
خَلْعِ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وفي سَنَةُ تِسْعِينَ وَمِائَةٍ كان خُرُوجُ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ بِسَمَرْقَنْدَ مُخَالِفًا لِهَارُونَ، وَخَلْعُهُ إِيَّاهُ، وَنَزْعُهُ يَدَهُ مِنْ طَاعَتِهِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ يَحْيَى بْنَ الْأَشْعَثِ بْنِ يَحْيَى الطَّائِيَّ تَزَوَّجَ بِنْتًا لِعَمِّهِ أَبِي النُّعْمَانِ، وَكَانَتْ ذَاتَ يَسَارٍ، فَأَقَامَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ وَتَرَكَهَا بِسَمَرْقَنْدَ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُ بِهَا، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ قَدِ اتَّخَذَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ، الْتَمَسَتْ سَبَبًا لِلتَّخَلُّصِ مِنْهُ، وَبَلَغَ رَافِعًا خَبَرُهَا، فَطَمِعَ فِيهَا وَفِي مَالِهَا، فَدَسَّ إِلَيْهَا مَنْ قَالَ لَهَا: إِنَّهُ لَا سَبِيلَ [لَهَا ] إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْ صَاحِبِهَا إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ، وَتُحْضِرَ لِذَلِكَ قَوْمًا عُدُولًا، وَتَكْشِفَ شَعْرَهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ تَتُوبَ، فَتَحِلَّ لِلْأَزْوَاجِ، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَهَا رَافِعٌ. وَبَلَغَ ذَلِكَ يَحْيَى بْنَ الْأَشْعَثِ، فَرَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الرَّشِيدِ، فَكَتَبَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى يَأْمُرُهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَنْ يَجْلِدَ رَافِعًا الْحَدَّ، وَيُقَيِّدَهُ وَيُطِيفَ بِهِ فِي مَدِينَةِ سَمَرْقَنْدَ مُقَيَّدًا عَلَى حِمَارٍ، حَتَّى يَكُونَ عِظَةً لِمَنْ يَرَاهُ، فَدَرَأَ عَنْهُ سُلَيْمَانُ بْنُ حُمَيْدٍ الْحَدَّ، وَحَمَلَهُ عَلَى حِمَارٍ مُقَيَّدًا حَتَّى طَلَّقَهَا، ثُمَّ حَبَسَهُ، فَهَرَبَ مِنَ الْحَبْسِ لَيْلًا، فَلَحِقَ بِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بِبَلْخَ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ فَلَمْ يُجِبْهُ [عَلِيٌّ إِلَيْهِ ]، وَهَمَّ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَكَلَّمَهُ فِيهِ ابْنُهُ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، فَأَذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَوَثَبَ بِسُلَيْمَانَ بْنِ حُمَيْدٍ عَامِلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى فَقَتَلَهُ، فَوَجَّهَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى ابْنَهُ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَى سِبَاعِ بْنِ مَسْعَدَةَ، فَرَأَّسُوهُ عَلَيْهِمْ، فَوَثَبَ عَلَى رَافِعٍ فَقَيَّدَهُ، فَوَثَبَ بِسِبَاعٍ، فَقَيَّدُوهُ وَرَأَسُوا رَافِعًا وَبَايَعُوهُ، وَطَابَقَهُ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ، وَوَافَاهُ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ، [فَلَقِيَهُ رَافِعٌ فَهَزَمَهُ، فَأَخَذَ عَلِيُّ بْنُ ] عِيسَى فِي فَرْضِ الرِّجَالِ، وَالتَّأَهُّبِ لِلْحَرْبِ.
التاريخ 3056لا حكم مسجّل
وَفِي سنة تسعين ومائة: قَدِمَ الرَّشِيدُ مِنَ الرَّيِّ، فَأَتَى الرِّقَّةَ، فَبَدَأَ بِأُمِّ جَعْفَرٍ فَظَلَّ عِنْدَهَا، وَأَمَرَ لَهَا مِنَ الْغَدِ بِسِتَّةِ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَتُخُوتٍ مِنَ الْوَشْيِ، وَسِلَالٍ مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وَطَرَائِفَ مِمَّا أَهْدَاهُ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ. وعن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ ظَبْيَانَ قَاضِي الرِّقَّةِ، وَكَانَ الرَّشِيدُ إِذْ ذَاكَ بِهَا، فَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَاسْتَعْدَى إِلَيْهِ مِنْ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ ظَبْيَانَ: أَمَّا بَعْدُ، أَبْقَى اللَّهُ الْأَمِيرَ وَحَفِظَهُ وَأَتَمَّ نِعَمَهُ عَلَيْهِ، أَتَانِي رَجُلٌ فَذَكَرَ أَنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَأَنْ لَهُ عَلَى الْأَمِيرِ أَبْقَاهُ اللَّهُ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَبْقَاهُ اللَّهُ أَنْ يَحْضُرَ هُوَ مَجْلِسَ الْحُكْمِ، أَوْ يُوكِلَ وَكِيلًا يُنَاظِرَ خَصْمَهُ فَعَلَ. وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى الرَّجُلِ، فَأَتَى بَابَ عِيسَى فَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى حَاجِبِهِ، فَأَوْصَلَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: كُلْ هَذَا الْكِتَابَ. فَرَجَعَ إِلَى الْقَاضِي فَأَخْبَرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَبْقَاكَ اللَّهُ وَحَفِظَكَ، وَأَمْتَعَ بِكَ، حَضَرَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، ذَكَرَ أَنَّ لَهُ عَلَيْكَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَصِرْ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ أَوْ وَكِيلَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَوَجَّهَ الْكِتَابَ مَعَ عَوْنَيْنِ مِنْ أَعْوَانِهِ، فَحَضَرَا بَابَ عِيسَى، وَدَفَعَا الْكِتَابَ إِلَيْهِ، فَغَضِبَ وَرَمَى بِهِ، فَانْطَلَقَا فَأَخْبَرَاهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: حَفِظَكَ اللَّهُ وَأَبْقَاكَ، وَأَمْتَعَ بِكَ، لَا بُدَّ أَنْ تَصِيرَ أَنْتَ وَخَصْمُكَ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ، فَإِنْ أَبَيْتَ أَنْهَيْتُ أَمْرَكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ وَجَّهَ الْكِتَابَ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَعَدَا عَلَى بَابِ عِيسَى حَتَّى خَرَجَ، فَقَامَا إِلَيْهِ وَدَفَعَا إِلَيْهِ كِتَابَ الْقَاضِي، فَلَمْ يَقْرَأْهُ، وَرَمَى بِهِ، فَأَبْلَغَاهُ فَخَتَمَ قَمْطَرَهُ وَانْصَرَفَ، وَقَعَدَ فِي بَيْتِهِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ حَرْفًا حَرْفًا، فَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عُثْمَانَ: صِرْ إِلَى بَابِ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَاخْتِمْ أَبْوَابَهُ كُلَّهَا، وَلَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْهَا، وَلَا يَدْخُلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، حَتَّى يُخْرِجَ إِلَى الرَّجُلِ حَقَّهُ، أَوْ يَصِيرَ مَعَهُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ. فَأَحَاطَ إِبْرَاهِيمُ بِدَارِهِ خَمْسِينَ فَارِسًا، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُهُ، فَظَنَّ ابْنُ عِيسَى أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ بِالرَّشِيدِ أَمْرٌ فِي قَتْلِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ مَا سَبَبُ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يُكَلِّمُ الْأَعْوَانَ مِنْ خَلْفِ الْبَابِ، وَارْتَفَعَ الصِّيَاحُ مِنْ مَنْزِلِهِ بِصُرَاخِ النِّسَاءِ، فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَسْكُتْنَ، وَقَالَ لِبَعْضِ غِلْمَانِ إِبْرَاهِيمَ: ادْعُ لِي أَبَا إِسْحَاقَ لِأُكَلِّمَهُ، فَأَعْلَمُوهُ مَا قَالَ، فَجَاءَ حَتَّى صَارَ إِلَى الْبَابِ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: مَا حَالُنَا ؟ فَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِ ابْنِ ظَبْيَانَ، فَأَمَرَ أَنْ يُحْضِرَ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ سَاعَتِهِ، وَتُدْفَعَ إِلَى الرَّجُلِ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الرَّشِيدِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: إِذَا قَبَضَ الرَّجُلُ مَالَهُ أَفْتَحُ عَلَيْهِ أَبْوَابَهُ.
التاريخ 3057لا حكم مسجّل
ذِكْرُ فَتْحِ هِرَقْلَةَ وَفِي سنة تسعين ومائة: فَتْحُ الرَّشِيدِ هِرَقْلَةَ. وَكَانَ مِنْ خَبَرِ غَزَاةِ الرَّشِيدِ أَنَّ الرُّومَ كَانُوا مَلَكُوا امْرَأَةً لَمْ يَكُنْ بَقِيَ فِي زَمَانِهَا مِنْ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ غَيْرُهَا، فَكَانَتْ تَكْتُبُ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَالْهَادِي وَالرَّشِيدِ بِالتَّبْجِيلِ وَالتَّعْظِيمِ، وَتُهْدِي لَهُمْ، حَتَّى بَلَغَ ابْنَهَا، فَجَاءَهُ الْمَلِكُ دُونَهَا، وَعَاثَ وَأَفْسَدَ، وَتَغَيَّرَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَخَافَتْ عَلَى مِلْكِ الرُّومِ أَنْ يَذْهَبَ، لِعِلْمِهَا بِسَطْوَةِ الرَّشِيدِ، فَسَمَلَتْ عَيْنَيِ ابْنِهَا، فَبَطَلَ مُلْكُهُ، وَعَادَ إِلَيْهَا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ مَمْلَكَتِهَا وَأَبْغَضُوهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهَا نَقْفُورُ - وَكَانَ كَاتِبَهَا - فَأَعَانُوهُ وَعَضَّدُوهُ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْمُلْكِ، وَكَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ: مِنْ نَقْفُورَ مَلِكِ الرُّومِ إِلَى الرَّشِيدِ مَلِكِ الْعَرَبِ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ كَانَتْ وَضَعَتْكَ وَأَبَاكَ وَأَخَاكَ مَوْضِعَ الْمُلُوكِ، وَإِنِّي وَاضِعُكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَعَامِلٌ عَلَى تَطَرُّقِ بِلَادِكَ، وَالْهُجُومِ عَلَى أَمْصَارِكَ، أَوْ تُؤَدِّي إِلَيَّ مَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ تُؤَدِّي إِلَيْكَ، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى الرَّشِيدِ كَتَبَ جَوَابَ كِتَابِهِ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نَقْفُورَ كَلْبِ الرُّومِ، جَوَابُكَ عِنْدِي مَا تَرَاهُ عِيَانًا، لَا مَا تَسْمَعُهُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ تَكَاتَبُوا نَحْوَ هَذَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، فَشَخَصَ الرَّشِيدُ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُرْتَزِقَةِ سِوَى الْأَتْبَاعِ، فَدَخَلَ بِلَادَ الرُّومِ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ وَيَسْبِي وَيَغْنَمُ وَيُعْفِي الْآثَارَ وَيُخَرِّبُ الْحُصُونَ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى هِرَقْلَةَ، وَهِيَ أَوْثَقُ حِصْنٍ وَأَمْنَعُهُ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا، وَكَانَ لَهَا خَنْدَقٌ يُطِيفُ بِهَا، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِمُ الرَّشِيدُ بِالسِّهَامِ وَالْمَجَانِيقِ وَالْعَرَادَاتِ، فَفَتَحَ الْبَابَ يَوْمًا رَجُلٌ مِنْهُمْ وَخَرَجَ فِي أَكْمَلِ زِيٍّ وَسِلَاحٍ، فَنَادَى: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ ؟ قَدْ طَالَتْ مُرَافَقَتُكُمْ إِيَّانَا، فَلْيَبْرُزْ إِلَيَّ مِنْكُمْ رَجُلَانِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَزِيدُ حَتَّى بَلَغَ عِشْرِينَ، فَلَمْ يَجُبْهُ أَحَدٌ، فَدَخَلَ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَكَانَ الرَّشِيدُ نَائِمًا، فَلَمْ يَعْلَمْ بِخَبَرِهِ إِلَّا بَعْدَ انْتِبَاهِهِ، فَغَضِبَ وَلَامَ خَدَمَهُ إِذْ لَمْ يُعْلِمُوهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْهُ سَيُغْرِيهِ وَيُطْغِيهِ، وَهُوَ يَخْرُجُ فِي غَدٍ فَيَطْلُبُ مِثْلَ مَا طَلَبَ، فَطَالَتْ عَلَى الرَّشِيدِ لَيْلَتُهُ انْتِظَارًا لَهُ، فَإِذَا هُوَ بِالْبَابِ قَدْ فُتِحَ، وَخَرَجَ طَالِبًا لِلْبِرَازِ، فَجَعَلَ يَدَّعِي أَنَّهُ يَثْبُتُ لِعِشْرِينَ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: مَنْ لَهُ ؟ فَابْتَدَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ كَهَزِيمَةٍ وَخُزَيْمَةَ، فَعَزَمَ عَلَى إِخْرَاجِ الْمُطَوَّعَةِ بَعْضَهُمْ، فَضَجَّ الْمُطَوَّعَةُ، فَإِذَا بِعِشْرِينَ مِنْهُمْ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قُوَّادُكَ مَشْهُورُونَ بِالْبَأْسِ، وَمَتَى خَرَجَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَقَتَلَ هَذَا الْعِلْجَ لَمْ يَكْبُرْ ذَلِكَ، وَإِنْ قَتَلَهُ الْعِلْجُ كَانَتْ وَصْمَةً عَلَى الْعَسْكَرِ قَبِيحَةً، وَنَحْنُ عَامَّةً لَا يَرْتَفِعُ لِأَحَدٍ مِنَّا صَوْتٌ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُخَلِّيَنَا نَخْتَارُ رَجُلًا مِنَ الْعَامَّةِ فَنُخْرِجَهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ ظَفِرَ عَلِمَ أَهْلُ الْحِصْنِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَفِرَ بِأَعْرَفِهِمْ عَلَى يَدِ رَجُلٍ مِنَ الْعَامَّةِ، لَيْسَ مِمَّنْ يُؤْمَنُ قَتْلُهُ، وَلَا يُؤْثَرُ، وَإِنْ قُتِلَ الرَّجُلُ كَانَ شَهِيدًا وَلَمْ يُؤَثِّرْ دَمًا. فَقَالَ الرَّشِيدُ: قَدِ اسْتَصْوَبْتُ رَأْيَكُمْ، فَاخْتَارُوا رَجُلًا مِنْكُمْ، فَاخْتَارُوا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْجَزَرِيِّ، وَكَانَ مَعْرُوفًا بِالْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: أَتَخْرُجُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَسْتَعِينُ بِاللَّهِ . فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَرَسًا وَرُمْحًا وَسَيْفًا وَتُرْسًا. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا بِفَرَسِي أَوْثَقُ، وَرُمْحِي بِيَدِي أَشَدُّ، وَلَكِنْ قَدْ قَبِلْتُ السَّيْفَ وَالتُّرْسَ فَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَاسْتَدْنَاهُ الرَّشِيدُ وَوَدَّعَهُ وَأَتْبَعَهُ الدُّعَاءَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عِشْرُونَ مِنَ الْمُطَوَّعَةِ، فَلَمَّا انْقَضَّ فِي الْوَادِي قَالَ لَهُمُ الْعِلْجُ وَهُوَ يَعُدُّهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، إِنَّمَا الشَّرْطُ عِشْرُونَ وَقَدْ زِدْتُمْ رَجُلًا، وَلَكِنْ لَا بَأْسَ. فَنَادَوْهُ: لَيْسَ يَخْرُجُ إِلَيْكَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. فَلَمَّا فَصَلَ مِنْهُمُ ابْنُ الْجَزَرِيُّ تَلَقَّاهُ الرَّجُلُ الرُّومِيُّ وَقَدْ أَشْرَفَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ الْحِصْنِ يَتَأَمَّلُونَ صَاحِبَهُمْ وَالْقَرْنَ، حَتَّى ظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ فِي الْحِصْنِ إِلَّا أَشْرَفَ، فَقَالَ الرُّومِيُّ: أَتَصْدُقُنِي عَمَّا أَسْتَخْبِرُكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنْتَ بِاللَّهِ ابْنُ الْجَزَرِيِّ، قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَكَفَرَ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَا فِي شَأْنِهِمَا فَاطَّعَنَا حَتَّى طَالَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ الْفَرَسَانِ يَقُومَانِ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ تَجَالَدَا بِالسُّيُوفِ، وَجَعَلَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ يَضْرِبُ الضَّرْبَةَ الَّتِي يَرَى أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ فِيهَا، فَيَتَّقِيهَا الرُّومِيُّ، وَكَانَ تُرْسُهُ حَدِيدًا، فَيُسْمَعُ لِذَلِكَ صَوْتٌ مُنْكَرٌ، وَيَضْرِبُهُ الرُّومِيُّ ضَرْبَ مُغْدِرٍ، لِأَنَّ تُرْسَ ابْنِ الْجَزَرِيِّ كَانَ دَرَقَةً، فَلَمَّا يَئِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ انْهَزَمَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ، فَدَخَلَتِ الْمُسْلِمِينَ كَآبَةٌ لَمْ يَكْتَئِبُوا مِثْلَهَا قَطُّ، وَعَطْعَطَ الْمُشْرِكُونَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الْعِلْجُ، فَالْتَفَتَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ، فَرَمَى الْعِلْجَ بِوَهْقٍ فَوَقَعَ فِي عُنُقِهِ، وَرَكَضَ إِلَيْهِ فَاسْتَلَبَهُ عَنْ فَرَسِهِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ، فَمَا وَصَلَ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى فَارَقَهُ رَأْسُهُ، فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَانْخَذَلَ الْمُشْرِكُونَ، وَبَادَرُوا الْبَابَ يُغْلِقُونَهُ. وَإِنَّمَا كَانَتْ هَزِيمَةُ ابْنِ الْجَزَرِيِّ حِيلَةً مِنْهُ. وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالرَّشِيدِ فَقَالَ لِلْقُوَّادِ: اجْعَلُوا النَّارَ فِي الْمَجَانِيقِ، فَتَهَافَتَ السُّورُ، فَفَتَحُوا الْبَابَ مُسْتَأْمِنِينَ، وَصُبَّتِ الْأَمْوَالُ عَلَى ابْنِ الْجَزَرِيِّ وَقُودَ، فَلَمْ يَقْبَلِ النُّقُودَ، وَسَأَلَ أَنْ يُعْفَى وَيُتْرَكَ بِمَكَانِهِ مِنَ الثَّغْرِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ طُولَ عُمْرِهِ. وَكَانَ فَتْحُ هِرَقْلَةَ فِي شَوَّالَ، وَأَخْرَبَهَا وَسَبَى مِنْ أَهْلِهَا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَأَقْدَمُهُمُ الرَّافِقَةَ، فَتَوَلَّى بَيْعَهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْقَاضِي. فتح حصن الصقالبة وديسة والصفصاف وَوَجَّهَ الرَّشِيدُ دَاوُدَ بْنَ عِيسَى بْنِ مُوسَى سَائِحًا فِي أَرْضِ الرِّقَّةِ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا. وَافْتَتَحَ شَرَاحِيلُ بْنُ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ حِصْنَ الصَّقَالِبَةِ وَدِيسَةَ. وَافْتَتَحَ يَزِيدُ بْنُ مَخْلَدٍ الصَّفْصَافَ، وَمَقْلُونِيَّةَ. وَوَلِيَ حُمَيْدُ بْنُ مَعْيُوفٍ سَاحِلَ بَحْرِ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ، فَبَلَغَ حُمَيْدٌ قُبْرُسَ، فَهَدَمَ وَحَرَقَ وَسَبَى مِنْ أَهْلِهَا سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَقْدَمَهُمُ الرَّافِقَةَ، فَتَوَلَّى بَيْعَهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْقَاضِي. وَبَعَثَ نَقْفُورُ بِالْخَرَاجِ وَالْجِزْيَةِ عَنْ رَأْسِهِ، وَوَلِيُّ عَهْدِهِ وَبَطَارِقَتُهُ وَسَائِرُ أَهْلِ بَلَدِهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، مِنْهَا عَنْ رَأْسِهِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَعَنْ رَأْسِ وَلَدِهِ دِينَارَيْنِ. وَكَتَبَ نَقْفُورُ مَعَ بِطْرِيقَيْنِ مِنْ عُظَمَاءِ بَطَارِقَتِهِ فِي جَارِيَةٍ مِنْ سَبْيِ هِرَقْلَةَ كِتَابًا نُسْخَتُهُ: لِعَبْدِ اللَّهِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ نَقْفُورِ مَلِكِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ لِي حَاجَةً لَا تَضُرُّكَ فِي دِينِكَ وَلَا دُنْيَاكَ، هَيِّنَةً يَسِيرَةً، [أَنْ ] تَهَبَ لِابْنِي جَارِيَةً مِنْ بَنَاتِ أَهْلِ هِرَقْلَةَ كُنْتُ خَطَبْتُهَا عَلَى ابْنِي، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُسْعِفَنِي فِي حَاجَتِي [فَعَلْتَ ]. وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَاسْتَهْدَاهُ أَيْضًا طِيبًا وَسُرَادِقًا، فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِطَلَبِ الْجَارِيَةِ، فَأُحْضِرَتْ وَزُيِّنَتْ وَأُجْلِسَتْ عَلَى فِرَاشٍ فِي مَضْرِبِهِ الَّذِي كَانَ نَازِلًا فِيهِ، وَسُلِّمَتِ الْجَارِيَةُ وَالْمَضْرِبُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآنِيَةِ وَالْمَتَاعِ إِلَى رَسُولِ نَقْفُورَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَا سَأَلَ مِنَ الْعِطْرِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ مِنَ التَّمَوُّرِ وَالزَّبِيبِ وَالْأَخْبِصَةِ وَالتِّرْيَاقِ، فَسَلَّمَ ذَلِكَ إِلَيْهِ رَسُولُ الرَّشِيدِ، فَأَعْطَاهُ نَقْفُورُ وَقْرَ بِرْذَوْنٍ دَرَاهِمَ كَانَ مَبْلَغُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَمِائَةَ ثَوْبٍ دِيبَاجٍ، وَمِائَتَيْ ثَوْبٍ بَزْيُونَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ بَازِيًّا، وَأَرْبَعَةَ أَكْلُبٍ مِنْ كِلَابِ الصَّيْدِ، وَثَلَاثَ بَرَاذِينَ، وَكَانَ نَقْفُورُ اشْتَرَطَ أَلَّا يُخَرِّبَ ذَا الْكُلَاعِ، وَلَا حَمْلَهُ، وَلَا حِصْنَ سِنَانٍ، وَاشْتَرَطَ الرَّشِيدُ عَلَيْهِ أَلَّا يُعَمِّرَ هِرَقْلَةَ، وَعَلَى أَنْ يَحْمِلَ نَقْفُورُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فِي ذَلِكَ: إِمَامَ الْهُدَى أَصْبَحْتَ بِالدِّينِ مَعْنِيًّا وَأَصْبَحْتَ تَسْقِي كُلَّ مُسْتَمْطِرٍ رِيًّا لَكَ اسْمَانِ شِقًّا مِنْ رَشَادٍ وَمِنْ هُدًى فَأَنْتَ الَّذِي تُدْعَى رَشِيدًا [وَ ] مَهْدِيًّا إِذَا مَا سَخِطْتَ الشَّيْءَ كَانَ مُسْخَطًا وَإِنْ تَرْضَ شَيْئًا [كَانَ ] فِي النَّاسِ مَرْضِيًّا بُسِطَتْ لَنَا شَرْقًا وَغَرْبًا يَدُ الْعُلَا فَأَوْسَعْتَ شَرْقِيًّا وَأَوْسَعْتَ غَرْبِيًّا وَوَشَيْتَ وَجْهَ الْأَرْضِ بِالْجُودِ وَالنَّدَى فَأَصْبَحَ وَجْهُ الْأَرْضِ بِالْجُودِ بِالْجُودِ مُوَشِّيًا وَأَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَتَى الْتُقَّى نَشَرْتَ مِنَ الْإِحْسَانِ مَا كَانَ مَطْوِيًّا تَحَلَّيْتَ لِلدُّنْيَا وَلِلدِّينِ بِالرِّضَا فَأَصْبَحَ نَقْفُورُ لِهَارُونَ ذِمِّيًّا . وَكان هارون قَدْ لَبِسَ عَلَى رَأْسِهِ حين خروجه قَلَنْسُوَةً، فَقَالَ فِيهَا أَبُو الْمُعَلَّى الْكِلَابِيُّ: فَمَنْ يَطْلُبْ لِقَاءَكَ أَوْ يُرِدْهُ فَبِالْحَرَمَيْنِ أَوْ أَقْصَى الثُّغُورِ فَفِي أَرْضِ الْعُدُوِّ عَلَى طِمِرٍّ وَفِي أَرْضِ التَّرَفُّهِ فَوْقَ كُورِ
التاريخ 3058لا حكم مسجّل
وَفِي سنة تسعين ومائة: غَزَا الرَّشِيدُ الصَّائِفَةَ - وَهِيَ بِلَادُ الرُّومِ - فِي رَجَبٍ ، وَاسْتَخْلَفَ الْمَأْمُونَ بِالرِّقَّةِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ الْأُمُورَ، وَكَتَبَ إِلَى الْآفَاقِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ خَاتَمَ الْمَنْصُورِ يَتَيَمَّنُ بِهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الْخَاصَّةِ، وَنَقْشُهُ: "اللَّهُ ثِقَتِي آمَنْتُ بِهِ". وَفِيهَا: خَرَجَتِ الرُّومُ إِلَى عَيْنِ زَرِبَةَ، وَكَنِيسَةِ السَّوْدَاءِ، فَأَغَارَتْ وَأُسِرَتْ، فَاسْتَنْقَذَ أَهْلُ الْمِصِّيصَةِ مَا أَخَذُوا. وَفِيهَا: نَقَضَ أَهْلُ قُبْرُسَ الْعَهْدَ، فَغَزَاهُمْ مَعْيُوفٌ وَسَبَى أَهْلَهَا. وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ عِيسَى بْنُ مُوسَى الْهَادِي. وَخَرَجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَارِجِيٌّ مِنْ نَاحِيَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ ، يُقَالُ لَهُ سَيْفُ بْنُ بُكَيْرٍ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مَزَيْدٍ، فَقَتَلَهُ بِعَيْنِ النَّوْرَةِ. وَفِيهَا أَسْلَمَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى يَدِ الْمَأْمُونِ ، وَقِيلَ بَلْ أَسْلَمَ أَبُوهُ سَهْلٌ عَلَى يَدِ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ مَحْبُوسًا، وَقِيلَ أَسْلَمَ الْفَضْلُ وَأَخُوهُ الْحَسَنُ عَلَى يَدِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَاخْتَارَهُ يَحْيَى لِخِدْمَةِ الْمَأْمُونِ، فَلِهَذَا كَانَ الْفَضْلُ يَرْعَى الْبَرَامِكَةَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ، وَلُقِّبَ بِذِي الرِّئَاسَتَيْنِ لِأَنَّهُ تَقَلَّدَ الْوِزَارَةَ وَالسَّيْفَ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى الْمَأْمُونِ بِالْعَهْدِ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ هَذِهِ السَّنَةَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَلَمَّا دَخَلَ الْمَوْصِلَ انْكَسَرَ لِوَاؤُهُ فِي ( بَابِ الْمَدِينَةِ )، فَتَطَيَّرَ مِنْهُ، وَكَانَ مَعَهُ أَبُو الشِّيصِ الشَّاعِرُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: مَا كَانَ مُنْكَسِرَ اللِّوَاءِ لِطِيرَةٍ تُخْشَى وَلَا أَمْرٍ يَكُونُ مُوَيِّلَا لَكِنَّ هَذَا الرُّمْحَ أَضْعَفَ رُكْنَهُ صِغَرُ الْوِلَايَةِ فَاسْتَقَلَّ الْمَوْصِلَا فَسُرِّيَ عَنْ خَالِدٍ.
التاريخ 3059لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ أَسَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، أَبُو الْمُنْذِرِ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ أَسَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، أَبُو الْمُنْذِرِ الْبَجَلِيُّ الْكُوفِيُّ، صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ. تَفَقَّهَ وَسَمِعَ مِنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ. كَانَ قَدْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ وَبِوَاسِطَ، فَأَنْكَرَ مِنْ بَصَرِهِ شَيْئًا، فَرَدَّ الْقِمْطَرَ وَاعْتَزَلَ عَنِ الْقَضَاءِ. وَثَّقَهُ يَحْيَى، وَقَالَ أَحْمَدُ: كَانَ صَدُوقًا. وَضَعَّفَهُ عَلِيٌّ، وَالْبُخَارِيُّ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الْكِنَانِيُّ الرَّازِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ الْكِنَانِيُّ الرَّازِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. سَمِعَ مِنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، وَالثَّوْرِيِّ. رَوَى عَنْهُ: يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو مَعْمَرٍ الْهُذَلِيُّ. وَكَانَ ثِقَةً. وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، مَا فِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَكْفِيَهُ صَاحِبُهُ الْفَتْوَى. تُوُفِّيَ حَكَّامٌ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. سَعْدُونُ الْمَجْنُونُ سَعْدُونُ الْمَجْنُونُ. عن عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعُثْمَانِيُّ قَالَ: قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَأَنَا حَاضِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ يَقُولُ: قَالَ الْفَتْحُ بْنُ شَخْرَفَ: كَانَ سَعْدُونُ صَاحِبَ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ، صَامَ سِتِّينَ سَنَةً حَتَّى خَفَّ دِمَاغُهُ، فَسَمَّاهُ النَّاسُ مَجْنُونًا لِتَرَدُّدِ قَوْلِهِ فِي الْمَحَبَّةِ، فَغَابَ عَنَّا زَمَانًا، فَبَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى حَلْقَةِ ذِي النُّونِ رَأَيْتُ عَلَيْهِ جُبَّةَ صُوفٍ، وَعَلَيْهَا مَكْتُوبٌ: "لَا تُبَاعُ وَلَا تُشْتَرَى" فَسَمِعَ كَلَامَ ذِي النُّونِ، فَصَرَخَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَلَا خَيْرَ فِي شَكْوَى إِلَى غَيْرِ مُشْتَكًى وَلَا بُدَّ مِنْ شَكْوَى إِذَا لَمْ يَكُنْ صَبْرُ وعن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ قُرَّةَ قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَرَرْتُ بِسَعْدُونَ فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَأْسِ شَيْخٍ سَكْرَانَ يَذُبُّ عَنْهُ. فَقُلْتُ: سَعْدُونُ، مَا لِي أَرَاكَ جَالِسًا عِنْدَ رَأْسِ هَذَا الشَّيْخِ. فَقَالَ: إِنَّهُ مَجْنُونٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ الْمَجْنُونُ أَوْ هُوَ ؟ قَالَ: لَا بَلْ هُوَ. قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ قُلْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: لِأَنِّي صَلَّيْتُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمَاعَةً وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ جَمَاعَةً وَلَا فُرَادَى. قُلْتُ: فَهَلْ قُلْتَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ؟ فَقَالَ: تَرَكْتُ النَّبِيذَ لِأَهْلِ النَّبِيذِ وَأَصْبَحْتُ أَشْرَبُ مَاءً قِرَاحًا لِأَنَّ النَّبِيذَ يُذِلُّ الْعَزِيزَ وَيَكْسُو [سَوَادَ ] الْوُجُوهِ الصِّبَاحَا فَإِنْ كَانَ ذَا جَائِزًا لِلشَّبَابِ فَمَا الْعُذْرُ فِيهِ إِذَا الشَّيْبُ لَاحَا فَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ. وَانْصَرَفْتُ. 1038 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ غَانِمٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّعَيْنِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَرَحَلَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ. وَلِيَ الْقَضَاءَ بِإِفْرِيقِيَّةَ، وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ، أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ، أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ، مَوْلَى سَدُوسَ. سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ أَبِي عَرُوبَةَ، وَشُعْبَةَ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ سَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، فَرَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَيَحْيَى، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَكَانَ ثِقَةً مِنَ الْمُثَبَّتَيْنِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ صُهَيْبٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ صُهَيْبٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ مَنْصُورَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَالْأَعْمَشَ. وَرَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَانَ كُوفِيًّا، فَسَكَنَ بَغْدَادَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ مُؤَدِّبًا لِلْأَمِينَ، وَكَانَ أَحْمَدُ يُثْنِي عَلَيْهِ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: عُبَيْدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ كَانَ ثِقَةً صَالِحًا، صَالِحَ الْحَدِيثِ، صَاحِبَ نَحْوٍ وَعَرَبِيَّةٍ، وَقِرَاءَةٍ لِلْقُرْآنِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ بَغْدَادَ أَيَّامَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، فَصَيَّرَهُ مَعَ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ، فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ. عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَبُو مَخْلَدٍ الْخَفَّافُ الْحَلَبِيُّ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَبُو مَخْلَدٍ الْخَفَّافُ الْحَلَبِيُّ قَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ عَنِ الْأَعْمَشِ. قَالَ يَحْيَى، وَأَبُو دَاوُدَ: كَانَ ثِقَةً. وعن مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سُكَيْنَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ مُسْلِمٍ أَعُودُهُ، فَمَا لَبِثْتُ أَنْ قُمْتُ، فَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ عَائِدٍ، لَكِنَّ عِيسَى بْنَ صَالِحٍ لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، عَادَنِي فَمَا بَرِحَ حَتَّى بُلْتُ فِي ثِيَابِي. تُوُفِّيَ عَطَاءٌ فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ، أَبُو عَلِيٍّ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ، أَبُو عَلِيٍّ. كَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ ضَمَّ إِلَيْهِ هَارُونَ الرَّشِيدَ وَجَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ هَارُونُ عَرَفَ لِيَحْيَى حَقَّهُ، وَكَانَ يُعَظِّمُهُ، وَإِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ: قَالَ أَبِي. وَجَعَلَ إِصْدَارَ الْأُمُورِ وَإِيرَادَهَا إِلَيْهِ، إِلَى أَنْ نَكَبَ الْبَرَامِكَةَ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ، وَخَلَّدَهُ فِي الْحَبْسِ إِلَى أَنْ مَاتَ فِيهِ. وَكَانَ لَهُ الْكَلَامُ الْحَسَنُ، وَالْكَرَمُ الْوَاسِعُ، فَمِنْ كَلَامِهِ: حَاجِبُ الرَّجُلِ عَامِلُهُ عَلَى عَرْضِهِ. وَقَالَ: مَنْ بَلَغَ رُتْبَةً تَاهَ بِهَا أَخْبَرَ أَنَّ مَحَلَّهُ دُونَهَا. وَقَالَ: يَدُلُّ عَلَى كَرَمِ الرَّجُلِ سُودَانُ غِلْمَانِهِ. وَقَالَ لِابْنِهِ: خُذْ مَنْ كُلٍّ طَرَفًا، فَإِنَّ مَنْ جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ. وعن أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّدِيمُ قَالَ: قَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى عُقُولِ أَرْبَابِهَا: الْهَدِيَّةُ، وَالْكِتَابُ، وَالرَّسُولُ. وَكَانَ يَقُولُ لِوَلَدِهِ: اكْتُبُوا أَحْسَنَ مَا تَسْمَعُونَ، وَاحْفَظُوا أَحْسَنَ مَا تَكْتُبُونَ، وَتَحَدَّثُوا بِأَحْسَنِ مَا تَحْفَظُونَ. قَالَ ابْنُ عِمْرَانَ: بسنده قَالَ: كَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ يَقُولُ: إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا فَأَنْفِقْ فَإِنَّهَا لَا تَفْنَى، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَأَنْفِقْ فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى . وعن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ يَقُولُ: كَانَتْ صِلَاتُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ إِذَا رَكِبَ لِمَنْ تَعَرَّضَ لَهُ بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، فَرَكِبَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَعَرَضَ لَهُ أَدِيبٌ شَاعِرٌ فَقَالَ: يَا سُمِّيَ الْحَصُورَ يَحْيَى أُتِيحَتْ لَكَ مِنْ فَضْلِ رَبِّنَا جَنَّتَانِ كُلُّ مَنْ مَرَّ فِي الطَّرِيقِ عَلَيْكُمْ فَلَهُ مَنْ نَوَالِكُمْ مِائَتَانِ مِائَتَا دِرْهَمٍ لِمِثْلِي قَلِيلٌ هِيَ مِنْكُمْ لِلْقَابِسِ الْعِجْلَانِ قَالَ يَحْيَى: صَدَقْتُ. وَأَمَرَ بِحَمْلِهِ إِلَى دَارِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْ دَارِ الْخَلِيفَةِ سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ، وَأَخَذَ بِوَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ، إِمَّا أَنْ تُؤَدِّيَ الْمَهْرَ وَهُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَإِمَّا أَنْ يُطْلِقَ، وَإِمَّا أَنْ يُقِيمَ جَارِيًا [لِلْمَرْأَةِ ] مَا يَكْفِيهَا إِلَى أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ نَقْلُهَا، فَأَمَرَ لَهُ يَحْيَى بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ لِلْمَهْرِ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ لِثَمَنِ مَنْزِلٍ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ [الْمُنْزِلُ ] وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ لِلْبِنْيَةِ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ يَسْتَظْهِرُ بِهَا، فَأَخَذَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وعن حُسَيْنُ بْنُ فَهِمٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمَوْصِلِيِّ: حَدَّثَنِي أَبِي [قَالَ: ] أَتَيْتُ يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ ضِيقَةً، فَقَالَ: وَيْحَكَ ! مَا أَصْنَعُ بِكَ ؟ لَيْسَ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْوَقْتِ شَيْءٌ، وَلَكِنْ هَا هُنَا أَمْرٌ أَدُلُّكَ عَلَيْهِ، فَكُنْ فِيهِ رَجُلًا، قَدْ جَاءَنِي خَلِيفَةُ صَاحِبِ مِصْرَ يَسْأَلُنِي أَنْ أَسْتَهْدِيَ صَاحِبَهُ شَيْئًا، وَقَدْ أَبَيْتُ ذَلِكَ، فَأَلَحَّ عَلَيَّ وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ أَعْطَيْتَ بِجَارِيَتِكَ فُلَانَةَ آلَافَ دَنَانِيرَ، فَهُوَ ذَا أَسْتَهْدِيهِ إِيَّاهَا وَأُخْبِرُهُ أَنَّهَا قَدْ أَعْجَبَتْنِي، فَإِيَّاكَ أَنْ تَنْقُصَهَا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ. قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا شَعَرْتُ إِلَّا بِالرَّجُلِ قَدْ وَافَانِي فَسَاوَمَنِي بِالْجَارِيَةِ. فَقُلْتُ: لَا أَنْقُصُهَا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُسَاوِمُنِي حَتَّى بَذَلَ لِي عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا سَمِعْتُهَا ضَعْفَ قَلْبِي عَنْ رَدِّهَا، فَبِعْتُهَا وَقَبَضْتُ الْعِشْرِينَ أَلْفًا، وَصِرْتُ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَقَالَ لِي: كَيْفَ صَنَعْتَ فِي بَيْعِ جَارِيَتِكَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ أَجَبْتُ إِلَى الْعِشْرِينَ أَلْفًا حِينَ سَمِعْتُهَا. فَقَالَ: إِنَّكَ لَخَسِيسٌ، وَهَذَا خَلِيفَةُ فَارِسَ قَدْ جَاءَنِي فِي مِثْلِ هَذَا، فَخُذْ جَارِيَتَكَ، فَإِذَا سَاوَمَكَ بِهَا فَلَا تَنْقُصْهَا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِنْكَ بِذَلِكَ. قَالَ: فَجَاءَنِي الرَّجُلُ فَأَسْمَتْ عَلَيْهِ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُسَاوِمُنِي حَتَّى أَعْطَانِي ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَضَعُفَ قَلْبِي عَنْ رَدِّهَا، وَلَمْ أُصَدِّقْ بِهَا، فَأَوْجْبَتُهَا لَهُ بِهَا، ثُمَّ صِرْتُ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَقَالَ لِي: بِكُمْ بِعْتُ الْجَارِيَةَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ ! أَمَا تُؤَدِّبُكَ الْأُولَى عَنِ الثَّانِيَةِ. قُلْتُ: وَاللَّهِ ضَعُفَ قَلِّبِي عَنْ رَدِّ شَيْءٍ، لَمْ أَطْمَعْ فِيهِ. فَقَالَ: هَذِهِ جَارَيْتُكَ فَخُذْهَا إِلَيْكَ. قَالَ: جَارِيَةٌ أَفْدَتْ بِهَا خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ أَمْلِكُهَا، أُشْهِدُكَ أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا. وقال أَبُو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ: وَبَلَغَنَا أَنَّ الرَّشِيدَ بَعَثَ صَالِحًا صَاحِبَ الْمُصَلَّى إِلَى مَنْصُورِ بْنِ زِيَادٍ يَقُولُ لَهُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَاحْمِلْهَا إِلَيَّ الْيَوْمَ، فَإِنْ فِعْلَ إِلَى مَا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِلَّا فَخُذْ رَأْسَهُ، وَائْتِنِي بِهِ، وَلَا تُرَاجِعْنِي. قَالَ صَالِحٌ: فَخَرَجْتُ إِلَى مَنْصُورٍ فَعَرَفْتُهُ، فَقَالَ: ذَهَبَتْ وَاللَّهِ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا أَتَمَكَّنُ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَضْلًا [عَنْ ] عَشَرَةِ آلَافِ أَلْفٍ. قَالَ لَهُ صَالِحٌ: خُذْ فِيمَا هُوَ أَعُودُ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ. فَقَالَ لَهُ: تَحْمِلُنِي إِلَى أَهْلِي حَتَّى أُوصِيَ. فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهِمُ ارْتَفَعَ صِيَاحُ الْحَرِيمِ وَالْجَوَارِي، فَقَالَ لِصَالِحٍ: امْضِ بِنَا إِلَى يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَرَجِ عَلَى يَدِهِ. فَمَضَى مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى يَحْيَى وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ: مَا لَكَ ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَأَطْرَقَ مُتَفَكِّرًا ثُمَّ دَعَا جَارِيَةً فَقَالَ: كَمْ عِنْدَكَ مِنَ الْمَالِ ؟ قَالَتْ: خَمْسَةُ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَقَالَ: أَعِدِيهَا. ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى الْفَضْلِ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، كُنْتُ عَرَّفْتَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَشْتَرِيَ ضَيْعَةً بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَكَ ضَيْعَةً تَغُلُّ السُّكَّرَ، وَتَبْقَى الدَّهْرَ فَأَنْفِذْهَا إِلَيَّ. فَأَنْفَذَهَا وَأَرْسَلَ إِلَى جَعْفَرٍ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ ابْعَثْ إِلَيَّ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ لِحَقٍّ لَزِمَنِي. فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَفَكَّرَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ لِخَادِمٍ عَلَى رَأْسِهِ: ابْعَثْ إِلَيَّ دَنَانِيرَ وَقُلْ لَهَا هَاتِ الْعَقْدَ الَّذِي وَهَبَهُ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأُهْدِيهِ. فَقَالَ: هَذَا عَقْدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. فَوَهَبَهُ لِدَنَانِيرَ، وَقَدْ قَوَّمْنَاهُ عَلَيْكَ بِأَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ لِيَتِمَّ الْمَالُ، فَخَلِّ عَنْ صَاحِبِنَا. فَأَخَذْتُ ذَلِكَ، وَرَدَدْتُ مَنْصُورًا مَعِي، فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى الْبَابِ تَمَثَّلَ مَنْصُورٌ: فَمَا بَقِيَا عَلَيَّ تَرَكْتُمَانِي وَلَكِنْ خِفْتُمَا صَرْدَ النِّبَالِ قَالَ صَالِحٌ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مَا أَحَدٌ أَكْرَمُ مِنْ يَحْيَى، وَلَا أَرْدَأُ طَبْعًا مِنْ هَذَا النَّبَطِيِّ، إِذْ لَمْ يَشْكُرْ مَنْ أَحْيَا نَفْسَهُ. وَصِرْتُ إِلَى الرَّشِيدِ فَعَرَّفْتُهُ مَا جَرَى إِلَّا إِنْشَادَ الْبَيْتِ، خَوْفًا عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ إِلَّا بِأَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ، فَاقْبِضِ الْمَالَ، وَارْدُدِ الْعَقْدَ، فَمَا كُنْتُ لِأَهَبَ هِبَةً ثُمَّ أَرْتَجِعَهَا. قَالَ صَالِحٌ: وَحَمَلَنِي غَيْظِي مِنْ مَنْصُورٍ أَنْ عَرَّفْتُ يَحْيَى مَا أَنْشَدَ، فَأَقْبَلَ يَحْيَى يَتَحَمَّلُ لَهُ بِالْغَدْرِ وَيَقُولُ: إِنَّ الْخَائِفَ لَا يُتَّقَى لَهُ لُبٌّ، وَرُبَّمَا نَطَقَ بِمَا لَا يَعْتَقِدُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ فِعْلَيْكَ أَعْجَبُ، مِنْ فِعْلِكَ مَعَهُ، أَوْ مِنِ اعْتِذَارِكَ عَنْهُ، لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الزَّمَانَ لَا يَأْتِي بِمِثْلِكَ أَبَدًا. وَكَانَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ يَجْرِي عَلَى سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَسَمِعَ سُفْيَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ إِنَّ يَحْيَى كَفَانِي أَمْرَ دُنْيَايَ فَاكْفِهِ بِهِمْ آخِرَتَهُ. فَلَمَّا مَاتَ يَحْيَى رَآهُ بَعْضُ إِخْوَانِهِ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ. قَالَ: غَفَرَ لِي بِدَعْوَةِ سُفْيَانَ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ قَالَ: قَالَ أَبِي لِأَبِيهِ: يَحْيَى بْنُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ - وَهِمَ فِي الْقُيُودِ وَلَبِسَ الصُّوفَ وَالْحَبْسَ -: يَا أَبَتِ، بَعْدَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْأَمْوَالِ الْعَظِيمَةِ أَصَارَنَا الدَّهْرُ إِلَى الْقُيُودِ وَلُبْسِ الصُّوفِ وَالْحَبْسِ ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، دَعْوَةُ مَظْلُومٍ سَرَتْ بِلَيْلٍ غَفَلْنَا عَنْهَا وَلَمْ يَغْفَلِ اللَّهُ عَنْهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: رُبَّ قَوْمٍ قَدْ غَدَوْا فِي نِعْمَةٍ زَمَنًا وَالدَّهْرُ رَيَّانُ غَدِقْ سَكَتَ الدَّهْرُ زَمَانًا عَنْهُمْ ثُمَّ أَبْكَاهُمْ دَمًا حِينَ نَطَقْ تُوُفِّيَ يَحْيَى فِي حَبْسِ الرَّشِيدِ بِالرَّافِقَةِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْفَضْلُ، وَدُفِنَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ فِي رَبَضِ هَرْثَمَةَ، وَوُجِدَ فِي جَيْبِهِ رُقْعَةٌ حِينَ مَاتَ، مَكْتُوبٌ فِيهَا بِخَطِّهِ: "قَدْ تَقَدَّمَ الْخَصْمُ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَثَرِ، وَالْقَاضِي هُوَ الْحَكَمُ الْعَدْلُ الَّذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ". فَحُمِلَتِ الرُّقْعَةُ إِلَى الرَّشِيدِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي يَوْمَهُ، وَبَقِيَ أَيَّامًا يُتَبَيَّنُ الْأَسَى فِي وَجْهِهِ. وَعُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَطَاءِ بْنِ مُقَدَّمٍ الْمُقَدَّمِيُّ الْبَصْرِيُّ.
التاريخ 3060لا حكم مسجّل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وفي سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ خَرَجَ رَجُلٌ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ: ثَرْوَانُ بْنُ سَيْفٍ وَجَعَلَ يَتَنَقَّلُ فِيهَا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ طَوْقَ بْنَ مَالِكٍ فَهَزَمَهُ، وَجُرِحَ ثَرْوَانُ وَقُتِلَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَكُتِبَ بِالْفَتْحِ إِلَى الرَّشِيدِ.
التاريخ 3061لا حكم مسجّل
وَفِي سنة إحدى وتسعين ومائة غَزَا بِلَادَ الرُّومِ يَزِيدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْهُبَيْرِيُّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَخَذَتْ عَلَيْهِ الرُّومُ الْمَضِيقَ فَقَتَلُوهُ فِي خَمْسِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ طَرَسُوسَ فَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، وَوَلَّى الرَّشِيدُ غَزْوَ الصَّائِفَةِ لِهَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فِيهِمْ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ، وَإِلَيْهِ النَّفَقَاتُ. وَخَرَجَ الرَّشِيدُ إِلَى الْحَدَثِ لِيَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِهَدْمِ الْكَنَائِسِ بِالثُّغُورِ، وَأَلْزَمَ أَهْلَ الذِّمَّةِ بِتَمْيِيزِ لِبَاسِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ فِي بَغْدَادَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ. وَأَمَرَ هَرْثَمَةَ بِبِنَاءِ طَرَسُوسَ وَتَمْصِيرِهَا، فَفَعَلَ، وَتَوَلَّى ذَلِكَ فَرَجٌ الْخَادِمُ بِأَمْرِ الرَّشِيدِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهَا جُنْدًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، ثُمَّ أَشْخَصَ إِلَيْهِمْ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْمَصِّيصَةِ، وَأَلْفًا مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ، وَتَمَّ بِنَاؤُهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَبَنَى مَسْجِدَهَا.
التاريخ 3062لا حكم مسجّل
الْفِتْنَةِ مِنْ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ وَهُوَ وَقْعَةُ الْحُفْرَةِ فِي سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ أَوْقَعَ الْأَمِيرُ الْحَكَمُ بْنُ هِشَامٍ الْأُمَوِيُّ، صَاحِبُ الْأَنْدَلُسِ، بِأَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ رَجُلٍ مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ طُلَيْطِلَةَ كَانُوا قَدْ طَمِعُوا فِي الْأُمَرَاءِ، وَخَلَعُوهُمْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ بِحَصَانَةِ بَلَدِهِمْ وَكَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا يُطِيعُونَ أُمَرَاءَهُمْ طَاعَةً مُرْضِيَةً، فَلَمَّا أَعْيَا الْحَكَمَ شَأْنُهُمْ أَعْمَلَ الْحِيلَةَ فِي الظَّفَرِ بِهِمْ، فَاسْتَعَانَ فِي ذَلِكَ بِعَمْرُوسَ بْنِ يُوسُفَ الْمَعْرُوفِ بِالْمُوَلِّدِ، وَكَانَ قَدْ ظَهَرَ فِي هَذَا الْوَقْتِ بِالثَّغْرِ الْأَعْلَى، فَأَظْهَرَ طَاعَةَ الْحَكَمِ، وَدَعَا إِلَيْهِ، فَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ بِهَذَا السَّبَبِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ وَشْقَةَ، فَاسْتَحْضَرَهُ فَحَضَرَ عِنْدَهُ، فَأَكْرَمَهُ الْحَكَمُ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى عَزْمِهِ فِي أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، وَوَاطَأَهُ عَلَى التَّدْبِيرِ عَلَيْهِمْ، فَوَلَّاهُ طُلَيْطِلَةَ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِهَا يَقُولُ: إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُ لَكُمْ فُلَانًا، وَهُوَ مِنْكُمْ، لِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ إِلَيْهِ، وَأَعْفَيْتُكُمْ مِمَّنْ تَكْرَهُونَ مِنْ عُمَّالِنَا وَمَوَالِينَا، وَلِتَعْرِفُوا جَمِيلَ رَأَيْنَا فِيكُمْ. فَمَضَى عَمْرُوسٌ إِلَيْهِمْ، وَدَخَلَ طُلَيْطِلَةَ، فَأَنِسَ بِهِ أَهْلُهَا، وَاطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ، وَأَحْسَنَ عِشْرَتَهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا عَمِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحِيلَةِ أَنْ أَظْهَرَ لَهُمْ مُوَافَقَتَهُمْ عَلَى بُغْضِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَخَلْعِ طَاعَتِهِمْ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَوَثِقُوا بِمَا يَفْعَلُهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ سَبَبَ الشَّرِّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَصْحَابِ الْأَمِيرِ إِنَّمَا هُوَ اخْتِلَاطُهُمْ بِكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَبْنِيَ بِنَاءً أَعْتَزِلُ فِيهِ أَنَا وَأَصْحَابُ السُّلْطَانِ رِفْقًا بِكُمْ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَبَنَى فِي وَسَطِ الْبَلَدِ مَا أَرَادَ. فَلَمَّا مَضَى لِذَلِكَ مُدَّةٌ كَتَبَ الْأَمِيرُ الْحَكَمُ إِلَى عَامِلٍ لَهُ عَلَى الثَّغْرِ الْأَعْلَى سِرًّا، يَأْمُرُهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ يَسْتَغِيثُ مِنْ جُيُوشِ الْكَفَرَةِ، وَطَلَبَ النَّجْدَةَ وَالْعَسَاكِرَ، فَفَعَلَ الْعَامِلُ ذَلِكَ، فَحَشَدَ الْحَكَمُ الْجُيُوشَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَحَشَدَ مَعَهُ قُوَّادَهُ وَوُزَرَاءَهُ، فَسَارَ الْجَيْشُ وَاجْتَازَ بِمَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ، وَلَمْ يَعْرِضْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِدُخُولِهَا، فَأَتَاهُ وَهُوَ عِنْدَهَا الْخَبَرُ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِلِ أَنَّ عَسَاكِرَ الْكَفَرَةِ قَدْ تَفَرَّقَتْ، وَكَفَى اللَّهُ شَرَّهَا، فَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرُ، وَعَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى الْعَوْدِ إِلَى قُرْطُبَةَ، فَقَالَ عَمْرُوسٌ عِنْدَ ذَلِكَ لِأَهْلِ طُلَيْطِلَةَ: قَدْ تَرَوْنَ نُزُولَ وَلَدِ الْحَكَمِ إِلَى جَانِبِي، وَإِنَّهُ يَلْزَمُنِي الْخُرُوجُ إِلَيْهِ وَقَضَاءُ حَقِّهِ، فَإِنْ نَشِطْتُمْ لِذَلِكَ وَإِلَّا سِرْتُ إِلَيْهِ وَحْدِي. فَخَرَجَ مَعَهُ وُجُوهُ أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، فَأَكْرَمَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ. وَكَانَ الْحَكَمُ قَدْ أَرْسَلَ مَعَ وَلَدِهِ خَادِمًا لَهُ، وَمَعَهُ كِتَابٌ لَطِيفٌ إِلَى عَمْرُوسٍ، فَأَتَاهُ الْخَادِمُ وَصَافَحَهُ، وَسَلَّمَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَادِثَهُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَمْرُوسٌ الْكِتَابَ رَأَى فِيهِ كَيْفَ تَكُونُ الْحِيلَةُ عَلَى أَهْلِ طُلَيْطِلَةَ، فَأَشَارَ إِلَى أَعْيَانِ أَهْلِهَا بِأَنْ يَسْأَلُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ الدُّخُولَ إِلَيْهِمْ لِيَرَى هُوَ وَأَهْلُ عَسْكَرِهِ كَثْرَتَهُمْ، وَمَنَعَتَهُمْ، وَقُوَّتَهُمْ، فَظَنَّوْهُ يَنْصَحُهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَأَدْخَلُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْبَلَدَ، وَنَزَلَ مَعَ عَمْرُوسٍ فِي دَارِهِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ طُلَيْطِلَةَ أَرْسَالًا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ. وَأَشَاعَ عَمْرُوسٌ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَتَّخِذَ لَهُمْ وَلِيمَةً عَظِيمَةً، وَشَرَعَ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ، وَوَاعَدَهُمْ يَوْمًا ذَكَرَهُ، وَقَرَّرَ مَعَهُمْ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مِنْ بَابٍ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ آخَرَ لِيَقِلَّ الزِّحَامُ،، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الْمَذْكُورُ أَتَاهُ النَّاسُ أَفْوَاجًا، فَكَانَ كُلَّمَا دَخَلَ فَوْجٌ أُخِذُوا وَحُمِلُوا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ عَلَى حُفْرَةٍ كَبِيرَةٍ فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ، فَضُرِبَتْ رِقَابُهُمْ عَلَيْهَا، فَلَمَّا تَعَالَى النَّهَارُ أَتَى بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَقَالَ: أَيْنَ النَّاسُ ؟ فَقِيلَ: إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَيَخْرُجُونَ مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ، فَقَالَ: مَا لَقِيَنِي مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَعَلِمَ الْحَالَ، وَصَاحَ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ هَلَاكَ أَصْحَابِهِمْ، فَكَانَ سَبَبَ نَجَاةِ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، فَذَلَّتْ رِقَابُهُمْ بَعْدَهَا، وَحَسُنَتْ طَاعَتُهُمْ بَقِيَّةَ أَيَّامِ الْحَكَمِ وَأَيَّامِ وَلَدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ انْجَبَرَتْ مُصِيبَتُهُمْ، وَكَثُرُوا، فَلَمَّا هَلَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَلِيَ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ عَاجَلُوهُ بِالْخَلْعِ.
التاريخ 3063لا حكم مسجّل
عِصْيَانِ أَهْلِ مَارِدَةَ عَلَى الْحَكَمِ وَمَا فَعَلَهُ بِأَهْلِ قُرْطُبَةَ وَفِي سنة إحدى وتسعين ومائة عَصَى أَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَوَافَقَهُ أَهْلُ مَدِينَةِ مَارِدَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، عَلَى الْحَكَمِ، وَأَخْرَجُوا عَامِلَهُ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالْحَكَمِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَحَاصَرَهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ مُجِدٌّ فِي الْحِصَارِ أَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ أَهْلِ قُرْطُبَةَ أَنَّهُمْ أَعْلَنُوا الْعِصْيَانَ لَهُ، فَرَجَعَ مُبَادِرًا، فَوَصَلَ إِلَى قُرْطُبَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَكَشَفَ عَنِ الَّذِينَ أَثَارُوا الْفِتْنَةَ، فَصَلَبَهُمْ مُنَكَّسِينَ، وَضَرَبَ أَعْنَاقَ جَمَاعَةٍ، فَارْتَدَعَ الْبَاقُونَ بِذَلِكَ، وَاشْتَدَّتْ كَرَاهِيَّتُهُمْ لَهُ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ مَارِدَةَ تَارَةً يُطِيعُونَ وَمَرَّةً يَعْصُونَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، فَضَعُفَ أَمْرُ أَصْبَغَ ; لِأَنَّ الْحَكَمَ تَابَعَ إِرْسَالَ الْجُيُوشِ إِلَيْهِ، وَاسْتَمَالَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ أَهْلِ مَارِدَةَ وَثِقَاتِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَمَالُوا إِلَيْهِ، وَفَارَقُوا أَصْبَغَ، حَتَّى أَخُوهُ، فَتَحَيَّرَ أَصْبَغُ، وَضَعُفَتْ نَفْسُهُ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُ الْحَكَمُ، فَفَارَقَ مَارِدَةَ، وَحَضَرَ عِنْدَ الْحَكَمِ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ بِقُرْطُبَةَ.
التاريخ 3064لا حكم مسجّل
عِصْيَانِ حَزْمٍ عَلَى الْحَكَمِ فِي سنة إحدى وتسعين ومائة خَالَفَ حَزْمُ بْنُ وَهْبٍ بِنَاحِيَةِ بَاجَةَ، وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ، وَقَصَدُوا لَشْبُونَةَ، وَكَانَ الْحَكَمُ يُسَمِّي حَزْمًا فِي كُتُبِهِ - النَّبَطِيَّ، فَلَمَّا سَمِعَ الْحَكَمُ خَبَرَهُ سَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنَهُ هِشَامًا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَأَذَلَّهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَطَعَ الْأَشْجَارَ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى أَذْعَنُوا لِطَلَبِ الْأَمَانِ، فَأَمَّنَهُ.
التاريخ 3065لا حكم مسجّل
غَزْوِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ فِي سنة إحدى وتسعين ومائة تَجَهَّزَ لُذَرِيقُ مَلِكُ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ، وَجَمَعَ جُمُوعَهُ لِيَسِيرَ إِلَى مَدِينَةِ طَرْطُوشَةَ لِيَحْصُرَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَكَمَ، فَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَسَيَّرَهَا مَعَ وَلَدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَاجْتَمَعُوا فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، وَتَبِعَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَطَوِّعَةِ، فَسَارُوا، فَلَقُوا الْفِرِنْجَ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَنَالُوا مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَاقْتَتَلُوا، وَبَذَلَ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ جُهْدَهُ، وَاسْتَنْفَدَ وُسْعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ وَالْأَسْرُ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَأَثْقَالُهُمْ، وَعَادَ الْمُسْلِمُونَ ظَافِرِينَ غَانِمِينَ.
التاريخ 3066لا حكم مسجّل
عَزْلِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ عَنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ هَرْثَمَةَ وَفِي سنة إحدى وتسعين ومائة عَزَلَ الرَّشِيدُ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ عَنْ خُرَاسَانَ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَتْلِ ابْنِهِ عِيسَى، فَلَمَّا قُتِلَ جَزِعَ عَلَيْهِ أَبُوهُ، فَخَرَجَ عَنْ بَلْخَ إِلَى مَرْوَ مَخَافَةً عَلَيْهَا أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ لِيَأْخُذَهَا، وَكَانَ ابْنُهُ عِيسَى قَدْ دَفَنَ فِي بُسْتَانٍ فِي دَارِهِ بِبَلْخَ - أَمْوَالًا عَظِيمَةً، قِيلَ: كَانَتْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَبُوهُ، وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا إِلَّا جَارِيَةً لَهُ، فَلَمَّا سَارَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى إِلَى مَرْوَ أَطْلَعَتِ الْجَارِيَةُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضَ الْخَدَمِ، وَتَحَدَّثَ بِهِ النَّاسُ وَاجْتَمَعُوا، وَدَخَلُوا الْبُسْتَانَ، وَنَهَبُوا الْمَالَ، وَبَلَغَ الرَّشِيدَ الْخَبَرُ، فَقَالَ: خَرَجَ عَنْ بَلْخَ عَنْ غَيْرِ أَمْرِي، وَخَلَّفَ مِثْلَ هَذَا الْمَالِ، وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ بَاعَ حُلِىَّ نِسَائِهِ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَى مُحَارَبَةِ رَافِعٍ ! فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ هَرْثَمَةَ بْنَ أَعْيَنَ. وَكَانَ قَدْ نَقَمَ الرَّشِيدُ عَلَيْهِ مَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ سُوءِ سِيرَتِهِ وَإِهَانَتِهِ أَعْيَانَ النَّاسِ وَاسْتِخْفَافِهِ بِهِمْ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا الْحُسَيْنُ بْنُ مُصْعَبٍ وَالِدُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهِشَامُ بْنُ فَرَّخِسْرَوَ، فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِلْحُسَيْنِ: لَا سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا مُلْحِدُ يَا بْنَ الْمُلْحِدِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ عَدَاوَةِ الْإِسْلَامِ، وَالطَّعْنِ فِي الدِّينِ، وَلَمْ أَنْتَظِرْ بِقَتْلِكَ إِلَّا أَمْرَ الْخَلِيفَةِ، أَلَسْتَ الْمُرْجِفَ بِي فِي مَنْزِلِي هَذَا بَعْدَ أَنْ ثَمِلْتَ مِنَ الْخَمْرِ، وَزَعَمْتَ أَنَّكَ جَاءَتْكَ كُتُبٌ مِنْ بَغْدَاذَ بِعَزْلِي ؟ اخْرُجْ إِلَى سَخَطِ اللَّهِ، لَعَنَكَ اللَّهُ، فَعَنْ قَرِيبٍ مَا يَكُونُ مِنْهَا. فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ فَأُخْرِجَ. وَقَالَ لِهِشَامِ بْنِ فَرَّخُسْرَوَ: صَارَتْ دَارُكَ دَارَ النَّدْوَةِ، يَجْتَمِعُ إِلَيْكَ السُّفَهَاءُ تَطْعَنُ عَلَى الْوُلَاةِ، سَفَكَ اللَّهُ دَمِي إِنْ لَمْ أَسْفِكْ دَمَكَ ! فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْذِرْهُ، فَأَخْرَجَهُ. فَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَسَارَ إِلَى الرَّشِيدِ فَاسْتَجَارَ بِهِ وَشَكَا إِلَيْهِ، فَأَجَارَهُ، وَأَمَّا هِشَامٌ فَإِنَّهُ قَالَ لِبِنْتٍ لَهُ: إِنِّي أَخَافُ الْأَمِيرَ عَلَى دَمِي، وَأَنَا مُفْضٍ إِلَيْكِ بِأَمْرٍ إِنْ أَنْتِ أَظْهَرْتِهِ قُتِلْتُ، وَإِنْ أَنْتِ كَتَمْتِهِ سَلِمْتُ. قَالَتْ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: قَدْ عَزَمْتُ عَلَى أَنْ أُظْهِرَ أَنَّ الْفَالِجَ قَدْ أَصَابَنِي، فَإِذَا كَانَ فِي السَّحَرِ، فَاجْمَعِي جَوَارِيَكِ، وَاقْصُدِي فِرَاشِي وَحَرِّكِينِي، فَإِذَا رَأَيْتِ حَرَكَتِي ثَقُلَتْ فَصِيحِي أَنْتِ وَجَوَارِيكِ، وَاجْمَعِي إِخْوَتَكِ فَأَعْلِمِيهِمْ عِلَّتِي. فَفَعَلَتْ مَا أَمَرَهَا، وَكَانَتْ عَاقِلَةً، فَأَقَامَ مَطْرُوحًا عَلَى فِرَاشِهِ حِينًا لَا يَتَحَرَّكُ إِلَى أَنْ جَاءَ هَرْثَمَةُ وَالِيًا، فَرَكِبَ إِلَى لِقَائِهِ، فَرَآهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ ؟ فَقَالَ: أَتَلَقَّى الْأَمِيرَ أَبَا حَاتِمٍ. قَالَ: أَلَمْ تَكُنْ عَلِيلًا ؟ فَقَالَ: وَهَبَ اللَّهُ الْعَافِيَةَ، وَعَزَلَ الطَّاغِيَةَ، فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ وِلَايَةُ هَرْثَمَةَ ظَاهِرَةً. وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ سِرًّا، لَمْ يُطْلِعِ الرَّشِيدُ عَلَيْهَا أَحَدًا، فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا أَرَادَ عَزْلَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى اسْتَدْعَى هَرْثَمَةَ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى قَدْ كَتَبَ يَسْتَمِدُّنِي بِالْعَسَاكِرِ وَالْأَمْوَالِ، فَأَظْهِرْ لِلنَّاسِ أَنَّكَ تَسِيرُ إِلَيْهِ نَجْدَةً لَهُ. وَكَتَبَ لَهُ الرَّشِيدُ كِتَابًا بِوِلَايَتِهِ بِخَطِّ يَدِهِ، وَأَمَرَ كُتَّابَهُ أَنْ يَكْتُبُوا لَهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بِأَنَّهُ قَدْ سَيَّرَ هَرْثَمَةَ نَجْدَةً لَهُ. فَسَارَ هَرْثَمَةُ وَلَا يَعْلَمُ بِأَمْرِهِ أَحَدٌ، حَتَّى وَرَدَ نَيْسَابُورَ، فَلَمَّا وَرَدَهَا اسْتَعْمَلَ أَصْحَابَهُ عَلَى كُوَرِهَا، وَسَارَ مُجِدًّا يَسْبِقُ الْخَبَرَ، فَأَتَى مَرْوَ وَالْتَقَاهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، فَاحْتَرَمَهُ هَرْثَمَةُ وَعَظَّمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْبَلَدَ، ثُمَّ قَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُ فَبَلَغَتْ ثَمَانِينَ أَلْفَ ( أَلْفٍ )، ( وَكَانَتْ خَزَائِنُهُ وَأَثَاثُهُ عَلَى ) أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ، فَأَخَذَ الرَّشِيدُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَكَانَ وُصُولُ هَرْثَمَةَ إِلَى خُرَاسَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، فَلَمَّا فَرَغَ هَرْثَمَةُ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِهِمْ أَقَامَهُمْ لِمُطَالَبَةِ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَى الرَّشِيدِ بِذَلِكَ، وَسَيَّرَ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى إِلَيْهِ عَلَى بَعِيرٍ بِغَيْرِ وِطَاءٍ وَلَا غِطَاءٍ.
التاريخ 3067لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وفي سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ خَرَجَ بِالشَّامِ أَبُو النِّدَاءِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الرَّشِيدُ يَحْيَى بْنَ مُعَاذٍ وَاسْتَنَابَهُ عَلَى الشَّامِ. وَفِيهَا وَقَعَ الثَّلْجُ بِبَغْدَادَ. وَفِيهَا فَتَحَ الرَّشِيدُ هِرَقْلَةَ فِي شَوَّالٍ، وَخَرَّبَهَا وَسَبَى أَهْلَهَا ، وَبَثَّ الْجُيُوشَ وَالسَّرَايَا بِأَرْضِ الرُّومِ، وَخَرَجَتِ الرُّومُ إِلَى عَيْنِ زَرْبَى، وَالْكَنِيسَةِ السَّوْدَاءِ. وَكَانَ خَرَاجُ هِرَقْلَةَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ مَرْفُوقٍ. وَوَلَّى حُمَيْدَ بْنَ مَعْيُوفٍ سَوَاحِلَ الشَّامِ إِلَى مِصْرَ، وَدَخَلَ جَزِيرَةَ قُبْرُصَ، فَسَبَى أَهْلَهَا وَحَمَلَهُمْ حَتَّى بَاعَهُمْ بِالرَّافِقَةِ ، فَبَلَغَ ثَمَنُ الْأُسْقُفِّ أَلْفَيْ دِينَارٍ، بَاعَهُمْ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ الْقَاضِي وَفِيهَا أَسْلَمَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى يَدَيِ الْمَأْمُونِ . وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ وَالِيَ مَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ صَائِفَةٌ إِلَى سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَفِيهَا ظَفِرَ حَمَّادٌ الْبَرْبَرِيُّ بِهَيْصَمٍ الْيَمَانِيِّ. ( وَفِيهَا أَرْسَلَ أَهْلُ نَسَفَ إِلَى رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ مَنْ يُعِينُهُمْ عَلَى قَتْلِ عِيسَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَعَلِيِّ بْنِ عِيسَى، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَمْعًا، فَقَتَلُوا عِيسَى وَحْدَهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ).
التاريخ 3068لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَخْتَرِيُّ، أَبُو صَالِحٍ اللَّخْمِيُّ الْمُعَدَّلُ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَخْتَرِيُّ، أَبُو صَالِحٍ اللَّخْمِيُّ الْمُعَدَّلُ. حَدَّثَ عَنْ كَامِلِ بْنِ طَلْحَةَ. رَوَى عَنْهُ: الطَّبَرَانِيُّ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ، أَبُو يَزِيدَ الْخَرَّازُ الرِّقِّيُّ خَالِدُ بْنُ حَيَّانَ، أَبُو يَزِيدَ الْخَرَّازُ الرِّقِّيُّ. سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ بَرْقَانَ، وَفُرَاتَ بْنَ سَلْمَانَ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ. وَكَانَ شَدِيدَ التَّحَفُّظِ فِي الضَّبْطِ وَالتَّوَقِّي، نَزَلَ الرِّقَّةَ فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، أَبُو عَمْرٍو الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، أَبُو عَمْرٍو الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ. رَأَى جَدَّهُ أَبَا إِسْحَاقَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ، وَسَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَالْأَعْمَشَ، وَالْأَوْزَاعِيَّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَابْنَ إِسْحَاقَ. رَوَى عَنْهُ: الْقَعْنَبِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَكَانَ ثِقَةً ثَبَتًا، وَانْتَقَلَ عَنِ الْكُوفَةِ إِلَى بَعْضِ ثُغُورِ الشَّامِ فَسَكَنَهَا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّ عِيسَى كَانَ سَنَةً فِي الْغَزْوِ، وَسَنَةً فِي الْحَجِّ، وَقَدْ كَانَ قَدِمَ بَغْدَادَ، فَأُمِرَ لَهُ بِمَالٍ فَلَمْ يَقْبَلْهُ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، أَرْسَلَنَا إِلَيْهِ فَأَتَانَا بِالرِّقَّةِ، فَاعْتَلَّ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا عُمَرَ، قَدْ أُمِرَ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ. [فَقَالَ: هِيهِ ]. فَقُلْتُ: هِيَ خَمْسُونَ أَلْفًا. فَقَالَ لِي: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا. فَقُلْتُ: وَلِمَ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَا هَنَيْتُكَهَا، هِيَ وَاللَّهِ مِائَةُ أَلْفٍ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا يَتَحَدَّثُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنِّي أَكَلْتُ لِلسَّنَةِ ثَمَنًا، أَلَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيَّ ؟ فَأَمَّا عَلَى الْحَدِيثِ فَوَ اللَّهِ لَا شَرْبَةَ مَاءٍ وَلَا إِهْلِيلَجَةَ !. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْحَدَثِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ: سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَبُو مُحَمَّدٍ. كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَنَزَلَ الْمِصِّيصَةَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ أَسْنَدَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَعْتَذِرَ عَنْهَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً. وتوفي بها سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَبْرَشُ . وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ . الْفَقِيهُ الرَّاوِي عَنْ مَالِكٍ؛ الَّذِي هُوَ الْعُمْدَةُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ. وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ. وَمُعَمَّرٌ الرَّقِّيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى السِّينَانِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ، مَوْلَى بَنِي قَطِيعَةَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. ( السِّينَانِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ، وَبِالنُّونِ قَبْلَ الْأَلِفِ، ثُمَّ بِنُونٍ بَعْدَهُ، مَنْسُوبٌ إِلَى سِينَانَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مَرْوَ ).
التاريخ 3069لا حكم مسجّل
مَسِيرِ الرَّشِيدِ إِلَى خُرَاسَانَ وفِي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا سَارَ الرَّشِيدُ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى بَغْدَاذَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ لِحَرْبِ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ، وَكَانَ مَرِيضًا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الرَّقَّةِ ابْنَهُ الْقَاسِمَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ، وَسَارَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى النَّهْرَوَانِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَاذَ ابْنَهُ الْأَمِينَ، وَأَمَرَ الْمَأْمُونَ بِالْمُقَامِ بِبَغْدَاذَ. فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ لِلْمَأْمُونِ حِينَ أَرَادَ الرَّشِيدُ الْمَسِيرَ إِلَى خُرَاسَانَ: لَسْتَ تَدْرِي مَا يَحْدُثُ بِالرَّشِيدِ، وَخُرَاسَانُ وِلَايَتُكَ، وَمُحَمَّدٌ الْأَمِينُ الْمُقَدَّمُ عَلَيْكَ، وَإِنَّ أَحْسَنَ مَا يَصْنَعُ بِكَ أَنْ يَخْلَعَكَ، وَهُوَ ابْنُ زُبَيْدَةَ [ وَأَخْوَالُهُ بَنُو هَاشِمٍ، وَزُبَيْدَةُ ] وَأَمْوَالُهَا [ رِدْءٌ لَهُ ]، فَاطْلُبْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَسِيرَ مَعَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ بَعْدَ امْتِنَاعٍ. فَلَمَّا سَارَ الرَّشِيدُ سَايَرَهُ الصَّبَّاحُ الطَّبَرِيُّ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَبَّاحُ، لَا أَظُنُّكَ تَرَانِي أَبَدًا. فعَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَبَاحٍ الطَّبَرِيُّ مَوْلَى عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: شَيَّعْتُ الرَّشِيدَ حِينَ مَضَى إِلَى خُرَاسَانَ فَقَالَ لِي وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَأْرَمَا: يَا صَبَاحُ، مَا أَحْسَبُكَ تَرَانِي بَعْدَ هَذَا أَبَدًا. فَقُلْتُ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَقُولَ هَذَا ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُبْقِيَكَ اللَّهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِائَةَ سَنَةٍ. فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: يَا صَبَاحُ، أَنَا وَاللَّهِ مَيِّتٌ بَعْدَ قَرِيبٍ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، وَاللَّهِ إِنِّي أَرَى دَمًا ظَاهِرًا، وَلَوْنًا نَاصِعًا، وَشَبَابًا زَائِدًا، وَمَئُونَةً قَوِيَّةً، وَرُوحًا طَيِّبَةً، فَعَمَّرَكَ اللَّهُ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَّرَ مَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ، وَفَتَحَ لَكَ مَا فَتَحَ عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَلَا أَرَى رَعِيَّتَكَ فِيكَ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى جَمْعِيَّةٍ كَانَتْ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: تَنَحُّوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: مِلْ بِنَا نَحْوَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ حَتَّى أُسِرَّ إِلَيْكَ سِرًّا. قَالَ: فَسِرْتُ مَعَهُ مُنْحَرِفًا عَنِ الْجَادَّةِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، فَكَمَنَ فِي ظِلِّ حَائِطٍ ثُمَّ قَالَ: أَمَانَةُ اللَّهِ فِي عُنُقِكَ أَنْ [لَا ] تُخْبِرَ بِمَا أُلْقِي إِلَيْكَ أَحَدًا. فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، هَذِهِ مُخَاطَبَةُ الْأَخِ أَخَاهُ، وَأَنَا عَبْدٌ يُخَاطِبُنِي مَوْلَايَ بِمِثْلِ هَذَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَقُولَنَّ إِنِّي لَا أَقُولُهَا لِأَحَدٍ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ حَتَّى أُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: فَعَلْتُ. فَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ، فَإِذَا حَرِيرٌ قَدْ عَصَبَ بَيْنَ بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى قَفَاهُ فَأَخَذَ ثِيَابَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَإِذَا قُرُوحٌ وَنِقَابَاتٌ قَدْ وَارَاهَا بِخِرَقٍ وَأَدْوِيَةٍ، وَقَالَ: مُنْذُ كَمْ تَرَى هَذَا بِي ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي. قَالَ: ظَهَرَتْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَاللَّهِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا بَخْتِيشُوعَ، وَرَجَاءٌ، وَمَسْرُورٌ، فَأَمَّا ابْنُ بَخْتِيشُوعَ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ الْمَأْمُونُ، وَوَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لِابْنِ الْفَاعِلَةِ لَأَتْرُكَنَّهُ يَهِيمُ بِطَلَبِ الْخَبَرِ حَتَّى يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ إِذَاعَةِ السِّرِّ. وَأَمَّا مَسْرُورٌ فَأَخْبَرَ الْأَمِينَ بِعِلَّتِي، وَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ عَلَيَّ حِينٌ، فَأَنَّى تَصْفُو لِي حَيَاةً وَأَعَزُّ وَلَدِي يُحْصِي أَنْفَاسِي، وَيَسْتَحِبُّ عِلَّتِي، وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ تَبَرُّمِهِمْ بِي وَبِحَيَاتِي أَنِّي إِذَا أَرَدْتُ الرُّكُوبَ جَاءُونِي بِبِرْذَوْنِ قُطُوفٍ، وَلَيْسَ إِلَّا لِيَزِيدَ فِي عِلَّتِي، وَيُفْسِدَ عَلَيَّ جَوَارِحِي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُظْهِرَ هَذَا لَهُمْ، فَيَسْتَوْحِشُوا مِنِّي، وَمَتَى اسْتَوْحَشُوا أَظْهَرُوا مِنَ الْعَدَاوَةِ مَا كَانَ بَاطِنًا، وَالْعَامَّةُ لَهُمْ أَرْجَأُ وَالْخَاصَّةُ إِلَيْهِمْ أَمْيَلُ، وَأَنَا كَالْخَائِفِ بَيْنَهُمْ، أَصْبَحَ فَلَا أَطْمَعُ فِي الْمَسَاءِ، وَأُمْسِي وَلَا أَطْمَعُ فِي الصَّبَاحِ. فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، مَا أُحْسِنُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا، وَلَكِنْ أَقُولُ: مَنْ أَرَادَكَ بِكَيْدٍ فَأَرَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْكَيْدَ فِي نَفْسِهِ، وَأَرَاهُ فِيكَ مَا يَسُوءُهُ، وَأَطَالَ بَقَاءَكَ، وَكَبَتَ أَعْدَاءَكَ حَيْثُ كَانُوا. فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، انْصَرِفْ فَإِنَّ أَشْغَالَكَ بِبَغْدَادَ كَثِيرَةٌ. فَوَدَّعْتُهُ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ بسنده عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُورٌ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ وَهُوَ يَبْكِي عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى خُرَاسَانَ آخِرَ خَرْجَةٍ، وَفِي يَدِهِ قِرْطَاسٌ يَقْرَأُهُ فَقَالَ: يَا مَسْرُورُ، كَأَنِّي وَاللَّهِ عَنِيتُ بِمَا فِي هَذَا الْقِرْطَاسِ. ثُمَّ رَمَى بِهِ مَزِيدَةَ، فَأَخَذْتُهُ، وَوَثَبَ فَدَخَلَ، فَإِذَا فِيهِ شِعْرٌ لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ:. هَلْ أَنْتَ مُعْتَبِرٌ بِمَنْ خَرِبَتْ مِنْهُ غَدَاةَ قَضَى دَسَاكِرَهُ وَبِمَنْ أَذَلَّ الدَّهْرُ مَصْرَعَهُ فَتَبَرَّأَتْ مِنْهُ عَسَاكِرُهُ وَبِمَنْ خَلَتْ مِنْهُ أُسْرَتُهُ وَبِمَنْ خَلَتْ مِنْهُ مَنَابِرُهُ أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَيْنَ جُنْدُهُمْ صَارُوا مَصِيرًا أَنْتَ صَائِرُهُ يَا مُؤْثِرَ الدُّنْيَا بِلَذَّتِهِ وَالْمُسْتَعِدُّ لِمَنْ يُفَاخِرُهُ نِلْ مَا بَدَا لَكَ أَنْ تَنَالَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْمَوْتَ آخِرُهُ قَالَ: فَمَاتَ فِي سَفْرَتِهِ تِلْكَ.
التاريخ 3070لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سنة اثنتين وتسعين ومائة تَحَرَّكَتِ الْخُرَمِيَّةُ بِنَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الرَّشِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَقَتَلَ وَسَبَى وَأَسَرَ، وَوَافَاهُ بِقَرْمَاسِينَ، فَأَمَرَهُ بِقَتْلِ الْأَسْرَى، وَبَيْعِ السَّبْيِ. وَفِيهَا قَدِمَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ عَلَى الرَّشِيدِ بِأَبِي النِّدَاءِ، فَقَتَلَهُ. وَفِيهَا فَارَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ رَافِعَ بْنَ اللَّيْثِ، وَصَارُوا إِلَى هَرْثَمَةَ، مِنْهُمْ عُجَيْفُ بْنُ عَنْبَسَةَ وَغَيْرُهُ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الرَّشِيدُ عَلَى الثُّغُورِ ثَابِتَ بْنَ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ، فَافْتَتَحَ مَطْمُورَةَ. وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ بِالْبَذَنْدُونِ. وَفِيهَا خَرَجَ ثَرْوَانُ الْحَرُورِيُّ بِطَفِّ الْبَصْرَةِ، فَقَاتَلَ عَامِلَ السُّلْطَانِ بِهَا. وَفِيهَا مَاتَ عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ بِالدَّسْكَرَةِ، وَهُوَ يُرِيدُ اللِّحَاقَ بِالرَّشِيدِ. وَفِيهَا قَتَلَ الرَّشِيدُ الْهَيْصَمَ الْيَمَانِيَّ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ. وَفِيهَا كَانَ وُصُولُ هَرْثَمَةَ إِلَى خُرَاسَانَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَصَرَ هَرْثَمَةُ رَافِعَ بْنَ اللَّيْثِ بِسَمَرْقَنْدَ، وَضَايَقَهُ، وَاسْتَقْدَمَ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ، وَخَلَتْ خُرَاسَانُ لِحَمْزَةَ الْخَارِجِيِّ، حَتَّى دَخَلَهَا، وَصَارَ يَقْتُلُ وَيَجْمَعُ الْأَمْوَالَ، وَيَحْمِلُهَا إِلَيْهِ عُمَّالُ هَرَاةَ وَسِجِسْتَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ النَّيْسَابُورِيُّ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَحْوُ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَسَارَ إِلَى حَمْزَةَ ( فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِ حَمْزَةَ ) خَلْقًا، وَسَارَ خَلْفَهُ حَتَّى بَلَغَ هَرَاةَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ، فَرَدَّهُ وَأَدَامَ هَرْثَمَةُ عَلَى حِصَارِ سَمَرْقَنْدَ حَتَّى فَتَحَهَا. ( وَقَتَلَ رَافِعَ بْنَ اللَّيْثِ وَجَمَاعَةً مِنْ أَقْرِبَائِهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ ابْنَ يَحْيَى، فَعَادَ، وَكَانَ قَتْلُهُ رَافِعًا سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ ). وَفِيهَا كَانَ الْفِدَاءُ الثَّانِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، وَكَانَ الْقَيِّمُ بِهِ ثَابِتَ بْنَ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ الْخُزَاعِيَّ، وَكَانَ عِدَّةُ الْأَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ أَسِيرٍ. وَفِيهَا: أَمَرَ الرَّشِيدُ بِنَقْضِ جَامِعِ الْمَنْصُورِ وَبُنْيَانِهِ. وعن إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَبَطِيُّ قَالَ: وَهُدِمَ مَسْجِدُ أَبِي جَعْفَرٍ، وَزَيْدٌ فِي نَوَاحِيهِ، وَجُدِّدَ بِنَاؤُهُ، وَأُحْكِمَ، وَكَانَ الِابْتِدَاءُ فِيهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَالْفَرَاغُ مِنْهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ.
