دليل
التاريخ

4. خلافة بني أمية

  1. التاريخ 2092لا حكم مسجّل

    أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبَى سُفْيَانَ، ؓ، وَمُلْكِهِ   فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا، وَقَدِ انْقَضَتِ الثَّلَاثُونَ سَنَةً بِخِلَافَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأَيَّامُ مُعَاوِيَةَ أَوَّلُ الْمُلْكِ، فَهُوَ أَوَّلُ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ وَخِيَارِهِمْ. فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَدَأَ رَحْمَةً وَنُبُوَّةً، ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً وَخِلَافَةً، ثُمَّ كَائِنٌ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كَائِنٌ عُتُوًّا وَجَبْرِيَّةً وَفَسَادًا فِي الْأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ، وَيُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُنْصَرُونَ حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ". وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ مَا حَمَلَنِي عَلَى الْخِلَافَةِ إِلَّا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِي: " يَا مُعَاوِيَةُ، إِنْ مَلَكْتَ فَأَحْسِنْ ". عن عَمْرِو بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ جَدِّهِ سَعِيدٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَخَذَ الْإِدَاوَةَ فَتَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: " يَا مُعَاوِيَةَ، إِنْ وَلَيْتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ ". قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي مُبْتَلًى بِعَمَلٍ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمِنْهَا حَدِيثُ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ ". قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْخِلَافَةُ بِالْمَدِينَةِ، وَالْمُلْكُ بِالشَّامِ ". وَرَوَى مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ أَبَى الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكُتَّابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ بِصَرِي فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ ". وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ صِفِّينِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ أَهْلَ الشَّامِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَا تَسُبَّ أَهْلَ الشَّامِ جَمًّا غَفِيرًا ; فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ، فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ، فَإِنَّ بِهَا الْأَبْدَالَ.

  2. التاريخ 2093لا حكم مسجّل

    خُرُوجُ طَائِفَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ عَلَيْهِ   وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنْ مُعَاوِيَةَ لَمَّا دَخَلَ الْكُوفَةَ وَخَرَجَ الْحَسَنُ وَأَهْلُهُ مِنْهَا قَاصِدِينَ إِلَى الْحِجَازِ، قَالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِمِائَةٍ: جَاءَ مَا لَا يَشُكُّ فِيهِ، فَسِيرُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَجَاهِدُوهُ. فَسَارُوا حَتَّى قَرَبُوا مِنَ الْكُوفَةِ وَعَلَيْهِمْ فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، حَتَّى حَلُّوا بِالنُّخَيْلَةِ عِنْدَ الْكُوفَةِ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَدْ سَارَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَدْعُوهُ إِلَى قِتَالِ فَرْوَةَ، فَلَحِقَهُ رَسُولُهُ بِالْقَادِسِيَّةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، فَلَمْ يَرْجِعْ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لَوْ آثَرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ لَبَدَأْتُ بِقِتَالِكَ، فَإِنِّي تَرَكْتُكَ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ وَحَقْنِ دِمَائِهَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مُعَاوِيَةُ جَمْعًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ: وَاللَّهِ لَا أَمَانَ لَكُمْ عِنْدِي حَتَّى تَكُفُّوهُمْ. فَخَرَجَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَقَاتَلُوهُمْ. فَقَالَتْ لَهُمُ الْخَوَارِجُ: أَلَيْسَ مُعَاوِيَةُ عَدُوَّنَا وَعَدُوَّكُمْ ؟ دَعُونَا حَتَّى نُقَاتِلَهُ، فَإِنْ أَصَبْنَا كُنَّا قَدْ كَفَيْنَاكُمْ عَدُوَّكُمْ، وَإِنْ أَصَابَنَا كُنْتُمْ قَدْ كَفَيْتُمُونَا. فَقَالُوا: لَا بُدَّ لَنَا مِنْ قِتَالِكُمْ. فَأَخَذَتْ أَشْجَعُ صَاحِبَهُمْ فَرْوَةَ فَحَادَثُوهُ وَوَعَظُوهُ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَأَخَذُوهُ قَهْرًا وَأَدْخَلُوهُ الْكُوفَةَ، فَاسْتَعْمَلَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي الْحَوْسَاءِ، رَجُلًا مِنْ طَيِّئٍ، فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَقَتَلُوهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، ( وَقِيلَ: فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ ) وَقُتِلَ ابْنُ أَبِي الْحَوْسَاءِ، وَكَانَ ابْنُ أَبِي الْحَوْسَاءِ حِينَ وَلِيَ أَمْرَ الْخَوَارِجِ قَدْ خُوِّفَ مِنَ السُّلْطَانِ أَنْ يَصْلُبَهُ، فَقَالَ: مَا إِنْ أُبَالِي إِذَا أَرْوَاحُنَا قُبِضَتْ مَاذَا فَعَلْتُمْ بِأَوْصَالٍ وَأَبْشَارِ     تَجْرِي الْمَجَرَّةُ وَالنَّسْرَانِ عَنْ قَدَرٍ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ السَّارِي بِمِقْدَارِ     وَقَدْ عَلِمْتُ، وَخَيْرُ الْقَوْلِ أَنْفَعُهُ أَنَّ السَّعِيدَ الَّذِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ

  3. التاريخ 2094لا حكم مسجّل

    اسْتِعْمَالِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَةِ  أَرَادَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: أَتُوَلِّيهِ الْكُوفَةَ وَأَبُوهُ بِمِصْرَ وَتَبْقَى أَنْتَ بَيْنَ لَحْيَيِ الْأَسَدِ ؟ ! فَثَنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَاجْتَمَعَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِمُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: أَتَجْعَلُ الْمُغِيرَةَ عَلَى الْخَرَاجِ، هَلَّا وَلَّيْتَ الْخَرَاجَ رَجُلًا آخَرَ. فَعَزَلَهُ عَنِ الْخَرَاجِ وَوَلَّاهُ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِعَمْرٍو فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الْمُشِيرَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَهَذِهِ بِتِلْكَ. وَلَمَّا وَلِيَ الْمُغِيرَةُ الْكُوفَةَ اسْتَعْمَلَ كَثِيرَ بْنَ شِهَابٍ عَلَى الرَّيِّ، وَكَانَ يَكْثُرُ سَبَّ عَلِيٍّ عَلَى مِنْبَرِ الرَّيِّ، وَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ وَلِيَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا، وَغَزَا الدَّيْلَمَ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَجَّاجِ التَّغْلِبِيُّ، وَقَتَلَ دَيْلَمِيًّا وَأَخَذَ سَلْبَهُ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ كَثِيرٌ، فَنَاشَدَهُ اللَّهَ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَاخْتَفَى لَهُ وَضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ بِالسَّيْفِ أَوْ بِعَصَا هَشَمَ وَجْهَهُ، فَقَالَ: مَنْ مُبْلِغٌ أَفَنَاءَ خِنْدَفَ أَنَّنِي أَدْرَكْتُ طَائِلَتِي مِنِ ابْنِ شِهَابِ     أَدْرَكْتُهُ لَيْلًا بِعَقَوَةَ دَارِهِ فَضَرَبْتُهُ قُدُمًا عَلَى الْأَنْيَابِ     هَلَّا خَشِيتَ وَأَنْتَ عَادٍ ظَالِمٌ بِقُصُورٍ أَبْهَرَ أُسْرَتِي وَعِقَابِي

  4. التاريخ 2095لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ حَوْثَرَةَ بْنِ ذِرَاعٍ   وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ أَبِي الْحَوْسَاءِ اجْتَمَعَ الْخَوَارِجُ فَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ حَوْثَرَةَ بْنَ ذِرَاعِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَسَدِيَّ، فَقَامَ فِيهِمْ وَعَابَ فَرْوَةَ بْنَ نَوْفَلٍ لِشَكِّهِ فِي قِتَالِ عَلِيٍّ وَدَعَا الْخَوَارِجَ وَسَارَ مِنْ بَرَازِ الرُّوزِ، وَكَانَ بِهَا، حَتَّى قَدِمَ النُّخَيْلَةَ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ فَلُّ ابْنِ أَبِي الْحَوْسَاءِ، وَهُمْ قَلِيلٌ، فَدَعَا مُعَاوِيَةُ أَبَا حَوْثَرَةَ فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى ابْنِكَ فَلَعَلَّهُ يَرِقُّ إِذَا رَآكَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَكَلَّمَهُ وَنَاشَدَهُ وَقَالَ: أَلَا أَجِيئُكَ بِابْنِكَ فَلَعَلَّكَ إِذَا رَأَيْتَهُ كَرِهْتَ فِرَاقَهُ ؟ فَقَالَ: أَنَا إِلَى طَعْنَةٍ مِنْ يَدِ كَافِرٍ بِرُمْحٍ أَتَقَلَّبُ فِيهِ سَاعَةً أَشْوَقُ مِنِّي إِلَى ابْنِي. فَرَجَعَ أَبُوهُ فَأَخْبَرَ مُعَاوِيَةَ بِقَوْلِهِ، فَسَيَّرَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْفٍ الْأَحْمَرَ فِي أَلْفَيْنِ، وَخَرَجَ أَبُو حَوْثَرَةَ فِيمَنْ خَرَجَ فَدَعَا ابْنَهُ إِلَى الْبِرَازِ، فَقَالَ: يَا أَبَهْ لَكَ فِي غَيْرِي سَعَةٌ. وَقَاتَلَهُمُ ابْنُ عَوْفٍ وَصَبَرُوا، وَبَارَزَ حَوْثَرَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَوْفٍ فَطَعَنَهُ ابْنُ عَوْفٍ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ إِلَّا خَمْسِينَ دَخَلُوا الْكُوفَةَ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ: وَرَأَى ابْنُ عَوْفٍ بِوَجْهِ حَوْثَرَةَ أَثَرَ السُّجُودِ، وَكَانَ صَاحِبَ عِبَادَةٍ، فَنَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ، وَقَالَ: قَتَلْتُ أَخَا بَنِي أَسَدٍ سَفَاهَا لَعَمْرُ أَبِي فَمَا لُقِّيتُ رُشْدِي     قَتَلْتُ مُصَلِّيًا مِحْيَاءَ لَيْلٍ طَوِيلَ الْحُزْنِ ذَا بِرٍّ وَقَصْدِ     قَتَلْتُ أَخَا تُقًى لَا نَالَ دُنْيَا وَذَاكَ لِشِقْوَتِي وَعِثَارِ جَدِّي     فَهَبْ لِي تَوْبَةً يَا رَبِّ وَاغْفِرْ لِمَا قَارَفَتْ مِنْ خَطَأٍ وَعَمْدِ

  5. التاريخ 2096لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ وَمَقْتَلُهُ   ثُمَّ إِنَّ فَرْوَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيَّ خَرَجَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بَعْدَ مَسِيرِ مُعَاوِيَةَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ خَيْلًا عَلَيْهَا شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَيُقَالُ: مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ، فَلَقِيَهُ، بِشَهْرَزُورَ فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ قُتِلَ بِبَعْضِ السَّوَادِ.

  6. التاريخ 2097لا حكم مسجّل

    شَبِيبِ بْنِ بَجَرَةَ   كَانَ شَبِيبٌ مَعَ ابْنِ مُلْجَمٍ حِينَ قَتَلَ عَلِيًّا، فَلَمَّا دَخَلَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ أَتَاهُ شَبِيبٌ كَالْمُتَقَرِّبِ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَنَا وَابْنُ مُلْجَمٍ قَتَلْنَا عَلِيًّا، فَوَثَبَ مُعَاوِيَةُ مِنْ مَجْلِسِهِ مَذْعُورًا حَتَّى دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَبَعَثَ إِلَى أَشْجَعَ وَقَالَ: لَئِنْ رَأَيْتُ شَبِيبًا أَوْ بَلَغَنِي أَنَّهُ بِبَابِي لَأُهْلِكَنَّكُمْ، أَخْرِجُوهُ عَنْ بَلَدِكُمْ. وَكَانَ شَبِيبٌ إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ خَرَجَ فَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمُغِيرَةُ الْكُوفَةَ خَرَجَ عَلَيْهِ بِالْقُفِّ، قَرِيبِ الْكُوفَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ خَيْلًا عَلَيْهَا خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ، وَقِيلَ: مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ.

  7. التاريخ 2098لا حكم مسجّل

    مُعَيْنٍ الْخَارِجِيِّ  وَبَلَغَ الْمُغِيرَةَ أَنَّ مُعَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُرِيدُ الْخُرُوجَ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ مُحَارِبٍ، وَكَانَ اسْمُهُ مَعْنًا فَصُغِّرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ، فَأُخِذَ وَحُبِسَ، وَبَعَثَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ أَمْرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ شَهِدَ أَنِّي خَلِيفَةٌ فَخَلِّ سَبِيلَهُ. فَأَحْضَرَهُ الْمُغِيرَةُ وَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ خَلِيفَةٌ وَأَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ، قَتَلَهُ قَبِيصَةُ الْهِلَالِيُّ، فَلَمَّا كَانَ أَيَّامَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ جَلَسَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ عَلَى بَابِ قَبِيصَةَ حَتَّى خَرَجَ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ حَتَّى خَرَجَ قَاتِلُهُ مَعَ شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْكُوفَةَ قَالَ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَنَا قَاتِلُ قَبِيصَةَ !

  8. التاريخ 2099لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ أَبِي مَرْيَمَ   ثُمَّ خَرَجَ أَبُو مَرْيَمَ مَوْلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ: قَطَامُ وَكُحَيْلَةُ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَخْرَجَ مَعَهُ النِّسَاءَ، فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو بِلَالِ بْنِ أُدَيَّةَ، فَقَالَ: قَدْ قَاتَلَ النِّسَاءُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ، وَسَأَرُدُّهُمَا، فَرَدَّهُمَا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ جَابِرًا الْبَجَلِيَّ، فَقَاتَلَهُ فَقُتِلَ أَبُو مَرْيَمَ وَأَصْحَابُهُ بِبَادُورَيَا.

  9. التاريخ 2100لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ أَبِي لَيْلَى   وَكَانَ أَبُو لَيْلَى رَجُلًا أَسْوَدَ طَوِيلًا، فَأَخَذَ بِعَضَادَتَيْ بَابِ الْمَسْجِدِ بِالْكُوفَةِ وَفِيهِ عِدَّةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَحَكَّمَ بِصَوْتٍ عَالٍ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ، فَخَرَجَ وَتَبِعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي، فَبَعَثَ فِيهِ الْمُغِيرَةُ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ الرِّيَاحِيَّ فَقَتَلَهُ بِسَوَادِ الْكُوفَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ.

  10. التاريخ 2101لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ بُسْرٍ عَلَى الْبَصْرَةِ   وَلِي بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ الْبَصْرَةَ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَسَنَ لَمَّا صَالَحَ مُعَاوِيَةَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَثَبَ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ عَلَى الْبَصْرَةِ فَأَخَذَهَا وَغَلَبَ عَلَيْهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ بَنِي زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، وَكَانَ زِيَادٌ عَلَى فَارِسَ قَدْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا قَدِمَ بُسْرٌ الْبَصْرَةَ خَطَبَ عَلَى مِنْبَرِهَا وَشَتَمَ عَلِيًّا ثُمَّ قَالَ: نَشَدْتُ اللَّهَ رَجُلًا يَعْلَمُ أَنِّي صَادِقٌ إِلَّا صَدَّقَنِي أَوْ كَاذِبٌ إِلَّا كَذَّبَنِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَعْلَمُكَ إِلَّا كَاذِبًا. قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ فَخُنِقَ. فَقَامَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ الضَّبِّيُّ فَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ. وَأَقْطَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ مِائَةَ جَرِيبٍ، وَقِيلَ لِأَبِي بَكْرَةَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: يُنَاشِدُنَا بِاللَّهِ ثُمَّ لَا نُصَدِّقُهُ ؟. فَأَقَامَ بُسْرٌ بِالْبَصْرَةِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ: إِنَّ فِي يَدِكَ مَالًا مِنْ مَالِ اللَّهِ فَأَدِّ مَا عِنْدَكَ مِنْهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدِي شَيْءٌ، وَلَقَدْ صَرَفْتُ مَا كَانَ عِنْدِي فِي وَجْهِهِ، وَاسْتَوْدَعْتُ بَعْضَهُ لِنَازِلَةٍ إِنْ نَزَلَتْ، وَحَمَلْتُ مَا فَضَلَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: أَنْ أَقْبِلْ نَنْظُرْ فِيمَا وُلِيتَ، فَإِنِ اسْتَقَامَ بَيْنَنَا أَمْرٌ وَإِلَّا رَجَعْتَ إِلَى مَأْمَنِكَ. فَامْتَنَعَ، فَأَخَذَ بُسْرٌ أَوْلَادَ زِيَادٍ الْأَكَابِرَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَعَبَّادٌ، وَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ: لَتَقْدَمَنَّ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ لَأَقْتُلَنَّ بَنِيكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: لَسْتُ بَارِحًا مِنْ مَكَانِي حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِكَ، وَإِنْ قَتَلْتَ وَلَدِي فَالْمَصِيرُ إِلَى اللَّهِ وَمِنْ وَرَائِنَا الْحِسَابُ، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. فَأَرَادَ بُسْرٌ قَتْلَهُمْ فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ: قَدْ أَخَذْتَ وَلَدَ أَخِي بِلَا ذَنْبٍ، وَقَدْ صَالَحَ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَا أَصَابَ أَصْحَابَ عَلِيٌّ حَيْثُ كَانُوا، فَلَيْسَ [ لَكَ ] عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى أَبِيهِمْ سَبِيلٌ. وَأَجِّلْهُ أَيَّامًا حَتَّى يَأْتِيَهُ بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ، فَرَكِبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ: يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يُعْطُوكَ بَيْعَتَهُمْ عَلَى قَتْلِ الْأَطْفَالِ ! قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا بَكْرَةَ ؟ قَالَ: بُسْرٌ يُرِيدُ قَتْلَ بَنِي أَخِي زِيَادٍ. فَكَتَبَ لَهُ بِتَخْلِيَتِهِمْ. وَقَدْ قَالَ مُعَاوِيَةُ لَأَبَى بَكْرَةَ: هَلْ مِنْ عَهِدٍ تَعْهَدُهُ إِلَيْنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَعْهَدُ إِلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَنْظُرَ لِنَفْسِكَ وَرَعِيَّتِكَ وَتَعْمَلَ صَالِحًا، فَإِنَّكَ قَدْ تَقَلَّدْتَ عَظِيمًا، خِلَافَةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، فَاتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّ لَكَ غَايَةً لَا تَعْدُوهَا، وَمِنْ وَرَائِكَ طَالِبٌ حَثِيثٌ، وَأَوْشَكَ أَنْ تَبْلُغَ الْمَدَى، فَيَلْحَقَ الطَّالِبُ، فَتَصِيرَ إِلَى مِنْ يَسْأَلُكُ عَمَّا كُنْتَ فِيهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، وَإِنَّمَا هِيَ مُحَاسَبَةٌ وَتَوْقِيفٌ، فَلَا تُؤْثِرَنَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ شَيْئًا. فَأَخَذَ كِتَابَهُ إِلَى بُسْرٌ بِالْكَفِّ عَنْ أَوْلَادِ زِيَادٍ، وَعَادَ فَوَصَلَ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الْمِيعَادِ وَقَدْ أَخْرَجَ بُسْرٌ أَوْلَادَ زِيَادٍ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَنْتَظِرُ بِهِمُ الْغُرُوبَ لِيَقْتُلَهُمْ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ لِذَلِكَ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أَبَا بَكْرَةَ إِذْ رَفَعَ لَهُمْ عَلَى نَجِيبٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ يَكِدُّهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَنَزَلَ عَنْهُ وَأَلَاحَ بِثَوْبِهِ وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ مَعَهُ، فَأَقْبَلَ يَسْعَى عَلَى رِجْلَيْهِ فَأَدْرَكَ بُسْرًا قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ مُعَاوِيَةَ، فَأَطْلَقَهُمْ. وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ كَتَبَ إِلَى زِيَادٍ حِينَ قُتِلَ عَلِيٌّ يَتَهَدَّدُهُ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: الْعَجَبُ مِنِ ابْنِ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ، وَكَهْفِ النِّفَاقِ، وَرَئِيسِ الْأَحْزَابِ يَتَهَدَّدُنِي، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ( ابْنَا ) عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فِي سَبْعِينَ أَلْفًا وَاضِعِي سُيُوفِهِمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ ! أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ خَلَصَ إِلَيَّ لَيَجِدَنِّي أَحْمَزَ ضَرَّابًا بِالسَّيْفِ. فَلَمَّا صَالَحَ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ وَقَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ تَحَصَّنَ زِيَادٌ فِي الْقَلْعَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا قَلْعَةُ زِيَادٍ. ( قَوْلُ مَنْ قَالَ هَذَا: إِنَّ زِيَادًا عَنَى ابْنَ عَبَّاسٍ، وَهْمٌ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَارَقَ عَلِيًّا فِي حَيَاتِهِ ). وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ هَذَا إِلَى زِيَادٍ فِي حَيَاةِ عَلِيٍّ، فَقَالَ زِيَادٌ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَعَنَى بِهَا عَلِيًّا. وَكَتَبَ زِيَادٌ إِلَى عَلِيٍّ يُخْبِرُهُ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ، فَأَجَابَهُ بِمَا هُوَ مَشْهُورٌ.

  11. التاريخ 2102لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ ابْنِ عَامِرٍ الْبَصْرَةَ لِمُعَاوِيَةَ   ثُمَّ أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُوَلِّيَ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ الْبَصْرَةَ، فَكَلَّمَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي بِالْبَصْرَةِ وَدَائِعَ وَأَمْوَالًا، فَإِنْ لَمْ تُوَلِّنِي عَلَيْهَا ذَهَبَتْ. فَوَلَّاهُ الْبَصْرَةَ. فَقَدِمَهَا فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَجَعَلَ إِلَيْهِ خُرَاسَانَ وَسَجِسْتَانَ، فَجَعَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ حَبِيبَ بْنَ شِهَابٍ، وَقِيلَ: قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ وَعَلَى الْقَضَاءِ عَمِيرَةَ بْنَ يَثْرِبِيٍّ أَخَا عَمْرٍو، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ أَنَّ عَمِيرَةَ قُتِلَ فِيهَا، وَقِيلَ عَمْرٌو هُوَ الْمَقْتُولُ، ( وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ).

  12. التاريخ 2103لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ قَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ خُرَاسَانَ   وَفِي سنة إحدى وأربعين اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَامِرٍ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيَّ عَلَى خُرَاسَانَ، وَكَانَ أَهْلُ بِاذَغِيسَ وَهَرَاةَ وَبُوشَنْجَ قَدْ نَكَثُوا، فَسَارَ إِلَى بَلْخَ فَأَخْرَبَ نُوبَهَارَهَا، كَانَ الَّذِي تَوَلَّى ذَلِكَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ، وَهُوَ الْخُشْكُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَطَاءً الْخُشْكَ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ مَدِينَةَ هَرَاةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَابِ خُشْكٍ، وَاتَّخَذَ قَنَاطِرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْهَارٍ مَنْ بَلْخَ عَلَى فَرْسَخٍ فَقِيلَ: قَنَاطِرُ عَطَاءٍ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ بَلْخَ سَأَلُوا الصُّلْحَ وَمُرَاجَعَةَ الطَّاعَةِ فَصَالَحَهُمْ قَيْسٌ. وَقِيلَ: إِنَّمَا صَالَحَهُمُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ،. ثُمَّ قَدِمَ قَيْسٌ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ فَضَرَبَهُ وَحَبَسَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَهْلُ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ وَبُوشَنْجَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ وَحَمَلَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ مَالًا.

  13. التاريخ 2104لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ سَهْمِ بْنِ غَالِبٍ   وَفِي سنة إحدى وأربعين خَرَجَ سَهْمُ بْنُ غَالِبٍ الْهُجَيْمِيُّ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا، مِنْهُمُ الْخَطِيمُ الْبَاهِلِيُّ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْخَطِيمُ لِضَرْبَةٍ ضُرِبَهَا عَلَى وَجْهِهِ، فَنَزَلُوا بَيْنَ الْجِسْرَيْنِ وَالْبَصْرَةِ، فَمَرَّ بِهِمْ عُبَادَةُ بْنُ فُرْصٍ اللَّيْثِيُّ مِنَ الْغَزْوِ وَمَعَهُ ابْنُهُ وَابْنُ أَخِيهِ، فَقَالَ لَهُمُ الْخَوَارِجُ: مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا: قَوْمٌ مُسْلِمُونَ. قَالُوا: كَذَبْتُمْ. قَالَ عُبَادَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! اقْبَلُوا مِنَّا مَا قَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنِّي، فَإِنِّي كَذَّبْتُهُ وَقَاتَلْتُهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَسْلَمْتُ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي. قَالُوا: أَنْتَ كَافِرٌ، وَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا ابْنَهُ وَابْنَ أَخِيهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ عَامِرٍ بِنَفْسِهِ وَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ عِدَّةً وَانْحَازَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى أَجَمَةٍ وَفِيهِمْ سَهْمٌ وَالْخَطِيمُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ ابْنُ عَامِرٍ الْأَمَانَ فَقَبِلُوهُ، فَآمَنُهُمْ، فَرَجَعُوا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ، فَ?َتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَامِرٍ: إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُمْ ذِمَّتَكَ. فَلَمَّا أَتَى زِيَادٌ الْبَصْرَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ هَرَبَ سَهْمٌ وَالْخَطِيمُ فَخَرَجَا إِلَى الْأَهْوَازِ، فَاجْتَمَعَ إِلَى سَهْمٍ جَمَاعَةٌ فَأَقْبَلَ بِهِمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، ( فَأَخَذَ قَوْمًا )، فَقَالُوا: نَحْنُ يَهُودٌ، فَخَلَّاهُمْ، وَقَتَلَ سَعْدًا مَوْلَى قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَاخْتَفَى سَهْمٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ تَفَرَّقُوا عِنْدَ اسْتِخْفَائِهِ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ وَظَنَّ أَنَّهُ يَسُوغُ لَهُ عِنْدَ زِيَادٍ مَا سَاغَ عِنْدَ ابْنِ عَامِرٍ، فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ زِيَادٌ، وَبَحَثَ عَنْهُ، فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ فِي دَارِهِ. وَقِيلَ: لَمْ يَزَلْ مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ مَاتَ زِيَادٌ فَأَخَذَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فَصَلَبَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: فَإِنْ تَكُنِ الْأَحْزَابُ بَاءُوا بِصَلْبِهِ فَلَا يُبْعِدَنَّ اللَّهُ سَهْمَ بْنَ غَالِبِ وَأَمَّا الْخَطِيمُ فَإِنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِهِ عُبَادَةَ فَأَنْكَرَهُ فَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ثُمَّ أَعَادَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

  14. التاريخ 2105لا حكم مسجّل

    صُلْحِ مُعَاوِيَةَ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ   ( وفي سنة إحدى وأربعين جَرَى الصُّلْحُ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَ قَيْسٌ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ وَسَبَبُ امْتِنَاعِهِ ) أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ لَمَّا عَلِمَ بِمَا يُرِيدُهُ الْحَسَنُ مِنْ تَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَى مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ الْأَمَانَ لِنَفْسِهِ عَلَى مَا أَصَابَ مِنْ مَالٍ وَغَيْرِهِ، فَأَجَابَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عُبَيْدُ اللَّهِ لَيْلًا وَتَرَكَ جُنْدَهُ الَّذِينَ هُوَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ أَمِيرٍ وَفِيهِمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، فَأَمَّرَ ذَلِكَ الْجُنْدُ عَلَيْهِمْ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَتَعَاقَدُوا هُوَ وَهُمْ عَلَى قِتَالِ مُعَاوِيَةَ حَتَّى يَشْرُطَ لِشِيعَةِ عَلِيٍّ وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسًا كَانَ هُوَ الْأَمِيرُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ ( فِي الْمُقَدِّمَةِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْكَرَاهَةِ لِإِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ صَالِحَ مُعَاوِيَةَ اجْتَمَعَ مَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَبَايَعُوهُ عَلَى قِتَالِ مُعَاوِيَةَ حَتَّى يَشْتَرِطَ لِشِيعَةِ عَلِيٍّ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَا كَانُوا أَصَابُوا فِي الْفِتْنَةِ، فَرَاسَلَهُ مُعَاوِيَةُ يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِسِجِلٍّ، وَخَتَمَ عَلَى أَسْفَلِهِ وَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ فِي هَذَا مَا شِئْتَ فَهُوَ لَكَ. فَقَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: لَا تُعْطِهِ هَذَا وَقَاتِلْهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: عَلَى رِسْلِكَ فَإِنَّا لَا نَخْلُصُ إِلَى قَتْلِهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوا أَعْدَادَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُهُ أَبَدًا حَتَّى لَا أَجِدَ مِنْ قِتَالِهِ بُدًّا. فَلَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ السِّجِلَّ اشْتَرَطَ قَيْسٌ لَهُ وَلِشِيعَةِ عَلِيٍّ الْأَمَانَ عَلَى مَا أَصَابُوا مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَسْأَلْ فِي سِجِلِّهِ ذَلِكَ مَالًا، وَأَعْطَاهُ مُعَاوِيَةُ [مَا سَأَلَ ]، فَدَخَلَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَمَنْ مَعَهُ [فِي طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ ]. وَكَانُوا يَعُدُّونَ دُهَاةَ النَّاسِ حِينَ ثَارَتِ الْفِتْنَةُ خَمْسَةً يُقَالُ إِنَّهُمْ ذَوُو رَأْيِ الْعَرَبِ وَمَكِيدَتِهِمْ: مُعَاوِيَةُ، وَعَمْرٌو، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ قَيْسٌ وَابْنُ بُدَيْلٍ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ مُعْتَزِلًا بِالطَّائِفِ، وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمُعَاوِيَةَ دَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ ! فَضَحَكَ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ: مَا كَانَ عَلَيْكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ لَوْ قُلْتَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: أَتَقُولُهَا جَذْلَانَ ضَاحِكًا ؟ وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي وُلِيتُهَا بِمَا وُلِيتَهَا بِهِ.

  15. التاريخ 2106لا حكم مسجّل

    مولد علي بن عبد الله بن عباس قِيلَ: وَفِي سنة إحدى وأربعين وُلِدَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ  ، وَقِيلَ: وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عَلِيٌّ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَبِاسِمِ عَلِيٍّ سَمَّاهُ، وَقَالَ: سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ.

  16. التاريخ 2107لا حكم مسجّل

    وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي عام إحدى وأربعين رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ  : شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا. وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ركانة بن عبد العزيز بن هاشم رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ  ، وَهُوَ الَّذِي صَارَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَصَرَعَهُ، وَكَانَ رُكَانَةُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، وَكَانَ صَرْعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ  لَهُ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، فعن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: كَانَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَشَدَّ النَّاسِ، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ صَرَعْتَنِي آمَنْتُ بِكَ، فَصَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ سَاحِرٌ، أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَقِيلَ: قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ لَمَّا صَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. صفوان بن أمية بن خلف صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ  ، أَبُو وَهَبٍ الْقُرَشِيُّ، أَحَدُ الرُّؤَسَاءِ، تَقَدَّمَ أَنَّهُ هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ هَرَبَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ حَتَّى أَتَى الشَّعْبِيَّةَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ اللَّخْمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ سَيِّدَ قَوْمِي خَرَجَ هَارِبًا لِيَقْذِفَ نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ، وَخَافَ أَلَّا تُؤَمِّنَهُ، فَأَمِّنْهُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، قَالَ: قَدْ أَمَّنْتُهُ. فَخَرَجَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ فِي أَثَرِهِ فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَبَرِّ النَّاسِ وَأَوْصَلِ النَّاسِ، وَقَدْ أَمَّنَكَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تَأْتِيَنِي مِنْهُ بِعَلَامَةٍ أَعْرِفُهَا، فَرَجَعَ عُمَيْرٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "خُذْ عِمَامَتِي "، وَهُوَ الْبُرْدُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مُعْتَجِرًا بِهِ بُرْدٌ حَبِرَةٌ، فَخَرَجَ عُمَيْرٌ فَأَعْطَاهُ الْبُرْدَ فَعَرَفَهُ فَرَجَعَ مَعَهُ، وَانْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعَصْرَ، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرَخَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ جَاءَنِي بِبُرْدِكَ وَزَعَمَ أَنَّكَ دَعَوْتَنِي إِلَى الْقُدُومِ عَلَيْكَ، فَإِنْ رَضِيتُ أَمْرًا وَإِلَّا سَيَّرْتَنِي شَهْرَيْنِ، قَالَ: "انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ " قَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِي، قَالَ: لَكَ تَسِيرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَنَزَلَ صَفْوَانُ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ هَوَازِنَ، وَخَرَجَ مَعَهُ صَفْوَانُ وَاسْتَعَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلَاحًا، فَأَعَارَهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِأَدَاتِهَا، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنَ وَالطَّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ، ثُمَّ رَجَعَ الْجِعِرَّانَةَ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي الْغَنَائِمِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَمَعَهُ صَفْوَانُ جَعَلَ صَفْوَانُ يَنْظُرُ إِلَى شِعْبٍ مِلَاءٍ نَعَمٍ وَشَاءٍ وَرِعَاءٍ، فَأَدَامَ إِلَيْهِ النَّظَرَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْمُقُهُ، فَقَالَ: أَبَا وَهْبٍ، يُعْجِبُكَ هَذَا الشِّعْبُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هُوَ لَكَ وَمَا فِيهِ، فَقَالَ صَفْوَانُ عِنْدَ ذَلِكَ: مَا طَابَتْ نَفْسُ أَحَدٍ بِمِثْلِ هَذَا إِلَّا نَفْسُ نَبِيٍّ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْضًا مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنَ خَمْسِينَ بَعِيرًا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: لَمْ يَزَلْ صَفْوَانُ صَحِيحَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا وَلَا بَعْدَهُ، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. عثمان بن طلحة عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ  بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ، أَسْلَمَ هُوَ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانٍ قَبْلَ الْفَتْحِ. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ حَدِيثًا طَوِيلًا عَنْهُ فِي صِفَةِ إِسْلَامِهِ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ  : لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، الْعَجَبُ لَكَ حَيْثُ تَطْمَعُ أَنْ أَتْبَعَكَ وَقَدْ خَالَفْتَ دِينَ قَوْمِكَ وَجِئْتَ بِدِينٍ مُحْدَثٍ، وَفَرَّقْتَ جَمَاعَتَهُمْ، فَانْصَرَفَ، وَكُنَّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأَقْبَلَ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ مَعَ النَّاسِ، فَغَلَّظْتُ لَهُ وَنِلْتُ مِنْهُ، وَحَلُمَ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: "يَا عُثْمَانُ، لَعَلَّكَ سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْتُ "، فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلَّتْ، قَالَ: "بَلْ عَزَّتْ ". وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ، فَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنِّي مَوْقِعًا ظَنَنْتُ أَنَّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إِلَى مَا قَالَ، فَأَرَدْتُ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا قَوْمِي يَزْئَرُونِي زِئْرًا شَدِيدًا، فَلَمَّا هَاجَرَ جَعَلَتْ قُرَيْشٌ تُشْفِقُ مِنْ رُجُوعِهِ عَلَيْهَا، فَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءَ إِلَى بَدْرٍ، فَخَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ، وَشَهِدْتُ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْقَضِيَّةِ  غَيَّرَ اللَّهُ قَلْبِي وَدَخَلَنِي الْإِسْلَامُ، وَجَعَلْتُ أُفَكِّرُ فِيمَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَمَا نَعْبُدُ مِنْ حَجَرٍ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَأَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَظَلَفِ أَنْفُسِهِمْ عَنِ الدُّنْيَا، فَيَقَعُ ذَلِكَ مِنِّي، وَلَمْ يَعْزِمْ، إِلَى أَنْ آتِيَهُ حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَاجِعًا، ثُمُّ عَزَمَ لِي عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، فَأَدْلَجْتُ، فَأَلْقَى خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَاصْطَحَبَنَا حَتَّى نَزَلْنَا الْهَدَّةَ، فَمَا شَعَرْنَا إِلَّا بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَانْقَمَعْنَا مِنْهُ وَانْقَمَعَ مِنَّا، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ يُرِيدُ الرَّجُلَانِ ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ الَّذِي تُرِيدَانِ، فَاصْطَحَبَنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْتُ مَعَهُ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَقَالَ لِي: "يَا عُثْمَانُ، ائْتِ بِالْمِفْتَاحِ " فَأَتَيْتُ بِهِ، فَأَخَذَهُ مِنِّي ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: "خُذْهَا تَالِدَةً خَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا إِلَّا ظَالِمٌ ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَكَانَ قُدُومُ عُثْمَانَ الْمَدِينَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَنَزَلَهَا حَتَّى مَاتَ بِهَا فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. عمرو بن الأسود العنسي عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيُّ  : كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ، وَكَانَتْ لَهُ حُلَّةً بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ يَلْبَسُهَا إِذَا قَامَ إِلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ مَخَافَةَ الْخُيَلَاءِ، رَوَى عَنْ مُعَاذٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي " الزُّهْدِ ": بسنده عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَا: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَدْيِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْوَدِ. عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى  : أُمُّهَا أُمُّ كُرْزِ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَهَاجَرَتْ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَجَعَلَ لَهَا بَعْضَ أَرْضِيِّهِ عَلَى أَلَّا تَتَزَوَّجَ بَعْدَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ بَعَثَ إِلَيْهَا عُمَرُ وَقَالَ: إِنَّكِ قَدْ حَرَّمْتِ عَلَى نَفْسِكِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكِ، فَرُدِّيَ الْمَالَ وَتَزَوَّجِي، فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا عَائِشَةُ أَنْ رُدِّي عَلَيْنَا أَرْضَنَا. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ - قَالَ: تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ حَسْنَاءَ ذَاتَ خَلْقٍ بَارِعٍ، فَشَغَلَتْهُ عَنْ مَغَازِيهِ، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِطَلَاقِهَا وَقَالَ: إِنَّهَا قَدْ شَغَلَتْكَ عَنْ مَغَازِيكَ، فَقَالَ: يَقُولُونَ طَلِّقْهَا وَخَيِّمْ مَكَانَهَا مُقِيمًا عَلَيْهَا الْهَمَّ أَحْلَامَ نَائِمِ     وَإِنَّ فِرَاقِي أَهْلَ بَيْتٍ جَمَعْتُهُمْ عَلَى كُرْهٍ مِنِّي لَإِحْدَى الْعَظَائِمِ ثُمَّ طَلَّقَهَا فَمَرَّ بِهِ أَبُوهُ وَهُوَ يَقُولُ: لَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْعَامَ مِثْلَهَا     وَلَا مِثْلَهَا فِي غَيْرِ جُرْمٍ يُطَلَّقُ لَهَا خُلُقٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌ وَمَنْصِبٌ     وَخَلْقٌ سَوِيٌّ فِي الْحَيَاةِ مُصَدَّقُ فَرَقَّ لَهُ أَبُوهُ وَأَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا، ثُمَّ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَاةً فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَمَاتَ مِنْهُ فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ عَاتِكَةُ تَبْكِيهِ: رُزِيتُ بِخَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ     وَبَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَمَا كَانَ قَصَّرَا وَآلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي حَزِينَةً     عَلَيْكَ وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِي أَغْبَرَا فَلِلَّهِ عَيْنًا مَنْ رَأَى مِثْلَهُ فَتًى     أَكَرُّ وَأَحْمَى فِي الْهَيَاحِ وَأَصْبَرَا إِذَا شَرَعَتْ فِيهِ الْأَسِنَّةُ خَاضَهَا     إِلَى الْمَوْتِ حَتَّى يَتْرُكَ الرُّمْحَ أَحْمَرَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ فَأَوْلَمَ، وَكَانَ فِيمَنْ دَعَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ؓ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَعْنِي أُكَلِّمُ عَاتِكَةَ، فَقَالَ: كَلِّمْهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ ؓ بِجَانِبِ الْخِدْرِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَدِيَّةَ نَفْسِهَا، تَقُولِينَ: آلَيْتُ لَا تَنْفَكُّ عَيْنِي قَرِيرَةً     عَلَيْكَ وَلَا يَنْفَكُّ جِلْدِي أَصْفَرَا فَبَكَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا يَا أَبَا الْحَسَنِ، كُلُّ النِّسَاءِ تَفْعَلْنَ هَذَا. ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ، فَكَانَتْ تَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَكَانَ يَكْرَهُ خُرُوجَهَا وَيَحْرَجُ مِنْ مَنْعِهَا، فَخَرَجَتْ لَيْلَةً إِلَى الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَ الزُّبَيْرُ فَسَبَقَهَا إِلَى مَكَانٍ مُظْلِمٍ، فَلَمَّا مَرَّتْ بِهِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى بَعْضِ جَسَدِهَا، فَرَجَعَتْ تَتَشَنَّجُ ثُمَّ لَمْ تَخْرُجْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ: مَا لَكِ لَا تَخْرُجِينَ إِلَى الْمَسْجِدِ كَمَا كُنْتِ تَفْعَلِينَ ؟ فَقَالَتْ: فَسَدَ النَّاسُ، فَقَالَ: أَنَا فَعَلْتُ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَلَيْسَ يَقْدِرُ غَيْرُكَ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ، وَلَمْ تَخْرُجْ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا الزُّبَيْرُ.

  17. التاريخ 2108لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ فِيهَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْلَّانَ وَالرُّومَ، فَقَتَلُوا مِنْ أُمَرَائِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا وَسَلِمُوا.

  18. التاريخ 2109لا حكم مسجّل

    وفي سنة ثنتين وأربعين وَلَّى مُعَاوِيَةُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى مَكَّةَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَاسْتَقْضَى مَرْوَانُ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عُمَيْرَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ.

  19. التاريخ 2110لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثنتين وأربعين تَحَرَّكَتِ الْخَوَارِجُ  الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَفَا عَنْهُمْ عَلِيٌّ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ وَقَدْ عُوفِيَ جَرْحَاهُمْ وَثَابَتْ إِلَيْهِمْ قُوَاهُمْ، كَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِمْ أَنَّ حَيَّانَ بْنَ ظَبْيَانَ السُّلَمِيَّ كَانَ خَارِجِيًّا وَكَانَ قَدِ ارْتَثَّ يَوْمَ النَّهْرِ، فَلَمَّا بَرَأَ لَحِقَ بِالرَّيِّ فِي رِجَالٍ مَعَهُ: فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى بَلَغَهُمْ مَقْتَلُ عَلِيٍّ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَقْتَلُ عَلِيٍّ تَرَحَّمُوا عَلَى قَاتِلِهِ ابْنِ مُلْجَمٍ، وَقَالَ أَحَدُهُمْ وهو سَالِمُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَبْسِيُّ: لَا يَقْطَعُ اللَّهُ يَدًا عَلَتْ قَذَالَ عَلِيٍّ بِالسَّيْفِ. وَجَعَلُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ، ؓ وَلَا رَضِيَ عَنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ سَالِمًا رَجَعَ عَنْ رَأْيِ الْخَوَارِجِ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَلُحَ، وَدَعَاهُمْ حَيَّانُ إِلَى الْخُرُوجِ وَمُقَاتَلَةِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، فَأَقْبَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَامُوا بِهَا حَتَّى قَدِمَهَا مُعَاوِيَةُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَأَحَبَّ الْعَافِيَةَ وَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَكَانَ يُؤْتَى فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا يَرَى رَأْيَ الشِّيعَةِ وَفُلَانًا يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، فَيَقُولُ: قَضَى اللَّهُ أَنْ لَا يَزَالُوا مُخْتَلِفِينَ وَسَيَحْكُمُ اللَّهُ بَيْنَ عِبَادِهِ. فَأَمِنَهُ النَّاسُ. وَكَانَتِ الْخَوَارِجُ يَلْقَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَتَذَاكَرُونَ مَكَانَ إِخْوَانِهِمْ بِالنَّهْرِ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: عَلَى الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ عُلِّفَةَ التَّيْمِيِّ مِنْ تَيْمِ الرِّبَابِ، وَعَلَى مُعَاذِ بْنِ جُوَيْنٍ الطَّائِيِّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ زِيدِ بْنِ حُصَيْنٍ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ النَّهْرِ، وَعَلَى حَيَّانَ بْنِ ظَبْيَانَ السُّلَمِيِّ، وَاجْتَمَعُوا فِي أَرْبَعِمِائَةٍ فَتَشَاوَرُوا فِيمَنْ يُوَلُّونَ عَلَيْهِمْ، فَكُلُّهُمْ دَفَعَ الْإِمَارَةَ عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ اتَّفَقُوا فَوَلَّوُا الْمُسْتَوْرِدَ وَبَايَعُوهُ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَاتَّعَدُوا لِلْخُرُوجِ وَاسْتَعَدُّوا، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ غُرَّةَ شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ.

  20. التاريخ 2111لا حكم مسجّل

    قُدُومِ زِيَادٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ   وَفِي سنة ثنتين وأربعين قَدِمَ زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ  ، [ مِنْ فَارِسَ ]. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ زِيَادًا كَانَ قَدِ اسْتَوْدَعَ مَالَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَلِي مَالَهُ بِالْبَصْرَةِ، وَبَلَغَ مُعَاوِيَةَ ذَلِكَ فَبَعَثَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ لِيَنْظُرَ فِي أَمْوَالِ زِيَادٍ، فَأَخَذَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ أَبُوكَ قَدْ أَسَاءَ إِلَيَّ لَقَدْ أَحْسَنَ عَمُّكَ، يَعْنِي زِيَادًا. وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: أَنْ عَذِّبْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَرَادَ أَنْ يُعْذَرَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: احْتَفِظْ بِمَا فِي يَدَيْكَ. وَأَلْقَى عَلَى وَجْهِهِ حَرِيرَةً وَنَضَحَهَا بِالْمَاءِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ خَلَّاهُ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: إِنِّي عَذَّبْتُهُ فَلَمْ أُصِبْ عِنْدَهُ شَيْئًا. وَحَفِظَ لِزِيَادٍ يَدَهُ عِنْدَهُ. ثُمَّ دَخَلَ الْمُغِيرَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ حِينَ رَآهُ: إِنَّمَا مَوْضِعُ سِرِّ الْمَرْءِ إِنْ بَاحَ بِالسِّرِّ أَخُوهُ الْمُنْتَصِحْ فَإِذَا بُحْتَ بِسِرٍّ فَإِلَى نَاصِحٍ يَسْتُرُهُ أَوْ لَا تَبُحْ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ تَسْتَوْدِعْنِي تَسْتَوْدِعْ نَاصِحًا مُشْفِقًا، وَمَا ذَلِكَ ؟ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: ذَكَرْتُ زِيَادًا وَاعْتِصَامَهُ بِفَارِسَ فَلَمْ أَنَمْ لَيْلَتِي. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: مَا زِيَادٌ هُنَاكَ ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: دَاهِيَةُ الْعَرَبِ مَعَهُ أَمْوَالُ فَارِسَ يُدَبِّرُ الْحِيَلَ، مَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يُبَايِعَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَعَادَ [ عَلَيَّ ] الْحَرْبَ جَذَعَةً، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَتَأْذَنُ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِتْيَانِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأْتِهِ وَتَلَطَّفْ لَهُ. فَأَتَاهُ الْمُغِيرَةُ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَخَفَّهُ الْوَجَلُ حَتَّى بَعَثَنِي إِلَيْكَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى هَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ الْحَسَنِ، وَقَدْ بَايَعَ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ التَّوْطِينِ فَيَسْتَغْنِي مُعَاوِيَةُ عَنْكَ. قَالَ: أَشِرْ عَلَيَّ ( وَارْمِ الْغَرَضَ الْأَقْصَى )، فَإِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ: فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: ( أَرَى أَنْ تَصِلَ حَبْلَكَ بِحَبْلِهِ وَتَشْخَصَ إِلَيْهِ، وَيَقْضِي اللَّهُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِأَمَانِهِ بَعْدَ عَوْدِ الْمُغِيرَةِ عَنْهُ )، فَخَرَجَ زِيَادٌ مِنْ فَارِسَ نَحْوَ مُعَاوِيَةَ وَمَعَهُ الْمِنْجَابُ بْنُ رَاشِدٍ الضَّبِّيُّ وَحَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ. وَسَرَّحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَى فَارِسَ وَقَالَ: لَعَلَّكَ تَلْقَى زِيَادًا فِي طَرِيقِكَ فَتَأْخُذُهُ. فَسَارَ ابْنُ خَازِمٍ، فَلَقِيَ زِيَادًا بِأَرَّجَانَ، فَأَخَذَهُ بِعِنَانِهِ وَقَالَ: انْزِلْ يَا زِيَادُ. فَقَالَ لَهُ الْمِنْجَابُ: تَنَحَّ يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ وَإِلَّا عَلَّقْتُ يَدَكَ بِالْعِنَانِ. وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ مُنَازَعَةٌ. فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: قَدْ أَتَانِي كِتَابُ مُعَاوِيَةَ وَأَمَانُهُ. فَتَرَكَهُ ابْنُ خَازِمٍ، وَقَدِمَ زِيَادٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَمْوَالِ فَارِسَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا حَمَلَ مِنْهَا إِلَى عَلِيٍّ وَبِمَا أَنْفَقَ مِنْهَا فِي الْوُجُوهِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ وَمَا بَقِيَ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ مُودَعٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَصَدَّقَهُ مُعَاوِيَةُ فِيمَا أَنْفَقَ وَفِيمَا بَقِيَ عِنْدَهُ وَقَبَضَهُ مِنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ زِيَادًا لَمَّا قَالَ لِمُعَاوِيَةَ قَدْ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمَالِ وَقَدْ أَوْدَعْتُهَا، مَكَثَ مُعَاوِيَةُ يُرَدِّدُهُ، فَكَتَبَ زِيَادٌ كُتُبَا إِلَى قَوْمٍ ( أَوْدَعَهُمُ الْمَالَ وَقَالَ لَهُمْ ): قَدْ عَلِمْتُمْ مَا لِي عِنْدَكُمْ مِنَ الْأَمَانَةِ فَتَدَبَّرُوا كِتَابَ اللَّهِ: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ الْآيَةَ، فَاحْتَفِظُوا بِمَا قِبَلَكُمْ. وَسَمَّى فِي الْكُتُبِ الْمَالَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لِمُعَاوِيَةَ، وَأَمَرَ رَسُولَهُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِبَعْضِ مَنْ يُبَلِّغُ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ. فَفَعَلَ رَسُولُهُ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِزِيَادٍ حِينَ وَقَفَ عَلَى الْكُتُبِ: أَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكَرْتَ بِي فَصَالِحْنِي عَلَى مَا شِئْتَ. فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ وَحَمَلَهُ إِلَيْهِ، وَمَبْلَغُهُ: أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي نُزُولِ الْكُوفَةِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَكَانَ الْمُغِيرَةُ يُكْرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ لِيُلْزِمَ زِيَادًا وَحُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ وَسُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ وَابْنَ الْكَوَّا بْنِ الْحَمِقِ بِالصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ، فَكَانُوا يَحْضُرُونَ مَعَهُ الصَّلَاةَ. ( وَإِنَّمَا أَلْزَمَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ ).

  21. التاريخ 2112لا حكم مسجّل

    [ الْوَفَيَاتُ ]: وَفِيهَا مَاتَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ بِأَرْمِينِيَّةَ، وَكَانَ أَمِيرًا لِمُعَاوِيَةَ عَلَيْهَا، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ مَعَهُ حُرُوبَهُ كُلَّهَا. هانيء بن نيار وَفِيهَا مَاتَ هَانِئُ بْنُ نِيَارِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ: وَهُوَ خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، وَكَانَ بَدْرِيًّا عَقَبِيًّا. .

  22. التاريخ 2113لا حكم مسجّل

    غَزَا بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ بِلَادَ الرُّومِ  ، فَوَغَلَ فِيهَا حَتَّى بَلَغَ مَدِينَةَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَشَتَّى بِبِلَادِهِمْ فِيمَا زَعَمَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَقَالُوا: لَمْ يَكُنْ بِهَا مَشْتًى لِأَحَدٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  23. التاريخ 2114لا حكم مسجّل

    وَقَدْ كَانَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ - وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَجُنْدِ الْكُوفَةِ  وقُتِلَ فيها الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ عِلَّفَةَ الْخَارِجِيُّ   وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اتَّعَدُوا لِلْخُرُوجِ غُرَّةَ شَعْبَانَ، فَأَرْسَلَ الْمُغِيرَةُ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ، وَهُوَ قَبِيصَةُ بْنُ الدَّمُونِ، فَأَحَاطَ بِدَارِ حَيَّانَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَإِذَا عِنْدَهُ مُعَاذُ بْنُ جُوَيْنٍ وَنَحْوُ عِشْرِينَ رَجُلًا، وَثَارَتِ امْرَأَتُهُ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ كَانَتْ لَهُ كَارِهَةً، فَأَخَذَتْ سُيُوفَهُمْ فَأَلْقَتْهَا تَحْتَ الْفِرَاشِ، وَقَامُوا لِيَأْخُذُوا سُيُوفَهُمْ فَلَمْ يَجِدُوهَا فَاسْتَسْلَمُوا، فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى الْمُغِيرَةِ فَحَبَسَهُمْ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَهُمْ فَلَمْ يَعْتَرِفُوا بِشَيْءٍ، وَذَكَرُوا أَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَزَالُوا فِي السِّجْنِ نَحْوَ سَنَةٍ، وَسَمِعَ إِخْوَانُهُمْ فَحَذَرُوا، وَخَرَجَ صَاحِبُهُمُ الْمُسْتَوْرِدُ فَنَزَلَ الْحِيرَةَ، وَاخْتَلَفَ الْخَوَارِجُ إِلَيْهِ، فَرَآهُمْ حَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَكْتُمَ عَلَيْهِمْ لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ، فَقَالَ لَهُمْ: سَأَكْتُمُ عَلَيْكُمُ الدَّهْرَ، فَخَافُوهُ أَنْ يَذْكُرَ حَالَهُمْ لِلْمُغِيرَةِ، فَتَحَوَّلُوا إِلَى دَارِ سُلَيْمِ بْنِ مَحْدُوجٍ الْعَبْدِيِّ، وَكَانَ صِهْرًا لِلْمُسْتَوْرِدِ وَلَمْ يَذْكُرْ حَجَّارٌ مِنْ أَخْبَارِهِمْ شَيْئًا. وَبَلَغَ الْمُغِيرَةَ خَبَرُهُمْ وَأَنَّهُمْ عَازِمُونَ عَلَى الْخُرُوجِ تِلْكَ الْأَيَّامَ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي لَمْ أَزَلْ أُحِبُّ لِجَمَاعَتِهِمُ الْعَافِيَةَ وَأَكُفُّ عَنْكُمُ الْأَذَى، وَخَشِيتُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَدَبُ سُوءٍ لِسُفَهَائِكُمْ، ( وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا نَجِدَ بُدًّا مِنْ أَنْ يُؤْخَذَ ) الْحَلِيمُ التَّقِيُّ بِذَنْبِ الْجَاهِلِ السَّفِيهِ، فَكُفُّوا عَنْهَا سُفَهَاءَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَشْمَلَ الْبَلَاءُ عَوَامَّكُمْ، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالًا يُرِيدُونَ أَنْ يَظْهَرُوا فِي الْمِصْرِ بِالشِّقَاقِ ( وَالنِّفَاقِ ) وَالْخِلَافِ، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَخْرُجُونَ فِي حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا أَهْلَكْتُهُمْ وَجَعَلْتُهُمْ نَكَالًا لِمَنْ بَعْدَهُمْ ! فَقَامَ إِلَيْهِ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ الرِّيَاحِيُّ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَعْلِمْنَا بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، فَإِنْ كَانُوا مِنَّا كَفَيْنَاكَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَنَا أَمَرْتَ أَهْلَ الطَّاعَةِ فَأَتَاكَ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِسُفَهَائِهِمْ. فَقَالَ: مَا سُمِّيَ لِي أَحَدٌ بِاسْمِهِ. فَقَالَ مَعْقِلٌ: أَنَا أَكْفِيكَ قَوْمِي فَلْيَكْفِكَ كُلُّ رَئِيسٍ قَوْمَهُ. فَأَحْضَرَ الْمُغِيرَةُ الرُّؤَسَاءَ وَقَالَ لَهُمْ: لِيَكْفِنِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قَوْمَهُ وَإِلَّا فَوَاللَّهِ لَأَتَحَوَّلَنَّ عَمَّا تَعْرِفُونَ إِلَى مَا تُنْكِرُونَ، وَعَمَّا تُحِبُّونَ إِلَى مَا تَكْرَهُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَنَاشَدُوهُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ إِلَّا دَلُّوهُمْ عَلَى كُلِّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يُهَيِّجَ الْفِتْنَةَ. خطبة صعصعة بن صوحان في عبد القيس وَجَاءَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ إِلَى عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ قَدْ عَلِمَ بِمَنْزِلِ حَيَّانَ فِي دَارِ سُلَيْمٍ، وَلَكِنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ عَشِيرَتِهِ عَلَى فِرَاقِهِ لِأَهْلِ الشَّامِ وَبُغْضِهِ لِرَأْيِهِمْ، ( وَكَرِهَ مَسَاءَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ قَوْمِهِ )، فَقَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ وَلَهُ الْحَمْدُ لَمَّا قَسَّمَ الْفَضْلَ خَصَّكُمْ بِأَحْسَنِ الْقَسَمِ فَأَجَبْتُمْ إِلَى دِينِ اللَّهِ الَّذِي اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ وَارْتَضَاهُ لِمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، ثُمَّ أَقَمْتُمْ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ ثُمَّ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَهُ فَثَبَتَتْ طَائِفَةٌ وَارْتَدَّتْ طَائِفَةٌ وَأَدْهَنَتْ طَائِفَةٌ، وَتَرَبَّصَتْ طَائِفَةٌ، فَلَزِمْتُمْ دِينَ اللَّهِ إِيمَانًا بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَقَاتَلْتُمُ الْمُرْتَدِّينَ حَتَّى قَامَ الدِّينُ وَأَهْلَكَ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَزِيدُكُمْ بِذَلِكَ خَيْرًا حَتَّى اخْتَلَفَتِ الْأُمَّةُ بَيْنَهَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نُرِيدُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نُرِيدُ أَهْلَ الْمَغْرِبِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ الرَّاسِبِيَّ، وَقُلْتُمْ أَنْتُمْ: لَا نُرِيدُ إِلَّا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّنَا الَّذِينَ ابْتَدَأَنَا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - مِنْ قِبَلِهِمْ بِالْكَرَامَةِ تَسْدِيدًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لَكُمْ وَتَوْفِيقًا، فَلَمْ تَزَالُوا عَلَى الْحَقِّ لَازِمِينَ لَهُ آخِذِينَ بِهِ حَتَّى أَهْلَكَ اللَّهُ بِكُمْ وَبِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ هَدْيِكُمُ النَّاكِثِينَ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَالْمَارِقِينَ يَوْمَ النَّهْرِ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ أَهْلِ الشَّامِ لِأَنَّ السُّلْطَانَ لَهُمْ، فَلَا قَوْمَ أَعْدَى لِلَّهِ وَلَكُمْ وَلِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ مِنْ هَذِهِ الْمَارِقَةِ الْخَاطِئَةِ الَّذِينَ فَارَقُوا إِمَامَنَا وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَنَا وَشَهِدُوا عَلَيْنَا بِالْكُفْرِ، فَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْوُوهُمْ فِي دُورِكُمْ أَوْ تَكْتُمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَنْ يَكُونَ أَعْدَى لِهَذِهِ الْمَارِقَةِ مِنْكُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ بَعْضَهُمْ فِي جَانِبٍ مِنَ الْحَيِّ، وَأَنَا بَاحِثٌ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ يَكُ حَقًّا تَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنَّ دِمَاءَهُمْ حَلَالٌ ! وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ إِنَّ وُلَاتَنَا هَؤُلَاءِ أَعْرَفُ شَيْءٍ بِكُمْ وَبِرَأْيِكُمْ، فَلَا تَجْعَلُوا لَهُمْ عَلَيْكُمْ سَبِيلًا، فَإِنَّهُمْ أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَيْكُمْ وَإِلَى مِثْلِكُمْ. ثُمَّ جَلَسَ وَكُلُّ قَوْمٍ قَالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَبَرِئَ مِنْهُمْ، لَا نُؤْوِيهِمْ، وَلَئِنْ عَلِمْنَا بِمَكَانِهِمْ لَنُطْلِعَنَّكَ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ سُلَيْمِ بْنِ مَحْدُوجٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَرَجَعَ كَئِيبًا يَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ أَصْحَابُهُ مِنْ دَارِهِ فَيَلُومُوهُ، وَيَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذُوا فِي دَارِهِ فَيَهْلِكُوا وَيَهْلِكَ مَعَهُمْ. وَجَاءَ أَصْحَابُ الْمُسْتَوْرِدِ إِلَيْهِ فَأَعْلَمُوهُ بِمَا قَامَ بِهِ الْمُغِيرَةُ فِي النَّاسِ وَبِمَا قَامَ بِهِ رُءُوسُهُمْ فِيهِمْ. فَسَأَلَ ابْنَ مَحْدُوجٍ عَمَّا قَامَ بِهِ صَعْصَعَةُ فِي عَبْدِ الْقَيْسِ فَأَخْبَرَهُ، وَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أُعْلِمَكُمْ فَتَظُنُّوا أَنَّهُ ثَقُلَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ. فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَكْرَمْتَ الْمَثْوَى وَأَحْسَنْتَ، وَنَحْنُ مُرْتَحِلُونَ عَنْكَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ الَّذِينَ فِي مَحْبَسِ الْمُغِيرَةِ مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جُوَيْنِ بْنِ حُصَيْنٍ فِي ذَلِكَ: أَلَا أَيُّهَا الشَّارُونَ قَدْ حَانَ لِامْرِئٍ شَرَى نَفْسَهُ لِلَّهِ أَنْ يَتَرَحَّلَا     أَقَمْتُمْ بِدَارِ الْخَاطِئِينَ جَهَالَةً وَكُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ يُصَادُ لِيُقْتَلَا     فَشُدُّوا عَلَى الْقَوْمِ الْعُدَاةِ فَإِنَّمَا أَقَامَتْكُمُ لِلذَّبْحِ رَأْيًا مُضَلِّلًا     أَلَا فَاقْصِدُوا يَا قَوْمِ لِلْغَايَةِ الَّتِي إِذَا ذُكِرَتْ كَانَتْ أَبَرَّ وَأَعْدَلَا     فَيَا لَيْتَنِي فِيكُمْ عَلَى ظَهْرِ سَابِحٍ شَدِيدِ الْقُصَيْرَى دَارِعًا غَيْرَ أَعْزَلَا     وَيَا لَيْتَنِي فِيكُمُ الْعَادِي عَدُوَّكُمْ فَيَسْقِينِي كَأْسَ الْمَنِيَّةِ أَوَّلَا     يَعِزُّ عَلِيَّ أَنْ تُخَافُوا وَتُطْرَدُوا وَلَمَّا أُجَرِّدْ فِي الْمُحِلِّينَ مُنْصُلَا     وَلَمَّا يُفَرِّقْ جَمْعَهُمْ كُلُّ مَاجِدٍ إِذَا قُلْتَ قَدْ وَلَّى وَأَدْبَرَ أَقْبَلَا     مُشِيحًا بِنَصْلِ السَّيْفِ فِي حَمَسِ الْوَغَى يَرَى الصَّبْرَ فِي بَعْضِ الْمُوَاطِنِ أَمْثَلَا     وَعَزَّ عَلَيَّ أَنْ تُصَابُوا وَتُنْقَصُوا وَأَصْبَحَ ذَا بَثٍّ أَسِيرًا مُكَبَّلَا     وَلَوْ أَنَّنِي فِيكُمْ وَقَدْ قَصَدُوا لَكُمْ أَثَرْتُ إِذًا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قَسْطَلَا     فَيَا رُبَّ جَمْعٍ قَدْ فَلَلْتُ وَغَارَةٍ شَهِدْتُ وَقِرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ مُجَدَّلَا وَأَرْسَلَ الْمُسْتَوْرِدُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا مِنْ هَذِهِ الْقَبِيلَةِ، وَاتَّعِدُوا سُورَاءَ. فَخَرَجُوا إِلَيْهَا مُتَقَطِّعِينِ، فَاجْتَمَعُوا بِهَا ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ وَسَارُوا إِلَى الصَّرَاةِ إرسال المغيرة بن شعبة معقل بن قيس لقتال الخوارج فَسَمِعَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ خَبَرَهُمْ فَدَعَا رُؤَسَاءَ النَّاسِ فَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَنْ يُرْسِلُهُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: كُلُّنَا لَهُمْ عَدُوٌّ وَلِرَأْيِهِمْ مُبْغِضٌ وَبِطَاعَتِكَ مُسْتَمْسِكٌ، فَأَيَّنَا شِئْتَ سَارَ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ لَهُ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ: إِنَّكَ لَا تَبْعَثُ إِلَيْهِمْ أَحَدًا مِمَّنْ تَرَى حَوْلَكَ إِلَّا رَأَيْتَهُ سَامِعًا مُطِيعًا وَلَهُمْ مُفَارِقًا وَلِهَلَاكِهِمْ مُحِبًّا، وَلَا أَرَى أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْهِمْ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ أَعْدَى لَهُمْ مِنِّي، فَابْعَثْنِي إِلَيْهِمْ، فَأَنَا أَكْفِيكَهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: اخْرُجْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ! فَجَهَّزَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: الْصِقْ بِمَعْقِلٍ شِيعَةَ عَلِيٍّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِ: فَإِذَا اجْتَمَعُوا اسْتَأْنَسَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِ وَهُمْ أَشَدُّ اسْتِحْلَالًا لِدِمَاءِ هَذِهِ الْمَارِقَةِ وَأَجْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ قَبْلَ هَذِهِ الْمَرَّةِ. وَقَالَ لَهُ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مَعْقِلٍ. فَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ خَطِيبٌ. فَأَحْفَظَهُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ يَعِيبُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَيُكْثِرُ ذِكْرَ عَلِيٍّ وَيُفَضِّلُهُ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ دَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: إِيَّاكَ أَنْ يَبْلُغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تَعِيبُ عُثْمَانَ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَبْلُغَنِي أَنَّكَ تُظْهِرُ شَيْئًا مِنْ فَضْلِ عَلِيٍّ، فَأَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ، وَلَكِنَّ هَذَا السُّلْطَانَ قَدْ ظَهَرَ وَقَدْ أَخَذْنَا بِإِظْهَارِ عَيْبِهِ لِلنَّاسِ فَنَحْنُ نَدَعُ شَيْئًا كَثِيرًا مِمَّا أُمِرْنَا بِهِ، وَنَذْكُرُ الشَّيْءَ الَّذِي لَا نَجِدُ مِنْهُ بُدًّا نَدْفَعُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ أَنْفُسِنَا، فَإِنْ كُنْتَ ذَاكِرًا فَضْلَهُ فَاذْكُرْهُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَصْحَابِكَ فِي مَنَازِلِكُمْ سِرًّا، وَأَمَّا عَلَانِيَةً فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْتَمِلُهُ الْخَلِيفَةُ لَنَا. فَكَانَ يَقُولُ لَهُ: نَعَمْ، ثُمَّ يَبْلُغُهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، فَحَقَدَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْجَوَابِ، فَقَالَ لَهُ صَعْصَعَةُ: وَمَا أَنَا إِلَّا خَطِيبٌ فَقَطْ ! قَالَ: أَجَلْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَلْخَطِيبُ الصَّلِيبُ الرَّئِيسُ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شَهِدْتَنِي يَوْمَ الْجَمَلِ حَيْثُ اخْتَلَفَتِ الْقَنَا فَشُئُونٌ تُفْرَى وَهَامَةٌ تُخْتَلَى لَعَلِمْتَ أَنِّي اللَّيْثُ النَّهِدُ. فَقَالَ: حَسْبُكَ، لَعَمْرِي لَقَدْ أُوتِيَتْ لِسَانًا فَصِيحًا. وَخَرَجَ مَعْقِلٌ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ فَارِسٍ نَقَاوَةُ الشِّيعَةِ وَسَارَ إِلَى سُورَاءَ وَلَحِقَهُ أَصْحَابُهُ. وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَإِنَّهُمْ سَارُوا إِلَى بَهُرَسِيرَ وَأَرَادُوا الْعُبُورَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ الَّتِي فِيهَا مَنَازِلُ كِسْرَى، فَمَنَعَهُمْ سِمَاكُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَزْدِيُّ الْعَبْسِيُّ، وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُسْتَوْرِدُ يَدْعُوهُ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَنْ يَتَوَلَّاهُ وَأَصْحَابَهُ. فَقَالَ سِمَاكٌ: بِئْسَ الشَّيْخُ أَنَا إِذًا ! وَأَعَادَ الْجَوَابَ عَلَى الْمُسْتَوْرِدِ يَدْعُوهُ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَأَنْ يَأَخُذَ لَهُ الْأَمَانَ، فَلَمْ يُجِبْ وَأَقَامَ بِالْمَدَائِنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ بَلَغَهُ مَسِيرُ مَعْقِلٍ إِلَيْهِمْ فَجَمَعَهُمُ الْمُسْتَوْرِدُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ وَهُوَ مِنَ السَّبَئِيَّةِ الْمُفْتَرِينَ الْكَاذِبِينَ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَأْيِكُمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: خَرَجْنَا نُرِيدُ اللَّهَ وَالْجِهَادَ وَقَدْ جَاءُونَا فَأَيْنَ نَذْهَبُ بَلْ نُقِيمُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَتَنَحَّى نَدْعُو النَّاسَ، وَنَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا أَرَى أَنْ نُقِيمَ حَتَّى يَأْتُونَا وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ، بَلْ أَرَى أَنْ نَسِيرَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَيَخْرُجُوا فِي طَلَبِنَا فَيَنْقَطِعُوا وَيَتَبَدَّدُوا عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. فَسَارُوا فَعَبَرُوا بِجَرْجَرَايَا، وَمَضَوْا إِلَى أَرْضِ جُوخَى ثُمَّ بَلَغُوا الْمَذَارَ فَأَقَامُوا بِهَا. وَبَلَغَ ابْنَ عَامِرٍ بِالْبَصْرَةِ خَبَرُهُمْ، فَسَأَلَ كَيْفَ صَنَعَ الْمُغِيرَةُ فَأُخْبِرَ بِفِعْلِهِ، فَاسْتَدْعَى شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيَّ، وَكَانَ مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الْمَارِقَةِ. فَفَعَلَ. وَانْتَخَبَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الشِّيعَةِ، وَكَانَ أَكْثُرُهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى الْمَذَارِ. وَأَمَّا مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ فَسَارَ إِلَى الْمَدَائِنِ حَتَّى بَلَغَهَا، فَبَلَغَهُ رَحِيلُهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ مَعْقِلٌ: إِنَّهُمْ سَارُوا لِتَتَّبِعُوهُمْ وَتَتَبَدَّدُوا وَتَنْقَطِعُوا فَتَلْحَقُوهُمْ وَقَدْ تَعِبْتُمْ، وَإِنَّهُ لَا يُصِيبُكُمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَصَابَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ. وَسَارَ فِي أَثَارِهِمْ وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَبَا الرَّوَاغِ الشَّاكِرِيَّ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، فَتَبِعَهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ حَتَّى لَحِقَهُمْ بِالْمَذَارِ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي قِتَالِهِمْ قَبْلَ قُدُومِ مَعْقِلٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَفْعَلْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُقَاتِلُهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ مَعْقِلًا أَمَرَنِي أَنْ لَا أُقَاتِلَهُمْ. فَقَالُوا لَهُ: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ قَرِيبًا مِنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ مَعْقِلٌ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ. فَبَاتُوا يَتَحَارَسُونَ حَتَّى أَصْبَحُوا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا أَيْضًا ثَلَاثَمِائَةٍ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ أَبِي الرَّوَاغِ سَاعَةً ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ أَبُو الرَّوَاغِ: الْكَرَّةَ الْكَرَّةَ ! وَحَمَلَ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْخَوَارِجِ عَادُوا مُنْهَزِمِينَ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَصَاحَ بِهِمْ أَبُو الرَّوَاغِ أَيْضًا: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمُ ! ارْجِعُوا بِنَا نَكُنْ قَرِيبًا مِنْهُمْ لَا نُفَارِقُهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْنَا أَمِيرُنَا، وَمَا أَقْبَحَ بِنَا أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الْجَيْشِ مُنْهَزِمِينَ مِنْ عَدُوِّنَا ! فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، قَدْ وَاللَّهِ هَزَمُونَا. فَقَالَ لَهُ: لَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِينَا مِثْلَكَ، إِنَّا مَا لَمْ نُفَارِقِ الْمَعْرَكَةَ فَلَمْ نُهْزَمْ، وَمَتَى عَطَفْنَا عَلَيْهِمْ وَكُنَّا قَرِيبًا مِنْهُمْ فَنَحْنُ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ، فَقِفُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ فَإِنْ أَتَوْكُمْ وَعَجَزْتُمْ عَنْهُمْ فَتَأَخَّرُوا قَلِيلًا، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ وَعَجَزْتُمْ عَنْ قِتَالِهِمْ فَانْحَازُوا عَلَى حَامِيَةٍ، فَإِذَا رَجَعُوا عَنْكُمْ فَاعْطِفُوا عَلَيْهِمْ وَكُونُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَإِنَّ الْجَيْشَ يَأْتِيكُمْ عَنْ سَاعَةٍ. فَجَعَلَتِ الْخَوَارِجُ كُلَّمَا حَمَلَتْ عَلَيْهِمُ انْحَازُوا عَنْهُمْ، فَإِذَا عَادَ الْخَوَارِجُ رَجَعَ أَبُو الرَّوَاغِ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى وَقْتِ الظُّهْرِ، فَنَزَلَ الطَّائِفَتَانِ يُصَلُّونَ ثُمَّ أَقَامُوا إِلَى الْعَصْرِ، وَكَانَ أَهْلُ الْقُرَى وَالسَّيَّارَةُ قَدْ أَخْبَرُوا مَعْقِلًا بِالْتِقَاءِ الْخَوَارِجِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَنَّ الْخَوَارِجَ تَطْرُدُ أَصْحَابَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا رَجَعُوا عَادَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُمْ. فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنْ كَانَ ظَنِّي فِي أَبِي الرَّوَاغِ صَادِقًا لَا يَأْتِيكُمْ مُنْهَزِمًا أَبَدًا. ثُمَّ أَسْرَعَ السَّيْرَ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ وَاسْتَخْلَفَ مُحْرِزَ بْنَ شِهَابٍ التَّمِيمِيَّ عَلَى ضَعَفَةِ النَّاسِ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى أَبِي الرَّوَاغِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَذِهِ غَبَرَةٌ فَتَقَدَّمُوا بِنَا إِلَى عَدُوِّنَا حَتَّى لَا يَرَانَا أَصْحَابُنَا، أَنَّا تَنَحَّيْنَا عَنْهُمْ وَهِبْنَاهُمْ. فَتَقَدَّمَ حَتَّى وَقَفَ مُقَابِلَ الْخَوَارِجِ وَلَحِقَهُمْ مَعْقِلٌ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَصَلَّى أَبُو الرَّوَاغِ بِأَصْحَابِهِ وَصَلَّى الْخَوَارِجُ أَيْضًا، وَقَالَ أَبُو الرَّوَاغِ لِمَعْقِلٍ: إِنَّ لَهُمْ شَدَّاتٍ مُنْكَرَاتٍ فَلَا تَلِهَا بِنَفْسِكَ وَلَكِنْ قِفْ وَرَاءَ النَّاسِ تَكُونُ رِدْءًا لَهُمْ. فَقَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَبَيْنَمَا هُوَ يُخَاطِبُهُ حَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمَ عَامَّةُ أَصْحَابِ مَعْقِلٍ وَثَبَتَ هُوَ، فَنَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ وَمَعَهُ أَبُو الرَّوَاغِ فِي نَحْوِ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَلَمَّا غَشِيَهُمُ الْمُسْتَوْرِدُ اسْتَقْبَلُوهُ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ، فَانْهَزَمَتْ خَيْلُ مَعْقِلٍ سَاعَةً، ثُمَّ نَادَاهُمْ مِسْكِينُ بْنُ عَامِرٍ، وَكَانَ شُجَاعًا: أَيْنَ الْفِرَارُ وَقَدْ نَزَلَ أَمِيرُكُمْ، أَلَا تَسْتَحْيُونَ ؟ ثُمَّ رَجَعَ وَرَجَعَتْ مَعَهُ خَيْلٌ عَظِيمَةٌ وَمَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ يُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ بِمَنْ مَعَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى الْبُيُوتِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَهُمْ مُحْرِزُ بْنُ شِهَابٍ فِيمَنْ مَعَهُ، فَجَعَلَهُمْ مَعْقِلٌ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَبْرَحُوا حَتَّى تُصْبِحُوا وَنَثُورَ إِلَيْهِمْ. وَوَقَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ مُقَابِلَ بَعْضٍ فَبَيْنَمَا هُمْ مُتَوَافِقُونَ أَتَى الْخَوَارِجَ عَيْنٌ لَهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ لِأَصْحَابِهِ: لَا أَرَى أَنْ نُقِيمَ لِهَؤُلَاءِ جَمِيعًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي جِئْنَا مِنْهُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لَا يَتْبَعُونَنَا إِلَى أَرْضِ الْكُوفَةِ فَيَهُونُ عَلَيْنَا ( قِتَالُ ) أَهْلِ الْكُوفَةِ. ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالنُّزُولِ لِيُرِيحُوا دَوَابَّهُمْ سَاعَةً، فَفَعَلُوا، ثُمَّ دَخَلُوا الْقَرْيَةَ وَأَخَذُوا مِنْهَا مَنْ دَلَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي أَقْبَلُوا مِنْهُ وَعَادُوا رَاجِعِينَ. وَأَمَّا مَعْقِلٌ فَإِنَّهُ بَعَثَ مَنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ حِينَ لَمْ يَرَ سَوَادَهُمْ، فَعَادَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ أَنَّهُمْ قَدْ سَارُوا، فَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً وَخَافَ الْبَيَاتَ فَاحْتَاطَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَتَحَارَسُوا إِلَى الصَّبَاحِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَتَاهُمْ مَنْ أَخْبَرَهُمْ بِمَسِيرِهِمْ، وَجَاءَ شَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ فِيمَنْ مَعَهُ فَلَقِيَ مَعْقِلًا فَتَسَاءَلَا سَاعَةً وَأَخْبَرَهُ مَعْقِلٌ بِخَبَرِهِمْ، فَدَعَا شَرِيكٌ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَسِيرِ مَعَ مَعْقِلٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَاعْتَذَرَ إِلَى مَعْقِلٍ بِخِلَافِ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ يَجْمَعُهُمَا رَأْيُ الشِّيعَةِ، وَدَعَا مَعْقِلٌ أَبَا الرَّوَاغِ وَأَمَرَهُ بِاتِّبَاعِهِمْ، فَقَالَ لَهُ: زِدْنِي مِثْلَ الَّذِينَ كَانُوا مَعِي لِيَكُونَ أَقْوَى لِي إِنْ أَرَادُوا مُنَاجِزَتِي. فَبَعَثَ مَعَهُ سِتَّمِائَةِ فَارِسٍ، فَسَارُوا سِرَاعًا حَتَّى أَدْرَكُوا الْخَوَارِجَ بِجَرْجَرَايَا وَقَدْ نَزَلُوا فَنَزَلَ بِهِمْ أَبُو الرَّوَاغِ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ قَالُوا: إِنَّ قِتَالَ هَؤُلَاءِ أَيْسَرُ مِنْ قِتَالِ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ، فَحَمَلُوا عَلَى أَبِي الرَّوَاغِ وَأَصْحَابِهِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَثَبَتَ فِي مِائَةِ فَارِسٍ، فَقَاتَلَهُمْ طَوِيلًا وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الْفَتَى كُلَّ الْفَتَى مَنْ لَمْ يُهَلْ     إِذَا الْجَبَانُ حَادَ عَنْ وَقْعِ الْأَسَلْ قَدْ عَلِمَتْ أَنِّي إِذَا الْبَأْسُ نَزَلْ     أَرْوَعُ يَوْمَ الْهَيْجِ مِقْدَامٌ بَطَلْ ثُمَّ عَطَفَ أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَصَدَقُوهُمُ الْقِتَالَ حَتَّى أَعَادُوهُمْ إِلَى مَكَانِهِمْ، عبور المستورد وأصحابه دجلة فَلَمَّا رَأَى الْمُسْتَوْرِدُ ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّهُمْ إِنْ أَتَاهُمْ مَعْقِلٌ وَمِنْ مَعَهُ هَلَكُوا، فَمَضَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَعَبَرُوا دِجْلَةَ وَوَقَفُوا فِي أَرْضِ بَهُرَسِيرَ وَتَبِعَهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ بِسَابَاطَ، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِمْ قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ حُمَاةُ أَصْحَابِ مَعْقِلٍ وَفُرْسَانُهُ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أَسْبِقُهُمْ إِلَيْهِ بِسَاعَةٍ لَسِرْتُ إِلَيْهِ فَوَاقَعْتُهُ. ثُمَّ أَمَرَ مَنْ يَسْأَلُ عَنْ مَعْقِلٍ، فَسَأَلُوا بَعْضَ مَنْ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُ نَزَلَ دَيْلَمَايَا وَبَيْنَهُمْ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ، فَلَمَّا أُخْبِرَ الْمُسْتَوْرِدُ ذَلِكَ رَكِبَ وَرَكِبَ أَصْحَابُهُ وَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى جِسْرِ سَابَاطَ، وَهُوَ جِسْرُ نَهْرِ مَلِكٍ، وَهُوَ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي يَلِي الْكُوفَةَ، وَأَبُو الرَّوَاغِ مِنْ جَانِبِ الْمَدَائِنِ، فَقَطَعَ الْمُسْتَوْرِدُ الْجِسْرَ، وَلَمَّا رَآهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ قَدْ رَكِبُوا عَبَّى أَصْحَابَهُ وَاعْتَزَلَ إِلَى صَحْرَاءَ بَيْنَ الْمَدَائِنِ وَسَابَاطَ لِيُكُونَ الْقِتَالُ بِهَا وَوَقَفَ يَنْتَظِرُهُمْ، فَلَمَّا قَطَعَ الْمُسْتَوْرِدُ الْجِسْرَ سَارَ إِلَى دَيْلَمَايَا نَحْوَ مَعْقِلٍ لِيُوقِعَ بِهِ، فَانْتَهَى إِلَيْهِ وَأَصْحَابُهُ مُتَفَرِّقُونَ عَنْهُ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّحِيلَ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ مَعْقِلٌ نَصَبَ رَايَتَهُ وَنَادَى: يَا عِبَادَ اللَّهِ الْأَرْضَ الْأَرْضَ ! فَنَزَلَ مَعَهُ نَحْوُ مِائَتَيْ رَجُلٍ، فَحَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِمْ فَاسْتَقْبَلُوهُمْ بِالرِّمَاحِ جُثَاةً عَلَى الرُّكَبِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَتَرَكُوهُمْ وَعَدَلُوا إِلَى خُيُولِهِمْ فَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا وَقَطَعُوا أَعِنَّتَهَا، فَذَهَبَتْ فِي كُلِّ جَانِبٍ، ثُمَّ مَالَ عَلَى الْمُتَفَرِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَعْقِلٍ فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَعْقِلٍ وَأَصْحَابِهِ وَهُمْ عَلَى الرُّكَبِ فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّ يَتَجَلْجَلُوا، فَحَمَلُوا أُخْرَى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ لِأَصْحَابِهِ: لِيَنْزِلْ نِصْفُكُمْ وَيَبْقَى نِصْفُكُمْ عَلَى الْخَيْلِ. فَفَعَلُوا وَاشْتَدَّ الْحَالُ عَلَى أَصْحَابِ مَعْقِلٍ وَأَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلُ أَبُو الرَّوَاغِ عَلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ. وَكَانَ سَبَبُ عَوْدِهِ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ أَقَامَ بِمَكَانِهِ يَنْتَظِرُهُمْ، فَلَمَّا أَبْطَأُوا عَلَيْهِ أَرْسَلَ مِنْ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ، فَرَأَوُا الْجِسْرَ مَقْطُوعًا فَفَرِحُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ الْخَوَارِجَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَهُمْ، فَرَجَعُوا إِلَى أَبِي الرَّوَاغِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُمْ وَأَنَّ الْجِسْرَ قَدْ قَطَعُوهُ هَيْبَةً لَهُمْ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُو الرَّوَاغِ: لَعَمْرِي مَا فَعَلُوا هَذَا إِلَّا مَكِيدَةً، وَمَا أُرَاهُمْ إِلَّا وَقَدْ سَبَقُوكُمْ إِلَى مَعْقِلٍ حَيْثُ رَأَوْا فُرْسَانَ أَصْحَابِهِ مَعِي، وَقَدْ قَطَعُوا الْجِسْرَ لِيَشْغَلُوكُمْ بِهِ عَنْ لَحَاقِهِمْ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ فِي الطَّلَبِ. ثُمَّ أَمَرَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ فَعَقَدُوا الْجِسْرَ وَعَبَرَ عَلَيْهِ وَاتَّبَعَ الْخَوَارِجَ، فَلَقِيَهُ أَوَائِلُ النَّاسِ مُنْهَزِمِينَ، فَصَاحَ بِهِمْ: إِلَيَّ إِلَيَّ ! فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ وَأَنَّهُمْ تَرَكُوا مَعْقِلًا يُقَاتِلُهُمْ وَمَا يَظُنُّونَهُ إِلَّا قَتِيلًا. فَجَدَّ فِي السَّيْرِ وَرَدَّ مَعَهُ كُلَّ مَنْ لَقِيَهُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَانْتَهَى إِلَى الْعَسْكَرِ فَرَأَى رَايَةَ مَعْقِلٍ مَنْصُوبَةً وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ، فَحَمَلَ أَبُو الرَّوَاغِ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْخَوَارِجِ فَأَزَالُوهُمْ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَوَصَلَ أَبُو الرَّوَاغِ إِلَى مَعْقِلٍ فَإِذَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ، فَشَدُّوا عَلَى الْخَوَارِجِ شَدَّةً مُنْكَرَةً، وَنَزَلَ الْمُسْتَوْرِدُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ وَنَزَلَ أَصْحَابُ مَعْقِلٍ أَيْضًا ثُمَّ اقْتَتَلُوا طَوِيلًا مِنَ النَّهَارِ بِالسُّيُوفِ أَشَدَّ قِتَالٍ. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَوْرِدَ نَادَى مَعْقِلًا لِيَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، فَمَنَعَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكَانَ مَعَهُ سَيْفُهُ وَمَعَ الْمُسْتَوْرِدِ رُمْحُهُ، فَقَالَ أَصْحَابُ مَعْقِلٍ: خُذْ رُمْحَكَ فَأَبَى وَأَقْبَلَ عَلَى الْمُسْتَوْرِدِ، فَطَعَنَهُ الْمُسْتَوْرِدُ بِرُمْحِهِ فَخَرَجَ السِّنَّانِ مِنْ ظَهْرِهِ، وَتَقَدَّمَ مَعْقِلٌ وَالرُّمْحُ فِيهِ إِلَى الْمُسْتَوْرِدِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَخَالَطَ دِمَاغَهُ فَوَقَعَ الْمُسْتَوْرِدُ مَيِّتًا وَمَاتَ مَعْقِلٌ أَيْضًا. وَكَانَ مَعْقِلٌ قَدْ قَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَأَمِيرُكُمْ عَمْرُو بْنُ شِهَابٍ التَّمِيمِيُّ. فَلَمَّا قُتِلَ أَخَذَ الرَّايَةَ عَمْرٌو ثُمَّ حَمَلَ فِي النَّاسِ عَلَى الْخَوَارِجِ فَقَتَلُوهُمْ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ الْمُسْتَوْرِدُ مِنْ تَمِيمٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ جَرِيرٍ: وَمِنَّا فَتَى الْفِتْيَانِ وَالْجُودِ مَعْقِلُ     وَمِنَّا الَّذِي لَاقَى بِدِجْلَةَ مَعْقِلَا يَعْنِي هَذِهِ الْوَقْعَةَ.

  24. التاريخ 2115لا حكم مسجّل

    وفي سنة ثلاث وأربعين وَلَّى مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِصْرَ   بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَوَلِيَهَا لَهُ نَحْوًا مِنْ سَنَتَيْنِ.

  25. التاريخ 2116لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثلاث وأربعين حَجَّ بِالنَّاسِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ  ، وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ خَالِدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ هِشَامٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا شُرَيْحٌ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَفَارِسَ وَسِجِسْتَانَ وَخُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا عُمَيْرُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ.

  26. التاريخ 2117لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بِهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ  ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ  ، ؓ. أَمَّا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ. أَحَدُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلُوهُ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى بِلَادِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى ذَلِكَ لِعَدْلِهِ، وَوَعَظَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ هُوَ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ. جهاد عمرو بن العاص وفضله قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي وُجُوهٍ مِنْهَا غَزَاةُ ذَاتِ السَّلَاسِلِ  ، وَأَمَدَّهُ فِيهَا بِثَمَانِينَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَمِنْهَا إِلَى صَنَمِ هُذَيْلٍ، وَهُوَ سُوَاعٌ فَكَسَرَهُ، وَإِلَى بَنِي فَزَارَةَ فَصَدَّقَهُمْ. وَاسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الشَّامِ وَأَمَدَّهُ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَكَانَ أَمِيرَ النَّاسِ يَوْمَ أَجْنَادِينَ وَيَوْمَ فَحْلٍ  ، وَفِي حِصَارِ دِمَشْقَ حَتَّى فُتِحَتْ. وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ   ". وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْشٍ ". وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ " نِعْمَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ " رَوَوْهُ فِي فَضَائِلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وبَعَثَهُ عُمَرُ إِلَى مِصْرَ فَافْتَتَحَهَا وَاسْتَنَابَهُ عَلَيْهَا، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ عَزَلَهُ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَاعْتَزَلَ عَمْرٌو بِفِلَسْطِينَ، وَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنْ عُثْمَانَ، ؓ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ سَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَشَهِدَ مَوَاقِفَهُ كُلَّهَا بِصِفِّينَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ هُوَ أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ، ثُمَّ لَمَّا أَنِ اسْتَرْجَعَ مُعَاوِيَةُ مِصْرَ وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ اسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَيْهَا، فَلَمْ يَزَلْ نَائِبَهَا إِلَى أَنَّ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ مَعْدُودًا مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ وَشُجْعَانِهِمْ وَذَوِي آرَائِهِمْ، وَلَهُ أَمْثَالٌ حَسَنَةٌ وَأَشْعَارٌ جَيِّدَةٌ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلْفَ مَثَلٍ. من شعر عمرو بن العاص وَمِنْ شِعْرِهِ: إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَتْرُكْ طَعَامًا يُحِبُّهُ وَلَمْ يُنْهَ قَلْبًا غَاوِيًا حَيْثُ يَمَّمَا     قَضَى وَطَرًا مِنْهُ وَغَادَرَ سُبَّةً إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا تَمْلَأُ الْفَمَا وفاة عمرو بن العاص ذِكْرُ وَفَاتِهِ: كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ يَقُولُ: كَأَنَّ عَلَى عُنُقِي جِبَالَ رَضْوَى، وَكَأَنَّ فِي جَوْفِي الشَّوْكَ، وَكَأَنَّ نَفْسِي تَخْرُجُ مِنْ ثُقْبِ إِبْرَةٍ، وَأَعْتَقَ كُلَّ مَمْلُوكٍ لَهُ. عن مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُتْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَعُودُهُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: أَجِدُنِي قَدْ أَفْسَدْتُ دِينِي بِدُنْيَايَ، أَصْلَحْتُ مِنْ دُنْيَايَ قَلِيلًا وَأَفْسَدْتُ مِنْ آخِرَتِي كَثِيرًا، فَوَدِدْتُ أَنَّ الَّذِي أَفْسَدْتُ هُوَ الَّذِي أَصْلَحْتُ، أَنَّ الَّذِي أَصْلَحْتُ هُوَ الَّذِي أَفْسَدْتُ، وَلَوْ كَانَ يُنَجِّينِي تَرْكُ مَا فِي يَدِي لَتَرَكْتُهُ، وَلَوْ كُنْتُ أُدْرِكُ مَا أَطْلُبُ طَلَبْتُ، فَقَدْ صِرْتُ كَالْمَنْجَنِيقِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَرْقَى بِيَدٍ، وَلَا يَرْقَى بِرِجْلٍ، فَهُوَ مُتَحَيِّرٌ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَيَأْمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَوْتِ رَاحَتُهُ، وَيَخَافُ مِمَّا قَدَّمَتْ يَدُهُ، فَعِظْنِي يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَبْكِيَ بَكَيْتَ، فَلَسْتَ تَدْرِي مَتَى يَقَعُ الْأَمْرُ وَأَنْتَ تَأْمُرُنَا بِالرَّحِيلِ وَأَنْتَ مُقِيمٌ، وَلَوْ دَعَوْتَ دَعْوَةً لَا تُلْقِي صَوْلَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَغَضِبَ عَمْرٌو وَقَالَ: تُؤْنِسُنِي مِنْ نَفْسِي وَتُؤْنِسُنِي مِنْ رَحْمَةِ رَبِّي، اللَّهُمَّ خُذْ مِنِّي حَتَّى تَرْضَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَيْهَاتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ سَلَفْتَ جَدِيدًا وَتُعْطِي خَلِقًا، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا لِي وَلَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا سَرَّحْتُ كَلِمَةً إِلَى رَبِّي إِلَّا أَخَذْتَ بِغَيِّهَا، ثُمَّ تَمَثَّلَ عَمْرٌو: كَمْ عَائِدٍ رَجُلًا وَلَيْسَ يَعُودُهُ     إِلَّا لِيَنْظُرَ هَلْ يَرَاهُ يَفْرَقُ عن ابْنُ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا، أَمَا بَشَّرَكَ بِكَذَا ؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَعُدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدُّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي وَلَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو، قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: مَاذَا ؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ " وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ وُلِّينَا أَشْيَاءَ بَعْدُ، فَلَسْتُ أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَسَنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ بَعْدَ هَذَا حَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَمَرْتَنَا فَعَصَيْنَا، وَنَهَيْتَنَا فَمَا انْتَهَيْنَا، وَلَا يَسَعُنَا إِلَّا عَفْوُكَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْغُلِّ مِنْ عُنُقِهِ، وَرَفَعَ رَأَسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا قَوِيٌّ فَأَنْتَصِرَ، وَلَا بَرِيءٌ فَأَعْتَذِرَ، وَلَا مُسْتَكْبِرٌ بَلْ مُسْتَغْفِرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى مَاتَ، ؓ محمد بن مسلمة وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَبْلَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا إِلَّا تَبُوكَ   ; فَإِنَّهُ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ: اسْتَخْلَفَهُ فِي قَرْقَرَةِ الْكُدْرِ. وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ  الْيَهُودِيَّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيَّ يَوْمَ خَيْبَرَ أَيْضًا. وَقَدْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى نَحْوٍ مِنْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَرِيَّةً، وَكَانَ مِمَّنِ اعْتَزَلَ تِلْكَ الْحُرُوبَ بِالْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَغَيْرِهِمَا، وَاتَّخَذَ سَيْفًا مِنْ خَشَبٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ إِلَى الرَّبَذَةِ. وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ هُوَ بَرِيدَ عُمَرَ إِلَى عُمَّالِهِ، وَهُوَ الَّذِي شَاطَرَهُمْ عَنْ أَمْرِهِ، وَلَهُ وَقَائِعُ عَظِيمَةٌ وَصِيَانَةٌ وَأَمَانَةٌ بَلِيغَةٌ، ؓ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى صَدَقَاتِ جُهَيْنَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ، وَتَرَكَ بَعْدَهُ عَشَرَةَ ذُكُورٍ وَسِتَّ بَنَاتٍ، وَكَانَ أَسْمَرَ شَدِيدَ السُّمْرَةِ طَوِيلًا أَصْلَعَ، ؓ. عبد الله بن سلام عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ  ، يُكَنَّى أَبَا يُوسُفَ: وَكَانَ اسْمُهُ [الْحُصَيْنَ ]، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ وَقَالُوا: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: وَجِئْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ". تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَّامٍ بِالْمَدِينَةِ  فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله الصنابحي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّنَابِحِيُّ: أَسْنَدَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمُعَاذٍ، وَعُبَادَةَ فِي آخَرِينَ. وَكَانَ عُبَادَةُ يَقُولُ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ كَأَنَّمَا رُقِيَ بِهِ فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ فَعَمِلَ عَلَى مَا رَأَى فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا.

  27. التاريخ 2118لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ فِيهَا غَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ  ، وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَشَتُّوا هُنَالِكَ.

  28. التاريخ 2119لا حكم مسجّل

    وَفي سنة أربع وأربعين غَزَا بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَأَةَ الْبَحْرَ   قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ: قَرَأْتُ فِي دِيوَانِ مُعَاوِيَةَ [بَعْدَ مَوْتِهِ ] كِتَابًا مِنْ مَلِكِ الصِّينِ، فِيهِ: مِنْ مَلِكِ الصِّينِ الَّذِي عَلَى مِرْبَطِهِ أَلْفُ فِيلٍ، وَبُنِيَتْ دَارُهُ بِلَبِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَيَخْدِمُهُ بَنَاتُ أَلْفِ مَلِكٍ، وَالَّذِي لَهُ نَهْرَانِ يَسْقِيَانِ الْأَلْوَةَ، إِلَى مُعَاوِيَةَ.

  29. التاريخ 2120لا حكم مسجّل

    عَزْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ عَنِ الْبَصْرَةِ   وفي سنة أربع وأربعين عَزَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ عَنْ إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ   ; وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَهَرَ فِيهَا الْفَسَادُ بِسَبَبِ لَيِنَهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَيِّنَ الْعَرِيكَةِ، سَهْلًا كَرِيمًا، وَكَانَ لَا يَأْخُذُ عَلَى أَيْدَى السُّفَهَاءِ، وَلَا يَقْطَعُ لِصًّا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَأَلَّفَ النَّاسُ فَفَسَدَتِ الْبَصْرَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: شَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ إِلَى زِيَادٍ فَسَادَ النَّاسِ، فَقَالَ: جَرِّدْ فِيهِمُ السَّيْفَ. فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُصْلِحَهُمْ بِفَسَادِ نَفْسِي. قَالَ: فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْكَوَّاءِ فَشَكَاهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَعَزَلَ مُعَاوِيَةُ ابْنَ عَامِرٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَبَعْثَ إِلَيْهَا الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيَّ، وَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ اسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ لِيَزُورَهُ، فَقَدِمَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ دِمَشْقَ، فَأَكْرَمَهُ وَرَدَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: ثَلَاثٌ أَسْأَلُكَهُنَّ فَقُلْ: هُنَّ لَكَ. قَالَ: هُنَّ لَكَ وَأَنَا ابْنُ أُمِّ حَكِيمٍ. قَالَ: مُعَاوِيَةُ: تَرُدُّ عَلَيَّ عَمَلِي وَلَا تَغْضَبْ. قَالَ ابْنُ عَامِرٍ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَتَهَبُ لِي مَالَكَ بِعَرَفَةَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَتَهَبُ لِي دَوْرَكَ بِمَكَّةَ. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ. فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّى سَائِلُكَ ثَلَاثًا فَقُلْ: هِيَ لَكَ. قَالَ: هُنَّ لَكَ وَأَنَا ابْنُ هِنْدٍ. قَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ مَالِي بِعَرَفَةَ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ قَالَ: وَلَا تُحَاسِبْ لِي عَامِلًا وَلَا تَتَّبِعْ لِي أَثَرًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَتُنْكِحُنِي ابْنَتَكَ هِنْدًا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. وَيُقَالُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ خَيَّرَهُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثِ وَبَيْنَ الْوِلَايَةِ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَاخْتَارَ هَذِهِ الثَّلَاثَ، وَانْعَزَلَ عَنِ الْبَصْرَةِ. وَوَلَّى الْبَصْرَةَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيَّ.

  30. التاريخ 2121لا حكم مسجّل

    اسْتِلْحَاقِ مُعَاوِيَةَ زِيَادًا  وفِي سنة أربع وأربعين اسْتَلْحَقَ مُعَاوِيَةُ زِيَادَ ابْنِ أَبِيهِ  فَأَلْحَقَهُ بِأَبِي سُفْيَانَ. فَزَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ مَعَ زِيَادٍ لَمَّا وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لِزِيَادٍ: إِنَّ لِابْنِ عَامِرٍ عِنْدِي يَدًا فَإِذَا أَذِنْتَ لِي أَتَيْتُهُ. قَالَ: عَلَى أَنْ تُحَدِّثَنِي بِمَا يَجْرِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: هِيهْ هِيهْ ! وَابْنُ سُمَيَّةَ يُقَبِّحُ آثَارِي وَيُعَرِّضُ بِعُمَّالِي ! لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آتِيَ بِقَسَامَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ ( يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ) أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَرَ سُمَيَّةَ. فَلَمَّا رَجَعَ سَأَلَهُ زِيَادٌ فَلَمْ يُخْبِرْهُ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ، فَأَخْبَرَ زِيَادٌ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِحَاجِبِهِ: إِذَا جَاءَ ابْنُ عَامِرٍ فَاضْرِبْ وَجْهَ دَابَّتِهِ عَنْ أَقْصَى الْأَبْوَابِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ. فَأَتَى ابْنُ عَامِرٍ يَزِيدَ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَرَكِبَ مَعَهُ حَتَّى أَدْخَلَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ قَامَ فَدَخَلَ، فَقَالَ يَزِيدُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ، فَكَمْ عَسَى أَنْ تَقْعُدَ فِي الْبَيْتِ عَنْ مَجْلِسِهِ ! فَلَمَّا أَطَالَا خَرَجَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ يَتَمَثَّلُ: لَنَا سِبَاقٌ وَلَكُمْ سِبَاقُ قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكُمُ الرِّفَاقُ ثُمَّ قَعَدَ فَقَالَ يَا ابْنَ عَامِرٍ أَنْتَ الْقَائِلُ فِي زِيَادٍ مَا قُلْتَ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الْعَرَبُ أَنِّي كُنْتُ أَعَزَّهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْنِي إِلَّا عِزًّا، وَأَنِّي لَمْ أَتَكَثَّرْ بِزِيَادٍ مِنْ قِلَّةٍ وَلَمْ أَتَعَزَّزْ بِهِ مِنْ ذِلَّةٍ، وَلَكِنْ عَرَفْتُ حَقًّا لَهُ فَوَضَعْتُهُ مَوْضِعَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَرْجِعُ إِلَى مَا يُحِبُّ زِيَادٌ. قَالَ: إِذًا نَرْجِعُ إِلَى مَا تُحِبُّ. فَخَرَجَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى زِيَادٍ فَتَرَضَّاهُ. فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ قَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ فِي أَمْرٍ مَا طَلَبْتُهُ إِلَّا لَكُمْ. قَالُوا: مَا تَشَاءُ ؟ قَالَ: تُلْحِقُونَ نَسَبِي بِمُعَاوِيَةَ: قَالُوا: أَمَّا بِشَهَادَةِ الزُّورِ فَلَا. فَأَتَى الْبَصْرَةَ فَشَهِدَ لَهُ رَجُلٌ. هَذَا جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ فِي اسْتِلْحَاقِ مُعَاوِيَةَ نَسَبَ زِيَادٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِي ذَلِكَ، إِنَّمَا ذَكَرَ حِكَايَةً جَرَتْ بَعْدَ اسْتِلْحَاقِهِ، وَأَنَا أَذْكُرُ سَبَبَ ذَلِكَ وَكَيْفِيَّتَهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي إِهْمَالُهَا. وَكَانَ ابْتِدَاءُ حَالِهِ أَنَّ سُمَيَّةَ أُمَّ زِيَادٍ كَانَتْ لِدِهْقَانَ زَنْدَوَرْدَ بِكَسْكَرَ، فَمَرِضَ الدِّهْقَانُ، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ الطَّبِيبَ الثَّقَفِيَّ، فَعَالَجَهُ فَبَرَأَ، فَوَهَبَهُ سُمَيَّةَ، فَوَلَدَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ أَبَا بَكْرَةَ، وَاسْمُهُ نُفَيْعٌ، فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ، ثُمَّ وَلَدَتْ نَافِعًا، فَلَمْ يُقِرَّ بِهِ أَيْضًا، فَلَمَّا نَزَلَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِينَ حَصَرَ الطَّائِفَ، قَالَ الْحَارِثُ لِنَافِعٍ: أَنْتَ وَلَدِي. وَكَانَ قَدْ زَوَّجَ سُمَيَّةَ مِنْ غُلَامٍ لَهُ اسْمُهُ عُبَيْدٌ، وَهُوَ رُومِيٌّ، فَوَلَدَتْ لَهُ زِيَادًا. وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ سَارَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الطَّائِفِ فَنَزَلَ عَلَى خَمَّارٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَرْيَمَ السَّلُولِيُّ، وَأَسْلَمَ أَبُو مَرْيَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِأَبِي مَرْيَمَ: قَدِ اشْتَهَيْتُ النِّسَاءَ فَالْتَمِسْ لِي بَغِيًّا. فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي سُمَيَّةَ ؟ فَقَالَ: هَاتِهَا عَلَى طُولِ ثَدْيَيْهَا وَذَفَرِ بَطْنِهَا، فَأَتَاهُ بِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَعَلِقَتْ بِزِيَادٍ، ثُمَّ وَضَعَتْهُ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ فَلَمَّا كَبِرَ وَنَشَأَ اسْتَكْتَبَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ لَمَّا وَلِيَ الْبَصْرَةَ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَكْفَى زِيَادًا أَمْرًا فَقَامَ فِيهِ مَقَامًا مَرْضِيًا، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ حَضَرَ، وَعِنْدَ عُمَرَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَخَطَبَ خُطْبَةً لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لِلَّهِ هَذَا الْغُلَامُ لَوْ كَانَ أَبُوهُ مِنْ قُرَيْشٍ لَسَاقَ الْعَرَبَ بِعَصَاهُ ! فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، وَهُوَ حَاضِرٌ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَمَنْ وَضَعَهُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَبَا سُفْيَانَ اسْكُتْ فَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ لَوْ سَمِعَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكَ لَكَانَ إِلَيْكَ سَرِيعًا. فَلَمَّا وَلِيَ عَلِيٌّ الْخِلَافَةَ اسْتَعْمَلَ زِيَادًا عَلَى فَارِسَ، فَضَبَطَهَا وَحَمَى قِلَاعَهَا، وَاتَّصَلَ الْخَبَرُ بِمُعَاوِيَةَ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى زِيَادٍ يَتَهَدَّدُهُ وَيُعَرِّضُ لَهُ بِوِلَادَةِ أَبِي سُفْيَانَ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَرَأَ زِيَادٌ كِتَابَهُ قَامَ فِي النَّاسِ وَقَالَ: الْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنِ ابْنِ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ، وَرَأْسِ النِّفَاقِ ! يُخَوِّفُنِي بِقَصْدِهِ إِيَّايَ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ابْنَا عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَذِنَ لِي فِي لِقَائِهِ لَوَجَدَنِي أَحَمْزَ مَخْشِيًّا ضَرَّابًا بِالسَّيْفِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي وَلَّيْتُكَ مَا وَلَّيْتُكَ وَأَنَا أَرَاكَ لَهُ أَهْلًا، وَقَدْ كَانَتْ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ فَلْتَةٌ مِنْ أَمَانِيِّ الْبَاطِلِ وَكَذِبِ النَّفْسِ لَا تُوجِبُ لَهُ مِيرَاثًا وَلَا تُحِلُّ ( لَهُ نَسَبًا )، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَأْتِي الْإِنْسَانَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمَنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، فَاحْذَرْ ثُمَّ احْذَرْ، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ زِيَادٍ وَمُصَالَحَتِهِ مُعَاوِيَةَ، وَاضَعَ زِيَادٌ مَصْقَلَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيَّ، وَضَمِنَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لِيَقُولَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ زِيَادًا قَدْ أَكَلَ فَارِسَ بَرًّا وَبَحْرًا وَصَالَحَكَ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي يُقَالُ إِلَّا حَقًّا، فَإِذَا قَالَ لَكَ: وَمَا يُقَالُ ؟ فَقُلْ: يُقَالُ إِنَّهُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ. فَفَعَلَ مَصْقَلَةُ ذَلِكَ، وَرَأَى مُعَاوِيَةُ أَنْ يَسْتَمِيلَ زِيَادًا، وَاسْتَصْفَى مَوَدَّتَهُ بِاسْتِلْحَاقِهِ، فَاتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ، الشهادة لزياد بنسبه لأبي سفيان وَأَحْضَرَ النَّاسُ وَحَضَرَ مَنْ يَشْهَدُ لِزِيَادٍ، وَكَانَ فِيمَنْ حَضَرَ أَبُو مَرْيَمَ السَّلُولِيُّ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: ( بِمَ ) تَشْهَدُ يَا أَبَا مَرْيَمَ ؟ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ حَضَرَ عِنْدِي وَطَلَبَ مِنِّي بَغِيًّا فَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عِنْدِي إِلَّا سُمَيَّةُ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِهَا عَلَى قَذَرِهَا وَوَضَرِهَا، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَخَلَا مَعَهَا ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَإِنَّ إِسْكَتَيْهَا لَتَقْطُرَانِ مَنِيًّا. فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: مَهْلَا أَبَا مَرْيَمَ ! إِنَّمَا بُعِثْتَ شَاهِدًا وَلَمْ تُبْعَثْ شَاتِمًا. فَاسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ اسْتِلْحَاقُهُ أَوَّلَ مَا رُدَّتْ أَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ عَلَانِيَةً، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرَ. وَكَتَبَ زِيَادٌ إِلَى عَائِشَةَ: ( مِنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ تَكْتُبَ لَهُ: إِلَى زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَيَحْتَجُّ بِذَلِكَ، فَكَتَبَتْ: مِنْ عَائِشَةَ ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ابْنِهَا زِيَادٍ: وَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً وَعَلَى بَنِي أُمَيَّةَ خَاصَّةً، وَجَرَى ( أَقَاصِيصُ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ فَأَضْرَبْنَا عَنْهَا. وَمَنِ اعْتَذَرَ لِمُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّمَا ) اسْتَلْحَقَ مُعَاوِيَةُ زِيَادًا لِأَنَّ أَنْكِحَةَ الْجَاهِلِيَّةِ  كَانَتْ أَنْوَاعًا، لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِ جَمِيعِهَا، وَكَانَ مِنْهَا أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُجَامِعُونَ الْبَغِيَّ فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ أَلْحَقَتِ الْوَلَدَ لِمَنْ شَاءَتْ مِنْهُمْ فَيَلْحَقُهُ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ حَرَّمَ هَذَا النِّكَاحَ، إِلَّا أَنَّهُ أَقَرَّ كُلَّ وَلَدٍ كَانَ يُنْسَبُ إِلَى أَبٍ مِنْ أَيِّ نِكَاحٍ كَانَ مِنْ أَنْكِحَتِهِمْ عَلَى نَسَبِهِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ شَيْءٍ مِنْهَا، فَتَوَهَّمَ مُعَاوِيَةُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اسْتِلْحَاقٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، ( وَهَذَا مَرْدُودٌ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِنْكَارِهِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُسْتَلْحَقْ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ لِيَكُونَ بِهِ حُجَّةً ). قِيلَ: أَرَادَ زِيَادٌ أَنْ يَحُجَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَلْحَقَهُ مُعَاوِيَةُ، فَسَمِعَ أَخُوهُ أَبُو بَكْرَةَ، وَكَانَ مُهَاجِرًا لَهُ مِنْ حِينِ خَالَفَهُ فِي الشَّهَادَةِ ( بِالزِّنَا ) عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِحَجِّهِ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَأَخَذَ ابْنًا لَهُ وَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ قُلْ لِأَبِيكَ إِنَّنِي سَمِعْتُ أَنَّكَ تُرِيدُ الْحَجَّ وَلَا بُدَّ مِنْ قُدُومِكَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا شَكَّ أَنْ تَطْلُبَ الِاجْتِمَاعَ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ أَذِنَتْ لَكَ فَأَعْظِمْ بِهِ خِزْيًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ مَنَعَتْكَ فَأَعْظِمْ بِهِ فَضِيحَةً فِي الدُّنْيَا وَتَكْذِيبًا لِأَعْدَائِكَ. فَتَرَكَ زِيَادٌ الْحَجَّ وَقَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغْتَ فِي النُّصْحِ. وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَذُمُّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِ، وَيَقُولُ: اسْتَلْحَقَ زِيَادًا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ". وَأَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّا ادَّعَى زِيَادٌ لَقِيتُ أَبَا بَكْرَةَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي صَنَعْتُمْ ؟ إِنِّي سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعَ أُذُنِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى أَبًا فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ أَبِيهِ   - وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ - فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ " فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: وَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

  31. التاريخ 2122لا حكم مسجّل

    غَزْوِ الْمُهَلَّبِ السِّنْدَ   وَفي سنة أربع وأربعين غَزَا الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ ثَغْرَ السِّنْدِ فَأَتَى بَنَّةَ وَالْأَهْوَازَ، وَهُمَا بَيْنَ الْمُلْتَانِ وَكَابُلَ، فَلَقِيَهُ الْعَدُوُّ وَقَاتَلَهُ، وَلَقِيَ الْمُهَلَّبَ بِبِلَادِ الْقِيقَانِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَارِسًا مِنَ التُّرْكِ فَقَاتَلُوهُ فَقُتِلُوا جَمِيعًا، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مَا جُعِلَ هَؤُلَاءِ الْأَعَاجِمُ أَوْلَى بِالتَّشْمِيرِ مِنَّا ! فَحَذَفَ الْخَيْلَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ حَذَفَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي يَوْمِ بَنَّةَ يَقُولُ الْأَزْدِيُّ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْأَزْدَ لَيْلَةَ بُيِّتُوا بِبَنَّةَ كَانُوا خَيْرَ جَيْشِ الْمُهَلَّبِ ؟

  32. التاريخ 2123لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة أربع وأربعين عَمِلَ مُعَاوِيَةُ الْمَقْصُورَةَ بِالشَّامِ  ، لَمَّا ضَرَبَهُ الْخَارِجِيُّ. وَعَمِلَهَا مَرْوَانُ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا بِهَا

  33. التاريخ 2124لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُعَاوِيَةُ  وَفي سنة أربع وأربعين: حَجَّ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ  ، وَكَانَ عُمَّالُهُ عَلَى الْبِلَادِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْعُمَّالُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا غَيْرَ الْبَصْرَةِ، فَكَانَ عَلَيْهَا الْحَارِثُ الْأَزْدِيُّ.

  34. التاريخ 2125لا حكم مسجّل

    وفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ  ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ، أُخْتُ مُعَاوِيَةَ. أَسْلَمَتْ قَدِيمًا، وَهَاجَرَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ زَوجُهَا، وَثَبَتَتْ هِيَ عَلَى دِينِهَا، ؓ، وَحَبِيبَةُ هِيَ أَكْبَرُ أَوْلَادِهَا مِنْهُ، وَلَدَتْهَا بِالْحَبَشَةِ. وَقِيلَ: بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَمَاتَ زَوْجُهَا هُنَالِكَ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُ. وَلَمَّا تَأَيَّمَتْ بَعْدَ زَوْجِهَا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ، وَوَلِيَ الْعَقْدَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ النَّجَاشِيُّ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَحَمَلَهَا إِلَيْهِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَلَمَّا جَاءَ أَبُوهَا عَامَ الْفَتْحِ لِيَشُدَّ الْعَقْدَ، دَخَلَ عَلَيْهَا، فَثَنَتْ عَنْهُ فِرَاشَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِهَذَا الْفِرَاشِ عَنِّي أَمْ بِي عَنْهُ ؟ ! فَقَالَتْ: بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ. فَقَالَ لَهَا: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةَ لَقَدْ لَقِيتِ بَعْدِي شَرًّا. وَقَدْ كَانَتْ مِنْ سَيِّدَاتِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنَ الْعَابِدَاتِ الْوَرِعَاتِ، ؓ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ: بسنده، عَنْ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: دَعَتْنِي أُمُّ حَبِيبَةَ عِنْدَ مَوْتِهَا فَقَالَتْ: قَدْ يَكُونُ بَيْنَنَا مَا يَكُونُ بَيْنَ الضَّرَائِرِ. فَقُلْتُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَتَجَاوَزَ وَحَلَّلَكِ. فَقَالَتْ: سَرَرْتِنِي سَرَّكِ اللَّهُ. وَأَرْسَلَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ.

  35. التاريخ 2126لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَلَّى مُعَاوِيَةُ الْبَصْرَةَ لِلْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ  حِينَ عَزَلَ ابْنَ عَامِرٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَاسْتَعْمَلَ الْحَارِثُ عَلَى شُرْطَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الثَّقَفِيَّ، فَبَقِيَ الْحَارِثُ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّاهَا زِيَادًا.

  36. التاريخ 2127لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ الْبَصْرَةَ  وَوَلَّى زِيَادًا، فَقَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ وَعَلَيْهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَقَامَ بِهَا لِيَأْتِيَهُ رَسُولُ مُعَاوِيَةَ بِوِلَايَةِ الْبَصْرَةِ، فَظَنَّ الْمُغِيرَةُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَلَى إِمْرَةِ الْكُوفَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ لِيَعْلَمَ لَهُ خَبَرَهُ، فَاجْتَمَعَ بِهِ فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ، فَجَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى زِيَادٍ أَنَّ يَسِيرَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، ثُمَّ جَمَعَ لَهُ الْهِنْدَ وَالْبَحْرَيْنَ وَعُمَانَ. وَدَخَلَ زِيَادٌ الْبَصْرَةَ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْأُولَى فَخَطَبَهُمْ خُطْبَتَهُ الْبَتْرَاءَ، لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فِيهَا، وَقِيلَ: بَلْ حَمِدَ اللَّهَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِفْضَالِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَنَسْأَلُهُ مَزِيدًا مِنْ نِعَمِهِ، اللَّهُمَّ كَمَا زِدْتَنَا نِعَمًا فَأَلْهِمْنَا شُكْرًا عَلَى نِعَمِكَ عَلَيْنَا ! أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجَهَالَةَ الْجَهْلَاءَ وَالضَّلَالَةَ الْعَمْيَاءَ، وَالْفُجْرَ الْمُوقِدَ لِأَهْلِهِ النَّارَ، الْبَاقِي عَلَيْهِمْ سَعِيرُهَا، مَا يَأْتِي سُفَهَاؤُكُمْ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حُلَمَاؤُكُمْ مِنَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، فَيَنْبُتُ فِيهَا الصَّغِيرُ وَلَا يَتَحَاشَى عَنْهَا الْكَبِيرُ، كَأَنْ لَمْ تَسْمَعُوا نَبِيَّ اللَّهِ، وَلَمْ تَقْرَءُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَلَمْ تَعْلَمُوا مَا أَعَدَّ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ الْكَرِيمِ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ، وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ فِي الزَّمَنِ السَّرْمَدِ الَّذِي لَا يَزُولُ، أَتَكُونُونَ كَمَنْ طَرَفَتْ عَيْنَهُ الدُّنْيَا، وَسَدَّتْ مَسَامِعَهُ الشَّهَوَاتُ، وَاخْتَارَ الْفَانِيَةَ عَلَى الْبَاقِيَةِ، وَلَا تَذْكُرُونَ أَنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ فِي الْإِسْلَامِ الْحَدَثَ الَّذِي لَمْ تُسْبَقُوا إِلَيْهِ، هَذِهِ الْمَوَاخِيرُ الْمَنْصُوبَةُ وَالضَّعِيفَةُ الْمَسْلُوبَةُ فِي النَّهَارِ الْمُبْصِرِ، وَالْعَدَدُ غَيْرُ قَلِيلٍ، أَلَمْ تَكُنْ مِنْكُمْ نُهَاةٌ تَمْنَعُ الْغُوَاةَ عَنْ دَلَجِ اللَّيْلِ وَغَارَةِ النَّهَارِ ؟ قَرَّبْتُمُ الْقَرَابَةَ وَبَاعَدْتُمُ ( الدِّينَ تَعْتَذِرُونَ ) بِغَيْرِ الْعُذْرِ، وَتَعْطِفُونَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ، كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ يَذُبُّ عَنْ سَفِيهِهِ، صَنِيعُ مَنْ لَا يَخَافُ عَاقِبَةً، وَلَا يَخْشَى مَعَادًا ! مَا أَنْتُمْ بِالْحُلَمَاءِ، وَلَقَدِ اتَّبَعْتُمُ السُّفَهَاءَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ مَا تَرَوْنَ مِنْ قِيَامِكُمْ دُونَهُمْ حَتَّى انْتَهَكُوا حُرُمَ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَطْرَقُوا وَرَاءَكُمْ كُنُوسًا فِي مَكَانِسِ الرِّيَبِ، حَرَامٌ عَلِيَّ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى أُسَوِّيَهَا بِالْأَرْضِ هَدْمًا وَإِحْرَاقًا ! إِنِّي رَأَيْتُ آخِرَ هَذَا الْأَمْرِ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهُ، لِينٌ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ، وَشِدَّةٌ فِي غَيْرِ ( جَبْرِيَّةٍ ) وَعُنْفٍ، وَإِنِّي لَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَآخُذَنَّ الْوَلِيَّ بِالْوَلِيِّ، وَالْمُقِيمَ بِالظَّاعِنِ، وَالْمُقْبِلَ بِالْمُدْبِرِ، وَالصَّحِيحَ مِنْكُمْ بِالسَّقِيمِ، حَتَّى يَلْقَى الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ فَيَقُولُ: انْجُ سَعْدُ فَقَدْ هَلَكَ سَعِيدٌ، أَوْ تَسْتَقِيمُ لِي قَنَاتُكُمْ، إِنَّ كِذْبَةَ الْمِنْبَرِ بَلْقَاءُ مَشْهُورَةٌ، فَإِذَا تَعَلَّقْتُمْ عَلِيَّ بِكِذْبَةٍ فَقَدْ حَلَّتْ لَكُمْ مَعْصِيَتِي، مَنْ بُيِّتَ مِنْكُمْ فَأَنَا ضَامِنٌ لِمَا ذَهَبَ لَهُ، إِيَّايَ وَدَلَجَ اللَّيْلِ، فَإِنِّي لَا أَوُتَى بِمُدْلِجٍ إِلَّا سَفَكْتُ دَمَهُ، وَقَدْ أَجَّلْتُكُمْ فِي ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِي الْخَبَرُ الْكُوفَةَ وَيَرْجِعُ إِلَيْكُمْ، وَإِيَّايَ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنِّي لَا أَجِدُ أَحَدًا دَعَا بِهَا إِلَّا قَطَعْتُ لِسَانَهُ. وَقَدْ أَحْدَثْتُمْ أَحْدَاثًا لَمْ تَكُنْ، وَقَدْ أَحْدَثْنَا لِكُلِّ ذَنْبٍ عُقُوبَةً، فَمَنْ غَرَّقَ قَوْمًا غَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ حَرَّقَ عَلَى قَوْمٍ حَرَّقْنَاهُ، وَمَنْ نَقَبَ بَيْتًا نَقَبْتُ عَنْ قَلْبِهِ، وَمَنْ نَبَشَ قَبْرًا دَفَنْتُهُ فِيهِ حَيًّا، فَكُفُّوا عَنِّي أَيْدِيَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ أَكْفُفْ عَنْكُمْ لِسَانِي وَيَدِي، وَإِيَّايَ لَا يَظْهَرُ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ عَامَّتُكُمْ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَقَدْ كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَقْوَامٍ إِحَنٌ فَجَعَلْتُ ذَلِكَ دُبُرَ أُذُنِي وَتَحْتَ قَدَمِي، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا فَلْيَزْدَدْ إِحْسَانًا، وَمَنْ كَانَ مُسِيئًا فَلْيَنْزِعْ عَنْ إِسَاءَتِهِ. إِنِّي لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدَكُمْ قَدْ قَتَلَهُ السُّلُّ مِنْ بُغْضِي لَمْ أَكْشِفْ لَهُ قِنَاعًا، وَلَمْ أَهْتِكْ لَهُ سِتْرًا حَتَّى يُبْدِيَ لِي صَفْحَتَهُ، فَإِذَا فَعَلَ لَمْ أُنَاظِرْهُ، فَاسْتَأْنِفُوا أُمُورَكُمْ، وَأَعِينُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَرُبَّ مُبْتَئِسٍ بِقُدُومِنَا سَيُسَرُّ، وَمَسْرُورٍ بِقُدُومِنَا سَيَبْتَئِسُ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا أَصْبَحْنَا لَكُمْ سَاسَةً، وَعَنْكُمْ ذَادَةً، نَسُوسُكُمْ بِسُلْطَانِ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَانَا، وَنَذُودُ عَنْكُمْ بِفَيْءِ اللَّهِ الَّذِي خَوَّلَنَا، فَلَنَا عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحْبَبْنَا، وَلَكُمْ عَلَيْنَا الْعَدْلُ فِيمَا وَلِينَا، فَاسْتَوْجِبُوا عَدْلَنَا وَفَيْئَنَا بِمُنَاصَحَتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنِّي مَهْمَا قَصَّرْتُ عَنْهُ فَإِنِّي لَا أُقَصِّرُ عَنْ ثَلَاثٍ: لَسْتُ مُحْتَجِبًا عَنْ طَالِبِ حَاجَةٍ مِنْكُمْ وَلَوْ أَتَانِي طَارِقًا بِلَيْلٍ، وَلَا حَابِسًا رِزْقًا وَلَا عَطَاءً عَنْ إِبَّانِهِ، وَلَا مُجَمِّرًا لَكُمْ بَعْثًا، فَادْعُوا اللَّهَ بِالصَّلَاحِ لِأَئِمَّتِكُمْ فَإِنَّهُمْ سَاسَتُكُمُ الْمُؤَدِّبُونَ، وَكَهْفِكُمُ الَّذِي إِلَيْهِ تَأْوُونَ، وَمَتَى تَصْلُحُوا يَصْلُحُوا، وَلَا تُشْرِبُوا قُلُوبَكُمْ بُغْضَهُمْ فَيَشْتَدَّ لِذَلِكَ غَيْظُكُمْ، وَيَطُولَ لَهُ حُزْنُكُمْ، وَلَا تُدْرِكُوا حَاجَتَكُمْ، مَعَ أَنَّهُ لَوِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ لَكَانَ شَرًّا لَكُمْ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُعِينَ كُلًّا عَلَى كُلٍّ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي أُنَفِّذُ فِيكُمُ الْأَمْرَ فَأَنْفِذُوهُ عَلَى أَذْلَالِهِ، وَإِنَّ لِي فِيكُمْ لَصَرْعَى كَثِيرَةً، فَلْيَحْذَرْ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ مِنْ صَرْعَايَ. فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَهْتَمِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنَّكَ أُوتِيتَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ، ذَاكَ نَبِيُّ اللَّهِ دَاوُدُ ! فَقَالَ الْأَحْنَفُ: قَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، وَالثَّنَاءُ بَعْدَ الْبَلَاءِ، وَالْحَمْدُ بَعْدَ الْعَطَاءِ، وَإِنَّا لَنْ نُثْنِيَ حَتَّى نَبْتَلِيَ. فَقَالَ زِيَادٌ: صَدَقْتَ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بِلَالٍ مِرْدَاسُ بْنُ أُدَيَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَقَالَ: أَنْبَأَ اللَّهُ بِغَيْرِ مَا قُلْتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى. فَأَوْعَدَنَا اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا أَوْعَدْتَنِي يَا زِيَادُ. فَقَالَ زِيَادٌ: إِنَّا لَا نَجِدُ إِلَى مَا تُرِيدُ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ سَبِيلًا حَتَّى نَخُوضَ إِلَيْهَا الدِّمَاءَ. وَاسْتَعْمَلَ زِيَادٌ عَلَى شُرْطَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حِصْنٍ، وَأَجَّلَ النَّاسَ حَتَّى بَلَغَ الْخَبَرُ الْكُوفَةَ وَعَادَ إِلَيْهِ وُصُولُ الْخَبَرِ، فَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمَّ يُصَلِّي فَيَأْمُرُ رَجُلًا أَنْ يَقْرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوْ مِثْلَهَا يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ، فَإِذَا فَرَغَ أَمْهَلَ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ إِنْسَانًا يَبْلُغُ أَقْصَى الْبَقَرَةِ، ثُمَّ يَأْمُرُ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ بِالْخُرُوجِ، فَيَخْرُجُ فَلَا يَرَى إِنْسَانًا إِلَّا قَتَلَهُ، فَأَخَذَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَعْرَابِيًّا فَأَتَى بِهِ زِيَادًا فَقَالَ: هَلْ سَمِعْتَ النِّدَاءَ ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ قَدِمْتُ بِحَلُوبَةٍ لِي وَغَشِيَنِي اللَّيْلُ فَاضْطَرَرْتُهَا إِلَى مَوْضِعٍ وَأَقَمْتُ لِأُصْبِحَ وَلَا عِلْمَ لِي بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمِيرِ. فَقَالَ: أَظُنُّكَ وَاللَّهِ صَادِقًا وَلَكِنْ فِي قَتْلِكَ صَلَاحُ الْأُمَّةِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَكَانَ زِيَادٌ أَوَّلَ مَنْ شَدَّدَ أَمْرَ السُّلْطَانِ، وَأَكَّدَ الْمُلْكَ لِمُعَاوِيَةَ، وَجَرَّدَ سَيْفَهُ، وَأَخَذَ بِالظِّنَّةِ، وَعَاقَبَ عَلَى الشُّبْهَةِ، وَخَافَهُ النَّاسُ خَوْفًا شَدِيدًا حَتَّى أَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَحَتَّى كَانَ الشَّيْءُ يُسْقِطُ مِنْ يَدِ الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ صَاحِبُهُ فَيَأْخُذَهُ، وَلَا يُغْلِقُ أَحَدٌ بَابَهُ. ( وَأَدَرَّ الْعَطَاءَ )، وَبَنَى مَدِينَةَ الرِّزْقِ، وَجَعَلَ الشُّرَطَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ السَّبِيلَ مَخُوفَةٌ. فَقَالَ: لَا أُعَانِي شَيْئًا وَرَاءَ الْمِصْرِ حَتَّى أُصْلِحَ الْمِصْرَ، فَإِنْ غَلَبَنِي فَغَيْرُهُ أَشَدُّ غَلَبَةً مِنْهُ. فَلَمَّا ضَبَطَ الْمِصْرَ وَأَصْلَحَهُ تَكَلَّفَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَأَحْكَمَهُ. عُمَّالِ زِيَادٍ   اسْتَعَانَ زِيَادٌ بِعِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ: عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ وَلَّاهُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ. فَأَمَّا عِمْرَانُ فَاسْتَعْفَى مِنَ الْقَضَاءِ فَأَعْفَاهُ. وَاسْتَقْضَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ فَضَالَةَ اللَّيْثِيَّ، ثُمَّ أَخَاهُ عَاصِمًا، ثُمَّ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى، وَكَانَتْ أُخْتُهُ عِنْدَ زِيَادٍ. وَقِيلَ إِنَّ زِيَادًا أَوَّلُ مَنْ سَيَّرَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْحِرَابِ وَالْعَمَدِ، وَاتَّخَذَ الْحَرَسَ رَابِطَةً خَمْسَمِائَةٍ لَا يُفَارِقُونَ الْمَسْجِدَ. وَجَعَلَ خُرَاسَانَ أَرْبَاعًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَرْوَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ، وَعَلَى نَيْسَابُورَ خُلَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيَّ، وَعَلَى مَرْوِ الرُّوذِ وَالْفَارِيَابِ وَالطَّالَقَانِ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَعَلَى هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ [ وَقَادِسَ ] وَبُوشَنْجَ نَافِعَ بْنَ خَالِدٍ الطَّاحِيَّ، ثُمَّ عَتَبَ عَلَيْهِ فَعَزَلَهُ. وَسَبَبُ تَغَيُّرِهِ عَلَيْهِ أَنَّ نَافِعًا بَعْثَ بِخُوَانَ بَاذْزَهْرَ إِلَى زِيَادٍ قَوَائِمُهُ مِنْهُ، فَأَخَذَ نَافِعٌ مِنْهَا قَائِمَةً وَعَمَلَ مَكَانَهَا قَائِمَةً مِنْ ذَهَبٍ وَبَعَثَ الْخُوَانَ مَعَ غُلَامٍ لَهُ اسْمُهُ زَيْدٌ، وَكَانَ يَلِي أُمُورَ نَافِعٍ كُلَّهَا، فَسَعَى زَيْدٌ بِنَافِعٍ إِلَى زِيَادٍ وَقَالَ: إِنَّهُ خَانَكَ وَأَخَذَ قَائِمَةَ الْخُوَانِ. فَعَزَلَهُ زِيَادٌ وَحَبَسَهُ وَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَابًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: بِثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ، فَشَفَعَ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ وُجُوهِ الْأَزْدِ فَأَطْلَقَهُ. وَاسْتَعْمَلَ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ زِيَادٌ قَالَ لِحَاجِبِهِ: ادْعُ لِيَ الْحَكَمَ، يُرِيدُ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ، لِيُوَلِّيَهُ خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ حَاجِبُهُ فَرَأَى الْحَكَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ فَاسْتَدْعَاهُ، فَحِينَ رَآهُ زِيَادٌ قَالَ لَهُ: مَا أَرَدْتُكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَكَ ! فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ وَجَعَلَ مَعَهُ رِجَالًا عَلَى جِبَايَةِ الْخَرَاجِ، مِنْهُمْ: أَسْلَمُ بْنُ زُرْعَةَ الْكِلَابِيُّ وَغَيْرُهُ، وَغَزَا الْحَكَمُ طَخَارُسْتَانَ، فَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، ثُمَّ مَاتَ، وَاسْتَخْلَفَ أَنَسَ بْنَ أَبِي أُنَاسِ بْنِ زُنَيْمٍ، فَعَزَلَهُ زِيَادٌ وَكَتَبَ إِلَى خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيِّ بِوِلَايَةِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ بَعَثَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ فِي خَمْسِينَ أَلْفًا مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ.

  37. التاريخ 2128لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ  وَكَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةَ. وَكَانَتِ الْوُلَاةُ وَالْعُمَّالُ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ.

  38. التاريخ 2129لا حكم مسجّل

    وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ كُتَّابِ الْوَحْيِ  ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ هَذَا الْمُصْحَفَ الْإِمَامَ الَّذِي بِالشَّامِ  ، عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَهُوَ خَطٌّ جَيِّدٌ قَوِّيٌّ جِدًّا فِيمَا رَأَيْتُهُ، وَقَدْ كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ ذَكَاءً، تَعَلَّمَ لِسَانَ يَهُودَ وَكِتَابَهُمْ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا  . قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: تَعَلَّمَ الْفَارِسِيَّةَ مِنْ رَسُولِ كِسْرَى فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَتَعَلَّمَ الْحَبَشِيَّةَ وَالرُّومِيَّةَ وَالْقِبْطِيَّةَ  مِنْ خُدَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: كَانَتْ وَقْعَةُ بُغَاثٍ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، وَكَانَتْ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، وَأُتِيَ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: غُلَامٌ مِنَ الْخَزْرَجِ قَدْ قَرَأَ سِتَّ عَشْرَةَ سُورَةً، فَلَمْ أُجَزْ فِي بَدْرٍ وَلَا أُحُدٍ، وَأُجِزْتُ فِي الْخَنْدَقِ. وعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: "إِنِّي لَا آمَنُهُمْ أَنْ يُبَدِّلُوا كِتَابِي ". فَقَالَ: فَتَعَلَّمْتُهُ فِي بِضْعَ عَشْرَ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ كَانَ زَيْدٌ يَكْتُبُ كِتَابَ الْعَرَبِيَّةِ وَكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّةِ، وَأَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقُ، وَكَانَ مِمَّنْ يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَئِذٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَعْلَمُهُمْ بِالْفَرَائِضِ زَيْدٌ " وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى الْقَضَاءِ. وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ سَمِعَ مَسْرُوقًا يَقُولُ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ  مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ أَخَذَ لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بِالرِّكَابِ، فَقَالَ: تَنَحَّ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: هَكَذَا يُفْعَلُ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا. وعَنْ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ أَفْكَهِ النَّاسِ فِي بَيْتِهِ، وَأَزْمَتِهِ إِذَا خَرَجَ إِلَى الرِّجَالِ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ رَاجِعِينَ، فَدَخَلَ دَارًا، فَقِيلَ لَهُ: فَقَالَ: مَنْ لَا يَسْتَحِي مِنَ النَّاسِ لَا يَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ. وعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ يُجْمَعَ الْقُرْآنُ، وَأَنْتَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيَ، فَتَتَّبِعِ الْقُرْآنَ فَأَجْمَعْهُ. قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ أَنْقُلُهُ حَجَرًا حَجَرًا مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْعُسْبِ وَالْأَكْتَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَوَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ خُرَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ الْآيَتَيْنِ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَتَى خَرِيمَةُ بْنُ ثَابِتٍ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، قَالَ زَيْدٌ: مَنْ يَشْهَدُ مَعَكَ، قَالَ: عُمَرُ أَنَا. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ قَالَ: إِذَا أَتَاكُمْ أَحَدٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ تُنْكِرَانِهِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ، فَأَثْبِتَاهُ. وَلَمَّا نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ أَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَنْ يُمْلِيَ وَزَيْدًا أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ عُمَرُ ؓ يَسْتَخْلِفُ زَيْدًا عَلَى الْمَدِينَةِ إِذَا سَافَرَ، وَلَمَّا حُوصِرَ عُثْمَانُ كَانَ زَيْدٌ يَذُبُّ عَنْهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: هَذِهِ الْأَنْصَارُ يَقُولُونَ جِئْنَا لِنَنْصُرَ اللَّهَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَّا الْقِتَالُ فَلَا. تُوُفِّيَ زَيْدٌ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عِلْمٌ كَثِيرٌ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَاتَ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. سلمة بن سلامة بن وقش وَفِيهَا مَاتَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، عَنْ سَبْعِينَ سَنَةً  ، وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَلَا عَقِبَ لَهُ. عاصم بن عدي وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ الْبَلَوِيُّ  ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، وَقِيلَ: لَمْ يَشْهَدْهَا بَلْ رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ عَلَى قُبَاءَ وَأَهْلِ الْعَالِيَةِ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَتُوُفِّيَ عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وقيل غير ذلك، وَقَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ وَمَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ إِلَى مَسْجِدِ الضِّرَارِ فَحَرَّقَاهُ. حفصة بنت عمر بن الخطاب وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ  ، وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ، وَهَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا بَعْدَ بَدْرٍ، فَلَمَّا انْقَضَتْ عُدَّتُهَا عَرَضَهَا أَبُوهَا عَلَى عُثْمَانَ  بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَبَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَعَرَضَهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ  فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَزَوَّجَهَا، فَعَاتَبَ عُمَرُ أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ ذَلِكَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَدْ ذَكَرَهَا، فَمَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَوْ تَرَكَهَا لَتَزَوَّجْتُهَا. وَقَدْ رَوَيْنَا فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا، وَقَالَ: إِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ زَوْجَتُكَ فِي الْجَنَّةِ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْجُمْهُورُ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهَا تُوُفِّيَتْ أَيَّامَ عُثْمَانَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قِيلَ: مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ. ثابت بن الضحاك بن خليفة الكلابي وَفِيهَا تُوُفِّيَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ خَلِيفَةَ الْكِلَابِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، وَهُوَ أَخُو أَبِي جُبَيْرَةَ بْنِ الضَّحَّاكِ.

  39. التاريخ 2130لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ شَتَّى الْمُسْلِمُونَ بِأَرْضِ الرُّومِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَمْرِهِمْ، فَقِيلَ: مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقِيلَ: مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ.

  40. التاريخ 2131لا حكم مسجّل

    وفي سنة ست وأربعين انْصَرَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ إِلَى حِمْصَ   وَكَانَ قَدْ عَظُمَ شَأْنُهُ بِالشَّامِ، وَمَالَ أَهْلُهَا إِلَيْهِ لِمَوْضِعِ غَنَائِهِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَآثَارِ أَبِيهِ حَتَّى خَافَهُ مُعَاوِيَةُ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ لِمَيْلِ النَّاسِ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ  ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَعْرُوفِينَ وَالْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ كَأَبِيهِ، وَكَانَ قَدْ عَظُمَ بِبِلَادِ الشَّامِ كَذَلِكَ حَتَّى خَافَ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ، وَمَاتَ وَهُوَ مَسْمُومٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبَى عُمَرَ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ رَوَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. يَعْنِي مُرْسَلًا. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ فِي أَهْلِ الشَّامِ، شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ مَدَّاحًا لَهُ وَلِأَخَوَيْهِ مُهَاجِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ ابْنُ سُمَيْعٍ: كَانَ يَلِي الصَّوَائِفَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ حَفِظَ عَنْ مُعَاوِيَةَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ ابْنُ أُثَالٍ - وَكَانَ رَئِيسَ الذِّمَّةِ بِأَرْضِ حِمْصَ - سَقَاهُ شَرْبَةً فِيهَا سُمٌّ فَمَاتَ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَثَاهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: أَبُوكَ الَّذِي قَادَ الْجُيُوشَ مَغْرِبًا إِلَى الرُّومِ لَمَّا أَعْطَتِ الْخَرْجَ فَارِسُ     وَكَمْ مِنْ فَتًى نَبَّهْتَهُ بَعْدَ هَجْعَةٍ بِقَرْعِ اللِّجَامِ وَهُوَ أَكْتَعُ نَاعِسُ     وَمَا يَسْتَوِي الصَّفَّانِ صَفٌّ لِخَالِدٍ وَصَفٌّ عَلَيْهِ مِنْ دِمَشْقَ الْبَرَانِسُ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَا فَعَلَ ابْنُ أَثَالٍ ؟ فَسَكَتَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حِمْصَ فَثَارَ عَلَى ابْنِ أُثَالٍ فَقَتَلَهُ، فَحَبَسَهُ مُعَاوِيَةُ ثُمَّ أَطْلَقَهُ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: مَا فَعَلَ ابْنُ أُثَالٍ ؟ فَقَالَ: قَدْ كَفَيْتُكَ إِيَّاهُ، وَلَكِنْ مَا فَعَلَ ابْنُ جُرْمُوزٍ ؟ فَسَكَتَ عُرْوَةُ.

  41. التاريخ 2132لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ سَهْمٍ وَالْخَطِيمِ وفي سنة ست وأربعين خَرَجَ الْخَطِيمُ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ مَالِكٍ الْبَاهِلِيُّ، وَسَهْمُ بْنُ غَالِبٍ الْهُجَيْمِيُّ، فَحُكِّمَا، فَأَمَّا سَهْمٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْأَهْوَازِ فَحُكِّمَ بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَاخْتَفَى وَطَلَبَ الْأَمَانَ فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ زِيَادٌ وَطَلَبَهُ حَتَّى أَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ عَلَى بَابِهِ. وَأَمَّا الْخَطِيمُ فَإِنَّ زِيَادًا سَيَّرَهُ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ثُمَّ أَقْدَمَهُ وَقَالَ لِمُسْلِمِ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ، وَالِدِ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ: اضْمَنْهُ، فَأَبَى وَقَالَ: إِنْ بَاتَ خَارِجًا عَنْ بَيْتِهِ أَعْلَمْتُكَ، ثُمَّ أَتَاهُ مُسْلِمٌ فَقَالَ لَهُ: لَمْ يَبِتِ الْخَطِيمُ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ وَأُلْقِيَ فِي بَاهِلَةَ.

  42. التاريخ 2133لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   سالم بن عمير بن ثابت سَالِمُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ ثَابِتٍ  : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، [وَهُوَ ] أَحَدُ الْبَكَّاءِينَ الَّذِينَ جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى تَبُوكَ يَسْتَحْمِلُونَهُ، فَقَالَ: لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ، فَوَلَّوْا وَأُعِينُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ. سراقة بن كعب بن عمرو سُرَاقَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو  : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. محمد بن مسلمة مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَجْدَعَةَ  : أَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَبْلَ إِسْلَامِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ تَبُوكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مُحَمَّدٌ فِيمَنْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ. وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْقَرْطَاءِ سَرِيَّةٍ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا مِنَ الصَّحَابَةِ  ، فَسَلِمَ وَغَنِمَ وَبَعَثَهُ إِلَى ذِي الْقِصَّةِ سِرِّيَّةٍ فِي عَشَرَةٍ  ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي صَفَرِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَيُقَالُ: فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. هرم بن حيان العبدي هَرَمُ بْنُ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ: كَانَ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَقِيَ أُوَيْسًا الْقَرْنِيَّ، وَكَانَ مِنَ الْخَائِفِينَ. وعَنْ أَبِي نَصْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ هَرَمَ بْنَ حَيَّانَ عَلَى الْخَيْلِ، فَغَضِبَ عَلَى رَجُلٍ فَأَمَرَ بِهِ فَوُجِئَتْ عُنُقُهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: لَا جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مَا نَصَحْتُمُونِي حِينَ قُلْتُ، وَلَا كَفَفْتُمُونِي عَنْ غَضَبِي، وَاللَّهِ لَا أَلِي لَكُمْ عَمَلًا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا طَاقَةَ لِي بِالرَّعِيَّةِ، فَابْعَثْ إِلَى عَمَلِكَ. وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: خَرَجَ هَرَمُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ يَؤُمَّانِ الْحِجَازَ فَجَعَلَتْ أَعْنَاقُ رَوَاحِلِهِمَا تُخَالِجَانِ الشَّجَرَ، فَقَالَ هَرَمٌ لِابْنِ عَامِرٍ: أَتُحِبُّ أَنَّكَ شَجَرَةٌ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرِ، فَقَالَ ابْنُ عَامِرٍ: لَا وَاللَّهِ لِمَا أَرْجُو مِنْ رَبِّي، فَقَالَ هَرَمٌ: لَكِنِّي وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرِ أَكَلَتْنِي هَذِهِ النَّاقَةُ، ثُمَّ قَذَفَتْنِي بَعْرَاءَ، وَلَمْ أُكَابِدِ الْحِسَابَ، يَا ابْنَ عَامِرٍ إِنِّي أَخَافُ الدَّاهِيَةَ الْكُبْرَى، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. قَالَ الْحَسَنُ: وَكَانَ هَرَمٌ أَفْقَهَ الرَّجُلَيْنِ وَأَعْلَمَهُمَا بِاللَّهِ. وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: مَاتَ هَرَمٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ شَدِيدِ الْحَرِّ، فَلَمَّا نَفَضُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ قَبْرِهِ جَاءَتْ سَحَابَةٌ تَسِيرُ حَتَّى قَامَتْ عَلَى قَبْرِهِ، فَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَ مِنْهُ وَلَا أَقْصَرَ حَتَّى رَوَتْهُ ثُمَّ انْصَرَفَتْ. صالح بن كيسان وَفِيهَا تُوُفِّيَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ  ، وَقِيلَ: مَوْلَى بَنِي عَامِرٍ، ( وَقِيلَ الْخُزَاعِيُّ ). عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ  وقد تقدم ذكر سبب وفاته في موضعه.

  43. التاريخ 2134لا حكم مسجّل

    وفيسُنَّةُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ كَانَ مَشْتَى مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَمَشْتَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَيْنِيِّ بِأَنْطَاكِيَةَ.

  44. التاريخ 2135لا حكم مسجّل

    عَزْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ مِصْرَ وَوِلَايَةِ ابْنِ حُدَيْجٍ   وَكَانَ عُثْمَانِيًّا، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُعَاوِيَةُ قَدْ أَخَذْتَ جَزَاءَكَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، قَدْ قَتَلْتَ أَخِي مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ لِتَلِيَ مِصْرَ فَقَدَ وُلِيتَهَا. فَقَالَ: مَا قَتَلْتُ مُحَمَّدًا إِلَّا بِمَا صَنَعَ بِعُثْمَانَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَلَوْ كُنْتَ إِنَّمَا تَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ لَمَا شَارَكْتَ مُعَاوِيَةَ فِيمَا صَنَعَ حَيْثُ عَمِلَ عَمْرٌو بِالْأَشْعَرِيِّ مَا عَمِلَ فَوَثَبْتَ أَوَّلَ النَّاسِ فَبَايَعْتَهُ.

  45. التاريخ 2136لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ الْغَوْرِ  فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى جِبَالِ الْغَوْرِ فَغَزَا مَنْ بِهَا، وَكَانُوا ارْتَدُّوا، فَأَخَذَهُمْ بِالسَّيْفِ عَنْوَةً وَفَتَحَهَا وَأَصَابَ مِنْهَا مَغَانِمَ كَثِيرَةً وَسَبَايَا، وَلَمَّا رَجَعَ الْحَكَمُ مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ مَاتَ بِمَرْوَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَكَانَ الْحَكَمُ قَدْ قَطَعَ النَّهْرَ فِي وِلَايَتِهِ وَلَمْ يَفْتَحْ. وَكَانَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ شَرِبَ مِنَ النَّهْرِ مَوْلًى لِلْحَكَمِ اغْتَرَفَ بِتُرْسِهِ فَشَرِبَ وَنَاوَلَ الْحَكَمَ فَشَرِبَ وَتَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ ذَلِكَ ثُمَّ رَجَعَ. مَكِيدَةٍ لِلْمُهَلَّبِ   وَكَانَ الْمُهَلَّبُ مَعَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو بِخُرَاسَانَ، وَغَزَا مَعَهُ بَعْضَ جِبَالِ التُّرْكِ فَغَنِمُوا، وَأَخَذَ التُّرْكُ عَلَيْهِمُ الشِّعَابَ وَالطُّرُقَ، فَعَيِيَ الْحَكَمُ بِالْأَمْرِ، فَوَلَّى الْمُهَلَّبَ الْحَرْبَ، فَلَمْ يَزَلْ يَحْتَالُ حَتَّى أَسَرَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ التُّرْكِ، فَقَالَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُخْرِجَنَا مِنْ هَذَا الضِّيقِ أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ: أَوْقِدِ النَّارَ ( حِيَالَ طَرِيقٍ ) مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ وَسَيِّرِ الْأَثْقَالَ نَحْوَهُ فَإِنَّهُمْ سَيَجْتَمِعُونَ فِيهِ وَيُخَلُّونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الطُّرُقِ فَبَادِرْهُمْ إِلَى طَرِيقٍ آخَرَ فَمَا يُدْرِكُونَكُمْ حَتَّى تَخْرُجُوا مِنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَلِمَ النَّاسُ بِمَا مَعَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ.

  46. التاريخ 2137لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا قَيْسُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ سِنَانِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُنْقِرِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مُقَاعِسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، أَبُو عَلِيٍّ الْمُنْقِرِيُّ، وَيُقَالُ: أَبُو قَبِيصَةَ: كَانَ مِنْ سَادَاتِ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، وَكَانَ مِمَّنْ حَرَّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سَكِرَ يَوْمًا، فَعَبِثَ بِذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْهُ، فَهَرَبَتْ مِنْهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَحَرَّمَهَا، وَأَنْشَدَ ذَلِكَ: رَأَيْتُ الْخَمْرَ مَصْلَحَةً وَفِيهَا مَقَابِحُ تَفْضَحُ الرَّجُلَ الْكَرِيمَا     فَلَا وَاللَّهِ أَشْرَبُهَا حَيَاتِي وَلَا أَشْفِي بِهَا أَبَدًا سَقِيمًا وَكَانَ إِسْلَامُهُ مَعَ وَفْدِ بَنَى تَمِيمٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " هَذَا سَيِّدُ أَهْلِ الْوَبَرِ ". وَكَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا كَرِيمًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ يَوْمَ مَاتَ: فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ     وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْعَلَاءِ يَقُولَانِ: قِيلَ لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: مِمَّنْ تَعَلَّمْتِ الْحِلْمَ ؟ قَالَ: مِنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ ; لَقَدِ اخْتَلَفْنَا إِلَيْهِ فِي الْحُكْمِ كَمَا يُخْتَلَفُ إِلَى الْفُقَهَاءِ فِي الْفِقْهِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَهُ يَوْمًا وَهُوَ قَاعِدٌ بِفِنَائِهِ مُحْتَبٍ بِكِسَائِهِ، إِذْ أَتَتْهُ جَمَاعَةٌ فِيهِمْ مَقْتُولٌ وَمَكْتُوفٌ، فَقَالُوا: هَذَا ابْنُكَ قَتَلَهُ ابْنُ أَخِيكَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا حَلَّ حَبَوْتَهُ حَتَّى فَرَغَ مِنْ كَلَامِهِ، ثُمَّ الْتَفَتْ إِلَى ابْنٍ لَهُ فِي الْمَجْلِسِ فَقَالَ: أَطْلِقْ عَنِ ابْنِ عَمِّكَ، وَوَارِ أَخَاكَ، وَاحْمِلْ إِلَى أُمِّهِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا غَرِيبَةٌ. ثُمَّ نَظَرَ لَهُ فَقَالَ: نَقَصْتَ عَدَدَكَ، وَقَطَعْتَ رَحِمَكَ، وَعَصَيْتَ رَبَّكَ، وَأَطَعْتَ شَيْطَانَكَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَلَسَ حَوْلَهُ بَنُوهُ، وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ ذَكَرًا، فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِيَّ، سَوِّدُوا عَلَيْكُمْ أَكْبَرَكُمْ تَخْلُفُوا أَبَاكُمْ، وَلَا تَسُوِّدُوا أَصْغَرَكُمْ فَيَزْدَرِي بِكُمْ أَكْفَاؤُكُمْ، وَعَلَيْكُمْ بِالْمَالِ وَاصْطِنَاعِهِ فَإِنَّهُ مَأْبَهَةٌ لِلْكَرِيمِ، وَيُسْتَغْنَي بِهِ عَنِ اللَّئِيمِ، وَإِيَّاكُمْ وَمَسْأَلَةَ النَّاسِ ; فَإِنَّهَا مِنْ أَخَسِّ مَكْسَبَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنُوحُوا عَلَيَّ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ، وَلَا تَدْفِنُونِي حَيْثُ يَشْعُرُ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ ; فَإِنِّي كُنْتُ أُعَادِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ قَيْسُ بْنَ عَاصِمٍ     وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحَّمَا تَحِيَّةَ مَنْ أَوْلَيْتَهُ مِنْكَ مِنَّةً     إِذَا ذُكِرَتْ أَمْثَالُهَا تَمْلَأُ الْفَمَا فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكُ وَاحِدٍ     وَلَكِنَّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدَّمَا

  47. التاريخ 2138لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ كَانَ مَشْتَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَيْنِيِّ بِأَنْطَاكِيَةَ. وَصَائِفَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْفَزَارِيِّ. وَغَزْوَةُ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ السَّكُونِيِّ الْبَحْرَ. وَغَزْوَةُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ بِأَهْلِ مِصْرَ الْبَحْرَ وَبِأَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ زِيَادٌ غَالِبَ بْنَ فَضَالَةَ اللَّيْثِيَّ عَلَى خُرَاسَانَ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ مَرْوَانُ وَهُوَ يَتَوَقَّعُ الْعَزْلَ لِمُوجِدَةٍ كَانَتْ مِنْ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِ، وَارْتَجَعَ مُعَاوِيَةُ مِنْهُ فَدَكَ وَكَانَ وَهَبْهَا لَهُ.

  48. التاريخ 2139لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ   فِي سنة تسع وأربعين، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسِينَ، سَيَّرَ مُعَاوِيَةُ جَيْشًا كَثِيفًا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ لِلْغَزَاةِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ وَأَمَرَ ابْنَهُ يَزِيدَ بِالْغَزَاةِ مَعَهُمْ، فَتَثَاقَلَ وَاعْتَلَّ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ أَبُوهُ، فَأَصَابَ النَّاسُ فِي غَزَاتِهِمْ جُوعٌ وَمَرَضٌ شَدِيدٌ، فَأَنْشَأَ يَزِيدُ يَقُولُ: مَا إِنْ أُبَالِي بِمَا لَاقَتْ جُمُوعُهُمُ بِالْغَزْقَذُونَةِ مِنْ حُمَّى وَمِنْ مُومِ     إِذَا اتَّكَأْتُ عَلَى الْأَنْمَاطِ مُرْتَفِقًا بِدَيْرِ مُرَّانَ عِنْدِي أُمُّ كُلْثُومِ وَأُمُّ كُلْثُومٍ امْرَأَتُهُ، وَهِيَ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ. فَبَلَغَ مُعَاوِيَةَ شِعْرُهُ فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ لَيَلْحَقَنَّ بِسُفْيَانَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ لِيُصِيبَهُ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَسَارَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ أَضَافَهُمْ إِلَيْهِ أَبُوهُ، وَكَانَ فِي هَذَا الْجَيْشِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ زُرَارَةَ الْكِلَابِيُّ، فَأَوْغَلُوا فِي بِلَادِ الرُّومِ حَتَّى بَلَغُوا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَاقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَالرُّومُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْعَزِيزِ يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ فَلَمْ يُقْتَلْ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: قَدْ عِشْتُ فِي الدَّهْرِ أَطْوَارًا عَلَى طُرُقٍ     شَتَّى فَصَادَفْتُ مِنْهَا اللِّينَ وَالْبَشِعَا كُلًّا بَلَوْتُ فَلَا النَّعْمَاءُ تُبْطِرُنِي     وَلَا تَجَشَّمْتُ مِنْ لَأْوَائِهَا جَزَعًا لَا يَمْلَأُ الْأَمْرُ صَدْرِي قَبْلَ مَوْقِعِهِ     وَلَا أَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا إِذَا وَقَعَا ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ فَقَتَلَ فِيهِمْ وَانْغَمَسَ بَيْنَهُمْ، فَشَجَرَهُ الرُّومُ بِرِمَاحِهِمْ حَتَّى قَتَلُوهُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَبَلَغَ خَبَرُ قَتْلِهِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِأَبِيهِ: وَاللَّهِ هَلَكَ فَتَى الْعَرَبِ ! فَقَالَ: ابْنِي أَوِ ابْنُكَ ؟ قَالَ: ابْنُكَ، فَآجَرَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: فَإِنْ يَكُنِ الْمَوْتُ أَوْدَى بِهِ     وَأَصْبَحَ مُخُّ الْكِلَابِيِّ زِيرًا فَكُلُّ فَتًى شَارِبٌ كَأْسَهُ     فَإِمَّا صَغِيرًا وَإِمَّا كَبِيرًا ثُمَّ رَجَعَ يَزِيدُ وَالْجَيْشُ إِلَى الشَّامِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ " فَكَانَ هَذَا الْجَيْشُ أَوَّلَ مَنْ غَزَاهَا، وَمَا وَصَلُوا إِلَيْهَا حَتَّى بَلَغُوا الْجَهْدَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ  ، وَقِيلَ: لَمْ يَمُتْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، بَلْ بَعْدَهَا سَنَةَ إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. وقد دُفِنَ بِالْقُرْبِ مِنْ سُورِهَا، فَأَهْلُهَا يَسْتَسْقُونَ بِهِ

  49. التاريخ 2140لا حكم مسجّل

    وَفي سنة تسع وأربعين عَزَلَ مُعَاوِيَةُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَكَانَتْ وِلَايَةُ مَرْوَانَ كُلُّهَا بِالْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ ثَمَانِيَ سِنِينَ وَشَهْرَيْنِ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، فَعَزَلَهُ سَعِيدٌ حِينَ وَلِيَ، وَاسْتَقْضَى أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

  50. التاريخ 2141لا حكم مسجّل

    وَفي سنة تسع وأربعين وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالْكُوفَةِ، فَخَرَجَ مِنْهَا الْمُغِيرَةُ فَارًّا  ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَأَصَابَهُ الطَّاعُونُ فَمَاتَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ. فَجَمَعَ مُعَاوِيَةُ لِزِيَادٍ الْكُوفَةَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مِنْ جُمِعَ لَهُ بَيْنَهُمَا، فَكَانَ زِيَادٌ يُقِيمُ فِي هَذِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَفِي هَذِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَكَانَ يَسْتَخْلِفُ عَلَى الْبَصْرَةِ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ فَلَمَّا وَصَلَ الْكُوفَةَ خَطَبَهُمْ فَحُصِبَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَجَلَسَ حَتَّى أَمْسَكُوا ثُمَّ دَعَا قَوْمًا مِنْ خَاصَّتِهِ فَأَمَرَهُمْ فَأَخَذُوا أَبْوَابَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ جَلِيسَهُ وَلَا يَقُولَنَّ لَا أَدْرِي مَنْ جَلِيسِي، ثُمَّ أَمَرَ بِكُرْسِيٍّ فَوُضِعَ لَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَاهُمْ أَرْبَعَةً أَرْبَعَةً يَحْلِفُونَ: مَا مِنَّا مَنْ حَصَبَكَ: فَمَنْ حَلَفَ خَلَّاهُ وَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ حَبَسَهُ، حَتَّى صَارُوا إِلَى ثَلَاثِينَ. وَقِيلَ: ثَمَانِينَ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْمَكَانِ. وَاتَّخَذَ مَقْصُورَةً. كَانَ أَوَّلُ قَتِيلٍ قَتَلَهُ زِيَادٌ بِالْكُوفَةِ أَوْفَى بْنَ حِصْنٍ، وَكَانَ بَلَغَهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَطَلَبَهُ فَهَرَبَ، فَعَرَضَ النَّاسَ [ زِيَادٌ ]، فَمَرَّ بِهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: أَوْفَى بْنُ حِصْنٍ. فَقَالَ زِيَادٌ: أَتَتْكَ بِحَائِنٍ رِجْلَاهُ: وَقَالَ لَهُ: مَا رَأْيُكَ فِي عُثْمَانَ ؟ قَالَ: خَتَنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَتَيْهِ. قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي مُعَاوِيَةَ ؟ قَالَ: جَوَادٌ حَلِيمٌ. قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِيَّ ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ بِالْبَصْرَةِ وَاللَّهِ لَآخُذَنَّ الْبَرِيءَ بِالسَّقِيمِ، وَالْمُقْبِلَ بِالْمُدْبِرِ. قَالَ: قَدْ قُلْتُ ذَاكَ. قَالَ: خَبَطْتَهَا عَشْوَاءَ ! فَقَالَ زِيَادٌ: لَيْسَ النَّفَّاخُ بِشَرِّ الزَّمَرَةِ ! فَقَتَلَهُ. وَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ الْكُوفَةَ قَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ يَجْمَعُ إِلَيْهِ شِيعَةَ أَبِي تُرَابٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: مَا هَذِهِ الْجَمَاعَاتُ عِنْدَكَ ؟ مَنْ أَرَدْتَ كَلَامَهُ فَفِي الْمَسْجِدِ. وَقِيلَ: الَّذِي سَعَى بِعَمْرٍو يَزِيدُ بْنُ رُوَيْمٍ: فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: قَدِ أَشَطْتُ بِدَمِهِ، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ مُخَّ سَاقِهِ قَدْ سَالَ مِنْ بُغْضِي مَا هَجَتْهُ حَتَّى يَخْرُجَ عَلَيَّ. فَاتَّخَذَ زِيَادٌ الْمَقْصُورَةَ حِينَ حُصِبَ. فَلَمَّا اسْتَخْلَفَ زِيَادٌ سَمُرَةَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهَا، فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَتَلَ سَمُرَةُ فِي غَيْبَةِ زِيَادٍ هَذِهِ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ قَتَلْتَ بَرِيئًا ؟ فَقَالَ: لَوْ قَتَلْتُ مَعَهُمْ مِثْلَهُمْ مَا خَشِيتُ. وَقَالَ أَبُو السَّوَّارِ الْعَدَوِيُّ: قَتَلَ سَمُرَةُ مِنْ قَوْمِي فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ كُلُّهُمْ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ. وَرَكِبَ سَمُرَةُ يَوْمًا فَلَقِيَ أَوَائِلُ خَيْلِهِ رَجُلًا فَقَتَلُوهُ، فَمَرَّ بِهِ سَمُرَةُ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقِيلَ أَصَابَهُ أَوَائِلُ خَيْلِكَ. فَقَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِنَا قَدْ رَكِبْنَا فَاتَّقُوا أَسِنَّتَنَا.

  51. التاريخ 2142لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ فِيهَا كَانَ مَشْتَى مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ بِأَرْضِ الرُّومِ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ جَرَبَّةَ وَشَتَا بِهَا، وَفُتِحَتْ عَلَى يَدِهِ، وَأَصَابَ فِيهَا شَيْئًا كَثِيرًا وَفِيهَا كَانَتْ صَائِفَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُرْزٍ الْبَجَلِيِّ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ الرُّهَاوِيِّ فِي الْبَحْرِ فَشَتَا بِأَهْلِ الشَّامِ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ الْبَحْرَ فَشَتَا بِأَهْلِ مِصْرَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ  . وَكَانَ الْعُمَّالُ فِيهَا هُمُ الْعُمَّالُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

  52. التاريخ 2143لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ وَفَاةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ  ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. هو الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ   أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ابْنُ ابْنَتِهِ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ وَرَيْحَانَتُهُ، وَأَشْبَهُ خَلْقِ اللَّهِ بِهِ فِي وَجْهِهِ  ، وُلِدَ لِلنِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَحَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِيقِهِ، وَسَمَّاهُ حَسَنًا، وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ أَبَوَيْهِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا حَتَّى كَانَ يُقَبِّلُ زَبِيبَتَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَرُبَّمَا مَصَّ لِسَانَهُ وَاعْتَنَقَهُ وَدَاعَبَهُ، وَرُبَّمَا جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ فِي الصَّلَاةِ فَيَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُطِيلُ السُّجُودَ مِنْ أَجْلِهِ، وَرُبَّمَا صَعِدَ مَعَهُ إِلَى الْمِنْبَرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ رَأَى الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ مُقْبِلِينِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمَا فَاحْتَضَنَهُمَا، وَأَخَذَهُمَا مَعَهُ إِلَى الْمِنْبَرِ، وَقَالَ: " صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَمْلِكْ أَنْ نَزَلْتُ إِلَيْهِمَا ". ثُمَّ قَالَ: " إِنَّكُمْ لِمَنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَإِنَّكُمْ لَتُبَخِّلُونَ وَتُجَبِّنُونَ ". شبه الحسن بن علي بالنبي ﷺ وحبه له وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " بسنده عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ - بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِلَيَالٍ - ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَعَلِيٌّ يَمْشِيَانِ، فَرَأَى الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَاحْتَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: بِأَبِي بِأَبِي شِبْهُ النَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيٍّ. قَالَ: وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ. وقال إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ. وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَانَتْ فَاطِمَةُ تَنْقُزُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، وَتَقُولُ: يَا بِأَبِي شِبْهُ النَّبِيِّ لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِيِّ وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ. وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيَقْعُدُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّنَا ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا ". وَفِي رِوَايَةٍ " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا ". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأُحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ فَانْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ، فَجَاءَ إِلَى فِنَاءِ فَاطِمَةَ، فَنَادَى الْحَسَنَ فَقَالَ: " أَيْ لُكَعُ، أَيْ لُكَعُ، أَيْ لُكَعُ ". فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ فَانْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ، فَجَاءَ إِلَى فِنَاءِ عَائِشَةَ فَقَعَدَ. قَالَ: فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ظَنَنَّا أَنَّ أُمَّهُ حَبَسَتْهُ لِتَجْعَلَ فِي عُنُقِهِ السِّخَابَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْتَزَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَالْتَزَمَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ ". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ فَقَدْ أَحَبَّنِي  ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي " وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَمَلَ عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَأُمِّهِمَا وَأَبِيهِمَا، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا ". وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ   ". وعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ قَالَ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَسْعَيَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ، فَجَعَلَ يَدَهُ فِي رَقَبَتِهِ، ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى إِبِطِهِ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ فَجَعَلَ يَدَهُ الْأُخْرَى فِي رَقَبَتِهِ، ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى إِبِطِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ هَذَا، ثُمَّ قَبَّلَ هَذَا، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا ". ثُمَّ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ مَجْهَلَةٌ ". وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى بِهِمْ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، فَسَجَدَ سَجْدَةً أَطَالَ فِيهَا السُّجُودَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ النَّاسُ لَهُ فِي ذَلِكَ، قَالَ: " إِنَّ ابْنِي - يَعْنِي الْحَسَنَ - ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ ". وَرَوَى أَحْمَدُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ". حب الصحابة للحسن بن علي وَقَدْ كَانَ الصِّدِّيقُ يُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ وَيُكْرِمُهُ وَيُحِبُّهُ وَيَتَفَدَّاهُ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ; فَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنْ عُمَرَ لَمَّا عَمِلَ الدِّيوَانَ فَرَضَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ مَعَ أَهْلِ بَدْرٍ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ. وَكَذَلِكَ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُكْرِمُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيُحِبُّهُمَا. وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَوْمَ الدَّارِ - وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مَحْصُورٌ - عِنْدَهُ وَمَعَهُ السَّيْفُ مُتَقَلِّدًا بِهِ يُجَاحِفُ عَنْ عُثْمَانَ، فَخَشِيَ عُثْمَانُ عَلَيْهِ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ لَيَرْجِعَنَّ إِلَى مَنْزِلِهِمْ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ عَلِيٍّ وَخَوْفًا عَلَيْهِ، ؓ. وَكَانَ عَلِيٌّ يُكْرِمُ الْحَسَنَ إِكْرَامًا زَائِدًا، وَيُعَظِّمُهُ وَيُبَجِّلُهُ، وَقَدْ قَالَ لَهُ يَوْمًا: يَا بُنَيَّ، أَلَا تَخْطُبُ حَتَّى أَسْمَعَكَ ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أَخْطُبَ وَأَنَا أَرَاكَ. فَذَهَبَ عَلِيٌّ فَجَلَسَ حَيْثُ لَا يَرَاهُ الْحَسَنَ، ثُمَّ قَامَ الْحَسَنُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا وَعَلِيٌّ يَسْمَعُ، فَأَدَّى خُطْبَةً بَلِيغَةً فَصِيحَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ: ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ آلِ عِمْرَانَ: 34 ]. وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْخُذُ الرِّكَابَ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ إِذَا رَكِبَا، وَيَرَى هَذَا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَكَانَا إِذَا طَافَا بِالْبَيْتِ يَكَادُ النَّاسُ يُحَطِّمُونَهُمَا مِمَّا يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِمَا لِلسَّلَامِ عَلَيْهِمَا، ؓ وَأَرْضَاهُمَا. وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. عبادة الحسن بن علي وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الْحَسَنُ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَجْلِسُ فِي مُصَلَّاهُ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ  ، وَيَجْلِسُ إِلَيْهِ مِنْ يَجْلِسُ مِنْ سَادَاتِ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ عِنْدَهُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَدْخُلُ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ. وَرُبَّمَا أَتْحَفْنَهُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَلَمَّا نَزَلَ لِمُعَاوِيَةَ عَنِ الْخِلَافَةِ مِنْ وَرَعِهِ صِيَانَةً لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، كَانَ لَهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي كُلِّ عَامٍ جَائِزَةٌ، وَكَانَ يَفِدُ إِلَيْهِ، فَرُبَّمَا أَجَازَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَرَاتِبُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةُ أَلْفٍ، فَانْقَطَعَ سَنَةً عَنِ الذَّهَابِ، وَجَاءَ وَقْتُ الْجَائِزَةِ، فَاحْتَاجَ الْحَسَنُ إِلَيْهَا - وَكَانَ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ - فَأَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ لِيَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: " يَا بُنَيَّ، أَتَكْتُبُ إِلَى مَخْلُوقٍ بِحَاجَتِكَ ؟ ! " وَعَلَّمَهُ دُعَاءً يَدْعُو بِهِ، فَتَرَكَ الْحَسَنُ مَا كَانَ هَمَّ بِهِ مِنَ الْكِتَابَةِ، فَذَكَرَهُ مُعَاوِيَةُ وَافْتَقَدَهُ، وَقَالَ: ابْعَثُوا إِلَيْهِ بِمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَلَعَلَّ لَهُ ضَرُورَةً فِي تَرْكِهِ الْقُدُومَ عَلَيْنَا. فَحُمِلَتْ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ. قَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مَدَنِيٌّ ثِقَةٌ. حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ ". قَالُوا: وَقَاسَمَ اللَّهَ مَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَخَرَجَ مِنْ مَالِهِ مَرَّتَيْنِ، وَحَجَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً مَاشِيًا  وَإِنَّ الْجَنَائِبَ لَتُقَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي مِنْ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ أَلْقَاهُ وَلَمْ أَمْشِ إِلَى بَيْتِهِ. فَمَشَى عِشْرِينَ مَرَّةً مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى رِجْلَيْهِ. قَالُوا: وَكَانَ يَقْرَأُ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ سُورَةَ " إِبْرَاهِيمَ ". وَكَانَ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ " الْكَهْفِ " قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يَقْرَؤُهَا مِنْ لَوْحٍ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ، فَيَقْرَؤُهُ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ فِي الْفِرَاشِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، ؓ. كرم الحسن بن علي وَقَدْ كَانَ مِنَ الْكَرَمِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: رُبَّمَا أَجَازَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: سَمِعَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى جَانِبِهِ رَجُلًا يَدْعُو اللَّهُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَامَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ. وَذَكَرُوا أَنَّ الْحَسَنَ رَأَى غُلَامًا أَسْوَدَ يَأْكُلُ مِنْ رَغِيفٍ لُقْمَةً، وَيُطْعِمُ كَلْبًا هُنَاكَ لُقْمَةً، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ ! فَقَالَ: إِنِّي أَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ آكُلَ وَلَا أُطْعِمَهُ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: لَا تَبْرَحْ مِنْ مَكَانِكَ حَتَّى آتِيَكَ. فَذَهَبَ إِلَى سَيِّدِهِ، فَاشْتَرَاهُ وَاشْتَرَى الْحَائِطَ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَأَعْتَقَهُ وَمَلَّكَهُ الْحَائِطَ، فَقَالَ الْغُلَامُ: يَا مَوْلَايَ، قَدْ وَهَبْتُ الْحَائِطَ لِلَّذِي وَهَبَتْنِي لَهُ. زواج الحسن بن علي قَالُوا: وَكَانَ كَثِيرَ التَّزَوُّجِ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُهُ أَرْبَعُ حَرَائِرَ، وَكَانَ مِطْلَاقًا مِصْدَاقًا. يُقَالُ: إِنَّهُ أَحْصَنَ بِسَبْعِينَ امْرَأَةً. وَذَكَرُوا أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ فِي يَوْمٍ وَاحِدَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَأُخْرَى فَزَارِيَّةً، وَبَعَثَ إِلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ آلَافٍ وَبِزُقَاقٍ مِنْ عَسَلٍ، وَقَالَ لِلْغُلَامِ: اسْمَعْ مَا تَقُولُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. فَأَمَّا الْفَزَارِيَّةُ فَقَالَتْ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. وَدَعَتْ لَهُ، وَأَمَّا الْأَسَدِيَّةُ فَقَالَتْ : مَتَاعٌ قَلِيلٌ مِنْ حَبِيبٍ مُفَارِقِ فَرَجَعَ الْغُلَامُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَارْتَجَعَ الْأَسْدِيَةَ وَتَرَكَ الْفَزَارِيَّةَ. وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ: لَا تُزَوِّجُوهُ فَإِنَّهُ مِطْلَاقٌ. فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ خَطَبَ إِلَيْنَا كُلَّ يَوْمٍ لَزَوَّجَنَاهُ مِنَّا مَنْ شَاءَ ابْتِغَاءً فِي صِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ نَامَ مَعَ امْرَأَتِهِ خَوْلَةَ بِنْتِ مَنْظُورٍ الْفَزَارِيِّ - وَقِيلَ: هِنْدَ بِنْتِ سُهَيْلٍ - فَوْقَ إِجَّارٍ، فَعَمَدَتِ الْمَرْأَةُ فَرَبَطَتْ رِجْلَهُ بِخِمَارِهَا إِلَى خَلْخَالِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ لَهَا: مَا هَذَا ؟ فَقَالَتْ: خِفْتُ أَنْ تَقُومَ مِنْ وَسَنِ النَّومِ فَتَسْقُطَ، فَأَكُونُ أَشْأَمَ سَخْلَةٍ عَلَى الْعَرَبِ. فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ مِنْهَا، وَاسْتَمَرَّ بِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَاسْتَعَانَ بِهِ فِي حَاجَةٍ، فَوَجَدَهُ مُعْتَكِفًا، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَذَهَبَ إِلَى الْحَسَنِ فَاسْتَعَانَ بِهِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَقَالَ: لَقَضَاءُ حَاجَةِ أَخٍ لِي فِي اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنِ اعْتِكَافِ شَهْرٍ  . وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لَا يَدْعُو إِلَى طَعَامِهِ أَحَدًا ; يَقُولُ: هُوَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُدْعَى إِلَيْهِ أَحَدٌ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: تَزَوَّجَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ امْرَأَةً، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِمِائَةِ جَارِيَةٍ، مَعَ كُلِّ جَارِيَةٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ. وَقَالَ جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بَكَى عَلَيْهِ مَرْوَانُ فِي جِنَازَتِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَتَبْكِيهِ وَقَدْ كُنْتُ تُجَرِّعُهُ مَا تُجَرِّعُهُ ؟ ! فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَى أَحْلَمَ مِنْ هَذَا. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَبَلِ. وعَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: مَا تَكَلَّمَ عِنْدِي أَحَدٌ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ إِذَا تَكَلَّمَ أَلَّا يَسْكُتَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةَ فُحْشٍ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً ; فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ خُصُومَةٌ، فَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَ لَهُ عِنْدَنَا إِلَّا مَا رَغِمَ أَنْفُهُ. فَهَذِهِ أَشَدُّ كَلِمَةِ فُحِشٍ سَمِعْتُهَا مِنْهُ قَطُّ. وقِيلَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغِنَى، وَالسَّقَمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصِّحَّةِ. فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، أَمَّا أَنَا فَأَقُولُ: مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ لَمْ يَتَمَنَّ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الْحَالَةِ الَّتِي اخْتَارَ اللَّهُ لَهُ، وَهَذَا حَدُّ الْوُقُوفِ عَلَى الرِّضَا بِمَا تَصَرَّفَ بِهِ الْقَضَاءُ  . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ كَيْسَانَ الْأَصَمُّ: قَالَ الْحَسَنُ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي أُخْبِرُكُمْ عَنْ أَخٍ لِي كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِي عَيْنِي، وَكَانَ عَظِيمَ مَا عَظَّمَهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، كَانَ خَارِجًا مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ، فَلَا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ، وَلَا يُكْثِرُ إِذَا وَجَدَ، وَكَانَ خَارِجًا مِنْ سُلْطَانِ فَرْجِهِ، فَلَا يَسْتَخِفُّ لَهُ عَقْلُهُ وَلَا رَأْيُهُ، وَكَانَ خَارِجًا مِنْ سُلْطَانِ الْجَهَلَةِ، فَلَا يَمُدُّ يَدًا إِلَّا عَلَى ثِقَةِ الْمَنْفَعَةِ، كَانَ لَا يَسْخَطُ وَلَا يَتَبَرَّمُ، كَانَ إِذَا جَامَعَ الْعُلَمَاءَ يَكُونُ عَلَى أَنْ يَسْمَعَ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَكَانَ إِذَا غُلِبَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى الصَّمْتِ، كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتًا، فَإِذَا قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ، وَكَانَ لَا يُشَارِكُ فِي دَعْوَى، وَلَا يَدْخُلُ فِي مِرَاءٍ، وَلَا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَرَى قَاضِيًا، يَقُولُ مَا يَفْعَلُ، وَيَفْعَلُ مَا لَا يَقُولُ تَفَضُّلًا وَتَكَرُّمًا، كَانَ لَا يَغْفُلُ عَنْ إِخْوَانِهِ، وَلَا يَسْتَخِصُّ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ، كَانَ لَا يَلُومُ أَحَدًا فِيمَا يَقَعُ الْعُذْرُ بِمِثْلِهِ، كَانَ إِذَا ابْتَدَأَهُ أَمْرَانِ لَا يَرَى أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ، نَظَرَ فِيمَا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى هَوَاهُ فَخَالَفَهُ. وعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، أَنْ عَلِيًّا سَأَلَ ابْنَهُ - يَعْنِي الْحَسَنَ - عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُرُوءَةِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مَا السَّدَادُ ؟ قَالَ: يَا أَبَةِ، السَّدَادُ دَفْعُ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ: فَمَا الشَّرَفُ ؟ قَالَ: اصْطِنَاعُ الْعَشِيرَةِ وَحَمْلُ الْجَرِيرَةِ. قَالَ: فَمَا الْمُرُوءَةُ ؟ قَالَ: الْعَفَافُ وَإِصْلَاحُ الْمَرْءِ مَالَهُ. قَالَ: فَمَا الدِّقَّةُ ؟ قَالَ: النَّظَرُ فِي الْيَسِيرِ وَمَنْعُ الْحَقِيرِ. قَالَ: فَمَا اللُّؤْمُ ؟ قَالَ: إِحْرَازُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ وَبَذْلُهُ عِرْسَهُ. قَالَ: فَمَا السَّمَاحَةُ ؟ قَالَ: الْبَذْلُ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ. قَالَ: فَمَا الشُّحُّ ؟ قَالَ: أَنْ تَرَى مَا فِي يَدَيْكَ شَرَفًا وَمَا أَنْفَقْتَهُ تَلَفًا. قَالَ: فَمَا الْإِخَاءُ ؟ قَالَ: الْوَفَاءُ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ. قَالَ: فَمَا الْجُبْنُ ؟ قَالَ: الْجُرْأَةُ عَلَى الصَّدِيقِ وَالنُّكُولُ عَنِ الْعَدُوِّ. قَالَ: فَمَا الْغَنِيمَةُ ؟ قَالَ: الرَّغْبَةُ فِي التَّقْوَى، وَالزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا هِيَ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ. قَالَ: فَمَا الْحِلْمُ ؟ قَالَ: كَظْمُ الْغَيْظِ وَمَلْكُ النَّفْسِ. قَالَ: فَمَا الْغِنَى ؟ قَالَ: رِضَا النَّفْسِ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا وَإِنْ قَلَّ، فَإِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ. قَالَ: فَمَا الْفَقْرُ ؟ قَالَ: شَرَهُ النَّفْسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ: فَمَا الْمَنَعَةُ ؟ قَالَ: شِدَّةُ الْبَأْسِ وَمُقَارَعَةُ أَشَدِّ النَّاسِ. قَالَ: فَمَا الذُّلُّ ؟ قَالَ: الْفَزَعُ عِنْدَ الْمَصْدُوقَةِ. قَالَ: فَمَا الْجُرْأَةُ ؟ قَالَ: مُوَافَقَةُ الْأَقْرَانِ. قَالَ: فَمَا الْكُلْفَةُ ؟ قَالَ: كَلَامُكَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ. قَالَ: فَمَا الْمَجْدُ ؟ قَالَ: أَنْ تُعْطِي فِي الْغُرْمِ وَأَنْ تَعْفُوَ عَنِ الْجُرْمِ. قَالَ: فَمَا الْعَقْلُ ؟ قَالَ: حِفْظُ الْقَلْبِ كُلَّ مَا اسْتَرْعَيْتَهُ. قَالَ: فَمَا الْخُرْقُ ؟ قَالَ: مُعَادَاتُكَ إِمَامَكَ وَرَفْعُكَ عَلَيْهِ كَلَامَكَ. قَالَ: فَمَا الثَّنَاءُ ؟ قَالَ: إِتْيَانُ الْجَمِيلِ وَتَرْكُ الْقَبِيحِ. قَالَ: فَمَا الْحَزْمُ ؟ قَالَ: طُولُ الْأَنَاةِ، وَالرِّفْقُ بِالْوُلَاةِ، وَالِاحْتِرَاسُ مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ، هُوَ الْحَزْمُ. قَالَ: فَمَا الشَّرَفُ ؟ قَالَ: مُوَافَقَةُ الْإِخْوَانِ، وَحِفْظُ الْجِيرَانِ. قَالَ: فَمَا السَّفَهُ ؟ قَالَ: اتِّبَاعُ الدُّنَاةِ، وَمُصَاحَبَةُ الْغُوَاةِ. قَالَ: فَمَا الْغَفْلَةُ ؟ قَالَ: تَرْكُكَ الْمَسْجِدَ وَطَاعَتُكَ الْمُفْسِدَ. قَالَ: فَمَا الْحِرْمَانُ ؟ قَالَ: تَرْكُكَ حَظَّكَ وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْكَ. قَالَ: فَمَا السَّيِّدُ ؟ قَالَ: الْأَحْمَقُ فِي الْمَالِ، الْمُتَهَاوِنُ بِعِرْضِهِ ; يُشْتَمُ فَلَا يُجِيبُ، الْمُتَحَزِّنُ بِأَمْرِ الْعَشِيرَةِ، هُوَ السَّيِّدُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: يَا بُنَيَّ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا فَقْرَ أَشَدُّ مِنَ الْجَهْلِ، وَلَا مَالَ أَعْوَدُ مِنَ الْعَقْلِ، وَلَا وَحْدَةَ أَوْحَشُ مِنَ الْعُجْبِ، وَلَا مُظَاهَرَةَ أَوْثَقُ مِنَ الْمُشَاوَرَةِ، وَلَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلَا عِبَادَةَ كَالتَّفَكُّرِ، وَلَا إِيمَانَ كَالْحَيَاءِ، وَرَأْسُ الْإِيمَانِ الصَّبْرُ، وَآفَةُ الْحَدِيثِ الْكَذِبُ، وَآفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَآفَةُ الْحِلْمِ السَّفَهُ، وَآفَةُ الْعِبَادَةِ الْفَتْرَةُ، وَآفَةُ الظَّرْفِ الصَّلَفُ، وَآفَةُ الشُّجَاعَةِ الْبَغْيُ، وَآفَةُ السَّمَاحَةِ الْمَنُّ، وَآفَةُ الْجَمَالِ الْخُيَلَاءُ، وَآفَةُ الْحُبِّ الْفَخْرُ ". ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: يَا بُنَيَّ، لَا تَسْتَخِفَّنَّ بِرَجُلٍ تَرَاهُ أَبَدًا، فَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْكَ فَعُدَّ أَنَّهُ أَبُوكَ، وَإِنْ كَانَ مِثْلَكَ فَهُوَ أَخُوكَ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْكَ فَاحْسَبْ أَنَّهُ ابْنُكَ. فَهَذَا مَا سَاءَلَ عَلِيٌّ ابْنَهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُرُوءَةِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: فَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنَ الْحِكْمَةِ وَجَزِيلِ الْفَائِدَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ رَاعَاهُ وَحَفِظَهُ وَوَعَاهُ، وَعَمِلَ بِهِ، وَأَدَّبَ نَفْسَهُ بِالْعَمَلِ عَلَيْهِ، وَهَذَّبَهَا بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، وَتَتَوَفَّرُ فَائِدَتُهُ بِالْوُقُوفِ عِنْدَهُ، وَفِيمَا رَوَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَضْعَافَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَا لَا غِنَى لِكُلِّ لَبِيبٍ عَلِيمٍ، وَمِدْرَهٍ حَكِيمٍ عَنْ حِفْظِهِ وَتَأَمُّلِهِ، وَالْمَسْعُودُ مَنْ هُدِيَ لِتَقَبُّلِهِ، وَالْمَجْدُودُ مِنْ وُفِّقَ لِامْتِثَالِهِ وَتَقَبُّلِهِ. قُلْتُ: وَلَكِنَّ إِسْنَادَ هَذَا الْأَثَرِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ ضَعِيفٌ، وَمِثْلُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي عِبَارَتِهَا مَا يَدُلُّ مَا فِي بَعْضِهَا مِنَ النَّكَارَةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْعَبَّاسِ الطَّبَرَانِيُّ: كَانَ عَلَى خَاتَمِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَكْتُوبٌ: قَدِّمْ لِنَفْسِكَ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ التُّقَى     إِنَّ الْمَنِيَّةَ نَازِلٌ بِكَ يَا فَتَى أَصْبَحْتَ ذَا فَرَحٍ كَأَنَّكَ لَا تَرَى     أَحْبَابَ قَلْبِكَ فِي الْمَقَابِرِ وَالْبِلَى وقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِبَنِيهِ وَبَنِي أَخِيهِ: تَعَلَّمُوا فَإِنَّكُمْ صِغَارُ قَوْمٍ الْيَوْمَ، وَتَكُونُونَ كِبَارَهُمْ غَدًا، فَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنْكُمْ فَلْيَكْتُبْ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَصَمِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ هَذِهِ الشِّيعَةَ تَزْعُمُ أَنَّ عَلِيًّا مَبْعُوثٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: كَذَبُوا وَاللَّهِ، مَا هَؤُلَاءِ بِالشِّيعَةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ مَا زَوَّجْنَا نِسَاءَهُ وَلَا اقْتَسَمْنَا مَالَهُ. تنازل الحسن عن الخلافة وعَنْ سَفِينَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْخِلَافَةُ مِنْ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ". فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ حَاضِرًا فِي الْمَجْلِسِ: قَدْ دَخَلَتْ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ سِتَّةُ شُهُورٍ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ: مِنْ هَاهُنَا أُتِيتَ، تِلْكَ الشُّهُورَ كَانَتِ الْبَيْعَةُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، بَايَعَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا أَوِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: بَايَعَ الْحَسَنَ تِسْعُونَ أَلْفًا، فَزَهِدَ  فِي الْخِلَافَةِ وَصَالَحَ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يُسْفَكْ فِي أَيَّامِهِ مِحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ. وعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ سَارَ الْحَسَنُ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَالْتَقَوْا، فَكَرِهَ الْحَسَنُ الْقِتَالَ، وَبَايَعَ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَنْ جَعَلَ الْعَهْدَ لِلْحَسَنِ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ فَكَانَ أَصْحَابُ الْحَسَنِ يَقُولُونَ: يَا عَارَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَيَقُولُ لَهُمْ: الْعَارُ خَيْرٌ مِنَ النَّارِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ وَبَايَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ أَصْحَابُ مُعَاوِيَةَ لِمُعَاوِيَةَ: مُرِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَنْ يَخْطُبَ ; فَإِنَّهُ حَدِيثُ السِّنِّ عَيِيٌ، فَلَعَلَّهُ يَتَلَعْثَمُ فَيَتَّضِعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ. فَأَمَرَهُ، فَقَامَ فَاخْتَطَبَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ لَوِ ابْتَغَيْتُمْ بَيْنَ جَابَلْقَ وَجَابَرْسَ رَجُلًا جَدُّهُ نَبِيٌّ غَيْرِي وَغَيْرَ أَخِي لَمْ تَجِدُوهُ، وَإِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَا بَيْعَتَنَا لِمُعَاوِيَةَ، وَرَأَيْنَا أَنَّ حَقْنَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ إِهْرَاقِهَا، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. وَأَشَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا أَرَدْتَ مِنْ هَذِهِ ؟ قَالَ: أَرَدْتُ مِنْهَا مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْهَا. فَصَعِدَ مُعَاوِيَةُ وَخَطَبَ بَعْدَهُ. وعَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيرٍ الْحَضْرَمِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تُرِيدُ الْخِلَافَةَ. فَقَالَ: كَانَتْ جَمَاجِمُ الْعَرَبِ بِيَدِي، يُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ وَيُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ، فَتَرَكْتُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، ثُمَّ أُثِيرُهَا بِأَتْيَاسِ أَهْلِ الْحِجَازِ ؟ ! وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: دَخْلَ رَجُلٌ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَدِينَةَ وَفِي يَدِهِ صَحِيفَةٌ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ ؟ فَقَالَ: مِنْ مُعَاوِيَةَ يَعِدُ فِيهَا وَيَتَوَعَّدُ. قَالَ: قَدْ كُنْتَ عَلَى النِّصْفِ مِنْهُ. قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنْ خَشِيتُ أَنْ يَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا، أَوْ ثَمَانُونَ أَلْفًا، أَوْ أَكْثَرُ أَوْ أَقَلُّ، كُلُّهُمْ تَنْضَحُ أَوْدَاجُهُمْ دَمًا، كُلُّهُمْ يَسْتَعْدِي اللَّهَ فِيمَ هُرِيقَ دَمُهُ ؟. مرض ووفاة الحسن بن علي وعَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فَفَرَحِ بِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا فَقَلَّ مَا بَقِيَ مِنْ أَجْلِهِ. قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثِ الْحَسَنُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ. وعَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَامَ فَدَخَلَ الْمَخْرَجَ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: لَقَدْ لَفَظْتُ طَائِفَةً مِنْ كَبِدِي أُقَلِّبُهَا بِهَذَا الْعُودِ، وَلَقَدْ سُقِيتُ السُّمَّ مِرَارًا، وَمَا سُقِيتُ مَرَّةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ. قَالَ: وَجَعَلَ يَقُولُ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: سَلْنِي قَبْلَ أَنْ لَا تَسْأَلَنِي. فَقَالَ: مَا أَسْأَلُكَ شَيْئًا، يُعَافِيكَ اللَّهُ. قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ عُدْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ أَخَذَ فِي السُّوقِ، فَجَاءَ حُسَيْنٌ حَتَّى قَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: أَيْ أَخِي، مَنْ صَاحِبُكَ ؟ قَالَ: تُرِيدُ قَتْلَهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَئِنْ كَانَ صَاحِبَيِ الَّذِي أَظُنُّ، لَلَّهُ أَشَدُّ نِقْمَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: فَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا - وَإِنْ لَمْ يَكُنْهُ مَا أُحِبُّ أَنْ تَقْتُلَ بِي بَرِيئًا. وعَنْ أُمِّ بَكْرٍ بِنْتِ الْمِسْوَرِ قَالَتْ: كَانَ الْحَسَنُ سُقِيَ مِرَارًا، كُلُّ ذَلِكَ يُفْلِتُ مِنْهُ، حَتَّى كَانَتِ الْمَرَّةُ الْآخِرَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا، فَإِنَّهُ كَانَ يَخْتَلِفُ كَبِدُهُ، فَلَمَّا مَاتَ أَقَامَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ عَلَيْهِ النَّوْحَ شَهْرًا. وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَدَّ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ سَنَةً. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ كَثِيرَ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وَكَانَ قَلَّ مَا يَحْظَيْنَ عِنْدَهُ، وَكَانَ قَلَّ امْرَأَةٌ يَتَزَوَّجُهَا إِلَّا أَحَبَّتْهُ وَصَبَتْ بِهِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ سُقِيَ، ثُمَّ أَفْلَتَ، ثُمَّ سُقِيَ فَأَفْلَتَ، ثُمَّ كَانَتِ الْآخِرَةُ تُوُفِّيَ فِيهَا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ الطَّبِيبُ وَهُوَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ: هَذَا رَجُلٌ قَدْ قَطَّعَ السُّمُّ أَمْعَاءَهُ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَخْبِرْنِي مَنْ سَقَاكَ ؟ قَالَ: وَلِمَ يَا أَخِي ؟ قَالَ: أَقْتُلُهُ وَاللَّهِ قَبْلَ أَنْ أَدْفِنَكَ، أَوْ لَا أَقْدِرَ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونُ بِأَرْضٍ أَتَكَلَّفُ الشُّخُوصَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَخِي، إِنَّمَا هَذِهِ الدُّنْيَا لَيَالٍ فَانِيَةٌ، دَعْهُ حَتَّى أَلْتَقِيَ أَنَا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ. وَأَبَى أَنْ يُسَمِّيَهُ. وَقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ مِنْ يَقُولُ: كَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ تَلَطَّفَ لِبَعْضِ خَدَمِهِ أَنْ يَسْقِيَهُ سُمًّا. وعَنْ أُمِّ مُوسَى، أَنَّ جَعْدَةَ بِنْتَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ سَقَتِ الْحَسَنَ السُّمَّ، فَاشْتَكَى مِنْهُ شَكَاةً. قَالَ: فَكَانَ يُوضَعُ تَحْتَهُ طَسْتٌ وَيُرْفَعُ آخَرُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَرَوَى بَعْضُهُمْ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بَعْثَ إِلَى جَعْدَةَ بِنْتِ الْأَشْعَثِ أَنْ سُمِّي الْحَسَنَ وَأَنَا أَتَزَوَّجُكِ بَعْدَهُ. فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بَعَثَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّا وَاللَّهِ لَمْ نَرْضَكِ لِلْحَسَنِ أَفَنَرْضَاكِ لِأَنْفُسِنَا ؟ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَعَدَمُ صِحَّتِهِ عَنْ أَبِيهِ مُعَاوِيَةَ بِطَرِيقِ الْأُولَى وَالْأَحْرَى، وَقَدْ قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ فِي ذَلِكَ: يَا جَعْدُ بَكِّيهِ وَلَا تَسْأَمِي     بُكَاءَ حَقٍّ لَيْسَ بِالْبَاطِلِ لَنْ تَسْتُرِي الْبَيْتَ عَلَى مَثَلِهِ     فِي النَّاسِ مِنْ حَافٍ وَلَا نَاعِلِ أَعْنَى الَّذِي أَسْلَمَهُ أَهْلُهُ     لِلزَّمَنِ الْمُسْتَخْرَجِ الْمَاحِلِ كَانَ إِذَا شَبَّتْ لَهُ نَارُهُ     يَرْفَعُهَا بِالنَّسَبِ الْمَاثِلِ كَيْمَا يَرَاهَا بَائِسٌ مُرْمِلٌ     أَوْ فَرْدُ قَوْمٍ لَيْسَ بِالْآهِلِ يُغْلِي بِنِيِّ اللَّحْمِ حَتَّى إِذَا     أُنْضِجَ لَمْ يَغْلُ عَلَى آكِلِ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ رَقَبَةَ بْنِ مِصْقَلَةَ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْرِجُونِي إِلَى الصَّحْنِ حَتَّى أَنْظُرَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. فَأَخْرَجُوا فِرَاشَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْتَسِبُ نَفْسِي عِنْدَكَ، فَإِنَّهَا أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عَلَيَّ. قَالَ: فَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُ أَنَّهُ احْتَسَبَ نَفْسَهُ عِنْدَهُ. وقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَجَعُ جَزِعَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا هَذَا الْجَزَعُ ؟ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ تُفَارِقَ رُوحُكَ جَسَدَكَ فَتَقْدَمَ عَلَى أَبَوَيْكَ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، وَعَلَى جَدَّيْكَ النَّبِيِّ ﷺ وَخَدِيجَةَ، وَعَلَى أَعْمَامِكَ حَمْزَةَ وَجَعْفَرٍ، وَعَلَى أَخْوَالِكَ الْقَاسِمِ وَالطَّيِّبِ وَمُطَهِّرٍ وَإِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى خَالَاتِكَ رُقَيَّةَ وَأُمِّ كُلْثُومٍ وَزَيْنَبَ. قَالَ: فَسُرِّيَ عَنْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْقَائِلَ لَهُ ذَلِكَ الْحُسَيْنُ، وَأَنَّ الْحَسَنَ قَالَ لَهُ: يَا أَخِي، إِنِّي أَدْخُلُ فِي أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَمْ أَدْخُلْ فِي مَثَلِهِ، وَأَرَى خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَرَ مَثَلَهُ قَطُّ. قَالَ: فَبَكَى الْحُسَيْنُ. ؓ. وعَنْ أَبِي عَتِيقٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: شَهِدْنَا حَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَوْمَ مَاتَ، فَكَادَتِ الْفِتْنَةُ تَقَعُ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَكَانَ الْحَسَنُ قَدْ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ قِتَالٌ أَوْ شَرٌّ فَلْيُدْفَنْ بِالْبَقِيعِ. فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يَدَعَهُ، وَمَرْوَانُ يَوْمَئِذٍ مَعْزُولٌ يُرِيدُ أَنْ يُرْضِيَ مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَزَلْ مَرْوَانُ عَدُوًّا لِبَنِي هَاشِمٍ حَتَّى مَاتَ. قَالَ جَابِرٌ: فَكَلَّمْتُ يَوْمَئِذٍ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ ; فَإِنَّ أَخَاكَ كَانَ لَا يُحِبُّ مَا تَرَى، فَادْفِنْهُ بِالْبَقِيعِ مَعَ أُمِّهِ. فَفَعَلَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْحَسَنَ بَعَثَ يَسْتَأْذِنُ عَائِشَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَذِنَتْ لَهُ، فَلَمَّا مَاتَ لَبِسَ الْحُسَيْنُ السِّلَاحَ وَتَسَلَّحَ بَنُو أُمَيَّةَ، وَقَالُوا: لَا نَدَعُهُ يُدْفَنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَيُدْفَنُ عُثْمَانُ بِالْبَقِيعِ، وَيُدْفَنُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي الْحُجْرَةِ ؟ فَلَمَّا خَافَ النَّاسُ وُقُوعَ الْفِتْنَةِ أَشَارَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ عَلَى الْحُسَيْنِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ، فَامْتَثَلَ وَدَفَنَ أَخَاهُ قَرِيبًا مِنْ قَبْرِ أُمِّهِ بِالْبَقِيعِ، ؓ. وعَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَدَّمَ يَوْمَئِذٍ سَعِيدَ بْنِ الْعَاصِ فَصَلَّى عَلَى الْحَسَنِ. وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهَا سُنَّةٌ مَا قَدَّمْتُهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُسَاوِرٌ مَوْلَى بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ قَائِمًا عَلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَاتَ الْيَوْمَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَابْكُوا. وَقَدِ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِجِنَازَتِهِ، حَتَّى مَا كَانَ الْبَقِيعُ يَسَعُ أَحَدًا مِنَ الزِّحَامِ، وَقَدْ بَكَاهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ سَبْعًا، وَاسْتَمَرَّ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ يَنُحْنَ عَلَيْهِ شَهْرًا، وَحَدَّتْ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ عَلَيْهِ سَنَةً. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُتِلَ عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمَاتَ لَهَا حَسَنٌ، وَقُتِلَ لَهَا الْحُسَيْنُ. ؓ. وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: تُوُفِّيَ سَعْدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي أَيَّامٍ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ عَشْرُ سِنِينَ. وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تُوُفِّيَ الْحَسَنُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَصَحُّ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَقَالَ آخَرُونَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ أَوْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.

  53. التاريخ 2144لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ خَمْسِينَ غَزَاةُ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَأَةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عَوْفٍ الْأَزْدِيِّ أَرْضَ الرُّومِ  . وَفِيهَا: كَانَتْ غَزَاةُ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْبَحْرَ  . وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.

  54. التاريخ 2145لا حكم مسجّل

    إِرَادَةِ مُعَاوِيَةَ نَقْلَ الْمِنْبَرِ مِنَ الْمَدِينَةِ  وَفِي سنة خمسين أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بِمِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنْ يُحْمَلَ إِلَى الشَّامِ   وَقَالَ: لَا يُتْرَكُ هُوَ وَعَصَا النَّبِيِّ ﷺ، بِالْمَدِينَةِ وَهُمْ قَتَلَةُ عُثْمَانَ، وَطَلَبَ الْعَصَا، وَهُوَ عِنْدُ سَعْدٍ الْقَرَظِ، فأراد أَنْ يَأْخُذَ الْعَصَا الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُمْسِكُهَا فِي يَدِهِ إِذَا خَطَبَ، فَيَقِفُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ مُمْسِكُهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نُذَكِّرُكَ اللَّهَ أَنَّ تَفْعَلَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ أَنَّ تُخْرِجَ الْمِنْبَرَ مِنْ مَوْضِعٍ وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّ تُخْرِجَ عَصَاهُ مِنَ الْمَدِينَةِ. فَحُوِّلَ، فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ حَتَّى رُئِيَتِ النُّجُومُ بَادِيَةً فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَمْ أُرِدْ حَمْلَهُ، إِنَّمَا خِفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرِضَ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ. ثُمَّ كَسَاهُ. رَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ. وَرُوِيَ: أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ هَمَّ بِالْمِنْبَرِ فَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ: [أُذَكِّرُكَ ] اللَّهَ أَنْ نَفْعَلَ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ حَرَّكَهُ فَكَسَفَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي إِثْمًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ "، فَتُخْرِجُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَهُوَ مَقْطَعُ الْحُقُوقِ بَيْنَهُمْ [ بِالْمَدِينَةِ ]، فَأَقْصَرَ. فَلَمَّا كَانَ الْوَلِيدُ [وَحَجَّ ] هَمَّ بِذَلِكَ. فَأَرْسَلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: كَلِّمْ صَاحِبَكَ يَتَّقِ اللَّهَ وَلَا يَتَعَرَّضْ لِسَخَطِهِ، فَكَلَّمَهُ فَأَقْصَرَ. فَلَمَّا حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخْبَرَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِمَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْوَلِيدِ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُذْكَرَ هَذَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَا عَنِ الْوَلِيدِ، مَا لَنَا وَلِهَذَا، أَخَذْنَا الدُّنْيَا فَهِيَ فِي أَيْدِينَا وَنُرِيدُ أَنْ نَعْمِدَ إِلَى عَلَمٍ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ فَنَحْمِلَهُ، هَذَا لَا يَصِحُّ.

  55. التاريخ 2146لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ إِفْرِيقِيَّةَ وَبِنَاءِ مَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ   قَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ فِي سنة خمسين من الهجرة وَلِيَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَنَّ عُقْبَةَ وَلِيَ قَبْلَهُ إِفْرِيقِيَّةَ وَبَنَى الْقَيْرَوَانَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّارِيخِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ: أَنَّ وِلَايَةَ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ إِفْرِيقِيَّةَ كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةَ وَبَنَى الْقَيْرَوَانَ، ثُمَّ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَوَلِيَهَا مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَهُمْ أَخْبَرُ بِبِلَادِهِمْ، وَأَنَا أَذْكُرُ مَا أَثْبَتُوهُ فِي كُتُبِهِمْ: قَالُوا: إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَزَلَ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ حَسْبُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ الْفِهْرِيَّ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَرْقَةَ وَزُوَيْلَةَ مُذْ فَتَحَهَا أَيَّامَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَهُ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ جِهَادٌ وَفُتُوحٌ، فَلَمَّا اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ سَيَّرَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، فَدَخَلَ إِفْرِيقِيَّةَ وَانْضَافَ إِلَيْهِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْبَرْبَرِ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَوَضَعَ السَّيْفَ فِي أَهْلِ الْبِلَادِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا دَخَلَ إِلَيْهِمْ أَمِيرٌ أَطَاعُوا وَأَظْهَرَ بَعْضُهُمُ الْإِسْلَامَ، فَإِذَا عَادَ الْأَمِيرُ عَنْهُمْ نَكَثُوا وَارْتَدَّ مَنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ رَأَى أَنْ يَتَّخِذَ مَدِينَةً يَكُونُ فِيهَا عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالُهُمْ لِيَأْمَنُوا مِنْ ثَوْرَةٍ تَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ، فَقَصَدَ مَوْضِعَ الْقَيْرَوَانِ، وَكَانَ أَجَمَةً مُشْتَبِكَةً بِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ ( مِنَ السِّبَاعِ ) وَالْحَيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَدَعَا اللَّهَ، وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ، ثُمَّ نَادَى: أَيَّتُهَا الْحَيَّاتُ وَالسِّبَاعُ إِنَّا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ارْحَلُوا عَنَّا فَإِنَّا نَازِلُونَ وَمَنْ وَجَدْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلْنَاهُ. فَنَظَرَ النَّاسُ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى الدَّوَابِّ تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا وَتَنْتَقِلُ، فَرَآهُ قَبِيلٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فَأَسْلَمُوا، وَقَطَعَ الْأَشْجَارَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبُنِيَتْ، وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، وَبَنَى النَّاسُ مَسَاجِدَهُمْ وَمَسَاكِنَهُمْ، وَكَانَ دُورُهَا ثَلَاثَةَ آلَافِ بَاعٍ وَسِتَّمِائَةِ بَاعٍ، وَتَمَّ أَمْرُهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَسَكَنَهَا النَّاسُ، وَكَانَ فِي أَثْنَاءِ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ يَغْزُو وَيُرْسِلُ السَّرَايَا، فَتُغِيرُ وَتَنْهَبُ، وَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فِي الْإِسْلَامِ، وَاتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَقَوِيَ جَنَانُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْجُنُودِ بِمَدِينَةِ الْقَيْرَوَانِ وَأَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا عَلَى الْمُقَامِ فَثَبَتَ الْإِسْلَامُ فِيهَا.

  56. التاريخ 2147لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ إِفْرِيقِيَّةَ  وَفِي سنة خمسين عُزِلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ. عَنْ مِصْرَ  وَوَلِيَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَةَ وَالْمَغْرِبَ كُلَّهُ  . فَلَمَّا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيَّ عَنْ مِصْرَ عَزَلَ عُقْبَةَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ وَجَمَعَهَا لِمَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُمِعَ لَهُ الْمَغْرِبُ مَعَ مِصْرَ، فَوَلَّى مَسْلَمَةُ إِفْرِيقِيَّةَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ أَبُو الْمُهَاجِرِ، فَقَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَسَاءَ عَزْلَ عُقْبَةَ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَسَارَ عُقْبَةُ إِلَى الشَّامِ وَعَاتَبَ مُعَاوِيَةَ عَلَى مَا فَعَلَهُ بِهِ أَبُو الْمُهَاجِرِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَوَعَدَهُ بِإِعَادَتِهِ إِلَى عَمَلِهِ، وَتَمَادَى الْأَمْرُ فَتُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ وَتَوَلَّى بَعْدَهُ ابْنُهُ يَزِيدُ، فَاسْتَعْمَلَ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ عَلَى الْبِلَادِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، فَسَارَ إِلَيْهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ وَلِيَ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَاخْتَطَّ الْقَيْرَوَانَ، وَلَمْ يَزَلْ عُقْبَةُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، فَعَزَلَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: وَاسْتَعْمِلْ أَبَا الْمُهَاجِرِ مَوْلَى الْأَنْصَارِ، فَحَبَسَ عُقْبَةَ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ مَا فُعِلَ بِعُقْبَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ وَإِرْسَالِهِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَوَصَلَ عُقْبَةُ إِلَى يَزِيدَ فَأَعَادَهُ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَقَبَضَ عَلَى أَبِي الْمُهَاجِرِ وَأَوْثَقَهُ.

  57. التاريخ 2148لا حكم مسجّل

    وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو نَائِبُ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ جَبَلَ الْأَشَلِّ  ، عَنْ أَمْرِ زِيَادٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمَ أَمْوَالًا جَمَّةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جَاءَ كِتَابَهُ أَنَّ يُصْطَفَى لَهُ كُلُّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ - يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ - يُجْمَعُ كُلُّهُ مِنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ لِبَيْتِ الْمَالِ. فَكَتَبَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو إِلَيْهِ: إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ مُقَدَّمٌ عَلَى كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَوْ كَانَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ عَلَى عَبْدٍ فَاتَّقَى اللَّهَ، لَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا. ثُمَّ نَادَى فِي النَّاسِ أَنِ اغْدُوَا عَلَى قَسْمِ غَنِيمَتِكُمْ. فَقَسَّمَهَا بَيْنَهُمْ، وَخَالَفَ زِيَادًا فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَعَزَلَ الْخُمُسَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ، ثُمَّ قَالَ الْحَكَمُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ. فَمَاتَ بِمَرْوَ مِنْ خُرَاسَانَ، ؓ.

  58. التاريخ 2149لا حكم مسجّل

    هَرَبِ الْفَرَزْدَقِ مِنْ زِيَادٍ  وَفِي سنة خمسين اسْتَعَدَتْ بَنُو نَهْشَلٍ وَفُقَيْمٍ عَلَى الْفَرَزْدَقِ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ  وَسَبَبُ ذَلِكَ قَالَ الْفَرَزْدَقُ: هَاجَيْتُ الْأَشْهَبَ بْنَ رُمَيْلَةَ وَالْبَعِيثَ فَسَقَطَا، فَاسْتَعْدَى عَلَيَّ بَنُو نَهْشَلٍ وَبَنُو فُقَيْمٍ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، وَاسْتَعْدَى عَلَيَّ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: فَلَمْ يَعْرِفْنِي زِيَادٌ حَتَّى قِيلَ لَهُ الْغُلَامُ الْأَعْرَابِيُّ الَّذِي أَنْهَبَ مَالَهُ وَثِيَابَهُ، فَعَرَفَنِي. قَالَ الْفَرَزْدَقُ: وَكَانَ أَبِي غَالِبٌ قَدْ أَرْسَلَنِي فِي جَلَبٍ لَهُ أَبِيعُهُ وَأَمْتَارُ لَهُ، فَبِعْتُ الْجَلَبَ بِالْبَصْرَةِ وَجَعَلْتُ ثَمَنَهُ فِي ثَوْبِي، فَعَرَضَ لِي رَجُلٌ فَقَالَ: لَشَدٌّ مَا تَسْتَوْثِقُ مِنْهَا، أَمَا لَوْ كَانَ مَكَانَكَ رَجُلٌ أَعْرِفُهُ مَا صَرَّ عَلَيْهَا. فَقُلْتُ: وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: غَالِبُ بْنُ صَعْصَعَةَ وَهُوَ أَبُو الْفَرَزْدَقِ. فَدَعَوْتُ أَهْلَ الْمِرْبَدِ وَنَثَرْتُهَا. فَقَالَ لِي قَائِلٌ أَلْقِ رِدَاءَكَ. فَفَعَلْتُ. فَقَالَ آخَرُ: أَلْقِ ثَوْبَكَ. فَفَعَلْتُ. وَقَالَ آخَرُ أَلْقِ عِمَامَتَكَ. فَفَعَلْتُ. فَقَالَ آخَرُ: أَلْقِ إِزَارَكُ. فَقُلْتُ: لَا أُلْقِيهِ وَأَمْشِي مُجَرَّدًا، إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ زِيَادًا فَقَالَ: هَذَا أَحْمَقٌ يُضْرِي النَّاسَ بِالنَّهْبِ، فَأَرْسَلَ خَيْلًا إِلَى الْمِرْبَدِ لِيَأْتُوهُ بِي، فَأَتَانِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ عَلَى فَرَسٍ لَهُ وَقَالَ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ ! وَأَرْدَفَنِي خَلْفَهُ، وَنَجَوْتُ، فَأَخَذَ زِيَادٌ عَمَّيْنِ لِي: ذُهَيْلًا وَالزَّحَّافَ ابْنَيْ صَعْصَعَةَ، وَكَانَا فِي الدِّيوَانِ، فَحَبَسَهُمَا أَيَّامًا ثُمَّ كُلِّمَ فِيهِمَا فَأَطْلَقَهُمَا، وَأَتَيْتُ أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي، فَحَقَدَهَا عَلَيْهِ زِيَادٌ. ثُمَّ وَفَدَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَجَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيَّانِ وَالْجَوْنُ بْنُ قَتَادَةَ الْعَبْشَمِيُّ وَالْحُتَاتُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو مُنَازِلٍ الْمُجَاشِعِيُّ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ جَائِزَةً مِائَةَ أَلْفٍ: وَأَعْطَى الْحُتَاتَ سَبْعِينَ أَلْفًا. فَلَمَّا كَانُوا فِي الطَّرِيقِ ذَكَرَ كُلٌّ مِنْهُمْ جَائِزَتَهُ، فَرَجَعَ الْحُتَاتُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا رَدَّكَ ؟ قَالَ: فَضَحْتَنِي فِي بَنِي تَمِيمٍ ! أَمَا حَسَبِي صَحِيحٌ ؟ أَوَلَسْتُ ذَا سِنٍّ ؟ أَلَسْتُ مُطَاعًا فِي عَشِيرَتِي ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا بَالُكَ خَسَسْتَ بِي دُونَ الْقَوْمِ وَأَعْطَيْتَ مَنْ كَانَ عَلَيْكَ أَكْثَرَ مِمَّنْ كَانَ لَكَ ؟ وَكَانَ حَضَرَ الْجَمَلَ مَعَ عَائِشَةَ، وَكَانَ الْأَحْنَفُ وَجَارِيَةُ يُرِيدَانِ عَلِيًّا، وَإِنْ كَانَ الْأَحْنَفُ وَالْجَوْنُ اعْتَزَلَا الْقِتَالَ مَعَ عَلِيٍّ لَكِنَّهُمَا كَانَا يُرِيدَانِهِ، قَالَ: إِنِّي اشْتَرَيْتُ مِنَ الْقَوْمِ دِينَهُمْ وَوَكَلْتُكَ إِلَى دِينِكَ وَرَأْيِكَ فِي عُثْمَانَ، وَكَانَ عُثْمَانِيًّا. فَقَالَ: وَأَنَا فَاشْتَرِ مِنِّي دِينِي. فَأَمَرَ لَهُ بِإِتْمَامِ جَائِزَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْحُتَاتُ فَحَبَسَهَا مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا: أَبُوكَ وَعَمِّي يَا مُعَاوِيَةُ أَوْرَثَا تُرَاثًا فَيَحْتَازُ التُّرَاثَ أَقَارِبُهْ     فَمَا بَالُ مِيرَاثِ الْحُتَاتِ أَخَذْتَهُ وَمِيرَاثُ صَخْرٍ جَامِدٌ لَكَ ذَائِبُهْ     فَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ فِي جَاهِلِيَّةٍ عَلِمْتَ مَنِ الْمَرْءُ الْقَلِيلُ حَلَائِبُهْ     وَلَوْ كَانَ فِي دِينٍ سِوَى ذَا شَنِئْتُمُ لَنَا حَقَّنَا أَوْ غُصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ     أَلَسْتُ أَعَزَّ النَّاسِ قَوْمًا وَأُسْرَةً وَأَمْنَعَهُمْ جَارًا إِذَا ضِيمَ جَانِبُهْ     وَمَا وَلَدَتْ بَعْدَ النَّبِيِّ وَآلِهِ كَمِثْلِي حَصَانٌ فِي الرِّجَالِ يُقَارِبُهْ     وَبَيْتِي إِلَى جَنْبِ الثُّرَيَّا فِنَاؤُهُ وَمِنْ دُونِهِ الْبَدْرُ الْمُضِيءُ كَوَاكِبُهْ     أَنَا ابْنُ الْجِبَالِ الشُّمِّ فِي عَدَدِ الْحَصَى وَعِرْقُ الثَّرَى عِرْقِي فَمَنْ ذَا يُحَاسِبُهْ ؟     وَكَمْ مِنْ أَبٍ لِي يَا مُعَاوِيَ لَمْ يَزَلْ أَغَرَّ يُبَارِي الرِّيحَ مَا ازْوَرَّ جَانِبُهْ     نَمَتْهُ فُرُوعُ الْمَالِكَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ أَبُوكَ الَّذِي مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ يُقَارِبُهْ     تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى كَرِيمًا يُلَاقِي الْمَجْدَ مَا طَرَّ شَارِبُهْ     طَوِيلُ نِجَادِ السَّيْفِ مُذْ كَانَ لَمْ يَكُنْ قُصَيٌّ وَعَبْدُ الشَّمْسِ مِمَّنْ يُخَاطِبُهْ يُرِيدُ بِالْمَالِكَيْنِ مَالِكَ بْنَ حَنْظَلَةَ وَمَالِكَ بْنَ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَهُمَا جَدَّاهُ. لِأَنَّ الْفَرَزْدَقَ بْنَ غَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ ( بْنِ نَاجِيَةَ ) بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ شِعْرُهُ رَدَّ عَلَى أَهْلِهِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَأَغْضَبَتْ أَيْضًا زِيَادًا عَلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ نَهْشَلٌ وَفُقَيْمٌ ازْدَادَ غَضَبًا فَهَرَبَ وَأَتَى عِيسَى بْنَ خُصَيْلَةَ السُّلَمِيَّ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ طَلَبَنِي وَقَدْ لَفِظَنِي النَّاسُ وَقَدْ أَتَيْتُكَ لِتُغَيِّبَنِي عِنْدَكَ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ. فَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ: ثُمَّ قَالَ لَهُ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ آتِيَ الشَّامَ، فَسَيَّرَهُ. وَبَلَغَ زِيَادًا مَسِيرُهُ فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهِ، فَلَمْ يُدْرَكْ، وَأَتَى الرَّوْحَاءَ فَنَزَلَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَأَمِنَ وَمَدَحَهُمْ بِقَصَائِدَ. ثُمَّ كَانَ زِيَادٌ إِذَا نَزَلَ الْبَصْرَةَ نَزَلَ الْفَرَزْدَقُ الْكُوفَةَ، وَإِذَا نَزَلَ الْكُوفَةَ نَزَلَ الْفَرَزْدَقُ الْبَصْرَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ زِيَادًا فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ، يَأْمُرُهُ بِطَلَبِ الْفَرَزْدَقِ، فَفَارَقَ الْكُوفَةَ نَحْوَ الْحِجَازِ، فَاسْتَجَارَ بِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَأَجَارَهُ فَمَدَحَهُ الْفَرَزْدَقُ، وَلَمْ يَزَلْ بِالْمَدِينَةِ مَرَّةً وَبِمَكَّةَ مَرَّةً حَتَّى هَلَكَ زِيَادٌ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْفَرَزْدَقَ إِنَّمَا قَالَ هَذَا الشِّعْرَ لِأَنَّ الْحُتَاتَ لَمَّا أَسْلَمَ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا مَاتَ الْحُتَاتُ بِالشَّامِ وَرِثَهُ مُعَاوِيَةُ بِتِلْكَ الْأُخُوَّةِ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ هَذَا الشِّعْرَ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يَجْهَلُ أَنَّ الْأُخُوَّةَ لَا يَرِثُ بِهَا أَحَدٌ.

  59. التاريخ 2150لا حكم مسجّل

    وفي سنة خمسين حَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ  ، وَقِيلَ: ابْنُهُ يَزِيدُ. وَكَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْمَشْرِقِ وَسِجِسْتَانَ وَفَارِسَ وَالسِّنْدِ وَالْهِنْدِ زِيَادٌ.

  60. التاريخ 2151لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ قُرَيْبٍ  وَفِيهَا خَرَجَ قُرَيْبٌ الْأَزْدِيُّ وَزَحَّافٌ الطَّائِيُّ بِالْبَصْرَةِ، وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ، وَزِيَادٌ بِالْكُوفَةِ وَسَمُرَةُ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَيَا بَنِي ضُبَيْعَةَ، وَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ شَيْخًا، وَخَرَجَ عَلَى قُرَيْبٍ وَزَحَّافٍ شَبَابٌ مِنْ بَنِي عَلِيٍّ وَبَنِي رَاسِبٍ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، وَقَتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَوْسٍ الطَّاحِيُّ قُرَيْبًا وَجَاءَ بِرَأْسِهِ: وَاشْتَدَّ زِيَادٌ فِي أَمْرِ الْخَوَارِجِ فَقَتَلَهُمْ، وَأَمَرَ سَمُرَةَ بِذَلِكَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا: وَخَطَبَ زِيَادٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَاللَّهِ لَتَكُفُّنَّنِي هَؤُلَاءِ أَوْ لَأَبْدَأَنَّ بِكُمْ ! وَاللَّهِ لَئِنْ أَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ لَا تَأْخُذُونَ الْعَامَ مِنْ عَطَائِكُمْ دِرْهَمًا ! فَثَارَ النَّاسُ بِهِمْ فَقَتَلُوهُمْ.

  61. التاريخ 2152لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   جبير بن مطعم بن عدي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ  : كَانَ أَبُوهُ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَقَدِمَ جُبَيْرٌ فِي فِدَاءِ أُسَارَى بَدْرٍ، قَالَ: فَنِمْتُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَأُقِيمَتِ الْمَغْرِبُ، فَقُمْتُ فَزِعًا بِقِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَمَعْتُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَذَاكَ أَوَّلُ يَوْمٍ دَخَلَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي. وَأَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَمَاتَ فِي وَسَطِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار جُوَيْرِيَّةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ  : سُبِيَتْ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلَقِ، فَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، فَكَاتَبَهَا، فَأَدَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَتَهَا وَتَزَوَّجَهَا. وَكَانَتْ كَثِيرَةَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ وَالذِّكْرِ. وَتُوُفِّيَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ بِنْتُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ [سَنَةً ]. حسان بن ثابت حَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ [بْنِ الْمُنْذِرِ ] بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، أَبُو الْوَلِيدِ الْأَنْصَارِيُّ  : كَانَ مِنْ فُحُولِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَضْرِبُ رَوْثَةَ أَنْفِهِ مِنْ طُولِهِ وَيَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي بِهِ مَقُولٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَاللَّهِ لَوْ وَضَعْتُهُ عَلَى شَعْرٍ لَحَلَقَهُ أَوْ عَلَى صَخْرٍ لَفَلَقَهُ. وَكَانَ يَفِدُ عَلَى مُلُوكِ غَسَّانَ، وَيَمْدَحُهُمْ. أَسْلَمَ قَدِيمًا وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَشْهَدًا، كَانَ يَجْبُنُ. عَاشَ سِتِّينَ [سَنَةً ] فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ [سَنَةً ] فِي الْإِسْلَامِ، وَوَهَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شِيرِينَ أُخْتَ مَارِيَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ لَهُ بِنْتٌ تَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ رُبَّمَا قَالَ بَيْتًا فَوَقَفَ مَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ فَقَالَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: لَا قُلْتُ شِعْرًا وَأَنْتِ حَيَّةٌ، فَقَالَتْ: لَا بَلْ أَنَا لَا أَقُولُ الشِّعْرَ وَأَنْتَ حَيٌّ. وَكَانَ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ هَجَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَابْنُ الزَّبَعْرَى، وَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَسَّانُ، وَابْنُ رَوَاحَةَ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ. وَكَانَ حَسَّانُ يَذْكُرُ عُيُوبَ الْقَوْمِ وَآثَامَهُمْ، وَكَانَ ابْنُ رَوَاحَةَ يُعَيِّرُهُمْ بِالْكُفْرِ، وَكَانَ كَعْبٌ يَذْكُرُ الْحَرْبَ وَيَقُولُ: فَعَلْنَا بِهِمْ وَفَعَلْنَا، وَيَتَهَدَّدُهُمْ، فَكَانَ أَشَدُّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَ حَسَّانَ، وَأَهْوَنُهُ قَوْلَ ابْنِ رَوَاحَةَ. فَلَمَّا أَسْلَمُوا كَانَ أَشَدُّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَ ابْنِ رَوَاحَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: مَا يَمْنَعُ الْقَوْمَ الَّذِينَ نَصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسِلَاحِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَنْ يَنْصُرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ. فَقَالَ حَسَّانُ: أَنَا لَهَا، قَالَ: كَيْفَ تَهْجُوهُمْ وَأَنَا مِنْهُمْ، قَالَ: إِنِّي أَسُلُّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ. عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَضَعَ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يُنَافِحُ عَنْهُ بِالشِّعْرِ، ثُمَّ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ". من شعر حسان بن ثابت وَقَالَ حَسَّانُ فِي فَتْحِ مَكَّةَ: فَإِمَّا تُعْرِضُوا عَنَّا اعْتَمَرْنَا وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ     وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ يُعِينُ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ     وَقَالَ اللَّهُ قَدْ يَسَّرْتُ جُنْدًا هُمُ الْأَنْصَارُ عُرْضْتُهَا اللِّقَاءُ     وَجِبْرِيلُ أَمِينُ اللَّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدُسِ لَيْسَ بِهِ كَفَاءُ     أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنِّي فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءُ يَعْنِي أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُهَاجِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ. وَلِحَسَّانَ: هَجَوْتَ مُحَمَّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ     وَعِنْدَ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ     فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي     لِعَرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ     وَبَحْرِي مَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ وعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَاشَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ مِائَةَ سَنَةٍ وَأَرْبَعَ سِنِينَ، وَعَاشَ أَبُوهُ ثَابِتٌ مِائَةَ سَنَةٍ وَأَرْبَعَ سِنِينَ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِذَا حَدَّثَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ اشْرَأَبَّ لَهَا وَثَنَى رِجْلَيْهِ عَلَى مِثْلِهَا، فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ. الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ: صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُبِضَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَوَلَّاهُ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ خُرَاسَانَ. وَتُوُفِّيَ بِخُرَاسَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ. ويُقَالُ: إِنَّهُ حُبِسَ إِلَى أَنَّ مَاتَ بِمَرْوَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. رَحِمَهُ اللَّهُ. وَيُقَالُ لَهُ: الْحَكَمُ بْنُ الْأَقْرَعِ. لَهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي النَّهْيِ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ. دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ فَضَالَةَ بْنِ زَيْدٍ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ فَضَالَةَ بْنِ زَيْدٍ  : أَسْلَمَ قَدِيمًا وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَشَهِدَ مَا بَعْدَهَا، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي فِي صُورَتِهِ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً وَحْدَهُ، وَبَعَثَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى قَيْصَرَ. وقد شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَأَقَامَ بِالْمِزَّةِ غَرْبِيَّ دِمَشْقَ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ  مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ: كَانَ اصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَقِيلَ: اشْتَرَاهَا مِنْ دِحْيَةَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ فَأَسْلَمَتْ وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا مَهْرَهَا. وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَثَرَ خُضْرَةٍ قَرِيبًا مِنْ عُنُقِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقَالَتْ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَمَرًا أَقْبَلَ مِنْ يَثْرِبَ فَوَقَعَ فِي حِجْرِي، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِزَوْجِي كِنَانَةَ، فَقَالَ: أَتُحِبِّينَ أَنْ تَكُونِي تَحْتَ هَذَا الْمَلِكِ الَّذِي يَأْتِي مِنَ الْمَدِينَةِ ؟ فَضَرَبَ وَجْهِي. فَلَمَّا رَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ خَيْبَرَ وَقَدْ طَهُرَتْ، مَالَ يُرِيدُ أَنْ يُعَرِّسَ بِهَا، فَأَبَتْ، فَلَمَّا كَانَ بِالصَّهْبَاءِ عَرَّسَ بِهَا هُنَاكَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكِ عَلَى مَا صَنَعْتِ فِي الْمَنْزِلِ الْأَوَّلِ ؟ قَالَتْ: خَشِيتُ عَلَيْكَ قُرْبَ يَهُودٍ، فَزَادَهَا ذَلِكَ عِنْدَهُ. [تُوُفِّيَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ]، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَتْ أَيَّامَ عُمَرَ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ  . وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَغَزَا خُرَاسَانَ وَفَتَحَ بِهَا فُتُوحًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ. وعن أَبُو ] مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. عَمْرُو [بْنُ أُمَيَّةَ ] بْنِ خُوَيْلِدٍ، أَبُو أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ عَمْرُو [بْنُ أُمَيَّةَ ] بْنِ خُوَيْلِدٍ، أَبُو أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ  : شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ شُجَاعًا، ثُمَّ أَسْلَمَ، فَأَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ فِي الْإِسْلَامِ بِئْرُ مَعُونَةَ، فَأَسَرَتْهُ بَنُو عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى أُمِّي نَسَمَةٌ فَأَنْتَ حُرٌّ عَنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِنْ بِئْرِ مَعُونَةَ لَقِيَ رَجُلَيْنِ [مِنْ بَنِي كِلَابٍ ]، فَقَتَلَهُمَا، وَقَدْ كَانَ لَهُمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَانٌ فَوَدَاهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُمَا الْقَتِيلَانِ اللَّذَانِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [بِسَبَبِهِمَا ] إِلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمَا فِي دِيَّتِهِمَا. [وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ وَمَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ حُرَيْشٍ الْأَنْصَارِيُّ سَرِيَّةً إِلَى مَكَّةَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَعَلِمَ بِمَكَانِهِمَا، فَطُلِبَا، فَتَوَارَيَا، وَظَفَرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ فِي تَوَارِيهِ ذَلِكَ فِي الْغَارِ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ بِعُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ، فَقَتَلَهُ ]، وَمَضَى فَأَنْزَلَ خُبَيْبًا عَنْ خَشَبَتِهِ. وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِيُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ [بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ]، وَيَحْمِلَ بَقِيَّةَ أَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْفَغْوَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَنِي بِمَالٍ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ يَقْسِمُهُ فِي قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وَذَلِكَ بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: الْتَمِسْ صَاحِبًا، قَالَ: فَجَاءَنِي عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْخُرُوجَ وَتَلْتَمِسُ صَاحِبًا، قُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَنَا لَكَ صَاحِبٌ، قَالَ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ وَجَدْتُ صَاحِبًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا وَجَدْتَ صَاحِبًا فَأْذَنِّي، فَقَالَ: مَنْ ؟ قُلْتُ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ: إِذَا هَبَطْتَ إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِ فَاحْذَرْهُ، فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ الْقَائِلُ: أَخُوكَ الْبَكْرِيُّ فَلَا تَأْمَنْهُ. قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْتُ الْأَبْوَاءَ، قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ حَاجَةً إِلَى قَوْمِي بِوَدَّانَ فَتَلَبَّثْ لِي، قَالَ: قُلْتُ رَاشِدًا، فَلَمَّا وَلَّى ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَدَدْتُ عَلَى بَعِيرِي ثُمَّ خَرَجْتُ أُوضِعُهُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالْأَضَافِرِ إِذَا هُوَ يُعَارِضُنِي فِي رَهْطٍ. قَالَ: فَأَوْضَعْتُ فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا رَآنِي قَدْ فُتُّهُ انْصَرَفُوا، وَجَاءَنِي فَقَالَ: كَانَتْ لِي إِلَى قَوْمِي حَاجَةٌ، قُلْتُ: أَجَلْ. وَمَضَيْنَا حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، فَدَفَعْتُ الْمَالَ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ. عقيل بن أبي طالب عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ   ؓ: وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ، وَكَانَ أَسَنَّ وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ طَالِبٍ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبٍ عَشْرُ سِنِينَ، ثُمَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَعْفَرٍ عَشْرُ سِنِينَ، ثُمَّ بَيْنَ جَعْفَرٍ وَبَيْنَ عَلِيٍّ عَشْرُ سِنِينَ، وَكَانَ عَلِيٌّ ؓ أَصْغَرَهُمْ سِنًّا وَأَقْدَمَهُمْ إِسْلَامًا. وَأُخْرِجَ عَقِيلٌ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مُكْرَهًا، فَشَهِدَهَا وَأُسِرَ، فَفَدَاهُ الْعَبَّاسُ. وَمَاتَ عَقِيلٌ بَعْدَ مَا عَمِيَ بَصَرُهُ [فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ]. عُتْبَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَجْلَانِ [عُتْبَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَجْلَانِ  : شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَذَهَبَ بَصَرُهُ ]. أُمُّ شُرَيْكٍ، وَاسْمُهَا غُزَيَّةُ بِنْتُ جَابِرِ بْنِ حَكِيمٍ الدَّوْسِيَّةُ أُمُّ شُرَيْكٍ، وَاسْمُهَا غُزَيَّةُ بِنْتُ جَابِرِ بْنِ حَكِيمٍ الدَّوْسِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ قَبِلَهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَبِلَهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْهَا، فَلَمْ تَتَزَوَّجْ حَتَّى مَاتَتْ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَقَعَ فِي قَلْبِ أُمِّ شُرَيْكٍ  الْإِسْلَامُ فَأَسْلَمَتْ وَهِيَ بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي الْعُكَيْرِ الدَّوْسِيِّ، ثُمَّ جَعَلَتْ تَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ سِرًّا فَتَدْعُوهُنَّ وَتُرَغِّبُهُنَّ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى ظَهَرَ أَمْرُهَا لِأَهْلِ مَكَّةَ، فَأَخَذُوهَا وَقَالُوا: لَوْلَا قَوْمُكِ لَفَعَلْنَا بِكِ وَفَعَلْنَا وَلَكِنَّا سَنَرُدُّكِ إِلَيْهِمْ. قَالَتْ: فَحَمَلُونِي عَلَى بَعِيرٍ لَيْسَ تَحْتِي شَيْءٌ، ثُمَّ تَرَكُونِي ثَلَاثًا لَا يُطْعِمُونِي وَلَا يَسْقُونِي، وَكَانُوا إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا أَوْثَقُونِي فِي الشَّمْسِ وَاسْتَظَلُّوا مِنْهَا وَحَبَسُوا عَنِّي الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَبَيْنَمَا هُمْ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلًا وَأَوْثَقُونِي فِي الشَّمْسِ إِذَا أَنَا بِأَبْرَدِ شَيْءٍ عَلَى صَدْرِي فَتَنَاوَلْتُهُ فَإِذَا هُوَ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبْتُ مِنْهُ قَلِيلًا ثُمَّ نُزِعَ عَنِّي ثُمَّ عَادَ فَتَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ رُفِعَ، ثُمَّ عَادَ فَتَنَاوَلْتُهُ ثُمَّ رُفِعَ مِرَارًا ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ ثُمَّ أَفْضَيْتُ سَائِرَهُ عَلَى جَسَدِي وَثِيَابِي، فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا إِذَا هُمْ بِأَثَرِ الْمَاءِ وَرَأَوْنِي حَسَنَةَ الْهَيْئَةِ، فَقَالُوا لِي: انْحَلَلْتِ فَأَخَذْتِ سِقَاءَنَا فَشَرِبْتِ مِنْهُ، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ وَلَكِنَّهُ كَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا، قَالُوا: إِنْ كُنْتِ صَادِقَةً لَدِينُكِ خَيْرٌ مِنْ دِينِنَا، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَى أَسْقِيَتِهِمْ وَجَدُوهَا كَمَا تَرَكُوهَا، فَأَسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ مَهْرٍ، فَقَبِلَهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا. الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ مَسْعُودِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  : كَانَ أَصْهَبَ الشَّعْرِ جَعْدًا، أَقْلَصَ الشَّفَتَيْنِ، ضَخْمَ الْهَامَةِ، أَهْتَمَ، عَبْلَ الذِّرَاعَيْنِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ. قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: كُنَّا قَوْمًا مِنَ الْعَرَبِ مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِنَا، وَنَحْنُ سَدَنَةُ اللَّاتَ، فَأَجْمَعَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي مَالِكٍ الْوُفُودَ عَلَى الْمُقَوْقِسِ وَأَهْدَوْا لَهُ هَدَايَا، فَأَجْمَعْنَا الْخُرُوجَ مَعَهُمْ فَاسْتَشَرْتُ عَمِّي عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ فَنَهَانِي وَقَالَ: لَيْسَ مَعَكَ مِنْ بَنِي أَبِيكَ أَحَدٌ، فَأَبَيْتُ إِلَّا الْخُرُوجَ مَعَهُمْ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْأَحْلَافِ غَيْرِي حَتَّى دَخَلْنَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، فَإِذَا الْمُقَوْقِسُ فِي مَجْلِسٍ مُطِلٍّ عَلَى الْبَحْرِ، فَرَكِبْتُ زَوْرَقًا حَتَّى حَاذَيْتُ مَجْلِسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَأَنْكَرَنِي وَأَمَرَ مَنْ يَسْأَلُنِي مَنْ أَنَا وَمَا أُرِيدُ فَسَأَلَنِي الْمَأْمُورُ فَأَخْبَرْتُهُ بِأَمْرِنَا وَقُدُومِنَا عَلَيْهِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَنْزِلَ فِي الْكَنِيسَةِ، وَأَجْرَى عَلَيْنَا ضِيَافَةً ثُمَّ دَعَانَا فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَى رَأْسِ بَنِي مَالِكٍ، فَأْدَنَاهُ إِلَيْهِ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ: أَكُلُّ الْقَوْمِ مِنْ بَنِي مَالِكٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مِنَ الْأَحْلَافِ فَعَرَّفَهُ إِيَّايَ، فَكُنْتُ أَهْوَنَ الْقَوْمِ عَلَيْهِ، وَوَضَعُوا هَدَايَاهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسُرَّ بِهَا وَأَمَرَ بِقَبْضِهَا، وَأَمَرَ لَهُمْ بِجَوَائِزَ وَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَصَّرَ بِي وَأَعْطَانِي شَيْئًا قَلِيلًا لَا ذِكْرَ لَهُ، وَخَرَجْنَا وَأَقْبَلَتْ بَنُو مَالِكٍ يَشْتَرُونَ لِأَهْلِيهِمْ وَهُمْ مَسْرُورُونَ، وَلَمْ يَعْرِضْ عَلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ مُوَاسَاةً، وَخَرَجُوا وَحَمَلُوا مَعَهُمُ الْخَمْرَ، فَكَانُوا يَشْرَبُونَ وَأَشْرَبُ مَعَهُمْ. وَتَأْبَى نَفْسِي أَنْ يَنْصَرِفُوا إِلَى الطَّائِفِ بِمَا أَصَابُوا وَمَا حَبَاهُمُ [الْمَلِكُ ]، وَيُخْبِرُونَ قَوْمِي بِتَقْصِيرِهِ بِي وَازْدِرَائِهِ إِيَّايَ، فَأَجْمَعْتُ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَلَمَّا كُنَّا بِبُسَاقَ تَمَارَضْتُ وَعَصَبْتُ رَأْسِي، فَقَالُوا لِي: مَا لَكَ ؟ قُلْتُ: أُصْدَعُ، فَوَضَعُوا شَرَابَهُمْ وَدَعَوْنِي، فَقُلْتُ رَأْسِي يُصْدَعُ، وَلَكِنِّي أَجْلِسُ فَأَسْقِيكُمْ، فَلَمْ يُنْكِرُوا شَيْئًا، فَجَعَلْتُ أَسْقِيهِمْ وَأَشْرَبُ الْقَدَحَ بَعْدَ الْقَدَحِ، فَلَمَّا دَبَّتِ الْكَأْسُ فِيهِمُ اشْتَهْوُا الشَّرَابَ، فَجَعَلْتُ أَصْرِفُ لَهُمْ وَأَتْرَعُ الْكَأْسَ فَيَشْرَبُونَ وَلَا يَدْرُونَ، فَأَهْمَدَتْهُمُ الْكَأْسُ حَتَّى نَامُوا مَا يَعْقِلُونَ، فَوَثَبْتُ إِلَيْهِمْ فَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا وَأَخَذْتُ جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، فَقَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَجِدُهُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيَّ ثِيَابُ سَفَرِي، فَسَلَّمْتُ بِسَلَامِ الْإِسْلَامِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ - وَكَانَ بِي عَارِفًا - فَقَالَ: ابْنُ أَخِي عُرْوَةَ، قُلْتُ: نَعَمْ، جِئْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ لِلْإِسْلَامِ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمِنْ مِصْرَ أَقْبَلْتُمْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فَعَلَ الْمَالِكِيُّونَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَكَ ؟ قُلْتُ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْعَرَبِ وَنَحْنُ عَلَى دِينِ الشِّرْكِ فَقَتَلْتُهُمْ وَأَخَذْتُ أَسْلَابَهُمْ، وَجِئْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُخَمِّسَهَا أَوْ يَرَى فِيهَا رَأْيَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ غَنِيمَةٌ مِنْ مُشْرِكِينَ وَأَنَا مُسْلِمٌ مُصَدِّقٌ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَّا إِسْلَامُكَ فَنَقْبَلُهُ وَلَا آخُذُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا وَلَا أُخَمِّسُهُ لِأَنَّ هَذَا غَدْرٌ، وَالْغَدْرُ لَا خَيْرَ فِيهِ ". قَالَ: فَأَخَذَنِي مَا قَرُبَ وَمَا بَعُدَ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَتَلْتُهُمْ وَأَنَا عَلَى دِينِ قَوْمِي ثُمَّ أَسْلَمْتُ حَيْثُ دَخَلْتُ عَلَيْكَ السَّاعَةَ قَالَ: فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. قَالَ: وَكَانَ قَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ إِنْسَانًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ثَقِيفًا فَتَدَاعَوْا لِلْقِتَالِ ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَحْمِلَ عَنِّي عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ دِيَةً. قَالَ الْمُغِيرَةُ: وَأَقَمْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ - وَكَانَتْ أَوَّلَ سَفْرَةٍ خَرَجْتُ مَعَهُ فِيهَا، وَكُنْتُ أَكُونُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَلْزَمُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَنْ يَلْزَمُهُ. وَبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، فَأَتَاهُ فَكَلَّمَهُ وَجَعَلَ يَمَسُّ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَائِمٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُقَنَّعٌ فِي الْحَدِيدِ. فَقَالَ لِعُرْوَةَ وَهُوَ يَمَسُّ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كُفَّ يَدَكَ قَبْلَ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَيْكَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ، مَا أَفَظَّهُ وَأَغْلَظَهُ ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُ أَخِيكَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا غُدَرُ مَا غَسَلْتَ عَنِّي سَوْأَتَكَ بِالْأَمْسِ. وَانْصَرَفَ عُرْوَةُ إِلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا كَلَّمَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَشَهِدَ الْمُغِيرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يَحْمِلُ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، ثُمَّ شَهِدَ الْيَمَامَةَ، ثُمَّ شَهِدَ فُتُوحَ الشَّامِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَأُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ، وَكَانَ رَسُولُ سَعْدٍ إِلَى رُسْتُمَ، وَوَلِيَ لِعُمَرَ فُتُوحًا وَوَلِيَ لَهُ الْبَصْرَةَ نَحْوًا مِنْ سَنَتَيْنِ، فَفَتَحَ بِيسَانَ وَغَيْرَهَا، وَفَتَحَ سُوقَ الْأَهْوَازِ، وَغَزَا نَهْرَ تِيرِي، وَفَتَحَ هَمَدَانَ وَشَهِدَ نَهَاوَنْدَ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ كَتَبَ: إِنْ هَلَكَ النُّعْمَانُ فَالْأَمِيرُ حُذَيْفَةُ، وَإِنْ هَلَكَ حُذَيْفَةُ فَالْأَمِيرُ الْمُغِيرَةُ. وَكَانَ الْمُغِيرَةُ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَ دِيوَانَ الْبَصْرَةِ  وَجَمَعَ النَّاسَ لِيُعْطُوا عَلَيْهِ، وَوَلِيَ الْكُوفَةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقُتِلَ عُمَرُ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ وَلِيَهَا بَعْدَ ذَلِكَ لِمُعَاوِيَةَ، فَابْتَنَى بِهَا دَارًا وَمَاتَ بِهَا وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا. وعَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ الْمُغِيرَةَ أَحْصَنَ مِائَةَ امْرَأَةٍ مَا بَيْنَ قُرَشِيَّةٍ وَثَقَفِيَّةٍ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: تُوُفِّيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً. فِي شَعْبَانَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ: كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ ( سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ ) وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: ( ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ ). وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِدْلَاجُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ. وفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ  ، فِي قَوْلٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ. وَأَمَّا كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ شَاعِرُ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " فِي سِيَاقِ تَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ كَانَ أَحَدَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِنْ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ وَغَلِطَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ. فَإِنَّ الْوَاقِدِيَّ - وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ - قَالَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. ؓ.

  62. التاريخ 2153لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ كان مَشْتَى فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَغَزَاةُ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَأَةَ الصَّائِفَةَ  .

  63. التاريخ 2154لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ الرَّبِيعِ عَلَى خُرَاسَانَ  وَفِي سنة إحدى وخمسين وَجَّهَ زِيَادٌ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ إِلَى خُرَاسَانَ أَمِيرًا  بَعْدَ مَوْتِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ وَكَانَ الْحَكَمُ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ أَنَسَ بْنَ أَبِي إِيَاسٍ فَعَزَلَهُ زِيَادٌ وَوَلَّى خُلَيْدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيَّ أَشْهُرًا ثُمَّ عَزَلَهُ، وَوَلَّى خُرَاسَانَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ فِي أَوَّلِ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ فَنَقَلَ النَّاسُ عِيَالَاتِهِمْ إِلَى خُرَاسَانَ فَوَطَنُوهَا، ثُمَّ غَزَا الرَّبِيعُ حِينَ قَدِمَ إِلَى خُرَاسَانَ فَفَتَحَ بَلْخَ صُلْحًا، وَفَتَحَ قَهَسْتَانَ عَنْوَةً، وَكَانَتْ بِنَاحِيَتِهِمْ أَتْرَاكٌ فَقَتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَكَانَ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْهُمْ نَيْزَكُ طَرْخَانُ فَقَتَلَهُ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي وِلَايَتِهِ. وَكَانَ الرَّبِيعُ قَدْ قَطَعَ النَّهْرَ فَغَنِمَ وَسَلِمَ، وَكَانَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو قَطَعَ النَّهْرَ قَبْلَهُ فِي وِلَايَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَفْتَحْ.

  64. التاريخ 2155لا حكم مسجّل

    وحَجَّ بِالنَّاسِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ زِيَادٌ وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عَمِيرَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ.