التاريخ 3071لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَامِعِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ وَدَاعَةَ، أَبُو الْقَاسِمِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَامِعِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ وَدَاعَةَ، أَبُو الْقَاسِمِ. كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ - فِيمَا ذَكَرَ الْأَصْفَهَانِيُّ - إِلَّا أَنَّهُ اشْتُهِرَ بِالْغِنَاءِ. وعن حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: قَالَ ابْنُ جَامِعٍ: كَانَ أَبِي يَنْهَانِي عَنِ الْغِنَاءِ وَيُعَذِّبُنِي عَلَيْهِ ، وَيُضَيِّقُ عَلَيَّ، فَهَرَبْتُ مِنْهُ إِلَى أَخْوَالِي، وَكَانُوا يَنْزِلُونَ بِحَرَّانَ، فَأَنْزَلُونِي فِي مَشْرَعَةٍ عَلَى نَهْرٍ، فَإِنِّي أَشْرُفُ مِنْهَا عَلَى نَهْرٍ إِذْ طَلَعَتْ سَوْدَاءُ مَعَهَا قِرْبَةٌ، فَنَزَلَتْ إِلَى الْمَشْرَعَةِ، فَجَلَسَتْ وَوَضَعَتْ قِرْبَتَهَا، وَانْدَفَعَتْ تُغَنِّي: إِلَى اللَّهِ أَشْكُو بُخْلَهَا وَسَمَاحَتِي لَهَا عَسَلٌ مِنِّي وَتُبَدِّلُ عَلْقَمًا فَرَدِّي مُصَابُ الْقَلْبِ أَنْتَ قَتَلْتَهُ وَلَا تَتْرُكِيهِ هَائِمَ الْقَلْبِ مُغْرَمًا قَالَ: فَاسْتَفَزَّنِي مَا لَا قِوَامَ لِي بِهِ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَرُدَّهُ فَلَمْ تَفْعَلْ، وَأَخَذَتِ الْقِرْبَةَ وَنَهَضَتْ، فَنَزَلْتُ أَعْدَوْ خَلْفَهَا، وَقُلْتُ: يَا جَارِيَةُ. فَوَقَفَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، رُدِّي الصَّوْتَ. قَالَتْ: مَا أَشْغَلَنِي عَنْكَ. قُلْتُ: بِمَاذَا ؟ قَالَتْ: عَلَيَّ خَرَاجُ كُلِّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ. فَأَعْطَيْتُهَا دِرْهَمَيْنِ، فَوَضَعَتِ الْقِرْبَةَ وَجَلَسَتْ تَغَنِّيهِ حَتَّى أَخَذْتُهُ وَانْصَرَفَتْ، فَلَهَوْتُ يَوْمِي بِهِ، وَبِتُّ فَأَصْبَحْتُ وَمَا أَذْكُرُ مِنْهُ حَرْفًا وَاحِدًا، وَإِذَا أَنَا بِالسَّوْدَاءِ قَدْ طَلَعَتْ، فَفَعَلَتْ كَفِعْلِهَا الْأَوَّلِ، إِلَّا أَنَّهَا تَغَنَّتْ غَيْرَ ذَاكَ الصَّوْتِ، فَنَهَضْتُ وَعَدَوْتُ فِي أَثَرِهَا وَقُلْتُ: الصَّوْتُ قَدْ ذَهَبَ عَنِّي نَغْمَتُهُ. فَأَبَتْ أَنْ تُعِيدَهُ إِلَّا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَيْتُهَا، فَأَعَادَتْهُ فَذَكَرْتُهُ، فَقُلْتُ: حَسْبُكِ. فَقَالَتْ: كَأَنَّكَ تُكَاثِرُ فِيهِ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ، كَأَنِّي وَاللَّهِ بِكَ وَقَدْ أَصَبْتَ فِيهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ. قَالَ ابْنُ جَامِعٍ: فَبَيْنَا أَنَا أُغَنِّي الرَّشِيدَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ أَكْيِسَةٌ أَرْبَعَةٌ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ أَلْفُ دِينَارٍ، قَالَ: مَنْ أَطْرَبَنِي فَلَهُ كِيسٌ، وَعَنَّ لِي وَاللَّهِ الصَّوْتُ. فَغَنَّيْتُهُ، فَرَمَى إِلَيَّ بِكِيسٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَعِدْ. فَأَعَدْتُ، فَرَمَى إِلَيَّ بِكِيسٍ آخَرَ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَعِدْ. فَأَعَدْتُ، فَرَمَى إِلَيَّ بِكِيسٍ، فَتَبَسَّمْتُ فَقَالَ لِي: مِمَّ تَضْحَكُ ؟ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لِهَذَا الصَّوْتِ حَدِيثٌ عَجِيبٌ. فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ، فَضَحِكَ وَرَمَى إِلَيَّ بِالْكِيسِ الرَّابِعِ، وَقَالَ: لَا تُكَذِّبِ السَّوْدَاءَ. وَرَجَعْتُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ. وأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ قَالَ: كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَامِعٍ قَدْ تَزَوَّجَ بِالْحِجَازِ جَارِيَةً سَوْدَاءَ مَوْلَاةً لِقَوْمٍ، يُقَالُ لَهَا مَرْيَمُ، فَلَمَّا صَارَ مِنَ الرَّشِيدِ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي صَارَ بِهِ اشْتَاقَ إِلَى السَّوْدَاءِ، فَقَالَ يَذْكُرُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يَأْلَفُهَا فِيهِ وَيَجْتَمِعَانِ فِيهِ: هَلْ لَيْلَةٌ بِقَفَا الصَّحْصَاحِ عَائِدَةٌ مِنْ قُبَّةٍ ذَاتِ أَشْرَاحٍ وَأَزْرَارِ تَسْمُو مَجَامِرُهَا بِالْمِنْدَلِي كَمَا تَسْمُو بِحَبَّاتِهِ أَفْرَاحٌ أَعْصَارُ الْمِسْكُ يَبْدُو إِلَيْنَا مِنْ غَلَائِلِهَا وَالْعَنْبَرُ الْوَرْدُ تُذَكِّيهِ عَلَى النَّارِ وَمَرْيَمُ بَيْنَ أَتْرَابٍ مُنَعَّمَةٌ طَوْرًا وَطَوْرًا تُغَنِّينِي بِأَوْتَارِ فَقَالَ الرَّشِيدُ: وَيْلَكَ ! مَنْ مَرْيَمُكَ هَذِهِ الَّتِي وَصَفْتَهَا صُورَةَ الْحُورِ الْعِينِ ؟ قَالَ: زَوْجَتِي. ثُمَّ وَصَفَهَا كَلَامًا أَكْثَرَ مِمَّا وَصَفَهَا شِعْرًا، فَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ مِنَ الْحِجَازِ حَتَّى حُمِلَتْ، فَإِذَا هِيَ سَوْدَاءُ طُمْطُمَانِيَّةٌ، ذَاتُ مَشَافِرَ، فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ ! هَذِهِ مَرْيَمُ الَّتِي مَلَأْتَ الدُّنْيَا بِذِكْرِهَا، عَلَيْكَ وَعَلَيْهَا لَعْنَةُ اللَّهِ. فَقَالَ: يَا سَيِّدِي، إِنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ يَقُولُ: فَتَضَاحَكْنَ وَقَدْ قُلْنَ لَهَا حُسْنٌ فِي كُلِّ عَيْنٍ مَا تَوَدُّ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ، أَبُو وَائِلٍ الْحَنَفِيُّ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ، أَبُو وَائِلٍ الْحَنَفِيُّ، الشَّاعِرُ. بَصْرِيٌّ سَكَنَ بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الرَّشِيدِ، وَكَانَ يُعَاشِرُ أَبَا الْعَتَاهِيَةِ وَأَصْحَابَهُ. وَكَانَ أَبُو هَفَّانَ يَقُولُ: أَشْعَرُ أَهْلِ الْغَزَلِ مِنَ الْمُحْدَثِينَ أَرْبَعَةٌ، أَوَّلُهُمْ بَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ. وعن النَّضْرُ بْنُ حَدِيدٍ قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فِيهِ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ، وَبَكْرُ بْنُ النَّطَّاحِ، وَمَنْصُورٌ النُّمَيْرِيُّ، وَالْعَتَّابِيُّ، فَقَالُوا لِمَنْصُورٍ: أَنْشِدْنَا، فَأَنْشَدَ مَدَائِحَ الرَّشِيدِ، فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ لِابْنِ الْأَحْنَفِ - أَعْنِي الْعَبَّاسَ -: [طَرَفُنَا بِمُلَحِّكَ ]. فَأَنْشَدَ أَبْيَاتَهُ: تَعَلَّمْتُ أَسْبَابَ الرِّضَا خَوْفَ عَتَبِهِ وَعِلْمِهِ حُبِّي [لَهُ ] كَيْفَ يَغْضَبُ وَلِي غَيْرُ وَجْهٍ قَدْ عَرَفْتُ مَكَانَهُ وَلَكِنْ بِلَا قَلْبٍ إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ ؟ فَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: الْجُيُوبُ مِنْ هَذَا الشِّعْرِ عَلَى خَطَرٍ، وَلَا سِيَّمَا إِنْ سَنَحَ بَيْنَ حَلْقٍ وَوَتَرٍ، فَقَالَ بَكْرٌ: قَدْ حَضَرَنِي شَيْءٌ فِي هَذَا، فَأَنْشُدُ: أَرَانَا مَعْشَرَ الشُّعَرَاءِ قَوْمًا بِأَلْسُنِنَا تَنَعَّمَتِ الْقُلُوبُ إِذَا انْبَعَثَتْ قَرَائِحُنَا أَتَيْنَا بِأَلْفَاظٍ تَشُقُّ لَهَا الْجُيُوبُ فَقَالَ الْعَتَّابِيُّ: وَلَا سِيَّمَا إِذَا مَا هَيَّجَتْهَا بَنَانٌ قَدْ تُجِيبُ وَتَسْتَجِيبُ قَالَ النَّضْرُ: فَمَا زِلْتُ مَعَهُمْ فِي سُرُورٍ. وَبَلَغَ إِسْحَاقَ الْمَوْصِلِيَّ خَبَرُنَا فَقَالَ: اجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ ظَرْفُ الدَّهْرِ. قَالَ الْمُبَرِّدُ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ رَجَاءٍ يَقُولُ: حَضَرْتُ بَكْرَ بْنَ النَّطَّاحِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ، وَهُمْ يَتَنَاشَدُونَ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ طِوَالِهِمْ أَنْشَدَهُمْ: مَا ضَرَّهَا لَوْ كَتَبَتْ بِالرِّضَا فَجَفَّ جَفْنُ الْعَيْنِ أَوْ أَغْمَضَا شَفَاعَةٌ مَرْدُودَةٌ عِنْدَهَا فِي عَاشِقٍ تَنَدَّمَ لَوْ قَدْ قَضَى يَا نَفْسُ صَبْرًا وَاعْلَمِي أَنَّ مَا نَأْمُلُ مِنْهَا مِثْلُ مَا قَدْ مَضَى لَمْ تَمْهُنِ الْأَجْفَانُ مِنْ قَاتِلٍ بِلَحْظَةٍ إِلَّا لِأَنْ أَمْرَضَا قَالَ: فَابْتَدَرُوهُ يُقَبِّلُونَ رَأْسَهُ. وَلَمَّا مَاتَ ابْنُ النَّطَّاحِ رَثَاهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ فَقَالَ: مَاتَ ابْنُ نَطَّاحٍ أَبُو وَائِلٍ بَكْرٌ فَأَمْسَى الشِّعْرُ قَدْ بَانَا 1049 - بُهْلُولٌ الْمَجْنُونُ. كَانَتْ لَهُ كَلِمَاتٌ حِسَانٌ، وَلَقِيَ الرَّشِيدَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَهُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَوَعَظَهُ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً. وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا هُنَاكَ. وَكَانَ بُهْلُولٌ يَأْوِي الْمَقَابِرَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَوْدِيُّ، الْكُوفِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَوْدِيُّ، الْكُوفِيُّ. وُلِدَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. سَمِعَ الْأَعْمَشَ، وَأَبَا إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيَّ، وَابْنَ جُرَيْجٍ، وَمَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ. وَرُوِيَ عَنْهُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمْ. وَأَقْدَمَهُ الرَّشِيدُ إِلَى بَغْدَادَ لِيُوَلِّيَهُ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، فَامْتَنَعَ وَعَادَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ ثِقَةً عَالِمًا زَاهِدًا وَرِعًا، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقُولُ فِيهِ: نَسِيجُ وَحْدِهِ. وعن حَمَّادُ بْنُ الْمُؤَمَّلَ الْكَلْبِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ عَلَى بَابِ بَعْضِ الْمُحْدَثِينَ قَالَ: سَأَلْتُ وَكِيعًا عَنْ مُقَدَّمِهِ هُوَ وَابْنُ إِدْرِيسَ وَحَفْصٌ عَلَى الرَّشِيدِ فَقَالَ لِي: مَا سَأَلَنِي عَنْ هَذَا أَحَدٌ قَبْلَكَ، قَدِمْنَا عَلَى هَارُونَ فَأَقْعَدْنَا بَيْنَ السَّرِيرَيْنِ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَعَا بِهِ أَنَا، فَقَالَ: أَهْلُ بَلَدِكَ طَلَبُوا مِنِّي قَاضِيًا، وَسَمَّوْكَ لِي فِيمَنْ سَمَّوْا، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَشْرَكَكَ فِي أَمَانَتِي، وَصَالَحَ مَا أَدْخُلُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَخُذْ عَهْدَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَامْضِ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَإِحْدَى عَيْنِي ذَاهِبَةٌ، وَالْأُخْرَى ضَعِيفَةٌ. فَقَالَ هَارُونُ: اللَّهُمَّ غَفْرًا خُذْ عَهْدَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ وَامْضِ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا إِنَّهُ لَيَنْبَغِي أَنْ تَقْبَلَ مِنِّي، وَلَئِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُوَلِّيَ الْقَضَاءَ كَذَّابًا. فَقَالَ: اخْرُجْ. فَخَرَجْتُ، وَدَخَلَ ابْنُ إِدْرِيسَ، وَكَانَ هَارُونُ قَدْ وُسِمَ لَهُ مِنِ ابْنِ إِدْرِيسَ وَسْمٌ - يَعْنِي خُشُونَةَ جَانِبِهِ - فَدَخَلَ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ حِينَ بَرَكَ، وَمَا سَمِعْنَاهُ يُسَلِّمُ إِلَّا سَلَامًا خَفِيًّا، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: أَتَدْرِي لِمَ دَعْوَتَكَ ؟ فَقَالَ لَهُ: لَا. قَالَ: إِنَّ أَهْلَ بَلَدِكَ طَلَبُوا مِنِّي قَاضِيًا، وَإِنَّهُمْ سَمَّوْكَ لِي فِيمَنْ سَمَّوْا، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ أُشْرِكَكَ فِي أَمَانَتِي، وَأُدْخِلَكَ فِي صَالِحِ مَا أَدْخُلُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَخُذْ عَهْدَكَ وَامْضِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ إِدْرِيسَ: لَيْسَ أَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ. فَنَكَتَ هَارُونُ بِإِصْبَعِهِ وَقَالَ لَهُ: وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُكَ. قَالَ لَهُ ابْنُ إِدْرِيسَ: وَأَنَا وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُكَ. فَخَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ. فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَنَا. فَقَبِلَ عَهْدَهُ وَخَرَجَ. فَأَتَانَا خَادِمٌ مَعَهُ ثَلَاثَةُ أَكْيَاسٍ فِي كُلِّ كِيسٍ خَمْسَةُ آلَافٍ. فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُقْرِئُكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكُمْ قَدْ لَزِمَتْكُمْ فِي شُخُوصِكُمْ مَئُونَةٌ فَاسْتَعِينُوا بِهَذِهِ فِي سَفَرِكُمْ. قَالَ وَكِيعٌ: فَقُلْتُ لَهُ: أَقْرِئْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ قَدْ وَقَعْتَ مِنِّي بِحَيْثُ يُحِبُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا عَنْهَا مُسْتَغْنٍ وَفِي رَعِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهَا مِنِّي، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِصَرْفِهَا إِلَى مَنْ أَحَبَّ. وَأَمَّا ابْنُ إِدْرِيسَ فَصَاحَ بِهِ: مُرَّ مِنْ هُنَا. وَقَبِلَهَا حَفْصٌ، وَخَرَجَتِ الرُّقْعَةُ إِلَى ابْنِ إِدْرِيسَ مِنْ بَيْنِنَا: عَافَانَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ، سَأَلْنَاكَ أَنْ تَدْخُلَ فِي أَعْمَالِنَا فَلَمْ تَفْعَلْ، وَوَصَلْنَاكَ مِنْ أَمْوَالِنَا فَلَمْ تَقْبَلْ، فَإِذَا جَاءَكَ ابْنِي الْمَأْمُونُ فَحَدِّثْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: إِذَا جَاءَنَا مَعَ الْجَمَاعَةِ حَدَّثْنَاهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ مَضَيْنَا، فَلَمَّا صِرْنَا إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَنَزَلْنَا نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ. قَالَ وَكِيعٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى شُرْطِيٍّ مَحْمُومٍ نَائِمٍ فِي الشَّمْسِ، عَلَيْهِ سَوَادُهُ، فَطَرَحْتُ كِسَائِي عَلَيْهِ وَقُلْتُ: تَدَفَّأْ إِلَى أَنْ نَتَوَضَّأَ. فَجَاءَ ابْنُ إِدْرِيسَ فَاسْتَلَبَهُ [ثُمَّ قَالَ لِي: رَحِمْتَهُ ] لَا رَحِمَكَ اللَّهُ، فِي الدُّنْيَا أَحَدٌ يَرْحَمُ مِثْلَ ذَا ؟ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى حَفْصٍ فَقَالَ لَهُ: يَا حَفْصُ، [قَدْ ] عَلِمْتُ حِينَ دَخَلْتَ إِلَى سُوقَ أَسَدٍ، فَخَضَّبْتَ لِحْيَتَكَ، وَدَخَلْتَ الْحَمَّامَ، أَنَّكَ سَتَلِي الْقَضَاءَ، لَا وَاللَّهِ لَا كَلَّمْتُكَ حَتَّى تَمُوتَ. قَالَ: فَمَا كَلَّمَهُ حَتَّى مَاتَ. وعن مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْرُوقٍ الْكِنْدِيُّ، قال ابْنُ الْمُنْذِرِ - وَكَانَ جَارًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ - قَالَ: حَجَّ الرَّشِيدُ وَمَعَهُ الْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ، فَدَخَلَ الْكُوفَةَ، فَقَالَ لِأَبِي يُوسُفَ: قُلْ لِلْمُحَدِّثِينَ يَأْتُونَا فَيُحَدِّثُونَا. فَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَّا اثْنَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ، فَرَكِبَ الْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ فَحَدَّثَهُمَاَ بِمِائَةِ حَدِيثٍ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِعَبْدِ اللَّهِ: يَا عَمِّ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعِيدَهَا عَلَيْكَ مِنْ حِفْظِي ؟ قَالَ: افْعَلْ. فَأَعَادَهَا كَمَا سَمِعَهَا، وَكَانَ ابْنُ إِدْرِيسَ مِنْ أَهْلِ الْحِفْظِ يَقُولُ: لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ يَنْفَلِتَ مِنِّي الْقُرْآنُ لَدَوَّنْتُ الْعِلْمَ. فَعَجِبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ حِفْظِ الْمَأْمُونِ. وَقَالَ الْمَأْمُونُ: يَا عَمِّ، إِلَى جَانِبِ مَسْجِدِكَ دَارٌ، إِنْ أَرَدْتَ اشْتَرَيْنَاهَا وَوَسَّعْنَا بِهَا الْمَسْجِدَ. فَقَالَ: مَا لِي إِلَى هَذَا حَاجَةٌ، قَدْ أَجْزَى مَنْ كَانَ قَبَلِي وَهُوَ يَجْزِينِي. فَنَظَرَ إِلَى قُرْحٍ فِي ذِرَاعِ الشَّيْخِ، فَقَالَ: إِنَّ مَعَنَا أَطِبَّاءَ وَأَدْوِيَةً، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَجِيئَكَ بِمَنْ يُعَالِجُكَ ؟ قَالَ: لَا، قَدْ ظَهَرَ بِي مِثْلُ هَذَا وَبَرَأَ. فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ. وَصَارَ إِلَى عِيسَى بْنِ يُونُسَ فَحَدَّثَهُ، فَأَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَظَنَّ أَنَّهُ اسْتَقَلَّهَا، فَأَمَرَ لَهُ بِعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ عِيسَى: وَاللَّهِ وَلَا إِهْلِيلَجَةَ، وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَوْ مَلَأْتَ لِي هَذَا الْمَسْجِدَ ذَهَبًا إِلَى السَّقْفِ. فَانْصَرَفَا مِنْ عِنْدِهِ. وَعَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَمْرٍو الْمِنْقَرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِابْنِ إِدْرِيسَ الْمَوْتُ بَكَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: لَا تَبْكِي، فَقَدْ خَتَمْتُ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ آلَافِ خَتْمَةً. تُوُفِّيَ ابْنُ إِدْرِيسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ، أَبُو الْحَسَنِ الْعَبْسِيُّ، الْكُوفِيُّ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ، أَبُو الْحَسَنِ الْعَبْسِيُّ، الْكُوفِيُّ. تَقَلَّدَ قَضَاءَ الشَّرْقِيَّةِ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ. وَكَانَ يَجْلِسُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَى الْخُلْدِ فَيَقْضِي فِيهِ. وَحَدَّثَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ. رَوَى عَنْهُ: دَاوُدُ بْنُ رَشِيدٍ. وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا بَأْسَ بِهِ. وعن عُبَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ ظَبْيَانَ وَهُوَ قَاضِي بَغْدَادَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْلِسُ عَلَى بَارِيَةٍ، وَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْقُضَاةِ يَجْلِسُونَ عَلَى الْوِطَاءِ، وَيَتَّكِئُونَ. فَكَتَبَ إِلَيَّ: إِنِّي لَا أَسْتُجِيزُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيَّ رَجُلَانِ حُرَّانِ مُسْلِمَانِ عَلَى بَارِيَةٍ وَأَنَا عَلَى وِطَاءٍ، لَسْتُ أَجْلِسُ إِلَّا عَلَى مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ الْخُصُومُ. قَالَ طَلْحَةُ: عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ رَجُلٌ جَلِيلٌ، مُتَوَاضِعٌ، دِينٌ ، حَسَنُ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ، مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَانَ حَسَنًا فِي بَابِ الْحُكْمِ، تَقَلَّدَ قَضَاءَ الشَّرْقِيَّةِ، ثُمَّ تَقَلَّدَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ، وَلَّاهُ الرَّشِيدُ، وَكَانَ يُخْرِجُهُ مَعَهُ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْمَوَاضِعِ. فَتُوُفِّيَ بِقِرْمِيسِينَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ طَلْحَةَ، أَبُو الْفَضْلِ الشَّاعِرُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ طَلْحَةَ، أَبُو الْفَضْلِ الشَّاعِرُ. كَانَ مِنْ عَرَبِ خُرَاسَانَ وَمُنْشَأَةِ بَغْدَادَ، وَكَانَ طَرِيفًا مَقْبُولًا حَسَنَ الشِّعْرِ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَزِّ يَقُولُ: لَوْ قِيلَ لِي: مَا أَحْسَنُ شِعْرٍ تَعْرِفُهُ لَقُلْتُ شِعْرُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفَ: قَدْ سَحَبَ النَّاسُ أَذْيَالَ الظُّنُونِ بِنَا وَفَرَّقَ النَّاسُ فِيهَا قَوْلَهُمْ فَرَقَا فَكَاذِبٌ قَدْ رَمَى بِالظَّنِّ غَيْرَكُمْ وَصَادِقٌ لَيْسَ يَدْرِي أَنَّهُ صَدَقَا وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: قَالَ هَارُونُ الرَّشِيدُ فِي اللَّيْلِ بَيْتًا وَأَرَادَ أَنْ يُشَفِّعَهُ بِآخَرَ فَامْتَنَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ، فَلَمَّا طَرَقَ ذُعِرَ وَفَزِعَ أَهْلُهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّشِيدِ قَالَ: وَجَّهْتُ إِلَيْكَ لِبَيْتٍ قُلْتُهُ، وَرُمْتُ أَنْ أَشْفَعَهُ بِمِثْلِهِ فَامْتَنَعَ الْقَوْلُ عَلَيَّ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، دَعْنِي حَتَّى تَرْجِعَ إِلَيَّ نَفْسِي، فَإِنِّي تَرَكْتُ عِيَالِي عَلَى حَالٍ مِنَ الْقَلَقِ عَظِيمَةٍ، وَنَالَنِي مِنَ الْخَوْفِ مَا يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ وَالْوَصْفَ. فَانْتَظَرَ هُنَيَّةً، ثُمَّ أَنْشَدَهُ: جِنَانٌ قَدْ رَأَيْنَاهَا وَلَمْ نَرَ مِثْلَهَا بَشَرًا فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَزِيدُكَ وَجْهُهَا حُسْنًا إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرًا فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدَ: زِدْنِي. فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِذَا مَا اللَّيْلُ مَالَ عَلَيْكَ بِالظَّلْمَاءِ وَاعْتَكَرَا وَدَجٌ فَلَمْ تَرَ قَمَرًا فَأَبْرِزْهَا تَرَى الْقَمَرَا فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: قَدْ ذَعَرْنَاكَ وَأَفْزَعَنَا عِيَالَكَ، وَأَقَلُّ الْوَاجِبِ أَنْ نُعْطِيَكَ دَيْنَكَ فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَصَرَفَهُ. وعن أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: بَيْنَا أَنَا قَاعِدٌ يَوْمًا فِي مَجْلِسٍ بِالْبَصْرَةِ، فَإِذَا أَنَا بِغُلَامٍ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَثَوْبًا، وَاقِفٍ عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: إِنَّ مَوْلَايَ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ إِلَيْكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي حَتَّى أَخْرَجَنِي إِلَى الصَّحْرَاءِ، فَإِذَا بِالْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ مُلْقًى عَلَى فِرَاشِهِ، وَإِذَا هُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا بِعِيدَ الدَّارِ عَنْ وَطَنِهِ مُفْرَدًا يَبْكِي عَلَى شَجَنِهِ كُلَّمَا جَدَّ النَّجِيبُ بِهِ زَادَتِ الْأَسْقَامُ فِي بَدَنِهِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَانْتَبَهَ بِصَوْتٍ طَائِرٍ عَلَى شَجَرَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: وَلَقَدْ زَادَ الْفُؤَادَ شَجًى هَاتِفٌ يَبْكِي عَلَى فَنَنِهِ شَاقَّهُ مَا شَاقَّنِي فَبَكَى كُلُّنَا يَبْكِي عَلَى سَكَنِهِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَظَنَنَّاهَا مِثْلَ الْأُولَى، فَحَرَّكْتُهُ فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ. تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْأَحْنَفِ فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ الصُّولِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَقِيَ بَعْدَ الرَّشِيدِ. عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ. كَانَ مِنْ وُجُوهِ بَنِي هَاشِمٍ وَسَرَاتِهِمْ، وَوَلِيَ إِمَارَةَ الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ يَقْصِدُ الرَّشِيدَ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ بِخُرَاسَانَ، فَأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ بِالدَّسْكَرَةِ مِنْ طَرِيقِ حُلْوَانَ، فَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيُّ. أَخُو جَعْفَرٍ، وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَأُمُّهُ زُبَيْدَةُ بِنْتُ مُنَيْنٍ بَرْبَرِيَّةٌ، فَأَرْضَعَتْهُ الْخَيْزُرَانُ، وَأَرْضَعَتْ زُبَيْدَةُ أُمُّهُ الرَّشِيدَ أَيَّامًا، فَصَارَا رَضِيعَيْنِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ يَمْدَحُهُ: كَفَى لَكَ فَضْلًا أَنَّ أَفْضَلَ حُرَّةٍ غَذَّتْكَ بِثَدْيٍ وَالْخَلِيفَةُ وَاحِدٌ لَقَدْ زِنْتَ يَحْيَى فِي الْمَشَاهِدِ كُلِّهَا كَمَا زَانَ يَحْيَى خَالِدًا فِي الْمَشَاهِدِ قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ الْفَضْلُ أَجْوَدَ مِنْ أَخِيهِ جَعْفَرٍ، وَأَنْدَى رَاحَةً، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ كِبْرٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ جَعْفَرٌ أَطْلَقَ وَجْهًا، وَأَظْهَرَ بِشْرًا، وَكَانَ النَّاسُ يُؤْثِرُونَ لِقَاءَ جَعْفَرٍ عَلَى لِقَاءِ الْفَضْلِ. وَهَبَ الْفَضْلُ لِطَبَّاخِهِ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَعَاتَبَهُ أَخُوهُ فِي هَذَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا صَحِبَنِي وَأَنَا لَا أَمْلِكُ شَيْئًا، وَاجْتَهَدَ فِي نُصْحِي، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: إِنَّ الْكِرَامَ إِذَا مَا أَسْهَلُوا ذَكَرُوا مَنْ كَانَ عَاوَنَهُمْ فِي الْمَنْزِلِ الْخَشِنِ وَوَهَبَ لِبَعْضِ الْأُدَبَاءِ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَبَكَى الْأَدِيبُ، فَقَالَ: أَتَبْكِي اسْتِقْلَالًا لَهَا ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَسَفًا، كَيْفَ تُوَارِي الْأَرْضُ مِثْلَكَ. وَوَلَّى الرَّشِيدُ الْفَضْلَ أَعْمَالًا جَلِيلَةً. بِخُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا غَضِبَ عَلَى الْبَرَامِكَةِ وَقَتَلَ جَعْفَرًا خَلَدَ الْفَضْلُ فِي الْحَبْسِ مَعَ أَبِيهِ يَحْيَى، فَلَمْ يَزَالَا مَحْبُوسَيْنِ حَتَّى مَاتَا فِي حَبْسِهِمَا. مَاتَ يَحْيَى سَنَةُ تِسْعِينَ، وَمَاتَ الْفَضْلُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، قَبْلَ مَوْتِ الرَّشِيدِ بِشُهُورٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ. وعن عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أَصْبَحْتُ ذَاتَ يَوْمٍ وَأَنَا فِي غَايَةِ الضِّيقَةِ، مَا أَهْتَدِي إِلَى دِينَارٍ وَلَا دِرْهَمٍ، وَلَا أَمْلِكُ إِلَّا دَابَّةً أَعْجَفَ، وَخَادِمًا خَلِعًا، فَطَلَبْتُ الْخَادِمَ فَلَمْ أَجِدْهُ، ثُمَّ جَاءَ فَقُلْتُ: أَيْنَ كُنْتَ ؟ فَقَالَ: كُنْتُ فِي احْتِيَالِ شَيْءٍ لَكَ، وَعَلَفٍ لِدَابَّتِكَ، فَوَ اللَّهِ مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: أَسْرِجْ لِي دَابَّتِي. فَأَسْرَجَهُ، فَرَكِبْتُ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي سُوقِ يَحْيَى إِذَا أَنَا بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ، وَإِذَا الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى، فَلَمَّا بَصُرَنِي قَالَ: سِرْ. فَسِرْنَا قَلِيلًا، وَحَجَزَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ طَبَقًا عَلَى بَابٍ، يَصِيحُ بِجَارِيَةٍ، فَوَقَفَ الْفَضْلُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: سِرْ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرِي مَا سَبَبُ وَقْفَتِي ؟ قُلْتُ: إِنْ رَأَيْتُ أَنْ تُعَلِّمَنِي. قَالَ: كَانَتْ لِأُخْتِي جَارِيَةٌ، وَكُنْتُ أُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَاسْتَحَيْتُ مِنْ أُخْتِي أَنَّ أَطْلُبَهَا مِنْهَا، فَفَطِنَتْ أُخْتِي لِذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَبَّسَتْهَا وَزَيَّنَتْهَا، وَبَعَثَتْ بِهَا إِلَيَّ، فَمَا كَانَ فِي عُمْرِي يَوْمٌ أَطْيَبُ مِنْ يَوْمِي هَذَا، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْوَقْتِ جَاءَنِي رَسُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَزْعَجَنِي، وَقَطَعَ عَلَيَّ لَذَّتِي، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى هَذَا الْمَكَانِ دَعَا هَذَا الْغُلَامَ صَاحِبَ الطَّبَقِ بِاسْمِ تِلْكَ الْجَارِيَةِ، فَارْتَحْتُ لِنِدَائِهِ، وَوَقَفْتُ فَقُلْتُ: أَصَابَكَ مَا أَصَابَ أَخَا بَنِي عَامِرٍ حَيْثُ يَقُولُ: وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى فَهَيَّجَ أَحْزَانَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي فَقَالَ: اكْتُبْ لِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ. فَعَدَلْتُ لِأَطْلُبَ وَرَقَةً أَكْتُبُ لَهُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْ، فَرَهَنْتُ خَاتَمِي عِنْدَ بَقَّالٍ، وَأَخَذْتُ وَرَقَةً، وَكَتَبَتُهُمَا فِيهَا، وَأَدْرَكْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لِي: ارْجِعْ إِلَى مَنْزِلِكَ. فَرَجَعْتُ، وَنَزَلْتُ، فَقَالَ لِي الْخَادِمُ: أَعْطِنِي خَاتَمَكَ أَرْهَنُهُ. فَقُلْتُ: رَهَنْتُهُ. فَمَا أَمْسَيْتُ حَتَّى بَعَثَ إِلَيَّ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ جَائِزَةً، وَعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ سَلَفًا لِسَنَةٍ مِنْ رِزْقٍ أَجْرَاهُ لِي. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيُّ قَالَ: أَتَيْتُ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى فَأَجْلَسَنِي مَعَهُ وَأَكْرَمَنِي، فَكَلَّمْتُهُ فِي دَيْنِي لِيُكَلِّمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَضَائِهِ عَنِّي. قَالَ: فَكَمْ دَيْنُكَ ؟ قُلْتُ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: نَعَمْ. فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَأَنَا مَغْمُورٌ لِضَعْفِ رَدِّهِ، فَمَرَرْتُ بِبَعْضِ إِخْوَانِي مُسْتَرِيحًا إِلَيْهِ، ثُمَّ صِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَوَجَدْتُ الْمَالَ قَدْ سَبَقَنِي. مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرٍو، مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرٍو، مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. أَصْلُهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَلَهُ إِخْوَةٌ وَأَقَارِبُ كُلُّهُمْ شُعَرَاءُ، وَقَدِ اخْتَلَطَتْ أَشْعَارُهُمْ، وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي أَنْسَابِهِمْ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أُمَيَّةَ أَشْهَرُهُمْ ذِكْرًا، وَأَكْثَرُهُمْ شِعْرًا، وَالْبَاقُونَ أَشْعَارُهُمْ نَزِرَةٌ جِدًّا. وَمُحَمَّدُ بْنُ أُمَيَّةَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ، اخْتَلَطَ شِعْرُهُ بِشِعْرِ عَمِّهِ، فَلَمْ يُفَرِّقْ أَكْثَرُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا. وعن عَوْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْكَاتِبُ: كُنْتُ أَنَا وَأَخِي نَكْتُبُ لِلْعَبَّاسِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ فَجَاءَهُ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ مُسْلِمًا، فَأَمَرَهُ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ، فَقَالَ: عَلَى شَرِيطَةٍ يُنْشِدُنِي كَاتِبُكَ هَذَا مِنْ شِعْرِهِ - وَأَوْمَأَ إِلَيَّ - فَقَالَ: ذَلِكَ لَكَ. وَتَغَدَّيْنَا، فَقَالَ: الشَّرْطُ. فَأَمَرَنِي أَنْ أَنْشُدَهُ، فَحَضَرْتُ وَقُلْتُ: مَا أَجْسُرُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا ذَاكَ قُدْرَتِي. فَقَالَ: إِنْ أَنْشَدَنِي وَإِلَّا قُمْتُ. فَأَنْشَدْتُهُ: رُبَّ قَوْلٍ مِنْكَ لَا أَنْسَاهُ لِي وَاجِبُ الشُّكْرِ وَإِنْ لَمْ يُفْعَلْ أَقْطَعُ الدَّهْرَ بِظَنٍّ حَسَنٍ وَأَجْلِي غَمْرَةَ مَا تَنْجَلِي وَأَرَى الْأَيَّامَ لَا تُدْنِي الَّذِي أَرْتَجِي مِنْكَ وَتُدْنِي أَجَلِي وَإِذَا أَمَّلْتُ يَوْمًا صَالِحًا عَرَضَ الْمَقْدُورُ لِي فِي أَمَلِي فَبَكَى أَبُو الْعَتَاهِيَةِ أَشَدَّ بُكَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: زِدْنِي. فَقَالَ لِي: زِدْهُ. فَأَنْشَدْتُهُ: بِنَفْسِي مَنْ يُنَاجِينِي ضَمِيرِي بِأَمَانِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِي كَأَنِّي لَسْتُ أَعْنِيهِ لَقَدْ أَسْرَفْتُ فِي الذُّلِّ كَمَا أَسْرَفْتُ فِي التِّيهِ أَمَا تَعْرِفُ لِي إِحْسَانَ يَوْمٍ فَتُجَازِيهِ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الزِّبْرِقَانِ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الزِّبْرِقَانِ. وَقِيلَ: مَنْصُورُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ بْنِ سَلَمَةَ، أَبُو الْفَضْلِ، النُّمَيْرِيُّ الشَّاعِرُ. مِنْ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ. قَدِمَ بَغْدَادَ، وَمَدَحَ الرَّشِيدَ. وَجَدُّ مَنْصُورٍ يُقَالُ لَهُ: مُطْعِمُ الْكَبْشِ الرَّخْمَ، لِأَنَّهُ أَطْعَمَ نَاسًا نَزَلُوا بِهِ، وَنَحَرَ لَهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا هُوَ بِرَخْمٍ تُحَمْلِقُ حَوْلَ أَضْيَافِهِ، فَأَمَرَ أَنْ يُذْبَحَ لَهُنَّ كَبْشٌ وَيُرْمَى بِهِ بَيْنَ [أَيْدِيهِنَّ ] فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَنَزَلْنَ عَلَيْهِ، فَمَزَّقْنَهُ، فَسُمِّيَ: مُطْعِمَ الْكَبْشِ الرَّخْمَ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو بَعْجَةَ النُّمَيْرِيُّ يَمْدَحُ رَجُلًا مِنْهُمْ: أَبُوكَ زَعِيمُ بَنِي قَاسِطٍ وَخَالُكَ ذُو الْكَبْشِ يَقْرِي الرَّخْمَ وَكَانَ مَنْصُورٌ شَاعِرًا مِنْ شُعَرَاءِ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَهُوَ تِلْمِيذُ كُلْثُومِ بْنِ عَمْرٍو الْعَتَّابِيُّ وَرَاوِيَتُهُ، وَعَنْهُ أَخَذَ. وَوَصَفَهُ الْعَتَّابِيُّ لِلْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى حَتَّى اسْتَصْحَبَهُ، ثُمَّ وَصَلَهُ بِالرَّشِيدِ، ثُمَّ جَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِتَّابِيِّ وَحْشَةٌ فَتَهَاجَيَا. وعن أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، عَنْ جَدِّي قَالَ: قَالَ النُّمَيْرِيُّ: كُنْتُ وَاقِفًا عَلَى جِسْرِ بَغْدَادَ أَنَا وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو التَّغْلِبِيُّ وَقَدْ وَخَطَنِي الشَّيْبُ يَوْمَئِذٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ شَابٌّ حَدَثُ السِّنِّ، [فَإِذَا أَنَا بِقَصْرِيَّةٍ ظَرِيفَةٍ ] وَقَدْ وَقَفْتُ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقُلْتُ فِيهَا: لَمَّا رَأَيْتُ سَوَامَ الشَّيْبِ مُنْتَشِرًا فِي لَمَّتِي وَعُبَيْدُ اللَّهِ لَمْ يَشِبِ سَلَلْتُ سَهْمَيْنِ مِنْ عَيْنَيْكَ فَانْتَصَلَا عَلَى شَبِيبَةِ ذِي الْأَذْيَالِ وَالطَّرَبِ كَذَا الْغَوَانِي مَرَامِيهُنَّ قَاصِدَةٌ إِلَى الْفُرُوعِ مُعَدَّاةٌ عَنِ الْخَشَبِ شَبَّهَ الشَّبَابَ بِالْفَرْعِ الْأَخْضَرِ، وَالشَّيْخَ بِالْخَشَبَةِ الَّتِي قَدْ يَبِسَتْ ، أَوْ سَاقَ الشَّجَرَةِ الَّذِي لَا وَرَقَ لَهُ. ثُمَّ أَتَمَّ الْقَصِيدَةَ يَمْدَحُ بِهَا يَزِيدَ بْنَ مَزِيدٍ، فَأَعْطَاهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الْقَاضِي يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الْقَاضِي. سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ يُونُسَ بْنِ إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، وَالسَّرِّيِّ بْنِ يَحْيَى، وَنَظَرَ فِي الرَّأْيِ وَفَقِهَ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَادَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ فِي مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ بِأَمْرِ الرَّشِيدِ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْقَضَاءِ بِبَغْدَادَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: صَعْصَعَةُ بْنُ سَلَّامٍ صَعْصَعَةُ بْنُ سَلَّامٍ وَيُقَالُ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ فَاسْتَوْطَنَهَا فِي زَمَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ هِشَامٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ عِلْمَ الْحَدِيثِ وَمَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَوَلِيَ الصَّلَاةَ بِقُرْطُبَةَ، وَفِي أَيَّامِهِ غُرِسَتِ الْأَشْجَارُ بِالْمَسْجِدِ الْجَامِعِ هُنَاكَ، كَمَا يَرَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّامِيُّونَ، وَيَكْرَهُهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ. وَقَدْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ الْفَقِيهُ، وَذَكَرَهُ فِي كِتَابِ " الْفُقَهَاءِ " وَذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِهِ " " تَارِيخِ مِصْرَ " " وَالْحُمَيْدِيُّ فِي " " تَارِيخِ الْأَنْدَلُسِ " " وَحَرَّرَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَحَكَى عَنْ شَيْخِهِ ابْنِ حَزْمٍ أَنَّ صَعْصَعَةَ هَذَا أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ إِلَى الْأَنْدَلُسِ. وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ عِلْمَ الْحَدِيثِ إِلَيْهَا. وَذَكَرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ قَرِيبًا مِنْ سَنَةِ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ، وَالَّذِي حَرَّرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَثْبَتُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي يُوسُفَ الْقَاضِي.
التاريخ 3076لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ الْأَمِينِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ لَمَّا تُوُفِّيَ الرَّشِيدُ بِطُوسَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ كَتَبَ صَالِحُ بْنُ الرَّشِيدِ إِلَى أَخِيهِ، وَلِيِّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ الرَّشِيدِ الْمُلَقَّبِ بِالْأَمِينِ، وَهُوَ ابْنُ زُبَيْدَةَ، يُعْلِمُهُ بِبَغْدَادَ بِوَفَاةِ أَبِيهِ، وَيُعَزِّيهِ فِيهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ صُحْبَةَ رَجَاءٍ الْخَادِمِ، وَمَعَهُ الْخَاتَمُ، وَالْقَضِيبُ وَالْبُرْدَةُ يَوْمَ الْخَمِيسِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ فَرَكِبَ الْأَمِينُ مِنْ قَصْرِهِ بِالْخُلْدِ إِلَى قَصْرِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ قَصْرُ الذَّهَبِ عَلَى شَطِّ بَغْدَادَ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ النِّصْفَ مِنْ جُمَادَى، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَهُمْ، وَعَزَّاهُمْ فِي الرَّشِيدِ، وَبَسَطَ آمَالَ النَّاسِ، وَوَعَدَهُمُ الْخَيْرَ، فَبَايَعَهُ الْخَوَاصُّ مِنْ قَوْمِهِ، وَوُجُوهُ الْأُمَرَاءِ، وَأَمَرَ بِصَرْفِ أُعْطِيَاتِ الْجُنْدِ عَنْ سَنَتَيْنِ، نَزَلَ وَأَمَرَ عَمَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ أَنْ يَأْخُذَ الْبَيْعَةَ لَهُ مِنْ بَقِيَّةِ النَّاسِ، وَاتَّخَذَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ وَزِيرًا، وَابْنَهُ الْعَبَّاسَ بْنَ الْفَضْلِ حَاجِبًا، وَجَعَلَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ صُبَيْحٍ كَاتِبًا، وَجَعَلَهُ عَلَى دِيوَانِ الرَّسَائِلِ وَالتَّوْقِيعَاتِ وَالْخَاتَمِ. وَجَعَلَ عِيسَى بْنَ عَلِيِّ بْنِ مَاهَانَ عَلَى الشُّرْطَةِ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَازِمٍ. وعن أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: دَخَلَ أَبُو نُوَاسٍ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ فَهَنَّأَهُ بِالْخِلَافَةِ وَعَزَّاهُ بِالرَّشِيدِ فِي بَيْتٍ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: جَرَتْ جَوَارٍ بِالسَّعْدِ وَالنَّحْسِ فَنَحْنُ فِي وَحْشَةٍ وَفِي أُنْسِ الْعَيْنُ تَبْكِي وَالسِّنُّ ضَاحِكَةٌ فَنَحْنُ فِي مَأْتَمٍ وَفِي عُرْسِ يُضْحِكُهَا الْقَائِمُ الْأَمِينُ وَيُبْكِيهَا وَفَاةُ الرَّشِيدِ بِالْأَمْسِ بَدْرَانِ: بَدْرٌ أَضْحَى بِبَغْدَادَ فِي الْخُلْدِ وَبَدْرٌ بِطَوْسٍ فِي الرَّمْسِ فَلَمَّا انْتَظَمَ أَمْرُ الْأَمِينِ بِبَغْدَادَ، وَاسْتَقَامَ حَالُهُ فِيهَا حَسَدَهُ أَخُوهُ الْمَأْمُونُ وَوَقَعَ الْخُلْفُ.
التاريخ 3077لا حكم مسجّل
ابْتِدَاءِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتَدَأَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ ابْنَيِ الرَّشِيدِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الرَّشِيدَ لَمَّا كَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَى أَوَّلِ بِلَادِ خُرَاسَانَ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْمَأْمُونِ عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي عَسْكَرِهِ مِنَ الْقُوَّادِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَقَرَّ لَهُ بِجَمِيعِ مَا مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا، عَلَى مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ - عَظُمَ عَلَى الْأَمِينِ ذَلِكَ، ثُمَّ بَلَغَهُ شِدَّةُ مَرَضِ الرَّشِيدِ، فَأَرْسَلَ بَكْرَ بْنَ الْمُعْتَمِرِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كُتُبًا، وَجَعَلَهَا فِي قَوَائِمِ صَنَادِيقِ الْمَطْبَخِ، وَكَانَتْ مَنْقُورَةً، وَأَلْبَسَهَا جُلُودَ الْبَقَرِ، وَقَالَ: لَا تُظْهِرَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا غَيْرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ قُتِلْتَ، فَإِذَا مَاتَ فَادْفَعْ إِلَى كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا مَعَكَ. فَلَمَّا قَدِمَ بَكْرُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ طُوسَ بَلَغَ هَارُونَ قُدُومُهُ، فَدَعَا بِهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، فَقَالَ: بَعَثَنِي الْأَمِينُ لِآتِيَهُ بِخَبَرِكَ. قَالَ: فَهَلْ مَعَكَ كِتَابٌ ؟ قَالَ: لَا. فَأَمَرَ بِمَا مَعَهُ فَفُتِّشَ، فَلَمْ يُصِيبُوا شَيْئًا، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ، فَلَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ، فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ، ثُمَّ أَمَرَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ بِتَقْرِيرِهِ، فَإِنْ أَقَرَّ وَإِلَّا ضَرَبَ عُنُقَهُ، فَقَرَّرَهُ فَلَمْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ، ثُمَّ غُشِيَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَصَاحَ النِّسَاءُ، فَأَمْسَكَ الْفَضْلُ عَنْ قَتْلِهِ، وَحَضَرَ عِنْدَ الرَّشِيدِ، فَأَفَاقَ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَدْ شُغِلَ عَنْ بَكْرٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ. وَكَانَ بَكْرٌ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْفَضْلِ يَسْأَلُهُ أَنْ لَا يُعَجِّلَ فِي أَمْرِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ عِنْدَهُ أَشْيَاءَ يَحْتَاجُ إِلَى عَمَلِهَا، فَأَحْضَرَهُ الْفَضْلُ، وَأَعْلَمَهُ بِمَوْتِ الرَّشِيدِ، وَسَأَلَهُ عَمَّا عِنْدَهُ، فَخَافَ أَنْ يَكُونُ الرَّشِيدُ حَيًّا، فَلَمَّا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ أَخْرَجَ الْكُتُبَ الَّتِي مَعَهُ، وَهِيَ كِتَابٌ إِلَى أَخِيهِ الْمَأْمُونِ يَأْمُرُهُ بِتَرْكِ الْجَزَعِ، وَأَخْذِ الْبَيْعَةِ عَلَى النَّاسِ لَهُمَا وَلِأَخِيهِمَا الْمُؤْتَمَنِ، وَلَمْ يَكُنِ الْمَأْمُونُ حَاضِرًا، كَانَ بِمَرْوَ، وَكِتَابٌ إِلَى أَخِيهِ صَالِحٍ يَأْمُرُهُ بِتَسْيِيرِ الْعَسْكَرِ وَاسْتِصْحَابِ مَا فِيهِ، وَأَنْ يَتَصَرَّفَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ بِرَأْيِ الْفَضْلِ، وَكِتَابٌ إِلَى الْفَضْلِ يَأْمُرُهُ بِالْحِفْظِ وَالِاحْتِيَاطِ عَلَى مَا مَعَهُ مِنَ الْحُرَمِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَقَرَّ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ عَلَى عَمَلِهِ، كَصَاحِبِ الشُّرْطَةِ وَالْحَرَسِ وَالْحِجَابَةِ. فَلَمَّا قَرَءُوا الْكُتُبَ تَشَاوَرُوا هُمْ وَالْقُوَّادُ فِي اللِّحَاقِ بِالْأَمِينِ، فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ: لَا أَدَعُ مُلْكًا حَاضِرًا لِآخَرَ مَا أَدْرِي مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ. وَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَرَحَلُوا مَحَبَّةً مِنْهُمْ لِأَهْلِهِمْ وَوَطَنِهِمْ، وَتَرَكُوا الْعُهُودَ الَّتِي كَانَتْ أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ لِلْمَأْمُونِ. فَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ ذَلِكَ جَمَعَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ قُوَّادِ أَبِيهِ، وَهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ، وَشَبِيبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَالْعَلَاءُ مَوْلَى هَارُونَ، وَهُوَ عَلَى حِجَابَتِهِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَتِهِ، وَأَيُّوبُ بْنُ أَبِي سَمِيرٍ، وَهُوَ عَلَى كِتَابَتِهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، وَذُو الرِّيَاسَتَيْنِ، وَهُوَ أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ قَدْرًا، وَأَخَصُّهُمْ بِهِ، وَاسْتَشَارَهُمْ، فَأَشَارُوا أَنْ يَلْحَقَهُمْ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ جَرِيدَةً، فَيَرُدَّهُمْ، فَخَلَا بِهِ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ وَقَالَ: إِنْ فَعَلْتَ مَا أَشَارَ بِهِ هَؤُلَاءِ جَعَلُوكَ هَدِيَّةً إِلَى أَخِيكَ، وَلَكِنَّ الرَّأْيَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيْهِمْ كِتَابًا وَتُوَجِّهَ رَسُولًا يُذَكِّرُهُمُ الْبَيْعَةَ، وَيَسْأَلُهُمُ الْوَفَاءَ، وَيُحَذِّرُهُمُ الْحِنْثَ وَمَا فِيهِ دُنْيَا وَآخِرَةٌ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهَ سَهْلَ بْنَ صَاعِدٍ، وَنَوْفَلًا الْخَادِمَ، وَمَعَهُمَا كِتَابٌ، فَلَحِقَا الْجُنْدَ وَالْفَضْلَ بِنَيْسَابُورَ، فَأَوْصَلَا إِلَى الْفَضْلِ كِتَابَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا وَاحِدٌ مِنَ الْجُنْدِ. وَشَدَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبَلَةَ الْأَنْبَارِيُّ عَلَى سَهْلٍ بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهُ، فَأَمَرَّهُ عَلَى جَنْبِهِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ لِصَاحِبِكَ: لَوْ كُنْتَ حَاضِرًا لَوَضَعْتُهُ فِي فِيكَ. وَسَبَّ الْمَأْمُونَ. فَرَجَعَا إِلَيْهِ بِالْخَبَرِ، فَقَالَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ: أَعْدَاءٌ اسْتَرَحْتَ مِنْهُمْ، وَلَكِنِ افْهَمْ عَنِّي؛ إِنَّ هَذِهِ الدَّوْلَةَ لَمْ تَكُنْ قَطُّ أَعَزَّ مِنْهَا أَيَّامَ الْمَنْصُورِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْمُقَنَّعُ وَهُوَ يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ، وَقِيلَ طَلَبَ بِدَمِ أَبِي مُسْلِمٍ، فَضَعْضَعَ الْعَسْكَرَ بِخُرُوجِهِ بِخُرَاسَانَ، وَخَرَجَ بَعْدَهُ يُوسُفُ الْبَرْمِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ كَافِرٌ، فَتَضَعْضَعُوا أَيْضًا لَهُ، فَأَخْبِرْنِي أَنْتَ، أَيُّهَا الْأَمِيرُ، كَيْفَ رَأَيْتَ النَّاسَ عِنْدَمَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ خَبَرُ رَافِعٍ ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُمُ اضْطَرَبُوا اضْطِرَابًا شَدِيدًا. قَالَ: فَكَيْفَ بِكَ وَأَنْتَ نَازِلٌ فِي أَخْوَالِكَ وَبَيْعَتُكَ فِي أَعْنَاقِهِمْ، كَيْفَ يَكُونُ اضْطِرَابُ أَهْلِ بَغْدَاذَ ؟ اصْبِرْ، وَأَنَا أَضْمَنُ لَكَ الْخِلَافَةَ. قَالَ الْمَأْمُونُ: قَدْ فَعَلْتُ، وَجَعَلْتُ الْأَمْرَ إِلَيْكَ، فَقُمْ بِهِ. قَالَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ: وَاللَّهِ لَأَصْدُقَنَّكَ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ إِنْ قَامُوا لَكَ بِالْأَمْرِ كَانُوا أَنْفَعَ لَكَ مِنِّي بِرِيَاسَتِهِمُ الْمَشْهُورَةِ، وَبِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْقُوَّةِ عَلَى الْحَرْبِ، فَمَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ كُنْتُ خَادِمًا لَهُ، حَتَّى تَبْلُغَ أَمَلَكَ وَتَرَى رَأْيَكَ. وَقَامَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ وَأَتَاهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَذَكَّرَهُمْ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْوَفَاءِ، قَالَ: فَكَأَنِّي جِئْتُهُمْ بِجِيفَةٍ عَلَى طَبَقٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا لَا يَحِلُّ، اخْرُجْ ! وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَنِ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَخِيهِ ؟ فَجِئْتُ وَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: قُمْ بِالْأَمْرِ ! قَالَ: قُلْتُ لَهُ: قَرَأْتَ الْقُرْآنَ، وَسَمِعْتَ الْأَحَادِيثَ، وَتَفَقَّهْتَ فِي الدِّينِ، فَأَرَى أَنْ تَبْعَثَ إِلَى مَنْ بِحَضْرَتِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَتَدْعُوهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ وَإِحْيَاءِ السُّنَّةِ، وَتَقْعُدَ عَلَى الصُّوفِ، وَتَرُدَّ الْمَظَالِمَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ جَمِيعَهُ، وَأَكْرَمَهُ الْقُوَّادُ وَالْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ، وَكَانَ يَقُولُ لِلتَّمِيمِيِّ: نُقِيمُكَ مَقَامَ مُوسَى بْنِ كَعْبٍ، وَلِلرِّبْعِيِّ: نُقِيمُكَ مَقَامَ أَبِي دَاوُدَ، وَخَالِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَلِلِيمَانِيِّ: نُقِيمُكَ مَقَامَ قَحْطَبَةَ، وَمَالِكِ بْنِ الْهَيْثَمِ. وَكُلُّ هَؤُلَاءِ نُقَبَاءُ الدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَوَضَعَ عَنْ خُرَاسَانَ رُبْعَ الْخَرَاجِ، فَحَسُنَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَقَالُوا: ابْنُ أُخْتِنَا، وَابْنُ عَمِّ نَبِيِّنَا. وَأَمَّا الْأَمِينُ، فَلَمَّا سَكَنَ النَّاسُ بِبَغْدَاذَ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَيْدَانٍ حَوْلَ قَصْرِ الْمَنْصُورِ بَعْدَ بَيْعَتِهِ بِيَوْمٍ، [ لِلصَّوَالِجَةِ وَاللَّعِبِ ]، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ: بَنَى أَمِينُ اللَّهِ مَيْدَانَا وَصَيَّرَ السَّاحَةَ بُسْتَانَا وَكَانَتِ الْغِزْلَانُ فِيهِ بَانَا يُهْدَى إِلَيْهِ فِيهِ غِزْلَانَا وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ يَتَوَلَّى مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ خُرَاسَانَ وَالرَّيِّ، وَأَهْدَى إِلَى الْأَمِينِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ وَعَظَّمَهُ.
التاريخ 3072لا حكم مسجّل
وَفِي سنة ثلاث وتسعين ومائة تُوُفِّيَ سَعِيدٌ الْجَوْهَرِيُّ. قَالَ: وَفِيهَا وَافَى الرَّشِيدُ جُرْجَانَ وَانْتَهَتْ إِلَيْهِ خَزَائِنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى تُحْمَلُ عَلَى أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ مِنْهَا، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْهَا إِلَى طُوسَ وَهُوَ عَلِيلٌ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ فِيهَا. وَفِيهَا تَوَاقَعَ هَرْثَمَةُ نَائِبُ الْعِرَاقِ هُوَ وَرَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ، فَكَسَرَهُ هَرْثَمَةُ، وَافْتَتَحَ بُخَارَى، وَأَسَرَ أَخَاهُ بَشِيرَ بْنَ اللَّيْثِ، فَبَعَثَهُ إِلَى الرَّشِيدِ، وَهُوَ بِطُوسَ مُثْقَلٌ عَنِ السَّيْرِ، فَلَمَّا أُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَرَعَ يَتَرَقَّقُ لَهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، بَلْ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي إِلَّا أَنْ أُحَرِّكَ شَفَتَيْ بِقَتْلِكَ لَقَتَلْتُكَ. ثُمَّ دَعَا بِقَصَّابٍ، فَجَزَّأَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ عُضْوًا، ثُمَّ رَفَعَ الرَّشِيدُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنْ رَافِعٍ كَمَا مَكَّنَهُ مِنْ أَخِيهِ بَشِيرٍ وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نِقْفُورُ مَلِكُ الرُّومِ، قَتَلَهُ الْبُرْجَانُ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَقَامَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ إِسْتِبْرَاقُ شَهْرَيْنِ فَمَاتَ، فَمَلَكَهُمْ مِيخَائِيلُ زَوْجُ أُخْتِ نِقْفُورَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَفِيهَا تَوَاقَعَ هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ نَائِبُ خُرَاسَانَ وَرَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ فَاسْتَجَاشَ رَافِعٌ بِالتُّرْكِ، ثُمَّ هَرَبُوا وَبَقِيَ رَافِعٌ وَحْدَهُ فَضَعُفَ أَمْرُهُ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ نَائِبُ الْحِجَازِ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا عَزَلَ الْأَمِينُ أَخَاهُ الْقَاسِمَ الْمُؤْتَمَنَ عَنِ الْجَزِيرَةِ، وَأَقَرَّهُ عَلَى قِنَّسْرِينَ وَالْعَوَاصِمِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْجَزِيرَةِ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ مِنْهَا قَدِمَتْ زُبَيْدَةُ مِنَ الرَّقَّةِ بِالْخَزَائِنِ، وَمَا كَانَ عِنْدَهَا مِنَ التُّحَفِ وَالثِّيَابِ، فَتَلَقَّاهَا ابْنُهَا الْأَمِينُ إِلَى الْأَنْبَارِ وَمَعَهُ وُجُوهُ النَّاسِ.
التاريخ 3073لا حكم مسجّل
مَوْتِ الرَّشِيدِ وَفِي سنة ثلاث وتسعين ومائة مَاتَ الرَّشِيدُ أَوَّلَ جُمَادَى الْآخِرَةِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْهُ، وَكَانَتْ قَدِ اشْتَدَّتْ عِلَّتُهُ بِالطَّرِيقِ بِجُرْجَانَ، فَسَارَ إِلَى طُوسَ فَمَاتَ بِهَا. وكَانَ قَدْ رَأَى، وَهُوَ بِالرَّقَّةِ رُؤْيَا أَفْزَعَتْهُ، وَغَمَّهُ ذَلِكَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بْنُ بَخْتَيْشُوعَ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأَنَّ كَفًّا فِيهَا تُرْبَةٌ حَمْرَاءُ خَرَجَتْ مِنْ تَحْتِ سَرِيرِي هَذَا، وَقَائِلًا يَقُولُ هَذِهِ تُرْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَهَوَّنَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ أَمْرَهَا، وَقَالَ: هَذِهِ مِنْ أَضْغَاثِ الْأَحْلَامِ، وَمِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، فَتَنَاسَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا سَارَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ وَمَرَّ بِطُوسَ، وَاعْتَقَلَتْهُ الْعِلَّةُ بِهَا، ذَكَرَ رُؤْيَاهُ الَّتِي كَانَ رَأَى؛ فَهَالَهُ ذَلِكَ، وَانْزَعَجَ جِدًّا فَدَخَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِجِبْرِيلَ: وَيْحَكَ ؟ أَمَا تَذْكُرُ مَا قَصَصْتُهُ عَلَيْكَ مِنَ الرُّؤْيَا ؟ فَقَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ مَاذَا ؟ فَدَعَا مَسْرُورًا الْخَادِمَ، وَقَالَ: ائْتِنِي بِشَيْءٍ مِنْ تُرْبَةِ هَذِهِ الْأَرْضِ. فَجَاءَهُ بِتُرْبَةٍ حَمْرَاءَ فِي يَدِهِ، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: وَاللَّهِ هَذِهِ الْكَفُّ الَّتِي رَأَيْتُ، وَالتُّرْبَةُ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا. قَالَ جِبْرِيلُ: فَوَاللَّهِ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ حَتَّى تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ امْرَأَةً وَقَفَتْ عَلَيْهِ، وَأَخَذَتْ كَفَّ تُرَابٍ وَقَالَتْ: هَذِهِ تُرْبَتُكَ عَنْ قَلِيلٍ. فَأَصْبَحَ فَزِعًا، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَمَا فِي هَذَا ؟ قَدْ يَرَى النَّائِمُ أَغْلَظَ مِنْ هَذَا. فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا يَسِيرُ إِذْ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَأَيْتُهَا فِي مَنَامِي، وَلَقَدْ رَأَيْتهَا بَيْنَ أَلْفِ امْرَأَةٍ مَا خَفِيَتْ عَلَيَّ، ثُمَّ أَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَتُنَاوِلَهُ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا الْأَرْضَ، وَنَاوَلَتْهُ، فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ التُّرْبَةُ الَّتِي رَأَيْتُهَا، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ بِعَيْنِهَا. وَكَانَ إِذْ مَاتَ هُنَاكَ. وَقَدْ أَمَرَ بِحَفْرِ قَبْرِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فِي الدَّارِ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَهِيَ دَارُ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي غَانِمٍ الطَّائِيِّ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى قَبْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ تَصِيرُ إِلَى هَذَا ! ثُمَّ أَمَرَ بِقُرَّاءٍ فَقَرَءُوا فِي الْقَبْرِ الْقُرْآنَ حَتَّى خَتَمُوهُ، وَهُوَ فِي مَحَفَّةٍ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ احْتَبَى بِمُلَاءَةٍ وَجَلَسَ يُقَاسِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْأَحَدِ. مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، عَنْ خَمْسٍ، وَقِيلَ: سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. فَكَانَ مُلْكُهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
التاريخ 3074لا حكم مسجّل
ترجمة هارون الرشيد هُوَ هَارُونُ الرَّشِيدُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ابْنُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ: أَبُو جَعْفَرٍ. وَأُمُّهُ الْخَيْزُرَانُ أُمُّ وَلَدٍ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ: سَبْعٍ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ الْمَهْدِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. مرويات هارون الرشيد رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَجَدِّهِ، وَحَدَّثَ عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ أَوْرَدَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ. وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ ابْنُهُ، وَسُلَيْمَانُ الْهَاشِمِيُّ، وَالِدُ إِسْحَاقَ، وَنُبَاتَةُ بْنُ عَمْرٍو. صفات وجهاد هارون الرشيد وَكَانَ الرَّشِيدُ أَبْيَضَ طَوِيلًا سَمِينًا جَمِيلًا. وَقَدْ غَزَا الصَّائِفَةَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ مِرَارًا، وَعَقَدَ الْهُدْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالرُّومِ بَعْدَ مُحَاصَرَتِهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَقَدْ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ جَهْدًا جَهِيدًا، وَخَوْفًا شَدِيدًا، وَكَانَ الصُّلْحُ مَعَ امْرَأَةِ أَلْيُونَ، وَهِيَ الْمُلَقَّبَةُ بِأُغُسْطَةَ عَلَى حَمْلٍ كَثِيرٍ تَبْذُلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ عَامٍ، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي حَدَا أَبَاهُ عَلَى أَنْ بَايَعَ لَهُ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ بَعْدَ أَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ. ثُمَّ لَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَخِيهِ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ، كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ سِيرَةً، وَأَكْثَرِهِمْ غَزْوًا وَحَجًّا بِنَفْسِهِ، وَلِهَذَا قَالَ فِيهِ أَبُو السَّعْلِيِّ: فَمَنْ يَطْلُبْ لِقَاءَكَ أَوْ يُرِدْهُ فَبِالْحَرَمَيْنِ أَوْ أَقْصَى الثُّغُورِ فَفِي أَرْضِ الْعَدُوِّ عَلَى طِمِرٍّ وَفِي أَرْضِ الْبَنِيَّةِ فَوْقَ كُورِ وَمَا حَازَ الثُّغُورَ سِوَاكَ خَلْقٌ مِنَ الْمُسْتَخْلَفِينَ عَلَى الْأُمُورِ وَكَانَ يَتَصَدَّقُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَإِذَا حَجَّ أَحَجَّ مَعَهُ مِائَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَبْنَائِهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَحُجَّ أَحَجَّ ثَلَاثَمِائَةٍ بِالنَّفَقَةِ السَّابِغَةِ، وَالْكُسْوَةِ التَّامَّةِ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّشَبُّهَ بِجَدِّهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ إِلَّا فِي الْعَطَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ سَرِيعَ الْعَطَاءِ جَزِيلَهُ، وَكَانَ يُحِبُّ الْفُقَهَاءَ، وَالشُّعَرَاءَ، وَيُعْطِيهِمْ كَثِيرًا، وَلَا يَضِيعُ لَدَيْهِ بِرٌّ وَلَا مَعْرُوفٌ، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَكَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا، إِلَى أَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا، إِلَّا أَنْ تَعْرِضَ لَهُ عِلَّةٌ. وَكَانَ لَا يَضِيعُ عِنْدَهُ إِحْسَانُ مُحْسِنٍ، وَلَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ. وَكَانَ يُحِبُّ الشِّعْرَ وَالشُّعَرَاءَ، وَيَمِيلُ إِلَى أَهْلِ الْأَدَبِ وَالْفِقْهِ، وَيَكْرَهُ الْمِرَاءَ فِي الدِّينِ، وَكَانَ يُحِبُّ الْمَدِيحَ، لَا سِيَّمَا مِنْ شَاعِرٍ فَصِيحٍ، وَيُجْزِلُ الْعَطَاءَ عَلَيْهِ. وَلَمَّا مَدَحَهُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ بِقَصِيدَتِهِ الَّتِي مِنْهَا: وَسُدَّتْ بِهَارُونَ الثُّغُورُ فَأُحْكِمَتْ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْمَرَائِرُ أَعْطَاهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَخُلْعَةً، وَعَشَرَةً مِنَ الرَّقِيقِ الرُّومِيِّ، وَحَمَلَهُ عَلَى بِرْذَوْنٍ مِنْ خَاصِّ مَرْكَبِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُرَاسَانِيُّ: ( الرَّشِيدُ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ لَعِبَ بِالصَّوَالِجَةِ وَالْكُرَةِ، وَرَمْيِ النِّشَابِ فِي الْبُرْجَاسِ، وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ لَعِبَ بِالشِّطْرَنْجِ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ ). وَقَالَ الصُّولِيُّ: (هُوَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ لِلْمُغَنِّينَ مَرَاتِبَ وَطَبَقَاتٍ ). بعض من المواقف المضحكة لهارون الرشيد وَكَانَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْمَدَنِيُّ هُوَ الَّذِي يُضْحِكُهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ فَضِيلَةٌ بِأَخْبَارِ الْحِجَازِ، وَغَيْرِهَا، وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ أَنْزَلَهُ فِي قَصْرِهِ، وَخَلَطَهُ بِأَهْلِهِ. نَبَّهَهُ الرَّشِيدُ يَوْمًا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَقَامَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ أَدْرَكَ الرَّشِيدَ، وَهُوَ يَقْرَأُ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [ يس: 22 ] فَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ. فَضَحِكَ الرَّشِيدُ، وَقَطَعَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَيْحَكَ ! اجْتَنِبِ الصَّلَاةَ وَالْقُرْآنَ، وَلَكَ مَا عَدَا ذَلِكَ. وَدَخَلَ يَوْمًا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَى الرَّشِيدِ، وَمَعَهُ بَرْنِيَّةٌ مِنْ فِضَّةٍ فِيهَا غَالِيَةٌ مِنْ أَحْسَنِ الطِّيبِ، فَجَعَلَ يَمْدَحُهَا، وَيَزِيدُ فِي شُكْرِهَا، وَسَأَلَ مِنَ الرَّشِيدِ أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْهُ فَقَبِلَهَا، فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ فَوَهَبَهَا لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَيَحَكَ ! جِئْتُ بِشَيْءٍ مَنَعْتُهُ نَفْسِي، وَآثَرْتُ بِهِ سَيِّدِي فَأَخَذْتَهُ. فَحَلَفَ ابْنُ مَرْيَمَ لَيُطَيِّبَنَّ بِهِ اسْتَهُ، ثُمَّ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا فَطَلَى بِهِ اسْتَهُ، وَدَهَنَ جَوَارِحَهُ كُلَّهَا مِنْهَا، وَالرَّشِيدُ لَا يَتَمَالَكُ نَفْسَهُ مِنَ الضَّحِكِ. ثُمَّ قَالَ لِخَادِمٍ قَائِمٍ يُقَالُ لَهُ خَاقَانُ: اطْلُبْ لِي غُلَامِي. فَقَالَ الرَّشِيدُ: ادْعُ لَهُ غُلَامَهُ. فَقَالَ لَهُ: خُذْ هَذِهِ الْغَالِيَةَ، وَاذْهَبْ بِهَا إِلَى سِتِّكَ فَمُرْهَا فَلْتُطَيِّبْ مِنْهَا اسْتَهَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهَا فَأَنِيكَهَا. فَذَهَبَ الضَّحِكُ بِالرَّشِيدِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ: جِئْتَ بِهَذِهِ الْغَالِيَةِ تَمْدَحُهَا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي مَا تُمْطِرُ السَّمَاءُ شَيْئًا، وَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا إِلَّا وَهُوَ تَحْتَ تَصَرُّفِهِ، وَفِي يَدِهِ ؟ وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنْ قِيلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: مَا أَمَرَكَ بِهِ هَذَا فَأَنْفِذْهُ. وَأَنْتَ تَمْدَحُ هَذِهِ الْغَالِيَةَ عِنْدَهُ كَأَنَّهُ بَقَّالٌ، أَوْ خَبَّازٌ، أَوْ طَبَّاخٌ، أَوْ تَمَّارٌ. فَكَادَ الرَّشِيدُ يَهْلِكُ مِنْ شِدَّةِ الضَّحِكِ ثُمَّ أَمَرَ لِابْنِ أَبِي مَرْيَمَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقَدْ شَرِبَ الرَّشِيدُ يَوْمًا دَوَاءً فَسَأَلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَنْ يَلِيَ الْحِجَابَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَمَهْمَا حَصَلَ لَهُ فَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَلَّاهُ الْحِجَابَةَ، فَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِالْهَدَايَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ مِنْ عِنْدِ زُبَيْدَةَ، وَالْبَرَامِكَةِ، وَكِبَارِ الْأُمَرَاءِ، فَكَانَ حَاصِلُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ سِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَهُ الرَّشِيدُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَمَّا تَحَصَّلَ، فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: فَأَيْنَ نَصِيبِي ؟ قَالَ: مَعْزُولٌ. قَالَ: قَدْ صَالَحْتُكَ عَلَيْهِ بِعَشَرَةِ آلَافِ تُفَّاحَةٍ. تعظيم هارون الرشيد للعلم ولأحاديث رسول الله وَقَدِ اسْتَدْعَى إِلَيْهِ أَبَا مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ خَازِمٍ لِيَسْمَعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: مَا ذَكَرْتُ عِنْدَهُ فِي حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ إِلَّا قَالَ: صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِي. وَإِذَا سَمِعَ حَدِيثًا فِيهِ مَوْعِظَةٌ يَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ الثَّرَى. وَأَكَلْتُ عِنْدَهُ يَوْمًا ثُمَّ قُمْتُ لِأَغْسِلَ يَدِي فَصَبَّ الْمَاءَ عَلَيَّ، وَأَنَا لَا أَرَاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ، أَتَدْرِي مَنْ يَصُبُّ عَلَيْكَ ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أَنَا. فَدَعَا لَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ تَعْظِيمَ الْعِلْمِ، وَقَدْ حَدَّثَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ يَوْمًا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ: " " احْتَجَّ آدَمُ، وَمُوسَى " " فَقَالَ عَمُّ الرَّشِيدِ: أَيْنَ الْتَقَيَا يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ ؟ فَغَضِبَ الرَّشِيدُ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَتَعْتَرِضُ عَلَى الْحَدِيثِ ؟ ! عَلَيَّ بِالنَّطْعِ، وَالسَّيْفِ. فَأُحْضِرَ ذَلِكَ، فَقَامَ النَّاسُ إِلَيْهِ يَشْفَعُونَ فِيهِ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: هَذِهِ زَنْدَقَةٌ. ثُمَّ أَمَرَ بِسَجْنِهِ، وَقَالَ: لَا يَخْرُجُ حَتَّى يُخْبِرَنِي مَنْ أَلْقَى إِلَيْهِ هَذَا. فَأَقْسَمَ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ مَا قَالَ لَهُ أَحَدٌ وَإِنَّمَا كَانَتْ بَادِرَةً مِنِّي، فَأَطْلَقَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَخَلْتُ عَلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلٌ مَضْرُوبُ الْعُنُقِ، وَالسَّيَّافُ يَمْسَحُ سَيْفَهُ فِي قَفَا الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ، فَقَالَ هَارُونُ: قَتَلْتُهُ لِأَنَّهُ قَالَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَقَتَلْتُهُ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، انْظُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَيُقَدِّمُونَهُمَا فَأَكْرِمْهُمْ يَعِزُّ سُلْطَانُكَ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: أَوَلَسْتُ كَذَلِكَ ؟ ! أَنَا وَاللَّهِ كَذَلِكَ أُحِبُّهُمَا، وَأُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُمَا، وَأُعَاقِبُ مَنْ يُبْغِضُهُمَا. خشية وخوف هارون الرشيد من الله وَقَالَ لَهُ ابْنُ السِّمَاكِ أَوْ غَيْرُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ فَوْقَكُ، فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ أَحَدٌ أَطْوَعَ إِلَى اللَّهِ مِنْكَ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ فِي الْكَلَامِ لَقَدْ أَبْلَغْتَ فِي الْمَوْعِظَةِ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ السِّمَاكِ يَوْمًا فَاسْتَسْقَى الرَّشِيدُ فَأُتِيَ بِقُلَّةٍ فِيهَا مَاءٌ مُبَرَّدٌ، فَقَالَ لِابْنِ السِّمَاكِ: عِظْنِي. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِكُمْ كُنْتَ مُشْتَرِيًا هَذِهِ الشَّرْبَةَ لَوْ مُنِعْتَهَا ؟ فَقَالَ: بِنِصْفِ مُلْكِي. فَقَالَ: اشْرَبْ هَنِيئًا. فَلَمَّا شَرِبَ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ مُنِعْتَ خُرُوجَهَا مِنْ بَدَنِكَ، بِكَمْ كُنْتَ تَشْتَرِي ذَلِكَ ؟ قَالَ: بِمُلْكِي كُلِّهِ. فَقَالَ: إِنَّ مُلْكًا قِيمَتُهُ شَرْبَةُ مَاءٍ لَخَلِيقٌ أَنْ لَا يُتَنَافَسَ فِيهِ. فَبَكَى هَارُونُ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ثِنَا الرِّيَاشِيُّ، سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ، يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ، وَهُوَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخْذُ الْأَظْفَارِ يَوْمَ الْخَمِيسِ مِنَ السُّنَّةِ، وَبَلَغَنِي أَنَّ أَخْذَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَنْفِي الْفَقْرَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَ تَخْشَى الْفَقْرَ ؟ ! فَقَالَ: يَا أَصْمَعِيُّ، وَهَلْ أَحَدٌ أَخْشَى لِلْفَقْرِ مِنَى ؟ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ الرَّشِيدِ فَدَعَا طَبَّاخَهُ، فَقَالَ: أَعِنْدَكَ فِي الطَّعَامِ لَحْمُ جَزُورٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَلْوَانٌ مِنْهُ. فَقَالَ: أَحْضِرْهُ مَعَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَخَذَ لُقْمَةً مِنْهُ، فَوَضَعَهَا فِي فِيهِ، فَضَحِكَ جَعْفَرٌ الْبَرْمَكِيُّ، فَتَرَكَ الرَّشِيدُ مَضْغَ اللُّقْمَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مِمَّ تَضْحَكُ ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، ذَكَرْتُ كَلَامًا دَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ جَارِيَتِي الْبَارِحَةَ. فَقَالَ: بِحَقِّي عَلَيْكَ لَمَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ. قَالَ: حَتَّى تَأْكُلَ هَذِهِ اللُّقْمَةَ، فَأَلْقَاهَا مِنْ فِيهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِكَمْ تَقُولُ إِنَّ هَذَا الطَّعَامَ مِنْ لَحْمِ الْجَزُورِ يُقَوَّمُ عَلَيْكَ ؟ قَالَ: بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ. قَالَ: لَا، وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: إِنَّكَ طَلَبْتَ مِنْ طَبَّاخِكَ هَذَا لَحْمَ جَزُورٍ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ، فَقُلْتُ: لَا يَخْلُوَنَّ الْمَطْبَخُ مِنْ لَحْمِ جَزُورٍ، فَنَحْنُ نَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ جَزُورًا؛ لِأَنَّا لَا نَشْتَرِي لَحْمَ الْجَزُورِ مِنَ السُّوقِ، فَصُرِفَ فِي لَحْمِ الْجَزُورِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَطْلُبْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَحْمَ الْجَزُورِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ، قَالَ جَعْفَرٌ: فَضَحِكْتُ؛ لِأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا نَالَهُ مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ اللُّقْمَةُ، فَهِيَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: فَبَكَى الرَّشِيدُ بُكَاءً شَدِيدًا، وَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ يُوَبِّخُهَا، وَيَقُولُ: هَلَكْتَ وَاللَّهِ يَا هَارُونُ. وَأَمَرَ بِرَفْعِ السِّمَاطِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى آذَنَهُ الْمُؤَذِّنُونَ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَخَرَجَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَجَعَ يَبْكِي، وَقَدْ أَمَرَ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ تُصْرَفُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمَيْنِ، فِي كُلِّ حَرَمٍ أَلْفُ أَلْفٍ صَدَقَةً، وَأَمَرَ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ يَتَصَدَّقُ بِهَا فِي جَانِبَيْ بَغْدَادَ؛ الْغَرْبِيِّ، وَالشَّرْقِيِّ، وَبِأَلْفِ أَلْفٍ يُتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى فَقُرَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ. ثُمَّ خَرَجَ لِصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ رَجَعَ يَبْكِي حَتَّى صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَاكِيًا فِي هَذَا الْيَوْمِ ؟ فَذَكَرَ أَمْرَهُ، وَمَا صَرَفَ مِنَ الْمَالِ الْجَزِيلِ لِأَجْلِ شَهْوَتِهِ، وَإِنَّمَا نَالَهُ مِنْهَا لُقْمَةٌ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لِجَعْفَرٍ: هَلْ كَانَ مَا يَذْبَحُونَهُ مِنَ الْجَزُورِ يَفْسَدُ، أَوْ يَأْكُلُهُ النَّاسُ ؟ قَالَ: بَلْ يَأْكُلُهُ النَّاسُ. فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِثَوَابِ اللَّهِ فِيمَا صَرَفْتَهُ مِنَ الْمَالِ الَّذِي أَكَلَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ، وَبِمَا يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَبِمَا رَزَقَكَ اللَّهُ مِنْ خَشْيَتِهِ وَخَوْفِهِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [ الرَّحْمَنِ: 46 ] فَأَمَرَ لَهُ الرَّشِيدُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِطَعَامٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ فَكَانَ غَدَاؤُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَشَاءً. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ: اجْتَمَعَ لِلرَّشِيدِ مِنَ الْجِدِّ وَالْهَزْلِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ، كَانَ أَبُو يُوسُفَ قَاضِيَهُ، وَالْبَرَامِكَةُ وُزَرَاءَهُ، وَحَاجِبُهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ أَنْبَهُ النَّاسِ، وَأَشَدُّهُمْ تَعَاظُمًا، وَنَدِيمُهُ عَمُّ أَبِيهِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ صَاحِبُ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَشَاعِرُهُ مَرْوَانُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَمُغَنِّيهِ إِبْرَاهِيمُ الْمَوْصِلِيُّ وَاحِدُ عَصْرِهِ فِي صِنَاعَتِهِ وَضَارِبُهُ زَلْزَلٌ، وَزَامِرُهُ بَرْصُومَا، وَزَوْجَتُهُ أُمُّ جَعْفَرٍ يَعْنِي زُبَيْدَةَ، وَكَانَتْ أَرْغَبَ النَّاسِ فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَأَسْرَعَهُمْ إِلَى كُلِّ بِرٍّ وَمَعْرُوفٍ، أَدْخَلَتِ الْمَاءَ الْحَرَمَ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ، إِلَى أَشْيَاءَ مِنَ الْمَعْرُوفِ. وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّا مِنْ قَوْمٍ عَظُمَتْ رَزِيَّتُهُمْ، وَحَسُنَتْ بَقِيَّتُهُمْ، وَرِثْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَبَقِيَتْ فِينَا خِلَافَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَبَيْنَمَا الرَّشِيدُ يَطُوفُ يَوْمًا بِالْبَيْتِ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَكَ بِكَلَامٍ فِيهِ غِلْظَةٌ. فَقَالَ: لَا، وَلَا نِعْمَتْ عَيْنٌ، قَدْ بَعَثَ اللَّهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ إِلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا. وَعَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: رَأَيْتُ الرَّشِيدَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَخَوَّفَتْنِي، وَقَالَتْ: إِنَّهُ الْآنَ يَضْرِبُ عُنُقَكَ. فَقُلْتُ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. فَنَادَيْتُهُ: فَقُلْتُ: يَا هَارُونُ، قَدْ أَتْعَبْتَ الْأُمَّةَ، وَالْبَهَائِمَ. فَقَالَ: خُذُوهُ. فَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ، وَفِي يَدِهِ لَتٌّ مِنْ حَدِيدٍ يَلْعَبُ بِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، مِمَّنْ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الْأَبْنَاءِ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ دَعَوْتَنِي بِاسْمِي ؟ قَالَ: فَخَطَرَ بِبَالِي شَيْءٌ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي قَبْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا أَدْعُو اللَّهَ بِاسْمِهِ، يَا اللَّهُ، يَا رَحْمَنُ أَفَلَا أَدْعُوكَ بِاسْمِكَ ؟ ! وَهَذَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ دَعَا أَحَبَّ خَلْقِهِ إِلَيْهِ بِاسْمِهِ: مُحَمَّدًا، وَكَنَّى أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَقَالَ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [ الْمَسَدِ: 1 ] فَقَالَ الرَّشِيدُ: أَخْرِجُوهُ أَخْرِجُوهُ. وَقَالَ لَهُ ابْنُ السِّمَاكِ يَوْمًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ تَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُقْبَرُ وَحْدَكَ، فَاحْذَرِ الْمُقَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَبَّارِ، وَالْوُقُوفَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حِينَ يُؤْخَذُ بِالْكَظَمِ، وَتَزِلُّ الْقَدَمُ، وَيَقَعُ النَّدَمُ، فَلَا تَوْبَةَ تُنَالُ، وَلَا عَثْرَةَ تُقَالُ، وَلَا يُقْبَلُ فِدَاءٌ بِمَالٍ. فَجَعَلَ الرَّشِيدُ يَبْكِي حَتَّى عَلَا صَوْتُهُ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ لَهُ: يَا ابْنَ السِّمَاكِ لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّيْلَةَ. فَقَامَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ يَبْكِي. وَقَالَ لَهُ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فِي جُمْلَةِ مَوْعِظَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ: يَا صَبِيحَ الْوَجْهِ، إِنَّكَ مَسْئُولٌ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ [ الْبَقَرَةِ: 166 ] قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: الْوُصَلَاتُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا. فَبَكَى حَتَّى جَعَلَ يَشْهَقُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اسْتَدْعَانِي الرَّشِيدُ يَوْمًا، وَقَدْ زَخْرَفَ مَنَازِلَهُ، وَأَكْثَرَ الطَّعَامَ، وَالشَّرَابَ، وَاللَّذَّاتِ فِيهَا، ثُمَّ اسْتَدْعَى أَبَا الْعَتَاهِيَةِ، فَقَالَ لَهُ: صِفْ لَنَا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ، وَالنَّعِيمِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: عِشْ مَا بَدَا لَكَ سَالِمًا فِي ظِلِّ شَاهِقَةِ الْقُصُورِ يَسْعَى عَلَيْكَ بِمَا اشْتَهَيْ تَ لَدَى الرَّوَاحِ وَفِي الْبُكُورِ فَإِذَا النُّفُوسُ تَقَعْقَعَتْ عَنْ ضِيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدُورِ فَهُنَاكَ تَعْلَمُ مُوقِنًا مَا كُنْتَ إِلَّا فِي غُرُورِ قَالَ: فَبَكَى الرَّشِيدُ بُكَاءً شَدِيدًا. فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى: دَعَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِتَسُرَّهُ فَأَحْزَنْتَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: دَعْهُ؛ فَإِنَّهُ رَآنَا فِي عَمًى فَكَرِهَ أَنْ يَزِيدَنَا عَمًى. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الرَّشِيدَ قَالَ لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ: عِظْنِي بِأَبْيَاتٍ مِنَ الشِّعْرِ وَأَوْجِزْ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: لَا تَأْمَنِ الْمَوْتَ فِي طَرَفٍ وَلَا نَفَسٍ وَلَوْ تَمَنَّعْتَ بِالْحُجَّابِ وَالْحَرَسِ وَاعْلَمْ بِأَنَّ سِهَامَ الْمَوْتِ قَاصِدَةٌ لِكُلِّ مُدَّرِعٍ مِنْهَا وَمُتَّرِسِ تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إِنَّ السَّفِينَةَ لَا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ قَالَ: فَخَرَّ الرَّشِيدُ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَقَدْ حَبَسَ الرَّشِيدُ مَرَّةً أَبَا الْعَتَاهِيَةِ، وَأَرْصَدَ عَلَيْهِ مَنْ يَأْتِيهِ بِمَا يَقُولُ، فَكَتَبَ مَرَّةً عَلَى جِدَارِ الْحَبْسِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ الظُّلْمَ لُومٌ وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ إِلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ قَالَ: فَاسْتَدْعَاهُ وَاسْتَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ، وَوَهَبَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، وَأَطْلَقَهُ. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْفَهْمِ: بسنده عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ فَقَالَ: مَا خَبَرُكَ ؟ فَقُلْتُ: بِعَيْنِ اللَّهِ مَا تَخْفَى الْبُيُوتُ فَقَدْ طَالَ التَّحَمُّلُ وَالسُّكُوتُ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، مِائَةُ أَلْفٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ تُغْنِيهِ، وَتُغْنِي عَقِبَهُ، وَلَا تَضُرُّ الرَّشِيدَ شَيْئًا. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كُنْتُ مَعَ الرَّشِيدِ فِي الْحَجِّ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَإِذَا عَلَى شَفِيرِهِ امْرَأَةٌ صَبِيَّةٌ حَسْنَاءُ بَيْنَ يَدَيْهَا قَصْعَةٌ، وَهِيَ تَسْأَلُ فِيهَا، وَتَقُولُ: طَحْطَحَتْنَا طَحَاطِحُ الْأَعْوَامِ وَرَمَتْنَا حَوَادِثُ الْأَيَّامِ فَأَتَيْنَاكُمْ نَمُدُّ أَكُفًّا لِفَضَالَاتِ زَادِكُمْ، وَالطَّعَامِ فَاطْلُبُوا الْأَجْرَ، وَالْمَثُوبَةَ فِينَا أَيُّهَا الزَّائِرُونَ بَيْتَ الْحَرَامِ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي، وَرَحْلِي فَارْحَمُوا غُرْبَتِي، وَذُلَّ مَقَامِي قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: فَذَهَبْتُ إِلَى الرَّشِيدِ فَأَخْبَرْتُهُ بِأَمْرِهَا، فَجَاءَ بِنَفْسِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهَا، فَسَمِعَهَا فَرَحِمَهَا وَبَكَى، وَأَمَرَ مَسْرُورًا الْخَادِمَ أَنْ يَمْلَأَ قَصْعَتَهَا ذَهَبًا، فَمَلَأَهَا حَتَّى جَعَلَتْ تَفِيضُ يَمِينًا، وَشِمَالًا. وَسَمِعَ مَرَّةً الرَّشِيدُ أَعْرَابِيًّا يَحْدُو إِبِلَهُ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الْمُجْمِعُ هَمًّا لَا تُهَمْ إِنَّكَ إِنْ تُقْضَى لَكَ الْحُمَّى تُحَمْ كَيْفَ تَوَقِّيكَ وَقَدْ جَفَّ الْقَلَمْ وَحَطَّتِ الصِّحَّةُ مِنْكَ وَالسَّقَمْ فَقَالَ الرَّشِيدُ لِبَعْضِ الْخَدَمِ: مَا مَعَكَ ؟ قَالَ: أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ. فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَى هَذَا الْأَعْرَابِيِّ. فَلَمَّا قَبَضَهَا ضَرَبَ رَفِيقُهُ بِيَدِهِ عَلَى كَتِفِهِ، وَقَالَ مُتَمَثِّلًا: وَكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا يَشْقَى بِقَعْقَاعٍ جَلِيسُ فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بَعْضَ الْخَدَمِ أَنْ يُعْطِيَ الْمُتَمَثِّلَ مَا مَعَهُ مِنَ الذَّهَبِ، فَإِذَا مَعَهُ مِائَتَا دِينَارٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَصْلُ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أُهْدِيَتْ لَهُ هَدِيَّةٌ؛ جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَفَرَّقَهَا عَلَى جُلَسَائِهِ، وَإِلَى جَانِبِهِ قَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَإِلَى جَانِبِ الْقَعْقَاعِ أَعْرَابِيٌّ لَمْ يَفْضُلْ لَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، فَأَطْرَقَ الْأَعْرَابِيُّ حَيَاءً، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْقَعْقَاعُ الْجَامَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ، فَنَهَضَ الْأَعْرَابِيُّ، وَهُوَ يَقُولُ: وَكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا يَشْقَى بِقَعْقَاعٍ جَلِيسُ وَخَرَجَ الرَّشِيدُ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ زُبَيْدَةَ، وَهُوَ يَضْحَكُ فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: دَخَلَتْ إِلَيَّ هَذِهِ الْمَرْأَةُ - يَعْنِي زَوْجَتَهُ زُبَيْدَةَ - فَأَكَلْتُ عِنْدَهَا، وَنِمْتُ، فَمَا اسْتَيْقَظْتُ إِلَّا بِصَوْتِ ذَهَبٍ يُصَبُّ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: هَذِهِ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ قَدِمَتْ مِنْ مِصْرَ. فَقَالَتْ: هَبْهَا لِي يَابْنَ عَمِّ. فَقُلْتُ: هِيَ لَكِ. ثُمَّ مَا خَرَجْتُ حَتَّى عَرْبَدَتْ عَلَيَّ، وَقَالَتْ: أَيُّ خَيْرٍ رَأَيْتُ مِنْكَ ؟ وَقَالَ الرَّشِيدُ مَرَّةً لِلْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ: مَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الذِّئْبِ، وَلَكَ هَذَا الْخَاتَمُ، وَشِرَاؤُهُ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ دِينَارٍ ؟ فَأَنْشَدَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِي بِأُخْرَى الرَّزَايَا فَهُو يَقْظَانُ هَاجِعُ فَقَالَ: مَا قُلْتَ هَذَا إِلَّا لِتَسْلُبَنَا الْخَاتَمَ. ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَتْ زُبَيْدَةُ فَاشْتَرَتْهُ مِنْهُ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَتْ بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ، وَقَالَتْ: إِنِّي رَأَيْتُكَ مُعْجَبًا بِهِ. فَرَدَّهُ إِلَى الْمُفَضَّلِ، وَالدَّنَانِيرَ، وَقَالَ: مَا كُنَّا لِنَهَبَ شَيْئًا، وَنَرْجِعَ فِيهِ. وَقَالَ الرَّشِيدُ يَوْمًا لِلْعَبَّاسِ بْنِ الْأَحْنَفِ: أَيُّ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ أَرَقُّ ؟ فَقَالَ: قَوْلُ جَمِيلٍ فِي بُثَيْنَةَ: أَلَا لَيْتَنِي أَعْمَى أَصَمُّ تَقُودُنِي بُثَيْنَةُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهُا فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: فَقَوْلُكَ أَرَقُّ مِنْ هَذَا حَيْثُ قُلْتَ: طَافَ الْهَوَى فِي عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمْ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِي مِنْ بَيْنِهِمْ وَقَفَا فَقَالَ الْعَبَّاسُ: فَقَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَقُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ: أَمَا يَكْفِيكِ أَنَّكِ تَمْلِكِينِي وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عَبِيدِي وَأَنَّكِ لَوْ قَطَعْتِ يَدِي، وَرِجْلِي لَقُلْتُ مِنَ الْهَوَى أَحْسَنْتِ زِيدِي قَالَ: فَضَحِكَ الرَّشِيدُ، وَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ. وأَخْرَجَ السَّلَفِيُّ فِي «الطُّيُورِيَّاتِ» بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: (لَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الرَّشِيدِ... وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِي الْمَهْدِيِّ، فَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَقَالَتْ: لَا أَصْلُحُ لَكَ، إِنَّ أَبَاكَ قَدْ أَطَافَ بِي، فَشُغِفَ بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي يُوسُفَ فَسَأَلَهُ: أَعِنْدَكَ فِي هَذَا شَيْءٌ ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ; أَوْ كُلَّمَا ادَّعَتْ أَمَةٌ شَيْئًا يَنْبَغِي أَنْ تُصَدَّقَ ؟ ! لَا تُصَدِّقْهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَأْمُونَةٍ ). قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: (فَلَمْ أَدْرِ مِمَّنْ أَعْجَبُ; مِنْ هَذَا الَّذِي قَدْ وَضَعَ يَدَهُ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ يَتَحَرَّجُ عَنْ حُرْمَةِ أَبِيهِ، أَوْ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ الَّتِي رَغِبَتْ بِنَفْسِهَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ مِنْ هَذَا فَقِيهُ الْأَرْضِ وَقَاضِيهَا قَالَ: اهْتِكْ حُرْمَةَ أَبِيكَ، وَاقْضِ شَهْوَتَكَ، وَصَيِّرْهُ فِي رَقَبَتِي ؟ ! ). وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: قَالَ الرَّشِيدُ لِأَبِي يُوسُفَ: (إِنِّي اشْتَرَيْتُ جَارِيَةً وَأُرِيدُ أَنْ أَطَأَهَا الْآنَ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، فَهَلْ عِنْدَكَ حِيلَةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ; تَهَبُهَا لِبَعْضِ وَلَدِكَ، ثُمَّ تَتَزَوَّجُهَا. وَأَخْرَجَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ قَالَ: (دَعَا الرَّشِيدُ أَبَا يُوسُفَ لَيْلًا فَأَفْتَاهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ... أَمَرَ بِتَعْجِيلِهَا قَبْلَ الصُّبْحِ ؟ فَقَالَ: عَجِّلُوهَا، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: إِنَّ الْخَازِنَ فِي بَيْتِهِ وَالْأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ ؟ فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: قَدْ كَانَتِ الدُّرُوبُ مُغْلَقَةً حِينَ دَعَا بِي، فَفُتِحَتْ ! ! ). وقِيلَ: اسْتَعْمَلَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ رَجُلًا عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِ الْخَرَاجِ، فَدَخَلَ عَلَى الرَّشِيدِ يُوَدِّعُهُ وَعِنْدَهُ يَحْيَى وَجَعْفَرٌ، فَقَالَ لَهُمَا الرَّشِيدُ: أَوْصِيَاهُ ! فَقَالَ يَحْيَى: وَفِّرْ، وَاعْمُرْ. وَقَالَ جَعْفَرٌ: أَنْصِفْ وَانْتَصِفْ ! فَقَالَ الرَّشِيدُ: اعْدِلْ وَأَحْسِنْ. وَقِيلَ: حَجَّ الرَّشِيدُ مَرَّةً فَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَرَآهُ بَعْضُ الْحَجَبَةِ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى أَصَابِعِهِ يَقُولُ: يَا مَنْ يَمْلِكُ حَوَائِجَ السَّائِلِينَ، وَيَعْلَمُ ضَمِيرَ الصَّامِتِينَ، فَإِنَّ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْكَ رَدًّا حَاضِرًا، وَجَوَابًا عَنِيدًا، وَلِكُلِّ صَامِتٍ مِنْكَ عِلْمٌ مُحِيطٌ، نَاطِقٌ بِمَوَاعِيدِكَ الصَّادِقَةِ، وَأَيَادِيكَ الْفَاضِلَةِ، وَرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا يَا مَنْ لَا تَضُرُّهُ الذُّنُوبُ، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْغُيُوبُ، وَلَا تَنْقُصُهُ مَغْفِرَةُ الْخَطَايَا، يَا مَنْ كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى الْمَاءِ، وَسَدَّ الْهَوَاءَ بِالسَّمَاءِ، وَاخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَحْسَنَ الْأَسْمَاءِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَخِرْ لِي فِي جَمِيعِ أُمُورِي، يَا مَنْ خَشَعَتْ لَهُ الْأَصْوَاتُ، بِأَنْوَاعِ اللُّغَاتِ، يَسْأَلُونَهُ الْحَاجَاتِ، إِنَّ مِنْ حَاجَتِي إِلَيْكَ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِذَا تَوَفَّيْتَنِي وَصُيِّرْتُ فِي لَحْدِي، وَتَفَرَّقَ عَنِّي أَهْلِي وَوَلَدِي، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا يَفْضُلُ كُلَّ حَمْدٍ كَفَضْلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، صَلَاةً تَكُونُ لَهُ رِضًى، وَصَلِّ عَلَيْهِ صَلَاةً تَكُونُ لَهُ ذُخْرًا، وَاجْزِهِ عَنَّا الْجَزَاءَ الْأَوْفَى، اللَّهُمَّ أَحْيِنَا سُعَدَاءَ، وَتَوَفَّنَا شُهَدَاءَ، وَاجْعَلْنَا سُعَدَاءَ مَرْزُوقِينَ، وَلَا تَجْعَلْنَا أَشْقِيَاءَ مَحْرُومِينَ. [عَزَاؤُهُ بِابْنِ الْمُبَارَكِ وَكَرَمُهُ وَأُعْطِيَاتُهُ ] وَمِنْ مَحَاسِنِهِ: أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ ابْنِ الْمُبَارَكِ... جَلَسَ لِلْعَزَاءِ، وَأَمَرَ الْأَعْيَانَ أَنْ يُعَزُّوَهُ فِي ابْنِ الْمُبَارَكِ. من شعر هارون الرشيد وَمِنْ شَعْرِ الرَّشِيدِ فِي ثَلَاثِ حَظِيَّاتٍ كُنَّ عِنْدَهُ مِنَ الْخَوَاصِّ: مَلَكَ الثَّلَاثُ الْآنِسَاتُ عِنَانِي وَحَلَلْنَ مِنْ قَلْبِي بِكُلِّ مَكَانِ مَا لِي تُطَاوِعُنِي الْبَرِيَّةُ كُلُّهَا وَأُطِيعُهُنَّ، وَهُنَّ فِي عِصْيَانِي مَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّ سُلْطَانَ الْهَوَى وَبِهِ قَوَيْنَ أَعَزُّ مِنْ سُلْطَانِي وَمِنْ شَعْرِهِ فِيمَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْعِقْدِ فِي كِتَابِهِ: تُبْدِي صُدُودًا وَتُخْفِي تَحْتَهُ مِقَّةً فَالنَّفْسُ رَاضِيَةٌ وَالطَّرْفُ غَضْبَانُ يَا مَنْ بَذَلْتُ لَهُ خَدِّي فَزَلَّلَهُ وَلَيْسَ فَوْقِي سِوَى الرَّحْمَنِ سُلْطَانُ وَذَكَرَ أَبُو هِفَّانَ أَنَّهُ كَانَ فِي دَارِ الرَّشِيدِ مِنَ الْجَوَارِي، وَالْحَظَايَا، وَخَدَمِهِنَّ، وَخَدَمِ زَوْجَتِهِ، وَأَخَوَاتِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ جَارِيَةٍ، وَأَنَّهُنَّ حَضَرْنَ كُلُّهُنَّ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَغَنَّتْهُ الْمُطْرِبَاتُ فَطَرِبَ جِدًّا، وَأَمَرَ بِمَالٍ فَنُثِرَ عَلَيْهِنَّ، فَكَانَ مَبْلَغُهُ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَرَوَى أَنَّهُ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنَ الْمَدِينَةِ فَأُعْجِبَ بِهَا جِدًّا، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ مَوَالِيهَا، وَمَنْ يَلُوذُ بِهِمْ لِيَقْضِيَ حَوَائِجَهُمْ، فَقَدِمُوا فِي ثَمَانِينَ نَفْسًا، فَأَمَرَ الْحَاجِبَ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ أَنْ يَتَلَقَّاهُمْ، وَيَكْتُبَ حَوَائِجَهُمْ، فَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ قَدْ أَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَهْوَى تِلْكَ الْجَارِيَةَ، فَقَالَ لَهُ الْحَاجِبُ: مَا حَاجَتُكَ ؟ قَالَ: حَاجَتِي أَنْ يُجْلِسَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ فُلَانَةٍ فَأَشْرَبَ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ مِنْ شَرَابٍ، فَتُغَنِّينِي ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ. فَقَالَ: أَمَجْنُونٌ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اعْرِضْ ذَلِكَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْخَلِيفَةِ، ذَكَرَ لَهُ مَا قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِ، وَأَنْ تَجْلِسَ مَعَهُ الْجَارِيَةُ بِحَيْثُ يَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، فَجَلَسَتْ عَلَى كُرْسِيٍّ، وَالْخُدَّامُ بَيْنَ يَدَيْهَا وَجَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى كُرْسِيٍّ، فَشَرِبَ رِطْلًا، وَقَالَ لَهَا: غَنِّينِي: خَلِيلَيَّ عُوجَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هِنْدُ بِأَرْضِكُمَا قَصْدَا وَقُولَا لَهَا لَيْسَ الضَّلَالُ أَجَازَنَا وَلَكِنَّنَا جُزْنَا لِنَلْقَاكُمْ عَمْدَا غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا، وَمِنْكُمُ وَتَزْدَادُ دَارِي مِنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا فَغَنَّتْهُ ثُمَّ اسْتَعْجَلَهُ الْخَادِمُ فَشَرِبَ رِطْلًا آخَرَ، وَقَالَ: غَنِّينِي، جُعِلْتُ فِدَاكِ: تَكَلَّمُ مِنَّا فِي الْوُجُوهِ عُيُونُنَا فَنَحْنُ سُكُوتٌ، وَالْهَوَى يَتَكَلَّمُ وَنَغْضَبُ أَحْيَانًا وَنَرْضَى بِطَرْفِنَا وَذَلِكَ فِيمَا بَيْنَنَا لَيْسَ يُعْلَمُ فَغَنَّتْهُ، ثُمَّ شَرِبَ رِطْلًا ثَالِثًا، وَقَالَ: غَنِّينِي جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكِ: أَحْسَنُ مَا كُنَّا تَفَرُّقُنَا وَخَانَنَا الدَّهْرُ، وَمَا خُنَّا فَلَيْتَ ذَا الدَّهْرَ لَنَا مَرَّةً عَادَ لَنَا يَوْمًا كَمَا كُنَّا قَالَ: ثُمَّ قَامَ الشَّابُّ إِلَى دَرَجَةٍ هُنَاكَ فَعَلَاهَا، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ أَعْلَاهَا عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَمَاتَ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: عَجِلَ الْفَتَى، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَعْجَلْ لَوَهَبْتُهَا لَهُ. وَفَضَائِلُهُ، وَمَكَارِمُهُ، وَمَآثِرُهُ، وَأَشْعَارُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، قَدْ أَوْرَدَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ أُنْمُوذَجًا صَالِحًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. مرض ووفاة هارون الرشيد ومراثيه وَقَدْ كَانَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ يَقُولُ: لَيْسَ أَحَدٌ أَعَزَّ عَلَيْنَا مِنْ مَوْتِ هَارُونَ الرَّشِيدِ وَإِنِّي لَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَزِيدَ فِي عُمُرِهِ مِنْ عُمُرِي. قَالُوا: فَلَمَّا مَاتَ الرَّشِيدُ، وَظَهَرَتْ تِلْكَ الْفِتَنُ وَالِاخْتِلَافَاتُ، وَالْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، عَرَفْنَا مَا كَانَ يَحْمِلُ الْفُضَيْلَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا رَآهُ فِي مَنَامِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهِ تُرْبَةٌ حَمْرَاءُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: هَذِهِ تُرْبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَتْ بِطُوسَ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الرَّشِيدَ رَأَى فِي مَنَامِهِ قَائِلًا يَقُولُ: كَأَنِّي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ أَهْلُهُ .......... الشِّعْرَ إِلَى آخِرِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ رَآهُ أَخُوهُ مُوسَى الْهَادِي، وَأَبُوهُ مُحَمَّدٌ الْمَهْدِيُّ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ أَمَرَ بِحَفْرِ قَبْرِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَأَمَرَ بِقِرَاءَةِ خَتْمَةٍ فِيهِ، وَأَنَّهُ حُمِلَ حَتَّى نَظَرَ إِلَيْهِ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِلَى هَاهُنَا تَصِيرُ يَابْنَ آدَمَ! وَيَبْكِي، وَأَمَرَ أَنْ يُوَسَّعَ عِنْدَ صَدْرِهِ، وَأَنْ يُمَدَّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَقُولُ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [ الْحَاقَّةِ: 28، 29 ] وَيَبْكِي. وَيُقَالُ: إِنَّ آخَرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ حِينَ احْتُضِرَ: اللَّهُمَّ انْفَعْنَا بِالْإِحْسَانِ، وَاغْفِرْ لَنَا الْإِسَاءَةَ، يَا مَنْ لَا يَمُوتُ، ارْحَمْ مَنْ يَمُوتُ. وَكَانَ مَرَضُهُ بِالدَّمِ، وَقِيلَ: بِالسُّلِّ. وَكَانَ جِبْرِيلُ بْنُ بَخْتَيْشُوعَ يَكْتُمُهُ مَا بِهِ مِنَ الْعِلَّةِ، فَأَمَرَ الرَّشِيدُ رَجُلًا أَنْ يَأْخُذَ مَاءَهُ فِي قَارُورَةٍ، وَيَذْهَبَ بِهِ إِلَى جِبْرِيلَ فَيُرِيَهُ إِيَّاهُ، عَلَى أَنَّهُ لِمَرِيضٍ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: هَذَا مِثْلُ مَاءِ ذَلِكَ الرَّجُلِ. فَفَهِمَ صَاحِبُ الْقَارُورَةِ مَنْ عَنَى بِهِ، فَقَالَ لَهُ: بِاللَّهِ عَلَيْكَ أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِ صَاحِبِ هَذَا الْمَاءِ؛ فَإِنَّ لِي عَلَيْهِ مَالًا، فَإِنْ كَانَ بِهِ رَجَاءٌ، وَإِلَّا أَخَذْتُهُ مِنْهُ. فَقَالَ: اذْهَبْ فَتَخَلَّصْ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعِيشُ إِلَّا أَيَّامًا. فَلَمَّا جَاءَ، وَأَخْبَرَ الرَّشِيدَ، بَعَثَ إِلَى جِبْرِيلَ فَتَغَيَّبَ حَتَّى مَاتَ الرَّشِيدُ. وَقَدْ قَالَ الرَّشِيدُ فِي هَذِهِ الْحَالِ: إِنِّي بِطُوسَ مُقِيمٌ مَا لِي بِطُوسَ حَمِيمُ أَرْجُو إِلَهِي لِمَا بِي فَإِنَّهُ بِي رَحِيمُ لَقَدْ أَتَانِي بِطُوسَ قَضَاؤُهُ الْمَحْتُومُ وَلَيْسَ إِلَّا رِضَائِي وَالصَّبْرُ وَالتَّسْلِيمُ وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: لَمَّا حَضَرَتِ الرَّشِيدَ الْوَفَاةُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ مِنْهَا فَرَأَى الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: يَا فَضْلُ 000 أَحِينَ دَنَا مَا كُنْتُ أَرْجُو دُنُوَّهُ رَمَتْنِي عُيُونُ النَّاسِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ فَأَصْبَحْتُ مَرْحُومًا وَكُنْتُ مُحَسَّدًا فَصَبْرًا عَلَى مَكْرُوهِ تِلْكَ الْعَوَاقِبِ سَأَبْكِي عَلَى الْوَصْلِ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا وَأَنْدُبُ أَيَّامَ السُّرُورِ الذَّوَاهِبِ قَالَ سَهْلُ بْنُ صَاعِدٍ: كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَدَعَا بِمِلْحَفَةٍ غَلِيظَةٍ، فَاحْتَبَى بِهَا، وَجَعَلَ يُقَاسِي مَا يُقَاسِي، فَنَهَضْتُ، فَقَالَ: اقْعُدْ. فَقَعَدْتُ طَوِيلًا لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، فَنَهَضْتُ، فَقَالَ: أَيْنَ يَا سَهْلُ ؟ فَقُلْتُ: ( مَا يَسَعُ قَلْبِي [ أَنْ أَرَى ] أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُعَانِي مِنَ الْمَرَضِ مَا يُعَانِي )، فَلَوِ اضْطَجَعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ [ كَانَ أَرْوَحَ ]. فَضَحِكَ ضِحْكَ صَحِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: يَا سَهْلُ، اذْكُرْ فِي هَذِهِ الْحَالِ قَوْلَ الشَّاعِرِ: وَإِنِّي مِنْ قَوْمٍ كِرَامٍ يَزِيدُهُمْ شِمَاسًا وَصَبْرًا شِدَّةُ الْحَدَثَانِ ثُمَّ مَاتَ. يَوْمَ السَّبْتِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى. وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسٌ، وَقِيلَ: سِتٌّ، وَقِيلَ: سَبْعٌ، وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ لِلْخِلَافَةِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَشَهْرٌ، وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ: وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ صَالِحٌ، وَدُفِنَ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى طُوسَ يُقَالُ لَهَا سَنَابَاذُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَسَامَحَهُ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرَأْتُ عَلَى خِيَامِ الرَّشِيدِ بِسَنَابَاذَ، وَالنَّاسُ مُنْصَرِفُونَ مِنْ طُوسَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ: مَنَازِلُ الْعَسْكَرِ مَعْمُورَةٌ وَالْمَنْزِلُ الْأَعْظَمُ مَهْجُورُ خَلِيفَةُ اللَّهِ بِدَارِ الْبِلَى تَسْفِي عَلَى أَجْدَاثِهِ الْمُورُ أَقْبَلَتِ الْعِيرُ تُبَاهِي بِهِ وَانْصَرَفَتْ تَنْدُبُهُ الْعِيرُ وَقَدْ رَثَاهُ أَبُو الشِّيصِ فَقَالَ: غَرَبَتْ فِي الشَّرْقِ شَمْسٌ فَلَهَا الْعَيْنَانِ تَدْمَعْ مَا رَأَيْنَا قَطُّ شَمْسًا غَرَبَتْ مِنْ حَيْثُ تَطْلُعْ وَقَدْ رَثَاهُ الشُّعَرَاءُ بِقَصَائِدَ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " " الْمُنْتَظَمِ " ": وَقَدْ خَلَّفَ الرَّشِيدُ مِنَ الْمِيرَاثِ مَا لَمْ يُخَلِّفْهُ أَحَدٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ، مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَالْأَثَاثِ، وَالْأَمْتِعَةِ سِوَى الضِّيَاعِ، وَالدُّورِ مَا قِيمَتُهُ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَصَالِحِ النَّاسِ تِسْعُمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ، وَنَيِّفٍ. نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ تَزَوَّجَ أُمَّ جَعْفَرٍ زُبَيْدَةَ بِنْتَ عَمِّهِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ الْمَهْدِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا الْأَمِينَ، وَمَاتَتْ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَتَزَوَّجَ أَمَةَ الْعَزِيزِ أُمَّ وَلَدٍ كَانَتْ لِأَخِيهِ مُوسَى الْهَادِي فَوَلَدَتْ لَهُ عَلِيَّ بْنَ الرَّشِيدِ. وَتَزَوَّجَ أُمَّ مُحَمَّدٍ بِنْتَ صَالِحٍ الْمِسْكِينِ، وَالْعَبَّاسَةَ بِنْتَ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي جَعْفَرٍ، فَزُفَّتَا إِلَيْهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ بِالرَّقَّةِ. وَتَزَوَّجَ عَزِيزَةَ بِنْتَ الْغِطْرِيفِ، وَهِيَ بِنْتُ خَالِهِ أَخِي أُمِّهِ الْخَيْزُرَانِ وَتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْعُثْمَانِيَّةَ، وَيُقَالُ لَهَا: الْجُرَشِيَّةُ. لِأَنَّهَا وُلِدَتْ بِجُرَشَ بِالْيَمَنِ. وَتُوُفِّيَ الرَّشِيدُ عَنْ أَرْبَعِ حَرَائِرَ: زُبَيْدَةَ، وَعَبَّاسَةَ، وَابْنَةِ صَالِحٍ، وَالْعُثْمَانِيَّةِ هَذِهِ. وَأَمَّا الْحَظَايَا مِنَ الْجَوَارِي فَكَثِيرٌ جِدًّا حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ فِي دَارِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ جَارِيَةٍ. وَأَمَّا أَوْلَادُهُ الذُّكُورُ فَمُحَمَّدٌ الْأَمِينُ بْنُ زُبَيْدَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَأْمُونُ مِنْ جَارِيَةٍ اسْمُهَا مَرَاجِلُ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمُ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ يُقَالُ لَهَا: مَارِدَةُ، وَالْقَاسِمُ الْمُؤْتَمَنُ مِنْ جَارِيَةٍ يُقَالُ لَهَا: قَصْفُ. وَعَلِيٌّ أُمُّهُ أَمَةُ الْعَزِيزِ، وَصَالِحٌ مِنْ جَارِيَةٍ اسْمُهَا رَثْمُ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو يَعْقُوبَ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو عِيسَى، وَمُحَمَّدٌ أَبُو الْعَبَّاسِ، وَمُحَمَّدٌ أَبُو عَلِيٍّ، كُلُّ هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ. وَمِنَ الْإِنَاثِ سَكِينَةُ مِنْ قَصْفَ، وَأُمُّ حَبِيبٍ مِنْ مَارِدَةَ، وَأَرْوَى، وَأُمُّ الْحَسَنِ، وَأُمُّ مُحَمَّدٍ حَمْدُونَةَ، وَفَاطِمَةُ، وَأُمُّهَا غُصَصُ، وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَخَدِيجَةُ، وَأُمُّ الْقَاسِمِ، وَرَمْلَةُ، وَأُمُّ عَلِيٍّ، وَأُمُّ الْغَالِيَةِ، وَرَيْطَةُ، كُلُّهُنَّ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ.
التاريخ 3075لا حكم مسجّل
وُلَاةِ الْأَمْصَارِ أَيَّامَ الرَّشِيدِ وُلَاةُ الْمَدِينَةِ: إِسْحَاقُ [ بْنُ عِيسَى ] بْنِ عَلِيٍّ، عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، ( مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى )، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، ( مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ )، ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُصْعَبٍ، بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ )، ( مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ )، أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ. وُلَاةُ مَكَّةَ: الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ( مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى )، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمَ بْنِ الْعَبَّاسِ، ( عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قُثَمٍ )، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِمْرَانَ، ( عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى، ( عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى )، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيُّ )، حَمَّادٌ الْبَرْبَرِيُّ، سُلَيْمَانُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، ( الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ )، ( أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَلِيٍّ ). وُلَاةُ الْكُوفَةِ: مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، ( مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ )، ( عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ )، يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، الْعَبَّاسُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، إِسْحَاقُ بْنُ ( الصَّبَّاحِ ) الْكِنْدِيُّ، ( مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، الْعَبَّاسُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى )، ( مُوسَى بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ. وُلَاةُ الْبَصْرَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ، عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ، جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَعْفَرُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، ( عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ )، مَالِكُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُزَاعِيُّ، إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ، سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عِيسَى بْنُ جَعْفَرٍ، الْحَسَنُ بْنُ جَمِيلٍ مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ( عِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ، عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ )، إِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَلِيٍّ. وُلَاةُ خُرَاسَانَ: أَبُو الْعَبَّاسِ الطُّوسِيُّ، جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، الْعَبَّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ، الْغِطْرِيفُ بْنُ عَطَّاءٍ، سُلَيْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ عَلَى الْخَرَاجِ، ( حَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ )، الْفَضْلُ بْنُ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، مَنْصُورُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ، جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى، وَخَلِيفَتُهُ بِهَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ، الْعَبَّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ لِلْمَأْمُونِ بِهَا، عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ.
التاريخ 3078لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِقْسَمٍ، أَبُو بِشْرٍ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ، يُعْرَفُ بِابْنِ عَلِيَّةَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِقْسَمٍ، أَبُو بِشْرٍ الْأَسَدِيُّ مَوْلَاهُمُ، يُعْرَفُ بِابْنِ عَلِيَّةَ. مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَصْلُهُ كُوفِيٌّ. سَمِعَ مِنْ أَبِي السَّاجِ الضَّبُعِيِّ حَدِيثًا وَاحِدًا. وَرَوَى الْكَثِيرَ: عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، وَأَيُّوبَ السِّجِسْتَانِيِّ، وَابْنِ عَوْنٍ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، وَغَيْرِهِمْ. وَحَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ جُرَيْجٍ، وَشُعْبَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى، وَعَلِيٌّ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ حَافِظًا، ثِقَةً، مَأْمُونًا، وَرِعًا، تَقِيًّا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي اللَّيْلِ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . عن إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مِقْسَمٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُطْبَةَ الْأَسَدِيُّ - أَسَدُ خُزَيْمَةَ - وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ تَاجِرًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَقْدَمُ الْبَصْرَةَ بِتِجَارَتِهِ، فَتَزَوَّجَ عَلِيَّةَ بِنْتَ حَسَّانَ مَوْلَاةً لِبَنِي شَيْبَانَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً نَبِيلَةً عَاقِلَةً، لَهَا دَارٌ بِالْعَوْقَةِ تُعْرَفُ بِهَا، وَكَانَ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ وُجُوهِ الْبَصْرَةِ وَفُقَهَائِهَا يَدْخُلُونَ فَتُحَادِثُهُمْ وَتُسَائِلُهُمْ، فَوَلَدَتْ لِإِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، فَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَكَانَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ثِقَةً ثَبَتًا فِي الْحَدِيثِ حُجَّةً، وَقَدْ وَلِيَ صَدَقَاتِ الْبَصْرَةِ، وَوَلِيَ بِبَغْدَادَ الْمَظَالِمَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ هَارُونَ. قَالَ ابن الجوزي: وَقَدْ زَعَمَ عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ أَنَّ عِلْيَةَ جَدَّتُهُ لِأُمِّهِ. وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ يَقُولُ: مَنْ قَالَ ابْنُ عَلِيَّةَ فَقَدِ اغْتَابَنِي. إِلَّا أَنَّ هَذَا شَاعَ فَعُرِفَ بِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: فَاتَنِي مَالِكٌ فَأَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَفَاتَنِي حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فَأَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ. وَقَالَ شُعْبَةُ: ابْنُ عَلِيَّةَ سَيِّدُ الْمُحْدَثِينَ . وعن عَمْرُو بْنُ زَائِدَةَ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَلِيَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، مَا رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ فِيهَا. وعن حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ كَانَ يَتَّجِرُ فِي الْبَزِّ، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْلَا خَمْسَةٌ مَا تَجَرْتُ. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَنِ الْخَمْسَةُ ؟ فَقَالَ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ السَّمَّاكِ، وَابْنُ عَلِيَّةَ. وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى خُرَاسَانَ فَيَتَّجِرُ، فَمَا رَبِحَ مِنْ شَيْءٍ أَخَذَ الْقُوتَ لِلْعِيَالِ وَنَفَقَةَ الْحَجِّ، وَالْبَاقِي يَصِلُ بِهِ إِخْوَانَهُ الْخَمْسَةَ. قَالَ: فَقَدِمَ سَنَةً، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ وَلِيَ ابْنُ عَلِيَّةَ الْقَضَاءَ. فَلَمْ يَأْتِهِ وَلَمْ يَصِلْهُ بِالصُّرَّةِ الَّتِي كَانَ يَصِلُهُ بِهَا فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَبَلَغَ ابْنَ عَلِيَّةَ أَنَّ ابْنَ الْمُبَارَكِ قَدْ قَدِمَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَرْفَعْ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ رَأْسًا، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ، فَانْصَرَفَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ كَتَبَ إِلَيْهِ رُقْعَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَسْعَدَكَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ ، وَتَوَلَّاكَ بِحِفْظِهِ، وَحَاطَكَ بِحِيَاطَتِهِ، قَدْ كُنْتُ مُنْتَظِرًا لِبَرِّكَ وَصِلَتِكَ أَتَبَرَّكُ بِهَا، وَجِئْتُكَ أَمْسِ فَلَمْ تُكَلِّمْنِي، وَرَأَيْتُكَ وَاجِدًا عَلَيَّ، فَأَيَّ شَيْءٍ رَأَيْتَ مِنِّي حَتَّى أَعْتَذِرَ إِلَيْكَ مِنْهُ ؟ فِلْمًا وَرَدَتِ الرُّقْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ دَعَا بِالدَّوَاةِ وَالْقِرْطَاسِ وَقَالَ: يَأْبَى هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ نَشُقَّ لَهُ الْعَصَا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: يَا جَاعِلَ الدِّينِ لَهُ بَازِيًّا يَصْطَادُ أَمْوَالَ الْمَسَاكِينِ احْتَلْتَ لِلدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا بِحِيلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّينِ فَصِرْتَ مَجْنُونًا بِهَا بَعْدَ مَا كُنْتَ دَوَاءً لِلْمَجَانِينِ أَيْنَ رِوَايَاتُكَ فِي سَرْدِهَا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَابْنِ سِيرِينِ أَيْنَ رِوَايَاتُكَ وَالْقَوْلُ فِي إِتْيَانِ أَبْوَابِ السَّلَاطِينِ إِنْ قُلْتَ أُكْرِهْتَ فَذَا بَاطِلٌ زَلَّ حِمَارُ الْعِلْمِ فِي الطِّينِ فَلَمَّا وَقَفَ ابْنُ عَلِيَّةَ عَلَى الْأَبْيَاتِ قَامَ مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَوَطِئَ بِسَاطَ هَارُونَ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهَ اللَّهَ ارْحَمْ شَيْبَتِي، فَإِنِّي لَا أَصْبِرُ لِلْخَطَأِ. فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: لَعَلَّ هَذَا الْمَجْنُونَ قَدْ أَغْرَى بِقَلْبِكَ. فَقَالَ لَهُ: اللَّهَ اللَّهَ أَنْقَذَكَ اللَّهُ. فَأَعْفَاهُ مِنَ الْقَضَاءِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ذَلِكَ وَجَّهَ إِلَيْهِ بِالصُّرَّةِ. تُوُفِّيَ ابْنُ عَلِيَّةَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، يُلَقَّبُ: غُنْدَرٌ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، يُلَقَّبُ: غُنْدَرٌ. وَهُوَ مَوْلًى لِهُذَيْلٍ . بَصْرِيٌّ صَاحِبُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، جَالَسَ شُعْبَةَ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِمَا، وَكَانَ إِمَامًا ثِقَةً، أَخْرَجَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَكَانَ فِيهِ سَلَامَةُ صَدْرٍ. وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ صَاحِبِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قِيلَ لِغُنْدَرٍ إِنَّ النَّاسَ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ السَّلَامَةِ الَّتِي فِيكَ، قَالَ: يَكْذِبُونَ. قَالَ: قُلْتُ: فَحَدِّثْنِي مِنْهَا بِشَيْءٍ صَحِيحٍ. قَالَ: صُمْتُ يَوْمًا فَأَكَلْتُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ نَاسِيًا ، ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنِّي صَائِمٌ، ثُمَّ نَسِيتُ، فَثَنَّيْتُ، ثُمَّ ثَلَّثْتُ، فَأَتْمَمْتُ صَوْمِي. قَالَ ابْنُ الْمَرْزُبَانِ: بسنده عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ: اشْتَرَى غُنْدَرٌ يَوْمًا سَمَكًا، وَقَالَ لِأَهْلِهِ: أَصْلِحُوهُ. وَنَامَ، فَأَكَلَ عِيَالُهُ السَّمَكَ وَلَطَّخُوا يَدَهُ، فَلَمَّا انْتَبَهَ قَالَ: قَدِّمُوا السَّمَكَ. قَالُوا: قَدْ أَكَلْتَ. قَالَ: لَا. قَالُوا: فَشُمَّ يَدَكَ. فَفَعَلَ، فَقَالَ: صَدَقْتُمْ، وَلَكِنْ مَا شَبِعْتُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ أَنَّهُ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وَقَدِ اتَّفَقَ فِي أَسْمَاءِ الْمُحَدِّثِينَ أَسْمَاءُ جَمَاعَةٍ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، فَلُقِّبُوا: غُنْدَرٌ تَشْبِيهًا بِهَذَا الرَّجُلِ، فَمِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ، أَبُو الطَّيِّبِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي السِّنِينَ. وَمِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ. تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. وَمِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، أَبُو بَكْرٍ الْقَاضِي، مَوْلَى فَاتِنٍ الْمُقْتَدِرِيُّ. رَوَى عَنْ مَيْسَرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَادِمِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعُمْرِيِّ. رَوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ بْنِ حَجَّاجٍ. كُلُّ هَؤُلَاءِ يُلَقَّبُ، غُنْدَرٌ، وَاسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ. كُوفِيُّ الْأَصْلِ. سَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ خَالِدٍ، وَعَاصِمًا الْأَحْوَلَ. وَحُمَيْدًا الطَّوِيلَ، وَالْأَعْمَشَ. وَقَالَ: أَتَيْتُ الْأَعْمَشَ فَقَالَ لِي: قَدْ قَسَمَ جَدُّكَ أَسْمَاءَ قَسْمًا، فَنَسِيَ جَارًا لَهُ، ثُمَّ اسْتَحَى أَنْ يُعْطِيَهُ وَقَدْ بَدَأَ بِآخَرَ قَبْلَهُ، فَبَعَثَ عَلَيْهِ، وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَالَ صَبًّا. وَكَانَ مَرْوَانُ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى دِمَشْقَ، فَسَكَنَهَا، وَقَدِمَ بَغْدَادَ، فَحَدَّثَ بِهَا، فَرَوَى عَنْهُ قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ. ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ. وَكَانَ ثِقَةً، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَرْوِي عَنْ ضِعَافٍ وَيُدَلِّسُهُمْ. وعن يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مَهْدِيَّ بْنَ أَبِي مَهْدِيٍّ قَالَ: كَانَ فِي خُلُقِ الْفَزَارِيِّ شَرَاسَةٌ، وَكَانَ مُعِيلًا شَدِيدَ الْحَاجَةِ، وَكَانَ النَّاسُ يَبَرُّونَهُ، فَإِذَا بَرَّهُ الْإِنْسَانُ كَانَ مَا دَامَ ذَلِكَ الْبِرُّ عِنْدَهُ فِي مَنْزِلِهِ يَعْرِفُ فِيهِ الِانْبِسَاطَ إِلَى الرَّجُلِ. قَالَ: فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَبْقَى فِي مَنْزِلِ الرَّجُلِ مِنَ الْخَلِّ، وَلَا أَرْخَصَ مِنْهُ بِمَكَّةَ، فَكُنْتُ أَشْتَرِي جَرَّةً مِنْ خَلٍّ فَأُهْدِي لَهُ، فَأَرَى مَوْقِعَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِذَا فَنِيَ أَرَى ذَلِكَ مِنْهُ، فَأَسْأَلُ الْجَارِيَةَ: أَفَنِيَ خَلُّكُمْ ؟ فَتَقُولُ: نَعَمْ. فَأَشْتَرِي جَرَّةً، فَأُهْدِيهَا لَهُ، فَيَعُودُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. 1061 أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ سَالِمِ بْنِ الْحَنَّاطِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ سَالِمِ بْنِ الْحَنَّاطِ، مَوْلَى وَاصِلِ بْنِ حَيَّانَ الْأَسَدِيِّ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِهِ، فَقِيلَ: شُعْبَةُ، وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ، وَقِيلَ: مُطَرِّفٌ، وَقِيلَ: رُؤْبَةُ، وَقِيلَ: سَالِمٌ، وَقِيلَ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ. وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: سِتٍّ وَتِسْعِينَ. سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ، وَالْأَعْمَشَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَحُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ ثِقَةً مُتَشَدِّدًا فِي السُّنَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا أَخْطَأَ فِي الْحَدِيثِ. وعن إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ وَذَكَرَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، فَقَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ خَيْرًا فَاضِلًا، لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً . وعَنِ ابْنِ هِشَامٍ الرِّفَاعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ يَقُولُ: لِي غُرْفَةٌ قَدْ عَجَزْتُ عَنِ الصُّعُودِ إِلَيْهَا وَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ النُّزُولِ مِنْهَا إِلَّا أَنِّي أَخْتِمُ فِيهَا الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتْمَةً سِتُّونَ سَنَةً. وعن دَلْوَيْهِ قَالَ: سَمِعْتُ ] عَلِيًّا - يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدِ ابْنِ أُخْتِ يَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ - يَقُولُ: مَكَثَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عِشْرِينَ سَنَةً وَقَدْ نَزَلَ الْمَاءُ فِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ مَا يَعْلَمُ بِهِ أَهْلُهُ. وعن إِسْحَاقُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ [لَمَّا كَبِرَ ] يَأْخُذُ إِفْطَارَهُ، ثُمَّ يَغْمِسُهُ فِي إِنَاءٍ فِي جَرٍّ كَانَ لَهُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ، وَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِي، طَالَتْ صُحْبَتِي لَكُمَا، فَإِنْ كَانَ لَكُمَا عِنْدَ اللَّهِ شَفَاعَةٌ فَاشْفَعَا. وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ جَازَ التِّسْعِينَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ [جَازَ ] سِتًّا وَتِسْعِينَ. وعن إِبْرَاهِيمَ بْنَ شَمَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ أَبِي عِنْدِ الْمَوْتِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مَا يُبْكِيكَ ؟ فَمَا أَتَى أَبُوكَ فَاحِشَةً قَطُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ صِقْلَابُ بْنُ زِيَادٍ الْأَنْدَلُسِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَكَانَ فَقِيهًا زَاهِدًا. .
التاريخ 3079لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ حِمْصٍ عَلَى الْأَمِينِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ حِمْصٍ عَلَى الْأَمِينِ، وَعَلَى عَامِلِهِمْ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَانْتَقَلَ عَنْهُمْ إِلَى سَلَمْيَةَ، فَعَزَلَهُ الْأَمِينُ وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعِيدٍ الْحَرَشِيَّ، فَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ وُجُوهِهِمْ، وَحَبَسَ عِدَّةً، وَأَلْقَى النَّارَ فِي نَوَاحِيهَا، فَسَأَلُوا الْأَمَانَ فَأَجَابَهُمْ، ثُمَّ هَاجُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَقَتَلَ عِدَّةً مِنْهُمْ.
التاريخ 3080لا حكم مسجّل
ذِكْرُ ظُهُورِ الْخِلَافِ بَيْنَ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَمَرَ الْأَمِينُ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمَنَابِرِ لِابْنِهِ مُوسَى. وَكَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ لَمَّا قَدِمَ الْعِرَاقَ مِنْ طُوسَ، وَنَكَثَ عَهْدَ الْمَأْمُونِ، أَفْكَرَ فِي أَمْرِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ الْمَأْمُونَ إِنْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ وَهُوَ حَيٌّ - لَمْ يُبْقِ عَلَيْهِ، فَسَعَى فِي إِغْرَاءِ الْأَمِينِ، وَحَثِّهِ عَلَى خَلْعِ الْمَأْمُونِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ مُوسَى بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي عَزْمِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ، فَلَمْ يَزَلِ الْفَضْلُ يُصَغِّرُ عِنْدَهُ أَمْرَ الْمَأْمُونِ، وَيُزَيِّنُ لَهُ خَلْعَهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا تَنْتَظِرُ بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْقَاسِمِ، فَإِنَّ الْبَيْعَةَ كَانَتْ لَكَ قَبْلَهُمَا، وَإِنَّمَا أُدْخِلَا فِيهَا بَعْدَكَ. وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَالسِّنْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَرَجَعَ الْأَمِينُ إِلَى قَوْلِهِمْ. ثُمَّ إِنَّهُ أَحْضَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ، فَلَمْ يَزَلْ فِي مُنَاظَرَتِهِ حَتَّى انْقَضَى اللَّيْلُ، وَكَانَ مِمَّا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُنْشِدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ الْخُلَفَاءِ نَكَثَ عَلَى عَهْدِهِ، وَنَقَضَ مِيثَاقَهُ، وَرَدَّ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ قَبْلَهُ، ( فَقَالَ ) [ الْأَمِينُ ]: اسْكُتْ ! فَعَبْدُ الْمَلِكِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْكَ رَأْيًا، وَأَكْمَلَ نَظَرًا، يَقُولُ: لَا يَجْتَمِعُ فَحْلَانِ فِي أَجَمَةٍ. ثُمَّ جَمَعَ الْقُوَّادَ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ خَلْعَ الْمَأْمُونِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، وَرُبَّمَا سَاعَدَهُ قَوْمٌ حَتَّى بَلَغَ إِلَى خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَنْصَحْكَ مَنْ كَذَبَكَ، وَلَمْ يَغُشَّكَ مَنْ صَدَقَكَ، لَا تُجَرِّئِ الْقُوَّادَ عَلَى الْخَلْعِ فَيَخْلَعُوكَ، وَلَا تَحْمِلْهُمْ عَلَى نَكْثِ الْعَهْدِ فَيَنْكُثُوا عَهْدَكَ وَبَيْعَتَكَ، فَإِنَّ الْغَادِرَ مَخْذُولٌ، وَالنَّاكِثَ مَغْلُولٌ. فَأَقْبَلَ الْأَمِينُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: لَكِنَّ شَيْخَ الدَّعْوَةِ، وَنَائِبَ هَذِهِ الدَّوْلَةِ، لَا يُخَالِفُ عَلَى إِمَامِهِ، وَلَا يُوهِنُ طَاعَتَهُ. ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ قَبْلَهَا، لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ وَالْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ يُعِينَانِهِ عَلَى الْخَلْعِ. وَلَجَّ الْأَمِينُ فِي خَلْعِ الْمَأْمُونِ، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِلْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ: يَا فَضْلُ ! أَحَيَاةٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ ؟ لَا بُدَّ مِنْ خَلْعِهِ. وَالْفَضْلُ يَعِدُهُ وَهُوَ يَقُولُ: فَمَتَى ذَلِكَ ؟ إِذَا غَلَبَ عَلَى خُرَاسَانَ وَمَا فِيهَا ؟ ! فَأَوَّلُ مَا فَعَلَهُ أَنْ كَتَبَ إِلَى جَمِيعِ الْعُمَّالِ بِالدُّعَاءِ لِابْنِهِ مُوسَى بِالْإِمْرَةِ، بَعْدَ الدُّعَاءِ لِلْمَأْمُونِ وَلِلْمُؤْتَمَنِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَأْمُونَ، مَعَ عَزْلِ الْمُؤْتَمَنِ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ، أَسْقَطَ اسْمَ الْأَمِينِ مِنَ الطُّرُزِ، وَقَطَعَ الْبَرِيدَ عَنْهُ. وَكَانَ رَافِعُ بْنُ اللَّيْثِ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، لَمَّا بَلَغَهُ حُسْنُ سِيرَةِ الْمَأْمُونِ طَلَبَ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَ الْمَأْمُونِ، وَأَقَامَ هَرْثَمَةَ بِسَمَرْقَنْدَ وَمَعَهُ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَدِمَ هَرْثَمَةُ عَلَى الْمَأْمُونِ، فَأَكْرَمَهُ وَوَلَّاهُ الْحَرَسَ. فَأَنْكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْأَمِينُ، فَكَانَ مِمَّا وَتَرَ عَلَيْهِ أَنْ كَتَبَ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُوَ عَامِلُ الْمَأْمُونِ عَلَى الرَّيِّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُنْفِذَ بِغَرَائِبِ غُرُوسِ الرَّيِّ، يُرِيدُ امْتِحَانَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَا أَمَرَهُ، وَكَتَمَ ذَلِكَ عَنِ الْمَأْمُونِ وَذِي الرِّيَاسَتَيْنِ، فَبَلَغَ الْمَأْمُونَ، ( فَعَزَلَهُ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيِّ. ثُمَّ وَجَّهَ الْأَمِينُ إِلَى الْمَأْمُونِ أَرْبَعَةَ ) أَنْفُسٍ، وَهُمُ: الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعِيسَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَصَالِحٌ صَاحِبُ الْمُصَلَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُقَدِّمَ ابْنَهُ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ ( وَيَحْضُرَ عِنْدَهُ، فَقَدِ اسْتَوْحَشَ لِبُعْدِهِ )، فَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمَأْمُونَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ بِالرَّيِّ وَنَيْسَابُورَ وَغَيْرِهِمَا، يَأْمُرُهُمْ بِإِظْهَارِ الْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقَدِمَ الرُّسُلُ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَأَبْلَغُوهُ الرِّسَالَةَ، وَكَانَ ابْنُ مَاهَانَ أَشَارَ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَ الْأَمِينَ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ مَعَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَأْمُونُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ اسْتَشَارَ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ فَقَالَ لَهُ: أَحْضِرْ هِشَامًا وَالِدَ عَلِيٍّ وَأَحْمَدَ ابْنَيْ هِشَامٍ، وَاسْتَشِرْهُ. فَأَحْضَرَهُ، وَاسْتَشَارَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَخَذْتَ الْبَيْعَةَ عَلَيْنَا عَلَى أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَمَتَى فَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ فَلَا بَيْعَةَ لَهُ فِي أَعْنَاقِنَا، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَمَتَى هَمَمْتَ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ تَعَلَّقْتُ بِكَ بِيَمِينِي، فَإِذَا قُطِعَتْ تَعَلَّقْتُ بِيَسَارِي، فَإِنْ قُطِعَتْ تَعَلَّقْتُ بِلِسَانِي، فَإِذَا ضُرِبَتْ عُنُقِي كُنْتُ أَدَّيْتُ مَا عَلَيَّ. فَقَوِيَ عَزْمُ الْمَأْمُونِ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَأَحْضَرَ الْعَبَّاسَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ لَا يَحْضُرُ، ( وَأَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ مُوسَى عَلَى نَفْسِهِ )، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى: مَا عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا جَدِّي عِيسَى بْنُ مُوسَى قَدْ خُلِعَ فَمَا ضَرَّهُ. فَصَاحَ بِهِ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ: اسْكُتْ ! إِنَّ جَدَّكَ كَانَ أَسِيرًا فِي أَيْدِيهِمْ، وَهَذَا بَيْنَ أَخْوَالِهِ وَشِيعَتِهِ. ثُمَّ قَامُوا، فَخَلَا ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ بِالْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى وَاسْتَمَالَهُ، وَوَعَدَهُ إِمْرَةَ الْمَوْسِمِ، وَمَوَاضِعَ مِنْ مِصْرَ، فَأَجَابَ إِلَى بَيْعَةِ الْمَأْمُونِ، وَسُمِّيَ الْمَأْمُونُ ذَلِكَ الْوَقْتَ بِالْإِمَامِ، فَكَانَ الْعَبَّاسُ يَكْتُبُ إِلَيْهِمْ بِالْأَخْبَارِ مِنْ بَغْدَادَ. وَرَجَعَ الرُّسُلُ إِلَى الْأَمِينِ، فَأَخْبَرُوهُ بِامْتِنَاعِ الْمَأْمُونِ، وَأَلَحَّ الْفَضْلُ وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى عَلَى الْأَمِينِ فِي خَلْعِ الْمَأْمُونِ وَالْبَيْعَةِ لِابْنِهِ مُوسَى بْنِ الْأَمِينِ. وَكَانَ الْأَمِينُ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ بَعْضِ كُوَرِ خُرَاسَانَ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ عِنْدَهُ صَاحِبُ الْبَرِيدِ يُكَاتِبُهُ بِالْأَخْبَارِ، فَاسْتَشَارَ الْمَأْمُونُ خَوَاصَّهُ وَقُوَّادَهُ، فَأَشَارُوا بِاحْتِمَالِ هَذَا الشَّرِّ وَالْإِجَابَةِ إِلَيْهِ، خَوْفًا مِنْ شَرٍّ هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ الْأَمِينَ طَلَبَ مَا لَيْسَ لَهُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ ! وَيُحْتَمَلُ ذَلِكَ لِضَرَرِ مَنْعِهِ. قَالَ: فَهَلْ تَثِقُونَ بِكَفِّهِ بَعْدَ إِجَابَتِهِ، فَلَا يَطْلُبُ غَيْرَهَا ؟ قَالُوا: لَا ! قَالَ: فَإِنْ طَلَبَ غَيْرَهَا، فَمَا تَرَوْنَ ؟ قَالُوا: نَمْنَعُهُ، فَهَذَا خِلَافُ مَا سَمِعْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الْحُكَمَاءِ. قَالَ: اسْتَصْلِحْ عَاقِبَةَ أَمْرِكَ بِاحْتِمَالِ مَا عَرَضَ مِنْ مَكْرُوهِهِ فِي يَوْمِكَ، وَلَا تَلْتَمِسْ هُدْنَةَ يَوْمِكَ بِإِخْطَارٍ أَدْخَلْتَهُ عَلَى نَفْسِكَ فِي غَدِكَ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ لِذِي الرِّيَاسَتَيْنِ: مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَسْعَدَكَ اللَّهُ، هَلْ تُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمِينُ طَالَبَكَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ لِيَسْتَظْهِرَ بِهَا عَلَيْكَ ؟ بَلْ إِنَّمَا أَشَارَ الْحُكَمَاءُ بِحَمْلِ ثِقْلٍ تَرْجُونَ بِهِ صَلَاحَ الْعَاقِبَةِ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: بِإِيثَارِ دَعَةِ الْعَاجِلِ صَارَ إِلَى فَسَادِ الْعَاقِبَةِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ. فَامْتَنَعَ الْمَأْمُونُ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَ. وَأَنْفَذَ الْمَأْمُونُ ثِقَتَهُ إِلَى الْحَدِّ، فَلَا يُمَكِّنُ أَحَدًا مِنَ الْعُبُورِ إِلَى بِلَادِهِ إِلَّا مَعَ ثِقَةٍ مِنْ نَاحِيَتِهِ، فَحَظَّرَ أَهْلَ خُرَاسَانَ أَنْ يُسْتَمَالُوا بِرَغْبَةٍ أَوْ رَهْبَةٍ، وَضَبَطَ الطُّرُقَ بِثِقَاتِ أَصْحَابِهِ، فَلَمْ يُمَكِّنُوا مِنْ دُخُولِ خُرَاسَانَ إِلَّا مَنْ عَرَفُوهُ، وَأَتَى بِجَوَازٍ، أَوْ [ كَانَ ] تَاجِرًا مَعْرُوفًا، وَفُتِّشَتِ الْكُتُبُ. وَقِيلَ: لَمَّا أَرَادَ الْأَمِينُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْمَأْمُونِ يَطْلُبُ بَعْضَ كُوَرِ خُرَاسَانَ قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ صُبَيْحٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا مِمَّا يُقَوِّي التُّهْمَةَ، وَيُنَبِّهُ عَلَى الْحَذَرِ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ حَاجَتَكَ، وَمَا تُحِبُّ مِنْ قُرْبِهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى مَا وَلَّاكَ اللَّهُ، وَتَسْأَلُهُ الْقُدُومَ عَلَيْكَ، لِتَرْجِعَ إِلَى رَأْيِهِ فِيمَا تَفْعَلُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ مَعَ نَفَرٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَبْلُغُوا الْجَهْدَ فِي إِحْضَارِهِ، وَسَيَّرَ مَعَهُمُ الْهَدَايَا الْكَثِيرَةَ، فَلَمَّا حَضَرَ الرُّسُلُ عِنْدَهُ، وَقَرَأَ الْكِتَابَ وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِإِجَابَةِ الْأَمِينِ، وَأَعْلَمُوهُ مَا فِي إِجَابَتِهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَأَحْضَرَ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ، وَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَاسْتَشَارَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِمُلَازَمَةِ خُرَاسَانَ، وَخَوَّفَهُ مِنَ الْقُرْبِ مِنَ الْأَمِينِ، فَقَالَ: لَا يُمْكِنُنِي مُخَالَفَتُهُ، وَأَكْثَرُ الْقُوَّادِ وَالْأَمْوَالِ مَعَهُ، وَالنَّاسُ مَائِلُونَ إِلَى الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ، لَا يَرْغَبُونَ فِي حِفْظِ عَهْدٍ وَلَا أَمَانَةٍ، وَلَسْتُ فِي قُوَّةٍ حَتَّى أَمْتَنِعَ، وَقَدْ فَارَقَ جَيْغَوَيْهِ الطَّاعَةَ، وَالْتَوَى خَاقَانُ مَلِكُ التُّبَّتِ، وَمَلِكُ الْكَابُلِ قَدِ اسْتَعَدَّ لِلْغَارَةِ عَلَى مَا يَلِيهِ، وَمَلِكُ أَتْرَادِبَنْدَهْ قَدْ مَنَعَ الضَّرِيبَةَ، وَمَالِي بِوَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بُدٌّ، وَلَا أَرَى إِلَّا تَخْلِيَةَ مَا أَنَا فِيهِ، وَاللِّحَاقَ بِخَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ، وَالِاسْتِجَارَةَ بِهِ؛ لَعَلِّي آمَنُ عَلَى نَفْسِي. فَقَالَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ: إِنَّ عَاقِبَةَ الْغَدْرِ شَدِيدَةٌ، وَتَبِعَةَ الْبَغْيِ غَيْرُ مَأْمُونَةٍ، وَرُبَّ مَقْهُورٍ قَدْ عَادَ قَاهِرًا، وَلَيْسَ النَّصْرُ بِالْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ، وَالْمَوْتُ أَيْسَرُ مِنَ الذُّلِّ وَالضَّيْمِ، وَمَا أَرَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى أَخِيكَ مُتَجَرِّدًا مِنْ قُوَّادِكَ وَجُنْدِكَ، كَالرَّأْسِ الَّذِي فَارَقَ بَدَنَهُ، فَتَكُونَ عِنْدَهُ كَبَعْضِ رَعِيَّتِهِ، يَجْرِي عَلَيْكَ حُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُبْلِيَ عُذْرًا فِي قِتَالٍ، وَاكْتُبْ إِلَى جَيْغَوَيْهِ وَخَاقَانَ، فَوَلِّهِمَا بِلَادَهُمَا، وَابْعَثْ إِلَى مَلِكِ كَابُلَ بِبَعْضِ هَدَايَا خُرَاسَانَ، وَوَادِعْهُ، وَاتْرُكْ لِمَلِكِ أَتْرَادِبَنْدَهْ ضَرِيبَتَهُ، ثُمَّ اجْمَعْ أَطْرَافَكَ، وَضُمَّ جُنْدَكَ، وَاضْرِبِ الْخَيْلَ بِالْخَيْلِ، وَالرِّجَالَ بِالرِّجَالِ، فَإِنْ ظَفِرْتَ وَإِلَّا لَحِقْتَ بِخَاقَانَ. فَعَرَفَ الْمَأْمُونُ صِدْقَهُ، فَفَعَلَ مَا أَشَارَ بِهِ، فَرَضَى أُولَئِكَ الْمُلُوكَ الْعُصَاةَ، وَضَمَّ جُنْدَهُ، وَجَمَعَهُمْ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَمِينِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ وَصَلَ [ إِلَيَّ ] كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا أَنَا عَامِلٌ مِنْ عُمَّالِهِ، وَعَوْنٌ مِنْ أَعْوَانِهِ، أَمَرَنِي الرَّشِيدُ بِلُزُومِ [ هَذَا ] الثَّغْرِ، وَلَعَمْرِي إِنَّ مُقَامِي بِهِ أَرَدُّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَعْظَمُ غَنَاءً عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشُّخُوصِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ كُنْتُ مُغْتَبِطًا بِقُرْبِهِ، مَسْرُورًا بِمُشَاهَدَةِ نِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقِرَّنِي عَلَى عَمَلِي وَيُعْفِيَنِي مِنَ الشُّخُوصِ [ إِلَيْهِ ] فَعَلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْأَمِينُ كِتَابَ الْمَأْمُونِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ عَلَى مَا يُرِيدُهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ بَعْضِ كُوَرِ خُرَاسَانَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَلَمَّا امْتَنَعَ الْمَأْمُونُ أَيْضًا مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا طَلَبَ، أَرْسَلَ جَمَاعَةً لِيُنَاظِرُوهُ فِي مَنْعِ مَا طَلَبَ مِنْهُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الرَّيِّ مُنِعُوا، وَوَجَدُوا تَدْبِيرَهُ مُحْكَمًا، وَحُفِظُوا فِي حَالِ سَفَرِهِمْ وَإِقَامَتِهِمْ مِنْ أَنْ يُخْبِرُوا وَيُسْتَخْبَرُوا، وَكَانُوا مُعَدِّينَ لِوَضْعِ الْأَخْبَارِ فِي الْعَامَّةِ، فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعُوا أَخْبَرُوا الْأَمِينَ بِمَا رَأَوْا. وَقِيلَ إِنَّ الْأَمِينَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى خَلْعِ الْمَأْمُونِ، وَزَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ الْفَضْلُ وَابْنُ مَاهَانَ، دَعَا يَحْيَى بْنَ سُلَيْمٍ، وَشَاوَرَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ تَفْعَلُ ذَلِكَ مَعَ مَا قَدْ أَكَّدَ الرَّشِيدُ مِنْ بَيْعَتِهِ، وَأَخَذَ الشَّرَائِطَ وَالْأَيْمَانَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ ؟ فَقَالَ الْأَمِينُ: إِنَّ رَأْيَ الرَّشِيدِ كَانَ فَلْتَةً شَبَّهَهَا عَلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى، فَلَا يَنْفَعُنَا مَا نَحْنُ فِيهِ إِلَّا بِخَلْعِهِ وَقَلْعِهِ وَاحْتِشَاشِهِ. فَقَالَ يَحْيَى: إِذَا كَانَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَلْعَهُ، فَلَا تُجَاهِرْهُ فَيَسْتَنْكِرَ النَّاسُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ تَسْتَدْعِي الْجُنْدَ بَعْدَ الْجُنْدِ، وَالْقَائِدَ بَعْدَ الْقَائِدِ، وَتُؤْنِسُهَا بِالْأَلْطَافِ وَالْهَدَايَا، وَتُفَرِّقُ ثِقَاتَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَتُرَغِّبُهُمْ بِالْأَمْوَالِ، فَإِذَا وَهَّنْتَ قُوَّتَهُ، وَاسْتَفْرَغْتَ رِجَالَهُ، أَمْرْتَهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْكَ، فَإِنْ قَدِمَ صَارَ إِلَى الَّذِي تُرِيدُ مِنْهُ، وَإِنْ أَبَى كُنْتَ قَدْ تَنَاوَلْتَهُ وَقَدْ كَلَّ حَدُّهُ وَانْقَطَعَ عِزُّهُ. فَقَالَ الْأَمِينُ: أَنْتَ مِهْذَارٌ خَطِيبٌ، وَلَسْتَ بِذِي رَأْيٍ مُصِيبٍ، قُمْ فَالْحَقْ بِمِدَادِكَ وَأَقْلَامِكَ. وَكَانَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ قَدِ اتَّخَذَ قَوْمًا يَثِقُ بِهِمْ بِبَغْدَاذَ يُكَاتِبُونَهُ بِالْأَخْبَارِ، وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ قَدْ حَفِظَ الطُّرُقَ، وَكَانَ أَحَدُ أُولَئِكَ النَّفَرِ إِذَا كَاتَبَ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ بِمَا تَجَدَّدَ بِبَغْدَاذَ، سَيَّرَ الْكِتَابَ مَعَ امْرَأَةٍ، وَجَعَلَهُ فِي عُودِ أَكْفَافٍ، وَتَسِيرُ كَالْمُجْتَازَةِ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَى قَرْيَةٍ، فَلَمَّا أَلَحَّ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ فِي خَلْعِ الْمَأْمُونِ أَجَابَهُ الْأَمِينُ إِلَى ذَلِكَ وَبَايَعَ لِوَلَدِهِ مُوسَى فِي صَفَرٍ، وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَسَمَّاهُ النَّاطِقَ بِالْحَقِّ، وَنَهَى عَنْ ذِكْرِ الْمَأْمُونِ وَالْمُؤْتَمَنِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْضَ الْحَجَبَةِ، فَأَتَاهُ بِالْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ وَضَعَهُمَا الرَّشِيدُ فِي الْكَعْبَةِ بِبَيْعَةِ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ، فَأَحْضَرَهُمَا عِنْدَهُ فَمَزَّقَهُمَا الْفَضْلُ. فَلَمَّا أَتَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى الْمَأْمُونِ بِذَلِكَ قَالَ لِذِي الرِّيَاسَتَيْنِ: هَذِهِ أُمُورٌ أَخْبَرَ الرَّأْيُ عَنْهَا، وَكَفَانَا أَنْ نَكُونَ مَعَ الْحَقِّ. فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَبَّرَهُ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ حِينَ بَلَغَهُ الدُّعَاءُ لِلْمَأْمُونِ وَصَحَّ عِنْدَهُ - أَنْ جَمَعَ الْأَجْنَادَ الَّذِينَ كَانَ اتَّخَذَهُمْ بِجَنَبَاتِ الرَّيِّ مَعَ الْأَجْنَادِ الَّذِينَ كَانُوا بِهَا، وَمَدَّهُمْ بِالْأَقْوَاتِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَتِ الْبِلَادُ عِنْدَهُمْ قَدْ أَجْدَبَتْ، فَأَكْثَرَ عِنْدَهُمْ مَا يُرِيدُونَهُ، حَتَّى صَارُوا فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ، وَأَقَامُوا بِالْحَدِّ لَا يَتَجَاوَزُونَهُ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ( طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ أَسْعَدَ أَبَا الْعَبَّاسِ الْخُزَاعِيَّ أَمِيرًا فِيمَنْ ضُمَّ إِلَيْهِ ) مِنْ قُوَّادِهِ وَأَجْنَادِهِ، فَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى وَرَدَ الرَّيَّ فَنَزَلَهَا، فَوَضَعَ الْمَسَالِحَ وَالْمَوَاصِلَ، فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ خُرَاسَانَ: رَمَى أَهْلَ الْعِرَاقِ وَمَنْ عَلَيْهَا إِمَامُ الْعَدْلِ وَالْمَلِكُ الرَّشِيدُ بِأَحْزَمِ مَنْ نَشَا رَأْيًا وَحَزْمًا وَكَيْدًا نَافِذًا مِمَّا يَكِيدُ بِدَاهِيَةٍ تَأَدَّى خَنْفَقِيقٍ يَشِيبُ لِهَوْلِ صَوْلَتِهَا الْوَلِيدُ فَأَمَّا الْأَمِينُ فَإِنَّهُ وَجَّهَ عِصْمَةَ بْنَ حَمَّادِ بْنِ سَالِمٍ إِلَى هَمَذَانَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوَجِّهَ مُقَدِّمَتَهُ إِلَى سَاوَةَ، وَيُقِيمَ بِهَمَذَانَ، وَجَعَلَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَلِيُّ بْنُ عِيسَى يَبْعَثَانِ الْأَمِينَ وَيُغْرِيَانِهِ بِحَرْبِ الْمَأْمُونِ. وَلَمَّا بَايَعَ الْأَمِينُ لِوَلَدِهِ مُوسَى جَعَلَهُ فِي حُجْرِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَجَعَلَ عَلَى شُرَطِهِ مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَعَلَى حَرَسِهِ عُثْمَانَ بْنَ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَعَلَى رَسَائِلِهِ عَلِيَّ بْنَ صَالِحٍ الْمُصَلَّى.
التاريخ 3081لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خِلَافِ أَهْلِ تُونِسَ عَلَى ابْنِ الْأَغْلَبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَصَى عِمْرَانُ بْنُ مُجَالِدٍ الرَّبِيعِيُّ، وَقُرَيْشُ بْنُ التُّونِسِيِّ بِتُونِسَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاجْتَمَعَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَحُصِرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ بِالْقَصْرِ، وَجَمَعَ مَنْ أَطَاعَهُ، وَخَالَفَ عَلَيْهِ أَيْضًا أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَقْعَةٌ وَحَرْبٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ ( مِنْ رِجَالِ ابْنِ الْأَغْلَبِ ). وَقَدِمَ عِمْرَانُ بْنُ مُجَالِدٍ فِيمَنْ مَعَهُ، فَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ عَاشِرَ رَجَبٍ، وَقَدِمَ قُرَيْشٌ مِنْ تُونِسَ إِلَيْهِ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ابْنِ الْأَغْلَبِ وَقْعَةٌ فِي رَجَبٍ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَغْلَبِ، ثُمَّ الْتَقَوْا فِي الْعِشْرِينَ مِنْهُ، فَانْهَزَمُوا ثَانِيَةً أَيْضًا، ( ثُمَّ الْتَقَوْا ثَالِثَةً فِيهِ أَيْضًا، فَكَانَ الظَّفَرُ لِابْنِ الْأَغْلَبِ، وَأَرْسَلَ عِمْرَانُ بْنُ مُجَالِدٍ إِلَى أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ الْفَقِيهِ لِيَخْرُجَ مَعَهُمْ، فَامْتَنَعَ، فَأَعَادَ الرَّسُولَ يَقُولُ لَهُ: تَخْرُجُ مَعَنَا، وَإِلَّا أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ مَنْ يَجُرُّ بِرِجْلِكَ، فَقَالَ أَسَدٌ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُ: وَاللَّهِ إِنْ خَرَجْتُ لَأَقُولَنَّ لِلنَّاسِ: إِنَّ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ فِي النَّارِ. فَتَرَكَهُ ).
التاريخ 3082لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِصْيَانِ أَهْلِ مَارِدَةَ وَغَزْوِ الْحَكَمِ بِلَادَ الْفِرِنْجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَاوَدَ أَهْلُ مَارِدَةَ الْخِلَافَ عَلَى الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ، وَعَصَوْا عَلَيْهِ ، فَسَارَ بِنَفْسِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَاتَلَهُمْ، وَلَمْ تَزَلْ سَرَايَاهُ وَجُيُوشُهُ تَتَرَدَّدُ وَتُقَاتِلُهُمْ هَذِهِ السَّنَةَ، وَسَنَةَ خَمْسٍ، وَسَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. وَطَمِعَ الْفِرِنْجُ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَصَدُوهَا بِالْغَارَةِ وَالْقَتْلِ، وَالنَّهْبِ وَالسَّبْيِ، وَكَانَ الْحَكَمُ مَشْغُولًا بِأَهْلِ مَارِدَةَ، فَلَمْ يَتَفَرَّغْ لِلْفِرِنْجِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِشِدَّةِ الْأَمْرِ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ، وَمَا بَلَغَ الْعَدُوُّ مِنْهُمْ، وَسَمِعَ أَنَّ امْرَأَةً مُسْلِمَةً أُخِذَتْ سَبِيَّةً، فَنَادَتْ: وَاغَوْثَاهُ يَا حَكَمُ ! فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، وَجَمَعَ عَسْكَرَهُ وَاسْتَعَدَّ وَحَشَدَ وَسَارَ إِلَى بَلَدِ الْفِرِنْجِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَأَثْخَنَ فِي بِلَادِهِمْ، وَافْتَتَحَ عِدَّةَ حُصُونٍ، وَخَرَّبَ الْبِلَادَ، وَنَهَبَهَا، وَقَتَلَ الرِّجَالَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، وَقَصَدَ النَّاحِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بِهَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ، فَأَمَرَ لَهُمْ مِنَ الْأَسْرَى بِمَا يُفَادُونَ بِهِ أَسْرَاهُمْ، وَبَالَغَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي تَخْلِيصِ تِلْكَ الْمَرْأَةِ، فَتَخَلَّصَتْ مِنَ الْأَسْرِ، وَقَتَلَ بَاقِي الْأَسْرَى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غَزَاتِهِ قَالَ لِأَهْلِ الثُّغُورِ: هَلْ أَغَاثَكُمُ الْحَكَمُ ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ. وَدَعَوْا لَهُ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، وَعَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ مُظَفَّرًا.
التاريخ 3083لا حكم مسجّل
وَفِيهَا عَزَلَ الْأَمِينُ أَخَاهُ الْقَاسِمَ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَالثُّغُورِ ، وَوَلَّى عَلَى ذَلِكَ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ وَأَمَرَ أَخَاهُ بِالْمُقَامِ عِنْدَهُ بِبَغْدَادَ.
التاريخ 3084لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا وَثَبَتَ الرُّومُ عَلَى مَلِكِهِمْ مِيخَائِيلَ ، فَهَرَبَ وَتَرَهَّبَ، وَكَانَ مَلَكَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَلْيُونُ الْقَائِدُ. وَكَانَ فِي الْمَوْصِلِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ اسْتَعْمَلَهُ الْأَمِينُ.
التاريخ 3085لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ شَقِيقٌ الْبَلْخِيُّ الزَّاهِدُ فِي غَزَاةِ كُولَانَ ( مِنْ بِلَادِ التُّرْكِ ).
التاريخ 3086لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ: عَقَدَ الْأَمِينُ لِابْنِهِ مُوسَى عَلَى جَمِيعِ مَا اسْتُخْلِفَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ [صَاحِبَ ] أَمْرِهِ كُلِّهِ عَلِيَّ بْنَ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَعَلَى شُرْطَتِهِ مُحَمَّدَ بْنَ عِيسَى بْنِ نُهَيْكٍ، وَعَلَى حَرَسِهِ عُثْمَانَ بْنَ عِيسَى بْنِ نُهَيْكٍ، وَعَلَى خَرَاجِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُبَيْدَةَ، وَعَلَى دِيوَانِ رَسَائِلِهِ عَلِيَّ بْنَ صَالِحٍ.
التاريخ 3087لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا نَائِبُ الْحِجَازِ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى، وَقِيلَ: عَلِيُّ بْنُ الرَّشِيدِ.
التاريخ 3088لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1063 - سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ - وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ - الْبَلْخِيُّ . قَدِمَ بَغْدَادَ، وَحَدَّثَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ، [وَ ] الثَّوْرِيِّ. رَوَى عَنْهُ: الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ. وَكَانَ مَذْكُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالزُّهْدِ، مَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يُرَ لَهُ فِرَاشٌ، وَلَمْ يُرَ مُفْطِرًا إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ دَاعِيًا فِي الْإِرْجَاءِ، وَكَانَ صَارِمًا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَدَخَلَ بَغْدَادَ، فَشَنَّعَ عَلَى الرَّشِيدِ، فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهَ بِاثْنَيْ عَشَرَ قَيْدًا، فَشَنَّعَ عَلَيْهِ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ حَتَّى بَقِيَتْ أَرْبَعَةٌ، وَكَانَ يَدْعُو فِي حَبْسِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلُ مَوْتِي فِي حَبْسِهِ، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى أَلْقَى أَهْلِي. فَمَاتَ الرَّشِيدُ فَخَلَّتْ عَنْهُ زُبَيْدَةُ، فَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ فَوَافَى أَهْلَهُ بِمَكَّةَ قَدِمُوا حُجَّاجًا، فَمَرِضَ فَاشْتَهَى الْبَرْدَ، فَجَمَعُوا [لَهُ ] فَأَكَلَ وَمَاتَ. وَذَلِكَ فِي [ذِي ] الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُحَدِّثُونَ عَلَى تَضْعِيفِ رِوَايَاتِهِ. 1064 - عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ الصَّلْتِ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ - وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ - وَسَمِعَ أَيُّوبَ السِّجِسْتَانِيَّ، وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَخَالِدًا الْحَدَّادَ وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ ثِقَةً، إِلَّا أَنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ: كَانَتْ غَلَّةُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا إِلَى خَمْسِينَ أَلْفًا، فَكَانَ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ السَّنَةُ يُنْفِقُهَا عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ. تُوُفِّيَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. 1065 - أَبُو نَصْرٍ الْجُهَيْنِيُّ الْمُصَابُ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ: كَانَ عِنْدَنَا رَجُلٌ يُكَنَّى أَبَا نَصْرٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، ذَاهِبَ الْعَقْلِ، فِي غَيْرِ مَا النَّاسُ فِيهِ، لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يُكَلَّمَ، وَكَانَ يَجْلِسُ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ فِي آخِرِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ أَجَابَ فِيهِ جَوَابًا حَسَنًا مُغْرِبًا، فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا وَهُوَ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مَعَ أَهْلِ الصُّفَّةِ، مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، وَاضِعًا جَبْهَتَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَحَرَّكْتُهُ فَانْتَبَهَ فَزِعًا، فَأَعْطَيْتُهُ شَيْئًا كَانَ مَعِي، فَأَخَذَهُ فَقَالَ: قَدْ صَادَفَ مِنَّا حَاجَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا نَصْرٍ، مَا الشَّرَفُ ؟ قَالَ: حَمْلُ مَا نَابَ الْعَشِيرَةَ، أَدْنَاهَا وَأَقْصَاهَا، وَالْقَبُولُ مِنْ مُحْسِنِهَا، وَالتَّجَاوُزُ عَنْ مُسِيئِهَا. قُلْتُ لَهُ: فَمَا السَّخَاءُ ؟ قَالَ: جُهْدٌ مُقِلٌّ. قُلْتُ: فَمَا الْبُخْلُ ؟ قَالَ: أُفٍّ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ عَنِّي. قُلْتُ: تُجِيبُنِي ؟ قَالَ: أَجَبْتُكَ. وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَارُونُ الرَّشِيدُ فَأُخْلِيَ لَهُ الْمَسْجِدُ، فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى مِنْبَرِهِ، وَفِي مَوْقِفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاعْتَنَقَ أُسْطُوَانَةَ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: قِفُوا بِي عَلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ. فَلَمَّا أَتَاهُمْ حَرَّكَ أَبُو نَصْرٍ وَقِيلَ: هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَرَفَعَ رَأَسَهُ وَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ عِبَادِ اللَّهِ وَأُمَّةِ نَبِيهِ وَرَعِيَّتِكَ وَبَيْنَ اللَّهِ خَلْقٌ غَيْركَ، وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُكَ عَنْهُمْ، فَأَعِدَّ لِلْمَسْأَلَةِ جَوَابًا، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ ضَاعَتْ سَخْلَةٌ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ لَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَسْأَلَهُ اللَّهُ عَنْهَا. فَبَكَى هَارُونُ وَقَالَ: يَا أَبَا نَصْرٍ، إِنَّ رَعِيَّتِي غَيْرُ رَعِيَّةِ عُمَرَ، وَدَهْرِي غَيْرُ دَهْرِ عُمَرَ. فَقَالَ لَهُ: هَذَا وَاللَّهِ غَيْرُ مُغْنٍ عَنْكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَعُمَرَ تُسْأَلَانِ عَمَّا خَوَّلَكُمَا اللَّهُ. فَدَعَا هَارُونُ بِصُرَّةٍ فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ دِينَارٍ، فَقَالَ: ادْفَعُوهَا إِلَى أَبِي نَصْرٍ، فَقَالَ أَبُو نَصْرٍ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، فَادْفَعُوهَا إِلَى فُلَانٍ يُفَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ وَيَجْعَلُنِي كَرَجُلٍ مِنْهُمْ. وَكَانَ أَبُو نَصْرٍ يَخْرُجُ كُلَّ يَوْمِ جُمْعَةٍ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، فَيَدْخُلُ السُّوقَ مِمَّا يَلِي الثَّنِيَّةَ، فَلَا يَزَالُ يَقِفُ عَلَى مَرْبَعَةٍ مَرْبَعَةٍ وَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا يَوْمًا لَا تُجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ، إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا مَاتَ صَحِبَهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ رَجَعَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَبَقِيَ عَمَلُهُ، فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ مَا يُؤْنِسُكُمْ فِي قُبُورِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ. فَلَا يَزَالُ يَعْمَلُ ذَلِكَ فِي مَرْبَعَةٍ مَرْبَعَةٍ حَتَّى يَأْتِيَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، فَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ. وَفِيهَا مَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ صَاحِبُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ [ وَمِائَةٍ ]، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا مَاتَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ ، قَاضِي الْكُوفَةِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. ( غِيَاثٌ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ). وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.
التاريخ 3089لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: أَنَّ الْأَمِينَ أَمَرَ بِإِسْقَاطِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي ضُرِبَتْ لِأَخِيهِ بِخُرَاسَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمَأْمُونَ أَمَرَ أَنْ لَا يُثْبَتَ فِيهَا اسْمُ مُحَمَّدٍ، فَكَانَتْ لَا تَجُوزُ حِينًا. وَفِيهَا: نَهَى عَنِ الدُّعَاءِ عَلَى الْمَنَابِرِ فِي عَمَلِهِ كُلِّهِ لِلْمَأْمُونِ وَالْقَاسِمِ، وَأَمَرَ بِالدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ لِابْنِهِ مُوسَى، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ مُوسَى طِفْلًا صَغِيرًا، وَذَلِكَ عَنْ رَأْيِ الْفَضْلِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَأْمُونَ، فَسُمِّيَ بِإِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُوتِبَ بِذَلِكَ. وَلَمَّا عَزَمَ مُحَمَّدٌ عَلَى خَلْعِ الْمَأْمُونِ قَالَ لَهُ الْفَضْلُ: أَلَا تَعْذُرَ إِلَيْهِ [يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ] لَعَلَّهُ يُسَلِّمُ الْأَمْرَ فِي عَافِيَةٍ، فَتَكْتُبُ إِلَيْهِ كِتَابًا فَتَسْأَلُهُ الصَّفْحَ عَمَّا فِي يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ صُبَيْحٍ: هَذَا تَقْوِيَةٌ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ حُبَّكَ لِقُرْبِهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أُحِبُّ قُرْبَكَ لِتُعَاوِنَنِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ مَكَانِي أَعودُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ دَعَا الْفَضْلَ فَقَالَ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَنْ تُمْسِكَ مَوْضِعَكَ قَالَ: كَيْفَ ؟ مَعَ مُخَالَفَةِ مُحَمَّدٍ وَالْمَالُ وَالْجُنْدُ مَعَهُ، وَالْمُلُوكُ حَوْلِي كُلُّهُمْ عَدُوٌّ لِي. قَالَ: تُصْلِحُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، فَلَمَّا عَرَفَ الْأَمِينُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهِ وَجَّهَ إِلَيْهِ عِصْمَةَ بْنَ حَمَّادٍ، وَأَمَرَهُ بِقَطْعِ الْمِيرَةِ عَنْ خُرَاسَانَ.
التاريخ 3090لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: شَخصَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى إِلَى الرَّيِّ لِحَرْبِ الْمَأْمُونِ ، فَكَانَ خُرُوجُهُ عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَخَرَجَ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مُعَسْكَرِهِ فِي زُهَاءٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَلَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ وَدَّعَ أُمَّ جَعْفَرٍ فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَلِيُّ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ وَلَدِي فَأَنِّي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مُشْفِقَةٌ، فَاعْرِفْ لِعَبْدِ اللَّهِ حَقَّ إِخْوَتِهِ، وَلَا تَبُجُّهُ بِالْكَلَامِ وَلَا تَفْتَشِرْهُ افْتِشَارَ الْعَبِيدِ، وَإِنْ شَتَمَكَ فَاحْتَمِلْهُ، ثُمَّ دَفَعَتْ إِلَيْهِ قَيْدًا مِنْ فِضَّةٍ فَقَالَتْ: إِنْ صَارَ فِي يَدِكَ فَقَيِّدْهُ بِهِ. فَشَخَصَ وَمَعَهُ الْأَمِينُ إِلَى النَّهْرَوَانِ يَوْمَ الْأَحَدِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَعَرَضَ الْجُنْدَ، وَعَادَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلَامِ، وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى بِالنَّهْرَوَانِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى مَا وَجَّهَ لَهُ مُسْرِعًا، حَتَّى نَزَلَ هَمَدَانَ، فَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَكَانَ الْأَمِينُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عِصْمَةَ بْنِ حَمَّادٍ يَأْمُرُهُ بِالِانْصِرَافِ فِي خَاصَّةِ أَصْحَابِهِ، وَضَمَّ بَقِيَّةَ الْعَسْكَرِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي دَلَفٍ الْقَاسِمِ بْنِ عَلِيٍّ بِالِانْضِمَامِ إِلَيْهِ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَشَخَصَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى مِنْ هَمَدَانَ يُرِيدُ الرَّيَّ، فَكَانَ يَسْأَلُ عَنْ خُرَاسَانَ فَيُقَالُ لَهُ إِنْ طَاهِرًا مُقِيمٌ بِالرَّيِّ، فَيَضْحَكُ فَيَقُولُ وَمَا طَاهِرٌ ! ؟ هَلْ هُوَ إِلَّا شَوْكَةٌ بَيْنَ أَعْضَائِي. فَلَقِيَهُ طَاهِرٌ فِي نَحْوِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَلَمَّا رَأَى طَاهِرٌ جَمْعَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى قَالَ: هَذَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَلَكِنْ نَجْعَلُهَا خَارِجِيَّةً نَقْصِدُ الْقَلْبَ. فَحَمَلُوا فَجَرَى الْقِتَالُ، فَقُتِلَ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى وَأُلْقِيَ فِي بِئْرٍ، وَهُزِمَ عَسْكَرُهُ وَأُخِذَ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَكَتَبَ طَاهِرٌ إِلَى ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، وَكَبَتَ أَعْدَاءَكَ، وَجَعَلَ مَنْ يَشْنَؤُكَ فِدَاءَكَ، كَتَبْتُ إِلَيْكَ وَرَأْسُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بَيْنَ يَدَيْ، وَخَاتَمُهُ فِي أُصْبُعِي، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَدَخَلَ عَلَى الْمَأْمُونِ فَبَشَّرَهُ، فَأَيَّدَ طَاهِرًا بِالرِّجَالِ، وَسَمَّاهُ ذَا الْيَمِينَيْنِ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَالْقُوَّادِ، وَوُجُوهِ النَّاسِ، فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، وَأَعْلَنَ يَوْمَئِذٍ بِخَلْعِ الْأَمِينِ. ثُمَّ وَرَدَ بِرَأْسِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، فَطِيفَ بِهِ خُرَاسَانَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْأَمِينِ، فَنَدِمَ عَلَى نَكْثِهِ وَغَدْرِهِ، وَمَشَى الْقُوَّادُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ، فَقَالُوا: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ قُتِلَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مُحَمَّدًا يَحْتَاجُ إِلَى الرِّجَالِ، فَاطْلُبُوا الْجَوَائِزَ وَالْأَرْزَاقَ، فَلَعَلَّنَا نُصِيبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَا يُصْلِحُنَا، فَأَصْبَحُوا يُكَبِّرُونَ وَيَطْلُبُونَ الْأَرْزَاقَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ، فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ فِي أَصْحَابِهِ، فَتَرَامَوْا بِالنُّشَّابِ وَالْحِجَارَةِ، وَسَمِعَ مُحَمَّدٌ التَّكْبِيرَ وَالضَّجِيجَ، فَقَالَ: مَا الْخَبَرُ ؟ فَأَعْلَمُوهُ، فَقَالَ: مُرُوا ابْنَ خَازِمٍ فَلْيَنْصَرِفْ عَنْهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ لَهُمْ بِأَرْزَاقِ أَرْبَعَةِ شُهُورٍ، وَرَفَعَ مَنْ كَانَ دُونَ الثَّمَانِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، وَأَمَرَ لِلْقُوَّادِ بِالصِّلَاتِ، وَبَعَثَ إِلَى نَوْفَلٍ خَادِمِ الْمَأْمُونِ، فَأَخَذَ مِنْهُ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ الَّتِي كَانَ الرَّشِيدُ وَصَلَ الْمَأْمُونَ بِهَا، وَقَبَضَ ضَيَاعَهُ وَغَلَّاتَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عُمَّالًا مِنْ قِبَلِهِ.
التاريخ 3091لا حكم مسجّل
ذِكْرُ تَوْجِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ لَمَّا اتَّصَلَ بِالْأَمِينِ قَتْلُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى، وَهَزِيمَةُ عَسْكَرِهِ - وَجَّهَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَبَلَةَ الْأَنْبَارِيَّ فِي عِشْرِينَ أَلْفَ رَجُلٍ نَحْوَ هَمَذَانَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا، وَعَلَى كُلِّ مَا يَفْتَحُهُ مِنْ أَرْضِ خُرَاسَانَ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ، وَأَمَدَّهُ بِالْأَمْوَالِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ هَمَذَانَ، وَحَصَّنَهَا وَرَمَّ سُورَهَا. وَأَتَاهُ طَاهِرٌ إِلَى هَمَذَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى تَعْبِئَةٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ فِيهِمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَدَخَلَ هَمَذَانَ، فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، حَتَّى قَوِيَ أَصْحَابُهُ، وَانْدَمَلَ جِرَاحُهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى طَاهِرٍ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَتَرَاءَى لَكُمْ، فَإِذَا قَرُبْتُمْ مِنْهُ قَاتَلَكُمْ، فَإِنْ هَزَمْتُمُوهُ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ قَاتَلَكُمْ عَلَى خَنْدَقِهَا، وَإِنْ هَزَمَكُمُ اتَّسَعَ لَهُ الْمَجَالُ، وَلَكِنْ قِفُوا قَرِيبًا مِنْ عَسْكَرِنَا وَخَنْدَقِنَا، فَإِنْ قَرُبَ مِنَّا قَاتَلْنَاهُ. فَوَقَفُوا فَظَنَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنَّ الْهَيْبَةَ مَنَعَتْهُمْ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَجَعَلَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، وَيُحَرِّضُهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ حَمَلَ عَلَى صَاحِبِ عَلَمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، وَزَحَمَهُمْ أَصْحَابُ طَاهِرٍ، فَانْهَزَمُوا، وَوَضَعَ فِيهِمْ أَصْحَابُ طَاهِرٍ السُّيُوفَ يُقَتِّلُونَهُمْ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ طَاهِرٌ عَلَى بَابِهَا مُحَاصِرًا لَهَا، فَاشْتَدَّ بِهِمُ الْحِصَارُ، وَضَجِرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَخَافَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يَثِبَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَ مَا فِيهِ أَصْحَابُهُ مِنَ الْجَهْدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى طَاهِرٍ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ مَعَهُ، فَأَمَّنَهُ، فَخَرَجَ عَنْ هَمَذَانَ.
التاريخ 3092لا حكم مسجّل
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى أَعْمَالِ الْجَبَلِ لَمَّا نَزَلَ طَاهِرٌ بِبَابِ هَمَذَانَ، وَحَصَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِهَا، تَخَوَّفَ أَنْ يَأْتِيَهُ كَثِيرُ بْنُ قَادِرَةَ مِنْ وَرَائِهِ، وَكَانَ بِقَزْوِينَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْقِيَامِ، وَسَارَ فِي أَلْفِ فَارِسٍ نَحْوَ قَزْوِينَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِ كَثِيرُ بْنُ قَادِرَةَ، وَكَانَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، هَرَبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَأَخْلَى قَزْوِينَ، وَجَعَلَ طَاهِرٌ فِيهَا جُنْدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ أَرَادَ دُخُولَهَا، وَاسْتَوْلَى عَلَى سَائِرِ أَعْمَالِ الْجَبَلِ مَعَهَا.
التاريخ 3093لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبَلَةَ الْأَنْبَارِيُّ، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ فِي أَمَانِ طَاهِرٍ أَقَامَ يُرِي طَاهِرًا وَأَصْحَابَهُ أَنَّهُ مُسَالِمٌ لَهُمْ، رَاضٍ بِأَمَانِهِمْ، ثُمَّ اغْتَرَّهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ، فَرَكِبَ فِي أَصْحَابِهِ، وَهَجَمَ عَلَى طَاهِرٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَمْ يَشْعُرُوا، فَثَبَتَ لَهُ رَجَّالَةُ طَاهِرٍ، وَقَاتَلُوهُ حَتَّى أَخَذَتِ الْفُرْسَانُ أُهْبَتَهَا، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، حَتَّى تَقَطَّعَتِ السُّيُوفُ، وَتَكَسَّرَتِ الرِّمَاحُ، وَانْهَزَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَاتَلَ، وَأَصْحَابُهُ يَقُولُونَ لَهُ: قَدْ أَمْكَنَكَ الْهَرَبُ، فَاهْرُبْ، فَقَالَ: لَا يَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَجْهِي مُنْهَزِمًا أَبَدًا. وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ. وَانْتَهَى مَنِ انْهَزَمَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ وَأَحْمَدَ ابْنَيِ الْحَرَشِيِّ، وَكَانَا فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ بِقَصْرِ اللُّصُوصِ، قَدْ سَيَّرَهُ الْأَمِينُ مَعُونَةً لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَيْهِمَا انْهَزَمَا أَيْضًا فِي جُنْدِهِمَا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، حَتَّى دَخَلُوا بَغْدَاذَ، وَخَلَتِ الْبِلَادُ لِطَاهِرٍ، فَأَقْبَلَ يَحُوزُهَا بَلْدَةً بَلْدَةً، وَكُورَةً كُورَةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَى شَلَاشَانَ مِنْ قُرَى حُلْوَانَ، فَخَنْدَقَ بِهَا، وَحَصَّنَ عَسْكَرَهُ، وَجَمَعَ أَصْحَابَهُ.
التاريخ 3094لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خُرُوجِ السُّفْيَانِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ، وَهُوَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأُمُّهُ نَفِيسَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا مِنْ شَيْخَيْ صِفِّينَ - يَعْنِي عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ - وَكَانَ يُلَقَّبُ بِأَبِي الْعُمَيْطِرِ ; لِأَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: أَيُّ شَيْءٍ كُنْيَةُ الْحِرْذَوْنِ ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: هُوَ أَبُو الْعُمَيْطِرِ. فَلَقَّبُوهُ بِهِ. وَلَمَّا خَرَجَ دَعَا لِنَفْسِهِ بِالْخِلَافَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَقَوِيَ عَلَى سُلَيْمَاَنَ بْنِ الْمَنْصُورِ، عَامِلِ دِمَشْقَ، فَأَخْرَجَهُ عَنْهَا، وَأَعَانَهُ الْخَطَّابُ بْنُ وَجْهِ الْفُلْسِ، مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى صَيْدَا. وَلَمَّا خَرَجَ سَيَّرَ إِلَيْهِ الْأَمِينُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، فَبَلَغَ الرَّقَّةَ، وَلَمْ يَسِرْ إِلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ عُمْرُ أَبِي الْعُمَيْطِرِ، حِينَ خَرَجَ، تِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ قَدْ أَخَذُوا عَنْهُ عِلْمًا كَثِيرًا، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَلَمَّا خَرَجَ ظَلَمَ وَأَسَاءَ السِّيرَةَ، فَتَرَكُوا مَا نَقَلُوا عَنْهُ. وَكَانَ أَكْبَرُ أَصْحَابِهِ مِنْ كَلْبٍ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ بَيْهَسٍ الْكِلَابِيِّ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ السُّفْيَانِيُّ عَلَى قَصْدِ الْقَيْسِيَّةِ، فَكَتَبُوا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ مِنَ الضَّبَابِ وَمَوَالِيهِ، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِالسُّفْيَانِيِّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ يَزِيدَ بْنَ هِشَامٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَالْتَقَوْا، فَانْهَزَمَ يَزِيدُ وَمَنْ مَعَهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ إِلَى أَنْ دَخَلُوا أَبْوَابَ دِمَشْقَ زِيَادَةٌ عَلَى أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَأُسِرَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، فَأَطْلَقَهُمُ ابْنُ بَيْهَسٍ، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ. وَضَعُفَ السُّفْيَانِيُّ، وَحُصِرَ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ جَمَعَ جَمْعًا، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ الْقَاسِمَ، وَخَرَجُوا إِلَى ابْنِ بَيْهَسٍ، فَالْتَقَوْا، فَقُتِلَ الْقَاسِمُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ السُّفْيَانِيِّ، وَبُعِثَ رَأْسُهُ إِلَى الْأَمِينِ، ثُمَّ جَمَعَ جَمْعًا آخَرَ، وَسَيَّرَهُمْ مَعَ مَوْلَاهُ الْمُعْتَمِرِ، فَلَقِيَهُمُ ابْنُ بَيْهَسٍ، فَقُتِلَ الْمُعْتَمِرُ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَوَهَنَ أَمْرُ أَبِي الْعُمَيْطِرِ، وَطَمِعَ فِيهِ قَيْسٌ. ثُمَّ مَرِضَ ابْنُ بَيْهَسٍ، فَجَمَعَ رُؤَسَاءَ بَنِي نُمَيْرٍ، فَقَالَ لَهُمْ: تَرَوْنَ مَا أَصَابَنِي مِنْ عِلَّتِي هَذِهِ، فَارْفُقُوا بِبَنِي مَرْوَانَ، وَعَلَيْكُمْ بِمَسْلَمَةَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِنَّهُ رَكِيكٌ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِكُمْ، وَأَعْلِمُوهُ أَنَّكُمْ لَا تَتْبَعُونَ بَنِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبَايِعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَكَيِّدُوا بِهِ السُّفْيَانِيَّ. وَعَادَ ابْنُ بَيْهَسٍ إِلَى حَوْرَانَ، وَاجْتَمَعَتْ نُمَيْرٌ عَلَى مَسْلَمَةَ، وَبَذَلُوا لَهُ الْبَيْعَةَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ، وَجَمَعَ مَوَالِيَهُ، وَدَخَلَ عَلَى السُّفْيَانِيِّ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَقَيَّدَهُ، وَقَبَضَ عَلَى رُؤَسَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ فَبَايَعُوهُ، وَأَدْنَى قَيْسًا، وَجَعَلَهُمْ خَاصَّتَهُ، فَلَمَّا عُوفِيَ ابْنُ بَيْهَسٍ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ فَحَصَرَهَا، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ الْقَيْسِيَّةُ وَهَرَبَ مَسْلَمَةُ وَالسُّفْيَانِيُّ فِي ثِيَابِ النِّسَاءِ إِلَى الْمِزَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَدَخَلَ ابْنُ بَيْهَسٍ دِمَشْقَ، وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَبَقِيَ بِهَا إِلَى أَنْ قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ دِمَشْقَ، وَدَخَلَ إِلَى مِصْرَ، وَعَادَ إِلَى دِمَشْقَ، فَأَخَذَ ابْنَ بَيْهَسٍ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَمَاتَ بِهَا.
التاريخ 3095لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: عَقْدُ الْأَمِينِ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ عَلَى كَوْرِ الْجَبَلِ كُلِّهَا: نَهَاوَنْدَ، وَهَمَدَانَ، وَقُمَّ، وَأَصْفَهَانَ، حَرْبُهَا وَخَرَاجُهَا، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً مِنَ الْقُوَّادِ، وَأَمَرَ لَهُ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَلِوَلَدِهِ بِخَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَأَعْطَى الْجُنْدَ مَالًا عَظِيمًا، وَأَمَرَ لَهُ مِنَ السُّيُوفِ الْمُحَلَّاةِ بِأَلْفَيْ سَيْفٍ، وَسِتَّةِ آلَافِ ثَوْبٍ لِلْخَلْعِ، وَأَحْضَرَ الْأَمِينُ أَهْلَ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ وَقُوَّادَهُ الْمَقْصُورَةَ بِالشَّمَّاسِيَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَصَلَّى الْجُمُعَةَ، وَدَخَلَ وَجَلَسَ لَهُمُ ابْنُهُ مُوسَى فِي الْمِحْرَابِ وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ وَجَمِيعُ مَنْ حَضَرَ، فَقَرَأَ عَلَى جَمَاعَتِهِمْ كِتَابًا مِنَ الْأَمِينِ يُعْلِمُهُمْ رَأْيَهُ فِيهِمْ، وَحَقَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَقَ لَهُ مِنَ الْبَيْعَةِ مُنْفَرِدًا بِهَا، وَلُزُومَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَمَا أَحْدَثَ الْمَأْمُونُ مِنَ التَّسَمِّي بِالْإِمَامِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَقَطْعِ الْبَرِيدِ، وَقَطْعِ ذِكْرِهِ مِنْ دَارِ الطُّرُزِ، وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الْفَضْلُ وَقَالَ: لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِي الْخِلَافَةِ، إِلَّا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِعَبْدِ اللَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ حَظًّا، وَأَنَّ الْأَمِيرَ مُوسَى قَدْ أَمَرَ لَكُمْ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ تُقَسَّمُ بَيْنَكُمْ يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ.
التاريخ 3096لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تَسَمَّى الْمَأْمُونُ بِإِمَامِ الْمُؤْمِنِينَ.
التاريخ 3097لا حكم مسجّل
وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَهُوَ الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ أَيْضًا. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَادِي لِلْأَمِينِ. وَعَلَى الْبَصْرَةِ لَهُ أَيْضًا مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ.
التاريخ 3098لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1066 - إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْرَقُ الْوَاسِطِيُّ . سَمِعَ الْأَعْمَشَ، وَالْجَرِيرِيَّ، وَالثَّوْرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ وَيَحْيَى. وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الْمَأْمُونِينَ، وَمِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ أُمَّ إِسْحَاقَ الْأَزْرَقِ قَالَتْ لَهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ بِالْكُوفَةِ رَجُلًا يَسْتَخِفُّ بِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَأَنْتَ عَلَى الْحِجِّ فَأَسْأَلُكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ أَنْ لَا تَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ إِسْحَاقُ: فَدَخَلْتُ الْكُوفَةَ فَإِذَا الْأَعْمَشُ قَاعِدٌ وَحْدَهُ، فَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَقُلْتُ: أُمِّي وَالْأَعْمَشُ ! ! وَقَالَ النَّبِيُّ لِلَّهِ ﷺ: "طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ". فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَسَلَّمْتُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، حَدِّثْنِي فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ. قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ قُلْتُ: مِنْ وَاسِطَ. قَالَ: مَا اسْمُكَ ؟ قُلْتُ: إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ. قَالَ: فَلَا حَيِيتَ وَلَا حَيِيَتْ أُمُّكَ، أَلَيْسَ حَرَّجَتْ أَنْ لَا تَسْمَعَ مِنِّي شَيْئًا ؟ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، لَيْسَ كُلُّ مَا بَلَغَكَ يَكُونُ حَقًّا. قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ بِحَدِيثٍ مَا حَدَّثْتُهُ أَحَدًا قَبْلَكَ. فَحَدَّثَنِي عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "الْخَوَارِجُ كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ". تُوُفِّيَ إِسْحَاقُ بِوَاسِطَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 1067 - بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ . يُقَالُ: بَكَّارٌ، وَإِنَّمَا هُوَ: أَبُو بَكْرٍ. كَانَ مُدِرَّةَ قُرَيْشٍ شَرَفًا وَبَيَانًا وَلِسَانًا وَجَاهًا وَحُسْنَ أَثَرٍ، وَكَانَ الرَّشِيدُ مُعْجَبًا بِهِ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ عَامِلَهُ عَلَيْهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَأَخْرَجَ عَلَى يَدِهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ أُعْطِيَّاتٍ مِقْدَارُهَا أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، كُلُّ عَطَاءٍ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ الرَّشِيدُ إِذَا كَتَبَ إِلَيْهِ كَتَبَ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ هَارُونَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَكَانَ عُمَّالُهُ وُجُوهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِقْهًا وَعِلْمًا وَمُرُوءَةً وَشَرَفًا. وَكَانَ جَوَادًا، فَقَلَّ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ لَمْ يَدْخُلْهُ صَنِيعُهُ. تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. 1069 - مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، أَبُو مُعَاوِيَةَ التَّمِيمِيُّ. مَوْلَى سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ. وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَعَمِيَ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَلَازَمَ الْأَعْمَشَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ أَثْبَتَ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ يُقَدَّمُ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ، وَكَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ ثِقَةً، لَكِنَّهُ كَانَ يَرَى رَأْيَ الْمُرْجِئَةِ. وَرَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ وَيَحْيَى، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ. وَرَوَى عَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَضْبُطُ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ ضَبْطًا جَيِّدًا، وَيَضْطَرِبُ فِي غَيْرِهِ. عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصِّينِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ جَدَّيْ أَبِي وَأُمِّي وَأَنَا غُلَامٌ، فَرَأَنِي أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لِجَدِّي: مَا يَكُونُ هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ ؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ: لَيْسَ بِابْنِكَ. قَالَ: ابْنُ ابْنَتِي. قَالَ: لَيَكُونَنَّ لَهُ شَأْنٌ، وَلَيَطَأَنَّ بِرِجْلَيْهِ هَاتَيْنِ بُسَطَ الْمُلُوكِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ الرَّشِيدُ بَعَثَ إِلَيَّ، فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ ذَكَرْتُ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ، فَأَقْبَلْتُ الْتَمِسُ بِرِجْلِي الْبُسَطَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ، لَمْ تَلْتَمِسِ الْبِسَاطَ بِرِجْلَيْكَ ؟ فَحَدَّثْتُهُ الْحَدِيثَ، فَأُعْجِبَ بِهِ. قَالَ: وَحَرَّكَنِي شَيْءٌ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْتَاجُ إِلَى الْخَلَاءِ. فَقَالَ لِلْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ: خُذَا بِيَدِ عَمِّكُمَا فَأَرَيَاهُ الْمَوْضِعَ. فَأَخَذَا بِيَدِي فَأَدْخَلَانِي إِلَى الْمَوْضِعِ، فَشَمَمْتُ مِنْهُ رَائِحَةً طَيِّبَةً، فَقَالَا لِي: يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ، هَذَا الْمَوْضِعُ، فَشَأْنُكَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتِي. قَالَ الْخَطِيبُ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ: مَاتَ أَبُو مُعَاوِيَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فِي آخِرِ صَفَرَ أَوْ فِي أَوَّلِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدَائِنِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ نُمَيْرٍ أَنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. 1070 - الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيُّ، أَبُو الْعَبَّاسِ . رَوَى عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَالْفَضْلِ بْنِ فُضَالَةَ، وَابْنِ لَهِيعَةَ، وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى عَنْهُ: ابْنُ وَهْبٍ. وَتُوُفِّيَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وفاة أبي نواس وشيء من سيرته وَأَبُو نُوَاسٍ الشَّاعِرُ وَاسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ هَانِئِ بْنِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ صَبَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ ذَوَّةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَلِيمِ بْنِ حَكَمِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ طَيِّئِ بْنِ أُدَدِ بْنِ شَبِيبِ بْنِ سَبِيعِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ هَمَيْسَعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَشْجُبَ بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانِ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالَخِ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، كَذَا نَسَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ الْوَرَّاقُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَكَمِيُّ نِسْبَةً إِلَى وَلَاءِ الْجَرَّاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيِّ. وَيُقَالُ لَهُ: أَبُو نُوَاسٍ الْبَصْرِيُّ. كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ مِنْ جُنْدِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا جُلْبَانُ. فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا نُوَاسٍ هَذَا، وَابْنًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مُعَاذٍ. ما جاء في أخذه الأدب واللغة وسماعه للحديث ثُمَّ صَارَ أَبُو نُوَاسٍ إِلَى الْبَصْرَةِ فَتَأَدَّبَ بِهَا عَلَى أَبِي زَيْدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، وَقَرَأَ كِتَابَ سِيبَوَيْهِ وَلَزِمَ خَلَفًا الْأَحْمَرَ، وَصَحِبَ يُونُسَ بْنَ حَبِيبٍ الضَّبِّيَّ النَّحْوِيَّ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خِلِّكَانَ: وَقَدْ صَحِبَ أَبَا أُسَامَةَ وَالِبَةَ بْنَ الْحُبَابِ الْكُوفِيَّ، فَتَأَدَّبَ بِهِ. وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَزْهَرَ بْنِ سَعْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ، وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَيَحْيَى الْقَطَّانِ، وَعَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الصَّيْرَفِيُّ، حَكَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَالْجَاحِظُ، وَغُنْدَرٌ. وَمِنْ مَشَاهِيرِ حَدِيثِهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الصَّيْرَفِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ ثَمَنُ الْجَنَّةِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُ صَالِحُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ: يَا أَبَا عَلِيٍّ، أَنْتَ الْيَوْمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ هَنَاتٌ، فَتُبْ إِلَى اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ عَمَلِكَ. فَقَالَ: إِيَّاىَ تُخَوِّفُ بِاللَّهِ ؟ ! فَقَالَ: أَسْنِدُونِي. فَأَسْنَدُوهُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ شَفَاعَةً، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ: أَفَتُرَانِي لَا أَكُونُ مِنْهُمْ ؟ براعته في الشعر والأدب وَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ: مَا قُلْتُ الشِّعْرَ حَتَّى رَوَيْتُ لِسِتِّينَ امْرَأَةً؛ مِنْهُنَّ خَنْسَاءُ، وَلَيْلَى، فَمَا ظَنُّكَ بِالرِّجَالِ ؟ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ: إِذَا رَوَيْتَ الشِّعْرَ عَنِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَالْأَعْشَى مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمِنَ الْإِسْلَامِيِّينَ لِجَرِيرٍ وَالْفَرَزْدَقِ، وَمِنَ الْمُحْدَثِينَ عَنْ أَبِي نُوَاسٍ فَحَسْبُكَ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ مِنْهُمُ الْأَصْمَعِيُّ، وَالْجَاحِظُ، وَالنَّظَّامُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: لَوْلَا أَنَّ أَبَا نُوَاسٍ أَفْسَدَ شِعْرَهُ بِهَذِهِ الْأَقْذَارِ لَاحْتَجَجْنَا بِهِ فِي كُتُبِنَا. يَعْنِي شِعْرَهُ فِي الْخَمْرِيَّاتِ، وَالْأَحْدَاثِ. وَقَدِ اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ عِنْدَ الْمَأْمُونِ فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمُ الْقَائِلُ: فَلَمَّا تَحَسَّاهَا وَقَفْنَا كَأَنَّنَا نَرَى قَمَرًا فِي الْأَرْضِ يَبْلَعُ كَوْكَبًا قَالُوا: أَبُو نُوَاسٍ قَالَ: فَأَيُّكُمُ الْقَائِلُ: إِذَا نَزَلَتْ دُونَ اللَّهَاةِ مِنَ الْفَتَى دَعَا هَمُّهُ عَنْ صَدْرِهِ بِرَحِيلِ قَالُوا: أَبُو نُوَاسٍ قَالَ: فَأَيُّكُمُ الْقَائِلُ: فَتَمَشَّتْ فِي مَفَاصِلِهِمْ كَتَمَشِّي الْبُرْءِ فِي السَّقَمِ قَالُوا: أَبُو نُوَاسٍ قَالَ: فَهُوَ أَشْعَرُكُمْ . وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لِابْنِ مُنَاذِرٍ: مَا أَشْعَرَ ظَرِيفُكُمْ أَبَا نُوَاسٍ فِي قَوْلِهِ: يَا قَمَرًا أَبْصَرْتُ فِي مَأْتَمٍ يَنْدُبُ شَجْوًا بَيْنَ أَتْرَابِ أَبْرَزَهُ الْمَأْتَمُ لِي كَارِهًا بِرَغْمِ ذِي بَابٍ وَحُجَّابِ يَبْكِي فَيُذْرِي الدُّرَّ مِنْ نَرْجِسٍ وَيَلْطِمُ الْوَرْدَ بِعُنَّابِ لَا زَالَ مَوْتًا دَأْبُ أَحْبَابِهِ وَلَا تَزَلْ رُؤْيَتُهُ دَابِي وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَشْعَرُ النَّاسِ أَبُو نُوَاسٍ فِي قَوْلِهِ: تَغَطَّيْتُ مِنْ دَهْرِي بِظِلِّ جَنَاحِهِ فَعَيْنِي تَرَى دَهْرِي، وَلَيْسَ يَرَانِي فَلَوْ تَسْأَلُ الْأَيَّامُ مَا اسْمِي لَمَا دَرَتْ وَأَيْنَ مَكَانِي مَا عَرَفْنَ مَكَانِي وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ: قُلْتُ فِي الزُّهْدِ عِشْرِينَ أَلْفَ بَيْتٍ، وَوَدِدْتُ أَنَّ لِي مَكَانَهَا الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي قَالَهَا أَبُو نُوَاسٍ، وَهِيَ هَذِهِ وَكَانَتْ مَكْتُوبَةً عَلَى قَبْرِهِ: يَا نُوَاسِيُّ تَوَقَّرْ وَتَعَزَّ وَتَصَبَّرْ إِنْ يَكُنْ سَاءَكَ دَهْرٌ فَلَمَا سَرَّكَ أَكْثَرْ يَا كَبِيرَ الذَّنْبِ عَفْوُ اللَّ هِ مِنْ ذَنْبِكَ أَكْبَرْ وَمِنْ شَعْرِ أَبِي نُوَاسٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَمْدَحُ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ: أَوْجَدَهُ اللَّهُ فَمَا مِثْلُهُ لِطَالِبِ ذَاكَ وَلَا نَاشِدِ وَلَيْسَ لِلَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدِ وَأَنْشَدُوا لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلَ أَبِي نُوَاسٍ: مَا هَوًى إِلَّا لَهُ سَبَبُ يَبْتَدِي مِنْهُ وَيَنْشَعِبُ فَتَنَتْ قَلْبِي مُحَجَّبَةٌ وَجْهُهُا بِالْحُسْنِ مُنْتَقِبُ خَلِيَتْ وَالْحُسْنُ تَأْخُذُهُ تَنْتَقِي مِنْهُ وَتَنْتَخِبُ فَاكْتَسَتْ مِنْهُ طَرَائِفُهُ وَاسْتَزَادَتْ بَعْضَ مَا تَهَبُ فَهِيَ لَوْ صَيَّرْتَ فِيهِ لَهَا عَوْدَةً لَمْ يُثْنِهَا أَرَبُ صَارَ جِدًّا مَا مَزَحْتَ بِهِ رُبَّ جِدٍّ جَرَّهُ اللَّعِبُ فَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَهَا. وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَوْلَا أَنَّ الْعَامَّةَ بَذَلَتْ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لَكَتَبْتُهُمَا بِمَاءِ الذَّهَبِ وَهُمَا لِأَبِي نُوَاسٍ: وَلَوْ أَنِّي اسْتَزَدْتُكَ فَوْقَ مَا بِي مِنَ الْبَلْوَى لَأَعْوَزَكَ الْمَزِيدُ وَلَوْ عُرِضَتْ عَلَى الْمَوْتَى حَيَاتِي بِعَيْشٍ مِثْلَ عَيْشِي لَمْ يُرِيدُوا بين أبي نواس والمحدثين وَقَدْ سَمِعَ أَبُو نُوَاسٍ حَدِيثَ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْقُلُوبُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ فَنَظَمَ ذَلِكَ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ يَقُولُ فِيهَا: إِنَّ الْقُلُوبَ لَأَجْنَادٌ مُجَنَّدَةٌ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ بِالْأَهْوَاءِ تَعْتَرِفُ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا فَهُوَ مُؤْتَلِفٌ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا فَهُوَ مُخْتَلِفُ وَدَخَلَ أَبُو نُوَاسٍ يَوْمًا مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الْوَاحِدِ: لِيَخْتَرْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَشَرَةَ أَحَادِيثَ أُحَدِّثُهُ بِهَا. فَاخْتَارَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةً، إِلَّا أَبَا نُوَاسٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ لَا تَخْتَارُ كَمَا اخْتَارُوا ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَلَقَدْ كُنَّا رَوَيْنَا عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّ بِ ثُمَّ سَعْدِ بْنِ عُبَادَهْ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ وَالشَّعْ بِيُّ شَيْخٌ ذُو جَلَادَهْ وَعَنِ الْأَخْيَارِ نَحْكِي هِ وَعَنْ أَهْلِ الْإِفَادَهْ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُحِبًّا فَلَهُ أَجْرُ شَهَادَهْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ: قُمْ يَا مَاجِنُ لَا حَدَّثْتُكَ وَلَا حَدَّثْتُ أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْلِكَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ أَبِي يَحْيَى، فَقَالَا: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُحَدِّثَهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الَّذِي أَنْشَدَهُ أَبُو نُوَاسٍ فِي شِعْرِهِ قَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي " " كَامِلِهِ " " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، وَمَرْفُوعًا مَنْ عَشِقَ فَعَفَّ فَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِالْعِشْقِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ فَصَبَرَ وَعَفَّ عَنِ الْفَاحِشَةِ وَلَمْ يُفْشِ ذَلِكَ فَمَاتَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، حَصَلَ لَهُ أَجْرٌ كَبِيرٌ، فَإِنْ صَحَّ هَذَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ نَوْعُ شَهَادَةٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْخَطِيبُ أَيْضًا أَنَّ شُعْبَةَ لَقِيَ أَبَا نُوَاسٍ فَقَالَ لَهُ: حَدِّثْنَا مِنْ طُرَفِكَ، فَقَالَ مُرْتَجِلًا: حَدَّثَنَا الْخَفَّافُ عَنْ وَائِلٍ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ جَابِرِ وَمِسْعَرٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ يَرْفَعُهُ الشَّيْخُ إِلَى عَامِرِ قَالُوا جَمِيعًا أَيُّمَا طِفْلَةٍ عُلِّقَهَا ذُو خُلُقٍ طَاهِرِ فَوَاصَلَتْهُ ثُمَّ دَامَتْ لَهُ عَلَى وِصَالِ الْحَافِظِ الذَّاكِرِ كَانَتْ لَهُ الْجَنَّةُ مَفْتُوحَةً يَرْتَعُ فِي مَرْتَعِهَا الزَّاهِرِ وَأَيُّ مَعْشُوقٍ جَفَا عَاشِقًا بَعْدَ وِصَالٍ دَائِمٍ نَاضِرِ فَفِي عَذَابِ اللَّهِ بُعْدًا لَهُ نَعَمْ وَسُحْقٍ دَائِمٍ دَاحِرِ فَقَالَ لَهُ شُعْبَةُ: إِنَّكَ لَجَمِيلُ الْأَخْلَاقِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَكَ. وَأَنْشَدَ أَبُو نُوَاسٍ أَيْضًا: يَا سَاحِرَ الْمُقْلَتَيْنِ وَالْجِيدِ وَقَاتِلِي مِنْكَ بِالْمَوَاعِيدِ تُوعِدُنِي الْوَصْلَ ثُمْ تُخْلِفُنِي فَوَابَلَائِي مِنْ خُلْفِ مَوْعُودِي حَدَّثَنِي الْأَزْرَقُ الْمُحَدِّثُ عَنْ شَمْرٍ وَعَوْفٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودِ مَا يُخْلِفُ الْوَعْدَ غَيْرُ كَافِرَةٍ وَكَافِرٍ فِي الْجَحِيمِ مَصْفُودِ فَبَلَغَ ذَلِكَ إِسْحَاقَ بْنَ يُوسُفَ الْأَزْرَقَ فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ عَلَيَّ، وَعَلَى التَّابِعِينِ، وَعَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ. طرف من شعره وطرائفه وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا نُوَاسٍ فِي مَجْلِسِ أَبِي يَبْكِي بُكَاءً شَدِيدًا فَقُلْتُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا الْبُكَاءِ أَبَدًا. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: لَمْ أَبْكِ فِي مَجْلِسِ مَنْصُورِ شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْحُورِ وَلَا مِنَ الْقَبْرِ وَأَهْوَالِهِ وَلَا مِنَ النَّفْخَةِ فِي الصُّورِ وَلَا مِنَ النَّارِ وَأَغْلَالِهَا وَلَا مِنَ الْخُذْلَانِ وَالْجُورِ لَكِنْ بُكَائِي لِبُكَا شَادِنٍ تَقِيهِ نَفْسِي كُلَّ مَحْذُورِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا بَكَيْتُ لِبُكَاءِ هَذَا الْأَمْرَدِ الَّذِي إِلَى جَانِبِ أَبِيكَ، وَكَانَ صَبِيًّا حَسَنَ الصُّورَةِ، يَسْمَعُ الْوَعْظَ فَيَبْكِي خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ أَبُو نُوَاسٍ: دَعَانِي يَوْمًا بَعْضُ الْحَاكَةِ، وَأَلَحَّ عَلِيَّ لِيُضِيفَنِي فِي مَنْزِلِهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَجَبْتُهُ، فَسَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَسِرْتُ مَعَهُ، فَإِذَا مَنْزِلٌ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدِ احْتَفَلَ الْحَائِكُ فَلَمْ يُقَصِّرْ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا سَيِّدِي، أَشْتَهِي أَنْ تَقُولَ فِي جَارِيَتِي شَيْئًا مِنَ الشِّعْرِ وَكَانَ مُغْرَمًا بِجَارِيَةٍ لَهُ. قَالَ أَبُو نُوَاسٍ فَقُلْتُ: أَرِنِيهَا حَتَّى أَنْظِمَ عَلَى شَكْلِهَا، وَحُسْنِهَا. فَكَشَفَ عَنْهَا الْحِجَابَ، فَإِذَا هِيَ مِنْ أَسْمَجِ خَلْقِ اللَّهِ وَأَوْحَشِهِمْ، سَوْدَاءُ شَمْطَاءُ دِنْدَانِيَةٌ يَسِيلُ لُعَابُهَا عَلَى صَدْرِهَا، فَقُلْتُ لِسَيِّدِهَا: مَا اسْمُهَا ؟ فَقَالَ: تَسْنِيمُ. فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ: أَسْهَرَ لَيْلِي حُبُّ تَسْنِيمِ جَارِيَةٍ فِي الْحُسْنِ كَالْبُومِ كَأَنَّمَا نَكْهَتُهَا كَامِخٌ أَوْ حُزْمَةٌ مِنْ حُزَمِ الثُّومِ ضَرَطْتُ مِنْ حُبِّي لَهَا ضَرْطَةً أَفْزَعْتُ مِنْهَا مَلِكَ الرُّومِ قَالَ: فَقَامَ الْحَائِكُ يَرْقُصُ وَيُصَفِّقُ سَائِرَ يَوْمِهِ، وَيَفْرَحُ وَيَقُولُ: شَبَّهَهَا وَاللَّهِ بِمَلِكِ الرُّومِ. وَمِنْ شَعْرِ أَبِي نُوَاسٍ: أَبْرَمَنِي النَّاسُ يَقُولُونَ تُبْ بِزَعْمِهِمْ كَثْرَةُ أَوْزَارِيَهْ إِنْ كُنْتُ فِي النَّارِ وَفِي جَنَّةٍ مَاذَا عَلَيْكُمْ يَا بَنِي الزَّانِيَهْ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا عَنْهُ أُمُورًا كَثِيرَةً، وَأَشْعَارًا مُنْكَرَةً، وَمُجُونًا كَثِيرَةً، وَلَهُ فِي الْخَمْرِيَّاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالتَّشَبُّبِ بِالْمُرْدَانِ وَالنِّسْوَانِ أَشْيَاءُ بَشِعَةٌ شَنِيعَةٌ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُفَسِّقُهُ وَيَرْمِيهِ بِالْفَاحِشَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْمِيهِ بِالزَّنْدَقَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ يُخَرِّبُ عَلَى نَفْسِهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِمَا فِي أَشْعَارِهِ، فَأَمَّا الزَّنْدَقَةُ فَبَعِيدَةٌ عَنْهُ، وَلَكِنْ كَانَ فِيهِ مُجُونٌ وَخَلَاعَةٌ كَثِيرَةٌ. وَقَدْ عَزَوْا إِلَيْهِ فِي صِغَرِهِ وَكِبَرِهِ أَشْيَاءَ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا. وَالْعَامَّةُ تَنْقُلُ عَنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً لَا حَقِيقَةَ لَهَا. وَفِي صَحْنِ جَامِعِ دِمَشْقَ قُبَّةٌ يَفُورُ الْمَاءُ مِنْ وَسَطِهَا، يَقُولُ الدَّمَاشِقَةُ: قُبَّةُ أَبِي نُوَاسٍ. وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ بَعْدَ مَوْتِهِ بِأَزْيَدَ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَمَا أَدْرِي لِمَاذَا تُسَمَّى بِهَذَا ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ: سَمِعْتُ أَبَا نُوَاسٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا فَتَحْتُ سَرَاوِيلِي بِحَرَامٍ قَطُّ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ لِأَبِي نُوَاسٍ: أَنْتَ زِنْدِيقٌ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ وَأَنَا أَقُولُ: أُصَلِّي الصَّلَاةَ الْخَمْسَ فِي حِينِ وَقْتِهَا وَأَشْهَدُ بِالتَّوْحِيدِ للَّهِ خَاضِعَا وَأُحْسِنُ غُسْلًا إِنْ رَكِبْتُ جَنَابَةً وَإِنْ جَاءَنِي الْمِسْكِينُ لَمْ أَكُ مَانِعَا وَإِنِّي وَإِنْ حَانَتْ مِنَ الْكَأْسِ دَعْوَةٌ إِلَى بَيْعَةِ السَّاقِي أُجِيبُ مُسَارِعَا وَأَشْرَبُهَا صِرْفًا عَلَى جَنْبِ مَاعِزٍ وَجَدْيٍ كَثِيرِ الشَّحْمِ أَصْبَحَ رَاضِعَا وَجُوذَابَ حُوَّارَى وَجُوزٍ وَسُكَّرٍ وَمَا زَالَ لِلْمَخْمُورِ ذَلِكَ نَافِعَا وَأَجْعَلُ تَخْلِيطَ الرَّوَافِضِ كُلِّهِمْ لِفَقْحَةِ بَخْتَيْشُوعَ فِي النَّارِ طَابِعَا فَقَالَ لَهُ الْأَمِينُ: وَيْحَكَ، وَمَا الَّذِي أَلْجَأَكَ إِلَى فَقْحَةِ بَخْتَيْشُوعَ ؟ فَقَالَ: بِهَا تَمَّتِ الْقَافِيَةُ فَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ. وَقَالَ الْجَاحِظُ: لَا أَعْرِفُ فِي كَلَامِ الشُّعَرَاءِ أَرْفَعَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ أَبِي نُوَاسٍ: أَيَّةُ نارٍ قَدَحَ الْقَادِحُ وَأَيُّ جِدٍّ بَلَغَ الْمَازِحُ لِلَّهِ دَرُّ الشَيبِ مِنْ واعِظٍ وَناصِحٍ لَو خُطِئَ الناصِحُ يَأَبْى الْفَتَى إِلَّا اتِّبَاعَ الْهَوَى وَمَنْهَجُ الْحَقِّ لَهُ واضِحُ فَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلى نِسْوَةٍ مُهُورُهُنَّ الْعَمَلُ الصَّالِحُ لَا يَجْتَلِي الْحَوْرَاءَ مِنَ خِدْرِهَا إِلَّا امْرُؤٌ مِيْزَانُهُ رَاجِحُ مَنِ اتَّقى اللَّهَ فَذَاكَ الَّذِي سِيقَ إِلَيهِ الْمَتْجَرُ الرَّابِحُ فَاغْدُ فَمَا فِي الدِّينِ أُغْلُوطَةٌ وَرُحْ لِمَا أَنْتَ لَهُ رَائِحُ وَقَدِ اسْتَنْشَدَهُ أَبُو هِفَّانَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي يَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: لَا تَنْسَ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا سَجَدَ لَهُ أَبُو هِفَّانَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَاسٍ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ مُدَّةً. قَالَ: فَغَمَّنِي ذَلِكَ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الِانْصِرَافَ قَالَ: مَتَى أَرَاكَ ؟ فَقُلْتُ: أَلَمْ تُقْسِمْ ؟ فَقَالَ: الدَّهْرُ أَقْصَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ هَجْرٌ. بعض من مستجاد شعره وَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: أَيَا رُبَّ وَجْهٍ فِي التُّرَابِ عَتِيقِ وَيا رُبَّ حُسْنٍ فِي التُّرَابِ رَقِيقِ وَيَا رُبَّ حَزْمٍ فِي التُّرَابِ وَنَجْدَةٍ وَيَا رُبَّ رَأيٍ فِي التُّرَابِ وَثِيقِ أَرَى كُلَّ حَيٍّ هَالِكاً وَابْنَ هَالِكٍ وَذَا حَسَبٍ فِي الْهَالِكِينَ عَرِيقِ فَقُلْ لِقَرِيبِ الدَّارِ إِنَّكَ ظَاعِنٌ إِلَى سَفَرٍ نَائِي الْمَحَلِّ سَحِيقِ إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ وَقَوْلُهُ: لَا تَشْرَهَنَّ فَإِنَّ الذُّلَّ فِي الشَّرَهِ وَالْعِزُّ فِي الْحِلْمِ لَا فِي الطَّيْشِ وَالسَّفَهِ وَقُلْ لِمُغْتَبِطٍ فِي التِّيْهِ مِنْ حُمَقٍ لَوْ كُنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي التِّيهِ لَمْ تَتُهِ التِّيهُ مَفْسَدَةٌ لِلدِّينِ مَنْقَصَةٌ لِلْعَقْلِ مَهْلَكَةٌ لِلْعِرْضِ فَانْتَبِهِ وَجَلَسَ أَبُو الْعَتَاهِيَةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْقَاسِمِ فِي دُكَّانِ وَرَّاقٍ، فَكَتَبَ عَلَى ظَهْرِ دَفْتَرٍ: أَيَا عَجَبًا كَيْفَ يُعْصَى الْإِلَ هُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الْجَاحِدُ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ ثُمَّ جَاءَ أَبُو نُوَاسٍ فَقَرَأَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَحْسَنَ، قَاتَلَهُ اللَّهُ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا لِي بِجَمِيعِ شَيْءٍ قُلْتُهُ، لِمَنْ هَذِهِ ؟ قِيلَ: لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ. فَأَخَذَ الدَّفْتَرَ، فَكَتَبَ إِلَى جَانِبِهَا: سُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلْ قَ مِنْ ضَعِيفٍ مَهِينِ يَسوقُهُ مِنْ قَرَارٍ إِلى قَرارٍ مَكِينِ يَحورُ شَيئًا فَشَيئًا فِي الْحُجُبِ دُونَ الْعُيُونِ حَتَّى بَدَتْ حَرَكَاتٌ مَخْلُوقَةٌ مِنْ سُكُونِ وَمِنْ شِعْرِ أَبِي نُوَاسٍ الْمُسْتَجَادِ قَوْلُهُ: انْقَضَتْ شِرَّتِي فَعِفْتُ الْمَلَاهِي إِذْ رَمَى الشَّيْبُ مَفْرِقِي بِالدَّوَاهِي وَنَهَتْنِي النُّهَى فَمِلْتُ إِلَى الْعَدْ لِ وَأَشْفَقْتُ مِنْ مَقَالَةِ نَاهِ أَيُّهَا الْغَافِلُ الْمُقِيمُ عَلَى السَّهْ وِ وَلَا عُذْرَ فِي الْمُقَامِ لِسَاهِ لَا بِأَعْمَالِنَا نُطِيقُ خَلَاصًا يَوْمَ تَبْدُو السِّمَاتُ فَوْقَ الْجِبَاهِ غَيْرَ أَنَّا عَلَى الْإِسَاءَةِ وَالتَّفْ رِيطِ نَرْجُو مِنْ حُسْنِ عَفْوِ الْإِلَهِ وَقَوْلُهُ: نَمُوتُ وَنَبْلَى غَيْرَ أَنَّ ذُنُوبَنَا إِذَا نَحْنُ مِتْنَا لَا تَمُوتُ وَلَا تَبْلَى أَلَا رُبَّ ذِي عَيْنَيْنِ لَا تَنْفَعَانِهِ وَهَلْ تَنْفَعُ الْعَيْنَانِ مَنْ قَلْبُهُ أَعْمَى وَقَوْلُهُ: لَوْ أَنَّ عَيْنًا وَهَّمَتْهَا نَفْسُهَا يَوْمَ الْحِسَابِ مُمَثَّلًا لَمْ تَطْرَفِ سُبْحَانَ ذِي الْمَلَكُوتِ أَيَّةَ لَيْلَةٍ مَخِضَتْ صَبِيحَتُهَا بِيَوْمِ الْمَوْقِفِ كَتَبَ الْفَنَاءَ عَلَى الْبَرِيَّةِ رَبُّهَا فَالنَّاسُ بَيْنَ مُقَدَّمٍ وَمُخَلَّفِ وَذَكَرُوا أَنَّ أَبَا نُوَاسٍ لَمَّا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ قَالَ: إِلَهَنَا مَا أَعْدَلَكْ مَلِيكَ كُلِّ مَنْ مَلَكْ لَبَّيْكَ قَدْ لَبَّيْتُ لَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ مَا خَابَ عَبْدٌ سَأَلَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ أَنْتَ لَهُ حَيْثُ سَلَكَ لَوْلَاكَ يَا رَبِّي هَلَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَاللَّيْلُ لَمَّا أَنْ حَلَكْ وَالسَّابِحَاتُ فِي الْفَلَكْ عَلَى مَجَارِي الْمُنْسَلَكْ كُلُّ نَبِيٍّ وَمَلَكْ وَكُلُّ مَنْ أَهَلَّ لَكْ سَبَّحَ أَوْ صَلَّى فَلَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ يَا مُخْطِئًا مَا أَغْفَلَكْ عَجِّلْ وَبَادِرْ أَمَلَكْ وَاخْتِمْ بِخَيْرٍ عَمَلَكْ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ لَكْ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكْ وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ: ثِنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ، سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى ثَعْلَبًا يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا تُهِمُّهُ نَفْسُهُ، لَا يُحِبُّ أَنْ يُكْثَرَ عَلَيْهِ، كَأَنَّ النِّيرَانَ قَدْ سُعِّرَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا زِلْتُ أَتَرَفَّقُ بِهِ، وَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ بِأَنِّي مِنْ مَوَالِي شَيْبَانَ، حَتَّى قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ نَظَرْتَ ؟ فَقُلْتُ: فِي عِلْمِ اللُّغَةِ وَالشِّعْرِ. قَالَ: مَرَرْتُ بِالْبَصْرَةِ وَجَمَاعَةٌ يَكْتُبُونَ عَنْ رَجُلٍ الشِّعْرَ، وَقِيلَ لِي: هَذَا أَبُو نُوَاسٍ فَتَخَلَّلْتُ النَّاسَ وَرَائِي، فَلَمَّا جَلَسْتُ أَمْلَى عَلَيْنَا: إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ سَاعَةً وَلَا أَنَّ مَا يَخْفَى عَلَيْهِ يَغِيبُ لَهَوْنَا لَعَمْرُ اللَّهِ حَتَّى تَتَابَعَتْ ذُنُوبٌ عَلَى آثَارِهِنَّ ذُنُوبُ فَيَا لَيْتَ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ مَا مَضَى وَيَأْذَنُ فِي تَوْبَاتِنَا فَنَتُوبُ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي نُوَاسٍ بَعْدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَقُولُ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَذَاهِبِي وَحَلَّ بِقَلْبِي لِلْهُمُومِ نُدُوبُ لِطُولِ جِنَايَاتِي وَعِظَمِ خَطِيئَتِي هَلَكْتُ وَمَا لِي فِي الْمَتَابِ نَصِيبُ وَأَغْرَقُ فِي بَحْرِ الْمَخَافَةِ آيِسًا وَتَرْجِعُ نَفْسِي تَارَةً فَتَتُوبُ وَيُذْكَرُ عَفْوٌ لِلْكَرِيمِ عَنِ الْوَرَى فَأَحْيَا وَأَرْجُو عَفْوَهُ فَأُنِيبُ فَأَخْضَعُ فِي قَوْلِي وَأَرْغَبُ سَائِلًا عَسَى كَاشِفُ الْبَلْوَى عَلَيَّ يَتُوبُ قَالَ ابْنُ طَرَارَا الْجَرِيرِيُّ، وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ: لِمَنْ ؟ قِيلَ: لِأَبِي نُوَاسٍ، وَهِيَ فِي زُهْدِيَّاتِهِ. وَقَدِ اسْتَشْهَدَ بِهَا النُّحَاةُ فِي أَمَاكِنَ كَثِيرَةٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا. من شعره عند موته وَقَالَ حَسَنُ ابْنُ الدَّايَةِ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي نُوَاسٍ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: عِظْنِي. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: تَكَثَّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا فَإِنَّكَ لَاقِي رَبًّا غَفُورَا سَتُبْصِرُ إِذْ وَرَدْتَ عَلَيْهِ عَفْوَا وَتَلْقَى سَيِّدًا مَلِكًا قَدِيرَا تَعَضُّ نَدَامَةً كَفَّيْكَ مِمَّا تَرَكْتَ مَخَافَةَ النَّارِ السُّرُورَا فَقُلْتُ: وَيْلَكَ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ تَعِظُنِي بِهَذِهِ الْمَوْعِظَةِ ؟ فَقَالَ: اسْكُتْ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ بِهَذَا السَّنَدِ لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ وَقَالَ الرَّبِيعُ وَغَيْرُهُ، عَنِ الشَّافِعِيِّ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي نُوَاسٍ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقُلْنَا: مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: تَعَاظَمَنِي ذَنْبِي فَلَمَّا قَرَنْتُهُ بِعَفْوِكَ رَبِّي كَانَ عَفْوُكَ أَعْظَمَا فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّةً وَتَكَرُّمَا وَلَوْلَاكَ لَمْ يَصْمُدْ لِإِبْلِيسَ عَابِدٌ فَكَيْفَ وَقَدْ أَغْوَى صَفِيَّكَ آدَمَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا عِنْدَ رَأْسِهِ رُقْعَةً مَكْتُوبًا فِيهَا بِخَطِّهِ: يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ فَمَنِ الَّذِي يَدْعُو وَيَرْجُو الْمُجْرِمُ أَدْعُوكَ رَبِّ كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلَّا الرَّجَا وَجَمِيلُ عَفْوِكَ ثُمَّ أَنَّي مُسْلِمُ وَقَالَ يُوسُفُ ابْنُ الدَّايَةِ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي السِّيَاقِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: دَبَّ فِيَّ الْفَنَاءُ سُفْلًا وَعُلْوًا وَأُرَانِي أَمُوتُ عُضْوًا فَعُضْوَا لَيْسَ تَأْتِي مِنْ سَاعَةٍ بِيَ إِلَّا نَقَصَتْنِي بِمُرِّهَا فِيَّ جَزْوَا ذَهَبَتْ جِدَّتِي بِلَذَّةِ عَيْشِي وَتَذَكَّرْتُ طَاعَةَ اللَّهِ نِضْوَا قَدْ أَسْأْنَا كُلَّ الْإِسَاءَةِ فَاللَّهُمَّ صَفْحًا عَنَّا وَغَفْرًا وَعَفْوَا ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، سَامَحَهُ اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا. فَأَوْصَى أَنْ يُجْعَلَ فِي فَمِهِ إِذَا غَسَّلُوهُ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ. وَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَجِدُوا لَهُ مِنَ الْمَالِ سِوَى ثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَثِيَابِهِ وَأَثَاثِهِ. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِبَغْدَادَ وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِ الشُّونِيزِيَّةِ فِي تَلِّ الْيَهُودِ، وَلَهُ خَمْسُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً. وَقِيلَ: تِسْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. وَقَدْ رَآهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا فِي النَّرْجِسِ: تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ إِلَى آثَارِ مَا فَعَلَ الْمَلِيكُ عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنٍ فَاخِرَاتٌ بِأَحْدَاقٍ هِيَ الذَّهَبُ السَّبِيكُ عَلَى قَصَبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: غَفَرَ لِي بِأَبْيَاتٍ قُلْتُهَا، وَهِيَ تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَاءُوا فَوَجَدُوهَا فِي رُقْعَةٍ بِخَطِّهِ وَهِيَ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ: يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً فَلَقْدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ الْأَبْيَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عَسَاكِرَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي. قُلْتُ: بِمَاذَا ؟ وَقَدْ كُنْتَ مُخَلِّطًا عَلَى نَفْسِكَ ؟ فَقَالَ: جَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ رَجُلٌ صَالِحٌ إِلَى الْمَقَابِرِ، فَبَسَطَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَرَأَ فِيهِمَا أَلْفَيْ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُمَّ أَهْدَى ثَوَابَ ذَلِكَ لِأَهْلِ تِلْكَ الْمَقَابِرِ، فَدَخَلْتُ أَنَا فِي جُمْلَتِهِمْ فَغَفَرَ اللَّهُ لِي. وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ لَمَّا صَحِبَ أَبَا أُسَامَةَ وَالِبَةَ بْنَ الْحُبَابِ قَدِمَ بِهِ بَغْدَادَ فَكَانَ أَوَّلَ شِعْرٍ قَالَهُ أَبُو نُوَاسٍ: حَامِلُ الْهَوَى تَعِبُ يَسْتَخِفُّهُ الطَّرَبُ إِنْ بَكَى يَحِقُّ لَهُ لَيْسَ مَا بِهِ لَعِبُ تَضْحَكِينَ لَاهِيَةً وَالْمُحِبُّ يَنْتَحِبُ تَعْجَبِينَ مِنْ سَقَمِي صِحَّتِي هِيَ الْعَجَبُ وَقَالَ الْمَأْمُونُ: مَا أَحْسَنَ قَوْلَهُ: وَمَا النَّاسُ إِلَّا هَالِكٌ وَابْنُ هَالِكٍ وَذُو نَسَبٍ فِي الْهَالِكِينَ عَرِيقُ إِذَا امْتَحَنَ الدُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ عَنْ عَدُوٍّ فِي ثِيَابِ صَدِيقِ قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: وَمَا أَشَدَّ رَجَاءَهُ بِرَبِّهِ حَيْثُ يَقُولُ: تَكَثَّرْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا فَإِنَّكَ لَاقِي رَبًّا غَفُورَا سَتُبْصِرُ إِذْ وَرَدْتَ عَلَيْهِ عَفْوًا وَتَلْقَى سَيِّدًا مَلِكًا قَدِيرًا تَعَضُّ نَدَامَةً كَفَّيْكَ مِمَّا تَرَكْتَ مَخَافَةَ النَّارِ السُّرُورَا
التاريخ 3099لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خُطِبَ لِلْمَأْمُونِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَفْعِ مَنْزِلَةِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ ابْنِ مَاهَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَبَلَةَ، وَصَحَّ عِنْدَهُ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، أَمَرَ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ، وَيُخَاطَبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَدَعَا الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ وَعَقَدَ لَهُ عَلَى الْمَشْرِقِ مِنْ جَبَلِ هَمَذَانَ إِلَى التُّبَّتِ طُولًا، وَمِنْ بَحْرِ فَارِسَ إِلَى بَحْرِ الدَّيْلَمِ وَجُرْجَانَ عَرْضًا، وَجَعَلَ لَهُ عِمَالَةً ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً عَلَى سِنَانٍ ذِي شُعْبَتَيْنِ، وَلَقَّبَهُ ذَا الرِّيَاسَتَيْنِ، رِيَاسَةِ الْحَرْبِ، وَالْقَلَمِ، وَحَمَلَ اللِّوَاءَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ، وَحَمَلَ الْقَلَمَ نُعَيْمُ بْنُ حَازِمٍ، وَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ دِيوَانَ الْخَرَاجِ.
التاريخ 3100لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ وَمَوْتِهِ قَدْ ذَكَرْنَا قَبْضَ الرَّشِيدِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، وَحَبْسَهُ إِيَّاهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ الرَّشِيدُ، فَأَخْرَجَهُ الْأَمِينُ مِنَ الْحَبْسِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ [ وَمِائَةٍ ]، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَشَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ ذَلِكَ لَهُ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ طَاهِرٍ مَا كَانَ دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْأَمِينِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَى النَّاسَ قَدْ طَمِعُوا فِيكَ، وَجُنْدُكَ قَدْ أَعْيَتْهُمُ الْهَوَامُّ، وَأَضْعَفَتْهُمُ الْحُرُوبُ، وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ هَيْبَةً لِعَدُوِّهِمْ، فَإِنْ سَيَّرْتَهُمْ إِلَى طَاهِرٍ غَلَبَ بِقَلِيلِ مَنْ مَعَهُ كَثِيرَهُمْ، وَهَزَمَ بِقُوَّةِ نِيَّتِهِ ضَعْفَ نَصَائِحِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَأَهْلُ الشَّامِ قَوْمٌ قَدْ ضَرَسَتْهُمُ الْحَرْبُ، وَأَدَّبَتْهُمُ الشَّدَائِدُ، وَكُلُّهُمْ مُنْقَادٌ ( إِلَيَّ مُتَنَازِعٌ إِلَى طَاعَتِي )، وَإِنْ وَجَّهَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اتَّخَذْتُ لَهُ مِنْهُمْ جُنْدًا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُمْ فِي عَدُوِّهِ. فَوَلَّاهُ الْأَمِينُ الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ، وَقَوَّاهُ بِمَالٍ وَرِجَالٍ، وَسَيَّرَهُ سَيْرًا حَثِيثًا. فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الرَّقَّةَ، وَكَاتَبَ رُؤَسَاءَ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ وَالْبَأْسِ، فَأَتَوْهُ رَئِيسًا بَعْدَ رَئِيسٍ، وَجَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ، فَأَكْرَمَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَمَرِضَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ جُنُودِ خُرَاسَانَ الْمُقِيمِينَ فِي عَسْكَرِ الشَّامِ رَأَى دَابَّةً كَانَتْ أُخِذَتْ مِنْهُ فِي وَقْعَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ تَحْتَ بَعْضِ الزَّوَاقِيلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَيْضًا، فَتَعَلَّقَ بِهَا، وَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الزَّوَاقِيلِ وَالْجُنْدِ، فَتَضَارَبُوا، وَاجْتَمَعَتِ الْأَبْنَاءُ وَتَأَلَّبُوا، وَأَتَوُا الزَّوَاقِيلَ وَهُمْ غَارُّونَ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَتَنَادَى الزَّوَاقِيلُ، فَرَكِبُوا خُيُولَهُمْ، وَنَشَبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَكْثَرَتِ الْأَبْنَاءُ الْقَتْلَ فِي الزَّوَاقِيلِ، فَأُخْبِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَكَانَ مَرِيضًا مُدْنَفًا، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ، وَقَالَ: وَاذُلَّاهُ ! تُسْتَضَامُ الْعَرَبُ فِي دُورِهَا وَبِلَادِهَا ! فَغَضِبَ مَنْ كَانَ أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْأَبْنَاءِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَأَصْبَحَ الزَّوَاقِيلُ فَاجْتَمَعُوا بِالرَّقَّةِ، وَاجْتَمَعَ الْأَبْنَاءُ وَأَهْلُ خُرَاسَانَ بِالرَّافِقَةِ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ ! الْهَرَبُ أَهْوَنُ مِنَ الْعَطَبِ، وَالْمَوْتُ أَهْوَنُ مِنَ الذُّلِّ، إِنَّكُمْ قَدْ بَعِدْتُمْ عَنْ بِلَادِكُمْ، تَرْجُونَ الْكَثْرَةَ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَالْعِزَّةَ بَعْدَ الذِّلَّةِ، أَلَا وَفِي الشَّرِّ وَقَعْتُمْ، وَفِي حَوْمَةِ الْمَوْتِ أَنَخْتُمْ، إِنَّ الْمَنَايَا فِي شَوَارِبِ الْمُسَوِّدَةِ وَقَلَانِسِهِمْ، النَّفِيرَ النَّفِيرَ، قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ السَّبِيلُ، وَيَنْزِلَ الْأَمْرُ الْجَلِيلُ، وَيَفُوتَ الْمَطْلَبُ، وَيَعْسَرَ الْمَهْرَبُ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ فِي غَرْزِ نَاقَتِهِ، فَقَالَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنِّي سَائِرٌ، فَمَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ مَعِي ! ثُمَّ سَارَ فَسَارَ مَعَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الشَّامِ. وَأَحْرَقَتِ الزَّوَاقِيلُ مَا كَانَ التُّجَّارُ قَدْ جَمَعُوهُ مِنَ الْأَعْلَافِ، وَأَقْبَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيُّ، ثُمَّ حَمَلَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ الْجُنْدُ لَهُمْ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْقَتْلِ فِي الزَّوَاقِيلِ لِكَثِيرِ بْنِ قَادِرَةَ، وَأَبِي الْفِيلِ، وَدَاوُدَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْخُرَاسَانِيِّ، وَانْهَزَمَتِ الزَّوَاقِيلُ، وَكَانَ عَلَى حَامِيَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السُّلَمِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ زُفَرَ الْكِلَابِيُّ. ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ بِالرَّقَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 3101لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خَلْعِ الْأَمِينِ وَالْمُبَايِعَةِ لِلْمَأْمُونِ وُعَوْدِ الْأَمِينِ إِلَى الْخِلَافَةِ فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ نَادَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فِي الْجُنْدِ، فَجَعَلَ الرَّجَّالَةَ فِي السُّفُنِ، وَسَارَ الْفُرْسَانُ عَلَى الظَّهْرِ فِي رَجَبٍ، فَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَاذَ لَقِيَهُ الْقُوَّادُ وَأَهْلُ بَغْدَاذَ، وَعُمِلَتْ لَهُ الْقِبَابُ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَلَمَّا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ بَعَثَ إِلَيْهِ الْأَمِينُ يَأْمُرُهُ بِالرُّكُوبِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا أَنَا بِمُغَنٍّ، وَلَا مُسَامِرٍ، وَلَا مُضْحِكٍ، وَلَا وَلِيتُ لَهُ عَمَلًا وَلَا مَالًا، فَلِأَيِّ شَيْءٍ يُرِيدُنِي هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ انْصَرِفْ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَيْهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَصْبَحَ الْحُسَيْنُ، فَوَافَى بَابَ الْجِسْرِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَبْنَاءِ، إِنَّ خِلَافَةَ اللَّهِ لَا تُجَاوَرُ بِالْبَطَرِ، وَنِعْمَتَهُ لَا تُسْتَصْحَبُ بِالتَّجَبُّرِ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أَنْ يُوقِعَ أَدْيَانَكُمْ، وَيَنْقُلَ عِزَّكُمْ إِلَى غَيْرِكُمْ، وَهُوَ صَاحِبُ الزَّوَاقِيلِ، وَبِاللَّهِ إِنْ طَالَتْ بِهِ مُدَّةٌ لَيَرْجِعَنَّ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، فَاقْطَعُوا أَثَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ آثَارَكُمْ، وَضَعُوا عِزَّهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ عِزَّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا يَنْصُرُهُ نَاصِرٌ مِنْكُمْ إِلَّا خُذِلَ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِأَحَدٍ هَوَادَةٌ، وَلَا يُرَاقَبُ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِعُهُودِهِ، وَالْحِنْثِ بِأَيْمَانِهِ. ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِعُبُورِ الْجِسْرِ فَعَبَرُوا، وَصَارُوا إِلَى سِكَّةِ بَابِ خُرَاسَانَ، وَتَسَرَّعَتْ خُيُولُ الْأَمِينِ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ وَتَفَرَّقُوا، فَخَلَعَ الْحُسَيْنُ الْأَمِينَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْمَأْمُونِ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَثَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بِالْأَمِينِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَصْرِ الْخُلْدِ، وَحَبَسَهُ بِقَصْرِ الْمَنْصُورِ، وَأَخْرَجَ أُمَّهُ زُبَيْدَةَ أَيْضًا، فَجَعَلَهَا مَعَ ابْنِهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ طَالَبَ النَّاسُ الْحُسَيْنَ بِالْأَرْزَاقِ، وَمَاجُوا بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ بِبَابِ الشَّامِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ! وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ تَأَمَّرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْنَا، وَيَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ دُونَنَا ؟ مَا هُوَ بِأَكْبَرِنَا سِنًّا، وَمَا هُوَ بِأَكْبَرِنَا حَسَبًا، وَلَا بِأَعْظَمِنَا مَنْزِلَةً وَغِنًى، وَإِنِّي أَوَّلُكُمْ أَنْقُضُ عَهْدَهُ، وَأُظْهِرُ الْإِنْكَارَ لِفِعْلِهِ، فَمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِي فَلْيَعْتَزِلْ مَعِي. وَقَالَ أَسَدٌ الْحَرْبِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْحَرْبِيَّةِ ! هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنَّكُمْ قَدْ نِمْتُمْ فَطَالَ نَوْمُكُمْ، وَتَأَخَّرْتُمْ فَتَقَدَّمَ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ أَقْوَامٌ بِخَلْعِ الْأَمِينِ، فَاذْهَبُوا أَنْتُمْ بِذِكْرِ فَكِّهِ وَإِطْلَاقِهِ. وَأَقْبَلَ شَيْخٌ عَلَى فَرَسٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ تَعْتَدُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِقَطْعِ أَرْزَاقِهِمْ ؟ قَالُوا: لَا ! قَالَ: فَهَلْ قَصَّرَ بِأَحَدٍ مِنْ رُؤَسَائِكُمْ، وَعَزَلَ أَحَدًا مِنْ قُوَّادِكُمْ ؟ قَالُوا: لَا ! قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ خَذَلْتُمُوهُ، وَأَعَنْتُمْ عَدُوَّهُ عَلَى أَسْرِهِ ؟ وَايْمُ اللَّهِ مَا قَتَلَ قَوْمٌ خَلِيفَتَهُمْ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّيْفَ، انْهَضُوا إِلَى خَلِيفَتِكُمْ فَقَاتِلُوا عَنْهُ مَنْ أَرَادَ خَلْعَهُ. فَنَهَضُوا وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْأَرْبَاضِ، فَقَاتَلُوا الْحُسَيْنَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأُسِرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَدَخَلَ أَسَدٌ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْأَمِينِ، فَكَسَرَ قُيُودَهُ، وَأَقْعَدَهُ فِي مَجْلِسِ الْخِلَافَةِ. وَرَأَى الْأَمِينُ أَقْوَامًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ لِبَاسُ الْجُنْدِ، وَأَمَرَهُمْ بِأَخْذِ السِّلَاحِ، فَانْتَهَبَتْهُ الْغَوْغَاءُ، وَنَهَبُوا غَيْرَهُ. وَحُمِلَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ أَسِيرًا، فَلَامَهُ، فَاعْتَذَرَ لَهُ الْحُسَيْنُ، فَأَطْلَقَهُ، وَأَمَرَهُ بِجَمْعِ الْجُنْدِ، وَمُحَارَبَةِ أَصْحَابِ الْمَأْمُونِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ مَا وَرَاءَ بَابِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى حُلْوَانَ، فَوَقَفَ الْحُسَيْنُ بِبَابِ الْجِسْرِ وَالنَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ، فَلَمَّا خَفَّ عَنْهُ النَّاسُ قَطَعَ الْجِسْرَ وَهَرَبَ، فَنَادَى الْأَمِينُ فِي الْجُنْدِ يَطْلُبُهُ، فَرَكِبُوا كُلُّهُمْ، فَأَدْرَكُوهُ بِمَسْجِدِ كَوْثَرٍ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَاتَلَهُمْ فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ، فَقُتِلَ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْأَمِينَ كَانَ اسْتَوْزَرَهُ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ خَاتَمَهُ. وَجَدَّدَ الْجُنْدُ الْبَيْعَةَ لِلْأَمِينِ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ بِيَوْمٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ خَامِسَ عَشَرَ رَجَبٍ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هَرَبَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ وَاخْتَفَى. وَاسْتَحْوَذَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ نَائِبُ الْمَأْمُونِ عَلَى أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَاسْتَنَابَ بِهَا النُّوَّابَ، مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ وَخَلَعَتْ أَكْثَرُ الْأَقَالِيمِ الْأَمِينَ، وَبَايَعُوا الْمَأْمُونَ وَتَدَنَّى طَاهِرٌ إِلَى الْمَدَائِنِ فَأَخَذَهَا مَعَ وَاسِطٍ وَأَعْمَالِهَا، وَاسْتَنَابَ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْأَمِينِ مِنَ الْبِلَادِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
التاريخ 3102لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: تَوَجَّهَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى الْأَهْوَازِ ، فَخَرَجَ عَامِلُهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيُّ يَحْمِيهَا فَقُتِلَ، وَأَقَامَ طَاهِرٌ بِالْأَهْوَازِ، وَأَنْفَذَ عُمَّالَهُ إِلَى كَوْرِهَا. وَوَلِيَ الْيَمَامَةَ وَالْبَحْرَيْنِ وَعُمَانَ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَى طَرِيقِ الْبَرِّ مُتَوَجِّهًا إِلَى وَاسِطَ، فَدَخَلَهَا وَهَرَبَ عَامِلُهَا، وَوَجَّهَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى الْكُوفَةِ وَعَلَيْهَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى الْهَادِي، فَلَمَّا بَلَغَ الْعَبَّاسَ الْخَبَرُ خَلَعَ مُحَمَّدًا، وَكَتَبَ بِطَاعَتِهِ إِلَى طَاهِرٍ وَبَيْعَتِهِ، وَكَتَبَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِي وَهُوَ عَامِلُ الْبَصْرَةِ إِلَى طَاهِرٍ بِطَاعَتِهِ، فَنَزَلَ حَتَّى طَرْنَايَا، وَأَمَرَ بِجِسْرٍ فَعَقَدَ، وَأُنْفِذَتْ كُتُبُهُ بِالتَّوْلِيَةِ إِلَى الْعُمَّالِ، وَبَايَعَ الْمُطَلِّبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بِالْمَوْصِلِ لِلْمَأْمُونِ، فَكَانَ خَلْعُهُمْ فِي رَجَبٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا بِخَلْعِهِمْ مُحَمَّدًا أَقَرَّهُمُ الْمَأْمُونُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَوَلَّى دَاوُدَ بْنَ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَيَزِيدَ بْنَ جَرِيرٍ الْبَجَلِيَّ الْيَمَنَ، وَوَجَّهَ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ.
التاريخ 3103لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ طَاهِرٌ بِالْأَهْوَازَ لَمَّا نَزَلَ طَاهِرٌ بِشَلَاشَانَ وَجَّهَ الْحُسَيْنَ بْنَ عُمَرَ الرُّسْتَمِيَّ إِلَى الْأَهْوَازِ وَأَمَرَهُ بِالْحَذَرِ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ أَتَتْ طَاهِرًا عُيُونُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ الْمُهَلَّبِيُّ، وَكَانَ عَامِلًا لِلْأَمِينِ عَلَى الْأَهْوَازِ، قَدْ تَوَجَّهَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ يُرِيدُ جُنْدَيْسَابُورَ لِيَحْمِيَ الْأَهْوَازَ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَدَعَا طَاهِرٌ عِدَّةً مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ طَالُوتَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ بُخَارَاخُذَاهَ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجِدُّوا السَّيْرَ، حَتَّى يَتَّصِلَ أَوَّلُهُمْ بِآخِرِ أَصْحَابِ الرُّسْتَمِيِّ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى مَدَدٍ أَمَدُّوهُ. فَسَارُوا حَتَّى شَارَفُوا الْأَهْوَازَ وَلَمْ يَلْقَوْا أَحَدًا، وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ، وَصَيَّرَ الْعُمْرَانَ وَالْمَاءَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَتَخَوَّفَ طَاهِرٌ أَنْ يَعْجَلَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَأَمَدَّهُمْ بِقُرَيْشِ بْنِ شِبْلٍ، وَتَوَجَّهَ هُوَ بِنَفْسِهِ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، وَسَيَّرَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيَّ إِلَى قُرَيْشٍ وَالرُّسْتَمِيِّ، فَسَارَتْ تِلْكَ الْعَسَاكِرُ حَتَّى أَشْرَفُوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بِعَسْكَرِ مُكْرَمٍ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي الْمُطَاوَلَةِ وَالْمُنَاجَزَةِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأَهْوَازِ وَالتَّحَصُّنِ بِهَا، وَأَنْ يَسْتَدْعِيَ الْجُنْدَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَقَوْمَهُ الْأَزْدَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَيَّرَ طَاهِرٌ وَرَاءَهُ قُرَيْشَ بْنَ شِبْلٍ، وَأَمَرَهُ بِمُبَادَرَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَحَصَّنَ بِالْأَهْوَازِ، فَسَبَقَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، وَوَصَلَ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ قُرَيْشٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَالْتَفَتَ مُحَمَّدٌ إِلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ مَوَالِيهِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ رَجَعُوا عَنْهُ، فَقَالَ لِمَوَالِيهِ: مَا رَأْيُكُمْ ؟ إِنِّي أَرَى مَنْ مَعِي قَدِ انْهَزَمَ، وَلَسْتُ آمَنُ خِذْلَانَهُمْ، وَلَا أَرْجُو رَجْعَتَهُمْ، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى النُّزُولِ وَالْقِتَالِ بِنَفْسِي حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بِمَا أَحَبَّ، فَمَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ تَبْقَوْا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَمُوتُوا. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَنْصَفْنَاكَ إِذًا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَعْتَقْتَنَا مِنَ الرِّقِّ، وَرَفَعْتَنَا مِنَ الضَّعَةِ، وَأَغْنَيْتَنَا بَعْدَ الْقِلَّةِ، ثُمَّ نَخْذُلُكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَلَعَنَ اللَّهُ الدُّنْيَا وَالْعَيْشَ بَعْدَكَ ! ثُمَّ نَزَلُوا فَعَرْقَبُوا دَوَابَّهُمْ، وَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ قُرَيْشٍ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُهَلَّبِيُّ. وَاسْتَوْلَى طَاهِرٌ عَلَى الْأَهْوَازِ وَأَعْمَالِهَا، وَاسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ عَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرِينِ وَعُمَانَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَهَالِبَةِ، وَجُرِحَ فِي تِلْكَ الْوَقْعَةِ عِدَّةُ جِرَاحَاتٍ، وَقُطِعَتْ يَدُهُ: فَمَا لُمْتُ نَفْسِي غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُطِقْ حَرَاكًا، وَأَنِّي كُنْتُ بِالضَّرْبِ مُثْخَنَا وَلَوْ سَلِمَتْ كَفَّايَ قَاتَلْتُ دُونَهُ وَضَارَبْتُ عَنْهُ الطَّاهِرِيَّ الْمُلَعَّنَا فَتًى لَا يَرَى أَنْ يَخْذُلَ السَّيْفَ فِي الْوَغَى إِذَا ادَّرَعَ الْهَيْجَاءَ فِي النَّقْعِ وَاكْتَنَى وَلَمَّا دَخَلَ ابْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ الْمُهَلَّبِيُّ عَلَى طَاهِرٍ وَمَدَحَهُ، فَحِينَ انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ: مَا سَاءَ ظَنِّي إِلَّا بِوَاحِدَةٍ فِي الصَّدْرِ مَحْصُورَةٍ عَنِ الْكَلِمِ تَبَسَّمَ طَاهِرٌ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا سَاءَكَ، وَآلَمَنِي مَا آلَمَكَ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِمَا كَانَ، غَيْرَ أَنَّ الْحَتْفَ وَاقِعٌ، وَالْمَنَايَا نَازِلَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْأَوَاصِرِ وَالشُّكْرِ لِلْأَقَارِبِ فِي تَأْكِيدِ الْخِلَافَةِ، وَالْقِيَامِ بِحَقِّ الطَّاعَةِ. فَظَنَّ مَنْ حَضَرَ أَنَّهُ أَرَادَ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ حَاتِمٍ.
التاريخ 3104لا حكم مسجّل
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى وَاسِطٍ وَغَيْرِهَا ثُمَّ سَارَ طَاهِرٌ مِنَ الْأَهْوَازِ إِلَى وَاسِطٍ، وَبِهَا السِّنْدِيُّ بْنُ يَحْيَى الْحَرَشِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ، خَلِيفَةُ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ، فَجَعَلَ طَاهِرٌ كُلَّمَا تَقَدَّمَ نَحْوَهُمْ تَقَوَّضَتِ الْمَسَالِحُ وَالْعُمَّالُ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى أَتَى وَاسِطًا، فَهَرَبَ السِّنْدِيُّ وَالْهَيْثَمُ بْنُ شُعْبَةَ عَنْهَا، وَاسْتَوْلَى طَاهِرٌ عَلَى وَاسِطٍ، وَوَجَّهَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ إِلَى الْكُوفَةِ عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى الْهَادِي، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ خَلَعَ الْأَمِينَ، وَبَايَعَ لِلْمَأْمُونِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى طَاهِرٍ. وَنَزَلَتْ خَيْلُ طَاهِرٍ فَمَ النِّيلِ، وَغَلَبَ عَلَى مَا بَيْنَ وَاسِطٍ وَالْكُوفَةِ، وَكَتَبَ الْمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ عَامِلًا لِلْأَمِينِ عَلَى الْبَصْرَةِ، إِلَى طَاهِرٍ بِبَيْعَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَتَتْهُ بَيْعَةُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ بِالْمَوْصِلِ لِلْمَأْمُونِ، وَخَلْعُ الْأَمِينِ، وَكَانَ هَذَا جَمِيعُهُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَقَرَّهُمْ طَاهِرٌ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَوَلَّى دَاوُدَ بْنَ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، وَاسْتَعْمَلَ يَزِيدَ بْنَ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ الْبَجَلِيَّ عَلَى الْيَمَنِ، وَوَجَّهَ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَدَاوُدَ بْنَ مُوسَى إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، ( وَأَقَامَ طَاهِرٌ بِجَرْجَرَايَا ). فَلَمَّا بَلَغَ الْأَمِينَ خَبَرُ عَامِلِهِ بِالْكُوفَةِ وَخَلْعِهِ وَالْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ - وَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ الْقَائِدَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ حَمَّادٍ الْبَرْبَرِيَّ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَيِّتَا الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَدَاوُدَ بِالْقَصْرِ، فَبَلَغَ الْحَارِثَ الْخَبَرُ، فَرَكِبَ هُوَ وَدَاوُدُ فَعَبَرَا فِي مَخَاضَةٍ فِي سُورَاءَ إِلَيْهِمْ، فَأَوْقَعَا بِهِمْ وَقْعَةً شَدِيدَةً، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ بَغْدَادَ. وَوَجَّهَ الْأَمِينُ أَيْضًا الْفَضْلَ بْنَ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْهَاشِمِيَّ عَامِلًا عَلَى الْكُوفَةِ فِي خَيْلٍ، فَبَلَغَ طَاهِرًا الْخَبَرُ، فَوَجَّهَ مُحَمَّدَ بْنَ الْعَلَاءِ فِي جَيْشٍ إِلَى طَرِيقِهِ، فَلَقِيَ الْفَضْلَ بِقَرْيَةِ الْأَعْرَابِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْفَضْلُ: إِنِّي سَامِعٌ مُطِيعٌ، وَإِنَّمَا كَانَ مَخْرَجِي كَيْدًا مِنِّي لِمُحَمَّدٍ الْأَمِينِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْعَلَاءِ: لَسْتُ أَعْرِفُ مَا تَقُولُ، فَإِنْ أَرَدْتَ طَاهِرًا فَارْجِعْ وَرَاءَكَ، فَهُوَ أَسْهَلُ الطَّرِيقِ. فَرَجَعَ الْفَضْلُ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ: كُونُوا عَلَى حَذَرٍ، فَلَا آمَنُ مَكْرَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْفَضْلَ رَجَعَ إِلَى ابْنِ الْعَلَاءِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ، فَرَآهُ مُتَيَقِّظًا حَذِرًا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ الْقِتَالِ، فَانْهَزَمَ الْفَضْلُ وَأَصْحَابُهُ.
التاريخ 3105لا حكم مسجّل
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى الْمَدَائِنِ وَنُزُولِهِ بِصَرْصَرٍ ثُمَّ إِنَّ طَاهِرًا سَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَبِهَا جَيْشٌ كَثِيرٌ لِلْأَمِينِ، عَلَيْهِمُ الْبَرْمَكِيُّ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا، وَالْمَدَدُ يَأْتِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، وَالْخِلَعُ وَالصِّلَاتُ، فَلَمَّا قَرُبَ طَاهِرٌ مِنْهُ وَجَّهَ قُرَيْشَ بْنَ شِبْلٍ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيَّ فِي مُقَدِّمَتِهِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ الْبَرْمَكِيِّ طُبُولَ طَاهِرٍ أَسْرَجُوا وَرَكِبُوا، وَأَخَذَ الْبَرْمَكِيُّ فِي التَّعْبِيَةِ، فَكَانَ كُلَّمَا سَوَّى صَفًّا انْتَقَضَ وَاضْطَرَبَ، وَانْضَمَّ أَوَّلُهُمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِذْلَانِ ! ثُمَّ قَالَ لِصَاحِبِ سَاقَتِهِ: خَلِّ سَبِيلَ النَّاسِ، فَلَا خَيْرَ عِنْدَهُمْ. فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا نَحْوَ بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ طَاهِرٌ الْمَدَائِنَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى تِلْكَ النَّوَاحِي، ثُمَّ سَارَ إِلَى صَرْصَرٍ، فَعَقَدَ بِهَا جِسْرًا وَنَزَلَهَا.
التاريخ 3106لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وُثُوبِ الْجُنْدِ بِطَاهِرٍ وَالْأَمِينِ وَنُزُولِهِ بِبَغْدَاذَ وَأَقَامَ طَاهِرٌ بِصَرْصَرٍ مُشَمِّرًا فِي مُحَارَبَةِ الْأَمِينِ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ جَيْشٌ إِلَّا هَزَمَهُ. وَبَذَلَ الْأَمِينُ الْأَمْوَالَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ نَحْوُ خَمْسَةِ آلَافٍ، فَسُرَّ بِهِمُ الْأَمِينُ، وَوَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا عَظِيمًا، وَغَلَّفَ لِحَاهُمْ بِالْغَالِيَةِ، فَسُمُّوا قُوَّادَ الْغَالِيَةِ، وَقَوَّدَ جَمَاعَةً مِنَ الْحَرْبِيَّةِ، وَوَجَّهَهُمْ إِلَى دَسْكَرَةِ الْمَلِكِ وَالنَّهْرَوَانِ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ كَثِيرٌ، وَنَدَبَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ بَغْدَاذَ، وَوَجَّهَهُمْ إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ، وَالْكَوْثَرِيَّةِ، وَفَرَّقَ الْجَوَاسِيسَ فِي أَصْحَابِ طَاهِرٍ، وَدَسَّ إِلَى رُؤَسَاءِ الْجُنْدِ، فَأَطْمَعَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ، فَشَغَّبُوا عَلَى طَاهِرٍ، وَاسْتَأْمَنَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى الْأَمِينِ، فَانْضَمُّوا إِلَى عَسْكَرِهِ، وَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا صَرْصَرًا، فَعَبَّأَ طَاهِرٌ أَصْحَابَهُ كَرَادِيسَ، وَسَارَ فِيهِمْ يُمَنِّيهِمْ وَيُحَرِّضُهُمْ، وَيَعِدُهُمُ النَّصْرَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاقْتَتَلُوا مَلِيًّا مِنَ النَّهَارِ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ، وَغَنِمَ عَسْكَرُ طَاهِرٍ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَبَلَغَ ذَلِكَ الْأَمِينَ فَأَخْرَجَ الْأَمْوَالَ وَفَرَّقَهَا، وَجَمَعَ أَهْلَ الْأَرْبَاضِ، وَقَوَّدَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، وَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ، وَأَعْطَى كُلَّ قَائِدٍ مِنْهُمْ قَارُورَةَ غَالِيَةٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي أَجْنَادِ الْقُوَّادِ وَأَصْحَابِهِمْ شَيْئًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ طَاهِرًا فَرَاسَلَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ وَاسْتَمَالَهُمْ، وَأَغْرَى أَصَاغِرَهُمْ بِأَكَابِرِهِمْ، فَشَغَبُوا عَلَى الْأَمِينِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَصَعُبَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِاسْتِمَالَتِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَمَرَ بِقِتَالِهِمْ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْتَأْمِنَةِ وَالْمُحْدَثِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ، وَرَاسَلَهُمْ طَاهِرٌ وَرَاسَلُوهُ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ عَلَى بَذْلِ الطَّاعَةِ، وَأَعْطَاهُمُ الْأَمْوَالَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَصَارَ إِلَى مَوْضِعِ الْبُسْتَانِ الَّذِي عَلَى بَابِ الْأَنْبَارِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، فَنَزَلَ بِقُوَّادِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَنَزَلَ مَنِ اسْتَأْمَنَ إِلَيْهِ مِنْ جُنْدِ الْأَمِينِ فِي الْبُسْتَانِ وَالْأَرْبَاضِ، وَأَضْعَفَ لِلْقُوَّادِ وَأَبْنَائِهِمْ وَالْخَوَاصِّ - الْعَطَاءَ، وَنَقَّبَ أَهْلُ السُّجُونِ السُّجُونَ، وَخَرَجُوا مِنْهَا، وَفُتِنَ النَّاسُ وَسَاءَتْ حَالُهُمْ، وَوَثَبَ الشُّطَّارُ عَلَى أَهْلِ الصَّلَاحِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِعَسْكَرِ طَاهِرٍ حَالٌ لِتَفَقُّدِهِ حَالَهُمْ، وَأَخْذِهِ عَلَى أَيْدِي السُّفَهَاءِ، وَغَادَى الْقِتَالَ وَرَاوَحَهُ، حَتَّى تَوَاكَلَ الْفَرِيقَانِ وَخَرِبَتِ الدِّيَارُ. وقد قَالَ بَعْضُ الْبَغَادِدَةِ في ذلك: قُلْ لِأَمِينِ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ مَا شَتَّتَ الْجُنْدَ سِوَى الْغَالِيهْ وَطَاهِرٌ نَفْسِي تَقِي طَاهِرًا بِرُسْلِهِ وَالْعُدَّةِ الْكَافِيهْ أَضْحَى زِمَامُ الْمُلْكِ فِي كَفِّهِ مُقَاتِلًا لِلْفِئَةِ الْبَاغِيهْ يَا نَاكِثًا أَسْلَمَهُ نَكْثُهُ عُيُوبُهُ فِي جَيْشِهِ فَاشِيهْ قَدْ جَاءَكَ اللَّيْثُ بِشَدَّاتِهِ مُسْتَكْلِبًا فِي أُسُدٍ ضَارِيَهْ فَاهْرَبْ وَلَا مَهْرَبَ مِنْ مِثْلِهِ إِلَّا إِلَى النَّارِ أَوِ الْهَاوِيَهْ فَتَفَرَّقَ عَلَى الْأَمِينِ شَمْلُهُ، وَحَارَ فِي أَمْرِهِ، وَجَاءَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بِجُيُوشِهِ، فَنَزَلَ عَلَى بَابِ الْأَنْبَارِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَأَخَذَتِ الدُّعَّارُ وَالشُّطَّارُ أَهْلَ الصَّلَاحِ، وَخُرِّبَتِ الدِّيَارُ، وَثَارَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى قَاتَلَ الْأَخُ أَخَاهُ، وَالِابْنُ أَبَاهُ.