  65. التاريخ 2156لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   جَعْفَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ  : قَدِمَ مَعَ أَبِيهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَسْلَمَا، وَغَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ. جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ  ، وَقِيلَ: جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ مَالِكٍ، يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو، وَقِيلَ: أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ فَأَسْلَمَ، وَقَالَ: لَمَّا دَنَوْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنَخْتُ رَاحِلَتِي ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي وَلَبِسْتُ حُلِيٍّ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحُدُقِ فَقُلْتُ لِجَلِيسِي: هَلْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَمْرِي شَيْئًا ؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَكَ فَأَحْسَنَ الذِّكْرَ بَيْنَنَا، وَهُوَ يَخْطُبُ قَالَ: "سَيَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْفَجِّ - أَوْ مِنْ هَذَا الْبَابِ - الْآنَ مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، عَلَى وَجْهِهِ مِسْحَةُ مَلِكٍ "، فَحَمِدْتُ اللَّهَ عَلَى مَا أَبْلَانِي. وَلَمَّا جَاءَ جَرِيرٌ يُبَايِعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَسَطَ لَهُ ثَوْبًا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: "إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ ". وَكَانَ جَرِيرٌ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ. وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى هَدْمِ ذِي الْخَلَصَةِ، وَهُوَ بَيْتٌ لِخَثْعَمٍ كَانَ يُسَمَّى الْكَعْبَةَ الْيَمَانِيَةَ، فَأَضْرَمَهُ بِالنَّارِ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ فِي بَيْتٍ وَمَعَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَوَجَدَ رِيحًا، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَى صَاحِبِ هَذِهِ الرِّيحِ لَمَا قَامَ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ يَتَوَضَّأُ الْقَوْمُ جَمِيعًا، فَقَالَ عُمَرُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، نِعْمَ السَّيِّدُ كُنْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَنِعْمَ السَّيِّدُ أَنْتَ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ وَالنَّاسُ يَتَحَامَوْنَ الْعِرَاقَ، وَقِتَالَ الْأَعَاجِمِ: سِرْ بِقَوْمِكَ فَمَا غَلَبْتَ عَلَيْهِ فَلَكَ رُبْعُهُ، فَلَمَّا جُمِعَتِ الْغَنَائِمُ - غَنَائِمُ جَلُولَاءَ - ادَّعَى جَرِيرٌ أَنَّ لَهُ رُبُعَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: صَدَقَ جَرِيرٌ وَقَدْ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ قَاتَلَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى جُعْلٍ فَاعْطُوهُ جُعْلَهُ، وَأَنْ يَكُونَ قَاتَلَ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ وَحَسَبِهِ فَهُوَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا قَدِمَ الْكِتَابُ عَلَى سَعْدٍ أَخْبَرَ جَرِيرًا بِذَلِكَ، فَقَالَ جَرِيرٌ: صَدَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، بَلْ أَنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: شَهِدَ جَرِيرٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَدَائِنِ، فَلَمَّا مُصِّرَتِ الْكُوفَةُ نَزَلَهَا، فَمَكَثَ بِهَا إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ بَدَتِ الْفِتْنَةُ فَانْتَقَلَ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَسَكَنَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ وَدُفِنَ بِهَا. وعن خَلِيفَةُ، قَالَ: نَزَلَ جَرِيرٌ قَرْقِيسِيَا فَمَاتَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ نَفْعٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ نَفْعٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ  : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. عن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ حَارِثَةُ. رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ حِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، مَرَّ بِنَا فِي صُورَةِ دِحْيَةَ، وَحِينَ رَجَعْنَا مِنْ خَيْبَرَ مَرَرْتُ وَهُوَ يُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أُسَلِّمْ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: حَارِثَةُ، قَالَ: لَوْ سَلَّمَ لَرَدَدْنَا عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ لِحَارِثَةَ مِنَازِلُ قُرْبَ مَنَازِلِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَحْدَثَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلًا تَحَوَّلَ عَنْ مَنْزِلٍ بَعْدَ مَنْزِلٍ حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ حَارِثَةَ مِمَّا يَتَحَوَّلُ لَنَا عَنْ مَنَازِلِهِ". وعن مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ. أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ كَانَ قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَجَعَلَ خَيْطًا مِنْ مُصَلَّاهُ إِلَى بَابِ حُجْرَتِهِ، وَوَضَعَ عِنْدَهُ مَكْتَلًا فِيهِ تَمْرٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَكَانَ إِذَا سَأَلَ الْمِسْكِينُ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ ثُمَّ أَخَذَ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْطِ حَتَّى يَأْخُذَ إِلَى بَابِ الْحُجْرَةِ فَيُنَاوِلَهُ الْمِسْكِينَ، فَكَانَ أَهْلُهُ يَقُولُونَ: نَحْنُ نَكْفِيكَ، فَيَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مُنَاوَلَةَ الْمِسْكِينِ تَقِي مِيتَةَ السُّوءِ ". حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ وَفِيهَا: مَقْتَلُ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ  . وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْأَكْرَمِينِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مَرْتَعِ بْنِ كِنْدِيٍّ الْكُوفِيُّ. وَيُقَالُ لَهُ: حُجْرُ الْخَيْرِ. وَيُقَالُ لَهُ: حُجْرُ بْنُ الْأَدْبَرِ. لِأَنَّ أَبَاهُ عَدِيٍّا طُعِنَ مُولِّيًا فَسُمِّيَ الْأَدْبَرَ، وَيُكَنَّى حُجْرٌ بِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ مِنْ كِنْدَةَ مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَمِعَ عَلِيًّا وَعَمَّارًا وَشَرَاحِيلَ بْنَ مُرَّةَ. وَيُقَالُ: شُرَحْبِيلُ بْنُ مُرَّةَ. وَرَوَى عَنْهُ أَبُو لَيْلَى مَوْلَاهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَابِسٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ. وَغَزَا الشَّامَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ افْتَتَحُوا عَذْرَاءَ وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ أَمِيرًا، وَقُتِلَ بِعَذْرَاءَ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ. وَمَسْجِدُ قَبْرِهِ بِهَا مَعْرُوفٌ. ثُمَّ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِأَسَانِيدِهِ إِلَى حُجْرٍ، فَذَكَرَ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ لَهُ وِفَادَةً، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: وَكَانَ ثِقَةً مَعْرُوفًا، وَلَمْ يَرْوِ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: بَلْ قَدْ رَوَى عَنْ عَمَّارٍ وَشُرَاحِيلَ بْنِ مُرَّةَ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ: أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يُصَحِّحُونَ لَهُ صُحْبَةً، شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ، وَافْتَتَحَ مَرْجَ عَذْرَاءَ، وَشَهِدَ الْجَمَلَ وَصِفِّينِ، وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ حُجْرُ الْخَيْرِ، وَهُوَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ هَذَا، وَحُجْرُ الشَّرِّ، وَهُوَ حُجْرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُرَّةَ. وَقَالَ الْمَرْزُبَانِيُّ: قَدْ رَوَى أَنَّ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَخِيهِ هَانِئِ بْنِ عَدِيٍّ. وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ عُبَّادِ النَّاسِ وَزُهَّادِهِمْ، وَكَانَ بَارًّا بِأُمِّهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: مَا أَحْدَثَ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأَ، وَلَا تَوَضَّأَ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. هَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ. سبب قتل حجر بن عدي وَسَبَبُ قتله: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا وَلَّى الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ الْكُوفَةَ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُوصِيَكَ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَأَنَا تَارِكُهَا اعْتِمَادًا عَلَى بَصَرِكَ بِمَا يُرْضِينِي وَيُسَدِّدُ سُلْطَانِي، فَأَقَامَ الْمُغِيرَةُ عَلَى الْكُوفَةِ عَامِلًا لِمُعَاوِيَةَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا وَهُوَ حَسَنُ السِّيرَةِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَدْعُ الدُّعَاءَ لِعُثْمَانَ وَالْوَقِيعَةَ فِي عَلِيٍّ ؓ، وَكَانَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ قَالَ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ تَعِيبُونَ لَأَحَقُّ بِالْفَضْلِ وَأَنَّ مَنْ تُزَكُّونَ لَأَوْلَى بِالذَّمِّ، فَيَقُولُ لَهُ الْمُغِيرَةُ: وَيْحَكَ اتَّقِ غَضَبَ السُّلْطَانِ وَسَطْوَتَهُ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ يَوْمًا فَأَثْنَى عَلَى عُثْمَانَ، فَصَاحَ بِهِ حُجْرٌ: إِنَّكَ قَدْ حَبَسْتَ أَرْزَاقَنَا وَأَصْبَحْتَ مُولَعًا بِتَقْرِيظِ الْمُجْرِمِينَ، وَقَامَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثِينَ يَقُولُونَ: صَدَقَ حُجْرٌ، فَمُرْ لَنَا بِأُعْطِيَّاتِنَا، فَنَزَلَ الْمُغِيرَةُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ فَقَالُوا: عَلَامَ تَتْرُكُ هَذَا الرَّجُلَ يَجْتَرِئُ فِي سُلْطَانِكَ، وَلَوْ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَسْخَطَ لَهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُغِيرَةُ: إِنِّي قَدْ قَتَلْتُهُ، إِنَّهُ سَيَأْتِي أَمِيرٌ بَعْدِي فَيَحْسَبُهُ مِثْلِي فَيَصْنَعُ بِهِ شَبِيهًا بِمَا تَرَوْنَهُ يَصْنَعُ بِي، فَيَأْخُذُهُ عِنْدَ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَيَقْتُلُهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، إِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلِي، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَبْتَدِئَ أَهْلَ هَذَا الْمِصْرِ بِقَتْلِ خِيَارِهِمْ، فَيَسْعَدُوا بِذَلِكَ وَأَشْقَى، وَيَعِزُّ فِي الدُّنْيَا مُعَاوِيَةُ وَيَذِلُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُغِيرَةُ، وَلَكِنِّي قَابِلٌ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَعَافٍ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَوَاعِظٌ شَقِيَّهُمْ حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمُ الْمَوْتُ، وَسَيَذْكُرُونِي، وَلَوْ قَدْ جَرَّبُوا الْعُمَّالَ بَعْدِي. ثُمَّ تُوُفِّيَ الْمُغِيرَةُ وَوَلِيَ زِيَادٌ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ عِنْدَ قُدُومِهِ ثُمَّ تَرَحَّمَ عَلَى عُثْمَانَ وَأَثْنَى عَلَى أَصْحَابِهِ وَلَعَنَ قَاتِلِيهِ. فَقَامَ حُجْرٌ فَفَعَلَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بِالْمُغِيرَةِ. وَرَجَعَ زِيَادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، فَبَلَغَهُ أَنَّ حُجْرًا يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ شِيعَةُ عَلِيٍّ وَيُظْهِرُونَ لَعْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُ وَأَنَّهُمْ حَصَبُوا عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، فَشَخَصَ زِيَادٌ إِلَى الْكُوفَةِ حَتَّى دَخَلَهَا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَحُجْرٌ جَالِسٌ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ غَبَّ الْبَغْيِ وَالْغَيِّ وَخِيَمٌ، إِنَّ هَؤُلَاءِ جَمُّوا فَأَشِرُوا، وَأَمِنُونِي فَاجْتَرَءُوا عَلَى اللَّهِ، لَئِنْ لَمْ تَسْتَقِيمُوا لَأُدَاوِيَنَّكُمْ بِدَوَائِكُمْ، وَلَسْتُ بِشَيْءٍ إِنْ لَمْ أَمْنَعِ الْكُوفَةَ مِنْ حُجْرٍ، وَأَدَعْهُ نَكَالًا لِمَنْ بَعْدَهُ، وَيْلُ أُمِّكَ يَا حُجْرُ، سَقَطَ الْعَشَاءُ بِكَ عَلَى سِرْحَانٍ. وَأَرْسَلَ إِلَى حُجْرٍ يَدْعُوهُ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَتَاهُ رَسُولُ زِيَادٍ يَدْعُوهُ قَالَ أَصْحَابُهُ: لَا تَأْتِهِ وَلَا كَرَامَةَ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَ زِيَادًا، فَأَمَرَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ، وَهُوَ شَدَّادُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْهِلَالِيُّ، أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ جَمَاعَةً فَفَعَلَ، فَسَبَّهُمْ أَصْحَابُ حُجْرٍ، فَرَجَعُوا وَأَخْبَرُوا زِيَادًا، فَجَمَعَ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَقَالَ: تَشُجُّونَ بِيَدٍ وَتَأْسَوْنَ بِأُخْرَى ! أَبْدَانُكُمْ مَعِي وَقُلُوبُكُمْ مَعَ حُجْرٍ الْأَحْمَقِ ! هَذَا وَاللَّهِ مِنْ دَحْسِكُمْ ! وَاللَّهِ لَيُظْهِرَنَّ لِي بَرَاءَتَكُمْ أَوْ لَآتِيَنَّكُمْ بِقَوْمٍ أُقِيمُ بِهِمْ أَوَدَكُمْ وَصَعَرَكُمْ ! فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لَنَا رَأْيٌ إِلَّا طَاعَتَكَ وَمَا فِيهِ رِضَاكَ، قَالَ: فَلْيَقُمْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ فَلْيَدْعُ مَنْ عِنْدَ حُجْرٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَأَهْلِهِ. فَفَعَلُوا وَأَقَامُوا أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ عَنْهُ. وَقَالَ زِيَادٌ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْطَلِقْ إِلَى حُجْرٍ فَإِنْ تَبِعَكَ فَأْتِنِي بِهِ وَإِلَّا فَشُدُّوا عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ حَتَّى تَأْتُونِي بِهِ. فَأَتَاهُ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ يَدْعُوهُ، فَمَنَعَهُ أَصْحَابُهُ مِنْ إِجَابَتِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ أَبُو الْعَمَرَّطَةِ الْكِنْدِيُّ لِحُجْرٍ: إِنَّهُ لَيْسَ مَعَكَ مَنْ مَعَهُ سَيْفٌ غَيْرِي وَمَا يُغْنِي عَنْكَ سَيْفِي، قُمْ فَالْحَقْ بِأَهْلِكَ يَمْنَعُكَ قَوْمُكَ: وَزِيَادٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَغَشِيَهُمْ أَصْحَابُ زِيَادٍ، وَضَرَبَ رَجُلٌ مِنَ الْحَمْرَاءِ رَأْسَ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ بِعَمُودِهِ فَوَقَعَ، وَحَمَلَهُ أَصْحَابُهُ إِلَى الْأَزْدِ فَاخْتَفَى عِنْدَهُمْ حَتَّى خَرَجَ، وَانْحَازَ أَصْحَابُ حُجْرٍ إِلَى أَبْوَابِ كِنْدَةَ، وَضَرَبَ بَعْضُ الشُّرْطَةِ يَدَ عَائِذِ بْنِ حَمْلَةَ التَّمِيمِيِّ وَكَسَرَ نَابَهُ وَأَخَذَ عَمُودًا مِنْ بَعْضِ الشُّرَطِ فَقَاتَلَ بِهِ وَحَمَى حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ أَبْوَابِ كِنْدَةَ، وَأَتَى حُجْرٌ بَغْلَتَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَمَرَّطَةِ: ارْكَبْ فَقَدْ قَتَلْتَنَا وَنَفْسَكَ. وَحَمَلَهُ حَتَّى أَرْكَبَهُ، وَرَكِبَ أَبُو الْعَمَرَّطَةِ فَرَسَهُ، وَلَحِقَهُ يَزِيدُ بْنُ طَرِيفٍ الْمُسْلِيُّ فَضَرَبَ أَبَا الْعَمَرَّطَةِ عَلَى فَخِذِهِ بِالْعَمُودِ، وَأَخَذَ أَبُو الْعَمَرَّطَةِ سَيْفَهُ فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ فَسَقَطَ، ثُمَّ بَرَأَ، وَلَهُ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ السَّلُولِيُّ: أَلُؤَمُ ابْنَ لُؤْمٍ مَا عَدَا بِكَ حَاسِرًا إِلَى بَطَلٍ ذِي جُرْأَةٍ وَشَكِيمِ     مُعَاوَدِ ضَرْبِ الدَّارِعِينَ بِسَيْفِهِ عَلَى الْهَامِ عِنْدَ الرَّوْعِ غَيْرَ لَئِيمِ     إِلَى فَارِسِ الْغَارَيْنِ يَوْمَ تَلَاقَيَا بِصِفِّينَ قَرْمٍ خَيْرُ نَجْلِ قُرُومِ     حَسِبْتَ ابْنَ بَرْصَاءَ الْحِتَارِ قِتَالَهُ قِتَالَكَ زَيْدًا يَوْمَ دَارِ حَكِيمِ وَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ أَوَّلَ سَيْفٍ ضُرِبَ بِهِ فِي الْكُوفَةِ فِي اخْتِلَافٍ بَيْنَ النَّاسِ. وَمَضَى حُجْرٌ وَأَبُو الْعَمَرَّطَةِ إِلَى دَارِ حُجْرٍ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا نَاسٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ كِنْدَةَ كَثِيرُ أَحَدٍ: فَأَرْسَلَ زِيَادٌ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، مَذْحِجًا وَهَمْدَانَ إِلَى جَبَّانَةِ كِنْدَةَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوهُ بِحُجْرٍ، وَأَرْسَلَ سَائِرَ أَهْلِ الْيَمَنِ إِلَى جَبَّانَةِ الصَّائِدِينَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْضُوا إِلَى صَاحِبِهِمْ حُجْرٍ فَيَأْتُوهُ بِهِ، فَفَعَلُوا، فَدَخَلَ مَذْحِجٌ وَهَمْدَانُ إِلَى جَبَّانَةِ كِنْدَةَ فَأَخَذُوا كُلَّ مَنْ وَجَدُوا، فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ زِيَادٌ. فَلَمَّا رَأَى حُجْرٌ قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ أَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ وَقَالَ لَهُمْ: لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِمَنْ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْكُمْ وَمَا أُحِبُّ أَنْ تَهْلِكُوا. فَخَرَجُوا، فَأَدْرَكَهُمْ مَذْحِجٌ وَهَمْدَانُ فَقَاتَلُوهُمْ وَأَسَرُوا قَيْسَ بْنَ يَزِيدَ وَنَجَا الْبَاقُونَ، فَأَخَذَ حُجْرٌ طَرِيقًا إِلَى بَنِي حُوتٍ فَدَخَلَ دَارَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمُ بْنُ يَزِيدَ، وَأَدْرَكَهُ الطَّلَبُ فَأَخَذَ سُلَيْمٌ سَيْفَهُ لِيُقَاتِلَ، فَبَكَتْ بَنَاتُهُ، فَقَالَ حُجْرٌ: بِئْسَ مَا أَدْخَلْتُ عَلَى بَنَاتِكَ إِذًا ! قَالَ: وَاللَّهِ لَا تُؤْخَذُ مِنْ دَارِي أَسِيرًا وَلَا قَتِيلًا وَأَنَا حَيٌّ: فَخَرَجَ حُجْرٌ مِنْ خَوْخَةٍ فِي دَارِهِ فَأَتَى النَّخَعَ فَنَزَلَ دَارَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ أَخِي الْأَشْتَرِ، فَأَحْسَنَ لِقَاءَهُ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ إِذْ قِيلَ لَهُ: إِنَّ الشُّرَطَ تَسْأَلُ عَنْكَ فِي النَّخَعِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَمَةً سَوْدَاءَ لَقِيَتْهُمْ فَقَالَتْ: مَنْ تَطْلُبُونَ ؟ فَقَالُوا: حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ. فَقَالَتْ: هُوَ فِي النَّخَعِ. فَخَرَجَ حُجْرٌ مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَى الْأَزْدَ فَاخْتَفَى عِنْدَ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِدٍ. فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ طَلَبُهُ دَعَا زِيَادٌ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَتَأْتِيَنِّي بِهِ أَوْ لَأَقْطَعَنَّ كُلَّ نَخْلَةٍ لَكَ وَأَهْدِمُ دُورَكَ ثُمَّ لَا تَسْلَمُ مِنِّي حَتَّى أُقَطِّعَكَ إِرَبًا إِرَبًا. فَاسْتَمْهَلَهُ، فَأَمْهَلَهُ ثَلَاثًا وَأَحْضَرَ قَيْسَ بْنَ يَزِيدَ أَسِيرًا، فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، قَدْ عَرَفْتُ رَأْيَكَ فِي عُثْمَانَ وَبَلَاءَكَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ وَأَنَّكَ إِنَّمَا قَاتَلْتَ مَعَ حُجْرٍ حَمِيَّةً وَقَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ وَلَكِنِ ائْتِنِي بِأَخِيكَ عُمَيْرٍ. فَاسْتَأْمَنَ لَهُ مِنْهُ عَلَى مَالِهِ وَدَمِهِ، فَأَمَّنَهُ، فَأَتَاهُ بِهِ وَهُوَ جَرِيحٌ فَأَثْقَلَهُ حَدِيدًا، وَأَمَرَ الرِّجَالَ أَنْ يَرْفَعُوهُ وَيُلْقُوهُ، فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ مِرَارًا، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ يَزِيدَ لِزِيَادٍ: أَلَمْ تُؤَمِّنْهُ ؟ قَالَ: بَلَى قَدْ أَمَّنْتُهُ عَلَى دَمِهِ وَلَسْتُ أُهَرِيقُ لَهُ دَمًا. ثُمَّ ضَمَّنَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَمَكَثَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ فِي بَيْتِ رَبِيعَةَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ يَقُولُ لَهُ لِيَأْخُذْ لَهُ مِنْ زِيَادٍ أَمَانًا حَتَّى يَبْعَثَ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ. فَجَمَعَ مُحَمَّدٌ جَمَاعَةً، مِنْهُمْ: جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَحُجْرُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَخُو الْأَشْتَرِ، فَدَخَلُوا عَلَى زِيَادٍ فَاسْتَأْمَنُوا لَهُ عَلَى أَنْ يُرْسِلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَجَابَهُمْ فَأَرْسَلُوا إِلَى حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ فَحَضَرَ عِنْدَ زِيَادٍ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَرْحَبًا بِكَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَرْبٌ أَيَّامَ الْحَرْبِ، وَحَرْبٌ وَقَدْ سَالَمَ النَّاسُ، عَلَى أَهْلِهَا تَجْنِي بَرَاقِشُ، فَقَالَ حُجْرٌ: مَا خَلَعْتُ طَاعَةً، وَلَا فَارَقْتُ جَمَاعَةً، وَإِنِّي عَلَى بَيْعَتِي. فَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ زِيَادٌ: وَاللَّهِ لَأَحْرِصَنَّ عَلَى قَطْعِ خَيْطِ رَقَبَتِهِ: وَطَلَبَ أَصْحَابَهُ، فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ وَمَعَهُ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ فَاخْتَفَيَا بِجَبَلٍ هُنَاكَ، فَرُفِعَ خَبَرُهُمَا إِلَى عَامِلِ الْمَوْصِلِ، فَسَارَ إِلَيْهِمَا: فَخَرَجَا إِلَيْهِ، فَأَمَّا عَمْرٌو فَكَانَ قَدِ اسْتَسْقَى بَطْنَهُ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ امْتِنَاعٌ، وَأَمَّا رِفَاعَةٌ فَكَانَ شَابًّا قَوِيًّا فَرَكِبَ فَرَسَهُ لِيُقَاتِلَ عَنْ عَمْرٍو، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَا يَنْفَعُنِي قِتَالُكَ عَنِّي ؟ انْجُ بِنَفْسِكَ ! فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَفْرَجُوا لَهُ، فَنَجَا، وَأُخِذَ عَمْرٌو أَسِيرًا، فَسَأَلُوهُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: مَنْ إِنْ تَرَكْتُمُوهُ كَانَ أَسْلَمَ لَكُمْ، وَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ كَانَ أَضَرَّ عَلَيْكُمْ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ. فَبَعَثُوهُ إِلَى عَامِلِ الْمَوْصِلِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ الَّذِي يُعْرَفُ بِابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ مُعَاوِيَةَ، فَعَرَفَهُ فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ طَعَنَ عُثْمَانَ تِسْعَ طَعَنَاتٍ بِمَشَاقِصَ مَعَهُ، فَاطْعَنْهُ كَمَا طَعَنَ عُثْمَانَ: فَأُخْرِجَ وَطُعِنَ، فَمَاتَ فِي الْأُولَى مِنْهُنَّ أَوِ الثَّانِيَةِ. وَجَدَّ زِيَادٌ فِي طَلَبِ أَصْحَابِ حُجْرٍ فَهَرَبُوا، وَأَخَذَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ. فَأُتِيَ بِقَبِيصَةَ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْعَبْسِيِّ بِأَمَانٍ فَحَبَسَهُ، وَجَاءَ قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ الشَّيْبَانِيُّ إِلَى زِيَادٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ امْرَأً مِنَّا يُقَالُ لَهُ صَيْفِيٌّ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِ حُجْرٍ. فَبَعَثَ زِيَادٌ فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي أَبِي تُرَابٍ ؟ قَالَ: مَا أَعْرِفُ أَبَا تُرَابٍ: فَقَالَ: مَا أَعْرَفَكَ بِهِ ! أَتَعْرِفُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَذَاكَ أَبُو تُرَابٍ: قَالَ: كَلَّا، ذَاكَ أَبُو الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ: يَقُولُ الْأَمِيرُ هُوَ أَبُو تُرَابٍ وَتَقُولُ لَا ! قَالَ: فَإِنْ كَذَبَ الْأَمِيرُ أَكْذِبُ أَنَا، وَأَشْهَدُ عَلَى بَاطِلٍ كَمَا شَهِدَ ؟ فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: وَهَذَا أَيْضًا، عَلَيَّ بِالْعَصَا، فَأُتِيَ بِهَا، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ ؟ قَالَ: أَحْسَنَ قَوْلٍ: قَالَ: اضْرِبُوهُ، حَتَّى لَصِقَ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ قَالَ: أَقْلِعُوا عَنْهُ، مَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ شَرَّحْتَنِي بِالْمَوَاسِي مَا قُلْتُ فِيهِ إِلَّا مَا سَمِعْتَ مِنِّي: قَالَ: لَتَلْعَنَنَّهُ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ ! قَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَأَوْثَقُوهُ حَدِيدًا وَحَبَسُوهُ. قِيلَ: وَعَاشَ قَيْسُ بْنُ عَبَّادٍ حَتَّى قَاتَلَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي مَوَاطِنِهِ. ثُمَّ دَخَلَ الْكُوفَةَ فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ حَوْشَبٌ لِلْحَجَّاجِ: إِنَّ هُنَا امْرَأً صَاحِبَ فِتَنٍ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ بِالْعِرَاقِ إِلَّا وَثَبَ فِيهَا، وَهُوَ تُرَابِيٌّ يَلْعَنُ عُثْمَانَ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ حَتَّى هَلَكَ، وَقَدْ جَاءَ فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ بَنُو أَبِيهِ لِآلِ حَوْشَبٍ: سَعَيْتُمْ بِصَاحِبِنَا ! فَقَالُوا: وَأَنْتُمْ أَيْضًا سَعَيْتُمْ بِصَاحِبِنَا، يَعْنِي صَيْفِيًّا الشَّيْبَانِيَّ. وَأَرْسَلَ زِيَادٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلِيفَةَ الطَّائِيِّ، فَتَوَارَى، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الشُّرَطُ فَأَخَذُوهُ، فَخَرَجَتْ أُخْتُهُ النَّوَارُ فَحَرَّضَتْ طَيِّئًا، فَثَارُوا بِالشُّرَطِ وَخَلَّصُوهُ: فَرَجَعُوا إِلَى زِيَادٍ فَأَخْبَرُوهُ، فَأَخَذَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: ائْتِنِي بِعَبْدِ اللَّهِ ! قَالَ: وَمَا حَالُهُ ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهَذَا ! قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي بِهِ: قَالَ: لَا آتِيكَ بِهِ أَبَدًا، آتِيكَ بِابْنِ عَمِّي تَقْتُلُهُ ! وَاللَّهِ لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَا رَفَعْتُهُمَا عَنْهُ ! فَأَمَرَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ، فَلَمْ يَبْقَ بِالْكُوفَةِ يَمَنِيٌّ وَلَا رِبْعِيٌّ إِلَّا كَلَّمَ زِيَادًا وَقَالُوا: تَفْعَلُ هَذَا بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: فَإِنِّي أُخْرِجُهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُخْرِجَ ابْنَ عَمِّهِ عَنِّي فَلَا يَدْخُلُ الْكُوفَةَ مَا دَامَ لِي سُلْطَانٌ: فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ عَدِيٌّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ يُعَرِّفُهُ مَا كَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى عَدِيٍّ لِيَشْفَعَ فِيهِ لِيَعُودَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَعَدِيٌّ يُمَنِّيهِ، فَمِمَّا كَتَبَ إِلَيْهِ يُعَاتِبُهُ وَيَرْثِي حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ قَوْلُهُ: تَذَكَّرْتُ لَيْلَى وَالشَّبِيبَةَ أَعْصُرَا     وَذِكْرُ الصِّبَا بَرْحٌ عَلَى مَنْ تَذَكَّرَا وَوَلَّى الشَّبَابُ فَافْتَقَدْتُ غُصُونَهُ     فَيَا لَكَ مِنْ وَجْدٍ بِهِ حِينَ أَدْبَرَا فَدَعْ عَنْكَ تَذْكَارَ الشَّبَابِ وَفَقْدَهُ     وَأَسْبَابَهُ إِذْ بَانَ عَنْكَ فَأَجْمَرَا وَبَكِّ عَلَى الْخُلَّانِ لَمَّا تُخُرِّمُوا     وَلَمْ يَجِدُوا عَنْ مَنْهَلِ الْمَوْتِ مَصْدَرَا دَعَتْهُمْ مَنَايَاهُمْ وَمَنْ حَانَ يَوْمُهُ     مِنَ النَّاسِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَنْ يُؤَخَّرَا أُولَئِكَ كَانُوا شِيعَةً لِي وَمَوْئِلًا     إِذَا الْيَوْمُ أُلْفِي ذَا احْتِدَامٍ مُذَكَّرَا وَمَا كُنْتُ أَهْوَى بَعْدَهُمْ مُتَعَلِّلَا     بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَلَا أَنْ أُعَمَّرَا أَقُولُ وَلَا وَاللَّهِ أَنْسَى ادِّكَارَهُمْ     سَجِيسَ اللَّيَالِي أَوْ أَمُوتَ فَأُقْبَرَا عَلَى أَهْلِ عَذْرَاءَ السَّلَامُ مُضَاعَفًا     مِنَ اللَّهِ وَلْيَسْقِ الْغَمَامَ الْكَنَهْوَرَا وَلَاقَى بِهَا حُجْرٌ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً     فَقَدْ كَانَ أَرْضَى اللَّهَ حُجْرٌ وَأَعْذَرَا وَلَا زَالَ تَهْطَالٌ مُلِثٌّ وَدِيمَةٌ     عَلَى قَبْرِ حُجْرٍ أَوْ يُنَادَى فَيُحْشَرَا فَيَا حُجْرُ مَنْ لِلْخَيْلِ تُدْمَى نُحُورُهَا     وَلِلْمَلِكِ الْمُغْزِي إِذَا مَا تَغَشْمَرَا وَمَنْ صَادِعٌ بِالْحَقِّ بَعْدَكَ نَاطِقٌ     بِتَقْوَى وَمَنْ إِنْ قِيلَ بِالْجَوْرِ غَيَّرَا فَنَعِمَ أَخُو الْإِسْلَامِ كُنْتَ وَإِنَّنِي     لَأَطْمَعُ أَنْ تُؤْتَى الْخُلُودَ وَتُحْبَرَا وَقَدْ كُنْتَ تُعْطِي السَّيْفَ فِي الْحَرْبِ حَقَّهُ     وَتَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَتُنْكِرُ مُنْكَرًا فَيَا أَخَوَيْنَا مِنْ هُمَيْمٍ عُصِمْتُمَا     وَيُسِّرْتُمَا لِلصَّالِحَاتِ فَأَبْشِرَا وَيَا أَخَوَيَّ الْخِنْدِفِيَّيْنِ أَبْشِرَا     بِمَا مَعَنَا حُيِّيتُمَا أَنْ تُتَبَّرَا وَيَا إِخْوَتَا مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَغَالِبٍ     وَشَيْبَانَ لُقِّيتُمْ حِسَابًا مُيَسَّرَا سَعِدْتُمْ فَلَمْ أَسْمَعْ بِأَصْوَبَ مِنْكُمُ     حِجَاجًا لَدَى الْمَوْتِ الْجَلِيلِ وَأَصْبَرَا سَأَبْكِيكُمْ مَا لَاحَ نَجْمٌ وَغَرَّدَ الْ     حَمَامُ بِبَطْنِ الْوَادِيَيْنِ وَقَرْقَرَا فَقُلْتُ وَلَمْ أَظْلِمْ: أَغَوْثَ بْنَ طَيِّئٍ     مَتَّى كَنْتَ أَخْشَى بَيْنَكُمْ أَنْ أُسَيَّرَا هُبِلْتُمْ أَلَا قَاتَلْتُمْ عَنْ أَخِيكُمُ     وَقَدْ دُثَّ حَتَّى مَالَ ثُمَّ تَجَوَّرَا تَفَرَّجْتُمْ عَنِّي فَغُودِرْتُ مُسْلَمًا     كَأَنِّي غَرِيبٌ مِنْ إِيَادٍ وَأَعْصُرَا فَمَنْ لَكُمْ مِثْلِي لَدَى كُلِّ غَارَةٍ     وَمَنْ لَكُمْ مِثْلِي إِذَا الْبَأْسُ أَصْحَرَا وَمَنْ لَكُمْ مِثْلِي إِذَا الْحَرْبُ قَلَّصَتْ     وَأَوْضَعَ فِيهَا الْمُسْتَمِيتُ وَشَمَّرَا فَهَا أَنَا ذَا آوِي بِأَجْبَالِ طَيِّئٍ     طَرِيدًا فَلَوْ شَاءَ الْإِلَهُ لَغَيَّرَا نَفَانِي عَدُوِّي ظَالِمًا عَنْ مُهَاجِرِي     رَضِيتُ بِمَا شَاءَ الْإِلَهُ وَقَدَّرَا وَأَسْلَمَنِي قَوْمِي بِغَيْرِ جِنَايَةٍ     كَأَنْ لَمْ يَكُونُوا لِي قَبِيلًا وَمَعْشَرَا فَإِنَّ أُلْفَ فِي دَارٍ بِأَجْبَالِ طَيِّئٍ     وَكَانَ مُعَانًا مِنْ عُصَيْرٍ وَمَحْضَرًا فَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أُرَى مُتَغَرِّبًا     لَحَى اللَّهُ مَنْ لَاحَى عَلَيْهِ وَكَثَّرَا لَحَى اللَّهُ قَيْلَ الْحَضْرَمِيِّينَ وَائِلًا     وَلَاقَى الْقَنَانِي بِالسِّنَانِ الْمُؤَمَّرَا وَلَاقَى الرَّدَى الْقَوْمُ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا     عَلَيْنَا وَقَالُوا قَوْلَ زُورٍ وَمُنْكَرَا فَلَا يَدَعُنِي قَوْمٌ لِغَوْثِ بْنِ طَيِّئٍ     لَئِنْ دَهْرُهُمْ أَشَفَى بِهِمْ وَتَغَيَّرَا فَلَمْ أَغْزُهُمْ فِي الْمَعْلَمَيْنِ وَلَمْ أُثِرْ     عَلَيْهِمْ عَجَاجًا بِالْكُوَيْفَةِ أَكْدَرَا فَبَلِّغْ خَلِيلِي إِنْ رَحَلْتَ مُشَرِّقًا     جَدِيلَةَ وَالْحَيَّيْنِ مَعْنًا وَبُحْتَرَا وَنَبْهَانَ وَالْأَفْنَاءَ مِنْ جِذْمِ طَيِّئٍ     أَلَمْ أَكُ فِيكُمْ ذَا الْغَنَاءِ الْعَشَنْزَرَا أَلَمْ تَذْكُرُوا يَوْمَ الْعُذَيْبِ أَلِيَّتِي     أَمَامَكُمُ أَنْ لَا أُرَى الدَّهْرَ مُدْبِرَا وَكَرِّي عَلَى مِهْرَانَ وَالْجَمْعُ حَابِسٌ     وَقَتْلِي الْهُمَامَ الْمُسْتَمِيتَ الْمُسَوَّرَا وَيَوْمَ جَلُولَاءِ الْوَقِيعَةِ لَمْ أُلَمْ     وَيَوْمَ نَهَاوَنْدِ الْفُتُوحِ وَتُسْتَرَا وَتَنْسَوْنَنِي يَوْمَ الشَّرِيعَةِ وَالْقَنَا     بِصِفِّينَ فِي أَكْتَافِهِمْ قَدْ تَكَسَّرَا جَزَى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ     بِرَفْضِي وَخِذْلَانِي جَزَاءً مُوَفَّرَا أَتَنْسَى بَلَائِي سَادِرًا يَا ابْنَ حَاتِمٍ     عَشِيَّةَ مَا أَغْنَتْ عَدِيُّكَ حَزْمَرَا فَدَافَعْتُ عَنْكَ الْقَوْمَ حَتَّى تَخَاذَلُوا     وَكُنْتُ أَنَا الْخَصْمَ الْأَلَدَّ الْعَذَوَّرَا تَوَلَّوْا وَمَا قَامُوا مَقَامِي كَأَنَّمَا     رَأَوْنِي لَيْثًا بِالْأَبَاءَةِ مُخْدِرَا نَصَرْتُكَ إِذْ خَانَ الْقَرِيبُ وَأَبْعَطَ الْ     بَعِيدُ وَقَدْ أَفْرَدْتُ نَصْرًا مُؤَزَّرَا فَكَانَ جَزَائِي أَنْ أُجَرَّرَ بَيْنَكُمْ     سَحِيبًا وَأَنْ أُولَى الْهَوَانَ وَأُوسَرَا وَكَمْ عِدَةٍ لِي مِنْكَ أَنَّكَ رَاجِعِي     فَلَمْ تُغْنِ بِالْمِيعَادِ عَنِّيَ حَبْتَرَا فَأَصْبَحْتُ أَرْعَى النِّيبَ طَوْرًا وَتَارَةً     أُهَرْهِرُ إِنْ رَاعِي الشُّوَيْهَاتِ هَرْهَرَا كَأَنِّي لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا لِغَارَةٍ     وَلَمْ أَتْرُكِ الْقَرْنَ الْكَمِيَّ مُقَطَّرَا وَلَمْ أَعْتَرِضْ بِالسَّيْفِ مِنْكُمْ مُغِيرَةً     إِذِ النِّكْسُ مَشَّى الْقَهْقَرَى ثُمَّ جَرْجَرَا وَلَمْ أَسْتَحِثَّ الرَّكْضَ فِي إِثْرِ عُصْبَةٍ     مُيَمِّمَةٍ عُلْيَا سِجَاسٍ وَأَبْهَرَا وَلِمَ أُذْعِرِ الْأَبْلَامَ مِنِّي بِغَارَةٍ     كَوِرْدِ الْقَطَا ثُمَّ انْحَدَرْتُ مُظَفَّرَا وَلَمْ أَرَ فِي خَيْلٍ تُطَاعِنُ مِثْلَهَا     بِقَزْوِينَ أَوْ شَرْوِينَ أَوْ أُغْرِ كَيْدَرَا فَذَلِكَ دَهْرٌ زَالَ عَنِّي حَمِيدُهُ     وَأَصْبَحَ لِي مَعْرُوفُهُ قَدْ تَنَكَّرَا فَلَا يَبْعَدَنْ قَوْمِي وَإِنْ كُنْتُ عَاتِبًا     وَكُنْتُ الْمُضَاعَ فِيهِمُ وَالْمُكَفَّرَا وَلَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَلَا الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ     وَإِنْ كُنْتُ عَنْهُمْ نَائِيَ الدَّارِ مُحْصَرَا وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ مَعَ عَدِيٍّ فِي وَقْعَةِ صِفِّينَ، فَلِهَذَا لَمْ نَذْكُرْهُ هَاهُنَا. فَمَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بِالْجَبَلَيْنِ قَبْلَ مَوْتِ زِيَادٍ، ثُمَّ أُتِيَ زِيَادٌ بِكَرِيمِ بْنِ عَفِيفٍ الْخَثْعَمِيِّ مِنْ أَصْحَابِ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: كَرِيمُ بْنُ عَفِيفٍ: قَالَ: مَا أَحْسَنَ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ وَأَسْوَأَ عَمَلَكَ وَرَأْيَكَ ! فَقَالَ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ عَهْدَكَ بِرَأْيِي مُنْذُ قَرِيبٍ. قَالَ: وَجَمَعَ زِيَادٌ مِنْ أَصْحَابِ عَدِيٍّ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا فِي السِّجْنِ ثُمَّ دَعَا رُؤَسَاءَ الْأَرْبَاعِ يَوْمَئِذٍ، وَهُمْ: عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ عَلَى رَبْعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ عَلَى رَبْعِ تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ، وَقَيْسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى رَبْعِ رَبِيعَةَ وَكِنْدَةَ، وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى عَلَى رَبْعِ مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ، فَشَهِدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ حُجْرًا جَمَعَ إِلَيْهِ الْجُمُوعَ وَأَظْهَرَ شَتْمَ الْخَلِيفَةِ وَدَعَا إِلَى حَرْبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا فِي آلِ أَبِي طَالِبٍ، وَوَثَبَ بِالْمِصْرِ، وَأَخْرَجَ عَامِلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَظْهَرَ عُذْرَ أَبِي تُرَابٍ وَالتَّرَحُّمَ عَلَيْهِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْ عَدُوِّهِ وَأَهْلِ حَرْبِهِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ الَّذِينَ مَعَهُ هُمْ رُءُوسُ أَصْحَابِهِ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ. وَنَظَرَ زِيَادٌ فِي شَهَادَةِ الشُّهُودِ وَقَالَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَكُونُوا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ، فَدَعَا النَّاسَ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ، فَشَهِدَ إِسْحَاقُ وَمُوسَى ابْنَا طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَكُتِبَ فِي الشُّهُودِ شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ الْقَاضِي وَشُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ، فَأَمَّا شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ فَكَانَ يَقُولُ: مَا شَهِدْتُ وَقَدْ لُمْتُهُ. ثُمَّ دَفَعَ زِيَادٌ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ وَأَصْحَابَهُ إِلَى وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ الْحَضْرَمِيِّ وَكَثِيرِ بْنِ شِهَابٍ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَسِيرَا بِهِمْ إِلَى الشَّامِ، فَخَرَجُوا عَشِيَّةً، فَلَمَّا بَلَغُوا الْغَرِيَّيْنِ لَحِقَهُمْ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ وَأَعْطَى وَائِلًا كِتَابًا وَقَالَ: أَبْلِغْهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَخَذَهُ، وَسَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا بِهِمْ إِلَى مَرْجِ عَذْرَاءَ عِنْدَ دِمَشْقَ، وَكَانُوا: حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ الْكِنْدِيَّ، وَالْأَرْقَمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيَّ، وَشَرِيكَ بْنَ شَدَّادٍ الْحَضْرَمِيَّ، وَصَيْفِيَّ بْنَ فَسِيلٍ الشَّيْبَانِيَّ، وَقَبِيصَةَ بْنَ ضُبَيْعَةَ الْعَبْسِيَّ، وَكَرِيمَ بْنَ عَفِيفٍ الْخَثْعَمِيَّ، وَعَاصِمَ بْنَ عَوْفٍ الْبَجَلِيَّ، وَوَرْقَاءَ بْنَ سُمَعِيٍّ الْبَجَلِيَّ، وَكِدَامَ بْنَ حَيَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ الْعَنَزِيَّيْنِ، وَمُحْرِزَ بْنَ شِهَابٍ التَّمِيمِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَوِيَّةَ السَّعْدِيَّ التَّمِيمِيَّ، فَهَؤُلَاءِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَأَتْبَعَهُمْ زِيَادٌ بِرَجُلَيْنِ، هُمَا: عُتْبَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ مِنْ سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَسَعْدُ بْنُ نَمِرَانَ الْهَمْدَانِيُّ، فَتَمُّوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ وَكَثِيرِ بْنِ شِهَابٍ، فَأَدْخَلَهُمَا وَأَخَذَ كِتَابَهُمَا فَقَرَأَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ وَائِلٌ كِتَابَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، فَإِذَا فِيهِ: بَلَغَنِي أَنَّ زِيَادًا كَتَبَ شَهَادَتِي، وَإِنَّ شَهَادَتِي عَلَى حُجْرٍ أَنَّهُ مِمَّنْ يُقِيمُ الصَّلَاةَ وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ وَيُدِيمُ الْحَجَّ وَالْعُمُرَةَ وَيَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، حَرَامُ الدَّمِ وَالْمَالِ، فَإِنْ شِئْتَ فَاقْتُلْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَدَعْهُ: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى هَذَا إِلَّا قَدْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ شَهَادَتِكُمْ وَحَبَسَ الْقَوْمَ بِمَرْجِ عَذْرَاءَ. فَوَصَلَ إِلَيْهِمُ الرَّجُلَانِ اللَّذَانِ أَلْحَقَهُمَا زِيَادٌ بِحُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا وَصَلَا سَارَ عَامِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ إِلَى مُعَاوِيَةَ لِيُعْلِمَهُ بِهِمَا، فَقَامَ إِلَيْهِ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ فِي قُيُودِهِ فَقَالَ لَهُ: أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ دِمَاءَنَا عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا قَدْ أُومِنَّا وَصَالَحْنَاهُ وَصَالَحَنَا، وَأَنَّا لَمْ نَقْتُلْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَيَحِلَّ لَهُ دِمَاؤُنَا. فَدَخَلَ عَامِرٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ بِالرَّجُلَيْنِ، فَقَامَ يَزِيدُ بْنُ أَسَدٍ الْبَجَلِيُّ فَاسْتَوْهَبَهُ ابْنَيْ عَمِّهِ، وَهُمَا: عَاصِمٌ وَوَرْقَاءُ، وَكَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَدْ كَتَبَ فِيهِمَا يُزَكِّيهِمَا وَيَشْهَدُ لَهُمَا بِالْبَرَاءَةِ مِمَّا شُهِدَ عَلَيْهِمَا، فَأَطْلَقَهُمَا مُعَاوِيَةُ، وَشَفَعَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ فِي الْأَرْقَمِ فَتَرَكَهُ لَهُ وَشَفَعَ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ فِي عُتْبَةَ بْنِ الْأَخْنَسِ فَتَرَكَهُ، وَشَفَعَ حُمْرَةُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ فِي سَعْدِ بْنِ نَمِرَانَ فَوَهَبَهُ لَهُ، ( وَشَفَعَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي ابْنِ حَوِيَّةَ فَتَرَكَهُ لَهُ )، وَقَامَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّكُونِيُّ فَقَالَ: دَعْ لِيَ ابْنَ عَمِّي حُجْرًا. فَقَالَ لَهُ: هُوَ رَأْسُ الْقَوْمِ وَأَخَافُ إِنْ خَلَّيْتُ سَبِيلَهُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيَّ مِصْرَهُ فَنَحْتَاجُ أَنْ نُشْخِصَكَ إِلَيْهِ بِالْعِرَاقِ: فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْصَفْتَنِي يَا مُعَاوِيَةُ ! قَاتَلْتُ مَعَكَ ابْنَ عَمِّكَ يَوْمَ صِفِّينَ حَتَّى ظَفِرْتَ، وَعَلَا كَعْبُكَ وَلَمْ تَخَفِ الدَّوَائِرَ، ثُمَّ سَأَلْتُكَ ابْنَ عَمِّي فَمَنَعْتَنِي ! ثُمَّ انْصَرَفَ فَجَلَسَ فِي بَيْتِهِ. فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ هُدْبَةَ بْنَ فَيَّاضٍ الْقُضَاعِيَّ، وَالْحُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيَّ، وَأَبَا شَرِيفٍ الْبَدِّيَّ إِلَى حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ لِيَقْتُلُوا مَنْ أُمِرُوا بِقَتْلِهِ مِنْهُمْ، فَأَتَوْهُمُ عِنْدَ الْمَسَاءِ: فَلَمَّا رَأَى الْخَثْعَمِيُّ أَحَدَهُمْ أَعْوَرَ قَالَ: يَقْتُلُ نِصْفَنَا وَيَتْرُكُ نِصْفَنَا، فَتَرَكُوا سِتَّةً وَقَتَلُوا ثَمَانِيَةً، وَقَالُوا لَهُمْ قَبْلَ الْقَتْلِ: إِنَّا قَدْ أُمِرْنَا أَنْ نَعْرِضَ عَلَيْكُمُ الْبَرَاءَةَ مِنْ عَلِيٍّ وَاللَّعْنَ لَهُ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ تَرَكْنَاكُمْ وَإِنْ أَبَيْتُمْ قَتَلْنَاكُمْ: فَقَالُوا: لَسْنَا فَاعِلِي ذَلِكَ. فَأَمَرَ فَحُفِرَتِ الْقُبُورُ وَأُحْضِرَتِ الْأَكْفَانُ وَقَامَ حُجْرٌ وَأَصْحَابُهُ يُصَلُّونَ عَامَّةَ اللَّيْلِ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَدَّمُوهُمْ لِيَقْتُلُوهُمْ فَقَالَ لَهُمْ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ: اتْرُكُونِي أَتَوَضَّأُ وَأُصَلِّي فَإِنِّي مَا تَوَضَّأْتُ إِلَّا صَلَّيْتُ، فَتَرَكُوهُ، فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْهَا وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا، وَلَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا فِيَّ جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْهَا: ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعْدِيكَ عَلَى أُمَّتِنَا ! فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَهِدُوا عَلَيْنَا، وَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ يَقْتُلُونَنَا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي بِهَا فَإِنِّي لَأَوَّلُ فَارِسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هَلَكَ فِي وَادِيهَا، وَأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ نَبَحَتْهُ كِلَابُهَا ! ثُمَّ مَشَى إِلَيْهِ هُدْبَةُ بْنُ فَيَّاضٍ بِالسَّيْفِ فَارْتَعَدَ، فَقَالُوا لَهُ: زَعَمْتَ أَنَّكَ لَا تَجْزَعُ مِنَ الْمَوْتِ، فَابْرَأْ مِنْ صَاحِبِكَ وَنَدَعُكَ: فَقَالَ: وَمَا لِي لَا أَجْزَعُ وَأَرَى قَبْرًا مَحْفُورًا، وَكَفَنًا مَنْشُورًا، وَسَيْفًا مَشْهُورًا ! وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ جَزِعْتُ مِنَ الْقَتْلِ لَا أَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ. فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا سِتَّةً. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْزِيَّ وَكَرِيمٌ الْخَثْعَمِيُّ: ابْعَثُوا بِنَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَنَحْنُ نَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ مِثْلَ مَقَالَتِهِ: فَاسْتَأْذَنُوا مُعَاوِيَةَ فِيهِمَا، فَأَذِنَ بِإِحْضَارِهِمَا: فَلَمَّا دَخَلَا عَلَيْهِ قَالَ الْخَثْعَمِيُّ: اللَّهَ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ ! فَإِنَّكَ مَنْقُولٌ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الزَّائِلَةِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ الدَّائِمَةِ، ثُمَّ مَسْئُولٌ عَمَّا أَرَدْتَ بِسَفْكِ دِمَائِنَا ! فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ ؟ قَالَ: أَقُولُ فِيهِ قَوْلَكَ: قَالَ: أَتَبَرَّأُ مِنْ دِينِ عَلِيٍّ الَّذِي يَدِينُ اللَّهَ بِهِ ؟ فَسَكَتَ، وَقَامَ شَمِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ بَنِي قُحَافَةَ ( بْنِ خَثْعَمَ ) فَاسْتَوْهَبَهُ، فَوَهَبَهُ لَهُ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ الْكُوفَةَ، فَاخْتَارَ الْمَوْصِلَ، فَكَانَ يَقُولُ: لَوْ مَاتَ مُعَاوِيَةُ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ، فَمَاتَ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ بِشَهْرٍ: ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ: يَا أَخَا رَبِيعَةَ مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ ؟ قَالَ دَعْنِي وَلَا تَسْأَلْنِي فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ: قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ: قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهُ تَعَالَى كَثِيرًا، مِنَ الْآمِرِينَ بِالْحَقِّ وَالْقَائِمَيْنِ بِالْقِسْطِ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ: قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عُثْمَانَ ؟ قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ أَبْوَابَ الظُّلْمِ، وَأَغْلَقَ أَبْوَابَ الْحَقِّ: قَالَ: قَتَلْتَ نَفْسَكَ ! قَالَ: بَلْ إِيَّاكَ قَتَلْتُ، وَلَا رَبِيعَةَ بِالْوَادِي، يَعْنِي لِيَشْفَعُوا فِيهِ، فَرَدَّهُ مُعَاوِيَةُ إِلَى زِيَادٍ وَأَمْرَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ، فَدَفَنَهُ حَيًّا. فَكَانَ الَّذِينَ قُتِلُوا: حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَشَرِيكُ بْنُ شَدَّادٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَصَيْفِيُّ بْنُ فَسِيلٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ضُبَيْعَةَ الْعَبْسِيُّ، وَمُحْرِزُ بْنُ شِهَابٍ السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَكِدَامُ بْنُ حَيَّانَ الْعَنْزِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ الْعَنْزِيُّ الَّذِي دَفَنَهُ زِيَادٌ حَيًّا، فَهَؤُلَاءِ السَّبْعَةُ قُتِلُوا وَدُفِنُوا وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: وَلَمَّا بَلَغَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَتْلُ حُجْرٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَ: صَلَّوْا عَلَيْهِمْ وَكَفَّنُوهُمْ وَدَفَنُوهُمْ وَاسْتَقْبَلُوا بِهِمُ الْقِبْلَةَ ؟ قَالُوا نَعَمْ. قَالَ حَجَّوْهُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ! وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّكُونِيُّ فَحِينَ لَمْ يُشَفِّعْهُ مُعَاوِيَةُ فِي حُجْرٍ جَمَعَ قَوْمَهُ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى عَذْرَاءَ لِيُخَلِّصَ حُجْرًا وَأَصْحَابَهُ، فَلَقِيَتْهُ قَتَلَتُهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلِمُوا أَنَّهُ جَاءَ لِيُخَلِّصَ حُجْرًا، فَقَالَ لَهُمْ: مَا وَرَاءَكُمْ ؟ قَالُوا: قَدْ تَابَ الْقَوْمُ وَجِئْنَا لِنُخْبِرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: فَسَكَتَ وَسَارَ إِلَى عَذْرَاءَ، فَلَقِيَهُ بَعْضُ مَنْ جَاءَ مِنْهَا فَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِ الْقَوْمِ، فَأَرْسَلَ الْخَيْلَ فِي إِثْرِ قَتَلَتِهِمْ فَلَمْ يُدْرِكُوهُمْ، وَدَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا هِيَ حَرَارَةٌ يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ وَكَأَنَّهَا طُفِئَتْ، وَعَادَ مَالِكٌ إِلَى بَيْتِهِ وَلَمْ يَأْتِ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أُشَفِّعَكَ إِلَّا خَوْفًا أَنْ يُعِيدُوا لَنَا حَرْبًا، فَيَكُونَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْبَلَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِ حُجْرٍ. فَأَخَذَهَا وَطَابَتْ نَفْسُهُ. وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ حُجْرٍ عَائِشَةَ أَرْسَلَتْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَتَلَهُمْ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيْنَ غَابَ عَنْكَ حُلْمُ أَبِي سُفْيَانَ ؟ قَالَ: حِينَ غَابَ عَنِّي مِثْلُكَ مِنْ حُلَمَاءِ قَوْمِي وَحَمَلَنِي ابْنُ سُمَيَّةَ فَاحْتَمَلْتُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْلَا أَنَّا لَمْ نُغَيِّرْ شَيْئًا إِلَّا صَارَتْ بِنَا الْأُمُورُ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ لَغَيَّرَنَا قَتْلُ حُجْرٍ، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ لَمُسْلِمًا حَجَّاجًا مُعْتَمِرًا. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَرْبَعُ خِصَالٍ كُنَّ فِي مُعَاوِيَةَ، لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ إِلَّا وَاحِدَةٌ لَكَانَتْ مُوبِقَةً: انْتِزَاؤُهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى أَخَذَ الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ، وَفِيهِمْ بَقَايَا الصَّحَابَةِ وَذَوُو الْفَضِيلَةِ، وَاسْتِخْلَافُهُ بَعْدَهُ ابْنَهُ سِكِّيرًا خِمِّيرًا، يَلْبَسُ الْحَرِيرَ وَيَضْرِبُ بِالطَّنَابِيرِ، وَادِّعَاؤُهُ زِيَادًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَقَتْلُهُ حُجْرًا وَأَصْحَابَ حُجْرٍ، فَيَا وَيْلًا لَهُ مِنْ حُجْرٍ ! وَيَا وَيْلًا لَهُ مِنْ حُجْرٍ وَأَصْحَابِ حُجْرٍ ! قِيلَ: وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: أَوَّلُ ذُلٍّ دَخَلَ الْكُوفَةَ مَوْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَتْلُ حُجْرٍ، وَدَعْوَةُ زِيَادٍ، وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّةُ تَرْثِي حُجْرًا، وَكَانَتْ تَتَشَيَّعُ: تَرَفَّعْ أَيُّهَا الْقَمَرُ الْمُنِيرُ     تَبَصَّرْ هَلْ تَرَى حُجْرًا يَسِيرُ يَسِيرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ حَرْبٍ     لِيَقْتُلَهُ كَمَا زَعَمَ الْأَمِيرُ تَجَبَّرَتِ الْجَبَابِرُ بَعْدَ حُجْرٍ     وَطَابَ لَهَا الْخَوَرْنَقُ وَالسَّدِيرُ وَأَصْبَحَتِ الْبِلَادُ لَهُ مُحُولًا     كَأَنَّ لَمْ يُحْيِهَا مُزْنٌ مَطِيرُ أَلَا يَا حُجْرُ حُجْرَ بَنِي عَدِيٍّ     تَلَقَّتْكَ السَّلَامَةُ وَالسُّرُورُ أَخَافُ عَلَيْكَ مَا أَرْدَى عَدِيًّا     وَشَيْخًا فِي دِمَشْقَ لَهُ زَئِيرُ فَإِنْ تَهْلِكْ فَكُلُّ زَعِيمِ قَوْمٍ     مِنَ الدُّنْيَا إِلَى هُلْكٍ يَصِيرُ وَقَدْ قِيلَ فِي قَتْلِهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ: وَهُوَ أَنَّ زِيَادًا خَطَبَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَأَطَالَ الْخُطْبَةَ وَأَخَّرَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ لَهُ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ: الصَّلَاةُ. فَمَضَى فِي خُطْبَتِهِ. فَقَالَ لَهُ: الصَّلَاةُ: فَمَضَى فِي خُطْبَتِهِ. فَلَمَّا خَشِيَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَوْتَ الصَّلَاةِ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى كَفٍّ مِنْ حَصَى وَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ: فَلَمَّا رَأَى زِيَادٌ ذَلِكَ نَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَكَثَّرَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ لِيَشُدَّهُ فِي الْحَدِيدِ وَيُرْسِلَهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا أَرَادَ أَخْذَهُ قَامَ قَوْمُهُ لِيَمْنَعُوهُ، فَقَالَ حُجْرٌ: لَا وَلَكِنْ سَمْعًا وَطَاعَةً: فَشُدَّ فِي الْحَدِيدِ وَحُمِلَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا ؟ وَاللَّهِ لَا أُقِيلُكَ وَلَا أَسَتَقِيلُكَ ! أَخْرِجُوهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَهُ ! فَقَالَ حُجْرٌ لِلَّذِينِ يَلُونَ أَمْرَهُ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ: فَقَالُوا: صَلِّ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفَّفَ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا بِي غَيْرَ الَّذِي أَرَدْتُ لَأَطَلْتُهَا، وَقَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ: لَا تُطْلِقُوا عَنِّي حَدِيدًا وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، فَإِنِّي لَاقٍ مُعَاوِيَةَ غَدًا عَلَى الْجَادَّةِ، وَضُرِبَتْ عُنُقُهُ: قَالَ: فَلَقِيَتْ عَائِشَةُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَتْ لَهُ: أَيْنَ كَانَ حِلْمُكَ عَنْ حُجْرٍ ؟ فَقَالَ: لَمْ يَحْضُرْنِي رَشِيدٌ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: بَلَغَنَا أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ جَعَلَ يَقُولُ: يَوْمِي مِنْكَ يَا حُجْرُ طَوِيلٌ ! سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ  : أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ وَقَبْلَ أَنْ يَدْعُوَ فِيهَا. وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ طَلْحَةَ، يَتَجَسَّسَانِ خَبَرَ الْعِيرِ فَفَاتَتْهُمَا بَدْرٌ، فَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِهَامِهِمَا وَأُجُورِهِمَا. وَقَدِمَا الْمَدِينَةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ. وَشَهِدَ سَعِيدٌ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُوُفِّيَ بِالْعَقِيقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَغَسَّلَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدُفِنَ بِهَا وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَكَانَ رَجُلًا طِوَالًا، أَدَمَ أَشْعَرَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ حَرَامٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ حَرَامٍ، أَبُو يَحْيَى  : شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَكَانَ يَكْسِرُ أَصْنَامَ بَنِي سَلَمَةَ هُوَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ لَمَّا أَسْلَمَا. وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، لَكِنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَرِيَّةٍ وَحْدَهُ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيِّ  وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَخَرَجَ فَقَتَلَهُ ثُمَّ قَدِمَ فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُ مِخْصَرًا - يَعْنِي عَصًا - فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ تَنْخَصِرُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْمُنْخَصِرِينَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ ". فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَمَرَ أَنْ تُدْفَنَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ، وَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، أَبُو بَكْرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ، أَبُو بَكْرَةَ: وَيُقَالُ: اسْمُهُ مَسْرُوحٌ، [وَيُقَالُ: نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ ]، وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وَهُوَ أَخُو زِيَادِ ابْنِ سُمَيَّةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لِأُمِّهِ. كَانَ عَبْدًا لِبَعْضِ أَهْلِ الطَّائِفِ، فَلَمَّا حَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَادَى مُنَادِيهِ: أَيُّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إِلَيْنَا فَهُوَ حُرٌّ، فَخَرَجَ بِضْعَةَ عَشْرَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ، تَدَلَّى مِنْ بَكَرَةٍ، فَكُنِّيَ أَبَا بَكْرَةَ. وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. سَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وعَنْ عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: لَمَّا اشْتَكَى أَبُو بَكْرَةَ عَرَضَ عَلَيْهُ بَنُوهُ أَنْ يَأْتُوهُ بِطَبِيبٍ فَأَبَى، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ وَعَرَفَ الْمَوْتَ مِنْ نَفْسِهِ وَعَرَفُوهُ مِنْهُ، قَالَ: أَيْنَ طَبِيبُكُمْ لِيَرُدَّهَا إِنْ كَانَ صَادِقًا، قَالُوا: وَمَا يُغْنِي الْآنَ، قَالَ: وَقَبْلَ الْآنَ. قَالَ: وَجَاءَتِ ابْنَتُهُ أَمَةُ اللَّهِ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِهِ بَكَتْ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ لَا تَبْكِي، قَالَتْ: يَا أَبَهْ، فَإِذَا لَمْ أَبْكِ عَلَيْكَ فَعَلَى مَنْ أَبْكِي ؟ فَقَالَ: لَا تَبْكِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ، وَلَا نَفْسُ هَذَا الذُّبَابِ الطَّائِرِ. وَأَقْبَلَ عَلَى حُمْرَانَ بْنِ أَبَانَ وَهُوَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: لَا أُخْبِرُكَ مِمَّ ذَاكَ، خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يَجِيءَ أَمْرٌ يَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ جَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ أُمِّكَ زِيَادًا أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَقَدْ بَلَغَهُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَحَبَّ أَنْ يُحْدِثَ بِكَ عَهْدًا وَأَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْكَ وَأَنْ يُفَارِقَكَ عَنْ رِضًى، قَالَ: أَفَمُبِلِّغُهُ أَنْتَ عَنِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أُحَرِّجُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ لِي بَيْتًا وَيَحْضُرَ لِي جِنَازَةً، قَالَ: لِمَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ وَقَدْ كَانَ لَكَ مُعَظِّمًا وَلِبَنِيكَ وَاصِلًا، قَالَ: فِي ذَلِكَ غَضِبْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَفِي خَاصَّةِ نَفْسِكَ، فَمَا عَلِمْتُهُ إِلَّا مُجْتَهِدًا، قَالَ: فَأَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ فَقَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَمَا حَدَّثْتَنِي عَنْ أَهْلِ النَّهْرِ، أَكَانُوا مُجْتَهِدِينَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَأَصَابُوا أَمْ أَخْطَأُوا، قَالَ: هُوَ ذَاكَ، ثُمَّ قَالَ: أَضْجِعُونِي. فَرَجَعَ أَنَسٌ إِلَى زِيَادٍ فَأَبْلَغَهُ، فَرَكِبَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْكُوفَةِ فَتُوُفِّيَ، فَقَدَّمَ بَنُوهُ أَبَا بَرْزَةَ فَصَلَّى عَلَيْهِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ  ، تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ سَنَةَ سَبْعٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَانَ ابْنَ أُخْتِهَا أُمِّ الْفَضْلِ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. أَخْرَجَاهُ. وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهَا أَنَّهُمَا كَانَا حَلَالَيْنِ. وَقَوْلُهَا مُقَدَّمٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ - وَكَانَ هُوَ السَّفِيرَ بَيْنَهُمَا - أَنَّهُمَا كَانَا حَلَالَيْنِ. وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَيْمُونَةَ. وَتُوُفِّيتُ بِسَرَفٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ حَيْثُ بَنَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ، وَصَلَّى عَلَيْهَا ابْنُ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ؓ.

  66. التاريخ 2157لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ كانت غَزْوَةُ سُفْيَانَ بْنِ عَوْفٍ الْأَزْدِيِّ وَمَشْتَاهُ بِأَرْضِ الرُّومِ  ، وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ بِهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ. هَذَا قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ الَّذِي شَتَّى بِأَرْضِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالنَّاسِ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَأَةَ وَمَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ، وَغَزَا الصَّائِفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ.

  67. التاريخ 2158لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ زِيَادِ بْنِ خِرَاشٍ الْعِجْلِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ زِيَادُ بْنُ خِرَاشٍ الْعِجْلِيُّ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ فَأَتَى أَرْضَ مَسْكِنَ مِنَ السَّوَادِ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ زِيَادٌ خَيْلًا عَلَيْهَا سَعْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ أَوْ غَيْرُهُ، فَقَتَلُوهُمْ وَقَدْ صَارُوا إِلَى مَاهٍ. خُرُوجِ مُعَاذٍ الطَّائِيِّ   وَخَرَجَ عَلَى زِيَادٍ أَيْضًا رَجُلٌ مِنْ طَيِّئٍ يُقَالُ لَهُ مُعَاذٌ، فَأَتَى نَهْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمِّ الْحَكَمِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا هَذِهِ السَّنَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ زِيَادٌ مَنْ قَتَلَهُ وَأَصْحَابَهُ، ( وَقِيلَ: بَلْ حَلَّ لِوَاءَهُ وَاسْتَأْمَنَ ). وَيُقَالُ لَهُمْ أَصْحَابُ نَهْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

  68. التاريخ 2159لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   خالد بن يزيد بن كليب بن ثعلبة أبو أيوب الأنصاري خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، الْخَزْرَجِيُّ  : حَضَرَ الْعَقَبَةَ، وَنَزَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَضَرَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حَرْبَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ، وَوَرَدَ الْمَدَائِنَ فِي صُحْبَتِهِ. عَنْ أَفْلَحَ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَلَيْهِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَسْفَلَ الدَّارِ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي الْعُلْوِ، فَانْتَبَهَ أَبُو أَيُّوبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: يُمْسِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَاتُوا فِي جَانِبٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَسْفَلُ أَرْفَقُ بِي "، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، فَتَحَوَّلَ أَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الْعُلْوِ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ مِنْ خَيْبَرَ وَمَعَهُ صَفِيَّةُ دَخَلَ الْفُسْطَاطَ مَعَهُ السَّيْفُ وَاضِعًا رَأْسَهُ عَلَى الْفُسْطَاطِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ الْحَرَكَةَ، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا ؟ " فَقَالَ: أَنَا أَبُو أَيُّوبَ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَارِيَةٌ شَابَّةٌ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ وَقَدْ صَنَعَتْ بِزَوْجِهَا مَا صَنَعَتْ فَلَمْ آمَنَهَا، قُلْتُ إِنْ تَحَرَّكَتْ أَكُونُ قَرِيبًا مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا أَيُّوبَ "، مَرَّتَيْنِ. وعَنْ رَجُلٍ مِنَ أَهْلِ مَكَّةَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي غَزَا فِيهِ أَبُو أَيُّوبَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَاقْرَءُوا عَلَى النَّاسِ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرُوهُمْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ ". وَلِيَنْطَلِقُوا بِي فَيَبْعُدُوا بِي فِي أَرْضِ الرُّومِ مَا اسْتَطَاعُوا. قَالَ: فَحَدَّثَ النَّاسَ لَمَّا مَاتَ أَبُو أَيُّوبَ، فَاسْتَلْأَمَ النَّاسُ وَانْطَلَقُوا بِجِنَازَتِهِ. وعَنْ أَبِي ظَبْيَانَ قَالَ: غَزَا أَبُو أَيُّوبَ مَعَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: فَقَالَ: إِذَا مُتُّ فَأَدْخَلُونِي فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ، فَادْفِنُونِي تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ حَيْثُ تَلْقَونَ الْعَدُوَّ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ ". وعَنِ الْأَعْمَشِ، سَمِعْتُ أَبَا ظَبْيَانَ، فَذَكَرَهُ، وَقَالَ فِيهِ: وَسَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَوْلَا حَالِي هَذَا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخْلَ الْجَنَّةَ ". وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: قَدْ كُنْتُ كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: " لَوْلَا أَنَّكُمْ تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ قَوْمًا يُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ ". وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَالَّذِي قَبِلَهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ عَلَى طَرَفٍ مِنَ الْأَرْجَاءِ، وَرَكِبَ بِسَبَبِهِ أَفْعَالًا كَثِيرَةً أُنْكِرَتْ عَلَيْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وقَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ أَبُو أَيُّوبَ بِأَرْضِ الرُّومِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَدُفِنَ عِنْدَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَقَبْرُهُ هُنَالِكَ يَسْتَسْقِي بِهِ الرُّومُ إِذَا قَحَطُوا. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَدْفُونٌ فِي حَائِطِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَعَلَى قَبْرِهِ مَزَارٌ وَمَسْجِدٌ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعن الْوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ: أَنَّهُ رَأَى بَنِيَّةً بَيْضَاءَ دُونَ حَائِطِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَقَالُوا: هَذَا قَبْرُ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَيْتُ تِلْكَ الْبَنِيَّةَ، فَرَأَيْتُ قَبْرَهُ فِي تِلْكَ الْبَنِيَّةِ وَعَلَيْهِ قِنْدِيلٌ مُعَلَّقٌ بِسِلْسِلَةٍ. وعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَتَوَجَّهَانِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيُصَلِّيَانِ، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُهُمَا وَصَلَاتُهُ أَوزَنُ مِنْ أُحِدٍ وَيَنْصَرِفُ الْآخَرُ وَمَا تَعْدِلُ صَلَاتُهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ". فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعَدِيُّ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " إِذَا كَانَ أَحْسَنَهُمَا عَقْلًا ". قَالَ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: " إِذَا كَانَ أَوْرَعَهُمَا عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ وَأَحْرَصَهُمَا عَلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فِي التَّطَوُّعِ ". وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ وَيُوجِزَ، فَقَالَ لَهُ: " إِذَا صَلَّيْتَ صَلَاةً فَصَلِّ صَلَاةَ مُودِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمَنَّ بِكَلَامٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ ". عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمٍ، أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ هو أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حِضَارِ  بْنِ حَرْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَنْزِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُذْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ نَاجِيَةِ بْنِ جُمَاهِرِ بْنِ الْأَشْعَرِ الْأَشْعَرِيِّ الْيَمَانِيِّ أُمُّهُ ظَبْيَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَكٍّ، أَسْلَمَتْ وَمَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَكَانَ خَفِيفَ الْجِسْمِ قَصِيرًا أَثَطَّ، قَدِمَ مَكَّةَ (فَحَالَفَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَأَسْلَمَ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَعَ أَهْلِ السَّفِينَتَيْنِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ. ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ عُبَيْدٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو مَعْشَرٍ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَهْمٍ: لَيْسَ أَبُو مُوسَى مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، وَلَيْسَ لَهُ حِلْفٌ فِي قُرَيْشٍ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ بِمَكَّةَ قَدِيمًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَدِمَ هُوَ وَنَاسٌ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَافَقَ قُدُومُهَمْ قُدُومَ أَهْلِ السَّفِينَتَيْنِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَوَافَقَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَلَمَّا دَنَا أَبُو مُوسَى وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمَدِينَةِ جَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ وَيَقُولُونَ: غَدًا نَلْقَى الْأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، الْمَسْجِدَ، فَسَمِعَ قِرَاءَةَ رَجُلٍ، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا ؟ ". قِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ: "لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى إِذَا نَامَ يَلْبِسُ ثِيَابًا عِنْدَ النَّوْمِ مَخَافَةَ أَنْ تَنْكَشِفَ عَوْرَتُهُ. وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: إِنِّي لَأَغْتَسِلُ فِي الْبَيْتِ الْخَالِي فَيَمْنَعُنِي الْحَيَاءُ مِنْ رَبِّي أَنْ أُقِيمَ صُلْبِي. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ مُعَاذٍ عَلَى الْيَمَنَ، وَاسْتَنَابَهُ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَفَتَحَ تُسْتَرَ وَشَهِدَ خُطْبَةَ عُمَرَ بِالْجَابِيَةِ، وَوَلَّاهُ عُثْمَانُ الْكُوفَةَ وَكَانَ أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا خَدَعَ عَمْرٌو أَبَا مُوسَى. وَكَانَ مِنْ قُرَّاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ، وَكَانَ أَحْسَنَ الصَّحَابَةِ صَوْتًا فِي زَمَانِهِ  . قَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: مَا سَمِعْتُ صَوْتَ صَنْجٍ وَلَا بِرَبْطٍ وَلَا مِزْمَارٍ أَطْيَبَ مِنْ صَوْتِ أَبِي مُوسَى. وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ". وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهُ: ذَكِّرْنَا رَبَّنَا يَا أَبَا مُوسَى. فَيَقْرَأُ وَهُمْ يَسْمَعُونَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَتَبَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ أَنْ لَا يُقَرَّ لِي عَامِلٌ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ إِلَّا أَبَا مُوسَى، فَلْيُقَرَّ أَرْبَعَ سِنِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظِمِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ لَمَّا اعْتَزَلَ النَّاسَ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، وَقِيلَ: بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الثَّوِيَّةُ. عَلَى مِيلَيْنِ مِنِ الْكُوفَةِ. وَكَانَ قَصِيرًا نَحِيفَ الْجِسْمِ، أَثَطَّ، أَيْ لَا لِحْيَةَ لَهُ، ؓ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، أَبُو سَعِيدٍ  : وَكَانَ مِنَ الْبَكَّاءِينَ، وَمِنَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ يُفَقِّهُونَهُمْ. عَنْ خُزَاعِيِّ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: أُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّ السَّاعَةَ قَدْ قَامَتْ وَالنَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَى مَكَانٍ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ مَنْ جَازَ ذَلِكَ الْمَكَانَ نَجَا، فَذَهَبْتُ أَدْنُو مِنْهُ، فَقَالَ: وَرَاءَكَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَنْجُوَ وَعِنْدَكَ مَا عِنْدَكَ، كَلَّا وَاللَّهِ، قَالَ: فَاسْتَيْقَظْتُ مِنَ الْفَزَعِ، فَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَعِنْدَهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ عَيْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ دَنَانِيرَ، فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ، أَرِنِي تِلْكَ الْعَيْبَةَ قَبَّحَهَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا فِيهَا [فَمَا أَصْبَحَ حَتَّى قَسَّمَهَا ] فَلَمْ يَدَعْ مِنْهَا دِينَارًا. فَلَمَّا كَانَ الْمَرَضُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَوْصَى أَهْلَهُ، قَالَ: لَا يَلِينِي إِلَّا أَصْحَابِي، وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ ابْنُ زِيَادٍ، فَلَمَّا مَاتَ أَرْسَلُوا إِلَى أَبِي بَرْزَةَ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوُلُّوا غَسْلَهُ وَتَكْفِينَهُ، فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ إِذَا بِابْنِ زِيَادٍ فِي مَوْكِبِهِ بِالْبَابِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ أَوْصَى أَنْ لَا تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَسَارَ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ حِذَاءَ الْبَيْضَاءِ، فَمَالَ إِلَى الْبَيْضَاءِ وَتَرَكَهُ. تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بِالْبَصْرَةِ. عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ خَلَفِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ نَهْمٍ، أَبُو نُجَيْدٍ  : أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَغَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَوَاتٍ، وَلَمْ يَزَلْ فِي بِلَادِ قَوْمِهِ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَنَزَلَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: مَا قَدِمَ مِنَ الْبَصْرَةِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَفْضُلُ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وعَنْ مُطَرِّفٍ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أُشْعِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُسَلَّمُ عَلَيَّ فَلَمَّا اكْتَوَيْتُ انْقَطَعَ التَّسْلِيمُ، فَقُلْتُ: أَمِنْ قِبَلِ رَأْسِكَ كَانَ يَأْتِيكَ التَّسْلِيمُ أَمْ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْكَ ؟ قَالَ: لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ رَأْسِي، فَقُلْتُ: لَا أَرَى أَنْ تَمُوتَ حَتَّى يَعُودَ ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالَ لِي: أُشْعِرْتُ أَنَّ التَّسْلِيمَ عَادَ لِي. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ. قَالَ: وَقُلْتُ لِعِمْرَانَ: مَا يَمْنَعُنِي مِنْ عِيَادَتِكَ إِلَّا مَا أَرَى مِنْ حَالِكَ، قَالَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ أَحَبَّهُ إِلَيَّ أَحَبُّهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. معاوية بن حديج مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجِ بْنِ جَفْنَةَ، أَبُو نُعَيْمٍ  : وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَكَانَ الْوَافِدَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ بِفَتْحِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَكَانَ أَعْوَرَ، ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فِي حَرْبِ النَّوْبَةِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَوَلِيَ الْإِمْرَةَ عَلَى غَزْوِ الْمَغْرِبِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَسَنَةَ أَرْبَعِينَ وَسَنَةَ خَمْسِينَ. رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمَاعَةَ، وَسُوَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وَغَيْرُهُمْ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. هَانِئُ بْنُ نِيَارِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ هَانِئُ بْنُ نِيَارِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، أَبُو بُرْدَةَ  : وَهُوَ خَالُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ بَنِي حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ.

  69. التاريخ 2160لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ كان مَشْتَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيِّ بِأَرْضِ الرُّومِ.

  70. التاريخ 2161لا حكم مسجّل

    وفي سنة ثلاث وخمسين فُتِحَتْ رُودُسُ  ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ فِي الْبَحْرِ، فَتَحَهَا جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْأَزْدِيُّ، فَنَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَزَرَعُوا، وَاتَّخَذُوا بِهَا الْأَمْوَالَ وَالْمَوَاشِيَ، وَكَانَ لَهُمْ نَاطُورٌ يُحَذِّرُهُمْ مَنْ يُرِيدُهُمْ مِنَ الْبَحْرِ بِكَيْدٍ، وَكَانُوا أَشَدَّ شَيْءٍ عَلَى الرُّومِ، يَعْتَرِضُونَهُمْ فِي الْبَحْرِ فَيَقْطَعُونَ سُفُنَهُمْ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُدِرُّ لَهُمُ الْعَطَاءَ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ أَقَفْلَهُمْ يَزِيدُ [بْنُ مُعَاوِيَةَ ]. وَقِيلَ: هَذَا كَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: فُتِحَتْ سَنَةَ سِتِّينَ.

  71. التاريخ 2162لا حكم مسجّل

    وفي سنة ثلاث وخمسين حَجَّ بِالنَّاسِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَكَانَ هُوَ الْعَامِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ  ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدُ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ. وَعَلَى خُرَاسَانَ خُلَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيُّ.

  72. التاريخ 2163لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   جبلة بن الأيهم جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ: كَانَ مَلِكَ غَسَّانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ  وَكَتَبَ بِإِسْلَامِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا حَتَّى كَانَ فِي زَمَانِ عُمَرَ ؓ فَوَطِئَ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَوَثَبَ الْمُزَنِيُّ فَلَطَمَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِدِمَشْقَ، فَأَخَذَ الرَّجُلَ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَقَالُوا: هَذَا لَطَمَ جَبَلَةَ بْنَ الْأَيْهَمِ، قَالَ: فَلْيَلْطِمْهُ، قَالُوا: وَمَا يُقْتَلُ ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: فَمَا تَقْطَعُ يَدَهُ ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَوَدِ، قَالَ جَبَلَةُ: أَتَرَوْنَ أَنِّي جَاعِلٌ وَجْهِي نِدًّا لِوَجْهِ جُدَرٍ جَاءَ مِنْ عُمْقٍ - يَعْنِي مَوْضِعًا فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ - بِئْسَ الدِّينُ هَذَا. ثُمَّ ارْتَدَّ نَصْرَانِيًّا، وَتَرَحَّلَ بِقَوْمِهِ حَتَّى دَخَلَ أَرْضَ الرُّومِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ لَنَا خَبَرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَنَّهُ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: كَتَبَ جَبَلَةُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْ بَنِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَسُرَّ عُمَرُ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِإِنْزَالٍ، وَأَمَرَ جَبَلَةُ مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَبِسُوا الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ، وَرَكِبُوا الْخَيْلَ مَعْقُودَةً أَذْنَابُهَا وَأَلْبَسُوهَا قَلَائِدَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَبِسَ جَبَلَةُ تَاجَهُ وَفِيهِ قُرْطُ مَارِيَةَ، وَهِيَ جَدَّتُهُ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَبْقَ بِهَا بِكْرٌ وَلَا عَانِسٌ إِلَّا خَرَجَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى زِيِّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى عُمَرَ رَحَّبَ بِهِ وَأَلْطَفَهُ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الْحَجِّ، فَحَجَّ مَعَهُ جَبَلَةَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَطِئَ إِزَارَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فَانْحَلَّ، فَرَفَعَ جَبَلَةُ يَدَهُ فَهَشَّمَ أَنْفَهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ عُمَرَ، فَبَعَثَ إِلَى جَبَلَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ تَعَمَّدَ حَلَّ إِزَارِي وَلَوْلَا حُرْمَةُ الْكَعْبَةِ لَضَرَبْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قَدْ أَقْرَرْتَ، فَإِمَّا أَنْ تُرْضِيَ الرَّجُلَ وَأَمَّا أَنْ أُقِيدَ مِنْكَ، قَالَ جَبَلَةُ: تَصْنَعُ بِي مَاذَا ؟ قَالَ: آمُرُ بِهَشْمِ أَنْفِكَ كَمَا فَعَلْتَ، قَالَ، كَيْفَ ذَلِكَ وَهُوَ سُوقَةٌ وَأَنَا مَلِكٌ ؟ قَالَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ جَمَعَكَ وَإِيَّاهُ، فَلَسْتَ تَفْضُلُهُ إِلَّا بِالتُّقَى، قَالَ جَبَلَةُ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنِّي أَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ أَعَزَّ مِنِّي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ عُمَرُ: دَعْ ذَا عَنْكَ [فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُرْضِ الرَّجُلَ ] اقْتَدْتُهُ مِنْكَ، قَالَ: إِذًا أَتَنْصُرُ، قَالَ: إِنْ تَنَصَّرَتْ ضَرَبْتُ عُنُقَكَ لِأَنَّكَ قَدْ أَسْلَمْتَ فَإِنِ ارْتَدَدْتَ قَتَلْتُكَ. فَلَمَّا رَأَى الْجِدَّ مِنْ عُمَرَ قَالَ: أَنَا نَاظِرٌ فِي هَذِهِ لَيْلَتِي هَذِهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِبَابِ عُمَرَ مِنْ حَيِّ هَذَا وَحَيِّ هَذَا خَلْقٌ كَثِيرٌ حَتَّى كَادَتْ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ، فَلَمَّا أَمْسَوْا أَذِنَ لَهُ عُمَرُ فِي الِانْصِرَافِ حَتَّى إِذَا نَامَ النَّاسُ تَحَمَّلَ بِخَيْلِهِ وَرَوَاحِلِهِ إِلَى الشَّامِ فَأَصْبَحَتْ مَكَّةُ بَلَاقِعَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَتَى الشَّامَ تَحَمَّلَ فِي خَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَتَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فَدَخَلَ إِلَى هِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ هُوَ وَقَوْمُهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهُ فَتْحٌ مِنَ الْفُتُوحِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَجَعَلَهُ مِنْ سُمَّارِهِ. فَمَكَثَ دَهْرًا ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى هِرْقِلَ كِتَابًا وَبَعَثَهُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَجَابَ هِرْقِلُ بِمَا أَرَادَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: هَلْ لَقِيتَ ابْنَ عَمِّكَ جَبَلَةَ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَالْقَهُ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَمَا أَخَالَنِي رَأَيْتُ ثِيَابَ هِرْقِلَ مِنَ السُّرُورِ وَالْبَهْجَةِ مَا رَأَيْتُ مِنْ ثِيَابِ جَبَلَةَ، فَاسْتَأْذَنْتُ، فَأَذِنَ وَقَامَ وَرَحَّبَ بِي عَانَقَنِي وَعَاتَبَنِي فِي تَرْكِ النُّزُولِ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ مِنَ التَّمَاثِيلِ وَالْهَوْلِ مَا لَا أُحْسِنُ أَصِفُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ رَأْسُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ أَصْهَبُ ذُو سِبَالٍ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أَمَرَ بِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ فَسُحِلَ فَذُرَّ فِي لِحْيَتِهِ، وَاسْتَقْبَلَ عَيْنَ الشَّمْسِ ثُمَّ أَجْلَسَنِي عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُهُ انْحَدَرْتُ عَنْهُ وَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا، وَسَأَلَنِي عَنِ النَّاسِ وَأَلْحَفَ فِي السُّؤَالِ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ عَرَفْتُ الْحُزْنَ فِيهِ، فَقُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِكَ وَالْإِسْلَامِ ؟ قَالَ: بَعْدَ الَّذِي كَانَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ارْتَدَّ وَضَرَبَهُمْ بِالسُّيُوفِ وَمَنَعَهُمُ الزَّكَاةَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَزَوَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أُخْتَهُ، فَقَالَ: دَعْ هَذَا عَنْكَ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى وَصِيفٍ قَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ فَوَلَّى، فَمَا شَعَرْنَا إِلَّا بِالصَّنَادِيقِ يَحْمِلُهَا الرِّجَالُ، فَوُضِعَتْ أَمَامَنَا مَائِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَاسْتَعْفَيْتُ مِنْهَا، فَأَتَى بِمَائِدَةِ خَلَنْجَ، فَوُضِعَتْ أَمَامِي وَسَعَى عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ حَارٍّ وَبَارِدٍ فِي صِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَدَارَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ فَاسْتَعْفَيْتُ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَبْرِيقٍ مِنْ ذَهَبٍ. ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى وَصِيفٍ لَهُ فَمَا كَانَ إِلَّا هُنَيْهَةٌ حَتَّى أَقْبَلَتْ عَشْرُ جَوَارٍ، فَقَعَدَ خَمْسٌ عَنْ يَمِينِهِ وَخَمْسٌ عَنْ يَسَارِهِ عَلَى كَرَاسِيِّ الْعَاجِ، وَإِذَا عَشْرٌ أُخَرُ أَحْسَنُ مِنَ الْأُوَلِ، فَقَعَدَ خَمْسٌ عَنْ يَمِينِهِ وَخَمْسٌ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ [مِنْ أَحْسَنِ مَا تَكُونُ مِنَ الْجَوَارِي ] بِطَائِرٍ أَبْيَضَ، وَفِي يَدِهَا الْيُمْنَى جَامٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ سَحِيقَانِ، وَفِي يَدِهَا الْيُسْرَى جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ [مَاءُ وَرْدٍ ] مَا لَمْ أَشُمَّ مِثْلَهُ، فَنَقَرَتِ الطَّائِرَ فَوَقَعَ فِي الْجَامِ فَتَقَلَّبَ فِيهِ ثُمَّ فِي الْجَامِ الْآخَرِ فَتَقَلَّبَ فِيهِ، ثُمَّ سَقَطَ عَلَى صَلِيبٍ فِي تَاجِ جَبَلَةَ، ثُمَّ حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ فَنَثَرَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ جَبَلَةَ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ شَرِبَ جَبَلَةُ خَمْرًا ثُمَّ اسْتَهَلَّ وَاسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْجَوَارِي: أَطْرِبْنَنِي، فَخَفَقْنَ بِعِيدَانِهِنَّ، فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ: لِلَّهِ دَرُّ عِصَابَةٍ نَادَمْتُهُمْ يَوْمًا بِجِلَّقَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ     أَوْلَادُ جَفْنَةَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِمْ قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ     بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ شُمُّ الْأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ     يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ فَطَرِبَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا شِعْرُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ فِينَا وَفِي مُلْكِنَا، ثُمَّ قَالَ لِي: كَيْفَ حَالُ حَسَّانَ ؟ قُلْتُ لَهُ: تَرَكْتُهُ ضَرِيرًا شَيْخًا كَبِيرًا. ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ: أَطْرِبْنَنِي. فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ بِقَوْلِ حَسَّانَ أَيْضًا: لِمَنِ الدَّارُ أَقْفَرَتْ بِمَعَانِ     بَيْنَ فَرْعِ الْيَرْمُوكِ فَالصَّمَّانِ فَالْقُرَيَّاتِ مِنْ بَلَاسَ فَدَارَيَّا     فَسَكَّاءَ فَالْقُصُورِ الدَّوَانِي فَحِمَى جَاسِمٍ إِلَى مَرْجِ ذِي     الصُّفَّرِ مَغْنَى قَبَائِلٍ وَهِجَانِ تِلْكَ دَارُ الْعَزِيزِ بَعْدَ أَلُوفٍ     وَحُلُولٍ عَظِيمَةِ الْأَرْكَانِ صَلَوَاتُ الْمَسِيحِ فِي ذَلِكَ الدَّيْ     رِ دُعَاءُ الْقِسِّيسِ وَالرُّهْبَانِ ذَاكَ مَغْنًى لِآلِ جَفْنَةَ فِي الدَّهْ     رِ مَحَاهُ تَعَاقُبُ الْأَزْمَانِ فَأُرَانِي هُنَاكَ حَقَّ مَكِينٍ     عِنْدَ ذِي التَّاجِ مَجْلِسِي وَمَكَانِي ثَكِلَتْ أُمُّهُمْ وَقَدْ ثَكِلَتْهُمْ     يَوْمَ حَلُّوًا بِحَارِثِ الْجَوْلَانِ قَدْ - دَنَا الْفِصْحُ فَالْوَلَائِدُ يَنْظِمْ     نَ سِرَاعًا أَكِلَّةَ الْمَرْجَانِ قَالَ: هَذَا لِابْنِ الْفُرَيْعَةِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فِينَا وَفِي مُلْكِنَا وَفِي مَنَازِلِنَا بِأَكْنَافِ غُوطَةِ دِمَشْقَ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ: بَكِّينَنِي. فَوَضَعْنَ عِيدَانَهُنَّ وَنَكَّسْنَ رُءُوسَهُنَّ وَقُلْنَ: تَنَصَّرَتِ الْأَشْرَافُ مِنْ عَارِ لَطْمَةٍ     وَمَا كَانَ فِيهَا لَوْ صَبَرْتُ لَهَا ضَرَرْ تَكَنَّفَنِي فِيهَا لَجَاجٌ وَنَخْوَةٌ     وَبِعْتُ بِهَا الْعَيْنَ الصَّحِيحَةَ بِالْعَوَرْ فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وَلَيْتَنِي     رَجَعْتُ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ عُمَرْ وَيَا لَيْتَنِي أَرْعَى الْمَخَاضَ بِقَفْرَةٍ     وَكُنْتُ أَسِيرًا فِي رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرْ وَيَا لَيْتَ لِي بِالشَّامِ أَدْنَى مَعِيشَةٍ     أُجَالِسُ قَوْمِي ذَاهِبَ السَّمْعِ وَالْبَصَرْ أَدِينُ بِمَا دَانُوا بِهِ مِنْ شَرِيعَةٍ     وَقَدْ يَصْبِرُ الْعَوْدُ الْكَبِيرُ عَلَى الدَّبَرْ قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ بِدُمُوعِهِ، وَبَكَيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ هِرَقْلِيَّةٍ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَوْصِلْهَا إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. وَجَاءَ بِأُخْرَى فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ لَكَ. فَقُلْتُ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وَلَا أَقْبَلُ مِنْكَ شَيْئًا وَقَدِ ارْتَدَدْتَ عَنِ الْإِسْلَامِ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَضَافَهَا إِلَى الَّتِي لِحَسَّانَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ هِرَقْلِيَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَبْلِغْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنِّي السَّلَامَ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ أَخْبَرْتُهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: وَرَأَيْتَهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ، تَعَجَّلَ فَانِيَةً بِبَاقِيَةٍ، فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَمَا الَّذِي وَجَّهَ بِهِ لِحَسَّانَ ؟ قُلْتُ: خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ هِرَقْلِيَّةٍ، فَدَعَا حِسَانًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَأَخَذَهَا وَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ جَفْنَةَ مِنْ بَقِيَّةِ مَعْشَرٍ     لَمْ يَغْذُهُمْ آبَاؤُهُمْ بِاللُّومِ لَمْ يَنْسَنِي بِالشَّامِ إِذْ هُوَ رَبُّهَا     كَلًّا وَلَا مُتَنَصِّرًا بِالرُّومِ يُعْطِي الْجَزِيلَ وَلَا يَرَاهُ عِنْدَهُ     إِلَّا كَبَعْضِ عَطِيَّةِ الْمَحْرُومِ وَأَتَيْتُهُ يَوْمًا فَقَرَّبَ مَجْلِسِي     وَسَقَى فَرَوَّانِي مِنَ الْخُرْطُومِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ رَسُولًا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَاجْتَمَعَ بِجَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ، فَرَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأَمْوَالِ ; مِنَ الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ وَالذَّهَبِ وَالْخُيُولِ، فَقَالَ لَهُ جَبَلَةُ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ يُقْطِعُنِي أَرْضَ الْبَثْنِيَّةِ فَإِنَّهَا مَنَازِلُنَا، وَعِشْرِينَ قَرْيَةً مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ وَيَفْرِضُ لِجَمَاعَتِنَا، وَيُحْسِنُ جَوَائِزَنَا، لَرَجَعْتُ إِلَى الشَّامِ. فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ مُعَاوِيَةَ بِقَوْلِهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَنَا أُعْطِيهُ ذَلِكَ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا مَعَ الْبَرِيدِ بِذَلِكَ، فَمَا أَدْرَكَهُ الْبَرِيدُ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: وَجَّهَنِي مُعَاوِيَةُ إِلَى مِلْكِ الرُّومِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ دُونَ مَجْلِسِ الْمَلِكِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ غَلَبَ عَلَيَّ الشَّقَاءُ، أَنَا جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، إِذَا صِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَالْقَنِي. فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَتَيْتُهُ فَلَقِيتُهُ عَلَى شَرَابِهِ وَعِنْدَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِهِ بِشِعْرٍ حَسَّانَ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ السَّكَنِ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ السَّكَنِ  : لَهُ صُحْبَةٌ، رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَاخْتَطَّ بِهَا [دَارًا ]، وَمَنْزِلُهُ بَاقٍ. رَوَى عَنْهُ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزْنِيُّ وَغَيْرُهُ. وَلَهُ بِالْمَغْرِبِ وِلَايَاتٌ وَفُتُوحٌ. تُوُفِّيَ بِبَرْقَةَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَيْهَا لِمَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَمِيرِ مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ  : كَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَسْلَمَ. رَوَى أَبُو عَبْدِهِ، عَنْ عِقَالِ بْنِ شَبَّةَ، قَالَ: قَالَ صَعْصَعَةُ: خَرَجْتُ بَاغِيًا نَاقَتَيْنِ لِي فَرُفِعَتْ لِي نَارٌ فَسِرْتُ نَحْوَهَا وَهَمَمْتُ بِالنُّزُولِ، فَجَعَلَتِ النَّارُ تُضِيءُ مَرَّةً وَتَخْبُو أُخْرَى، فَلَمْ تَزَلْ تَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى قُلْتُ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ بَلَغَتْنِي هَذِهِ النَّارُ أَنْ لَا أَجِدَ أَهْلَهَا يُوقِدُونَهَا لِكُرْبَةٍ: إِلَّا فَرَّجْتُهَا عَنْهُمْ، قَالَ: فَلَمْ أَسِرْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَتَيْتُهَا، فَإِذَا حَيٌّ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ، وَإِذَا بِشَيْخٍ يُوقِدُهَا فِي مُقَدَّمِ بَيْتِهِ، وَالنِّسَاءُ قَدِ اجْتَمَعْنَ إِلَى امْرَأَةٍ مَاخِضٍ قَدْ حَبَسَتْهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أَنَا صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِنَا، فَفِيمَ أَنْتَ يَا بْنَ أَخِي ؟ فَقُلْتُ: فِي بِغَاءِ نَاقَتَيْنِ لِي، قَالَ: قَدْ وَجَدْتُهُمَا بَعْدَ أَنْ أَحْيَى اللَّهُ بِهِمَا أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ قَوْمِكَ، وَقَدْ تَجْنَاهُمَا وَعَطَفْتُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهُمْ شَأْنُكَ فِي أَدْنَى الْإِبِلِ، قَالَ: فَفِيمَ تُوقِدُ نَارَكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، قَالَ: أَوْقَدْتُهَا لِامْرَأَةٍ مَاخِضٍ قَدْ حَبَسَتْنَا مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، قَالَ: فَقَالَ النِّسَاءُ: قَدْ جَاءَ الْوَلَدُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: إِنْ كَانَ غُلَامًا فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَلَا أَسْمَعَنَّ صَوْتَهَا إِلَّا قَتَلْتُهَا، فَقُلْتُ، يَا هَذَا، ذَرْهَا فَإِنَّهَا ابْنَتُكَ وَرِزْقُهَا عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ أَقْتُلُهَا، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ بِهَا حَفِيًّا فَاشْتَرِهَا مِنِّي، قُلْتُ: إِنِّي أَشْتَرِيهَا مِنْكَ، فَقَالَ: مَا تُعْطِينِي ؟ قُلْتُ: أُعْطِيكَ إِحْدَى نَاقَتَيَّ، قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَزِيدُكَ الْأُخْرَى، فَنَظَرَ إِلَى جَمَلِي الَّذِي تَحْتِي، فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَزِيدَنِي جَمَلَكَ هَذَا فَإِنِّي أَرَاهُ حَسَنَ اللَّوْنِ شَابَّ السِّنِّ، فَقُلْتُ: هُوَ لَكَ عَلَى أَنْ تُبَلِّغَنِي أَهْلِي، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ. فَابْتَعْتُهَا مِنْهُ، وَأَخَذْتُ عَلَيْهِ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَيُحْسِنَنَّ بِرَّهَا وَصِلَتَهَا مَا عَاشَتْ حَتَّى تَبِينَ عَنْهُ أَوْ يُدْرِكَهَا الْمَوْتُ، فَلَمَّا بَرَزْتُ مِنْ عِنْدِهِ حَدَّثْتُ نَفْسِي وَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ مَكْرُمَةٌ مَا سَبَقَنِي إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَسْمَعَ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ يُرِيدُ أَنْ يَئِدَ بِنْتًا لَهُ إِلَّا اشْتَرَيْتُهَا بِلَقُوحَةٍ وَجَمَلٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَدْ أَحْيَيْتُ مِائَةَ مَوْءُودَةٍ إِلَّا أَرْبَعًا لَمْ يُشَارِكْنِي فِي ذَلِكَ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَحْرِيمَهُ فِي الْقُرْآنِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ أَحْيَى ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَوْءُودَةً. وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَمِائَةٍ. وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا صَنَعَ، فَقَالَ: "لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ إِذْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِالْإِسْلَامِ ". ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - وَيُقَالُ لَهُ زِيَادُ ابْنُ أَبِيهِ وَ: زِيَادُ ابْنُ سُمَيَّةَ. وَهِيَ أُمُّهُ - فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَطْعُونًا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنِّي قَدْ ضَبَطْتُ لَكَ الْعِرَاقَ بِشِمَالِي، وَيَمِينِي فَارِغَةٌ. وَهُوَ يُعَرِّضُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَهُ عَلَى بِلَادِ الْحِجَازِ أَيْضًا، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْحِجَازِ ذَلِكَ جَاءُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَشَكَوْا إِلَيْهِ ذَلِكَ، وَخَافُوا أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ زِيَادٌ، فَيَعْسِفَهُمْ كَمَا عَسَفَ أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَقَامَ ابْنُ عُمَرَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَا عَلَى زِيَادٍ وَالنَّاسُ يُؤَمِّنُونَ، فَطُعِنَ زِيَادٌ بِالْعِرَاقِ فِي يَدِهِ فَضَاقَ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وَاسْتَشَارَ شُرَيْحًا الْقَاضِيَ فِي قَطْعِ يَدِهِ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: إِنِّي لَا أَرَى لَكَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَجَلِّ فُسْحَةٌ لَقِيتَ اللَّهَ أَجْذَمَ قَدْ قَطَعْتَ يَدَكَ جَزَعًا مِنْ لِقَائِهِ، وَإِنْ كَانَ لَكَ أَجْلٌ بَقِيتَ فِي النَّاسِ أَجْذَمَ فَيُعَيَّرُ وَلَدُكَ بِذَلِكَ. فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجَ شُرَيْحٌ مِنْ عِنْدِهِ عَاتَبَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَقَالُوا: هَلَّا تَرَكَتْهُ فَقَطَعَ يَدَهُ ؟ فَقَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ". وَيُقَالُ: إِنَّ زِيَادًا جَعَلَ يَقُولُ: أَأَنَامَ أَنَا وَالطَّاعُونُ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ ؟ فَعَزَمَ عَلَى قَطْعِ يَدِهِ، فَلَمَّا جِيءَ بِالْمَكَاوِي وَالْحَدِيدِ خَافَ مِنْ ذَلِكَ، فَتَرَكَ ذَلِكَ. وَذُكِرَ أَنَّهُ جَمَعَ مِائَةً وَخَمْسِينَ طَبِيبًا لِيُدَاوُوهُ مِمَّا يَجِدُ مِنَ الْحَرِّ فِي بَاطِنِهِ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَطِبَّاءَ مِمَّنْ كَانَ يَطِبُّ كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ فَعَجَزُوا عَنْ رَدِّ الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ وَالْأَمْرِ الْمَحْمُومِ، فَمَاتَ فِي ثَالِثِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ قَامَ فِي إِمْرَةِ الْعِرَاقِ خَمْسَ سِنِينَ. وَدُفِنَ بِالثَّوِيَّةِ خَارِجَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ كَانَ بَرَزَ مِنْهَا قَاصِدًا الْحِجَازَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ مَوْتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: اذْهَبْ إِلَيْكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، فَلَا الدُّنْيَا بَقِيَتْ لَكَ، وَلَا الْآخِرَةَ أَدْرَكْتَ. وعَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَمَعَ زِيَادٌ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَمَلَأَ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ وَالرَّحْبَةَ وَالْقَصْرَ ; لِيَعْرِضَهُمْ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَإِنِّي لَمَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِي مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالنَّاسُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ مِنْ ذَلِكَ وَفِي حَصْرٍ. قَالَ: فَهَوَّمْتُ تَهْوِيمَةً - أَيْ نَعَسْتُ نَعْسَةً - فَرَأَيْتُ شَيْئًا أَقْبَلَ طَوِيلَ الْعُنُقِ، لَهُ عُنُقٌ مِثْلَ عُنُقِ الْبَعِيرِ، أَهْدَبَ أَهْدَلَ فَقُلْتُ: مَا أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَنَا النَّقَّادُ ذُو الرَّقَبَةِ، بُعِثْتُ إِلَى صَاحِبِ هَذَا الْقَصْرِ. فَاسْتَيْقَظْتُ فَزِعًا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَلْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ ؟ قَالُوا: لَا. فَأَخْبَرْتُهُمْ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا خَارِجٌ مِنَ الْقَصْرِ فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَقُولُ لَكُمْ: انْصَرِفُوا عَنِّي، فَإِنِّي عَنْكُمْ مَشْغُولٌ. وَإِذَا الطَّاعُونُ قَدْ أَصَابَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ زِيَادًا لَمَّا وَلِيَ الْكُوفَةَ سَأَلَ عَنْ أَعَبْدِ أَهْلِهَا، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْمُغِيرَةِ الْحِمْيَرِيُّ. فَجَاءَ بِهِ فَقَالَ لَهُ: الْزَمْ بَيْتَكَ وَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ وَأَنَا أُعْطِيكَ مِنَ الْمَالِ مَا شِئْتَ. فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي مُلْكَ الْأَرْضِ مَا تَرَكْتُ خُرُوجِي لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. فَقَالَ: الْزَمِ الْجَمَاعَةَ وَلَا تَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَلَمَّا احْتَضَرَ قَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبَةِ، قَدْ هَيَّأْتُ لَكَ سِتِّينَ ثَوْبًا أُكَفِّنُكَ فِيهَا. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، قَدْ دَنَا مِنْ أَبِيكَ أَمْرٌ ; إِمَّا لِبَاسٌ خَيْرٌ مِنْ لِبَاسِهِ وَإِمَّا سَلْبٌ سَرِيعٌ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَ مِسْكِينٌ الدَّارِمِيُّ يَرْثِيهِ: رَأَيْتُ زِيَادَةَ الْإِسْلَامِ وَلَّتْ     جِهَارًا حِينَ وَدَّعَنَا زِيَادُ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يُجِيبُهُ، وَلَمْ يَكُنْ هَجَا زِيَادًا حَتَّى مَاتَ: أَمَسْكَيْنُ أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَيْكَ إِنَّمَا     جَرَى فِي ضَلَالٍ دَمْعُهَا فَتَحَدَّرَا بَكَيْتَ امْرَأً مِنْ أَهْلِ مَيْسَانَ كَافِرًا     كَكِسْرَى عَلَى عِدَّانِهِ أَوْ كَقَيْصَرَا أَقُولُ لَهُ لَمَّا أَتَانِي نَعِيُّهُ     بِهِ لَا بِظَبْيٍ بِالصَّرِيمَةِ أَعْفَرَا وَكَانَ زِيَادٌ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَفِي عَيْنِهِ الْيُمْنَى انْكِسَارٌ، أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ مَخْرُوطَهَا، عَلَيْهِ قَمِيصٌ رُبَّمَا رَقَّعَهُ. الربيع بن زياد الحارثي ذِكْرُ وَفَاةِ الرَّبِيعِ   وَفِيهَا مَاتَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْحَارِثِيُّ عَامِلُ خُرَاسَانَ مِنْ قِبَلِ زِيَادٍ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ سَخِطَ قَتْلَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: لَا تَزَالُ الْعَرَبُ تُقْتَلُ صَبْرًا بَعْدَهُ، وَلَوْ نَفَرَتْ عِنْدَ قَتْلِهِ لَمْ يُقْتَلْ رَجُلٌ مِنْهُمْ صَبْرًا، وَلَكِنَّهَا أَقَرَّتْ فَذَلَّتْ: ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ جُمُعَةً، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُ الْحَيَاةَ وَإِنِّي دَاعٍ بِدَعْوَةٍ فَأَمِّنُوا ! ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ عَاجِلًا ! وَأَمَّنَ النَّاسُ، ثُمَّ خَرَجَ فَمَا تَوَارَتْ ثِيَابُهُ حَتَّى سَقَطَ فَحُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ، وَاسْتُخْلِفَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ بَعْدَهُ بِشَهْرَيْنِ. [ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق   ]: وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فِي نَوْمَةٍ نَامَهَا، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ. فيروز الديلمي وَفِيهَا تُوُفِّيَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى صَنْعَاءَ. عمرو بن حزم وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ. فضالة بن عبيد وَفِيهَا مَاتَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَاضِيهَا لِمُعَاوِيَةَ، ( وَقِيلَ: مَاتَ آخَرَ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ )، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا.

  73. التاريخ 2164لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ كان مَشْتَى مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَصَائِفَةُ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ السُّلَمِيِّ.

  74. التاريخ 2165لا حكم مسجّل

    عَزْلِ سَعِيدٍ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتِعْمَالِ مَرْوَانَ  وفي سنة أربع وخمسين عَزَلَ مُعَاوِيَةُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَعْمَلَ مَرْوَانَ   وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُغْرِي بَيْنَ مَرْوَانَ وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَكَتَبَ إِلَى سَعِيدٍ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ: اهْدِمْ دَارَ مَرْوَانَ، فَلَمْ يَهْدِمْهَا، فَأَعَادَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَعَزَلَهُ مُعَاوِيَةُ، وَوَلَّى مَرْوَانَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِقَبْضِ أَمْوَالِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهَدْمِ دَارِهِ، فَأَخَذَ الْفَعَلَةَ وَسَارَ إِلَى دَارِ سَعِيدٍ لِيَهْدِمَهَا، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ أَتَهْدِمُ دَارِي ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَتَبَ إِلَيَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْكَ فِي هَدْمِ دَارِي لَفَعَلْتَ: فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ: قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ: قَالَ: كَلَّا: وَقَالَ لِغُلَامِهِ: ائْتِنِي بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ، فَجَاءَهُ بِالْكِتَابَيْنِ، فَلَمَّا رَآهُمَا مَرْوَانُ قَالَ: كَتَبَ إِلَيْكَ فَلَمْ تَفْعَلْ وَلَمْ تُعْلِمْنِي ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: مَا كُنْتُ لِأَمُنَّ عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ أَنْ يُحَرِّضَ بَيْنَنَا: فَقَالَ مَرْوَانُ: أَنْتَ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنِّي. وَعَادَ وَلَمْ يَهْدِمْ دَارَ سَعِيدٍ، وَكَتَبَ سَعِيدٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ: الْعَجَبُ مِمَّا صَنَعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِنَا فِي قَرَابَتِنَا ! إِنَّهُ يُضْغِنُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ، فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي حِلْمِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى مَا يَكْرَهُ مِنَ الْأَخْبَثِينَ، وَعَفْوِهِ وَإِدْخَالِهِ الْقَطِيعَةَ بَيْنَنَا وَالشَّحْنَاءَ، وَتَوَارُثَ الْأَوْلَادِ ذَلِكَ، فَوَاللَّهِ لَوْ لَمْ نَكُنْ أَوْلَادَ أَبٍ وَاحِدٍ لَمَا جَمَعَنَا اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ نُصْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ، وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِنَا، لَكَانَ حَقًّا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَرْعَى ذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَعْتَذِرُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَنَصَّلُ وَأَنَّهُ عَائِدٌ إِلَى أَحْسَنِ مَا يَعْهَدُهُ. وَقَدِمَ سَعِيدٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ مَرْوَانَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا بَاعَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَكَ ؟ قَالَ: خَافَنِي عَلَى شَرَفِهِ وَخِفْتُهُ عَلَى شَرَفِي: قَالَ: فَمَاذَا لَهُ عِنْدَكَ ؟ قَالَ: أُسِرُّهُ شَاهِدًا وَغَائِبًا.

  75. التاريخ 2166لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة أربع وخمسين عَزَلَ مُعَاوِيَةُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ غَيْلَانَ   وَكَانَ سَمُرَةُ خَلِيفَةَ زِيَادٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا مَاتَ زِيَادٌ أَقَرَّهُ مُعَاوِيَةُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ عَزَلَهُ، فَقَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ: وَاللَّهِ لَوْ أَطَعْتُ اللَّهَ كَمَا أَطَعْتُ مُعَاوِيَةَ مَا عَذَّبَنِي أَبَدًا. وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْهُ. وَأَقَرَّ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ عَلَى نِيَابَةِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ زِيَادٌ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهَا.

  76. التاريخ 2167لا حكم مسجّل

    اسْتِعْمَالِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ  وَفِي سنة أربع وخمسين وَلَّى مُعَاوِيَةُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ خُرَاسَانَ   وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ زِيَادٌ، وَفَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَنِ اسْتَخْلَفَ أَخِي عَلَى عَمَلِهِ بِالْكُوفَةِ ؟ قَالَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، قَالَ: وَعَلَى الْبَصْرَةِ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ، فَقَالَ: لَوِ اسْتَعْمَلَكَ أَبُوكَ لَاسْتَعْمَلْتُكَ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي حَرْبٍ وَلَّاهُ الطَّائِفَ، فَإِنْ رَأَى فِيهِ مَا يُعْجِبُهُ وَلَّاهُ مَكَّةَ مَعَهَا، فَإِنْ أَحْسَنَ الْوِلَايَةَ جَمَعَ لَهُ مَعَهَا الْمَدِينَةَ، فَكَانَ إِذَا وَلَّى الطَّائِفَ رَجُلًا قِيلَ: هُوَ فِي أَبِي جَادٍ، وَإِذَا وَلَّاهُ مَكَّةَ قِيلَ: هُوَ فِي الْقَرَارِ، فَإِذَا وَلَّاهُ الْمَدِينَةَ قِيلَ: هُوَ قَدْ حَذَقَ. فَوَلَّى مُعَاوِيَةُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ خُرَاسَانَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَقَدِمَهَا وَقَطَعَ النَّهْرَ إِلَى جِبَالِ بُخَارَى، فَفَتَحَ رَامِيثَنَ، وَنِصْفَ بَيْكَنْدَ - وَهُمَا مِنْ بُخَارَى - وَلَقِيَ التُّرْكَ بِبُخَارَى وَمَعَ مِلْكِهِمُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا هَزَمَهُمُ اللَّهُ أَعْجَلَهَا الْمُسْلِمُونَ عَنْ لُبْسِ خُفَّيْهَا، فَلَبِسَتْ أَحَدَهُمَا وَبَقِيَ الْآخَرَ، فَأَصَابَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَوَّمُوا الْجَوْرَبَ بِمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَأَقَامَ بِخُرَاسَانَ سَنَتَيْنِ.

  77. التاريخ 2168لا حكم مسجّل

    فَتْحِ جَزِيرَةِ أَرْوَادَ  وَفي سنة أربع وخمسين فَتَحَ الْمُسْلِمُونَ وَمُقَدِّمُهُمْ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ جَزِيرَةَ أَرْوَادَ، قَرِيبُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَأَقَامُوا بِهَا سَبْعَ سِنِينَ، وَكَانَ مَعَهُمْ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَوَلِيَ ابْنُهُ يَزِيدُ أَمَرَهُمْ بِالْعَوْدِ فَعَادُوا.

  78. التاريخ 2169لا حكم مسجّل

    وفي سنة أربع وخمسين حَجَّ بِالنَّاسِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَكَانَ هُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ  ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ غَيْلَانَ.

  79. التاريخ 2170لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ   ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَوْبَانُ بْنُ بُجْدُدٍ   مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمَوَالِي، وَمَنْ كَانَ يَخْدُمُهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. أَصْلُ ثَوْبَانَ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَصَابَهُ سِبَاءٌ، فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْتَقَهُ، فَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَفَرًا وَحَضَرًا، فَلَمَّا مَاتَ أَقَامَ بِالرَّمْلَةِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى حِمْصٍ فَابْتَنَى بِهَا دَارَا، وَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. وَهُوَ غَلَطٌ. وَيُقَالُ إِنَّهُ تُوُفِّيَ بِمِصْرَ. وَالصَّحِيحُ بِحِمْصَ. الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ  : قَالَ الْوَاقِدِيُّ: اسْمُهُ النُّعْمَانُ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: اسْمُهُ عَمْرٌو. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. شَهِدَ مَا بَعْدَ بَدْرٍ، وَحَضَرَ مَعَ عَلِيٍّ قِتَالَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ. وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ مَاتَ فِي خِلَافَتِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بَلْ عَاشَ بَعْدَهُ. وعن يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: تُوُفِّيَ أَبُو قَتَادَةَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى  : وُلِدَ قَبْلَ الْفِيلِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ خَفِيفَ اللَّحْمِ. وعن مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: دَخَلَتْ أُمُّ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْكَعْبَةَ مَعَهَا نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهِيَ حَامِلٌ بِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ فِي الْكَعْبَةِ، فَأُتِيَتْ بِنِطْعٍ حَيْثُ أَعْجَلَتْهَا الْوِلَادَةُ، فَوَلَدَتْ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ فِي الْكَعْبَةِ عَلَى النِّطْعِ. وَكَانَ حَكِيمٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمْ يَدْخُلْ دَارَ النَّدْوَةِ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلْمَشُورَةِ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، دَخَلَهَا وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ، يَقُولُ: وُلِدْتُ قَبْلَ قُدُومِ أَصْحَابِ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَنَا أَعْقِلُ حِينَ أَرَادَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ حَتَّى وَقَعَ نَذْرُهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: شَهِدَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَعَ أَبِيهِ حَرْبَ الْفِجَارِ، وَقُتِلَ أَبُوهُ حِزَامٌ فِي الْفِجَارِ الْأَخِيرِ، وَكَانَ حَكِيمٌ يُكَنَّى أَبَا خَالِدٍ وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْوَلَدِ كُلُّهُمْ أَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَأَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ، عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ، قَالُوا: بَكَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَهْ ؟ قَالَ: خِصَالٌ كُلُّهَا أَبْكَانِي، أَمَّا أَوَّلُهَا: فَبُطْءُ إِسْلَامِي حَتَّى سُبِقْتُ فِي مَوَاطِنَ كُلُّهَا صَالِحَةٌ، وَنَجَوْتُ يَوْمَ بَدْرٍ وَيَوْمَ أُحُدٍ، فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ وَلَا أُوضَعُ مَعَ قُرَيْشٍ مَا بَقِيتُ، فَأَقَمْتُ بِمَكَّةَ وَيَأْبَى اللَّهُ أَنْ يَشْرَحَ قَلْبِي لِلْإِسْلَامِ وَذَلِكَ أَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَقَايَا مِنْ قُرَيْشٍ لَهُمْ أَسْنَانٌ مُتَمَسِّكِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَقْتَدِي بِهِمْ، وَيَا لَيْتَ أَنِّي لَمْ أَقْتَدِ بِهِمْ، فَمَا أَهْلَكَنَا إِلَّا اقْتِدَاؤُنَا بِآبَائِنَا وَكُبَرَائِنَا، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ جَعَلْتُ أُفَكِّرُ، وَأَتَانِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حُرْبٍ، فَقَالَ: أَبَا خَالِدٍ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يَأْتِيَنَا مُحَمَّدٌ فِي جُمُوعِ يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ تَابِعِي إِلَى شَرَفٍ نَتَرَوَّحُ الْخَبَرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا نَتَحَدَّثُ وَنَحْنُ مُشَاةٌ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ إِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الدُّهْمِ مِنَ النَّاسِ، فَلَقِيَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبَا سُفْيَانَ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعْتُ إِلَى مَكَّةَ فَدَخَلْتُ بَيْتِي وَآمَنَ النَّاسُ، فَجِئْتُهُ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْبَطْحَاءِ وَأَسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُهُ وَشَهِدْتُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ، وَخَرَجْتُ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ. فَأَعْطَى رِجَالًا مِنَ الْغَنَائِمِ وَالْأَمْوَالِ، وَسَأَلْتُهُ حِينَئِذٍ فَأَلْحَقَتِ الْمِسَلَّةَ. وعن حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا كَانَ بِحُنَيْنٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ فَأَعْطَانِيهَا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِسْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، فَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ". فَكَانَ حَكِيمٌ يَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزْرَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ عُمَرُ يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَيَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنِّي أَدْعُوهُ إِلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ، فَلَمْ يَزْرَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَيْئًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَ. وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مِائَةَ رَقَبَةٍ وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شَيْئًا كُنْتُ فَعَلْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَحَنَّثُ بِهِ، هَلْ لِي فِيهِ مِنْ أَجْرٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ ". وعن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَ الْإِسْلَامُ وَفِي يَدِ حَكِيمٍ الرِّفَادَةُ وَدَارُ النَّدْوَةِ بِيَدِهِ، فَبَاعَهَا بَعْدُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: بِعْتَ مَكْرُمَةَ قُرَيْشٍ، فَقَالَ حَكِيمٌ: ذَهَبَتِ الْمَكَارِمُ إِلَّا التَّقْوَى يَا ابْنَ أَخِي، إِنِّي اشْتَرْيَتُ بِهَا دَارًا فِي الْجَنَّةِ، أُشْهِدُ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَكَانَ يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ، عَاشَ سِتِّينَ سَنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَسِتِّينَ سَنَةً فِي الْإِسْلَامِ. وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَجَّ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَعَهُ مِائَةُ بَدَنَةٍ [قَدْ أَهْدَاهَا ]، وَجَلَّلَهَا الْحِبَرَةَ، وَكَفَّهَا عَلَى أَعِجَازِهَا، وَوَقَفَ مِائَةَ وَصِيفٍ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي أَعْنَاقِهِمْ أَطَوْقَةُ الْفِضَّةِ قَدْ نُقِشَ فِي رُءُوسِهَا عُتَقَاءُ اللَّهِ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَعْتَقَهُمْ وَأَهْدَى أَلْفَ شَاةٍ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: وَأَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ حَصَرُوا بَنِي هَاشِمٍ فِي الشِّعْبِ، وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ تَأْتِيهِ الْعِيرُ تَحْمِلُ الْحِنْطَةَ مِنَ الشَّامِ فَيُقْبِلُ بِهَا إِلَى الشِّعْبِ، ثُمَّ يَضْرِبُ أَعِجَازَهَا فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ فَيَأْخُذُونَ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْحِنْطَةِ. قَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: كُنْتُ أُعَالِجُ الْبَزَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكُنْتُ رَجُلًا تَاجِرًا أَخْرُجُ إِلَى الْيَمَنِ وَإِلَى الشَّامِ فِي الرِّحْلَتَيْنِ، وَكُنْتُ أَرْبَحُ أَرْبَاحًا كَثِيرَةً فَأَعُودُ عَلَى فُقَرَاءِ قَوْمِي وَنَحْنُ لَا نَعْبُدُ شَيْئًا نُرِيدُ بِذَلِكَ ثَرَاءَ الْأَمْوَالِ وَالْمَحَبَّةَ فِي الْعَشِيرَةِ، وَكُنْتُ أَحْضُرُ لِلْأَسْوَاقِ، وَكَانَ لَنَا ثَلَاثَةُ أَسْوَاقٍ: سُوقٌ بِعُكَاظَ يَقُومُ صُبْحَ هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ، فَيَقُومُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَيَحْضُرُهَا الْعَرَبُ، وَبِهَا ابْتَعْتُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ لِعَمَّتِي خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَخَذْتُهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ سَأَلَهَا زَيْدًا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَبِهَا ابْتَعْتُ حُلَّةَ ذِي يَزَنَ، كَسَوْتُهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَجْمَلَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَلْكَ الْحُلَّةِ. قَالَ: وَيُقَالُ: إِنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَدِمَ بِالْحُلَّةِ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ يُرِيدُ الشَّامَ فِي عِيرٍ، فَأَرْسَلَ بِالْحُلَّةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: "لَا أَقْبَلُ هَدِيَّةَ مُشْرِكٍ "، قَالَ حَكِيمٌ: فَجَزِعْتُ جَزَعًا شَدِيدًا حَيْثُ رَدَّ هَدِيَّتِي، وَبِعْتُهَا بِسُوقِ النَّبَطِ مِنْ أَوَّلِ سَائِمٍ سَامَنِي، وَدَسَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَاشْتَرَاهَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُهَا بَعْدُ. وَكَانَ سُوقُ مَجَنَّةً تَقُومُ عَشْرَةَ أَيَّامٍ حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ انْصَرَفْنَا وَانْتَهَيْنَا إِلَى سُوقِ ذِي الْمَجَازِ تُقَامُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَسْوَاقِ أَلْقَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوَاسِمِ يَسْتَعْرِضُ الْقَبَائِلَ قَبِيلَةً قَبِيلَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا أَرَى أَحَدًا يَسْتَجِيبُ، وَقُرَيْشٌ أَشَدُّ الْقَبَائِلِ عَلَيْهِ حَتَّى بَعَثَ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَوْمًا أَرَادَ بِهِمْ كَرَامَةَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَبَايَعُوهُ وَآمَنُوا بِهِ وَبَذَلُوا لَهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ دَارَ هِجْرَةٍ. فَلَمَّا حَجَّ مُعَاوِيَةُ سَامَنِي بِدَارِي بِمَكَّةَ فَبِعْتُهَا مِنْهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: مَا يَدْرِي هَذَا الشَّيْخُ مَا يَبِيعُ لَيُرَدَّنَّ عَلَيْهِ بَيْعَهُ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا ابْتَعْتُهَا إِلَّا بِزِقٍّ مِنْ خَمْرٍ. وَكَانَ حَكِيمٌ يَشْتَرِي الظَّهْرَ وَالْأَدَاةَ وَالزَّادَ ثُمَّ لَا يَجِيئُهُ أَحَدٌ يَسْتَحْمِلُهُ فِي السَّبِيلِ إِلَّا حَمَلَهُ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ عَامَ حَجَّ مَرَّ بِهِ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِلَقُوحٍ [يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَأَلَهُ أَيَّ الطَّعَامِ يَأْكُلُ، فَقَالَ: أَمَّا مَضْغٌ فَلَا مَضْغَ بِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِلَقُوحٍ ] وَصَلَهُ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا وَقَالَ: لَمْ آخُذْ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، قَدْ دَعَانِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ؓ إِلَى حَقِّي فَأَبَيْتُ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَسْلٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ  : أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَصَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ أَحَدُ النَّفَرِ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ. عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَشْهَلِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ حُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى قَدْ بَلَغَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ، سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا وَلِيَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْمَدِينَةَ فِي عَمَلِهِ الْأَوَّلِ دَخَلَ عَلَيْهِ حُوَيْطِبٌ مَعَ مَشْيَخَةٍ جُلَّةٍ: حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ حُوَيْطِبٌ يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَحَدَّثَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا سِنُّكَ ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: تَأَخَّرَ إِسْلَامُكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ حَتَّى سَبَقَكَ الْأَحْدَاثُ، فَقَالَ حُوَيْطِبٌ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ بِالْإِسْلَامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَعُوقُنِي أَبُوكَ، يَقُولُ: تَدَعُ شَرَفَكَ، وَتَدَعُ دِينَ آبَائِكَ لِدِينٍ مُحْدَثٍ وَتَصِيرُ تَابِعًا، قَالَ: فَأُسْكِتَ مَرْوَانُ، وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ. قَالَ لَهُ: ثُمَّ قَالَ حُوَيْطِبٌ: أَمَا كَانَ أَخْبَرَكَ عُثْمَانُ مَا كَانَ لَقِيَ مِنْ أَبِيكَ حِينَ أَسْلَمَ ؟ فَازْدَادَ مَرْوَانُ غَمًّا، ثُمَّ قَالَ حُوَيْطِبٌ: مَا كَانَ فِي قُرَيْشٍ أَحَدٌ مِنْ كُبَرَائِنَا الَّذِينَ بَقَوْا عَلَى دِينِ قَوْمِهِمْ إِلَى أَنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، كَانَ أَكْرَهَ لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنِّي، وَلَكِنَّ الْمَقَادِيرَ. وَلَقَدْ شَهِدْتُ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَرَأَيْتُ عِبَرًا، رَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تَقْتُلُ وَتَأْسِرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ مَمْنُوعٌ، وَلَمْ أَذْكُرْ مَا رَأَيْتُ، فَانْهَزَمْنَا رَاجِعِينَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَمْنَا بِمَكَّةَ نُسْلِمُ رَجُلًا رَجُلًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْحُدَيْبِيَةِ حَضَرْتُ وَشَهِدْتُ الصُّلْحَ وَمَشِيتُ فِيهِ حَتَّى تَمَّ، وَكُلُّ ذَلِكَ أُرِيدُ الْإِسْلَامَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا يُرِيدُ، فَلَمَّا كَتَبْنَا صُلْحَ الْحُدَيْبِيَةِ كُنْتُ أَنَا أَحَدَ شُهُودِهِ، قُلْتُ: لَا تَرَى قُرَيْشٌ مِنْ مُحَمَّدٍ إِلَّا مَا يَسُوؤُهَا، قَدْ رَضِيتُ أَنْ دَافَعْتُ بِالرَّاحِ. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْقَضِيَّةِ، وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ عَنْ مَكَّةَ، وَكُنْتُ فِيمَنْ تَخَلَّفَ فِي مَكَّةَ أَنَا وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَلَاتَ يَخْرُجُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا مَضَى الْوَقْتُ، وَهُوَ ثَلَاثٌ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الثَّلَاثُ أَقْبَلْتُ أَنَا وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقُلْنَا: قَدْ مَضَى شَرْطُكَ فَاخْرُجْ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ بَلَدِنَا، فَصَاحَ: يَا بِلَالُ لَا تَغِيبُ الشَّمْسُ وَأَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا. وعَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَهْمٍ، قَالَ: قَالَ حُوَيْطِبٌ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خِفْتُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْتِي وَفَرَّقْتُ عِيَالِي فِي مَوَاضِعَ يَأْمَنُونَ فِيهَا، ثُمَّ انْتَهَيْتُ إِلَى حَائِطِ عَوْفٍ، فَكُنْتُ فِيهِ فَإِذَا أَنَا بِأَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُلَّةٌ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ هَرَبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: أَبَا مُحَمَّدٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: مَا لَكَ، قُلْتُ: الْخَوْفُ، قَالَ: لَا خَوْفَ عَلَيْكَ تَعَالَ أَنْتَ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ إِلَى مَنْزِلِكَ، قُلْتُ: وَهَلْ سَبِيلٌ إِلَى مَنْزِلِي، وَاللَّهِ مَا أَرَانِي أَصِلُ إِلَى بَيْتِي حَيًّا حَتَّى أُلْقَى فَأُقْتَلَ أَوْ يُدْخَلَ عَلَيَّ فِي مَنْزِلِي فَأُقْتَلَ وَإِنَّ عِيَالِي فِي مَوَاضِعَ شَتَّى، قَالَ: فَاجْمَعْ عِيَالَكَ مَعَكَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وَأَنَا أَبْلُغُ مَعَكَ مَنْزِلَكَ، فَبَلَغَ مَعِي وَجَعَلَ يُنَادِي عَلَى بَابِي: إِنَّ حُوَيْطِبَ آمِنٌ فَلَا يُهَجْ. ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "أَوَلَيْسَ قَدْ آمَنَّا النَّاسَ كُلَّهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرْتَ بِقَتْلِهِ ". فَاطْمَأْنَنْتُ وَرَدَدْتُ عِيَالِي إِلَى مَوَاضِعِهِمْ، وَعَادَ إِلَيَّ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ حَتَّى مَتَى وَإِلَى مَتَى قَدْ سُبِقْتَ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا وَفَاتَكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَبَقِيَ خَيْرٌ كَثِيرٌ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ النَّاسِ وَأَحْلَمُ النَّاسِ. قُلْتُ: فَأَنَا أَخْرُجُ مَعَكَ فَآتِيهِ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَوَقَفْتُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَدْ سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ: كَيْفَ يُقَالُ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ: قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، قَالَ: "وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، أَحُوَيْطِبٌ ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَاكَ ". وَسُرَّ بِإِسْلَامِيٍّ وَاسْتَقْرَضَنِي مَالًا فَأَقْرَضْتُهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدْتُ مَعَهُ حُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، وَأَعْطَانِي مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ مِائَةَ بَعِيرٍ. ثُمَّ قَدِمَ حُوَيْطِبٌ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَهَا وَلَهُ بِهَا دَارٌ. وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بَاعَ حُوَيْطِبٌ دَارَهُ بِمَكَّةَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَمَا أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ خَمْسَةٌ مِنَ الْعِيَالِ. وَمَاتَ حُوَيْطِبٌ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. سَعِيدُ بْنُ يَرْبُوعِ بْنِ عَنْكَثَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ سَعِيدُ بْنُ يَرْبُوعِ بْنِ عَنْكَثَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ  : أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا وَأَعْطَاهُ مِنْ غَنَائِمِهَا خَمْسِينَ بَعِيرًا، وَكَانَ مِمَّنْ يُجَدِّدُ أَنْصَابَ الْحَرَمِ كُلَّ سَنَةٍ مَعْرِفَةً بِهَا حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ ؓ. وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدٍّ  : تَزَوَّجَهَا السَّكْرَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَسْلَمَا وَخَرَجَا إِلَى الْحَبَشَةِ فِي الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ تُوُفِّيَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهَا فَخَطَبَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ خَدِيجَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَبَنَى بِهَا بِمَكَّةَ، وَكَانَتْ قَدْ كَبُرَتْ فَأَرَادَ طَلَاقَهَا، فَقَالَتْ: دَعْنِي أُحْشَرُ فِي جُمْلَةِ أَزْوَاجِكَ وَلَيْلَتِي لِعَائِشَةَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ طَلَّقَهَا، فَلَمَّا قَالَتْ هَذَا رَاجَعَهَا. وَتُوُفِّيَتْ فِي شَوَّالِ هَذِهِ السَّنَةِ بِالْمَدِينَةِ. مُرَّةُ بْنُ شُرَاحَبِيلَ الْهَمْدَانِيُّ مُرَّةُ بْنُ شُرَاحَبِيلَ الْهَمْدَانِيُّ: وَيُقَالُ لَهُ: مُرَّةُ الْخَيْرِ، وَمُرَّةُ الطَّيِّبُ، سُمِّيَ ذَلِكَ لِعِبَادَتِهِ. وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ تَبَيَّنَ فِي وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ آثَارُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. وعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: كَانَ مُرَّةُ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، فَلَمَّا ثَقُلَ وَبَدَّنَ صَلَّى أَرْبَعَمِائَةِ رَكْعَةٍ، وَكُنْتَ تَنْظُرُ إِلَى مَبَارِكِهِ كَأَنَّهَا مَبَارِكُ الْإِبِلِ. وعن الْحَارِثُ الْغَنَوِيُّ، قَالَ: سَجَدَ مُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ حَتَى أَكَلَ التُّرَابُ جَبْهَتَهُ، فَلَمَّا مَاتَ رَآهُ رَجَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ مَوْضِعَ سُجُودِهِ كَهَيْئَةِ الْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ يَلْمَعُ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى بِوَجْهِكَ ؟ قَالَ: كَسَى مَوْضِعَ السُّجُودِ بِأَكْلِ التُّرَابِ لَهُ نُورًا، قَالَ: فَمَا مَنْزِلَتُكَ فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ: خَيْرُ مَنْزِلَةٍ، دَارٌ لَا يَنْتَقِلُ عَنْهَا أَهْلُهَا وَلَا يَمُوتُونَ. النُّعَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ النُّعَيْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ الْحَارِثِ  : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُؤْتَى بِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فِي شُرْبِ النَّبِيذِ، فَقَالَ رَجُلٌ: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يَشْرَبُ وَأَكْثَرَ مَا يُجْلَدُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ". أسامة بن زيد أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْكَلْبِيُّ  ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ مَوْلَاهُ، وَحِبُّهُ وَابْنُ حِبِّهِ، وَأُمُّهُ بَرَكَةُ أُمَّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَاضِنَتُهُ، وَلَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِمْرَةَ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِيهِ، فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمْرَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمْرَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنَّ كَانَ لَخَلِيقًا بِالْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ ". وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُجْلِسُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ، وَيُجْلِسُ أُسَامَةَ عَلَى فَخْذِهِ الْأُخْرَى وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا ". وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمْرُهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا لَقِيَهُ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ. وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: عَثَرَ أُسَامَةُ عَلَى عَتَبَةِ الْبَابِ فَشُجَّتْ جَبْهَتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عَائِشَةُ أَمِيطِي عَنْهُ الدَّمَ ". فَاسْتَقْذَرَتْهُ عَائِشَةُ. قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمُصُّ شَجَّتَهُ وَيَمُجُّهُ وَيَقُولُ: "لَوْ كَانَ أُسَامَةُ جَارِيَةً لَكَسْوَتُهُ وَحَلَّيْتُهُ حَتَّى أُنَفِّقَهُ ". وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَّرَ الْإِفَاضَةَ مِنْ عَرَفَةَ مِنْ أَجْلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَنْتَظِرُهُ، فَجَاءَ غُلَامٌ أَفْطَسُ أَسْوَدُ، فَقَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ: إِنَّمَا حُبِسْنَا مِنْ أَجْلِ هَذَا. وعن مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: بَلَغَتِ النَّخْلَةُ عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: فَعَمَدَ أُسَامَةُ إِلَى نَخْلَةٍ فَنَقَرَهَا وَأَخْرَجَ جُمَّارَهَا فَأَطْعَمَهَا أُمَّهُ، فَقَالُوا لَهُ: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا وَأَنْتَ تَرَى النَّخْلَةَ قَدْ بَلَغَتْ أَلْفَ دِرْهَمٍ ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي سَأَلَتْنِيهِ وَلَا تَسْأَلُنِي شَيْئًا أَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهَا. سَكَنَ أُسَامَةُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَادِي الْقُرَى، ثُمَّ نَزَلَ الْمَدِينَةَ فَمَاتَ بِالْجَرْفِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَصَحَّحَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ تُوُفِّيَ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَهُوَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَعُمُرُهُ مِائَةُ سَنَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً: يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ الرُّهَاوِيُّ وَفِيهَا قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ الرُّهَاوِيُّ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.

  80. التاريخ 2171لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ كان مَشْتَى سُفْيَانَ بْنِ عَوْفٍ الْأَزْدِيِّ بِأَرْضِ الرُّومِ  فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلِ الَّذِي شَتَّى هُنَاكَ عَمْرُو بْنُ مُحْرِزٍ. وَقِيلَ: بَلْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ. وَقِيلَ: بَلْ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

  81. التاريخ 2172لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ ابْنِ زِيَادٍ الْبَصْرَةَ  وفي سنة خمس وخمسين عَزَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ غَيْلَانَ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ   وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ خَطَبَ عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَحَصَبَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ يُدْعَى جُبَيْرَ بْنَ الضَّحَّاكِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، فَاجْتَمَعَتْ عَشِيرَتُهُ فَقَالَتْ لَهُ: لَا نَأْمَنُ أَنْ نُبَلِّغَ خَبَرَ صَاحِبِنَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتَأْتِيَ مِنْ عِنْدِهِ عُقُوبَةٌ تَعُمُّ أَوْ تَخُصُّ، فَإِنْ رَأَى الْأَمِيرُ أَنْ يَكْتُبَ لَنَا كِتَابًا يَخْرُجُ بِهِ أَحَدُنَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ قَطَعَهُ عَلَى شُبْهَةٍ وَأَمْرٍ لَمْ يَصِحَّ، فَكَتَبَ لَهُمْ، فَأَمْسَكُوا الْكِتَابَ مُدَّةً ثُمَّ ذَهَبُوا بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَقَالُوا: إِنَّهُ قَطَعَ يَدَ صَاحِبِنَا ظُلْمًا وَهَذَا كِتَابُهُ. فَقَرَأَ الْكِتَابَ وَقَالَ: أَمَّا الْقَوَدُ مِنْ عُمَّالِي فَلَا سَبِيلَ لَهُ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ وَدَيْتُ صَاحِبَكُمْ، فَوَدَاهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَعَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ وَقَالَ: اخْتَارُوا مَنْ تُحِبُّونَ، فَقَالُوا: يَتَخَيَّرُ لَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: قَدْ وَلَّيْتُ عَلَيْكُمُ ابْنَ أَخِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ. فَلَمَّا وُلِّيَ عَبِيدُ اللَّهِ وَلَّى أَسْلَمَ بْنَ زُرْعَةَ خُرَاسَانَ فَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يَفْتَحْ بِهَا شَيْئًا. وَوَلَّى شُرْطَتَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حِصْنٍ وَالْقَضَاءَ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى الْقَضَاءَ ابْنَ أُذَيْنَةَ الْعَبْدِيَّ.

  82. التاريخ 2173لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة خمس وخمسين عَزَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ عَنِ الْكُوفَةِ  وَوَلَّاهَا الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّ.

  83. التاريخ 2174لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   أَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ أَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ  ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَأُمُّهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَخَالُهُ نَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ خُزَاعَةَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَى مَكَّةَ. عَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْأَرْقَمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عُثْمَانُ بْنُ الْأَرْقَمِ، قَالَ: أَنَا ابْنُ سَبْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، أَسْلَمَ أَبِي سَابِعَ سَبْعَةٍ، وَكَانَتْ دَارُهُ بِمَكَّةَ عَلَى الصَّفَا، وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ فِيهَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَفِيهَا دُعِيَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَسْلَمَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقَالَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ فِيهَا: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ ". فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ الْغَدِ بُكْرَةً فَأَسْلَمَ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ وَخَرَجُوا مِنْهَا وَكَبَّرُوا وَطَافُوا بِالْبَيْتِ ظَاهِرِينَ، فَدُعِيَتْ دَارُ الْأَرْقَمِ دَارَ الْإِسْلَامِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا الْأَرْقَمُ عَلَى وَلَدِهِ، فَقَرَأْتُ نُسْخَةَ صَدَقَةِ الْأَرْقَمِ بِدَارِهِ. "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَضَى الْأَرْقَمُ فِي رُبْعِهِ مَا حَاذَى الصَّفَا، إِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ بِمَكَانِهَا مِنَ الْحَرَمِ، لَا تُبَاعُ وَلَا تُوَرَّثُ، شَهِدَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ، وَفُلَانٌ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِ ". فَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الدَّارُ صَدَقَةً قَائِمَةً فِيهَا وَلَدُهُ يَسْكُنُونَ وَيُؤَاجِرُونَ وَيَأْخُذُونَ عَلَيْهَا حَتَّى كَانَ زَمَنُ أَبِي جَعْفَرٍ. وعَنْ يَحْيَى بْنِ عِمْرَانَ أَنَّ ابْنَ عُثْمَانَ بْنِ الْأَرْقَمِ قَالَ: إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْمَ الَّذِي وَقَعْتُ فِي نَفْسِ أَبِي جَعْفَرٍ، إِنَّهُ لَيَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا وَنَحْنُ عَلَى ظَهْرِ الدَّارِ فِي فُسْطَاطٍ فَيَمُرُّ تَحْتَنَا لَوْ أَشَاءُ أَنْ آخُذَ قَلَنْسُوَةً عَلَيْهِ لَأَخَذْتُهَا، وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَيْنَا مِنْ حِينِ يَهْبِطُ بَطْنَ الْوَادِي حَتَّى يَصْعَدَ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا خَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الْأَرْقَمِ مِمَّنْ تَابَعَهُ وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ، فَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ أَنْ يَحْبِسَهُ وَيَطْرَحَهُ فِي حَدِيدٍ، ثُمَّ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ شِهَابُ بْنُ عَبْدِ رَبٍّ، وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى عَامِلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ، فَدَخَلَ شِهَابُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الْحَبْسَ - وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ابْنُ بِضْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقَدْ ضَجِرَ بِالْحَدِيدِ وَالْحَبْسِ - فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ أُخْلِّصَكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ وَتَبِيعَنِي دَارَ الْأَرْقَمِ ؟ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُهَا، وَعَسَى إِنْ بِعْتَهُ إِيَّاهَا أَنْ أُكَلِّمَهُ فِيكَ فَيَعْفُوَ عَنْكَ قَالَ: إِنَّهَا صَدَقَةٌ، وَلَكِنَّ حَقِّي مِنْهَا لَهُ وَمَعِي فِيهَا شُرَكَاءُ إِخْوَتِي وَغَيْرُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّمَا عَلَيْكَ نَفْسَكَ، أَعْطِنَا حَقَّكَ وَبَرِئْتَ. فَأَشْهَدَ لَهُ بِحَقِّهِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ كِتَابَ شِرَاءٍ عَلَى حِسَابِ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ تَتَبَّعَ إِخْوَتَهُ فَفَتَنَهُمْ بِكَثْرَةِ الْمَالِ فَبَاعُوهُ، فَصَارَتْ لِأَبِي جَعْفَرٍ وَلِمَنْ أَقْطَعَهَا، ثُمَّ صَيَّرَهَا الْمَهْدِيُّ لِلْخَيْزُرَانِ أُمِّ مُوسَى وَهَارُونَ، فَبَنَتْهَا وَعُرِفَتْ بِهَا، ثُمَّ صَارَتْ لِجَعْفَرِ بْنِ مُوسَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، [ثُمَّ سَكَنَهَا أَصْحَابُ الشَّطَوِيِّ وَالْعَدَنِيِّ، ثُمَّ اشْتَرَى ] عَامَّتَهَا غَسَّانُ بْنُ عَبَّادٍ مِنْ وَلَدِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: شَهِدَ الْأَرْقَمُ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَاتَ الْأَرْقَمُ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. سَحْبَانُ بْنُ زُفَرَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ الْأَحَبِّ الْبَاهِلِيُّ سَحْبَانُ بْنُ زُفَرَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ الْأَحَبِّ الْبَاهِلِيُّ: كَانَ خَطِيبًا بَلِيغًا يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِفَصَاحَتِهِ، وَدَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَعِنْدَهُ خُطَبَاءُ الْقَبَائِلِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ خَرَجُوا لِعِلْمِهِمْ بِقُصُورِهِمْ عَنْهُ، فَمِنْ قَوْلِهِ: لِقَدْ عَلِمَ الْحَيُّ الْيَمَانِيُّونَ أَنَّنِي إِذَا قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ، أَنِّي خَطِيبُهَا فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: اخْطُبْ، فَقَالَ: انْظُرُوا لِي عَصًا تُقِيمُ مِنْ أَوْدِي، قَالُوا: وَمَا تَصْنَعُ بِهَا وَأَنْتَ بِحَضْرَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: مَا كَانَ يَصْنَعُ بِهَا مُوسَى وَهُوَ يُخَاطِبُ رَبَّهُ، فَأَخَذَهَا وَتَكَلَّمَ مِنَ الظُّهْرِ إِلَى أَنْ قَارَبَ الْعَصْرُ مَا تَنَحْنَحَ وَلَا سَعَلَ وَلَا تَوَقَّفَ وَلَا ابْتَدَأَ فِي مَعْنًى فَخَرَجَ عَنْهُ وَقَدْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ فِيهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: الصَّلَاةَ، قَالَ: الصَّلَاةُ أَمَامَكَ أَلَسْنَا فِي تَحْمِيدٍ وَتَمْجِيدٍ وَعِظَةٍ وَتَنْبِيهٍ وَتَذْكِيرٍ وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَنْتَ أَخْطَبُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، قَالَ: كَذَلِكَ أَنْتَ. فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَافِذِ بْنِ قَيْسٍ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَافِذِ بْنِ قَيْسٍ  : كَانَ صَبِيًّا يَوْمَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُبَاءَ كُنَّا غِلْمَانًا نَحْتَطِبُ، فَأَرْسَلَنَا إِلَى أَهْلِنَا وَقَالَ: قُولُوا قَدْ جَاءَ صَاحِبُكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، فَخَرَجْنَا إِلَى أَهْلِنَا فَأَخْبَرَنَاهُمْ، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ. وَشَهِدَ فَضَالَةُ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ وَصَارَ قَاضِيًا بِهَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. قَثْمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَثْمُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ  : كَانَ [يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَرَّ بِهِ ] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَلْعَبُ، فَحَمَلَهُ خَلْفَهُ. وَاسْتَعْمَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ مَعَ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَاسْتُشْهِدَ بِسَمَرْقَنْدَ. كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادٍ، أَبُو الْيُسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادٍ، أَبُو الْيُسْرِ  : شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَكَانَ قَصِيرًا دَحْدَاحًا، أَبْطَنَ، وَهُوَ الَّذِي أَسَرَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَ بَدْرٍ. وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ   وَاسْمُهُ مَالِكُ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا. قَالُوا: وَكَانَ يَوْمَ أَسْلَمَ عُمْرُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّهُ قَالَ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ. وَهُوَ الَّذِي كَوَّفَ الْكُوفَةَ وَنَفَى عَنْهَا الْأَعَاجِمَ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَهَاجَرَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا مِنْ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ مُعَظِّمًا جَلِيلَ الْمِقْدَارِ، وَكَذَلِكَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَهُوَ الَّذِي فَتَحَ الْمَدَائِنَ وَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقْعَةُ جَلُولَاءَ وَكَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا، وَعَزَلَهُ عُمَرُ عَنِ الْكُوفَةِ عَنْ غَيْرِ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَلَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ ظَهَرَتْ لِعُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى، ثُمَّ وَلَّاهُ عُثْمَانُ الْكُوفَةَ بَعْدَهَا، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا. وعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: شَهِدَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ دَوْمَةَ الْجَنْدَلِ يَوْمَ الْحَكَمَيْنِ. وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ ابْنَهُ عُمَرَ جَاءَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُعْتَزِلٌ فِي إِبِلِهِ فَقَالَ: النَّاسُ يَتَنَازَعُونَ الْإِمَارَةَ وَأَنْتَ هَاهُنَا ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ الْتَقِيَّ ". قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ابْنَ أَخِيهِ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ جَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمُّ، هَاهُنَا مِائَةُ أَلْفِ سَيْفٍ يَرَوْنَكَ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ. فَقَالَ: أُرِيدُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ سَيْفًا وَاحِدًا ; إِذَا ضَرَبْتُ بِهِ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَإِذَا ضَرَبْتُ بِهِ الْكَافِرَ قَطَعَ. وعن زَكَرِيَّا بْنُ عَمْرٍو، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرَ رَمَضَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَيُفْطِرُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فَبَايَعَهُ: وَمَا سَأَلَهُ سَعْدٌ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَوَيْهِ يَوْمَ أُحِدٍ  . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: " فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ". وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: " ارْمِ وَأَنْتَ الْغُلَامُ الْحَزَوَّرُ ". قَالَ سَعِيدٌ: وَكَانَ سَعْدٌ جَيِّدَ الرَّمْيِ. وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أَوَّلُ النَّاسِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَعْدٌ، ؓ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُفَدِّي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ إِلَّا سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ، وَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: " ارْمِ سَعْدُ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ". وعَنْ أَيُّوبَ، أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ بِنْتَ سَعْدٍ تَقُولُ: أَنَا ابْنَةُ الْمُهَاجِرِ الَّذِي فَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِالْأَبَوَيْنِ. وعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَرْمِي بِالسَّهْمِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَيَرُدُّهُ عَلَيَّ رَجُلٌ أَبْيَضُ حَسَنُ الْوَجْهِ لَا أَعْرِفُهُ، حَتَّى كَانَ بَعْدُ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَلَكٌ. وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَنْ يَسَارِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ. وعَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَاتِلَانِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ  ، وَإِنَّى لِأَرَاهُ يَنْظُرُ إِلَى ذَا مَرَّةً وَإِلَى ذَا مَرَّةً ; سُرُورًا بِمَا ظَفَّرَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: اشْتَرَكْتُ أَنَا وَسَعْدٌ وَعَمَّارٌ يَوْمَ بَدْرٍ فِيمَا أَصَبْنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ، وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمَّارٌ بِشَيْءٍ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَاتِلُ قِتَالَ الْفَارِسِ لِلرَّاجِلِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرِقًا ذَاتَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قَالَ: " لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ ". قَالَتْ: إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ السِّلَاحِ، فَقَالَ: " مَنْ هَذَا ؟ " قَالَ: أَنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَا أَحْرُسُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ  . قَالَتْ: فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَاطَّلَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: فَاطَّلَعَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى تَرْتِيبِهِ الْأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ عَلَى تَرْتِيبِهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي غَاضَبْتُ أَبِي، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَنْحَلَّ يَمِينِي، فَعَلْتَ. قَالَ أَنَسٌ: فَزَعَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ لَيْلَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ مَعَ الْفَجْرِ فَلَمْ يَقُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا انْقَلَبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ، وَكَبَّرَهُ حَتَّى يَقُومَ مَعَ الْفَجْرِ، فَإِذَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَأَتَمَّهُ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُفْطِرًا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: فَرَمَقَتْهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَأَيَّامَهُنَّ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَسْمَعُهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ اللَّيَالِي الثَّلَاثُ وَكِدْتُ أَحْتَقِرُ عَمَلَهُ قُلْتُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هِجْرَةٌ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَبْلُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ مَجَالِسَ: " يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَاطَّلَعْتَ أَنْتَ أُولَئِكَ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثَ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ حَتَّى أَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِكَ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا الَّذِي رَأَيْتَ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ انْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَدَعَانِي حِينَ وَلَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي سُوءًا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَنْوِي لَهُ شَرًّا وَلَا أَقُولُهُ. قَالَ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا أُطِيقُ. وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " بسنده عَنْ سَعْدٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [ الْأَنْعَامِ: 52 ]. نَزَلَتْ فِي سِتَّةٍ  ، أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنْهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا [ الْعَنْكَبُوتِ: 8 ]. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ امْتَنَعَتْ أُمُّهُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ أَيَّامًا، فَقَالَ لَهَا: تَعْلَمِينَ وَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ، فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا، مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، إِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَأْكُلِي. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَأَمَّا حَدِيثُ الشَّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، فَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَجَاءَ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ حِرَاءَ، ذَكَرَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ مِنْهُمْ. وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ سَعْدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " هَذَا خَالِيَ، فَلْيُرَنِي امْرُؤٌ خَالَهُ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَهُ يَعُودُهُ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ وَلَا يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ: " لَا ". قُلْتُ: فَالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " لَا ". قُلْتُ: فَالثُّلُثُ ؟ قَالَ: " الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِيِّ امْرَأَتِكَ " - وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى اللُّقْمَةَ تَضَعُهَا فِي فَمِ امْرَأَتِكَ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي ؟ فَقَالَ: " إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا تَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، إِلَّا ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، وَلَعَلَّكَ أَنْ تُخَلِّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيَضُرَّ بِكَ آخَرُونَ ". ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ أَمْضِ لِأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ". يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. وعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهَا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفِيهِ: قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَصَدْرَهُ وَبَطْنَهُ، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتِمَّ لَهُ هِجْرَتَهُ ". قَالَ سَعْدٌ: فَمَا زِلْتُ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنِّي أَجِدُ بَرْدَ يَدِهِ عَلَى كَبِدِي حَتَّى السَّاعَةِ. وعَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَعْدٍ: " وَعَسَى أَنْ تَبْقَى يَنْتَفِعُ بِكَ أَقْوَامٌ وَيَضُرُّ بِكَ آخَرُونَ ". فَقَالَ: أُمِّرَ سَعْدٌ عَلَى الْعِرَاقِ، فَقَتَلَ قَوْمًا عَلَى الرِّدَّةِ فَضَرَّهُمْ، وَاسْتَتَابَ قَوْمًا كَانُوا سَجَعُوا سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَتَابُوا فَانْتَفَعُوا بِهِ. وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَّرَنَا وَرَقَّقَنَا، فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، وَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَا سَعْدُ، أَعِنْدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ ! " فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: " يَا سَعْدُ، إِنْ كُنْتَ لِلْجَنَّةِ خُلِقْتَ، فَمَا طَالَ عُمْرُكَ أَوْ حَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ". وعَنْ مُطْعِمِ بْنِ الْمِقْدَامِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ سَعْدًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُجِيبَ دَعْوَتِي. فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دَعْوَةَ عَبْدٍ حَتَّى يُطَيِّبَ مَطْعَمَهُ ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُطَيِّبَ طُعْمَتِي. فَدَعَا لَهُ. قَالُوا: فَكَانَ سَعْدٌ يَتَوَرَّعُ مِنَ السُّنْبُلَةِ يَجِدُهَا فِي زَرْعِهِ، فَيَرُدُّهَا مِنْ حَيْثُ أُخِذَتْ. وَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، لَا يَكَادُ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ. شكوى أهل الكوفة من سعد بن أبي وقاص فَمِنْ أَشْهَرِ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، أَنْ أَهْلَ الْكُوفَةِ شَكَوَا سَعْدًا إِلَى عُمَرَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى قَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي. فَقَالَ سَعْدٌ: أَمَّا إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; أُطِيلُ الْأُولَيَيْنِ، وَأَحْذِفُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: خَرَجَتْ جَارِيَةٌ لِسَعْدٍ يُقَالُ لَهَا: زَبْرَاءُ. وَعَلَيْهَا قَمِيصٌ جَدِيدٌ، فَكَشَفَتْهَا الرِّيحُ، فَشَدَّ عَلَيْهَا عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، وَجَاءَ سَعْدٌ لِيَمْنَعَهُ، فَتَنَاوَلَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، فَذَهَبَ سَعْدٌ يَدْعُو عَلَى عُمَرَ، فَنَاوَلَهُ الدِّرَّةَ وَقَالَ: اقْتَصَّ. فَعَفَا عَنْ عُمَرَ. وَرَوَى أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ سَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ كَلَامٌ، فَهَمَّ سَعْدٌ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ، فَخَافَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَعَلَ يَشْتَدُّ فِي الْهَرَبِ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقَادِسِيَّةِ كَانَ سَعْدٌ عَلَى النَّاسِ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ جِرَاحٌ، فَلَمْ يَشْهَدْ يَوْمَ الْفَتْحِ، يَعْنِي فَتْحَ الْقَادِسِيَّةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ دِينَهُ     وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصَمُ فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ     وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ فَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ اكْفِنَا يَدَهُ وَلِسَانَهُ. فَجَاءَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَأَصَابَهُ فَخَرِسَ وَيَبِسَتْ يَدَاهُ جَمِيعًا. وعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّ سَعْدًا رَأَى جَمَاعَةً عُكُوفًا عَلَى رَجُلٍ، فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِ اثْنَيْنِ، فَإِذَا هُوَ يَسُبُّ عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَنْتَهِ، فَقَالَ: أَدْعُو عَلَيْكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: تَتَهَدَّدُنِي كَأَنَّكَ نَبِيٌّ ! فَانْصَرَفَ سَعْدٌ، فَدَخَلَ دَارَ آلِ فُلَانٍ، فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ سَبَّ أَقْوَامًا قَدْ سَبَقَ لَهُمْ مِنْكَ سَابِقَةُ الْحَسَنَى، وَأَنَّهُ قَدْ أَسْخَطَكَ سَبُّهُ إِيَّاهُمْ، فَاجْعَلْهُ الْيَوْمَ آيَةً وَعِبْرَةً. قَالَ: فَخَرَجَتْ بُخْتِيَّةٌ نَادَّةٌ مِنْ دَارِ آلِ فُلَانٍ لَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ حَتَّى دَخَلَتْ بَيْنَ أَضْعَافِ النَّاسِ، فَافْتَرَقَ النَّاسُ، فَأَخَذَتْهُ بَيْنَ قَوَائِمِهَا، فَلَمْ تَزَلْ تَتَخَبَّطُهُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ يَشْتَدُّونَ وَرَاءَ سَعْدٍ يَقُولُونَ: اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. وَعَنْ مِينا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَطَّلِعُ عَلَى سَعْدٍ، فَنَهَاهَا فَلَمْ تَنْتَهِ، فَاطَّلَعَتْ يَوْمًا وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: شَاهَ وَجْهُكِ. فَعَادَ وَجْهُهَا فِي قَفَاهَا. وَقَالَ كَثِيرٌ النَّوَّاءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُلَيْلٍ قَالَ: دَخَلَ سَعْدٌ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ لَمْ تُقَاتِلْ مَعَنَا ؟ فَقَالَ: إِنِّي مَرَّتْ بِي رِيحٌ مُظْلِمَةٌ فَقُلْتُ: أَخْ أَخْ. فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى انْجَلَتْ عَنِّي، ثُمَّ عَرَفَتِ الطَّرِيقَ فَسِرْتُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَخْ أَخْ، وَلَكِنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ [ الْحُجُرَاتِ: 9 ]. فَوَاللَّهِ مَا كُنْتُ مَعَ الْبَاغِيَةِ عَلَى الْعَادِلَةِ، وَلَا مَعَ الْعَادِلَةِ عَلَى الْبَاغِيَةِ. فَقَالَ سَعْدٌ: مَا كُنْتُ لِأُقَاتِلَ رَجُلًا قَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ " أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي ". فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَنْ سَمِعَ هَذَا مَعَكَ ؟ فَقَالَ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُمُّ سَلَمَةَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا إِنِّي لَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ ﷺ لَمَا قَاتَلْتُ عَلِيًّا. وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَانَ بَيْنَهُمَا وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ فِي حَجَّةٍ حَجَّهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَنَّهُمَا قَامَا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَسَأَلَاهَا فَحَدَّثَتْهُمَا بِمَا حَدَّثَ بِهِ سَعْدٌ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ سَمِعْتُ هَذَا قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ لَكَنْتُ خَادِمًا لِعَلِيٍّ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ أَمُوتَ. وَفِي إِسْنَادِ هَذَا ضَعْفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: طَافَ سَعْدٌ عَلَى تِسْعِ جَوَارٍ فِي لَيْلَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْعَاشِرَةِ أَخَذَهُ النَّوْمُ، فَاسْتَحْيَتْ أَنْ تُوقِظَهُ. وَمِنْ كَلَامِهِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ مُصْعَبٍ: يَا بُنَيَّ، إِذَا طَلَبْتَ شَيْئًا فَاطْلُبْهُ بِالْقَنَاعَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ لَا قَنَاعَةَ لَهُ لَمْ يُغْنِهِ الْمَالُ. وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ رَأْسُ أَبِي فِي حِجْرِي وَهُوَ يَقْضِي فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا بُنَيَّ ؟ وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُنِي أَبَدًا، وَإِنِّي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِنَّ اللَّهَ يَدِينُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحَسَنَاتِهِمْ فَاعْمَلُوا لِلَّهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَيُخَفَّفُ عَنْهُمْ بِحَسَنَاتِهِمْ، فَإِذَا نَفِدَتْ قَالَ: لِيَطْلُبْ كُلُّ عَامِلٍ ثَوَابَ عَمَلِهِ مِمَّنْ عَمِلَ لَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمَّا حَضَرَتْ سَعْدًا الْوَفَاةُ دَعَا بِخَلَقِ جُبَّةٍ فَقَالَ: كَفِّنُونِي فِيهَا، فَإِنِّي لَقِيتُ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَإِنَّمَا كُنْتُ أُخَبِّئُهَا لِهَذَا الْيَوْمِ. وَكَانَتْ وَفَاةُ سَعْدٍ بِالْعَقِيقِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ، وَصَلَّى بِصَلَاتِهِ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ - عَلَى الْمَشْهُورِ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: وَهُوَ آخِرُ الْعَشَرَةِ وَفَاةً. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ آخِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَفَاةً. ؓ وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: سَنَةَ خَمْسِينَ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَقَعْنَبُ بْنُ الْمُحَرِّرِ: تُوُفِّيَ سَعْدٌ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ قَعْنَبٌ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; خَمْسٌ وَخَمْسِينَ. قَالُوا: وَكَانَ سَعْدٌ قَصِيرًا غَلِيظًا شَثْنَ الْأَصَابِعِ أَفْطَسَ، أَشْعَرَ الْجَسَدِ، يُخَضِّبُ بِالسَّوَادِ، وَكَانَ مِيرَاثُهُ مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا.

  84. التاريخ 2175لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ كان مَشْتَى جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بِأَرْضِ الرُّومِ  . وَقِيلَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَسْعُودٍ. وَفِيهَا: غَزَا الْبَحْرَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ الرَّهَاوِيُّ، وَغَزَا الْبَرَّ عِيَاضُ بْنُ الْحَارِثِ.

  85. التاريخ 2176لا حكم مسجّل

    الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ  وفي سنة ست وخمسين دَعَا النَّاسَ مُعَاوِيَةُ إِلَى بَيْعَةِ يَزِيدَ ابْنِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَجَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ   وكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ وَأَوَّلُهُ مِنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ أَرَادَ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنِ الْكُوفَةِ وَيَسْتَعْمِلَ عِوَضَهُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: الرَّأْيُ أَنْ أَشْخَصَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَسْتَعْفِيَهُ لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ كَرَاهَتِي لِلْوِلَايَةِ: فَسَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ وَصَلَ إِلَيْهِ: إِنْ لَمْ أُكْسِبْكُمُ الْآنَ وِلَايَةً وَإِمَارَةً لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَبَدًا: وَمَضَى حَتَّى دَخَلَ عَلَى يَزِيدَ وَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ أَعْيَانُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَآلُهُ وَكُبَرَاءُ قُرَيْشٍ وَذَوُو أَسْنَانِهِمْ، وَإِنَّمَا بَقِيَ أَبْنَاؤُهُمْ وَأَنْتَ مِنْ أَفْضَلِهِمْ وَأَحْسَنِهِمْ رَأْيًا وَأَعْلَمِهِمْ ( بِالسُّنَّةِ ) وَالسِّيَاسَةِ، وَلَا أَدْرِي مَا يَمْنَعُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعْقِدَ لَكَ الْبَيْعَةَ: قَالَ: أَوَتَرَى ذَلِكَ يَتِمُّ ؟ قَالَ نَعَمْ. فَدَخَلَ يَزِيدُ عَلَى أَبِيهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فَأَحْضَرَ الْمُغِيرَةَ وَقَالَ لَهُ مَا يَقُولُ يَزِيدُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ رَأَيْتَ مَا كَانَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَالِاخْتِلَافِ بَعْدَ عُثْمَانَ، وَفِي يَزِيدَ مِنْكَ خَلَفٌ، فَاعْقِدْ لَهُ، فَإِنْ حَدَثَ بِكَ حَادِثٌ كَانَ كَهْفًا لِلنَّاسِ وَخَلَفًا مِنْكَ، وَلَا تُسْفَكُ دِمَاءٌ وَلَا تَكُونُ فِتْنَةٌ: قَالَ: وَمَنْ لِي بِهَذَا ؟ قِيلَ: أَكْفِيكَ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَيَكْفِيكَ زِيَادٌ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَلَيْسَ بَعْدَ هَذَيْنِ الْمِصْرَيْنِ أَحَدٌ يُخَالِفُكَ: قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ وَتَحَدَّثْ مَعَ مَنْ تَثِقُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَتَرَى وَنَرَى: فَوَدَّعَهُ وَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ: فَقَالُوا: مَهْ ؟ قَالَ: لَقَدْ وَضَعْتَ رِجْلَ مُعَاوِيَةَ فِي غَرْزٍ بَعِيدِ الْغَايَةِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَفَتَقْتَ عَلَيْهِمْ فَتْقًا لَا يُرْتَقُ أَبَدًا، وَتَمَثَّلَ: بِمِثْلِي شَاهِدِي النَّجْوَى وَغَالِي بِيَ الْأَعْدَاءَ وَالْخَصْمَ الْغِضَابَا وَسَارَ الْمُغِيرَةُ حَتَّى قَدِمَ الْكُوفَةَ وَذَاكَرَ مَنْ يَثِقُ إِلَيْهِ وَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ شِيعَةٌ لِبَنِي أُمَيَّةَ أَمْرَ يَزِيدَ، فَأَجَابُوا إِلَى بَيْعَتِهِ، فَأَوْفَدَ مِنْهُمْ عَشَرَةً، وَيُقَالُ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَأَعْطَاهُمْ ثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ مُوسَى بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَقَدِمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ فَزَيَّنُوا لَهُ بَيْعَةَ يَزِيدَ وَدَعَوْهُ إِلَى عَقْدِهَا: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا تُعَجِّلُوا بِإِظْهَارِ هَذَا وَكُونُوا عَلَى رَأْيِكُمْ. ثُمَّ قَالَ لِمُوسَى: بِكَمِ اشْتَرَى أَبُوكَ مِنْ هَؤُلَاءِ دِينَهُمْ ؟ قَالَ: بِثَلَاثِينَ أَلْفًا: قَالَ: لَقَدْ هَانَ عَلَيْهِمْ دِينُهُمْ. وَقِيلَ: أَرْسَلَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ عُرْوَةَ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ قَامُوا خُطَبَاءَ فَقَالُوا: إِنَّمَا أَشْخَصَهُمْ إِلَيْهِ النَّظَرَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَبِرَتْ سِنُّكَ وَخِفْنَا انْتِشَارَ الْحَبْلِ، فَانْصِبْ لَنَا عَلَمًا وَحُدَّ لَنَا حَدًّا نَنْتَهِي إِلَيْهِ: فَقَالَ: أَشِيرُوا عَلِيَّ: فَقَالُوا: نُشِيرُ بِيَزِيدَ ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَوَقَدَ رَضِيتُمُوهُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ: قَالَ: وَذَلِكَ رَأْيُكُمْ ؟ قَالُوا نَعَمْ، وَرَأْيُ مَنْ وَرَاءَنَا: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعُرْوَةَ سِرًّا عَنْهُمْ: بِكَمُ اشْتَرَى أَبُوكَ مِنْ هَؤُلَاءِ دِينَهُمْ ؟ قَالَ: بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ: قَالَ: لَقَدْ وَجَدَ دِينَهُمْ عِنْدَهُمْ رَخِيصًا: وَقَالَ لَهُمْ: نَنْظُرُ مَا قَدِمْتُمْ لَهُ، وَيَقْضِي اللَّهُ مَا أَرَادَ، وَالْأَنَاةُ خَيْرٌ مِنَ الْعَجَلَةِ. فَرَجَعُوا. وَقَوِيَ عَزْمُ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ، فَأَرْسَلَ إِلَى زِيَادٍ يَسْتَشِيرُهُ، فَأَحْضَرَ زِيَادٌ عُبَيْدَ بْنَ كَعْبٍ النُّمَيْرِيَّ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ لِكُلِّ مُسْتَشِيرٍ ثِقَةً، وَلِكُلِّ سِرٍّ مُسْتَوْدَعًا، وَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَبْدَعَ بِهِمْ خَصْلَتَانِ: إِذَاعَةُ السِّرِّ وَإِخْرَاجُ النَّصِيحَةِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا، وَلَيْسَ مَوْضِعُ السِّرِّ إِلَّا أَحَدَ رَجُلَيْنِ: رَجُلُ آخِرَةٍ يَرْجُو ثَوَابَهَا، وَرَجُلُ دُنْيَا لَهُ شَرَفٌ فِي نَفْسِهِ وَعَقْلٌ يَصُونُ حَسَبَهُ، وَقَدْ خَبِرْتُهُمَا مِنْكَ، وَقَدْ دَعَوْتُكَ لِأَمْرٍ اتَّهَمْتُ عَلَيْهِ بُطُونَ الصُّحُفِ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ يَسْتَشِيرُنِي فِي كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّهُ يَتَخَوَّفُ نَفْرَةَ النَّاسِ وَيَرْجُو طَاعَتَهُمْ، وَعَلَاقَةُ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَضَمَانُهُ عَظِيمٌ، وَيَزِيدُ صَاحِبُ رَسْلَةٍ وَتَهَاوُنٍ مَعَ مَا قَدْ أُولِعَ بِهِ مِنَ الصَّيْدِ، ( فَالْقَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَدِّ إِلَيْهِ فَعْلَاتِ يَزِيدَ وَقُلْ لَهُ رُوَيْدَكَ بِالْأَمْرِ، فَأَحْرَى أَنْ يَتِمَّ لَكَ [ مَا تُرِيدُ ]، لَا تَعْجَلْ فَإِنَّ دَرَكًا فِي تَأْخِيرٍ خَيْرٌ مِنْ فَوْتٍ فِي عَجَلَةٍ ). فَقَالَ لَهُ عُبَيْدٌ: أَفَلَا غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: لَا تُفْسِدْ عَلَى مُعَاوِيَةَ رَأْيَهُ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَيْهِ ابْنَهُ وَأَلْقَى أَنَا يَزِيدَ فَأُخْبِرُهُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ إِلَيْكَ يَسْتَشِيرُكَ فِي الْبَيْعَةِ لَهُ، وَأَنَّكَ تَتَخَوَّفُ خِلَافَ النَّاسِ عَلَيْهِ لِهَنَاتٍ يَنْقِمُونَهَا عَلَيْهِ، وَأَنَّكَ تَرَى لَهُ تَرْكَ مَا يُنْقَمُ عَلَيْهِ لِتَسْتَحْكِمَ لَهُ الْحُجَّةُ عَلَى النَّاسِ وَيَتِمَّ مَا تُرِيدُ، فَتَكُونُ قَدْ نَصَحْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَلِمْتَ مِمَّا تَخَافُ مِنْ أَمْرِ الْأُمَّةِ فَقَالَ زِيَادٌ: لَقَدْ رَمَيْتَ الْأَمْرَ بِحَجَرِهِ، اشْخَصْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، فَإِنْ أَصَبْتَ فَمَا لَا يُنْكَرُ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَغَيْرُ مُسْتَغَشٍّ، وَتَقُولُ بِمَا تَرَى، وَيَقْضِي اللَّهُ بِغَيْبِ مَا يَعْلَمُ. فَقَدِمَ عَلَى يَزِيدَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَكَفَّ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَصْنَعُ، وَكَتَبَ زِيَادٌ مَعَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُشِيرُ بِالتُّؤَدَةِ وَأَنْ لَا يَعْجَلَ، فَقَبِلَ مِنْهُ. عَزَمَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْبَيْعَةِ لِابْنِهِ يَزِيدَ بعد وفاة زياد فَلَمَّا مَاتَ زِيَادٌ عَزَمَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْبَيْعَةِ لِابْنِهِ يَزِيدَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَبِلَهَا، فَلَمَّا ذَكَرَ الْبَيْعَةَ لِيَزِيدَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: هَذَا أَرَادَ أَنَّ دِينِي عِنْدِي إِذَنْ لَرَخِيصٌ. وَامْتَنَعَ. ثُمَّ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمَ: إِنِّي قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَدَقَّ عَظْمِي، وَخَشِيتُ الِاخْتِلَافَ عَلَى الْأُمَّةِ بَعْدِي، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَتَخَيَّرَ لَهُمْ مَنْ يَقُومُ بَعْدِي، وَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا دُونَ مَشُورَةِ مَنْ عِنْدِكَ، فَاعْرِضْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَأَعْلِمْنِي بِالَّذِي يَرُدُّونَ عَلَيْكَ: فَقَامَ مَرْوَانُ فِي النَّاسِ فَأَخْبَرَهُمْ بِهِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَصَابَ وَوُفِّقَ، وَقَدْ أَحْبَبْنَا أَنْ يَتَخَيَّرَ لَنَا فَلَا يَأْلُو. فَكَتَبَ مَرْوَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ، فَأَعَادَ إِلَيْهِ الْجَوَابَ يَذْكُرُ يَزِيدَ، فَقَامَ مَرْوَانُ فِيهِمْ وَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدِ اخْتَارَ لَكُمْ فَلَمْ يَأْلُ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ ابْنَهُ يَزِيدَ بَعْدَهُ. فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ يَا مَرْوَانُ وَكَذَبَ مُعَاوِيَةُ ! مَا الْخِيَارُ أَرَدْتُمَا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَلَكِنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوهَا هِرَقْلِيَّةً كُلَّمَا مَاتَ هِرَقْلُ قَامَ هِرَقْلُ: فَقَالَ مَرْوَانُ: هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا الْآيَةَ. فَسَمِعَتْ عَائِشَةُ مَقَالَتَهُ فَقَامَتْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ وَقَالَتْ: يَا مَرْوَانُ يَا مَرْوَانُ ! فَأَنْصَتَ مَرْوَانُ وَأَقْبَلَ مَرْوَانَ بِوَجْهِهِ: فَقَالَتْ: أَنْتَ الْقَائِلُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ؟ كَذَبْتَ ! وَاللَّهِ مَا هُوَ بِهِ وَلَكِنَّهُ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، وَلَكِنَّكَ أَنْتَ فَضَضٌ مِنْ لَعْنَةِ نَبِيِّ اللَّهِ. وَقَامَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَفَعَلَ مِثْلَهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ مَرْوَانُ بِذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ بِتَقْرِيظِ يَزِيدَ وَوَصْفِهِ وَأَنْ يُوفِدُوا إِلَيْهِ الْوُفُودَ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَكَانَ فِيمَنْ أَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي وَفْدِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ كُلَّ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَانْظُرْ مَنْ تُوَلِّي أَمْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ: فَأَخَذَ مُعَاوِيَةَ بُهْرٌ حَتَّى جَعَلَ يَتَنَفَّسُ فِي يَوْمٍ شَاتٍ ثُمَّ وَصَلَهُ وَصَرَفَهُ، وَأَمَرَ الْأَحْنَفَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى يَزِيدَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ ابْنَ أَخِيكَ ؟ قِيلَ: رَأَيْتُ شَبَابًا وَنَشَاطًا وَجَلَدًا وَمِزَاحًا. ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِلضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيِّ، لَمَّا اجْتَمَعَ الْوُفُودُ عِنْدَهُ: إِنِّي مُتَكَلِّمٌ فَإِذَا سَكَتُّ فَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْعُو إِلَى بَيْعَةِ يَزِيدَ وَتَحُثُّنِي عَلَيْهَا: فَلَمَّا جَلَسَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ تَكَلَّمْ، فَعَظَّمَ أَمْرَ الْإِسْلَامِ وَحُرْمَةَ الْخِلَافَةِ وَحَقَّهَا وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ: ثُمَّ ذَكَرَ يَزِيدَ وَفَضْلَهُ وَعِلْمَهُ بِالسِّيَاسَةِ وَعَرَّضَ بِبَيْعَتِهِ، فَعَارَضَهُ الضَّحَّاكُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَالٍ بَعْدَكَ، وَقَدْ بَلَوْنَا الْجَمَاعَةَ وَالْأُلْفَةَ، فَوَجَدْنَاهُمَا أَحْقَنَ لِلدِّمَاءِ، وَأَصْلَحَ لِلدَّهْمَاءِ، وَآمَنَ لِلسُّبُلِ، وَخَيْرًا فِي الْعَاقِبَةِ، وَالْأَيَّامُ عِوَجٌ رَوَاجِعٌ، وَاللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ، وَيَزِيدُ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي حُسْنِ هَدْيِهِ وَقَصْدِ سِيرَتِهِ عَلَى مَا عَلِمْتُ، وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِنَا عِلْمًا وَحِلْمًا، وَأَبْعَدِنَا رَأْيًا، فَوَلِّهِ عَهْدَكَ وَاجْعَلْهُ لَنَا عَلَمًا بَعْدَكَ وَمَفْزَعًا نَلْجَأُ إِلَيْهِ وَنَسْكُنُ فِي ظِلِّهِ. وَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقُ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ: ثُمَّ قَامَ يَزِيدُ بْنُ الْمُقَنَّعِ الْعُذْرِيُّ فَقَالَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَإِنْ هَلَكَ فَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى يَزِيدَ، وَمَنْ أَبَى فَهَذَا، وَأَشَارَ إِلَى سَيْفِهِ: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اجْلِسْ فَأَنْتَ سَيِّدُ الْخُطَبَاءِ. وَتَكَلَّمَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْوُفُودِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْأَحْنَفِ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا بَحْرٍ ؟ فَقَالَ: نَخَافُكُمْ إِنْ صَدَقْنَا، وَنَخَافُ اللَّهَ إِنْ كَذَبْنَا، وَأَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِيَزِيدَ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَسِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ وَمَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْأُمَّةِ رِضًى فَلَا تُشَاوِرِ [ النَّاسَ ] فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ فِيهِ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا تُزَوِّدْهُ وَأَنْتَ صَائِرٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ: مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ هَذِهِ الْمَعَدِّيَةُ الْعِرَاقِيَّةُ وَإِنَّمَا عِنْدَنَا سَمْعٌ وَطَاعَةٌ وَضَرْبٌ وَازْدِلَافٌ. فَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَحْكُونَ قَوْلَ الْأَحْنَفِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُعْطِي الْمُقَارِبَ وَيُدَارِي الْمُبَاعِدَ وَيَلْطُفُ بِهِ حَتَّى اسْتَوْثَقَ لَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ وَبَايَعَهُ. ذهاب معاوية إلى الحجاز بعد بيعة أهل العراق والشام بولاية العهد ليزيد فَلَمَّا بَايَعَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ سَارَ إِلَى الْحِجَازِ فِي أَلْفِ فَارِسٍ، لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ لَقِيَهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ أَوَّلَ النَّاسِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا ! بَدَنَةٌ بِتَرَقْرُقِ دَمِهَا وَاللَّهُ مُهَرِيقُهُ ! قَالَ: مَهْلًا فَإِنِّي وَاللَّهِ لَسْتُ بِأَهْلٍ لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ! قَالَ: بَلَى وَلَشَرٌّ مِنْهَا: وَلَقِيَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا خَبَّ ضَبٌّ تَلْعَةٌ، يُدْخِلُ رَأْسَهُ وَيَضْرِبُ بِذَنَبِهِ، وَيُوشِكُ وَاللَّهِ أَنْ يُؤْخَذَ بِذَنَبِهِ، وَيُدَقَّ ظَهْرُهُ، نَحِّيَاهُ عَنِّي، فَضُرِبَ وَجْهُ رَاحِلَتِهِ: ثُمَّ لَقِيَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَا أَهْلًا وَلَا مَرْحَبًا ! شَيْخٌ قَدْ خَرِفَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ، ثُمَّ أَمَرَ فَضُرَبَ وَجْهَ رَاحِلَتِهِ: ثُمَّ فَعَلَ بِابْنِ عُمَرَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلُوا مَعَهُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَحَضَرُوا بَابَهُ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَلَمْ يَرَوْا مِنْهُ مَا يُحِبُّونَ، فَخَرَجُوا إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامُوا بِهَا، وَخَطَبَ مُعَاوِيَةُ بِالْمَدِينَةِ فَذَكَرَ يَزِيدَ فَمَدَحَهُ وَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْخِلَافَةِ فِي فَضْلِهِ وَعَقْلِهِ وَمَوْضِعِهِ ؟ وَمَا أَظُنُّ قَوْمًا بِمُنْتَهِينَ حَتَّى تُصِيبَهُمْ بَوَائِقُ تَجْتَثُّ أُصُولَهُمْ، وَقَدْ أَنْذَرْتُ إِنْ أَغْنَتِ النُّذُرُ، ثُمَّ أَنْشَدَ مُتَمَثِّلًا: قَدْ كُنْتُ حَذَّرْتُكَ آلَ الْمُصْطَلِقْ     وَقُلْتُ يَا عَمْرُو أَطِعْنِي وَانْطَلِقْ إِنَّكَ إِنْ كَلَّفْتَنِي مَا لَمْ أُطِقْ     سَاءَكَ مَا سَرَّكَ مِنِّي مِنْ خُلُقٍ دُونَكَ مَا اسْتَسْقَيْتَهُ فَاحْسُ وَذُقْ ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، وَقَدْ بَلَغَهَا أَنَّهُ ذَكَرَ الْحُسَيْنَ وَأَصْحَابَهُ، فَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُبَايِعُوا، فَشَكَاهُمْ إِلَيْهَا، فَوَعَظَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَهَدُّهُمْ بِالْقَتْلِ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ أَعَزُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنِّي بَايَعْتُ لِيَزِيدَ وَبَايَعَهُ غَيْرُهُمْ، أَفَتَرَيْنَ أَنْ أَنْقُضَ بَيْعَةً قَدْ تَمَّتْ ؟ قَالَتْ: فَارْفُقْ بِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَصِيرُونَ إِلَى مَا تُحِبُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: قَالَ: أَفْعَلُ. وَكَانَ فِي قَوْلِهَا لَهُ: مَا يُؤَمِّنُكَ أَنْ أُقْعِدَ لَكَ رَجُلًا يَقْتُلُكَ وَقَدْ فَعَلْتَ بِأَخِي مَا فَعَلْتَ ؟ تَعْنِي أَخَاهَا مُحَمَّدًا. فَقَالَ لَهَا: كَلَّا يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي فِي بَيْتِ أَمْنٍ. قَالَتْ: أَجَلْ. وَمَكَثَ بِالْمَدِينَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَلَقِيَهُ النَّاسُ، فَقَالَ أُولَئِكَ النَّفَرُ: نَتَلَقَّاهُ فَلَعَلَّهُ قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، فَلَقُوهُ بِبَطْنِ مَرَّ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُ الْحُسَيْنُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَسَيِّدَ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَمَرَ لَهُ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ وَسَايَرَهُ، ثُمَّ فَعَلَ بِالْبَاقِينَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَقْبَلَ يُسَايِرُهُمْ لَا يَسِيرُ مَعَهُ غَيْرُهُمْ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَكَانُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ وَآخَرَ خَارِجٍ، وَلَا يَمْضِي يَوْمٌ إِلَّا وَلَهُمْ صِلَةٌ وَلَا يَذْكُرُ لَهُمْ شَيْئًا، حَتَّى قَضَى نُسُكَهُ وَحَمَلَ أَثْقَالَهُ وَقَرُبَ مَسِيرُهُ فَقَالَ بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ لِبَعْضٍ: لَا تُخْدَعُوا فَمَا صَنَعَ بِكُمْ هَذَا لِحُبِّكُمْ وَمَا صَنَعَهُ إِلَّا لِمَا يُرِيدُ: فَأَعِدُّوا لَهُ جَوَابًا فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُخَاطِبُ لَهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ. فَأَحْضَرَهُمْ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ سِيرَتِي وَصِلَتِي لِأَرْحَامِكُمْ وَحَمْلِي مَا كَانَ مِنْكُمْ، وَيَزِيدُ أَخُوكُمْ وَابْنُ عَمِّكُمْ وَأَرَدْتُ أَنْ تُقَدِّمُوهُ بِاسْمِ الْخِلَافَةِ وَتَكُونُوا أَنْتُمْ تَعْزِلُونَ وَتُؤَمِّرُونَ وَتَجْبُونَ الْمَالَ وَتَقْسِمُونَهُ لَا يُعَارِضُكُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَسَكَتُوا. فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونَ ؟ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: هَاتِ لَعَمْرُكَ إِنَّكَ خَطِيبُهُمْ. فَقَالَ: نَعَمْ، نُخَيِّرُكَ بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ: قَالَ: اعْرِضْهُنَّ: قَالَ: تَصْنَعُ كَمَا صَنَعَ رَسُولُ ﷺ أَوْ كَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ أَوْ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا صَنَعُوا ؟ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا فَارْتَضَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ: قَالَ: لَيْسَ فِيكُمْ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ وَأَخَافُ الِاخْتِلَافَ: قَالُوا: صَدَقْتَ فَاصْنَعْ كَمَا صَنَعَ أَبُو بَكْرٍ فَإِنَّهُ عَهِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَاصِيَةِ قُرَيْشٍ لَيْسَ مِنْ بَنِي أَبِيهِ فَاسْتَخْلَفَهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَاصْنَعْ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ، جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى فِي سِتَّةِ نَفَرٍ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِهِ وَلَا مَنْ بَنِي أَبِيهِ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: هَلْ عِنْدَكَ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ قَالَ: فَأَنْتُمْ ؟ قَالُوا: قَوْلُنَا قَوْلُهُ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ، إِنَّهُ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ، إِنِّي كُنْتُ أَخْطُبُ فِيكُمْ فَيَقُومُ إِلَيَّ الْقَائِمُ مِنْكُمْ فَيُكَذِّبُنِي عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فَأَحْمِلُ ذَلِكَ وَأَصْفَحُ، وَإِنِّي قَائِمٌ بِمَقَالَةٍ، فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَئِنْ رَدَّ عَلَيَّ أَحَدُكُمْ كَلِمَةً فِي مَقَامِي هَذَا لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ كَلِمَةٌ غَيْرُهَا حَتَّى يَسْبِقَهَا السَّيْفُ إِلَى رَأْسِهِ، فَلَا يُبْقِيَنَّ رَجُلٌ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ. ثُمَّ دَعَا صَاحِبَ حَرَسِهِ بِحَضْرَتِهِمْ فَقَالَ: أَقِمْ عَلَى رَأْسِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْ هَؤُلَاءِ رَجُلَيْنِ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَيْفٌ، فَإِنْ ذَهَبَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَرُدُّ عَلَيَّ كَلِمَةً بِتَصْدِيقٍ أَوْ تَكْذِيبٍ فَلْيَضْرِبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا. ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجُوا مَعَهُ حَتَّى رَقَى الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ سَادَةُ الْمُسْلِمِينَ وَخِيَارُهُمْ لَا يُبَتُّ أَمْرٌ دُونَهُمْ وَلَا يُقْضَى إِلَّا عَنْ مَشُورَتِهِمْ، وَإِنَّهُمْ قَدْ رَضُوا وَبَايَعُوا لِيَزِيدَ، فَبَايِعُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ ! فَبَايَعَ النَّاسُ، وَكَانُوا يَتَرَبَّصُونَ بَيْعَةَ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، ثُمَّ رَكِبَ رَوَاحِلَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَ النَّاسُ أُولَئِكَ النَّفَرَ فَقَالُوا لَهُمْ: زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ لَا تُبَايِعُونَ فَلِمَ ؟ أَرَضِيتُمْ وَأَعْطَيْتُمْ وَبَايَعْتُمْ ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا فَعَلْنَا: فَقَالُوا: مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى الرَّجُلِ ؟ قَالُوا: كَادَنَا وَخِفْنَا الْقَتْلَ. وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الشَّامِ وَجَفَا بَنِي هَاشِمٍ، فَأَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُكَ جَفَوْتَنَا ؟ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَمْ يُبَايِعْ لِيَزِيدَ فَلَمْ تُنْكِرُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ إِنِّي لَخَلِيقٌ أَنْ أَنْحَازَ إِلَى بَعْضِ السَّوَاحِلِ فَأُقِيمَ بِهِ ثُمَّ أَنْطَلِقُ بِمَا تَعْلَمُ حَتَّى أَدَعَ النَّاسَ كُلَّهُمْ خَوَارِجَ عَلَيْكَ: قَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاسِ تُعْطَوْنَ وَتَرْضَوْنَ وَتُرَادُّونَ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أُبَايِعُكَ عَلَى أَنِّي أَدْخُلُ فِيمَا تَجْتَمِعُ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، فَوَاللَّهِ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى حَبَشِيٍّ لَدَخَلْتُ مَعَهَا ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ. قُلْتُ: ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ وَفَاتَهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْوَقْتِ. وَقَدْ عَاتَبَ مُعَاوِيَةَ فِي وِلَايَتِهِ يَزِيدَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ لَوْ مُلِئَتِ الْغُوطَةُ رِجَالًا مِثْلَكَ لَكَانَ يَزِيدُ أَحَبَّ مِنْكُمْ كُلِّكُمْ. وَرُوِّينَا عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا فِي خُطْبَتِهِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي وَلَّيْتُهُ لِأَنَّهُ فِيمَا أَرَاهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ فَأَتْمِمْ لَهُ مَا وَلَّيْتُهُ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي إِنَّمَا وَلَّيْتُهُ لِأَنِّي أُحِبُّهُ فَلَا تُتْمِمْ لَهُ مَا وَلَّيْتُهُ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قَدْ سَمَرَ لَيْلَةً، فَتَكَلَّمَ أَصْحَابُهُ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي يَكُونُ وَلَدُهَا نَجِيبًا، فَذَكَرُوا صِفَةَ الْمَرْأَةِ الَّتِي يَكُونُ وَلَدُهَا نَجِيبًا  . فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَدِدْتُ لَوْ عُرِّفْتُ بِامْرَأَةٍ تَكُونُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ. فَقَالَ أَحَدُ جُلَسَائِهِ: قَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَمَنْ ؟ قَالَ: ابْنَتِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَجَاءَ نَجِيبًا ذَكِيًّا حَاذِقًا. ثُمَّ خَطَبَ امْرَأَةً أُخْرَى فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ، وَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا آخَرَ، وَهَجَرَ أُمَّ يَزِيدَ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ فِي جَنْبِ دَارِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا فِي النَّظَّارَةِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ الْأُخْرَى، إِذْ نَظَرَ إِلَى أُمِّ يَزِيدَ وَهِيَ تُسَرِّحُهُ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: قَبَّحَهَا اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا تُسَرِّحُ. فَقَالَ: وَلِمَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ وَلَدَهَا لَأَنْجَبُ مِنْ وَلَدِكِ، وَإِنْ أَحْبَبْتِ بَيَّنْتُ لَكِ ذَلِكَ. ثُمَّ اسْتَدْعَى وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَنَّ لَهُ أَنْ يُطْلِقَ لَكَ مَا تَتَمَنَّاهُ عَلَيْهِ، فَاطْلُبْ مِنِّي مَا شِئْتَ. فَقَالَ: أَسْأَلُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُطْلِقَ لِي كِلَابًا لِلصَّيْدِ، وَخَيْلًا وَرِجَالًا يَكُونُونَ مَعِي فِي الصَّيْدِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِذَلِكَ. ثُمَّ اسْتَدْعَى يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِأَخِيهِ، فَقَالَ يَزِيدُ: أَوَيُعْفِينِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذَا الْوَقْتِ عَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ تَسْأَلَ حَاجَتَكَ. فَقَالَ: أَسْأَلُ - وَأَطَالَ اللَّهُ عُمُرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - أَنْ أَكُونَ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ عَدْلَ يَوْمٍ فِي الرَّعِيَّةِ كَعِبَادَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِلَى ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: كَيْفَ رَأَيْتِ ؟ فَعَلِمَتْ وَتَحَقَّقَتْ فَضْلَ يَزِيدَ عَلَى وَلَدِهَا.

  86. التاريخ 2177لا حكم مسجّل

    عَزْلِ ابْنِ زِيَادٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَاسْتِعْمَالِ سَعِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ   وَفِي سنة ست وخمسين وَلَّى مُعَاوِيَةُ سَعِيدَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى خُرَاسَانَ   وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ عَلَى خُرَاسَانَ، فَقَالَ: إِنَّ بِهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ: فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اصْطَنَعَكَ أَبِي حَتَّى بَلَغْتَ بِاصْطِنَاعِهِ الْمَدَى الَّذِي تُجَارَى إِلَيْهِ وَلَا تُسَامَى، فَمَا شَكَرْتَ بَلَاءَهُ وَلَا جَازَيْتَهُ وَقَدَّمْتَ هَذَا، يَعْنِي يَزِيدَ، وَبَايَعْتَ لَهُ، وَاللَّهِ لَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ أَبًا وَأُمًّا وَنَفْسًا ! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَّا بَلَاءُ أَبِيكَ فَقَدْ يَحِقُّ عَلَيْكَ الْجَزَاءُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ شُكْرِي لِذَلِكَ أَنِّي قَدْ طَلَبْتُ بِدَمِهِ، وَأَمَّا فَضْلُ أَبِيكَ عَلَى أَبِيهِ فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنِّي، وَأَمَّا فَضْلُ أُمِّكَ عَلَى أُمِّهِ فَلَعَمْرِي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ خَيْرٌ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ كَلْبٍ، وَأَمَّا فَضْلُكَ عَلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ الْغُوطَةَ مُلِئَتْ لِيَزِيدَ رِجَالًا مِثْلَكَ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ابْنُ عَمِّكَ وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ، قَدْ عَتَبَ عَلَيْكَ فَأَعْتِبْهُ. فَوَلَّاهُ حَرْبَ خُرَاسَانَ، وَوَلَّى إِسْحَاقَ بْنَ طَلْحَةَ خَرَاجَهَا وَكَانَ إِسْحَاقُ ابْنُ خَالَةِ مُعَاوِيَةَ، أُمُّهُ أُمُّ أَبَانٍ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَلَمَّا صَارَ بِالرَّيِّ مَاتَ إِسْحَاقُ فَوَلِيَ سَعِيدٌ حَرْبَهَا وَخَرَاجَهَا، فَلَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ قَطَعَ النَّهْرَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الصُّغْدَ فَتَوَاقَفُوا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ وَلَمْ يَقْتَتِلُوا، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: مَا زِلْتَ يَوْمَ الصُّغْدِ تُرْعِدُ وَاقِفًا مِنَ الْجُبْنِ حَتَّى خِفْتُ أَنْ تَتَنَصَّرَا فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ اقْتَتَلُوا فَهَزَمَهُمْ سَعِيدٌ وَحَصَرَهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ، فَصَالَحُوهُ وَأَعْطَوْهُ رَهْنًا مِنْهُمْ خَمْسِينَ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ عُظَمَائِهِمْ، فَسَارَ إِلَى تِرْمِذَ فَفَتَحَهَا صُلْحًا وَلَمْ يَفِ لِأَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَجَاءَ بِالْغِلْمَانِ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ: وَكَانَ مِمَّنْ قُتِلَ مَعَهُ قُثَمُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

  87. التاريخ 2178لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   أم حرام بنت ملحان أُمُّ حَرَامِ بِنْتُ مِلْحَانَ  ، أُخْتُ أُمُّ سُلَيْمٍ: أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ ﷺ يَقِيلُ فِي بَيْتِهَا. وعَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُمِّ حَرَامٍ أَنَّهَا قَالَتْ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِلًا فِي بَيْتِي اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا يُضْحِكُكَ ؟ قَالَ: "عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ " فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ ". ثُمَّ نَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا يُضْحِكُكَ، قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَرْكَبُونَ هَذَا الْبَحْرَ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ ". فَغَزَتْ مَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَكَانَ زَوْجُهَا عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فَوَقَصَتْهَا بَغْلَةٌ لَهَا شَهْبَاءُ فَوَقَعَتْ فَمَاتَتْ. قَالَ هَرَمُ بْنُ عَمَّارٍ: أَنَا رَأَيْتُ قَبْرَهَا وَوَقَفْتُ عَلَيْهِ بِالسَّاحِلِ بِفَاقِيسَ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْغَارِ: قَبْرُهَا بِقُبْرُصَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: هَذَا قَبْرُ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ. جويرية بنت الحارث وَفِي هَذِهِ [ السَّنَةِ ] مَاتَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ زَوْجُ النَّبِيِّ   ﷺ.

  88. التاريخ 2179لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ فِيهَا كَانَ مَشْتَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ بِأَرْضِ الرُّومِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي شَوَّالِهَا عَزَلَ مُعَاوِيَةُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوَلَّى عَلَيْهَا الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ  ، وَهُوَ الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ; لِأَنَّهُ صَارَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ.

  89. التاريخ 2180لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبِ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ  ، وَهُوَ أَخُو عُبَادَةَ وَسَهْلٍ ابْنَيْ حُنَيْفٍ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ عَلَى خَرَاجِ السَّوَادِ، وَرِزْقُهُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعُ شَاةٍ وَخَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْسَحَ السَّوَادَ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ. وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بَعَثَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالِيًا عَلَى الْبَصْرَةِ فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَاتَلَهُمْ ثُمَّ اصْطَلَحُوا وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا بِالْمُوَادَعَةِ عَلَى أَنَّ دَارَ الْإِمَارَةِ وَالْمَسْجِدَ وَبَيْتَ الْمَالِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَيَنْزِلُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ حَيْثُ شَاءُوا مِنَ الْبَصْرَةِ. وَتُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَلَهُ فِي " الْمُسْنَدِ " وَ " السُّنَنِ " حَدِيثُ الْأَعْمَى الَّذِي سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ لِيَرُدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ ضَوْءَ بَصَرِهِ، فَرَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَلَهُ حَدِيثٌ آخَرُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَرَّخَ وَفَاتَهُ بِهَذِهِ السَّنَةِ سِوَى ابْنِ الْجَوْزِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ  ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ  ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَقِيلَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَقْدَانَ السَّعْدِيُّ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ السَّعْدِيُّ لِأَنَّ أَبَاهُ اسْتُرْضِعَ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: وَعُثْمَانُ بْنُ شَيْبَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ، وَهُوَ جَدُّ بَنِي شَيْبَةَ سَدَنَةِ الْكَعْبَةِ، وَمِفْتَاحُهَا مَعَهُمْ إِلَى الْآنَ، وَأَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقِيلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَجَبَيْرُ بْنُ مَطْعِمِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَأُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ وَقِيلَ: بَقِيَتْ إِلَى قَتْلِ الْحُسَيْنِ.

  90. التاريخ 2181لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ كان: غَزْوُ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ أَرْضَ الرُّومِ  . وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ فِي الْبَحْرِ فِي السُّفُنِ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي شَتَّى بِأَرْضِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَمْرُو بْنُ يَزِيدَ الْجُهَنِيُّ، وَالَّذِي غَزَا فِي الْبَحْرِ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ.

  91. التاريخ 2182لا حكم مسجّل

    عَزْلِ الضَّحَّاكِ عَنِ الْكُوفَةِ وَاسْتِعْمَالِ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ  وَفي سنة ثمان وخمسين وَلَّى مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الثَّقَفِيَّ  . وَهُوَ ابْنُ أُمِّ الْحَكَمِ أُخْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَزَلَ عَنْهَا الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ. وَفِي عَمَلِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَتِ الطَّائِفَةُ الَّتِي حَبَسَهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي السِّجْنِ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ كَانُوا بَايَعُوا الْمُسْتَوْرِدَ، فَظَفَرَ بِهِمْ فَاسْتَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُغِيرَةُ خَرَجُوا مِنَ السِّجْنِ، فَجَمَعَ حَيَّانُ بْنُ ظَبْيَانَ أَصْحَابَهُ ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَيْنَا الْجِهَادَ، فَمِنَّا مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَظِرُ، وَأُولَئِكَ هُمُ الْأَبْرَارُ الْفَائِزُونَ بِفِعْلِهِمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ اللَّهَ وَثَوَابَهُ فَلْيَسْلُكْ سَبِيلَ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جُوَيْنٍ [الطَّائِيُّ ]: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، إِنَّا وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْنَا أَنَّا إِذَا تَرَكْنَا جِهَادَ الظَّلَمَةِ وَإِنْكَارَ الْجَوْرِ، كَانَ لَنَا بِهِ عِنْدَ اللَّهِ عُذْرٌ، لَكَانَ تَرْكُهُ أَيْسَرَ عَلَيْنَا وَأَخَفَّ مِنْ رُكُوبِهِ، وَلَكِنَّا قَدْ عَلِمْنَا وَاسْتَيْقَنَّا أَنَّهُ لَا عُذْرَ لَنَا. ثُمَّ قَالَ: ابْسُطْ يَدَكَ نُبَايِعْكَ، فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ الْقَوْمُ، فَضَرَبُوا عَلَى يَدِ حَيَّانَ فَبَايَعُوهُ وَذَلِكَ فِي إِمَارَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ أَنَّ الْقَوْمَ اجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ مُعَاذِ بْنِ جُوَيْنٍ، فَقَالَ لَهُمْ حَيَّانُ: عِبَادَ اللَّهِ، أَشِيرُوا بِرَأْيِكُمْ، أَيْنَ تَأْمُرُونِي أَنْ أَخْرُجَ ؟ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: إِنِّي أَرَى أَنْ تَسِيرَ بِنَا إِلَى حُلْوَانَ فَإِنَّهَا كُورَةٌ بَيْنَ السَّهْلِ وَالْجَبَلِ، وَبَيْنَ الْمِصْرِ وَالثَّغْرِ، فَمَنْ كَانَ يَرَى رَأْيَنَا مِنْ أَهْلِ الْمِصْرِ وَالثَّغْرِ وَالْجِبَالِ وَالسَّوَادِ لَحِقَ بِنَا. فَقَالَ لَهُ حَيَّانُ: عَدُوُّكَ مُعَاجِلُكَ قَبْلَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ إِلَيْكَ، فَلَا يَتْرُكُوكُمْ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ إِلَيْكُمْ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ أَنْ أَخْرُجَ مَعَكُمْ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ ثُمَّ نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى نَلْحَقَ بِرَبِّنَا، فَإِنِّي [وَاللَّهِ ] قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ وَأَنْتُمْ دُونَ الْمِائَةِ رَجُلٍ أَنْ تَهْزِمُوا عَدُوَّكُمْ، وَلَا أَنْ تَشْتَدَّ نِكَايَتُكُمْ فِيهِمْ، وَلَكِنْ مَتَى عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ قَدْ أَجْهَدْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّكُمْ كَانَ لَكُمْ بِهِ الْعُذْرُ، وَخَرَجْتُمْ مِنَ الْإِثْمِ. قَالُوا: رَأْيُنَا رَأْيُكَ، فَقَالَ لَهُمْ عُدَيْسُ بْنُ عُرْقُوبٍ: اخْرُجُوا بِجَانِبٍ مِنْ مِصْرِهِمْ هَذَا فَقَاتِلُوا، فَقَالُوا: لَنْ يُخَالِفَكَ، فَمَكَثُوا حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرَ سَنَةٍ مِنْ سِنِي ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ اجْتَمَعُوا إِلَى حَيَّانَ، فَقَالَ: يَا قَوْمُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا سُرِرْتُ قَطُّ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ مَا أَسْلَمْتُ سُرُورِي بِخُرُوجِي هَذَا عَلَى الظَّلَمَةِ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ نَخْرُجَ حَتَّى نَنْزِلَ جَانِبَ دَارِ جَرِيرٍ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيْكُمُ الْأَحْزَابُ نَاجَزْتُمُوهُمْ، فَقَالَ عُدَيْسُ بْنُ عُرْقُوبٍ: إِذَا قَاتَلْتَهُمْ فِي جَوْفِ الْمِصْرِ قَاتَلَنَا الرِّجَالُ وَصَعِدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْإِمَاءُ، فَرَمَوْنَا بِالْحِجَارَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: انْزِلُوا بِنَا مِنْ وَرَاءِ الْجِسْرِ، فَقَالَ مُعَاذٌ: لَا بَلْ سِيرُوا بِنَا فَلْنَنْزِلْ بَانِقِيَا فَمَا أَسْرَعَ مَا يَأْتِيكُمْ عَدُوُّكُمْ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ اسْتَقْبَلْنَا الْقَوْمَ وَجَعَلْنَا الْبُيُوتَ فِي ظُهُورِنَا، فَقَاتَلْنَاهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَخَرَجُوا فَبُعِثَ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ فَقُتِلُوا جَمِيعًا.

  92. التاريخ 2183لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثمان وخمسين طَرَدَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أُمِّ الْحِكَمِ  وَذَلِكَ أَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِيهِمْ، فَطَرَدُوهُ، فَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ وَهُوَ خَالُهُ، فَقَالَ لَهُ: أُوَلِّيكَ خَيْرًا مِنْهَا مِصْرَ، فَوَلَّاهُ، فَتَوَجَّهَ إِلَيْهَا، وَبَلَغَ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيَّ الْخَبَرُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَهُ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى خَالِكَ فَلَعَمْرِي لَا تَسِيرُ فِينَا سِيرَتَكَ فِي إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. فَرَجَعَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ وَافِدًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْحَكَمِ، فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: هَذَا مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، قَالَتْ: لَا مَرْحَبًا بِهِ، "تَسْمَعُ بِالْمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ " فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكِ يَا أُمَّ الْحَكَمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَزَوَّجْتِ فَمَا أَكْرَمْتِ وَوَلَدْتِ فَمَا أَنْجَبْتِ، أَرَدْتِ أَنْ يَلِيَ ابْنُكِ الْفَاسِقُ عَلَيْنَا فَيَسِيرُ فِينَا كَمَا سَارَ فِي إِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُرِيَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَضَرَبْنَاهُ ضَرْبًا يُطَأْطِئُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ: كَفَى.

  93. التاريخ 2184لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ مَعَ الْأَعْرَابِيِّ   وَجَرَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ قِصَّةٌ عَجِيبَةٌ فعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَذِنَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَوْمًا، فَكَانَ فِيمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ فَتًى مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، فَلَمَّا أَخَذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ قَامَ الْفَتَى الْعُذْرِيُّ بَيْنَ السِّمَاطَيْنِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ شِعْرًا مَضْمُونُهُ التَّشَوُّقُ إِلَى زَوْجَتِهِ سُعَادَ مُعَاوِيَ يَا ذَا الْفَضْلِ وَالْحُكْمِ وَالْعَقْلِ وَذَا الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالْجُودِ وَالْبَذْلِ     أَتَيْتُكَ لَمَّا ضَاقَ فِي الْأَرْضِ مَسْلَكِي وَأَنْكَرْتُ مِمَّا قَدْ أُصِبْتُ بِهِ عَقْلِي فَفَرِّجْ كَلَاكَ اللَّهُ عَنِّي فَإِنَّنِي     لَقِيتُ الَّذِي لَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ قَبْلِي وَخُذْ لِي هَدَاكَ اللَّهُ حَقِّي مِنَ الَّذِي     رَمَانِي بِسَهْمٍ كَانَ أَهْوَنَهُ قَتْلِي وَكُنْتُ أُرَجِّيَ عَدْلَهُ إِنْ أَتَيْتُهُ     فَأَكْثَرَ تِرْدَادِي مَعَ الْحَبْسِ وَالْكَبْلِ فَطَلَّقْتُهَا مِنْ جَهْدِ مَا قَدْ أَصَابَنِي     فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْعَذَلِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: ادْنُ بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ، مَا خَطْبُكَ ؟ فَقَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، تَزَوَّجْتُ ابْنَةَ عَمٍّ لِي، وَكَانَتْ لِي صِرْمَةٌ مِنْ إِبِلٍ وَشُوَيْهَاتٌ، فَأَنْفَقْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا أَصَابَتْنِي نَائِبَةُ الزَّمَانِ وَحَادِثَاتُ الدَّهْرِ رَغِبَ عَنِّي أَبُوهَا، وَكَانَتْ جَارِيَةً فِيهَا الْحَيَاءُ وَالْكَرَمُ، فَكَرِهَتْ مُحَالَفَةَ أَبِيهَا، فَأَتَيْتُ عَامِلَكَ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَبَلَغَهُ جَمَالُهَا، فَأَعْطَى أَبَاهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَتَزَوَّجَهَا وَأَخَذَنِي فَحَبَسَنِي وَضَيَّقَ عَلَيَّ، فَلَمَّا أَصَابَنِي مَسُّ الْحَدِيدِ وَأَلَمُ الْعَذَابِ طَلَّقْتُهَا، وَقَدْ أَتَيْتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْتَ غِيَاثُ الْمَحْرُوبِ وَسَنَدُ الْمَسْلُوبِ، فَهَلْ مِنْ فَرَجٍ، ثُمَّ بَكَى وَقَالَ فِي بُكَائِهِ: فِي الْقَلْبِ مِنِّي نَارٌ وَالنَّارُ فِيهَا شَرَارُ     وَالْجِسْمُ مِنِّي نَحِيلٌ وَاللَّوْنُ فِيهِ اصْفِرَارُ وَالْعَيْنُ تَبْكِي بِشَجْوٍ وَدَمْعُهَا مِدْرَارُ     وَالْحُبُّ دَاءٌ عَسِيرٌ فِيهِ الطَّبِيبُ يَحَارُ حَمَلْتُ مِنْهُ عَظِيمًا فَمَا عَلَيْهِ اصْطِبَارٌ     فَلَيْسَ لَيْلِي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارِي نَهَارُ فَرَقَّ لَهُ مُعَاوِيَةُ وَكَتَبَ لَهُ إِلَى ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ كِتَابًا غَلِيظًا، وَكَتَبَ فِي آخِرِهِ يَقُولُ: رَكِبْتَ أَمْرًا عَظِيمًا لَسْتُ أَعْرِفُهُ     أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ جَوْرِ امْرِئٍ زَانٍ قَدْ كُنْتَ تُشْبِهُ صُوفِيًّا لَهُ كُتُبٌ     مِنَ الْفَرَائِضِ أَوْ آثَارِ فُرْقَانٍ حَتَّى أَتَانِي الْفَتَى الْعُذْرِيُّ مُنْتَحِبًا     يَشْكُو إِلَيَّ بِحَقٍّ غَيْرِ بُهْتَانٍ أَعْطَى الْإِلَهُ عُهُودًا لَا أَجِيشُ بِهَا     أَوْ لَا فَبُرِّئْتَ مِنْ دِينٍ وَإِيمَانٍ إِنْ أَنْتَ رَاجَعْتَنِي فِيمَا كَتَبْتُ بِهِ     لَأَجْعَلَنَّكَ لَحْمًا عِنْدَ عُقْبَانٍ طَلِّقْ سُعَادَ وَفَارِقْهَا بِمُجْتَمَعٍ     وَأَشْهِدْ عَلَى ذَاكَ نَصْرًا وَابْنَ ظَبْيَانِ فَمَا سَمِعْتُ كَمَا بُلِّغْتُ مِنْ عَجَبٍ     وَلَا فِعَالُكَ حَقًّا فِعْلُ فِتْيَانٍ فَلَمَّا وَرَدَ كِتَابُ مُعَاوِيَةَ عَلَى ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهَا سَنَةً ثُمَّ عَرَضَنِي عَلَى السَّيْفِ، وَجَعَلَ يُؤَامِرُ نَفْسَهُ فِي طَلَاقِهَا فَلَا يَقْدِرُ، فَلَمَّا أَزْعَجَهُ الْوَفْدُ طَلَّقَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا سُعَادُ، اخْرُجِي، فَخَرَجَتْ شَكِلَةً غَنِجَةً، ذَاتَ هَيْئَةٍ وَجَمَالٍ، فَلَمَّا رَآهَا الْوَفْدُ قَالُوا: مَا تَصْلُحُ هَذِهِ إِلَّا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَا لِأَعْرَابِيٍّ، وَكَتَبَ جَوَابَ كِتَابِهِ يَقُولُ: لَا تَحْنَثَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ     أَوْفَى بِعَهْدِكَ فِي رِفْقٍ وَإِحْسَانٍ وَمَا رَكِبْتُ حَرَامًا حَيْثُ أَعْجَبَنِي     فَكَيْفَ سُمِّيتُ بِاسْمِ الْخَائِنِ الزَّانِ وَسَوْفَ يَأْتِيكَ شَمْسٌ لَا خَفَاءَ بِهَا     أَبْهَى الْبَرِيَّةِ مِنْ إِنْسٍ وَمِنْ جَانٍ حَوْرَاءُ يَقْصُرُ عَنْهَا الْوَصْفُ إِنْ وُصِفَتْ     أَقُولُ ذَلِكَ فِي سِرٍّ وَإِعْلَانٍ فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنْ كَانَتْ أُعْطِيَتْ حُسْنَ النِّعْمَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهِيَ أَكْمَلُ الْبَرِيَّةِ، فَاسْتَنْطَقَهَا فَإِذَا هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ كَلَامًا وَأَكْمَلُهُمْ شَكْلًا وَدِلًّا، فَقَالَ: يَا أَعْرَابِيُّ فَهَلْ مِنْ سَلْوٍ عَنْهَا بِأَفْضَلِ الرَّغْبَةِ، قَالَ: نَعَمْ إِذَا فَرَّقْتَ بَيْنَ رَأْسِي وَجَسَدِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: لَا تَجْعَلْنِي وَالْأَمْثَالُ تُضْرَبُ بِي     كَالْمُسْتَغِيثِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بِالنَّارِ ارْدُدْ سُعَادَ عَلَى حَيْرَانَ مُكْتَئِبٍ     يُمْسِي وَيُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَتِذْكَارِ قَدْ شَفَّهُ قَلَقٌ مَا مِثْلُهُ قَلَقٌ     وَأُسْعِرَ الْقَلْبُ مِنْهُ أَيَّ إِسْعَارِ وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَنْسَى مَحَبَّتَهَا     حَتَّى أُغَيَّبَ فِي رَمْسٍ وَأَحْجَارِ كَيْفَ السَّلْوُ وَقَدْ هَامَ الْفُؤَادُ بِهَا     وَأَصْبَحَ الْقَلْبُ عَنْهَا غَيْرَ صَبَّارِ قَالَ: فَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: اخْتَارِي إِنْ شِئْتِ أَنَا، وَإِنْ شِئْتِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ، وَإِنْ شِئْتِ الْأَعْرَابِيَّ. فَأَنْشَأَتْ سُعَادُ وَارْتَجَزَتْ تَقُولُ: هَذَا وَإِنْ أَصْبَحَ فِي الْخِمَارِ     وَكَانَ فِي نَقْصٍ مِنَ الْيَسَارِ أَكْثَرُ عِنْدِي مِنْ أَبِي وَجَارِي     وَصَاحِبِ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ أَخْشَى إِذَا غَدَرْتُ حَرَّ النَّارِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: خُذْهَا لَا بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا. فَارْتَجَزَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: خَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ لِلْأَعْرَابِيِّ     أَلَمْ تَرِقُّوا وَيْحَكُمْ لِمَا بِي قَالَ: فَضَحِكَ مُعَاوِيَةُ وَأَمَرَ لَهُ بِعَشْرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَنَاقَةٍ وَوِطَاءٍ. وَأَمَرَ بِهَا فَأُدْخِلَتْ فِي بَعْضِ قُصُورِهِ حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنَ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، ثُمَّ أَمَرَ بِدَفْعِهَا إِلَى الْأَعْرَابِيِّ.

  94. التاريخ 2185لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ طَوَّافِ بْنِ غَلَّاقٍ   كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْخَوَارِجِ بِالْبَصْرَةِ يَجْتَمِعُونَ إِلَى رَجُلٍ اسْمُهُ جِدَارٌ فَيَتَحَدَّثُونَ عِنْدَهُ وَيَعِيبُونَ السُّلْطَانَ، فَأَخَذَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ فَحَبَسَهُمْ ثُمَّ دَعَا بِهِمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُخَلِّيَ سَبِيلَ الْقَاتِلِينَ، فَفَعَلُوا، فَأَطْلَقَهُمْ، وَكَانَ مِمَّنْ قَتَلَ طَوَّافٌ، فَعَذَلَهُمْ أَصْحَابُهُمْ وَقَالُوا: قَتَلْتُمْ إِخْوَانَكُمْ ! قَالُوا: أُكْرِهْنَا وَقَدْ يُكْرَهُ الرَّجُلُ عَلَى الْكُفْرِ وَهُوَ مُطَمْئِنٌ بِالْإِيمَانِ. وَنَدِمَ طَوَّافٌ وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ طَوَّافٌ: أَمَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَكَانُوا يَبْكُونَ، وَعَرَضُوا عَلَى أَوْلِيَاءِ مَنْ قَتَلُوا الدِّيَةَ فَأَبَوْا، وَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْقَوَدَ فَأَبَوْا وَلَقِيَ طَوَّافٌ الْهَثْهَاتَ بْنَ ثَوْرٍ السَّدُوسِيَّ فَقَالَ لَهُ: أَمَا تَرَى لَنَا مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ: مَا أَجِدُ لَكَ إِلَّا آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، قَوْلَهُ: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. فَدَعَا طَوَّافٌ أَصْحَابَهُ إِلَى الْخُرُوجِ وَإِلَى أَنْ يَفْتِكُوا بِابْنِ زِيَادٍ، فَبَايَعُوهُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْبَصْرَةِ، فَسَعَى بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِمْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ طَوَّافًا فَعَجَّلَ الْخُرُوجَ، فَخَرَجُوا مِنْ لَيْلَتِهِمْ فَقَتَلُوا رَجُلًا، وَمَضَوْا إِلَى الْجَلْجَاءِ، فَنَدَبَ ابْنُ زِيَادٍ الشُّرَطَ الْبُخَارِيَّةَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ الشُّرَطُ حَتَّى دَخَلُوا الْبَصْرَةَ وَاتَّبَعُوهُمْ، وَذَلِكَ يَوْمُ عِيدِ الْفِطْرِ، وَكَثَّرَهُمُ النَّاسُ فَقَاتَلُوا فَقُتِلُوا، وَبَقِيَ طَوَّافٌ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ، وَعَطِشَ فَرَسُهُ فَأَقْحَمَهُ الْمَاءَ، فَرَمَاهُ الْبُخَارِيَّةُ بِالنُّشَّابِ حَتَّى قَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، ثُمَّ دَفَنَهُ أَهْلُهُ، فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْهُمْ: يَا رَبِّ هَبْ لِي التُّقَى وَالصِّدْقَ فِي ثَبَتٍ وَاكْفِ الْمُهِمَّ فَأَنْتَ الرَّازِقُ الْكَافِي     حَتَّى أَبِيعَ الَّتِي تَفْنَى بِآخِرَةٍ تَبْقَى عَلَى دِينِ مِرْدَاسٍ وَطَوَّافِ     وَكَهْمَسٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ إِذْ نَفَرُوا إِلَى الْإِلَهِ ذَوِي أَخْبَابِ زَحَّافِ

  95. التاريخ 2186لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ قَتْلِ عُرْوَةَ ابْنِ أُدَيَّةَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ  وَفِي سنة ثمان وخمسين اشْتَدَّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى الْخَوَارِجِ   فَقَتَلَ مِنْهُمْ صَبْرًا جَمَاعَةً كَثِيرَةً، وَفِي الْحَرْبِ جَمَاعَةً أُخْرَى، وَمِمَّنْ قَتَلَ مِنْهُمْ صَبْرًا عُرْوَةُ بْنُ أَدِيَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ خَرَجَ فِي رِهَانٍ لَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ يَنْتَظِرُ الْخَيْلَ اجْتَمَعَ النَّاسُ وَفِيهِمْ عُرْوَةُ بْنُ أَدِيَةَ، فَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: خَمْسٌ كُنَّ فِي الْأُمَمِ [قَبْلَنَا ]، فَقَدْ صِرْنَ فِينَا: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ وَذَكَرَ خَصْلَتَيْنِ نَسِيَهُمَا الرَّاوِي، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ ظَنَّ ابْنُ زِيَادٍ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ إِلَّا وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَامَ فَرَكِبَ وَتَرَكَ رِهَانَهُ، فَقِيلَ لِعُرْوَةَ: مَا صَنَعْتَ، وَاللَّهِ لَيَقْتُلَنَّكَ. فَتَوَارَى، فَطَلَبَهُ ابْنُ زِيَادٍ فَهَرَبَ وَأَتَى الْكُوفَةَ، فَأُخِذَ وَقُدِمَ بِهِ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَقَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ ابْنَتَهُ. وَأَمَّا أَخُوهُ أَبُو بِلَالٍ مِرْدَاسٌ فَكَانَ عَابِدًا مُجْتَهِدًا عَظِيمَ الْقَدْرِ فِي الْخَوَارِجِ، وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ فَأَنْكَرَ التَّحْكِيمَ، وَشَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَتِ الْخَوَارِجُ كُلُّهَا تَتَوَلَّاهُ، وَرَأَى عَلَى ابْنِ عَامِرٍ قَبَاءً أَنْكَرَهُ فَقَالَ: هَذَا لِبَاسُ الْفُسَّاقِ ! فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا لِلسُّلْطَانِ فَإِنَّ مَنْ أَبْغَضَ السُّلْطَانَ أَبْغَضَهُ اللَّهُ، وَكَانَ لَا يَدِينُ بِالِاسْتِعْرَاضِ، وَيُحَرِّمُ خُرُوجَ النِّسَاءِ، وَيَقُولُ لَا نُقَاتِلُ إِلَّا مَنْ قَاتَلَنَا وَلَا نَجْبِي إِلَّا مَنْ حَمَيْنَا. وَكَانَتِ الْبَثْجَاءُ، امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، تُحَرِّضُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَتَذْكُرُ تَجَبُّرَهُ وَسُوءَ سِيرَتِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُجْتَهِدَاتِ، فَذَكَرَهَا ابْنُ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهَا أَبُو بِلَالٍ: إِنَّ التَّقِيَّةَ لَا بَأْسَ بِهَا فَتَغَيَّبِي فَإِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ قَدْ ذَكَرَكِ. قَالَتْ: أَخْشَى أَنْ يَلْقَى أَحَدٌ بِسَبَبِي مَكْرُوهًا. فَأَخَذَهَا ابْنُ زِيَادٍ فَقَطَعَ يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، فَمَرَّ بِهَا أَبُو بِلَالٍ فِي السُّوقِ فَعَضَّ عَلَى لِحْيَتِهِ وَقَالَ: أَهَذِهِ أَطْيَبُ نَفْسًا بِالْمَوْتِ مِنْكَ يَا مِرْدَاسُ ؟ مَا مِيتَةٌ أُمُوتُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِيتَةِ الْبَثْجَاءِ ! وَمَرَّ أَبُو بِلَالٍ بِبَعِيرٍ قَدْ طُلِيَ بِقَطِرَانٍ فَغُشِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَتَلَا: سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ زِيَادٍ أَلَحَّ فِي طَلَبِ الْخَوَارِجِ فَمَلَأَ مِنْهُمُ السِّجْنَ وَأَخَذَ النَّاسَ بِسَبَبِهِمْ وَحَبَسَ أَبَا بِلَالٍ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَ أَخَاهُ عُرْوَةَ، فَرَأَى السَّجَّانُ عِبَادَتَهُ فَأَذِنَ لَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي إِتْيَانِ أَهْلِهِ، فَكَانَ يَأْتِيهِمْ لَيْلًا وَيَعُودُ مَعَ الصُّبْحِ، وَكَانَ صَدِيقٌ لِمِرْدَاسٍ يُسَامِرُ ابْنَ زِيَادٍ، فَذَكَرَ ابْنُ زِيَادٍ الْخَوَارِجَ لَيْلَةً فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهِمْ، فَانْطَلَقَ صَدِيقُ مِرْدَاسٍ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ الْخَبَرَ، وَبَاتَ السَّجَّانُ بِلَيْلَةِ سُوءٍ خَوْفًا أَنْ يَعْلَمَ مِرْدَاسٌ فَلَا يَرْجِعُ، فَلَمَّا كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَعُودُ فِيهِ إِذَا بِهِ قَدْ أَتَى، فَقَالَ لَهُ السَّجَّانُ: أَمَا بَلَغَكَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: ثُمَّ جِئْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ لَمْ يَكُنْ جَزَاؤُكَ مِنِّي مَعَ إِحْسَانِكَ إِلَيَّ أَنْ تُعَاقَبَ. وَأَصْبَحَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَتَلَ الْخَوَارِجَ، فَلَمَّا أُحْضِرَ مِرْدَاسٌ قَامَ السَّجَّانُ، وَكَانَ ظِئْرًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ، فَشَفَعَ فِيهِ وَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَوَهَبَهُ لَهُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. ثُمَّ إِنَّهُ خَافَ ابْنَ زِيَادٍ فَخَرَجَ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إِلَى الْأَهْوَازِ، فَكَانَ إِذَا اجْتَازَ بِهِ مَالٌ أَخَذَ مِنْهُ عَطَاءَهُ وَعَطَاءَ أَصْحَابِهِ ثُمَّ يَرُدُّ الْبَاقِي، فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ زِيَادٍ خَبَرَهُمْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا عَلَيْهِمْ أَسْلَمُ بْنُ زُرْعَةَ الْكِلَابِيُّ سَنَةَ سِتِّينَ، وَقِيلَ: أَبُو حُصَيْنٍ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى أَبِي بِلَالٍ نَاشَدَهُمُ اللَّهَ أَنْ يُقَاتِلُوهُ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَدَعَاهُمْ أَسْلَمُ إِلَى مُعَاوَدَةِ الْجَمَاعَةِ، فَقَالُو: أَتَرُدُّونَنَا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ الْفَاسِقِ ؟ فَرَمَى أَصْحَابُ أَسْلَمَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ أَبِي بِلَالٍ فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: قَدْ بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ. فَشَدَّ الْخَوَارِجُ عَلَى أَسْلَمَ وَأَصْحَابِهِ شَدَّةً رَجُلٍ وَاحِدٍ فَهَزَمُوهُمْ فَقَدِمُوا الْبَصْرَةَ، فَلَامَ ابْنُ زِيَادٍ أَسْلَمَ وَقَالَ: هَزَمَكَ أَرْبَعُونَ وَأَنْتَ فِي أَلْفَيْنِ، لَا خَيْرَ فِيكَ ! فَقَالَ: لَأَنْ تَلُومَنِي وَأَنَا حَيٌّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُثْنِيَ عَلَيَّ وَأَنَا مَيِّتٌ. فَكَانَ الصِّبْيَانُ إِذَا رَأَوْا أَسْلَمَ صَاحُوا بِهِ: أَمَا أَبُو بِلَالٍ وَرَاءَكَ ! فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَنَهَاهُمْ فَانْتَهَوْا. ( وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ: أَأَلْفَا مُؤْمِنٍ مِنْكُمْ زَعَمْتُمْ وَيَقْتُلُهُمْ بِآسِكَ أَرْبَعُونَا     كَذَبْتُمْ لَيْسَ ذَاكَ كَمَا زَعَمْتُمْ وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ مُؤْمِنُونَا [ هِيَ الْفِئَةُ الْقَلِيلَةُ قَدْ عَلِمْتُمْ     عَلَى الْفِئَةِ الْكَثِيرَةِ يُنْصَرُونَا ]

  96. التاريخ 2187لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مُنَافٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ  ، يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ، وَيُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ: جَدُّهُ أَبُو أُحَيْحَةَ، قَتَلَ أَبُوهُ الْعَاصِ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِسَعِيدٍ تِسْعُ سِنِينَ. وَكَانَ سَعِيدٌ كَرِيمًا، اسْتَسْقَى يَوْمًا مِنْ دَارٍ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ عَرَضَ صَاحِبُ الدَّارِ الدَّارَ لِلْبَيْعِ، فَقَالَ: لِمَ يَبِيعُهَا ؟ قَالُوا: عَلَيْهِ دَيْنٌ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، فَقَالَ: إِنَّ لَهُ لَحُرْمَةً لِسَقْيِهِ إِيَّانَا. فَرَكِبَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ غَرِيمُهُ، فَقَالَ لِلْغَرِيمِ: هِيَ لَكَ عَلَيَّ، وَقَالَ لِصَاحِبِ الدَّارِ: اسْتَمْتِعْ بِدَارِكَ. وَكَانَ النَّاسُ يَتَعَشَّوْنَ عِنْدَهُ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْقُرَّاءِ افْتَقَرَ، فَقَالَتْ لَهُ زَوْجَتُهُ: قَدْ بَلَغَنَا عَنْ أَمِيرِنَا هَذَا كَرَمٌ فَاذْكُرْ لَهُ حَالَكَ فَلَعَلَّهُ أَنْ يُنِيلَنَا شَيْئًا، فَقَالَ: وَيْحَكِ، لَا تُخْلِقِي وَجْهِي، قَالَتْ: فَاذْكُرْ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. فَتَصَرَّمَ النَّاسُ لَيْلَةً عَنْهُ، وَثَبَتَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: سَعِيدٌ: أَظُنُّ جُلُوسَكَ لِحَاجَةٍ، فَسَكَتَ، فَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: تَنَحُّوا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنَّمَا أَنَا وَأَنْتَ فَاذْكُرْ حَاجَتَكَ، فَسَكَتَ، فَأَطْفَأَ السِّرَاجَ ثُمَّ قَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، لَسْتَ تَرَى وَجْهِي فَاذْكُرْ حَاجَتَكَ، فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، لَقَدْ أَصَابَتْنَا حَاجَةٌ فَأَحْبَبْتُ ذِكْرَهَا لَكَ، فَقَالَ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَالْقَ فُلَانًا وَكِيلِي. فَلَمَّا أَصْبَحَ الرَّجُلُ لَقِيَ الْوَكِيلَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِشَيْءٍ فَائْتِ بِمَنْ يَحْمِلُهُ مَعَكَ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي مَنْ يَحْمِلُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى زَوْجَتِهِ فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ وَجَعَلَ يَلُومُهَا وَيَقُولُ: مَا أَظُنُّهُ أَمَرَ لِي إِلَّا بِقَوْصَرَةِ تَمْرٍ وَقَفِيزِ بَزٍّ وَذَهَبَ مَاءُ وَجْهِي، لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ أَعْطَانِيهَا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: يَا هَذَا، قَدْ بَلَغَ بِنَا الْأَمْرُ مَا تَرَى فَمَهْمَا أَعْطَاكَ فَإِنَّهُ يُقَوِّتُنَا، فَأَتَى الْوَكِيلَ، فَقَالَ: أَيْنَ تَكُونُ ؟ أَخْبَرْتُ الْأَمِيرَ أَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكَ مَنْ يَحْمِلُ فَأَمَرَنِي أَنْ أُوَجِّهَ مَعَكَ مَنْ يَحْمِلُ مَعَكَ مَا أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةً مِنَ السُّودَانِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَدْرَةُ دَرَاهِمَ وَقَالَ: امْضُوا مَعَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الرَّجُلُ بَابَ مَنْزِلِهِ فَتَحَ بَدْرَةً مِنْهَا فَأَخْرَجَ دَرَاهِمَ وَدَفَعَهَا إِلَى السُّودَانِ وَقَالَ: انْصَرِفُوا، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ، نَحْنُ عَبِيدُكَ، إِنَّهُ مَا حَمَلَ مَمْلُوكٌ لِلْأَمِيرِ قَطُّ هَدِيَّةً إِلَى أَحَدٍ فَرَجَعَ الْمَمْلُوكُ إِلَى مِلْكِهِ. قَالَ: فَصَلَحَتْ حَالُ الرَّجُلِ. وَلَمَّا احْتَضَرَ سَعِيدٌ قَالَ لِبَنِيهِ: لَا يَفْقِدَنَّ مِنِّي إِخْوَانِي غَيْرَ وَجْهِي، فَاصْنَعُوا لَهُمْ مَا كُنْتُ أَصْنَعُ، وَأَجْرُوا عَلَيْهِمْ مَا كُنْتُ أُجْرِي، فَاكْفُوهُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَبَ الْحَاجَةَ اضْطَرَبَتْ أَرْكَانُهُ وَارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُ مَخَافَةَ أَنْ يُرَدَّ، فَوَاللَّهِ لَرَجُلٌ يَتَمَلْمَلُ عَلَى فِرَاشِهِ يَرَاكُمْ مَوْضِعًا لِحَاجَةٍ أَعْظَمُ عَلَيْكُمْ مِنَّةً مِنْكُمْ عَلَيْهِ بِمَا تُعْطُونَهُ. وعن خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبُرْدٍ فَقَالَتْ: إِنِّي نَوَيْتُ أَنْ أُعْطِيَ هَذَا الثَّوْبَ أَكْرَمَ الْعَرَبِ، فَقَالَ: "أَعْطِيهِ هَذَا الْغُلَامَ ": يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَهُوَ وَاقِفٌ. وَمَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ فِي قَصْرِهِ بِالْعَرْصَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَمْرٍو الْأَشْدَقِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفِنَهُ بِالْبَقِيعِ، وَقَالَ: إِنَّ قَلِيلًا لِي عِنْدَ قَوْمِي فِي بِرِّي بِهِمْ أَنْ يَحْمِلُونِي عَلَى رِقَابِهِمْ مِنَ الْعَرْصَةِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَفَعَلُوا، وَأَمَرَ ابْنَهُ عَمْرًا إِذَا دَفَنَهُ أَنْ يَرْكَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَيَنْعَاهُ وَيَبِيعَهُ مَنْزِلَهُ بِالْعَرْصَةِ، وَكَانَ مَنْزِلًا قَدْ أَنْحَلَهُ سَعِيدًا، وَغَرَسَ فِيهِ النَّخْلَ وَزَرَعَ وَبَنَى فِيهِ قَصْرًا مُعْجِبًا، وَقَالَ لِابْنِهِ: إِنَّ مَنْزِلِي هَذَا لَيْسَ فِي الْعَقْدِ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلُ بُرَّةَ، فَبِعْهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَاقْضِ عَنِّي دَيْنِي وَمَوَاعِيدِي، وَلَا تَقْبَلْ مِنْ مُعَاوِيَةَ قَضَاءَ دَيْنِي فَتُزَوِّدِنِيهِ إِلَى رَبِّي. فَلَمَّا دَفَنَهُ عَمْرٌو وَوَقَفَ النَّاسُ بِالْبَقِيعِ فَعَزَّوْهُ، ثُمَّ رَكِبَ رَوَاحِلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَنَعَاهُ لَهُ، فَاسْتَرْجَعَ وَتَوَجَّعَ لِمَوْتِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَرَكَ مِنْ دَيْنٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَمْ ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالَ: هِيَ عَلَيَّ، قَالَ: قَدْ أَبَى ذَلِكَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ عَنْهُ مِنْ أَمْوَالِهِ، أَبِيعُ مَا اسْتَبَاعَ مِنْهَا، قَالَ: فَاعْرِضْنِي مَا شِئْتَ، قَالَ: أَنْفَسُهَا وَأَحَبُّهَا إِلَيْنَا وَإِلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، مَنْزِلُهُ فِي الْعَرْصَةِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: هَيْهَاتَ لَا تَبِيعُونَ هَذَا الْمَنْزِلَ، انْظُرْ غَيْرَهُ، قَالَ: فَمَا نَصْنَعُ، نُحِبُّ تَعْجِيلَ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالَ: اجْعَلْهَا بِالْوَاقِيَةِ - يُرِيدُونَ دِرْهَمَ فَارِسَ، الدِّرْهَمُ زِنَةُ مِثْقَالِ الذَّهَبِ - قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: فَاحْمِلْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، فَحَمَلَهَا لَهُ، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ فَجَعَلَهَا فِي دُيُونِهِ وَحَاسَبَهُمْ بِمَا بَيْنَ الدَّرَاهِمِ الْوَاقِيَةِ - وَهِيَ الْبَعْلِيَّةُ - وَبَيْنَ الدَّرَاهِمِ الْجَوَارِ - وَهِيَ تَنْقُصُ فِي الْعَشْرَةِ ثَلَاثَةً، كُلُّ سَبْعَةٍ بِالْبَعْلِيَّةِ عَشْرَةٌ بِالْجَوَارِ - حَتَّى أَتَاهُ فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ فَذَكَرَ حَقًّا لَهُ فِي كُرَاعِ أَدِيمٍ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِخَطِّ مَوْلًى لِسَعِيدٍ كَانَ يَقُومُ لِسَعِيدٍ عَلَى بَعْضِ نَفَقَاتِهِ، وَشَهَادَةُ سَعِيدٍ عَلَى نَفْسِهِ بِخَطِّ سَعِيدٍ، فَعَرَفَ خَطَّ الْمَوْلَى وَخَطَّ أَبِيهِ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ لِلْفَتَى - وَهُوَ صُعْلُوكٌ مِنْ قُرَيْشٍ - هَذَا الْمَالُ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَوْلَى أَبِيهِ الصَّكَّ فَلَمَّا قَرَأَهُ الْمَوْلَى بَكَى ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ أَعْرِفُ هَذَا الصَّكَّ، وَهُوَ حَقٌّ، دَعَانِي مَوْلَايَ فَقَالَ لِي وَهَذَا الْفَتَى عِنْدَهُ عَلَى بَابِهِ، مَعَهُ هَذِهِ الْقِطْعَةُ الْأَدِيمِ: اكْتُبْ، فَكَتَبْتُ بِإِمْلَائِهِ هَذَا الْحَقَّ، فَقَالَ عَمْرٌو لِلْفَتَى: وَمَا سَبَبُ مَالِكَ هَذَا ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُ يَمْشِي وَحْدَهُ فَقُمْتُ مَشَيْتُ حَتَّى بَلَغَ بَابَ مَنْزِلِهِ، ثُمَّ وَقَفْتُ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ ؟ فَقُلْتُ: لَا، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُكَ تَمْشِي وَحْدَكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَصِلَ جَنَاحَكَ، فَقَالَ: وَصِلَتُكَ رَحِمٌ يَا ابْنَ أَخِي، ابْغِنِي قِطْعَةَ أَدِيمٍ، فَأَتَيْتُ خَرَّازًا عِنْدَ بَابِ دَارِهِ فَأَخَذْتُ مِنْهُ هَذِهِ الْقِطْعَةَ، فَدَعَا مَوْلَاهُ هَذَا فَقَالَ: اكْتُبْ، فَكَتَبَ عَنْ أَبِيكَ هَذَا الْكِتَابَ وَكَتَبَ فِيهِ شَهَادَتَهُ عَلَى نَفْسِهِ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لَيْسَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ شَيْءٌ، فَخُذْ هَذَا الْكِتَابَ فَإِذَا أَتَانَا شَيْءٌ فَائْتِنَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ شَيْءٌ. قَالَ عَمْرٌو: لَا جَرَمَ، لَا تَأْخُذْهَا إِلَّا وَافِيَةً، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ. وَرَوَى الزُّبَيْرُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ اشْتَرَى الْعَرْصَةَ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ دَيْنُ سَعِيدٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى مُعَاوِيَةُ الْعَرْصَةَ مِنَ ابْنِ سَعِيدٍ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَالنَّخْلَ بِأَلْفِ أَلْفٍ، وَالْمَزَارِعَ بِأَلْفِ أَلْفٍ. وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَعَثَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِهَدَايَا وَأَمْوَالٍ وَكِتَابٍ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ يَخْطُبُ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ أُمَّ عُثْمَانَ مِنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ، فَلَمَّا وَصَلَتِ الْهَدَايَا وَالْأَمْوَالُ وَالْكِتَابُ قَرَأَهُ، ثُمَّ فَرَّقَ الْهَدَايَا فِي جُلَسَائِهِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا لَطِيفًا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [ الْعَلَقِ: 6، 7 ]. وَالسَّلَامُ. وَرُوِّينَا أَنَّ سَعِيدًا خَطَبَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ مِنْ فَاطِمَةَ، الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَجَابَتْ إِلَى ذَلِكَ وَشَاوَرَتْ أَخَوَيْهَا فَكَرِهَا ذَلِكَ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ الْحُسَيْنُ وَأَجَابَ الْحَسَنُ - فَهَيَّأَتْ دَارَهَا وَنَصَبَتْ سَرِيرًا وَتَوَاعَدُوا لِلْكِتَابِ، وَأَمَرَتِ ابْنَهَا زَيْدَ بْنَ عُمَرَ أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِمِائَةِ أَلْفٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِائَتَيْ أَلْفٍ - مَهْرًا. وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ أَصْحَابُهُ لِيَذْهَبُوا مَعَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُحْرِجَ ابْنَيْ فَاطِمَةَ. فَتَرَكَ التَّزْوِيجَ، وَأَطْلَقَ جَمِيعَ ذَلِكَ الْمَالِ لَهَا. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَعَبْدُ الْأَعَلَى بْنُ حَمَّادٍ: سَأَلَ أَعْرَابِيٌّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَأَمَرَ لَهُ بِخَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ الْخَادِمُ: خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَمَرْتُكَ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَإِذْ قَدْ جَاشَ فِي نَفْسِكَ أَنَّهَا دَنَانِيرُ، فَادْفَعْ إِلَيْهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. فَلَمَّا قَبَضَهَا الْأَعْرَابِيُّ جَلَسَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ: مَالِكٌ ؟ أَلَمْ تَقْبِضْ نَوَالَكَ ؟ قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى الْأَرْضِ كَيْفَ تَأْكُلُ مِثْلَكَ. وَقَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ: جَاءَ رَجُلٌ فِي حَمَالَةِ أَرْبَعِ دِيَاتٍ سَأَلَ فِيهَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَقِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَوْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. فَانْطَلَقَ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا سَعِيدٌ دَاخِلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ: سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ. فَقَصَدَهُ فَذَكَرَ لَهُ مَا أَقْدَمَهُ، فَتَرَكَهُ حَتَّى انْصَرَفَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَقَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: ائْتِ بِمَنْ يَحْمِلُ مَعَكَ ؟ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُكَ مَالًا لَا تَمْرًا. فَقَالَ: أَعْرِفُ، ائْتِ بِمَنْ يَحْمِلُ مَعَكَ ؟ فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَأَخَذَهَا الْأَعْرَابِيُّ، وَانْصَرَفَ وَلَمْ يَسْأَلْ غَيْرَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، أَخْزَى اللَّهُ الْمَعْرُوفُ إِذَا لَمْ يَكُنِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ، فَأَمَّا إِذَا أَتَاكَ الرَّجُلُ تَكَادُ تَرَى دَمَهُ فِي وَجْهِهِ، أَوْ جَاءَكَ مُخَاطِرًا لَا يَدْرِي أَتُعْطِيهِ أَمْ تَمْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ خَرَجْتَ لَهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِكِ مَا كَافَأْتَهُ. وَقَالَ سَعِيدٌ: لِجَلِيسِي عَلَيَّ ثَلَاثٌ ; إِذَا دَنَا رَحَّبْتُ بِهِ، وَإِذَا جَلَسَ أَوْسَعْتُ لَهُ، وَإِذَا حَدَّثَ أَقْبَلْتُ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا: يَا بُنَيَّ، لَا تُمَازِحِ الشَّرِيفَ فَيَحْقِدَ عَلَيْكَ، وَلَا الدَّنِيءَ فَتَهُونَ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَجْتَرِئَ عَلَيْكَ. وَخَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فَلْيَكُنْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، إِنَّمَا يَتْرُكُهُ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ ; إِمَّا مُصْلِحٌ فَيَسْعَدُ بِمَا جَمَعْتَ لَهُ وَتَخِيبُ أَنْتَ، وَالْمُصْلِحُ لَا يَقِلُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِمَّا مُفْسِدٌ فَلَا يَبْقَى لَهُ شَيْءٌ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: جَمَعَ أَبُو عُثْمَانَ طُرَفَ الْكَلَامِ. وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ: مَوْطِنَانِ لَا أَسْتَحْيِي مِنْ رِفْقِي فِيهِمَا وَالتَّأَنِّي عِنْدَهُمَا، مُخَاطَبَتِي جَاهِلًا أَوْ سَفِيهًا، وَعِنْدَ مَسْأَلَتِي حَاجَةً لِنَفْسِي. وَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَابِدَاتِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، فَأَكْرَمهَا وَأَحْسَنَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَا جَعَلَ اللَّهُ لَكَ إِلَى لَئِيمٍ حَاجَةً، وَلَا زَالَتِ الْمِنَّةُ لَكَ فِي أَعْنَاقِ الْكِرَامِ، وَإِذَا أَزَالَ عَنْ كَرِيمٍ نِعْمَةً جَعَلَكَ سَبَبًا لِرَدِّهَا عَلَيْهِ. وَقَدْ كَانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَكَانَتْ إِحْدَى زَوْجَاتِهِ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أُخْتَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ، وَعَائِشَةَ، وَعَنْهُ ابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقُ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَيْسَ لَهُ فِي " الْمُسْنَدِ " وَلَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ شَيْءٌ. وَقَدْ كَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، جَيِّدَ السَّرِيرَةِ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَجْمَعُ أَصْحَابَهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فَيُطْعِمُهُمْ وَيَكْسُوهُمُ الْحُلَلَ، وَيُرْسِلُ إِلَى بُيُوتِهِمْ بِالْهَدَايَا وَالتُّحَفِ وَالْبِرِّ الْكَثِيرِ، وَكَانَ يُصِرُّ الصُّرَرَ فَيَضَعُهَا بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّينَ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ تُعْرَفُ بَعْدَهُ بِدَارِ نَعِيمٍ، وَحَمَّامِ نَعِيمٍ، بِنَوَاحِي الدِّيمَاسِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا. ثُمَّ أَوْرَدَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ فعن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ". شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ، أَبُو يَعْلَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ  ، أَبُو يَعْلَى الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. وَحَكَى ابْنُ مَنْدَهْ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: وَهُوَ وَهْمٌ. وَكَانَ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ يُعَلِّقُ عَلَى فِرَاشِهِ، وَيَتَقَلَّبُ عَلَيْهِ وَيَتَلَوَّى كَمَا تَتَلَوَّى الْحَيَّةُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ خَوْفَ النَّارِ قَدْ أَقْلَقَنِي. ثُمَّ يَقُومُ إِلَى صَلَاتِهِ. قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: كَانَ شَدَّادٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ. نَزَلَ شَدَّادٌ فِلَسْطِينَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ  : أُمُّهُ أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرٍ، وَهُوَ أَخُو عَائِشَةَ لِأَبَوَيْهَا وَكَانَ أَسَنَّ أَوْلَادِ أَبِي بَكْرٍ، لَمْ يَزَلْ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ وَشَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ وَدَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِيُبَارِزَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَتِّعْنَا بِنَفْسِكَ "، ثُمَّ أَسْلَمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ لِمَرْوَانَ لِمَا دُعِيَ إِلَى بَيْعَةِ يَزِيدَ: إِنَّمَا يُرِيدُونَ أَنْ يَجْعَلُوهَا كِسْرَوِيَّةً أَوْ هِرَقْلِيَّةً، فَقَالَ مَرْوَانُ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَذَا الَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ، فَصَاحَتْ بِهِ عَائِشَةُ: أَلِعَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ هَذَا، كَذَّبْتَ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِهِ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ الرَّجُلَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ لَسَمَّيْتُهُ، وَلَكِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ أَبَاكَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِهِ. وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَطْعَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ أَرْبَعِينَ وَسْقًا، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَّجِرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الشَّامِ بِمَالِهِ وَمَالِ قُرَيْشٍ فَرَأَى لَيْلَى بِنْتَ الْجُودِيِّ فَهَوِيَهَا، فَلَمَّا فَتَحَ خَالِدٌ الشَّامَ زَمَنَ عَمَرَ صَارَتْ إِلَيْهِ فَازْدَادَ بِهَا شَغَفًا. عن مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَدِمَ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ، فَرَأَى هُنَاكَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا ابْنَةُ الْجُودِيِّ عَلَى طَنْفَسَةٍ لَهَا وَلَائِدُ، فَأَعْجَبَتْهُ فَقَالَ لَهَا: أَتَذْكُرُ لَيْلَى وَالسَّمَاوَةُ دُونَهَا وَمَا لِابْنَةِ الْجُودِيِّ لَيْلَى وَمَا لِيَا     وَأَنَّى تَعَاطَى قَلْبَهُ حَارِثِيَّةٌ تَؤُمَّنَّ بُصْرَى أَوْ يَحِلُّ الْجَوَابِيَا     وَأَنِّي بِلَاقِيهَا بَلَى وَلَعَلَّهَا إِنِ النَّاسُ حَجُّوا قَابِلًا أَنْ تُلَاقِيَا فَلَمَّا بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ جَيْشَهُ إِلَى الشَّامِ قَالَ لِصَاحِبِ الْجَيْشِ: إِنْ ظَفَرْتَ بِلَيْلَى بِنْتِ الْجُودِيِّ عَنْوَةً فَادْفَعْهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَظَفَرَ بِهَا فَدَفَعَهَا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأُعْجِبَ بِهَا وَآثَرَهَا عَلَى نِسَائِهِ حَتَّى شَكَوْنَهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَعَاتَبَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ كَأَنِّي أَرْشِفُ بِأَنْيَابِهَا حَبَّ الرُّمَّانِ، فَأَصَابَهَا وَجَعٌ سَقَطَ لَهُ فُوهَا فَجَفَاهَا حَتَّى شَكَتْهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، لَقَدْ أَحْبَبْتَ لَيْلَى فَأَفْرَطْتَ وَأَبْغَضْتَهَا فَأَفْرَطْتَ، فَإِمَّا أَنْ تُنْصِفَهَا وَإِمَّا أَنْ تُجَهِّزَهَا إِلَى أَهْلِهَا. قَالَ الزُّبَيْرُ: وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَفَّلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ لَيْلَى بِنْتَ الْجُودِيِّ حِينَ فَتَحَ دِمَشْقَ، وَكَانَتِ ابْنَةَ مَلِكِ دِمَشْقَ. وَمِمَّا يُرْوَى لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي لَيْلَى بِنْتِ الْجُودِيِّ هَذَا: يَا ابْنَةَ الْجُودِيِّ قَلْبِي [كَئِيبٌ ]     مُسْتَهَامٌ عِنْدَهَا مَا يَؤُوبُ جَاوَرْتُ أَخْوَالَهَا حَيَّ عَكٍّ     فَلَعَلَّكِ مِنْ فُؤَادِي نَصِيبٌ وَلَقَدْ لَامُوا فَقُلْتُ ذَرُونِي     إِنَّ مَنْ يُلْحُونَ فِيهَا الْحَبِيبُ غُصْنُ بَانٍ مَا خَلَا الْخَصْرُ مِنْهَا     ثُمَّ مَا أَسْفَلَ ذَاكَ كَثِيبٌ قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أُعَاتِبُهُ فِي كَثْرَةِ مَحَبَّتِهِ لَهَا، ثُمَّ صِرْتُ أُعَاتِبُهُ فِي إِسَاءَتِهِ إِلَيْهَا، حَتَّى رَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا. وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالْحَبَشِيِّ فَحُمِلَ حَتَّى دُفِنَ بِمَكَّةَ، فَقَدِمَتْ عَائِشَةُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَتَتْ قَبْرَهُ فَوَقَفَتْ عَلَيْهِ فَتَمَثَّلَتْ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً     مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا     لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا ثُمَّ قَالَتْ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُ قَبْرَكَ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا حَمَلْتُ مِنْ حَبَشِيٍّ مَيِّتًا وَلَدُفِنْتَ مَكَانَكَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ] بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ تُوُفِّيَ فِي مَنْزِلٍ لَهُ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى رِقَابِنَا سِتَّةَ أَمْيَالٍ إِلَى مَكَّةَ، وَعَائِشَةُ غَائِبَةٌ، فَقَدِمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَتْ: أَرُونِي قَبْرَ أَخِي، فَصَلَّتْ عَلَيْهِ. وعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي نَوْمَةٍ نَامَهَا فَأَعْيَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ زَمَانًا. . وَفِي هَذِهِ السَّنَة تُوُفِّيَ عُمَيْرَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ قَاضِي الْبَصْرَةِ  ، فَاسْتَقْضَى مَكَانَهُ هِشَامَ بْنَ هُبَيْرَةَ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ   ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَةٍ. وَأُمُّهُمَا أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ كَرِيمًا جَمِيلًا وَسِيمًا، يُشْبِهُ أَبَاهُ فِي الْجَمَالِ. رُوِّينَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَصِفُ عَبْدَ اللَّهِ وَعُبَيْدَ اللَّهِ وَكَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُ: " مَنْ سَبَقَ إِلَيَّ فَلَهُ كَذَا ". فَيَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ فَيَقَعُونَ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ فَيُقَبِّلُهُمْ وَيَلْتَزِمُهُمْ. وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ عَلَى الْيَمَنِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَسَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ اخْتَلَفَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ الرَّهَاوِيُّ الَّذِي قَدِمَ عَلَى الْحَجِّ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيِّ، فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ عَامَئِذٍ، ثُمَّ لَمَّا صَارَتِ الشَّوْكَةُ لِمُعَاوِيَةَ تَسَلَّطَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، فَقَتَلَ لَهُ وَلَدَيْنِ، وَجَرَتْ أُمُورٌ بِالْيَمَنِ قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا. وَكَانَ يَقْدُمُ هُوَ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ الْمَدِينَةَ فَيُوسِعُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ عِلْمًا، وَيُوسِعُهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ كَرَمًا. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي مَسِيرٍ لَهُ، مَعَ مَوْلًى لَهُ عَلَى خَيْمَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَلَمَّا رَآهُ الْأَعْرَابِيُّ أَعْظَمَهُ وَأَجَلَّهُ، وَرَأَى حُسْنَهُ وَشَكْلَهُ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَيْحَكِ ! مَاذَا عِنْدَكِ لِضَيْفِنَا هَذَا ؟ فَقَالَتْ: لَيْسَ عِنْدَنَا إِلَّا هَذِهِ الشُّوَيْهَةُ الَّتِي حَيَاةُ ابْنَتِكَ مِنْ لَبَنِهَا. فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهَا. فَقَالَتْ: أَتَقْتُلُ ابْنَتَكَ ؟ فَقَالَ: وَإِنْ. فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ وَالشَّاةَ، وَجَعَلَ يَذْبَحُهَا وَيَسْلُخُهَا، وَهُوَ يَقُولُ مُرْتَجِزًا: يَا جَارَتِي لَا تُوقِظِي الْبُنَيَّهْ     إِنْ تُوقِظِيهَا تَنْتَحِبْ عَلَيَّهْ وَتَنْزِعِ الشَّفْرَةَ مِنْ يَدَيَّهْ ثُمَّ هَيَّأَهَا طَعَامًا، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ وَمَوْلَاهُ فَعَشَّاهُمَا، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَدْ سَمِعَ مُحَاوَرَتَهُ لِامْرَأَتِهِ فِي الشَّاةِ، فَلَمَّا أَرَادَ الِارْتِحَالَ قَالَ لِمَوْلَاهُ: وَيْلَكَ ! مَاذَا مَعَكَ مِنَ الْمَالِ ؟ فَقَالَ: مَعِي خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ فَضَلَتْ مِنْ نَفَقَتِكَ. فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَى الْأَعْرَابِيِّ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تُعْطِيهِ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَإِنَّمَا ذَبْحَ لَكَ شَاةً وَاحِدَةً تُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ ؟ ! فَقَالَ: وَيْحَكَ ! وَاللَّهِ لَهْوَ أَسْخَى مِنَّا وَأَجْوَدُ ; لِأَنَّا إِنَّمَا أَعْطَيْنَاهُ بَعْضَ مَا نَمْلِكُ، وَجَادَ هُوَ عَلَيْنَا بِجَمِيعِ مَا يَمْلُكُ، وَآثَرَنَا عَلَى مُهْجَةِ نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ عُبَيْدِ اللَّهِ ! مِنْ أَيِّ بَيْضَةٍ خَرَجَ ؟ ! وَمَنْ أَيِّ شَيْءٍ دَرَجَ ؟ ! قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَقِيلَ: بِالْيَمَنِ. وَلَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ. أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ  زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَحَبُّ أَزْوَاجِهِ إِلَيْهِ، الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، ؓ، وَأُمُّهَا هِيَ أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الْكِنَانِيَّةُ، تُكَنَّى عَائِشَةُ بِأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ، قِيلَ: كَنَّاهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ; بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا أَسْقَطَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُقْطًا، فَسَمَّاهُ عَبْدُ اللَّهِ. وَلَمْ يَتَزَوَّجْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ غَيْرِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَزْوَاجِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْهَا، تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَقَدْ أَتَاهُ الْمَلَكُ بِهَا فِي الْمَنَامِ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَيَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ. قَالَ: " فَأَكْشِفُ عَنْكِ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ ". فَأَقُولُ: " إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ ". فَخَطَبَهَا مِنْ أَبِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَتَحِلُّ لَكَ ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: أَوَلَسْتُ أَخَاكَ ؟ قَالَ: " بَلَى، فِي الْإِسْلَامِ، وَهِيَ لِي حَلَالٌ " فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَتَيْنِ، وَقِيلَ: بِسَنَةٍ وَنِصْفٍ. وَقِيلَ: بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَكَانَ عُمْرُهَا إِذْ ذَاكَ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ دَخَلَ بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ بَعْدَ بَدْرٍ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ فَأَحَبَّهَا. وَلَمَّا تَكَلَّمَ فِيهَا أَهْلُ الْإِفْكِ بِالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ غَارَ اللَّهُ لَهَا، فَأَنْزَلَ لَهَا بَرَاءَتَهَا فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ تُتْلَى عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ. تكفير من قذف عائشة بعد براءتها وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ قَذَفَهَا بَعْدَ بَرَاءَتِهَا  ، وَاخْتَلَفُوا فِي بَقِيَّةِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ يَكْفُرُ مَنْ قَذَفَهُنَّ أَمْ لَا  ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَأَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَكْفُرُ ; لِأَنَّ الْمَقْذُوفَةَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا غَضِبَ لَهَا، لِأَنَّهَا زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهِيَ وَغَيْرُهَا مِنْهُنَّ سَوَاءٌ. وَمِنْ خَصَائِصِهَا، ؓ، أَنَّهَا كَانَ لَهَا فِي الْقَسْمِ يَوْمَانِ   ; يَوْمُهَا وَيَوْمُ سَوْدَةَ حِينَ وَهَبَتْهَا ذَلِكَ تَقَرُّبًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ مَاتَ فِي يَوْمِهَا وَفِي بَيْتِهَا، وَبَيْنَ سَحْرِهَا وَنَحْرِهَا، وَجَمْعَ اللَّهُ بَيْنَ رِيقِهِ وَرِيقِهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَوَّلِ سَاعَةٍ مِنَ الْآخِرَةِ، وَدُفِنَ فِي بَيْتِهَا. وعَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّهُ لَيُهَوِّنُ عَلَيَّ أَنِّي رَأَيْتُ بَيَاضَ كَفِّ عَائِشَةَ فِي الْجَنَّةِ ".. وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَحَبَّةِ الْعَظِيمَةِ ; أَنَّهُ يَرْتَاحُ لِأَنَّهُ رَأَى بَيَاضَ كَفِّهَا أَمَامَهُ فِي الْجَنَّةِ. وَمِنْ خَصَائِصِهَا أَنَّهَا أَعْلَمُ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ  ، بَلْ هِيَ أَعْلَمُ النِّسَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ; قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَوْ جُمِعَ عِلْمُ عَائِشَةَ إِلَى عِلْمِ جَمِيعِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعِلْمِ جَمِيعِ النِّسَاءِ، لَكَانَ عِلْمُ عَائِشَةَ أَفْضَلَ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كَانَتْ عَائِشَةُ أَفْقَهَ النَّاسِ، وَأَعْلَمَ النَّاسِ، وَأَحْسَنَ النَّاسِ رَأْيًا فِي الْعَامَّةِ. وَقَالَ عُرْوَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِفِقْهٍ وَلَا طِبٍّ وَلَا شِعْرٍ مِنْ عَائِشَةَ. وَلَمْ تَرْوِ امْرَأَةٌ وَلَا رَجُلٌ، غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِقَدْرِ رِوَايَتِهَا، ؓ. وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا - أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ - حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ، إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ أَبُو الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ: رَأَيْتُ مَشْيَخَةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الْأَكَابِرَ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ. فَأَمَّا مَا يَلْهَجُ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَعُلَمَاءِ الْأُصُولِ مِنْ إِيرَادِ حَدِيثِ: " خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الْحُمَيْرَاءِ ". فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، وَلَا هُوَ مُثْبَتٌ فِي شَيْءٍ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَسَأَلَتُ عَنْهُ شَيْخَنَا أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ فَقَالَ: لَا أَصْلَ لَهُ. ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِي النِّسَاءِ أَعْلَمُ مِنْ تِلْمِيذَاتِهَا ; عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَحَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، وَعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَقَدْ تَفَرَّدَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، ؓ، بِمَسَائِلَ مِنْ بَيْنِ الصَّحَابَةِ لَمْ تُوجَدْ إِلَّا عِنْدَهَا، وَانْفَرَدَتْ بِاخْتِيَارَاتٍ أَيْضًا، وَرَدَّتْ أَخْبَارًا بِخِلَافِهَا بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ. وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ مَسْرُوقٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ، الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ. وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: " عَائِشَةُ ". قُلْتُ: وَمِنَ الرِّجَالِ ؟ قَالَ: " أَبُوهَا ". وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَيْضًا، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ". تفضيل عائشة على خديجة وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَفْضِيلِ عَائِشَةَ عَلَى خَدِيجَةَ  ، بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ دَخَلَ فِيهِ سَائِرُ النِّسَاءِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرُهُنَّ. وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ هَالَةَ ". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ؟ هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَأَمَّا مَا يُرْوَى فِيهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: " مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ". فَلَيْسَ يَصِحُّ سَنَدُهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُطَوَّلًا عِنْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَذَكَرْنَا حُجَّةَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَفْضِيلِهَا عَلَى عَائِشَةَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا. وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِنَّ عَائِشَةَ، ؓ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا: " يَا عَائِشُ، هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ ". فَقُلْتُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، تَرَى مَا لَا أَرَى. وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَاجْتَمَعَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَقُلْنَ لَهَا: قُولِي لَهُ يَأْمُرُ النَّاسَ أَنْ يُهْدُوا إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ. فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنِّي. ثُمَّ قُلْنَ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا، ثُمَّ لَمَّا دَارَ إِلَيْهَا قَالَتْ لَهُ، فَقَالَ: " يَا أُمَّ سَلَمَةَ، لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرِهَا ". وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ بَعَثْنَ فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدُونَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ. فَقَالَ: " يَا بُنَيَّةُ، أَلَّا تُحِبِّينَ مَنْ أُحِبُّ ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: " فَأَحِبِّي هَذِهِ ". ثُمَّ بَعَثْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ عَائِشَةُ، فَتَكَلَّمَتْ زَيْنَبُ، وَنَالَتْ مِنْ عَائِشَةَ، فَانْتَصَرَتْ عَائِشَةُ مِنْهَا، وَكَلَّمَتْهَا حَتَّى أَفْحَمَتْهَا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ، وَيَقُولُ: " إِنَّهَا ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ ". وَذَكَرْنَا أَنَّ عَمَّارًا لَمَّا جَاءَ يَسْتَصْرِخُ النَّاسَ وَيَسْتَنْفِرُهُمْ إِلَى قِتَالِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ أَيَّامَ الْجَمَلِ، صَعِدَ هُوَ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَسَمِعَ عَمَّارُ رَجُلًا يَنَالُ مِنْ عَائِشَةَ فَقَالَ لَهُ: اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا، وَاللَّهِ إِنَّهَا لِزَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ لِيَعْلَمَ إِيَّاهُ تُطِيعُونَ أَوْ إِيَّاهَا. وعن ذَكْوَانُ حَاجِبُ عَائِشَةَ، أَنَّهُ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى عَائِشَةَ، فَجِئْتُ وَعِنْدَ رَأْسِهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقُلْتُ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ. فَأَكَبَّ عَلَيْهَا ابْنُ أَخِيهَا عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَسْتَأْذِنُ. وَهِيَ تَمُوتُ، فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: يَا أُمَّتَاهُ، إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ صَالِحِ بَنِيكِ يُسَلِّمُ عَلَيْكِ وَيُوَدِّعُكِ. فَقَالَتِ: ائْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ. قَالَ: فَأَدْخَلْتُهُ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ: أَبْشِرِي. فَقَالَتْ: بِمَاذَا ؟ فَقَالَ: مَا بَيْنَكِ وَبَيْنَ أَنْ تَلْقَيْ مُحَمَّدًا ﷺ وَالْأَحِبَّةَ إِلَّا أَنَّ تَخْرُجَ الرُّوحُ مِنَ الْجَسَدِ، كُنْتِ أَحَبَّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ إِلَّا طَيِّبًا، وَسَقَطَتْ قِلَادَتُكِ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى يُصْبِحَ فِي الْمَنْزِلِ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِي سَبَبِكِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الرُّخْصَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، جَاءَ بِهَا الرُّوحُ الْأَمِينُ، فَأَصْبَحَ لَيْسَ لِلَّهِ مَسْجِدٌ مِنْ مَسَاجِدِ اللَّهِ إِلَّا يُتْلَى فِيهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ. فَقَالَتْ: دَعْنِي مِنْكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِهَا وَمَنَاقِبِهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهَا فِي هَذَا الْعَامِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ  ، وَقِيلَ: قَبْلَهُ بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: بَعْدَهُ بِسَنَةٍ. وَالْمَشْهُورُ فِي رَمَضَانَ مِنْهُ، وَقِيلَ: فِي شَوَّالٍ. وَالْأَشْهَرُ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعُ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَوْصَتْ أَنْ تُدْفَنَ بِالْبَقِيعِ لَيْلًا، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْوِتْرِ، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا خَمْسَةٌ، وَهُمْ ; عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ ابْنَا الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ مِنْ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَالْقَاسِمُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا أَخِيهَا مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ عُمْرُهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعًا وَسِتِّينَ سَنَةً ; لِأَنَّهُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمْرُهَا ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ عُمْرُهَا عَامَ الْهِجْرَةِ ثَمَانِ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. عبد الله بن عامر ( فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ ) الْجُهَنِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ  .

  97. التاريخ 2188لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ كان مَشْتَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ بِأَرْضِ الرُّومِ  . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ عَامَئِذٍ غَزْوٌ فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: غَزَا فِي الْبَحْرِ جُنَادَةُ بْنُ أُمَيَّةَ.

  98. التاريخ 2189لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ خُرَاسَانَ  وفي سنة تسع وخمسين عَزَلَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَ أُمِّ الْحَكَمِ عَنِ الْكُوفَةِ  وَوَلَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زِيَادِ بْنِ سُمَيَّةَ خُرَاسَانَ وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَدِمَ وَافِدًا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا لَنَا حَقٌّ ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَاذَا تُوَلِّينِي ؟ قَالَ مُعَاوِيَةُ: النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ بِالْكُوفَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى الْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ، وَعَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، وَلَسْتُ أَرَى عَمَلًا يُشْبِهُكَ إِلَّا أَنْ أُشْرِكَكَ فِي عَمَلِ أَخِيكَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: أَشْرِكْنِي فَإِنَّ عَمَلَهُ وَاسِعٌ يَحْتَمِلُ الشَّرِكَةَ، فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ. رَوَى أَبُو حَفْصٍ الْأَزْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا قَيْسُ بْنُ الْهُثَيْمِ السُّلَمِيِّ، وَقَدْ وَجَّهَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، فَأَخَذَ أَسْلَمَ بْنَ زُرْعَةَ الْكِلَابِيَّ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَغْرَمَ أَسْلَمَ بْنَ زُرْعَةَ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِخُرَاسَانَ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ قَيْسَ بْنَ الْهُثَيْمِ. فَقَالَ يَزِيدُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَمْ قَدِمْتَ بِهِ مَعَكَ مِنَ الْمَالِ ؟ قَالَ: عِشْرُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَاسَبْنَاكَ وَقَبَضْنَاهَا مِنْكَ، وَرَدَدْنَاكَ عَلَى عَمَلِكَ، وَإِنْ شِئْتَ سَوَّغْنَاكَ وَعَزَلْنَاكَ، وَتُعْطِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، قَالَ: بَلْ تُسَوِّغُنِي مَا قُلْتَ، وَتَسْتَعْمِلُ عَلَيْهَا غَيْرِي. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى ابْنِ جَعْفَرٍ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ مِنْ قِبَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَخَمْسُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ قِبَلِي.

  99. التاريخ 2190لا حكم مسجّل

    عَزْلِ ابْنِ زِيَادٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَعَوْدِهِ إِلَيْهَا  وَفِي سنة تسع وخمسين وَفَدَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي أَشْرَافِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَعَزَلَهُ عَنْهَا  ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهَا وَجَدَّدَ لَهُ الْوِلَايَةَ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ وَفَدَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ: ائْذَنْ لِوَفْدِكَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ وَشَرَفِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَدَخَلَ الْأَحْنَفُ فِي آخِرِهِمْ، وَكَانَ سَيِّئَ الْمَنْزِلَةِ مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا نَظَرَ مُعَاوِيَةُ رَحَّبَ بِهِ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الْقَوْمُ فَأَحْسَنُوا الثَّنَاءَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالْأَحْنَفُ سَاكِتٌ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا بَحْرٍ لَا تَتَكَلَّمُ ؟ قَالَ: إِنْ تَكَلَّمْتُ خَالَفْتُ الْقَوْمَ، فَقَالَ: انْهَضُوا فَقَدْ عَزَلْتُهُ عَنْكُمْ فَاطْلُبُوا وَالِيًا تَرْضَوْنَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَقَالَ: مَنِ اخْتَرْتُمْ ؟ فَاخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ وَسَمَّى كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ رَجُلًا وَالْأَحْنَفُ سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ ؟ قَالَ: إِنَّ وَلَّيْتَ عَلَيْنَا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ لَمْ نَعْدِلْ بِعُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدًا، وَإِنْ وَلَّيْتَ عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِمْ فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: فَإِنِّي قَدْ أَعَدْتُهُ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ وَصَّاهُ بِالْأَحْنَفِ وَقَبَّحَ رَأْيَهُ فِي مُبَاعَدَتِهِ. فَلَمَّا هَاجَتِ الْفِتْنَةُ لَمْ يَفِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ غَيْرُ الْأَحْنَفِ.

  100. التاريخ 2191لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ يَزِيدَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيِّ مَعَ ابْنَيْ زِيَادٍ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَبَّادٍ  كَانَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرِّغٍ الْحِمْيَرِيُّ مَعَ عَبَّادِ بْنِ زِيَادٍ بِسِجِسْتَانَ، فَاشْتَغَلَ عَنْهُ بِحَرْبِ التُّرْكِ، فَاسْتَبْطَأَهُ ابْنُ مُفَرِّغٍ، وَأَصَابَ الْجُنْدَ الَّذِينَ مَعَ عَبَّادٍ ضِيقٌ فِي عُلُوفَاتِ دَوَابِّهِمْ، فَقَالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ: أَلَا لَيْتَ اللِّحَى كَانَتْ حَشِيشًا فَنَعْلِفَهَا خُيُولَ الْمُسْلَمِينَا وَكَانَ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ، فَقِيلَ: مَا أَرَادَ غَيْرَكَ. فَطُلِبَ فَهَرَبَ مِنْهُ وَهَجَاهُ بِقَصَائِدَ، وَكَانَ مِمَّا هَجَاهُ بِهِ قَوْلُهُ: إِذَا أَوْدَى مُعَاوِيَةُ بْنُ حَرْبٍ     فَبَشِّرْ شَعْبَ رَحْلِكَ بِانْصِدَاعِ فَأَشْهِدْ أَنَّ أُمَّكَ لَمْ تُبَاشِرْ     أَبَا سُفْيَانَ وَاضِعَةَ الْقِنَاعِ وَلَكِنْ كَانَ أَمْرًا فِيهِ لَبْسٌ     عَلَى وَجَلٍ شَدِيدٍ وَارْتِيَاعِ وَقَالَ أَيْضًا: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ     مُغَلْغَلَةً مِنَ الرَّجُلِ الْيَمَانِي أَتَغْضَبُ أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ عَفٌّ     وَتَرْضَى أَنْ يُقَالَ أَبُوكَ زَانِ فَأَشْهَدُ أَنَّ رِحْمَكَ مِنْ زِيَادٍ     كَرِحْمِ الْفِيلِ مِنْ وَلَدِ الْأَتَانِ وَقَدِمَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرِّغٍ الْبَصْرَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِالشَّامِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عَبَّادٌ بِمَا كَانَ مِنْهُ، فَأَعْلَمَ عُبَيْدُ اللَّهِ مُعَاوِيَةَ بِهِ وَأَنْشَدَهُ الشِّعْرَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي قَتْلِ ابْنِ مُفَرِّغٍ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَأَمَرَهُ بِتَأْدِيبِهِ. وَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ مُفَرِّغٍ الْبَصْرَةَ اسْتَجَارَ بِالْأَحْنَفِ وَغَيْرِهِ مِنَ الرُّؤَسَاءِ فَلَمْ يُجِرْهُ أَحَدٌ، فَاسْتَجَارَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ فَأَجَارَهُ وَأَدْخَلَهُ دَارَهُ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْبَصْرَةَ أُخْبِرَ بِمَكَانِ ابْنِ مُفَرِّغٍ، وَأَتَى الْمُنْذِرَ عُبَيْدُ اللَّهِ مُسَلِّمًا، فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ الشُّرَطَ إِلَى دَارِ الْمُنْذِرِ فَأَخَذُوا ابْنَ مُفَرِّغٍ وَأَتَوْهُ بِهِ وَالْمُنْذِرُ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُنْذِرُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنِّي قَدْ أَجَرْتُهُ ! فَقَالَ: يَا مُنْذِرُ يَمْدَحُكَ وَأَبَاكَ وَيَهْجُونِي وَأَبِي وَتُجِيرُهُ عَلَيَّ ! ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسُقِيَ دَوَاءً ثُمَّ حُمِلَ عَلَى حِمَارٍ وَطِيفَ بِهِ وَهُوَ يَسْلَحُ فِي ثِيَابِهِ، فَقَالَ يَهْجُو الْمُنْذِرَ: تَرَكْتُ قُرَيْشًا أَنْ أُجَاوِرَ فِيهِمُ     وَجَاوَرَتْ عَبْدَ الْقَيْسِ أَهْلَ الْمُشَقَّرِ أُنَاسٌ أَجَارُونَا فَكَانَ جِوَارُهُمْ     أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ الْعِرَاقِ الْمُبَذِّرَ فَأَصْبَحَ جَارِي مِنْ جُذَيْمَةَ نَائِمًا     وَلَا يَمْنَعُ الْجِيرَانَ غَيْرُ الْمُشَمِّرِ فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: يَغْسِلُ الْمَاءُ مَا صَنَعْتَ وَقَوْلِي     رَاسِخٌ مِنْكَ فِي الْعِظَامِ الْبَوَالِي ثُمَّ سَيَّرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى أَخِيهِ عَبَّادٍ بِسِجِسْتَانَ، فَكَلَّمَتِ الْيَمَانِيَةُ بِالشَّامِ مُعَاوِيَةَ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبَّادٍ فَأَخَذَهُ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَقَالَ فِي طَرِيقِهِ: عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إِمَارَةٌ     أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ لَعَمْرِي لَقَدْ نَجَّاكِ مِنْ هُوَّةِ الرَّدَى     إِمَامٌ وَحَبْلٌ لِلْأَنَامِ وَثِيقُ سَأَشْكُرُ مَا أَوْلَيْتَ مِنْ حُسْنِ نِعْمَةٍ     وَمِثْلِي بِشُكْرِ الْمُنْعِمِينَ حَقِيقُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بَكَى وَقَالَ: رُكِبَ مِنِّي مَا لَمْ يُرْكَبْ مِنْ مُسْلِمٍ مِثْلُهُ عَلَى غَيْرِ حَدَثٍ، قَالَ: أَوَلَسْتَ الْقَائِلَ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ الْقَصِيدَةَ ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ الَّذِي عَظَّمَ حَقَّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَا قُلْتُ هَذَا، وَإِنَّمَا قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ أَخُو مَرْوَانَ وَاتَّخَذَنِي ذَرِيعَةً إِلَى هِجَاءِ زِيَادٍ. قَالَ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ:     فَأَشْهِدْ أَنَّ أُمَّكَ لَمْ تُبَاشِرْ أَبَا سُفْيَانَ وَاضِعَةَ الْقِنَاعِ فِي أَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ هَجَوْتَ بِهَا ابْنَ زِيَادٍ ؟ اذْهَبْ فَقَدْ عَفَوْنَا عَنْكَ فَانْزِلْ أَيَّ أَرْضِ اللَّهِ شِئْتَ. فَنَزَلَ الْمَوْصِلَ وَتَزَوَّجَ بِهَا. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ بِنَائِهِ بِامْرَأَتِهِ خَرَجَ حِينَ أَصْبَحَ إِلَى الصَّيْدِ فَلَقِيَ إِنْسَانًا عَلَى حِمَارٍ. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ ؟ فَقَالَ: مِنَ الْأَهْوَازِ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ ( مَاءُ مَسْرُقَانَ ) ؟ قَالَ: عَلَى حَالِهِ. فَارْتَاحَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَقَدِمَهَا وَدَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَآمَنَهُ. وَغَضِبَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ فَكُلِّمَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَرْضَى عَنْهُ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ. فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ: لَأَنْتَ زِيَادَةٌ فِي آلِ حَرْبٍ     أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِحْدَى بَنَاتِي أَرَاكَ أَخًا وَعَمًّا وَابْنَ عَمٍّ     فَلَا أَدْرِي بِغَيْبٍ مَا تَرَانِي [ فَقَالَ ]: أَرَاكَ شَاعِرَ سُوءٍ ! وَرَضِيَ عَنْهُ.

  101. التاريخ 2192لا حكم مسجّل

    وَفي سنة تسع وخمسين غَزَا الْمُسْلِمُونَ حِصْنَ كَمْخٍ وَمَعَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ السُّلَمِيُّ، فَصَعِدَ عَمِيرٌ السُّورَ وَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ حَتَّى كَشَفَ الرُّومَ فَصَعِدَ الْمُسْلِمُونَ، فَفَتَحَهُ بِعُمَيْرٍ، وَبِذَلِكَ كَانَ يَفْتَخِرُ وَيُفْخَرُ لَهُ بِذَلِكَ.

  102. التاريخ 2193لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة تسع وخمسين حَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ  وَكَانَ الْوَالِي عَلَى الْمَدِينَةِ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ وَعَلَى سِجِسْتَانَ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى كَرْمَانَ شُرَيْكُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيُّ مِنْ قِبَلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ.