التاريخ 3107لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ تَوْجِيهِ الْأَمِينِ الْجُيُوشَ إِلَى طَاهِرٍ وُعَوْدِهِمْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ الْأَمِينُ أَسَدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ، وَسَيَّرَ عَمَّهُ أَحْمَدَ بْنَ مَزْيَدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، إِلَى حُلْوَانَ لِحَرْبِ طَاهِرٍ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ أَسَدٌ قَالَ: إِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَرْسَلَ إِلَيَّ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ يَسْتَدْعِينِي، فَجِئْتُهُ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَاعِدٌ بِيَدِهِ رُقْعَةٌ قَدْ قَرَأَهَا، وَقَدِ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَنَامُ نَوْمَ الظَّرِبَانِ، وَيَنْتَبِهُ انْتِبَاهَ الذِّئْبِ، هَمُّهُ بَطْنُهُ، يُخَاتِلُ الرُّعَاةَ وَالْكِلَابُ تَرْصُدُهُ، لَا يُفَكِّرُ فِي زَوَالِ نِعْمَةٍ، وَلَا يُرَوِّي فِي إِمْضَاءِ رَأْيٍ، قَدْ أَلْهَاهُ كَأْسُهُ، وَشَغَلَهُ قَدَحُهُ، فَهُوَ يَجْرِي فِي لَهْوِهِ، وَالْأَيَّامُ تُوضَعُ فِي هَلَاكِهِ، قَدْ شَمَّرَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ سَاقٍ، وَفَوَّقَ لَهُ أَصْوَبَ أَسْهُمِهِ، يَرْمِيهِ عَلَى بُعْدِ الدَّارِ بِالْحَتْفِ النَّافِذِ، وَالْمَوْتِ الْقَاصِدِ، وَقَدْ عَبَّى لَهُ الْمَنَايَا عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ، وَنَاطَ لَهُ الْبَلَاءَ فِي أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ وَشِفَارِ السُّيُوفِ. ثُمَّ اسْتَرْجَعَ وَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ الْبَعِيثِ: وَمَجْدُولَةٍ جَدْلَ الْعِنَانِ خَرِيدَةٍ لَهَا شَعَرٌ جَعْدٌ وَوَجْهٌ مُقَسَّمُ وَثَغْرٌ نَقِيُّ اللَّوْنِ عَذْبٌ مَذَاقُهُ يُضِيءُ لَهُ الظَّلْمَاءُ سَاعَةَ تَبْسِمُ وَثَدْيَانِ كَالْحُقَّيْنِ، وَالْبَطْنُ ضَامِرٌ خَمِيصٌ، وَجَهْمٌ نَارُهُ تَتَضَرَّمُ لَهَوْتُ بِهَا لَيْلَ التَّمَامِ ابْنَ خَالِدٍ وَأَنْتَ بِمَرْوِ الرُّوذِ غَيْظًا تَجَرَّمُ أَظَلُّ أُنَاغِيهَا وَتَحْتَ ابْنِ خَالِدٍ أُمَيَّةَ نَهْدُ الْمَرْكَلَيْنِ عَثَمْثَمُ طَوَاهُ طِرَادُ الْخَيْلِ فِي كُلِّ غَارَةٍ لَهَا عَارِضٌ فِيهِ الْأَسِنَّةُ تُرْزِمُ يُقَارِعُ أَتْرَاكَ ابْنِ خَاقَانَ لَيْلَهُ إِلَى أَنْ يَرَى الْإِصْبَاحَ مَا يَتَلَغَّمُ فَيُصْبِحُ مِنْ طُولِ الطِّرَادِ وَجِسْمُهُ نَحِيلٌ وَأُضْحِي فِي النَّعِيمِ أُصَمِّمُ أُبَاكِرُهَا صَهْبَاءَ كَالْمِسْكِ رِيحُهَا لَهَا أَرَجٌ فِي دَنِّهَا حِينَ يَرْسُمُ فَشَتَّانَ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ خَالِدٍ أُمَيَّةَ فِي الرِّزْقِ الَّذِي اللَّهُ يَقْسِمُ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَبَا الْحَرْثِ ! أَنَا وَإِيَّاكَ نَجْرِي إِلَى غَايَةٍ، إِنْ قَصَّرْنَا عَنْهَا ذُمِمْنَا، وَإِنِ اجْتَهَدْنَا فِي بُلُوغِهَا انْقَطَعْنَا، وَإِنَّمَا نَحْنُ شِعْبٌ مِنْ أَصْلٍ، إِنْ قَوِيَ قَوِينَا، وَإِنْ ضَعُفَ ضَعُفْنَا، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلْقَاءَ الْأَمَةِ الْوَكْعَاءِ، يُشَاوِرُ النِّسَاءَ، وَيَعْتَزِمُ عَلَى الرِّيَاءِ، وَقَدْ أَمْكَنَ مَسَامِعَهُ مِنْ أَهْلِ اللَّهْوِ وَالْجَسَارَةِ، فَهُمْ يَعِدُونَهُ الظَّفَرَ، وَيُمَنُّونَهُ عَقِبَ الْأَيَّامِ، وَالْهَلَاكُ أَسْرَعُ إِلَيْهِ مِنَ السَّيْلِ إِلَى قِيعَانِ الرَّمْلِ، وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ نَهْلَكَ بِهَلَاكِهِ، وَنَعْطَبَ بِعَطَبِهِ، وَأَنْتَ فَارِسُ الْعَرَبِ وَابْنُ فَارِسِهَا، وَقَدْ فَزِعَ إِلَيْكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَلِقَاءِ هَذَا الرَّجُلِ، وَأَطْمَعَهُ فِيمَا قِبَلِكَ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا صِدْقُ الطَّاعَةِ وَفَضْلُ النَّصِيحَةِ، وَالثَّانِي يُمْنُ نَقِيبَتِكَ وَشَدَّةُ بَأْسِكَ، وَقَدْ أَمَرَنِي بِإِزَاحَةِ عِلَلِ ( مَا عَلَيْكَ )، وَبَسْطِ يَدِكَ فِيمَا أَحْبَبْتَ، غَيْرَ أَنَّ الِاقْتِصَادَ رَأْسُ النَّصِيحَةِ، وَمِفْتَاحُ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ، فَأَنْجِزْ حَوَائِجَكَ، وَعَجِّلِ الْمُبَادَرَةَ إِلَى عَدُوِّكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنَّ يُوَلِّيَكَ اللَّهُ هَذَا الْفَتْحَ، وَيَلُمَّ بِكَ شَعْثَ هَذِهِ الْخِلَافَةِ وَالدَّوْلَةِ. فَقُلْتُ: أَنَا لِطَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَطَاعَتِكَ مُقْدِمٌ، وَلِكُلِّ مَا دَخَلَ فِيهِ الْوَهْنُ عَلَى عَدُوِّهِ وَعَدُوِّكَ حَرِيصٌ، غَيْرَ أَنَّ الْمُحَارِبَ لَا يَعْمَلُ بِالْغَدْرِ، وَلَا يَفْتَحُ أَمْرَهُ بِالتَّقْصِيرِ وَالْخَلَلِ، وَإِنَّمَا مِلَاكُ الْمُحَارِبِ الْجُنُودُ، وَمِلَاكُ الْجُنُودِ الْمَالُ، وَالَّذِي أَسْأَلُ أَنْ يُؤْمَرَ لِأَصْحَابِي بِرِزْقِ سَنَةٍ، وَتُحْمَلَ مَعَهُمْ أَرْزَاقُ سَنَةٍ، وَيُخَصَّ أَهْلُ الْغَنَاءِ وَالْبِلَاءِ، وَأُبَدِّلَ مَنْ فِيهِمْ مِنَ الضَّعْفَى، وَأَحْمِلَ أَلْفَ رَجُلٍ مِمَّنْ مَعِي عَلَى الْخَيْلِ، وَلَا أُسْأَلَ عَنْ مُحَاسَبَةِ مَا افْتَتَحْتُ مِنَ الْمُدُنِ وَالْكُوَرِ. فَقَالَ: قَدِ اشْتَطَطْتَ، وَلَا بُدَّ مِنْ مُنَاظَرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ قَبْلِي عَلَى الْأَمِينِ، وَأُذِنَ لِي فَدَخَلْتُ، فَمَا كَانَ إِلَّا كَلِمَتَانِ حَتَّى غَضِبَ وَأَمَرَ بِحَبْسِي. وَقِيلَ: إِنَّهُ طَلَبَ أَنْ يَدْفَعَ وَلَدَيِ الْمَأْمُونِ، فَإِنْ أَطَاعَهُ وَإِلَّا قَتَلَهُمَا، فَقَالَ الْأَمِينُ: أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ مَجْنُونٌ، أَدْعُوكَ إِلَى وِلَايَةِ أَعِنَّةِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأُطْعِمُكَ خَرَاجَ كُوَرِ الْجِبَالِ إِلَى خُرَاسَانَ، وَأَرْفَعُ مَنْزِلَتَكَ عَلَى نُظَرَائِكَ مِنْ أَبْنَاءِ الْقُوَّادِ وَالْمُلُوكِ، وَتَدْعُونِي إِلَى قَتْلِ وَلَدَيَّ، وَسَفْكِ دِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِي ! إِنَّ هَذَا لَلْخُرْقُ وَالتَّخْلِيطُ. وَكَانَ بِبَغْدَاذَ ابْنَانِ لِلْمَأْمُونِ مَعَ أُمِّهِمَا أُمِّ عِيسَى ابْنَةِ الْهَادِي، وَقَدْ طَلَبَهُمَا الْمَأْمُونُ مِنْ أَخِيهِ فِي حَالِ السَّلَامِ، فَمَنَعَهُمَا مِنَ الْمَالِ الَّذِي كَانَ لَهُ، فَلَمَّا حَبَسَ أَسَدًا قَالَ: هَلْ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُفْسِدَهُمْ مَعَ نَبَاهَتِهِمْ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَاعَتِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ. قَالُوا: نَعَمْ، عَمُّهُ أَحْمَدُ بْنُ مَزَيْدٍ، وَهُوَ أَحْسَنُهُمْ طَرِيقَةً، لَهُ بَأْسٌ وَنَجْدَةٌ، وَبَصَرٌ بِسِيَاسَةِ الْحَرْبِ. فَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أَحْضَرَهُ، فَأَتَى الْفَضْلَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَهُوَ يُرِيدُهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى طَاهِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ يَشِطُّ. قَالَ أَحْمَدُ: فَلَمَّا رَآنِي الْفَضْلُ رَحَّبَ بِي، وَرَفَعَنِي إِلَى صَدْرِ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ يُدَاعِبُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا وَجَدْنَا لَكُمْ إِذْ رَثَّ حَبْلُكُمْ مِنْ آلِ شَيْبَانَ أُمًّا دُونَكُمْ وَأَبَا الْأَكْثَرُونَ إِذَا عُدَّ الْحَصَى عَدَدًا وَالْأَقْرَبُونَ إِلَيْنَا مِنْكُمُ نَسَبَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُقْسِمُ لَكَذَلِكَ، وَفِيهِمْ سَدُّ الْخَلَلِ، وَنَكْءُ الْعَدُوِّ، وَدَفْعُ مَعَرَّةِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ عَنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ. فَقَالَ لَهُ الْفَضْلُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرَى ذِكْرَكَ، فَوَصَفْتُكَ لَهُ، فَأَحَبَّ اصْطِنَاعَكَ وَالتَّنْوِيهَ بِاسْمِكَ، وَأَنْ يَرْفَعَكَ إِلَى مَنْزِلَةٍ لَمْ يَبْلُغْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ. ثُمَّ مَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ إِلَى الْأَمِينِ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي فِي حَبْسِ أَسَدٍ، وَاعْتَذَرَ إِلَيَّ، وَأَمَرَنِي بِالْمَسِيرِ إِلَى حَرْبِ طَاهِرٍ، فَقُلْتُ: سَأَبْذُلُ فِي طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُهْجَتِي، وَأَبْلُغُ فِي جِهَادِ عَدُوِّهُ أَفْضَلَ مَا أَمَّلَهُ عِنْدِي وَرَجَاهُ مِنْ غَنَائِي وَكِفَايَتِي، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. فَأَمَرَ الْفَضْلَ بِأَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الْعَسَاكِرِ يَأْخُذُ مِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي الْمَسِيرِ وَالتَّجَهُّزِ، فَأَخَذَ مِنَ الْعَسْكَرِ عِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَسَارَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ فِي عِشْرِينَ أَلْفًا، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى حُلْوَانَ، وَشَفَعَ فِي أَسَدٍ ابْنِ أَخِيهِ، فَأَطْلَقَهُ. وَأَقَامَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ اللَّهِ بِخَانِقِينَ، وَأَقَامَ طَاهِرٌ بِمَوْضِعِهِ، وَدَسَّ الْجَوَاسِيسَ وَالْعُيُونَ، وَكَانُوا يُرْجِفُونَ فِي عَسْكَرِ أَحْمَدَ وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْأَمِينَ قَدْ وَضَعَ الْعَطَاءَ لِأَصْحَابِهِ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِالْأَرْزَاقِ الْوَافِرَةِ، وَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ فِي وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ، حَتَّى اخْتَلَفُوا، وَانْتَقَضَ أَمْرُهُمْ، وَقَاتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجَعُوا عَنْ خَانِقِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْقَوْا طَاهِرًا. وَتَقَدَّمَ طَاهِرٌ فَنَزَلَ حُلْوَانَ، فَلَمَّا نَزَلَهَا لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَتَاهُ هَرْثَمَةُ فِي جَيْشٍ مِنْ عِنْدِ الْمَأْمُونِ، وَمَعَهُ كِتَابٌ إِلَى طَاهِرٍ، يَأْمُرُهُ بِتَسْلِيمِ مَا حَوَى مِنَ الْمُدُنِ وَالْكُوَرِ إِلَى هَرْثَمَةَ، وَيَتَوَجَّهُ هُوَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَقَامَ هَرْثَمَةُ بِحُلْوَانَ وَحَصَّنَهَا، وَسَارَ طَاهِرٌ إِلَى الْأَهْوَازِ.
التاريخ 3108لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: خَلَعَ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى عَامِلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مُحَمَّدًا، وَبَايَعَ لِلْمَأْمُونِ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ عَلَى النَّاسِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَالْمَأْمُونِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا أُخِذَ الْكِتَابَانِ مِنَ الْكَعْبَةِ جَمَعَ دَاوُدُ بْنُ عِيسَى حَجَبَةَ الْكَعْبَةِ وَالْقُرَشِيِّينَ وَالْفُقَهَاءَ وَمَنْ كَانَ شَهِدَ مَا فِي الْكِتَابَيْنِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَلِمْتُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْنَا الرَّشِيدُ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، لَنَكُونَنَّ مَعَ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ، وَقَدْ رَأَيْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا بَدَأَ بِالظُّلْمِ وَالْغَدْرِ وَالنَّكْثِ وَالْخَلْعِ وَخَلَعَ أَخَوَيْهِ، وَبَايَعَ لِطِفْلٍ رَضِيعٍ لَمْ يُفْطَمْ، وَاسْتَخْرَجَ الشَّرْطَيْنِ مِنَ الْكَعْبَةِ عَاصِيًا ظَالِمًا فَحَرَقَهُمَا بِالنَّارِ، وَقَدْ رَأَيْتُ خَلْعَهُ وَأَنْ أُبَايِعَ لِلْمَأْمُونِ إِذْ كَانَ مَظْلُومًا. فَقَالَ لَهُ أَهْلُ مَكَّةَ: رَأْيُنَا تَبَعٌ لِرَأْيِكَ. فَوَعَدَهُمْ صَلَاةَ الظُّهْرِ، وَأَرْسَلَ فِي فِجَاجِ مَكَّةَ صَائِحًا يَصِيحُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الظُّهْرَ، وَقَدْ وُضِعَ لَهُ الْمَنْبَرُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَصَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، أَنْتُمُ الْأَصْلُ، وَإِلَى قِبَلِكُمْ يَأْتَمُّ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْكُمُ الرَّشِيدُ، وَقَدْ عَلَّمَنَا أَنَّ مُحَمَّدًا بَدَأَ بِالظُّلْمِ وَالْبَغْيِ، وَقَدْ حَلَّ لَنَا وَلَكُمْ خَلْعُهُ وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي خَلَعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ مِنَ الْخِلَافَةِ كَمَا خَلَعْتُ قَلَنْسُوَتِي هَذِهِ مِنْ رَأْسِي. ثُمَّ خَلَعَهَا فَرَمَى بِهَا إِلَى بَعْضِ الْخَدَمِ تَحْتَهُ، وَأُتِيَ بِقَلَنْسُوَةٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: قَدْ بَايَعْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ، أَلَا فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ. فَبَقُوا أَيَّامًا يُبَايِعُونَهُ. وَكَتَبَ إِلَى ابْنِهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ عِيسَى وَهُوَ خَلِيفَتُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ [أَنْ ] يَفْعَلَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ جَوَابُ الْبَيْعَةِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى دَاوُدَ رَحَلَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ، فَسُرَّ الْمَأْمُونُ وَتَيَمَّنَ بِبِرْكَةِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَتَبَ لِدَاوُدَ عَهْدًا عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَأَعْمَالِهَا، وَزَيْدٍ وِلَايَةَ عَكَّ، وَكَتَبَ لَهُ إِلَى الرَّيِّ بِمَعُونَةِ خَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَخَلَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ مُحَمَّدًا وَبَايَعُوا لِلْمَأْمُونِ
التاريخ 3109لا حكم مسجّل
وَفِي شَعْبَانَ مِنْهَا عَقَدَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ أَرْبَعَمِائَةِ لِوَاءٍ، مَعَ كُلِّ لِوَاءٍ أَمِيرٌ، وَبَعَثَهُمْ لِقِتَالِ هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ فَالْتَقَوْا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَكَسَرَهُمْ هَرْثَمَةُ، وَأَسَرَ مُقَدَّمَهُمْ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ
التاريخ 3110لا حكم مسجّل
وَفِيهَا: وَلَّى مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّامَ، وَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهَا، وَفَرَضَ لَهُ مِنْ رِجَالِهَا جُنُودًا يُقَالُ بِهِمْ طَاهِرًا وَهَرْثَمَةَ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ الرِّقَّةَ، فَأَقَامَ بِهَا، وَأَنْفَذَ كُتُبَهُ وَرُسُلَهُ إِلَى رُؤَسَاءِ أَجْنَادِ الشَّامِ وَوُجُوهِ الْجَزِيرَةِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَأَجَازَهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَحَمَلَهُمْ، ثُمَّ جَرَى بَيْنَ الْجُنْدِ خُصُومَاتٌ، فَاقْتَتَلُوا وَتَفَرَّقُوا.
التاريخ 3111لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِإِفْرِيقِيَّةَ مَعَ أَهْلِ طَرَابُلُسَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ أَبُو عِصَامٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَحَارَبَهُمْ إِبْرَاهِيمُ فَظَفِرَ بِهِمْ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ ابْنُ الْأَغْلَبِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى طَرَابُلُسِ الْغَرْبِ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَيْهَا ثَارَ عَلَيْهِ الْجُنْدُ فَحَصَرُوهُ فِي دَارِهِ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَبْعُدْ عَنِ الْبَلَدِ حَتَّى اجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَوَضَعَ الْعَطَاءَ، فَأَتَاهُ الْبَرْبَرُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَكَانَ يُعْطِي الْفَارِسَ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَيُعْطِي الرَّاجِلَ فِي الْيَوْمِ دِرْهَمَيْنِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ عَدَدٌ كَثِيرٌ، فَزَحَفَ بِهِمْ إِلَى طَرَابُلُسَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْجُنْدُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ جُنْدُ طَرَابُلُسَ، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ وَأَمَّنَ النَّاسَ، وَأَقَامَ بِهَا. ثُمَّ عَزَلَهُ أَبُوهُ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ سُفْيَانَ بْنَ الْمَضَاءِ، فَثَارَتْ هَوَّارَةُ بِطَرَابُلُسَ، فَخَرَجَ الْجُنْدُ إِلَيْهِمْ، وَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا، فَهُزِمَ الْجُنْدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتَبِعَهُمْ هَوَّارَةُ، فَخَرَجَ الْجُنْدُ هَارِبِينَ إِلَى الْأَمِيرِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَهَدَمُوا أَسْوَارَهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهَا ابْنَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ عَبْدَ اللَّهِ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَاقْتَتَلَ هُوَ وَالْبَرْبَرُ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ طَرَابُلُسَ وَبَنَى سُورَهَا. وَبَلَغَ خَبَرُ هَزِيمَةِ الْبَرْبَرِ إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتَمَ، وَجَمَعَ الْبَرْبَرَ وَحَرَّضَهُمْ، وَأَقْبَلَ بِهِمْ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، غَضَبًا لِلْبَرْبَرِ وَنُصْرَةً لَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى طَرَابُلُسَ وَحَصَرُوهَا، فَسَدَّ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بَابَ زَنَاتَةَ، وَكَانَ يُقَاتِلُ مِنْ بَابِ هَوَّارَةَ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ أَبُوهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَغْلَبِ، وَعَهِدَ بِالْإِمَارَةِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَ أَخُوهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ لَهُ الْعُهُودَ عَلَى الْجُنْدِ، وَسَيَّرَ الْكِتَابَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ أَبِيهِ، وَبِالْإِمَارَةِ لَهُ، فَأَخَذَ الْبَرْبَرُ الرَّسُولَ وَالْكِتَابَ، وَدَفَعُوهُ إِلَى عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رُسْتَمَ، فَأَمَرَ بِأَنْ يُنَادَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِمَوْتِ أَبِيهِ، [ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ ] وَالْبَحْرُ لِعَبْدِ اللَّهِ، وَمَا كَانَ خَارِجًا عَنْ ذَلِكَ يَكُونُ لِعَبْدِ الْوَهَّابِ، وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَلَقِيَهُ النَّاسُ وَتَسَلَّمَ الْأَمْرَ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ أَيَّامَ سُكُونٍ وَدَعَةٍ.
التاريخ 3112لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْهَاشِمِيُّ، مِنْ قِبَلِ طَاهِرٍ، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْسِمٍ دُعِيَ فِيهِ لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ.
التاريخ 3113لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1071 - بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صَائِدِ بْنِ كَعْبٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُلَّاعِيُّ الْبَصْرِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ مِنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ. وَرَوَى عَنْهُ: شُعْبَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. وَفِي أَحَادِيثِهِ مَنَاكِيرُ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَهَا عَنِ الْمَجَاهِيلِ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، لَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ عَنْ مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: ثِقَةٌ صَدُوقٌ [وَيُتَّقَى حَدِيثُهُ عَنْ مَشْيَخَتِهِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ، وَلَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ جِدًّا. تُوُفِّيَ بَقِيَّةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. 1072 - حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ طَلْقٍ، أَبُو عُمَرَ الْكُوفِيُّ . سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَأَبَا إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيَّ، وَسُلَيْمَانَ الْأَعْمَشَ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَلَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ، وَدَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَشْعَثَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَشْعَثَ بْنَ سِوَارٍ، وَابْنَ جُرَيْجٍ، وَمِسْعَرَ بْنَ كَدَامٍ، وَالثَّوْرِيَّ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ عُمَرُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَابْنُ الْمَدَنِيِّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ. وَوَلِيَ حَفْصٌ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، ثُمَّ عُزِلَ وَوَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ اللَّيْثِ: بَاعَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ جِمَالًا بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَرْزُبَانَ الْمَجُوسِيِّ وَكَيْلِ أُمِّ جَعْفَرٍ فَمَطَلَهُ بِثَمَنِهَا وَحَبَسَهُ، فَطَالَ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَأَتَى بَعْضُ أَصْحَابِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ فَشَاوَرَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ أَعْطِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأُحِيلُ عَلَيْكَ بِالْمَالِ الْبَاقِي، وَأَخْرُجُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَإِنْ فَعَلَ هَكَذَا فَالْقَنِي حَتَّى أُشِيرَ عَلَيْكَ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ وَأَتَى مَرْزُبَانَ فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَرَجَعَ إِلَى الرَّجُلِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: عُدْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِذَا رَكِبْتَ غَدًا فَطَرِيقُكَ عَلَى الْقَاضِي تَحَضَّرَ وَأَوْكِلْ رَجُلًا يَقْبِضُ الْمَالَ وَاخْرُجْ، فَإِذَا جَلَسَ إِلَيَّ الْقَاضِي فَادْعُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ لَكَ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا أَقَرَّ حَبَسَهُ حَفْصٌ وَأَخَذْتُ مَالَكَ. فَرَجَعَ إِلَى مَرْزُبَانَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: انْتَظِرْنِي بِبَابِ الْقَاضِي. فَلَمَّا رَكِبَ مِنَ الْغَدِ وَثَبَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى أُوكِلَ بِقَبْضِ الْمَالِ وَأَخْرُجَ، فَنَزَلَ مَرْزُبَانُ فَتَقَدَّمَا إِلَى حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيَّدَ اللَّهُ الْقَاضِي لِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ حَفْصٌ: مَا تَقُولُ يَا مَجُوسِيُّ ؟ قَالَ: صَدَقَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْقَاضِي. قَالَ: مَا تَقُولُ يَا رَجُلُ، قَدْ أَقَرَّ لَكَ ؟ قَالَ يُعْطِينِي مَالِي. قَالَ حَفْصٌ لِلْمَجُوسِيِّ: مَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ: هَذَا الْمَالُ عَلَى السَّيِّدَةِ. قَالَ: أَنْتَ أَحْمَقُ، تُقِرُّ ثُمَّ تَقُولُ عَلَى السَّيِّدَةِ، مَا تَقُولُ يَا رَجُلُ ! ؟ فَقَالَ: إِنْ أَعْطَانِي مَالِي وَإِلَّا حَبَسْتَهُ. قَالَ: مَا تَقُولُ يَا مَجُوسِيُّ ؟ قَالَ: الْمَالُ عَلَى السَّيِّدَةِ، قَالَ حَفْصٌ: خُذُوا بِيَدِهِ إِلَى الْحَبْسِ. فَلَمَّا حُبِسَ بَلَغَ الْخَبَرُ أُمَّ جَعْفَرٍ، فَغَضِبَتْ وَبَعَثَتْ إِلَى السِّنْدِيِّ وَجِّهْ إِلَيَّ مَرْزُبَانَ فَأَخْرِجْهُ، وَبُلِّغَ حَفْصٌ الْخَبَرَ فَقَالَ: أَحْبِسُ أَنَا وَيُخْرِجُ السِّنْدِيُّ ؟ لَا جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا أَوْ يُرَدُّ مَرْزُبَانُ إِلَى الْحَبْسِ. فَجَاءَ السِّنْدِيُّ إِلَى أُمِّ جَعْفَرٍ فَقَالَ: اللَّهَ اللَّهَ فِيَّ، إِنَّهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَأَخَافُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولَ لِي: بِأَمْرِ مَنْ أَخْرَجْتَهُ ؟ رُدِّيهِ إِلَى الْحَبْسِ وَأَنَا أُكَلِّمُ حَفْصًا فِي أَمْرِهِ، فَأَجَابَتْهُ فَرَجَعَ مَرْزُبَانُ إِلَى الْحَبْسِ، فَقَالَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ لِهَارُونَ: قَاضِيكَ هَذَا أَحْمَقُ، حَبَسَ وَكِيلِي، فَمُرْهُ لَا يَنْظُرُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَتُوَلِّي أَمْرَهُ إِلَى أَبِي يُوسُفَ. فَأَمَرَ لَهُ بِالْكِتَابِ، وَبَلَغَ حَفْصًا الْخَبَرُ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَحْضِرْ لِي شُهُودًا حَتَّى أُسَجِّلَ لَكَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ بِالْمَالِ فَجَلَسَ حَفْصٌ، فَسَجَّلَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ، وَوَرَدَ كِتَابُ هَارُونَ مَعَ خَادِمٍ لَهُ، فَقَالَ: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: انْظُرْ مَا يُقَالُ لَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ حَفْصٌ مِنَ السِّجِلِّ أَخَذَ الْكِتَابَ مِنَ الْخَادِمِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ كِتَابَهُ وَرَدَ، وَقَدْ أُنْفِذَ الْحَكْمُ، فَقَالَ الْخَادِمُ: قَدْ وَاللَّهِ عَرَفْتُ مَا صَنَعْتَ، مَا أَرَدْتُ أَنْ تَأْخُذَ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَفْرَغَ مِمَّا تُرِيدُ، وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَعَلْتَ. فَقَالَ حَفْصٌ: قُلْ لَهُ مَا أَحْبَبْتَ. فَجَاءَ الْخَادِمُ، فَأَخْبَرَ هَارُونَ، فَضَحِكَ وَقَالَ لِلْحَاجِبِ: مُرْ لِحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَرَكِبَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ وَاسْتَقْبَلَ حَفْصًا مُنْصَرِفًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْقَاضِي، قَدْ سَرَرْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، وَأَمَرَ لَكَ بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَمَا كَانَ السَّبَبُ فِي هَذَا ؟ قَالَ: تَمَّمَ اللَّهُ نِعَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَحْسَنَ حِفْظَهُ وَكَلَاءَتَهُ، مَا زِدْتُ عَلَى مَا أَفْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي سَجَّلْتُ عَلَى مَرْزُبَانَ الْمَجُوسِيَّ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فَمِنْ هَذَا سُرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ حَفْصٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا. فَقَالَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ لِهَارُونَ: لَا أَنَا وَلَا أَنْتَ، إِلَّا أَنْ تَعْزِلَ حَفْصًا. فَأَبَى عَلَيْهَا، ثُمَّ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ فَعَزَلَهُ عَنِ الشَّرْقِيَّةِ، وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، فَمَكَثَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ لَمَّا وَلِيَ حَفْصٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَعَالَوْا نَكْتُبُ نَوَادِرَ حَفْصٍ، فَلَمَّا وَرَدَتْ أَحْكَامُهُ وَقَضَايَاهُ عَلَى أَبِي يُوسُفَ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَيْنَ النَّوَادِرُ الَّتِي تَكْتُبُهَا ؟ قَالَ: وَيْحَكُمْ إِنَّ حَفْصًا أَرَادَ اللَّهَ فَوَفَّقَهُ اللَّهُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَبَكَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَفَاقَ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قُلْتُ: أَبْكِي لِفِرَاقِكِ، وَلَمَّا دَخَلْتُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ - يَعْنِي الْقَضَاءَ - قَالَ: لَا تَبْكِ، فَإِنِّي مَا حَلَلَتْ سَرَاوِيلِي عَلَى حَرَامٍ قَطُّ، وَلَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ خَصْمَانِ فَبَالِيَتْ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ الْحُكْمُ مِنْهَا. عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: وَلَدَتْ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ أَرْبَعَةَ بَنِينٍ فِي بَطْنٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُمْ كُلَّهُمْ قَدْ نَيَّفُوا عَلَى الثَّمَانِينَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ غَنَّامٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: مَرِضَ حَفْصٌ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَدَفَعَ إِلَيَّ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَقَالَ: امْضِ بِهَا إِلَى الْعَامِلِ وَقُلْ لَهُ: هَذِهِ رِزْقُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ أَحْكُمْ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا حَظَّ لِي فِيهَا. تُوُفِّيَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. كَذَا قَالَ الْفَلَّاسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ: سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. 1073 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْزُوقٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ. زَعَمَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الصُّوفِيُّ أَنَّهُ كَانَ وَزِيرَ الرَّشِيدِ، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ وَتَخَلَّى مِنْ مَالِهِ وَتَزَهَّدَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، شَدِيدَ الْحُزْنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْزُوقٍ: يَا سَلَامَةُ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قُلْتُ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: تَحْمِلُنِي فَتَطْرَحُنِي عَلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ لَعَلِّي أَمُوتُ عَلَيْهَا، فَيَرَى مَكَانِي فَيَرْحَمُنِي. 1074 - مُحَمَّدُ بْنُ زِينِ بْنِ سُلَيْمٍ، أَبُو الشِّيصِ الشَّاعِرُ . انْقَطَعَ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْأَشْعَثِ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الرِّقَّةِ، فَمَدَحَهُ [فِي ] أَكْثَرِ شَعْرِهِ، وَكَانَ أَبُو الشِّيصِ سَرِيعَ الْخَاطِرِ، الشِّعْرُ عَلَيْهِ أَهْوَنُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ. رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: اجْتَمَعَ مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَبُو نُوَاسٍ، وَأَبُو الشِّيصِ، وَدِعْبَلٌ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالُوا: لِيَنْشُدْ كُلٌّ مِنْكُمْ أَجْوَدَ مَا قَالَ مِنَ الشِّعْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُمْ: اسْمَعُوا مِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَنْشُدُ كُلٌّ مِنْكُمْ قَبْلَ أَنْ يَنْشُدَ. قَالُوا: هَاتِ. فَقَالَ لِمُسْلِمٍ: أَمَّا أَنْتَ فَكَأَنِّي بِكَ قَدْ أَنْشَدْتَ: إِذَا مَا عَلَتْ مِنَّا ذُؤَابَةُ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ ذَا حِلْمٍ دَعَتْهُ إِلَى الْجَهْلِ هَلِ الْعَيْشُ إِلَّا أَنْ تَرُوحَ مَعَ الصَّبَى وَتَغْدُو صَرِيعَ الْكَأْسِ وَالْأَعْيُنِ النُّجْلِ قَالَ: وَبِهَذَا الْبَيْتِ لُقِّبَ بِـ"صَرِيعِ الْغَوَانِي" لَقَّبَهُ بِهِ الرَّشِيدُ. فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: صَدَقْتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي نُوَاسٍ فَقَالَ لَهُ: وَكَأَنِّي بِكَ قَدْ أَنْشَدْتَ: لَا تَبْكِ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدِ وَاشْرَبْ عَلَى الْوَرْدِ مِنْ حَمْرَاءَ كَالْوَرْدِ تَسْقِيكَ مِنْ عَيْنِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى دِعْبَلٍ فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ أَنْشَدْتَ: أَيْنَ الشَّبَابُ وَأَيَّةً سَلَكَا لَا أَيْنَ يُطْلَبُ ضَلَّ بَلْ هَلَكَا لَا تَعْجَبِي يَا سَلمَ مِنْ رَجُلٍ ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي الشِّيصِ فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ قَدْ أَنْشَدْتَ: لَا تُنْكِرِي صَدِّي وَلَا إِعْرَاضِي لَيْسَ الْمُقِلُّ عَنِ الزَّمَانِ بِرَاضِي فَقَالَ لَهُ: لَا، مَا أَرَدْتُ [أَنْ ] أَنْشِدَ هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا بِأَجْوَدِ شَيْءٍ قُلْتُهُ. قَالُوا: فَأَنْشِدْنَا مَا بَدَا لَكَ. فَأَنْشَدَهُمْ: وَقَفَ الْهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتَ فَلَيْسَ لِي مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدِّمُ أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيذَةً حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ أَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكَ حَظِي مِنْهُمُ وَأَهَنْتَنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا يَا مَنْ أَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ أُكْرِمُ فَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ: أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ وَجَوَّدْتَ. وَعَمِيَ أَبُو الشِّيصِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. 1075 - مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، أَبُو الْمُثَنَّى الْبَصْرِيُّ الْعَنْبَرِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ، وَشُعْبَةَ، [وَ ] الثَّوْرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَغَيْرُهُمْ. وَوَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ مِنَ الْأَثْبَاتِ فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ تَعَلَّقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مُعَاذَ الْعَنْبَرِيَّ، فَإِنَّهُمْ مَا قَدَرُوا أَنْ يَتَعَلَّقُوا عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ مَعَ شُغْلِهِ بِالْقَضَاءِ. تُوفِّيَ مُعَاذٌ بِالْبَصْرَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. 1076 - هَاشِمُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، يُكَنَّى: أَبَا بَكْرٍ . مَدْبَغِيٌّ، كَانَ مِنْ سَاكِنِي الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ قَاضِيًا عَلَى مِصْرَ مِنْ قِبَلِ الْأَمِينِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ. تُوفِّيَ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 3114لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ وَقَدْ أَلَحَّ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ وَهَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْجُنُودِ فِي حِصَارِ بَغْدَادَ وَالتَّضْيِيقِ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ وَهَرَبَ الْقَاسِمُ بْنُ الرَّشِيدِ، وَعَمُّهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ إِلَى الْمَأْمُونِ فَأَكْرَمَهُمَا، وَوَلَّى أَخَاهُ الْقَاسِمَ جُرْجَانَ وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ بِبَغْدَادَ وَنُصِبَتْ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقُ وَالْعَرَّادَاتُ وَضَاقَ الْأَمِينُ بِهِمْ ذَرْعًا، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَا يُنْفِقُ فِي الْجُنْدِ، فَاضْطَرَّ إِلَى ضَرْبِ آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْ جُنْدِهِ إِلَى طَاهِرٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التُّجَّارِ، وَبَعَثَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ إِلَى قُصُورٍ كَثِيرَةٍ، وَدُورٍ شَهِيرَةٍ، وَأَمَاكِنَ وَمَحَالَّ كَثِيرَةٍ فَحَرَّقَهَا لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَعَلَ كُلَّ هَذَا فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ، وَلِتَدُومَ الْخِلَافَةُ لَهُ فَلَمْ تَدُمْ، وَقُتِلَ، وَخُرِّبَتْ دِيَارُهُ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا وَفَعَلَ طَاهِرٌ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْأَمِينُ، حَتَّى كَادَتْ بَغْدَادُ تَخْرَبُ بِكَمَالِهَا، فَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: مَنْ ذَا أَصَابَكِ يَا بَغْدَادُ بِالْعَيْنِ أَلَمْ تَكُونِي زَمَاناً قُرَّةَ الْعَيْنِ أَلَمْ يَكُنْ فِيكِ قَوْمٌ كَانَ مَسْكَنُهُمْ وَكَانَ قُرْبُهُمْ زَيْنًا مِنَ الزَّيْنِ صَاحَ الْغُرَابُ بِهِمْ بِالْبَيْنِ فَافْتَرَقُوا مَاذَا لَقِيتِ بِهِمْ مِنْ لَوْعَةِ الْبَيْنِ أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ قَوْماً مَا ذَكَرْتُهُمْ إِلَّا تَحَدَّرَ مَاءُ الْعَيْنِ مِنْ عَيْنِي كَانُوا فَمَزَّقَهُمْ دَهْرٌ وَصَدَّعَهُمْ وَالدَّهْرُ يَصْدَعُ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ مِنْ ذَلِكَ طَرَفًا صَالِحًا، وَأَوْرَدَ فِي ذَلِكَ قَصِيدَةً طَوِيلَةً جِدًّا لِبَعْضِ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، فِيهَا بَسْطُ مَا وَقَعَ، وَهِيَ هَوْلٌ مِنَ الْأَهْوَالِ اخْتَصَرْنَاهَا بِالْكُلِّيَّةِ. وَاسْتَحْوَذَ طَاهِرٌ عَلَى مَا كَانَ فِي الضِّيَاعِ مِنَ الْغَلَّاتِ وَالْحَوَاصِلِ لِلْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الْأَمَانِ، وَخَلْعِ الْأَمِينِ، وَالْبَيْعَةِ لِلْمَأْمُونِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ جَمَاعَةٌ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ، وَيَحْيَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَاهَانَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ الطُّوسِيُّ، وَكَاتَبَهُ خَلْقٌ مِنَ الْهَاشِمِيِّينَ وَالْأُمَرَاءِ، وَصَارَتْ قُلُوبُهُمْ مَعَهُ. وَاتَّفَقَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ أَنْ ظَفِرَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ بِبَعْضِ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ طَائِفَةً عِنْدَ قَصْرِ صَالِحٍ، فَلَمَّا جَرَى ذَلِكَ بَطَرَ الْأَمِينُ، وَأَقْبَلَ عَلَى اللَّهْوِ وَالشُّرْبِ وَاللَّعِبِ، وَوَكَّلَ الْأُمُورَ، وَتَدْبِيرَهَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، ثُمَّ قَوِيَتْ شَوْكَةُ أَصْحَابِ طَاهِرٍ وَضَعُفَ جَانِبُ الْأَمِينِ جِدًّا، وَانْحَازَ النَّاسُ إِلَى جَيْشِ طَاهِرٍ، وَكَانَ جَانِبُهُ آمِنًا جِدًّا، لَا يَخَافُ أَحَدٌ فِيهِ مِنْ سَرِقَةٍ وَلَا نَهْبٍ، وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدِ احْتَازَ طَاهِرٌ أَكْثَرَ مَحَالِّ بَغْدَادَ وَأَرْبَاضِهَا، وَمَنَعَ الْمَلَّاحِينَ أَنْ يَحْمِلُوا طَعَامًا إِلَى مَنْ خَالَفَهُ، لِيُضَيِّقَ عَلَيْهِمْ، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ جِدًّا، وَنَدِمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمُنِعَتِ التُّجَّارُ مِنَ الْقُدُومِ إِلَى بَغْدَادَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَضَائِعِ أَوِ الدَّقِيقِ، وَصُرِفَتِ السُّفُنُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ؛ فَمِنْ ذَلِكَ وَقْعَةُ دَرْبِ الْحِجَارَةِ، كَانَتْ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ قُتِلَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَيَّارِينَ وَالْحَرَافِشَةُ مِنَ الْبَغَادِدَةِ يَأْتِي عُرْيَانًا، وَمَعَهُ بَارِيَّةٌ مُقَيَّرَةٌ، وَتَحْتَ كَتِفِهِ مِخْلَاةٌ فِيهَا حِجَارَةٌ، فَإِذَا ضَرَبَهُ الْفَارِسُ مِنْ بَعِيدٍ بِالسَّهْمِ اتَّقَاهُ بِبَارِيَّتِهِ فَلَا يُؤْذِيهِ، وَإِذَا اقْتَرَبَ مِنْهُ رَمَاهُ بِحَجَرٍ فِي الْمِقْلَاعِ فَأَصَابَهُ، فَهَزَمُوهُمْ بِذَلِكَ. وَوَقْعَةُ الشَّمَّاسِيَّةِ أُسِرَ فِيهَا هَرْثَمَةُ بْنُ أَعْيَنَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى طَاهِرٍ، وَأَمَرَ بِعَقْدِ جِسْرٍ عَلَى دِجْلَةَ فَوْقَ الشَّمَّاسِيَّةِ، وَعَبَرَ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَقَاتَلَهُمْ بِنَفْسِهِ أَشَدَّ الْقِتَالِ حَتَّى أَزَالَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، وَاسْتَرَدَّ مِنْهُمْ هَرْثَمَةَ، وَجَمَاعَةً مِمَّنْ كَانُوا أَسَرُوهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ وَقَالَ فِي ذَلِكَ: مُنِيتُ بِأَشْجَعِ الثَّقَلَيْنِ قَلْبًا إِذَا مَا طَالَ لَيْسَ كَمَا يَطُولُ لَهُ مَعَ كُلِّ ذِي بَدَنٍ رَقِيبٌ يُشَاهِدُهُ وَيَعْلَمُ مَا يَقُولُ فَلَيْسَ بِمُغْفِلٍ أَمْرًا عِنَادًا إِذَا مَا الْأَمْرُ ضَيَّعَهُ الْغُفُولُ وَضَعُفَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ ابْنِ زُبَيْدَةَ جِدًّا، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ مَالٌ يُنْفِقُهُ عَلَى جُنْدِهِ، وَلَا عَلَى نَفْسِهِ، وَتَفَرَّقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، وَبَقِيَ مُضْطَهَدًا ذَلِيلًا. وَانْقَضَتْ هَذِهِ السَّنَةُ بِكَمَالِهَا وَالنَّاسُ فِي بَغْدَادَ فِي قَلَاقِلَ وَزَلَازِلَ وَهَيْشَاتٍ وَقِتَالٍ وَحِصَارٍ وَحَرْقٍ وَغَرَقٍ وَسَرَقٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
التاريخ 3115لا حكم مسجّل
وَفِيهَا سَارَ الْمُؤْتَمَنُ بْنُ الرَّشِيدِ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ إِلَى الْمَأْمُونِ بِخُرَاسَانَ، فَوَجَّهَ الْمَأْمُونُ أَخَاهُ الْمُؤْتَمَنَ إِلَى جُرْجَانَ.
التاريخ 3116لا حكم مسجّل
( وَفِيهَا كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ غَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَطْوُونَ الْأَيَّامَ، وَيَتَعَلَّلُونَ بِمَا يَضْبُطُ النَّفْسَ ).
التاريخ 3117لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى، بِتَوْجِيهِ طَاهِرٍ إِيَّاهُ عَلَى الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ.
التاريخ 3118لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1077 - شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ، أَبُو صَالِحٍ الْمَدِينِيُّ. سَمِعَ شُعْبَةَ، وَالثَّوْرِيَّ، وَزُهَيْرَ بْنَ مُعَاوِيَةَ. وَرَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ. وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ، الْمُدَقِّقِينَ فِي طَلَبِ الْحَلَالِ. عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَمْدُونَ الْمُقْرِئُ، وَاسْمُهُ: طَيِّبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: ذَهَبْنَا إِلَى الْمَدَائِنِ إِلَى شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ، كَانَ قَاعِدًا عَلَى شَطِّ دِجْلَةَ، وَكَانَ قَدْ بَنَى كُوخًا، وَخُبِزَ لَهُ مُعَلَّقٌ، وَإِنَّمَا كَانَ جِلْدًا وَعَظْمًا، قَالَ: فَقَالَ: أَرَى هَا هُنَا بَعْدُ لَحْمًا، وَاللَّهِ لَا عِلْمَ فِي دُورِنَا بِهِ حَتَّى أَدْخُلَ إِلَى الْقَبْرِ وَأَنَا عِظَامٌ تُقَعْقِعُ، أُرِيدُ السَّمْنَ لِلدُّودِ وَالْحَيَّاتِ ؟ قَالَ: فَبَلَغَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَوْلُهُ فَقَالَ: شُعَيْبُ بْنُ حَرْبٍ حَمَلَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْوَرَعِ. عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ ؟ قَالَ: جِئْتُ أُؤْنِسُكَ. قَالَ: جِئْتَ تُؤْنِسَنِي وَأَنَا أُعَالِجُ الْوَحْدَةَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ شُعَيْبَ بْنَ حَرْبٍ يَقُولُ: لَا تَجْلِسْ إِلَّا مَعَ أَحَدِ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ يُعَلِّمُكَ خَيْرًا فَتَقْبَلُ مِنْهُ، أَوْ رَجُلٌ تُعَلِّمُهُ خَيْرًا فَيَقْبَلُ مِنْكَ. وَالثَّالِثُ اهْرُبْ مِنْهُ. عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ قاَلَ: كَانَ هَا هُنَا قَوْمٌ خَرَجُوا إِلَى الْمَدَائِنِ إِلَى شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ، فَمَا رَجَعُوا إِلَى دُورِهِمْ، وَلَقَدْ أَقَامَ بَعْضُهُمْ لَمْ يَسْتَقِ الْمَاءَ، وَكَانَ شُعَيْبٌ يَقُولُ لِبَعْضِهِمُ الَّذِي يَسْتَقِي الْمَاءَ: لَوْ رَآكَ سُفْيَانُ لَقُرَّتْ عَيْنُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ شُعَيْبٌ قَدِ اعْتَزَلَ النَّاسَ وَأَقَامَ بِالْمَدَائِنِ يَتَعَبَّدُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَتُوفِّيَ بِهَا بِعِلَّةِ الْبَطْنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. 1078 - عُبَيْدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ، مَوْلَى لِقُرَيْشٍ . وُلِدَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَطَلَبَ الْعِلْمَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيِّ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ وَهْبٍ الْحَمَّامَ فَسَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَغَسَلَتْ عَنْهُ النَّوْرَةَ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ. عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى يَقُولُ: كَتَبَ الْخَلِيفَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ فِي قَضَاءِ مِصْرَ، فَجَنَّنَ نَفْسَهُ وَلَزِمَ الْبَيْتَ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ السَّطْحِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَلَا تَخْرُجُ لِلنَّاسِ فَتَحْكُمُ بَيْنَهُمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، قَدْ جَنَّنْتَ نَفْسَكَ، وَلَزِمْتَ الْبَيْتَ. فَقَالَ: إِنِّي هَا هُنَا انْتَهَى عَقْلُكَ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَضَاءَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ السَّلَاطِينِ وَيُحْشَرُ الْعُلَمَاءُ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ ! ؟ تُوفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بِمِصْرَ فِي شَعْبَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. 1079 - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْهِرِ بْنِ عُمَرَ - وَقِيلَ: عُمَيْرٌ - أَبُو الْهَيْثَمِ الْكُوفِيُّ. حَدَّثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرِهِ. وَهُوَ قَاضِي جَبَلٍ. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْهِرٍ قَالَ: وَلَّانِي أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي الْقَضَاءَ بِجَبَلٍ، وَبَلَغَنِي أَنَّ الرَّشِيدَ يَنْحَدِرُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ جَبَلٍ أَنْ يُثْنُوا عَلَيَّ، فَوَعَدُونِي أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إِذَا انْحَدَرَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَّا سَأَلْتُهُمُ الْحُضُورَ، فَلَمْ يَفْعَلُوا وَتَفَرَّقُوا، فَلَمَّا آيَسُونِي مِنْ أَنْفُسِهِمْ سَرَّحْتُ لِحْيَتِي وَخَرَجْتُ لَهُ، فَوَقَفْتُ فَوَافَى وَأَبُو يُوسُفَ مَعَهُ فِي الْحَرَّاقَةِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نِعْمَ الْقَاضِي قَاضِي جَبَلٍ، قَدْ عَدَلَ فِينَا وَفَعَلَ وَصَنَعَ، وَجَعَلْتُ أُثْنِي عَلَى نَفْسِي، وَرَآنِي أَبُو يُوسُفَ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَضَحِكَ، فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ: مِمَّ ضَحِكْتَ ؟ فَقَالَ: الْمُثْنِي عَلَى الْقَاضِي هُوَ الْقَاضِي. فَضَحِكَ هَارُونُ حَتَّى فَحَصَ بِرِجْلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا شَيْخٌ سَخِيفٌ سَفَلَةٌ فَاعْزِلْهُ، فَعَزَلَنِي. فَلَمَّا رَجَعَ جَعَلْتُ أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُوَلِّيَنِي قَضَاءَ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَحَدَّثْتُ النَّاسَ عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ كُنْيَةَ الدَّجَّالِ: أَبُو يُوسُفَ، وَبَلَغَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ، فَحَسْبُكَ وَصِرْ إِلَيَّ حَتَّى أُوَلِّيَكَ نَاحِيَةً أُخْرَى. فَفَعَلَ، وَأَمْسَكْتُ عَنْهُ. قَالَ يَحْيَى: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُسْهِرٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: هُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. 1080 - عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، أَبُو سَعِيدٍ، الْمُلَقَّبُ: وَرْشٌ. رَوَى عَنْ نَافِعٍ الْقِرَاءَةَ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَامِ أَصْحَابِهِ، تُوفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 1081 - وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ بْنِ عُدَيِ بْنِ فَرَسِ بْنِ جَمْحَةَ، أَبُو سُفْيَانَ الرُّؤَاسِيُّ الْكُوفِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ. وَسَمِعَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَالْأَعْمَشَ، وَابْنَ عَوْنٍ، وَابْنَ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيَّ، وَسُفْيَانَ وَخَلْقًا كَثِيرًا. وَحَدَّثَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَقُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى. وَأَحْضَرَهُ الرَّشِيدُ لِيُوَلِّيَهُ الْقَضَاءَ فَامْتَنَعَ. عَنْ وَكِيعٍ قَالَ: أَتَيْتُ الْأَعْمَشَ فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي: فَقَالَ لِي: مَا اسْمُكَ ؟ قُلْتُ: وَكِيعٌ. فَقَالَ: اسْمٌ نَبِيلٌ، وَمَا أَحْسَبُ إِلَّا سَيَكُونُ لَكَ نَبَأٌ، أَيْنَ تَنْزِلُ مِنَ الْكُوفَةِ ؟ قُلْتُ: فِي بَنِي رُؤَاسٍ. قَالَ: أَيْنَ مِنْ مَنْزِلِ الْجَرَّاحِ بْنِ مَلِيحٍ ؟ قُلْتُ: ذَاكَ أَبِي، وَكَانَ أَبِي عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ: اذْهَبْ فَجِئْنِي بِعَطَائِي وَتَعَالَ حَتَّى أُحَدِّثَكَ بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ. قَالَ: فَجِئْتُ أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: خُذْ نِصْفَ الْعَطَاءِ وَاذْهَبْ بِهِ، فَإِذَا حَدَّثَكَ بِالْخَمْسَةِ فَخُذِ النِّصْفَ الْآخَرَ فَاذْهَبْ بِهِ حَتَّى تَكُونَ عَشَرَةً. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ بِنِصْفِ عَطَائِهِ، فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ فِي كَفِّهِ، ثُمَّ سَكَتَ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي. فَقَالَ: اكْتُبْ. فَأَمْلَى عَلَيَّ حَدِيثَيْنِ. قَالَ: قُلْتُ: وَعَدْتَنِي خَمْسَةً. قَالَ: فَأَيْنَ الدَّرَاهِمُ كُلُّهَا ؟ أَحْسَبُ أَنَّ أَبَاكَ أَمَرَكَ بِهَذَا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْأَعْمَشَ قَدْ شَهِدَ الْوَقَائِعَ، اذْهَبْ وَجِئْ بِتَمَامِهَا كُلِّهَا وَتَعَالَ أُحَدِّثُكَ خَمْسَةَ أَحَادِيثَ. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَحَدَّثَنِي بِخَمْسَةٍ. قَالَ: فَكَانَ إِذَا كَانَ كُلّ شَهْرٍ جِئْتُهُ بِعَطَائِهِ فَحَدَّثَنِي بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ. عَنْ أَسَدِ بْنِ عَفِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ مِنْ أَهْلِ الْمَرْوَةِ وَالْأَدَبِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى وَكِيعٍ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَمُتُّ إِلَيْكَ بِحُرْمَةٍ. قَالَ: وَمَا حُرْمَتُكَ ؟ قَالَ: كُنْتَ تَكْتُبُ مِنْ مَحْبَرَتِي فِي مَجْلِسِ الْأَعْمَشِ. قَالَ: فَوَثَبَ وَكِيعٌ فَأَخْرَجَ لَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ صُرَّةً فِيهَا دَنَانِيرُ وَقَالَ: أَعْذُرَنِي، فَإِنِّي مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا. عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ذَكَرَ يَوْمًا وَكِيعًا فَقَالَ: مَا رَأَتْ عَيْنِي مِثْلَهُ قَطُّ، يَحْفَظُ الْحَدِيثَ جَيِّدًا، وَيُذَاكِرُ بِالْفِقْهِ فَيُحْسِنُ، مَعَ وَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي أَحَدٍ. عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا مَاتَ لَمْ يُدْفَنْ حَتَّى رَبَا بَطْنُهُ وَانْتَشَرَتْ خِنْصَرَاهُ. قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَكِيعٌ وَهُوَ بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ سَنَةَ حَجَّ فِيهَا الرَّشِيدُ فَقَدَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَدَعَا الرَّشِيدُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدَ الْمَجِيدِ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ، فَأَمَّا عَبْدُ الْمَجِيدِ فَقَالَ: يَجِبُ أَنْ يُقْتَلَ هَذَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَرْوِ هَذَا إِلَّا وَفِي قَلْبِهِ غِشٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ. فَسَأَلَ الرَّشِيدُ سُفْيَانَ بْنَ عَيْيَنَةَ فَقَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ رَجُلٌ سَمِعَ حَدِيثًا فَرَوَاهُ، لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَتْلُ، إِنَّ الْمَدِينَةَ شَدِيدَةُ الْحَرِّ، تُوفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَنَزَلَ إِلَى قَبْرِهِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا فِي صَلَاحِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَاخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ، فَمِنْ ذَلِكَ تَغَيَّرَ. قَالَ قُتَيْبَةُ: فَكَانَ وَكِيعٌ إِذَا ذُكِرَ لَهُ فِعْلُ عَبْدِ الْمَجِيدِ قَالَ: ذَلِكَ رَجُلٌ جَاهِلٌ، سَمِعَ حَدِيثًا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَهُ، فَتَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ. تُوفِّيَ وَكِيعٌ بِفَيْدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً.
التاريخ 3119لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ لِلْمَأْمُونِ الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ . بَابُ ذِكْرِ خِلَافَةِ الْمَأْمُونِ وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ، وَكَانَ فِي خِلَافَتِهِ تَكَنَّى بِأَبِي جَعْفَرٍ تَفَاؤُلًا بِكُنْيَةِ الْمَنْصُورِ وَالرَّشِيدِ فِي طُولِ الْعُمُرِ. وُلِدَ لَيْلَةَ اسْتُخْلِفَ الرَّشِيدُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ، وَكَانَ أَبْيَضَ، أَقْنَى، أَعْيَنَ، جَمِيلًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، قَدْ وَخَطَّهُ الشَّيْبُ، ضَيِّقَ الْجَبْهَةِ، بِخَدِّهِ خَالٌ أَسْوَدُ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، سَاقَاهُ دُونَ سَائِرِ جَسَدِهِ صَفْرَاوَيْنِ كَأَنَّهُمَا طُلِيَا بِالزَّعْفَرَانِ، وَأُمُّهُ أَمَةٌ اسْمُهَا مَرَاجِلُ، مَاتَتْ بَعْدَ وِلَادَتِهِ بِقَلِيلٍ، فَسَلَّمَهُ الرَّشِيدُ إِلَى سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، وَكَانَ مِنْ زَمَنِ صِغَرِهِ فَطِنًا ذَكِيًّا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ: كُنْتُ أُؤَدِّبُ الْمَأْمُونَ وَهُوَ فِي حِجْرِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا وَهُوَ دَاخِلٌ، فَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ بَعْضَ خَدَمِهِ يُعْلِمُهُ بِمَكَانِي، فَأَبْطَأَ عَلَيَّ، ثُمَّ وَجَّهْتُ آخَرَ فَأَبْطَأَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: إِنَّ هَذَا الْفَتَى رُبَّمَا تَشَاغَلَ بِالْبطَالَةِ وَتَأَخَّرَ. فَقَالَ: أَجَلْ، وَمَعَ هَذَا إِذَا فَارَقَكَ عَزَمَ عَلَى خَدَمِهِ، وَلَقُوا مِنْهُ أَذًى شَدِيدًا، فَقَوَّمَهُ بِالْأَدَبِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَمَرْتُ بِحَمْلِهِ فَضَرَبْتُهُ سَبْعَ دُرَرٍ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيُدَلِّكُ عَيْنَهُ مِنَ الْبُكَاءِ إِذْ قِيلَ: هَذَا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى قَدْ أَقْبَلَ، فَأَخَذَ مَنْدِيلًا، فَمَسَحَ عَيْنَيْهِ، وَجَمَعَ ثِيَابَهُ، وَقَامَ إِلَى فِرَاشِهِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ مُتَرَبِّعًا وَقَالَ: لِيَدْخُلْ. فَدَخَلَ، فَقُمْتُ إِلَى الْمَجْلِسِ، وَخِفْتُ أَنْ يَشْكُوَنِي إِلَيْهِ، فَأَلْقَى مِنْهُ مَا أَكْرَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدَّثَهُ حَتَّى أَضْحَكَهُ، وَضَحِكَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا هَمَّ بِالْحَرَكَةِ دَعَا بِدَابَّتِهِ، وَأَمَرَ غِلْمَانَهُ فَسَعَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِّي، فَجِئْتُ فَقَالَ: خُذْ عَلَيَّ مَا بَقِيَ مِنْ جُزْئِي، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، لَقَدْ خِفْتُ أَنْ تَشْكُوَنِي إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، وَلَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَتَنَكَّرَ لِي. فَقَالَ: أَتُرَانِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ كُنْتُ أُطْلِعُ الرَّشِيدَ عَلَى هَذَا، فَكَيْفَ بِجَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى حَتَّى أُطْلِعَهُ أَنِّي أَحْتَاجُ إِلَى أَدَبٍ، أَدَبٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ بَعْدَ ظَنِّكَ، خُذْ فِي أَمْرِكَ، فَقَدْ خَطَرَ بِبَالِكَ مَا لَا تَرَاهُ أَبَدًا، وَلَوْ عُدْتَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. وَرَوَى الطَّالقَانِيُّ قَالَ: قَالَ الرَّشِيدُ لِأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ وَهُشَيْمٍ: إِنِّي أَسْمَعُ مِنِ ابْنِي هَذَا - يَعْنِي الْمَأْمُونَ - كَلَامًا لَسْتُ أَدْرِي أَمِنْ تَلْقِينِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ هُوَ أَمْ مِنْ قَرِيحَةٍ ؟ فَادْخُلَا إِلَيْهِ، فَنَاظِرَاهُ وَاسْمَعَا مِنْهُ، وَأَخْبِرَانِي بِمَا تَقِفَانِ عَلَيْهِ. فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَثْوَابِ صِبَاهُ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنَا بِالدُّخُولِ عَلَيْكَ وَمُنَاظَرَتِكَ، فَأَيُّ الْعُلُومِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: أَمْتُعُهَا لِي. قَالَا: وَمَا أَمْتُعُهَا لَكَ. قَالَ: أَثْبَتُهَا عَنْ ثِقَةٍ، وَأَقْرَبُهَا مِنْ أَفْهَامِ مُسْتَمِعِيهَا. فَقَالَ لَهُ هُشَيْمٌ: جِئْنَاكَ لِنُعَلِّمَكَ فَتَعَلَّمْنَا. ثُمَّ أَخْبَرَا الرَّشِيدَ فَقَالَا: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ أَوَّلُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُرْجَى آخِرُهُ، ثُمَّ أَعْتَقَ عَنْهُ مِائَةَ عَبْدٍ وَأَمَةٍ، وَأَلْزَمَهَا خِدْمَتَهُ. وَبَلَغَنَا أَنَّ أُمَّ جَعْفَرٍ عَاتَبَتِ الرَّشِيدَ عَلَى تَقْرِيبِهِ الْمَأْمُونَ دُونَ ابْنِهَا مُحَمَّدٍ، فَدَعَا خَادِمًا بِحَضْرَتِهَا، وَقَالَ لَهُ: وَجِّهْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ خَادِمَيْنِ حَصِيفَيْنِ يَقُولَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْخَلْوَةِ: مَا يَفْعَلُ بِهِ إِذَا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ ؟ فَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَالَ لِلْخَادِمِ الَّذِي مَضَى إِلَيْهِ: أُقْطِعُكَ وَأُوَلِّيكَ وَأَبْلُغُ لَكَ. وَأَمَّا الْمَأْمُونُ فَرَمَى الْخَادِمَ بِالدَّوَاةِ وَقَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ تَسْأَلُنِي مَا أَفْعَلُ بِكَ بِمَوْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ بَلْ نَكُونُ جَمِيعًا فِدَاءً لَهُ. فَرَجَعَ بِالْخَبَرِ كُلٌّ مِنْهُمَا. فَقَالَ لِأُمِّ جَعْفَرٍ: كَيْفَ تَرَيْنَ مَا أَقْدَمَ ابْنُكِ إِلَّا مُتَابَعَةً لِرَأْيِكِ وَتَرْكًا لِلْجَزَعِ، وَقَدْ كَانَ الْمَأْمُونُ يُعْنَى بِالْعِلْمِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ كَثِيرًا حَتَّى جَعَلَ لِنَفْسِهِ مَجْلِسَ نَظَرٍ. عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَالَ: كَانَ الْمَأْمُونُ قَبْلَ تَقَلُّدِهِ الْخِلَافَةَ يَجْلِسُ لِلنَّظَرِ، فَدَخَلَ يَهُودِيٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ، طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، حَسَنُ الثَّوْبِ، فَتَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ: إِسْرَائِيلِيٌّ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَسْلِمْ حَتَّى أَفْعَلَ لَكَ وَأَصْنَعَ. فَقَالَ: دِينِي وَدِينِ آبَائِي فَلَا تَكْشِفْنِي. فَتَرَكَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ جَاءَنَا وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَتَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ، فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسَ دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ: أَلَسْتَ صَاحِبَنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ دَعَاكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فَأَبَيْتَ ؟ قَالَ: إِنِّي أُحْسِنُ الْخَطَّ، فَمَضَيْتُ فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ وَأَدْخَلْتُهَا الْكَنِيسَةَ، فَبِعْتُهَا، فَاشْتَرَيْتُ. قَالَ: وَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ فَأَدْخَلْتُهَا إِلَى الْبَيْعَةِ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي. قَالَ: وَعَمَدْتُ إِلَى الْقُرْآنِ فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ، وَأَدْخَلْتُهَا إِلَى الْوَرَّاقِينَ، فَكُلَّمَا تَصَفَّحُوهَا قَرَؤُوا الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَرَمَوْا بِهَا، فَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مَحْفُوظٌ، فَكَانَ سَبَبَ إِسْلَامِي. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: فَحَجَجْتُ فَرَأَيْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لِي: مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قُلْتُ: فِي أَيِّ مَوْضِعٍ ؟ قَالَ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَجَعَلَ حِفْظَهُ إِلَيْهِمْ فَضَاعَ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: اسْتُخْلِفَ الْمَأْمُونُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ [وَمِائَةٍ ]، وَقَدْ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ قَبْلَ ذَلِكَ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَخَلَعَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ. خِلَافَةُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ لَمَّا قُتِلَ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِبَغْدَادَ فِي رَابِعِ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي آخِرِ الْمُحَرَّمِ اسْتَوْسَقَتِ الْبَيْعَةُ شَرْقًا وَغَرْبًا لِلْمَأْمُونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّشِيدِ، فَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ نِيَابَةَ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَالْأَهْوَازِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَبَعَثَ نُوَّابَهُ إِلَى هَذِهِ الْأَقَالِيمِ، وَكَتَبَ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ بِبَغْدَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى الرَّقَّةِ لِحَرْبِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ وَوَلَّاهُ نِيَابَةَ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ وَالْمَوْصِلِ وَالْمَغْرِبِ. وَكَتَبَ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ بِنِيَابَةِ خُرَاسَانَ.
التاريخ 3120لا حكم مسجّل
ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِ الْمَأْمُونِ وَسِيرَتِهِ كَانَ الْمَأْمُونُ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَقَدْ سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَهُشَيْمٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ لَهُ حَظٌّ مِنْ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ، وَأَسْنَدَ الْحَدِيثَ. قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمْ يَحْفَظِ الْقُرْآنَ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَّا عُثْمَانُ وَالْمَأْمُونُ، وَكَانَ الْمَأْمُونُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَثِيرًا، فَرَوَى عَنْهُ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ أَنَّهُ خَتَمَ فِي رَمَضَانَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ خَتْمَةً، وَكَانَ يَحْفَظُ الْحَدِيثَ وَيَرْوِيهِ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ: الْمَأْمُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ" وَقَالَ مَرَّةً: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ: بَلَغَ الْمَأْمُونُ أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَ أَبُو عُمَرَ الْحَوْضِيُّ: لَمَّا دَخَلَ الْمَأْمُونُ مِصْرَ قَامَ إِلَيْهِ فَرَجٌ الْأَسْوَدُ مَوْلَاهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَاكَ أَمْرَ عَدُوِّكَ، وَدَانَ لَكَ الْعِرَاقَانِ وَالشَّامَانِ وَمِصْرُ وَخُرَاسَانُ، وَأَنْتَ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْعَالِمُ بِهِ. فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا فَرَجُ، قَدْ بَقِيَتْ لِي خَلَّةٌ. قُلْتُ: وَمَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: جُلُوسِي فِي عَسْكَرٍ، وَمُسْتَمْلٍ يَجِيءُ فَيَقُولُ: مَنْ ذَكَرْتَ ؓ ؟ فَأَقُولُ: حَدَّثَنَا الْحَمَّادَانِ: حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ" فَأَوْمَأَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ بِالْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ. وعن مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَصِّيصَةِ وَبِهَا الْمَأْمُونُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَذِنَ يَوْمًا [لِلنَّاسِ فَقَامَ إِلَيْهِ ] شَابٌّ وَبِيَدِهِ مَحْبَرَةٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، صَاحِبُ حَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ بِهِ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَيَّ شَيْءٍ تَحْفَظُ مِنْ بَابِ كَذَا ؟ فَلَمْ يَذْكُرِ الْفَتَى شَيْئًا، فَمَا زَالَ الْمَأْمُونُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، وَحَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَتَّى ذَكَرَ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَ: وَإِيشِ تَحْفَظُ فِي بَابِ كَذَا ؟ فَلَمْ يَذْكُرِ الْفَتَى شَيْئًا، فَمَا زَالَ الْمَأْمُونُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَحَدَّثَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، حَتَّى ذَكَرَ الْبَابَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْفَضْلِ فَقَالَ: أَحَدُهُمْ يَطْلُبُ الْحَدِيثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، أَعْطُوهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْنٍ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيْيَنَةَ يَقُولُ: جَمَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْعُلَمَاءَ وَجَلَسَ لِلنَّاسِ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَاتَ أَخِي وَخَلَفَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ، أَعْطَوْنِي دِينَارًا وَاحِدًا وَقَالُوا: هَذَا نُصِيبُكَ. قَالَ: فَحَسَبَ الْمَأْمُونُ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا نُصِيبُكَ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ: كَيْفَ عَلِمْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ لَهَا: هَذَا الرَّجُلُ خَلَفَ أَرْبَعَ بَنَاتٍ. قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَلَفَ وَالِدَةً فَلَهَا السُّدُسُ مِائَةٌ، وَخَلَفَ زَوْجَةً فَلَهَا الثُّمُنُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِينَارًا، بِاللَّهِ لَكِ اثْنَا عَشَرَ أَخًا. قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: أَصَابَهُمْ دِينَارَانِ دِينَارَانِ، وَأَصَابَكِ دِينَارٌ. طرف من مناظرات المأمون قَالَ قَحْطَبَةُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ: حَضَرْتُ الْمَأْمُونَ يُنَاظِرُ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ النوشجَانِيَّ يَقُولُ فِي شَيْءٍ وَمُحَمَّدٌ يُفْضِي لَهُ وَيُصَدِّقُهُ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَرَاكَ تَنْقَادُ لِي إِلَى مَا تَرَى أَنَّهُ يَسُرُّنِي قَبْلَ وُجُوبِ الْحُجَّةِ عَلَيْكَ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقِيسَ الْأُمُورَ بِفَضْلِ بَيَانٍ، وَطُولِ لِسَانٍ، وَأُبَّهَةِ الْخِلَافَةِ، وَسَطْوَةِ الرِّئَاسَةِ لَصَدَقْتُ وَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا، وَصَوَّبْتُ، وَإِنْ كُنْتُ مُخْطِئًا وَعَدَّلْتُ، وَإِنْ كُنْتُ جَائِرًا، وَلَكِنْ لَا أَرْضَى إِلَّا بِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ، وَغَلَبَةِ الْحُجَّةِ، وَإِنَّ شَرَّ الْمُلُوكِ عَقْلًا وَأَسْخَفُهُمْ رَأْيًا مَنْ رَضِيَ بِقَوْلِهِمْ: صَدَقَ الْأَمِيرُ. قَالَ: قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: بَعَثَ إِلَيَّ الْمَأْمُونُ فَصِرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي بُسْتَانِ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ، فَرَأَيْتُهُمَا مُوَلِّيَيْنِ، فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا أَقْبَلَا قُمْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لِيَحْيَى: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا أَحْسَنَ أَدَبَهُ، رَآنَا مُوَلِّيَيْنِ فَجَلَسَ، ثُمَّ رَآنَا مُقْبِلَيْنِ فَقَامَ ثُمَّ رَدَّ السَّلَامَ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي الشَّرَابِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَوْلُهُ: تُرِيكَ الْقَذَى مِنْ دُونِهَا وَهِيَ دُونَهُ إِذَا ذَاقَهَا مَنْ ذَاقَهَا يَتَمَنْطَقُ فَقَالَ: أَشْعَرُ مِنْهُ الَّذِي يَقُولُ: - يَعْنِي أَبَا نُوَاسٍ - فَتَمَشَّتْ فِي مَفَاصِلِهِمْ كَتَمَشِّي الْبُرْءِ فِي السَّقَمِ فَعَلَتْ فِي الْبَيْتِ إِذْ مُزِجَتْ مِثْلَ فِعْلِ الصُّبْحِ فِي الظُّلَمِ وَاهْتَدَى سَارِي الظَّلَامِ بِهَا كَاهْتِدَاءِ السَّفَرِ بِالْعَلَمِ فَقُلْتُ: فَائِدَةٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ: نَحْنُ بَنَاتُ طَارِقْ نَمْشِي عَلَى النَّمَارِقْ مَنْ طَارِقٌ هَذَا ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فِي نَسَبِهَا فَلَمْ أَجِدْهُ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَعْرِفُ فِي نَسَبِهَا ! فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَادَتِ النَّجْمَ، فَانْتَسَبَتْ إِلَيْهِ لِحُسْنِهَا، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. فَقُلْتُ: فَائِدَتَانِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: أَنَا بُؤْبُؤُ هَذَا الْأَمْرِ [وَأَنْتَ بُؤْبُؤُهُ ]. ثُمَّ دَفَعَ إِلَيَّ بِعَنْبَرَةَ وَكَانَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، فَبِعْتُهَا بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ الشَّاعِرُ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُبْصِرُ الشِّعْرَ ! ؟ فَقُلْتُ: وَمَنْ يَكُونُ أَفْرَسَ مِنْهُ ! ؟ وَاللَّهِ إِنَّا لَنَنْشُدُ أَوَّلَ الْبَيْتِ فَيَسْبِقُ إِلَى آخِرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سَمِعَهُ. قَالَ: إِنِّي أَنْشَدْتُهُ شَيْئًا أَجَدْتُ فِيهِ، فَلَمْ أَرَهُ تَحَرَّكَ لَهُ، فَأَسْمِعْهُ: أَضْحَى إِمَامُ الْهُدَى الْمَأْمُونُ مُشْتَغِلًا بِالدِّينِ وَالنَّاسُ بِالدُّنْيَا مَشَاغِيلُ فَقُلْتُ: مَا زِدْتَهُ عَلَى أَنْ جَعَلْتَهُ عَجُوزًا فِي مِحْرَابِهَا فِي يَدِهَا سُبْحَةٌ، فَمَنْ يَقُومُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا إِذَا كَانَ مَشْغُولًا عَنْهَا، وَهُوَ الْمُطَوَّقُ بِهَا ؟ أَلَا قُلْتَ كَمَا قَالَ جَرِيرٌ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مُضَيِّعٌ نَصِيبَهُ وَلَا عَرَضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّينِ شَاغِلُهُ قَالَ ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ: أُدْخِلَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ: مَا حَمْلَكَ عَلَى خِلَافِنَا ؟ قَالَ: آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: قَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: أَلَكَ عِلْمٌ بِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا دَلِيلُكَ ؟ قَالَ: إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ. قَالَ: فَكَمَا رَضِيتَ بِإِجْمَاعِهِمْ فِي التَّنْزِيلِ فَارْضَ بِإِجْمَاعِهِمْ فِي التَّأْوِيلِ. قَالَ: صَدَقْتَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. طرف من نابهة المأمون وكرمه قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: مَا رَأَيْتُ أَكْمَلَ آلَةٍ مِنَ الْمَأْمُونِ. وَجَعَلَ يُحَدِّثُ بِأَشْيَاءَ اسْتَحْسَنَهَا مَنْ كَانَ فِي مَجْلِسِهِ. ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَهُ لَيْلَةً أُذَاكِرُهُ وَأُحَدِّثُهُ، ثُمَّ نَامَ وَانْتَبَهَ وَقَالَ: يَا يَحْيَى، انْظُرْ أَيْشِ عِنْدَ رِجْلِي. فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا. فَقَالَ: شَمْعَةٌ، فَتَبَادَرَ الْفَرَّاشُونَ. فَقَالَ، انْظُرُوا، فَنَظَرُوا، فَإِذَا تَحْتَ فِرَاشِهِ حَيَّةٌ بِطُولِهِ، فَقَتَلُوهَا، فَقُلْتُ: قَدِ انْضَافَ إِلَى كَمَالِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمُ الْغَيْبِ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَلَكِنْ هَتَفَ بِي هَاتِفٌ السَّاعَةَ وَأَنَا نَائِمٌ: يَا رَاقِدَ اللَّيْلِ انْتَبِهْ إِنَّ الْخُطُوبَ لَهَا سُرَى ثِقَةُ الْفَتَى بِزَمَانِهِ ثِقَةٌ مُحَلَّلَةُ الْعُرَى فَانْتَبَهْتُ، فَعَلِمْتُ أَنْ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ إِمَّا قَرِيبٌ، وَإِمَّا بِعِيدٌ. فَتَأَمَّلْتُ مَا قَرُبَ فَكَانَ مَا رَأَيْتُ. عَنْ أَبِي الْعَيْنَاءِ قَالَ: قَصَدَ أَعْرَابِيٌّ الْمَأْمُونَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِهِ سَنَةً لَا يَصِلُ إِلَيْهِ، فَصَاحَ الْأَعْرَابِيُّ يَوْمًا: نَصِيحَةٌ، نَصِيحَةٌ. قَالَ: فَأُدْخِلَ عَلَى الْمَأْمُونِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَعْرَابِيُّ، مَا نَصِيحَتُكَ ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيَا، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تُفَسِّرَهَا لِي. فَتَبَسَّمَ الْمَأْمُونُ وَقَالَ: مَا الرُّؤْيَا ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ فِي مَنَامِي سَيِّدِي يَا ابْنَ الْإِمَامِ عَلَى الْجَوَادِ السَّابِقِ وَكَسَوْتَنِي حُلَلًا طَرَائِفَ حُسْنُهَا يَزْهُو لَدَيَّ مَعَ الْكُمَيْتِ الْفَائِقِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ: ادْفَعُوا إِلَى الْأَعْرَابِيِّ خُلْعَةً وَفَرَسًا كُمَيْتًا بِسَرْجِهِ وَلِجَامِهِ. فَلَمَّا دُفِعَ إِلَيْهِ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: وَأَجَزْتَنِي بِخَرِيطَةٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَأُخْرَى بِاللُّجَيْنِ الْفَائِقِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يُدْفَعُ إِلَيْهِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَأَلْفُ دِرْهَمٍ، فَقَبَضَ ذَلِكَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَأَجَزْتَنِي بِخَرِيدَةٍ رُومِيَّةٍ حَسْنَاءَ تَشْفَعُ بِالْغُلَامِ الْفَائِقِ فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يُدْفَعُ إِلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ، إِيَّاكَ أَنْ تَرَى مِثْلَ هَذِهِ، فَرُبَّمَا لَمْ تَجِدَ مَنْ يُفَسِّرُهَا لَكَ. عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُونِ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ عَلَيْهِ غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِهِ إِلَّا أَعْتَقَهُ، وَعَلَى رَأْسِهِ غُلَامٌ نَظِيفٌ، نَظِيفُ الثِّيَابِ، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَعْتِقَهُ فِيمَنْ يَعْتِقُ، فَلَمَّا تَنَحَّى الْغُلَامُ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ لَا يَمُرُّ أَحَدٌ مِنْ غِلْمَانِكَ إِلَّا أَعْتَقْتَهُ وَعَلَى رَأْسِكَ غُلَامٌ مِنْ صِفَتِهِ وَحَالِهِ، وَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ تَعْتِقَهُ. فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ آبَائِهِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "طِينَةُ الْمُعْتِقِ مِنْ طِينَةِ الْمُعْتَقِ" وَالَّذِي رَأَيْتَهُ عَلَى رَأْسِي حِجَامٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ مِنْ طِينَتِنَا حِجَامٌ. عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: بَكَّرَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ يَقْرَأُ عَلَى الْمَأْمُونِ قِصَصًا، فَجَاعَ، فَمَرَّتْ بِهِ قِصَّةٌ فِيهَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْيَزِيدِيُّ، فَقَرَأَ: الثَّرِيدِيُّ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يَا غُلَامُ، صَحْفَةٌ مَمْلُوءَةٌ ثَرِيدًا لِأَبِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّهُ أَصْبَحَ جَائِعًا. فَاسْتَحْيَى وَقَالَ: مَا أَنَا بِجَائِعٍ، وَلَكِنَّ صَاحِبَ الْقِصَّةِ أَحْمَقُ، نَقَطَ عَلَى الْيَاءِ ثَلَاثَ نُقَطٍ. فَقَالَ: مَا أَنْفَعَ جَمْعَهُ لَكَ. فَأُحْضِرَتِ الصَّحْفَةُ مَمْلُوءَةً ثَرِيدًا وَعِرَاقًا وَوَدِكًا، فَخَجِلَ أَحْمَدُ، فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: بِحَيَاتِي لِمَا مِلْتَ إِلَيْهَا فَأَكَلْتَ. فَعَدَلَ فَأَكَلَ حَتَّى اكْتَفَى وَغَسَلَ يَدَهُ، وَعَاوَدَ الْقِرَاءَةَ، وَمَرَّتْ قِصَّةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ الْحِمَصِيِّ، فَقَرَأَ: الْخَبِيصِيُّ فَقَالَ الْمَأْمُونُ: يَا غُلَامُ، جَامٌ مَمْلُوءٌ خَبِيصًا لِأَبِي الْعَبَّاسِ، فَإِنَّ طَعَامَهُ كَانَ مَبْتُورًا. فَاسْتَحْيَى وَقَالَ: يَا سَيِّدِي، صَاحِبُ الْقِصَّةِ أَحْمَقُ، فَتَحَ الْمِيمَ فَصَارَتْ سَنَتَيْنِ. فَقَالَ: لَوْلَا حُمْقُهُ وَحُمْقُ صَاحِبِهِ مُتَّ الْيَوْمَ جُوعًا، فَأُتِيَ بِجَامٍ مَمْلُوءٍ خَبِيصًا، فَخَجِلَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: بِحَيَاتِي أَلَا مِلْتَ نَحْوَهُ فَأَكَلْتَ. فَأَكَلَ وَغَسَلَ يَدَهُ، وَعَاوَدَ الْقِرَاءَةَ، فَمَا أَسْقَطَ حَرْفًا حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ: دَعَانِي الْمَأْمُونُ فَقَالَ: أَنْشِدْنِي بَيْتَ مَدْحٍ نَادِرٍ. فَأَنْشَدْتُهُ: يَجُودُ بِالنَّفْسِ إِذْ ضَنَّ الْبَخِيلُ بِهَا وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ فَقَالَ: قَدْ وَلَّيْتُكَ هَمَذَانَ، فَأَنْشِدْنِي بَيْتَ هِجَاءٍ نَادِرٍ فَأَنْشَدْتُهُ: قَبُحَتْ مَنَاظِرُهُ فَحِينَ خَبُرْتُهُ حَسُنَتْ مَنَاظِرُهُ لِقُبْحِ الْمُخْبَرِ فَقَالَ: قَدْ وَلَّيْتُكَ الدِّينَوَرَ، فَأَنْشِدْنِي بَيْتَ مَرْثِيَّةٍ نَادِرًا، فَأَنْشَدْتُهُ: أَرَادُوا لِيُخْفُوا قَبْرَهُ عَنْ عَدُوِّهِ فَطِيبُ تُرَابِ الْقَبْرِ دَلَّ عَلَى الْقَبْرِ فَقَالَ: قَدْ وَلَّيْتُكَ نَهَاوَنْدَ، فَأَنْشِدْنِي بَيْتَ غَزَلٍ. فَأَنْشَدْتُهُ: حُبٌّ مُجِدٌّ وَحَبِيبٌ يَلْعَبُ وَالْقَلْبُ مَا بَيْنَهُمَا يَذْهَبُ
التاريخ 3121لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ طَاهِرٍ عَلَى بَغْدَاذَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لَحِقَ خُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ بِطَاهِرٍ، وَفَارَقَ الْأَمِينَ، وَدَخَلَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ طَاهِرًا أَرْسَلَ إِلَى خُزَيْمَةَ أَنِ انْفَصَلَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ [ أَثَرٌ ] فِي نُصْرَتِي، أَلَا أَقْصِرْ فِي أَمْرِكَ ! فَأَجَابَهُ بِالطَّاعَةِ وَقَالَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ أَنْتَ النَّازِلَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ فِي مَكَانِ هَرْثَمَةَ لَحَمَلَ نَفْسَهُ إِلَيْهِ. وَأَخْبَرَهُ قِلَّةَ ثِقَتِهِ بِهَرْثَمَةَ، إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْقِيَامَ دُونَهُ لِخَوْفِهِ مِنَ الْعَامَّةِ. فَكَتَبَ طَاهِرٌ إِلَى هَرْثَمَةَ يُعَجِّزُهُ وَيَلُومُهُ، وَيَقُولُ: جَمَعْتَ الْأَجْنَادَ، وَأَتْلَفْتَ الْأَمْوَالَ، وَقَدْ وَقَفْتَ وُقُوفَ الْمُحْجِمِ عَمَّنْ بِإِزَائِكَ، فَاسْتَعِدَّ لِلدُّخُولِ إِلَيْهِمْ، فَقَدْ أَحْكَمْتُ الْأَمْرَ عَلَى دَفْعِ الْعَسْكَرِ، وَقَطْعِ الْجُسُورِ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يَخْتَلِفَ عَلَيْكَ اثْنَانِ. فَأَجَابَهُ هَرْثَمَةُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَكَتَبَ طَاهِرٌ إِلَى خُزَيْمَةَ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَثَبَ خُزَيْمَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى عَلَى جِسْرِ دِجْلَةَ فَقَطَعَاهُ، وَخَلَعَا مُحَمَّدًا الْأَمِينَ، وَسَكَنَ أَهْلُ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَلَمْ يَدْخُلْ هَرْثَمَةُ حَتَّى مَضَى إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الْقُوَّادِ وَحَلَفُوا لَهُ أَنَّهُ لَا يَرَى مِنْهُمْ مَكْرُوهًا، فَدَخَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ الْخَلِيعُ فِي ذَلِكَ: عَلَيْنَا جَمِيعًا مِنْ خُزَيْمَةَ مِنَّةٌ بِهَا أَخْمَدَ الرَّحْمَنُ نَائِرَةَ الْحَرْبِ تَوَلَّى أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ فَذَبَّ وَحَامَى عَنْهُمُ أَشْرَفَ الذَّبِّ وَلَوْلَا أَبُو الْعَبَّاسِ مَا انْفَكَّ دَهْرُنَا يَبِيتُ عَلَى عَتْبٍ وَيَغْدُو عَلَى عَتْبِ خُزَيْمَةُ لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مِثْلُ هَذِهِ إِذِ اضْطَرَبَتْ شَرْقُ الْبِلَادِ مَعَ الْغَرْبِ أَنَاخَ بِجِسْرَيْ دِجْلَةَ الْقَطْعَ وَالْقَنَا شَوَارِعُ وَالْأَرْوَاحُ فِي رَاحَةِ الْعَضْبِ وَهِيَ عِدَّةُ أَبْيَاتٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَقَدَّمَ طَاهِرٌ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْكَرْخِ، فَقَاتَلَ هُنَاكَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَ النَّاسَ حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِالْكَرْخِ، وَقَاتَلَهُمْ فِيهِ فَهَزَمَهُمْ، فَمَرُّوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَدَخَلَهَا طَاهِرٌ بِالسَّيْفِ، وَأَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى: مَنْ لَزِمَ بَيْتَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَوَضَعَ بِسُوقِ الْكَرْخِ وَقَصْرِ الْوَضَّاحِ جُنْدًا عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ، وَقَصَدَ إِلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ وَأَحَاطَ بِهَا، وَبِقَصْرِ زُبَيْدَةَ، وَقَصْرِ الْخُلْدِ مِنْ بَابِ الْجِسْرِ إِلَى بَابِ خُرَاسَانَ، وَبَابِ الشَّامِ، وَبَابِ الْكُوفَةِ، وَبَابِ الْبَصْرَةِ، وَشَاطِئِ الصَّرَاةِ إِلَى مَصَبِّهَا فِي دِجْلَةَ. وَثَبَتَ عَلَى قِتَالِ طَاهِرٍ حَاتِمُ بْنُ الصَّقْرِ وَالْهَرْشُ، وَالْأَفَارِقَةُ، فَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ بِإِزَاءِ قَصْرِ زُبَيْدَةَ، وَقَصْرِ الْخُلْدِ، وَأَخَذَ الْأَمِينُ أُمَّهُ وَأَوْلَادَهُ إِلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَامَّةُ جُنْدِهِ وَخِصْيَانِهِ وَجَوَارِيهِ فِي الطَّرِيقِ، لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَتَفَرَّقَ السِّفْلَةُ وَالْغَوْغَاءُ، وَتَحَصَّنَ مُحَمَّدٌ بِمَدِينَةِ الْمَنْصُورِ، وَحَصَرَهُ طَاهِرٌ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ. وَبَلَغَ خَبَرُ هَذِهِ الْوَقْعَةِ عُمَرَ الْوَرَّاقَ، فَقَالَ لِمُخْبِرِهِ: نَاوِلْنِي قَدَحًا. ثُمَّ تَمَثَّلَ: خُذْهَا فَلِلْخَمْرَةِ أَسْمَاءٌ لَهَا دَوَاءٌ وَلَهَا دَاءُ يُصْلِحُهَا الْمَاءُ إِذَا أُصْفِقَتْ يَوْمًا وَقَدْ يُفْسِدُهَا الْمَاءُ وَقَائِلٍ كَانَتْ لَهُمْ وَقْعَةٌ فِي يَوْمِنَا هَذَا وَأَشْيَاءُ قَلْتُ لَهُ: أَنْتَ امْرُؤٌ جَاهِلٌ فِيكَ عَنِ الْخَيْرَاتِ إِبْطَاءُ اشْرَبْ وَدَعْنَا مِنْ أَحَادِيثِهِمْ يَصْطَلِحُ النَّاسُ إِذَا شَاءُوا وَحَكَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْأَمِينِ لَمَّا حَصَرَهُ طَاهِرٌ، قَالَ: فَخَرَجَ الْأَمِينُ ذَاتَ لَيْلَةٍ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَرَّجَ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَصَارَ إِلَى قَصْرٍ لَهُ بِنَاحِيَةِ الْخُلْدِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَحَضَرْتُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: تَرَى طِيبَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَحُسْنَ الْقَمَرِ فِي السَّمَاءِ، وَضَوْءَهُ فِي الْمَاءِ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، فَهَلْ لَكَ فِي الشُّرْبِ ؟ فَقُلْتُ: شَأْنَكَ. فَشَرِبَ رِطْلًا، وَسَقَانِي آخَرَ، ثُمَّ غَنَّيْتُهُ مَا كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ، فَقَالَ لِي: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَضْرِبُ عَلَيْكَ ؟ فَقُلْتُ: مَا أَحْوَجَنِي إِلَيْهِ ! فَدَعَا بِجَارِيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ عِنْدَهُ، اسْمُهَا ضَعْفُ، فَتَطَيَّرْتُ مِنِ اسْمِهَا وَنَحْنُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَقَالَ لَهَا: غَنِّي. فَغَنَّتْ بِشِعْرِ الْجَعْدِيِّ: كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كَانَ أَكْثَرَ نَاصِرًا وَأَيْسَرَ جُرْمًا مِنْكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَطَيَّرَ مِنْهُ، وَقَالَ: غَنِّي غَيْرَ ذَلِكَ. فَغَنَّتْ: أَبْكَى فِرَاقُهُمْ عَيْنِي فَأَرَّقَهَا إِنَّ التَّفَرُّقَ لِلْأَحْبَابِ بَكَّاءُ مَا زَالَ يَعْدُو عَلَيْهِمْ رَيْبُ دَهْرِهِمُ حَتَّى تَفَانَوْا وَرَيْبُ الدَّهْرِ عَدَّاءُ فَقَالَ لَهَا: لَعَنَكِ اللَّهُ ! أَمَا تَعْرِفِينَ مِنَ الْغِنَاءِ غَيْرَ هَذَا ؟ فَقَالَتْ: مَا تَغَنَّيْتُ إِلَّا بِمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُحِبُّهُ ! ثُمَّ غَنَّتْ آخَرَ: أَمَا وَرَبِّ السُّكُونِ وَالْحَرَكِ إِنَّ الْمَنَايَا كَثِيرَةُ الشَّرَكِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا دَارَتْ نُجُومُ السَّمَاءِ فِي الْفَلَكِ إِلَّا لِنَقْلِ النَّعِيمِ مِنْ مَلِكٍ قَدْ زَالَ سُلْطَانُهُ إِلَى مَلِكِ وَمُلْكُ ذِي الْعَرْشِ دَائِمٌ أَبَدًا لَيْسَ بِفَانٍ وَلَا بِمُشْتَرِكِ فَقَالَ لَهَا: قُومِي، غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَلَعَنَكِ ! [ قَالَ ]: فَقَامَتْ، وَكَانَ لَهُ قَدَحٌ مِنْ بَلُّورٍ، حَسَنُ الصَّنْعَةِ، كَانَ يُسَمِّيهِ " زَبَّ رُيَاحَ "، وَكَانَ مَوْضُوعًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَثَرَتِ الْجَارِيَةُ بِهِ فَكَسَرَتْهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ ! مَا تَرَى مَا جَاءَتْ بِهِ هَذِهِ الْجَارِيَةُ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ كَسْرِ الْقَدَحِ ؟ وَاللَّهِ مَا أَظُنُّ أَمْرِي إِلَّا وَقَدْ قَرُبَ ! فَقُلْتُ: يُدِيمُ اللَّهُ مُلْكَكَ، وَيُعِزُّ سُلْطَانَكَ، وَيَكْبِتُ عَدُوَّكَ ! فَمَا اسْتَتَمَّ الْكَلَامَ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتًا: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ. فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ ! أَمَا سَمِعْتَ مَا سَمِعْتُ ؟ قُلْتُ: مَا سَمِعْتُ شَيْئًا - وَكُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ -. قَالَ: تَسْمَعُ حِسًّا. فَدَنَوْتُ مِنَ الشَّطِّ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، ثُمَّ عَاوَدْنَا الْحَدِيثَ، فَعَادَ الصَّوْتُ بِمِثْلِهِ، فَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ مُغْتَمًّا إِلَى مَجْلِسِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا مَضَى إِلَّا لَيْلَةٌ أَوْ لَيْلَتَانِ حَتَّى قُتِلَ. وَقَدْ جَهِدَ فِي حَصْرِهِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ؛ فَجَاعَ لَيْلَةً فَمَا أُتِيَ بِرَغِيفٍ وَدَجَاجَةٍ إِلَّا بَعْدَ كُلْفَةٍ كَبِيرَةٍ، ثُمَّ طَلَبَ مَاءً فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ، فَبَاتَ عَطْشَانًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ.
التاريخ 3122لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ الْأَمِينِ لَمَّا دَخَلَ مُحَمَّدٌ إِلَى مَدِينَةِ الْمَنْصُورِ، وَاسْتَوْلَى طَاهِرٌ عَلَى أَسْوَاقِ الْكَرْخِ وَغَيْرِهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ - عَلِمَ قُوَّادُهُ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا عُدَّةُ الْحَصْرِ، وَخَافُوا أَنْ يَظْفَرَ بِهِمْ طَاهِرٌ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ الصَّقْرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ الْإِفْرِيقِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، فَقَالُوا: قَدْ آلَتْ حَالُنَا إِلَى مَا تَرَى، وَقَدْ رَأَيْنَا رَأْيًا نَعْرِضُهُ عَلَيْكَ، فَانْظُرْ فِيهِ وَاعْتَزِمْ عَلَيْهِ، فَإِنَّا نَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ الْخَيْرَةَ. قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالُوا: قَدْ تَفَرَّقَ عَنْكَ النَّاسُ، وَأَحَاطَ بِكَ عَدُوُّكَ، وَقَدْ بَقِيَ مَعَكَ مِنْ خَيْلِكَ سَبْعَةُ آلَافِ فَرَسٍ مِنْ خِيَارِهَا، فَنَرَى أَنْ تَخْتَارَ مِمَّنْ عَرَفْنَاهُ بِمَحَبَّتِكَ مِنَ الْأَبْنَاءِ سَبْعَةَ آلَافٍ، فَتَحْمِلَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْخَيْلِ، وَتَخْرُجَ لَيْلًا عَلَى بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ، فَإِنَّ اللَّيْلَ لِأَهْلِهِ، وَلَنْ يَثْبُتَ لَنَا أَحَدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - فَنَخْرُجُ حَتَّى نَلْحَقَ بِالْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ، فَنَفْرِضُ الْفُرُوضَ، وَنَجْبِي الْخَرَاجَ، وَنَصِيرُ فِي مَمْلَكَةٍ وَاسِعَةٍ وَمُلْكٍ جَدِيدٍ، فَيُسَارِعُ إِلَيْكَ النَّاسُ، وَيَنْقَطِعُ عَنْ طَلَبِكَ الْجُنْدُ، وَيُحْدِثُ اللَّهُ أُمُورًا. فَقَالَ لَهُمْ: نِعْمَ مَا رَأَيْتُمْ ! وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى طَاهِرٍ، فَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ الْمَنْصُورِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَالسِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَرُدُّوهُ عَنْ هَذَا الرَّأْيِ لَا تَرَكْتُ لَكُمْ ضَيْعَةً إِلَّا قَبْضْتُهَا، وَلَا يَكُونُ لِي هِمَّةٌ إِلَّا أَنْفُسَكُمْ. فَدَخَلُوا عَلَى الْأَمِينِ فَقَالُوا لَهُ: قَدْ بَلَغَنَا الَّذِي عَزَمْتَ عَلَيْهِ، فَنَحْنُ نُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ صَعَالِيكُ، وَقَدْ بَلَغَ بِهِمُ الْحِصَارُ إِلَى مَا تَرَى، فَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ لَا أَمَانَ لَهُمْ عِنْدَ أَخِيكَ، وَعِنْدَ طَاهِرٍ، لِجِدِّهِمْ فِي الْحَرْبِ، وَلَسْنَا نَأْمَنُ إِذَا خَرَجْتَ مَعَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوكَ أَسِيرًا، أَوْ يَأْخُذُوا رَأْسَكَ، فَيَتَقَرَّبُوا بِكَ وَيَجْعَلُوكَ سَبَبَ أَمَانِهِمْ. وَضَرَبُوا فِيهِ الْأَمْثَالَ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ، وَأَجَابَ إِلَى طَلَبِ الْأَمَانِ وَالْخُرُوجِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّمَا غَايَتُكَ السَّلَامَةُ، وَاللَّهْوُ، وَأَخُوكَ يَتْرُكُكَ حَيْثُ أَحْبَبْتَ، [ وَيُفْرِدُكَ فِي مَوْضِعٍ ] وَيَجْعَلُ لَكَ فِيهِ كُلَّ مَا يُصْلِحُكَ، وَكُلَّ مَا تُحِبُّ وَتَهْوَى، وَلَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهُ بَأْسٌ وَلَا مَكْرُوهٌ. فَرَكَنَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَجَابَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ. فَدَخَلَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ النَّفَرُ الَّذِينَ أَشَارُوا بِقَصْدِ الشَّامِ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ تَقْبَلْ مَا أَشَرْنَا بِهِ عَلَيْكَ، وَهُوَ الصَّوَابُ، وَقَبِلْتَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُدَاهِنِينَ، فَالْخُرُوجُ إِلَى طَاهِرٍ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى هَرْثَمَةَ، فَقَالَ: أَنَا أَكْرَهُ طَاهِرًا، لِأَنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنِّي قَائِمٌ عَلَى حَائِطٍ مِنْ آجُرٍّ شَاهِقٍ فِي السَّمَاءِ، عَرِيضِ الْأَسَاسِ، لَمْ أَرَ مِثْلَهُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَعَلَيَّ سَوَادِي، وَمِنْطَقِي، وَسَيْفِي، وَكَانَ طَاهِرٌ فِي أَصْلِ ذَلِكَ الْحَائِطِ، فَمَا زَالَ يَضْرِبُهُ حَتَّى سَقَطَ، وَسَقَطْتُ، وَطَارَتْ قَلَنْسُوَتِي عَنْ رَأْسِي، فَأَنَا أَتَطَيَّرُ مِنْهُ وَأَكْرَهُهُ، وَهَرْثَمَةُ مَوْلَانَا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، وَأَنَا أَشَدُّ أُنْسًا بِهِ وَثِقَةً إِلَيْهِ. فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَجَابَهُ هَرْثَمَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَحَلَفَ لَهُ أَنَّهُ يُقَاتِلُ دُونَهُ إِنْ هَمَّ الْمَأْمُونُ بِقَتْلِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ طَاهِرٌ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ يَخْرُجُ إِلَى هَرْثَمَةَ وَقَالَ: هُوَ فِي جُنْدِي وَالْجَانِبِ الَّذِي أَنَا فِيهِ، وَأَنَا أَحْرَجْتُهُ بِالْحِصَارِ حَتَّى طَلَبَ الْأَمَانَ،، فَلَا أَرْضَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَى هَرْثَمَةَ، فَيَكُونَ لَهُ الْفَتْحُ دُونِي. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ هَرْثَمَةَ وَالْقُوَّادَ اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ خُزَيْمَةَ بْنِ خَازِمٍ، وَحَضَرَ طَاهِرٌ وَقُوَّادُهُ، وَحَضَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ، وَالسِّنْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ نَهِيكٍ، وَأَدَارُوا الرَّأْيَ بَيْنَهُمْ، وَأَخْبَرُوا طَاهِرًا أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ أَبَدًا، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يُجَبْ إِلَى مَا سَأَلَ لَمْ يُؤْمَنْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ مِثْلَهُ أَيَّامَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ. وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ إِنْ يَخْرُجْ إِلَى هَرْثَمَةَ بِبَدَنِهِ، وَيَدْفَعْ إِلَيْكَ الْخَاتَمَ وَالْقَضِيبَ وَالْبُرْدَةَ، ( وَذَلِكَ هُوَ الْخِلَافَةُ، فَاغْتَنِمْ هَذَا الْأَمْرَ وَلَا تُفْسِدْهُ ! فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْهَرْشَ لَمَّا عَلِمَ بِالْخَبَرِ أَرَادَ التَّقَرُّبَ إِلَى طَاهِرٍ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الَّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ مَكْرٌ، وَأَنَّ الْخَاتَمَ وَالْقَضِيبَ وَالْبُرْدَةَ تُحْمَلُ مَعَ الْأَمِينِ إِلَى هَرْثَمَةَ، فَاغْتَاظَ مِنْهُ، وَجَعَلَ حَوْلَ قَصْرِ أُمِّ الْأَمِينِ وَقُصُورِ الْخُلْدِ قَوْمًا مَعَهُمُ الْعَتَلُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ الْأَمِينُ لِلْخُرُوجِ إِلَى هَرْثَمَةَ، عَطِشَ قَبْلَ خُرُوجِهِ عَطَشًا شَدِيدًا، فَطُلِبَ لَهُ فِي خِزَانَةِ الشَّرَابِ مَاءً، فَلَمْ يُوجَدْ، فَلَمَّا أَمْسَى لَيْلَةَ الْأَحَدِ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ مُحَرَّمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، خَرَجَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَطَيْلَسَانٌ أَسْوَدُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ هَرْثَمَةُ: وَافَيْتُ لِلْمِيعَادِ ) لِأَحْمِلَكَ، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ لَا تَخْرُجَ اللَّيْلَةَ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ عَلَى الشَّطِّ أَمْرًا قَدْ رَابَنِي، وَأَخَافُ أَنْ أُغْلَبَ وَتُؤْخَذَ مِنْ يَدِي، وَتَذْهَبَ نَفْسُكَ وَنَفْسِي، فَأَقِمِ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَسْتَعِدَّ وَآتِيَكَ اللَّيْلَةَ الْقَابِلَةَ، فَإِنْ حُورِبْتَ حَارَبْتُ دُونَكَ. فَقَالَ الْأَمِينُ لِلرَّسُولِ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، وَقُلْ لَهُ لَا يَبْرَحُ، فَإِنِّي خَارِجٌ إِلَيْهِ السَّاعَةَ لَا مَحَالَةَ، وَلَسْتُ أُقِيمُ إِلَى غَدٍ. وَقَلِقَ وَقَالَ: قَدْ تَفَرَّقَ عَنِّي النَّاسُ مِنَ الْمَوَالِي وَالْحَرَسِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا آمَنُ إِنِ انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى طَاهِرٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ فَيَأْخُذَنِي، ثُمَّ دَعَا بِابْنَيْهِ، فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَقَبَّلَهُمَا، وَبَكَى وَقَالَ: أَسْتَوْدِعُكُمَا اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَمَسَحَ دُمُوعَهُ بِكُمِّهِ، ثُمَّ جَاءَ رَاكِبًا إِلَى الشَّطِّ، فَإِذَا حَرَّاقَةُ هَرْثَمَةَ، فَصَعِدَ إِلَيْهَا. فَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ سَلَّامٍ صَاحِبُ الْمَظَالِمِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ هَرْثَمَةَ فِي الْحَرَّاقَةِ، فَلَمَّا دَخَلَهَا الْأَمِينُ قُمْنَا لَهُ، وَجَثَا هَرْثَمَةُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ مِنْ نِقْرِسٍ بِهِ، ثُمَّ احْتَضَنَهُ وَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَعَيْنَيْهِ، وَأَمَرَ هَرْثَمَةُ بِالْحَرَّاقَةِ أَنْ تُدْفَعَ، إِذْ شَدَّ عَلَيْنَا أَصْحَابُ طَاهِرٍ فِي الزَّوَارِيقِ، وَعَطْعَطُوا وَنَقَّبُوا الْحَرَّاقَةَ، وَرَمَوْهُمْ بِالْآجُرِّ وَالنُّشَّابِ، فَدَخَلَ الْمَاءُ إِلَى الْحَرَّاقَةِ، فَغَرِقَتْ، وَسَقَطَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْمَاءِ وَسَقَطْنَا، فَتَعَلَّقَ الْمَلَّاحُ بِشَعْرِ هَرْثَمَةَ فَأَخْرَجَهُ، وَأَمَّا الْأَمِينُ فَإِنَّهُ لَمَّا سَقَطَ إِلَى الْمَاءِ شَقَّ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ إِلَى الشَّطِّ، فَأَخَذَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، وَأَتَى بِي رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ طَاهِرٍ، وَأَعْلَمَهُ أَنِّي مِنَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الْحَرَّاقَةِ، فَسَأَلَنِي مَنْ أَنَا ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلَّامٍ، صَاحِبُ الْمَظَالِمِ، مَوْلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: كَذَبْتَ، فَاصْدُقْنِي ! قُلْتُ: قَدْ صَدَقْتُكَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَخْلُوعُ ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ وَقَدْ شَقَّ ثِيَابَهُ. فَرَكِبَ، وَأَخَذَنِي مَعَهُ أَعْدُو وَفِي عُنُقِي حَبْلٌ، فَعَجَزْتُ عَنِ الْعَدْوِ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِي، فَاشْتَرَيْتُ نَفْسِي مِنْهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَتَرَكَنِي فِي بَيْتٍ، حَتَّى يَقْبِضَ الْمَالَ، وَفِي الْبَيْتِ بَوَارِيُّ وَحُصُرٌ مُدَرَّجَةٌ وَوِسَادَتَانِ. فَلَمَّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ، وَإِذْ قَدْ فَتَحُوا الْبَابَ، وَأَدْخَلُوا الْأَمِينَ وَهُوَ عُرْيَانُ، وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ وَعِمَامَةٌ، وَعَلَى كَتِفِهِ خِرْقَةٌ خَلِقَةٌ، فَتَرَكُوهُ مَعِي، فَاسْتَرْجَعْتُ وَبَكَيْتُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي، فَسَأَلَنِي عَنِ اسْمِي فَعَرَّفْتُهُ، فَقَالَ: ضُمَّنِي إِلَيْكَ، فَإِنِّي أَجِدُ وَحْشَةً شَدِيدَةً. قَالَ: فَضَمَمْتُهُ إِلَيَّ، وَإِذَا قَلْبُهُ يَخْفِقُ خَفْقًا شَدِيدًا، فَقَالَ: يَا أَحْمَدُ ! مَا فَعَلَ أَخِي ؟ قُلْتُ: حَيٌّ هُوَ. قَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ بَرِيدَهُمْ، كَانَ يَقُولُ: قَدْ مَاتَ شِبْهُ الْمُعْتَذِرِ مِنْ مُحَارَبَتِهِ. فَقُلْتُ: بَلْ قَبَّحَ اللَّهُ وُزَرَاءَكَ. فَقَالَ: مَا تَرَاهُمْ يَصْنَعُونَ بِي، أَيَقْتُلُونَنِي أَمْ يَفُونَ لِي بِأَمَانِهِمْ ؟ فَقُلْتُ: بَلْ يَفُونَ لَكَ. وَجَعَلَ يَضُمُّ الْخِرْقَةَ عَلَى كَتِفِهِ، فَنَزَعْتُ مُبَطَّنَةً كَانَتْ عَلَيَّ، وَقُلْتُ: أَلْقِ هَذِهِ عَلَيْكَ ! فَقَالَ: دَعْنِي، فَهَذَا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ خَيْرٌ كَثِيرٌ. فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ، إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُلٌ، فَنَظَرَ فِي وُجُوهِنَا، فَاسْتَثْبَتَهَا، فَلَمَّا عَرَفْتُهُ انْصَرَفَ، وَإِذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الطَّاهِرِيُّ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ عَلِمْتُ أَنَّ الْأَمِينَ مَقْتُولٌ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ فُتِحَ الْبَابُ، وَدَخَلَ الدَّارَ قَوْمٌ مِنَ الْعَجَمِ مَعَهُمُ السُّيُوفُ مَسْلُولَةٌ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَامَ قَائِمًا، وَجَعَلَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَتْ - وَاللَّهِ - نَفْسِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمَا مِنْ مُغِيثٍ، أَمَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ ؟ وَجَاءُوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَى بَابِ الْبَيْتِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضٍ: تَقَدَّمْ، وَيَدْفَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَخَذَ الْأَمِينُ بِيَدِهِ وِسَادَةً، وَجَعَلَ يَقُولُ: وَيْحَكُمْ ! أَنَا ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، أَنَا ابْنُ هَارُونَ، أَنَا أَخُو الْمَأْمُونِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي دَمِي. فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً وَقَعَتْ فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، وَضَرَبَهُ الْأَمِينُ بِالْوِسَادَةِ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَرَادَ [ أَنْ ] يَأْخُذَ السَّيْفَ مِنْهُ فَصَاحَ: قَتَلَنِي ! قَتَلَنِي ! فَدَخَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، فَنَخَسَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ فِي خَاصِرَتِهِ، فَرَكِبُوهُ، فَذَبَحُوهُ ذَبْحًا مِنْ قَفَاهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ، وَمَضَوْا بِهِ إِلَى طَاهِرٍ، وَتَرَكُوا جُثَّتَهُ. فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ أَخَذُوا جُثَّتَهُ، فَأَدْرَجُوهَا فِي جُلٍّ وَحَمَلُوهَا، فَنَصَبَ طَاهِرٌ الرَّأْسَ عَلَى بُرْجٍ، وَخَرَجَ أَهْلُ بَغْدَاذَ لِلنَّظَرِ، وَطَاهِرٌ يَقُولُ: هَذَا رَأْسُ الْمَخْلُوعِ مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا قُتِلَ نَدِمَ جُنْدُ بَغْدَاذَ وَجُنْدُ طَاهِرٍ عَلَى قَتْلِهِ، لِمَا كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَبَعَثَ طَاهِرٌ بِرَأْسِ مُحَمَّدٍ إِلَى أَخِيهِ الْمَأْمُونِ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُصْعَبٍ، وَكَتَبَ مَعَهُ بِالْفَتْحِ، فَلَمَّا وَصَلَ أَخَذَ الرَّأْسَ ذُو الرِّيَاسَتَيْنِ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى تُرْسٍ، فَلَمَّا رَآهُ الْمَأْمُونُ سَجَدَ، وَبَعَثَ مَعَهُ طَاهِرٌ بِالْبُرْدَةِ وَالْقَضِيبِ وَالْخَاتَمِ. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنَّ طَاهِرًا أَمَرَ مَوْلَاهُ قُرَيْشًا فَقَتَلَهُ، قَالَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! كُنَّا نَرْوِي أَنَّهُ يَقْتُلُهُ قُرَيْشٌ، فَذَهَبْنَا إِلَى الْقَبِيلَةِ فَوَافَقَ الِاسْمُ [ الِاسْمَ ]. وَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ نُودِيَ فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ، فَأَمِنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَدَخَلَ طَاهِرٌ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَخَطَبَ لِلْمَأْمُونِ، وَذَمَّ الْأَمِينَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، وَقِيلَ إِلَى ابْنِ الْمَهْدِيِّ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَكْتُبَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْخِلَافَةِ بِغَيْرِ التَّأْمِيرِ، وَلَكِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَمِيلُ بِالرَّأْيِ، وَتُصْغِي بِالْهَوَى إِلَى النَّاكِثِ الْمَخْلُوعِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَكَثِيرٌ مَا كَتَبْتُ إِلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَالسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ يَرْثِيهِ: عُوجَا بِمَغْنَى الطَّلَلِ الدَّاثِرِ بِالْخُلْدِ ذَاتِ الصَّخْرِ وَالْآجُرِ وَالْمَرْمَرِ الْمَنْسُوبِ يُطْلَى بِهِ وَالْبَابِ بَابِ الذَّهَبِ النَّاضِرِ عُوجَا بِهَا فَاسْتَيْقِنَا عِنْدَهَا عَلَى يَقِينِ قُدْرَةِ الْقَادِرِ وَأَبْلِغَا عَنِّي مَقَالًا إِلَى الْ مَوْلَى عَلَى الْمَأْمُورِ وَالْآمِرِ قُولَا لَهُ يَابْنَ أَبِي النَّاصِرِ طَهِّرْ بِلَادَ اللَّهِ مِنْ طَاهِرِ لَمْ يَكْفِهِ أَنْ حَزَّ أَوْدَاجَهُ ذَبْحَ الْهَدَايَا بِمُدَى الْجَازِرِ حَتَّى أَتَى يَسْحَبُ أَوْدَاجَهُ فِي شَطَنٍ ( هَذَا مَدَى ) السَّائِرِ قَدْ بَرَّدَ الْمَوْتُ عَلَى جَنْبِهِ فَطَرْفُهُ مُنْكَسِرُ النَّاظِرِ ( فَلَمَّا بَلَغَ الْمَأْمُونَ قَوْلُهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ ).
التاريخ 3123لا حكم مسجّل
ذِكْرُ صِفَةِ الْأَمِينِ وَعُمْرِهِ وَوِلَايَتِهِ قِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَلِيَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو مُوسَى، وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. ( وَهُوَ ابْنُ الرَّشِيدِ هَارُونَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَهْدِيِّ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَأُمُّهُ زُبَيْدَةُ ابْنَةُ جَعْفَرٍ الْأَكْبَرِ ابْنِ الْمَنْصُورِ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ وِلَايَتُهُ النِّصْفَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَ سَبْطًا، أَنْزَعَ، صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، أَقْنَى، جَمِيلًا، طَوِيلًا، عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِالرُّصَافَةِ. وَلَمَّا وَصَلَ خَبَرُ قَتْلِهِ إِلَى الْمَأْمُونِ أَذِنَ لِلْقُوَّادِ، وَقَرَأَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ، فَهَنَّئُوهُ بِالظَّفَرِ وَدَعَوْا لَهُ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي مَرَاثِي الْأَمِينِ وَهِجَائِهِ، تَرَكْنَا أَكْثَرَهُ لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنِ التَّارِيخِ، فَمِمَّا قِيلَ فِي مَرَاثِيهِ قَوْلُ الْحُسَيْنِ بْنِ الضَّحَّاكِ، وَكَانَ مِنْ نُدَمَائِهِ، وَكَانَ لَا يُصَدِّقُ بِقَتْلِهِ، وَيَطْمَعُ فِي رُجُوعِهِ: يَا خَيْرَ أُسْرَتِهِ وَإِنْ زَعَمُوا إِنِّي عَلَيْكَ لَمُثْبَتٌ أَسِفُ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ لِي كَبِدًا حَرَّى عَلَيْكَ وَمُقْلَةً تَكِفُ وَلَئِنْ شَجِيتُ بِمَا رُزِئْتُ بِهِ إِنِّي لَأُضْمِرُ فَوْقَ مَا أَصِفُ هَلَّا بَقِيتَ لِسَدِّ فَاقَتِنَا أَبَدًا وَكَانَ لِغَيْرِكَ التَّلَفُ قَدْ كَانَ فِيكَ لِمَنْ مَضَى خَلَفٌ وَلَسَوْفَ يُعْوِزُ بَعْدَكَ الْخَلَفُ لَا بَاتَ رَهْطُكَ بَعْدَ هَفْوَتِهِمْ إِنِّي لِرَهْطِكَ بَعْدَهَا شَنِفُ هَتَكُوا بِحُرْمَتِكَ الَّتِي هُتِكَتْ حُرَمَ الرَّسُولِ وَدُونَهَا السُّجُفُ وَثَبَتْ أَقَارِبُكَ الَّتِي خُذِلَتْ وَجَمِيعُهَا بِالذُّلِّ مُعْتَرِفُ تَرَكُوا حَرِيمَ أَبِيهِمْ نَفَلًا وَالْمُحْصَنَاتُ صَوَارِخٌ هُتُفُ أَبْدَتْ مُخَلْخَلَهَا عَلَى دَهَشٍ أَبْكَارُهُنَّ وَرَنَّتِ النَّصَفُ سُلِبَتْ مَعَاجِرُهُنَّ وَاجْتُلِيَتْ ذَاتُ النِّقَابِ وَنُوزِعَ الشَّنَفُ فَكَأَنَّهُنَّ خِلَالَ مُنْتَهَبٍ دُرٌّ تَكَشَّفَ دُونَهُ الصَّدَفُ مَلِكٌ تَخَوَّنَ مُلْكَهُ قَدَرٌ فَوَهَى وَصَرْفُ الدَّهْرِ مُخْتَلِفُ هَيْهَاتَ بَعْدَكَ أَنْ يَدُومَ لَنَا عِزٌّ وَأَنْ يَبْقَى لَنَا شَرَفُ أَفَبَعْدَ عَهْدِ اللَّهِ تَقْتُلُهُ وَالْقَتْلُ بَعْدَ أَمَانِهِ سَرَفُ فَسَتَعْرِفُونَ غَدًا بِعَاقِبَةٍ عِزَّ الْإِلَهِ فَأَوْرِدُوا وَقِفُوا يَا مَنْ تَخَوَّنَ نَوْمَهُ أَرَقٌ هَدَتِ الشُّجُونُ وَقَلْبُهُ لَهِفُ قَدْ كُنْتَ لِي أَمَلًا غَنِيتُ بِهِ فَمَضَى وَحَلَّ مَحَلَّهُ الْأَسَفُ مُرِجَ النِّظَامُ وَعَادَ مُنْكَرُنَا عُرْفًا وَأُنْكِرَ بَعْدَكَ الْعُرُفُ وَالشَّمْلُ مُنْتَشِرٌ لِفَقْدِكَ وَالدُّنْيَا سُدًى وَالْبَالُ مُنْكَسِفُ وَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ الْحَسَنِ يَرْثِيهِ عَلَى لِسَانِ أُمِّهِ زُبَيْدَةَ، وَتُخَاطِبُ الْمَأْمُونَ، وَكُنْيَةُ زُبَيْدَةَ أُمُّ جَعْفَرٍ: لِخَيْرِ إِمَامٍ قَامَ مِنْ خَيْرِ عُنْصُرِ وَأَفْضَلِ سَامٍ فَوْقَ أَعْوَادِ مِنْبَرِ لِوَارِثِ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَفَهْمِهِمْ وَلِلْمَلِكِ الْمَأْمُونِ مِنْ أُمِّ جَعْفَرِ كَتَبْتُ وَعَيْنِي مُسْتَهِلٌّ دُمُوعُهَا إِلَيْكَ ابْنَ عَمِّي مِنْ جُفُونِي وَمَحْجَرِي وَقَدْ مَسَّنِي ضُرٌّ وَذُلُّ كَآبَةٍ وَأَرَّقَ عَيْنِي يَابْنَ عَمِّي تَفَكُّرِي وَهِمْتُ لِمَا لَاقَيْتُ بَعْدَ مُصَابِهِ فَأَمْرِي عَظِيمٌ مُنْكَرٌ جِدُّ مُنْكَرُ سَأَشْكُو الَّذِي لَاقَيْتُهُ بَعْدَ فَقْدِهِ إِلَيْكَ شَكَاةَ الْمُسْتَضِيمِ الْمُقَهَّرِ وَأَرْجُو لِمَا قَدْ مَرَّ بِي مُذْ فَقَدْتُهُ فَأَنْتَ لِبَثِّي خَيْرُ رَبٍّ مُغَيِّرِ أَتَى طَاهِرٌ لَا طَهَّرَ اللَّهُ طَاهِرًا فَمَا طَاهِرٌ فِيمَا أَتَى بِمُطَهَّرِ فَأَخْرَجَنِي مَكْشُوفَةَ الْوَجْهِ حَاسِرًا وَأَنْهَبَ أَمْوَالِي وَأَخْرَبَ أَدْوُرِي يَعِزُّ عَلَى هَارُونَ مَا قَدْ لَقِيتُهُ وَمَا مَرَّ بِي نَاقِصُ الْخَلْقِ أَعْوَرِ فَإِنْ كَانَ مَا أَبْدَى بِأَمْرٍ أَمَرْتَهُ صَبَرْتُ لِأَمْرٍ مِنْ قَدِيرٍ مُقَدِّرِ تَذَكَّرْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَرَابَتِي فَدَيْتُكَ مِنْ ذِي حُرْمَةٍ مُتَذَكِّرِ فَلَمَّا قَرَأَهَا الْمَأْمُونُ بَكَى، وَقَالَ: أَنَا - وَاللَّهِ - الطَّالِبُ بِثَأْرِ أَخِي، قَتَلَ اللَّهُ قَتَلَتَهُ. وَلَقَدْ أَسْرَفَ الْحُسَيْنُ بْنُ الضَّحَّاكِ فِي مَرَاثِي الْأَمِينِ، وَذَمِّ الْمَأْمُونِ، فَلِهَذَا حَجَبَهُ الْمَأْمُونُ عَنْهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مَدِيحَهُ مُدَّةً، ثُمَّ أَحْضَرَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي ! هَلْ رَأَيْتَ يَوْمَ قُتِلَ أَخِي هَاشِمِيَّةً قُتِلَتْ وَهُتِكَتْ ؟ قَالَ: لَا ! قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ: وَمِمَّا شَجَا قَلْبِي وَكَفْكَفَ عَبْرَتِي مَحَارِمُ مِنْ آلِ النَّبِيِّ اسْتُحِلَّتِ وَمَهْتُوكَةٌ بِالْخُلْدِ عَنْهَا سُجُوفُهَا كَعَابٌ كَقَرْنِ الشَّمْسِ حِينَ تَبَدَّتِ إِذَا خَفَرَتْهَا رَوْعَةٌ مِنْ مُنَازِعٍ لَهَا الْمِرْطَ عَاذَتْ بِالْخُشُوعِ وَرَنَّتِ وَسِرْبُ ظِبَاءٍ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ هَتَفْنَ بِدَعْوَى خَيْرِ حَيٍّ وَمَيِّتِ أَرُدُّ يَدًا مِنِّي إِذَا مَا ذَكَرْتُهُ عَلَى كَبِدٍ حَرَّى وَقَلْبٍ مُفَتَّتِ فَلَا بَاتَ لَيْلُ الشَّامِتِينَ بِغِبْطَةٍ وَلَا بَلَغَتْ آمَالَهَا مَا تَمَنَّتِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! لَوْعَةٌ غَلَبَتْنِي، وَرَوْعَةٌ فَاجَأَتْنِي، وَنِعْمَةٌ سُلِبْتُهَا بَعْدَ أَنْ غَمَرَتْنِي، وَإِحْسَانٌ شَكَرْتُهُ فَأَنْطَقَنِي، وَسَيِّدٌ فَقَدْتُهُ فَأَقْلَقَنِي، فَإِنْ عَاقَبْتَ فَبِحَقِّكَ، وَإِنْ عَفَوْتَ فَبِفَضْلِكَ. فَدَمَعَتْ عَيْنُ الْمَأْمُونِ وَقَالَ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ، وَأَمَرْتُ بِإِدْرَارِ أَرْزَاقِكَ عَلَيْكَ، وَعَطَائِكَ مَا فَاتَكَ مُتَمَّمًا، وَجَعَلْتُ عُقُوبَةَ ذَنْبِكَ امْتِنَاعِي مِنِ اسْتِخْدَامِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْمَأْمُونَ رَضِيَ عَنْهُ وَسَمِعَ مَدِيحَهُ. وَمِمَّا قِيلَ فِي هِجَائِهِ: لِمْ نُبَكِّيكَ، لِمَاذَا ؟ لِلطَّرَبِ يَا أَبَا مُوسَى وَتَرْوِيجِ اللَّعَبْ وَلِتَرْكِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا حِرْصًا مِنْكَ عَلَى مَاءِ الْعِنَبْ وَشَنِيفٍ أَنَا لَا أَبْكِي لَهُ وَعَلَى كَوْثَرٍ لَا أَخْشَى الْعَطَبْ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مَا حَدُّ الرِّضَى لَا وَلَا تَعْرِفُ مَا حَدُّ الْغَضَبْ لَمْ تَكُنْ تَصْلُحُ لِلْمُلْكِ وَلَمْ تُعْطِكَ الطَّاعَةَ بِالْمُلْكِ الْعَرَبْ لِمْ نُبَكِّيكَ ؟ لِمَا عَرَّضْتَنَا لِلْمَجَانِيقِ وَطَوْرًا لِلسَّلَبْ فِي عَذَابٍ وَحِصَارٍ مُجْهِدٍ سَدَّدَ الطُّرْقَ، فَلَا وَجْهَ الطَّلَبْ زَعَمُوا أَنَّكَ حَيٌّ حَاشِرٌ كُلُّ مَنْ قَدْ قَالَ هَذَا فَكَذَبْ لَيْتَهُ قَدْ قَالَهُ فِي وَجْدَةٍ مِنْ جَمِيعٍ ذَاهِبٍ حَيْثُ ذَهَبْ أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا قَتْلَهُ وَإِذَا مَا أَوْجَبَ الْأَمْرَ وَجَبْ كَانَ وَاللَّهِ عَلَيْنَا فِتْنَةً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكَتَبْ وَقِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ خَوْفَ الْإِطَالَةِ. [فَائِدَةٌ ] [فِيمَنْ وَلِيَ وَهُوَ هَاشِمِيٌّ ابْنُ هَاشِمِيَّةٍ ] قَالَ الْمَسْعُودِيُّ: (مَا وَلِيَ الْخِلَافَةَ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا هَاشِمِيٌّ ابْنُ هَاشِمِيَّةٍ: سِوَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِهِ الْحَسَنِ، وَالْأَمِينِ; فَإِنَّ أُمَّهُ: زُبَيْدَةُ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ، وَاسْمُهَا: أَمَةُ الْعَزِيزِ، وَزُبَيْدَةُ: لَقَبٌ لَهَا ). وَقَالَ إِسْحَاقُ الْمَوْصِلِيُّ: (اجْتَمَعَتْ فِي الْأَمِينِ خَصَائِلُ لَمْ تَكُنْ فِي غَيْرِهِ : كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَسْخَاهُمْ، وَأَشْرَفَ الْخُلَفَاءِ أَبًا وَأُمًّا، حَسَنَ الْأَدَبِ، عَالِمًا بِالشِّعْرِ، لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْهَوَى وَاللَّعِبُ، وَكَانَ مَعَ سَخَائِهِ بِالْمَالِ بَخِيلًا بِالطَّعَامِ جِدًّا ). وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَحْمَرُ: (كُنْتُ رُبَّمَا أُنْسِيتُ الْبَيْتَ الَّذِي يُسْتَشْهَدُ بِهِ فِي النَّحْوِ، فَيُنْشِدُنِيهِ الْأَمِينُ، وَمَا رَأَيْتُ فِي أَوْلَادِ الْمُلُوكِ أَذْكَى مِنْهُ وَمِنَ الْمَأْمُونِ ).
التاريخ 3124لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَعْضِ سِيرَةِ الْأَمِينِ لَمَّا مَلَكَ الْأَمِينُ وَكَاتَبَهُ الْمَأْمُونُ، وَأَعْطَاهُ بَيْعَتَهُ - طَلَبَ الْخِصْيَانَ وَأَتْبَاعَهُمْ وَغَالَى فِيهِمْ، فَصَيَّرَهُمْ لِخَلْوَتِهِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ، وَقِوَامِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَفَرَضَ لَهُمْ فَرْضًا سَمَّاهُمُ الْجَرَادِيَّةَ، وَفَرْضًا مِنَ الْحُبْشَانِ سَمَّاهُمُ الْغُرَابِيَّةَ، وَرَفَضَ النِّسَاءَ الْحَرَائِرَ وَالْإِمَاءَ، حَتَّى رُمِيَ بِهِنَّ، وَقِيلَ فِيهِ الْأَشْعَارُ، فَمِمَّا قِيلَ فِيهِ: أَلَا يَا أَيُّهَا الثَّاوِي بِطُوسِ عَزِيبًا مَا يُفَادَى بِالنُّفُوسِ لَقَدْ أَبْقَيْتَ لِلْخِصْيَانِ هِقْلًا تَحْمِلُ مِنْهُمُ شُؤْمَ الْبَسُوسِ فَأَمَّا نَوْفَلٌ فَالشَّأْنُ فِيهِ وَفِي بَدْرٍ، فَيَالَكَ مِنْ جَلِيسِ وَمَا لِلْمَعْصِمِيِّ شَيْءٌ لَدَيْهِ إِذَا ذُكِرُوا بِذِي سَهْمٍ خَسِيسِ وَمَا حَسَنُ الصَّغِيرُ أَخَسُّ حَا لًا لَدَيْهِ عِنْدَ مُخْتَرَقِ الْكُئُوسِ لَهُمْ مِنْ عُمْرِهِ شَطْرٌ وَشَطْ رٌ يُعَاقِرُ فِيهِ شُرْبَ الْخَنْدَرِيسِ وَمَا لِلْغَانِيَاتِ لَدَيْهِ حَظٌّ سِوَى التَّقْطِيبِ بِالْوَجْهِ الْعَبُوسِ إِذَا كَانَ الرَّئِيسُ كَذَا سَقِيمًا فَكَيْفَ صَلَاحُنَا بَعْدَ الرَّئِيسِ فَلَوْ عَلِمَ الْمُقِيمُ بِدَارِ طُوسٍ لَعَزَّ عَلَى الْمُقِيمِ بِدَارِ طُوسِ ثُمَّ وَجَّهَ إِلَى جَمِيعِ الْبُلْدَانِ فِي طَلَبِ الْمُلْهِينَ، وَضَمَّهُمْ إِلَيْهِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ الْأَرْزَاقَ، وَاحْتَجَبَ عَنْ أَخَوَيْهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، وَاسْتَخَفَّ بِهِمْ وَبِقُوَّادِهِ، وَقَسَّمَ مَا فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ وَمَا بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْجَوَاهِرِ فِي خِصْيَانِهِ وَجُلَسَائِهِ وَمُحَدِّثِيهِ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ مَجَالِسَ لِمُتَنَزَّهَاتِهِ، وَمَوَاضِعِ خَلَوَاتِهِ وَلَهْوِهِ وَلَعِبِهِ، وَعَمِلَ خَمْسَ حَرَّاقَاتٍ فِي دِجْلَةَ عَلَى صُورَةِ الْأَسَدِ، وَالْفِيلِ، وَالْعُقَابِ، وَالْحَيَّةِ، وَالْفَرَسِ، وَأَنْفَقَ فِي عَمَلِهَا مَالًا عَظِيمًا، فَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ فِي ذَلِكَ: سَخَّرَ اللَّهُ لِلْأَمِينِ مَطَايَا لَمْ تُسَخَّرْ لِصَاحِبِ الْمِحْرَابِ فَإِذَا مَا رِكَابُهُ سِرْنَ بَرًّا سَارَ فِي الْمَاءِ رَاكِبًا لَيْثَ غَابِ عَجِبَ النَّاسُ إِذْ رَأَوْكَ عَلَى صُورَةِ لَيْثٍ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ سَبَّحُوا إِذْ رَأَوْكَ سِرْتَ عَلَيْهِ كَيْفَ لَوْ أَبْصَرُوكَ فَوْقَ الْعُقَابِ ذَاتِ زَوْرٍ وَمِنْسَرٍ وَجَنَاحَيْ نِ تَشُقُّ الْعُبَابَ بَعْدَ الْعُبَابِ تَسْبِقُ الطَّيْرَ فِي السَّمَاءِ إِذَا مَا اسْتَعْجَلُوهَا بِجِيئَةٍ وَذَهَابِ قَالَ الْكَوْثَرُ: أَمَرَ الْأَمِينُ أَنْ يُفْرَشَ لَهُ عَلَى دُكَّانٍ فِي الْخُلْدِ يَوْمًا، فَفُرِشَ عَلَيْهَا بِسَاطٌ زَرْعِيٌّ، وَنَمَارِقُ، وَفُرُشٌ مِثْلُهُ، وَهُيِّئَ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجَوَاهِرِ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَأَمَرَ قَيِّمَةَ جَوَارِيهِ أَنْ تُهَيِّئَ لَهُ مِائَةَ جَارِيَةٍ صَانِعَةٍ، فَتُصْعِدَ إِلَيْهِ عَشْرًا عَشْرًا بِأَيْدِيهِنَّ الْعِيدَانُ، يُغَنِّينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ، فَأَصْعَدَتْ إِلَيْهِ عَشْرًا، فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: هُمْ قَتَلُوهُ كَيْ يَكُونُوا مَكَانَهُ كَمَا غَدَرَتْ يَوْمًا بِكِسْرَى مَرَازِبُهْ فَسَبَّهُنَّ وَطَرَدَهُنَّ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَأَصْعَدَتْ عَشْرًا غَيْرَهُنَّ فَغَنَّيْنَهُ: مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ فَفَعَلَ مَا فَعَلَهُ، وَأَطْرَقَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: أَصْعِدِي عَشْرًا. فَأَصْعَدَتْهُنَّ فَغَنَّيْنَ: كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كَانَ أَكْثَرَ نَاصِرًا وَأَيْسَرَ جُرْمًا مِنْكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ فَقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الدُّكَّانِ، تَطَيُّرًا مِمَّا كَانَ. قِيلَ: وَذُكِرَ مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ عِنْدَ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ بِخُرَاسَانَ، فَقَالَ: كَيْفَ لَا يُسْتَحَلُّ قَتْلُ مُحَمَّدٍ وَشَاعِرُهُ يَقُولُ فِي مَجْلِسِهِ: أَلَا فَاسْقِنِي خَمْرًا وَقُلْ لِي هِيَ الْخَمْرُ وَلَا تَسْقِنِي سِرًّا إِذَا أَمْكَنَ الْجَهْرُ فَبَلَغَتِ الْقِصَّةُ الْأَمِينَ، فَحَبَسَ أَبَا نُوَاسٍ. وَلَمْ نَجِدْ فِي سِيرَتِهِ مَا يُسْتَحْسَنُ ذِكْرُهُ مِنْ حِلْمٍ، أَوْ مَعْدَلَةٍ، أَوْ تَجْرِبَةٍ، حَتَّى نَذْكُرَهَا، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ. [مِنْ شِعْرِ الْأَمِينِ ] وَمِنْ شِعْرِ الْأَمِينِ يُخَاطِبُ أَخَاهُ الْمَأْمُونَ وَيُعَيِّرُهُ بِأُمِّهِ، لَمَّا بَلَغَهُ عَنْهُ أَنَّهُ يُعَدِّدُ مَثَالِبَهُ، وَيُفَضِّلُ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، أَنْشَدَهُ الصُّولِيُّ: لَا تَفْخَرَنَّ عَلَيْكَ بَعْدُ بَقِيَّةٌ وَالْفَخْرُ يُكْمَلُ لِلْفَتَى الْمُتَكَامِلِ وَإِذَا تَطَاوَلَتِ الرِّجَالُ بِفَضْلِهَا فَارْبَعْ; فَإِنَّكَ لَسْتَ بِالْمُتَطَاوِلِ أَعْطَاكَ رَبُّكَ مَا هَوَيْتَ وَإِنَّمَا تَلْقَى خِلَافَ هَوَاكَ عِنْدَ مَرَاجِلِ تَعْلُو الْمَنَابِرَ كُلَّ يَوْمٍ آمِلًا مَا لَسْتَ مِنْ بَعْدِي إِلَيْهِ بِوَاصِلِ فَتَعِيبُ مَنْ يَعْلُو عَلَيْكَ بِفَضْلِهِ وَتُعِيدُ فِي حَقِّي مَقَالَ الْبَاطِلِ قُلْتُ: هَذَا نَظْمٌ عَالٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ... فَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ نَظْمِ أَخِيهِ وَأَبِيهِ. قَالَ الصُّولِيُّ: وَمِمَّا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ لَهُ فِي خَادِمِهِ كَوْثَرٍ، وَقَدْ سَقَاهُ وَهُوَ عَلَى بِسَاطِ نَرْجِسٍ وَالْبَدْرُ قَدْ طَلَعَ، وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ لِلْحُسَيْنِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْخَلِيعِ، وَكَانَ نَدِيمُهُ لَا يُفَارِقُهُ: وَصَفَ الْبَدْرُ حُسْنَ وَجْهِكَ حَتَّى خِلْتُ أَنِّي أَرَاكَ وَمَا أَرَاكَا وَإِذَا مَا تَنَفَّسَ النَّرْجِسُ الْغَـ ـضُّ تَوَهَّمْتُهُ نَسِيمَ ثَنَاكَا خُدَعٌ لِلْمُنَى تُعَلِّلُنِي فِي كَ بِإِشْرَاقِ ذَا وَنَكْهَةِ ذَاكَا لَأُقِيمَنَّ مَا حَيِيتُ عَلَى الشُّكْ رِ لِهَذَا وَذَاكَ؛ إِذَا حَكَيَاكَا وَلَهُ فِي خَادِمِهِ أَيْضًا: مَا يُرِيدُ النَّاسُ مِنْ صَـ ـبٍّ بِمَنْ يَهْوَى كَئِيبِ كَوْثَرُ دِينِي وَدُنْيَا يَ وَسُقْمِي وَطَبِيبِي أَعْجَزُ النَّاسِ الَّذِي يَلْـ ـحَى مُحِبًّا فِي حَبِيبِ وَلَهُ لَمَّا يَئِسَ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَا عَلَيْهِ طَاهِرٌ: يَا نَفْسُ قَدْ حَقَّ الْحَذَرْ أَيْنَ الْمَفَرُّ مِنَ الْقَدَرْ ؟ كُلُّ امْرِئٍ مِمَّا يَخَا فُ وَيَرْتَجِيهِ عَلَى خَطَرْ مَنْ يَرْتَشِفْ صَفْوَ الزَّمَا نِ يَغَصُّ يَوْمًا بِالْكَدَرْ [رِسَالَةُ الْأَمِينِ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ ] وَأَسْنَدَ الصُّولِيُّ: أَنَّ الْأَمِينَ قَالَ لِكَاتِبِهِ: (اكْتُبْ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَمْرَ قَدْ خَرَجَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَخِي إِلَى هَتْكِ السُّتُورِ وَكَشْفِ الْحُرُمِ، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَطْمَعَ فِي هَذَا الْأَمْرِ السَّحِيقِ الْبَعِيدِ; لِشَتَاتِ أُلْفَتِنَا، وَاخْتِلَافِ كَلِمَتِنَا، وَقَدْ رَضِيتُ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ أَمَانًا; لِأَخْرُجَ إِلَى أَخِي، فَإِنْ تَفَضَّلَ عَلَيَّ... فَأَهْلٌ ذَلِكَ، وَإِنْ قَتَلَنِي... فَمُرُوءَةٌ كَسَرَتْ مُرُوءَةً، وَصَمْصَامَةٌ قَطَعَتْ صَمْصَامَةً، وَلَأَنْ يَفْتَرِسَنِي السَّبْعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَنْبَحَنِي الْكَلْبُ ! ! فَأَبَى طَاهِرٌ عَلَيْهِ ). وَأَسْنَدَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيِّ قَالَ: (كَانَ أَبِي يُكَلِّمُ الْأَمِينَ وَالْمَأْمُونَ بِكَلَامٍ يَتَفَصَّحَانِ بِهِ وَيَقُولُ: كَانَ أَوْلَادُ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُخْرَجُ بِهِمْ إِلَى الْبَدْوِ حَتَّى يَتَفَصَّحُوا، وَأَنْتُمْ أَوْلَى بِالْفَصَاحَةِ مِنْهُمْ ). [حَدِيثٌ وَاحِدٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَمِينِ ] قَالَ الصُّولِيُّ: وَلَا نَعْرِفُ لِلْأَمِينِ رِوَايَةً فِي الْحَدِيثِ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاحِدَ: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُهَلَّبِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ عِنْدَ الْحُسَيْنِ بْنِ الضَّحَّاكِ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فِيهِمْ بَعْضُ أَوْلَادِ الْمُتَوَكِّلِ، فَسَأَلُوهُ عَنِ الْأَمِينِ وَأَدَبِهِ ، فَوَصَفَ الْحُسَيْنُ أَدَبًا كَثِيرًا، قِيلَ: فَالْفِقْهُ ؟ قَالَ: كَانَ الْمَأْمُونُ أَفْقَهَ مِنْهُ، قِيلَ: فَالْحَدِيثُ ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْهُ حَدِيثًا إِلَّا مَرَّةً; فَإِنَّهُ نُعِيَ إِلَيْهِ غُلَامٌ لَهُ مَاتَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ بسنده عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ مُحْرِمًا... حُشِرَ مُلَبِّيًا».
التاريخ 3125لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وُثُوبِ الْجُنْدِ بِطَاهِرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ الْجُنْدُ بِطَاهِرٍ بَعْدَ مَقْتَلِ الْأَمِينِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ طَلَبُو مِنْهُ مَالًا، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ، فَثَارُوا بِهِ، فَضَاقَ بِهِمُ الْأَمْرُ، وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُوَاطَأَةٍ مِنَ الْجُنْدِ وَأَهْلِ الْأَرْبَاضِ، وَأَنَّهُمْ مَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَحَرَّكَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْبَاضِ أَحَدٌ، فَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ، فَهَرَبَ، وَنَهَبُوا بَعْضَ مَتَاعِهِ، وَمَضَى إِلَى عَقْرَقُوفَ. وَكَانَ لَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ أَمَرَ بِحِفْظِ الْأَبْوَابِ، وَحَوَّلَ زُبَيْدَةَ أُمَّ الْأَمِينِ وَوَلَدَيْهِ مُوسَى وَعَبْدَ اللَّهِ مَعَهَا، وَحَمَلَهُمْ فِي حَرَّاقَةٍ إِلَى هُمَيْنِيَا عَلَى الزَّابِ الْأَعْلَى، ثُمَّ أَمَرَ بِحَمْلِ مُوسَى وَعَبْدِ اللَّهِ إِلَى عَمِّهِمَا الْمَأْمُونِ بِخُرَاسَانَ. فَلَمَّا ثَارَ بِهِ الْجُنْدُ نَادَوْا " مُوسَى يَا مَنْصُورُ "، وَبَقَوْا ذَلِكَ يَوْمَهُمْ وَمِنَ الْغَدِ، فَصَوَّبَ النَّاسُ إِخْرَاجَ طَاهِرٍ وَلَدَيِ الْأَمِينِ. وَلَمَّا هَرَبَ طَاهِرٌ إِلَى عَقْرَقُوفَ خَرَجَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُوَّادِ، وَتَعَبَّأَ لِقِتَالِ الْجُنْدِ وَأَهْلِ الْأَرْبَاضِ بِبَغْدَاذَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْقَوَّادَ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْهُ وَالْأَعْيَانَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَرَجُوا وَاعْتَذَرُوا، وَأَحَالُوا عَلَى السُّفَهَاءِ وَالْأَحْدَاثِ، وَسَأَلُوهُ الصَّفْحَ عَنْهُمْ وَقَبُولَ عُذْرِهِمْ. فَقَالَ طَاهِرٌ: مَا خَرَجْتُ عَنْكُمْ إِلَّا لِوَضْعِ السَّيْفِ فِيكُمْ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ - عَزَّ وَجَلَّ - لَئِنْ عُدْتُمْ لِمِثْلِهَا لَأَعُودَنَّ إِلَى رَأْيِي فِيكُمْ، وَلَأَخْرُجَنَّ إِلَى مَكْرُوهِكُمْ ! فَكَسَرَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِرِزْقِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ مَشْيَخَةِ أَهْلِ بَغْدَاذَ، وَعَمِيرَةُ أَبُو شَيْخِ بْنُ عَمِيرَةَ الْأَسَدِيُّ، فَحَلَفُوا لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْ أَهْلِ بَغْدَاذَ وَلَا مِنَ الْأَبْنَاءِ أَحَدٌ، وَضَمِنُوا مِنْهُ مَنْ وَرَاءَهُمْ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَعَفَا عَنْهُمْ، وَوَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَاسْتَوْسَقَ النَّاسُ فِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ عَلَى طَاعَةِ الْمَأْمُونِ، وَالِانْقِيَادِ لِخِلَافَتِهِ. .
التاريخ 3126لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خِلَافِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيُّ عَلَى الْمَأْمُونِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَظْهَرَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيُّ الْخِلَافَ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَكَانَ نَصْرٌ مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ يَسْكُنُ ( كَيْسُومَ، نَاحِيَةَ ) شَمَالَيْ حَلَبَ، وَكَانَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ لِلْأَمِينِ، وَلَهُ فِيهِ هَوًى، فَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ أَظْهَرَ نَصْرٌ الْغَضَبَ لِذَلِكَ، وَتَغَلَّبَ عَلَى مَا جَاوَرَهُ مِنَ الْبِلَادِ، وَمَلَكَ سُمَيْسَاطَ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَأَهْلِ الطَّمَعِ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَحَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالتَّغَلُّبِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَزَادَتْ عَمَّا كَانَتْ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ( شَبَثٌ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ).
التاريخ 3127لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وِلَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ الْعِرَاقَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْبِلَادِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْمَأْمُونُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ، أَخَا الْفَضْلِ، عَلَى كُلِّ مَا كَانَ افْتَتَحَهُ طَاهِرٌ مِنْ كُوَرِ الْجِبَالِ، وَالْعِرَاقِ، وَفَارِسَ، وَالْأَهْوَازِ، وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، بَعْدَ أَنْ قُتِلَ الْأَمِينُ. وَكَتَبَ إِلَى طَاهِرٍ بِتَسْلِيمِ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَدَّمَ الْحَسَنُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَاهِرٍ سَعِيدٍ، فَدَافَعَهُ طَاهِرٌ بِتَسْلِيمِ الْخَرَاجِ إِلَيْهِ، حَتَّى وَفَّى الْجُنْدَ أَرْزَاقَهُمْ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ الْعَمَلَ. وَقَدِمَ الْحَسَنُ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ [ وَمِائَةٍ ]، وَفَرَّقَ الْعُمَّالَ. وَأَمَرَ طَاهِرًا أَنْ يَسِيرَ إِلَى الرَّقَّةِ لِمُحَارَبَةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيِّ، وَوَلَّاهُ الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ وَالشَّامَ وَالْمَغْرِبَ، فَسَارَ طَاهِرٌ إِلَى قِتَالِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْخِلَافِ، فَلَمْ يُجِبْهُ إِلَى ذَلِكَ، ( فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ طَاهِرٌ، وَالْتَقَوْا بِنَوَاحِي كَيْسُومَ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، أَبْلَى فِيهِ نَصْرٌ بَلَاءً عَظِيمًا، وَكَانَ الظَّفَرُ لَهُ، وَعَادَ طَاهِرٌ شِبْهَ الْمَهْزُومِ إِلَى الرَّقَّةِ ). وَكَانَ قُصَارَى أَمْرِ طَاهِرٍ حِفْظَ تِلْكَ النَّوَاحِي. وَكَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى هَرْثَمَةَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى خُرَاسَانَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ.
التاريخ 3128لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وَقْعَةِ الرَّبَضِ بِقُرْطُبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ بِقُرْطُبَةَ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالرَّبَضِ، وَسَبَبُهَا أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ هِشَامٍ الْأُمَوِيَّ، صَاحِبَهَا، كَانَ كَثِيرَ التَّشَاغُلِ بِاللَّهْوِ وَالصَّيْدِ وَالشُّرْبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُجَانِسُهُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ قُرْطُبَةَ، فَكَرِهَهُ أَهْلُهَا، وَصَارُوا يَتَعَرَّضُونَ لِجُنْدِهِ بِالْأَذَى وَالسَّبِّ، إِلَى أَنْ بَلَغَ الْأَمْرُ بِالْغَوْغَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْأَذَانِ: " الصَّلَاةَ يَا مَخْمُورُ الصَّلَاةَ "، وَشَافَهَهُ بَعْضُهُمْ بِالْقَوْلِ، وَصَفَّقُوا عَلَيْهِ بِالْأَكُفِّ، فَشَرَعَ فِي تَحْصِينِ قُرْطُبَةَ وَعِمَارَةِ أَسْوَارِهَا، وَحَفْرِ خَنَادِقِهَا، وَارْتَبَطَ الْخَيْلَ عَلَى بَابِهِ، وَاسْتَكْثَرَ الْمَمَالِيكَ، وَرَتَّبَ جَمْعًا لَا يُفَارِقُونَ بَابَ قَصْرِهِ بِالسِّلَاحِ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي حِقْدِ أَهْلِ قُرْطُبَةَ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِلِانْتِقَامِ مِنْهُمْ. ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِمْ عُشْرَ الْأَطْعِمَةِ كُلَّ سَنَةٍ، مِنْ غَيْرِ حِرْصٍ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى عَشَرَةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ سُفَهَائِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ، فَهَاجَ لِذَلِكَ أَهْلُ الرَّبَضِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّ مَمْلُوكًا لَهُ سَلَّمَ سَيْفًا إِلَى صَيْقَلٍ لِيَصْقُلَهُ، فَمَطَلَهُ، فَأَخَذَ الْمَمْلُوكُ السَّيْفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ الصَّيْقَلَ بِهِ إِلَى أَنْ قَتَلَهُ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ أَهْلُ الرَّبَضِ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْأَرْبَاضِ جَمِيعَهُمْ بِالسِّلَاحِ، وَاجْتَمَعَ الْجُنْدُ وَالْأُمَوِيُّونَ وَالْعَبِيدُ بِالْقَصْرِ، وَفَرَّقَ الْحَكَمُ الْخَيْلَ وَالْأَسْلِحَةَ، وَجَعَلَ أَصْحَابَهُ كَتَائِبَ، وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَغَلَبَهُمْ أَهْلُ الرَّبَضِ، وَأَحَاطُوا بِقَصْرِهِ، فَنَزَلَ الْحَكَمُ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ، وَلَبِسَ سِلَاحَهُ، وَرَكِبَ وَحَرَّضَ النَّاسَ، فَقَاتَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ قِتَالًا شَدِيدًا. ثُمَّ أَمَرَ ابْنَ عَمِّهِ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَثَلَمَ فِي السُّورِ ثُلْمَةً، وَخَرَجَ مِنْهَا وَمَعَهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ، وَأَتَى أَهْلَ الرَّبَضِ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِمْ، فَأَضْرَمُوا النَّارَ فِي الرَّبَضِ، وَانْهَزَمَ أَهْلُهُ، وَقُتِّلُوا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَخْرَجُوا مَنْ وَجَدُوا فِي الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، فَأَسَرُوهُمْ، فَانْتَقَى مِنَ الْأَسْرَى ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ، وَصَلَبَهُمْ مُنَكَّسِينَ، وَأَقَامَ النَّهْبَ وَالْقَتْلَ وَالْحَرِيقَ وَالْخَرَابَ فِي أَرْبَاضِ قُرْطُبَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. ثُمَّ اسْتَشَارَ الْحَكَمُ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبْدِ الْمُغِيثِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُوَازِيهِ فِي قُرْبِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالصَّفْحِ عَنْهُمْ وَالْعَفْوِ، وَأَشَارَ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ، فَقَبِلَ قَوْلَهُ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ بِالْأَمَانِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الرَّبَضِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَتَلْنَاهُ وَصَلَبْنَاهُ، فَخَرَجَ مَنْ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مُسْتَخْفِيًا، وَتَحَمَّلُوا عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ خَارِجِينَ مِنْ حَضْرَةِ قُرْطُبَةَ بِنِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ، وَمَا خَفَّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَعَدَ لَهُمُ الْجُنْدُ وَالْفَسَقَةُ بِالْمَرَاصِدِ يَنْهَبُونَ، وَمَنِ امْتَنَعَ عَلَيْهِمْ قَتَلُوهُ. فَلَمَّا انْقَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ أَمَرَ الْحَكَمُ بِكَفِّ الْأَيْدِي عَنْ حُرُمِ النَّاسِ، وَجَمَعَهُنَّ إِلَى مَكَانٍ، وَأَمَرَ بِهَدْمِ الرَّبَضِ الْقِبْلِيِّ. وَكَانَ بَزِيعٌ مَوْلَى أُمَيَّةَ ابْنِ الْأَمِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ مَحْبُوسًا فِي حَبْسِ الدَّمِ بِقُرْطُبَةَ، فِي رِجْلَيْهِ قَيْدٌ ثَقِيلٌ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلَ قُرْطُبَةَ قَدْ غَلَبُوا الْجُنْدَ، سَأَلَ الْحَرَسَ أَنْ يُفْرِجُوا لَهُ، فَأَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ إِنْ سَلِمَ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِمْ، وَأَطْلَقُوهُ، فَخَرَجَ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْشِ مِثْلُهُ، فَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ الرَّبَضِ عَادَ إِلَى السِّجْنِ، فَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى الْحَكَمِ، فَأَطْلَقَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، ( وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْوَقْعَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ ).
التاريخ 3129لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْوَقْعَةِ بِالْمَوْصِلِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَيْدَانِ وَفِيهَا كَانَتِ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِالْمَيْدَانِ بِالْمَوْصِلِ بَيْنَ الْيَمَانِيَّةِ وَالنِّزَارِيَّةِ، وَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ نُعَيْمٍ الْبُرْجُمِيَّ صَارَ إِلَى دِيَارِ مُضَرَ، فَشَكَا الْأَزْدَ وَالْيَمَنَ، وَقَالَ: إِنَّهُمْ يَتَهَضَّمُونَنَا، وَيَغْلِبُونَنَا عَلَى حُقُوقِنَا، وَاسْتَنْصَرَهُمْ، فَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْمَوْصِلِ مَا يُقَارِبُ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْهَمْدَانِيُّ، وَهُوَ حِينَئِذٍ تَغَلَّبَ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ فَأَخْبَرُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى مَا يُرِيدُونَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عُثْمَانُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ مِنَ الْبَلَدِ فِي نَحْوِ أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، عِدَّةَ وَقَائِعَ، فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى النِّزَارِيَّةِ، وَظَفِرَ بِهِمْ عَلِيٌّ وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَعَادَ إِلَى الْبَلَدِ.
التاريخ 3130لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: وَرَدَ كِتَابُ الْمَأْمُونِ بَعْدَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى طَاهِرٍ وَهَرْثَمَةَ بِخَلْعِ الْقَاسِمِ بْنِ هَارُونَ، فَأَظْهَرَا ذَلِكَ، وَوَجَّهَا كُتُبَهُمَا بِهِ، وَقُرِئَ الْكِتَابُ بِخَلْعِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
التاريخ 3131لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ الْحَسَنُ الْهَرْشُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ سَفِلَةِ النَّاسِ، مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَدَعَا إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ، وَأَتَى النِّيلَ، فَجَبَى الْأَمْوَالَ وَنَهَبَ الْقُرَى.
التاريخ 3132لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى الْهَاشِمِيُّ.
التاريخ 3133لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1082 - سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، مَوْلًى لِبَنِي هَاشِمِ بْنِ رُؤْبَةَ . وَقِيلَ: مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُزَاحِمٍ الْهِلَالِيِّ. وُلِدَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ عُمَّالِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ، فَلَمَّا عُزِلَ خَالِدٌ عَنِ الْعِرَاقِ وَوَلِيَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ طَلَبَ عُمَّالَ خَالِدٍ فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَهَرَبَ عُيَيْنَةُ فَسَكَنَ مَكَّةَ. وَكَانَ لِسُفْيَانَ تِسْعَةُ إِخْوَةٍ، حَدَّثَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ: مُحَمَّدٌ، وَآدَمُ، وَعِمْرَانُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَكَانَ سُفْيَانُ مُقَدَّمًا عَلَى الْكُلِّ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ: كَانَ بَنُو عُيَيْنَةَ عَشَرَةَ خَزَّازِينَ، حَدَّثَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ - فَذَكَرَهُمْ - وَأَخْوَالُ بَنِي عُيَيْنَةَ: بَنُو بَنِي الْمُتَّئِدِ، حَدَّثَ مِنْهُمْ يُوسُفُ وَيَعْقُوبُ وَنُعَيْمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُتَّئِدِ، وَأَدْرَكَ سُفْيَانُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ نَفْسًا مِنَ التَّابِعِينَ. وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الْكِبَارِ الْأَعْمَشُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَيَحْيَى، وَكَتَبَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً قَبْلَ مَوْتِ الْأَعْمَشِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَحَدَّثَ فِي مَجْلِسِ الْأَعْمَشِ. عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ ازْدَادَ الرَّافِقِيُّ قَالَ: قَالَ لِي سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَمَّا بَلَغْتُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً دَعَانِي أَبِي فَقَالَ لِي: يَا سُفْيَانُ، قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْكَ شَرَائِعُ الصَّبِّ [مِنَ الْخَيْرِ ]، فَاحْتَفِظْ مِنَ الْخَيْرِ تَكُنْ مِنْ أَهْلِهِ، لَا يُغَرَّنَّكَ مَنِ اغْتَرَّ بِاللَّهِ فَمَدَحَكَ بِمَا تَعْلَمُ خِلَافَهُ مِنْكَ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ يَقُولُ فِي أَحَدٍ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا رَضِيَ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ مِثْلَيْ ذَلِكَ إِذَا سَخِطَ، فَاسْتَأْنِسْ بِالْوَحْدَةِ مِنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ، وَلَا تَنْقُلْ أَحْسَنَ ظَنِّي بِكَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَنْ يَسْعَدَ بِالْعُلَمَاءِ إِلَّا مَنْ أَطَاعَهُمْ. قَالَ سُفْيَانُ: فَجَعَلْتُ وَصِيَّةَ أَبِي قِبْلَةً أَمِيلُ مَعَهَا وَلَا أَمِيلُ عَنْهَا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ النَّضِرِ الْهِلَالِيُّ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَنَظَرَ إِلَى صَبِيٍّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَتَهَاوَنُوا بِهِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَقَالَ سُفْيَانُ: كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ: يَا نَصْرُ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَلِي عَشْرُ سِنِينَ طُولِي خَمْسَةُ أَشْبَارٍ، وَوَجْهِي كَالدِّينَارِ، وَأَنَا كَشُعْلَةِ نَارٍ، ثِيَابِي صِغَارٌ، وَأَكْمَامِي قِصَارٌ، وَذَيْلِي بِمِقْدَارٍ، وَنَعْلِي كَآذَانِ الْفَارِ، أَخْتَلِفُ إِلَيَّ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ، مِثْلَ الزُّهْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَجْلِسُ بَيْنَهُمْ كَالْمِسْمَارِ، مَحْبَرَتِي كَالْجَوْزَةِ، وَمَقْلَمَتِي كَالْمَوْزَةِ، وَقَلَمِي كَاللَّوْزَةِ، فَإِذَا دَخَلْتُ الْمَجْلِسَ قَالُوا: أَوْسِعُوا لِلشَّيْخِ، ثُمَّ تَبَسَّمَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَضَحِكَ. عَنْ بِشْرِ بْنِ مَطَرٍ قَالَ: كُنَّا عَلَى بَابِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَجَاءَتْ طَائِفَةٌ فَدَخَلُوا، وَطَائِفَةٌ أُخْرَى فَدَخَلُوا، فَصِحْنَا وَقُلْنَا: يَجِيءُ أَصْحَابُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَيَدْخُلُونَ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءَ وَأَبْنَاءَ السَّبِيلِ نُمْنَعُ الدُّخُولَ ! ؟ فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَهُوَ يَبْكِي فَقَالَ لَنَا: أَصَبْتُمْ مَقَالًا، فَقُولُوا هَلْ رَأَيْتُمْ صَاحِبَ عِيَالٍ أَفْلَحَ ؟ ثُمَّ قَالَ: أُعْلِمُكُمْ أَنِّي كُنْتُ أُوتِيتُ فَهُمَ الْقُرْآنِ، فَلَمَّا أَخَذْتُ مَالَ أَبِي جَعْفَرٍ مُنِعْتُ. عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطُّرْسُوسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ حَامِدَ بْنَ يَحْيَى الْبَلْخِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ كَأَنَّ أَسْنَانِي كُلَّهَا سَقَطَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلزُّهْرِيِّ فَقَالَ: يَمُوتُ أَصْحَابُكَ وَتَبْقَى [أَنْتَ ] وَحْدَكَ. فَمَاتَ أَصْحَابِي وَبَقِيتُ. عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - وَذَكَرَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - قَالَ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَسَنُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ سُفْيَانَ قَالَ [لَهُ ] بِجَمْعٍ آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا: قَدْ وَافَيْتُ هَذَا الْمَوْضِعَ سَبْعِينَ مَرَّةً، أَقُولُ فِي كُلِّ سَنَةٍ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ مِنْ كَثْرَةِ مَا أَسْأَلُهُ ذَلِكَ. فَرَجَعَ فَتُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ أَخْبَرَنِي سُفْيَانُ أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَدُفِنَ بِالْحَجُونِ وَقِيلَ: فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ. 1083 - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ بْنِ حَسَّانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَبُو سَعِيدٍ الْعَنْبَرِيُّ . وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. سَمِعَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَمَالِكًا، وَشُعْبَةَ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَخَلْقًا كَثِيرًا. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ الْمَدِينِي، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ، وَأَحَدِ الْمَذْكُورِينَ بِالْحِفْظِ وَالْفِقْهِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُبِّ لِحِفْظِ الْحَدِيثِ. عَنْ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي وَذَكَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ - قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ ذَنْبًا، أَوْ تَحْفَظُ حَدِيثًا ؟ قَالَ: أَحْفَظُ حَدِيثًا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِذَا حَدَّثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ رَجُلٍ فَهُوَ حُجَّةٌ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِي: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَعْلَمَ النَّاسِ، وَلَوْ أَنِّي أُخِذْتُ فَخُلِّفْتُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ لَحَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنِّي لَمْ أَرَ أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: مَا رَأَيْتُ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِتَابًا قَطُّ، وَكُلُّ مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ سَمِعْتُهُ حِفْظًا. عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِي قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ يَخْتِمُ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ، وَكَانَ وِرْدُهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ نِصْفَ الْقُرْآنِ. قَالَ ابْنُ الْمَدِينِي: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةٍ. 1084 - عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ بْنِ قُطْنِ بْنِ كَعْبٍ، أَبُو قُطْنٍ الْقَطْعِيُّ الْبَصْرِيُّ . قَدِمَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ شُعْبَةَ، وَهِشَامٍ الدَّسْتُوائِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ، وَيَحْيَى، وَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ. وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. 1085 - مُحَمَّدٌ الْأَمِينُ . [قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى]: قَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ قَتْلِهِ فِي الْحَوَادِثِ، وَقُتِلَ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتسعين وَمِائَةٍ، وَكَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ. وَقِيلَ: ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ مَعَ زَمَانِ الْفِتْنَةِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. 1086 - مُحَمَّدُ بْنُ مُنَاذِرٍ الشَّاعِرُ ، يُكَنَّى أَبَا ذُرَيْحٍ. وَقِيلَ: أَبَا جَعْفَرٍ. وَقِيلَ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. كَانَ مَوْلَى سُلَيْمَانَ الْقَهْرَمَانِيِّ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ. سَمِعَ مُحَمَّدًا، وَشُعْبَةَ، وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ وَغَيْرَهُمْ. وَكَانَ شَاعِرًا فَصِيحًا، وَمَدَحَ الْمَهْدِيَّ، وَكَانَ عَالِمًا بِاللُّغَةِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ: سَأَلْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ عَنِ الْيَوْمِ الثَّانِي مِنَ النَّحْرِ، مَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ، فَلَقِيتُ ابْنَ مُنَاذِرٍ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَسْقِطْ مِثْلَ هَذَا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ، كُلِّهَا عَلَى حَرْفِ الرَّاءِ، الْأَوَّلُ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَالثَّانِي: يَوْمُ الْفَرِّ، وَالثَّالِثُ: يَوْمُ النَّفْرِ، وَالرَّابِعُ: يَوْمُ الصَّدْرِ. فَلَقِيتُ أَبَا عُبَيْدَةَ فَحَدَّثْتُهُ، فَكَتَبَهُ عَنِّي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُنَاذِرٍ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُنَاذِرٍ يَتَعَبَّدُ وَيَتَنَسَّكُ، وَيُلَازِمُ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ هَوَى عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ فَتَهَتَّكَ، وَعَدَلَ عَنِ التَّنَسُّكِ، وَأَظْهَرَ الْخَلَاعَةَ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَجِيدِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَأَدَبًا وَلِبَاسًا، وَكَانَ يُحِبُّ ابْنَ مُنَاذِرٍ أَيْضًا فَتَزَوَّجَ عَبْدُ الْمَجِيدِ امْرَأَةً، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا شَهْرًا، يَجْتَمِعُ عِنْدَهُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، فَصَعِدَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى السَّطْحِ فَرَأَى طُنْبًا مِنْ أَطْنَابِ السِّتَارَةِ قَدِ انْحَلَّ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ يَشُدُّهُ، فَتَرَدَّى عَلَى رَأْسِهِ وَمَاتَ مِنْ سَقْطَتِهِ، فَمَا رَأَيْتُ مُصِيبَةً أَعْظَمَ مِنْ مُصِيبَتِهِ، وَرَثَاهُ ابْنُ مُنَاذِرٍ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَجِيدِ يَوْمَ تَوَلَّى هَدَّ رُكْنًا مَا كَانَ بِالْمَهْدُودِ مَا دَرَى نَعْشُهُ وَلَا حَامِلُوهُ مَا عَلَى النَّعْشِ مِنْ عَفَافٍ وَجُودٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ ابْنُ مُنَاذِرٍ صَاحِبَ شِعْرٍ، لَا صَاحِبَ حَدِيثٍ، وَكَانَ يَتَعَشَّقُ ابْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَيَقُولُ فِيهِ الشِّعْرَ، وَتَشَبَّبَ بِنِسَاءِ ثَقِيفٍ فَطَرَدُوهُ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُرْسِلُ الْعَقَارِبَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يَلْسَعْنَ النَّاسَ وَيَصُبُّ الْمِدَادَ بِاللَّيْلِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَوَضَّأُ النَّاسُ مِنْهَا حَتَّى تَسْوَدَّ وُجُوهُهُمْ لَا يَرْوِي عَنْهُ رَجُلٌ فِيهِ خَيْرٌ. 1087 - يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ فَرُّوخٍ، أَبُو سَعِيدٍ الْقَطَّانُ الْأَحْوَلُ. وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. سَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَالْأَعْمَشَ، وَسُفْيَانَ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُ مَهْدِيٍّ، وَعَفَّانُ، وَأَحْمَدُ، وَعَلِيٌّ، وَيَحْيَى، وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ عَلِيٌّ: لَمْ أَرَ أَحَدًا أَثْبَتَ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَلَا أَعْلَمَ بِالرِّجَالِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَهُ، لَا وَاللَّهِ مَا أَدْرَكْنَا مِثْلَهُ، مَا كَانَ أَضْبَطَهُ وَأَشَدَّ تَفَقُّدِهِ. عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَشْعَثِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: أَقَامَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عِشْرِينَ سَنَةً يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، وَلَمْ يَفُتْهُ الْمَسْجِدُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَمَا رُئِيَ يَطْلُبُ جَمَاعَةً قَطُّ. تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ فِي صَفَرٍ هَذِهِ السَّنَةَ.