  103. التاريخ 2194لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ  جَرْوَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُؤْيَةَ جَرْوَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُؤْيَةَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ: وَهُوَ الْحُطَيْئَةُ، لُقِّبَ بِذَلِكَ لِقِصَرِهِ وَقُرْبِهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَيُكَنَّى أَبَا مُلَيْكَةَ. وَهُوَ جَاهِلِيٌّ إِسْلَامِيٌّ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ لَهُ فِي الصَّحَابَةِ وَلَا فِي الْوُفُودِ. وَكَانَ خَبِيثَ اللِّسَانِ كَثِيرَ الْهِجَاءِ، هَجَا أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَعَمَّهُ وَخَالَهُ وَنَفْسَهُ، فَقَالَ [لِأُمِّهِ ]: تَنَحَّيْ فَاقْعُدِي مِنِّي بَعِيدًا أَرَاحَ اللَّهُ مِنْكِ الْعَالَمِينَا     أَغِرْبَالًا إِذَا اسْتُودِعْتِ سِرًّا وَكَانُونًا لَدَى الْمُتَحَدِّثِينَا     جَزَاكِ اللَّهُ شَرًّا مِنْ عَجُوزٍ وَلَقَّاكِ الْعُقُوقَ مِنَ الْبَنِينَا وَقَالَ لِأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَخَالِهِ: لَحَاكَ اللَّهُ ثُمَّ لَحَاكَ حَقًّا     أَبَا وَلَحَاكَ مِنْ عَمٍّ وَخَالٍ فَنِعْمَ الشَّيْخُ أَنْتَ لَدَى الْمَخَازِي     وَبِئْسَ الشَّيْخُ أَنْتَ لَدَى الْمَعَالِي وَقَالَ لِنَفْسِهِ: أَبَتْ شَفَتَايَ الْيَوْمَ أَلَّا تَكَلَّمَا     بِشَرٍّ فَمَا أَدْرِي لِمَنْ أَنَا قَائِلُهْ أَرَى لِي وَجْهًا شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقَهُ     فَقُبِّحَ مِنْ وَجْهٍ وَقُبِّحَ حَامِلُهْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ فِي الرِّدَّةِ الزِّبْرِقَانُ، فَسَاقَ صَدَقَاتِ عَوْفٍ وَالْأَبْنَاءِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ رَأَى الْحُطَيْئَةَ - وَكَانَ الْحُطَيْئَةُ أَسْوَدَ اللِّسَانِ وَدَاخِلَ الْفَمِ وَمُلْتَقِي الشَّفَتَيْنِ - وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي هَدْمٍ لَهُ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ الزِّبْرِقَانِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْعٍ مُقَارَضَةٌ وَمُهَاجَاةٌ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِالْحُطَيْئَةِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ إِنَّكَ بِمَضْيَعَةٍ وَأَرَاكَ شَاعِرًا، فَهَلْ لَكَ إِلَى خَيْرِ مُوَاسَاةٍ ؟ قَالَ: وَدِدْتُ، قَالَ: فَالْحَقْ بِبَنِي سَعْدٍ حَتَّى آتِيَكَ فَإِنَّمَا أُؤَدِّي هَذِهِ الصَّدَقَةَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ أَلْحَقُ بِكَ، قَالَ: عَمَّنْ أَسْأَلُ ؟ قَالَ: أُمُّ مَطْلَعِ الشَّمْسِ ثُمَّ سَلْ عَنِ الزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ ثُمَّ ائْتِ أُمَّ سِدْرَةَ فَقُلْ لَهَا: يَقُولُ لَكِ بَعْلُكِ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ أَحْسِنِي إِلَى قَوْمِكِ، فَإِنَّهَا سَتَفْعَلُ. فَفَعَلَ الْحُطَيْئَةُ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ بَنُو قُرَيْعٍ قَالُوا: دَاهِيَةٌ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ عَلَيْنَا، فَأَتَاهُ نَقِيضُ بْنُ شَمَّاسٍ فَقَالَ: يَا أَبَا مُلَيْكَةَ جِئْتَ مِنْ بِلَادِكَ وَلَا أَرَى فِي يَدِكَ شَيْئًا، هَلْ لَكَ إِلَى خَصْلَةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، قَالَ: مَا هِيَ ؟ قَالَ: مِائَةُ بَعِيرٍ وَتَتَحَوَّلُ إِلَيْنَا وَنَحْنُ ضَامِنُونَ لِأَهْلِكَ مِنْ عِيَالِكَ أَنْ يُدَبِّرُوا مِنْ حَالِكَ أَنْ تُخَلِّفَهُ، فَتَحَوَّلَ إِلَيْهِمْ فَقَدِمَ الزِّبْرِقَانُ، فَقَالَ: أَيْنَ جَارِي ؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: خَبُثَ عَلَيْكَ، ثُمَّ أَخَذَ يَهْجُو الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، فَقَالَ فِي أَبْيَاتٍ: دَعِ الْمَكَارِمَ لَا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِهَا     وَاقْعُدْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الْكَاسِي فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَاهُ هَجَاكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ طَاعِمًا كَاسِيًا ؟ قَالَ: كَيْفَ تَرَانِي كِيسًا مَكِيسًا أَبَيْتُ بَعْدَ نَافِعٍ مَخِيسًا. قَالَ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْهِجَاءِ أَشَدَّ مِنْ هَذَا، فَبَعَثَ عُمَرُ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: مَا هَجَاهُ وَلَكِنْ سَلِّحْ عَلَيْهِ فَحَبَسَهُ [فِي قَعْرِ بِئْرٍ ] وَلَمْ تَكُنِ السُّجُونُ مَبْنِيَّةً، وَأَوَّلُ مَنْ بَنَاهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ، بَنَى بِالْكُوفَةِ سِجْنًا سَمَّاهُ مَخِيسًا، فَقَالَ عُمَرُ لِلْحُطَيْئَةِ: يَا خَبِيثُ لَأَشْغَلَنَّكَ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مُرْخٍ      [زُغْبِ الْحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ أَلْقَيْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرٍ مُظْلِمَةٍ     فَارْفُقْ عَلَيْكَ سَلَامُ اللَّهِ يَا عُمَرُ ] الْأَبْيَاتِ. فَرَقَّ لَهُ عُمَرُ ؓ وَأَطْلَقَهُ وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَهْجُوَ مُسْلِمًا. فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِإِخْرَاجِ الْحُطَيْئَةِ مِنَ الْحَبْسِ وَقَدْ كَلَّمَهُ فِيهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَغَيْرُهُ، فَأُخْرِجَ وَأَنَا حَاضِرٌ فَأَنْشَأَ يَقُولُ: مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ بِذِي مُرْخٍ     زُغْبِ الْحَوَاصِلِ لَا مَاءٌ وَلَا شَجَرُ غَادَرْتَ كَاسِبَهُمْ فِي قَعْرٍ مُظْلِمَةٍ     فَارْحَمْ هَدَاكَ مَلِيكُ النَّاسِ يَا عُمَرُ أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي مِنْ بَعْدِ صَاحِبِهِ     أَلْقَى إِلَيْكَ مَقَالِيدَ النُّهَى الْبَشَرُ لَمْ يُؤْثِرُوكَ بِهَا إِذْ قَدَّمُوكَ لَهَا     لَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِكَ الْأَثَرُ فَامْنُنْ عَلَى صِبْيَةٍ بِالرَّمْلِ مَسْكَنُهُمْ     بَيْنَ الْأَبَاطِحِ يَغْشَاهُمْ بِهَا الْقَدَرُ نَفْسِي فِدَاؤُكَ كَمْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ     مِنْ عَرْضِ دَاوِيَةٍ تَعْمَى بِهَا الْخَبَرُ قَالَ: فَلَمَّا قَالَ الْحُطَيْئَةُ: مَاذَا تَقُولُ لِأَفْرَاخٍ، بَكَى عُمَرُ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَعْدَلَ مِنْ رَجُلٍ يَبْكِي عَلَى تَرْكِهِ الْحُطَيْئَةَ. قَالَ عُمَرُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الشَّاعِرِ فَإِنَّهُ يَقُولُ الْهَجْوَ وَيُشَبِّبُ بِالْحَرَمِ وَيَمْدَحُ النَّاسَ وَيَذُمُّهُمْ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ، مَا أَرَانِي إِلَّا قَاطِعًا لِسَانَهُ عَلَيَّ بِكُرْسِيٍّ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالْمِخْصَفِ عَلَيَّ بِالسِّكِّينِ لَا بَلْ عَلَيَّ بِالْمُوسَى فَإِنَّهُ أَوْجَى، فَقَالُوا: لَا يَعُودُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَشَارُوا إِلَيْهِ قُلْ لَا أَعُودُ، فَقَالَ: لَا أَعُودُ، فَقَالَ: النَّجَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: ارْجِعْ يَا حُطَيْئَةُ، فَرَجَعَ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ عِنْدَ شَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ كَسَرَ لَكَ نِمْرِقَةً وَبَسَطَ لَكَ أُخْرَى، [وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ غَنِّنَا ] فَانْدَفَعْتَ تُغَنِّيهِ بِأَعْرَاضِ النَّاسِ، قَالَ أَسْلَمُ: فَرَأَيْتُ الْحُطَيْئَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَدْ كَسَرَ لَهُ نِمْرِقَةً وَبَسَطَ لَهُ أُخْرَى وَقَالَ: يَا حُطَيْئَةُ غَنِّنَا، فَانْدَفَعَ يُغَنِّيهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا حُطَيْئَةُ أَتَذْكُرُ يَوْمَ عُمَرَ حِينَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ، فَفَزِعَ وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْمَرْءَ لَوْ كَانَ حَيًّا مَا فَعَلْنَا هَذَا، فَقُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، وَكُنْتَ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ. وَبِالْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِإِخْرَاجِ الْحُطَيْئَةِ مِنَ السِّجْنِ فَأُخْرِجَ، فَقَالَ لَهُ: دَعْ قَوْلَ الشِّعْرِ. فَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: لِمَ ؟ قَالَ هُوَ مَأْكَلَةُ عِيَالِي، وَنَمْلَةٌ عَلَى لِسَانِي. قَالَ: فَدَعِ الْمِدْحَةَ الْمُجْحِفَةَ. قَالَ وَمَا الْمِدْحَةُ الْمُجْحِفَةُ ؟ قَالَ: لَا تَقُولُ بَنُو فُلَانٍ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي فُلَانٍ، امْدَحْ وَلَا تُفَضِّلْ. قَالَ: أَنْتَ أَشْعَرُ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: ضَرَبَ النَّمْلَةَ مَثَلًا لِمَا يَتَرَدَّدُ مِنَ قَوْلِ الشِّعْرِ فِي قَلْبِهِ، وَيُطَالِبُ بِهِ لِسَانُهُ. وَمِنْ مَدَائِحِهِ قَوْلُهُ: أَقِلُّوا عَلَيْهِمْ لَا أَبًا لِأَبِيكُمْ     مِنَ اللَّوْمِ أَوْ سُدُّوا الْمَكَانَ الَّذِي سَدُّوا أُولَئِكَ قَوْمٌ إِنْ بَنَوْا أَحْسَنُوا الْبُنَا     وَإِنْ عَاهَدُوا أَوْفَوْا وَإِنْ عَقَدُوا شَدُّوا وَإِنْ كَانَتِ النَّعْمَاءُ فِيهِمْ جَزَوْا بِهَا     وَإِنْ أَنْعَمُوا لَا كَدَّرُوهَا وَلَا كَدُّوا وَلَمَّا احْتَضَرَ الْحُطَيْئَةُ قِيلَ لَهُ: أَوْصِ. فَقَالَ الْمَالُ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ. فَقِيلَ لَهُ: أَوْصِ. فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِالشِّعْرِ، ثُمَّ قَالَ: الشِّعْرُ صَعْبٌ وَطَوِيلٌ سُلَّمُهُ     إِذَا ارْتَقَى فِيهِ الَّذِي لَا يَعْمَلُهُ زَلَّتْ بِهِ إِلَى الْحَضِيضِ قَدَمُهُ     وَالشِّعْرُ لَا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهُ أَرَادَ أَنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمَهُ عبد الله بن عامر عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أُمُّهُ دَجَاجَةُ بِنْتُ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ بْنِ خُبَيْبٍ. وَلَهُ أَحَدَ عَشَرَ ذَكَرًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ. وُلِدَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ حُمِلَ إِلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ فَحَنَّكَهُ، فَتَلَمَّظَ فَتَثَاءَبَ، فَتَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي فِيهِ. وَكَانَ ابْنَ خَالِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَلَمْ يَزَلْ شَرِيفَ الْقَدْرِ، كَرِيمًا سَخِيًّا، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ الْخِلَافَةَ وَلَّاهُ الْبَصْرَةَ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ أَبَا مُوسَى أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا أَوْصَى عُمَرُ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّاهُ، وَكَانَ يَوْمَ وَلَّاهُ ابْنَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَدْ أَتَاكُمْ فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، كَرِيمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ، يَقُولُ بِالْمَالِ فِيكُمْ هَكَذَا وَهَكَذَا. فَفَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً مِنْ خُرَاسَانَ، وَقُتِلَ يَزْدِجَرْدَ فِي وِلَايَتِهِ، فَأَحْرَمَ مِنْ نَيْسَابُورَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَعَمَلَ السِّقَايَاتِ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ لَحِقَ بِالشَّامِ، فَوَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ الْبَصْرَةَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ هِنْدًا. عَنْ بَعْضِ الْقُرَشِيِّينَ قَالَ: كَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ أَبَرَّ شَيْءٍ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَنَّهَا جَاءَتْهُ يَوْمًا بِالْمِرْآةِ وَالْمُشْطِ - وَكَانَتْ تَتَوَلَّى خِدْمَتَهُ بِنَفْسِهَا - فَنَظَرَ فِي الْمِرْآةِ، فَالْتَقَى وَجْهُهُ وَوَجْهُهَا فِي الْمِرْآةِ، فَرَأَى شَبَابَهَا وَجَمَالَهَا، وَرَأَى الشَّيْبَ فِي لِحْيَتِهِ قَدْ أَلْحَقَهُ بِالشُّيُوخِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَ: الْحَقِي بِأَبِيكِ. فَانْطَلَقَتْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: وَهَلْ تُطَلَّقُ الْحُرَّةُ. قَالَتْ: مَا أُوتِيَ مِنْ قِبَلِي، وَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَكْرَمْتُكَ بِابْنَتِي ثُمَّ رَدَدْتَهَا عَلَيَّ. قَالَ: إِنِّي أُخْبِرُكَ عَنْ ذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَنَّ عَلَيَّ بِفَضْلِهِ، وَجَعَلَنِي كَرِيمًا لَا أُحِبُّ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ أَعْجَزَتْنِي مُكَافَأَتُهَا لِحُسْنِ صُحْبَتِهَا، فَنَظَرْتُ فِإِذَا أَنَا شَيْخٌ وَهِيَ شَابَّةٌ، لَا أَزِيدُهَا مَالًا إِلَى مَالِهَا، وَلَا شَرَفًا إِلَى شَرَفِهَا، فَرَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّهَا إِلَيْكَ، فَتُزَوِّجَهَا فَتًى مِنْ فِتْيَانِكَ كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ. عن سُفْيَانُ بْنُ عَبْدَةَ الْحِمْيَرِيُّ وَعُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى الْهِجْرِيُّ قَالَا: خَرَجَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرْزٍ وَهُوَ عَامِلُ الْعِرَاقِ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَحَدُهُمَا: ابْنُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، وَالْآخَرُ: مِنْ ثَقِيفٍ، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فِيمَا يَكْتُبُ مِنَ الْأَخْبَارِ، فَأَقْبَلَا يَسِيرَانِ حَتَّى إِذَا كَانَا بِنَاحِيَةِ الْبَصْرَةِ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلثَّقَفِيِّ: هَلْ لَكَ فِي رَأْيٍ رَأَيْتُهُ: قَالَ: اعْرِضْهُ. قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ أُنِخَ رَوَاحِلَنَا وَنَتَنَاوَلَ مَطَاهِرَنَا، فَنَمَسَّ مَاءً، ثُمَّ نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى مَا قَضَى مِنْ سَفَرِنَا. قَالَ: هَذَا الَّذِي لَا يُرَدُّ، فَتَوَضَّيَا، ثُمَّ صَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ، فَالْتَفَتَ الْأَنْصَارِيُّ إِلَى الثَّقَفِيِّ فَقَالَ: يَا أَخَا ثَقِيفٍ، مَا رَأْيُكَ ؟ قَالَ: وَأَيُّ مَوْضِعٍ رَأْيُ هَذَا، قَضَيْتُ سَفَرِي، وَأَنْضَيْتُ بَدَنِي، وَأَنْضَيْتُ رَاحِلَتِي، وَلَا مُؤَمِّلَ دُونَ ابْنِ عَامِرٍ، فَهَلْ لَكَ رَأْيٌ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنِّي لَمَّا صَلَّيْتُ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فَكَّرْتُ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَرَانِي طَالِبًا رِزْقًا مَنْ غَيْرِهِ، اللَّهُمَّ ارْزُقِ ابْنَ عَامِرٍ وَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ. ثُمَّ وَلَّى رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَدَخَلَ الثَّقَفِيُّ الْبَصْرَةَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا، فَأَذِنَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَحَّبَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّ ابْنَ جَابِرٍ خَرَجَ مَعَكَ ؟ فَخَبَرَهُ خَبَرَهُ، فَبَكَى ابْنُ عَامِرٍ ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالَ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا، وَلَكِنْ رَأَى مَجْرَى الرِّزْقِ وَمَخْرَجَ النِّعْمَةِ، فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ، فَسَأَلَهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَمَرَ لِلثَّقَفِيِّ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَكُسْوَةٍ وَمُطْرِفٍ، وَأَضْعَفَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْأَنْصَارِيَّ، فَخَرَجَ الثَّقَفِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: أُمَيْمَةُ مَا حِرْصُ الْحَرِيصِ بِزَائِدٍ     فَتِيلًا وَلَا زُهْدُ الضَّعِيفِ بِضَائِرٍ خَرَجْنَا جَمِيعًا مِنْ مَسَاقِطِ رَأْسِنَا     عَلَى ثِقَةٍ مِنَّا بِخَيْرِ ابْنِ عَامِرٍ وَلَمَّا أَنَخْنَا النَّاعِجَاتِ بِبَابِهِ تَأَخَّرَ     عَنِّي الْيَثْرِبِيُّ ابْنُ جَابِرٍ وَقَالَ سَيَكْفِينِي عَطِيَّةُ قَادِرٍ     عَلَى مَا يَشَاءُ الْيَوْمَ بِالْخَلْقِ قَاهِرٍ وَإِنَّ الَّذِي أَعْطَى الْعِرَاقَ ابْنَ عَامِرٍ     لَرَبِّي الَّذِي أَرْجُو لِسَدِّ مَفَاقِرِي فَلَمَّا سَرَى سَارَتْ عَلَيْهِ صَبَابَةٌ     إِلَيْهِ كَمَا حَنَتْ ظِرَابُ الْأَبَاعِرِ وَأَضْعَفَ عَبْدَ اللَّهِ إِذْ غَابَ حَظَّهُ     عَلَى حَظِّ لَهْفَانَ مِنَ الْحِرْصِ فَاغِرِ فَأَبَتْ وَقَدْ أَيْقَنْتُ أَنْ لَيْسَ نَافِعِي     وَلَا ضَائِرِي شَيْءٌ خِلَافَ الْمَقَادَرِ وعَنْ نَافِعٍ الطَّاحِي قَالَ: مَرَرْتُ بِأَبِي ذَرٍّ فَقَالَ لِي: مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: أَتَعْرِفُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ مَعِي وَيَلْزَمُنِي، ثُمَّ طَلَبَ الْإِمَارَةَ، فَإِذَا قَدِمْتَ الْبَصْرَةَ فَتَرَاءَ لَهُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ: لَكَ حَاجَةٌ ؟ فَقُلْ: أَخْلِنِي وَقُلْ لَهُ: أَنَا رَسُولُ أَبِي ذَرٍّ إِلَيْكَ، وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: إِنَّا نَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ، وَنَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ، وَنَعِيشُ كَمَا تَعِيشُ. فَلَمَّا قَدِمْتُ تَرَاءَيْتُ لَهُ، فَقَالَ: لَكَ حَاجَةٌ ؟ قُلْتُ: أَخْلِنِي أَصْلَحَكَ اللَّهُ. فَفَعَلَ، فَقُلْتُ: أَنَا رَسُولُ أَبِي ذَرٍّ إِلَيْكَ - فَلَمَّا قُلْتُهَا خَشَعَ قَلْبُهُ - وَهُوَ يَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَيَقُولُ: إِنَّا نَأْكُلُ مِنَ التَّمْرِ، وَنُرْوَى مِنَ الْمَاءِ، وَنَعِيشُ كَمَا تَعِيشُ. قَالَ: فَحَلَّ إِزَارَهُ ثُمَّ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي جَيْبِهِ ثُمَّ بَكَى حَتَّى مَلَأَ جَيْبَهُ بِالْبُكَاءِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْحِيَاضَ بِعَرَفَةَ وَأَجْرَى إِلَيْهَا الْمَاءَ الْمَعِينَ وَالْعَيْنَ  ، وَلَمْ يَزَلْ عَلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ، فَأَخَذَ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ وَتَلَقَّى بِهَا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَحَضَرَ مَعَهُمُ الْجَمَلَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى دِمَشْقَ، وَلَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ فِي صِفِّينَ، وَلَكِنْ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ الْبَصْرَةَ بَعْدَ صُلْحِهِ مَعَ الْحَسَنِ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَرْضِهِ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: بِمَنْ نُفَاخِرُ ؟ ! بِمَنْ نُبَاهِي ! ؟ وَأَوْصَى إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْكُتُبِ شَيْءٌ. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ". أبو هريرة الدوسي أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ   ؓ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ قَدْ بَسَطْنَا أَكْثَرَهَا فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ "، وَقَدْ بَسَطَ ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ "، وَالْأَشْهُرُ أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ، وَهُوَ مِنَ الْأَزْدِ، ثُمَّ مِنْ دَوْسٍ. وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ شَمْسٍ. وَقِيلَ: عَبْدَ نِهْمٍ. وَقِيلَ: عَبْدَ غَنْمٍ. وَيُكَنَّى بِأَبِي الْأُسُودِ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ. وَقِيلَ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ. وَكَنَّاهُ بِأَبِي هُرَيْرَةَ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَجَدْتُ هُرَيْرَةً وَحْشِيَّةً، فَأَخَذْتُ أَوْلَادَهَا، فَقَالَ لِي أَبِي: مَا هَذِهِ فِي حِجْرِكَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا هِرٍّ ". وَثَبَتَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ: وَاسْمُ أُمِّهِ مَيْمُونَةُ بِنْتُ صُبَيْحِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي صَعْبِ بْنِ هُنَيَّةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. أَسْلَمَتْ وَمَاتَتْ مُسْلِمَةً. كثرة مرويات أبي هريرة وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكَثِيرَ الطَّيِّبَ، وَكَانَ مِنْ حُفَّاظِ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْ أَبَى بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَبَصْرَةَ بْنِ أَبِي بَصْرَةَ، وَالْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلَائِقُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: رَوَى عَنْهُ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. إسلام أبي هريرة وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ: كَانَ يَنْزِلُ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ سَنَةَ خَيْبَرَ  . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ لَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ دَارٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ آدَمَ اللَّوْنِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، ذَا ضَفِيرَتَيْنِ، أَفْرَقَ الثَّنِيَّتَيْنِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمْتُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مِمَّنْ أَنْتَ ؟ " فَقُلْتُ: مِنْ دَوْسٍ. فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: " مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي دَوْسٍ رَجُلًا فِيهِ خَيْرٌ ". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْبَرَ. وعَنْ قَيْسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: جِئْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ بَعْدَ مَا فَرَغُوا مِنَ الْقِتَالِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعُ بْنُ عُرْفُطَةَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا فَصَلَّيْتُ الصُّبْحَ وَرَاءَ سِبَاعٍ، فَقَرَأَ فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى سُورَةَ " مَرْيَمَ "، وَفِي الثَّانِيَةِ " وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَيْلٌ لِأَبِي فُلَانٍ. لِرَجُلٍ كَانَ بِأَرْضِ الْأَزْدِ، كَانَ لَهُ مِكْيَالَانِ ; مِكْيَالٌ يَكْتَالُ بِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِكْيَالٌ يَبْخَسُ بِهِ النَّاسَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّهُ ضَلَّ غُلَامٌ لَهُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي اجْتَمَعَ فِي صَبِيحَتِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ جَعَلَ يُنْشِدُ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا عَلَى     أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " هَذَا غُلَامُكَ ". فَقَالَ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ملازمة أبي هريرة للنبي ﷺ وَقَدْ لَزِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ  ، وَكَانَ أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ مِنْهُ، وَتَفَقَّهَ عَنْهُ، وَكَانَ يَلْزَمُهُ عَلَى شِبَعِ بَطْنِهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - وَقَدْ تَمَخَّطَ يَوْمًا فِي قَمِيصٍ لَهُ مِنْ كَتَّانٍ -: بَخٍ بَخٍ أَبُو هُرَيْرَةَ يَتَمَخَّطُ فِي الْكَتَّانِ ! لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَخِرُّ فِيمَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْحُجَرِ مِنَ الْجُوعِ، فَيَمُرُّ الْمَارُّ فَيَقُولُ: بِهِ جُنُونٌ. وَمَا بِي إِلَّا الْجُوعُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كُنْتُ أَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَسْتَقْرِئُ أَحَدَهُمُ الْآيَةَ وَأَنَا أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ، وَمَا بِي إِلَّا أَنْ يَسْتَتْبِعَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ فَيُطْعِمُنِي شَيْئًا. إسلام أم أبي هريرة وعن أَبُو كَثِيرٍ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أُذَيْنَةَ السُّحَيْمِيُّ الْأَعْمَى، حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَالَ لَنَا: وَاللَّهِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مُؤْمِنًا يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي إِلَّا أَحَبَّنِي. قُلْتُ: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ: إِنَّ أُمِّي كَانَتِ امْرَأَةً مُشْرِكَةً، وَإِنِّي كُنْتُ أَدْعُوهَا إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيَّ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الْإِسْلَامِ فَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيَّ، وَإِنِّي دَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ " فَخَرَجْتُ أَعْدُو أُبَشِّرُهَا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْبَابَ إِذَا هُوَ مُجَافٍ، وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ، وَسَمِعْتُ خَشْفَ رِجْلٍ - يَعْنِي وَقْعَهَا - فَقَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، كَمَا أَنْتَ. ثُمَّ فَتَحَتِ الْبَابَ، وَقَدْ لَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ كَمَا بَكَيْتُ مِنَ الْحُزْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْشِرْ، فَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، وَقَدْ هَدَى أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُحَبِّبَنِي وَأُمِّي إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَيُحَبِّبَهُمْ إِلَيْنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْهُمْ إِلَيْهِمَا ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ مُؤْمِنٍ يَسْمَعُ بِي وَلَا يَرَانِي أَوْ يَرَى أُمِّي إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّنِي وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُحَبَّبٌ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَقَدْ شَهَرَ اللَّهُ ذِكْرَهُ بِمَا قَدَّرَهُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْخَبَرِ عَنْهُ، الَّذِي رَوَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْإِنْصَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِنْدَ الْخُطْبَةِ، عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ فِي الْمَحَافِلِ الْكَثِيرَةِ الْمُتَعَدِّدَةِ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ، وَهَذَا قَدَّرَهُ اللَّهُ وَيَسَّرَهُ مِنْ شَهْرِ ذِكْرِهِ، وَمَحَبَّةِ النَّاسِ لَهُ، ؓ. وعَنْ سَالِمٍ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آذَيْتُهُ أَوْ شَتَمْتُهُ أَوْ جَلْدَتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ قُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَقَدْ رَفَعَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا الدِّرَّةَ لِيَضْرِبَنِي بِهَا، لَأَنْ يَكُونُ ضَرَبَنِي بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ; ذَلِكَ بِأَنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ مُؤْمِنًا، وَأَنْ يُسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَعْوَتُهُ كثرة رواية أبي هريرة للحديث وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ  عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا، أَصْحَبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَشْغَلُهُمُ الْقِيَامُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، فَحَضَرْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا، فَقَالَ: " مَنْ بَسَطَ رِدَاءَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي ثُمَّ يَقْبِضُهُ إِلَيْهِ، فَلَنْ يَنْسَى شَيْئًا سَمِعَهُ مِنِّي ". فَبَسَطْتُ بُرْدَةً عَلَيَّ حَتَّى قَضَى حَدِيثَهُ، ثُمَّ قَبَضْتُهَا إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا نَسِيتُ شَيْئًا سَمِعْتَهُ مِنْهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَمْ يَنْسَ مِنْهَا شَيْئًا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ نَسِيَ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي " الصَّحِيحِ "، حَيْثُ نَسِيَ حَدِيثَ: " لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ". مَعَ حَدِيثِهِ " لَا يُورِدُ مُمَرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ". وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ عَامًّا فِي تِلْكَ الْمَقَالَةِ وَغَيْرِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ: " لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ ; لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، إِنَّ أَسْعَدَ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ   ". وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِي النَّاسِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ. وَهَذَا الْوِعَاءُ الَّذِي كَانَ لَا يَتَظَاهَرُ بِهِ هُوَ الْفِتَنُ وَالْمَلَاحِمُ، وَمَا وَقَعَ بَيْنَ النَّاسِ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ وَمَا سَيَقَعُ  ، الَّتِي لَوْ أَخْبَرَ بِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا لَبَادَرَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَرَدُّوا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، كَمَا قَالَ: لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ إِمَامَكُمْ وَتَقْتَتِلُونَ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِالسُّيُوفِ لَمَا صَدَّقْتُمُونِي. وَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهَذَا الْحَدِيثِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الْبَاطِلَةِ، وَالْأَعْمَالِ الْفَاسِدَةِ، وَيُسْنِدُونَ ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْجِرَابِ الَّذِي لَمْ يَقُلْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ كَانَ فِي هَذَا الْجِرَابِ الَّذِي لَمْ يُخْبِرْ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَمَا مِنْ مُبْطِلٍ - مَعَ تَضَادِّ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ - إِلَّا وَيَدَّعِي شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَكُلُّهُمْ يَكْذِبُونَ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ فَمَنْ عَلِمَهُ مِنْ بَعْدِهِ ؟ ! وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْفِتَنِ وَالْمَلَاحِمِ قَدْ أَخْبَرَ بِهَا هُوَ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ،. وعن أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ مَرْوَانَ دَعَا أَبَا هُرَيْرَةَ - وَأَقْعَدَهُ خَلْفَ السَّرِيرِ - وَجَعَلَ مَرْوَانُ يَسْأَلُ وَجَعَلْتُ أَكْتُبُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ رَأْسِ الْحَوَلِ دَعَا بِهِ - وَأَقْعَدَهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ - فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، فَمَا زَادَ وَلَا نَقْصَ، وَلَا قَدَّمَ وَلَا أَخَّرَ. عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ أَحْفَظِ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَكُنْ بِأَفْضَلِهِمْ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ. عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: تَوَاعَدَ النَّاسُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي إِلَى قُبَّةٍ مِنْ قِبَابِ مُعَاوِيَةَ، فَاجْتَمَعُوا فِيهَا، فَقَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَحَدَّثَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَصْبَحَ. عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ; فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ. وعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: لَتَتْرُكَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ دَوْسٍ. وَقَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: لَتَتْرُكَنَّ الْحَدِيثَ أَوْ لَأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ الْقِرَدَةِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا مُسْهِرٍ يَذْكُرُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَحْوًا مِنْهُ، وَلَمْ يُسْنِدْهُ. وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْ عُمَرَ عَلَى أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي يَضَعُهَا النَّاسُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَّكِلُونَ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخْصِ، أَوْ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الْحَدِيثِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ بَعْضُ الْغَلَطِ أَوِ الْخَطَأِ فَيَحْمِلُهَا النَّاسُ عَنْهُ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَلَغَ عُمَرَ حَدِيثِي، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: كُنْتَ مَعَنَا يَوْمَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِ فُلَانٍ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ لِمَ سَأَلَتْنِي عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَلِمَ سَأَلْتُكَ ؟ قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ   ". قَالَ: إِمَّا لَى فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَأُحَدِّثُ أَحَادِيثَ لَوْ تَكَلَّمْتُ بِهَا فِي زَمَانِ عُمَرَ - أَوْ عِنْدَ عُمَرَ - لَشَجَّ رَأْسِي. وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. حَتَّى قُبِضَ عُمَرُ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِيمَا يُعْمَلُ بِهِ. قَالَ: ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَفَكُنْتُ مُحَدِّثَكُمْ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَعُمَرُ حَيٌّ ؟ ! أَمَا وَاللَّهِ إِذًا لَأَيْقَنْتُ أَنَّ الْمِخْفَفَةَ سَتُبَاشِرُ ظَهْرِي. فَإِنَّ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: اشْتَغِلُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ  . وَلِهَذَا لَمَّا بَعَثَ أَبَا مُوسَى إِلَى الْعِرَاقِ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا لَهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ دَوِيٌّ بِالْقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَدَعْهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَلَا تَشْغَلْهُمْ بِالْأَحَادِيثِ، وَأَنَا شَرِيكُكَ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْرُوفٌ عَنْ عُمَرَ، ؓ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ مَرَّ بِأَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا  فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، الْقِيرَاطُ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ ". فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرُ: أَبَا هِرٍّ، انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى انْطَلَقَ بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْشُدُكِ بِاللَّهِ أَسَمِعْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ " ؟ ؟ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَشْغَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَرْسُ الْوَدِيِّ وَلَا صَفْقٌ بِالْأَسْوَاقِ، إِنِّي إِنَّمَا كُنْتُ أَطْلُبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلِمَةً يُعَلِّمُنِيهَا، أَوْ أَكْلَةً يُطْعِمُنِيهَا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ كُنْتَ أَلْزَمَنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَعْلَمَنَا بِحَدِيثِهِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي جِنَازَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَمْشِي أَمَامَهَا وَيُكْثِرُ التَّرَحُّمَ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: كَانَ مِمَّنْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ رَوَى أَنَّ عَائِشَةَ تَأَوَّلَتْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَوَهَّمَتْهُ فِي بَعْضِهَا. وَفِي " الصَّحِيحِ " أَنَّهَا عَابَتْ عَلَيْهِ سَرْدَ الْحَدِيثِ. أَيِ الْإِكْثَارَ مِنْهُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ. وعَنْ سَعِيدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَكْثَرَتِ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا كَانَتْ تَشْغَلُنِي عَنْهُ الْمُكْحُلَةُ وَالْخِضَابُ، وَلَكِنِّي أَرَى ذَلِكَ شَغَلَكَ عَمَّا اسْتَكْثَرْتُ مِنْ حَدِيثِي. قَالَتْ: لَعَلَّهُ. وعَنْ أَبِي رَافِعٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ أَتَى أَبَا هُرَيْرَةَ فِي حُلَّةٍ يَتَبَخْتَرُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّكَ تُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَهَلْ سَمِعْتَهُ يَقُولُ فِي حُلَّتِي هَذِهِ شَيْئًا ؟ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتُؤْذُونَنَا، وَلَوْلَا مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَيْءٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَيْنَمَا هُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ". فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَانَ مِنْ قَوْمِكَ. أَوْ: مِنْ رَهْطِكَ. شَكَّ أَبُو يَعْلَى. وعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِمَرْوَانَ: وَاللَّهِ مَا أَنْتَ وَالٍ، وَإِنَّ الْوَالِيَ لَغَيْرُكَ فَدَعْهُ - يَعْنِي حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْفِنُوا الْحَسَنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وَلَكِنَّكَ تَدَخَّلُ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، إِنَّمَا تُرِيدُ بِهَذَا إِرْضَاءَ مَنْ هُوَ غَائِبٌ عَنْكَ. يَعْنِي مُعَاوِيَةَ. قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ مَرْوَانُ مُغْضَبًا، فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا: إِنَّكَ أَكْثَرْتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا قَدِمْتَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ، قَدِمْتُ وَاللَّهِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ زِدْتُ عَلَى الثَّلَاثِينَ سَنَةً سَنَوَاتٍ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، أَدُورُ مَعَهُ فِي بُيُوتِ نِسَائِهِ وَأَخْدِمُهُ، وَأَنَا وَاللَّهِ يَوْمَئِذٍ مُقِلٌّ، وَأُصَلِّي خَلْفَهُ وَأَغْزُو وَأَحُجُّ مَعَهُ، فَكُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، قَدْ وَاللَّهِ سَبَقَنِي قَوْمٌ - بِصُحْبَتِهِ وَالْهِجْرَةِ - مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَ لُزُومِي لَهُ، فَيَسْأَلُونِي عَنْ حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَلَا وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ كُلُّ حَدَثٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْزِلَةٌ، وَكُلُّ صَاحِبٍ لَهُ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صَاحِبَهُ فِي الْغَارِ، وَغَيْرُهُ قَدْ أَخْرَجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُسَاكِنَهُ. يُعَرِّضُ بِأَبِي مَرْوَانَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ. ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لِيَسْأَلْنِي أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ، فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمًا جَمًّا وَمَقَالًا. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَ مَرْوَانُ يَقْصُرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَتَّقِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَخَافُهُ وَيَخَافُ جَوَابَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِمَرْوَانَ: إِنِّي أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ اخْتِيَارًا وَطَوْعًا، وَأَحْبَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حُبًّا شَدِيدًا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الدَّارِ وَمَوْضِعُ الدَّعْوَةِ، أَخْرَجْتُمُ الدَّاعِيَ مِنْ أَرْضِهِ، وَآذَيْتُمُوهُ وَأَصْحَابَهُ، وَتَأَخَّرَ إِسْلَامُكُمْ عَنْ إِسْلَامِي إِلَى الْوَقْتِ الْمَكْرُوهِ إِلَيْكُمْ. فَنَدِمَ مَرْوَانُ عَلَى كَلَامِهِ لَهُ وَاتَّقَاهُ. وعن عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ - يَعْنِي عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ - قَالَ: قَالَ لِي أَبِي الزُّبَيْرُ: أَدْنِنِي مِنْ هَذَا الْيَمَانِيِّ - يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ - فَإِنَّهُ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ، وَجَعَلَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ: صَدَقَ، كَذَبَ، صَدَقَ، كَذَبَ. قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَهْ، مَا قَوْلُكَ: صَدَقَ، كَذَبَ ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا أَشُكُّ، وَلَكِنَّ مِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ، وَمِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ. وعَنْ أَبِي أَنَسِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، وَاللَّهِ مَا نَدْرِي هَذَا الْيَمَانِيُّ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ، أَمْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: وَاللَّهِ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَغْنِيَاءَ، لَنَا بُيُوتَاتٌ وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ، ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ مِسْكِينًا لَا مَالَ لَهُ وَلَا أَهْلَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ  ، فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، وَسَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ. وعَنْ أَشْعَثَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؟ ! فَقَالَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدْ سَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَإِنِّي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَعْنِي: مَا لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ. وعن بُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ قَالَ: قَالَ لَنَا بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ: اتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا مِنَ الْحَدِيثِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، ثُمَّ يَقُومُ فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَعْبٍ، وَحَدِيثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَفِي رِوَايَةٍ: يَجْعَلُ مَا قَالَهُ كَعْبٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَعْبٍ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَتَحَفَّظُوا فِي الْحَدِيثِ. عبادة أبو هريرة وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ، ؓ، مِنَ الصِّدْقِ وَالْحِفْظِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ. فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَامْرَأَتُهُ ثُلُثَهُ، وَابْنَتُهُ ثُلُثَهُ، يَقُومُ هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا وَهَذَا. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوَتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنِّي أُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَجُزْءٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَجُزْءٌ أَنَامُ فِيهِ، وَجُزْءٌ أَتَذَكَّرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعن أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَسْجِدٌ فِي مُخْدَعِهِ، وَمَسْجِدٌ فِي بَيْتِهِ، وَمَسْجِدٌ فِي حُجْرَتِهِ، وَمَسْجِدٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ، إِذَا خَرَجَ صَلَّى فِيهَا جَمِيعِهَا، وَإِذَا دَخَلَ صَلَّى فِيهَا جَمِيعِهَا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، وَيَقُولُ: أُسَبِّحُ عَلَى قَدْرِ دِيَتِي. وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ صَيْحَتَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، أَوَّلَ النَّهَارِ يَقُولُ: ذَهَبَ اللَّيْلُ وَجَاءَ النَّهَارُ، وَعُرِضَ آلُ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّارِ. وَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ يَقُولُ: ذَهَبَ النَّهَارُ وَجَاءَ اللَّيْلُ، وَعُرِضَ آلُ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّارِ. فَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ صَوْتَهُ إِلَّا اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَا تَغْبِطَنَّ فَاجِرًا بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ طَالِبًا حَثِيثًا طَلَبُهُ ; جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا [ الْإِسْرَاءِ: 97 ]. وعن سُلَيْمُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَشَأَتُ يَتِيمًا، وَهَاجَرَتُ مِسْكِينًا، وَكُنْتُ أَجِيرًا لِابْنةِ غَزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي وَعُقْبَةِ رِجْلِي، أَحْدُو بِهِمْ إِذَا رَكِبُوا، وَأَحْتَطِبُ إِذَا نَزَلُوا، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدِّينَ قَوَامًا وَجَعَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ إِمَامًا. وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو ذَرٍّ: بَابٌ مِنَ الْعِلْمِ  نَتَعَلَّمُهُ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَلْفِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا، وَبَابٌ نُعَلِّمُهُ - عَمِلْنَا بِهِ أَوْ لَمْ نَعْمَلْ بِهِ - أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ مِائَةِ رَكْعَةٍ تَطَوُّعًا. وَقَالَا: سَمِعَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا جَاءَ طَالِبَ الْعِلْمِ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي سُجُودِهِ أَنْ يَزْنِيَ أَوْ يَسْرِقَ أَوْ يَكْفُرَ أَوْ يَعْمَلَ بِكَبِيرَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: أَتَخَافُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: مَا يُؤَمِّنُنِي وَإِبْلِيسُ حَيٌّ، وَمُصَرِّفُ الْقُلُوبِ  يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ؟ وَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: يَا أَبَتِ، إِنَّ الْبَنَاتَ يُعَيِّرْنَنِي يَقُلْنَ: لِمَ لَا يَحْلِيكِ أَبُوكِ بِالذَّهَبِ ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، قُولِي لَهُنَّ: إِنَّ أَبِي يَخْشَى عَلَيَّ حَرَّ اللَّهَبِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُمْتُ لَهُ وَهُوَ يُسَبِّحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَانْتَظَرْتُهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ دَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَقْرِئْنِي آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ - قَالَ: وَمَا أُرِيدُ إِلَّا الطَّعَامَ - قَالَ: فَأَقْرَأَنِي آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ " آلِ عِمْرَانَ "، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَهُ دَخَلَ وَتَرَكَنِي عَلَى الْبَابِ فَأَبْطَأَ، فَقُلْتُ: يَنْزِعُ ثِيَابَهُ ثُمَّ يَأْمُرُ لِي بِطَعَامٍ. فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَلَمَّا طَالَ عَلَيَّ قُمْتُ فَمَشَيْتُ، فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَلَّمَنِي فَقَالَ: " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّ خُلُوفَ فَمِكَ اللَّيْلَةَ لَشَدِيدٌ ". فَقُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ ظَلَلْتُ صَائِمًا وَمَا أَفْطَرْتُ بَعْدُ، وَمَا أَجِدُ مَا أُفْطِرُ عَلَيْهِ. قَالَ: " فَانْطَلَقَ ". فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَى بَيْتَهُ، فَدَعَا جَارِيَةً لَهُ سَوْدَاءَ، فَقَالَ: " ائْتِينَا بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ ". فَأَتَتْنَا بِقَصْعَةٍ فِيهَا وَضُرٌ مِنْ طَعَامٍ، أَرَاهُ شَعِيرًا قَدْ أُكِلَ وَبَقِيَ فِي جَوَانِبِهَا بَعْضُهُ وَهُوَ يَسِيرٌ، فَسَمَّيْتُ وَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ، فَأَكَلْتُ حَتَّى شَبِعْتُ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْكُنَاسَةَ مَهْلَكَةُ دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتِكُمْ. يَعْنِي الشَّهَوَاتِ وَمَا يَأْكُلُونَهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: " أَلَا تَسْأَلُنِي مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ الَّتِي يَسْأَلُنِي أَصْحَابُكَ ؟ " فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. قَالَ: فَنَزَعْتُ نَمِرَةً عَلَى ظَهْرِي، فَبَسَطْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْقَمْلِ يَدِبُّ عَلَيْهَا، فَحَدَّثَنِي حَتَّى إِذَا اسْتَوْعَبَ حَدِيثَهُ قَالَ: " اجْمَعْهَا إِلَيْكَ فَصُرَّهَا ". فَأَصْبَحْتُ لَا أُسْقِطُ حَرْفًا مِمَّا حَدَّثَنِي  . وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: قُلْتُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ تَصُومُ ؟ قَالَ: أَصُومُ أَوَّلَ الشَّهْرِ ثَلَاثًا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ كَانَ لِي أَجْرُ شَهْرِي. وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ فِي سَفَرٍ وَمَعَهُ قَوْمٌ، فَلَمَّا نَزَلُوا وَضَعُوا السُّفْرَةَ وَبَعَثُوا إِلَيْهِ لِيَأْكُلَ مَعَهُمْ فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَلَمَّا كَادُوا أَنْ يَفْرَغُوا مِنْ أَكْلِهِمْ جَاءَ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِهِمُ الَّذِي أَرْسَلُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَرَاكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، قَدْ وَاللَّهِ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَائِمٌ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ  وَصَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ  صَوْمُ الدَّهْرِ ". وَقَدْ صُمْتُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، فَأَنَا مُفْطِرٌ فِي تَخْفِيفِ اللَّهِ، صَائِمٌ فِي تَضْعِيفِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ هُوَ وَأَصْحَابٌ لَهُ إِذَا صَامُوا يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ، وَقَالُوا: نُظَهِّرُ صِيَامَنَا. وعن فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهُوَ يَقُولُ: وَيْلٌ لِي مِنْ بَطْنِي، إِنْ أَشْبَعْتُهُ كَظَّنِي، وَإِنْ أَجَعْتُهُ أَضْعَفَنِي. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ لَهُ خَيْطٌ فِيهِ اثَنَا عَشَرَ أَلْفَ عُقَدْةٍ يُسَبِّحُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَلْفَا عُقَدْةٍ، فَلَا يَنَامُ حَتَّى يُسَبِّحَ بِهِ. وَهُوَ أَصَحُّ مِنَ الَّذِي قَبِلَهُ. وَلِمَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بَكَى فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ: مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى بُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي، وَإِنِّي أَصْبَحْتُ فِي صُعُودٍ مُهْبِطٍ عَلَى جَنَّةٍ وَنَارٍ، لَا أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا يُؤْخَذُ بِي. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا زَوَّقْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ فَالدَّمَارُ عَلَيْكُمْ  . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِجِنَازَةٍ قَالَ: رُوحُوا فَإِنَّا غَادُونَ، أَوِ اغْدُوَا فَإِنَّا رَائِحُونَ، مَوْعِظَةٌ بَلِيغَةٌ، وَغَفْلَةٌ سَرِيعَةٌ، يَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَيَبْقَى الْآخِرُ لَا عَقْلَ لَهُ. وعن عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّدُوسِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا يَزِيدَ الْمَدِينِيَّ يَقُولُ: قَامَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، وَيْلٌ لَهُمْ مِنْ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ   ; يَحْكُمُونَ فِيهِمْ بِالْهَوَى وَيَقْتُلُونَ بِالْغَضَبِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثَمَرَةً، فَأَفْطَرْتُ عَلَى خَمْسٍ، وَتَسَحَّرْتُ بِخَمْسٍ، وَأَبْقَيْتُ خَمْسًا لِفِطْرِي. وعَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَتْ لَهُمْ زِنْجِيَّةٌ قَدْ غَمَّتْهُمْ بِعَمَلِهَا، فَرَفَعَ عَلَيْهَا يَوْمًا السَّوْطَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَأَغْشَيْتُكِ بِهِ، وَلَكِنْ سَأَبِيعُكِ مِمَّنْ يُوَفِّينِي ثَمَنَكِ أَحْوَجَ مَا أَكُونُ إِلَيْهِ، اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وعَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مَرِضَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ أَعُودُهُ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اشْفِ أَبَا هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُرْجِعْهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَى أَحَدِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ الْأَحْمَرِ  . وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا رَأَيْتُمْ سِتًّا، فَإِنْ كَانَتْ نَفْسُ أَحَدِكُمْ فِي يَدِهِ فَلْيُرْسِلْهَا، فَلِذَلِكَ أَتَمَنَّى الْمَوْتَ أَخَافُ أَنْ تُدْرِكَنِي ; إِذَا أُمِّرَتِ السُّفَهَاءُ، وَبِيعَ الْحُكْمُ، وَتُهُوِّنُ بِالدَّمِ، وَقُطَّعَتِ الْأَرْحَامُ، وَكَثُرَتِ الْجَلَاوِزَةُ، وَنَشَأَ نَشْءٌ يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ. وعَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الْقُرَظِيِّ، أَنَّ ثَعْلَبَةَ بْنَ أَبِي مَالِكٍ الْقُرَظِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَقْبَلَ فِي السُّوقِ يَحْمِلُ حُزْمَةَ حَطَبٍ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ - فَقَالَ: أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلْأَمِيرِ يَا ابْنَ أَبِي مَالِكٍ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَكْفِي هَذَا. فَقَالَ: أَوْسِعِ الطَّرِيقَ لِلْأَمِيرِ وَالْحُزْمَةُ عَلَيْهِ. وَلَهُ فَضَائِلُ وَمَنَاقِبُ وَمَآثِرُ وَكَلَامٌ حَسَنٌ وَمَوَاعِظُ جَمَّةٌ، أَسْلَمَ كَمَا قَدَّمْنَا عَامَ خَيْبَرَ، إرسال أبو هريرة إلى البحرين فَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ إِلَّا حِينَ بَعَثَهُ مَعَ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَوَصَّاهُ بِهِ، فَجَعَلَهُ الْعَلَاءُ مُؤَذِّنًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْهَا فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ، وَقَاسَمَهُ مَعَ جُمْلَةِ الْعُمَّالِ. وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، أَنَّ عُمَرَ اسْتَعْمَلَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَقَدِمَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اسْتَأْثَرْتَ بِهَذِهِ الْأَمْوَالِ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّ كِتَابِهِ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَسْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ وَلَا عَدُوِّ كتَابِهِ، وَلَكِنِّي عَدُوُّ مَنْ عَادَاهُمَا. فَقَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هِيَ لَكَ ؟ قَالَ: خَيْلٌ نُتِجَتْ، وَغَلَّةٌ وَرَقِيقٌ لِي، وَأَعْطِيَةٌ تَتَابَعَتْ عَلَيَّ. فَنَظَرُوا فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ دَعَاهُ عُمَرُ لِيَسْتَعْمِلَهُ، فَأَبَى أَنْ يَعْمَلَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: تَكْرَهُ الْعَمَلَ، وَقَدْ طَلَبَهُ مَنْ كَانَ خَيْرًا مِنْكَ ؟ طَلَبَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقَالَ: إِنَّ يُوسُفَ نَبِيٌّ ابْنُ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ ابْنِ نَبِيٍّ، وَأَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ بْنُ أُمَيْمَةَ وَأَخْشَى ثَلَاثًا وَاثْنَتَيْنِ. قَالَ عُمَرُ: فَهَلَّا قُلْتَ خَمْسَةً ؟ قَالَ: أَخْشَى أَنْ أَقُولَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَقْضِيَ بِغَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ يُضْرَبَ ظَهْرِي، وَيُنْتَزَعَ مَالِي، وَيُشْتَمُ عِرْضِي. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ أَغْرَمَهُ فِي الْعِمَالَةِ الْأُولَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَلِهَذَا امْتَنَعَ فِي الثَّانِيَةِ. تولية أبي هريرة المدينة من قبل معاوية وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَبْعَثُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَإِذَا غَضِبَ عَلَيْهِ عَزَلَهُ وَوَلَّى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَإِذَا جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى مَرْوَانَ حَجَبَهُ عَنْهُ، فَعَزَلَ مَرْوَانَ وَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ لِمَوْلَاهُ: مَنْ جَاءَكَ فَلَا تَرُدَّهُ، وَاحَجُبْ مَرْوَانَ. فَلَمَّا جَاءَ مَرْوَانُ دَفَعَ الْغُلَامُ فِي صَدْرِهِ، فَمَا دَخَلَ إِلَّا بَعْدَ جُهْدٍ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: إِنَّ الْغُلَامَ حَجَبَنَا عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّكَ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ لَا تَغْضَبَ مِنْ ذَلِكَ. وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ مَرْوَانَ هُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِيبُ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ كَانَ يَكُونُ عَنْ إِذْنِ مُعَاوِيَةَ فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنْ أَبِي رَافِعٍ: كَانَ مَرْوَانُ رُبَّمَا اسْتَخْلَفَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَيَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: الطَّرِيقَ، قَدْ جَاءَ الْأَمِيرُ. يَعْنِي نَفْسَهُ، وَكَانَ يَمُرُّ بِالصِّبْيَانِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ بِاللَّيْلِ لُعْبَةَ الْأَعْرَابِ، فَلَا يَشْعُرُونَ بِهِ حَتَّى يُلْقِي نَفْسَهُ بَيْنَهُمْ وَيَضْرِبُ بِرِجْلَيْهِ كَأَنَّهُ مَجْنُونٌ، فَيَفْزَعُ الصِّبْيَانُ مِنْهُ وَيَفِرُّونَ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: وَرُبَّمَا دَعَانِي أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى عَشَائِهِ بِاللَّيْلِ، فَيَقُولُ: دَعِ الْعِرَاقَ لِلْأَمِيرِ - يَعْنِي قِطَعَ اللَّحْمِ - قَالَ: فَأَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ ثَرِيدٌ بِزَيْتٍ. وَقَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ: بَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ بَعْثَ إِلَيْهِ: إِنِّي غَلِطْتُ وَلَمْ أُرِدْكَ بِهَا، وَإِنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَدْ أَخْرَجْتُهَا، فَإِذَا خَرَجَ عَطَائِي فَخُذْهَا مِنْهُ. وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ مَرْوَانُ اخْتِبَارَهُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ إِذَا أَعْطَى أَبَا هُرَيْرَةَ سَكَتَ، وَإِذَا أَمْسَكَ عَنْهُ تَكَلَّمَ. وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ جَاءَهُ شَابٌّ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي، فَجَاءَنِي بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فَأَكَلْتُ نَاسِيًا. فَقَالَ: طُعْمَةٌ أَطْعَمَكَهَا اللَّهُ  ، لَا عَلَيْكَ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ دَارًا لِأَهْلِي فَجِيءَ بِلَبَنِ لَقْحَةٍ، فَشَرِبْتُهُ نَاسِيًا. قَالَ: لَا عَلَيْكَ. قَالَ: ثُمَّ نِمْتُ، فَاسْتَيْقَظْتُ، فَشَرِبْتُ مَاءً - وَفِي رِوَايَةٍ: وَجَامَعْتُ نَاسِيًا - فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّكَ يَا ابْنَ أَخِي لَمْ تَعَوَّدِ الصِّيَامَ. وفاة أبي هريرة وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ: عَلَى قِلَّةِ الزَّادِ وَشِدَّةِ الْمَفَازَةِ، وَأَنَا عَلَى عَقَبَةِ هُبُوطٍ ; إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى نَارٍ، فَمَا أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا أَصِيرُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ: دَخَلَ مَرْوَانُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: شَفَاكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ  فَأَحِبَّ لِقَائِي. قَالَ: فَمَا بَلَغَ مَرْوَانُ أَصْحَابَ الْقَطَا حَتَّى مَاتَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وعَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكْنِي سَنَةَ سِتِّينَ. قَالَ: فَتُوُفِّيَ فِيهَا أَوْ قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. وَهَكَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَى عَائِشَةَ فِي رَمَضَانَ، وَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَهُمَا فِيهَا. كَذَا قَالَ، وَالصَّوَابُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ تَأَخَّرَتْ بَعْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ: ثَمَانٍ - وَقِيلَ: سَبْعٍ - وَخَمْسِينَ. وَالْمَشْهُورُ تِسْعٌ وَخَمْسِينَ. قَالُوا: وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ نَائِبُ الْمَدِينَةِ وَفِي الْقَوْمِ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو سَعِيدٍ وَخَلْقٌ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي دَارِهِ بِالْعَقِيقِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَكَتَبَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِوَفَاةِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ أَنِ انْظُرْ وَرَثَتَهُ فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ، وَاصْرِفْ إِلَيْهِمْ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَحْسِنْ جِوَارَهُمْ، وَاعْمَلْ إِلَيْهِمْ مَعْرُوفًا ; فَإِنَّهُ كَانَ مِمَّنْ نَصَرَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مَعَهُ فِي الدَّارِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْقِشْبِ   وَاسْمُهُ جُنْدَبُ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ الْأَزْدِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ، حَلِيفُ بَنِي الْمُطَّلِبِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ بُحَيْنَةَ، وَهِيَ أُمُّهُ بُحَيْنَةُ بِنْتُ الْأَرَتِّ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَصَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ نَاسِكًا صَوَّامًا قَوَّامًا، وَكَانَ مِمَّنْ يَسْرُدُ صَوْمَ الدَّهْرِ كُلِّهِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: كَانَ يَنْزِلُ بَطْنَ رِيمٍ عَلَى ثَلَاثِينَ مِيلًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَمَاتَ فِي عَمَلِ مَرْوَانَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ، مَا بَيْنَ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ إِلَى ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ، وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ نَقَلَ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، يَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ   صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ كَأَبِيهِ، لَهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " حَدِيثٌ، وَهُوَ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ، وَلَهُ فِي " الْمُسْنَدِ " حَدِيثٌ فِي صَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَحَدِيثُ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَارِهِمْ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَخَدَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ مِنَ الْأَمِيرِ. وَحَمَلَ لِوَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ. وَلَمَّا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجِرَّاحِ، وَمَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَأَصَابَهُمْ ذَلِكَ الْجَهْدُ الْكَثِيرُ، فَنَحَرَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ تِسْعَ جَزَائِرَ، حَتَّى وَجَدُوا تِلْكَ الدَّابَّةَ عَلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا شَهْرًا حَتَّى سَمِنُوا. وَكَانَ قَيْسٌ سَيِّدًا مُطَاعًا كَرِيمًا مُمَدَّحًا شُجَاعًا، وَلَّاهُ عَلِيٌّ نِيَابَةَ مِصْرَ، وَكَانَ يُقَاوِمُ بِدَهَائِهِ وَخَدِيعَتِهِ وَسِيَاسَتِهِ لِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَلَمْ يَزَلْ مُعَاوِيَةُ يَعْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى عَزَلَهُ عَلِيٌّ عَنْ مِصْرَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَاسْتَخَفَّهُ مُعَاوِيَةُ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ مِصْرَ كَمَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ. وَأَقَامَ قَيْسٌ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، وَلَزِمَهُ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ جَاءَهُ لِيُبَايِعَهُ، كَمَا بَايَعَهُ أَصْحَابُهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَدِمَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ ; لِيُبَايِعَهُ كَمَا بَايَعَ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَأَنْتَ يَا قَيْسُ تُلْجِمُ عَلَيَّ مَعَ مَنْ أَلْجَمَ ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ هَذَا الْيَوْمَ إِلَّا وَقَدْ ظَفِرَ بِكَ ظُفْرٌ مِنْ أَظَافِرِي مُوجِعٌ. فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ كُنْتُ كَارِهًا أَنْ أَقُومَ فِي هَذَا الْمُقَامِ فَأُحَيِّيَكَ بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَلِمَ ؟ وَهَلْ أَنْتَ إِلَّا حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ ؟ فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: وَأَنْتَ يَا مُعَاوِيَةُ كُنْتَ صَنَمًا مِنْ أَصْنَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، دَخَلَتْ فِي الْإِسْلَامِ كَارِهًا، وَخَرَجْتَ مِنْهُ طَائِعًا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ غَفْرًا، مُدَّ يَدَكَ. فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ: إِنْ شِئْتَ زِدْتَ وَزِدْتُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: قَالَتْ عَجُوزٌ لِقَيْسٍ: أَشْكُو إِلَيْكَ قِلَّةَ الْجِرْذَانِ. فَقَالَ قَيْسٌ: مَا أَحْسَنَ هَذِهِ الْكِنَايَةَ ! امْلَئُوا بَيْتَهَا خُبْزًا وَلَحْمًا وَسَمْنًا وَتَمْرًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَانَتْ لَهُ صَحْفَةٌ يُدَارُ بِهَا حَيْثُ دَارَ، وَكَانَ يُنَادِي لَهُ مُنَادٍ: هَلُمُّوا إِلَى اللَّحْمِ وَالثَّرِيدِ. وَكَانَ أَبُوهُ وَجَدُّهُ مِنْ قَبْلِهِ يَفْعَلَانِ كَفِعْلِهِ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: بَاعَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَرْضًا بِتِسْعِينَ أَلْفًا، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَادَى مُنَادِيهِ: مَنْ أَرَادَ الْقَرْضَ فَلْيَأْتِ. فَأَقْرَضَ مِنْهَا خَمْسِينَ أَلْفًا وَأَطْلَقَ الْبَاقِيَ، ثُمَّ مَرِضَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَلَّ عُوَّادُهُ، فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ قُرَيْبَةَ بِنْتِ أَبِي عَتِيقٍ أُخْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: إِنِّي أَرَى قِلَّةَ عُوَّادِي فِي مَرَضِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرَى ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ مَا لِي عَلَى النَّاسِ مِنَ الْقَرْضِ. فَبَعَثَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِصَكِّهِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهِ، فَوَهَبَهُمْ مَا لَهُ عَلَيْهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ مُنَادِيَهُ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ عَلَيْهِ دِينٌ فَهُوَ مِنْهُ فِي حِلٍّ. فَمَا أَمْسَى حَتَّى كُسِرَتْ عَتَبَةُ بَابِهِ مِنْ كَثْرَةِ الْعُوَّادِ، وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مَالًا وَفَعَالًا، فَإِنَّهُ لَا يَصْلُحُ الْفَعَالُ إِلَّا بِالْمَالِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: اقْتَرَضَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا جَاءَ لِيُوَفِّيَهُ إِيَّاهَا قَالَ لَهُ قَيْسٌ: إِنَّا قَوْمٌ إِذَا أَعْطَيْنَا أَحَدًا شَيْئًا لَا نَرْجِعُ فِيهِ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: اخْتَلَفَ ثَلَاثَةٌ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي أَكْرَمِ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ. وَقَالَ الْآخَرُ: قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ الْآخَرُ: عَرَابَةُ الْأَوْسِيُّ. فَتَمَارَوْا فِي ذَلِكَ حَتَّى ارْتَفَعَ ضَجِيجُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ رَجُلٌ: فَلْيَذْهَبْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَى صَاحِبِهِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ أَكْرَمُ مِنْ غَيْرِهِ، فَلْيَنْظُرْ مَا يُعْطِيهِ وَلْيُحْكَمْ عَلَى الْعَيَانِ. فَذَهَبَ صَاحِبُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ لِيَذْهَبَ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ابْنُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ. قَالَ: فَأَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنَ الْغَرْزِ وَقَالَ: ضَعْ رِجْلَكَ وَاسْتَوِ عَلَيْهَا، فَهِيَ لَكَ بِمَا عَلَيْهَا، وَخُذْ مَا فِي الْحَقِيبَةِ وَلَا تُخْدَعَنَّ عَنِ السَّيْفِ، فَإِنَّهُ مِنْ سُيُوفِ عَلِيٍّ. فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ بِنَاقَةٍ عَظِيمَةٍ، وَإِذَا فِي الْحَقِيبَةِ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ، وَمَطَارِفُ مِنْ خَزٍّ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَأَجَلُّ ذَلِكَ سَيْفُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ. وَمَضَى صَاحِبُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَتْ لَهُ الْجَارِيَةُ: مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ. قَالَتْ: فَحَاجَتُكَ أَيْسَرُ مِنْ إِيقَاظِهِ، هَذَا كِيسٌ فِيهِ سَبْعُمِائَةِ دِينَارٍ مَا فِي دَارِ قَيْسٍ مَالٌ غَيْرُهُ الْيَوْمَ، وَاذْهَبْ إِلَى مَوْلَانَا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ، فَخُذْ لَكَ نَاقَةً وَعَبْدًا، وَاذْهَبْ رَاشِدًا. فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَيْسٌ مِنْ رَقْدَتِهِ أَخْبَرَتْهُ الْجَارِيَةُ بِمَا صَنَعَتْ، فَأَعْتَقَهَا شُكْرًا عَلَى صَنِيعِهَا ذَلِكَ، وَقَالَ: هَلَّا أَيْقَظْتِنِي حَتَّى أُعْطِيَهُ مَا يَكْفِيهِ، فَلَعَلَّ الَّذِي أَعْطَيْتِهِ لَا يَقَعُ مِنْهُ مَوْقِعَ حَاجَتِهِ. وَذَهَبَ صَاحِبُ عَرَابَةَ الْأَوْسِيِّ إِلَيْهِ، فَوَجَدَهُ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَبْدَيْنِ، وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَرَابَةُ. فَقَالَ: قُلْ. فَقَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ. قَالَ: فَخَلَّى عَنِ الْعَبْدَيْنِ ثُمَّ صَفَّقَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، ثُمَّ قَالَ: أَوَّهْ أَوَّهْ، وَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُ وَلَا أَمْسَيْتُ وَقَدْ تَرَكَتِ الْحُقُوقُ مِنْ مَالِ عَرَابَةَ شَيْئًا، وَلَكِنْ خُذْهُمَا. يَعْنِي الْعَبْدَيْنِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَأْخُذْهُمَا فَهُمَا حُرَّانِ فَإِنْ شِئْتَ فَأَعْتِقْ، وَإِنْ شِئْتَ فَخُذْ. وَأَقْبَلَ يَلْتَمِسُ الْحَائِطَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَأَخَذَهُمَا وَجَاءَ بِهِمَا. قَالَ: فَحَكَمَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ ابْنَ جَعْفَرٍ قَدْ جَادَ بِمَالٍ عَظِيمٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ لَهُ، إِلَّا أَنَّ السَّيْفَ أَجَلُّهَا، وَأَنَّ قَيْسًا أَحَدُ الْأَجْوَادِ ; حَكَّمَ مَمْلُوكَتَهُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَاسْتِحْسَانِهِ مَا فَعَلَتْهُ، وَعِتْقِهِ لَهَا وَمَا تَكَلَّمَ بِهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَسْخَى الثَّلَاثَةِ عَرَابَةُ الْأَوْسِيُّ ; لِأَنَّهُ جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَسَّمَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَالَهُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِهَا، فَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَا: إِنَّ أَبَاكَ قَسَّمَ مَالَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِحَالِ هَذَا الْوَلَدِ إِذْ كَانَ حَمْلًا، فَاقْسِمُوا لَهُ مَعَكُمْ. فَقَالَ قَيْسٌ: إِنِّي لَا أُغَيِّرُ مَا فَعَلَهُ سَعْدٌ، وَلَكِنَّ نَصِيبِي لَهُ. وعَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ لَا يَزَالُ هَكَذَا رَافِعًا أُصْبُعَهُ الْمُسَبِّحَةَ. يَعْنِي يَدْعُو. وعَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ  فِي النَّارِ ". لَكُنْتُ مِنْ أَمْكَرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: دُهَاةُ الْعَرَبِ حِينَ ثَارَتِ الْفِتْنَةُ خَمْسَةٌ ; مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَكَانَا مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ مُعْتَزِلًا بِالطَّائِفِ حَتَّى حَكَمَ الْحَكَمَانِ، فَصَارَ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى مِصْرَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ نَائِبَ عُثْمَانَ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا عَلَى مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ بِقَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا سَارَ فِيهَا سِيرَةً حَسَنَةً وَضَبَطَهَا، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَثَقُلَ أَمْرُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَكَاتَبَاهُ لِيَكُونَ مَعَهُمَا عَلَى عَلِيٍّ فَامْتَنَعَ، وَأَظْهَرَ لِلنَّاسِ مُنَاصَحَتَهُ لَهُمَا، فَشَاعَ الْخَبَرُ حَتَّى بَلَغَ عَلِيًّا فَعَزَلَهُ، وَبَعَثَ إِلَى مِصْرَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، فَمَاتَ الْأَشْتَرُ فِي الرَّمْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا، فَبَعَثَ عَلِيٌّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَخَفَّ أَمْرُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى أَخَذَا مِنْهُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَأُحْرِقَ فِي جِيفَةِ حِمَارٍ، وَسَارَ قَيْسٌ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ سَارَ إِلَى عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ، فَكَانَ مَعَهُ فِي حُرُوبِهِ حَتَّى قُتِلَ عَلِيٌّ، ثُمَّ عَلَى مُقَدِّمَةِ الْحَسَنِ، فَلَمَّا بَايَعَ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ سَاءَ قَيْسًا ذَلِكَ، وَامْتَنَعَ مِنْ طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي وَفْدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَبَايَعَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ مُعَاتَبَةٍ، وَكَلَامٍ فِيهِ غِلْظَةٌ، ثُمَّ أَكْرَمَهُ مُعَاوِيَةُ وَقَدَّمَهُ وَحَظِيَ عِنْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ مَعَ الْوُفُودِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ قَدِمَ كِتَابُ مَلِكِ الرُّومِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَفِيهِ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِسَرَاوِيلِ أَطْوَلِ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِقَيْسٍ: مَا أَظُنُّنَا إِلَّا قَدِ احْتَجْنَا إِلَى سَرَاوِيلِكَ. وَكَانَ قَيْسٌ مَدِيدُ الْقَامَةِ جِدًّا، لَا يَصِلُ أَطْوَلُ الرِّجَالِ إِلَى صَدْرِهِ، فَقَامَ قَيْسٌ فَتَنَحَّى، ثُمَّ خَلَعَ سَرَاوِيلَهُ، فَأَلْقَاهَا إِلَى مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، مَا أَرَدْتُ إِلَى هَذَا، هَلَّا ذَهَبْتَ إِلَى مَنْزِلِكَ ثُمَّ أَرْسَلْتَ بِهَا إِلَيْنَا. فَأَنْشَأَ قَيْسٌ يَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ: أَرَدْتُ بِهَا كَيْ يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا     سَرَاوِيلُ قَيْسٍ وَالْوُفُودُ شُهُودُ وَأَنْ لَا يَقُولُوا غَابَ قَيْسٌ وَهَذِهِ     سَرَاوِيلُ عَادِيٌّ نَمَتْهُ ثَمُودُ وَإِنِّي مِنَ الْحَيِّ الْيَمَانِي لَسَيِّدٌ     وَمَا النَّاسُ إِلَّا سَيِّدٌ وَمَسُودُ فَكِدْهُمْ بِمِثْلِي إِنَّ مِثْلِي عَلَيْهِمُ     شَدِيدٌ وَخَلْقِي فِي الرِّجَالِ مَزِيدُ وَفَضَّلَنِي فِي النَّاسِ أَصْلِي وَوَالِدِي     وَبَاعٌ بِهِ أَعْلُو الرِّجَالَ مَدِيدُ قَالَ: فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ أَطْوَلَ رَجُلٍ فِي الْوَفْدِ، فَوَضَعَهَا عَلَى أَنْفِهِ فَوَقَعَتْ بِالْأَرْضِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ بَعَثَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِرَجُلَيْنِ مِنْ جَيْشِهِ يَزْعُمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَقْوَى الرُّومِ، وَالْآخَرَ أَطْوَلُ الرُّومِ، فَإِنْ كَانَ فِي جَيْشِكَ مَنْ يَفُوقُهُمَا فِي قُوَّةِ هَذَا وَطُولِ هَذَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ مِنَ الْأَسَارَى كَذَا وَكَذَا وَمَنَ التُّحَفِ كَذَا وَكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَيْشِكَ مَنْ يُشْبِهُهُمَا فَهَادِنِي ثَلَاثَ سِنِينَ. فَلَمَّا حَضَرَا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَنْ لِهَذَا الْقَوِيِّ ؟ فَقَالُوا: مَا لَهُ إِلَّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ ; إِمَّا مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَجِيءَ بِمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ ابْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَتَعْلَمُ فِيمَ أُرْسَلْتُ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: لَا. فَذَكَرَ لَهُ أَمْرَ الرُّومِيِّ وَشِدَّةَ بِأُسِهِ. فَقَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ ؟ فَقَالَ: تَجْلِسُ لِي أَوْ أَجْلِسُ لَكَ، وَتُنَاوِلُنِي يَدَكَ أَوْ أُنَاوِلُكَ يَدِي، فَأَيُّنَا قَدَرَ عَلَى أَنْ يُقِيمَ الْآخَرَ مِنْ مَكَانِهِ غَلَبَهُ، وَإِلَّا فَقَدْ غُلِبَ. فَقَالَ لَهُ: مَاذَا تُرِيدُ ; تَجْلِسُ أَوْ أَجْلِسُ ؟ فَقَالَ لَهُ الرُّومِيُّ: بَلِ اجْلِسْ أَنْتَ. فَجَلَسَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَعْطَى الرُّومِيَّ يَدَهُ، فَاجْتَهَدَ الرُّومِيُّ بِكُلِّ مَا يَقَدْرُ عَلَيْهِ مِنَ الْقُوَّةِ أَنْ يُزِيلَهُ مِنْ مَكَانَهِ أَوْ يُحَرِّكَهُ لِيُقِيمَهُ، فَلَمْ يَقَدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَغَلَبَ الرُّومِيَّ عِنْدَ ذَلِكَ، وَظَهَرَ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْوُفُودِ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ أَنَّهُ قَدْ غَلَبَ، ثُمَّ قَامَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، فَقَالَ لِلرُّومِيِّ: اجْلِسْ لِي. فَجَلَسَ وَأَعْطَى مُحَمَّدًا يَدَهُ، فَمَا لَبِثَ أَنْ أَقَامَهُ سَرِيعًا، وَرَفَعَهُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ أَلْقَاهُ عَلَى الْأَرْضِ، فَسُرَّ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةُ سُرُورًا عَظِيمًا، وَنَهَضَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، فَتَنَحَّى عَنِ النَّاسِ، ثُمَّ خَلَعَ سَرَاوِيلَهُ، وَأَعْطَاهَا لِذَلِكَ الرُّومِيِّ الطَّوِيلِ، فَلَبِسَهَا فَبَلَغَتْ إِلَى ثَدْيَيْهِ وَأَطْرَافُهَا تَخُطُّ بِالْأَرْضِ، فَاعْتَرَفَ الرُّومُ بِالْغَلَبِ، وَبَعَثَ مَلِكُهُمْ مَا كَانَ الْتَزَمَهُ لِمُعَاوِيَةَ، وَعَاتَبَ الْأَنْصَارُ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ فِي خَلْعِهِ سَرَاوِيلَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، فَقَالَ ذَلِكَ الشِّعْرُ الْمُتَقَدِّمَ مُعْتَذِرًا بِهِ إِلَيْهِمْ، وَلِيَكُونَ ذَلِكَ أَلْزَمَ لِلْحُجَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الرُّومِ، وَأَقْطَعَ لِمَا حَاوَلُوهُ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ رَجُلًا ضَخْمًا جَسِيمًا صَغِيرَ الرَّأْسِ، لَهُ لِحْيَةٌ فِي ذَقَنِهِ، وَكَانَ إِذَا رَكِبَ الْحِمَارَ خَطَّتْ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَتَبِعْنَاهُ فِي ذَلِكَ. مَعْقِلُ بْنُ يَسَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ  ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. وَقِيلَ: أَبُو عَلِيٍّ، الْمُزَنِيُّ: صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَرَفَعَ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَايَعَ أَهْلَهَا، وَلَّاهُ عُمَرُ الْبَصْرَةَ، فَحَفَرَ النَّهْرَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ: نَهْرُ مَعْقِلٍ، وَبَنَى بِالْبَصْرَةِ دَارًا فَنَزَلَهَا. عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: دَخَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِنَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكُ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: "مَنِ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً فَلَمْ يُحِطْهَا بِنَصِيحَةٍ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ " قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: أَلَا حَدَّثْتَنِي قَبْلَ الْيَوْمِ ؟ قَالَ مَعْقِلٌ: وَالْيَوْمَ لَوْ لَمْ أَكُنْ عَلَى حَالِي هَذِهِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ. هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ  ، وَاسْمُهُ سُهَيْلٌ، وَهِيَ أُمُّ سَلَمَةَ: كَانَتْ عِنْدَ أَبِي سَلَمَةَ، فَهَاجَرَتْ مَعَهُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَوَلَدَتْ لَهُ، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَتُوُفِّيَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ لَهَا يَوْمَ مَاتَتْ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. أَبُو مَحْذُورَةَ الْجُمَحِيُّ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو مَحْذُورَةَ الْجُمَحِيُّ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ   ﷺ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَزَلْ يُؤْذِنُ بِهَا حَتَّى مَاتَ وَوَلَدُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ.

  104. التاريخ 2195لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتِّينَ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: غَزْوَةُ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ سُورِيَّةَ  ، وَدُخُولُ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ رُودُسَ  ، وَهَدْمُهُ مَدِينَتَهَا فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ.

  105. التاريخ 2196لا حكم مسجّل

    بَيْعَةِ يَزِيدَ   يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَيُكَنَّى أَبَا خَالِدٍ، وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ هُوَ وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَأُمُّهُ مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلٍ، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ جَمَاعَةٌ، فَمِنْهُمْ: مُعَاوِيَةُ ابْنُهُ، وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ أَيَّامًا. وَمِنْهُمْ: عَاتِكَةُ، تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَرْبَعَةَ أَوْلَادٍ، وَهَذِهِ عَاتِكَةُ كَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ مَحْرَمًا كُلُّهُمْ خُلَفَاءُ: أَبُوهَا يَزِيدُ، وَجَدُّهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَخُوهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ، وَزَوْجُهَا عَبْدُ الْمَلِكِ، وَحَمُوهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَابْنُهَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنُ أَبِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، وَبَنُو زَوْجِهَا: الْوَلِيدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَهِشَامٌ، وَابْنَا ابْنِ زَوْجِهَا: يَزِيدُ وَإِبْرَاهِيمُ، ابْنَا الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَلَمْ يَتَّفِقْ مِثْلُ هَذَا لِامْرَأَةٍ سِوَاهَا. وَقَدْ أَسْنَدَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْحَدِيثَ، فَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَإِسْنَادُنَا إِلَيْهِ مُتَّصِلٌ، غَيْرَ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سُئِلَ: أَيُرْوَى عَنْ يَزِيدَ الْحَدِيثُ ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ، فَلِذَلِكَ امْتَنَعْنَا أَنْ نُسْنِدَ عَنْهُ. وقِيلَ: فِي رَجَبٍ مِنْ سنة ستين بُويِعَ يَزِيدُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، عَلَى مَا سَبَقَ مِنَ الْخِلَافِ فِيهِ، فَلَمَّا تَوَلَّى كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى مَكَّةَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ لِيَزِيدَ هِمَّةٌ إِلَّا بَيْعَةُ النَّفَرِ الَّذِينَ أَبَوْا عَلَى مُعَاوِيَةَ بَيْعَتَهُ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ، وَكِتَابًا آخَرَ صَغِيرًا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَخُذْ حُسَيْنًا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ بِالْبَيْعَةِ أَخْذًا لَيْسَ فِيهِ رُخْصَةٌ حَتَّى يُبَايِعُوا، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا أَتَاهُ نَعْيُ مُعَاوِيَةَ فُظِعَ بِهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِ وَبَعَثَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَدَعَاهُ. وَكَانَ مَرْوَانُ عَامِلًا عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قَبْلِ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا الْوَلِيدُ كَانَ مَرْوَانُ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ مُتَكَارِهًا، فَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ ذَلِكَ مِنْهُ شَتَمَهُ عِنْدَ جُلَسَائِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ فَانْقَطَعَ عَنْهُ وَلَمْ يَزَلْ مُصَارِمًا لَهُ حَتَّى جَاءَ نَعْيُ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا عَظُمَ عَلَى الْوَلِيدِ هَلَاكُهُ وَمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ بَيْعَةِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ، اسْتَدْعَى مَرْوَانَ فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ اسْتَرْجَعَ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتَشَارَهُ الْوَلِيدُ كَيْفَ يَصْنَعُ. قَالَ: أَرَى أَنْ تَدْعُوَهُمُ السَّاعَةَ وَتَأْمُرَهُمْ بِالْبَيْعَةِ، فَإِنْ فَعَلُوا قَبِلْتَ مِنْهُمْ وَكَفَفْتَ عَنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا ضَرَبْتَ أَعْنَاقَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ عَلِمُوا بِمَوْتِهِ وَثَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِنَاحِيَةٍ وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، أَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَلَا يَرَى الْقِتَالَ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَلِيَ عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَنْ يُدْفَعَ إِلَيْهِ هَذَا الْأَمْرُ عَفْوًا. فَأَرْسَلَ الْوَلِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ، إِلَى الْحُسَيْنِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ يَدْعُوهُمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا جَالِسَانِ، فَأَتَاهُمَا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنِ الْوَلِيدُ يَجْلِسُ فِيهَا لِلنَّاسِ فَقَالَ: أَجِيبَا الْأَمِيرَ. فَقَالَا: انْصَرِفِ، الْآنَ نَأْتِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِلْحُسَيْنِ: مَا تَرَاهُ بَعَثَ إِلَيْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَجْلِسُ فِيهَا ؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: أَظُنُّ أَنَّ طَاغِيَتَهُمْ قَدْ هَلَكَ فَبَعَثَ إِلَيْنَا لِيَأْخُذَنَا بِالْبَيْعَةِ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ فِي النَّاسِ الْخَبَرُ. فَقَالَ: وَأَنَا مَا أَظُنُّ غَيْرَهُ، فَمَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ ؟ قَالَ الْحُسَيْنُ: أَجْمَعُ فِتْيَانِي السَّاعَةَ ثُمَّ أَمْشِي إِلَيْهِ وَأُجْلِسُهُمْ عَلَى الْبَابِ وَأَدْخُلُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَإِنِّي أَخَافُهُ عَلَيْكَ إِذَا دَخَلْتَ. قَالَ: لَا آتِيهِ إِلَّا وَأَنَا قَادِرٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ. فَقَامَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى بَابِ الْوَلِيدِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي دَاخِلٌ فَإِذَا دَعَوْتُكُمْ أَوْ سَمِعْتُمْ صَوْتِي قَدْ عَلَا فَادْخُلُوا عَلَيَّ بِأَجْمَعِكُمْ وَإِلَّا فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ. ثُمَّ دَخَلَ فَسَلَّمَ، وَمَرْوَانُ عِنْدَهُ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: الصِّلَةُ خَيْرٌ مِنَ الْقَطِيعَةِ، وَالصُّلْحُ خَيْرٌ مِنَ الْفَسَادِ  ، وَقَدْ آنَ لَكُمَا أَنْ تَجْتَمِعَا، أَصْلَحَ اللَّهُ ذَاتَ بَيْنِكُمَا، وَجَلَسَ، فَأَقْرَأَهُ الْوَلِيدُ الْكِتَابَ، وَنَعَى لَهُ مُعَاوِيَةَ وَدَعَاهُ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَاسْتَرْجَعَ الْحُسَيْنُ وَتَرَحَّمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَقَالَ: أَمَّا الْبَيْعَةُ فَإِنَّ مِثْلِي لَا يُبَايِعُ سِرًّا وَلَا يُجْتَزَأُ بِهَا مِنِّي سِرًّا، فَإِذَا خَرَجْتَ إِلَى النَّاسِ وَدَعَوْتَهُمْ لِلْبَيْعَةِ وَدَعَوْتَنَا مَعَهُمْ كَانَ الْأَمْرُ وَاحِدًا. فَقَالَ الْوَلِيدُ، وَكَانَ يُحِبُّ الْعَافِيَةَ: انْصَرِفْ. فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَئِنْ فَارَقَكَ السَّاعَةَ وَلَمْ يُبَايِعْ لَا قَدَرْتَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهَا أَبَدًا حَتَّى تَكْثُرَ الْقَتْلَى بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، احْبِسْهُ فَإِنْ بَايَعَ وَإِلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ. فَوَثَبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحُسَيْنُ وَقَالَ: ابْنَ الزَّرْقَاءِ أَأَنْتَ تَقْتُلُنِي أَمْ هُوَ ؟ كَذَبْتَ وَاللَّهِ وَلَؤُمْتَ ! ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ. فَقَالَ مَرْوَانُ لِلْوَلِيدِ: عَصَيْتَنِي، لَا وَاللَّهِ لَا يُمَكِّنُكَ مِنْ نَفْسِهِ بِمِثْلِهَا أَبَدًا، فَقَالَ الْوَلِيدُ: وَبِّخْ غَيْرَكَ يَا مَرْوَانُ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَغَرَبَتْ عَنْهُ مِنْ مَالِ الدُّنْيَا وَمُلْكِهَا وَأَنِّي قَتَلْتُ حُسَيْنًا إِنْ قَالَ لَا أُبَايِعُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنَّ أَنَّ امْرَأً يُحَاسَبُ بِدَمِ الْحُسَيْنِ لَخَفِيفُ الْمِيزَانِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ مَرْوَانُ: قَدْ أَصَبْتَ. يَقُولُ لَهُ هَذَا وَهُوَ غَيْرُ حَامِدٍ لَهُ عَلَى رَأْيِهِ. وَأَمَّا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: الْآنَ آتِيكُمْ. ثُمَّ أَتَى دَارَهُ فَكَمَنَ فِيهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ فَوَجَدَهُ قَدْ جَمَعَ أَصْحَابَهُ وَاحْتَرَزَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْوَلِيدُ وَهُوَ يَقُولُ: أَمْهِلُونِي. فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ مَوَالِيهِ، فَشَتَمُوهُ وَقَالُوا لَهُ: يَا ابْنَ الْكَاهِلِيَّةِ لَتَأْتِيَنَّ الْأَمِيرَ أَوْ لَيَقْتُلَنَّكَ ! فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَرَبْتُ لِكَثْرَةِ الْإِرْسَالِ، فَلَا تُعَجِّلُونِي حَتَّى أَبْعَثَ إِلَى الْأَمِيرِ مَنْ يَأْتِينِي بِرَأْيِهِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَخَاهُ جَعْفَرَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، كُفَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّكَ قَدْ أَفْزَعْتَهُ وَذَعَرْتَهُ وَهُوَ يَأْتِيكَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمُرْ رُسُلَكَ فَلْيَنْصَرِفُوا عَنْهُ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ فَانْصَرَفُوا. خروج عبد الله بن الزبير إلى مكة وَخَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَخَذَ طَرِيقَ الْفُرْعِ هُوَ وَأَخُوهُ جَعْفَرٌ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ وَسَارَا نَحْوَ مَكَّةَ، فَسَرَّحَ الرِّجَالَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَرَجَعُوا وَتَشَاغَلُوا بِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ لَيْلَتَهُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ الرِّجَالَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَقَالَ لَهُمْ: أَصْبِحُوا ثُمَّ تَرَوْنَ وَنَرَى، وَكَانُوا يُبْقُونَ عَلَيْهِ، فَكَفُّوا عَنْهُ، فَسَارَ مِنْ لَيْلَتِهِ: وَكَانَ مَخْرَجُ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَبْلَهُ بِلَيْلَةٍ، وَأَخَذَ مَعَهُ بَنِيهِ وَإِخْوَتَهُ وَبَنِي أَخِيهِ وَجُلَّ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا أَخِي أَنْتَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ وَلَسْتُ أَذَّخِرُ النَّصِيحَةَ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، تَنَحَّ بِبَيْعَتِكَ عَنْ يَزِيدَ وَعَنِ الْأَمْصَارِ مَا اسْتَطَعْتَ وَابْعَثْ رُسُلَكَ إِلَى النَّاسِ وَادْعُهُمْ إِلَى نَفْسِكَ فَإِنْ بَايَعُوا لَكَ حَمِدْتَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى غَيْرِكَ لَمْ يَنْقُصِ اللَّهُ بِذَلِكَ دِينَكَ وَلَا عَقْلَكَ وَلَا تَذْهَبُ بِهِ مُرُوءَتُكَ وَلَا فَضْلُكَ، إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَأْتِيَ مِصْرًا وَجَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ فَيَخْتَلِفُوا عَلَيْكَ، فَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ مَعَكَ وَأُخْرَى عَلَيْكَ، فَيَقْتَتِلُونَ فَتَكُونُ لِأَوَّلِ الْأَسِنَّةِ، فَإِذَا خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلِّهَا نَفْسًا وَأَبًا وَأُمًّا أَضْيَعُهَا دَمًا وَأَذَلُّهَا أَهْلًا. قَالَ الْحُسَيْنُ: فَأَيْنَ أَذْهَبُ يَا أَخِي ؟ قَالَ: انْزِلْ مَكَّةَ فَإِنِ اطْمَأَنَّتْ بِكَ الدَّارُ فَبِسَبِيلِ ذَلِكَ، وَإِنْ نَأْتِ بِكَ لَحِقْتَ بِالرِّمَالِ وَشَعَفِ الْجِبَالِ وَخَرَجْتَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى تَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُ النَّاسِ، وَيَفْرُقَ لَكَ الرَّأْيُ، فَإِنَّكَ أَصْوَبُ مَا يَكُونُ رَأْيًا وَأَحْزَمُهُ عَمَلًا حِينَ تَسْتَقْبِلُ الْأُمُورَ اسْتِقْبَالًا، وَلَا تَكُونُ الْأُمُورُ عَلَيْكَ أَبَدًا أَشْكَلَ مِنْهَا حِينَ تَسْتَدْبِرُهَا. قَالَ: يَا أَخِي قَدْ نَصَحْتَ وَأَشْفَقْتَ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ رَأْيُكَ سَدِيدًا وَمُوَفَّقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بُقُولِ يَزِيدَ بْنِ مُفَرِّغٍ: لَا ذَعَرْتُ السَّوَامَ فِي شَفَقِ الصُّبْ حِ مُغِيرًا وَلَا دُعِيتُ يَزِيدَا     يَوْمَ أُعْطَى مِنَ الْمَهَانَةِ ضَيْمًا وَالْمَنَايَا يَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدَا خروج الحسين إلى مكة وَلَمَّا سَارَ الْحُسَيْنُ نَحْوَ مَكَّةَ قَرَأَ: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ الْآيَةَ. فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ قَرَأَ: وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ الْآيَةَ. ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ لِيُبَايِعَ فَقَالَ: إِذَا بَايَعَ النَّاسُ بَايَعْتُ، فَتَرَكُوهُ وَكَانُوا لَا يَتَخَوَّفُونَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَعَادَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَقِيَهُمَا الْحُسَيْنُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَسَأَلَاهُمَا: مَا وَرَاءَكُمَا ؟ فَقَالَا: مَوْتُ مُعَاوِيَةَ وَبَيْعَةُ يَزِيدَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا تُفَرِّقَا جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدِمَ هُوَ وَابْنُ عَبَّاسٍ الْمَدِينَةَ. فَلَمَّا بَايَعَ النَّاسُ بَايَعَا. قَالَ: وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مَكَّةَ وَعَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، فَلَمَّا دَخَلَهَا قَالَ: أَنَا عَائِذٌ بِالْبَيْتِ. وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي بِصَلَاتِهِمْ وَلَا يَفِيضُ بِإِفَاضَتِهِمْ، وَكَانَ يَقِفُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ نَاحِيَةً.

  106. التاريخ 2197لا حكم مسجّل

    عَزْلِ الْوَلِيدِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَوِلَايَةِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ   فِي هَذِهِ سنة ستين عُزِلَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ عَنِ الْمَدِينَةِ، عَزَلَهُ يَزِيدُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الْأَشْدَقَ، فَقَدِمَهَا فِي رَمَضَانَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَظِيمَ الْكِبَرِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ لِمَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْبَغْضَاءِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَضَرَبَهُمْ ضَرْبًا شَدِيدًا لِهَوَاهُمْ فِي أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، مِنْهُمْ: أَخُوهُ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَغَيْرُهُمْ، فَضَرَبَهُمُ الْأَرْبَعِينَ إِلَى الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِينَ. فَاسْتَشَارَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ فِيمَنْ يُرْسِلُهُ إِلَى أَخِيهِ. فَقَالَ: لَا تُوَجِّهْ إِلَيْهِ رَجُلًا أَنَكَأَ لَهُ مِنِّي. فَجَهَّزَ مَعَهُ النَّاسَ وَفِيهِمْ أُنَيْسُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ فِي سَبْعِمِائَةٍ، فَجَاءَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ لَهُ: لَا تَغْزُ مَكَّةَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُحِلَّ حُرْمَةَ الْبَيْتِ وَخَلُّوا ابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَدْ كَبِرَ وَلَهُ سِتُّونَ سَنَةً وَهُوَ لَجُوجٌ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ: وَاللَّهِ لَنَغْزُوَنَّهُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ مِنْ رَغِمَ. وَأَتَى أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ إِلَى عَمْرٍو فَقَالَ لَهُ: لَا تَغْزُ مَكَّةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّمَا أُذِنَ لِي بِالْقِتَالِ فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ عَادَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: نَحْنُ أَعْلَمُ بِحُرْمَتِهَا مِنْكَ أَيُّهَا الشَّيْخُ. فَسَارَ أُنَيْسٌ فِي مُقَدِّمَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ لِيُرْسِلَ عَمْرَو بْنَ الزُّبَيْرِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَفَعَلَ، فَأَرْسَلَهُ وَمَعَهُ جَيْشٌ نَحْوُ أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَنَزَلَ أُنَيْسٌ بِذِي طُوًى وَنَزَلَ عَمْرٌو بِالْأَبْطَحِ، فَأَرْسَلَ عَمْرٌو إِلَى أَخِيهِ: بِرَّ يَمِينَ يَزِيدَ، وَكَانَ حَلَفَ أَنْ لَا يَقْبَلَ بَيْعَتَهُ إِلَّا أَنْ يُؤْتِيَ بِهِ فِي جَامِعَةٍ، وَيُقَالُ: حَتَّى أَجْعَلَ فِي عُنُقِكَ جَامِعَةً مِنْ فِضَّةٍ لَا تُرَى، وَلَا يَضْرِبُ النَّاسُ بَعْضَهُمْ بَعْضًا فَإِنَّكَ فِي بَلَدٍ حَرَامٍ. فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ نَحْوَ أُنَيْسٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ مِمَّنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، فَهَزَمَهُ ابْنُ صَفْوَانَ بِذِي طُوًى وَأَجْهَزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَقَتَلَ أُنَيْسَ بْنَ عَمْرٍو وَسَارَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الزُّبَيْرِ، فَتَفَرَّقَ عَنْ عَمْرٍو أَصْحَابُهُ، فَدَخَلَ دَارَ ( ابْنِ ) عَلْقَمَةَ، فَأَتَاهُ أَخُوهُ عُبَيْدَةُ فَأَجَارَهُ، ثُمَّ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ عَمْرًا، فَقَالَ: أَتُجِيرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ ! هَذَا مَا لَا يَصْلُحُ وَمَا أَمَرْتُكَ أَنْ تُجِيرَ هَذَا الْفَاسِقَ الْمُسْتَحِلَّ لِحُرُمَاتِ اللَّهِ. ثُمَّ أَقَادَ عَمْرًا مِنْ كُلِّ مَنْ ضَرَبَهُ إِلَّا الْمُنْذِرَ وَابْنَهُ فَإِنَّهُمَا أَبَيَا أَنْ يَسْتَقِيدَا، وَمَاتَ تَحْتَ السِّيَاطِ.

  107. التاريخ 2198لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ستين حَجَّ بِالنَّاسِ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَكَانَ عَامِلَ يَزِيدَ عَلَى مَكَّةَ  وَالْمَدِينَةِ لَمَّا نَزَعَ يَزِيدُ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. فَحَجَّ عَمْرٌو بِالنَّاسِ حِينَئِذٍ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَأَعْمَالِهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ.

  108. التاريخ 2199لا حكم مسجّل

    وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ مُعَاوِيَةَ، ؓ  ، وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَيَّامِهِ، وَدَوْلَتِهِ، وَمَا وَرَدَ فِي مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ هُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَاتِبُ وَحْيِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. أَسْلَمَ مُعَاوِيَةُ عَامَ الْفَتْحِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَسْلَمْتُ يَوْمَ الْقَضِيَّةِ، وَلَكِنْ كَتَمْتُ إِسْلَامِي مِنْ أَبِي، ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ فَقَالَ لِي: هَذَا أَخُوكَ يَزِيدُ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ. فَقُلْتُ لَهُ: لَمْ آلُ نَفْسِي جُهْدًا. قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَإِنِّي لَمُصَدِّقٌ بِهِ، ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ عَامَ الْفَتْحِ أَظْهَرْتُ إِسْلَامِي، فَجِئْتُهُ فَرَحَّبَ بِي، وَكَتَبْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا، وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزَنَهَا لَهُ بِلَالٌ. وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَدْ يَكُونُ لَهُ شِرْكٌ فِي قَتْلِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي طَعَنَهُ وَحْشِيٌّ، وَجَلَّلَهُ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ بِالسَّيْفِ. وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَتَفَرَّدَ فِيهِمْ بِالسُّؤْدَدِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ حَسُنَ بَعْدَ ذَلِكَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ لَهُ مَوَاقِفُ شَرِيفَةٌ، وَآثَارٌ مَحْمُودَةٌ فِي يَوْمِ الْيَرْمُوكِ وَمَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ. وَصَحِبَ مُعَاوِيَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَتَبَ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْهِ  مَعَ الْكُتَّابِ، وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَغَيْرَهُمَا مِنَ " السُّنَنِ " وَ " الْمَسَانِيدِ "، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَينِ. صفات معاوية بن أبي سفيان قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: كَانَ مُعَاوِيَةُ طَوِيلًا أَبْيَضَ جَمِيلًا، إِذَا ضَحِكَ انْقَلَبَتْ شَفَتُهُ الْعُلْيَا، وَكَانَ يُخَضِّبُ. فعَنْ أَبِي عَبْدِ رَبٍّ قَالَ: رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ كَأَنَّهَا الذَّهَبُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا، أَجْلَحَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، يُخَضِّبُهُمَا بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَقَدْ أَصَابَتْهُ لَقْوَةٌ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَكَانَ يَسْتُرُ وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا دَعَا لِي بِالْعَافِيَةِ، فَقَدْ رُمِيتُ فِي أَحْسَنِي وَمَا يَبْدُو مِنِّي، وَلَوْلَا هَوَايَ فِي يَزِيدَ لَأَبْصَرْتُ رُشْدِي. وَكَانَ حَلِيمًا وَقُورًا رَئِيسًا سَيِّدًا فِي النَّاسِ، كَرِيمًا عَادِلًا شَهْمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَأَيْتُ هِنْدَ بِمَكَّةَ كَأَنَّ وَجْهَهَا فِلْقَةُ قَمَرٍ، وَخَلْفَهَا مِنْ عَجِيزَتِهَا مِثْلُ الرَّجُلِ الْجَالِسِ، وَمَعَهَا صَبِيٌّ يَلْعَبُ، فَمَرَّ رَجُلٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرَى غُلَامًا إِنْ عَاشَ لَيَسُودَنَّ قَوْمَهُ. فَقَالَتْ هِنْدُ: إِنْ لَمْ يَسُدْ إِلَّا قَوْمَهُ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ. وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. وعن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَيْفٍ قَالَ: نَظَرَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمًا إِلَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ غُلَامٌ، فَقَالَ لِهِنْدَ: إِنَّ ابَنِي هَذَا لَعَظِيمُ الرَّأْسِ، وَإِنَّهُ لَخَلِيقٌ أَنْ يَسُودَ قَوْمَهُ. فَقَالَتْ هِنْدُ: قَوْمَهُ فَقَطْ ؟ ! ثَكِلْتُهُ إِنْ لَمْ يَسُدِ الْعَرَبَ قَاطِبَةً. وَكَانَتْ هِنْدُ تَحْمِلُهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَتَقُولُ: إِنَّ بُنَيَّ مُعْرِقٌ كَرِيمُ مُحَبَّبٌ فِي أَهْلِهِ حَلِيمُ     لَيْسَ بِفَحَّاشٍ وَلَا لَئِيمُ وَلَا بِطُخْرُورٍ وَلَا سَئُومُ     صَخْرُ بَنِي فَهْرٍ بِهِ زَعِيمُ لَا يُخْلِفُ الظَّنَّ وَلَا يَخِيمُ قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى عُمَرُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ مَا وَلَّاهُ مِنَ الشَّامِ، خَرَجَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِهِنْدَ: كَيْفَ رَأَيْتِ صَارَ ابْنُكِ تَابِعًا لِابْنِي ؟ فَقَالَتْ: إِنِ اضْطَرَبَ حَبْلُ الْعَرَبِ فَسَتَعْلَمُ أَيْنَ يَقَعُ ابْنُكَ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ ابْنِي. تولية معاوية الشام فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ سَنَةَ بِضْعَ عَشْرَةَ، وَجَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى عُمَرَ بِمَوْتِهِ، رَدَّ عُمَرُ الْبَرِيدَ إِلَى الشَّامِ بِوِلَايَةِ مُعَاوِيَةَ مَكَانَ أَخِيهِ يَزِيدَ، ثُمَّ عَزَّى أَبَا سُفْيَانَ فِي ابْنِهِ يَزِيدَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ وَلَّيْتَ مَكَانَهُ ؟ قَالَ: أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَالَتْ هِنْدُ لِمُعَاوِيَةَ فِيمَا كَتَبَتْ بِهِ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ، إِنَّهُ قَلَّ أَنْ تَلِدَ حُرَّةٌ مِثْلَكَ، وَإِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدِ اسْتَنْهَضَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَاعْمَلْ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَحْبَبْتَ وَكَرِهْتَ. وَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ سَبَقُونَا وَتَأَخَّرْنَا، فَرَفَعَهُمْ سَبْقُهُمْ، وَقَصَّرَ بِنَا تَأَخُّرُنَا، فَصَارُوا قَادَةً، وَصِرْنَا أَتْبَاعًا، وَقَدْ وَلَّوْكَ جَسِيمًا مِنْ أُمُورِهِمْ فَلَا تُخَالِفْهُمْ، فَإِنَّكَ تَجْرِي إِلَى أَمَدٍ فَنَافِسْ فِيهِ، فَإِنْ بَلَغْتَهُ أَوْرَثَتْهُ عَقِبَكَ. فَلَمْ يَزَلْ مُعَاوِيَةُ نَائِبًا عَلَى الشَّامِ فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ وَالْعُثْمَانِيَّةِ مُدَّةَ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَافْتَتَحَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ جَزِيرَةَ قُبْرُسَ، وَسَكَنَهَا الْمُسْلِمُونَ قَرِيبًا مِنْ سِتِّينَ سَنَةً فِي أَيَّامِهِ وَمِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ تَزَلِ الْفُتُوحَاتُ وَالْجِهَادُ قَائِمًا عَلَى سَاقِهِ فِي أَيَّامِهِ فِي بِلَادِ الرُّومِ وَالْفِرِنْجِ وَغَيْرِهَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ مَا كَانَ، لَمْ يَقَعْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَتْحٌ بِالْكُلِّيَّةِ، لَا عَلَى يَدَيْهِ وَلَا عَلَى يَدَيْ عَلِيٍّ، وَطَمِعَ فِي مُعَاوِيَةَ مَلِكُ الرُّومِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ أَخْسَأَهُ وَأَذَلَّهُ، وَقَهَرَ جُنْدَهُ وَدَحَاهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَلِكُ الرُّومِ اشْتِغَالَ مُعَاوِيَةَ بِحَرْبِ عَلِيٍّ تَدَانَى إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ فِي جُنُودٍ عَظِيمَةٍ، وَطَمِعَ فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ وَتَرْجِعْ إِلَى بِلَادِكَ يَا لَعِينُ لَأَصْطَلِحَنَّ أَنَا وَابْنُ عَمِّي عَلَيْكَ وَلَأُخْرِجَنَّكَ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِكَ، وَلَأُضَيِّقَنَّ عَلَيْكَ الْأَرْضَ بِمَا رَحُبَتْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ خَافَ مَلِكُ الرُّومِ وَانْكَفَّ، وَبَعَثَ يَطْلُبُ الْهُدْنَةَ. ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ التَّحْكِيمِ  مَا كَانَ، وَكَذَلِكَ مَا بَعْدَهُ إِلَى وَقْتِ اصْطِلَاحِهِ مَعَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَانْعَقَدَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَاجْتَمَعَتِ الرَّعَايَا عَلَى بَيْعَتِهِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ كَمَا قَدَّمْنَا، فَلَمْ يَزَلْ مُسْتَقِلًّا بِالْأَمْرِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَفَاتُهُ، وَالْجِهَادُ فِي بِلَادِ الْعَدُوِّ قَائِمٌ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ عَالِيَةٌ، وَالْغَنَائِمُ تَرِدُ إِلَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فِي رَاحَةٍ وَعَدْلٍ وَصَفْحٍ وَعَفْوٍ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَلَاثٌ أَعْطِنِيهِنَّ. قَالَ: " نَعَمْ "  . قَالَ: تُؤَمِّرُنِي حَتَّى أُقَاتِلَ الْكُفَّارَ كَمَا كُنْتُ أُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: وَمُعَاوِيَةُ تَجْعَلُهُ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْكَ. قَالَ: " نَعَمْ ". وَذَكَرَ الثَّالِثَةَ، وَهُوَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُزَوِّجَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنَتِهِ الْأُخْرَى عَزَّةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ. وَاسْتَعَانَ عَلَى ذَلِكَ بِأُخْتِهَا أُمِّ حَبِيبَةَ، فَقَالَ: " إِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي ". معاوية كاتب وحي رسول الله وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْكُتَّابِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا جَاءَ إِلَّا إِلَيَّ. فَاخْتَبَأْتُ عَلَى بَابٍ، فَجَاءَنِي فَحَطَأَنِي حَطْأَةً ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ ". وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ. قَالَ: فَذَهَبْتُ فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّهُ يَأْكُلُ. فَقَالَ: " اذْهَبْ فَادْعُهُ ". فَأَتَيْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقِيلَ: إِنَّهُ يَأْكُلُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: " لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ ". قَالَ: فَمَا شَبِعَ بَعْدَهَا. وَقَدِ انْتَفَعَ مُعَاوِيَةُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ لَمَّا صَارَ فِي الشَّامِ أَمِيرًا، كَانَ يَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، يُجَاءُ بِقَصْعَةٍ فِيهَا لَحْمٌ كَثِيرٌ وَبَصَلٌ فَيَأْكُلُ مِنْهَا، وَيَأْكُلُ فِي الْيَوْمِ سَبْعَ أَكَلَاتٍ بِلَحْمٍ، وَمِنَ الْحَلْوَى وَالْفَاكِهَةِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشْبَعُ، وَإِنَّمَا أَعْيَى. وَهَذِهِ نِعْمَةٌ وَمَعِدَةٌ يَرْغَبُ فِيهَا كُلُّ الْمُلُوكِ. وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَقَدِ أَتْبَعَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ هُوَ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّمَا عَبْدٍ سَبَبْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ أَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ أَهْلًا، فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". فَرَكَّبَ مُسْلِمٌ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةً لِمُعَاوِيَةَ، وَلَمْ يُورِدْ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ مُعَاوِيَةَ السَّلَامَ، وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ; فَإِنَّهُ أَمِينُ اللَّهِ عَلَى كِتَابِهِ وَوَحْيِهِ، وَنِعْمَ الْأَمِينُ. وعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ دَقَّ الْبَابَ دَاقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " انْظُرُوا مَنْ هَذَا ". قَالُوا: مُعَاوِيَةُ. قَالَ: " ائْذَنُوا لَهُ ". فَدَخَلَ وَعَلَى أُذُنِهِ قَلَمٌ لَمْ يُخَطَّ بِهِ، فَقَالَ: " مَا هَذَا الْقَلَمُ عَلَى أُذُنِكَ يَا مُعَاوِيَةُ ؟ " قَالَ: قَلَمٌ أَعْدَدْتُهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ. فَقَالَ: " جَزَاكَ اللَّهُ عَنْ نَبِيِّكَ خَيْرًا، وَاللَّهِ مَا اسْتَكْتَبْتُكَ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَا أَفْعَلُ مِنْ صَغِيرَةٍ وَلَا كَبِيرَةٍ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، كَيْفَ بِكَ لَوْ قَمَّصَكَ اللَّهُ قَمِيصًا ؟ ". يَعْنِي الْخِلَافَةَ. فَقَامَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ، فَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ اللَّهَ مُقَمِّصُهُ قَمِيصًا ؟ ! قَالَ: " نَعَمْ، وَلَكِنْ فِيهِ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ وَهَنَاتٌ ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَقَالَ: " اللَّهُمَّ اهْدِهِ بِالْهُدَى، وَجَنِّبْهُ الرَّدَى، وَاغْفِرْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ". وعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَدْعُونَا إِلَى السَّحُورِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ: " هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ ". ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ، وَقِهِ الْعَذَابَ ". وعَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: لَمَّا عَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ عَنِ الشَّامِ، وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ، قَالَ النَّاسُ: عَزَلَ عُمَيْرًا وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ عُمَيْرٌ: لَا تَذْكُرُوا مُعَاوِيَةَ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ اهْدِ بِهِ ". تَفَرَّدَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: غَرِيبٌ فضل معاوية بن أبي سفيان وَأَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي فَضْلِ مُعَاوِيَةَ  حَدِيثُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ كَاتِبَ النَّبِيِّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمَ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ ". وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعَشَاءِ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وعن ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةَ ؟ مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ ! قَالَ: أَصَابَ، إِنَّهُ فَقِيهٌ. وعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهِمَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا. يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. وعن عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. فَقَالَ: " وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ". فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ  ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا ؟ قَالَ: " لَا، بِالْمَعْرُوفِ ". فَالْمِدْحَةُ فِي قَوْلِهِ: " وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ". وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ يَوَدُّ أَنَّ هِنْدَ وَأَهْلَهَا وَكُلَّ كَافِرٍ يَذِلُّوا فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعِزُّوا، فَأَعَزَّهُمُ اللَّهُ يَعْنِي أَهْلَ خِبَائِهَا. وعن أَبُو أُمَيَّةَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَدِّي يُحَدِّثُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَخَذَ الْإِدَاوَةَ بَعْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَتَبِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا - وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَدِ اشْتَكَى - فَبَيْنَمَا هُوَ يُوَضِّئُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذْ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: " يَا مُعَاوِيَةُ، إِنْ وُلِّيتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ ". قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي سَأُبْتَلَى بِعَمَلٍ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى ابْتُلِيتُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا رَاقَدٌ فِي كَنِيسَةِ يُوحَنَّا - وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَسْجِدٌ يُصَلَّى فِيهَا - إِذِ انْتَبَهْتُ مِنْ نَوْمِي، فَإِذَا أَنَا بِأَسَدٍ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَوَثَبْتُ إِلَى سِلَاحِي، فَقَالَ الْأَسَدُ: مَهْ، إِنَّمَا أُرْسِلْ?ُ إِلَيْكَ بِرِسَالَةٍ لِتُبَلِّغَهَا. قُلْتُ: وَمَنْ أَرْسَلَكَ ؟ قَالَ: اللَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِتُبَلِّغَ مُعَاوِيَةَ السَّلَامَ، وَتُعْلِمَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ مُعَاوِيَةُ ؟ قَالَ: مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا عُزِّيَتْ هِنْدُ فِي يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ - وَلَمْ يَكُنْ مِنْهَا - قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ قَدْ جَعَلَ مُعَاوِيَةَ أَمِيرًا مَكَانَهُ. فَقَالَتْ: أَوَ مِثْلُ مُعَاوِيَةَ يُجْعَلُ خَلَفًا مِنْ أَحَدٍ ؟ ! فَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْعَرَبَ اجْتَمَعَتْ مُتَوَافِرَةً، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِيهَا لَخَرَجَ مِنْ أَيِّ أَعْرَاضِهَا شَاءَ. وَقَالَ آخَرُونَ: ذُكِرَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: دَعُوا فَتَى قُرَيْشٍ وَابْنَ سَيِّدِهَا، إِنَّهُ لَمَنْ يَضْحَكُ فِي الْغَضَبِ وَلَا يُنَالُ مِنْهُ إِلَّا عَلَى الرِّضَا، وَمَنْ لَا يَأْخُذُ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ إِلَّا مِنْ تَحْتِ قَدْمَيْهِ. وعن عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَحْرٍ، عَنْ شَيْخٍ لَهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الشَّامَ تَلَقَّاهُ مُعَاوِيَةُ فِي مَوْكِبٍ عَظِيمٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ عُمَرَ قَالَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ الْمَوْكِبِ الْعَظِيمِ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَعَ مَا بَلَغَنِي مِنْ طُولِ وُقُوفِ ذَوِي الْحَاجَاتِ بِبَابِكَ ؟ قَالَ: مَعَ مَا بَلَغَكَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَلِمَ تَفْعَلُ هَذَا ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا بِأَرْضٍ جَوَاسِيسُ الْعَدُوِّ فِيهَا كَثِيرَةٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَظْهَرَ مَنْ عِزِّ السُّلْطَانِ مَا يُرْهِبُهُمْ بِهِ، فَإِنْ أَمَرْتَنِي فَعَلْتُ، وَإِنْ نَهَيْتَنِي انْتَهَيْتُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا مُعَاوِيَةُ، مَا سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا تَرَكْتَنِي فِي مِثْلِ رَوَاجِبِ الضِّرْسِ، لَئِنْ كَانَ مَا قُلْتَ حَقًّا، إِنَّهُ لَرَأْيُ أَرِيبٍ، وَلَئِنْ كَانَ بَاطِلًا إِنَّهُ لَخَدِيعَةُ أَدِيبٍ. قَالَ: فَمُرْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: لَا آمُرُكَ وَلَا أَنْهَاكَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَحْسَنَ مَا صَدَرَ الْفَتَى عَمَّا أَوْرَدْتَهُ فِيهِ ! فَقَالَ عُمَرُ: لِحُسْنِ مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ جَشَّمْنَاهُ مَا جَشَّمْنَاهُ. وعَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ أَبْيَضُ أَوْ أَبَضُّ النَّاسِ وَأَجْمَلُهُمْ، فَخَرَجَ إِلَى الْحَجِّ مَعَ عُمَرَ، فَكَانَ عُمَرُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَيُعْجَبُ لَهُ، ثُمَّ يَضَعُ أُصْبُعَهُ عَلَى مَتْنِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا عَنْ مِثْلِ الشِّرَاكِ، فَيَقُولُ: بَخٍ بَخٍ، نَحْنُ إِذًا خَيْرُ النَّاسِ ; أَنْ جُمِعَ لَنَا خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سَأُحَدِّثُكَ ; إِنَّا بِأَرْضِ الْحَمَّامَاتِ وَالرِّيفِ. فَقَالَ عُمَرُ: سَأُحَدِّثُكَ ; مَا بِكَ إِلْطَافُكَ نَفْسَكَ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ وَتَصَبُّحُكَ حَتَّى تَضْرِبَ الشَّمْسُ مَتْنَيْكَ، وَذَوُو الْحَاجَاتِ وَرَاءَ الْبَابِ. قَالَ: فَلَمَّا جِئْنَا ذَا طَوًى أَخْرَجَ مُعَاوِيَةُ حُلَّةً فَلَبِسَهَا، فَوَجَدَ عُمَرُ مِنْهَا رِيحًا كَأَنَّهُ رِيحُ طِيبٍ، فَقَالَ: يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ فَيَخْرُجُ حَاجًّا تَفِلًا، حَتَّى إِذَا جَاءَ أَعْظَمَ بُلْدَانَ اللَّهِ حُرْمَةً أَخْرَجَ ثَوْبَيْهِ كَأَنَّهُمَا كَانَا فِي الطِّيبِ فَلَبِسَهُمَا ! فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّمَا لَبِسْتُهُمَا لِأَدْخُلَ فِيهِمَا عَلَى عَشِيرَتِي أَوْ قَوْمِي. وَاللَّهِ لَقَدْ بَلَغَنِي أَذَاكَ هَاهُنَا وَبِالشَّامِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَقَدْ عَرَفْتُ الْحَيَاءَ فِيهِ. ثُمَّ نَزَعَ مُعَاوِيَةُ ثَوْبَيْهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ أَحْرَمَ فِيهِمَا. وعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيِّ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِذَا رَأَى مُعَاوِيَةَ قَالَ: هَذَا كِسْرَى الْعَرَبِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: دَخَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عُمَرَ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ خَضْرَاءُ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا الصَّحَابَةُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ وَثَبَ إِلَيْهِ بِالدِّرَّةِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِهَا، وَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهَ اللَّهَ فِيَّ. فَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: لِمَ ضَرَبْتَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا فِي قَوْمِكَ مِثْلُهُ ؟ ! فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا بَلَغَنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُهُ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ - فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَضَعَ مِنْهُ. بعض من مرويات معاوية بن أبي سفيان رُوِيَ لَهُ عَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِائَةُ حَدِيثٍ وَثَلَاثَةٌ وَسِتُّونَ حَدِيثًا. رَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَجَرِيرٌ الْبَجَلِيُّ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَمِنَ التَّابِعِينَ: ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُمَا. وعن أَبَا مَرْيَمَ الْأَزْدِيَّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فَلَانٍ ؟ - وَهِيَ كَلِمَةٌ تَقُولُهَا الْعَرَبُ - فَقُلْتُ: حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ ". قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. وعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى النَّاسِ، فَقَامُوا لَهُ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا  فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ". وعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّكَ إِنْ تَتَبَّعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ. أَوْ: كِدْتَ أَنْ تُفْسِدَهُمْ ". قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَلِمَةٌ سَمِعَهَا مُعَاوِيَةُ نَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا. تَفَرَّدَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ. يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ جَيِّدَ السِّيرَةِ، حَسَنَ التَّجَاوُزِ، جَمِيلَ الْعَفْوِ، كَثِيرَ السِّتْرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، بسنده عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ". فتوحات معاوية بن أبي سفيان وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فَتَحَ مُعَاوِيَةُ قَيْسَارِيَّةَ  سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ فِي دَوْلَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَفَتَحَ قُبْرُسَ سَنَةَ خَمْسٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ. وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ. فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ. قَالُوا: وَكَانَ عَامَ غَزْوَةِ الْمَضِيقِ - يَعْنِي مَضِيقَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ - فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ الْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ يَوْمَئِذٍ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، ؓ، وَجَمَعَ عُثْمَانُ لِمُعَاوِيَةَ جَمِيعَ الشَّامِ، وَقَدِ اسْتَقْضَى مُعَاوِيَةُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ، ما كان بين علي ومعاوية ؓ ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ بَعْدَ قَتَلِ عُثْمَانَ، عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا قِتَالٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ مَعَ عَلِيٍّ، وَمُعَاوِيَةُ مَعْذُورٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا  ، وَقَدْ شَهِدَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِالْإِسْلَامِ لِلْفَرِيقَيْنِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ; أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ " الصَّحِيحِ ": " تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَقْتُلُهَا أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ ". فَكَانَتِ الْمَارِقَةُ الْخَوَارِجَ، وَقَتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ قُتِلَ عَلِيٌّ، فَاسْتَقَلَّ مُعَاوِيَةُ بِالْأَمْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَكَانَ يَغْزُو الرُّومَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ ; مَرَّةً فِي الصَّيْفِ، وَمَرَّةً فِي الشِّتَاءِ، وَيَأْمُرُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ فَيَحُجُّ بِالنَّاسِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَحَجَّ ابْنُهُ يَزِيدُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَفِيهَا أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا أَغْزَاهُ بِلَادَ الرُّومِ، فَسَارَ مَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ كُبَرَاءِ الصَّحَابَةِ حَتَّى حَاصَرَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ ": " أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ  مَغْفُورٌ لَهُمْ ". وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ. وعَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ الْحَادِي يَحْدُو بِعُثْمَانَ فَيَقُولُ: إِنَّ الْأَمِيرَ بَعْدَهُ عَلِيُّ     وَفِي الزُّبَيْرِ خَلَفٌ مَرْضِيُّ فَقَالَ كَعْبٌ: بَلْ هُوَ صَاحِبُ الْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ. يَعْنِي مُعَاوِيَةَ. فَأَتَاهُ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، تَقُولُ هَذَا، وَهَاهُنَا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَأَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَقَالَ: أَنْتَ صَاحِبُهَا. وعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ عَلِيًّا حِينَ بَعَثَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ إِلَى مُعَاوِيَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ صِفِّينَ - وَذَلِكَ حِينَ عَزَمَ عَلِيٌّ عَلَى قَصْدِ الشَّامِ، وَجَمَعَ الْجُيُوشَ لِذَلِكَ - وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى مُعَاوِيَةَ يَذْكُرُ لَهُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ لَزِمَتْهُ بَيْعَتُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَإِنْ لَمْ تُبَايِعِ اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ وَقَاتَلْتُكَ. وَقَدْ أَكْثَرْتَ الْقَوْلَ فِي قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ، ثُمَّ حَاكِمِ الْقَوْمَ إِلَيَّ أَحْمِلْكَ وَإِيَّاهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ. فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ، فَقَرَأَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى النَّاسِ، وَقَامَ جَرِيرٌ فَخَطَبَ النَّاسَ، وَأَمَرَ فِي خُطْبَتِهِ مُعَاوِيَةَ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَحَذَّرَهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَنَهَاهُ عَنْ إِيقَاعِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَنْ يَضْرِبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسُّيُوفِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: انْتَظِرْ حَتَّى آخُذَ رَأْيَ أَهْلِ الشَّامِ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ مُنَادِيًا، فَنَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدَّعَائِمَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانًا، وَالشَّرَائِعَ لِلْإِيمَانِ بُرْهَانًا، يَتَوَقَّدُ مِصْبَاحُهُ بِالسَّنَةِ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مَحِلَّ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَحَلَّهَا أَهْلَ الشَّامِ وَرَضِيَهُمْ لَهَا، وَرَضِيَهَا لَهُمْ ; لِمَا سَبَقَ مِنْ مَكْنُونِ عِلْمِهِ مِنْ طَاعَتِهِمْ وَمُنَاصَحَتِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ فِيهَا، وَالْقُوَّامَ بِأَمْرِهِ، الذَّابِّينَ عَنْ دِينِهِ وَحُرُمَاتِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نِظَامًا، وَفِي أَعْلَامِ الْخَيْرِ عِظَامًا، يَرْدَعُ اللَّهُ بِهِمُ النَّاكِثِينَ، وَيَجْمَعُ بِهِمْ أُلْفَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهَ نَسْتَعِينُ عَلَى مَا تَشَعَّثَ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَبَاعَدَ بَيْنَهُمْ بَعْدَ الْقُرْبِ وَالْأُلْفَةِ، اللَّهُمَّ انْصُرْنَا عَلَى قَوْمٍ يُوقِظُونَ نَائِمًا، وَيُخِيفُونَ آمِنَنًا، وَيُرِيدُونَ هِرَاقَةَ دِمَائِنَا، وَإِخَافَةَ سَبِيلِنَا، وَقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّا لَا نُرِيدُ لَهُمْ عِقَابًا، وَلَا نَهْتِكُ لَهُمْ حِجَابًا، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ الْحَمِيدَ كَسَانَا مِنَ الْكَرَامَةِ ثَوْبًا لَنْ نَنْزِعَهُ طَوْعًا مَا جَاوَبَ الصَّدَى، وَسَقَطَ النَّدَى، وَعُرِفَ الْهُدَى، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى خِلَافِنَا الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ لَنَا، فَاللَّهَ نَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ، أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي خَلِيفَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَنِّي خَلِيفَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ عَلَيْكُمْ، وَأَنِّي لَمْ أُقِمْ رَجُلًا مِنْكُمْ عَلَى خِزَايَةٍ قَطُّ، وَأَنِّي وَلِيُّ عُثْمَانَ وَابْنُ عَمِّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [ الْإِسْرَاءِ: 33 ]. وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُعْلِمُونِي ذَاتَ أَنْفُسِكُمْ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ. فَقَالَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَجْمَعِهِمْ: بَلْ نَطْلُبُ بِدَمِهِ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَبَايَعُوهُ، وَوَثَّقُوا لَهُ أَنْ يَبْذُلُوا فِي ذَلِكَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، أَوْ يُدْرِكُوا بِثَأْرِهِ، أَوْ يُفْنِيَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى جَرِيرٌ مِنْ طَاعَةِ أَهْلِ الشَّامِ لِمُعَاوِيَةَ مَا رَأَى، أَفْزَعَهُ ذَلِكَ، وَعَجِبَ مِنْهُ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِجَرِيرٍ: إِنْ وَلَّانِي عَلَى الشَّامِ وَمِصْرَ بَايَعْتُهُ عَلَى أَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ عَلَيَّ بَيْعَةٌ. فَقَالَ: اكْتُبْ إِلَى عَلِيٍّ بِمَا شِئْتَ، وَأَنَا أَكْتُبُ مَعَكَ. فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا الْكِتَابُ قَالَ: هَذِهِ خَدِيعَةٌ، وَقَدْ سَأَلَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنْ أُوَلِّيَ مُعَاوِيَةَ الشَّامَ وَأَنَا بِالْمَدِينَةِ، فَأَبَيْتُ ذَلِكَ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا. ثُمَّ كَتَبَ إِلَى جَرِيرٍ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَمَا قَدِمَ إِلَّا وَقَدِ اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَى عَلِيٍّ، وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - وَكَانَ مُعْتَزِلًا بِفِلَسْطِينَ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ - وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ عَزَلَهُ عَنْ مِصْرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَسْتَدْعِيهِ لِيَسْتَشِيرَهُ فِي أُمُورِهِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ، فَاجْتَمَعَا عَلَى حَرْبِ عَلِيٍّ. وَقَدْ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فِي كِتَابِ مُعَاوِيَةَ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ سَأَلَهُ نِيَابَةَ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُؤَنِّبُهُ وَيَلُومُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيُعَرِّضُ بِأَشْيَاءَ فِيهِ: مُعَاوِيَ إِنَّ الشَّامَ شَامُكَ فَاعْتَصِمْ     بِشَامِكَ لَا تُدْخِلْ عَلَيْكَ الْأَفَاعِيَا وَحَامِ عَلَيْهَا بِالْقَبَائِلِ وَالْقَنَا     وَلَا تَكُ مَخْشُوشَ الذِّرَاعَيْنِ وَانِيَا فَإِنَّ عَلِيًّا نَاظِرٌ مَا تُجِيبُهُ     فَأَهْدِ لَهُ حَرْبًا تُشِيبُ النَّوَاصِيَا وَإِلَّا فَسَلِّمْ إِنَّ فِي الْأَمْنِ رَاحَةً     لِمَنْ لَا يُرِيدُ الْحَرْبَ فَاخْتَرْ مُعَاوِيَا وَإِنَّ كِتَابًا يَا ابْنَ حَرْبٍ كَتَبْتَهُ     عَلَى طَمَعٍ جَانٍ عَلَيْكَ الدَّوَاهِيَا سَأَلْتَ عَلِيًّا فِيهِ مَا لَا تَنَالُهُ     وَلَوْ نِلْتَهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا لَيَالِيَا إِلَى أَنْ تَرَى مِنْهُ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا     بَقَاءٌ فَلَا تُكْثِرْ عَلَيْكَ الْأَمَانِيَا وَمِثْلُ عَلِيٍّ تَغْتَرِرْهُ بِخَدْعَةٍ     وَقَدْ كَانَ مَا جَرَّبْتَ مِنْ قَبْلُ كَافِيَا وَلَوْ نَشِبَتْ أَظْفَارُهُ فِيكَ مَرَّةً     حَذَاكَ ابْنَ هِنْدَ بَعْدَ مَا كُنْتَ حَاذَيَا وَقَدْ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيَّ وَجَمَاعَةً مَعَهُ دَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ تُنَازِعُ عَلِيًّا أَمْ أَنْتَ مِثْلُهُ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنِّي وَأَفْضَلُ، وَأَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنِّي، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ، وَأَنَا أَطْلُبُ بِدَمِهِ، وَأَمْرُهُ إِلَيَّ ؟ فَقُولُوا لَهُ فَلْيُسَلِّمْ إِلَيَّ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَأَنَا أُسَلِّمُ لَهُ أَمْرَهُ. فَأَتَوْا عَلِيًّا، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِمْ أَحَدًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْقِتَالِ مَعَ مُعَاوِيَةَ. وعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَوْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ رَجُلًا إِلَى دِمَشْقَ يُنْذِرُهُمْ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ نَهَدَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَيْكُمْ ; لِيَسْتَعْلِمَ طَاعَتَهُمْ لِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ، أَمَرَ مُعَاوِيَةُ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فَمَلَئُوا الْمَسْجِدَ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ نَهَدَ إِلَيْكُمْ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَمَا الرَّأْيُ ؟ فَضَرَبَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى صَدْرِهِ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا رَفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَقَامَ ذُو الْكَلَاعِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عَلَيْكَ الرَّأْيُ وَعَلَيْنَا امْفِعَالٌ. يَعْنِي: الْفِعَالَ. ثُمَّ نَادَى مُعَاوِيَةُ فِي النَّاسِ أَنِ اخْرُجُوا إِلَى مُعَسْكَرِكُمْ فِي ثَلَاثٍ، فَمَنْ تَخَلَّفَ فَقَدْ أَحَلَّ بْنَفْسِهِ. فَاجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ، فَرَكِبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ مُنَادِيًا فَنَادَى: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فَاجْتَمَعُوا، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ جَمَعَ النَّاسَ لِحَرْبِكُمْ، فَمَا الرَّأْيُ ؟ فَقَالَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مَقَالَةً، وَاخْتَلَطَ كَلَامُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ، فَلَمْ يَدِرِ عَلِيٌّ مِمَّا قَالُوا شَيْئًا، فَنَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ذَهَبَ وَاللَّهِ بِهَا ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ. ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْفَرِيقَيْنِ بِصِفِّينَ مَا كَانَ. وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَقَدْ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الرِّكَابِ، وَهَمَمْتُ يَوْمَ صِفِّينَ بِالْهَزِيمَةِ، فَمَا مَنَعَنِي إِلَّا قَوْلُ ابْنِ الْإِطْنَابَةِ حَيْثُ يَقُولُ: أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي     وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ وَإِكْرَاهِي عَلَى الْمَكْرُوهِ نَفْسِي     وَضَرْبِي هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ     مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي وعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: الْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. فَقِيلَ لَهُ: فَمُعَاوِيَةُ ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ مِنْ عَلِيٍّ، وَرَحِمَ اللَّهُ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: مَا كَانَتْ فِي عَلِيٍّ خَصْلَةٌ تَقْصُرُ بِهِ عَنِ الْخِلَافَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مُعَاوِيَةَ خَصْلَةٌ يُنَازِعُ عَلِيًّا بِهَا. وَقِيلَ لِشَرِيكٍ الْقَاضِي: كَانَ مُعَاوِيَةُ حَلِيمًا ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِحَلِيمٍ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَقَاتَلَ عَلِيًّا. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ وَأَنَّهُ لَبَّى عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَقَالَ فِيهِ قَوْلًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا لَبَّى عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، فَتَرَكَهُ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ جَالِسَانِ عِنْدَهُ، فَسَلَّمْتُ وَجَلَسْتُ، فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ إِذْ أُتِيَ بَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، فَأُدْخِلَا بَيْتًا وَأُجِيفَ الْبَابُ وَأَنَا أَنْظُرُ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ خَرَجَ عَلِيٌّ وَهُوَ يَقُولُ: قُضِيَ لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. ثُمَّ مَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ يَقُولُ: غُفِرَ لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي أُبْغِضُ مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ قَاتَلَ عَلِيًّا. فَقَالَ لَهُ أَبُو زُرْعَةَ: وَيْحَكَ ! إِنَّ رَبَّ مُعَاوِيَةَ رَبٌّ رَحِيمٌ، وَخَصْمُ مُعَاوِيَةَ خَصْمٌ كَرِيمٌ، فَأَيْشِ دُخُولُكَ أَنْتَ بَيْنَهُمَا ؟ ! ؓ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، فَقَرَأَ: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ الْبَقَرَةِ: 134 ]. وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سُئِلَ الْحَسَنُ عَمَّا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ فَقَالَ: كَانَتْ لِهَذَا سَابِقَةٌ وَلِهَذَا سَابِقَةٌ، وَلِهَذَا قَرَابَةٌ وَلِهَذَا قَرَابَةٌ، فَابْتُلِيَ هَذَا وَعُوفِيَ هَذَا. وَسُئِلَ عَمَّا جَرَى بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ فَقَالَ: كَانَتْ لِهَذَا قَرَابَةٌ وَلِهَذَا قَرَابَةٌ، وَلِهَذَا سَابِقَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ لِهَذَا سَابِقَةٌ، فَابْتُلِيَا جَمِيعًا. المفاضلة علي ومعاوية وَقَالَ كُلْثُومُ بْنُ جَوْشَنٍ: سَأَلَ النَّضْرُ أَبُو عُمَرَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ أَمْ عَلِيٌّ ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَلَا سَوَاءَ، سَبَقَتْ لِعَلِيٍّ سَوَابِقُ شَرِكَهُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، وَأَحْدَثَ عَلِيٌّ أ?حْدَاثًا لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ، أَبُو بَكْرٍ أَفْضَلُ. فَقَالَ: فَعُمَرُ أَفْضَلُ أَمْ عَلِيٌّ ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: عُمَرُ أَفْضَلُ. ثُمَّ قَالَ: عُثْمَانُ أَفْضَلُ أَمْ عَلِيٌّ ؟ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: عُثْمَانُ أَفْضَلُ. قَالَ: فِعَلِيٌّ أَفْضَلُ أَمْ مُعَاوِيَةُ ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَلَا سَوَاءَ، سَبَقَتْ لِعَلِيٍّ سَوَابِقُ لَمْ يُشْرِكْهُ فِيهَا مُعَاوِيَةُ، وَأَحْدَثَ عَلِيٌّ أَحْدَاثًا شَرِكَهُ فِيهَا مُعَاوِيَةُ، عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ  . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَنْقِمُ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ ; قِتَالَهُ عَلِيًّا، وَقَتْلَهُ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ وَاسْتِلْحَاقَهُ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، وَمُبَايَعَتَهُ لِيَزِيدَ ابْنِهِ. وقع قتل علي بن أبي طالب على معاوية وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: لَمَّا جَاءَ خَبَرُ قَتْلِ عَلِيٍّ إِلَى مُعَاوِيَةَ جَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَتَبْكِيهِ وَقَدْ قَاتَلْتَهُ ؟ فَقَالَ: وَيْحَكِ ! إِنَّكِ لَا تَدْرِينَ مَا فَقَدَ النَّاسُ مِنَ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ وَالْعِلْمِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: بِالْأَمْسِ تُقَاتِلُهُ وَالْيَوْمَ تَبْكِيهِ ؟ ! قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مَقْتَلُ عَلِيٍّ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ كَمَا قَدَّمْنَا. تولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة وَلِهَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ بُويِعَ لَهُ بِإِيلِيَاءَ بَيْعَةَ الْجَمَاعَةِ، وَدَخَلَ الْكُوفَةَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْجُمْهُورُ ; أَنَّهُ بُويِعَ لَهُ بِإِيلِيَاءَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، حِينَ بَلَغَ أَهْلَ الشَّامِ مَقْتَلُ عَلِيٍّ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا دَخَلَ الْكُوفَةَ بَعْدَ مُصَالَحَةِ الْحَسَنِ لَهُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَهُوَ عَامُ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: أَذْرُحُ. وَقِيلَ: بِمَسْكِنَ. مِنْ أَرْضِ سَوَادِ الْعِرَاقِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَنْبَارِ، فَاسْتَقَلَّ مُعَاوِيَةُ بِالْأَمْرِ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ مُعَاوِيَةَ: لِكُلِّ عَمَلٍ ثَوَابٌ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ: لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا مُعَاوِيَةُ بِالنُّخَيْلَةِ - يَعْنِي خَارِجَ الْكُوفَةِ - الْجُمُعَةِ فِي الضُّحَى، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتَصُومُوا، وَلَا لِتُصَلُّوا، وَلَا لِتَحُجُّوا، وَلَا لِتُزَكُّوا، قَدْ عَرَفْتُ أَنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا قَاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ، فَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ ذَلِكَ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ عَمِلَ سَنَتَيْنِ عَمَلَ عُمَرَ مَا يَخْرِمُ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ بَعِدَ. وعن سُفْيَانُ بْنُ اللَّيْلِ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ: يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ مُعَاوِيَةُ. فَعَلِمْتُ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ وَاقِعٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ تُهْرَاقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ. وعَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ بَعْدَ مَا رَجَعَ مِنْ صِفِّينَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَكْرَهُوا إِمَارَةَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّكُمْ لَوْ فَقَدْتُمُوهُ رَأَيْتُمُ الرُّءُوسَ تَنْدُرُ عَنْ كَوَاهِلِهَا كَأَنَّهَا الْحَنْظَلُ. وعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَلَا تَعْجَبِينَ لِرَجُلٍ مِنَ الطُّلَقَاءِ يُنَازِعُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْخِلَافَةِ ؟ فَقَالَتْ: وَمَا تَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ ؟ هُوَ سُلْطَانُ اللَّهِ يُؤْتِيَهُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَقَدْ مَلَكَ فِرْعَوْنُ أَهْلَ مِصْرَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ. وعن الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يُرِيدُ الْحَجَّ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَكَلَّمَهَا خَالِيَيْنِ لَمْ يَشْهَدْ كَلَامَهُمَا أَحَدٌ إِلَّا ذَكْوَانُ أَبُو عَمْرٍو مَوْلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: أَمِنْتَ أَنْ أُخَبِّئَ لَكَ رَجُلًا يَقْتُلُكَ بِقَتْلِكَ أَخِي مُحَمَّدًا ؟ فَقَالَ: صَدَقْتِ. فَكَلَّمَهَا مُعَاوِيَةُ، فَلَمَّا قَضَى كَلَامَهُ مَعَهَا تَشَهَّدَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ ذَكَرَتْ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ مِنَ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ، وَالَّذِي سَنَّ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَحَضَّتْ مُعَاوِيَةَ عَلَى اتِّبَاعِ أَمْرِهِمْ، فَقَالَتْ فِي ذَلِكَ فَلَمْ تَتَّرِكْ، فَلَمَّا قَضَتْ مَقَالَتَهَا قَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ: أَنْتِ وَاللَّهِ الْعَالِمَةُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، النَّاصِحَةُ الْمُشْفِقَةُ الْبَلِيغَةُ الْمَوْعِظَةِ، حَضَضْتِ عَلَى الْخَيْرِ وَأَمَرْتِ بِهِ، وَلَمْ تَأْمُرِينَا إِلَّا بِالَّذِي هُوَ لَنَا، وَأَنْتِ أَهْلٌ أَنْ تُطَاعِي. وَتَكَلَّمَتْ هِيَ وَمُعَاوِيَةُ كَلَامًا كَثِيرًا. فَلَمَّا قَامَ مُعَاوِيَةُ اتَّكَأَ عَلَى ذَكْوَانَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ خَطِيبًا لَيْسَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَبْلَغَ مِنْ عَائِشَةَ. وعن عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَائِشَةَ أَنْ أَرْسِلِي إِلَيَّ بِأَنْبِجَانِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَعْرِهِ، فَأَرْسَلَتْ بِهِ مَعِي أَحْمِلُهُ، حَتَّى دَخَلْتُ بِهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ الْأَنْبِجَانِيَّةَ، فَلَبِسَهَا، وَأَخَذَ شَعْرَهُ فَدَعَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَهُ وَشَرِبَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى جِلْدِهِ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ عَامَ الْجَمَاعَةِ تَلَقَّتْهُ رِجَالٌ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّ نَصْرَكَ، وَأَعْلَى أَمْرَكَ. فَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ جَوَابًا حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَقَصَدَ الْمَسْجِدَ وَعَلَا الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا وَلِيتُ أَمْرَكُمْ حِينَ وَلِيتُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تُسَرُّونَ بِوِلَايَتِي وَلَا تُحِبُّونَهَا، وَإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ، وَلَكِنِّي خَالَسْتُكُمْ بِسَيْفِي هَذَا مُخَالَسَةً، وَلَقَدْ رُمْتُ نَفْسِي عَلَى عَمَلِ ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْهَا تَقُومُ بِذَلِكَ، وَأَرَدْتُهَا عَلَى عَمَلِ ابْنِ الْخَطَّابِ، فَكَانَتْ أَشَدَّ نُفُورًا، وَحَاوَلْتُهَا عَلَى مِثْلِ سُنَيَّاتِ عُثْمَانَ، فَأَبَتْ عَلَيَّ، وَأَيْنَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ ؟ ! هَيْهَاتَ أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ، رَحْمَةُ اللَّهِ وَرِضْوَانُهُ عَلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنِّي سَلَكْتُ بِهَا طَرِيقًا لِي فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَلَكُمْ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَلِكُلٍّ فِيهِ مُؤَاكَلَةٌ حَسَنَةٌ، وَمُشَارَبَةٌ جَمِيلَةٌ، مَا اسْتَقَامَتِ السِّيرَةُ وَحَسُنَتِ الطَّاعَةُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُونِي خَيْرَكُمْ فَأَنَا خَيْرٌ لَكُمْ، وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُ السَّيْفَ عَلَى مَنْ لَا سَيْفَ مَعَهُ، وَمَهْمَا تَقَدَّمَ مِمَّا قَدْ عَلِمْتُمُوهُ فَقَدْ جَعَلْتُهُ دَبْرَ أُذُنِي، وَإِنْ لَمْ تَجِدُونِي أَقُومُ بِحَقِّكُمْ كُلِّهِ فَارْضَوْا مِنِّي بِبَعْضِهِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِقَائِبَةِ قُوبِهَا، وَإِنَّ السَّيْلَ إِذَا جَاءَ تَتْرَى - وَإِنْ قَلَّ - أَغْنَى، وَإِيَّاكُمْ وَالْفِتْنَةَ فَلَا تَهُمُّوا بِهَا، فَإِنَّهَا تُفْسِدُ الْمَعِيشَةَ، وَتُكَدِّرُ النِّعْمَةَ، وَتُورِثُ الِاسْتِئْصَالَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْقَائِبَةُ: الْبَيْضَةُ، وَالْقُوبُ: الْفَرْخُ، قَابَتِ الْبَيْضَةُ تَقُوبُ إِذَا انْفَلَقَتْ عَنِ الْفَرْخِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْخُطْبَةَ كَانَتْ عَامَ حَجَّ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، أَوْ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ، لَا فِي عَامِ الْجَمَاعَةِ. أول حجة حجها معاوية بعد اجتماع الناس عليه وعَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ أَوَّلَ حَجَّةٍ حَجَّهَا بَعْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَتَوَجَّهَ إِلَى دَارِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَلَمَّا دَنَا إِلَى بَابِ الدَّارِ صَاحَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ عُثْمَانَ، وَنَدَبَتْ أَبَاهَا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِمَنْ مَعَهُ: انْصَرِفُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ فَإِنَّ لِي حَاجَةً فِي هَذِهِ الدَّارِ. فَانْصَرَفُوا وَدَخَلَ، فَسَكَّنَ عَائِشَةَ، وَأَمَرَهَا بِالْكَفِّ، وَقَالَ لَهَا: يَا بِنْتَ أَخِي، إِنَّ النَّاسَ أَعْطَوْنَا سُلْطَانًا فَأَظْهَرْنَا لَهُمْ حِلْمًا تَحْتَهُ غَضَبٌ، وَأَظْهَرُوا لَنَا طَاعَةً تَحْتَهَا حِقْدٌ، فَبِعْنَاهُمْ هَذَا، وَبَاعُونَا هَذَا، فَإِنْ أَعْطَيْنَاهُمْ غَيْرَ مَا اشْتَرَوْا شَحُّوا عَلَى حَقِّهِمْ، وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ شِيعَةٌ، وَهُوَ يَرَى مَكَانَ شِيعَتِهِمْ، فَإِنْ نَكَثْنَاهُمْ نَكَثُوا بِنَا، ثُمَّ لَا نَدْرِي أَتَكُونُ لَنَا الدَّائِرَةُ أَمْ عَلَيْنَا ؟ وَأَنْ تَكُونِي ابْنَةَ عُثْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكُونِي أَمَةً مِنْ إِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَنِعْمَ الْخَلَفُ أَنَا لَكِ بَعْدَ أَبِيكِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ غَازِيَةٌ تَغْزُو، حَتَّى كَانَ عَامُ الْجَمَاعَةِ فَأَغْزَا مُعَاوِيَةُ أَرْضَ الرُّومِ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً، تَذْهَبُ سَرِيَّةٌ فِي الصَّيْفِ وَتَشْتُو بِأَرْضِ الرُّومِ، ثُمَّ تَقْفِلُ وَتَعْقُبُهَا أُخْرَى، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَغَزَا ابْنُهُ يَزِيدُ، وَمَعَهُ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَجَازَ بِهِمُ الْخَلِيجَ، وَقَاتَلُوا أَهْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ عَلَى بَابِهَا، ثُمَّ قَفَلَ بِهِمْ. آخر ما أوصى به معاوية وَكَانَ آخِرَ مَا أَوْصَى بِهِ مُعَاوِيَةُ  أَنْ قَالَ: شُدُّوا خِنَاقَ الرُّومِ. ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَتْ أَيَّامُهُ عِشْرِينَ سَنَةً إِلَّا شَهْرًا. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: حَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَسَنَةَ خَمْسِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَعْدَ عُثْمَانَ أَقْضَى بِحَقٍّ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْبَابِ. يَعْنِي مُعَاوِيَةَ. وعن الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: سَلَّمْتُ عَلَيْهِ - فَقَالَ: مَا فَعَلَ طَعْنُكَ عَلَى الْأَئِمَّةِ يَا مِسْوَرُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: ارْفُضْنَا مِنْ هَذَا وَأَحْسِنْ فِيمَا قَدِمْنَا لَهُ. فَقَالَ: لَتُكَلِّمَنِّي بِذَاتِ نَفْسِكَ. قَالَ: فَلَمْ أَدَعْ شَيْئًا أَعِيبُهُ عَلَيْهِ إِلَّا أَخْبَرْتُهُ بِهِ. فَقَالَ: لَا بَرَاءَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَهَلْ لَكَ مِنْ ذُنُوبٍ تَخَافُ أَنْ تُهْلِكَكَ إِنْ لَمْ يَغْفِرْهَا اللَّهُ لَكَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا يَجْعَلُكَ أَحَقَّ بِأَنْ تَرْجُوَ الْمَغْفِرَةَ مِنِّي، فَوَاللَّهِ لَمَا أَلِيَ مِنَ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِي نُحْصِيهَا وَالَّتِي لَا نُحْصِيهَا أَكْثَرُ مِمَّا تَلِي، وَإِنِّي لَعَلَى دِينٍ يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهِ الْحَسَنَاتِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَوَاللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مَا كُنْتُ لِأُخَيَّرَ بَيْنَ اللَّهِ وَغَيْرِهِ إِلَّا اخْتَرْتُ اللَّهَ عَلَى مَا سِوَاهُ. قَالَ: فَفَكَّرْتُ حِينَ قَالَ لِي مَا قَالَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ خَصَمَنِي. قَالَ: فَكَانَ الْمِسْوَرُ إِذَا ذَكَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ. وعَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا أَنَا بِخَيْرِكُمْ، وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ; عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَغَيْرُهُمَا مَنَ الْأَفَاضِلِ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ أَكُونَ أَنْفَعَكُمْ وِلَايَةً، وَأَنْكَاكُمْ فِي عَدُوِّكُمْ، وَأَدَرَّكُمْ حَلْبًا. من خطب معاوية بن أبي سفيان وعن يُونُسُ بْنُ حَلْبَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، اعْقِلُوا قَوْلِي، فَلَنْ تَجِدُوا أَعْلَمَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنِّي، أَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ وَصُفُوفَكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَتُقِيمُنَّ وُجُوهَكُمْ وَصُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، خُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ، أَوْ لَيُسَلِّطُنَّهُمُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَلْيَسُومُنَّكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، تَصَدَّقُوا وَلَا يَقُولُنَّ الرَّجُلُ: إِنِّي مُقِلٌّ. فَإِنَّ صَدَقَةَ الْمُقِلِّ  أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ الْغَنِيِّ، وَإِيَّاكُمْ وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ  ، وَأَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: سَمِعْتُ. وَ: بَلَغَنِي. فَلَوْ قَذَفَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً عَلَى عَهْدِ نُوحٍ لَسُئِلَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. تواضع معاوية بن أبي سفيان كَانَ مُعَاوِيَةُ مُتَوَاضِعًا، لَيْسَ لَهُ مَجَالِدُ إِلَّا كَمَجَالِدِ الصِّبْيَانِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا الْمَخَارِيقَ، فَيَضْرِبُ بِهَا النَّاسَ. عَنْ وعن يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ مُعَاوِيَةَ فِي سُوقِ دِمَشْقَ وَهُوَ مُرْدِفٌ وَرَاءَهُ وَصِيفًا، عَلَيْهِ قَمِيصٌ مَرْقُوعُ الْجَيْبِ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي أَسْوَاقِ دِمَشْقَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ لَقُلْتُمْ: هَذَا الْمَهْدِيُّ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: قُلْتُ: وَلَا عُمَرَ ؟ قَالَ: كَانَ عُمَرُ خَيْرًا مِنْهُ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَسْوَدَ مِنْهُ. معاوية أول الملوك وعن ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ  . وعَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ وَآخِرُ خَلِيفَةٍ. قُلْتُ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يُقَالَ لِمُعَاوِيَةَ: مَلِكٌ. وَلَا يُقَالُ لَهُ: خَلِيفَةٌ  . لِحَدِيثِ سَفِينَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا ". حلم معاوية بن أبي سفيان وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمًا، وَذَكَرَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي حِلْمِهِ وَاحْتِمَالِهِ وَكَرَمِهِ. وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْظَمَ حِلْمًا، وَلَا أَكْثَرَ سُؤْدُدًا، وَلَا أَبَعْدَ أَنَاةً، وَلَا أَلْيَنَ مَخْرَجًا، وَلَا أَرْحَبَ بَاعًا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَسْمَعَ رَجُلٌ مُعَاوِيَةَ كَلَامًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ سَطَوْتَ عَلَيْهِ ! فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ يَضِيقَ حِلْمِي عَنْ أَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِي. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَحْلَمَكَ ! فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحْيِي أَنْ يَكُونَ جُرْمُ رَجُلٍ أَعْظَمَ مِنْ حِلْمِي. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ يَكُونَ ذَنْبٌ أَعْظَمَ مِنْ عَفْوِي، أَوْ جَهْلٌ أَكْبَرَ مِنْ حِلْمِي، أَوْ تَكُونَ عَوْرَةٌ لَا أُوَارِيهَا بِسَتْرِي. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ - وَالْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ - قَالَا: جَرَى بَيْنَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْجَهْمِ. وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ كَلَامٌ، فَتَكَلَّمَ أَبُو الْجَهْمِ بِكَلَامٍ فِيهِ غَمٌّ لِمُعَاوِيَةَ، فَأَطْرَقَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا أَبَا الْجَهْمِ، إِيَّاكَ وَالسُّلْطَانَ، فَإِنَّهُ يَغْضَبُ غَضَبَ الصِّبْيَانِ، وَيَأْخُذُ أَخْذَ الْأَسَدِ، وَإِنَّ قَلِيلَهُ يَغْلِبُ كَثِيرَ النَّاسِ. ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِمَالٍ، فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ فِي ذَلِكَ يَمْدَحُ مُعَاوِيَةَ: نَمِيلُ عَلَى جَوَانِبِهِ كَأَنَّا     إِذَا مِلْنَا نَمِيلُ عَلَى أَبِينَا نُقَلِّبُهُ لِنُخْبِرَ حَالَتَيْهِ     فَنُخْبَرُ مِنْهُمَا كَرَمًا وَلِينًا وَقَالَ الْأَعْمَشُ: طَافَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ الْحَسَنُ: مَا أَشْبَهَ أَلْيَتَيْهِ بِأَلْيَتَيْ هِنْدَ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ يُعْجِبُ أَبَا سُفْيَانَ. وَقَالَ ابْنُ أُخْتِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ فُلَانًا يَشْتُمُنِي. فَقَالَ لَهُ: تَطَأْطَأْ لَهَا تَمُرَّ فَتُجَاوِزَكَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: قَالَ رَجُلٌ لِمُعَاوِيَةَ: مَا رَأَيْتُ أَنْذَلَ مِنْكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: بَلَى، مَنْ وَاجَهَ الرِّجَالَ بِمِثْلِ هَذَا. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا يَسُرُّنِي بَدَلَ الْكَرَمِ حُمْرُ النَّعَمِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا بَنِي أُمَيَّةَ، قَارِبُوا قُرَيْشًا بِالْحِلْمِ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَلْقَى الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُوسِعُنِي شَتْمًا وَأَوْسِعُهُ حِلْمًا، فَأَرْجِعُ وَهُوَ لِي صَدِيقٌ، أَسْتَنْجِدُهُ فَيُنْجِدُنِي، وَأَثُورُ بِهِ فَيَثُورُ مَعِي، وَمَا رَفَعَ الْحِلْمُ عَنْ شَرِيفٍ شَرَفَهُ، وَلَا زَادَهُ إِلَّا كَرَمًا. وَقَالَ: آفَةُ الْحِلْمِ الذُّلُّ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَبْلُغُ الرَّجُلُ مَبْلَغَ الرَّأْيِ حَتَّى يَغْلِبَ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَصَبْرُهُ شَهْوَتَهُ، وَلَا يَبْلُغُ ذَلِكَ إِلَّا بِقُوَّةِ الْحِلْمِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِلَّهِ دَرُّ ابْنِ هِنْدَ، وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَنُفْرِقُهُ - وَمَا اللَّيْثُ عَلَى بَرَاثِنِهِ بِأَجْرَأَ مِنْهُ - فَيَتَفَارَقُ لَنَا، وَإِنْ كُنَّا لَنَخْدَعُهُ - وَمَا ابْنُ لَيْلَةٍ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِأَدْهَى مِنْهُ - فَيَتَخَادَعُ لَنَا، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّا مُتِّعْنَا بِهِ مَا دَامَ فِي هَذَا الْجَبَلِ حَجَرٌ. وَأَشَارَ إِلَى أَبِي قُبَيْسٍ. وَقَالَ رَجُلٌ لِمُعَاوِيَةَ: مَنْ أَسْوَدُ النَّاسِ ؟ فَقَالَ: أَسْخَاهُمْ نَفْسًا حِينَ يُسْأَلُ، وَأَحْسَنُهُمْ فِي الْمَجَالِسِ خُلُقًا، وَأَحْلَمُهُمْ حِينَ يُسْتَجْهَلُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ كَثِيرًا: فَمَا قَتَلَ السَّفَاهَةَ مِثْلُ حِلْمٍ     يَعُودُ بِهِ عَلَى الْجَهْلِ الْحَلِيمُ فَلَا تَسْفَهْ وَإِنْ مُلِّئْتَ غَيْظًا     عَلَى أَحَدٍ فَإِنَّ الْفُحْشَ لَوْمُ وَلَا تَقْطَعْ أَخًا لَكَ عِنْدَ ذَنْبٍ     فَإِنَّ الذَّنْبَ يَغْفِرُهُ الْكَرِيمُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ بِمَ غَلَبَ مُعَاوِيَةُ النَّاسَ، كَانُوا إِذَا طَارُوا وَقَعَ، وَإِذَا وَقَعُوا طَارَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى نَائِبِهِ زِيَادٍ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَسُوسَ النَّاسَ سِيَاسَةً وَاحِدَةً ; بِاللِّينِ فَيَمْرَحُوا، وَلَا بِالشِّدَّةِ فَنَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الْمَهَالِكِ، وَلَكِنْ كُنْ أَنْتَ لِلشِّدَّةِ وَالْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ، أَكُونُ أَنَا لِلِّينِ وَالْأُلْفَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَإِذَا خَافَ خَائِفٌ وَجَدَ بَابًا يَدْخُلُهُ. عطاء معاوية بن أبي سفيان وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: قَضَى مُعَاوِيَةُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ كَانَتْ عَلَيْهَا. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَفَرَّقَتْهَا مِنْ يَوْمِهَا، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا دِرْهَمٌ، فَقَالَتْ لَهَا خَادِمَتُهَا: هَلَّا أَبْقَيْتِ لَنَا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا. فَقَالَتْ: لَوْ أَذْكَرْتِنِي لَفَعَلْتُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ - وَهِيَ بِمَكَّةَ - بِطَوْقٍ قِيمَتُهُ مِائَةُ أَلْفٍ، فَقَبِلَتْهُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لَأُجِيزَنَّكَ بِجَائِزَةٍ لَمْ يُجِزْ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ. وَوَفَدَ إِلَيْهِ مَرَّةً الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَأَجَازَهُمَا عَلَى الْفَوْرِ بِمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَقَالَ لَهُمَا: مَا أَجَازَ بِهَا أَحَدٌ قَبْلِي. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَلَمْ تُعْطِ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنَّا. وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ الْمَرْوَانِيُّ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ: لِجُلَسَائِهِ: مَنْ أَخَذَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ. وَبَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَسَمَهَا عَلَى جُلَسَائِهِ، وَكَانُوا عَشَرَةً، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ عَشَرَةَ آلَافٍ. وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَاسْتَوْهَبَتْهَا مِنْهُ امْرَأَتُهُ، فَأَطْلَقَهَا لَهَا. وَبَعَثَ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَسَمَ مِنْهَا خَمْسِينَ أَلْفًا، وَحَبَسَ خَمْسِينَ أَلْفًا، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَفَرَّقَ مِنْهَا تِسْعِينَ أَلْفًا، وَاسْتَبْقَى عَشَرَةَ آلَافٍ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّهُ لَمُقْتَصِدٌ يُحِبُّ الِاقْتِصَادَ، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: لِمَ جِئْتَ بِهَا بِالنَّهَارِ ؟ هَلَّا جِئْتَ بِهَا بِاللَّيْلِ. ثُمَّ حَبَسَهَا عِنْدَهُ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهَا أَحَدًا شَيْئًا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّهُ لَخِبٌّ ضَبٌّ، كَأَنَّكَ بِهِ قَدْ رَفَعَ ذَنَبَهُ وَقُطِعَ. وَقَالَ ابْنُ دَابٍّ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ، وَيَقْضِي لَهُ مَعَهَا مِائَةَ حَاجَةٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ عَامًا، فَأَعْطَاهُ الْمَالَ، وَقَضَى لَهُ الْحَاجَاتِ، وَبَقِيَتْ مِنْهَا حَاجَةٌ وَاحِدَةٌ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ إِذْ قَدِمَ أَصْبَهْبَذُ سِجِسْتَانَ يَطْلُبُ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُمَلِّكَهُ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَوَعَدَ مَنْ قَضَى لَهُ هَذِهِ الْحَاجَةَ مِنْ مَالِهِ أَلْفَ أَلْفٍ، فَطَافَ عَلَى رُءُوسِ الْأُمَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَأُمَرَاءِ الْعِرَاقِ، مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فَكُلُّهُمْ يَقُولُونَ لَهُ: عَلَيْكَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. فَقَصَدَهُ الدِّهْقَانُ، فَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ جَعْفَرٍ مُعَاوِيَةَ، فَقَضَى حَاجَتَهُ تَكْمِلَةَ الْمِائَةِ حَاجَةٍ، وَأَمَرَ الْكَاتِبَ فَكَتَبَ لَهُ عَهْدَهُ، وَخَرَجَ بِهِ ابْنُ جَعْفَرٍ إِلَى الدِّهْقَانِ، فَسَجَدَ لَهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ: اسْجُدْ لِلَّهِ، وَاحْمِلْ مَالَكَ إِلَى مَنْزِلِكَ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نُتْبِعُ الْمَعْرُوفَ بِالْمَنِّ. فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ يَزِيدُ قَالَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ خَرَاجِ الْعِرَاقِ، أَبَتْ بَنُو هَاشِمٍ إِلَّا كَرَمًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ دَيْنٌ خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ غُرَمَاؤُهُ، فَاسْتَنْظَرَهُمْ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَيَسْأَلَهُ أَنْ يُسْلِفَهُ شَيْئًا مِنَ الْعَطَاءِ، فَرَكِبَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ يَا ابْنَ جَعْفَرٍ ؟ فَقَالَ: دَيْنٌ أَلَحَّ عَلِيَّ غُرَمَاؤُهُ. فَقَالَ: وَكَمْ هُوَ: قَالَ: خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ. فَقَضَاهَا عَنْهُ. وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَلْفَ أَلْفٍ سَتَأْتِيكَ فِي وَقْتِهَا. وعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا عَجَبًا لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ! شَرِبَ شَرْبَةَ عَسَلٍ يَمَانِيَّةً بِمَاءِ رُومَةَ فَقَضَى نَحْبَهُ. ثُمَّ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ وَلَا يُخْزِيكَ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِمُعَاوِيَةَ: لَا يُخْزِينِي اللَّهُ وَلَا يَسُوءُنِي مَا أَبْقَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَأَعْطَاهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَعُرُوضًا وَأَشْيَاءَ، وَقَالَ: خُذْهَا فَاقْسِمْهَا فِي أَهْلِكَ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَارِبٍ قَالَ: قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: أَيُّكُمْ كَانَ أَشْرَفَ ; أَنْتُمْ أَوْ بَنُو هَاشِمٍ ؟ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَشْرَافًا وَكَانُوا أَشْرَفَ وَاحِدًا ; لَمْ يَكُنْ فِي عَبْدِ مَنَافٍ مِثْلُ هَاشِمٍ، فَلَمَّا هَلَكَ كُنَّا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَكْثَرَ أَشْرَافًا، وَكَانَ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَلَمْ يَكُنْ فِينَا مِثْلُهُمْ، فَصِرْنَا أَكْثَرَ عَدَدًا وَأَكْثَرَ أَشْرَافًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وَاحِدٌ كَوَاحِدِنَا، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا كَقَرَارِ الْعَيْنِ حَتَّى جَاءَ شَيْءٌ لَمْ يَسْمَعِ الْأَوَّلُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَا يَسْمَعُ الْآخِرُونَ بِمِثْلِهِ ; مُحَمَّدٌ ﷺ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَصَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ مَنَامًا رَأَى فِيهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَهُمْ يُحَاسَبُونَ عَلَى مَا وُلُّوهُ فِي أَيَّامِهِمْ، وَرَأَى مُعَاوِيَةَ وَهُوَ مُوَكَّلٌ بِهِ رَجُلَانِ يُحَاسِبَانِهِ عَلَى مَا عَمِلَ فِي أَيَّامِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا رَأَيْتَ ثَمَّ دَنَانِيرَ مِصْرَ ؟ ! وعَنِ الْعُتْبِيِّ قَالَ: دَخَلَ عَمْرٌو عَلَى مُعَاوِيَةَ وَقَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابٌ فِيهِ تَعْزِيَةٌ لَهُ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ، فَاسْتَرْجَعَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَمُوتُ الصَّالِحُونَ وَأَنْتَ حَيٌّ     تَخَطَّاكَ الْمَنَايَا لَا تَمُوتُ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَتَرْجُو أَنْ أَمُوتَ وَأَنْتَ حَيٌّ     فَلَسْتُ بِمَيِّتٍ حَتَّى تَمُوتَ وَقَالَ ابْنُ السَّمَّاكِ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: كُلُّ النَّاسِ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُرْضِيَهُ إِلَّا حَاسِدَ نِعْمَةٍ ; فَإِنَّهُ لَا يُرْضِيَهُ إِلَّا زَوَالُهَا. وعَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ: الْمُرُوءَةُ فِي أَرْبَعٍ   ; الْعَفَافِ فِي الْإِسْلَامِ، وَاسْتِصْلَاحِ الْمَالِ، وَحِفْظِ الْإِخْوَانِ، وَحِفْظِ الْجَارِ  . من شعر معاوية بن أبي سفيان وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ الشِّعْرَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ قَالَ لَهُ أَهْلُهُ: قَدْ بَلَغْتَ الْغَايَةَ، فَمَاذَا تَصْنَعُ بِالشِّعْرِ ؟ فَارْتَاحَ يَوْمًا فَقَالَ سَرَحْتُ سَفَاهَتِي وَأَرَحْتُ حِلْمِي     وَفِيَّ عَلَى تَحَلُّمِيَ اعْتِرَاضُ عَلَى أَنِّي أُجِيبُ إِذَا دَعَتْنِي     إِلَى حَاجَاتِهَا الْحَدَقُ الْمِرَاضُ أوليات معاوية بن أبي سفيان وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ جَالِسًا مُعَاوِيَةُ حِينَ كَثُرَ شَحْمُهُ وَعَظُمَ بَطْنُهُ. وَكَذَا رَوَى مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ خَطَبَ جَالِسًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ  مُعَاوِيَةُ. وَقَالَ أَبُو الْمَلِيحِ، عَنْ مَيْمُونٍ: أَوَّلُ مَنْ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ مُعَاوِيَةُ، وَاسْتَأْذَنَ النَّاسَ فِي الْجُلُوسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ  مُعَاوِيَةُ. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: كَانَتْ أَبْوَابُ مَكَّةَ  لَا أَغْلَاقَ لَهَا، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ لَهَا الْأَبْوَابَ مُعَاوِيَةُ. وعَنِ الزُّهْرِيِّ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرِثَ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ، وَلَا الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ  ، وَأَوَّلُ مَنْ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ  مُعَاوِيَةُ، وَقَضَى بِذَلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ بَعْدَهُ، حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَرَاجَعَ السُّنَّةَ، وَأَعَادَ هِشَامٌ مَا قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ وَبَنُو أُمَيَّةَ مِنْ بَعْدِهِ. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ دِيَةَ الْمُعَاهَدِ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ  ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَوَّلَ مَنْ قَصَرَهَا إِلَى النِّصْفِ، وَأَخَذَ النِّصْفَ لِنَفْسِهِ. أقوال السلف في معاوية بن أبي سفيان وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: اسْمَعْ يَا زُهْرِيُّ، مَنْ مَاتَ مُحِبًّا لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَشَهِدَ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، وَتَرَحَّمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، كَانَ حَقِيقًا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُنَاقِشَهُ الْحِسَابَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمْدَهُ ". فَقَالَ خَلْفَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ؟ ! فَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ ؟ هُوَ أَمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؟ فَقَالَ: لَتُرَابٌ فِي مَنْخَرَيْ مُعَاوِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ وَأَفْضَلُ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: مُعَاوِيَةُ عِنْدَنَا مِحْنَةٌ فَمَنْ رَأَيْنَاهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ شَزْرًا اتَّهَمْنَاهُ عَلَى الْقَوْمِ. يَعْنِي الصَّحَابَةَ. وسُئِلَ الْمُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ أَيُّمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ أَمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؟ فَغَضِبَ وَقَالَ لِلسَّائِلِ: تَجْعَلُ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ مِثْلَ رَجُلٍ مِنَ التَّابِعِينِ ؟ ! مُعَاوِيَةُ صَاحِبُهُ وَصِهْرُهُ وَكَاتِبُهُ وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " دَعَوْا لِي أَصْحَابِي وَأَصْهَارِي، فَمَنْ سَبَّهُمْ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ". وَكَذَا قَالَ الْفَضْلُ بْنُ عَنْبَسَةَ. وَقَالَ أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ الْحَلَبِيُّ: مُعَاوِيَةُ سِتْرٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا كَشَفَ الرَّجُلُ السِّتْرَ اجْتَرَأَ عَلَى مَا وَرَاءَهُ. وَقَالَ الْمَيْمُونِيُّ: قَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِذَا رَأَيْتَ رَجُلًا يَذْكُرُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ. وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَنَقَّصَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ: أَيُقَالُ لَهُ رَافِضِيٌّ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَجْتَرِ عَلَيْهِمَا إِلَّا وَلَهُ خَبِيئَةُ سُوءٍ، مَا انْتَقَصَ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا وَلَهُ دَاخِلَةُ سُوءٍ. وعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَرَبَ إِنْسَانًا قَطُّ إِلَّا إِنْسَانًا شَتَمَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ ضَرَبَهُ أَسْوَاطًا. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: بَيْنَا أَنَا عَلَى جَبَلٍ بِالشَّامِ إِذْ سَمِعْتُ هَاتِفًا يَقُولُ: مَنْ أَبْغَضَ الصِّدِّيقَ فَذَاكَ زِنْدِيقٌ، وَمَنْ أَبْغَضَ عُمَرَ فَإِلَى جَهَنَّمَ زُمَرَ، وَمَنْ أَبْغَضَ عُثْمَانَ فَذَاكَ خَصْمُهُ الرَّحْمَنُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيَّ فَذَاكَ خَصْمُهُ النَّبِيُّ، وَمَنْ أَبْغَضَ مُعَاوِيَهْ، سَحَبَتْهُ الزَّبَانِيَهْ، إِلَى جَهَنَّمَ الْحَامِيَهْ، وَيُرْمَى بِهِ فِي الْهَاوِيَهْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا يَنْتَقِصُنَا. فَكَأَنَّهُ انْتَهَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَا أَنْتَقِصُ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ أَنْتَقِصُ هَذَا. يَعْنِي مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَيْلَكَ ! أَوَ لَيْسَ هُوَ مِنْ أَصْحَابِي ؟ ! قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَرْبَةً، فَنَاوَلَهَا مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: جَأْ بِهَا فِي لَبَّتِهِ. فَضَرَبَهُ بِهَا، وَانْتَبَهْتُ فَبَكَّرْتُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَإِذَا ذَلِكَ الرَّجُلُ قَدْ أَصَابَتْهُ الذَّبْحَةُ مِنَ اللَّيْلِ وَمَاتَ. وَهُوَ رَاشِدٌ الْكِنْدِيُّ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مُعَاوِيَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنَ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ، وَلَكِنِ ابْتُلِيَ بِحُبِّ الدُّنْيَا. بعض من سيرة وأخبار معاوية بن أبي سفيان وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: قِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ. فَقَالَ: كَيْفَ لَا وَلَا أَزَالُ أَرَى رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِي يُلْقِحُ لِي كَلَامًا يُلْزِمُنِي جَوَابَهُ، فَإِنْ أَصَبْتُ لَمْ أُحْمَدْ، وَإِنْ أَخْطَأْتُ سَارَتْ بِهَا الْبُرُدُ. وَذَكَرَ ابْنَ جَرِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدِمَ فِي وَفْدِ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُمْ فِي الطَّرِيقِ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَلَا تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ ; فَإِنَّهُ لَا يُحِبُّ ذَلِكَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو قَبْلَهُمْ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِحَاجِبِهِ: أَدْخِلْهُمْ. وَأَوْعَزَ إِلَيْهِ أَنْ يُخَوِّفَهُمْ فِي الدُّخُولِ وَيُرْعِبَهُمْ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَظُنُّ عَمْرًا قَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ. فَلَمَّا أَدْخَلُوهُمْ عَلَيْهِ - وَقَدْ أَهَانُوهُمْ - جَعَلَ أَحَدُهُمْ إِذَا دَخَلَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَّا نَهَضَ عَمْرٌو مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ ! نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَنْ تُسَلِّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فَسَلَّمْتُمْ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ ! وَذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنْ يُسَاعِدَهُ فِي بْناءِ دَارٍ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ جِذْعٍ مِنَ الْخَشَبِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ دَارُكَ ؟ قَالَ: بِالْبَصْرَةِ. وَكَمِ اتِّسَاعُهَا ؟ قَالَ: فَرْسَخَانِ فِي فَرْسَخَيْنِ. قَالَ: لَا تَقُلْ دَارِي بِالْبَصْرَةِ، وَلَكِنْ قُلِ الْبَصْرَةُ فِي دَارِي. وَذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بِابْنٍ مَعَهُ، فَجَلَسَا عَلَى سِمَاطِ مُعَاوِيَةَ، فَجَعَلَ وَلَدُهُ يَأْكُلُ أَكْلًا ذَرِيعًا، فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ يُلَاحِظُهُ، وَجَعَلَ أَبُوهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَا يَفْطِنُ، فَلَمَّا خَرَجَا لَامَهُ أَبُوهُ، وَقَطَعَهُ عَنِ الدُّخُولِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ ابْنُكَ التِّلْقَامَةُ ؟ قَالَ: اشْتَكَى. قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَكْلَهُ سَيُورِثُهُ دَاءً. قَالَ: وَنَظَرَ مُعَاوِيَةُ إِلَى رَجُلٍ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ يُخَاطِبُهُ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ، فَجَعَلَ يَزْدَرِيهِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ لَا تُخَاطِبُ الْعَبَاءَةَ، إِنَّمَا يُخَاطِبُكَ مَنْ فِيهَا. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَفْضَلُ النَّاسِ مَنْ عَقَلَ وَحَلُمَ ; مَنْ إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإِذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ، وَإِذَا غَضِبَ كَظَمَ، وَإِذَا قَدَرَ غَفَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَنْجَزَ، وَإِذَا أَسَاءَ اسْتَغْفَرَ. [مُحَاوَرَةُ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ لِسَيِّدِنَا مُعَاوِيَةَ ؓ ]   وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: (قَدِمَ جَارِيَةُ بْنُ قَدَامَةَ السَّعْدِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جَارِيَةُ بْنُ قَدَامَةَ، قَالَ: وَمَا عَسَيْتَ أَنْ تَكُونَ؟ هَلْ أَنْتَ إِلَّا نَحْلَةٌ؟ قَالَ: لَا تَفْعَلْ؛ فَقَدْ شَبَّهْتَنِي بِهَا حَامِيَةَ اللَّسْعَةِ، حُلْوَةَ الْبُسَاقِ، وَاللَّهِ مَا مُعَاوِيَةُ إِلَّا كَلْبَةٌ تُعَاوِي الْكِلَابَ، وَمَا أُمَيَّةُ إِلَّا تَصْغِيرُ أَمَةٍ). وَأُخْرِجَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: (وَفَدَ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَنْتَ السَّاعِي مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالْمُوقِدُ النَّارَ فِي شُعَلِكَ، تَجُوسُ قُرًى عَرَبِيَّةً تَسْفِكُ دِمَاءَهُمْ؟. قَالَ جَارِيَةُ: يَا مُعَاوِيَةُ؛ دَعْ عَنْكَ عَلِيًّا، فَمَا أَبْغَضْنَا عَلِيًّا مُنْذُ أَحْبَبْنَاهُ، وَلَا غَشَشْنَاهُ مُنْذُ نَصَحْنَاهُ. قَالَ: وَيْحَكَ يَا جَارِيَةُ!! مَا كَانَ أَهْوَنَكَ عَلَى أَهْلِكَ إِذْ سَمَّوْكَ جَارِيَةَ. قَالَ: أَنْتَ يَا مُعَاوِيَةُ كَنْتَ أَهْوَنَ عَلَى أَهْلِكَ؛ إِذْ سَمَّوْكَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: لَا أُمَّ لَكَ. قَالَ: أُمٌّ مَا وَلَدَتْنِي، إِنَّ قَوَائِمَ السُّيُوفِ الَّتِي لَقِينَاكَ بِهَا بِصَفِّينَ فِي أَيْدِينَا!! قَالَ: إِنَّكَ لَتُهَدِّدُنِي؟! قَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَمْلِكْنَا قَسْرَةً، وَلَمْ تَفْتَحْنَا عَنْوَةً، وَلَكِنْ أَعْطَيْتَنَا عُهُودًا وَمَوَاثِيقَ، فَإِنْ وَفَيْتَ لَنَا... وَفَيْنَا لَكَ، وَإِنْ تَرْغَبْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.. فَقَدْ تَرَكْنَا وَرَاءَنَا رَجُلًا مِدَادًا، وَأَذْرُعًا شِدَادًا، وَأَسِنَّةً حِدَادًا، فَإِنْ بَسَطْتَ إِلَيْنَا فَتْرًا مِنْ غَدْرٍ.. دَلَفْنَا إِلَيْكَ بِبَاعٍ مِنْ خُتَرٍ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِي النَّاسِ أَمْثَالَكَ). وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ الصَّحَابِيِّ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَلَسْتَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي مِمَّنْ حَضَرَهُ فَلَمْ يَنْصُرْهُ، قَالَ: وَمَا مَنَعَكَ مِنْ نَصْرِهِ؟ قَالَ: لَمْ يَنْصُرْهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا لَقَدْ كَانَ حَقُّهُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْصُرُوهُ، قَالَ: فَمَا مَنَعَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصْرِهِ وَمَعَكَ أَهْلُ الشَّامِ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا طَلَبِي بِدَمِهِ نُصْرَةً لَهُ؟! فَضَحِكَ أَبُو الطُّفَيْلِ ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ وَعُثْمَانُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَا أُلْفِيَنَّكَ بَعْدَ الْمَوْتِ تَنْدُبُنِي     وَفِي حَيَاتِيَ مَا زَوَّدْتَنِي زَادِي

  109. التاريخ 2200لا حكم مسجّل

    [قِصَّةُ أُمِّ مُعَاوِيَةَ وَزَوَاجِهَا بِأَبِي سُفْيَانَ ؓ ]   وَأَخْرَجَ الْخَرَائِطِيُّ فِي «الْهَوَاتِفِ» عَنْ حُمَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: (كَانَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ مِنْ فِتْيَانِ قُرَيْشٍ، وَكَانَ لَهُ بَيْتٌ لِلضِّيَافَةِ يَغْشَاهُ النَّاسُ مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، فَخَلَا الْبَيْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَامَ الْفَاكِهُ وَهِنْدٌ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ الْفَاكِهُ لِبَعْضِ حَاجَاتِهِ، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَغْشَى الْبَيْتَ؛ فَوَلَجَهُ، فَلَمَّا رَأَى الْمَرْأَةَ... وَلَّى هَارِبًا، فَأَبْصَرَهُ الْفَاكِهُ، فَانْتَهَى إِلَيْهَا فَضَرَبَهَا بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي كَانَ عِنْدَكِ؟! قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا وَلَا انْتَبَهْتُ حَتَّى أَنْبَهْتَنِي، فَقَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِكِ! وَتَكَلَّمَ فِيهَا النَّاسُ. فَخَلَا بِهَا أَبُوهَا فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ؛ إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِيكِ فَأَنْبِئِينِي بِذَاكَ، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ صَادِقًا... دَسَّيْتُ إِلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ فَتَنْقَطِعُ عَنَّا الْقَالَةُ، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا... حَاكَمْتُهُ إِلَى بَعْضِ كُهَّانِ الْيَمَنِ. قَالَ: فَحَلَفَتْ لَهُ بِمَا كَانُوا يَحْلِفُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُ كَاذِبٌ عَلَيْهَا. فَقَالَ عُتْبَةُ لِلْفَاكِهِ: إِنَّكَ قَدْ رَمَيْتَ ابْنَتِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَحَاكِمْنِي إِلَى بَعْضِ كُهَّانِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ الْفَاكِهُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، وَخَرَجَ عُتْبَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَمَعَهُمْ هِنْدٌ وَنِسْوَةٌ مَعَهَا تَأْنَسُ بِهِنَّ، فَلَمَّا شَارَفُوا الْبِلَادَ... تَنَكَّرَتْ حَالُ هِنْدٍ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهَا. فَقَالَ لَهَا أَبُوهَا: يَا بُنَيَّةُ؛ إِنِّي قَدْ أَرَى مَا بِكِ مِنْ تَغَيُّرِ الْحَالِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَكْرُوهٍ عِنْدَكِ؟! قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ يَا أَبَتَاهُ، وَمَا ذَاكَ لِمَكْرُوهٍ، وَلَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّكُمْ تَأْتُونَ بَشَرًا يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، فَلَا آمَنُهُ أَنْ يَسِمَنِي بِسِيمَا تَكُونُ عَلَيَّ سُبَّةً فِي الْعَرَبِ. فَقَالَ لَهَا: إِنِّي سَوْفَ أَخْتَبِرُهُ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَنْظُرَ فِي أَمْرِكِ، فَصَفَّرَ لِفَرَسِهِ حَتَّى أَدْلَى، ثُمَّ أَدْخَلَ فِي إِحْلِيلِهِ حَبَّةً مِنَ الْحِنْطَةِ، وَأَوْكَأَ عَلَيْهَا بِسَيْرٍ، وَصَبَّحُوا الْكَاهِنَ، فَنَحَرَ لَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ. فَلَمَّا تَغَدَّوْا... قَالَ لَهُ عُتْبَةُ: إِنَّا قَدْ جِئْنَاكَ فِي أَمْرٍ، وَقَدْ خَبَّأْتُ لَكَ خَبْئًا أَخْتَبِرُكَ بِهِ، فَانْظُرْ مَا هُوَ؟ قَالَ: بُرَّةٌ فِي كَمِرَةٍ، قَالَ: أُرِيدُ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا، قَالَ: حَبَّةٌ مِنْ بُرٍّ فِي إِحْلِيلِ مُهْرٍ. فَقَالَ عُتْبَةُ: صَدَقْتَ، انْظُرْ فِي أَمْرِ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ، فَجَعَلَ يَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ وَيَضْرِبُ كَتِفَهَا وَيَقُولُ: انْهَضِي حَتَّى دَنَا مِنْ هِنْدٍ، فَضَرَبَ كَتِفَهَا وَقَالَ: انْهَضِي غَيْرَ وَسْخَاءَ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَتَلِدَنَّ مَلِكًا يُقَالُ لَهُ: مُعَاوِيَةُ. فَنَظَرَ إِلَيْهَا الْفَاكِهُ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَنَثَرَتْ يَدَهَا مِنْ يَدِهِ، وَقَالَتْ: إِلَيْكَ، فَاللَّهِ لَأَحْرِصَنَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِكَ، فَتَزَوَّجَهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَجَاءَتْ بِمُعَاوِيَةَ).

  110. التاريخ 2201لا حكم مسجّل

    [مُعَاتَبَتُهُ لِلْأَنْصَارِ وَرَدُّهُمْ عَلَيْهِ ؓ   وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ، فَلَقِيَهُ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: تَلَقَّانِي النَّاسُ كُلُّهُمْ غَيْرَكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ لَنَا دَوَابٌّ، قَالَ: فَأَيْنَ النَّوَاضِحُ؟ قَالَ: عَقَرْنَاهَا فِي طَلَبِكَ وَطَلَبِ أَبِيكَ يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَنَا: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً»، قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَمَا أَمَرَكُمْ؟ قَالَ: أَمَرَنَا أَنْ نَصْبِرَ، قَالَ: فَاصْبِرُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فَقَالَ: أَلَا أَبْلِغْ مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَثَا كَلَامِي     فَإِنَّا صَابِرُونَ وَمُنْظِرُوكُمْ إِلَى يَوْمِ التَّغَابُنِ وَالْخِصَامِ

  111. التاريخ 2202لا حكم مسجّل

    أَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ  كَانَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، وَأُمُّهُمَا فَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا مُنْفَرِدَةً عَنْهَا بَعْدَهَا، وَهِيَ كَنُودُ بِنْتُ قَرَظَةَ، وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ مَعَهُ حِينَ افْتَتَحَ قُبْرُسَ، وَتَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ عُمَارَةَ الْكَلْبِيَّةَ، فَأَعْجَبَتْهُ، وَقَالَ لِمَيْسُونَ بِنْتِ بَحْدَلٍ: ادْخُلِي فَانْظُرِي إِلَى ابْنةِ عَمِّكِ، فَدَخَلَتْ فَسَأَلَهَا عَنْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهَا لَكَامِلَةُ الْجَمَالِ، وَلَكِنْ رَأَيْتُ تَحْتَ سُرَّتِهَا خَالًا، وَإِنِّي لَأُرَى هَذِهِ يُقْتَلُ زَوْجُهَا، وَيُوضَعُ رَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا. فَطَلَّقَهَا مُعَاوِيَةُ فَتَزَوُّجَهَا بَعْدَهُ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَقُتِلَ وَوُضِعَ رَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا. وَمِنْ أَشْهَرِ أَوْلَادِهِ يَزِيدُ، وَأُمُّهُ مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ دُلْجَةَ بْنِ قُنَافَةَ الْكَلْبِيِّ، وَهِيَ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى نَائِلَةَ، فَأَخْبَرَتْ مُعَاوِيَةَ عَنْهَا بِمَا أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ حَازِمَةً عَظِيمَةَ الشَّأْنِ جَمَالًا وَرِيَاسَةً وَعَقْلًا وَدِينًا، دَخَلَ عَلَيْهَا مُعَاوِيَةُ يَوْمًا وَمَعَهُ خَادِمٌ خَصِيٌّ، فَاسْتَتَرَتْ مِنْهُ، وَقَالَتْ: مَا هَذَا الرَّجُلُ مَعَكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ خَصِيٌّ، فَاظْهَرِي عَلَيْهِ. فَقَالَتْ: مَا كَانَتِ الْمُثْلَةُ لِتُحِلَّ لَهُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَحَجَبَتْهُ عَنْهَا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: إِنَّ مُجَرَّدَ مُثْلَتِكَ لَهُ لَنْ تُحِلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ وَلِيَ ابْنُهَا يَزِيدُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِيهِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مَيْسُونَ هَذِهِ وَلَدَتْ لِمُعَاوِيَةَ بِنْتًا أُخْرَى يُقَالُ لَهَا: أَمَةُ رَبِّ الْمَشَارِقِ. مَاتَتْ صَغِيرَةً. وَرَمْلَةُ، تَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، كَانَتْ دَارُهَا بِدِمَشْقَ عِنْدَ عَقَبَةِ السَّمَكِ تُجَاهَ زُقَاقِ الرُّمَّانِ. قَالَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، قَالَ: وَلَهَا طَاحُونٌ مَعْرُوفَةٌ إِلَى الْآنَ. وَهِنْدُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ، تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ بِالْخَضْرَاءِ، أَرَادَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَتَمَنَّعَتْ عَلَيْهِ، وَأَبَتْ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، فَضَرَبَهَا فَصَرَخَتْ، فَلَمَّا سَمِعَ الْجَوَارِيَ صَوْتَهَا صَرَخْنَ وَعَلَتْ أَصْوَاتُهُنَّ، فَسَمِعَ مُعَاوِيَةُ، فَنَهَضَ إِلَيْهِنَّ، فَاسْتَعْلَمَهُنَّ مَا الْخَبَرُ، فَقُلْنَ: سَمِعْنَا صَوْتَ سَيِّدَتِنَا فَصِحْنَا. فَدَخَلَ فَإِذَا بِهَا تَبْكِي مِنْ ضَرْبِهِ، فَقَالَ لِابْنِ عَامِرٍ: وَيْحَكَ ! مِثْلُ هَذِهِ تُضْرَبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ؟ ! ثُمَّ قَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ هَاهُنَا. فَخَرَجَ وَخَلَا بِهَا مُعَاوِيَةُ فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّهُ زَوْجُكِ الَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكِ، أَوَ مَا سَمِعْتِ قَوْلَ الشَّاعِرِ: مِنَ الْخَفِرَاتِ الْبِيضِ أَمَّا حَرَامُهَا فَصَعْبٌ وَأَمَّا حِلُّهَا فَذَلُولُ ثُمَّ خَرَجَ مُعَاوِيَةُ مِنْ عِنْدِهَا، وَقَالَ لِزَوْجِهَا: ادْخُلْ فَقَدْ مَهَّدْتُ لَكَ خُلُقَهَا وَوَطَّأْتُهُ، فَدَخَلَ ابْنُ عَامِرٍ، فَوَجَدَهَا قَدْ طَابَتْ أَخْلَاقُهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.

  112. التاريخ 2203لا حكم مسجّل

    ( فِيمَنِ اتَّخَذَهُمْ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْحِرَاسَةِ وَالْحِجَابَةِ وَالشُّرْطَةِ   ) وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ مُعَاوِيَةَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، ثُمَّ مَاتَ فَضَالَةُ فَوَلَّى أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ. وَكَانَ عَلَى حَرَسِهِ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ: الْمُخْتَارُ. وَقِيلَ: مَالِكٌ. وَيُكَنَّى أَبَا الْمُخَارِقِ، مَوْلًى لِحِمْيَرَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْحَرَسَ  ، وَكَانَ عَلَى حُجَّابِهِ سَعْدٌ مَوْلَاهُ، وَعَلَى الشُّرْطَةِ قَيْسُ بْنُ حَمْزَةَ، ثُمَّ زِمْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعُذْرِيُّ، ثُمَّ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ، وَكَانَ صَاحِبَ أَمْرِهِ سَرْجُونُ بْنُ مَنْصُورٍ الرُّومِيُّ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ دِيوَانَ الْخَاتَمِ وَخَزْمِ الْكُتُبِ. وكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَمَرَ لِعَمْرِو بْنِ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ إِلَى زِيَادٍ، فَفَتَحَ عَمْرٌو الْكِتَابَ وَصَيَّرَ الْمِائَةَ مِائَتَيْنِ، فَلَمَّا رَفَعَ زِيَادٌ حِسَابَهُ أَنْكَرَهَا مُعَاوِيَةُ وَطَلَبَهَا مِنْ عَمْرٍو وَحَبَسَهُ، فَقَضَاهَا عَنْهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَحْدَثَ عَنْهُ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ دِيوَانَ الْخَاتَمِ وَحَزَمَ الْكُتُبَ، وَلَمْ تَكُنْ تُحْزَمُ.

  113. التاريخ 2204لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ  خطبة معاوية بن أبي سفيان قبل مرضه خَطَبَ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ مَرَضِهِ وَقَالَ: إِنِّي كَزَرْعٍ مُسْتَحْصَدٍ وَقَدْ طَالَتْ إِمْرَتِي عَلَيْكُمْ حَتَّى مَلِلْتُكُمْ وَمَلِلْتُمُونِي وَتَمَنَّيْتُ فِرَاقَكُمْ وَتَمَنَّيْتُمْ فِرَاقِي، وَلَنْ يَأْتِيَكُمْ بَعْدِي إِلَّا مَنْ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، كَمَا أَنَّ مَنْ قَبْلِي كَانَ خَيْرًا مِنِّي، وَقَدْ قِيلَ: مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ لِقَاءَكَ فَأَحْبِبْ لِقَائِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ ! عهد معاوية إلى ابنه يزيد في مرضه وكان مُعَاوِيَةُ أَخَذَ عَلَى الْوَفْدِ الَّذِينَ وَفَدُوا إِلَيْهِ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْبَيْعَةَ لِابْنِهِ يَزِيدَ  ، وَعَهِدَ إِلَى ابْنِهِ يَزِيدَ حِينَ مَرِضَ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنِيَّ إِنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ الشَّدَّ وَالتَّرْحَالَ، وَوَطَّأْتُ لَكَ الْأُمُورَ، وَذَلَّلْتُ لَكَ الْأَعْدَاءَ، وَأَخْضَعْتُ لَكَ رِقَابَ الْعَرَبِ، وَجَمَعْتُ لَكَ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ أَحَدٌ، فَانْظُرْ أَهْلَ الْحِجَازِ فَإِنَّهُمْ أَصْلُكَ، وَأَكْرِمْ مَنْ قَدِمَ عَلَيْكَ مِنْهُمْ، وَتَعَاهَدَ مَنْ غَابَ، وَانْظُرْ أَهْلَ الْعِرَاقِ: فَإِنْ سَأَلُوكَ أَنْ تَعْزِلَ عَنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَامِلًا فَافْعَلْ، فَإِنَّ عَزْلَ عَامِلٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يُشْهَرَ عَلَيْكَ مِائَةُ أَلْفِ سَيْفٍ، وَانْظُرْ أَهْلَ الشَّامِ فَلْيَكُونُوا بِطَانَتَكَ وَعَيْبَتَكَ، فَإِنْ رَابَكَ مَنْ عَدُّوِكَ شَيْءٌ فَانْتَصِرْ بِهِمْ، فَإِذَا أَصَبْتَهُمْ فَارْدُدْ أَهْلَ الشَّامِ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ أَقَامُوا بِغَيْرِ بِلَادِهِمْ تَغَيَّرَتْ أَخْلَاقُهُمْ، وَإِنِّي لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ يُنَازِعَكَ فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ وَقَذَتْهُ الْعِبَادَةُ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرُهُ بَايَعَكَ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَهُوَ رَجُلٌ خَفِيفٌ وَلَنْ يَتْرُكَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ حَتَّى يُخْرِجُوهُ، فَإِنْ خَرَجَ وَظَفِرْتَ بِهِ فَاصْفَحْ عَنْهُ، فَإِنَّ لَهُ رَحِمًا مَاسَّةً وَحَقًّا عَظِيمًا وَقَرَابَةً مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَمَّا ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنْ رَأَى أَصْحَابَهُ صَنَعُوا شَيْئًا صَنَعَ مِثْلَهُ، لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا فِي النِّسَاءِ وَاللَّهْوِ، وَأَمَّا الَّذِي يَجْثِمُ لَكَ جُثُومَ الْأَسَدِ وَيُرَاوِغُكَ مُرَاوَغَةَ الثَّعْلَبِ فَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فُرْصَةٌ وَثَبَ فَذَاكَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَإِنْ هُوَ فَعَلَهَا بِكَ فَظَفِرْتَ بِهِ فَقَطِّعْهُ إِرَبًا إِرَبًا، وَاحْقِنْ دِمَاءَ قَوْمِكَ مَا اسْتَطَعْتَ. هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذُكِرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ قَدْ مَاتَ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ كَانَ غَائِبًا فِي مَرَضِ أَبِيهِ وَمَوْتِهِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ أَحْضَرَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ وَمُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُؤَدِّيَا عَنْهُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ إِلَى يَزِيدَ ابْنِهِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وفاة معاوية بن أبي سفيان ؓ كَتَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ؓ: إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلَادُهَا وَاضْطَرَبَتْ مِنْ كِبَرٍ أَعَضَادُهَا     وَجَعَلَتْ أَسْقَامُهَا تَعْتَادُهَا فَهِيَ زُرُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا فَقَالَ مُعَاوِيَةُ نَعَى إِلَيَّ نَفْسِي. عن حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ كُلْثُومٍ، أَنَّ آخِرَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ أَنْ قَالَ:وَيَا يَزِيدُ، إِذَا وَفَى أَجْلِي فَوَلِّ غُسْلِي رَجُلًا لَبِيبًا ; فَإِنَّ اللَّبِيبَ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ، فَلْيُنْعِمِ الْغُسْلَ وَلْيَجْهَرْ بِالتَّكْبِيرِ، ثُمَّ اعْمِدْ إِلَى مَنْدِيلٍ فِي الْخِزَانَةِ فِيهِ ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقُرَاضَةٌ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، فَاسْتَوْدِعِ الْقُرَاضَةَ أَنْفِي وَفَمِي وَأُذُنَيَّ وَعَيْنَيَّ، وَاجْعَلِ الثَّوْبَ يَلِي جِلْدِي دُونَ أَكْفَانِي، وَيَا يَزِيدُ، احْفَظْ وَصِيَّةَ اللَّهِ فِي الْوَالِدَيْنِ، فَإِذَا أَدْرَجْتُمُونِي فِي جَرِيدَتِي، وَوَضَعْتُمُونِي فِي حُفْرَتِي فَخَلُّوا مُعَاوِيَةَ وَأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا احْتُضِرَ مُعَاوِيَةُ جَعَلَ يَقُولُ: لَعَمْرِي لَقَدْ عُمِّرْتُ فِي الدَّهْرِ بُرْهَةً     وَدَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِوَقْعِ الْبَوَاتِرِ وَأُعْطِيتُ حُمْرَ الْمَالِ وَالْحُكْمَ وَالنُّهَى     وَسِلْمَ قَمَاقِيمِ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرِ فَأَضْحَى الَّذِي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي     كَحُلْمٍ مَضَى فِي الْمُزْمِنَاتِ الْغَوَابِرِ فَيَا لَيْتَنِي لَمْ أُعْنَ فِي الْمُلْكِ سَاعَةً     وَلَمْ أُعْنَ فِي لَذَّاتِ عَيْشٍ نَوَاضِرِ وَكُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ     مِنَ الْعَيْشِ حَتَّى زَارَ ضِيقَ الْمَقَابِرِ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا احْتُضِرَ أَوْصَى بْنصْفِ مَالِهِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُطَيَّبَ لَهُ ; لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَاسَمَ عُمَّالَهُ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ اشْتَدَّ بِهِ الْبَرْدُ، فَكَانَ إِذَا لَبِسَ أَوْ تَغَطَّى بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ يَغُمُّهُ، فَاتُّخِذَ لَهُ ثَوْبٌ مِنْ حَوَاصِلِ الطَّيْرِ، ثُمَّ ثَقُلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: تَبًّا لَكِ مِنْ دَارٍ، مَلَكْتُكِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ; عِشْرِينَ أَمِيرًا، وَعِشْرِينَ خَلِيفَةً، ثُمَّ هَذَا حَالِي فِيكِ، وَمَصِيرِي مِنْكِ، تَبًّا لِلدُّنْيَا وَمُحِبِّيهَا. وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ مُعَاوِيَةُ وَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنَّهُ بِالْمَوْتِ قَالَ لِأَهْلِهِ: احْشُوَا عَيْنَيَّ إِثْمِدًا، وَأَوْسِعُوا رَأْسِي دُهْنًا. فَفَعَلُوا وَبَرَّقُوا وَجْهَهُ بِالدُّهْنِ، ثُمَّ مُهِّدَ لَهُ فَجَلَسَ وَقَالَ: أَسْنَدُونِي. ثُمَّ قَالَ: ائْذَنُوا لِلنَّاسِ فَلْيُسَلِّمُوا عَلَيَّ قِيَامًا وَلَا يَجْلِسْ أَحَدٌ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ فَيُسَلِّمُ قَائِمًا فَيَرَاهُ مُتَكَحِّلًا مُتَدَهِّنًا، فَيَقُولُ مُتَقَوِّلُ النَّاسِ: هُوَ لَمًّا بِهِ، وَهُوَ أَصَحُّ النَّاسِ. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ مُعَاوِيَةُ: وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ     أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا     أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ قَالَ: وَكَانَ بِهِ الْتِفَاتَةٌ، يَعْنِي لَقْوَةً، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُقْبَةَ: لَمَّا نَزَلَ بِمُعَاوِيَةَ الْمَوْتَ قَالَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ بِذِي طَوًى وَلَمْ أَلِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ شَيْئًا. وَقَالَ أَبُو السَّائِبِ الْمَخْزُومِيُّ: لَمَّا حَضَرَتْ مُعَاوِيَةَ الْوَفَاةُ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رَبِّ     عَذَابًا لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ أَوْ تُجَاوِزْ تَجَاوُزَ الْعَفْوِ فَاصْفَحْ     عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا احْتُضِرَ مُعَاوِيَةُ جَعَلَ أَهْلُهُ يُقَلِّبُونَهُ فَقَالَ لَهُمْ: أَيَّ شَيْخٍ تُقَلِّبُونَ ؟ إِنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ غَدًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: جَعَلَ مُعَاوِيَةُ لَمَّا احْتُضِرَ يَضَعُ خَدًّا عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ، وَيَضَعُ الْخَدَّ الْآخَرَ، وَيَبْكِي وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ النِّسَاءِ: 48 ]. اللَّهُمَّ فَاجْعَلْنِي مِمَّنْ تَشَاءُ أَنْ تَغْفِرَ لَهُ. وَقَالَ الْعُتْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ: تَمَثَّلَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ مَوْتِهِ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ وَهُوَ فِي السِّيَاقِ: هُوَ الْمَوْتُ لَا مَنْجَى مِنَ الْمَوْتِ وَالَّذِي     نُحَاذِرُ بَعْدَ الْمَوْتِ أَدْهَى وَأَفْظَعُ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَقِلِ الْعَثْرَةَ، وَاعْفُ عَنِ الزَّلَّةِ، وَتَجَاوَزْ بِحِلْمِكَ عَنْ جَهْلِ مَنْ لَمْ يَرْجُ غَيْرَكَ، فَإِنَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ، لَيْسَ لِذِي خَطِيئَةٍ مِنْ خَطِيئَتِهِ مَهْرَبٌ إِلَّا إِلَيْكَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: اتَّقُوا اللَّهَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقِي مَنِ اتَّقَاهُ، وَلَا يَقِي مَنْ لَا يَتَّقِي. ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ صَعِدَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَأَكْفَانُ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَنَاءِ عَلَيْهِ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ الَّذِي كَانَ عَوْدَ الْعَرَبِ وَحَدَّ الْعَرَبِ، قَطَعَ اللَّهُ بِهِ الْفِتْنَةَ، وَمَلَّكَهُ عَلَى الْعِبَادِ، وَفَتَحَ بِهِ الْبِلَادَ، أَلَا إِنَّهُ قَدْ مَاتَ وَهَذِهِ أَكْفَانُهُ، فَنَحْنُ مُدْرِجُوهُ فِيهَا، وَمُدْخِلُوهُ قَبْرَهُ وَمُخَلُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمَلِهِ، ثُمَّ هُوَ الْبَرْزَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَشْهَدَهُ فَلْيَحْضُرْ عِنْدَ الْأُولَى. ثُمَّ نَزَلَ وَبَعَثَ الْبَرِيدَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ وَيَسْتَحِثُّهُ عَلَى الْمَجِيءِ. وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ، ؓ، تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ. فَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ. وَقِيلَ: لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ. قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: لِأَرْبَعٍ خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ. قَالَهُ اللَّيْثُ. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: لِمُسْتَهَلِّ رَجَبٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيُّ: صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ يَزِيدُ. وَقَدْ وَرَدَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي كَسَاهُ إِيَّاهُ، وَكَانَ مُدَّخَرًا عِنْدَهُ لِهَذَا الْيَوْمِ، وَأَنْ يَجْعَلَ مَا عِنْدَهُ مِنْ شَعْرِهِ وَقُلَامَةِ أَظْفَارِهِ فِي فَمِهِ وَأَنْفِهِ وَعَيْنَيْهِ وَأُذُنَيْهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ابْنُهُ يَزِيدُ غَائِبًا، فَصَلَّى عَلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِمَسْجِدِ دِمَشْقَ، ثُمَّ دُفِنَ فَقِيلَ: بِدَارِ الْإِمَارَةِ. وَهِيَ الْخَضْرَاءُ، وَقِيلَ: بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ ثَمَانِيًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: جَاوَزَ الثَّمَانِينَ. وَهُوَ الْأَشْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَكِبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ فِي جَيْشٍ، وَخَرَجَ لِيَتَلَقَّى يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ بِحُوَّارِينَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ تَلَقَّتْهُمْ أَثْقَالُ يَزِيدَ، وَإِذَا يَزِيدُ رَاكِبٌ عَلَى بُخْتِيٍّ وَعَلَيْهِ الْحُزْنُ ظَاهِرٌ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ النَّاسُ بِالْإِمَارَةِ، وَعَزَّوْهُ فِي أَبِيهِ، وَهُوَ يَخْفِضُ صَوْتَهُ فِي رَدِّهِ عَلَيْهِمْ، وَالنَّاسُ صَامِتُونَ لَا يَتَكَلَّمُ مَعَهُ إِلَّا الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، فَانْتَهَى إِلَى بَابِ تُومَاءَ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْخُلُ مِنْهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَجَازَهُ مَعَ السُّورِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، فَقِيلَ: يَدْخُلُ مِنْهُ. لِأَنَّهُ بَابُ خَالِدٍ، فَجَازَهُ حَتَّى أَتَى الْبَابَ الصَّغِيرَ، فَعَرَفَ النَّاسُ أَنَّهُ قَاصِدٌ قَبْرَ أَبِيهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَابِ الصَّغِيرِ تَرَجَّلَ عِنْدَ الْمَقْبَرَةِ، ثُمَّ دَخَلَ، فَصَلَّى عَلَى أَبِيهِ بَعْدَ مَا دُفِنَ، ثُمَّ انْفَتَلَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْمَقْبَرَةِ أَتَى بِمَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ، فَرَكِبَ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ أَنِ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. وَدَخَلَ الْخَضْرَاءَ، فَاغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابًا حَسَنَةً، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ النَّاسَ أَوَّلَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَنَاءِ عَلَيْهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبَضَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ خَيْرٌ مِمَّنْ بَعْدَهُ، وَدُونَ مَنْ قَبْلَهُ، وَلَا أُزَكِّيهِ عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، هُوَ أَعْلَمُ بِهِ، إِنْ عَفَا عَنْهُ فَبِرَحْمَتِهِ، وَإِنْ عَاقَبَهُ فَبِذَنْبِهِ، وَقَدْ وَلِيتُ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَسْتُ آسَى عَلَى طَلَبٍ، وَلَا أَعْتَذِرُ مِنْ تَفْرِيطٍ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ شَيْئًا كَانَ. وَقَالَ لَهُمْ فِي خُطْبَتِهِ هَذِهِ: وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُغْزِيكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَإِنِّي لَسْتُ حَامِلًا أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْبَحْرِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُشَتِّيكُمْ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَلَسْتُ مُشَتِّيًا أَحَدًا بِأَرْضِ الرُّومِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ يُخْرِجُ لَكُمُ الْعَطَاءَ أَثْلَاثًا، وَأَنَا أَجْمَعُهُ لَكُمْ كُلَّهُ. قَالَ: فَافْتَرَقَ النَّاسُ عَنْهُ وَهُمْ لَا يُفَضِّلُونَ عَلَيْهِ أَحَدًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ وَهُوَ مَرِيضٌ إِلَى ابْنِهِ يَزِيدَ، فَلَمَّا جَاءَهُ الْبَرِيدُ رَكِبَ وَهُوَ يَقُولُ: جَاءَ الْبَرِيدُ بِقِرْطَاسٍ يَخُبُّ بِهِ     فَأَوْجَسَ الْقَلْبُ مِنْ قِرْطَاسِهِ فَزَعًا قُلْنَا لَكَ الْوَيْلُ مَاذَا فِي صَحِيفَتِكُمْ     قَالَ الْخَلِيفَةُ أَمْسَى مُثْبَتًا وَجِعًا فَمَادَتِ الْأَرْضُ أَوْ كَادَتْ تَمِيدُ بِنَا     كَأَنَّ أَغْبَرَ مِنْ أَرْكَانِهَا انْقَلَعَا ثُمَّ انْبَعَثْنَا إِلَى خُوصٍ مُضَمَّرَةٍ     نَرْمِي الْفِجَاجَ بِهَا مَا نَأْتَلِي سُرَعًا فَمَا نُبَالِي إِذَا بَلَّغْنَ أَرْحُلَنَا     مَا مَاتَ مِنْهُنَّ بِالْمَوْمَاةِ أَوْ ظَلَعَا وَزَادَ غَيْرُهُ: لَمَّا انْتَهَيْنَا وَبَابُ الدَّارِ مُنْصَفِقٌ     بِصَوْتِ رَمْلَةَ رِيعَ الْقَلْبُ فَانْصَدَعَا مَنْ لَا تَزَلْ نَفْسُهُ تُوفِي عَلَى شَرَفٍ     تُوشِكُ مَقَادِيرُ تِلْكَ النَّفْسِ أَنْ تَقَعَا أَوْدَى ابْنُ هِنْدَ وَأَوْدَى الْمَجْدُ يَتْبَعُهُ     كَانَا جَمِيعًا خَلِيطًا سَالِمَيْنِ مَعَا أَغَرُّ أَبْلَجُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِهِ     لَوْ قَارَعَ النَّاسَ عَنْ أَحْلَامِهِمْ قَرَعَا لَا يَرْقَعُ النَّاسُ مَا أَوْهَى وَإِنْ جَهِدُوا     أَنْ يَرْقَعُوهُ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَرَقَ يَزِيدُ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ مِنَ الْأَعْشَى. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ دَخَلَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ دِمَشْقَ، وَأَنَّهُ أَوْصَى إِلَيْهِ. وَهَذَا قَدْ قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ يَزِيدَ لَمْ يَدْخُلْ دِمَشْقَ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَأَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ بِالنَّاسِ، كَمَا قَدَّمْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو الْوَرْدِ الْعَنْبَرِيُّ يَرْثِي مُعَاوِيَةَ، ؓ: أَلَا أَنْعَى مُعَاوِيَةَ بْنَ حَرْبٍ     نَعَاهُ الْحِلُّ لِلشَّهْرِ الْحَرَامِ نَعَاهُ النَّاعِجَاتُ بِكُلِّ فَجٍّ     خَوَاضِعَ فِي الْأَزِمَّةِ كَالسِّهَامِ فَهَاتِيكَ النُّجُومُ وَهُنَّ خُرْسٌ     يَنُحْنَ عَلَى مُعَاوِيَةَ الشَّآمِ وَقَالَ أَيْمَنُ بْنُ خُرَيْمٍ يَرْثِيهِ أَيْضًا: رَمَى الْحِدْثَانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ     بِمِقَدْارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودَا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضَا     وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ الْبِيضَ سُودَا فَإِنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ بُكَاءَ هِنْدَ     وَرَمْلَةَ إِذْ يُصَفِّقْنَ الْخُدُودَا بَكَيْتَ بُكَاءَ مُعْوِلَةٍ قَرِيحٍ     أَصَابَ الدَّهْرُ وَاحِدَهَا الْفَرِيدَا وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أَخَذَتِ ابْنَتُهُ رَمْلَةُ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهَا وَجَعَلَتْ تُفَلِّيهِ، فَقَالَ: إِنَّكِ لَتُفَلِّينَهُ حُوَّلًا قُلَّبًا، جَمَعَ الْمَالَ مِنْ شُبٍّ إِلَى دُبٍّ، فَلَيْتَهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ ! ثُمَّ تَمَثَّلَ: لَقَدْ سَعَيْتُ لَكُمْ مِنْ سَعْيِ ذِي نَصَبٍ     وَقَدْ كَفَيْتُكُمُ التَّطْوَافَ وَالرَّحَلَا وَبَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا يَفْرَحُونَ بِمَوْتِهِ، فَأَنْشَدَ: فَهَلْ مِنْ خَالِدٍ إِنْ مَا هَلَكْنَا     وَهَلْ بِالْمَوْتِ يَا لِلنَّاسِ عَارُ ؟ وَكَانَ فِي مَرَضِهِ رُبَّمَا اخْتَلَطَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَقَالَ مَرَّةً: كَمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْغُوطَةِ ؟ فَصَاحَتْ بِنْتُهُ: وَاحُزْنَاهُ ! فَأَفَاقَ فَقَالَ: إِنْ تَنْفِرِي فَقَدْ رَأَيْتِ مَنْفَرَا.

  114. التاريخ 2205لا حكم مسجّل

    مُرَاسَلَةِ الْكُوفِيِّينَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ لِيَسِيرَ إِلَيْهِمْ  وَقَتْلِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ   لَمَّا خَرَجَ الْحُسَيْنُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ لَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ فَقَالَ لَهُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ ! أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ: أَمَّا الْآنَ فَمَكَّةَ، وَأَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَخِيرُ اللَّهَ. قَالَ خَارَ اللَّهُ لَكَ وَجَعَلَنَا فِدَاكَ ! فَإِذَا أَتَيْتَ مَكَّةَ فَإِيَّاكَ أَنْ تَقْرَبَ الْكُوفَةَ فَإِنَّهَا بَلْدَةٌ مَشْئُومَةٌ، بِهَا قُتِلَ أَبُوكَ وَخُذِلَ أَخُوكَ وَاغْتِيلَ بِطَعْنَةٍ كَادَتْ تَأْتِي عَلَى نَفْسِهِ، الْزَمِ الْحَرَمَ فَإِنَّكَ سَيِّدُ الْعَرَبِ لَا يَعْدِلُ بِكَ أَهْلُ الْحِجَازِ أَحَدًا وَيَتَدَاعَى إِلَيْكَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، لَا تُفَارِقِ الْحَرَمَ، فِدَاكَ عَمِّي وَخَالِي ! فَوَاللَّهِ لَئِنْ هَلَكْتَ لَنُسْتَرَقَنَّ بَعْدَكَ. فَأَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ مَكَّةَ وَأَهْلُهَا مُخْتَلِفُونَ إِلَيْهِ وَيَأْتُونَهُ وَمَنْ بِهَا مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ وَأَهْلِ الْآفَاقِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَا قَدْ لَزِمَ جَانِبَ الْكَعْبَةِ فَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَهَا عَامَّةَ النَّهَارِ وَيَطُوفُ وَيَأْتِي الْحُسَيْنَ فِيمَنْ يَأْتِيهِ وَلَا يَزَالُ يُشِيرُ عَلَيْهِ بِالرَّأْيِ، وَهُوَ أَثْقَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ لَا يُبَايِعُونَهُ ( مَا دَامَ الْحُسَيْنُ بَاقِيًا ) بِالْبَلَدِ. وَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْكُوفَةِ مَوْتُ مُعَاوِيَةَ وَامْتِنَاعُ الْحُسَيْنِ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْبَيْعَةِ أَرَجَفُوا بِيَزِيدَ، وَاجْتَمَعَتِ الشِّيعَةُ فِي مَنْزِلِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ ( الْخُزَاعِيِّ، فَذَكَرُوا مَسِيرَ الْحُسَيْنِ إِلَى مَكَّةَ وَقَدْ كَثُرَ وُرُودُ الْكُتُبِ عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ يَدْعُونَهُ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُمْ مَوْتُ مُعَاوِيَةَ وَوِلَايَةُ يَزِيدَ، وَمَصِيرُ الْحُسَيْنِ إِلَى مَكَّةَ فِرَارًا مِنْ بَيْعَةِ يَزِيدَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبْعٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَالٍ، مَعَهُمَا كِتَابٌ فِيهِ السَّلَامُ وَالتَّهْنِئَةُ بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ، فَقَدِمَا عَلَى الْحُسَيْنِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ بَعَثُوا بَعْدَهُمَا نَفَرًا ; مِنْهُمْ قَيْسُ بْنُ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْكَوَّاءِ الْأَرْحَبِيُّ، وَعُمَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلُولِيُّ، وَمَعَهُمْ نَحْوٌ مَنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ كِتَابًا إِلَى الْحُسَيْنِ، ثُمَّ بَعَثُوا هَانِئَ بْنَ هَانِئٍ السَّبِيعِيَّ وَسَعِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيَّ، وَمَعَهُمَا كِتَابٌ فِيهِ الِاسْتِعْجَالُ فِي السَّيْرِ إِلَيْهِمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَحَجَّارُ بْنُ أَبْجَرَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ، وَعَزْرَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَمْرُو بْنُ حَجَّاجٍ الزُّبَيْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَقَدِ اخْضَرَّ الْجَنَابُ وَأَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَطَمَّتِ الْجِمَامُ، فَإِذَا شِئْتَ فَاقْدَمْ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. فَاجْتَمَعَتِ الرُّسُلُ كُلُّهَا بِكُتُبِهَا عِنْدَ الْحُسَيْنِ، وَجَعَلُوا يَسْتَحِثُّونَهُ وَيَسْتَقْدِمُونَهُ عَلَيْهِمْ، لِيُبَايِعُوهُ عِوَضًا عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ; وَيَذْكُرُونَ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُمْ فَرِحُوا بِمَوْتِ مُعَاوِيَةَ، وَيَنَالُونَ مِنْهُ وَيَتَكَلَّمُونَ فِي دَوْلَتِهِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يُبَايِعُوا أَحَدًا إِلَى الْآنَ، وَأَنَّهُمْ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَكَ إِلَيْهِمْ لِيُقَدِّمُوكَ عَلَيْهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِمُ الْحُسَيْنُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الْكُتُبِ عِنْدَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ فَهِمْتُ كُلَّ الَّذِي اقْتَصَصْتُمْ وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ أَخِي وَابْنَ عَمِّي وَثِقَتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَأَمَرْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيَّ بِحَالِكُمْ وَأَمْرِكُمْ وَرَأْيِكُمْ، فَإِنْ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ وَذَوِي الْحِجَى مِنْكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَدِمَتْ بِهِ رُسُلُكُمْ أَقْدَمُ إِلَيْكُمْ وَشِيكًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَعَمْرِي مَا الْإِمَامُ إِلَّا الْعَامِلُ بِالْكِتَابِ وَالْقَائِمُ بِالْقِسْطِ وَالدَّائِنُ بِدِينِ الْحَقِّ. وَالسَّلَامُ. قدوم يزيد بن نبيط وابناه على الحسين بمكة وَاجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ بِالْبَصْرَةِ فِي مَنْزِلِ امْرَأَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، وَكَانَتْ تَتَشَيَّعُ، وَكَانَ مَنْزِلُهَا لَهُمْ مَأْلَفًا يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ. فَعَزَمَ يَزِيدُ بْنُ نُبَيْطٍ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى الْحُسَيْنِ، وَهُوَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ لَهُ بَنُونَ عَشْرَةٌ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَخْرُجُ مَعِي ؟ فَخَرَجَ مَعَهُ ابْنَانِ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ، فَسَارُوا فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ ثُمَّ سَارُوا مَعَهُ فَقُتِلُوا مَعَهُ. ثُمَّ دَعَا الْحُسَيْنُ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ فَسَيَّرَهُ نَحْوَ الْكُوفَةِ وَأَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَكِتْمَانِ أَمْرِهِ وَاللُّطْفِ، فَإِنْ رَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ لَهُ عَجَّلَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ. فَأَقْبَلَ مُسْلِمٌ إِلَى الْمَدِينَةِ فَصَلَّى فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَدَّعَ أَهْلَهُ وَاسْتَأْجَرَ دَلِيلَيْنِ مِنْ قَيْسٍ، فَأَقْبَلَا بِهِ، فَضَلَّا الطَّرِيقَ وَعَطِشُوا، فَمَاتَ الدَّلِيلَانِ مِنَ الْعَطَشِ وَقَالَا لِمُسْلِمٍ: هَذَا الطَّرِيقُ إِلَى الْمَاءِ. فَكَتَبَ مُسْلِمٌ إِلَى الْحُسَيْنِ: إِنِّي أَقْبَلْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَاسْتَأْجَرْتُ دَلِيلَيْنِ فَضَلَّا الطَّرِيقَ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمَا الْعَطَشُ فَمَاتَا، وَأَقْبَلْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْمَاءِ فَلَمْ نَنْجُ إِلَّا بِحُشَاشَةِ أَنْفُسِنَا، وَذَلِكَ الْمَاءُ بِمَكَانٍ يُدْعَى الْمَضِيقُ مِنْ بَطْنِ الْخُبَيْتِ، وَقَدْ تَطَيَّرْتُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَعْفَيْتَنِي وَبَعَثْتَ غَيْرِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَكُونَ حَمَلَكَ عَلَى الْكِتَابِ إِلَيَّ إِلَّا الْجُبْنُ، فَامْضِ لِوَجْهِكَ، وَالسَّلَامُ. وصول مسلم بن عقيل الكوفة وخطبة النعمان بن بشير فَسَارَ مُسْلِمٌ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ وَنَزَلَ فِي دَارِ الْمُخْتَارِ، وَقِيلَ غَيْرُهَا، وَأَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، فَكُلَّمَا اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ قَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْحُسَيْنِ فَيَبْكُونَ وَيَعِدُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْقِتَالَ وَالنُّصْرَةَ، وَاخْتَلَفَتْ [ إِلَيْهِ ] الشِّيعَةُ حَتَّى عُلِمَ بِمَكَانِهِ وَبَلَغَ ذَلِكَ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَلَا تُسَارِعُو ا إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْفُرْقَةِ، فَإِنَّ فِيهِمَا تَهْلِكُ الرِّجَالُ وَتُسْفَكُ الدِّمَاءُ وَتُغْصَبُ الْأَمْوَالُ. وَكَانَ حَلِيمًا نَاسِكًا يُحِبُّ الْعَافِيَةَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَا أُقَاتِلُ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْنِي، وَلَا أَثِبُ عَلَى مَنْ لَا يَثِبُ عَلَيَّ، وَلَا أُنَبِّهُ نَائِمَكُمْ، وَلَا أَتَحَرَّشُ بِكُمْ، وَلَا آخُذُ بِالْقَرْفِ وَلَا الظِّنَّةِ وَلَا التُّهْمَةِ، وَلَكِنَّكُمْ إِنْ أَبْدَيْتُمْ صَفْحَتَكُمْ، وَنَكَثْتُمْ بَيْعَتَكُمْ، وَخَالَفْتُمْ إِمَامَكُمْ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَأَضْرِبَنَّكُمْ بِسَيْفِي مَا ثَبَتَ قَائِمُهُ بِيَدِي، وَ [ لَوْ ] لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ نَاصِرٌ وَلَا مُعِينٌ، أَمَا إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَنْ يَعْرِفُ الْحَقَّ مِنْكُمْ أَكْثَرَ مِمَّنْ يُرْدِيهِ الْبَاطِلُ. فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَضْرَمِيُّ حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُصْلِحُ مَا تَرَى إِلَّا الْغَشْمُ، إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ رَأْيُ الْمُسْتَضْعَفِينَ. فَقَالَ: أَكُونُ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْأَعَزِّينَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَنَزَلَ. فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ إِلَى يَزِيدَ يُخْبِرُهُ بِقُدُومِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ الْكُوفَةَ وَمُبَايَعَةِ النَّاسِ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ لَكَ فِي الْكُوفَةِ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيْهَا رَجُلًا قَوِيًّا يُنْفِذُ أَمْرَكَ وَيَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِكَ فِي عَدُوِّكَ، فَإِنَّ النُّعْمَانَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ أَوْ هُوَ يَتَضَعَّفُ. وَكَانَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ إِلَيْهِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَعَمْرُو بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ. فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْكُتُبُ عِنْدَ يَزِيدَ دَعَا سَرْجُونَ مَوْلَى مُعَاوِيَةَ فَأَقْرَأَهُ الْكُتُبَ وَاسْتَشَارَهُ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ الْكُوفَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ عَاتِبًا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ سَرْجُونُ: أَرَأَيْتَ لَوْ نُشِرَ لَكَ مُعَاوِيَةُ كَنْتَ تَأْخُذُ بِرَأْيِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَخْرِجْ عَهْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى الْكُوفَةِ. فَقَالَ: هَذَا رَأْيُ مُعَاوِيَةَ، وَمَاتَ وَقَدْ أَمَرَ بِهَذَا الْكِتَابِ. تولية يزيد عبيد الله بن زياد على الكوفة والبصرة فَأَخَذَ بِرَأْيِهِ وَجَمَعَ الْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِعَهْدِهِ وَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ مَعَ مُسْلِمِ بْنِ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ وَالِدِ قُتَيْبَةَ، فَأَمَرَهُ بِطَلَبِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ وَبِقَتْلِهِ أَوْ نَفْيِهِ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ أُمِرَ بِالتَّجَهُّزِ لِيَبْرُزَ مِنَ الْغَدِ. وَكَانَ الْحُسَيْنُ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ نُسْخَةً وَاحِدَةً إِلَى الْأَشْرَافِ، فَكَتَبَ إِلَى مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ الْبَكْرِيِّ، وَالْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَالْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ مَاتَتْ وَالْبِدْعَةَ قَدْ أُحْيِيَتْ، فَكُلُّهُمْ كَتَمُوا كِتَابَهُ إِلَّا الْمُنْذِرَ بْنَ الْجَارُودِ فَإِنَّهُ خَافَ أَنْ يَكُونَ دَسِيسًا مِنِ ابْنِ زِيَادٍ، فَأَتَاهُ بِالرَّسُولِ وَالْكِتَابِ فَضَرَبَ عُنُقَ الرَّسُولِ وَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ مَا بِي تُقْرَنُ الصَّعْبَةُ، وَمَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَإِنِّي لَنَكِلٌ لِمَنْ عَادَانِي وَسَهْمٌ لِمَنْ حَارَبَنِي، وَأَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا، يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّانِي الْكُوفَةَ وَأَنَا غَادٍ إِلَيْهَا بِالْغَدَاةِ وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَيْكُمْ أَخِي عُثْمَانَ بْنَ زِيَادٍ، فَإِيَّاكُمْ وَالْخِلَافَ وَالْإِرْجَافَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ خِلَافٌ لَأَقْتُلَنَّهُ وَعَرِيفَهُ وَوَلِيَّهُ، وَلَآخُذَنَّ الْأَدْنَى بِالْأَقْصَى، حَتَّى تَسْتَقِيمُوا وَلَا يَكُونَ فِيكُمْ مُخَالِفٌ وَلَا مُشَاقٌّ، وَإِنِّي أَنَا ابْنُ زِيَادٍ أَشْبَهْتُهُ مِنْ بَيْنِ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى فَلَمْ يَنْتَزِعْنِي شَبَهُ خَالٍ وَلَا ابْنُ عَمٍّ. ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَمَعَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ وَشَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيُّ وَحَشَمُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَكَانَ شَرِيكٌ شِيعِيًّا، وَقِيلَ: كَانَ مَعَهُ خَمْسُمِائَةٍ فَتَسَاقَطُوا عَنْهُ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ سَقَطَ شَرِيكٌ، وَرَجَوْا أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِمْ وَيَسْبِقَهُ الْحُسَيْنُ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ وَحْدَهُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ بِالْمَجَالِسِ فَلَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ فَيَقُولُونَ: مَرْحَبًا بِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ! وَهُوَ لَا يُكَلِّمُهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّاسُ مِنْ دُورِهِمْ، فَسَاءَهُ مَا رَأَى مِنْهُمْ، وَسَمِعَ النُّعْمَانُ فَأَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ، وَانْتَهَى إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ وَمَعَهُ الْخَلْقُ يَصِيحُونَ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَلَّا تَنَحَّيْتَ عَنِّي ! فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِمُسْلِمٍ إِلَيْكَ أَمَانَتِي وَمَا لِي فِي قِتَالِكَ مِنْ حَاجَةٍ ! فَدَنَا مِنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقَالَ لَهُ: افْتَحْ لَا فَتَحْتَ ! فَسَمِعَهَا إِنْسَانٌ خَلْفَهُ فَرَجَعَ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ. فَفَتَحَ لَهُ النُّعْمَانُ فَدَخَلَ، وَأَغْلَقُوا الْبَابَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَأَصْبَحَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقِيلَ: بَلْ خَطَبَهُمْ مِنْ يَوْمِهِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَّانِي مِصْرَكُمْ وَثَغْرَكُمْ وَفَيْئَكُمْ، وَأَمَرَنِي بِإِنْصَافِ مَظْلُومِكُمْ، وَإِعْطَاءِ مَحْرُومِكُمْ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى سَامِعِكُمْ وَمُطِيعِكُمْ، وَبِالشِّدَّةِ عَلَى مُرِيبِكُمْ وَعَاصِيكُمْ، وَأَنَا مُتَّبِعٌ فِيكُمْ أَمْرَهُ، وَمُنَفِّذٌ فِيكُمْ عَهْدَهُ، فَأَنَا لِمُحْسِنِكُمْ كَالْوَالِدِ الْبَرِّ، وَلِمُطِيعِكُمْ كَالْأَخِ الشَّقِيقِ، وَسَيْفِي وَسَوْطِي عَلَى مَنْ تَرَكَ أَمْرِي وَخَالَفَ عَهْدِي، فَلْيُبْقِ امْرُؤٌ عَلَى نَفْسِهِ. ثُمَّ نَزَلَ فَأَخَذَ الْعُرَفَاءَ وَالنَّاسَ أَخْذًا شَدِيدًا وَقَالَ: اكْتُبُوا إِلَيَّ الْغُرَبَاءَ وَمَنْ فِيكُمْ مِنْ طَلِبَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ فِيكُمْ مِنَ الْحَرُورِيَّةِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ الَّذِينَ رَأْيُهُمُ الْخِلَافُ وَالشِّقَاقُ، فَمَنْ كَتَبَهُمْ إِلَيَّ فَبَرِيءٌ، وَمَنْ لَمْ يَكْتُبْ لَنَا أَحَدًا فَلْيَضْمَنْ لَنَا مَا فِي عَرَافَتِهِ أَنْ لَا يُخَالِفَنَا فِيهِمْ مُخَالِفٌ وَلَا يَبْغِي عَلَيْنَا مِنْهُمْ بَاغٍ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَبَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ وَحَلَّالُ لَنَا دَمُهُ وَمَالُهُ، وَأَيُّمَا عَرِيفٍ وُجِدَ فِي عَرَافَتِهِ مِنْ بُغْيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَحَدٌ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْنَا صُلِبَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَأُلْقِيَتْ تِلْكَ الْعَرَافَةُ مِنَ الْعَطَاءِ وَسُيِّرَ إِلَى مَوْضِعٍ بِعُمَانَ الزَّارَةِ. ثُمَّ نَزَلَ. وَسَمِعَ مُسْلِمٌ بِمَقَالَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَخَرَجَ مِنْ دَارِ الْمُخْتَارِ وَأَتَى دَارَ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ الْمُرَادِيِّ فَدَخَلَ بَابَهُ وَاسْتَدْعَى هَانِئًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ مَكَانَهُ فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: أَتَيْتُكَ لِتُجِيرَنِي وَتُضَيَّفَنِي. فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي شَطَطًا، وَلَوْلَا دُخُولُكَ دَارِي لَأَحْبَبْتُ أَنْ تَنْصَرِفَ عَنِّي، غَيْرَ أَنَّهُ يَأْخُذُنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ، ادْخُلْ. فَآوَاهُ، فَاخْتَلَفَتِ الشِّيعَةُ إِلَيْهِ فِي دَارِ هَانِئٍ. وَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَوْلًى لَهُ، وَأَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَهُ: اطْلُبْ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ وَأَصْحَابَهُ وَالْقَهَمَ وَأَعْطِهِمْ هَذَا الْمَالَ وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّكَ مِنْهُمْ وَاعْلَمْ أَخْبَارَهُمْ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَتَى مُسْلِمَ بْنَ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيَّ بِالْمَسْجِدِ فَسَمِعَ النَّاسَ يَقُولُونَ: هَذَا يُبَايِعُ لِلْحُسَيْنِ، وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي امْرُؤٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلِيَّ بِحُبِّ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ، وَهَذِهِ ثَلَاثُ آلَافِ دِرْهَمٍ أَرَدْتُ بِهَا لِقَاءَ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدِمَ الْكُوفَةَ يُبَايِعُ لِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ سَمِعْتُ نَفَرًا يَقُولُونَ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَمْرَ هَذَا الْبَيْتِ وَإِنِّي أَتَيْتُكَ لِتَقْبِضَ الْمَالَ وَتُدْخِلَنِي عَلَى صَاحِبِكَ أُبَايِعُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتُ بَيْعَتِي لَهُ قَبْلَ لِقَائِي إِيَّاهُ. فَقَالَ: لَقَدْ سَرَّنِي لِقَاؤُكَ إِيَّايَ لِتَنَالَ الَّذِي تُحِبُّ وَيَنْصُرُ اللَّهُ بِكَ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّهِ، وَقَدْ سَاءَنِي مَعْرِفَةُ النَّاسِ هَذَا الْأَمْرَ مِنِّي قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ مَخَافَةَ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَسَطْوَتِهِ. فَأَخَذَ بَيْعَتَهُ وَالْمَوَاثِيقَ الْمُعَظَّمَةَ لَيُنَاصِحَنَّ وَلَيَكْتُمَنَّ، وَاخْتَلَفَ إِلَيْهِ أَيَّامًا لِيُدْخِلَهُ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ. وَمَرِضَ هَانِئُ بْنُ عُرْوَةَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَارَةُ بْنُ عَبْدٍ السَّلُولِيُّ: إِنَّمَا جَمَاعَتُنَا وَكَيْدُنَا قَتْلُ هَذَا الطَّاغِيَةِ وَقَدْ أَمْكَنَكَ اللَّهُ فَاقْتُلْهُ. فَقَالَ هَانِئٌ: مَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِي. وَجَاءَ ابْنُ زِيَادٍ فَجَلَسَ عِنْدَهُ ثُمَّ خَرَجَ، فَمَا مَكَثَ إِلَّا جُمُعَةً حَتَّى مَرِضَ شَرِيكُ بْنُ الْأَعْوَرِ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ عَلَى هَانِئٍ وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ شَدِيدَ التَّشَيُّعِ، قَدْ شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَمَّارٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِنِّي رَائِحٌ إِلَيْكَ الْعَشِيَّةَ. فَقَالَ لِمُسْلِمٍ: إِنَّ هَذَا الْفَاجِرَ عَائِدِي الْعَشِيَّةَ فَإِذَا جَلَسَ اخْرُجْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ ثُمَّ اقْعُدْ فِي الْقَصْرِ لَيْسَ أَحَدٌ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، فَإِنْ بَرَأْتُ مِنْ وَجَعِي سِرْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى أَكْفِيَكَ أَمْرَهَا. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ أَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ لِيَدْخُلَ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: لَا يَفُوتَنَّكَ إِذَا جَلَسَ. فَقَالَ هَانِئُ بْنُ عُرْوَةَ: لَا أُحِبُّ أَنْ يُقْتَلَ فِي دَارِي. فَجَاءَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَجَلَسَ وَسَأَلَ شَرِيكًا عَنْ مَرَضِهِ، فَأَطَالَ، فَلَمَّا رَأَى شَرِيكٌ أَنَّ مُسْلِمًا لَا يَخْرُجُ خَشِيَ أَنْ يَفُوتَهُ فَأَخَذَ يَقُولُ: مَا تَنْظُرُونَ بِسَلْمَى لَا تُحَيُوهَا اسْقُونِيهَا وَإِنْ كَانَتْ بِهَا نَفْسِي فَقَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: مَا شَأْنُهُ ؟ أَتَرَوْنَهُ يَخْلِطُ ؟ فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: نَعَمْ، مَا زَالَ هَذَا دَأْبُهُ قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَتَّى سَاعَتِهِ هَذِهِ، فَانْصَرَفَ. وَقِيلَ: إِنَّ شَرِيكًا لَمَّا قَالَ اسْقُونِيهَا وَخَلَطَ كَلَامَهُ فَطِنَ بِهِ مِهْرَانُ فَغَمَزَ عُبَيْدَ اللَّهِ فَوَثَبَ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوصِيَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: أَعُودُ إِلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ مِهْرَانُ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَكَ. فَقَالَ: وَكَيْفَ مَعَ إِكْرَامِي لَهُ وَفِي بَيْتِ هَانِئٍ وَيَدُ أَبِي عِنْدَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ مِهْرَانُ: هُوَ مَا قُلْتُ لَكَ. فَلَمَّا قَامَ ابْنُ زِيَادٍ خَرَجَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، فَقَالَ لَهُ شَرِيكٌ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَتْلِهِ ؟ قَالَ: خَصْلَتَانِ، أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَكَرَاهِيَةُ هَانِئٍ أَنْ يُقْتَلَ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَمَّا الْأُخْرَى فَحَدِيثٌ حَدَّثَهُ عَلِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ الْإِيمَانَ قَيَّدَ الْفَتْكَ، فَلَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ بِمُؤْمِنٍ. فَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: لَوْ قَتَلْتَهُ لَقَتَلْتَ فَاسِقًا فَاجِرًا كَافِرًا غَادِرًا ! وَلِبَثَ شَرِيكٌ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ مَاتَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ. فَلَمَّا عَلِمَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنْ شَرِيكًا كَانَ حَرَّضَ مُسْلِمًا عَلَى قَتْلِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُصَلِّي عَلَى جِنَازَةِ عِرَاقِيٍّ أَبَدًا، وَلَوْلَا أَنَّ قَبْرَ زِيَادٍ فِيهِمْ لَنَبَشْتُ شَرِيكًا. ثُمَّ إِنَّ مَوْلَى ابْنِ زِيَادٍ الَّذِي دَسَّهُ بِالْمَالِ اخْتَلَفَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَوْسَجَةَ بَعْدَ مَوْتِ شَرِيكٍ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ فَأَخَذَ بَيْعَتَهُ وَقَبَضَ مَالَهُ وَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَيَعْلَمُ أَسْرَارَهَمْ، وَيَنْقِلُهَا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ. وَكَانَ هَانِئٌ قَدِ انْقَطَعَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِعُذْرِ الْمَرَضِ، فَدَعَا عُبَيْدُ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ وَأَسْمَاءَ بْنَ خَارِجَةَ، وَقِيلَ: دَعَا مَعَهُمَا بِعَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيِّ فَسَأَلَهُمْ عَنْ هَانِئٍ وَانْقِطَاعِهِ، فَقَالُوا: إِنَّهُ مَرِيضٌ. فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَجْلِسَ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَقَدْ بَرَأَ، فَالْقَوْهُ فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَدَعَ مَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَأَتَوْهُ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ سَأَلَ عَنْكَ وَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ شَاكٍ لَعُدْتُهُ، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ تَجْلِسُ عَلَى بَابِ دَارِكَ، وَقَدِ اسْتَبْطَأَكَ، وَالْجَفَاءُ لَا يَحْتَمِلُهُ السُّلْطَانُ، أَقْسَمْنَا عَلَيْكَ لَوْ رَكِبْتَ مَعَنَا. فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَرَكِبَ مَعَهُمْ. فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَصْرِ أَحَسَّتْ نَفْسُهُ بِالشَّرِّ فَقَالَ لِحَسَّانَ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لِهَذَا الرَّجُلِ لَخَائِفٌ، فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ: مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ شَيْئًا فَلَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا، وَلَمْ يَعْلَمْ أَسْمَاءُ مِمَّا كَانَ شَيْئًا. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَإِنَّهُ عَلِمَ بِهِ، قَالَ: فَدَخَلَ الْقَوْمُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ وَهَانِئٌ مَعَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ ابْنُ زِيَادٍ قَالَ لِشُرَيْحٍ الْقَاضِي: أَتَتْكَ بِحَائِنٍ رِجْلَاهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ وَكَانَ ابْنُ زِيَادٍ مُكْرِمًا لَهُ، فَقَالَ هَانِئٌ: وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالَ: يَا هَانِئُ مَا هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي تَرَبَّصُ فِي دَارِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ ! جِئْتَ بِمُسْلِمٍ فَأَدْخَلْتَهُ دَارَكَ وَجَمَعْتَ لَهُ السِّلَاحَ وَالرِّجَالَ وَظَنَنْتَ أَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى عَلَيَّ ! قَالَ: مَا فَعَلْتُ. قَالَ: بَلَى. وَطَالَ بَيْنَهُمَا النِّزَاعُ، فَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ مَوْلَاهُ ذَاكَ الْعَيْنَ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْرِفُ هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَعَلِمَ هَانِئٌ أَنَّهُ كَانَ عَيْنًا عَلَيْهِمْ، فَسَقَطَ فِي يَدِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَاجَعَتْهُ نَفْسُهُ، قَالَ: اسْمَعْ مِنِّي وَصَدِّقْنِي، فَوَاللَّهِ لَا أَكْذِبُكَ، وَاللَّهِ مَا دَعَوْتُهُ وَلَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى رَأَيْتُهُ جَالِسًا عَلَى بَابِي يَسْأَلُنِي النُّزُولَ عَلَيَّ، فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَدِّهِ وَلَزِمَنِي مِنْ ذَلِكَ ذِمَامٌ فَأَدْخَلْتُهُ دَارِي وَضِفْتُهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ الَّذِي بَلَغَكَ، فَإِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتُكَ الْآنَ مَوْثِقًا تَطْمَئِنُّ بِهِ وَرَهِينَةً تَكُونُ فِي يَدِكَ حَتَّى أَنْطَلِقَ وَأُخْرِجَهُ مِنْ دَارِي وَأَعُودَ إِلَيْكَ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ قَالَ: لَا آتِيكَ بِضَيْفِي تَقْتُلُهُ أَبَدًا. فَلَمَّا كَثُرَ الْكَلَامُ قَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، وَلَيْسَ بِالْكُوفَةِ شَامِيٌّ وَلَا بَصْرِيٌّ غَيْرُهُ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَإِيَّاهُ حَتَّى أُكَلِّمَهُ، لِمَا رَأَى مِنْ لَجَاجِهِ، وَأَخَذَ هَانِئًا وَخَلَا بِهِ نَاحِيَةً مِنِ ابْنِ زِيَادٍ بِحَيْثُ يَرَاهُمَا، فَقَالَ لَهُ: يَا هَانِئُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ وَتُدْخِلَ الْبَلَاءَ عَلَى قَوْمِكَ ! إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ ابْنُ عَمِّ الْقَوْمِ وَلَيْسُوا بِقَاتِلِيهِ وَلَا ضَائِرِيهِ، فَادْفَعْهُ إِلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ مَخْزَاةٌ وَلَا مَنْقَصَةٌ إِنَّمَا تَدْفَعُهُ إِلَى السُّلْطَانِ ! قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ خِزْيًا وَعَارًا، لَا أَدْفَعُ ضَيْفِي وَأَنَا صَحِيحٌ شَدِيدُ السَّاعِدِ كَثِيرُ الْأَعْوَانِ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ وَاحِدًا لَيْسَ لِي نَاصِرٌ لَمْ أَدْفَعْهُ حَتَّى أَمُوتَ دُونَهُ. فَسَمِعَ ابْنُ زِيَادٍ ذَلِكَ فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي. فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَأْتِيَّنِي بِهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ ! قَالَ: إِذَنْ وَاللَّهِ تَكْثُرُ الْبَارِقَةُ حَوْلَ دَارِكَ ! وَهُوَ يَرَى أَنَّ عَشِيرَتَهُ سَتَمْنَعُهُ. فَقَالَ: أَبِالْبَارِقَةِ تُخَوِّفُنِي ؟ وَقِيلَ إِنَّ هَانِئًا لَمَّا رَأَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ عَيْنًا لِعُبَيْدِ اللَّهِ عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَدْ كَانَ الَّذِي بَلَغَكَ، وَلَنْ أُضَيِّعَ يَدَكَ عِنْدِي وَأَنْتَ آمِنٌ وَأَهْلُكَ فَسِرْ حَيْثُ شِئْتَ. فَأَطْرَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَمِهْرَانُ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَفِي يَدِهِ مِعْكَزَةٌ، فَقَالَ: وَاذُلَّاهُ ! هَذَا الْحَائِكُ يُؤَمِّنُكَ فِي سُلْطَانِكَ ! فَقَالَ: خُذْهُ، فَأَخَذَ مِهْرَانُ ضَفِيرَتَيْ هَانِئٍ وَأَخَذَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْقَضِيبَ وَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ أَنْفَهُ وَجَبِينَهُ وَخَدَّهُ حَتَّى كَسَرَ أَنْفَهُ وَسَيَّلَ الدِّمَاءَ عَلَى ثِيَابِهِ وَنَثَرَ لَحْمَ خَدَّيْهِ وَجَبِينِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ حَتَّى كَسَرَ الْقَضِيبَ، وَضَرَبَ هَانِئٌ يَدَهُ إِلَى قَائِمِ سَيْفِ شُرْطِيٍّ وَجَبَذَهُ فَمُنِعَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَحَرُورِيٌّ أَحْلَلْتَ بِنَفْسِكَ وَحَلَّ لَنَا قَتْلُكَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِي فِي بَيْتٍ وَأُغْلِقُ عَلَيْهِ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ فَقَالَ: أَرْسِلْهُ يَا غَادِرُ ! أَمَرَتْنَا أَنْ نَجِيئَكَ بِالرَّجُلِ فَلَمَّا أَتَيْنَاكَ بِهِ هَشَّمْتَ وَجْهَهُ وَسَيَّلَتْ دِمَاءَهُ وَزَعَمْتَ أَنَّكَ تَقْتُلُهُ. فَأَمَرَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ فَلُهِزَ وَتُعْتِعَ ثُمَّ تُرِكَ فَجَلَسَ. فَأَمَّا ابْنُ الْأَشْعَثِ فَقَالَ: رَضِينَا بِمَا رَأَى الْأَمِيرُ، لَنَا كَانَ أَوْ عَلَيْنَا. وَبَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ أَنَّ هَانِئًا قَدْ قُتِلَ فَأَقْبَلَ فِي مَذْحِجٍ حَتَّى أَحَاطُوا بِالْقَصْرِ، وَنَادَى: أَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ، هَذِهِ فُرْسَانُ مَذْحِجٍ وَوُجُوهُهَا، لَمْ نَخْلَعْ طَاعَةً وَلَمْ نُفَارِقْ جَمَاعَةً. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ لِشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَكَانَ حَاضِرًا: ادْخُلْ عَلَى صَاحِبِهِمْ فَانْظُرْ إِلَيْهِ ثُمَّ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُ حَيٌّ. فَفَعَلَ شُرَيْحٌ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ هَانِئٌ: يَا لِلْمُسْلِمِينَ ! أَهَلَكَتْ عَشِيرَتِي ؟ أَيْنَ أَهْلُ الدِّينِ ؟ أَيْنَ أَهْلُ النَّصْرِ ؟ أَيُخَلُّونَنِي وَعَدُوَّهُمْ وَابْنَ عَدُوِّهِمْ ! وَسَمِعَ الضَّجَّةَ فَقَالَ: يَا شُرَيْحُ إِنِّي لَأَظُنُّهَا أَصْوَاتَ مَذْحِجٍ وَشِيعَتِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ عَشَرَةُ نَفَرٍ أَنْقَذُونِي. فَخَرَجَ شُرَيْحٌ وَمَعَهُ عَيْنٌ أَرْسَلَهُ ابْنُ زِيَادٍ، قَالَ شُرَيْحٌ: لَوْلَا مَكَانُ الْعَيْنِ لَأَبْلَغْتُهُمْ قَوْلَ هَانِئٍ. فَلَمَّا خَرَجَ شُرَيْحٌ إِلَيْهِمْ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إِلَى صَاحِبِكُمْ وَإِنَّهُ حَيٌّ لَمْ يُقْتَلْ. فَقَالَ عَمْرٌو وَأَصْحَابُهُ: فَأَمَّا إِذْ لَمْ يُقْتَلُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ ! ثُمَّ انْصَرَفُوا. محاصرة مسلم بن عقيل لعبيد الله بن زياد في قصره وَأَتَى الْخَبَرُ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ فَنَادَى فِي أَصْحَابِهِ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ ! وَكَانَ شِعَارُهُمْ، وَكَانَ قَدْ بَايَعَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَحَوْلَهُ فِي الدُّورِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ كَثِيرٌ، فَعَقَدَ مُسْلِمٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُزَيْزٍ الْكِنْدِيِّ عَلَى رُبْعِ كِنْدَةَ وَقَالَ: سِرْ أَمَامِي، وَعَقَدَ لِمُسْلِمِ بْنِ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيِّ عَلَى رُبْعِ مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ، وَعَقَدَ لِأَبِي ثُمَامَةَ الصَّائِدِيِّ عَلَى رُبْعِ تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ، وَعَقَدَ لِعَبَّاسِ بْنِ جَعْدَةَ الْجَدَلِيِّ عَلَى رُبْعِ الْمَدِينَةِ، وَأَقْبَلَ نَحْوَ الْقَصْرِ. فَلَمَّا بَلَغَ ابْنَ زِيَادٍ إِقْبَالُهُ تَحَرَّزَ فِي الْقَصْرِ. وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَأَحَاطَ مُسْلِمٌ بِالْقَصْرِ وَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ وَالسُّوقُ مِنَ النَّاسِ وَمَا زَالُوا يَجْتَمِعُونَ حَتَّى الْمَسَاءَ، وَضَاقَ بِعُبَيْدِ اللَّهِ أَمْرُهُ وَلَيْسَ مَعَهُ فِي الْقَصْرِ إِلَّا ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنَ الشُّرَطِ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنَ الْأَشْرَافِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَمَوَالِيهِ، وَأَقْبَلَ أَشْرَافُ النَّاسِ يَأْتُونَ ابْنَ زِيَادٍ مِنْ قِبَلِ الْبَابِ الَّذِي يَلِي دَارَ الرُّومِيِّينَ وَالنَّاسُ يَسُبُّونَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَبَاهُ. فَدَعَا ابْنُ زِيَادٍ كَثِيرَ بْنَ شِهَابٍ الْحَارِثِيَّ وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فِيمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ مَذْحِجٍ فَيَسِيرَ وَيُخَذِّلَ النَّاسَ عَنِ ابْنِ عَقِيلٍ وَيُخَوِّفُهُمْ، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَنْ يَخْرُجَ فِيمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ كِنْدَةَ وَحَضْرَمَوْتَ فَيَرْفَعَ رَايَةَ أَمَانٍ لِمَنْ جَاءَهُ مِنَ النَّاسِ، وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْقَعْقَاعِ بْنِ شَوْرٍ الذُّهْلِيِّ وَشَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيِّ وَحَجَّارِ بْنِ أَبْجَرَ الْعِجْلِيِّ وَشَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيِّ وَتَرَكَ وُجُوهَ النَّاسِ عِنْدَهُ اسْتِئْنَاسًا بِهِمْ لِقِلَّةِ مَنْ مَعَهُ. وَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ يُخَذِّلُونَ النَّاسَ، وَأَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْأَشْرَافِ أَنْ يُشْرِفُوا عَلَى النَّاسِ مِنَ الْقَصْرِ فَيُمَنُّوا أَهْلَ الطَّاعَةِ وَيُخَوِّفُوا أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ مَقَالَةَ أَشْرَافِهِمْ أَخَذُوا يَتَفَرَّقُونَ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَأْتِي ابْنَهَا وَأَخَاهَا وَتَقُولُ: انْصَرِفِ، النَّاسُ يَكْفُونَكَ، وَيَفْعَلُ الرَّجُلُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَمَا زَالُوا يَتَفَرَّقُونَ حَتَّى بَقِيَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْمَسْجِدِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَرَجَ مُتَوَجِّهًا نَحْوَ أَبْوَابِ كِنْدَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْبَابِ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَمَضَى فِي أَزِقَّةِ الْكُوفَةِ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، فَانْتَهَى إِلَى بَابِ امْرَأَةٍ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهَا طَوْعَةُ أُمُّ وَلَدٍ كَانَتْ لِلْأَشْعَثِ وَأَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا أُسَيْدٌ الْحَضْرَمِيُّ فَوَلَدَتْ لَهُ بِلَالًا، وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ خَرَجَ مَعَ النَّاسِ وَهِيَ تَنْتَظِرُهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَطَلَبَ الْمَاءَ فَسَقَتْهُ، فَجَلَسَ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَلَمْ تَشْرَبْ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَتْ: فَاذْهَبْ إِلَى أَهْلِكَ، فَسَكَتَ، فَقَالَتْ لَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَبْرَحْ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ الْجُلُوسَ عَلَى بَابِي. فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ لِي فِي هَذَا الْمِصْرِ مَنْزِلٌ وَلَا عَشِيرَةٌ، فَهَلْ لَكِ إِلَى أَجْرٍ وَمَعْرُوفٍ وَلَعَلِّي أُكَافِئُكِ بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: أَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ، كَذَبَنِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ وَغَرُّونِي. قَالَتِ: ادْخُلْ. فَأَدْخَلَتْهُ بَيْتًا فِي دَارِهَا وَعَرَضَتْ عَلَيْهِ الْعَشَاءَ فَلَمْ يَتَعَشَّ. وَجَاءَ ابْنُهَا فَرَآهَا تُكْثِرُ الدُّخُولَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا: إِنَّ لَكِ لَشَأْنًا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ وَسَأَلَهَا فَلَمْ تُخْبِرْهُ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهُ وَاسْتَكْتَمَتْهُ وَأَخَذَتْ عَلَيْهِ الْأَيْمَانَ بِذَلِكَ، فَسَكَتَ. خروج ابن زياد من قصره بعد انصراف الناس عن مسلم بن عقيل وخطبته فيهم وَأَمَّا ابْنُ زِيَادٍ فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعِ الْأَصْوَاتَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ مِنْهُمْ أَحَدًا ؟ فَنَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا، فَنَزَلَ إِلَى الْمَسْجِدِ قُبَيْلَ الْعَتَمَةِ وَأَجْلَسَ أَصْحَابَهُ حَوْلَ الْمِنْبَرِ وَأَمَرَ فَنُودِيَ: [ أَلَا ] بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْ رَجُلٍ مِنَ الشُّرَطِ وَالْعُرَفَاءِ وَالْمَنَاكِبِ وَالْمُقَاتِلَةِ صَلَّى الْعَتَمَةَ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ. فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ ابْنَ عَقِيلٍ السَّفِيهَ الْجَاهِلَ قَدْ أَتَى مَا رَأَيْتُمْ مِنَ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ فَبَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِنْ رَجُلٍ وَجَدْنَاهُ فِي دَارِهِ، وَمَنْ أَتَانَا بِهِ فَلَهُ دِيَتُهُ. وَأَمَرَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِهَا، وَأَمَرَ الْحُصَيْنَ بْنَ تَمِيمٍ أَنْ يُمْسِكَ أَبْوَابَ السِّكَكِ ثُمَّ يُفَتِّشَ الدُّورَ، وَكَانَ عَلَى الشُّرَطِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ. وَدَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ وَعَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ وَجَعَلَهُ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَلَسَ لِلنَّاسِ. وَلَمَّا أَصْبَحَ بِلَالٌ ابْنُ تِلْكَ الْعَجُوزِ الَّتِي آوَتْ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ أَتَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَأَخْبَرَهُ بِمَكَانِ ابْنِ عَقِيلٍ، فَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبَاهُ، وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَأَسَرَّ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ابْنَ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: قُمْ فَأْتِنِي بِهِ السَّاعَةَ، وَبَعَثَ مَعَهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ السُّلَمِيَّ فِي سَبْعِينَ مِنْ قَيْسٍ حَتَّى أَتَوُا الدَّارَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ عَقِيلٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الْأَصْوَاتَ عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ أُتِيَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنَ الدَّارِ، ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجَهُمْ مِرَارًا، وَضَرَبَ بُكَيْرُ بْنُ حُمْرَانَ الْأَحْمَرِيُّ فَمَ مُسْلِمٍ فَقَطَعَ شَفَتَهُ الْعُلْيَا وَسَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ، وَضَرَبَهُ مُسْلِمٌ عَلَى رَأْسِهِ وَثَنَّى بِأُخْرَى عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ كَادَتْ تَطَّلِعُ عَلَى جَوْفِهِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَشْرَفُوا عَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ وَيُلْهِبُونَ النَّارَ فِي الْقَصَبِ وَيُلْقُونَهَا عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ فَقَاتَلَهُمْ فِي السِّكَّةِ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ: لَكَ الْأَمَانُ فَلَا تَقْتُلْ نَفْسَكَ ! فَأَقْبَلَ يُقَاتِلُهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: أَقْسَمْتُ لَا أُقْتَلُ إِلَّا حُرًّا     وَإِنْ رَأَيْتُ الْمَوْتَ شَيْئًا نُكْرًا أَوْ يَخْلِطُ الْبَارِدُ سُخْنًا مُرًّا     رَدَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ فَاسْتَقَرَّا كُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا يُلَاقِي شَرًّا     أَخَافُ أَنْ أُكْذَبَ أَوْ أُغَرًّا فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: إِنَّكَ لَا تُكْذَبُ وَلَا تُخْدَعُ، الْقَوْمُ بَنُو عَمِّكَ وَلَيْسُوا بِقَاتِلِيكَ وَلَا ضَارِبِيكَ. وَكَانَ قَدْ أُثْخِنَ بِالْحِجَارَةِ وَعَجَزَ عَنِ الْقِتَالِ، فَأَسْنَدَ ظَهْرَهُ إِلَى حَائِطِ تِلْكَ الدَّارِ، فَآمَنَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَالنَّاسُ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا نَاقَةَ لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلَ، وَأُتِيَ بِبَغْلَةٍ فَحُمِلَ عَلَيْهَا وَانْتَزَعُوا سَيْفَهُ، فَكَأَنَّهُ أَيِسَ مِنْ نَفْسِهِ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ. قَالَ مُحَمَّدٌ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْكَ بَأْسٌ. قَالَ: وَمَا هُوَ إِلَّا الرَّجَاءُ، أَيْنَ أَمَانُكُمْ ؟ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ السُّلَمِيُّ: مَنْ يَطْلُبُ مِثْلَ الَّذِي تَطْلُبُ إِذَا نَزَلَ بِهِ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِكَ لَمْ يَبْكِ ؟ ! فَقَالَ: مَا أَبْكِي لِنَفْسِي وَلَكِنِّي أَبْكَى لِأَهْلِي الْمُنْقَلِبِينَ إِلَيْكُمْ، أَبْكِي لِلْحُسَيْنِ وَآلِ الْحُسَيْنِ. طلب مسلم بن عقيل من محمد بن الأشعث بإخبار الحسين بما حدث له وإثنائه عن القدوم إلى الكوفة ثُمَّ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ: إِنِّي أَرَاكَ سَتَعْجِزُ عَنْ أَمَانِي فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْعَثَ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلًا يُخْبِرُ الْحُسَيْنَ بِحَالِي وَيَقُولُ لَهُ عَنِّي لِيَرْجِعْ بِأَهْلِ بَيْتِهِ وَلَا يَغُرُّهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ أَبِيكَ الَّذِينَ كَانَ يَتَمَنَّى فِرَاقَهُمْ بِالْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ ! ثُمَّ كَتَبَ بِمَا قَالَ مُسْلِمٌ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَلَقِيَهُ الرَّسُولُ بِزُبَالَةَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: كُلَّمَا قُدِّرَ نَازِلٌ عِنْدَ اللَّهِ     نَحْتَسِبُ أَنْفُسَنَا وَفَسَادَ أُمَّتِنَا . وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِهِ مِنْ مَكَّةَ كِتَابُ مُسْلِمٍ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّهُ بَايَعَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَيَسْتَحِثُّهُ لِلْقُدُومِ. وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدِمَ بِهِ الْقَصْرَ، وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَأَخْبَرَهُ وَأَمَانَهُ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ: مَا أَنْتَ وَالْأَمَانُ ! مَا أَرْسَلْنَاكَ لِتُؤَمِّنَهُ إِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ لِتَأْتِيَنَا بِهِ ! فَسَكَتَ مُحَمَّدٌ، وَلَمَّا جَلَسَ مُسْلِمٌ عَلَى بَابِ الْقَصْرِ رَأَى جَرَّةً فِيهَا مَاءٌ بَارِدٌ، فَقَالَ: اسْقُونِي مِنْ هَذَا الْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيِّ: أَتُرَاهَا مَا أَبْرَدَهَا ! وَاللَّهِ لَا تَذُوقُ مِنْهَا قَطْرَةً حَتَّى تَذُوقَ الْحَمِيمَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ! فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ إِذْ تَرَكْتَهُ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ وَالْإِمَامَ إِذْ غَشَشْتَهُ، وَسَمِعَ وَأَطَاعَ إِذْ عَصَيْتَهُ، أَنَا مُسْلِمُ بْنُ عَمْرٍو. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأُمِّكَ الثَّكْلُ مَا أَجَفَاكَ وَأَفَظَّكَ وَأَقْسَى قَلْبَكَ وَأَغْلَظَكَ ! أَنْتَ يَا ابْنَ بَاهِلَةَ أَوْلَى بِالْحَمِيمِ وَالْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ مِنِّي ! قَالَ: فَدَعَا عُمَارَةُ بْنُ عُقْبَةَ بِمَاءٍ بَارِدٍ فَصُبَّ لَهُ فِي قَدَحٍ فَأَخَذَ لِيَشْرَبَ فَامْتَلَأَ الْقَدَحُ دَمًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَقَالَ: لَوْ كَانَ مِنَ الرِّزْقِ الْمَقْسُومِ شَرِبْتُهُ. وَأُدْخِلَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ بِالْإِمَارَةِ، فَقَالَ لَهُ الْحَرَسِيُّ: أَلَا تُسَلِّمُ عَلَى الْأَمِيرِ ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يُرِيدُ قَتْلِي فَمَا سَلَامِي عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرِيدُ قَتْلِي فَلْيَكْثُرَنَّ تَسْلِيمِي عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَعَمْرِي لَتُقْتَلَنَّ ! فَقَالَ: كَذَلِكَ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَدَعْنِي أُوصِي إِلَى بَعْضِ قَوْمِي. قَالَ: افْعَلْ. فَقَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعْدٍ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَرَابَةً وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ وَهِيَ سِرٌّ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ مِنْ ذِكْرِهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَا تَمْتَنِعْ مِنْ حَاجَةِ ابْنِ عَمِّكَ. فَقَامَ مَعَهُ فَقَالَ: إِنَّ عَلَيَّ بِالْكُوفَةِ دَيْنًا اسْتَدَنْتُهُ مُنْذُ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَاقْضِهَا عَنِّي وَانْظُرْ جُثَّتِي فَاسْتَوْهِبْهَا فَوَارِهَا وَابْعَثْ إِلَى الْحُسَيْنِ مَنْ يَرُدُّهُ. فَقَالَ عُمَرُ لِابْنِ زِيَادٍ: إِنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: لَا يَخُونُكَ الْأَمِينُ وَلَكِنْ قَدْ يُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، أَمَّا مَالُكَ فَهُوَ لَكَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ، وَأَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنْ لَمْ يُرِدْنَا لَمْ نُرِدْهُ، وَإِنْ أَرَادَنَا لَمْ نَكُفَّ عَنْهُ، وَأَمَّا جُثَّتُهُ فَإِنَّا لَنْ نُشَفِّعَكَ فِيهَا، وَقِيلَ إِنَّهُ قَالَ: أَمَّا جُثَّتُهُ فَإِنَّا إِذَا قَتَلْنَاهُ لَا نُبَالِي مَا صُنِعَ بِهَا. ثُمَّ قَالَ لِمُسْلِمٍ: يَا ابْنَ عَقِيلٍ أَتَيْتَ النَّاسَ وَأَمْرُهُمْ جَمِيعٌ وَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ لِتُشَتِّتَ بَيْنِهِمْ وَتُفَرِّقَ كَلِمَتَهُمْ ! فَقَالَ: كَلَّا وَلَكِنَّ أَهْلَ هَذَا الْمِصْرِ زَعَمُوا أَنَّ أَبَاكَ قَتَلَ خِيَارَهُمْ وَسَفَكَ دِمَاءَهُمْ وَعَمِلَ فِيهِمْ أَعْمَالَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فَأَتَيْنَاهُمْ لِنَأْمُرَ بِالْعَدْلِ وَنَدْعُوَ إِلَى حُكْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَقَالَ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا فَاسِقُ ؟ أَلَمْ يَكُنْ يُعْمَلُ بِذَلِكَ فِيهِمْ إِذْ أَنْتَ تَشْرَبُ الْخَمْرَ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ: أَنَا أَشْرَبُ الْخَمْرَ ! وَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ غَيْرُ صَادِقٍ، وَأَنِّي لَسْتُ كَمَا ذَكَرْتَ، وَإِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مِنِّي مَنْ يَلَغُ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَقْتُلُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَهَا عَلَى الْغَضَبِ وَالْعَدَاوَةِ، وَهُوَ يَلْهُو وَيَلْعَبُ كَأَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ قِتْلَةً لَمْ يُقْتَلْهَا أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ ! قَالَ: أَمَا إِنَّكَ أَحَقُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَيْسَ فِيهِ، أَمَا إِنَّكَ لَا تَدَعُ سُوءَ الْقِتْلَةِ وَقُبْحَ الْمُثْلَةِ وَخُبْثَ السِّيرَةِ وَلُؤْمَ الْغَلَبَةِ وَلَا أَحَدَ مِنَ النَّاسِ أَحَقُّ بِهَا مِنْكَ. فَشَتَمَهُ ابْنُ زِيَادٍ وَشَتَمَ الْحُسَيْنَ وَعَلِيًّا وَعَقِيلًا، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُسْلِمٌ. قتل مسلم بن عقيل ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُصْعِدَ فَوْقَ الْقَصْرِ لِتُضْرَبَ رَقَبَتُهُ وَيُتْبِعُوا رَأْسَهُ جَسَدَهُ، فَقَالَ مُسْلِمٌ لِابْنِ الْأَشْعَثِ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَمَانُكَ مَا اسْتَسْلَمْتُ، قُمْ بِسَيْفِكَ دُونِي، قَدْ أَخَفَرْتُ ذِمَّتَكَ. فَأُصْعِدَ مُسْلِمٌ فَوْقَ الْقَصْرِ وَهُوَ يَسْتَغْفِرُ وَيُسَبِّحُ، وَأُشْرِفَ بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْحَدَّائِينَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُ بُكَيْرُ بْنُ حُمْرَانَ الَّذِي ضَرَبَهُ مُسْلِمٌ، ثُمَّ أَتْبَعَ رَأْسَهُ جَسَدَهُ. فَلَمَّا نَزَلَ بُكَيْرٌ قَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: مَا كَانَ يَقُولُ وَأَنْتُمْ تَصْعَدُونَ بِهِ ؟ قَالَ: كَانَ يُسَبِّحُ وَيَسْتَغْفِرُ، ( فَلَمَّا أَدْنَيْتُهُ لِأَقْتُلَهُ ) قُلْتُ لَهُ: ادْنُ مِنِّي، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ( أَمْكَنَ مِنْكَ ) وَأَقَادَنِي مِنْكَ ! فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَقَالَ: أَمَا تَرَى فِي خَدْشٍ تَخْدِشُنِيهِ وَفَاءً مِنْ دَمِكَ أَيُّهَا الْعَبْدُ ؟ فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: وَفَخْرًا عِنْدَ الْمَوْتِ ! قَالَ: ثُمَّ ضَرَبْتُهُ الثَّانِيَةَ فَقَتَلْتُهُ. وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ فَكَلَّمُ ابْنَ زِيَادٍ فِي هَانِئٍ وَقَالَ لَهُ: قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَتَهُ فِي الْمِصْرِ وَبَيْتَهُ، وَقَدْ عَلِمَ قَوْمُهُ أَنِّي أَنَا وَصَاحِبِي سُقْنَاهُ إِلَيْكَ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ لَمَا وَهَبْتَهُ لِي فَإِنِّي أَكْرَهُ عَدَاوَةَ قَوْمِهِ: فَوَعَدَهُ أَنْ يَفْعَلَ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ مُسْلِمٍ مَا كَانَ، بَدَا لَهُ فَأَمَرَ بِهَانِئٍ حِينَ قُتِلَ مُسْلِمٌ فَأُخْرِجَ إِلَى السُّوقِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، قَتَلَهُ مَوْلًى تُرْكِيٌّ لَابْنِ زِيَادٍ، قَالَ: فَبَصُرَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحُصَيْنِ الْمُرَادِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَازِرٍ مَعَ ابْنِ زِيَادٍ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبِيرِ الْأَسَدِيُّ فِي قَتْلِ هَانِئٍ وَمُسْلِمٍ، وَقِيلَ قَالَهُ الْفَرَزْدَقُ، ( الزَّبِيرُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ): فَإِنْ كُنْتِ لَا تَدْرِينَ مَا الْمَوْتُ فَانْظُرِي     إِلَى هَانِئٍ فِي السُّوقِ وَابْنِ عَقِيلِ إِلَى بَطَلٍ قَدْ هَشَّمَ السَّيْفُ وَجْهَهُ     وَآخَرَ يَهْوِي مِنْ طَمَارِ قَتِيلِ وَهِيَ أَبْيَاتٌ. وَبَعَثَ ابْنُ زِيَادٍ بِرَأْسَيْهِمَا إِلَى يَزِيدَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَزِيدُ يَشْكُرُهُ وَيَقُولُ لَهُ: وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَضَعِ الْمَرَاصِدَ وَالْمَسَالِحَ وَاحْتَرِسْ وَاحْبِسْ عَلَى التُّهْمَةِ وَخُذْ عَلَى الظِّنَّةِ، غَيْرَ أَنْ لَا تَقْتُلَ إِلَّا مَنْ قَاتَلَكَ. وَقِيلَ: وَكَانَ مَخْرَجُ ابْنِ عَقِيلٍ بِالْكُوفَةِ  لِثَمَانِي لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتِّينَ، وَقِيلَ: لِتَسَعٍ مَضَيْنَ مِنْهُ، قِيلَ وَكَانَ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، فَطَلَبَهُمَا ابْنُ زِيَادٍ وَحَبَسَهُمَا، وَكَانَ فِيمَنْ قَاتَلَ مُسْلِمًا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيُّ وَالْقَعْقَاعُ بْنُ شَوْرٍ، وَجَعَلَ شَبَثٌ يَقُولُ: انْتَظِرُوا بِهِمُ اللَّيْلَ يَتَفَرَّقُوا، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: إِنَّكَ قَدْ سَدَدْتَ عَلَيْهِمْ وَجْهَ مَهْرَبِهِمْ فَافْرُجْ لَهُمْ يَتَفَرَّقُوا.

  115. التاريخ 2206لا حكم مسجّل

    مَسِيرِ الْحُسَيْنِ إِلَى الْكُوفَةِ   قِيلَ لَمَّا أَرَادَ الْحُسَيْنُ الْمَسِيرَ إِلَى الْكُوفَةِ بِكُتُبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَيْهِ أَتَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَتَيْتُكَ لِحَاجَةٍ أُرِيدُ ذِكْرَهَا نَصِيحَةً لَكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَرَى أَنَّكَ مُسْتَنْصِحِي قُلْتُهَا وَأَدَّيْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ فِيهَا، وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّكَ لَا مُسْتَنْصِحِي كَفَفْتُ عَمَّا أُرِيدُ. فَقَالَ لَهُ: قُلْ، فَوَاللَّهِ مَا أَسَتَغِشُّكَ وَمَا أَظُنُّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَوَى. قَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ الْعِرَاقَ، وَإِنِّي مُشْفِقٌ عَلَيْكَ، إِنَّكَ تَأْتِي بَلَدًا فِيهِ عُمَّالُهُ وَأُمَرَاؤُهُ وَمَعَهُمْ بُيُوتُ الْأَمْوَالِ، وَإِنَّمَا النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا وَالدِّرْهَمِ، فَلَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ يُقَاتِلَكَ مَنْ وَعَدَكَ نَصْرَهُ وَمَنْ أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِمَّنْ يُقَاتِلُكَ مَعَهُ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا ابْنَ عَمِّ، فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَشَيْتَ بِنُصْحٍ وَتَكَلَّمْتَ بِعَقْلٍ، وَمَهْمَا يُقْضَ مِنْ أَمْرٍ يَكُنْ، أَخَذْتُ بِرَأْيِكَ أَوْ تَرَكْتُهُ، فَأَنْتَ عِنْدِي أَحْمَدُ مُشِيرٍ، وَأَنْصَحُ نَاصِحٍ. قَالَ: وَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَرْجَفَ النَّاسُ أَنَّكَ سَائِرٌ إِلَى الْعِرَاقِ، فَبَيِّنْ لِي مَا أَنْتَ صَانِعٌ ؟ فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَجْمَعْتُ السَّيْرَ فِي أَحَدِ يَوْمَيَّ هَذَيْنِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، خَبِّرْنِي، رَحِمَكَ اللَّهُ، أَتَسِيرُ إِلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَمِيرَهُمْ وَضَبَطُوا بِلَادَهُمْ وَنَفَوْا عَدُوَّهُمْ ؟ فَإِنْ كَانُوا فَعَلُوا ذَلِكَ فَسِرْ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا إِنَّمَا دَعَوْكَ إِلَيْهِمْ وَأَمِيرُهُمْ عَلَيْهِمْ قَاهِرٌ لَهُمْ وَعُمَّالُهُ تَجْبِي بِلَادَهُمْ فَإِنَّمَا دَعَوْكَ إِلَى الْحَرْبِ، وَلَا آمَنُ عَلَيْكَ أَنْ يَغُرُّوكَ وَيُكَذِّبُوكَ وَيُخَالِفُوكَ وَيَخْذُلُوكَ وَيَسْتَنْفِرُوا إِلَيْكَ فَيَكُونُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْكَ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: فَإِنِّي أَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَأَنْظُرُ مَا يَكُونُ. فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَتَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَحَدَّثَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي مَا تَرْكُنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَكَفُّنَا عَنْهُمْ وَنَحْنُ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَوُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ دُونَهُمْ، خَبِّرْنِي مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ ؟ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: لَقَدْ حَدَّثْتُ نَفْسِي بِإِتْيَانِ الْكُوفَةِ، وَلَقَدْ كَتَبَتْ إِلَيَّ شِيعَتِي بِهَا وَأَشْرَافُ النَّاسِ وَأَسْتَخِيرُ اللَّهَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَا لَوْ كَانَ لِي بِهَا مِثْلُ شِيعَتِكَ لَمَا عَدَلْتُ عَنْهَا. ثُمَّ خَشِيَ أَنْ يَتَّهِمَهُ فَقَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ بِالْحِجَازِ ثُمَّ أَرَدْتَ هَذَا الْأَمْرَ هَا هُنَا لَمَا خَالَفْنَا عَلَيْكَ وَسَاعَدْنَاكَ وَبَايَعْنَاكَ وَنَصَحْنَا لَكَ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: إِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي أَنَّ لَهَا كَبْشًا بِهِ تُسْتَحَلُّ حُرْمَتُهَا، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْكَبْشَ. قَالَ: فَأَقِمْ إِنْ شِئْتَ وَتُوَلِّينِي أَنَا الْأَمْرَ فَتُطَاعُ وَلَا تُعْصَى. قَالَ: وَلَا أُرِيدُ هَذَا أَيْضًا ثُمَّ إِنَّهُمَا أَخْفَيَا كَلَامَهُمَا دُونَنَا، فَالْتَفَتَ الْحُسَيْنُ إِلَى مَنْ هُنَاكَ وَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي، جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاكَ ! قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: أَقِمْ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَجْمَعُ لَكَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَاللَّهِ لَئِنْ أُقْتَلْ خَارِجًا مِنْهَا بِشِبْرٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَ فِيهَا، وَلَأَنْ أُقْتَلَ خَارِجًا مِنْهَا بِشِبْرَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقْتَلَ خَارِجًا مِنْهَا بِشِبْرٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِي جُحْرِ هَامَّةٍ مِنْ هَذِهِ الْهَوَامِّ لَاسْتَخْرَجُونِي حَتَّى يَقْضُوا بِي حَاجَتَهُمْ ! وَاللَّهِ لَيَعْتَدُنَّ عَلَيَّ كَمَا اعْتَدَتِ الْيَهُودُ فِي السَّبْتِ: فَقَامَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْحِجَازِ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ لَا يَعْدِلُونَهُ بِي فَوَدَّ أَنِّي خَرَجْتُ حَتَّى يَخْلُوَ لَهُ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَشِيِّ أَوْ مِنَ الْغَدِ أَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ، إِنِّي أَتَصَبَّرُ وَلَا أَصْبِرُ، إِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْهَلَاكَ وَالِاسْتِئْصَالَ، إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَوْمٌ غُدُرٌ فَلَا تَقْرَبَنَّهُمْ، أَقِمْ فِي هَذَا الْبَلَدِ فَإِنَّكَ سَيِّدُ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يُرِيدُونَكَ كَمَا زَعَمُوا فَاكْتُبْ إِلَيْهِمْ فَلْيَنْفُوا عَامِلَهُمْ وَعَدُّوَهُمْ ثُمَّ أَقْدِمْ عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ فَسِرْ إِلَى الْيَمَنِ فَإِنَّ بِهَا حُصُونًا وَشِعَابًا، وَهِيَ أَرْضٌ عَرِيضَةٌ طَوِيلَةٌ، وَلِأَبِيكَ بِهَا شِيعَةٌ، وَأَنْتَ عَنِ النَّاسِ فِي عُزْلَةٍ، فَتَكْتُبُ إِلَى النَّاسِ وَتُرْسِلُ وَتَبُثُّ دُعَاءَكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَأْتِيَكَ عِنْدَ ذَلِكَ الَّذِي تُحِبُّ فِي عَافِيَةٍ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: يَا ابْنَ عَمِّ إِنِّي وَاللَّهِ لَأَعْلَمُ أَنَّكَ نَاصِحٌ مُشْفِقٌ، وَقَدْ أَزْمَعْتُ وَأَجْمَعْتُ الْمَسِيرَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنْ كُنْتَ سَائِرًا فَلَا تَسِرْ بِنِسَائِكَ وَصِبْيَتِكَ فَإِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ تُقْتَلَ كَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ وَنِسَاؤُهُ وَوَلَدُهُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ أَقْرَرْتَ عَيْنَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِخُرُوجِكَ مِنَ الْحِجَازِ وَهُوَ الْيَوْمَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مَعَكَ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ إِذَا أَخَذْتُ بِشَعْرِكَ وَنَاصِيَتِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ عَلَيْنَا النَّاسُ أَطَعْتَنِي فَأَقَمْتَ، لَفَعَلْتُ ذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ عِنْدِهِ فَمَرَّ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: قَرَّتْ عَيْنُكَ يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ ! ثُمَّ أَنْشَدَ قَائِلًا: يَا لَكَ مِنْ قُبَّرَةٍ بِمَعْمَرِ خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا حُسَيْنٌ يَخْرُجُ إِلَى الْعِرَاقِ وَيُخَلِّيكَ وَالْحِجَازَ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنْ شَبَابَةَ بْنِ سَوَّارٍ بسنده يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ بِمَاءٍ لَهُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَحِقَهُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ لَهُ: الْعِرَاقَ. وَإِذَا مَعَهُ طَوَامِيرُ وَكُتُبٌ. فَقَالَ: هَذِهِ كُتُبُهُمْ وَبَيْعَتُهُمْ. فَقَالَ: لَا تَأْتِهِمْ. فَأَبَى، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا ; إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَاخْتَارَ الْآخِرَةَ، وَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا، وَإِنَّكَ بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَاللَّهِ لَا يَلِيهَا أَحَدٌ مِنْكُمْ أَبَدًا، وَمَا صَرَفَهَا اللَّهُ عَنْكُمْ إِلَّا لِلَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. فَأَبَى أَنْ يَرْجِعَ. قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَبَكَى وَقَالَ: أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ مِنْ قَتِيلٍ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَا قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: عَجَّلَ حُسَيْنٌ قَدَرَهُ، عَجَّلَ حُسَيْنٌ قَدَرَهُ، وَاللَّهِ لَوْ أَدْرَكْتُهُ مَا كَانَ لِيَخْرُجَ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَنِي ; بِبَنِي هَاشِمٍ فُتِحَ، وَبِبَنِي هَاشِمٍ خُتِمَ، فَإِذَا رَأَيْتَ الْهَاشِمِيَّ قَدْ مَلَكَ فَقَدْ ذَهَبَ الزَّمَانُ. قُلْتُ: وَهَذَا مَعَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَاطِمِيِّينَ أَدْعِيَاءُ، لَمْ يَكُونُوا مِنْ سُلَالَةِ فَاطِمَةَ، كَمَا زَعَمُوا، وَإِنَّمَا كَانُوا كَذَبَةً فِيمَا ادَّعَوْهُ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسنده عَنْ بِشْرِ بْنِ غَالِبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِلْحُسَيْنِ: أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ ! إِلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَبَاكَ وَطَعَنُوا أَخَاكَ ؟ فَقَالَ: لِأَنْ أُقْتَلَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تُسْتَحَلَّ بِي. يَعْنِي مَكَّةَ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بسنده عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يُحَدِّثُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَتَتْنِي بَيْعَةُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا يَحْلِفُونَ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَوْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أَتَخْرُجُ إِلَى قَوْمٍ قَتَلُوا أَبَاكَ وَأَخْرَجُوا أَخَاكَ ؟ قَالَ هِشَامٌ: فَسَأَلْتُ مَعْمَرًا عَنِ الرَّجُلِ فَقَالَ: هُوَ ثِقَةٌ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَقَالَ عَمِّي: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ هُوَ الَّذِي قَالَ هَذَا. وجَاءَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ، وَإِنِّي عَلَيْكُمْ مُشْفِقٌ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَاتَبَكَ قَوْمٌ مِنْ شِيعَتِكُمْ بِالْكُوفَةِ يَدْعُونَكَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِمْ، فَلَا تَخْرُجْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَاكَ يَقُولُ بِالْكُوفَةِ: وَاللَّهِ لَقَدْ مَلِلْتُهُمْ وَأَبْغَضْتُهُمْ، وَمَلُّونِي وَأَبْغَضُونِي، وَمَا بَلَوْتُ مِنْهُمْ وَفَاءً، وَمَنْ فَازَ بِهِمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ، وَاللَّهِ مَا لَهُمْ ثَبَاتٌ وَلَا عَزْمٌ عَلَى أَمْرٍ، وَلَا صَبْرٌ عَلَى السَّيْفِ. قِيلَ: وَكَانَ الْحُسَيْنُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا يَدَعُونَنِي حَتَّى يَسْتَخْرِجُوا هَذِهِ الْعَلَقَةَ مِنْ جَوْفِي، فَإِذَا فَعَلُوا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُذِلُّهُمْ حَتَّى يَكُونُوا أَذَلَّ مَنْ فَرْمِ الْمَرْأَةِ. قَالَ: وَالْفَرْمُ خِرْقَةٌ تَجْعَلُهَا الْمَرْأَةُ فِي قُبُلِهَا إِذَا حَاضَتْ. خروج الحسين إلى الكوفة وقَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ قَالَ: خَرَجَ الْحُسَيْنُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا مَرَّ بِبَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ:     لَا ذَعَرْتُ السَّوَامَ فِي فَلَقِ الصُّبْ حِ مُغِيرًا وَلَا دُعِيتُ يَزِيدَا     يَوْمَ أُعْطَى مَخَافَةَ الْمَوْتِ ضَيْمًا وَالْمَنَايَا تَرْصُدْنَنِي أَنْ أَحِيدَا وخَرَجَ الْحُسَيْنُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَاعْتَرَضَهُ رُسُلُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْحِجَازِ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَعَ أَخِيهِ يَحْيَى، يَمْنَعُونَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَمَضَى، وَتَضَارَبُوا بِالسِّيَاطِ، وَامْتَنَعَ الْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ وَسَارُوا فَمَرُّوا بِالتَّنْعِيمِ، فَرَأَى بِهَا عِيرًا قَدْ أَقْبَلَتْ مِنَ الْيَمَنِ بَعَثَ بِهَا بَحِيرُ بْنُ رَيْسَانَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْيَمَنِ، وَعَلَى الْعِيرِ الْوَرْسُ وَالْحُلَلُ، فَأَخَذَهَا الْحُسَيْنُ وَقَالَ لِأَصْحَابِ الْإِبِلِ: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَمْضِيَ مَعَنَا إِلَى الْعِرَاقِ أَوْفَيْنَا كِرَاءَهُ وَأَحْسَنَّا صُحْبَتَهُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُفَارِقَنَا مِنْ مَكَانِنَا أَعْطَيْنَاهُ نَصِيبَهُ مِنَ الْكِرَاءِ، فَمَنْ فَارَقَ مِنْهُمْ أَعْطَاهُ حَقَّهُ، وَمَنْ سَارَ مَعَهُ أَعْطَاهُ كِرَاءَهُ وَكَسَاهُ. ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الصِّفَاحِ لَقِيَهُ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ فَقَالَ لَهُ: أَعْطَاكَ اللَّهُ سُؤْلَكَ وَأَمَلَكَ فِيمَا تُحِبُّ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنِ: بَيِّنْ لِي خَبَرَ النَّاسِ خَلْفَكَ. قَالَ: الْخَبِيرَ سَأَلْتَ، قُلُوبُ النَّاسِ مَعَكَ، وَسُيُوفُهُمْ مَعَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَالْقَضَاءُ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: صَدَقْتَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَكُلَّ يَوْمٍ رَبُّنَا فِي شَأْنٍ، إِنْ نَزَلَ الْقَضَاءُ بِمَا نُحِبُّ فَنَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نَعْمَائِهِ وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى أَدَاءِ الشُّكْرِ، وَإِنْ حَالَ الْقَضَاءُ دُونَ الرَّجَاءِ فَلَمْ يَعْتَدِ مَنْ كَانَ الْحَقُّ نِيَّتَهُ، وَالتَّقْوَى سَرِيرَتَهُ. وصول كتاب عبد الله بن جعفر إلى الحسين ينصحه بالرجوع عن الكوفة قَالَ: وَأَدْرَكَ الْحُسَيْنَ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَعَ ابْنَيْهِ عَوْنٍ وَمُحَمَّدٍ، وَفِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ لَمَا انْصَرَفْتَ حِينَ تَقْرَأُ كِتَابِي هَذَا، فَإِنِّي مُشْفِقٌ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ هَلَاكُكَ وَاسْتِئْصَالُ أَهْلِ بَيْتِكَ، إِنْ هَلَكْتَ الْيَوْمَ طُفِئَ نُورُ الْأَرْضِ، فَإِنَّكَ عَلَمُ الْمُهْتَدِينَ وَرَجَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا تَعْجَلْ بِالسَّيْرِ فَإِنِّي فِي إِثْرِ كِتَابِي، وَالسَّلَامُ. وَقِيلَ: وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ لِلْحُسَيْنِ كِتَابًا تَجْعَلُ لَهُ الْأَمَانَ فِيهِ وَتُمَنِّيهِ فِيهِ الْبِرَّ وَالصِّلَةَ وَاسْأَلْهُ الرُّجُوعَ. وَكَانَ عَمْرٌو عَامِلَ يَزِيدَ عَلَى مَكَّةَ، فَفَعَلَ عَمْرٌو ذَلِكَ وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ أَخِيهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَمَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَلَحِقَاهُ وَقَرَآ عَلَيْهِ الْكِتَابَ وَجَهِدَا أَنْ يَرْجِعَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَانَ مِمَّا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِمَا أَنْ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رُؤْيَا رَأَيْتُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأُمِرْتُ فِيهَا بِأَمْرٍ أَنَا مَاضٍ لَهُ، عَلَيَّ كَانَ أَوْ لِي. فَقَالَا: مَا تِلْكَ الرُّؤْيَا ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُ بِهَا أَحَدًا وَمَا أَنَا مُحَدِّثٌ بِهَا أَحَدًا حَتَّى أَلْقَى رَبِّي. بلوغ عبيد الله بن زياد مسير الحسين إلى الكوفة وَلَمَّا بَلَغَ ابْنَ زِيَادٍ مَسِيرُ الْحُسَيْنِ مِنْ مَكَّةَ بَعَثَ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ التَّمِيمِيَّ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ فَنَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ وَنَظَّمَ الْخَيْلَ مَا بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى خَفَّانِ، وَمَا بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى الْقُطْقُطَانَةِ وَإِلَى جَبَلِ لَعْلَعَ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحُسَيْنُ الْحَاجِزَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ قَيْسِ بْنِ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيِّ يُعَرِّفُهُمْ قُدُومَهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى قَيْسٌ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ أَخَذَهُ الْحُصَيْنُ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: اصْعَدِ الْقَصْرَ فَسُبَّ الْكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ. فَصَعِدَ قَيْسٌ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ خَيْرُ خَلْقِ اللَّهِ، ابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ وَقَدْ فَارَقْتُهُ بِالْحَاجِرِ فَأَجِيبُوهُ، ثُمَّ لَعَنَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَبَاهُ وَاسْتَغْفَرَ لَعَلِيٍّ. فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ زِيَادٍ فَرُمِيَ مِنْ أَعْلَى الْقَصْرِ فَتَقَطَّعَ فَمَاتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ الْحُسَيْنُ يَسِيرُ نَحْوَ الْكُوفَةِ فَانْتَهَى إِلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، فَإِذَا عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ! مَا أَقْدَمَكَ ؟ فَاحْتَمَلَهُ فَأَنْزَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ الْحُسَيْنُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَحُرْمَةَ الْإِسْلَامِ أَنْ تُنْتَهَكَ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي حُرْمَةِ قُرَيْشٍ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي حُرْمَةِ الْعَرَبِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ طَلَبْتَ مَا فِي أَيْدِي بَنِي أُمَيَّةَ لَيَقْتُلُنَّكَ، وَلَئِنْ قَتَلُوكَ لَا يَهَابُونَ بَعْدَكَ أَحَدًا أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَحُرْمَةُ الْإِسْلَامِ [ تُنْتَهَكُ ] وَحُرْمَةُ قُرَيْشٍ وَحُرْمَةُ الْعَرَبِ، فَلَا تَفْعَلْ وَلَا تَأْتِ الْكُوفَةَ وَلَا تُعَرِّضْ نَفْسَكَ لِبَنِي أُمَيَّةَ ! فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَمْضِيَ. وَكَانَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ الْبَجَلِيُّ قَدْ حَجَّ، وَكَانَ عُثْمَانِيًّا، فَلَمَّا عَادَ جَمَعَهُمَا الطَّرِيقُ، وَكَانَ يُسَايِرُ الْحُسَيْنَ مِنْ مَكَّةَ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ مَعَهُ، فَاسْتَدْعَاهُ يَوْمًا الْحُسَيْنُ فَشُقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثُمَّ أَجَابَهُ عَلَى كُرْهٍ، فَلَمَّا عَادَ مِنْ عِنْدِهِ نَقَلَ ثَقَلَهُ إِلَى ثَقَلِ الْحُسَيْنِ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَتْبَعَنِي وَإِلَّا فَإِنَّهُ آخِرُ الْعَهْدِ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا، غَزَوْنَا بَلَنْجَرَ فَفُتِحَ عَلَيْنَا وَأَصَبْنَا غَنَائِمَ فَفَرِحْنَا وَكَانَ مَعَنَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فَقَالَ لَنَا: إِذَا أَدْرَكْتُمْ سَيِّدَ شَبَابِ أَهْلِ مُحَمَّدٍ فَكُونُوا أَشَدَّ فَرَحًا بِقِتَالِكُمْ مَعَهُ بِمَا أَصَبْتُمُ الْيَوْمَ مِنَ الْغَنَائِمِ، فَأَمَّا أَنَا فَأَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ ! ثُمَّ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَقَالَ لَهَا: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُصِيبَكِ فِي سَبَبِي إِلَّا خَيْرٌ. وَلَزِمَ الْحُسَيْنَ حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ. وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل إلى الحسين وَأَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ بِالثَّعْلَبِيَّةِ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَنْشُدُكَ إِلَّا رَجَعْتَ مِنْ مَكَانِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِالْكُوفَةِ نَاصِرٌ وَلَا شِيعَةٌ بَلْ نَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْكَ ! فَوَثَبَ بَنُو عَقِيلٍ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَبْرَحُ حَتَّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا أَوْ نَذُوقَ كَمَا ذَاقَ مُسْلِمٌ ! فَقَالَ الْحُسَيْنُ: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ هَؤُلَاءِ: فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا أَنْتَ مِثْلَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، وَلَوْ قَدِمْتَ الْكُوفَةَ لَكَانَ النَّاسُ إِلَيْكَ أَسْرَعَ. ثُمَّ ارْتَحَلُوا فَانْتَهَوْا إِلَى زُبَالَةَ، وَكَانَ لَا يَمُرُّ بِمَاءٍ إِلَّا اتَّبَعَهُ مَنْ عَلَيْهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى زُبَالَةَ، فَأَتَاهُ خَبَرُ مَقْتَلِ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُقْطُرَ، وَكَانَ سَرَّحَهُ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ مِنَ الطَّرِيقِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِقَتْلِهِ، فَأَخَذَتْهُ خَيْلُ الْحُصَيْنِ، فَسَيَّرَهُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ: اصْعَدْ فَوْقَ الْقَصْرِ وَالْعَنِ الْكَذَّابَ ابْنَ الْكَذَّابِ ثُمَّ انْزِلْ حَتَّى أَرَى فِيكَ رَأْيِي. فَصَعِدَ فَأَعْلَمَ النَّاسَ بِقُدُومِ الْحُسَيْنِ وَلَعَنَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَبَاهُ، فَأَلْقَاهُ مِنَ الْقَصْرِ فَتَكَسَّرَتْ عِظَامُهُ وَبَقِيَ بِهِ رَمَقٌ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّخْمِيُّ فَذَبَحَهُ فَلَمَّا عِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُرِيحَهُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي ذَبَحَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ يُشْبِهُ عَبْدَ الْمَلِكِ. فَلَمَّا أَتَى الْحُسَيْنَ خَبَرُ قَتْلِ أَخِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَمُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ أَعْلَمَ النَّاسَ ذَلِكَ وَقَالَ: قَدْ خَذَلَنَا شِيعَتُنَا، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفْ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنَّا ذِمَامٌ. فَتَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا حَتَّى بَقِيَ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْأَعْرَابَ ظَنُّوا أَنَّهُ يَأْتِي بَلَدًا قَدِ اسْتَقَامَتْ لَهُ طَاعَةُ أَهْلِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَعْلَمُوا عَلَامَ يَقَدَمُونَ. وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا بَيَّنَ لَهُمُ الْأَمْرَ لَمْ يَصْحَبْهُ إِلَّا مَنْ يُرِيدُ مُوَاسَاتَهُ فِي الْمَوْتِ مَعَهُ

  116. التاريخ 2207لا حكم مسجّل

    ( مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ) وَمِمَّنْ ذُكِرَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتِّينَ - صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ  بْنِ رَحَضَةَ بْنِ الْمُؤَمَّلِ بْنِ خُزَاعِيٍّ، أَبُو عَمْرٍو، وَأَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْمُرَيْسِيعُ، وَكَانَ فِي السَّاقَةِ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ الَّذِي رَمَاهُ أَهْلُ الْإِفْكِ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، ؓ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهَا مِمَّا قَالُوا، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَنَامُ نَوْمًا شَدِيدًا حَتَّى إِنَّهُ كَانَ رُبَّمَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهُوَ نَائِمٌ لَا يَسْتَيْقِظُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا اسْتَيْقَظْتَ فَصَلِّ ". وَقَدْ قُتِلَ صَفْوَانُ شَهِيدًا. بلال بن الحارث بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ  ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ مِنْ بَنِي قُرَّةَ بْنِ مَازِنٍ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مُزَيْنَةَ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ يَسْتَنْفِرَانِهِمْ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ مَكَّةَ، وَحَمَلَ بِلَالٌ أَحَدَ أَلْوِيَةِ مُزَيْنَةَ الثَّلَاثَةِ الَّتِي عَقَدَهَا لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَكَانَ يَسْكُنُ جَبَلَ مُزَيْنَةَ وَيَأْتِي الْمَدِينَةَ كَثِيرًا. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. خراش بن أمية بن ربيعة خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ رَبِيعَةَ  ، أَبُو نَضْلَةَ: شَهِدَ الْمُرَيْسِيعَ وَالْحُدَيْبِيَةَ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قُرَيْشٍ عَلَى جَمَلٍ لَهُ يَقُولُ: إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَلَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ، فَعَرَفُوا جَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَرَادُوا قِتَالَ خِرَاشٍ فَمَنَعَهُ مَنْ هُنَاكَ مِنْ قَوْمِهِ، فَرَجَعَ وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا لَقِيَ، وَقَالَ: ابْعَثْ أَمْنَعَ مِنِّي، فَدَعَا عُمَرَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي لَهَا، وَلَيْسَ بِهَا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَنْ يَمْنَعُنِي، فَإِنْ أَحْبَبْتَ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَقَالَ عُمَرُ: لَكِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ أَعَزَّ مِنِّي بِمَكَّةَ وَأَكْثَرَ عَشِيرَةً، وَأَمْنَعَ: عُثْمَانُ، فَدَعَاهُ، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ. وَخِرَاشٌ هُوَ الَّذِي حَلَقَ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَحَلَقَهُ أَيْضًا فِي عُمْرَةِ الْجِعِرَّانَةِ، وَمَا زَالَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ قُبِضَ، وَمَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ. 404 عبد الله بن ثوب أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْبٍ، أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: بَيْنَا الْأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ الْعَنْسِيُّ بِالْيَمَنِ فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ فَقَالَ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: مَا أَسْمَعُ، قَالَ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: مَا أَسْمَعُ قَالَ: فَأَمَرَ بِنَارٍ عَظِيمَةٍ فَأُجِّجَتْ، فَطُرِحَ فِيهَا أَبُو مُسْلِمٍ فَلَمْ تَضَرَّهُ، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ: إِنْ تَرَكْتَ هَذَا فِي بِلَادِكَ أَفْسَدَهَا عَلَيْكَ. فَأَمَرَهُ بِالرَّحِيلِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَامَ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ يُصَلِّي، فَبَصُرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ الرَّجُلُ ؟ قَالَ: مِنَ الْيَمَنِ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ عَدُوُّ اللَّهِ بِصَاحِبِنَا الَّذِي حَرَّقَهُ بِالنَّارِ فَلَمْ تَضُرَّهُ ؟ فَقَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْبٍ. قَالَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ أَنَّكَ هُوَ. قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ حَتَّى أَجْلَسَهُ بَيَنْهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتَّى أَرَانِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْ فُعِلَ بِهِ كَمَا فُعِلَ بِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْمَسْجِدِ إِلَى أَهْلِهِ كَبَّرَ عَلَى بَابِ مَنْزِلِهِ، فَتُكَبِّرُ امْرَأَتُهُ، فَإِذَا كَانَ فِي صَحْنِ دَارِهِ كَبَّرَ فَتُجِيبُهُ امْرَأَتُهُ. فَانْصَرَفَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَكَبَّرَ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي الصَّحْنِ كَبَّرَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَابِ بَيْتِهِ [كَبَّرَ ] فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ أَخَذَتِ امْرَأَتُهُ رِدَاءَهُ وَنَعْلَيْهِ، ثُمَّ أَتَتْهُ بِطَعَامِهِ. قَالَ: فَدَخَلَ، فَإِذَا الْبَيْتُ فِيهِ سِرَاجٌ، وَإِذَا امْرَأَتُهُ جَالِسَةٌ مُنَكِّسَةٌ تَنْكُثُ بِعَوْدٍ مَعَهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ ؟ قَالَتْ: أَنْتَ لَكَ مَنْزِلَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَلَيْسَ لَنَا خَادِمٌ، فَلَوْ سَأَلْتَهُ فَأَخْدَمَنَا وَأَعْطَاكَ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ مَنْ أَفْسَدَ عَلَيَّ امْرَأَتِي فَأَعْمِ بَصَرَهُ. قَالَ: وَكَانَتْ قَدْ جَاءَتْهَا امْرَأَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَتْ: زَوْجُكِ لَهُ مَنْزِلَةٌ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَلَوْ قُلْتِ لَهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِخِدْمَةٍ وَيُعْطِيهِ عِشْتُمْ. قَالَ: فَبَيْنَا تِلْكَ الْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ فِي بَيْتِهَا أَنْكَرَتْ بَصَرَهَا، فَقَالَتْ: مَا لِسِرَاجِكُمْ طُفِئَ ؟ قَالُوا: لَا فَعَرَفَتْ ذَنْبَهَا، فَأَقْبَلَتْ إِلَى أَبِي مُسْلِمٍ تَبْكِي وَتَسْأَلُهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا بَصَرَهَا. فَرَحِمَهَا أَبُو مُسْلِمٍ، فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَرَدَّ عَلَيْهَا بَصَرَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَرَجَعَتْ. النعمان بن بشير النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جِلَاسٍ  : أُمُّهُ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ مِنَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَحَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرَةٍ، فَتَلَمَّظَ بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " [انْظُرُوا ] إِلَى الْأَنْصَارِ وَحُبِّهَا لِلتَّمْرِ ". تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ. وَرَوَى [عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ]، وَكَانَ مِمَّنْ نَصَرَ عُثْمَانَ، وَقَدِمَ بِقَمِيصِهِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَبَعَثَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْكُوفَةِ أَمِيرًا، فَأَقَامَ بِهَا وَالِيًا عَلَيْهَا سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، ثُمَّ آلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ دَعَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ أَهْلُ حِمْصَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وعن الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: لَمَّا عُزِلَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ الْكُوفَةِ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ حِمْصَ، فَوَفَدَ عَلَيْهِ أَعْشَى هَمْدَانَ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ أَبَا الْمُصَبَّحِ قَالَ: جِئْتُ لِتَصِلَنِيَ، وَتَحْفَظَ قَرَابَتِي، وَتَقْضِيَ دَيْنِي. فَأَطْرَقَ النُّعْمَانُ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا [عِنْدِي ] شَيْءٌ. ثُمَّ قَالَ: هِيهْ، كَأَنَّهُ ذَكَرَ شَيْئًا، فَقَامَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ - وَهُمْ فِي الدِّيوَانِ عِشْرُونَ أَلْفًا - هَذَا ابْنُ عَمٍّ لَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَفِ، قَدِمَ عَلَيْكُمْ يَسْتَرْفِدُكُمْ، فَمَا تَرَوْنَ فِيهِ ؟ فَقَالُوا: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، احْكُمْ لَهُ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ. قَالُوا: فَإِنَّا قَدْ حَكَمْنَا لَهُ عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْ كُلِّ رَجُلٍ فِي الْعَطَاءِ بِدِينَارٍ مِنْ دِينَارَيْنِ تَعَجَّلَهَا لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. فَقَبَضَهَا وَأَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَمْ أَرَ لِلْحَاجَاتِ عِنْدَ انْكِمَاشِهَا كَنُعْمَانَ نُعْمَانَ النَّدَى ابْنِ بَشِيرٍ     إِذَا قَالَ أَوْفَى بِالْمَقَالِ وَلَمْ يَكُنْ كَمُدْلٍ إِلَى الْأَقْوَامِ حَبْلَ غُرُورٍ     مَتَى أَنْجَدَ النُّعْمَانُ لَا أَكُ شَاكِرًا وَلَا خَيْرَ مَنْ لَا يَقْتَدِي بِشَكُورٍ ( وَفِيهَا مَاتَ جُرْهُدٌ الْأَسْلَمِيُّ  لَهُ صُحْبَةٌ ).