التاريخ 3134لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ ظُهُورِ ابْنِ طَبَاطَبَا الْعَلَوِيِّ وَفِيهَا ظَهَرَ ( أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، بِالْكُوفَةِ، يَدْعُو إِلَى الرِّضَى مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ طَبَاطَبَا، وَكَانَ الْقَيِّمَ بِأَمْرِهِ فِي الْحَرْبِ أَبُو السَّرَايَا السَّرِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ بْنِ هَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ الشَّيْبَانِيِّ. وَكَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا صَرَفَ طَاهِرًا عَمَّا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي افْتَتَحَهَا، وَوَجَّهَ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ إِلَيْهَا - تَحَدَّثَ النَّاسُ بِالْعِرَاقِ أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْمَأْمُونِ، وَأَنَّهُ أَنْزَلَهُ قَصْرًا حَجَبَهُ فِيهِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَقُوَّادِهِ، وَأَنَّهُ يَسْتَبِدُّ بِالْأَمْرِ دُونَهُ، فَغَضِبَ لِذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَاجْتَرَءُوا عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَهَاجَتِ الْفِتَنُ فِي الْأَمْصَارِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ ظَهَرَ ابْنُ طَبَاطَبَا بِالْكُوفَةِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبَ اجْتِمَاعِ ابْنِ طَبَاطَبَا بِأَبِي السَّرَايَا أَنَّ أَبَا السَّرَايَا كَانَ يَكْرِي الْحَمِيرَ، ثُمَ5 قَوِيَ حَالُهُ، فَجَمَعَ نَفَرًا، فَقَتَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ بِالْجَزِيرَةِ، وَأَخَذَ مَا مَعَهُ، فَطُلِبَ، فَاخْتَفَى، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ إِلَى الْجَانِبِ الشَّامِيِّ، فَكَانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ فِي تِلْكَ النَّوَاحِي، ثُمَّ لَحِقَ بِيَزِيدَ بْنِ مَزْيَدٍ الشَّيْبَانِيِّ بِ أَرْمِينِيَّةَ، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ فَارِسًا، فَقَوَّدَهُ، فَجَعَلَ يُقَاتِلُ مَعَهُ الْخَرَّمِيَّةَ، وَأَثَّرَ فِيهِمْ وَفَتَكَ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ غُلَامَهُ أَبَا الشَّوْكِ. فَلَمَّا عُزِلَ أَسَدٌ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ صَارَ أَبُو السَّرَايَا إِلَى أَحْمَدَ بْنِ مَزْيَدٍ، فَوَجَّهَهُ أَحْمَدُ طَلِيعَةً إِلَى عَسْكَرِ هَرْثَمَةَ فِي فِتْنَةِ الْأَمِينِ وَالْمَأْمُونِ، وَكَانَتْ شَجَاعَتُهُ قَدِ اشْتَهَرَتْ، فَرَاسَلَهُ هَرْثَمَةُ ( يَسْتَمِيلُهُ، فَمَالَ إِلَيْهِ، فَانْتَقَلَ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَقَصَدَهُ الْعَرَبُ ) مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَخْرَجَ لَهُمُ الْأَرْزَاقَ مِنْ هَرْثَمَةَ، فَصَارَ مَعَهُ نَحْوُ أَلْفَيْ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَصَارَ يُخَاطَبُ بِالْأَمِيرِ. فَلَمَّا قُتِلَ الْأَمِينُ نَقَصَهُ هَرْثَمَةُ مِنْ أَرْزَاقِهِ وَأَرْزَاقِ أَصْحَابِهِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ وَأَعْطَاهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَفَرَّقَهَا فِي أَصْحَابِهِ وَمَضَى، وَقَالَ لَهُمْ: اتَّبِعُونِي مُتَفَرِّقِينَ. فَفَعَلُوا، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ وَحَصَرَ عَامِلَهَا، وَأَخَذَ مَا مَعَهُ مِنَ الْمَالِ وَفَرَّقَهُ فِي أَصْحَابِهِ. وَسَارَ، فَلَقِيَ عَامِلًا آخَرَ وَمَعَهُ مَالٌ عَلَى ثَلَاثَةِ بِغَالٍ، فَأَخَذُوهَا وَسَارَ، فَلَحِقَهُ عَسْكَرٌ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ هَرْثَمَةُ خَلْفَهُ، فَعَادَ إِلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ، وَدَخَلَ الْبَرِّيَّةَ، وَقَسَّمَ الْمَالَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَانْتَشَرَ جُنْدُهُ، فَلَحِقَ بِهِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَسَارَ نَحْوَ دَقُوقَاءَ، وَعَلَيْهَا أَبُو ضِرْغَامَةَ الْعِجْلِيُّ، فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَبُو ضِرْغَامَةَ وَدَخَلَ قَصْرَ دَقُوقَاءَ، فَحَصَرَهُ أَبُو السَّرَايَا، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْقَصْرِ بِالْأَمَانِ، وَأَخَذَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ. وَسَارَ إِلَى الْأَنْبَارِ وَعَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ الشَّرَوِيُّ، مَوْلَى الْمَنْصُورِ، فَقَتَلَهُ أَبُو السَّرَايَا، وَأَخَذَ مَا فِيهَا وَسَارَ عَنْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا بَعْدَ إِدْرَاكِ الْغِلَالِ، فَاحْتَوَى عَلَيْهَا، ثُمَّ ضَجِرَ مِنْ طُولِ السُّرَى فِي الْبِلَادِ، فَقَصَدَ الرَّقَّةَ، فَمَرَّ بِطَوْقِ بْنِ مَالِكٍ التَّغْلِبِيِّ وَهُوَ يُحَارِبُ الْقَيْسِيَّةَ، فَأَعَانَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَقَامَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يُقَاتِلُ عَلَى غَيْرِ طَمَعٍ إِلَّا لِلْعَصَبِيَّةِ لِلرَّبَعِيَّةِ عَلَى الْمُضَرِيَّةِ، فَظَفِرَ طَوْقٌ وَانْقَادَتْ لَهُ قَيْسٌ. وَسَارَ عَنْهُ أَبُو السَّرَايَا إِلَى الرَّقَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَهَا لَقِيَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طَبَاطَبَا، فَبَايَعَهُ، وَقَالَ لَهُ: انْحَدِرْ أَنْتَ فِي الْمَاءِ، وَأَسِيرُ أَنَا عَلَى الْبَرِّ، حَتَّى نُوَافِيَ الْكُوفَةَ. فَدَخَلَاهَا، وَابْتَدَأَ أَبُو السَّرَايَا بِقَصْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى فَأَخَذَ مَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ، وَكَانَ عَظِيمًا لَا يُحْصَى، وَبَايَعَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبَ خُرُوجِهِ أَنَّ أَبَا السَّرَايَا كَانَ مِنْ رِجَالِ هَرْثَمَةَ، فَمَطَلَهُ بِأَرْزَاقِهِ فَغَضِبَ، وَمَضَى إِلَى الْكُوفَةِ، ( فَبَايَعَ ابْنَ طَبَاطَبَا، وَأَخَذَ الْكُوفَةَ )، وَاسْتَوْسَقَ لَهُ أَهْلُهَا، وَأَتَاهُ النَّاسُ مِنْ نَوَاحِي الْكُوفَةِ وَالْأَعْرَابُ، فَبَايَعُوهُ، وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَيْهَا لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمَنْصُورِ، فَلَامَهُ الْحَسَنُ، وَوَجَّهَ زُهَيْرَ بْنَ الْمُسَيَّبِ الضَّبِّيَّ إِلَى الْكُوفَةِ فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُ طَبَاطَبَا وَأَبُو السَّرَايَا، فَوَاقَعُوهُ فِي قَرْيَةِ شَاهِي فَهَزَمُوهُ، وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَهُ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ، مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَبَاطَبَا فَجْأَةً، سَمَّهُ أَبُو السَّرَايَا، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا غَنِمَ مَا فِي عَسْكَرِ زُهَيْرٍ مَنَعَ عَنْهُ أَبَا السَّرَايَا، وَكَانَ النَّاسُ لَهُ مُطِيعِينَ، فَعَلِمَ أَبُو السَّرَايَا أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ مَعَهُ، فَسَمَّهُ فَمَاتَ، وَأَخَذَ غُلَامًا أَمْرَدَ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَكَانَ الْحُكْمُ إِلَى أَبِي السَّرَايَا. وَرَجَعَ زُهَيْرٌ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَأَقَامَ بِهِ، وَوَجَّهَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَبْدُوسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ الْمَرْوَرُوذِيَ، فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو السَّرَايَا، فَلَقِيَهُ بِالْجَامِعِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَجَبٍ، فَقَتَلَ عَبْدُوسًا، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدٌ، كَانُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ. وَانْتَشَرَ الطَّالِبِيُّونَ فِي الْبِلَادِ، وَضَرَبَ أَبُو السَّرَايَا الدَّرَاهِمَ بِالْكُوفَةِ، وَسَيَّرَ جُيُوشَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَوَاسِطٍ وَنَوَاحِيهِمَا. فَوَلَّى الْبَصْرَةَ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيَّ. وَوَلَّى مَكَّةَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْأَفْطَسُ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ الْمَوْسِمَ. وَوَلَّى الْيَمَنَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ. ( وَوَلَّى فَارِسَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ. وَوَلَّى الْأَهْوَازَ زَيْدَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ )، فَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَأَخْرَجَ عَنْهَا الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيَّ، وَوَلِيَهَا مَعَ الْأَهْوَازِ. وَوَجَّهَ أَبُو السَّرَايَا مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ ( بْنِ الْحَسَنِ ) بْنِ عَلِيٍّ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ بَغْدَاذَ مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَأَتَى الْمَدَائِنَ وَأَقَامَ بِهَا، وَسَيَّرَ عَسْكَرَهُ إِلَى دَيَالَى. وَكَانَ بِوَاسِطٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْحَرَشِيُّ وَالِيًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَانْهَزَمَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي السَّرَايَا إِلَى بَغْدَاذَ، فَلَمَّا رَأَى الْحَسَنُ أَنَّ أَصْحَابَهُ لَا يَلْبَثُونَ لِأَصْحَابِ أَبِي السَّرَايَا - أَرْسَلَ إِلَى هَرْثَمَةَ يَسْتَدْعِيهِ لِمُحَارَبَةِ أَبِي السَّرَايَا، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَى خُرَاسَانَ مُغَاضِبًا لِلْحَسَنِ، فَحَضَرَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فِي شَعْبَانَ، وَسَيَّرَ الْحَسَنُ إِلَى الْمَدَائِنِ وَوَاسِطٍ عَلِيَّ بْنَ سَعِيدٍ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا السَّرَايَا وَهُوَ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَى الْمَدَائِنِ، فَدَخَلَهَا أَصْحَابُهُ فِي رَمَضَانَ، وَتَقَدَّمَ حَتَّى نَزَلَ بِنَهْرِ صَرْصَرٍ، وَجَاءَ هَرْثَمَةُ فَعَسْكَرَ بِإِزَائِهِ، بَيْنَهُمَا النَّهْرُ، وَسَارَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ فِي شَوَّالٍ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَقَاتَلَ بِهَا أَصْحَابَ أَبِي السَّرَايَا، فَهَزَمَهُمْ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْمَدَائِنِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا السَّرَايَا، فَرَجَعَ مِنْ نَهْرِ صَرْصَرٍ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَنَزَلَ بِهِ، وَسَارَ هَرْثَمَةُ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَتَلَهُمْ، وَوَجَّهَ رُءُوسَهُمْ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَنَازَلَ هَرْثَمَةُ أَبَا السَّرَايَا، فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا وَقْعَةٌ قُتِلَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي السَّرَايَا، فَانْحَازَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَوَثَبَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الطَّالِبِيِّينَ عَلَى دُورِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَمَوَالِيهِمْ ( وَأَتْبَاعِهِمْ، فَهَدَمُوهَا )، وَانْتَهَبُوهَا، وَخَرَّبُوا ضِيَاعَهُمْ، وَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْكُوفَةِ، وَعَمِلُوا أَعْمَالًا قَبِيحَةً، وَاسْتَخْرَجُوا الْوَدَائِعَ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ عِنْدَ النَّاسِ. وَكَانَ هَرْثَمَةُ يُخْبِرُ النَّاسَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْحَجَّ، وَحَبَسَ مَنْ قَدِمَ لِلْحَجِّ مِنْ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا لِيَكُونَ هُوَ أَمِيرُ الْمَوْسِمِ، وَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ دَاوُدَ بْنَ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؓ وَكَانَ الَّذِي وَجَّهَهُ أَبُو السَّرَايَا إِلَى مَكَّةَ حُسَيْنَ بْنَ حَسَنٍ الْأَفْطَسَ ابْنِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَوَجَّهَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَدَخَلَهَا، وَلَمْ يُقَاتِلْهُ بِهَا أَحَدٌ. وَلَمَّا بَلَغَ دَاوُدَ بْنُ عِيسَى تَوْجِيهُ أَبِي السَّرَايَا حُسَيْنَ بْنَ حَسَنٍ إِلَى مَكَّةَ لِإِقَامَةِ الْمَوْسِمِ - جَمَعَ أَصْحَابَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَمَوَالِيَهُمْ، وَكَانَ مَسْرُورٌ الْكَبِيرٌ قَدْ حَجَّ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، فَتَعَبَّأَ لِلْحَرْبِ، وَقَالَ لِدَاوُدَ: أَقِمْ إِلَيَّ شَخْصَكَ، أَوْ بَعْضَ وَلَدِكَ، وَأَنَا أَكْفِيكَ، فَقَالَ: لَا أَسْتَحِلُّ الْقِتَالَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلُوهَا مِنْ هَذَا الْفَجِّ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ غَيْرِهِ. وَانْحَازَ دَاوُدُ إِلَى نَاحِيَةِ الْمُشَاشِ، وَافْتَرَقَ الْجَمْعُ الَّذِي كَانَ جَمَعَهُمْ، وَخَافَ مَسْرُورٌ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، فَخَرَجَ فِي أَثَرِ دَاوُدَ رَاجِعًا إِلَى الْعِرَاقِ، وَبَقِيَ النَّاسُ بِعَرَفَةَ، فَصَلَّى بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ النَّاسِ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ، وَدَفَعُوا مِنْ عَرَفَةَ بِغَيْرِ إِمَامٍ. وَكَانَ حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ بِسَرَفَ يَخَافُ دُخُولَ مَكَّةَ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ قَوْمٌ أَخْبَرُوهُ أَنَّ مَكَّةَ قَدْ خَلَتْ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَدَخَلَهَا فِي عَشْرَةِ أَنْفُسٍ، فَطَافُوا بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَمَضَوْا إِلَى عَرَفَةَ، فَوَقَفُوا لَيْلًا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، وَأَقَامَ بِمِنًى أَيَّامَ الْحَجِّ، وَبَقِيَ بِمَكَّةَ إِلَى أَنِ انْقَضَتِ السَّنَةُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بِالْمَدِينَةِ، حَتَّى انْقَضَتِ السَّنَةُ. وَأَمَّا هَرْثَمَةُ فَإِنَّهُ نَزَلَ بِقَرْيَةِ شَاهِي، وَرَدَّ الْحَاجَّ، وَاسْتَدْعَى مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ إِلَيْهِ، وَكَاتَبَ رُؤَسَاءَ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ فَإِنَّهُ تَوَجَّهَ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى وَاسِطٍ، فَأَخَذَهَا، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهَا هَذِهِ السَّنَةَ.
التاريخ 3135لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قُوَّةِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيِّ وَفِيهَا قَوِيَ أَمْرُ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيِّ بِالْجَزِيرَةِ وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَحَصَرَ حَرَّانَ، وَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ شِيعَةِ الطَّالِبِيِّينَ فَقَالُوا لَهُ: قَدْ وَتَرْتَ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَقَتَلْتَ رِجَالَهُمْ، وَأَعْلَقْتَ عَنْهُمُ الْعَرَبَ، فَلَوْ بَايَعْتَ لِخَلِيفَةٍ كَانَ أَقْوَى لِأَمْرِكَ. فَقَالَ: مِنْ أَيِّ النَّاسِ ؟ فَقَالُوا: نُبَايِعُ آلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أُبَايِعُ [ بَعْضَ ] أَوْلَادِ السَّوْدَاوَاتِ، فَيَقُولُ إِنَّهُ هُوَ خَلَقَنِي وَرَزَقَنِي ؟ قَالُوا: فَنُبَايِعُ لِبَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: أُولَئِكَ قَدْ أَدْبَرَ أَمْرُهُمْ، وَالْمُدْبِرُ لَا يُقْبِلُ أَبَدًا، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيَّ رَجُلٌ مُدْبِرٌ لَأَعْدَانِي إِدْبَارُهُ، وَإِنَّمَا هَوَايَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ، وَإِنَّمَا حَارَبْتُهُمْ مُحَامَاةً عَلَى الْعَرَبِ لِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ عَلَيْهِمُ الْعَجَمَ.
التاريخ 3136لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ بَغْدَادَ نَائِبًا عَلَيْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ وَوَجَّهَ نُوَّابَهُ إِلَى بَقِيَّةِ أَعْمَالِهِ، وَتَوَجَّهَ طَاهِرٌ إِلَى نِيَابَةِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَسَارَ هَرْثَمَةُ إِلَى نِيَابَةِ خُرَاسَانَ. وَكَانَ قَدْ خَرَجَ فِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا الْحَسَنُ الْهِرْشُ يَدْعُو إِلَى الرِّضَا مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجَبَى الْأَمْوَالَ، وَانْتَهَبَ الْأَنْعَامَ، وَعَاثَ فِي الْبِلَادِ فَسَادًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ جَيْشًا، فَقَتَلُوهُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 3137لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1088 - إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، أَبُو يَحْيَى الْعَبْدِيُّ الْكُوفِيُّ. مَوْلًى لِعَبْدِ الْقَيْسِ. سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَغَيْرِهِمَا. رَوَى عَنْهُ: قُتَيْبَةُ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَكَانَ ثِقَةً. انْتَقَلَ إِلَى الرَّيِّ فَسَكَنَهَا، وَنُسِبَ إِلَيْهَا، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا وَرِعًا ظَاهِرَ الْخُشُوعِ، كَثِيرَ الْبُكَاءِ، وَقَدِمَ بَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَحَدَّثَ بِهَا، فَسَمِعَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرَّيِّ فَمَاتَ بِهَا. 1089 - أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَيْسَرَةَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، مَوْلَى السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ . مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ. سَمِعَ أَبَا إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيَّ، وَالْأَعْمَشَ، وَالثَّوْرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ رَوَى عَنْهُ: قُتَيْبَةُ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. قَالَ يَحْيَى: هُوَ ثِقَةٌ، وَالْكُوفِيُّونَ يُضَعِّفُونَهُ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: أَوَّلَ سَنَةِ مِائَتَيْنِ. 1090 - الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ . حَدَّثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَبَكْرِ بْنِ حُبَيْشٍ، وَمَالكٍ، وَسُفْيَانَ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ. وَوَلِيَ قَضَاءَ بَلْخَ. قَالَ يَحْيَى: وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ -: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْوَى عَنْهُ، خَلُّوا عَنْهُ، إِنَّهُ قَالَ: الْجَنَّةُ وَالنَّارُ خُلِقَتَا وَسَتَفْنَيَانِ، وَهَذَا كَلَامٌ جَهْمٌ، لَا يُرْوَى عَنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: تَرَكُوا حَدِيثَهُ، كَانَ جَهْمِيًّا، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. 1091 - سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ، يُكَنَّى أَبَا أَيُّوبَ . حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ دَرْبُ سُلَيْمَانَ بِبَغْدَادَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي صَفَرٍ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ الشَّرَوِيُّ قَهْرَمَانَ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: دَخَلَ هَارُونُ الرَّشِيدُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ وَكَانَ عَلِيلًا، فَرَأَى جَارِيَةً تُسَمَّى ضَعِيفَةً، فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ وَالشَّكْلِ [فَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ ] فَقَالَ [هَارُونُ ]: هَبْهَا لِي. فَقَالَ: هِيَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أَخَذَهَا مَرِضَ سُلَيْمَانُ مِنْ شِدَّةِ حُبِّهِ لَهَا، فَقَالَ: أَشْكُو إِلَى ذِي الْعَرْشِ مَا لَاقِيتُ مِنْ أَمْرِ الْخَلِيفَةْ يَسَعُ الْبَرِيَّةَ عَدْلُهُ وَيُرِيدُ ظُلْمِي فِي ضَعِيفَةْ عَلَقَ الْفُؤَادُ بِحُبِّهَا كَالْبَحْرِ يُعَلَّقُ بِالصَّحِيفَةْ قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ هَارُونَ الرَّشِيدَ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ. 1092 - شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ، أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ . وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ. رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 1093 - عَلِيُّ بْنُ بَكَّارٍ، أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ . كَانَ فَقِيهًا مُتَعَبِّدًا كَثِيرَ الْبُكَاءِ. قَالَ مُوسَى بْنُ طَرِيفٍ: كَانَتِ الْجَارِيَةُ تَفْرِشُ لِعَلِيِّ بْنِ بَكَّارٍ الْفِرَاشَ فَيَلُمُّهُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَطَيِّبٌ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَبَارِدٌ، لَا عَلَوْتُكَ اللَّيْلَةَ. فَكَانَ يُصَلِّي الْغَدَاةَ لِوُضُوءِ الْعَتَمَةِ. [قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ] أَسْنَدَ عَلِيٌّ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ فِي آخَرِينَ، وَصَحِبَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَدْهَمَ. وَبَلَغَنَا عَنْهُ أَنَّهُ طُعِنَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَخَرَجَتْ أَمْعَاؤُهُ عَلَى قَرَبُوسِ سَرْجِهِ، فَرَدَّهَا إِلَى بَطْنِهِ، وَشَدَّهَا بِالْعِمَامَةِ، وَقَاتَلَ حَتَّى قَتَلَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عِلْجًا. وَتُوُفِّيَ بِالْمَصِّيصَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 1094 - عَامِرُ بْنُ حَمْزَةَ، مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ . وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: هُوَ عِمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. كَانَ أَحَدَ الْكُتَّابِ الْبُلَغَاءِ، وَكَانَ أَتْيَهَ النَّاسِ حَتَّى ضُرِبَ بِتِيهِهِ الْمَثَلُ، فَقِيلَ: "أَتْيَهُ مِنْ عِمَارَةَ". وَكَانَ جَوَادًا، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ دَارُ عِمَارَةَ بِبَغْدَادَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ دَاوُدَ: اسْتَأْذَنَ قَوْمٌ عَلَى عِمَارَةَ بْنِ حَمْزَةَ لِيَشْفَعُوا إِلَيْهِ فِي بِرِّ قَوْمٍ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ، وَكَانَ قَدْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَأَخْبَرَهُ حَاجِبُهُ بِحَاجَتِهِمْ، فَأَمَرَ لَهُمْ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَاجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا عَلَيْهِ فِي الشُّكْرِ لَهُ، فَقَالَ لَهُ حَاجِبُهُ، فَقَالَ: أَقْرِئْهُمُ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ إِنِّي رَفَعْتُ عَنْكُمْ ذُلَّ الْمَسْأَلَةِ، فَلَا أُحَمِّلُكُمْ مَئُونَةَ الشُّكْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَيُّوبَ الْمَكِّيُّ قَالَ: بَعَثَ أَبُو أَيُّوبَ الْمَكِّيُّ بَعْضَ وَلَدِهِ إِلَى عِمَارَةَ بْنِ حَمْزَةَ، فَأَدْخَلَهُ الْحَاجِبُ. قَالَ: ثُمَّ أَدْنَانِي إِلَى سِتْرٍ مُسْبَلٍ، فَقَالَ: ادْخُلْ. فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ مُحَوِّلٌ وَجْهَهُ إِلَى الْحَائِطِ فَقَالَ لِي الْحَاجِبُ: سَلِّمْ. فَسَلَّمْتُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ. فَقَالَ الْحَاجِبُ اذْكُرْ حَاجَتَكَ فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ نَائِمٌ قَالَ: لَا اذْكُرْ حَاجَتَكَ، فَقُلْتُ لَهُ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ أَخُوكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَذْكُرُ دَيْنًا وَيَقُولُ: بَهَظَنِي وَسَتَرَ وَجْهِي، وَلَوْلَاهُ لَكُنْتُ مَكَانَ رَسُولِي تَسْأَلُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَضَاءَهُ. فَقَالَ: وَكَمْ دَيْنُ أَبِيكَ ؟ قُلْتُ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَالَ: وَفِي مِثْلِ هَذَا أُكَلِّمُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! ؟ يَا غُلَامُ احْمِلْهَا مَعَهُ. وَمَا الْتَفَتَ إِلَيَّ وَلَا كَلَّمَنِي بِغَيْرِ هَذَا. قَالَ ابْنُ سَعِيدٍ: وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ: كَانَ أَبِي يَأْمُرُنِي بِمُلَازَمَةِ عِمَارَةَ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: فَاعْتَلَّ عِمَارَةُ، وَكَانَ الْمَهْدِيُّ سَيِّئَ الرَّأْيِ فِيهِ فَقَالَ لَهُ أَبِي يَوْمًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَوْلَاكَ عِمَارَةُ عَلِيلٌ، وَقَدْ أَفْضَى الْأَمْرُ مِنْهُ إِلَى بَيْعِ فَرْشِهِ وَكُسْوَتِهِ، فَقَالَ: غَفَلْتُ عَنْهُ وَمَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ بَلَغَ هَذِهِ الْحَالَ، احْمِلْ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ يَا رَبِيعُ وَأَعْلِمْهُ أَنَّ لَهُ عِنْدِي بَعْدَهَا مَا يُحِبُّ. قَالَ: فَحَمَلَهَا أَبِي مِنْ سَاعَتِهِ وَقَالَ: اذْهَبْ بِهَا إِلَى عَمِّكَ وَقُلْ لَهُ: أَخُوكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: أَذْكَرْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْرَكَ، فَاعْتَذَرَ مِنْ غَفْلَتِهِ عَنْكَ، وَأَمَرَ لَكَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَقَالَ: لَكَ عِنْدِي بَعْدَهَا مَا تُحِبُّ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَوَجَّهَهُ إِلَى الْحَائِطِ، فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ: ابْنُ أَخِيكَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ. فَأَبْلَغْتُهُ الرِّسَالَةَ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ طَالَ لُزُومُكَ لَنَا وَقَدْ كُنَّا نُحِبُّ أَنْ نُكَافِئَكَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُمْكِنَّا قَبْلَ هَذَا الْوَقْتِ انْصَرِفْ بِهَا، فَهِيَ لَكَ. قَالَ: فَهِبْتُهُ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْهِ، فَتَرَكْتُ الْبِغَالَ عَلَى بَابِهِ وَانْصَرَفْتُ إِلَى أَبِي فَأَعْلَمْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، خُذْهَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، عِمَارَةٌ لَيْسَ مِمَّنْ يُرَادُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَالٍ مَلَكْتُهُ. 1095 - هِشَامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خُدَيْجٍ، أَبُو طَالِبٍ التُّجِيبِيُّ . سَمِعَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ، وَجَالَسَ ابْنَ وَهْبٍ، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا. وَوَلِيَ إِمْرَةَ بَرْقَةَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ، وَوَلِي شُرْطَةَ فُسْطَاطِ مِصْرَ. وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. 1096 - يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطَ، أَبُو مُحَمَّدٍ . مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: سِيحُ. كَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَسْبَاطَ يَقُولُ: أَشْتَهِي [أَنْ ] أَمُوتَ، وَمَا مِلْكِي دِرْهَمٌ وَلَا عَلَى عَظْمِي لَحْمٌ، وَلَا عَلَيَّ دَيْنٌ. فَرُزِقَ ذَلِكَ، فَأَعَدَّ فِي مَرَضِهِ شَيْئًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَعَزَلَ مِنْهَا دِرْهَمًا لِحَنُوطِهِ، وَأَنْفَقَ الْبَاقِي وَمَاتَ. قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ: سَمِعْتُ مِنْ يُوسُفَ بْنِ أَسْبَاطَ حَرْفًا فِي الْوَرَعِ مَا سَمِعْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ. قُلْتُ لَهُ يَوْمًا وَقَدِ اتَّخَذَ كَوَايِرَ نَحْلٍ: لَوِ اتَّخَذْتَ حَمَامًا. فَقَالَ: النَّحْلُ أَحَبّ إِلَيَّ مِنَ الْحَمَّامِ، الْحَمَامُ يَدْخُلُ الْغَرِيبُ [فِيهِمْ ]، وَالنَّحْلُ لَا تَدْخُلُ الْغَرِيبُ فِيهَا، فَمِنْ ذَاكَ اتَّخَذْتُ النِّحَلَ.
التاريخ 3145لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْغَزَاةِ إِلَى الْفِرِنْجِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْحَكَمُ أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ جَيْشًا مَعَ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُغِيثٍ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ بِالْأَنْدَلُسِ، فَسَارَ بِالْعَسَاكِرِ حَتَّى دَخَلَ بِأَرْضِهِمْ، وَتَوَسَّطَ بِلَادَهُمْ، فَخَرَّبَهَا وَنَهَبَهَا وَهَدَمَ عِدَّةً مِنْ حُصُونِهَا، [ وَكَانَ ] كُلَّمَا أَهْلَكَ مَوْضِعًا وَصَلَ إِلَى غَيْرِهِ، فَاسْتَنْفَدَ خَزَائِنَ مُلُوكِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى مَلِكُهُمْ فِعْلَ الْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِهِمْ كَاتَبَ مُلُوكَ جَمِيعِ النَّوَاحِي مُسْتَنْصِرًا بِهِمْ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةُ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، فَأَقْبَلَ فِي جُمُوعٍ عَظِيمَةٍ بِإِزَاءِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، بَيْنَهُمْ نَهْرٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا عِدَّةَ أَيَّامٍ، الْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ يَعْبُرُونَ النَّهْرَ، وَهُمْ يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ تَأَخَّرُوا عَنِ النَّهْرِ، فَعَبَرَ الْمُشْرِكُونَ إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا أَعْظَمَ قِتَالٍ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى النَّهْرِ، فَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ وَالْأَسْرُ، فَمَنْ عَبَرَ النَّهْرَ سَلِمَ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْ كُنُودِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَقَمَامِصَتِهِمْ، وَعَادَ الْفِرِنْجُ يَلْزَمُونَ جَانِبَ النَّهْرِ، يَمْنَعُونَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جَوَازِهِ، فَبَقُوا كَذَلِكَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، يَقْتَتِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ، فَجَاءَتِ الْأَمْطَارُ، وَزَادَ النَّهْرُ وَتَعَذَّرَ جَوَازُهُ، فَقَفَلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْهُمْ سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ.
التاريخ 3146لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خُرُوجِ الْبَرْبَرِ بِنَاحِيَةِ مَوْرُورَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ خَارِجِيٌّ مِنَ الْبَرْبَرِ بِنَاحِيَةِ مَوْرُورَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَوَصَلَ كِتَابُ الْعَامِلِ إِلَى الْحَكَمِ بِخَبَرِهِ، فَأَخْفَى الْحَكَمُ خَبَرَهُ، وَاسْتَدْعَى مِنْ سَاعَتِهِ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ سِرًّا، وَقَالَ لَهُ: سِرْ مِنْ سَاعَتِكَ إِلَى هَذَا الْخَارِجِيِّ فَأْتِنِي بِرَأْسِهِ، وَإِلَّا فَرَأْسُكَ عِوَضُهُ، وَأَنَا قَاعِدٌ مَكَانِي هَذَا إِلَى أَنْ تَعُودَ. فَسَارَ الْقَائِدُ إِلَى الْخَارِجِيِّ، فَلَمَّا قَارَبَهُ سَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ عَنْهُ بِاحْتِيَاطٍ كَثِيرٍ، وَاحْتِرَازٍ شَدِيدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الْحَكَمِ: إِنْ قَتَلْتَهُ، وَإِلَّا فَرَأْسُكَ عِوَضُهُ، فَحَمَلَ نَفْسَهُ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ الْمُخَاطَرَةِ، فَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَأَحْضَرَ [ رَأْسَهُ ] عِنْدَ الْحَكَمِ، فَرَآهُ بِمَكَانِهِ ذَلِكَ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا رَأَى رَأْسَهُ أَحْسَنَ إِلَى ذَلِكَ الْقَائِدِ، وَوَصَلَهُ وَأَعْلَى مَحَلَّهُ. ( مَوْرُورُ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ، وَضَمِّ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْوَاوِ الثَّانِيَةِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ ثَانِيَةٌ ].
التاريخ 3138لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ مِائَتَيْنِ ذِكْرُ هَرَبِ أَبِي السَّرَايَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ أَبُو السَّرَايَا مِنَ الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ حَصَرَهُ فِيهَا ( وَمَنْ مَعَهُ ) هَرْثَمَةُ، وَجَعَلَ يُلَازِمُ قِتَالَهُمْ، حَتَّى ضَجِرُوا، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو السَّرَايَا، تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ مِنَ الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ فِي ثَمَانِمِائَةِ فَارِسٍ، وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، وَدَخَلَهَا هَرْثَمَةُ فَأَمَّنَ أَهْلَهَا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ هَرَبُهُ سَادِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ، وَأَتَى الْقَادِسِيَّةَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى السُّوسِ بِخُوزِسْتَانَ فَلَقِيَ مَالًا قَدْ حُمِلَ مِنَ الْأَهْوَازِ فَأَخَذَهُ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. وَأَتَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْمَأْمُونِيُّ، فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ عَمَلِهِ، وَكَرِهَ قِتَالَهُ، فَأَبَى أَبُو السَّرَايَا إِلَّا قِتَالَهُ، فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ الْمَأْمُونِيُّ وَجَرَحَهُ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ، وَسَارَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو الشَّوْكِ نَحْوَ مَنْزِلِ أَبِي السَّرَايَا بِرَأْسِ عَيْنٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى جَلُولَاءَ ظَفِرَ بِهِمْ حَمَّادٌ الْكُنْدُغُوشُ، فَأَخَذَهُمْ، وَأَتَى بِهِمُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ وَهُوَ بِالنَّهْرَوَانِ، فَقَتَلَ أَبَا السَّرَايَا، وَبَعَثَ رَأَسَهُ إِلَى الْمَأْمُونِ، وَنُصِبَتْ جُثَّتُهُ عَلَى جِسْرِ بَغْدَاذَ، وَسَيَّرَ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدٍ إِلَى الْمَأْمُونِ. وَأَمَّا هَرْثَمَةُ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِالْكُوفَةِ يَوْمًا وَاحِدًا ( وَعَادَ )، وَاسْتَخْلَفَ بِهَا غَسَّانَ بْنَ أَبِي الْفَرَجِ أَبَا إِبْرَاهِيمَ بْنِ غَسَّانَ، صَاحِبِ ( حَرَسٍ ) وَالِي خُرَاسَانَ. وَسَارَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَخَذَهَا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى زَيْدَ النَّارِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهَا لِكَثْرَةِ مَا أَحْرَقَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ دُورِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَأَتْبَاعِهِمْ، وَكَانَ إِذَا أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسَوِّدَةِ أَحْرَقَهُ، وَأَخَذَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً مِنْ أَمْوَالِ التُّجَّارِ سِوَى أَمْوَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَلَمَّا وَصَلَ عَلِيٌّ إِلَى الْبَصْرَةِ اسْتَأْمَنَهُ زَيْدٌ فَأَمَّنَهُ، وَأَخَذَهُ، وَبَعَثَ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْيَمَنِ جَيْشًا، فَأَمَرَهُمْ بِمُحَارَبَةِ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ. وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِ أَبِي السَّرَايَا وَقَتْلِهِ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ.
التاريخ 3139لا حكم مسجّل
ذِكْرُ ظُهُورِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ أَبِي السَّرَايَا وَمَا كَانَ مِنْهُ - سَارَ إِلَى الْيَمَنِ وَبِهَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَامِلًا لِلْمَأْمُونِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قُرْبُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ صَنْعَاءَ، سَارَ مِنْهَا نَحْوَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمُشَاشَ فَعَسْكَرَ بِهَا، وَاجْتَمَعَ بِهَا إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَرَبُوا مِنَ الْعَلَوِيِّينَ، وَاسْتَوْلَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْجَزَّارَ لِكَثْرَةِ مَنْ قَتَلَ بِالْيَمَنِ وَسَبَى وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ.
التاريخ 3140لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَفْطَسُ بِمَكَّةَ وَالْبَيْعَةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي الْمُحَرَّمِ، نَزَعَ الْحُسَيْنُ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ، وَكَسَاهَا كُسْوَةً أُخْرَى، أَنْفَذَهَا أَبُو السَّرَايَا مِنَ الْكُوفَةِ، مِنَ الْقَزِّ، وَتَتَبَّعَ وَدَائِعَ بَنِي الْعَبَّاسِ وَأَتْبَاعَهُمْ وَأَخَذَهَا، وَأَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِحُجَّةِ الْوَدَائِعِ، فَهَرَبَ النَّاسُ مِنْهُ، وَتَطَرَّقَ أَصْحَابُهُ إِلَى قَلْعِ شَبَابِيكِ الْحَرَمِ، وَأَخْذِ مَا عَلَى الْأَسَاطِينِ مِنَ الذَّهَبِ، وَهُوَ نَزْرٌ حَقِيرٌ، وَأَخْذِ مَا فِي خِزَانَةِ الْكَعْبَةِ، فَقَسَّمَهُ مَعَ كُسْوَتِهَا عَلَى أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِي السَّرَايَا، وَرَأَى تَغَيُّرَ النَّاسِ لِسُوءِ سِيرَتِهِ وَسِيرَةِ أَصْحَابِهِ، أَتَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَانَ شَيْخًا مُحَبَّبًا لِلنَّاسِ، مُفَارِقًا لِمَا عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ قُبْحِ السِّيرَةِ، وَكَانَ يَرْوِي الْعِلْمَ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرٍ ؓ وَكَانَ النَّاسُ يَكْتُبُونَ عَنْهُ، وَكَانَ يُظْهِرُ زُهْدًا، فَلَمَّا أَتَوْهُ قَالُوا لَهُ: تَعْلَمُ مَنْزِلَتَكَ مِنَ النَّاسِ، فَهَلُمَّ نُبَايِعْ لَكَ بِالْخِلَافَةِ، فَإِنْ فَعَلْتَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ رَجُلَانِ. فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ ابْنُهُ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَفْطَسُ حَتَّى غَلَبَاهُ عَلَى رَأْيِهِ، وَأَجَابَهُمْ، وَأَقَامُوهُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَبَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَجَمَعُوا لَهُ النَّاسَ، فَبَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَسَمَّوْهُ " أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ "، فَبَقِيَ شُهُورًا وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَابْنُهُ عَلِيٌّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ وَجَمَاعَتُهُمْ أَسْوَأُ مَا كَانُوا سِيرَةً وَأَقْبَحُ فِعْلًا، فَوَثَبَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فِهْرٍ كَانْتْ جَمِيلَةً، وَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ، فَأَخَافَ زَوْجَهَا، وَهُوَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، حَتَّى تَوَارَى عَنْهُ، ثُمَّ كَسَرَ بَابَ دَارِهَا، وَأَخَذَهَا إِلَيْهِ مُدَّةً ثُمَّ هَرَبَتْ مِنْهُ. وَوَثَبَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى غُلَامٍ أَمَرَدَ، وَهُوَ ابْنُ قَاضِي مَكَّةَ، يُقَالُ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَكَانَ جَمِيلًا، فَأَخَذَهُ قَهْرًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُجَاوِرِينَ اجْتَمَعُوا بِالْحَرَمِ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ، فَأَتَوْ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ، فَقَالُوا لَهُ: لَنَخْلَعَنَّكَ، أَوْ لَنَقْتُلَنَّكَ، أَوْ لَتَرُدَنَّ إِلَيْنَا هَذَا الْغُلَامَ ! فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَكَلَّمَهُمْ مِنْ شُبَّاكٍ، وَطَلَبَ مِنْهُمُ الْأَمَانَ لِيَرْكَبَ إِلَى ابْنِهِ وَيَأْخُذَ الْغُلَامَ، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ، فَأَمَّنُوهُ، فَرَكِبَ ( إِلَى ابْنِهِ ) وَأَخَذَ الْغُلَامَ مِنْهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى أَهْلِهِ. وَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَدِمَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْعَبَّاسِيُّ مِنَ الْيَمَنِ فَنَزَلَ الْمُشَاشَ، وَاجْتَمَعَ الطَّالِبِيُّونَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَأَعْلَمُوهُ، وَحَفَرُوا خَنْدَقًا، وَجَمَعُوا النَّاسَ مِنَ الْأَعْرَابِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَاتَلَهُمْ إِسْحَاقُ، ثُمَّ كَرِهَ الْقِتَالَ، فَسَارَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَلَقِيَهُ الْجُنْدُ الَّذِينَ أَنْفَذَهُمْ هَرْثَمَةُ إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُمُ الْجَلُودِيُّ وَرَجَاءُ بْنُ جَمِيلٍ، فَقَالُوا لِإِسْحَاقَ: ارْجِعْ مَعَنَا، وَنَحْنُ نَكْفِيكَ الْقِتَالَ. فَرَجَعَ مَعَهُمْ، فَقَاتَلُوا الطَّالِبِيِّينَ فَهَزَمُوهُمْ، فَأَرْسَلَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوهُ، وَدَخَلَ الْعَبَّاسِيُّونَ مَكَّةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ وَتَفَرَّقَ الطَّالِبِيُّونَ مِنْ مَكَّةَ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ فَسَارَ نَحْوَ الْجُحْفَةِ، فَأَدْرَكَهُ بَعْضُ مَوَالِي بَنِي الْعَبَّاسِ، فَأَخَذَ جَمِيعَ مَا مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ دُرَيْهَمَاتٍ يَتَوَصَّلُ بِهَا، فَسَارَ نَحْوَ بِلَادِ جُهَيْنَةَ، فَجَمَعَ بِهَا، وَقَاتَلَ هَارُونَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَالِيَ الْمَدِينَةِ، عِنْدَ الشَّجَرَةِ وَغَيْرِهَا، عِدَّةَ دَفَعَاتٍ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ، وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ بِنُشَّابَةٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَرَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ. فَلَمَّا انْقَضَى الْمَوْسِمُ طَلَبَ الْأَمَانَ مِنَ الْجُلُودِيِّ، وَمِنْ رَجَاءِ بْنِ جَمِيلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، فَأَمَّنَهُ، وَضَمِنَ لَهُ رَجَاءٌ عَنِ الْمَأْمُونِ وَعَنِ الْفَضْلِ الْوَفَاءَ بِالْأَمَانِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ، فَأَتَى مَكَّةَ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّنِي بَلَغَنِي أَنَّ الْمَأْمُونَ مَاتَ، وَكَانَتْ لَهُ فِي عُنُقِي بَيْعَةٌ، وَكَانَتْ فِتْنَةٌ عَمَّتِ الْأَرْضَ، فَبَايَعَنِي النَّاسُ، ثُمَّ إِنَّهُ صَحَّ عِنْدِي أَنَّ الْمَأْمُونَ حَيٌّ صَحِيحٌ، وَأَنَا أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الْبَيْعَةِ، وَقَدْ خَلَعْتُ نَفْسِي مِنَ الْبَيْعَةِ الَّتِي بَايَعْتُمُونِي عَلَيْهَا، كَمَا خَلَعْتُ خَاتَمِي هَذَا مِنْ إِصْبَعِي، فَلَا بَيْعَةَ لِي فِي رِقَابِكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ وَسَارَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَيَّرَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ، فَلَمَّا سَارَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْعِرَاقِ صَحِبَهُ، فَمَاتَ بِجُرْجَانَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
التاريخ 3141لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَا فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ مِنَ الْيَمَنِ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ( فِي جُنْدٍ ) لِيَحُجَّ بِالنَّاسِ، فَسَارَ الْعَقِيلِيُّ حَتَّى أَتَى بُسْتَانَ ابْنِ عَامِرٍ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ الْمُعْتَصِمَ قَدْ حَجَّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، فِيهِمْ حَمْدَوَيْهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَلَى الْيَمَنِ، فَعَلِمَ الْعَقِيلِيُّ أَنَّهُ لَا يَقْوَى بِهِمْ، فَأَقَامَ بِبُسْتَانِ ابْنِ عَامِرٍ، فَاجْتَازَ قَافِلَةً مِنَ الْحَاجِّ، وَمَعَهُمْ كُسْوَةُ الْكَعْبَةِ وَطِيبُهَا، فَأَخَذَ أَمْوَالَ التُّجَّارِ وَكُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَطِيبَهَا، وَقَدِمَ الْحَجَّاجُ مَكَّةَ عُرَاةً مَنْهُوبِينَ. فَاسْتَشَارَ الْمُعْتَصِمُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ الْجُلُودِيُّ: أَنَا أَكْفِيكَ ذَلِكَ. فَانْتَخَبَ مِائَةَ رَجُلٍ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْعَقِيلِيِّ، فَصَحِبَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ فَانْهَزَمُوا، وَأَسَرَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَخَذَ كُسْوَةَ الْكَعْبَةِ وَأَمْوَالَ التُّجَّارِ، إِلَّا مَا كَانَ مَعَ مَنْ هَرَبَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّهُ وَأَخَذَ الْأَسْرَى، فَضَرَبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةَ أَسْوَاطٍ وَأَطْلَقَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى الْيَمَنِ يَسْتَطْعِمُونَ النَّاسَ، فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ فِي الطَّرِيقِ.
التاريخ 3142لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَسِيرَةِ هَرْثَمَةَ إِلَى الْمَأْمُونِ وَقَتْلِهِ لَمَّا فَرَغَ هَرْثَمَةُ مِنْ أَبِي السَّرَايَا رَجَعَ فَلَمْ يَأْتِ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ، وَكَانَ بِالْمَدَائِنِ، بَلْ سَارَ عَلَى عَقْرَقُوفَ حَتَّى أَتَى الْبَرَدَانَ، وَالنَّهْرَوَانَ، وَأَتَى خُرَاسَانَ، فَأَتَتْهُ كُتُبُ الْمَأْمُونِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْشَّامِ وَالْحِجَازِ، فَأَبَى وَقَالَ: لَا أَرْجِعُ حَتَّى أَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. إِدْلَالًا مِنْهُ عَلَيْهِ، وَلِمَا يَعْرِفُ مِنْ نَصِيحَتِهِ لَهُ وَلِآبَائِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُعَرِّفَ الْمَأْمُونَ مَا يُدَبِّرُ عَلَيْهِ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، وَمَا يَكْتُمُ عَنْهُ مِنَ الْأَخْبَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَدَعُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى بَغْدَاذَ لِيَتَوَسَّطَ سُلْطَانَهُ. فَعَلِمَ الْفَضْلُ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِلْمَأْمُونِ: إِنَّ هَرْثَمَةَ قَدْ أَثْقَلَ عَلَيْكَ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، وَدَسَّ أَبَا السَّرَايَا، وَهُوَ مِنْ جُنْدِهِ، وَلَوْ أَرَادَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَقَدْ كُتِبَ إِلَيْهِ عِدَّةُ كُتُبٍ لِيَرْجِعَ إِلَى الشَّامِ وَالْحِجَازِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَدْ جَاءَ مُشَاقًّا يُظْهِرُ الْقَوْلَ الشَّدِيدَ، فَإِنْ أُطْلِقَ ( هَذَا كَانَ مَفْسَدَةً ) لِغَيْرِهِ. فَتَغَيَّرَ قَلْبُ الْمَأْمُونِ، وَأَبْطَأَ هَرْثَمَةُ إِلَى ذِي الْقِعْدَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ مَرْوَ خَشِيَ أَنْ يَكْتُمَ قُدُومَهُ عَنِ الْمَأْمُونِ، فَأَمَرَ بِالطُّبُولِ فَضُرِبَتْ لِكَيْ يَسْمَعَهَا الْمَأْمُونُ، فَسَمِعَهُ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: هَرْثَمَةُ قَدْ أَقْبَلَ يُرْعِدُ وَيُبْرِقُ. فَظَنَّ هَرْثَمَةُ أَنَّ قَوْلَهُ الْمَقْبُولُ، فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِإِدْخَالِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: مَالَأْتَ أَهْلَ الْكُوفَةِ الْعَلَوِيِّينَ، وَوَضَعْتَ أَبَا السَّرَايَا، وَلَوْ شِئْتَ أَنْ تَأْخُذَهُمْ جَمِيعًا لَفَعَلْتَ. فَذَهَبَ هَرْثَمَةُ يَتَكَلَّمُ وَيَعْتَذِرُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَدِيسَ بَطْنُهُ، وَضُرِبَ أَنْفُهُ، وَسُحِبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَقَدْ أَمَرَ الْفَضْلُ الْأَعْوَانَ بِالتَّشْدِيدِ عَلَيْهِ، فَحُبِسَ، فَمَكَثَ فِي الْحَبْسِ أَيَّامًا، ثُمَّ دَسَّ إِلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ، وَقَالُوا: مَاتَ.
التاريخ 3143لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وَثَوْبِ الْحَرْبِيَّةِ بِبَغْدَاذَ وَفِيهَا كَانَ مِنَ الشَّغَبِ بِبَغْدَاذَ بَيْنَ الْحَرْبِيَّةِ وَالْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ كَانَ بِالْمَدَائِنِ حِينَ شَخَصَ هَرْثَمَةُ إِلَى الْمَأْمُونِ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِبَغْدَاذَ، وَسَمِعَ مَا صَنَعَهُ الْمَأْمُونُ بِهَرْثَمَةَ، بَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَهُوَ وَالِي بَغْدَاذَ مِنْ قِبَلِهِ، أَنْ مَاطِلِ الْجُنْدَ مِنَ الْحَرْبِيَّةِ أَرْزَاقَهُمْ وَلَا تُعْطِهِمْ. وَكَانَ الْحَرْبِيَّةُ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ خَرَجَ هَرْثَمَةُ إِلَى خُرَاسَانَ قَدْ وَثَبُوا، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى حَتَّى نَطْرُدَ الْحَسَنَ وَعُمَّالَهُ عَنْ بَغْدَاذَ. فَطَرَدُوهُمْ، وَصَيَّرُوا إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْهَادِيَ خَلِيفَةَ الْمَأْمُونِ بِبَغْدَاذَ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى ذَلِكَ وَرَضُوا بِهِ. فَدَسَّ الْحَسَنُ إِلَيْهِمْ، وَكَاتَبَ قُوَّادَهُمْ حَتَّى يَبْعَثُوا مِنْ جَانِبِ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، فَحَوَّلَ الْحَرْبِيَّةُ إِسْحَاقَ إِلَيْهِمْ، وَأَنْزَلُوهُ عَلَى دُجَيْلٍ، وَجَاءَ زُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، فَنَزَلَ فِي عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، وَبَعَثَ الْحَسَنُ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَدَخَلُوا بَغْدَاذَ لَيْلًا فِي شَعْبَانَ، وَقَاتَلَ الْحَرْبِيَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَلَى قَنْطَرَةِ الصَّرَاةِ، ثُمَّ وَعَدَهُمْ رِزْقَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا أُدْرِكَتِ الْغَلَّةُ، فَسَأَلُوهُ تَعْجِيلَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُنْفِقُونَهَا فِي رَمَضَانَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. وَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ، فَلَمْ يَتِمَّ الْعَطَاءُ حَتَّى أَتَاهُمْ خَبَرُ زَيْدِ بْنِ مُوسَى مِنَ الْبَصْرَةِ، الْمَعْرُوفِ بِزَيْدِ النَّارِ، وَكَانَ هَرَبَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ، فَخَرَجَ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ هُوَ وَأَخُو أَبِي السَّرَايَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ مِائَتَيْنِ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، وَهَرَبَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ بَعْدَ جُمُعَةٍ مِنَ الْحَرْبِيَّةِ، وَنَزَلَ بِصَرْصَرٍ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَفِ لَهُمْ بِإِعْطَاءِ الْخَمْسِينَ إِلَى أَنْ جَاءَ الْأَضْحَى، وَبَلَغَهُمْ خَبَرُ هَرْثَمَةَ وَأَخْرَجُوهُ. وَكَانَ الْقَيِّمَ بِأَمْرِ هَرْثَمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ; لِأَنَّ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ كَانَ يَسْتَخِفُّ بِهِ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَتَحَوَّلَ إِلَى الْحَرْبِيَّةِ، فَلَمْ يَقْرَبْهُمْ عَلِيٌّ، فَهَرَبَ إِلَى صَرْصَرٍ، ثُمَّ هَزَمُوهُ مِنْ صَرْصَرٍ. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبَ فِي شَغَبِ الْأَبْنَاءِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ مَاهَانَ الْحَدَّ، فَغَضِبَ الْأَبْنَاءُ، وَخَرَجُوا.
التاريخ 3144لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بِالْمَوْصِلِ وَفِيهَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالْمَوْصِلِ بَيْنَ بَنِي سَامَةَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ، فَاسْتَجَارَتْ ثَعْلَبَةُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيِّ، وَهُوَ أَخُو عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَمِيرِ الْبَلَدِ، فَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَفَعَلُوا، فَتَبِعَهُمْ بَنُو سَامَةَ فِي أَلْفِ رَجُلٍ إِلَى الْعَوْجَاءِ، وَحَصَرُوهُمْ فِيهَا، فَبَلَغَ الْخَبَرُ عَلِيًّا وَمُحَمَّدًا ابْنَيِ الْحُسَيْنِ، فَأَرْسَلَا الرِّجَالَ إِلَيْهِمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مِنْ بَنِي سَامَةَ جَمَاعَةٌ، وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، وَمَنْ بَنِي تَغْلِبَ، وَكَانُوا مَعَهُمْ، فَحُبِسُوا فِي الْبَلَدِ. ثُمَّ إِنَّ أَحْمَدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيَّ التَّغْلِبِيَّ أَتَى مُحَمَّدًا، وَطَلَبَ إِلَيْهِ الْمُسَالَمَةَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَصَلُحَ الْأَمْرُ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ.
التاريخ 3147لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ الْمَأْمُونُ رَجَاءَ بْنَ أَبِي الضَّحَّاكِ لِإِحْضَارِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ) . وَأُحْصِيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَدُ الْعَبَّاسِ فَبَلَغُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مَا بَيْنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَتِ الرُّومُ مَلِكَهَا أَلْيُونَ، وَكَانَ مُلْكُهُ سَبْعَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ مِيخَائِيلَ بْنَ جُورْجِيشَ ثَانِيَةً. وَفِيهَا خَالَفَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَبَعَثَ الْمَأْمُونُ إِلَيْهِ بِسَرَّاجٍ الْخَادِمِ وَقَالَ لَهُ: إِنْ وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ أَوْ شَخَصَ إِلَيَّ بِمَرْوَ، وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ سَرَّاجٌ فَأَطَاعَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْمَأْمُونِ بِمَرْوَ مَعَ هَرْثَمَةَ. وَفِيهَا قَتَلَ الْمَأْمُونُ يَحْيَى بْنَ عَامِرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ; لِأَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْكَافِرِينَ.
التاريخ 3148لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْمُعْتَصِمُ.
التاريخ 3149لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مِنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1097 - أَيُّوبُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْمُقْرِئُ . مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ وَغَيْرَهُ رَوَى عَنْهُ: عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِي وَيَحْيَى، وَكَانَ مِنَ الْقُرَّاءِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 1098 - أَبَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ غَفِيرٍ، مَوْلَى بَنِي رَقَّاشٍ . مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، شَاعِرٌ مَطْبُوعٌ مُقَدَّمٌ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَاتَّصَلَ بِالْبَرَامِكَةِ، وَانْقَطَعَ إِلَيْهِمْ، وَعَمِلَ لَهُمْ كِتَابَ "كَلَيْلَةَ وَدِمْنَةَ" شِعْرًا. وَلَهُ قَصَائِدُ وَمَدَائِحُ فِي الرَّشِيدِ وَالْفَضْلِ بْنِ يَحْيَى، وَيُقَالُ إِنَّ كُلَّ كَلَامٍ نُقِلَ إِلَى شِعْرٍ فَالْكَلَامُ أَفْصَحُ مِنْهُ إِلَّا هَذَا الْكِتَابَ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْهَاشِمِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنٌ لِعَبْدِ الْحَمِيدِ اللَّاحِقِيِّ قَالَ: أَحَبَّ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ أَنْ يَحْفَظَ كِتَابَ "كَلَيْلَةَ وَدِمْنَةَ" فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَبَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: أَنَا أَجْعَلُهُ شِعْرًا لِيَخِفَّ عَلَى الْوَزِيرِ حِفْظُهُ. فَنَقَلَهُ إِلَى قَصِيدَةٍ عَمِلَهَا مُزْدَوِجَةً عَدَدُ أَبْيَاتِهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفِ بَيْتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَأَعْطَاهُ يَحْيَى عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَأَعْطَاهُ الْفَضْلُ خَمْسَةَ آلَافِ دِينَارٍ. وَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى: أَلَا تَرْضَى أَنْ أَكُونَ رَاوِيَتُكَ لَهَا ! وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِثُلُثِ الْمَالِ الَّذِي أَخَذَهُ. وَكَانَ أَبَانُ حَسَنَ السِّيرَةِ، حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ. وَقَالَ عِنْدَ وَفَاتِهِ: أَنَا أَرْجُو اللَّهَ وَأَسْأَلُهُ رَحْمَتَهُ مَا مَضَتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ قَطُّ لَمْ أُصَلِّ فِيهَا تَطَوُّعًا كَثِيرًا. وَأَوَّلُ قَصِيدَتِهِ هَذِهِ: هَذَا كِتَابُ أَدَبٍ وَمِحْنَهْ وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى كَلِيلَ دِمْنَهْ 1099 - مَعْرُوفُ بْنُ الْفَيْرُزَانِ، أَبُو مَحْفُوظٍ، وَيُعْرَفُ بِالْكَرْخِيِّ . نِسْبَةً إِلَى كَرْخِ بَغْدَادَ، كَانَ أَهْلُهُ نَصَارَى، وَكَانَ صَبِيًّا فِي الْمَكْتَبِ يَقُولُ مُعَلِّمُهُمْ: أَبٌ وَابْنٌ. فَيَصِيحَ: أَحَدٌ أَحَدٌ. وَأَسْلَمَ، وَرَوَى عَنْ بَكْرِ بْنِ حُبَيْسٍ، وَالرَّبِيعِ بْنِ صُبَيْحٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَارِفِينَ لِلَّهِ، وَالْمُحِبِّينَ لَهُ، وَكَانَ لَهُ كَرَامَاتٌ. وَذُكِرَ مَرَّةً عِنْدَ أَحْمَدَ فَقِيلَ: هُوَ قَلِيلُ الْعِلْمِ فَقَالَ: وَهَلْ يُرَادُ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ ! ؟ وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: لَا يَزَالُ أَهْلُ بَغْدَادَ بِخَيْرٍ مَا بَقِيَ فِيهِمْ مَعْرُوفٌ. عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ: مَضَيْتُ يَوْمًا إِلَى مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ ثُمَّ عُدْتُ إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ، فَرَأَيْتُ فِي وَجْهِهِ أَثَرَ شَجَّةٍ، فَهِبْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا، وَكَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ أَجْرَأُ مِنِّي عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: كُنَّا عِنْدَكَ الْبَارِحَةَ وَمَعَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، فَلَمْ نَرَ فِي وَجْهِكَ هَذَا الْأَثَرَ. فَقَالَ لَهُ مَعْرُوفٌ: خُذْ فِيمَا تَنْتَفِعُ بِهِ. فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّهِ. فَانْتَفَضَ مَعْرُوفٌ ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَمَا حَاجَتُكَ إِلَى هَذَا ! ؟ مَضَيْتُ الْبَارِحَةَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ صِرْتُ إِلَى زَمْزَمَ، فَشَرِبْتُ مِنْهَا، فَزَلَّتْ رِجْلِي، فَنَطَحَ الْبَابُ وَجْهِي، فَهَذَا الَّذِي تَرَى مِنْ ذَلِكَ. عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الزَّيَّاتِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شِيرَوَيْهِ يَقُولُ: كُنْتُ أُجَالِسُ مَعْرُوفًا الْكَرْخِيَّ كَثِيرًا، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ رَأَيْتُ وَجْهَهُ قَدْ خَلَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مَحْفُوظٍ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَمْشِي عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ لِي: مَا مَشَيْتُ قَطُّ عَلَى الْمَاءِ، وَلَكِنْ إِذَا هَمَمْتُ بِالْعُبُورِ جُمِعَ لِي طَرَفَاهَا فَأَتَخَطَّاهَا. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: مَرَّ مَعْرُوفٌ عَلَى سَقَّاءٍ يَسْقِي الْمَاءَ وَهُوَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ مَنْ شَرِبَ. فَشَرِبَ - وَكَانَ صَائِمًا - فَقَالَ: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَهُ. [قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ] تُوُفِّيَ مَعْرُوفٌ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَيُقَالُ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَقَدْ جَمَعْتُ أَخْبَارَهُ فِي كِتَابٍ مُفْردٍ، فَلَمْ أُطِلْ هَاهُنَا [بِالتَّكْرَارِ ]. 1100 - وَهْبُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، أَبُو الْبَخْتَرِيُّ، الْقُرَشِيُّ . حَدَّثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَانْتَقَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى بَغْدَادَ، فَوَلَّاهُ الرَّشِيدُ الْقَضَاءَ بِعَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ، ثُمَّ عَزَلَهُ فَوَلَّاهُ مَدِينَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ صَلَاتَهَا وَقَضَاءَهَا وَحَرْبَهَا. وَكَانَ جَوَادًا، يَعْتَذِرُ إِلَى مَنْ يُعْطِيهِ وَإِنْ كَثُرَ عَطَاؤُهُ. فَقَالَ مَادِحُهُ: هَلَّا فَعَلْتَ - هَدَاكَ الْمَلِيكُ - فِينَا كَفِعْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ تَتَبَّعَ إِخْوَانَهُ فِي الْبِلَادِ فَأَغْنَى الْمُقِلُّ عَنِ الْمُكْثِرِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ وَيَسْهَرُ اللَّيْلَ فِي وَضْعِهِ. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْعَقِيلِيِّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الرَّشِيدُ الْمَدِينَةَ أَعْظَمَ أَنْ يَتَرَقَّأَ مِنْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَبَاءٍ أَسْوَدَ وَمِنْطَقَةٍ فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ وَمِنْطَقَةٌ مُخَنْجِرًا فِيهَا بِخِنْجَرٍ، فَقَالَ الْمُعَافَى التَّيْمِيُّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ: وَيْلٌ وَعَوْلٌ لِأَبِي الْبَخْتَرِيِّ إِذَا تَوَافَى النَّاسُ فِي الْمَحْشَرِ مِنْ قَوْلِهِ الزُّورَ وَإِعْلَانِهِ بِالْكَذِبِ فِي النَّاسِ عَلَى جَعْفَرِ وَاللَّهِ مَا خَلَّيْتَ سَاعَةً لِلْفِقْهِ فِي بَدْوٍ وَلَا مُحَضِّرِ وَلَا رَآهُ النَّاسُ فِي دَهْرِهِ يَمُرُّ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ قَاتَلَ اللَّهُ أَبَا وَهْبٍ لَقَدْ أَعْلَنَ بِالزُّورِ وَبِالْمُنْكَرِ يَزْعُمُ أَنَّ الْمُصْطَفَى أَحَمَدَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ التَّقِيُّ الْبَرِّيُّ عَلَيْهِ خُفٌّ وَقُبَاءٌ أَسْوَدُ مُخَنْجِرًا فِي الْحَقْوِ بِالْخِنْجَرِ. عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ: أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى حَلْقَةِ أَبِي الْبَخَتْرِيِّ، فَإِذَا هُوَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ. فَقَالَ لَهُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَأَخَذَنِي الشَّرْطُ، فَقُلْتُ: هَذَا يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَيْهِ قُبَاءٌ. قَالَ: فَقَالُوا لِي: هَذَا قَاضٍ كَذَّابٌ فَأَفْرَجُوا عَنِّي. تُوُفِّيَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بِبَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 3150لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: جَعَلَ الْمَأْمُونُ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَلِيَّ عَهْدِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَسَمَّاهُ الرَّضِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَمَرَ جُنْدَهُ أَنْ يَطْرَحَ السَّوَادَ وَلبْسَ ثِيَابَ الْخُضْرَةِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْآفَاقِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ. فَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ يُخْبِرُهُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جَعَلَ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرَّضِيَّ وَلِيَّ عَهْدِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَظَرَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ وَبَنِي عَلِيٍّ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا أَفْضَلَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ، وَأَنَّهُ سَمَّاهُ الرَّضِيَّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَمَرَ أَنْ يَطْرَحَ السَّوَادَ وَلَبِسَ الْخُضْرَةَ، وَأَنْ يَأْمُرَ مَنْ قِبَلَهُ مِنَ الْجُنْدِ وَالْقُوَّادِ وَبَنِي هَاشِمٍ بِالْبَيْعَةِ لَهُ، وَيَأْخُذَهُمْ بِلَبْسِ الْخُضْرَةِ فِي أَقْبِيَتِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ وَأَعْلَامِهِمْ، وَيَأْخُذَ أَهْلَ بَغْدَادَ جَمِيعًا بِذَلِكَ، فَوَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى عِيسَى يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَدَعَا أَهْلَ بَغْدَادَ إِلَى ذَلِكَ، فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ قَوْمٌ: نُبَايِعُ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا نُخْرِجُ الْأَمْرَ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، وَإِنَّمَا هَذَا دَسِيسٌ مِنْ قِبَلِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، وَغَضِبَ وَلَدُ الْعَبَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ بَعْضٌ إِلَى بَعْضٍ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ وَقَالُوا: نُوَلِّي بَعْضَنَا وَنَخْلَعُ الْمَأْمُونَ. وَكَانَ الْمُتَكَلِّمُ فِي هَذَا وَالْمُخْتَلِفُ فِيهِ وَالْمُتَقَلِّدُ لَهُ: إِبْرَاهِيمُ وَمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ. ذِكْرُ الْعَهْدِ الَّذِي كَتَبَهُ الْمَأْمُونُ بِخَطِّهِ لِعَلِيِّ ابْنِ مُوسَى الرِّضَا [عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا كِتَابٌ كَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِيَدِهِ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَلِيِّ عَهْدِهِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى الْإِسْلَامَ دِينًا، وَاصْطَفَى لَهُ عِبَادَهُ رُسُلًا دَالِّينَ عَلَيْهِ، وَهَادِينَ إِلَيْهِ، يُبَشِّرُ أَوَّلُهُمْ بِآخِرِهِمْ، وَيُصَدِّقُ تَالِيهِمْ مَاضِيَهُمْ، حَتَّى انْتَهَتْ نُبُوَّةُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَدُرُوسٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَانْقِطَاعٍ مِنَ الْوَحْيِ، وَاقْتِرَابٍ مِنَ السَّاعَةِ، فَخَتَمَ اللَّهُ بِهِ النَّبِيِّينَ، وَجَعَلَهُ شَاهِدًا لَهُمْ، وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْعَزِيزَ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ بِمَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ، وَوَعَدَ وَأَوْعَدَ، وَحَذَّرَ وَأَنْذَرَ، لِيَكُونَ لَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى خَلْقِهِ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ. فَبَلَّغَ عَنِ اللَّهِ رِسَالَتَهُ، وَدَعَا إِلَى سَبِيلِهِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، وَالْمُجَادَلَةِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، ثُمَّ الْجِهَادِ وَالْغِلْظَةِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَاخْتَارَ لَهُ مَا عِنْدَهُ ﷺ، فَلَمَّا انْقَضَتِ النُّبُوَّةُ، وَخَتَمَ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ الْوَحْيَ وَالرِّسَالَةَ، جَعَلَ قِوَامَ الدِّينِ وَنِظَامَ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْخِلَافَةِ، وَإِتْمَامِهَا وَعِزِّهَا، وَالْقِيَامِ بِحَقِّ اللَّهِ فِيهَا بِالطَّاعَةِ الَّتِي بِهَا تُقَامُ فَرَائِضُ اللَّهِ وَحُدُودُهُ وَشَرَائِعُ الْإِسْلَامِ وَسُنَنُهُ، وَيُجَاهَدُ بِهَا عَدُوُّهُ، فَعَلَى خُلَفَاءِ اللَّهِ طَاعَتُهُ فِيمَا اسْتَخْلَفَهُمْ، وَاسْتَرْعَاهُمْ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَعِبَادِهِ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ طَاعَةُ خُلَفَائِهِمْ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى إِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ وَعَدْلِهِ، وَأَمْنِ السُّبُلِ، وَحَقْنِ الدِّمَاءِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَجَمْعِ الْأُلْفَةِ، وَفِي خِلَافِ ذَلِكَ اضْطِرَابُ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاخْتِلَافُ مِلَّتِهِمْ، وَقَهْرُ دِينِهِمْ، وَاسْتِعْلَاءُ عَدُوِّهُمْ، وَتَفَرَّقُ الْكَلِمَةِ، وَخُسْرَانُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَحَقٌّ عَلَى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ فِي أَرْضِهِ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ أَنْ يُجْهِدَ لِلَّهِ نَفْسَهُ، وَيُؤْثِرَ عَلَى مَا فِيهِ رِضَا اللَّهِ وَطَاعَتُهُ، وَيَعْمَلَ لِمَا اللَّهُ وَاقِفُهُ عَلَيْهِ، وَسَائِلُهُ عَنْهُ، وَيَحْكُمَ بِالْحَقِّ، وَيَعْمَلَ بِالْعَدْلِ فِيمَا حَمَلَهُ اللَّهُ وَقَلَّدَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَقَالَ تَعَالَى: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ - 93. وَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ ضَاعَتْ سَخْلَةٌ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ لَتَخَوَّفْتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ إِنَّ الْمَسْئُولَ عَنْ خَاصَّةِ نَفْسِهِ عَلَى عَمَلِهِ فِيمَا بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَهُ لِيَعْرِضَ أَمْرٌ كَبِيرٌ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، فَكَيْفَ بِالْمَسْئُولِ عَنْ رِعَايَةِ الْأُمَّةِ، وَبِاللَّهِ الثِّقَةُ، وَإِلَيْهِ الْمَفْزَعُ وَالرَّغْبَةُ فِي التَّوْفِيقِ، وَالْعِصْمَةُ وَالتَّسْدِيدُ وَالْهِدَايَةُ إِلَى مَا فِيهِ ثُبُوتُ الْحُجَّةِ، وَالْفَوْزُ مِنَ اللَّهِ، وَالرِّضْوَانُ وَالرَّحْمَةُ، وَأَنْظُرُ الْأَئِمَّةَ لِنَفْسِهِ وَأَنْصَحُهُمْ لِلَّهِ فِي دِينِهِ وَعِبَادِهِ، وَخِلَافَتِهِ فِي أَرْضِهِ مَنْ عَمِلَ بِطَاعَتِهِ وَدِينِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي [مُدَّةِ ] أَيَّامِهِ وَبَعْدِهَا، فَأَجْهَدَ رَأْيَهُ وَنَظَرَهُ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ عَهْدَهُ، وَيَخْتَارُهُ لِإِمَارَةِ الْمُسْلِمِينَ وَرِعَايَتِهِمْ بَعْدَهُ، وَيُنَصِّبُهُ عَلَمًا لَهُمْ، وَمَفْزَعًا فِي جَمْعِ أُلْفَتِهِمْ، وَلَمِّ شَعَثِهِمْ، وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَالْأَمْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ مِنْ فُرْقَتِهِمْ، وَفَسَادِ ذَاتِ بَيْنَهُمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ، وَرَفْعِ نَزْغِ الشَّيْطَانِ وَكَيْدِهِ عَنْهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْعَهْدَ بَعْدَ الْخِلَافَةِ مِنْ تَمَامِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَكَمَالِهِ وَعِزِّهِ وَصَلَاحِ أَهْلِهِ، وَأَنَّهُمْ خُلَفَاؤُهُ مِنْ تَوْكِيدِهِ لِمَنْ يَخْتَارُونَهُ لَهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ مَا عَظُمَتْ بِهِ النِّعْمَةُ، وَسَلِمَتْ فِيهِ الْعَاقِبَةُ، وَيَنْقُضُ اللَّهُ بِذَلِكَ الشِّقَاقَ وَالْعَدَاوَةَ، وَالسَّعْيَ فِي الْفُرْقَةِ، وَالتَّرَبُّصَ لِلْفِتْنَةِ، وَلَمْ يَزَلْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُذْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، فَاخْتَبَرَ بَشَاعَةَ مَذَاقِهَا، وَثِقَلَ مَحْمِلِهَا، وَشِدَّةَ مَئُونَتِهَا، وَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ تَقَلَّدَهَا مِنِ ارْتِبَاطِ طَاعَةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ فِيمَا حَمَلَهُ فِيهَا وَأَنْصَبَ بَدَنَهُ، وَأَسْهَرَ عَيْنَهُ، وَأَطَالَ فِكْرَهُ فِيمَا فِيهِ عِزُّ الدِّينِ، وَقَمْعُ الْمُشْرِكِينَ، وَصَلَاحُ الْأُمَّةِ، وَنَشْرُ الْعَدْلِ، وَإِقَامَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْعُ ذَلِكَ مِنَ الْخَفْضِ، وَالدَّعَةِ، وَمَهْنَأُ الْعَيْشِ، عِلْمًا بِمَا اللَّهُ سَائِلُهُ عَنْهُ، وَمَحَبَّتُهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُنَاصِحًا فِي دِينِهِ وَعِبَادِهِ، وَمُخْتَارًا لِوِلَايَةِ عَهْدِهِ وَرِعَايَةِ الْأُمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ أَفْضَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي دِينِهِ وَوَرَعِهِ، وَأَرْجَاهُمْ لِلْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَحَقِّهِ، مُنَاجِيًا لِلَّهِ بِالِاسْتِخَارَةِ فِي ذَلِكَ، وَمَسْأَلَتِهِ إِلْهَامَهُ مَا فِيهِ رِضَاهُ وَطَاعَتُهُ فِي آنَاءِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، مُعْمِلًا فِي طَلَبِهِ، وَالْتِمَاسِهِ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فِكْرَهُ وَنَظَرَهُ، مُقْتَصِرًا فِيمَنْ عَلِمَ حَالَهُ، وَمَذْهَبَهُ مِنْهُمْ عَلَى الْحَقِّ عِلْمًا بَالِغًا فِي الْمَسْأَلَةِ فِيمَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، وَجُهْدُهُ وَطَاقَتُهُ، حَتَّى اسْتَقْضَى أُمُورَهُمْ مَعْرِفَةً، وَابْتَلَى أَخْبَارَهُمْ مُشَاهَدَةً، وَكَشَفَ مَا عِنْدَهُمْ مُسَاءَلَةً، فَكَانَتْ خِيرَتُهُ بَعْدَ اسْتِخَارَتِهِ لِلَّهِ، وَإِجْهَادِ نَفْسِهِ فِي قَضَاءِ حَقِّهِ فِي عِبَادِهِ مِنَ الْبَيْتَيْنِ جَمِيعًا: عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، لَمَّا رَأَى مِنْ فَضْلِهِ الْبَارِعِ، وَعِلْمِهِ النَّاصِعِ، وَوَرَعِهِ الظَّاهِرِ، وَزُهْدِهِ الْخَالِصِ، وَتَخْلِيَةٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَسْلَمَتِهِ مِنَ النَّاسِ، فَقَدِ اسْتَبَانَ لَهُ مَا لَمْ تَزَلِ الْأَخْبَارُ عَلَيْهِ مُتَوَاطِئَةً، وَالْأَلْسُنُ مُتَّفِقَةً، وَالْكَلِمَةُ فِيهِ جَامِعَةٌ، وَمَا لَمْ يَزَلْ يَعْرِفُهُ [بِهِ ] مِنَ الْفَضْلِ، يَافِعًا وَنَاشِئًا، وَحَدَثًا وَمُكْتَهِلًا، فَعَقَدَ لَهُ الْعَهْدَ وَالْوِلَايَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَاثِقًا بِخِيرَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، إِذْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِهِ إِيثَارًا لَهُ وَلِلدِّينِ، وَنَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبًا لِلسَّلَامَةِ، وَثَبَاتِ الْحُجَّةِ، وَالنَّجَاةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَقُومُ النَّاسُ فِيهِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَدَعَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَدَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَخَاصَّتَهُ وَقُوَّادَهُ وَجُنْدَهُ، فَبَايَعُوهُ مُسَارِعِينَ مَسْرُورِينَ عَالِمِينَ بِإِيثَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ طَاعَةَ اللَّهِ عَلَى الْهَوَى فِي وَلَدِهِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ أَشْبَكُ رَحِمًا، وَأَقْرَبُ قُرَابَةً، وَسَمَّاهُ الرَّضِيَّ، إِذْ كَانَ رِضًا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَبَايِعُوهُ مَعْشَرَ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ الْمَحْرُوسَةِ مِنْ قُوَّادِهِ وَجُنْدِهِ وَعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّضِيِّ مِنْ بَعْدِهِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَبَرَكَتِهِ وَحُسْنِ قَضَائِهِ لِدِينِهِ وَعِبَادِهِ، بَيْعَةً مَبْسُوطَةً إِلَيْهَا أَيْدِيكُمْ، مُنْشَرِحَةً لَهَا صَدُرُوكُمْ، عَالِمِينَ مَا أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا، وَأَثَرَ طَاعَةِ اللَّهِ، وَالنَّظَرِ لِنَفْسِهِ وَلَكُمْ فِيهَا، شَاكِرِينَ لِلَّهِ عَلَى مَا أَلْهَمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ قَضَاءِ حَقِّهِ فِي رِعَايَتِكُمْ، وَحِرْصِهِ عَلَى رُشْدِكُمْ وَصَلَاحِكُمْ، رَاجِينَ عَائِدَةَ اللَّهِ فِي جَمْعِ أُلْفَتِكُمْ، وَحَقْنِ دِمَائِكُمْ، وَلَمِّ شَعَثِكُمْ، وَسَدِّ ثُغُورِكُمْ، وَقُوَّةِ دِينِكُمْ، وَقَمْعِ عَدُوِّكُمْ، وَاسْتِقَامَةِ أُمُورِكُمْ، فَسَارِعُوا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ الْأَمْرُ إِنْ سَارَعْتُمْ إِلَيْهِ، وَحَمِدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ، عَرَفْتُمُ الْحَظَّ فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَتَبَ بِيَدِهِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُعَظَّمِ قَدْرُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ. وَكَتَبَ الرَّضِيُّ [عَلَيْهِ السَّلَامُ ] كَلِمَاتٍ مِنْهَا أَنَّهُ كَتَبَ عِنْدَ قَوْلِهِ: اخْتَارَ مِنَ الْبَيْتَيْنِ جَمِيعًا عَلَيَّ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ، كَتَبَ تَحْتَهُ: وَصِلَتُكَ رَحِمٌ وَجُزِيتَ خَيْرًا. وَكَتَبَ تَحْتَ مَدْحِهِ إِيَّاهُ بِقَوْلِهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ: أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْكَ فَأَجْمَلَ، وَأَجْزَلَ لَكَ الثَّوَابَ فَأَكْمَلَ. وَكَتَبَ تَحْتَ قَوْلِهِ: فَعَقَدَ لَهُ الْعَهْدَ بَعْدَهُ: بَلْ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَكَتَبَ تَحْتَ قَوْلِهِ: وَسَمَّاهُ الرَّضِيَّ: ؓ وَأَرْضَاكَ وَأَحْسَنَ فِي الدَّارَيْنِ جَزَاكَ. ثُمَّ كَتَبَ الرَّضِيُّ عَلَى ظَهْرِ الْعَهْدِ مَا نُسْخَتُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْفَعَّالِ لِمَا يُرِيدُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَصَلَوَاتُهُ عَلَى نَبِيِّهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. أَقُولُ وَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَضَّدَهُ اللَّهُ بِالسَّدَادِ، وَوَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ عَرَفَ مِنْ حَقِّنَا مَا جَهِلَهُ غَيْرُهُ، فَوَصَلَ أَرْحَامًا قُطِّعَتْ، وَأَمَّنَ أَنْفُسًا فَزِعَتْ، بَلْ أَحْيَاهَا وَقَدْ تَلِفَتْ، وَأَغْنَاهَا وَقَدِ افْتَقَرَتْ، مُبْتَغِيًا رِضَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا يَرْضَى جَزَاءً مِنْ غَيْرِهِ، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، وَلَا يَضِيعُ أَجْرُ الْمُحْسِنِينَ، وَإِنَّهُ جَعَلَ إِلَيَّ عَهْدَهُ وَالْإِمْرَةَ الْكُبْرَى إِنْ بَقِيتُ مِنْ بَعْدِهِ، فَمَنْ حَلَّ عُقْدَةً أَمَرَهَا، وَفَصَمَ عُرْوَةً [أَحَبَّ ] إِيثَاقَهَا، فَقَدْ أَبَاحَ حَرِيمَهُ وَأَحَلَّ مُحَرَّمَهُ، إِذْ كَانَ بِذَلِكَ زَارِيًا عَلَى الْإِمَامِ، مُنْتَهِكًا حُرْمَةَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ جَعَلْتُ لِلَّهِ عَلَى نَفْسِي إِنِ اسْتَرْعَانِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَلَّدَنِي خِلَافَتَهُ الْعَمَلَ فِيهِمْ عَامَّةً، وَفِي بَنِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَاصَّةً، بِطَاعَتِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْ لَا أَسْفِكَ دَمًا حَرَامًا، وَلَا أُبِيحَ فَرْجًا وَلَا مَالًا إِلَّا مَا سَفَكَتْهُ حُدُودُهُ، وَأَبَاحَتْهُ فَرَائِضُهُ، وَأَنْ أَتَخَيَّرَ الْكُفَاةَ جُهْدِي وَطَاقَتِي، وَقَدْ جَعَلْتُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِي عَهْدًا مُؤَكَّدًا، يَسْأَلُنِي اللَّهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا فَإِنْ حِدْتُ أَوْ غَيَّرْتُ أَوْ بَدَّلْتُ كُنْتُ لِلتَّغْيِيرِ مُسْتَحِقًّا، وَلِلنَّكَالِ مُتَعَرِّضًا، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِهِ وَإِلَيْهِ أَرْغَبُ فِي التَّوْفِيقِ لِطَاعَتِهِ وَالْحَوْلِ بَيْنِي وَبَيْنَ مَعْصِيَتِهِ فِي عَافِيَتِهِ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ. وَقَدِ امْتَثَلْتُ أَمْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَآثَرْتُ رِضَاهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُنِي وَإِيَّاهُ، وَأَشْهَدْتُ اللَّهَ عَلَى نَفْسِي، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا. وَكَتَبْتُ خَطِّي بِحَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ، وَالْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، وَيَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ، وَثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ، وَبِشْرِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَحَمَّادِ بْنِ النُّعْمَانِ. فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ. نُسْخَةُ الشَّهَادَاتِ رَسَمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ - أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَهُ وَكَبَّتْ أَعْدَاءَهُ - قِرَاءَةَ مَضْمُونِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا بِحَرَمِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرَّوْضَةِ وَالْمِنْبَرِ، عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَبِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ مِنْ وُجُوهِ بَنِي هَاشِمٍ وَسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَجْنَادِ، بِمَا أَوْجَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبْطَلَ الشُّبْهَةَ الَّتِي كَانَتِ اعْتَرَضَتْ آرَاءَ الْجَاهِلِينَ، وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَكَتَبَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ بِحَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ أَثْبَتَ شَهَادَتَهُ فِي تَارِيخِهِ. شَهِدَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عَلَى مَضْمُونِ هَذَا الْمَكْتُوبِ، ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ، وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ يَعْرِفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَافَّةُ الْمُسْلِمِينَ بَرَكَاتِ هَذَا الْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَكَتَبَ بِخَطِّهِ فِي التَّارِيخِ الْمُبَيَّنِ. شَهِدَ حَمَّادُ بْنُ النُّعْمَانِ عَلَى مَضْمُونِ ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ، وَكَتَبَ بِيَدِهِ فِي تَارِيخِهِ. بِشْرُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ يَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ بِيَدِهِ فِي التَّارِيخِ. ثُمَامَةُ بْنُ أَشْرَسَ حَضَرَ وَكَتَبَ خَطَّهُ. قَالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ صَاعِدٍ الْكَاتِبُ: هَذَا الْعَهْدُ، رَأَيْتُهُ بِخَطِّ الْمَأْمُونِ، ابْتَاعَهُ خَالِي يَحْيَى بْنُ صَاعِدٍ بِمِائَتَيْ دِينَارِ، وَحَمَلَهُ إِلَى سَيْفِ الدَّوْلَةِ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَكَانَ فِيهِ خُطُوطُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْكِتَابِ، مِثْلَ: الصُّولِيِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَالْوَزِيرِ الْمَغْرِبِيِّ.
التاريخ 3151لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَيْعَةِ أَهْلِ بَغْدَادَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ لَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى بَغْدَادَ أَنَّ الْمَأْمُونَ بَايَعَ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ فَمِنْ مُجِيبٍ مُبَايِعٍ، وَمِنْ آبٍ مَانِعٍ، وَجُمْهُورُ الْعَبَّاسِيِّينَ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَكَانَ الْبَاعِثَ لَهُمْ وَالْقَائِمَ فِي ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ وَمَنْصُورٌ ابْنَا الْمَهْدِيِّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَظْهَرَ الْعَبَّاسِيُّونَ الْبَيْعَةَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَلَقَّبُوهُ الْمُبَارَكَ وَكَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ وَمِنْ بَعْدِهِ لِابْنِ أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَخَلَعُوا الْمَأْمُونَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَرَادُوا أَنْ يَدْعُوا لِلْمَأْمُونِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَتِ الْعَامَّةُ: لَا نَرْضَى إِلَّا بِإِبْرَاهِيمَ فَقَطْ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ وَاضْطَرَبُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَلَمْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ وَصَلَّى النَّاسُ فُرَادَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ.
التاريخ 3152لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ وِلَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِبَغْدَاذَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرَادَ أَهْلُ بَغْدَاذَ أَنْ يُبَايِعُوا الْمَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ، فَامْتَنَعَ عَنْ ذَلِكَ، فَأَرَادُوهُ عَلَى الْإِمْرَةِ عَلَيْهِمْ، عَلَى أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَأْمُونِ ( بِالْخِلَافَةِ )، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ إِخْرَاجِ أَهْلِ بَغْدَاذَ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ مِنْ بَغْدَاذَ. فَلَمَّا اتَّصَلَ إِخْرَاجُهُ مِنْ بَغْدَاذَ بِالْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ سَارَ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى وَاسِطٍ، وَذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا هَرَبَ إِلَى وَاسِطٍ تَبِعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدِ بْنِ الْهِنْدَوَانِ، مُخَالِفًا لَهُ، وَقَدْ تَوَلَّى الْقِيَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ، وَوَلَّى سَعِيدَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ قَحْطَبَةَ الْجَانِبَ الْغَرْبِيَّ، وَنَصْرَ بْنَ حَمْزَةَ بْنِ مَالِكٍ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ. وَكَانَ بِبَغْدَاذَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَالْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ. وَقَدِمَ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ مِنَ الرَّقَّةِ مِنْ عِنْدِ طَاهِرٍ، فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَوَافَقَ أَبَاهُ عَلَى قِتَالِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، فَمَضَيَا وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى قَرْيَةِ ( أَبِي فَرْسَنَ قُرَيْبَ وَاسِطٍ، وَلَقِيَهُمَا فِي طَرِيقِهِمَا عَسَاكِرُ الْحَسَنِ، فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَهَزَمَاهُمْ. وَلَمَّا انْتَهَى مُحَمَّدٌ إِلَى دَيْرِ الْعَاقُولِ أَقَامَ بِهِ ثَلَاثًا، وَزُهَيْرُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مُقِيمٌ بِإِسْكَافِ بَنِي الْجُنَيْدِ، عَامِلًا لِلْحَسَنِ عَلَى جُوخَى، وَهُوَ يُكَاتِبُ قُوَّادَ بَغْدَاذَ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَأَخَذَ كُلَّ مَالِهِ، وَسَيَّرَهُ أَسِيرًا إِلَى بَغْدَاذَ، وَحَبَسَهُ عِنْدَ أَبِيهِ جَعْفَرٍ. ثُمَّ تَقَدَّمَ مُحَمَّدٌ إِلَى وَاسِطٍ، وَوَجَّهَ مُحَمَّدٌ ابْنَهُ هَارُونَ مِنْ دَيْرِ الْعَاقُولِ إِلَى النِّيلِ، وَبِهَا نَائِبٌ لِلْحَسَنِ، فَهَزَمَهُ هَارُونُ، وَتَبِعَهُ إِلَى الْكُوفَةِ. ثُمَّ سَارَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْحَسَنِ بِوَاسِطٍ، وَرَجَعَ هَارُونُ إِلَى أَبِيهِ وَقَدِ اسْتَوْلَى عَلَى النِّيلِ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ وَهَارُونُ نَحْوَ وَاسِطٍ، فَسَارَ الْحَسَنُ عَنْهَا، وَنَزَلَ خَلْفَهَا. وَكَانَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ مُخْتَفِيًا كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى الْآنِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ بَلَغَ وَاسِطًا طَلَبَ مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُ، وَظَهَرَ، وَسَارَ مُحَمَّدٌ إِلَى الْحَسَنِ عَلَى تَعْبِئَةٍ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ قُوَّادَهُ وَجُنْدَهُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَثَبَتَ مُحَمَّدٌ حَتَّى جُرِحَ جِرَاحَاتٍ شَدِيدَةٍ، وَانْهَزَمُوا هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمُوا مَالَهُمْ، وَذَلِكَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَنَزَلَ مُحَمَّدٌ بِفَمِ الصِّلْحِ، وَأَتَاهُمُ الْحَسَنُ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ( رَحَلَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ فَنَزَلُوا الْمَنَازِلَ، فَأَتَاهُمُ الْحَسَنُ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ) ارْتَحَلُوا، حَتَّى أَتَوْا جَبُّلَ، فَأَقَامُوا بِهَا، وَوَجَّهَ مُحَمَّدٌ ابْنَهُ عِيسَى إِلَى عُرْنَايَا، فَأَقَامَ بِهَا، وَأَقَامَ مُحَمَّدٌ بِجَرْجَرَايَا، فَاشْتَدَّتْ جِرَاحَاتُ مُحَمَّدٍ، فَحَمَلَهُ ابْنُهُ أَبُو زِنْبِيلٍ إِلَى بَغْدَاذَ، وَخَلَّفَ عَسْكَرَهُ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِر، وَمَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، فَدُفِنَ فِي دَارِهِ سِرًّا. وَأَتَى أَبُو زِنْبِيلٍ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ، فَأَعْلَمَهُ حَالَ أَبِيهِ، وَأَعْلَمَ خُزَيْمَةُ ذَلِكَ النَّاسَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ إِلَيْهِ، يَبْذُلُ فِيهِ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ مَقَامَ أَبِيهِ، فَرَضُوا بِهِ، وَصَارَ مَكَانَ أَبِيهِ، وَقَتَلَ أَبُو زِنْبِيلٍ زُهَيْرَ بْنَ الْمُسَيَّبِ مِنْ لَيْلَتِهِ، ذَبَحَهُ ذَبْحًا وَعَلَّقَ رَأْسَهُ فِي عَسْكَرِ أَبِيهِ. وَبَلَغَ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ مَوْتُ مُحَمَّدٍ، فَسَارَ إِلَى الْمُبَارَكِ فَأَقَامَ بِهِ، وَبَعَثَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ جَيْشًا لَهُ، فَالْتَقَوْا بِأَبِي زِنْبِيلٍ بِفَمِ الصَّرَاةِ، فَهَزَمُوهُ، وَانْحَازَ إِلَى أَخِيهِ هَارُونَ بِالنِّيلِ، فَتَقَدَّمَ جَيْشُ الْحَسَنِ إِلَيْهِمْ، فَلَقُوهُمْ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَانْهَزَمَ هَارُونُ وَأَصْحَابُهُ، فَأَتَوُا الْمَدَائِنَ، وَنَهَبَ أَصْحَابُ الْحَسَنِ النِّيلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى. وَكَانَ بَنُو هَاشِمٍ وَالْقُوَّادُ حِينَ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، قَالُوا: نُصَيِّرُ بَعْضَنَا خَلِيفَةً، وَنَخْلَعُ الْمَأْمُونَ. فَأَتَاهُمْ خَبَرُ هَارُونَ وَهَزِيمَتِهِ، فَجَدُّوا فِي ذَلِكَ، وَأَرْدَوْا مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ عَلَى الْخِلَافَةِ فَأَبَى، فَجَعَلُوهُ خَلِيفَةً لِلْمَأْمُونِ بِبَغْدَاذَ وَالْعِرَاقِ، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِالْمَجُوسِيِّ ابْنِ الْمَجُوسِيِّ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيسَى لَمَّا سَاعَدَهُ أَهْلُ بَغْدَاذَ عَلَى حَرْبِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ عَلِمَ الْحَسَنُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، وَبَذَلَ الْمُصَاهَرَةَ وَمِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَالْأَمَانَ لَهُ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ، وَلِأَهْلِ بَغْدَاذَ، وَوِلَايَةَ أَيِّ النَّوَاحِي أَحَبَّ، فَطَلَبَ كِتَابَ الْمَأْمُونِ بِخَطِّهِ، وَكَتَبَ عِيسَى إِلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ: إِنِّي مَشْغُولٌ بِالْحَرْبِ عَنْ جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، فَوَلُّوا رَجُلًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. فَوَلَّوْا مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ، وَقَالَ: أَنَا خَلِيفَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونِ حَتَّى يَقْدَمَ، أَوْ يُوَلِّيَ مَنْ أَحَبَّ. فَرَضِيَ بِهِ النَّاسُ. وَعَسْكَرَ مَنْصُورٌ بِكَلْوَاذَى، وَبَعَثَ غَسَّانَ بْنَ ( عَبَّادِ بْنِ أَبِي ) الْفَرَجِ إِلَى نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمْ يَشْعُرْ غَسَّانٌ إِلَّا وَقَدْ أَحَاطَ بِهِ حُمَيْدٌ الطُّوسِيُّ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ. وَسَيَّرَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدَ بْنَ يَقْطِينٍ فِي عَسْكَرٍ إِلَى حُمَيْدٍ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى كُوثَى، فَلَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ حُمَيْدٌ، وَكَانَ بِالنِّيلِ، فَقَاتَلَهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ ابْنُ يَقْطِينٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَأُسِرَ، وَغَرِقَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَنَهَبَ حُمَيْدٌ مَا حَوْلَ كُوثَى مِنَ الْقُرَى، وَرَجَعَ حُمَيْدٌ إِلَى النِّيلِ، وَابْنُ يَقْطِينٍ أَقَامَ بِنَهْرِ صَرْصَرٍ. وَأَحْصَى عِيسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ مَنْ فِي عَسْكَرِهِ، وَكَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا بَيْنَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَالرَّاجِلَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا.