  117. التاريخ 2208لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، ؓ   واسْتَهَلَّتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَائِرٌ إِلَى الْكُوفَةِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْعِرَاقِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ وَقَرَابَاتُهُ وَهَذِهِ صِفَةُ مَقْتَلِهِ، ؓ  ، مَأْخُوذَةً مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ، لَا كَمَا يَزْعُمُهُ أَهْلُ التَّشَيُّعِ مِنَ الْكَذِبِ الصَّرِيحِ وَالْبُهْتَانِ قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمٍ وَالْمَذْرِيِّ بْنِ الْمُشْمَعِلِّ الْأَسَدِيَّيْنِ قَالَا: أَقْبَلَ الْحُسَيْنُ، فَلَمَّا نَزَلَ شَرَافَ قَالَ لِغِلْمَانِهِ وَقْتَ السَّحَرِ: اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ. فَأَكْثَرُوا ثُمَّ سَارُوا إِلَى صَدْرِ النَّهَارِ، فَسَمِعَ الْحُسَيْنُ رَجُلًا يُكَبِّرُ فَقَالَ لَهُ: مِمَّ كَبَّرْتَ ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّخْلَ. فَقَالَ لَهُ الْأَسَدِيَّانِ: إِنَّ هَذَا الْمَكَانَ لَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنْهُ نَخْلَةً. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: فَمَاذَا تَرَيَانِهِ رَأَى ؟ فَقَالَا: هَذِهِ الْخَيْلُ قَدْ أَقْبَلَتْ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: أَمَا لَنَا مَلْجَأٌ نَجْعَلُهُ فِي ظُهُورِنَا وَنَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ؟ فَقَالَا: بَلَى، ذُو حُسُمٍ. فَأَخَذَ ذَاتَ الْيَسَارِ إِلَى ذِي حُسُمٍ فَنَزَلَ، وَأَمَرَ بِأَبْنِيَتِهِ فَضُرِبَتْ، وَجَاءَ الْقَوْمُ وَهُمْ أَلْفُ فَارِسٍ مَعَ الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ التَّمِيمِيِّ، وَهُمْ مُقَدِّمَةُ الْجَيْشِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ، حَتَّى وَقَفُوا فِي مُقَابَلَتِهِ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، وَالْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ مُعْتَمُّونَ مُتَقَلِّدُونَ سُيُوفَهُمْ، فَأَمَرَ الْحُسَيْنُ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَرَوَّوْا مِنَ الْمَاءِ وَيَسْقُوا خُيُولَهُمْ، وَأَنْ يَسْقُوا خُيُولَ أَعْدَائِهِمْ أَيْضًا. وَرَوَى هُوَ وَغَيْرُهُ قَالُوا: لَمَّا دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ أَمَرَ الْحُسَيْنُ الْحَجَّاجَ بْنَ مَسْرُوقٍ الْجُعْفِيَّ فَأَذَّنَ، ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فَخَطَبَ النَّاسَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَعْدَائِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا مَعْذِرَةٌ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، إِنِّي لَمْ آتِكُمْ حَتَّى أَتَتْنِي كُتُبُكُمْ وَرُسُلُكُمْ أَنْ أَقْدِمْ إِلَيْنَا فَلَيْسَ لَنَا إِمَامٌ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا بِكَ عَلَى الْهُدَى، فَقَدْ جِئْتُكُمْ، فَإِنْ تُعْطُونِي مَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنْ عُهُودِكُمْ أَقْدَمُ مِصْرَكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أَوْ كُنْتُمْ لِمَقَدَمِي كَارِهِينَ انْصَرَفْتُ عَنْكُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَقْبَلْتُ مِنْهُ. فَسَكَتُوا ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَالَ الْحُسَيْنُ لِلْحُرِّ: تُرِيدُ أَنْ تُصَلِّيَ بِأَصْحَابِكَ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صِلِّ أَنْتَ وَنُصَلِّي نَحْنُ وَرَاءَكَ. فَصَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ دَخَلَ إِلَى خَيْمَتِهِ، وَاجْتَمَعَ بِهِ أَصْحَابُهُ، وَانْصَرَفَ الْحُرُّ إِلَى جَيْشِهِ، وَكُلٌّ عَلَى أُهْبَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْعَصْرِ صَلَّى بِهِمُ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ وَخَلْعِ مَنْ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَدْعِيَاءِ السَّائِرِينَ بِالْجَوْرِ فِي الرَّعِيَّةِ. فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: إِنَّا لَا نَدْرِي مَا هَذِهِ الْكُتُبُ، وَلَا مَنْ كَتَبَهَا. فَأَحْضَرَ الْحُسَيْنُ خُرْجَيْنِ مَمْلُوءَيْنِ كُتُبًا، فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَرَأَ مِنْهَا طَائِفَةً، فَقَالَ الْحُرُّ: لَسْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَتَبُوا إِلَيْكَ، وَقَدْ أُمِرْنَا إِذَا نَحْنُ لَقِينَاكَ أَنْ لَا نُفَارِقُكَ حَتَّى نُقْدِمَكَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ الْحُسَيْنُ: الْمَوْتُ أَدْنَى إِلَيْكَ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ الْحُسَيْنُ لِأَصْحَابِهِ: ارْكَبُوا، فَرَكِبُوا وَرَكِبَ النِّسَاءُ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ حَالَ الْقَوْمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِانْصِرَافِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ لِلْحُرِّ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، مَا تُرِيدُ ؟ فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُهَا لِي مِنَ الْعَرَبِ وَهُوَ عَلَى مِثْلِ الْحَالِ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا لَأَقْتَصَّنَّ مِنْهُ، وَلَمَا تَرَكْتُ ذِكْرَ أُمِّهِ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى ذِكْرِ أُمِّكَ إِلَّا بِأَحْسَنِ مَا نقَدْرُ عَلَيْهِ. وَتَقَاوَلَ الْقَوْمُ وَتَرَاجَعُوا، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: إِنِّي لَمْ أُؤْمَرْ بِقِتَالِكَ، وَإِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ لَا أُفَارِقَكَ حَتَّى أُقْدِمَكَ الْكُوفَةَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَإِذَا أَبَيْتَ فَخُذْ طَرِيقًا لَا تُقْدِمُكَ الْكُوفَةَ وَلَا تَرُدَّكَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَكْتُبُ أَنَا إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، وَاكْتُبْ أَنْتَ إِلَى يَزِيدَ، أَوْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ إِنْ شِئْتَ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يَرْزُقُنِي فِيهِ الْعَافِيَةَ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِكَ. قَالَ: فَأَخَذَ الْحُسَيْنُ يَسَارًا عَنْ طَرِيقِ الْعُذَيْبِ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَالْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ يُسَايِرُهُ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ: يَا حُسَيْنُ، إِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَئِنْ قَاتَلْتَ لَتُقْتَلَنَّ، وَلَئِنْ قُوتِلْتَ لَتَهْلِكَنَّ فِيمَا أَرَى. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَفَبِالْمَوْتِ تُخَوِّفُنِي ؟ وَلَكِنْ أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخُو الْأَوْسِ لِابْنِ عَمِّهِ وَقَدْ لَقِيَهُ وَهُوَ يُرِيدُ نُصْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ فَإِنَّكَ مَقْتُولٌ ؟ فَقَالَ: سَأَمْضِي وَمَا بِالْمَوْتِ عَارٌ عَلَى الْفَتَى إِذَا مَا نَوَى حَقًّا وَجَاهَدَ مُسْلِمًا     وَآسَى الرِّجَالَ الصَّالِحِينَ بِنَفْسِهِ وَفَارَقَ خَوْفًا أَنْ يَعِيشَ وَيُرْغَمَا وَيُرْوَى عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى: سَأَمْضِي وَمَا بِالْمَوْتِ عَارٌ عَلَى امْرِئٍ     إِذَا مَا نَوَى حَقًّا وَلَمْ يُلْفَ مُجْرِمًا فَإِنْ مِتُّ لَمْ أَنْدَمْ وَإِنْ عِشْتُ لَمْ أُلَمْ     كَفَى بِكَ مَوْتًا أَنْ تُذَلَّ وَتُرْغَمَا فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْحُرُّ مِنْهُ تَنَحَّى عَنْهُ وَجَعَلَ يَسِيرُ بِأَصْحَابِهِ نَاحِيَةً عَنْهُ، فَانْتَهَوْا إِلَى عُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ، وَكَانَ بِهَا هَجَائِنُ النُّعْمَانِ تَرْعَى هُنَالِكَ، وَإِذَا سَفْرٌ أَرْبَعَةٌ - أَيْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ - قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى رَوَاحِلِهِمْ يَخُبُّونَ وَيَجْنُبُونَ فَرَسًا لِنَافِعِ بْنِ هِلَالٍ يُقَالُ لَهُ: الْكَامِلُ. يَقْصِدُونَ الْحُسَيْنَ، وَدَلِيلُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الطِّرِمَّاحُ بْنُ عَدِيٍّ. رَاكِبٌ عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَاقَتِي لَا تُذْعَرِي مِنْ زَجْرِي     وَشَمِّرِي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِخَيْرِ رُكْبَانٍ وَخَيْرِ سَفْرِ     حَتَّى تَحَلِّي بِكَرِيمِ النَّجْرِ الْمَاجِدِ الْحُرِّ رَحِيبِ الصَّدْرِ     أَتَى بِهِ اللَّهُ لِخَيْرِ أَمْرِ ثُمَّتَ أَبْقَاهُ بَقَاءَ الدَّهْرِ فَأَرَادَ الْحُرُّ أَنْ يَحُولَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحُسَيْنِ، فَمَنَعَهُ الْحُسَيْنُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَلَصُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنِ النَّاسِ وَرَاءَكُمْ. فَقَالَ لَهُ مُجَمِّعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَائِذِيُّ أَحَدُ النَّفَرِ الْأَرْبَعَةِ: أَمَّا أَشْرَافُ النَّاسِ فَهُمْ أَلْبٌ وَاحِدٌ عَلَيْكَ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ عَظُمَتْ رِشْوَتُهُمْ وَمُلِئَتْ غَرَائِرُهُمْ، يُسْتَمَالُ بِذَلِكَ وُدُّهُمْ وَيُسْتَخْلَصُ بِهِ نَصِيحَتُهُمْ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّاسِ فَأَفْئِدَتُهُمْ تَهْوَى إِلَيْكَ، وَسُيُوفُهُمْ غَدًا مَشْهُورَةٌ عَلَيْكَ. قَالَ لَهُمْ: فَهَلْ لَكَمَ بِرَسُولَيْ عِلْمٍ ؟ قَالُوا: وَمَنْ رَسُولُكَ ؟ قَالَ: قَيْسُ بْنُ مُسْهِرٍ الصَّيْدَاوِيُّ. قَالُوا: نَعَمْ، أَخَذَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَأَمَرَهُ ابْنُ زِيَادٍ أَنْ يَلْعَنَكَ وَيَلْعَنَ أَبَاكَ، فَصَلَّى عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ، وَلَعَنَ ابْنَ زِيَادٍ وَأَبَاهُ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى نُصْرَتِكَ وَأَخْبَرَهُمْ بِقُدُومِكَ، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُلْقِيَ مِنْ رَأَسَ الْقَصْرِ فَمَاتَ. فَتَرَقْرَقَتْ عَيْنَا الْحُسَيْنِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ الْأَحْزَابِ: 23 ]. اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَنَازِلَهُمُ الْجَنَّةَ، وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي مُسْتَقَرٍّ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَرَغَائِبِ مَذْخُورِ ثَوَابِكَ. ثُمَّ إِنَّ الطِّرِمَّاحَ بْنَ عَدِيٍّ قَالَ لِلْحُسَيْنِ: أَنْظُرُ فَمَا أَرَى مَعَكَ أَحَدًا إِلَّا هَذِهِ الشِّرْذِمَةَ الْيَسِيرَةَ، وَإِنِّي لَأَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ يُسَايِرُونَكَ أَكْفَاءً لِمَنْ مَعَكَ، فَكَيْفَ وَظَاهِرُ الْكُوفَةِ مَمْلُوءٌ بِالْخُيُولِ وَالْجُيُوشِ يُعْرَضُونَ لِيَقْصِدُوكَ ؟ ! فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تُقْدِمَ إِلَيْهِمْ شِبْرًا إِلَّا فَعَلْتَ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَنْزِلَ بَلَدًا يَمْنَعُكَ اللَّهُ بِهِ حَتَّى تَرَى رَأْيَكَ، فَسِرْ مَعِي حَتَّى أُنْزِلَكَ مَنَاعَ جَبَلِنَا، وَهُوَ أَجَأٌ مَنَعَنَا اللَّهُ بِهِ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ وَحِمْيَرَ، وَمِنَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَمِنَ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ، وَاللَّهِ إِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا ذُلٌّ قَطُّ ; فَأَسِيرُ مَعَكَ حَتَّى أُنْزِلَكَ الْقُرَيَّةَ، ثُمَّ نَبْعَثُ إِلَى الرِّجَالِ مِنْ أَجَأَ وَسَلْمَى مِنْ طَيِّئٍ، ثُمَّ أَقِمْ فِينَا مَا بَدَا لَكَ، فَأَنَا زَعِيمٌ بِعَشَرَةِ آلَافِ طَائِيٍّ يَضْرِبُونَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِأَسْيَافِهِمْ، وَاللَّهِ لَا يُوصَلُ إِلَيْكَ أَبَدًا وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. وَلَمْ يَرْجِعْ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ، فَوَدَّعَهُ الطِّرِمَّاحُ، وَمَضَى الْحُسَيْنُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ أَمَرَ فِتْيَانَهُ أَنْ يَسْتَقُوا مِنَ الْمَاءِ كِفَايَتَهُمْ، ثُمَّ سَرَى، فَنَعَسَ فِي مَسِيرِهِ حَتَّى خَفَقَ بِرَأْسِهِ، وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ فَارِسًا عَلَى فَرَسٍ وَهُوَ يَقُولُ: الْقَوْمُ يَسِيرُونَ وَالْمَنَايَا تَسْرِي إِلَيْهِمْ. فَعَلِمْتُ أَنَّهَا أَنْفُسُنَا نُعِيَتْ إِلَيْنَا. فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ وَعَجَّلَ الرُّكُوبَ. كتاب ابن زياد إلى الحر بن يزيد ثُمَّ تَيَاسَرَ فِي مَسِيرِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى نِينَوَى، فَإِذَا رَاكِبٌ مُتَنَكِّبٌ قَوْسًا قَدْ قَدِمَ مِنَ الْكُوفَةِ فَسَلَّمَ عَلَى الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ، وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَدَفَعَ إِلَى الْحُرِّ كِتَابًا مِنِ ابْنِ زِيَادٍ، وَمَضْمُونُهُ أَنْ يَعْدِلَ بِالْحُسَيْنِ فِي السَّيْرِ إِلَى الْعِرَاقِ فِي غَيْرِ قَرْيَةٍ وَلَا حِصْنٍ، حَتَّى تَأْتِيَهُ رُسُلُهُ وَجُنُودُهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَمِيسِ الثَّانِي مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَكَانَ قَدْ جَهَّزَهُ ابْنُ زِيَادٍ فِي هَؤُلَاءِ إِلَى الدَّيْلَمِ، وَخَيَّمَ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَمْرُ الْحُسَيْنِ قَالَ لَهُ: سِرْ إِلَيْهِ، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنْهُ فَسِرْ إِلَى الدَّيْلَمِ. فَاسْتَعْفَاهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: إِنْ شِئْتَ أَعْفَيْتُكَ وَعَزَلْتُكَ عَنْ وِلَايَةِ هَذِهِ الْبِلَادِ الَّتِي قَدِ اسْتَنَبْتُكَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِي. فَجَعَلَ لَا يَسْتَشِيرُ أَحَدًا إِلَّا نَهَاهُ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى الْحُسَيْنِ، حَتَّى قَالَ لَهُ ابْنُ أُخْتِهِ حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: إِيَّاكَ أَنْ تَسِيرَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَتَعْصِيَ رَبَّكَ وَتَقْطَعَ رَحِمَكَ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ تَخْرُجَ مِنْ سُلْطَانِ الْأَرْضِ كُلِّهَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَلْقَى اللَّهَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ. فَقَالَ: إِنِّي أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ تَهَدَّدَهُ وَتَوَعَّدَهُ بِالْعَزْلِ وَالْقَتْلِ، فَسَارَ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَنَازَلَهُ فِي الْمَكَانَ الَّذِي ذَكَرْنَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْحُسَيْنِ الرُّسُلَ: مَا الَّذِي أقْدَمَكَ ؟ فَقَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ أَهْلُ الْكُوفَةِ أَنْ أَقَدَمَ عَلَيْهِمْ، فَإِذْ قَدْ كَرِهُونِي فَأَنَا أَرْجِعُ إِلَى مَكَّةَ وَأَذَرُكُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ هَذَا قَالَ: أَرْجُو أَنْ يُعَافِيَنِي اللَّهُ مِنْ حَرْبِهِ. وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ بِذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ زِيَادٍ أَنْ حُلْ بَيْنِهِمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ، كَمَا فُعِلَ بِالتَّقِيِّ الزَّكِيِّ الْمَظْلُومِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَاعْرِضْ عَلَى الْحُسَيْنِ أَنْ يُبَايِعَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ رَأَيْنَا رَأْيَنَا. منع الماء عن الحسين وأصحابه وَجَعَلَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ يَمْنَعُونَ أَصْحَابَ الْحُسَيْنِ مِنَ الْمَاءِ وَعَلَى سَرِيَّةٍ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ، فَدَعَا عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بِالْعَطَشِ، فَمَاتَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ. ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ طَلَبَ مِنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ، فَجَاءَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا، فَتَكَلَّمَا طَوِيلًا حَتَّى ذَهَبَ هَزِيعٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَا قَالَا، وَلَكِنْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ سَأَلَهُ أَنْ يَذْهَبَ مَعَهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَيَتْرُكَا الْعَسْكَرَيْنِ مُتَوَاقِفَيْنَ، فَقَالَ عُمَرُ: إِذَنْ يَهْدِمُ ابْنُ زِيَادٍ دَارِي. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: أَنَا أَبْنِيهَا لَكَ. قَالَ: إِذَنْ يَأْخُذُ ضَيَاعِي. قَالَ: أَنَا أُعْطِيكَ خَيْرًا مِنْهَا مِنْ مَالِي بِالْحِجَازِ. قَالَ: فَتَكَرَّهَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ سَأَلَ مِنْهُ إِمَّا أَنْ يَذْهَبَا إِلَى يَزِيدَ، أَوْ يَتْرُكَهُ يَرْجِعُ إِلَى الْحِجَازِ، أَوْ يَذْهَبُ إِلَى بَعْضِ الثُّغُورِ فَيُقَاتِلَ التُّرْكَ. تخيير الحسين بين القتال أو النزول على حكم عبيد الله بن زياد فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ، قَدْ قَبِلْتُ. فَقَامَ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِكَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ حُسَيْنًا وَعُمَرَ بْنَ سَعْدٍ يَجْلِسَانِ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ فَيَتَحَدَّثَانِ عَامَّةَ اللَّيْلِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: فَنِعْمَ مَا رَأَيْتَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ بسنده عَنْ عُقْبَةَ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: لَقَدْ صَحِبْتُ الْحُسَيْنَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى حِينِ قُتِلَ، وَاللَّهِ مَا مِنْ كَلِمَةٍ قَالَهَا فِي مَوْطِنٍ إِلَّا وَقَدْ سَمِعْتُهَا، وَإِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى يَزِيدَ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، وَلَا أَنْ يَذْهَبَ إِلَى ثَغْرٍ مِنَ الثُّغُورِ وَلَكِنْ طَلَبَ مِنْهُمْ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، وَإِمَّا أَنْ يَدَعُوهُ يَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ حَتَّى يَنْظُرَ مَا يَصِيرُ أَمْرُ النَّاسِ إِلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ بَعَثَ شَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَإِنْ جَاءَ حُسَيْنٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى حُكْمِي، وَإِلَّا فَمُرْ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، فَإِنْ تَبَاطَأَ عَنْ ذَلِكَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، ثُمَّ أَنْتَ الْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ يَتَهَدَّدُهُ عَلَى تَوَانِيهِ فِي قِتَالِ الْحُسَيْنِ، وَأَمَرَهُ إِنْ لَمْ يَجِئِ الْحُسَيْنُ إِلَيْهِ أَنْ يُقَاتِلَهُ وَمَنْ مَعَهُ، فَإِنَّهُمْ مُشَاقُّونَ. فَاسْتَأْمَنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُحِلِّ لِبَنِي عَمَّتِهِ أُمِّ الْبَنِينَ بِنْتِ حِزَامٍ مِنْ عَلِيٍّ ; وَهُمُ الْعَبَّاسُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَجَعْفَرٌ وَعُثْمَانُ. فَكَتَبَ لَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ كِتَابَ أَمَانٍ، وَبَعْثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْمُحِلِّ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ: كُزْمَانُ. فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا: أَمَّا أَمَانُ ابْنِ سُمَيَّةَ فَلَا نُرِيدُهُ، وَإِنَّا لَنَرْجُو أَمَانًا خَيْرًا مِنْ أَمَانِ ابْنِ سُمَيَّةَ. وَلَمَّا قَدِمَ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ عَلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بِكِتَابِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَبْعَدَ اللَّهُ دَارَكَ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّكَ الَّذِي صَرَفْتَهُ عَنِ الَّذِي عَرَضْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي طَلَبَهَا الْحُسَيْنُ. فَقَالَ لَهُ شَمِرٌ: فَأَخْبِرْنِي مَا أَنْتَ صَانِعٌ ; أَتُقَاتِلُهُمْ أَنْتَ أَوْ تَارِكِي وَإِيَّاهُمْ ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ لَكَ، أَنَا أَتَوَلَّى ذَلِكَ. وَجَعَلَهُ عَلَى الرَّجَّالَةِ، وَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ عَشِيَّةَ يَوْمِ الْخَمِيسِ التَّاسِعِ مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَقَامَ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فَقَالَ: أَيْنَ بَنُو أُخْتِنَا ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَجَعْفَرٌ وَعُثْمَانُ بَنُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: أَنْتُمْ آمِنُونَ. فَقَالُوا: إِنْ أَمَّنْتَنَا وَابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمَانِكَ. قَالَ: ثُمَّ نَادَى عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فِي الْجَيْشِ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي. فَرَكِبُوا وَزَحَفُوا إِلَيْهِمْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِئِذٍ، هَذَا وَحُسَيْنٌ جَالِسٌ أَمَامَ خَيْمَتِهِ مُحْتَبِيًا بِسَيْفِهِ، وَنَعَسَ فَخَفَقَ بِرَأْسِهِ، وَسَمِعَتْ أُخْتُهُ زَيْنَبُ الضَّجَّةَ فَدَنَتْ مِنْهُ فَأَيْقَظَتْهُ، فَرَجَعَ بِرَأْسِهِ كَمَا هُوَ، وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لِي: " إِنَّكَ تَرُوحُ إِلَيْنَا ". فَلَطَمَتْ وَجْهَهَا، وَقَالَتْ: يَا وَيْلَتَا. فَقَالَ: لَيْسَ لَكِ الْوَيْلُ يَا أُخَيَّةُ، اسْكُنِي رَحِمَكِ الرَّحْمَنُ. وَقَالَ لَهُ أَخُوهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ: يَا أَخِي، جَاءَكَ الْقَوْمُ. فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِمْ فَسَلْهُمْ مَا بَدَا لَهُمْ. فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا فَقَالَ: مَا لَكُمْ ؟ فَقَالُوا: جَاءَ أَمْرُ الْأَمِيرِ ; إِمَّا أَنْ تَأْتُوا عَلَى حُكْمِهِ، وَإِمَّا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ. فَقَالَ: مَكَانَكُمْ حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَأُعْلِمَهُ. فَرَجَعَ وَوَقَفَ أَصْحَابُهُ، فَجَعَلُوا يَتَرَاجَعُونَ الْقَوْلَ وَيُؤَنِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَقُولُ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ: بِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ، تُرِيدُونَ قَتْلَ ذُرِّيَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ وَخِيَارَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِمْ ؟ ! ثُمَّ رَجَعَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ مِنْ عِنْدِ الْحُسَيْنِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: يَقُولُ لَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: انْصَرِفُوا عَشِيَّتَكُمْ هَذِهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ اللَّيْلَةَ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لِشَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ: مَا تَقَولُ ؟ فَقَالَ: أَنْتَ الْأَمِيرُ وَالرَّأْيُ رَأْيُكَ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ سَلَمَةَ الزُّبَيْدِيُّ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! وَاللَّهِ لَوْ سَأَلَكُمْ ذَلِكَ رَجُلٌ مَنَ الدَّيْلَمِ لَكَانَ يَنْبَغِي إِجَابَتُهُ. وَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ: أَجِبْهُمْ إِلَى مَا سَأَلُوكَ، فَلَعَمْرِي لَيُصَبِّحُنَّكَ بِالْقِتَالِ غُدْوَةً. وَهَكَذَا جَرَى الْأَمْرُ، فَإِنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا رَجَعَ الْعَبَّاسُ قَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَارْدُدْهُمْ هَذِهِ الْعَشِيَّةَ، لَعَلَّنَا نُصَلِّي لِرَبِّنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَنَدْعُوهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ مِنِّي أَنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ لَهُ، وَتِلَاوَةَ كِتَابِهِ، وَالِاسْتِغْفَارَ وَالدُّعَاءَ. وصية الحسين إلى أهله وَأَوْصَى الْحُسَيْنُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ إِلَى أَهْلِهِ، وَخَطَبَ أَصْحَابَهُ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ بَلِيغَةٍ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى أَهْلِهِ فِي لَيْلَتِهِ هَذِهِ، فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يُرِيدُونَنِي. فَقَالَ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ: عَلَيَّ دَيْنٌ وَلِي عِيَالٌ. فَقَالَ: هَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا، لِيَأْخُذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، ثُمَّ اذْهَبُوا فِي بَسِيطِ الْأَرْضِ فِي سَوَادِ هَذَا اللَّيْلِ إِلَى بِلَادِكُمْ وَمَدَائِنِكُمْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا يُرِيدُونَنِي، فَلَوْ قَدْ أَصَابُونِي لَهَوْا عَنْ طَلَبِ غَيْرِي، فَاذْهَبُوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ وَأَبْنَاؤُهُ وَبَنُو أَخِيهِ: لَا بَقَاءَ لَنَا بَعْدَكَ، وَلَا أَرَانَا اللَّهُ فِيكَ مَا نَكْرَهُ. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: يَا بَنِي عَقِيلٍ، حَسْبُكُمْ بِمُسْلِمٍ أَخِيكُمْ، اذْهَبُوا فَقَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ. قَالُوا: فَمَا يَقُولُ النَّاسُ ! أَنَّا تَرَكْنَا شَيْخَنَا وَسَيِّدَنَا وبَنِي عُمُومَتِنَا خَيْرَ الْأَعْمَامِ، لَمْ نَرْمِ مَعَهُمْ بِسَهْمٍ، وَلَمْ نَطْعَنْ مَعَهُمْ بِرُمْحٍ، وَلَمْ نَضْرِبْ مَعَهُمْ بِسَيْفٍ، رَغْبَةً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ؟ ! لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ، وَلَكِنْ نَفْدِيكَ بِأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَهْلِينَا، وَنُقَاتِلُ مَعَكَ حَتَّى نَرِدَ مَوْرِدَكَ، فَقَبَّحَ اللَّهُ الْعَيْشَ بَعْدَكَ. وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ الْأَسَدِيُّ، وَكَذَلِكَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَنَفِيُّ: وَاللَّهِ لَا نُخَلِّيكَ حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّا قَدْ حَفِظْنَا غَيْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيكَ، وَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنِّي أُقْتَلُ دُونَكَ أَلْفَ قَتْلَةٍ، وَأَنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ بِذَلِكَ الْقَتْلَ عَنْكَ وَعَنْ أَنْفُسِ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ، لَأَحْبَبْتُ ذَلِكَ، فَكَيْفَ وَإِنَّمَا هِيَ قَتْلَةٌ وَاحِدَةٌ. وَتَكَلَّمَ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ بِكَلَامٍ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُفَارِقُكَ، وَأَنْفُسُنَا الْفِدَاءُ لَكَ، نَقِيكَ بِنُحُورِنَا وَجِبَاهِنَا، وَأَيْدِينَا وَأَبْدَانِنَا، فَإِذَا نَحْنُ قُتِلْنَا وَفَّيْنَا وَقَضَيْنَا مَا عَلَيْنَا. وَقَالَ أَخُوهُ الْعَبَّاسُ: لَا أَرَانَا اللَّهُ يَوْمَ فَقْدِكَ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَكَ. وَتَتَابَعَ أَصْحَابُهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ بسنده عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ الَّتِي قُتِلَ أَبِي فِي صَبِيحَتِهَا، وَعَمَّتِي زَيْنَبُ تُمَرِّضُنِي، إِذِ اعْتَزَلَ أَبِي فِي خِبَائِهِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَعِنْدَهُ حُوَيٌّ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، وَهُوَ يُعَالِجُ سَيْفَهُ وَيُصْلِحُهُ، وَأَبِي يَقُولُ: يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلِ     كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَالْأَصِيلِ مِنْ صَاحِبٍ أَوْ طَالِبٍ قَتِيلِ     وَالدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ وَإِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ     وَكُلُّ حَيٍّ سَالِكُ السَّبِيلِ قَالَ: فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَفَهِمْتُ مَا أَرَادَ، فَخَنَقَتْنِي الْعَبْرَةُ، فَرَدَدْتُهَا وَلَزِمْتُ السُّكُوتَ، وَعَلِمْتُ أَنَّ الْبَلَاءَ قَدْ نَزَلَ، وَأَمَّا عَمَّتِي فَقَامْتَ حَاسِرَةً حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: وَاثُكْلَاهُ، لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنِي الْحَيَاةَ الْيَوْمَ، مَاتَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ، وَعَلِيٌّ أَبِي، وَحَسَنٌ أَخِي، يَا خَلِيفَةَ الْمَاضِي وَثِمَالَ الْبَاقِي. فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَقَالَ: يَا أُخَيَّةُ، لَا يُذْهِبَنَّ حِلْمُكِ الشَّيْطَانُ. فَقَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اسْتُقْتِلْتَ. وَلَطَمَتْ وَجْهَهَا، وَشَقَّتْ جَيْبَهَا، وَخَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا فَصَبَّ عَلَى وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَقَالَ: يَا أُخَيَّةُ، اتَّقِي اللَّهَ وَتَعَزِّي بِعَزَاءِ اللَّهِ، وَاعْلَمِي أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَمُوتُونَ، وَأَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ لَا يَبْقَوْنَ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ، وَيُمِيتُهُمْ بِقَهْرِهِ وَعِزَّتِهِ، وَيُعِيدُهُمْ فَيَعُودُونَ، وَهُوَ فَرْدٌ وَحْدَهُ، وَاعْلَمِي أَنَّ أَبِي خَيْرٌ مِنِّي وَأُمِّي خَيْرٌ مِنِّي، وَأَخِي خَيْرٌ مِنِّي، وَلِي وَلَهُمْ وَلِكُلِّ مُسْلِمٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. ثُمَّ حَرَّجَ عَلَيْهَا أَلَّا تَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذَا بَعْدَ مَهْلِكِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَرَدَّهَا إِلَى عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَرِّبُوا بُيُوتَهُمْ بَعْضَهَا مِنْ بَعْضٍ، حَتَّى تَدْخُلَ الْأَطْنَابُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، وَأَلَّا يَجْعَلُوا لِلْعَدُوِّ مَخْلَصًا إِلَيْهِمْ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَتَكُونُ الْبُيُوتُ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَمِنْ وَرَائِهِمْ. وَبَاتَ الْحُسَيْنُ وَأَصْحَابُهُ طُولَ لَيْلِهِمْ يُصَلُّونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ وَيَدْعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ  ، وَخُيُولُ حَرَسِ عَدُوِّهِمْ تَدُورُ مِنْ وَرَائِهِمْ، عَلَيْهَا عَزْرَةُ بْنُ قَيْسٍ الْأَحْمَسِيُّ وَالْحُسَيْنُ يَقْرَأُ: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ: 179، 178 ]. فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ تِلْكَ الْخَيْلِ الَّتِي كَانَتْ تَحْرُسُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: نَحْنُ وَرَبِّ الْكَعْبةِ الطَّيِّبُونَ، مَيَّزَنَا اللَّهُ مِنْكُمْ. قَالَ: فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ لِبُرَيْرِ بْنِ خُضَيْرٍ أَتَدْرِي مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: لَا. فَقُلْتُ: هَذَا أَبُو حَرْبٍ السَّبِيعِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَهْرٍ، وَكَانَ مِضْحَاكًا بَطَّالًا، وَكَانَ شَرِيفًا شُجَاعًا فَاتِكًا، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ رُبَّمَا حَبَسَهُ فِي جِنَايَةٍ. فَقَالَ لَهُ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ: يَا فَاسِقُ، مَتَى كُنْتَ مِنَ الطَّيِّبِينَ ؟ ! فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ، وَيْلَكَ ؟ ! قَالَ: أَنَا بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ. قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، هَلَكْتَ وَاللَّهِ، عَزَّ وَاللَّهِ عَلَيَّ يَا بُرَيْرُ قَتْلَكَ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا حَرْبٍ، هَلْ لَكَ أَنْ تَتُوبَ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكَ الْعِظَامِ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَحْنُ الطَّيِّبُونَ وَإِنَّكُمْ لَأَنْتُمُ الْخِبِيثُونَ. قَالَ: نَعَمْ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدَيْنِ. قَالَ: وَيْحَكَ ! أَفَلَا تَنْفَعُكَ مَعْرِفَتُكَ ؟ ! قَالَ: فَانْتَهَرَهُ عَزْرَةُ بْنُ قَيْسٍ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ الَّتِي تَحْرُسُنَا، فَانْصَرَفَ عَنَّا. قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ الصُّبْحَ بِأَصْحَابِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: يَوْمَ السَّبْتِ - وَكَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ - انْتَصَبَ لِلْقِتَالِ، وَصَلَّى الْحُسَيْنُ أَيْضًا بِأَصْحَابِهِ، وَهُمُ اثَنَانِ وَثَلَاثُونَ فَارِسًا وَأَرْبَعُونَ رَاجِلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَصَفَّهُمْ، فَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ زُهَيْرَ بْنَ الْقَيْنِ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ حَبِيبَ بْنَ مُظَهِّرٍ، وَأَعْطَى رَايَتَهُ الْعَبَّاسَ بْنَ عَلِيٍّ أَخَاهُ، وَجَعَلُوا الْبُيُوتَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَرَمِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَ الْحُسَيْنُ مِنَ اللَّيْلِ، فَحَفَرُوا وَرَاءَ بُيُوتِهِمْ خَنْدَقًا، وَقَذَفُوا فِيهِ حَطَبًا وَخَشَبًا وَقَصَبًا، ثُمَّ أُضْرِمَتْ فِيهِ النَّارُ ; لِئَلَّا يَخْلُصَ أَحَدٌ إِلَى بُيُوتِهِمْ مِنْ وَرَائِهَا. وَجَعَلَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ شَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ - وَاسْمُ ذِي الْجَوْشَنِ شُرَحْبِيلُ بْنُ الْأَعْوَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ الضِّبَابُ بْنُ كِلَابٍ - وَعَلَى الْخَيْلِ عَزْرَةَ بْنَ قَيْسٍ الْأَحْمَسِيَّ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، وَأَعْطَى الرَّايَةَ ذُوَيْدًا مَوْلَاهُ، وَتَوَاقَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَعَدَلَ الْحُسَيْنُ إِلَى خَيْمَةٍ قَدْ نُصِبَتْ لَهُ، فَاغْتَسَلَ فِيهَا، وَاطَّلَى بِالنُّورَةِ، وَتَطَيَّبَ بِمِسْكٍ كَثِيرٍ، وَدَخَلَ بَعْدَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ، فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا هَذَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ؟ ! فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَعْنَا مِنْكَ، وَاللَّهِ مَا هَذِهِ بِسَاعَةِ بَاطِلٍ. فَقَالَ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنِّي مَا أَحْبَبْتُ الْبَاطِلَ شَابًّا وَلَا كَهْلًا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ إِنِّي لَمُسْتَبْشِرٌ بِمَا نَحْنُ لَاقُونَ، وَاللَّهِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحُورِ الْعِينِ إِلَّا أَنْ يَمِيلَ عَلَيْنَا هَؤُلَاءِ فَيَقْتُلُونَا. ثُمَّ رَكِبَ الْحُسَيْنُ عَلَى فَرَسِهِ، وَأَخَذَ مُصْحَفًا فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ، وَرَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ. إِلَى آخِرِهِ. وَأَرْكَبَ ابْنَهُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ - وَكَانَ ضَعِيفًا مَرِيضًا - فَرَسًا يُقَالُ لَهُ: لَاحِقٌ. نصيحة الحسين للناس قبل القتال وَنَادَى الْحُسَيْنُ: أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي نَصِيحَةً أَقُولُهَا لَكُمْ. فَأَنْصَتَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ والثَنَاءِ عَلَيْهِ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنْ قَبِلْتُمْ مِنِّي وَأَنْصَفْتُمُونِي، كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكُمْ عَلَيَّ سَبِيلٌ، وَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ [ يُونُسَ: 71 ]، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الْأَعْرَافِ: 196 ]. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ أَخَوَاتُهُ وَبَنَاتُهُ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُنَّ بِالْبُكَاءِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: لَا يَبْعَدُ ابْنُ عَبَّاسٍ. يَعْنِي حِينَ أَشَارَ عَلَيْهِ أَلَّا يَخْرُجَ بِالنِّسَاءِ مَعَهُ، وَيَدَعَهُنَّ بِمَكَّةَ إِلَى أَنْ يَنْتَظِمَ لَهُ الْأَمْرُ. ثُمَّ بَعَثَ أَخَاهُ الْعَبَّاسَ وَابْنَهُ عَلِيًّا فَسَكَّتَاهُنَّ، ثُمَّ شَرَعَ يَذْكُرُ لِلنَّاسِ فَضْلَهُ وَعَظَمَةَ نَسَبِهِ، وَعُلُوَّ قَدْرِهِ، وَشَرَفَهُ، وَيَقُولُ: رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ، هَلْ يَصْلُحُ لَكُمْ قِتَالُ مِثْلِي، وَأَنَا ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرِي، وَعَلِيٌّ أَبِي، وَجَعْفَرُ ذُو الْجَنَاحَيْنِ عَمِّي، وَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمُّ أَبِي، وَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِأَخِي: " هَذَانَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ فَهُوَ الْحَقُّ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَى الْكَذِبِ، وَإِلَّا فَاسْأَلُوا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ ; جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبَا سَعِيدٍ، وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُخْبِرُوكُمْ بِذَلِكَ، وَيْحَكُمْ ! أَمَا تَتَّقُونَ اللَّهَ ؟ ! أَمَا فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي ؟ ! فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ: هُوَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، إِنْ كُنْتُ أَدْرِي مَا يَقُولُ. فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ مُظَهِّرٍ: وَاللَّهِ يَا شَمِرُ، إِنَّكَ لَتَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى سَبْعِينَ حَرْفًا، وَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا يَقُولُ ; لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ طَبَعَ عَلَى قَلْبِكَ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ذَرُونِي أَرْجِعْ إِلَى مَأْمَنِي مِنَ الْأَرْضِ. فَقَالُوا: وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أُعْطِيَهُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَأُقِرَّ إِقْرَارَ الْعَبِيدِ، عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [ غَافِرٍ: 27 ]. ثُمَّ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، وَأَمَرَ عُقْبَةَ بْنَ سَمْعَانَ فَعَقَلَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرُونِي أَتَطْلُبُونِي بِقَتِيلٍ لَكُمْ قَتَلْتُهُ ؟ أَوْ مَالٍ لَكُمْ أَكَلْتُهُ ؟ أَوْ بِقِصَاصٍ مِنْ جِرَاحَةٍ ؟ قَالَ: فَأَخَذُوا لَا يُكَلِّمُونَهُ. قَالَ: فَنَادَى: يَا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، يَا حَجَّارُ بْنَ أَبْجَرَ، يَا قَيْسُ بْنَ الْأَشْعَثِ، يَا زَيْدُ بْنَ الْحَارِثِ، أَلَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ أَنَّهُ قَدْ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَاخْضَرَّ الْجَنَابُ، فَاقْدَمْ عَلَيْنَا، فَإِنَّكَ إِنَّمَا تَقْدَمُ عَلَى جُنْدٍ مُجَنَّدٍ. فَقَالُوا لَهُ: لَمْ نَفْعَلْ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُمْ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِذْ قَدْ كَرِهْتُمُونِي فَدَعُونِي أَنْصَرِفْ عَنْكُمْ. فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ: أَلَا تَنْزِلُ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ ؟ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُؤْذُوكَ، وَلَا تَرَى مِنْهُمْ إِلَّا مَا تُحِبُّ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَنْتَ أَخُو أَخِيكَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَطْلُبَكَ بَنُو هَاشِمٍ بِأَكْثَرَ مِنْ دَمِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ ؟ لَا وَاللَّهِ لَا أُعْطِيهِمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ، وَلَا أُقِرُّ لَهُمْ إِقْرَارَ الْعَبِيدِ. قَالَ: وَأَقْبَلُوا يَزْحَفُونَ نَحْوَهُ، وَقَدْ تَحَيَّزَ إِلَى جَيْشِ الْحُسَيْنِ مِنْ أُولَئِكَ طَائِفَةٌ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ فَارِسًا فِيمَا قِيلَ، مِنْهُمُ الْحُرُّ بْنُ يَزِيدَ أَمِيرُ مُقَدِّمَةُ الْكُوفِيِّينَ، فَاعْتَذَرَ إِلَى الْحُسَيْنِ مِمَّا كَانَ مِنْهُمْ. قَالَ: وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ لَسِرْتُ مَعَكَ إِلَى يَزِيدَ. فَقَبِلَ مِنْهُ الْحُسَيْنُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ، فَخَاطَبَ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ ! أَلَا تَقْبَلُونَ مِنِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يَعْرِضُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً مِنْهَا ؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ إِلَيَّ قَبِلْتُ، وَلَكِنْ أَبَى عَلَيَّ ابْنُ زِيَادٍ. ثُمَّ خَاطَبَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَسَبَّهُمْ وَأَنَّبَهُمْ وَقَالَ: وَيْحَكُمْ ! دَعَوْتُمُوهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَ خَذَلْتُمُوهُ، وَمَا كَفَاكُمْ ذَلِكَ حَتَّى جِئْتُمْ لِتُقَاتِلُوهُ، وَقَدْ مَنَعْتُمُوهُ وَنِسَاءَهُ الْمَاءَ مِنَ الْفُرَاتِ ; الَّذِي يَشْرَبُ مِنْهُ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ، وَتَتَمَرَّغُ فِيهِ خَنَازِيرُ السَّوَادِ وَكِلَابُهُ، فَهُوَ كَالْأَسِيرِ فِي أَيْدِيكُمْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا. قَالَ: فَتَقَدَّمَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وَقَالَ لِمَوْلَاهُ: يَا ذُوَيْدُ، أَدْنِ رَايَتَكَ. فَأَدْنَاهَا، ثُمَّ شَمَّرَ عُمَرُ عَنْ سَاعِدِهِ، وَرَمَى بِسَهْمٍ، وَقَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي أَوَّلُ مَنْ رَمَى الْقَوْمَ. قَالَ: فَتَرَامَى النَّاسُ بِالنِّبَالِ، وَخَرَجَ يَسَارٌ مَوْلَى زِيَادٍ وَسَالِمٌ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَا: مَنْ يُبَارِزُ ؟ فَبَرَزَ لَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ الْكَلْبِيُّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ الْحُسَيْنَ، فَقَتَلَ يَسَارًا أَوَّلًا، ثُمَّ قَتَلَ سَالِمًا بَعْدَهُ، وَقَدْ ضَرَبَهُ سَالِمٌ ضَرْبَةً أَطَارَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُسْرَى، وَحَمَلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوْزَةَ. حَتَّى وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ لَهُ: يَا حُسَيْنُ، أَبْشِرْ بِالنَّارِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: كَلَّا، وَيْحَكَ ! إِنِّي أَقْدَمُ عَلَى رَبٍّ رَحِيمٍ، وَشَفِيعٍ مُطَاعٍ، بَلْ أَنْتَ أَوْلَى بِالنَّارِ. قَالُوا: فَانْصَرَفَ فَوَقَصَتْهُ فَرَسُهُ فَسَقَطَ، وَتَعَلَّقَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى بِالرِّكَابِ. وَشَدَّ عَلَيْهِ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ، فَضَرَبَهُ فَأَطَارَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَغَارَتْ بِهِ فَرَسُهُ، فَلَمْ يَبْقَ حَجَرٌ يَمُرُّ بِهِ إِلَّا ضَرَبَهُ فِي رَأْسِهِ حَتَّى مَاتَ. وَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ يُدْعَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ مِنْ بَنِي عُلَيْمٍ، كَانَ قَدْ نَزَلَ الْكُوفَةَ، وَاتَّخَذَ دَارًا عِنْدَ بِئْرِ الْجَعْدِ مِنْ هَمْدَانَ، وَكَانَتْ مَعَهُ امْرَأَةٌ لَهُ مَنَ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، فَرَأَى النَّاسَ يَتَهَيَّئُونَ لِلْخُرُوجِ إِلَى قِتَالِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشِّرْكِ حَرِيصًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ جِهَادِي مَعَ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِهَؤُلَاءِ أَفْضَلَ مِنْ جِهَادِ الْمُشْرِكِينَ، وَأَيْسَرَ ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ. فَدَخَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرَهَا بِمَا هُوَ عَازِمٌ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَصَبْتَ - أَصَابَ اللَّهُ بِكَ - أَرْشَدَ أُمُورِكَ، افْعَلْ وَأَخْرِجْنِي مَعَكَ. قَالَ: فَخَرَجَ بِهَا لَيْلًا حَتَّى أَتَى الْحُسَيْنَ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ رَمْيِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بِالسَّهْمِ، وَقِصَّةَ قَتْلِهِ يَسَارًا مَوْلَى زِيَادٍ، وَسَالِمًا مَوْلَى ابْنِ زِيَادٍ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اسْتَأْذَنَ الْحُسَيْنَ فِي الْخُرُوجِ إِلَيْهِمَا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ، فَرَأَى رَجُلًا آدَمَ طَوِيلًا شَدِيدَ السَّاعِدَيْنِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: إِنِّي لَأَحْسَبُهُ لِلْأَقْرَانِ قَتَّالًا، اخْرُجْ إِنْ شِئْتَ. فَخَرَجَ فَقَالَا لَهُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَانْتَسَبَ لَهُمَا. فَقَالَا: لَا نَعْرِفُكَ. فَقَالَ لَهُمَا: يَا أَوْلَادَ الزَّانِيَةِ، أَوَ بِكُمْ رَغْبَةٌ عَنْ مُبَارَزَةِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ؟ ! وَهَلْ يَخْرُجُ إِلَيْكُمَا أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكُمَا ؟ ثُمَّ شَدَّ عَلَى يَسَارٍ، فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ، فَإِنَّهُ لَمُشْتَغِلٌ بِهِ إِذْ حَمَلَ عَلَيْهِ سَالِمٌ مَوْلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَصَاحَ بِهِ: قَدْ رَهِقَكَ الْعَبْدُ. قَالَ: فَلَمْ يَنْتَبِهْ لَهُ حَتَّى غَشِيَهُ، فَضَرَبَهُ عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى، فَأَطَارَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ مَالَ عَلَيْهِ الْكَلْبِيُّ، فَضَرَبَهُ حَتَّى قَتَلَهُ وَأَقْبَلَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: إِنْ تُنْكِرَانِي فَأَنَا ابْنُ كَلْبِ     حَسْبِي بَيْتِي فِي عُلَيْمٍ حَسْبِي إِنِّي امْرُؤٌ ذُو مِرَّةٍ وَعَصْبِ     وَلَسْتُ بِالْخَوَّارِ عِنْدَ الْكَرْبِ إِنِّي زَعِيمٌ لَكِ أُمَّ وَهْبِ     بِالطَّعْنِ فِيهِمْ مُقْدِمًا وَالضَّرْبِ ضَرْبِ غُلَامٍ مُؤْمِنٍ بِالرَّبِّ فَأَخَذَتْ أُمُّ وَهْبٍ عَمُودًا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ نَحْوَ زَوْجِهَا تَقُولُ لَهُ: فِدَاؤُكَ أَبِي وَأُمِّي، قَاتِلْ دُونَ الطَّيِّبِينَ ذُرِّيَّةِ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا يَرُدُّهَا نَحْوَ النِّسَاءِ، فَأَقْبَلَتْ تُجَاذِبُهُ ثَوْبَهُ. قَالَتْ: دَعْنِي أَكُونُ مَعَكَ. فَنَادَاهَا الْحُسَيْنُ: انْصَرِفِي إِلَى النِّسَاءِ فَاجْلِسِي مَعَهُنَّ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ قِتَالٌ. فَانْصَرَفَتْ إِلَيْهِنَّ. قَالَ: وَكَثُرَتِ الْمُبَارَزَةُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالنَّصْرُ فِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِ الْحُسَيْنِ ; لِقُوَّةِ بَأْسِهِمْ، وَأَنَّهُمْ مُسْتَمِيتُونَ، لَا عَاصِمَ لَهُمْ إِلَّا سُيُوفُهُمْ، فَأَشَارَ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بِعَدَمِ الْمُبَارَزَةِ، وَحَمَلَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ أَمِيرَ الْمَيْمَنَةِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: قَاتِلُوا مَنْ مَرَقَ مِنَ الدِّينِ، وَفَارَقَ الْإِمَامَ وَالْجَمَاعَةَ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ ! أَعَلَيَّ تُحَرِّضُ النَّاسَ ؟ ! أَنَحْنُ مَرَقْنَا مِنَ الدِّينِ وَأَنْتُمْ ثَبَتُّمْ عَلَيْهِ ؟ ! سَتَعْلَمُونَ إِذَا فَارَقَتْ أَرْوَاحُكُمْ أَجْسَادَكُمْ مَنْ أَوْلَى بِصِلِيِّ النَّارِ. أول من قتل من أصحاب الحسين وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَمْلَةِ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ، فَمَشَى إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَلَى آخِرِ رَمَقٍ، وَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ مُظَهِّرٍ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ: بَشَّرَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ حَبِيبٌ: لَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى إِثْرِكَ لَاحِقُكَ، لَكُنْتُ أَقْضِي مَا تُوصِينِي بِهِ. فَقَالَ لَهُ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ: أُوصِيكَ بِهَذَا - وَأَشَارَ إِلَى الْحُسَيْنِ - أَنْ تَمُوتَ دُونَهُ. قَالُوا: ثُمَّ حَمَلَ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِالْمَيْسَرَةِ، وَقَصَدُوا نَحْوَ الْحُسَيْنِ، فَدَافَعَتْ عَنْهُ الْفُرْسَانُ مِنْ أَصْحَابِهِ دِفَاعًا عَظِيمًا، وَكَافَحُوا دُونَهُ مُكَافَحَةً بَلِيغَةً، فَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ مِنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ طَائِفَةً مِنَ الرُّمَاةِ الرَّجَّالَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ نَحْوًا مِنْ خَمْسِمِائَةٍ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَ خُيُولَ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ، فَعَقَرُوهَا كُلَّهَا حَتَّى بَقِيَ جَمِيعُهُمْ رَجَّالَةً، وَلَمَّا عَقَرُوا جَوَادَ الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ نَزَلَ عَنْهُ وَفِي يَدِهِ السَّيْفُ كَأَنَّهُ لَيْثٌ وَهُوَ يَقُولُ إِنْ تَعْقِرُوا بِي فَأَنَا ابْنُ الْحُرِّ     أَشْجَعُ مِنْ ذِي لِبْدَةٍ هِزَبْرِ وَيُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ أَمَرَ بِتَقْوِيضِ تِلْكَ الْأَبْنِيَةِ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ الْقِتَالِ مَنْ أَتَى مِنْ نَاحِيَتِهَا، فَجَعَلَ أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ يَقْتُلُونَ مَنْ يَتَعَاطَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهَا، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: دَعُوهُمْ يَحْرِقُونَهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا مِنْهَا وَقَدِ أُحْرِقَتْ. وَجَاءَ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ قَبَّحَهُ اللَّهُ، إِلَى فُسْطَاطِ الْحُسَيْنِ، فَطَعَنَهُ بِرُمْحِهِ - يَعْنِي الْفُسْطَاطَ - وَقَالَ: ائْتُونِي بِالنَّارِ لِأُحَرِّقَهُ عَلَى مَنْ فِيهِ. فَصَاحَتِ النِّسْوَةُ وَخَرَجْنَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَحْرِقَ أَهْلِي ؟ ! أَحْرَقَكَ اللَّهُ بِالنَّارِ. وَجَاءَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ إِلَى شَمِرٍ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا رَأَيْتُ أَقْبَحَ مِنْ قَوْلِكَ وَمَوْقِفِكَ هَذَا، أَتُرِيدُ أَنْ تُرْعِبَ النِّسَاءَ ؟ ! فَاسْتَحْيَا، وَهَمَّ بِالرُّجُوعِ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ مُسْلِمٍ: قُلْتُ لِشَمِرٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِنَّ هَذَا لَا يَصْلُحُ لَكَ، أَتُرِيدُ أَنْ تَجْمَعَ عَلَى نَفْسِكَ خَصْلَتَيْنِ ; تُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ، وَتَقْتُلُ الْوِلْدَانَ وَالنِّسَاءَ ! وَاللَّهِ إِنَّ فِي قَتْلِكَ الرِّجَالَ لَمَا تُرْضِي بِهِ أَمِيرَكَ. قَالَ: فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ ؟ قُلْتُ: لَا أُخْبِرُكَ مَنْ أَنَا. وَخَشِيتُ أَنِّي إِنْ أَخْبَرْتُهُ فَعَرَفَنِي، أَنْ يَسُوءَنِي عِنْدَ السُّلْطَانِ. وَشَدَّ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ فِي رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ عَلَى شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ، فَأَزَالُوهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَقَتَلُوا أَبَا عَزَّةَ الضِّبَابِيَّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ شَمِرٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ إِذَا قُتِلَ بَانَ فِيهِمُ الْخَلَلُ، وَإِذَا قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ زِيَادٍ الْجَمَاعَةُ الْكَثِيرَةُ لَمْ يَتَبَيَّنْ ذَلِكَ فِيهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَقْتُ الظُّهْرِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: مُرُوهُمْ فَلْيَكُفُّوا عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى نُصَلِّيَ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِنَّهَا لَا تُقْبَلُ مِنْكُمْ. فَقَالَ لَهُ حَبِيبُ بْنُ مُظَهِّرٍ: وَيْحَكَ ! أَتُقْبَلُ مِنْكُمُ الصَّلَاةُ وَلَا تُقْبَلُ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ! وَقَاتَلَ حَبِيبٌ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ، رَحمَهُ اللَّهُ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ. ثُمَّ صَلَّى الْحُسَيْنُ بِأَصْحَابِهِ الظُّهْرَ صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا بَعْدَهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَوُصِلَ إِلَى الْحُسَيْنِ، ؓ، وَدَافَعَ عَنْهُ صَنَادِيدُ أَصْحَابِهِ، فَقُتِلَ زُهَيْرُ بْنُ الْقَيْنِ بَيْنَ يَدَيِ الْحُسَيْنِ، وَقَاتَلَ دُونَهُ نَافِعُ بْنُ هِلَالٍ الْجَمَلِيُّ، فَقَتَلَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ سِوَى مَنْ جَرَحَ، ثُمَّ أُسِرَ وَكُسِرَتْ عَضُدَاهُ وَمَعَ هَذَا ضَرَبَ عُنُقَهُ بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ، ثُمَّ حَمَلَ شَمِرٌ عَلَى أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ يَقُولُ خَلُّوا عُدَاةَ اللَّهِ خَلُّوا عَنْ شَمِرْ     يَضْرِبُهُمْ بِسَيْفِهِ وَلَا يَفِرْ وَصَمَّمَ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِمْ. أول قتيل من بني أبي طالب وَتَفَانَى أَصْحَابُ الْحُسَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلَّا سُوِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمُطَاعِ الْخَثْعَمِيُّ. وَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنْ بَنِي أَبِي طَالِبٍ يَوْمَئِذٍ عَلِيٌّ الْأَكْبَرُ ابْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي مُرَّةَ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، طَعَنَهُ مُرَّةُ بْنُ مُنْقِذِ بْنِ النُّعْمَانِ الْعَبْدِيُّ فَقَتَلَهُ، وَيُرْوَى أَنَّهُ جَعَلَ يُقَاتِلُ عَنْ أَبِيهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ بْنِ عَلِي     نَحْنُ وَرَبِّ الْبَيْتِ أَوْلَى بِالنَّبِي تَاللَّهِ لَا يَحْكُمُ فِينَا ابْنُ الدَّعِي     كَيْفَ تَرَوْنَ الْيَوْمَ سَتْرِي عَنْ أَبِي فَلَمَّا طَعَنَهُ مُرَّةُ احْتَوَشَتْهُ الرِّجَالُ، فَقَطَّعُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: قَتَلَ اللَّهُ قَوْمًا قَتَلُوكَ يَا بُنَيَّ، مَا أَجْرَأَهُمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ ! فَعَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ الْعَفَاءُ. قَالَ: وَخَرَجَتْ جَارِيَةٌ كَأَنَّهَا الشَّمْسُ حُسْنًا، فَقَالَتْ: يَا أُخَيَّاهُ وَيَا ابْنَ أُخَيَّاهُ. فَإِذَا هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ مِنْ فَاطِمَةَ، فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ وَهُوَ صَرِيعٌ. قَالَ: فَجَاءَ الْحُسَيْنُ فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَأَدْخَلَهَا الْفُسْطَاطَ، وَأَمَرَ بِهِ الْحُسَيْنُ فَحُوِّلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ، ثُمَّ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، ثُمَّ قُتِلَ عَوْنٌ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، ثُمَّ قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَجَعْفَرٌ ابْنَا عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ قُتِلَ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: وَحَدَّثَنِي فُضَيْلُ بْنُ خَدِيجٍ الْكِنْدِيُّ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ زِيَادٍ - وَكَانَ رَامِيًا، وَهُوَ أَبُو الشَّعْثَاءِ الْكِنْدِيُّ مِنْ بَنِي بَهْدَلَةَ - جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ الْحُسَيْنِ، فَرَمَى بِمِائَةِ سَهْمٍ مَا سَقَطَ مِنْهَا عَلَى الْأَرْضِ خَمْسَةُ أَسْهُمٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الرَّمْيِ قَالَ: قَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنِّي قَتَلْتُ خَمْسَةَ نَفَرٍ، وَكَانَ فِي أَوَّلِ مَنْ قُتِلَ، وَكَانَ رَجَزُهُ يَوْمَئِذٍ: أَنَا يَزِيدُ وَأَبِي مُهَاصِرْ     أَشْجَعُ مِنْ لَيْثٍ بَغِيلٍ خَادِرْ يَا رَبِّ إِنِّي لِلْحُسَيْنِ نَاصِرْ وَلِابْنِ سَعْدٍ تَارِكٌ وَهَاجِرْ مقتل الحسين قَالُوا: وَمَكَثَ الْحُسَيْنُ نَهَارًا طَوِيلًا لَا يَأْتِي إِلَيْهِ رَجُلٌ إِلَّا رَجَعَ عَنْهُ ; لَا يُحِبُّ أَنْ يَلِيَ قَتْلَهُ، حَتَّى جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَدَّاءَ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ النُّسَيْرِ. فَضَرَبَ الْحُسَيْنَ بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ، فَامْتَلَأَ دَمًا، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: لَا أَكَلْتَ بِهَا وَلَا شَرِبْتَ، وَحَشَرَكَ اللَّهُ مَعَ الظَّالِمِينَ. ثُمَّ أَلْقَى الْحُسَيْنُ ذَلِكَ الْبُرْنُسَ، وَدَعَا بِعِمَامَةٍ فَاعْتَمَّ بِهَا. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ أَعْيَا، فَقَعَدَ عَلَى بَابِ فُسْطَاطِهِ، وَأُتِيَ بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُقَبِّلُهُ وَيَشُمُّهُ وَيُوَدِّعُهُ وَيُوصِي أَهْلَهُ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ مُوقِدِ النَّارِ. بِسَهْمٍ فَذَبَحَ ذَلِكَ الْغُلَامَ، فَتَلَقَّى حُسَيْنٌ دَمَهُ فِي يَدِهِ، وَأَلْقَاهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَ: رَبِّ إِنْ تَكُ قَدْ حَبَسْتَ عَنَّا النَّصْرَ مِنَ السَّمَاءِ فَاجْعَلْهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ، وَانْتَقِمْ لَنَا مِنَ الظَّالِمِينَ. وَرَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ الْغَنَوِيُّ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْحُسَيْنِ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ أَيْضًا، ثُمَّ قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْعَبَّاسُ وَعُثْمَانُ وَجَعْفَرٌ وَمُحَمَّدٌ بَنُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِخْوَةُ الْحُسَيْنِ لِأَبِيهِ، ؓ أَجْمَعِينَ، وَقَدِ اشْتَدَّ عَطَشُ الْحُسَيْنِ، فَحَاوَلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَاءِ الْفُرَاتِ فَمَانَعُوهُ دُونَهُ، فَخَلَصَ إِلَى شَرْبَةٍ مِنْهُ، فَلَمَّا أَهْوَى إِلَيْهَا رَمَاهُ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ بِسَهْمٍ فِي حَنَكِهِ فَأَثْبَتَهُ، فَانْتَزَعَهُ الْحُسَيْنُ مِنْ حَنَكِهِ، فَفَارَ الدَّمُ فَتَلَقَّاهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ وَهُمَا مَمْلُوءَتَانِ دَمًا، ثُمَّ رَمَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بِدَدًا، وَلَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُمْ أَحَدًا. وَدَعَا عَلَيْهِمْ دُعَاءً بَلِيغًا. ثُمَّ جَاءَ شَمِرٌ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّجْعَانِ حَتَّى أَحَاطُوا بِالْحُسَيْنِ وَهُوَ عِنْدَ فُسْطَاطِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ أَحَدٌ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَجَاءَ غُلَامٌ يَشْتَدُّ مِنَ الْخِيَامِ كَأَنَّهُ الْبَدْرُ فِي أُذُنَيْهِ دُرَّتَانِ تَذَبْذَبَانِ، فَخَرَجَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلِيٍّ لِتَرُدَّهُ فَامْتَنَعَ عَلَيْهَا، وَجَاءَ يُحَاجِفُ عَنْ عَمِّهِ، فَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ، فَاتَّقَاهُ بِيَدِهِ، فَأَطَنَّهَا سِوَى جِلْدَةٍ، فَقَالَ: يَا أَبَتَاهُ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: يَا بُنَيَّ، احْتَسِبْ أَجْرَكَ عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنَّكَ تَلْحَقُ بِآبَائِكَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ الرِّجَالُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَهُوَ يَجُولُ فِيهِمْ بِالسَّيْفِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَتَنَافَرُونَ عَنْهُ كَتَنَافُرِ الْمِعْزَى عَنِ السَّبُعِ، وَخَرَجَتْ أُخْتُهُ زَيْنَبُ بِنْتُ فَاطِمَةَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: لَيْتَ السَّمَاءَ تَقَعُ عَلَى الْأَرْضِ. وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَرَضِيتَ أَنْ يُقْتَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَنْتَ تَنْظُرُ ؟ فَتَحَادَرَتِ الدُّمُوعُ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَصَرَفَ وَجْهَهُ عَنْهَا، ثُمَّ جَعَلَ لَا يُقْدِمُ أَحَدٌ عَلَى قَتْلِهِ، حَتَّى نَادَى شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ: وَيْحَكُمْ ! مَاذَا تَنْتَظِرُونَ بِالرَّجُلِ ؟ اقْتُلُوهُ ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ. فَحَمَلَتِ الرِّجَالُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَضَرَبَهُ زُرْعَةُ بْنُ شَرِيكٍ التَّمِيمِيُّ عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَضَرَبَ عَلَى عَاتِقِهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ وَهُوَ يَنُوءُ وَيَكْبُو، ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهِ سِنَانُ بْنُ أَنَسِ بْنِ عَمْرٍو النَّخَعِيُّ، فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ فَوَقَعَ، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ وَحَزَّ رَأْسَهُ، ثُمَّ دَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى خَوَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ. وَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ مَذْحِجٍ. وَقِيلَ: عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا كَانَ عُمَرُ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ الَّتِي قَتَلَتِ الْحُسَيْنَ فَقَطْ. وَأَخَذَ سِنَانٌ وَغَيْرُهُ سَلَبَهُ، وَتَقَاسَمَ النَّاسُ مَا كَانَ مِنْ أَمْوَالِهِ وَحَوَاصِلِهِ، وَمَا فِي خِبَائِهِ، حَتَّى مَا عَلَى النِّسَاءِ مِنَ الثِّيَابِ الظَّاهِرَةِ. وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: وُجِدَ بِالْحُسَيْنِ حِينَ قُتِلَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ طَعْنَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ضَرْبَةً. وَهَمَّ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِقَتْلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَصْغَرِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَهُوَ صَغِيرٌ مَرِيضٌ، حَتَّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ حُمَيْدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَحَدُ أَصْحَابِهِ. وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ: أَلَا لَا يَدْخُلَنَّ عَلَى هَذِهِ النِّسْوَةِ أَحَدٌ وَلَا يَقْتُلْ هَذَا الْغُلَامَ أَحَدٌ وَمَنْ أَخَذَ مِنْ مَتَاعِهِمْ شَيْئًا فَلْيَرُدَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ أَحَدٌ شَيْئًا. فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: جُزِيتَ خَيْرًا، فَقَدْ دَفَعَ اللَّهُ عَنِّي بِمَقَالَتِكَ شَرًّا. قَالُوا: ثُمَّ جَاءَ سِنَانُ بْنُ أَنَسٍ إِلَى بَابِ فُسْطَاطِ عُمَرِ بْنِ سَعْدٍ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَوْقِرْ رِكَابِي فِضَّةً وَذَهَبًا     أَنَا قَتَلْتُ الْمَلِكَ الْمُحَجَّبَا قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمًّا وَأَبَا وَخَيْرَهُمْ إِذْ يُنْسَبُونَ نَسَبَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْخِلُوهُ عَلَيَّ. فَلَمَّا دَخَلَ رَمَاهُ بِالسَّوْطِ، وَقَالَ: وَيْحَكَ أَنْتَ مَجْنُونٌ ! وَاللَّهِ لَوْ سَمِعَكَ ابْنُ زِيَادٍ تَقُولُ هَذَا لَضَرَبَ عُنُقَكَ. وَمَنَّ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى عُقْبَةَ بْنِ سَمْعَانَ حِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ مَوْلًى، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُهُ، وَالْمُرَقَّعُ بْنُ ثُمَامَةَ أُسِرَ، فَمَنَّ عَلَيْهِ ابْنُ زِيَادٍ. عدد القتلى من أصحاب الحسين وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ اثَنَانِ وَسَبْعُونَ نَفْسًا، فَدَفَنَهُمْ أَهْلُ الْغَاضِرِيَّةِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَعْدَ مَا قُتِلُوا بِيَوْمٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَأَكْرَمَهُمْ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: قُتِلَ مَعَ الْحُسَيْنِ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، كُلُّهُمْ مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَةَ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قُتِلَ مَعَ الْحُسَيْنِ سِتَّةَ عَشَرَ رَجُلًا، كُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ شِبْهٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: قُتِلَ مَعَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَإِخْوَتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ثَلَاثَةُ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، فَمِنْ أَوْلَادِ عَلِيٍّ، ؓ ; جَعْفَرٌ، وَالْحُسَيْنُ، وَالْعَبَّاسُ، وَمُحَمَّدٌ، وَعُثْمَانُ، وَأَبُو بَكْرٍ. وَمِنْ أَوْلَادِ الْحُسَيْنِ عَلِيٌّ الْأَكْبَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ. وَمِنْ أَوْلَادِ أَخِيهِ الْحَسَنِ ثَلَاثَةٌ ; عَبْدُ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ، وَأَبُو بَكْرٍ بَنُو الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنْ أَوْلَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ اثَنَانِ ; عَوْنٌ وَمُحَمَّدٌ. وَمِنْ أَوْلَادِ عَقِيلٍ ; جَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُسْلِمٌ قُتِلَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَا. فَهَؤُلَاءِ أَرْبَعَةٌ لِصُلْبِهِ، واثَنَانِ آخَرَانِ ; هُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَقِيلٍ، فَكَمَلُوا سِتَّةً مِنْ وَلَدِ عَقِيلٍ، وَفِيهِمْ يَقُولُ الشَّاعِرُ: وَانْدُبِي تِسْعَةً لِصُلْبِ عَلِيٍّ     قَدْ أُصِيبُوا وَسِتَّةً لِعَقِيلِ وَسَمِيُّ النَّبِيِّ غُودِرَ فِيهِمْ     قَدْ عَلَوْهُ بِصَارِمٍ مَصْقُولِ وَمِمَّنْ قُتِلَ مَعَ الْحُسَيْنِ بِكَرْبَلَاءَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُقْطُرٍ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا قُتِلَ قَبْلَ ذَلِكَ حِينَ بَعَثَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَحُمِلَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فَقَتَلَهُ. وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ ثَمَانِيَةٌ وَثَمَانُونَ رَجُلًا سِوَى الْجَرْحَى، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَدَفَنَهُمْ. وَيُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ نَدَبَ عَشَرَةَ فُرْسَانٍ، فَدَاسُوا الْحُسَيْنَ بِأَفْرَاسِهِمْ حَتَّى أَلْصَقُوهُ بِالْأَرْضِ يَوْمَ الْمَعْرَكَةِ. ذِكْرُ أَسْمَاءِ مَنْ قُتِلَ مَعَهُ   قَالَ سُلَيْمَانُ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَمَنْ مَعَهُ حُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَجَاءَتْ كِنْدَةُ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ رَأْسًا، وَصَاحِبُهُمْ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَجَاءَتْ هَوَازِنُ بِعِشْرِينَ رَأْسًا، وَصَاحِبُهُمْ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ الضَّبَابِيُّ، وَجَاءَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِسَبْعَةَ عَشَرَ رَأْسًا، وَجَاءَتْ بَنُو أَسَدٍ بِسِتَّةِ أَرْؤُسٍ، وَجَاءَتْ مَذْحِجٌ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، وَجَاءَ سَائِرُ الْجَيْشِ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ، فَذَلِكَ سَبْعُونَ رَأْسًا. وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ، قَتَلَهُ سِنَانُ بْنُ أَنَسٍ النَّخَعِيُّ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَقُتِلَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ حِزَامٍ، قَتَلَهُ ( زَيْدُ بْنُ رُقَادٍ الْجُنُبِيُّ ) وَحَكِيمُ بْنُ الطُّفَيْلِ السِّنْبِسِيُّ. وَقُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ أَيْضًا. وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ أَيْضًا. وَقُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ الْبَنِينَ أَيْضًا، رَمَاهُ خَوَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي دَارِمٍ. وَقُتِلَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ لَيْلَى بِنْتُ مَسْعُودٍ الدَّارِمِيَّةُ، وَقَدْ شُكَّ فِي قَتْلِهِ. وَقُتِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ لَيْلَى ابْنَةُ أَبِي مُرَّةَ بْنِ عُرْوَةَ الثَّقَفِيِّ، وَأُمُّهَا مَيْمُونَةُ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، قَتَلَهُ مُنْقِذُ بْنُ النُّعْمَانِ الْعَبْدِيُّ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأُمُّهُ الرَّبَابُ ابْنَةُ امْرِئِ الْقَيْسِ الْكَلْبِيِّ، قَتَلَهُ هَانِئُ بْنُ ثُبَيْتٍ الْحَضْرَمِيُّ. وَقُتِلَ أَبُو بَكْرٍ ابْنُ أَخِيهِ الْحَسَنِ أَيْضًا، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ [ قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ الْغَنَوِيُّ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ ] قَتَلَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْكَاهِنِ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ. وَقُتِلَ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ أَيْضًا، قَتَلَهُ سَعْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيُّ. وَقُتِلَ عَوْنُ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهُ جُمَانَةُ بِنْتُ الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ الْفَزَارِيِّ، قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُطْبَةَ الطَّائِيُّ. وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَأُمُّهُ الْخَوْصَاءُ بِنْتُ خَصَفَةَ بْنِ تَيْمِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَتَلَهُ عَامِرُ بْنُ نَهْشَلٍ التَّيْمِيُّ. وَقُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ بَنِينَ ابْنَةِ الشُّقْرِ بْنِ الْهِضَابِ، قَتَلَهُ بِشْرُ بْنُ الْخُوطِ الْهَمْدَانِيُّ. وَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، قَتَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ. وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، رَمَاهُ عَمْرُو بْنُ صُبَيْحٍ الصَّيْدَاوِيُّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ. وَقُتِلَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ بِالْكُوفَةِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ. وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ رُقْيَةُ ابْنَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَتَلَهُ عَمْرُو بْنُ صُبَيْحٍ الصَّيْدَاوِيُّ، وَيُقَالُ قَتَلَهُ مَالِكُ بْنُ أُسَيْدٍ الْحَضْرَمِيُّ. وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَقِيلٍ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، قَتَلَهُ لَقِيطُ بْنُ يَاسِرٍ الْجُهَنِيُّ. وَاسْتُصْغِرَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ - وَأُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ مَنْظُورِ بْنِ زَبَّانَ الْفَزَارِيِّ، وَاسْتُصْغِرَ عَمْرُو بْنُ الْحُسَيْنِ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، فَلَمْ يُقْتَلَا. وَقَتِلَ مِنَ الْمَوَالِي سُلَيْمَانُ مَوْلَى الْحُسَيْنِ، قَتَلَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَوْفٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَقُتِلَ مُنْجِحٌ مَوْلَى الْحُسَيْنِ أَيْضًا، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُقْطُرٍ رَضِيعُ الْحُسَيْنِ. إرسال رأس الحسين إلى ابن زياد وَسُرِّحَ بِرَأْسِهِ مِنْ يَوْمِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ مَعَ خَوَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيِّ، فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى الْقَصْرِ وَجَدَهُ مُغْلَقًا، فَرَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَوَضَعَهُ تَحْتَ إِجَّانَةٍ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ نَوَارَ بِنْتِ مَالِكٍ: جِئْتُكِ بِعِزِّ الدَّهْرِ. فَقَالَتْ: وَمَا هُوَ ؟ فَقَالَ: هَذَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ. فَقَالَتْ: جَاءَ النَّاسُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَجِئْتَ أَنْتَ بِرَأْسِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ! وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُنِي وَإِيَّاكَ فِرَاشٌ أَبَدًا. ثُمَّ نَهَضَتْ عَنْهُ مِنَ الْفِرَاشِ، وَاسْتَدْعَى بِامْرَأَةٍ لَهُ أُخْرَى مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَنَامَتْ عِنْدَهُ. قَالَتِ الثَّانِيَةُ: فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ أَرَى النُّورَ سَاطِعًا مِنْ تِلْكَ الْإِجَّانَةِ إِلَى السَّمَاءِ، وَطُيُورًا بَيْضَاءَ تُرَفْرِفُ حَوْلَهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، فَأَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ مَعَهُ رُءُوسُ بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَمَجْمُوعُهَا اثَنَانِ وَسَبْعُونَ رَأْسًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَا قُتِلَ قَتِيلٌ إِلَّا احْتَزُّوا رَأَسَهُ، وَحَمَلُوهُ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ، بعث رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية ثُمَّ بَعَثَ بِهَا ابْنُ زِيَادٍ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الشَّامِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ عَلَيْهِ، وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ  ، وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ بسنده عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ جَعَلَ يَنْكُتُ بِالْقَضِيبِ ثَنَايَاهُ، يَقُولُ لَقَدْ كَانَ - أَحْسَبُهُ قَالَ - جَمِيلًا. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَسُوءَنَّكَ، إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْثَمُ حَيْثُ يَقَعُ قَضِيبُكَ. قَالَ: فَانْقَبَضَ. تَفَرَّدَ بِهِ الْبَزَّارُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَالَ: لَا نَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ حُمَيْدٍ غَيْرُ يُوسُفَ بْنِ عَبْدَةَ، وَهُوَ رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَشْهُورٌ، وَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، بسنده عَنْ حُمَيْدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: دَعَانِي عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ فَسَرَّحَنِي إِلَى أَهْلِهِ لِأُبَشِّرَهُمْ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَبِعَافِيَتِهِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَهْلَهُ، فَأَعْلَمْتَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى أَدْخَلَ، فَأَجِدُ ابْنَ زِيَادٍ قَدْ جَلَسَ لِلنَّاسِ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَفْدُ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ فِيمَنْ دَخَلَ، فَإِذَا رَأَسُ الْحُسَيْنِ مَوْضُوعٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِذَا هُوَ يَنْكُتُ بِقَضِيبٍ بَيْنَ ثَنِيَّتَيْهِ سَاعَةً، فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: اعْلُ بِهَذَا الْقَضِيبِ عَنْ هَاتَيْنِ الثَّنِيَّتَيْنِ، فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ رَأَيْتُ شَفَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَاتَيْنِ الشَّفَتَيْنِ يُقَبِّلُهُمَا  . ثُمَّ انْفَضَخَ الشَّيْخُ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَيْكَ، فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ شَيْخٌ قَدْ خَرِفْتَ، وَذَهَبَ عَقْلُكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ. قَالَ: فَنَهَضَ فَخَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ النَّاسُ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ كَلَامًا لَوْ سَمِعَهُ ابْنُ زِيَادٍ لَقَتَلَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا قَالَ ؟ قَالُوا: مَرَّ بِنَا وَهُوَ يَقُولُ: مَلَكَ عَبْدٌ عَبْدًا، فَاتَّخَذَهُمْ تُلَدًا، أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ الْعَبِيدُ بَعْدَ الْيَوْمِ، قَتَلْتُمُ ابْنَ فَاطِمَةَ، وَأَمَّرْتُمُ ابْنَ مَرْجَانَةَ، فَهُوَ يُقَتِّلُ خِيَارُكُمْ، وَيَسْتَعْبِدُ شِرَارَكُمْ، فَرَضِيتُمْ بِالذُّلِّ، فَبُعْدًا لِمَنْ رَضِيَ بِالذُّلِّ. وَأَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَسْلُبَهُمُ الْمُلْكَ، وَيُفَرِّقَ الْكَلِمَةَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَفِيفٍ الْأَزْدِيُّ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ زِيَادٍ ! تَقْتُلُونَ أَوْلَادَ النَّبِيِّينَ وَتَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِ الصِّدِّيقِينَ. فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ زِيَادٍ، فَقُتِلَ وَصُلِبَ. ثُمَّ أَمَرَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَنُصِبَ بِالْكُوفَةِ وَطِيفَ بِهِ فِي أَزِقَّتِهَا، ثُمَّ سَيَّرَهُ مَعَ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ وَمَعَهُ رُءُوسُ أَصْحَابِهِ، إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَكَانَ مَعَ زَحْرٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُرْسَانِ ; مِنْهُمْ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِيُّ، وَطَارِقُ بْنُ أَبِي ظَبْيَانَ الْأَزْدِيُّ، فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا بِالرُّءُوسِ كُلِّهَا عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ هِشَامٌ بسنده عَنِ الْغَازِ بْنِ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ مِنْ حِمْيَرَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَعِنْدَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِدِمَشْقَ، إِذْ أَقْبَلَ زَحْرُ بْنُ قَيْسٍ، فَدَخَلَ عَلَى يَزِيدَ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: وَيْلَكَ ! مَا وَرَاءَكَ ؟ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِفَتْحِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَنَصْرِهِ، وَرَدَ عَلَيْنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَسِتُّونَ رَجُلًا مِنْ شِيعَتِهِ، فَسِرْنَا إِلَيْهِمْ، فَسَأَلْنَاهُمْ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا وَيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ الْأَمِيرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ أَوِ الْقِتَالَ، فَاخْتَارُوا الْقِتَالَ، فَغَدَوْنَا عَلَيْهِمْ مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، فَأَحَطْنَا بِهِمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى أَخَذَتِ السُّيُوفُ مَأْخَذَهَا مِنْ هَامِ الْقَوْمِ، فَجَعَلُوا يَهْرَبُونَ إِلَى غَيْرِ مَهْرَبٍ وَلَا وَزَرٍ، وَيَلُوذُونَ مِنَّا بِالْآكَامِ وَالْحُفَرِ لِوَاذًا كَمَا لَاذَ الْحَمَامُ مِنْ صَقْرٍ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ إِلَّا جَزْرُ جَزُورٍ أَوْ نَوْمَةُ قَائِلٍ، حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى آخِرِهِمْ، فَهَاتِيكَ أَجْسَادُهُمْ مُجَرَّدَةً، وَثِيَابُهُمْ مُرَمَّلَةً، وَخُدُودُهُمْ مُعَفَّرَةً، تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ وَتَسْفِي عَلَيْهِمُ الرِّيحُ، زُوَّارُهُمُ الْعِقْبَانُ وَالرَّخَمُ. قَالَ: فَدَمَعْتَ عَيْنَا يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَرْضَى مِنْ طَاعَتِكُمْ بِدُونِ قَتْلِ الْحُسَيْنِ، لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي صَاحِبُهُ لَعَفَوْتُ عَنْهُ، وَرَحِمَ اللَّهُ الْحُسَيْنَ. وَلَمْ يَصِلْ زَحْرَ بْنَ قَيْسٍ بِشَيْءٍ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ بسنده عَنْ أَبِي عُمَارَةَ الْعَبْسِيِّ قَالَ: وَقَامَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ أَخُو مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ: لَهَامٌ بِجَنْبِ الطَّفِّ أَدْنَى قَرَابَةً     مِنِ ابْنِ زِيَادِ الْعَبْدِ ذِي الْحَسَبِ الْوَغْلِ سُمَيَّةُ أَضْحَى نَسْلُهَا عَدَدَ الْحَصَى     وَبِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ لَيْسَ لَهَا نَسْلُ قَالَ: فَضَرَبَ يَزِيدُ فِي صَدْرِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ، وَقَالَ: اسْكُتْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ بسنده عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ يَزِيدَ تَمَثَّلَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا     جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ فَأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُّوا فَرَحًا ثُمَّ     قَالُوا لِي هَنِيًّا لَا تَسَلْ حِينَ حَكَّتْ بِقُبَاءٍ بِرْكَهَا     وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ قَدْ قَتَلْنَا الضَّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ     وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلَ قَالَ مُجَاهِدٌ: نَافَقَ فِيهَا، وَاللَّهِ ثُمَّ وَاللَّهِ مَا بَقِيَ فِي جَيْشِهِ أَحَدٌ إِلَّا تَرَكَهُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ هَذَا فِي الرَّأْسِ هَلْ سَيَّرَهُ ابْنُ زِيَادٍ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى يَزِيدَ بِالشَّامِ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ بسنده عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ بُخَيْتٍ قَالَ: لَمَّا وُضِعَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ جَعَلَ يَنْكُتُ بِقَضِيبٍ كَانَ فِي يَدِهِ فِي ثَغْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا وَإِيَّانَا كَمَا قَالَ الْحُصَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ الْمُرِّيُّ: يُفَلِّقْنَ هَامًا مِنْ رِجَالٍ أَعِزَّةٍ     عَلَيْنَا وَهُمْ كَانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَمَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذَ قَضِيبُكَ هَذَا مَأْخَذًا، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَرْشُفُهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّ هَذَا سَيَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشَفِيعُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَتَجِيءُ وَشَفِيعُكَ ابْنُ زِيَادٍ. ثُمَّ قَامَ فَوَلَّى. بعث أهل ونساء الحسين ؓ إلى يزيد بن معاوية وَأَمَّا بَقِيَّةُ أَهْلِهِ وَنِسَاؤُهُ وَحَرَمُهُ فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ وَكَلَ بِهِمْ مَنْ يَحْرُسُهُمْ وَيَكْلَؤُهُمْ، فَأَرْكَبُوهُمْ عَلَى الرَّوَاحِلِ فِي الْهَوَادِجِ، فَلَمَّا مَرُّوا بِمَكَانِ الْمَعْرَكَةِ رَأَوُا الْحُسَيْنَ وَأَصْحَابَهُ مُجَدَّلِينَ، هُنَالِكَ بَكَتْهُ النِّسَاءُ، وَصَرَخْنَ وَنَدَبَتْ زَيْنَبُ أَخَاهَا الْحُسَيْنَ وَأَهْلَهَا، فَقَالَتْ وَهِيَ تَبْكِي: يَا مُحَمَّدَاهُ، يَا مُحَمَّدَاهُ، صَلَّى عَلَيْكَ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ، هَذَا حُسَيْنٌ بِالْعَرَاءِ، مُزَمَّلٌ بِالدِّمَاءِ، مُقَطَّعُ الْأَعْضَاءِ، يَا مُحَمَّدَاهُ، وَبَنَاتُكَ سَبَايَا، وَذُرِّيَّتُكَ مُقَتَّلَةٌ تَسْفِي عَلَيْهَا الصَّبَا. قَالَ: فَأَبْكَتْ وَاللَّهِ كُلَّ عَدُوٍّ وَصَدِيقٍ. قَالَ: ثُمَّ سَارُوا بِهِمْ فِي الْهَوَادِجِ مِنْ كَرْبَلَاءَ حَتَّى دَخَلُوا الْكُوفَةَ، فَأَكْرَمَهُمُ ابْنُ زِيَادٍ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمُ النَّفَقَاتَ وَالْكَسَاوِيَ وَالصِّلَاتِ. ثُمَّ سَيَّرَهُمْ فَرَدَّهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الشَّامِ مَعَ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ وَمُحَفِّزِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْعَائِذِيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَعَهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَكَانَ أَرَادَ ابْنُ زِيَادٍ قَتْلَهُ، فَصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمَّا بَعَثَهُمْ سَيَّرَهُ مَعَ أَهْلِهِ، وَلَكِنَّهُ مَغْلُولٌ إِلَى عُنُقِهِ، وَبَقِيَّةُ الْأَهْلِ فِي حَالٍ سَيِّئَةٍ عَلَى مَا ذَكَرَ بَعْضُهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: يَا عَلِيُّ، أَبُوكَ الَّذِي قَطَعَ رَحِمِي، وَجَهِلَ حَقِّي، وَنَازَعَنِي سُلْطَانِي، فَصَنَعَ اللَّهُ بِهِ مَا قَدْ رَأَيْتَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [ الْحَدِيدِ: 22 ]. فَقَالَ يَزِيدُ لِابْنِهِ خَالِدٍ: ارْدُدْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَا دَرَى خَالِدٌ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: قُلْ: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [ الشُّورَى: 30 ]. فَسَكَتَ عَنْهُ سَاعَةً، ثُمَّ دَعَا بِالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَرَأَى هَيْئَةً قَبِيحَةً، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ، لَوْ كَانَتْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَرَحِمٌ مَا فَعَلَ هَذَا بِكُمْ، وَلَا بَعَثَ بِكُمْ هَكَذَا. وَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ، بسنده عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَلِيٍّ قَالَتْ: لَمَّا أُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْ يَزِيدَ، رَقَّ لَنَا وَأَمَرَ لَنَا بِشَيْءٍ وَأَلْطَفنَا، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَحْمَرَ قَامَ إِلَى يَزِيدَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ لِي هَذِهِ. يَعْنِينِي، وَكُنْتُ جَارِيَةً وَضِيئَةً، فَارْتَعَدْتُ فَزِعَةً مِنْ قَوْلِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُمْ، فَأَخَذْتُ بِثِيَابِ أُخْتِي زَيْنَبَ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ مِنِّي وَأَعْقَلَ، وَكَانَتْ تَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، فَقَالَتْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ وَلَؤُمْتَ، مَا ذَلِكَ لَكَ وَلَا لَهُ. فَغَضِبَ يَزِيدُ، فَقَالَ لَهَا: كَذَبْتِ، وَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لِي، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَفْعَلَهُ لَفَعَلْتُ. قَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ، مَا جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَكَ، إِلَّا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مِلَّتِنَا وَتَدِينَ بِغَيْرِ دِينِنَا. قَالَتْ: فَغَضِبَ يَزِيدُ وَاسْتَطَارَ، ثُمَّ قَالَ: إِيَّايَ تَسْتَقْبِلِينَ بِهَذَا ؟ إِنَّمَا خَرَجَ مِنَ الدِّينِ أَبُوكِ وَأَخُوكِ. فَقَالَتْ زَيْنَبُ: بِدِينِ اللَّهِ وَدِينِ أَبِي وَدِينِ أَخِي وَجَدِّي، اهْتَدَيْتَ أَنْتَ وَأَبُوكَ وَجَدُّكَ. قَالَ: كَذَبْتِ يَا عَدُوَّةَ اللَّهِ. قَالَتْ: أَنْتَ أَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، تَشْتُمُ ظَالِمًا وَتَقْهَرُ بِسُلْطَانِكَ. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّهُ اسْتَحْيَا فَسَكَتَ، ثُمَّ قَامَ الشَّامِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَبْ لِي هَذِهِ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: اعْزُبْ وَهَبَ اللَّهُ لَكَ حَتْفًا قَاضِيًا. بعث أهل ونساء الحسين إلى المدينة ثُمَّ أَمَرَ يَزِيدُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجُلًا أَمِينًا، مَعَهُ رِجَالٌ وَخَيْلٌ، وَيَكُونُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مَعَهُمْ، ثُمَّ أَنْزَلَ النِّسَاءَ عِنْدَ حَرَمِهِ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُنَّ نِسَاءُ آلِ مُعَاوِيَةَ يَبْكِينَ وَيَنُحْنَ عَلَى الْحُسَيْنِ، ثُمَّ أَقَمْنَ الْمَنَاحَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ يَزِيدُ لَا يَتَغَدَّى وَلَا يَتَعَشَّى إِلَّا وَمَعَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وعَمْرُو بْنُ الْحَسَنِ، فَقَالَ يَزِيدُ يَوْمًا لِعَمْرٍو، وَهُوَ صَغِيرٌ جِدًّا: أَتُقَاتِلُ هَذَا ؟ يَعْنِي ابْنَهُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ: أَعْطِنِي سِكِّينًا وَأَعْطِهِ سِكِّينًا حَتَّى نَتَقَاتَلَ. فَأَخْذُهُ يَزِيدُ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: شِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مَنْ أَخْزَمَ، هَلْ تَلِدُ الْحَيَّةُ إِلَّا حَيَّةً ؟ ! وَلَمَّا وَدَّعَهُمْ يَزِيدُ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: قَبَّحَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي صَاحِبُهُ، مَا سَأَلَنِي خَصْلَةً إِلَّا أَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا، وَلَدَفَعْتُ الْحَتْفَ عَنْهُ بِكُلِّ مَا اسْتَطَعْتُ، وَلَوْ بِهَلَاكِ بَعْضِ وَلَدِي، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَضَى مَا رَأَيْتَ. ثُمَّ جَهَّزَهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا جَزِيلًا، وَقَالَ لَهُ: كَاتِبْنِي بِكُلِّ حَاجَةٍ تَكُونُ لَكَ، وَكَسَاهُمْ وَأَوْصَى بِهِمْ ذَلِكَ الرَّسُولَ. فَكَانَ ذَلِكَ الرَّسُولُ الَّذِي أَرْسَلَهُ مَعَهُنَّ يَسِيرُ بِمَعْزِلٍ عَنْهُنَّ مِنَ الطَّرِيقِ، ويبَعُدُ عَنْهُنَّ بِحَيْثُ يُدْرِكُهُنَّ طَرَفُهُ، وَهُوَ فِي خِدْمَتِهِنَّ حَتَّى وَصَلْنَ الْمَدِينَةَ فَجَمَعْنَ شَيْئًا مِنْ حُلِيِّهِنَّ، فَدَفَعْنَهُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الرَّافِضَةِ: إِنَّهُمْ حُمِلُوا عَلَى جَنَائِبِ الْإِبِلَ سَبَايَا عَرَايَا. حَتَّى كَذَبَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّ الْإِبِلَ الْبَخَاتِيَّ إِنَّمَا نَبَتَتْ لَهَا الْأَسْنِمَةُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِتَسْتُرَ عَوْرَاتِهِنَّ. وَكَتَبَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَمِيرِ الْحَرَمَيْنِ يُبَشِّرُهُ بِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا سَمِعَ نِسَاءُ بَنِي هَاشِمٍ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُنَّ بِالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ، فَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ يَقُولُ: هَذَا بِبُكَاءِ نِسَاءِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وقالت امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، نَاشِرَةً شَعْرَهَا وَاضِعَةً كُمَّهَا عَلَى رَأْسِهَا، تَتَلَقَّاهُمْ وَهِيَ تَبْكِي وَتَقُولُ: مَاذَا تَقُولُونَ إِنْ قَالَ النَّبِيُّ لَكُمْ     مَاذَا فَعَلْتُمْ وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ بِعِتْرَتِي وَبِأَهْلِي بَعْدَ مُفْتَقَدِي     مِنْهُمْ أُسَارَى وَقَتْلَى ضُرِّجُوا بِدَمِ مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي إِذْ نَصَحْتُ لَكُمْ     أَنْ تَخْلُفُونِي بِسُوءٍ فِي ذَوِي رَحِمِي وَقَدْ رَوَى أَبُو مِخْنَفٍ بسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ أَبِي الْكَنُودِ، أَنَّ بِنْتَ عَقِيلٍ هِيَ الَّتِي قَالَتْ هَذَا الشِّعْرَ. وَهَكَذَا حَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ زَيْنَبَ الصُّغْرَى بِنْتَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ هِيَ الَّتِي قَالَتْ ذَلِكَ حِينَ دَخَلَ آلُ الْحُسَيْنِ الْمَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ فَاطِمَةَ، وَهِيَ زَوْجُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أُمُّ بَنِيهِ، رَفَعَتْ سِجْفَ خِبَائِهَا يَوْمَ كَرْبَلَاءَ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، وَقَالَتْ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ بسنده عن عُمَرُ بْنُ عِكْرِمَةَ قَالَ: أَصْبَحْنَا صَبِيحَةَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بِالْمَدِينَةِ، فَإِذَا مَوْلَاةٌ لَنَا تُحَدِّثُنَا قَالَتْ: سَمِعْتُ الْبَارِحَةَ مُنَادِيًا يُنَادِي وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا الْقَاتِلُونَ جَهْلًا حُسَيْنًا     أَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ وَالتَّنْكِيلِ كُلُّ أَهْلِ السَّمَاءِ يَدْعُو عَلَيْكُمْ     مِنْ نَبِيٍّ وَمَلْأَكٍ وَقَبِيلِ قَدْ لُعِنْتُمْ عَلَى لِسَانِ ابْنِ دَاوُ     دَ وَمُوسَى وَحَامِلِ الْإِنْجِيلِ قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَيْزُومٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: سَمِعْتُ هَذَا الصَّوْتَ. وَمِمَّا أَنْشَدَهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَغَيْرُهُ لِبَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينِ فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ: جَاءُوا بِرَأْسِكَ يَابْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ     مُتَزَمِّلًا بِدِمَائِهِ تَزْمِيلَا وَكَأَنَّمَا بِكَ يَابْنَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ     قَتَلُوا جَهَارًا عَامِدِينَ رَسُولَا قَتَلُوكَ عَطْشَانًا وَلَمْ يَتَرَقَّبُوا     فِي قَتْلِكَ التَّنْزِيلَ وَالتَّأْوِيلَا وَيُكَبِّرُونَ بِأَنْ قُتِلْتَ وَإِنَّمَا     قَتَلُوا بِكَ التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَا وقَالَ الْحُصَيْنُ: وَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ لَبِثُوا شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، كَأَنَّمَا تُلَطَّخُ الْحَوَائِطُ بِالدِّمَاءِ سَاعَةَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ. قَالَ رَأْسُ جَالُوتَ ذَلِكَ الزَّمَانِ: مَا مَرَرْتُ بِكَرْبَلَاءَ إِلَّا وَأَنَا أُرَكِّضُ دَابَّتِي حَتَّى أَخْلُفَ الْمَكَانَ، لِأَنَّا كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ وَلَدَ نَبِيٍّ يُقْتَلُ بِذَلِكَ الْمَكَانِ، فَكُنْتُ أَخَافُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ أَمِنْتُ فَكُنْتُ أَسِيرُ وَلَا أُرَكِّضُ. وَكَانَ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ، ؓ  ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ - وَقَالَ اللَّيْثُ وَأَبُو نُعَيْمٍ: يَوْمَ السَّبْتِ - يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسِتِّينَ. وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ. وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: سَنَةَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ سِتِّينَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الطَّفُّ. بِكَرْبَلَاءَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَمَانٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً أَوْ نَحْوُهَا، وَأَخْطَأَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ قُتِلَ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ وَسِتُّونَ سَنَةً. قال ابن الجوزي وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا وُلِدَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي مِقْدَارِ خِلَافَةِ الْخُلَفَاءِ إِلَى زَمَانِ قَتْلِهِ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَى السِّتِّينَ. وَقَوْلُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَصَحُّ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ: قُتِلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ. وَهُوَ غَلَطٌ.

  118. التاريخ 2209لا حكم مسجّل

    فَصْلٌ ( الْإِخْبَارُ بِمَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ؓ ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسٍ قَالَ اسْتَأْذَنُ مَلَكُ الْقَطْرِ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ لَأُمِّ سَلَمَةَ: " احْفَظِي عَلَيْنَا الْبَابَ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ ". فَجَاءَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوَثَبَ حَتَّى دَخَلَ، فَجَعَلَ يَصْعَدُ عَلَى مَنْكِبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: أَتُحِبُّهُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " نَعَمْ ". قَالَ: فَإِنَّ أُمَّتَكَ تَقْتُلُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ الْمَكَانَ الَّذِي يُقْتَلُ فِيهِ. قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ، فَأَرَاهُ تُرَابًا أَحْمَرَ، فَأَخَذَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ذَلِكَ التُّرَابَ، فَصَرَّتْهُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهَا. قَالَ: فَكُنَّا نَسْمَعُ: يُقْتَلُ بِكَرْبَلَاءَ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: بسنده عن أَشْعَثُ بْنُ سُحَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ الْحَارِثِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا - يَعْنِي الْحُسَيْنَ - يُقْتَلُ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: كَرْبَلَاءُ. فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ ذَلِكَ فَلْيَنْصُرْهُ ". قَالَ: فَخَرَجَ أَنَسُ بْنُ الْحَارِثِ إِلَى كَرْبَلَاءَ فَقُتِلَ مَعَ الْحُسَيْنِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَارَ مَعَ عَلِيٍّ - وَكَانَ صَاحِبَ مَطْهَرَتِهِ - فَلَمَّا حَاذَى نِينَوَى وَهُوَ مُنْطَلِقٌ إِلَى صِفِّينَ فَنَادَى عَلِيٌّ: اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اصْبِرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بِشَطِّ الْفُرَاتِ. قُلْتُ: وَمَاذَا ؟ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَعَيْنَاهُ تَفِيضَانِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَغْضَبَكَ أَحَدٌ ؟ وَمَا شَأْنُ عَيْنَيْكَ تَفِيضَانِ ؟ قَالَ: " بَلْ قَامَ مِنْ عِنْدِي جِبْرِيلُ قَبْلُ، فَحَدَّثَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ يُقْتَلُ بِشَطِّ الْفُرَاتِ ". قَالَ: " فَقَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ أُشِمَّكَ مِنْ تُرْبَتِهُ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَمَدَّ يَدَهُ، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَأَعْطَانِيهَا، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ أَنْ فَاضَتَا " وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ مَرَّ بِكَرْبَلَاءَ، عِنْدَ أَشْجَارِ الْحَنْظَلِ، وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى صِفِّينَ، فَسَأَلَ عَنِ اسْمِهَا فَقِيلَ: كَرْبَلَاءُ. فَقَالَ: كَرْبٌ وَبَلَاءٌ. فَنَزَلَ وَصَلَّى عِنْدَ شَجَرَةٍ هُنَاكَ، ثُمَّ قَالَ: يُقْتَلُ هَاهُنَا شُهَدَاءُ هُمْ خَيْرُ الشُّهَدَاءِ غَيْرَ الصَّحَابَةِ، يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ هُنَاكَ، فَعَلَّمُوهُ بِشَيْءٍ، فَقُتِلَ فِيهِ الْحُسَيْنُ، ؓ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ آثَارٌ فِي كَرْبَلَاءَ. وَقَدْ حَكَى أَبُو الْجَنَابِ الْكَلْبِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَهْلَ كَرْبَلَاءَ لَا يَزَالُونَ يَسْمَعُونَ نَوْحَ الْجِنِّ عَلَى الْحُسَيْنِ، ؓ، وَهُنَّ يَقُلْنَ: مَسَحَ الرَّسُولُ جَبِينَهُ فَلَهُ بَرِيقٌ فِي الْخُدُودِ     أَبَوَاهُ مِنْ عَلْيَا قُرَيْ شٍ جَدُّهُ خَيْرُ الْجُدُودِ وَقَدْ أَجَابَهُمْ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ: خَرَجُوا بِهِ وَفَدًا إِلَيْ     هِ فَهُمْ لَهُ شَرُّ الْوُفُودِ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ     سَكَنُوا بِهِ نَارَ الْخُلُودِ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ النَّاسِ ذَهَبُوا فِي غَزْوَةٍ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَوَجَدُوا فِي كَنِيسَةٍ مَكْتُوبًا: أَتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا     شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ فَسَأَلُوهُمْ: مَنْ كَتَبَ هَذَا ؟ فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا مَكْتُوبٌ هَاهُنَا مِنْ قَبْلِ مَبْعَثِ نَبِيِّكُمْ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا ؟ قَالَ: " هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، لَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ ". قَالَ عَمَّارٌ: فَأَحْصَيْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بسنده عَنْ سَلْمَى قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ ؟ فَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: إِنَّا لَعِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَسَمِعْنَا صَارِخَةً، فَأَقْبَلَتْ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: قُتِلَ الْحُسَيْنُ. فَقَالَتْ: قَدْ فَعَلُوهَا، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ - أَوْ بُيُوتَهُمْ - عَلَيْهِمْ نَارًا. وَوَقَعَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، وَقُمْنَا. وَرَوَى الْحُسَيْنُ بْنُ إِدْرِيسَ، بسنده عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ الْجِنَّ تَنُوحُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَهُنَّ يَقُلْنَ أَيُّهَا الْقَاتِلُونَ ظُلْمًا حُسَيْنًا     أَبْشِرُوا بِالْعَذَابِ وَالتَّنْكِيلِ كُلُّ أَهْلِ السَّمَاءِ يَدْعُو عَلَيْكَمْ     مِنْ نَبِيٍّ وَمُرْسَلٍ وَقَبِيلِ قَدْ لُعِنْتُمْ عَلَى لَسَانِ ابْنِ دَاوُدَ     وَمُوسَى وَصَاحِبِ الْإِنْجِيلِ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِشِعْرٍ آخَرَ غَيْرِ هَذَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْخَطِيبُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ: إِنِّي قَتَلْتُ بِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفًا، وَأَنَا قَاتِلٌ بِابْنِ ابْنَتِكَ سَبْعِينَ أَلْفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا. وَأَخْرَجَ ثَعْلَبٌ فِي «أَمَالِيهِ» عَنْ أَبِي جَنَابٍ الْكَلْبِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ كَرْبَلَاءَ فَقُلْتُ لِرَجُلٍ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ بِهَا: بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تَسْمَعُونَ نَوْحَ الْجِنِّ؟ قَالَ: مَا تَلْقَى أَحَدًا إِلَّا أَخْبَرَكَ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ، قُلْتُ: فَأَخْبِرْنِي مَا سَمِعْتَ أَنْتَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُمْ يَقُولُونَ: مَسَحَ الرَّسُولُ جَبِينَهُ     فَلَهُ بَرِيقٌ فِي الْخُدُودِ أَبَوَاهُ مِنْ عُلْيَا قُرَيْـــ     ـــشَ وَجَدُّهُ خَيْرُ الْجُدُودِ

  119. التاريخ 2210لا حكم مسجّل

    وَلَقَدْ بَالَغَ الشِّيعَةُ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَوَضَعُوا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً وَكَذِبًا فَاحِشًا مِنْ كَوْنِ الشَّمْسِ كَسَفَتْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى بَدَتِ النُّجُومُ، وَمَا رُفِعَ يَوْمَئِذٍ حَجَرٌ إِلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ، وَأَنَّ أَرْجَاءَ السَّمَاءِ احْمَرَّتْ، وَأَنَّ الشَّمْسَ كَانَتْ تَطْلُعُ وَشُعَاعُهَا كَأَنَّهُ دَمٌ، وَصَارَتِ السَّمَاءُ كَأَنَّهَا عَلَقَةٌ، وَأَنَّ الْكَوَاكِبَ صَارَ يَضْرِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَمْطَرَتِ السَّمَاءُ دَمًا أَحْمَرَ، وَأَنَّ الْحُمْرَةَ لَمْ تَكُنْ فِي السَّمَاءِ قَبْلَ يَوْمِئِذٍ. وَرَوَى ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ الْمُعَافِرِيِّ، أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى بَدَتِ النُّجُومُ وَقْتَ الظُّهْرِ. وَأَنَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ لَمَّا دَخَلُوا بِهِ قَصْرَ الْإِمَارَةِ جَعَلَتِ الْحِيطَانُ تَسِيلُ دَمًا. وَأَنَّ الْأَرْضَ أَظْلَمَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَلَمْ يُمَسَّ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ مِمَّا كَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا احْتَرَقَ مَنْ مَسَّهُ. وَلَمْ يُرْفَعْ حَجَرٌ مِنْ حِجَارَةِ بَيْتِ الْمَقَدْسِ إِلَّا ظَهَرَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ. وَأَنَّ الْإِبِلَ الَّتِي غَنِمُوهَا مِنْ إِبِلِ الْحُسَيْنِ حِينَ طَبَخُوهَا صَارَ لَحْمُهَا مِثْلَ الْعَلْقَمِ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الَّتِي لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنَ الْأُمُورِ وَالْفِتَنِ الَّتِي أَصَابَتْ مَنْ قَتَلَهُ فَأَكْثَرُهَا صَحِيحٌ ; فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ نَجَا مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أُصِيبَ بِمَرَضٍ، وَأَكْثَرُهُمْ أَصَابَهُ الْجُنُونُ. وَلِلشِّيعَةِ وَالرَّافِضَةِ فِي صِفَةِ مَصْرَعِ الْحُسَيْنِ، ؓ، كَذِبٌ كَثِيرٌ وَأَخْبَارٌ طَوِيلَةٌ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ، وَفِي بَعْضِ مَا أَوْرَدْنَاهُ نَظَرٌ، وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ وَغَيْرَهُ مِنَ الْحُفَّاظِ الْأَئِمَّةِ ذَكَرُوهُ مَا سُقْتُهُ، وَأَكْثَرُهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى، وَقَدْ كَانَ شِيعِيًّا، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ، وَلَكِنَّهُ أَخْبَارِيٌّ حَافِظٌ، عِنْدَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا يَتَرَامَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ مِمَّنْ بَعْدَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَسْرَفَ الرَّافِضَةُ فِي دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهٍ فِي حُدُودِ الْأَرْبَعِمِائَةٍ وَمَا حَوْلَهَا، فَكَانَتِ الدَّبَادِبُ تُضْرَبُ بِبَغْدَادَ وَنَحْوِهَا مِنَ الْبِلَادِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيُذَرُّ الرَّمَادُ وَالتِّبْنُ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ، وَتُعَلَّقُ الْمُسُوحُ عَلَى الدَّكَاكِينِ، وَيُظْهِرُ النَّاسُ الْحُزْنَ وَالْبُكَاءَ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَشْرَبُ الْمَاءَ لَيْلَتَئِذٍ مُوَافَقَةً لَلْحُسَيْنِ، لَأَنَّهُ قُتِلَ عَطْشَانَ، ثُمَّ تَخْرُجُ النِّسَاءُ حَاسِرَاتٍ عَنْ وُجُوهِهِنَّ يَنُحْنَ وَيَلْطِمْنَ وُجُوهَهُنَّ وَصُدُورَهُنَّ، حَافِيَاتٍ فِي الْأَسْوَاقِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الشَّنِيعَةِ، وَالْأَهْوَاءِ الْفَظِيعَةِ، وَالْهَتَائِكِ الْمُخْتَرَعَةِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهَذَا وَأَشْبَاهِهِ أَنْ يُشَنِّعُوا عَلَى دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ ; لَأَنَّهُ قُتِلَ فِي أَيَّامِهِمْ. وَقَدْ عَاكَسَ الرَّافِضَةَ وَالشِّيعَةَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ النَّوَاصِبُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَكَانُوا فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَطْبُخُونَ الْحُبُوبَ وَيَغْتَسِلُونَ وَيَتَطَيَّبُونَ وَيَلْبَسُونَ أَفْخَرَ ثِيَابِهِمْ، وَيَتَّخِذُونَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، يَصْنَعُونَ فِيهِ أَنْوَاعَ الْأَطْعِمَةِ، وَيُظْهِرُونَ السُّرُورَ وَالْفَرَحَ ; يُرِيدُونَ بِذَلِكَ عِنَادَ الرَّوَافِضِ وَمُعَاكَسَتَهُمْ.

  120. التاريخ 2211لا حكم مسجّل

    وَقَدْ تَأَوَّلَ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ أَنَّهُ جَاءَ لَيُفَرِّقَ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ اجْتِمَاعِهَا، وَلِيَخْلَعَ مَنْ بَايَعَهُ النَّاسُ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " الْحَدِيثُ بِالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَالتَّوَعُّدِ عَلَيْهِ، وَبِتَقَدْيرِ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَهَلَةِ قَدْ تَأَوَّلُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَتْلُهُ، بَلْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ إِجَابَتُهُ إِلَى مَا سَأَلَ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، فَإِذَا ذُمَّتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَبَّارِينَ لَمْ تُذَمَّ الْأُمَّةُ بِكَمَالِهَا وَتُتَّهَمْ عَلَى نَبِيِّهَا ﷺ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَلَا كَمَا سَلَكُوهُ، بَلْ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ قَدْيمًا وَحَدِيثًا كَارِهٌ مَا وَقَعَ مِنْ قَتْلِهِ وَقَتْلِ أَصْحَابِهِ سِوَى شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَأَكْثَرُهُمْ كَانُوا قَدْ كَاتَبُوهُ لَيَتَوَصَّلُوا بِهِ إِلَى أَغْرَاضِهِمْ وَمَقَاصِدِهِمُ الْفَاسِدَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ ابْنُ زِيَادٍ مِنْهُمْ بَلَّغَهُمْ مَا يُرِيدُونَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَخَذَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَانْكَفُّوا عَنِ الْحُسَيْنِ وَخَذَلُوهُ ثُمَّ قَتَلُوهُ، وَلَيْسَ كُلُّ ذَلِكَ الْجَيْشِ كَانَ رَاضِيًا بِمَا وَقَعَ مِنْ قَتْلِهِ، بَلْ وَلَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ بِذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَلَا كَرِهَهُ، وَالَّذِي يَكَادُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ يَزِيدَ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ لَعَفَا عَنْهُ، كَمَا أَوْصَاهُ بِذَلِكَ أَبُوهُ، وَكَمَا صَرَّحَ هُوَ بِهِ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ. وَقَدْ لَعَنَ ابْنَ زِيَادٍ عَلَى فِعْلِهِ ذَلِكَ وَشَتَمَهُ فِيمَا يَظْهَرُ وَيَبْدُو، وَلَكِنْ لَمْ يَعْزِلْهُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا عَاقَبَهُ وَلَا أَرْسَلَ يَعِيبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  121. التاريخ 2212لا حكم مسجّل

    فَكُلُّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْزِنَهُ هَذَا الَّذِي وَقَعَ مِنْ قَتْلِهِ، ؓ، فَإِنَّهُ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ بْناتِهِ، وَقَدْ كَانَ عَابِدًا وَشُجَاعًا وَسَخِيًّا، وَلَكِنْ لَا يُحْسِنُ مَا يَفْعَلُهُ الشِّيعَةُ مِنْ إِظْهَارِ الْجَزَعِ وَالْحُزْنِ الَّذِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُ تَصَنُّعٌ وَرِيَاءٌ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَهُمْ لَا يَتَّخِذُونَ مَقْتَلَهُ مَأْتَمًا كَيَوْمِ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ، فَإِنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عَلِيٍّ، عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَقَدْ قُتِلَ وَهُوَ مَحْصُورٌ فِي دَارِهِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ ذُبِحَ مِنَ الْوَرِيدِ إِلَى الْوَرِيدِ، وَلَمْ يَتَّخِذِ النَّاسُ يَوْمَ مَقْتَلِهِ مَأْتَمًا، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، قُتِلَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَلَمْ يَتَّخِذِ النَّاسَ يَوْمَ قَتْلِهِ مَأْتَمًا، وَكَذَلِكَ الصِّدِّيقُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، وَلَمْ يَتَّخِذِ النَّاسُ يَوْمَ وَفَاتِهِ مَأْتَمًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ كَمَا مَاتَ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، وَلَمْ يَتَّخِذْ أَحَدٌ يَوْمَ مَوْتِهِ مَأْتَمًا يَفْعَلُونَ فِيهِ مَا يَفْعَلُهُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ مِنَ الرَّافِضَةِ يَوْمَ مَصْرَعِ الْحُسَيْنِ، وَلَا ذَكَرَ أَحَدٌ أَنَّهُ ظَهَرَ يَوْمَ مَوْتِهِمْ وَقِبَلَهُمْ شَيْءٌ مِمَّا ادَّعَاهُ هَؤُلَاءِ يَوْمَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ، مِثْلَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْحُمْرَةِ الَّتِي تَطْلُعُ فِي السَّمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَحْسَنُ مَا يُقَالُ عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَصَائِبِ وَأَمْثَالِهَا مَا رَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ جَدِّهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَتَذَكَّرُهَا وَإِنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا، فَيُحْدِثُ لَهَا اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ يَوْمٍ أُصِيبَ بِهَا ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.

  122. التاريخ 2213لا حكم مسجّل

    وَأَمَّا قَبْرُ الْحُسَيْنِ، ؓ   فَقَدِ اشْتُهِرَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ فِي مَشْهَدِ عَلِيٍّ بِمَكَانٍ مِنَ الطَّفِّ عِنْدَ نَهْرِ كَرْبَلَاءَ، فَيُقَالُ: إِنَّ ذَلِكَ الْمَشْهَدَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَبْرِهِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَوْضِعَ مَقْتَلِهِ عَفَا أَثَرُهُ، حَتَّى لَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ عَلَى تَعْيِينِهِ بِخَبَرٍ. وَقَدْ كَانَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ يُنْكِرُ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَعْرِفُ قَبْرَ الْحُسَيْنِ ؓ. وَذَكَرَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ الْمَاءَ لَمَّا أُجْرِيَ عَلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ لَيُمْحَى أَثَرُهُ نَضَبَ الْمَاءُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ قَبْضَةً قَبْضَةً، وَيَشُمُّهَا حَتَّى وَقَعَ عَلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ، فَبَكَى وَقَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا كَانَ أَطْيَبَكَ وَأَطْيَبَ تُرْبَتِكَ ! ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَرَادُوا لَيُخْفُوا قَبْرَهُ عَنْ عَدُوِّهِ فَطِيبُ تُرَابِ الْقَبْرِ دَلَّ عَلَى الْقَبْرِ

  123. التاريخ 2214لا حكم مسجّل

    وَأَمَّا رَأْسُهُ ؓ فَالْمَشْهُورُ بَيْنَ أَهْلِ التَّارِيخِ وَعُلَمَاءِ السِّيَرِ أَنَّهُ بَعَثَ بِهِ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَعِنْدِي أَنَّ الْأَوَّلَ أَشْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَكَانَ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ الرَّأْسُ   ; فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ يَزِيدَ بَعَثَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ نَائِبِ الْمَدِينَةِ فَدَفَنَهُ عِنْدَ أُمِّهِ بِالْبَقِيعِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ الرَّأْسَ لَمْ يَزَلْ فِي خِزَانَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حَتَّى تُوُفِّيَ، فَأُخِذَ مِنْ خِزَانَتِهِ، فَكُفِّنَ وَدُفِنَ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ مِنْ مَدِينَةِ دِمَشْقَ. قُلْتُ: وَيُعْرَفُ مَكَانُهُ بِمَسْجِدِ الرَّأْسِ الْيَوْمَ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ الثَّانِي. وَذَكَرَ الْحَافِظُ بْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ " فِي تَرْجَمَةِ رَيَّا حَاضِنَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، أَنَّ يَزِيدَ حِينَ وَضَعَ رَأَسَ الْحُسَيْنِ  بَيْنَ يَدَيْهِ تَمَثَّلَ بِشِعْرِ ابْنِ الزِّبْعَرَى، يَعْنِي قَوْلَهُ: لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الْأَسَلْ قَالَتْ: ثُمَّ نَصَبَهُ بِدِمَشْقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ وُضِعَ فِي خَزَائِنِ السِّلَاحِ، حَتَّى كَانَ زَمَانُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجِيءَ بِهِ إِلَيْهِ، وَقَدْ بَقِيَ عَظْمًا أَبْيَضَ، فَكَفَّنَهُ وَطَيَّبَهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَدَفَنَهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْمُسَوِّدَةُ - يَعْنِي بَنِي الْعَبَّاسِ - نَبَشُوا عَنْ رَأْسِ الْحُسَيْنِ وَأَخَذُوهُ مَعَهُمْ. وَذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ بَقِيَتْ بَعْدَ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَدْ جَاوَزَتِ الْمِائَةَ سَنَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَادَّعَتِ الطَّائِفَةُ الْمُسَمَّوْنَ بِالْفَاطِمِيِّينَ، الَّذِينَ مَلَكُوا الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ قَبْلَ سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى مَا بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ، أَنَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ وَصَلَ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ  ، وَدَفَنُوهُ بِهَا وَبَنُوا عَلَيْهِ الْمَشْهَدَ الْمَشْهُورَ بِهِ بِمِصْرَ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ: تَاجُ الْحُسَيْنِ. بَعْدَ سَنَةِ خَمْسِمِائَةٍ. وَقَدْ نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنْ يُرَوِّجُوا بِذَلِكَ بُطْلَانَ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ النَّسَبِ الشَّرِيفِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ كَذَبَةٌ خَوَنَةٌ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي الْبَاقِلَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْعُلَمَاءِ فِي دَوْلَتِهِمْ فِي حُدُودِ سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ.

  124. التاريخ 2215لا حكم مسجّل

    هُوَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، السِّبْطُ الشَّهِيدُ بِكَرْبَلَاءَ، ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ وَرَيْحَانَتُهُ مِنَ الدُّنْيَا، وُلِدَ بَعْدَ أَخِيهِ الْحَسَنِ، وَكَانَ مَوْلِدُ الْحَسَنِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ  . وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ وَاحِدٌ وَمُدَّةُ الْحَمْلِ. وَوُلِدَ لِخَمْسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: وُلِدَ الْحُسَيْنُ لِسِتِّ سِنِينَ وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ مِنَ التَّارِيخِ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ  ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ وَنِصْفٌ، ؓ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ حَنَّكَهُ، وَتَفَلَ فِي فِيهِ، وَدَعَا لَهُ، وَسَمَّاهُ حُسَيْنًا، وَقَدْ كَانَ سَمَّاهُ أَبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ حَرْبًا، وَقِيلَ: جَعْفَرًا. وَقِيلَ: إِنَّمَا سَمَّاهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَعَقَّ عَنْهُ. وعَنْ عَلِيٍّ، ؓ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهُ بِهِ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُ قَالَ: كَانَ وَجْهُ الْحَسَنِ يُشْبِهُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ  ، وَكَانَ جَسَدُ الْحُسَيْنِ يُشْبِهُ جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ سُفْيَانُ: قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ: رَأَيْتَ الْحُسَيْنَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَسْوَدُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ إِلَّا شَعَرَاتٍ هَاهُنَا فِي مُقَدَّمِ لِحْيَتِهِ، فَلَا أَدْرِي أَخَضَبَ وَتَرَكَ ذَلِكَ الْمَكَانَ تَشَبُّهًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ لَمْ يَكُنْ شَابَ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ ؟ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَطَاءٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ يَصْبُغُ بِالْوَسْمَةِ، أَمَّا هُوَ فَكَانَ ابْنَ سِتِّينَ، وَكَانَ رَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ شَدِيدَيِ السَّوَادِ. معاصرة الحسين للنبي ﷺ وَقَدْ أَدْرَكَ الْحُسَيْنُ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ نَحْوَهَا، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ. وَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: لَهُ رُؤْيَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ رَوَى صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّهُ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ. وَهَذَا غَرِيبٌ، فَلَأَنْ يَقُولَ فِي الْحُسَيْنِ: إِنَّهُ تَابِعِيٌّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحُسَيْنَ عَاصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَحِبَهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا، ثُمَّ كَانَ الصِّدِّيقُ يُكْرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَصَحِبَ أَبَاهُ وَرَوَى عَنْهُ، وَكَانَ مَعَهُ فِي مَغَازِيهِ كُلِّهَا فِي الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَكَانَ مُعَظَّمًا مُوَقَّرًا، وَلَمْ يَزَلْ فِي طَاعَةِ أَبِيهِ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا آلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَخِيهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُصَالِحَ مُعَاوِيَةَ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُسَدِّدْ رَأْيَ أَخِيهِ فِي ذَلِكَ، بَلْ حَثَّهُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَسْجُنَكَ فِي بَيْتٍ، وَأُطْبِقَ عَلَيْكَ بَابَهُ حَتَّى أَفْرُغَ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ، ثُمَّ أُخْرِجَكَ. فَلَمَّا رَأَى الْحُسَيْنُ ذَلِكَ سَكَتَ وَسَلَّمَ. إكرام معاوية للحسن والحسين في خلافته فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ لِمُعَاوِيَةَ كَانَ الْحُسَيْنُ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ مَعَ أَخِيهِ الْحَسَنِ، فَكَانَ مُعَاوِيَةُ يُكْرِمُهُمَا إِكْرَامًا زَائِدًا، وَيَقُولُ لَهُمَا: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. وَيُعْطِيهِمَا عَطَاءً جَزِيلًا، وَقَدْ أَطْلَقَ لَهُمَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَقَالَ: خُذَاهَا وَأَنَا ابْنُ هِنْدَ، وَاللَّهِ لَا يُعْطِيكُمَاهَا أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا أَحَدٌ بَعْدِي. فَقَالَ الْحُسَيْنُ: وَاللَّهِ لَنْ تُعْطِيَ أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ قَبْلَكَ وَلَا بَعْدَكَ رَجُلَيْنِ أَفْضَلَ مِنَّا. وَلِمَا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ كَانَ الْحُسَيْنُ يَفِدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي كُلِّ عَامٍ فَيُعْطِيهِ وَيُكْرِمُهُ، وَقَدْ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ غَزَوُا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ مَعَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ يَزِيدَ  ، فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. فضائل الحسين ؓ ورَوَى الْبُخَارِيُّ بسنده عن ابْنَ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنِ الْمُحْرِمِ يَقْتُلُ الذُّبَابَ، فَقَالَ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونَ عَنْ قَتْلِ الذُّبَابِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ! وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا "  ؟ ! وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي ". يَعْنِي حَسَنًا وَحُسَيْنًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَفَاطِمَةَ فَقَالَ: " أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ، سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ ". تَفَرَّدَ بِهِمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ، هَذَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَهَذَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَهُوَ يَلْثَمُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَيْنَا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتُحِبُّهُمَا. فَقَالَ: " مَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بسنده عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ". قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: " ادْعُ لِيَ ابْنَيَّ ". فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَمُرُّ بِبَيْتِ فَاطِمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ إِذَا خَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَقُولُ: " الصَّلَاةَ يَا أَهْلَ الْبَيْتِ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ". وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُنَا، إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ، يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا، فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " صَدَقَ اللَّهُ: " إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ " فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنَ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا ". وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سِبْطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ   ". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ   وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ كُنَّا نُصْلِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، فَإِذَا سَجَدَ وَثَبَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ أَخَذَهُمَا أَخْذًا رَفِيقًا، فَيَضَعُهُمَا عَلَى الْأَرْضِ، فَإِذَا عَادَ عَادَا، حَتَّى قَضَى صَلَاتَهُ أَقْعَدَهُمَا عَلَى فَخِذَيْهِ. قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرُدُّهُمَا ؟ فَبَرَقَتْ بَرْقَةٌ فَقَالَ لَهُمَا: " الْحَقَا بِأُمِّكُمَا ". قَالَ: فَمَكَثَ ضَوْءُهَا حَتَّى دَخَلَا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا نَائِمٌ عَلَى الْمَنَامَةِ، فَاسْتَسْقَى الْحَسَنُ أَوِ الْحُسَيْنُ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى شَاةٍ لَنَا بَكِئٍ فَحَلَبَهَا فَدَرَّتْ، فَجَاءَهُ الْآخَرُ فَنَحَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهُ أَحَبَّهُمَا إِلَيْكَ ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنَّهُ اسْتَسْقَى قَبْلَهُ ". ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي وَإِيَّاكِ وَهَذَيْنِ وَهَذَا الرَّاقِدَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". إكرام عمر بن الخطاب للحسن والحسين ؓ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُحِبُّهُمَا وَيُكْرِمُهُمَا  وَيَحْمِلُهُمَا وَيُعْطِيهِمَا فِي الدِّيوَانِ كَمَا يُعْطِي أَبَاهُمَا، وَجِيءَ مَرَّةً بِحُلَلٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْطِهِمَا مِنْهَا شَيْئًا، وَقَالَ: لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصْلُحُ لَهُمَا. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى نَائِبِ الْيَمَنِ، فَاسْتَعْمَلَ لَهُمَا حُلَّتَيْنِ تُنَاسِبُهُمَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عن الْعَيْزَارِ بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: بَيْنَمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ إِذْ رَأَى الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ مُقْبِلًا، فَقَالَ: هَذَا أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَى أَهْلِ السَّمَاءِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بسنده عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَايَعَ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، وَهُمْ صِغَارٌ لَمْ يَبْلُغُوا، وَلَمْ يُبَايِعْ صَغِيرًا إِلَّا مِنَّا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: حَجَّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ حَجَّةً مَاشِيًا، وَنَجَائِبُهُ تُقَادُ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْحَسَنُ أَخُوهُ، كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: جَرَى بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَلَامٌ فَتَهَاجَرَا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَقْبَلَ الْحَسَنُ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَأَكَبَّ عَلَى رَأْسِهِ فَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي مَنَعَنِي مِنِ ابْتِدَائِكَ بِهَذَا أَنِّي رَأَيْتُ أَنَّكَ أَحَقُّ بِالْفَضْلِ مِنِّي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُنَازِعَكَ مَا أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ بسنده أَنَّ الْحَسَنَ كَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ يَعِيبُ عَلَيْهِ إِعْطَاءَ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ الْحُسَيْنُ: إِنَّ خَيْرَ الْمَالِ مَا وَقَى الْعِرْضَ. وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بسنده عن سُلَيْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ قَالَ: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ، فَأَوْسَعَ لَهُ النَّاسُ، وَالْفَرَزْدَقُ بْنُ غَالِبٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا فِرَاسٍ، مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ     هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ     يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ     إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ     يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ     فِي كَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهَا عَبِقٌ بِكَفِّ أَرْوَعَ فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ     مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نِسْبَتُهُ طَابَتْ عَنَاصِرُهُ وَالْخِيمُ وَالشِّيَمُ     لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايَتِهِ وَلَا يُدَانِيهِ قَوْمٌ إِنْ هُمُ كَرُمُوا     أَيُّ الْعَشَائِرِ لَيْسَتْ فِي رِقَابِهِمُ لَأَوَّلِيَّةِ هَذَا أَوْ لَهُ نِعَمُ     مَنْ يَعْرِفِ اللَّهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الْأُمَمُ هَكَذَا أَوْرَدَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي تَرْجَمَةِ الْحُسَيْنِ فِي " مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ " وَهُوَ غَرِيبٌ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهَا مِنْ قِيلِ الْفَرَزْدَقِ فِي عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، لَا فِي أَبِيهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ ; فَإِنَّ الْفَرَزْدَقَ لَمْ يَرَ الْحُسَيْنَ إِلَّا وَهُوَ مُقْبِلٌ إِلَى الْحَجِّ وَالْحُسَيْنُ ذَاهِبٌ إِلَى الْعِرَاقِ، فَسَأَلَ الْحُسَيْنُ الْفَرَزْدَقَ عَنِ النَّاسِ، فَذَكَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ إِنَّ الْحُسَيْنَ قُتِلَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لَهُ بِأَيَّامٍ يَسِيرَةٍ، فَمَتَى رَآهُ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ ؟ ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى هِشَامٌ، عَنْ عَوَانَةَ قَالَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ لِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ: أَيْنَ الْكِتَابُ الَّذِي كَتَبْتُهُ إِلَيْكَ فِي قَتْلِ الْحُسَيْنِ  ؟ فَقَالَ: مَضَيْتُ لَأَمْرِكَ وَضَاعَ الْكِتَابُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَتَجِيئَنَّ بِهِ. قَالَ: ضَاعَ. قَالَ: وَاللَّهِ لَتَجِيئَنَّ بِهِ. قَالَ: تُرِكَ وَاللَّهِ يُقْرَأُ عَلَى عَجَائِزِ قُرَيْشٍ أَعْتَذِرُ إِلَيْهِنَّ بِالْمَدِينَةِ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ نَصَحْتُكَ فِي حُسَيْنٍ نَصِيحَةً لَوْ نَصَحْتُهَا أَبِي سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ لَكُنْتُ قَدْ أَدَّيْتُ حَقَّهُ. فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ زِيَادٍ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ: صَدَقَ عُمَرُ وَاللَّهِ، وَلَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَنِي زِيَادٍ رَجُلٌ إِلَّا وَفَى أَنْفِهِ خِزَامَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ حُسَيْنًا لَمْ يُقْتَلْ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ.

  125. التاريخ 2216لا حكم مسجّل

    ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ أَشْعَارِهِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ  فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ كَامِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ: اغْنَ عَنِ الْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ تَغْنَ عَنِ الْكَاذِبِ وَالصَّادِقِ     وَاسْتَرْزِقِ الرَّحْمَنَ مِنْ فَضْلِهِ فَلَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ مِنْ رَازِقٍ     مَنْ ظَنَّ أَنَّ النَّاسَ يُغْنُونَهُ فَلَيْسَ بِالرَّحْمَنِ بِالْوَاثِقِ     أَوْ ظَنَّ أَنَّ الْمَالَ مِنْ كَسْبِهِ زَلَّتْ بِهِ النَّعْلَانِ مِنْ حَالِقٍ وَعَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ قَالَ: كُلَّمَا زِيدَ صَاحِبُ الْمَالِ مَالًا     زِيدَ فِي هَمِّهِ وَفِي الِاشْتِغَالِ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا مُنَغِّصَةَ الْعَيْ     شِ وَيَا دَارَ كُلِّ فَانٍ وَبَالِ لَيْسَ يَصْفُوَا لِزَاهِدٍ طَلَبُ الزُّهْ     دِ إِذَا كَانَ مُثْقَلًا بِالْعِيَالِ من شعر الحسين في زيارته مقابر الشهداء بالبقيع وَعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْحُسَيْنَ زَارَ مَقَابِرَ الشُّهَدَاءِ بِالْبَقِيعِ فَقَالَ: نَادَيْتُ سُكَّانَ الْقُبُورِ فَأَسْكَتُوا     وَأَجَابَنِي عَنْ صَمْتِهِمْ نَدْبُ الْجُثَى قَالَتْ أَتَدْرِي مَا صَنَعْتُ بِسَاكِنِيَّ     مَزَّقْتُ أَلْحُمَهُمْ وَخَرَّقْتُ الْكُسَا وَحَشَوْتُ أَعْيُنَهُمْ تُرَابًا بَعْدَ مَا     كَانَتْ تَأَذَّى بِالْيَسِيرِ مِنَ الْقَذَى أَمَّا الْعِظَامُ فَإِنَّنِي مَزَّقْتُهَا     حَتَّى تَبَايَنَتِ الْمَفَاصِلُ وَالشَّوَى قَطَّعْتُ ذَا مِنْ ذَا وَمِنْ هَذَا كَذَا     فَتَرَكْتُهَا رِمَمًا يَطُولُ بِهَا الْبِلَى وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لَلْحُسَيْنِ، ؓ أَيْضًا: لَئِنْ كَانَتِ الدُّنْيَا تُعَدُّ نَفِيسَةً     فَدَارُ ثَوَابِ اللَّهِ أَعَلَى وَأَنْبَلُ وَإِنْ كَانَتِ الْأَبْدَانُ لَلْمَوْتِ أُنْشِئَتْ     فَقَتْلُ سَبِيلِ اللَّهِ بِالسَّيْفِ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَتِ الْأَرْزَاقُ شَيْئًا مُقَدَّرًا     فَقِلَّةُ سَعْيِ الْمَرْءِ فِي الْكَسْبِ أَجْمَلُ وَإِنْ كَانَتِ الْأَمْوَالُ لَلتَّرْكِ جُمِّعَتْ     فَمَا بَالُ مَتْرُوكٍ بِهِ الْمَرْءُ يَبْخَلُ شعر الحسين في امرأته الرباب بنت أنيف وَمِمَّا أَنْشَدَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ مِنْ شِعْرِهِ فِي امْرَأَتِهِ الرَّبَابِ بِنْتِ أُنَيْفٍ، وَيُقَالُ: بِنْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَوْسٍ الْكَلْبِيِّ، أُمِّ ابْنَتِهِ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ لَعَمْرُكَ إِنَّنِي لَأُحِبُّ دَارًا     تَحُلُّ بِهَا سُكَيْنَةُ وَالرَّبَابُ أُحِبُّهُمَا وَأَبْذُلُ جُلَّ مَالِي     وَلَيْسَ لِلَائِمِي فِيهَا عِتَابُ وَلَسْتُ لَهُمْ وَإِنْ عَتَبُوا مُطِيعًا     حَيَاتِيَ أَوْ يُغَيِّبَنِي التُّرَابُ وَقَدْ أَسْلَمَ أَبُوهَا عَلَى يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَأَمَّرَهُ عُمَرُ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ خَطَبَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُزَوِّجَ ابْنَهُ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ مِنْ بَنَاتِهِ، فَزَوَّجَ الْحَسَنَ ابْنَتَهُ سَلْمَى، وَالْحُسَيْنَ ابْنَتَهُ الرَّبَابَ، وَزَوَّجَ عَلِيًّا ابْنَتَهُ الثَّالِثَةَ، وَهِيَ الْمُحَيَّاةُ بِنْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَحَبَّ الْحُسَيْنُ زَوْجَتَهُ الرَّبَابَ حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَ بِهَا مُعْجَبًا، يَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ، وَلَمَّا قُتِلَ بِكَرْبَلَاءَ كَانَتْ مَعَهُ، فَوَجَدَتْ عَلَيْهِ وَجْدًا شَدِيدًا، وَذُكِرَ أَنَّهَا أَقَامَتْ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ انْصَرَفَتْ وَهِيَ تَقُولُ: إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا     وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ وَقَدْ خَطَبَهَا بَعْدَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأَتَّخِذَ حَمًى بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَوَاللَّهِ لَا يُؤْوِينِي وَرَجُلًا بَعْدَ الْحُسَيْنِ سَقْفٌ أَبَدًا. وَلَمْ تَزَلْ عَلَيْهِ كَمِدَةً حَتَّى مَاتَتْ، وَيُقَالُ: إِنَّهَا إِنَّمَا عَاشَتْ بَعْدَهُ أَيَّامًا يَسِيرَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَابْنَتُهَا سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهَا أَحْسَنُ مِنْهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. شعر عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ في الحسين وَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ بَعْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ تَفَقَّدَ أَشْرَافَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَرَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحُرِّ بْنِ يَزِيدَ، فَتَطَلَّبَهُ حَتَّى جَاءَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ يَابْنَ الْحُرِّ ؟ قَالَ: كُنْتُ مَرِيضًا. قَالَ: مَرِيضُ الْقَلْبِ أَمْ مَرِيضُ الْبَدَنِ ؟ قَالَ: أَمَّا قَلْبِي فَلَمْ يَمْرَضْ، وَأَمَّا بَدَنِي فَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْعَافِيَةِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ كُنْتَ مَعَ عَدُوِّنَا. قَالَ: لَوْ كُنْتُ مَعَ عَدُوِّكَ لَمْ يَخْفَ مَكَانُ مِثْلِي، وَلَكَانَ النَّاسُ شَاهَدُوا ذَلِكَ. قَالَ: وَغَفَلَ عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ غَفْلَةً، فَخَرَجَ ابْنُ الْحُرِّ، فَقَعَدَ عَلَى فَرَسِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَبْلِغُوهُ أَنِّي لَا آتِيهِ وَاللَّهِ طَائِعًا. فَقَالَ ابْنُ زِيَادٍ: أَيْنَ ابْنُ الْحُرِّ ؟ قَالُوا: خَرَجَ. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ. فَخَرَجَ الشُّرَطُ فِي طَلَبِهِ، فَأَسْمَعَهُمْ غَلِيظَ مَا يَكْرَهُونَ، وَتَرَضَّى عَنِ الْحُسَيْنِ وَأَخِيهِ وَأَبِيهِ، ثُمَّ أَسْمَعَهُمْ فِي ابْنِ زِيَادٍ غَلِيظًا مِنَ الْقَوْلِ، ثُمَّ امْتَنَعَ مِنْهُمْ، وَقَالَ فِي الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ شِعْرًا: يَقُولُ أَمِيرٌ غَادِرٌ حَقُّ غَادِرٍ     أَلَا كُنْتَ قَاتَلْتَ الشَّهِيدَ ابْنَ فَاطِمَهْ فَيَا نَدَمِي أَنْ لَا أَكُونَ نَصَرْتُهُ     أَلَا كُلُّ نَفْسٍ لَا تُسَدِّدُ نَادِمَهْ وَإِنِّي لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهِ     لَذُو حَسْرَةٍ مَا إِنْ تُفَارِقُ لَازِمَهْ سَقَى اللَّهُ أَرْوَاحَ الَّذِينَ تَأَزَّرُوا     عَلَى نَصْرِهِ سَقْيًا مِنَ الْغَيْثِ دَائِمَهْ وَقَفْتُ عَلَى أَجْدَاثِهِمْ وَمَجَالِهِمْ     فَكَادَ الْحَشَا يَنْفَضُّ وَالْعَيْنُ سَاجِمَهْ لَعَمْرِي لَقَدْ كَانُوا مَصَالِيتَ فِي الْوَغَى     سِرَاعًا إِلَى الْهَيْجَا حُمَاةً خَضَارِمَهْ تَآسَوْا عَلَى نَصْرِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ     بِأَسْيَافِهِمْ آسَادَ غِيلٍ ضَرَاغِمَهْ فَإِنْ يُقْتَلُوا فَكُلُّ نَفْسٍ تَقِيَّةٍ     عَلَى الْأَرْضِ قَدْ أَضْحَتْ لَذَلِكَ وَاجِمَهْ وَمَا إِنْ رَأَى الرَّاءُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمُ     لَدَى الْمَوْتِ سَادَاتٍ وَزَهْرًا قَمَاقِمَهْ أَتَقْتُلُهُمْ ظُلْمًا وَتَرْجُو وِدَادَنَا     فَدَعْ خُطَّةً لَيْسَتْ لَنَا بِمُلَائِمَهْ لَعَمْرِي لَقَدْ رَاغَمْتُمُونَا بِقَتْلِهِمْ     فَكَمْ نَاقِمٍ مِنَّا عَلَيْكُمْ وَنَاقِمَهْ أَهُمُّ مِرَارًا أَنْ أَسِيرَ بِجَحْفَلٍ     إِلَى فِئَةٍ زَاغَتْ عَنِ الْحَقِّ ظَالِمَهْ فَيَا بْنَ زِيَادٍ اسْتَعَدَّ لِحَرْبِنَا     وَمَوْقِفِ ضَنْكٍ يَقْصِمُ الظَّهْرَ قَاصِمَهْ رثاء سليمان ابن قتة للحسين ؓ وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: قَالَ سُلَيْمَانُ ابْنُ قَتَّةَ يَرْثِي الْحُسَيْنَ، ؓ: وَإِنَّ قَتِيلَ الطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ     أَذَلَّ رِقَابًا مِنْ قُرَيْشٍ فَذَلَّتِ فَإِنْ تُتْبِعُوهُ عَائِذَ الْبَيْتِ تُصْبِحُوا     كَعَادٍ تَعَمَّتْ عَنْ هُدَاهَا فَضَلَّتِ مَرَرْتُ عَلَى أَبْيَاتِ آلِ مُحَمَّدٍ     فَأَلْفَيْتُهَا أَمْثَالَهَا حَيْثُ حَلَّتِ وَكَانُوا لَنَا غُنْمًا فَعَادُوا رَزِيَّةً     لَقَدْ عَظُمَتْ تِلْكَ الرَّزَايَا وَجَلَّتِ فَلَا يُبْعِدُ اللَّهُ الدِّيَارَ وَأَهْلَهَا     وَإِنْ أَصْبَحَتْ مِنْهُمْ بِرَغْمِي تَخَلَّتِ إِذَا افْتَقَرَتْ قَيْسٌ جَبَرْنَا فَقِيرَهَا     وَتَقْتُلُنَا قَيْسٌ إِذَا النَّعْلُ زَلَّتِ وَعِنْدَ غَنِيٍّ قَطْرَةٌ مِنْ دِمَائِنَا     سَنَجْزِيهِمْ يَوْمًا بِهَا حَيْثُ حَلَّتِ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْأَرْضَ أَضْحَتْ مَرِيضَةً     لِقَتْلِ حُسَيْنٍ وَالْبِلَادَ اقْشَعَرَّتِ تَيْمُ مُرَّةَ ( [ وَقَالَ ]... التَّيْمِيُّ تَيْمُ مُرَّةَ يَرْثِي الْحُسَيْنَ وَأَهْلَهُ وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى بَنِي [ هَاشِمٍ ]: مَرَرْتُ عَلَى أَبْيَاتِ آلِ مُحَمَّدٍ     فَلَمْ أَرَهَا أَمْثَالَهَا يَوْمَ حَلَّتِ فَلَا يُبْعِدِ اللَّهُ الدِّيَارَ وَأَهْلَهَا     وَإِنْ أَصْبَحَتْ مِنْ أَهِلِهَا قَدْ تَخَلَّتِ وَإِنَّ قَتِيلَ الطُّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ     أَذَلَّ رِقَابَ الْمُسْلِمِينَ فَذَلَّتِ وَكَانُوا رَجَاءً ثُمَّ أَضْحَوْا رَزِيَّةً     لَقَدْ عَظُمَتْ تِلْكَ الرَّزَايَا وَجَلَّتِ وَعِنْدَ غَنِيٍّ قَطْرَةٌ مِنْ دِمَائِنَا     سَنَجْزِيهِمْ يَوْمًا بِهَا حَيْثُ حَلَّتِ إِذَا افْتَقَرَتْ قَيْسٌ جَبَرْنَا فَقِيرَهَا     تُقَتِّلُنَا قَيْسٌ إِذَا النَّعْلُ زِلَّتِ )

  126. التاريخ 2217لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ أَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسِ بْنِ حُدَيْرٍ الْحَنْظَلِيِّ  قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ خُرُوجِهِ وَتَوْجِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ الْعَسَاكِرَ إِلَيْهِ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ فَالْتِقَائِهِمْ بِآسَكَ وَهَزِيمَةِ عَسْكَرِ ابْنِ زِيَادٍ، فَلَمَّا هَزَمَهُمْ أَبُو بِلَالٍ وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ زِيَادٍ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ عَلَيْهِمْ عَبَّادُ بْنُ الْأَخْضَرِ، وَالْأَخْضَرُ زَوْجُ أُمِّهِ، نُسِبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ عَبَّادُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَّادٍ التَّمِيمِيُّ، فَاتَّبَعَهُ حَتَّى لَحِقَهُ بِتَوَّجَ، فَصَفَّ لَهُ عَبَّادٌ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو بِلَالٍ فِيمَنْ مَعَهُ، فَثَبَتُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: هَذَا يَوْمُ جُمُعَةٍ وَهُوَ يَوْمٌ عَظِيمٌ وَهَذَا وَقْتُ الْعَصْرِ فَدَعُونَا حَتَّى نُصَلِّيَ. فَأَجَابَهُمُ ابْنُ الْأَخْضَرِ وَتَحَاجَزُوا، فَعَجَّلَ ابْنُ الْأَخْضَرِ الصَّلَاةَ، وَقِيلَ قَطَعَهَا، وَالْخَوَارِجُ يُصَلُّونَ، فَشَدَّ عَلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُمْ مَا بَيْنَ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ حَالِهِ، فَقُتِلُوا مِنْ آخِرِهِمْ وَأُخِذَ رَأْسُ أَبِي بِلَالٍ. وَرَجَعَ عَبَّادٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فَرَصَدَهُ بِهَا عُبَيْدُ بْنُ هِلَالٍ وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ عَبَّادٌ يُرِيدُ قَصْرَ الْإِمَارَةِ وَهُوَ مُرْدِفٌ ابْنًا صَغِيرًا لَهُ، فَقَالُوا لَهُ: قِفْ حَتَّى نَسْتَفْتِيَكَ. فَوَقَفَ، فَقَالُوا: نَحْنُ إِخْوَةٌ أَرْبَعَةٌ قُتِلَ أَخُونَا فَمَا تَرَى ؟ قَالَ: اسْتَعْدُوا الْأَمِيرَ. قَالُوا: قَدِ اسْتَعْدَيْنَاهُ فَلَمْ يُعْدِنَا. قَالَ: فَاقْتُلُوهُ قَتَلَهُ اللَّهُ ! فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَحَكَّمُوا بِهِ فَأَلْقَى ابْنَهُ فَنَجَا وَقُتِلَ هُوَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى الْخَوَارِجِ فَقُتِلُوا غَيْرَ عُبَيْدَةَ. وَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ عَبَّادٍ كَانَ ابْنُ زِيَادٍ بِالْكُوفَةِ وَنَائِبُهُ بِالْبَصْرَةِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَتَّبِعَ الْخَوَارِجَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَجَعَلَ يَأْخُذُهُمْ، فَإِذَا شُفِّعَ فِي أَحَدِهِمْ ضَمِنَهُ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ ابْنُ زِيَادٍ، وَمَنْ لَمْ يَكْفُلْهُ أَحَدٌ حَبَسَهُ، وَأُتِيَ بِعُرْوَةَ بْنِ أُدَيَّةَ فَأَطْلَقَهُ وَقَالَ: أَنَا كَفِيلُكَ. فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ زِيَادٍ أَخَذَ مَنْ فِي الْحَبْسِ مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَتَلَهُمْ وَطَلَبَ الْكُفَلَاءِ بِمَنْ كُفِّلُوا بِهِ فَمَنْ أَتَى بِخَارِجِيٍّ أَطْلَقَهُ وَقَتَلَ الْخَارِجِيَّ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِالْخَارِجِيِّ قَتَلَهُ، ثُمَّ طَلَبَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ بِعُرْوَةَ بْنِ أُدَيَّةَ، قَالَ: لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِذَنْ أَقْتُلَكَ بِهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْحَثُ عَنْهُ حَتَّى ظَفِرَ بِهِ وَأَحْضَرَهُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: لَأُمَثِّلَنَّ بِكَ. فَقَالَ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ مِنَ الْقِصَاصِ مَا شِئْتَ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِّعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَصَلَبَهُ، وَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ.

  127. التاريخ 2218لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ   وَمِمَّا وَقَعَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ - بَعْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ فَفِيهَا وَلَّى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ سِجِسْتَانَ وَخُرَاسَانَ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَعَزَلَ عَنْهَا أَخَوَيْهِ عَبَّادًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَسَارَ سَلْمٌ إِلَى عَمَلِهِ، فَجَعَلَ يَنْتَخِبُ الْوُجُوهَ وَالْفُرْسَانَ، وَيُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الْجِهَادِ، ثُمَّ خَرَجَ فِي جَحْفَلٍ عَظِيمٍ لَيَغْزُوَ بِلَادَ التُّرْكِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ مُحَمَّدٍ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ قُطِعَ بِهَا النَّهْرُ، وَوَلَدَتْ هُنَاكَ وَلَدًا أَسْمَوْهُ صُغْدِيًّا، وَبَعَثَتْ إِلَيْهَا امْرَأَةُ صَاحِبِ الصُّغْدِ بِتَاجِهَا مِنْ ذَهَبٍ وَلَآلِئَ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُشَتُّونَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، فَشَتَّى بِهَا سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ، وَبَعَثَ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي هِيَ لِلتُّرْكِ، وَهِيَ خُوَارَزْمُ، فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى صَالَحُوهُ عَلَى نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُمْ عُرُوضًا عِوَضًا، فَيَأْخُذُ الشَّيْءَ بْنصْفِ قِيمَتِهِ، فَبَلَغَتْ قِيمَةُ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَحَظِيَ بِذَلِكَ الْمُهَلَّبُ عِنْدَ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ ثُمَّ بَعَثَ مِنْ ذَلِكَ مَا اصْطَفَاهُ لَيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَعَ مَرْزُبَانٍ، وَمَعَهُ وَفْدٌ، وَصَالَحَ سَلْمٌ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ عَلَى مَالٍ جَزِيلٍ. ووَجَّهَ جَيْشًا إِلَى خُجَنْدَةَ فِيهِمْ أَعْشَى هَمْدَانَ فَهُزِمُوا، فَقَالَ الْأَعْشَى: لَيْتَ خَيْلِي يَوْمَ الْخُجَنْدَةِ لَمْ تُهْ زَمْ وَغُودِرَتْ فِي الْمَكَرِّ سَلِيبَا     تَحْضُرُ الطَّيْرُ مَصْرَعِي وَتَرَوَّحْ تُ إِلَى اللَّهِ بِالدِّمَاءِ خَضِيبَا

  128. التاريخ 2219لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ وَطَلْحَةِ الطَّلَحَاتِ سِجِسْتَانَ  وَلَمَّا اسْتَعْمَلَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ عَلَى خُرَاسَانَ اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ يَزِيدَ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَغَدَرَ أَهْلُ كَابُلَ فَنَكَثُوا وَأَسَرُوا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ زِيَادٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ فِي جَيْشٍ فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، فَمِمَّنْ قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَصِلَةُ بْنُ أَشْيَمٍ أَبُو الصَّهْبَاءِ الْعَدَوِيُّ زَوْجُ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ سَيَّرَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيَّ، وَهُوَ طَلْحَةُ الطَّلَحَاتِ، فَفَدَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ زِيَادٍ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَارَ طَلْحَةُ مِنْ كَابُلَ إِلَى سِجِسْتَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا، فَجَبَى الْمَالَ وَأَعْطَى زُوَّارَهُ، وَمَاتَ بِسِجِسْتَانَ وَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فَأَخْرَجَتْهُ الْمُضَرِيَّةُ وَوَقَعَتِ الْعَصَبِيَّةُ فَطَمِعَ فِيهِمْ رِتْبِيلُ.

  129. التاريخ 2220لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ الْمَدِينَةَ وَالْحِجَازَ وَعَزْلِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ   وَفي سنة إحدى وستين عَزَلَ يَزِيدُ عَنْ إِمْرَةِ الْحَرَمَيْنِ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ، وَأَعَادَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ ; وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ الْحُسَيْنِ شَرَعَ يَخْطُبُ النَّاسَ، وَيُعَظِّمُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ جِدًّا فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ غُدُرٌ فُجُرٌ إِلَّا قَلِيلًا، وَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ شِرَارُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَإِنَّهُمْ دَعَوُا الْحُسَيْنَ لِيَنْصُرُوهُ وَيُوَلُّوهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ ثَارُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَضَعَ يَدَكَ فِي أَيْدِينَا، فَنَبْعَثُ بِكَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ ابْنِ سُمَيَّةَ فَيُمْضِي فِيكَ حُكْمَهُ، وَإِمَّا أَنْ تُحَارَبَ، فَرَأَى وَاللَّهِ أَنَّهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قَلِيلٌ فِي كَثِيرٍ، فَإِنْ كَانَ اللَّهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى الْغَيْبِ أَحَدًا أَنَّهُ مَقْتُولٌ وَلَكِنَّهُ اخْتَارَ الْمِيتَةَ الْكَرِيمَةَ عَلَى الْحَيَاةِ الذَّمِيمَةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ الْحُسَيْنَ وَأَخْزَى قَاتِلَهُ ! لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ مِنْ خِلَافِهِمْ إِيَّاهُ وَعِصْيَانِهِمْ مَا كَانَ فِي مِثْلِهِ وَاعِظٌ وَنَاهٍ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ مَا قُرِّرَ نَازِلٌ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا لَمْ يُدْفَعْ، أَفَبَعْدَ الْحُسَيْنِ نَطْمَئِنُّ إِلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَنُصَدِّقُ قَوْلَهُمْ وَنَقْبَلُ لَهُمْ عَهْدًا ؟ لَا وَاللَّهِ لَا نَرَاهُمْ لِذَلِكَ أَهْلًا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ قَتَلُوهُ طَوِيلًا بِاللَّيْلِ قِيَامُهُ، كَثِيرًا فِي النَّهَارِ صِيَامُهُ، أَحَقُّ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْهُمْ وَأَوْلَى بِهِ فِي الدِّينِ وَالْفَضْلِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا كَانَ يُبَدِّلُ بِالْقُرْآنِ الْغِنَاءَ، وَلَا بِالْبُكَاءِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ الْحُدَاءَ، وَلَا بِالصِّيَامِ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَلَا بِالْمَجَالِسِ فِي حَلَقِ الذِّكْرِ تِطْلَابِ الصَّيْدِ، يُعَرِّضُ بِيَزِيدَ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا. فَثَارَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا: أَظْهِرْ بَيْعَتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِذْ هَلَكَ الْحُسَيْنُ يُنَازِعُكَ هَذَا الْأَمْرَ. فَبَايَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي الْبَاطِنِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُظْهِرَهَا، فَلَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ مَعَ وُجُودِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ وَلَكِنْ فِيهِ رِفْقٌ، وَقَدْ كَانَ كَاتَبَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ النَّاسُ: أَمَّا إِذْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ فَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَازِعُ ابْنَ الزُّبَيْرِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ لَوْ شَاءَ لَبَعَثَ إِلَيْكَ بِرَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ يُحَاصِرُهُ حَتَّى يُخْرِجَهُ مِنَ الْحَرَمِ. فَبَعَثَ فَعَزَلَهُ، وَوَلَّى الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ. فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَحَلَفَ يَزِيدُ لَيَبْعَثَنَّ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَلَيُؤْتَيَنَّ بِهِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ الْبَرِيدِ وَمَعَهُ بُرْنُسٌ مِنْ خَزٍّ لِتَبَرَّ يَمِينُهُ، فَلَمَّا مَرَّ الْبَرِيدُ عَلَى مَرْوَانَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا هُوَ قَاصِدٌ لَهُ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْغُلِّ أَنْشَأَ مَرْوَانُ يَقُولُ: فَخُذْهَا فَمَا هِيَ لَلْعَزِيزِ بِخُطَّةٍ وَفِيهَا مَقَالٌ لَامْرِئٍ مُتَذَلِّلِ     أَعَامِرَ إِنَّ الْقَوْمَ سَامُوكَ خُطَّةً وَذَلِكَ فِي الْجِيرَانِ غَزْلٌ بِمِغْزَلِ     أَرَاكَ إِذَا مَا كُنْتَ فِي الْقَوْمِ نَاصِحًا يُقَالُ لَهُ بِالدَّلْوِ أَدْبِرْ وَأَقْبِلِ فَلَمَّا انْتَهَتِ الرُّسُلُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، بَعَثَ مَرْوَانُ ابْنَيْهِ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعَبْدَ الْعَزِيزِ لَيَحْضُرَا مُرَاجَعَتَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: أَسْمِعَاهُ قَوْلِي فِي ذَلِكَ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَلَمَّا جَلَسَ الرُّسُلُ بَيْنَ يَدَيْهِ جَعَلْتُ أُنْشِدُهُ ذَلِكَ وَهُوَ يَسْمَعُ وَلَا أُشْعِرُهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَخْبِرَا أَبَاكُمَا أَنِّي أَقُولُ: إِنِّي لَمِنْ نَبْعَةٍ صُمٍّ مَكَاسِرُهَا     إِذَا تَنَاوَحَتِ الْقَصْبَاءُ وَالْعُشَرُ وَلَا أَلِينُ لَغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ     حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: فَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا كَانَ أَعْجَبَ ! قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ أَمِيرُ الْحَرَمَيْنِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ سَلْمُ بْنُ زِيَادٍ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ.

  130. التاريخ 2221لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ؓ، وَمَعَهُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، قُتِلُوا جَمِيعًا بِكَرْبَلَاءَ  ، وَقِيلَ: بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقُتِلَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَبْطَالِ وَالْفُرْسَانِ. جَابِرُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ قَيْسٍ جَابِرُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَكَانَ حَامِلَ رَايَةِ بَنِي مُعَاوِيَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ. كَذَا قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. قَالَ: وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ إِحْدَى وَسَبْعِينَ سَنَةً. حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيُّ   صَحَابِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ، ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَمْرَو رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي كَثِيرُ الصِّيَامِ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ لَهُ " إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ ". وَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ الشَّامَ وَكَانَ هُوَ الْبَشِيرَ لِلصِّدِّيقِ يَوْمَ أَجْنَادِينَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ الَّذِي بَشَّرَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَعْطَاهُ ثَوْبَيْهِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ " بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فَأَضَاءَتْ لِي أَصَابِعِي حَتَّى جَمَعْتُ عَلَيْهَا كُلَّ مَتَاعٍ كَانَ لَلْقَوْمِ. اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ. شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ   صَاحِبُ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ، كَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ قَتَلَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرًا، وَأَظْهَرَ شَيْبَةُ الْإِسْلَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَفِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الشَّكِّ، وَقَدْ هَمَّ بِالْفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ رَسُولَهُ ﷺ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا هَمَّ بِهِ، فَأَسْلَمَ بَاطِنًا، وَجَادَ إِسْلَامُهُ، وَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ وَصَبَرَ فِيمَنْ صَبَرَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ: إِنَّ شَيْبَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ جَمِيعُ النَّاسِ مَا آمَنْتُ بِهِ. فَلَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، وَخَرَجَ إِلَى هَوَازِنَ خَرَجْتُ مَعَهُ ; رَجَاءَ أَنْ أَجِدَ فُرْصَةً آخُذُ بِثَأْرِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا مِنْهُ. قَالَ: فَاخْتَلَطَ النَّاسُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَغْلَتِهِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَانْتَضَيْتُ سَيْفِي لِأَضْرِبَهُ بِهِ، فَرُفِعَ لِي شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ كَادَ يَمْحَشُنِي، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: " يَا شَيْبَةُ، ادْنُ مِنِّي ". فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ " قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى لَهْوَ يَوْمَئِذٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَبَصَرِي، ثُمَّ قَالَ: " اذْهَبْ فَقَاتِلْ ". قَالَ: فَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْعَدُوِّ، وَاللَّهِ لَوْ لَقِيتُ أَبِي لَقَتَلْتُهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، فَلَمَّا تَرَاجَعَ النَّاسُ قَالَ لِي: " يَا شَيْبَةُ، الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِكَ خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْتَ لَنَفْسِكَ ". ثُمَّ حَدَّثَنِي بِكُلِّ مَا كَانَ فِي نَفْسِي مِمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَشَهَّدْتُ وَقُلْتُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. فَقَالَ: " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ". وَلِيَ الْحِجَابَةَ بَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، وَاسْتَقَرَّتِ الْحِجَابَةُ فِي بَنِيهِ وَبَيْتِهِ إِلَى الْيَوْمِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ بَنُو شَيْبَةَ، وَهُمْ حَجَبَةُ الْكَعْبَةِ. قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: بَقِيَ إِلَى أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي " الْمُنْتَظَمِ ": مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ رَبِيعَةَ  بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، مِمَّنِ انْتَقَلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَلَهُ بِهَا دَارٌ، وَلَمَّا مَاتَ أَوْصَى إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ  بْنِ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو ذَكْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، أَبُو وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَبْشَمِيُّ، وَهُوَ أَخُو عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ أَرْوَى بِنْتِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمُّهَا أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلِلْوَلِيدِ مِنَ الْإِخْوَةِ خَالِدٌ وَعُمَارَةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَقَدْ قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَاهُ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ مِنْ بَيْنِ الْأَسْرَى صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ لِلصِّبْيَةِ ؟ فَقَالَ: " لَهُمُ النَّارُ " وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِالنَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَأَسْلَمَ الْوَلِيدُ هَذَا يَوْمَ الْفَتْحِ، وَقَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَخَرَجُوا يَتَلَقَّوْنَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُمْ إِنَّمَا خَرَجُوا لَقِتَالِهِ، فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَرَادَ أَنْ يُجَهِّزَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَبَلَغَهُمْ ذَلِكَ، فَجَاءَ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ لَيَعْتَذِرُوا إِلَيْهِ وَيُخْبِرُوهُ بِصُورَةِ مَا وَقَعَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ الْآيَةَ [ الْحُجُرَاتِ: 6 ]. ذَكَرَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. وَقَدْ حَكَى أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى ذَلِكَ الْإِجْمَاعَ. وَقَدْ وَلَّاهُ عُمَرُ صَدَقَاتِ بَنِي تَغْلِبَ، وَوَلَّاهُ عُثْمَانُ نِيَابَةَ الْكُوفَةِ بَعْدَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ شَرِبَ الْخَمْرَ وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَزِيدُكُمْ ؟ وَوَقَعَ مِنْهُ تَخْبِيطٌ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ جَلَدَهُ وَعَزَلَهُ عَنِ الْكُوفَةِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ فَأَقَامَ بِهَا، فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ إِلَى الْعِرَاقِ سَارَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَاشْتَرَى لَهُ عِنْدَهَا ضَيْعَةً، وَأَقَامَ بِهَا مُعْتَزِلًا جَمِيعَ الْحُرُوبِ الَّتِي كَانَتْ أَيَّامَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَمَا بَعْدَهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ بِضَيْعَتِهِ هَذِهِ، وَدُفِنَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ مِيلًا مِنَ الرَّقَّةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَى لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أُمُّ سَلَمَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ   هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةَ - وَقِيلَ: سُهَيْلٌ - بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيَّةُ الْمَخْزُومِيَّةُ، كَانَتْ أَوَّلًا تَحْتَ ابْنِ عَمِّهَا أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، فَمَاتَ عَنْهَا، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلَ بِهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَقَدْ كَانَتْ سَمِعَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلَّا أَبْدَلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا ". قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ ذَلِكَ، ثُمَّ قُلْتُ: وَمَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوَّلِ رَجُلٍ هَاجَرَ ؟ !. ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لِي فَقُلْتُهَا، فَأَبْدَلَنِي اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَكَانَتْ مِنْ حِسَانِ النِّسَاءِ وَعَابِدَاتِهِنَّ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَتْ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: تُوُفِّيَتْ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ قُلْتُ: وَالْأَحَادِيثُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عَاشَتْ إِلَى مَا بَعْدَ مَقْتَلِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ؓ وَأَرْضَاهَا. علقمة بن قيس النخعي وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ، وَقِيلَ: خَمْسٍ، وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً. المنذر بن الجارود وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ الْعَبْدِيُّ. خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ اللَّيْثِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ اللَّيْثِيُّ، وَقِيلَ الْعُذْرِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، ( وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ ). ميمونة بنت الحارث مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، زَوْجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: تَزَوَّجَهَا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ بِسَرَفَ، بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ، وَبَنَى بِهَا هُنَاكَ، وَاتَّفَقَ أَنَّهَا مَ?تَتْ هُنَاكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

  131. التاريخ 2222لا حكم مسجّل

    وَفْدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ  ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ   فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا مَقْدَمُ وَفْدِ الْمَدِينَةِ عَلَى يَزِيدَ وَمُبَايَعَتُهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ حَنْظَلَةَ وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ عَزَلَ عَنِ الْحِجَازِ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ احْتَاطَ عَلَى الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ وَالْأَمْلَاكِ، وَأَخَذَ الْعَبِيدَ الَّذِينَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَحَبَسَهُمْ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ عَبْدٍ، فَتَجَهَّزَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ إِلَى يَزِيدَ فَرَكِبَ وَبَعَثَ إِلَى عَبِيدِهِ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ السَّجْنِ وَيَلْحَقُوا بِهِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ إِبِلًا يَرْكَبُونَهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمَا لَحِقُوهُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى يَزِيدَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ وَرَحَّبَ بِهِ يَزِيدُ، وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ عَاتَبَهُ فِي تَقْصِيرِهِ فِي شَأْنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ، وَإِنَّ جُلَّ أَهْلِ مَكَّةَ وَالْحِجَازِ مَالَئُوهُ عَلَيْنَا وَأَحَبُّوهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِي جُنْدٌ أَقْوَى بِهِمْ عَلَيْهِ لَوْ نَاهَضْتُهُ، وَقَدْ كَانَ يَحْذَرُنِي وَيَحْتَرِسُ مِنِّي، وَكُنْتُ أَرْفُقُ بِهِ كَثِيرًا، وَأُدَارِيهِ لِأَسْتَمْكِنَ مِنْهُ فَأَثِبُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنِّي قَدْ ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ وَمَنَعْتُهُ مِنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَجَعَلْتُ عَلَى مَكَّةَ وَطُرُقِهَا وَشِعَابِهَا رِجَالًا لَا يَدَعُونَ أَحَدًا يَدْخُلُهَا حَتَّى يَكْتُبُوا إِلَيَّ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ، وَمِنْ أَيِّ بِلَادِ اللَّهِ هُوَ وَمَا جَاءَ لَهُ، وَمَاذَا يُرِيدُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوْ مِمَّنْ أَرَى أَنَّهُ يُرِيدُهُ رَدَدْتُهُ صَاغِرًا، وَإِلَّا خَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، وَقَدْ وَلَّيْتَ الْوَلِيدَ، وَسَيَأْتِيكَ مِنْ عَمَلِهِ وَأَمْرِهِ مَا لَعَلَّكَ تَعْرِفُ بِهِ فَضْلَ مُبَالَغَتِي فِي أَمْرِكَ وَمُنَاصَحَتِي لَكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهُ يَصْنَعُ لَكَ وَيَكْبِتُ عَدُوَّكَ. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: أَنْتَ أَصْدَقُ مِمَّنْ رَمَاكَ وَحَمَلَنِي عَلَيْكَ، وَأَنْتَ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ وَأَرْجُو مَعُونَتَهُ وَأَدَّخِرُهُ لِرَأْبِ الصَّدْعِ، وَكِفَايَةِ الْمُهِمِّ وَكَشْفِ نَوَازِلِ الْأُمُورِ الْعِظَامِ. فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ. وَأَمَّا الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِالْحِجَازِ وَقَدْ هَمَّ مِرَارًا أَنْ يَبْطِشَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَلَا يَجِدُهُ إِلَّا مُحْتَرِزًا مُمْتَنِعًا، وَثَارَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ النَّخَعِيُّ بِالْيَمَامَةِ حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، وَثَارَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِالْحِجَازِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ يُفِيضُ مِنَ الْمُعَرَّفِ وَيُفِيضُ مَعَهُ سَائِرُ النَّاسِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَاقِفٌ وَأَصْحَابُهُ، وَنَجْدَةُ وَاقِفٌ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِأَصْحَابِهِ وَنَجْدَةُ بِأَصْحَابِهِ، وَكَانَ نَجْدَةُ يَلْقَى ابْنَ الزُّبَيْرِ فَيُكْثِرُ، حَتَّى ظَنَّ أَكْثَرُ النَّاسِ أَنَّهُ سَيُبَايِعُهُ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَمِلَ بِالْمَكْرِ فِي أَمْرِ الْوَلِيدِ، فَكَتَبَ إِلَى يَزِيدَ: إِنَّكَ بَعَثْتَ إِلَيْنَا رَجُلًا أَخْرَقَ لَا يَتَّجِهُ لِرُشْدٍ وَلَا يَرْعَوِي لِعِظَةِ الْحَكِيمِ، فَلَوْ بَعَثْتَ رَجُلًا سَهْلَ الْخُلُقِ رَجَوْتُ أَنْ يَسْهُلَ مِنَ الْأُمُورِ مَا اسْتَوْعَرَ مِنْهَا، وَأَنْ يَجْتَمِعَ مَا تَفَرَّقَ. فَعَزَلَ يَزِيدُ الْوَلِيدَ وَوَلَّى عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانٍ، وَهُوَ فَتًى غِرٌّ حَدَثٌ لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ وَلَمْ يُحَنِّكْهُ السِّنُّ، لَا يَكَادُ يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ مِنْ سُلْطَانِهِ وَلَا عَمَلِهِ، فَبَعَثَ إِلَى يَزِيدَ وَفْدًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَرِجَالًا كَثِيرًا مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَدِمُوا عَلَى يَزِيدَ، فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَعْظَمَ جَوَائِزَهُمْ، فَأَعْطَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ، وَكَانَ شَرِيفًا فَاضِلًا عَابِدًا سَيِّدًا، مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ بَنِينَ، فَأَعْطَى كُلَّ وَلَدٍ عَشْرَةَ آلَافٍ. فَلَمَّا رَجَعُوا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ كُلُّهُمْ إِلَّا الْمُنْذِرَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ قَدِمَ الْعِرَاقَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ أَجَازَهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أُولَئِكَ النَّفَرُ الْوَفْدُ الْمَدِينَةَ قَامُوا فِيهِمْ فَأَظْهَرُوا شَتْمَ يَزِيدَ وَعَيْبَهُ وَقَالُوا: قَدِمْنَا مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ دِينٌ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَضْرِبُ بِالطَّنَابِيرِ وَيَعْزِفُ عِنْدَهُ الْقِيَانُ وَيَلْعَبُ بِالْكِلَابِ وَيَسْمُرُ عِنْدَهُ الْحُرَّابُ، وَهُمُ اللُّصُوصُ، وَإِنَّا نُشْهِدُكُمْ أَنَّا قَدْ خَلَعْنَاهُ. وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا بَنِيَّ هَؤُلَاءِ لَجَاهَدْتُهُ بِهِمْ، وَقَدْ أَعْطَانِي وَأَكْرَمَنِي وَمَا قَبِلْتُ مِنْهُ عَطَاءَهُ إِلَّا لِأَتَقَوَّى بِهِ. فَخَلَعَهُ النَّاسُ وَبَايَعُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ وَوَلَّوْهُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَكَانَ صَدِيقَ زِيَادٍ، فَأَتَاهُ كِتَابُ يَزِيدَ حَيْثُ بَلَغَهُ أَمْرُ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُهُ بِحَبْسِ الْمُنْذِرِ، فَكَرِهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ضَيْفُهُ وَصَدِيقُ أَبِيهِ، فَدَعَاهُ وَأَخْبَرَهُ بِالْكِتَابِ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدِي فَقُمْ وَقُلِ ائْذَنْ لِي لِأَنْصَرِفَ إِلَى بِلَادِي، فَإِذَا قُلْتُ بَلْ أَقِمْ عِنْدِي فَلَكَ الْكَرَامَةُ وَالْمُوَاسَاةُ، فَقُلْ إِنَّ لِي ضَيْعَةً وَشُغْلًا وَلَا أَجِدُ بُدًّا لِي مِنْ الِانْصِرَافِ، فَإِنِّي آذَنُ لَكَ فِي الِانْصِرَافِ فَتَلْحَقُ بِأَهْلِكَ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ فَعَلَ الْمُنْذِرُ ذَلِكَ فَأَذِنَ لَهُ فِي الِانْصِرَافِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَكَانَ مِمَّنْ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى يَزِيدَ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أَجَازَنِي بِمِائَةِ أَلْفٍ وَلَا يَمْنَعُنِي مَا صَنَعَ بِي أَنْ أُخْبِرَكُمْ خَبَرَهُ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَسْكَرُ حَتَّى يَدَعَ الصَّلَاةَ ! وَعَابَهُ بِمِثْلِ مَا عَابَهُ بِهِ أَصْحَابُهُ وَأَشَدَّ. فَبَعَثَ يَزِيدُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَدَدَ النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ قَوْمُكَ، فَإِنَّهُمْ مَا يَمْنَعُهُمْ شَيْءٌ عَمَّا يُرِيدُونَ، فَإِنَّهُمْ إِنْ لَمْ يَنْهَضُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ لَمْ يَجْتَرِئِ النَّاسُ عَلَى ( خِلَافِي ). فَأَقْبَلَ النُّعْمَانُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ الطَّاعَةِ وَخَوَّفَهُمُ الْفِتْنَةَ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِأَهْلِ الشَّامِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ الْعَدَوِيُّ: يَا نُعْمَانُ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى فَسَادِ مَا أَصْلَحَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِنَا وَتَفْرِيقِ جَمَاعَتِنَا ؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ: وَاللَّهِ لَكَأَنِّي بِكَ لَوْ نَزَلَ بِكَ الْجُمُوعُ وَقَامَتْ لَكَ عَلَى الرُّكَبِ تَضْرِبُ مَفَارِقَ الْقَوْمِ وَجِبَاهَهُمْ بِالسَّيْفِ وَدَارَتْ رَحَا الْمَوْتِ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قَدْ رَكِبْتَ بَغْلَتَكَ إِلَى مَكَّةَ وَخَلَّفْتَ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ، يَعْنِي الْأَنْصَارَ، يُقْتَلُونَ فِي سِكَكِهِمْ وَمَسَاجِدِهِمْ وَعَلَى أَبْوَابِ دُورِهِمْ. فَعَصَاهُ النَّاسُ وَانْصَرَفَ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ.

  132. التاريخ 2223لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ عُقْبَةَ بْنِ نَافِعٍ إِفْرِيقِيَّةَ ثَانِيَةً وَمَا افْتَتَحَهُ فِيهَا وَقَتْلِهِ   قَدْ ذَكَرْنَا عَزْلَ عُقْبَةَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ وَعَوْدَهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَعَدَهُ بِإِعَادَتِهِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَتُوُفِّي مُعَاوِيَةُ وَعُقْبَةُ فِي الشَّامِ، فَاسْتَعْمَلَهُ يَزِيدُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ فِي سنة اثنتين وستين وَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا، فَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مُجِدًّا، وَقَبَضَ أَبَا الْمُهَاجِرِ أَمِيرَهَا وَأَوْثَقَهُ فِي الْحَدِيدِ وَتَرَكَ بِالْقَيْرَوَانِ جُنْدًا مَعَ الذَّرَارِيِّ وَالْأَمْوَالِ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا زُهَيْرَ بْنَ قَيْسٍ الْبَلَوِيَّ، وَأَحْضَرَ أَوْلَادَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ بِعْتُ نَفْسِي مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلَا أَزَالُ أُجَاهِدُ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ. وَأَوْصَى بِمَا يُفْعَلُ بَعْدَهُ. ثُمَّ سَارَ فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ حَتَّى دَخَلَ مَدِينَةَ بَاغَايَةَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الرُّومِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا وَانْهَزَمُوا عَنْهُ وَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَغَنِمَ مِنْهُمْ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَدَخَلَ الْمُنْهَزِمُونَ الْمَدِينَةَ وَحَاصَرَهُمْ عُقْبَةُ. ثُمَّ كَرِهَ الْمُقَامَ عَلَيْهِمْ فَسَارَ إِلَى بِلَادِ الزَّابِ، وَهِيَ بِلَادٌ وَاسِعَةٌ فِيهَا عِدَّةُ مُدُنٍ وَقُرًى كَثِيرَةٌ، فَقَصَدَ مَدِينَتَهَا الْعُظْمَى وَاسْمُهَا أَرَبَةُ، فَامْتَنَعَ بِهَا مَنْ هُنَاكَ مِنَ الرُّومِ وَالنَّصَارَى، وَهَرَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْجِبَالِ، فَاقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَمَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ النَّصَارَى عِدَّةَ دَفَعَاتٍ ثُمَّ انْهَزَمَ النَّصَارَى وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ، ( وَرَحَلَ إِلَى تَاهَرْتَ ). فَلَمَّا بَلَغَ الرُّومَ خَبَرُهُ اسْتَعَانُوا بِالْبَرْبَرِ فَأَجَابُوهُمْ وَنَصَرُوهُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَرَهُمْ فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَالْبَرْبَرُ وَأَخَذَهُمُ السَّيْفُ وَكَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى طَنْجَةَ فَلَقِيَهُ بِطْرِيقٌ مِنَ الرُّومِ اسْمُهُ يَلْيَانُ فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً حَسَنَةً وَنَزَلَ عَلَى حُكْمِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْأَنْدَلُسِ فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْبَرْبَرِ، فَقَالَ: هُمْ كَثِيرُونَ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَهُمْ بِالسُّوسِ الْأَدْنَى، وَهُمْ كُفَّارٌ لَمْ يَدْخُلُوا فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَلَهُمْ بَأْسٌ شَدِيدٌ. فَسَارَ عُقْبَةُ إِلَيْهِمْ نَحْوَ السُّوسِ الْأَدْنَى، وَهِيَ مَغْرِبُ طَنْجَةَ، فَانْتَهَى إِلَى أَوَائِلِ الْبَرْبَرِ، فَلَقَوْهُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَبَعَثَ خَيْلَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ هَرَبُوا إِلَيْهِ، وَسَارَ هُوَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى السُّوسِ الْأَقْصَى، وَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ الْبَرْبَرُ فِي عَالَمٍ لَا يُحْصَى، فَلَقِيَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمْ حَتَّى مَلُّوا وَغَنِمُوا مِنْهُمْ وَسَبَوْا سَبْيًا كَثِيرًا، وَسَارَ حَتَّى بَلَغَ مَالِيَانَ وَرَأَى الْبَحْرَ الْمُحِيطَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ لَوْلَا هَذَا الْبَحْرُ لَمَضَيْتُ فِي الْبِلَادِ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِكَ. ثُمَّ عَادَ فَنَفَرَ الرُّومُ وَالْبَرْبَرُ عَنْ طَرِيقِهِ خَوْفًا مِنْهُ، وَاجْتَازَ بِمَكَانٍ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِمَاءِ الْفَرَسِ فَنَزَلَهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مَاءٌ، فَلَحِقَ النَّاسَ عَطَشٌ كَثِيرٌ أَشْرَفُوا [ مِنْهُ ] عَلَى الْهَلَاكِ، فَصَلَّى عُقْبَةُ رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا ( فَبَحَثَ فَرَسٌ لَهُ الْأَرْضَ بِيَدَيْهِ فَكَشَفَ لَهُ عَنْ صَفَاةٍ ) فَانْفَجَرَ الْمَاءُ، فَنَادَى عُقْبَةُ فِي النَّاسِ فَحَفَرُوا أَحْسَاءَ كَثِيرَةً وَشَرِبُوا، فَسُمِّيَ مَاءَ الْفَرَسِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ طُبْنَةَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَيْرَوَانِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ، أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَقَدَّمُوا فَوْجًا فَوْجًا ثِقَةً مِنْهُ بِمَا نَالَ مِنَ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ لَمْ يُبْقِ أَحَدًا يَخْشَاهُ، وَسَارَ إِلَى تَهُوذَةَ لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَلَمَّا رَآهُ الرُّومُ فِي قِلَّةٍ طَمِعُوا فِيهِ فَأَغْلَقُوا بَابَ الْحِصْنِ وَشَتَمُوهُ وَقَاتَلُوهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ.

  133. التاريخ 2224لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ كُسَيْلَةَ بْنِ لَمْزَمَ الْبَرْبَرِيِّ عَلَى عُقْبَةَ   هَذَا كُسَيْلَةُ بْنُ لَمْزَمَ الْبَرْبَرِيُّ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ لَمَّا وَلِيَ أَبُو الْمُهَاجِرِ إِفْرِيقِيَّةَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الْبَرْبَرِ وَأَبْعَدِهِمْ صَوْتًا، وَصَحِبَ أَبَا الْمُهَاجِرِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُقْبَةُ عَرَّفَهُ أَبُو الْمُهَاجِرِ مَحَلَّ كُسَيْلَةَ وَأَمَرَهُ بِحِفْظِهِ فَلَمْ يَقْبَلْ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَأَتَى عُقْبَةُ بِغَنَمٍ فَأَمَرَ كُسَيْلَةَ بِذَبْحِهَا وَسَلْخِهَا مَعَ السَّلَّاخِينَ. فَقَالَ كُسَيْلَةُ: هَؤُلَاءِ فِتْيَانِي وَغِلْمَانِي يَكْفُونَنِي الْمُئُونَةَ. فَشَتَمَهُ وَأَمَرَهُ بِسَلْخِهَا، فَفَعَلَ، فَقَبَّحَ أَبُو الْمُهَاجِرِ هَذَا عِنْدَ عُقْبَةَ، فَلَمْ يَرْجِعْ، فَقَالَ لَهُ: أَوْثِقِ الرَّجُلَ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ ! فَتَهَاوَنَ بِهِ عُقْبَةُ. فَأَضْمَرَ كُسَيْلَةُ الْغَدْرَ، فَلَمَّا كَانَ الْآنُ وَرَأَى الرُّومُ قِلَّةَ مَنْ مَعَ عُقْبَةَ أَرْسَلُوا إِلَى كُسَيْلَةَ وَأَعْلَمُوهُ حَالَهُ، وَكَانَ فِي عَسْكَرِ عُقْبَةَ مُضْمِرًا لِلْغَدْرِ، وَقَدْ أَعْلَمَ الرُّومَ ذَلِكَ وَأَطْمَعَهُمْ. فَلَمَّا رَاسَلُوهُ أَظْهَرَ مَا كَانَ يُضْمِرُهُ وَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِي عَمِّهِ وَقَصَدَ عُقْبَةَ، فَقَالَ أَبُو الْمُهَاجِرِ: عَاجِلْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى جَمْعُهُ. وَكَانَ أَبُو الْمُهَاجِرِ مُوَثَّقًا فِي الْحَدِيدِ مَعَ عُقْبَةَ. فَزَحَفَ عُقْبَةُ إِلَى كُسَيْلَةَ، فَتَنَحَّى كُسَيْلَةُ عَنْ طَرِيقِهِ لِيَكْثُرَ جَمْعُهُ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو الْمُهَاجِرِ ذَلِكَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ أَبِي مِحْجَنٍ الثَّقَفِيِّ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تُمْرَغَ الْخَيْلُ بِالْقَنَا وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا     إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ مَصَارِعُ مَنْ دُونِي تُصِمُّ الْمُنَادِيَا فَبَلَغَ عُقْبَةُ ذَلِكَ فَأَطْلَقَهُ، فَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِالْمُسْلِمِينَ وَقُمْ بِأَمْرِهِمْ وَأَنَا أَغْتَنِمُ الشَّهَادَةَ. فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ: وَأَنَا أَيْضًا أُرِيدُ الشَّهَادَةَ. فَكَسَّرَ عُقْبَةُ وَالْمُسْلِمُونَ أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ وَتَقَدَّمُوا إِلَى الْبَرْبَرِ وَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعُهُمْ لَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأُسِرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَوْسٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَخَلَّصَهُمْ صَاحِبُ قَفْصَةَ وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. فَعَزَمَ زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْبَلَوِيُّ عَلَى الْقِتَالِ، فَخَالَفَهُ حَنَشٌ الصَّنْعَانِيُّ وَعَادَ إِلَى مِصْرَ، فَتَبِعَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، فَاضْطَرَّ زُهَيْرٌ إِلَى الْعَوْدِ مَعَهُمْ، فَسَارَ إِلَى بَرْقَةَ وَأَقَامَ بِهَا. وَأَمَّا كُسَيْلَةُ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقَصَدَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَبِهَا أَصْحَابُ الْأَنْفَالِ وَالذَّرَارِيِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ مِنْ كُسَيْلَةَ فَآمَنَهُمْ وَدَخَلَ الْقَيْرَوَانَ وَاسْتَوْلَى عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ قَوِيَ أَمْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ زُهَيْرَ بْنَ قَيْسٍ الْبَلَوِيَّ، وَكَانَ مُقِيمًا بِبَرْقَةَ مُرَابِطًا.

  134. التاريخ 2225لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ.   بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْأَعْرَجِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:   أَسْلَمَ لَمَّا مَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَانْتَهَى إِلَى الْغَمِيمِ أَتَاهُ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا زُهَاءَ ثَمَانِينَ بَيْتًا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ وَصَلَّوْا خَلْفَهُ لَيْلَتَئِذٍ صَدْرًا مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [ الْمَدِينَةَ ] بَعْدَ أَنْ مَضَتْ بَدْرٌ وَأُحُدٌ، فَتَعَلَّمَ بَقِيَّةَ السُّورَةِ، وَغَزَا مَعَهُ مَغَازِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى أُسَارَى الْمُرَيْسِيعِ، وَأَعْطَاهُ لِوَاءً يَوْمَ الْفَتْحِ، وَبَعَثَهُ عَلَى أَسْلَمَ وَغِفَارٍ يُصَدِّقُهُمْ، وَإِلَى أَسْلَمَ لَمَّا أَرَادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ يَسْتَنْفِرُهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا فُتِحَتِ الْبَصْرَةُ تَحَوَّلَ إِلَيْهَا وَاخْتَلَطَ بِهَا، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًّا إِلَى خُرَاسَانَ، فَمَاتَ بِمَرْوَ فِي خِلَافَةِ يَزِيدَ. الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ، أَبُو يَزِيدَ الثَّوْرِيُّ: رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِلرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ: لَوْ رَآكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَحَبَّكَ. قَالَ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ لِلرَّبِيعِ: مَا رَأَيْتُكَ إِلَّا ذَكَرْتُ الْمُخْبِتِينَ. وَكَانَ الرَّبِيعُ إِذَا أَتَى عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِذْنٌ حَتَّى يَفْرَغَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَكَانَ الرَّبِيعُ إِذَا جَاءَ إِلَى بَابِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِلْجَارِيَةِ: مَنْ بِالْبَابِ؟ فَتَقُولُ الْجَارِيَةُ ذَلِكَ الشَّيْخُ الْأَعْمَى. وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ، بسنده قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْ صَحِبَ الرَّبِيعَ بْنَ خُثَيْمٍ عِشْرِينَ عَامًا مَا سَمِعَ مِنْهُ كَلِمَةً تُعَابُ. وَأَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي سُرِّيَّةُ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ قَالَتْ: كَانَ عَمَلُ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ كُلُّهُ سِرًّا، كَانَ لَيَجِيءُ الرَّجُلُ وَقَدْ نَشَرَ الْمُصْحَفَ فَيُغَطِّيهِ بِثَوْبِهِ. الرَّبَابُ بِنْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ الرَّبَابُ بِنْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ:   تَزَوَّجَهَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ؓ، فَوَلَدَتْ لَهُ سُكَيْنَةَ، وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَيَقُولُ: لَعَمْرُكَ إِنَّنِي لَأُحِبُّ دَارًا تَحُلٍّ بِهَا سُكَيْنَةُ وَالرَّبَابُ     أُحِبُّهُمَا وَأَبْذُلُ جُلَّ مَالِي وَلَيْسَ لِعَاتِبٍ عِنْدِي عِتَابُ وَكَانَتِ الرَّبَابُ مَعَهُ يَوْمَ الطَّفَّ، فَرَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ مُصَابَةً مَعَ مَنْ رَجَعَ، فَخَطَبَهَا الْأَشْرَافُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يَكُونُ حُمْوٌ آخَرُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَعَاشَتْ بَعْدَ الْحُسَيْنِ ؓ سَنَةً لَمْ يُظِلَّهَا سَقْفٌ، فَبَلِيَتْ وَمَاتَتْ كَمَدًا. عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو شِبْلٍ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ:   وَهُوَ عَمُّ الْأَسْوَدِ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ يَزِيدَ. وَخَالُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ. رَوَى عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي مُوسَى، وَغَيْرِهِمْ. رَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَشَهِدَ حَرْبَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، مُقَدَّمًا فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، وَكَانَ يُشَبَّهُ بِابْنِ مَسْعُودٍ. عَمْرُو بْنُ حَزْمِ عَمْرُو بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَبُو الضَّحَّاكِ:   اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَجْرَانَ الْيَمَنِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى نَجْرَانَ، وَعَاشَ عَمْرٌو حَتَّى أَدْرَكَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْعَتَهُ لِابْنِهِ يَزِيدَ. وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ. عُقْبَةُ بْنُ نَافِعِ عُقْبَةُ بْنُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ:   وَجَّهَهُ مُعَاوِيَةُ إِلَى أَفْرِيقِيَّةَ غَازِيًّا فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَافْتَتَحَهَا وَاخْتَطَّ قَيْرَوَانَهَا، وَقَدْ كَانَ مَوْضِعَهُ غَيْطَةٌ لَا تُرَامُ مِنَ السِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّوَابِّ، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا وَنَادَى: إِنَّا نَازِلُونَ فَاظْعَنُوا، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ مِنَ السِّبَاعِ وَغَيْرِهَا إِلَّا خَرَجَ، وَجَعَلْنَ يَخْرُجْنَ مِنْ جُحُرِهِنَّ هَوَارِبَ، حَتَّى أَنَّ السِّبَاعَ كَانَتْ تَحْمِلُ أَوْلَادَهَا. ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَزِيدَ فَرَدَّهُ وَالِيًا عَلَى أَفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَعَرَضَ لَهُ جَمْعٌ مِنَ الرُّومِ وَالْبَرْبَرِ وَهُوَ فِي قَلَّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ عُقْبَةُ شَهِيدًا. مَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الصَّامِتِ مَسْلَمَةُ بْنُ مَخْلَدِ بْنِ الصَّامِتِ، أَبُو مَعْنٍ، وَيُقَالُ: أَبُو سَعِيدٍ:   وُلِدَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَسَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَاخْتَلَطَ بِهَا، وَوَلِيَ الْجُنْدَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَلِابْنِهِ يَزِيدَ. رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ وَغَيْرُهُ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ صَخْرِ بْنِ يَعْمَرَ:   شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَكَانَ لَهُ ذِكْرٌ وَنِكَايَةٌ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ، وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَحَجَّ مَعَ أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ، وَحَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ عَشْرٍ. وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَاشَ سِتِّينَ سَنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ سَنَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ يَزِيدَ، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ سَلْمَى، وَكَانَ أَجْوَدَ الْعَرَبِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: يُسَوَّدُ أَقْوَامٌ وَلَيْسُوا بِسَادَةٍ     بَلِ السَّيِّدُ الْمَحْمُودُ سَلْمَى بْنُ نَوْفَلِ وَتُوُفِّيَ بِمِصْرَ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.

  135. التاريخ 2226لا حكم مسجّل

    وَقْعَةِ الْحَرَّةِ  وفي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ   كَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ  ، وَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخْرَجَوا عَامِلَ يَزِيدَ وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَخَلَعُوا يَزِيدَ. فَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَتَوُا الْمِنْبَرَ، فَخَلَعُوا يَزِيدَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيُّ: قَدْ خَلَعْتُ يَزِيدَ كَمَا خَلَعْتُ عِمَامَتِي -وَنَزَعَهَا عَنْ رَأْسِهِ- وَإِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا وَقَدْ وَصَلَنِي وَأَحْسَنَ جَائِزَتِي، وَلَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ سِكِّيرٌ. وَقَالَ آخَرُ: قَدْ خَلَعْتُهُ كَمَا خَلَعْتُ نَعْلِي، حَتَّى كَثُرَتِ الْعَمَائِمُ وَالنِّعَالُ، ثُمَّ وَلَّوْا عَلَى قُرَيْشٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ، وَعَلَى الْأَنْصَارِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ، ثُمَّ حَاصَرَ الْقَوْمُ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَوَالِيهِمْ وَمَنْ يَرَى رَأْيَهُمْ. فَكَتَبَ مَرْوَانُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَى يَزِيدَ: "إِنَّا قَدْ حُصِرْنَا فِي دَارِ مَرْوَانَ، وَمُنِعْنَا الْعَذْبَ، فَيَا غَوْثَاهْ". فَوَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ وَاضِعٌ قَدَمَيْهِ فِي مَاءٍ فِي طَسْتٍ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ -وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ بِهِ نِقْرِسٌ فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ تَمَثَّلَ: لَقَدْ بَدَّلُوا الْحِلْمَ الَّذِي فِي سَجِيَّتِي فَبَدَّلْتُ قَوْمِي غِلْظَةً بِلِيَانِ ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولِ: أَمَا يَكُونُ بَنُو أُمَيَّةَ وَمَوَالِيهِمْ بِالْمَدِينَةِ أَلْفَ رَجُلٍ؟ فَقَالَ: بَلَى وَأَكْثَرُ، قَالَ: فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُقَاتِلُوا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَقَالَ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ بِهِمْ طَاقَةٌ، فَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ ضَبَطْتُ لَكَ الْبِلَادَ، وَأَحْكَمْتُ الْأُمُورَ، فَأَمَّا الْآنَ فَإِنَّمَا هِيَ دِمَاءُ قُرَيْشٍ تُهَرَاقُ، فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَتَوَلَّى ذَلِكَ. قَالَ: فَبَعَثَنِي بِالْكِتَابِ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى يَزِيدَ، فَقَالَ: اخْرُجْ وَسِرْ بِالنَّاسِ. فَخَرَجَ مُنَادِيهِ فَنَادَى: أَنْ سِيرُوا إِلَى الْحِجَازِ عَلَى أَخْذِ أَعْطِيَاتِكُمْ كُمَّلًا وَمَعُونَةٍ مِائَةِ دِينَارٍ تُوضَعُ فِي يَدِ الرَّجُلِ مِنْ سَاعَتِهِ، فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى ابْنِ مَرْجَانَةَ: أَنِ اغْزُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَجْمَعُهُمَا لِلْفَاسِقِ أَبَدًا، أَقْتُلُ ابْنَ [بِنْتِ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَغْزُو الْبَيْتَ. وَفَصَلَ ذَلِكَ الْجَيْشُ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ وَعَلَيْهِمْ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ. الأمر بالتجهز للخروج وَخَرَجَ يَزِيدُ يَعْرِضُهُمْ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا مُتَنَكِّبٌ قَوْسًا عَرَبِيَّةً، وَهُوَ يَقُولُ: أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ إِذَا اللَّيْلُ سَرَى     وَهَبَطَ الْقَوْمُ عَلَى وَادِي الْقُرَى أَجَمْعَ سَكْرَانَ مِنَ الْقَوْمِ تَرَى     أَمْ جَمْعَ يَقْظَانَ نَفَى عَنْهُ الْكَرَى يَا عَجَبًا مِنْ مُلْحِدٍ يَا عَجَبَا     مُخَادِعٍ بِالدِّينِ يَعْفُو بِالْعَرَى وَسَارَ الْجَيْشُ وَعَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: إِنْ حَدَثَ بِكَ حَادِثٌ فَاسْتَخْلِفْ عَلَى الْجَيْشِ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ السَّكُونِيَّ، وَقَالَ لَهُ: ادْعُ الْقَوْمَ ثَلَاثًا، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَقَاتِلْهُمْ، فَإِذَا ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ فَأَبِحْهَا ثَلَاثًا، فَمَا فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ طَعَامٍ فَهُوَ لِلْجُنْدِ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثُ فَاكْفُفْ عَنْهُمْ، وَانْظُرْ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ فَاسْتَوْصِ بِهِ [خَيْرًا]، أَدْنِ مَجْلِسَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِمَّا دَخَلُوا فِيهِ. وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَامِلَ يَزِيدَ وَبَنِي أُمَيَّةَ فِي أَنْ يُغَيِّبَ أَهْلَهُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: إِنَّ لِي حُرَمًا وَحُرَمِي تَكُونُ مَعَ حُرَمِكَ. فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَبَعَثَ بِامْرَأَتِهِ، وَهِيَ عَائِشَةُ ابْنَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَحُرَمُهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ بِحُرَمِهِ وَحُرَمِ مَرْوَانَ إِلَى يَنْبُعَ، وَقِيلَ: بَلْ أَرْسَلَ حُرَمَ مَرْوَانَ وَأَرْسَلَ مَعَهُمُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى الطَّائِفِ. وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَنَّ يَزِيدَ قَدْ سَيَّرَ الْجُنُودَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: لَيْتَ السَّمَاءَ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ، إِعْظَامًا لِذَلِكَ. وَأَقْبَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ بِالْجَيْشِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِقْبَالُهُ وَثَبُوا عَلَى مَنْ مَعَهُمْ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَحَصَرُوهُمْ فِي دَارِ مَرْوَانَ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَكُفُّ عَنْكُمْ حَتَّى نَسْتَزِلَّكُمْ، وَنَضْرِبَ أَعْنَاقَكُمْ، أَوْ تُعْطُونَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنْ لَا تَبْغُونَا غَائِلَةً، وَلَا تَدُلُّوا لَنَا عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا تُظَاهِرُوا عَلَيْنَا عَدُوًّا، فَأَعْطَوْهُمُ الْعَهْدَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجُوا بِأَثْقَالِهِمْ حَتَّى لَقُوا مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ بِوَادِي الْقُرَى، فَدَعَا بِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي مَا وَرَاءَكَ، وَأَشِرْ عَلَيَّ، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْبِرَكَ شَيْئًا، أُخِذَتْ عَلَيْنَا الْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ أَنْ لَا نَدُلَّكَ عَلَى عَوْرَةٍ، فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ ابْنُ عُثْمَانَ لَضَرَبْتُ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أُقِيلُهَا قُرَشِيًّا بَعْدَكَ، فَخَرَجَ بِمَا لَقِيَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ مَرْوَانُ لِابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ: ادْخُلْ قَبْلِي لَعَلَّهُ يَجْتَزِئُ بِكَ عَنِّي، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: هَاتِ مَا عِنْدَكَ، أَخْبِرْنِي خَبَرَ النَّاسِ، وَكَيْفَ تَرَى؟ فَقَالَ: نَعَمْ، أَرَى أَنْ تَسِيرَ بِمَنْ مَعَكَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى ذِي نَخْلَةٍ نَزَلْتَ، فَاسْتَظَلَّ النَّاسُ فِي ظِلِّهِ فَأَكَلُوا مِنْ صَقْرِهِ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ مِنَ الْغَدِ مَضَيْتَ وَتَرَكْتَ الْمَدِينَةَ ذَاتَ الْيَسَارِ ثُمَّ دُرْتَ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْحَرَّةِ مُشَرِّقًا ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ، فَإِذَا اسْتَقْبَلْتَهُمْ وَقَدْ أَشْرَقَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ طَلَعْتَ بَيْنَ أَكْتَافِ أَصْحَابِكَ فَلَا تُؤْذِيهِمْ وَيُصِيبُهُمْ أَذَاهَا وَيَرَوْنَ مِنِ ائْتِلَافِ بَيْضِكُمْ وَأَسِنَّةِ رِمَاحِكُمْ وَسُيُوفِكُمْ وَدُرُوعِكُمْ مَا لَا تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ مَا دَامُوا مُغَرِّبِينَ، ثُمَّ قَاتِلْهُمْ وَاسْتَعِنِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: لِلَّهِ أَبُوكَ أَيَّ امْرِئٍ وَلَدَ ! ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِيهِ ! فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ عَبْدُ الْمَلِكِ ؟ قَالَ: بَلَى، وَأَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ الْمَلِكِ ! قَلَّ مَا كَلَّمْتُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ رَجُلًا بِهِ شَبِيهًا. فَقَالَ مَرْوَانُ: إِذَا لَقِيتَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَقَدْ لَقِيتَنِي. ثُمَّ ( إِنَّهُ صَارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَصْنَعُ ) مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَجَاءَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ مُسْلِمٌ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ يَزْعُمُ أَنَّكُمُ الْأَصْلُ، وَيَقُولُ: إِنِّي أَكْرَهُ إِرَاقَةَ دِمَائِكُمْ، وَإِنِّي أُؤَجِّلُكُمْ ثَلَاثًا، فَمَنْ رَاجَعَ الْحَقَّ أَمَّنْتُهُ وَرَجَعْتُ عَنْكُمْ، وَسِرْتُ إِلَى هَذَا الْمُلْحِدِ الَّذِي بِمَكَّةَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَقَدْ أَعْذَرْنَا إِلَيْكُمْ، فَلَمَّا مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ مَا تَصْنَعُونَ؟ أَتُسَالِمُونَ أَمْ تُحَارِبُونَ ؟ فَقَالُوا: بَلْ نُحَارِبُ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا بَلِ ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ وَنَجْعَلُ جِدَّنَا وَشَوْكَتَنَا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْمُلْحِدِ الَّذِي قَدْ جَمَعَ إِلَيْهِ الْمُرَّاقَ وَالْفُسَّاقَ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ، يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ. فَقَالُوا لَهُ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ لَوْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَجُوزُوا إِلَيْهِ مَا تَرَكْنَاكُمْ، نَحْنُ نَدَعُكُمْ أَنْ تَأْتُوا بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ فَتُخِيفُوا أَهْلَهُ وَتُلْحِدُوا فِيهِ وَتَسْتَحِلُّوا حُرْمَتَهُ ؟ ! لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ. وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدِ اتَّخَذُوا خَنْدَقًا وَعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ عَلَى رُبُعٍ آخَرَ، وَهُمْ قُرَيْشٌ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ، عَلَى رُبُعٍ آخَرَ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ، وَكَانَ أَمِيرُ جَمَاعَتِهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ الْأَنْصَارِيَّ فِي أَعْظَمِ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ. وَصَمَدَ مُسْلِمٌ فِيمَنْ مَعَهُ، فَأَقْبَلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ مَرِيضًا، فَأَمَرَ فَوُضِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقَالَ يَا أَهْلَ الشَّامِ قَاتِلُوا عَنْ أَمِيرِكُمْ وَادْعُوا. فَأَخَذُوا لَا يَقْصِدُونَ رُبُعًا مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ إِلَّا هَزَمُوهُ، ثُمَّ وَجَّهَ الْخَيْلَ نَحْوَ ابْنِ الْغَسِيلِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْغَسِيلِ فِيمَنْ مَعَهُ فَكَشَفَهُمْ، فَانْتَهَوْا إِلَى مُسْلِمٍ، فَنَهَضَ فِي وُجُوهِهِمْ بِالرِّجَالِ وَصَاحَ بِهِمْ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا. ثُمَّ إِنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَاءَ إِلَى ابْنِ الْغَسِيلِ فَقَاتَلَ مَعَهُ فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا قِتَالًا حَسَنًا، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ الْغَسِيلِ: مَنْ كَانَ مَعَكَ فَارِسًا فَلْيَأْتِنِي فَلْيَقِفْ مَعِي، فَإِذَا حَمَلْتُ فَلْيَحْمِلُوا، فَوَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَبْلَغَ مُسْلِمًا فَأَقْتُلَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَجَمَعَ الْخَيْلَ إِلَيْهِ، فَحَمَلَ بِهِمُ الْفَضْلُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَانْكَشَفُوا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: احْمِلُوا أُخْرَى جُعِلْتُ فَدَاكُمْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَايَنْتُ أَمِيرَهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ. إِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الصَّبْرِ إِلَّا النَّصْرُ ! ثُمَّ حَمَلَ وَحَمَلَ أَصْحَابُهُ، فَانْفَرَجْتُ خَيْلُ الشَّامِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ رَاجِلٍ جُثَاةٌ عَلَى الرُّكَبِ مُشَرِّعِي الْأَسِنَّةِ نَحْوَ الْقَوْمِ، وَمَضَى الْفَضْلُ كَمَا هُوَ نَحْوَ رَايَةِ مُسْلِمٍ فَضَرَبَ رَأْسَ صَاحِبِهَا، فَقَطَّ الْمِغْفَرَ وَفَلَقَ هَامَتَهُ وَخَرَّ مَيِّتًا، وَقَالَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ! وَظَنَّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَقَالَ: قَتَلْتُ طَاغِيَةَ الْقَوْمِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ! فَقَالَ: أَخْطَأَتِ اسْتُكَ الْحُفْرَةَ ! وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ غُلَامًا رُومِيًّا وَكَانَ شُجَاعًا، فَأَخَذَ مُسْلِمٌ رَايَتَهُ وَحَرَّضَ أَهْلَ الشَّامِ وَقَالَ: شُدُّوا مَعَ هَذِهِ الرَّايَةِ. فَمَشَى بِرَايَتِهِ وَشَدَّتْ تِلْكَ الرِّجَالُ أَمَامَ الرَّايَةِ، فَصُرِعَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، فَقُتِلَ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَطْنَابِ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ إِلَّا نَحْوٌ مِنْ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ، وَقُتِلَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَأَقْبَلَتْ خَيْلُ مُسْلِمٍ وَرَجَّالَتُهُ نَحْوَ ابْنِ الْغَسِيلِ، وَهُوَ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ وَيَذُمُّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَيُقَدِّمُ الْخَيْلَ إِلَى ابْنِ الْغَسِيلِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ تَقْدَمْ عَلَيْهِمْ لِلرِّمَاحِ الَّتِي بِأَيْدِهِمْ وَالسُّيُوفِ، وَكَانَتْ تَتَفَرَّقُ عَنْهُمْ، فَنَادَى مُسْلِمٌ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِضَاهٍ الْأَشْعَرِيَّ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَنْزِلَا فِي جُنْدِهِمَا، فَفَعَلَا وَتَقَدَّمَا إِلَيْهِمْ، فَقَالَ ابْنُ الْغَسِيلِ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدْ أَصَابَ وَجْهَ الْقِتَالِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَكُمْ بِهِ، وَإِنِّي قَدْ ظَنَنْتُ أَلَّا يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً حَتَّى يَفْصِلَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ إِمَّا لَكُمْ وَإِمَّا عَلَيْكُمْ، أَمَا إِنَّكُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ وَمَا أَظُنُّ أَنَّ رَبَّكُمْ أَصْبَحَ عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضَى مِنْهُ عَنْكُمْ، وَلَا عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْعَرَبِ بِأَسْخَطَ مِنْهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مِيتَةً هُوَ مَيِّتٌ بِهَا لَا مَحَالَةَ، وَوَاللَّهِ مَا مِنْ مِيتَةٍ أَفْضَلُ مِنْ مَيْتَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ فَاغْتِنَمُوهَا. ثُمَّ دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَأَخَذَ أَهْلُ الشَّامِ يَرْمُونَهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَالَ ابْنُ الْغَسِيلِ لِأَصْحَابِهِ: عَلَامَ تُسْتَهْدَفُونَ لَهُمْ ! مَنْ أَرَادَ التَّعْجِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ هَذِهِ الرَّايَةَ. فَقَالَ إِلَيْهِ كُلُّ مُسْتَمِيتٍ فَنَهَضَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رُؤِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْقِتَالِ، وَأَخَذَ ابْنُ الْغَسِيلِ يُقَدِّمُ بَنِيهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، حَتَّى قُتِلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: بُعْدًا لِمَنْ رَامَ الْفَسَادَ وَطَغَى     وَجَانَبَ الْحَقَّ وَآيَاتِ الْهُدَى لَا يُبْعِدُ الرَّحْمَنُ إِلَّا مَنْ عَصَى ثُمَّ قُتِلَ وَقُتِلَ مَعَهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَقَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ الدَّيْلَمَ قَتَلُونِي مَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ! وَقُتِلَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ. فَمَرَّ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ ! رُبَّ سَارِيَةٍ قَدْ رَأَيْتُكُ تُطِيلُ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى جَنْبِهَا. وَانْهَزَمَ النَّاسُ، وَكَانَ فِيمَنِ انْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَمَا أَبْلَى. وَأَبَاحَ مُسْلِمٌ الْمَدِينَةَ ثَلَاثًا، يَقْتُلُونَ النَّاسَ وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ، فَأَرْسَلَتْ سُعْدَى بِنْتُ عَوْفٍ الْمُرِّيَّةُ إِلَى مُسْلِمٍ، تَقُولُ بِنْتُ عَمِّكَ: مُرْ أَصْحَابَكَ لَا يَعْتَرِضُوا الْإِبِلَ لَنَا بِمَكَانِ كَذَا، فَقَالَ: لَا تَبْدَءُوا إِلَّا بِهَا. وَجَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى مُسْلِمٍ وَقَالَتْ: أَنَا مَوْلَاتُكَ وَابْنِي فِي الْأَسْرَى، فَقَالَ: عَجِّلُوهُ لِمَكَانِهَا، فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَقَالَ: أَعْطُوهَا رَأْسَهُ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ لَا تُقْتَلِي حَتَّى تَكَلَّمِي فِي ابْنِكِ، وَوَقَعُوا عَلَى النِّسَاءِ، وَقَاتَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ حَتَّى قُتِلَ هُوَ وَبَنُونَ لَهُ سَبْعَةٌ، وَبُعِثَ بِرَأْسِهِ إِلَى يَزِيدَ. فَأَفْزَعَ مَا جَرَى مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حَتَّى دَخَلَ الْجَبَلَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ بِسَيْفٍ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَبُو سَعِيدٍ، فَتَرَكَهُ. وعَنْ خَالِدٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ الْهَيْثَمِ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ تَطُوفُ، فَعَرَضَ لَهَا أَسْوَدُ، فَعَانَقَتْهُ وَقَبَّلَتْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمَةَ اللَّهِ، أَتَفْعَلِينَ هَذَا بِهَذَا الْأَسْوَدِ، قَالَتْ: هُوَ ابْنِي وَقَعَ عَلَيَّ أَبُوهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، فَوَلَدْتُ هَذَا. وَعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ أَبِي قُرَّةَ، قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: وَلَدَتْ أَلْفُ امْرَأَةٍ بَعْدَ الْحَرَّةِ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ، ثُمَّ دَعَا مُسْلِمٌ بِالنَّاسِ إِلَى الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ، وَقَالَ: بَايِعُوا عَلَى أَنَّكُمْ خَوَلٌ لَهُ، وَأَمْوَالُكُمْ لَهُ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ: نُبَايِعُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَبَدَأَ بِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: هَذَا الْخَبِيثُ ابْنُ الطَّيِّبِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُتِفَتْ لِحْيَتُهُ. وعَنْ حُوَيْرِثَةَ وَابْنِ جَعْدِيَّةَ: أَنَّ مُسْلِمًا نَظَرَ إِلَى قَتْلَى الْحَرَّةِ، فَقَالَ: إِنْ دَخَلْتُ النَّارَ..... بَعْدَهَا وَلَا إِنِّي لَشَقِيٌّ. وَأَسَرَ مُسْلِمٌ أُسَرَاءَ فَحَبَسَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَطْعَمُوا، فَجَاءُوا بِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ إِلَى مُسْلِمٍ، فَقَالُوا: بَايِعْ، فَقَالَ: أُبَايِعُ عَلَى سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَشَهِدَ لَهُ رَجُلٌ أَنَّهُ مَجْنُونٌ فَخَلَّى عَنْهُ. وَعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ التَّمِيمِيِّ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالصِّبْيَانُ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: بِعُثْمَانَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ ذَكْوَانُ مَوْلَى مَرْوَانَ: شَرِبَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ دَوَاءً بَعْدَمَا نَهَبَ الْمَدِينَةَ، وَدَعَا بِالْغَدَاءِ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: لَا تَعْجَلْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ إِنْ أَكَلْتَ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ الدَّوَاءُ، قَالَ: وَيْحَكَ! إِنَّمَا أُحِبُّ الْبَقَاءَ حَتَّى أَشْفِيَ قَلْبِي -أَوْ قَالَ: نَفْسِي- مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَقَدْ أَدْرَكْتُ مَا أَرَدْتُ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى طَهَارَتِي، فَإِنِّي لَا أَشُكُّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ طَهَّرَنِي مِنْ ذُنُوبِي بِقَتْلِي هَؤُلَاءِ الْأَرْجَاسَ. وَعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: كَمْ كَانَتِ الْقَتْلَى يَوْمَ الْحَرَّةِ ؟ قَالَ: سَبْعُمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَوُجُوهِ الْمَوَالِي، وَمِمَّنْ لَا يُعْرَفُ مِنْ عَبْدٍ وَحُرٍّ وَامْرَأَةٍ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَكَانَتِ الْوَقْعَةُ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَانْتَهَبُوا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، بسنده عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنْزِلُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَجُلٌ مَرِيضٌ، قُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمَ أَقْبَلْتُ مِنْ نَجْرَانَ، فَمَرِضْتُ فَتَرَكَنِي أَصْحَابِي وَمَضَوْا، فَحَوَّلْتُهُ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَكَانَ عِنْدَنَا حَتَّى صَحَّ، وَأَقَامَ عِنْدَنَا حِينًا كَرَجُلٍ مِنَّا، وَعَمِلْتُ لِصَاحِبَتِي حُلِيًّا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَهُوَ يَرَى ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ أَيَّامَ الْحَرَّةِ وَقَدْ تَحَوَّلْنَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا انْتَهَبَ مُسْلِمٌ الْمَدِينَةَ أَتَانَا فِي جَمَاعَةٍ فَسَمِعْتُ الْجَلَبَةَ فِي الدَّارِ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا أَنَا بِهِ وَأَصْحَابِهِ خَارِجًا، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ كُنَّا نَتَمَنَّاكَ، قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِأَدْفَعَ عَنْ دَمِكَ، وَلَكِنِّي آخُذُ مَالَكَ، فَإِنَّ الْأَمِيرَ قَدْ أَمَرَنَا بِالنَّهْبِ، وَسَيُؤْخَذُ مَا عِنْدَكَ وَأَنَا أَحَقُّ بِهِ، فَقُلْتُ: أَنْتَ لَعَمْرِي أَحَقُّ بِهِ، فَاصْرِفْ أَصْحَابَكَ وَخُذْهُ وَحْدَكَ، فَخَرَجَ فَرَدَّ أَصْحَابَهُ وَرَجَعَ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْحُلِيُّ؟ قُلْتُ: عَلَى حَالِهِ، قَالَ: فَهَاتِهِ، قُلْتُ: هُوَ مَدْفُونٌ بِذِي الْحُلَيْفَةِ عِنْدَ الْبِئْرِ الَّتِي رَأَيْتَ، فَإِذَا أَمْسَيْنَا خَرَجْنَا إِلَيْهَا فَأَدْفَعُهُ إِلَيْكَ. فَلَمَّا أَمْسَيْتُ خَرَجْتُ أَنَا وَهُوَ وَتَبِعَنِي ابْنَانِ لِي حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الْبِئْرِ وَطُولُهَا ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا، فَأَخَذْنَاهُ أَنَا وَابْنَايَ، فَشَدَدْنَاهُ وَثَاقًا، وَأَرْمَيْنَاهُ فِي الْبِئْرِ وَدَفَنَّاهُ فِيهَا وَرَجَعْنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ بِالْأَمْسِ قَدْ أَتَانَا، فَقَالَ: أَيْنَ أَبُو الْمُحَرِّشِ؟ قُلْنَا: غَدَا حِينَ أَصْبَحَ، قَالَ: أُرَاهُ وَاللَّهِ خَدَعَنَا وَأَخَذَ الْمَتَاعَ، قُلْنَا: مَا أَخَذَ شَيْئًا، ادْخُلْ فَانْظُرْ، فَدَخَلَ فَأَغْلَقْنَا عَلَيْهِ الْبَابَ وَقَتَلْنَاهُ. وَعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، بسنده عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ، قَالَ: مَرَّ رَكْبٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ يُرِيدُونَهُ وَمَعَهُمْ رَجُلٌ مَرِيضٌ، فَأَرَادُوا دَفْنَهُ وَهُوَ حَيٌّ، فَمَنَعَهُمْ أَبِي، فَمَضَوْا وَخَلَّفُوهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَرِئَ وَصَحَّ، فَجَهَّزَهُ أَبِي وَحَمَلَهُ، وَكَانَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ مُسْلِمٍ، فَرَأَتْهُ جَارِيَةٌ لَنَا، فَعَرَفَتْهُ، فَقَالَتْ: عَمْرٌو، فَقَالَ: نَعَمْ وَعَرَفَهَا، قَالَ: مَا فَعَلَ أَبُو إِسْحَاقَ؟ قَالَتْ: قُتِلَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ أَيْسَرُ أَهْلِ [بَيْتٍ] بِالْمَدِينَةِ، فَانْتَهِبُوا مَنْزِلَهُمْ، فَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ بِالْمَدِينَةِ: "وَأَنْتَ أَقَلُّ شُكْرًا مِنْ عَمْرٍو". ثُمَّ اسْتَخْلَفَ مُسْلِمٌ عَلَى الْمَدِينَةِ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ، وَسَارَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَاحْتُضِرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ لِحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ: إِنَّكَ تَقْدَمُ بِمَكَّةَ وَلَا مَنَعَةَ لَهُمْ وَلَا سِلَاحَ، وَلَهُمْ جِبَالٌ تُشْرِفُ عَلَيْهِمْ، فَانْصِبْ عَلَيْهِمُ الْمَنْجَنِيقَ فَإِنَّهُمْ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَإِنْ تَعَوَّذُوا بِالْبَيْتِ فَارْمِهِ وَاتَّجِهْ عَلَى بُنْيَانِهِ. قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ.   وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْهُ. من قتل في الحرة قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ فَقَالَ لِي رَجُلٌ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الْمَدِينَةِ. فَقَالَ: خَبِيثَةٌ. فَقُلْتُ: يُسَمِّيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَيْبَةَ وَتُسَمِّيهَا خَبِيثَةً ! فَقَالَ: إِنَّ لِي وَلَهَا لَشَأْنًا، لَمَّا خَرَجَ النَّاسُ إِلَى وَقْعَةِ الْحَرَّةِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَدْخُلُ بِقَتْلِهِ النَّارَ، فَاجْتَهَدْتُ فِي أَنِّي لَا أَسِيرُ مَعَهُمْ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنِّي، فَسِرْتُ مَعَهُمْ وَلَمْ أُقَاتِلْ حَتَّى انْقَضَتِ الْوَقْعَةُ، فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ فِي الْقَتْلَى بِهِ رَمَقٌ فَقَالَ: تَنَحَّ يَا كَلْبُ ! فَأَنِفْتُ مِنْ كَلَامِهِ وَقَتَلْتُهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ رُؤْيَايَ فَجِئْتُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَتَصَفَّحُ الْقَتْلَى، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلْتُهُ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، لَا يَدْخُلُ قَاتِلُ هَذَا الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَمَنْ هَذَا ؟ قَالَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُونَنِي فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ فَلَمْ يَأْخُذُوا. وَمِمَّنْ قُتِلَ بِالْحَرَّةِ عَبْدُ اللَّهِ ( بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَيْسَ بِصَاحِبِ الْأَذَانِ، ذَاكَ ) ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَقُتِلَ أَيْضًا فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ ( بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ. وَوَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ. وَزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ ) بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. رواية أخرى لوقعة الحرة وَقَدْ رُوِيَتْ قِصَّةُ الْحَرَّةِ عَلَى غَيْرِ مَا رَوَاهُ أَبُو مِخْنَفٍ فعن جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ قَالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُحَدِّثُونَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا ابْنَهُ يَزِيدَ فَقَالَ لَهُ: إِنْ لَكَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمًا، فَإِنْ فَعَلُوا فَارْمِهِمْ بِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ عَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ. فَلَمَّا هَلَكَ مُعَاوِيَةُ وَفَدَ إِلَيْهِ وَفْدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ - وَكَانَ شَرِيفًا فَاضِلًا سَيِّدًا عَابِدًا - مَعَهُ ثَمَانِيَةُ بَنِينَ لَهُ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَعْطَى بَنِيهِ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ سِوَى كِسْوَتِهِمْ وَحُمْلَانِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ أَتَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ ؟ قَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا بَنِي هَؤُلَاءِ لَجَاهَدْتُهُ بِهِمْ. قَالُوا: قَدْ بَلَغَنَا أَنَّهُ أَعْطَاكَ وَأَحْذَاكَ وَأَكْرَمَكَ. قَالَ: قَدْ فَعَلَ، وَمَا قَبِلْتُ مِنْهُ إِلَّا لِأَتَقَوَّى بِهِ. فَحَضَّ النَّاسَ فَبَايَعُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ، وَقَدْ بَعَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى كُلِّ مَاءٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّامِ فَصَبُّوا فِيهِ زِقًّا مِنْ قَطِرَانٍ وَعَوَّرُوهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جَيْشِ الشَّامِ السَّمَاءَ مِدْرَارًا، فَلَمْ يَسْتَقُوا بِدَلْوٍ حَتَّى وَرَدُوا الْمَدِينَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ وَهَيْئَةٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، فَلَمَّا رَآهُمْ أَهْلُ الشَّامِ هَابُوهُمْ وَكَرِهُوا قِتَالَهُمْ، وَمُسْلِمٌ شَدِيدُ الْوَجَعِ، فَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي قِتَالِهِمْ إِذْ سَمِعُوا التَّكْبِيرَ مِنْ خَلْفِهِمْ فِي جَوْفِ الْمَدِينَةِ، وَأَقْحَمَ عَلَيْهِمْ بَنُو حَارِثَةَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَهُمْ عَلَى الْجَدَدِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ، فَكَانَ مَنْ أُصِيبَ فِي الْخَنْدَقِ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ مِنَ النَّاسِ، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَهُزِمَ النَّاسُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ مُسْتَنِدٌ إِلَى الْجِدَارِ يَغُطُّ نَوْمًا، فَنَبَّهَهُ ابْنُهُ، فَلَمَّا فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَرَأَى مَا صَنَعَ النَّاسُ، أَمَرَ أَكْبَرَ بَنِيهِ فَتَقَدَّمَ حَتَّى قُتِلَ، فَدَخَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ، فَدَعَا النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، يَحْكُمُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ مَا شَاءَ. وعَنِ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَهْلُ الْحَرَّةِ هَتَفَ هَاتِفٌ بِمَكَّةَ عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ مَسَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ جَالِسٌ يَسْمَعُ: قُتِلَ الْخِيَارُ بَنُو الْخِيَا     رِ ذَوُو الْمَهَابَةِ وَالسَّمَاحِ وَالصَّائِمُونَ الْقَائِمَو     نَ الْقَانِتُونَ أُولُو الصَّلَاحِ الْمُهْتَدُونَ الْمُتَّقُو     نَ السَّابِقُونَ إِلَى الْفَلَاحِ مَاذَا بِوَاقِمَ وَالْبَقِيعِ     مِنَ الْجَحَاجِحَةِ الصِّبَاحِ وَبِقَاعُ يَثْرِبَ وَيْحَهُنَّ     مِنَ النَّوَادِبِ وَالصِّيَاحِ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِأَصْحَابِهِ: يَا هَؤُلَاءِ، قُتِلَ أَصْحَابُكُمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. خطأ يزيد في إباحته المدينة ثلاثة أيام وَقَدْ أَخْطَأَ يَزِيدُ خَطَأً فَاحِشًا فِي قَوْلِهِ لِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ أَنْ يُبِيحَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهَذَا خَطَأٌ كَبِيرٌ، فَإِنَّهُ وَقَعَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ الْمَفَاسِدِ الْعَظِيمَةِ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوَصَفُ، مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ أَرَادَ بِإِرْسَالِ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ تَوْطِيدَ سُلْطَانِهِ وَمُلْكِهِ، وَدَوَامَ أَيَّامِهِ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، فَقَصَمَهُ اللَّهُ قَاصِمُ الْجَبَابِرَةِ، وَأَخَذَهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " بسنده، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ". وعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ظُلْمًا أَخَافَهُ اللَّهُ، وَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ". وعَنْ مُحَمَّدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ أَبِينَا يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ فَقَالَ: تَعِسَ مَنْ أَخَافَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقُلْنَا: يَا أَبَتِ، وَهَلْ أَحَدٌ يُخِيفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ ! فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ أَخَافَ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَدْ أَخَافَ مَا بَيْنَ هَذَيْنَ ". وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى جَنْبَيْهِ لعن يزيد بن معاوية وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَمْثَالِهِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى التَّرْخِيصِ فِي لَعْنَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ  ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَابْنُهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ، وَانْتَصَرَ لِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُصَنَّفٍ مُفْرَدٍ وَجَوَّزَ لَعْنَهُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ آخَرُونَ - وَصَنَّفُوا فِيهِ أَيْضًا - لِئَلَّا يُجْعَلَ لَعْنُهُ وَسِيلَةً إِلَى أَبِيهِ أَوْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَمَلُوا مَا صَدَرَ عَنْهُ مِنْ سُوءِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى أَنَّهُ تَأَوَّلَ وَأَخْطَأَ، وَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ مَعَ ذَلِكَ إِمَامًا فَاسِقًا، وَالْإِمَامُ إِذَا فَسَقَ لَا يُعْزَلُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ، بَلْ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ، وَوُقُوعِ الْهَرْجِ، كَمَا جَرَى. وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَا جَرَى عَلَيْهِمْ عِنْدَ الْحَرَّةِ مِنْ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَجَيْشِهِ، فَرِحَ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، فَإِنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهُ الْإِمَامُ، وَقَدْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَهُ، فَلَهُ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى الطَّاعَةِ، وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، كَمَا أَنْذَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " مَنْ جَاءَكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ فَاقْتُلُوهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ ". وَأَمَّا مَا يُورِدُونَهُ عَنْهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، وَاسْتِشْهَادِهِ بِشِعْرِ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: لَيْتَ أَشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا     جَزَعَ الْخَزْرَجِ مِنْ وَقَعِ الْأَسَلْ حِينَ حَكَّتْ بِقُبَاءٍ بَرْكَهَا     وَاسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي عَبْدِ الْأَشَلْ قَدْ قَتَلْنَا الضِّعْفَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ     وَعَدَلْنَا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلْ وَقَدْ زَادَ بَعْضُ الرَّوَافِضِ فِيهَا فَقَالَ: لَعِبَتْ هَاشِمُ بِالْمُلْكِ فَلَا     مَلَكٌ جَاءَ وَلَا وَحْيٌ نَزَلَ فَهَذَا إِنْ قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلَعْنَةُ اللَّاعِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَالَهُ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ وَضَعَهُ عَلَيْهِ لِيُشَنِّعَ عَلَيْهِ بِهِ وَعَلَى مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ.

  136. التاريخ 2227لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَلْقٌ مِنَ الْمَشَاهِيرِ وَالْأَعْيَانِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي وَقْعَةِ الْحَرَّةِ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُمْ ; فَمِنْ مَشَاهِيرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ:   أَسْلَمَ قَدِيمًا وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وَكَانَ يَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَبِيتُ عَلَى بَابِهِ لِحَوَائِجِهِ، وَيَغْزُو مَعَهُ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ فَنَزَلَ [يَيْنَ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ أَسْلَمَ، وَهِيَ] عَلَى بَرِيدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَبَقِيَ إِلَى أَيَّامِ الْحَرَّةِ. وعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَقُومُ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ نَهَارِي أَجْمَعَ حَتَّى يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَأَجْلِسُ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ أَقُولُ: لَعَلَّهُ أَنْ تَحْدُثَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَةٌ، فَمَا أَزَالَ أَسْمَعُهُ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، [سُبْحَانَ اللَّهِ] وَبِحَمْدِهِ، حَتَّى أَمَلَّ فَأَرْجِعَ أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنِي فَأَرْقُدَ. [قَالَ]: فَقَالَ لِي يَوْمًا لِمَا يَرَى مِنْ خِفَّتِي [لَهُ] وَخِدْمَتِي إِيَّاهُ: يَا رَبِيعَةُ، سَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: فَقُلْتُ: أَنْظُرُ فِي أَمْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ أُعْلِمُكَ ذَلِكَ، قَالَ: فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَكْفِينِي وَيَأْتِينِي. قَالَ: فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِآخِرَتِي، فَإِنَّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ بِهِ، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ يَا رَبِيعَةُ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَقَالَ: "مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةُ؟" قَالَ: فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَمَرَنِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ سَلْنِي أُعْطِكَ، وَكُنْتَ مِنَ اللَّهِ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ نَظَرْتُ فِي أَمْرِي وَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ وَزَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِيَ فِيهَا رِزْقًا سَيَأْتِينِي، فَقُلْتُ: أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِآخِرَتِي، قَالَ: فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لِي: "إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ [بِكَثْرَةِ] السُّجُودِ". عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ ابْنُ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ ابْنُ أَبِي عَامِرٍ الرَّاهِبِ:   كَانَ حَنْظَلَةُ لَمَّا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى أُحُدٍ وَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ جَمِيلَةَ، فَعَلَقَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ فِي شَوَّالٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقُتِلَ حَنْظَلَةُ يَوْمَئِذٍ شَهِيدًا فَغَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَقِيلَ لِوَلَدِهِ: بَنُو غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ، وَوَلَدَتْ جَمِيلَةُ عَبْدَ اللَّهِ، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلِعَبْدِ اللَّهِ سَبْعُ سِنِينَ. وَلَمَّا وَثَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ فَأَخْرَجُوا بَنِي أُمَيَّةَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَأَظْهَرُوا عَيْبَ يَزِيدَ، أَجْمَعُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَأَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ فَبَايَعَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ وَقَالَ: يَا قَوْمُ، اتَّقُوا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا عَلَى يَزِيدَ حَتَّى خِفْنَا أَنْ نُرْمَى بِالْحِجَارَةِ مِنَ السَّمَاءِ، إِنَّ رَجُلًا يَنْكِحُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَدَعُ الصَّلَاةَ، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعِيَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ لَأَبْلَيْتُ لِلَّهِ فِيهِ بَلَاءً حَسَنًا. فَتَوَاثَبَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ يُبَايِعُونَ مِنْ كُلِّ النَّوَاحِي. وَمَا كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ تِلْكَ اللَّيَالِيَ مَبِيتٌ إِلَّا الْمَسْجِدُ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَدِينَةَ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَئِذٍ. أَبُو عَائِشَةَ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو عَائِشَةَ الْهَمْدَانِيُّ، وَاسْمُهُ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ بْنِ مَالِكٍ:   سُرِقَ وَهُوَ صَغِيرٌ ثُمَّ وُجِدَ فَسُمِّيَ مَسْرُوقًا. وَرَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَحَضَرَ مَعَ عَلِيٍّ حَرْبَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَالَ: مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، فَقَالَ: مَسْرُوقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَعَمْرُو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ خَالُ مَسْرُوقٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: مَا أَقْدَمَ عَلَى مَسْرُوقٍ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ. وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: حَجَّ مَسْرُوقٌ فَلَمْ يَنَمْ إِلَّا سَاجِدًا عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى رَجَعَ. وعَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّ امْرَأَةَ مَسْرُوقٍ قَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهُ، فَرُبَّمَا جَلَسْتُ خَلْفَهُ أَبْكِي مِمَّا أَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَفْسِهِ. تُوُفِّيَ مَسْرُوقٌ ؓ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.

  137. التاريخ 2228لا حكم مسجّل

    مَسِيرُ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ لِحَرْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُبَيْرٍ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ فِي الِامْتِنَاعِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وفي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وفِي أَوَّلِ الْمُحَرَّمِ مِنْهَا سَارَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ - بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ حَرْبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ - إِلَى مَكَّةَ قَاصِدًا قِتَالَ ابْنِ الزُّبَيْرِ  وَمَنِ الْتَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْرَابِ عَلَى مُخَالَفَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ثَنِيَّةَ هَرْشَى بَعَثَ إِلَى رُءُوسِ الْأَجْنَادِ فَجَمَعَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَهِدَ إِلَيَّ إِنْ حَدَثَ بِي حَدَثُ الْمَوْتِ أَنْ أَسْتَخْلِفَ عَلَيْكَمْ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ السَّكُونِيَّ، وَوَاللَّهِ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ لِي مَا فَعَلْتُ. ثُمَّ دَعَا بِهِ فَقَالَ: انْظُرْ يَابْنَ بَرْدَعَةِ الْحِمَارِ فَاحْفَظْ مَا أُوصِيكَ بِهِ. ثُمَّ أَمَرَهُ إِذَا وَصَلَ مَكَّةَ أَنْ يُنَاجِزَ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَبْلَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَعْمَلْ عَمَلًا قَطُّ بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ قَتْلِي أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَلَا أَرْجَى عِنْدِي فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ دَخَلْتُ النَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ إِنِّي لَشَقِيٌّ. ثُمَّ مَاتَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، وَدُفِنَ بِالْمُشَلَّلِ. فِيمَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَسَارَ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ بِالْجَيْشِ نَحْوَ مَكَّةَ، فَانْتَهَى إِلَيْهَا لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ فِيمَا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَقِيلَ: لِسَبْعٍ مَضَيْنَ مِنْهُ. وَقَدْ تَلَاحَقَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ جَمَاعَاتٌ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَانْضَافَ إِلَيْهِ أَيْضًا نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَنَفِيُّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِهَا ; لِيَمْنَعُوا الْبَيْتَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَنَزَلَ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ ظَاهِرَ مَكَّةَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَمَنِ الْتَفَّ مَعَهُ، فَاقْتَتَلُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَبَارَزَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَحَمَلَ أَهْلُ الشَّامِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَانْكَشَفَ أَهْلُ مَكَّةَ، وَعَثَرَتْ بَغْلَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِهِ، فَكَرَّ عَلَيْهِ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَطَائِفَةٌ، فَقَاتَلُوا دُونَهُ حَتَّى قُتِلُوا جَمِيعًا، وَصَابَرَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى اللَّيْلِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا فِي بَقِيَّةِ شَهْرِ الْمُحَرَّمِ وَصَفَرًا بِكَمَالِهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ ثَالِثُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، نَصَبُوا الْمَجَانِيقَ عَلَى الْكَعْبَةِ، وَرَمَوْهَا حَتَّى بِالنَّارِ، فَاحْتَرَقَ جِدَارُ الْبَيْتِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ - هَكَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ - وَهُمْ يَقُولُونَ: خَطَّارَةٌ مِثْلُ الْفَنِيقِ الْمُزْبِدِ نَرْمِي بِهَا أَعْوَادَ هَذَا الْمَسْجِدِ وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ حَوْطَةَ السَّدُوسِيُّ يَقُولُ: كَيْفَ تَرَى صَنِيعَ أُمِّ فَرْوَهْ     تَأْخُذُهُمْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَهْ وَأُمُّ فَرْوَةَ اسْمُ الْمَنْجَنِيقِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا احْتَرَقَتْ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَسْجِدِ جَعَلُوا يُوقِدُونَ النَّارَ وَهُمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَعَلِقَتِ النَّارُ فِي بَعْضِ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَسَرَتْ إِلَى أَخْشَابِهَا وَسُقُوفِهَا فَاحْتَرَقَتْ. وَقِيلَ: إِنَّمَا احْتَرَقَتْ لِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ سَمِعَ التَّكْبِيرَ عَلَى بَعْضِ جِبَالِ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ، فَظَنَّ أَنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ، فَرُفِعَتْ نَارٌ عَلَى رُمْحٍ لِيَنْظُرُوا مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَلَى الْجَبَلِ، فَأَطَارَتِ الرِّيحُ شَرَرَةً مِنْ رَأَسِ الرُّمْحِ إِلَى مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ مِنَ الْكَعْبَةِ، فَعَلِقَتْ فِي أَسْتَارِهَا وَأَخْشَابِهَا، فَاحْتَرَقَتْ وَاسْوَدَّ الرُّكْنُ، وَانْصَدَعَ فِي ثَلَاثَةِ أَمْكِنَةٍ مِنْهُ. وَمَاتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَخَرَجَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَعَ جِنَازَتِهَا؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَنْزِلَ الْعَذَابُ عَلَيْهِمْ، وَأَصْبَحَ ابْنُ الزُّبَيْرِ سَاجِدًا يَدْعُو وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَعْتَمِدْ مَا جَرَى، فَلَا تُهْلِكْ عِبَادَكَ بِذَنْبِي، وَهَذِهِ نَاصِيَتِي بَيْنَ يَدَيْكَ". وَأَقَامَ أَهْلُ الشَّامِ يُحَاصِرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَتَّى بَلَغَهُمْ نَعْيُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِهِلَالِ رَبِيعٍ الْآخَرِ.