التاريخ 3153لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أَمْرِ الْمُتَطَوِّعَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَجَرَّدَتِ الْمُتَطَوِّعَةُ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ . وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ فُسَّاقَ بَغْدَاذَ وَالشُّطَّارَ آذَوُا النَّاسَ أَذًى شَدِيدًا، وَأَظْهَرُوا الْفِسْقَ، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَخَذُوا النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ عَلَانِيَةً، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ وَلَدَ الرَّجُلِ وَأَهْلَهُ، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ مِنَ الرَّجُلِ أَنْ يُقْرِضَهُمْ أَوْ يَصِلَهُمْ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، وَكَانُوا يَنْهَبُونَ الْقُرَى لَا سُلْطَانَ يَمْنَعُهُمْ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ يُغْرِيهِمْ، وَهُمْ بِطَانَتُهُ، وَكَانُوا يُمْسِكُونَ الْمُجْتَازِينَ فِي الطَّرِيقِ، وَلَا يُعْدِي عَلَيْهِمْ أَحَدٌ، وَكَانَ النَّاسُ مَعَهُمْ فِي بَلَاءٍ عَظِيمٍ. وَآخِرُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى قُطْرَبُّلَ، وَانْتَهَبُوهَا عَلَانِيَةً، وَأَخَذُوا الْعَيْنَ وَالْمَتَاعَ وَالدَّوَابَّ، فَبَاعُوهَا بِبَغْدَاذَ ظَاهِرًا، وَاسْتَعْدَى أَهْلُهَا السُّلْطَانَ، فَلَمْ يُعْدِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَعْبَانَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ قَامَ صُلَحَاءُ كُلِّ رَبَضٍ وَدَرْبٍ، وَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: إِنَّمَا فِي الدَّرْبِ الْفَاسِقُ وَالْفَاسِقَانِ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَأَنْتُمْ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَلَوِ اجْتَمَعْتُمْ لَقَمَعْتُمْ هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقَ، وَلَعَجَزُوا عَنِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ خَالِدٌ الدَّرْيُوشُ، فَدَعَا جِيرَانَهُ وَأَهْلَ مَحَلَّتِهِ، عَلَى أَنْ يُعَاوِنُوهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَشَدَّ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْفُسَّاقِ وَالشُّطَّارِ فَمَنَعَهُمْ، وَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، وَأَرَادُوا قِتَالَهُ فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُمْ وَضَرَبَ مَنْ أَخَذَهُ مِنَ الْفُسَّاقِ، وَحَبَسَهُمْ، وَرَفَعَهُمْ إِلَى السُّلْطَانِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى أَنْ يُغَيِّرَ عَلَى السُّلْطَانِ شَيْئًا. ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنَ الْحَرْبِيَّةِ يُقَالُ لَهُ سَهْلُ بْنُ سَلَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَيُكَنَّى أَبَا حَاتِمٍ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَعَلَّقَ مُصْحَفًا فِي عُنُقِهِ، وَأَمَرَ أَهْلَ مَحَلَّتِهِ وَنَهَاهُمْ، فَقَبِلُوا مِنْهُ، وَدَعَا النَّاسَ جَمِيعًا، الشَّرِيفَ وَالْوَضِيعَ، مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، فَأَتَاهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى الْقِتَالِ مَعَهُ لِمَنْ خَالَفَهُ، وَطَافَ بِبَغْدَاذَ وَأَسْوَاقِهَا. وَكَانَ قِيَامُ سَهْلٍ لِأَرْبَعٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيَامُ الدَّرْيُوشِ قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. وَبَلَغَ خَبَرُ قِيَامِهِمَا إِلَى مَنْصُورِ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَعِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَكَسَرَهُمَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِمَا كَانَ الشُّطَّارَ وَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ، وَدَخَلَ مَنْصُورٌ بَغْدَاذَ، وَكَانَ عِيسَى يُكَاتِبُ الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ فِي الْأَمَانِ، فَأَجَابَهُ الْحَسَنُ إِلَى الْأَمَانِ لَهُ وَلِأَهْلِ بَغْدَاذَ، وَأَنْ يُعْطِيَ جُنْدَهُ وَأَهْلَ بَغْدَاذَ رِزْقَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِذَا أُدْرِكَتِ الْغَلَّةُ، وَرَحَلَ عِيسَى فَدَخَلَ بَغْدَاذَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ، فَرَضِيَ أَهْلُ بَغْدَاذَ بِمَا صَالَحَ عَلَيْهِ، وَبَقِيَ سَهْلٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
التاريخ 3154لا حكم مسجّل
ذِكْرُ فَتْحِ جِبَالِ طَبَرِسْتَانَ وَالدَّيْلَمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُرْدَاذْبَهَ وَالِي طَبَرِسْتَانَ الْبَلَاذُرِ، وَالَشَّيْزَرِ، مِنْ بِلَادِ الدَّيْلَمِ، وَافْتَتَحَ جِبَالَ طَبَرِسْتَانَ، فَأَنْزَلَ شَهْرَيَارَ بْنَ شَرْوِينَ عَنْهَا، وَأَشْخَصَ مَازِيَارَ بْنَ قَارَنَ إِلَى الْمَأْمُونِ، وَأَسَرَ أَبَا لَيْلَى مَلِكَ الدَّيْلَمِ.
التاريخ 3155لا حكم مسجّل
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ بَابَكَ الْخُرَّمِيِّ وَفِيهَا تَحَرَّكَ بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ فِي الْجَاوِيدَانِيَّةِ، أَصْحَابِ جَاوِيدَانَ بْنِ سَهْلٍ، صَاحِبِ الْبَذِّ، وَادَّعَى أَنَّ رُوحَ جَاوِيدَانَ دَخَلَتْ فِيهِ، وَأَخَذَ فِي الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ. وَتَفْسِيرُ جَاوِيدَانَ: الدَّائِمُ الْبَاقِي، وَمَعْنَى خُرَّمَ: فَرْجٌ، وَهِيَ مَقَالَاتُ الْمَجُوسِ، وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ يَنْكِحُ أُمَّهُ، وَأُخْتَهُ، وَابْنَتَهُ، وَلِهَذَا يُسَمُّونَهُ دِينَ الْفَرْجِ، وَيَعْتَقِدُونَ مَذْهَبَ التَّنَاسُخِ، وَأَنَّ الْأَرْوَاحَ تَنْتَقِلُ مِنْ حَيَوَانٍ إِلَى غَيْرِهِ.
التاريخ 3156لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وِلَايَةِ زِيَادَةِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ إِفْرِيقِيَّةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَادِسَ ذِي الْحِجَّةِ تُوُفِّيَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ، أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ خَمْسَ سِنِينَ وَنَحْوَ شَهْرَيْنِ. وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ حَدَّدَ عَلَى كُلِّ فَدَّانٍ فِي عَمَلِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِينَارًا كُلَّ سَنَةٍ، فَضَاقَ النَّاسُ لِذَلِكَ وَشَكَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، اسْمُهُ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْجَزَرِيُّ، مَعَ رِجَالٍ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَنَهَوْهُ عَنْ ذَلِكَ وَوَعَظُوهُ، وَخَوَّفُوهُ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ، وَسُوءَ الذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا، وَزَوَالَ النِّعْمَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى اسْمُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ - لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ. فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ الْمَذْكُورُ إِلَى مَا طَلَبُوا، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَقَالَ لَهُمْ حَفْصٌ: لَوْ أَنَّنَا نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَنُصْلِي، وَنَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يُخَفِّفَ عَنِ النَّاسِ ؟ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمَا لَبِثَ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ حَتَّى خَرَجَتْ قُرْحَةٌ تَحْتَ أُذُنِهِ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ مِنْهَا، وَكَانَ أَجْمَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَلَمَّا مَاتَ وَلِيَ بَعْدَهُ أَخُوهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَقِيَ أَمِيرًا رَخِيَّ الْبَالِ ( وَادِعًا، وَالدُّنْيَا ) عِنْدَهُ آمِنَةٌ. ثُمَّ جَهَّزَ جَيْشًا فِي أُسْطُولِ الْبَحْرِ، وَكَانَ مَرَاكِبَ كَثِيرَةً، إِلَى مَدِينَةِ سَرْدَانِيَةَ، وَهِيَ لِلرُّومِ، ( فَعَطِبَ بَعْضُهَا ) بَعْدَ أَنْ غَنِمُوا مِنَ الرُّومِ وَقَتَلُوا كَثِيرًا، فَلَمَّا عَادَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ زِيَادَةُ اللَّهِ وَوَصَلَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَتَيْنِ خَرَجَ عَلَيْهِ زِيَادُ بْنُ سَهْلٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّقْلِبِيَّةِ، وَجَمَعَ جَمْعًا كَثِيرًا، وَحَصَرَ مَدِينَةَ بَاجَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ زِيَادَةُ اللَّهِ الْعَسَاكِرَ، فَأَزَالُوهُ عَنْهَا، وَقَتَلُوا مَنْ وَافَقَهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَمِائَتَيْنِ نُقِلَ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ نُصَيْرٍ الطُّنْبُذِيَّ يُرِيدُ الْمُخَالَفَةَ عَلَيْهِ بِتُونُسَ، وَهُوَ يَسْعَى فِي ذَلِكَ، وَيُكَاتِبُ الْجُنْدَ، فَلَمَّا تَحَقَّقَهُ سَيَّرَ إِلَيْهِ قَائِدًا اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْفِيَ خَبَرَهُ، وَيَجِدَّ السَّيْرَ إِلَى تُونُسَ، فَلَا يَشْعُرُ بِهِ مَنْصُورٌ حَتَّى يَأْخُذَهُ فَيَحْمِلَهُ إِلَيْهِ. فَسَارَ مُحَمَّدٌ وَدَخَلَ تُونُسَ، فَلَمْ يَجِدْ مَنْصُورًا بِهَا، كَانَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى قَصْرِهِ بِطُنْبُذَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ قَاضِيَ تُونُسَ، وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ شَيْخًا، يُقَبِّحُونَ لَهُ الْخِلَافَ، وَيَنْهَوْنَهُ عَنْهُ، وَيَأْمُرُونَهُ بِالطَّاعَةِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعُوا بِهِ وَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَنْصُورٌ: مَا خَالَفْتُ طَاعَةَ الْأَمِيرِ، وَأَنَا سَائِرٌ مَعَكُمْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْأَمِيرِ، وَلَكِنْ أَقِيمُوا مَعِي يَوْمَنَا هَذَا، حَتَّى نَعْمَلَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ ضِيَافَةً. فَأَقَامُوا عِنْدَهُ، وَسَيَّرَ مَنْصُورٌ لِمُحَمَّدٍ وَلِمَنْ مَعَهُ الْإِقَامَةَ الْحَسَنَةَ الْكَثِيرَةَ مِنَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يُؤْكَلُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنَّنِي صَائِرٌ إِلَيْكَ مَعَ الْقَاضِي وَالْجَمَاعَةِ. فَرَكَنَ مُحَمَّدٌ إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِالْغَنَمِ فَذُبِحَتْ، وَأَكَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ. فَلَمَّا أَمْسَى مَنْصُورٌ سَجَنَ الْقَاضِي وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ مُجِدًّا فِيمَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ سِرًّا إِلَى تُونُسَ، فَدَخَلُوا دَارَ الصِّنَاعَةِ وَفِيهَا مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، فَأَمَرَ بِالطُّبُولِ فَضُرِبَتْ، وَكَبَّرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَوَثَبَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى سِلَاحِهِمْ وَقَدْ عَمِلَ فِيهِمُ الشَّرَابُ، وَأَحَاطَ بِهِمْ مَنْصُورٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتِ الْعَامَّةُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَرَجَمُوهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَاقْتَتَلُوا عَامَّةَ اللَّيْلِ، فَقُتِلَ مَنْ كَانَ مَعَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ نَجَا إِلَى الْبَحْرِ، فَسَبَحَ حَتَّى تَخَلَّصَ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ. وَأَصْبَحَ مَنْصُورٌ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْجُنْدُ وَقَالُوا: نَحْنُ لَا نَثِقُ بِكَ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَخْلُبَكَ زِيَادَةُ اللَّهِ، وَيَسْتَمِيلَكَ بِدُنْيَاهُ فَتَمِيلَ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ نَكُونَ مَعَكَ فَاقْتُلْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ مِمَّنْ عِنْدَكَ ! فَأَحْضَرَ إِسْمَاعِيلَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ سَالِمِ بْنِ عِقَالٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ زِيَادَةِ اللَّهِ، فَكَانَ هُوَ الْعَامِلُ عَلَى تُونُسَ، فَلَمَّا حَضَرَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ زِيَادَةُ اللَّهِ الْخَبَرَ سَيَّرَ جَيْشًا كَثِيفًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ غَلْبُونَ، وَاسْمُهُ الْأَغْلَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَهُوَ وَزِيرُ زِيَادَةِ اللَّهِ، إِلَى مَنْصُورٍ الطُّنْبُذِيِّ، فَلَمَّا وَدَّعَهُمْ زِيَادَةُ اللَّهِ تَهَدَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ إِنِ انْهَزَمُوا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى تُونُسَ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مَنْصُورٌ، فَقَاتَلَهُمْ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ زِيَادَةِ اللَّهِ عَاشِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَقَالَ الْقُوَّادُ الَّذِينَ فِيهِ لِغَلْبُونَ: لَا نَأْمَنُ زِيَادَةَ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِنَا، فَإِنْ أَخَذْتَ لَنَا أَمَانًا حَضَرْنَا عِنْدَهُ. وَفَارَقُوهُ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى عِدَّةِ مُدُنٍ فَأَخَذُوهَا، مِنْهَا: بَاجَةُ، وَالْجَزِيرَةُ، وَصَطْفُورَةُ، وَمِسْرُ، وَالْأُرْبُسُ، وَغَيْرُهَا، فَاضْطَرَبَتْ إِفْرِيقِيَّةُ، وَاجْتَمَعَ الْجُنْدُ كُلُّهُمْ إِلَى مَنْصُورٍ، أَطَاعُوهُ لِسُوءِ سِيرَةِ زِيَادَةِ اللَّهِ مَعَهُمْ. فَلَمَّا كَثُرَ جَمْعُ مَنْصُورٍ سَارَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فَحَصَرَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَخَنْدَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زِيَادَةِ اللَّهِ وَقَائِعُ كَثِيرَةٌ، وَعَمَّرَ مَنْصُورٌ سُورَ الْقَيْرَوَانِ [ فَوَالَاهُ ] أَهْلُهَا، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ اللَّهِ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ وَجَمَعَهُمْ، وَسَارَ مَعَهُمُ الْفَارِسُ وَالرَّاجِلُ، فَكَانُوا خَلْقًا كَثِيرًا، فَلَمَّا رَآهُمْ مَنْصُورٌ رَاعَهُ مَا رَأَى وَهَالَهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ اللَّهِ، لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْوَهْنِ، فَزَحَفَ مَنْصُورٌ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَيْضًا، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ مَنْصُورٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَمَضَوْا هَارِبِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَذَلِكَ مُنْتَصَفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَأَمَرَ زِيَادَةُ اللَّهِ أَنْ يُنْتَقَمَ مِنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ بِمَا جَنَوْهُ مِنْ مُسَاعَدَةِ مَنْصُورٍ وَالْقِتَالِ مَعَهُ، بِمَا تَقَدَّمَ أَوْلًا مِنْ مُسَاعَدَةِ عِمْرَانَ بْنِ مُجَالِدٍ لَمَّا قَاتَلَ أَبَاهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَغْلَبِ، فَمَنَعَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، فَكَفَّ عَنْهُمْ، وَخَرَّبَ سُورَ الْقَيْرَوَانِ. وَلَمَّا انْهَزَمَ مَنْصُورٌ فَارَقَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ صَارُوا مَعَهُ، مِنْهُمْ: عَامِرُ بْنُ نَافِعٍ، وَعَبْدُ السَّلَامِ بْنُ الْمُفَرِّجِ، إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي تَغَلَّبُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ اللَّهِ سَيَّرَ جَيْشًا، سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ، إِلَى مَدِينَةِ سَبِيبَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَغْلَبِ، وَكَانَ بِهَا جَمْعٌ مِنَ الْجُنْدِ الَّذِينَ صَارُوا مَعَ مَنْصُورٍ، عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ، فَالْتَقَوْا فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ ابْنُ الْأَغْلَبِ، وَعَادَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى زِيَادَةِ اللَّهِ، وَجَمَعَ الرِّجَالَ وَبَذَلَ الْأَمْوَالَ. وَكَانَ عِيَالُ الْجُنْدِ الَّذِينَ مَعَ مَنْصُورٍ بِالْقَيْرَوَانِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ زِيَادَةُ اللَّهِ، فَقَالَ الْجُنْدُ لِمَنْصُورٍ: الرَّأْيُ أَنْ تَحْتَالَ فِي نَقْلِ [ الْعِيَالِ ] مِنَ الْقَيْرَوَانِ لِنَأْمَنَ عَلَيْهِمْ. فَسَارَ بِهِمْ مَنْصُورٌ إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَحَصَرَ زِيَادَةَ اللَّهِ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ قِتَالٌ، وَأَخْرَجَ الْجُنْدُ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَانْصَرَفَ مَنْصُورٌ إِلَى تُونُسَ، وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِ زِيَادَةِ اللَّهِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ كُلِّهَا إِلَّا قَابِسُ، وَالسَّاحِلُ، وَنِفْزَاوَةُ، وَطَرَابُلُسُ، فَإِنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِطَاعَتِهِ. وَأَرْسَلَ الْجُنْدُ إِلَى زِيَادَةِ اللَّهِ: أَنِ ارْحَلْ عَنَّا، وَخَلِّ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَكَ الْأَمَانُ عَلَى نَفْسِكَ وَمَالِكَ، وَمَنْ ضَمَّهُ قَصْرُكَ. فَضَاقَ بِهِ وَغَمَّهُ الْأَمْرُ، فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ بْنُ سَوَادَةَ: مَكِّنِي مِنْ عَسْكَرِكَ لِأَخْتَارَ مِنْهُمْ مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَأَسِيرَ بِهِمْ إِلَى نِفْزَاوَةَ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَامِرَ بْنَ نَافِعٍ يُرِيدُ قَصْدَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتُ كَانَ الَّذِي تُحِبُّ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى عَمِلْتَ بِرَأْيِكَ. فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَخَذَ مِائَتَيْ فَارِسٍ وَسَارَ إِلَى نِفْزَاوَةَ، فَدَعَا بَرَابِرَهَا إِلَى نُصْرَتِهِ، فَأَجَابُوهُ وَسَارَعُوا إِلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَامِرُ بْنُ نَافِعٍ فِي الْعَسْكَرِ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَامِرٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَرَجَعَ عَامِرٌ إِلَى قَسْطِيلِيَةَ، فَجَبَى أَمْوَالَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَسَارُوا عَنْهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا مَنْ يَضْبُطُهَا، فَهَرَبَ مِنْهَا أَيْضًا خَوْفًا مِنْ أَهْلِهَا، فَأَرْسَلَ أَهْلُ قَسْطِيلِيَةَ إِلَى ابْنِ سَوَادَةَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَجِيءَ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَمَلَكَ قَسْطِيلِيَةَ وَضَبَطَهَا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ الْمَذْكُورَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ إِنَّمَا كَانَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَعَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ. ( طُنْبُذَةُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَآخِرُهُ هَاءٌ. وَصَطْفُورَةُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَسُكُونِ الطَّاءِ وَضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ هَاءٌ. وَسَبِيبَةُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الثَّانِيَةِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ هَاءٌ. وَنِفْزَاوَةُ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ السَّاكِنَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ وَاوٌ ثُمَّ هَاءٌ ).
التاريخ 3157لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَا فَتَحَهُ زِيَادَةُ اللَّهِ بْنُ الْأَغْلَبِ مِنْ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ وَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْحُرُوبِ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ جَهَّزَ زِيَادَةُ اللَّهِ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ، قَاضِي الْقَيْرَوَانِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهُوَ مُصَنِّفُ الْأَسَدِيَّةِ ( فِي الْفِقْهِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ )، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا مَلَكُوا كَثِيرًا مِنْهَا. وَكَانَ سَبَبَ إِنْفَاذِ الْجَيْشِ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ اسْتَعْمَلَ عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ بِطْرِيقًا اسْمُهُ قُسْطَنْطِينُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا اسْتَعْمَلَ عَلَى جَيْشِ الْأُسْطُولِ إِنْسَانًا رُومِيًّا اسْمُهُ فِيمِي، كَانَ حَازِمًا شُجَاعًا، فَغَزَا إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَخَذَ مِنْ سَوَاحِلِهَا تُجَّارًا، وَنَهَبَ، وَبَقِيَ هُنَاكَ مُدَيْدَةً. ثُمَّ إِنَّ مَلِكَ الرُّومِ كَتَبَ إِلَى قُسْطَنْطِينَ ( يَأْمُرُهُ بِالْقَبْضِ ) عَلَى فِيمِي، مُقَدِّمِ الْأُسْطُولِ، وَتَعْذِيبِهِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى فِيمِي، فَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ فَغَضِبُوا لَهُ، وَأَعَانُوهُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، فَسَارَ فِي مَرَاكِبِهِ إِلَى صِقِلِّيَّةَ، وَاسْتَوْلَى عَلَى مَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ، فَسَارَ إِلَيْهِ قُسْطَنْطِينُ ( فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ قُسْطَنْطِينُ ) إِلَى مَدِينَةِ قَطَانِيَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ فِيمِي جَيْشًا، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَأَخَذَ وَقَتَلَ، وَخُوطِبَ فِيمِي بِالْمَلِكِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ رَجُلًا اسْمُهُ بَلَاطَهْ، فَخَالَفَ عَلَى فِيمِي، وَعَصَى، وَاتَّفَقَ هُوَ وَابْنُ عَمٍّ لَهُ اسْمُهُ مِيخَائِيلُ، وَهُوَ وَالِي مَدِينَةِ بَلَرْمَ، وَجَمَعَا عَسْكَرًا كَثِيرًا، فَقَاتَلَا فِيمِي، وَانْهَزَمَ، فَاسْتَوْلَى بَلَاطَهْ عَلَى مَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ. وَرَكِبَ فِيمِي وَمَنْ مَعَهُ فِي مَرَاكِبِهِمْ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ زِيَادَةِ اللَّهِ يَسْتَنْجِدُهُ، وَيَعِدُهُ بِمُلْكِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَوَصَلُوا إِلَى مَدِينَةِ مَازَرَ مِنْ صِقِلِّيَّةَ، فَسَارُوا إِلَى بَلَاطَهْ، الَّذِي قَاتَلَ فِيمِي، فَلَقِيَهُمْ جَمْعٌ لِلرُّومِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَأَمَرُوا فِيمِي وَمَنْ مَعَهُ أَنْ يَعْتَزِلُوهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالرُّومِ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ، وَهَرَبَ بَلَاطَهْ إِلَى قِلُّورِيَةَ، فَقُتِلَ بِهَا. وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِدَّةِ حُصُونٍ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَوَصَلُوا إِلَى قَلْعَةٍ تُعْرَفُ بِقَلْعَةِ الْكُرَّاثِ وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَخَدَعُوا الْقَاضِيَ أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلُّوا لَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ فِيمِي مَالَ إِلَيْهِمْ، وَرَاسَلَهُمْ أَنْ يَثْبُتُوا، وَيَحْفَظُوا بَلَدَهُمْ، فَبَذَلُوا لِأَسَدٍ الْجِزْيَةَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ لَا يَقْرَبَ مِنْهُمْ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَتَأَخَّرَ عَنْهُمْ ( أَيَّامًا، فَاسْتَعَدُّوا لِلْحِصَارِ، وَدَفَعُوا إِلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ )، وَنَاصَبَهُمُ الْحَرْبَ، وَبَثَّ السَّرَايَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَافْتَتَحُوا عُمْرَانًا كَثِيرًا حَوْلَ سَرَقُوسَةَ، ( وَحَاصَرُوا سَرَقُوسَةَ ) بَرًّا وَبَحْرًا، وَلَحِقَتْهُ الْأَمْدَادُ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَالِي بَلَرْمَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، فَخَنْدَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَحَفَرُوا خَارِجَ الْخَنْدَقِ حُفَرًا كَثِيرَةً، فَحَمَلَ الرُّومُ عَلَيْهِمْ، فَسَقَطَ فِي تِلْكَ الْحُفَرِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَقُتِلُوا. وَضَيَّقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سَرَقُوسَةَ، فَوَصَلَ أُسْطُولٌ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِيهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ قَدْ حَلَّ بِالْمُسْلِمِينَ وَبَاءٌ شَدِيدٌ، ( سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ )، هَلَكَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَهَلَكَ فِيهِ أَمِيرُهُمْ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، وَوَلِيَ الْأَمْرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْجَوَارِي، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ شِدَّةَ الْوَبَاءِ وَوُصُولَ الرُّومِ، تَحَمَّلُوا فِي مَرَاكِبِهِمْ لِيَسِيرُوا، فَوَقَفَ الرُّومُ فِي مَرَاكِبِهِمْ عَلَى بَابِ الْمَرْسَى، فَمَنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْخُرُوجِ. فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ أَحْرَقُوا مَرَاكِبَهُمْ وَعَادُوا، وَرَحَلُوا إِلَى مَدِينَةِ مِينَاوَ، ( فَحَصَرُوهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ )، وَتَسَلَّمُوا الْحِصْنَ، فَسَارَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إِلَى حِصْنِ جَرْجَنْتَ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهُ وَمَلَكُوهُ، وَسَكَنُوا فِيهِ، وَاشْتَدَّتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْفَتْحِ وَفَرِحُوا. ثُمَّ سَارُوا إِلَى مَدِينَةِ قَصْرِيَانَّةَ وَمَعَهُمْ فِيمِي، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِ، فَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجَابُوا إِلَى أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَخَدَعُوهُ، ثُمَّ قَتَلُوهُ. وَوَصَلَ جَيْشٌ كَثِيرٌ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مَدَدًا لِمَنْ فِي الْجَزِيرَةِ، فَتَصَافُّوا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَدَخَلَ مَنْ سَلِمَ قَصْرِيَانَّةَ. وَتُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْجَوَارِي أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ زُهَيْرُ بْنُ غَوْثٍ. ثُمَّ إِنَّ سَرِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ سَارَتْ لِلْغَنِيمَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنَ الرُّومِ فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَعَادُوا مِنَ الْغَدِ، وَمَعَهُمْ جَمْعُ الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرُّومُ، وَقَدِ اجْتَمَعُوا وَحَشَدُوا، وَتَصَافُّوا مَرَّةً ثَانِيَةً، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَلْفِ قَتِيلٍ، وَعَادُوا إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَخَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، فَحَصَرَهُمُ الرُّومُ، وَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَضَاقَتِ الْأَقْوَاتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَعَزَمُوا عَلَى بَيَاتِ الرُّومِ، فَعَلِمُوا بِهِمْ، فَفَارَقُوا الْخِيَمَ، وَكَانُوا بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَلَمَّا خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ لَمْ يَرَوْا أَحَدًا. وَأَقْبَلَ الرُّومُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ، فَدَخَلُوا مِينَاوَ، وَدَامَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَكَلُوا الدَّوَابَّ وَالْكِلَابَ. فَلَمَّا سَمِعَ مَنْ فِي مَدِينَةِ جِرْجِنْتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا هُمْ عَلَيْهِ هَدَمُوا الْمَدِينَةَ، وَسَارُوا إِلَى مَازَرَ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى نُصْرَةِ إِخْوَانِهِمْ، وَدَامَ الْحَالُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَدْ أَشْرَفَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْهَلَاكِ، وَإِذْ قَدْ أَقْبَلَ أُسْطُولٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، خَرَجُوا غُزَاةً، وَوَصَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَرَاكِبُ كَثِيرَةٌ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَتْ عِدَّةُ الْجَمِيعِ ثَلَاثَمِائَةِ مَرْكَبٍ، فَنَزَلُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ عَنْ حِصَارِ الْمُسْلِمِينَ وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَدِينَةِ بَلَرْمَ، فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَى مَنْ بِهَا، فَطَلَبَ صَاحِبُهَا الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِهِ وَلِمَالِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ فِي الْبَحْرِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ. وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْبَلَدَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ، فَلَمْ يَرَوْا فِيهِ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ إِنْسَانٍ، وَكَانَ فِيهِ لَمَّا حَصَرُوهُ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَمَاتُوا كُلُّهُمْ. وَجَرَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ: أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَهْلُ الْأَنْدَلُسِ - خُلْفٌ وَنِزَاعٌ، ثُمَّ اتَّفَقُوا، وَبَقِيَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ. وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مَدِينَةِ قَصْرِيَانَّةَ، فَخَرَجَ مَنْ فِيهَا مِنَ الرُّومِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ( وَانْهَزَمَ الرُّومُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ )، ثُمَّ رَجَعُوا فِي الرَّبِيعِ فَقَاتَلُوهُمْ، فَنُصِرَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا. ثُمَّ سَارُوا سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ، ( وَأَمِيرُهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى قَصْرِيَانَّةَ، فَقَاتَلَهُمُ الرُّومُ، فَانْهَزَمُوا، وَأُسِرَتِ امْرَأَةٌ لِبِطْرِيقِهِمْ وَابْنُهُ، وَغَنِمُوا مَا كَانَ فِي عَسْكَرِهِمْ وَعَادُوا إِلَى بَلَرْمَ. ثُمَّ سَيَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَسْكَرًا إِلَى نَاحِيَةِ طَبَرْمِينَ )، عَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَالِمٍ، فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، ثُمَّ عَدَا عَلَيْهِ بَعْضُ عَسْكَرِهِ فَقَتَلُوهُ، وَلَحِقُوا بِالرُّومِ، فَأَرْسَلَ زِيَادَةُ اللَّهِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ الْفَضْلَ بْنَ يَعْقُوبَ عِوَضًا مِنْهُ، فَسَارَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى نَاحِيَةِ سَرَقُوسَةَ، فَأَصَابُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَعَادُوا، ثُمَّ سَارَتْ سَرِيَّةٌ كَبِيرَةٌ، فَغَنِمَتْ وَعَادَتْ، فَعَرَضَ لَهُمُ الْبَطْرِيقُ مَلِكُ الرُّومِ بِصِقِلِّيَّةَ، وَجَمْعٌ كَثِيرٌ، فَتَحَصَّنُوا مِنَ الرُّومِ فِي أَرْضٍ وَعْرٍ، وَشَجَرٍ كَثِيفٍ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قِتَالِهِمْ، وَوَاقَفَهُمْ إِلَى الْعَصْرِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَهُمْ عَادَ عَنْهُمْ، فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُهُ وَتَرَكُوا التَّعْبِئَةَ. فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ حَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْهَزَمَ الرُّومُ وَطُعِنَ الْبَطْرِيقُ، وَجُرِحَ عِدَّةُ جِرَاحَاتٍ، وَسَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ، فَأَتَاهُ حُمَاةُ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَنْقَذُوهُ جَرِيحًا، وَحَمَلُوهُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا مَعَهُمْ مِنْ سِلَاحٍ وَمَتَاعٍ وَدَوَابَّ، فَكَانَتْ وَقْعَةً عَظِيمَةً. وَسَيَّرَ زِيَادَةُ اللَّهِ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى صِقِلِّيَّةَ أَبَا الْأَغْلَبِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهَا، فَوَصَلَ إِلَيْهَا مُنْتَصَفَ رَمَضَانَ، فَبَعَثَ أُسْطُولًا، فَلَقُوا جَمْعًا لِلرُّومِ فِي أُسْطُولٍ، فَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ [ مَا فِيهِ ]، فَضَرَبَ أَبُو الْأَغْلَبِ رِقَابَ كُلِّ مَنْ فِيهِ. وَبَعَثَ أُسْطُولًا آخَرَ إِلَى قُوصَرَةَ، فَظَفِرَ بِحَرَّاقَةٍ فِيهَا رِجَالٌ مِنَ الرُّومِ، وَرَجُلٌ مُتَنَصِّرٌ مِنْ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَتَى بِهِمْ فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ. وَسَارَتْ سَرِيَّةٌ أُخْرَى إِلَى جَبَلِ النَّارِ وَالْحُصُونِ الَّتِي فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَأَحْرَقُوا الزَّرْعَ، وَغَنِمُوا ( وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. ثُمَّ سَيَّرَ أَبُو الْأَغْلَبِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ سَرِيَّةً إِلَى جَبَلِ النَّارِ أَيْضًا، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ عَظِيمَةً، حَتَّى بِيعَ الرَّقِيقُ بِأَبْخَسِ الْأَثْمَانِ، وَعَادُوا سَالِمِينَ. وَفِيهَا سَيَّرَ أَبُو الْأَغْلَبِ أَيْضًا سِرِّيَّةً إِلَى قُسْطَلْيَاسَةَ، فَغَنِمُوا وَسَبَوْا، وَلَقِيَهُمُ الْعَدُوُّ، فَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ اسْتَظْهَرَ فِيهَا الرُّومُ. وَسَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى مَدِينَةِ قَصْرِيَانَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْعَدُوُّ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَأُصِيبَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ. ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةٌ أُخْرَى بَيْنَ الرُّومِ وَالْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ تِسْعَةَ مَرَاكِبَ كِبَارٍ بِرِجَالِهَا وَشَلَنْدَسَ. فَلَمَّا جَاءَ الشِّتَاءُ وَأَظْلَمَ اللَّيْلُ رَأَى رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِرَّةً مِنْ أَهْلِ قَصْرِيَانَّةَ، فَقَرُبَ مِنْهُ، وَرَأَى طَرِيقًا، فَدَخَلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَحَدٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْعَسْكَرِ، فَأَخْبَرَهُمْ فَجَاءُوا مَعَهُ، فَدَخَلُوا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَكَبَّرُوا، وَمَلَكُوا رَبَضَهُ، وَتَحَصَّنَ الْمُشْرِكُونَ مِنْهُمْ بِحِصْنِهِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَمَّنُوهُمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَعَادُوا إِلَى بَلَرْمَ. وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَصَلَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ إِلَى صِقِلِّيَّةَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحَاصِرُونَ جُفْلُوذَى، وَقَدْ طَالَ حِصَارُهَا، فَلَمَّا وَصَلَ الرُّومُ رَحَلَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهَا، وَجَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّومِ الْوَاصِلِينَ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ وَصَلَ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ زِيَادَةِ اللَّهِ ( بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَغْلَبِ )، أَمِيرِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَوَهَنَ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ تَشَجَّعُوا وَضَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ. ( سَرَقُوسَةُ بِسِينٍ مَفْتُوحَةٍ وَقَافٍ وَوَاوٍ وَسِينٍ ثَانِيَةٍ. وَبَلَرْمُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَاللَّامِ وَتَسْكِينِ الرَّاءِ وَبَعْدَهَا مِيمٌ. وَمِينَاوُ بِمِيمٍ وَيَاءٍ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَنُونٌ وَبَعْدَ الْأَلْفِ وَاوٌ. وَجُرْجَنْتُ بِجِيمٍ وَرَاءٍ وَجِيمٍ ثَانِيَةٍ مَفْتُوحَةٍ [ وَنُونٍ ] وَتَاءٍ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَقَصْرِيَانَّةُ بِالْقَافِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ مُشَدَّدَةٌ وَهَاءٌ ).
التاريخ 3158لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ صَاحِبُ أَبِي السَّرَايَا. وَفِيهَا أَصَابَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَأَصْبَهَانَ وَالرَّيِّ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَثُرَ الْمَوْتُ فِيهِمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا رَجَعَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ إِلَى بَغْدَادَ وَصَالَحَ الْجُنْدَ، وَانْفَصَلَ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ وَمَنِ الْتَفَّ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ.
التاريخ 3159لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ.
التاريخ 3160لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ . 1101 - الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ جُنَادَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعَوْفِيُّ. مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلِيَ بِبَغْدَادَ قَضَاءَ الشَّرْقِيَّةِ بَعْدَ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، ثُمَّ نَقَلَ إِلَى قَضَاءِ عَسْكَرِ الْمَهْدِيِّ فِي خِلَافَةِ الرَّشِيدِ أَيَّامًا، ثُمَّ عَزَلَهُ. وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْأَعْمَشِ، وَمِسْعَرٍ. رَوَى عَنْهُ: عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ ضَعِيفًا فِي الْحَدِيثِ، وَيُصَحِّفُ إِذَا رَوَى، وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ تَبْلُغُ إِلَى رُكْبَتِهِ. عَنْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى الْعَوْفِيِّ قَاضِي هَارُونَ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ وَرَجُلٌ فَقَالَتْ: هَذَا زَوْجِي، وَهَذَا ابْنِي مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَهَذَا الْوَلَدُ مِنْكَ ؟ قَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْقَاضِي، أَنَا خَصِيٌّ، قَالَ: فَأَلْزَمَهُ الْوَلَدُ فَأَخَذَ الصَّبِيَّ فَوَضَعَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ وَانْصَرَفَ، فَاسْتَقْبَلَهُ صَدِيقٌ لَهُ خَصِيٌّ وَالصَّبِيُّ عَلَى عُنُقِهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الصَّبِيُّ ؟ فَقَالَ: الْقَاضِي، يُفَرِّقُ أَوْلَادَ الزِّنَا عَلَى النَّاسِ. تُوُفِّيَ الْعَوْفِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 1102 - سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ . سَمِعَ أَبَاهُ وَغَيْرَهُ، رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَخَلَفُ بْنُ سَالِمٍ، وَكَانَ صَدُوقًا ثِقَةً، وَلِيَ الْقَضَاءَ بِوَاسِطَ فِي خِلَافَةِ هَارُونَ، ثُمَّ وَلِيَ قَضَاءَ الْعَسْكَرِ لِلْمَهْدِيِّ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ عَزَلَ فَلَحِقَ بِالْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَهُوَ بِفَمِ الصُّلْحِ فَوَلَّاهُ قَضَاءَ عَسْكَرِهِ. وَتُوُفِّيَ بِالْمُبَارَكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. 1103 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَرَجِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَنْطَرِيُّ . كَانَ أَحَدَ الْعُبَّادِ، وَكَانَ بِشْرٌ الْحَافِي يَوَدُّهُ وَيَزُورُهُ. رَوَى عَنْهُ: الْبَرْجَلَانِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمُوَفَّقِ. عَنْ صَاعِدٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَرَجِ حَضَرْتُ جِنَازَتَهُ، فَلَمَّا وَارَيْتُهُ رَأَيْتُهُ فِي اللَّيْلِ فِي النَّوْمِ جَالِسًا عَلَى شَفِيرِ قَبْرِهِ، وَمَعَهُ صَحِيفَةٌ يَنْظُرُ فِيهَا فَقُلْتُ [لَهُ ]: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ قَالَ: غَفَرَ لِي وَلِكُلِّ مَنْ شَيَّعَ جِنَازَتِي [قَالَ ]: قُلْتُ لَهُ: أَنَا كُنْتُ مَعَهُمْ قَالَ: هُوَ ذَا اسْمُكَ فِي الصَّحِيفَةِ. 1104 - عَلِيُّ بْنُ عَاصِمِ بْنِ صُهَيْبٍ، أَبُو الْحَسَنِ، مَوْلَى قَرِيبَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . مِنْ أَهْلِ وَاسِطَ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ، وَسَكَنَ بَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، وَدَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَغَيْرُهُ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ يُخْطِئُ فَضَعَّفُوهُ بِذَلِكَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ الْبَكْرِيِّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ أَعْيَنَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ عَاصِمٍ يَقُولُ: دَفَعَ إِلَيَّ أَبِي مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ: اذْهَبْ فَلَا أَرَى وَجْهَكَ إِلَّا بِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ. عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرِ بْنَ اللَّيْثِ بْنِ حَبْرَوَيْهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ جَعْفَرٍ يَقُولُ: كَانَ يَجْتَمِعُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى سَطْحٍ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ مُسْتَمْلِينَ. عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ] الصَّفَّارِ قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ عَلِيِّ [بْنِ عَاصِمٍ ] يَقُولُ: قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي أَنَّهُ صَامَ ثَمَانِينَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ أيضا: أَبُو أُسَامَةَ حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ ، وَحَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ ، وَحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ ، وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ،
التاريخ 3161لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ بَيْعَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَايَعَ أَهْلُ بَغْدَاذَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ، وَلَقَّبُوهُ الْمُبَارَكَ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقِيلَ خَامِسَهُ، وَخَلَعُوا الْمَأْمُونَ، وَبَايَعَهُ سَائِرُ بَنِي هَاشِمٍ، فَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، فَكَانَ الَّذِي فِي هَذَا الْأَمْرِ السِّنْدِيُّ، وَصَالِحٌ صَاحِبُ الْمُصَلَّى، وَنُصَيْرٌ الْوَصِيفُ، وَغَيْرُهُمْ، غَضَبًا عَلَى الْمَأْمُونِ حِينَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْخِلَافَةِ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ، وَلِتَرْكِهِ لِبَاسَ آبَائِهِ مِنَ السَّوَادِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْبَيْعَةِ وَعَدَ الْجُنْدَ رِزْقَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَدَافَعَهُمْ بِهَا، فَشَغَّبُوا عَلَيْهِ، فَأَعْطَاهُمْ لِكُلِّ رَجُلٍ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ لِبَعْضِهِمْ إِلَى السَّوَادِ بِقِيمَةِ [ بَقِيَّةِ ] مَا لَهُمْ حِنْطَةً وَشَعِيرًا، فَخَرَجُوا فِي قَبْضِهَا، فَانْتَهَبُوا الْجَمِيعَ، وَأَخَذُوا نَصِيبَ السُّلْطَانِ وَأَهِلِ السَّوَادِ، وَاسْتَوْلَى إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْكُوفَةِ وَالسَّوَادِ جَمِيعِهِ، وَعَسْكَرَ بِالْمَدَائِنِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ بَغْدَاذَ الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى الْهَادِيَ، وَعَلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْهَا إِسْحَاقَ بْنَ مُوسَى الْهَادِيَ. وَخَرَجَ عَلَيْهِ مَهْدِيُّ بْنُ عُلْوَانَ الْحَرُورِيُّ، وَغَلَبَ عَلَى طَسَاسِيجِ نَهْرِ بُوقَ وَالرَّاذَانِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ أَبَا إِسْحَاقَ بْنَ الرَّشِيدِ، وَهُوَ الْمُعْتَصِمُ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْقُوَّادِ، فَلَقُوهُ فَاقْتَتَلُوا، فَطَعَنَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ابْنَ الرَّشِيدِ، فَحَامَى عَنْهُ غُلَامٌ تُرْكِيٌّ يُقَالُ لَهُ: أَشْنَاسُ، وَهُزِمَ مَهْدِيٌّ إِلَى حَوْلَايَا. وَقِيلَ: كَانَ خُرُوجُ مَهْدِيٍّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ.
التاريخ 3162لا حكم مسجّل
ذِكْرُ اسْتِيلَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَكَانَ بِقَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَامِلًا لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَمَعَهُ مِنَ الْقُوَّادِ سَعِيدُ بْنُ السَّاجُورِ، وَأَبُو الْبَطِّ، وَغَسَّانُ بْنُ أَبِي الْفَرَجِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْإِفْرِيقِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَكَاتَبُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ قَصْرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانُوا قَدْ تَحَرَّفُوا عَنْ حُمَيْدٍ، وَكَتَبُوا إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ يُخْبِرُونَهُ أَنَّ حُمَيْدًا يُكَاتِبُ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ حُمَيْدٌ يَكْتُبُ فِيهِمْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَكَتَبَ الْحَسَنُ إِلَى حُمَيْدٍ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، خَافَ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِ، فَيَأْخُذَ هَؤُلَاءِ الْقُوَّادُ مَالَهُ وَعَسْكَرَهُ، وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا أَلَحَّ الْحَسَنُ عَلَيْهِ بِالْكُتُبِ سَارَ إِلَيْهِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَكَتَبَ أُولَئِكَ الْقُوَّادُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ لِيُنْفِذَ إِلَيْهِمْ عِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهِمْ، فَانْتَهَبُوا مَا فِي عَسْكَرِ حُمَيْدٍ، فَكَانَ مِمَّا أَخَذُوا لَهُ مِائَةُ بَدْرَةٍ، وَأَخَذَ ابْنُ حُمَيْدٍ جَوَارِيَ أَبِيهِ، وَسَارَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِعَسْكَرِ الْحَسَنِ، وَدَخَلَ عِيسَى الْقَصْرَ، وَتَسَلَّمَهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَقَالَ حُمَيْدٌ لِلْحَسَنِ: أَلَمْ أُعْلِمْكَ ؟ لَكِنَّكَ خُدِعْتَ. وَعَادَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ لِأَخِيهِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بَعْدَ الْمَأْمُونِ، وَأَعَانَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ لَهُ: قَاتِلْ عَنْ أَخِيكَ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ يُجِيبُونَكَ إِلَى ذَلِكَ وَأَنَا مَعَكَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَ حُمَيْدٌ إِلَى الْحَسَنِ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ وَجَّهَ حَكِيمًا الْحَارِثِيَّ إِلَى النِّيلِ، فَسَارَ إِلَيْهِ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ حَكِيمٌ، فَدَخَلَ عِيسَى النِّيلَ، وَوَجَّهَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْكُوفَةِ سَعِيدًا وَأَبَا الْبَطِّ، لِقِتَالِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى، وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ دَعَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَأَجَابَهُ بَعْضُهُمْ. وَأَمَّا الْغُلَاةُ مِنَ الشِّيعَةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنْ كُنْتَ تَدْعُونَا لِأَخِيكَ وَحْدَهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَأَمَّا الْمَأْمُونُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَدْعُو لِلْمَأْمُونِ، وَبَعْدَهُ لِأَخِي. فَقَعَدُوا عَنْهُ. فَلَمَّا أَتَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو الْبَطِّ وَنَزَلُوا قَرْيَةَ شَاهِي بَعَثَ إِلَيْهِمُ الْعَبَّاسُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَهُوَ ابْنُ الَّذِي بُويِعَ لَهُ بِمَكَّةَ، وَبَعَثَ مَعَهُ جَمَاعَةً، مِنْهُمْ أَخُو أَبِي السَّرَايَا، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَانْهَزَمَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَلَوِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ، وَنَزَلَ سَعِيدٌ وَأَصْحَابُهُ الْحِيرَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ ثَانِي جُمَادَى الْأُولَى، ثُمَّ تَقَدَّمُوا فَقَاتَلُوا أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَخَرَجَ إِلَى شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ وَمَوَالِيهِمْ، فَاقْتَتَلُوا إِلَى اللَّيْلِ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ: يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ، يَا مَنْصُورُ، لَا طَاعَةَ لِلْمَأْمُونِ. وَعَلَيْهِمُ السَّوَادُ، وَعَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ الْخُضْرَةُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ اقْتَتَلُوا، وَكَانَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِذَا غَلَبَ عَلَى شَيْءٍ أَحْرَقَهُ وَنَهَبَهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رُؤَسَاءُ أَهْلِ الْكُوفَةِ خَرَجُوا إِلَى سَعِيدٍ، فَسَأَلُوهُ الْأَمَانَ لِلْعَبَّاسِ وَأَصْحَابِهِ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ الْكُوفَةِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَوُا الْعَبَّاسَ فَأَعْلَمُوهُ ذَلِكَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ، وَتَحَوَّلَ عَنْ دَارِهِ، فَشَغَّبَ أَصْحَابُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُوسَى عَلَى مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ سَعِيدٍ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ سَعِيدٍ إِلَى الْخَنْدَقِ، وَنَهَبَ أَصْحَابُ الْعَبَّاسِ دُورَ عِيسَى بْنِ مُوسَى، وَأَحْرَقُوا، وَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ. فَأَرْسَلَ الْعَبَّاسِيُّونَ إِلَى سَعِيدٍ وَهُوَ بِالْحِيرَةِ، يُخْبِرُونَهُ أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ مُوسَى قَدْ رَجَعَ عَنِ الْأَمَانِ، فَرَكِبَ سَعِيدٌ وَأَصْحَابُهُ، وَأَتَوُا الْكُوفَةَ عَتَمَةً، فَقَتَلُوا مَنْ ظَفِرُوا بِهِ مِمَّنِ انْتَهَبَ، وَأَحْرَقُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ النَّهْبِ، فَمَكَثُوا عَامَّةَ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رُؤَسَاءُ الْكُوفَةِ، فَأَعْلَمُوهُمْ أَنَّ هَذَا فِعْلُ الْغَوْغَاءِ، وَأَنَّ الْعَبَّاسَ لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الْأَمَانِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَخَلَهَا سَعِيدٌ وَأَبُو الْبَطِّ، وَنَادَوْا بِالْأَمَانِ، وَلَمْ يَعْرِضُوا إِلَى أَحَدٍ، وَوَلُّوا عَلَى الْكُوفَةِ الْفَضْلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الْكِنْدِيَّ، ثُمَّ عَزَلُوهُ لِمَيْلِهِ إِلَى أَهْلِ بَلَدِهِ، وَاسْتَعْمَلُوا مَكَانَهُ غَسَّانَ بْنَ أَبِي الْفَرَجِ، ثُمَّ عَزَلُوهُ بَعْدَمَا قَتَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَخَا أَبِي السَّرَايَا، وَاسْتَعْمَلُوا الْهَوْلَ ابْنَ أَخِي سَعِيدٍ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى قَدِمَهَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، فَهَرَبَ الْهَوْلُ. وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عِيسَى بْنَ مُحَمَّدٍ أَنْ يَسِيرَ إِلَى نَاحِيَةِ وَاسِطٍ عَلَى طَرِيقِ النِّيلِ، وَأَمَرَ ابْنَ عَائِشَةَ الْهَاشِمِيَّ وَنُعَيْمَ بْنَ حَازِمٍ أَنْ يَسِيرَا جَمِيعًا، وَلَحِقَ بِهِمَا سَعِيدٌ، وَأَبُو الْبَطِّ، وَالْإِفْرِيقِيُّ، وَعَسْكَرُوا جَمِيعًا بِالصَّيَّادَةِ، قُرْبَ وَاسِطٍ، عَلَيْهِمْ جَمِيعًا عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، فَكَانُوا يَرْكَبُونَ وَيَأْتُونَ عَسْكَرَ الْحَسَنِ بِوَاسِطٍ، فَلَا يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَهُمْ مُتَحَصِّنُونَ بِالْمَدِينَةِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى الظُّهْرِ، وَانْهَزَمَ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى بَلَغُوا طِرْنَايَا وَالنِّيلَ، وَغَنِمُوا عَسْكَرَ عِيسَى وَمَا فِيهِ.
التاريخ 3163لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الظَّفَرِ بِسَهْلِ بْنِ سَلَامَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَفِرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِسَهْلِ بْنِ سَلَامَةَ الْمُطَوَّعِ، فَحَبَسَهُ وَعَاقَبَهُ. وَكَانَ سَبَبَ ظَفَرِهِ بِهِ أَنَّ سَهْلًا كَانَ مُقِيمًا بِبَغْدَاذَ يَدْعُو إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ بَغْدَاذَ، فَلَمَّا انْهَزَمَ عِيسَى أَقْبَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ سَهْلِ بْنِ سَلَامَةَ، لِأَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُهُمْ بِأَقْبَحِ أَعْمَالِهِمْ، وَيُسَمِّيهِمُ الْفُسَّاقَ، فَقَاتَلُوهُ أَيَّامًا، حَتَّى صَارُوا إِلَى الدُّرُوبِ، وَأَعْطَوْا أَصْحَابَهُ الدَّرَاهِمَ الْكَثِيرَةَ، حَتَّى تَنَحَّوْا عَنِ الدُّرُوبِ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ السَّبْتُ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، قَصَدُوهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَخَذَلَهُ أَهْلُ الدُّرُوبِ لِأَجْلِ الدَّرَاهِمُ الَّتِي أَخَذُوهَا، حَتَّى وَصَلَ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى مَنْزِلِ سَهْلٍ، فَاخْتَفَى مِنْهُ، وَاخْتَلَطَ بِالنَّظَّارَةِ، فَلَمْ يَرَوْهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَجَعَلُوا عَلَيْهِ الْعُيُونَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذُوهُ، وَأَتَوْا بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ الْهَادِي، فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَتْ دَعْوَتِي عَبَّاسِيَّةً، وَإِنَّمَا كُنْتُ أَدْعُو إِلَى الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ السَّاعَةَ، فَقَالُوا لَهُ: اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ بَاطِلٌ. فَخَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ! قَدْ عَلِمْتُمْ مَا كُنْتُ أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ( مِنَ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ) السَّاعَةَ. فَضَرَبُوهُ، وَقَيَّدُوهُ، وَشَتَمُوهُ، وَسَيَّرُوهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ بِالْمَدَائِنِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ كَلَّمَهُ بِمَا كَلَّمَ بِهِ إِسْحَاقَ بْنَ الْهَادِي، فَضَرَبَهُ، وَحَبَسَهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قُتِلَ خَوْفًا مِنَ النَّاسِ، لِئَلَّا يَعْلَمُوا مَكَانَهُ فَيُخْرِجُوهُ، وَكَانَ مَا بَيْنَ خُرُوجِهِ وَقَبْضِهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا.
التاريخ 3164لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمَأْمُونِ إِلَى الْعِرَاقِ وَقَتْلِ ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمَأْمُونُ مِنْ مَرْوَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ غَسَّانَ بْنَ عُبَادَةَ. وَكَانَ سَبَبَ مَسِيرِهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَى أَخْبَرَ الْمَأْمُونَ بِمَا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَالْقِتَالِ، مُذْ قُتِلَ الْأَمِينُ، وَبِمَا كَانَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ يَسْتُرُ عَنْهُ مِنْ أَخْبَارٍ، وَأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ وَالنَّاسَ قَدْ نَقَمُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَسْحُورٌ، مَجْنُونٌ، وَأَنَّهُمْ قَدْ بَايَعُوا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ بِالْخِلَافَةِ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ: لَمْ يُبَايِعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، وَإِنَّمَا صَيَّرُوهُ أَمِيرًا يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ، عَلَى مَا أَخْبَرَهُ بِهِ الْفَضْلُ. فَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْفَضْلَ قَدْ كَذِبَهُ، وَأَنَّ الْحَرْبَ قَائِمَةٌ بَيْنَ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَالنَّاسُ يَنْقِمُونَ عَلَيْكَ مَكَانَهُ، وَمَكَانَ أَخِيهِ الْفَضْلِ، وَمَكَانِي، وَمَكَانَ بَيْعَتِكَ لِي مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ: وَمَنْ يَعْلَمُ هَذَا ؟ قَالَ: يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عِمْرَانَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ وُجُوهِ الْعَسْكَرِ. فَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِمْ، فَدَخَلُوا، فَسَأَلَهُمْ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، وَلَمْ يُخْبِرُوهُ حَتَّى يَجْعَلَ لَهُمُ الْأَمَانَ مِنَ الْفَضْلِ أَنْ لَا يَعْرِضَ إِلَيْهِمْ. فَضَمِنَ لَهُمْ ذَلِكَ، وَكَتَبَ لَهُمْ خَطَّهُ بِهِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالْبَيْعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ، وَأَنَّ أَهْلَ بَغْدَاذَ قَدْ سَمَّوْهُ الْخَلِيفَةَ السُّنِّيَّ، وَأَنَّهُمْ يَتَّهِمُونَ الْمَأْمُونَ بِالرَّفْضِ؛ لِمَكَانِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى مِنْهُ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا فِيهِ النَّاسُ، وَبِمَا مَوَّهَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ مِنْ أَمْرِ هَرْثَمَةَ، وَأَنَّ هَرْثَمَةَ إِنَّمَا جَاءَهُ لِيَنْصَحَهُ، فَقَتَلَهُ الْفَضْلُ، وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْ أَمْرَهُ خَرَجَتِ الْخِلَافَةُ مِنْ يَدِهِ، وَأَنَّ طَاهِرَ بْنَ الْحُسَيْنِ قَدْ أَبْلَى فِي طَاعَتِهِ مَا يَعْلَمُهُ، فَأُخْرِجَ مِنَ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَجُعِلَ فِي زَاوِيَةٍ مِنَ الْأَرْضِ بِالرَّقَّةِ، لَا يُسْتَعَانُ بِهِ فِي شَيْءٍ، حَتَّى ضَعُفَ أَمْرُهُ، وَشَغَبَ عَلَيْهِ جُنْدُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ بِبَغْدَاذَ لَضَبَطَ الْمُلْكَ، وَأَنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَفَتَّقَتْ مِنْ أَقْطَارِهَا، وَسَأَلُوا الْمَأْمُونَ الْخُرُوجَ إِلَى بَغْدَاذَ، فَإِنَّ أَهْلَهَا لَوْ رَأَوْكَ لَأَطَاعُوكَ. فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ، فَعَلِمَ الْفَضْلُ بِالْحَالِ، فَبَغَتَهُمْ حَتَّى ضَرَبَ بَعْضَهُمْ، وَحَبَسَ بَعْضَهُمْ، وَنَتَفَ لِحَى بَعْضِهِمْ، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى لِلْمَأْمُونِ فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ: أَنَا أَدْرِي. ثُمَّ ارْتَحَلَ، فَلَمَّا أَتَى سَرْخَسَ وَثَبَ قَوْمٌ بِالْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، فَقَتَلُوهُ فِي الْحَمَّامِ، وَكَانَ قَتْلُهُ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ، وَكَانَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، أَحَدُهُمْ غَالِبٌ الْمَسْعُودِيُّ الْأَسْوَدُ، وَقُسْطَنْطِينُ الرُّومِيُّ، وَفَرَجٌ الدَّيْلَمِيُّ، وَمُوَفَّقٌ الصَّقْلَبِيُّ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتِّينَ سَنَةً، وَهَرَبُوا، فَجَعَلَ الْمَأْمُونُ لِمَنْ جَاءَ بِهِمْ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَجَاءَ بِهِمُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْهَيْثَمِ الدِّينَوَرِيُّ، فَقَالُوا لِلْمَأْمُونِ: أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِهِ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَضُرِبَتْ رِقَابُهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا سَأَلَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ ابْنَ أُخْتِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ وَضَعَهُمْ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أَحْضَرَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عِمْرَانَ، وَعَلِيًّا ( وَمُوسَى )، وَخَلْقًا، فَسَأَلَهُمْ، فَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَقَتَلَهُمْ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَأَعْلَمَهُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُصِيبَةِ بِقَتْلِ الْفَضْلِ، وَأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهُ مَكَانَهُ، فَوَصَلَهُ الْخَبَرُ فِي رَمَضَانَ. وَرَحَلَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَعِيسَى، وَغَيْرُهُمَا بِالْمَدَائِنِ، وَكَانَ أَبُو الْبَطِّ وَسَعِيدٌ بِالنِّيلِ يُرَاوِحُونَ الْقِتَالَ وَيُغَادُونَهُ، وَكَانَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَدْ عَادَ مِنَ الْمَدَائِنِ، فَاعْتَلَّ بِأَنَّهُ مَرِيضٌ، فَأَتَى بَغْدَاذَ وَجَعَلَ يَدْعُو فِي السِّرِّ إِلَى الْمَأْمُونِ، عَلَى أَنَّ مَنْصُورَ بْنَ الْمَهْدِيِّ ( خَلِيفَةُ الْمَأْمُونِ، وَيَخْلَعُونَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَجَابَهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ )، وَخُزَيْمَةُ بْنُ خَازِمٍ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْقُوَّادِ، وَكَتَبَ الْمُطَّلِبُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ وَحُمَيْدٍ أَنْ يَتَقَدَّمَا، فَيَنْزِلَ حُمَيْدٌ نَهْرَ صَرْصَرٍ، وَيَنْزِلَ عَلِيٌّ النَّهْرَوَانَ. فَلَمَّا عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ عَادَ عَنِ الْمَدَائِنِ نَحْوَ بَغْدَاذَ، فَنَزَلَ زَنْدَوَرْدَ مُنْتَصَفَ صَفَرٍ، وَبَعَثَ إِلَى الْمُطَّلِبِ وَمَنْصُورٍ وَخُزَيْمَةَ يَدْعُوهُمْ، فَاعْتَلُّوْا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَعَثَ عِيسَى إِلَيْهِمْ، فَأَمَّا مَنْصُورٌ وَخُزَيْمَةُ فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمَا، وَأَمَّا الْمُطَّلِبُ فَمَنَعَهُ مَوَالِيهِ وَأَصْحَابُهُ، فَنَادَى مُنَادِي إِبْرَاهِيمَ: مَنْ أَرَادَ النَّهْبَ فَلْيَأْتِ دَارَ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَصَلُوا إِلَى دَارِهِ فَنَهَبُوهَا، وَنَهَبُوا دُورَ أَهْلِهِ، وَلَمْ يَظْفَرُوا بِهِ، وَذَلِكَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرٍ، فَلَمَّا بَلَغَ حُمَيْدًا وَعَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ الْخَبَرُ أَخَذَ حُمَيْدٌ الْمَدَائِنَ وَنَزَلَهَا، وَقَطَعَ الْجِسْرَ، وَأَقَامُوا بِهَا، وَنَدِمَ إِبْرَاهِيمُ حَيْثُ صَنَعَ بِالْمُطَّلِبِ مَا صَنَعَ، ثُمَّ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ.
التاريخ 3165لا حكم مسجّل
وَجَرَتْ بِالْكُوفَةِ حُرُوبٌ بَيْنَ أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ الْمَأْمُونِ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَعَلَى أَصْحَابِ إِبْرَاهِيمَ السَّوَادُ وَعَلَى أَصْحَابِ الْمَأْمُونِ الْخُضْرَةُ وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ إِلَى أَوَاخِرِ رَجَبٍ.
التاريخ 3166لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهَمْدَانِيُّ وَأَخُوهُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَكَانَ مُتَغَلِّبًا عَلَى الْمَوْصِلِ. وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ خَرَجَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنَ الْأَزْدِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى رُسْتَاقِ نِينَوَى وَالْمَرْجِ قَالَ: نِعْمَ الْبِلَادُ لِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ ! فَقَالَ بَعْضُ الْأَزْدِ: فَمَا نَصْنَعُ نَحْنُ ؟ قَالَ: تَلْحَقُونَ بِعُمَانَ. فَانْتَشَرَ الْخَبَرُ. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا أَخَذَ رَجُلًا مِنَ الْأَزْدِ يُقَالُ لَهُ عَوْنُ بْنُ جَبَلَةَ، فَبَنَى عَلَيْهِ حَائِطًا، فَمَاتَ فِيهِ، وَظَهَرَ خَبَرُهُ، فَرَكِبَتِ الْأَزْدُ وَعَلَيْهِمُ السَّيِّدُ بْنُ أَنَسٍ، فَاقْتَتَلُوا، وَاسْتَنْصَرَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِخَارِجِيٍّ يُقَالُ لَهُ مَهْدِيُّ بْنُ عُلْوَانَ، فَأَتَاهُ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَدَعَا لِنَفْسِهِ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ، وَكَانَتْ أَخِيرًا عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، فَخَرَجُوا عَنِ الْبَلَدِ إِلَى الْحَدِيثَةِ، فَتَبِعَهُمُ الْأَزْدُ إِلَيْهَا، فَقَتَلُوا عَلِيًّا وَأَخَاهُ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةً مِنْ أَهْلِهِمَا، وَسَارَ أَخُوهُمَا مُحَمَّدٌ إِلَى بَغْدَاذَ فَنَجَا، وَعَادَتِ الْأَزْدُ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَغَلَبَ السَّيِّدُ عَلَيْهَا، وَخَطَبَ لِلْمَأْمُونِ وَأَطَاعَهُ. ( الْهَمْدَانِيُّ هَاهُنَا نِسْبَةً إِلَى هَمْدَانَ بِسُكُونِ الْمِيمِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنَ الْيَمَنِ ).
التاريخ 3167لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ أَخُو أَبِي السَّرَايَا بِالْكُوفَةِ فَبَيَّضَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ مَنْ قَاتَلَهُ، فَقُتِلَ أَخُو أَبِي السَّرَايَا وَأُرْسِلَ بِرَأْسِهِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ.
التاريخ 3168لا حكم مسجّل
وَفِيهَا أَيْضًا زَوَّجَ الْمَأْمُونُ ابْنَتَهُ أُمَّ حَبِيبٍ مِنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَى، وَزَوَّجَ ابْنَتَهُ أُمَّ الْفَضْلِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الرِّضَى بْنِ مُوسَى.
التاريخ 3169لا حكم مسجّل
وَفِيهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ ظَهَرَتْ حُمْرَةٌ فِي السَّمَاءِ لَيْلَةَ السَّبْتِ رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَبَقِيَتْ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، وَذَهَبَتِ الْحُمْرَةُ، وَبَقِيَ عَمُودَانِ أَحْمَرَانِ إِلَى الصُّبْحِ.
التاريخ 3170لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ وَدَعَا ( لِأَخِيهِ بَعْدَ الْمَأْمُونِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، وَمَضَى إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ حَمْدَوَيْهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى ) بْنِ مَاهَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْيَمَنِ.
التاريخ 3171لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ 1105 - الْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُلَقَّبُ ذَا الرِّئَاسَتَيْنِ. كَانَ مِنْ أَوْلَادِ مُلُوكِ الْمَجُوسِ، وَأَسْلَمَ أَبُوهُ سَهْلٌ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ، وَاتَّصَلَ بِيَحْيَى بْنِ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيِّ، وَاتَّصَلَ الْفَضْلُ وَالْحَسَنُ ابْنَا سَهْلٍ بِالْفَضْلِ وَجَعْفَرٍ ابْنَا يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ، فَضَمَّ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى الْفَضْلَ بْنَ سَهْلٍ إِلَى الْمَأْمُونِ وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْفَضْلَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ كَرِهَ أَنْ يُسْلِمَ عَلَى يَدِ الرَّشِيدِ وَالْمَأْمُونِ، فَصَارَ وَحْدَهُ إِلَى الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ، وَرَجَعَ مُسْلِمًا، وَغَلَبَ عَلَى الْمَأْمُونِ لِخِلَالِهِ الْجَمِيلَةِ مِنَ الْكَرَمِ وَالْوَفَاءِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْكِتَابَةِ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ الْمَأْمُونُ فَوَّضَ إِلَيْهِ أُمُورَهُ كُلَّهَا، وَسَمَّاهُ ذَا الرِّئَاسَتَيْنِ لِتَدْبِيرِهِ أَمْرَ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ. عَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ أَسْكَتَنِي عَنْ وَصْفِكَ تَسَاوِي أَفْعَالِكَ فِي السُّؤْدَدِ وَحَيَّرَنِي فِيهَا كَثْرَةُ عَدَدِهَا، فَلَيْسَ [لِي ] إِلَى ذِكْرِهَا جَمِيعِهَا سَبِيلٌ، وَإِذَا أَرَدْتُ وَصْفَ وَاحِدَةٍ اعْتَرَضَتْ أُخْتُهَا إِذْ كَانَتِ الْأُولَى لَيْسَتْ بِأَحَقَّ فِي الذِّكْرِ، فَلَسْتُ أَصِفُهَا إِلَّا بِإِظْهَارِ الْعَجْزِ عَنْ وَصْفِهَا. عَنْ الصُّولِيِّ قَالَ: [أَنْشَدَنَا ثَعْلَبٌ قَالَ: ] أَنْشَدَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَبَّاسِ الصُّولِيُّ لِنَفْسِهِ فِي الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ: لِفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ يَدٌ تَقَاصَرَ عَنْهَا الْمِثْلِ فَبَسْطَتُهَا لِلْغِنَى وَسَطْوَتُهَا لِلْأَجْلِ وَبَاطِنُهَا لِلنَّدَى وَظَاهِرُهَا لِلْقَبْلِ فَأَخَذَهُ ابْنُ الرُّومِيِّ فَقَالَ لِلْقَاسِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَصْبَحْتُ بَيْنَ خَصَاصَةٍ وَتَجَمُّلٍ وَالْمَرْءُ بَيْنَهُمَا يَمُوتُ هَزِيلَا فَامْدُدْ إِلَيَّ يَدًا تَعُودُ بَطْنُهَا بَذْلَ النَّوَالِ وَظَهْرُهَا التَّقْبِيلَا عَنْ الصُّولِيِّ قَالَ: عَنْ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ عِلَّةً بِخُرَاسَانَ ثُمَّ بَرَأَ، فَجَلَسَ لِلنَّاسِ فَهَنَّأُوهُ بِالْعَافِيَةِ وَتَصَرَّفُوا فِي الْكَلَامِ، فَلَمَّا فَرَغُوا أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ فِي الْعِلَلِ لَنِعَمًا يَنْبَغِي لِلْعُقَلَاءِ أَنْ يَعْرِفُوهَا بِمَحِيصِ الذُّنُوبِ، وَتَعَرَّضَ لِثَوَابِ الصَّبْرِ، وَإِيقَاظٍ مِنَ الْغَفْلَةِ، وَإِذْكَارٍ بِالنِّعْمَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَاسْتِدْعَاءٍ لِلتَّوْبَةِ وَحَضٍّ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَنَسِيَ النَّاسُ مَا تَكَلَّمُوا بِهِ وَانْصَرَفُوا بِكَلَامِ الْفَضْلِ. قَالَ أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ فِيهَا قُتِلَ ذُو الرِّئَاسَتَيْنِ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ بِسَرَخْسَ فِي الْحَمَّامِ، اغْتَالَهُ نَفَرٌ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، فَقَتَلَ بِهِ الْمَأْمُونُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عِمْرَانَ الطَّائِيَّ، وَمُؤْنِسَ بْنَ عِمْرَانَ الْبَصَرِيَّ، وَخَلَفَ بْنَ عَمْرٍو الْبَصْرِيَّ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي سَعِيدٍ، وَسِرَاجًا الْخَادِمَ. قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ لَمَّا رَحَلَ الْمَأْمُونُ مِنْ مَرْوَ وَوَصَلَ إِلَى سَرَخْسَ، شَدَّ أَرْبَعَ نَفَرٍ مِنْ خَوَاصِّ الْمَأْمُونِ وَهُمْ غَالِبٌ الْمَسْعُودِيُّ، وَقُسْطَنْطِينُ الرُّومِيُّ، وَفَرَجٌ الدَّيْلَمِيُّ، وَمُوَفَّقٌ الصِّقِلِّيُّ عَلَى الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ فِي الْحَمَّامِ فَقَتَلُوهُ وَهَرَبُوا، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانِ هَذِهِ السَّنَةِ، فَجَعَلَ الْمَأْمُونُ لِمَنْ جَاءَ بِهِمْ عَشَرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَجَاءَ بِهِمُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْقَاسِمِ، فَقَالُوا لِلْمَأْمُونِ: أَنْتَ أَمَرْتَنَا بِقَتْلِهِ فَأَمَرَ بِهِمْ فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ. وَذَكَرَ الْجَاحِظُ أَنَّ عُمْرَ الْفَضْلِ كَانَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ. 1106 - يَحْيَى بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَدَوِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْيَزِيدِيِّ صَاحِبُ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ . حَدَّثَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخَذَ عَنِ الْخَلِيلِ مِنَ اللُّغَةِ أَمْرًا عَظِيمًا، وَجَلَسَ يَوْمًا إِلَى جَانِبِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَحْسَبُنِي ضَيَّقْتُ عَلَيْكَ ؟ فَقَالَ الْخَلِيلُ: مَا ضَاقَ شَيْءٌ عَنْ صَاحِبَيْنِ، وَالدُّنْيَا مَا تَسَعُ مُتَبَاغِضَيْنِ. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: الْيَزِيدِيُّ، لِأَنَّهُ كَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى يَزِيدَ بْنِ مَنْصُورٍ الْحِمْيَرِيِّ يُؤَدِّبُ وَلَدَهُ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ. ثُمَّ اتَّصَلَ بِالرَّشِيدِ فَجَعَلَ الْمَأْمُونَ فِي حِجْرِهِ، وَكَانَ يُكَلِّمُ الْأَمِينَ وَالْمَأْمُونَ وَهُمَا صَبِيَّانِ بِكَلَامٍ بِقَصِيدَتِهِ تُعَلِّمُ الْفَصَاحَةَ: فَأَكَلَا يَوْمًا كَمْأَةً فَتَحَمَّرَا، فَقَالَ لَهُمَا الْيَزِيدِيُّ: "فَلَأَكْلَأَكُمَا كَمَأْكَمَا لَا سِوَا أَنْ سُوَالًا سَلَا" [ ؟ ].. وَكَانَ الرَّشِيدُ قَدْ وَكَّلَ بِهِمَا خَادِمًا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا يَجْرِي مِنْهُمَا، فَمَضَى إِلَى الرَّشِيدِ وَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ الْيَوْمَ عَلَّمَهُمَا كَلَامَ الزِّنْجِيَّةِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ الزِّنْجِيَّةَ قَطُّ، قَالَ: كَذَا عَرَفَنِي الْخَادِمُ. فَقَالَ الْخَادِمُ: بَلَى، قَدْ كَانَ ذَلِكَ وَقْتَ أَكْلِ الْكَمْأَةِ، فَقَالَ الْيَزِيدِيُّ: إِنَّمَا قُلْتُ كَذَا لِيَتَفَصَّحَا، وَأَنَا أَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا كَثِيرًا. فَقَالَ الرَّشِيدُ: لَا تَلُمِ الْخَادِمَ، فَلَوْلَا التَّقْدِمَةِ لَظَنَنْتُهُ أَنَا بِالزِّنْجِيَّةِ. وَكَانَ الْيَزِيدِيُّ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الْفُصَحَاءِ الشُّعَرَاءِ، عَالِمًا بِلُغَاتِ الْعَرَبِ، ثِقَةً، وَكَانَ يَجْلِسُ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ مَعَ الْكِسَائِيِّ بِبَغْدَادَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ يُقْرِئَانِ النَّاسَ، وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يُؤَدِّبُ الْأَمِينَ، وَالْيَزِيدِيُّ يُؤَدِّبُ الْمَأْمُونَ فَأَقَرَّ الرَّشِيدُ الْكِسَائِيُّ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى الْأَمِينِ بِحِرَفِ حَمْزَةَ، وَأَمَرَ الْيَزِيدِيَّ أَنْ يُعَلِّمَ الْمَأْمُونَ حَرْفَ أَبِي عَمْرٍو. عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ قَالَ: أَنْشَدَنِي: إِسْحَاقُ بْنُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ: إِذَا نَكَبَاتُ الدَّهْرِ لَمْ تَعِظِ الْفَتَى وَتَفْرُغْ مِنْهُ، لَمْ تَعِظْهُ عَوَاذِلُهُ وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ تُؤَدِّبُهُ رَوْعُ الرَّدَى وَزَلَازِلُهُ فَدَعْ عَنْكَ مَا لَا تَسْتَطِيعُ وَلَا تُطِعْ هَوَاكَ وَلَا يَغْلِبْ بِحَقِّكَ بَاطِلُهُ تُوُفِّيَ الْيَزِيدِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. 1107 - أَبُو إِسْحَاقَ الدُّولَابِيُّ. مِنْ أَهْلِ الرَّيِّ، كَانَ يُقَالُ إِنَّهُ مِنَ الْأَبْدَالِ، وَلَهُ كَرَامَاتٌ. عَنْ ابْنِ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ مَنْصُورٍ يَقُولُ: جِئْتُ مَرَّةً إِلَى مَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، فَغَضَّ أَنَامِلَهُ وَقَالَ: هَاهْ، لَوْ لَحِقْتُ أَبَا إِسْحَاقَ الدُّولَابِيَّ كَانَ هَا هُنَا السَّاعَةَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ، فَذَهَبْتُ أَقُومُ، فَقَالَ لِي: اجْلِسْ، لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَ مَنْزِلَهُ بِالرَّيِّ. تُوُفِّيَ أَبُو إِسْحَاقَ الدُّولَابِيُّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ ، وَضَمْرَةُ ، وَعُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ ، وَأَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ . ( وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَهْلٌ وَالِدُ ذِي الرِّيَاسَتَيْنِ، بَعْدَ قَتْلِ ابْنِهِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَعَاشَتْ أُمُّهُ حَتَّى أَدْرَكَتْ عُرْسَ بُورَانَ ابْنَةِ ابْنِهَا ).
التاريخ 3172لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ ذِكْرُ مَوْتِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ أَكَلَ عِنَبًا فَأَكْثَرَ مِنْهُ، فَمَاتَ فَجْأَةً، وَذَلِكَ فِي آخِرِ صَفَرٍ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمَدِينَةِ طُوسَ، فَصَلَّى الْمَأْمُونُ عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ الرَّشِيدِ. وَكَانَ الْمَأْمُونُ لَمَّا قَدِمَهَا قَدْ أَقَامَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَأْمُونَ سَمَّهُ فِي عِنَبٍ، وَكَانَ عَلِيٌّ يُحِبُّ الْعِنَبَ، وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٌ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ يُعْلِمُهُ مَوْتَ عَلِيٍّ، وَمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُصِيبَةِ بِمَوْتِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ بَغْدَاذَ وَبَنِي الْعَبَّاسِ وَالْمَوَالِي يُعْلِمُهُمْ مَوْتَهُ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا نَقَمُوا بِبَيْعَتِهِ، ( وَقَدْ مَاتَ )، وَيَسْأَلُهُمُ الدُّخُولَ فِي طَاعَتِهِ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ أَغْلَظَ جَوَابٍ. ( وَكَانَ مَوْلِدُ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ).
التاريخ 3173لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَبْضِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ عَلَى عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي آخِرِ شَوَّالٍ، حَبَسَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عِيسَى بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يُكَاتِبُ حُمَيْدًا وَالْحُسْنَ بْنَ سَهْلٍ، وَكَانَ يُظْهِرُ لِإِبْرَاهِيمَ الطَّاعَةَ، وَكَانَ كُلَّمَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ لِيَخْرُجَ إِلَى قِتَالِ أَحْمَدَ يَعْتَذِرُ بِأَنَّ الْجُنْدَ يُرِيدُونَ أَرْزَاقَهُمْ، وَمَرَّةً يَقُولُ: حَتَّى تُدْرَكَ الْغَلَّةُ. فَلَمَّا تَوَثَّقَ عِيسَى بِمَا يُرِيدُ، فَارَقَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ يَوْمَ الْجُمْعَةِ سَلْخَ شَوَّالٍ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِبْرَاهِيمَ، أَبْلَغَهُ هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخُو عِيسَى، وَجَاءَ عِيسَى إِلَى بَابِ الْجِسْرِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ حُمَيْدًا أَلَّا يَدْخُلَ عَمَلِي، ( وَلَا أَدْخُلَ عَمَلَهُ )، ثُمَّ أَمَرَ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ بِبَابِ الْجِسْرِ وَبَابِ الشَّامِ. وَبَلَغَ إِبْرَاهِيمَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ، وَكَانَ عِيسَى قَدْ سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ بِالْمَدِينَةِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ عِيسَى بِمَا تَكَلَّمَ حَذِرَ إِبْرَاهِيمُ، وَأَرْسَلَ إِلَى عِيسَى يَسْتَدْعِيهِ، فَاعْتَلَّ عَلَيْهِ، فَتَابَعَ الرُّسُلَ بِذَلِكَ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ بِالرُّصَافَةِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَاتَبَهُ سَاعَةً، وَعِيسَى يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَيُنْكِرُ بَعْضَهُ، فَأَمَرَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ فَضُرِبَ وَحُبِسَ، وَأَخَذَ عِدَّةً مِنْ قُوَّادِهِ وَأَهْلِهِ، فَحَبَسَهُمْ وَنَجَا بَعْضُهُمْ، وَفِيمَنْ نَجَا خَلِيفَتُهُ الْعَبَّاسُ. وَمَشَى بَعْضُ أَهْلِهِ إِلَى بَعْضٍ، وَحَرَّضُوا النَّاسَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ أَشَدَّهُمُ الْعَبَّاسُ خَلِيفَةُ عِيسَى، وَكَانَ هُوَ رَأْسُهُمْ، فَاجْتَمَعُوا وَطَرَدُوا عَامِلَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْجِسْرِ وَالْكَرْخِ وَغَيْرِهِ، وَظَهَرَ الْفُسَّاقُ وَالشُّطَّارُ، وَكَتَبَ الْعَبَّاسُ إِلَى حُمَيْدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِ بَغْدَاذَ.
التاريخ 3174لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خَلْعِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلَعَ أَهْلُ بَغْدَاذَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْضِهِ عَلَى عِيسَى بْنِ مُحَمَّدٍ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا كَاتَبَ أَصْحَابُهُ وَمِنْهُمُ الْعَبَّاسُ - حُمَيْدًا بِالْقُدُومِ عَلَيْهِمْ، سَارَ حَتَّى أَتَى نَهْرَ صَرْصَرٍ فَنَزَلَ عِنْدَهُ. وَخَرَجَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَقُوَّادُ أَهْلِ بَغْدَاذَ، فَلَقُوهُ، وَكَانُوا قَدْ شَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ جُنْدِيٍّ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يَصْنَعَ لَهُمُ الْعَطَاءَ يَوْمَ السَّبْتِ ( فِي الْيَاسِرِيَّةِ ) عَلَى أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الْجُمْعَةَ، وَيَخْلَعُوا إِبْرَاهِيمَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ. وَلَمَّا بَلَغَ إِبْرَاهِيمَ الْخَبَرُ أَخْرَجَ عِيسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ إِخْوَتِهِ مِنَ الْحَبْسِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَيَكْفِيَهُ أَمْرَ هَذَا الْجَانِبِ، فَأَبَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَحْضَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي رَجَاءٍ الْفَقِيهَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَدَعَا لِلْمَأْمُونِ بِالْخِلَافَةِ، وَجَاءَ حُمَيْدٌ إِلَى الْيَاسِرِيَّةِ، فَعَرَضَ جُنْدَ بَغْدَاذَ، وَأَعْطَاهُمُ الْخَمْسِينَ الَّتِي وَعَدَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُنْقِصَهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً لِمَا تَشَاءَمُوا بِهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ حِينَ أَعْطَاهُمُ الْخَمْسِينَ وَقَطَعَ الْعَطَاءَ عَنْهُمْ، فَقَالَ حُمَيْدٌ: بَلْ أَزِيدُكُمْ عَشَرَةً، وَأُعْطِيكُمْ سِتِّينَ دِرْهَمًا لِكُلِّ رَجُلٍ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيمَ دَعَا عِيسَى وَسَأَلَهُ أَنْ يُقَاتِلَ حُمَيْدًا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، وَأَخَذَ مِنْهُ كُفَلَاءَ، وَكَلَّمَ عِيسَى الْجُنْدَ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُمْ حُمَيْدٌ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عِيسَى وَقُوَّادُ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَوَعَدَ أُولَئِكَ الْجُنْدَ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَى السِتِّينَ، فَشَتَمُوهُ وَأَصْحَابَهُ، وَقَالُوا: لَا نُرِيدُ إِبْرَاهِيمَ. فَقَاتَلَهُمْ سَاعَةً، ثُمَّ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي وَسَطِهِمْ، حَتَّى أَخَذُوهُ شِبْهَ الْأَسِيرِ، فَأَخَذَهُ بَعْضُ قُوَّادِهِ، فَأَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ، وَرَجَعَ الْبَاقُونَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ. وَكَانَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَدِ اخْتَفَى مِنْ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا قَدِمَ حُمَيْدٌ أَرَادَ الْعُبُورَ إِلَيْهِ، فَعَلِمُوا بِهِ فَأَخَذُوهُ، وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ، فَحَبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. ذِكْرُ اخْتِفَاءِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اخْتَفَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ حُمَيْدًا تَحَوَّلَ فَنَزَلَ عِنْدَ أَرْحَاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ، فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ وَقُوَّادُهُ ذَلِكَ تَسَلَّلُوا إِلَيْهِ، فَصَارَ عَامَّتُهُمْ عِنْدَهُ، وَأَخَذُوا لَهُ الْمَدَائِنَ. فَلَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ فِعْلَهُمْ أَخْرَجَ جَمِيعَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُقَاتِلُوا، فَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ نَهْرِ دَيَالَى، فَاقْتَتَلُوا، فَهَزَمَهُمْ حُمَيْدٌ، وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُهُ، حَتَّى دَخَلُوا بَغْدَاذَ، وَذَلِكَ سَلْخَ ذِي الْقِعْدَةِ. فَلَمَّا كَانَ الْأَضْحَى اخْتَفَى الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى حُمَيْدٍ، وَجَعَلَ الْهَاشِمِيُّونَ وَالْقَوَّادُ يَأْتُونَ حُمَيْدًا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وَشَقَّ عَلَيْهِ، وَكَاتَبَ الْمُطَّلِبُ حُمَيْدًا لِيُسَلِّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْجَانِبَ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ السَّاجُورِ، وَأَبُو الْبَطِّ وَغَيْرُهُمَا، يُكَاتِبُونَ عَلِيَّ بْنَ هِشَامٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا لَهُ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا عَلِمَ إِبْرَاهِيمُ بِأَمْرِهِمْ، وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ كُلُّ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، جَعَلَ يُدَارِيهِمْ، فَلَمَّا جَنَّهُ اللَّيْلُ اخْتَفَى لَيْلَةَ الْأَرْبَعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَبَعَثَ الْمُطَّلِبُ إِلَى حُمَيْدٍ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَقَ بِدَارِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَتَبَ ابْنُ السَّاجُورِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ هِشَامٍ، فَرَكِبَ حُمَيْدٌ مِنْ سَاعَتِهِ مِنْ أَرْحَاءِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَى بَابَ الْجِسْرِ، وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ حَتَّى نَزَلَ نَهْرَ بَيْنَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَسْجِدِ كَوْثَرٍ، وَأَقْبَلَ حُمَيْدٌ إِلَى دَارِ إِبْرَاهِيمَ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فِيهَا، فَلَمْ يَزَلْ إِبْرَاهِيمُ مُتَوَارِيًا حَتَّى جَاءَ الْمَأْمُونُ، وَبَعْدَ مَا قَدِمَ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ. وَكَانَتْ أَيَّامُ إِبْرَاهِيمَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَاثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ هِشَامٍ عَلَى شَرْقِيِّ بَغْدَاذَ، وَحُمَيْدٌ عَلَى غَرْبِيِّهَا. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ أَطْلَقَ سَهْلَ بْنَ سَلَامَةَ مِنَ الْحَبْسِ، وَكَانَ النَّاسُ يَظُنُّونَهُ قَدْ قُتِلَ، فَكَانَ يَدْعُو فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ يُرَدُّ إِلَى حَبْسِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَطْلَقَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ لِلَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَذَهَبَ، فَاخْتَفَى، ثُمَّ ظَهَرَ بَعْدَ هَرَبِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَّبَهُ حُمَيْدٌ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَرَدَّهُ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ الْمَأْمُونُ أَجَازَهُ وَوَصَلَهُ.
التاريخ 3175لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَلَبَتِ السَّوْدَاءُ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ حَتَّى قُيِّدَ فِي الْحَدِيدِ وَأُودِعَ فِي بَيْتٍ، فَكَتَبَ الْأُمَرَاءُ بِذَلِكَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي وَاصِلٌ عَلَى إِثْرِ كِتَابِي هَذَا، ثُمَّ جَرَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِ بَغْدَادَ وَتَنَكَّرُوا عَلَيْهِ وَأَبْغَضُوهُ. وَظَهَرَتِ الْفِتَنُ وَالشُّطَّارُ وَالْفُسَّاقُ بِبَغْدَادَ وَتَفَاقَمَ الْحَالُ وَصَلَّوْا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ظُهْرًا، أَمَّهُمُ الْمُؤَذِّنُ مِنْ غَيْرِ خُطْبَةٍ؛ صَلَّوْا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالْمَأْمُونِ، ثُمَّ غَلَبَتِ الْمَأْمُونِيَّةُ عَلَيْهِمْ.
تُعرض أول ٥٠٠ حديث من هذا الباب.