  138. التاريخ 2229لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ وَفَاةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ  وَجَاءَ النَّاسَ نَعْيُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَأَنَّهُ قَدْ مَاتَ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَسِتَّةً أَوْ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، فَحِينَئِذٍ خَمَدَتِ الْحَرْبُ وَطَفِئَتْ نَارُ الْفِتْنَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ مَكَثُوا يُحَاصِرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَيُذْكَرُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلِمَ بِمَوْتِ يَزِيدَ قَبْلَ أَهْلِ الشَّامِ، فَنَادَى فِيهِمْ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، قَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ طَاغِيَتَكُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى شَامِهِ فَلْيَرْجِعْ. فَلَمْ يُصَدِّقِ الشَّامِيُّونَ أَهْلَ مَكَّةَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ، حَتَّى جَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْمُنَقَّعِ بِالْخَبَرِ الْيَقِينِ. وَيُذْكَرُ أَنَّ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ دَعَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِيُحَدِّثَهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَاجْتَمَعَا حَتَّى اخْتَلَفَتْ رُءُوسُ فَرَسَيْهِمَا، وَجَعَلَتْ فَرَسُ حُصَيْنٍ تَنْفِرُ وَيَكُفُّهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: مَا لَكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْحَمَامَ تَحْتَ رِجْلَيْ فَرَسِي تَأْكُلُ مِنَ الرَّوَثِ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَطَأَ حَمَامَ الْحَرَمِ. فَقَالَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا وَأَنْتَ تَقْتُلُ الْمُسْلِمِينَ ؟ ! فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: فَأْذَنْ لَنَا فَلْنَطُفْ بِالْكَعْبَةِ ثُمَّ نَرْجِعُ إِلَى بِلَادِنَا. فَأَذِنَ لَهُمْ فَطَافُوا. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ حُصَيْنًا وَابْنَ الزُّبَيْرِ اتَّعَدَا لَيْلَةً أَنْ يَجْتَمِعَا، فَاجْتَمَعَا بِظَاهِرِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: إِنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ هَلَكَ فَأَنْتَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ بَعْدَهُ، فَهَلُمَّ فَارْحَلْ مَعِي إِلَى الشَّامِ، فَوَاللَّهِ لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ اثَنَانِ. فَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يَثِقْ مِنْهُ بِذَلِكَ، وَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْمَقَالِ، فَنَفَرَ مِنْهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَقَالَ: أَنَا أَدْعُوهُ إِلَى الْخِلَافَةِ، وَهُوَ يُغْلِظُ لِي فِي الْمَقَالِ ؟ ! ثُمَّ كَرَّ بِالْجَيْشِ رَاجِعًا إِلَى الشَّامِ، وَقَالَ: أَعِدُهُ بِالْمُلْكِ وَيَتَوَاعَدُنِي بِالْقَتْلِ ؟ ! ثُمَّ نَدِمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِ مِنَ الْغِلْظَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: أَمَّا الشَّامُ فَلَسْتُ آتِيهِ، وَلَكِنْ خُذْ لِيَ الْبَيْعَةَ عَلَى مَنْ هُنَاكَ، فَإِنِّي أُؤَمِّنُكُمْ وَأَعْدِلُ فِيكُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ مَنْ يَبْتَغِيهَا مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بِالشَّامِ لَكَثِيرٌ. فَرَجَعَ فَاجْتَازَ بِالْمَدِينَةِ، فَطَمِعَ فِيهِ أَهْلُهَا وَأَهَانُوهُمْ إِهَانَةً بَالِغَةً، وَأَكْرَمَهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَأَهْدَى لِحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ قَتًّا وَعَلَفًا، وَارْتَحَلَتْ بَنُو أُمَيَّةَ مَعَ الْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ وَقَدِ اسْتُخْلِفَ بِدِمَشْقَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ وَصِيَّةٍ مِنْ أَبِيهِ لَهُ بِذَلِكَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  139. التاريخ 2230لا حكم مسجّل

    وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ  هُوَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو خَالِدٍ الْأُمَوِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ بِالْمَاطِرُونِ، وَقِيلَ: بِبَيْتِ رَأْسٍ. وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي النِّصْفِ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ، فَاسْتَمَرَّ مُتَوَلِّيًا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَأُمُّهُ مَيْسُونُ بِنْتُ بَحْدَلِ بْنِ أُنَيْفِ بْنِ دُلْجَةَ بْنِ قُنَافَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ حَارِثَةَ الْكَلْبِيِّ. مرويات يزيد بن معاوية رَوَى عَنْ أَبِيهِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ". وَحَدِيثًا آخَرَ فِي الْوُضُوءِ. وَعَنْهُ ابْنُهُ خَالِدٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ فِي الطَّبَقَةِ الَّتِي تَلِي الصَّحَابَةَ، وَهِيَ الْعُلْيَا، وَقَالَ: لَهُ أَحَادِيثُ. صفات يزيد بن معاوية الجسدية وَكَانَ كَثِيرَ اللَّحْمِ، عَظِيمَ الْجِسْمِ، كَثِيرَ الشَّعْرِ، جَمِيلًا طَوِيلًا، ضَخْمَ الْهَامَةِ، مُخَدَّدَ الْأَصَابِعِ غَلِيظَهَا، مُجَدَّرًا. وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ طَلَّقَ أُمَّهُ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، فَرَأَتْ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قُبُلِهَا قَمَرٌ، فَقَصَّتْ رُؤْيَاهَا عَلَى أُمِّهَا فَقَالَتْ: إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ لَتَلِدِنَّ مَنْ يُبَايَعُ لَهُ بِالْخِلَافَةِ. وَجَلَسَتْ أُمُّهُ مَيْسُونُ يَوْمًا تُمَشِّطُهُ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ، وَأَبُوهُ مُعَاوِيَةُ مَعَ زَوْجَتِهِ الْحَظِيَّةِ عِنْدَهُ فِي الْمَنْظَرَةِ، وَهِيَ فَاخِتَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ مَشْطِهِ نَظَرَتْ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهَا فَقَبَّلَتْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: إِذَا مَاتَ لَمْ تُفْلِحْ مُزَيْنَةُ بَعْدَهُ فَنُوطِي عَلَيْهِ يَا مُزَيْنُ التَّمَائِمَا وَانْطَلَقَ يَزِيدُ يَمْشِي وَفَاخِتَةُ تُتْبِعُهُ بَصَرَهَا، ثُمَّ قَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ سَوَادَ سَاقَيْ أُمِّكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنِ ابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ - وَهُوَ وَلَدُهُ مِنْهَا، وَكَانَ أَحْمَقَ - فَقَالَتْ فَاخِتَةُ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّكَ تُؤْثِرُ هَذَا عَلَيْهِ. فَقَالَ: سَوْفَ أُبَيِّنُ لَكِ ذَلِكَ حَتَّى تَعْرِفِيهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومِي مِنْ مَجْلِسِكِ هَذَا. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُعْطِيَكَ كُلَّ مَا تَسْأَلُنِي فِي هَذَا الْمَجْلِسِ. فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ تَشْتَرِيَ لِي كَلْبًا فَارِهًا وَحِمَارًا. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَنْتَ حِمَارٌ وَيُشْتَرَى لَكَ حِمَارٌ ؟ ! قُمْ فَاخْرُجْ. ثُمَّ قَالَ لِأُمِّهِ: كَيْفَ رَأَيْتِ ؟ ثُمَّ اسْتَدْعَى بِيَزِيدَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُعْطِيَكَ كُلَّ مَا تَسْأَلُنِي فِي مَجْلِسِكَ هَذَا، فَسَلْنِي مَا بَدَا لَكَ. فَخَرَّ يَزِيدُ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ حِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَلَّغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ الْمُدَّةَ، وَأَرَاهُ فِي هَذَا الرَّأْيِ، حَاجَتِي أَنْ تَعْقِدَ لِيَ الْعَهْدَ مِنْ بَعْدِكَ، وَتُوَلِّيَنِي الْعَامَ صَائِفَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَأْذَنَ لِي فِي الْحَجِّ إِذَا رَجَعْتَ، وَتُوَلِّيَنِي الْمَوْسِمَ، وَتَزِيدَ أَهْلَ الشَّامِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِكُلِّ رَجُلٍ، وَتَجْعَلَ ذَلِكَ بِشَفَاعَتِي، وَتَفْرِضَ لِأَيْتَامِ بَنِي جُمَحٍ، وَأَيْتَامِ بَنِي سَهْمٍ، وَأَيْتَامِ بَنِي عَدِيٍّ. فَقَالَ: مَا لَكَ وَلِأَيْتَامِ بَنِي عَدِيٍّ ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ حَالَفُونِي وَانْتَقَلُوا إِلَى دَارِي. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَقَبَّلَ وَجْهَهُ. ثُمَّ قَالَ لِابْنَةِ قَرَظَةَ: كَيْفَ رَأَيْتِ ؟ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْصِهِ بِي فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. فَفَعَلَ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ يَزِيدَ لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُوهُ: سَلْنِي حَاجَتَكَ. قَالَ لَهُ يَزِيدُ: أَعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ أَعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَكَ مِنْهَا. قَالَ: وَكَيْفَ ؟ قَالَ: لِأَنِّي وَجَدْتُ فِي الْأَثَرِ أَنَّهُ مَنْ تَقَلَّدَ أَمْرَ الْأُمَّةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ، فَاعْهَدْ إِلَيَّ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِكَ. فَفَعَلَ. وَقَالَ الْعُتْبِيُّ: رَأَى مُعَاوِيَةُ ابْنَهُ يَزِيدَ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَوْأَةً لَكَ، أَتُضْرِبُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَلَيْكَ ؟ ! وَاللَّهِ لَقَدْ مَنَعَتْنِي الْقَدْرَةُ مِنْ ذَوِي الْإِحَنِ، وَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ عَفَا لَمَنْ قَدَرَ. قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى أَبَا مَسْعُودٍ يَضْرِبُ غُلَامًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ: " اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقَدْرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ ". قَالَ الْعُتْبِيُّ: وَقَدِمَ زِيَادٌ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ وَبِسَفْطٍ مَمْلُوءٍ جَوْهَرًا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ مُعَاوِيَةُ، فَقَامَ زِيَادٌ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ افْتَخَرَ بِمَا يَفْعَلُهُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ مِنْ تَمْهِيدِ الْمَمَالِكِ لِمُعَاوِيَةَ، فَقَامَ يَزِيدُ فَقَالَ: إِنْ تَفْعَلْ ذَلِكَ يَا زِيَادُ فَنَحْنُ نَقَلْنَاكَ مِنْ وَلَاءِ ثَقِيفٍ إِلَى قُرَيْشٍ، وَمِنَ الْقَلَمِ إِلَى الْمَنَابِرِ، وَمِنْ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدٍ إِلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: اجْلِسْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي. وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَغَيْرِهِ قَالَ: غَضِبَ مُعَاوِيَةُ عَلَى ابْنِهِ يَزِيدَ فَهَجَرَهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْلَادُنَا ثِمَارُ قُلُوبِنَا، وَعِمَادُ ظُهُورِنَا، وَنَحْنُ لَهُمْ سَمَاءٌ ظَلِيلَةٌ وَأَرْضٌ ذَلِيلَةٌ، إِنْ غَضِبُوا فَأَرْضِهِمْ، وَإِنْ طَلَبُوا فَأَعْطِهِمْ، وَلَا تَكُنْ عَلَيْهِمْ ثِقْلًا فَيَمَلُّوا حَيَاتَكَ وَيَتَمَنَّوْا مَوْتَكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لِلَّهِ دَرُّكَ يَا أَبَا بَحْرٍ، يَا غُلَامُ، ائْتِ يَزِيدَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَ لَكَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِائَةِ ثَوْبٍ. فَقَالَ يَزِيدُ: مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: الْأَحْنَفُ. فَقَالَ يَزِيدُ: لَا جَرَمَ، لَأُقَاسِمَنَّهُ. فَبَعَثَ إِلَى الْأَحْنَفِ بِخَمْسِينَ أَلْفًا وَخَمْسِينَ ثَوْبًا. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ بسنده قَالَ: كَانَ يَزِيدُ فِي حَدَاثَتِهِ صَاحِبَ شَرَابٍ يَأْخُذُ مَأْخَذَ الْأَحْدَاثِ، فَأَحَسَّ مُعَاوِيَةُ بِذَلِكَ، فَأَحَبَّ أَنْ يَعِظَهُ فِي رِفْقٍ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، مَا أَقْدَرَكَ عَلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى حَاجَتِكَ مِنْ غَيْرِ تَهَتُّكٍ يَذْهَبُ بِمُرُوءَتِكَ وَقَدْرِكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي مُنْشِدُكَ أَبْيَاتًا، فَتَأَدَّبْ بِهَا وَاحْفَظْهَا. فَأَنْشَدَهُ: انْصَبْ نَهَارًا فِي طِلَابِ الْعُلَا     وَاصْبِرْ عَلَى هَجْرِ الْحَبِيبِ الْقَرِيبِ حَتَّى إِذَا اللَّيْلُ أَتَى بِالدُّجَى     وَاكْتَحَلَتْ بِالْغُمْضِ عَيْنُ الرَّقِيبِ فَبَاشِرِ اللَّيْلَ بِمَا تَشْتَهِي     فَإِنَّمَا اللَّيْلُ نَهَارُ الْأَرِيبِ كَمْ فَاسِقٍ تَحْسَبُهُ نَاسِكًا     قَدْ بَاشَرَ اللَّيْلَ بِأَمْرٍ عَجِيبٍ غَطَّى عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَسْتَارَهُ     فَبَاتَ فِي أَمْنٍ وَعَيْشٍ خَصِيبٍ وَلَذَّةُ الْأَحْمَقِ مَكْشُوفَةٌ     يَشْفَى بِهَا كُلُّ عَدُوٍّ غَرِيبِ قُلْتُ: وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " مَنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ". وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ وَالْمَدَائِنِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَفَدَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ ابْنَهُ يَزِيدَ أَنْ يَأْتِيَهُ فَيُعَزِّيَهُ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَحَّبَ بِهِ وَأَكْرَمَهُ، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَرْفَعَ مَجْلِسَهُ، فَأَبَى وَقَالَ: إِنَّمَا أَجْلِسُ مَجْلِسَ الْمُعَزِّي لَا الْمُهَنِّي. ثُمَّ ذَكَرَ الْحَسَنَ، فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا مُحَمَّدٍ أَوْسَعَ الرَّحْمَةِ وَأَفْسَحَهَا، وَأَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ، وَعَوَّضَكَ مِنْ مُصَابِكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبَى. فَلَمَّا نَهَضَ يَزِيدُ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِذَا ذَهَبَ بَنُو حَرْبٍ ذَهَبَ حُلَمَاءُ النَّاسِ. ثُمَّ أَنْشَدَ مُتَمَثِّلًا: مَغَاضٍ عَنِ الْعَوْرَاءِ لَا يَنْطِقُونَهَا     وَأَهْلُ وِرَاثَاتِ الْحُلُومِ الْأَوَائِلِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ سُبَيْنَةَ: حَجَّ يَزِيدُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَدِينَةَ جَلَسَ عَلَى شَرَابٍ لَهُ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحُسَيْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِنْ وَجَدَ رِيحَ الشَّرَابِ ( عَرَفَهُ، فَحَجَبَهُ وَأَذِنَ لِلْحُسَيْنِ، فَلَمَّا دَخَلَ وَجَدَ رَائِحَةَ الشَّرَابِ ) مَعَ الطِّيبِ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ طِيبِكَ مَا أَطْيَبَهُ ! فَمَا هَذَا ؟ قَالَ: هُوَ طِيبٌ يُصْنَعُ بِالشَّامِ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَهُ، ثُمَّ دَعَا بِآخِرٍ فَقَالَ: اسْقِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: عَلَيْكَ شَرَابَكَ أَيُّهَا الْمَرْءُ لَا عَيْنَ عَلَيْكَ مِنِّي، فَقَالَ يَزِيدُ: أَلَا يَا صَاحِ لِلْعَجَبْ     دَعْوَتُكَ وَلَمْ تُجِبْ إِلَى الْفَتَيَاتِ وَالشَّهَوَاتِ     وَالصَّهْبَاءِ وَالطَّرَبْ بَاطِيَةٌ مُكَلَّلَهْ     عَلَيْهَا سَادَةُ الْعَرَبْ وَفِيهِنَّ الَّتِي تَبِلَتْ     فُؤَادَكَ ثُمَّ لَمْ تَثِبْ فَنَهَضَ الْحُسَيْنُ وَقَالَ: بَلْ فُؤَادُكَ يَا ابْنَ مُعَاوِيَةَ تَبِلَتْ. وَقَالَ شَفِيقُ بْنُ سَلَمَةَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ ثَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَدَعَا ابْنَ عَبَّاسٍ إِلَى بَيْعَتِهِ، فَامْتَنَعَ وَظَنَّ يَزِيدُ أَنَّ امْتِنَاعَهُ تَمَسُّكٌ مِنْهُ بِبَيْعَتِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الْمُلْحِدَ ابْنَ الزُّبَيْرِ دَعَاكَ إِلَى بَيْعَتِهِ وَأَنَّكَ اعْتَصَمْتَ بِبَيْعَتِنَا وَفَاءً مِنْكَ لَنَا، فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ ذِي رَحِمٍ خَيْرَ مَا يَجْزِي الْوَاصِلِينَ لِأَرْحَامِهِمُ الْمُوفِينَ بِعُهُودِهِمْ، فَمَا أَنْسَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَلَسْتُ بِنَاسٍ بِرَّكَ وَتَعْجِيلَ صِلَتِكَ بِالَّذِي أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ، فَانْظُرْ مَنْ طَلَعَ عَلَيْكَ مِنَ الْآفَاقِ مِمَّنْ سَحَرَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِلِسَانِهِ فَأَعْلِمْهُمْ بِحَالِهِ فَإِنَّهُمْ مِنْكَ أَسْمَعُ النَّاسِ وَلَكَ أَطْوَعُ مِنْهُمْ لِلْمُحِلِّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُكَ، فَأَمَّا تَرْكِي بَيْعَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَوَاللَّهِ مَا أَرْجُو بِذَلِكَ بِرَّكَ وَلَا حَمْدَكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بِالَّذِي أَنْوِي عَلِيمٌ، وَزَعَمْتَ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَاسٍ بِرِّي، فَاحْبِسْ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ بِرَّكَ عَنِّي فَإِنِّي حَابِسٌ عَنْكَ بِرِّي، وَسَأَلْتَ أَنْ أُحَبِّبَ النَّاسَ إِلَيْكَ وَأُبَغِّضَهُمْ وَأُخَذِّلَهُمْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَا وَلَا سُرُورَ وَلَا كَرَامَةَ، كَيْفَ وَقَدْ قَتَلْتَ حُسَيْنًا وَفِتْيَانَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَصَابِيحَ الْهُدَى وَنُجُومَ الْأَعْلَامِ غَادَرَتْهُمْ خُيُولُكَ بِأَمْرِكَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ مُرَمَّلِينَ بِالدِّمَاءِ، مَسْلُوبِينَ بِالْعَرَاءِ، ( مَقْتُولِينَ بِالظِّمَاءِ، لَا مُكَفَّنِينَ وَلَا مُوَسَّدِينَ )، تَسْفِي عَلَيْهِمُ الرِّيَاحُ، وَيَنْشَى بِهِمْ عَرْجُ الْبِطَاحِ، حَتَّى أَتَاحَ اللَّهُ بِقَوْمٍ لَمْ يُشْرَكُوا فِي دِمَائِهِمْ كَفَّنُوهُمْ وَأَجَنُّوهُمْ، وَبِي وَبِهِمْ لَوْ عَزَزْتَ وَجَلَسْتَ مَجْلِسَكَ الَّذِي جَلَسْتَ، فَمَا أَنَسَ مِنَ الْأَشْيَاءِ فَلَسْتُ بِنَاسٍ اطِّرَادَكَ حُسَيْنًا مِنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ، وَتَسْيِيرَكَ الْخُيُولَ إِلَيْهِ، فَمَا زِلْتَ بِذَلِكَ حَتَّى أَشْخَصْتَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَنَزَلَتْ بِهِ خَيْلُكَ عَدَاوَةً مِنْكَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، فَطَلَبَ إِلَيْكُمُ الْمُوَادَعَةَ وَسَأَلَكُمُ الرَّجْعَةَ، فَاغْتَنَمْتُمْ قِلَّةَ أَنْصَارِهِ وَاسْتِئْصَالَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَتَعَاوَنْتُمْ عَلَيْهِ كَأَنَّكُمْ قَتَلْتُمْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، فَلَا شَيْءَ أَعْجَبُ عِنْدِي مِنْ طِلَبْتِكَ وُدِّي وَقَدْ قَتَلْتَ وَلَدَ أَبِي وَسَيْفُكَ يَقْطُرُ مِنْ دَمِيَ وَأَنْتَ أَحَدُ ثَأْرِي وَلَا يُعْجِبُكَ أَنْ ظَفِرْتَ بِنَا الْيَوْمَ فَلَنَظْفَرَنَّ بِكَ يَوْمًا، وَالسَّلَامُ. ( قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْعَلَوِيُّ، وَقَدْ جَرَى عِنْدَهُ ذِكْرُ يَزِيدَ: أَنَا لَا أُكَفِّرُ يَزِيدَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَى بَنِيَّ أَحَدًا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَعْطَانِي ذَلِكَ ). يزيد بن معاوية أول من غزا القسطنطينية وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ أَوَّلُ مَنْ غَزَا مَدِينَةَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، فِي قَوْلِ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: سَنَةَ خَمْسِينَ. ثُمَّ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَوَّلُ جَيْشٍ يَغْزُو مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ. وَهُوَ الْجَيْشُ الثَّانِي الَّذِينَ رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنَامِهِ عِنْدَ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: " أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ " يَعْنِي مِنَ الْجَيْشِ الْأَوَّلِ الَّذِينَ رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ الْبَحْرِ، فَكَانَ أَمِيرَ الْأُولَى أَبُوهُ مُعَاوِيَةُ. حِينَ غَزَا قُبْرُسَ، فَفَتَحَهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَيَّامَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَتْ مَعَهُمْ أُمُّ حَرَامٍ، فَمَاتَتَ هُنَالِكَ بِقُبْرُسَ، ثُمَّ كَانَ أَمِيرَ الْجَيْشِ الثَّانِي ابْنُهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَلَمْ تُدْرِكْ أُمُّ حَرَامٍ جَيْشَ يَزِيدَ هَذَا. وَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ دَلَائِلَ النُّبُوَّةِ. كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ هَاهُنَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ مُحَاضِرٌ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ". وعَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: الْقَرْنُ عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَرْنٍ فَكَانَ آخِرَهُ مَوْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: ثُمَّ حَجَّ بِالنَّاسِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بسنده أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِيَزِيدَ ابْنِهِ: كَيْفَ تُرَاكَ فَاعِلًا إِنْ وُلِّيتَ ؟ قَالَ: يُمْتِعُ اللَّهُ بِكَ. قَالَ: لَتُخْبِرَنِّي. قَالَ: كُنْتُ وَاللَّهِ يَا أَبَهْ عَامِلًا فِيهِمْ عَمَلَ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! يَا سُبْحَانَ اللَّهِ ! ! وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ لَقَدْ جَهَدْتُ عَلَى سِيرَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَمَا أَطَقْتُهَا. وصية معاوية ليزيد وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ بسنده عَنْ مَرْوَانَ بْنِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِيَزِيدَ وَهُوَ يُوصِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ: يَا يَزِيدُ، اتَّقِ اللَّهَ فَقَدْ وَطَّأْتُ لَكَ هَذَا الْأَمْرَ، وَوُلِّيتَ مِنْ ذَلِكَ مَا وُلِّيتَ، فَإِنْ يَكُ خَيْرًا فَأَنَا أَسْعَدُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ شَقِيتَ بِهِ، فَارْفُقْ بِالنَّاسِ، وَأَغْمِضْ عَمَّا بَلَغَكَ مِنْ قَوْلٍ تُؤْذَى بِهِ وَتُنْتَقَصُ بِهِ، وَطَأْ عَلَيْهِ يَهْنِكَ عَيْشُكَ، وَتَصْلُحُ لَكَ رَعِيَّتُكَ، وَإِيَّاكَ وَالْمُنَاقَشَةَ وَحَمْلَ الْغَضَبِ، فَإِنَّكَ تُهْلِكُ نَفْسَكَ وَرَعِيَّتَكَ، وَإِيَّاكَ وَجَفْوَةَ أَهْلِ الشَّرَفِ، وَاسْتِهَانَتَهُمْ، وَالتَّكَبُّرَ عَلَيْهِمْ، لِنْ لَهُمْ لِينًا بِحَيْثُ لَا يَرَوْنَ مِنْكَ ضَعْفًا وَلَا خَوَرًا، وَأَوْطِئْهُمْ فِرَاشَكَ، وَقَرِّبْهُمْ إِلَيْكَ، وَأَدْنِهِمْ مِنْكَ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ لَكَ حَقَّكَ، وَلَا تُهِنْهُمْ وَلَا تَسْتَخِفَّ بِحَقِّهِمْ فَيُهِينُوكَ وَيَسْتَخِفُّوا بِحَقِّكَ وَيَقَعُوا فِيكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَمْرًا فَادْعُ أَهْلَ السِّنِّ وَالتَّجْرِبَةِ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنَ الْمَشَايِخِ وَأَهْلِ التَّقْوَى، فَشَاوِرْهُمْ وَلَا تُخَالِفْهُمْ، وَإِيَّاكَ وَالِاسْتِبْدَادَ بِرَأْيِكَ ; فَإِنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ فِي صَدْرٍ وَاحِدٍ، وَصَدِّقْ مَنْ أَشَارَ عَلَيْكَ إِذَا حَمَلَكَ عَلَى مَا تَعْرِفُ، ثُمَّ أَطِعْهُ فِيمَا أَشَارَ بِهِ، وَاخْزُنْ ذَلِكَ عَنْ نِسَائِكَ وَخَدَمِكَ، وَشَمِّرْ إِزَارَكَ، وَتَعَاهَدْ جُنْدَكَ، وَأَصْلِحْ نَفْسَكَ يَصْلُحْ لَكَ النَّاسُ، لَا تَدَعْ لَهُمْ فِيكَ مَقَالًا ; فَإِنَّ النَّاسَ نُزَّاعٌ إِلَى الشَّرِّ، وَاحْضُرِ الصَّلَاةَ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ مَا أُوصِيكَ بِهِ عَرَفَ النَّاسُ لَكَ حَقَّكَ، وَعَظُمَتْ مَمْلَكَتُكَ، وَعَظُمَتْ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ، وَاعْرِفْ شَرَفَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ ; فَإِنَّهُمْ أَصْلُكَ وَعَشِيرَتُكَ، وَاحْفَظْ لِأَهْلِ الشَّامِ شَرَفَهُمْ ; فَإِنَّهُمْ أَنْصَارُكَ وَحُمَاتُكَ وَجُنْدُكَ الَّذِينَ بِهِمْ تَصُولُ، وَتَنْتَصِرُ عَلَى أَعْدَائِكَ، وَتَصِلُ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ، وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ بِكِتَابٍ تَعِدُهُمْ فِيهِ مِنْكَ الْمَعْرُوفَ ; فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَشِّطُ آمَالُهُمْ، وَإِنْ وَفَدَ عَلَيْكَ وَافِدٌ مِنَ الْكُوَرِ كُلِّهَا فَأَحْسِنْ إِلَيْهِمْ وَأَكْرِمْهُمْ ; فَإِنَّهُمْ لِمَنْ وَرَاءَهُمْ، وَلَا تَسْمَعَنَّ قَوْلَ قَاذِفٍ وَلَا مَاحِلٍ ; فَإِنِّي رَأَيْتُهُمْ وُزَرَاءَ سُوءٍ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِيَزِيدَ: إِنَّ لِي خَلِيلًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَأَكْرِمْهُ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَلَمَّا وَفَدَ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ عَلَى يَزِيدَ أَضْعَفَ جَائِزَتَهُ الَّتِي كَانَ مُعَاوِيَةُ يُعْطِيهِ إِيَّاهَا، وَكَانَتْ جَائِزَتُهُ عَلَى مُعَاوِيَةَ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَعْطَاهُ يَزِيدُ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَالَ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. فَأَعْطَاهُ أَلْفَ أَلْفٍ أُخْرَى. فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ: وَاللَّهِ لَا أَجْمَعُ أَبَوَيَّ لِأَحَدٍ بَعْدَكَ. وَلَمَّا خَرَجَ ابْنُ جَعْفَرٍ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ - وَقَدْ أَعْطَاهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ - رَأْي عَلَى بَابِ يَزِيدَ بَخَاتِيَّ مُبَرِّكَاتٍ، قَدْ قَدِمَ عَلَيْهَا هَدِيَّةٌ مِنْ خُرَاسَانَ، فَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ إِلَى يَزِيدَ، فَسَأَلَهُ مِنْهَا ثَلَاثَ بَخَاتِيَّ لِيَرْكَبَ عَلَيْهَا إِلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَإِذَا وَفَدَ إِلَى الشَّامِ عَلَى يَزِيدَ. فَقَالَ يَزِيدُ لِلْحَاجِبِ: مَا هَذِهِ الْبَخَاتِيُّ الَّتِي عَلَى الْبَابِ ؟ - وَلَمْ يَكُنْ شَعَرَ بِهَا - فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ أَرْبَعُمِائَةِ بُخْتِيَّةٍ جَاءَتْنَا مِنْ خُرَاسَانَ تَحْمِلُ أَنْوَاعَ الْأَلْطَافِ - وَكَانَ عَلَيْهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْأَمْوَالِ كُلِّهَا - فَقَالَ: اصْرِفْهَا إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِمَا عَلَيْهَا. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولُ: أَتَلُومُونَنِي عَلَى حُسْنِ الرَّأْيِ فِي هَذَا ؟ ! يَعْنِي يَزِيدَ. خصال يزيد وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ فِيهِ خِصَالٌ مَحْمُودَةٌ  مِنَ الْكَرَمِ وَالْحِلْمِ وَالْفَصَاحَةِ وَالشِّعْرِ وَالشَّجَاعَةِ وَحُسْنِ الرَّأْيِ فِي الْمُلْكِ، وَكَانَ ذَا جَمَالٍ، حَسَنَ الْمُعَاشَرَةِ وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا إِقْبَالٌ عَلَى الشَّهَوَاتِ وَتَرْكُ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " يَكُونُ خَلْفٌ مِنْ بَعْدِ سِتِّينَ سَنَةً أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ، فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا، ثُمَّ يَكُونُ خَلْفٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثَلَاثَةٌ ; مُؤْمِنٌ وَمَنَافِقٌ وَفَاجِرٌ ". قَالَ بَشِيرٌ: فَقُلْتُ لِلْوَلِيدِ: مَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ ؟ قَالَ: الْمَنَافقُ كَافِرٌ بِهِ، وَالْفَاجِرُ يَتَأَكَّلُ بِهِ، وَالْمُؤْمِنُ يُؤْمِنُ بِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى بسنده سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ سَنَةِ سَبْعِينَ، وَمِنْ إِمَارَةِ الصِّبْيَانِ ". وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: لَسْتَ مِنَّا وَلَيْسَ خَالُكَ مِنَّا     يَا مُضَيِّعَ الصَّلَاةِ لِلشَّهَوَاتِ قَالَ: وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِمُوسَى بْنِ يَسَارٍ، وَيُعْرَفُ بِمُوسَى شَهَوَاتٍ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَارِيَةً لَهُ تُغَنِّي بِهَذَا الْبَيْتِ فَضَرَبَهَا، وَقَالَ: قُولِي: أَنْتَ مِنَّا وَلَيْسَ خَالُكَ مِنَّا     يَا مُضَيِّعَ الصَّلَاةِ لِلشَّهَوَاتِ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى بسنده عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَثْلَمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ". وعن أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا يَزَالُ أَمْرُ أُمَّتِي قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَثْلَمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ ". وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ مَكْحُولٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ، بَلْ مُعْضَلٌ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَحَادِيثَ فِي ذَمِّ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ،  كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ، لَا يَصِحُّ شَيْءٌ مِنْهَا وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ: مَا أَفْسَدَ أَمْرَ النَّاسِ إِلَّا اثَنَانِ ; عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَوْمَ أَشَارَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِرَفْعِ الْمَصَاحِفِ يَوْمَ صِفِّينَ، فَحُمِلَتْ عَلَى رُءُوسِ الْأَسِنَّةِ، فَحَكَمَ الْخَوَارِجُ، وَقَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَلَا يَزَالُ هَذَا التَّحْكِيمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْآخَرُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ; فَإِنَّهُ كَانَ عَامِلَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْكُوفَةِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَقْبِلْ مَعْزُولًا. فَأَبْطَأَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي الْقُدُومِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَبْطَأَكَ عَنِّي ؟ قَالَ: أَمْرٌ كُنْتُ أُوَطِّئُهُ وَأُهَيِّئُهُ. قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: الْبَيْعَةُ لِيَزِيدَ مِنْ بَعْدِكَ. قَالَ: وَقَدْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ. فَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَا وَرَاءَكَ ؟ قَالَ: وَضَعْتُ رِجْلَ مُعَاوِيَةَ فِي غَرْزِ غَيٍّ لَا يَزَالُ فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ الْحَسَنُ: فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَايَعَ هَؤُلَاءِ أَبْنَاءَهُمْ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَتْ شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قِيلَ لَهُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ فِيمَنْ نَسْتَخْلِفُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا ابْنِي وَأَبْنَاؤُهُمْ وَابْنِي أَحَقُّ. وعَنِ الْمُسْتَظِلِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْتُ وَرَبِّ الْكَعْبةِ مَتَى تَهْلِكُ الْعَرَبُ ; إِذَا سَاسَهُمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكِ الْجَاهِلِيَّةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قَدَمٌ فِي الْإِسْلَامِ. قُلْتُ: يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَكْثَرُ مَا نُقِمَ عَلَيْهِ فِي عَمَلِهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَإِتْيَانُ بَعْضِ الْفَوَاحِشِ. يزيد وقتل الحسين فَأَمَّا قَتْلُ الْحُسَيْنِ فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ جَدُّهُ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ - لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَسُؤْهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ مَعَهُ مَا فَعَلَهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ. يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، وَقَالَ لِلرُّسُلِ الَّذِينَ جَاءُوا بِرَأْسِهِ: قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمْ مِنَ الطَّاعَةِ دُونَ هَذَا. وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَأَكْرَمَ آلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا فُقِدَ لَهُمْ وَأَضْعَافَهُ، وَرَدَّهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي تَجَمُّلٍ وَأُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ نَاحَ أَهْلُهُ فِي مَنْزِلِهِ عَلَى الْحُسَيْنِ مَعَ آلِهِ - حِينَ كَانُوا عِنْدَهُمْ - ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ فَرِحَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ أَوَّلَ مَا بَلَغَهُ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: إِنَّ يُونُسَ بْنَ حَبِيبٍ الْجَرْمِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ زِيَادٍ الْحُسَيْنَ وَبَنِي أَبِيهِ، بَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى يَزِيدَ، فَسُرَّ بِقَتْلِهِمْ أَوَّلًا، وَحَسُنَتْ بِذَلِكَ مَنْزِلَةُ ابْنِ زِيَادٍ عِنْدَهُ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى نَدِمَ، فَكَانَ يَقُولُ: وَمَا كَانَ عَلَيَّ لَوِ احْتَمَلْتُ الْأَذَى وَأَنْزَلْتُهُ فِي دَارِي وَحَكَّمْتُهُ فِيمَا يُرِيدُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ وَكَفٌ وَوَهْنٌ فِي سُلْطَانِي ; حِفْظًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرِعَايَةً لِحَقِّهِ وَقَرَابَتِهِ. ثُمَّ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ فَإِنَّهُ أَخْرَجَهُ وَاضْطَرَّهُ، وَقَدْ كَانَ سَأَلَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ أَوْ يَأْتِيَنِي أَوْ يَكُونَ بِثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَبَى عَلَيْهِ وَقَتَلَهُ، فَبَغَّضَنِي بِقَتْلِهِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَزَرَعَ لِي فِي قُلُوبِهِمُ الْعَدَاوَةَ، فَأَبْغَضَنِي الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ بِمَا اسْتَعْظَمَ النَّاسُ مِنْ قَتْلِي حُسَيْنًا، مَا لِي وَلِابْنِ مَرْجَانَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَغَضِبَ عَلَيْهِ. خروج أهل المدينة على يزيد ووقعة الحرة وَلَمَّا خَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ طَاعَتِهِ وَخَلَعُوهُ، وَوَلَّوْا عَلَيْهِمُ ابْنَ مُطِيعٍ وَابْنَ حَنْظَلَةَ لَمْ يَذْكُرُوا عَنْهُ - وَهُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَدَاوَةً لَهُ - إِلَّا مَا ذَكَرُوهُ عَنْهُ مِنْ شُرْبِهِ الْخَمْرَ وَإِتْيَانِهِ بَعْضَ الْقَاذُورَاتِ، لَمْ يَتَّهِمُوهُ بِزَنْدَقَةٍ كَمَا يَقْذِفُهُ بِذَلِكَ بَعْضُ الرَّوَافِضِ، بَلْ قَدْ كَانَ فَاسِقًا، وَالْفَاسِقُ لَا يَجُوزُ خَلْعُهُ   ; لِمَا يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَيْهِ مِنَ الْفِتْنَةِ وَوُقُوعِ الْهَرْجِ، كَمَا وَقَعَ زَمَنَ الْحَرَّةِ، فَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَرُدُّهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، وَأَنْظَرَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا لَمْ يَرْجِعُوا قَاتَلَهُمْ، وَقَدْ كَانَ فِي هَذَا كِفَايَةٌ، وَلَكِنَّهُ تَجَاوَزَ الْحَدَّ فِي أَمْرِهِ أَمِيرَ الْحَرْبِ أَنْ يُبِيحَ الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، حَتَّى وَقَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَجَمَاعَاتُ أَهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَنْقُضِ الْعَهْدَ، وَلَا بَايَعَ أَحَدًا بَعْدَ بَيْعَتِهِ لِيَزِيدَ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَمَّا خَلَعَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ جَمَعَ ابْنُ عُمَرَ بَنِيهِ وَأَهْلَهُ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا بَايَعْنَا هَذَا الرَّجُلَ عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ ". وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْغَدْرِ - إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِشْرَاكَ بِاللَّهِ - أَنْ يُبَايِعَ رَجُلٌ رَجُلًا عَلَى بَيْعِ اللَّهِ وَرَسُولِهُ ثُمَّ يَنْكُثُ بَيْعَتَهُ، فَلَا يَخْلَعَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَزِيدَ، وَلَا يُشْرِفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَيَكُونَ الصَّيْلَمُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. قَالَ: وَمَشَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ وَأَصْحَابُهُ إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَأَرَادُوهُ عَلَى خَلْعِ يَزِيدَ، فَأَبَى، فَقَالَ ابْنُ مُطِيعٍ: إِنَّ يَزِيدَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَيَتَعَدَّى حُكْمَ الْكِتَابِ. فَقَالَ لَهُمْ: مَا رَأَيْتُ مِنْهُ مَا تَذْكُرُونَ، وَقَدْ حَضَرْتُهُ وَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَرَأَيْتُهُ مُوَاظِبًا عَلَى الصَّلَاةِ، مُتَحَرِّيًا لِلْخَيْرِ، يَسْأَلُ عَنِ الْفِقْهِ، مُلَازِمًا لِلسُّنَّةِ. قَالُوا: فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ تَصَنُّعًا لَكَ. فَقَالَ: وَمَا الَّذِي خَافَ مِنِّي أَوْ رَجَا حَتَّى يُظْهِرَ إِلَيَّ الْخُشُوعَ ؟ ! أَفَأَطْلَعَكُمْ عَلَى مَا تَذْكُرُونَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ؟ فَلَئِنْ كَانَ أَطْلَعَكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّكُمْ لَشُرَكَاؤُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَطْلَعَكُمْ فَمَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا بِمَا لَمْ تَعْلَمُوا. قَالُوا: إِنَّهُ عِنْدَنَا لَحَقٌّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَأَيْنَاهُ. فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الشَّهَادَةِ، فَقَالَ: إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ الزُّخْرُفِ: 86 ]. وَلَسْتُ مِنْ أَمْرِكُمْ فِي شَيْءٍ. قَالُوا: فَلَعَلَّكَ تَكْرَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْأَمْرَ غَيْرُكَ، فَنَحْنُ نُوَلِّيكَ أَمْرَنَا. قَالَ: مَا أَسْتَحِلُّ الْقِتَالَ عَلَى مَا تُرِيدُونَنِي عَلَيْهِ تَابِعًا وَلَا مَتْبُوعًا. قَالُوا: فَقَدْ قَاتَلْتَ مَعَ أَبِيكَ. قَالَ جِيئُونِي بِمِثْلِ أَبِي أُقَاتِلُ عَلَى مِثْلِ مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ. فَقَالُوا: فَمُرِ ابْنَيْكَ أَبَا هَاشِمٍ وَالْقَاسِمَ بِالْقِتَالِ مَعَنَا. قَالَ: لَوْ أَمَرْتُهُمَا قَاتَلْتُ. قَالُوا: فَقُمْ مَعَنَا مَقَامًا تَحُضُّ النَّاسَ فِيهِ عَلَى الْقِتَالِ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! آمُرُ النَّاسَ بِمَا لَا أَفْعَلُهُ وَلَا أَرْضَاهُ ؟ ! إِذَا مَا نَصَحْتُ لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ. قَالُوا: إِذًا نُكْرِهُكَ. قَالَ: إِذًا آمُرُ النَّاسَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَلَّا يُرْضُوا الْمَخْلُوقَ بِسَخَطِ الْخَالِقِ. وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَخَلَ وَهُوَ مَعَهُ عَلَى ابْنِ مُطِيعٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: مَرْحَبًا بِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ضَعُوا لَهُ وِسَادَةً. فَقَالَ: إِنَّمَا جِئْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ نَزَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ مُفَارِقَ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً ". وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنْ آلِ أَبِي طَالِبٍ وَلَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَيَّامَ الْحَرَّةِ، وَلَمَّا قَدِمَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ أَكْرَمَ أَبِي وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ، وَأَعْطَاهُ كِتَابَ أَمَانٍ. وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ، أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ بَعَثَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ إِلَى يَزِيدَ بِبِشَارَةِ الْحَرَّةِ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِمَا وَقَعَ قَالَ: وَاقَوْمَاهُ. ثُمَّ دَعَا الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ الْفِهْرِيَّ فَقَالَ لَهُ: تَرَى مَا لَقِيَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَمَا الرَّأْيُ الَّذِي يُجْبِرُهُمْ ؟ قَالَ: الطَّعَامُ وَالْأَعْطِيَةُ. فَأَمَرَ بِحَمْلِ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِمْ أَعْطِيَتَهُ. وَهَذَا خِلَافُ مَا ذَكَرَهُ كَذَبَةُ الرَّوَافِضِ عَنْهُ مِنْ أَنَّهُ شَمِتَ بِهِمْ وَشَفَى بِقَتْلِهِمْ، وَأَنَّهُ أَنْشَدَ - إِمَّا ذِكْرًا وَإِمَّا أَثَرًا - شِعْرَ ابْنِ الزِّبَعْرَى الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفِ بْنِ الْمَرْزُبَانِ بْنِ بَسَّامٍ بسنده عن الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ هَارُونَ الرَّشِيدَ يُنْشِدُ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ: إِنَّهَا بَيْنَ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ     حِينَ تَنْمِي وَبَيْنَ عَبْدِ مَنَافِ وَلَهَا فِي الْمُطَيَّبِينَ جُدُودٌ     ثُمَّ نَالَتْ مَكَارِمَ الْأَخْلَافِ بِنْتُ عَمِّ النَّبِيِّ أَكْرَمُ مَنْ يَمْ     شِي بِنَعْلٍ عَلَى التُّرَابِ وَحَافِي لَنْ تَرَاهَا عَلَى التَّبَذُّلِ وَالْغِلْ     ظَةِ إِلَّا كَدُرَّةِ الْأَصْدَافِ وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: أَنْشَدَنِي عَمِّي مُصَعَبٌ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ: آبَ هَذَا الْهَمُّ فَاكْتَنَعَا     وَأَمَرَّ النَّوْمُ فَامْتَنَعَا رَاعِيًا لِلنَّجْمِ أَرْقُبُهُ     فَإِذَا مَا كَوْكَبٌ طَلَعَا حَامَ حَتَّى إِنَّنِي لَأَرَى     أَنَّهُ بِالْغَوْرِ قَدْ وَقَعَا وَلَهَا بِالْمَاطِرُونِ إِذَا     أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا نُزْهَةٌ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ     نَزَلَتْ مِنْ جِلَّقَ بِيَعَا فِي قِبَابٍ وَسْطَ دَسْكَرَةٍ     حَوْلَهَا الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعَا وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا: وَقَائِلَةٍ لِي حِينَ شَبَّهْتُ وَجْهَهَا     بِبَدْرِ الدُّجَى يَوْمًا وَقَدْ ضَاقَ مَنْهَجِي تُشَبِّهُنِي بِالْبَدْرِ هَذَا تَنَاقُصٌ     بِقَدْرِي وَلَكِنْ لَسْتُ أَوَّلَ مَنْ هُجِي أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْبَدْرَ عِنْدَ كَمَالِهِ     إِذَا بَلَغَ التَّشْبِيهَ عَادَ كَدُمْلُجِ فَلَا فَخْرَ إِنْ شَبَّهْتَ بِالْبَدْرِ مَبْسَمِي     وَبِالسِّحْرِ أَجْفَانِي وَبِاللَّيْلِ مَدْعَجِي وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجَزَرِيِّ قَالَ: كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ يُقَالُ لَهَا: سَلَّامَةُ. مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ وَجْهًا، وَأَتَمِّهِنَّ عَقْلًا وَأَحْسَنِهِنَّ حَدِيثًا، قَدْ قَرَأَتِ الْقُرْآنَ، وَرَوَتِ الشِّعْرَ وَقَالَتْهُ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ وَالْأَحْوَصُ بْنُ مُحَمَّدٍ يَجْلِسَانِ إِلَيْهَا، فَعَلِقَتِ الْأَحْوَصَ، وَصَدَّتْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَتَرَحَّلَ ابْنُ حَسَّانَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَامْتَدَحَهُ، وَدَلَّهُ عَلَى سَلَّامَةَ وَجَمَالِهَا وَحُسْنِهَا وَفَصَاحَتِهَا، وَقَالَ: لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنْ تَكُونَ مِنْ سُمَّارِكَ. فَأَرْسَلَ يَزِيدُ، فَاشْتُرِيَتْ لَهُ، وَحُمِلَتْ إِلَيْهِ، فَوَقَعَتْ مِنْهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا، وَفَضَّلَهَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ عِنْدَهُ، وَرَجَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَرَّ بِالْأَحْوَصِ، فَوَجَدَهُ مَهْمُومًا، فَأَرَادَ أَنْ يَزِيدَهُ إِلَى مَا بِهِ فَقَالَ: يَا مُبْتَلًى بِالْحُبِّ مَفْدُوحَا     لَاقَى مِنَ الْحُبِّ تَبَارِيحَا أَفْحَمَهُ الْحُبُّ فَمَا يَنْثَنِي     إِلَّا بِكَأْسِ الْحُبِّ مَصْبُوحَا وَصَارَ مَا يُعْجِبُهُ مُغْلَقًا     عَنْهُ وَمَا يَكْرَهُ مَفْتُوحَا قَدْ حَازَهَا مَنْ أَصْبَحَتْ عِنْدَهُ     يَنَالُ مِنْهَا الشَّمَّ وَالرِّيحَا خَلِيفَةُ اللَّهِ فَسَلِّ الْهَوَى     وَعَزِّ قَلْبًا مِنْكَ مَجْرُوحَا قَالَ: فَأَمْسَكَ الْأَحْوَصُ عَنْ جَوَابِهِ، ثُمَّ غَلَبَهُ وَجْدُهُ عَلَيْهَا، فَرَحَلَ إِلَى يَزِيدَ، فَامْتَدَحَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَقَرَّبَهُ وَحَظِيَ عِنْدَهُ، فَدَسَّتْ إِلَيْهِ سَلَّامَةُ خَادِمًا، وَأَعْطَتْهُ مَالًا عَلَى أَنْ يُدْخِلَهُ عَلَيْهَا، فَأَخْبَرَ الْخَادِمُ يَزِيدَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: امْضِ لِرِسَالَتِهَا. فَفَعَلَ وَأَدْخَلَ الْأَحْوَصَ عَلَيْهَا، وَجَلَسَ يَزِيدُ فِي مَكَانٍ يَرَاهُمَا وَلَا يَرَيَانِهِ، فَلَمَّا بَصُرَتِ الْجَارِيَةُ بِالْأَحْوَصِ بَكَتْ إِلَيْهِ وَبَكَى إِلَيْهَا، وَأَمَرَتْ فَأُلْقِيَ لَهُ كُرْسِيٌّ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَشْكُو إِلَى صَاحِبِهِ شِدَّةَ الشَّوْقِ، فَلَمْ يَزَالَا يَتَحَدَّثَانِ إِلَى السَّحَرِ، وَيَزِيدُ يَسْمَعُ كَلَامَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا رِيبَةٌ، حَتَّى إِذَا هَمَّ الْأَحْوَصُ بِالْخُرُوجِ قَالَ: أَمْسَى فُؤَادِيَ فِي هَمٍّ وَبَلْبَالِ     مِنْ حُبِّ مَنْ لَمْ أَزَلْ مِنْهُ عَلَى بَالِ فَقَالَتْ: صَحَا الْمُحِبُّونَ بَعْدَ النَّأْيِ إِذْ يَئِسُوا     وَقَدْ يَئِسْتُ وَمَا أَصْحُو عَلَى حَالِ فَقَالَ: مَنْ كَانَ يَسْلُو بِيَأْسٍ عَنْ أَخِي ثِقَةٍ     فَعَنْكِ سَلَّامَ مَا أَمْسَيْتُ بِالسَّالِي فَقَالَتْ: وَاللَّهِ وَاللَّهِ لَا أَنْسَاكَ يَا شَجَنِي     حَتَّى تُفَارِقَ مِنِّي الرُّوحُ أَوْصَالِي فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا خَابَ مَنْ أَمْسَى وَأَنْتِ لَهُ     يَا قُرَّةَ الْعَيْنِ فِي أَهْلٍ وَفِي مَالِ قَالَ: ثُمَّ وَدَّعَهَا وَخَرَجَ، فَأَخَذَهُ يَزِيدُ، وَدَعَا بِهَا فَقَالَ: أَخْبِرَانِي عَمَّا كَانَ فِي لَيْلَتِكُمَا وَاصْدُقَانِي. فَأَخْبَرَاهُ وَأَنْشَدَاهُ مَا قَالَا، فَلَمْ يَخْرِمَا حَرْفًا، وَلَا غَيَّرَا شَيْئًا مِمَّا سَمِعَهُ. فَقَالَ لَهَا يَزِيدُ: أَتُحِبِّينَهُ ؟ قَالَتْ: إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: حُبًّا شَدِيدًا جَرَى كَالرُّوحِ فِي جَسَدِي     فَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَقَالَ لَهُ: أَتُحِبُّهَا ؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: حُبًّا شَدِيدًا تَلِيدًا غَيْرَ مُطَّرِفٍ     بَيْنَ الْجَوَانِحِ مِثْلَ النَّارِ يَضْطَرِمُ فَقَالَ يَزِيدُ: إِنَّكُمَا لَتَصِفَانِ حُبًّا شَدِيدًا، خُذْهَا يَا أَحْوَصُ فَهِيَ لَكَ. وَوَصَلَهُ صِلَةً سَنِيَّةً. فَرَجَعَ بِهَا الْأَحْوَصُ إِلَى الْحِجَازِ وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يَزِيدَ كَانَ قَدِ اشْتَهَرَ بِالْمَعَازِفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْغِنَاءِ وَالصَّيْدِ وَاتِّخَاذِ الْغِلْمَانِ وَالْقِيَانِ وَالْكِلَابِ وَالنِّطَاحِ بَيْنَ الْكِبَاشِ وَالدِّبَابِ وَالْقُرُودِ، وَمَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا يُصْبِحُ فِيهِ مَخْمُورًا، وَكَانَ يَشُدُّ الْقِرْدَ عَلَى فَرَسٍ مُسَرَّجَةٍ بِحِبَالٍ وَيَسُوقُ بِهِ، وَيُلْبِسُ الْقِرْدَ قَلَانِسَ الذَّهَبِ، وَكَذَلِكَ الْغِلْمَانُ، وَكَانَ يُسَابِقُ بَيْنَ الْخَيْلِ، وَكَانَ إِذَا مَاتَ الْقِرْدُ حَزِنَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ مَوْتِهِ أَنَّهُ حَمَلَ قِرْدَةً وَجَعَلَ يُنَقِّزُهَا فَعَضَّتْهُ. وَذَكَرُوا عَنْهُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ. آخر ما تكلم به يزيد وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي مَذْعُورٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا لَمْ أُحِبُّهُ، وَلَمْ أُرِدْهُ، وَاحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. وفاة يزيد مَاتَ يَزِيدُ بِحُوَّارِينَ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ فِي رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْخَمِيسِ لِلنِّصْفِ مِنْهُ. سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي مُنْتَصَفِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ - وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ. وَقِيلَ: سَبْعٍ - وَعِشْرِينَ. وَمَعَ هَذَا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ وَمَبْلَغِ أَيَّامِهِ فِي الْإِمَارَةِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ مَا ذَكَرْتُهُ لَكَ مِنْ هَذِهِ التَّحْدِيدَاتِ انْزَاحَ عَنْكَ الْإِشْكَالُ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ حِينَ مَاتَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حُمِلَ إِلَى دِمَشْقَ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ الْبَابِ الصَّغِيرِ، وَفِي أَيَّامِهِ وُسِّعَ النَّهْرُ الْمُسَمَّى بِيَزِيدَ، فِي ذَيْلِ جَبَلِ قَاسِيُونَ، وَكَانَ جَدْوَلًا صَغِيرًا، فَوَسَّعَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ يَجْرِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْمُظَفَّرِ الْعَبْدِيُّ قَاضِي الْبَحْرَيْنِ مِنْ لَفْظِهِ وَكَتَبَهُ لِي بِخَطِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فِي النَّوْمِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَ الْحُسَيْنَ ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: لَهُ: هَلْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَدْخَلَنِي الْجَنَّةَ. قُلْتُ: فَالْحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مُعَاوِيَةَ يَحْمِلُ يَزِيدَ فَقَالَ: " رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَحْمِلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ " ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهُوَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمْ يُولَدْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ. وَإِنَّمَا وُلِدَ بَعْدَ الْعِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ.

  140. التاريخ 2231لا حكم مسجّل

    أَوْلَادِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَعَدَدِهِمْ  فَمِنْهُمْ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ  يُكَنَّى أَبَا لَيْلَى، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ: إِنِّي أَرَى فِتْنَةً قَدْ حَانَ أَوَّلُهَا وَالْمُلْكُ بَعْدَ أَبِي لَيْلَى لِمَنْ غَلَبَا وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، يُكَنَّى أَبَا هَاشِمٍ، كَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ أَصَابَ عِلْمَ الْكِيمْيَاءِ. وَأَبُو سُفْيَانَ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ هَاشِمٍ بِنْتُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ يَزِيدَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الشَّاعِرُ: انْعَمِي أُمَّ خَالِدٍ     رُبَّ سَاعٍ لِقَاعِدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، وَيُقَالُ لَهُ: الْأُسْوَارُ. وَكَانَ مِنْ أَرَمَى الْعَرَبِ، وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الشَّاعِرُ: زَعَمَ النَّاسُ أَنَّ خَيْرَ قُرَيْشٍ     كُلِّهِمْ حِينَ يُذْكَرُ الْأُسْوَارُ وَعَبْدُ اللَّهِ الْأَصْغَرُ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُتْبَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَالرَّبِيعُ، وَمُحَمَّدٌ، لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ شَتَّى.

  141. التاريخ 2232لا حكم مسجّل

    إِمَارَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ   أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ: أَبُو يَزِيدَ. وَيُقَالُ: أَبُو لَيْلَى الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ. وَأُمُّهُ أُمُّ هَاشِمٍ بِنْتُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، بُويِعَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ فِي رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا نَاسِكًا، وَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ. قِيلَ: إِنَّهُ مَكَثَ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: عِشْرِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: شَهْرَيْنِ. وَقِيلَ: شَهْرًا وَنِصْفَ شَهْرٍ. وَقِيلَ: ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَقِيلَ: وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ فِي مُدَّةِ وِلَايَتِهِ مَرِيضًا، لَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ، وَكَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَيَسُدُّ الْأُمُورَ. وَمَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ هَذَا عَنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ: تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: عِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّمَا عَاشَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ خَالِدٌ، وَقِيلَ: عُثْمَانُ بْنُ عَنْبَسَةَ. وَقِيلَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، فَإِنَّهُ أَوْصَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَشَهِدَ دَفْنَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَكَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَعْدَهُ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمَرْوَانَ بِالشَّامِ، وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ بِدِمَشْقَ. وَلِمَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: أَلَا تُوصِي ؟ فَقَالَ: لَا أَتَزَوَّدُ مَرَارَتَهَا وَأَتْرُكُ حَلَاوَتَهَا لِبَنِي أُمَيَّةَ. وَكَانَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، أَبْيَضَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ، كَثِيرَ الشَّعْرِ، كَبِيرَ الْعَيْنَيْنِ، جَعْدَ الشَّعْرِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، مُدَوَّرَ الرَّأْسِ، جَمِيلَ الْوَجْهِ دَقِيقَهُ، حَسَنَ الْجِسْمِ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَخَالِدٌ إِخْوَةٌ، وَكَانُوا مِنْ صَالِحِي الْقَوْمِ. وَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ السَّلُولِيُّ: تَلَقَّاهَا يَزِيدٌ عَنْ أَبِيهِ فَدُونَكَهَا مُعَاوِي عَنْ يَزِيدَا     أَدِيرُوهَا بَنِي حَرْبٍ عَلَيْكُمْ وَلَا تَرْمُوا بِهَا الْغَرَضَ الْبَعِيدَا وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ هَذَا نَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. ذَاتَ يَوْمٍ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ أَمْرَكُمْ وَأَنَا ضَعِيفٌ عَنْهُ، فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ تَرَكْتُهَا لِرَجُلٍ قَوِيٍّ، كَمَا تَرَكَهَا الصِّدِّيقُ لِعُمَرَ، وَإِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا شُورَى فِي سِتَّةٍ مِنْكُمْ كَمَا تَرَكَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَرَكْتُ لَكُمْ أَمْرَكُمْ، فَوَلُّوا عَلَيْكُمْ مَنْ يَصْلُحُ لَكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ حَتَّى مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُقَالُ: إِنَّهُ سُقِيَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ طُعِنَ. وَقَدْ حَضَرَ مَرْوَانُ دَفْنَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ مَرْوَانُ: أَتَدْرُونَ مَنْ دَفَنْتُمْ ؟ قَالُوا: نَعَمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ. فَقَالَ مَرْوَانُ: هُوَ أَبُو لَيْلَى الَّذِي قَالَ فِيهِ أَزْنَمُ الْفَزَارِيُّ: إِنِّي أَرَى فِتْنَةً تَغْلِي مَرَاجِلُهَا     وَالْمُلْكُ بَعْدَ أَبِي لَيْلَى لِمَنْ غَلَبَا قَالُوا: كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ. وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا لَيْلَى تُوُفِّيَ عَنْ غَيْرِ عَهْدٍ مِنْهُ إِلَى أَحَدٍ فَتَغَلَّبَ عَلَى الْحِجَازِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى دِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَبَايَعَ أَهْلُ خُرَاسَانَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ حَتَّى يَتَوَلَّى عَلَى النَّاسِ خَلِيفَةٌ، فَسَارَ فِيهِمْ سَلْمٌ سِيرَةً حَسَنَةً أَحَبُّوهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَخَرَجَ الْقُرَّاءُ وَالْخَوَارِجُ بِالْبَصْرَةِ، وَعَلَيْهِمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَطَرَدُوا عَنْهُمْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ - بَعْدَ مَا كَانُوا بَايَعُوهُ عَلَيْهِمْ - حَتَّى يَصِيرَ لِلنَّاسِ إِمَامٌ، فَذَهَبَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ فُصُولٍ يَطُولُ ذَكَرُهَا، وَقَدْ بَايَعُوا بَعْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْمَعْرُوفَ بِبَبَّةَ، وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَدْ جَعَلَ عَلَى شُرْطَةِ الْبَصْرَةِ هِمْيَانَ بْنَ عَدِيٍّ السَّدُوسِيَّ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ فِي مُسْتَهَلِّ جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَقَدْ قَالَ الْفَرَزْدَقُ: وَبَايَعْتُ أَقْوَامًا وَفَيْتُ بِعَهْدِهِمْ     وَبَبَّةُ قَدْ بَايَعْتُهُ غَيْرَ نَادِمِ فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ لَزِمَ بَيْتَهُ، فَكَتَبَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ شَهْرَيْنِ،. وَخَرَجَ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَنَفِيُّ بِالْيَمَامَةِ، وَخَرَجَ بَنُو مَاحُوزَ فِي الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

  142. التاريخ 2233لا حكم مسجّل

    إِمَارَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ؓ   لَمَّا هَلَكَ يَزِيدُ بَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ. وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُه بِالْحِجَازِ وَمَا وَالَاهَا، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَعْدَ يَزِيدَ بَيْعَةً عَامَّةً هُنَاكَ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَخَاهُ عُبَيْدَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَمَرَهُ بِإِجْلَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ عَنِ الْمَدِينَةِ، فَأَجْلَاهُمْ فَرَحَلُوا إِلَى الشَّامِ، وَفِيهِمْ مَرْوَانُ وَابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، ثُمَّ بَعَثَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ حُرُوبٍ جَرَتْ بَيْنَهُمْ وَفِتَنٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهَا، غَيْرَ أَنَّهُمْ فِي أَقَلِّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ أَقَامُوا عَلَيْهِمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أُمَرَاءَ مِنْ بَيْنِهِمْ، ثُمَّ اضْطَرَبَتْ أُمُورُهُمْ، ثُمَّ بَعَثُوا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ بِمَكَّةَ يَجْلِبُونَهُ إِلَى أَنْفُسِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ. وَبَعَثَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى الْخَرَاجِ، وَاسْتَوْثَقَ لَهُ الْمِصْرَانِ جَمِيعًا، وَأَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ فَبَايَعُوهُ. وَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَحْدَمٍ، وَأَطَاعَتْ لَهُ الْجَزِيرَةُ. وَبَعَثَ عَلَى الْبَصْرَةِ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَبَعَثَ إِلَى الْيَمَنِ فَبَايَعُوهُ، وَإِلَى خُرَاسَانَ فَبَايَعُوهُ، وَإِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ بِالشَّامِ فَبَايَعَ، وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ دِمَشْقَ وَأَعْمَالَهَا مِنْ بِلَادِ الْأُرْدُنِّ لَمْ يُبَايِعُوهُ ; لِأَنَّهُمْ بَايَعُوا مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ لَمَّا رَجَعَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ.

  143. التاريخ 2234لا حكم مسجّل

    خِلَافَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ ؓ [64 - 73 هـ]   عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ الْأَسَدِيُّ، كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقِيلَ: أَبُو خُبَيْبٍ - بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ - وَقِيلَ: أَبُو بُكَيْرٍ، صَحَابِيُّ ابْنُ صَحَابِيٍّ. أَبُوهُ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأُمُّهُ: أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ، وَأُمُّ أَبِيهِ: صَفِيَّةُ عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ. وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ الْأُولَى، وَهُوَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ،  وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِوِلَادَتِهِ فَرَحًا شَدِيدًا؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَقُولُونَ: سَحَرْنَاهُمْ فَلَا يُولَدُ لَهُمْ وَلَدٌ، فَحَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرَةٍ لَاكَهَا، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَكَنَّاهُ أَبَا بَكْرٍ، بِاسْمِ جَدِّهِ الصِّدِّيقِ وَكُنْيَتِهِ. وَكَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا طَوِيلَ الصَّلَاةِ، وَصُولًا لِلرَّحِمِ، عَظِيمَ الشَّجَاعَةِ، قَسَّمَ الدَّهْرَ ثَلَاثَ لَيَالٍ: لَيْلَةً يُصَلِّي قَائِمًا حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيْلَةً رَاكِعًا، وَلَيْلَةً سَاجِدًا حَتَّى الصَّبَاحِ. رُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا. رَوَى عَنْهُ: أَخُوهُ عُرْوَةُ، وَابْنُ أَبِي مَلِيكَةَ، وَعَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَخَلَائِقُ آخَرُونَ. [ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ فَضَائِلِ سَيِّدِنَا ابْنِ الزُّبَيْرِ ؓ ]   أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى فِي «مُسْنَدِهِ» عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، فَلَمَّا فَرَغَ... قَالَ لَهُ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ؛ اذْهَبْ بِهَذَا الدَّمِ فَأَهْرِقْهُ حَيْثُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ»، فَلَمَّا ذَهَبَ... شَرِبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: «مَا صَنَعْتَ بِالدَّمِ» ؟ قَالَ: عَمَدْتُ إِلَى أَخْفَى مَوْضِعٍ عَمَلْتُ فَجَعَلْتُهُ فِيهِ، قَالَ: «لَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ!» فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقُوَّةَ الَّتِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ. وَأُخْرِجَ عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: (إِنِّي لَأَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَارِسُ الْخُلَفَاءِ). وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: (مَا رَأَيْتُ مُصَلِّيًا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ). وَكَانَ يُصَلِّي فِي الْحِجْرِ، وَالْمَنْجَنِيقُ يُصِيبُ طَرْفَ ثَوْبِهِ فَمَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (مَا كَانَ بَابٌ مِنَ الْعِبَادَةِ يَعْجِزُ النَّاسُ عَنْهُ إِلَّا تَكَلَّفَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَقَدْ جَاءَ سَيْلٌ طَبَقَ الْبَيْتَ، فَجَعَلَ يَطُوفُ سِبَاحَةً). وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ: (كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يُنَازَعُ فِي ثَلَاثَةٍ: لَا شَجَاعَةٍ، وَلَا عِبَادَةٍ، وَلَا بَلَاغَةٍ). وَكَانَ صَيِّتًا، إِذَا خَطَبَ... تَجَاوَبَهُ الْجَبَلَانِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ النَّابِغَةَ الْجَعْدِيَّ أَنْشَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ: حَكَيْتَ لَنَا الصِّدِّيقَ لَمَّا وَلِيتَنَا وَعُثْمَانَ، وَالْفَارُوقَ، فَارْتَاحَ مُعْدَمُ     وَسَوَّيْتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْحَقِّ، فَاسْتَوَى فَعَادَ صَبَاحًا حَالِكُ اللَّوْنِ أَسْحَمُ وَأُخْرِجَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَخُبَيْبٍ قَالَا: (أَوَّلُ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ،  وَكَانَ كِسْوَتُهَا الْمُسُوحَ وَالْأَنْطَاعَ). وَأُخْرِجَ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: (كَانَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ مِائَةُ غُلَامٍ؛ يَتَكَلَّمُ كُلُّ غُلَامٍ مِنْهُمْ بِلُغَةٍ أُخْرَى؛ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَلِّمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِلُغَتِهِ، وَكُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ... قُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ... قُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ لَمْ يَرُدِ الدُّنْيَا طَرْفَةَ عَيْنٍ). وَأُخْرِجَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: (كَانَ أَوَّلُ مَا أَفْصَحَ بِهِ عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ صَغِيرٌ -: السَّيْفُ، فَكَانَ لَا يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ، فَكَانَ أَبُوهُ إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ يَقُولُ: أَمَا وَاللَّهِ؛ لَيَكُونَنَّ لَكَ مِنْهُ يَوْمٌ وَيَوْمٌ وَأَيَّامٌ). [قِصَّةُ إِنَّ وَرَاكِبِهَا]   وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَحِمًا مِنْ قِبَلِ فُلَانَةَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَعَمْ؛ هَذَا كَمَا ذَكَرْتَ، وَإِنْ فَكَّرْتَ فِي هَذَا... أَصَبْتَ؛ النَّاسُ بِأَسْرِهِمْ يَرْجِعُونَ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ وَإِلَى أُمٍّ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ نَفَقَتِي نَفِدَتْ. قَالَ: مَا كُنْتَ ضَمِنْتَ لِأَهْلِكَ أَنَّهَا تَكْفِيكَ إِلَى أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّ نَاقَتِي قَدْ نَقَبَتْ. قَالَ: أَنْجِدْ بِهَا تُبْرِدْ خُفَّهَا، وَارْقَعْهَا بِسَبْتٍ، وَاخْفِضْهَا بِهُلْبٍ، وَسِرْ عَلَيْهَا الْبَرْدَيْنِ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّمَا جِئْتُكَ مُسْتَحْمِلًا وَلَمْ آتِكَ مُسْتَوْصِفًا، لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ وَرَاكِبَهَا! فَخَرَجَ الْأَسَدِيُّ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَرَى الْحَاجَاتِ عِنْدَ أَبِي خُبَيْبٍ     نُكَدْنَ، وَلَا أُمَيَّةُ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْأَعْيَاصِ أَوْ مِنْ آلِ حَرْبٍ     أَغَرُّ كَغُرَّةِ الْفَرَسِ الْجَوَادِ وَقُلْتُ لِصُحْبَتِي: أَدْنُوا رِكَابِي     أُفَارِقْ بَطْنَ مَكَّةَ فِي سَوَادِ وَمَا لِي حِينَ أَقْطَعُ ذَاتَ عِرْقٍ     إِلَى ابْنِ الْكَاهِلِيَّةِ مِنْ مَعَادِ! وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: (لَمْ يُحْمَلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسٌ إِلَى الْمَدِينَةِ قَطُّ وَلَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَحُمِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَأْسُ فِكْرِهِ ذَلِكَ، وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ الرُّءُوسُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ). وَفِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ خُرُوجُ الْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ، فَجَهَّزَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِقِتَالِهِ إِلَى أَنْ ظَفَرَ بِهِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَقَتَلَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ. وقد اسْتَمَرَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ... بِمَكَّةَ خَلِيفَةً إِلَى أَنْ تَغَلَّبَ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَجَهَّزَ لِقِتَالِهِ الْحَجَّاجَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَحَصَرَهُ بِمَكَّةَ أَشْهُرًا وَرَمَى عَلَيْهِ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَخَذَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَصْحَابُهُ، وَتَسَلَّلُوا إِلَى الْحَجَّاجِ، فَظَفَرَ بِهِ ثُمَّ قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى - وَقِيلَ: الْآخِرَةُ - سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: (إِنِّي لَفَوْقَ أَبِي قُبَيْسٍ حِينَ وَضَعَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهَا تَدُورُ كَأَنَّهَا حِمَارٌ أَحْمَرُ، قَدْ حْرَقَتْ أَصْحَابَ الْمَنْجَنِيقِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا). وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَارِسَ قُرَيْشٍ فِي زَمَانِهِ، لَهُ الْمَوَاقِفُ الْمَشْهُودَةُ.

  144. التاريخ 2235لا حكم مسجّل

    فِرَاقِ الْخَوَارِجِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ   وَفِي سنة أربع وستين فَارَقَ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ كَانُوا قَدِمُوا مَكَّةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَكَانُوا قَدْ قَاتَلُوا مَعَهُ أَهْلَ الشَّامِ. وَكَانَ سَبَبُ قُدُومِهِمْ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ زِيَادٍ بَعْدَ قَتْلِ أَبِي بِلَالٍ اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عَلَيْكُمُ الْكِتَابَ، وَفَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجِهَادَ، وَاحْتَجَّ عَلَيْكُمْ بِالْبَيَانِ، وَقَدْ جَرَّدَ أَهْلُ الظُّلْمِ فِيكُمُ السُّيُوفَ فَاخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي قَدْ ثَارَ بِمَكَّةَ فَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْيِنَا جَاهَدْنَا مَعَهُ، وَإِنْ يَكُنْ عَلَى غَيْرِ رَأْيِنَا دَافَعْنَاهُ عَنِ الْبَيْتِ. وَكَانَ عَسْكَرُ الشَّامِ قَدْ سَارَ نَحْوَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَسَارَ الْخَوَارِجُ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَسُرَّ بِمَقْدَمِهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْتِيشٍ. فَقَاتَلُوا مَعَهُ أَهْلَ الشَّامِ حَتَّى مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَانْصَرَفَ أَهْلُ الشَّامِ. ثُمَّ إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا وَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي صَنَعْتُمْ أَمْسِ لَغَيْرُ رَأْيٍ، تُقَاتِلُونَ مَعَ رَجُلٍ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّهُ لَيْسَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِكُمْ، وَقَدْ كَانَ أَمْسِ يُقَاتِلُكُمْ هُوَ وَأَبُوهُ وَيُنَادِي: يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَ ! فَأْتُوهُ وَاسْأَلُوهُ عَنْ عُثْمَانَ فَإِنْ بَرِئَ مِنْهُ كَانَ وَلِيَّكُمْ، وَإِنْ أَبَى كَانَ عَدُوَّكُمْ. فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ، فَنَظَرَ فَإِذَا أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ قَلِيلٌ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَتَيْتُمُونِي حِينَ أَرَدْتُ الْقِيَامَ، وَلَكِنْ رَوِّحُوا إِلَيَّ الْعَشِيَّةَ حَتَّى أُعْلِمَكُمْ. فَانْصَرَفُوا، وَبَعَثَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَجَمَعَهُمْ حَوْلَهُ بِالسِّلَاحِ، وَجَاءَتِ الْخَوَارِجُ وَأَصْحَابُهُ حَوْلَهُ وَعَلَى رَأْسِهِ وَبِأَيْدِيهِمُ الْعَمَدُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَزْرَقِ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ أَزْمَعَ خِلَافَكُمْ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ وَعُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ فَقَالَ عُبَيْدَةُ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا يَدْعُو إِلَى عِبَادَتِهِ وَإِخْلَاصِ الدِّينِ لَهُ، فَدَعَا إِلَى ذَلِكَ فَأَجَابَهُ الْمُسْلِمُونَ، فَعَمِلَ فِيهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَاسْتَخْلَفَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ، فَكِلَاهُمَا عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ثُمَّ إِنِ النَّاسَ اسْتَخْلَفُوا عُثْمَانَ، فَحَمَى الْأَحْمَاءَ، وَآثَرَ الْقُرْبَى، وَاسْتَعْمَلَ الْفَتَى وَرَفَعَ الدِّرَّةَ وَوَضَعَ السَّوْطَ وَمَزَّقَ الْكِتَابَ وَضَرَبَ مُنْكَرَ الْجَوْرِ، وَآوَى طَرِيدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَضَرَبَ السَّابِقِينَ بِالْفَضْلِ وَحَرَمَهُمْ، وَأَخَذَ فَيْءَ اللَّهِ الَّذِي أَفَاءَ عَلَيْهِمْ فَقَسَمَهُ فِي فُسَّاقِ قُرَيْشٍ وَمُجَّانِ الْعَرَبِ، فَسَارَتْ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ فَقَتَلُوهُ، فَنَحْنُ لَهُمْ أَوْلِيَاءُ وَمِنَ ابْنِ عَفَّانَ وَأَوْلِيَائِهِ بُرَآءُ، فَمَا تَقُولُ أَنْتَ يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ ؟ فَقَالَ: قَدْ فَهِمْتُ الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَهُوَ فَوْقَ مَا ذَكَرْتَ وَفَوْقَ مَا وَصَفْتَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَقَدْ وُفِّقْتَ وَأَصَبْتَ، وَفَهِمْتُ الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ عُثْمَانَ، وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الْيَوْمَ أَعْلَمَ بِابْنِ عَفَّانَ وَأَمْرِهِ مِنِّي، كُنْتُ مَعَهُ حَيْثُ نَقَمَ [ الْقَوْمُ ] عَلَيْهِ وَاسْتَعْتَبُوهُ فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا إِلَّا أَعْتَبَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْهِ بِكِتَابٍ لَهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَتَبَهُ يَأْمُرُ فِيهِ بِقَتْلِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا كَتَبْتُهُ فَإِنْ شِئْتُمْ فَهَاتُوا بَيِّنَتَكُمْ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَلَفْتُ لَكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا جَاءُوهُ بِبَيِّنَةٍ وَلَا اسْتَحْلَفُوهُ وَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا عَتَبْتَهُ بِهِ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِكُلِّ خَيْرٍ أَهْلٌ، وَأَنَا أُشْهِدُكُمْ وَمَنْ حَضَرَنِي أَنِّي وَلِيٌّ لِابْنِ عَفَّانَ وَعَدُوُّ أَعْدَائِهِ فَبَرِئَ اللَّهُ مِنْكُمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ نَفَرُوا عَنْهُ، وَفَارَقُوهُ، وَقَصَدُوا بِلَادَ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، فَتَفَرَّقُوا فِيهَا بِأَبْدَانِهِمْ وَأَدْيَانِهِمْ وَمَذَاهِبِهِمْ وَمَسَالِكِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُنْتَشِرَةِ، الَّتِي لَا تَنْضَبِطُ وَلَا تَنْحَصِرُ ; لِأَنَّهَا مُفَرَّعَةٌ عَلَى الْجَهْلِ وَقُوَّةِ النُّفُوسِ، وَالِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ، وَمَعَ هَذَا اسْتَحْوَذُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْبُلْدَانِ وَالْكُوَرِ، حَتَّى انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وأَقْبَلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ الْحَنْظَلِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّفَّارِ السَّعْدِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ وَحَنْظَلَةُ بْنُ بَيْهَسٍ وَبَنُو الْمَاحُوزِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَالزُّبَيْرُ مِنْ بَنِي سَلِيطِ بْنِ يَرْبُوعٍ، وَكُلُّهُمْ مِنْ تَمِيمٍ، حَتَّى أَتَوُا الْبَصْرَةَ، وَانْطَلَقَ أَبُو طَالُوتَ، مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَبُو فُدَيْكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَعَطِيَّةُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْيَشْكُرِيُّ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَوَثَبُوا بِهَا مَعَ أَبِي طَالُوتَ، ثُمَّ أَجْمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ وَتَرَكُوا أَبَا طَالُوتَ. فَأَمَّا نَافِعٌ وَأَصْحَابُهُ فَإِنَّهُمْ قَدِمُوا الْبَصْرَةَ وَهُمْ عَلَى رَأْيِ أَبِي بِلَالٍ، وَاجْتَمَعُوا وَتَذَاكَرُوا فَضِيلَةَ الْجِهَادِ، فَخَرَجَ نَافِعٌ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَذَلِكَ عِنْدَ وُثُوبِ النَّاسِ بِابْنِ زِيَادٍ وَكَسْرِ الْخَوَارِجِ بَابَ السِّجْنِ، وَخَرَجُوا وَاشْتَغَلَ النَّاسُ عَنْهُمْ بِحَرْبِ الْأَزْدِ وَرَبِيعَةَ وَتَمِيمٍ، فَلَمَّا خَرَجَ نَافِعٌ تَبِعُوهُ، وَاصْطَلَحَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، فَتَجَرَّدَ النَّاسُ لِلْخَوَارِجِ وَأَخَافُوهُمْ، فَلَحِقَ نَافِعٌ بِالْأَهْوَازِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَخَرَجَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِالْبَصْرَةِ إِلَى ابْنِ الْأَزْرَقِ إِلَّا مَنْ لَمْ يُرِدِ الْخُرُوجَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّفَّارِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ، وَرِجَالٌ مَعَهُمَا عَلَى رَأْيِهِمَا، وَنَظَرَ نَافِعٌ فَرَأَى أَنَّ وِلَايَةَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجِهَادِ مِنَ الَّذِينَ قَعَدُوا مِنَ الْخَوَارِجِ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَأَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ لَا نَجَاةَ لَهُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ ذَلِكَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ لَا يَحِلُّ لَهُمْ مُنَاكَحَتُهُمْ وَلَا أَكْلُ ذَبَائِحِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ وَأَخْذُ عِلْمِ الدِّينِ عَنْهُمْ، وَلَا يَحِلُّ مِيرَاثُهُمْ، وَرَأَى قَتْلَ الْأَطْفَالِ وَالِاسْتِعْرَاضَ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ كُفَّارٌ مِثْلُ كُفَّارِ الْعَرَبِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْقَتْلُ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَفَارَقَهُ بَعْضُهُمْ، وَمِمَّنْ فَارَقَهُ نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَسَارَ إِلَى الْيَمَامَةِ، فَأَطَاعَهُ الْخَوَارِجُ الَّذِينَ بِهَا وَتَرَكُوا أَبَا طَالُوتَ، فَكَتَبَ نَافِعٌ إِلَى ابْنِ إِبَاضٍ وَابْنِ الصَّفَّارِ يَدْعُوهُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى ذَلِكَ، فَقَرَأَ ابْنُ الصَّفَّارِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَقْرَأْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيَخْتَلِفُوا، فَأَخَذَهُ ابْنُ إِبَاضٍ فَقَرَأَهُ، فَقَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ أَيَّ رَأْيٍ رَأَى ! صَدَقَ نَافِعٌ، لَوْ كَانَ الْقَوْمُ مُشْرِكِينَ كَانَ أَصْوَبَ النَّاسِ رَأْيًا وَكَانَتْ سِيرَتُهُ كَسِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّهُ قَدْ كَذَبَ فِيمَا يَقُولُ، إِنَّ الْقَوْمَ بُرَآءُ مِنَ الشِّرْكِ وَلَكِنَّهُمْ كُفَّارٌ بِالنِّعَمِ وَالْأَحْكَامِ وَلَا يَحِلُّ لَنَا إِلَّا دِمَاؤُهُمْ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْنَا. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الصَّفَّارِ: بَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ فَقَدْ قَصَّرْتَ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنِ ابْنِ الْأَزْرَقِ فَقَدْ غَلَا. فَقَالَ الْآخَرُ: بَرِئَ اللَّهُ مِنْكَ وَمِنْهُ. فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ وَاشْتَدَّتْ شَوْكَةُ ابْنِ الْأَزْرَقِ وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَأَقَامَ بِالْأَهْوَازِ يَجْبِي الْخَرَاجَ وَيَتَقَوَّى بِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ الْبَصْرَةِ حَتَّى دَنَا مِنَ الْجِسْرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مُسْلِمَ بْنَ عُبَيْسِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.

  145. التاريخ 2236لا حكم مسجّل

    حَالِ ابْنِ زِيَادٍ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ   لَمَّا مَاتَ يَزِيدُ وَأَتَى الْخَبَرُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ مَعَ مَوْلَاهُ حُمْرَانَ، وَكَانَ رَسُولُهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ إِلَى يَزِيدَ بَعْدَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْخَبَرُ أَسَرَّهُ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الشَّامِ، فَأَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَنَعَى يَزِيدَ ( وَثَلَّبَهُ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِيَزِيدَ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةٌ، وَيُقَالُ فِي الْمَثَلِ: أَعْرَضَ عَنْ ذِي فَنَنٍ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ )، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ إِنَّ مُهَاجِرَنَا إِلَيْكُمْ وَدَارَنَا فِيكُمْ، وَمَوْلِدِي فِيكُمْ، وَلَقَدْ وَلِيتُكُمْ وَمَا يُحْصِي دِيوَانُ مُقَاتَلَتِكُمْ إِلَّا سَبْعِينَ أَلْفًا، وَلَقَدْ أَحْصَى الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ، وَمَا كَانَ يُحْصَى دِيوَانُ عُمَّالِكُمْ إِلَّا تِسْعِينَ أَلْفًا، وَلَقَدْ أَحْصَى الْيَوْمَ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَمَا تَرَكْتُ لَكُمْ ذَا ظِنَّةٍ أَخَافُهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا وَهُوَ فِي سِجْنِكُمْ، وَإِنَّ يَزِيدَ قَدْ تُوُفِّيَ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ بِالشَّامِ وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَدَدًا وَأَعْرَضُهُمْ فَنَاءً وَأَغْنَاهُمْ عَنِ النَّاسِ وَأَوْسَعُهُمْ بِلَادًا، فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ رَجُلًا تَرْضَوْنَهُ لِدِينِكُمْ وَجَمَاعَتِكُمْ، فَأَنَا أَوَّلُ رَاضٍ مَنْ رَضِيتُمُوهُ، فَإِنِ اجْتَمَعَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى رَجُلٍ تَرْضَوْنَهُ لِدِينِكُمْ وَجَمَاعَتِكُمْ دَخَلْتُمْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ عَلَى جَدِيلَتِكُمْ حَتَّى تُعْطُوا حَاجَتَكُمْ، فَمَا بِكُمْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْبُلْدَانِ حَاجَةٌ وَلَا يَسْتَغْنِي النَّاسُ عَنْكُمْ. فَقَامَ خُطَبَاءُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقَالُوا: قَدْ سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَقْوَى عَلَيْهَا مِنْكَ، فَهَلُمَّ فَلْنُبَايِعْكَ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ. فَكَرَّرُوا عَلَيْهِ فَأَبَى عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَمَسَحُوا أَيْدِيَهُمْ بِالْحِيطَانِ وَقَالُوا: أَيُظَنُّ ابْنُ مَرْجَانَةَ أَنَّنَا نَنْقَادُ لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْفُرْقَةِ ! فَلَمَّا بَايَعُوهُ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ عَمْرِو بْنِ مِسْمَعٍ وَسَعْدِ بْنِ الْقَرْحَاءِ التَّمِيمِيِّ يُعْلِمُ أَهْلَ الْكُوفَةِ مَا صَنَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ لَهُ، فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ خَلِيفَتُهُ عَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، جَمَعَ النَّاسَ وَقَامَ الرَّسُولَانِ فَخَطَبَا أَهْلَ الْكُوفَةِ وَذَكَرَا لَهُمْ ذَلِكَ، فَقَامَ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ رُوَيْمٍ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَنَا مِنِ ابْنِ سُمَيَّةَ ! أَنَحْنُ نُبَايِعُهُ ؟ لَا وَلَا كَرَامَةَ ! وَحَصَبَهُمَا أَوَّلَ النَّاسِ ثُمَّ حَصَبَهُمَا النَّاسُ بَعْدَهُ، فَشَرَّفَتْ تِلْكَ الْفَعْلَةُ يَزِيدَ بْنَ رُوَيْمٍ فِي الْكُوفَةِ وَرَفَعَتْهُ. وَرَجَعَ الرَّسُولَانِ إِلَى الْبَصْرَةِ فَأَعْلَمَاهُ الْحَالَ، فَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ: أَيَخْلَعُهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَنُوَلِّيهِ نَحْنُ ! فَضَعُفَ سُلْطَانُهُ عِنْدَهُمْ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِالْأَمْرِ فَلَا يُقْضَى، وَيَرَى الرَّأْيَ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ، وَيَأْمُرُ بِحَبْسِ الْمُخْطِئِ فَيُحَالُ بَيْنَ أَعْوَانِهِ وَبَيْنَهُ. دعوة سلمة بن ذؤيب الحنظلي إلى بيعة عبد الله بن الزبير ثُمَّ جَاءَ إِلَى الْبَصْرَةِ سَلَمَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْحَنْظَلِيُّ التَّمِيمِيُّ فَوَقَفَ فِي السُّوقِ وَبِيَدِهِ لِوَاءٌ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَيَّ، إِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى مَا لَمْ يَدْعُكُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَائِذِ بِالْحَرَمِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ وَجَعَلُوا يُصَفِّقُونَ عَلَى يَدَيْهِ يُبَايِعُونَهُ. فَبَلَغَ الْخَبَرُ ابْنَ زِيَادٍ، فَجَمَعَ النَّاسَ فَخَطَبَهُمْ وَذَكَرَ لَهُمْ أَمْرَهُ مَعَهُمْ وَأَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى مَنْ يَرْتَضُونَهُ، فَبَايَعَهُ مِنْهُمْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ وَأَنَّهُمْ أَبَوْا غَيْرَهُ، وَقَالَ: إِنِّي بَلَغَنِي أَنَّكُمْ مَسَحْتُمْ أَكُفَّكُمْ بِالْحِيطَانِ وَبَابِ الدَّارِ وَقُلْتُمْ مَا قُلْتُمْ، وَإِنِّي آمِرٌ بِالْأَمْرِ فَلَا يَنْفُذُ وَيُرَدُّ عَلَيَّ رَأْيِي وَيُحَالُ بَيْنَ أَعْوَانِي وَبَيْنَ طِلْبَتِي، ثُمَّ إِنَّ هَذَا سَلَمَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ يَدْعُو إِلَى الْخِلَافِ عَلَيْكُمْ لِيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ وَيَضْرِبَ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ بِالسَّيْفِ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ وَالنَّاسُ: نَحْنُ نَأْتِيكَ بِسَلَمَةَ، فَأَتَوْهُ بِسَلَمَةَ فَإِذَا جَمْعُهُ قَدْ كُثِفَ وَالْفَتْقُ قَدِ اتَّسَعَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَعَدُوا عَنِ ابْنِ زِيَادٍ فَلَمْ يَأْتُوهُ. فَدَعَا عُبَيْدُ اللَّهِ رُؤَسَاءَ مُحَارَبَةِ السُّلْطَانِ وَأَرَادَهُمْ لِيُقَاتِلُوا مَعَهُ، قَالُوا: إِنْ أَمَرَنَا فُؤَادُنَا فَعَلْنَا. فَقَالَ لَهُ إِخْوَتُهُ: مَا مِنْ خَلِيفَةٍ فَتُقَاتِلُ عَنْهُ فَإِنْ هُزِمْتَ رَجَعْتَ إِلَيْهِ فَأَمَدَّكَ، وَلَعَلَّ الْحَرْبَ تَكُونُ عَلَيْكَ ( وَقَدِ اتَّخَذْنَا بَيْنَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَمْوَالًا ) فَإِنْ ظَفِرُوا بِنَا أَهْلَكُونَا وَأَهْلَكُوهَا فَلَمْ تَبْقَ لَكَ بَقِيَّةٌ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَهْبَاءَ الْجَهْضَمِيِّ الْأَزْدِيِّ فَأَحْضَرَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا حَارِثُ إِنَّ أَبِي أَوْصَانِي أَنِّي إِنِ احْتَجْتُ إِلَى الْهَرَبِ يَوْمًا أَنْ أَخْتَارَكُمْ. فَقَالَ الْحَارِثُ: إِنْ قُومِي قَدِ اخْتَبَرُوا أَبَاكَ، فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهُ مَكَانًا، وَلَا عِنْدَكَ مُكَافَأَةً، وَلَا أَرُدُّكَ إِذَا اخْتَرْتَنَا، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ أَمَانِي لَكَ، إِنْ أَخْرَجْتُكَ نَهَارًا أَخَافُ أَنْ تُقْتَلَ وَأُقْتَلَ، وَلَكِنِّي أُقِيمُ مَعَكَ إِلَى اللَّيْلِ ثُمَّ أُرْدِفُكَ خَلْفِي لِئَلَّا تُعْرَفَ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَأَقَامَ عِنْدَهُ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ حَمَلَهُ خَلْفَهُ. وَكَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَفَرَّقَ ابْنُ زِيَادٍ بَعْضَهَا فِي مَوَالِيهِ وَادَّخَرَ الْبَاقِي فَبَقِيَ لِآلِ زِيَادٍ. وَسَارَ الْحَارِثُ بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَحَارَسُونَ مَخَافَةَ الْحَرُورِيَّةِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ يَسْأَلُهُ: أَيْنَ نَحْنُ ؟ وَالْحَارِثُ يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا كَانُوا فِي بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: أَيْنَ نَحْنُ ؟ قَالَ: فِي بَنِي سُلَيْمٍ. قَالَ: سَلِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمَّا أَتَى بَنِي نَاجِيَةَ قَالَ: أَيْنَ نَحْنُ ؟ قَالَ: فِي بَنِي نَاجِيَةَ. قَالَ: نَجَوْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ بَنُو نَاجِيَةَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَجُلٌ مِنْهُمْ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَقَالَ ابْنُ مَرْجَانَةَ ! وَأَرْسَلَ سَهْمًا فَوَقَعَ فِي عِمَامَتِهِ. وَمَضَى بِهِ الْحَارِثُ فَأَنْزَلَهُ فِي دَارِ نَفْسِهِ فِي الْجَهَاضِمِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ زِيَادٍ: يَا حَارِثُ إِنَّكَ أَحْسَنْتَ فَاصْنَعْ مَا أُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ، قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَةَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو فِي قَوْمِهِ وَشَرَفِهِ وَسِنَّهُ وَطَاعَةَ قَوْمِهِ لَهُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَذْهَبَ بِي إِلَيْهِ فَأَكُونَ فِي دَارِهِ فَهِيَ فِي وَسَطِ الْأَزْدِ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فُرِّقَ عَلَيْكَ أَمْرُ قَوْمِكَ. فَأَخَذَهُ الْحَارِثُ فَدَخَلَا عَلَى مَسْعُودٍ، وَلَمْ يَشْعُرْ وَهُوَ جَالِسٌ يُصْلِحُ خُفًّا لَهُ، فَلَمَّا رَآهُمَا عَرَفَهُمَا فَقَالَ الْحَارِثُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرٍّ طَرَقْتَنِي بِهِ ! قَالَ: مَا طَرَقْتُكَ إِلَّا بِخَيْرٍ، ( قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ قَوْمَكَ أَنْجَوْا زِيَادًا وَوَفَوْا لَهُ فَصَارَتْ مَكْرَمَةً يَفْتَخِرُونَ بِهَا عَلَى الْعَرَبِ )، وَقَدْ بَايَعْتُمْ عُبَيْدَ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضَى عَنْ مَشُورَةٍ وَبَيْعَةٍ أُخْرَى قَبْلَ هَذِهِ، يَعْنِي بَيْعَةَ الْجَمَاعَةِ. قَالَ مَسْعُودٌ: أَتُرَى لَنَا أَنْ نُعَادِيَ أَهْلَ مِصْرِنَا فِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَمْ نَجِدْ مِنْ أَبِيهِ مُكَافَأَةً وَلَا شُكْرًا فِيمَا صَنَعْنَا مَعَهُ ؟ قَالَ الْحَارِثُ: إِنَّهُ لَا يُعَادِيكَ أَحَدٌ عَلَى الْوَفَاءِ عَلَى بَيْعَتِكَ حَتَّى تُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ، أَفَتُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِكَ بَعْدَمَا دَخَلَهُ عَلَيْكَ ؟ وَأَمَرَهُ مَسْعُودٌ فَدَخَلَ بَيْتَ أَخِيهِ عَبْدِ الْغَافِرِ بْنِ عَمْرٍو، ثُمَّ رَكِبَ مَسْعُودٌ مِنْ لَيْلَتِهِ وَمَعَهُ الْحَارِثُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَطَافُوا فِي الْأَزْدِ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ زِيَادٍ فُقِدَ وَإِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ تَلْحَظُوا بِهِ. فَأَصْبِحُوا فِي السِّلَاحِ. وَفَقَدَ النَّاسُ ابْنَ زِيَادٍ فَقَالُوا: مَا هُوَ إِلَّا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ إِنَّ الْحَارِثَ لَمْ يُكَلِّمْ مَسْعُودًا بَلْ أَمَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَحَمَلَ مَعَهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَأَتَى بِهَا أُمَّ بِسِطَامٍ امْرَأَةَ مَسْعُودٍ، ( وَهِيَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، وَمَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا فَأَذِنَتْ لَهُ فَقَالَ لَهَا: قَدْ أَتَيْتُكِ بِأَمْرٍ تَسُودِينَ بِهِ نِسَاءَ الْعَرَبِ وَتَتَعَجَّلِينَ بِهِ الْغِنَى. وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، وَأَمَرَهَا أَنْ تُدْخِلَ ابْنَ زِيَادٍ الْبَيْتَ وَتُلْبِسَهُ ثَوْبًا مِنْ ثِيَابِ مَسْعُودٍ، فَفَعَلَتْ، وَلَمَّا جَاءَ مَسْعُودٌ أَخَذَ بِرَأْسِهَا يَضْرِبُهَا، فَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَالْحَارِثُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ أَجَارْتَنِي وَهَذَا ثَوْبُكَ عَلَيَّ وَطَعَامُكَ فِي بَطْنِي. وَشَهِدَ الْحَارِثُ وَتَلَطَّفُوا بِهِ حَتَّى رَضِيَ، فَلَمْ يَزَلِ ابْنُ زِيَادٍ فِي بَيْتِهِ حَتَّى قُتِلَ مَسْعُودٌ فَسَارَ إِلَى الشَّامِ. وَلَمَّا فُقِدَ ابْنُ زِيَادٍ بَقِيَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ فِي غَيْرِ أَمِيرٍ فَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يُؤَمِّرُونَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ تَرَاضَوْا بِقَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيِّ وَبِالنُّعْمَانِ بْنِ سُفْيَانَ الرَّاسِبِيِّ الْحَرَمِيِّ لِيَخْتَارَا مَنْ يَرْضَيَانِ لَهُمْ، وَكَانَ رَأْيُ قَيْسٍ فِي بَنِي أُمَيَّةَ، وَرَأْيُ النُّعْمَانِ فِي بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ النُّعْمَانُ: مَا أَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ فُلَانٍ، لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقِيلَ: بَلْ ذَكَرَ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيَّ، وَكَانَ هَوَى قَيْسٍ فِيهِ، وَإِنَّمَا قَالَ النُّعْمَانُ ذَلِكَ خَدِيعَةً وَمَكْرًا بِقَيْسٍ، فَقَالَ قَيْسٌ: قَدْ قَلَّدْتُكَ أَمْرِي وَرَضِيتُ مَنْ رَضِيتَ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ قَيْسٌ: قَدْ رَضِيتُ مَنْ رَضِيَ النُّعْمَانُ.

  146. التاريخ 2237لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة أربع وستين وَقَعَ الطَّاعُونُ الْجَارِفُ بِالْبَصْرَةِ  . فَمَاتَتْ أُمُّ ابْنِ مَعْمَرٍ الْأَمِيرِ، فَمَا وَجَدُوا مَنْ يَحْمِلُهَا حَتَّى اسْتَأْجَرُوا لَهَا أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ، وَكَانَ وُقُوعُ هَذَا الطَّاعُونِ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، فَمَاتَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ سَبْعُونَ أَلْفًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَاحِدٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَأَصْبَحَ النَّاسُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مَوْتَى [إِلَّا قَلِيلًا مِنَ] الْآحَادِ. فعَنْ رَجُلٍ يُكَنَّى أَبَا النُّفَيْدِ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ الطَّاعُونِ، قَالَ: كُنَّا نَطُوفُ فِي الْقَبَائِلِ وَنَدْفِنُ الْمَوْتَى، وَلَمَّا كَثُرُوا لَمْ نَقْوَ عَلَى الدَّفْنِ، فَكُنَّا نَدْخُلُ الدَّارَ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا فَنَسُدُّ بَابَهَا، قَالَ: فَدَخَلْنَا دَارًا فَفَتَّشْنَاهَا فَلَمْ نَجِدْ فِيهَا أَحَدًا حَيًّا، فَسَدَدْنَا بَابَهَا، فَلَمَّا مَضَتِ الطَّوَاعِينُ كُنَّا نَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ نَنْزِعُ تِلْكَ السُّدَدَ الَّتِي سَدَدْنَاهَا، فَانْتَزَعْنَا سَدَّ ذَلِكَ الْبَابِ الَّذِي دَخَلْنَاهُ فَفَتَّشْنَا الدَّارَ فَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا حَيًّا، فَإِذَا نَحْنُ بِغُلَامٍ فِي وَسَطِ الدَّارِ طَرِيٍّ دَهِينٍ، كَأَنَّمَا أُخِذَ سَاعَتَهُ مِنْ حِجْرِ أُمِّهِ. قَالَ: وَنَحْنُ وُقُوفٌ عَلَى الْغُلَامِ نَتَعَجَّبُ مِنْهُ فَدَخَلَتْ كَلْبَةٌ مِنْ شَقٍّ فِي الْحَائِطِ تَلُوذُ بِالْغُلَامِ، وَالْغُلَامُ يَحْبُو إِلَيْهَا حَتَّى مَصَّ مِنْ لَبَنِهَا، فَقَالَ مَعْدِيٌّ: رَأَيْتُ هَذَا الْغُلَامَ فِي مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ قَدْ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا الطَّاعُونُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: كان سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ.

  147. التاريخ 2238لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْبَصْرَةَ   لَمَّا اتَّفَقَ قَيْسٌ وَالنُّعْمَانُ وَرَضِيَ قَيْسٌ بِمَنْ يُؤَمِّرُهُ النُّعْمَانُ أَشْهَدَ عَلَيْهِ النُّعْمَانُ بِذَلِكَ وَأَخَذَ عَلَى قَيْسٍ وَعَلَى النَّاسِ الْعُهُودَ بِالرِّضَى، ثُمَّ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَسْوَدِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ ( حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ بَايَعَهُ ثُمَّ تَرَكَهُ وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْمُلَقَّبِ بِبَبَّةَ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ ) مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَحَقَّ أَهْلِ بَيْتِهِ وَقَرَابَتِهِ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَا تَنْقِمُونَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَمِّ نَبِيِّكُمْ وَأُمُّهُ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ كَانَ الْأَمْرُ فِيهِمْ، فَهُوَ ابْنُ أُخْتِكُمْ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: رَضِيتُ لَكُمْ بِهِ، فَنَادَوْهُ: قَدْ رَضِينَا، وَبَايَعُوهُ وَأَقْبَلُوا بِهِ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ حَتَّى نَزَلَهَا، وَذَلِكَ أَوَّلُ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي بَيْعَتِهِ: وَبَايَعْتُ أَقْوَامًا وَفَيْتُ بِعَهْدِهِمْ وَبَبَّةُ قَدْ بَايَعَتْهُ غَيْرَ نَادِمِ

  148. التاريخ 2239لا حكم مسجّل

    هَرَبِ ابْنِ زِيَادٍ إِلَى الشَّامِ   ثُمَّ إِنَّ الْأَزْدَ وَرَبِيعَةَ جَدَّدُوا الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْجَمَاعَةِ، وَأَنْفَقَ ابْنُ زِيَادٍ مَالًا كَثِيرًا فِيهِمْ حَتَّى تَمَّ الْحِلْفُ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ بَيْنَهُمْ كِتَابَيْنِ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو. فَلَمَّا سَمِعَ الْأَحْنَفُ أَنَّ الْأَزْدَ طَلَبَتْ إِلَى رَبِيعَةَ ذَلِكَ، قَالَ: لَا يَزَالُونَ لَهُمْ أَتْبَاعًا إِذَا أَتَوْهُمْ. فَلَمَّا تَحَالَفُوا اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَرُدُّوا ابْنَ زِيَادٍ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ، فَسَارُوا، وَرَئِيسُهُمْ مَسْعُودُ بْنُ عَمْرٍو، وَقَالُوا لِابْنِ زِيَادٍ: سِرْ مَعَنَا، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَرْسَلَ مَعَهُ مَوَالِيَهُ عَلَى الْخَيْلِ وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَتَحَدَّثُوا بِخَيْرٍ وَلَا بِشَرٍّ إِلَّا أَتَيْتُمُونِي بِهِ، فَجَعَلَ مَسْعُودٌ لَا يَأْتِي سِكَّةً وَلَا يَتَجَاوَزُ قَبِيلَةً إِلَّا أَتَى بَعْضُ أُولَئِكَ الْغِلْمَانِ ابْنَ زِيَادٍ بِالْخَبَرِ، وَسَارَتْ رَبِيعَةُ، وَعَلَيْهِمْ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ، فَأَخَذُوا سِكَّةَ الْمِرْبَدِ، وَجَاءَ مَسْعُودٌ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ فِي دَارِ الْإِمَارَةِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مَسْعُودًا وَأَهْلَ الْيَمَنِ وَرَبِيعَةَ قَدْ سَارُوا وَسَيُهَيَّجُ بَيْنَ النَّاسِ شَرٌّ، فَلَوْ أَصْلَحْتَ بَيْنَهُمْ أَوْ رَكِبْتَ فِي بَنِي تَمِيمٍ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: أَبْعَدَهُمُ اللَّهُ، لَا وَاللَّهِ لَا أُفْسِدَنَّ نَفْسِي فِي إِصْلَاحِهِمْ ! وَجَعَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مَسْعُودٍ يَقُولُ: لَأُنْكِحَنَّ بَبَّهْ جَارِيَةً فِي قُبَّهْ تَمْشُطُ رَأْسَ لُعْبَهْ هَذَا قَوْلُ الْأَزْدِ، وَأَمَّا قَوْلُ مُضَرَ فَيَقُولُونَ: إِنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تُرَقِّصُهُ وَتَقُولُ هَذَا. وَصَعِدَ مَسْعُودٌ الْمِنْبَرَ وَسَارَ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ نَحْوَ دُورِ بَنِي تَمِيمٍ حَتَّى دَخَلَ سِكَّةَ بَنِي الْعَدَوِيَّةِ فَحَرَّقَ دُورَهُمْ لِمَا فِي نَفْسِهِ لِاسْتِعْرَاضِ ابْنِ خَازِمٍ رَبِيعَةَ بِهَرَاةَ. وَجَاءَ بَنُو تَمِيمٍ إِلَى الْأَحْنَفِ فَقَالُوا: يَا أَبَا بَحْرٍ، إِنَّ رَبِيعَةَ وَالْأَزْدَ قَدْ تَحَالَفُوا وَقَدْ سَارُوا إِلَى الرَّحْبَةِ فَدَخَلُوهَا. فَقَالَ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِالْمَسْجِدِ مِنْهُمْ. فَقَالُوا: قَدْ دَخَلُوا الدَّارَ. فَقَالَ: لَسْتُمْ بِأَحَقَّ بِالدَّارِ مِنْهُمْ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِمِجْمَرٍ وَقَالَتْ لَهُ: مَا لَكَ وَلِلرِّيَاسَةِ، إِنَّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ تَتَجَمَّرُ ! فَقَالَ: اسْتُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ بِالْمِجْمَرِ، فَمَا سُمِعَ مِنْهُ كَلِمَةٌ أَسْوَأُ مِنْهَا، ثُمَّ أَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّ امْرَأَةً مِنَّا قَدْ سُلِبَتْ خَلْخَالَهَا، وَقَدْ قَتَلُوا الصَّبَّاغَ الَّذِي عَلَى طَرِيقِكَ وَقَتَلُوا الْمُقْعَدَ الَّذِي عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ دَخَلَ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ سِكَّةَ بَنِي الْعَدَوِيَّةِ فَحَرَّقَ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ: أَقِيمُوا الْبَيِّنَةَ عَلَى هَذَا، فَفِي دُونِ هَذَا مَا يُحِلُّ قِتَالَهُمْ. فَشَهِدُوا عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ: أَجَاءَ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ ؟ قَالُوا: لَا، وَهُوَ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، ثُمَّ قَالَ: أَجَاءَ عَبَّادٌ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَهَاهُنَا عَبْسُ بْنُ طَلْقِ بْنِ رَبِيعَةَ الصُّرَيْمِيُّ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَاهُ فَانْتَزَعَ مِعْجَرًا فِي رَأْسِهِ فَعَقَدَهُ فِي رُمْحٍ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: سِرْ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُخْزِهَا الْيَوْمَ فَإِنَّكَ لَمْ تُخْزِهَا فِيمَا مَضَى، وَصَاحَ النَّاسُ: هَاجَتْ زَبْرَاءُ ! وَهِيَ أَمَةٌ لِلْأَحْنَفِ كَنَّوْا بِهَا عَنْهُ. فَسَارَ عَبْسٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا سَارَ عَبْسٌ جَاءَ عَبَّادٌ فَقَالَ: مَا صَنَعَ النَّاسُ ؟ فَقِيلَ: سَارَ بِهِمْ عَبْسٌ. فَقَالَ: لَا أَسِيرُ تَحْتَ لِوَاءِ عَبْسٍ، وَعَادَ إِلَى بَيْتِهِ وَمَعَهُ سِتُّونَ فَارِسًا. فَلَمَّا وَصَلَ عَبْسٌ إِلَى الْمَسْجِدِ قَاتَلَ الْأَزْدُ عَلَى أَبْوَابِهِ، وَمَسْعُودٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يُحَضِّضُ النَّاسَ، فَقَاتَلَ غَطَفَانُ بْنُ أُنَيْفٍ التَّمِيمِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: يَالَ تَمِيمٍ إِنَّهَا مَذْكُورَهْ     إِنْ فَاتَ مَسْعُودٌ بِهَا مَشْهُورَهْ فَاسْتَمْسِكُوا بِجَانِبِ الْمَقْصُورَهْ أَيْ لَا يَهْرُبُ [ فَيَفُوتَ ]. وَأَتَوْا مَسْعُودًا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاسْتَنْزَلُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَذَلِكَ أَوَّلُ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَهَرَبَ أَشْيَمُ بْنُ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ فَطَعَنَهُ أَحَدُهُمْ فَنَجَا بِهَا، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: لَوْ أَنَّ أَشْيَمَ لَمْ يَسْبِقْ أَسِنَّتَنَا     وَأَخْطَأَ الْبَابَ إِذْ نِيرَانُنَا تَقِدُ إِذًا لَصَاحَبَ مَسْعُودًا وَصَاحِبَهُ     وَقَدْ تَهَافَتَتِ الْأَعْفَاجُ وَالْكَبِدُ ويقال: بل اجْتَمَعَتْ تَمِيمٌ إِلَى الْأَحْنَفِ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْأَزْدَ قَدْ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ. قَالَ: إِنَّمَا هُوَ لَهُمْ وَلَكُمْ. قَالُوا: قَدْ دَخَلُوا الْقَصْرَ وَصَعِدَ مَسْعُودٌ الْمِنْبَرَ، وَكَانَتْ خَوَارِجُ قَدْ خَرَجُوا فَنَزَلُوا نَهْرَ الْأَسَاوِرَةِ حِينَ خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الشَّامِ، فَزَعَمَ النَّاسُ أَنَّ الْأَحْنَفَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي قَدْ دَخَلَ الْقَصْرَ هُوَ لَنَا وَلَكُمْ عَدُوٌّ فَمَا يَمْنَعُكُمْ عَنْهُ ! فَجَاءَتْ عِصَابَةٌ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَمَسْعُودٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يُبَايِعُ مَنْ أَتَاهُ، فَرَمَاهُ عِلْجٌ يُقَالُ لَهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ، دَخَلَ الْبَصْرَةَ فَأَسْلَمَ ( ثُمَّ دَخَلَ فِي الْخَوَارِجِ، فَأَصَابَ قَلْبَهُ ) فَقَتَلَهُ. هروب عبيد الله بن زياد إلى الشام وَلَمَّا صَعِدَ مَسْعُودٌ الْمِنْبَرَ أَتَى ابْنُ زِيَادٍ فَقِيلَ لَهُ ذَلِكَ، فَتَهَيَّأَ لِيَجِيءَ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ، فَأَتَوْهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قُتِلَ مَسْعُودٌ، فَرَكِبَ وَلَحِقَ بِالشَّامِ. فَأَمَّا مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ فَأَتَاهُ مِنْ مُضَرَ فَحَصَرُوهُ فِي دَارِهِ وَحَرَّقُوا دَارَهُ. وَلَمَّا هَرَبَ ابْنُ زِيَادٍ تَبِعُوهُ فَأَعْجَزَهُمْ فَنَهَبُوا مَا وَجَدُوا لَهُ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ وَاقَدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يَا رُبَّ جَبَّارٍ شَدِيدِ كَلْبُهْ     قَدْ صَارَ فِينَا تَاجُهُ وَسَلَبُهْ مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ يَوْمَ نَسْلُبُهْ     جِيَادَهُ وَبَزَّهُ وَنَنْهَبُهْ يَوْمَ الْتَقَى مِقْنَبُنَا وَمِقْنَبُهْ     لَوْ لَمْ يُنَجِّ ابْنَ زِيَادٍ هَرَبُهْ وَقَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ مَسْعُودٍ وَمَسِيرِ ابْنِ زِيَادٍ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، هُوَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَجَارَ ابْنُ زِيَادٍ بِمَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو أَجَارَهُ، ثُمَّ سَارَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى الشَّامِ وَأَرْسَلَ مَعَهُ مَسْعُودٌ مِائَةً مِنَ الْأَزْدِ حَتَّى قَدِمُوا بِهِ إِلَى الشَّامِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَالَ: قَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ رُكُوبُ الْإِبِلِ فَوَطِّئُوا لِي عَلَى ذِي حَافِرٍ، فَجَعَلُوا لَهُ قَطِيفَةً عَلَى حِمَارٍ، فَرَكِبَهُ ثُمَّ سَارَ وَسَكَتَ طَوِيلًا. قَالَ مُسَافِرُ بْنُ شُرَيْحٍ الْيَشْكُرِيُّ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَئِنْ كَانَ نَائِمًا لَأُنَغِّصَنَّ عَلَيْهِ نَوْمَهُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ: أَنَائِمٌ أَنْتَ ؟ قَالَ: لَا، كُنْتُ أُحَدِّثَ نَفْسِي. قُلْتُ: أَفَلَا أُحَدِّثُكَ بِمَا كُنْتَ تُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَكَ ؟ قَالَ: هَاتِ. قُلْتُ: كُنْتَ تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَقْتُلْ حُسَيْنًا. قَالَ: وَمَاذَا ؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ قَتَلْتُ مَنْ قَتَلْتُ. قَالَ: وَمَاذَا ؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ بَنَيْتُ الْبَيْضَاءَ. قَالَ: وَمَاذَا ؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي لَمْ أَكُنِ اسْتَعْمَلْتُ الدَّهَاقِينَ. قَالَ: وَمَاذَا ؟ قُلْتُ: تَقُولُ: لَيْتَنِي كُنْتُ أَسْخَى مِمَّا كُنْتُ. قَالَ: أَمَّا قَتْلِي الْحُسَيْنَ فَإِنَّهُ أَشَارَ إِلَيَّ يَزِيدُ بِقَتْلِهِ أَوْ قَتْلِي فَاخْتَرْتُ قَتْلَهُ، وَأَمَّا الْبَيْضَاءُ فَإِنِّي اشْتَرَيْتُهَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ الثَّقَفِيِّ وَأَرْسَلَ إِلَيَّ يَزِيدُ بِأَلْفِ أَلْفٍ فَأَنْفَقَهَا عَلَيْهَا، فَإِنْ بَقِيَتْ فَلِأَهْلِي، وَإِنْ هَلَكْتُ لَمْ آسَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُ الدَّهَاقِينِ فَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ ( وَزَاذَانَ فَرُّوخٍ وَقَعَا فِيَّ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ [ حَتَّى ذَكَرُوا قُشُورَ الْأَرُزِّ ] فَبَلَغَا بِخَرَاجِ الْعِرَاقِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، فَخَيَّرَنِي مُعَاوِيَةُ بَيْنَ الْعَزْلِ وَالضَّمَانِ، فَكَرِهْتُ الْعَزْلَ، فَكُنْتُ إِذَا اسْتَعْمَلْتُ الْعَرَبِيَّ كَسَرَ الْخَرَاجَ، فَإِنْ أَغْرَمْتُ عَشِيرَتَهُ أَوْ طَالَبْتُهُ أَوْغَرْتُ صُدُورَهُمْ، وَإِنْ تَرَكْتُهُ تَرَكْتُ مَالَ اللَّهِ وَأَنَا أَعْرِفُ مَكَانَهُ، فَوَجَدْتُ الدَّهَاقِينَ أَبْصَرَ بِالْجِبَايَةِ وَأَوْفَى بِالْأَمَانَةِ وَأَهْوَنَ بِالْمُطَالَبَةِ مِنْكُمْ، مَعَ أَنِّي قَدْ جَعَلْتُكُمْ أُمَنَاءَ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَظْلِمُوا أَحَدًا، وَأَمَّا قَوْلُكَ فِي السَّخَاءِ فَمَا كَانَ لِي مَالٌ فَأَجُودَ بِهِ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ شِئْتُ لَأَخَذْتُ بَعْضَ مَالِكُمْ فَخَصَصْتُ بِهِ بَعْضَكُمْ دُونَ بَعْضٍ فَيَقُولُونَ مَا أَسْخَاهُ. وَأَمَّا قَوْلُكَ لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ قَتَلْتُ مَنْ قَتَلْتُ فَمَا عَمِلْتُ بَعْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ عَمَلًا هُوَ أَقْرَبُ إِلَى اللَّهِ عِنْدِي مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَلَكِنِّي سَأُخْبِرُكَ بِمَا حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي، قُلْتُ: لَيْتَنِي كُنْتُ قَاتَلْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ بَايَعُونِي طَائِعِينَ، وَلَقَدْ حَرَصْتُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ بَنِي زِيَادٍ قَالُوا: إِنْ قَاتَلْتَهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْكَ لَمْ يُبْقُوا مِنَّا أَحَدًا، وَإِنَّ تَرَكْتَهُمْ تَغَيَّبَ الرَّجُلُ مِنَّا عِنْدَ أَخْوَالِهِ وَأَصْهَارِهِ فَوَقَعْتُ بِهِمْ، فَكُنْتُ أَقُولُ: لَيْتَنِي أَخْرَجْتُ أَهْلَ السِّجْنِ فَضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ، وَأَمَّا إِذْ فَاتَتْ هَاتَانِ فَلَيْتَنِي أَقْدَمُ الشَّامَ وَلَمْ يُبْرِمُوا أَمْرًا. قَالَ: فَقَدِمَ الشَّامَ وَلَمْ يُبْرِمُوا أَمْرًا، [ فَكَأَنَّمَا ] كَانُوا مَعَهُ صِبْيَانًا، وَقِيلَ: بَلْ قَدِمَ وَقَدْ أَبْرَمُوا فَنَقَضَ عَلَيْهِمْ مَا أَبْرَمُوا. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بَبَّةُ فَإِنَّهُ أَقَامَ يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ أَمِيرًا مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. وَقِيلَ: بَلْ كَتَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى عُمَرَ بِعَهْدِهِ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَأَتَاهُ الْكِتَابُ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْعُمْرَةِ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ حَتَّى قَدِمَ عُمَرُ، فَبَقِيَ عُمَرُ أَمِيرًا شَهْرًا حَتَّى قَدِمَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ بِعَزْلِهِ وَوَلِيَهَا الْحَارِثُ، وَهُوَ الْقُبَاعُ. وَقِيلَ: اعْتَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بَبَّةُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَعْدَ قَتْلِ مَسْعُودٍ بِسَبَبِ الْعَصَبِيَّةِ وَانْتِشَارِ الْخَوَارِجِ، فَكَتَبَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْلِحَ النَّاسَ بِفَسَادِ نَفْسِي، وَكَانَ يَتَدَيَّنُ. وَفِي أَيَّامِهِ سَارَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ إِلَى الْأَهْوَازِ مِنَ الْبَصْرَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا رَدُّوا رُسُلَ ابْنِ زِيَادٍ، عَزَلُوا خَلِيفَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَقَالُوا: نُؤَمِّرُ عَلَيْنَا رَجُلًا إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، فَجَاءَتْ نِسَاءُ هَمْدَانَ يَبْكِينَ الْحُسَيْنَ، وَرِجَالُهُمْ مُتَقَلَّدُو السُّيُوفِ، فَأَطَافُوا بِالْمِنْبَرِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ: جَاءَ أَمْرٌ غَيْرُ مَا كُنَّا فِيهِ. وَكَانَتْ كِنْدَةُ تَقُومُ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ لِأَنَّهُمْ أَخْوَالُهُ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى عَامِرِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ الْجُمَحِيِّ، فَخَطَبَ أَهْلَ الْكُوفَةِ فَقَالَ: إِنْ لِكُلِّ قَوْمٍ أَشْرِبَةً وَلَذَّاتٍ فَاطْلُبُوهَا فِي مَظَانِّهَا، وَعَلَيْكُمْ بِمَا يَحِلُّ وَيُحْمَدُ، وَاكْسِرُوا شَرَابَكُمْ بِالْمَاءِ، وَتَوَارَوْا عَنِّي بِهَذِهِ الْجُدْرَانِ، فَقَالَ ابْنُ هَمَّامٍ: اشْرَبْ شَرَابَكَ وَانْعَمْ غَيْرَ مَحْسُودِ وَاكْسِرْهُ بِالْمَاءِ لَا تَعْصِ ابْنَ مَسْعُودِ إِنَّ الْأَمِيرَ لَهُ فِي الْخَمْرِ مَأْرَبَةٌ فَاشْرَبْ هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ مَرْصُودِ مَنْ ذَا يُحَرِّمُ مَاءَ الْمُزْنِ خَالَطَهُ فِي قَعْرِ خَابِيَةٍ مَاءُ الْعَنَاقِيدِ إِنِّي لَأَكْرَهُ تَشْدِيدَ الرُّوَاةِ لَنَا فِيهَا وَيُعْجِبُنِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودِ وَلَمَّا بَايَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَقَرَّهُ عَلَيْهَا، وَكَانَ يُلَقَّبُ دُحْرُوجَةَ الْجُعَلِ، وَكَانَ قَصِيرًا، فَمَكَثَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مِنْ مَهْلِكِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ الْأَنْصَارِيُّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ عَلَى الْخَرَاجِ مِنْ عِنْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَعْمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَبِ بْنَ قَيْسٍ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَاجْتَمَعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَمَنْ بِالْقِبْلَةِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ إِلَّا أَهْلَ الْأُرْدُنِّ فِي إِمَارَةِ عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ. .

  149. التاريخ 2240لا حكم مسجّل

    خِلَافِ أَهْلِ الرَّيِّ   بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ خَالَفَ أَهْلُ الرَّيِّ، وَكَانَ عَلَيْهِمُ الْفَرُّخَانُ الرَّازِيُّ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ عَامِرُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْكُوفَةِ، مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسِ التَّمِيمِيَّ، فَلَقِيَهُ أَهْلُ الرَّيِّ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَامِرٌ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ التَّمِيمِيَّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَقُتِلَ الْفَرُّخَانُ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَكَانَ هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ عَلَى تَمِيمِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ الْكُوفَةَ فَارَقَهَا وَسَارَ إِلَى الشَّامِ لِكَرَاهَتِهِ وِلَايَةَ الْحَجَّاجِ.

  150. التاريخ 2241لا حكم مسجّل

    بَيْعَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ   وفِي سنة أربع وستين بُويِعَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بِالشَّامِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ لَمَّا رَجَعَ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَارْتَحَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الشَّامِ، وَانْتَقَلَتْ بَنُو أُمَيَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الشَّامِ، اجْتَمَعُوا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ كَانَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ بَايَعَ أَهْلُهَا الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ عَلَى أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَيُقِيمَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ حَتَّى تَجْتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالضَّحَّاكُ يُرِيدُ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ بَايَعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ بِحِمْصَ، وَبَايَعَ لَهُ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ بِقِنَّسْرِينَ، وَبَايَعَ لَهُ نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ بِفِلَسْطِينَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيَّ، فَلَمْ يَزَلْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ بِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، حَتَّى ثَنَوْهُ عَنْ رَأْيِهِ، وَحَذَّرُوهُ مِنْ دُخُولِ سُلْطَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُلْكِهِ إِلَى الشَّامِ وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ شَيْخُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا، فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ. وَالْتَفَّ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَعَ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَوَافَقَهُمْ، وَجَعَلَ يَقُولُ: مَا فَاتَ شَيْءٌ. وَكَتَبَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ الْكَلْبِيُّ إِلَى الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ يَثْنِيهِ عَنِ الْمُبَايَعَةِ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيُعَرِّفُهُ أَيَادِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عِنْدَهُ وَإِحْسَانَهُمْ إِلَيْهِ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُمْ وَشَرَفَهُمْ، وَقَدْ بَايَعَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ يَدْعُو إِلَى ابْنِ أُخْتِهِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَبَعَثَ إِلَى الضَّحَّاكِ بِذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ كِتَابَهُ عَلَى أَهْلِ دِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: نَاغِضَةُ بْنُ كُرَيْبٍ الطَّابِخِيُّ. وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَنِي كَلْبٍ. وَقَالَ لَهُ: إِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ هُوَ عَلَى النَّاسِ فَاقْرَأْهُ أَنْتَ. وَأَعْطَاهُ نُسْخَةً بِهِ، فَسَارَ إِلَى الضَّحَّاكِ، فَأَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ الْكِتَابِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، فَقَامَ نَاغِضَةُ فَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، فَصَدَّقَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أُمَرَاءِ النَّاسِ، وَكَذَّبَهُ آخَرُونَ، وَثَارَتْ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَامَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ شَابٌّ حَدَثٌ - عَلَى دَرَجَتَيْنِ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَسَكَّنَ النَّاسَ، وَنَزَلَ الضَّحَّاكُ فَصَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَأَمَرَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِأُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَّقُوا نَاغِضَةَ أَنْ يُسْجَنُوا، فَثَارَتْ قَبَائِلُهُمْ، فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ السِّجْنِ. يوم جيرون وَاضْطَرَبَ أَهْلُ دِمَشْقَ فِي ابْنِ الزُّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ وَوُقُوفُهُمْ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بِبَابِ الْجَيْرُونِ، فَسُمِّيَ هَذَا الْيَوْمُ يَوْمَ جَيْرُونَ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَقَدْ أَرَادَ النَّاسُ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى عَلَيْهِمْ فَأَبَى، وَهَلَكَ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، ثُمَّ إِنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ صَعِدَ مِنْبَرَ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَخَطَبَهُمْ بِهِ، وَنَالَ مِنْ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَامَ إِلَيْهِ شَابٌّ مِنْ بَنِي كَلْبٍ، فَضَرَبَهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ مُتَقَلِّدِي سُيُوفَهُمْ، فَقَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَاقْتَتَلُوا فِي الْمَسْجِدِ قِتَالًا شَدِيدًا فَقَيْسٌ وَمَنْ لَفَّ لَفِيفَهَا يَدْعُونَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَيَنْصُرُونَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَبَنُو كَلْبٍ يَدْعُونَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَإِلَى الْبَيْعَةِ لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَيَتَعَصَّبُونَ لِيَزِيدَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَنَهَضَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، فَدَخَلَ دَارَ الْإِمَارَةِ وَأَغْلَقَ الْبَابَ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى النَّاسِ مِنْ يَوْمِ السَّبْتِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ، فَجَمَعَهُمْ إِلَيْهِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَفِيهِمْ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَخَالِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ مِمَّا كَانَ مِنْهُ، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ أَنْ يَرْكَبَ مَعَهُمْ إِلَى حَسَّانَ بْنِ مَالِكٍ الْكَلْبِيَّ، فَيَتَّفِقُوا عَلَى رَجُلٍ يَرْتَضُونَهُ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ لِلْإِمَارَةِ، فَرَكِبُوا جَمِيعًا إِلَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِلَى الْجَابِيَةِ لِقَصْدِ حَسَّانَ، إِذْ جَاءَ ثَوْرُ بْنُ مَعْنِ بْنِ الْأَخْنَسِ فِي قَوْمِهِ قَيْسٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ دَعَوْتَنَا إِلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَجَبْنَاكَ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَذَا الْأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَخْلِفَ ابْنَ أُخْتِهِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: فَمَا الرَّأْيُ ؟ قَالَ: الرَّأْيُ أَنْ نُظْهِرَ مَا كُنَّا نُسِرُّ، وَأَنْ نَدْعُوَ إِلَى طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَنُقَاتِلُ عَلَيْهَا. فَمَالَ الضَّحَّاكُ بِمَنْ مَعَهُ، فَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ فَأَقَامَ بِهَا بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ مِنْ قَيْسٍ وَمَنْ لَفَّ لَفِيفَهَا، وَبَعَثَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ، وَبَايَعَ النَّاسَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَذَكَرَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَشَكَرَهُ عَلَى صَنِيعِهِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِنِيَابَةِ الشَّامِ، وَقِيلَ: بَلْ بَايَعَ النَّاسَ لِنَفْسِهِ بِالْخِلَافَةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمَدَائِنِيُّ أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَا إِلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلًا، ثُمَّ حَسَّنَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مَكْرٌ مِنْهُ بِهِ، فَدَعَا الضَّحَّاكُ إِلَى نَفْسِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَنَقَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالُوا: دَعَوْتَنَا إِلَى الْبَيْعَةِ لِرَجُلٍ فَبَايَعْنَاهُ، ثُمَّ خَلَعْتَهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا عُذْرٍ، وَدَعَوْتَ إِلَى نَفْسِكَ ! فَرَجَعَ إِلَى الْبَيْعَةِ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَسَقَطَ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ، وَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ. وَكَانَ اجْتِمَاعُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ بِهِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِ بِمَرْوَانَ وَتَحْسِينِهِ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ فَارَقَهُ لِيَخْدَعَ لَهُ الضَّحَّاكَ، فَنَزَلَ عِنْدَهُ بِدِمَشْقَ، وَجَعَلَ يَرْكَبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، ثُمَّ أَشَارَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَى الضَّحَّاكِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَيَدْعُوَ بِالْجُيُوشِ إِلَيْهِ لِيَكُونَ أَمْكَنَ لَهُ، فَرَكِبَ الضَّحَّاكُ إِلَى مَرْجِ رَاهِطٍ، فَنَزَلَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ اجْتَمَعَتْ بَنُو أُمَيَّةَ وَمَنْ تَبِعَهَا بِالْأُرْدُنِّ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ مِنْ هُنَالِكَ مِنْ قَوْمِ حَسَّانَ بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَنِي كَلْبٍ. وَلَمَّا رَأَى مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ مَا انْتَظَمَ مِنَ الْبَيْعَةِ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَا اسْتَوْسَقَ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ، عَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ إِلَيْهِ لِيُبَايِعَهُ وَلِيَأْخُذَ مِنْهُ أَمَانًا لِبَنِي أُمَيَّةَ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ أَذْرِعَاتٍ فَلَقِيَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مُقْبِلًا مِنَ الْعِرَاقِ، فَصَدَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهَجَّنَ رَأْيَهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَابْنُ زِيَادٍ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ وَخَلْقٌ، فَقَالُوا لِمَرْوَانَ: أَنْتَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَرَئِيسُهَا، وَخَالِدُ بْنُ يَزِيدَ غُلَامٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَهْلٌ، وَإِنَّمَا يُقْرَعُ الْحَدِيدُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَلَا تُبَارِهِ بِهَذَا الْغُلَامِ، وَارْمِ بْنحْرِكَ فِي نَحْرِهِ، وَنَحْنُ نُبَايِعُكَ، ابْسُطْ يَدَكَ. فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعُوهُ بِالْجَابِيَةِ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. فَلَمَّا تَمَهَّدَ لَهُ الْأَمْرُ سَارَ بِمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، فَالْتَقَيَا بِمَرْجِ رَاهِطٍ وَقَالَ مَرْوَانُ حِينَ بُويِعَ لَهُ: لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا نَهْبَا يَسَّرْتُ غَسَّانَ لَهُمْ وَكَلْبَا     وَالسَّكْسَكِيِّينَ رِجَالًا غُلْبَا وَطِيِّئًا تَأْبَاهُ إِلَّا ضَرْبَا     وَالِقِينُ تَمْشِي فِي الْحَدِيدِ نُكْبَا وَمِنْ تَنُوخَ مُشَمْخِرًّا صَعْبَا     لَا يَأْخُذُونَ الْمُلْكَ إِلَّا غَصْبَا فَإِنْ دَنَتْ قَيْسٌ فَقُلْ لَا قُرْبَا وَقْعَةِ مَرْجِ رَاهِطٍ وَقَتْلِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ الْفِهْرِيِّ  ، ؓ فَبَرَزَ الضَّحَّاكُ إِلَى مَرْجِ رَاهِطٍ فَنَزَلَهُ، وَأَقَامَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِدِمَشْقَ وَمَرْوَانُ وَبَنُو أُمَيَّةَ بِتَدْمُرَ، وَخَالِدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ عِنْدَ خَالِهِمْ حَسَّانَ بِالْجَابِيَةِ، فَكَتَبَ ابْنُ زِيَادٍ إِلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُظْهِرَ دَعْوَتَهُ، فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَتَزَوَّجَ بِأُمِّ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَهِيَ أُمُّ هَاشِمٍ بِنْتُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَعَظُمَ أَمْرُهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَسَارَ إِلَى مَرْجِ رَاهِطٍ نَحْوَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَرَكِبَ إِلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَأَخُوهُ عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ مَعَ مَرْوَانَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَبِدِمَشْقَ مِنْ جِهَتِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي النِّمْسِ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَامِلَ الضَّحَّاكِ مِنْهَا، وَهُوَ يَمُدُّ مَرْوَانَ بِالسِّلَاحِ وَالرِّجَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ - وَيُقَالُ: كَانَ نَائِبَهُ عَلَى دِمَشْقَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ - وَجَعَلَ مَرْوَانُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَبَعَثَ الضَّحَّاكُ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، فَأَمَدَّهُ النُّعْمَانُ بِأَهْلِ حِمْصَ عَلَيْهِمْ شُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَرَكِبَ إِلَيْهِ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ فِي أَهْلِ قِنَّسْرِينَ، فَكَانَ الضَّحَّاكُ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا، عَلَى مَيْمَنَتِهِ زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو الْعُقَيْلِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ زَكَرِيَّا بْنُ شَمِرٍ الْهِلَالِيُّ، فَتَصَافُّوا، وَتَقَاتَلُوا بِالْمَرْجِ عِشْرِينَ يَوْمًا، يَلْتَقُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَيَقْتَتِلُونَ قِتَالًا شَدِيدًا. غدر أصحاب مروان بالضحاك بن قيس وأصحابه ثُمَّ أَشَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ عَلَى مَرْوَانَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْمُوَادَعَةِ خَدِيعَةً ; فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ عَلَى الْحَقِّ، وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ. فَنُودِيَ فِي النَّاسِ بِذَلِكَ، ثُمَّ غَدَرَ أَصْحَابُ مَرْوَانَ، فَمَالُوا يَقْتُلُونَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ أَصْحَابُ الضَّحَّاكِ صَبْرًا بَلِيغًا، فَقُتِلَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ فِي الْمَعْرَكَةِ، قَتَلَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: زُحْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. مِنْ بَنِي كَلْبٍ، طَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ، فَأَنْفَذَهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ. وَصَبَرَ مَرْوَانُ وَأَصْحَابُهُ صَبْرًا شَدِيدًا حَتَّى فَرَّ أُولَئِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَادَى: لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ. ثُمَّ جِيءَ بِرَأْسِ الضَّحَّاكِ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَشَّرَهُ بِقَتْلِهِ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ. وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ الشَّامِ بِيَدِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ بَكَى عَلَى نَفْسِهِ يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ، فَقَالَ: أَبَعْدَ مَا كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ صِرْتُ إِلَى أَنْ أَقْتُلَ النَّاسَ بِالسُّيُوفِ عَلَى الْمُلْكِ ؟ ! قُلْتُ: وَلَمْ تَطُلْ مُدَّتُهُ فِي الْمُلْكِ إِلَّا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. وَلَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ مِنَ الْمَرْجِ لَحِقُوا بِأَجْنَادِهِمْ، فَانْتَهَى أَهْلُ حِمْصَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ خَرَجَ هَارِبًا لَيْلًا وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ نَائِلَةُ بِنْتُ عُمَارَةَ الْكَلْبِيَّةُ وَثَقَلُهُ وَأَوْلَادُهُ، فَتَحَيَّرَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا، وَأَصْبَحَ أَهْلُ حِمْصَ فَطَلَبُوهُ، وَكَانَ طَلَبَهُ عَمْرُو بْنُ الْجَلِيِّ الْكَلَاعِيُّ، فَقَتَلَهُ وَرَدَّ أَهْلَهُ وَالرَّأْسَ مَعَهُ، وَجَاءَتْ كَلْبٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَأَخَذُوا نَائِلَةَ وَوَلَدَهَا مَعَهَا. وَلَمَّا بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِلَابِيَّ بِقِنِّسْرِينَ هَرَبَ مِنْهَا فَلَحِقَ بِقَرْقِيسْيَا وَعَلَيْهَا عِيَاضٌ الْحَرَشِيُّ، وَكَانَ يَزِيدُ وَلَّاهُ إِيَّاهَا، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ، وَيَحْلِفَ لَهُ بِالطَّلِاقِ وَالْعِتَاقِ عَلَى أَنَّهُ حِينَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَمَّامِ لَا يُقِيمُ بِهَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَهَا فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَتَحَصَّنَ بِهَا وَلَمْ يَدْخُلْ حَمَّامَهَا، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قِيسٌ. وَهَرَبَ نَاتِلُ بْنُ قَيْسٍ الْجُذَامِيُّ عَنْ فِلَسْطِينَ فَلَحِقَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ مَرْوَانُ بَعْدَهُ عَلَى فِلَسْطِينَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ وَاسْتَوْثَقَ الشَّامُ لِمَرْوَانَ وَاسْتَعْمَلَ عُمَّالَهُ عَلَيْهَا. الاختلاف في تاريخ وقعة مرج راهط فَإِنَّ الْوَاقِدِيَّ وَغَيْرَهُ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ أَوَّلِ سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ. وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ وَغَيْرِهِ قَالُوا: إِنَّمَا كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْوَاقِدِيُّ، وَالْمَدَائِنِيُّ، وَأَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ زَبْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ لِلنِّصْفِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  151. التاريخ 2242لا حكم مسجّل

    فَتْحِ مَرْوَانَ مِصْرَ   فَلَمَّا قُتِلَ الضَّحَّاكُ وَأَصْحَابُهُ وَاسْتَقَرَّ الشَّامُ لِمَرْوَانَ سَارَ إِلَى مِصْرَ فَقَدِمَهَا وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَحْدَمٍ الْقُرَشِيُّ يَدْعُو إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَخَرَجَ إِلَى مَرْوَانَ فِيمَنْ مَعَهُ، وَبَعَثَ مَرْوَانُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ، فَقِيلَ لِابْنِ جَحْدَمٍ ذَلِكَ، فَرَجَعَ وَبَايَعَ النَّاسُ مَرْوَانَ وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ أَخَاهُ مُصْعَبًا فِي جَيْشٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الشَّامَ، فَقَتَلَهُ، فَانْهَزَمَ مُصْعَبٌ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَ مُصْعَبٌ شُجَاعًا. ثُمَّ عَادَ مَرْوَانُ إِلَى دِمَشْقَ وَاسْتَقَرَّ بِهَا. وَقَدْ كَانَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَمَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ قَدِ اشْتَرَطَا عَلَى مَرْوَانَ شُرُوطًا لَهُمَا وَلِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، فَلَمَّا تَوَطَّنَ مُلْكَهُ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ وَمَالِكٌ عِنْدَهُ: إِنَّ قَوْمًا يَدَّعُونَ شُرُوطًا، مِنْهُمْ عَطَّارَةٌ مُكَحَّلَةٌ، يَعْنِي مَالِكًا وَكَانَ يَتَطَيَّبُ وَيَتَكَحَّلُ، فَقَالَ مَالِكٌ: هَذَا وَلَمَّا تَرِدِي تِهَامَةَ وَيَبْلُغَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: مَهْلًا يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، إِنَّمَا دَاعَبْنَاكَ ! فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ.

  152. التاريخ 2243لا حكم مسجّل

    بَيْعَةِ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ وَأَمْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ   وَلَمَّا بَلَغَ سَلْمَ بْنَ زِيَادٍ، وَهُوَ بِخُرَاسَانَ، مَوْتُ يَزِيدَ كَتَمَ ( ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَرَادَةَ: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُغَلِّقُ بَابَهُ حَدَثَتْ أُمُورٌ شَأْنُهُنَّ عَظِيمُ     قَتْلَى بِحَرَّةَ وَالَّذِينَ بِكَابُلٍ وَيَزِيدُ أُعْلِنَ شَأْنُهُ الْمَكْتُومُ     أَبَنِي أُمَيَّةَ إِنَّ آخِرَ مَلْكِكُمْ جَسَدٌ بِحُوَّارِينَ ثُمَّ مُقِيمُ     طَرَقَتْ مَنِيَّتُهُ وَعِنْدَ وِسَادِهِ كُوبُ وَزِقٌّ رَاعِفٌ مَرْثُومُ     وَمُرِنَّةٌ تَبْكِي عَلَى نَشْوَانِهِ بِالصُّبْحِ تَقْعُدُ مَرَّةً وَتَقُومُ فَلَمَّا أَظْهَرَ شِعْرَهُ أَظْهَرَ سَلْمٌ مَوْتَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ عَلَى الرِّضَى حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ عَلَى خَلِيفَةٍ، فَبَايَعُوهُ ثُمَّ نَكَثُوا بِهِ بَعْدَ شَهْرَيْنِ، وَكَانَ مُحْسِنًا إِلَيْهِمْ مَحْبُوبًا فِيهِمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ سَمَّوْا بِاسْمِهِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ غُلَامٍ مَوْلُودٍ فَلَمَّا خُلِعَ عَنْهُمُ اسْتُخْلِفَ عَلَيْهِمُ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ، وَلَمَّا كَانَ بِسَرَخْسَ لَقِيَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مَرْثَدٍ، أَحَدُ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَ لَهُ: ضَاقَتْ عَلَيْكَ نِزَارٌ حَتَّى خَلَّفْتَ عَلَى خُرَاسَانَ رَجُلًا مِنَ الْيَمَنِ ؟ يَعْنِي الْمُهَلَّبَ، وَكَانَ أَزْدِيًّا وَالْأَزْدُ مِنَ الْيَمَنِ، فَوَلَّاهُ مَرْوَ الرُّوذِ وَالْفَارَيَابَ وَالطَّالَقَانَ وَالْجُوزَجَانَ، وَوَلَّى أَوْسَ بْنَ ثَعْلَبَةَ بْنَ زُفَرَ، وَهُوَ صَاحِبُ قَصْرِ أَوْسٍ بِالْبَصْرَةِ، هَرَاةَ. فِتْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ بِخُرَاسَانَ  فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ لِقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ فَقَالَ: مَنْ وَلَّيْتَ خُرَاسَانَ ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: أَمَا وَجَدْتَ فِي الْمِصْرِ مَنْ تَسْتَعْمِلُهُ حَتَّى فَرَّقْتَ خُرَاسَانَ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْيَمَنِ ؟ اكْتُبْ لِي عَهْدًا عَلَى خُرَاسَانَ. فَكَتَبَ لَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَسَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى مَرْوَ، وَبَلَغَ خَبَرُهُ الْمُهَلَّبَ فَأَقْبَلَ وَاسْتَخْلَفَ رَجُلًا مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، فَلَمَّا وَصَلَهَا ابْنُ خَازِمٍ مَنَعَهُ الْجُشَمِيُّ وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مُنَاوَشَةٌ، فَأَصَابَتِ الْجُشَمِيَّ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ فِي جَبْهَتِهِ، وَتَحَاجَزُوا، وَدَخَلَهَا ابْنُ خَازِمٍ، وَمَاتَ الْجُشَمِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ. ثُمَّ سَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ مَرْثَدٍ بِمَرْوِ الرُّوذِ فَقَاتَلَهُ أَيَّامًا فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَرْثَدٍ وَهُوَ بِالطَّالَقَانِ فَاقْتَتَلُوا طَوِيلًا فَقُتِلَ عَمْرُو بْنُ مَرْثَدٍ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فَلَحِقُوا بِهَرَاةَ بِأَوْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَرَجَعَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى مَرْوَ وَهَرَبَ مَنْ كَانَ بِمَرْوِ الرُّوذِ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ إِلَى هَرَاةَ وَانْضَمَّ إِلَيْهَا مَنْ كَانَ بِكُوَرِ خُرَاسَانَ مِنْ بَكْرٍ وَكَثُرَ جَمْعُهُمْ وَقَالُوا لِأَوْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَسِيرَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ وَتُخْرِجَ مُضَرَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ بَنُو صُهَيْبٍ، وَهُمْ مَوَالِي بَنِي جَحْدَمٍ: لَا نَرْضَى أَنْ نَكُونَ نَحْنُ وَمُضَرُ فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ وَقَدْ قَتَلُوا سُلَيْمَانَ وَعَمْرًا ابْنِي مَرْثَدٍ، فَإِمَّا أَنْ تُبَايِعَنَا عَلَى هَذَا وَإِلَّا بَايَعْنَا غَيْرَكَ. فَأَجَابَهُمْ، فَبَايَعُوهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ ابْنُ خَازِمٍ فَنَزَلَ عَلَى وَادٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَرَاةَ، فَأَشَارَ الْبَكْرِيُّونَ بِالْخُرُوجِ مِنْ هَرَاةَ وَعَمَلِ خَنْدَقٍ، فَقَالَ أَوْسٌ: بَلْ نَلْزَمُ الْمَدِينَةَ فَإِنَّهَا حَصِينَةٌ وَنُطَاوِلُ ابْنَ خَازِمٍ لِيَضْجَرَ وَيُعْطِيَنَا مَا نُرِيدُ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَخَرَجُوا وَخَنْدَقُوا خَنْدَقًا، وَقَاتَلَهُمُ ابْنُ خَازِمٍ نَحْوَ سَنَةٍ، وَقَالَ لَهُ هِلَالٌ الضَّبِّيُّ: إِنَّمَا تُقَاتِلُ إِخْوَتَكَ وَبَنِي أَبِيكَ، فَإِنْ نِلْتَ مِنْهُمُ الَّذِي تُرِيدُ فَمَا فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ، فَلَوْ أَعْطَيْتَهُمْ شَيْئًا يَرْضَوْنَ بِهِ وَأَصْلَحْتَ هَذَا الْأَمْرَ. قَالَ: وَاللَّهُ لَوْ خَرَجْنَا لَهُمْ مِنْ خُرَاسَانَ مَا رَضُوا. قَالَ هِلَالٌ: وَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُ مَعَكَ أَنَا وَلَا رَجُلٌ أَوْ تُطِيعُنِي حَتَّى تَعْتَذِرَ إِلَيْهِمْ. قَالَ: فَأَنْتَ رَسُولِي إِلَيْهِمْ فَأَرْضِهِمْ. فَأَتَى هِلَالٌ أَوْسَ بْنَ ثَعْلَبَةَ فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَالْقَرَابَةَ فِي نِزَارٍ وَأَنْ يَحْفَظَ وَلَاءَهَا. فَقَالَ: هَلْ لَقِيتَ بَنِي صُهَيْبٍ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَالْقَهَمُ. قَالَ: فَخَرَجَ فَلَقِيَ جَمَاعَةً مِنْ رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَتَى لَهُ. فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَقِيتَ بَنِي صُهَيْبٍ ؟ فَقَالَ: لَقَدْ عَظُمَ أَمْرُ بَنِي صُهَيْبٍ عِنْدَكُمْ، فَأَتَاهُمْ، فَقَالُوا: لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَقَتَلْنَاكَ. قَالَ: فَهَلْ يُرْضِيكُمْ شَيْءٌ ؟ قَالُوا: وَاحِدَةٌ مِنِ اثْنَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَخْرُجُوا مِنْ خُرَاسَانَ، وَإِمَّا أَنْ تُقِيمُوا وَتَخْرُجُوا لَنَا عَنْ كُلِّ سِلَاحٍ وَكُرَاعٍ وَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. فَرَجَعَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ، فَقَالَ: مَا عَنْكَ ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: إِنَّ رَبِيعَةَ لَمْ تَزَلْ غِضَابًا عَلَى رَبِّهَا مُنْذُ بَعَثَ نَبِيَّهُ مِنْ مُضَرَ. وَأَقَامَ ابْنُ خَازِمٍ يُقَاتِلُهُمْ، فَقَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: قَدْ طَالَ مُقَامُنَا، وَنَادَاهُمْ: يَا مَعْشَرَ رَبِيعَةَ أَرَضِيْتُمْ مِنْ خُرَاسَانَ بِخَنْدَقِكُمْ ! فَأَحْفَظَهُمْ ذَلِكَ، فَتَنَادَوْا لِلْقِتَالِ، فَنَهَاهُمْ أَوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ عَنِ الْخُرُوجِ بِجَمَاعَتِهِمْ وَأَنْ يُقَاتِلُوا كَمَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ، فَعَصَوْهُ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ لِأَصْحَابِهِ: اجْعَلُوهُ يَوْمَكُمْ فَيَكُونُ الْمُلْكُ لِمَنْ غَلَبَ، وَإِذَا لَقِيتُمُ الْخَيْلَ فَاطْعَنُوهَا فِي مَنَاخِرِهَا. فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً وَانْهَزَمَتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى خَنْدَقِهِمْ وَتَفَرَّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا وَسَقَطَ النَّاسُ فِي الْخَنْدَقِ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا وَهَرَبَ أَوْسُ بْنُ ثَعْلَبَةَ إِلَى سِجِسْتَانَ فَمَاتَ بِهَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقُتِلَ مِنْ بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَغَلَبَ ابْنُ خَازِمٍ عَلَى هَرَاةَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ مُحَمَّدًا وَضَمَّ إِلَيْهِ شَمَّاسَ بْنَ دِثَارٍ الْعُطَارِدِيَّ، وَجَعَلَ بُكَيْرَ بَنَ وَسَّاجٍ الثَّقَفِيَّ عَلَى شُرْطَتِهِ وَرَجَعَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى مَرْوَ. وَأَغَارَتِ التُّرْكُ عَلَى قَصْرِ اسْغَادَ، وَابْنُ خَازِمٍ عَلَى هَرَاةَ، وَكَانَ فِيهِ نَاسٌ مِنَ الْأَزْدِ، فَحَصَرُوهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ خَازِمٍ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ زُهَيْرَ بْنَ حَيَّانَ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَقَالَ لَهُ: إِيَّاكَ وَمُنَاوَأَةَ التُّرْكِ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ. فَوَافَاهُمْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ، فَلَمَّا الْتَقَوْا حَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَتِ التُّرْكُ وَاتَّبَعُوهُمْ حَتَّى مَضَى عَامَّةُ اللَّيْلِ، فَرَجَعَ زُهَيْرٌ وَقَدْ يَبَسَتْ يَدُهُ عَلَى رُمْحِهِ مِنَ الْبَرْدِ، فَجَعَلُوا يُسَخِّنُونَ الشَّحْمَ فَيَضَعُهُ عَلَى يَدِهِ وَدَهَنُوهُ وَأَوْقَدُوا لَهُ نَارًا فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَرَاةَ، ( فَقَالَ فِي ذَلِكَ ثَابِتُ قُطْنَةَ: فَدَتْ نَفْسِي فَوَارِسَ مِنْ تَمِيمٍ     عَلَى مَا كَانَ مِنْ ضَنْكِ الْمُقَامِ بِقَصْرِ الْبَاهِلِيِّ وَقَدْ أَرَانِي     أُحَامِي حِينَ قَلَّ بِهِ الْمُحَامِي بِسَيْفِي بَعْدَ كَسْرِ الرُّمْحِ فِيهِمْ     أَذُودُهُمُ بِذِي شَطَبٍ حُسَامِ أَكُرُّ عَلَيْهِمُ الْيَحْمُومَ كَرَّا     كَكَرِّ الشُّرْبِ آنِيَةَ الْمُدَامِ فَلَوْلَا اللَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ     وَضَرْبِي قَوْنَسَ الْمَلِكِ الْهُمَامِ إِذَا فَاظَتْ نِسَاءُ بَنِي دِثَارٍ     أَمَامَ التُّرْكِ بَادِيَةَ الْخِدَامِ )

  153. التاريخ 2244لا حكم مسجّل

    وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَحَرَّكَتِ الشِّيعَةُ بِالْكُوفَةِ   وَاسْتَعَدُّوا لِلِاجْتِمَاعِ بِالنُّخَيْلَةِ بِالْمَسِيرِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ لِلطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَكَاتَبُوا فِي ذَلِكَ. قِيلَ: لَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَرَجَعَ ابْنُ زِيَادٍ مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِالنُّخَيْلَةِ وَدَخَلَ الْكُوفَةَ تَلَاقَتِ الشِّيعَةُ بِالتَّلَاوُمِ وَالتَّنَدُّمِ، وَرَأَتْ أَنْ قَدْ أَخْطَأَتْ خَطَأً كَبِيرًا بِدُعَائِهِمُ الْحُسَيْنَ وَتَرْكِهِمْ نُصْرَتَهُ وَإِجَابَتَهُ حَتَّى قُتِلَ إِلَى جَانِبِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ عَارَهُمْ وَالْإِثْمَ عَلَيْهِمْ إِلَّا قَتْلُ مَنْ قَتَلَهُ أَوِ الْقَتْلُ فِيهِمْ، فَاجْتَمَعُوا بِالْكُوفَةِ إِلَى خَمْسَةِ نَفَرٍ مِنْ رُؤَسَاءِ الشِّيعَةِ: إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَإِلَى الْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ الْفَزَارِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ الْأَزْدِيِّ، وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَالٍ التَّيْمِيِّ، تَيْمِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَإِلَى رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ الْبَجَلِيِّ، وَكَانُوا مِنْ خِيَارِ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَنْزِلِ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ الْخُزَاعِيِّ، فَبَدْأَهُمُ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا ابْتُلِينَا بِطُولِ الْعُمُرِ وَالتَّعَرُّضِ لِأَنْوَاعِ الْفِتَنِ، فَنَرْغَبُ إِلَى رَبِّنَا أَنْ لَا يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَقُولُ لَهُ غَدًا: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِينَا رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ بَلَغَهُ، وَقَدْ كُنَّا مُغْرَمِينَ بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِنَا فَوَجَدَنَا اللَّهُ كَاذِبِينَ فِي كُلِّ وَطَنٍ مِنْ مَوَاطِنِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِ ﷺ وَقَدْ بَلَغَنَا قَبْلَ ذَلِكَ كُتُبُهُ وَرُسُلُهُ وَأَعْذَرَ إِلَيْنَا فَسَأَلَنَا نَصْرَهُ عَوْدًا وَبَدْءًا وَعَلَانِيَةً فَبَخِلْنَا عَنْهُ بِأَنْفُسِنَا حَتَّى قُتِلَ إِلَى جَانِبِنَا لَا نَحْنُ نَصَرْنَاهُ بِأَيْدِينَا وَلَا جَادَلْنَا عَنْهُ بِأَلْسِنَتِنَا وَلَا قَوَّيْنَاهُ بِأَمْوَالِنَا وَلَا طَلَبْنَا لَهُ النُّصْرَةَ إِلَى عَشَائِرِنَا، فَمَا عُذْرُنَا عِنْدَ رَبِّنَا وَعِنْدَ لِقَاءِ نَبِيِّنَا وَقَدْ قُتِلَ فِينَا وَلَدُ حَبِيبِهِ وَذُرِّيَّتُهُ وَنَسْلُهُ ؟ لَا وَاللَّهِ لَا عُذْرَ دُونَ أَنْ تَقْتُلُوا قَاتِلَهُ وَالْمُوَالِينَ عَلَيْهِ، أَوْ تُقْتَلُوا فِي طَلَبِ ذَلِكَ، فَعَسَى رَبُّنَا أَنْ يَرْضَى عَنَّا عِنْدَ ذَلِكَ، ( وَلَا أَنَا بَعْدَ لِقَائِهِ لِعُقُوبَتِهِ بِآمِنٍ ). أَيُّهَا الْقَوْمُ وَلُّوا عَلَيْكُمْ رَجُلًا مِنْكُمْ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ أَمِيرٍ تَفْزَعُونَ إِلَيْهِ وَرَايَةٍ تَحِفُّونَ بِهَا. وَقَامَ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكَ لِأَصْوَبِ الْقَوْلِ وَبَدَأْتَ بِأَرْشَدِ الْأُمُورِ بِدُعَائِكَ إِلَى جِهَادِ الْفَاسِقِينَ وَإِلَى التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ الْعَظِيمِ، فَمَسْمُوعٌ مِنْكَ مُسْتَجَابٌ إِلَى قَوْلِكَ، وَقُلْتَ: وَلُّوا أَمْرَكُمْ رَجُلًا تَفْزَعُونَ إِلَيْهِ وَتَحِفُّونَ بِرَايَتِهِ وَقَدْ رَأَيْنَا مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتَ، فَإِنْ تَكُنْ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ تَكُنْ عِنْدَنَا مَرْضِيًّا، وَفِينَا مُنْتَصِحًا، وَفِي جَمَاعَتِنَا مَحْبُوبًا، وَإِنْ رَأَيْتَ وَرَأَى أَصْحَابُنَا ذَلِكَ وَلَّيْنَا هَذَا الْأَمْرَ شَيْخَ الشِّيعَةِ وَصَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَا السَّابِقَةِ وَالْقَدَمِ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ الْخُزَاعِيَّ، الْمَحْمُودَ فِي بَأْسِهِ وَدِينِهِ، الْمَوْثُوقَ بِحَزْمِهِ. وَتَكَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِنَحْوِ ذَلِكَ وَأَثْنَيَا عَلَى الْمُسَيَّبِ وَسُلَيْمَانَ. فَقَالَ الْمُسَيَّبُ: قَدْ أَصَبْتُمْ فَوَلُّوا أَمْرَكُمْ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ. فَتَكَلَّمَ سُلَيْمَانُ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي لَخَائِفٌ أَلَّا يَكُونَ آخِرُنَا إِلَى هَذَا الدَّهْرِ الَّذِي نَكِدَتْ فِيهِ الْمَعِيشَةُ وَعَظُمَتْ فِيهِ الرَّزِيَّةُ وَشَمِلَ فِيهِ الْجَوْرُ أُولِي الْفَضْلِ مِنْ هَذِهِ الشِّيعَةِ لِمَا هُوَ خَيْرٌ، إِنَّا كُنَّا نَمُدُّ أَعْنَاقَنَا إِلَى قُدُومِ آلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا ﷺ نُمَنِّيهِمُ النَّصْرَ وَنُحِثُّهُمْ عَلَى الْقُدُومِ، فَلَمَّا قَدِمُوا وَنَيْنَا وَعَجَزْنَا وَأَدْهَنَّا وَتَرَبَّصْنَا حَتَّى قُتِلَ فِينَا وَلَدُ نَبِيِّنَا وَسُلَالَتُهُ وَعُصَارَتُهُ وَبَضْعَةٌ مِنْ لَحْمِهِ وَدَمِهِ إِذْ جَعَلَ يَسْتَصْرِخُ وَيَسْأَلُ النَّصَفَ فَلَا يُعْطَى، اتَّخَذَهُ الْفَاسِقُونَ غَرَضًا لِلنَّبْلِ وَدَرِيئَةً لِلرِّمَاحِ حَتَّى أَقْصَدُوهُ، وَعَدَوْا عَلَيْهِ، ( فَسَلَبُوهُ أَلَا ) انْهَضُوا، فَقَدْ سَخِطَ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ وَلَا تَرْجِعُوا إِلَى الْحَلَائِلِ وَالْأَبْنَاءِ حَتَّى يَرْضَى اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا أَظُنُّهُ رَاضِيًا دُونَ أَنْ تُنَاجِزُوا مَنْ قَتَلَهُ، أَلَا لَا تَهَابُوا الْمَوْتَ فَمَا هَابَهُ أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا ذُلَّ، وَكُونُوا كَبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فَفَعَلُوا وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ وَمَدُّوا الْأَعْنَاقَ حِينَ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَظِيمِ الذَّنْبِ إِلَّا الْقَتْلُ، فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ دُعِيتُمْ إِلَى مَا دُعُوا ! أَحِدُّوا السُّيُوفَ وَرَكِّبُوا الْأَسِنَّةَ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ حَتَّى تُدْعَوْا وَتُسْتَنْفَرُوا. فَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ يُنْجِينِي مِنْ ذَنْبِي وَيُرْضِي رَبِّي عَنِّي قَتْلِي نَفْسِي لَقَتَلْتُهَا، وَأَنَا أُشْهِدُ كُلَّ مَنْ حَضَرَ أَنَّ كُلَّ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُهُ سِوَى سِلَاحِي الَّذِي أُقَاتِلُ بِهِ عَدُوِّي صَدَقَةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أُقَوِّيهِمْ بِهِ عَلَى قِتَالِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ بْنُ حَنَشِ بْنِ رَبِيعَةَ الْكِنَانِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: حَسْبُكُمْ، مَنْ أَرَادَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَلْيَأْتِ بِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَالٍ التَّيْمِيَّ، فَإِذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ كُلُّ مَا تُرِيدُونَ إِخْرَاجَهُ جَهَّزْنَا بِهِ ذَوِي الْخَلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ مِنْ أَشْيَاعِكُمْ. كتاب سليمان بن صرد إلى سعد بن حذيفة بن اليمان وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ إِلَى سَعْدِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ يُعْلِمُهُ بِمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ وَيَدْعُوهُ إِلَى مُسَاعَدَتِهِمْ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الشِّيعَةِ بِالْمَدَائِنِ، فَقَرَأَ سَعْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْكِتَابَ عَلَى مَنْ بِالْمَدَائِنِ مِنَ الشِّيعَةِ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَكَتَبُوا إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ يُعْلِمُونَهُ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَرَكَةِ إِلَيْهِ وَالْمُسَاعَدَةِ لَهُ. وَكَتَبَ سُلَيْمَانُ أَيْضًا كِتَابًا إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيِّ بِالْبَصْرَةِ مِثْلَ مَا كَتَبَ إِلَى سَعْدِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَأَجَابَهُ الْمُثَنَّى: إِنَّنَا مَعْشَرَ الشِّيعَةِ حَمِدْنَا اللَّهَ عَلَى مَا عَزَمْتُمْ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مُوَافُوكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لِلْأَجَلِ الَّذِي ضَرَبْتَ. وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ: تَبَصَّرْ كَأَنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ مُعْلِمًا عَلَى أَتْلَعِ الْهَادِي أَجَشَّ هَزِيمِ     طَوِيلِ الْقَرَا نَهْدِ الشَّوَاةِ مُقَلَّصٍ مُلِحٍّ عَلَى فَأْسِ اللِّجَامِ أَزُومِ     بِكُلِّ فَتًى لَا يَمْلَأُ الرَّوْعُ قَلْبَهُ مِحَشٍّ لِنَارِ الْحَرْبِ غَيْرِ سَئُومِ     أَخِي ثِقَةٍ، يَنْوِي الْإِلَهَ بِسَعْيِهِ ضَرُوبٍ بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرِ أَثِيمِ ) فَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتَدَءُوا بِهِ أَمْرَهُمْ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ، فَمَا زَالُوا بِجَمْعِ آلَةِ الْحَرْبِ وَدُعَاءِ النَّاسِ فِي السِّرِّ إِلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، فَكَانَ يُجِيبُهُمُ النَّفَرُ، وَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ هَلَكَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ جَاءَ إِلَى سُلَيْمَانَ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: قَدْ هَلَكَ هَذَا الطَّاغِيَةُ وَالْأَمْرُ ضَعِيفٌ، فَإِنْ شِئْتَ وَثَبْنَا عَلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، وَكَانَ خَلِيفَةَ ابْنِ زِيَادٍ عَلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ أَظْهَرْنَا الطَّلَبَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ وَتَتَبَّعْنَا قَتَلَتَهُ وَدَعَوْنَا النَّاسَ إِلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الْمُسْتَأْثِرِ عَلَيْهِمُ الْمَدْفُوعِينَ عَنْ حَقِّهِمْ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ: لَا تُعَجِّلُوا، إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ فَرَأَيْتُ أَنَّ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ هُمْ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ وَفُرْسَانُ الْعَرَبِ وَهُمُ الْمُطَالَبُونَ بِدَمِهِ، وَمَتَى عَلِمُوا مَا تُرِيدُونَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَيْكُمْ، وَنَظَرْتُ فِيمَنْ تَبِعَنِي مِنْكُمْ فَعَلِمْتُ أَنَّهُمْ لَوْ خَرَجُوا لَمْ يُدْرِكُوا ثَأْرَهُمْ وَلَمْ يَشْفُوا نُفُوسَهُمْ وَكَانُوا جُزُرًا لِعَدُوِّهِمْ، وَلَكِنْ بُثُّوا دُعَاتَكُمْ وَادْعُوا إِلَى أَمْرِكُمْ. فَفَعَلُوا وَاسْتَجَابَ لَهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ بَعْدَ هَلَاكِ يَزِيدَ. طرد أهل الكوفة عمرو بن حريث ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ أَخْرَجُوا عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ وَكَانَ ابْنُ زِيَادٍ قَدْ قَتَلَ مِنَ الْخَوَارِجِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا وَحَبَسَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَلَمَّا هَلَكَ يَزِيدُ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي كُنَّا نُقَاتِلُ عَنْ طَاعَتِهِ قَدْ مَاتَ، فَإِنْ أَمَرْتُمُونِي جَبَيْتُ فَيْئَكُمْ، وَقَاتَلْتُ عَدُوَّكُمْ. وَبَعَثَ بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مُقَاتِلَ بْنَ مِسْمَعٍ، وَسَعِيدَ [بْنَ قَرْحَا] الْمَازِنِيَّ، فَقَامَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ قَدْ أَتَيَاكُمْ مِنْ قِبَلِ أَمِيرِكُمْ يَدْعُوانِكُمْ إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ اللَّهُ بِهِ كَلِمَتَكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُمَا، فَقَامَ ابْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ يَزِيدُ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَنَا مِنِ ابْنِ سُمَيَّةَ، فَأَمَرَ بِهِ عَمْرٌو إِلَى السِّجْنِ فَحَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ بَكْرٌ، وَصَعِدَ عَمْرٌو الْمِنْبَرَ فَحَصَبُوهُ، فَدَخَلَ دَارَهُ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ وَقَالُوا: نُؤَمِّرُ رَجُلًا إِلَى أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى خَلِيفَةٍ، فَأَجْمَعُوا عَلَى عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، ثُمَّ أَجْمَعُوا على عَامِرِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْمُلَقَّبُ دُحْرُوجَةَ، فَبَايَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَهُوَ يَسُدُّ الْأُمُورَ حَتَّى تَأْتِيَ نُوَّابُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ - قَدِمَ أَمِيرَانِ إِلَى الْكُوفَةِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ; أَحَدُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ عَلَى الْحَرْبِ وَالثَّغْرِ، وَالْآخَرُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ عَلَى الْخَرَاجِ. قُدُومِ الْمُخْتَارِ الْكُوفَةَ  وَقَدْ كَانَ قَدْمُ قَبْلَهُمَا إِلَى الْكُوفَةِ بِجُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ لِلنِّصْفِ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ - وَهُوَ الْمُخْتَارُ الثَّقَفِيُّ الْكَذَّابُ - فَوَجَدَ الشِّيعَةَ قَدِ الْتَفَتَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ، وَعَظَّمُوهُ تَعْظِيمًا زَائِدًا، وَهُمْ مُعِدُّونَ لِلْحَرْبِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُمْ، دَعَا فِي الْبَاطِنِ إِلَى إِمَامَةِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَقَّبَهُ الْمَهْدِيَّ، فَاتَّبَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ، وَفَارَقُوا سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ وَصَارَتِ الشِّيعَةُ فِرْقَتَيْنِ ; الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ مَعَ سُلَيْمَانَ يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ عَلَى النَّاسِ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ، وَفِرْقَةُ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى إِمَامَةِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَذَلِكَ عَنْ غَيْرِ أَمْرِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَرِضَاهُ، وَإِنَّمَا يَتَقَوَّلُونَ عَلَيْهِ لِيُرَوِّجُوا عَلَى النَّاسِ بِهِ، وَلِيَتَوَصَّلُوا إِلَى أَغْرَاضِهِمُ الْفَاسِدَةِ، وَجَاءَتِ الْعَيْنُ الصَّافِيَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ نَائِبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ فِرْقَتَا الشِّيعَةِ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا ; مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى النَّاسِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى مَا يُرِيدُونَ، وَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يُبَادِرَ إِلَيْهِمْ، وَيَحْتَاطَ عَلَيْهِمْ، وَيَبْعَثَ الشَّرَطَ وَالْمُقَاتِلَةَ فَيَقْمَعُهُمْ عَمَّا هُمْ مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ إِرَادَةِ الشَّرِّ وَالْفِتْنَةِ، فَقَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ، وَذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ مَا بَلَغَهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ، وَأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ الْأَخْذَ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ، وَلَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي لَسْتُ مِمَّنْ قَتَلَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَمِمَّنْ أُصِيبَ بِقَتْلِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَعَنَ قَاتِلَهُ، وَإِنِّي لَا أَتَعَرَّضُ لِأَحَدٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَنِي بِالشَّرِّ، وَإِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ الْأَخْذَ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ، فَلْيَعْمِدُوا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ،. فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَ الْحُسَيْنَ وَخِيَارَ أَهْلِهِ ; فَلْيَأْخُذُوا مِنْهُ بِالثَّأْرِ ; وَلَا يَخْرُجُوا بِسُيُوفِهِمْ عَلَى أَهْلِ بَلَدِهِمْ، فَيَكُونُ فِيهِ حَتْفُهُمْ وَاسْتِئْصَالُهُمْ. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ الْأَمِيرُ الْآخَرُ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ كَلَامُ هَذَا الْمُدَاهِنِ، إِنَّا وَاللَّهِ قَدِ اسْتَيْقَنَّا أَنَّ قَوْمًا يُرِيدُونَ الْخُرُوجَ عَلَيْنَا، وَلَنَأْخُذَنَّ الْوَالِدَ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدَ بِالْوَالِدِ، وَالْحَمِيمَ بِالْحَمِيمِ، وَالْعَرِيفَ بِمَا فِي عِرَافَتِهِ، حَتَّى يَدِينُوا بِالْحَقِّ وَيَذِلُّوا لِلطَّاعَةِ. فَوَثَبَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ الْفَزَارِيُّ فَقَطَعَ عَلَيْهِ كَلَامَهُ، فَقَالَ: يَابْنَ النَّاكِثِينَ أَتُهَدِّدُنَا بِسَيْفِكَ وَغَشْمِكَ ؟ ! أَنْتَ وَاللَّهِ أَذَلُّ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّا لَا نَلُومُكَ عَلَى بُغْضِنَا وَقَدْ قَتَلْنَا أَبَاكَ وَجَدَّكَ، وَإِنَّا لَنَرْجُوَ أَنَّ نُلْحِقَكَ بِهِمَا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْقَصْرِ. وَسَاعَدَ الْمُسَيَّبَ بْنَ نَجَبَةَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، وَرَدَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُمَّالِ، وَجَرَتْ فِتْنَةٌ وَشَرٌّ كَثِيرٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ عَنِ الْمِنْبَرِ، وَحَاوَلُوا أَنْ يُوقِعُوا بَيْنَ الْأَمِيرَيْنِ، فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَتِ الشِّيعَةُ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ بِالسِّلَاحِ، وَأَظْهَرُوا مَا كَانَ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَى النَّاسِ، وَرَكِبُوا مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ فَقَصَدُوا نَحْوَ الْجَزِيرَةِ وَأَمَّا الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ الْكَذَّابُ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ بَغِيضًا إِلَى الشِّيعَةِ مِنْ يَوْمِ طُعِنَ الْحَسَنُ، وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الشَّامِ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ، فَلَجَأَ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَأَشَارَ الْمُخْتَارُ عَلَى عَمِّهِ، وَهُوَ نَائِبُ الْمَدَائِنِ بِأَنْ يَقْبِضَ عَلَى الْحَسَنِ وَيَبْعَثَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَيَتَّخِذُ بِذَلِكَ عِنْدَهُ الْيَدَ الْبَيْضَاءَ، فَامْتَنَعَ عَمُّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَأَبْغَضَتْهُ الشِّيعَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ مَا كَانَ، وَقَتَلَهُ ابْنُ زِيَادٍ، كَانَ الْمُخْتَارُ يَوْمَئِذٍ بِالْكُوفَةِ، فَبَلَغَ ابْنَ زِيَادٍ أَنَّهُ يَقُولُ: لَأَقُومَنَّ بِنَصْرَةِ مُسْلِمٍ، وَلَآخُذُنَّ بِثَأْرِهِ. فَأَحْضَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَضَرَبَ عَيْنَهُ بِقَضِيبٍ كَانَ بِيَدِهِ فَشَتَرَهَا، وَأَمَرَ بِسِجْنِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ أُخْتَهُ سَجْنُهُ بَكَتْ وَجَزِعَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَكَتَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ فِي إِخْرَاجِ الْمُخْتَارِ مِنَ السِّجْنِ، فَبَعَثَ يَزِيدُ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ أَنَّ سَاعَةَ وُقُوفِكَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ تُخْرِجُ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ مِنَ السِّجْنِ، فَلَمْ يُمْكِنِ ابْنَ زِيَادٍ غَيْرُ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَهُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ وَجَدْتُكَ بِالْكُوفَةِ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ضَرَبْتُ عُنُقَكَ. فَخَرَجَ الْمُخْتَارُ إِلَى الْحِجَازِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَقْطَعَنَّ أَنَامِلَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَلَأَقْتُلَنَّ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَدَدَ مَنْ قُتِلَ عَلَى دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا. فَلَمَّا اسْتَفْحَلَ أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ بَايَعَهُ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ عِنْدَهُ، وَلَمَّا حَاصَرَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَهْلُ الشَّامِ قَاتَلَ الْمُخْتَارُ دُونَهُ أَشَدَّ الْقِتَالِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَاضْطِرَابُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، نَقَمَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، وَخَرَجَ مِنَ الْحِجَازِ، فَقَصَدَ الْكُوفَةَ فَدَخَلَهَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَالنَّاسُ يَتَهَيَّئُونَ لِلصَّلَاةِ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِمَلَأٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا سَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِالْأَعْدَاءِ. وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى إِلَى سَارِيَةٍ هُنَالِكَ، حَتَّى أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ صَلَّى مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعَصْرُ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ وَعَظَّمُوهُ، وَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى إِمَامِهِ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَيُظْهِرُ الِانْتِصَارَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ بِصَدَدِ أَنْ يُقِيمَ شِعَارَهُمْ، وَيُظْهِرَ مَنَارَهُمْ، وَيَسْتَوْفِيَ ثَأْرَهُمْ، وَيَقُولَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ مِنَ الشِّيعَةِ، وَقَدْ خَشِيَ أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى الْخُرُوجِ مَعَ سُلَيْمَانَ، فَجَعَلَ يُخَذِّلُهُمْ وَيَسْتَمِيلُهُمْ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ قِبَلِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، وَمَعْدِنِ الْفَضْلِ، وَوَصِيِّ الْوَصِيِّ، وَالْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ، بِأَمْرٍ فِيهِ الشِّفَاءُ، وَكَشْفُ الْغِطَاءِ، وَقَتْلُ الْأَعْدَاءِ، وَتَمَامُ النَّعْمَاءِ، وَأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ يَرْحَمُنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُ، إِنَّمَا هُوَ عَشَمَةٌ مِنَ الْعَشَمِ، وَشَنٌّ بَالٍ، لَيْسَ بِذِي تَجْرِبَةٍ لِلْأُمُورِ، وَلَا لَهُ عِلْمٌ بِالْحُرُوبِ، إِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ فَيَقْتُلَ نَفْسَهُ وَيَقْتُلَكُمْ، وَإِنِّي إِنَّمَا أَعْمَلُ عَلَى مَثَلٍ قَدْ مُثِّلَ لِي، وَأَمَرٍ قَدْ بُيِّنَ لِي، فِيهِ عِزُّ وَلِيِّكُمْ، وَقَتْلُ عَدُوِّكُمْ، وَشِفَاءُ صُدُورِكُمْ، فَاسْمَعُوا مِنِّي وَأَطِيعُوا أَمْرِي، ثُمَّ أَبْشِرُوا وَتَبَاشَرُوا، فَإِنِّي لَكُمْ بِكُلِّ مَا تَأْمَلُونَ وَتُحِبُّونَ كَفِيلٌ. فَالْتَفَّ عَلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الشِّيعَةِ، وَلَكِنَّ الْجُمْهُورَ مِنْهُمْ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ، فَلَمَّا خَرَجُوا مَعَ سُلَيْمَانَ إِلَى النُّخَيْلَةِ قَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَغَيْرِهِمَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ نَائِبِ الْكُوفَةِ: إِنَّ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ أَشَدُّ عَلَيْكَمْ مِنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ الشُّرَطَ فَأَحَاطُوا بِدَارِهِ، فَأَخَذَهُ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السِّجْنِ مُقَيَّدًا. وَقِيلَ: بِغَيْرِ قَيْدٍ. فَأَقَامَ بِهِ مُدَّةً وَمَرِضَ فِيهِ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي عِيسَى أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ إِلَيْهِ مَعَ حُمَيْدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْأَزْدِيِّ نَعُودُهُ وَنَتَعَاهَدُهُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَمَا وَرَبِّ الْبِحَارِ، وَالنَّخِيلِ وَالْأَشْجَارِ، وَالْمَهَامِهِ وَالْقِفَارِ، وَالْمَلَائِكَةِ الْأَبْرَارِ، وَالْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ، لَأَقْتُلَنَّ كُلَّ جَبَّارٍ، بِكُلِّ لَدْنٍ خَطَّارٍ، وَمُهَنَّدٍ بَتَّارٍ، وَجُمُوعٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، لَيْسُوا بِمِيلٍ أَغْمَارٍ، وَلَا بِعُزَّلٍ أَشْرَارٍ، حَتَّى إِذَا أَقَمْتُ عَمُودَ الدِّينِ، وَجَبَرْتُ صَدْعَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَفَيْتُ غَلِيلَ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَدْرَكْتُ ثَأْرَ أَوْلَادِ النَّبِيِّينَ، لَمْ أَبْكِ عَلَى زَوَالِ الدُّنْيَا، وَلَمْ أَحْفِلْ بِالْمَوْتِ إِذَا دَنَا. قَالَ: وَكَانَ كُلَّمَا أَتَيْنَاهُ وَهُوَ فِي السِّجْنِ يُرَدِّدُ عَلَيْنَا هَذَا الْقَوْلَ حَتَّى خَرَجَ. وَقِيلَ فِي خُرُوجِ الْمُخْتَارِ إِلَى الْكُوفَةِ وَسَبَبِهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُخْتَارَ قَالَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ عِنْدَهُ: إِنِّي لَأَعْلَمُ قَوْمًا لَوْ أَنَّ لَهُمْ رَجُلًا لَهُ فِقْهٌ وَعِلْمٌ بِمَا يَأْتِي وَيَذَرُ لَاسْتَخْرَجَ لَكَ مِنْهُمْ جُنْدًا تُقَاتِلُ بِهِمْ أَهْلَ الشَّامِ. قَالَ: مَنْ هُمْ ؟ قَالَ: شِيعَةُ عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ. قَالَ: فَكُنْ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلَ. فَبَعَثَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ نَاحِيَةً مِنْهَا يَبْكِي عَلَى الْحُسَيْنِ وَيَذْكُرُ مُصَابَهُ حَتَّى لَقُوهُ وَأَحَبُّوهُ فَنَقَلُوهُ إِلَى وَسَطِ الْكُوفَةِ وَأَتَاهُ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا قَوِيَ أَمْرُهُ سَارَ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ.

  154. التاريخ 2245لا حكم مسجّل

    هَدْمِ الْكَعْبَةِ وَبِنَائِهَا فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ   قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: وَفِي سنة أربع وستين هَدَمَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَالَ جِدَارُهَا مِمَّا رُمِيَتْ بِهِ مِنْ حِجَارَةِ الْمَنْجَنِيقِ، فَهَدَمَ الْجُدْرَانَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُصَلُّونَ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فِي تَابُوتٍ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، وَادَّخَرَ مَا كَانَ فِي الْكَعْبَةِ مِنْ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ وَطِيبٍ عِنْدَ الْخَزَّانِ، حَتَّى أَعَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِنَاءَهَا عَلَى مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا أَرَادَ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَدْمَ الْبَيْتِ شَاوَرَ النَّاسَ فِي هَدْمِهَا، فَأَشَارَ عَلَيْهِ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ بِذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْشَى أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَكَ مَنْ يَهْدِمُهَا، فَلَا تَزَالُ تُهْدَمُ حَتَّى يَتَهَاوَنَ النَّاسُ بِحُرْمَتِهَا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوِ احْتَرَقَ بَيْتُ أَحَدِكُمْ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجَدِّدَهُ، فَكَيْفَ بِبَيْتِ رَبِّكُمْ ؟ ! ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ اسْتَخَارَ اللَّهَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ غَدَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، فَبَدَأَ يَنْقُضُ الرُّكْنَ إِلَى الْأَسَاسِ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْأَسَاسِ وَجَدُوا أَصْلًا بِالْحَجَرِ مُشَبَّكًا كَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ، فَدَعَا ابْنُ الزُّبَيْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ بَنَى الْبَيْتَ وَأَدْخَلَ الْحَجَرَ فِيهِ، وَجَعَلَ لِلْكَعْبةِ بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ بِالْأَرْضِ ; بَابٌ يُدْخَلُ مِنْهُ وَبَابٌ يُخْرَجُ مِنْهُ، وَوَضَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ بِيَدِهِ، وَشَدَّهُ بِفِضَّةٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَصَدَّعَ، وَجَعَلَ طُولَ الْكَعْبَةِ سَبْعَةً وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَكَانَ طُولُهَا سَبْعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فَاسْتَقْصَرَهُ، وَزَادَ فِي وُسْعِ الْكَعْبَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَلَطَّخَ جُدْرَانَهَا بِالْمِسْكِ، وَسَتَرَهَا بِالدِّيبَاجِ، ثُمَّ اعْتَمَرَ مِنْ مَسَاجِدِ عَائِشَةَ، وَطَافَ بِالْبَيْتِ، وَصَلَّى وَسَعَى، وَأَزَالَ مَا كَانَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَفِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالزُّبَالَةِ، وَمَا كَانَ حَوْلَهَا مِنَ الدِّمَاءِ، وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ قَدْ وَهَتْ مِنْ أَعْلَاهَا إِلَى أَسْفَلِهَا مِنْ حِجَارَةِ الْمَنْجَنِيقِ، وَاسْوَدَّ الرُّكْنُ، وَانْصَدَعَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ النَّارِ الَّتِي كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ. سبب تجديد عبد الله بن الزبير للكعبة وَكَانَ سَبَبُ تَجْدِيدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ لَهَا مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا الْحَجَرَ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيَخْرُجُونَ مِنَ الْآخَرِ، وَلَأَلْصَقْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ رَفَعُوا بَابَهَا لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا ". فَبَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَتْهُ بِهِ خَالَتُهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. ثُمَّ لَمَّا غَلَبَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ هَدَمَ الْحَائِطَ الشَّمَالِيَّ وَأَخْرَجَ الْحَجَرَ كَمَا كَانَ أَوَّلًا، وَأَدْخَلَ الْحِجَارَةَ الَّتِي هَدَمَهَا إِلَى جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَرَضَّهَا فِيهَا، فَارْتَفَعَ الْبَابُ، وَسَدَّ الْغَرْبِيَّ، وَتِلْكَ آثَارُهُ إِلَى الْآنَ، وَذَلِكَ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: وَدِدْنَا أَنَّا تَرَكْنَاهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ هَمَّ الْمَهْدِيُّ بْنُ الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيُّ  أَنْ يُعِيدَهَا عَلَى مَا بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَشَارَ الْإِمَامَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا الْمُلُوكُ مَلْعَبَةً. يَعْنِي يَتَلَاعَبُونَ فِي بِنَائِهَا بِحَسْبِ آرَائِهِمْ، فَهَذَا يَرَى رَأْيَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهَذَا يَرَى رَأْيَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَقِيلَ: كَانَتْ عِمَارَتُهَا سَنَةَ خمس وَسِتِّينَ. وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّقْضُ فِي سِنَةٍ وَالْبِنَاءُ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى.

  155. التاريخ 2246لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَخُوهُ عُبَيْدَةُ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا سَعِيدُ بْنُ نِمْرَانَ، وَامْتَنَعَ شُرَيْحٌ أَنْ يَحْكُمَ فِي زَمَانِ الْفِتْنَةِ، وَعَلَى الْبَصْرَةٍ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ وَعَلَى قَضَائِهَا هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ.

  156. التاريخ 2247لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارِ بْنِ هَمَّامٍ الْعَبْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارِ بْنِ هَمَّامٍ الْعَبْدِيُّ:   وَكَانَ شَرِيفًا جَوَادًا، وَوَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ السِّنْدَ. فعَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ رِجَالِهِ، قَالُوا: وَفَدَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَّارِ بْنِ هَمَّامٍ الْعَبْدِيُّ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَهُوَ عَامِلُ مُعَاوِيَةَ عَلَى السِّنْدِ، فَانْتَظَرَ إِذْنَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَأَنْكَرَهُ، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ بَنِي تَمِيمِ مِنْ بَنِي سَعْدٍ، قَالَ: وَمَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: حُرْمَةٌ قُمْتَ بِهَا، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: كُنْتَ تَمُرُّ بِمَجْلِسِ بَنِي سُورٍ فَتُسَلِّمُ فَأَرُدُّ عَلَيْكَ أَتَمَّ مِنْ سَلَامِكَ بِأَجْهَرَ مِنْ كَلَامِكَ، وَأَتْبَعُكَ بِدُعَائِي مِنْ بَيْنِ رِجَالِ قَوْمِي، قَالَ: حُرْمَةٌ وَاللَّهِ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارٍ شَرِيفًا جَوَادًا، فَقَالَ: مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: أَمَلِي، قَالَ: وَمَا أَمَلُكَ؟ قَالَ: مَا أَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ غَيْرِكَ إِنْ عِشْتُ، وَتَنْمُو بِهِ عَقِبِي إِنْ مُتُّ. فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَسَاهُ وَقَالَ: هِيَ لَكَ عِنْدِي فِي كُلِّ سَنَةٍ إِنْ أَبْقَانِي لَكَ الدَّهْرُ. الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ.   أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَوْفٍ، أُخْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْمُبَايِعَاتِ، قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمِسْوَرُ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُلَازِمُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَيَحْفَظُ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَ خَالِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا فِي أَمْرِ الشُّورَى، ثُمَّ انْحَازَ إِلَى مَكَّةَ حِينَ تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ، وَكَرِهَ بَيْعَةَ يَزِيدَ، فَلَمْ يَزَلْ هُنَالِكَ حَتَّى قَدِمَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ وَحَضَرَ حِصَارَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فعن إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ بِبُرُودٍ مِنَ الْيَمَنِ فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَانَ فِيهَا بُرْدٌ فَائِقٌ، فَقَالَ: إِنْ أَعْطَيْتُهُ أَحَدًا مِنْهُمْ غَضِبَ أَصْحَابُهُ وَرَأَوْا أَنِّي فَضَّلْتُهُ عَلَيْهِمْ، فَدُلُّونِي عَلَى فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ نَشَأَ نَشْأَةً حَسَنَةً أُعْطِهِ إِيَّاهُ، فَأَسْمُوا الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى الْمِسْوَرِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: كَسَانِيهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَجَاءَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: تَكْسُونِي هَذَا الْبُرْدَ وَتَكْسُو ابْنَ أَخِي أَفْضَلَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ، إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ أَحَدًا مِنْكُمْ فَيَغْضَبَ أَصْحَابُهُ فَأَعْطَيْتُهُ فَتًى نَشَأَ نَشْأَةً حَسَنَةً حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ فِيهِ أَنِّي أُفَضِّلُهُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ سَعْدٌ: فَإِنِّي قَدْ حَلَفْتُ لَأَضْرِبَنَّ بِالْبُرْدِ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي رَأْسَكَ، فَخَضَعَ لَهُ عُمَرُ رَأْسَهُ وَقَالَ: عِنْدَكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَارْفُقِ الشَّيْخَ بِالشَّيْخِ، فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِالْبُرْدِ. وعَنْ أُمِّ بَكْرٍ بِنْتِ الْمِسْوَرِ: أَنَّ الْمِسْوَرَ كَانَ لَا يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَكْرَهُهُ، وَيَرَى أَنَّهُ صَدَقَةٌ، وَأَنَّهُ احْتَكَرَ طَعَامًا فَرَأَى سَحَابًا مِنْ سَحَابِ الْخَرِيفِ فَكَرِهَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى السُّوقَ فَقَالَ: مَنْ جَاءَنِي وَلَّيْتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَتَاهُ بِالسُّوقِ فَقَالَ: أَجُنِنْتَ يَا مِسْوَرُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ سَحَابًا مِنْ سَحَابِ الْخَرِيفِ فَكَرِهْتُهُ، فَكَرِهْتُ مَا يَنْفَعُ الْمُسْلِمِينَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَرْبَحَ فِيهِ، وَأَرَدْتُ أَلَّا أَرْبَحَ فِيهِ، فَقَالَ عُمَرُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وعَنِ أُمِّ بَكْرٍ بِنْتِ الْمِسْوَرِ، عَنْ أَبِيهَا: أَنَّهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَأَنَّهُ أَصَابَهُ حَجَرٌ مِنَ الْمَنْجَنِيقِ، ضَرَبَ الْبَيْتَ فَانْفَلَقَ مِنْهُ فِلْقَةٌ فَأَصَابَتْ جِدَارَ الْمِسْوَرِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَمَرِضَ مِنْهَا أَيَّامًا ثُمَّ هَلَكَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ نَعْيُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِمَكَّةَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ لَا يَتَسَمَّى بِالْخِلَافَةِ، وَالْأَمْرِ شُورَى، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سَنَةً. يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ:   كَانَ عَبْدًا صَالِحًا، وَكَانَ الْقَطْرُ قَدِ احْتَبَسَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَدَعَاهُ فَصَعِدَ إِلَيْهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِيَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، فَسُقِيَ النَّاسُ، ثُمَّ جَرَى لَهُ مِثْلُ هَذَا مَعَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ. وعَنِ ابْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ بِدِمَشْقَ، وَعَلَى النَّاسِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ، فَخَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَقَالَ: أَيْنَ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ مِرَارًا، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامِي إِلَّا قَامَ، فَقَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ يَا رَبِّ إِنَّ عِبَادَكَ تَقَرَّبُوا إِلَيْكَ فَأَسْقِهِمْ، فَانْصَرَفَ النَّاسُ وَهُمْ يَخُوضُونَ الْمَاءَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ قَدْ شَهَرَنِي فَأَرِحْنِي مِنْهُ، فَمَا أَتَتْ عَلَيْهِ جُمُعَةٌ حَتَّى قُتِلَ الضَّحَّاكُ. الضحاك بن قيس الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسِ  بْنِ خَالِدٍ الْأَكْبَرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ وَائِلَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، أَبُو أُنَيْسٍ الْفِهْرِيُّ، أَحَدَ الصَّحَابَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ عِدَّةً، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَهُوَ أَخُو فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ وَكَانَتْ أَكْبَرُ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ عَمَّهُ. حَكَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا صُحْبَةَ لَهُ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدَ الضَّحَّاكُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ. وَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ دِمَشْقَ وَسَكَنَهَا وَلَهُ بِهَا دَارٌ عِنْدَ حَجَرِ الذَّهَبِ، مِمَّا يَلِي نَهْرَ بَرَدَى، وَكَانَ عَلَى أَهْلِ دِمَشْقَ يَوْمَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ. وَلَمَّا أَخَذَ مُعَاوِيَةُ الْكُوفَةَ اسْتَنَابَهُ بِهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ " أَنَّ الضَّحَّاكَ قَرَأَ سُورَةَ " ص " فِي الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ بِالْكُوفَةِ، فَسَجَدَ فِيهَا فَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلْقَمَةُ وَأَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي السُّجُودِ. ثُمَّ اسْتَنَابَهُ مُعَاوِيَةُ عِنْدَهُ عَلَى دِمَشْقَ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ مُعَاوِيَةُ، وَتَوَلَّى ابْنُهُ يَزِيدُ، ثُمَّ ابْنُ ابْنِهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ ثُمَّ صَارَ أَمْرُهُ إِلَى مَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ كَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ حِينَ مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فِتَنًا كَقِطَعِ الدُّخَانِ، يَمُوتُ فِيهَا قَلْبُ الرَّجُلِ كَمَا يَمُوتُ بَدَنُهُ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ خَلَاقَهُمْ وَدِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ ". وَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَدْ مَاتَ، وَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا وَأَشِقَّاؤُنَا فَلَا تَسْبِقُونَا حَتَّى نَخْتَارَ لِأَنْفُسِنَا. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بسنده عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: دَخَلَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: تَطَاوَلَتْ لِلضَّحَّاكِ حَتَّى رَدَدْتُهُ إِلَى حَسَبٍ فِي قَوْمِهِ مُتَقَاصِرِ فَقَالَ الضَّحَّاكُ: قَدْ عَلِمَ قَوْمُنَا أَنَّنَا أَحْلَاسُ الْخَيْلِ. فَقَالَ: صَدَقْتَ، أَنْتُمْ أَحْلَاسُهَا وَنَحْنُ فُرْسَانُهَا. يُرِيدُ: أَنْتُمْ رَاضَةٌ وَسَاسَةٌ، وَنَحْنُ الْفُرْسَانُ. وَأَرَى أَصْلَهُ مِنَ الْحِلْسِ، وَهُوَ كِسَاءٌ يَكُونُ تَحْتَ الْبَرْدَعَةِ، أَيْ يَلْزَمُ ظُهُورَهَا، كَمَا يَلْزَمُ الْحِلْسُ ظَهْرَ الْبَعِيرِ. وَرَوَى أَيْضًا أَنَّ مُؤَذِّنَ دِمَشْقَ قَالَ لِلضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ: وَاللَّهِ أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فِي اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: وَلَكِنِّي وَاللَّهِ أُبْغِضُكَ فِي اللَّهِ. قَالَ: وَلِمَ ؟ أَصْلَحَكَ اللَّهُ. قَالَ: لِأَنَّكَ تَتَرَاءَى فِي أَذَانِكَ، وَتَأْخُذُ أَجْرًا عَلَى تَعْلِيمِكَ. قُتِلَ الضَّحَّاكُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَذَلِكَ لِلنِّصْفِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. النعمان بن بشير وَفِيهَا قُتِلَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ   وَأُمُّهُ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ لِلْأَنْصَارِ، فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَأَتَتْ بِهِ أُمُّهُ تَحْمِلُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَحَنَّكَهُ وَبَشَّرَهَا بِأَنَّهُ يَعِيشُ حَمِيدًا، وَيُقْتَلُ شَهِيدًا، وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ، فَعَاشَ فِي خَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَوَلِيَ نِيَابَةَ الْكُوفَةِ لِمُعَاوِيَةَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ سَكَنَ الشَّامَ، وَوَلِيَ قَضَاءَهَا بَعْدَ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَفَضَالَةُ بَعْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَنَابَ بِحِمْصَ لِمُعَاوِيَةَ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ آلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِأَمْرِ يَزِيدَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى يَزِيدَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: عَامِلْهُمْ بِمَا كَانَ يُعَامِلُهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَوْ رَآهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ. فَرَقَّ لَهُمْ يَزِيدُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَكْرَمَهُمْ، وَأَمَرَ بِإِكْرَامِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ وَقُتْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ النُّعْمَانُ قَدْ أَمَدَّهُ بِأَهْلِ حِمْصَ عَدَا عَلَيْهِ أَهِلُ حِمْصَ فَقَتَلُوهُ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: يَيْرِينُ. قَتَلَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ الْكَلَاعِيُّ. وَقِيلَ: خَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ. وَهُوَ جَدُّ خَالِدِ بْنِ خَلِيٍّ، وَقَدْ رَثَتْهُ ابْنَتُهُ حُمَيْدَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ فَقَالَتْ: لَيْتَ ابْنَ مُرْنَةَ وَابْنَهُ     كَانُوا لِقَتْلِكَ وَاقِيَةْ وَبَنِي أُمَيَّةَ كُلَّهُمْ     لَمْ تَبْقَ مِنْهُمْ بَاقِيَةْ جَاءَ الْبَرِيدُ بِقَتْلِهِ     يَا لَلْكِلَابِ الْعَاوِيَةْ يَسْتَفْتِحُونَ بِرَأْسِهِ     دَارَتْ عَلَيْهِمْ ثَانِيَةْ فَلْأَبْكِيَنَّ مُسِرَّةً     وَلَأَبْكِيَنَّ عَلَانِيَةْ وَلَأَبْكِيَنَّكَ مَا حَيِيتُ     مَعَ السِّبَاعِ الْعَادِيَةْ وَقِيلَ: إِنَّ أَعْشَى هَمْدَانَ قَدِمَ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصَ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ: مَا أَقْدَمَكَ ؟ قَالَ: لِتَصِلَنِي وَتَحْفَظَ قَرَابَتِي وَتَقْضِيَ دَيْنِي. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدِي، وَلَكِنِّي سَائِلُهُمْ لَكَ شَيْئًا. ثُمَّ قَامَ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ، إِنَّ هَذَا ابْنُ عَمِّكُمْ مِنَ الْعِرَاقِ، وَهُوَ يَسْتَرْفِدُكُمْ شَيْئًا فَمَا تَرَوْنَ ؟ فَقَالُوا: احْتَكِمْ فِي أَمْوَالِنَا. فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: قَدْ حَكَمْنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، كُلُّ رَجُلٍ دِينَارَيْنِ - وَكَانُوا فِي الدِّيوَانِ عِشْرِينَ أَلْفَ رَجُلٍ - فَعَجَّلَهَا لَهُ النُّعْمَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا خَرَجَتْ أَعْطِيَاتُهُمْ أَسْقَطَ مِنْ عَطَاءِ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ دِينَارَيْنِ. وَمِنْ كَلَامِ النُّعْمَانِ، ؓ، قَوْلُهُ: إِنَّ الْهَلَكَةَ كُلَّ الْهَلَكَةِ أَنْ تَعْمَلَ بِالسَّيِّئَاتِ فِي زَمَانِ الْبَلَاءِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسنده عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ لِلشَّيْطَانِ مَصَالِيَ وَفُخُوخًا، وَإِنَّ مِنْ مَصَالِيهِ وَفُخُوخِهِ الْبَطَرَ بِنِعَمِ اللَّهِ، وَالْفَخْرَ بِعَطَاءِ اللَّهِ، وَالْكِبْرَ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ ". وَمِنْ أَحَادِيثِهِ الصِّحَاحِ الْحِسَانِ مَا سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ تَعَالَى مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: كَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَلَى حِمْصَ عَامِلًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا تَمَرْوَنَ أَهْلُ حِمْصَ خَرَجَ النُّعْمَانُ هَارِبًا، فَاتَّبَعَهُ خَالِدُ بْنُ خَلِيٍّ الْكَلَاعِيُّ فَقَتَلَهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ تَزَوُّجَ امْرَأَةً جَمِيلَةً جِدًّا، فَبَعَثَ إِحْدَى امْرَأَتَيْهِ مَيْسُونَ أَوْ فَاخِتَةَ لِتَنْظُرَ إِلَيْهَا. فَلَمَّا رَأَتْهَا أَعْجَبَتْهَا جِدًّا، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِيهَا ؟ قَالَتْ: بَدِيعَةَ الْجَمَالِ، غَيْرَ أَنِّي رَأَيْتُ تَحْتَ سُرَّتِهَا خَالًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَحْسَبُ أَنَّ زَوْجَهَا يُقْتَلُ وَيُلْقَى رَأْسُهُ فِي حِجْرِهَا. فَطَلَّقَهَا مُعَاوِيَةُ، وَتَزَوَّجَهَا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فَلَمَّا قُتِلَ أُلْقِيَ فِي حِجْرِ امْرَأَتِهِ هَذِهِ. وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ زَبْرٍ: قَتَلَ بِسَلَمْيَةَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ. وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْنَاهُ. شداد بن أوس بن ثابت وَفِيهَا مَاتَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسِ بْنِ ثَابِتٍ  ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. ( وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ بِخُرَاسَانَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قَوْلٍ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ شَقِيقُ بْنُ ثَوْرٍ السُّدُوسِيُّ.

  157. التاريخ 2248لا حكم مسجّل

    شُخُوصُ التَّوَّابِينَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ لِلطَّلَبِ بِدَمِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وفي سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ اجْتَمَعَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، كُلُّهُمْ يَطْلُبُونَ الْأَخْذَ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ مِمَّنْ قَتَلَهُ  . ثُمَّ أَشَارَ عَلَيْهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ بِقَصْدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَأَشَارَ بَعْضُهُمْ بِمُقَاتَلَةِ مَنْ بِالْكُوفَةِ مِنْ رُءُوسِ الْقَبَائِلِ مِنْ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ كَعُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَضْرَابِهِ، فَامْتَنَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ إِلَّا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ ; فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي جَهَّزَ إِلَيْهِ الْجُيُوشَ، وَأَلَّبَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِ مَا طَلَبَهُ مِنْهُ، وَقَالَ: لَيْسَ لَهُ إِلَّا السَّيْفُ، وَهَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ قَاصِدًا الْعِرَاقَ. فَصَمَّمَ النَّاسُ مَعَهُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ. فَلَمَّا أَزْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ أُمَرَاءُ الْكُوفَةِ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ يَقُولَانِ لَهُ: إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَكُونَ أَيْدِينَا وَاحِدَةً عَلَى ابْنِ زِيَادٍ. وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُمْ جَيْشًا لِيُقَوِّيَهُمْ عَلَى مَا قَصَدُوا لَهُ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ الْبَرِيدَ أَنْ يَنْتَظِرَهُمْ حَتَّى يَقْدُمُوا عَلَيْهِ، فَتَهَيَّأَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ لِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ فِي رُءُوسِ الْأُمَرَاءِ، وَجَلَسَ فِي أُبَّهَتِهِ، وَالْجُيُوشُ مُحْدِقَةٌ بِهِ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ فِي أَشْرَافِ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ غَيْرِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ لِئَلَّا يَطْمَعُوا فِيهِمْ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا لَا يَبِيتُ إِلَّا فِي قَصْرِ الْإِمَارَةِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْأَمِيرَانِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَا لَهُ وَأَشَارَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَذْهَبُوا حَتَّى تَكُونَ أَيْدِيهِمْ كُلِّهِمْ وَاحِدَةً عَلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمُ ابْنِ زِيَادٍ، وَيُجَهِّزُوا مَعَهُمْ جَيْشًا آخَرَ فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَهُمْ يُحَاجِفُونَ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ، فَامْتَنَعَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ مِنْ قَبُولِ قَوْلِهِمَا وَقَالَ: إِنَّا قَدْ خَرَجْنَا لِأَمْرٍ لَا نَرْجِعُ عَنْهُ، وَلَا نَتَأَخَّرُ فِيهِ. فَانْصَرَفَ الْأَمِيرَانِ رَاجِعِينَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَانْتَظَرَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ وَأَصْحَابُهُ أَصْحَابَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ وَاعَدُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْلِ الْمَدَائِنِ أَنْ يَقْدُمُوا عَلَيْهِمُ النُّخَيْلَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمْ يَقْدُمُوا عَلَيْهِمْ وَلَا وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَقَامَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ فِي أَصْحَابِهِ خَطِيبًا، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الذَّهَابِ لِمَا خَرَجُوا لَهُ، وَقَالَ: لَوْ قَدْ سَمِعَ إِخْوَانُكُمْ بِمَسِيرِكُمْ لَلَحِقُوكُمْ سِرَاعًا. وأَرْسَلَ حَكِيمَ بْنَ مُنْقِذٍ الْكِنْدِيَّ وَالْوَلِيدَ بْنَ عُصَيْرٍ الْكِنَانِيَّ، فَنَادَيَا فِي الْكُوفَةِ: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ ! فَكَانَا أَوَّلَ خَلْقِ اللَّهِ دَعَوْا: يَا لَثَارَاتِ الْحُسَيْنِ. فَأَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ وَقَدْ أَتَاهُ نَحْوٌ مِمَّا فِي عَسْكَرِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي دِيوَانِهِ فَوَجَدَهُمْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا مِمَّنْ بَايَعَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! مَا وَافَانَا مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا إِلَّا أَرْبَعَةُ آلَافٍ. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْمُخْتَارَ يُثَبِّطُ النَّاسَ عَنْكَ، إِنَّهُ قَدْ تَبِعَهُ أَلْفَانِ. فَقَالَ: قَدْ بَقِيَ عَشَرَةُ آلَافٍ، أَمَا هَؤُلَاءِ بِمُؤْمِنِينَ ؟ أَمَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ وَالْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ ؟ فَأَقَامَ بِالنُّخَيْلَةِ ثَلَاثًا يَبْعَثُ إِلَى مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ نَحْوٌ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ. فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ ! إِنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ الْكَارِهُ وَلَا يُقَاتِلُ مَعَكَ إِلَّا مَنْ أَخْرَجَتْهُ النِّيَّةُ، فَلَا تَنْتَظِرْ أَحَدًا وَجِدَّ فِي أَمْرِكَ. قَالَ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. ثُمَّ قَامَ سُلَيْمَانُ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ خَرَجَ يُرِيدُ بِخُرُوجِهِ وَجْهَ اللَّهِ وَالْآخِرَةَ فَذَلِكَ مِنَّا وَنَحْنُ مِنْهُ فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يُرِيدُ الدُّنْيَا فَوَاللَّهِ مَا نَأْتِي فَيْئًا نَأْخُذُهُ وَغَنِيمَةً نَغْنَمُهَا مَا خَلَا رِضْوَانَ [ اللَّهِ ]، وَمَا مَعَنَا مِنْ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، وَمَا هِيَ إِلَّا سُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا، وَزَادٌ قَدْرُ الْبُلْغَةِ، فَمَنْ كَانَ يَنْوِي غَيْرَ هَذَا فَلَا يَصْحَبُنَا. فَتَنَادَى أَصْحَابُهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: إِنَّا لَا نَطْلُبُ الدُّنْيَا وَلَيْسَ لَهَا خَرَجْنَا إِنَّمَا خَرَجْنَا نَطْلُبُ التَّوْبَةَ وَالطَّلَبَ بِدَمِ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ نَبِيِّنَا ﷺ. خروج سليمان بن صرد من النخيلة فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ وَأَصْحَابُهُ مِنَ النُّخَيْلَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، فَسَارَ بِهِمْ مَرَاحِلَ، مَا يَتَقَدَّمَونَ مَرْحَلَةً إِلَى نَحْوِ الشَّامِ إِلَّا تَخَلَّفَ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ مَعَهُ، فَلَمَّا مَرُّوا بِقَبْرِ الْحُسَيْنِ صَاحُوا صَيْحَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَمَا رُئِيَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِ وَتَابُوا عِنْدَهُ مِنْ خِذْلَانِهِ، وَتَرْكِ الْقِتَالِ مَعَهُ وَأَقَامُوا عِنْدَهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً يَبْكُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، ( وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ عِنْدَ ضَرِيحِهِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ حُسَيْنًا الشَّهِيدَ ابْنَ الشَّهِيدِ، الْمَهْدِيَّ ابْنَ الْمَهْدِيِّ، الصِّدِّيقَ ابْنَ الصِّدِّيقِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نُشْهِدُكَ أَنَّا عَلَى دِينِهِمْ وَسَبِيلِهِمْ وَأَعْدَاءُ قَاتِلِيهِمْ وَأَوْلِيَاءُ مُحِبِّيهِمُ، اللَّهُمَّ إِنَّا خَذَلْنَا ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّنَا ﷺ فَاغْفِرْ لَنَا مَا مَضَى مِنَّا وَتُبْ عَلَيْنَا وَارْحَمْ حُسَيْنًا وَأَصْحَابَهُ الشُّهَدَاءَ الصِّدِّيقِينَ، وَإِنَّا نُشْهِدُكَ أَنَّا عَلَى دِينِهِمْ وَعَلَى مَا قُتِلُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ! وَزَادَهُمُ النَّظَرُ إِلَيْهِ حَنَقًا ). قُلْتُ: لَوْ كَانَ هَذَا الْعَزْمُ وَالِاجْتِمَاعُ قَبْلَ وُصُولِ الْحُسَيْنِ إِلَى تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ لَكَانَ أَنْفَعَ لَهُ وَأَنْصُرَ مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ لِنُصْرَتِهِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ. وَلَمَّا أَرَادُوا الِانْصِرَافَ جَعَلَ لَا يَسِيرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ الْقَبْرَ فَيَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَيَسْتَغْفِرَ لَهُ، حَتَّى جَعَلُوا يَزْدَحِمُونَ عَلَيْهِ أَشَدَّ مِنِ ازْدِحَامِهِمْ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، ثُمَّ أَخَذُوا عَلَى الْأَنْبَارِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ كِتَابًا، مِنْهُ: يَا قَوْمَنَا لَا تُطِيعُوا عَدُوَّكُمْ، أَنْتُمْ فِي أَهْلِ بِلَادِكُمْ خِيَارٌ كُلُّكُمْ، وَمَتَى يُصِبْكُمْ عَدُوُّكُمْ يَعْلَمُوا أَنَّكُمْ أَعْلَامُ مِصْرِكُمْ، فَيُطْمِعُهُمْ ذَلِكَ فِيمَنْ وَرَاءَكُمْ، يَا قَوْمَنَا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا، يَا قَوْمِ إِنَّ أَيْدِيَنَا وَأَيْدِيَكُمْ وَاحِدَةٌ وَعَدُوَّنَا وَعَدُوَّكُمْ وَاحِدٌ وَمَتَى تَجْتَمِعُ كَلِمَتُنَا عَلَى عَدُوِّنَا نَظْهَرُ عَلَى عَدُوِّنَا وَمَتَى تَخْتَلِفُ تَهُنْ شَوْكَتُنَا عَلَى مَنْ خَالَفْنَا، يَا قَوْمَنَا لَا تَسْتَغِشُّوا نُصْحِيَ، وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي وَأَقْبِلُوا حِينَ يُقْرَأُ كِتَابِي عَلَيْكُمْ. وَالسَّلَامُ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ وَأَصْحَابُهُ: قَدْ أَبَيْنَا هَذَا وَنَحْنُ فِي مِصْرِنَا، فَحِينَ وَطَّنَا أَنْفُسَنَا عَلَى الْجِهَادِ وَدَنَوْنَا مِنْ أَرْضِ عَدُوِّنَا، مَا هَذَا بِرَأْيٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ يَشْكُرُهُ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيَقُولُ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدِ اسْتَبْشَرُوا بِبَيْعِهِمْ أَنْفُسَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ، وَإِنَّهُمْ قَدْ تَابُوا مِنْ عَظِيمِ ذَنْبِهِمْ وَتَوَجَّهُوا إِلَى اللَّهِ وَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَرَضُوا بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: اسْتَمَاتَ الْقَوْمُ، أَوَّلُ خَبَرٍ يَأْتِيكُمْ عَنْهُمْ قَتْلُهُمْ، وَاللَّهِ لَيُقْتَلُنَّ كِرَامًا مُسْلِمِينَ. ثُمَّ سَارُوا قَاصِدِينَ الشَّامَ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى قَرْقِيسْيَا عَلَى تَعْبِيَةٍ، وَبِهَا زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ قَدْ تَحَصَّنَ بِهَا مِنْهُمْ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُسَيَّبَ بْنَ نَجَبَةَ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ سُوقًا، فَأَتَى الْمُسَيَّبُ إِلَى بَابِ قَرْقِيسْيَا فَعَرَّفَهُمْ نَفْسَهُ وَطَلَبَ الْإِذْنَ عَلَى زُفَرَ، فَأَتَى هُذَيْلَ بْنِ زُفَرَ أَبَاهُ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ اسْمُهُ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ. فَقَالَ أَبُوهُ: أَمَا تَدْرِي يَا بُنَيَّ مَنْ هَذَا ؟ هَذَا فَارِسُ مُضَرَ الْحَمْرَاءِ كُلِّهَا، إِذَا عُدَّ مِنْ أَشْرَافِهَا عَشْرَةٌ كَانَ أَحَدَهُمْ هُوَ، وَهُوَ بَعْدُ رَجُلٌ نَاسِكٌ لَهُ دِينٌ، إِيذَنْ لَهُ. فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَجْلَسَهُ إِلَى جَانِبِهِ وَسَأَلَهُ، فَعَرَّفَهُ الْمُسَيَّبُ حَالَهُ وَمَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ زُفَرُ: إِنَّا لَمْ نُغْلِقْ أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ إِلَّا لِنَعْلَمَ إِيَّانَا تُرِيدُونَ أَمْ غَيْرَنَا، وَمَا بِنَا عَجْزٌ عَنِ النَّاسِ وَمَا نُحِبُّ قِتَالَكُمْ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْكُمْ صَلَاحٌ وَسِيرَةٌ جَمِيلَةٌ. ثُمَّ أَمَرَ ابْنَهُ فَأَخْرَجَ لَهُمْ سُوقًا، وَأَمَرَ لِلْمُسَيَّبِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَفَرَسٍ، فَرَدَّ الْمَالَ وَأَخَذَ الْفَرَسَ وَقَالَ: لَعَلِّي أَحْتَاجُ إِلَيْهِ إِنَّ عَرَجَ فَرَسِي. وَبَعَثَ زُفَرُ إِلَيْهِمْ بِخُبْزٍ كَثِيرٍ وَعَلَفٍ وَدَقِيقٍ حَتَّى اسْتَغْنَى النَّاسُ عَنِ السُّوقِ، إِلَّا أَنَّ الرَّجُلُ كَانَ يَشْتَرِي سَوْطًا أَوْ ثَوْبًا. ثُمَّ ارْتَحَلُوا مِنَ الْغَدِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ زُفَرُ يُشَيِّعُهُمْ وَقَالَ لِسُلَيْمَانَ: إِنَّهُ قَدْ سَارَ خَمْسَةُ أُمَرَاءَ مِنَ الرَّقَّةِ هُمُ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَأَدْهَمُ بْنُ مُحْرِزٍ، وَجَبَلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَثْعَمِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ مِثْلِ الشَّوْكِ وَالشَّجَرِ، فَإِنْ شِئْتُمْ دَخَلْتُمْ مَدِينَتَنَا وَكَانَتْ أَيْدِينَا وَاحِدَةً، فَإِذَا جَاءَنَا هَذَا الْعَدُوُّ قَاتَلْنَاهُمْ جَمِيعًا. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ طَلَبَ أَهْلُ مِصْرِنَا ذَلِكَ مِنَّا فَأَبَيْنَا عَلَيْهِمْ. قَالَ زُفَرُ: فَبَادِرُوهُمْ إِلَى عَيْنِ الْوَرْدَةِ وَهِيَ رَأْسُ عَيْنٍ فَاجْعَلُوا الْمَدِينَةَ فِي ظُهُورِكُمْ وَيَكُونُ الرُّسْتَاقُ وَالْمَاءُ وَالْمَادَّةُ فِي أَيْدِيكُمْ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَأَنْتُمْ آمِنُونَ مِنْهُ، فَاطْوُوا الْمَنَازِلَ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ جَمَاعَةً قَطُّ أَكْرَمَ مِنْكُمْ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَسْبِقُوهُمْ، وَإِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ فِي فَضَاءٍ تُرَامُونَهُمْ وَتُطَاعِنُونَهُمْ فَإِنَّهُمْ أَكْثَرُ مِنْكُمْ، وَلَا آمَنُ أَنْ يُحِيطُوا بِكُمْ، فَلَا تَقِفُوا لَهُمْ فَيَصْرَعُوكُمْ، وَلَا تَصِفُّوا لَهُمْ، فَإِنِّي لَا أَرَى مَعَكُمْ رَجَّالَةً وَمَعَهُمُ الرَّجَّالَةُ وَالْفُرْسَانُ بَعْضُهُمْ يَحْمِي بَعْضًا، وَلَكِنِ الْقُوهُمْ فِي الْكَتَائِبِ وَالْمَقَانِبِ ثُمَّ بُثُّوهَا فِيمَا بَيْنَ مَيَمَنَتِهِمْ وَمَيْسَرَتِهِمْ وَاجْعَلُوا مَعَ كُلِّ كَتِيبَةٍ أُخْرَى إِلَى جَانِبِهَا، فَإِنْ حُمِلَ عَلَى إِحْدَى الْكَتِيبَتَيْنِ رَحَلَتِ الْأُخْرَى فَنَفَّسَتْ عَنْهَا، وَمَتَى شَاءَتْ كَتِيبَةٌ ارْتَفَعَتْ، وَمَتَى شَاءَتْ كَتِيبَةٌ انْحَطَّتْ، وَلَوْ كُنْتُمْ صَفًّا وَاحِدًا فَزَحَفَتْ إِلَيْكُمُ الرَّجَّالَةُ فَدَفَعْتُمْ عَنِ الصَّفِّ انْتَقَضَ فَكَانَتِ الْهَزِيمَةُ. ثُمَّ وَدَّعَهُمْ وَدَعَا لَهُمْ وَدَعَوْا لَهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ. ثُمَّ سَارُوا مُجِدِّينَ فَانْتَهَوْا إِلَى عَيْنِ الْوَرْدَةِ فَنَزَلُوا غَرْبَيَّهَا وَأَقَامُوا خَمْسًا فَاسْتَرَاحُوا وَأَرَاحُوا.

  158. التاريخ 2249لا حكم مسجّل

    وَقْعَةُ عَيْنِ وَرْدَةَ   وَأَقْبَلَ أَهْلُ الشَّامِ فِي عَسَاكِرِهِمْ حَتَّى كَانُوا مِنْ عَيْنِ الْوَرْدَةِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَقَامَ سُلَيْمَانُ فِي أَصْحَابِهِ وَذَكَرَ الْآخِرَةَ وَرَغَّبَ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَتَاكُمْ عَدُوُّكُمُ الَّذِي دَأَبْتُمْ إِلَيْهِ فِي السَّيْرِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْدُقُوهُمُ الْقِتَالَ وَاصْبِرُوا، إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، وَلَا يُوَلِّيَنَّهُمُ امْرُؤٌ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، وَلَا تَقْتُلُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَقْتُلُوا أَسِيرًا مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَكُمْ بَعْدَ أَنْ تَأْسِرُوهُ، فَإِنَّ هَذِهِ كَانَتْ سِيرَةُ عَلِيٍّ فِي أَهْلِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ. وَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَالْأَمِيرُ عَلَيْكَمُ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَالٍ، فَإِنْ قُتِلَ فَرِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ. ثُمَّ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُسَيَّبَ بْنَ نَجَبَةَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَغَارُوا عَلَى جَيْشِ شُرَحْبِيلَ بْنِ ذِي الْكَلَاعِ وَهُمْ غَارُّونَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَجَرَحُوا آخَرِينَ، وَاسْتَاقُوا نَعَمًا، وَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَأَرْسَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ فَصَبَّحَ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ وَجَيْشَهُ فَتَوَاقَفُوا فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ قَائِمٌ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَدْ تَهَيَّأَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فَدَعَا الشَّامِيُّونَ أَصْحَابَ سُلَيْمَانَ إِلَى الدُّخُولِ فِي طَاعَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَدَعَا أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ الشَّامِيِّينَ إِلَى أَنْ يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ فَيَقْتُلُوهُ عَنِ الْحُسَيْنِ، وَامْتَنَعَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ أَنْ يُجِيبَ إِلَى مَا دَعَا إِلَيْهِ الْآخَرَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا عَامَّةَ يَوْمِهِمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ فِيهِ لِلْعِرَاقِيِّينَ عَلَى الشَّامِيِّينَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَصْبَحَ ابْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَقَدْ وَصَلَ إِلَى الشَّامِيِّينَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَقَدْ أَنَّبَهُ وَشَتَمَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ فِي هَذَا الْيَوْمِ قِتَالًا لَمْ يَرَ الشِّيبُ وَالْمُرْدُ مِثْلَهُ قَطُّ، لَا يَحْجِزُ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَصَلَ إِلَى الشَّامِيِّينَ أَدْهَمُ بْنُ مُحْرِزٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى حِينِ ارْتِفَاعِ الضُّحَى، ثُمَّ اسْتَدَارَ أَهْلُ الشَّامِ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَحَاطُوا بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَخَطَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ النَّاسَ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا عَظِيمًا جِدًّا، ثُمَّ تَرَجَّلَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ وَكَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، وَنَادَى: يَا عِبَادَ اللَّهِ، مَنْ أَرَادَ الرَّوَاحَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالتَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَالْوَفَاءَ بِعَهْدِهِ فَلْيَأْتِ إِلَيَّ. فَتَرَجَّلَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرُونَ وَكَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، وَحَمَلُوا حَتَّى صَارُوا فِي وَسَطِ الْقَوْمِ، وَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً حَتَّى خَاضُوا فِي الدِّمَاءِ، وَقُتِلَ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ، رَمَاهُ يَزِيدُ بْنُ الْحُصَيْنِ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ، ثُمَّ وَثَبَ، ثُمَّ وَقَعَ، ثُمَّ وَثَبَ، ثُمَّ وَقَعَ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، فَقَاتَلَ بِهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ مَيَّالَةُ الذَّوَائِبِ وَاضِحَةَ اللَّبَاتِ وَالتَّرَائِبِ     أَنِّي غَدَاةَ الرَّوْعِ وَالتَّغَالُبِ أَشْجَعُ مِنْ ذِي لِبْدَةٍ مُوَاثِبِ قَطَّاعُ أَقْرَانٍ مَخُوفُ الْجَانِبِ ثُمَّ قُتِلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَقَضَى فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ نَحْبَهُ، وَلَحِقَ صَحْبَهُ، فَأَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا أَيْضًا وَهُوَ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ أَخَوَيَّ، مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا. وَحَمَلَ حِينَئِذٍ رَبِيعَةُ بْنُ الْمُخَارِقِ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، وَتَبَارَزَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ نُفَيْلٍ، ثُمَّ اتَّحَدَا فَحَمَلَ ابْنُ أَخِي رَبِيعَةَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ احْتَمَلَ عَمَّهُ. فَنَادَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَالٍ فَإِذَا هُوَ قَدِ اصْطَلَى الْحَرْبَ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ، فَحَمَلَ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ فَكَشَفَ أَهْلَ الشَّامِ عَنْهُ، فَأَتَى فَأَخَذَ الرَّايَةَ وَقَاتَلَ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ أَرَادَ الْحَيَاةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا مَوْتٌ ( وَالرَّاحَةَ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا نَصَبٌ، وَالسُّرُورَ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ حُزْنٌ )، فَلْيَتَقَرَّبْ إِلَى اللَّهِ بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ الْمُحِلِّينَ، وَالرَّوَاحِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَصْرِ، فَحَمَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَقَتَلُوا رِجَالًا وَكَشَفُوهُمْ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ تَعَطَّفُوا عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَكَانَ مَكَانُهُمْ لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ تَوَلَّى قِتَالَهُمْ أَدْهَمُ بْنُ مُحْرِزٍ الْبَاهِلِيُّ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي خَيْلِهِ وَرَجْلِهِ، فَوَصَلَ ابْنُ مُحْرِزٍ إِلَى ابْنِ وَالٍ وَهُوَ يَتْلُو: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا الْآيَةَ، فَغَاظَ ذَلِكَ أَدْهَمَ بْنَ مُحْرِزٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَ يَدَهُ فَأَبَانَهَا ثُمَّ تَنَحَّى عَنْهُ وَقَالَ: إِنِّي أَظُنُّكَ وَدِدْتَ أَنَّكَ عِنْدَ أَهْلِكَ. قَالَ ابْنُ وَالٍ: بِئْسَ مَا ظَنَنْتَ، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ يَدُكَّ مَكَانَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا فِي يَدِي لِيَعْظُمَ وِزْرُكَ وَيَعْظُمَ أَجْرِي. فَغَاظَهُ ذَلِكَ أَيْضًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ وَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ مَا يَزُولُ. وَكَانَ ابْنُ وَالٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْعُبَّادِ، فَلَمَّا قُتِلَ أَتَوْا رِفَاعَةَ بْنَ شَدَّادٍ الْبَجَلِيَّ وَقَالُوا: لِتَأْخُذِ الرَّايَةَ. فَقَالَ: ارْجِعُوا بِنَا لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُنَا لِيَوْمِ شَرِّهِمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْأَحْمَرِ: هَلَكْنَا وَاللَّهِ، لَئِنِ انْصَرَفْتَ لَيَرْكَبُنَّ أَكْتَافَنَا فَلَا نَبْلُغُ فَرْسَخًا حَتَّى نَهْلِكَ عَنْ آخِرِنَا، وَإِنْ نَجَا مِنَّا نَاجٍ أَخَذَتْهُ الْعَرَبُ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهِمْ فَقُتِلَ صَبْرًا، هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ قَارَبَتِ الْغُرُوبَ فَنُقَاتِلُهُمْ عَلَى خَيْلِنَا، فَإِذَا غَسَقَ اللَّيْلُ رَكِبْنَا خُيُولَنَا أَوَّلَ اللَّيْلِ وَسِرْنَا حَتَّى نُصْبِحَ وَنَسِيرُ عَلَى مَهَلٍ، وَيَحْمِلُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ وَجَرِيحَهُ وَنَعْرِفُ الْوَجْهَ الَّذِي نَأْخُذُهُ. فَقَالَ رِفَاعَةُ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ ! وَأَخَذَ الرَّايَةَ وَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَامَ أَهْلُ الشَّامِ إِهْلَاكَهُمْ قَبْلَ اللَّيْلِ فَلَمْ يَصِلُوا إِلَى ذَلِكَ لِشِدَّةِ قِتَالِهِمْ، وَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُزَيْزٍ الْكِنَانِيُّ فَقَاتَلَ أَهْلَ الشَّامِ وَمَعَهُ وَلَدُهُ مُحَمَّدُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَنَادَى بَنِي كِنَانَةَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَسَلَّمَ وَلَدَهُ إِلَيْهِمْ لِيُوصِلُوهُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الْأَمَانَ، فَأَبَى ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. وَتَقَدَّمَ كَرِبُ بْنُ يَزِيدَ الْحِمْيَرِيُّ عِنْدَ الْمَسَاءِ فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ ابْنُ ذِي الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ الْأَمَانَ، قَالَ: قَدْ كُنَّا آمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّمَا خَرَجْنَا نَطْلُبُ أَمَانَ الْآخِرَةِ. فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى قُتِلُوا. وَتَقَدَّمَ صَخْرُ بْنُ هِلَالٍ الْمُزَنِيُّ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ مُزَيْنَةَ فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا. فَلَمَّا أَمْسَوْا رَجَعَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَنَظَرَ رِفَاعَةُ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ قَدْ عُقِرَ بِهِ فَرَسُهُ وَجُرِحَ فَدَفَعَهُ إِلَى قَوْمِهِ ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ لَيْلَتَهُ، رجوع العراقيين إلى بلادهم فَلَمَّا أَصْبَحَ الشَّامِيُّونَ إِذَا الْعِرَاقِيُّونَ قَدْ كَرُّوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمْ يَبْعَثُوا وَرَاءَهُمْ طَلَبًا وَلَا أَحَدًا، فَقَطَعَ رِفَاعَةُ بِمَنْ مَعَهُ الْخَابُورَ وَمَرَّ عَلَى قَرْقِيسِيَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الطَّعَامَ وَالْعَلَفَ وَالْأَطِبَّاءَ فَأَقَامُوا ثَلَاثًا حَتَّى اسْتَرَاحُوا ثُمَّ رَحَلُوا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى هِيتَ إِذَا سَعْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَدْ أَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدَائِنِ قَاصِدِينَ إِلَى نُصْرَتِهِمْ، فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ، وَنَعَوْا إِلَيْهِ أَصْحَابَهُمْ تَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ وَتَبَاكَوْا عَلَى إِخْوَانِهِمْ، وَانْصَرَفَ أَهْلُ الْمَدَائِنِ إِلَيْهَا، وَرَجَعَ رَاجِعَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَيْهَا، وَقَدْ قُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَإِذَا الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ كَمَا هُوَ فِي السِّجْنِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ بَعْدُ، فَكَتَبَ إِلَى رِفَاعَةَ بْنِ شَدَّادٍ يُعَزِّيهِ فِيمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَيَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ، وَيَغْبِطُهُمْ بِمَا نَالُوا مِنَ الشَّهَادَةِ وَجَزِيلِ الثَّوَابِ، وَيَقُولُ: مَرْحَبًا بِالَّذِينِ أَعْظَمَ اللَّهُ أُجُورَهُمْ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَاللَّهِ مَا خَطَا مِنْهُمْ أَحَدٌ خُطْوَةً إِلَّا كَانَ ثَوَابُ اللَّهِ لَهُ فِيهَا أَعْظَمَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَإِنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ وَجَعَلَ رُوحَهُ فِي أَرْوَاحِ النَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَبَعْدُ فَأَنَا الْأَمِيرُ الْمَأْمُونُ، قَاتِلُ الْجَبَّارِينَ وَالْمُفْسِدِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَأَعِدُّوا وَاسْتَعَدُّوا وَأَبْشِرُوا، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ. وَذَكَرَ كَلَامًا كَثِيرًا فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ قُدُومِهِمْ أَخْبَرَ النَّاسَ بِهَلَاكِهِمْ عَنْ رَئِيِّهِ الَّذِي كَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يَأْتِيهِ شَيْطَانٌ فَيُوحِي إِلَيْهِ قَرِيبًا مِمَّا كَانَ يُوحِي شَيْطَانُ مُسَيْلِمَةَ إِلَيْهِ. وَكَانَ جَيْشُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ وَأَصْحَابِهِ يُسَمَّى بِجَيْشِ التَّوَّابِينَ. وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِقَتْلِ سُلَيْمَانَ وَانْهِزَامِ أَصْحَابِهِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ ( قَدْ أَهْلَكَ مِنْ رُءُوسِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُلْقِحَ فِتْنَةٍ وَرَأْسَ ضَلَالَةٍ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ، أَلَا وَإِنَّ السُّيُوفَ تَرَكْنَ رَأْسَ الْمُسَيَّبِ خَذَارِيفَ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ ) مِنْهُمْ رَأْسَيْنِ عَظِيمَيْنِ ضَالَّيْنِ مُضِلَّيْنِ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ الْأَزْدِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَالٍ الْبَكْرِيَّ، وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَهُمْ مَنْ عِنْدَهُ امْتِنَاعٌ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، فَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ حَيًّا، قَالَ أَعْشَى هَمْدَانَ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ مِمَّا يُكَتَّمُ ذَلِكَ الزَّمَانَ: أَلَمَّ خَيَالٌ مِنْكِ يَا أُمَّ غَالِبِ     فَحُيِّيتِ عَنَّا مِنْ حَبِيبٍ مُجَانِبِ وَمَا زِلْتُ فِي شَجْوٍ وَمَا زِلْتُ مُقْصَدًا     لِهَمٍّ عَرَانِي مِنْ فِرَاقِكِ نَاصِبِ فَمَا أَنَسَ لَا أَنَسَ انْفِتَالَكِ فِي الضُّحَى     إِلَيْنَا مَعَ الْبِيضِ الْحِسَانِ الْخَرَاعِبِ تَرَاءَتْ لَنَا هَيْفَاءَ مَهْضُومَةَ الْحَشَا     لَطِيفَةَ طَيِّ الْكَشْحِ رَيَّا الْحَقَائِبِ مُبَتَّلَةً غَرَّاءَ رُؤْدٌ شَبَابُهَا     كَشَمْسِ الضُّحَى تَنْكَلُّ بَيْنَ السَّحَائِبِ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا السَّحَابُ وَحَوْلَهُ بَدَا     حَاجِبٌ مِنْهَا وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ فَتِلْكَ الْهَوَى وَهْيَ الْجَوَى لِي وَالْمُنَى     فَأَحْبِبْ بِهَا مِنْ خُلَّةٍ لَمْ تُصَاقِبِ وَلَا يُبْعِدُ اللَّهُ الشَّبَابَ وَذِكْرَهُ     وَحُبَّ تَصَافِي الْمُعْصِرَاتِ الْكَوَاعِبِ وَيَزْدَادُ مَا أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِتَابِنَا     لُعَابًا وَسُقْيًا لِلْخَدِينِ الْمُقَارِبِ فَإِنِّي وَإِنْ لَمْ أَنْسَهُنَّ لَذَاكِرٌ     رَزِيئَةَ مِخْبَاتٍ كَرِيمِ الْمَنَاصِبِ تَوَسَّلَ بِالتَّقْوَى إِلَى اللَّهِ صَادِقًا     وَتَقْوَى الْإِلَهِ خَيْرُ تِكْسَابِ كَاسِبِ وَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا فَلَمْ يَلْتَبِسْ بِهَا     وَتَابَ إِلَى اللَّهِ الرَّفِيعِ الْمَرَاتِبِ تَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا وَقَالَ اطَّرَحْتُهَا     فَلَسْتُ إِلَيْهَا مَا حَيِيتُ بِآيِبِ وَمَا أَنَا فِيمَا يَكْرَهُ النَّاسُ فَقْدَهُ     وَيَسْعَى لَهُ السَّاعُونَ فِيهَا بِرَاغِبِ فَوَجَّهَهُ نَحْوَ الثَّوِيَّةِ سَائِرًا     إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فِي الْجُمُوعِ الْكَتَائِبِ بِقَوْمٍ هُمْ أَهْلُ التَّقِيَّةِ وَالنُّهَى     مَصَالِيتُ أَنْجَادٌ سَرَاةُ مَنَاجِبِ مَضَوْا تَارِكِي رَأْيِ ابْنِ طَلْحَةَ حِسْبَةً     وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلْأَمِيرِ الْمُخَاطِبِ فَسَارُوا وَهُمْ مَا بَيْنَ مُلْتَمِسِ الْتُقَى     وَآخَرَ مِمَّا جَرَّ بِالْأَمْسِ تَائِبِ فَلَاقَوْا بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ الْجَيْشَ فَاصِلًا     إِلَيْهِمْ فَحَسُّوهُمْ بِبِيضٍ قَوَاضِبِ يَمَانِيَةٍ تَذَرِي الْأَكُفَّ وَتَارَةً     بَخِيلٍ عِتَاقٍ مُقْرَبَاتٍ سَلَاهِبِ فَجَاءَهُمُ جَمْعٌ مِنَ الشَّامِ بَعْدَهُ     جُمُوعٌ كَمَوْجِ الْبَحْرِ مِنْ كُلِّ جَانِبِ فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أُبِيدَتْ سُرَاتُهُمْ     فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ ثَمَّ غَيْرُ عَصَائِبِ وَغُودِرَ أَهْلُ الصَّبْرِ صَرْعَى فَأَصْبَحُوا     تَعَاوَرَهُمْ رِيحُ الصَّبَا وَالْجَنَائِبِ فَأَضْحَى الْخُزَاعِيُّ الرَّئِيسُ مُجَدَّلًا     كَأَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مَرَّةً وَيُحَارِبِ وَرَأْسُ بَنِي شَمْخٍ وَفَارِسُ قَوْمِهِ     شَنُوءَةَ وَالتَّيْمِيُّ هَادِي الْكَتَائِبِ وَعَمْرُو بْنُ بِشْرٍ وَالْوَلِيدُ وَخَالِدٌ     وَزَيْدُ بْنُ بَكْرٍ وَالْحُلَيْسُ بْنُ غَالِبِ وَضَارِبُ مِنْ هَمْدَانَ كُلَّ مُشَيِّعٍ     إِذَا شَدَّ لَمْ يَنْكِلْ كَرِيمُ الْمَكَاسِبِ وَمِنْ كُلِّ قَوْمٍ قَدْ أُصِيبَ زَعِيمُهُمْ     وَذُو حَسَبٍ فِي ذُرْوَةِ الْمَجْدِ ثَاقِبِ أَبَوْا غَيْرَ ضَرْبٍ يَفْلِقُ الْهَامَ وَقْعُهُ     وَطَعْنٍ بِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ صَائِبِ وَإِنَّ سَعِيدًا يَوْمَ يَدْمُرُ عَامِرًا     لَأَشْجَعُ مِنْ لَيْثٍ بِدَرْبٍ مُوَاثِبِ فَيَا خَيْرَ جَيْشٍ بِالْعِرَاقِ وَأَهْلِهِ     سَقَيْتُمْ رَوَايَا كُلِّ أَسْحَمَ سَاكِبِ فَلَا يَبْعَدَنْ فُرْسَانُنَا وَحُمَاتُنَا     إِذَا الْبِيضُ أَبْدَتْ عَنْ خِدَامِ الْكَوَاعِبِ وَمَا قُتِلُوا حَتَّى أَثَارُوا عِصَابَةً     مُحِلِّينَ نُورًا كَالشُّمُوسِ الضَّوَارِبِ .

  159. التاريخ 2250لا حكم مسجّل

    بَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنَيْ مَرْوَانَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ  وَفِي سنة خمس وستين أَمَرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَهْلَ الشَّامِ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِابْنَيْهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ،  وَجَعَلَهُمَا وَلِيَّيْ عَهْدِهِ، وَكَانَ مَرْوَانُ قَدْ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ وَجَّهَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى فِلَسْطِينَ، فَهَزَمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَانَ بِدِمَشْقَ، وَبَلَغَ مَرْوَانُ أَنَّ عَمْرًا يَقُولُ: هَذَا الْأَمْرُ لِي مِنْ بَعْدِ مَرْوَانَ، فَدَعَا مَرْوَانُ حَسَّانَ بْنَ مَالِكِ بْنِ بِحَدْلٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنَيْهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ عَمْرٍو، فَقَالَ: أَنَا أَكْفِيكَ عَمْرًا، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَ مَرْوَانَ عَشِيًّا قَامَ حَسَّانُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ رِجَالًا يَتَمَنَّوْنَ أَمَانِيَّ، قَوْمُوا فَبَايِعُوا لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعُوا عَنْ آخِرِهِمْ.

  160. التاريخ 2251لا حكم مسجّل

    بَعْثِ ابْنِ زِيَادٍ وُحُبَيْشٍ  فِي سنة خمس وستين سَيَّرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بَعْثَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَمُحَارَبَةِ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ بِقَرْقِيسْيَا وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى كُلِّ مَا يَفْتَحُهُ، فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْجَزِيرَةِ تَوَجَّهَ لِقَصْدِ الْعِرَاقِ وَأَخْذِهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا كَانَ بِالْجَزِيرَةِ بَلَغَهُ مَوْتُ مَرْوَانَ وَأَتَاهُ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَيَحُثُّهُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ. وَالْبَعْثُ الْآخَرُ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ حُبَيْشِ بْنِ دَلَجَةَ الْقَيْنِيِّ، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهَا جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفِ ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ قِبَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَهَرَبَ مِنْهُ جَابِرٌ. ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ أَخُو عَمْرِو بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَجَّهَ جَيْشًا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا، لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُنَيْفَ بْنَ النَّحَفِ التَّيْمِيِّ لِحَرْبِ حُبَيْشٍ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ حُبَيْشٌ سَارَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْعَبَّاسَ بْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمِيرًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ فِي طَلَبِ حُبَيْشٍ حَتَّى يُوَافِيَ الْجُنْدَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الْحُنَيْفُ، فَأَقْبَلَ عَبَّاسٌ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى لَحِقَهُمْ بِالرَّبَذَةِ، فَقَاتَلَهُمْ حُبَيْشٌ، فَرَمَاهُ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ وَابْنُهُ الْحَجَّاجُ، وَهَمَّا عَلَى جَمَلٍ وَاحِدٍ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَتَحَرَّزَ مِنْهُمْ خَمْسُمِائَةٍ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ: انْزِلُوا عَلَى حُكْمِي، فَنَزَلُوا، فَقَتَلَهُمْ، وَرَجَعَ فَلُّ حُبَيْشٍ إِلَى الشَّامِ، وَلَمَّا دَخَلَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ الْمَدِينَةَ كَانَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ فَاسْوَدَّتْ مِمَّا مَسَحَهُ النَّاسُ وَمِمَّا صَبُّوا عَلَيْهِ مِنَ الطِّيبِ.

  161. التاريخ 2252لا حكم مسجّل

    مَوْتِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ   فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ سنة خمس وستين مَاتَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ أَحَدًا، وَكَانَ حَسَّانُ بْنُ بِحَدْلٍ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ فِي أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ صَغِيرًا، وَحَسَّانُ خَالُ أَبِيهِ يَزِيدَ، فَبَايَعَ حَسَّانُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ لِخَالِدٍ، فَلَمَّا بَايَعَهُ هُوَ وَأَهْلُ الشَّامِ قِيلَ لِمَرْوَانَ تَزَوَّجْ أُمَّ خَالِدٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، حَتَّى يَصْغُرَ شَأْنُهُ فَلَا يَطْلُبُ الْخِلَافَةَ، فَتَزَوَّجَهَا، فَدَخَلَ خَالِدٌ يَوْمًا عَلَى مَرْوَانَ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ صَفَّيْنِ، فَقَالَ مَرْوَانُ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَأَحْمَقُ ! تَعَالَ يَا ابْنَ الرَّطْبَةِ الِاسْتِ ! يُقَصِّرُ بِهِ لِيُسْقِطَهُ مِنْ أَعْيُنِ أَهْلِ الشَّامِ. فَرَجَعَ خَالِدٌ إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: لَا يَعْلَمَنَّ ذَلِكَ مِنْكَ إِلَّا أَنَا، أَنَا أَكْفِيكَهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا مَرْوَانُ فَقَالَ لَهَا: هَلْ قَالَ لَكِ خَالِدٌ فِيَّ شَيْئًا ؟ قَالَتْ: لَا، إِنَّهُ أَشَدُّ لَكَ تَعْظِيمًا مِنْ أَنْ يَقُولَ فِيكَ شَيْئًا. فَصَدَّقَهَا وَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ نَامَ عِنْدَهَا يَوْمًا، فَغَطَّتْهُ بِوِسَادَةٍ حَتَّى قَتَلَتْهُ، فَمَاتَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي ثَالِثِ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ بِدِمَشْقَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِحْدَى وَسِتُّونَ وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَمَانُونَ سَنَةً. وَكَانَتْ إِمَارَتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: عَشَرَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَأَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَتْلَ أُمِّ خَالِدٍ، فَقِيلَ لَهُ: يَظْهَرُ عِنْدَ الْخَلْقِ أَنَّ امْرَأَةً قَتَلَتْ أَبَاكَ، فَتَرَكَهَا. وَلَمَّا تُوُفِّيَ مَرْوَانُ قَامَ ( بِأَمْرِ الشَّامِ ) بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، ( وَكَانَ بِمِصْرَ ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِطَاعَةِ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ ) وُلِدَ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ، فَكَانَ النَّاسُ يَذُمُّونَهُ لِذَلِكَ، قِيلَ: إِنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ قَوْمٌ مِنَ الْأَشْرَافِ، فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ الْبَكْرِيِّ: بَلَغَنِي أَنَّكَ لَا تُشْبِهُ أَبَاكَ، فَقَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ بِالْمَاءِ وَالْغُرَابِ بِالْغُرَابِ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ بِمَنْ لَمْ تُنْضِجْهُ الْأَرْحَامُ، وَلَمْ يُولَدْ بِالتَّمَامِ، وَلَمْ يُشْبِهِ الْأَخْوَالَ وَالْأَعْمَامَ. قَالَ: مَنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ: سُوِيدُ بْنُ مَنْجُوفٍ، فَلَمَّا خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَسُوِيدٌ قَالَ لَهُ سُوِيدٌ: مَا سَرَّنِي بِمَقَالَتِكَ لَهُ حُمْرُ النَّعَمِ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَمَا سَرَّنِي وَاللَّهِ بِاحْتِمَالِكَ إِيَّايَ وَسُكُوتِكَ سُودُهَا.

  162. التاريخ 2253لا حكم مسجّل

    تَرْجَمَةُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ جَدِّ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ  الَّذِينَ كَانُوا بَعْدَهُ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيُقَالُ: أَبُو الْحَكَمِ. وَيُقَالُ: أَبُو الْقَاسِمِ. وَأُمُّهُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ مِنْ كِنَانَةَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَنَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ لِأَنَّهُ يَتَجَسَّسُ عَلَيْهِ، وَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا يَمْشِي وَيَتَخَلَّجُ فِي مَشْيِهِ كَأَنَّهُ يَحْكِيهِ، فَقَالَ لَهُ: كُنْ كَذَلِكَ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلَّمَ عُثْمَانُ أَبَا بَكْرٍ فِي رَدِّهِ، لِأَنَّهُ عَمَّهُ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَوَلِيَ عُمَرُ كَلَّمَهُ أَيْضًا فِي رَدِّهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ رَدَّهُ وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَدَنِي أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا أَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدْ رُوِيَتُ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ فِي لَعْنِهِ وَلَعْنِ مَنْ فِي صُلْبِهِ، رَوَاهَا الْحَافِظُ، وفِي أَسَانِيدِهَا كَلَامٌ. وَهُوَ صَحَابِيٌّ عِنْدَ طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ لِأَنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى عَنْهُ فِي حَدِيثِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، عَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ. وَرَوَى عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَكَانَ كَاتِبُهُ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَبُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ الْأَسَدِيَّةِ، وَكَانَتْ حَمَاتَهُ. وَقَالَ الْحَاكِمُ أَبُو أَحْمَدَ: كَانَتْ خَالَتَهُ. وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ كَوْنِهَا حَمَاتَهُ وَخَالَتَهُ. وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَسَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ، وَلَمْ يَحْفَظْ عَنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ حِينَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ. وَذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنَ التَّابِعِينَ. مكانة مروان بن الحكم وشيء من أخباره وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ وَفُضَلَائِهَا. رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ امْرَأَةً إِلَى أُمِّهَا، فَقَالَ: إِنَّ جَرِيرًا الْبَجَلِيَّ يَخْطُبُ إِلَيْكُمْ أَسْلَمَ، وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابِ الْمَشْرِقِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، وَهُوَ سَيِّدُ شَبَابِ قُرَيْشٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَهُوَ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَعُمَرُ. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: أَجَادٌّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: قَدْ زَوَّجْنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يُكْرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَكَانَ كَاتِبَ الْحُكْمِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ قَاتَلَ مَرْوَانُ يَوْمَ الدَّارِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ بَعْضَ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ فَلَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ سَارَ مَعَهُمْ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى طَلْحَةَ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ دَمُ عُثْمَانَ إِلَّا عِنْدَ هَذَا، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَتَوَارَى إِلَى أَنْ أُخِذَ لَهُ الْأَمَانُ مِنْ عَلِيٍّ، فَأَتَاهُ فَبَايَعَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى وُلِّيَ مُعَاوِيَةُ فَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، فَلَمَّا وَثَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَيَّامَ الْحَرَّةِ أَخْرَجُوا بَنِي أُمَيَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَخْرَجُوهُ، فَجَعَلَ يُحَرِّضُ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَيْهِمْ، وَرَجَعَ مَعَهُ حَتَّى ظَفِرَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَانْتَهَبَهَا ثَلَاثًا، وَقَدِمَ عَلَى يَزِيدَ، فَشَكَرَ لَهُ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كَانَ عَلِيٌّ يَوْمَ الْجَمَلِ حِينَ انْهَزَمَ النَّاسُ يُكْثِرُ السُّؤَالَ عَنْ مَرْوَانَ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ تَعْطِفُنِي عَلَيْهِ رَحِمٌ مَاسَّةٌ، وَهُوَ سَيِّدٌ مِنْ شَبَابِ قُرَيْشٍ. وعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: مَنْ تَرَى لِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ بَعْدِكَ ؟ فَقَالَ: وَأَمَّا الْقَارِئُ لِكِتَابِ اللَّهِ، الْفَقِيهُ فِي دِينِ اللَّهِ، الشَّدِيدُ فِي حُدُودِ اللَّهِ، فَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ. وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، يَعْزِلُهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِلَيْهَا، وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي سِنِينَ مُتَعَدِّدَةٍ. وَقَالَ حَنْبَلٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَ مَرْوَانَ قَضَاءٌ، وَكَانَ يَتَّبِعُ قَضَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ وَذَكَرَ مَرْوَانَ يَوْمًا، فَقَالَ: قَالَ مَرْوَانُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ أَصْبَحْتُ فِيمَا أَنَا فِيهِ مِنْ هِرَاقَةِ الدِّمَاءِ وَهَذَا الشَّأْنِ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، بسنده عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ إِذَا ذَكَرَ الْإِسْلَامَ قَالَ: بِنِعْمَةِ رَبِّي لَا بِمَا قَدَّمَتْ يَدِي وَلَا بِبَرَاتِي إِنَّنِي كُنْتُ خَاطِئَا وَقَالَ اللَّيْثُ، بسنده عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّهُ قَالَ: شَهِدَ مَرْوَانُ جِنَازَةً، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهَا انْصَرَفَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَصَابَ قِيرَاطًا وَحُرِمَ قِيرَاطًا. فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ مَرْوَانُ، فَأَقْبَلَ يَجْرِي قَدْ بَدَتْ رُكْبَتَاهُ، فَقَعَدَ حَتَّى أُذِنَ لَهُ. وَرَوَى الْمَدَائِنِيُّ بسنده أَنَّ مَرْوَانَ كَانَ أَسْلَفَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حِينَ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِيهِ سِتَّةَ آلَافِ دِينَارٍ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ لَا يَسْتَرْجِعَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ شَيْئًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، فَامْتَنَعَ مِنْ قَبُولِهَا، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَقَبِلَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بسنده أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ كَانَا يُصَلِّيَانِ خَلْفَ مَرْوَانَ وَلَا يُعِيدَانِهَا، وَيَعْتَدَّانِ بِهَا. وعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: اجْتَمَعَ مَرْوَانُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ مَرْوَانُ بَيْتَ لَبِيدٍ: وَمَا الْمَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وَضَوْئِهِ     يَجُوزُ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا: فَفَوِّضْ إِلَى اللَّهِ الْأُمُورَ إِذَا اعْتَرَتْ     وَبِاللَّهِ لَا بِالْأَقْرَبِينَ لَدَافِعُ فَقَالَ مَرْوَانُ: وَدَاوِ ضَمِيرَ الْقَلْبِ بِالْبِرِّ وَالتُّقَى     وَلَا يَسْتَوِي قَلْبَانِ قَاسٍ وَخَاشِعُ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَلَا يَسْتَوِي عَبْدَانِ عَبْدٌ مُكَلَّمُ     عُتُلٌّ لِأَرْحَامِ الْأَقَارِبِ قَاطِعُ فَقَالَ مَرْوَانُ: وَعَبْدٌ تَجَافَى جَنْبُهُ عَنْ فِرَاشِهِ     يَبِيتُ يُنَاجِي رَبَّهُ وَهُوَ رَاكِعُ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَلِلْخَيْرِ أَهْلٌ يُعْرَفُونَ بِهُدَاهُمُ     إِذَا حَجَبَتْهُمْ فِي الْخُطُوبِ الْجَوَامِعُ فَقَالَ مَرْوَانُ: وَلِلشَّرِّ أَهْلٌ يُعْرَفُونَ بِشَكْلِهِمْ     تُشِيرُ إِلَيْهِمُ بِالْفُجُورِ الْأَصَابِعُ فَسَكَتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا لَكَ؟! فَمَا سَمِعْتُ بِمُحَاوَرَةٍ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْ هَذِهِ، وَلَكِنْ لِمَرْوَانَ إِرْثٌ فِي الشِّعْرِ لَيْسَ لَكَ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِمَرْوَانَ: عَرَّضْتَ، قَالَ: بَلْ أَنْتَ أَشَدُّ تَعْرِيضًا، طَلَبْتُ يَدَكَ فَأَعْطَيْتَنِي رِجْلَكَ. مروان بن الحكم أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بسنده عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ يَوْمَ الْعِيدِ مَرْوَانُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: خَالَفْتَ السُّنَّةَ. فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: إِنَّهُ قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ". قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ نَائِبًا بِالْمَدِينَةِ كَانَ إِذَا وَقَعَتْ مُعْضِلَةٌ جَمَعَ مَنْ عِنْدِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِيهَا. قَالُوا: وَهُوَ الَّذِي جَمَعَ الصِّيعَانَ، فَأَخَذَ بِأَعْدَلَهَا، فَنُسِبَ إِلَيْهِ الصَّاعُ، فَقِيلَ: صَاعُ مَرْوَانَ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بسنده عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ، فَلَقِيَهُ قَوْمٌ قَدْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ فَقَالُوا: إِنَّهُ أَشْهَدَنَا الْآنَ عَلَى مِائَةِ رَقَبَةٍ أَعْتَقَهَا السَّاعَةَ. قَالَ: فَغَمَزَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَدِي، وَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، يَكٌّ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ رَقَبَةٍ. قَالَ الزُّبَيْرُ: الْيَكُّ: الْوَاحِدُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي فُلَانٍ ثَلَاثِينَ رَجُلًا اتَّخَذُوا مَالَ اللَّهِ دُوَلًا، وَدِينَ اللَّهِ دَخَلًا، وَعِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا ". مروان بن الحكم كَانَ من أَكْبَرَ الْأَسْبَابِ فِي حِصَارِ عثمان بن عفان ؓ وَمَرْوَانُ كَانَ أَكْبَرَ الْأَسْبَابِ فِي حِصَارِ عُثْمَانَ، لِأَنَّهُ زَوَّرَ عَلَى لِسَانِهِ كِتَابًا إِلَى مِصْرَ بِقَتْلِ أُولَئِكَ الْوَفْدِ، وَلَمَّا كَانَ مُتَوَلِّيًا عَلَى الْمَدِينَةِ لِمُعَاوِيَةَ كَانَ يَسُبُّ عَلِيًّا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: لَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ أَبَاكَ الْحَكَمَ وَأَنْتَ فِي صُلْبِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، فَقَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ الْحَكَمَ وَمَا وَلَدَ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ. البيعة لمروان بن الحكم وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَسَّانَ بْنَ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ مَرْوَانُ أَرْضَ الْجَابِيَةِ، أَعْجَبَهُ إِتْيَانُهُ إِلَيْهِ، فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَ لَهُ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا انْتَظَمَ لَهُ الْأَمْرُ نَزَلَ عَنِ الْإِمْرَةِ لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَيَكُونُ لِمَرْوَانَ إِمْرَةُ حِمْصَ، وَلِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ نِيَابَةُ دِمَشْقَ. وَكَانَتِ الْبَيْعَةُ لِمَرْوَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ. قَالَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَتْ وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ، مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ عِيدِ النَّحْرِ بِيَوْمَيْنِ. قَالُوا: فَغَلَبَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَاسْتَوْسَقَ لَهُ مُلْكُ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُلْكُهُ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ بَايَعَ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَالِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَتَرَكَ الْبَيْعَةَ لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَرَاهُ أَهْلًا لِلْخِلَافَةِ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ حَسَّانُ بْنُ مَالِكٍ، وَإِنْ كَانَ خَالًا لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِأَعْبَاءِ بَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وفاة مروان بن الحكم ثُمَّ إِنَّ أُمَّ خَالِدٍ دَبَّرَتْ أَمْرَ مَرْوَانَ فَسَمَّتْهُ، وَيُقَالُ: بَلْ وَضَعَتْ عَلَى وَجْهِهِ وَهُوَ نَائِمٌ وِسَادَةً، فَمَاتَ مَخْنُوقًا، ثُمَّ إِنَّهَا أَعْلَنَتِ الصُّرَاخَ هِيَ وَجَوَارِيهَا وَصِحْنَ: مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَجْأَةً. فَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي الْخِلَافَةِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَذْعُورٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: كَانَ آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مَرْوَانُ: وَجَبَتِ الْجَنَّةُ لِمَنْ خَافَ النَّارَ. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: الْعِزَّةُ لِلَّهِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ بسنده عَنْ حَرْبِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ آمَنْتُ بِالْعَزِيزِ الرَّحِيمِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ عَنْ إِحْدَى - وَقِيلَ: ثَلَاثٍ - وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ تُوُفِّيَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَاتَ مَرْوَانُ بِدِمَشْقَ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَشَرَةَ أَشْهُرٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَغَيْرُهُ: كَانَ قَصِيرًا، أَحْمَرَ الْوَجْهِ، أَوْقَصَ، دَقِيقَ الْعُنُقِ، كَبِيرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ: خَيْطُ بَاطِلٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، أَنَّ مَرْوَانَ مَاتَ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ مِصْرَ بِالصِّنَّبْرَةِ، وَيُقَالُ: بِلُدٍّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِدِمَشْقَ، وَدُفِنَ بَيْنَ بَابِ الْجَابِيَةِ وَبَابِ الصَّغِيرِ.

  163. التاريخ 2254لا حكم مسجّل

    خِلَافَةُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ   بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ فِي ثَالِثِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، جُدِّدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ بِدِمَشْقَ وَمِصْرَ وَأَعْمَالِهَا، فَاسْتَقَرَّتْ يَدُهُ عَلَى مَا كَانَتْ يَدُ أَبِيهِ عَلَيْهِ. وهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَيُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، ?َأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ. وُلِدَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ هُوَ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَقِيلَ: وُلِدَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَحُمِلَ بِهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَقَطْ، وَكَانَ أَبْيَضَ. وَقِيلَ: كَانَ آدَمَ طِوَالًا كَثِيرَ الشَّعَرِ كَبِيرَ اللِّحْيَةِ وَالْعَيْنَيْنِ، مُشْرِقَ الْأَنْفِ، دَقِيقَ الْوَجْهِ، مُضَبَّبَ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ، كَانَ فَقِيهَا رَاوِيًا نَاسِكًا، يُدْعَى حَمَامَةَ الْمَسْجِدِ، شَاعِرًا. وَقَالَ نَافِعٌ: أَدْرَكْتُ الْمَدِينَةَ وَمَا بِهَا شَابٌّ أَنْسَكَ، وَلَا أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلَا أَكْثَرَ صَلَاةً، وَلَا أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. قَالَ ابن الجوزي: اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ أَحْمَدَ أَبُو الْخَلِيلِ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرُوضِيُّ. وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَوَّلُ مَنْ أَمَرَ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْمَنَابِرِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَكَ وَخَلِيفَتَكَ،  فَلَمَّا بُويِعَ لَهُ تَغَيَّرَتْ أُمُورُهُ فِي بَابِ الدِّينِ. قَالَ ابن الجوزي: وَقَدْ رَوَاهَا ثَعْلَبٌ، عَنِ ابْنِ الزَّعْفَرَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا سُلِّمَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْخِلَافَةِ كَانَ فِي حِجْرِهِ مُصْحَفٌ، فَأَطْبَقَهُ، وَقَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ. وعَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ بَرِيرَةَ فَقَالَتْ: إِنَّ فِيكَ خِصَالًا، خَلِيقٌ أَنْ تَلِيَ الْأَمْرَ فَإِنْ وُلِّيتَهُ فَاتَّقِ الدِّمَاءَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْفَعُ عَنْ بَابِ الْجَنَّةِ بَعْدَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِمِلْءِ مِحْجَمَةٍ مِنْ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يُرِيقُهُ". [مِنْ فَضَائِلِ وَصِفَاتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ]   قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَبْخَرَ الْفَمِ، وَإِنَّهُ وُلِدَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ). وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: (كَانَ عَابِدًا نَاسِكًا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ الْخِلَافَةِ). وَقَالَ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ، فَقَالَتْ لَهُ مَرَّةً: بَلَغَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ شَرِبْتَ الطِّلَاءَ بَعْدِ النُّسُكِ وَالْعِبَادَةِ، قَالَ: إِي وَاللَّهِ؛ وَالدِّمَاءَ قَدْ شَرِبْتُهَا). وَقَالَ نَافِعٌ: (لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ وَمَا بِهَا شَابٌّ أَشَدُّ تَشْمِيرًا وَلَا أَفْقَهُ وَلَا أَنْسَكُ وَلَا أَقْرَأُ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ). وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: (فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ:  سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ). وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: (وَلَدَ النَّاسُ أَبْنَاءً، وَوَلَدَ مَرْوَانُ أَبًا). وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّكُمْ مَعْشَرَ أَشْيَاخِ قُرَيْشٍ يُوشِكُ أَنْ تَنْقَرِضُوا، فَمَنْ نَسْأَلُ بَعْدَكُمْ؟ فَقَالَ: (إِنَّ لِمَرْوَانَ ابْنًا فَقِيهَا؛ فَاسْأَلُوهُ). وَقَالَ سُحَيْمٌ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ: (دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَهُوَ شَابٌّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ - ؓ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا يَمْلِكُ الْعَرَبَ. وَقَالَ عَبْدَةُ بْنُ رِيَاحٍ الْغَسَّانِيُّ: قَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: (مَا زِلْتُ أَتَخَيَّلُ هَذَا الْأَمْرَ فِيكَ مُنْذُ رَأَيْتُكَ، قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْكَ مُحَدِّثًا، وَلَا أَعْلَمَ مِنْكَ مُسْتَمِعًا). وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: (مَا جَالَسْتُ أَحَدًا... إِلَّا وَجَدْتُ لِي عَلَيْهِ الْفَضْلَ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ؛ فَإِنِّي مَا ذَاكَرْتُهُ حَدِيثًا... إِلَّا زَادَنِي فِيهِ، وَلَا شِعْرًا... إِلَّا زَادَنِي فِيهِ). وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: (سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ: عُثْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَبَرِيرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ. رَوَى عَنْهُ: عُرْوَةُ، وَخَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، وَرَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَحَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ، وَطَائِفَةٌ). وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: (أَسْلَمَ يَهُودِيٌّ اسْمُهُ يُوسُفُ، وَكَانَ قَرَأَ الْكُتُبَ، فَمَرَّ بِدَارِ مَرْوَانَ فَقَالَ: وَيْلٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ!! فَقُلْتُ لَهُ: إِلَى مَتَى؟ قَالَ: حَتَّى تَجِيءَ رَايَاتٌ سُودٌ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ. وَكَانَ صَدِيقًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَضَرَبَ يَوْمًا عَلَى مَنْكِبِهِ وَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِذَا مَلَكْتَهُمْ، فَقَالَ: دَعْنِي وَيْحَكَ!! مَا شَأْنِي وَشَأْنُ ذَلِكَ؟! فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِهِمْ. قَالَ: وَجَهَّزَ يَزِيدُ جَيْشًا إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، أَيَبْعَثُ إِلَى حَرَمِ اللَّهِ؟! فَضَرَبَ يُوسُفُ مَنْكِبَهُ وَقَالَ: جَيْشُكَ إِلَيْهِمْ أَعْظَمُ). وَقَالَ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ: (لَمَّا نَزَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُقْبَةَ الْمَدِينَةَ... دَخَلْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ – ﷺ فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمِنْ هَذَا الْجَيْشِ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ!! أَتَدْرِي إِلَى مَنْ تَسِيرُ؟ إِلَى أَوَّلِ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِلَى ابْنِ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِلَى ابْنِ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، وَإِلَى مَنْ حَنَّكَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ جِئْتَهُ نَهَارًا... وَجَدْتَهُ صَائِمًا، وَلَئِنْ جِئْتَهُ لَيْلًا... لَتَجِدَنَّهُ قَائِمًا، فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ أَطْبَقُوا عَلَى قَتْلِهِ... لَأَكَبَّهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فِي النَّارِ. فَلَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ... وَجَّهَنَا مَعَ الْحَجَّاجِ حَتَّى قَتَلْنَاهُ). وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَائِشَةَ: (أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، فَأَطْبَقَهُ وَقَالَ: هَذَا آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ). [ أَوَّلِيَّاتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ]   وَقَالَ مَالِكٌ: (سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَفِتْيَانٌ مَعَهُ، كَانُوا إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ الظُّهْرَ... قَامُوا فَصَلُّوا إِلَى الْعَصْرِ، فَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: لَوْ قُمْنَا فَصَلَّيْنَا كَمَا يُصَلِّي هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَإِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَالْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ). وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: (أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدَ الْمَلِكِ:  عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ). وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: (سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ: عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ). وَقَالَ مُصْعَبٌ: (كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الدَّنَانِيرِ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَطَوَّقَهُ بِطَوْقٍ فِضَّةٍ، وَكَتَبَ فِيهِ: ضُرِبَ بِمَدِينَةِ كَذَا، وَكَتَبَ خَارِجَ الطَّوْقِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ). وَفِي «الْأَوَائِلِ» لِلْعَسْكَرِيِّ بِسَنَدِهِ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ فِي صُدُورِ الطَّوَامِيرِ  : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ التَّارِيخِ، فَكَتَبَ مَلِكُ الرُّومِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ فِي طَوَامِيرِكُمْ شَيْئًا مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّكُمْ فَاتْرُكُوهُ، وَإِلَّا... أَتَاكُمْ مِنْ دَنَانِيرِنَا ذِكْرُ مَا تَكْرَهُونَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَشَاوَرَهُ، فَقَالَ: حَرِّمْ دَنَانِيرَهُمْ وَاضْرِبْ لِلنَّاسِ سِكَكًا فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ رَسُولِهِ، وَلَا تُعْفِهِمْ مِمَّا يَكْرَهُونَ فِي الطَّوَامِيرِ. فَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: (وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ بَخِلَ: عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَانَ يُسَمَّى: رَشْحُ الْحِجَارَةِ؛ لِبُخْلِهِ، وَيُكَنَّى أَبَا الذِّبَّانِ، لِبَخَرِهِ). قَالَ: (وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَدَرَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنِ الْكَلَامِ بِحَضْرَةِ الْخُلَفَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ). ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: (كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَلَّى الْعَهْدَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بَعْدَ ابْنِهِ، فَقَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَّلَ غَدْرٍ فِي الْإِسْلَامِ)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا قَوْمِ لَا تَغْلِبُوا عَنْ رَأْيِكُمْ فَلَقَدْ جَرَّبْتُمُ الْغَدْرَ مِنْ أَبْنَاءِ مَرْوَانَا     أَمْسَوْا وَقَدْ قَتَلُوا عَمْرًا وَمَا رَشَدُوا يَدْعُونَ غَدْرًا بِعَهْدِ اللَّهِ كَيْسَانَا     وَيَقْتُلُونَ الرِّجَالَ الْبُزْلَ ضَاحِيَةً لِكَيْ يُوَلُّوا أُمُورَ النَّاسِ وِلْدَانَا     تَلَاعَبُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاتَّخَذُوا هَوَاهُمُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ قُرْآنًا وَأُخْرِجَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ الْكُدَيْمِيُّ - وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَامَ حَجَّ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: (أَمَّا بَعْدُ: فَلَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ - يَعْنِي: عُثْمَانَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ - يَعْنِي: مُعَاوِيَةَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمَأْفُونِ - يَعْنِي: يَزِيدَ - أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلِي مِنَ الْخُلَفَاءِ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، أَلَا وَإِنِّي لَا أُدَاوِي أَدْوَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِالسَّيْفِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ لِي قَنَاتُكُمْ، تُكَلِّفُونَا أَعْمَالَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَلَا تَعْمَلُونَ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ؟! فَلَنْ تَزْدَادُوا إِلَّا عُقُوبَةً حَتَّى يَحْكُمَ السَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ قَرَابَتُهُ، وَمَوْضِعُهُ مَوْضِعُهُ، قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، فَقُلْنَا بِأَسْيَافِنَا هَكَذَا، أَلَا وَإِنَّا نَحْمِلُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا وُثُوبًا عَلَى مِنْبَرٍ، أَوْ نَصْبَ رَايَةٍ، أَلَا وَإِنَّ الْجَامِعَةَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِي عُنُقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عِنْدِي، وَاللَّهِ لَا يَفْعَلُ أَحَدٌ فِعْلَهُ إِلَّا جَعَلْتُهَا فِي عُنُقِهِ، وَاللَّهِ لَا يَأْمُرُنِي أَحَدٌ بِتَقْوَى اللَّهِ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا.. إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ) ثُمَّ نَزَلَ. ثُمَّ قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: (وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَوَّلُ مَنْ نَقَلَ الدِّيوَانَ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَأَوَّلُ مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْمِنْبَرِ). قُلْتُ: فَتَمَّتْ لَهُ عَشْرَةٌ أَوَائِلُ؛ مِنْهَا خَمْسَةٌ مَذْمُومَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «الْمُصَنَّفَ» بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: بَنُو مَرْوَانَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَ الْمَلِكِ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِ). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: (أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: أَصَابَ، مَا نَعْلَمُ لَهَا مِنْ كِسْوَةٍ أَوْفَقُ مِنْهُ). وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا قَعَدَ لِلْحُكْمِ... قُيِّمَ عَلَى رَأْسِهِ بِالسُّيُوفِ). وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: (قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ عَجِلَ عَلَيْكَ الشَّيْبُ؟ فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا؛ وَأَنَا أَعْرِضُ عَقْلِي عَلَى النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ؟!). وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الزِّيَادِيُّ: (قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ تَوَاضَعَ عَنْ رِفْعَةٍ، وَزَهِدَ عَنْ قُدْرَةٍ، وَأَنْصَفَ عَنْ قُوَّةٍ). [أَعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ وَقُلْ مَا شِئْتَ]   وَقَالَ ابْنُ عَائِشَةَ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ.. قَالَ: أَعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ، وَقُلْ بَعْدَهَا مَا شِئْتَ: لَا تَكْذِبْنِي؛ فَإِنَّ الْكَذُوبَ لَا رَأْيَ لَهُ، وَلَا تُجِبْنِي فِيمَا لَا أَسْأَلُكَ؛ فَإِنَّ فِيمَا أَسْأَلُكَ عَنْهُ شُغُلًا، وَلَا تُطْرِنِي، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْكَ، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى الرَّعِيَّةِ؛ فَإِنِّي إِلَى الرِّفْقِ بِهِمْ أَحْوَجُ). [احْتِضَارُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَصِيَّتُهُ]   وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: (لَمَّا أَيْقَنَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْمَوْتِ.. قَالَ: وَاللَّهِ؛ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مُنْذُ وُلِدْتُ إِلَى يَوْمِي هَذَا حَمَّالًا. ثُمَّ أَوْصَى بَنِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الْفُرْقَةِ وَالِاخْتِلَافِ، وَقَالَ: كُونُوا بَنِي أُمٍّ بَرَرَةً، وَكُونُوا فِي الْحَرْبِ أَحْرَارًا، وَلِلْمَعْرُوفِ مَنَارًا، فَإِنَّ الْحَرْبَ لَمْ تُدْنِ مَنِيَّةً قَبْلَ وَقْتِهَا، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ يَبْقَى أَجْرُهُ وَذِكْرُهُ، وَاحْلَوْا فِي مَرَارَةٍ، وَلِينُوا فِي شِدَّةٍ، وَكُونُوا كَمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الشَّيْبَانِيُّ: إِنَّ الْقِدَاحَ إِذَا اجْتَمَعْنَ فَرَامَهَا     بِالْكَسْرِ ذُو حَنَقٍ وَبَطْشٍ بِالْيَدِ عَزَّتْ فَلَمْ تُكْسَرْ، وَإِنْ هِيَ بُدِّدَتْ     فَالْكَسْرُ وَالتَّوْهِينُ لِلْمُتَبَدِّدِ يَا وَلِيدُ؛ اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَخْلَفَكَ فِيهِ... إِلَى أَنْ قَالَ: وَانْظُرِ الْحَجَّاجَ فَأَكْرِمْهُ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي وَطَأَ لَكُمُ الْمَنَابِرَ، وَهُوَ سَيْفُكَ يَا وَلِيدُ، وَيَدُكَ عَلَى مَنْ نَاوَأَكَ، فَلَا تَسْمَعَنَّ فِيهِ قَوْلَ أَحَدٍ، وَأَنْتَ إِلَيْهِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَيْكَ، وَادْعُ النَّاسَ إِذَا مُتَّ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَمَنْ قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا... فَقُلْ بِسَيْفِكَ هَكَذَا). وَقَالَ غَيْرُهُ: (لَمَّا احْتُضِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ... دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ، فَتَمَثَّلَ: كَمْ عَائِدٍ رَجُلًا وَلَيْسَ يَعُودُهُ     إِلَّا لِيَعْلَمَ هَلْ يَرَاهُ يَمُوتُ فَبَكَى الْوَلِيدُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟! أَتَحِنُّ حَنِينَ الْأَمَةِ؟! إِذَا مُتُّ... فَشَمِّرْ وَأْتَزِرْ، وَالْبَسْ جِلْدَ النَّمِرِ، وَضَعْ سَيْفَكَ عَلَى عَاتِقِكَ، فَمَنْ أَبْدَى ذَاتَ نَفْسِهِ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَمَنْ سَكَتَ... مَاتَ بِدَائِهِ). قُلْتُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ مَسَاوِئِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَّا الْحَجَّاجُ وَتَوْلِيَتُهُ إِيَّاهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى الصَّحَابَةِ، يُهِينُهُمْ وَيُذِلُّهُمْ قَتْلًا وَضَرْبًا، وَشَتْمًا وَحَبْسًا، وَقَدْ قَتَلَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ مَا لَا يُحْصَى فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، وَخَتَمَ فِي عُنُقِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ خَتْمًا، يُرِيدُ بِذَلِكَ ذُلَّهُمْ، فَلَا رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا عَفَا عَنْهُ. وَمِنْ شِعْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ:   لَعَمْرِي لَقَدْ عُمِّرْتُ فِي الدَّهْرِ بُرْهَةً     وَدَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِوَقْعِ الْبَوَاتِرِ فَأَضْحَى الَّذِي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي     كَلَمْحٍ مَضَى فِي الْمُزْمِنَاتِ الْغَوَابِرِ فَيَا لَيْتَنِي لَمْ أُعْنَ فِي الْمُلْكِ سَاعَةً     وَلَمْ أَلْهُ فِي اللَّذَّاتِ عَيْشَ نَوَاضِرِ وَكُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ     مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى زَارَ ضَنْكَ الْمَقَابِرِ [شِدَّةُ تَصَبُّرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ]   وَفِي «تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ»: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: (رَأَيْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَأَتَتْهُ أُمُورٌ أَرْبَعَةٌ فِي لَيْلَةٍ، فَمَا تَنَكَّرَ وَلَا تَغَيَّرَ وَجْهُهُ: قَتْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، بِالْعِرَاقِ وَقَتْلُ حُبَيْشِ بْنِ دُلْجَةَ بِالْحِجَازِ، وَانْتِقَاضُ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلِكِ الرُّومِ، وَخُرُوجُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ إِلَى دِمَشْقَ). وَفِيهِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: (أَرْبَعَةٌ لَمْ يَلْحَنُوا فِي جِدٍّ وَلَا هَزْلٍ: الشَّعْبِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَابْنُ الْقَرْيَةِ). [قِسْمَةُ تَرِكَةٍ وَالنَّصِيبُ دِينَارٌ وَاحِدٌ]   وَأَسْنَدَ السَّلَفِيُّ فِي «الطُّيُورِيَّاتِ»: (أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ يَوْمًا فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: تُوُفِّيَ أَخِي وَتَرَكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ، فَدُفِعَ إِلَيَّ مِنْ مِيرَاثِهِ دِينَارٌ وَاحِدٌ، فَقِيلَ: هَذَا حَقُّكِ، فَعَمِيَ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الشَّعْبِيِّ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، هَذَا تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَأُمًّا فَلَهَا السُّدْسُ مِائَةٌ، وَزَوْجَةٌ فَلَهَا الثَّمَنُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَخًا فَلَهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَبَقِيَ لِهَذِهِ دِينَارٌ). [مَيْزَاتٌ فِي الْجَوَارِي]   وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «الْمُصَنَّفِ» بسنده قَالَ: (قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ جَارِيَةً لِلتَّلَذُّذِ... فَلْيَتَّخِذْهَا بَرْبَرِيَّةً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَهَا لِلْوَلَدِ.. فَلْيَتَّخِذْهَا فَارِسِيَّةً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَهَا لِلْخِدْمَةِ... فَلْيَتَّخِذْهَا رُومِيَّةً). [الْأَخْطَلُ هُوَ شَاعِرُ بَنِي أُمَيَّةَ]   وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (لَمَّا أَنْشَدَ الْأَخْطَلُ كَلِمَتَهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: شَمْسُ الْعَدَاوَةِ حَتَّى يُسْتَقَادَ لَهُمْ     وَأَعْظَمُ النَّاسِ أَحْلَامًا إِذَا قَدَرُوا قَالَ: خُذْ بِيَدِهِ يَا غُلَامُ فَأَخْرِجْهُ، ثُمَّ أَلْقِ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلَعِ مَا يَغْمُرُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ شَاعِرًا، وَإِنَّ شَاعِرَ بَنِي أُمَيَّةَ الْأَخْطَلُ). وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلَ الْأَخْطَلُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! صِفْ لِي السُّكَّرَ، قَالَ: أَوَّلُهُ لَذَّةٌ، وَآخِرُهُ صُدَاعٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ سَاعَةٌ لَا أَصِفُ لَكَ مَبْلَغَهَا، فَقَالَ: مَا مَبْلَغُهَا؟ قَالَ: لَمُلْكُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ شِسْعِ نَعْلِي، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِذَا مَا نَدِيمِي عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي     ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ خَرَجْتُ أَجُرُّ الذَّيْلَ مِنِّي كَأَنَّنِي     عَلَيْكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمِيرُ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقُولُ: وُلِدْتُ فِي رَمَضَانَ، وَفُطِمْتُ فِي رَمَضَانَ، وَخَتَمْتُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَبَلَغْتُ الْحُلُمَ فِي رَمَضَانَ، وَوُلِّيتُ فِي رَمَضَانَ، وَأَتَتْنِي الْخِلَافَةُ فِي رَمَضَانَ، وَأَخْشَى أَنْ أَمُوتَ فِي رَمَضَانَ، فَلَمَّا دَخَلَ شَوَّالُ وَأَمِنَ... مَاتَ).

  164. التاريخ 2255لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ   فِي سنة خمس وستين اشْتَدَّتْ شَوْكَةُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَهُوَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ الْأَزَارِقَةُ مِنَ الْخَوَارِجِ. وَكَانَ سَبَبُ قُوَّتِهِ اشْتِغَالُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَاخْتِلَافُهُمْ بِسَبَبِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو وَقَتْلِهِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَأَقْبَلَ نَحْوَ الْجِسْرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ مُسْلِمَ بْنَ عُبَيْسِ بْنِ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَرَفَعَهُ عَنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ حَتَّى بَلَغَ دُولَابَ مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَاكَ، وَجَعَلَ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْسٍ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ بَابٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَعَلَى مَسِيرَتِهِ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ الْغُدَانِيَّ وَجَعَلَ ابْنُ الْأَزْرَقِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عُبَيْدَ بْنَ هِلَالٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ التَّمِيمِيَّ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، فَقُتِلَ مُسْلِمٌ أَمِيرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَقُتِلَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ أَمِيرُ الْخَوَارِجِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَأَمَّرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَيْهِمُ الْحَجَّاجَ بْنَ بَابٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَأَمَّرْتِ الْخَوَارِجُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوزِ التَّمِيمِيَّ، وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْحَجَّاجُ، فَأَمَّرَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عَلَيْهِمْ رَبِيعَةَ بْنَ الْأَجْرَمِ التَّمِيمِيَّ، وَأَمَّرَتِ الْخَوَارِجُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوِزِ التَّمِيمِيَّ، ثُمَّ عَادُوا فَاقْتَتَلُوا حَتَّى أَمْسَوْا وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَمَلُّوا الْقِتَالَ. فَإِنَّهُمْ كَذَلِكَ مُتَوَاقِفُونَ مُتَحَاجِزُونَ إِذْ جَاءَتِ الْخَوَارِجُ سَرِيَّةٌ مُسْتَرِيحَةٌ لَمْ تَشْهَدِ الْقِتَالَ، فَحَمَلَتِ عَلَى النَّاسِ مِنْ نَاحِيَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَانْهَزَمَ النَّاسُ وَقُتِلَ أَمِيرُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَبِيعَةُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ أَيْضًا دُغْفُلُ بْنُ حَنْظَلَةَ الشَّيْبَانِيُّ النَّسَّابَةُ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَاتَلَ سَاعَةً، وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ عَنْهُ، فَقَاتَلَ وَحَمَى النَّاسَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ بِالْأَهْوَازِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَأَفْزَعَهُمْ، وَبَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ ( بْنُ الزُّبَيْرِ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ) وَعَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَتِ الْخَوَارِجُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ.

  165. التاريخ 2256لا حكم مسجّل

    مُحَارِبَةِ الْمُهَلَّبِ الْخَوَارِجَ  لَمَّا قَرُبَتِ الْخَوَارِجُ مِنَ الْبَصْرَةِ أَتَى أَهْلُهَا الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَوَلَّى حَرْبَهُمْ، فَأَشَارَ بِالْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ لِمَا يَعْلَمُ فِيهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ وَلَّاهُ خُرَاسَانَ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: مَا لِهَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ الْمُهَلَّبِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَكَلَّمُوهُ، فَأَبَى، فَكَلَّمَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَاعْتَذَرَ بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ، فَوَضَعَ الْحَارِثُ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ كِتَابًا إِلَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَتَوْهُ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسِيرُ إِلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَجْعَلُوا لِي مَا غُلِبْتُ عَلَيْهِ وَتُقْطِعُونِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا أُقَوِّي بِهِ مَنْ مَعِي. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَكَتَبُوا لَهُ بِهِ كِتَابًا، وَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَمْضَاهُ، فَاخْتَارَ الْمُهَلَّبُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِمَّنْ يَعْرِفُ نَجْدَتَهُ وَشَجَاعَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِيَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، وَخَرَجَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْخَوَارِجِ وَهُمْ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَصْغَرِ، فَحَارَبَهُمْ وَهُوَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ وَأَشْرَافِهِمْ، فَدَفَعَهُمْ عَنِ الْجِسْرِ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَدْخُلُوا، فَارْتَفَعُوا إِلَى الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ قَارَبَهُمُ ارْتَفَعُوا فَوْقَ ذَلِكَ. وَلَمَّا بَلَغَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ تَأْمِيرُ الْمُهَلَّبِ عَلَى قِتَالِ الْأَزَارِقَةِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ [ مِنَ ] النَّاسِ: كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ فَرَدَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَرَكِبَ حَارِثَةُ فِي سَفِينَةٍ فِي نَهْرِ دُجَيْلٍ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ وَالْخَوَارِجُ وَرَاءَهُ، فَصَاحَ التَّمِيمِيُّ بِحَارِثَةَ يَسْتَغِيثُ بِهِ لِيَحْمِلَهُ مَعَهُ، فَقَرَّبَ السَّفِينَةَ إِلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَهُوَ جُرْفٌ، فَوَثَبَ التَّمِيمِيُّ إِلَيْهَا فَغَاصَتْ بِجَمِيعِ مَنْ فِيهَا فَغَرِقُوا. وَأَمَّا الْمُهَلَّبُ فَإِنَّهُ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالْخَوَارِجِ وَهُمْ بِنَهْرِ تِيرَى وَتَنَحَّوْا عَنْهُ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَسَيَّرَ الْمُهَلَّبُ إِلَى عَسْكَرِهِمُ الْجَوَاسِيسَ تَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُ خَبَرُهُمْ سَارَ نَحْوَهُمْ وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ الْمُعَارِكَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى نَهْرِ تِيرَى، فَلَمَّا وَصَلَ الْأَهْوَازَ قَاتَلَتِ الْخَوَارِجُ مُقَدِّمَتَهُ، وَعَلَيْهِمُ ابْنُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَجَالَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ عَادُوا. فَلَمَّا رَأَى الْخَوَارِجُ صَبْرَهُمْ سَارُوا عَنْ سُوقِ الْأَهَاوِزِ إِلَى مَنَاذِرَ، فَسَارَ يُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ سَيَّرَ الْخَوَارِجُ جَمْعًا عَلَيْهِمْ وَاقَدٌ مَوْلَى أَبِي صُفْرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى وَبِهَا الْمَعَارِكُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَسَيَّرَ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى، فَأَنْزَلَ عَمَّهُ الْمُعَارِكَ وَدَفَنَهُ وَسَكَنَ النَّاسُ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا جَمَاعَةً وَعَادَ إِلَى أَبِيهِ وَقَدْ نَزَلَ سُولَافَ. وَكَانَ الْمُهَلَّبُ شَدِيدَ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ، لَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي خَنْدَقٍ وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَةٍ وَيَتَوَلَّى الْحَرَسَ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا نَازَلَ الْخَوَارِجَ بِسُولَافَ رَكِبُوا وَوَقَفُوا لَهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ حَمَلَتِ الْخَوَارِجُ حَمْلَةً صَادِقَةً عَلَى الْمُهَلَّبِ وَأَصْحَابِهِ فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَثَبَتَ الْمُهَلَّبُ وَأَبْلَى ابْنُهُ الْمُغِيرَةَ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُهُ، وَنَادَى الْمُهَلَّبُ أَصْحَابَهُ فَعَادُوا إِلَيْهِ مَعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرَادَ الْقِتَالَ بِمَنْ مَعَهُ فَنَهَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِضَعْفِهِمْ وَكَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِيهِمْ، فَتَرَكَ الْقِتَالَ وَسَارَ وَقَطَعَ دُجَيْلَ وَنَزَلَ بِالْعَاقُولِ لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، شعر ابن قيس الرقيات في يوم سولاف ( وَفِي يَوْمِ سُولَافَ يَقُولُ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ: أَلَا طَرَقَتْ مِنْ آلِ مَيَّةَ طَارِقَهْ عَلَى أَنَّهَا مَعْشُوقَةُ الدَّلِّ عَاشِقَهْ     تَمِيسُ وَأَرْضُ السُّوسِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا وَسُولَافُ رُسْتَاقٌ حَمَتْهُ الْأَزَارِقَهْ     إِذَا نَحْنُ شَتَّى صَادَفَتْنَا عِصَابَةٌ حَرُورِيَّةٌ أَضْحَتْ مِنَ الدِّينِ مَارِقَهْ     أَجَازَتْ إِلَيْنَا الْعَسْكَرَيْنِ كِلَيْهِمَا فَبَاتَتْ لَنَا دُونَ اللِّحَافِ مُعَانِقَهْ وَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الْخَوَارِجِ: وَكَائِنْ تَرَكْنَا يَوْمَ سُولَافَ مِنْهُمُ     أُسَارَى وَقَتْلَى فِي الْجَحِيمِ مَصِيرُهَا وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِيهِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْعَاقُولِ نَزَلَ فِيهِ وَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ ارْتَحَلَ وَسَارَ نَحْوَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُمْ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُ أَشْيَاءَ يُحَدِّثُ بِهَا النَّاسَ لِيَنْشَطُوا إِلَى الْقِتَالِ فَلَا يَرَوْنَ لَهَا أَثَرًا، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ: أَنْتَ الْفَتَى كُلُّ الْفَتَى     لَوْ كُنْتَ تَصْدُقُ مَا تَقُولُ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمُ الْكَذَّابَ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكَايَدَةً لِلْعَدُوِّ. فَلَمَّا نَزَلَ الْمُهَلَّبُ قَرِيبًا مِنَ الْخَوَرِاجِ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَضَعَ الْمَسَالِحَ وَأَذْكَى الْعُيُونَ وَالْحَرَسَ وَالنَّاسَ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَمَوَاقِفِهِمْ، وَأَبْوَابُ الْخَنْدَقِ مَحْفُوظَةٌ، فَكَانَ الْخَوَارِجُ إِذَا أَرَادُوا بَيَاتَهُ وَغِرَّتَهُ وَجَدُوا أَمْرًا مُحْكَمًا فَرَجَعُوا، فَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ إِنْسَانٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ أَرْسَلُوا عُبَيْدَةَ بْنَ هِلَالٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ فِي عَسْكَرٍ لَيْلًا إِلَى عَسْكَرِ الْمُهَلَّبِ لِيُبَيِّتُوهُ، فَصَاحُوا بِالنَّاسِ عَنْ يَمِينِهِمْ وَيَسَارِهِمْ فَوَجَدُوهُمْ عَلَى تَعْبِيَةٍ قَدْ حَذِرُوا، فَلَمْ يَنَالُوا مِنْهُمْ شَيْئًا، وَأَصْبَحَ الْمُهَلَّبُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي تَعْبِيَةٍ، وَجَعَلَ الْأَزْدَ وَتَمِيمًا مَيْمَنَةً، وَبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَعَبْدَ الْقَيْسِ مَيْسَرَةً، وَأَهْلَ الْعَالِيَةِ فِي الْقَلْبِ، وَخَرَجَتِ الْخَوَارِجُ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ عُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ الْيَشْكُرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ، وَكَانُوا أَحْسَنَ عُدَّةً وَأَكْرَمَ خَيْلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُمْ مَخَرُوا الْأَرْضَ وَجَرَّدُوهَا مَا بَيْنَ كَرْمَانَ إِلَى الْأَهْوَازِ. فَالْتَقَى النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ عَامَّةَ النَّهَارِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ شَدَّتْ عَلَى النَّاسِ شَدَّةً مُنْكَرَةً، فَأَجْفَلُوا وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٌ، حَتَّى بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ الْبَصْرَةَ، وَخَافَ أَهْلُهَا السِّبَاءَ. وَأَمَّا الْمُهَلَّبُ فَإِنَّهُ سَبَقَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَوَقَفَ لَهُمْ بِمَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَجَعَلَ يُنَادِي: إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ جَيْشِهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْفُرْسَانِ الشُّجْعَانِ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رُبَّمَا يَكِلُ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيُهْزَمُونَ، وَيُنْزِلُ النَّصْرَ عَلَى الْجَمْعِ الْيَسِيرِ فَيَظْهَرُونَ، وَلَعَمْرِي مَا بِكُمُ الْآنَ مِنْ قِلَّةٍ، وَأَنْتُمْ فُرْسَانُ أَهْلِ الْمِصْرَ وَأَهْلُ النَّصْرِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنِ انْهَزَمَ مَعَكُمُ الْآنَ، وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا. ثُمَّ قَالَ: عَزَمْتُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَّا أَخَذَ عَشَرَةَ أَحْجَارٍ مَعَهُ، ثُمَّ امْشُوا بِنَا إِلَى عَسْكَرِهِمْ ; فَإِنَّهُمُ الْآنَ آمِنُونَ، وَقَدْ خَرَجَتْ خُيُولُهُمْ فِي طَلَبِ إِخْوَانِكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ خَيْلُهُمْ حَتَّى تَسْتَبِيحُوا عَسْكَرَهُمْ، وَتَقْتُلُوا أَمِيرَهُمْ. فَفَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَزَحَفَ بِهِمْ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى عَسْكَرِ الْخَوَارِجِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا نَحْوًا مِنْ سَبْعَةِ آلَافٍ، وَقَتَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوزِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَزَارِقَةِ، وَاحْتَازَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَدْ أَرْصَدَ الْمُهَلَّبُ خُيُولًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ مِنْ طَلَبِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَجَعَلُوا يُقْتَطَعُونَ دُونَ قَوْمِهِمْ، وَانْهَزَمَ فَلُّهُمْ إِلَى كَرْمَانَ وَأَرْضِ أَصْبَهَانَ، وَأَقَامَ الْمُهَلَّبُ بِالْأَهْوَازِ حَتَّى قَدِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَعَزَلَ عَنْهَا الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. شعر بعض الخوارج لما رأى قتال أصحاب المهلب بالحجارة ( قَالَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ لَمَّا رَأَى قِتَالَ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ بِالْحِجَارَةِ: أَتَانَا بِأَحْجَارٍ لِيَقْتُلَنَا بِهَا     وَهَلْ تُقْتَلُ الْأَقْرَانُ وَيْحَكَ بِالْحَجَرِ ! ( وَفِي هَذَا الْيَوْمِ يَقُولُ الصَّلَتَانِ الْعَبْدِيُّ: بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى مَصَارِعُ فِتْيَةٍ     كِرَامٍ وَقَتْلَى لَمْ تُوَسَّدْ خُدُودُهَا استخلاف الخوارج الزبير بن الماحوز فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ ) اسْتَخْلَفَ الْخَوَارِجُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ: وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يُعَرِّفُهُ ظَفَرَهُ، فَأَرْسَلَ الْحَارِثُ الْكِتَابَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ هُنَاكَ، وَكَتَبَ الْحَارِثُ إِلَى الْمُهَلَّبِ: ( أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ نَصْرَ اللَّهِ وَظَفَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَنِيئًا لَكَ يَا أَخَا الْأَزْدِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَعِزُّهَا وَثَوَابُ الْآخِرَةِ وَفَضْلُهَا. فَلَمَّا قَرَأَ الْمُهَلَّبُ كِتَابَهُ ضَحِكَ وَقَالَ: أَمَا يَعْرِفُنِي إِلَّا بِأَخِي الْأَزْدِ ! مَا هُوَ إِلَّا أَعْرَابِيٌّ جَافٍ ). وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ وَنَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَبْلَ مُسْلِمٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسُيِّرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ بَعْدَهُ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا كَيْفَ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا يَعْنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ سَارَ بَعْدَهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْسٍ ). وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ لَمَّا دَفَعَ الْخَوَارِجَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَهْوَازِ أَقَامَ بَقِيَّةَ سَنَتِهِ يَجْبِي كُوَرَ دِجْلَةَ، وَرَزَقَ أَصْحَابَهُ، وَأَتَاهُ الْمَدَدُ مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى بَلَغَ أَصْحَابُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَزِيمَةُ الْخَوَارِجِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ.

  166. التاريخ 2257لا حكم مسجّل

    اسْتِعْمَالِ مُصْعَبٍ عَلَى الْمَدِينَةِ  فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ عُبَيْدَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ مُصْعَبًا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُبَيْدَةَ خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: وَقَدْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعَ اللَّهُ بِقَوْمِ صَالِحٍ فِي نَاقَةٍ قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَلَمَّا بَلَغَتْ أَخَاهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ وَعَزَلَهُ، فَسُمِّيَ مُقَوِّمَ النَّاقَةِ.

  167. التاريخ 2258لا حكم مسجّل

    وَفِي آخِرِ سنة خمس وستين عَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْكُوفَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الْخَطْمِيَّ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ الْحَرَّةِ، لَمَّا خَلَعُوا يَزِيدَ.

  168. التاريخ 2259لا حكم مسجّل

    الْحَرْبِ بَيْنَ ابْنِ خَازِمٍ وَبَنِي تَمِيمٍ   فِي هَذِهِ سَنَةُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ ابْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ وَبَنِي تَمِيمٍ بِخُرَاسَانَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَعَانُوا ابْنَ خَازِمٍ عَلَى مَنْ بِهَا مِنْ رَبِيعَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَفَتْ لَهُ خُرَاسَانُ جَفَا بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ قَدْ جَعَلَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا عَلَى هَرَاةَ، وَجَعَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ، وَضَمَّ إِلَيْهِ شَمَّاسَ بْنَ دِثَارٍ الْعُطَارِدِيَّ، وَكَانَتْ أُمُّ مُحَمَّدٍ تَمِيمِيَّةً، فَلَمَّا جَفَا ابْنُ خَازِمٍ بَنِي تَمِيمٍ أَتَوُا ابْنَهُ مُحَمَّدًا بِهَرَاةَ، فَكَتَبَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى ابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَإِلَى بُكَيْرٍ وَشَمَّاسٍ يِأْمُرُهُمْ بِمَنْعِهِمْ عَنْ هَرَاةَ، فَأَمَّا شَمَّاسٌ فَصَارَ مَعَ بَنِي تَمِيمٍ، وَأَمَّا بُكَيْرٍ فَإِنَّهُ مَنَعَهُمْ، فَأَقَامُوا بِبِلَادٍ هَرَاةَ، فَأَرْسَلَ بُكَيْرٌ إِلَى شَمَّاسٍ: إِنِّي أَعْطَيْتُكَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا فَأَعْطِ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَلْفًا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا. فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا يَتَرَصَّدُونَ مُحَمَّدًا، فَخَرَجَ يَتَصَيَّدُ فَأَخَذُوهُ وَشَدُّوهُ وِثَاقًا وَشَرِبُوا لَيْلَتَهُمْ وَجَعَلُوا يَبُولُونَ عَلَيْهِ كُلَّمَا أَرَادُوا الْبَوْلَ، فَقَالَ لَهُمْ شَمَّاسٌ: أَمَّا إِذْ بَلَغْتُمْ هَذَا مِنْهُ فَاقْتُلُوهُ بِصَاحِبَيْكُمَا اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا بِالسِّيَاطِ. وَكَانَ قَدْ ضَرَبَ رَجُلَيْنِ مِنْ تَمِيمٍ بِالسِّيَاطِ حَتَّى مَاتَا. فَقَامُوا إِلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْهُ جَيْهَانُ بْنُ مَشْجَعَةَ الضَّبِّيُّ وَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَقَتَلُوا مُحَمَّدًا. فَشَكَرَ ابْنُ خَازِمٍ لِجَيْهَانَ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ فِيمَنْ قَتَلَ يَوْمَ فَرْتَنَا. وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى قَتْلَ مُحَمَّدٍ رَجُلَانِ اسْمُ أَحَدِهِمَا عَجَلَةُ وَاسْمُ الْآخَرِ كُسَيْبٌ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ: بِئْسَ مَا اكْتَسَبَ كُسَيْبٌ لِقَوْمِهِ، وَلَقَدْ جَعَلَ عَجَلَةُ لِقَوْمِهِ شَرًّا. وَأَقْبَلَتْ تَمِيمٌ إِلَى مَرْوَ وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمُ الْحَرِيشَ بْنَ هِلَالٍ الْقُرَيْعِيَّ، وَأَجْمَعَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قِتَالِ ابْنِ خَازِمٍ، فَقَاتَلَ الْحَرِيشُ بْنُ هِلَالٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ سَنَتَيْنِ فَلَمَّا طَالَتِ الْحَرْبُ خَرَجَ الْحَرِيشُ فَنَادَى ابْنَ خَازِمٍ وَقَالَ لَهُ: طَالَتِ الْحَرْبُ بَيْنَنَا فَعَلَامَ تَقْتُلُ قَوْمِي وَقَوْمَكَ ؟ ابْرُزْ إِلَيَّ فَأَيُّنَا قَتَلَ صَاحِبَهُ صَارَتِ الْأَرْضُ لَهُ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: قَدْ أَنْصَفْتَ. فَبَرَزَ إِلَيْهِ فَتَضَارَبَا وَتَصَاوَلَا تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ لَا يَقْدِرُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ غَفَلَ ابْنُ خَازِمٍ فَضَرَبَهُ الْحَرِيشُ عَلَى رَأْسِهِ فَأَلْقَى فَرْوَةَ رَأْسِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَانْقَطَعَ رِكَابُ الْحَرِيشِ وَانْتَزَعَ السَّيْفَ، وَلَزِمَ ابْنُ خَازِمٍ عُنُقَ فَرَسِهِ رَاجِعًا إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ غَادَاهُمُ الْقِتَالُ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ بَعْدَ الضَّرْبَةِ أَيَّامًا ثُمَّ مَلَّ الْفَرِيقَانِ فَتَفَرَّقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةً إِلَى نَيْسَابُورَ مَعَ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ، وَفِرْقَةً إِلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وَفِرْقَةً فِيهَا الْحَرِيشُ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، فَاتَّبَعَهُ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى قَرْيَةٍ تُسَمَّى الْمَلْحَمَةَ، وَالْحَرِيشُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَقَدْ تَفَرَّقَتْ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ فِي خَرِبَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ ابْنُ خَازِمٍ خَرَجَ إِلَيْهِ فِي أَصْحَابِهِ، فَحَمَلَ مَوْلًى لِابْنِ خَازِمٍ عَلَى الْحَرِيشِ فَضَرَبَهُ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَقَالَ الْحَرِيشُ لِرَجُلٍ مَعَهُ: إِنَّ سَيْفِي لَا يَصْنَعُ فِي سِلَاحِهِ شَيْئًا فَأَعْطِنِي خَشَبَةً، فَأَعْطَاهُ عُودًا مِنْ عُنَّابٍ، فَحَمَلَ عَلَى الْمَوْلَى فَضَرَبَهُ فَسَقَطَ وَقِيذًا، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ خَازِمٍ: مَا تُرِيدُ مِنِّي وَقَدْ خَلَّيْتُكَ وَالْبِلَادَ ؟ قَالَ: إِنَّكَ تَعُودُ إِلَيْهَا. قَالَ: لَا أَعُودُ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ خُرَاسَانَ وَلَا يَعُودَ إِلَى قِتَالِهِ، فَأَعْطَاهُ ابْنُ خَازِمٍ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَفَتَحَ لَهُ الْحَرِيشُ بَابَ الْقَصْرِ، فَدَخَلَهُ ابْنُ خَازِمٍ وَضَمِنَ لَهُ وَفَاءَ دَيْنِهِ وَتَحَدَّثَا طَوِيلَا. وَطَارَتْ قُطْنَةٌ عَنِ الضَّرْبَةِ الَّتِي بِرَأْسِ ابْنِ خَازِمٍ، فَأَخْذَهَا الْحَرِيشُ وَوَضَعَهَا مَكَانَهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: مَسُّكَ الْيَوْمَ أَلْيَنُ مِنْ مَسِّكِ أَمْسِ. فَقَالَ الْحَرِيشُ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا [ أَنَّ ] رِكَابِيَ انْقَطَعَ لَخَالَطَ السَّيْفُ رَأْسَكَ، قَالَ الْحَرِيشُ فِي ذَلِكَ: أَزَالَ عُظْمَ ذِرَاعِي عَنْ مُرَكَّبِهِ حَمْلُ الرُّدَيْنِيِّ فِي الْإِدْلَاجِ بِالسَّحَرِ     حَوْلَيْنِ مَا اغْتَمَضَتْ عَيْنِي بِمَنْزِلَةٍ إِلَّا وَكَفِّي وِسَادٌ لِي عَلَى حَجَرِ     بَزِّي الْحَدِيدُ وَسِرْبَالِي إِذَا هَجَعَتْ عَنِّي الْعُيُونُ مِحَالُ الْقَارِحِ الذَّكَرِ )

  169. التاريخ 2260لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُصْعَبٌ، وَعَلَى الْكُوفَةِ ابْنُ مُطِيعٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْحَارِثُ بْنُ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ.

  170. التاريخ 2261لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ  سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ الْخُزَاعِيُّ أَبُو مُطَرِّفٍ الْكُوفِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ الْخُزَاعِيُّ أَبُو مُطَرِّفٍ الْكُوفِيُّ صَحَابِيًّا جَلِيلًا نَبِيلًا عَابِدًا زَاهِدًا، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا، وعن مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ رِجَالِهِ، قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدَ أَسْلَمَ وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ، وَكَانَ اسْمُهُ يَسَارًا، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُلَيْمَانَ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ حِينَ نَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ ؓ صِفِّينَ،، وَكَانَ أَحَدُ مَنْ كَانَ يَجْتَمِعُ الشِّيعَةُ فِي دَارِهِ لِبَيْعَةِ الْحُسَيْنِ، وَكَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ فِيمَنْ كَتَبَ بِالْقُدُومِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا تَخَلَّوْا عَنْهُ، وَقُتِلَ بِكَرْبَلَاءَ، وَرَأَى هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبَبًا فِي قُدُومِهِ، وَأَنَّهُمْ خَذَلُوهُ حَتَّى قُتِلَ هُوَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، فَنَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا، ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي هَذَا الْجَيْشِ، وَسَمَّوْا جَيْشَهُمْ جَيْشَ التَّوَّابِينَ، وَسَمَّوْا سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ أَمِيرَ التَّوَّابِينَ، فَقُتِلَ سُلَيْمَانُ، ؓ، فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ بِعَيْنِ وَرْدَةَ، سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ قُتِلَ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ. الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْفَزَارِيُّ وَأَمَّا الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْفَزَارِيُّ، فَإِنَّهُ قَدِمَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ مِنَ الْعِرَاقِ وَشَهِدَ فَتْحَ دِمَشْقَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْعِرَاقِ وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ صِفِّينَ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ أَحَدَ الْكِبَارِ الَّذِينَ خَرَجُوا يَطْلُبُونَ بِدَمِ الْحُسَيْنِ، ؓ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ وَرَأْسُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بَعْدَ الْوَقْعَةِ. جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ -وَقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ- بْنِ مَعْمَرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ظَبْيَانَ:   رَأَى بُثَيْنَةَ وَهُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ فَهَوِيَهَا، وَهُمَا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ، وَتُكَنَّى بُثَيْنَةُ أُمَّ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا كَبِرَ خَطَبَهَا، فَرُدَّ عَنْهَا، فَقَالَ فِيهَا الشِّعْرَ، وَكَانَ يَزُورُهَا وَتَزُورُهُ، وَمَنْزِلُهُمَا وَادِي الْقُرَى، فَجَمَعَ أَهْلُهَا لَهُ جَمْعًا لِيَأْخُذُوهُ، فَأَخْبَرَتْهُ بُثَيْنَةُ [فَاخْتَفَى] وَهَجَا قَوْمَهَا فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ [وَهُوَ] يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، فَنَذَرَ لَيَقْطَعَنَّ لِسَانَهُ، فَلَحِقَ بِخُذَامَ فَأَقَامَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ عُزِلَ مَرْوَانُ. وعن جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّرَّاجِ، قَالَ: كُنْتُ مَارًّا بَيْنَ تَيْمَاءَ وَوَادِي الْقُرَى مُبَادِرًا مِنْ مَكَّةَ، فَرَأَيْتُ صَخْرَةً عَظِيمَةً مَلْسَاءَ فِيهَا تَرْبِيعٌ بِقَدْرِ مَا يَجْلِسُ عَلَيْهَا النَّفَرُ كَالدَّكَّةِ، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَنَا مِنَ الْعَرَبِ، وَأَظُنُّهُ جُهَنِيًّا: هَذَا مَجْلِسُ جَمِيلٍ وَبُثَيْنَةَ فَاعْرِفْهُ. من أشعار جميل بن معمر وَمِنْ أَشْعَارِهِ الْمُسْتَحْسَنَةِ فِيهَا قَوْلُهُ: حَلَّتْ بُثَيْنَةُ مِنْ قَلْبِي بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْجَوَانِحِ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ أَحَدُ     صَادَتْ فُؤَادِي بِعَيْنَيْهَا وَمَبْتَسَمٍ كَأَنَّهُ حِينَ تُبْدِيهِ لَنَا بَرَدُ     وَعَاذِلِينَ لَحَوْنِي فِي مَحَبَّتِهَا يَا لَيْتَهُمْ وَجَدُوا مِثْلَ الَّذِي أَجِدُ لَمَّا أَطَالُوا عِتَابِي فِيكِ قُلْتُ لَهُمْ     لَا تُفْرِطُوا بَعْضَ هَذَا اللَّوْمِ وَاقْتَصِدُوا قَدْ مَاتَ قَبْلِي أَخُو نَهْدٍ وَصَاحِبُهُ     مِنْ قَيْسٍ ثُمَّ اشْتَفَى مِنْ عُرْوَةَ الْكَمَدُ وَكُلُّهُمْ كَانَ فِي عِشْقٍ مَنِيَّتُهُ     وَقَدْ وَجَدْتُ بِهَا فَوْقَ الَّذِي وَجَدُوا إِنِّي لَأَحْسَبُهُ أَوْ كِدْتُ أَعْلَمُهُ     أَنْ سَوْفَ يُورِدُنِي الْحَوْضَ الَّذِي وَرَدُوا إِنْ لَمْ يَنَلْنِي بِمَعْرُوفٍ يَجُودُ بِهِ     أَوْ يَدْفَعِ اللَّهُ عَنِّي الْوَاحِدُ الصَّمَدُ وَقَالَ أَيْضًا: لَحَى اللَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعُ الْوُدُّ عِنْدَهُ     وَمَنْ حَبْلُهُ إِنْ مُدَّ غَيْرُ مَتِينِ وَمَنْ هُوَ إِنْ تُحْدِثْ لَهُ الْعَيْنُ نَظْرَةً     يَقْطَعْ لَهَا أَسْبَابَ كُلِّ قَرِينِ وَمَنْ هُوَ ذُو لَوْنَيْنِ لَيْسَ بِدَائِمٍ     عَلَى خُلُقٍ خَوَّانُ كُلِّ يَمِينِ فَلَيْتَ رِجَالًا فِيكِ قَدْ نَذَرُوا دَمِي     وَهَمُّوا بِقَتْلِي يَا بُثَيْنُ لَقُونِي إِذَا مَا رَأَوْنِي طَالِعًا مِنْ ثَنِيَّةٍ     يَقُولُونَ مَنْ هَذَا وَقَدْ عَرَفُونِي يَقُولُونَ لِي أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا     وَلَوْ ظَفِرُوا بِي سَاعَةً قَتَلُونِي وَكَيْفَ وَلَا تُوفِي دِمَاؤُهُمْ دَمِي     وَلَا مَالُهُمْ مَالِي إِذَا فَقَدُونِي وَقَالَ أَيْضًا: فَيَا وَيْحَ نَفْسِي حَسْبُ نَفْسِي الَّذِي بِهَا     وَيَا وَيْحَ أَهْلِي مَا أُصِيبَ بِهِ أَهْلِي فَلَوْ تَرَكَتْ عَقْلِي مَعِي مَا طَلَبْتُهَا     وَلَكِنْ طِلَابَيْهَا لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلِي خَلِيلِيَّ فِيمَا عِشْتُمَا هَلْ رَأَيْتُمَا     قَتِيلًا بَكَى مِنْ حُبِّ قَاتِلِهِ قَبْلِي وعن الْمُثَنَّى بْنُ سَعْدٍ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ كُثَيِّرَ عَزَّةَ لَقِيَ جَمِيلًا، فَقَالَ لَهُ: مَتَى عَهْدُكَ بِبُثَيْنَةَ؟ قَالَ: مَا لِي بِهَا عَهْدٌ مُنْذُ عَامِ أَوَّلَ وَهِيَ تَغْسِلُ ثَوْبًا بِوَادِي الدَّوْمِ، فَقَالَ كُثَيِّرٌ: أَتُحِبُّ أَنْ أُعِيدَهَا لَكَ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَقْبَلَ رَاجِعًا إِلَى بُثَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهَا: يَا فُلَانُ مَا رَدَّكَ؟ أَمَا كُنْتَ عِنْدَنَا قُبَيْلَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ حَضَرَتْ أَبْيَاتٌ قُلْتُهَا فِي عَزَّةَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ: فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ أَرْسَلَ صَاحِبِي     عَلَى بَابِ دَارِي وَالرَّسُولُ مُوَكَّلُ أَمَا تَذْكُرِينَ الْعَهْدَ يَوْمَ لَقِيتُكُمْ     بِأَسْفَلِ وَادِي الدَّوْمِ وَالثَّوْبُ يُغْسَلُ فَقَالَتْ بُثَيْنَةُ: اخْسَأْ، فَقَالَ أَبُوهَا: مَا هَاجَكَ، قَالَتْ: كَلْبٌ لَا يَزَالُ يَأْتِينَا مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْجَبَلِ بِاللَّيْلِ وَأَنْصَافِ النَّهَارِ. قَالَ: فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ وَعَدَتْكَ وَرَاءَ هَذَا الْجَبَلِ بِاللَّيْلِ وَأَنْصَافَ النَّهَارِ، فَالْقَهَا إِذَا شِئْتَ. وَحَكَى أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ تَيْمَاءَ فَرَأَيْتُ عَجُوزًا عَلَى أَتَانٍ، فَقُلْتُ: مِمَّنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: مِنْ عُذْرَةَ، قُلْتُ: هَلْ تَرْوِينَ عَنْ بُثَيْنَةَ وَجَمِيلٍ شَيْئًا؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَعَلَى مَاءٍ مِنَ الْجَنَابِ وَقَدِ اعْتَزَلْنَا الطَّرِيقَ وَقَدْ خَرَجَ رِجَالُنَا فِي سَفَرٍ وَخَلَّفُوا عِنْدَنَا غِلْمَانًا أَحْدَاثًا، وَقَدِ انْحَدَرَ الْغِلْمَانُ عَشِيَّةً إِلَى صِرْمٍ قَرِيبٍ مِنَّا يَتَحَدَّثُونَ إِلَى جِوَارٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ بَقِيتُ أَنَا وَبُثَيْنَةُ نَسْتَبْرِمُ غَزْلًا لَنَا إِذِ انْحَدَرَ عَلَيْنَا مُنْحَدِرٌ مِنْ هَضْبَةٍ حِذَاءَنَا، فَسَلَّمَ وَنَحْنُ مُسْتَوْحِشُونَ، فَرَدَدْتُ السَّلَامَ، وَنَظَرْتُ فَإِذَا رَجُلٌ وَاقِفٌ شَبَّهْتُهُ بِجَمِيلٍ، وَدَنَا فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: جَمِيلٌ، قَالَ: أَيْ وَاللَّهِ، قُلْتُ: عَرَّضْتَنَا وَنَفْسَكَ لِلشَّرِّ، فَمَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: هَذِهِ الْغُولُ الَّتِي مِنْ وَرَائِكِ، وَأَشَارَ إِلَى بُثَيْنَةَ، فَإِذَا هُوَ لَا يَتَمَاسَكُ، فَقُمْتُ إِلَى قَعْبٍ فِيهِ أَقِطٌ مَطْحُونٌ وَتَمْرٌ، وَإِلَى عُكَّةٍ فِيهَا سَمْنٌ فَعَصَرْتُهُ عَلَى الْأَقِطِ وَأَدْنَيْتُهُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَصِبْ مِنْ هَذَا، فَفَعَلَ، وَقُمْتُ إِلَى سِقَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ، فَصَبَبْتُ لَهُ فِي قَدَحٍ، وَشَنَنْتُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ فَشَرِبَ وَتَرَاجَعَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ جُهِدْتَ فَمَا أَمْرُكَ؟ قَالَ: أَرَدْتُ مِصْرَ فَجِئْتُ لِأُوَدِّعَكُمْ وَأُحْدِثَ بِكُمْ عَهْدًا، وَأَنَا وَاللَّهِ فِي هَذِهِ الْهَضْبَةِ الَّتِي تَرَيْنَ مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُ أَنْ أَجِدَ فُرْصَةً حَتَّى رَأَيْتُ مُنْحَدَرَ فِتْيَانِكُمُ الْعَشِيَّةَ، فَجِئْتُ لِأُجَدِّدَ بِكُمُ الْعَهْدَ، فَحَدَّثَنَا سَاعَةً ثُمَّ وَدَّعْنَاهُ وَانْطَلَقَ. فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَتَانَا نَعْيُهُ مِنْ مِصْرَ. وفاة جميل بن معمر وعَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ فَقَالَ لِي قَائِلٌ: هَلْ لَكَ فِي جَمِيلٍ فَإِنَّهُ لُمَّ بِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ وَمَا يُخَيَّلُ لِي أَنَّ الْمَوْتَ يَكْتَرِيهِ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ سَعْدٍ، مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَمْ يَسْفِكْ دَمًا حَرَامًا قَطُّ، وَلَمْ يَشْرَبْ خَمْرًا قَطُّ، وَلَمْ يَزِنْ قَطُّ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ مَا أَحْسَبُهُ إِلَّا نَاجِيًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا [4: 31] فَلَعَلَّكَ تَعْنِي نَفْسَكَ، قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: كَيْفَ وَأَنْتَ تُشَبِّبُ بِبُثَيْنَةَ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً، قَالَ: هَذَا آخِرُ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الدُّنْيَا، وَأَوَّلُ وَقْتٍ مِنْ أَوْقَاتِ الْآخِرَةِ، فَلَا نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ إِنْ كُنْتُ وَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهَا لِرِيبَةٍ قَطُّ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مَا نِلْتُ مِنْهَا، إِلَّا أَنِّي كُنْتُ آخُذُ يَدَهَا فَأَضَعُهَا عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَرِيحُ إِلَيْهَا. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَأَفَاقَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: صَرَخَ النَّعِيُّ وَمَا كَنَى بِجَمِيلِ     وَثَوَى بِمِصْرَ ثَوَاءَ غَيْرِ قَفُولِ وَلَقَدْ أَجُرُّ الذَّيْلَ فِي وَادِي الْقُرَى     نَشْوَانَ بَيْنَ مَزَارِعٍ وَنَخِيلِ قُومِي بُثَيْنَةُ فَانْدُبِي بِعَوِيلِ     وَابْكِي خَلِيلَكِ قَبْلَ كُلِّ خَلِيلِ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَمَاتَ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ جَمِيلًا بِمِصْرَ قَالَ: مَنْ يَعْلَمُ بُثَيْنَةَ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، فَلَمَّا مَاتَ صَارَ إِلَى حَيِّ بُثَيْنَةَ فَقَالَ: بَكَرَ النَّعِيُ وَمَا كَنَى بِجَمِيلِ     وَثَوَى بِمِصْرَ ثَوَاءَ غَيْرِ قَفُولِ [بَكَرَ النَّعِيُ بِفَارِسٍ ذِي هِمَّةٍ     بَطَلٍ إِذَا حَمَلَ اللِّوَاءَ نَزِيلِ] فَخَرَجَتْ بُثَيْنَةُ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ، فَقَالَتْ: وَإِنَّ سُلُوِّي عَنْ جَمِيلٍ لَسَاعَةٌ     مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِينُهَا سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنَ مَعْمَرٍ     إِذَا مِتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةِ وَلِينُهَا عبد الله بن عمرو بن العاص عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:   أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيهِ، وَكَانَ مُتَعَبِّدًا، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟" قَالَ: بَلَى، فَقَالَ لَهُ: "صُمْ وَأَفْطِرْ وَصَلِّ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي كِتَابِ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ فَأَذِنَ لِي فَكَتَبْتُهُ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُسَمِّي صَحِيفَتَهُ [تِلْكَ] الصَّادِقَةَ. وَعَنْ هَارُونَ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو الْوَفَاةُ، قَالَ: إِنَّهُ كَانَ خَطَبَ إِلَيَّ ابْنَتِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ كَانَ مِنِّي إِلَيْهِ شَبِيهٌ بِالْوَعْدِ، فَوَاللَّهِ لَا أَلْقَى اللَّهَ بِثُلُثِ النِّفَاقِ، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُهَا إِيَّاهُ. تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ.

  171. التاريخ 2262لا حكم مسجّل

    وُثُوبُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ طَالِبًا بِدَمِ الْحُسَيْنِ   ؓ. ففِي رَابِعَ عَشَرَ رَبِيعَ الْأَوَّلِ في سَنَةُ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَثَبَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ الْكَذَّابُ بِالْكُوفَةِ؛ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - فِيمَا يَزْعُمُ - وَأَخْرَجَ عَنْهَا عَامِلَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ أَصْحَابُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ مَغْلُوبِينَ إِلَى الْكُوفَةِ وَجَدُوا الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ الْكَذَّابَ مَسْجُونًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يُعَزِّيهِمْ وَيَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا، وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِمْ خِفْيَةً: أَبْشِرُوا، فَإِنِّي لَوْ قَدْ خَرَجْتُ إِلَيْكُمْ جَرَّدْتُ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ مِنْ أَعْدَائِكُمُ السَّيْفَ، فَجَعَلْتُهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ رُكَامًا، وَقَتَلْتُهُمْ فَذًّا وَتَوْأَمًا، فَرَحَّبَ اللَّهُ بِمَنْ قَارَبَ مِنْكُمْ وَاهْتَدَى، وَلَا يُبْعِدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَعَصَى. فَلَمَّا وَصَلَهُمُ الْكِتَابُ قَرَءُوهُ سِرًّا وَرَدُّوا إِلَيْهِ: إِنَّا كَمَا تُحِبُّ، فَمَتَى أَحْبَبْتَ أَخْرَجْنَاكَ مِنْ مَحْبَسِكَ. فَكَرِهَ أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الْقَهْرِ لِنُوَّابِ الْكُوفَةِ، فَتَلَطَّفَ فَكَتَبَ إِلَى زَوْجِ أُخْتِهِ صَفِيَّةَ - وَكَانَتِ امْرَأَةً صَالِحَةً - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَشَفَعَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ مَحْبِسِهِ عِنْدَ نَائِبَيِ الْكُوفَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَيْهِمَا يَشْفَعُ عِنْدَهُمَا فِيهِ فَلَمْ يُمْكِنْهُمَا رَدُّهُ، وَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِمَا ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتُمَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمَا مِنَ الْوُدِّ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ الْمُخْتَارِ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ، وَأَنَا أُقْسِمُ عَلَيْكُمَا لَمَا خَلَّيْتُمَا سَبِيلَهُ، وَالسَّلَامُ. فَاسْتُدْعِيَا بِهِ فَضَمِنَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَحْلَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ إِنْ هُوَ بَغَى لِلْمُسْلِمِينَ غَائِلَةً فَعَلَيْهِ أَلْفُ بَدَنَةٍ يَنْحَرُهَا تُجَاهَ الْكَعْبَةِ، وَكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ - مِنْ عَبْدٍ وَأَمَةٍ - حُرٌّ، فَالْتَزَمَ لَهُمَا بِذَلِكَ، وَلَزِمَ مَنْزِلَهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: قَاتَلَهُمَا اللَّهُ، أَمَّا حَلِفِي بِاللَّهِ، فَإِنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي، وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَأَمَّا إِهْدَائِي أَلْفَ بَدَنَةٍ فَيَسِيرٌ، وَأَمَّا عِتْقِي مَمَالِيكِي فَوَدِدْتُ أَنَّهُ قَدِ اسْتَتَمَّ لِي هَذَا الْأَمْرُ وَلَا أَمْلِكُ مَمْلُوكًا وَاحِدًا. اجتماع الشيعة على المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب ومبايعتهم له وَاجْتَمَعَتِ الشِّيعَةُ عَلَيْهِ، وَكَثُرَ أَصْحَابُهُ وَبَايَعُوهُ فِي السِّرِّ. وَكَانَ الَّذِي يَأْخُذُ الْبَيْعَةَ لَهُ وَيُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَيْهِ خَمْسَةً وَهُمُ السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ، وَ أَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ ; وَرِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ الْجُشَمِيُّ، وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُهُ يَقْوَى وَيَشْتَدُّ وَيَسْتَفْحِلُ وَيَرْتَفِعُ، حَتَّى عَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْكُوفَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، وَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، وَبَعْثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ نَائِبًا عَلَيْهَا، وَبَعَثَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ نَائِبًا عَلَى الْبَصْرَةِ. ولَقِيَ بِحَيْرُ بْنُ رَيْسَانَ الْحِمْيَرِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُطِيعٍ عِنْدَ مَسِيرِهِ إِلَى الْكُوفَةِ فَقَالَ لَهُ: لَا تَسِرِ اللَّيْلَةَ فَإِنَّ الْقَمَرَ بِالنَّاطِحِ فَلَا تَسِرْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ نَطْلُبُ إِلَّا النَّطْحَ ! فَلَقِيَ نَطْحًا كَمَا يُرِيدُ، فَكَانَ الْبَلَاءُ مُوَكَّلًا بِمَنْطِقِهِ، وَكَانَ شُجَاعًا. وَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَسَرَ الْخَوَارِجُ وَقَالَ: كَانَتْ فِتْنَةً، فَسَكَتَ عَنْهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ قُدُومُ ابْنِ مُطِيعٍ فِي رَمَضَانَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ، وَجَعَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ إِيَاسَ بْنَ مُضَارِبٍ الْعِجْلِيَّ، وَأَمَرَهُ بِحُسْنِ السِّيرَةِ وَالشِّدَّةِ عَلَى الْمُرِيبِ، وَلَمَّا قَدِمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثَنِي عَلَى مِصْرِكُمْ وَثُغُورِكُمْ، وَأَمَرَنِي بِجِبَايَةِ فَيْئِكُمْ وَأَنْ لَا أَحْمِلَ فَضْلَ فَيْئِكُمْ عَنْكُمْ إِلَّا بِرِضًى مِنْكُمْ، وَأَنْ أَتَّبِعَ وَصِيَّةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الَّتِي أَوْصَى بِهَا عِنْدَ وَفَاتِهِ، وَسِيرَةَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْتَقِيمُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا وَخُذُوا عَلَى أَيْدِي سُفَهَائِكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [ وَلَا تَلُومُونِي ] فَوَاللَّهِ لَأُوقِعَنَّ بِالسَّقِيمِ الْعَاصِيَ، وَلَأُقِيمَنَّ دَرْءَ الْأَصْعَرِ الْمُرْتَابِ. فَقَامَ إِلَيْهِ السَّائِبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ فَقَالَ: أَمَّا حَمْلُ فَيْئِنَا بِرِضَانَا فَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَا لَا نَرْضَى أَنْ يُحْمَلَ عَنَّا فَضْلُهُ وَأَنْ لَا يُقْسَمَ إِلَّا فِينَا، وَأَنْ لَا يُسَارَ فِينَا إِلَّا بِسِيرَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّتِي سَارَ بِهَا فِي بِلَادِنَا هَذِهِ حَتَّى هَلَكَ، وَلَا حَاجَةَ لَنَا فِي سِيرَةِ عُثْمَانَ فِي فَيْئِنَا وَلَا فِي أَنْفُسِنَا، وَلَا فِي سِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِينَا، وَإِنْ كَانَتْ أَهْوَنَ السِّيرَتَيْنِ عَلَيْنَا، وَقَدْ كَانَ يَفْعَلُ بِالنَّاسِ خَيْرًا. فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ: صَدَقَ السَّائِبُ وَبَرَّ. فَقَالَ ابْنُ مُطِيعٍ: نَسِيرُ فِيكُمْ بِكُلِّ سِيرَةٍ أَحْبَبْتُمُوهَا. ثُمَّ نَزَلَ. وَجَاءَ صَاحِبُ الشُّرْطَةِ، وَهُوَ إِيَاسُ بْنُ مُضَارِبٍ الْعِجْلِيُّ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ، وَلَسْتُ آمَنُ الْمُخْتَارَ، فَابْعَثْ إِلَيْهِ فَارْدُدْهُ إِلَى السِّجْنِ، فَإِنَّ عُيُونِي قَدْ أَخْبَرُونِي أَنَّ أَمْرَهُ قَدِ اسْتَجْمَعَ لَهُ، وَكَأَنَّكَ بِهِ وَقَدْ وَثَبَ بِالْمِصْرِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ زَائِدَةَ بْنَ قُدَامَةَ، وَأَمِيرًا آخَرَ مَعَهُ، فَدَخَلَا عَلَى الْمُخْتَارِ فَقَالَا لَهُ: أَجِبِ الْأَمِيرَ. فَدَعَا بِثِيَابِهِ وَأَمَرَ بِإِسْرَاجِ دَابَّتِهِ، وَتَهَيَّأَ لِلذَّهَابِ مَعَهُمَا، فَقَرَأَ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ الْآيَةَ. فَأَلْقَى الْمُخْتَارُ نَفْسَهُ وَأَمَرَ بِقَطِيفَةٍ أَنْ تُلْقَى عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مَرِيضٌ، وَقَالَ: أَخْبِرَا الْأَمِيرَ بِحَالِي، فَرَجَعَا إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ فَاعْتَذَرَا عَنْهُ، فَصَدَّقَهُمَا وَلَهَا عَنْهُ. خروج المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب ليأخذ بثأر الحسين بن علي رض الله عنه فَلَمَّا كَانَ الْمُحَرَّمُ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَزْمَ الْمُخْتَارُ عَلَى الْخُرُوجِ لِطَلَبِ ثَأْرِ الْحُسَيْنِ - فِيمَا يَزْعُمُ - فَلَمَّا صَمَّمَ عَلَى ذَلِكَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الشِّيعَةُ وَثَبَّطُوهُ عَنِ الْخُرُوجِ الْآنَ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ وجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ شِبَامٍ، وَشِبَامٌ حَيٌّ مِنْ هَمْدَانَ، وَكَانَ شَرِيفًا اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، فَلَقِيَ سَعِيدَ بْنَ مُنْقِذٍ الثَّوْرِيَّ وَسِعْرَ بْنَ أَبِي سِعْرٍ الْحَنَفِيَّ وَالْأَسْوَدَ بْنَ جَرَادٍ الْكِنْدِيَّ وَقَدَامَةَ بْنَ مَالِكٍ الْجُشَمِيَّ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِ الْمُخْتَارَ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ بِنَا وَلَا نَدْرِي أَرْسَلَهُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ أَمْ لَا، فَانْهَضُوا بِنَا إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ نُخْبِرُهُ بِمَا قَدِمَ عَلَيْنَا بِهِ الْمُخْتَارُ، فَإِنْ رَخَّصَ لَنَا فِي اتِّبَاعِهِ تَبِعْنَاهُ وَإِنْ نَهَانَا عَنْهُ اجْتَنَبْنَاهُ، فَوَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا آثَرَ عِنْدَنَا مِنْ سَلَامَةِ دِينِنَا. قَالُوا لَهُ: أَصَبْتَ. فَخَرَجُوا إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ سَأَلَهُمْ عَنْ حَالِ النَّاسِ فَأَخْبَرُوهُ عَنْ حَالِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ وَأَعْلَمُوهُ حَالَ الْمُخْتَارِ وَمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي اتِّبَاعِهِ. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ كَلَامِهِمْ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ فَضِيلَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ وَالْمُصِيبَةَ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمْ مِمَّنْ دَعَاكُمْ إِلَى الطَّلَبِ بِدِمَائِنَا فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا بِمَنْ شَاءَ مَنْ خَلْقِهِ، وَلَوْ كَرِهَ لَقَالَ لَا تَفْعَلُوا. فَعَادُوا وَنَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ يَنْتَظِرُونَهُمْ مِمَّنْ أَعْلَمُوهُ بِحَالِهِمْ وَقَدْ كَانَ الْمُخْتَارُ بَلَغَهُ مَخْرَجُهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَخَشِيَ أَنْ يُكَذِّبَهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَمَّ بِالْخُرُوجِ قَبْلَ رُجُوعٍ أُولَئِكَ، وَجَعَلَ يَسْجَعُ لَهُمْ سَجْعًا مِنْ سَجْعِ الْكُهَّانِ بِذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا سَجَعَ بِهِ. فلَمَّا قَدِمُوا الْكُوفَةَ دَخَلُوا عَلَى الْمُخْتَارِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا وَرَاءَ كَمْ فَقَدَ فُتِنْتُمْ وَارْتَبْتُمْ ! فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قَدْ أُمِرْنَا بِنَصْرِكَ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اجْمَعُوا إِلَيَّ الشِّيعَةَ، فَجَمَعَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ نَفَرًا قَدْ أَحَبُّوا أَنْ يَعْلَمُوا مِصْدَاقَ مَا جِئْتُ بِهِ فَرَحَلُوا إِلَى الْإِمَامِ الْمَهْدِيِّ، فَسَأَلُوهُ عَمَّا قَدِمْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ، فَنَبَّأَهُمْ أَنِّي وَزِيرُهُ وَظَهِيرُهُ وَرَسُولُهُ وَأَمَرَكُمْ بِاتِّبَاعِي وَطَاعَتِي فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ قِتَالِ الْمُحِلِّينَ وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمُ الْمُصْطَفَيْنَ. فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ وَأَخْبَرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَمَسِيرِهِمْ وَأَنَّ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ أَمَرَهُمْ بِمُظَاهَرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: لِيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ وَاسْتَعِدُّوا وَتَأَهَّبُوا. وَقَامَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالُوا نَحْوًا مِنْ كَلَامِهِ. فَاسْتَجْمَعَتْ لَهُ الشِّيعَةُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمُ الشَّعْبِيُّ وَأَبُوهُ شَرَاحِيلُ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ أَمْرُهُ لِلْخُرُوجِ قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: إِنَّ أَشْرَافَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى قِتَالِكُمْ مَعَ ابْنِ مُطِيعٍ، فَإِنْ أَجَابَنَا إِلَى أَمْرِنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ رَجَوْنَا الْقُوَّةَ عَلَى عَدُوِّنَا، فَإِنَّهُ فَتًى رَئِيسٌ، وَابْنُ رَجُلٍ شَرِيفٍ، لَهُ عَشِيرَةٌ ذَاتُ عِزٍّ وَعَدَدٍ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ يَدْعُونَهُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُمْ فِي الْأَخْذِ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ، وَذَكَّرُوهُ سَابِقَةَ أَبِيهِ مَعَ عَلِيٍّ ؓ، فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ، عَلَى أَنْ أَكُونَ أَنَا وَلِيَّ أَمْرِكُمْ. فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ الْمَهْدِيَّ قَدْ بَعَثَ الْمُخْتَارَ إِلَيْنَا وَزِيرًا لَهُ وَدَاعِيًا إِلَيْهِ. فَسَكَتَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْمُخْتَارِ فَأَخْبَرُوهُ، فَمَكَثَ ثَلَاثًا ثُمَّ خَرَجَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ إِلَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ فَقَامَ إِلَيْهِ وَاحْتَرَمَهُ وَأَكْرَمَهُ وَجَلَسَ إِلَيْهِ فَدَعَاهُ الْمُخْتَارُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُمْ، وَأَخْرَجَ لَهُ كِتَابًا عَلَى لِسَانِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ يَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَ أَصْحَابِهِ مِنَ الشِّيعَةِ، فِيمَا قَامُوا فِيهِ مِنْ نُصْرَةِ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالْأَخْذِ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَكَانَ الْكِتَابُ مَعِي، فَلَمَّا قَضَى كَلَامَهُ قَالَ لِي: ادْفَعِ الْكِتَابَ إِلَيْهِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ الشَّعْبِيُّ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ: مِنْ مُحَمَّدٍ الْمَهْدِيِّ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْتَرِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ وَزِيرِي وَأَمِينِي الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي وَأَمَرْتُهُ بِقِتَالِ عَدُوِّي، وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِي، فَانْهَضْ مَعَهُمْ بِنَفْسِكَ وَعَشِيرَتِكَ وَمَنْ أَطَاعَكَ فَإِنَّكَ إِنْ نَصَرْتَنِي وَأَجَبْتَ دَعْوَتِي، كَانَتْ لَكَ بِذَلِكَ عِنْدِي فَضِيلَةٌ، وَلَكَ أَعِنَّةُ الْخَيْلِ وَكُلُّ جَيْشٍ غَازٍ وَكُلُّ مِصْرٍ وَمِنْبَرٍ وَثَغْرٍ ظَهَرْتَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ الْكُوفَةِ وَأَقْصَى بِلَادِ الشَّامِ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ قَالَ: قَدْ كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَبْلَ الْيَوْمِ وَكَتَبْتُ فَلَمْ يَكْتُبْ إِلَيَّ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ. قَالَ الْمُخْتَارُ: إِنَّ ذَلِكَ زَمَانٌ وَهَذَا زَمَانٌ. قَالَ: فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كِتَابُهُ [ إِلَيَّ ] ؟ فَشَهِدَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَامِلٍ وَجَمَاعَتُهُمْ إِلَّا الشَّعْبِيَّ. فَلَمَّا شَهِدُوا تَأَخَّرَ إِبْرَاهِيمُ عَنْ صَدْرِ الْفِرَاشِ وقَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَأَجْلَسَ الْمُخْتَارَ فِيهِ وَبَايَعَهُ، وَدَعَا لَهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَشَرَابٍ مِنْ عَسَلٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ - وَكَانَ حَاضِرًا ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ هُوَ وَأَبُوهُ -: فَلَمَّا انْصَرَفَ الْمُخْتَارُ، قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ: يَا شَعْبِيُّ، وَمَاذَا تَرَى فِيمَا شَهِدَ بِهِ هَؤُلَاءِ ؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ قُرَّاءٌ وَأُمَرَاءٌ وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَلَا أَرَاهُمْ يُشْهِدُونَ إِلَّا بِمَا يَعْلَمُونَ. قَالَ: وَكَتَمْتُهُ مَا فِي نَفْسِي مِنِ اتِّهَامِهِمْ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَخْرُجُوا لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ، وَكُنْتُ عَلَى رَأْيِ الْقَوْمِ. ثُمَّ جَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَخْتَلِفُ إِلَى الْمُخْتَارِ فِي مَنْزِلِهِ هُوَ وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُ الشِّيعَةِ عَلَى أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ; سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ. وَقَدْ بَلَغَ ابْنَ مُطِيعٍ أَمْرُ الْقَوْمِ وَمَا اشْتَوَرُوا عَلَيْهِ، فَبَعَثَ الشُّرَطَ فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ الْكُوفَةِ، وَأَلْزَمَ كُلَّ أَمِيرٍ بِحِفْظِ نَاحِيَتِهِ مِنْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ قَاصِدًا إِلَى دَارِ الْمُخْتَارِ فِي مِائَةِ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ وَعَلَيْهِمُ الدُّرُوعُ تَحْتَ الْأَقْبِيَةِ، فَلَقِيَهُ إِيَاسُ بْنُ مُضَارِبٍ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا ابْنَ الْأَشْتَرِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ؟ إِنَّ أَمَرَكَ لِمُرِيبٌ، فَوَاللَّهِ لَا أَدْعُكَ حَتَّى أُحْضِرَكَ إِلَى الْأَمِيرِ فَيَرَى فِيكَ رَأْيَهُ. فَتَنَاوَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ رُمْحًا مِنْ يَدِ رَجُلٍ فَطَعَنَهُ فِي ثُغْرَةِ نَحْرِهِ، فَسَقَطَ وَأَمَرَ رَجُلًا فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْمُخْتَارِ فَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ بَشَّرَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ، فَهَذَا طَائِرٌ صَالِحٌ. ثُمَّ طَلَبَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْمُخْتَارِ أَنْ يَخْرُجَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَأَمَرَ الْمُخْتَارُ بِالنَّارِ أَنْ تُرْفَعَ، وَأَنْ يُنَادَى بِشِعَارِ أَصْحَابِهِ: يَا مَنْصُورُ أَمِتْ، يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ نَهَضَ الْمُخْتَارُ فَجَعْلَ يَلْبَسُ دِرْعَهُ وَسِلَاحَهُ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ حَسْنَاءُ الطَّلَلْ وَاضِحَةُ الْخَدَّيْنِ عَجْزَاءُ الْكَفَلْ     أَنِّي غَدَاةَ الرَّوْعِ مِقْدَامٌ بَطَلْ وَخَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، فَجَعَلَ يَتَقَصَّدُ الْأُمَرَاءَ الْمُوَكَّلِينَ بِنَوَاحِي الْبَلَدِ، فَيَطْرُدُهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَيُنَادِي بِشِعَارِ الْمُخْتَارِ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ فَنَادَى بِشِعَارِ الْمُخْتَارِ: يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ. فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَجَاءَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَاقْتَتَلَ هُوَ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ دَارِهِ وَحَصَرَهُ حَتَّى جَاءَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ فَطَرَدَهُ عَنْهُ. فَرَجَعَ شَبَثٌ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْمَعَ الْأُمَرَاءَ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَنْهَضَ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ أَمْرَ الْمُخْتَارِ قَدْ قَوِيَ وَاسْتَفْحَلَ، وَجَاءَتِ الشِّيعَةُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ إِلَى الْمُخْتَارِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ عَبَّى جَيْشَهُ وَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهَا: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا وَ عَبَسَ وَتَوَلَّى فِي الثَّانِيَةِ. قَالَ بَعْضُ مَنْ سَمِعَهُ: فَمَا سَمِعْتُ إِمَامًا أَفْصَحَ لَهْجَةً مِنْهُ. تجهيز ابن مطيع جيشا لقتال المختار بن أبي عبيد الثقفي وَقَدْ جَهَّزَ ابْنُ مُطِيعٍ جَيْشًا؛ ثَلَاثَةَ آلَافٍ عَلَيْهِمْ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ أُخْرَى مَعَ رَاشِدِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُضَارِبٍ، فَوَجَّهَ الْمُخْتَارُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ فِي سِتِّمِائَةِ فَارِسٍ وَسِتِّمِائَةِ رَاجِلٍ إِلَى رَاشِدِ بْنِ إِيَاسٍ، وَبَعْثَ نُعَيْمَ بْنَ هُبَيْرَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ وَسِتِّمِائَةِ رَاجِلٍ إِلَى شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ. فَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ فَإِنَّهُ هَزَمَ قِرْنَهُ رَاشِدَ بْنَ إِيَاسٍ وَقَتْلَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى الْمُخْتَارِ يُبَشِّرُهُ، وَأَمَّا نُعَيْمُ بْنُ هُبَيْرَةَ فَإِنَّهُ لَقِيَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ فَهَزَمَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَقَتْلَهُ وَجَاءَ فَأَحَاطَ بِالْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَحَصَرَهُ، وَأَقْبَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ نَحْوَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَاعْتَرَضَ لَهُ حَسَّانُ بْنُ فَائِدِ الْعَبْسِيُّ فِي نَحْوٍ مِنْ أَلْفَيْ فَارِسٍ مِنْ جِهَةِ ابْنِ مُطِيعٍ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَهَزَمَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَ الْمُخْتَارِ، فَوَجَدَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ قَدْ حَصَرَ الْمُخْتَارَ وَجَيْشَهُ، فَمَا زَالَ حَتَّى طَرَدَهُمْ عَنْهُ، وَكَرُّوا رَاجِعِينَ. وَخَلَصَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى الْمُخْتَارِ، وَارْتَحَلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الْكُوفَةِ فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ: اعْمِدْ بِنَا إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَلَيْسَ دُونَهُ أَحَدٌ يَرُدُّ عَنْهُ. فَوَضَعُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْأَثْقَالِ وَأَجْلَسُوا هُنَالِكَ ضَعَفَةَ الْمَشَايِخِ وَالرِّجَالِ. وَاسْتَخْلَفَ الْمُخْتَارُ عَلَى مَنْ هُنَالِكَ أَبَا عُثْمَانَ النَّهْدِيَّ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، وَعَبَّأَ الْمُخْتَارُ جَيْشَهُ كَمَا كَانَ، وَسَارَ نَحْوَ الْقَصْرِ، فَبَعَثَ ابْنُ مُطِيعٍ عَمْرَو بْنَ الْحَجَّاجِ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ، وَسَارَ هُوَ وَابْنُ الْأَشْتَرِ أَمَامَهُ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ مِنْ بَابِ الْكُنَاسَةِ، وَأَرْسَلَ ابْنُ مُطِيعٍ شَمِرَ بْنَ ذِي الْجَوْشَنِ - الَّذِي قَتَلَ الْحُسَيْنَ - فِي أَلْفَيْنِ آخَرَيْنِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ سَعِيدَ بْنَ مُنْقِذٍ الْهَمَذَانِيَّ، وَسَارَ الْمُخْتَارُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سِكَّةِ شَبَثٍ، وَإِذَا نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، وَخَرَجَ ابْنُ مُطِيعٍ مِنَ الْقَصْرِ فِي النَّاسِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، فَتَقَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ إِلَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَ نَوْفَلِ بْنِ مُسَاحِقٍ. فَهَزَمَهُمْ وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّةِ ابْنِ مُسَاحِقٍ فَمَتَّ إِلَيْهِ بِالْقَرَابَةِ، فَأَطْلَقَهُ، فَكَّانِ لَا يَنْسَاهَا بَعْدُ لِابْنِ الْأَشْتَرِ. ثُمَّ تَقَدَّمَ الْمُخْتَارُ بِجَيْشِهِ إِلَى الْكُنَاسَةِ وَحَصَرُوا ابْنَ مُطِيعٍ بِقَصْرِهِ ثَلَاثًا، وَمَعَهُ أَشْرَافُ النَّاسِ سِوَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، فَإِنَّهُ لَزِمَ دَارَهُ، فَلَمَّا ضَاقَ الْحَالُ عَلَى ابْنِ مُطِيعٍ وَأَصْحَابِهِ اسْتَشَارَهُمْ فَأَشَارَ عَلَيْهِ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ وَلَهُمْ مِنَ الْمُخْتَارِ أَمَانًا، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ هَذَا وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُطَاعٌ بِالْحِجَازِ وَبِالْبَصْرَةِ. فَقَالَ لَهُ: فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَذْهَبَ بِنَفْسِكَ مُخْتَفِيًا حَتَّى تَلْحَقَ بِصَاحِبِكَ فَتُخْبِرَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، وَبِمَا كَانَ مِنَّا فِي نَصْرِهِ وَإِقَامَةِ دَوْلَتِهِ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَ ابْنُ مُطِيعٍ مُخْتَفِيًا حَتَّى دَخَلَ دَارَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، مبايعة المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ أَخْذَ الْأُمَرَاءُ لَهُمْ أَمَانًا مِنْ أَمِيرِهِمُ ابْنِ الْأَشْتَرِ فَأَمَّنَهُمْ، فَخَرَجُوا مِنَ الْقَصْرِ وَجَاءُوا إِلَى الْمُخْتَارِ فَبَايَعُوهُ، وَجَاءَ الْمُخْتَارُ فَدَخْلَ الْقَصْرَ فَبَاتَ فِيهِ، وَأَصْبَحَ أَشْرَافُ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِ الْقَصْرِ، فَخَرَجَ الْمُخْتَارُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةً بَلِيغَةً، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَعَدَ وَلِيَّهُ النَّصْرَ وَعَدُوَّهُ الْخُسْرَ، وَجَعَلَهُ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَعْدًا مَفْعُولًا وَقَضَاءً مَقْضِيًّا، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا رُفِعَتْ لَنَا رَايَةٌ وَمُدَّتْ لَنَا غَايَةٌ، فَقِيلَ لَنَا فِي الرَّايَةِ أَنِ ارْفَعُوهَا وَفِي الْغَايَةِ أَنِ اجْرُوا إِلَيْهَا وَلَا تَعْدُوهَا، فَسَمِعْنَا دَعْوَةَ الدَّاعِي وَمَقَالَةَ الْوَاعِي، فَكَمْ مِنْ نَاعٍ وَنَاعِيَةٍ لِقَتْلَى فِي الْوَاعِيَةِ، وَبُعْدًا لِمَنْ طَغَى وَأَدْبَرَ وَعَصَى وَكَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَا فَادْخُلُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَبَايِعُوا بَيْعَةَ هُدًى، فَلَا وَالَّذِي جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا مَكْفُوفًا، وَالْأَرْضَ فِجَاجًا سُبُلًا، مَا بَايَعْتُمْ بَعْدَ بَيْعَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَآلِ عَلِيٍّ أَهْدَى مِنْهَا ! ثُمَّ نَزَلَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ فَبَايَعُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالطَّلَبِ بِدِمَاءِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ، وَالدَّفْعِ عَنِ الضُّعَفَاءِ، وَقِتَالِ مَنْ قَاتَلَنَا، وَسِلْمِ مَنْ سَالَمَنَا. وَكَانَ مِمَّنْ بَايَعَهُ الْمُنْذِرُ بْنُ حَسَّانَ وَابْنُهُ حَسَّانُ، فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ اسْتَقْبَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مُنْقِذٍ الثَّوْرِيُّ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُمَا قَالُوا: هَذَانِ وَاللَّهِ مِنْ رُءُوسِ الْجَبَّارِينَ، فَقَتَلُوا الْمُنْذِرَ وَابْنَهُ حَسَّانَ، فَنَهَاهُمْ سَعِيدٌ حَتَّى يَأْخُذُوا أَمْرَ الْمُخْتَارِ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُخْتَارُ ذَلِكَ كَرِهَهُ، وَأَقْبَلَ الْمُخْتَارُ يُمَنِّي النَّاسَ، وَيَسْتَجِرُّ مَوَدَّةَ الْأَشْرَافِ، وَيُحْسِنُ السِّيرَةَ. وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْمُخْتَارِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ مُطِيعٍ فِي دَارِ أَبِي مُوسَى، فَأَرَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ قَوْلَهُ، حَتَّى كَرَّرَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يُرِيهِ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ قَوْلَهُ. فَسَكَتَ الرَّجُلُ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ بَعْثَ الْمُخْتَارُ إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَقَدْ أُخْبِرْتُ بِمَكَانِكَ، - وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا قَبْلَ ذَلِكَ - فَذَهَبَ ابْنُ مُطِيعٍ إِلَى الْبَصْرَةِ وَكْرِهَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مَغْلُوبٌ. وَشَرَعَ الْمُخْتَارُ يَتَحَبَّبُ إِلَى النَّاسِ بِحُسْنِ السِّيرَةِ وَوَجَدَ فِي بَيْتِ الْمَالِ تِسْعَةَ آلَافِ أَلْفٍ، فَأَعْطَى الْجَيْشَ الَّذِينَ حَضَرُوا مَعَهُ الْقِتَالَ نَفَقَاتٍ كَثِيرَةً. وَاسْتَعْمَلَ عَلَى شُرْطَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَامِلٍ الشَّاكِرِيَّ، وَقَرَّبَ أَشْرَافَ النَّاسِ فَكَانُوا جُلَسَاءَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَوَالِي الَّذِينَ قَامُوا بِنَصْرِهِ، وَقَالُوا لِأَبِي عَمْرَةَ كِيسَانَ مَوْلَى عُرَيْنَةَ، وَكَانَ عَلَى حَرَسِهِ: قَدَّمَ وَاللَّهِ أَبُو إِسْحَاقَ الْعَرَبَ وَتَرَكَنَا، فَأَنْهَى ذَلِكَ أَبُو عَمْرَةَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: بَلْ هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ [ السَّجْدَةِ: 22 ] فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَمْرَةَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّهُ سَيَقْتُلُهُمْ وَيُقَرِّبُكُمْ فَأَعْجَبَهُمْ ذَلِكَ وَسَكَتُوا. ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ بَعَثَ الْأُمَرَاءَ إِلَى النَّوَاحِي وَالْبُلْدَانِ وَالْأَقَالِيمِ وَالرَّسَاتِيقِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةَ وَالرَّايَاتِ. وَقَرَّرَ الْإِمَارَةَ وَالْوِلَايَاتِ، وَجَعَلَ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ اسْتَقْضَى شُرَيْحًا، فَتَكَلَّمَ فِي شُرَيْحٍ طَائِفَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ، وَقَالُوا إِنَّهُ شَهِدَ عَلَى حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَإِنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ عَنْ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَزَلَهُ عَنِ الْقَضَاءِ، فَلَمَّا بَلَغَ شُرَيْحًا ذَلِكَ تَمَارَضَ وَلَزِمَ بَيْتَهُ، فَجَعَلَ الْمُخْتَارُ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَجَعَلَ مَكَانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَالِكٍ الطَّائِيَّ قَاضِيًا.

  172. التاريخ 2263لا حكم مسجّل

    قَتْلِ الْمُخْتَارِ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -  ثُمَّ شَرَعَ الْمُخْتَارُ يَتَتَبَّعُ قَتَلَةَ الْحُسَيْنِ مِنْ شَرِيفٍ وَوَضِيعٍ فَيَقْتُلُهُ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ كَانَ قَدْ جَهَّزَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ مِنْ دِمَشْقَ لِيَدْخُلَ الْكُوفَةَ، فَإِنْ هُوَ ظَفِرَ بِهَا فَلْيُبِحْهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَجَعَلَ لَهُ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَسَارَ ابْنُ زِيَادٍ قَاصِدًا الْكُوفَةَ فَلَقِيَ جَيْشَ التَّوَّابِينَ بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ - كَمَا ذَكَرْنَا - ثُمَّ سَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْجَزِيرَةِ فَوَجَدَ بِهَا قَيْسَ عَيْلَانَ، وَهُوَ مِنْ أَنْصَارِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ أَصَابَ مِنْهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةً يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَهُمْ أَلْبٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ بَعْدِهِ، فَتَعَوَّقَ عَنِ الْمَسِيرِ سَنَةً وَهُوَ مُحَاصِرٌ قَيْسَ عَيْلَانَ بِالْجَزِيرَةِ. فَتُوُفِّيَ مَرْوَانُ وَوُلِّيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، فَأَقَرَّ ابْنَ زِيَادٍ عَلَى مَا كَانَ أَبُوهُ وَلَّاهُ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي أَمْرِهِ. فَلَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ فِي زُفَرَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قَيْسٍ شَيْءٌ أَقْبَلَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَكَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدٍ عَامِلُ الْمُخْتَارِ إِلَى الْمُخْتَارِ يُخْبِرُهُ بِدُخُولِ ابْنِ زِيَادٍ أَرْضَ الْمَوْصِلِ، وَأَنَّهُ قَدْ تَنَحَّى لَهُ عَنِ الْمَوْصِلِ إِلَى تَكْرِيتَ. فَدَعَا الْمُخْتَارُ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ الْأَسَدِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْمَوْصِلِ، فَيَنْزِلَ بِأَدَانِي أَرْضِهَا حَتَّى يَمُدَّهُ بِالْجُنُودِ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: خَلِّنِي أَنْتَخِبُ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَخَلِّنِي مِمَّا تُوَجِّهُنِي إِلَيْهِ، فَإِنِ احْتَجْتُ كَتَبْتُ إِلَيْكَ أَسْتَمِدُّكَ. فَأَجَابَهُ الْمُخْتَارُ، فَانْتَخَبَ لَهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَسَارَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَسَارَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ وَالنَّاسُ يُشَيِّعُونَهُ، فَلَمَّا وَدَّعَهُ قَالَ لَهُ: إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ فَلَا تُنَاظِرْهُمْ، وَإِذَا مَكَّنَتْكَ الْفُرْصَةُ فَلَا تُؤَخِّرْهَا، وَلْيَكُنْ خَبَرُكَ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدِي، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَى مَدَدٍ فَاكْتُبْ إِلَيَّ، مَعَ أَنِّي مُمِدُّكَ وَإِنْ لَمْ تَسْتَمِدَّ ; لِأَنَّهُ أَشَدُّ لِعَضُدِكَ، وَأَرْعَبُ لِعَدُوِّكَ. وَدَعَا لَهُ النَّاسُ بِالسَّلَامَةِ، وَدَعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: اسْأَلُوا اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَاتَنِيَ النَّصْرُ لَا تَفُوتُنِي الشَّهَادَةُ. فَكَتَبَ الْمُخْتَارُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ أَنْ خَلِّ بَيْنَ يَزِيدَ وَبَيْنَ الْبِلَادِ. فَسَارَ يَزِيدُ إِلَى الْمَدَائِنِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْضِ جُوخَى وَالرَّاذَانَاتِ إِلَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَنَزَلَ بِبَاتِلَى وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ مَخْرَجِهِمْ مِنَ الْكُوفَةِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ جَهَّزَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَرِيَّتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مَعَ رَبِيعَةَ بْنِ مُخَارِقٍ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَالْأُخْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْلَةَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقَالَ: أَيُّكُمْ سَبَقَ فَهُوَ الْأَمِيرُ، وَإِنْ سَبَقْتُمَا مَعًا فَالْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ أَسَنُّكُمَا، فَسَبَقَ رَبِيعَةُ بْنُ مُخَارِقٍ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَنَسٍ فَالْتَقَيَا فِي طَرَفِ أَرْضِ الْمَوْصِلِ مِمَّا يَلِي الْكُوفَةَ، فَتَوَاقَفَا هُنَالِكَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ مَرِيضٌ مُدْنَفٌ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يُحَرِّضُ قَوْمَهُ عَلَى الْجِهَادِ وَيَدُورُ عَلَى الْأَرْبَاعِ وَهُوَ مَحْمُولٌ مُضْنًى رَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ يَقُولُ لِقَوْمِهِ: يَا شُرْطَةَ اللَّهِ، اصْبِرُوا تُؤَجَرُوا، وَقَاتِلُوا عَدُوَّكُمْ تَظْفَرُوا، ثُمَّ نَزَلَ فَوُضِعَ لَهُ سَرِيرُهُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: قَاتِلُوا عَنْ أَمِيرِكُمْ إِنْ شِئْتُمْ أَوْ فِرُّوا عَنْهُ، وَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنْ هَلَكْتُ فَالْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ضَمْرَةَ الْعُذْرِيُّ رَأْسُ الْمَيْمَنَةِ، فَإِنْ هَلَكَ فَسِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ رَأْسُ الْمَيْسَرَةِ. وَكَانَ وَرْقَاءُ بْنُ عَازِبٍ الْأَسَدِيُّ عَلَى الْخَيْلِ، وَهُوَ وَهَؤُلَاءِ، الثَّلَاثَةُ أُمَرَاءُ الْأَرْبَاعِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الصُّبْحِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَالشَّامِيُّونَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَاضْطَرَبَتْ كُلٌّ مِنَ الْمَيْمَنَتَيْنِ وَالْمَيْسَرَتَيْنِ، ثُمَّ حَمَلَ وَرْقَاءُ عَلَى الْخَيْلِ فَهَزَمَهَا، وَفَرَّ الشَّامِيُّونَ، وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ رَبِيعَةُ بْنُ مُخَارِقٍ، وَاحْتَازَ جَيْشُ الْمُخْتَارِ مَا فِي عَسْكَرِهِمْ، وَرَجَعَ فُرَّارُهُمْ فَلَقَوُا الْأَمِيرَ الْآخَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَمْلَةَ فَقَالَ: مَا خَبَرُكُمْ ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَرَجَعَ بِهِمْ وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ يَزِيدَ بْنِ أَنَسٍ فَانْتَهَى إِلَيْهِمْ عِشَاءً، فَبَاتَ النَّاسُ مُتَحَاجِزِينَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَوَاقَفُوا عَلَى تَعْبِئَتِهِمْ وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَضْحَى مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَهَزَمَ جَيْشُ الْمُخْتَارِ جَيْشَ الشَّامِيِّينَ أَيْضًا، وَقَتَلُوا أَمِيرَهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَمْلَةَ، وَاحْتَوَوْا عَلَى مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ، وَأَسَرُوا مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ، فَجَاءُوا بِهِمْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَنَسٍ وَهُوَ عَلَى آخَرِ رَمَقٍ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ. وَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ خَلِيفَتُهُ وَرْقَاءُ بْنُ عَامِرٍ وَدَفَنَهُ، وَسَقَطَ فِي أَيْدِي أَصْحَابِهِ وَجَعَلُوا يَتَسَلَّلُونَ رَاجِعِينَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَقَالَ لَهُمْ وَرْقَاءُ: يَا قَوْمُ مَاذَا تَرَوْنَ ؟ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ قَدْ أَقْبَلَ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنَ الشَّامِ، وَلَا أَرَى لَكُمْ بِهِمْ طَاقَةً، وَقَدْ هَلَكَ أَمِيرُنَا وَتَفَرَّقَ عَنَّا طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَلَوِ انْصَرَفْنَا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِنَا وَنُظْهِرُ أَنَّا إِنَّمَا انْصَرَفْنَا حُزْنًا مِنَّا عَلَى أَمِيرِنَا لَكَانَ خَيْرًا لَنَا مِنْ أَنْ نَلْقَاهُمْ فَيَهْزِمُونَا، وَنَرْجِعَ مَغْلُوبِينَ. فَاتَّفَقَ رَأْيُ الْأُمَرَاءِ عَلَى ذَلِكَ، فَرَجَعُوا إِلَى الْكُوفَةِ. فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُمْ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَأَنَّهُمْ قَدْ كَرُّوا رَاجِعِينَ، وَبَلَغَهُمْ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَنَسٍ قَدْ هَلَكَ، أَرْجَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْمُخْتَارِ، وَقَالُوا: قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ أَنَسٍ فِي الْمَعْرَكَةِ وَانْهَزَمَ جَيْشُهُ وَعَمَّا قَلِيلٍ يَقْدَمُ عَلَيْكُمُ ابْنُ زِيَادٍ فَيَسْتَأْصِلُكُمْ وَيَشْتَفُّ خَضْرَاءَكُمْ. الخروج على المختار بن أبي عبيد الثقفي ثُمَّ تَمَالَئُوا عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَقَالُوا: هُوَ كَذَّابٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى حَرْبِهِ وَقِتَالِهِ وَإِخْرَاجِهِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَقَالُوا: هُوَ كَذَّابٌ قَدْ قَدَّمَ مَوَالِيَنَا عَلَى أَشْرَافِنَا، وَزَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ قَدْ أَمَرَهُ بِالْأَخْذِ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُتَقَوِّلٌ عَلَيْهِ. وَانْتَظَرُوا بِخُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْكُوفَةِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ فَإِنَّهُ قَدْ عَيَّنَهُ الْمُخْتَارُ أَنْ يَخْرُجَ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ لِلِقَاءِ ابْنِ زِيَادٍ فَلَمَّا خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ اجْتَمَعَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ عِنْدَ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ وَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ الْمُخْتَارَ تَأَمَّرَ عَلَيْنَا بِغَيْرِ رِضًى مِنَّا، وَلَقَدْ أَدْنَى مَوَالِينَا، فَحَمَلَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ وَأَعْطَاهُمْ فَيْئَنَا. وَكَانَ شَبَثٌ شَيْخَهُمْ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا إِسْلَامِيًّا، فَقَالَ لَهُمْ شَبَثٌ: دَعُونِي حَتَّى أَلْقَاهُ. فَذَهَبَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا أَنْكَرُوهُ إِلَّا ذَكَرَهُ لَهُ، فَأَخَذَ لَا يَذْكُرُ خَصْلَةً إِلَّا قَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: أَنَا أُرْضِيهِمْ فِي هَذِهِ الْخَصْلَةِ، وَآتِي لَهُمْ كُلَّ مَا أَحَبُّوا. وَذَكَرَ لَهُ الْمَوَالِيَ وَمُشَارَكَتَهُمْ فِي الْفَيْءِ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَنَا تَرَكْتُ مَوَالِيَكُمْ، وَجَعَلْتُ فَيْئَكُمْ لَكُمْ، تُقَاتِلُونَ مَعِي بَنِي أُمَيَّةَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَتُعْطُونِي عَلَى الْوَفَاءِ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ، وَمَا أَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ مِنَ الْأَيْمَانِ ؟ فَقَالَ شَبَثٌ: حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى أَصْحَابِي، فَأَذْكُرَ لَهُمْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَأُجْمِعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قِتَالِهِ. فَاجْتَمَعَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَشَمِرٌ - حَتَّى دَخَلُوا عَلَى كَعْبِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ الْخَثْعَمِيِّ، فَكَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ الْأَزْدِيِّ، فَدَعَوْهُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَطَعْتُمُونِي لَمْ تَخْرُجُوا. فَقَالُوا لَهُ: لِمَ ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ تَتَفَرَّقُوا وَتَخْتَلِفُوا، وَمَعَ الرَّجُلِ شُجْعَانُكُمْ وَفُرْسَانُكُمْ مِثْلَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، ثُمَّ مَعَهُ عَبِيدُكُمْ وَمَوَالِيكُمْ، وَكَلِمَةُ هَؤُلَاءِ وَاحِدَةٌ، وَمَوَالِيكُمْ أَشُدُّ حَنَقًا عَلَيْكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَهُمْ مُقَاتِلُوكُمْ بِشَجَاعَةِ الْعَرَبِ وَعَدَاوَةِ الْعَجَمِ، وَإِنِ انْتَظَرْتُمُوهُ قَلِيلًا كُفِيتُمُوهُ بِقُدُومِ أَهْلِ الشَّامِ، ( أَوْ مَجِيءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَتَكُونُوا قَدْ كُفِيتُمُوهُ ) بِغَيْرِكُمْ، وَلَمْ تَجْعَلُوا بَأْسَكُمْ بَيْنَكُمْ. فَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تُخَالِفَنَا وَتُفْسِدَ عَلَيْنَا رَأَيْنَا، وَمَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ ! فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، فَإِذَا شِئْتُمْ فَاخْرُجُوا.، ثُمَّ وَثَبُوا فَرَكِبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَعَ أَمِيرِهَا فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْكُوفَةِ وَقَصَدُوا قَصْرَ الْإِمَارَةِ، وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ عَمْرَو بْنَ تَوْبَةَ بَرِيدًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ لِيَرْجِعَ إِلَيْهِ سَرِيعًا، وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى أُولَئِكَ يَقُولُ لَهُمْ: مَاذَا تَنْقِمُونَ ؟ فَإِنِّي أُجِيبُكُمْ إِلَى جَمِيعِ مَا تَطْلُبُونَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يُثَبِّطَهُمْ عَنْ مُنَاهَضَتِهِ حَتَّى يَقْدَمَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ وَقَالَ: إِنْ كُنْتُمْ لَا تُصَدِّقُونِي فِي أَمْرِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَابْعَثُوا مِنْ جِهَتِكُمْ وَأَبْعَثُ مِنْ جِهَتِي مَنْ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ.، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَكَفُّوا أَيْدِيَهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبِيعٍ فِي الْمَيْدَانِ، فَقَاتَلَهُ بَنُو شَاكِرٍ قِتَالًا شَدِيدًا، فَجَاءَهُ عُقْبَةُ بْنُ طَارِقٍ الْجُشَمِيُّ فَقَاتَلَ مَعَهُ سَاعَةً حَتَّى رَدَّهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلُ فَنَزَلَ عُقْبَةُ مَعَ شَمِرٍ وَمَعَهُ قَيْسُ عَيْلَانَ فِي جَبَّانَةِ سَلُولَ، وَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبِيعٍ مَعَ أَهْلِ الْيَمَنِ فِي جَبَّانَةِ السَّبِيعِ. وَلَمَّا سَارَ رَسُولُ الْمُخْتَارِ وَصَلَ إِلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ عَشِيَّةَ يَوْمِهِ، فَرَجَعَ ابْنُ الْأَشْتَرِ بَقِيَّةَ عَشِيَّتِهِ ( تِلْكَ، ثُمَّ نَزَلَ حِينَ ) أَمْسَى، [ فَتَعَشَّى أَصْحَابُهُ ] وَأَرَاحُوا دَوَابَّهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ سَارَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا وَمِنَ الْغَدِ، فَوَصَلَ الْعَصْرَ وَبَاتَ لَيْلَتَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَهْلُ الْقُوَّةَ. وَلَمَّا اجْتَمَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ بِجَبَّانَةِ السَّبِيعِ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَكَرِهَ كُلُّ رَأْسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ صَاحِبُهُ، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِخْنَفٍ: هَذَا أَوَّلُ الِاخْتِلَافِ، قَدِّمُوا الرِّضَى فِيكُمْ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ رَفَاعَةَ بْنَ شَدَّادٍ الْبَجَلِيَّ. فَفَعَلُوا، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي بِهِمْ حَتَّى كَانَتِ الْوَقْعَةُ. ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ فِي السُّوقِ، وَلَيْسَ فِيهِ بُنْيَانٌ، فَأَمَرَ ابْنَ الْأَشْتَرِ فَسَارَ إِلَى مُضَرَ وَعَلَيْهِمْ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عُطَارِدٍ، وَهُمْ بِالْكُنَاسَةِ، وَخَشِيَ أَنْ يُرْسِلَهُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، فَلَا يُبَالِغُ فِي قِتَالِ قَوْمِهِ. وَسَارَ الْمُخْتَارُ نَحْوَ أَهْلِ الْيَمَنِ بِجَبَّانَةِ السَّبِيعِ، وَوَقَفَ عِنْدَ دَارِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَسَرَّحَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحْمَرَ بْنَ شُمَيْطٍ الْبَجَلِيَّ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَامِلٍ الشَّاكِرِيَّ، وَأَمَرَ كُلًّا مِنْهُمَا بِلُزُومِ طَرِيقٍ ذَكَرَهُ لَهُ يَخْرُجُ إِلَى جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، وَأَسَرَّ إِلَيْهِمَا أَنَّ شِبَامًا قَدْ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ يُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ يَأْتُونَ الْقَوْمَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَمَضَيَا كَمَا أَمَرَهُمَا. فَبَلَغَ أَهْلَ الْيَمَنِ مَسِيرُهُمَا، فَافْتَرَقُوا إِلَيْهِمَا، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ وَأَصْحَابُ ابْنِ كَامِلٍ، وَوَصَلُوا إِلَى الْمُخْتَارِ، فَقَالَ: مَا وَرَاءَكُمْ ؟ قَالُوا: هُزِمْنَا، وَقَدْ نَزَلَ أَحْمَرُ بْنُ شُمَيْطٍ وَمَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَقَالَ أَصْحَابُ ابْنِ كَامِلٍ: مَا نَدْرِي مَا فَعَلَ ابْنُ كَامِلٍ. فَأَقْبَلَ بِهِمُ الْمُخْتَارُ نَحْوَ الْقَوْمِ حَتَّى بَلَغَ دَارَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيِّ، فَوَقَفَ، ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قُرَادٍ الْخَثْعَمِيَّ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى ابْنِ كَامِلٍ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ فَأَنْتَ مَكَانَهُ وَقَاتِلِ الْقَوْمَ، وَإِنْ كَانَ حَيًّا فَاتْرُكْ عِنْدَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، وَامْضِ فِي مِائَةٍ حَتَّى تَأْتِيَ جَبَّانَةَ السَّبِيعِ، فَتَأْتِيَ أَهْلَهَا مِنْ نَاحِيَةِ حَمَّامِ قَطَنٍ. فَمَضَى فَوَجَدَ ابْنَ كَامِلٍ يُقَاتِلُهُمْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ صَبَرُوا مَعَهُ، فَتَرَكَ عِنْدَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَسَارَ فِي مِائَةٍ حَتَّى أَتَى مَسْجِدَ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَظْهَرَ الْمُخْتَارُ، وَأَكْرَهُ أَنْ تَهْلِكَ أَشْرَافُ عَشِيرَتِي الْيَوْمَ، وَوَاللَّهِ لَأَنْ أَمُوتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَهْلِكُوا عَلَى يَدَيَّ، وَلَكِنْ قِفُوا، فَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ شِبَامًا يَأْتُونَهُمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَلَعَلَّهُمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَنُعَافَى نَحْنُ مِنْهُ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عِنْدَ مَسْجِدِ عَبْدِ الْقَيْسِ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ مَالِكَ بْنَ عَمْرٍو النَّهْدِيَّ، وَكَانَ شُجَاعًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَرِيكٍ النَّهْدِيَّ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ، فَانْتَهَوْا إِلَيْهِ وَقَدْ عَلَاهُ الْقَوْمُ وَكَثُرُوهُ، فَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ. وَأَمَّا ابْنُ الْأَشْتَرِ، فَإِنَّهُ مَضَى إِلَى مُضَرَ فَلَقِيَ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ وَمَنْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: وَيْحَكُمُ انْصَرِفُوا، فَمَا أُحِبُّ أَنْ يُصَابَ مِنْ مُضَرَ عَلَى يَدَيَّ. فَأَبَوْا وَقَاتَلُوهُ، فَهَزَمَهُمْ، وَجُرِحَ حَسَّانُ بْنُ فَائِدٍ الْعَبْسِيُّ، فَحُمِلَ إِلَى أَهْلِهِ فَمَاتَ، فَكَانَ مَعَ شَبَثٍ، وَجَاءَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى الْمُخْتَارِ بِهَزِيمَةِ مُضَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَحْمَرَ بْنِ شُمَيْطٍ وَابْنِ كَامِلٍ يُبَشِّرُهُمَا، فَاشْتَدَّ أَمْرُهُمَا. فَاجْتَمَعَ شِبَامٌ، وَقَدْ رَأَّسُوا عَلَيْهِمْ أَبَا الْقَلُوصِ، لِيَأْتُوا أَهْلَ الْيَمَنِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَوْ جَعَلْتُمْ جِدَّكُمْ عَلَى مُضَرَ وَرَبِيعَةَ لَكَانَ أَصْوَبَ، وَأَبُو الْقَلُوصِ سَاكِتٌ، فَقَالُوا: مَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ. فَسَارُوا مَعَهُ نَحْوَ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى جَبَّانَةِ السَّبِيعِ لَقِيَهُمْ عَلَى فَمِ السِّكَّةِ الْأَعْسَرُ الشَّاكِرِيُّ، فَقَتَلُوهُ وَنَادُوا فِي الْجَبَّانَةِ، وَقَدْ دَخَلُوهَا: يَا لِثَارَاتِ الْحُسَيْنِ ! فَسَمِعَهَا يَزِيدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ ذِي مُرَّانَ الْهَمْدَانِيُّ فَقَالَ: يَا لِثَارَاتِ عُثْمَانَ ! فَقَالَ لَهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ شَدَّادٍ: مَا لَنَا وَلِعُثْمَانَ ! لَا أُقَاتِلُ مَعَ قَوْمٍ يَبْغُونَ دَمَ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ نَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ: جِئْتَ بِنَا وَأَطَعْنَاكَ، حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا قَوْمَنَا تَأْخُذُهُمُ السُّيُوفُ قُلْتَ: انْصَرِفُوا وَدَعُوهُمْ ! فَعَطَفَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ، شِعْرٌ: أَنَا ابْنُ شَدَّادٍ عَلَى دِينِ عَلِي لَسْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ أَرْوَى بِوَلِي     لَأَصْلِيَنَّ الْيَوْمَ فِيمَنْ يَصْطَلِي بِحَرِّ نَارِ الْحَرْبِ غَيْرُ مُؤْتَلِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَكَانَ رِفَاعَةُ مَعَ الْمُخْتَارِ، فَلَمَّا رَأَى كَذِبَهُ أَرَادَ قَتْلَهُ غِيلَةً، قَالَ: فَمَنَعَنِي قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: مَنِ ائْتَمَنَهُ رَجُلٌ عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ. فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ قَاتَلَ مَعَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: يَا لِثَارَاتِ عُثْمَانَ - عَادَ عَنْهُمْ، فَقَاتَلَ مَعَ الْمُخْتَارِ حَتَّى قُتِلَ، وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ ذِي مُرَّانَ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ صَهْبَانَ الْجَرْمِيُّ، وَكَانَ نَاسِكًا، وَقُتِلَ الْفُرَاتُ بْنُ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ، وَجُرِحَ أَبُوهُ زَحْرٌ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ، وَقُتِلَ عُمَرُ بْنُ مِخْنَفٍ، وَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِخْنَفٍ حَتَّى جُرِحَ، وَحَمَلَتْهُ الرِّجَالُ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَمَا يَشْعُرُ، وَقَاتَلَ حَوْلَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الْيَمَنِ هَزِيمَةً قَبِيحَةً، وَأَخَذَ مِنْ دُورِ الْوَادِعِيِّينَ خَمْسَمِائَةِ أَسِيرٍ، فَأَتَى بِهِمُ الْمُخْتَارَ مُكَتَّفِينَ، فَأَمَرَ الْمُخْتَارُ بِإِحْضَارِهِمْ وَعَرْضِهِمْ عَلَيْهِ، وَقَالَ: انْظُرُوا مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ قَتْلَ الْحُسَيْنِ فَأَعْلِمُونِي. فَقَتَلَ كُلَّ مَنْ شَهِدَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ قَتِيلًا، وَأَخَذَ أَصْحَابُهُ يَقْتُلُونَ كُلَّ مَنْ كَانَ يُؤْذِيهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمُخْتَارُ بِذَلِكَ أَمَرَ بِإِطْلَاقِ كُلِّ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْأُسَارَى، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يُجَامِعُوا عَلَيْهِ عَدُوًّا، وَلَا يَبْغُوهُ وَأَصْحَابَهُ غَائِلَةً، وَنَادَى مُنَادِي الْمُخْتَارِ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، إِلَّا مَنْ شَرِكَ فِي دِمَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْحَجَّاجِ الزُّبَيْدِيُّ مِمَّنْ شَهِدَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَأَخَذَ طَرِيقَ وَاقِصَةَ، فَلَمْ يُرَ لَهُ خَبَرٌ حَتَّى السَّاعَةِ، وَقِيلَ: أَدْرَكَهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ وَقَدْ سَقَطَ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ، فَذَبَحُوهُ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ. وَلَمَّا قُتِلَ فُرَاتُ بْنُ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ أَرْسَلَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيَّةُ، وَكَانَتِ امْرَأَةَ الْحُسَيْنِ، إِلَى الْمُخْتَارِ تَسْأَلُهُ أَنْ يَأْذَنَ لَهَا فِي دَفْنِهِ، فَفَعَلَ، فَدَفَنَتْهُ.

  173. التاريخ 2264لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي قَتَلَتْ حُسَيْنًا   وَهَرَبَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ مِمَّنْ هَرَبَ لِقَصْدِهِ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فَبَعَثَ الْمُخْتَارُ فِي أَثَرِهِ غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: زَرْبِيٌّ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ شَمِرٌ لِأَصْحَابِهِ: تَقَدَّمُوا وَذَرُونِي وَرَاءَكُمْ بِصِفَةِ أَنَّكُمْ قَدْ هَرَبْتُمْ وَتَرَكْتُمُونِي حَتَّى يَطْمَعَ فِيَّ هَذَا الْعِلْجُ. فَسَاقُوا وَتَأَخَّرَ شَمِرٌ فَأَدْرَكَهُ زَرْبِيٌّ فَعَطْفَ عَلَيْهِ شَمِرٌ، فَدَقَّ ظَهْرَهُ فَقَتَلَهُ، وَسَارَ شَمِرٌ وَتَرْكَهُ، وَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ يُنْذِرُهُ بِقُدُومِهِ عَلَيْهِ، وَوِفَادَتِهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ فَرَّ مِنْ هَذِهِ الْوَقْعَةِ يَهْرُبُ إِلَى مُصْعَبٍ بِالْبَصْرَةِ، وَبَعَثَ شَمِرٌ الْكِتَابَ مَعَ عِلْجٍ مِنْ عُلُوجِ قَرْيَةٍ قَدْ نَزَلَ عِنْدَهَا يُقَالُ لَهَا الْكَلْتَانِيَّةُ عِنْدَ نَهْرٍ إِلَى جَانِبِ تَلٍّ هُنَاكَ، فَذَهَبَ ذَلِكَ الْعِلْجُ فَلَقِيَهُ عِلْجٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ قَالَ: إِلَى مُصْعَبٍ. قَالَ مِمَّنْ ؟ قَالَ مِنْ شَمِرٍ. فَقَالَ: اذْهَبْ مَعِي إِلَى سَيِّدِي. وَإِذَا سَيِّدُهُ أَبُو عَمْرَةَ أَمِيرُ حَرَسِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ قَدْ رَكِبَ فِي طَلَبِ شَمِرٍ، فَدَلَّهُ الْعِلْجُ عَلَى مَكَانِهِ فَقَصَدَهُ أَبُو عَمْرَةَ، وَقَدْ أَشَارَ أَصْحَابُ شَمِرٍ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا كُلُّهُ فَرَقٌ مِنَ الْكَذَّابِ، وَاللَّهِ لَا أَرْتَحِلُ مِنْ هَاهُنَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى أَمْلَأَ قُلُوبَهُمْ رُعْبًا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ كَابَسَهُمْ أَبُو عَمْرَةَ فِي الْخَيْلِ فَأَعْجَلَهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا أَوْ يَلْبَسُوا أَسْلِحَتَهُمْ، وَثَارَ إِلَيْهِمْ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فَطَاعَنَهُمْ بِرُمْحِهِ وَهُوَ عُرْيَانُ، ثُمَّ دَخَلَ خَيْمَتَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَيْفًا وَهُوَ يَقُولُ: نَبَّهْتُمُ لَيْثَ عَرِينٍ بَاسِلَا جَهْمًا مُحَيَّاهُ يَدُقُّ الْكَاهِلَا     لَمْ يُرَ يَوْمًا عَنْ عَدُوٍّ نَاكِلَا إِلَّا كَذَا مُقَاتِلًا أَوْ قَاتِلَا     يُبْرِحْهُمُ ضَرْبًا وَيُرْوِي الْعَامِلَا ثُمَّ مَا زَالَ يُنَاضِلُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ مُنْهَزِمُونَ صَوْتَ التَّكْبِيرِ وَقَوْلَ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُتِلَ الْخَبِيثُ. عَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: وَلَمَّا خَرَجَ الْمُخْتَارُ مِنْ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْقَصْرِ - يَعْنِي مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْقِتَالِ - نَادَاهُ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى: امْنُنْ عَلَيَّ الْيَوْمَ يَا خَيْرَ مَعَدْ     وَخَيْرَ مَنْ حَلَّ بِشِحْرٍ وَالْجَنَدْ وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى وَصَامَ وَسَجَدْ قَالَ: فَبَعَثَهُ إِلَى السِّجْنِ، فَاعْتَقَلَهُ لَيْلَةً، ثُمَّ أَطْلَقُهُ مِنَ الْغَدِ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْمُخْتَارِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا أَخْبِرْ أَبَا إِسْحَاقَ أَنَّا     نَزَوْنَا نَزْوَةً كَانَتْ عَلَيْنَا خَرَجْنَا لَا نَرَى الضُّعَفَاءَ شَيْئًا     وَكَانَ خُرُوجُنَا بَطَرًا وَحَيْنًا نَرَاهُمْ فِي مَصَافِهِمُ قَلِيلًا     وَهُمْ مِثْلُ الدَّبَا حِينَ الْتَقَيْنَا بَرَزْنَا إِذْ رَأَيْنَاهُمْ فَلَمَّا     رَأَيْنَا الْقَوْمَ قَدْ بَرَزُوا إِلَيْنَا رَأَيْنَا مِنْهُمُ ضَرْبًا وَطَحْنًا     وَطَعْنًا صَائِبًا حَتَّى انْثَنَيْنَا نُصِرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ كُلَّ يَوْمٍ     بِكُلِّ كَتِيبَةٍ تَنْعَى حُسَيْنَا كَنَصْرِ مُحَمَّدٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ     وَيَوْمَ الشِّعْبِ إِذْ لَاقَى حُنَيْنَا فَأَسْجِحْ إِذْ مَلَكْتَ فَلَوْ مَلَكْنَا     لَجُرْنَا فِي الْحُكُومَةِ وَاعْتَدَيْنَا تَقَبَّلْ تَوْبَةً مِنِّي فَإِنِّي     سَأَشْكُرُ إِذْ جَعَلْتَ النَّقْدَ دَيْنَا وَجَعَلَ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ يَحْلِفُ أَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تَقَاتِلُ عَلَى الْخُيُولِ الْبُلْقِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْسِرْهُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ، فَأَمَرَهُ الْمُخْتَارُ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ فَيُخْبِرُ النَّاسَ بِذَلِكَ. فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَأَخْبَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ خَلَا بِهِ الْمُخْتَارُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّكَ لَمْ تَرَ الْمَلَائِكَةَ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ هَذَا أَنِّي لَا أَقْتُلُكَ، وَلَسْتُ أَقْتُلُكَ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ لَا تُفْسِدْ عَلَيَّ أَصْحَابِي. فَذَهَبَ سُرَاقَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ أَنِّي     رَأَيْتُ الْبُلْقَ دُهْمًا مُصْمِتَاتِ كَفَرْتُ بِوَحْيِكُمْ وَجَعَلْتُ نَذْرًا     عَلَيَّ قِتَالَكُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ رَأَتْ عَيْنَايَ مَا لَمْ تُبْصِرَاهُ     كِلَانَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ إِذَا قَالُوا أَقُولُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ     وَإِنْ خَرَجُوا لَبِسْتُ لَهُمْ أَدَاتِي خطبة المختار بن أبي عبيد الثقفي في التحريض على تتبع من قتل الحسين من أهل الكوفة المقيمين بها قَالُوا: ثُمَّ خَطَبَ الْمُخْتَارُ أَصْحَابَهُ فَحَرَّضَهُمْ فِي خُطْبَتِهِ تِلْكَ عَلَى تَتَبُّعِ مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْمُقِيمِينَ بِهَا، فَقَالَ: مَا دِينُنَا تَرْكُ قَوْمٍ قَتَلُوا حُسَيْنًا يَمْشُونَ فِي الدُّنْيَا أَحْيَاءً آمِنِينَ، بِئْسَ نَاصِرُ آلِ مُحَمَّدٍ، إِنِّي إِذًا كَذَّابٌ كَمَا سَمَّيْتُمُونِي أَنْتُمْ، فَإِنِّي بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي سَيْفًا أَضْرِبُهُمْ، وَرُمْحًا أَطْعَنُهُمْ، وَطَالِبَ وَتْرِهِمْ، وَالْقَائِمَ بِحَقِّهِمْ، وَإِنَّهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ قَتَلَهُمْ، وَأَنْ يُذِلَّ مَنْ جَهِلَ حَقَّهُمْ، فَسَمُّوهُمْ ثُمَّ اتْبَعُوهُمْ حَتَّى تَقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ لِيَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ، وَأَنْفِي مَنْ فِي الْمِصْرِ مِنْهُمْ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَتَبَّعُ مَنْ فِي الْكُوفَةِ مِنْهُمْ وَكَانُوا يَأْتُونَ بِهِمْ حَتَّى يُوقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْقِتْلَاتِ مِمَّا يُنَاسِبُ مَا فَعَلُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْمَى بِالنِّبَالِ حَتَّى يَمُوتَ، فَأَتَوْهُ بِمَالِكِ بْنِ بَشِيرٍ، فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: أَنْتَ الَّذِي نَزَعْتَ بُرْنُسَ الْحُسَيْنِ عَنْهُ ؟ فَقَالَ: خَرَجْنَا وَنَحْنُ كَارِهُونَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا. فَقَالَ: اقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكُوهُ يَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَ، وَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَسَيْدٍ الْجُهَنِيَّ وَغَيْرَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ. وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَادَّعَى قَتْلَهُ سِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ الشِّبَامِيُّ، وَشِبَامٌ، مِنْ هَمْدَانَ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأَبِي الزُّبَيْرِ الشِّبَامِيِّ: أَتَقْتُلُ أَبِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَيِّدَ قَوْمِكَ ؟ فَقَرَأَ: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ. وَانْجَلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ سَبْعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ قَتِيلًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْقَتْلِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ. وَأَمَرَ بِزِيَادِ بْنِ مَالِكٍ الضُّبَعِيِّ، وَبِعِمْرَانَ بْنِ خَالِدٍ الْقُشَيْرِيِّ، وَبِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي خِشْكَارَةَ الْبَجَلِيِّ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْخَوْلَانِيِّ، فَأُحْضِرُوا عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: يَا قَتْلَةَ الصَّالِحِينَ، وَقَتَلَةَ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَدْ أَقَادَ اللَّهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ، لَقَدْ جَاءَكُمُ الْوَرْسُ فِي يَوْمِ نَحْسٍ. وَكَانُوا نَهَبُوا مِنَ الْوَرْسِ الَّذِي كَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا. وَأُحْضِرَ عِنْدَهُ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا صَلْخَتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَمْرٍو الْهَمْدَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَعْشَى هَمْدَانَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَقُتِلُوا، وَأُحْضِرَ عِنْدَهُ: عُثْمَانُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ الدُّهْمَانِيُّ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو أَسْمَاءَ بِشْرُ بْنُ شُمَيْطٍ الْقَانِصِيُّ، وَكَانَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَقِيلٍ وَفِي سَلْبِهِ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهَمَا، وَأُحْرِقَا بِالنَّارِ.

  174. التاريخ 2265لا حكم مسجّل

    مَقْتَلُ خَوْلِيِّ بْنِ يَزِيدَ الْأَصْبَحِيِّ الَّذِي احْتَزَّ رَأْسَ الْحُسَيْنِ   بَعْثَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ أَبَا عَمْرَةَ صَاحِبَ حَرَسِهِ، فَكَبَسَ بَيْتَهُ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمُ امْرَأَتُهُ، فَسَأَلُوهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ. وَأَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ مُخْتَفٍ فِيهِ، وَكَانَتْ تُبْغِضُهُ مِنْ لَيْلَةِ قَدِمَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ مَعَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ تَلُومُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْمُهَا الْعَيُوفُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ نَهَارِ بْنِ عَقْرَبٍ الْحَضْرَمِيِّ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ قَوْصَرَّةً، فَحَمَلُوهُ إِلَى الْمُخْتَارِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِ وَأَنْ يُحَرَّقَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَبَعْثَ الْمُخْتَارُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ فُضَيْلٍ السِّنْبِسِيِّ - وَكَانَ قَدْ سَلَبَ الْعَبَّاسَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ وَرَمَى الْحُسَيْنَ بِسَهْمٍ، وَكَانَ يَقُولُ: تَعَلَّقَ سَهْمِي بِسِرْبَالِهِ وَمَا ضَرَّهُ. فَأَتَاهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ فَأَخَذُوهُ، وَذَهَبَ أَهْلُهُ فَشَفَعُوا بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَكَلَّمَهُمْ عَدِيٌّ فِيهِ، فَقَالُوا: ذَلِكَ إِلَى الْمُخْتَارِ. فَمَضَى عَدِيٌّ إِلَى الْمُخْتَارِ لِيَشْفَعَ فِيهِ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ قَدْ شَفَّعَهُ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ أَصَابَهُمْ يَوْمَ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، فَقَالَتِ الشِّيعَةُ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يُشَفِّعَهُ الْمُخْتَارُ فِيهِ، فَقَتَلُوهُ رَمْيًا بِالسِّهَامِ كَمَا رَمَى الْحُسَيْنَ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ الْقُنْفُذُ، وَدَخَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ عَدِيٌّ، فَقَالَ الْمُخْتَارَ: أَتَسْتَحِلُّ أَنْ تَطْلُبَ فِي قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ ؟ فَقَالَ عَدِيٌّ: إِنَّهُ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ. قَالَ: إِذًا نَدَعُهُ لَكَ. فَدَخَلَ ابْنُ كَامِلٍ فَأَخْبَرَ الْمُخْتَارَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: مَا أَعْجَلَكُمْ إِلَى ذَلِكَ ؟ أَلَا أَحْضَرْتُمُوهُ عِنْدِي ؟ وَكَانَ قَدْ سَرَّهُ قَتْلُهُ. فَقَالَ ابْنُ كَامِلٍ: غَلَبَتْنِي عَلَيْهِ الشِّيعَةُ. فَقَالَ عَدِيٌّ لِابْنِ كَامِلٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ سَيُشَفِّعُنِي فَقَتَلْتَهُ. فَسَبَّهُ ابْنُ كَامِلٍ، فَنَهَاهُ الْمُخْتَارُ عَنْ ذَلِكَ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى قَاتِلِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَهُوَ مُرَّةُ بْنُ مُنْقِذٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، وَكَانَ شُجَاعًا، فَأَحَاطُوا بِدَارِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى فَرَسِهِ وَبِيَدِهِ رُمْحُهُ، فَطَاعَنَهُمْ، فَضَرَبَ عَلَى يَدِهِ وَهَرَبَ مِنْهُمْ فَنَجَا، وَلَحِقَ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَشُلَّتْ يَدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى زَيْدِ بْنِ رُقَادٍ الْجُنُبِيِّ، كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ رَمَيْتُ فَتًى مِنْهُمْ بِسَهْمٍ وَكَفُّهُ عَلَى جَبْهَتِهِ يَتَّقِي النَّبْلَ، فَأَثْبَتَ كَفَّهُ فِي جَبْهَتِهِ فَمَا اسْتَطَاعَ أَنْ يُزِيلَ كَفَّهُ عَنْ جَبْهَتِهِ - وَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ - وَإِنَّهُ قَالَ حِينَ رَمَيْتُهُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمُ اسْتَقَلُّونَا وَاسْتَذَلُّونَا، فَاقْتُلْهُمْ كَمَا قَتَلُونَا. ثُمَّ إِنَّهُ رَمَى الْغُلَامَ بِسَهْمٍ آخَرَ وَكَانَ يَقُولُ: جِئْتُهُ وَهُوَ مَيِّتٌ، فَنَزَعْتُ سَهْمِي الَّذِي قَتَلْتُهُ بِهِ مِنْ جَوْفِهِ، فَلَمْ أَزَلْ أُنَضْنِضُهُ مِنْ جَبْهَتِهِ حَتَّى أَخَذْتُهُ وَبَقِيَ النَّصْلُ، فَلَمَّا أَتَاهُ أَصْحَابُ الْمُخْتَارِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ كَامِلٍ: لَا تَطْعَنُوهُ وَلَا تَضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ، ارْمُوهُ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَسَقَطَ، فَأَحْرَقُوهُ حَيًّا. وَطَلَبَ الْمُخْتَارُ سِنَانَ بْنَ أَنَسٍ الَّذِي كَانَ يَدَّعِي قَتْلَ الْحُسَيْنِ، فَرَآهُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَهَدَمَ دَارَهُ. وَطَلَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُقْبَةَ الْغَنَوِيَّ، فَوَجَدَهُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَهَدَمَ دَارَهُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ غُلَامًا. وَطَلَبَ آخَرَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْكَاهِنِ، كَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مَنْ أَهْلِ الْحُسَيْنِ، فَفَاتَهُ. وَطَلَبَ أَيْضًا رَجُلًا مِنْ خَثْعَمٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ الْخَثْعَمِيُّ، كَانَ يَقُولُ: رَمَيْتُ فِيهِمْ بِاثْنَيْ عَشَرَ سَهْمًا. فَفَاتَهُ وَلَحِقَ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَهَدَمَ دَارَهُ. وَطَلَبَ أَيْضًا عَمْرَو بْنَ الصُّبَيْحِ الصُّدَائِيَّ، كَانَ يَقُولُ: لَقَدْ طَعَنْتُ فِيهِمْ وَجَرَحْتُ، وَمَا قَتَلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَأُتِيَ لَيْلًا فَأُخِذَ، وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمُخْتَارِ، فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الرِّمَاحِ، وَطُعِنَ بِهَا حَتَّى مَاتَ. وَأَرْسَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَبِ، وَهُوَ فِي قَرْيَةٍ لَهُ إِلَى جَنْبِ الْقَادِسِيَّةِ، فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَكَانَ قَدْ هَرَبَ إِلَى مُصْعَبٍ، فَهَدَمَ الْمُخْتَارُ دَارَهُ، وَبَنَى بِلَبِنِهَا وَطِينِهَا دَارَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ، كَانَ زِيَادٌ قَدْ هَدَمَهَا.

  175. التاريخ 2266لا حكم مسجّل

    مَقْتَلُ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَمِيرِ الْجَيْشِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْنَ  قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ؓ، جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ ; إِذْ جَاءَ غُلَامٌ لَهُ، وَدَمُهُ يَسِيلُ عَلَى عَقِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا ؟ فَقَالَ: ابْنُكَ عُمَرُ. فَقَالَ سَعْدُ: اللَّهُمَّ اقْتُلْهُ وَأَسِلْ دَمَهُ. وَكَانَ سَعْدٌ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْمُخْتَارُ عَلَى الْكُوفَةِ اسْتَجَارَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِلْمُخْتَارِ مِنْ قَرَابَتِهِ مِنْ عَلِيٍّ، فَأَتَى الْمُخْتَارَ فَأَخْذَ مِنْهُ لِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ أَمَانًا مَضْمُونُهُ أَنَّهُ آمِنٌ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ مَا أَطَاعَ وَلَزِمَ رَحْلَهُ وَمِصْرَهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ حَدَثًا، وَأَرَادَ الْمُخْتَارُ مَا لَمْ يَأْتِ الْخَلَاءَ فَيَبُولَ أَوْ يَغُوطَ، وَلَمَّا بَلَغَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ الْمُخْتَارَ يُرِيدُ قَتْلَهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَيْلًا يُرِيدُ السَّفَرَ نَحْوَ مُصْعَبٍ أَوْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَنَمَى لِلْمُخْتَارِ بَعْضُ مَوَالِيهِ ذَلِكَ. فَقَالَ الْمُخْتَارُ: وَأَيُّ حَدَثٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا ؟ وَقِيلَ: إِنَّ مَوْلَاهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: تَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِكَ وَرَحْلِكَ ؟ ارْجِعْ. فَرَجَعَ. وَلَمَّا أَصْبَحَ بَعْثَ إِلَى الْمُخْتَارِ يَقُولُ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى أَمَانِكَ ؟ وَقِيلَ: إِنَّهُ أَتَى الْمُخْتَارَ يَتَعَرَّفُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: اجْلِسْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْدَةَ إِلَى الْمُخْتَارِ يَقُولُ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُقِيمٌ عَلَى أَمَانِكَ لَهُ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: اجْلِسْ. فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ الْمُخْتَارُ: لِصَاحِبِ حَرَسِهِ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِرَأْسِهِ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَأَتَاهُ بِرَأْسِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْمُخْتَارَ قَالَ لَيْلَةً: لَأَقْتُلَنَّ غَدًا رَجُلًا عَظِيمَ الْقَدَمَيْنِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفَ الْحَاجِبَيْنِ، يُسَرُّ بِقَتْلِهِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ، وَكَانَ الْهَيْثَمُ بْنُ الْأَسْوَدِ حَاضِرًا فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ أَرَادَ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُهُ الْعُرْيَانُ فَأَنْذَرَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا بَعْدَمَا أَعْطَانِي مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ ؟ وَكَانَ الْمُخْتَارُ حِينَ قَدِمَ الْكُوفَةَ أَحْسَنَ السِّيرَةَ إِلَى أَهْلِهَا أَوَّلًا، وَكَتَبَ لِعُمَرَ بْنِ سَعْدٍ كِتَابَ أَمَانٍ إِلَّا أَنْ يُحْدِثَ حَدَثًا. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ يَقُولُ: إِنَّمَا أَرَادَ الْمُخْتَارُ إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ الْكَنِيفَ فَيُحَدِثَ فِيهِ. ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ قَلِقَ أَيْضًا، ثُمَّ جَعَلَ يَتَنَقَّلُ مِنْ مَحَلَّةٍ إِلَى مَحَلَّةٍ، ثُمَّ صَارَ أَمْرُهُ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى دَارِهِ، وَقَدْ بَلَغَ الْمُخْتَارَ انْتِقَالُهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، فَقَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةً تَرُدُّهُ لَوْ جَهِدَ أَنْ يَنْطَلِقَ مَا اسْتَطَاعَ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَبَعْثَ إِلَيْهِ أَبَا عَمْرَةَ، فَدَخْلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ، فَقَامَ عُمَرُ، فَعَثَرَ فِي جُبَّتِهِ، فَضَرَبَهُ أَبُو عَمْرَةَ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، وَجَاءَ بِرَأْسِهِ فِي أَسْفَلِ قَبَائِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُخْتَارِ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِابْنِهِ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ - وَكَانَ جَالِسًا عِنْدَ الْمُخْتَارِ -: أَتَعْرِفُ هَذَا الرَّأْسَ ؟ فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ: نَعَمْ، وَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ، فَقَالَ: صَدَقْتَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَوُضِعَ رَأْسُهُ مَعَ رَأْسِ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ الْمُخْتَارُ هَذَا بِالْحُسَيْنِ، وَهَذَا بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْأَكْبَرِ، وَلَا سَوَاءَ، وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُ بِهِ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ قُرَيْشٍ مَا وَفُّوا أُنْمُلَةً مِنْ أَنَامِلِهِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي تَهَيُّجِ الْمُخْتَارِ عَلَى قَتْلِهِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ شَرَاحِيلَ الْأَنْصَارِيَّ أَتَى مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَجَرَى الْحَدِيثُ إِلَى أَنْ تَذَاكَرَا الْمُخْتَارَ، فَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَنَا شِيعَةٌ، وَقَتَلَةُ الْحُسَيْنِ عِنْدَهُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ يُحَدِّثُونَهُ. فَلَمَّا عَادَ يَزِيدُ أَخْبَرَ الْمُخْتَارَ بِذَلِكَ، فَقَتَلَ عَمْرَو بْنَ سَعْدٍ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ وَرَأْسِ ابْنِهِ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي طَلَبِ الْبَاقِينَ مِمَّنْ حَضَرَ قَتْلَ الْحُسَيْنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَرِيكٍ: أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ الْأَرْدِيَةِ الْمُعَلَّمَةِ، وَأَصْحَابَ الْبَرَانِسِ السُّودِ مِنْ أَصْحَابِ السَّوَارِي، إِذَا مَرَّ بِهِمْ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ قَالُوا: هَذَا قَاتِلُ الْحُسَيْنِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَالَ عَلِيٌّ لِعَمْرِو بْنِ سَعْدٍ: كَيْفَ كُنْتَ إِذَا قُمْتَ مَقَامًا تُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَتَخْتَارُ النَّارَ ؟ كتاب المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى محمد بن الحنفية وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لِلْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مِنَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمَهْدِيُّ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي نِقْمَةً عَلَى أَعْدَائِكُمْ، فَهُمْ بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ وَطَرِيدٍ وَشَرِيدٍ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَتَلَ قَاتِلَكُمْ وَنَصَرَ مُؤَازِرَكُمْ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِرَأْسِ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ وَابْنِهِ، وَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ شَرَكَ فِي دَمِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كُلَّ مَنْ قَدَرْنَا عَلَيْهِ، وَلَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ مَنْ بَقِيَ، وَلَسْتُ بِمُنْحَجِمٍ عَنْهُمْ حَتَّى لَا يَبْلُغَنِي أَنَّ عَلَى أَدِيمِ الْأَرْضِ مِنْهُمْ إِرْمِيًّا فَاكْتُبْ إِلَيَّ أَيُّهَا الْمَهْدِيُّ بِرَأْيِكَ أَتَّبِعُهُ وَأَكُنْ عَلَيْهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْمَهْدِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَلَمْ يَذْكُرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مُحَمَّدًا ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ رَدَّ جَوَابَهُ، مَعَ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ قَدْ تَقَصَّى هَذَا الْفَصْلَ وَأَطَالَ شَرْحَهُ، وَيَظْهَرُ مِنْ غُبُونِ كَلَامِهِ وَنِظَامِهِ قُوَّةُ وَجْدِهِ بِهِ وَغَرَامِهِ، وَلِهَذَا تَوَسَّعَ فِي إِيرَادِهِ بِرِوَايَاتِ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى، وَهُوَ مُتَّهَمٌ فِيمَا يَرْوِيهِ، وَلَا سِيَّمَا فِي بَابِ التَّشَيُّعِ، وَهَذَا الْمَقَامُ لِلشِّيعَةِ فِيهِ غَرَامٌ وَأَيُّ غَرَامٍ، إِذْ فِيهِ الْأَخْذُ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِهِ مِنْ قَتَلَتِهِمْ وَالِانْتِقَامُ مِنْهُمْ. وَلَا شَكَّ أَنَّ قَتْلَ قَتَلَتِهِ كَانَ مُتَحَتِّمًا، وَالْمُبَادِرَةُ إِلَيْهِ كَانَ مَغْنَمًا، وَلَكِنْ إِنَّمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدِ الْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ الَّذِي صَارَ بِدَعْوَاهُ إِتْيَانَ الْوَحْيِ إِلَيْهِ كَافِرًا، وَقَدْ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لِيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَقَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مَا يَكْتُبُهُ الْكَاتِبُونَ: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَمَا مِنْ يَدٍ إِلَّا يَدُ اللَّهِ فَوْقَهَا وَلَا ظَالِمٍ إِلَّا سَيُبْلَى بِظَالِمِ وَسَيَأْتِي فِي تَرْجَمَةِ الْمُخْتَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِهِ وَافْتِرَائِهِ، وَادِّعَائِهِ نُصْرَةَ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُتَسَتِّرٌ بِذَلِكَ لِيَجْمَعَ عَلَيْهِ رَعَاعًا مِنَ الشِّيعَةِ الَّذِينَ بِالْكُوفَةِ ; لِيُقِيمَ لَهُمْ دَوْلَةً وَيَصُولَ بِهِمْ وَيَجُولَ عَلَى مُخَالِفِيهِ صَوْلَةً. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَلَّطَ عَلَيْهِ مَنِ انْتَقَمَ مِنْهُ، وَهَذَا هُوَ الْكَذَّابُ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ فَهَذَا هُوَ الْكَذَّابُ، وَهُوَ يُظْهِرُ التَّشَيُّعَ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ وَقَدْ وُلِّيَ الْكُوفَةَ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ كَمَا سَيَأْتِي، وَكَانَ الْحَجَّاجُ عَكْسَ هَذَا؛ كَانَ نَاصِبِيًّا جَلْدًا ظَالِمًا غَاشِمًا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ فِي طَبَقَةِ هَذَا، يُتَّهَمُ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَدَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَأَنَّهُ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ الْعَلِيِّ الْعَلَّامِ.

  176. التاريخ 2267لا حكم مسجّل

    بَيْعَةِ الْمُثَنَّى الْعَبْدِيِّ لِلْمُخْتَارِ بِالْبَصْرَةِ  قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي سنة ست وستين بَعَثَ الْمُخْتَارُ الْمُثَنَّى بْنَ مُخَرِّبَةَ الْعَبْدِيَّ إِلَى الْبَصْرَةِ يَدْعُو إِلَيْهِ مَنِ اسْتَطَاعَ مَنْ أَهْلِهَا، فَدَخَلَهَا وَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ فِيهِ قَوْمُهُ فَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى الْمُخْتَارِ ثُمَّ أَتَى مَدِينَةَ الرِّزْقِ، فَعَسْكَرَ عِنْدَهَا فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْقُبَاعُ - وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُعْزَلَ بِمُصْعَبٍ - جَيْشًا مَعَ عَبَّادِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَمِيرِ الشُّرْطَةِ، وَقَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ فَقَاتَلُوهُ وَأَخَذُوا مِنْهُ الْمَدِينَةَ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَكَانَ قَدْ قَامَ بِنُصْرَتِهِمْ بَنُو عَبْدِ الْقَيْسِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْجَيْشَ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ فَأَرْسَلَ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، وَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيَّ لِيُصْلِحَا بَيْنَ النَّاسِ وَسَاعَدَهُمَا مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ، فَانْحَجَزَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَرَجَعَ إِلَى الْمُخْتَارِ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مَغْلُولًا مَغْلُوبًا مَسْلُوبًا، وَأَخْبَرَ الْمُخْتَارَ بِمَا وَقَعَ مِنَ الصُّلْحِ عَلَى يَدَيِ الْأَحْنَفِ وَغَيْرِهِ مِنْ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ، وَطَمِعَ الْمُخْتَارُ فِيهِمْ، وَكَاتَبَهُمْ فِي أَنْ يَدْخُلُوا مَعَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَمْرِ. وَكَانَ كِتَابُهُ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: مِنَ الْمُخْتَارِ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَمَنْ قِبَلَهُ، فَسِلْمٌ أَنْتُمْ، أَمَّا بَعْدُ: فَوَيْلُ أُمِّ رَبِيعَةَ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّ الْأَحْنَفَ يُورِدُ قَوْمَهُ سَقَرَ، حَيْثُ لَا يَسْتَطِيعُ لَهُمُ الصَّدَرَ، وَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مَا قَدْ خُطَّ فِي الْقَدَرِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُسَمُّونِي كَذَّابًا، وَقَدْ كُذِّبَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ قَبْلِي، وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْهُمْ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ بسنده عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ الْبَصْرَةَ فَقَعَدْتُ إِلَى حَلْقَةٍ فِيهَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. فَقَالَ: أَنْتُمْ مَوَالٍ لَنَا. قُلْتُ: وَكَيْفَ ؟ قَالَ: قَدْ أَنْقَذْنَاكُمْ مِنْ أَيْدِي عَبِيدِكُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ. قُلْتُ: تَدْرِي مَا قَالَ شَيْخٌ مِنْ هَمْدَانَ فِينَا وَفِيكُمْ ؟ فَقَالَ الْأَحْنَفُ: وَمَا قَالَ ؟ قُلْتُ: قَالَ: أَفَخَرْتُمْ أَنْ قَتَلْتُمْ أَعَبُدًا وَهَزَمْتُمْ مَرَّةً آلَ عَزَلْ     فَإِذَا فَاخَرْتُمُونَا فَاذْكُرُوا مَا فَعَلْنَا بِكُمْ يَوْمَ الْجَمَلْ     بَيْنَ شَيْخٍ خَاضِبٍ عُثْنُونَهُ وَفَتًى أَبْيَضَ وَضَّاحًا رِفَلْ     جَاءَنَا يَهْدِجُ فِي سَابِغَةٍ فَذَبَحْنَاهُ ضُحًى ذَبْحَ الْحَمَلْ     وَعَفَوْنَا فَنَسِيتُمْ عَفْوَنَا وَكَفَرْتُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ الْأَجَلْ     وَقَتَلْتُمْ بِحُسَيْنٍ مِنْهُمُ بَدَلًا مِنْ قَوْمِكُمْ شَرَّ بَدَلْ قَالَ: فَغَضِبَ الْأَحْنَفُ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ، هَاتِ الصَّحِيفَةَ، فَأُتِيَ بِصَحِيفَةٍ فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَمَّا بَعْدُ: فَوَيْلُ أُمِّ رَبِيعَةَ مِنْ مُضَرَ، فَإِنَّ الْأَحْنَفَ يُورِدُ قَوْمَهُ سَقَرَ، حَيْثُ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الصَّدَرِ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونِي، فَإِنْ كُذِّبْتُ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي، وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ الْأَحْنَفُ: هَذَا مِنَّا أَوْ مِنْكُمْ.

  177. التاريخ 2268لا حكم مسجّل

    ( مُصَانَعَةُ الْمُخْتَارِ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُرِيدُ خِدَاعَهُ   ) وَلَمَّا عَلِمَ الْمُخْتَارُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَا يَنَامُ عَنْهُمْ، وَأَنَّ جَيْشَ الشَّامِ مِنْ قِبَلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَقْصِدُونَهُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ لَا يُرَامُ، شَرَعَ يُصَانِعُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، يُرِيدُ خِدَاعَهُ وَالْمَكْرَ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنِّي كُنْتُ بَايَعْتُكَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالنُّصْحِ لَكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُكَ قَدْ أَعْرَضْتَ عَنِّي تَبَاعَدْتُ عَنْكَ، فَإِنْ كُنْتَ عَلَى مَا أَعْهَدُ مِنْكَ فَأَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَكَ. وَالْمُخْتَارُ يُخْفِي هَذَا كُلَّ الْإِخْفَاءِ عَنِ الشِّيعَةِ، فَإِذَا ذَكَرَ لَهُ أَحَدٌ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ أَبْعَدُ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ أَصَادِقٌ أَمْ كَاذِبٌ ؟ فَدَعَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، فَقَالَ لَهُ: تَجَهَّزْ إِلَى الْكُوفَةِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا. فَقَالَ: وَكَيْفَ وَبِهَا الْمُخْتَارُ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَامِعٌ لَنَا مُطِيعٌ، وَأَعْطَاهُ قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا يَتَجَهَّزُ بِهَا، فَسَارَ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ لَقِيَهُ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ مِنْ جِهَةِ الْمُخْتَارِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ مُلْبِسَةٍ، وَمَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُخْتَارُ فَقَالَ لَهُ: أَعْطِهِ الْمَالَ، فَإِنْ هُوَ انْصَرَفَ وَإِلَّا فَأَرِهِ الرِّجَالَ فَقَاتِلْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجِدَّ قَبَضَ الْمَالَ وَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَاجْتَمَعَ هُوَ وَابْنُ مُطِيعٍ بِهَا عِنْدَ أَمِيرِهَا الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَى رَبِيعَةَ وَذَلِكَ قَبْلَ وُثُوبِ الْمُثَنَّى بْنِ مُخَرِّبَةَ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَقَبْلَ وُصُولِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: إِنِّي اتَّخَذْتُ الْكُوفَةَ دَارًا، فَإِنْ سَوَّغْتَنِي ذَلِكَ وَأَمَرْتَ لِي بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ سِرْتُ إِلَى الشَّامِ، فَكَفَيْتُكَ ابْنَ مَرْوَانَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِلَى مَتَى أُمَاكِرُ كَذَّابَ ثَقِيفٍ وَيُمَاكِرُنِي ؟ ثُمَّ تَمَثَّلَ، شِعْرٌ: عَارِي الْجَوَاعِرِ مَنْ ثَمُودٌ أَصْلُهُ عَبْدٌ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مَنْ يَقْدُمُ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: وَاللَّهِ وَلَا دِرْهَمٌ: وَلَا أَمْتَرِي [ عَبْدَ ] الْهَوَانِ بِبَدْرَتِي وَإِنِّي لَآتِي الْحَتْفَ مَا دُمْتُ أَسْمَعُ وَبَعْثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ابْنَ عَمِّهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ فِي جَيْشٍ إِلَى وَادِي الْقُرَى لِيَأْخُذُوا الْمَدِينَةَ مِنْ نُوَّابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَكَتَبَ الْمُخْتَارُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ أَمُدَّكَ بِمَدَدٍ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْمُخْتَارُ خَدِيعَتَهُ وَمُكَايَدَتَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِنْ كُنْتَ عَلَى طَاعَتِي فَلَسْتُ أَكْرَهُ ذَلِكَ، فَابْعَثْ بِجُنْدٍ إِلَى وَادِي الْقُرَى لِيَكُونُوا مَدَدًا لَنَا عَلَى قِتَالِ الشَّامِيِّينَ فَجَهَّزَ الْمُخْتَارُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ عَلَيْهِمْ شُرَحْبِيلُ بْنُ وَرْسٍ الْهَمْدَانِيُّ لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا سَبْعُمِائَةٍ، وَقَالَ لَهُ: سِرْ حَتَّى تَدْخُلَ الْمَدِينَةَ فَإِنْ دَخَلَهَا فَاكْتُبْ إِلَيَّ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَخْذَ الْمَدِينَةِ مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ يَرْكَبُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَكَّةَ لِيُحَاصِرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِهَا، وَخَشِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَارُ بَعَثَ ذَلِكَ الْجَيْشَ مَكْرًا فَبَعَثَ الْعَبَّاسَ بْنَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ فِي أَلْفَيْنِ وَأَمْرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِالْأَعْرَابِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ رَأَيْتُمُوهُمْ فِي طَاعَتِي وَإِلَّا فَكَايِدُوهُمْ حَتَّى نُهْلِكَهُمْ. فَأَقْبَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ حَتَّى لَقِيَ ابْنَ وَرْسٍ بِالرَّقِيمِ وَقَدْ تَعَبَّى ابْنُ وَرْسٍ فِي جَيْشِهِ، فَاجْتَمَعَا عَلَى مَاءٍ هُنَالِكَ فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَلَسْتُمْ فِي طَاعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ؟ فَقَالَ بَلَى. قَالَ فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ نَذْهَبَ إِلَى وَادِي الْقُرَى فَنُقَاتِلُ مَنْ بِهِ مِنَ الشَّامِيِّينَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ وَرْسٍ: فَإِنِّي لَمْ أُومَرْ بِطَاعَتِكَ، وَإِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ أَكْتُبَ إِلَى صَاحِبِي فَيَأْمُرَنِي بِأَمْرِهِ. فَفَهِمَ عَبَّاسٌ مَغْزَاهُ، وَلَمْ يُظْهِرْ لَهُ أَنَّهُ فَطِنَ لِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: رَأْيُكَ أَفْضَلُ، فَاعْمَلْ مَا بَدَا لَكَ، ثُمَّ نَهَضَ الْعَبَّاسُ مِنْ عِنْدِهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْجُزُرَ وَالْغَنَمَ وَالدَّقِيقَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُمْ حَاجَةٌ أَكِيدَةٌ إِلَى ذَلِكَ، وَجُوعٌ كَثِيرٌ فَجَعَلُوا يَذْبَحُونَ وَيَطْبُخُونَ وَيَخْتَبِزُونَ وَيَأْكُلُونَ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ بَيَّتَهُمْ عَبَّاسُ بْنُ سَهْلٍ فَقَتَلَ أَمِيرَهُمْ وَطَائِفَةً مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ وَأَسَرَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ وَرَجَعَ الْقَلِيلُ مِنْهُمْ إِلَى الْمُخْتَارِ وَإِلَى بِلَادِهِمْ خَائِبِينَ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي يُوسُفُ أَنَّ عَبَّاسَ بْنَ سَهْلٍ انْتَهَى إِلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا ابْنُ سَهْلٍ فَارِسٌ غَيْرُ وَكَلْ أَرْوَعُ مِقْدَامٌ إِذَا الْكَبْشُ نَكَلْ     وَأَعْتَلِي رَأْسَ الطِّرِمَّاحِ الْبَطَلْ بِالسَّيْفِ يَوْمَ الرَّوْعِ حَتَّى يُنْخَزَلْ بلوغ خبر مقتل جيش المختار بن أبي عبيد الثقفي إلى المدينة إليه وكتابه إلى محمد ابن الحنفية فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُمُ الْمُخْتَارَ قَامَ فِي أَصْحَابِهِ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ الْفُجَّارَ الْأَشْرَارَ قَتَلُوا الْأَبْرَارَ الْأَخْيَارَ، أَلَا إِنَّهُ كَانَ أَمْرًا مَأْتِيًّا وَقَضَاءً مَقْضِيًّا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ صَالِحِ بْنِ مَسْعُودٍ الْخَثْعَمِيِّ كِتَابًا يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّهُ بَعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَيْشًا لِنُصْرَتِهِ فَغَدَرَ بِهِمْ جَيْشُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ أَبْعَثَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتَبْعَثُ مِنْ قِبَلِكَ رُسُلًا إِلَيْهِمْ فَافْعَلْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَحَبَّ الْأُمُورِ كُلِّهَا إِلَيَّ مَا أُطِيعُ اللَّهَ فِيهِ، فَأَطِعِ اللَّهَ فِيمَا أَسْرَرْتَ وَأَعْلَنْتَ، وَاعْلَمْ أَنِّي لَوْ أَرَدْتُ الْقِتَالَ لَوَجَدْتُ النَّاسَ إِلَيَّ سِرَاعًا، وَالْأَعْوَانَ لِي كَثِيرَةً، وَلَكِنِّي أَعْتَزِلُهُمْ وَأَصْبِرُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ، وَقَالَ لِصَالِحِ بْنِ مَسْعُودٍ: قُلْ لِلْمُخْتَارِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ وَلْيَكْفُفْ عَنِ الدِّمَاءِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ كِتَابُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ بِجَمْعِ الْبِرِّ وَالْيُسْرِ، وَبِطَرْحِ الْكُفْرِ وَالْغَدْرِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَدَائِنِيِّ، وَ أَبَى مِخْنَفٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَمَدَ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَسَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَحَبَسَهُمْ حَتَّى يُبَايِعُوهُ، فَكَرِهُوا أَنْ يُبَايِعُوا إِلَّا مَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فَتَهَدَّدَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ وَاعْتَقَلَهُمْ بِزَمْزَمَ، فَكَتَبُوا إِلَى الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ يَسْتَصْرِخُونَهُ وَيَسْتَنْصِرُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ تَوَعَّدَنَا بِالْقَتْلِ وَالْحَرِيقِ فَلَا تَخْذُلُونَا كَمَا خَذَلْتُمُ الْحُسَيْنَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ. فَجَمَعَ الْمُخْتَارُ الشِّيعَةَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ وَقَالَ: هَذَا كِتَابُ الْمَهْدِيِّ وَصَرِيخُ أَهْلِ الْبَيْتِ، قَدْ أَصْبَحُوا مَحْصُورِينَ يَنْتَظِرُونَ الْقَتْلَ وَالتَّحْرِيقَ. وَقَالَ: لَسْتُ أَبَا إِسْحَاقَ إِنْ لَمْ أَنْصُرْهُمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، وَإِنْ لَمْ أُسَرِّبْ إِلَيْهِمُ الْخَيْلَ كَالسَّيْلِ يَتْلُوهُ السَّيْلُ، حَتَّى يَحِلَّ بِابْنِ الْكَاهِلِيَّةِ الْوَيْلُ. ثُمَّ وَجَّهَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيَّ فِي سَبْعِينَ رَاكِبًا مِنْ أَهْلِ الْقُوَّةِ، وَظَبْيَانَ بْنَ عُمَارَةَ التَّمِيمِيَّ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَبَا الْمُعْتَمِرِ فِي مِائَةٍ، وَهَانِئَ بْنَ قَيْسٍ فِي مِائَةٍ، وَعُمَيْرَ بْنَ طَارِقٍ فِي أَرْبَعِينَ، وَيُونُسَ بْنَ عِمْرَانَ فِي أَرْبَعِينَ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ الطُّفَيْلِ بْنِ عَامِرٍ بِتَوْجِيهِ الْجُنُودِ إِلَيْهِ، فَنَزَلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ بِذَاتِ عِرْقٍ حَتَّى تَلَاحَقَ بِهِ نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ نَهَارًا جِهَارًا، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ. وَقَدْ أَعَدَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحَطَبَ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَصْحَابِهِ لِيُحَرِّقَهُمْ بِهِ إِنْ لَمْ يُبَايِعُوا، وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْأَجَلِ يَوْمَانِ، فَعَمَدُوا - يَعْنِي أَصْحَابَ الْمُخْتَارِ - إِلَى مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ فَأَطْلَقُوهُ مِنْ سِجْنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَالُوا: إِنْ أَذِنْتَ لَنَا قَاتَلْنَا ابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَرَى الْقِتَالَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَيْسَ يَبْرَحُ وَتَبْرَحُونَ حَتَّى يُبَايِعَ وَتُبَايِعُوا مَعَهُ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ ثُمَّ لَحِقَهُمْ بَقِيَّةُ أَصْحَابِهِمْ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ وَهُمْ دَاخِلُونَ الْحَرَمَ: يَا ثَارَاتِ الْحُسَيْنِ فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ مِنْهُمْ خَافَهُمْ وَكَفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ أَخَذُوا مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَأَخَذُوا مِنَ الْحَجِيجِ مَالًا كَثِيرًا فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى دَخَلَ شِعْبَ عَلِيٍّ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ فَقَسَمَ بَيْنَهُمُ الْمَالَ وَعَزُّوا وَامْتَنَعُوا. فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ تَضَعْضَعُوا وَاحْتَاجُوا. ثُمَّ إِنَّ الْبِلَادَ اسْتَوْثَقَتْ لِابْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: ادْخُلْ فِي بَيْعَتِي وَإِلَّا نَابَذْتُكَ. وَكَانَ رَسُولَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: بُؤْسًا لِأَخِيكَ، مَا أَلَجَّهُ فِيمَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَأَغْفَلَهُ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ ! وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُرِيدُ أَنْ يَثُورَ بِنَا، وَقَدْ أَذِنْتُ لِمَنْ أَحَبَّ الِانْصِرَافَ عَنَّا، فَإِنَّهُ لَا ذِمَامَ عَلَيْهِ مِنَّا وَلَا لَوْمَ، فَإِنِّي مُقِيمٌ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ وَغَيْرُهُ، فَأَعْلَمُوهُ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُفَارِقِيهِ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ عَلَيْهِ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى الشَّامِ إِنْ أَرَادَ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ النَّاسِ، فَخَرَجَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ مَعَهُ كُثَيِّرُ عَزَّةَ وَهُوَ يَقُولُ، شِعْرٌ: هُدِيتَ يَا مَهْدِيَّنَا ابْنَ الْمُهْتَدِيِ     أَنْتَ الَّذِي نَرْضَى بِهِ وَنَرْتَجِي أَنْتَ ابْنُ خَيْرِ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِي     أَنْتَ إِمَامُ الْحَقِّ لَسْنَا نَمْتَرِي يَا ابْنَ عَلِيٍّ سِرْ وَمَنْ مِثْلُ عَلِي فَلَمَّا وَصَلَ مَدْيَنَ بَلَغَهُ غَدْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، فَنَدِمَ عَلَى إِتْيَانِهِ وَخَافَهُ، فَنَزَلَ أَيْلَةَ، وَتَحَدَّثَ النَّاسُ بِفَضْلِ مُحَمَّدٍ وَكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ وَزُهْدِهِ وَحُسْنِ هَدْيِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ نَدِمَ عَلَى إِذْنِهِ لَهُ فِي قُدُومِهِ بَلَدَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي سُلْطَانِي مَنْ لَمْ يُبَايِعْنِي. فَارْتَحَلَ إِلَى مَكَّةَ وَنَزَلَ شِعْبَ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ بِالرَّحِيلِ عَنْهُ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُسَيِّرَ نِسَاءَ مَنْ مَعَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَسَيَّرَ نِسَاءً، مِنْهُنَّ امْرَأَةُ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، فَجَاءَتْ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ الطُّفَيْلُ، شِعْرٌ: إِنْ يَكُ سَيَّرَهَا مُصْعَبُ     فَإِنِّي إِلَى مُصْعَبٍ مُتْعَبُ أَقُودُ الْكَتِيبَةَ مُسْتَلْئِمًا     كَأَنِّي أَخُو عِزَّةٍ أَحْرَبُ وَهِيَ عِدَّةُ أَبْيَاتٍ. وَأَلَحَّ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ بِالِانْتِقَالِ إِلَى مَكَّةَ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَصْحَابُهُ فِي قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَلْبِسِ ابْنَ الزُّبَيْرِ لِبَاسَ الذُّلِّ وَالْخَوْفِ، وَسَلِّطْ عَلَيْهِ وَعَلَى أَشْيَاعِهِ مَنْ يَسُومُهُمُ الَّذِي يَسُومُ النَّاسَ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الطَّائِفِ، فَدَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَغْلَظَ لَهُ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا كَلَامٌ كَرِهْنَا ذِكْرَهُ. وَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا فَلَحِقَ بِالطَّائِفِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَبَقِيَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ حَتَّى حَصَرَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَأَقْبَلَ مِنَ الطَّائِفِ فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَطَلَبَهُ الْحَجَّاجُ لِيُبَايِعَ عَبْدَ الْمَلِكِ، ( فَامْتَنَعَ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ. فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ ) يَطْلُبُ مِنْهُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَأْمُرُهُ بِالْبَيْعَةِ، فَأَبَى وَقَالَ: قَدْ كَتَبْتُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَإِذَا جَاءَنِي جَوَابُهُ بَايَعْتُ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُوصِيهِ بِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَتَرَكَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَدَلِيُّ، وَمَعَهُ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَمَانِهِ وَبَسْطِ حَقِّهِ وَتَعْظِيمِ أَهْلِهِ، حَضَرَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ، وَبَايَعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ الشَّامَ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْحَجَّاجِ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَأَزَالَ حُكْمَ الْحَجَّاجِ عَنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يُبَايِعَا، فَقَالَا: حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ ثُمَّ نُبَايِعُ، فَإِنَّكَ فِي فِتْنَةٍ. فَعَظُمَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا، وَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ، وَحَبَسَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فِي زَمْزَمَ، وَضَيَّقَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَنْزِلِهِ، وَأَرَادَ إِحْرَاقَهُمَا، فَأَرْسَلَ الْمُخْتَارُ جَيْشًا، كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَزَالَ عَنْهُمَا ضَرَرَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ قَوِيَ عَلَيْهِمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ وَقَالَ: لَا تُجَاوِرَانِي، فَخَرَجَا إِلَى الطَّائِفِ، وَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ابْنَهُ عَلِيًّا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالشَّامِ وَقَالَ: لَئِنْ يُرَبِّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَبِّنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ. يَعْنِي بِبَنِي عَمِّهِ بَنِي أُمَيَّةَ ; لِأَنَّهُمْ جَمِيعَهُمْ مِنْ وَلَدِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَعْنِي بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَإِنَّهُ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ. وَلَمَّا وَصَلَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، سَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ، فَقَالَ: اسْمِي عَلِيٌّ، وَالْكُنْيَةُ أَبُو الْحَسَنِ. فَقَالَ: لَا يَجْتَمِعُ هَذَا الِاسْمُ وَهَذِهِ الْكُنْيَةُ فِي عَسْكَرِيٍّ، أَنْتَ أَبُو مُحَمَّدٍ. وَلَمَّا وَصَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى الطَّائِفِ تُوُفِّيَ بِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ.

  178. التاريخ 2269لا حكم مسجّل

    الْفِتْنَةِ بِخُرَاسَانَ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ حِصَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ مَنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، بِسَبَبِ قَتْلِهِمُ ابْنَهُ مُحَمَّدًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَلَمَّا تَفَرَّقَتْ بَنُو تَمِيمٍ بِخُرَاسَانَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَتَى قَصْرَ فَرْتَنَا عِدَّةٌ مِنْ فُرْسَانِهِمْ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ، فَوَلُّوا أَمْرَهُمْ عُثْمَانَ بْنَ بِشْرِ بْنِ الْمُحْتَفِزِ الْمَازِنِيَّ، وَمَعَهُ شُعْبَةُ بْنُ ظَهِيرٍ النَّهْشَلِيُّ، وَوَرْدُ بْنُ الْفَلَقِ الْعَنْبَرِيُّ، وَزُهَيْرُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْعَدَوِيُّ، وَجَيْهَانُ بْنُ مَشْجَعَةَ الضَّبِّيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ نَاشِبٍ الْعَدَوِيُّ، وَرَقَبَةُ بْنُ الْحُرِّ، فِي فُرْسَانٍ مِنْ تَمِيمٍ وَشُجْعَانِهِمْ، فَحَاصَرَهُمُ ابْنُ خَازِمٍ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ فَيُقَاتِلُونَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى الْقَصْرِ. فَخَرَجَ ابْنُ خَازِمٍ يَوْمًا فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْقَصْرِ، فَقَالَ لَهُمْ عُثْمَانُ بْنُ بِشْرٍ: ارْجِعُوا فَلَنْ تُطِيقُوهُ. فَحَلَفَ زُهَيْرُ بْنُ ذُؤَيْبٍ بِالطَّلَاقِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْقُضَ صُفُوفَهُمْ. فَاسْتَبْطَنَ نَهْرًا قَدْ يَبِسَ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ حَتَّى حَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَحَطَّ أَوَّلَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ، وَاسْتَدَارَ وَكَرَّ رَاجِعًا، وَاتَّبَعُوهُ يَصِيحُونَ بِهِ، وَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَنْزِلَ إِلَيْهِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَأَفْرَجُوا لَهُ حَتَّى رَجَعَ. فَقَالَ ابْنُ خَازِمٍ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا طَاعَنْتُمْ زُهَيْرًا فَاجْعَلُوا فِي رِمَاحِكُمْ كَلَالِيبَ، ثُمَّ عَلِّقُوهَا فِي سِلَاحِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَوْمًا فَطَاعَنَهُمْ، فَأَعْلَقُوا فِيهِ أَرْبَعَةَ أَرْمَاحٍ بِالْكَلَالِيبِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَاضْطَرَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَخَلُّوا رِمَاحَهُمْ، فَعَادَ يَجُرُّ أَرْبَعَةَ أَرْمَاحٍ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ. فَأَرْسَلَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى زُهَيْرٍ يَضْمَنُ لَهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَمَيْسَانَ طُعْمَةً لِيُنَاصِحَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا طَالَ الْحِصَارُ عَلَيْهِمْ أَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ خَازِمٍ لِيُمَكِّنَهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ لِيَتَفَرَّقُوا، فَقَالَ: لَا إِلَّا عَلَى حُكْمِي، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ! وَاللَّهِ لَيَقْتُلَنَّكُمْ عَنْ آخِرِكُمْ، وَإِنْ طِبْتُمْ بِالْمَوْتِ نَفْسًا فَمُوتُوا كِرَامًا، اخْرُجُوا بِنَا جَمِيعًا، فَإِمَّا أَنْ تَمُوتُوا كِرَامًا، وَإِمَّا يَنْجُو بَعْضُكُمْ وَيَهْلِكُ بَعْضُكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَئِنْ شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ شَدَّةً صَادِقَةً لَيُفْرِجُنَّ لَكُمْ، فَإِنْ شِئْتُمْ كُنْتُ أَمَامَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ كُنْتُ خَلْفَكُمْ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ. فَقَالَ: سَأُرِيكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ هُوَ وَرَقَبَةُ بْنُ الْحُرِّ وَغُلَامٌ تُرْكِيٌّ وَابْنُ ظَهِيرٍ، فَحَمَلُوا عَلَى الْقَوْمِ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَأَفْرَجُوا لَهُمْ، فَمَضَوْا، فَأَمَّا زُهَيْرٌ فَرَجَعَ وَنَجَا أَصْحَابُهُ. فَلَمَّا رَجَعَ زُهَيْرٌ إِلَى مَنْ بِالْقَصْرِ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُمْ، أَطِيعُونِي. قَالُوا: إِنَّا نَضْعُفُ عَنْ هَذَا وَنَطْمَعُ فِي الْحَيَاةِ. فَقَالَ: لَا أَكُونُ أَعْجَزَكُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ. فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ ابْنِ خَازِمٍ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَقَيَّدَهُمْ وَحُمِلُوا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، فَأَرَادَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَأَبَى عَلَيْهِ ابْنُهُ مُوسَى وَقَالَ لَهُ: إِنْ عَفَوْتَ عَنْهُمْ قَتَلْتُ نَفْسِي، فَقَتَلَهُمْ إِلَّا ثَلَاثَةً: أَحَدُهُمُ الْحَجَّاجُ بْنُ نَاشِبٍ، فَشَفَعَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ، فَأَطْلَقَهُ، وَالْآخَرُ جَيْهَانُ بْنُ مَشْجَعَةَ الضَّبِّيُّ الَّذِي أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْآخَرُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ النَّاسَ عَنِ ابْنِ خَازِمٍ يَوْمَ لَحِقُوهُ، وَقَالَ: انْصَرِفُوا عَنْ فَارِسِ مُضَرَ. وَقَالَ: وَلَمَّا أَرَادُوا حَمْلَ زُهَيْرِ بْنِ ذُؤَيْبٍ وَهُوَ مُقَيَّدٌ أَبَى، وَاعْتَمَدَ عَلَى رُمْحِهِ فَوَثَبَ الْخَنْدَقَ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ يَحْجِلُ فِي قُيُودِهِ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: كَيْفَ شُكْرُكَ إِنْ أَطْلَقْتُكَ وَأَطْعَمْتُكَ مَيْسَانَ ؟ قَالَ: لَوْ لَمْ تَصْنَعْ بِي إِلَّا حَقْنَ دَمِي لَشَكَرْتُكَ. فَلَمْ يُمَكِّنْهُ ابْنُهُ مُوسَى مِنْ إِطْلَاقِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: وَيْحَكَ نَقْتُلُ مِثْلَ زُهَيْرٍ ! مَنْ لِقِتَالِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ ؟ مَنْ لِحِمَى نِسَاءِ الْعَرَبِ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ شَرَكْتَ فِي دَمِ أَخِي لَقَتَلْتُكَ ! فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ زُهَيْرٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً، لَا تَقْتُلْنِي وَيُخْلَطُ دَمِي بِدِمَاءِ هَؤُلَاءِ اللِّئَامِ، فَقَدْ نَهَيْتُهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، وَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يَمُوتُوا كِرَامًا وَيَخْرُجُوا عَلَيْكُمْ مُصْلِتِينَ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ فَعَلُوا لَأَذْعَرُوا بُنَيَّكَ هَذَا، وَشَغَلُوهُ بِنَفْسِهِ عَنْ طَلَبِ ثَأْرِ أَخِيهِ، فَأَبَوْا، وَلَوْ فَعَلُوا مَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى يَقْتُلَ رِجَالًا. فَأَمَرَ بِهِ ابْنُ خَازِمٍ فَقُتِلَ نَاحِيَةً. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَرِيشَ قَتْلُهُمْ قَالَ: أَعَاذِلَ إِنِّي لَمْ أُلِمْ فِي قِتَالِهِمْ وَقَدْ عَضَّ سَيْفِي كَبْشَهُمْ ثُمَّ صَمَّمَا     أَعَاذِلَ مَا وُلِّيتُ حَتَّى تَبَدَّدَتْ رِجَالٌ وَحَتَّى لَمْ أَجِدْ مُتَقَدِّمَا     أَعَاذِلَ أَفْنَانِي السِّلَاحُ، وَمَنْ يُطِلْ مُقَارَعَةَ الْأَبْطَالِ يَرْجِعْ مُكَلَّمَا     أَعَيْنَيَّ إِنْ أَنَزَفْتُمَا الدَّمْعَ فَاسْكُبَا دَمًا لَازِمًا لِي دُونَ أَنْ تَسْكُبَا دَمَا     أَبْعَدَ زُهَيْرٍ وَابْنِ بِشْرٍ تَتَابُعًا وَوَرْدٍ أُرَجِّي فِي خُرَاسَانَ مَغْنَمَا     أَعَاذِلَ كَمْ مِنْ يَوْمِ حَرْبٍ شَهِدْتُهُ أَكُرُّ إِذَا مَا فَارِسُ السَّوْءِ أَحْجَمَا يَعْنِي زُهَيْرَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، وَابْنُ بِشْرٍ هُوَ عُثْمَانُ، وَوَرْدَ بْنَ الْفَلَقِ.

  179. التاريخ 2270لا حكم مسجّل

    مَسِيرِ ابْنِ الْأَشْتَرِ إِلَى قِتَالِ ابْنِ زِيَادٍ  قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي سنة ست وستين سَارَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَذَلِكَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ عَنْ مَشَايِخِهِ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ فَرَغَ الْمُخْتَارُ مِنْ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ وَأَهْلِ الْكُنَاسَةِ، فَمَا نَزَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ إِلَّا يَوْمَيْنِ حَتَّى أَشْخَصَهُ إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ وَجَّهَهُ لَهُ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ فَخَرَجَ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ، وَخَرَجَ مَعَهُ الْمُخْتَارُ يُودِّعُهُ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ خَاصَّةُ الْمُخْتَارِ، وَمَعَهُمْ كُرْسِيُّ الْمُخْتَارِ عَلَى بَغْلٍ أَشْهَبَ لِيَسْتَنْصِرُوا بِهِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَهُمْ حَافُّونَ بِهِ يَدْعُونَ وَيَسْتَصْرِخُونَ وَيَسْتَنْصِرُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ، وَكَانَ سَادِنَ الْكُرْسِيِّ حَوْشَبٌ الْبَرْسَمِيُّ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُخْتَارُ قَالَ: أَمَا وَرَبِّ الْمُرْسَلَاتِ عُرْفَا لَنَقْتُلَنَّ بَعْدَ صَفٍّ صَفَّا     وَبَعْدَ أَلْفٍ قَاسِطِينَ أَلْفَا ثُمَّ وَدَّعَهُ الْمُخْتَارُ بَعْدَ أَنْ وَصَّاهُ بِثَلَاثٍ قَالَ: يَا ابْنَ الْأَشْتَرِ، اتَّقِ اللَّهَ فِي سِرِّكَ وَعَلَانِيَتِكَ، وَأَسْرَعِ السَّيْرَ وَعَاجِلْ عَدُوَّكَ بِالْقِتَالِ. وَاسْتَمَرَّ أَصْحَابُ الْكُرْسِيِّ سَائِرِينَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ، فَجَعْلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا، سُنَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِذْ عَكَفُوا عَلَى عِجْلِهِمْ. فَلَمَّا جَاوَزَ الْقَنْطَرَةَ إِبْرَاهِيمُ وَأَصْحَابُهُ انْصَرَفَ أَصْحَابُ الْكُرْسِيِّ. حَالِ الْكُرْسِيِّ الَّذِي كَانَ الْمُخْتَارُ يَسْتَنْصِرُ بِهِ  قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ سَبَبُ اتِّخَاذِ هَذَا الْكُرْسِيِّ مَا حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبُّوَيْهِ بسنده عن طُفَيْلُ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: أَعْدَمْتُ مَرَّةً مِنَ الْوَرِقِ فَإِنِّي لَكَذَلِكَ إِذْ مَرَرْتُ بِبَابِ جَارٍ لِي لَهُ كُرْسِيٌّ قَدْ رَكِبَهُ وَسَخٌ شَدِيدٌ، فَخَطَرَ عَلَى بَالِي أَنْ لَوْ قُلْتُ فِي هَذَا، فَرَجَعْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِالْكُرْسِيِّ، فَأَرْسَلَ بِهِ، فَأَتَيْتُ الْمُخْتَارَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي كُنْتُ أَكْتُمُكَ شَيْئًا وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أَذْكُرَهُ لَكَ. قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: كَرِّسِيٌّ كَانَ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّ فِيهِ أَثَرَةً مِنْ عِلْمٍ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! فَأَخَّرْتَ هَذَا إِلَى الْيَوْمِ ؟ ابْعَثْ إِلَيْهِ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِ وَقَدْ غُسِلَ فَخَرَجَ عُودًا نُضَارًا وَقَدْ تَشْرَّبَ الزَّيْتَ، فَأَمَرَ لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، ثُمَّ نُودِيَ فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. قَالَ: فَخَطَبَ الْمُخْتَارُ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَمْرٌ إِلَّا وَهُوَ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ التَّابُوتُ يُنْصَرُونَ بِهِ، وَإِنَّ هَذَا مِثْلُهُ. ثُمَّ أَمَرَ فَكُشِفَ عَنْهُ أَثْوَابُهُ، وَقَامَتِ السَّبَئِيَّةُ فَرَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَكَبَّرُوا ثَلَاثًا، فَقَامَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَأَنْكَرَ عَلَى النَّاسِ وَكَادَ أَنْ يَكَفِّرَ مَنْ يَصْنَعُ بِهَذَا التَّابُوتِ هَذَا التَّعْظِيمَ، وَأَشَارَ بِأَنْ يُكْسَرَ وَيُخْرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَيُرْمَى بِهِ فِي الْحُشِّ، فَشَكَرَهَا النَّاسُ لِشَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ فَلَمَّا قِيلَ: هَذَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ قَدْ أَقْبَلَ. وَبَعَثَ الْمُخْتَارُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ بَعْثَ مَعَهُ بِالْكُرْسِيِّ يُحْمَلُ عَلَى بَغْلٍ أَشْهَبَ قَدْ غُشِّيَ بِأَثْوَابِ الْحَرِيرِ، عَنْ يَمِينِهِ سَبْعَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ سَبْعَةٌ، فَلَمَّا تَوَاجَهُوا مَعَ الشَّامِيِّينَ وَغَلَبُوا الشَّامِيِّينَ وَقَتَلُوا ابْنَ زِيَادٍ، ازْدَادَ تَعْظِيمُهُمْ لِهَذَا الْكُرْسِيِّ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْكُفْرَ، قَالَ الطُّفَيْلُ بْنُ جَعْدَةَ فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَنَدِمْتُ عَلَى مَا صَنَعْتُ. وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذَا الْكُرْسِيِّ، وَكَثُرَ عَيْبُ النَّاسِ لَهُ فَغُيِّبَ حَتَّى لَا يُرَى بَعْدَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبَيِّ أَنَّ الْمُخْتَارَ طَلَبَ مِنْ آلِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْكُرْسِيَّ الَّذِي كَانَ عَلِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ مِمَّا يَقُولُ الْأَمِيرُ. فَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَوْ جَاءُوا بِأَيِّ كُرْسِيٍّ كَانَ لَقَبِلَهُ مِنْهُمْ، فَحَمَلُوا إِلَيْهِ كُرْسِيًّا مِنْ بَعْضِ الدُّورِ، فَقَالُوا: هَذَا هُوَ، فَخَرَجَتْ شِبَامٌ وَشَاكِرٌ وَسَائِرُ رُءُوسِ الْمُخْتَارِ بِهِ، وَقَدْ عَصَّبُوهُ بِالْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ. وَحَكَى أَبُو مِخْنَفٍ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ سَدَنَ هَذَا الْكُرْسِيَّ مُوسَى بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، ثُمَّ إِنَّهُ عُتِبَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَدَفَعَهُ إِلَى حَوْشَبٍ الْبُرْسُمِيِّ، فَكَانَ صَاحِبَهُ حَتَّى هَلَكَ الْمُخْتَارُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَيُرْوَى أَنَّ الْمُخْتَارَ كَانَ يُظْهِرُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بِمَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُهُ هَذَا الْكُرْسِيَّ. وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْكُرْسِيِّ أَعْشَى هَمْدَانَ: شَهِدْتُ عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ سَبَئِيَّةٌ     وَإِنِّي بِكُمْ يَا شُرْطَةَ الشِّرْكِ عَارِفُ وَأُقْسِمُ مَا كُرْسِيُّكُمْ بِسَكِينَةٍ     وَإِنْ كَانَ قَدْ لُفَّتْ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ وَأَنْ لَيْسَ كَالتَّابُوتِ فِينَا وَإِنْ سَعَتْ     شِبَامٌ حَوَالَيْهِ وَنَهْدٌ وَخَارِفُ وَإِنِّي امْرُؤٌ أَحْبَبْتُ آلَ مُحَمَّدٍ     وَتَابَعْتُ وَحَيًا ضُمِّنَتْهُ الْمَصَاحِفُ وَتَابَعْتُ عَبْدَ اللَّهِ لَمَّا تَتَابَعَتْ     عَلَيْهِ قُرَيْشٌ شُمْطُهَا وَالْغَطَارِفُ وَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ اللَّيْثِيُّ: أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ إِنْ جِئْتَهُ     أَنِّي بِكُرْسِيِّكُمْ كَافِرُ تَنْزُوا شِبَامٌ حَوْلَ أَعْوَادِهِ     وَتَحْمِلُ الْوَحَيَ لَهُ شَاكِرُ مُحْمَرَّةً أَعْيُنُهُمْ حَوْلَهُ     كَأَنَّهُنَّ الْحِمَّصُ الْحَادِرُ قُلْتُ: هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قِلَّةِ عَقْلِ الْمُخْتَارِ وَأَتْبَاعِهِ وَضَعْفِهِ وَقِلَّةِ عِلْمِهِ وَكَثْرَةِ جَهْلِهِ وَرَدَاءَةِ فَهْمِهِ وَتَرْوِيجِهِ الْبَاطِلَ عَلَى أَتْبَاعِهِ وَتَشْبِيهِهِ الْبَاطِلَ بِالْحَقِّ لِيُضِلَّ بِهِ الطَّغَامَ وَيَجْمَعَ عَلَيْهِ جُهَّالَ الْعَوَامِّ. وعنْ أَبِي أَنَسٍ الْحَرَّانِيِّ، قَالَ: قَالَ الْمُخْتَارُ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ: ضَعْ لِي حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنِّي كَائِنٌ بَعْدَهُ خَلِيفَةً، وَطَالِبٌ لَهُ ثَرَّةَ وَلَدِهِ، وَهَذِهِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَخِلْعَةٌ وَمَرْكُوبٌ وَخَادِمٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا، وَلَكِنِ اخْتَرْ مَنْ شِئْتَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَاحْطُطْ مِنَ الثَّمَنِ مَا شِئْتَ، قَالَ: عَنِ النَّبِيِّ آكَدُ، قَالَ: وَالْعَذَابُ عَلَيْهِ أَشَدُّ.

  180. التاريخ 2271لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ست وستين ابْتَدَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِبِنَاءِ الْقُبَّةِ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَعِمَارَةِ الْجَامِعِ الْأَقْصَى، وَكَمَلَتْ عِمَارَتُهُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ يَخْطُبُ فِي أَيَّامِ مِنًى وَعَرَفَةَ، وَمُقَامَ النَّاسِ بِمَكَّةَ، وَيَنَالُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيَذْكُرُ مَسَاوِئَ بَنِي مَرْوَانَ، وَيَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْحَكَمَ وَمَا نَسَلَ، وَإِنَّهُ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَعِينُهُ، وَكَانَ يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ فَصِيحًا، فَمَالَ مُعْظَمُ أَهْلِ الشَّامِ إِلَيْهِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ الْحَجِّ فَضَجُّوا، فَبَنَى لَهُمُ الْقُبَّةَ عَلَى الصَّخْرَةِ وَالْجَامِعَ الْأَقْصَى لِيَشْغَلَهُمْ بِذَلِكَ عَنِ الْحَجِّ وَيَسْتَعْطِفَ قُلُوبَهُمْ وَكَانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَيَطُوفُونَ حَوْلَهَا كَمَا يَطُوفُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَيَنْحَرُونَ يَوْمَ الْعِيدِ وَيَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ فَفَتَحَ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ تَشْنِيعِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَيْهِ، فَكَانَ يُشَنِّعُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ وَيَقُولُ ضَاهَى بِهَا فِعْلَ الْأَكَاسِرَةِ فِي إِيوَانِ كِسْرَى، وَالْخَضْرَاءَ كَمَا فَعَلَ مُعَاوِيَةُ، وَنَقْلَ الطَّوَافَ مِنْ بَيْتِ اللَّهِ إِلَى قِبْلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِنَاءَهَا سَارَ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ وَالْعُمَّالُ، وَوَكَّلَ بِالْعَمَلِ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، وَيَزِيدَ بْنَ سَلَّامٍ مَوْلَاهُ، وَجَمَعَ الصُّنَّاعَ وَالْمُهَنْدِسِينَ فَأَمْرَهُمْ فَصَوَّرُوا لَهُ الْقُبَّةَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ فَأَعْجَبَهُ، وَبَنَى لِلْمَالِ بَيْتًا شَرْقِيَّ الْقُبَّةِ، وَشَحَنَهُ بِالْمَالِ، وَأَمَرَ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، وَيَزِيدَ أَنْ يُفْرِغَا الْأَمْوَالَ إِفْرَاغًا، وَلَا يَتَوَقَّفَا فِيهِ، فَبَثُّوا النَّفَقَاتِ وَأَكْثَرُوا فَبَنَوُا الْقُبَّةَ الَّتِي هِيَ الْيَوْمَ قَائِمَةٌ، وَبَنَوْا مِنْ نَاحِيَةِ الْقِبْلَةِ سَبْعَ قِبَابٍ، وَالْقُبَّةُ الَّتِي بَاقِيَةٌ الْيَوْمَ عَلَى الْمِحْرَابِ هِيَ أَوْسَطُهَا، وَلَمَّا تَمَّ بِنَاءُ الْقُبَّةِ عَمِلَ لَهَا جَلَّالَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ لَبُّودٍ أَحْمَرَ لِلشِّتَاءِ، وَالْآخَرُ مِنْ أُدُمٍ لِلصَّيْفِ، وَحَفَّ الصَّخْرَةَ بِدَرَابِزِينَ مِنَ السَّاجِ الْمُطَعَّمِ بِالْيَشْمِ، وَخَلْفَ الدَّرَابِزِينِ سُتُورٌ مِنَ الدِّيبَاجِ مُرْخَاةً بَيْنَ الْعُمُدِ، وَكَانَتِ السَّدَنَةُ كُلَّ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنٍ يَذُوِّبُونَ الْمِسْكَ، وَالْعَنْبَرَ وَالْمَاوَرْدَ وَالزَّعْفَرَانَ وَيَعْمَلُونَ مِنْهُ غَالِيَةً، وَيُخَمِّرُونَهَا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَدْخُلُ الْخَدَمُ الْحَمَّامَ مِنَ اللَّيْلِ فَيَغْتَسِلُونَ وَيَتَطَيَّبُونَ، وَيَلْبَسُونَ ثِيَابَ الْوَشْيِ، وَيَشُدُّونَ أَوْسَاطَهُمْ بِالْمَنَاطِقِ الْمُحَلَّاةِ بِالذَّهَبِ وَيُخْلِّقُونَ الصَّخْرَةَ، ثُمَّ يَضَعُونَ الْبَخُورَ فِي مَجَامِرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَفِيهَا الْعُودُ الْقَمَارِيُّ الْمَغْلِيُّ بِالْمِسْكِ، وَيُرْخِي السَّدَنَةُ السُّتُورَ فَتَخْرُجُ تِلْكَ الرَّائِحَةُ فَتَمْلَأُ الْمَدِينَةَ كُلَّهَا، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: أَلَا إِنَّ الصَّخْرَةَ قَدْ فُتِحَتْ، فَمَنْ أَرَادَ الزِّيَارَةَ فَلْيَأْتِ، فَيُقْبِلُ النَّاسُ مُبَادِرِينَ، فَيُصَلُّونَ وَيَخْرُجُونَ، فَمَنْ وُجِدَتْ مِنْهُ رَائِحَةُ الْبَخُورِ قَالَ النَّاسُ: هَذَا كَانَ الْيَوْمَ فِي الصَّخْرَةِ. وَأَبْوَابُ الصَّخْرَةِ أَرْبَعَةٌ، عَلَى كُلِّ بَابٍ عَشَرَةٌ مِنَ الْحَجَبَةِ، الْبَابُ الشَّمَالِيُّ يُسَمَّى بَابَ الْجَنَّةِ، وَالشَّرْقِيُّ بَابَ إِسْرَائِيلَ، وَالْغَرْبِيُّ بَابَ جِبْرِيلَ، وَالْقِبْلِيُّ بَابَ الْأَقْصَى، وَكَانُوا يُشْعِلُونَهَا بِدُهْنِ الْبَانِ، وَلَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ غَيْرَ أَيَّامِ الزِّيَارَةِ سِوَى الْخَدَمِ، وَكَانَ لِلْحَرَمِ عِشْرُونَ بَابًا، وَكَانَ فِيهِ أَلْفَ عَمُودٍ مِنَ الرُّخَامِ، وَفِي السُّقُوفِ سِتُّونَ أَلْفَ خَشَبَةٍ مِنَ السَّاجِ الْمَنْقُوشِ، وَمِنَ الْقَنَادِيلِ خَمْسَةُ آلَافِ قِنْدِيلٍ، وَكَانَ فِيهِ أَرْبَعُمِائَةِ سِلْسِلَةٍ، كُلُّ سِلْسِلَةٍ أَلْفُ رِطْلٍ شَامِيٍّ، طُولُ السَّلَاسِلِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ ذِرَاعٍ، وَكَانَ يُوقَدُ فِي الصَّخْرَةِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِائَةُ شَمْعَةٍ، وَكَذَا فِي الْأَقْصَى، وَكَانَ يُوقَدُ فِي الْقَنَادِيلِ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ الزَّيْتِ الْمَفْتُولِ قِنْطَارٌ، وَكَانَ فِي الْحَرَمِ خَمْسُونَ قُبَّةً، وَمِنْ أَلْوَاحِ الرَّصَاصِ سَبْعُونَ أَلْفَ لَوْحٍ، وَكَانَ فِي الْحَرَمِ ثَلَاثُمِائَةِ خَادِمٍ ابْتَاعُوا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِنَ الْخُمْسِ، كُلَّمَا مَاتَ وَاحِدٌ قَامَ وَلَدُهُ بَعْدَهُ مَقَامَهُ، وَيَقْبِضُونَ أَرْزَاقَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَهْرًا بِشَهْرٍ، وَكَانَ فِي الْحَرَمِ مِائَةُ صِهْرِيجٍ، وَكَانَتْ صَفَائِحُ الْقُبَّةِ وَسَقْفُ الْأَقْصَى مِنْ صَفَائِحِ الذَّهَبِ عِوَضَ الرَّصَاصِ، وَكَذَلِكَ أَبْوَابُ الْقُبَّةِ صَفَائِحُهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَمَلَ الْبِنَاءُ فَضَلَ مِنَ الْمَالِ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقِيلَ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ. وَكَتَبَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَ يَزِيدُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعَرِّفَانِهِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا: قَدْ جَعَلْتُهُ لَكُمَا عِوَضًا عَنْ تَعَبِكُمَا. فَكَتَبَا إِلَيْهِ: إِنَّمَا قُمْنَا بِهَذَا الْبَيْتِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا نَقْبَلُ عَلَى ذَلِكَ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَلَوَدِدْنَا أَنْ نَزِيدَ فِيهِ مِنْ حَلْيِ نِسَائِنَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ إِذَا أَبَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَفْرِغَاهُ عَلَى الْقُبَّةِ وَالْأَبْوَابِ، فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَأَمَّلَ الْقُبَّةَ مِمَّا عَلَيْهَا مِنَ الذَّهَبِ. فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ قَدِمَ الْقُدْسَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ فَوَجْدَ الْأَقْصَى وَقِبَابُهُ تَشْكُو مِنَ الْخَرَابِ، فَأَمَرَ بِقَلْعِ الصَّفَائِحِ الَّتِي عَلَى الْقُبَّةِ وَالْأَبْوَابِ، وَأَنْ يُعَمَّرَ بِهَا مَا تَشَعَّثَ فِي الْحَرَمِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ طَوِيلًا فَأَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ طُولِهِ وَيُزَادَ فِي عَرْضِهِ، وَلَمَّا كَمَلَ الْبِنَاءُ كَتَبُوا عَلَى الْقُبَّةِ مِمَّا يَلِي الْبَابَ الْقِبْلِيَّ مِنْ جِهَةِ الْأَقْصَى بِالنَّصِّ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ: بَنَى هَذِهِ الْقُبَّةَ عَبْدُ اللَّهِ عَبْدُ الْمَلِكِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ طُولُ الْمَسْجِدِ مِنَ الْقِبْلَةِ إِلَى الشَّمَالِ سَبْعَمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ ذِرَاعًا، وَعَرَضُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتِّينَ ذِرَاعًا، وَكَانَ فَتْحُ الْقُدْسِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  181. التاريخ 2272لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ نَائِبُهُ بِالْمَدِينَةِ أَخَاهُ مُصْعَبًا، وَنَائِبُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَقَدِ اسْتَحْوَذَ الْمُخْتَارُ عَلَى الْكُوفَةِ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ عَلَى بِلَادِ خُرَاسَانَ

  182. التاريخ 2273لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   أسماء بن حارثة أَسْمَاءُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ مُحْتَاجًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي إِمَارَةِ ابْنِ زِيَادٍ. جابر بن سمرة وَتُوُفِّيَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي إِمَارَةِ بِشْرِ بْنِ هَارُونَ. أسماء بن خارجة وَتُوُفِّيَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ سَيِّدُ قَوْمِهِ.

  183. التاريخ 2274لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ ابْنِ زِيَادٍ   وفي سَنَةُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ كَانَ مَقْتَلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ  وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ خَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ يَوْمَ السَّبْتِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، ثُمَّ اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُوَ سَائِرٌ لِقَصْدِ ابْنِ زِيَادٍ فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ فَكَانَ اجْتِمَاعُهُمَا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْخَازِرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْصِلِ خَمْسَةُ فَرَاسِخَ، وَأَرْسَلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ السُّلَمِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ زِيَادٍ، إِلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ: أَنِ الْقَنِي، وَكَانَتْ قَيْسٌ كُلُّهَا مُضْطَغِنَةً عَلَى ابْنِ مَرْوَانَ وَقْعَةَ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَجُنْدُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمَئِذٍ كَلْبٌ. فَاجْتَمَعَ عُمَيْرٌ وَابْنُ الْأَشْتَرِ، فَأَخْبَرَهُ عُمَيْرٌ أَنَّهُ عَلَى مَيْسَرَةِ ابْنِ زِيَادٍ، وَوَاعَدَهُ أَنْ يَنْهَزِمَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَشْتَرِ: مَا رَأْيُكَ ؟ أُخَنْدِقُ عَلَيَّ وَأَتَوَقَّفُ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ؟ فَقَالَ عُمَيْرٌ: لَا تَفْعَلْ، وَهَلْ يُرِيدُونَ إِلَّا هَذَا ؟ فَإِنَّ الْمُطَاوَلَةَ خَيْرٌ لَهُمْ، وَهُمْ كَثِيرٌ أَضْعَافُكُمْ، وَلَيْسَ يُطِيقُ الْقَلِيلُ الْكَثِيرَ فِي الْمُطَاوَلَةِ، وَلَكِنْ نَاجِزِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ مُلِئُوا مِنْكُمْ رُعْبًا، وَإِنْ هُمْ شَامُّوا أَصْحَابَكَ، وَقَاتَلُوهُمْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَمَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ - أَنِسُوا بِهِمْ وَاجْتَرَءُوا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ لِي مُنَاصِحٌ، وَبِهَذَا أَوْصَانِي صَاحِبِي. قَالَ عُمَيْرٌ: أَطِعْهُ فَإِنَّ الشَّيْخَ قَدْ ضَرَّسَتْهُ الْحَرْبُ وَقَاسَى مِنْهَا مَا لَمْ يُقَاسِهِ أَحَدٌ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَنَاهِضْهُمْ. وَعَادَ عُمَيْرٌ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَذْكَى ابْنُ الْأَشْتَرِ حَرَسَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَيْنَهُ غَمْضٌ، حَتَّى إِذَا كَانَ السَّحَرُ الْأَوَّلُ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ، وَكَتَّبَ كَتَائِبَهُ، وَأَمَرَ أُمَرَاءَهُ، فَجَعَلَ سُفْيَانَ بْنَ يَزِيدَ الْأَزْدِيَّ عَلَى مَيْمَنَتِهِ، وَعَلِيَّ بْنَ مَالِكٍ الْجُشَمِيَّ عَلَى مَيْسَرَتِهِ، وَهُوَ أَخُو الْأَحْوَصِ، وَجَعَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ أَخُو إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ لِأُمِّهِ، عَلَى الْخَيْلِ، وَكَانَتْ خَيْلُهُ قَلِيلَةً، وَجَعَلَ الطُّفَيْلَ بْنَ لَقِيطٍ عَلَى الرَّجَّالَةِ، وَكَانَتْ رَايَتُهُ مَعَ مُزَاحِمِ بْنِ مَالِكٍ. فَلَمَّا انْفَجَرَ الْفَجْرُ صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَفَّ أَصْحَابَهُ، وَأَلْحَقَ كُلَّ أَمِيرٍ بِمَكَانِهِ، وَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ يَمْشِي وَيُحَرِّضُ النَّاسَ وَيُمَنِّيهِمُ الظَّفَرَ، وَسَارَ بِهِمْ رُوَيْدًا، فَأَشْرَفَ عَلَى تَلٍّ عَظِيمٍ مُشْرِفٍ عَلَى الْقَوْمِ، وَإِذَا أُولَئِكَ الْقَوْمُ لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَأَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرٍ السَّلُولِيَّ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْقَوْمِ، فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ خَرَجَ الْقَوْمُ عَلَى دَهَشٍ وَفَشَلٍ، لَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُ كَلَامٌ إِلَّا: يَا شِيعَةَ أَبِي تُرَابٍ ! يَا شِيعَةَ الْمُخْتَارِ الْكَذَّابِ ! قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: الَّذِي بَيْنَنَا أَجَلُّ مِنَ الشَّتْمِ. فَرَكَبَ ابْنُ الْأَشْتَرِ فَرَسَهُ وَجَعَلَ يَقِفُ عَلَى رَايَاتِ الْقَبَائِلِ فَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِ ابْنِ زِيَادٍ وَيَقُولُ: هَذَا قَاتَلُ ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدْ جَاءَكُمُ اللَّهُ بِهِ وَأَمْكَنَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، فَعَلَيْكُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ قَدْ فَعَلَ فِي ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ فِرْعَوْنُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ ! هَذَا ابْنُ زِيَادٍ قَاتِلُ الْحُسَيْنِ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَاءِ الْفُرَاتِ أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ هُوَ وَأَوْلَادُهُ وَنِسَاؤُهُ، وَمَنَعَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى بَلَدِهِ أَوْ يَأْتِيَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حَتَّى قَتَلَهُ ! وَيْحَكُمْ، اشْفُوا صُدُورَكُمْ مِنْهُ، وَارْوُوا رِمَاحَكُمْ وَسُيُوفَكُمْ مِنْ دَمِهِ، هَذَا الَّذِي فَعَلَ فِي آلِ نَبِيِّكُمْ مَا فَعَلَ، قَدْ جَاءَكُمُ اللَّهُ بِهِ. ثُمَّ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَأَمْثَالِهِ، ثُمَّ نَزَلَ تَحْتَ رَايَتِهِ. وَأَقْبَلَ ابْنُ زِيَادٍ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ تَوَاقَفَ الْفَرِيقَانِ حَتَّى حَمَلَ حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ بِالْمَيْمَنَةِ عَلَى مَيْسَرَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَهَزَمَهَا، وَقُتِلَ أَمِيرُهَا عَلِيُّ بْنُ مَالِكٍ الْجُشَمِيُّ فَأَخْذَ رَايَتَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ قُرَّةُ بْنُ عَلِيٍّ فَقُتِلَ أَيْضًا، وَاسْتَمَرَّتِ الْمَيْسَرَةُ ذَاهِبَةً فَجَعَلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ يُنَادِيهِمْ: إِلَيَّ يَا شُرْطَةَ اللَّهِ، أَنَا ابْنُ الْأَشْتَرِ. وَقَدْ كَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ لِيَعْرِفُوهُ فَالْتَاثُوا بِهِ وَانْعَطَفُوا عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ حَمَلَتْ مَيْمَنَةُ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى مَيْسَرَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَقِيلَ: بَلِ انْهَزَمَتْ مَيْسَرَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَانْحَازَتْ إِلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ، ثُمَّ حَمَلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ بِمَنْ مَعَهُ وَجَعَلَ يَقُولُ لِصَاحِبِ رَايَتِهِ: ادْخُلْ بِرَايَتِكَ فِيهِمْ. وَقَاتَلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا عَظِيمًا، وَكَانَ لَا يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ رَجُلًا إِلَّا صَرَعَهُ، وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ وَقِيلَ: إِنَّ مَيْسَرَةَ أَهْلِ الشَّامِ ثَبَتُوا وَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا بِالرِّمَاحِ ثُمَّ بِالسُّيُوفِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْحَمْلَةَ ابْنُ الْأَشْتَرِ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ الشَّامِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَقْتُلُهُمْ كَمَا تُقْتَلُ الْحُمْلَانِ، وَأَتْبَعَهُمْ بِنَفْسِهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الشُّجْعَانِ، وَثَبَتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ فِي مَوْقِفِهِ حَتَّى اجْتَازَ بِهِ ابْنُ الْأَشْتَرِ فَقَتَلَهُ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، لَكِنْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: الْتَمِسُوا فِي الْقَتْلَى رَجُلًا ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ فَنَفَحَنِي مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ، شَرَّقَتْ يَدَاهُ وَغَرَّبَتْ رِجْلَاهُ وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ رَايَةٍ مُنْفَرِدَةٍ عَلَى شَاطِئِ نَهْرِ خَازِرَ، فَالْتَمَسُوهُ فَإِذَا هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَإِذَا هُوَ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنُ الْأَشْتَرِ فَقَطَعَهُ نِصْفَيْنِ، فَاحْتَزُّوا رَأَسَهُ وَبَعَثُوهُ إِلَى الْمُخْتَارِ إِلَى الْكُوفَةِ مَعَ الْبِشَارَةِ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِأَهْلِ الشَّامِ. وَقُتِلَ مِنْ رُءُوسِ أَهْلِ الشَّامِ أَيْضًا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَ شُرَحْبِيلُ بْنُ ذِي الْكَلَاعِ، وَأَتْبَعَ الْكُوفِيُّونَ أَهْلَ الشَّامِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً وَغَرِقَ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ، وَاحْتَازُوا مَا كَانَ فِي مُعَسْكَرِهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْخُيُولِ. وَقَدْ كَانَ الْمُخْتَارُ بِشَّرَ أَصْحَابَهُ بِالنَّصْرِ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ الْخَبَرُ فَمَا نَدْرِي أَكَانَ ذَلِكَ تَفَاؤُلًا مِنْهُ أَوِ اتِّفَاقًا وَقْعَ لَهُ أَوْ كِهَانَةً - وَأَمَّا عَلَى مَا كَانَ يَزْعُمُ أَصْحَابُهُ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ فَلَا، فَإِنَّ مَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَفَرَ - لَكِنْ قَالَ: إِنَّ الْوَقْعَةَ كَانَتْ بِنَصِيبِينَ. فَأَخْطَأَ مَكَانَهَا، فَإِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَهَذَا مِمَّا انْتَقَدَهُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ عَلَى أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ حِينَ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِالْفَتْحِ، وَقَدْ خَرَجَ الْمُخْتَارُ مِنَ الْكُوفَةِ لِيَتَلَقَّى الْبِشَارَةَ، فَأَتَى الْمَدَائِنَ فَصَعِدَ مِنْبَرَهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ جَاءَتْهُ الْبِشَارَةُ وَهُوَ هُنَالِكَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَقَالَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ: أَمَا سَمِعْتُهُ بِالْأَمْسِ يُخْبِرُنَا بِهَذَا ؟ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الْوَقْعَةَ كَانَتْ بِنَصِيبِينَ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَإِنَّمَا قَالَ الْبَشِيرُ: إِنَّهُمْ كَانُوا بِالْخَازِرِ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تُؤْمِنُ يَا شَعْبِيُّ حَتَّى تَرَى الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. خروج جماعة ممن قاتل المختار يوم جبانة السبيع والكناسة إلى البصرة ثُمَّ رَجَعَ الْمُخْتَارُ إِلَى الْكُوفَةِ وَفَى غَيْبَتِهِ هَذِهِ تَمَكَّنَ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ كَانَ قَاتَلَهُ يَوْمَ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ وَالْكُنَاسَةِ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَجْتَمِعُوا بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ مِنْهُمْ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَأَمَّا ابْنُ الْأَشْتَرِ فَإِنَّهُ بَعَثَ بِالْبِشَارَةِ وَرَأَسِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى الْمُخْتَارِ، وَاسْتَقَلَّ هُوَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ فَبَعَثَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى نِيَابَةِ نَصِيبِينَ، وَبَعَثَ عُمَّالًا إِلَى الْمَوْصِلِ، وَأَخَذَ سِنْجَارَ وَدَارَا وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْجَزِيرَةِ. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ: كَانَ مَقْتَلُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ يَوْمَ عَاشُورَاءَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَالصَّوَابُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ. وَقَدْ قَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْبَارِقِيُّ يَمْدَحُ ابْنَ الْأَشْتَرِ عَلَى قَتْلِهِ ابْنَ زِيَادٍ: أَتَاكُمْ غُلَامٌ مِنْ عَرَانِينِ مَذْحِجٍ جَرِيءٌ عَلَى الْأَعْدَاءِ غَيْرُ نَكُولِ     فَيَا ابْنَ زِيَادٍ بُؤْ بِأَعْظَمِ مَالِكٍ وَذُقْ حَدَّ مَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ صَقِيلِ     ضَرَبْنَاكَ بِالْعَضْبِ الْحُسَامِ بِحَدِّهِ إِذَا مَا أَبَأْنَا قَاتِلًا بِقَتِيلِ     جَزَى اللَّهُ خَيْرًا شُرْطَةَ اللَّهِ إِنَّهُمْ شَفَوْا مِنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَمْسِ غَلِيلِي

  184. التاريخ 2275لا حكم مسجّل

    تَرْجَمَةُ ابْنِ زِيَادٍ   هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَيُقَالُ لَهُ: زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ، وَ ابْنُ سُمَيَّةَ. أَمِيرُ الْعِرَاقِ بَعْدَ أَبِيهِ زِيَادٍ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ: وَيُقَالُ لَهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ مَرْجَانَةَ - وَهِيَ أُمُّهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: وَكَانَتْ مَجُوسِيَّةً. وَكُنْيَتُهُ أَبُو حَفْصٍ وَقَدْ سَكَنَ دِمَشْقَ بَعْدَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ عِنْدَ الدِّيمَاسِ تُعْرَفُ بَعْدَهُ بِدَارِ ابْنِ عَجْلَانَ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ الضَّبِّيِّ. رواية عبيد الله بن زياد للحديث قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ مُعَاوِيَةَ، وَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ. وَحَدَّثَ عَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَ أَبُو الْمُلَيْحِ بْنُ أُسَامَةَ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: ذَكَرُوا أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ حِينَ قَتَلَ الْحُسَيْنَ كَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى زِيَادٍ أَنْ أَوْفِدْ إِلَيَّ ابْنَكَ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ لَمْ يَسْأَلْهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا نَفَذَ مِنْهُ، حَتَّى سَأَلَهُ عَنِ الشِّعْرِ فَلَمْ يَعْرِفْ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ مَا مَنَعَكَ مِنْ تَعَلُّمِ الشِّعْرِ ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَجْمَعَ فِي صَدْرِي مَعَ كَلَامِ الرَّحْمَنِ كَلَامَ الشَّيْطَانِ. فَقَالَ: اغْرُبْ، فَوَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنَ الْفِرَارِ يَوْمَ صِفِينَ إِلَّا قَوْلُ ابْنِ الْإِطْنَابَةِ حَيْثُ يَقُولُ: أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ     وَإِعْطَائِي عَلَى الْإِعْدَامِ مَالِي وَإِقْدَامِي عَلَى الْبَطَلِ الْمُشِيحِ     وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ مَكَانَكِ تُعْذَرِي أَوْ تَسْتَرِيحِي     لِأَدْفَعَ عَنْ مَآثِرَ صَالِحَاتٍ وَأَحْمِي بَعْدُ عَنْ أَنْفٍ صَحِيحِ ثُمَّ كَتَبَ إِلَى أَبِيهِ: أَنْ رَوِّهِ مِنَ الشِّعْرِ، فَرَوَّاهُ حَتَّى كَانَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مِنْهُ شَيْءٌ. من شعر عبيد الله بن زياد وَمِنْ شِعْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: سَيَعْلَمُ مَرْوَانُ ابْنُ نِسْوَةِ أَنَّنِي     إِذَا الْتَقَتِ الْخِيلَانِ أَطْعَنُهَا شَزْرًا وَإِنِّي إِذَا حَلَّ الضُّيُوفُ وَلَمْ أَجِدْ     سِوَى فَرَسِي أَوْسَعْتُهُ لَهُمْ نَحْرًا وَقَدْ سَأَلَ مُعَاوِيَةُ يَوْمًا أَهْلَ الْبَصْرَةِ عَنِ ابْنِ زِيَادٍ فَقَالُوا: إِنَّهُ لَظَرِيفٌ وَلَكِنَّهُ يَلْحَنُ. فَقَالَ: أَوَلَيْسَ اللَّحْنُ أَظْرَفَ لَهُ ؟ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: إِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهُ يَلْحَنُ فِي كَلَامِهِ، أَيْ يُلْغِزُ. وَهُوَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: مَنْطِقٌ رَائِعٌ وَتَلْحَنُ أَحْيَا     نًا وَخَيْرُ الْحَدِيثِ مَا كَانَ لَحْنَا وَقِيلَ: إِنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهُ يَلْحَنُ فِي قَوْلِهِ لَحْنًا وَهُوَ ضِدُّ الْإِعْرَابِ. وَقِيلَ: أَرَادُوا اللَّحْنَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الصَّوَابِ. وَهُوَ الْأَشْبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَاسْتَحْسَنَ مُعَاوِيَةُ مِنْهُ السُّهُولَةَ فِي الْكَلَامِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَتَغَنَّى فِي كَلَامِهِ وَيُفَخِّمُهُ، وَيَتَشَدَّقُ فِيهِ، وَقِيلَ: أَرَادُوا أَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ لُكْنَةٌ مِنْ كَلَامِ الْعَجَمِ ; فَإِنَّ أُمَّهُ مَرْجَانَةَ كَانَتْ سُرِّيَّةً، وَكَانَتْ بِنْتَ بَعْضِ مُلُوكِ الْأَعَاجِمِ ; يُزْدَجِرْدَ أَوْ غَيْرِهِ. قَالُوا: وَكَانَ فِي كَلَامِهِ شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْعَجَمِ ; قَالَ يَوْمًا لِبَعْضِ الْخَوَارِجِ: أَهَرُورِيٌّ أَنْتَ ؟ يَعْنِي: أَحَرُورِيٌّ أَنْتَ ؟ وَقَالَ يَوْمًا: مِنْ كَاتَلَنَا كَاتَلْنَاهُ. أَيْ: مَنْ قَاتَلَنَا قَاتَلْنَاهُ، وَقَوْلُ مُعَاوِيَةَ: ذَاكَ أَظْرَفُ لَهُ؛ أَيْ أَجْوَدُ لَهُ حَيْثُ نَزَعَ إِلَى أَخْوَالِهِ، وَقَدْ كَانُوا يُوصَفُونَ بِحُسْنِ السِّيَاسَةِ وَجَوْدَةِ الرِّعَايَةِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ. ولاية عبيد الله بن زياد ثُمَّ لَمَّا مَاتَ زِيَادٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَلَّى مُعَاوِيَةُ عَلَى الْبَصْرَةِ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدُبٍ سَنَةً وَنِصْفًا ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى عَلَيْهَا ابْنَ زِيَادٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ. فَلَمَّا تَوَلَّى يَزِيدُ الْخِلَافَةَ جَمْعَ لَهُ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، فَبَنَى فِي إِمَارَةِ يَزِيدَ الْبَيْضَاءَ، وَجَعَلَ بَابَ الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ الَّذِي كَانَ لِكِسْرَى عَلَيْهَا، وَبَنَى الْحَمْرَاءَ وَهِيَ عَلَى سِكَّةِ الْمِرْبَدِ، فَكَانَ يَشْتُو فِي الْحَمْرَاءِ وَيَصِيفُ فِي الْبَيْضَاءِ. بعض من أخبار عبيد الله بن زياد قَالُوا: وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّ امْرَأَتِي مَاتَتْ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ أُمَّهَا. فَقَالَ لَهُ: كَمْ عَطَاؤُكَ فِي الدِّيوَانِ ؟ فَقَالَ: سَبْعُمِائَةٍ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، حُطَّهُ مِنْ عَطَائِهِ أَرْبَعَمِائَةٍ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَكْفِيكَ مَنْ فِقْهِكَ هَذَا ثَلَاثُمِائَةٍ ! قَالُوا: وَتَخَاصَمَتْ أُمُّ الْفُجَيْعِ وَزَوْجُهَا إِلَيْهِ وَقَدْ أَحَبَّتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تُفَارِقَ زَوْجَهَا، فَقَالَ أَبُو الْفُجَيْعِ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّ خَيْرَ شَطْرَيِ الرَّجُلِ آخِرُهُ، وَإِنَّ شَرَّ شَطْرَيِ الْمَرْأَةِ آخِرُهَا. فَقَالَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَسَنَّ اشْتَدَّ عَقْلُهُ، وَاسْتَحْكَمَ رَأْيُهُ، وَذَهَبَ جَهْلُهُ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسَنَّتْ سَاءَ خُلُقُهَا، وَقُلَّ عَقْلُهَا، وَعَقِمَ رَحِمُهَا، وَاحْتَدَّ لِسَانُهَا. فَقَالَ: صَدَقْتَ خُذْ بِيَدِهَا وَانْصَرِفْ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: أَمَرَ ابْنُ زِيَادٍ لِصَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَسُرِقَتْ، فَقَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا. فَقَالَ أَهْلُهُ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا خَيْرًا ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ زِيَادٍ، فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفَيْنِ آخَرَيْنِ، ثُمَّ وَجَدَ الْأَلْفَيْنِ فَصَارَتْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَكَانَ خَيْرًا. وَقِيلَ: لِهِنْدَ بِنْتِ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ - وَكَانَتْ قَدْ تَزَوَّجَتْ بِعِدَّةِ أَزْوَاجٍ مِنْ نُوَّابِ الْعِرَاقِ -: مَنْ أَعَزُّ أَزْوَاجِكِ عِنْدَكِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْكِ ؟ فَقَالَتْ: مَا أُكْرِمَ النِّسَاءُ إِكْرَامَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ وَلَا هَابَ النِّسَاءُ هَيْبَةَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَوَدِدْتُ أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، فَأَرَى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ وَأَشْتَفِي مِنْ حَدِيثِهِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهِ. وَكَانَ أَبَا عُذْرِهَا وَقَدْ تَزَوَّجَتْ بِالْآخَرِينَ أَيْضًا. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي الْمَكْتُوبَةِ ابْنُ زِيَادٍ  . قُلْتُ: يَعْنِي - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي الْكُوفَةِ، فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَا يَكْتُبُهُمَا فِي مُصْحَفِهِ، وَكَانَ فُقَهَاءُ الْكُوفَةِ عَنْ كُبَرَاءِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَأْخُذُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَتْ فِي ابْنِ زِيَادٍ جُرْأَةٌ وَإِقْدَامٌ وَمُبَادَرَةٌ إِلَى مَا لَا يَجُوزُ، وَمَا لَا حَاجَةَ لَهُ بِهِ. ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى، وَ مُسْلِمٌ،بسنديهما عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو دَخْلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ: وَهَلْ كَانَ فِيهِمْ نُخَالَةٌ ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ. وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ دَخَلَ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ رَجُلٍ اسْتَرْعَاهُ اللَّهُ رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مَعْقِلٌ صَلَّى عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ وَلَمْ يَشْهَدْ دَفْنَهُ، وَاعْتَذَرَ بِمَا لَيْسَ يُجْدِي شَيْئًا، وَرَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ. وَمِنْ جَرَاءَتِهِ إِقْدَامُهُ عَلَى الْأَمْرِ بِإِحْضَارِ الْحُسَيْنِ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ وَإِنْ قُتِلَ دُونَ ذَلِكَ. وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَهُ إِلَى سُؤَالِهِ الَّذِي سَأَلَهُ فِيمَا طَلَبَ مِنْ ذَهَابِهِ إِلَى يَزِيدَ، أَوْ إِلَى مَكَّةَ، أَوْ إِلَى أَحَدِ الثُّغُورِ، فَلَمَّا أَشَارَ عَلَيْهِ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِأَنَّ الْحَزْمَ أَنْ يُحْضَرَ عِنْدَكَ وَأَنْتَ تُسَيِّرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى حَيْثُ شِئْتَ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ أَوْ غَيْرِهَا، فَوَافَقَ شَمِرًا عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ مِنْ إِحْضَارِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَبَى الْحُسَيْنُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ لِيَقْضِيَ فِيهِ بِمَا يَرَاهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ، وَقَدْ تَعِسَ وَخَابَ وَخَسِرَ، فَلَيْسَ لِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْضُرَ بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ مَرْجَانَةَ الْخَبِيثِ. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنْ حَاجِبِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَهُ الْقَصْرَ حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ، قَالَ: فَاضْطَرَمَ فِي وَجْهِهِ نَارًا - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - فَقَالَ بِكُمِّهِ هَكَذَا عَلَى وَجْهِهِ، وَقَالَ: لَا تُحَدِّثَنَّ بِهَذَا أَحَدًا. وَقَالَ شُرَيْكٌ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: قَالَتْ مَرْجَانَةُ لِابْنِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ: يَا خَبِيثُ، قَتَلْتَ ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا تَرَى الْجَنَّةَ أَبَدًا. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنْ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ بَايَعَ النَّاسُ فِي الْمِصْرَيْنِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ، ثُمَّ خَرَجُوا عَلَيْهِ فَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، فَسَارَ إِلَى الشَّامِ فَاجْتَمَعَ بِمَرْوَانَ، وَحَسَّنَ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى الْخِلَافَةَ وَيَدْعُوَ إِلَى نَفْسِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا تَقَدَّمَ مَعَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ. ثُمَّ سَيَّرَهُ مَرْوَانُ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَالْتَقَى بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ ‌‌الَّذِينَ يُسَمُّونَهُ جَيْشَ التَّوَّابِينَ فَكَسَرَهُمْ، وَاسْتَمَرَّ قَاصِدًا الْكُوفَةَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ، فَتَعَوَّقَ فِي الطَّرِيقِ بِسَبَبِ مَنْ كَانَ يُمَانِعُهُ فِي أَرْضِ الْجَزِيرَةِ مِنَ الْأَعْدَاءِ مِمَّنْ بَايَعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ اتَّفَقَ خُرُوجُ ابْنِ الْأَشْتَرِ إِلَيْهِ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ فكان ما كان من قتله ثُمَّ بَعَثَ ابْنُ الْأَشْتَرِ بِرَأْسِهِ إِلَى الْمُخْتَارِ وَمَعَهُ رَأْسُ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَ شُرَحْبِيلَ بْنِ ذِي الْكَلَاعِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ أَصْحَابِهِمْ، فَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُخْتَارُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسنده عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: لَمَّا جِيءَ بِرَأْسِ ابْنِ مَرْجَانَةَ وَأَصْحَابِهِ، طُرِحَتْ بَيْنَ يَدِيِ الْمُخْتَارِ، فَجَاءَتْ حَيَّةٌ دَقِيقَةٌ تَخَلَّلَتِ الرُّءُوسَ حَتَّى دَخَلَتْ فِي فَمِ ابْنِ مَرْجَانَةَ وَخَرَجَتْ مِنْ مِنْخَرِهِ، وَدَخَلَتْ فِي مِنْخَرِهِ وَخَرَجَتْ مِنْ فَمِهِ، وَجَعَلَتْ تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ مَنْ رَأَسِهُ مِنْ بَيْنِ الرُّءُوسِ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ بْنُ زَبْرٍ: وَفِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ قَالُوا: فِيهَا قُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، وَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، وَلِيَ قَتْلَهُمَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمَا إِلَى الْمُخْتَارِ فَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَنُصِبَتْ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. وَهَكَذَا حَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ - زَادَ أَبُو أَحْمَدَ: فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ - وَسَكَتَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. وَلَكِنَّ بَعْثَ الرُّءُوسِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُتَعَذِّرٌ ; لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ كَانَتْ قَدْ قَوِيَتْ وَتَحَقَّقَتْ بَيْنَ الْمُخْتَارِ، وَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَعَمَّا قَلِيلٍ أَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ مُصْعَبًا أَنْ يَسِيرَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ لِحِصَارِ الْمُخْتَارِ وَقِتَالِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  185. التاريخ 2276لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْبَصْرَةَ   ومَقْتَلُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ الْكَذَّابِ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ   كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ عَزَلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ نِيَابَةِ الْبَصْرَةِ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ الْمَعْرُوفَ بِالْقُبَاعِ، وَوَلَّاهَا لِأَخِيهِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ ; لِيَكُونَ رِدْءًا وَقَرْنًا وَكُفُؤًا لِلْمُخْتَارِ، فَلَمَّا قَدِمَ مُصْعَبٌ الْبَصْرَةَ دَخْلَهَا مُتَلَثِّمًا فَيَمَّمَ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا صَعِدَهُ قَالَ النَّاسُ: أَمِيرٌ أَمِيرٌ. فَلَمَّا كَشَفَ اللِّثَامَ عَرَفَهُ النَّاسُ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ، وَجَاءَ الْقُبَاعُ فَجَلَسَ تَحْتَهُ بِدَرَجَةٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ قَامَ مُصْعَبٌ خَطِيبًا، فَاسْتَفْتَحَ ( الْقَصَصَ ) حَتَّى بَلَغَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ أَوِ الْكُوفَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَأَشَارَ إِلَى الْحِجَازِ، وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ، إِنَّكُمْ تُلَقِّبُونَ أُمَرَاءَكُمْ، وَقَدْ سَمَّيَتُ نَفْسِي الْجَزَّارَ. فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَفَرِحُوا بِهِ. ذِكْرُ مَسِيرِ مُصْعَبٍ إِلَى الْمُخْتَارِ وَقَتْلِ الْمُخْتَارِ  وَلَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ حِينَ خَرَجُوا عَلَى الْمُخْتَارِ فَقَهَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَ، كَانَ لَا يَنْهَزِمُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا قَصَدَ الْبَصْرَةَ، ثُمَّ لَمَّا خَرَجَ الْمُخْتَارُ لِتَلَقِّي ابْنِ الْأَشْتَرِ حِينَ بَلَغَهُ أَنَّهُ قَتَلَ ابْنَ زِيَادٍ، اغْتَنَمَ مَنْ بَقِيَ بِالْكُوفَةِ مِنْ أَعْدَاءِ الْمُخْتَارِ غَيْبَتَهُ، فَذَهَبُوا إِلَى الْبَصْرَةِ فِرَارًا مِنَ الْمُخْتَارِ لِقِلَّةِ دِينِهِ وَكَفْرِهِ وَدَعْوَاهُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ، وَأَنَّهُ قَدَّمُ الْمَوَالِي عَلَى الْأَشْرَافِ. فَأَتَاهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ عَلَى بَغْلَةٍ قَدْ قَطَعَ ذَنَبَهَا وَطَرَفَ أُذُنَهَا، وَشَقَّ قَبَاءَهُ وَهُوَ يُنَادِي: يَا غَزْوَتَاهُ ! فَرُفِعَ خَبَرُهُ إِلَى مُصْعَبٍ، فَقَالَ: هَذَا شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ. فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ النَّصْرَ لَهُمْ، وَالْمَسِيرَ إِلَى الْمُخْتَارِ مَعَهُمْ. وَقَدِمَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ أَيْضًا وَاسْتَحَثَّهُ عَلَى الْمَسِيرِ، فَأَدْنَاهُ مُصْعَبٌ وَأَكْرَمَهُ لِشَرَفِهِ، وَقَالَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ حِينَ أَكْثَرُوا عَلَيْهِ: لَا أَسِيرُ حَتَّى يَأْتِيَنِي الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ. وَاتَّفَقَ أَنَّ ابْنَ الْأَشْتَرِ حِينَ قَتَلَ ابْنَ زِيَادٍ اشْتَغَلَ بِتِلْكَ النَّوَاحِي، فَأَحْرَزَ بِلَادًا وَأَقَالِيمَ وَرَسَاتِيقَ لِنَفْسِهِ، وَاسْتَهَانَ بِالْمُخْتَارِ، فَطَمِعَ مُصْعَبٌ فِيهِ. وكَتَبَ مُصْعَبٌ إِلَيْ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى فَارِسَ، يَسْتَدْعِيهِ لِيَشْهَدَ مَعَهُمْ قِتَالَ الْمُخْتَارِ، فَأَبْطَأَ الْمُهَلَّبُ، وَاعْتَلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَرَاجِ لِكَرَاهِيَةِ الْخُرُوجِ، فَأَمَرَ مُصْعَبٌ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُهَلَّبِ يَسْتَحِثَّهُ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدٌ وَمَعَهُ كِتَابُ مُصْعَبٍ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ لَهُ: أَمَا وَجَدَ مُصْعَبٌ بَرِيدًا غَيْرَكَ ؟ فَقَالَ: مَا أَنَا بِبَرِيدٍ لِأَحَدٍ، غَيْرَ أَنَّ نِسَاءَنَا وَأَبْنَائَنَا وَحَرَمَنَا غَلَبَنَا عَلَيْهِمْ عَبِيدُنَا. فَأَقْبَلَ الْمُهَلَّبُ مَعَهُ بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ وَأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ، فَقَدِمَ الْبَصْرَةَ، وَأَمَرَ مُصْعَبٌ بِالْعَسْكَرِ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ، وَأَرْسَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلَيْهِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُثَبِّطَ النَّاسَ عَنِ الْمُخْتَارِ، وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ سِرًّا، فَفَعَلَ، وَدَخَلَ بَيْتَهُ مُسْتَتِرًا.، ثُمَّ سَارَ مُصْعَبٌ، فَرَكِبَ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَرَكِبُوا فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ قَاصِدِينَ الْكُوفَةَ. وَقَدَّمَ مُصْعَبٌ بَيْنَ يَدَيْهِ عَبَّادَ بْنَ الْحُصَيْنِ، وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ، وَرَتَّبَ الْأُمَرَاءَ عَلَى رَايَاتِهَا وَقَبَائِلِهَا كَمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، وَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَ زِيَادِ بْنِ عُمَرَ، وَ قَيْسِ بْنِ الْهَيْثَمِ وَغَيْرِهِمْ. وَخَرَجَ الْمُخْتَارُ بِعَسْكَرِهِ فَنَزَلَ الْمَذَارَ، وَقَدْ جَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَبَا كَامِلٍ الشَّاكِرِيَّ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَامِلٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ وَهْبٍ الْجُشَمِيَّ، وَعَلَى الْخَيْلِ وَزِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ السَّلُولِيَّ، وَعَلَى الْمَوَالِي أَبَا عَمْرَةَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ. ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْجُيُوشَ، وَرَكِبَ هُوَ وَخَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُوَ يُبَشِّرُهُمْ بِالنَّصْرِ. وَجَاءَ مُصْعَبٌ وَقَدْ جَعَلَ عَبَّادَ بْنَ الْحُصَيْنِ عَلَى الْخَيْلِ، فَدَنَا عَبَّادٌ مِنْ أَحْمَرَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَالَ: إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِلَى بَيْعَةِ الْمُخْتَارِ، وَإِلَى أَنْ نَجْعَلَ هَذَا الْأَمْرَ شُورَى فِي آلِ الرَّسُولِ. فَرَجَعَ عَبَّادٌ فَأَخْبَرَ مُصْعَبًا، فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ فَاحْمِلْ عَلَيْهِمْ. فَرَجَعَ وَحَمَلَ عَلَى ابْنِ شُمَيْطٍ وَأَصْحَابِهِ، فَلَمْ يَنْزِلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى مَوْقِفِهِ، وَحَمَلَ الْمُهَلَّبُ عَلَى ابْنِ كَامِلٍ، فَجَالَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَنَزَلَ ابْنُ كَامِلٍ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ الْمُهَلَّبُ، ثُمَّ قَالَ الْمُهَلَّبُ لِأَصْحَابِهِ: كِرُّوا عَلَيْهِمْ كَرَّةً صَادِقَةً. فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، فَوَلَّوْا، وَصَبَرَ ابْنُ كَامِلٍ فِي رِجَالٍ مِنْ هَمْدَانَ سَاعَةً ثُمَّ انْهَزَمَ، وَحَمَلَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، فَصَبَرَ سَاعَةً ثُمَّ انْصَرَفَ، وَحَمَلَ النَّاسُ جَمِيعًا عَلَى ابْنِ شُمَيْطٍ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَنَادَوْا: يَا مَعْشَرَ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمٍ، الصَّبْرَ ! فَنَادَاهُمُ الْمُهَلَّبُ: الْفِرَارُ الْيَوْمَ أَنْجَى لَكُمْ، عَلَامَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ مَعَ هَذِهِ الْعَبِيدِ ؟ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى كَثْرَةَ الْقَتْلِ الْيَوْمَ إِلَّا فِي قَوْمِي. وَمَالَتِ الْخَيْلُ عَلَى رَجَّالَةِ ابْنِ شُمَيْطٍ فَانْهَزَمَتْ، وَبَعَثَ مُصْعَبٌ عَبَّادًا عَلَى الْخَيْلِ، فَقَالَ: أَيُّمَا أَسِيرٍ أَخَذْتَهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. وَسَرَّحَ مُحَمَّدَ بْنَ الْأَشْعَثِ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: دُونَكُمْ ثَأْرُكُمْ. فَكَانُوا أَشَدَّ عَلَى الْمُنْهَزِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، لَا يُدْرِكُونَ مُنْهَزِمًا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا يَأْخُذُونَ أَسِيرًا فَيَعْفُونَ عَنْهُ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ إِلَّا طَائِفَةُ أَصْحَابِ الْخَيْلِ، وَأَمَّا الرَّجَّالَةُ فَأُبِيدُوا إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَأَدْخَلْتُ السِّنَانَ فِي عَيْنِهِ، فَأَخَذْتُ أُخَضْخِضُ عَيْنَهُ بِهِ. فَقِيلَ لَهُ: أَفَعَلْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَنَا أَحَلَّ دِمَاءً مِنَ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ هَذَا قَاضِي الْبَصْرَةِ. دخول مصعب بن الزبير الكوفة وحصار المختار وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا انْتَهَتْ مُقَدِّمَةُ الْمُخْتَارِ إِلَيْهِ، جَاءَ مُصْعَبٌ فَقِطَعَ الدِّجْلَةَ إِلَى الْكُوفَةِ وَقَدْ حَصَّنَ الْمُخْتَارُ الْقَصْرَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، وَخَرَجَ الْمُخْتَارُ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ فَنَزَلَ حَرُورَاءَ، فَلَمَّا قَرُبَ جَيْشُ مُصْعَبٍ مِنْهُ جَهَّزَ إِلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ كُرْدُوسًا، فَبَعَثَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ سَعِيدَ بْنَ مُنْقِذٍ، وَإِلَى عَبْدِ الْقَيْسِ مَالِكَ بْنَ الْمُنْذِرِ، وَإِلَى الْعَالِيَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْدَةَ، وَإِلَى الْأَزْدِ مُسَافِرَ بْنَ سَعِيدٍ، وَإِلَى بَنِي تَمِيمٍ سُلَيْمَ بْنَ يَزِيدَ الْكِنْدِيَّ، وَإِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ السَّائِبَ بْنَ مَالِكٍ، وَوَقَفَ الْمُخْتَارُ فِي بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى اللَّيْلِ ; فَقُتِلَ أَعْيَانُ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ وَقُتِلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَتَفَرَّقَ عَنِ الْمُخْتَارِ بَاقِي أَصْحَابِهِ فَقِيلَ لَهُ: الْقَصْرَ الْقَصْرَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنْهُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنَّ أَعُودَ إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ هَذَا حُكْمُ اللَّهِ. ثُمَّ سَارَ إِلَى الْقَصْرِ فَدَخَلَهُ، وَجَاءَهُ مُصْعَبٌ فَفَرَّقَ الْقَبَائِلَ فِي نَوَاحِي الْكُوفَةِ، وَاقْتَسَمُوا الْمَحَالَّ، وَخَلَصُوا إِلَى الْقَصْرِ، وَقَدْ مَنَعُوا الْمُخْتَارَ الْمَادَّةَ وَالْمَاءَ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ يَخْرُجُ فَيُقَاتِلُهُمْ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى الْقَصْرِ. وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحِصَارُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ الْحِصَارَ لَا يَزِيدُنَا إِلَّا ضَعْفًا، فَانْزِلُوا بِنَا حَتَّى نُقَاتِلَ حَتَّى اللَّيْلِ حَتَّى نَمُوتَ كِرَامًا. فَوَهَنُوا، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَوَاللَّهِ لَا أُعْطِي بِيَدِي. ثُمَّ اغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَتَحَنَّطَ وَخَرَجَ، فَقَاتَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى قُتِلُوا. وَقِيلَ: بَلْ أَشَارَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَسَاوِرَتِهِ بِأَنْ يَدْخُلَ الْقَصْرَ دَارَ إِمَارَتِهِ فَدَخَلَهُ وَهُوَ مَلُومٌ مَذْمُومٌ، وَعَنْ قَرِيبٍ يَنْفُذُ فِيهِ الْقَدَرُ الْمَحْتُومُ، فَحَاصَرَهُ مُصْعَبٌ فِيهِ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ، حَتَّى أَصَابَهُمْ مِنْ جَهْدِ الْعَطَشِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكَ وَالْمَقَاصِدَ وَانْسَدَّتْ عَلَيْهِمْ أَبْوَابُ الْحِيَلِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ وَلَا حَلِيمٌ، ثُمَّ جَعَلَ الْمُخْتَارُ يُجِيلُ فِكْرَتَهُ وَيُكَرِّرُ رَوِيَّتَهُ فِي الْأَمْرِ الَّذِي قَدْ حَلَّ بِهِ، وَاسْتَشَارَ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْمَوَالِي وَالْعَبِيدِ وَلِسَانُ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ يُنَادِيهِ قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ ثُمَّ قَوَّى عَزْمَهُ قُوَّةُ الشُّجَاعَةِ الْمُرَكَّبَةِ فِيهِ عَلَى أَنْ أَخْرَجَتْهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ مَنْ كَانَ يُحَالِفُهُ وَيُوَالِيهِ، وَرَأَى أَنْ يَمُوتَ عَلَى فَرَسِهِ، حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا انْقِضَاءُ آخَرِ نَفَسِهِ، فَنَزَلَ حَمِيَّةً وَغَضَبًا، وَشُجَاعَةً وَكَلَبًا، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَجِدُ مَنَاصًا وَلَا مَفَرًّا وَلَا مَهَرَبًا، وَلَيْسَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ سِوَى تِسْعَةَ عَشَرَ. وَلَعَلَّهُ إِنْ كَانَ قَدِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ التِّسْعَةَ عَشَرَ الْمُوَكَّلُونَ بِسَقَرَ. وَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْقَصْرِ قَالَ لِأَصْحَابِ مُصْعَبٍ: أَتُؤَمِّنُونِي ؟ قَالُوا: لَا، إِلَّا عَلَى حُكْمِ الْأَمِيرِ. فَقَالَ: إِلَّا حُكْمَ نَفْسِي أَبَدًا. ثُمَّ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ شَقِيقَانِ أَخَوَانِ، وَهَمَا طَرَفَةُ، وَ طَرَّافُ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَجَاجَةَ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، فَقَتَلَاهُ بِمَكَانِ الزَّيَّاتِينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَاحْتَزَّا رَأْسَهُ وَأَتَيَا بِهِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ دَخَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ، فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا وُضِعَ رَأْسُ ابْنِ زِيَادٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمُخْتَارِ، وَكَمَا وُضِعَ رَأْسُ الْحُسَيْنِ بَيْنَ يَدِيِ ابْنِ زِيَادٍ - وَكَمَا سَيُوضَعُ رَأْسُ مُصْعَبٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ - فَلَمَّا وُضِعَ رَأْسُ الْمُخْتَارِ بَيْنَ يَدَيْ مُصْعَبٍ أَمْرَ لَهُمَا بِثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَقَدْ قَتَلَ مُصْعَبٌ جَمَاعَةً مِنَ الْمُخْتَارِيَّةِ وَأَسَرَ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةِ أَسِيرٍ، فَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ مُصْعَبٍ فِي الْوَقْعَةِ مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ. وَأَمَرَ مُصْعَبٌ بِكَفِّ الْمُخْتَارِ فَقُطِعَتْ وَسُمِرَتْ إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَزَلْ هُنَالِكَ حَتَّى قَدِمَ الْحَجَّاجُ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقِيلَ لَهُ: هِيَ كَفُّ الْمُخْتَارِ، فَأَمَرَ بِهَا فَرُفِعَتْ وَانْتُزِعَتْ مِنْ هُنَالِكَ ; لِأَنَّ الْمُخْتَارَ كَانَ مِنْ قَبِيلَةِ الْحَجَّاجِ - فَالْمُخْتَارُ هُوَ الْكَذَّابُ وَالْمُبِيرُ الْحَجَّاجُ - وَلِهَذَا أَخَذَ الْحَجَّاجُ بِثَأْرِهِ مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَتْلَهُ وَصَلْبَهُ شُهُورًا. وَقَدْ سَأَلَ مُصْعَبٌ أُمَّ ثَابِتٍ بِنْتَ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ امْرَأَةَ الْمُخْتَارِ عَنْهُ فَقَالَتْ: مَا عَسَى أَنْ أَقُولَ فِيهِ إِلَّا مَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِيهِ ؟ فَتَرَكَهَا وَاسْتَدْعَى بِزَوْجَتِهِ الْأُخْرَى، وَهِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ فَقَالَ لَهَا مَا تَقُولِينَ فِيهِ ؟ فَقَالَتْ: رَحِمَهُ اللَّهُ، لَقَدْ كَانَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. فَسَجَنَهَا وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ: إِنَّهَا تَقُولُ إِنَّهُ نَبِيٌّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ أَخْرِجْهَا فَاقْتُلْهَا. فَأَخْرَجَهَا إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ فَضُرِبَتْ ضَرَبَاتٍ حَتَّى مَاتَتْ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ: فِي ذَلِكَ: إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَائِبِ عِنْدِي قَتْلَ بَيْضَاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ     قُتِلَتْ هَكَذَا عَلَى غَيْرِ جُرْمٍ إِنَّ لِلَّهِ دَرُّهَا مِنْ قَتِيلِ     كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْمُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا: أَتَى رَاكِبٌ بِالْأَمْرِ ذِي النَّبَإِ الْعَجَبْ     بِقَتْلِ ابْنَةِ النُّعْمَانِ ذِي الدِّينِ وَالْحَسَبْ بِقَتْلِ فَتَاةٍ ذَاتِ دَلٍّ سَتِيرَةٍ     مُهَذَّبَةِ الْأَخْلَاقِ وَالْخِيمِ وَالنَّسَبْ مُطَهَّرَةٍ مِنْ نَسْلِ قَوْمٍ أَكَارِمٍ     مِنَ الْمُؤْثِرِينَ الْخَيْرَ فِي سَالِفِ الْحِقَبْ خَلِيلُ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى وَنَصِيرُهُ     وَصَاحِبُهُ فِي الْحَرْبِ وَالضَّرْبِ وَالْكُرَبْ أَتَانِي بِأَنَّ الْمُلْحِدِينَ تَوَافَقُوا     عَلَى قَتْلِهَا لَا جُنِّبُوا الْقَتْلَ وَالسَّلَبْ فَلَا هَنَأَتْ آلَ الزُّبَيْرِ مَعِيشَةٌ     وَذَاقُوا لِبَاسَ الذُّلِّ وَالْخَوْفِ وَالْحَرَبْ كَأَنَّهُمُ إِذْ أَبْرَزُوهَا وَقُطِّعَتْ     بِأَسْيَافِهِمْ فَازُوا بِمَمْلَكَةِ الْعَرَبِ أَلَمْ تَعْجَبِ الْأَقْوَامُ مِنْ قَتْلِ حُرَّةٍ     مِنَ الْمُحْصَنَاتِ الدِّينِ مَحْمُودَةِ الْأَدَبْ مِنَ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ بَرِيئَةٍ     مِنَ الذَّمِّ وَالْبُهْتَانِ وَالشَّكِّ وَالْكَذِبْ عَلَيْنَا كِتَابُ الْقَتْلِ وَالْبَأْسِ وَاجِبٌ     وَهُنَّ الْعَفَافُ فِي الْحِجَالِ وَفِي الْحُجُبْ عَلَى دِينِ أَجْدَادٍ لَهَا وَأُبُوَّةٍ كِرَامٍ     مَضَتْ لَمْ تُخْزِ أَهْلًا وَلَمْ تُرِبْ مِنَ الْخَفِرَاتِ لَا خَرُوجٌ بَذِيَّةٌ     مُلَائِمَةٌ تَبْغِي عَلَى جَارِهَا الْجُنُبْ وَلَا الْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَلَمْ تَدْرِ مَا الْخَنَا     وَلَمْ تَزْدَلِفْ يَوْمًا بِسُوءٍ وَلَمْ تُجِبْ عَجِبْتُ لَهَا إِذْ كُتِّفَتْ وَهْيَ حَيَّةٌ     أَلَا إِنَّ هَذَا الْخَطْبَ مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبْ وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ مُصْعَبًا لَقِيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ أَخِيكَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: نَعَمْ، أَنْتَ الْقَاتِلُ سَبْعَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ ؟ عِشْ مَا اسْتَطَعْتَ ! فَقَالَ مُصْعَبٌ: إِنَّهُمْ كَانُوا كَفَرَةً سَحَرَةً. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتَ عِدَّتَهُمْ غَنَمًا مِنْ تُرَاثِ أَبِيكَ لَكَانَ ذَلِكَ سَرَفًا. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَلَمْ يَبْلُغْكَ قَتْلُ الْكَذَّابِ ؟ قَالَ: وَمَنِ الْكَذَّابُ ؟ قَالَ: ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ: قَدْ بَلَغَنِي قَتْلُ الْمُخْتَارِ. قَالَ: كَأَنَّكَ نَكَرْتَ تَسْمِيَتَهُ كَذَّابًا، وَمُتَوَجِّعٌ لَهُ. قَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ قَتَلَ قَتَلَتَنَا، وَطَلَبَ ثَأْرَنَا، وَشَفَى غَلِيلَ صُدُورِنَا، وَلَيْسَ جَزَاؤُهُ مِنَّا الشَّتْمَ وَالشَّمَاتَةَ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: قَدْ قُتِلَ الْكَذَّابُ الْمُخْتَارُ، وَهَذَا رَأْسُهُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ بَقِيَتْ لَكُمْ عَقَبَةٌ كَئُودٌ فَإِنْ صَعِدْتُمُوهَا فَأَنْتُمْ أَنْتُمْ، وَإِلَّا فَلَا. يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ. وَكَانَتْ هَدَايَا الْمُخْتَارِ تَأْتِي ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَيَقْبَلَانِهَا، وَقِيلَ: رَدَّ ابْنُ عُمَرَ هَدِيَّتَهُ.

  186. التاريخ 2277لا حكم مسجّل

    تَرْجَمَةُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ الْكَذَّابِ   هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيَرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ الثَّقَفِيُّ، أَسْلَمَ أَبُوهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَكِنْ لَمْ يَرَهُ، فَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْغَابَةِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بَعْثَهُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ فِي قِتَالِ الْفُرْسِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ شَهِيدًا، وَقُتِلَ مَعَهُ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - كَمَا قَدَّمْنَا - وَعُرِفَ ذَلِكَ الْجِسْرُ بِهِ، وَهُوَ جِسْرٌ عَلَى دِجْلَةَ، فَيُقَالُ لَهُ إِلَى الْيَوْمِ جِسْرُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ الْعَابِدَاتِ، وَهِيَ زَوْجَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَهَا مُكْرِمًا وَمُحِبًّا وَمَاتَتْ فِي حَيَاتِهِ. وَأَمَّا أَخُوهَا الْمُخْتَارُ هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ أَوَّلًا نَاصِبِيًّا يُبْغِضُ عَلِيًّا بُغْضًا شَدِيدًا، وَكَانَ عِنْدَ عَمِّهِ بِالْمَدَائِنِ، وَكَانَ عَمُّهُ نَائِبَهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَوْمَ خَذَلَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الشَّامِ لِقِتَالِ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِيهِ عَلِيٍّ، فَلَمَّا أَحَسَّ الْحَسَنُ مِنْهُمْ بِالْغَدْرِ، فَرَّ مِنْهُمْ إِلَى الْمَدَائِنِ فِي جَيْشٍ قَلِيلٍ، فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِعَمِّهِ: لَوْ أَخَذْتَ الْحَسَنَ فَبَعَثْتَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ لَاتَّخَذْتَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ الْيَدَ الْبَيْضَاءَ أَبَدًا. فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ: بِئْسَ مَا تَأْمُرُنِي بِهِ يَابْنَ أَخِي. فَمَا زَالَتِ الشِّيعَةُ تُبْغِضُهُ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ مُسْلِمِ بْنِ عَقِيلٍ بِالْكُوفَةِ مَا كَانَ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ مِنَ الْأُمَرَاءِ بِالْكُوفَةِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَمَا لَأَنْصُرَنَّهُ، فَبَلَغَ ابْنَ زِيَادٍ ذَلِكَ فَحَبْسَهُ بَعْدَمَا ضَرَبَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَشْفَعُ فِيهِ، فَأَرْسَلَ يَزِيدُ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ فَأَطْلَقَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْحِجَازِ فِي عَبَاءَةٍ، فَضَوَى إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، فَقَاتَلَ مَعَهُ حِينَ حَصَرَهُ أَهْلُ الشَّامِ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ بَلَغَ الْمُخْتَارُ مَا أَهْلُ الْعِرَاقِ فِيهِ مِنَ التَّخْبِيطِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَتَرَكَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَأَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا إِلَى ابْنِ مُطِيعٍ نَائِبِ الْكُوفَةِ فَفَعَلَ، فَسَارَ إِلَيْهَا. وَكَانَ يُظْهِرُ مَدْحَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْعَلَانِيَةِ وَيَسُبُّهُ فِي السِّرِّ، وَيَمْدَحُ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَمَا زَالَ حَتَّى اسْتَحْوَذَ عَلَى الْكُوفَةِ بِطَرِيقِ التَّشَيُّعِ وَإِظْهَارِ الْأَخْذِ بِثَأْرِ الْحُسَيْنِ. اجتماع الشيعة بالكوفة على المختار بن أبي عبيد وَبِسَبَبِ ذَلِكَ الْتَفَّتْ عَلَيْهِ جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ حَتَّى قَاوَمَ نُوَّابَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَأَخْرَجَ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنْهَا، وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ الْمُخْتَارِ بِهَا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ مُطِيعٍ كَانَ مُدَاهِنًا لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَقَدْ خَرَجَ مَنَ الْكُوفَةِ، وَأَنَا وَمَنْ بِهَا فِي طَاعَتِكَ، فَصَدَّقَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو لَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، وَيُظْهِرُ طَاعَتَهُ. ثُمَّ شَرَعَ فِي تَتَبُّعِ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ وَمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ بِكَرْبَلَاءَ مِنْ نَاحِيَةِ ابْنِ زِيَادٍ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَظَفِرَ بِرُءُوسِ كِبَارٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ إِنَّ الْمُخْتَارَ بَعْثَ بِرَأْسِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَرَأْسِ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَمَنْ مَعَهُمَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَأَمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِهَا فَنُصِبَتْ عَلَى عَقَبَةِ الْحَجُونَ، وَقَدْ كَانُوا نَصَبُوهَا بِالْمَدِينَةِ. وَطَابَتْ نَفْسُ الْمُخْتَارِ بِالْمُلْكِ وَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عَدُوٌّ وَلَا مُنَازِعٌ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ تَبَيَّنَ خِدَاعَهُ وَمَكْرَهُ وَسُوءَ مَذْهَبِهِ، فَبَعَثَ أَخَاهُ مُصْعَبًا أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا، وَوَفَدَ إِلَيْهِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْكُوفَةِ فَلَمْ يَتِمَّ سُرُورُ الْمُخْتَارِ حَتَّى سَارَ إِلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي جَيْشٍ هَائِلٍ فَحَاصَرَهُ بِالْكُوفَةِ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ حَتَّى أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ، فَقَتَلَهُ وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَأَمَرَ بِصَلْبِ كَفِّهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، وَبَعَثَ مُصْعَبٌ بِرَأْسِ الْمُخْتَارِ مَعَ رَجُلٍ مِنَ الشُّرَطِ عَلَى الْبَرِيدِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَوَصَلَ مَكَّةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَوَجَدَ عَبْدَ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ، فَمَا زَالَ يُصَلِّي حَتَّى أَسْحَرَ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْبَرِيدِ الَّذِي جَاءَ بِالرَّأْسِ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبَ الْفَجْرِ قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ ؟ فَأَلْقَى إِلَيْهِ الْكِتَابَ فَقَرَأَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَعِي الرَّأْسُ. فَقَالَ: أَلْقِهِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. فَأَلْقَاهُ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: جَائِزَتِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: جَائِزَتُكَ الرَّأْسُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ تَأْخُذُهُ مَعَكَ إِلَى الْعِرَاقِ. زوال دولة المختار ثُمَّ زَالَتْ دَوْلَةُ الْمُخْتَارِ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الدُّوَلِ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِزَوَالِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ صَادِقًا، بَلْ كَانَ كَاذِبًا وَكَاهِنًا، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ عَلَى يَدِ جِبْرِيلَ يَأْتِي إِلَيْهِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ رِفَاعَةَ الْقِتْبَانِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْمُخْتَارِ فَأَلْقَى لِي وِسَادَةً وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ أَخِي جِبْرِيلَ قَامَ عَنْ هَذِهِ لَأَلْقَيْتُهَا لَكَ. قَالَ: فَأَرَدْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنِيهِ أَخِي عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّمَا مُؤْمِنٍ أَمَّنَ مُؤْمِنًا عَلَى دَمِهِ فَقَتَلَهُ، فَأَنَا مِنَ الْقَاتِلِ بَرِيءٌ وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّ الْوَحْيَ يَأْتِيهِ. فَقَالَ: صَدَقَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى الْمُخْتَارِ فَأَكْرَمَنِي وَأَنْزَلَنِي حَتَّى كَانَ يَتَعَاهَدُ مَبِيتِي بِاللَّيْلِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: اخْرُجْ فَحَدِّثَ النَّاسَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَا تَقَوُلُ فِي الْوَحْيِ ؟ فَقُلْتُ: الْوَحْيُ وَحْيَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا قَالَ: فَهَمُّوا بِي أَنْ يَأْخُذُونِي، فَقُلْتُ: مَا لَكُمْ وَذَاكَ، إِنِّي مُفْتِيكُمْ وَضَيْفُكُمْ، فَتَرَكُونِي. وَإِنَّمَا أَرَادَ عِكْرِمَةُ أَنْ يُعَرِّضَ بِالْمُخْتَارِ وَكَذِبِهِ فِي ادِّعَائِهِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، مِنْ طَرِيقِ أُنَيْسَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، أَنَّ أَبَاهَا دَخَلَ عَلَى الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَامِرٍ لَوْ سَبَقْتَ رَأَيْتَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: حُقِرْتَ وَتَعِسْتَ، أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، كَذَّابٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ دَخْلَ عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، بَعْدَمَا قَتَلَ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ أَلْحَدَ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَذَاقَهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَفَعَلَ بِهِ وَفَعَلَ، فَقَالَتْ: كَذَبْتَ، كَانَ بَرًّا بِالْوَالِدَيْنِ، صَوَّامًا قَوَّامًا، وَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ الْآخِرُ مِنْهُمَا شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ مُبِيرٌ. هَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِهَذَا السَّنَدِ وَاللَّفْظِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ. وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْكَذَّابَ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَانَ يُظْهِرُ التَّشَيُّعَ وَيُبْطِنُ الْكَهَانَةَ، وَيُسِرُّ إِلَى أَخِصَّائِهِ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، وَلَكِنْ مَا أَدْرِي هَلْ كَانَ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ أَمْ لَا ؟ وَكَانَ قَدْ وُضِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ يُعَظَّمُ، وَيُحَفُّ بِالرِّجَالِ وَيُسْتَرُ بِالْحَرِيرِ، وَيُحْمَلُ عَلَى الْبِغَالِ، وَكَانَ يُضَاهِي بِهِ تَابُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ ضَالًّا مُضِلًّا، أَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ بَعْدَمَا انْتَقَمَ بِهِ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ مِنَ الظَّالِمِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَهُوَ الْقَتَّالُ وَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ، نَائِبُ الْعِرَاقِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، الَّذِي انْتَزَعَ الْعِرَاقَ مِنْ يَدِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْمُخْتَارَ لَمْ يَزَلْ مُظْهِرًا مُوَافَقَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ مُصْعَبٌ إِلَى الْبَصْرَةِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، وَأَظْهَرَ مُخَالَفَتَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ فَقَاتَلَهُ، وَكَانَ الْمُخْتَارُ فِي نَحْوٍ مَنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَقَدْ حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُخْتَارُ مَرَّةً فَهَزَمَهُ، وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ جَيْشُ الْمُخْتَارِ حَتَّى جَعَلُوا يَنْصَرِفُونَ إِلَى مُصْعَبٍ وَيَدْعُونَ الْمُخْتَارَ، وَيَنْقِمُونَ عَلَيْهِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكَهَانَةِ وَالْكَذِبِ. فَلَمَّا رَأَى الْمُخْتَارُ ذَلِكَ انْصَرَفَ إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَحَاصَرَهُ مُصْعَبٌ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ قَتَلَهُ فِي رَابِعَ عَشَرَ رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ سَبْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً فِيمَا قِيلَ.

  187. التاريخ 2278لا حكم مسجّل

    ( اسْتِقْرَارُ الْأَمْرِ لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ   ) وَلَمَّا اسْتَقَرَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ بَعْثَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لِيَقْدَمَ عَلَيْهِ، فَحَارَ ابْنُ الْأَشْتَرِ فِي أَمْرِهِ، وَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ إِلَى أَيِّهِمَا يَذْهَبُ، ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى بَلَدِهِمُ الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ ابْنُ الْأَشْتَرَ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَاحْتَرَمَهُ كَثِيرًا، وَبَعَثَ مُصْعَبٌ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ - وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ حِينَ خَرَجَ مِنْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ - وَأَقَامَ هُوَ بِالْكُوفَةِ. ذِكْرُ عَزْلِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَوِلَايَةِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ  ثُمَّ لَمْ تَنْسَلِخُ هَذِهِ السَّنَةُ حَتَّى عَزَلَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوَلَّى عَلَيْهَا ابْنَهُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ شُجَاعًا جَوَادًا مُخَلِّطًا، يُعْطِي أَحْيَانًا حَتَّى لَا يَدَعَ شَيْئًا، وَيَمْنَعُ أَحْيَانًا مَا لَا يُمْنَعُ مِثْلُهُ، وَظَهَرَتْ خِفَّتُهُ وَطَيْشٌ فِي عَقْلِهِ وَسُرْعَةٌ فِي أَمْرِهِ، فَيُقَالُ إِنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فَرَأَى فَيْضَ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْغَدِيرَ إِنْ رَفَقُوا بِهِ لَيَكْفِيَنَّهُمْ صَيَفَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَآهُ جَازِرًا فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَوْ رَفَقُوا بِهِ لَكَفَاهُمْ. وَظَهَرَ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ الْأَحْنَفُ إِلَى أَبِيهِ وَسَأَلَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْهُمْ وَيُعِيدَ مُصْعَبًا، فَعَزَلَهُ، فَاحْتَمَلَ مَالًا كَثِيرًا مِنْ مَالِ الْبَصْرَةِ، فَعَرَضَ لَهُ مَالِكُ بْنُ مَسْمَعٍ فَقَالَ لَهُ: لَا نَدَعُكَ تَخْرُجُ بِعَطَايَانَا. فَضَمِنَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَطَاءَ، فَكَفَّ عَنْهُ، وَشَخَصَ حَمْزَةُ بِالْمَالِ، وَأَتَى الْمَدِينَةَ فَأَوْدَعَهُ رِجَالًا، فَجَحَدُوهُ إِلَّا رَجُلًا وَاحَدًا فَوَفَى لَهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَاهُ فَقَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ ! أَرَدْتُ أَنْ أُبَاهِيَ بِهِ بَنِي مَرْوَانَ فَنَكَصَ. وَقِيلَ: إِنَّ مُصْعَبًا أَقَامَ بِالْكُوفَةِ سَنَةً بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ مَعْزُولًا عَنِ الْبَصْرَةِ، عَزَلَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا ابْنَهُ حَمْزَةَ، ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبًا وَفَدَ عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، فَرَدَّهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقِيلَ: بَلِ انْصَرَفَ مُصْعَبٌ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْكُوفَةِ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَكَانَتَا فِي عَمَلِهِ، فَعَزَلَهُ أَخُوهُ عَنِ الْبَصْرَةِ وَاسْتَعْمَلَ ابْنَهُ حَمْزَةَ، ثُمَّ عَزَلَ حَمْزَةَ بِكِتَابِ الْأَحْنَفِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَرَدَّ مُصْعَبًا.

  188. التاريخ 2279لا حكم مسجّل

    8 حَجَّ بِالنَّاسِ فِي سنة سبع وستين عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي سنة سبع وستين عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى الْكُوفَةِ أَخَاهُ مُصْعَبًا، وَعَلَى الْبَصْرَةِ ابْنَهُ حَمْزَةَ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ رَجَعَ إِلَيْهَا أَخُوهُ. وَعَلَى خُرَاسَانَ وَتِلْكَ الْبِلَادِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ السُّلَمِيُّ مِنْ جِهَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَبِالشَّامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

  189. التاريخ 2280لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: الْوَلِيدُ بْنُ عَقَبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَ أَبُو الْجَهْمِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَنْبِجَانِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَفِيهَا قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ بِالْكُوفَةِ مَعَ مُصْعَبٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ بِالْكُوفَةِ لَمَّا سَارَ مُصْعَبٌ إِلَى قِتَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَقُتِلَ هُبَيْرَةُ بْنُ مَرْيَمَ مَوْلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ بِالْخَازَرِ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ وَثِقَاتِ الْمُحَدِّثِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَتَلَ مُصْعَبٌ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَبْدَ الرَّبِّ ابْنَيْ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَتَلَهُمْ صَبْرًا بَعْدَ قَتْلِ الْمُخْتَارِ، وَبَعْدَ قَتْلِ أَصْحَابِهِ.

  190. التاريخ 2281لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ عَزْلِ حَمْزَةَ وَوِلَايَةِ مُصْعَبٍ الْبَصْرَةَ   وَفِي سنة ثمان وستين رَدَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَخَاهُ مُصْعَبًا إِلَى الْعِرَاقِ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ حَمْزَةَ أَنَّهُ قَصَّرَ بِالْأَشْرَافِ وَبَسَطَ يَدَهُ، فَفَزِعُوا إِلَى مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، فَضَرَبَ خَيْمَتَهُ عَلَى الْجِسْرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى حَمْزَةَ: الْحَقْ بِأَبِيكَ. وَأَخْرَجَهُ عَنِ الْبَصْرَةِ، فَقَالَ الْعُدَيْلُ الْعِجْلِيُّ: إِذَا مَا خَشِينَا مِنْ أَمِيرٍ ظُلَامَةً دَعَوْنَا أَبَا سُفْيَانَ يَوْمًا فَعَسْكَرَا وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيَّ، وَعَزَلَ عَنْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَشْعَثِ ; لِكَوْنِهِ ضَرَبَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ سِتِّينَ سَوْطًا، فَإِنَّهُ أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يُبَايِعَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَضَرَبَهُ فَعَزَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ

  191. التاريخ 2282لا حكم مسجّل

    حُرُوبِ الْخَوَارِجِ بِفَارِسَ وَالْعِرَاقِ   فِي سنة ثمان وستين اسْتَعْمَلَ مُصْعَبٌ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ عَلَى فَارِسَ، وَوَلَّاهُ حَرْبَ الْأَزَارِقَةِ، وَكَانَ الْمُهَلَّبُ عَلَى حَرْبِهِمْ أَيَّامَ مُصْعَبٍ الْأُولَى، وَأَيَّامَ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. فَلَمَّا عَادَ مُصْعَبٌ أَرَادَ أَنْ يُوَلِّيَ الْمُهَلَّبَ بِلَادَ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ ; لِيَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِفَارِسَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَقَدِمَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ، وَوَصَّاهُ بِالِاحْتِيَاطِ، وَقَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَعَزَلَهُ مُصْعَبٌ عَنْ حَرْبِ الْخَوَارِجِ وَبِلَادِ فَارِسَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمَا عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ. فَلَمَّا سَمِعَ الْخَوَارِجُ بِهِ قَالَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ: قَدْ جَاءَكُمْ شُجَاعٌ، وَهُوَ شُجَاعٌ وَبَطَلٌ، جَاءَ يُقَاتِلُ لِدِينِهِ وَمُلْكِهِ بِطَبِيعَةٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا لِأَحَدٍ، مَا حَضَرَ حَرْبًا إِلَّا كَانَ أَوَّلَ فَارِسٍ يَقْتُلُ قِرْنَهُ. وَكَانَ الْخَوَارِجُ قَدِ اسْتَعْمَلُوا عَلَيْهِمْ بَعْدَ قَتْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمَاحُوزِ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، فَجَاءَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى إِصْطَخْرَ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ فِي خَيْلٍ، فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَرَادَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ قِتَالَ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ قَطَرِيٌّ: إِنَّ عُمَرَ مَأْثُورٌ فَلَا نُقَاتِلُهُ. فَأَبَى فَقَاتَلَهُ، فَقُتِلَ مِنْ فُرْسَانِ الْخَوَارِجِ تِسْعُونَ رَجُلًا، وَطَعَنَ عُمَرُ صَالِحَ بْنَ مُخَارِقٍ، فَشَتَرَ عَيْنَهُ، وَضَرَبَ قَطَرِيًّا عَلَى جَبِينِهِ فَفَلَقَهُ، وَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ وَسَارُوا إِلَى سَابُورَ، فَعَادَ عُمَرُ وَلَقِيَهُمْ بِهَا وَمَعَهُ مُجَّاعَةُ بْنُ سِعْرٍ، فَقَتَلَ مُجَّاعَةُ بِعَمُودٍ كَانَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ، وَكَادَ عُمَرُ يَهْلِكُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ، فَدَافَعَ عَنْهُ مُجَّاعَةُ، فَوَهَبَ لَهُ عُمَرُ تِسْعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقِيلَ فِي ذَلِكَ: قَدْ ذُدْتُ عَادِيَةَ الْكَتِيبَةِ عَنْ فَتًى قَدْ كَادَ يُتْرَكُ لَحْمُهُ أَقْطَاعَا وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَسَارُوا وَقَطَعُوا قَنْطَرَةً بَيْنَهُمَا لِيَمْتَنِعَ مِنْ طَلَبِهِمْ، وَقَصَدُوا نَحْوَ أَصْبَهَانَ، فَأَقَامُوا عِنْدَهَا حَتَّى قَوَوْا وَاسْتَعَدُّوا، ثُمَّ أَقْبَلُوا حَتَّى مَرُّوا بِفَارِسَ وَبِهَا عُمَرُ، فَقَطَعُوهَا فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمْ بِهِ، أَخَذُوا عَلَى سَابُورَ، ثُمَّ عَلَى أَرَّجَانَ، حَتَّى أَتَوُا الْأَهْوَازَ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: الْعَجَبُ لِعُمَرَ ! قَطَعَ الْعَدُوُّ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ مُحَارَبَتِهِ أَرْضَ فَارِسَ فَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، وَلَوْ قَاتَلَهُمْ وَفَرَّ كَانَ أَعْذَرَ لَهُ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ: يَا ابْنَ مَعْمَرٍ مَا أَنْصَفْتَنِي، تَجْبِي الْفَيْءَ وَتَحِيدُ عَنِ الْعَدُوِّ، فَاكْفِنِي أَمْرَهُمْ. فَسَارَ عُمَرُ مِنْ فَارِسَ فِي أَثَرِهِمْ مُجِدًّا يَرْجُو أَنْ يَلْحَقَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْعِرَاقَ، وَخَرَجَ مُصْعَبٌ فَعَسْكَرَ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ، وَعَسْكَرَ النَّاسُ مَعَهُ، وَبَلَغَ الْخَوَارِجَ وَهُمْ بِالْأَهْوَازِ إِقْبَالُ عُمَرَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ مُصْعَبًا قَدْ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ: مِنْ سُوءِ الرَّأْيِ وُقُوعُكُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الشَّوْكَتَيْنِ، انْهَضُوا بِنَا إِلَى عَدُوِّنَا نَلْقَهُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. فَسَارَ بِهِمْ فَقَطَعَ بِهِمْ أَرْضَ جُوخَى وَالنَّهْرَوَانَاتِ، فَأَتَى الْمَدَائِنَ وَبِهَا كَرْدَمُ بْنُ مَرْثَدٍ الْقُرَادِيُّ، فَشَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ يَقْتُلُونَ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ، وَيَشُقُّونَ أَجْوَافَ الْحُبَالَى. فَهَرَبَ كَرْدَمُ، وَأَقْبَلُوا إِلَى سَابَاطَ، وَوَضَعُوا السَّيْفَ فِي النَّاسِ يَقْتُلُونَ، وَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً إِلَى الْكَرْخِ، فَلَقُوا أَبَا بَكْرِ بْنَ مِخْنَفٍ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ أَبُو بَكْرٍ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَأَفْسَدَ الْخَوَارِجُ فِي الْأَرْضِ. فَأَتَى أَهْلُ الْكُوفَةِ أَمِيرَهُمْ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَلَقَبُهُ الْقُبَاعُ، فَصَاحُوا بِهِ وَقَالُوا: اخْرُجْ فَإِنَّ الْعَدُوَّ قَدْ أَظَلَّ عَلَيْنَا لَيْسَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ. فَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ النُّخَيْلَةَ فَأَقَامَ أَيَّامًا، فَوَثَبَ إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، فَحَثَّهُ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى دَخَلَ إِلَيْهِ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ بُطْءَ مَسِيرِهِ رَجَزُوا بِهِ فَقَالُوا: سَارَ بِنَا الْقُبَاعُ سَيْرًا نُكْرَا يَسِيرُ يَوْمًا وَيُقِيمُ شَهْرَا فَسَارَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَكَانَ كُلَّمَا نَزَلَ مَنْزِلًا أَقَامَ بِهِ حَتَّى يَصِيحَ بِهِ النَّاسُ، فَبَلَغَ الْفُرَاتَ فِي بِضْعَةِ عَشْرَ يَوْمًا، فَأَتَاهَا وَقَدِ انْتَهَى إِلَيْهَا الْخَوَارِجُ، فَقَطَعُوا الْجِسْرَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ وَأَخَذُوا رَجُلًا اسْمُهُ سِمَاكُ بْنُ يَزِيدَ وَمَعَهُ بِنْتٌ لَهُ، فَأَخَذُوهَا لِيَقْتُلُوهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ ! إِنَّ أَبِي مُصَابٌ فَلَا تَقْتُلُوهُ، وَأَمَّا أَنَا فَجَارِيَةٌ، وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُ فَاحِشَةً قَطُّ، وَلَا آذَيْتُ جَارَةً لِي، وَلَا تَطَلَّعْتُ وَلَا تَشَرَّفْتُ قَطُّ. فَلَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهَا سَقَطَتْ مَيِّتَةً، فَقَطَّعُوهَا بِأَسْيَافِهِمْ، وَبَقِيَ سِمَاكٌ مَعَهُمْ حَتَّى أَشْرَفُوا عَلَى الصَّرَاةِ، فَاسْتَقْبَلَ أَهْلَ الْكُوفَةِ فَنَادَاهُمُ: اعْبُرُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ قَلِيلٌ خَبِيثٌ. فَضَرَبُوا عُنُقَهُ وَصَلَبُوهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ لِلْحَارِثِ: انْدُبْ مَعِيَ النَّاسَ حَتَّى أَعْبُرَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْكِلَابِ فَأَجِيئَكَ بِرُءُوسِهِمْ. فَقَالَ شَبَثٌ، وَأَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، دَعْهُمْ فَلْيَذْهَبُوا. وَكَأَنَّهُمْ حَسَدُوا إِبْرَاهِيمَ. فَلَمَّا رَأَى الْخَوَارِجُ كَثْرَةَ النَّاسِ قَطَعُوا الْجِسْرَ، وَاغْتَنَمَ ذَلِكَ الْحَارِثُ فَتَحَبَّسَ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَوَّلَ الْقِتَالِ الرَّمْيَةُ بِالنَّبْلِ وَإِشْرَاعُ الرِّمَاحِ وَالطَّعْنُ، ثُمَّ الطَّعْنُ شَزْرًا، ثُمَّ السَّلَّةُ آخِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قَدْ أَحْسَنَ الْأَمِيرُ الصِّفَةَ، وَلَكِنْ مَتَى نَصْنَعُ هَذَا وَهَذَا الْبَحْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ؟ فَمُرْ بِهَذَا الْجِسْرِ فَلْيُعْقَدْ، ثُمَّ عَبِّرْنَا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُرِيكَ مَا تُحِبُّ. فَعَقَدَ الْجِسْرَ وَعَبَرَ النَّاسُ، فَطَارَدَ الْخَوَارِجَ حَتَّى أَتَوُا الْمَدَائِنَ، وَطَارَدَتْ بَعْضُ خَيْلِهِمْ عِنْدَ الْجِسْرِ طِرَادًا ضَعِيفًا فَرَجَعُوا، فَأَتْبَعَهُمُ الْحَارِثُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ لِيُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ الْكُوفَةِ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا وَقَعُوا فِي أَرْضِ الْبَصْرَةِ فَاتْرُكْهُمْ. فَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتْبَعُهُمْ حَتَّى وَقَعُوا فِي أَرْضٍ أَصْبَهَانَ، فَرَجَعَ عَنْهُمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ، وَقَصَدُوا الرَّيَّ وَعَلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيُّ، فَقَاتَلَهُمْ، فَأَعَانَ أَهْلُ الرَّيِّ الْخَوَارِجَ، فَقُتِلَ يَزِيدُ وَهَرَبَ ابْنُهُ حَوْشَبٌ، وَدَعَاهُ أَبُوهُ لِيَدْفَعَ عَنْهُ فَلَمْ يَرْجِعْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَوْ كَانَ حُرًّا حَوْشَبٌ ذَا حَفِيظَةٍ     رَأَى مَا رَأَى فِي الْمَوْتِ عِيسَى بْنُ مُصْعَبِ يَعْنِي أَنَّ عِيسَى بْنَ مُصْعَبٍ لَمْ يَفِرَّ عَنْ أَبِيهِ، بَلْ قَاتَلَ عَنْهُ مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمًا وَعِنْدَهُ حَوْشَبٌ هَذَا وَعِكْرِمَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى فَرَسٍ جَوَادٍ ؟ فَقَالَ عِكْرِمَةُ: فَرَسُ حَوْشَبٍ، فَإِنَّهُ نَجَا عَلَيْهِ يَوْمَ الرَّيِّ. وَقَالَ بِشْرٌ أَيْضًا يَوْمًا: مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى بَغْلَةٍ قَوِيَّةِ الظَّهْرِ ؟ فَقَالَ حَوْشَبٌ: بَغْلَةُ وَاصِلِ بْنِ مُسَافِرٍ. كَانَ عِكْرِمَةُ يُتَّهَمُ بِامْرَأَةِ وَاصِلٍ، فَتَبَسَّمَ بِشْرٌ وَقَالَ: لَقَدِ انْتَصَفْتَ. وَلَمَّا فَرَغَ الْخَوَارِجُ مِنَ الرَّيِّ انْحَطُّوا إِلَى أَصْبَهَانَ، فَحَاصَرُوهَا وَبِهَا عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، فَصَبَرَ لَهُمْ، وَكَانَ يُقَاتِلُهُمْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، وَيَرْمُونَ مِنَ السُّورِ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ. وَكَانَ مَعَ عَتَّابٍ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَكَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَوْنَ يَا كِلَابَ النَّارِ     شَدَّ أَبِي هُرَيْرَةَ الْهَرَّارِ يُهِرُّكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ     يَا ابْنَ أَبِي الْمَاحُوزِ وَالْأَشْرَارِ كَيْفَ تَرَى حَرْبِي عَلَى الْمِضْمَارِ فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى الْخَوَارِجِ كَمُنَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَصَرَعَهُ، فَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَدَاوُوهُ حَتَّى بَرِأَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَلَى عَادَتِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ أَقَامَتْ عَلَيْهِمْ أَشْهُرًا حَتَّى نَفِدَتْ أَطْعِمَتُهُمْ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ، وَأَصَابَهُمُ الْجُهْدُ الشَّدِيدُ، فَقَالَ لَهُمْ عَتَّابٌ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْجُهْدِ مَا تَرَوْنَ، وَمَا بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ أَحَدُكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَدْفِنَهُ أَخُوهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، ثُمَّ يَمُوتُ هُوَ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَدْفِنُهُ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَاللَّهِ مَا أَنْتُمْ بِالْقَلِيلِ، وَإِنَّكُمُ الْفُرْسَانُ الصُّلَحَاءُ، فَاخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَبِكُمْ قُوَّةٌ وَحَيَاةٌ، قَبْلَ أَنْ تَضْعُفُوا عَنِ الْحَرَكَةِ مِنَ الْجُهْدِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ صَدَقْتُمُوهُمْ أَنْ تَظْفَرُوا بِهِمْ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ.

  192. التاريخ 2283لا حكم مسجّل

    قَتْلِ ابْنِ الْمَاحُوزِ وَإِمَارَةِ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ   لَمَّا أَمَرَ عَتَّابٌ أَصْحَابَهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ جَمَعَ النَّاسَ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِطَعَامٍ كَثِيرٍ، ثُمَّ خَرَجَ حِينَ أَصْبَحَ، فَأَتَى الْخَوَارِجَ وَهُمْ آمِنُونَ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنْ عَسْكَرِهِمْ، وَانْتَهَوْا إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْمَاحُوزِ، فَنَزَلَ فِي عِصَابَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَانْحَازَتِ الْأَزَارِقَةُ إِلَى قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ الْمَازِنِيِّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو نَعَامَةَ، فَبَايَعُوهُ، وَأَصَابَ عَتَّابٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْ عَسْكَرِهِ مَا شَاءُوا، وَجَاءَ قَطَرِيٌّ فَنَزَلَ فِي عَسْكَرِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ سَارَ عَنْ أَصْبَهَانَ وَتَرَكَهَا، وَأَتَى نَاحِيَةَ كَرْمَانَ وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وَجَبَى الْمَالَ وَقَوِيَ. ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَصْبَهَانَ، ثُمَّ أَتَى إِلَى أَرْضِ الْأَهْوَازِ، فَأَقَامَ بِهَا وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عَامِلُ مُصْعَبٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَى مُصْعَبٍ يُخْبِرُهُ بِالْخَوَارِجِ وَأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الْمُهَلَّبُ. فَبَعَثَ إِلَى الْمُهَلَّبِ وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ فَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ، وَبَعَثَ إِلَى الْمَوْصِلِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ، وَجَاءَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَانْتَخَبَ النَّاسَ وَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ الْخَوَارِجِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَيْهِ حَتَّى الْتَقَوْا بِسُولَافَ، فَاقْتَتَلُوا بِهَا ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ.

  193. التاريخ 2284لا حكم مسجّل

    حِصَارِ الرَّيِّ   وَفِيهَا أَمَرَ مُصْعَبٌ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيَّ، عَامِلَهُ عَلَى أَصْبَهَانَ، بِالْمَسِيرِ إِلَى الرَّيِّ وَقِتَالِ أَهْلِهَا لِمُسَاعَدَتِهِمُ الْخَوَارِجَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ، وَامْتِنَاعِهِمْ مِنْ مَدِينَتِهِمْ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عَتَّابٌ فَنَازَلَهُمْ وَقَاتَلَهُمْ وَعَلَيْهِمُ الْفَرُّخَانُ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ عَتَّابٌ بِالْقِتَالِ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَغَنِمَ مَا فِيهَا، وَافْتَتَحَ سَائِرَ قِلَاعِ نَوَاحِيهَا.

  194. التاريخ 2285لا حكم مسجّل

    خَبَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ وَمَقْتَلِهِ   وفِي سنة ثمان وستين قُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُرِّ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ قَوْمِهِ صَلَاحًا وَفَضْلًا وَاجْتِهَادًا. وكَانَ مَنْ خَبَرِهِ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا شُجَاعًا تَتَقَلَّبُ بِهِ الْأَحْوَالُ وَالْأَيَّامُ وَالْآرَاءُ، حَتَّى صَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنَّهُ لَا يَنْطَاعُ لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَلَا لِآلِ الزُّبَيْرِ. وعندما قُتِلَ عُثْمَانُ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ قَصَدَ مُعَاوِيَةَ، فَكَانَ مَعَهُ لِمَحَبَّتِهِ عُثْمَانَ، وَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ هُوَ وَمَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ، وَأَقَامَ عُبَيْدُ اللَّهِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ لَهُ زَوْجَةٌ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا طَالَتْ غَيْبَتُهُ زَوَّجَهَا أَخُوهَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ الْخَبِيصِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ مِنَ الشَّامِ، فَخَاصَمَ عِكْرِمَةَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: ظَاهَرْتَ عَلَيْنَا عَدُوَّنَا فَغُلْتَ. فَقَالَ لَهُ: أَيَمْنَعُنِي ذَلِكَ مِنْ عَدْلِكَ ؟ قَالَ: لَا، فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ، وَكَانَتْ حُبْلَى، فَوَضَعَهَا عِنْدَ مَنْ يَثِقُ إِلَيْهِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِعِكْرِمَةَ، وَدَفَعَ الْمَرْأَةَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، وَعَادَ إِلَى الشَّامِ فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ عَلِيٌّ، فَلَمَّا قُتِلَ أَقْبَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَتَى إِخْوَانَهُ فَقَالَ: مَا أَرَى أَحَدًا يَنْفَعُهُ اعْتِزَالُهُ، كُنَّا بِالشَّامِ فَكَانَ مِنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ كَيْتُ وَكَيْتُ، فَقَالُوا: وَكَانَ مِنْ أَمْرِ عَلِيٍّ كَيْتُ وَكَيْتُ، وَكَانُوا يَلْتَقُونَ بِذَلِكَ. فَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَقُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ عُبَيْدُ اللَّهِ فِيمَنْ حَضَرَ قَتْلَهُ، يَغِيبُ عَنْ ذَلِكَ تَعَمُّدًا، فَلَمَّا قُتِلَ جَعَلَ ابْنُ زِيَادٍ يَتَفَقَّدُ الْأَشْرَافَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَرَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحُرِّ، ثُمَّ جَاءَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ كُنْتَ يَا ابْنَ الْحُرِّ ؟ قَالَ: كُنْتُ مَرِيضًا. قَالَ: مَرِيضَ الْقَلْبِ أَمْ مَرِيضَ الْبَدَنِ ؟ فَقَالَ: أَمَّا قَلْبِي فَلَمْ يَمْرَضْ، وَأَمَّا بَدَنِي فَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيَّ بِالْعَافِيَةِ. قَالَ ابْنُ زِيَادٍ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ كُنْتَ مَعَ عَدُوِّنَا. فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ مَعَهُ لَرَأَى مَكَانِي. وَغَفَلَ عَنْهُ ابْنُ زِيَادٍ، فَخَرَجَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ، ثُمَّ طَلَبَهُ ابْنُ زِيَادٍ فَقَالُوا: رَكِبَ السَّاعَةَ. فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِ. فَأَحْضَرَ الشُّرَطُ خَلْفَهُ، فَقَالُوا: أَجِبِ الْأَمِيرَ. فَقَالَ: أَبْلِغُوهُ عَنِّي أَنِّي لَا آتِيهِ طَائِعًا أَبَدًا. ثُمَّ أَجْرَى فَرَسَهُ، وَأَتَى مَنْزِلَ أَحْمَدَ بْنِ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى كَرْبِلَاءَ، فَنَظَرَ إِلَى مُصَارِعِ الْحُسَيْنِ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ثُمَّ مَضَى إِلَى الْمَدَائِنِ شعر عبيد الله بن الحر الجعفي في مقتل الحسين وَقَالَ فِي ذَلِكَ: يَقُولُ أَمِيرٌ غَادِرٌ وَابْنُ غَادِرٍ: أَلَا كُنْتَ قَاتَلْتَ الْحُسَيْنَ بْنَ فَاطِمَهْ     وَنَفْسِي عَلَى خِذْلَانِهِ وَاعْتِزَالِهِ وَبَيْعَةِ هَذَا النَّاكِثِ الْعَهْدَ لَائِمَهْ     فَيَا نَدَمِي أَنْ لَا أَكُونَ نَصَرْتُهُ أَلَا كُلُّ نَفْسٍ لَا تُشَدِّدُ نَادِمَهْ     وَإِنِّي لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مِنْ حُمَاتِهِ لَذُو حَسْرَةٍ أَنْ لَا تُفَارِقَ لَازِمَهْ     سَقَى اللَّهُ أَرْوَاحَ الَّذِينَ تَبَادَرُوا إِلَى نَصْرِهِ سُقْيًا مِنَ الْغَيْثِ دَائِمَهْ     وَقَفْتُ عَلَى أَجْدَاثِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ فَكَادَ الْحَشَا يَنْقَضُّ وَالْعَيْنُ سَاجِمَهْ     لَعَمْرِي لَقَدْ كَانُوا مَصَالِيتَ فِي الْوَغَى سِرَاعًا إِلَى الْهَيْجَا حُمَاةً خَضَارِمَهْ     تَأَسَّوْا عَلَى نَصْرِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ بِأَسْيَافِهِمْ آسَادُ غِيلٍ ضَرَاغِمَهْ     فَإِنْ يَقْتُلُوا فِي كُلِّ نَفْسٍ بَقِيَّةً عَلَى الْأَرْضِ قَدْ أَضْحَتْ لِذَلِكَ وَاجِمَهْ     وَمَا إِنْ رَأَى الرَّاءُونَ أَفْضَلَ مِنْهُمُ لَدَى الْمَوْتِ سَادَاتٍ وَزُهْرًا قَمَاقِمَهْ     يُقَتِّلُهُمْ ظُلْمًا وَيَرْجُو وِدَادَنَا فَدَعْ خُطَّةً لَيْسَتْ لَنَا بِمُلَائِمَهْ     لَعَمْرِي لَقَدْ رَاغَمْتُمُونَا بِقَتْلِهِمْ فَكَمْ نَاقِمٍ مِنَّا عَلَيْكُمْ وَنَاقِمَهْ     أَهِمُّ مِرَارًا أَنْ أَسِيرَ بِجَحْفَلٍ إِلَى فِئَةٍ زَاغَتْ عَنِ الْحَقِّ ظَالِمَهْ فَكُفُّوا وَإِلَّا زِدْتُكُمْ     فِي كَتَائِبٍ أَشُدَّ عَلَيْكُمْ مِنْ زُحُوفِ الدَّيَالِمَهْ وَأَقَامَ ابْنُ الْحُرِّ بِمَنْزِلِهِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِلَى أَنْ مَاتَ يَزِيدُ وَوَقَعَتِ الْفِتْنَةُ، فَقَالَ: مَا أَرَى قُرَيْشًا تُنْصِفُ، أَيْنَ أَبْنَاءُ الْحَرَائِرِ ؟ فَأَتَاهُ كُلُّ خَلِيعٍ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدَائِنِ فَلَمْ يَدَعْ مَالًا قُدِمَ بِهِ لِلسُّلْطَانِ إِلَّا أَخَذَ مِنْهُ عَطَاءَهُ وَعَطَاءَ أَصْحَابِهِ، وَيَكْتُبُ لِصَاحِبِ الْمَالِ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَقَصَّى الْكُوَرَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَالِ أَحَدٍ وَلَا ذِمَّةٍ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى ظَهَرَ الْمُخْتَارُ وَسَمِعَ مَا يَعْمَلُ فِي السَّوَادِ، فَأَخَذَ امْرَأَتَهُ فَحَبَسَهَا، فَأَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي أَصْحَابِهِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَكَسَرَ بَابَ السِّجْنِ وَأَخْرَجَهَا، وَأَخْرَجَ كُلَّ امْرَأَةٍ فِيهِ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ تَوْبَةَ أَنَّنِي     أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقَائِقَ مَذْحِجِ وَأَنِّي صَبَحْتُ السِّجْنَ فِي سَوْرَةِ الضُّحَى     بِكُلِّ فَتًى حَامِي الذِّمَارِ مُدَجَّجِ فَمَا إِنْ بَرِحْنَا السَّجْنَ حَتَّى بَدَا لَنَا     جَبِينٌ كَقَرْنِ الشَّمْسِ غَيْرُ مُشَنَّجِ وَخَدٌّ أَسِيلٌ عَنْ فَتَاةٍ حَبِيبَةٍ     إِلَيْنَا سَقَاهَا كُلُّ دَانٍ مُشَجَّجِ فَمَا الْعَيْشُ إِلَّا أَنْ أَزُورَكِ آمِنًا     كَعَادَتِنَا مِنْ قَبْلِ حَرْبِي وَمُخْرَجِي وَمَا زِلْتُ مَحْبُوسًا لِحَبْسِكِ وَاجِمًا     وَإِنِّي بِمَا تَلْقِينَ مِنْ بَعْدِهِ شَجِي وَهِيَ طَوِيلَةٌ. وَجَعَلَ يَعْبَثُ بِعُمَّالِ الْمُخْتَارِ وَأَصْحَابِهِ، فَأُحْرِقَتْ بِهَمَذَانَ دَارُهُ، وَنَهَبُوا ضَيْعَتَهُ، فَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى ضِيَاعِ هَمَذَانَ، فَنَهَبَهَا جَمِيعَهَا، وَكَانَ يَأْتِي الْمَدَائِنَ فَيَمُرُّ بِعُمَّالِ جُوخَى، فَيَأْخُذُ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْمَالِ، ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الْجَبَلِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ الْمُخْتَارُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ بَايَعَ الْمُخْتَارَ بَعْدَ امْتِنَاعٍ، وَأَرَادَ الْمُخْتَارُ أَنْ يَسْطُوَ بِهِ فَامْتَنَعَ لِأَجْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ. ثُمَّ سَارَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُ قِتَالَ ابْنِ زِيَادٍ، أَظْهَرَ الْمَرَضَ. ثُمَّ فَارَقَ ابْنَ الْأَشْتَرِ وَأَقْبَلَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ إِلَى الْأَنْبَارِ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَأَخَذَ مَا فِي بَيْتِ مَالِهَا. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَمَرَ الْمُخْتَارُ بِهَدْمِ دَارِهِ وَأَخْذِ امْرَأَتِهِ، فَفَعَلَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. حبس مصعب بن الزبير عبيد الله بن الحر الجعفي وَحَضَرَ مَعَ مُصْعَبٍ قِتَالَ الْمُخْتَارِ وَقَتْلَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ قَالَ النَّاسُ لِمُصْعَبٍ فِي وِلَايَتِهِ الثَّانِيَةِ: إِنَّا لَا نَأْمَنُ أَنْ يَثِبَ ابْنُ الْحُرِّ بِالسَّوَادِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ بِابْنِ زِيَادٍ وَالْمُخْتَارِ، فَحَبَسَهُ، فَقَالَ: فَمَنْ مُبْلِغُ الْفِتْيَانِ أَنَّ أَخَاهُمُ     أَتَى دُونَهُ بَابٌ شَدِيدٌ وَحَاجِبُهْ بِمَنْزِلَةٍ مَا كَانَ يَرْضَى بِمِثْلِهَا     إِذَا قَامَ عَنَّتْهُ كُبُولٌ تُجَاذِبُهْ عَلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبِ أَسْوَدُ صَامِتٌ     شَدِيدٌ يُدَانِي خَطْوَهُ وَيُقَارِبُهْ وَمَا كَانَ ذَا مِنْ عُظْمِ جُرْمٍ     جَرَمْتُهُ وَلَكِنْ سَعَى السَّاعِي بِمَا هُوَ كَاذِبُهْ وَقَدْ كَانَ فِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ مَسْلَكٌ     وَأَيُّ امْرِئٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُهْ وَقَالَ: بِأَيِّ بَلَاءٍ أَمْ بِأَيَّةِ نِعْمَةٍ     تَقَدَّمَ قَبْلِي مُسْلِمٌ وَالْمُهَلَّبُ ؟ يَعْنِي مُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو وَالِدَ قُتَيْبَةَ، وَالْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ. وَكَلَّمَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَوْمًا مِنْ وُجُوهِ مَذْحِجٍ لِيَشْفَعُوا لَهُ إِلَى مُصْعَبٍ، وَأَرْسَلَ إِلَى فِتْيَانِ مَذْحِجٍ وَقَالَ: الْبَسُوا السِّلَاحَ وَاسْتُرُوهُ، فَإِنْ شَفَّعَهُمْ مُصْعَبٌ فَلَا تَعْتَرِضُوا لِأَحَدٍ، وَإِنْ خَرَجُوا وَلَمْ يُشَفِّعْهُمْ فَاقْصِدُوا السِّجْنَ، فَإِنِّي سَأُعِينُكُمْ مِنْ دَاخِلٍ. فَلَمَّا شَفَعَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِيهِ شَفَّعَهُمْ مُصْعَبٌ وَأَطْلَقَهُ، فَأَتَى مَنْزِلَهُ وَأَتَاهُ النَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِمِثْلِ الْخُلَفَاءِ الْمَاضِينَ الْأَرْبَعَةِ، وَلَمْ نَرَ لَهُمْ فِينَا شَبِيهًا فَنُلْقِي إِلَيْهِ أَزِمَّتَنَا، فَإِنْ كَانَ مَنْ عَزَّ بَزَّ فَعَلَامَ نَعْقِدُ فِي أَعْنَاقِنَا بَيْعَةً، وَلَيْسُوا بِأَشْجَعَ مِنَّا لِقَاءً وَلَا أَعْظَمَ مَنَاعَةً ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَكُلُّهُمْ عَاصٍ مُخَالِفٌ، قَوِيُّ الدُّنْيَا ضَعِيفُ الْآخِرَةِ، فَعَلَامَ تُسْتَحَلُّ حُرْمَتُنَا وَنَحْنُ أَصْحَابُ النُّخَيْلَةِ وَالْقَادِسِيَّةِ وَجَلُولَاءَ وَنَهَاوَنْدَ ؟ نَلْقَى الْأَسِنَّةَ بِنُحُورِنَا، وَالسُّيُوفَ بِجِبَاهِنَا، ثُمَّ لَا يُعْرَفُ حَقُّنَا وَفَضْلُنَا ؟ فَقَاتِلُوا عَنْ حَرِيمِكُمْ، فَإِنِّي قَدْ قَلَبْتُ ظَهْرَ الْمِجَنِّ، وَأَظْهَرْتُ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَخَرَجَ عَنِ الْكُوفَةِ وَحَارَبَهُمْ وَأَغَارَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ سَيْفَ بْنَ هَانِئٍ الْمُرَادِيَّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ خَرَاجَ بَادُورَيَا وَغَيْرِهَا، وَيَدْخُلُ فِي الطَّاعَةِ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ الرِّيَاحِيَّ فَقَاتَلَهُ، فَهَزَمَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَيْضًا حُرَيْثَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَتَلَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْحَجَّاجَ بْنَ جَارِيَةَ الْخَثْعَمِيَّ وَمُسْلِمَ بْنَ عَمْرٍو، فَلَقِيَاهُ بِنَهْرِ صَرْصَرَ، فَقَاتَلَهُمَا فَهَزَمَهُمَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ يَدْعُوهُ إِلَى الْأَمَانِ وَالصِّلَةِ، وَأَنْ يُوَلِّيَهُ أَيَّ بَلَدٍ شَاءَ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَأَتَى نَرْسَى فَفَرَّ دِهْقَانُهَا بِمَالِ الْفَلُّوجَةِ، فَتَبِعَهُ ابْنُ الْحُرِّ حَتَّى مَرَّ بِعَيْنِ تَمْرٍ وَعَلَيْهَا بِسْطَامُ بْنُ مَصْقَلَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ، فَالْتَجَأَ إِلَيْهِمُ الدِّهْقَانُ، فَخَرَجُوا إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَاتَلُوهُ، وَوَافَاهُمُ الْحَجَّاجُ بْنُ جَارِيَةَ الْخَثْعَمِيُّ فَحَمَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ، فَأَسَرَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَأَسَرَ أَيْضًا بِسْطَامَ بْنَ مَصْقَلَةَ وَنَاسًا كَثِيرًا، وَبَعَثَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَخَذُوا الْمَالَ الَّذِي مَعَ الدِّهْقَانِ، وَأَطْلَقَ الْأَسْرَى. ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ أَتَى تَكْرِيتَ، فَأَقَامَ يَجْبِي الْخَرَاجَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ الرِّيَاحِيَّ، وَالْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ، فِي أَلْفٍ، وَأَمَدَّهُمُ الْمُهَلَّبُ بِيَزِيدَ بْنِ الْمُغَفَّلِ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: قَدْ أَتَاكَ جَمْعٌ كَثِيرٌ فَلَا تُقَاتِلْهُمْ. فَقَالَ: يُخَوِّفُنِي بِالْقَتْلِ قَوْمِي وَإِنَّمَا     أَمُوتُ إِذَا جَاءَ الْكِتَابُ الْمُؤَجَّلُ لَعَلَّ الْقَنَا تُدْنِي بِأَطْرَافِهَا الْغِنَى     فَنَحْيَا كِرَامًا أَوْ نَكُرَّ فَنُقْتَلُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفَقْرَ يُزْرِي بِأَهْلِهِ     وَأَنَّ الْغِنَى فِيهِ الْعُلَى وَالتَّجَمُّلُ وَإِنَّكَ إِلَّا تَرْكَبِ الْهَوْلَ لَا تَنَلْ     مِنَ الْمَالِ مَا يُرْضِي الصَّدِيقَ وَيَفْضُلُ وَقَاتَلَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ يَوْمَيْنِ وَهُوَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، وَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ تَحَاجَزُوا، وَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ مِنْ تَكْرِيتَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي سَائِرٌ بِكُمْ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَتَجَهَّزُوا، وَقَالَ: إِنِّي خَائِفٌ أَنْ أَمُوتَ وَلَمْ أَذْعَرْ مُصْعَبًا وَأَصْحَابَهُ. وَسَارَ نَحْوَ الْكُوفَةِ فَبَلَغَ كَسْكَرَ، فَأَخَذَ بَيْتَ مَالِهَا، ثُمَّ أَتَى الْكُوفَةَ فَنَزَلَ بِحَمَّامِ جَرِيرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ فَقَاتَلَهُ، ( فَخَرَجَ إِلَى دَيْرِ الْأَعْوَرِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُصْعَبٌ حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ، فَانْهَزَمَ حَجَّارٌ، فَشَتَمَهُ مُصْعَبٌ وَضَمَّ إِلَيْهِ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ وَعُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، فَقَاتَلُوهُ ) بِأَجْمَعِهِمْ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحَاتُ فِي عَسْكَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُرِّ، وَعُقِرَتْ خُيُولُهُمْ، فَانْهَزَمَ حَجَّارٌ، ثُمَّ رَجَعَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى أَمْسَوْا، وَخَرَجَ ابْنُ الْحُرِّ مِنَ الْكُوفَةِ. وَكَتَبَ مُصْعَبٌ إِلَى زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ رُوَيْمٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ، يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ ابْنِ الْحُرِّ، فَقَدَّمَ ابْنَهُ حَوْشَبًا، فَلَقِيَهُ بِبَاجِسْرَى، فَهَزَمَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَأَقْبَلَ ابْنُ الْحُرِّ إِلَى الْمَدَائِنِ فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ، فَخَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ وَبِشْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيَّ، فَنَزَلَ الْجَوْنُ بِحَوْلَايَا، وَقَدِمَ بِشْرٌ إِلَى تَامَرَّا فَلَقِيَ ابْنَ الْحُرِّ، فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحُرِّ وَهَزَمَ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ لَقِيَ الْجَوْنَ بْنَ كَعْبٍ بِحَوْلَايَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحُرِّ وَهَزَمَ أَصْحَابَهُ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْعِجْلِيُّ، فَقَاتَلَهُ بِسُورَاءَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَرَجَعَ عَنْهُ بَشِيرٌ، وَأَقَامَ ابْنُ الْحُرِّ بِالسَّوَادِ، يُغِيرُ وَيَجْبِي الْخَرَاجَ. ثُمَّ لَحِقَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَالًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْحُرِّ لِيُوَجِّهَ مَعَهُ جُنْدًا يُقَاتِلُ بِهِمْ مُصْعَبًا، فَقَالَ لَهُ: سِرْ بِأَصْحَابِكَ، وَادْعُ مَنْ قَدَرْتَ عَلَيْهِ، وَأَنَا مُمِدُّكَ بِالرِّجَالِ. فَسَارَ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ بِقَرْيَةٍ إِلَى جَانِبِ الْأَنْبَارِ، فَاسْتَأْذَنَهُ أَصْحَابُهُ فِي إِتْيَانِ الْكُوفَةِ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُخْبِرُوا أَصْحَابَهُ بِقُدُومِهِ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْقَيْسِيَّةَ فَأَتَوُا الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ عَامِلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمْ جَيْشًا يُقَاتِلُونَ عُبَيْدَ اللَّهِ، وَيَغْتَنِمُونَ الْفُرْصَةَ فِيهِ بِتَفَرُّقِ أَصْحَابِهِ، فَبَعَثَ مَعَهُمْ جَيْشًا كَثِيفًا، فَسَارُوا فَلَقُوا ابْنَ الْحُرِّ، فَقَالَ لِابْنِ الْحُرِّ أَصْحَابُهُ: نَحْنُ نَفَرٌ يَسِيرٌ، وَهَذَا الْجَيْشُ لَا طَاقَةَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَدَعَهُمْ. وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: يَا لَكَ يَوْمًا فَاتَ فِيهِ نَهْبِي     وَغَابَ عَنِّي ثِقَتِي وَصَحْبِي ثُمَّ عَطَفُوا عَلَيْهِ فَكَشَفُوا أَصْحَابَهُ وَحَاوَلُوا أَنْ يَأْسِرُوهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَأَذِنَ لِأَصْحَابِهِ فِي الذَّهَابِ، فَذَهَبُوا فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ أَحَدٌ، وَجَعَلَ يُقَاتِلُ وَحْدَهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ يُكَنَّى أَبَا كُدَيَّةَ فَطَعَنَهُ، وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ وَيُكَتَّبُونَ عَلَيْهِ، وَلَا يَدْنُونَ مِنْهُ، وَهُوَ يَقُولُ: أَهَذِهِ نَبْلٌ أَمْ مَغَازِلُ ؟ فَلَمَّا أَثْخَنَتْهُ الْجِرَاحُ خَاضَ إِلَى مَعْبَرٍ هُنَاكَ، فَدَخَلَهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فَرَسُهُ، فَرَكِبَ السَّفِينَةَ وَمَضَى بِهِ الْمَلَّاحُ حَتَّى تَوَسَّطَ الْفُرَاتَ، فَأَشْرَفَتْ عَلَيْهِ الْخَيْلُ، وَكَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ نَبَطٌ، فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّ فِي السَّفِينَةِ طَلِبَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ فَاتَكُمْ قَتَلْنَاكُمْ، فَوَثَبَ ابْنُ الْحُرِّ لِيَرْمِيَ نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ، فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ عَظِيمُ الْخَلْقِ، فَقَبَضَ عَلَى يَدَيْهِ وَجِرَاحَاتُهُ تَجْرِي دَمًا، وَضَرَبَهُ الْبَاقُونَ بِالْمَجَاذِيفِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ نَحْوَ الْقَيْسِيَّةِ قَبَضَ عَلَى الَّذِي مَعَهُ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ مَعَهُ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَا. قصيدة عبيد الله بن الحر إلى عبد الله بن الزبير يعتب فيها مصعب بن الزبير وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ يَغْشَى مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ بِالْكُوفَةِ، فَرَآهُ يُقَدِّمُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَصِيدَةً يُعَاتِبُ فِيهَا مُصْعَبًا وَيُخَوِّفُهُ مَسِيرَهُ إِلَى ابْنِ مَرْوَانَ، يَقُولُ فِيهَا: أَبْلِغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رِسَالَةً     فَلَسْتُ عَلَى رَأْيٍ قَبِيحٍ أُوَارِبُهْ أَفِي الْحَقِّ أَنْ أُجْفَى وَيَجْعَلُ مُصْعَبٌ     وَزِيرًا لَهُ مَنْ كُنْتُ فِيهِ أُحَارِبُهْ فَكَيْفَ وَقَدْ آتَيْتُكُمْ حَقَّ بَيْعَتِي     وَحَقِّي يُلَوَّى عِنْدَكُمْ وَأُطَالِبُهْ وَأَبْلَيْتُكُمْ مَالًا يُضَيَّعُ مِثْلُهُ     وَآسَيْتُكُمْ وَالْأَمْرُ صَعْبٌ مَرَاتِبُهْ فَلَمَّا اسْتَنَارَ الْمُلْكَ وَانْقَادَتِ الْعِدَى     وَأُدْرِكَ مِنْ مُلْكِ الْعِرَاقِ رَغَائِبُهْ جَفَا مُصْعَبٌ عَنِّي وَلَوْ كَانَ غَيْرُهُ     لَأَصْبَحَ فِيمَا بَيْنَنَا لَا أُعَاتِبُهُ لَقَدْ رَابَنِي مِنْ مُصْعَبٍ أَنَّ مُصْعَبًا     أَرَى كُلَّ ذِي غِشِّ لَنَا هُوَ صَاحِبُهُ وَمَا أَنَا إِنْ حَلَأْتُمُونِي بِوَارِدٍ     عَلَى كَدَرٍ قَدْ غُصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ وَمَا لِامْرِئٍ إِلَّا الَّذِي اللَّهُ سَائِقٌ     إِلَيْهِ وَمَا قَدْ خَطَّ فِي الزَّبْرِ كَاتِبُهْ إِذَا قُمْتُ عِنْدَ الْبَابِ أَدْخَلَ مُسْلِمًا     وَيَمْنَعُنِي أَنْ أَدْخُلَ الْبَابَ حَاجِبُهْ فَحَبَسَهُ مُصْعَبٌ، وَلَهُ مَعَهُ مُعَاتَبَاتٌ مِنَ الْحَبْسِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ قَصِيدَةً يَهْجُو فِيهَا قَيْسَ عَيْلَانَ، مِنْهَا: أَلَمْ تَرَ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلَانَ بَرْقَعَتْ     لِحَاهَا وَبَاعَتْ نَبْلَهَا بِالْمَغَازِلِ فَأَرْسَلَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ إِلَى مُصْعَبٍ: إِنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ قِتَالَ ابْنِ الزَّرْقَاءِ - يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ - وَابْنُ الْحُرِّ يَهْجُو قَيْسًا، ثُمَّ إِنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَسَرُوا ابْنَ الْحُرِّ، فَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ: أَلَمْ تَرَ قَيْسًا قَيْسَ عَيْلَانَ أَقْبَلَتْ     وَسَارَتْ إِلَيْنَا فِي الْقَنَا وَالْقَنَابِلِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَيَّاشٌ.

  195. التاريخ 2286لا حكم مسجّل

    وفي سنة ثمان وستين كَانَ بِالشَّامِ قَحْطٌ شَدِيدٌ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا مِنْ شِدَّتِهِ عَلَى الْغَزْوِ. لِضَعْفِهِمْ وَقِلَّةِ طَعَامِهِمْ وَمِيرَتِهِمْ. وَفِيهَا عَسْكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِبُطْنَانَ [ حَبِيبٍ ]، وَهُوَ قَرِيبٌ [ مِنْ ] قِنَّسْرِينَ، وَشَتَّى بِهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ. وقِيلَ فِي سنة ثمان وستين وَافَى عَرَفَاتٍ أَرْبَعَةُ أَلْوِيَةٍ  : لِوَاءٌ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَأَصْحَابِهِ، وَلِوَاءٌ لِابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَصْحَابِهِ، وَلِوَاءٌ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَلِوَاءٌ لِنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ وَلَا فِتْنَةٌ، وَكَانَ أَصْحَابُ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَسْلَمَ الْجَمَاعَةِ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خِفْتُ الْفِتْنَةَ فَجِئْتُ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَقُلْتُ: اتَّقِ اللَّهَ فَإِنَّا فِي بَلَدٍ حَرَامٍ، وَالنَّاسُ وَفْدُ اللَّهِ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ، فَلَا تُفْسِدْ عَلَيْهِمْ حَجَّتَهُمْ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُرِيدُ ذَلِكَ، وَلَا يُؤْتَى أَحَدٌ مِنَ الْحَاجِّ مِنْ قِبَلِي، وَلَكِنِّي رَجُلٌ أَدْفَعُ عَنْ نَفْسِي، فَجِئْتُ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَكَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ قَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: أَرَى الْكَفَّ خَيْرًا لَكَ، قَالَ: أَفْعَلُ. فَجِئْتُ نَجْدَةَ فَكَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَمَّا أَنْ أَبْتَدِئَ أَحَدًا بِقِتَالٍ فَلَا، وَلَكِنْ مَنْ بَدَأَ بِقِتَالِي قَاتَلْتُهُ. ثُمَّ جِئْتُ شِيعَةَ بَنِي أُمَيَّةَ فَكَلَّمْتُهُمْ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَالُوا: نَحْنُ عَزَمْنَا عَلَى أَنْ لَا نُقَاتِلَ أَحَدًا إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَنَا. وكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَفَعَ رَايَةَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ نَجْدَةُ، ثُمَّ بَنُو أُمَيَّةَ، ثُمَّ دَفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَدُفَعَ النَّاسَ مَعَهُ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنِ انْتَظَرَ دَفْعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَكِنَّهُ تَأَخَّرَ دَفْعُهُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَشْبَهَ بِتَأْخِيرِهِ دَفْعَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَدَفَعَ ابْنُ عُمَرَ فَدَفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ الْعَامِلَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمَدِينَةِ هَذِهِ السَّنَةَ جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ مُصْعَبٌ أَخُوهُ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِالشَّامِ مُشَاقِقًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ. وَفي سنة ثمان وستين هَلَكَ مَلِكُ الرُّومِ قُسْطَنْطِينُ بْنُ قُسْطَنْطِينَ بِبَلَدِهِ، لَعَنَهُ اللَّهُ.

  196. التاريخ 2287لا حكم مسجّل

    وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ،  وَابْنُ عَمِّ رَسُولِ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ أَبُو الْعَبَّاسِ الْهَاشِمِيُّ بْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمُفَسِّرُ كِتَابِ اللَّهِ وَتُرْجُمَانُهُ، كَانَ يُقَالُ لَهُ: الْحَبْرُ وَالْبَحْرُ، رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا كَثِيرًا، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَخَذَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأُمَمٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَلَهُ مُفْرَدَاتٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ; لِاتِّسَاعِ عِلْمِهِ وَكَثْرَةِ فَهْمِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ وَسِعَةِ فَضْلِهِ وَنُبْلِ أَصْلِهِ ؓ وَأَرْضَاهُ. وَأُمُّهُ أُمُّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةُ أُخْتُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ وَالِدُ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ وَهُوَ أَحَدُ إِخْوَةٍ عَشَرَةٍ ذُكُورٍ لِلْعَبَّاسِ مِنْ أُمِّ الْفَضْلِ، وَهُوَ آخِرُهُمْ مَوْلِدًا، وَقَدْ مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي بَلَدٍ بَعِيدٍ مِنَ الْآخَرِ جِدًّا،. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ الْمَكِّيُّ، بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الشِّعْبِ جَاءَ أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَرَى أُمَّ الْفَضْلِ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى حَمْلٍ، فَقَالَ: " لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُقِرَّ أَعْيُنَكُمْ " قَالَ: فَأَتَى بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَا فِي خِرْقَةٍ فَحَنَّكَنِي بِرِيقِهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِيقِهِ غَيْرَهُ.وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: وُلِدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَامَ الْهِجْرَةِ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدْتُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَنَحْنُ فِي الشِّعْبِ، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاحْتَجَّ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَاهَزَ الْحُلُمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا مَخْتُونٌ، وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الْغُلَامَ حَتَّى يَحْتَلِمَ. وَقَالَ شُعْبَةُ، وَ هُشَيْمٌ وَأَبُو عَوَانَةَ، بسندهم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، مَخْتُونٌ. زَادَ هُشَيْمٌ: وَقَدْ جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قُلْتُ: وَمَا الْمُحْكَمُ ؟ قَالَ: الْمُفَصَّلُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مَخْتُونٌ. وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَيُؤَيِّدُهُ صِحَّةُ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، وَرَوَاهُ مَالِكٌ بسنده عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الِاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ ; كَانَتْ أُمِّي مِنَ النِّسَاءِ وَكُنْتُ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ. وَهَاجَرَ مَعَ أَبِيهِ قَبْلَ الْفَتْحِ، فَاتَّفَقَ لُقْيَاهُمَا النَّبِيَّ ﷺ بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ ذَاهِبٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فَشَهِدَ الْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ عَامَ ثَمَانٍ، وَقِيلَ: كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَحَجَّةُ الْوَدَاعِ سَنَةَ عَشْرٍ. وَصَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ حِينَئِذٍ وَلَزِمَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ وَحَفِظَ، وَضَبَطَ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ وَالْأَحْوَالَ، وَأَخَذَ عَنِ الصَّحَابَةِ عِلْمًا عَظِيمًا مَعَ الْفَهْمِ الثَّاقِبِ وَالْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَالْجَمَالِ وَالْمَلَاحَةِ وَالْأَصَالَةِ وَالْبَيَانِ، دعاء النبي لعبد الله بن عباس وَدَعَا لَهُ رَسُولُ الرَّحْمَنِ ﷺ، وَذَلِكَ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ الْأَرْكَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ، وَأَنْ يُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ  . وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَدْعُو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَيُقَرِّبُهُ وَيَقُولُ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَاكَ يَوْمًا فَمَسَحَ رَأْسَكَ، وَتَفَلَ فِي فِيكَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ، وَبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَانْشُرْ مِنْهُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده أَنْ كُرَيْبًا أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخَرِ اللَّيْلِ فَصَلَّيْتُ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَجَرَّنِي حَتَّى جَعَلَنِي حِذَاءَهُ، فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صِلَاتِهِ خَنَسْتُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِي: مَا شَأْنِي أَجْعَلُكَ فِي حِذَائِي فَتَخْنِسُ ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَيَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ حِذَاءَكَ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ: فَأَعْجَبْتُهُ، فَدَعَا اللَّهَ لِي أَنْ يَزِيدَنِي عِلْمًا وَفَهْمًا، قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُهُ يَنْفُخُ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الصَّلَاةُ. فَقَامَ فَصَلَّى مَا أَعَادَ وُضُوءًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وُضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: مَنْ وَضَعَ ذَا ؟ فَقِيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ  وَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحِكْمَةِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ، قَالَ عَفَّانُ: وَهُوَ كَالْمُعْرِضِ عَنِ الْعَبَّاسِ، فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي ؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ. قَالَ عَفَّانُ: قَالَ: أَوَكَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ ; فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ تُنَاجِيهِ ؟ قَالَ: هَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ذَاكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الْمَهْدِيِّ عَنْ آبَائِهِ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّكَ سَتُصَابُ فِي بَصَرِكَ فَكَانَ كَذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي فَضَائِلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا مَا هُوَ مُنْكَرٌ جِدًّا أَضْرَبْنَا عَنْ كَثِيرٍ مِنْهَا صَفْحًا، وَذَكَرْنَا مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ عَمَّا سِوَاهُ. علم عبد الله بن عباس وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْتُ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: هَلُمَّ فَلْنَسْأَلْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُمُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ. فَقَالَ: يَا عَجَبًا لَكَ يَابْنَ عَبَّاسٍ ! أَتَرَى النَّاسَ يَفْتَقِرُونَ إِلَيْكَ وَفِي النَّاسِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ فِيهِمْ ؟ قَالَ: فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلْتُ أَنَا أَسْأَلُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ كَانَ لَيَبْلُغُنِي الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ فَآتِي بَابَهُ وَهُوَ قَائِلٌ، فَأَتَوَسَّدُ رِدَائِي عَلَى بَابِهِ يَسْفِي الرِّيحُ عَلَيَّ مِنَ التُّرَابِ، فَيَخْرُجُ فَيَرَانِي فَيَقُولُ: يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، مَا جَاءَ بِكَ ؟ هَلَّا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ ؟ فَأَقُولُ: لَا، أَنَا أَحَقُّ أَنْ آتِيَكَ. قَالَ: فَأَسْأَلُهُ عَنِ الْحَدِيثِ. قَالَ: فَعَاشَ هَذَا الرَّجُلُ الْأَنْصَارِيُّ حَتَّى رَآنِي وَقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلِي النَّاسُ يَسْأَلُونِي، فَيَقُولُ: هَذَا الْفَتَى كَانَ أَعْقَلَ مِنِّي. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الْأَنْصَارِ، إِنْ كُنْتُ لَأَقِيلُ بِبَابِ أَحَدِهِمْ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي عَلَيْهِ لَأَذِنَ، وَلَكِنْ أَبْتَغِي بِذَلِكَ طِيبَ نَفْسِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْحَضْرَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أَلْزَمُ الْأَكَابِرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَأَسْأَلُهُمْ عَنْ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ، وَكُنْتُ لَا آتِي أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا سُرَّ بِإِتْيَانِي ; لِقُرْبِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلْتُ أَسْأَلُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَوْمًا - وَكَانَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ - عَمَّا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ بِالْمَدِينَةِ. فَقَالَ: نَزَلَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً وَسَائِرُهَا بِمَكَّةَ. وَقَالَ أَحْمَدُ: عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ،، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: عَامَّةُ عِلْمِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ عُمَرَ، وَ عَلِيٍّ، وَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَقَالَ طَاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَسْأَلُ عَنِ الْأَمْرِ الْوَاحِدِ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّى أَصَبْتَ هَذَا الْعِلْمَ ؟ قَالَ: بِلِسَانٍ سَئُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ. وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ يُجْلِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ مَعَ مَشَايِخِ الصَّحَابَةِ، وَيَقُولُ: نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَكَانَ إِذَا أَقْبَلَ يَقُولُ عُمَرُ: جَاءَ فَتَى الْكُهُولِ، وَذُو اللِّسَانِ السَّئُولِ وَالْقَلْبِ الْعُقُولِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ الصَّحَابَةَ عَنْ تَفْسِيرِ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَسَكَتَ بَعْضٌ وَأَجَابَ بَعْضٌ بِجَوَابٍ لَمْ يَرْتَضِهِ عُمَرُ، ثُمَّ سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهَا فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نُعِيَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ. وَأَرَادَ عُمَرُ بِذَلِكَ أَنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُمْ جَلَالَةَ قَدْرِهِ، وَكَبِيرَ مَنْزِلَتِهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ. وَسَأَلَهُ مَرَّةً عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَاسْتَنْبَطَ أَنَّهَا فِي اللَّيْلَةِ السَّابِعَةِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، فَاسْتَحْسَنَهُ عُمَرُ وَاسْتَجَادَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ. وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لَقَدْ عَلِمْتَ عِلْمًا مَا عَلِمْنَاهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّكَ لَأَصْبَحُ فِتْيَانِنَا وَجْهًا، وَأَحْسَنُهُمْ عَقْلًا وَأَفْقَهُهُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبِي: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يُدْنِيكَ وَيُجْلِسُكَ مَعَ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ، فَاحْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا ; لَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يُجَرِّبَنَّ عَلَيْكَ كَذِبًا. قَالَ الشَّعْبِيُّ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ. مشاهد عبد الله بن عباس وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ بسنده عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عُمَرَ، وَ عُثْمَانَ كَانَا يَدْعُوَانِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَيُشِيرُ مَعَ أَهْلِ بَدْرٍ  ، وَكَانَ يُفْتِي فِي عَهْدِ عُمَرَ، وَ عُثْمَانَ إِلَى يَوْمِ مَاتَ. قُلْتُ: وَشَهِدَ فَتْحَ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مَعَ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَظَرَ أَبِي إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَوْمَ الْجَمَلِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ: أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَ مَنْ لَهُ ابْنُ عَمٍّ مِثْلُ هَذَا. وَقَدْ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَشَهِدَ مَعَهُ قِتَالَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَشَارَ عَلَى عَلِيٍّ أَنْ يَسْتَنِيبَ مُعَاوِيَةَ عَلَى الشَّامِ وَأَنْ لَا يَعْزِلَهُ عَنْهَا فِي بَادِئِ الْأَمْرِ، حَتَّى قَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ: إِنْ أَحْبَبْتَ عَزْلَهُ فَوَلِّهِ شَهْرًا وَاعْزِلْهُ دَهْرًا. فَأَبَى عَلِيٌّ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَهُ، فَكَانَ مَا كَانَ مِمَّا قَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ. وَلَمَّا تَرَاوَضَ الْفَرِيقَانِ عَلَى تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ، طَلَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ ; لِيُكَافِئَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَامْتَنَعَتْ مَذْحِجُ وَأَهْلُ الْيَمَنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَكَمَيْنِ مَا سَلَفَ أَيْضًا. وَقَدِ اسْتَنَابَهُ عَلِيٌّ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي بَعْضِ السِّنِينَ، فَخَطَبَ بِهِمْ فِي عَرَفَاتٍ خُطْبَةً، وَفَسَّرَ فِيهَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ: سُورَةَ النُّورِ. قَالَ مَنْ سَمِعَهُ: فَسَّرَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لَوْ سَمِعَتْهُ الرُّومُ وَالتُّرْكُ وَالدَّيْلَمُ لَأَسْلَمُوا. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَرَّفَ بِالنَّاسِ فِي الْبَصْرَةِ  ، فَكَانَ يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَيَجْتَمِعُ أَهْلُ الْبَصْرَةِ حَوْلَهُ فَيُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْمَغْرِبَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَهُ فِي ذَلِكَ ; فَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: هُوَ بِدْعَةٌ لَمْ يَعْمَلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ ذَلِكَ لِأَجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ وَمُوَافَقَةِ الْحُجَّاجِ. وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَنْتَقِدُ عَلَى عَلِيٍّ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فِي ذَلِكَ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده أَنَّ عَلِيًّا حَرَّقَ نَاسًا ارْتَدَوْا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُحَرِّقُهُمْ بِالنَّارِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ. وَكُنْتُ قَاتِلَهُمْ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ ! وَفِي رِوَايَةٍ: وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ. وَقَدْ كَافَأَهُ عَلِيٌّ. إباحة عبد الله بن عباس للمتعة والحمر الإنسية فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَرَى إِبَاحَةَ الْمُتْعَةِ، وَتَحْلِيلَ الْحُمْرِ الْإِنْسِيَّةِ  ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مُخْرَّجٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا، وَلَهُ أَلْفَاظٌ هَذَا مِنْ أَحْسَنِهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. فضل عبد الله بن عباس وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بسنده عن أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمُؤَمِّلِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يَقُولُ: وَرَدَ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَسَأَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَكَانَ عَلَى خِلَافَتِهِ بِهَا - فَقَالَ صَعْصَعَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ آخِذٌ بِثَلَاثٍ، وَتَارِكٌ لِثَلَاثٍ ; آخِذٌ بِقُلُوبِ الرِّجَالِ إِذَا حَدَّثَ، وَبِحُسْنِ الِاسْتِمَاعِ إِذَا حُدِّثَ، وَبِأَيْسَرِ الْأَمْرَيْنِ إِذَا خُولِفَ، وَتَرْكِ الْمِرَاءِ، وَمُقَارَنَةِ اللَّئِيمِ، وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ بسنده عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْضَرَ فَهْمًا وَلَا أَلَبَّ لُبًّا، وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا، وَلَا أَوْسَعَ حِلْمًا مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ عُمَرَ يَدْعُوهُ لِلْمُعْضِلَاتِ، ثُمَّ يَقُولُ: عِنْدَكَ، قَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ. ثُمَّ لَا يُجَاوِزُ قَوْلَهُ، وَإِنَّ حَوْلَهُ لَأَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ بسنده عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ لَوْ أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَانَنَا مَا عَشَّرَهُ مِنَّا أَحَدٌ. وَكَانَ يَقُولُ: نِعْمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ حِينَ بَلَغَهُ مَوْتُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَصَفَّقَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى: مَاتَ الْيَوْمَ أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَحْلَمُ النَّاسِ، وَقَدْ أُصِيبَتْ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةُ لَا تُرْتَقُ وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: مَاتَ الْيَوْمَ مَنْ كَانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مَنْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِي الْعِلْمِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: مَوْلَاكَ وَاللَّهِ أَفْقَهُ مَنْ مَاتَ وَمَنْ عَاشَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ حِينَ كَانَ الصُّلْحُ وَأَوَّلُ مَا الْتَقَيْتُ أَنَا وَهُوَ فَإِذَا عِنْدَهُ أُنَاسٌ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَبَّاسٍ، مَا تَحَاكَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ كَانَ أَعَزَّ عَلَيَّ بُعْدًا وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ قُرْبًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمَاتَ عَلِيًّا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُذَمُّ فِي قَضَائِهِ، وَغَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَحْسَنُ مِنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُعْفِيَنِي مِنِ ابْنِ عَمِّي وَأُعْفِيَكَ مِنِ ابْنِ عَمِّكَ. قَالَ: ذَلِكَ لَكَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ حِينَ حَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالنَّاسِ: هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْمَنَاسِكِ. بسنده عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَخْذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلْ يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا. فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَيْكَ. فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ، فَقَبَّلَهُمَا، وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا. وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ فَاتَ النَّاسَ بِخِصَالٍ بِعِلْمِ مَا سَبَقَهُ، وَفِقْهٍ فِيمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ، وَحِلْمٍ وَنَسَبٍ وَنَائِلٍ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَعْلَمَ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُ، وَلَا بِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ مِنْهُ وَلَا أَفْقَهَ فِي رَأْيٍ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمَ بِشِعْرٍ وَلَا عَرَبِيَّةٍ، وَلَا بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَلَا بِحِسَابٍ، وَلَا بِفَرِيضَةٍ مِنْهُ، وَلَا أَعْلَمَ بِمَا مَضَى، وَلَا أَثْبَتَ رَأْيًا فِيمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَلَقَدْ كَانَ يَجْلِسُ يَوْمًا مَا يَذْكُرُ فِيهِ إِلَّا الْفِقْهَ، وَيَوْمًا التَّأْوِيلَ، وَيَوْمًا الْمَغَازِيَ، وَيَوْمًا الشِّعْرَ، وَيَوْمًا أَيَّامَ الْعَرَبِ، وَمَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ جَلَسَ إِلَيْهِ إِلَّا خَضَعَ لَهُ، وَمَا رَأَيْتُ سَائِلًا قَطُّ سَأَلَهُ إِلَّا وَجَدَ عِنْدَهُ عِلْمًا. قَالَ: وَرُبَّمَا حَفِظْتُ الْقَصِيدَةَ مِنْ فِيهِ يَنْشِدُهَا ثَلَاثِينَ بَيْتًا. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ قُطُّ. وَقَالَ عَطَاءٌ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا أَكْرَمَ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَكْثَرَ فِقْهًا، وَلَا أَعْظَمَ هَيْبَةً ; أَصْحَابُ الْقُرْآنِ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ الْعَرَبِيَّةِ يَسْأَلُونَهُ، وَأَصْحَابُ الشِّعْرِ عَنْهُ يَسْأَلُونَهُ، فَكُلُّهُمْ يَصْدُرُ فِي وَادٍ وَاسِعٍ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وعَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ بَسَقَ عَلَى النَّاسِ فِي الْعِلْمِ كَمَا تَبْسُقُ النَّخْلَةُ السَّحُوقُ عَلَى الْوَدِيِّ الصِّغَارِ، وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لِمَ لَزِمْتَ هَذَا الْغُلَامَ - يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ - وَتَرَكْتَ الْأَكَابِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِذَا تَدَّارَءُوا فِي شَيْءٍ صَارُوا إِلَى قَوْلِهِ. وَقَالَ طَاوُسٌ أَيْضًا: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ. قَالَ: وَمَا خَالَفَهُ أَحَدٌ قَطُّ فَتَرَكَهُ حَتَّى يُقَرِّرَهُ. عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَقَدْ مَاتَ يَوْمَ مَاتَ وَإِنَّهُ لَحَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ، عَنْ مُجَاهِدٍ. قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَمَّى الْبَحْرَ ; لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، وَالزَّبِيرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَدَّهُمْ قَامَةً، وَأَعْظَمَهُمْ جَفْنَةً، وَأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَعْرَبَ لِسَانًا مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ; وَعَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ مَجْلِسًا قَطُّ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ مَجْلِسِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَتَفْسِيرُ الْقُرْآنِ، وَالْعَرَبِيَّةُ وَالشِّعْرُ، وَالطَّعَامُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: أَنْبَأَنِي مَنْ أَرْسَلَهُ الْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ إِلَى الْحَسَنِ يَسْأَلُهُ: مَنْ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَوْمَ عَرَفَةَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَانَ رَجُلًا مِثَجًّا - أَحْسَبُ فِي الْحَدِيثِ - كَثِيرَ الْعِلْمِ، وَكَانَ يَصْعَدُ الْمِنْبَرَ فَيَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَيُفَسِّرُهَا آيَةً آيَةً. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ بسنده عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَجْلِسًا لَوْ أَنَّ جَمِيعَ قُرَيْشٍ فَخَرَتْ بِهِ لَكَانَ لَهَا فَخْرًا، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ اجْتَمَعُوا حَتَّى ضَاقَ بِهِمُ الطَّرِيقُ، فَمَا كَانَ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَجِيءَ وَلَا يَذْهَبَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَكَانِهِمْ عَلَى بَابِهِ. فَقَالَ لِي: ضَعْ لِي وَضَوْءًا. قَالَ: فَتَوَضَّأَ وَجَلَسَ، وَقَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ لَهُمْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْقُرْآنِ وَحُرُوفِهِ وَمَا أُرِيدَ مِنْهُ فَلْيَدْخُلْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَآذَنْتُهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ عَنْهُ وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا عَنْهُ أَوْ أَكْثَرَ. ثُمَّ قَالَ: إِخْوَانَكُمْ. فَخَرَجُوا. ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ أَوْ تَأْوِيلِهِ فَلْيَدْخُلْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَآذَنْتُهُمْ. قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ، وَزَادَهُمْ مِثْلَ مَا سَأَلُوا أَوْ أَكْثَرَ. ثُمَّ قَالَ: إِخْوَانَكُمْ، فَخَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَالْفِقْهِ فَلْيَدْخُلْ. فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ لَهُمْ، فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ إِخْوَانَكُمْ. فَخَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْفَرَائِضِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَلْيَدْخُلْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَآذَنْتُهُمْ فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ. فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِخْوَانَكُمْ. فَخَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: اخْرُجْ فَقُلْ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ وَالْغَرِيبِ مِنَ الْكَلَامِ فَلْيَدْخُلْ. قَالَ: فَدَخَلُوا حَتَّى مَلَئُوا الْبَيْتَ وَالْحُجْرَةَ، فَمَا سَأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرَهُمْ بِهِ وَزَادَهُمْ مِثْلَهُ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا كُلَّهَا فَخَرَتْ بِذَلِكَ لَكَانَ فَخْرًا، فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ طَاوُسٌ، وَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: مَا رَأَيْنَا أَوْرَعَ مِنَ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا أَفْقَهَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ مَيْمُونٌ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَفْقَهَهُمَا. وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْتُ: أَجْمَلُ النَّاسِ. فَإِذَا نَطَقَ قُلْتُ: أَفْصَحُ النَّاسِ. فَإِذَا تَحَدَّثَ قُلْتُ: أَعْلَمُ النَّاسِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْلَمَهُمَا بِالْقُرْآنِ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَعْلَمَهُمَا بِالْمُبْهَمَاتِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ قَدْ أَخَذَ مَا عِنْدَ عَلِيٍّ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَضَمَّ إِلَى ذَلِكَ مَا أَخَذَهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَ عُمَرَ، وَ عُثْمَانَ، وَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، مَعَ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَجَّ بِالنَّاسِ عَامَ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَرَأَ سُورَةَ النُّورِ فَفَسَّرَهَا. وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، فَلَعَلَّ الْأَوَّلَ كَانَ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ، فَقَرَأَ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفِي فِتْنَةِ عُثْمَانَ سُورَةَ النُّورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّتَيْنِ، مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ فَأَسْأَلُهُ عَنْهَا. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعٌ مِنَ الْقُرْآنِ لَا أَدْرِي مَا هِيَ ; الْأَوَّاهُ، وَالْحَنَّانُ، وَالرَّقِيمُ، وَالْغِسْلِينُ، وَكُلُّ الْقُرْآنِ أَعْلَمُهُ إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ ; فَإِنْ كَانَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَهِيَ فِي السُّنَّةِ قَالَ بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقُلْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوَجَدَهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَ عُمَرَ قَالَ بِهَا، وَإِلَّا اجْتَهَدَ رَأْيَهُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: شَتَمَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَشْتُمُنِي وَفِيَّ ثَلَاثُ خِصَالٍ، إِنِّي لَآتِي عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَوَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ عَلِمُوا مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَعْلَمُ، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَقْضِي بِالْعَدْلِ، فَأَفْرَحُ بِهِ، وَلَعَلِّي لَا أُقَاضِي إِلَيْهِ، وَلَا أُحَاكِمُ أَبَدًا، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْرَحُ بِهِ، وَمَا لِي بِهَا مِنْ سَائِمَةٍ أَبَدًا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا فَقَالَ: كَانَتِ السَّمَاءُ رَتْقًا لَا تَمْطُرُ، وَالْأَرْضُ رَتْقًا لَا تُنْبِتُ، فَفَتَقَ هَذِهِ بِالْمَطَرِ، وَهَذِهِ بِالنَّبَاتِ. عبادة عبد الله بن عباس وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: صَحِبْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا نَزَلَ قَامَ شَطْرَ اللَّيْلِ، وَيُرَتِّلُ الْقُرْآنَ يَقْرَأُ حَرْفًا حَرْفًا، وَيُكْثِرُ فِي ذَلِكَ مِنَ النَّشِيجِ وَالنَّحِيبِ، وَيَقْرَأُ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ بسنده عَنْ شُعَيْبِ بْنِ دِرْهَمٍ، قَالَ: كَانَ فِي هَذَا الْمَكَانِ - وَأَوْمَأَ إِلَى مَجْرَى الدُّمُوعِ مِنْ خَدَّيْهِ - مِنْ خَدَّيِ ابْنِ عَبَّاسٍ - مِثْلُ الشِّرَاكِ الْبَالِي مِنَ الْبُكَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، وَيَقُولُ: أُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ. وَرَوَى هُشَيْمٌ وَغَيْرُهُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَلِكَ الرُّومُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَحَبِّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ أَكْرَمُ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ أَكْرَمُ الْإِمَاءِ عَلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَعَنْ أَرْبَعَةٍ فِيهِمُ الرُّوحُ لَمْ يَرْكُضُوا فِي رَحِمٍ، وَعَنْ قَبْرٍ سَارَ بِصَاحِبِهِ، وَعَنْ مَكَانٍ فِي الْأَرْضِ لَمْ تَطْلُعْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَعَنْ قَوْسِ قُزَحَ مَا هُوَ ؟ وَعَنِ الْمَجَرَّةِ. فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْهُنَّ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَيْهِ: أَمَّا أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَأَكْرَمُ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ آدَمُ، خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَكْرَمُ الْإِمَاءِ عَلَى اللَّهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّذِينَ لَمْ يَرْكُضُوا فِي رَحِمٍ، فَآدَمُ وَحَوَّاءُ، وَعَصَا مُوسَى، وَكَبْشُ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي فَدَى بِهِ إِسْمَاعِيلَ - وَفِي رِوَايَةٍ: وَنَاقَةُ صَالِحٍ - وَأَمَّا الْقَبْرُ الَّذِي سَارَ بِصَاحِبِهِ فَهُوَ حُوتُ يُونُسَ، وَأَمَّا الْمَكَانُ الَّذِي لَمْ تُصِبْهُ الشَّمْسُ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً فَهُوَ الْبَحْرُ الَّذِي انْفَلَقَ لِمُوسَى حَتَّى جَازَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْسُ قُزَحَ فَأَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْمَجَرَّةُ بَابُ السَّمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ: الَّذِي تَنْشَقُّ مِنْهُ، فَلَمَّا قَرَأَ مَلِكُ الرُّومِ ذَلِكَ أَعْجَبَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هِيَ مِنْ عِنْدِ مُعَاوِيَةَ، وَلَا مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَزِيَادَاتٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا، وَفِي بَعْضِهَا نَظَرٌ ; أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ مَنْ لَا قَبْلَ لَهُ، وَعَنْ مَنْ لَا عَشِيرَةَ لَهُ، وَعَنْ مَنْ لَا أَبَ لَهُ، وَعَنْ شَيْءٍ، وَنِصْفِ شَيْءٍ، وَلَا شَيْءٍ، وَأَرْسَلَ قَارُورَةً ; فَقَالَ: ابْعَثْ إِلَيَّ فِي هَذِهِ بِبَزْرِ كُلِّ شَيْءٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي لَا قَبْلَ لَهُ فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا مَنْ لَا عَشِيرَةَ لَهُ فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا مَنْ لَا أَبَ لَهُ فَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمَّا عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ الْعَاقِلُ يَعْمَلُ بِعَقْلِهِ، وَأَمَّا نِصْفُ شَيْءٍ، فَالَّذِي لَهُ عَقْلٌ وَيَعْمَلُ بِرَأْيِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا لَا شَيْءَ فَالَّذِي لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا يَعْمَلُ بِعَقْلِ غَيْرِهِ. وَمَلَأَ الْقَارُورَةَ مَاءً وَقَالَ: هَذَا بَزْرُ كُلِّ شَيْءٍ. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مَلِكَ الرُّومِ جِدًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. صفة عبد الله بن عباس صِفَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ   كَانَ جَسِيمًا إِذَا قَعَدَ يَأْخُذُ مَكَانَ رَجُلَيْنِ، جَمِيلًا لَهُ وَفْرَةٌ، قَدْ شَابَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ، وَشَابَتْ لِمَّتُهُ، وَكَانَ يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ، وَقِيلَ: بِالسَّوَادِ. حَسَنَ الْوَجْهِ، يَلْبَسُ حَسَنًا وَيُكْثِرُ مِنَ الطِّيبِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ فِي الطَّرِيقِ تَقُولُ النِّسَاءُ: هَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ. أَوْ: رَجُلٌ مَعَهُ مِسْكٌ، وَكَانَ وَسِيمًا أَبْيَضَ، طَوِيلًا، صَبِيحًا، فَصِيحًا، وَلَمَّا عَمِيَ اعْتَرَى لَوْنَهُ صُفْرَةٌ يَسِيرَةٌ، وَقَدْ كَانَ بَنُو الْعَبَّاسِ عَشَرَةً، وَهُمُ الْفَضْلُ، وَ عَبْدُ اللَّهِ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَ مَعْبَدٌ، وَ قُثَمُ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَ كَثِيرٌ، وَ الْحَارِثُ، وَ عَوْنٌ، وَ تَمَّامٌ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ تَمَّامٌ ; وَلِهَذَا كَانَ الْعَبَّاسُ يَحْمِلُهُ وَيَقُولُ: تَمُّوا بِتَمَّامٍ فَصَارُوا عَشَرَهْ يَا رَبِّ فَاجْعَلْهُمْ كِرَامًا بَرَرَهْ     وَاجْعَلْهُمْ ذِكْرًا وَأَنْمِ الثَّمَرَهْ فَأَمَّا الْفَضْلُ فَمَاتَ بِأَجْنَادِينَ شَهِيدًا، وَعَبْدُ اللَّهِ بِالطَّائِفِ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالْيَمَنِ، وَ مَعْبَدٌ، وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِإِفْرِيقِيَّةَ،، وَ قُثَمُ، وَ كَثِيرٌ بِيَنْبُعَ وَقِيلَ: إِنَّ قُثَمَ مَاتَ بِسَمَرْقَنْدَ. وَقَدْ قَالَ مُسْلِمُ بْنُ قَمَّادِينَ الْمَكِّيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ بَنِي أُمٍّ وَاحِدَةٍ أَشْرَافًا، وُلِدُوا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، أَبْعَدَ قُبُورًا مِنْ بَنِي أُمِّ الْفَضْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَوَاضِعَ قُبُورِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ. إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: الْفَضْلُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ،، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالشَّامِ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ يَلْبَسُ الْحُلَّةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. أولاد عبد الله بن عباس وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ الْعَبَّاسُ، وَ عَلِيٌّ، وَيُدْعَى السَّجَّادَ ; لِكَثْرَةِ صِلَاتِهِ، وَكَانَ أَجْمَلَ قُرَشِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ. وَقِيلَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَعَ الْجَمَالِ التَّامِّ. وَعَلَى هَذَا فَهُوَ أَبُو الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ  ، فَفِي وَلَدِهِ كَانْتِ الْخِلَافَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ،، وَكَانَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا مُحَمَّدٌ، وَ الْفَضْلُ، وَ عَبْدُ اللَّهِ، وَ لُبَابَةُ، وَأُمُّهُمْ زُرْعَةُ بَنَتُ مُسَرَّحِ بْنِ مَعْدِيَكَرِبَ. وَأَسْمَاءُ وَهِيَ لِأُمِّ وَلَدٍ. موالي عبد الله بن عباس وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَوَالِي عِكْرِمَةُ، وَ كُرَيْبٌ، وَ أَبُو مَعْبَدٍ، وَ شُعْبَةُ، وَ دَقِيقٌ، وَ أَبُو عَمْرَةَ، وَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَ مِقْسَمٌ. وَقَدْ أَسْنَدَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَسَبْعِينَ حَدِيثًا. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. تولي عبد الله بن عباس إمامة الحج سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِأَمْرِ ثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ( تَوَلِّي ابْنِ عَبَّاسٍ إِمَامَةَ الْحَجِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ   ) تَوَلَّى ابْنُ عَبَّاسٍ إِمَامَةَ الْحَجِّ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَهُ وَهُوَ مَحْصُورٌ، وَفِي غَيْبَتِهِ هَذِهِ قُتِلَ عُثْمَانُ. نهي ابن العباس للحسين بالخروج إلى العراق وَلَمَّا مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَرَامَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخُرُوجَ إِلَى الْعِرَاقِ، نَهَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَأَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِثِيَابِ الْحُسَيْنِ - لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ قَدْ أَضَرَّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ - فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُهُ حَزِنَ عَلَيْهِ حُزْنًا شَدِيدًا وَلَزِمَ بَيْتَهُ، وَكَانَ يَقُولُ: يَا لِسَانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ، فَإِنَّكَ إِنْ لَا تَفْعَلْ تَنْدَمْ. وصايا ابن عباس وَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُنْدَبٌ. فَقَالَ لَهُ أَوْصِنِي: فَقَالَ: أُوصِيكَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ لَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّ كُلَّ خَيْرٍ أَنْتَ آتِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، وَإِلَى اللَّهِ مَرْفُوعٌ، يَا جُنْدَبُ، إِنَّكَ لَنْ تَزْدَادَ مِنْ يَوْمِكَ إِلَّا قُرْبًا، فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَأَصْبِحْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ مُسَافِرٌ، فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ، وَابْكِ عَلَى ذَنْبِكَ، وَتُبْ مِنْ خَطِيئَتِكَ، وَلْتَكُنِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ أَهْوَنَ مِنْ شِسْعِ نَعْلِكَ، وَكَأَنْ قَدْ فَارَقْتَهَا وَصِرْتَ إِلَى عَدْلِ اللَّهِ، وَلَنْ تَنْتَفِعَ بِمَا خَلَّفْتَ، وَلَنْ يَنْفَعَكَ إِلَّا عَمَلُكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْصَى ابْنُ عَبَّاسٍ بِكَلِمَاتٍ خَيْرٍ مِنَ الْخَيْلِ الدُّهْمِ قَالَ: لَا تَكَلَّمَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ حَتَّى تَرَى لَهُ مَوْضِعًا، وَلَا تُمَارِيَنَّ سَفِيهًا وَلَا حَلِيمًا ; فَإِنَّ الْحَلِيمَ يَغْلِبُكَ وَالسَّفِيهَ يَزْدَرِيكَ، وَلَا تَذْكُرَنَّ أَخَاكَ إِذَا تَوَارَى عَنْكَ إِلَّا بِمَثَلِ الَّذِي تُحِبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيكَ إِذَا تَوَارَيْتَ عَنْهُ، وَاعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَجْزِيٌّ بِالْإِحْسَانِ مَأْخُوذٌ بِالْإِجْرَامِ. فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: يَابْنَ عَبَّاسٍ، هَذَا خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَلِمَةٌ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَمَامُ الْمَعْرُوفِ تَعْجِيلُهُ وَتَصْغِيرُهُ وَسَتْرُهُ. يَعْنِي أَنْ تُعَجَّلَ الْعَطِيَّةَ لِلْمُعْطَى، وَأَنْ تَصْغُرَ فِي عَيْنِ الْمُعْطِي، وَأَنْ تَسَتُرَهَا عَنِ النَّاسِ فَلَا تُظْهِرَهَا ; فَإِنَّ فِي إِظْهَارِهَا فَتْحَ بَابِ الرِّيَاءِ وَكَسْرَ قَلْبِ الْمُعْطَى، وَاسْتِحْيَاءَهُ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَزُّ النَّاسِ عَلَيَّ جَلِيسِي ; لَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ لَا يَقَعَ الذُّبَابُ عَلَى وَجْهِهِ لَفَعَلْتُ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا يُكَافِئُ مَنْ أَتَانِي يَطْلُبُ حَاجَةً فَرَآنِي لَهَا مَوْضِعًا إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَكَذَا رَجُلٌ بَدَأَنِي بِالسَّلَامِ، أَوْ أَوْسَعَ لِي فِي مَجْلِسٍ، أَوْ قَامَ لِي عَنِ الْمَجْلِسِ أَوْ رَجُلٌ سَقَانِي شَرْبَةَ مَاءٍ عَلَى ظَمَأٍ، أَوْ رَجُلٌ حَفِظَنِي بِظَهْرِ الْغَيْبِ. وَالْمَأْثُورُ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْمَكَارِمِ كَثِيرٌ جِدًّا، وَفِيمَا ذَكَرْنَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا لَمْ نَذْكُرْهُ. وَقَدْ عَدَّهُ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي الْعُمْيَانِ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ أُصِيبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَنَحَلَ جِسْمُهُ، فَلَمَّا أُصِيبَتِ الْأُخْرَى عَادَ إِلَيْهِ لَحْمُهُ فَقِيلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَصَابَنِي مَا رَأَيْتُمْ فِي الْأُولَى شَفَقَةً عَلَى الْأُخْرَى، فَلَمَّا ذَهَبَتَا اطْمَأَنَّ قَلْبِي. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ بسنده عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ وَقَعَ فِي عَيْنِهِ الْمَاءُ فَقِيلَ لَهُ: نَنْزِعُ مَنْ عَيْنِكَ الْمَاءَ، عَلَى أَنَّكَ لَا تُصَلِّي سَبْعَةَ أَيَّامٍ ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّهُ مَنْ تَرْكَ الصَّلَاةَ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: نُزِيلُ هَذَا الْمَاءَ مِنْ عَيْنِكَ عَلَى أَنْ تَبْقَى خَمْسَةَ أَيَّامٍ لَا تُصَلِّي إِلَّا عَلَى عُودٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا مُسْتَلْقِيًا، فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ وَلَا رَكْعَةً وَاحِدَةً، إِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. وَقَدْ أَنْشَدَ الْمَدَائِنِيُّ لِابْنِ عَبَّاسٍ حِينَ عَمِيَ: إِنْ يَأْخُذِ اللَّهُ مِنْ عَيْنَيَّ نُورَهُمَا     فَفِي لِسَانِي وَسَمْعِي مِنْهُمَا نُورُ قَلْبِي ذَكِيٌّ وَعَقْلِي غَيْرُ ذِي دَخَلٍ     وَفِي فَمِي صَارِمٌ كَالسَّيْفِ مَأْثُورُ اعتزال ابن عباس ما دار بين عبد الله بن الزبير وبين عبد الملك بن مروان وَلَمَّا وَقَعَ الْخُلْفُ بَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَبَيْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، اعْتَزَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ النَّاسَ، فَدَعَاهُمَا ابْنُ الزُّبَيْرِ ; لِيُبَايِعَاهُ فَأَبَيَا عَلَيْهِ، وَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: لَا نُبَايِعُكَ وَلَا نُخَالِفُكَ، فَهَمَّ بِهِمَا، فَبَعَثَا أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ فَاسْتَنْجَدَ لَهُمَا مِنَ الْعِرَاقِ مِنْ شِيعَتِهِمَا فَقَدِمَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ فَكَبَّرُوا بِمَكَّةَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً، وَهَمُّوا بِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَانْطَلَقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ هَارِبًا وَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: أَنَا عَائِذٌ بِاللَّهِ. فَكَفُّوهُمْ عَنْهُ، ثُمَّ مَالُوا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ حَمَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَوْلَ دُورِهِمُ الْحَطَبَ لِيَحْرِقَهُمْ، فَخَرَجُوا بِهِمَا حَتَّى نَزَلُوا الطَّائِفَ، وَأَقَامَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَنَتَيْنِ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا، كَمَا تَقَدَّمَ. وفاة عبد الله بن عباس فَلَمَّا كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَقَالَ: مَاتَ الْيَوْمَ حَبْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَلَمَّا وَضَعُوهُ لِيُدْخِلُوهُ فِي قَبْرِهِ جَاءَ طَائِرٌ أَبْيَضُ لَمْ يُرَ مِثْلُ خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي أَكْفَانِهِ وَالْتَفَّ فِيهَا حَتَّى دُفِنَ مَعَهُ. قَالَ عَفَّانُ: فَكَانُوا يَرَوْنَهُ عِلْمَهُ، فَلَمَّا وُضِعَ فِي اللَّحْدِ تَلَا تَالٍ لَا يُعْرَفُ مَنْ هُوَ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنْ قَبْرِهِ: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي هَذَا الْقَوْلُ فِي وَفَاتِهِ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَ الْوَاقِدِيُّ، وَ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحُفَّاظِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعِينَ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا شَاذَّةٌ غَرِيبَةٌ مَرْدُودَةٌ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ. وَقِيلَ أَرْبَعًا وَسَبْعِينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  197. التاريخ 2288لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ثمان وستين مِنَ الْأَعْيَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَوْسِيُّ  شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ ابْنِ أَخِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ عَنْ نَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ. عُدَيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ عُدَيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ،  وَأُمُّهُ النَّوَّارُ بِنْتُ بَرْمَكَةَ بْنِ عُكْلٍ، وَيُكَنَّى أَبَا طَرِيفٍ: فعَنْ أَبِي عُمَيْرٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ: مَا كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَكُنْتُ امْرَأً شَرِيفًا قَدْ سُدْتُ قَوْمِي، فَقُلْتُ: إِنِ اتَّبَعْتُهُ كُنْتُ دَنِيًّا. وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لِي: أَعِدَّ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالًا ذُلَلًا سِمَانًا أَحْبِسُهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشِ مُحَمَّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنِّي؛ فَإِنِّي أَرَى خَيْلَهُ قَدْ وَطِئَتْ بِلَادَ الْعَرَبِ كُلَّهَا. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ غَدَاةٍ جَاءَنِي غُلَامِي فَقَالَ: مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ. قُلْتُ: قَرِّبْ لِي أَجْمَالِي، فَقَرَّبَهَا فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَخَلَّفْتُ ابْنَةَ حَاتِمٍ بِالْحَاضِرِ. وَتَخَالَفَتْنِي خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى مَحِلَّةِ آلِ حَاتِمٍ، فَأَصَابُوا نِسَاءً وَأَطْفَالًا وَشَاءً وَابْنَةَ حَاتِمٍ، فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ هَرَبِي، فَجُعِلَتِ ابْنَةُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ -كَانَتِ النِّسَاءُ يُحْبَسْنَ فِيهَا- فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً جَزْلَةً، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَ الْوَلَدُ وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَإِنِّي فَعَلْتُ، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكِ مَنْ يَكُونُ لَكِ ثِقَةً. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَنِي حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ مَرَّ بِي فَقُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مَرَّ بِي وَقَدْ يَئِسْتُ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَأَشَارَ إِلَيَّ رَجُلٌ خَلْفَهُ أَنْ قُومِي فَكَلِّمِيهِ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكِ مَنْ يَكُونُ لَكِ ثِقَةً حَتَّى يُبَلِّغَكِ إِلَى بِلَادِكِ، ثُمَّ آذِنِينِي. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيَّ أَنْ أُكَلِّمَهُ، فَقِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَقَمْتُ حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ قُضَاعَةَ. قَالَتْ: وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشَّامِ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ جَاءَ مِنْ قَوْمِي مَنْ لِي ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ، فَكَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَمَلَنِي وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، وَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ. قَالَ عَدِيٌّ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي إِذْ نَظَرْتُ إِلَى ظَعِينَةٍ تُصَوِّبُ إِلَيَّ تَؤُمُّنَا. قُلْتُ: ابْنَةُ حَاتِمٍ، فَإِذَا هِيَ هِيَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ انْسَحَلَتْ تَقُولُ: الْقَاطِعُ الظَّالِمُ، احْتَمَلْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ. وَتَرَكْتَ بَقِيَّةَ وَالِدِكَ، قُلْتُ: يَا أُخَيَّةُ لَا تَقُولِي إِلَّا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا لِي مِنْ عُذْرٍ قَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْتِ، ثُمَّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْتُ: مَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَكَانَتْ حَازِمَةً -وَكَانَتِ امْرَأَةً حَازِمَةً- فَقَالَتْ: أَرَى وَاللَّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ نَبِيًّا فَالسَّبْقُ إِلَيْهِ أَفْضَلُ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تُذَلَّ فِي عِزِّ الْيَمَنِ، وَأَنْتَ أَنْتَ، وَأَبُوكَ أَبُوكَ، مَعَ أَنِّي قَدْ نُبِّئْتُ أَنَّ عِلْيَةَ أَصْحَابِهِ قَوْمُكَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. فَخَرَجْتُ حَتَّى أُقْدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلْتُ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَسَلَّمْتُ [عَلَيْهِ]، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إِلَى بَيْتِهِ إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ، إِنَّ لِلْمَلِكِ حَالًا غَيْرَ هَذَا. ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةٍ لِيفًا، فَقَدَّمَهَا إِلَيَّ، فَقَالَ: "اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ" فَقُلْتُ: لَا، بَلْ أَنْتَ. فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَرَأَى فِي عُنُقِي وَثَنًا مِنْ ذَهَبٍ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [9: 31] فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ". وَقَالَ: "إِيهِ يَا عَدِيُّ، أَلَمْ تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ فِي مَالٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ"، قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ [هَذَا] الْمَالُ [أَنْ] يَفِيضَ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرٍ حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لَا تَخَافُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ". قَالَ عَدِيٌّ: فَأَسْلَمْتُ. وَكَانَ عَدِيٌّ يَقُولُ: قَدْ مَضَتِ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ: لَيَفِيضُ الْمَالُ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا قَدِمَ عَدِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِ  ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَارْتَدَتِ الْعَرَبُ ثَبَتَ عَدِيٌّ وَقَوْمُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَجَاءَ بِصَدَقَاتِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَحَضَرَ فَتْحَ الْمَدَائِنِ، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ. وَكَانَ جَوَادًا يَفُتُّ لِلنَّمْلِ الْخُبْزَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُنَّ جَارَاتٌ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ: أَنَّهُ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي أُنَاسٍ مِنْ طَيِّئٍ -أَوْ قَالَ: مِنْ قَوْمِهِ- فَجَعَلَ يَفْرِضُ لِرِجَالٍ مِنْ طَيِّئٍ فِي أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، فَاسْتَقْبَلْتُهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي وَاللَّهِ أَعْرِفُكَ، أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَإِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وعَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَرْسَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ يَسْتَعِيرُ مِنْهُ قُدُورَ حَاتِمٍ، فَأَمَرَ بِهَا عَدِيٌّ فَمُلِئَتْ وَحَمَلَهَا الرِّجَالُ إِلَى الْأَشْعَثِ، فَأَرْسَلَ الْأَشْعَثُ: إِنَّمَا أَرَدْنَاهَا فَارِغَةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنَّا لَا نُعِيرُهَا فَارِغَةً. وعن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: مَاتَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ. وَقَدْ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَاخْتَلَفُوا أَيْنَ مَاتَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِالْكُوفَةِ. قَالَهُ ابْنُ خَيَّاطٍ. وَالثَّانِي بِقَرْقِيسِيَاءَ. وعَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: خَرَجَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَنَزَلُوا قَرْقِيسِيَا وَقَالُوا: لَا نُقِيمُ بِبَلَدٍ يُشْتَمُ فِيهِ عُثْمَانُ. قَالَ ابْنُ ثَابِتٍ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ: أَنَا رَأَيْتُ قُبُورَهُمْ بِقَرْقِيسِيَاءَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ. وزَيْدُ بْنُ أَرَقَمَ بْنِ زَيْدٍ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ. أبو شريح الخزاعي العدوي وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ الْعَدَوِيُّ الْكَعْبِيُّ  ، اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ ; أَصَحُّهَا خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَكَانَ مَعَهُ أَحَدُ أَلْوِيَةِ بَنِي كَعْبٍ الثَّلَاثَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ أَحَادِيثُ. حميد بن ثور الهلالي حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ الْهِلَالِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، قَالَ الشِّعْرَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ. أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ -وَقِيلَ: الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَقِيلَ: عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ- أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ:   أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَكَانَ يَحْمِلُ لِوَاءَ بَنِي لَيْثٍ وَضَمْرَةَ وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى تَبُوكَ يَسْتَنْفِرُ بَنِي لَيْثٍ. وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَجَاوَرَ بِهَا فَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِمَكَّةَ فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ الَّتِي بِفَجَّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مَقْبَرَةَ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِيهَا مَنْ مَاتَ مِمَّنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ. عَابِسُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُطَيْفِيُّ قَاضِي مِصْرَ عَابِسُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُطَيْفِيُّ قَاضِي مِصْرَ:   وَلِيَ الْقَضَاءَ وَالشُّرْطَةَ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ، رَوَى عَنْهُ أَبُو قُتَيْلٍ الْمَغَافِرِيُّ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قيس بن ذريح بن الحباب قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحِ بْنِ الْحُبَابِ بْنِ شَبَّةَ بْنِ حُذَافَةَ:   كَانَ رَضِيعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَرْضَعَتْهُ أُمُّ قَيْسٍ، وَكَانَ مَنْزِلُ قَوْمِهِ [فِي] ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ هُوَ وَأَبُوهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: كَانَ مَنْزِلُهُ بِسَرَفَ. فَمَرَّ قَيْسٌ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ بِخِيَامِ بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَالْحَيُّ خُلُوفٌ، فَوَقَفَ عَلَى خَيْمَةٍ لِلُبْنَى بِنْتِ الْحُبَابِ الْكَعْبِيَّةُ، فَاسْتَسْقَى الْمَاءَ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ فَسَقَتْهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةً مَدِيدَةَ الْقَامَةِ، شَهْلَةً حُلْوَةَ الْمَنْظَرِ وَالْكَلَامِ، فَلَمَّا رَآهَا وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ وَشَرِبَ الْمَاءَ، فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ فَتَبَرَّدْ عِنْدَنَا، فَنَزَلَ [بِهِمْ]، وَجَاءَ أَبُوهَا فَنَحَرَ لَهُ وَأَكْرَمَهُ. فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَفِي نَفْسِهِ مِنْ لُبْنَى حَرٌّ لَا يُطْفَأُ، فَجَعَلَ يَقُولُ الشِّعْرَ فِيهَا حَتَّى شَاعَ وَرُوِيَ. ثُمَّ أَتَاهَا يَوْمًا آخَرَ وَقَدِ اشْتَدَّ وَجْدُهُ بِهَا، فَسَلَّمَ فَظَهَرَتْ لَهُ وَرَدَّتْ سَلَامَهُ وَلَحِقَتْ بِهِ، فَشَكَى إِلَيْهَا مَا يَجِدُ مِنْ حُبِّهَا، فَبَكَتْ وَشَكَتْ إِلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَانْصَرَفَ إِلَى أَبِيهِ وَأَعْلَمَهُ حَالَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِإِحْدَى بَنَاتِ عَمِّكَ فَهُنَّ أَحَقُّ بِكَ، وَكَانَ ذُرَيْحٌ كَثِيرَ الْمَالِ مُوسِرًا، فَأَحَبَّ أَلَّا يُزَوِّجَ ابْنَهُ إِلَى غَرِيبَةٍ، فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَقَدْ سَاءَهُ مَا خَاطَبَهُ بِهِ أَبُوهُ، فَأَتَى أُمَّهُ فَشَكَى إِلَيْهَا وَاسْتَعَانَ بِهَا عَلَى أَبِيهِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهَا مَا يُحِبُّ. فَأَتَى الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ؓ وَابْنَ أَبِي عَتِيقٍ، وَكَانَ صَدِيقَهُ، فَشَكَى إِلَيْهِمَا مَا بِهِ وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَنَا أَكْفِيكَ، فَمَشَى مَعَهُ إِلَى أَبِي لُبْنَى، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ أَعْظَمَهُ وَوَثَبَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ يُوجِبُ قَصْدَكَ، قَدْ جِئْتُكَ خَاطِبًا ابْنَتَكَ لُبْنَى لِقَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا كُنَّا لِنَعْصِيَ لَكَ أَمْرًا، وَمَا بِنَا عَنِ الْفَتَى رَغْبَةٌ، وَلَكِنَّ أَحَبَّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيْنَا أَنْ يَخْطُبَهَا ذُرَيْحٌ أَبُوهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّا نَخَافُ إِنْ لَمْ يَسْمَحْ أَبُوهُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ عَارًا عَلَيْنَا، فَأَتَى الْحُسَيْنُ ذُرَيْحًا وَقَوْمُهُ مُجْتَمِعُونَ، فَقَامُوا إِلَيْهِ إِعْظَامًا وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ الْخُزَاعِيِّينَ، فَقَالَ لِذُرَيْحٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا خَطَبْتَ لُبْنَى عَلَى قَيْسٍ، فَقَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِكَ، فَخَرَجَ مَعَهُ فِي وُجُوهِ قَوْمِهِ حَتَّى أَتَوْا حَيَّ لُبْنَى، فَخَطَبَهَا ذُرَيْحٌ عَلَى ابْنِهِ إِلَى أَبِيهَا، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَزُفِّتْ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ مَعَهَا مُدَّةً، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ، فَأَلْهَتْهُ لُبْنَى وَعُكُوفُهُ عَلَيْهَا عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، فَوَجَدَتْ أُمُّهُ وَأَخَذَتْ فِي نَفْسِهَا، وَقَالَتْ: لَقَدْ شَغَلَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ ابْنِي عَنْ بِرِّي. وَمَرِضَ قَيْسٌ، فَقَالَتْ أُمُّهُ لِأَبِيهِ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنَّ يَمُوتَ وَلَمْ يَتْرُكْ خَلَفًا وَقَدْ حُرِمَ الْوَلَدَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَأَنْتَ ذُو مَالٍ فَيَصِيرُ مَالُكَ إِلَى الْكَلَالَةِ، فَزَوِّجْهُ غَيْرَهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا، وَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ قَوْمُهُ دَعَاهُ فَقَالَ: يَا قَيْسُ، إِنَّكَ اعْتَلَلْتَ فَخِفْتُ عَلَيْكَ [وَلَا] وَلَدَ لِي سِوَاكَ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَيْسَتْ بِوَلُودٍ فَتَزَوَّجْ إِحْدَى بَنَاتِ عَمِّكَ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَكَ وَلَدًا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ وَأَعْيُنُنَا، فَقَالَ قَيْسٌ: لَسْتُ مُتَزَوِّجًا غَيْرَهَا أَبَدًا، قَالَ أَبُوهُ، فَتَسَرَّ بِالْإِمَاءِ، قَالَ: وَلَا أَسُوءُهَا بِشَيْءٍ وَاللَّهِ أَبَدًا، قَالَ أَبُوهُ: فَإِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ إِلَّا طَلَّقْتَهَا، فَأَبَى وَقَالَ: الْمَوْتُ عِنْدِي وَاللَّهِ أَسْهَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي أُخَيِّرُكَ خَصْلَةً مِنْ [ثَلَاثِ] خِصَالٍ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَتَزَوَّجُ أَنْتَ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُرْزُقَكَ وَلَدًا غَيْرِي، قَالَ: مَا فِيَّ فَضْلَةٌ لِذَلِكَ، قَالَ: فَدَعْنِي أَتَرَحَّلُ عَنْكَ بِأَهْلِي وَاصْنَعْ مَا كُنْتَ صَانِعًا لَوْ مُتُّ فِي عِلَّتِي هَذِهِ، قَالَ: وَلَا هَذِهِ، قَالَ: فَأَدَعُ لُبْنَى عِنْدَكَ وَأَرْتَحِلُ عَنْكَ فَلَعَلِّي أَسْلُوهَا فَإِنِّي مَا أُحِبُّ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ نَفْسِي طَيِّبَةً فَإِنَّهَا فِي خَيَالِي، قَالَ: لَا أَرْضَى أَوْ تُطَلِّقُهَا، وَحَلَفَ لَا يُكِنُّهُ سَقْفٌ أَبَدًا حَتَّى يُطَلِّقَ لُبْنَى. وَكَانَ يَخْرُجُ فَيَقِفُ فِي حَرِّ الشَّمْسِ، فَيَجِيءُ قَيْسٌ فَيَقِفُ إِلَى جَانِبِهِ فَيُظِلُّهُ بِرِدَائِهِ وَيَصْطَلِي هُوَ بَحَرِّ الشَّمْسِ ثُمَّ يَدْخُلُ إِلَى لُبْنَى فَيُعَانِقُهَا وَيَبْكِي وَتَبْكِي هِيَ مَعَهُ، وَتَقُولُ لَهُ: يَا قَيْسُ، لَا تُطِعْ أَبَاكَ فَتَهْلِكَ وَتُهْلِكَنِي، فَيَقُولُ: مَا كُنْتُ لِأُطِيعَ فِيكِ أَحَدًا أَبَدًا. فَيُقَالُ: إِنَّهُ مَكَثَ كَذَلِكَ سَنَةً، وَقِيلَ: عِشْرِينَ سَنَةً، وَهَجَرَهُ أَبَوَاهُ لَا يُكَلِّمَانِهِ. طلاق قيس للبنى فَطَلَّقَهَا، فَلَمَّا طَلَّقَهَا اسْتُطِيرَ عَقْلُهُ، وَلَحِقَهُ مِثْلُ الْجُنُونِ، وَجَعَلَ يَبْكِي، فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا لِيَحْتَمِلَهَا، فَأَقْبَلَ أَبُوهَا بِهَوْدَجٍ وَإِبِلٍ، فَقَالَ قَيْسٌ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: لُبْنَى تَرْحَلُ اللَّيْلَةَ أَوْ غَدًا، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: وَإِنِّي لَمُفْنٍ دَمْعَ عَيْنِي بِالْبُكَا حِذَارَ الَّذِي قَدْ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنُ     وَقَالُوا غَدًا أَوْ بَعْدَ ذَاكَ بِلَيْلَةٍ فِرَاقُ حَبِيبٍ لَمْ يَبِنْ وَهُوَ بَائِنُ     وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي بِكَفَّيْكِ إِلَّا أَنَّ مَا حَانَ حَائِنُ وَقَالَ: يَقُولُونَ لُبْنَى فِتْنَةٌ كُنْتَ قَبْلَهَا     بِخَيْرٍ فَلَا تَنْدَمْ عَلَيْهَا وَطَلِّقِ فَطَاوَعْتُ أَعْدَائِي وَعَاصَيْتُ نَاصِحِي     وَأَقْرَرْتُ عَيْنَ الشَّامِتِ الْمُتَخَلِّقِ وَدِدْتُ وَبَيْتِ اللَّهِ أَنِّي عَصَيْتُهُمْ     وَحَمَلْتُ فِي رِضْوَانِهَا كُلَّ مَوْثِقِ وَكُلِّفْتُ خَوْضَ الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ زَاخِرُ     أَبَيْتُ عَلَى أَثْبَاجِ مَوْجٍ مُغَرِّقِ كَأَنِّي أَرَى النَّاسَ الْمُحِبِّينَ بَعْدَهَا     عُصَارَةَ مَاءِ الْحَنْظَلِ الْمُتَفَلِّقِ فَتُنْكِرُ عَيْنِي بَعْدَهَا كُلَّ مَنْظَرٍ     وَيَكْرَهُ سَمْعِي بَعْدَهَا كُلَّ مَنْطِقِ وَسَقَطَ غُرَابٌ قَرِيبًا مِنْهُ فَجَعَلَ يَنْعَقُ مِرَارًا، فَتَطَيَّرَ مِنْهُ وَقَالَ: لَقَدْ نَعَقَ الْغُرَابُ بِبَيْنِ لُبْنَى     فَطَارَ الْقَلْبُ مِنْ حَذَرِ الْغُرَابِ وَقَالَ غَدًا تَبَاعَدُ دَارُ لُبْنَى     وَتَنْأَى بَعْدَ وِدٍّ وَاقْتِرَابِ فَقُلْتُ تَعِسْتَ وَيْحَكَ مِنْ غُرَابٍ     وَكَانَ الدَّهْرَ سَعْيُكَ فِي تَبَابِ فَلَمَّا رَكِبَتْ هَوْدَجَهَا تَبِعَهَا وَقَالَ: أَلَا يَا غُرَابَ الْبَيْنِ هَلْ أَنْتَ مُخْبِرِي     بِخَيْرٍ كَمَا خَبَّرْتَ بِالنَّأْيِ وَالشَّرِّ وَقُلْتَ كَذَاكَ الدَّهْرُ مَا زَالَ فَاجِعًا     صَدَقْتَ وَهَلْ شَيْءٌ بِبَاقٍ عَلَى الدَّهْرِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ مِنْهَا، فَوَقَفَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ حَتَّى غَابُوا، فَكَرَّ رَاجِعًا يَنْظُرُ إِلَى [أَثَرِ] خُفِّ بَعِيرِهَا يُقَبِّلُهُ وَيُقَبِّلُ مَوْضِعَ مَجْلِسِهَا وَأَثَرَ قَدَمِهَا فَعَنَّفُوهُ عَلَى تَقْبِيلِ التُّرَابِ، فَقَالَ: وَمَا أَحْبَبْتُ أَرْضَكُمُ وَلَكِنْ     أُقَبِّلُ أَثَرَ مَنْ وَطِئَ التُّرَابَا لَقَدْ لَاقَيْتُ مَنْ كَلَفِي بِلُبْنَى     بَلَاءً مَا أُسِيغُ لَهُ شَرَابَا إِذَا نَادَى الْمُنَادِي بِاسْمِ لُبْنَى     عَيِيتُ فَمَا أُطِيقُ لَهُ جَوَابَا وَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: مُنْذُ كَمْ وَجَدْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ مَا وَجَدْتَ؟ فَقَالَ: تَعَلَّقُ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خُلُقِنَا     وَمِنْ بَعْدِ مَا كُنَّا نِطَافًا وَفِي الْمَهْدِ . فَزَادَ كَمَا زِدْنَا فَأَصْبَحَ نَامِيًا     وَلَيْسَ إِذَا مُتْنَا بِمُنْصَرِمِ الْعَهْدِ وَلَكِنَّهُ بَاقٍ عَلَى كُلِّ حَادِثٍ     وَزَائِرُنَا فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: إِنَّ مِمَّا يُسَلِّيكَ عَنْهَا أَنْ تَذْكُرَ مَسَاوِئَهَا وَمَا تَعَافُهُ النَّفْسُ مِنْهَا مِنْ أَقْذَارِ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ: إِذَا عِبْتُهَا شَبَّهْتُهَا الْبَدْرَ طَالِعًا     وَحَسْبُكَ مِنْ عَيْبٍ لَهَا شَبَهُ الْبَدْرِ لَقَدْ فُضِّلَتْ لُبْنَى عَلَى النَّاسِ مِثْلَمَا     عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ فُضِّلَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ إِذَا مَا مَشَتْ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ أَرَجَفَتْ     مِنَ الْبُهْرِ حَتَّى مَا تَزِيدُ عَلَى شِبْرِ لَهَا كَفَلٌ يَرْتَجُّ مِنْهَا إِذَا مَشَتْ     وَقَدٌّ كَغُصْنِ الْبَانِ مُنْضَمِرُ الْخَصْرِ فَدَخَلَ أَبُوهُ وَالطَّبِيبُ عِنْدَهُ، فَجَعَلَ يُعَاتِبُهُ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ دُمْتَ عَلَى هَذَا مُتَّ. فَقَالَ: وَفِي عُرْوَةَ الْعُذْرِيِّ إِنْ مُتُّ أُسْوَةٌ     وَعَمْرِو بْنِ عَجْلَانَ الَّذِي قَتَلَتْ هِنْدُ وَبِي مِثْلُ مَا مَاتَا بِهِ غَيْرَ أَنَّنِي     إِلَى أَجَلٍ لَمْ يَأْتِنِي وَقْتُهُ بَعْدُ وَقَالَ: هَلِ الْحُبُّ إِلَّا عَبْرَةٌ بَعْدَ زَفْرَةٍ     وَحَرٌّ عَلَى الْأَحْشَاءِ لَيْسَ لَهُ بَرْدُ وَفَيْضُ دُمُوعٍ تَسْتَهِلُّ إِذَا بَدَا     لَنَا عِلْمٌ مِنْ أَرْضِكُمْ لَمْ يَكُنْ يَبْدُو قَالَ: فَلَمَّا طَالَ عَلَى قَيْسٍ مَا بِهِ أَشَارَ قَوْمُهُ عَلَى أَبِيهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً جَمِيلَةً لَعَلَّهُ يَسْلُو بِهَا، فَدَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَبَى، فَأَعْلَمَهُمْ أَبُوهُ بِمَا رَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: مُرْهُ بِالْمَسِيرِ فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَالنُّزُولِ عَلَيْهِمْ؛ لَعَلَّهُ يُبْصِرُ امْرَأَةً تُعْجِبُهُ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِحَيٍّ فَرَأَى جَارِيَةً كَالْبَدْرِ، فَقَالَ: مَا اسْمُكِ يَا جَارِيَةُ؟ فَقَالَتْ: لُبْنَى، فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَاعَتْ، وَقَالَتْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَيْسَ بْنَ ذُرَيْحٍ، إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ، فَلَمَّا أَفَاقَ سَأَلَتْهُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَأَكَلَ وَارْتَحَلَ، فَأَتَى أَخُوهَا فَرَأَى مُنَاخَ النَّاقَةِ فَلَحِقَهُ فَرَدَّهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى زَوَّجَهُ مِنْ أُخْتِهِ، فَلَمَّا زُفَّتْ إِلَيْهِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا زواج لبنى وَبَلَغَ حَدِيثُهُ لُبْنَى، فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَغَدَّارٌ وَلَقَدْ كُنْتُ أَمْتَنِعُ مِنَ التَّزْوِيجِ فَالْآنَ أَتَزَوَّجُ، فَزُوِّجَتْ، فَاشْتَدَّ جَزَعُهُ. وَإِنَّ أَبَا لُبْنَى شَخَصَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَشَكَى إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلُبْنَى بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِإِهْدَارِ دَمِهِ، فَبَعَثَتْ لُبْنَى إِلَيْهِ تُحَذِّرُهُ، فَقَالَ: فَإِنْ يَحْجُبُوهَا أَوْ يَحُلْ دُونَ وَصْلِهَا     مَقَالَةُ وَاشٍ أَوْ وَعِيدُ أَمِيرِ فَلَنْ يَمْنَعُوا عَيْنَيَّ مِنْ دَائِمِ الْبُكَا     وَلَنْ يُذْهِبُوا مَا قَدْ أَجَنَّ ضَمِيرِي إِلَى اللَّهِ أَشْكُو مَا أُلَاقِي مِنَ الْهَوَى     وَمِنْ حُرَقٍ تَعْتَادُنِي وَزَفِيرِ وَمِنْ حَرَقٍ لِلْحُبِّ فِي بَاطِنِ الْحَشَى     وَلَيْلٍ طَوِيلِ الْحُزْنِ غَيْرِ قَصِيرِ وَكُنَّا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْهَوَى     بِأَنْعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ فَمَا بَرِحَ الْوَاشُونَ حَتَّى بَدَتْ لَهُمْ     بُطُونُ الْهَوَى مَقْلُوبَةً لِظُهُورِ لَقَدْ كُنْتِ حَسْبَ النَّفْسِ لَوْ دَامَ وَصْلُنَا     وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ ثُمَّ حَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَجَّتْ، فَلَقِيَهَا فَوَقَفَ بَاهِتًا، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِالسَّلَامِ. ثُمَّ إِنَّهُ اقْتَطَعَ قِطْعَةً مِنْ إِبِلِهِ وَأَعْلَمَ أَبَاهُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهَا الْمَدِينَةَ لِيَبِيعَهَا وَيَمْتَارَ لِأَهْلِهِ بِثَمَنِهَا، فَعَرَفَ أَبُوهُ [أَنَّهُ] إِنَّمَا يُرِيدُ لُبْنَى، فَعَاتَبَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا هُوَ يَعْرِضُهَا [إِذْ] سَاوَمَهُ زَوْجُ لُبْنَى بِنَاقَةٍ مِنْهَا وَهُمَا لَا يَتَعَارَفَانِ، فَبَاعَهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: إِذَا كَانَ فِي غَدٍ فَأْتِنِي فِي دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَاقْبَضِ الثَّمَنَ، فَمَضَى، وَقَالَ زَوْجُ لُبْنَى لَهَا: إِنِّي ابْتَعْتُ نَاقَةً مِنْ رَجُلٍ بَدَوِيٍّ وَهُوَ يَأْتِينَا غَدًا لِيَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَأَعِدِّي لَهُ طَعَامًا. فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ فَصَوَّتَ بِالْخَادِمِ وَقَالَ: قُولِي لِسَيِّدِكِ: صَاحِبُ النَّاقَةِ بِالْبَابِ، فَعَرَفَتْ لُبْنَى نَغْمَتَهُ فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ زَوْجُهَا لِلْخَادِمِ: قُولِي لَهُ يَدْخُلْ، فَدَخَلَ فَجَلَسَ، فَقَالَتْ لُبْنَى لِلْخَادِمِ: قَوْلِي لَهُ: مَا لَكَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، فَقَالَتْ لَهُ، فَتَنَفَّسَ وَقَالَ: هَكَذَا تَكُونُ حَالُ مَنْ فَارَقَ الْأَحِبَّةَ، وَبَكَى. فَقَالَتْ لُبْنَى: قُولِي لَهُ: حَدِّثْنَا حَدِيثَكَ، فَلَمَّا ابْتَدَأَ يُحَدِّثُ كَشَفَتِ الْحِجَابَ، فَبُهِتَ لَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ بَكَى وَنَهَضَ يَخْرُجُ، فَنَادَاهُ زَوْجُهَا: مَا قِصَّتُكَ؟ ارْجِعْ فَاقْبِضِ الثَّمَنَ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ وَخَرَجَ، فَقَالَتْ لُبْنَى لِزَوْجِهَا: هَذَا وَاللَّهِ قَيْسٌ. وَقَالَ فِي طَرِيقِهِ فِيهَا: أَتَبْكِي عَلَى لُبْنَى وَأَنْتَ تَرَكْتَهَا     وَكُنْتَ عَلَيْهَا بِالْمَلَا أَنْتَ أَقْدَرُ فَإِنْ تَكُنِ الدُّنْيَا بِلُبْنَى تَقَلَّبَتْ     فَلِلدَّهْرِ وَالدُّنْيَا بُطُونٌ وَأَظْهُرُ لَقَدْ كَانَ فِيهَا لِلْأَمَانَةِ مَوْضِعٌ     وَلِلْكَفِّ مُرْتَادٌ وَلِلَعِينِ مَنْظَرُ كَأَنِّي لَهَا أُرْجُوحَةٌ بَيْنَ أَحْبُلٍ     إِذَا ذُكْرَةٌ مِنْهَا عَلَى الْقَلْبِ تَخْطُرُ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَمَرِضَ مَرَضًا أَشَفَى مِنْهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَأَهْلُهُ فَعَاتَبُوهُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! أَتَرَوْنِي أَمْرَضْتُ نَفْسِي أَوْ وَجَدْتُ لَهَا سَلْوَةً فَاخْتَرْتُ الْبَلَاءَ، أَوْ لِي فِي ذَلِكَ صُنْعٌ، هَذَا مَا اخْتَارَهُ لِي أَبَوَايَ فَقَتَلَانِي بِهِ، فَجَعَلَ أَبُوهُ يَبْكِي وَيَدْعُو لَهُ بِالْفَرَجِ، وَدَسَّتْ إِلَيْهِ لُبْنَى رَجُلًا فَقَالَتْ لَهُ: قُلْ لَهُ: لِمَ تَزَوَّجْتَ بَعْدَهَا؟ فَجَاءَ يَسْأَلُهُ، فَحَلَفَ لَهُ أَنَّ عَيْنَهُ مَا اكْتَحَلَتْ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا، وَأَنَّهُ لَوْ رَآهَا فِي نِسْوَةٍ مَا عَرَفَهَا، وَأَنَّهُ مَا مَدَّ إِلَيْهَا يَدًا، وَلَا كَشَفَ لَهَا عَنْ ثَوْبٍ، قَالَ: فَحَمِّلْنِي إِلَيْهَا مَا شِئْتَ، فَقَالَ: أَلَا حَيِّ لُبْنَى الْيَوْمَ إِنْ كُنْتَ غَادِيًا     وَأَلْمِمْ بِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ لَا تَلَاقِيَا وَقُلْ إِنَّنِي وَالرَّاقِصَاتُ إِلَى مِنًى     بِأَجْبُلِ جَمْعٍ يَنْظُرُونَ الْمُنَادِيَا أَصُونُكِ عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ مَظَنَّةً     وَأَخْشَى عَلَيْكِ الْكَاشِحِينَ الْأَعَادِيَا أَقُولُ إِذَا نَفْسِي مِنَ الْوَجْدِ أَصْعَدَتْ     بِهَا زَفْرَةٌ تَعْتَادُنِي هِيَ مَا هِيَا وَبَيْنَ الْحَشَى وَالنَّحْرِ مِنِّي حَرَارَةٌ     وَلَوْعَةُ وَجْدٍ تَتْرُكُ الْقَلْبَ سَاهِيَا أَلَا لَيْتَ لُبْنَى لَمْ تَكُنْ خُلَّةً لَنَا     وَلَمْ تَرَنِي لُبْنَى وَلَمْ أَدْرِ مَا هِيَا خَلِيلِيَّ مَا لِي قَدْ بُلِيتُ وَلَا أَرَى     لُبَيْنَى عَلَى الْهِجْرَانِ إِلَّا كَمَا هِيَا جَزِعْتُ عَلَيْهَا لَوْ أَرَى لِي مَجْزَعًا     وَأَفْنَيْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ لَوْ كَانَ فَانِيَا تَمُرُّ اللَّيَالِي وَالشُّهُورُ وَلَا أَرَى     وُلُوعِي بِهَا يَزْدَادُ إِلَّا تَمَادِيَا وَاشْتَهَرَ أَمْرُ قَيْسٍ بِالْمَدِينَةِ، وَغَنَّى بِشِعْرِهِ الْغَرِيضُ وَمَالِكٌ وَمَعْبَدٌ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ شَرِيفٌ وَلَا وَضِيعٌ إِلَّا سَمِعَ بِذَلِكَ وَحَزِنَ لَهُ، وَجَاءَ زَوْجُ لُبْنَى فَعَاتَبَهَا فَقَالَ: فَضَحَنِي بِذِكْرِكِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجْتُكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أُهْدِرَ دَمُهُ، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيكَ. وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ دَارُ ضِيَافَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَهُ زَوْجَةٌ يُقَالُ لَهَا بُرَيْكَةُ، فَدَخَلَ الدَّارَ قَيْسٌ فِي جُنُونِهِ، فَقَالَ: أَيْنَ بُرَيْكَةُ؟ فَلَقِيَهَا، فَقَالَ لَهَا: حَاجَتِي نَظْرَةٌ إِلَى لُبْنَى، فَقَالَتْ: لَكَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ وَأَهْدَى لَهَا هَدَايَا كَثِيرَةً، وَقَالَ لَاطِفِيهِمْ حَتَّى يَأْنَسُوا بِكِ، فَفَعَلَتْ وَزَارَتْهُمْ مِرَارًا وَقَالَتْ لِزَوْجِ لُبْنَى: أَخْبِرْنِي، أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ زَوْجِي؟! قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَلُبْنَى خَيْرٌ مِنِّي؟! قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَمَا لِي أَزُورُهَا وَلَا تَزُورُنِي؟! قَالَ: ذَاكَ إِلَيْهَا، فَأَتَتْهَا وَسَأَلَتْهَا الزِّيَارَةَ، وَأَعْلَمَتْهَا أَنَّ قَيْسًا عِنْدَهَا فَأَسْرَعَتْ إِلَيْهَا فَبَكَيَا حَتَّى كَادَا يَتْلَفَانِ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: أَنْشِدْنِي مَا قُلْتَ فِي عِلَّتِكَ، فَقَالَ: أُعَالِجُ مِنْ نَفْسِي بَقَايَا حُشَاشَةٍ     عَلَى ظَمَأٍ وَالْعَائِدَاتُ تَعُودُ فَإِنْ ذُكِرَتْ لُبْنَى هَشِشْتُ لِذِكْرِهَا     كَمَّا هَشَّ لِلثَّدْيِ الدُّرُورِ وَلِيدُ وَرَحَلَ قَيْسٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنِهِ يَزِيدَ فَامْتَدَحَهُ وَشَكَى مَا بِهِ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُحَتِّمَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا، قَالَ: لَا، بَلْ أُحِبُّ أَنْ أُقِيمَ حَيْثُ تُقِيمُ، وَأَعْرِفَ أَخْبَارَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهْدَرَ دَمِي، فَأَجَابَهُ، وَغَيَّرَ مَا كَانَ كَتَبَ فِي إِهْدَارِ دَمِهِ. الاختلاف في آخر أمر قيس وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي آخِرِ أَمْرِ قَيْسٍ. فَرَوَى قَوْمٌ أَنَّ لُبْنَى مَاتَتْ فَخَرَجَ قَيْسٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهَا، فَقَالَ: مَاتَتْ لُبَيْنَى فَمَوْتُهَا مَوْتِي     هَلْ تَنْفَعَنْ حَسْرَتِي عَلَى الْفَوْتِ وَسَوْفَ أَبْكِي بُكَاءَ مُكْتَئِبٍ     قَضَى حَيَاةً وَجْدًا عَلَى مَيْتِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَى الْقَبْرِ يَبْكِي حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَهُ أَهْلُهُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيلًا لَا يُفِيقُ وَلَا يُجِيبُ مُكَلِّمًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ إِلَى جَنْبِهَا. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبَايَةَ، قَالَ: خَرَجَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ إِلَى الْمَدِينَةِ يَبِيعُ نَاقَةً لَهُ، فَاشْتَرَاهَا زَوْجُ لُبْنَى وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ مَعِي أُعْطِكَ الثَّمَنَ، فَمَضَى مَعَهُ، فَلَمَّا فَتَحَ الْبَابَ إِذَا لُبْنَى قَدِ اسْتَقْبَلَتْ قَيْسًا، فَلَمَّا رَآهَا وَلَّى هَارِبًا، وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي إِثْرِهِ بِالثَّمَنِ لِيَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: لَا تَرْكَبُ لِي مَطِيَّتَيْنِ أَبَدًا، فَقَالَ: وَأَنْتَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ لُبْنَى قَدْ رَأَيْتَهَا قِفْ حَتَّى أُخَيِّرَهَا فَإِنِ اخْتَارَتْكَ طَلَّقْتُهَا، وَظَنَّ الْقُرَشِيُّ أَنَّ فِي قَلْبِهَا لَهُ مَوْضِعًا وَأَنَّهَا لَا تَفْعَلُ، قَالَ لَهُ قَيْسٌ: افْعَلْ. فَدَخَلَ الْقُرَشِيُّ عَلَيْهَا فَاخْتَارَتْ قَيْسًا فَطَلَّقَهَا، وَأَقَامَ قَيْسٌ يَنْتَظِرُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ لِيَتَزَوَّجَهَا فَمَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ. وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّ ابْنَ أَبِي عَتِيقٍ جَاءَ إِلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ؓ وَابْنِ جَعْفَرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: إِنَّ لِي حَاجَةً إِلَى رَجُلٍ وَأَخْشَى أَنْ يَرُدَّنِي، وَإِنِّي أَسْتَعِينُ بِجَاهِكُمْ، فَمَضَى بِهِمْ إِلَى زَوْجِ لُبْنَى، فَلَمَّا رَآهُمْ أَعْظَمَ مَصِيرَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: جِئْنَا لِحَاجَةٍ لِابْنِ أَبِي عَتِيقٍ، فَقَالَ: هِيَ مَقْضِيَّةٌ مَا كَانَتْ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ: فَهَبْ لِي وَلَهُمْ زَوْجَتَكَ لُبْنَى وَتُطَلِّقُهَا، قَالَ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَاسْتَحْيَا الْقَوْمُ وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَا أَنَّ حَاجَتَهُ هَذِهِ، وَعَوَّضَهُ الْحَسَنُ ؓ عَنْ ذَلِكَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَحَمَلَهَا ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ سَأَلَ الْقَوْمُ أَبَاهَا فَزَوَّجَهَا مِنْهُ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى مَاتَا. وَقَالَ قَيْسٌ يَمْدَحُ ابْنَ أَبِي عَتِيقٍ: جَزَى الرَّحْمَنُ أَفْضَلَ مَا يُجَازِي     عَلَى الْإِحْسَانِ خَيْرًا مِنْ صَدِيقِ فَقَدْ جَرَّبْتُ إِخْوَانِي جَمِيعًا     فَمَا أَلْفَيْتُ كَابْنِ أَبِي عَتِيقِ سَعَى فِي جَمْعِ شَمْلِي بَعْدَ صَدْعٍ     وَرَأْيٍ حِدْتُ فِيهِ عَنِ الطَّرِيقِ وَأَطْفَأَ لَوْعَةً كَانَتْ بِقَلْبِي     أَغَصَّتْنِي حَرَارَتُهَا بِرِيقِي

  198. التاريخ 2289لا حكم مسجّل

    قَتْلِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ   وفِي سنة تسع وستين خَالَفَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَغَلَبَ عَلَى دِمَشْقَ، فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَقَامَ بِدِمَشْقَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ قِنَّسْرِينَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ، ثُمَّ سَارَ يُرِيدُ قَرْقِيسِيَا وَبِهَا زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا اسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الْأَشْدَقَ، فَتَحَصَّنَ بِهَا وَأَخْذَ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيلَ: بل كَانَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا بَلَغَ بُطْنَانَ حَبِيبٍ رَجَعَ عَمْرٌو لَيْلًا وَمَعَهُ حُمَيْدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْكَلْبِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، فَأَتَى دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيُّ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ رُجُوعُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ هَرَبَ عَنْهَا، وَدَخَلَهَا عَمْرٌو فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى خَزَائِنِهَا، وَهَدَمَ دَارَ ابْنِ أُمِّ الْحَكَمِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَخَطَبَهُمْ وَمَنَّاهُمْ وَوَعَدَهُمْ. وَأَصْبَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَفَقَدَ عَمْرًا، فَسَأَلَ عَنْهُ فَأُخْبِرَ خَبَرَهُ. فكَرَّ رَاجِعًا مِنْ فَوْرِهِ فَوَجَدَ الْأَشْدَقَ قَدْ حَصَّنَ دِمَشْقَ وَعَلَّقَ عَلَيْهَا السَّتَائِرَ وَالْمُسُوحَ، وَانْحَازَ الْأَشْدَقُ إِلَى حِصْنٍ رُومِيٍّ مَنِيعٍ كَانَ بِدِمَشْقَ فَنَزَلَهُ، فَحَاصَرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَاتَلَهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْأَشْدَقُ مُدَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا صلح عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد الأشدق وَرَاسَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَنْ تُفْسِدَ أَمْرَ بَيْتِكَ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَإِنَّ فِيمَا صَنَعْتَ قُوَّةً لِابْنِ الزُّبَيْرِ، فَارْجِعْ إِلَى بَيْتِكَ، وَلَكَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ. وَحَلَفَ بِالْأَيْمَانِ الْمُؤَكَّدَةِ أَنَّكَ وَلِيُّ عُهَدِي مِنْ بَعْدِي، وَكَتَبَا بَيْنَهُمَا كِتَابًا، فَانْخَدَعَ لَهُ عَمْرٌو وَفَتَحَ أَبْوَابَ دِمَشْقَ، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَلَى أَنْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ عَامِلٍ لِعَبْدِ الْمَلِكِ عَامِلٌ لَهُ، وَكَتَبَا بَيْنَهُمَا كِتَابَ أَمَانٍ، وَذَلِكَ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ. فَخَرَجَ عَمْرٌو فِي الْخَيْلِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى أَوْطَأَ فَرَسَهُ أَطْنَابَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَانْقَطَعَتْ وَسَقَطَ السُّرَادِقُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَاجْتَمَعَا. وَدَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ دِمَشْقَ إِلَى دَارِ الْإِمَارَةِ عَلَى عَادَتِهِ، وَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ يَقُولُ لَهُ: رُدَّ عَلَى النَّاسِ أَعْطِيَاتِهِمُ الَّتِي أَخَذْتَهَا لَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَمْرٌو يَقُولُ لَهُ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ إِلَيْكَ، وَلَيْسَ هَذَا الْبَلَدُ لَكَ، فَاخْرُجْ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ يَأْمُرُهُ بِالْإِتْيَانِ إِلَى مَنْزِلِهِ بِدَارِ الْإِمَارَةِ الْخَضْرَاءِ وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ اسْتَشَارَ كُرَيْبَ بْنَ أَبْرَهَةَ الْحِمْيَرِيَّ فِي قَتْلِ عَمْرٍو، فَقَالَ: لَا نَاقَةَ لِي فِي هَذَا وَلَا جَمَلَ، فِي مِثْلِ هَذَا هَلَكَتْ حِمْيَرٌ. فَلَمَّا أَتَى الرَّسُولُ عَمْرًا يَدْعُوهُ صَادَفَ عِنْدَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لِعَمْرٍو: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، أَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سَمْعِي وَمِنْ بَصَرِي، وَأَرَى لَكَ أَنْ لَا تَأْتِيَهُ. فَقَالَ عَمْرٌو: لِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّ تُبَيْعَ ابْنَ امْرَأَةِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: إِنَّ عَظِيمًا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَرْجِعُ فَيَغْلِقُ أَبْوَابَ دِمَشْقَ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَلَا يَلْبَثُ أَنْ يُقْتَلَ. فَقَالَ عَمْرٌو: وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ نَائِمًا مَا انْتَهَبَنِي ابْنُ الزَّرْقَاءِ وَلَا اجْتَرَأَ عَلَيَّ، أَمَا إِنِّي رَأَيْتُ عُثْمَانَ الْبَارِحَةَ فِي الْمَنَامِ فَأَلْبَسَنِي قَمِيصَهُ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ زَوْجَ ابْنَةِ عَمْرٍو. ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو لِلرَّسُولِ: أَنَا رَائِحٌ الْعَشِيَّةَ. فَلَمَّا كَانَ الْعِشَاءُ لَبِسَ عَمْرٌو دِرْعًا وَلَبِسَ عَلَيْهَا الْقَبَاءَ وَتَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَعِنْدَهُ حُمَيْدُ بْنُ حُرَيْثٍ الْكَلْبِيُّ، فَلَمَّا نَهَضَ مُتَوَجِّهًا عَثُرَ بِالْبُسَاطِ، فَقَالَ لَهُ حُمَيْدٌ: وَاللَّهِ لَوْ أَطَعْتَنِي لَمْ تَأْتِهِ. وَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ الْكَلْبِيَّةُ كَذَلِكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ وَمَضَى فِي مِائَةٍ مِنْ مَوَالِيهِ. وَقَدْ جَمَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ عِنْدَهُ بَنِي مَرْوَانَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْبَابَ أُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُهُ يُحْبَسُونَ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ حَتَّى بَلَغَ قَارِعَةَ الدَّارِ وَمَا مَعَهُ إِلَّا وَصِيفٌ لَهُ، فَنَظَرَ عَمْرٌو إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَإِذَا حَوْلَهُ بَنُو مَرْوَانَ، وَحَسَّانُ بْنُ بَحْدَلٍ الْكَلْبِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ الْخُزَاعِيُّ، فَلَمَّا رَأَى جَمَاعَتَهُمْ أَحَسَّ بِالشَّرِّ، فَالْتَفَتَ إِلَى وَصِيفِهِ وَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى أَخِي يَحْيَى فَقُلْ لَهُ يَأْتِنِي، فَلَمْ يَفْهَمِ الْوَصِيفُ فَقَالَ لَهُ: لَبَّيْكَ ! فَقَالَ عَمْرٌو: اغْرُبْ عَنِّي فِي حَرْقِ اللَّهِ وَنَارِهِ ! وَأَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِحَسَّانَ وَقَبِيصَةَ، فَقَامَا فَلَقِيَا عَمْرًا فِي الدَّارِ، فَقَالَ عَمْرٌو لِوَصِيفِهِ: انْطَلِقْ إِلَى يَحْيَى فَمُرْهُ أَنْ يَأْتِيَنِي. فَقَالَ: لَبَّيْكَ ! فَقَالَ عَمْرٌو: اغْرُبْ عَنِّي. فَلَمَّا خَرَجَ حَسَّانُ وَقَبِيصَةُ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ وَدَخَلَ عَمْرٌو، فَرَحَّبَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: هَاهُنَا هَاهُنَا يَا أَبَا أُمَيَّةَ ! فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَجَعَلَ يُحَادِثُهُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: يَا غُلَامُ، خُذِ السَّيْفَ عَنْهُ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّا لِلَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَتَطْمَعُ أَنْ تَجْلِسَ مَعِي مُتَقَلِّدًا سَيْفَكَ ؟ فَأَخَذَ السَّيْفَ عَنْهُ، ثُمَّ تَحَدَّثَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، إِنَّكَ حَيْثُ خَلَعْتَنِي أَلَيْتُ بِيَمِينٍ إِنْ أَنَا مَلَأْتُ عَيْنِي مِنْكَ وَأَنَا مَالِكٌ لَكَ أَنْ أَجْعَلَكَ فِي جَامِعَةٍ. فَقَالَ لَهُ بَنُو مَرْوَانَ: ثُمَّ تُطْلِقُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا عَسَيْتُ أَنْ أَصْنَعَ بِأَبِي أُمَيَّةَ ؟ فَقَالَ بَنُو مَرْوَانَ: أَبِرَّ قَسَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَمْرٌو: قَدْ أَبَرَّ اللَّهُ قَسَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَخْرَجَ مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهِ جَامِعَةً وَقَالَ: يَا غُلَامُ، قُمْ فَاجْمَعْهُ فِيهَا. فَقَامَ الْغُلَامُ فَجَمَعَهُ فِيهَا. فَقَالَ عَمْرٌو: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تُخْرِجَنِي فِيهَا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمَكْرًا يَا أَبَا أُمَيَّةَ عِنْدَ الْمَوْتِ ؟ لَا وَاللَّهِ مَا كُنَّا لِنُخْرِجَكَ فِي جَامِعَةٍ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ. ثُمَّ جَذَبَهُ جَذْبَةً أَصَابَ فَمَهُ السَّرِيرُ فَكَسَرَ ثَنِيَّتَيْهِ. فَقَالَ عَمْرٌو: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كُسِرَ عَظْمٌ مِنِّي فَلَا تَرْكَبْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تُبْقِي عَلَيَّ إِنْ أَنَا أَبْقَيْتُ عَلَيْكَ وَتَصْلُحُ قُرَيْشٌ لَأَطْلَقْتُكَ، وَلَكِنْ مَا اجْتَمَعَ رَجُلَانِ فِي بَلَدِهِ قَطُّ عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ إِلَّا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. فَلَمَّا رَأَى عَمْرٌو أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قَالَ: أَغَدْرًا يَا ابْنَ الزَّرْقَاءِ ! وَقِيلَ: إِنَّ عَمْرًا لَمَّا سَقَطَتْ ثَنِيَّتَاهُ جَعَلَ يَمَسُّهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا عَمْرُو، أَرَى ثَنِيَّتَيْكَ قَدْ وَقَعَتَا مِنْكَ مَوْقِعًا لَا تَطِيبُ نَفْسُكَ بَعْدَهُ. وَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْعَصْرَ فَخَرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَمَرَ أَخَاهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ عَمْرٌو: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَنْ تَلِيَ قَتْلِي، لِيَقْتُلْنِي مَنْ هُوَ أَبْعَدُ رَحِمًا مِنْكَ. فَأَلْقَى السَّيْفَ وَجَلَسَ، وَصَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ صَلَاةً خَفِيفَةً وَدَخَلَ وَغُلِّقَتِ الْأَبْوَابُ. قدوم يحيى بن سعيد لإنقاذ أخيه وَرَأَى النَّاسُ عَبْدَ الْمَلِكِ حِينَ خَرَجَ وَلَيْسَ مَعَهُ عَمْرٌو، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، فَأَقْبَلَ فِي النَّاسِ وَمَعَهُ أَلْفُ عَبْدٍ لِعَمْرٍو، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَثِيرٌ، فَجَعَلُوا يَصِيحُونَ بِبَابِ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَسْمِعْنَا صَوْتَكَ يَا أَبَا أُمَيَّةَ ! فَأَقْبَلَ مَعَ يَحْيَى حُمَيْدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَزُهَيْرُ بْنُ الْأَبْرَدِ، فَكَسَرُوا بَابَ الْمَقْصُورَةِ وَضَرَبُوا النَّاسَ بِالسُّيُوفِ، وَضُرِبَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَاحْتَمَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَبِيٍّ صَاحِبُ الدِّيوَانِ، فَأَدْخَلَهُ بَيْتَ الْقَرَاطِيسِ. وَدَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ حِينَ صَلَّى فَرَأَى عَمْرًا بِالْحَيَاةِ، فَقَالَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقْتُلَهُ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ نَاشَدَنِي اللَّهَ وَالرَّحِمَ فَرَقَقْتُ لَهُ. فَقَالَ لَهُ: أَخْزَى اللَّهُ أُمَّكَ الْبَوَّالَةَ عَلَى عَقِبَيْهَا، فَإِنَّكَ لَمْ تُشْبِهْ غَيْرَهَا ! مقتل عمرو بن سعيد ثُمَّ أَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَرْبَةَ فَطَعَنَ بِهَا عَمْرًا، فَلَمْ تَجُزْ، ثُمَّ ثَنَى فَلَمْ تَجُزْ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى عَضُدِهِ فَرَأَى الدِّرْعَ فَقَالَ: وَدِرْعٌ أَيْضًا ؟ إِنْ كُنْتَ لَمُعِدًّا ! فَأَخَذَ الصَّمْصَامَةَ، وَأَمَرَ بِعَمْرٍو فَصُرِعَ، وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ فَذَبَحَهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا عَمْرُو إِنْ لَا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي أَضْرِبْكَ حَيْثُ تَقُولُ الْهَامَةُ اسْقُونِي وَانْتَفَضَ عَبْدُ الْمَلِكِ رِعْدَةً، فَحُمِلَ عَنْ صَدْرِهِ فَوُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ، قَتَلَهُ صَاحِبُ دُنْيَا وَلَا طَالِبُ آخِرَةٍ. وَدَخَلَ يَحْيَى وَمَنْ مَعَهُ عَلَى بَنِي مَرْوَانَ يُخْرِجُهُمْ وَمَنْ كَانَ مِنْ مَوَالِيهِمْ، فَقَاتَلُوا يَحْيَى وَأَصْحَابَهُ، وَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُمِّ الْحَكَمِ الثَّقَفِيُّ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الرَّأْسَ، فَأَلْقَاهُ إِلَى النَّاسِ، وَقَامَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ وَأَخَذَ الْمَالَ فِي الْبِدَرِ، فَجَعَلَ يُلْقِيهَا إِلَى النَّاسِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الرَّأْسَ وَالْأَمْوَالَ ( انْتَهَبُوا الْأَمْوَالَ وَتَفَرَّقُوا )، ثُمَّ أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ فَجُبِيَتْ حَتَّى عَادَتْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِ عَمْرٍو حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ غُلَامَهُ أَبَا الزُّعَيْزِعَةِ، فَقَتَلَهُ وَأَلْقَى رَأْسَهُ إِلَى النَّاسِ، وَرُمِيَ يَحْيَى بِصَخْرَةٍ فِي رَأْسِهِ، وَأَخْرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَرِيرَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَفَقَدَ الْوَلِيدَ ابْنَهُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ لَقَدْ أَدْرَكُوا ثَأْرَهُمْ. فَأَتَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَرَبِيٍّ الْكِنَانِيُّ، فَقَالَ: الْوَلِيدُ عِنْدِي، وَقَدْ جُرِحَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ. وَأُتِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ فَقَالَ: جُعِلْتُ فَدَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! أَتَرَاكَ قَاتِلًا بَنِي أُمَيَّةَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ ! فَأَمَرَ بِيَحْيَى فَحُبِسَ. وَأَرَادَ قَتْلَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ، فَشَفَعَ فِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ أَيْضًا. ثُمَّ أُتِيَ بِعَامِرِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكَلْبِيِّ فَضَرَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ رَأْسَهُ بِقَضِيبِ خَيْزُرَانٍ كَانَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَتُقَاتِلُنِي مَعَ عَمْرٍو وَتَكُونُ مَعَهُ عَلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ عَمْرًا أَكْرَمَنِي وَأَهَنْتَنِي، وَقَرَّبَنِي وَأَبْعَدْتَنِي، وَأَحْسَنَ إِلَيَّ وَأَسَأْتَ إِلَى، فَكُنْتُ مَعَهُ عَلَيْكَ. فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي خَالِي، فَوَهَبَهُ لَهُ، وَأَمَرَ بِبَنِي سَعِيدٍ فَحُبِسُوا، وَمَكَثَ يَحْيَى فِي الْحَبْسِ شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي قَتْلِهِ، فَقَامَ بَعْضُ خُطَبَاءِ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ تَلِدُ الْحَيَّةُ إِلَّا حَيَّةً، نَرَى وَاللَّهِ أَنْ تَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ مُنَافِقٌ عَدُوٌّ. ثُمَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيُّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ يَحْيَى ابْنُ عَمِّكَ، وَقَرَابَتُهُ مَا قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا، وَصَنَعْتَ بِهِمْ مَا قَدْ صَنَعْتَ، وَمَا أَرَى لَكَ قَتْلَهُمْ، وَلَكِنْ سَيِّرْهُمْ إِلَى عَدُوِّكَ، فَإِنْ هُمْ قُتِلُوا كُنْتَ قَدْ كُفِيتَ أَمْرَهُمْ، وَإِنْ هُمْ رَجَعُوا رَأَيْتَ فِيهِمْ رَأْيَكَ. فَأَخَذَ رَأْيَهُ، فَأَخْرَجَ آلَ سَعِيدٍ فَأَلْحَقَهُمْ بِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ. ثُمَّ بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى امْرَأَةِ عَمْرٍو الْكَلْبِيَّةِ: ابْعَثِي إِلَيَّ كِتَابَ الصُّلْحِ الَّذِي كَتَبْتُهُ لِعَمْرٍو. فَقَالَتْ لِرَسُولِهِ: ارْجِعْ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ ذَلِكَ الصُّلْحَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ لِيُخَاصِمَكَ عِنْدَ رَبِّهِ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَعَمْرٌو يَلْتَقِيَانِ فِي النَّسَبِ فِي أُمَيَّةَ، هَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَذَاكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَتْ أُمُّ عَمْرٍو أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ الْحَكَمِ عَمَّةَ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَلَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُصْعَبًا، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ - دَخَلَ أَوْلَادُ عَمْرٍو عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُمْ أَرْبَعَةٌ: أُمَيَّةُ، وَسَعِيدٌ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَمُحَمَّدٌ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتٍ لَمْ تَزَالُوا تَرَوْنَ لَكُمْ عَلَى جَمِيعِ قَوْمِكُمْ فَضْلًا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنَّ الَّذِي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِيكُمْ لَمْ يَكُنْ حَدِيثًا، وَلَكِنْ كَانَ قَدِيمًا فِي أَنْفُسِ أَوَّلِيكُمْ عَلَى أَوَّلِينَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأُقْطِعَ بِأُمَيَّةَ، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَقَامَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ الْأَوْسَطَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا تَنْعَى عَلَيْنَا أَمْرًا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَهَدَمَ ذَلِكَ وَوَعَدَ جَنَّةً وَحَذَّرَ نَارًا، وَأَمَّا الَّذِي كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا صَنَعْتَ، وَقَدْ وَصَلَ عَمْرٌو إِلَى اللَّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا، وَلَعَمْرِي لَئِنْ أَخَذْتَنَا بِمَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَنَا مِنْ ظَهْرِهَا. فَرَقَّ لَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: إِنَّ أَبَاكُمْ خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَقْتُلَنِي أَوْ أَقْتُلَهُ، فَاخْتَرْتُ قَتْلَهُ عَلَى قَتْلِي، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمَا أَرْغَبَنِي فِيكُمْ، وَأَوْصَلَنِي لِقَرَابَتِكُمْ ! وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُمْ وَوَصَلَهُمْ وَقَرَّبَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ ذَاتَ يَوْمٍ: عَجِبْتُ كَيْفَ أَصَبْتَ غِرَّةَ عَمْرٍو. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَدْنَيْتُهُ مِنِّي لِيَسْكُنَ رَوْعُهُ     فَأَصُولُ صَوْلَةَ حَازِمٍ مُسْتَمْكِنِ غَضَبًا وَمَحْمِيَةً لِدِينِي إِنَّهُ     لَيْسَ الْمُسِيءُ سَبِيلُهُ كَالْمُحْسِنِ وَقِيلَ: إِنَّمَا خَلْعُ عَمْرٍو وَقَتْلُهُ حِينَ سَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ نَحْوَ الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مُصْعَبٍ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّكَ تَخْرُجُ إِلَى الْعِرَاقِ وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ جَعَلَ لِي هَذَا الْأَمْرَ بَعْدَهُ، وَعَلَى ذَلِكَ قَاتَلْتُ مَعَهُ، فَاجْعَلْ هَذَا الْأَمْرَ لِي بَعْدَكَ، فَلَمْ يُجِبْهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى ذَلِكَ، فَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ مِنْ قَتْلِهِ مَا تَقَدَّمَ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدِ اسْتَخْلَفَ عَمْرًا عَلَى دِمَشْقَ، فَخَالَفَهُ وَتَحَصَّنَ بِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وصول خبر قتل عمرو بن سعيد إلى عبد الله بن الزبير وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِقَتْلِ عَمْرٍو قَالَ: إِنَّ ابْنَ الزَّرْقَاءِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَّيْطَانِ، وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ يُرْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِوَاءٌ عَلَى قَدْرِ غَدْرَتِهِ. عَنِ الْعُتْبِيِّ أَنْ عَبْدَ الْمَلِكِ قَالَ: لَقَدْ كَانَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ دَمِ النَّوَاظِرِ، وَلَكِنَّ وَاللَّهِ لَا يَجْتَمِعُ فَحْلَانِ فِي الْإِبِلِ إِلَّا أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، وَإِنَّا لَكَمَا قَالَ أَخُو بَنِي يَرْبُوعٍ: أُجَازِي مَنْ جَزَانِي الْخَيْرَ خَيْرًا     وَجَازِي الْخَيْرِ يُجْزَى بِالنَّوَالِ وَأَجْزِي مَنْ جَزَانِي الشَّرَّ شَرًّا     كَمَا تُحْذَى النِّعَالُ عَلَى النِّعَالِ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَأَنْشَدَ أَبُو الْيَقْظَانِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فِي قَتْلِهِ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ: صَحَّتْ وَلَا تَشْلَلْ وَضَرَّتْ عَدُوَّهَا     يَمِينٌ أَرَاقَتْ مُهْجَةَ ابْنِ سَعِيدِ وَجَدْتُ ابْنَ مَرْوَانَ وَلَا تَبْلَ نَفْسُهُ     شَدِيدًا ضَرِيرَ الْبَأْسِ غَيْرَ بَلِيدِ هُوَ ابْنُ أَبِي الْعَاصِي لِمَرْوَانَ يَنْتَمِي     إِلَى أُسْرَةٍ طَابَتْ لَهُ وَجُدُودِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَمَّا حِصَارُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ فَكَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ  رَجَعَ إِلَيْهِ مَنْ بُطْنَانَ، فَحَاصَرَهُ بِدِمَشْقَ، وَأَمَّا قَتْلُهُ إِيَّاهُ فَكَانَ فِي سَنَةِ سَبْعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رثاء يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ عمرو بن سعيد وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ يَرْثِيهِ: أَعَيْنَيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ عَلَى عَمْرٍو     عَشِيَّةَ تُبْتَزُّ الْخِلَافَةُ بِالْغَدْرِ كَأَنَّ بَنِي مَرْوَانَ إِذْ يَقْتُلُونَهُ     بُغَاثٌ مِنَ الطَّيْرِ اجْتَمَعْنَ عَلَى صَقْرِ لَحَى اللَّهُ دُنْيَا تُدْخِلُ النَّارَ أَهْلَهَا     وَتَهْتِكُ مَا دُونَ الْمَحَارِمِ مِنْ سِتْرِ .

  199. التاريخ 2290لا حكم مسجّل

    تَرْجَمَةُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ   هُوَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَبُو أُمَيَّةَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ، يُقَالُ: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا أَحْسَنَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ. وَحَدِيثًا آخَرَ فِي الْعِتْقِ. وَرَوَى عَنْ عُمَرَ، وَ عُثْمَانَ، وَ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ، وَحَدَّثَ عَنْهُ بَنُوهُ؛ أُمَيَّةُ وَسَعِيدٌ، وَ مُوسَى وَغَيْرُهُمْ. وَاسْتَنَابَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَكَذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَبِيهِ. صفة عمرو بن سعيد الأشدق وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنَ الْكُرَمَاءِ الْمَشْهُورِينَ، يُعْطِي الْكَثِيرَ، وَيَتَحَمَّلُ الْعَظَائِمَ، وَكَانَ وَصِيَّ أَبِيهِ مِنْ بَيْنِ بَنِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ - كَمَا قَدَّمْنَا - مِنَ الْمَشَاهِيرِ الْكُرَمَاءِ، وَالسَّادَةِ النُّجَبَاءِ. قَالَ عَمْرٌو: مَا شَتَمْتُ رَجُلًا مُنْذُ كُنْتُ رَجُلًا، وَلَا كَلَّفْتُ مَنْ قَصَدَنِي أَنْ يَسْأَلَنِي ; لَهُوَ أَمَنُّ عَلَيَّ مِنِّي عَلَيْهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: خُطَبَاءُ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ  : الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَخُطَبَاءُ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ  : مُعَاوِيَةُ وَابْنُهُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ وَابْنُهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَيُرْعَفَنَّ عَلَى مِنْبَرِي جَبَّارٌ مِنْ جَبَابِرَةِ بَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى يَسِيلَ رُعَافُهُ. قَالَ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ رَعَفَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى سَالَ رُعَافُهُ. وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِقِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَنَهَاهُ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، وَذَكَرَ لَهُ الْحَدِيثَ الَّذِي سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَحْرِيمِ مَكَّةَ فَقَالَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ دَخَلَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَمَا دَعَا إِلَى بَيْعَةِ نَفْسِهِ، وَاسْتَقَرَّ لَهُ الشَّامُ وَدَخَلَ مَعَهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ فَفَتَحَ مِصْرَ، وَقَدْ كَانَ وَعَدَ عَمْرًا أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ نَائِبًا بِدِمَشْقَ، فَلَمَّا قَوِيَتْ شَوْكَةُ مَرْوَانَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَخَلَعَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ مِنْ ذَلِكَ، فَمَا زَالَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ، وَعَزَمَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَرَجَعَ مِنْ جَيْشِهِ وَدَخَلَ عَمْرٌو دِمَشْقَ وَتَحَصَّنَ بِهَا، وَأَجَابَهُ أَهْلُهَا، فَاتَّبَعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فَحَاصَرَهُ، ثُمَّ اسْتَنْزَلَهُ عَلَى أَمَانٍ صُورِيٍّ، ثُمَّ قَتَلَهُ كَمَا قَدَّمْنَا. وَكَانَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ: سَنَةَ سَبْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا ذَكَرَهُ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ بِسَنَدٍ لَهُ: أَنْ رَجُلًا سَمِعَ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ عَلَى سُورِ دِمَشْقَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَبْلَ قَتْلِهِ بِمُدَّةٍ، هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَلَا يَا لِقَوْمِي لِلسَّفَاهَةِ وَالْوَهْنِ وَلِلْفَاجِرِ الْمَوْهُونِ وَالرَّأْيِ ذِي الْأَفْنِ     وَلِابْنِ سَعِيدٍ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ خَرَّ لِلْوَجْهِ وَالْبَطْنِ     رَأَى الْحِصْنَ مَنْجَاةً مِنَ الْمَوْتِ فَالْتَجَا إِلَيْهِ فَزَارَتْهُ الْمَنِيَّةُ فِي الْحِصْنِ قَالَ: فَأَتَى الرَّجُلُ عَبْدَ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: وَيَحَكَ، سَمِعَهَا مِنْكَ أَحَدٌ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: ضَعْهَا تَحْتَ قَدَمَيْكَ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ خَلَعَ عَمْرٌو الطَّاعَةَ، وَقَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ

  200. التاريخ 2291لا حكم مسجّل

    عِصْيَانِ الْجَرَاجِمَةِ بِالشَّامِ   لَمَّا امْتَنَعَ عَمْرُوبْنُ سَعِيدٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ خَرَجَ أَيْضًا قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ الضَّوَاحِي فِي جَبَلِ اللُّكَّامِ، وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْجَرَاجِمَةِ وَالْأَنْبَاطِ وَأُبَّاقِ عَبِيدِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ سَارَ إِلَى لُبْنَانَ، فَلَمَّا فَرَغَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ عَمْرٍو أَرْسَلَ إِلَى هَذَا الْخَارِجِ عَلَيْهِ، فَبَذَلَ لَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَكَنَ إِلَى ذَلِكَ وَلَمْ يُفْسِدْ فِي الْبِلَادِ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ سُحَيْمَ بْنَ الْمُهَاجِرِ، فَتَلَطَّفَ حَتَّى وَصَلَ إِلَيْهِ مُتَنَكِّرًا، فَأَظْهَرَ لَهُ مُمَالَأَتَهُ، وَذَمَّ عَبْدَ الْمَلِكِ وَشَتَمَهُ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى عَوْرَاتِهِ وَمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الصُّلْحِ. فَوَثِقَ بِهِ. ثُمَّ إِنَّ سُحَيْمًا عَطَفَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ غَارُّونَ غَافِلُونَ بِجَيْشٍ مَعَ مَوَالِي عَبْدِ الْمَلِكِ وَبَنِي أُمَيَّةَ وَجُنْدٍ مِنْ ثِقَاتِ جُنْدِهِ وَشُجْعَانِهِمْ كَانَ أَعَدَّهُمْ بِمَكَانٍ خَفِيٍّ قَرِيبٍ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ: مَنْ أَتَانَا مِنَ الْعَبِيدِ، يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ، فَهُوَ حُرٌّ وَيُثَبَّتَ فِي الدِّيوَانِ، فَانْفَضَّ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَكَانُوا مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَهُ، فَقُتِلَ الْخَارِجُ وَمَنْ أَعَانَهُ مِنَ الرُّومِ، وَقُتِلَ نَفَرٌ مِنَ الْجَرَاجِمَةِ وَالْأَنْبَاطِ، وَنَادَى الْمُنَادِي بِالْأَمَانِ فِيمَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّقُوا فِي قُرَاهُمْ وَسُدَّ الْخَلَلُ، وَعَادَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَفَى لِلْعَبِيدِ.

  201. التاريخ 2292لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ أَظْهَرَ خَارِجِيٌّ التَّحْكِيمَ بِمِنًى فَقُتِلَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ لَهُ أَخُوهُ مُصْعَبٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ.

  202. التاريخ 2293لا حكم مسجّل

    [ الْوَفَيَاتُ   ] وَفِيهَا تُوُفِّيَ جابر بن سمرة وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ بْنِ جُنَادَةَ   ، لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَلِأَبِيهِ أَيْضًا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ. نَزَلَ الْكُوفَةَ وَبِهَا تُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الْأَنْصَارِيَّةُ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ الْأَنْصَارِيَّةُ   ، بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ، وَقَتَلَتْ بِعَمُودِ خَيْمَتِهَا يَوْمَ الْيَرْمُوكِ تِسْعَةً مِنَ الرُّومِ لَيْلَةَ عُرْسِهَا، وَسَكَنَتْ دِمَشْقَ وَقَبْرُهَا بِبَابِ الصَّغِيرِ. حَسَّانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ حَسَّانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ بَحْدَلٍ  ، الْأَمِيرُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْبَحْدَلِيُّ الْكَلْبِيُّ. وَهُوَ الَّذِي قَامَ بِبَيْعَةِ مَرْوَانَ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ سَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ سَلَّمَهَا لِمَرْوَانَ. وَقَصْرُ حَسَّانَ بِدِمَشْقَ، وَيُعْرَفُ بِقَصْرِ ابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ، وَهُوَ قَصْرُ الْبَحَادِلَةِ. مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ الثَّقَفِيُّ يُوسُفُ بْنُ الْحَكَمِ الثَّقَفِيُّ   وَالِدُ الْحَجَّاجِ. قَدِمَ مِنَ الطَّائِفِ إِلَى الشَّامِ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى مِصْرَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَلْزَمُ مَرْوَانَ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَكَمِ   أَخُو مَرْوَانَ، شَهِدَ الدَّارَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَكَانَ شَاعِرًا مُحْسِنًا، وَلَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ وَابْنُهُ. وفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ أَمِيرُ إِفْرِيقِيَّةَ  الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ [بْنِ حُصَيْنٍ] السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ، وَقِيلَ: صَخْرٌ، وَيُكَنَّى أَبَا بَحْرٍ.   وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ أَحْنَفُ، فَكَانَتْ تُرَقِّصُهُ، وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا حِنْفَةٌ بِرِجْلِهِ. وَدِقَّةٌ فِي سَاقِهِ مِنْ هَزْلِهِ. مَا كَانَ فِي فِتْيَانِكُمْ مِنْ مِثْلِهِ. أَدْرَكَ زَمَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ مَنْ يَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: إِنَّهُ لَيَدْعُو إِلَى خَيْرٍ، وَمَا أَسْمَعُ إِلَّا حَسَنًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأَحْنَفِ". وَكَانَ الْأَحْنَفُ يَقُولُ: مَا مِنْ شَيْءٍ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي ذَرٍّ. وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَ مَرْوَ الرُّوذِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ فِي جَيْشِهِ، وَكَانَ عَالِمًا سَيِّدًا، وَكَانَ يَحْضُرُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَيُطِيلُ السُّكُوتَ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَحْرٍ، تَكَلَّمْ، فَقَالَ: أَخْشَى اللَّهَ إِنْ كَذَبْتُ، وَأَخْشَاكُمْ إِنْ صَدَقْتُ. وَكَانَ يَتَهَجَّدُ بِاللَّيْلِ كَثِيرًا، وَكَانَ يَضَعُ الْمِصْبَاحَ قَرِيبًا مِنْهُ، ثُمَّ يُقَدِّمُ إِصْبَعَهُ إِلَى النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَحْنَفُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ فِي يَوْمِ كَذَا. وَكَانَ يَصُومُ، فَيُقَالُ لَهُ: إِنَّكَ شَيْخٌ كَبِيرٌ وَالصِّيَامُ يُضْعِفُكَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَأُعِدُّهُ لِشَرٍّ طَوِيلٍ. وعن عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الطُّوسِيُّ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ: لِمَ بَلَغَ فِيكُمُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ مَا بَلَغَ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ أَلْفًا، وَإِنْ شِئْتَ حَذَفْتُ لَكَ الْحَدِيثَ حَذْفًا، [قَالَ: احْذِفْهُ حَذْفًا]، قَالَ: إِنْ شِئْتَ ثَلَاثًا، وَإِنْ شِئْتَ فَاثْنَتَيْنِ، وَإِنْ شِئْتَ فَوَاحِدَةً، [قَالَ: مَا الثَّلَاثُ؟] قَالَ: أَمَّا الثَّلَاثُ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَشْرَهُ، وَلَا يَحْسُدُ وَلَا يَمْنَعُ حَقًّا. قَالَ: فَمَا الثِّنْتَانِ؟ قَالَ: كَانَ مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ مَعْصُومًا عَنِ الشَّرِّ. قَالَ: فَمَا الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى نَفْسِهِ سُلْطَانًا. عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: يَا شَعْبِيُّ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: ثَمَانِيَةٌ إِنْ أُهِينُوا فَلَا يَلُومُوا إِلَّا أَنْفُسَهُمْ، قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: الْآتِي إِلَى مَائِدَةٍ لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا، وَالدَّاخِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي حَدِيثِهِمَا وَلَمْ يُدْخِلَاهُ، وَالْمُتَآمِرُ عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ فِي بَيْتِهِ، وَالْمُنْدَلِقُ بِالدَّالَّةِ عَلَى السُّلْطَانِ، وَالْجَالِسُ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، وَالْمُقْبِلُ بِحَدِيثِهِ إِلَى مَنْ لَا يَسْمَعُ مِنْهُ، وَالطَّامِعُ فِي فَضْلِ الْبَخِيلِ، وَالْمُنْزِلُ حَاجَتَهُ بَعَدُوِّهِ. قَالَ: يَا شَعْبِيُّ، أَلَّا أَدُلَّكَ عَلَى الدَّاءِ الدَّوِيِّ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: الْخُلُقُ الرَّدِيءُ وَاللِّسَانُ الْبَذِيءُ. قَالَ: قُلْتُ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى مُرُوءَةٍ لَيْسَ فِيهَا مَرْزِيَّةٌ، فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا شَعْبِيُّ، سَأَلْتَ عَظِيمًا، الْخُلُقُ الشَّحِيحُ وَالْكَفُّ عَنِ الْقَبِيحِ. وَكَانَ الْأَحْنَفُ يَقُولُ: إِنَّ مِنَ السُّؤْدُدِ الصَّبْرَ عَلَى الذُّلِّ، وَكَفَى بِالْحِلْمِ نَاصِرًا. وَقَالَ: مَا نَازَعَنِي أَحَدٌ إِلَّا أَخَذْتُ مِنْ أَمْرِي بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: إِنْ كَانَ فَوْقِي عَرَفْتُ لَهُ قَدْرَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونِي رَفَعْتُ نَفْسِي عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلِي تَفَضَّلْتُ عَلَيْهِ. وَقَالَ زِيَادُ بْنُ الْأَحْنَفِ: قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدُدِ مَا لَا تَنْفَعُهُ [مَعَهُ] الْوِلَايَةُ، وَلَا يَضُرُّهُ الْعَزْلُ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ صَفْوَانَ: كَانَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ يَفِرُّ مِنَ الشَّرَفِ وَالشَّرَفُ يَتْبَعُهُ. وعَنْ مُغِيرَةَ، قَالَ: اشْتَكَى ابْنُ أَخِي الْأَحْنَفِ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَجَعَ ضِرْسِهِ، فَقَالَ لَهُ الْأَحْنَفُ: لَقَدْ ذَهَبَتْ عَيْنِي مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا ذَكَرْتُهَا لِأَحَدٍ. عن مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، قَالَ: قِيلَ لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: أَلَا تَأْتِي الْأُمَرَاءَ؟ قَالَ: فَأَخْرَجَ جَرَّةً مَكْسُورَةً، فَكَبَّهَا فَإِذَا كِسَرٌ، فَقَالَ: مَنْ يَجْزِيهِ مِثْلُ هَذَا مَا يَصْنَعُ بِإِتْيَانِهِمْ؟! قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ الْأَحْنَفُ صَدِيقًا لِمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَوَفَدَ عَلَيْهِ الْكُوفَةَ وَمُصْعَبٌ وَالِيهَا، فَتُوُفِّيَ عِنْدَهُ فَرُئِيَ مُصْعَبٌ فِي جِنَازَتِهِ يَمْشِي بِغَيْرِ رِدَاءٍ. أبو الأسود الدؤلي ظَالِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سُفْيَانَ، أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:   قَالَ يُوسُفُ بْنُ حَبِيبِ: الدُّولُ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ سَاكِنُ الْوَاوِ، وَالدِّيلُ عَبْدُ الْقَيْسِ سَاكِنَةُ الْيَاءِ، وَالدُّؤَلُ فِي كِنَانَةَ رَهْطُ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرِ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. وَاسْتَخْلَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ لَمَّا خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَأَقَرَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ، وَكَانَ يُحِبُّ عَلِيًّا ؓ الْحُبَّ الشَّدِيدَ، وَهُوَ الْقَائِلُ: يَقُولُ الْأَرْذَلُونَ بَنُو قَشِيرٍ طِوَالَ الدَّهْرِ لَا تَنْسَى عَلِيَّا     أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وَعَبَّاسًا وَحَمْزَةَ الْوَصِيَّا     فَإِنْ يَكُ حُبُّهُمُ رُشْدًا أُصِبْهُ وَلَسْتُ بِمُخْطِئٍ إِنْ كَانَ غَيَّا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ النَّحْوَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ: أَوَّلُ مَنْ أَسَّسَ الْعَرَبِيَّةَ وَوَضَعَ قِيَاسَهَا، فَوَضَعَ بَابَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ بِهِ، وَالْمُضَافِ، وَحُرُوفَ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ وَالْجَرِّ وَالْجَزْمِ، وَأَخَذَ ذَلِكَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى: أَخَذَ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْعَرَبِيَّةَ، فَكَانَ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا مِمَّا أَخَذَهُ عَنْ عَلِيٍّ إِلَى آخَرَ حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِ زِيَادٌ: اعْمَلْ شَيْئًا يَكُونُ إِمَامًا نَعْرِفُ بِهِ كِتَابَ اللَّهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ} [9: 3] فَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَمْرَ النَّاسِ قَدْ صَارَ إِلَى هَذَا. وَقَالَ لِزِيَادٍ: أَبْغِي كَاتِبًا لَقِنًا يَفْعَلُ مَا أَقُولُ، فَأُتِيَ بِكَاتِبٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَلَمْ يَرْضَهُ، فَأُتِيَ بِآخَرَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ: إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ فَتَحْتُ فَمِي بِالْحَرْفِ فَانْقُطْهُ نُقْطَةً فَوْقَهُ عَلَى أَعْلَاهُ، وَإِذَا ضَمَمْتُ فَمِي بِالْحَرْفِ فَانْقُطْهُ نُقْطَةً بَيْنَ يَدَيِ الْحَرْفِ، وَإِنْ كَسَرْتُ فَاجْعَلِ النُّقْطَةَ تَحْتَ الْحَرْفِ، فَإِذَا أَتْبَعْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ غُنَّةً فَاجْعَلْ مَكَانَ النُّقْطَةِ نُقْطَتَيْنِ، فَهَذِهِ نُقَطُ أَبِي الْأَسْوَدِ. وَرَوَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمَازِنِيُّ قَالَ: السَّبَبُ الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ أَبْوَابُ النَّحْوِ وَعَلَيْهِ أُصِّلَتْ أُصُولُهُ أَنَّ ابْنَةَ أَبِي الْأَسْوَدِ قَالَتْ لَهُ: مَا أَشَدَّ الْحُرُّ؟ قَالَ: الْحَصْبَاءُ بِالرَّمْضَاءِ، قَالَتْ: إِنَّمَا تَعَجَّبْتُ مِنْ شِدَّتِهِ، فَقَالَ: أَوَقَدْ لَحَنَ النَّاسُ. فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَلِيًّا ؓ، فَأَعْطَاهُ أُصُولًا بَنَى مِنْهَا، وَعَمِلَ بَعْدَهُ عَلَيْهَا. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمَصَاحِفَ،  وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْبَسَةُ الْفِيلِ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَنْ عَنْبَسَةَ مَيْمُونٌ الْأَقْرَنُ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَنْ مَيْمُونٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَنْهُ عِيسَى بْنُ عُمَرَ، وَأَخَذَهُ عَنْ عِيسَى الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيُّ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَنِ الْخَلِيلِ سِيبَوَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَهُ عَنْ سِيبَوَيْهِ الْأَخْفَشُ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْمُجَاشِعِيُّ. وَرَوَى أَبُو حَامِدٍ السِّجِسْتَانِيُّ بسنده عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ فَرَأَيْتُهُ مُطْرِقًا مُتَفَكِّرًا، فَقُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ بِبَلَدِكُمْ لَحْنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقُلْتُ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا أَحْيَيْتَنَا، فَأَتَيْتُهُ بَعْدَ أَيَّامٍ فَأَلْقَى إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: الْكَلَامُ كُلُّهُ: اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالِاسْمُ مَا أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أَنْبَأَ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أَنْبَأَ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ. ثُمَّ قَالَ لِي: تَتَبَّعْهُ وَزِدْ فِيهِ مَا وَقَعَ لَكَ، فَجَمَعْتُ مِنْهُ أَشْيَاءَ وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ يَعْنِي الثَّوْرِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ النَّحْوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، ثُمَّ مَيْمُونٌ الْأَقْرَنُ، ثُمَّ عَنْبَسَةُ الْفِيلِ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ.  قَالَ: وَوَضَعَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ فِي النَّحْوِ كِتَابَيْنِ سَمَّى أَحَدَهُمَا "الْجَامِعَ"، وَالْآخَرَ "الْمُكَمِّلَ". فَقَالَ الشَّاعِرُ: بَطَلَ النَّحْوُ جَمِيعًا كُلُّهْ     غَيْرَ مَا أَحْدَثَ عِيسَى بْنُ عُمَرْ ذَاكَ إِكْمَالٌ وَهَذَا جَامِعٌ     فَهُمَا لِلنَّاسِ شَمْسٌ وَقَمَرْ قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ: وَحَدَّثَنَا حَيَّانُ بْنُ بِشْرٍ، بسنده عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْعَرَبِيَّةَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، فَجَاءَ إِلَى زِيَادٍ بِالْبَصْرَةِ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَى الْعَرَبَ قَدْ خَالَطَتِ الْأَعَاجِمَ، فَتَغَيَّرَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، أَفَتَأْذَنْ لِي أَنْ أَضَعَ لِلْعَرَبِ كَلَامًا يُعْرَفُونَ بِهِ وَيُقِيمُونَ بِهِ كَلَامَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى زِيَادٍ، فَقَالَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، تُوُفِّيَ أَبَانَا وَتَرَكَ بِنُونَ، فَقَالَ: ادْعُ لِي أَبَا الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: ضَعْ لِلنَّاسِ الَّذِي نَهَيْتُكَ أَنْ تَضَعَ لَهُمْ. قَالَ الْجَاحِظُ: أَبُو الْأَسْوَدِ مَعْدُودٌ فِي طَبَقَاتِ النَّاسِ، وَهُوَ فِي كُلِّهَا مُقَدَّمٌ، كَانَ مَعْدُودًا فِي التَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالشُّعَرَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْأَشْرَافِ وَالْفُرْسَانِ وَالْأُمَرَاءِ وَالدُّهَاةِ وَالنَّحْوِيِّينَ وَالْحَاضِرِي الْجَوَابِ وَالنُّجَلَاءِ وَالشِّيعَةِ وَالصُّلْعِ الْأَشْرَافِ. تُوُفِّيَ أَبُو الْأَسْوَدِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ:   أَدْرَكَ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ، وَكَانَ مُلَازِمًا لِلتَّعَبُّدِ، غَايَةً فِي التَّزَهُّدِ، وَكَانَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ يَقُولُ: هَذَا رَاهِبُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فعَنْ عَامِرِ بْنِ يَسَافٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُعَلَّى بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ فَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ جَلَسَ وَقَدِ انْتَفَخَتْ سَاقَاهُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَيَقُولُ: يَا نَفْسُ، بِهَذَا أُمِرْتِ، وَلِهَذَا خُلِقْتِ، يُوشَكُ أَنْ يَذْهَبَ الْعَنَاءُ. وَكَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: قُومِي يَا مَأْوَى كُلِّ سَوْءَةٍ، فَوَعِزَّةِ رَبِّكَ لَأَزْحَفَنَّ بِكِ زُحُوفَ الْبَعِيرِ، وَإِنِ اسْتَطَعْتُ أَلَّا تَمَسَّ الْأَرْضُ مِنْ زَهَمِكِ لَأَفْعَلَنَّ، ثُمَّ يَتَلَوَّى كَمَا يَتَلَوَّى الْحَبُّ عَلَى الْمِقْلَاةِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُنَادِي: اللَّهُمَّ إِنَّ النَّارَ قَدْ مَنَعَتْنِي مِنَ النَّوْمِ فَاغْفِرْ لِي. فضالة بن عبيد فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ نَافِذٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ:  صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسَكَنَ الشَّامَ، وَكَانَ قَاضِيًا لِمُعَاوِيَةَ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرِّغٍ، أَبُو عُثْمَانَ الْحِمْيَرِيُّ يَزِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مُفَرِّغٍ، أَبُو عُثْمَانَ الْحِمْيَرِيُّ: سُمِّيَ جَدُّهُ مُفَرِّغًا لِأَنَّهُ رَاهَنَ عَلَى سِقَاءِ لَبَنٍ أَنْ يَشْرَبَهُ كُلَّهُ، فَشَرِبَهُ حَتَّى فَرَّغَهُ، فَسُمِّيَ مُفَرِّغًا. وَكَانَ يَزِيدُ شَاعِرًا مُحْسِنًا غَزِلًا، وَالسَّيِّدُ مِنْ وَلَدِهِ. وَمَدَحَ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، فَقَالَ: وَأَقَمْتُمُ سُوقَ الثَّنَاءِ وَلَمْ تَكُنْ     سُوقُ الثَّنَاءِ تُقَامُ فِي الْأَسْوَاقِ فَكَأَنَّمَا جَعَلَ الْإِلَهُ إِلَيْكُمُ     قَبْضَ النُّفُوسِ وَقِسْمَةَ الْأَرْزَاقِ وَكَانَ يَزِيدُ يَهْوَى أَنَاهِيدَ بِنْتَ الْأَعْنَقِ، وَكَانَ الْأَعْنَقُ دِهْقَانًا مِنْ دَهَاقِينِ الْأَهْوَازِ، فَنَزَلَ مَرَّةً بِالْمَوْصِلِ فَزَوَّجُوهُ امْرَأَةً، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي يَكُونُ الْبِنَاءُ فِي لَيْلَتِهِ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ وَمَعَهُ غُلَامُهُ بُرْدٌ، فَإِذَا هُوَ بِدِهْقَانٍ عَلَى حِمَارٍ، فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ قَالَ: مِنَ الْأَهْوَازِ، قَالَ: مَا فَعَلَتْ دِهْقَانَةٌ يُقَالُ لَهَا أَنَاهِيدُ بِنْتُ أَعْنَقَ؟ فَقَالَ: صَدِيقَةُ ابْنِ مُفَرِّغٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا تَجِفُّ جُفُونُهَا مِنَ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ بُرْدٍ: أَتَسْمَعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: هُوَ بِالرَّحْمَنِ كَافِرٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهِي هَذَا إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ بُرْدٌ: أَكْرَمَكَ الْقَوْمُ، وَزَوَّجُوكَ كَرِيمَتَهُمْ، ثُمَّ تَصْنَعُ هَذَا بِهِمْ، وَتُقْدِمُ عَلَى ابْنِ زِيَادٍ بَعْدَ خَلَاصِكَ مِنْهُ، فَقَالَ: دَعْ ذَا عَنْكَ، هُوَ بِالرَّحْمَنِ كَافِرٌ إِنْ رَجَعَ عَنِ الْأَهْوَازِ، وَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْأَهْوَازِ فَيَزُورُ أَنَاهِيدَ، وَقَدِمَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَمِائَةِ وَصِيفٍ، وَمِائَةِ نَجِيبَةٍ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ لَزِمَهُ غُرَمَاؤُهُ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا، فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْأَمِيرِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْأَمِيرِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: أَبَا عُثْمَانَ مَا أَقْعَدَكَ هَا هُنَا؟ قَالَ: غُرَمَائِي هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُونِي بَدَيْنٍ، قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قَالَ: سَبْعُونَ أَلْفًا، قَالَ: عَلَيَّ مِنْهَا عَشَرَةُ آلَافٍ، ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَخْرُجُونَ فَيَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا إِلَى أَنْ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: وَكَمْ ضُمِنَ عَنْكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا، قَالَ: اسْتَمْتِعْ بِهَا وَعَلَيَّ دَيْنُكَ أَجْمَعُ. وَكَانَ عَمُّ يَزِيدَ يُعَنِّفُهُ فِي حُبِّ أَنَاهِيدَ، وَيَعْزِلُهُ وَيُعَيِّرُهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمُّ، إِنَّ لِي بِالْأَهْوَازِ حَاجَةً، لِي عَلَى قَوْمٍ بِهَا ثَلَاثُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَتَجَشَّمَ [الْعَنَاءَ] مَعِيَ وَتُطَالِبَ بِحَقِّي، فَأَجَابَهُ، فَاسْتَأْجَرَ سَفِينَةً وَتَوَجَّهَ إِلَى الْأَهْوَازِ، فَكَتَبَ إِلَى أَنَاهِيدَ: تَهَيَّئِي وَتَزَيَّنِي وَاخْرُجِي إِلَيَّ مَعَ جَوَارِيكِ، فَإِنِّي مُوَافِيكِ، فَلَمَّا نَزَلُوا مَنْزِلَهَا خَرَجَتْ إِلَيْهِمْ فِي هَيْئَتِهَا، فَلَمَّا رَآهَا عَمُّهُ قَالَ لَهُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، هَلَّا عَلَقْتَ مِثْلَ هَذِهِ، قَالَ: يَا عَمُّ، أَوْقَدَ أَعْجَبَتْكَ؟ قَالَ: وَمَنْ لَا تُعْجِبُهُ هَذِهِ، قَالَ: أَبِجَدٍّ [مِنْكَ] تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّهَا وَاللَّهِ هَذِهِ بِعَيْنِهَا. فَقَالَ: إِنَّمَا أَشْخَصْتَنِي لِأَجْلِهَا؟! [قَالَ: نَعَمْ]، ثُمَّ انْصَرَفَ وَأَقَامَ هُوَ مَعَهَا إِلَى أَنْ مَاتَ فِي زَمَنِ الطَّاعُونِ أَيَّامَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ.

  203. التاريخ 2294لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ سَبْعِينَ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ وَاسْتَجَاشُوا عَلَى مَنْ بِالشَّامِ  ، فَصَالَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَلِكَهُمْ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهِ كُلَّ جُمُعَةٍ أَلْفَ دِينَارٍ خَوْفًا مِنْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

  204. التاريخ 2295لا حكم مسجّل

    وَفي سنة سبعين شَخَصَ مُصْعَبٌ إِلَى مَكَّةَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ فَقَسَمَهَا فِي قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَدِمَ بِدَوَابَّ كَثِيرَةٍ وَظَهْرٍ وَأَثْقَالٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَجُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ مَالًا كَثِيرًا، وَنَحَرَ بُدْنًا كَثِيرَةً. عِنْدَ الْكَعْبَةِ أَلْفَ بَدَنَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ شَاةٍ، وَأَغْنَى سَاكِنِي مَكَّةَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَنْعَمَ وَأَطْلَقَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّاسِ بِالْحِجَازِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً.

  205. التاريخ 2296لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ كَانَ عُمَّالُهُ عَلَى أَمْصَارِهِ عُمَّالَهُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا عَلَى الْمَعَاوِنِ وَالْقَضَاءِ، وَبِالشَّامِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ.

  206. التاريخ 2297لا حكم مسجّل

    يَوْمِ الْجُفْرَةِ   وَفِي سنة سبعين سَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يُرِيدُ مُصْعَبًا، فَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ: إِنْ وَجَّهْتَنِي إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَتْبَعْتَنِي خَيْلًا يَسِيرَةً - رَجَوْتُ أَنْ أَغْلِبَ لَكَ عَلَيْهَا. فَوَجَّهَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا فِي خَاصَّتِهِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ أَصْمَعَ، وَقِيلَ: نَزَلَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَصْمَعَ الْبَاهِلِيِّ، فَأَرْسَلَ عَمْرٌو إِلَى عَبَّادِ بْنِ الْحُصَيْنِ، وَهُوَ عَلَى شُرْطَةِ ابْنِ مَعْمَرٍ، وَكَانَ مُصْعَبٌ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَرَجَا ابْنُ أَصْمَعَ أَنْ يُبَايِعَهُ عَبَّادُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ خَالِدًا، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ لِتَكُونَ ظَهْرًا لِي. فَوَافَاهُ الرَّسُولُ حِينَ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ عَبَّادٌ: قُلْ لَهُ: وَاللَّهِ لَا أَضَعُ لَبِدَ فَرَسِي حَتَّى آتِيكَ فِي الْخَيْلِ. فَقَالَ ابْنُ أَصْمَعَ لِخَالِدٍ: إِنَّ عَبَّادًا يَأْتِينَا السَّاعَةَ، وَلَا أَقْدِرُ أَنْ أَمْنَعَكَ عَنْهُ، فَعَلَيْكَ بِمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ. فَخَرَجَ خَالِدٌ يَرْكُضُ وَقَدْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ مِنَ الرِّكَابَيْنِ حَتَّى أَتَى مَالِكًا، فَقَالَ: أَجِرْنِي. فَأَجَارَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْأَزْدِ، فَكَانَ أَوَّلَ رَايَةٍ أَتَتْهُ رَايَةُ بَنِي يَشْكُرَ، وَأَقْبَلَ عَبَّادٌ فِي الْخَيْلِ، فَتَوَاقَفُوا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَدَوْا إِلَى جُفْرَةِ نَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ، وَمَعَ خَالِدٍ رِجَالٌ مِنْ تَمِيمٍ، مِنْهُمْ: صَعْصَعَةُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بِشْرٍ، وَمُرَّةُ بْنُ مِحْكَانٍ وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ أَصْحَابُ خَالِدٍ جُفْرِيَّةً يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْجُفْرَةِ، وَأَصْحَابُ ابْنِ مَعْمَرٍ زُبَيْرِيَّةً، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ خَالِدٍ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، وَحُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَمِنَ الزُّبَيْرِيَّةِ: قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيُّ. وَوَجَّهَ مُصْعَبٌ زَحْرَ بْنَ قَيْسٍ الْجُعْفِيَّ مَدَدًا لِابْنِ مَعْمَرٍ فِي أَلْفٍ، وَوَجَّهْ عَبْدُ الْمَلِكِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ مَدَدًا لِخَالِدٍ. فَأَرْسَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْبَصْرَةِ مَنْ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِتَفَرُّقِ الْقَوْمِ، فَرَجَعَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. فَاقْتَتَلُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَأُصِيبَتْ عَيْنُ مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، وَضَجِرَ مِنَ الْحَرْبِ، وَمَشَتْ بَيْنَهُمُ السُّفَرَاءُ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجَ خَالِدٌ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَأَخْرَجَهُ مَالِكٌ. ثُمَّ لَحِقَ مَالِكٌ بِثَأَجٍ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ رَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ، فَلَمْ يَكُنْ لِمُصْعَبٍ هِمَّةٌ إِلَّا الْبَصْرَةُ، وَطَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ بِهَا خَالِدًا، فَوَجَدَهُ قَدْ خَرَجَ، وَسَخِطَ مُصْعَبٌ عَلَى ابْنِ مَعْمَرٍ، وَأَحْضَرَ أَصْحَابَ خَالِدٍ فَشَتَمَهُمْ وَسَبَّهُمْ، فَقَالَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ: يَا ابْنَ مَسْرُوحٍ، إِنَّمَا أَنْتَ ابْنُ كَلْبَةٍ تَعَاوَرَهَا الْكِلَابُ، فَجَاءَتْ بِأَحْمَرَ وَأَصْفَرَ وَأَسْوَدَ مِنْ كُلِّ كَلْبٍ بِمَا يُشْبِهُهُ، وَإِنَّمَا كَانَ أَبُوكَ عَبْدًا نَزَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ، ثُمَّ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ زَنَى بِأُمِّكُمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لَأُلْحِقَنَّكُمْ بِنَسَبِكُمْ. ثُمَّ دَعَا حُمْرَانَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَنْتَ ابْنُ يَهُودِيَّةٍ عِلْجٌ نَبَطِيٌّ سُبِيتَ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ. وَقَالَ لِلْحَكَمِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَضَالَةَ الزَّهْرَانِيِّ، وَلِعَلِيِّ بْنِ أَصْمَعَ، وَلِعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بِشْرٍ، وَغَيْرِهِمْ نَحْوَ هَذَا مِنَ التَّوْبِيخِ وَالتَّقْرِيعِ، وَضَرْبِهِمْ مِائَةَ مِائَةٍ، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ، وَهَدَمَ دُورَهُمْ وَصَحَّرَهُمْ فِي الشَّمْسِ ثَلَاثًا، وَحَمَلَهُمْ عَلَى طَلَاقِ نِسَائِهِمْ، وَجَمَّرَ أَوْلَادَهُمْ فِي الْبُعُوثِ، وَطَافَ بِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْبَصْرَةِ، وَأَحْلَفَهُمْ أَنْ لَا يَنْكِحُوا الْحَرَائِرَ، وَهَدَمَ دَارَ مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ وَأَخَذَ مَا فِيهَا، فَكَانَ مِمَّا أَخَذَ جَارِيَةٌ وَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ مُصْعَبٍ. وَأَقَامَ مُصْعَبٌ بِالْبَصْرَةِ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى حَرْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ.

  207. التاريخ 2298لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ بْنِ جَعْدَةَ السُّلَمِيِّ   وفِي سنة سبعين قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ بْنِ جَعْدَةَ السُّلَمِيُّ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ سَبَبَ الْحَرْبِ بَيْنَ قَيْسٍ وَتَغْلِبَ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِ عُمَيْرٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا انْقَضَى أَمْرُ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَسَارَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ إِلَى قَرْقِيسِيَا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبَايَعَ عُمَيْرُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَفِي نَفْسِهِ مَا فِيهَا بِسَبَبِ قَتْلِ قَيْسٍ بِالْمَرْجِ، فَلَمَّا سَيَّرَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ وَالْعِرَاقِ كَانَ عُمَيْرٌ مَعَهُ، فَلَقُوا سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ بِعَيْنِ الْوَرْدَةِ، وَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى قَرْقِيسِيَا لِقِتَالِ زُفَرَ، فَثَبَّطَهُ عُمَيْرٌ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَوْصِلِ قَبْلَ وُصُولِ جَيْشِ الْمُخْتَارِ إِلَيْهَا، وَسَارَ إِلَيْهَا وَلَقِيَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ بِالْخَازِرِ، فَمَالَ عُمَيْرٌ مَعَهُ، فَانْهَزَمَ جَيْشُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقُتِلَ هُوَ، فَأَتَى عُمَيْرٌ قَرْقِيسِيَا وَصَارَ مَعَ زُفَرَ، فَجَعَلَا يَطْلُبَانِ كَلْبًا وَالْيَمَانِيَةَ بِمَنْ قَتَلُوا مِنْ قَيْسٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا قَوْمٌ مِنْ تَغْلِبَ يُقَاتِلُونَ مَعَهُمَا وَيَدُلُّونَهُمَا. وَشُغِلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَنْهُمَا بِمُصْعَبٍ، وَتَغَلَّبَ عُمَيْرٌ عَلَى نَصِيبِينَ. ثُمَّ إِنَّهُ مَلَّ الْمُقَامَ بِقَرْقِيسِيَا، فَاسْتَأْمَنَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَآمَنَهُ، ثُمَّ غَدَرَ بِهِ فَحَبَسَهُ عِنْدَ مَوْلَاهُ الرَّيَّانِ، فَسَقَاهُ عُمَيْرٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْحَرَسِ خَمْرًا حَتَّى أَسْكَرَهُمْ، وَتَسَلَّقَ فِي سُلَّمٍ مِنْ حِبَالٍ، وَخَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ وَعَادَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَنَزَلَ عَلَى نَهْرِ الْبَلِيخِ بَيْنَ حَرَّانَ وَالرَّقَّةِ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قَيْسٌ، فَكَانَ يُغِيرُ بِهِمْ عَلَى كَلْبٍ وَالْيَمَانِيَةِ، وَكَانَ مَنْ مَعَهُ يَسْتَأْوُونَ جَوَارِيَ تَغْلِبَ، وَيُسَخِّرُونَ مَشَايِخَهُمْ مِنَ النَّصَارَى، فَهَاجَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ شَرًّا لَمْ يَبْلُغِ الْحَرْبَ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَسِيرِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى مُصْعَبٍ وَزُفَرَ. ثُمَّ إِنَّ عُمَيْرًا أَغَارَ عَلَى كَلْبٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَنَزَلَ عَلَى الْخَابُورِ، وَكَانَتْ مَنَازِلُ تَغْلِبَ بَيْنَ الْخَابُورِ وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ. وَكَانَتْ بِحَيْثُ نَزَلَ عُمَيْرٌ امْرَأَةٌ مِنْ تَمِيمٍ نَاكِحٌ فِي تَغْلِبَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ دُوَيْلٍ، فَأَخَذَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي الْحَرِيشِ أَصْحَابِ عُمَيْرٍ عَدَدًا مِنْ غَنَمِهَا، فَشَكَتْ إِلَى عُمَيْرٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ عَنْهَا، فَأَخَذُوا الْبَاقِيَ، فَمَانَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ تَغْلِبَ، فَقُتِلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مُجَاشِعٌ التَّغْلِبِيُّ، وَجَاءَ دُوَيْلٌ فَشَكَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ فَارِسًا مِنْ فُرْسَانِ تَغْلِبَ، فَسَارَ فِي قَوْمِهِ، وَجَعَلَ يُذَكِّرُهُمْ مَا تَصْنَعُ بِهِمْ قَيْسٌ، وَيَشْكُوا إِلَيْهِمْ مَا أُخِذَ مِنْ غَنَمِ أُمِّهِ، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ شُعَيْثَ بْنَ مُلَيْكٍ التَّغْلِبِيَّ، وَأَغَارُوا عَلَى بَنِي الْحَرِيشِ وَمَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ نُمَيْرٍ، فَقَتَلَ فِيهِمُ التَّغْلِبِيُّونَ، وَاسْتَاقُوا ذَوْدًا لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْهَيْثَمِ، فَمَانَعَهُمُ الْقَيْسِيُّونَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَنْعِهِمْ، فَقَالَ الْأَخْطَلُ: فَإِنْ تَسْأَلُونَا بِالْحَرِيشِ فَإِنَّنَا مُنِينَا بِنُوكٍ مِنْهُمُ وَفُجُورِ     غَدَاةَ تَحَامَتْنَا الْحَرِيشُ كَأَنَّهَا كِلَابٌ بَدَتْ أَنْيَابُهَا لِهَرِيرِ     وَجَاؤُوا بِجَمْعٍ نَاصِرٍ أُمَّ هَثْيَمٍ فَمَا رَجَعُوا مِنْ ذَوْدِهَا بِبَعِيرِ

  208. التاريخ 2299لا حكم مسجّل

    يَوْمُ مَاكِسِينَ   وَلَمَّا اسْتَحْكَمَ الشَّرُّ بَيْنَ قَيْسٍ وَتَغْلِبَ، وَعَلَى قَيْسٍ عُمَيْرٌ، وَعَلَى تَغْلِبَ شُعَيْثٌ، غَزَا عُمَيْرٌ بَنِي تَغْلِبَ وَجَمَاعَتَهُمْ بِمَاكِسِينَ مِنَ الْخَابُورِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ لَهُمْ، فَقُتِلَ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقُتِلَ شُعَيْثٌ، وَكَانَتْ رِجْلُهُ قُطِعَتْ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قَيْسٌ وَنَحْنُ نَعْلَمْ أَنَّ الْفَتَى يَقْتُلُ وَهُوَ أَجْذَمْ

  209. التاريخ 2300لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الثَّرْثَارِ الْأَوَّلِ   وَالثَّرْثَارُ نَهَرٌ أَصْلُ مَنْبَعِهِ شَرْقِيُّ سِنْجَارَ، وَبِالْقُرْبِ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا سُرَّقَ، وَيُفْرِغُ فِي دِجْلَةَ بَيْنَ الْكَحِيلِ وَرَأْسِ الْأَيْلِ مِنْ عَمَلِ الْفَرَجِ. لَمَّا قُتِلَ بِمَاكِسِينَ مَنْ ذَكَرْنَا اسْتَمَدَّتْ تَغْلِبُ وَحَشَدَتْ، وَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهَا النَّمِرُ بْنُ قَاسِطٍ، وَأَتَاهَا الْمُشَجَّرُ بْنُ الْحَارِثِ الشَّيْبَانِيُّ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِهِمْ بِالْجَزِيرَةِ، وَأَتَاهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ مُنْجِدًا لَهُمْ عَلَى قَيْسٍ، فَلِذَلِكَ حَقَدَ عَلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَتَلَ أَخَاهُ النَّابِئَ بْنَ زِيَادٍ، وَاسْتَنْجَدَ عُمَيْرٌ تَمِيمًا وَأَسَدًا، فَلَمْ يُنْجِدْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَالْتَقَوْا عَلَى الثَّرْثَارِ، وَقَدْ جَعَلَتْ تَغْلِبُ عَلَيْهَا بَعْدَ شُعَيْبٍ زِيَادَ بْنَ هَوْبَرٍ، وَيُقَالُ: يَزِيدَ بْنَ هَوْبَرٍ التَّغْلِبِيَّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ قَيْسٌ، وَقَتَلَتْ تَغْلِبُ وَمَنْ مَعَهَا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَبَقَرُوا بُطُونَ ثَلَاثِينَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَقَالَتْ لَيْلَى بِنْتُ الْحَارِسِ التَّغْلِبِيَّةُ، وَقِيلَ هِيَ لِلْأَخْطَلِ: لَمَّا رَأَوْنَا وَالصَّلِيبَ طَالِعَا وَمَارَسَرْجِيسَ وَسُمًّا نَاقِعَا     وَالْخَيْلَ لَا تَحْمِلُ إِلَّا دَارِعَا وَالْبِيضَ فِي أَيْمَانِنَا قَوَاطِعَا     خَلَّوْا لَنَا الثَّرْثَارَ وَالْمَزَارِعَا وَحِنْطَةً طَيْسًا وَكَرْمًا يَانِعَا

  210. التاريخ 2301لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الثَّرْثَارِ الثَّانِي   ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا تَجَمَّعَتْ وَاسْتَمَدَّتْ وَاسْتَعَدَّتْ وَعَلَيْهَا عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَأَتَاهُمْ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ قَرْقِيسِيَا، وَكَانَ رَئِيسَ بَنِي تَغْلِبَ، وَالنَّمِرِ، وَمَعَهُمَا ابْنُ هَوْبَرٍ، فَالْتَقَوْا بِالثَّرْثَارِ، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ اقْتَتَلَهُ النَّاسُ، وَانْهَزَمَتْ بَنُو عَامِرٍ، وَكَانَتْ عَلَى مُجَنَّبَةِ قَيْسٍ، وَصَبَرَتْ سُلَيْمٌ وَأَعْصَرَتْ حَتَّى انْهَزَمَتْ تَغْلِبُ وَمَنْ مَعَهَا، وَقُتِلَ ابْنَا عَبْدِ يَشُوعَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَشْرَافِ تَغْلِبَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ: فِدًا لِفَوَارِسِ الثَّرْثَارِ نَفْسِي وَمَا جَمَّعْتُ مِنْ أَهْلٍ وَمَالِ     وَوَلَّتْ عَامِرٌ عَنَّا فَأَجْلَتْ وَحَوْلِي مِنْ رَبِيعَةَ كَالْجِبَالِ     أُكَاوِحُهُمْ بِدُهْمٍ مِنْ سُلَيْمٍ وَأُعْصِرُ كَالْمَصَاعِيبِ النِّهَالِ وَقَالَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ: أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ عَنِّي عُمَيْرًا     رِسَالَةَ نَاصِحٍ وَعَلَيْهِ زَارِي أَنَتْرُكُ حَيَّ ذِي يَمَنٍ وَكَلْبًا     وَنَجْعَلُ جِدَّنَا بِكَ فِي نِزَارِ كَمُعْتَمِدٍ عَلَى إِحْدَى يَدَيْهِ     فَخَانَتْهُ بِوَهْنٍ وَانْكِسَارِ

  211. التاريخ 2302لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الْفُدَيْنِ   وَأَغَارَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ عَلَى الْفُدَيْنِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ عَلَى الْخَابُورِ، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنْ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَزَمَهُمْ، فَقَالَ نُفَيْعُ بْنُ صَفَّارٍ الْمُحَارِبِيُّ: لَوْ تُسْأَلُ الْأَرْضُ الْفَضَاءُ عَلَيْكُمُ شَهِدَ الْفُدَيْنُ بِهُلْكِكُمْ وَالصُّوَّرُ وَالصُّوَّرُ: قَرْيَةٌ مِنَ الْفُدَيْنِ.

  212. التاريخ 2303لا حكم مسجّل

    يَوْمُ السُّكَيْرِ   وَهُوَ عَلَى الْخَابُورِ، يُسَمَّى سُكَيْرَ الْعَبَّاسِ. ثُمَّ اجْتَمَعُوا وَالْتَقَوْا بِالسُّكَيْرِ، وَعَلَى قَيْسٍ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَعَلَى تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ يَزِيدُ بْنُ هَوْبَرٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ تَغْلِبُ وَالنَّمِرُ، وَهَرَبَ عُمَيْرُ بْنُ جَنْدَلٍ، وَهُوَ مِنْ فُرْسَانِ تَغْلِبَ، فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ: وَأَفْلَتَنَا يَوْمَ السُّكَيْرِ ابْنُ جَنْدَلٍ عَلَى سَابِحٍ عُوجِ اللَّبَانِ مُثَابِرِ     وَنَحْنُ كَرَرْنَا الْخَيْلَ قِدْمًا شَوَاذِبًا دِقَاقَ الْهَوَادِي دَامِيَاتِ الدَّوَائِرِ وَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ: صَبَحْنَاكُمْ بِهِنَّ عَلَى سُكَيْرٍ     وَلَاقَيْتُمْ هُنَاكَ الْأَقْوَرِينَا

  213. التاريخ 2304لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الْمَعَارِكِ   وَالْمَعَارِكُ بَيْنَ الْحَضْرِ وَالْعَتِيقِ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، اجْتَمَعَتْ تَغْلِبُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَالْتَقَوْا هُمْ وَقَيْسٌ، فَاقْتَتَلُوا بِهِ فَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ، فَانْهَزَمَتْ تَغْلِبُ، وَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ: وَلَقَدْ تَرَكْنَا بِالْمَعَارِكِ مِنْكُمُ وَالْحَضْرِ وَالثَّرْثَارِ أَجْسَادًا جُثَا فَيُقَالُ: إِنَّ يَوْمَ الْمَعَارِكِ وَالْحَضْرِ وَاحِدٌ، هَزَمُوهُمْ إِلَى الْحَضْرِ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمَا يَوْمَانِ كَانَا لِقَيْسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  214. التاريخ 2305لا حكم مسجّل

    [ يَوْمُ لِبَّى   ] وَالْتَقَوْا أَيْضًا بِلِبَّى فَوْقَ تَكْرِيتَ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَتَنَاصَفُوا، فَقَيْسٌ تَقُولُ: كَانَ الْفَضْلُ لَنَا، وَتَغْلِبُ تَقُولُ: كَانَ الْفَضْلُ لَنَا.

  215. التاريخ 2306لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الشَّرْعَبِيَّةِ   ثُمَّ الْتَقَوْا بِالشَّرْعَبِيَّةِ، وَعَلَى قَيْسٍ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ، وَعَلَى تَغْلِبَ وَأَلْفَافِهَا ابْنُ هَوْبَرٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَمَّارُ بْنُ الْمُهَزَّمِ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ لِتَغْلِبَ عَلَى قَيْسٍ، قَالَ الْأَخْطَلُ: وَلَقَدْ بَكَى الْجَحَّافُ لَمَّا أَوْقَعَتْ بِالشَّرْعَبِيَّةِ إِذْ رَأَى الْأَهْوَالَا يَعْنِي أَوْقَعَتِ الْخَيْلُ. وَالشَّرْعَبِيَّةُ: مِنْ بِلَادِ تَغْلِبَ. وَالشَّرْعَبِيَّةُ أَيْضًا: بِبِلَادِ مَنْبِجَ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْوَقْعَةَ كَانَتْ بِبِلَادِ مَنْبِجَ، وَذَلِكَ خَطَأٌ.

  216. التاريخ 2307لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الْبَلِيخِ   وَاجْتَمَعَتْ تَغْلِبُ وَسَارَتْ إِلَى الْبَلِيخِ، وَهُنَاكَ عُمَيْرٌ فِي قَيْسٍ، وَالْبَلِيخُ نَهْرٌ بَيْنَ حَرَّانَ وَالرَّقَّةِ، فَالْتَقَوْا وَانْهَزَمَتْ تَغْلِبُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهَا، وَبُقِرَتْ بُطُونُ النِّسَاءِ كَمَا فَعَلُوا يَوْمَ الثَّرْثَارِ، فَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ: زُرْقُ الرِّمَاحِ وَوَقْعُ كُلِّ مُهَنَّدٍ زَلْزَلْنَ قَلْبَكَ بِالْبَلِيخِ فَزَالَا

  217. التاريخ 2308لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الْحَشَّاكِ  ، وَمَقْتَلُ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ السُّلَمِيِّ وَابْنِ هَوْبَرٍ التَّغْلِبِيِّ لَمَّا رَأَتْ تَغْلِبُ إِلْحَاحَ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ عَلَيْهَا جَمَعَتْ حَاضِرَتَهَا وَبَادِيَتَهَا، وَسَارُوا إِلَى الْحَشَّاكِ، وَهُوَ تَلٌّ قَرِيبٌ مِنَ الشَّرْعَبِيَّةِ، وَإِلَى جَنْبِهِ بِرَاقٌ، وَدَلَفَ إِلَيْهِ عُمَيْرٌ فِي قَيْسٍ وَمَعَهُ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَّائِيُّ وَابْنُهُ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ، وَعَلَى تَغْلِبَ ابْنُ هَوْبَرٍ، وَاقْتَتَلُوا عِنْدَ تَلِّ الْحَشَّاكِ أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَبْرَحَهُ، حَتَّى جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا وَاقْتَتَلُوا مِنَ الْغَدِ إِلَى اللَّيْلِ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا. وَأَصْبَحَتْ تَغْلِبُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَتَعَاقَدُوا أَنْ لَا يَفِرُّوا، فَلَمَّا رَأَى عُمَيْرٌ حَدَّهُمْ، وَأَنَّ نِسَاءَهُمْ مَعَهُمْ قَالَ لِقَيْسٍ: يَا قَوْمِ، أَرَى لَكُمْ أَنْ تَنْصَرِفُوا عَنْ هَؤُلَاءِ، فَإِنَّهُمْ مُسْتَقْتِلُونَ، فَإِذَا اطْمَأَنُّوا وَصَارُوا إِلَى سَرْحِهِمْ وَجَّهْنَا إِلَى كُلِّ قَوْمٍ مِنْهُمْ مَنْ يُغِيرُ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيُّ: قَتَلْتَ فُرْسَانَ قَيْسٍ أَمْسِ وَأَوَّلَ أَمْسِ، ثُمَّ مُلِئَ سَحْرُكَ وَجَبُنْتَ ! وَيُقَالُ: إِنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ الْفَزَارِيَّ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ أَتَاهُ مُنْجِدًا، فَغَضِبُ عُمَيْرٌ وَقَالَ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ حَمِسَ الْوَغَى أَوَّلُ فَارٍّ ! فَنَزَلَ عُمَيْرٌ وَجَعَلَ يُقَاتِلُ رَاجِلًا وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا عُمَيْرٌ وَأَبُو الْمُغَلِّسْ قَدْ أَحْبِسُ الْقَوْمَ بِضَنْكٍ فَاحْبِسْ وَانْهَزَمَ زُفَرُ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، فَلَحِقَ بِقَرْقِيسِيَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْحَرَكَةِ إِلَيْهِ بِقَرْقِيسِيَا، فَبَادَرَ لِلتَّأَهُّبِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ حِينَ فَرَّ اعْتِذَارًا، وَانْهَزَمَتْ قَيْسٌ وَرَكِبَتْ تَغْلِبُ وَمَنْ مَعَهَا أَكْتَافَهُمْ يَقُولُونَ: أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ تَغْلِبَ تَغْلِبُ ؟ وَشَدَّ عَلَى عُمَيْرٍ جُمَيْلُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ فَقَتَلَهُ، وَقِيلَ: بَلْ تَغَاوَى عَلَى عُمَيْرٍ غُلَامَانِ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ فَرَمَيَاهُ بِالْحِجَارَةِ، وَقَدْ أَعْيَا فَأَثْخَنَاهُ، وَكَرَّ عَلَيْهِ ابْنُ هَوْبَرٍ فَقَتَلَهُ. وَأَصَابَتِ ابْنَ هَوْبَرٍ يَوْمَئِذٍ جِرَاحَةٌ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الْحَرْبُ أَوْصَى بَنِي تَغْلِبَ بِأَنْ يُوَلُّوا أَمْرَهُمْ مُرَادَ بْنَ عَلْقَمَةَ الزُّهَيْرِيَّ. وَقِيلَ: خَرَجَ ابْنُ هَوْبَرٍ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِهِمْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، وَأَوْصَى أَنْ يُوَلُّوا أَمْرَهُمْ مُرَادًا، وَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَكَانَ مُرَادٌ رَئِيسَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَعَبَّأَهُمْ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَأَمَرَ كُلَّ بَنِي أَبٍ أَنْ يَجْعَلُوا نِسَاءَهُمْ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ عُمَيْرٌ قَالَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قَالَ الشَّاعِرُ: أَرِقْتُ بِأَثْنَاءِ الْفُرَاتِ وَشَفَّنِي     نَوَائِحُ أَبْكَاهَا قَتِيلُ ابْنِ هَوْبَرِ وَلَمْ تَظْلِمِي إِنْ نُحْتِ أُمَّ مُغَلِّسٍ     قَتِيلَ النَّصَارَى فِي نَوَائِحِ حُسَّرِ وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يُنْكِرُ قَتْلَ ابْنِ هَوْبَرٍ عُمَيْرًا: وَإِنَّ عُمَيْرًا يَوْمَ لَاقَتْهُ تَغْلِبُ     قَتِيلُ جُمَيْلٍ لَا قَتِيلُ ابْنِ هَوْبَرِ وَكَثُرَ الْقَتْلُ يَوْمَئِذٍ فِي بَنِي سُلَيْمٍ وَغَنِيٍّ خَاصَّةً، وَقُتِلَ مِنْ قَيْسٍ أَيْضًا يَوْمَئِذٍ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَبَعَثَتْ بَنُو تَغْلِبَ رَأْسَ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِدِمَشْقَ، فَأَعْطَى الْوَفْدَ وَكَسَاهُمْ. فَلَمَّا صَالَحَ عَبْدُ الْمَلِكِ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ الْأَخْطَلُ : بَنِي أُمَيَّةَ قَدْ تَنَاضَلَتْ دُونَكُمُ     أَبْنَاءُ قَوْمٍ هُمُ آوَوْا وَهُمْ نَصَرُوا وَقَيْسُ عَيْلَانَ حَتَّى أَقْبَلُوا رَقَصًا     فَبَايَعُوا لَكَ قَسْرًا بَعْدَمَا قُهِرُوا ضَجُّوا مِنَ الْحَرْبِ إِذْ عُضَّتْ غَوَارِبُهُمْ     وَقَيْسُ عَيْلَانَ مِنْ أَخْلَاقِهَا الضَّجَرُ فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ. فَلَمَّا قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى أَسْمَاءَ بْنِ خَارِجَةَ الْفَزَارِيِّ بِالْكُوفَةِ فَقَالَ: قَتَلَتْ بَنُو تَغْلِبَ عُمَيْرَ بْنَ الْحُبَابِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنَّمَا قُتِلَ الرَّجُلُ فِي دِيَارِ الْقَوْمِ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، ثُمَّ قَالَ: يَدِي رَهْنٌ عَلَى سُلَيْمٍ بِغَارَةٍ     تَشِيبُ لَهَا أَصْدَاغُ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ وَتَتْرُكُ أَوْلَادَ الْفَدَوْكَسِ عَالَةً     يَتَامَى أَيَامَى نُهْزَةً لِلْقَبَائِلِ

  218. التاريخ 2309لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الْكُحَيْلِ   وَهُوَ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ فِي جَانِبِ دِجْلَةَ الْغَرْبِيِّ. وَسَبَبُهُ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُبَابِ السُّلَمِيُّ أَتَى تَمِيمُ بْنُ عُمَيْرٍ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَطْلُبَ لَهُ بِثَأْرِهِ، فَامْتَنَعَ، فَقَالَ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ لِأَبِيهِ: وَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَتْ بِهِمْ تَغْلِبُ، إِنَّ ذَلِكَ لَعَارٌ عَلَيْكَ، وَلَئِنْ ظَفِرُوا بِتَغْلِبَ وَقَدْ خَذَلَتْهُمْ إِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ. فَاسْتَخْلَفَ زُفَرُ عَلَى قَرْقِيسِيَا أَخَاهُ أَوْسَ بْنَ الْحَارِثِ، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُغِيرَ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ وَيَغْزُوهُمْ، فَوَجَّهَ خَيْلًا إِلَى بَنِي فَدَوْكَسَ بَطْنٍ مِنْ تَغْلِبَ، فَقُتِلَ رِجَالُهُمْ، وَاسْتُبِيحَتْ أَمْوَالُهُمْ وَنِسَائُهُمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ غَيْرُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ اسْتَجَارَتْ، فَأَجَارَهَا يَزِيدُ بْنُ حُمْرَانَ. وَوَجَّهَ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ فِي جَيْشٍ إِلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَبَعَثَ زُفَرُ أَيْضًا مُسْلِمَ بْنَ رَبِيعَةَ الْعُقَيْلِيَّ إِلَى قَوْمِ تَغْلِبَ مُجْتَمِعِينَ، فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ. ثُمَّ قَصَدَ زُفَرُ لِبَنِي تَغْلِبَ وَقَدِ اجْتَمَعُوا بِالْعَقِيقِ مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا أَحَسَّتْ بِهِ ارْتَحَلَتْ تُرِيدُ عُبُورَ دِجْلَةَ، فَلَمَّا صَارَتْ بِالْكُحَيْلِ لَحِقَهُمْ زُفَرُ فِي الْقَيْسِيَّةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَرَجَّلَ أَصْحَابُ زُفَرَ أَجْمَعُونَ، وَبَقِيَ زُفَرُ عَلَى بَغْلٍ لَهُ، فَقَتَلُوهُمْ لَيْلَتَهُمْ، وَبَقَرُوا بُطُونَ نِسَاءٍ مِنْهُمْ، وَغَرِقَ فِي دِجْلَةَ أَكْثَرُ مِمَّنْ قُتِلَ بِالسَّيْفِ، فَأَتَى فَلُّهُمْ لِبَّى، فَوَجَّهَ زُفَرُ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ فَأَوْقَعَ بِهِمْ، إِلَّا مَنْ عَبَرَ فَنَجَا، وَأَسَرَ زُفَرُ مِنْهُمْ مِائَتَيْنِ فَقَتَلَهُمْ صَبْرًا، فَقَالَ زُفَرُ: أَلَا يَا عَيْنِ بَكِّي بِانْسِكَابٍ وَبَكِّي عَاصِمًا وَابْنَ الْحُبَابِ     فَإِنْ تَكُ تَغْلِبٌ قَتَلَتْ عُمَيْرًا وَرَهْطًا مِنْ غَنِيٍّ فِي الْحِرَابِ     فَقَدْ أَفْنَى بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ وَنَمْرَهُمُ فَوَارِسَ مِنْ كِلَابِ     قَتَلْنَا مِنْهُمُ مِائَتَيْنِ صَبْرًا وَمَا عَدَلُوا عُمَيْرَ بْنَ الْحُبَابِ وَقَالَ ابْنُ صَفَّارٍ الْمُحَارِبِيُّ: أَلَمْ تَرَ حَرْبَنَا تَرَكَتْ حُبَيْبًا     مُحَالِفُهَا الْمَذَلَّةُ وَالصَّغَارُ وَقَدْ كَانُوا أُولِي عِزٍّ فَأَضْحَوْا     وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الذُّلِّ انْتِصَارُ وَأُسِرَ الْقَطَامِيُّ التَّغْلِبِيُّ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِهِمْ وَأُخِذَ مَالُهُ، فَقَامَ زُفَرُ بِأَمْرِهِ حَتَّى رَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَصَلَهُ، فَقَالَ فِيهِ: إِنِّي وَإِنْ كَانَ قَوْمِي لَيْسَ بَيْنَهُمُ     وَبَيْنَ قَوْمِكَ إِلَّا ضَرْبَةُ الْهَادِي مُثْنٍ عَلَيْكَ بِمَا أَوْلَيْتَ مِنْ حَسَنٍ     وَقَدْ تَعَرَّضَ [ لِي ] مِنْ مَقْتَلٍ بَادِي .

  219. التاريخ 2310لا حكم مسجّل

    يَوْمُ الْبِشْرِ   لِمَا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ - قَدِمَ عَلَيْهِ الْأَخْطَلُ الشَّاعِرُ التَّغْلِبِيُّ، وَعِنْدَهُ الْجَحَّافُ بْنُ حُكَيْمٍ السُّلَمِيُّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَتَعْرِفُ هَذَا يَا أَخْطَلُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الَّذِي أَقُولُ فِيهِ: أَلَا سَائِلِ الْجَحَّافَ هَلْ هُوَ ثَائِرٌ بِقَتْلَى أُصِيبَتْ مِنْ سُلَيْمٍ وَعَامِرِ وَأَنْشَدَ الْقَصِيدَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَكَانَ الْجَحَّافُ يَأْكُلُ رُطَبًا، فَجَعَلَ النَّوَى يَتَسَاقَطُ مِنْ يَدِهِ غَيْظًا، وَأَجَابَهُ وَقَالَ: بَلَى سَوْفَ نُبْكِيهِمْ بِكُلِّ مُهَنَّدٍ     وَنَنْعَى عُمَيْرًا بِالرِّمَاحِ الشَّوَاجِرِ ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ تَجْتَرِئَ عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذَا ! فَأُرْعِدَ الْأَخْطَلُ مِنْ خَوْفِهِ، ثُمَّ قَامَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَأَمْسَكَ ذَيْلَهُ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ. فَقَالَ: أَنَا لَكَ مُجِيرٌ. ثُمَّ قَامَ الْجَحَّافُ وَمَشَى وَهُوَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ وَلَا يَعْقِلُ بِهِ، فَتَلَطَّفَ لِبَعْضِ كُتَّابِ الدِّيوَانِ حَتَّى اخْتَلَقَ لَهُ عَهْدًا عَلَى صَدَقَاتِ تَغْلِبَ وَبَكْرٍ بِالْجَزِيرَةِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّانِي هَذِهِ الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ أَرَادَ اللِّحَاقَ بِي فَلْيَفْعَلْ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى رُصَافَةَ هِشَامٍ فَأَعْلَمَ أَصْحَابَهُ مَا كَانَ مِنَ الْأَخْطَلِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ افْتَعَلَ كِتَابًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَالٍ، فَمَنْ كَانَ أَحَبَّ أَنْ يَغْسِلَ عَنِّي الْعَارَ وَعَنْ نَفْسِي فَلْيَصْحَبْنِي، فَإِنِّي قَدْ أَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَغْسِلَ رَأْسِي حَتَّى أُوقِعَ فِي بَنِي تَغْلِبَ. فَرَجَعُوا عَنْهُ غَيْرَ ثَلَاثِمِائَةٍ قَالُوا لَهُ: نَمُوتُ بِمَوْتِكَ، وَنَحْيَا بِحَيَاتِكَ. فَسَارَ لَيْلَتَهُ حَتَّى صَبَّحَ الرَّحُوبَ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ مِنْ تَغْلِبَ، فَصَادَفَ عَلَيْهِ جَمَاعَةً عَظِيمَةً مِنْهُمْ، فَقَتَلَ فِيهِمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأُسِرَ الْأَخْطَلُ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ وَسِخَةٌ، فَظَنَّهُ الَّذِي أَسَرَهُ عَبْدًا، فَسَأَلَهُ مَنْ هُوَ، فَقَالَ: عَبْدٌ. فَأَطْلَقَهُ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ فِي جُبٍّ، فَخَافَ أَنْ يَرَاهُ مَنْ يَعْرِفُهُ فَيَقْتُلَهُ. فَلَمَّا انْصَرَفَ الْجَحَّافُ خَرَجَ مِنَ الْجُبِّ، وَأَسْرَفَ الْجَحَّافُ فِي الْقَتْلِ، وَبَقَرَ الْبُطُونَ عَنِ الْأَجِنَّةِ، وَفَعَلَ أَمْرًا عَظِيمًا، فَلَمَّا عَادَ عَنْهُمْ قَدِمَ الْأَخْطَلُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَنْشَدَهُ قَوْلَهُ: لَقَدْ أَوْقَعَ الْجَحَّافُ بِالْبِشْرِ وَقْعَةً إِلَى اللَّهِ مِنْهَا الْمُشْتَكَى وَالْمُعَوَّلِ فَهَرَبَ الْجَحَّافُ، فَطَلَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَلَحِقَ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَقَالَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْبِشْرِ يُخَاطِبُ الْأَخْطَلَ: أَبَا مَالِكٍ هَلْ لُمْتَنِي أَوْ حَضَضْتَنِي     عَلَى الْقَتْلِ أَمْ هَلْ لَامَنِي كُلُّ لَائِمِ أَلَمْ أُفْنِكُمْ قَتْلًا وَأَجْدَعَ أَنْفَكُمْ     بِفِتْيَانِ قَيْسٍ وَالسُّيُوفِ الصَّوَارِمِ بِكُلِّ فَتًى يَنْعَى عُمَيْرًا بِسَيْفِهِ     إِذَا اعْتَصَمَتْ أَيْمَانُهُمْ بِالْقَوَائِمِ فَإِنْ تَطْرُدُونِي تَطْرُدُونِي وَقَدْ جَرَى     بِيَ الْوَرْدُ يَوْمًا فِي دِمَاءِ الْأَرَاقِمِ نَكَحْتُ بِسَيْفِي فِي زُهَيْرٍ وَمَالِكٍ     نِكَاحَ اغْتِصَابٍ لَا نِكَاحَ دَرَاهِمِ فِي أَبْيَاتٍ. وَلَمْ يَزَلِ الْجَحَّافُ يَتَرَدَّدُ فِي بِلَادِ الرُّومِ مِنْ طَرَابِزُنْدَةَ إِلَى قَالِيقَلَا، وَبَعَثَ إِلَى بِطَانَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ قَيْسٍ حَتَّى أَخَذُوا لَهُ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَأَلْزَمَهُ دِيَاتِ مَنْ قَتَلَ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْكُفَلَاءَ وَسَعَى فِيهَا، فَأَتَى الْحَجَّاجَ مِنَ الشَّامِ فَطَلَبَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: مَتَى عَهِدْتَنِي خَائِنًا ؟ فَقَالَ لَهُ: وَلَكِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ وَلَكَ عِمَالَةٌ وَاسِعَةٌ. فَقَالَ: لَقَدْ أُلْهِمْتَ الصِّدْقَ. فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَجَمَعَ الدِّيَاتِ فَأَوْصَلَهَا. ثُمَّ تَنَسَّكَ بَعْدُ وَصَلُحَ، وَمَضَى حَاجًّا، فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَجَعَلَ يُنَادِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَمَا أَظُنُّ تَفْعَلُ. فَسَمِعَهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ فَقَالَ: يَا شَيْخُ، قُنُوطُكَ شَرٌّ مِنْ ذَنْبِكَ. ( وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ عَوْدِهِ كَانَ أَنَّ الْجَحَّافَ أَكْرَمَهُ مَلِكُ الرُّومِ وَقَرَّبَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ وَيُعْطِيهِ مَا شَاءَ، فَقَالَ: مَا أَتَيْتُكَ رَغْبَةً عَنِ الْإِسْلَامِ. وَلَقِيَ الرُّومُ تِلْكَ السَّنَةَ عَسَاكِرَ الْمُسْلِمِينَ صَائِفَةً، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَخْبَرُوا عَبْدَ الْمَلِكِ أَنَّهُمْ هَزَمَهُمُ الْجَحَّافُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يُؤَمِّنُهُ، فَسَارَ وَقَصَدَ الْبِشْرَ وَبِهِ حَيٌّ مِنْ بِشْرٍ، وَقَدْ لَبِسَ أَكْفَانَهُ وَقَالَ: قَدْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ أُعْطِي الْقَوَدَ مِنْ نَفْسِي. وَأَرَادَ شَبَابُهُمْ قَتْلَهُ، فَنَهَاهُمْ شُيُوخُهُمْ، فَعَفَوْا عَنْهُ وَحَجَّ، فَسَمِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَهُوَ يَطُوفُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَمَا أَظُنُّكَ تَفْعَلُ ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتَ الْجَحَّافَ مَا زِدْتَ عَلَى هَذَا. قَالَ: فَأَنَا الْجَحَّافُ ).

  220. التاريخ 2311لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة سبعين وَقْعُ الْوَبَاءُ بِمِصْرَ، فَهَرَبَ مِنْهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى الشَّرْقِيَّةِ، فَنَزَلَ حُلْوَانَ وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الْقَاهِرَةِ وَاتَّخَذَهَا مَنْزِلًا وَاشْتَرَاهَا مِنَ الْقِبْطِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَبَنَى بِهَا دَارًا لِلْإِمَارَةِ، وَجَامِعًا، وَأَنْزَلَهَا الْجُنْدَ.

  221. التاريخ 2312لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   قيس بن الملوح بن مزاحم قَيْسُ بْنُ الْمُلَوَّحِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَهُوَ مَجْنُونُ لَيْلَى:   وَقِيلَ: قَيْسُ بْنُ مُعَاذٍ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الْبُحْتُرِيُّ بْنُ الْجَعْدِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ الْأَقْرَعُ بْنُ مُعَاذٍ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ بَنِي عَقِيلِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ وُجُودَهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَى الْمُثْبِتِ. وَأَمَّا لَيْلَى فَهِيَ بِنْتُ مَهْدِيٍّ، وَقِيلَ: بِنْتُ وَرْدٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ. وَتُكَنَّى أُمَّ مَالِكٍ، وَكَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ وَأَظْرَفِهِنَّ وَأَحْسَنِهِنَّ جِسْمًا وَعَقْلًا وَأَدَبًا وَشَكْلًا. فعَنِ ابْنِ دَأْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يُقَالُ لَهُ: رَبَاحٌ، قَالَ: كَانَ فِي بَنِي عَامِرٍ جَارِيَةٌ مِنْ أَجْمَلِ النِّسَاءِ، لَهَا عَقْلٌ وَأَدَبٌ يُقَالُ لَهَا لَيْلَى بِنْتُ مَهْدِيٍّ، فَبَلَغَ الْمَجْنُونَ خَبَرُهَا وَمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِمَالِ وَالْعَقْلِ، وَكَانَ صَبًا بِمُحَادَثَةِ النِّسَاءِ، فَعَمَدَ إِلَى أَحْسَنِ ثِيَابِهِ فَلَبِسَهَا وَتَهَيَّأَ، فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهَا وَتَحَدَّثَ بَيْنَ يَدَيْهَا أَعْجَبَتْهُ وَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ، فَظَلَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ يُحَدِّثُهَا وَتُحَدِّثُهُ حَتَّى أَمْسَى، فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ مَضَى إِلَيْهَا فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهَا حَتَّى أَمْسَى ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبَاتَ بِأَطْوَلَ مِنْ لَيْلَتِهِ الْأُولَى، وَجُهِدَ أَنْ يُغْمِضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: نَهَارِي نَهَارُ النَّاسِ حَتَّى إِذَا بَدَا لِي اللَّيْلُ هَزَّتْنِي إِلَيْكِ الْمَضَاجِعُ     أُقَضِّي نَهَارِي بِالْحَدِيثِ وَبِالْمُنَى وَيَجْمَعُنِي وَالْهَمَّ بِاللَّيْلِ جَامِعُ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهَا مِثْلُ الَّذِي وَقَعَ فِي قَلْبِهِ لَهَا، فَجَاءَ يَوْمًا يُحَدِّثُهَا، فَجَعَلَتْ تُعْرِضُ عَنْهُ وَتُقْبِلُ عَلَى غَيْرِهِ، تُرِيدُ أَنْ تَمْتَحِنَهُ وَتَعْلَمَ مَا لَهَا فِي قَلْبِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ وَجَزِعَ، فَلَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: كِلَانَا مُظْهِرٌ لِلنَّاسِ بُغْضًا     وَكُلٌّ عِنْدِ صَاحِبِهِ مَكِينُ فَسُرِّيَ عَنْهُ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَمْتَحِنَكَ، وَالَّذِي لَكَ عِنْدِي أَكْثَرُ مِنَ الَّذِي لِي عِنْدَكَ، وَأَنَا مُعْطِيَةٌ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ أَنَا جَالَسْتُ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا رَجُلًا سِوَاكَ حَتَّى أَذُوقَ الْمَوْتَ إِلَّا أَنْ أُكْرَهَ عَلَى ذَلِكَ، فَانْصَرَفَ وَهُوَ أَسَرُّ النَّاسِ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَظُنُّ هَوَاهَا تَارِكِي بِمَضَلَّةٍ     مِنَ الْأَرْضِ لَا مَالٌ لَدَيَّ وَلَا أَهْلُ وَلَا أَحَدٌ أُفْضِي إِلَيْهِ وَصِيَّتِي     وَلَا صَاحِبٌ إِلَّا الْمَطِيَّةُ وَالرَّحْلُ [مَحَا حُبُّهَا حُبَّ الْأُلَى كُنَّ قَبْلَهَا     وَحَلَّتْ مَكَانًا لَمْ يَكُنْ حُلَّ مِنْ قَبْلُ] رواية أخرى في بداية معرفة قيس بليلى وَقَدْ رُوِيَ لَنَا فِي بِدَايَةِ مَعْرِفَتِهَا قَوْلٌ آخَرُ: عَنْ لَقِيطِ بْنِ بُكَيْرٍ الْمُحَارِبِيِّ: إِنَّ الْمَجْنُونَ عَلَقَ لَيْلَى عَلَاقَةَ الصَّبِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا كَانَا صَغِيرَيْنِ يَرْعَيَانِ أَغْنَامًا لِقَوْمِهِمَا، فَتَعَلَّقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، إِلَّا أَنَّ الْمَجْنُونَ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا [فَلَمْ يَزَالَا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَبِرَا]، فَلَمَّا عُلِمَ بِأَمْرِهِمَا حُجِبَتْ لَيْلَى عَنْهُ فَزَالَ عَقْلُهُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: تَعَلَّقْتُ لَيْلَى وَهِيَ ذَاتُ ذُؤَابَةٍ     وَلَمْ يَبْدُ لِلْأَتْرَابِ مِنْ ثَدْيِهَا حَجْمُ صَغِيرَيْنِ نَرْعَى الْبَهْمَ يَا لَيْتَ أَنَّنَا     إِلَى الْيَوْمِ لَمْ نَكْبَرْ وَلَمْ تَكْبَرِ الْبَهْمُ وعن مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ الْمَجْنُونُ يَجْلِسُ فِي نَادِيَةِ قَوْمِهِ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ، فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ بَعْضُ الْقَوْمِ فَيُحَدِّثُهُ وَهُوَ بَاهِتٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَهُوَ لَا يَفْهَمُ مَا يُحَدِّثُهُ بِهِ، ثُمَّ يَثُوبُ عَقْلُهُ فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَدِيثِ فَلَا يَعْرِفُهُ. فَحَدَّثَهُ مَرَّةً بَعْضُ أَهْلِهِ بِحَدِيثٍ ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهُ فِي غَدَاةِ غَدٍ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَجْلِسُ فِي النَّادِي أُحَدِّثُهُمْ     فَأَسْتَفِيقُ وَقَدْ غَالَتْنِي الْغُولُ يَهْوِي بِقَلْبِي حَدِيثُ النَّفْسِ نَحْوَكُمُ     حَتَّى يَقُولَ جَلِيسِي أَنْتَ مَخْبُولُ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَتَزَايَدَ الْأَمْرُ بِهِ حَتَّى فَقَدَ عَقْلَهُ، فَكَانَ لَا يَقَرُّ فِي مَوْضِعٍ، وَلَا يَأْوِيهِ رَحْلٌ وَلَا يَعْلُوهُ ثَوْبٌ إِلَّا مَزَّقَهُ، وَصَارَ لَا يَفْهَمُ شَيْئًا مِمَّا يُكَلَّمُ بِهِ إِلَّا أَنْ تُذْكَرَ لَهُ لَيْلَى، فَإِذَا ذُكِرَتْ أَتَى بِالْبِدَايَةِ، فَيَرْجِعُ عَقْلُهُ. وَ[قَدْ] رُوِّينَا أَنَّ قَوْمَ لَيْلَى شَكَوْا مِنْهُ إِلَى السُّلْطَانِ فَأَهْدَرَ دَمَهُ، فَقَالَ: الْمَوْتُ أَرَوْحُ لِي، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَطْلُبُ غِرَّتْهُمْ، فَرَحَلُوا، فَجَاءَ فَأَشْرَفَ فَرَأَى دِيَارَهُمْ بِلَاقِعَ، فَقَصَدَ مَنْزِلَ لَيْلَى فَأَلْصَقَ صَدْرَهُ بِهِ وَجَعَلَ يُمَرِّغُ خَدَّيْهِ عَلَى تُرَابِهِ، وَيَقُولُ: أَيَا حَرَجَاتِ الْحَيِّ حَيْثُ تَحَمَّلُوا     بِذِي سَلَمٍ لَا جَادَكُنَّ رَبِيعُ وَخَيْمَاتُكِ اللَّاتِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى     بُلَيْنَ بِلًى لَمْ تُبْلَهُنَّ رُبُوعُ نَدِمْتُ عَلَى مَا كَانَ مِنِّي نَدَامَةً     كَمَا يَنْدَمُ الْمَغْبُونُ حِينَ يَبِيعُ وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ بَنِي عَامِرٍ: إِنَّ الْمَجْنُونَ لَقِيَ لَيْلَى وَقَوْمَهَا قَدْ رَحَلُوا، فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ فِتْيَانُ الْحَيِّ فَمَسَحُوا وَجْهَهُ وَأَسْنَدُوهُ إِلَى صُدُورِهِمْ، وَسَأَلُوا لَيْلَى أَنْ تَقِفَ لَهُ، فَقَالَتْ: لَا يَجُوزُ أَنْ أَفْتَضِحَ، وَلَكِنْ يَا فُلَانَةُ -لِأَمَةٍ لَهَا- اذْهَبِي إِلَيْهِ وَقُولِي لَهُ: لَيْلَى تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ لَكَ أُعْزِزْ عَلَيَّ بِمَا أَنْتَ فِيهِ، وَلَوْ وَجَدْتُ سَبِيلًا إِلَى شِفَاءِ دَائِكَ لَوَقَيْتُكَ بِنَفْسِي، فَمَضَتْ فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: أَبْلِغِيهَا السَّلَامَ وَقُولِي لَهَا: إِنَّ دَائِي وَدَوَائِي أَنْتِ، وَقَدْ وَكَّلْتِ بِي شَقَاءً طَوِيلًا وَبَكَى، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَكَيْفَ تَرَى لَيْلَى تَقُولُ رِجَالُ     الْحَيِّ تَطْمَعُ أَنْ تَرَى... وقَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: لَمَّا ظَهَرَ مِنَ الْمَجْنُونِ مَا ظَهَرَ، وَرَأَى قَوْمُهُ مَا ابْتُلِيَ بِهِ اجْتَمَعُوا إِلَى أَبِيهِ وَقَالُوا: يَا هَذَا، قَدْ تَرَى مَا ابْتُلِيَ ابْنُكَ بِهِ، فَلَوْ خَرَجْتَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ فَعَاذَ بِبَيْتِ اللَّهِ، وَزَارَ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَجَوْنَا أَنْ يَرْجِعَ عَقْلُهُ وَيُعَافِيَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَخَرَجَ أَبُوهُ حَتَّى أَتَى إِلَى مَكَّةَ، فَجَعَلَ يَطُوفُ [بِهِ] وَيَدْعُو لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَهُوَ يَقُولُ: دَعَا الْمُجْرِمُونَ اللَّهَ يَسْتَغْفِرُونَهُ     بِمَكَّةَ وَهْنًا أَنْ تُمْحَى ذُنُوبُهَا فَنَادَيْتُ أَنْ يَا رَبِّ أَوَّلُ سُولَتِي     لِنَفْسِي لَيْلَى ثُمَّ أَنْتَ حَبِيبُهَا [فَإِنْ أُعْطَ لَيْلَى فِي حَيَاتِي لَا يَتُبْ     إِلَى اللَّهِ خَلْقٌ تَوْبَةً لَا أَتُوبُهَا] حَتَّى إِذَا كَانَ بِمِنًى نَادَى مُنَادٍ مِنْ بَعْضِ تِلْكَ الْخِيَامِ: يَا لَيْلَى، فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ، وَنَضَحُوا الْمَاءَ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَبُوهُ يَبْكِي عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ أَفَاقَ وَقَالَ: وَدَاعٍ دَعَا إِذْ نَحْنُ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنًى     فَهَيَّجَ أَحْزَانَ الْفُؤَادِ وَمَا يَدْرِي دَعَا بِاسْمِ لَيْلَى غَيْرَهَا فَكَأَنَّمَا     أَطَارَ بِلَيْلَى طَائِرًا كَانَ فِي صَدْرِي وعَنْ رَبَاحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ الْمَشَايِخِ، قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِمِنًى إِذَا جَمَاعَةٌ عَلَى جَبَلٍ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ فَصَعِدْتُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا مَعَهُمْ فَتًى أَبْيَضُ حَسَنُ الْوَجْهِ وَقَدْ عَلَاهُ الصَّفَارُ وَبَدَنُهُ نَاحِلٌ وَهُمْ يُمْسِكُونَهُ، قَالَ: فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: هَذَا قَيْسٌ الَّذِي يُقَالُ لَهُ الْمَجْنُونُ، خَرَجَ بِهِ أَبُوهُ لِمَا بُلِيَ بِهِ يَسْتَجِيرُ لَهُ بِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَقَبْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: فَمَا لَكُمْ تُمْسِكُونَهُ؟ قَالُوا: نَخَافُ أَنْ يَجْنِيَ عَلَى نَفْسِهِ جِنَايَةً تُتْلِفُهُ. قَالَ: وَهُوَ يَقُولُ: دَعُونِي أَتَنَسَّمْ صَبَا نَجْدٍ، فَقَالَ لِي بَعْضُهُمْ: لَيْسَ يَعْرِفُكَ، لَوْ شِئْتَ دَنَوْتَ مِنْهُ فَأَخْبَرْتَهُ أَنَّكَ قَدِمْتَ مِنْ نَجْدٍ، وَأَخْبَرْتَهُ عَنْهَا، قُلْتُ: نَعَمْ أَفْعَلُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالُوا: يَا قَيْسُ، هَذَا رَجُلٌ قَدِمَ مِنْ نَجْدٍ. قَالَ: فَتَنَفَّسَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ كَبِدَهُ قَدْ تَصَدَّعَتْ، ثُمَّ جَعَلَ يُسَائِلُنِي عَنْ مَوْضِعِ مَوْضِعٍ وَوَادٍ وَادٍ، وَأَنَا أُخْبِرُهُ وَهُوَ يَبْكِي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَلَّا حَبَّذَا نَجْدٌ وَطِيبُ تُرَابِهِ     وَأَرْوَاحُهُ إِنْ كَانَ نَجْدٌ عَلَى الْعَهْدِ أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ، قَالَ: لَمَّا تَشَبَّثَ الْمَجْنُونُ بِلَيْلَى وَاشْتُهِرَ بِحُبِّهَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَمَنَعُوهُ مِنْ مُحَادَثَتِهَا وَزِيَارَتِهَا وَتَهَدَّدُوهُ وَتَوَعَّدُوهُ بِالْقَتْلِ، وَكَانَ يَأْتِي امْرَأَةً فَتَعْرِفُ [لَهُ] خَبَرَهَا، فَنَهَوْا تِلْكَ الْمَرْأَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَانَ يَأْتِي غَفَلَاتِ الْحَيِّ فِي اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ خَرَجَ أَبُو لَيْلَى وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا يَنَالُهُمْ مِنْ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ، وَسَأَلُوهُ الْكِتَابَ إِلَى عَامِلِهِ بِمَنْعِهِ مِنْ كَلَامِ لَيْلَى، وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ فِي تَرْكِ زِيَارَتِهَا، فَإِذَا أَصَابَهُ أَهْلُهَا عِنْدَهُمْ فَقَدْ أُهْدِرَ دَمُهُ. فَلَمَّا وَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى عَامِلِهِ بَعَثَ إِلَى قَيْسٍ وَأَبِيهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَجَمَعَهُمْ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ مَرْوَانَ، وَقَالَ لِقَيْسٍ: اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ لَا تُذْهِبْ دَمَكَ هَدَرًا، فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا حُجِبَتْ لَيْلَى وَآلَى أَمِيرُهَا     عَلَيَّ يَمِينًا جَاهِدًا لَا أَزُورُهَا وَوَاعَدَنِي فِيهَا رِجَالٌ أَبُوهُمُ     أَبِي وَأَبُوهَا خُشِّنَتْ لِي صُدُورُهَا عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّهَا     وَأَنَّ فُؤَادِي عِنْدَ لَيْلَى أَسِيرُهَا فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهَا وَعَلِمَ أَنْ لَا سَبِيلَ إِلَيْهَا صَارَ شَبِيهًا بِالتَّائِهِ الْعَقْلِ، وَأَحَبَّ الْخَلْوَةَ وَحَدِيثَ النَّفْسِ، وَتَزَايَدَ الْأَمْرُ بِهِ حَتَّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، وَلَعِبَ بِالْحَصَى وَالتُّرَابِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا إِلَّا ذِكْرَهَا، وَقَوْلَ الشِّعْرِ فِيهَا، وَبَلَغَهَا مَا صَارَ إِلَيْهِ قَيْسٌ فَجَزِعَتْ أَيْضًا لِفِرَاقِهِ، وَضَنِيَتْ ضِنًى شَدِيدًا. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ: أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ سَأَلَتْ لَيْلَى فَحَضَرَتْ عِنْدَهُ لَيْلًا، وَقَالَتْ: إِنَّ أَمَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي، فَقَالَ: قَالَتْ جُنِنْتَ عَلَى رَأْسِي فَقُلْتُ لَهَا     الْحَبُّ أَعْظَمُ مِمَّا بِالْمَجَانِينِ الْحَبُّ لَيْسَ يَفِيقُ الدَّهْرَ صَاحِبُهُ     وَإِنَّمَا يُصْرَعُ الْمَجْنُونُ فِي الْحِينِ فَبَكَتْ مَعَهُ وَتَحَدَّثَا حَتَّى كَادَ الصُّبْحُ [أَنْ] يُسْفِرَ، ثُمَّ وَدَّعَتْهُ وَانْصَرَفَتْ، فَكَانَ آخِرَ عَهْدِهِ بِهَا. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ أَبَا الْمَجْنُونِ قَيَّدَهُ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ لَحْمَ ذِرَاعَيْهِ، وَيَضْرِبُ بِنَفْسِهِ الْأَرْضَ، فَأَطْلَقَهُ يَدُورُ فِي الْفَلَاةِ عُرْيَانًا. وَلَمَّا زُوِّجَتْ لَيْلَى، وَقِيلَ: غَدًا تَرْحَلُ، قَالَ الْمَجْنُونُ يُنْشِدُ: كَأَنَّ الْقَلْبَ لَيْلَةَ قِيلَ يُغْدَى     بِلَيْلَى الْعَامِرِيَّةِ أَوْ يُرَاحُ قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَكٌ فَبَاتَتْ     تَجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ وَرُوِّينَا أَنَّ لَيْلَى لَمَّا زُوِّجَتْ جَاءَ الْمَجْنُونُ إِلَى زَوْجِهَا وَهُوَ يُصَلِّي فِي يَوْمٍ شَاتٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: بِرَبِّكَ هَلْ ضَمَمْتَ إِلَيْكَ لَيْلَى     قُبَيْلَ الصُّبْحِ أَوْ قَبَّلْتَ فَاهَا وَهَلْ رَفَّتْ عَلَيْكَ قُرُونُ لَيْلَى     رَفِيفَ الْأُقْحُوَانَةِ فِي نَدَاهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ حَلَّفْتَنِي فَنَعَمْ، فَقَبَضَ الْمَجْنُونُ بِكِلْتَا يَدَيْهِ قَبْضَتَيْنِ مِنَ الْجَمْرِ، فَمَا فَارَقَهُمَا حَتَّى سَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَسَقَطَ الْجَمْرُ مَعَ لَحْمِ رَاحَتَيْهِ. وَكَانَتْ لَهُ دَايَةٌ يَأْنَسُ بِهَا، وَكَانَتْ تَخْرُجُ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَتَحْمِلُ لَهُ رَغِيفًا وَمَاءً، فَرُبَّمَا أَكَلَهُ وَرُبَّمَا تَرَكَهُ، حَتَّى جَاءَتْ يَوْمًا وَهُوَ مُلْقًى بَيْنَ الْأَحْجَارِ مَيِّتًا، فَاحْتَمَلُوهُ إِلَى الْحَيِّ، فَغَسَّلُوهُ وَدَفَنُوهُ، وَلَمْ يَبْقَ فِي بَنِي جَعْدَةَ وَلَا فِي بَنِي الْحَرِيشِ امْرَأَةٌ إِلَّا خَرَجَتْ حَاسِرَةً صَارِخَةً عَلَيْهِ تَنْدُبُهُ، وَاجْتَمَعَ فِتْيَانُ الْحَيِّ يَبْكُونَ عَلَيْهِ أَشَدَّ بُكَاءٍ، وَيَنْشُجُونَ أَشَدَّ نَشِيجٍ، وَحَضَرَهُمْ حَيُّ لَيْلَى مُعَزِّينَ وَأَبُوهَا مَعَهُمْ، وَكَانَ أَشَدَّ الْقَوْمِ جَزَعًا وَبُكَاءً عَلَيْهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ الْأَمْرَ يَبْلُغُ كُلَّ هَذَا، وَلَكِنِّي امْرُؤٌ عَرَبِيٌّ أَخَافُ مِنَ الْعَارِ، وَقُبْحِ الْأُحْدُوثَةِ، فَزَوَّجْتُهَا وَخَرَجَتْ عَنْ يَدِي، وَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّ أَمْرَهُ يَجْرِي عَلَى هَذَا مَا أَخْرَجْتُهَا عَنْ يَدِهِ، فَمَا رُئِيَ يَوْمًا كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْهُ. وَبَيْنَمَا هُمْ يُقَلِّبُونَهُ وَجَدُوا خِرْقَةً فِيهَا مَكْتُوبٌ: أَلَا أَيُّهَا الشَّيْخُ الَّذِي مَا بِنَا يَرْضَى     شَقِيتَ وَلَا هَنِيتَ مِنْ عَيْشِكَ الْخَفْضَا شَقِيتَ كَمَا أَشْقَيْتَنِي وَتَرَكْتَنِي     أَهِيمُ مَعَ الْهُلَّاكِ لَا أُطْعَمُ الْغَمْضَا كَأَنَّ فُؤَادِي فِي مَخَالِيبِ طَائِرٍ     إِذَا ذُكِرَتْ لَيْلَى يَشُدُّ بِهَا قَبْضَا كَأَنَّ فِجَاجَ الْأَرْضِ حَلْقَةُ خَاتَمٍ     عَلَيَّ فَمَا تَزْدَادُ طُولًا وَلَا عَرْضَا وَمِنْ أَشْعَارِهِ الرَّائِقَةِ قَوْلُهُ: وَشُغِلْتُ عَنْ فَهْمِ الْحَدِيثِ سِوَى     مَا كَانَ مِنْكِ فَإِنَّهُ شُغُلِي وَأُدِيمُ لَحْظَ مُحَدِّثِي لِيَرَى     أَنْ قَدْ فَهِمْتُ وَعِنْدَكُمْ عَقْلِي وَقَوْلُهُ: عَجِبْتُ لِعُرْوَةَ الْعُذْرِيِّ أَمْسَى     أَحَادِيثًا لِقَوْمٍ بَعْدَ قَوْمِ وَعُرْوَةُ مَاتَ مَوْتًا مُسْتَرِيحًا     وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ بِكُلِّ يَوْمٍ وَقَدْ رُوِّينَا مُتَقَدِّمًا أَنَّهُ كَانَ يَهِيمُ فِي الْبَرِّيَّةِ مَعَ الْوَحْشِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَا يَنْبُتُ فِي الْبَرِّ مِنْ بَقْلٍ، وَلَا يَشْرَبُ إِلَّا مَعَ الظِّبَاءِ إِذَا وَرَدَتْ مَنَاهِلَهَا، وَطَالَ شَعَرُ جَسَدِهِ وَرَأْسِهِ، وَأَلِفَتْهُ الْوَحْشُ وَكَانَتْ لَا تَفِرُّ مِنْهُ، وَجَعَلَ يَهِيمُ حَتَّى بَلَغَ حُدُودَ الشَّامِ، فَإِذَا ثَابَ عَقْلُهُ إِلَيْهِ رَجَعَ وَسَأَلَ مَنْ يَمُرُّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَنْ نَجْدٍ، فَيُقَالُ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ مِنْ نَجْدٍ، قَدْ شَارَفْتَ الشَّامَ، فَيَقُولُ: فَأَرُونِي الطَّرِيقَ، فَيَدُلُّونَهُ. عاصم بن عمر بن الخطاب عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ   وَأُمُّهُ: جَمِيلَةُ بِنْتُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ. وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَرْوِ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ حَدِيثًا وَاحِدًا، " إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا " الْحَدِيثَ. وَعَنْهُ ابْنَاهُ حَفْصٌ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَدْ طَلَّقَ أَبُوهُ أُمَّهُ فَأَخَذَتْهُ جَدَّتُهُ الشَّمُوسُ بِنْتُ أَبِي عَامِرٍ، حَكَمَ لَهُ بِهَا الصِّدِّيقُ، وَقَالَ: شَمُّهَا وَلُطْفُهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْكَ. ثُمَّ لَمَّا زَوَّجَهُ أَبُوهُ فِي أَيَّامِهِ أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَهْرًا، ثُمَّ كَفَّ عَنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ ثُمُنَ مَالِهِ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَتَّجِرَ وَيُنْفِقَ عَلَى عَيَالِهِ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ عَاصِمٍ وَبَيْنَ الْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ مُنَازَعَةٌ فِي أَرْضٍ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ عَاصِمٌ مِنَ الْحَسَنِ الْغَضَبَ قَالَ: هِيَ لَكَ. فَقَالَ لَهُ: بَلْ هِيَ لَكَ. فَتَرَكَاهَا وَلَمْ يَتَعَرَّضَا لَهَا، وَلَا أَحَدٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا حَتَّى أَخَذَهَا النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. وَكَانَ عَاصِمٌ رَئِيسًا وَقُورًا، كَرِيمًا فَاضِلًا. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ سَنَةَ سَبْعِينَ. قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيُّ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرِ بْنِ وَهْبٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو الْعَلَاءِ   ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، شَهِدَ خُطْبَةَ عُمَرَ بِالْجَابِيَةِ، وَكَانَ أَخَا مُعَاوِيَةَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَكَانَ مِنَ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ. قَيْسُ بْنُ ذَرِيحٍ، أَبُو يَزِيدَ، اللَّيْثِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، مِنْ بَادِيَةِ الْحِجَازِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخُو الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ لُبْنَى بِنْتَ الْحَبَّابِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَلَمَّا طَلَّقَهَا، هَامَ لِمَا بِهِ مِنَ الْغَرَامِ، وَسَكَنَ الْبَادِيَةَ، وَجَعَلَ يَقُولُ فِيهَا الْأَشْعَارَ وَنَحُلَ جِسْمُهُ، فَلَمَّا زَادَ مَا بِهِ أَتَاهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، فَأَخْذَهُ وَمَضَى بِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَقَالَ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، ارْكَبْ مَعِي فِي حَاجَةٍ. فَرَكِبَ، وَاسْتَنْهَضَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ، فَذَهَبُوا مَعَهُ، وَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا يُرِيدُ، حَتَّى أَتَى بِهِمْ بَابَ، زَوْجِ لُبْنَى، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَإِذَا وُجُوهُ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكُمْ ! مَا جَاءَ بِكُمْ ؟ قَالُوا: حَاجَةٌ لِابْنِ أَبِي عَتِيقٍ. فَقَالَ الرَّجُلُ: اشْهَدُوا عَلَى أَنَّ حَاجَتَهُ مَقْضِيَّةٌ، وَحُكْمَهُ جَائِزٌ. فَقَالُوا: أَخْبِرْهُ بِحَاجَتِكَ. فَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ: اشْهَدُوا عَلَى أَنَّ زَوْجَتَهُ لُبْنَى مِنْهُ طَالِقٌ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، أَلِهَذَا جِئْتَ بِنَا ؟ فَقَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكُمْ، يُطَلِّقُ هَذَا زَوْجَتَهُ، وَيَتَزَوَّجُ بِغَيْرِهَا، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي هَوَاهَا صَبَابَةً، وَاللَّهِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى يَنْتَقِلَ مَتَاعُهَا إِلَى بَيْتِ قَيْسٍ، فَفَعَلَتْ، وَأَقَامُوا مُدَّةً فِي أَرْغَدِ عَيْشٍ وَأَطْيَبِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ رَبِيعَةَ الْحِمْيَرِيُّ يَزِيدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ رَبِيعَةَ الْحِمْيَرِيُّ الشَّاعِرُ كَانَ كَثِيرَ الشِّعْرِ وَالْهَجْوِ. وَقَدْ أَرَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ قَتْلَهُ ; لِكَوْنِهِ هَجَا أَبَاهُ زِيَادًا، فَمَنَعَهُ مُعَاوِيَةُ مِنْ قَتْلِهِ، وَقَالَ: أَدِّبْهُ. فَسَقَاهُ دَوَاءً مُسُهِلًا وَأَرْكَبَهُ عَلَى حِمَارٍ، وَطَافَ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ، وَهُوَ يَسْلَحُ عَلَى الْحِمَارِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: يَغْسِلُ الْمَاءُ مَا صَنَعْتُ وَشِعْرِي     رَاسِخٌ مِنْكَ فِي الْعِظَامِ الْبَوَالِي بَشِيرُ بْنُ النَّضْرِ قَاضِي مِصْرَ، كَانَ رِزْقُهُ فِي الْعَامِ أَلْفَ دِينَارٍ. تُوُفِّيَ بِمِصْرَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْزَةَ الْخَوْلَانِيُّ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. مَالِكُ بْنُ يَخَامِرَ السَّكْسَكِيُّ الْأَلْهَانِيُّ الْحِمْصِيُّ مَالِكُ بْنُ يَخَامِرَ السَّكْسَكِيُّ الْأَلْهَانِيُّ الْحِمْصِيُّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، وَيُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاوِيَةَ عَنْهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فِي حَدِيثِ الطَّائِفَةِ الظَّاهِرَةِ عَلَى الْحَقِّ أَنَّهُمْ بِالشَّامِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: لَهُ صُحْبَةٌ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ تَابِعِيٌّ وَلَيْسَ بِصَحَابِيٍّ، وَكَانَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ؓ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  222. التاريخ 2313لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ،  وَذَلِكَ أَنْ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ سَارَ فِي جُنُودٍ هَائِلَةٍ مِنَ الشَّامِ قَاصِدًا مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ، فَالْتَقَيَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ كَانَا قَبْلَهَا يَرْكَبُ كُلُّ وَاحِدٍ لِمُلْتَقَى الْآخَرِ، فَيَحُولُ بَيْنَهُمَا الشِّتَاءُ وَالْبَرْدُ وَالْوَحْلُ، فَيَرْجِعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى بَلَدِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي هَذَا الْعَامِ سَارَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ السَّرَايَا، وَدَخَلَ بَعْضُ مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَدَعَا أَهْلَهَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فِي السِّرِّ، فَاسْتَجَابَ لَهُ بَعْضُهُمْ، وَقَدْ كَانَ مُصْعَبٌ سَارَ إِلَى الْحِجَازِ، فَجَاءَ وَدَخَلَ الْبَصْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ، فَأَنَّبَ الْكُبَرَاءَ مِنَ النَّاسِ، وَشَتَمَهُمْ وَلَامَهُمْ عَلَى دُخُولِ أُولَئِكَ إِلَيْهِمْ، وَإِقْرَارِهِمْ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَهَدَمَ دُورَ بَعْضِهِمْ، ثُمَّ شَخَصَ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ بَلَغَهُ قَصْدُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَهُ بِجُنُودِ الشَّامِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ. وَوَصَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى مَسْكِنٍ، وَكَتَبَ إِلَى الْمَرْوَانِيَّةِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِمَنْ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ فَأَجَابُوهُ، وَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ يُوَلِّيَهُمْ أَصْبَهَانَ، فَقَالَ: نَعَمْ. وَهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَقَدْ جَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَخَرَجَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَخَذَلُوهُ وَجَعَلَ يَتَأَمَّلُ مَنْ مَعَهُ فَلَا يَجِدُهُمْ يُقَاوِمُونَ أَعْدَاءَهُ، فَاسْتَقْتَلَ وَطَمَّنَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لِي بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ أُسْوَةٌ حِينَ امْتَنَعَ مِنْ إِلْقَائِهِ يَدَهُ، وَمِنَ الذِّلَّةِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَجَعَلَ يُنْشِدُ وَيَقُولُ مُسَلِّيًا نَفْسَهُ: وَإِنَّ الْأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ تَأَسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّأَسِّيَا وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أُمَرَائِهِ أَنْ يُقِيمَ بِالشَّامِ، وَأَنْ يَبْعَثَ إِلَى مُصْعَبٍ جَيْشًا فَأَبَى، وَقَالَ: لَعَلِّي أَبْعَثُ رَجُلًا شُجَاعًا لَا رَأْيَ لَهُ، أَوْ مَنْ لَهُ رَأْيٌ وَلَا شَجَاعَةَ لَهُ، وَإِنِّي أَجِدُ مِنْ نَفْسِي بَصَرًا بِالْحَرْبِ وَشَجَاعَةً، وَإِنَّ مُصْعَبًا فِي بَيْتِ شَجَاعَةٍ، أَبُوهُ أَشْجَعُ قُرَيْشٍ، وَأَخُوهُ لَا تُجْهَلُ شَجَاعَتُهُ، وَهُوَ شُجَاعٌ، لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَهُوَ يُحِبُّ الدَّعَةَ وَالْخَفْضَ، وَمَعَهُ مَنْ يُخَالِفُهُ، وَمَعِي مَنْ يَنْصَحُ لِي. فَسَارَ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْجَيْشَانِ بَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أُمَرَاءِ مُصْعَبٍ بِكُتُبٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَيَعِدُهُمُ الْوِلَايَاتِ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ إِلَى مُصْعَبٍ فَأَلْقَى إِلَيْهِ كِتَابًا مَخْتُومًا، وَقَالَ: هَذَا جَاءَنِي مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَفَتَحَهُ فَإِذَا هُوَ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِتْيَانِ إِلَيْهِ، وَلَهُ نِيَابَةُ الْعِرَاقِ. وَقَالَ لِمُصْعَبٍ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أُمَرَائِكَ إِلَّا وَقَدْ جَاءَهُ كِتَابٌ مِثْلُ هَذَا فَإِنْ أَطَعْتَنِي ضَرَبْتُ أَعْنَاقَهُمْ. فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: إِنِّي لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمْ تَنْصَحْنَا عَشَائِرُهُمْ بَعْدَهُمْ. فَقَالَ: فَأَوَقِرْهُمْ فِي الْحَدِيدِ وَابْعَثْهُمْ إِلَى أَبْيَضِ كِسْرَى فَاسْجُنْهُمْ فِيهِ، وَوَكِّلْ بِهِمْ مَنْ إِنْ غُلِبْتَ ضَرَبَ أَعْنُقَهُمْ، وَإِنْ غَلَبْتَ مَنَنْتَ بِهِمْ عَلَى عَشَائِرَهُمْ. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا النُّعْمَانِ، إِنِّي لَفِي شُغْلٍ عَنْ هَذَا. ثُمَّ قَالَ مُصْعَبٌ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَحْرٍ - يَعْنِي الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ - إِنْ كَانَ لِيُحَذِّرُنِي غَدْرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ الْآنَ. مواجهة الجيشان بدير الجاثليق من مسكن ثُمَّ تَوَاجَهَ الْجَيْشَانِ بِدَيْرِ الْجَاثَلِيقِ مِنْ مَسْكِنٍ، فَحَمَلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ - وَهُوَ أَمِيرُ الْمُقَدِّمَةِ الْعِرَاقِيَّةِ لِجَيْشِ مُصْعَبٍ - عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ - وَهُوَ أَمِيرُ مُقَدِّمَةِ الشَّامِ - فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَأَرْدَفَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَحَمَلُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، وَمَنْ مَعَهُ فَطَحَنُوهُمْ، وَقُتِلَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَفَا عَنْهُ، وَقُتِلَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ عَلَى خَيْلِ مُصْعَبٍ فَهَرَبَ أَيْضًا وَلَجَأَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَجَعَلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْقَلْبِ يُنْهِضُ أَصْحَابَ الرَّايَاتِ، وَيَحُثُّ الشُّجْعَانَ وَالْأَبْطَالَ أَنْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى أَمَامِ الْقَوْمِ، فَلَا يَتَحَرَّكُ أَحَدٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا إِبْرَاهِيمُ وَلَا إِبْرَاهِيمَ لِي الْيَوْمَ ! وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَتَخَاذَلَتِ الرِّجَالُ، وَضَاقَ الْحَالُ، وَكَثُرَ النِّزَالُ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَخَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى مُصْعَبٍ يُعْطِيهِ الْأَمَانَ فَأَبَى، وَقَالَ: إِنَّ مِثْلِي لَا يَنْصَرِفُ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَّا غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا. قَالُوا: فَنَادَى مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ عِيسَى بْنَ مُصْعَبٍ فَقَالَ: يَابْنَ أَخِي، لَا تَقْتُلْ نَفْسَكَ، لَكَ الْأَمَانُ. فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: قَدْ آمَنَكَ عَمُّكَ فَامْضِ إِلَيْهِ. فَقَالَ: لَا تَتَحَدَّثُ نِسَاءُ قُرَيْشٍ أَنِّي أَسْلَمْتُكَ لِلْقَتْلِ. فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، فَارْكَبْ خَيْلَ السَّبْقِ فَالْحَقْ بِعَمِّكَ، فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَإِنِّي مَقْتُولٌ هَاهُنَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَا أُخْبِرُ عَنْكَ أَحَدًا أَبَدًا، وَلَا أُخْبِرُ نِسَاءَ قُرَيْشٍ بِمَصْرَعِكَ أَبَدًا، وَلَا أُقْتَلُ إِلَّا مَعَكَ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ رَكِبْتَ خَيْلَكَ، وَسِرْنَا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَإِنَّهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ. فَقَالَ مُصْعَبٌ: لَا وَاللَّهِ، مَا الْفِرَارُ لِي بِعَادَةٍ، وَلَكِنْ أُقَاتِلُ، فَإِنْ قُتِلْتُ فَمَا السَّيْفُ لِي بِعَارٍ، وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ قُرَيْشٌ عَنِّي أَنِّي فَرَرْتُ مِنَ الْقِتَالِ. ثُمَّ قَالَ لِابْنِهِ: تَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيَّ حَتَّى أَحْتَسِبَكَ. فَتَقَدَّمَ ابْنُهُ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَأُثْخِنَ مُصْعَبٌ بِالرَّمْيِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَحَمَلُ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا ثَارَاتِ الْمُخْتَارِ ! فَصَرَعَهُ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ التَّمِيمِيُّ، فَقَتَلَهُ وَحَزَّ رَأْسَهُ، وَأَتَى بِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَسَجَدَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَأَطْلَقَ لَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَقَالَ: لَمْ أَقْتُلْهُ عَلَى طَاعَتِكَ، وَلَكِنْ بِثَأْرٍ كَانَ لِي عِنْدَهُ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ لَهُ عَمَلًا قَبْلَ ذَلِكَ فَعَزَلَهُ عَنْهُ وَأَهَانَهُ. وَقَالَ: لَمَّا تَفَرَّقَ عَنْ مُصْعَبٍ جُمُوعُهُ قَالَ لَهُ ابْنُهُ عِيسَى: لَوِ اعْتَصَمْتَ بِبَعْضِ الْقِلَاعِ، وَكَاتَبْتَ مَنْ بَعُدُ عَنْكَ مِثْلَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَغَيْرِهِ فَقَدِمُوا عَلَيْكَ، فَإِذَا اجْتَمَعَ لَكَ مَا تُرِيدُ مِنْهُمْ لَقِيَتَ الْقَوْمَ ; فَإِنَّكَ قَدْ ضَعُفْتَ جِدًّا. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ جَوَابًا. ثُمَّ ذَكَرَ مَا جَرَى لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَيْفَ قُتِلَ كَرِيمًا، وَلَمْ يُلْقِ بِيَدِهِ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَفَاءً. وَكَذَلِكَ أَبُوهُ وَأَخُوهُ، وَنَحْنُ مَا وَجَدْنَا لَهُمْ وَفَاءً. ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَبَقِيَ فِي قَلِيلٍ مِنْ خَوَاصِّهِ، وَمَالَ الْجَمِيعُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُحِبُّ مُصْعَبًا حَبًّا شَدِيدًا، وَكَانَ خَلِيلًا لَهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ، فَقَالَ لِأَخِيهِ مُحَمَّدٍ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَآمِنْهُ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُصْعَبُ قَدْ آمَنُكَ ابْنُ عَمِّكَ عَلَى نَفْسِكَ وَوَلَدِكَ وَمَالِكَ وَأَهْلِكَ، فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الْبِلَادِ، وَلَوْ أَرَادَ بِكَ غَيْرَ ذَلِكَ لَكَانَ، فَقَالَ مُصْعَبٌ: قُضِيَ الْأَمْرُ، إِنَّ مِثْلِي لَا يَنْصَرِفُ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْمَوْقِفِ إِلَّا غَالِبًا أَوْ مَغْلُوبًا. فَتَقَدَّمَ ابْنُهُ عِيسَى فَقَاتَلَ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ يَابْنَ أَخِي لَا تَقْتُلْ نَفْسَكَ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ مَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ قَتْلِ أَبِيهِ بَعْدَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ. بكاء عبد الملك عند وفاة مصعب ووقت وفاته قَالَ: وَلَمَّا وُضِعَ رَأْسُ مُصْعَبٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بَكَى وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَقْدِرُ أَنْ أَصْبِرَ عَلَيْهِ سَاعَةً وَاحِدَةً مِنْ حُبِّي لَهُ حَتَّى دَخَلَ السَّيْفُ بَيْنَنَا، وَلَكِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ ! وَلَقَدْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ وَالْحُرْمَةُ بَيْنَنَا قَدِيمَةً، مَتَى تَلِدُ النِّسَاءُ مِثْلَ مُصْعَبٍ ؟ ثُمَّ أَمَرَ بِمُوَارَاتِهِ، وَدَفَنَهُ هُوَ وَابْنَهُ وَإِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ فِي قُبُورٍ بِمَسْكِنٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الْكُوفَةِ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَكَانَ مَقْتَلُ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى أَوِ الْآخِرَةِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  223. التاريخ 2314لا حكم مسجّل

    نسب مصعب بن الزبير وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ  رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ - وَيُقَالُ لَهُ: أَبُو عِيسَى أَيْضًا - الْأَسَدِيُّ. وَأَمُّهُ الرَّبَابُ بِنْتُ أُنَيْفٍ الْكَلْبِيَّةُ. صفته الخلقية والأخلاقية كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَشْجَعِهِمْ قَلْبًا، وَأَسْخَاهُمْ كَفًّا. وَقَدْ حَكَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَسَعْدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَرَوَى عَنْهُ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الْجُمَحِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَوَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ يُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا. حَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّ جَمِيلًا نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ: إِنَّ هَاهُنَا فَتًى أَكْرَهُ أَنْ تَرَاهُ بُثَيْنَةُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَمِيرًا قَطُّ عَلَى مِنْبَرٍ أَحْسَنَ مِنْهُ. وَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُوَ أَجْمَلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. قتل المختار بن أبي عبيد وتمكن مصعب من العراق وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: وَلِيَ إِمْرَةَ الْعِرَاقَيْنِ لِأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ،  حَتَّى قَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِمَسْكِنٍ فِي مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ أَوَانَا عَلَى نَهْرِ دُجَيْلٍ عِنْدَ دَيْرِ الْجَاثَلِيقِ، وَقَبْرُهُ إِلَى الْآنِ مَعْرُوفٌ هُنَاكَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا صِفَةَ قَتْلِهِ الْمُخْتَارَ بْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، وَأَنَّهُ قَتَلَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ سَبْعَةَ آلَافٍ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا قَتَلَ مُصْعَبٌ الْمُخْتَارَ طَلَبَ أَهْلُ الْقَصْرِ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ مِنْ مُصْعَبٍ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبَّادَ بْنَ الْحُصَيْنِ فَجَعَلَ يُخْرِجُهُمْ مُلْتَفِّينَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَكُمْ عَلَيْنَا، وَابْتَلَانَا بِالْأَسْرِ، يَابْنَ الزُّبَيْرِ مَنْ عَفَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ عَاقَبَ لَا يَأْمَنُ الْقِصَاصَ، نَحْنُ أَهْلُ قِبْلَتِكُمْ وَعَلَى مِلَّتِكُمْ وَقَدْ قَدَرْتَ فَاسْمَحْ وَاعْفُ عَنَّا. قَالَ: فَرَقَّ لَهُمْ مُصْعَبٌ وَأَرَادَ أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُمْ، فَقَامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ وَغَيْرُهُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، فَقَالُوا: قَدْ قَتَلُوا أَوْلَادَنَا وَعَشَائِرَنَا، وَجَرَحُوا مِنَّا خَلْقًا، اخْتَرْنَا أَوِ اخْتَرْهُمْ. فَأَمَرَ حِينَئِذٍ بِقَتْلِهِمْ، فَنَادَوْا بِأَجْمَعِهِمْ: لَا تَقْتُلْنَا وَاجْعَلْنَا مُقَدِّمَتَكَ فِي قِتَالِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَإِنْ ظَفَرْنَا فَلَكُمْ، وَإِنْ قُتِلْنَا لَا نُقْتَلُ حَتَّى نَقْتُلَ مِنْهُمْ طَائِفَةً وَكَانَ الَّذِي تُرِيدُ. فَأَبَى ذَلِكَ مُصْعَبٌ، فَقَالَ لَهُ مُسَافِرٌ: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُصْعَبٌ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَكَ أَنْ لَا تَقْتُلَ نَفْسًا مُسْلِمَةً بِغَيْرِ نَفْسٍ، وَإِنَّ: مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ( النِّسَاءِ: 93 ) فَلَمْ يَسْمَعْ لَهُ، بَلْ أَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ جَمِيعِهِمْ، وَكَانُوا سَبْعَةَ آلَافِ نَفْسٍ، ثُمَّ كَتَبَ مُصْعَبٌ إِلَى ابْنِ الْأَشْتَرِ: إِنْ أَجَبْتَنِي فَلَكَ الشَّامُ، وَأَعِنَّةُ الْخَيْلِ. فَسَارَ ابْنُ الْأَشْتَرِ إِلَى مُصْعَبٍ. وَقِيلَ: إِنَّ مُصْعَبًا لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيْ عَمِّ، إِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ قَوْمٍ خَلَعُوا الطَّاعَةَ، وَقَاتَلُوا حَتَّى إِذَا غُلِبُوا تَحَصَّنُوا، وَسَأَلُوا الْأَمَانَ فَأُعْطُوهُ، ثُمَّ قُتِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَالَ: وَكَمْ هُمْ ؟ قَالَ: خَمْسَةُ آلَافٍ. فَسَبَّحَ ابْنُ عُمَرَ وَاسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى مَاشِيَةَ الزُّبَيْرِ فَذَبَحَ مِنْهَا خَمْسَةَ آلَافِ مَاشِيَةٍ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ أَلَسْتَ تَعُدُّهُ مُسْرِفًا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَرَاهُ إِسْرَافًا فِي الْبَهَائِمِ وَلَا تَرَاهُ إِسْرَافًا فِي مَنْ تَرْجُو تَوْبَتَهُ ؟ ! يَابْنَ أَخِي أَصِبْ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ مَا اسْتَطَعْتَ فِي دُنْيَاكَ. ثُمَّ إِنَّ مُصْعَبًا بَعَثَ بِرَأْسِ الْمُخْتَارِ إِلَى أَخِيهِ بِمَكَّةَ، وَتَمَكَّنَ مُصْعَبٌ فِي الْعِرَاقِ تَمَكُّنًا زَائِدًا، فَقَرَّرَ بِهَا الْوِلَايَاتِ وَالْعُمَّالَ، وَحَظِيَ عِنْدَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ فَجَعَلَهُ عَلَى الْوِفَادَةِ، ثُمَّ رَحَلَ مُصْعَبٌ إِلَى أَخِيهِ بِمَكَّةَ فَأَعْلَمَهُ بِمَا فَعَلَ، فَأَقَرَّهُ عَلَى مَا صَنَعَ، إِلَّا إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْأَشْتَرِ لَمْ يُمْضِ لَهُ مَا جَعَلَهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: أَعَمَدْتَ إِلَى رَايَةٍ خَفَضَهَا اللَّهُ، تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهَا ؟ ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا ضَرْبَةٌ قَدْ أَصَابَتْهُ، وَقَالَ لَهُ: أَتُرَانِي أُحِبُّ الْأَشْتَرَ وَهُوَ الَّذِي جَرَحَنِي هَذِهِ الْجِرَاحَةَ. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِمَنْ قَدِمَ مَعَ مُصْعَبٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُلِّ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو حَاضِرٍ الْأَسَدِيُّ - وَكَانَ قَاضِيَ الْجَمَاعَةِ بِالْبَصْرَةِ -: إِنَّ لَنَا وَلَكُمْ مَثَلًا قَدْ مَضَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ مَا قَالَ الْأَعْشَى: عُلِّقْتُهَا عَرَضًا وَعُلِّقَتْ رَجُلًا غَيْرِي وَعُلِّقَ أُخْرَى غَيْرَهَا الرَّجُلُ قُلْتُ كَمَا قِيلَ أَيْضًا: جُنِنَّا بِلَيْلَى وَهِيَ جُنَّتْ بِغَيْرِنَا     وَأُخْرَى بِنَا مَجْنُونَةٌ لَا نُرِيدُهَا عُلِّقْنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَعُلِّقْتَ أَهْلَ الشَّامِ، وَعُلِّقَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى مَرْوَانَ فَمَا عَسَيْنَا أَنْ نَصْنَعَ ؟ قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَا سَمِعْتُ جَوَابًا أَحْسَنَ مِنْهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ مُصْعَبٌ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مَحَبَّةً لِلنِّسَاءِ. وَقَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: اجْتَمَعَ فِي الْحِجْرِ مُصْعَبٌ، وَ عُرْوَةُ، وَ عَبْدُ اللَّهِ، بَنُو الزُّبَيْرِ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالُوا: تَمَنَّوْا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْخِلَافَةَ، وَقَالَ عُرْوَةُ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى أَنْ يُؤْخَذَ عَنِّي الْعِلْمُ. وَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى إِمْرَةَ الْعِرَاقِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وَسُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ. قَالَ: فَنَالُوا كُلُّهُمْ مَا تَمَنَّوْا، وَلَعَلَّ ابْنُ عُمَرَ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ. وَقَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ يَوْمًا إِذْ دَعَانِي الْأَمِيرُ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَدْخَلَنِي دَارَ الْإِمَارَةِ، ثُمَّ كَشَفَ عَنْ سِتْرٍ فَإِذَا وَرَاءَهُ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا أَبْهَى، وَلَا أَحْسَنَ مِنْهَا. فَقَالَ: أَتَدْرِي مَنْ هَذِهِ ؟ فَقُلْتُ: لَا. فَقَالَ: هَذِهِ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَنْ هَذَا الَّذِي أَظَهَرْتَنِي عَلَيْهِ ؟ قَالَ: هَذَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ. قَالَتْ: فَأَطْلِقْ لَهُ شَيْئًا. فَوَهَبَنِي عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ مَلَكْتُهُ. وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عَائِشَةَ بِنْتَ طَلْحَةَ تَغَضَّبَتْ مَرَّةً عَلَى مُصْعَبٍ فَتَرَضَّاهَا بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَطْلَقَتْهَا هِيَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَصْلَحَتْ بَيْنَهُمَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ أُهْدِيَتْ لَهُ نَخْلَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، ثِمَارُهَا مِنْ صُنُوفِ الْجَوَاهِرِ الْمُثْمِنَةِ، فَقُوِّمَتْ بِأَلْفِي أَلْفِ دِينَارٍ، وَكَانَتْ مِنْ مَتَاعِ الْفُرْسِ فَأَعْطَاهَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ إِذَا كَتَبَ لِأَحَدٍ جَائِزَةً بِأَلْفِ دِرْهَمٍ جَعَلَهَا مُصْعَبٌ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقَدْ كَانَ مُصْعَبٌ مِنْ أَجْوَدِ النَّاسِ وَأَكْثَرِهِمْ عَطَاءً، لَا يَسْتَكْثِرُ مَا يُعْطِي وَلَوْ كَانَ مَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ ; فَكَانَتْ عَطَايَاهُ لِلْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ وَالْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ مُتَقَارِبَةً، وَكَانَ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ يُبَخَّلُ. وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مُصْعَبًا غَضِبَ مَرَّةً عَلَى رَجُلٍ فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ، مَا أَقْبَحَ بِمِثْلِي أَنْ يَقُومَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَتَعَلَّقَ بِأَطْرَافِكَ الْحَسَنَةِ، وَبِوَجْهِكَ الَّذِي يُسْتَضَاءُ بِهِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ مُصْعَبًا فِيمَ قَتَلَنِي ؟ فَعَفَا عَنْهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَزَّ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ مَا وَهَبْتَ لِي مِنْ حَيَاتِي فِي عَيْشٍ رَخِيٍّ. فَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ نِصْفَهَا لِابْنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ ; حَيْثُ يَقُولُ فِيكَ: إِنَّ مُصْعَبًا شِهَابٌ مِنَ اللَّهِ     تَجَلَّتْ عَنْ وَجْهِهِ الظَّلْمَاءُ مُلْكُهُ مُلْكُ عِزَّةٍ لَيْسَ فِيهِ     جَبَرُوتٌ مِنْهُ وَلَا كِبْرِيَاءُ يَتَّقِي اللَّهَ فِي الْأُمُورِ وَقَدْ أَفْ     لَحَ مَنْ كَانَ هَمَّهُ الِاتِّقَاءُ وعن عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَلَغَ مُصْعَبًا عَنْ عَرِيفِ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ فَهَمَّ بِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَقَالَ لَهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اسْتَوْصُوا بِالْأَنْصَارِ خَيَّرًا - أَوْ قَالَ: مَعْرُوفًا - اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ فَأَلْقَى مُصْعَبٌ نَفْسَهُ عَنْ سَرِيرِهِ وَأَلْصَقَ خَدَّهُ بِالْبِسَاطِ، وَقَالَ: أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ فَتَرَكَهُ. من كلام مصعب في التواضع وَمِنْ كَلَامِ مُصْعَبٍ فِي التَّوَاضُعِ  أَنَّهُ قَالَ: الْعَجَبُ مِنِ ابْنِ آدَمَ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ، وَقَدْ جَرَى فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ ؟ ! وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْمُبَرِّدُ: سُئِلَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُصْعَبٍ فَقَالَ: كَانَ نَبِيلًا رَئِيسًا نَفِيسًا أَنِيسًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ الْمُخْتَارُ قَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ خَمْسَةَ آلَافٍ وَقِيلَ سَبْعَةَ آلَافٍ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ ابْنُ عُمَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ انْضَرَّ فِي عَيْنَيْهِ فَتَعَرَّفَ لَهُ حَتَّى عَرَفَهُ، قَالَ: أَنْتَ الَّذِي قَتَلَتْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ خَمْسَةَ آلَافٍ مِمَّنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ ؟ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ بَايَعُوا الْمُخْتَارَ، فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مُسْتَكْرَهٌ أَوْ جَاهِلٌ فَيُنْظَرَ حَتَّى يَتُوبَ ؟ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى غَنَمِ الزُّبَيْرِ فَنَحَرَ مِنْهَا خَمْسَةَ آلَافٍ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ أَمَا كَانَ مُسْرِفًا ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: وَهِيَ لَا تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تَعْرِفُهُ كَمَا يَعْرِفُهُ الْآدَمِيُّ وَيَعْبُدُهُ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ مُوَحِّدٌ ؟ ! ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، تَمَتَّعْ مِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الدُّنْيَا مَا اسْتَطَعْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: عِشْ مَا اسْتَطَعْتَ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: مَنْ أَشْجَعُ الْعَرَبِ ؟ قَالُوا: شَبِيبٌ، قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ، فُلَانٌ، فُلَانٌ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّ أَشْجَعَ الْعَرَبِ لَرَجُلٌ جَمْعَ بَيْنَ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، وَعَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، وَأَمَةِ الْحَمِيدِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَأُمُّهُ رَبَابُ بِنْتُ أُنَيْفٍ الْكَلْبِيُّ، سَيِّدُ ضَاحِيَةِ الْعَرَبِ، وَوَلِيُّ الْعِرَاقَيْنِ خَمْسَ سِنِينَ، فَأَصَابَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَأَلْفَ أَلْفٍ، وَأَلْفَ أَلْفٍ، وَأُعْطِيَ الْأَمَانَ، فَأَبَى، وَمَشَى بِسَيْفِهِ حَتَّى مَاتَ، ذَلِكَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، لَا مَنْ قَطَعَ الْجُسُورَ مَرَّةً هَاهُنَا، وَمَرَّةً هَاهُنَا. مقتل مصعب قَالُوا: وَكَانَ مَقْتَلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ النِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا وُضِعَ رَأْسُ مُصْعَبٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: لَقَدْ أَرْدَى الْفَوَارِسَ يَوْمَ عَبْسٍ     غُلَامًا غَيْرَ مَنَّاعِ الْمَتَاعِ وَلَا فَرِحٍ لِخَيْرٍ إِنْ أَتَاهُ     وَلَا هَلِعٍ مِنَ الْحَدَثَانِ لَاعِ وَلَا وَقَّافَةٍ وَالْخَيْلُ تَعْدُو     وَلَا خَالٍ كَأُنْبُوبِ الْيَرَاعِ فَقَالَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ بِرَأْسِهِ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ رَأَيْتُهُ وَالرُّمْحُ فِي يَدِهِ تَارَةً، وَالسَّيْفُ تَارَةً ; يَفْرِي بِهَذَا، وَيَطْعَنُ بِهَذَا، لَرَأَيْتَ رَجُلًا يَمْلَأُ الْقَلْبَ وَالْعَيْنَ شَجَاعَةً وَإِقْدَامًا، وَلَكِنَّهُ لَمَّا تَفَرَّقَتْ رِجَالُهُ، وَكَثُرَ مَنْ قَصَدَهُ وَبَقِيَ وَحْدَهُ مَا زَالَ يُنْشِدُ: وَإِنِّي عَلَى الْمَكْرُوهِ عِنْدَ حُضُورِهِ     أُكَذِّبُ نَفْسِي وَالْجُفُونُ لَهُ تَغُضِي وَمَا ذَاكَ مِنْ ذُلٍّ وَلَكِنْ حَفِيظَةً     أَذُبُّ بِهَا عِنْدَ الْمَكَارِمِ عَنْ عِرْضِي وَإِنِّي لِأَهْلِ الشَّرِّ بِالشَّرِّ مَرْصَدٌ     وَإِنِّي لِذِي سِلْمٍ أَذَلُّ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كَانَ وَاللَّهِ كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَصَدَقَ، وَلَقَدْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَشَدِّهِمْ لِي إِلْفًا وَمَوَدَّةً، وَلَكِنَّ الْمُلْكَ عَقِيمٌ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ ظَبْيَانَ قَتَلَ مُصْعَبًا عِنْدَ دَيْرِ الْجَاثَلِيقِ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دُجَيْلٌ، مِنْ أَرْضِ مَسْكِنَ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ، وَكَانَ ابْنُ ظَبْيَانَ فَاتِكًا رَدِيًّا، وَكَانَ يَقُولُ: لَيْتَنِي قَتَلْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ حِينَ سَجَدَ يَوْمَئِذٍ، فَأَكُونُ قَدْ قَتَلْتُ مَلِكَيِ الْعَرَبِ. قَالَ يَعْقُوبُ: وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ. قُلْتُ: وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ. وَالَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي عُمْرِهِ يَوْمَ قُتِلَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ; أَحَدُهَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالثَّانِي أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَالثَّالِثُ خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. رثاء مصعب وَرَوَى الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، أَنَّ امْرَأَتَهُ سُكَيْنَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ كَانَتْ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ، فَلَمَّا قُتِلَ تَطَلَّبَتْهُ فِي الْقَتْلَى حَتَّى عَرَفَتْهُ بِشَامَةٍ فِي فَخِذِهِ. فَقَالَتْ: نِعْمَ بَعْلُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ كُنْتَ، أَدْرَكَكَ وَاللَّهِ مَا قَالَ عَنْتَرَةُ: وَحَلِيلِ غَانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَدَّلًا     بِالْقَاعِ لَمْ يَعْهَدْ وَلَمْ يَتَثَلَّمِ فَهَتَكْتُ بِالرُّمْحِ الطَّوِيلِ إِهَابَهُ     لَيْسَ الْكَرِيمُ عَلَى الْقَنَا بِمُحَرَّمِ قَالَ الزُّبَيْرُ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ يَرْثِي مُصْعَبًا: لَقَدْ أَوْرَثَ الْمِصْرَيْنِ خِزْيًا وَذِلَّةً     قَتِيلٌ بِدَيْرِ الْجَاثَلِيقِ مُقِيمُ فَمَا نَصَحَتْ لِلَّهِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ     وَلَا صَدَقَتْ يَوْمَ اللِّقَاءِ تَمِيمُ وَلَوْ كَانَ بِكْرِيًّا تَعَطَّفَ حَوْلَهُ     كَتَائِبُ يَغْلِي حَمْيُهَا وَيَدُومُ وَلَكِنَّهُ ضَاعَ الذِّمَامُ وَلَمْ يَكُنْ     بِهَا مُضَرِيٌّ يَوْمَ ذَاكَ كَرِيمُ جَزَى اللَّهُ كُوفِيًّا هُنَاكَ مَلَامَةً     وَبَصْرِيَّهُمْ إِنَّ الْمَلُومَ مَلُومُ وَإِنَّ بَنِي الْعَلَّاتِ أَخْلَوْا ظُهُورَنَا     وَنَحْنُ صَرِيحٌ بَيْنَهُمْ وَصَمِيمُ فَإِنْ نَفْنَ لَا يَبْقَى أُولَئِكَ بَعْدَنَا     لِذِي حُرْمَةٍ فِي الْمُسْلِمِينَ حَرِيمُ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ يَرْثِي مُصْعَبًا أَيْضًا: نَعَتِ السَّحَائِبُ وَالْغَمَامُ بِأَسْرِهَا     جَسَدًا بِمَسْكِنَ عَارِيَ الْأَوْصَالِ تُمْسِي عَوَائِذَهُ السِّبَاعُ وَدَارُهُ     بِمَنَازِلٍ أَطْلَالُهُنَّ بَوَالِي رَحَلَ الرِّفَاقُ وَغَادَرُوهُ ثَاوِيًا     لِلرِّيحِ بَيْنَ صِبًا وَبَيْنَ شَمَالِ وَقَدْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ مُصْعَبٍ الْكَلْبِيُّ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ الْقَصْرَ بِالْكُوفَةِ فَإِذَا رَأَسُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْقَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ فَرَأَيْتُ رَأْسَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيِ الْمُخْتَارِ، وَالْمُخْتَارُ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْقَصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ فَرَأَيْتُ رَأْسَ الْمُخْتَارِ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُصْعَبٌ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْقَصْرَ بَعْدَ حِينٍ فَرَأَيْتُ رَأْسَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى تُرْسٍ بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى السَّرِيرِ، وَقَدْ حَكَاهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ. خُطْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي مَقْتَلِ أَخِيهِ مُصْعَبٍ فَصْلٌ ( خُطْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي مَقْتَلِ أَخِيهِ مُصْعَبٍ   ) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَذَكَرَ أَبُو زَيْدٍ، عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: لَمَّا انْتَهَى إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَتْلُ أَخِيهِ مُصْعَبٍ، قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، أَلَا وَإِنَّهُ لَمْ يُذِلَّ اللَّهُ مَنْ كَانَ الْحَقُّ مَعَهُ، وَإِنْ كَانَ فَرْدًا وَحْدَهُ، وَلَنْ يُفْلِحَ مَنْ كَانَ وَلَيَّهُ الشَّيْطَانُ وَحِزْبُهُ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ الْأَنَامَ طُرًّا، أَلَا وَإِنَّهُ أَتَانَا مِنَ الْعِرَاقِ خَبَرٌ أَحْزَنَنَا وَأَفْرَحَنَا، أَتَانَا قَتْلُ مُصْعَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّذِي أَفْرَحَنَا فَعِلْمُنَا أَنَّ قَتْلَهُ لَهُ شَهَادَةٌ، وَأَمَّا الَّذِي أَحْزَنَنَا فَإِنَّ لِفِرَاقِ الْحَمِيمِ لَوْعَةً يَجِدُهَا حَمِيمُهُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ بِهِ، ثُمَّ يَرْعَوِي مِنْ بَعْدِهَا، وَذُو الرَّأْيِ جَمِيلُ الصَّبْرِ كَرِيمُ الْعَزَاءِ، وَلَئِنْ أُصِبْتُ بِمُصْعَبٍ فَلَقَدْ أُصِبْتُ بِالزُّبَيْرِ قَبْلَهُ، وَمَا أَنَا مِنْ عُثْمَانَ بِخُلُوِّ مُصِيبَةٍ، وَمَا مُصْعَبٌ إِلَّا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ، وَعَوْنٌ مِنْ أَعْوَانِي، أَلَا وَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلُ الْغَدْرِ وَالنِّفَاقِ، أَسْلَمُوهُ وَبَاعُوهُ بِأَقَلِّ الثَّمَنِ، فَإِنْ يُقْتَلْ فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَمُوتُ عَلَى مَضَاجِعِنَا كَمَا تَمُوتُ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ; وَاللَّهِ مَا قُتِلَ رَجُلٌ فِي زَحْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا نَمُوتُ إِلَّا بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ أَوْ تَحْتَ ظِلِّ السُّيُوفِ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا عَارِيَةٌ مِنَ الْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي لَا يَزُولُ سُلْطَانُهُ وَلَا يَبِيدُ مُلْكُهُ، فَإِنْ تُقْبِلِ الدُّنْيَا لَا آخُذْهَا أَخْذَ الْأَشِرِ الْبَطِرِ، وَإِنْ تُدْبِرْ لَا أَبْكِ عَلَيْهَا بُكَاءَ الْحَزِينِ الْمَهِينِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.

  224. التاريخ 2315لا حكم مسجّل

    مبايعة أهل العراق لعبد الملك وتولية بشر بن مروان إمارة الكوفة قَالُوا: وَلَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُصْعَبًا ارْتَحَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَنَزَلَ النُّخَيْلَةَ فَوَفَدَتْ عَلَيْهِ الْوُفُودُ بِهَا مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ وَسَادَاتِ الْعَرَبِ، وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ بِفَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ وَاسْتِشْهَادٍ بِأَشْعَارٍ حَسَنَةٍ، وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَفَرَّقَ الْعِمَالَاتِ فِي النَّاسِ، وَوَلَّى الْكُوفَةَ قَطَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَيْهَا، وَخَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا بِالْكُوفَةِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَوْ كَانَ خَلِيفَةً كَمَا يَزْعُمُ لَخَرَجَ فَآسَى بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَغْرِزْ ذَنْبَهُ فِي الْحَرَمِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ أَخِي بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ وَأَمَرْتُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ، وَبِالشِّدَّةِ عَلَى أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. ولاية خالد بن عبد الله البصرة وَأَمَّا أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَقْتَلُ مُصْعَبٍ تَنَازَعَ فِي إِمَارَتِهَا حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، فَغَلَبَهُ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ عَلَيْهَا فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا فَكَانَ أَشْرَفَ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رِدَاءَ ابْنِ أَبَانٍ مَالَ عَنْ عَاتِقِهِ يَوْمًا، فَابْتَدَرَهُ مَرْوَانُ، وَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ أَيُّهُمَا يُسَوِّيهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَدَّ حُمْرَانُ يَوْمًا رِجْلَهُ فَابْتَدَرَ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَيُّهُمَا يَغْمِزُهَا. قَالَ: فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ وَالِيًا عَلَيْهَا - يَعْنِي عَلَى الْبَصْرَةِ - فَأَخَذَهَا مِنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانٍ وَاسْتَنَابَ فِيهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَزَلَ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ عَنْهَا. قَالُوا: وَقَدْ أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِطَعَامٍ كَثِيرٍ فَعُمِلَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ فَأَكَلُوا مِنْ سِمَاطِهِ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى السَّرِيرِ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَلَذَّ عَيْشَنَا لَوْ أَنَّ شَيْئًا يَدُومُ، وَلَكِنْ نَحْنُ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: وَكُلُّ جَدِيدٍ يَا أُمَيْمَ إِلَى بِلًى وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا يَصِيرُ إِلَى كَانْ فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنَ الطَّعَامِ نَهَضَ فَدَارَ فِي الْقَصْرِ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ عَنْ أَحْوَالِ الْقَصْرِ وَمَنْ بَنَى أَمَاكِنَهُ وَبُيُوتَهُ، فَيُخْبِرُهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَاسْتَلْقَى وَهُوَ يَقُولُ: اعْمَلْ عَلَى مَهَلٍ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ     وَاكَدَحْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانْ فَكَأَنَّ مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُ إِذْ مَضَى     وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَدْ كَانْ رجوع عبد الملك بن مروان إلى الشام قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا رَجَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ - فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ - إِلَى الشَّامِ. عزل ابن الزبير ؓ جابر بن الأسود عن المدينة قَالَ: وَفِيهَا عَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ هُوَ آخِرَ أُمَرَائِهِ عَلَيْهَا، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهَا طَارِقُ بْنُ عَمْرٍو مَوْلَى عُثْمَانَ، مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. من حج بالناس في هذه السنة وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْعِرَاقِ. فتح قرطاجنة قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا عَقَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ نَائِبُ مِصْرَ لِحَسَّانَ الْغَسَّانِيِّ عَلَى غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَافْتَتَحَ قَرْطَاجَنَّةَ وَكَانَ أَهْلُهَا رُومًا عُبَّادَ أَصْنَامٍ. قتل نجدة الحروري وَفِيهَا قُتِلَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ الَّذِي تَغَلَّبَ عَلَى الْيَمَامَةَ، وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرٍ فِي الْيَمَامَةِ. ذِكْرُ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَزُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ   قَدْ ذَكَرْنَا فِي وَقْعَةِ رَاهِطٍ مَسِيرَ زُفَرَ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَاجْتِمَاعَ قَيْسٍ عَلَيْهِ، وَالسَّبَبَ فِي اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا وَمَا كَانَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَفِي طَاعَتِهِ. فَلَمَّا مَاتَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَوَلِيَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى زُفَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمِيتٍ الطَّائِيُّ، فَوَاقَعَ عَبْدُ اللَّهِ زُفَرَ قَبْلَ وُصُولِ أَبَانَ، وَكَثُرَ فِي أَصْحَابِهِ الْقَتْلُ، قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَلَامَهُ أَبَانُ عَلَى عَجَلَتِهِ، وَأَقْبَلَ أَبَانُ فَوَاقَعَ زُفَرَ، فَقُتِلَ ابْنُهُ وَكِيعُ بْنُ زُفَرَ، وَأَدْرَكَتْ طَيِّءٌ ثَقَلَ زُفَرَ وَنِسَاءِهِ، فَاسْتَوْهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ النِّسَاءَ وَأَلْحَقَهُنَّ بِزُفَرَ بِقَرْقِيسِيَا، فَقَالَ زُفَرُ: عَلِقْنَ بِحَبْلٍ مِنْ حُصَيْنٍ لَوَ انَّهُ     تَغَيَّبَ حَالَتْ دُونَهُنَّ الْمَصَائِرُ أَبُوكُمْ أَبُونَا فِي الْقَدِيمِ وَإِنَّنِي     لِغَابِرُكُمْ فِي آخِرِ الدَّهْرِ شَاكِرُ وَكَانَ يُقَالُ لِزُفَرَ إِنَّهُ مِنْ كِنْدَةَ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى مُصْعَبٍ سَارَ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَحَصَرَ زُفَرَ فِيهَا وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، فَأَمَرَ زُفَرُ أَنْ يُنَادِيَ [ فِي ] عَسْكَرِ عَبْدِ الْمَلِكِ: لِمَ نَصَبْتُمْ عَلَيْنَا الْمَجَانِيقَ ؟ قَالَ: لِنَثْلِمَ ثُلْمَةً نُقَاتِلُكُمْ عَلَيْهَا. فَقَالَ زُفَرُ: قُولُوا لَهُمْ: فَإِنَّا لَا نُقَاتِلُكُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحِيطَانِ، وَلَكِنَّا نَخْرُجُ إِلَيْكُمْ. وَثَلَمَتِ الْمَنْجَنِيقُ مِنَ الْمَدِينَةِ بُرْجًا مِمَّا يَلِي حُرَيْثَ بْنَ بَحْدَلٍ، فَقَالَ زُفَرُ: لَقَدْ تَرَكَتْنِي مَنْجَنِيقُ ابْنِ بَحْدَلٍ     أَحِيدُ عَنِ الْعُصْفُورِ حِينَ يَطِيرُ وَكَانَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مُجِدًّا فِي قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ زُفَرَ مِنْ بَنِي كَلَابٍ: لَأَقُولَنَّ لِخَالِدٍ كَلَامًا لَا يَعُودُ إِلَى مَا يَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ خَالِدٌ لِلْمُحَارَبَةِ، فَقَالَ لَهُ الْكَلَابِيُّ: مَاذَا ابْتِغَاءُ خَالِدٍ وَهَمُّهْ إِذْ سَلَبَ الْمُلْكَ وَنِيكَتُ امُّهْ فَاسْتَحْيَا وَعَادَ وَلَمْ يَرْجِعْ يُقَاتِلُهُمْ. وَقَالَتْ كَلْبٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: إِنَّا إِذَا لَقِيَنَا زُفَرَ انْهَزَمَتِ الْقَيْسِيَّةُ الَّذِينَ مَعَكَ، فَلَا تَخْلِطْهُمْ مَعَنَا. فَفَعَلَ، فَكَتَبَتِ الْقَيْسِيَّةُ عَلَى نَبْلِهَا: إِنَّهُ لَيْسَ يُقَاتِلُكُمْ غَدًا مُضَرِيٌّ، وَرَمَوُا النَّبْلَ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ زُفَرُ دَعَا ابْنَهُ الْهُذَيْلَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَقِيلَ: [ كَانَ ] يُكَنَّى أَبَا الْكَوْثَرِ، فَقَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَشُدَّ عَلَيْهِمْ شَدَّةً لَا تَرْجِعْ حَتَّى تَضْرِبَ فُسْطَاطَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْتَ دُونَ أَنْ تَطَأَ أَطْنَابَ فُسْطَاطِهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَجَمَعَ الْهُذَيْلُ خَيْلَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَبَرُوا قَلِيلًا ثُمَّ انْكَشَفُوا، وَتَبِعَهُمُ الْهُذَيْلُ بِخَيْلِهِ حَتَّى وَطِئُوا أَطْنَابَ الْفُسْطَاطِ وَقَطَعُوا بَعْضَهَا ثُمَّ رَجَعُوا، فَقَبَّلَ زُفَرُ رَأَسَ الْهُذَيْلِ وَقَالَ: لَا يَزَالُ عَبْدُ الْمَلِكِ يُحِبُّكَ بَعْدَهَا أَبَدًا. فَقَالَ الْهُذَيْلُ: وَاللَّهِ لَوْ شِئْتَ أَنْ أَدْخُلَ الْفُسْطَاطَ لَفَعَلْتُ. فَقَالَ زُفَرُ: أَلَا لَا أُبَالِي مَنْ أَتَاهُ حِمَامُهُ     إِذَا مَا الْمَنَايَا عَنْ هُذَيْلٍ تَجَلَّتِ تَرَاهُ أَمَامَ الْخَيْلِ أَوَّلَ فَارِسٍ     وَيَضْرِبُ فِي أَعْجَازِهَا إِنْ تَوَلَّتِ وَلَمَّا ثُلِمَ بُرْجُ قَرْقِيسِيَا قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بَعْضُ أَهْلِهِ: لَوْ قَاتَلْتَهُمْ بِقُضَاعَةَ لَمَلَكْتَهُمْ. فَفَعَلَ وَقَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ انْكَشَفَتْ قُضَاعَةُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَأَقْبَلَ رُوحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ إِلَى بُرْجٍ مِنْهَا، فَسَأَلَ أَهْلَهُ وَقَالَ: نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ كَمْ قَتَلْنَا مِنْكُمْ ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَمْ يُقْتَلْ مِنَّا أَحَدٌ، وَلَمْ يُجْرَحْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالُوا: نَشَدْنَاكَ اللَّهَ كَمْ قُتِلَ مِنْكُمْ ؟ قَالَ: عِدَّةُ فُرْسَانٍ، وَجَرَحْتُمْ مَا لَا يُحْصَى، فَلَعَنَ اللَّهُ ابْنَ بَحْدَلٍ ! وَرَجَعَ رَوْحٌ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ بَحْدَلٍ يُمَنِّيكَ الْبَاطِلَ، فَأَعْرِضْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ الذَّيَّالُ يَخْرُجُ فَيَسُبُّ زُفَرَ فَيُكْثِرُ، فَقَالَ زُفَرُ لِلْهُذَيْلِ ابْنِهِ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَمَا تَكْفِينِي هَذَا ؟ قَالَ: أَنَا أَجِيئُكَ بِهِ. فَدَخَلَ عَسْكَرَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَيْلًا فَجَعَلَ يُنَادَى: مَنْ يَعْرِفُ بَغْلًا مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا ؟ حَتَّى انْتَهَى إِلَى خِبَاءِ الرَّجُلِ وَقَدْ عَرَفَهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ ضَالَّتَكَ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ عَيِيتُ فَلَوْ أَذِنْتَ لِي فَاسْتَرَحْتُ قَلِيلًا. قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ فِي خِبَائِهِ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ وَنَامَ صَاحِبُ الْخِبَاءِ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَكَلَّمْتَ لَأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ: قُتِلْتُ أَوْ سَلِمْتُ فَمَاذَا يَنْفَعُكَ قَتْلِي ؟ ( قَالَ: لَئِنْ ) سَكَتَّ وَجِئْتَ مَعِي إِلَى زُفَرَ، فَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ أَرُدَّكَ إِلَى عَسْكَرِكَ بَعْدَ أَنْ يَصِلَكَ زُفَرُ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِ. فَخَرَجَا وَهُوَ يُنَادِي: مَنْ دَلَّ عَلَى بَغْلٍ مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا ؟ حَتَّى أَتَى زُفَرَ وَالرَّجُلُ مَعَهُ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ آمَنَهُ، فَوَهَبَ لَهُ زُفَرُ دَنَانِيرَ، وَحَمَلَهُ عَلَى رِحَالَةِ النِّسَاءِ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَهُنَّ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا حَتَّى دَنَوْا مِنْ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَنَادَوْا: هَذِهِ جَارِيَةٌ قَدْ بَعَثَ بِهَا زُفَرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. وَانْصَرَفُوا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عَرَفُوهُ، وَأَخْبَرُوا عَبْدَ الْمَلِكِ الْخَبَرَ، فَضَحِكَ وَقَالَ: لَا يُبْعِدُ اللَّهُ رَجُلًا نُصِرَ، وَاللَّهِ إِنَّ قَتْلَهُمْ لَذُلٌّ، وَإِنَّ تَرْكَهُمْ لَحَسْرَةٌ. وَكَفَّ الرَّجُلُ فَلَمْ يَعُدْ يَسُبُّ زُفَرَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنَ الْعَسْكَرِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَمَرَ أَخَاهُ مُحَمَّدًا أَنْ يَعْرِضَ عَلَى زُفَرَ وَابْنِهِ الْهُذَيْلِ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَمَنْ مَعَهُمَا وَمَالِهِمْ، وَأَنْ يُعْطَيَا مَا أَحَبَّا. فَفَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ، فَأَجَابَ الْهُذَيْلُ وَكَلَّمَ أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ: لَوْ صَالَحْتَ هَذَا الرَّجُلَ فَقَدْ أَطَاعَهُ النَّاسُ، وَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَأَجَابَ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي بَيْعَتِهِ سَنَةً، وَأَنْ يَنْزِلَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَا يُعِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَبَيْنَا الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمَا إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ، فَقَالَ: قَدْ هُدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَبْرَاجٍ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا أُصَالِحُهُمْ. وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ، فَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَهُمْ. فَقَالَ: أَعْطُوهُمْ مَا أَرَادُوا. فَقَالَ زُفَرُ: لَوْ كَانَ قَبْلَ هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ. وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَلَى أَمَانِ الْجَمِيعِ، وَوَضْعِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَنْ لَا يُبَايِعَ عَبْدَ الْمَلِكِ حَتَّى يَمُوتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِلْبَيْعَةِ لَهُ فِي عُنُقِهِ، وَأَنْ يُعْطَى مَالًا يُقَسِّمُهُ فِي أَصْحَابِهِ. وَخَافَ زُفَرُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ كَمَا غَدَرَ بِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِقَضِيبِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَانًا لَهُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ ابْنُ عِضَاةَ الْأَشْعَرِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْهُ. فَقَالَ زُفَرُ: كَذَبْتَ هُنَاكَ، إِنِّي عَادَيْتُ فَضَرَرْتُ، وَوَالَيْتُ فَنَفَعْتُ. وَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ قِلَّةَ مَنْ مَعَ زُفَرَ قَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقِلَّةِ لَحَاصَرْتُهُ أَبَدًا حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِي. فَبَلَغَ قَوْلُهُ زُفَرَ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ رَجَعْنَا وَرَجَعْتَ. فَقَالَ: بَلْ نَفِي لَكَ يَا أَبَا الْهُذَيْلِ. وَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا: بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنْ كِنْدَةَ. فَقَالَ: وَمَا خَيْرُ مَنْ لَا يَبْغِي حَسَدًا، وَلَا يَدَّعِي رَغْبَةً ! وَتَزَوَّجَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرَّبَابَ بِنْتَ زُفَرَ، فَكَانَ يُؤْذَنُ لِأَخَوَيْهَا الْهُذَيْلِ وَالْكَوْثَرِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. وَأَمَرَ زُفَرُ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ أَنْ يَسِيرَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى قِتَالِ مُصْعَبٍ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَا عَهْدَ عَلَيْكَ. فَسَارَ مَعَهُ، فَلَمَّا قَارَبَ مُصْعَبًا هَرَبَ إِلَيْهِ، وَقَاتَلَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ اخْتَفَى الْهُذَيْلُ بِالْكُوفَةِ حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَآمَنَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.

  225. التاريخ 2316لا حكم مسجّل

    إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْأَشْتَرِ   وَاسْمُ الْأَشْتَرِ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ النَّخَعِيُّ، كَانَ أَبُوهُ الْأَشْتَرَ مِنْ كِبَارِ أُمَرَاءِ عَلِيٍّ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلِيٌّ عَلَى خُرَاسَانَ وَهُوَ مِمَّنْ قَامَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَتَلَهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ هَذَا مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمَعْرُوفِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَلَهُ شَرَفٌ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ صَارَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقُتِلَ مَعَهُ هَذِهِ السَّنَةَ كَمَا ذَكَرْنَا. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى الْخُزَاعِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى الْخُزَاعِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلِيٌّ عَلَى خُرَاسَانَ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَوَلِيَهَا مَرَّةً. تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيُّ الصُّنَابِحِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُسَيْلَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيُّ الصُّنَابِحِيُّ   كَانَ مِنَ الصُّلَحَاءِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَكَانَ عَالِمًا فَاضِلًا تُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ. عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ   رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ، وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ عِنْدَ أُمِّهِ ; أُمِّ سَلَمَةَ. وَلَهُ رِوَايَاتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؓ. سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ  ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ عَبْدًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَأَعْتَقَتْهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: أَنَا لَا أَزَالُ أَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، لَوْ لَمْ تُعْتِقِينِي مَا عِشْتُ. وَقَدْ كَانَ سَفِينَةُ بِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلِيفًا، وَبِهِمْ خَلِيطًا، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ سَفِينَةَ سُئِلَ عَنِ اسْمِهِ لِمَ سُمِّيَ سَفِينَةَ ؟ قَالَ: سِمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَفِينَةَ، خَرَجَ مَرَّةً وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَتَاعُهُمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْسُطْ كِسَاءَكَ فَبَسَطْتُهُ فَجَعْلَ فِيهِ مَتَاعَهُمْ ثُمَّ قَالَ لِي: احْمِلْ، مَا أَنْتَ إِلَّا سَفِينَةٌ. قَالَ: فَلَوْ حَمَلْتُ يَوْمَئِذٍ وِقْرَ بَعِيرٍ أَوْ بَعِيرَيْنِ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ سِتَّةٍ مَا ثَقُلَ عَلَيَّ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ سَفِينَةَ قَالَ: رَكِبْتُ مَرَّةً سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، فَانْكَسَرَتْ بِنَا فَرَكِبْتُ لَوْحًا مِنْهَا فَطَرَحَنِي الْبَحْرُ إِلَى غَيْضَةٍ فِيهَا الْأَسَدُ، فَجَاءَنِي فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْحَارِثِ، أَنَا سَفِينَةُ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ، وَجَعَلَ يَدْفَعُنِي بِجَنْبِهِ أَوْ بِكَفِّهِ، حَتَّى وَضَعَنِي عَلَى الطَّرِيقِ، ثُمَّ هَمْهَمَ هَمْهَمَةً فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَدِّعُنِي. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ بَيْتَ فَاطِمَةَ فَرَأَى فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ قِرَامًا مَضْرُوبًا، فَرَجَعَ وَلَمْ يَدْخُلْ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا الَّذِي رَدَّهُ ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَيْسَ لِي وَلَا لِنَبِيٍّ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوِّقًا عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَعْرَجُ عَمْرُو بْنُ أَخْطَبَ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَعْرَجُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَمَسَحَ رَأَسَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ، فَبَلَغَ مِائَةَ سَنَةٍ وَلَمْ يَبْيَضَّ شَعْرُهُ. تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ. غُضَيْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زُنَيْمٍ السَّكُونِيُّ غُضَيْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زُنَيْمٍ السَّكُونِيُّ   مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ، لَهُ رِوَايَاتٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، قِيلَ: هُوَ مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الشَّامِ، سَكَنَ حِمْصَ، وَكَانَ يَتَوَلَّى صَلَاةَ الْجُمْعَةِ نِيَابَةً عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ. يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ السَّكُونِيُّ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ السَّكُونِيُّ   كَانَ عَابِدًا زَاهِدًا صَالِحًا، سَكَنَ الشَّامَ بِقَرْيَةِ زِبْدِينَ، وَقِيلَ: بِقَرْيَةِ جِسْرِينِ، وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ دَاخِلَ بَابٍ شَرْقِيٍّ، وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِي صُحْبَتِهِ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يَسْتَسْقُونَ بِهِ إِذَا قَحَطُوا، وَقَدِ اسْتَسْقَى بِهِ مُعَاوِيَةُ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ قَالَ مُعَاوِيَةُ: " قُمْ يَزِيدُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِخِيَارِنَا وَصُلَحَائِنَا "، فَيَسْتَسْقِي اللَّهَ فَيُسْقَوْنَ. وَكَانَ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ فِي الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الْقَرْيَةِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ بِالْجَامِعِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ يُضِيءُ لَهُ إِبْهَامُ قَدَمِهِ - وَقِيلَ: أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ كُلُّهَا - حَتَّى يَدْخُلَ الْجَامِعَ، فَإِذَا رَجَعَ أَضَاءَتْ لَهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْقَرْيَةَ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمْ يَدَعْ شَجَرَةً فِي قَرْيَةِ زِبْدِينَ إِلَّا صَلَّى عِنْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يَمْشِي فِي ضَوْءِ إِبْهَامِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ ذَاهِبًا إِلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِالْجَامِعِ بِدِمَشْقَ، وَآيِبًا إِلَى قَرْيَتِهِ، وَكَانَ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ بِالْجَامِعِ بِدِمَشْقَ لَا تَفُوتُهُ بِهِ صَلَاةٌ. مَاتَ بِقَرْيَةِ زِبْدِينَ أَوْ جِسْرَيْنِ مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ رَحِمَهُ اللَّهُ. عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ، أَبُو عِيَاضٍ، الْعَنْسِيُّ الْحِمْصِيُّ، مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ بِالشَّامِ، صَاحِبُ زُهْدٍ وَعِبَادَةٍ وَاجْتِهَادٍ، قَلِيلُ التَّشَيُّعِ، تُوُفِّيَ بِحِمْصَ. حَيَّانُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ حَيَّانُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ أَخُو مِنْدَلٍ  . حَدَّثَ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، رَوَى عَنْهُ حَجَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَكَانَ صَالِحًا دَيِّنًا فَقِيهًا. قَالَ يَحْيَى: هُوَ صَدُوقٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يُضَعِّفُهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ الَّتِي تَلِيهَا. سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ  . رَوَى [عَنْهُ] سُفْيَانُ وَوَكِيعٌ. عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ لَا يَكَادُ تَجِفُّ لَهُ دَمْعَةٌ، إِنَّمَا دُمُوعُهُ جَارِيَةٌ دَهْرَهُ، إِنْ صَلَّى فَهُوَ يَبْكِي، وَإِنْ جَلَسَ فَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَهُوَ يَبْكِي. قَالَ سُفْيَانُ: فَحَدَّثُونِي أَنَّ رَجُلًا عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ تَعْذِلَنِي وَتُعَاتِبَنِي عَلَى التَّقْصِيرِ وَالتَّفْرِيطِ، وَأَنَّهُمَا قَدِ اسْتَوْلَيَا عَلَيَّ. عَنْ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ حَسَنٍ قَالَ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: جَلَسْتُ ذَاتَ يَوْمٍ أُحَدِّثُ وَمَعَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ الطَّائِفِيُّ، فَجَعَلَ سَعِيدٌ يَبْكِي حَتَّى رَحِمْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا سَعِيدُ، مَا يُبْكِيكَ وَأَنْتَ تَسْمَعُنِي أَذْكُرُ أَهْلَ الْخَيْرِ وَفِعَالَهُمْ، قَالَ: يَا سُفْيَانُ، وَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْبُكَاءِ، وَإِذَا ذَكَرْتَ مَنَاقِبَ أَهْلِ الْخَيْرِ كُنْتُ مِنْهُمْ بِمَعْزِلٍ، قَالَ: يَقُولُ سُفْيَانُ: وَحُقَّ لَهُ أَنْ يَبْكِيَ. تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُمَرُ بْنُ مَيْمُونِ بْنِ الرَّمَّاحِ عُمَرُ بْنُ مَيْمُونِ بْنِ الرَّمَّاحِ، أَبُو عَلِيٍّ  . قَاضِي بَلْخَ، تَوَلَّى الْقَضَاءَ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مَحْمُودًا فِي وِلَايَتِهِ، مَذْكُورًا بِالْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالصَّلَاحِ وَالْفَهْمِ، حَدَّثَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكِ، رَوَى عَنْهُ: سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَكَانَ ثِقَةً، وَعَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَتُوُفِّيَ بِبَلْخَ فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. عِيسَى بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ دَابٍ عِيسَى بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَكْرِ بْنِ دَابٍ، أَبُو الْوَلِيدِ  . أَحَدُ بَنِي اللَّيْثِ بْنِ بَكْرٍ الْمَدِينِيِّ، قَدِمَ بَغْدَادَ وَأَقَامَ بِهَا، وَحَدَّثَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَكَانَ رَاوِيَةً عَنِ الْعَرَبِ، وَافِرَ الْأَدَبِ، عَالِمًا بِالنَّسَبِ، حَافِظًا لِلسِّيَرِ، عَارِفًا بِأَيَّامِ النَّاسِ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَدَحُوا فِيهِ، فَقَالُوا: يَزِيدُ فِي الْأَحَادِيثِ مَا لَيْسَ فِيهَا، وَنَسَبَهُ خَلْفٌ الْأَحْمَرُ إِلَى الْكَذِبِ، وَوَضْعِ الْحَدِيثِ. قَالَ: أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَرَفَةَ قَالَ: لَمْ يَتَوَلَّ الْخِلَافَةَ قَبْلَ الْهَادِي بِسِنِّهِ أَحَدٌ، لِأَنَّهُ كَانَ حَدَثًا وَكَانَ يُحِبُّ الْأَدَبَ وَأَهْلَهُ وَيُعْطِي عَلَيْهِ. وَكَانَ عِيسَى بْنُ دَابٍ يُجَالِسُهُ، وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْحِجَازِ أَدَبًا، وَأَعْذَبَهُمْ أَلْفَاظًا، وَكَانَ قَدْ حَظِيَ عِنْدَ الْهَادِي، وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: مَا اسْتَطَلْتُ بِكَ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً قَطُّ، وَلَا غِبْتَ عَنْ عَيْنِي إِلَّا تَمَنَّيْتُ أَلَّا أَرَى غَيْرَكَ. وَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ابْنُ دَابٍ، وَجَّهَ قَهْرَمَانَهُ فَطَالَبَ بِالْمَالِ، فَلَقِيَ الْحَاجِبَ فَأَبْلَغَهُ رِسَالَتَهُ [فَأَعْلَمَهُ] أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْقِيعٍ، فَأَمْسَكَ ابْنُ دَابٍ، فَبَيْنَا الْهَادِي فِي مُسْتَشْرَفٍ لَهُ نَظَرَ إِلَى ابْنِ دَابٍ قَدْ أَقْبَلَ وَلَيْسَ مَعَهُ غُلَامٌ، فَقَالَ لِإِبْرَاهِيمَ الْحُدَّانِيِّ: أَمَا تَرَى ابْنَ دَابٍ، مَا غَيَّرَ حَالَهُ؟ وَلَا تَزَيَّى لَنَا، وَقَدْ بَرَزْنَاهُ بِالْأَمْسِ لِنَرَى أَثَرَنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: إِنْ أَمَرَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَرَّضْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا، قَالَ: لَا هُوَ أَعْلَمُ بِأَمْرِهِ. وَدَخَلَ ابْنُ دَابٍ، فَأَخَذَ فِي حَدِيثِهِ إِلَى أَنْ عَرَضَ لَهُ الْهَادِي شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: أَرَى ثَوْبَكَ غَسِيلًا، وَهَذَا شِتَاءٌ يَحْتَاجُ إِلَى لُبْسِ الْجَدِيدِ وَاللَّيِّنِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَاعِي قَصِيرٌ عَمَّا أَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: كَيْفَ ذَاكَ وَقَدْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ مِنْ بِرِّنَا مَا فِيهِ صَلَاحُ شَأْنِكَ؟ قَالَ: مَا وَصَلَ إِلَيَّ، فَدَعَا بِصَاحِبِ بَيْتِ مَالِ الْخَاصَّةِ، فَقَالَ: عَجِّلِ السَّاعَةَ لَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَحُمِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْلَى الضَّبِّيُّ الْمُفَضَّلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْلَى الضَّبِّيُّ  . سَمِعَ سِمَاكَ بْنَ حَرْبٍ، وَأَبَا إِسْحَاقَ السَّبِيعِيَّ، وَالْأَعْمَشَ وَغَيْرَهُمْ. وَرَوَى الْقِرَاءَاتِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، رَوَى عَنْهُ: الْكِسَائِيُّ، وَالْفَرَّاءُ، وَغَيْرُهُمَا، وَكَانَ رَاوِيَةً لِلْآدَابِ وَأَيَّامِ الْأَعْرَابِ، عَلَّامَةً مُوَثِّقًا فِي رِوَايَتِهِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرِيِّ: قَالَ لَنَا جَحْظَةُ: قَالَ الرَّشِيدُ لِلْمُفَضَّلِ الضَّبِّيِّ: مَا أَحْسَنَ مَا قِيلَ فِي الذِّئْبِ وَلَكَ هَذَا الْخَاتَمُ الَّذِي فِي يَدِي وَشِرَاؤُهُ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ دِينَارٍ؟ فَقَالَ: قَوْلُ الشَّاعِرِ: يَنَامُ بِإِحْدَى مُقْلَتَيْهِ وَيَتَّقِي بِأُخْرَى الْمَنَايَا فَهُوَ يَقْظَانُ هَاجِعُ فَقَالَ: مَا أُلْقِيَ هَذَا عَلَى لِسَانِكَ إِلَّا لِذَهَابِ الْخَاتَمِ. وَرَمَاهُ إِلَيْهِ، فَاشْتَرَتْهُ أُمُّ جَعْفَرٍ بِأَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ دِينَارٍ وَبَعَثَتْ بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ: قَدْ كُنْتُ أَرَاكَ تُعْجَبُ بِهِ فَالْتَقَطَهُ الضَّبِّيُّ وَقَالَ: خُذْهُ وَخُذِ الدَّنَانِيرَ، فَمَا كُنَّا نَهَبُ شَيْئًا فَنَرْجِعُ فِيهِ. أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَرْبِيُّ الزَّاهِدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَرْبِيُّ الزَّاهِدُ  . قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَجَالَسُ فِي الْجُمُعَةِ فَأَتَى رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ مُلْتَحِفٌ بِهِ، فَجَلَسَ إِلَيْنَا، فَأَلْقَى مَسْأَلَةً، فَمَا زِلْنَا نَتَكَلَّمُ فِي الْفِقْهِ حَتَّى انْصَرَفْنَا، ثُمَّ جَاءَنَا فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ، فَأَجَبْنَاهُ وَسَأَلْنَاهُ عَنْ مَنْزِلِهِ، قَالَ: أَنْزِلُ الْخَرِيبَةَ، فَسَأَلْنَا عَنْ كُنْيَتِهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: فَرَغِبْنَا فِي مُجَالَسَتِهِ وَرَأَيْنَا مَجْلِسَنَا مَجْلِسَ فِقْهٍ، فَمَكَثْنَا بِذَلِكَ زَمَانًا، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنَّا، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ، مَا حَالُنَا وَقَدْ كَانَ مَجْلِسُنَا عَامِرًا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَقَدْ صَارَ يُوحِشُنَا فَوَعَدَ بَعْضُنَا بَعْضًا إِذَا أَصْبَحْنَا أَنْ نَأْتِيَ الْخَرِيبَةَ فَنَسْأَلَ عَنْهُ، فَأَتَيْنَاهُ الْخَرِيبَةَ وَكُنَّا عَدَدًا، فَجَعَلْنَا نَسْتَحِي أَنْ نَسْأَلَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَنَظَرْنَا إِلَى صِبْيَانٍ قَدِ انْصَرَفُوا مِنَ الْكُتَّابِ فَقُلْنَا: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَعَلَّهُمْ يَعْنُونَ الصَّيَّادَ، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالُوا: هَذَا وَقْتُهُ الْآنَ يَجِيءُ، فَقَعَدْنَا نَنْتَظِرُهُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ مُؤْتَزِرًا بِخِرْقَةٍ، عَلَى كَتِفِهِ خِرْقَةٌ وَمَعَهُ أَطْيَارٌ مُذَبَّحَةٌ وَأَطْيَارٌ أَحْيَاءٌ، فَلَمَّا رَآنَا تَبَسَّمَ إِلَيْنَا وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ فَقُلْنَا: فَقَدْنَاكَ، وَقَدْ كُنْتَ عَمَّرْتَ مَجْلِسَنَا، فَمَا غَيَّبَكَ عَنَّا؟ قَالَ: أَصْدُقُكُمْ، كَانَ لَنَا جَارٌ كُنْتُ أَسْتَعِيرُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ ذَلِكَ الثَّوْبَ الَّذِي كُنْتُ آتِيكُمْ فِيهِ، وَكَانَ غَرِيبًا، فَخَرَجَ إِلَى وَطَنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِي ثَوْبٌ آتِيكُمْ فِيهِ، هَلْ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْمَنْزِلَ فَتَأْكُلُوا مِمَّا رَزَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا مَنْزِلَهُ، فَجَاءَ إِلَى الْبَابِ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى قَلِيلًا ثُمَّ دَخَلَ، فَأَذِنَ لَنَا فَدَخَلْنَا، فَإِذَا هُوَ قَدْ أَتَى بِقِطَعٍ مِنَ الْبَوَارِي فَبَسَطَهَا لَنَا فَقَعَدْنَا، فَدَخَلَ إِلَى الْمَرْأَةِ، فَسَلَّمَ إِلَيْهَا الْأَطْيَارَ الْمُذَبَّحَةَ، وَأَخَذَ الْأَطْيَارَ الْأَحْيَاءَ ثُمَّ قَالَ: أَنَا آتِيكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَنْ قَرِيبٍ، فَأَتَى السُّوقَ فَبَاعَهَا وَاشْتَرَى لَنَا خُبْزًا، فَجَاءَ وَقَدْ صَنَعَتِ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ الطَّيْرَ وَهَيَّئَتْهُ، فَقَدَّمَ إِلَيْنَا خُبْزًا وَلَحْمَ الطَّيْرِ، فَأَكَلْنَا، فَجَعَلَ يَقُومُ فَيَأْتِينَا بِالْمِلْحِ وَالْمَاءِ، فَكُلَّمَا قَامَ قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: رَأَيْتُمْ مِثْلَ هَذَا؟ أَلَا تُغَيِّرُونَ وَأَنْتُمْ سَادَةُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ؟! فَقَالَ أَحَدُهُمْ: عَلَيَّ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ الْآخَرُ: عَلَيَّ ثَلَاثُمِائَةٍ، وَقَالَ هَذَا وَقَالَ هَذَا، ضَمِنَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَبَلَغَ الَّذِي جُمِعَ لَهُ فِي الْحِسَابِ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالُوا: قُومُوا بِنَا نَذْهَبُ فَنَأْتِيهِ بِهَذَا الْمَالِ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُغَيِّرَ مَا هُوَ فِيهِ، فَقُمْنَا فَانْصَرَفْنَا عَلَى حَالِنَا رُكْبَانًا، فَمَرَرْنَا بِالْمِرْبَدِ، وَإِذَا بِمُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَمِيرِ الْبَصْرَةِ قَاعِدٌ فِي مَنْظَرَةٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا غُلَامُ، آتِينِي بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ شَبِيبِ بْنِ شَيْبَةَ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، فَجِئْتُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْ قِصَّتِنَا وَمِنْ أَيْنَ أَقْبَلْنَا، فَصَدَقْتُهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: أَنَا أَسْبِقُكُمْ إِلَى بِرِّهِ، يَا غُلَامُ، آتِينِي بِبَدْرَةِ دَرَاهِمَ، فَجَاءَ فَقَالَ: احْمِلْ هَذِهِ الْبَدْرَةَ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ حَتَّى يَدْفَعَهَا إِلَى مَنْ أَمَرْنَاهُ، فَفَرِحْتُ، ثُمَّ قُمْتُ مُسْرِعًا، فَلَمَّا أَتَيْتُ الْبَابَ سَلَّمْتُ فَأَجَابَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى الْفِرَاشَ وَالْبَدْرَةَ عَلَى عُنُقِهِ كَأَنِّي سَفَيْتُ فِي وَجْهِهِ الرَّمَادَ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَقَالَ: مَا لِي وَلَكَ، تُرِيدُ أَنْ تَفْتِنَنِي؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اقْعُدْ حَتَّى أُخْبِرَكَ، إِنَّهُ مِنَ الْقِصَّةِ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ الَّذِي تَعْلَمُ أَحَدُ الْجَبَّارِينَ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ - وَلَوْ كَانَ أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَهَا حَيْثُ أَرَى لَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ إِنِّي قَدْ وَضَعْتُهَا، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَازْدَادَ عَلَيَّ غَيْظًا، وَقَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَصَفَقَ الْبَابَ فِي وَجْهِي فَجَعَلْتُ أُقَدِّمُ وَأُؤَخِّرُ، مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِلْأَمِيرِ، ثُمَّ لَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنَ الصِّدْقِ، فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: حَرُورِيٌّ وَاللَّهِ يَا غُلَامُ، عَلَيَّ بِالسَّيْفِ، فَجَاءَ بِالسَّيْفِ فَقَالَ: خُذْ بِيَدِ هَذَا حَتَّى يَذْهَبَ بِكَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَيْكَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَآتِينِي بِرَأْسِهِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، اللَّهَ اللَّهَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَا رَجُلًا مَا هُوَ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَلَكِنِّي أَذْهَبُ فَآتِيكَ بِهِ، وَمَا أُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا افْتِدَاءً مِنْهُ، قَالَ: فَضَمَّنِّيهِ، فَمَضَيْتُ حَتَّى أَتَيْتُ الْبَابَ فَسَلَّمْتُ، فَإِذَا الْمَرْأَةُ تَحِنُّ وَتَبْكِي، ثُمَّ فَتَحَتِ الْبَابَ وَتَوَارَتْ وَأَذِنَتْ فَدَخَلْتُ، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكُمْ وَشَأْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ؟ قُلْتُ: وَمَا حَالُهُ؟ قَالَتْ: دَخَلَ فَمَالَ إِلَى الرَّكِيِّ فَنَزَعَ مِنْهَا مَاءً فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ وَلَا تَفْتِنِّي. ثُمَّ تَمَدَّدَ وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ، فَلَحِقْتُهُ وَقَدْ قَضَى، فَهُوَ ذَاكَ مَيِّتٌ، فَقُلْتُ: يَا هَذِهِ، إِنَّ لَنَا قِصَّةً عَجِيبَةً، فَلَا تُحَدِّثُوا فِيهِ شَيْئًا، فَجِئْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: أَنَا أَرْكَبُ فَأُصَلِّي عَلَى هَذَا، قَالَ: وَشَاعَ خَبَرُهُ بِالْبَصْرَةِ، فَشَهِدَهُ الْأَمِيرُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

  226. التاريخ 2317لا حكم مسجّل

    بعض أحداث تلك السنة ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَبَيْنَ الْأَزَارِقَةِ مِنَ الْخَوَارِجِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: سُولَافُ  ، مَكَثُوا نَحْوًا مِنْ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَاقِفِينَ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ بَسْطُهَا، وَقَدِ اسْتَقْصَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ، وَقُتِلَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَبَايَعَ النَّاسُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَأَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى الْأَهْوَازَ وَمَا مَعَهَا، وَشَكَرَ سَعْيَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثَنَاءً كَثِيرًا، ثُمَّ تَوَاقَعَ النَّاسُ فِي دَوْلَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْأَهْوَازِ، فَكَسَرَ النَّاسُ الْخَوَارِجَ كَسْرَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبُوا فِي الْبِلَادِ لَا يَلْوُونَ بَلْ يُوَلْوِلُونَ، وَاتَّبَعَهُمْ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرُ النَّاسِ، وَدَاوُدُ بْنُ قَحْذَمَ لِيَطْرُدُوهُمْ، وَأَرْسَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَخِيهِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ أَنْ يُمِدَّهُمْ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، عَلَيْهِمْ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، فَطَرَدُوا الْخَوَارِجَ كُلَّ مَطْرَدٍ، وَلَكِنْ لَقِيَ الْجَيْشُ جُهْدًا عَظِيمًا، وَمَاتَتْ خُيُولُهُمْ، وَلَمْ يَرْجِعْ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا مُشَاةً إِلَى أَهْلِيهِمْ. خروج أبي فديك الحارثي وقتل نجدة الحارثي قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ خُرُوجُ أَبِي فُدَيْكٍ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَغَلَبَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَقَتَلَ نَجْدَةَ بْنَ عَامِرٍ الْحَارِثِيَّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ أَخَاهُ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ، فَهَزَمَهُمْ أَبُو فُدَيْكٍ، وَأَخَذَ جَارِيَةً لِأُمَيَّةَ، وَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ، وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِمَا وَقَعَ، وَاجْتَمَعَ عَلَى خَالِدٍ حَرْبُ أَبِي فُدَيْكٍ وَحَرْبُ الْأَزَارِقَةِ أَصْحَابِ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ بِالْأَهْوَازِ. بعث عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي إلى عبد الله بن الزبير قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا بَعْثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ الثَّقَفِيَّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ; لِيُحَاصِرَهُ بِمَكَّةَ  ، قَالَ: وَكَانَ السَّبَبُ فِي بَعْثِهِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ لَمَّا أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ قَتْلِهِ مُصْعَبًا وَأَخْذِهِ الْعِرَاقَ، نَدَبَ النَّاسَ إِلَى قِتَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ إِلَى ذَلِكَ، فَقَامَ الْحَجَّاجُ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَا لَهُ. وَقَصَّ الْحَجَّاجُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ مَنَامًا زَعَمَ أَنَّهُ رَآهُ ; قَالَ: رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَأَنِّي أَخَذْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَسَلَخْتُهُ، فَابْعَثْ بِي إِلَيْهِ فَإِنِّي قَاتِلُهُ. فَبَعَثَهُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ أَمَانًا لِأَهْلِ مَكَّةَ إِنْ هُمْ أَطَاعُوا. قَالُوا: فَخَرَجَ الْحَجَّاجُ فِي جُمَادَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَمَعَهُ أَلْفَا فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَسَلَكَ طَرِيقَ الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَ الطَّائِفَ، وَجَعَلَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى عَرَفَةَ، وَيُرْسِلُ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْخُيُولَ فَيَلْتَقِيَانِ، فَتُهْزَمُ خَيْلُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَتَظْفَرُ خَيْلُ الْحَجَّاجِ، ثُمَّ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي دُخُولِ الْحَرَمِ، وَمُحَاصِرَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ; فَإِنَّهُ قَدْ كَلَّتْ شَوْكَتُهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَمُدَّهُ بِرِجَالٍ أَيْضًا، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى طَارِقِ بْنِ عَمْرٍو يَأْمُرُهُ أَنْ يَلْحَقَ بِمَنْ مَعَهُ بِالْحَجَّاجِ، وَكَانَ طَارِقٌ يَتَوَلَّى الْمَدِينَةَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يَكُونَ مُقِيمًا بِوَادِي الْقُرَى بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جَيْشِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ فِي نَحْوِ خَمْسَةِ آلَافٍ، مِنَ الشَّامِ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَارْتَحَلَ الْحَجَّاجُ مِنَ الطَّائِفِ، فَنَزَلَ بِئْرَ مَيْمُونٍ، وَحَصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِالْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلَ ذُو الْحِجَّةِ حَجَّ بِالنَّاسِ الْحُجَّاجِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَعَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ السِّلَاحُ، وَهُمْ وُقُوفٌ بِعَرَفَاتٍ، وَكَذَا فِيمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاعِرِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ مَحْصُورٌ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْحَجِّ هَذِهِ السَّنَةَ، بَلْ نَحَرَ بُدْنًا يَوْمَ النَّحْرِ، وَهَكَذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ كَثِيرٌ مِمَّنْ مَعَهُ مِنَ الْحَجِّ، وَكَذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ كَثِيرٌ مِمَّنْ مَعَ الْحَجَّاجِ وَطَارِقِ بْنِ عَمْرٍو أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ، فَبَقُوا عَلَى إِحْرَامِهِمْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ التَّحَلُّلُ الثَّانِي، وَالْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ نُزُولٌ بَيْنَ الْحَجُونِ وَبِئْرِ مَيْمُونٍ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. بيعة عبد الله بن خازم ومقتله قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ أَمِيرِ خُرَاسَانَ يَدْعُوهُ إِلَى بَيْعَتِهِ، وَيَقْطَعُهُ خُرَاسَانَ سَبْعَ سِنِينَ  ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابُ قَالَ لِلرَّسُولِ: بَعَثَكَ أَبُو الذِّبَّانِ ؟ وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكَ، وَلَكِنْ كُلْ كِتَابَهُ. فَأَكَلَهُ، وَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى بُكَيْرِ بْنِ وِشَاحٍ نَائِبِ ابْنِ خَازِمٍ عَلَى مَرْوَ يَعِدُهُ بِإِمْرَةِ خُرَاسَانَ إِنْ هُوَ خَلَعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ، فَخَلَعَهُ، فَجَاءَهُ ابْنُ خَازِمٍ فَقَاتَلَهُ فَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، قَتَلَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: وَكِيعُ بْنُ عَمِيرَةَ، لَكِنْ كَانَ قَدْ سَاعَدَهُ غَيْرُهُ، فَجَلَسَ وَكِيعٌ عَلَى صَدْرِهِ وَفِيهِ رَمَقٌ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ وَكِيعٌ يَقُولُ: يَا ثَارَاتِ دُوَيْلَةَ - يَعْنِي أَخَاهُ - وَكَانَ دُوَيْلَةُ قَدْ قَتَلَهُ ابْنُ خَازِمٍ، ثُمَّ إِنَّ ابْنُ خَازِمٍ تَنَخَّمَ فِي وَجْهِ وَكِيعٍ، قَالَ وَكِيعٌ: لَمْ أَرَ أَحَدًا أَكْثَرَ رِيقًا مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ. وَكَانَ أَبُو هُبَيْرَةَ إِذَا ذَكَرَ هَذَا يَقُولُ: هَذِهِ وَاللَّهِ الْبَسَالَةُ. وَقَالَ لَهُ ابْنُ خَازِمٍ: وَيْحَكَ، أَتَقْتُلُنِي بِأَخِيكَ ؟ لَعَنَكَ اللَّهُ، أَتَقْتُلُ كَبْشَ مُضَرَ بِأَخِيكَ الْعِلْجِ وَكَانَ لَا يُسَاوِي كَفًّا مِنْ تُرَابٍ ؟ أَوْ قَالَ: مِنْ نَوًى. قَالُوا: فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَأَقْبَلَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ فَأَرَادَ أَخْذَ الرَّأْسِ فَمَنَعَهُ مِنْهُ بِحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ، فَضَرَبَهُ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ بِعَمُودٍ وَقَيَّدَهُ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّأْسَ، ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، وَمَقْتَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ سُرُورًا كَثِيرًا، وَكَتَبَ إِلَى بُكَيْرِ بْنِ وِشَاحٍ فَأَقَرَّهُ عَلَى نِيَابَةِ خُرَاسَانَ. استنابة عبد الملك بن مروان لطارق بن عمرو على المدينة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أُخِذَتِ الْمَدِينَةُ مِنْ نُوَّابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَاسْتَنَابَ فِيهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ طَارِقَ بْنَ عَمْرٍو الَّذِي كَانَ بَعَثَهُ مَدَدًا لِلْحَجَّاجِ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ. ترجمة عبد الله بن خازم وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ ابْنِ خَازِمٍ   هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ بْنِ أَسْمَاءَ السُّلَمِيُّ، أَبُو صَالِحٍ الْبَصْرِيُّ، أَمِيرُ خُرَاسَانَ، أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْفُرْسَانِ الْمَشْكُورِينَ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ فِي " تَهْذِيبِهِ ": يُقَالُ: لَهُ صُحْبَةٌ. رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ، لَكِنْ لَمْ يُسَمُّوهُ. رَوَى عَنْهُ سَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ الرَّازِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ الْأَزْرَقِ. رَوَى أَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ أَنَّهُ قُتِلَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسَبْعِينَ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ بِشَيْءٍ. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي التَّهْذِيبِ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " الْغَابَةِ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ "، فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمِ بْنِ أَسْمَاءَ بْنِ الصَّلْتِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورٍ، أَبُو صَالِحٍ السُّلَمِيُّ، أَمِيرُ خُرَاسَانَ، شُجَاعٌ مَشْهُورٌ، وَبَطَلٌ مَذْكُورٌ، رَوَى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَسَعْدُ بْنُ عُثْمَانَ، قِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَفَتَحَ سَرْخَسَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى خُرَاسَانَ أَيَّامَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَوَّلُ مَا وَلِيَهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ مُعَاوِيَةَ، وَجَرَى لَهُ فِيهَا حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى تَمَّ أَمْرُهُ بِهَا، وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا أَخْبَارَهُ فِي كِتَابِ " الْكَامِلِ فِي التَّارِيخِ "، وَقُتِلَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ بِخُرَاسَانَ، هَكَذَا قَالَ: إِنَّهُ قُتِلَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ. وَهَكَذَا حَكَى شَيْخُنَا عَنِ الدُّولَابِيِّ، وَكَذَا رَأَيْتُ فِي " التَّارِيخِ " لِشَيْخِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي سِيَاقِ " تَارِيخِهِ " أَنَّهُ قُتِلَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا قُتِلَ بَعْدَ مَقْتَلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بَعَثَ بِرَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى ابْنِ خَازِمٍ، وَيَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَلَهُ خُرَاسَانُ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنَّ ابْنَ خَازِمٍ لَمَّا رَأَى رَأْسَ ابْنِ الزُّبَيْرِ حَلَفَ لَا يُعْطِيهِ طَاعَةً أَبَدًا، وَدَعَا بِطَسْتٍ فَغَسَلَ رَأْسَ ابْنِ الزُّبَيْرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَأَطْعَمَ الْكِتَابَ لِلرَّسُولِ الَّذِي جَاءَ بِهِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ رَسُولٌ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَضَرَبَ عُنُقَهُ. نواب الأمصار كَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ طَارِقًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَعَلَى قَضَائِهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى قَضَائِهَا هِشَامَ بْنَ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ، وَفِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ. ذِكْرُ قِصَّةٍ جَرَتْ لِطَارِقِ بْنِ عَمْرٍو مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ   عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ؓ، قَالَ: وَلَّى عَلَيْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ طَارِقًا مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؓ. قَالَ عَلِيٌّ: فَمَشَيْتُ إِلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَإِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحَمْنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقُلْتُ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ نُسَلِّمُ عَلَيْهِ نَدْفَعُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْفُسِنَا. قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَأَجْلَسَنَا عِنْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَنَا: أَيُّكُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؟ قَالَ: فَكَلَّمَهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ لَهُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، إِنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ قَدْ رَفَعَتْ عَنْهُ الْوُلَاةُ إِتْيَانَهَا، وَقَدْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْمَسْجِدَ، فَلَيْسَ يَبْرَحُ مِنْهُ، قَالَ: رَغِبَ أَنْ يَأْتِيَنِي، وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ، وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ، وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ -ثَلَاثًا- قَالَ الْقَاسِمُ: فَضَاقَ بِنَا الْمَجْلِسُ حَتَّى قُمْنَا، فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ فَتَطَلَّعْتُ فِيهِ فَإِذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عِنْدَ أُسْطُوَانَتِهِ جَالِسٌ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَانَ، وَقُلْتُ لَهُ: أَرَى لَكَ أَنْ تَخْرُجَ السَّاعَةَ إِلَى مَكَّةَ فَتَعْتَمِرَ وَتُقِيمَ بِهَا، قَالَ: مَا حَضَرَتْنِي فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَيَّ مَا نَوَيْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَخْرُجَ إِلَى بَعْضِ مَنَازِلِ إِخْوَانِكَ فَتُقِيمَ فِيهِ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ، قَالَ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَذَا الدَّاعِي الَّذِي يَدْعُونِي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهِ لَا دَعَانِي إِلَّا أَجَبْتُهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، قُلْتُ لَهُ: فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَقُومَ مِنْ مَجْلِسِكَ هَذَا فَتَجْلِسَ إِلَى بَعْضِ هَذِهِ الْأَسَاطِينِ فَإِنَّكَ إِنْ طُلِبْتَ فَإِنَّمَا تُطْلَبُ عِنْدَ أُسْطُوَانَتِكَ. قَالَ: وَلِمَ أَقُومُ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا الَّذِي قَدْ آتَانِيَ اللَّهُ فِيهِ الْعَافِيَةَ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، [قُلْتُ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَمَا تَخَافُ عَلَى نَفْسِكَ كَمَا يَخَافُ النَّاسُ؟ فَقَالَ لِي]: وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبًا مَا خِفْتُ شَيْئًا سِوَاهُ، قُلْتُ لَهُ: فَبِمَاذَا أَقُومُ مِنْ عِنْدِكَ رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَدْ غَمَمْتَنِي، فَقَالَ: تَقُومُ بِخَيْرٍ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يُنْسِيَهُ ذِكْرِي. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَجَعَلْتُ أَسْأَلُ فَرَطَ الْأَيَّامِ [هَلْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ خَبَرٌ؟] فَلَا أُخْبَرُ إِلَّا بِخَيْرٍ. قَالَ: فَأَقَامَ عَلَيْنَا وَالِيًا سَنَةً لَا يَذْكُرُهُ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ حَتَّى إِذَا عُزِلَ وَصَارَ بِوَادِي الْقُرَى مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى خَمْسِ مَرَاحِلَ، قَالَ لِغُلَامِهِ وَهُوَ يُوَضِّئُهُ: وَيْحَكَ! أَمْسِكْ، وَاسَوْءَتَاهْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمِنَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَلَفْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ثَلَاثَةَ أَيْمَانٍ لَأَقْتُلَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَاللَّهِ مَا ذَكَرْتُهُ إِلَّا فِي سَاعَتِي هَذِهِ، فَقَالَ لَهُ غُلَامُهُ، يَا مَوْلَايَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا أَرَادَ اللَّهُ لَكَ خَيْرٌ مِمَّا أَرَدْتَ لِنَفْسِكَ إِذْ أَنْسَاكَ ذِكْرَهُ. فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ.

  227. التاريخ 2318لا حكم مسجّل

    الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُصَيْنٍ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُصَيْنٍ  ، التَّمِيمِيُّ السَّعْدِيُّ، أَبُو بَحْرٍ الْبَصْرِيُّ ابْنُ أَخِي صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَالْأَحْنَفُ لَقَبٌ لَهُ، وَإِنَّمَا اسْمُهُ الضَّحَّاكُ، وَقِيلَ: صَخْرٌ، أَسْلَمَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ، وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لَهُ. وَكَانَ سَيِّدًا شَرِيفًا مُطَاعًا مُؤْمِنًا، عَلِيمَ اللِّسَانِ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِحِلْمِهِ الْمَثَلُ، وَلَهُ أَخْبَارٌ فِي حِلْمِهِ سَارَتْ بِهَا الرُّكْبَانُ، قَالَ عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: هُوَ مُؤْمِنٌ عَلِيمُ اللِّسَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: مَا رَأَيْتُ شَرِيفَ قَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: هُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَكَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ، وَكَانَ أَعْوَرَ أَحْنَفَ الرِّجْلَيْنِ، دَمِيمًا قَصِيرًا كَوْسَجًا، لَهُ بَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ، احْتَبَسَهُ عُمَرُ سَنَةً يَخْتَبِرُهُ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ السَّيِّدُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ خَطَبَ عِنْدَ عُمَرَ فَأَعْجَبَهُ مَنْطِقُهُ، قِيلَ: ذَهَبَتْ عَيْنُهُ بِالْجُدَرِيِّ، وَقِيلَ: فِي فَتْحِ سَمَرْقَنْدَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: كَانَ الْأَحْنَفُ جَوَادًا حَلِيمًا، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ ثُمَّ أَسْلَمَ، وَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يُسْرِجُ الْمِصْبَاحَ، وَكَانَ يَضَعُ إِصْبَعَهُ فِيهِ، ثُمَّ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: إِذَا لَمْ تَصْبِرْ عَلَى الْمِصْبَاحِ، فَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى نَارِ جَهَنَّمَ ؟ وَقِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ سَوَّدَكَ قَوْمُكَ ؟ قَالَ: لَوْ عَابَ الْمَاءَ النَّاسُ مَا شَرِبْتُهُ. وَكَانَ الْأَحْنَفُ لَا يَحْسُدُ، وَلَا يَجْهَلُ، وَلَا يَدْفَعُ الْحَقَّ، وَقَالَ: إِنَّ مِنَ السُّؤْدُدِ الصَّبْرَ عَلَى الذُّلِّ، وَكَفَى بِالْحِلْمِ نَاصِرًا. وَقَالَ: مَا نَازَعَنِي أَحَدٌ إِلَّا أَخَذْتُ مِنْ أَمْرِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِنْ كَانَ فَوْقِي عَرَفْتُ قَدْرَهُ، وَإِنْ كَانَ دُونِي رَفَعْتُ نَفْسِي عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلِي تَفَضَّلْتُ. وَقَالَ: مَا ذَكَرْتُ أَحَدًا بِسُوءٍ بَعْدَ أَنْ يَقُومَ مِنْ عِنْدِي، وَلَا سَمِعْتُ كَلِمَةً تَسُوءُنِي إِلَّا طَأْطَأَتُ رَأْسِي ; لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا. وَأَغْلَظَ لَهُ رِجْلٌ فِي الْكَلَامِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى نَادِي قَوْمِهِ وَقَفَ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ عِنْدَكَ شَيْءٌ آخَرُ فَقُلْ ; لِئَلَّا يَسْمَعَكَ قَوْمِي فَيُؤْذُوكَ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ كَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ لِنَفْسِهِ، وَيَعِدُهُ بِوِلَايَةِ الشَّامِ، فَقَالَ: يَدْعُونِي ابْنُ الزَّرْقَاءِ إِلَى وِلَايَةِ الشَّامِ، وَاللَّهِ وَدِدْتُ أَنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ جَبَلًا مِنْ نَارٍ. وَكَانَ زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ يَقُولُ: قَدْ بَلَغَ الْأَحْنَفُ مِنَ السُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ مَا لَا يَنْفَعُهُ مَعَهُ وِلَايَةٌ، وَلَا يَضُرُّهُ عَزْلٌ، وَإِنَّهُ لَيَفِرُّ مِنَ الشَّرَفِ وَهُوَ يَتْبَعُهُ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: وَهُوَ الَّذِي افْتَتَحَ مَرْوَ الرُّوذِ، وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ فِي جَيْشِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ - وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ - عَنْ سَبْعِينَ سَنَةٍ. وَقِيلَ: عَنْ أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ. وَمِنْ كَلَامِهِ وَقَدْ سُئِلَ عَنِ الْحِلْمِ مَا هُوَ ؟ فَقَالَ: الذُّلُّ مَعَ الصَّبْرِ. وَكَانَ إِذَا تَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ حِلْمِهِ يَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَجِدُ مَا تَجِدُونَ وَلَكِنِّي صَبُورٌ. وَقَالَ: وَجَدْتُ الْحِلْمَ أَنْصَرَ لِي مِنَ الرِّجَالِ. وَقَدِ انْتَهَى إِلَيْهِ الْحِلْمُ وَالسُّؤْدُدُ، وَقَالَ: أَحْيِ مَعْرُوفَكَ بِإِمَاتَةِ ذِكْرِهِ. وَقَالَ: عَجِبْتُ لِمَنْ يَجْرِي فِي مَجْرَى الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ كَيْفَ يَتَكَبَّرُ ؟ ! وَقَالَ: مَا أَتَيْتُ بَابَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَّا أَنْ أُدْعَى، وَلَا دَخَلْتُ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَانِي بَيْنَهُمَا. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: بِمَ سُدْتَ قَوْمَكَ ؟ قَالَ: بِتَرْكِي مِنْ أَمَرِكَ مَا لَا يَعْنِينِي، كَمَا عَنَاكَ مِنْ أَمْرِي مَا لَا يَعْنِيكَ. وَأَغْلَظَ لَهُ رِجْلٌ فِي الْكَلَامِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَحَنَفُ، لَئِنْ قُلْتَ لِي وَاحِدَةً لَتَسْمَعَنَّ بَدَلَهَا عَشْرًا. فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنْ قُلْتَ لِي عَشْرًا لَا تَسْمَعُ مِنِّي وَاحِدَةً. وَكَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنْ تُعَذِّبْنِي فَأَنَا أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لِي فَأَنْتَ أَهْلٌ لِذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ زِيَادُ بْنُ أَبِيهِ يُقَرِّبُهُ وَيُعَظِّمُهُ وَيُدْنِيهِ، فَلَمَّا مَاتَ زِيَادٌ وَوَلِيَ ابْنُهُ عُبَيْدِ اللَّهِ لَمْ يَرْفَعْ بِهِ رَأْسًا، فَتَأَخَّرَتْ عِنْدَهُ مَنْزِلَتُهُ ; لِقُبْحِ مَنْظَرِهِ، وَصَارَ يُقَدِّمُ عَلَيْهِ مَنْ هُوَ دُونَهُ، فَلَمَّا وَفَدَ بِرُؤَسَاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، أَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ عَلَى مَرَاتِبِهِمْ عِنْدَهُ، فَكَانَ الْأَحْنَفُ آخِرَ مَنْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ مُعَاوِيَةُ أَجَلَّهُ وَعَظَّمَهُ، وَأَدْنَاهُ وَكَرَّمَهُ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ يُحَادِثُهُ دُونَهُمْ، ثُمَّ شَرَعَ الْحَاضِرُونَ فِي الثَّنَاءِ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَالْأَحْنَفُ سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ ؟ قَالَ: إِنْ تَكَلَّمْتُ خَالَفْتُهُمْ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ عَزَلْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ عَنِ الْعِرَاقِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا لَكُمْ نَائِبًا عَلَيْكُمْ. وَأَجَّلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَاخْتَلَفُوا بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عُبَيْدَ اللَّهِ، وَلَا طَلَبَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَتَكَلَّمِ الْأَحْنَفُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي ذَلِكَ كَلِمَةً وَاحِدَةً مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بَعْدَ ثَلَاثٍ أَفَاضُوا فِي ذَلِكَ، وَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَالْأَحْنَفُ سَاكِتٌ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: تَكَلَّمْ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُوَلِّيَ فِيهَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ فَلَيْسَ فِيهِمْ مَنْ هُوَ مِثْلُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ رَجُلٌ حَازِمٌ، وَلَا يَسُدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ مَسَدَّهُ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ غَيْرَهُ فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِنُوَّابِكَ. فَرَدَّهُ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْوِلَايَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ: كَيْفَ جَهِلْتَ مِثْلَ الْأَحْنَفِ ؟ إِنَّهِ عَزَلَكَ وَوَلَّاكَ وَهُوَ سَاكِتٌ. فَعَظُمَتْ مَنْزِلَةُ الْأَحْنَفِ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ. تُوُفِّيَ الْأَحْنَفُ بِالْكُوفَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ. ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَوَجَدَهُ غَضْبَانَ عَلَى ابْنِهِ يَزِيدَ، وَأَنَّهُ أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا بِكَلَامٍ، قَالَ: فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى يَزِيدَ بِمَالٍ جَزِيلٍ، وَقُمَاشٍ كَثِيرٍ، فَأَعْطَى يَزِيدُ نِصْفَهُ لِلْأَحْنَفِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيِّ  بْنِ مُجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَنْصَارِيُّ، الْحَارِثِيُّ الْأَوْسِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَأَبُوهُ أَيْضًا صَحَابِيٌّ، رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، وَحَدَّثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَبَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي أَيَّامِ مُصْعَبٍ عَلَى الْعِرَاقِ. عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ الْقَاضِي عُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ الْقَاضِي   وَهُوَ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو - وَيُقَالُ: ابْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو - السَّلْمَانِيُّ، الْمُرَادِيُّ، أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ، وَسَلْمَانُ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ، أَسْلَمَ عُبَيْدَةُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلِيٍّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ يُوَازِي شُرَيْحًا فِي الْقَضَاءِ. وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: كَانَ شُرَيْحٌ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ كَتَبَ إِلَى عُبَيْدَةَ فِيهِ، وَانْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ بْنِ صَيْفِيٍّ الْمَخْزُومِيِّ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ  : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السَّائِبِ بْنِ صَيْفِيٍّ الْمَخْزُومِيِّ، قَارِئُ أَهْلِ مَكَّةَ، لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَقَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ. عَطِيَّةُ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ عَطِيَّةُ بْنُ بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ. عُبَيْدُ بْنُ نَضْلَةَ أَبُو مُعَاوِيَةَ عُبَيْدُ بْنُ نَضْلَةَ، أَبُو مُعَاوِيَةَ، الْخُزَاعِيُّ الْكُوفِيُّ مُقْرِئُ أَهِلِ الْكُوفَةِ، مَشْهُورٌ بِالْخَيْرِ وَالْعِبَادَةِ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ، الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ، مَدَحَ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّاعِرُ، السَّلُولِيُّ أَحَدُ الشُّعَرَاءِ الْفُصَحَاءِ، مَدَحَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَنْ هَجَاهُ بِقَوْلِهِ: شِرِبْنَا الْغَيْضَ حَتَّى لَوْ سُقِينَا دِمَاءَ بَنِي أُمَيَّةَ مَا رَوِينَا     وَلَوْ جَاءُوا بِرَمْلَةَ أَوْ بِهِنْدٍ لَبَايَعْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَا

  228. التاريخ 2319لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ نصب الحجاج المنجنيق على مكة وحصار أهلها فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ؓ، عَلَى يَدَيِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ، الْمُبِيرِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ  . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي أَسَدٍ - وَكَانَ عَالِمًا بِفِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ - قَالَ: حُصِرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَيْلَةَ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ سِنَةَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ، وَقُتِلَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، فَكَانَ حَصْرُ الْحَجَّاجِ لَهُ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، وَسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَجَّاجَ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْخَارِجَةِ، وَكَانَ فِي الْحَجِّ ابْنُ عُمَرَ، وَقَدْ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنْ يَأْتَمَّ بِابْنِ عُمَرَ فِي الْمَنَاسِكِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". فَلَمَّا اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ، اسْتَهَلَّتْ وَأَهْلُ الشَّامِ مُحَاصِرُونَ أَهْلَ مَكَّةَ، وَقَدْ نَصَبَ الْحَجَّاجُ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى مَكَّةَ ; لِيَحْصُرَ أَهْلَهَا، حَتَّى يَخْرُجُوا إِلَى الْأَمَانِ وَالطَّاعَةِ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ مَعَ الْحَجَّاجِ خَلْقٌ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَجَعَلُوا يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ مَعَهُ خَمْسُ مَجَانِيقَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا بِالرَّمْيِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، وَحَبَسَ عَنْهُمُ الْمِيرَةَ فَجَاعُوا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، وَجَعَلَتِ الْحِجَارَةُ تَقَعُ فِي الْكَعْبَةِ، وَالْحَجَّاجُ يَصِيحُ بِأَصْحَابِهِ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّاعَةِ ! فَكَانُوا يَحْمِلُونَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُمْ آخِذُوهُ فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ، فَيَشُدُّ عَلَيْهِمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، حَتَّى يُخْرِجَهُمْ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، ثُمَّ يَكُرُّونَ عَلَيْهِ فَيَشُدُّ عَلَيْهِمْ ; فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، وَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ جَمَاعَةً مِنْهُمْ وَهُوَ يَقُولُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْحَوَارِيِّ. وَقِيلَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: أَلَا تُكَلِّمُهُمْ فِي الصُّلْحِ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ وَجَدُوكُمْ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ لَذَبَحُوكُمْ جَمِيعًا، وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهُمْ صُلْحًا أَبَدًا. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُمْ لَمَّا رُمُوا بِالْمَنْجَنِيقِ، جَاءَتِ الصَّوَاعِقُ وَالْبُرُوقُ وَالرُّعُودُ، حَتَّى جَعَلَتْ تَعْلُو أَصْوَاتُهَا عَلَى صَوْتِ الْمَنْجَنِيقِ، وَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ فَأَصَابَتْ مِنَ الشَّامِيِّينَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَضَعُفَتْ عِنْدَ ذَلِكَ قُلُوبُهُمْ عَنِ الْمُحَاصَرَةِ، فَلَمْ يَزَلِ الْحَجَّاجُ يُشَجِّعُهُمْ، وَيَقُولُ: إِنِّي خَبِيرٌ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، هَذِهِ بُرُوقُ تِهَامَةَ وَرُعُودُهَا وَصَوَاعِقُهَا، وَإِنَّ الْقَوْمَ يُصِيبُهُمْ مِثْلَ الَّذِي يُصِيبُكُمْ. وَجَاءَتْ صَاعِقَةٌ مِنَ الْغَدِ فَقَتَلَتْ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً أَيْضًا، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّهُمْ يُصَابُونَ مِثْلَكُمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَهُمْ عَلَى الْمُخَالَفَةِ ؟ وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يَرْتَجِزُونَ وَهُمْ يَرْمُونَ بِالْمَنْجَنِيقِ ; يَقُولُونَ: خَطَّارَةٌ مِثْلُ الْفَنِيقِ الْمُزْبِدِ نَرْمِي بِهَا عُوَّاذَ هَذَا الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ صَاعِقَةٌ عَلَى الْمَنْجَنِيقِ فَأَحْرَقَتْهُ، فَتَوَقَّفَ أَهَّلُ الشَّامِ عَنِ الرَّمْيِ وَالْمُحَاصَرَةِ، فَخَطَبَهُمُ الْحَجَّاجُ فَقَالَ: وَيْحَكُمُ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ النَّارَ كَانَتْ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَتَأْكُلَ قُرْبَانَهُمْ إِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ؟ فَلَوْلَا أَنَّ عَمَلَكُمْ مَقْبُولٌ مَا نَزَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ. فَعَادُوا إِلَى الْمُحَاصَرَةِ. ترك الناس ابن الزبير وذهابهم إلى الحجاج بالأمان وَمَا زَالَ أَهْلُ مَكَّةَ يَخْرُجُونَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْأَمَانِ، وَيَتْرُكُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَمَّنَهُمْ، وَقَلَّ أَصْحَابُ ابْنِ الزُّبَيْرِ جِدًّا، حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْحَجَّاجِ حَمْزَةُ وَخُبَيْبٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَأَخَذَا لِأَنْفُسِهِمَا أَمَانًا مِنَ الْحَجَّاجِ فَأَمَّنَهُمَا، وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى أُمِّهِ فَشَكَا إِلَيْهَا خِذْلَانَ النَّاسِ لَهُ، وَخُرُوجَهُمْ إِلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى أَوْلَادِهِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ صَبْرُ سَاعَةٍ، وَالْقَوْمُ يُعْطُونَنِي مَا شِئْتُ مِنَ الدُّنْيَا، فَمَا رَأْيُكِ ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ ; إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ وَتَدْعُو إِلَى حَقٍّ فَاصْبِرْ عَلَيْهِ، فَقَدْ قُتِلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُكَ، وَلَا تُمَكِّنْ مِنْ رَقَبَتِكَ، يَلْعَبْ بِهَا غِلْمَانُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَرَدْتَ الدُّنْيَا فَلَبِئْسَ الْعَبْدَ أَنْتَ ; أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ وَأَهْلَكْتَ مَنْ قُتِلَ مَعَكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى حَقٍّ فَمَا وَهَنَ الدِّينُ، وَإِلَى كَمْ خُلُودُكُمْ فِي الدُّنْيَا ؟ الْقَتْلُ أَحْسَنُ. فَدَنَا مِنْهَا، فَقَبَّلَ رَأْسَهَا، وَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ رَأْيِي. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَكَنْتُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَحْبَبْتُ الْحَيَاةَ فِيهَا، وَمَا دَعَانِي إِلَى الْخُرُوجِ إِلَّا الْغَضَبُ لِلَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ حُرْمَتُهُ، وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ رَأْيَكِ، فَزِدْتِينِي بَصِيرَةً مَعَ بَصِيرَتِي، فَانْظُرِي يَا أُمَّاهُ، فَإِنِّي مَقْتُولٌ مِنْ يَوْمِي هَذَا، فَلَا يَشْتَدُّ حُزْنُكِ، وَسَلِّمِي لِأَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ ابْنَكِ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِتْيَانَ مُنْكَرٍ، وَلَا عَمِلَ بِفَاحِشَةٍ قَطُّ، وَلَمْ يَجُرْ فِي حُكْمِ اللَّهِ، وَلَمْ يَغْدُرْ فِي أَمَانٍ، وَلَمْ يَتَعَمَّدْ ظُلْمَ مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ، وَلَمْ يَبْلُغْنِي ظُلْمٌ عَنْ عَامِلٍ فَرَضِيتُهُ؛ بَلْ أَنْكَرْتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي آثَرُ مِنْ رِضَا رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، اللَّهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا تَزْكِيَةً لِنَفْسِي، اللَّهُمَّ أَنْتِ أَعْلَمُ بِي مِنِّي وَمِنْ غَيْرِي، وَلَكِنِّي أَقُولُ ذَلِكَ تَعْزِيَةً لِأُمِّي لِتَسْلُوَ عَنِّي. فَقَالَتْ أُمُّهُ: إِنِّي لَأَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ عَزَائِي فِيكَ حَسَنًا إِنْ تَقَدَّمْتَنِي، أَوْ تَقَدَّمْتُكَ فَفِي نَفْسِي، اخْرُجْ يَا بُنَيَّ حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُكَ. فَقَالَ: جَزَاكِ اللَّهُ يَا أُمَّهْ خَيْرًا، فَلَا تَدَعِي الدُّعَاءَ قَبْلُ وَبَعْدُ لِي. فَقَالَتْ: لَا أَدَعَهُ أَبَدًا، فَمَنْ قُتِلَ عَلَى بَاطِلٍ فَلَقَدْ قُتِلْتَ عَلَى حَقٍّ. ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ طُولَ ذَلِكَ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ الطَّوِيلِ، وَذَلِكَ النَّحِيبِ، وَالظَّمَأِ فِي هَوَاجِرِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَبِرَّهُ بِأَبِيهِ وَبِي، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ سَلَّمْتُهُ لِأَمْرِكَ فِيهِ، وَرَضِيتُ بِمَا قَضَيْتَ، فَقَابِلْنِي فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِثَوَابِ الصَّابِرِينَ الشَّاكِرِينَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: ادْنُ مِنِّي أُوَدِّعْكَ. فَدَنَا مِنْهَا فَقَبَّلَتْهُ، ثُمَّ أَخَذَتْهُ إِلَيْهَا فَاحْتَضَنَتْهُ لِتُوَدِّعَهُ، وَاعْتَنَقَهَا لِيُوَدِّعَهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَضَرَّتْ فِي آخِرِ عُمْرِهَا، فَوَجَدَتْهُ لَابِسًا دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، مَا هَذَا لِبَاسُ مَنْ يُرِيدُ مَا تُرِيدُ مِنَ الشَّهَادَةِ. فَقَالَ: يَا أُمَّاهُ، إِنَّمَا لَبِسْتُهُ لِأُطَيِّبَ خَاطِرَكِ، وَأُسَكِّنَ قَلْبَكِ بِهِ. فَقَالَتْ: لَا يَا بُنَيَّ، وَلَكِنِ انْزِعْهُ. فَنَزَعَهُ، وَجَعَلَ يَلْبَسُ بَقِيَّةَ ثِيَابِهِ وَيَتَشَدَّدُ، وَهِيَ تَقُولُ: شَمِّرْ ثِيَابَكَ. وَجَعَلَ يَتَحَفَّظُ مِنْ أَسْفَلِ ثِيَابِهِ ; لِئَلَّا تَبْدُو عَوْرَتَهُ إِذَا قُتِلَ، وَجَعَلَتْ تُذَكِّرُهُ بِأَبِيهِ الزُّبَيْرِ، وَجَدِّهِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَجَدَّتِهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَطْلَبِ، وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُرَجِّيهِ الْقُدُومَ عَلَيْهِمْ إِذَا هُوَ قُتِلَ شَهِيدًا، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ عَهْدِهِ بِهَا ؓ وَعَنْ أَبِيهِ وَأَبِيهَا، ثُمَّ قَالَتْ: امْضِ عَلَى بَصِيرَةٍ. فَوَدَّعَهَا، وَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: وَلَسْتُ بِمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّةٍ     وَلَا مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا قَالُوا: وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُنَاكَ خَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَيَحْمِلُ عَلَيْهِمْ فَيَتَفَرَّقُونَ عَنْهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَثْبُتُ لَهُ أَحَدٌ، وَهُوَ يَقُولُ: إِنِّي إِذَا أَعْرِفُ يَوْمِي أَصْبِرْ     إِذْ بَعْضُهُمْ يَعْرِفُ ثُمَّ يُنْكِرْ وَيَقُولُ أَيْضًا: الْمَوْتُ أَكْرَمُ مِنْ إِعْطَاءِ مَنَقَصَةٍ     مَنْ لَمْ يَمُتْ غِبْطَةً فَالْغَايَةُ الْهَرَمُ وَكَانَتْ أَبْوَابُ الْحَرَمِ قَدْ قَلَّ مَنْ يَحْرُسُهَا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ لِأَهْلِ حِمْصَ حِصَارُ الْبَابِ الَّذِي يُوَاجَهُ بَابَ الْكَعْبَةِ، وَلِأَهْلِ دِمَشْقَ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، وَلِأَهْلِ الْأُرْدُنِ بَابُ الصَّفَا، وَلِأَهْلِ فِلَسْطِينَ بَابُ بَنِي جُمَحَ، وَلِأَهْلِ قِنَّسْرِينَ بَابُ بَنِي سَهْمٍ، وَعَلَى كُلِّ بَابٍ قَائِدٌ، وَمَعَهُ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ وَطَارِقُ بْنُ عَمْرٍو فِي نَاحِيَةِ الْأَبْطَحِ. ليلة مقتل ابن الزبير وتنبؤه بمقتله وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يَخْرُجُ عَلَى أَهْلِ بَابٍ إِلَّا فَرَّقَهُمْ وَبَدَّدَ شَمْلَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْبِسٍ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ إِلَى الْأَبْطَحِ، ثُمَّ يَصِيحُ: لَوْ كَانَ قِرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ فَيَقُولُ ابْنُ صَفْوَانَ وَأَهْلُ الشَّامِ أَيْضًا: إِي وَاللَّهِ، وَأَلْفُ رَجُلٍ. وَلَقَدْ كَانَ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ يَقَعُ عَلَى طَرَفِ ثَوْبِهِ فَلَا يَنْزَعِجُ بِذَلِكَ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، فَيُقَاتِلُهُمْ كَأَنَّهُ أَسَدٌ ضَارٍ، حَتَّى جَعَلَ النَّاسُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ إِقْدَامِهِ وَشَجَاعَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بَاتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي طُولَ لَيْلَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ فَاحْتَبَى بِحَمِيلَةِ سَيْفِهِ، فَأَغْفَى ثُمَّ انْتَبَهَ مَعَ الْفَجْرِ عَلَى عَادَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَذِّنْ يَا سَعْدُ. فَأَذَّنَ عِنْدَ الْمَقَامِ، وَتَوَضَّأَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتِي الْفَجْرِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ قَرَأَ سُورَةَ " ن " حَرْفًا حَرْفًا، ثُمَّ سَلَّمَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا أُرَانِي الْيَوْمَ إِلَّا مَقْتُولًا ; فَإِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي كَأَنَّ السَّمَاءَ فُرِجَتْ لِي، فَدَخَلْتُهَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ مَلِلْتُ الْحَيَاةَ، وَجَاوَزَتْ سِنِّي اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ، فَأَحِبَّ لِقَائِي. ثُمَّ قَالَ: اكْشِفُوا وُجُوهَكُمْ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْكُمْ، فَكَشَفُوا عَنْ وُجُوهِهِمْ وَعَلَيْهِمُ الْمَغَافِرُ، فَحَرَّضَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَالصَّبْرِ، ثُمَّ نَهَضَ بِهِمْ، فَحَمَلَ وَحَمَلُوا حَتَّى كَشَفُوهُمْ إِلَى الْحَجُونِ، فَجَاءَتْهُ آجُرَّةٌ فَأَصَابَتْهُ فِي وَجْهِهِ، فَارْتَعَشَ لَهَا، فَلَمَّا وَجَدَ سُخُونَةَ الدَّمِ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا     وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا ثُمَّ رَجَعَ، فَجَاءَهُ حَجَرُ مَنْجَنِيقٍ مِنْ وَرَائِهِ فَأَصَابَهُ فِي قَفَاهُ فَوَقَذَهُ، ثُمَّ وَقْعَ إِلَى الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ انْتَهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ، وَابْتَدَرَهُ النَّاسُ، فَشَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَضَرَبَ الرَّجُلَ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى مِرْفَقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ يَضْرِبُ وَمَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْتَهِضَ حَتَّى كَثُرُوا عَلَيْهِ، فَابْتَدَرُوهُ بِالسُّيُوفِ، فَقَتَلُوهُ ؓ، وَجَاءُوا إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَخْبَرُوهُ، فَخَرَّ سَاجِدًا - قَبَّحَهُ اللَّهُ - ثُمَّ قَامَ هُوَ وَطَارِقُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى وَقَفَا عَلَيْهِ، وَهُوَ صَرِيعٌ، فَقَالَ طَارِقُ: مَا وَلَدَتِ النِّسَاءُ أَذْكَرَ مِنْ هَذَا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: تَمْدَحُ مَنْ يُخَالِفُ طَاعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ أَعْذَرُ لَنَا ; إِنَّا مُحَاصِرُوهُ وَلَيْسَ هُوَ فِي حِصْنٍ وَلَا خَنْدَقٍ وَلَا مَنَعَةٍ يَنْتَصِفُ مِنَّا، بَلْ يُفَضَّلُ عَلَيْنَا فِي كُلِّ مَوْقِفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ صَوَّبَ طَارِقًا. ارتجاج مكة لمقتل ابن الزبير وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ ارْتَجَّتْ مَكَّةَ بُكَاءً عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَخَطَبَ الْحَجَّاجُ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ مِنْ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ حَتَّى رَغِبَ فِي الْخِلَافَةِ، وَنَازَعَهَا أَهْلَهَا، وَأَلْحَدَ فِي الْحَرَمِ، فَأَذَاقَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَإِنَّ آدَمَ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَانَ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ أَشْرَفُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ. بعث رأس ابن الزبير وعبد الله بن صفوان لعبد الملك وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا وَقَعَ، وَبَعَثَ بِرَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَعَ رَأْسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، وَعُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَمَرَهُمْ إِذَا مَرُّوا بِالْمَدِينَةِ أَنْ يَنْصِبُوا الرُّءُوسَ بِهَا، ثُمَّ يَسِيرُوا بِهَا إِلَى الشَّامِ، فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ. صلب الحجاج جثة عبد الله بن الزبير ثُمَّ أَمَرَ الْحَجَّاجُ بِجُثَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَصُلِبَتْ عَلَى ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ عِنْدَ الْحَجُونِ - يُقَالُ: مُنَكَّسَةً - فَمَا زَالَتْ مَصْلُوبَةً حَتَّى مَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا، ثُمَّ قَالَ: أَمَا آنَ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ ؟ فَبَعَثَ الْحَجَّاجُ، فَأُنْزِلَ عَنِ الْجِذْعِ، وَدُفِنَ هُنَاكَ. دخول الحجاج مكة وأخذه البيعة لعبد الملك بن مروان وَدَخَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى مَكَّةَ، فَأَخَذَ الْبَيْعَةَ مِنْ أَهْلِهَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلَمْ يَزَلِ الْحَجَّاجُ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَتَّى أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ عَامَهُ هَذَا أَيْضًا، وَهُوَ عَلَى مَكَّةَ وَالْيَمَامَةِ وَالْيَمَنِ.

  229. التاريخ 2320لا حكم مسجّل

    وَهَذِهِ تَرْجَمَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ؓ   اسمه ونسبه وكنيته هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو بَكْرٍ، وَيُقَالُ لَهُ: أَبُو خُبَيْبٍ، الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، هَاجَرَتْ بِهِ - وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ مُتِمٌ - فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاءَ أَوَّلَ مَقْدِمِهِمِ الْمَدِينَةَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا وَلَدَتْهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُمَا، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بِمَكَّةَ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ بِهِ، وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ فَوَلَدْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا دَخَلَ فِي جَوْفِهِ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: ثُمَّ حَنَّكَهُ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ. وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَشَهِدَ الْجَمَلَ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَحَضَرَ خُطْبَةَ عُمَرَ بِالْجَابِيَّةِ، وَرَوَاهَا عَنْهُ بِطُولِهَا، ثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَقَدِمَ دِمَشْقَ لِغَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، ثُمَّ قَدِمَهَا مَرَّةً أُخْرَى. وَبُويِعَ بِالْخِلَافَةِ أَيَّامَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ غَلَبَ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقَيْنِ وَمِصْرَ وَخُرَاسَانَ وَسَائِرِ بِلَادٍ الشَّامِ إِلَّا دِمَشْقَ، وَتَمَّتِ الْبَيْعَةُ لَهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَكَانَ النَّاسُ بِخَيْرٍ فِي زَمَانِهِ. مولده ومبايعته لرسول الله ﷺ وَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا خَرَجَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرَةً وَهِيَ حُبْلَى بِهِ، فَوَلَدَتْهُ بِقُبَاءَ أَوَّلَ مَقْدِمِهِمِ الْمَدِينَةَ، فَأَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَحَنَّكَهُ، وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَدَعَا لَهُ، وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَدْ سَحَرُوا الْمُهَاجِرِينَ ; فَلَا يُولَدُ لَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وُلِدَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ جَيْشَ الشَّامِ حِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ قَتْلِهِ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَلَّذِينِ كَبَّرُوا عِنْدَ مَوْلِدِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَبَّرُوا عِنْدَ قَتْلِهِ. وَأَذَّنَ الصِّدِّيقُ فِي أُذُنَيْهِ حِينَ وُلِدَ ؓ. وَمَنْ قَالَ: إِنِ الصِّدِّيقَ طَافَ بِهِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ فِي خِرْقَةٍ فَهُوَ وَاهِمٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِنَّمَا طَافَ الصِّدِّيقُ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ لِيَشْتَهِرَ أَمْرُ مِيلَادِهِ عَلَى خِلَافِ مَا زَعَمَتِ الْيَهُودُ. وَقَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَ عَارِضَا عَبْدِ اللَّهِ خَفِيفَيْنِ، وَمَا اتَّصَلَتْ لِحْيَتُهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كُلِّمَ فِي غِلْمَةٍ تَرَعْرَعُوا ; مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ بَايَعْتَهُمْ فَتُصِيبَهُمْ بَرَكَتُكَ، وَيَكُونُ لَهُمْ ذِكْرٌ. فَأُتِيَ بِهِمْ إِلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ تَكَعْكَعُوا، وَاقْتَحَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ وَبَايَعَهُ. شربه لدم رسول الله ﷺ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ شَرِبَ مِنْ دَمِ النَّبِيِّ ﷺ ; كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدِ احْتَجَمَ فِي طَسْتٍ، فَأَعْطَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لِيُرِيقَهُ فَشَرِبَهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اذْهَبْ بِهَذَا الدَّمِ فَأَهْرِقْهُ حَيْثُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ فَلَمَّا بَعُدَ عَمَدَ إِلَى ذَلِكَ الدَّمِ فَشَرِبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: مَا صَنَعْتَ بِالدَّمِ ؟ قَالَ: عَمَدْتُ إِلَى أَخْفَى مَوْضِعٍ عَلِمْتُ فَجَعَلْتُهُ فِيهِ. قَالَ: فَلَعَلَّكَ شَرِبْتَهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْكَ، وَوَيْلٌ لَكَ مِنَ النَّاسِ فَكَانَتْ تِلْكَ الْقُوَّةُ الَّتِي بِهِ مِنْ ذَلِكَ الدَّمِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ كَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَارِسُ الْخُلَفَاءِ. مكانته الدينية وعبادته وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَمُرُّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ يُصَلِّي خَلْفَ الْمَقَامِ كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ مَنْصُوبَةٌ لَا يَتَحَرَّكُ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا سَجَدَ وَقَعَتِ الْعَصَافِيرُ عَلَى ظَهْرِهِ، تَصْعَدُ وَتَنْزِلُ لَا تَرَاهُ إِلَّا جِذْمَ حَائِطٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَقُومُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَرْكَعُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَسْجُدُ لَيْلَهُ حَتَّى يُصْبِحَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَكَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمًا فَقَرَأْتُ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ وَالْمَائِدَةَ وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي كَأَنَّهُ كَعْبٌ رَاتِبٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثَابِتٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ: تَعَلَّمَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الصَّلَاةَ مَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ عَطَاءٍ، وَعَطَاءٌ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الصِّدِّيقِ، وَ الصِّدِّيقُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: لَوْ رَأَيْتَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُصَلِّي كَأَنَّهُ غُصْنُ شَجَرَةٍ تَصْفِقُهَا الرِّيحُ، وَالْمَنْجَنِيقُ يَقَعُ هَاهُنَا وَهَاهُنَا. قَالَ سُفْيَانُ: كَأَنَّهُ لَا يُبَالِي. وَحَكَى بَعْضُهُمْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ حَجَرًا مِنَ الْمَنْجَنِيقِ وَقَعَ عَلَى شُرَّافَةِ الْمَسْجِدِ فَطَارَتْ فِلْقَةٌ مِنْهُ فَمَرَّتْ بَيْنَ لِحْيَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَحَلْقِهِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَقَامِهِ، وَلَا عُرِفَ ذَلِكَ فِي صَوْتِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، جَادَ مَا وَصَفْتَ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمًا لِابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: صِفْ لَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ جِلْدًا قَطُّ رُكِّبَ عَلَى لَحْمٍ، وَلَا لَحْمًا عَلَى عَصَبٍ، وَلَا عَصَبًا عَلَى عَظْمٍ مِثْلَهُ، وَلَا رَأَيْتُ نَفْسًا رُكِّبَتْ بَيْنَ جَنْبَيْنِ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَلَقَدْ مَرَّتْ آجُرَّةٌ مِنْ رَمْيِ الْمَنْجَنِيقِ بَيْنَ لِحْيَتِهِ وَصَدْرِهِ، فَوَاللَّهِ مَا جَشِعَ وَلَا قَطَعَ لَهَا قِرَاءَتَهُ، وَلَا رَكَعَ دُونَ مَا كَانَ يَرْكَعُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ خَرَجَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَيْهَا، وَلَقَدْ كَانَ يَرْكَعُ فَيَكَادُ يَقَعُ الرَّخَمُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَيَسْجُدُ فَكَأَنَّهُ ثَوْبٌ مَطْرُوحٌ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: كَانَ قَارِئًا لِكِتَابِ اللَّهِ، مُتَّبِعًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، قَانِتًا لِلَّهِ، صَائِمًا فِي الْهَوَاجِرِ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ، ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ، وَأُمُّهُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، وَخَالَتُهُ عَائِشَةُ حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ، فَلَا يَجْهَلُ حَقَّهُ إِلَّا مَنْ أَعْمَاهُ اللَّهُ. وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَوْمًا يُصَلِّي فَسَقَطَتْ حَيَّةٌ مِنَ السَّقْفِ تَطَوَّقَتْ عَلَى بَطْنِ ابْنِهِ هَاشِمٍ، فَصَرَخَ النِّسْوَةُ، وَانْزَعَجَ أَهْلُ الْمَنْزِلِ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى قَتْلِ تِلْكَ الْحَيَّةَ، ف?قَتَلُوهَا وَسَلِمَ الْوَلَدُ ; فَعَلُوا هَذَا كُلَّهُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ، وَلَا دَرَى بِمَا جَرَى لِابْنِهِ حَتَّى سَلَّمَ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يُوَاصِلُ الصَّوْمَ سَبْعًا ; يَصُومُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ الْأُخْرَى، وَيَصُومُ بِالْمَدِينَةِ وَلَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي مَكَّةَ، وَيَصُومُ بِمَكَّةَ فَلَا يُفْطِرُ إِلَّا فِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ إِذَا أَفْطَرَ أَوَّلُ مَا يُفْطِرُ عَلَى لَبَنِ لِقْحَةٍ، وَسَمْنٍ، وَصَبِرٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَأَمَّا اللَّبَنُ فَيَعْصِمُهُ، وَأَمَّا السَّمْنُ فَيَقْطَعُ عَنْهُ الْعَطَشَ، وَأَمَّا الصَّبِرُ فَيُفَتِّقُ الْأَمْعَاءَ. وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُوَاصِلُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَيُصْبِحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ وَهُوَ أَلْيَثُنَا. وَرُوِيَ مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سِوَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَسَطِهِ. وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمَكَثَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَنْزِعْ ثَوْبَهُ عَنْ ظَهْرِهِ. وَقَالَ لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُطِيقُ مَا يُطِيقُهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِبَادَةِ ؓ. وَلَقَدْ جَاءَ سَيْلٌ مَرَّةً فَطَبَّقَ الْبَيْتَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَطُوفُ سِبَاحَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يُنَازَعُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْعِبَادَةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالْفَصَاحَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُثْمَانَ جَعَلَهُ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ نَسَخُوا الْمَصَاحِفَ مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فِي خُطَبَاءِ الْإِسْلَامِ مَعَ مُعَاوِيَةَ وَابْنِهِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَابْنِهِ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ رِدَاءً يَمَانِيًّا عَدَنِيًّا يُصَلِّي فِيهِ، وَكَانَ صَيِّتًا ; إِذَا خَطَبَ يُجَاوِبُهُ الْجَبَلَانِ أَبُو قُبَيْسٍ، وَزَرُودُ. صفة عبد الله بن الزبير وَكَانَ آدَمَ نَحِيفًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَكَانَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ، كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، مُجْتَهِدًا، شَهْمًا، فَصِيحًا، صَوَّامًا قَوَّامًا، شَدِيدَ الْبَأْسِ، ذَا أَنَفَةٍ، لَهُ نَفْسٌ شَرِيفَةٌ وَهِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَكَانَ خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مِنَ الشَّعْرِ إِلَّا قَلِيلًا، وَكَانَتْ لَهُ جُمَّةٌ، وَكَانَ لَهُ لِحْيَةٌ صَفْرَاءُ. شهود عبد الله بن الزبير الغزوات وشجاعته وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ قِتَالَ الْبَرْبَرِ ; وَكَانُوا فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ، وَالْمُسْلِمُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَحَاطُوا بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَمَا زَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَحْتَالُ حَتَّى رَكِبَ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا، وَسَارَ نَحْوَ مَلِكِ الْبَرْبَرِ، وَهُوَ مُنْفَرِدٌ وَرَاءَ الْجَيْشِ، وَجَوَارِيهِ يُظَلِّلْنَهُ بِرِيشِ النَّعَامِ، فَسَاقَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِ، وَالنَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّهُ ذَاهِبٌ فِي رِسَالَةٍ إِلَيْهِ، فَلَمَّا فَهِمَهُ الْمَلِكُ وَلَّى مُدْبِرًا، فَلَحِقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَجَعَلَهُ فَوْقَ رُمْحِهِ، وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَحَمَلُوا عَلَى الْبَرْبَرِ فَهَزَمُوهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمُوا مَغَانِمَ كَثِيرَةً جِدًّا، وَبَعْثَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ بِالْبِشَارَةِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَصَّ عَلَى عُثْمَانَ الْخَبَرَ، وَكَيْفَ جَرَى، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَتَسْتَطِيعُ أَنَّ تُؤَدِّيَ هَذَا لِلنَّاسِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَصَعِدَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَوْقَ الْمِنْبَرِ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَذَكَرَ لَهُمْ كَيْفِيَّةَ مَا جَرَى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَبِي الزُّبَيْرُ فِي جُمْلَةِ مِنْ حَضَرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ كَادَ أَنْ يُرْتَجَ عَلَيَّ فِي الْكَلَامِ مِنْ هَيْبَتِهِ فِي قَلْبِي، فَزَبَرَنِي بِعَيْنِهِ، وَأَشَارَ إِلَيَّ لِيَحْصِبَنِي، فَمَضَيْتُ فِي الْخُطْبَةِ كَمَا كُنْتُ، فَلَمَّا نَزَلْتُ قَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنِي أَسْمَعُ خُطْبَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَ سَمِعْتُ خُطْبَتَكَ يَا بُنَيَّ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ يَبُولُ، فَالْتَفَتَ فَإِذَا عَلَى الرَّاحِلَةِ شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَتَنَحَّى عَنْهَا، فَرَكِبَ ابْنُ الزُّبَيْرِ رَاحِلَتَهُ وَمَضَى، قَالَ: فَنَادَاهُ: وَاللَّهِ يَابْنَ الزُّبَيْرِ لَوْ دَخَلَ قَلْبَكَ اللَّيْلَةَ مِنِّي شَعْرَةٌ لَخَبَلْتُكَ. قَالَ: وَمِنْكَ أَنْتَ يَا لَعِينُ يَدْخُلُ قَلْبِي شَيْءٌ ؟ ! وَقَدْ رُوِيَ لِهَذِهِ الْحِكَايَةِ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى جَيِّدَةٍ. وَعَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعُمْرَةِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانُوا عِنْدَ التَّنَاضِبِ أَبْصَرُوا رَجُلًا عِنْدَ شَجَرَةٍ، فَتَقَدَّمَهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ، وَرَدَّ رَدًّا ضَعِيفًا، وَنَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ لَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: تَنَحَّ عَنِ الظِّلِّ. فَانْحَازَ مُتَكَارِهًا، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَلَسْتُ، وَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَقَلْتُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ. فَمَا عَدَا أَنْ قَالَهَا حَتَّى قَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ مِنِّي فَاجْتَذَبْتُهُ، وَقَلْتُ: أَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ وَتَبْدُو لِي هَكَذَا ؟ وَإِذْ لَيْسَ لَهُ سُفْلَةٌ، وَانْكَسَرَ وَنَهَرْتُهُ، وَقُلْتُ: إِلَيَّ تَتَبَدَّى وَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَذَهَبَ هَارِبًا، وَجَاءَ أَصْحَابِي، فَقَالُوا: أَيْنَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ عِنْدَكَ ؟ فَقُلْتُ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَهَرَبَ. قَالَ: فَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَخَذْتُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَشَدَدْتُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِمْ أَمَجَ وَمَا يَعْقِلُونَ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَإِذَا نِسْوَةٌ يَطُفْنَ بِالْبَيْتِ، فَأَعْجَبْنَنِي، فَلَمَّا قَضَيْنَ طَوَافَهُنَّ خَرَجْنَ، فَخَرَجْتُ فِي إِثْرِهِنَّ ; لِأَعْلَمَ أَيْنَ مَنْزِلُهُنَّ، فَخَرَجْنَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَيْنَ الْعَقَبَةَ، ثُمَّ انْحَدَرْنَ حَتَّى أَتَيْنَ فَجًّا فَدَخَلْنَ فِي خَرِبَةٍ، فَدَخَلْتُ فِي إِثْرِهِنَّ، فَإِذَا مَشْيَخَةٌ جُلُوسٌ فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكَ يَابْنَ الزُّبَيْرِ ؟ فَقُلْتُ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا: الْجِنُّ، وَتِلْكَ النِّسْوَةُ نِسَاؤُنَا، فَمَا تَشْتَهِي يَابْنَ الزُّبَيْرِ ؟ فَقُلْتُ: أَشْتَهِي رُطَبًا، وَمَا بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ مِنْ رُطَبَةٍ، فَأَتَوْنِي بِرُطَبٍ فَأَكَلْتُ، ثُمَّ قَالُوا: احْمِلْ مَا بَقِيَ مَعَكَ، فَجِئْتُ بِهِ الْمَنْزِلَ، فَوَضَعْتُهُ فِي سَفَطٍ، وَوَضَعْتُ السَّفَطَ فِي صُنْدُوقٍ، ثُمَّ وَضَعْتُ رَأْسِي لِأَنَامَ، فَبَيْنَمَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ جَلَبَةً فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيْنَ وَضَعَهُ ؟ قَالُوا: فِي الصُّنْدُوقِ. فَفَتَحُوهُ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّفَطِ دَاخِلَهُ، فَهَمُّوا بِفَتْحِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّفَطَ بِمَا فِيهِ، فَذَهَبُوا بِهِ، قَالَ: فَلَمْ آسَفْ عَلَى شَيْءٍ أَسَفِي كَيْفَ لَمْ أَثِبْ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي الْبَيْتِ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مِمَّنْ حَاجَفَ عَنْ عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ بِضْعَ عَشْرَةَ جِرَاحَةً، وَكَانَ عَلَى الرَّجَّالَةِ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ تِسْعَ عَشْرَةَ جِرَاحَةً أَيْضًا، وَقَدْ تَبَارَزَ يَوْمَئِذٍ هُوَ وَمَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْأَشْتَرِ فَاتَّحَدَا فَصَرَعَ الْأَشْتَرُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْأَشْتَرُ مِنَ الْقِيَامِ عَنْهُ، بَلِ احْتَضَنَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَجَعَلَ يُنَادِي، وَيَقُولُ: اقْتُلُونِي وَمَالِكًا وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، ثُمَّ تَفَرَّقَا، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْأَشْتَرُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ جُرِحَ يَوْمَئِذٍ بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ جِرَاحَةً، وَلَمْ يُوجَدْ إِلَّا بَيْنَ الْقَتْلَى وَبِهِ رَمَقٌ، وَقَدْ أَعْطَتْ عَائِشَةُ لِمَنْ بَشَّرَهَا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَسَجَدَتْ لِلَّهِ شُكْرًا، وَقَدْ كَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ; لِأَنَّهُ ابْنُ أُخْتِهَا، وَكَانَ عَزِيزًا عَلَيْهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَكُنْ عَائِشَةُ تُحِبُّ أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ مِثْلَ حُبِّهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ. وَقَالَ: وَمَا رَأَيْتُ أَبِي وَعَائِشَةَ يَدْعُوَانِ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ مِثْلَ دُعَائِهِمَا لِابْنِ الزُّبَيْرِ. النابغة الجعدي وعبد الله بن الزبير وَعَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَقْحَمَتِ السَّنَةُ نَابِغَةَ بَنِي جَعْدَةَ، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: حَكَيْتَ لَنَا الصِّدِّيقَ لَمَّا وَلِيتَنَا     وَعُثْمَانَ وَالْفَارُوقَ فَارْتَاحَ مُعْدِمُ وَسَوَّيْتَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْحَقِّ فَاسْتَوَوْا     فَعَادَ صَبَاحًا حَالِكُ اللَّيْلِ مُظْلِمُ أَتَاكَ أَبُو لَيْلَى يَجُوبُ بِهِ الدُّجَا     دُجَى اللَّيْلِ جَوَّابُ الْفَلَاةِ عَثَمْثَمُ لِتَجْبُرَ مِنْهُ جَانِبًا ذَعْذَعَتْ بِهِ     صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالزَّمَانُ الْمُصَمِّمُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَوِّنْ عَلَيْكَ أَبَا لَيْلَى، فَإِنَّ الشِّعْرَ أَهْوَنُ وَسَائِلِكَ عِنْدَنَا، أَمَّا صِفْوَةُ مَالِنَا فَلِآلِ الزُّبَيْرِ، وَأَمَّا عَفْوُهُ فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ يَشْغَلُهَا عَنْكَ وَتَيْمًا، وَلَكِنْ لَكَ فِي مَالِ اللَّهِ حَقَّانِ: حَقٌّ بِرُؤْيَتِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَقٌّ لِشَرِكَتِكَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي فَيْئِهِمْ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَدْخَلَهُ دَارَ النَّعَمِ، فَأَعْطَاهُ قَلَائِصَ سَبْعًا، وَجَمَلًا رَحِيلًا، وَأَوْقَرَ لَهُ الرِّكَابَ بُرًّا وَتَمْرًا وَثِيَابًا، فَجَعَلَ النَّابِغَةُ يَسْتَعْجِلُ، وَيَأْكُلُ الْحَبَّ صِرْفًا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَيْحَ أَبِي لَيْلَى، لَقَدْ بَلَغَ الْجَهْدُ. فَقَالَ النَّابِغَةُ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا وَلِيَتْ قُرَيْشٌ فَعَدَلَتْ، وَاسْتُرْحِمَتْ فَرَحِمَتْ، وَحَدَّثَتْ فَصَدَقَتْ، وَوَعَدَتْ خَيْرًا فَأَنْجَزَتْ، فَأَنَا وَالنَّبِيُّونَ فُرَّاطُ الْقَاصِفِينَ. عبد الله بن الزبير ومعاوية بن أبي سفيان وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ صَاحِبُ كِتَابِ " الْمُجَالَسَةِ ": ثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَذِنَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَاحْتَفَلَ الْمَجْلِسُ، وَهُوَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَأَجَالَ بَصَرَهُ فِيهِمْ، ثُمَّ قَالَ: أَنْشِدُونِي لِقُدَمَاءِ الْعَرَبِ ثَلَاثَةَ أَبْيَاتٍ جَامِعَةٍ، مِنْ أَجْمَعَ مَا قَالَتْهَا الْعَرَبُ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا خُبَيْبٍ. فَقَالَ: مَهْيَمْ ؟ قَالَ: أَنْشِدْنِي ذَلِكَ. فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ ; كُلُّ بَيْتٍ بِمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: نَعَمْ، إِنْ سَاوَتْ. قَالَ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ، وَأَنْتَ وَافٍ كَافٍ. فَأَنْشَدَهُ لِلْأَفْوَهِ الْأَوَدِيِّ: بَلَوْتُ النَّاسَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ     فَلَمْ أَرَ غَيْرَ خَتَّالٍ وَقَالِ فَقَالَ: صَدَقَ. وَلَمْ أَرَ فِي الْخُطُوبِ أَشَدَّ وَقْعًا     وَكَيْدًا مِنْ مُعَادَاةِ الرِّجَالِ فَقَالَ: صَدَقَ. وَذُقْتُ مَرَارَةَ الْأَشْيَاءِ طُرًّا     فَمَا شَيْءٌ أَمَرُّ مِنَ السُّؤَالِ فَقَالَ: صَدَقَ. ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: هِيهِ يَا أَبَا خُبَيْبٍ. قَالَ: إِلَى هَاهُنَا انْتَهَى. قَالَ: فَدَعَا مُعَاوِيَةُ بِثَلَاثِينَ عَبْدًا، عَلَى عُنُقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَدْرَةٌ، وَهِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَمَرُّوا بَيْنَ يَدَيِ ابْنِ الزُّبَيْرِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى دَارِهِ. وَعَنْ جُوَيْرِيَّةَ بْنِ أَسْمَاءَ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ تَلَقَّاهُ النَّاسُ، وَتَخَلَّفَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ جَاءَهُ وَقَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا أَكْثَرَ جِحَرَةَ رَأْسِكَ ؟ فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ ; لَا تَخْرُجْ عَلَيْكَ مِنْهَا حَيَّةٌ فَتَقْتُلَكَ. فَلَمَّا أَفَاضَ مُعَاوِيَةُ طَافَ مَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ إِلَى دَارِهِ وَمَنَازِلِهِ بِقُعَيْقِعَانَ، فَذَهَبَ مَعَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: جَاءَ مَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى دُورِهِ وَمَنَازِلِهِ فَفَعَلَ مَاذَا ؟ لَا وَاللَّهِ لَا أَدَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي مِائَةَ أَلْفٍ. فَأَعْطَاهُ، فَجَاءَ مَرْوَانَ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ ; جَاءَكَ رَجُلٌ قَدْ سَمَّى بَيْتَ مَالِ الدِّيوَانِ، وَبَيْتَ الْخِلَافَةِ، وَبَيْتَ كَذَا وَبَيْتَ كَذَا، فَأَعْطَيْتَهُ مِائَةَ أَلْفٍ. فَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ؛ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ ؟ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مُعَاوِيَةَ شَيْئًا فَمَنَعَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَجْهَلُ أَنْ أَلْزَمَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ، فَلَا أَشْتُمُ لَكَ عِرْضًا، وَلَا أَقَصِبُ لَكَ حَسَبًا، وَلَكِنِّي أَسْدُلُ عِمَامَتِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ ذِرَاعًا، وَمِنْ خَلْفِي ذِرَاعًا فِي طَرِيقِ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَذْكُرُ سِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: مَنْ هَذَا ؟ فَيَقُولُونَ: ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَابْنُ بِنْتِ الصِّدِّيقِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: حَسْبُكَ بِهَذَا شَرًّا. ثُمَّ قَالَ: هَاتِ حَوَائِجَكَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا فَلَطَمَهُ لَطْمَةً دَوَّخَ مِنْهَا رَأْسَهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ لِلصَّبِيِّ: ادْنُ مِنِّي. فَدَنَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: الْطِمْ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَبِي. فَرَفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَدَهُ، فَلَطَمَ الصَّبِيَّ لَطْمَةً جَعَلَ يَدُورُ مِنْهَا كَمَا تَدُورُ الدُّوَّامَةُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: تَفْعَلُ هَذَا بِغُلَامٍ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ ؟ قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ قَدْ عَرَفَ مَا يَضُرُّهُ مِمَّا يَنْفَعُهُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُحْسِنَ أَدَبَهُ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: لَحِقَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الشَّامِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَوَجَدَهُ وَهُوَ يَنْعَسُ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَتَنْعَسُ وَأَنَا مَعَكَ ؟ أَمَا تَخَافُ مِنِّي أَنْ أَقْتُلَكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ قُتَّالِ الْمُلُوكِ، إِنَّمَا يَصِيدُ كُلُّ طَائِرٍ قَدْرَهُ. فَقَالَ: أَمَا لَقَدْ سِرْتُ تَحْتَ لِوَاءِ أَبِي إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ مَنْ تَعْلَمُ. فَقَالَ: لَا جَرَمَ قَتَلَكُمْ وَاللَّهِ بِشِمَالِهِ. فَقَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نُصْرَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ لَمْ يُجْزَ بِهَا. فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ لِبُغْضِ عَلِيٍّ لَا لِنُصْرَةِ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّا قَدْ أَعْطَيْنَاكَ عَهْدًا، فَنَحْنُ وَافُونَ لَكَ بِهِ مَا عِشْتَ، فَسَيَعْلَمُ مَنْ بَعْدَكَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا أَخَافُكَ إِلَّا عَلَى نَفْسِكَ، وَكَأَنِّي بِكَ قَدْ خُبِطْتَ فِي الْحِبَالَةِ، وَاسْتُحْكِمَتْ عَلَيْكَ الْأُنْشُوطَةُ، فَذَكَرْتَنِي وَأَنْتَ فِيهَا، فَقُلْتُ: لَيْتَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَهَا، لَيْتَنِي وَاللَّهِ لَهَا، أَمَا وَاللَّهِ لَأَحْلُلَنَّكَ رُوَيْدًا، وَلَأُطْلِقَنَّكَ سَرِيعًا، وَلَبِئْسَ الْوَلِيُّ أَنْتَ تِلْكَ السَّاعَةَ. وَحَكَى ابْنُ عُيَيْنَةَ نَحْوَ هَذَا. خلاف يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا مَاتَ، وَجَاءَتْ بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ انْشَمَرَ مِنْهَا ابْنَ الزُّبَيْرِ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَقَصَدَا مَكَّةَ فَأَقَامَا بِهَا، ثُمَّ خَرَجَ الْحُسَيْنُ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ مَقْتَلِهِ بِأَرْضِ كَرْبَلَاءَ مَا تَقَدَّمَ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّيَاسَةِ وَالسُّؤْدُدِ بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ; وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُنْشِدُ بَعْدَ مَخْرَجِ الْحُسَيْنِ: يَا لَكِ مِنْ قُنْبَرَةٍ بِمَعْمَرِ     خَلَا لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي وَنَقِّرِي مَا شِئْتِ أَنْ تُنَقِّرِي يُعَرِّضُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ. وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِسِلْسِلَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَقَيْدٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَجَامِعَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَحَلَفْتُ لَتَأْتِيَنِي فِي ذَلِكَ، فَأَبِرَّ قَسَمِي، وَلَا تَشُقَّ الْعَصَا. فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ: وَلَا أَلِينُ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ     حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ خلافة عبد الله بن الزبير فَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ بَعْدِهِ قَرِيبًا، اسْتَفْحَلَ أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ جِدًّا، وَبُويِعَ لَهُ بِالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَمِصْرَ، وَبَايَعَ لَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ بِدِمَشْقَ وَأَعْمَالِهَا، وَلَكِنْ عَارَضَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فِي ذَلِكَ، وَمَا زَالَ حَتَّى قَتَلَهُ وَجَمَاعَةً بِمَرْجِ رَاهِطٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَبَايَعَ لَهُ أَهْلُ الشَّامِ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ فَانْتَزَعَهَا مِنْ نُوَّابِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ جَهَّزَ السَّرَايَا إِلَى الْعِرَاقِ، وَمَاتَ وَاسْتَخْلَفَ بَعْدَهُ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَخَذَ الْعِرَاقَ مِنْهُ، ثُمَّ بَعَثَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، فَحَاصَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ، حَتَّى ظَفِرَ بِهِ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَابِعَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَكَانَتْ وِلَايَةُ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا كُلِّهَا، وَبَنَى الْكَعْبَةَ فِي أَيَّامِهِ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَرَدَّ بِنَاءَهَا كَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ، كَمَا أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَسَا الْكَعْبَةَ الْحَرِيرَ، وَكَانَتْ كُسْوَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ الْأَنْطَاعَ وَالْمُسُوحَ. مآثر وعبادة ابن الزبير وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَالِمًا عَابِدًا، مَهِيبًا وَقُورًا، كَثِيرَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ، شَدِيدَ الْخُشُوعِ، قَوِيَّ السِّيَاسَةِ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كَانَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ مِائَةُ غُلَامٍ يَتَكَلَّمُ كُلُّ غُلَامٍ مِنْهُمْ بِلُغَةٍ غَيْرِ لُغَةِ الْآخَرِ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُكَلِّمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِلُغَتِهِ، وَكُنْتَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ قُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَإِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهِ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ قُلْتَ: هَذَا رَجُلٌ لَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى، قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى رَأْسِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الْمِسْكِ مَا لَوْ كَانَ لِي كَانَ رَأْسَ مَالٍ. وَكَانَ يُطَيِّبُ الْكَعْبَةَ حَتَّى كَانَ يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعَمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى امْرَأَتِهِ بِنْتِ الْحَسَنِ، فَرَأَى ثَلَاثَةَ مُثُلٍ - يَعْنِي أَفَرِشَةً - فَقَالَ: هَذَا لِي، وَهَذَا لِابْنَةِ الْحَسَنِ، وَهَذَا لِلشَّيْطَانِ. فَأَخْرَجُوهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَشِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسَاوِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُعَاتِبُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْبُخْلِ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ بِالْمُؤْمِنِ مَنْ يَبِيتُ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ إِلَى جَنْبِهِ جَائِعٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْحِجْرِ، فَقَالَ: يَابْنَ الزُّبَيْرِ، إِيَّاكَ وَالْإِلْحَادَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُحِلُّهَا وَيَحُلُّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، لَوْ وُزِنَتْ ذُنُوبُهُ بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا قَالَ: فَانْظُرْ أَنْ لَا تَكَوُنَهُ يَابْنَ عَمْرٍو، فَإِنَّكَ قَرَأْتَ الْكُتُبَ، وَصَحِبْتَ النَّبِيَّ ﷺ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّ هَذَا وَجِهِي إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا. وَهَذَا قَدْ يَكُونُ رَفْعُهُ غَلَطًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، مِمَّا أَصَابَهُ مِنَ الزَّامِلَتَيْنِ مِنْ عُلُومِ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: لَيُحْرَقَنَّ هَذَا الْبَيْتُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الزُّبَيْرِ. وَعَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ قَالَ: قَالَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَعْلَمُ مِمَّا عَلَّمْتَنِي أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا قَتِيلًا، يُطَافُ بِرَأْسِهِ فِي الْأَسْوَاقِ. وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا أَفْصَحَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَهُوَ صَغِيرٌ: السَّيْفُ، فَكَانَ لَا يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ. وَكَانَ الزُّبَيْرُ إِذَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ يَقُولُ لَهُ: أَمَا وَاللَّهِ لَيَكُونُنَّ لَكَ مِنْهُ يَوْمٌ وَيَوْمٌ وَأَيَّامٌ. كرامات ابن الزبير بعد موته وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ مَقْتَلِهِ، وَأَنَّ الْحَجَّاجَ صَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ فَوْقَ الثَّنِيَّةِ، وَأَنَّهُ رَبَطَ إِلَى جَنْبِهِ هِرَّةً مَيِّتَةً، فَكَانَ رِيحُ الْمِسْكِ يَغْلِبُ عَلَى رِيحِهَا، وَأَنَّ أُمَّهُ أَرْسَلَتْ إِلَى الْحَجَّاجِ تَقُولُ لَهُ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، عَلَامَ تَصْلُبُ وَلَدِي ؟ فَقَالَ: إِنِّي اسْتَبَقْتُ أَنَا وَإِيَّاهُ إِلَى هَذِهِ الْخَشَبَةِ فَسَبَقَنِي إِلَيْهَا. وَأَنَّ أُمَّهُ جَاءَتْ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَيْهِ فَدَعَتْ لَهُ طَوِيلًا، وَلَا يَقْطُرُ مِنْ عَيْنِهَا دَمْعَةٌ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ، وَكَذَلِكَ وَقَفَ عَلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ فَدَعَا لَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثَنَاءً كَثِيرًا جِدًّا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ، قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ خَرَجَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَيْهِ، وَهِيَ عَلَى دَابَّةٍ، فَأَقْبَلَ الْحَجَّاجُ فِي أَصْحَابِهِ فَسَأَلَ عَنْهَا فَأُخْبِرَ بِهَا، فَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِ نَصَرَ اللَّهُ الْحَقَّ وَأَظْهَرَهُ ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أُدِيلَ الْبَاطِلُ عَلَى الْحَقِّ، وَإِنَّكَ بَيْنَ فَرْثِهَا وَالْجِيَّةِ. فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ أَلْحَدَ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَقَدْ أَذَاقَهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ; قَطْعَ السُّبُلِ. قَالَتْ: كَذَبْتَ، كَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ فِي الْإِسْلَامِ بِالْمَدِينَةِ، وَسُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحَنَّكَهُ بِيَدِهِ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ حَتَّى ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ فَرَحًا بِهِ، وَقَدْ فَرِحْتَ أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ بِمَقْتَلِهِ، فَمَنْ كَانَ فَرِحَ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْ أَصْحَابِكَ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ بَرًّا بِالْوَالِدَيْنِ، صَوَّامًا، قَوَّامًا بِكِتَابِ اللَّهِ، مُعَظِّمًا لِحُرُمِ اللَّهِ، يُبْغِضُ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَيَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ، الْآخِرُ مِنْهُمَا شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُبِيرٌ فَانْكَسَرَ الْحَجَّاجُ وَانْصَرَفَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ فِي مُخَاطَبَتِهِ أَسْمَاءَ، وَقَالَ: مَا لَكَ وَلِابْنَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ ؟ وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ، حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَأُمَّةُ خَيْرٍ. ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجُ وُقُوفُ ابْنِ عُمَرَ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، وَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ: لِتَأْتِيَنِّي أَوْ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا آتِيهِ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَرَوْنِي سِبْتَيَّ. فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيٍتِينِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: يَابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَ?ْهِ وَسَلَّمَ وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّذِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا، فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا. انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا صَلَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى ثَنِيَّةِ الْحَجُونَ بَعَثَتْ إِلَيْهِ أَسْمَاءُ تَدْعُو عَلَيْهِ، وَطَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُدْفَنَ، فَأَبَى عَلَيْهَا، حَتَّى كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُدْفَنَ، فَدُفِنَ بِالْحَجُونِ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يُشْتَمُّ مِنْ عِنْدِ قَبْرِهِ رِيحُ الْمِسْكِ. أولاده وزوجاته وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ: خُبَيْبٌ وَحَمْزَةُ وَعَبَّادٌ وَثَابِتٌ، وَأُمُّهُمْ تُمَاضِرُ بِنْتُ مَنْظُورٍ الْفَزَارِيِّ، وَهَاشِمٌ وَقَيْسٌ وَعُرْوَةُ - قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ - وَالزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ هَاشِمٍ بِنْتُ حُلَّةَ بْنِ مَنْظُورٍ، وَعَامِرٌ وَمُوسَى وَأُمُّ حَكِيمٍ وَفَاطِمَةُ وَفَاخِتَةُ، وَأُمُّهُمْ جُثَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَبَكْرٌ وَرُقَيَّةُ، وَأُمُّهُمْ عَائِشَةُ بِنْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَمُصْعَبٌ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ. وَقَدْ أَسْنَدَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ حَدِيثًا. رثاء ابن الزبير وتنبؤه بموته وَقَدْ رُثِيَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَخُوهُ مُصْعَبٌ بِمَرَاثٍ كَثِيرَةٍ حَسَنَةٍ بَلِيغَةٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْمَرٍ الذُّهْلِيِّ يَرْثِيهُمَا بِأَبْيَاتٍ: لَعَمْرُكَ مَا أَبْقَيْتُ فِي النَّاسِ حَاجَةً     وَلَا كُنْتُ مَلْبُوسَ الْهُدَى مُتَذَبْذِبًا غَدَاةَ دَعَانِي مُصْعَبٌ فَأَجَبْتُهُ     وَقَلْتُ لَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا أَبُوكَ حَوَارِيُّ الرَّسُولِ وَسَيْفُهُ     فَأَنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ مِنْ خَيْرِنَا أَبَا وَذَاكَ أَخُوكَ الْمُهْتَدَى بِضِيَائِهِ     بِمَكَّةَ يَدْعُونَا دُعَاءً مُثَوَّبَا وَلَمْ أَكُ ذَا وَجْهَيْنِ وَجْهٍ لِمُصْعَبٍ     مَرِيضٍ وَوَجْهٍ لِابْنِ مَرْوَانَ إِذْ صَبَا وَكُنْتُ امْرَأً نَاصَحْتُهُ غَيْرَ مُؤْثِرٍ     عَلَيْهِ ابْنَ مَرْوَانَ وَلَا مُتَقَرِّبَا إِلَيْهِ بِمَا تُقْذَى بِهِ عَيْنُ مُصْعَبٍ     وَلَكِنَّنِي نَاصَحْتُ فِي اللَّهِ مُصْعَبَا إِلَى أَنْ رَمَتْهُ الْحَادِثَاتُ بِسَهْمِهَا     فَلِلَّهِ سَهْمًا مَا أَسَدَّ وَأَصْوَبَا فَإِنْ يَكُ هَذَا الدَّهْرُ أَوْدَى بِمُصْعَبٍ     وَأَصْبَحَ عَبْدُ اللَّهِ شِلْوًا مُلَحَّبَا فَكُلُّ امْرِئٍ حَاسٍ مِنَ الْمَوْتِ جُرْعَةً     وَإِنْ حَادَ عَنْهَا جُهْدَهُ وَتَهَيَّبَا وَلَمَّا بَعَثَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ ذَلِكَ الْقَيْدَ مِنْ ذَهَبٍ، وَسِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَجَامِعَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَأَقْسَمَ لَتَأْتِيَنِّي فِيهَا، فَقَالُوا لَهُ: بِرَّ قَسَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: وَلَا أَلِينُ لِغَيْرِ الْحَقِّ أَسْأَلُهُ     حَتَّى يَلِينَ لِضِرْسِ الْمَاضِغِ الْحَجَرُ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ بِعِزٍّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ فِي ذُلٍّ. ثُمَّ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَأَظْهَرَ الْخِلَافَ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ دَخَلَ عَلَى أُمِّهِ فَقَالَ: إِنَّ فِي الْمَوْتِ لَرَاحَةٌ. وَكَانَتْ أُمُّهُ قَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ لَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَلَمْ يَفْسُدْ لَهَا بَصَرٌ، فَقَالَتْ لَهُ: مَا أُحِبُّ أَنْ أَمُوتَ حَتَّى آتِيَ عَلَى أَحَدِ طَرَفَيْكَ، إِمَّا أَنْ تَمْلِكَ فَتَقَرَّ عَيْنِي، وَإِمَّا أَنْ تُقْتَلَ فَأَحْتَسِبَكَ. ثُمَّ خَرَجَ عَنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: وَلَسْتُ بِمُبْتَاعِ الْحَيَاةِ بِسُبَّةٍ     وَلَا مُرْتَقٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ سُلَّمَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى آلِ الزُّبَيْرِ يَعِظُهُمْ وَيَقُولُ: لِيُكِنَّ أَحَدُكُمْ سَيْفَهُ كَمَا يُكِنُّ وَجْهَهُ، فَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ امْرَأَةٌ، وَاللَّهِ مَا لَقِيتُ زَحْفًا قَطُّ إِلَّا فِي الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ، وَمَا أَلِمْتُ جُرْحًا إِلَّا أَلَمَ الدَّوَاءِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ وَمَعَهُ سَيْفَانِ، فَأَوَّلُ مَنْ لَقِيَهُ الْأَسْوَدُ، فَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَطَنَّ رِجْلَهُ، فَقَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ: أَخُّ يَابْنَ الزَّانِيَةِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: اخْسَأْ يَابْنَ حَامٍ، أَسْمَاءُ زَانِيَةٌ ؟ ! ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْوَانِهِ يَرْمُونَ أَعْدَاءَهُ بِالْآجُرِّ، فَأَصَابَتْهُ آجُرَّةٌ مِنْ أَعْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَفَلَقَتْ رَأْسَهُ، فَوَقَفَ قَائِمًا وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ قَرْنِي وَاحِدًا كَفَيْتُهُ وَيَقُولُ: وَلَسْنَا عَلَى الْأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا     وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا تَقْطُرُ الدِّمَا ثُمَّ وَقَعَ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ مَوْلَيَانِ لَهُ، وَهُمَا يَقُولَانِ: الْعَبْدُ يَحْمِي رَبَّهُ وَيَحْتَمِي ثُمَّ أَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَحَزُّوا رَأْسَهُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَنَا حَاضِرٌ مَقْتَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، يَوْمَ قُتِلَ جَعَلَتِ الْجُيُوشُ تَدَخُلُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، وَكُلَّمَا دَخَلَ قَوْمٌ مِنْ بَابٍ حَمَلَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُخْرِجَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ إِذْ جَاءَتْ شُرْفَةٌ مِنْ شُرُفَاتِ الْمَسْجِدِ، فَوَقَعَتْ عَلَى رَأْسِهِ فَصَرَعَتْهُ، وَهُوَ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَسْمَاءُ يَا أَسْمَاءُ لَا تَبْكِينِي     لَمْ يَبْقَ إِلَّا حَسَبِي وَدِينِي وَصَارِمٌ لَانَتْ بِهِ يَمِينِي وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أُمَّهُ قَالَتْ لِلْحَجَّاجِ: أَمَا آنَ لِهَذَا الرَّاكِبِ أَنْ يَنْزِلَ ؟ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: ابْنُكُ الْمُنَافِقُ ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَ مُنَافِقًا، إِنْ كَانَ لَصَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ. فَقَالَ: انْصَرِفِي يَا عَجُوزُ، فَإِنَّكِ قَدْ خَرِفْتِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا خَرِفْتُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَقَدْ رَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ. ما قيل عن ابن الزبير بعد موته وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَمَرَّ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَوَقَفَ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ. مواعظ وخطب ابن الزبير قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ قَالَ: شَهِدْتُ خُطْبَةَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِالْمَوْسِمِ، خَرَجَ عَلَيْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَلَبَّى بِأَحْسَنِ تَلْبِيَةٍ سَمِعْتُهَا قَطُّ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ جِئْتُمْ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى وُفُودًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ وَفْدَهُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَطْلُبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَإِنَّ طَالِبَ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يَخِيبُ، فَصَدِّقُوا قَوْلَكُمْ بِفِعْلٍ، فَإِنَّ مَلَاكَ الْقَوْلِ الْفِعْلُ، وَالنِّيَّةَ النِّيَّةَ، وَالْقُلُوبَ الْقُلُوبَ، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَيَّامِكُمْ هَذِهِ ; فَإِنَّهَا أَيَّامٌ تُغْفَرُ فِيهَا الذُّنُوبُ، جِئْتُمْ مِنْ آفَاقٍ شَتَّى فِي غَيْرِ تِجَارَةٍ، وَلَا طَلَبِ مَالٍ، وَلَا دُنْيَا تَرْجُونَهَا هَاهُنَا. ثُمَّ لَبَّى وَلَبَّى النَّاسُ، فَمَا رَأَيْتُ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: كُتِبَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَوْعِظَةٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ لِأَهْلِ التَّقْوَى عَلَامَاتٌ يُعْرَفُونَ بِهَا، وَيَعْرِفُونَهَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَكَظْمُ الْغَيْظِ، وَصَبْرٌ عَلَى الْبَلَاءِ، وَرِضًا بِالْقَضَاءِ، وَشُكْرٌ لِلنَّعْمَاءِ، وَذُلٌّ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا الْإِمَامُ كَالسُّوقِ ; مَا نَفَقَ فِيهَا حُمِلَ إِلَيْهَا، إِنْ نَفَقَ الْحَقُّ عِنْدَهُ حُمِلَ إِلَيْهِ وَجَاءَهُ أَهْلُهُ، وَإِنْ نَفَقَ الْبَاطِلُ عِنْدَهُ حُمِلَ إِلَيْهِ وَجَاءَهُ أَهْلُهُ. وعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يُعْطِي سَلَمَهُ قَطُّ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةِ سُلْطَانٍ وَلَا غَيْرِهِ. وَبِهَذِهِ الْإِسْنَادَاتِ أَهْلُ الشَّامِ كَانُوا يُعَيِّرُونَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَيَقُولُونَ لَهُ: يَابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ. فَقَالَتْ لَهُ أَسْمَاءُ: يَا بُنَيَّ، إِنَّهُمْ يُعَيِّرُونَكَ بِالنِّطَاقَيْنِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِي نِطَاقٌ وَاحِدٌ شَقَقْتُهُ نِصْفَيْنِ ; فَجَعَلْتُ فِي سُفْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدَهُمَا، وَأَوْكَيْتُ قِرْبَتَهُ بِالْآخَرِ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ يُرِيدَانِ الْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا عَيَّرُوهُ بِالنِّطَاقَيْنِ يَقُولُ: إِيهًا وَاللَّهِ: وَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْكَ عَارُهَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. قِصَّةُ إِنَّ وَرَاكِبِهَا وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيُّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَحِمًا مِنْ قِبَلِ فُلَانَةَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: نَعَمْ؛ هَذَا كَمَا ذَكَرْتَ، وَإِنْ فَكَّرْتَ فِي هَذَا... أَصَبْتَ؛ النَّاسُ بِأَسْرِهِمْ يَرْجِعُونَ إِلَى أَبٍ وَاحِدٍ وَإِلَى أُمٍّ وَاحِدَةٍ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ نَفَقَتِي نَفِدَتْ. قَالَ: مَا كُنْتَ ضَمِنْتَ لِأَهْلِكَ أَنَّهَا تَكْفِيكَ إِلَى أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِمْ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَإِنَّ نَاقَتِي قَدْ نَقَبَتْ. قَالَ: أَنْجِدْ بِهَا تُبْرِدْ خُفَّهَا، وَارْقَعْهَا بِسَبْتٍ، وَاخْفِضْهَا بِهُلْبٍ، وَسِرْ عَلَيْهَا الْبَرْدَيْنِ. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّمَا جِئْتُكَ مُسْتَحْمِلًا وَلَمْ آتِكَ مُسْتَوْصِفًا، لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ وَرَاكِبَهَا! فَخَرَجَ الْأَسَدِيُّ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَرَى الْحَاجَاتِ عِنْدَ أَبِي خُبَيْبٍ     نُكَدْنَ، وَلَا أُمَيَّةُ فِي الْبِلَادِ مِنَ الْأَعْيَاصِ أَوْ مِنْ آلِ حَرْبٍ     أَغَرُّ كَغُرَّةِ الْفَرَسِ الْجَوَادِ وَقُلْتُ لِصُحْبَتِي: أَدْنُوا رِكَابِي     أُفَارِقْ بَطْنَ مَكَّةَ فِي سَوَادِ وَمَا لِي حِينَ أَقْطَعُ ذَاتَ عِرْقٍ     إِلَى ابْنِ الْكَاهِلِيَّةِ مِنْ مَعَادِ! وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: (لَمْ يُحْمَلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأْسٌ إِلَى الْمَدِينَةِ قَطُّ وَلَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَحُمِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَأْسُ فِكْرِهِ ذَلِكَ، وَأَوَّلُ مَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ الرُّءُوسُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ).

  230. التاريخ 2321لا حكم مسجّل

    تولية بشر بن مروان إمرة البصرة قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - يَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ - عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَأَضَافَهَا إِلَى أَخِيهِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ مَعَ الْكُوفَةِ، فَارْتَحَلَ إِلَيْهَا بِشْرٌ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ. غزو الروم وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ،  فَهَزَمَ الرُّومَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقْعَةُ عُثْمَانَ بْنِ الْوَلِيدِ بِالرُّومِ  ، مِنْ نَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةَ، وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَالرُّومُ فِي سِتِّينَ أَلْفًا، فَهَزَمَهُمْ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ. من حج بالناس هذه السنة ونواب العمال وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ أَيْضًا، وَهُوَ عَلَى مَكَّةَ وَالْيَمَنِ وَالْيَمَامَةِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ، وَفِي قَوْلِ غَيْرِهِ: عَلَى الْكُوفَةِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ. وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَعَلَى إِمْرَةِ خُرَاسَانَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ، يَعْنِي الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مبايعة الناس عبد الملك بن مروان وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ   فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ بِالْبَيْعَةِ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَجْلِسُ لِلنَّاسِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمَيْنِ. قصة شكوى لم يكتب صاحبها اسمه فيها عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ أَحَدِ حُجَّابِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَجْلِسُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ يَوْمَيْنِ جُلُوسًا عَامًّا، فَبَيْنَا هُوَ جَالِسٌ فِي مُسْتَشْرَفٍ لَهُ وَقَدْ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْقِصَصُ، إِذْ وَقَعَتْ فِي يَدِهِ قِصَّةٌ غَيْرُ مُتَرْجَمَةٍ فِيهَا: إِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرَ جَارِيَتَهُ تُغَنِّينِي ثَلَاثَةَ أَصْوَاتٍ ثُمَّ يَنْفُذُ فِيَّ مَا يَشَاءُ مِنْ حُكْمِهِ. فَاسْتَشَاطَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا، وَقَالَ: يَا رَبَاحُ، عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَخَرَجَ النَّاسُ جَمِيعًا، وَأُدْخِلَ عَلَيْهِ غُلَامٌ كَمَا أَعْذَرَ كَأَهْنَأِ الصِّبْيَانِ وَأَحْسَنِهِمْ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا غُلَامُ هَذِهِ قِصَّتُكَ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: وَمَا الَّذِي غَرَّكَ مِنِّي، وَاللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِكَ، وَلَأَرْدَعَنَّ بِكَ نُظَرَاءَكَ مِنْ أَهْلِ الْجَسَارَةِ، عَلَيَّ بِالْجَارِيَةِ، فَجِيءَ بِجَارِيَةٍ كَأَنَّهَا فِلْقَةُ قَمَرٍ، وَبِيَدِهَا عُودٌ، فَطُرِحَ لَهَا كُرْسِيٌّ وَجَلَسَتْ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مُرْهَا يَا غُلَامُ، فَقَالَ: غَنِّي لِي يَا جَارِيَةُ بِشِعْرِ قَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ: لَقَدْ كُنْتِ حَسْبَ النَّفْسِ لَوْ دَامَ أَوْ دَنَا وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ     وَكُنَّا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْهَوَى بِأَنْعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ     فَمَا بَرِحَ الْوَاشُونَ حَتَّى بَدَتْ لَنَا بُطُونُ الْهَوَى مَقْلُوبَةً بِظُهُورِ فَغَنَّتْهُ وَأَجَادَتْ، فَخَرَجَ الْغُلَامُ مِنْ جَمِيعِ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الثِّيَابِ تَخْرِيقًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مُرْهَا تُغَنِّكَ الصَّوْتَ الثَّانِيَ، فَقَالَ: غَنِّي بِشِعْرِ جَمِيلٍ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً     بِوَادِي الْقُرَى إِنِّي إِذًا لَسَعِيدُ إِذَا قُلْتُ مَا بِي يَا بُثَيْنَةُ قَاتِلِي     مِنَ الْحَبِّ قَالَتْ ثَابِتٌ وَيَزِيدُ وَإِنْ قُلْتُ رُدِّي بَعْضَ عَقْلِي أَعِشْ بِهِ     مَعَ النَّاسِ قَالَتْ ذَاكَ مِنْكَ بَعِيدُ فَلَا أَنَا مَرْدُودٌ بِمَا جِئْتُ طَالِبًا     وَلَا حُبُّهَا فِيمَا يَبِيدُ يَبِيدُ يَمُوتُ الْهَوَى مِنِّي إِذَا مَا لَقِيتُهَا     وَيَحْيَا إِذَا فَارَقْتُهَا فَيَعُودُ فَغَنَّتْهُ الْجَارِيَةُ وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلَكِ: مُرْهَا فَلْتُغَنِّكَ الصَّوْتَ الثَّالِثَ. فَقَالَ: يَا جَارِيَةُ غَنِّي بِشِعْرِ قَيْسِ بْنِ الْمُلَوَّحِ: وَفِي الْجِيرَةِ الْغَادِينَ مِنْ بَطْنِ وَجْرَةَ     غَزَالٌ غَضِيضُ الْمُقْلَتَيْنِ رَبِيبُ فَلَا تَحْسَبِي أَنَّ الْغَرِيبَ الَّذِي نَأَى     وَلَكِنَّ مَنْ تَنْأَيْنَ عَنْهُ غَرِيبُ فَغَنَّتْهُ الْجَارِيَةُ، فَطَرَحَ الْغُلَامُ نَفْسَهُ مِنَ الْمُسْتَشْرَفِ فَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَقَطَّعَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيْحَهَ! لَقَدْ عَجِلَ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَقَدْ كَانَ تَقْدِيرِي فِيهِ غَيْرَ الَّذِي فَعَلَ، وَأَمَرَ فَأُخْرِجَتِ الْجَارِيَةُ مِنْ قَصْرِهِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِ الْغُلَامِ، فَقَالُوا: غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ، إِلَّا أَنَّهُ مُنْذُ ثَلَاثٍ يُنَادِي فِي السُّوقِ وَيَدُهُ عَلَى رَأْسِهِ: غَدًا يَكْثُرُ الْبَاكُونَ مِنَّا وَمِنْكُمُ     وَتَزْدَادُ دَارِي مِنْ دِيَارِكُمْ بُعْدَا . مقتل أبي فديك وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ لِقِتَالِ أَبِي فُدَيْكٍ،  وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْتَدِبَ مَعَهُ مَنْ أَحَبَّ، فَقَدِمَ الْكُوفَةَ فَنَدَبَ أَهْلَهَا، فَانْتَدَبَ مَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ أُعْطِيَاتِهِمْ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ، فَجَعَلَ أَهْلَ الْكُوفَةِ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَعَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، وَجَعَلَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ وَعَلَيْهِمُ ابْنُ أَخِيهِ عُمَرُ بْنُ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ فِي الْقَلْبِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْبَحْرِينِ، فَصَفَّ عُمَرُ أَصْحَابَهُ، وَقَدَّمَ الرَّجَّالَةَ فِي أَيْدِيهِمُ الرِّمَاحُ، فَحَمَلَ أَبُو فُدَيْكٍ وَأَصْحَابُهُ حَمْلَةً وَاحِدَةً فَكَشَفُوا مَيْسَرَةَ عُمَرَ، فَارْتَثَّ عُمَرُ، وَحَمَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَبَاحُوا عَسْكَرَ الْعَدُوِّ، وَقَتَلُوا أَبَا فُدَيْكٍ، وَحَصَرُوهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى الْحُكْمِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحَوًا مِنْ سِتَّةِ آلَافٍ، وَأَسَرُوا ثَمَانِمِائَةٍ، وَانْصَرَفُوا إِلَى الْبَصْرَةِ.

  231. التاريخ 2322لا حكم مسجّل

    عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَمِمَّنْ قُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ  فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِمَكَّةَ مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ، أَبُو صَفْوَانَ الْمَكِّيُّ وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ أَبِيهِ، أَدْرَكَ حَيَاةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَكَانَ سَيِّدًا شَرِيفًا مُطَاعًا حَلِيمًا، يَحْتَمِلُ الْأَذَى، لَوْ سَبَّهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ، مَا اسْتَنْكَفَ عَنْهُ، وَلَمْ يَقْصِدْهُ أَحَدٌ فِي شَيْءٍ فَرَدَّهُ خَائِبًا، وَلَا سَمِعَ بِمَفَازَةٍ إِلَّا حَفَرَ جُبًّا، أَوْ عَمِلَ فِيهَا بِرْكَةً، وَلَا عَقَبَةٍ إِلَّا سَهَّلَهَا. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ قَدِمَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِرَاقِ، فَأَطَالَ الْخَلْوَةَ مَعَهُ، فَجَاءَ ابْنُ صَفْوَانَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الَّذِي شَغَلَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ ؟ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُهَلَّبَ. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِابْنِ الزُّبَيْرِ: وَمَنْ هَذَا الَّذِي يَسْأَلُ عَنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ. فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ. وَكَانَ ابْنُ صَفْوَانَ كَرِيمًا جِدًّا. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِسَنَدِهِ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدِمَ حَاجًّا فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ تَلَقَّاهُ، فَجَعَلَ يُسَايِرُ مُعَاوِيَةَ، وَجَعَلَ أَهْلُ الشَّامِ يَقُولُونَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُسَايِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ إِذَا الْجَبَلُ أَبْيَضُ مِنَ الْغَنَمِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ غَنَمٌ أَجْزَرْتُكَهَا ; تُقَسِّمُهَا بَيْنَ الْجُنْدِ. فَإِذَا هِيَ أَلَفَا شَاةٍ، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا أَكْرَمَ مِنِ ابْنِ عَمِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ كَانَ ابْنُ صَفْوَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ صَبَرَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ حِينَ حَصَرَهُ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي قَدْ أَقَلْتُكَ بَيْعَتِي، فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا قَاتَلْتُ عَنْ دِينِي. ثُمَّ صَبَّرَ نَفْسَهُ، حَتَّى قُتِلَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَارِثَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ الْمَدَنِيُّ وُلِدَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَنَّكَهُ، وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَ الْيَوْمِ صَبْرًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَعَنْهُ ابْنَاهُ: إِبْرَاهِيمُ، وَ مُحَمَّدٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُوسَى. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَ ابْنُ مُطِيعٍ مِنْ كِبَارِ رِجَالِ قُرَيْشٍ جَلَدًا وَشَجَاعَةً، وَأَخْبَرَنِي عَمِّي مُصْعَبٌ أَنَّهُ كَانَ عَلَى قُرَيْشٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَقُتِلَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: أَنَا الَّذِي فَرَرْتُ يَوْمَ الْحَرَّةْ وَالشَّيْخُ لَا يَفِرُّ إِلَّا مَرَّةْ     لَأُجْبُرَنَّ كَرَةً بِفَرَّةْ رَحِمَهُ اللَّهُ. عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْأَشْجَعِيُّ الْغَطَفَانِيُّ عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَوْفٍ الْأَشْجَعِيُّ الْغَطَفَانِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ مُؤْتَةَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالْأُمَرَاءِ قَبْلَهُ، وَشَهِدَ الْفَتْحَ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ قَوْمِهِ يَوْمَئِذٍ، وَشَهِدَ فَتْحَ الشَّامِ، وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَقَدْ مَاتَ قَبْلَهُ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِالشَّامِ. أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ   وَالِدَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ،  وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ عَامَ الْهِجْرَةِ حِينَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا، وَرَبَطَتْ بِهِ سُفْرَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ حِينَ خَرَجَا إِلَى غَارِ ثَوْرٍ لِلْهِجْرَةِ. وَأُمُّهَا قَيْلَةُ، وَقِيلَ: قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. أَسْلَمَتْ أَسْمَاءُ قَدِيمًا، وَهُمْ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَهَاجَرَتْ هِيَ وَزَوْجُهَا الزُّبَيْرُ، وَهِيَ حَامِلٌ مُتِمٌّ بِوَلَدِهَا عَبْدِ اللَّهِ، فَوَضَعَتْهُ بِقُبَاءٍ، أَوَّلَ مَقْدِمِهِمِ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ وَلَدَتْ لِلزُّبَيْرِ بَعْدَ ذَلِكَ عُرْوَةَ، وَ الْمُنْذِرَ، ثُمَّ لَمَّا كَبُرَتْ طَلَّقَهَا الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ: بَلْ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُهُ: إِنَّ مِثْلِي لَا تُوطَأُ أُمُّهُ. فَطَلَّقَهَا الزُّبَيْرُ، وَقِيلَ: بَلِ اخْتَصَمَتْ هِيَ وَالزُّبَيْرُ، فَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: إِنْ دَخَلْتَ فَهِيَ طَالِقٌ. فَدَخَلْتُ فَبَانَتْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ عُمِّرَتْ أَسْمَاءُ دَهْرًا صَالِحًا وَأَضَرَّتْ فِي آخِرِ عُمُرِهَا، وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ صَحِيحَةَ الْبَصَرِ، لَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَأَدْرَكَتْ قَتْلَ وَلَدِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرْنَا، ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَهُ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: بِعَشَرَةٍ. وَقِيلَ: بِعِشْرِينَ. وَقِيلَ: بِبِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: عَاشَتْ بَعْدَهُ مِائَةَ يَوْمٍ. وَهُوَ الْأَشْهَرُ، وَبَلَغَتْ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةَ سَنَةٍ، وَلَمْ يَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ، وَلَمْ يُنْكَرْ لَهَا عَقْلٌ، رَحِمَهَا اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهَا، وَقَدْ رَوَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عِدَّةَ أَحَادِيثَ طَيِّبَةٍ مُبَارَكَةٍ، ؓ وَرَحِمَهَا. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا غَيْرُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ، وَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ وَالْغَزْوِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ. مَالِكُ بْنُ مِسْمَعِ بْنِ غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ مَالِكُ بْنُ مِسْمَعِ بْنِ غَسَّانَ الْبَصْرِيُّ كَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ. ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيُّ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، يُقَالُ لَهُ: أَبُو زَيْدٍ الْأَشْهَلِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو قِلَابَةَ، أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ. زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيَّةُ زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيَّةُ رَبِيبَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَلَدَتْهَا أُمُّهَا بِالْحَبَشَةِ، وَلَهَا رِوَايَةٌ وَصُحْبَةٌ. تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مَجْنُونُ لَيْلَى. كَانَ تَوْبَةُ يَشُنُّ الْغَارَاتِ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، فَرَأَى لَيْلَى، فَهَوَاهَا وَتَهَتَّكَ بِهَا، وَهَامَ بِهَا مَحَبَّةً وَعِشْقًا، وَقَالَ فِيهَا الْأَشْعَارَ الْكَثِيرَةَ الْقَوِيَّةَ الرَّائِقَةَ، الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا، وَلَمْ يُلْحَقْ فِيهَا ; لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الْمَعَانِي وَالْحِكَمِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ مَرَّةً: هَلْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ لَيْلَى رِيبَةٌ قَطُّ ؟ فَقَالَ: بَرِئْتُ مِنْ شَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِنْ كُنْتُ قَطُّ حَلَلْتُ سَرَاوِيلِي عَلَى مُحَرَّمٍ. وَقَدْ دَخَلَتْ لَيْلَى عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ تَشْكُو ظُلَامَةً، فَقَالَ لَهَا: مَاذَا رَأَى مِنْكِ تَوْبَةُ حَتَّى عَشِقَكِ هَذَا الْعِشْقَ كُلَّهُ ؟ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَطُّ رِيبَةٌ، وَلَا خَنَا، وَإِنَّمَا الْعَرَبُ تَعْشَقُ وَتَعِفُّ، وَتَقُولُ الْأَشْعَارَ فِي مَنْ تَهْوَى وَتُحِبُّ، مَعَ الْعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ لِأَنْفُسِهَا عَنِ الدَّنَاءَاتِ. فَأَزَالَ ظُلَامَتَهَا وَأَجَازَهَا. تُوُفِّيَ تَوْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ لَيْلَى جَاءَتْ إِلَى قَبْرِهِ فَبَكَتْ عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ وَمَالِكُ بْنُ مِسْمَعٍ أَبُو غَسَّانَ الْبَكْرِيُّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ، وَوُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. سَلْمُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ وَتُوُفِّيَ سَلْمُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ قَبْلَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ. مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَفِيهَا مَاتَ مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَلَهُ صُحْبَةٌ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ:   كَانَ مِنْ كِبَارِ الْعُبَّادِ الصَّالِحِينَ. وَأَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي مُوسَى، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي آخَرِينَ. أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ الْفِرْدَوْسِيُّ، قَالَ: كَانَ لِصَفْوَانَ سَرَبٌ يَبْكِي فِيهِ. وَعَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَقِيتُ أَقْوَامًا كَانُوا فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ أَزْهَدَ مِنْكُمْ [فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ] وَلَقَدْ لَقِيتُ أَقْوَامًا كَانُوا مِنْ حَسَنَاتِهِمْ أَشْفَقَ أَلَّا تُقْبَلَ مِنْهُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ، وَلَقَدْ صَحِبْتُ أَقْوَامًا كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْكُلُ عَلَى الْأَرْضِ وَيَنَامُ عَلَى الْأَرْضِ، مِنْهُمْ صَفْوَانُ بْنُ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيُّ، كَانَ يَقُولُ: إِذَا آوَيْتُ إِلَى أَهْلِي وَأَصَبْتُ رَغِيفًا أَكَلْتُهُ، فَجَزَى اللَّهُ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا خَيْرًا، وَاللَّهِ مَا زَادَ عَلَى رَغِيفٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، فَيَظَلُّ صَائِمًا وَيُفْطِرُ عَلَى رَغِيفٍ وَيَشْرَبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى يَتَرَوَّى، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الْفَجْرَ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ يَقْرَأُ حَتَّى يَتَرَجَّلَ النَّهَارُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي حَتَّى يَنْتَصِفَ النَّهَارُ، فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ رَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَامَ إِلَى الظُّهْرِ، وَكَانَتْ تِلْكَ نَوْمَتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا، وَكَانَ إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ قَامَ فَصَلَّى إِلَى الْعَصْرِ، فَإِذَا صَلَّى الْعَصْرَ وَضَعَ الْمُصْحَفَ فِي حِجْرِهِ، فَلَا يَزَالُ يَقْرَأُ حَتَّى تَصْفَرَّ الشَّمْسُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ:   أَسْلَمَ بِمَكَّةَ مَعَ أَبِيهِ وَهُوَ صَغِيرٌ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ، وَهَاجَرَ مَعَ أَبِيهِ، وَشَهِدَ غَزْوَةَ الْخَنْدَقِ وَمَا بَعْدَهَا، وَحَضَرَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَيَوْمَ جَلُولَاءَ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ وَقَائِعِ الْفُرْسِ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ" وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا أَدْرَكْنَا أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا إِلَّا ابْنَ عُمَرَ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَلْزَمَ لِلْأَمْرِ الْأَوَّلِ مِنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: لَوْ شَهِدْتُ لِأَحَدٍ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَشَهِدْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. وَقَالَ طَاوُسٌ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَوْرَعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ مُزَاحَمَةِ قُرَيْشٍ عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا خَوْفُكَ. وَعَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اجْتَمَعَ فِي الْحِجْرِ أَرْبَعَةٌ: مُصْعَبٌ، وَعُرْوَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بَنُو الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالُوا: تَمَنَّوْا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْخِلَافَةَ، وَقَالَ عُرْوَةُ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى أَنْ يُؤْخَذَ عَنِّي الْعِلْمُ. وَقَالَ مُصْعَبٌ: أَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى إِمْرَةَ الْعِرَاقِ وَالْجَمْعَ بَيْنَ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وَسُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَأَمَّا أَنَا فَأَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ. قَالَ: فَنَالُوا مَا تَمَنَّوْا، وَلَعَلَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ غُفِرَ لَهُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا، كُنَّا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، فَقَالَ الْقَوْمُ بَعْدَمَا فَرَغُوا مِنْ حَدِيثِهِمْ: لِيَقُمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ فَلْيَأْخُذْ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَلْيَسْأَلِ اللَّهَ حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ يُعْطَى سُؤْلَهُ، قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ فِي الْهِجْرَةِ  ، فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَظِيمٌ تُرْجَى لِكُلِّ عَظِيمٍ أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ وَجْهِكَ وَحُرْمَةِ عَرْشِكَ [وَحُرْمَةِ بَيْتِكَ] وَحُرْمَةِ نَبِيِّكَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلَّا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي الْحِجَازَ، وَيُسَلَّمَ عَلَيَّ بِالْخِلَافَةِ. وَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ. فَقَالُوا: قُمْ يَا مُصْعَبُ، فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْكَ يَصِيرُ كُلُّ شَيْءٍ، أَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ أَلَّا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي الْعِرَاقَ وَتُزَوِّجَنِي سُكَيْنَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ، وَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ. فَقَالُوا: قُمْ يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، فَقَامَ فَأَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبَّ الْأَرْضِ ذَاتِ النَّبْتِ بَعْدَ الْقَفْرِ، أَسْأَلُكَ مَا سَأَلَكَ عِبَادُكَ الْمُطِيعِينَ لِأَمْرِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ وَجْهِكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِكَ، وَبِحَقِّ الطَّائِفِينَ حَوْلَ بَيْتِكَ أَلَّا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوَلِّيَنِي شَرْقَ الْأَرْضِ وَغَرْبَهَا، وَلَا يُنَازِعَنِي أَحَدٌ إِلَّا أُتِيتُ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ. ثُمَّ قَالُوا: قُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَامَ حَتَّى أَخَذَ بِالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ رَحْمَانٌ رَحِيمٌ، أَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَكَ، وَأَسْأَلُكَ بِقُدْرَتِكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِكَ أَلَّا تُمِيتَنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تُوجِبَ لِيَ الْجَنَّةَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَا ذَهَبَتْ عَيْنَايَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى رَأَيْتُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ أُعْطِيَ مَا سَأَلَ، وَبُشِّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِالْجَنَّةِ، وَرُئِيَتُ لَهُ. وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَطَرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [3: 92] فَذَكَرْتُ مَا أَعْطَانِي فَمَا وَجَدْتُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ جَارِيَتِي رُمَيْثَةَ، فَقُلْتُ: هِيَ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَلَوْلَا أَنِّي لَا أَعُودُ فِي شَيْءٍ جَعَلْتُهُ لِلَّهِ نَكَحْتُهَا، فَأَنْكَحَهَا نَافِعًا، فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ. عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَدَّ عَجَبُهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ قَرَّبَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ  ، قَالَ نَافِعٌ: كَانَ رَقِيقُهُ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْهُ، فَرُبَّمَا شَمَّرَ أَحَدُهُمْ فَيَلْزَمُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ الْحَسَنَةِ أَعْتَقَهُ، فَيَقُولُ لَهُ أَصْحَابُهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهِ مَا بِهِمْ إِلَّا أَنْ يَخْدَعُوكَ، فَيَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ خَدَعَنَا بِاللَّهِ انْخَدَعْنَا لَهُ. قَالَ نَافِعٌ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ذَاتَ عَشِيَّةٍ وَرَاحَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى نَجِيبٍ لَهُ قَدْ أَخَذَهُ بِمَالٍ، فَلَمَّا أَعْجَبَهُ مَسِيرُهُ أَنَاخَهُ مَكَانَهُ ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ، فَقَالَ: يَا نَافِعُ، انْزَعُوا زِمَامَهُ وَرَحْلَهُ وَحَلِّلُوهُ وَأَشْعِرُوهُ وَأَدْخِلُوهُ فِي الْبُدْنِ. قَالَ نَافِعٌ: مَا مَاتَ ابْنُ عُمَرَ حَتَّى أَعْتَقَ أَلْفَ إِنْسَانٍ، وَمَا زَادَ. وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً، فَإِذَا جَاءَ السَّحَرُ اسْتَغَفَرَ إِلَى الصَّبَاحِ، وَكَانَ يُحْيِي مَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ. وَكَانَ الْبِرُّ لَا يُعْرَفُ فِي عُمَرَ وَلَا ابْنِ عُمَرَ حَتَّى يَقُولَا أَوْ يَعْمَلَا. وقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ زَجُّ رُمْحِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ قَدْ أَصَابَ رِجْلَ ابْنِ عُمَرَ، فَانْدَمَلَ الْجُرْحُ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ انْتَقَضَ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَدَخَلَ الْحَجَّاجُ يَعُودُهُ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَنْتَ قَتَلْتَنِي، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: حَمَلْتَ السِّلَاحَ فِي حَرَمِ اللَّهِ فَأَصَابَنِي بَعْضُ أَصْحَابِكَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَلَّا يُدْفَنَ فِي الْحَرَمِ، فَغُلِبَ فَدُفِنَ فِي الْحَرَمِ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ. وَعَنْ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ  . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ وَابْنُ بُكَيْرٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ قَالَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ [وَسَبْعِينَ] مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِمَكَّةَ، فَدُفِنَ بِذِي طِوًى فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دُفِنَ بِفَجَّ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ.

  232. التاريخ 2323لا حكم مسجّل

    تولية الحجاج الثقفي إمرة المدينة ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ   فِيهَا عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ طَارِقَ بْنَ عَمْرٍو عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ، وَأَضَافَهَا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ، فَقَدِمَهَا الْحَجَّاجُ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي صَفَرٍ، فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَبَنَى فِي بَنِي سَلَمَةَ مَسْجِدًا، وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ > ختم الحجاج بعض الصحابة في أعناقهم وأيديهم وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهَذِهِ الْمُدَّةِ خَتَمَ جَابِرًا، وَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، وَقَرَّعَهُمَا ; لِمَ لَا نَصَرَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَخَاطَبَهُمَا خِطَابًا غَلِيظًا - قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ - وَقَدِ اسْتَقْضَى أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ - أَظُنُّهُ - عَلَى الْيَمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَعِدَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: يَا أَهْلَ خَبِيثَةَ - يَعْنِي طَيْبَةَ - أَنْتُمْ شَرُّ أُمَّةٍ وَأَخَسُّ، وَلَوْلَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْصَانِي بِكُمْ لَجَعَلْتُهَا مِثْلَ جَوْفِ حِمَارٍ، يَا أَهْلَ خَبِيثَةَ، تَمَنَّوْنَ، هَلْ تَعَوَّذُونَ إِلَّا بِأَعْوَادٍ يَابِسَةٍ - يَعْنِي الْمِنْبَرَ - وَرُمَّةٍ بَالِيَةٍ، وَأَشَارَ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَنْصُرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ: قَدْ فَعَلَتُ. فَقَالَ: كَذَبْتَ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَخُتِمَ فِي عُنُقِهِ بِرَصَاصٍ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ; خَتَمَهُ فِي يَدِهِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي عُنُقِهِ، وَكَانَ قَصْدُهُ يُذِلُّهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ هَذَا. نقض الحجاج الثقفي بنيان الكعبة قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِيهَا نَقَضَ الْحَجَّاجُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ  الَّذِي كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَاهُ، وَأَعَادَهَا عَلَى بُنْيَانِهَا الْأَوَّلِ. قُلْتُ: الْحَجَّاجُ لَمْ يَنْقُضْ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ جَمِيعَهُ؛ بَلْ إِنَّمَا هَدَمَ الْحَائِطَ الشَّامِيَّ، حَتَّى أَخْرَجَ الْحِجْرَ مِنَ الْبَيْتِ، ثُمَّ سَدَّهُ، وَأَدْخَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ مَا فَضَلَ مِنَ الْأَحْجَارِ، وَبَقِيَتِ الْحِيطَانُ الثَّلَاثَةُ بِحَالِهَا ; وَلِهَذَا بَقِيَ الْبَابَانِ الشَّرْقِيُّ وَالْغَرْبِيُّ وَهُمَا مُلْصَقَانِ بِالْأَرْضِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَلَكِنْ سَدَّ الْغَرْبِيَّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَرَدَمَ أَسْفَلَ الشَّرْقِيِّ، حَتَّى جَعَلَهُ مُرْتَفِعًا كَمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْحَجَّاجَ وَلَا عَبْدَ الْمَلِكِ مَا كَانَ بَلَغَ ابْنَ الزُّبَيْرِ مِنَ الْعِلْمِ النَّبَوِيِّ، الَّذِي كَانَتْ أَخْبَرَتْهُ بِهِ خَالَتُهُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، ؓ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ - مِنْ قَوْلِهِ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ - وَفِي رِوَايَةٍ: بِجَاهِلِيَّةٍ - لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَأَدَخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَلَأَلْصَقْتُهُمَا بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، فَلَمْ يُدْخِلُوا فِيهَا الْحِجْرَ، وَلَمْ يُتَمِّمُوهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَرَفَعُوا بَابَهَا لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا فَلَمَّا تَمَكَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَاهَا كَذَلِكَ، وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ هَذَا الْحَدِيثُ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: وَدِدْنَا أَنَا تَرَكْنَاهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ. تولية المهلب بن أبي صفرة حرب الأزارقة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلِيَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ حَرْبَ الْأَزَارِقَةِ عَنْ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأَخِيهِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ أَنْ يُجَهِّزَ الْمُهَلَّبَ إِلَى الْخَوَارِجِ الْأَزَارِقَةِ فِي جُيُوشٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَوَجَدَ بِشْرٌ عَلَى الْمُهَلَّبِ فِي نَفْسِهِ، حَيْثُ عَيَّنَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي كِتَابِهِ ; فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ طَاعَتِهِ فِي تَأْمِيرِهِ عَلَى النَّاسِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، غَيْرَ أَنَّهُ أَوْصَى أَمِيرَ الْكُوفِيِّينَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِالْأَمْرِ دُونَهُ، وَأَنْ لَا يَقْبَلَ لَهُ رَأْيًا وَلَا مَشُورَةً، فَسَارَ الْمُهَلَّبُ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأُمَرَاءِ الْأَرْبَاعِ مَعَهُ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِرَامَهُرْمُزَ، فَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا إِلَّا عَشْرًا حَتَّى جَاءَ نَعْيُ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَنَّهُ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَارْفَضَّ بَعْضُ الْجَيْشِ، وَرَجَعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَبَعَثُوا فِي آثَارِهِمْ مَنْ يَرُدُّهُمْ، وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْفَارِّينَ يَتَوَعَّدُهُمْ إِنْ لَمْ يَرْجِعُوا إِلَى أَمِيرِهِمْ، وَيَتَوَعَّدُهُمْ بِسَطْوَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَعَدَلُوا يَسْتَأْذِنُونَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ فِي الْمَصِيرِ إِلَى الْكُوفَةِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ تَرَكْتُمْ أَمِيرَكُمْ، وَأَقْبَلْتُمْ عَاصِينَ مُخَالِفِينَ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِذَنٌ وَلَا إِمَامٌ وَلَا أُمَّانٌ. فَلَمَّا جَاءَهُمْ ذَلِكَ، أَقْبَلُوا إِلَى رِحَالِهِمْ فَرَكِبُوهَا، ثُمَّ سَارُوا إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، فَلَمْ يَزَالُوا مُخْتَفِينَ بِهَا حَتَّى قَدِمَ الْحَجَّاجُ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ مَكَانَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ ذِكْرُ عَزْلِ بُكَيْرٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوِلَايَةِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ بُكَيْرٍ سَنَتَيْنِ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ تَمِيمًا اخْتَلَفَتْ بِهَا، فَصَارَتْ مُقَاعِسُ وَالْبُطُونُ يَتَعَصَّبُونَ لِبَحِيرٍ، وَيَطْلُبُونَ بُكَيْرًا، وَصَارَتْ عَوْفٌ وَالْأَبْنَاءُ يَتَعَصَّبُونَ لِبُكَيْرٍ، وَكُلُّ هَذِهِ بُطُونٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَافَ أَهْلُ خُرَاسَانَ أَنْ تَعُودَ الْحَرْبُ وَتَفْسَدَ الْبِلَادُ وَيَقْهَرَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، فَكَتَبُوا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهَا لَا تَصْلُحُ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَا يَحْسُدُونَهُ وَلَا يَتَعَصَّبُونَ عَلَيْهِ، فَاسْتَشَارَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ، فَقَالَ أُمَيَّةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، تَدَارَكْهُمْ بِرَجُلٍ مِنْكَ. قَالَ: لَوْلَا انْهِزَامُكَ عَنْ أَبِي فُدَيْكٍ كُنْتَ لَهَا. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ مَا انْهَزَمْتُ حَتَّى خَذَلَنِيَ النَّاسُ، وَلَمْ أَجِدْ مُقَاتِلًا، فَرَأَيْتُ أَنَّ انْحِيَازِي إِلَى فِئَةٍ أَفْضَلُ مِنْ تَعْرِيضِي عُصْبَةً بَقِيَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْهَلَكَةِ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْكَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِعُذْرِي، وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ ذَلِكَ. فَوَلَّاهُ خُرَاسَانَ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يُحِبُّهُ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا عُوِّضَ مِنْ هَزِيمَةٍ مَا عُوِّضَ أُمَيَّةُ. فَلَمَّا سَمِعَ بُكَيْرٌ بِمَسِيرِهِ أَرْسَلَ إِلَى بَحِيرٍ وَهُوَ فِي حَبْسِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي مَقْتَلِ ابْنِ خَازِمٍ، يَطْلُبُ مِنْهُ الصُّلْحَ، فَامْتَنَعَ بَحِيرٌ وَقَالَ: ظَنَّ بُكَيْرٌ أَنَّ خُرَاسَانَ تَبْقَى لَهُ فِي الْجَمَاعَةِ. وَمَشَتِ السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمْ، فَأَبَى ذَلِكَ بَحِيرٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ الضَّبِّيُّ فَقَالَ: أَرَاكَ أَحْمَقَ ! يُرْسِلُ إِلَيْكَ ابْنُ عَمِّكَ يَعْتَذِرُ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ أَسِيرُهُ وَالسَّيْفُ بِيَدِهِ، وَلَوْ قَتَلَكَ مَا حَبِقْتَ، فَلَا تَقْبَلُ مِنْهُ ؟ ! اقْبَلِ الصُّلْحَ، وَاخْرُجْ وَأَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ. فَقَبِلَ مِنْهُ وَصَالَحَ بُكَيْرًا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بُكَيْرٌ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَخَذَ عَلَيْهِ أَلَّا يُقَاتِلَهُ، وَخَرَجَ بَحِيرٌ فَأَقَامَ يَسْأَلُ عَنْ مَسِيرِ أُمَيَّةَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُ قَدْ قَارَبَ نَيْسَابُورَ سَارَ إِلَيْهِ وَلَقِيَهُ بِهَا، فَأَخْبَرَهُ عَنْ خُرَاسَانَ وَمَا يَحْسُنُ بِهِ طَاعَةُ أَهْلِهَا، وَرَفَعَ عَلَى بُكَيْرٍ أَمْوَالًا أَخَذَهَا، وَحَذَّرَهُ غَدْرَهُ وَسَارَ مَعَهُ حَتَّى قَدِمَ مَرْوَ، وَكَانَ أُمَيَّةُ كَرِيمًا، وَلَا يَعَرِضُ لِبُكَيْرٍ وَلَا لِعُمَّالِهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ شُرْطَتَهُ فَأَبَى، فَوَلَّاهَا بَحِيرَ بْنَ وَرْقَاءَ، فَلَامَ بُكَيْرًا رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: كُنْتُ بِالْأَمْسِ أَمِيرًا تُحْمَلُ الْحِرَابُ بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَصِيرُ الْيَوْمَ أَحْمِلُ الْحَرْبَةَ ! ثُمَّ خَيَّرَ أُمَيَّةُ بُكَيْرًا أَنْ يُوَلِّيَهُ مَا شَاءَ مِنْ خُرَاسَانَ، فَاخْتَارَ طَخَارِسْتَانَ، قَالَ: فَتَجَهَّزَ لَهَا، فَأَنْفَقَ مَالًا كَثِيرًا. فَقَالَ بَحِيرٌ لِأُمَيَّةَ: إِنْ أَتَى طَخَارِسْتَانَ خَلَعَكَ. وَحَذَّرَهُ، فَلَمْ يُولِّهِ. أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَبَحِيرٌ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ. ذِكْرُ وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ سِجِسْتَانَ   لَمَّا وَصَلَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى كَرْمَانَ اسْتَعْمَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا قَدِمَهَا غَزَا رُتْبِيلَ الَّذِي مَلَكَ بَعْدَ الْمَقْتُولِ الْأَوَّلِ، وَكَانَ رُتْبِيلُ هَائِبًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى بُسْتٍ أَرْسَلَ رُتْبِيلُ يَطْلُبُ الصُّلْحَ وَبَذَلَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِهَدَايَا وَرَقِيقٍ، فَأَبَى عَبْدُ اللَّهِ قَبُولَ ذَلِكَ وَقَالَ: إِنْ مَلَأَ لِي هَذَا الرِّوَاقَ ذَهَبًا، وَإِلَّا فَلَا صُلْحَ. وَكَانَ غِرًّا، فَخَلَى لَهُ رُتْبِيلُ الْبِلَادَ حَتَّى أَوْغَلَ فِيهَا، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الشِّعَابَ وَالْمَضَايِقَ، وَطَلَبَ أَنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَبَى رُتْبِيلُ وَقَالَ: بَلْ يَأْخُذُ ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ صُلْحًا، وَيَكْتُبُ لَنَا بِهِ كِتَابًا، وَلَا يَغْزُو بِلَادَنَا مَا كُنْتُ أَمِيرًا، وَلَا يَحْرِقْ وَلَا يُخَرِّبْ. فَفَعَلَ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَعَزَلَهُ. ذِكْرُ وِلَايَةِ حَسَّانَ بْنِ النُّعْمَانِ إِفْرِيقِيَّةَ   قَدْ ذَكَرْنَا وِلَايَةَ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ، وَكَانَ قَتْلُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، فَلَمَّا عَلِمَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَتْلَهُ عَظُمَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَهَمَّهُ ذَلِكَ، وَشَغَلَهُ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ، جَهَّزَ جَيْشًا كَثِيرًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَسَّانَ بْنَ النُّعْمَانِ الْغَسَّانِيَّ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمْ يَدْخُلْ إِفْرِيقِيَّةَ قَطُّ جَيْشٌ مِثْلُهُ. فَلَمَّا وَرَدَ الْقَيْرَوَانَ تَجَهَّزَ مِنْهَا وَسَارَ إِلَى قَرْطَاجَنَّةَ، وَكَانَ صَاحِبُهَا أَعْظَمَ مُلُوكِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَمْ يَكُنِ الْمُسْلِمُونَ قَطُّ حَارَبُوهَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا رَأَى بِهَا مِنَ الرُّومِ وَالْبَرْبَرِ مَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً، فَقَاتَلَهُمْ وَحَصَرَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ كَثِيرًا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الْهَرَبِ، فَرَكِبُوا فِي مَرَاكِبِهِمْ، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى صِقِلِّيَةَ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَدَخَلَهَا حَسَّانُ بِالسَّيْفِ، فَسَبَى وَنَهَبَ، وَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَرْسَلَ الْجُيُوشَ فِيمَا حَوْلَهَا، فَأَسْرَعُوا إِلَيْهِ خَوْفًا، فَأَمَرَهُمْ فَهَدَمُوا مِنْ قَرْطَاجَنَّةَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ الرُّومَ وَالْبَرْبَرَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فِي صَطْفُورَةَ وَبَنْزِرْتَ، وَهُمَا مَدِينَتَانِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ، وَلَقِيَ مِنْهُمْ شِدَّةً وَقُوَّةً، فَصَبَرَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى بِلَادِهِمْ، وَلَمْ يَتْرُكْ حَسَّانُ مَوْضِعًا مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا وَطِئَهُ، وَخَافَهُ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ خَوْفًا شَدِيدًا، وَلَجَأَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الرُّومِ إِلَى مَدِينَةِ بَاجَةَ، فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَتَحَصَّنَ الْبَرْبَرُ بِمَدِينَةِ بُونَةَ، فَعَادَ حَسَّانُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ لِأَنَّ الْجِرَاحَ قَدْ كَثُرَتْ فِي أَصْحَابِهِ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى صَحُّوا. ذِكْرُ تَخْرِيبِ إِفْرِيقِيَّةَ   لَمَّا صَلُحَ النَّاسُ قَالَ حَسَّانُ: دُلُّونِي عَلَى أَعْظَمِ مَنْ بَقِيَ مِنْ مُلُوكِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَدَلُّوهُ عَلَى امْرَأَةٍ تَمْلِكُ الْبَرْبَرَ تُعْرَفُ بِالْكَاهِنَةِ، وَكَانَتْ تُخْبِرُهُمْ بِأَشْيَاءَ مِنَ الْغَيْبِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتِ الْكَاهِنَةَ، وَكَانَتْ بَرْبَرِيَّةً، وَهِيَ بِجَبَلِ أُورَاسَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ حَوْلَهَا الْبَرْبَرُ بَعْدَ قَتْلِ كُسَيْلَةَ، فَسَأَلَ أَهْلَ إِفْرِيقِيَّةَ عَنْهَا، فَعَظَّمُوا مَحَلَّهَا وَقَالُوا لَهُ: إِنْ قَتَلْتَهَا لَمْ تَخْتَلِفِ الْبَرْبَرُ بَعْدَهَا عَلَيْكَ. فَسَارَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا قَارَبَهَا هَدَمَتْ حِصْنَ بَاغَايَةَ ظَنًّا مِنْهَا أَنَّهُ يُرِيدُ الْحُصُونَ، فَلَمْ يُعَرِّجْ حَسَّانُ عَلَى ذَلِكَ وَسَارَ إِلَيْهَا، فَالْتَقَوْا عَلَى نَهْرِ نِينِي، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَانْهَزَمَ حَسَّانُ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ أَطْلَقَتْهُمُ الْكَاهِنَةُ، سِوَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْقَيْسِيِّ، وَكَانَ شَرِيفًا شُجَاعًا، فَاتَّخَذَتْهُ وَلَدًا. وَسَارَ حَسَّانُ حَتَّى فَارَقَ إِفْرِيقِيَّةَ، وَأَقَامَ وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ الْحَالَ، فَأَمَرَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْمُقَامِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ. فَأَقَامَ بِعَمَلِ بَرْقَةَ خَمْسَ سِنِينَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْمَكَانُ قُصُورَ حَسَّانَ إِلَى الْآنِ، وَمَلَكَتِ الْكَاهِنَةُ إِفْرِيقِيَّةَ كُلَّهَا، وَأَسَاءَتِ السِّيرَةَ فِي أَهْلِهَا وَعَسَفَتْهُمْ وَظَلَمَتْهُمْ. ثُمَّ سَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ الْجُنُودَ وَالْأَمْوَالَ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَقِتَالِ الْكَاهِنَةِ، فَأَرْسَلَ حَسَّانُ رَسُولًا سِرًّا إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، وَهُوَ عِنْدَ الْكَاهِنَةِ، بِكِتَابٍ يَسْتَعْلِمُ مِنْهُ الْأُمُورَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ جَوَابَهُ فِي رُقْعَةٍ يُعَرِّفُهُ تَفَرُّقَ الْبَرْبَرِ، وَيَأْمُرُهُ بِالسُّرْعَةِ، وَجَعَلَ الرُّقْعَةَ فِي خُبْزَةٍ، وَعَادَ الرَّسُولُ، فَخَرَجَتِ الْكَاهِنَةُ نَاشِرَةً شَعْرَهَا تَقُولُ: ذَهَبَ مُلْكُهُمْ فِيمَا يَأْكُلُ النَّاسُ. فَطُلِبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يُوجَدْ، فَوَصَلَ إِلَى حَسَّانَ وَقَدِ احْتَرَقَ الْكِتَابُ بِالنَّارِ، فَعَادَ إِلَى خَالِدٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمَا كَتَبَ أَوَّلًا، وَأَوْدَعَهُ قَرَبُوسَ السَّرْجِ. فَسَارَ حَسَّانُ، فَلَمَّا عَلِمَتِ الْكَاهِنَةُ بِمَسِيرِهِ إِلَيْهَا قَالَتْ: إِنَّ الْعَرَبَ يُرِيدُونَ الْبِلَادَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ، وَنَحْنُ إِنَّمَا نُرِيدُ الْمَزَارِعَ وَالْمَرَاعِيَ، وَلَا أَرَى إِلَّا [ أَنْ ] أُخَرِّبَ إِفْرِيقِيَّةَ حَتَّى يَيْأَسُوا مِنْهَا. وَفَرَّقَتْ أَصْحَابَهَا لِيُخَرِّبُوا الْبِلَادَ، فَخَرَّبُوهَا وَهَدَمُوا الْحُصُونَ وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَهَذَا هُوَ الْخَرَابُ الْأَوَّلُ لِإِفْرِيقِيَّةَ. فَلَمَّا قَرُبَ حَسَّانُ مِنَ الْبِلَادِ لَقِيَهُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الرُّومِ يَسْتَغِيثُونَ مِنَ الْكَاهِنَةِ، وَيَشْكُونَ إِلَيْهِ مِنْهَا، فَسَرَّهُ ذَلِكَ وَسَارَ إِلَى قَابِسَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالْأَمْوَالِ وَالطَّاعَةِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَحَصَّنُونَ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَجَعَلَ فِيهَا عَامِلًا، وَسَارَ إِلَى قَفْصَةَ لِيَتَقَرَّبَ الطَّرِيقَ، فَأَطَاعَهُ مَنْ بِهَا وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَعَلَى قَسْطِيلِيَةَ وَنَفْزَاوَةَ. وَبَلَغَ الْكَاهِنَةَ قُدُومُهُ، فَأَحْضَرَتْ وَلَدَيْنِ لَهَا وَخَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، وَقَالَتْ لَهُمْ: إِنَّنِي مَقْتُولَةٌ، فَامْضُوا إِلَى حَسَّانَ، وَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْهُ أَمَانًا. فَسَارُوا إِلَيْهِ وَبَقُوا مَعَهُ، وَسَارَ حَسَّانُ نَحْوَهَا، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ الْفَنَاءُ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ، وَانْهَزَمَ الْبَرْبَرُ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَانْهَزَمَتِ الْكَاهِنَةُ، ثُمَّ أُدْرِكَتْ فَقُتِلَتْ. ثُمَّ إِنَّ الْبَرْبَرَ اسْتَأْمَنُوا إِلَى حَسَّانَ، فَآمَنَهُمْ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ عَسْكَرٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عُدَّتَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا يُجَاهِدُونَ الْعَدُوَّ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَعَلَ عَلَى هَذَا الْعَسْكَرِ ابْنَيِ الْكَاهِنَةِ. ثُمَّ فَشَا الْإِسْلَامُ فِي الْبَرْبَرِ، وَعَادَ حَسَّانُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَأَقَامَ لَا يُنَازِعُهُ أَحَدٌ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَّى إِفْرِيقِيَّةَ عَمَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَرْوَانَ، فَعَزَلَ عَنْهَا حَسَّانَ، وَاسْتَعْمَلَ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْكَاهِنَةَ خَرَجَتْ غَضَبًا لِقَتْلِ كُسَيْلَةَ، وَمَلَكَتْ إِفْرِيقِيَّةَ جَمِيعَهَا، وَعَمِلَتْ بِأَهْلِهَا الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ، وَظَلَمَتْهُمُ الظُّلْمَ الشَّنِيعَ، وَنَالَ مَنْ بِالْقَيْرَوَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَذًى شَدِيدًا بَعْدَ قَتْلِ زُهَيْرِ بْنِ قَيْسٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ، فَاسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَسَّانَ بْنَ النُّعْمَانِ، فَسَارَ فِي جُيُوشٍ كَثِيرَةٍ وَقَصَدَ الْكَاهِنَةَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَعَادَ حَسَّانُ مُنْهَزِمًا إِلَى نَوَاحِي بَرْقَةَ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ جَيْشًا كَثِيفًا، وَأَمَرَهُ بِقَصْدِ الْكَاهِنَةِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَقَاتَلَهَا فَهَزَمَهَا، وَقَتَلَهَا وَقَتَلَ أَوْلَادَهَا، وَعَادَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا قَتَلَ الْكَاهِنَةَ عَادَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ رَجُلًا اسْمُهُ أَبُو صَالِحٍ، إِلَيْهِ يُنْسَبُ فَحْصُ صَالِحٍ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ  ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ هِشَامُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ اعْتَمَرَ هَذِهِ السَّنَةَ. وَلَا يَصِحُّ. ( وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الرُّومَ صَائِفَةً، فَبَلَغَ أَنْدُولِيَّةَ ).

  233. التاريخ 2324لا حكم مسجّل

    رَافِعُ بْنُ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ   سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجَيُّ   صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، مِنْ فُقَهَاءَ الصَّحَابَةِ، اسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ. كَانَ مِنْ نُجَبَاءَ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، ؓ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. وَقِيلَ: قَبْلَهَا بِعَشْرِ سِنِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَبَى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ فَقَالَ: النَّبِيُّونَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ ؟ قَالَ: ثُمَّ الصَّالِحُونَ، إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ إِلَّا السُّتْرَةَ - وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَّا الْعَبَاءَةَ - أَوْ نَحْوَهَا، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُبْتَلَى فَيَقْمَلُ حَتَّى يَنْبِذَ الْقَمْلَ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ بِالْبَلَاءِ أَشَدَّ فَرَحًا مِنْهُ بِالرَّخَاءِ. وَعَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ أَهْلَهُ شَكَوْا إِلَيْهِ الْحَاجَةَ، فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُ لَهُ شَيْئًا، فَوَافَقَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَغْنُوا عَنِ الْمَسْأَلَةِ ; فَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا رَزَقَ اللَّهُ عَبْدًا مِنْ رِزْقٍ أَوْسَعَ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ، وَلَئِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَسْأَلُونِي لَأُعْطِيَنَّكُمْ مَا وَجَدْتُ أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّوَائِيُّ صَحَابِيٌّ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ، وَكَانَ دُونَ الْبُلُوغِ عِنْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ رَوَى عَنْهُ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَعَنْ عَلِيٍّ، وَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ ; مِنْهُمْ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَالْحَكَمُ، وَ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَ الشَّعْبِيُّ، وَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَابْتَنَى بِهَا دَارًا، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَةِ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلِيٌّ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ أَبُو جُحَيْفَةَ تَحْتَ مِنْبَرِهِ. سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الصَّحَابَةِ، وَمِنْ عُلَمَائِهِمْ، كَانَ يُفْتِي بِالْمَدِينَةِ، وَلَهُ مَشَاهِدُ مَعْرُوفَةٌ، فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَعْدَهُ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ سَنَةً. مَالِكُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، الْأَصْبَحِيُّ الْمَدَنِيُّ وَهُوَ جَدُّ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ فَاضِلًا عَالِمًا، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ. أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ مُقْرِئُ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِلَا مُدَافَعَةٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ، قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَقْرَأَ النَّاسَ الْقُرْآنَ بِالْكُوفَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ إِلَى إِمْرَةِ الْحَجَّاجِ، قَرَأَ عَلَيْهِ عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ، وَخَلْقٌ غَيْرُهُ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ. أَبُو مُعْرِضٍ الْأَسَدِيُّ أَبُو مُعْرِضٍ الْأَسَدِيُّ اسْمُهُ مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَامْتَدَحَهُ، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ وَيُعْرَفُ بِالْأُقَيْشِرِ، وَكَانَ أَحْمَرَ الْوَجْهِ كَثِيرَ الشَّعْرِ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ سَنَةً. بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ الْأُمَوِيُّ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ الْأُمَوِيُّ   أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلِي إِمْرَةَ الْعِرَاقَيْنِ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ عِنْدَ عَقَبَةِ الْكَتَّانِ، وَكَانَ سَمْحًا جَوَادًا، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ دَيْرُ مَرْوَانَ عِنْدَ حَجِيرَا، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ خَالِدَ بْنَ حُصَيْنٍ الْكِلَابِيَّ يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَكَانَ لَا تُغْلَقُ دُونَهُ الْأَبْوَابُ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا تَحْتَجِبُ النِّسَاءُ. وَكَانَ طَلِيقَ الْوَجْهِ، وَكَانَ يُجِيزُ عَلَى الشِّعْرِ بِأُلُوفٍ، وَقَدِ امْتَدَحَهُ الْفَرَزْدَقُ، وَ الْأَخْطَلُ. وَالْجَهْمِيَّةُ تَسْتَدِلُّ عَلَى الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ  بِأَنَّهُ الِاسْتِيلَاءُ بِبَيْتِ الْأَخْطَلِ، فِيمَا مَدَحَ بِهِ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ ; فَإِنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَقَدْ كَانَ الْأَخْطَلُ نَصْرَانِيًّا. وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِ بِشْرٍ أَنَّهُ وَقَعَتِ الْقُرْحَةُ فِي يَمِينِهِ. فَقِيلَ لَهُ: نَقْطَعُهَا مِنَ الْمِفْصَلِ. فَجَزِعَ، فَمَا أَمْسَى حَتَّى خَالَطَتِ الْكَتِفَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ خَالَطَتِ الْجَوْفَ، ثُمَّ مَاتَ، وَلَمَّا احْتَضَرَ جَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ عَبْدًا أَرْعَى الْغَنَمَ فِي الْبَادِيَةِ لِبَعْضِ الْأَعْرَابِ وَلَمْ أَلِ مَا وُلِيتُ. فَذُكِرَ قَوْلُهُ لِأَبِي حَازِمٍ - أَوْ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ - فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ يَفِرُّونَ إِلَيْنَا، وَلَمْ يَجْعَلْنَا نَفِرُّ إِلَيْهِمْ، إِنَّا لَنَرَى فِيهِمْ عِبَرًا. وَقَالَ الْحَسَنُ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ يَتَمَلْمَلُ عَلَى سَرِيرِهِ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ إِلَى صَحْنِ الدَّارِ، وَالْأَطِبَّاءُ حَوْلَهُ. مَاتَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ مَاتَ بِهَا، وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ مَوْتُهُ حَزِنَ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ الشُّعَرَاءَ أَنْ يَرْثُوهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. وممن مات فيها أيضًا وَفِيهَا مَاتَ جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ السُّوَائِيُّ فِي إِمَارَةِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ بِالْكُوفَةِ، وَفِي إِمَارَتِهِ أَيْضًا مَاتَ أَبُو جُحَيْفَةَ بِالْكُوفَةِ. وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ الْأَوْدِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَهُوَ مِنَ الْمُعَمِّرِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مِنْ عُمَّالِ عُمَرَ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ التَّيْمِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ الْجُمَحِيُّ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ مُعَلَّى الْأَنْصَارِيُّ. وَفِيهَا مَاتَ أَوْسُ بْنُ ضَمْعَجٍ الْكُوفِيُّ. ضَمْعَجٌ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ. عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيُّ:   رَوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ إِذَا أُرِيَ ذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَحَجَّ سِتِّينَ حَجَّةً. أَبُو الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبِ بْنِ الْحَارِثِ، أَبُو الْقَاسِمِ الْجُمَحِيُّ:   وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَوُلِدَ فِي السَّفِينَةِ حِينَ ذَهَبُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَأْسَهُ وَتَفَلَ فِي فِيهِ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ. رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

  234. التاريخ 2325لا حكم مسجّل

    غزو الصائفة ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ   فَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ - أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ وَالِدُ مَرْوَانَ الْحِمَارِ - صَائِفَةَ الرُّومِ حِينَ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ مَرْعَشٍ. تولية نيابة المدينة ليحيى بن الحكم بن أبي العاص وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ لِيَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَهُوَ عَمُّهُ، وَعَزَلَ عَنْهَا الْحَجَّاجَ. تولية الحجاج الثقفي نيابة العراق وخطبته في أهل العراق وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ نِيَابَةَ الْعِرَاقِ ; الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقَالِيمِ الْكِبَارِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، فَرَأَى عَبْدَ الْمَلِكِ أَنَّهُ لَا يَسُدُّ عَنْهُ أَهْلَ الْعِرَاقِ غَيْرُ الْحَجَّاجِ ; لِسَطْوَتِهِ وَقَهْرِهِ وَقَسْوَتِهِ وَشَهَامَتِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ بِوِلَايَةِ الْعِرَاقِ، فَسَارَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْعِرَاقِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَاكِبًا عَلَى النَّجَائِبِ، فَنَزَلَ قَرِيبَ الْكُوفَةِ فَاغْتَسَلَ وَاخْتَضَبَ، وَلَبِسَ ثِيَابَهُ، وَتَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَأَلْقَى عَذَبَةَ الْعِمَامَةَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ دَارَ الْإِمَارَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَقَدْ أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَأَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ طَوِيلًا، وَقَدْ شَخَصُوا إِلَيْهِ بِأَبْصَارِهِمْ، وَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، وَتَنَاوَلُوا الْحَصَى لِيَقْذِفُوهُ بِهَا، وَقَدْ كَانُوا حَصَبُوا الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، فَلَمَّا سَكَتَ أَبْهَتَهُمْ، وَأَحَبُّوا أَنْ يَسْمَعُوا كَلَامَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ، وَيَا أَهْلَ النِّفَاقِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرُكُمْ لَيَهُمُّنِي قَبْلَ أَنْ آتَى إِلَيْكُمْ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِي، فَأَجَابَ دَعْوَتِي، إِلَّا أَنِّي سِرْتُ الْبَارِحَةَ فَسَقَطَ مِنِّي سَوْطِي الَّذِي أُؤْذِيكُمْ بِهِ، فَاتَّخَذْتُ هَذَا مَكَانَهُ - وَأَشَارَ إِلَى سَيْفِهِ - ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَجُرَّنَّهُ فِيكُمْ جَرَّ الْمَرْأَةِ ذَيْلَهَا، وَلَأَفْعَلَنَّ بِكُمْ وَلَأَصْنَعَنَّ، فَلَمَّا سَمِعُوا كَلَامَهُ جَعَلَ الْحَصَى يَتَسَاقَطُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ الْكُوفَةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ظُهْرًا، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَهُوَ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ حَمْرَاءَ، مُتَلَثِّمٌ بِطَرَفِهَا، ثُمَّ قَالَ: عَلَيَّ بِالنَّاسِ. فَحَسِبَهُ النَّاسُ وَأَصْحَابَهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَهَمُّوا بِهِ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ قَامَ وَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا مَتَى أَضَعُ الْعِمَامَةَ تَعْرِفُونِي ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْمِلُ الشَّرَّ بِحَمْلِهِ، وَأَحْذُوهُ بِنَعْلِهِ، وَأَجْزِيهِ بِمِثْلِهِ، وَإِنِّي لَأَرَى رُءُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ وَحَانَ قِطَافُهَا، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى الدِّمَاءِ تَتَرَقْرَقُ بَيْنَ الْعَمَائِمِ وَاللِّحَى: قَدْ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقِهَا فَشَمِّرِي ثُمَّ أَنْشَدَ أَيْضًا: هَذَا أَوَانُ الشَّدِّ فَاشْتَدِّي زِيَمْ     قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ لَسْتُ بِرَاعِي إِبِلٍ وَلَا غَنَمْ     وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْرِ وَضَمْ قَدْ لَفَّهَا اللَّيْلُ بِعَصْلَبِيٍّ     أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّوِّيِّ مُهَاجِرٍ لَيْسَ بِأَعْرَابِيِّ ثُمَّ قَالَ: إِنِّي يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أُغْمَزُ بِغِمَازٍ، وَلَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، وَلَقَدْ فُرِرْتُ عَنْ ذَكَاءٍ، وَجَرَيْتُ إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، وَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ نَثَرَ كِنَانَتَهُ، ثُمَّ عَجَمَ عِيدَانَهَا عُودًا عُودًا، فَوَجَدَنِي أَمَرَّهَا عُودًا، وَأَصْلَبَهَا مَغْمِزًا، فَوَجَّهَنِي إِلَيْكُمْ، فَإِنَّكُمْ طَالَمَا أَوْضَعْتُمْ فِي أَوْدِيَةِ الْفِتَنِ، وَسَنَنْتُمْ سُنَنَ الْغَيِّ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَلْحُوَنَّكُمْ لَحْيَ الْعُودِ، وَلَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلَمَةِ، وَلَأَضْرِبَنَّكُمْ ضَرْبَ غَرَائِبِ الْإِبِلِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعِدُ إِلَّا وَفَيْتُ، وَلَا أَخْلُقُ إِلَّا فَرَيْتُ، فَإِيَّايَ وَهَذِهِ الْجَمَاعَاتِ وَقِيلًا وَقَالًا، وَاللَّهِ لَتَسْتَقِيمُنَّ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ، أَوْ لَأَدَعَنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ شُغْلًا فِي جَسَدِهِ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ثَالِثَةٍ مِنْ بَعْثِ الْمُهَلَّبِ - يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا قَدْ رَجَعُوا عَنْهُ لَمَّا سَمِعُوا بِمَوْتِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ كَمَا تَقَدَّمَ - سَفَكْتُ دَمَهُ، وَانْتَهَبْتُ مَالَهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَرَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ تَحْتَهُ أَطَالَ السُّكُوتَ، حَتَّى إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَيْرٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى وَأَرَادَ أَنْ يَحْصِبَهُ بِهَا، وَقَالَ: قَبَّحَهُ اللَّهُ، مَا أَعْيَاهُ وَأَذَمَّهُ. فَلَمَّا نَهَضَ الْحَجَّاجُ وَتَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ، جَعَلَ الْحَصَى يَتَنَاثَرُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ ; لِمَا يَرَى مِنْ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ هَذِهِ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، إِنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( النَّحْلِ: 112 )، وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ، فَاسْتَوْثِقُوا وَاسْتَقِيمُوا، فَوَاللَّهِ لَأُذِيقَنَّكُمُ الْهَوَانَ حَتَّى تَدِرُّوا، وَلَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصَبَ السَّلَمَةِ حَتَّى تَنْقَادُوا، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقْبِلُنَّ عَلَى الْإِنْصَافِ، وَلَتَدَعُنَّ الْإِرْجَافَ وَكَانَ وَكَانَ، وَأَخْبَرَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَالْخَبَرُ وَمَا الْخَبَرُ، أَوْ لَأَهْبُرَنَّكُمْ بِالسَّيْفِ هَبْرًا يَدَعُ النِّسَاءَ أَيَامَى، وَالْأَوْلَادَ يَتَامَى، حَتَّى تَمْشُوا السُّمَّهَى، وَتُقْلِعُوا عَنْ هَا وَهَا. فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ بَلِيغٍ غَرِيبٍ، يَشْتَمِلُ عَلَى وَعِيدٍ شَدِيدٍ، لَيْسَ فِيهِ وَعْدٌ بِخَيْرٍ. مقتل عمير بن ضابئ فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ سَمِعَ تَكْبِيرًا فِي السُّوقِ، فَخَرَجَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، إِنِّي سَمِعْتُ تَكْبِيرًا فِي الْأَسْوَاقِ، لَيْسَ بِالتَّكْبِيرِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ التَّرْغِيبُ، وَلَكِنَّهُ تَكْبِيرٌ يُرَادُ بِهِ التَّرْهِيبُ، وَقَدْ عَصَفَتْ عَجَاجَةٌ تَحْتَهَا قَصْفٌ، يَا بَنِي اللَّكِيعَةِ، وَعَبِيدَ الْعَصَا، وَأَبْنَاءَ الْإِمَاءِ وَالْأَيَامَى، أَلَا يَرْبَعُ كُلُّ رِجْلٍ مِنْكُمْ عَلَى ظَلْعِهِ، وَيُحْسِنُ حَقْنَ دَمِهِ، وَيُبَصِرُ مَوْضِعَ قَدَمِهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَأُوشِكُ أَنْ أُوقِعَ بِكُمْ وَقْعَةً تَكُونُ نَكَالًا لِمَا قَبِلَهَا، وَأَدَبًا لِمَا بَعْدَهَا. فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ التَّمِيمِيُّ ثُمَّ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَنَا فِي هَذَا الْبَعْثِ، وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ وَعَلِيلٌ، وَهَذَا ابْنِي هُوَ أَشِبُّ مِنِّي. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ التَّمِيمِيُّ. قَالَ: أَسَمِعْتَ كَلَامَنَا بِالْأَمْسِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَسْتَ الَّذِي غَزَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ: كَانَ حَبَسَ أَبِي وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا. قَالَ: أَوَلَيِسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي     فَعَلْتُ وَوَلَّيْتُ الْبُكَاءَ حَلَائِلَهُ ثُمَّ قَالَ الْحَجَّاجُ: إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ فِي قَتْلِكَ صَلَاحُ الْمِصْرَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: قُمْ إِلَيْهِ يَا حَرَسِيُّ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَانْتَهَبَ مَالَهُ، وَأَمَرَ مُنَادِيًا فِي النَّاسِ: أَلَا إِنَّ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ تَأَخَّرَ بَعْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ ثَلَاثًا، فَأُمِرَ بِقَتْلِهِ. قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ حَتَّى ازْدَحَمُوا عَلَى الْجِسْرِ، فَعَبَرَ عَلَيْهِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ مَذْحِجٍ، وَخَرَجَتْ مَعَهُمُ الْعُرَفَاءُ حَتَّى وَصَلُوا بِهِمْ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَأَخَذُوا مِنْهُ كِتَابًا بِوُصُولِهِمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: قَدِمَ الْعِرَاقَ وَاللَّهِ رَجُلٌ ذَكَرٌ، الْيَوْمَ قُوتِلَ الْعَدُوُّ. وَيُرْوَى أَنَّ الْحَجَّاجُ لَمْ يَعْرِفْ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ حَتَّى قَالَ لَهُ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ هَذَا جَاءَ إِلَى عُثْمَانَ وَقَدْ قُتِلَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَتْلِهِ. تولية الحجاج لبعض نوابه على البصرة والكوفة وخراسان وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ الثَّقَفِيَّ نَائِبًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَتِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَقَرَّ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحًا، ثُمَّ رَكِبَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْبَصْرَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبَا يَعْفُورَ، وَوَلَّى قَضَاءَ الْبَصْرَةِ لِزُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَأَقَرَّ عَمَّهُ يَحْيَى عَلَى نِيَابَةِ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى بِلَادِ خُرَاسَانَ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. خروج أهل البصرة على الحجاج وقتل عبد الله بن الجارود وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَثَبَ النَّاسُ بِالْبَصْرَةِ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَكِبَ مِنْ الْكُوفَةِ، بَعْدَ قَتْلِ عُمَيْرِ بْنِ ضَابِئٍ، وَقَامَ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِخُطْبَةٍ نَظِيرَ مَا قَامَ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ الْأَكِيدِ، ثُمَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فَقِيلَ: هَذَا عَاصٍ. فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ بِي فَتْقًا، وَقَدْ عَذَرَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ، وَهَذَا عَطَائِي مَرْدُودٌ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ، فَفَزِعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَخَرَجُوا مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى اجْتَمَعُوا عِنْدَ قَنْطَرَةِ رَامَهُرْمُزَ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَارُودِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْحَجَّاجُ - وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - فِي أُمَرَاءِ الْجَيْشِ مِنَ الْمِصْرَيْنِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَاكَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَهُمِ الْحَجَّاجُ، وَقَتَلَ أَمِيرَهُمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْجَارُودِ فِي رُءُوسٍ مِنَ الْقَبَائِلِ مَعَهُ، وَأَمَرَ بِرُءُوسِهِمْ فَنُصِبَتْ عِنْدَ الْجِسْرِ مِنْ رَامْهُرْمُزَ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْمُهَلَّبِ فَقَوِيَ بِذَلِكَ، وَضَعُفَ أَمَرُ الْخَوَارِجِ. بعث الحجاج إلى الخوارج الأزارقة ومقتل عبد الرحمن بن مخنف وَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ فَأَمَرَهُمَا بِمُنَاهَضَةِ الْأَزَارِقَةِ، فَنَهَضَا بِمَنْ مَعَهُمَا إِلَى الْخَوَارِجِ الْأَزَارِقَةِ فَأَجْلَوْهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ مِنْ رَامْهُرْمُزَ بِأَيْسَرِ قِتَالٍ، فَهَرَبُوا إِلَى أَرْضِ كَازَرُونَ مِنْ إِقْلِيمِ سَابُورَ، وَسَارَ النَّاسُ وَرَاءَهُمْ، فَالْتَقَوْا فِي الْعَشْرِ الْآخَرِ مِنْ رَمَضَانَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ بَيَّتَ الْخَوَارِجُ الْمُهَلَّبَ مِنَ اللَّيْلِ، فَوَجَدُوهُ قَدْ تَحَصَّنَ بِخَنْدَقٍ حَوْلَ مُعَسْكَرِهِ، فَجَاءُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ فَوَجَدُوهُ غَيْرَ مُحْتَرِزٍ - وَكَانَ الْمُهَلَّبُ قَدْ أَمَرَهُ بِالِاحْتِرَازِ بِخَنْدَقٍ حَوْلَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ - فَاقْتَتَلُوا فِي اللَّيْلِ، فَقَتَلَتِ الْخَوَارِجُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مِخْنَفٍ وَطَائِفَةً مِنْ جَيْشِهِ، وَهَزَمُوهُمْ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً. وَيُقَالُ: إِنَّ الْخَوَارِجَ لَمَّا الْتَقَوْا مَعَ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ كَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَحَمَلَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى جَيْشِ الْمُهَلَّبِ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَجَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِخْنَفٍ يَمُدُّهُ بِالْخَيْلِ بَعْدَ الْخَيْلِ، وَالرِّجَالِ بَعْدَ الرِّجَالِ، فَمَالَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى مُعَسْكَرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَاقْتَتَلُوا مَعَهُ إِلَى اللَّيْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ، وَقُتِلَ مَعَهُ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ جَاءَ الْمُهَلَّبُ فَصَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ، وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِمَهْلِكِهِ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعَزِيهِ فِيهِ، فَنَعَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى النَّاسِ بِمِنًى، وَأَمَّرَ الْحَجَّاجُ مَكَانَهُ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُطِيعَ الْمُهَلَّبَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ طَاعَةِ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ مُخَالَفَتُهُ، فَسَارَ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَجَعَلَ لَا يُطِيعُهُ إِلَّا ظَاهِرًا، وَيَعْصِيهِ كَثِيرًا، ثُمَّ تَقَاوَلَا، فَهَمَّ الْمُهَلَّبُ أَنْ يُوقِعَ بِعَتَّابٍ، ثُمَّ حَجَزَ بَيْنَهُمَا النَّاسُ، فَكَتَبَ عَتَّابُ إِلَى الْحَجَّاجِ يَشْكُو الْمُهَلَّبَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَقَدَمَ عَلَيْهِ، وَأَعْفَاهُ مِنْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الْمُهَلَّبُ مَكَانَهُ ابْنَهُ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ. خروج داود بن النعمان المازني بنواحي البصرة وَفِيهَا خَرَجَ دَاوُدُ بْنُ النُّعْمَانِ الْمَازِنِيُّ بِنَوَاحِي الْبَصْرَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ أَمِيرًا عَلَى سِرِّيَّةٍ فَقَتَلَهُ. خروج صالح بن مسرح وشبيب بن يزيد من الخوارج الصفرية قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تَحَرَّكَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ أَحَدُ بَنِي امْرِئِ الْقَيْسِ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَ الصُّفْرِيَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الصُّفْرِيَّةِ، وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَمَعَهُ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ، وَ الْبَطِينُ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ رُءُوسِ الْخَوَارِجِ، وَاتَّفَقَ حَجُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَهَمَّ شَبِيبٌ بِالْفَتْكِ بِهِ، فَبَلَغَ عَبْدَ الْمَلِكِ ذَلِكَ مِنْ خَبَرِهِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْحَجِّ أَنَّ يَتَطَلَبَهُمْ، وَكَانَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ هَذَا يُكْثِرُ الدُّخُولَ إِلَى الْكُوفَةِ وَالْإِقَامَةَ بِهَا، وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ دَارَا وَأَهْلِ الْمَوْصِلِ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَيُفَقِّهُهُمْ، وَيَقُصُّ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مُصْفَرًّا كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، وَكَانَ إِذَا قَصَّ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّغْبَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَيَحُثُّ عَلَى ذِكْرِ الْمَوْتِ، ثُمَّ يَتَرَحَّمُ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِمَا ثَنَاءً حَسَنًا، وَلَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْكُرُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ؓ فَيَسُبُّهُ وَيَنَالُ مِنْهُ، وَيُنْكِرُ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ يُنْكِرُ عَلَيْهِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ وَقَتَلُوهُ مِنْ فَجَرَةِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، ثُمَّ يَحُضُّ أَصْحَابَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَ الْخَوَارِجِ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَلِإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ الَّذِي قَدْ شَاعَ فِي النَّاسِ وَذَاعَ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِمُ الْقَتْلَ، وَيَذُمُّ الدُّنْيَا وَأَمْرَهَا وَيُصَغِّرُهَا، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ الْخَارِجِيُّ يَسْتَبْطِئُهُ فِي الْخُرُوجِ، وَيَحُثُّهُ عَلَيْهِ، وَيَنْدُبُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ شَبِيبٌ عَلَى صَالِحٍ وَهُوَ بِدَارَا، فَتَوَاعَدُوا وَتُوَافَقُوا عَلَى الْخُرُوجِ فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ - وَهِيَ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ - وَقَدِمَ عَلَى صَالِحٍ شَبِيبٌ، وَأَخُوهُ مُصَادٌ، وَالْمُحَلَّلُ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَامِرٍ، فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَبْطَالِ وَهُوَ بِدَارَا نَحْوُ مِائَةٍ وَعَشَرَةِ أَنْفُسٍ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَى خَيْلٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَخَذُوهَا وَتَقْوَوْا بِهَا، ثُمَّ كَانَ مِنْ أَمَرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا سَنَذْكُرُهُ فِي الَّتِي بَعْدَهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ وِلَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ السِّنْدَ وَقَتْلِهِ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى السِّنْدِ سَعِيدَ بْنَ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ وَمُحَمَّدٌ ابْنَا الْحَارِثِ الْعِلَاقِيَّانِ فَقَتَلَاهُ، وَغَلَبَا عَلَى الْبِلَادِ، فَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ مُجَّاعَةَ بْنَ سِعْرٍ التَّمِيمِيَّ إِلَى السِّنْدِ، فَغَلَبَ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ، وَغَزَا وَفَتَحَ أَمَاكِنَ مِنْ قَنْدَابِيلَ، وَمَاتَ مُجَّاعَةُ بَعْدَ سَنَةٍ بِمُكْرَانَ، فَقِيلَ فِيهِ: مَا مِنْ مَشَاهِدِكَ الَّتِي شَاهَدْتَهَا     إِلَّا يَزِيدُكَ ذِكْرُهَا مُجَّاعَا ذِكْرُ شِيرَ زَنْجِي وَالزَّنْجِ مَعَهُ   اجْتَمَعَ الزَّنْجُ بِفُرَاتِ الْبَصْرَةِ فِي آخِرِ أَيَّامِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَكُونُوا بِالْكَثِيرِ، فَأَفْسَدُوا وَتَنَاوَلُوا الثِّمَارَ، وَوَلِيَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ الْبَصْرَةَ وَقَدْ كَثُرُوا، فَشَكَا النَّاسُ إِلَيْهِ مَا نَالَهُمْ مِنْهُمْ، فَجَمَعَ لَهُمْ جَيْشًا، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ تَفَرَّقُوا، وَأَخَذَ بَعْضَهُمْ فَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ ابْنِ الْجَارُودِ مَا ذَكَرْنَا خَرَجَ الزَّنْجُ أَيْضًا، فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْفُرَاتِ، وَجَعَلُوا عَلَيْهِمْ رَجُلًا اسْمُهُ رَبَاحٌ، وَيُلَقَّبُ شِيرَ زَنْجِي، يَعْنِي أَسَدَ الزَّنْجِ، فَأَفْسَدُوا، فَلَمَّا فَرَغَ الْحَجَّاجُ مِنَ ابْنِ الْجَارُودِ أَمَرَ زِيَادَ بْنَ عَمْرٍو، وَهُوَ عَلَى شُرْطَةِ الْبَصْرَةِ، أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا يُقَاتِلُهُمْ، فَفَعَلَ وَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا عَلَيْهِ ابْنُهُ حَفْصُ بْنُ زِيَادٍ، فَقَاتَلَهُمْ، فَقَتَلُوهُ وَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا آخَرَ، فَهَزَمَ الزَّنْجَ وَقَتَلَهُمْ، وَاسْتَقَامَتِ الْبَصْرَةُ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الصَّائِفَةَ عِنْدَ خُرُوجِ الرُّومِ إِلَى الْعُمْقِ مِنْ نَاحِيَةِ مَرْعَشٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَخَطَبَ النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ، يَعْنِي عُثْمَانَ، وَلَا بِالْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ، وَلَا بِالْخَلِيفَةِ الْمَأْفُونِ، يَعْنِي يَزِيدَ، أَلَا وَإِنِّي لَا أُدَاوِي هَذِهِ الْأُمَّةَ إِلَّا بِالسَّيْفِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ لِي قَنَاتُكُمْ، وَإِنَّكُمْ تُحَفِّظُونَنَا أَعْمَالَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَلَا تَعْمَلُونَ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّكُمْ تَأْمُرُونَنَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَتَنْسَوْنَ ذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَاللَّهِ لَا يَأْمُرُنِي أَحَدٌ بِتَقْوَى اللَّهِ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ. ثُمَّ نَزَلَ.

  235. التاريخ 2326لا حكم مسجّل

    الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ أَبُو نَجِيحٍ وَكَانَ مِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ   فِي قَوْلِ أَبِي مُسْهِرٍ، وَ أَبِي عُبَيْدٍ: الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ السُّلَمِيُّ أَبُو نَجِيحٍ سَكَنَ حِمْصَ، وَهُوَ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، أَسْلَمَ قَدِيمًا هُوَ وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ ؓ، وَنَزَلَ الصُّفَّةَ، وَكَانَ مِنَ الْبَكَّائِينَ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا أَسْمَاءَهُمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ( التَّوْبَةِ: 92 ). وَهُوَ رَاوِي حَدِيثِ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، حَتَّى قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا. قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ، عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ ; فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ. وَرَوَى أَيْضًا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي عَلَى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ ثَلَاثًا، وَعَلَى الثَّانِي وَاحِدَةً. وَقَدْ كَانَ الْعِرْبَاضُ شَيْخًا كَبِيرًا، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي، وَوَهَنَ عَظْمِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ. وَرَوَى أَحَادِيثَ. أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَغَزَا حُنَيْنًا، وَكَانَ مِمَّنْ نَزَلَ الشَّامَ بِدَارَيَّا غَرْبِيِّ دِمَشْقَ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: بِبَلَاطِ - قَرْيَةٍ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ - فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ، وَاسْمِ أَبِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَالْأَشْهُرُ مِنْهَا: جُرْثُومُ بْنُ نَاشِرٍ. وَقَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعَيْنِ ; مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَ مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، وَأَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ. وَكَانَ مِمَّنْ يُجَالِسُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ، وَكَانَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ يَخْرُجُ، فَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَتَفَكَّرُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ لَا يَخْنُقَنِي اللَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا أَرَاكُمْ تَخْتَنِقُونَ. فَبَيْنَمَا هُوَ لَيْلَةً يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِذْ قُبِضَتْ رُوحُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَرَأَتِ ابْنَتُهُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ أَبَاهَا قَدْ مَاتَ، فَانْتَبَهَتْ مَذْعُورَةً، فَقَالَتْ لِأُمِّهَا: أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَتْ: هُوَ فِي مُصَلَّاهُ. فَنَادَتْهُ فَلَمْ يُجِبْهَا، فَجَاءَتْهُ فَحَرَّكَتْهُ فَسَقَطَ لِجَنْبِهِ، فَإِذَا هُوَ مَيِّتٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَخَلِيفَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي أَوَّلِ إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ صَاحِبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَمِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَقَدْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ مِنْ كَثْرَةِ الصَّوْمِ، وَقَدْ حَجَّ الْبَيْتَ ثَمَانِينَ حَجَّةً وَعُمْرَةً، وَكَانَ يُهِلُّ مِنَ الْكُوفَةِ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ يَصُومُ حَتَّى يَخْضَرَّ وَيَصْفَرَّ، فَلَمَّا احْتَضَرَ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا الْجَزَعُ ؟ فَقَالَ: مَا لِيَ لَا أَجْزَعُ ؟ وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي ؟ وَاللَّهِ لَوْ أُنْبِئْتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ لَأَهَمَّنِي الْحَيَاءُ مِنْهُ مِمَّا قَدْ صَنَعْتُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الذَّنَبُ الصَّغِيرُ فَيَعْفُو عَنْهُ، فَلَا يَزَالُ مُسْتَحْيِيًا مِنْهُ. حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ كَانَ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، اشْتَرَاهُ عُثْمَانُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ عَلَى عُثْمَانَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ - تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ مِنْ بَنِي عَقِيلِ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ خَفَاجَةَ:   كَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ أَحَدَ عُشَّاقِ الْعَرَبِ، مَشْهُورًا بِذَلِكَ، وَصَاحِبَتُهُ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ، وَكَانَ يَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ وَلَا يَرَاهَا إِلَّا مُتَبَرْقِعَةً، فَأَتَاهَا يَوْمًا فَسَفَرَتْ لَهُ عَنْ وَجْهِهَا فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهَا لَمْ تُسْفِرْ إِلَّا عَنْ حَدَثٍ، وَكَانَ إِخْوَتُهَا قَدْ أَمَرُوهَا أَنْ تُعْلِمَهُمْ بِمَجِيئِهِ، فَسَفَرَتْ لِتُنْذِرَهُ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: وَكُنْتُ إِذَا مَا جِئْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا وَأَوَّلُ الشِّعْرِ: نَأَتْكَ بِلَيْلَى دَارُهَا لَا تَزُورُهَا     وَشَطَّتْ نَوَاهَا وَاسْتَمَرَّ مَرِيرُهَا يَقُولُ رِجَالٌ لَا يَضِيرُكَ حُبُّهَا     بَلَى كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيرُهَا أَظُنُّ بِهَا خَيْرًا وَأَعْلَمُ أَنَّهَا     سَتَنْعَمُ يَوْمًا أَوْ يُفَكُّ أَسِيرُهَا حَمَامَةُ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ تَرَنَّمِي     سَقَاكِ مِنَ الْغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُهَا أَبِينِي لَنَا لَا زَالَ رِيشُكِ نَاعِمًا     وَلَا زِلْتِ فِي خَضْرَاءَ دَانَ بَرِيرُهَا أَرَى الْيَوْمَ يَأْتِي دُونَ لَيْلَى كَأَنَّمَا     أَتَتْ حِجَجٌ مِنْ دُونِهَا وَشُهُورُهَا أَرَتْنَا حِيَاضَ الْمَوْتِ لَيْلَى وَرَاقَنَا     عُيُونٌ نَقِيَّاتُ الْحَوَاشِي تُدِيرُهَا أَلَا يَا صَفِيَّ النَّفْسِ كَيْفَ تَقُولُهَا     لَوْ أَنَّ طَرِيدًا خَائِفًا يَسْتَجِيرُهَا عَلَيَّ دِمَاءُ الْبُدْنِ إِنْ كَانَ بَعْلُهَا     يَرَى لِي ذَنْبًا غَيْرَ أَنِّي أَزُورُهَا وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ     لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا وَلَهُ أَيْضًا فِيهَا: فَإِنْ تَمْنَعُوا لَيْلَى وَحُسْنَ حَدِيثِهَا     فَلَنْ تَمْنَعُوا عَيْنِي الْبُكَا وَالْقَوَافِيَا فَهَلَّا مَنَعْتُمْ إِذْ مَنَعْتُمْ كَلَامَهَا     خَيَالًا يُمْسِينَا عَلَى النَّأْيِ هَادِيَا يَلُومُكَ فِيهَا اللَّائِمُونَ نَصَاحَةً     فَلَيْتَ الْهَوَى بِاللَّائِمِينَ مَكَانِيَا لَعَمْرِي لَقَدْ أَسْهَرْتِنِي يَا حَمَامَةَ     الْعَقِيقِ وَقَدْ أَبْكَيْتِ مَا كَانَ بَاكِيَا ذَكَرْتُكِ بِالْغَوْرِ التِّهَامِي فَأَصْعَدَتْ     شُجُونُ الْهَوَى حَتَّى بَلَغْنَ التَّرَاقِيَا كَانَ تَوْبَةُ يَشُنُّ الْغَارَةَ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَهَمْدَانَ، وَكَانَتْ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَقِيلٍ وَبَنِي مَهَرَةَ مَفَازَةٌ، وَكَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ الْمَاءَ إِذَا أَغَارَ، فَغَزَا هُوَ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ عَمٍّ لَهُ فَنَذَرُوا بِهِمْ، فَانْصَرَفَ مُحَقِّقًا، فَمَرَّ بِجِيرَانٍ لِبَنِي عَوْفٍ، فَاطَّرَدَ إِبِلَهُمْ وَقَتَلَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَوْفٍ، فَطَلَبُوهُ فَقَتَلُوهُ، وَضَرَبُوا رِجْلَ أَخِيهِ فَأَعْرَجُوهُ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ لَيْلَى، فَقَالَتْ: فَآلَيْتُ أَبْكِي بَعْدَ تَوْبَةَ هَالِكًا     وَأَحْفُلُ إِذَا دَارَتْ عَلَيْهِ الدَّوَائِرُ لَعَمْرُكَ مَا بِالْقَتْلِ عَارٌ عَلَى الْفَتَى     إِذَا لَمْ تُصِبْهُ فِي الْحَيَاةِ الْمُعَايَرَةْ . - سُلَيْمُ بْنُ عِتْرِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مَالِكٍ:   هَاجَرَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَحَضَرَ خُطْبَتَهُ بِالْجَابِيَةِ. وَرَوَى عَنْهُ، وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَجُمِعَ لَهُ بِهَا الْقَضَاءُ وَالْقَصَصُ. وَكَانَ يُسَمَّى النَّاسِكَ لِشِدَّةِ عِبَادَتِهِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَانَ يَقُولُ: لَمَّا قَدِمْتُ مِنَ الْبَحْرِ تَعَبَّدْتُ فِي غَارٍ سَبْعَةَ أَيَّامٍ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَمْ أُصِبْ فِيهَا طَعَامًا وَلَا شَرَابًا، وَلَوْلَا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ أَضْعُفَ لَزِدْتُ. رَوَى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ، وَأَبُو قَتِيلٍ، وَمُسَرِّحُ بْنُ هَاعَانَ، وَغَيْرُهُمْ. وَتُوُفِّيَ بِدِمْيَاطَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. - صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ أَبُو الصَّهْبَاءِ الْعَدَوِيُّ الْبَصْرِيُّ:   وَكَانَ ثِقَةً وَرِعًا عَابِدًا، أَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عِيَاضٍ وَغَيْرِهِ. وَرَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ، وَحُمَيْدٌ، وَهِلَالٌ. وعَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: كَانَ أَبُو الصَّهْبَاءِ يُصَلِّي حَتَّى مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْتِيَ فِرَاشَهُ إِلَّا زَحْفًا. قَالَ: حَمَّادُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: خَرَجْنَا فِي غَزَاةٍ إِلَى كَابُلَ، وَفِي الْجَيْشِ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ، فَنَزَلَ النَّاسُ عِنْدَ الْعَتَمَةِ، فَقُلْتُ: لَأَرْمُقَنَّ عَمَلَهُ فَأَنْظُرُ مَا يَذْكُرُ النَّاسُ مِنْ عِبَادَتِهِ، فَصَلَّى الْعَتَمَةَ ثُمَّ اضْطَجَعَ وَالْتَمَسَ غَفْلَةَ النَّاسِ حَتَّى إِذَا قُلْتُ: هَدَأَتِ الْعُيُونُ، وَثَبَ فَدَخَلَ غَيْضَةً قَرِيبًا مِنْهُ، وَدَخَلْتُ فِي أَثَرِهِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ: وَجَاءَ أَسَدٌ حَتَّى دَنَا مِنْهُ. قَالَ: فَصَعِدْتُ فِي شَجَرَةٍ. قَالَ: فَتُرَاهُ الْتَفَتْ، أَوْ عَدَّهُ [جِرْوًا] حَتَّى إِذَا سَجَدَ، فَقُلْتُ: الْآنَ يَفْتَرِسُهُ. فَجَلَسَ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَالَ: أَيُّهَا السَّبُعُ، اطْلُبِ الرِّزْقَ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ، فَوَلَّى وَإِنَّ لَهُ لَزَئِيرًا تَصْدَعُ مِنْهُ الْجِبَالُ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ الصُّبْحُ جَلَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَحَامِدَ لَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِهَا إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ، أَوَمِثْلِي يَجْتَرِئُ أَنْ يَسْأَلَكَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَأَصْبَحَ كَأَنَّهُ بَاتَ عَلَى الْحَشَايَا. وَأَصْبَحْتُ وَبِي مِنَ الْفَتْرَةِ شَيْءٌ اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. قَالَ: فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ أَرْضِ الْعَدُوِّ قَالَ الْأَمِيرُ: لَا يَشُدَّنَّ أَحَدٌ مِنَ الْعَسْكَرِ، قَالَ: فَذَهَبَتْ بَغْلَتُهُ بِثِقَلِهَا فَأَخَذَ يُصَلِّي، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ ذَهَبُوا. فَمَضَى ثُمَّ قَالَ: دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ. فَقَالُوا: النَّاسُ قَدْ ذَهَبُوا، قَالَ: إِنَّهُمَا خَفِيفَتَانِ، قَالَ: فَدَعَا ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ تَرُدَّ بَغْلَتِي وَثِقَلِهَا. قَالَ: فَجَاءَتْ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَلَمَّا لَقِينَا الْعَدُوَّ حَمَلَ هُوَ وَهِشَامُ بْنُ عَامِرٍ فَصَنَعَا بِهِمْ طَعْنًا وَضَرْبًا وَقَتْلًا. فَكُسِرَ ذَلِكَ الْعَدُوُّ، فَقَالُوا: رَجُلَانِ مِنَ الْعَرَبِ صَنَعَا بِنَا هَذَا، فَكَيْفَ لَوْ قَاتَلُونَا. فَأَعْطَوُا الْمُسْلِمِينَ حَاجَتَهُمْ. قَالَ: الْعَلَاءُ بْنُ هِلَالٍ الْبَاهِلِيُّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قَوْمِ صِلَةَ قَالَ لِصِلَةَ: يَا أَبَا الصَّهْبَاءِ إِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أُعْطِيتُ شُهْدَةً وَأَنْتَ شُهْدَتَيْنِ، فَقَالَ: خَيْرًا رَأَيْتَ، تَسْتَشْهِدُ وَأَسْتَشْهِدُ أَنَا وَابْنِي. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ لَقِيَهُمُ التُّرْكُ بِسِجِسْتَانَ، فَكَانَ أَوَّلُ جَيْشٍ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ الْجَيْشُ. فَقَالَ صِلَةُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، ارْجِعْ إِلَى أُمِّكَ، فَقَالَ: يَا أَبَهْ أَتُرِيدُ الْخَيْرَ لِنَفْسِكَ وَتَأْمُرُنِي بِالرُّجُوعِ [بَلِ ارْجِعْ] أَنْتَ وَاللَّهِ كُنْتَ خَيْرًا مِنِّي لِأُمِّي. قَالَ: أَمَا إِنْ قُلْتَ هَذَا فَتَقَدَّمْ، فَقَاتَلَ حَتَّى أُصِيبَ، فَرَمَى صِلَةُ عَنْ جَسَدِهِ -وَكَانَ رَجُلًا رَامِيًا- حَتَّى تَفَرَّقُوا عَنْهُ، وَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى قَامَ عَلَيْهِ، فَدَعَا لَهُ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وقَالَ: ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ: أَنَّ صِلَةَ بْنَ أَشْيَمَ كَانَ فِي مَغْزًى لَهُ وَمَعَهُ ابْنُهُ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، تَقَدَّمْ فَقَاتِلْ حَتَّى أَحْتَسِبَكَ. فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هُوَ فَقُتِلَ. فَاجْتَمَعَتِ النِّسَاءُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِتُهَنِّئْنَنِي فَمَرْحَبًا بِكُنَّ، وَإِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَارْجِعْنَ. قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَتْ هَذِهِ الْغَزَاةُ فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ الْحُجَّاجِ. - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَلِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيٍّ، أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ:   كَانَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَلْقَهُ. وَأَسْنَدَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَسَلْمَانَ فِي آخَرِينَ. وَكَانَ يَسْكُنُ الْكُوفَةَ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ تَحَوَّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَقَالَ: لَا أَسْكُنُ بَلَدًا قُتِلَ فِيهِ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهُوَ يُعَدُّ مِنَ الْمُخَضْرَمِينَ: قَالَ: أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ: الْمُخَضْرَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَاءٌ مُخَضْرَمٌ، إِذَا تَنَاهَى فِي الْكَثْرَةِ وَاتَّسَعَ، فَسُمِّيَ الَّذِي يَشْهَدُ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ مُخَضْرَمًا، كَأَنَّهُ اسْتَوْفَى الْأَمْرَيْنِ. وَيُقَالُ: أُذُنٌ مُخَضْرَمَةٌ إِذَا كَانَتْ مَقْطُوعَةً، فَكَأَنَّهُ انْقَطَعَ عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى الْإِسْلَامِ. وَتُوُفِّيَ أَبُو عُثْمَانَ بِالْبَصْرَةِ فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ الْحَجَّاجِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ. وعَنِ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: بَلَغْتُ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا قَدْ عَرَفْتُ النَّقْصَ فِيهِ إِلَّا أَمَلِي كَمَا هُوَ. - ما جاء في ترجمة ليلى الأخيلية لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ، وَهِيَ لَيْلَى بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّحَّالِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ  ، وَمُعَاوِيَةُ هُوَ الْأَخْيَلُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ عَقِيلٍ: أَحَبَّهَا تَوْبَةُ بْنُ الْحُمَيِّرِ، وَكَانَتْ مِنْ أَشْعَرِ النِّسَاءِ، لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهَا فِي الشِّعْرِ غَيْرُ خَنْسَاءَ. وَكَانَتْ هَاجَتِ النَّابِغَةَ الْجَعْدِيَّ، فَكَانَ مِمَّا هَجَاهَا قَوْلُهُ: فَكَيْفَ أُهَاجِي شَاعِرًا رُمْحُهُ اسْتُهُ     خَضِيبَ الْبَنَانِ مَا يَزَالُ مُكَحَّلَا فَقَالَتْ فِي جَوَابِهِ: أَعَيَّرْتَنِي هَذَا بِأُمِّكَ مِثْلُهُ     وَأَيُّ حَصَانٍ لَا يُقَالُ لَهَا هَلَا وَدَخَلَتْ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَقَدْ أَسَنَّتْ، فَقَالَ لَهَا: مَا رَأَى تَوْبَةُ مِنْكِ حَتَّى عَشِقَكِ، فَقَالَتْ: مَا رَأَى النَّاسُ مِنْكَ حَتَّى جَعَلُوكَ خَلِيفَةً، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ لَهُ سِنٌّ سَوْدَاءُ كَانَ يُخْفِيهَا. بين ليلى الأخيلية وعبد الملك بن مروان وقَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لِلَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةِ: بِاللَّهِ هَلْ كَانَ بَيْنَكِ وَبَيْنَ تَوْبَةَ سُوءٌ قَطُّ؟ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى [ذَهَابِ] نَفْسِي مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سُوءٌ قَطُّ إِلَّا أَنَّهُ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَصَافَحْتُهُ فَغَمَزَ يَدِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَخْضَعُ لِبَعْضِ الْأَمْرِ، قَالَ: فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: وَذِي حَاجَةٍ قُلْنَا لَهُ لَا تَبُحْ بِهَا     فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حَيِيتَ سَبِيلُ لَنَا صَاحِبٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَخُونَهُ     وَأَنْتَ لِأُخْرَى فَارِغٌ وَحَلِيلُ فَقَالَتْ: لَا وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ مَا كَلَّمَنِي بِسُوءٍ قَطُّ حَتَّى فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ الْمَوْتُ. بين ليلى الأخيلية والحجاج وعَنْ مَوْلًى لِعَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: كُنْتُ أَدْخُلُ مَعَ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدِ [بْنِ الْعَاصِ] إِذَا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَدَخَلَ يَوْمًا وَدَخَلْتُ إِلَيْهِمَا وَلَيْسَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ غَيْرُ عَنْبَسَةَ، فَقَعَدْتُ، فَجَاءَ الْحَاجِبُ فَقَالَ: امْرَأَةٌ بِالْبَابِ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَدْخِلْهَا. فَلَمَّا رَآهَا الْحَجَّاجُ طَأْطَأَ بِرَأْسِهِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ ذَقَنَهُ قَدْ أَصَابَتِ الْأَرْضَ، فَجَاءَتْ حَتَّى قَعَدَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ قَدْ أَسَنَّتْ، حَسَنَةُ الْخَلْقِ، وَمَعَهَا جَارِيَتَانِ لَهَا، وَإِذَا هِيَ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ، فَسَأَلَهَا الْحَجَّاجُ عَنْ نَسَبِهَا، فَانْتَسَبَتْ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: يَا لَيْلَى مَا أَتَانِي بِكِ؟ فَقَالَتِ: اخْتِلَافُ النُّجُومِ، وَقِلَّةُ الْغُيُومِ، وَكَلَبُ الْبَرْدِ، وَشِدَّةُ الْجُهْدِ، وَكُنْتُ لَنَا بَعْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الرِّفْدَ، فَقَالَ لَهَا: صِفِي لَنَا الْفِجَاجَ. فَقَالَتْ: الْفِجَاجُ مُغْبَرَّةٌ، وَالْأَرْضُ مُقَشْعِرَّةٌ، وَالْمَبْرَكُ مُعْتَلٌّ، وَذُو الْعِيَالِ مُخْتَلٌّ، وَالْهَالِكُ الْمُقِلُّ، وَالنَّاسُ مُسْنِتُونَ، رَحْمَةَ اللَّهِ يَرْجُونَ، وَأَصَابَتْنَا سُنُونَ مُجْحِفَةٌ لَمْ تَدَعْ لَنَا هُبَعًا وَلَا رُبَعًا وَلَا عَافِطَةً وَلَا نَافِطَةً، أَذْهَبَتِ الْأَمْوَالَ، وَفَرَّقَتِ الرِّجَالَ، وَأَهْلَكَتِ الْعِيَالَ. ثُمَّ قَالَتْ: إِنِّي قَدْ قُلْتُ فِي الْأَمِيرِ قَوْلًا، قَالَ: هَاتِي، فَأَنْشَأَتْ تَقُولُ: أَحَجَّاجُ لَا يُفْلَلْ سِلَاحُكَ إِنَّمَا الْـ     ـمَنَايَا بِكَفِّ اللَّهِ حَيْثُ يَرَاهَا أَحَجَّاجُ لَا تُعْطِ الْعُصَاةُ مُنَاهُمُ     وَلَا اللَّهُ يُعْطِي لِلْعُصَاةِ مُنَاهَا إِذَا هَبَطَ الْحَجَّاجُ أَرْضًا مَرِيضَةً     تَتَبَّعَ أَقْصَى دَائِهَا فَشَفَاهَا شَفَاهَا مِنَ الدَّاءِ الْعُضَالِ الَّذِي بِهَا     غُلَامٌ إِذَا هَزَّ الْقَنَاةَ سَقَاهَا سَقَاهَا فَرَوَّاهَا بِشُرْبِ سِجَالِهِ     دِمَاءَ رِجَالٍ حَيْثُ مَالَ حَشَاهَا إِذَا سَمِعَ الْحَجَّاجُ رِزَّ كَتِيبَةٍ     أَعَدَّ لَهَا قَبْلَ النُّزُولِ قِرَاهَا أَعَدَّ لَهَا مَسْمُومَةً فَارِسِيَّةً     بِأَيْدِي رِجَالٍ يَحْلُبُونَ صَرَاهَا [فَمَا وَلَدَ الْأَبْكَارُ وَالْعَوْنُ مِثْلَهُ     بِبَحْرٍ لَا أَرْضٍ يَجِفُّ ثَرَاهَا] قَالَ: فَلَمَّا قَالَتْ هَذَا الْبَيْتَ، قَالَ الْحَجَّاجُ: قَاتَلَهَا اللَّهُ، مَا أَصَابَ صِفَتِي شَاعِرٌ مُنْذُ دَخَلْتُ الْعِرَاقَ غَيْرَهَا. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَأَعُدُّ لِلْأَمْرِ عَسَى أَنْ يَكُونَ أَبَدًا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: حَسْبُكِ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ قُلْتُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، قَالَ: حَسْبُكِ هَذَا، وَيْحَكِ! حَسْبُكِ. ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ يَا غُلَامُ إِلَى فُلَانٍ فَقُلْ لَهُ: اقْطَعْ لِسَانَهَا، قَالَ: فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْحَجَّامِ، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَ بِقَطْعِ لِسَانِي بِالصِّلَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْتَثْبِتُهُ، فَاسْتَشَاطَ الْحَجَّاجُ غَضَبًا وَهَمَّ بِقَطْعِ لِسَانِهِ، وَقَالَ: ارْدُدْهَا. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَتْ: كَادَ وَأَمَانَةِ اللَّهِ يَقْطَعُ مَقُولِي، ثُمَّ أَنْشَأَتْ [تَقُولُ]: حَجَّاجُ أَنْتَ الَّذِي مَا فَوْقَهُ أَحَدُ     إِلَّا الْخَلِيفَةُ وَالْمُسْتَغْفَرُ الصَّمَدُ حَجَّاجُ أَنْتَ شِهَابُ الْحَرْبِ إِنْ لَقِحَتْ     وَأَنْتَ لِلنَّاسِ نُورٌ فِي الدُّجَى يُقَدُ ثُمَّ أَقْبَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: لَا وَاللَّهِ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِلَّا أَنَّا لَمْ نَرَ امْرَأَةً قَطُّ أَفْصَحَ لِسَانًا وَلَا أَحْسَنَ مُحَاوَرَةً، وَلَا أَمْلَحَ وَجْهًا، وَلَا أَرْصَنَ شِعْرًا مِنْهَا. فَقَالَ: هَذِهِ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ الَّتِي مَاتَ تَوْبَةُ الْخَفَاجِيُّ مِنْ حُبِّهَا. ثُمَّ الْتَفَتْ إِلَيْهَا، فَقَالَ: أَنْشِدِينَا يَا لَيْلَى بَعْضَ مَا قَالَ فِيكِ تَوْبَةُ، فَقَالَتْ: نَعَمْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، هُوَ الَّذِي يَقُولُ: وَهَلْ تَبْكِينِ لَيْلَى إِذَا مِتُّ قَبْلَهَا     وَقَامَ عَلَى قَبْرِي النِّسَاءُ النَّوَائِحُ كَمَا لَوْ أَصَابَ الْمَوْتُ لَيْلَى بَكَيْتُهَا     وَجَادَ لَهَا دَمْعٌ مِنَ الْعَيْنِ سَافِحُ وَأُغْبَطُ مِنْ لَيْلَى بِمَا لَا أَنَالُهُ     أَلَا كُلُّ مَا قَرَّتْ بِهِ الْعَيْنُ صَالِحُ وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ سَلَّمَتْ     عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وَصَفَائِحُ لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ الْبَشَاشَةِ أَوْ زَقَا     إِلَيْهَا صَدًى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ: زِيدِينَا يَا لَيْلَى مِنْ شِعْرِهِ، فَقَالَتْ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ: حَمَامَةَ بَطْنِ الْوَادِيَيْنِ تَرَنَّمِي     سَقَاكِ مِنَ الْغُرِّ الْغَوَادِي مَطِيرُهَا أَبِينِي لَنَا لَا زَالَ رِيشُكِ نَاعِمًا     وَلَا زِلْتِ فِي خَضْرَاءَ غَضٌّ نَضِيرُهَا وَأُشْرِفُ بِالْقُورِ الْيَفَاعِ لَعَلَّنِي     أَرَى نَارَ لَيْلَى أَوْ يَرَانِي بَصِيرُهَا وَكُنْتُ إِذَا مَا جِئْتُ لَيْلَى تَبَرْقَعَتْ     فَقَدْ رَابَنِي مِنْهَا الْغَدَاةَ سُفُورُهَا يَقُولُ رِجَالٌ لَا يَضِيرُكَ نَأْيُهَا     بَلَى كُلُّ مَا شَفَّ النُّفُوسَ يَضِيرُهَا بَلَى قَدْ يَضِيرُ الْعَيْنَ أَنْ تُكْثِرَ الْبُكَا     وَيُمْنَعُ مِنْهَا نَوْمُهَا وَسُرُورُهَا وَلَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِرٌ     لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورُهَا فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ: مَا الَّذِي رَابَهُ مِنْ سُفُورِكَ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، كَانَ يُلِمُّ بِنَا كَثِيرًا، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ يَوْمًا أَنِّي آتِيكِ، وَفَطِنَ الْحَيُّ فَأَرْصَدُوا لَهُ، فَلَمَّا أَتَانِي سَفَرْتُ لَهُ، فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لِشَرٍّ، فَلَمْ نَزِدْ عَلَى التَّسْلِيمِ وَالرُّجُوعِ، فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّكِ! فَهَلْ رَأَيْتِ مِنْهُ شَيْئًا تَكْرَهِينَهُ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَكَ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ لِي مَرَّةً قَوْلًا ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ خَضَعَ لِبَعْضِ الْأَمْرِ، فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ: وَذِي حَاجَةٍ قُلْنَا لَهُ لَا تُبِحْ بِهَا     فَلَيْسَ إِلَيْهَا مَا حَيِيتَ سَبِيلُ لَنَا صَاحِبٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَخُونَهُ     وَأَنْتَ لِأُخْرَى فَارِغٌ وَحَلِيلُ وَلَا وَالَّذِي أَسْأَلُهُ أَنْ يُصْلِحَكَ مَا رَأَيْتُ مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى فَرَّقَ الْمَوْتُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَتْ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي غَزَاةٍ لَهُ وَأَوْصَى إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَهُ: إِذَا أَتَيْتَ الْحَاضِرَ مِنْ بَنِي عُبَادَةَ فَنَادِ بِأَعْلَى صَوْتِكَ: عَفَا اللَّهُ عَنْهَا هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً     مِنَ الدَّهْرِ لَا يَسْرِي إِلَيَّ خَيَالُهَا فَخَرَجْتُ وَأَنَا أَقُولُ: وَعَنْهُ عَفَا رَبِّي وَأَحْسَنَ حَالَهُ     فَعَزَّ عَلَيْنَا حَاجَةٌ لَا يَنَالُهَا قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَتْ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَأَتَانَا نَعْيُهُ. قَالَ: فَأَنْشِدِينَا بَعْضَ مَا أَتَاكِ فِيهِ، فَأَنْشَدَتْ تَقُولُ: أَتَتْكَ الْعَذَارَى مِنْ خَفَاجَةَ نِسْوَةٌ     بِمَاءِ شُئُونِ الْعَبْرَةِ الْمُتَحَادِرِ كَأَنَّ فَتَى الْفِتْيَانِ تَوْبَةَ لَمْ يُنِخْ     قَلَائِصَ يَنْفُجْنَ الْحَصَى بِالْكَرَاكِرِ فَأَنْشَدَتْهُ، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنَ الْقَصِيدَةِ قَالَ مِحْصَنٌ الْفَقْعَسِيُّ -وَكَانَ مِنْ جُلَسَاءِ الْحَجَّاجِ-: مَنْ هَذَا الَّذِي تَقُولُ هَذِهِ فِيهِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّهَا كَاذِبَةً، فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ هَذَا الْقَائِلَ لَوْ رَأَى تَوْبَةَ لَسَرَّهُ أَلَّا يَكُونَ فِي دَارِهِ عَذْرَاءُ إِلَّا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ. قَالَ الْحَجَّاجُ: هَذَا وَأَبِيكِ الْجَوَابُ، وَقَدْ كُنْتَ عَنْ هَذَا غَنِيًّا، ثُمَّ قَالَ لَهَا: سَلِي يَا لَيْلَى تُعْطَيْ، قَالَتْ: أُعْطَ، فَمِثْلُكَ أَعْطَى فَأَحْسَنَ. قَالَ: لَكِ عِشْرُونَ، قَالَتْ: زِدْ؛ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَجْمَلَ. قَالَ: لَكِ أَرْبَعُونَ. قَالَتْ: زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَفْضَلَ، قَالَ: لَكِ سِتُّونَ، قَالَتْ: زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَأَكْمَلَ، قَالَ: لَكِ ثَمَانُونَ، قَالَتْ: زِدْ فَمِثْلُكَ زَادَ فَتَمَّمَ، قَالَ: لَكِ مِائَةٌ، وَاعْلَمِي [يَا لَيْلَى]: أَنَّهَا غَنَمٌ، قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنْتَ أَجْوَدُ جُودًا، وَأَمْجَدُ مَجْدًا، وَأَوْرَى زَنْدًا مِنْ أَنْ تَجْعَلَهَا غَنَمًا، قَالَ: فَمَا هِيَ وَيْحَكِ يَا لَيْلَى؟! قَالَتْ: مِائَةُ نَاقَةٍ بِرُعَاتِهَا. فَأَمَرَ لَهَا بِهَا. ثُمَّ قَالَ: أَلِكِ حَاجَةٌ بَعْدَهَا؟ قَالَتْ: تَدْفَعُ إِلَيَّ النَّابِغَةَ الْجَعْدِيَّ فِي قَرْنٍ، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَقَدْ كَانَتْ تَهْجُوهُ وَيَهْجُوهَا، فَبَلَغَ النَّابِغَةَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ هَارِبًا، عَائِذًا بِعَبْدِ الْمَلِكِ، فَاتَّبَعَتْهُ إِلَى الشَّامِ، فَهَرَبَ إِلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ، فَاتَّبَعَتْهُ عَلَى الْبَرِيدِ بِكِتَابِ الْحَجَّاجِ إِلَى قُتَيْبَةَ، فَمَاتَتْ بِقُومِسَ وَيُقَالُ: بِحُلْوَانَ. وَفِي رِوَايَةٍ: بِسَاوَةَ، فَقَبْرُهَا هُنَاكَ. موت ليلى الأخيلية وقَالَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ النَّيْسَابُورِيُّ: أَنَّ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ تَوْبَةَ تَزَوَّجَتْ، ثُمَّ إِنَّ زَوْجَهَا بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّ بِقَبْرِ تَوْبَةَ وَلَيْلَى مَعَهُ، فَقَالَ لَهَا: يَا لَيْلَى أَتَعْرِفِينَ لِمَنْ هَذَا الْقَبْرُ؟ فَقَالَتْ: لَا، فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ تَوْبَةَ فَسَلِّمِي عَلَيْهِ، فَقَالَتِ: امْضِ لِشَأْنِكَ، فَمَا تُرِيدُ مِنْ تَوْبَةَ وَقَدْ بَلِيَتْ عِظَامُهُ، قَالَ: أُرِيدُ تَكْذِيبَهُ، أَلَيْسَ هُوَ الْقَائِلُ فِي بَعْضِ أَشْعَارِهِ: وَلَوْ أَنَّ لَيْلَى الْأَخْيَلِيَّةُ سَلَّمَتْ     عَلَيَّ وَدُونِي تُرْبَةٌ وَصَفَائِحُ لَسَلَّمْتُ تَسْلِيمَ الْبَشَاشَةِ أَوْ زَقَا     إِلَيْهَا صَدًى مِنْ جَانِبِ الْقَبْرِ صَائِحُ فَوَاللَّهِ لَا بَرِحْتُ أَوْ تُسَلِّمِي عَلَيْهِ، فَقَالَتِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا تَوْبَةُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا صِرْتَ إِلَيْهِ. فَإِذَا طَائِرٌ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَبْرِ حَتَّى ضَرَبَ صَدْرَهَا، فَشَهِقَتْ شَهْقَةً فَمَاتَتْ، فَدُفِنَتْ إِلَى جَانِبِ قَبْرِهِ، فَنَبَتَتْ عَلَى قَبْرِهِ شَجَرَةٌ وَعَلَى قَبْرِهَا شَجَرَةٌ، فَطَالَتَا فَالْتَفَّتَا.

  236. التاريخ 2327لا حكم مسجّل

    خروج صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ أَمِيرِ الصُّفْرِيَّةِ وَشَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ على محمد بن مروان ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَسَبْعِينَ   وَكَانَ فِي أَوَّلِهَا فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ مِنْهَا لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ اجْتِمَاعُ صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ أَمِيرِ الصُّفْرِيَّةِ، وَشَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ أَحَدِ شُجْعَانِ الْخَوَارِجِ، فَقَامَ فِيهِمْ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ، فَأَمَرَهُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَأَنْ لَا يُقَاتِلُوا أَحَدًا حَتَّى يَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُمْ. ثُمَّ مَالُوا إِلَى دَوَابِّ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، نَائِبِ الْجَزِيرَةِ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخَذُوهَا فَتَقْوَوْا بِهَا، وَأَقَامُوا بِأَرْضِ دَارَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ أَهْلُ دَارَا وَنَصِيبِينَ وَسِنْجَارَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ نَائِبُ الْجَزِيرَةِ خَمْسَمِائَةِ فَارِسٍ، عَلَيْهِمْ عَدِيُّ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ، ثُمَّ زَادَهُ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرَى، فَسَارَ فِي أَلْفٍ مِنْ حَرَّانَ إِلَيْهِمْ، وَكَأَنَّمَا يُسَاقُ إِلَى الْمَوْتِ وَهُوَ يَنْظُرُ ; لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَلَدِ الْخَوَارِجِ وَقُوَّتِهِمْ وَشِدَّةِ بِأَسِهِمْ، فَلَمَّا الْتَقَى مَعَ الْخَوَارِجِ هَزَمُوهُ هَزِيمَةً شَنِيعَةً بَالِغَةً، وَاحْتَوَوْا عَلَى مَا فِي مُعَسْكَرِهِ، وَرَجَعَ فَلُّهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ فَغَضِبَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ جَعْوَنَةَ، وَأَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ مَعَ خَالِدِ بْنِ جَزْءٍ السُّلَمِيِّ، وَقَالَ لَهُمَا: أَيُّكُمَا سَبَقَ إِلَيْهِمْ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ. فَسَارُوا إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَالْخَوَارِجُ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ نَفْسٍ، وَعَشَرَةِ أَنْفُسٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى آمِدَ تَوَجَّهَ صَالِحٌ إِلَى خَالِدِ بْنِ جَزْءٍ فِي شَطْرِ النَّاسِ، وَوَجَّهَ شَبِيبًا إِلَى الْحَارِثِ بْنِ جَعْوَنَةَ فِي الْبَاقِينَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ فِي هَذَا الْيَوْمِ قِتَالًا شَدِيدًا إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ انْكَفَّ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ نَحْوَ السَّبْعِينَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَرْوَانَ نَحْوَ الثَّلَاثِينَ. مقتل صالح بن مسرح على يد الحارث بن عميرة وَهَرَبَتِ الْخَوَارِجُ فِي اللَّيْلِ، فَخَرَجُوا مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَأَخَذُوا فِي أَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَمَضَوْا حَتَّى قَطَعُوا الدَّسْكَرَةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمِ الْحَجَّاجُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ، فَسَارَ نَحْوَهُمْ حَتَّى لَحِقَهُمْ بِأَرْضِ الْمَوْصِلِ، وَلَيْسَ مَعَ صَالِحٍ سِوَى تِسْعِينَ رَجُلًا، فَالْتَقَى مَعَهُمْ، وَقَدْ جَعَلَ صَالِحٌ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَةَ كَرَادِيسَ ; فَهُوَ فِي كُرْدُوسٍ، وَشَبِيبٌ عَنْ يَمِينِهِ فِي كُرْدُوسٍ، وَسُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ يَسَارِهِ فِي كُرْدُوسٍ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرَةَ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبُو الرَّوَّاغِ الشَّاكِرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْأَرْوَحِ التَّمِيمِيُّ، فَصَبَرَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى قِلَّتِهِمْ صَبْرًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْكَشَفَ وَسُوَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ قُتِلَ صَالِحُ بْنُ مُسَرِّحٍ أَمِيرُهُمْ، وَصُرِعَ شَبِيبٌ عَنْ فَرَسِهِ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْخَوَارِجَ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَدَخَلُوا بِهِ حِصْنًا هُنَالِكَ، وَقَدْ بَقِيَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ رَجُلًا، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْحَارِثُ بْنُ عُمَيْرَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْرِقُوا الْبَابَ، فَفَعَلُوا، وَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ يَنْتَظِرُونَ حَرِيقَ الْبَابَ، فَيَأْخُذُونَ الْخَوَارِجَ قَهْرًا، فَلَمَّا رَجَعَ النَّاسُ وَاطْمَأَنُّوا خَرَجَتْ عَلَيْهِمُ الْخَوَارِجُ مِنَ الْبَابِ عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ، فَبَيَّتُوا جَيْشَ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَهَرَبَ النَّاسُ سِرَاعًا إِلَى الْمَدَائِنِ، وَاحْتَازَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ، فَكَانَ جَيْشُ الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرَةَ أَوَّلَ جَيْشٍ هَزَمَهُ شَبِيبٌ، وَكَانَ مَقْتَلُ صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. دخول شبيب الكوفة ومعه زوجته وَفِيهَا دَخَلَ شَبِيبٌ الْكُوفَةَ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ غَزَالَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ شَبِيبًا جَرَتْ لَهُ فُصُولٌ يَطُولُ تَفْصِيلُهَا بَعْدَ مَقْتَلِ صَالِحِ بْنِ مُسَرِّحٍ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَبَايَعُوهُ. بعث الحجاج الثقفي البعوث والسرايا إلى شبيب وَبَعَثَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ جَيْشًا آخَرَ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ ثُمَّ هَزَمَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ فَحَاصَرَ الْمَدَائِنَ، فَلَمْ يَنَلْ مِنْهَا شَيْئًا، فَسَارَ فَأَخَذَ دَوَابَّ لِلْحَجَّاجِ مِنْ كَلْوَاذَا، وَمِنْ عَزْمِهِ أَنْ يُبَيِّتَ أَهْلَ الْمَدَائِنِ، فَهَرَبَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْجُنْدِ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمَّا وَصَلَ الْفَلُّ إِلَى الْحَجَّاجِ جَهَّزَ جَيْشًا أَرْبَعَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ إِلَى شَبِيبٍ، فَمَرُّوا عَلَى الْمَدَائِنِ، ثُمَّ سَارُوا فِي طَلَبِ شَبِيبٍ، فَجَعَلَ شَبِيبٌ يَسِيرُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَهُوَ يُرِيهِمْ أَنَّهُ خَائِفٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ يَكُرُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ فَيَكْسِرُهَا، وَيَنْهَبُ مَا فِيهَا، وَلَا يُوَاجِهُ أَحَدًا إِلَّا هَزَمَهُ، وَالْحَجَّاجُ يُلِحُّ فِي طَلَبِهِ، وَيُجَهِّزُ إِلَيْهِ السَّرَايَا وَالْبُعُوثَ وَالْمَدَدَ، وَشَبِيبٌ لَا يُبَالِي بِأَحَدٍ، وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِائَةٌ وَسِتُّونَ فَارِسًا، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ، ثُمَّ سَارَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى حَتَّى وَاجَهَ الْكُوفَةَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُحَاصِرَهَا، فَخَرَجَ الْجَيْشُ بِكَمَالِهِ إِلَى السَّبَخَةِ لِقِتَالِهِ، وَبِلَغَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ، وَانْزَعَجَ النَّاسُ، وَخَافُوا مِنْهُ وَفَرِقُوا، وَهَمُّوا أَنْ يَدْخُلُوا الْكُوفَةَ خَوْفًا مِنْهُ، فَيَتَحَصَّنُوا فِيهَا مِنْهُ، حَتَّى قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي آثَارِهِمْ، وَقَدِ اقْتَرَبَ مِنْهُمْ، وَشَبِيبٌ نَازِلٌ بِالْكُوفَةِ بِالدَّيْرِ، لَيْسَ عِنْدَهُ خَبَرٌ مِنْهُمْ وَلَا خَوْفٌ، وَقَدْ أَمَرَ بِطَعَامٍ وَشِوَاءٍ أَنْ يُصْنَعَ لَهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَدْ جَاءَكَ الْجُنْدُ فَأَدْرِكْ نَفْسَكَ. فَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى ذَلِكَ وَلَا يَكْتَرِثُ بِهِمْ، وَيَقُولُ لِلدِّهْقَانِ الَّذِي يَصْنَعُ لَهُ الطَّعَامَ: عَجِّلْ بِهِ. فَلَمَّا اسْتَوَى أَكَلَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةً تَامَّةً بِتَطْوِيلٍ وَطُمَأْنِينَةٍ، ثُمَّ لَبِسَ دِرْعَهُ، وَتَقَلَّدَ سَيْفَيْنِ، وَأَخَذَ عَمُودَ حَدِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَسْرِجُوا لِي الْبَغْلَةَ. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ مُصَادٌ: أَفِي هَذَا الْيَوْمِ تَرْكَبُ بَغْلَةً، وَقَدْ أَحَاطَ بِكَ الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَرَكِبَهَا، ثُمَّ فَتَحَ بَابَ الدَّيْرِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَبُو الْمُدَلَّهِ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَمِيرِ الْجَيْشِ الَّذِي تَقَدَّمُوا إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ بِالْعَمُودِ الْحَدِيدِ فَقَتَلَهُ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ الْمُجَالِدِ، وَحَمَلَ عَلَى الْجَيْشِ الْآخَرِ الْكَثِيفِ فَصَرَعَ أَمِيرَهُ، وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَلَجَئُوا إِلَى الْكُوفَةِ. محاربة شبيب أهل البادية وَمَضَى شَبِيبٌ حَتَّى أَغَارَ عَلَى أَسْفَلِ الْفُرَاتِ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً هُنَاكَ. دخول شبيب الكوفة وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، ثُمَّ اقْتَرَبَ شَبِيبٌ مِنَ الْكُوفَةِ يُرِيدُ دُخُولَهَا، فَأَعْلَمَ الدَّهَاقِينُ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَأَسْرَعَ الْحَجَّاجُ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَقَصَدَ الْكُوفَةَ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، وَبَادَرَهُ شَبِيبٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَبَقَهُ الْحَجَّاجُ إِلَيْهَا، فَدَخَلَهَا الْعَصْرَ. ضربة شبيب وَوَصَلَ شَبِيبٌ إِلَى الْمِرْبَدِ عِنْدَ الْغُرُوبِ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ دَخَلَ شَبِيبٌ الْكُوفَةَ، وَقَصَدَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ، فَضَرَبَ بَابَهُ بِعَمُودِهِ الْحَدِيدِ، فَأَثَّرَتْ ضَرْبَتُهُ فِي الْبَابِ، فَكَانَتْ تُعْرَفُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ يُقَالُ: هَذِهِ ضَرْبَةُ شَبِيبٍ، وَسَلَكَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَتَقَصَّدَ مَحَالَّ الْقَبَائِلِ، وَقَتَلَ رِجَالًا مِنْ رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ أَبُو سُلَيْمٍ وَالِدُ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَعَدِيُّ بْنِ عَمْرٍو، وَأَزْهَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيُّ، فِي طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَ مَعَ شَبِيبٍ امْرَأَتُهُ غَزَالَةُ، وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالشَّجَاعَةِ، فَدَخَلَتْ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ، وَجَلَسَتْ عَلَى مِنْبَرِهِ، وَجَعَلَتْ تَذُمُّ بَنِي مَرْوَانَ. وَنَادَى الْحَجَّاجُ فِي النَّاسِ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي وَأَبْشِرِي. فَخَرَجَ شَبِيبٌ مِنَ الْكُوفَةِ، فَجَهَّزَ الْحَجَّاجُ فِي أَثَرِهِ سِتَّةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فَسَارُوا وَرَاءَهُ، وَهُوَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَنْعَسُ وَيَهُزُّ رَأْسَهُ، وَفِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَكُرُّ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ، فَيَقْتُلُ مِنْهُمْ جَمَاعَةً، حَتَّى قَتَلَ مَنْ جَيْشِ الْحَجَّاجِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ، مِنْهُمْ: زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ - قَتَلَهُ شَبِيبٌ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْمُخْتَارِ - مُحَارَبَةِ شَبِيبٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ وَقَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ قَطَنٍ فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ مَكَانَهُ لِحَرْبِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمْ يُقَابِلْ شَبِيبًا وَرَجَعَ، فَوَجَّهَ مَكَانَهُ عُثْمَانَ بْنَ قَطَنٍ الْحَارِثِيَّ، فَالْتَقَوْا فِي آخِرِ السَّنَةِ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ قَطَنٍ، وَانْهَزَمَتْ جُمُوعُهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ سِتُّمِائَةِ نَفْسٍ، فَمِنْ أَعْيَانِهِمْ عَقِيلُ بْنُ شَدَّادٍ السَّلُولِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ نَهِيكٍ الْكِنْدِيُّ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ رَبِيعَةَ. استفحال أمر شبيب وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ شَبِيبٍ، وَتَزَلْزَلَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَ الْحَجَّاجُ، وَسَائِرُ الْأُمَرَاءِ، وَخَافَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْهُ خَوْفًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ لَهُ جَيْشًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَدِمُوا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ، وَإِنَّ مَا مَعَ شَبِيبٍ شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ، وَقَدْ مَلَأَ قُلُوبَ النَّاسِ رُعْبًا، وَجَرَتْ خُطُوبٌ كَثِيرَةٌ لَهُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَدَأْبَهُمْ حَتَّى اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ. أول من ضرب الدراهم والدنانير المنقوشة قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ نَقَشَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَلَى الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَقَشَهَا. وَقَالَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ ضَرَبَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ ; فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ الْمَنْقُوشَةَ  عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَكَانَتِ الدَّنَانِيرُ رُومِيَّةٌ، وَالدَّرَاهِمُ كِسْرَوِيَّةٌ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ وَكَانَ نَقْشُهُ لَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. وَضُرِبَتْ فِي الْآفَاقِ سَنَةَ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى الْجَانِبِ الْوَاحِدِ مِنْهَا " اللَّهُ أَحَدٌ "، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ " اللَّهُ الصَّمَدُ "، قَالَ: وَحَكَى يَحْيَى بْنُ النُّعْمَانِ الْغِفَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ الدَّرَاهِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَمْرِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، سَنَةَ سَبْعِينَ، عَلَى ضَرْبِ الْأَكَاسِرَةِ، وَعَلَيْهَا " الْمُلْكُ بَرَكَةٌ " مِنْ جَانِبٍ، وَ " لِلَّهِ " مِنْ جَانِبٍ، ثُمَّ غَيَّرَهَا الْحَجَّاجُ، وَكَتَبَ اسْمَهُ عَلَيْهَا مِنْ جَانِبٍ، ثُمَّ خَلَّصَهَا بَعْدَهُ يُوسُفُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ خَلَّصَهَا أَجْوَدَ مِنْهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ فِي أَيَّامِ هِشَامٍ، ثُمَّ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَجْوَدَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ. وَلِذَلِكَ كَانَ الْمَنْصُورُ لَا يَقْبَلُ مِنْهَا إِلَّا الْهُبَيْرِيَّةَ وَالْخَالِدِيَّةَ وَالْيُوسُفِيَّةَ. وَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِلنَّاسِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ، مِنْهَا الدِّرْهَمُ الْبَغْلِيُّ، وَكَانَ ثَمَانِيَةَ دَوَانِقَ، وَالطَّبَرِيُّ وَكَانَ أَرْبَعَةَ دَوَانِقَ، وَالْمِصْرِيُّ ثَلَاثَةَ دَوَانِقَ، وَالْيَمَنِيُّ دَانَقًا، فَجَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْنَ الْبَغْلِيِّ وَالطَّبَرِيِّ، ثُمَّ أَخَذَ نِصْفَهَا فَجَعَلَهُ الدِّرْهَمَ الشَّرْعِيَّ، وَهُوَ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخُمْسُ مِثْقَالٍ، وَذَكَرُوا أَنَّ الْمِثْقَالَ لَمْ يُغَيِّرُوا وَزْنَهُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ميلاد مروان الحمار وَفِيهَا وُلِدَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ مَرْوَانُ الْحِمَارُ، آخِرُ مَنْ تَوَلَّى الْخِلَافَةَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِالشَّامِ، وَمِنْهُ أَخَذَهَا بَنُو الْعَبَّاسِ. تولية أبان بن عثمان نيابة المدينة وحجه بالناس في هذه السنة وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ نِيَابَةَ الْمَدِينَةِ لَأَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ، وَعَزَلَ عَنْهَا يَحْيَى بْنَ مَرْوَانَ عَمَّهُ، وَاسْتَدْعَاهُ إِلَى الشَّامِ. من حج بالناس في هذه السنة وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفَدَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَفَدَ يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. غزو الروم من ناحية ملطية وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الرُّومَ مِنْ نَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ. ميلاد مروان بن محمد وَفِيهَا: وُلِدَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ.

  237. التاريخ 2328لا حكم مسجّل

    زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْبَلَوِيُّ زُهَيْرُ بْنُ قَيْسٍ الْبَلَوِيُّ   شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا، لَهُ صُحْبَةٌ، قَتَلَتْهُ الرُّومُ بِبَرْقَةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرِيخَ أَتَى الْحَاكِمَ بِمِصْرَ - وَهُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ - أَنَّ الرُّومَ نَزَلُوا بَرْقَةَ، فَأَمَرَهُ بِالنُّهُوضِ إِلَيْهِمْ، فَسَاقَ زُهَيْرٌ وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ نَفْسًا، فَوَجَدَ الرُّومَ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى يَلْحَقَهُ الْعَسْكَرُ، فَقَالُوا: يَا أَبَا شَدَّادٍ، احْمِلْ بِنَا عَلَيْهِمْ. فَحَمَلُوا، فَقُتِلُوا جَمِيعًا. الْمُنْذِرُ بْنُ الْجَارُودِ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. تَوَلَّى بَيْتَ الْمَالِ، وَوَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ الْعُرَنِيُّ وَفِيهَا مَاتَ حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ الْعُرَنِيُّ صَاحِبُ عَلِيٍّ. ( حَبَّةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى عُرَنَةَ، بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ ). الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسِ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَمْرٍو:   وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ عَلْقَمَةَ. رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي مُوسَى وَعَائِشَةَ. وَلَمْ يَرْوِ عَنْ عُثْمَانَ شَيْئًا. وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، فَذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ، وَكَانَ لِسَانُهُ يَسْوَدُّ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، فَيُقَالُ لَهُ: لَا تُعَذِّبْ هَذَا الْجَسَدَ، فَيَقُولُ: إِنَّمَا أُرِيدُ لَهُ الرَّاحَةَ. وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، قَالَ: كَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ يَجْتَهِدُ فِي الْعِبَادَةِ، يَصُومُ حَتَّى يَخْضَرَّ وَيَصْفَرَّ، فَلَمَّا احْتُضِرَ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذَا الْجَزَعُ؟ فَقَالَ: مَا لِي لَا أَجْزَعُ، وَمَنْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنِّي، وَاللَّهِ لَوْ أُتِيتُ بِالْمَغْفِرَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَأَهَمَّنِي الْحَيَاءُ مِنْهُ مِمَّا قَدْ صَنَعْتُ. إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الذَّنَبُ الصَّغِيرُ، فَيَعْفُو عَنْهُ فَلَا يَزَالُ مُسْتَحْيِيًا مِنْهُ. قَالَ: وَلَقَدْ حَجَّ الْأَسْوَدُ ثَمَانِينَ حَجَّةً. تُوُفِّيَ الْأَسْوَدُ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أَبُو أُمَيَّةَ الْقَاضِي شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو أُمَيَّةَ الْقَاضِي  : وَلَّاهُ عُمَرُ الْكُوفَةَ، وَأَسْنَدَ الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ. عَنْ عَامِرٍ: أَنَّ ابْنًا لِشُرَيْحٍ قَالَ لِأَبِيهِ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةً فَانْظُرْ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِي خَاصَمْتُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِي الْحَقُّ أُخَاصِمُ. فَقَصَّ قِصَّتَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْطَلِقْ فَخَاصِمْهُمْ. فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ فَتَخَاصَمُوا إِلَيْهِ فَقَضَى عَلَى ابْنِهِ، فَقَالَ لَهُ لَمَّا رَجَعَ دَارَهُ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكَ لَمْ أَلُمْكَ، فَضَحْتَنِي. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَلْءِ الْأَرْضِ مِثْلِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْكَ، خَشِيتُ أَنْ أُخْبِرَكَ أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَيْكَ فَتُصَالِحَهُمْ فَيَذْهَبَ بِبَعْضِ حَقِّهِمْ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ شُرَيْحًا وَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ تُخَاصِمُ رَجُلًا، فَأَرْسَلَتْ عَيْنَيْهَا فَبَكَتْ، فَقُلْتُ: أَبَا أُمَيَّةَ مَا أَظُنُّ هَذِهِ الْبَائِسَةَ إِلَّا مَظْلُومَةً، فَقَالَ: يَا شَعْبِيُّ، إِنَّ أُخُوَّةَ يُوسُفَ جَاءُوا أَبَاهُمْ عَشَاءً يَبْكُونَ. وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شُرَيْحٍ: أَنَّهُ قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِاعْتِرَافِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ قَضَيْتَ عَلَى بِغَيْرٍ بَيِّنَةٍ، فَقَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أُخْتِ خَالَتِكَ. وَعَنْ أَبِي حَيَّانِ التَّيْمِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: كَانَ شُرَيْحٌ إِذَا مَاتَ لِأَهْلِهِ سِنَّوْرٌ أَمَرَ بِهَا فَأُلْقِيَتْ فِي جَوْفِ دَارِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَثْعَبٌ شَارِعٌ إِلَّا فِي جَوْفِ دَارِهِ اتِّقَاءً لِأَذَى الْمُسْلِمِينَ. تُوُفِّيَ شُرَيْحٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعَيْنِ. وَقَدْ بَلَغَ مِائَةً وَثَمَانِيَ سِنِينَ. [وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، وَأَنَّهُ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ مِائَةَ سَنَةٍ].

  238. التاريخ 2329لا حكم مسجّل

    محاربة شبيب عتاب بن ورقاء ة وزهرة بن حيوية وقتلهما ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ فِيهَا أَخْرَجَ الْحَجَّاجُ مُقَاتِلَةَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَانْضَافَ عَلَيْهِمْ عَشَرَةُ آلَافٍ، فَصَارُوا خَمْسِينَ أَلْفًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَتَّابَ بْنَ وَرْقَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ لِشَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ أَيْنَ كَانَ، وَأَنْ يُصَمِّمَ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا قَدْ تَجَمَّعُوا أَلْفَ رَجُلٍ، وَأَنْ لَا يَفْعَلُوا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ قَبْلَهَا مِنَ الْفِرَارِ وَالْهَزِيمَةِ. وَلَمَّا بَلَغَ شَبِيبًا مَا بَعَثَ بِهِ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْجُنُودِ، لَمْ يَعْبَأْ بِهِمْ شَيْئًا، بَلْ قَامَ فِي أَصْحَابِهِ خَطِيبًا، فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَمُنَاجَزَةِ الْأَعْدَاءِ، ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ، فَالْتَقَيَا فِي آخِرِ النَّهَارِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأَمَرَ شَبِيبٌ مُؤَذِّنَهُ سَلَّامَ بْنَ سَيَّارٍ الشَّيْبَانِيَّ فَأَذَّنَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ صَلَّى شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِبَ، وَصَفَّ عَتَّابٌ أَصْحَابَهُ - وَكَانَ قَدْ خَنْدَقَ حَوْلَ جَيْشِهِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ - فَلَمَّا صَلَّى شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ الْمَغْرِبَ انْتَظَرَ حَتَّى طَلَعَ الْقَمَرُ وَأَضَاءَ، تَأَمَّلَ الْمَيْمَنَةَ وَالْمَيْسَرَةَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى أَصْحَابِ رَايَاتِ عَتَّابٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا شَبِيبٌ أَبُو الْمُدَلَّهِ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَهَزَمَهُمْ، وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ قَبِيصَةُ بْنُ وَالِقٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَعَهُ، ثُمَّ كَرَّ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ، فَفَرَّقَ شَمْلَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، ثُمَّ قَصَدَ الْقَلْبَ، فَمَا زَالَ حَتَّى قُتِلَ الْأَمِيرُ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ، وَزَهْرَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَوَلَّى عَامَّةُ الْجَيْشِ مُدْبِرِينَ، وَدَاسُوا الْأَمِيرَ عَتَّابًا، وَزَهْرَةُ، فَوَطِئَتْهُ الْخَيْلُ، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ عَمَّارُ بْنُ يَزِيدَ الْكَلْبِيُّ، ثُمَّ قَالَ شَبِيبٌ لِأَصْحَابِهِ: لَا تَتَبَّعُوا مُنْهَزِمًا. وَانْهَزَمَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ رَاجِعِينَ إِلَى الْكُوفَةِ. قدوم شبيب الكوفة أيضًا وانهزامه عنها وَكَانَ شَبِيبٌ لَمَّا احْتَوَى عَلَى الْمُعَسْكَرِ أَخَذَ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْهُمُ الْبَيْعَةَ لَهُ بِالْإِمَارَةِ وَقَالَ لَهُمْ: إِلَى سَاعَةٍ تَهْرُبُونَ ؟ ثُمَّ احْتَوَى عَلَى مَا فِي الْمُعَسْكَرِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ، وَاسْتَدْعَى بِأَخِيهِ مُصَادٍ مِنَ الْمَدَائِنِ، ثُمَّ قَصَدَ نَحْوَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ وَفَدَ إِلَى الْحَجَّاجِ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَكَمِيُّ مِنْ مَذْحِجٍ فِي سِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَمَعَهُمَا خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَاسْتَغْنَى الْحَجَّاجُ بِهِمْ عَنْ نُصْرَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ أَرَادَ بِكُمُ الْعِزَّ، وَلَا نَصَرَ مَنْ أَرَادَ بِكُمُ النَّصْرَ، اخْرُجُوا عَنَّا فَلَا تَشْهَدُوا مَعَنَا قِتَالَ عَدُّوِّنَا، الْحَقُوا بِالْحِيرَةِ فَانْزِلُوا مَعَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَا يُقَاتِلَنَّ مَعَنَا إِلَّا مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا، وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ قِتَالَ عَتَّابِ بْنِ وَرَقَاءَ. وَعَزَمَ الْحَجَّاجُ عَلَى قِتَالِ شَبِيبٍ بِنَفْسِهِ، وَسَارَ شَبِيبٌ حَتَّى بَلَغَ الصَّرَاةَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ نَظَرَ الْحَجَّاجُ إِلَى شَبِيبٍ وَهُوَ فِي سِتِّمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَخَطَبَ الْحَجَّاجُ أَهْلَ الشَّامِ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، أَنْتُمْ أَهْلُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، لَا يَغْلِبَنَّ بَاطِلُ هَؤُلَاءِ الْأَرْجَاسِ حَقَّكُمْ، غُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَاجْثُوا عَلَى الرُّكَبِ، وَاسْتَقْبِلُوا بِأَطْرَافِ الْأَسِنَّةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ وَقَدْ عَبَّأَ أَصْحَابَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ ; وَاحِدَةٌ مَعَهُ، وَأُخْرَى مَعَ سُوَيْدِ بْنِ سُلَيْمٍ، وَأُخْرَى مَعَ الْمُجَلَّلِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَمَرَ شَبِيبٌ سُوَيْدًا أَنْ يَحْمِلَ، فَحَمَلَ عَلَى جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَصَبَرُوا لَهُ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ وَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةً وَاحِدَةً، فَانْهَزَمَ عَنْهُمْ، فَنَادَى الْحَجَّاجُ: يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، هَكَذَا فَافْعَلُوا. ثُمَّ أَمَرَ الْحَجَّاجُ فَقُدِّمَ كُرْسِيُّهُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ إِلَى الْأَمَامِ، ثُمَّ أَمَرَ شَبِيبٌ الْمُجَلَّلَ أَنْ يَحْمِلَ، فَحَمَلَ، فَفَعَلُوا بِهِ كَمَا فَعَلُوا بِسُوِيدٍ، وَقَالَ لَهُمِ الْحَجَّاجُ كَمَا قَالَ لِأُولَئِكَ، وَقَدَّمَ كُرْسِيَّهُ إِلَى أَمَامٍ، ثُمَّ إِنَّ شَبِيبًا حَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي كَتِيبَتِهِ فَثَبَتُوا لَهُ، حَتَّى إِذَا غَشَّى أَطْرَافَ الْأَسِنَّةِ وَثَبُوا فِي وَجْهِهِ فَقَاتَلَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ طَاعَنُوهُ قُدُمًا حَتَّى أَلْحَقُوهُ بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى صَبْرَهُمْ نَادَى: يَا سُوَيْدُ، احْمِلْ فِي خَيْلِكَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ السِّكَّةِ ; لَعَلَّكَ تُزِيلُ أَهْلَهَا عَنْهَا، فَأْتِ الْحَجَّاجَ مِنْ وَرَائِهِ، وَنَحْمِلُ نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ أَمَامِهِ. فَحَمَلَ فَلَمْ يُفِدْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ جَعَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ رِدْءًا لَهُ مِنْ وَرَائِهِ ; لِئَلَّا يُؤْتُوا مِنْ خَلْفِهِمْ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ بَصِيرًا بِالْحَرْبِ أَيْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ حَرَّضَ شَبِيبٌ أَصْحَابَهُ عَلَى الْحَمْلَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِهَا، فَفَهِمَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ، فَنَادَى: يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، اصْبِرُوا لِهَذِهِ الشِّدَّةِ الْوَاحِدَةِ، ثُمَّ وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مَا شَيْءٌ دُونَ الْفَتْحِ. فَجَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ شَبِيبٌ بِجَمِيعِ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ نَادَى الْحَجَّاجُ بِجَمَاعَةِ النَّاسِ، فَوَثَبُوا فِي وَجْهِهِ، فَمَا زَالُوا يَطْعَنُونَ وَيُطْعَنُونَ، وَهُمْ مُسْتَظْهِرُونَ عَلَى شَبِيبٍ وَأَصْحَابِهِ حَتَّى رَدُّوهُمْ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَى مَا وَرَاءَهَا، فَنَادَى شَبِيبٌ فِي أَصْحَابِهِ: يَا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، الْأَرْضَ الْأَرْضَ. ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلَ أَصْحَابُهُ، وَنَادَى الْحَجَّاجُ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، يَا أَهْلَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، هَذَا أَوَّلُ النَّصْرِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. وَصَعِدَ مَسْجِدًا هُنَالِكَ لِشَبِيبٍ، وَمَعَهُ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ رَجُلًا مَعَهُمُ النَّبْلُ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا عَامَّةَ النَّهَارِ، مِنْ أَشَدِّ قِتَالٍ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى أَقَرَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَالْحَجَّاجُ يَنْظُرُ إِلَى الْفَرِيقَيْنِ مِنْ مَكَانِهِ ز مقتل امرأة شبيب وأخوه ثُمَّ إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَتَّابٍ اسْتَأْذَنَ الْحَجَّاجَ فِي أَنْ يَرْكَبَ فِي جَمَاعَةٍ فَيَأْتِيَ الْخَوَارِجَ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، فَانْطَلَقَ فِي جَمَاعَةٍ مَعَهُ نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَدَخْلَ عَسْكَرَ الْخَوَارِجِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَقَتَلَ مُصَادًا أَخَا شَبِيبٍ، وَغَزَالَةَ امْرَأَةَ شَبِيبٍ ; قَتَلَهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: فَرْوَةُ بْنُ دَفَّانَ الْكَلْبِيُّ. وَخَرَقَ فِي جَيْشِ شَبِيبٍ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ وَكَبَّرُوا، وَانْصَرَفَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى فَرَسٍ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ النَّاسَ أَنْ يَنْطَلِقُوا فِي تَطَلُّبِهِمْ، فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَتَخْلَّفَ شَبِيبٌ فِي حَامِيَةِ النَّاسِ، ثُمَّ انْطَلَقَ وَاتَّبَعَهُ الطَّلَبُ، فَجَعَلَ يَنْعَسُ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ حَتَّى يَخْفِقَ بِرَأْسِهِ، وَدَنَا مِنْهُ الطَّلَبُ، فَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَنْهَاهُ عَنِ النُّعَاسِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، فَجَعَلَ لَا يَكْتَرِثُ بِهِمْ، وَيَعُودُ فَتَخْفِقُ رَأْسُهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ بَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى أَصْحَابِهِ يَقُولُ: دَعُوهُ فِي حَرَقِ النَّارِ. فَتَرَكُوهُ وَرَجَعُوا. سرية الحارث بن معاوية الثقفي ومقتله ثُمَّ دَخَلَ الْحَجَّاجُ الْكُوفَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ شَبِيبًا لَمْ يُهْزَمْ قَبْلَهَا. ثُمَّ قَصَدَ شَبِيبٌ الْكُوفَةَ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ سَرِيَّةٌ مِنْ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَالْتَقَوْا مَعَهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَهُزِمَ الْخَوَارِجُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، وَسَارَتِ الْخَوَارِجُ هَارِبِينَ. وَكَانَ عَلَى سَرِيَّةِ الْحَجَّاجِ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيُّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مَعَهُ، فَحَمَلَ شَبِيبٌ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَكَسَرَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، وَدَخَلَ النَّاسُ الْكُوفَةَ هَارِبِينَ، وَحَصَّنَ النَّاسُ السِّكَكَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو الْوَرْدِ مَوْلَى الْحَجَّاجِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ، فَقَاتِلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ هَرَبَ أَصْحَابُهُ، وَدَخَلُوا الْكُوفَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ أَمِيرٌ آخَرُ فَانْكَسَرَ أَيْضًا، ثُمَّ سَارَ شَبِيبٌ بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ السَّوَادِ، فَمَرُّوا بِعَامِلِ الْحَجَّاجِ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ خَطَبَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: اشْتَغَلْتُمْ بِالدُّنْيَا عَنِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ رَمَى بِالْمَالِ فِي الْفُرَاتِ، ثُمَّ سَارَ بِهِمْ حَتَّى افْتَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً، وَلَا يَبْرُزُ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ عَلَى بَعْضِ الْمُدُنِ، فَقَالَ لَهُ: يَا شَبِيبُ ابْرُزْ إِلَيَّ وَأَبْرُزُ إِلَيْكَ - وَكَانَ صَدِيقَهُ - فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: إِنِّي لَا أَحِبُّ قَتْلَكَ. فَقَالَ لَهُ: لَكِنِّي أُحِبُّ قَتْلَكَ، فَلَا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَقَائِعِ. ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ شَبِيبٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَهَمَسَ رَأْسَهُ حَتَّى اخْتَلَطَ دِمَاغُهُ بِلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، ثُمَّ كَفَّنَهُ وَدَفَنَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ أَنْفَقَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً عَلَى الْجُيُوشِ وَالْعَسَاكِرِ فِي طَلَبِ شَبِيبٍ فَلَمْ يُطِيقُوهُ وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَوْتًا قَدَرًا مِنْ غَيْرِ صُنْعِهِمْ، وَلَا صُنْعِهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مقتل شبيب بن يزيد الخارجي ذِكْرُ مَقْتَلِ شَبِيبٍ  فِي هَذِهِ السَّنَةِ عِنْدَ ابْنِ الْكَلْبِيِّ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْبَصْرَةِ ; الْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ، وَهُوَ زَوْجُ ابْنَةِ الْحَجَّاجِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا أَرْبَعَةَ آلَافٍ يَتَطَلَّبُونَ شَبِيبًا، وَيَكُونُونَ تَبَعًا لِسُفْيَانَ بْنِ الْأَبْرَدِ، فَفِعْلَ فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِصَاحِبِهِ، ثُمَّ عَزَمَ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ فَحَمَلُوا عَلَى الْخَوَارِجِ، فَفَرُّوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ذَاهِبِينَ حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى جِسْرٍ هُنَاكَ، فَوَقَفَ عِنْدَهُ شَبِيبٌ فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَجَزَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ، وَرَدِّهِ عَنْ مَوْقِفِهِ هَذَا بَعْدَمَا تَقَاتَلُوا نَهَارًا كَامِلًا أَشَدَّ قِتَالٍ يَكُونُ، ثُمَّ أَمَرَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الرُّمَاةَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرَشَقُوهُمْ بِالنَّبْلِ رَشْقًا وَاحِدًا، فَفَرَّتِ الْخَوَارِجُ، ثُمَّ كَرَّتْ عَلَى الرُّمَاةِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَبْرَدِ، وَجَاءَ اللَّيْلُ بِظَلَامِهِ، فَكَفَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَبَاتَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مُصِرًّا عَلَى مُنَاهَضَةِ الْآخَرِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ عَبَرَ شَبِيبٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْجِسْرِ، فَبَيْنَمَا شَبِيبٌ عَلَى مَتْنِ الْجِسْرِ، وَهُوَ عَلَى حِصَانٍ لَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ فَرَسٌ أُنْثَى، فَنَزَا فَرَسُهُ وَهُوَ عَلَى الْجِسْرِ، وَنَزَلَ حَافِرُ فَرَسِ شَبِيبٍ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ، فَقَالَ: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا. ثُمَّ انْغَمَرَ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ وَهُوَ يَقُولُ: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فَغَرِقَ. وَلَمَّا تَحَقَّقَتِ الْخَوَارِجُ سُقُوطَهُ فِي الْمَاءِ كَرُّوا، وَانْصَرَفُوا ذَاهِبِينَ مُفَرَّقِينَ فِي الْبِلَادِ، وَجَاءَ أَمِيرُ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَاسْتَخْرَجَ شَبِيبًا مِنَ الْمَاءِ، وَعَلَيْهِ دِرْعُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَشُقَّ صَدْرُهُ، فَاسْتُخْرِجَ قَلْبُهُ، فَإِذَا هُوَ مُجْتَمِعٌ صُلْبٌ كَأَنَّهُ صَخْرَةٌ، وَكَانُوا يَضْرِبُونَ بِهِ الْأَرْضَ فَيَثِبُ قَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مَعَهُ رِجَالٌ قَدْ أَبْغَضُوهُ لِمَا أَصَابَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ، فَلَمَّا تَخَلَّفَ فِي السَّاقَةِ اشْتَوَرُوا وَقَالُوا: نَقْطَعُ الْجِسْرَ بِهِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَمَالَتِ السُّفُنُ بِالْجِسْرِ، وَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ فَغَرِقَ، فَنَادَوْا: غَرِقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَعَرَفَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ ذَلِكَ فَجَاءُوا فَاسْتَخْرَجُوهُ. نعي شبيب إلى أمه وَلَمَّا نُعِيَ شَبِيبٌ إِلَى أُمِّهِ، قَالَتْ: صَدَّقْتُمْ، إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ وَأَنَا حَامِلٌ بِهِ أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ مِنِّي شِهَابٌ مِنْ نَارٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يُطْفِئُهُ إِلَّا الْمَاءُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ جَارِيَةٌ اسْمُهَا جَهِيزَةُ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، وَكَانَتْ مِنْ أَشْجَعِ النِّسَاءِ، تُقَاتِلُ مَعَ ابْنِهَا فِي الْحُرُوبِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّهَا قُتِلَتْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَكَذَلِكَ قُتِلَتْ زَوْجَتُهُ غَزَالَةُ. وَكَانَتْ شَدِيدَةَ الْبَأْسِ خَارِجِيَّةً، وَكَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ هَيْبَتِهِ يَخَافُ مِنْهَا أَشَدَّ خَوْفٍ، حَتَّى قَالَ فِيهِ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ فَتْخَاءُ تَنْفِرُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ هَلَّا بَرَزْتَ إِلَى غَزَالَةَ فِي الْوَغَى     بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ سيرة شبيب وصفته قَالَ: وَقَدْ كَانَ شَبِيبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الصَّلْتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ الشَّيْبَانِيُّ - يَدَّعِي الْخِلَافَةَ، وَيَتَسَمَّى بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَهَرَهُ بِمَا قَهَرَهُ بِهِ مِنَ الْغَرَقِ لَنَالَ الْخِلَافَةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَمَا قَدَرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا قَهَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيِ الْحَجَّاجِ، لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِعَسَاكِرَ لِقِتَالِهِ، فَهَرَبَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَمَّا أَلْقَاهُ جَوَادُهُ عَلَى الْجِسْرِ فِي نَهْرِ دُجَيْلٍ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَغَرَقًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ قَالَ: ثُمَّ أُخْرِجَ، وَحُمِلَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ فَنُزِعَ قَلْبُهُ مِنْ صَدْرِهِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ الْحَجَرِ. وَكَانَ شَبِيبٌ رَجُلًا طَوِيلًا أَشْمَطَ جَعْدَا، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي يَوْمِ عِيدِ النَّحْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ أُمْسِكَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحُمِلَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ: فَإِنْ يَكُ مِنْكُمْ كَانَ مَرْوَانُ وَابْنُهُ     وَعَمْرٌو وَمِنْكُمْ هَاشِمٌ، وَ حَبِيبُ فَمِنَّا حُصَيْنٌ، وَ الْبَطِينُ وَقَعْنَبٌ     وَمِنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ فَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ: وَمِنَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَبِيبُ. فَأَعْجَبَهُ اعْتِذَارُهُ وَأَطْلَقَهُ.

  239. التاريخ 2330لا حكم مسجّل

    حروب المهلب بن أبي صفرة والخوارج من الأزارقة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا بَيْنَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ نَائِبِ الْحَجَّاجِ، وَبَيْنَ الْخَوَارِجِ مِنَ الْأَزَارِقَةِ، وَأَمِيرِهِمْ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ، وَكَانَ أَيْضًا مِنَ الْفُرْسَانِ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَنَفَرُوا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَمَّا هُوَ فَشَرَدَ فِي الْأَرْضِ لَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَاتٌ وَمُجَاوَلَاتٌ يَطُولُ بَسْطُهَا وَاسْتِقْصَاؤُهَا، وَقَدْ بَالَغَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذِكْرِهَا. خروج بكير بن وشاح على أمية بن عبد الله بن خالد قَالَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ثَارَ بُكَيْرُ بْنُ وِشَاحٍ الَّذِي كَانَ نَائِبَ خُرَاسَانَ، عَلَى نَائِبِهَا أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ - كَمَا سَيَأْتِي - وَذَلِكَ أَنْ بُكَيْرًا اسْتَجَاشَ عَلَيْهِ النَّاسَ، وَغَدَرَ بِهِ وَقَتَلَهُ، وَقَدْ جَرَتْ بَيْنَهُمَا خُطُوبٌ طَوِيلَةٌ، قَدِ اسْتَقْصَاهَا أَبُو جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَارِيخِهِ. . عبور أمية نهر بلخ للغزو فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَبَرَ أُمَيَّةُ نَهْرَ بَلْخٍ لِلْغَزْوِ، فَحُوصِرَ حَتَّى جَهِدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ  ، ثُمَّ نَجَوْا بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى الْهَلَاكِ، وَرَجَعُوا إِلَى مَرْوَ. من حج بالناس هذه السنة وَحَجَّ هَذِهِ السَّنَةَ بِالنَّاسِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ  . وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أُمَيَّةُ  . غزو الصائفة وَغَزَا هَذِهِ السَّنَةَ الصَّائِفَةَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. هلاك قطري وعبد رب الكبير وعبيدة بن هلال وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَلَكَ قَطَرِيٌّ، وَعَبْدُ رَبِّ الْكَبِيرِ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَزَارِقَةِ  . وَقِيلَ: بَلْ كَانَ هَلَاكُهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعَيْنِ. وَسَبَبُ هَلَاكِهِمْ أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا، وَتَوَجَّهَ قَطَرِيٌّ إِلَى طَبَرِسْتَانَ، وَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ جَيْشًا مَعَ سُفْيَانَ بْنِ الْأَبْرَدِ، فَاتَّبَعَهُمْ، فَلَحِقَ قَطَرِيًّا فِي شِعَابِ طَبَرِسْتَانَ، فَقَاتَلُوهُ فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَوَقَعَ عَنْ دَابَّتِهِ فِي أَسْفَلِ الشِّعْبِ فَتَدَهْدَى إِلَى أَسْفَلِهِ. فَأَتَاهُ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ، فَقَالَ لَهُ قَطَرِيٌّ: اسْقِنِي مَاءً، فَقَالَ: أَعْطِنِي شَيْئًا حَتَّى أَسْقِيَكَ، قَالَ: وَيْحَكَ، وَاللَّهِ مَا مَعِي إِلَّا مَا تَرَى مِنْ سِلَاحِي، فَأَشْرَفَ الْعِلْجُ عَلَيْهِ وَحَدَرَ عَلَيْهِ حَجَرًا عَظِيمًا فَأَصَابَ إِحْدَى وِرْكَيْهِ فَأَوْهَنَهُ، وَصَاحَ بِالنَّاسِ، فَأَقْبَلُوا فَقَتَلُوهُ. فَبَعَثَ سُفْيَانُ بِرَأْسِهِ مَعَ أَبِي جَهْمِ بْنِ كِنَانَةَ الْكَلْبِيِّ إِلَى الْحَجَّاجِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ، ثُمَّ إِنَّ سُفْيَانَ أَقْبَلَ إِلَى عَسْكَرِ عُبَيْدَةَ بْنِ هِلَالٍ وَقَدْ تَحَصَّنَ فِي قَصْرٍ بِقَوْمَسَ فَأَحَاطَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ، فَجَهِدُوا حَتَّى أَكَلُوا دَوَابَّهُمْ، ثُمَّ خَرَجُوا فَقَاتَلُوهُ فَقَتَلَهُمْ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْحَجَّاجِ. خروج مطرف بن المغيرة على الحجاج وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَخَلَعَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَلَحِقَ بِالْجَبَلِ فَقُتِلَ  . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ وَلَّى أَوْلَادَ الْمُغِيرَةِ فَاسْتَعْمَلَ عُرْوَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَمُطَرِّفً عَلَى الْمَدَائِنِ، وَحَمْزَةَ عَلَى هَمْدَانَ. وَأَقْبَلَ شَبِيبٌ الْخَارِجِيُّ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَكَتَبَ مُطَرِّفٌ إِلَى الْحَجَّاجِ بِخَبَرِهِ، فَأَمَدَّهُ بِالرِّجَالِ، فَلَمَّا نَزَلَ شَبِيبٌ بِهَرْسِيرَ قَطَعَ مُطَرِّفٌ الْجِسْرَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَبَعَثَ إِلَى شَبِيبٍ: ابْعَثْ رِجَالًا مِنْ صُلَحَاءِ أَصْحَابِكَ أُدَارِسُهُمُ الْقُرْآنَ فَأَنْظُرُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ: ابْعَثْ إِلَيَّ رِجَالًا يَكُونُونَ عِنْدِي حَتَّى تَرُدَّ أَصْحَابِي، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ آمَنُكَ عَلَى أَصْحَابِي، وَأَنْتَ لَا تَأْمَنُنِي عَلَى أَصْحَابِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّنَا لَا نَسْتَحِلُّ فِي دِينِنَا الْغَدْرَ وَأَنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رِجَالًا وَبَعَثُوا إِلَيْهِ رِجَالًا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِمْ: إِلَى مَا تَدْعُونَ؟ فَقَالُوا: إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَالَّذِي نَقَمْنَا عَلَى قَوْمِنَا الِاسْتِئْثَارَ بِالْفَيْءِ، وَتَعْطِيلَ الْحُدُودِ، وَالتَّسَلُّطَ بِالْجَبْرِيَّةِ، وَمَا زَالُوا يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِهِ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْحَجَّاجَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الْخَبَرَ يَبْلُغُ الْقَوْمَ فَلَا تَقُمْ فِي مَقَامِكَ، فَخَرَجَ وَجَمَعَ رُءُوسَ أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ خَلَعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ وَالْحَجَّاجَ فَمَنْ أَحَبَّ فَلْيَصْحَبْنِي وَمَنْ أَبَى فَلْيَذْهَبْ حَيْثُ شَاءَ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يَتْبَعَنِي مَنْ لَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي جِهَادِ أَهْلِ الْجَوْرِ. ثُمَّ بَايَعَهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أَخِيهِ حَمْزَةَ: أَمْدِدْنِي بِمَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ مِنْ مَالٍ أَوْ سِلَاحٍ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، أَنْتَ قَتَلْتَ مُطَرِّفًا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ مُطَرِّفًا قَتَلَ نَفْسَهُ وَقَتَلَنِي، وَلَيْتَهُ لَا يَقْتُلُكَ، قَالَ: وَيْحَكَ، مَنْ سَوَّلَ لَهُ هَذَا الْأَمْرَ؟ قَالَ: نَفْسُهُ. ثُمَّ قَوِيَ أَمْرُ مُطَرِّفٍ، فَأُخْبِرَ الْحَجَّاجُ، فَبَعَثَ الْجُيُوشَ لِقِتَالِهِ، وَبَعَثَ إِلَى أَخِيهِ حَمْزَةَ مَنْ أَوْثَقَهُ بِالْحَدِيدِ وَحَبَسَهُ، فَالْتَقَتِ الْجُيُوشُ بِمُطَرِّفٍ فَاقْتَتَلُوا، فَخَرَجَ مِنْ عَسْكَرِ مُطَرِّفٍ بُكَيْرُ بْنُ هَارُونَ، فَصَاحَ: يَا أَهْلَ مِلَّتِنَا، نَسْأَلُكُمْ بِاللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَمَا أَنْصَفْتُمُونَا، خَبِّرُونَا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَنِ الْحَجَّاجِ، أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَهُمَا جَائِرَيْنِ مُسْتَأْثِرَيْنِ يَتَّبِعَانِ الْهَوَى، وَيَأْخُذَانِ عَلَى الظِّنَّةِ، وَيَقْتُلَانِ عَلَى الْغَضَبِ. فَنَادَوْهُ: كَذَّبَتْ. فَقَالَ: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى. فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَ الرَّجُلَ، ثُمَّ اشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْكَشَفَتْ خَيْلُ مُطَرِّفٍ فَوَصَلُوا إِلَيْهِ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ عَمْرُو بْنُ هُبَيْرَةَ، ثُمَّ طَلَبَ الْأَمَانَ لَبُكَيْرِ بْنِ هَارُونَ، مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ فَأَمَّنَهُ.

  240. التاريخ 2331لا حكم مسجّل

    كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيُّ كَانَ كَبِيرًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَلَهُ بِالْمَدِينَةِ دَارٌ كَبِيرَةٌ بِالْمُصَلَّى، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ كَاتِبَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى الرَّسَائِلِ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ. مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَوَلَّاهُ سِجِسْتَانَ، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا قِيلَ لَهُ: إِنَّ شَبِيبًا فِي طَرِيقِكَ، وَقَدْ أَعْيَا النَّاسَ، فَاعْدِلْ إِلَيْهِ لَعَلَّكَ أَنْ تَقْتُلَهُ، فَيَكُونَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَشُهْرَتُهُ لَكَ إِلَى الْأَبَدِ. فَلَمَّا سَارَ لَقِيَهُ شَبِيبٌ فَاقْتَتَلَ مَعَهُ، فَقَتَلَهُ شَبِيبٌ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عِيَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَرِيُّ عِيَاضُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَرِيُّ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَقَدْ كَانُوا إِخْوَةً ; عُرْوَةُ، وَ مُطَرِّفٌ، وَ حَمْزَةُ، وَقَدْ كَانُوا يَمِيلُونَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ، فَاسْتَعْمَلَهُمِ الْحَجَّاجُ عَلَى أَقَالِيمَ، فَاسْتَعْمَلَ عُرْوَةَ عَلَى الْكُوفَةِ، وَ مُطَرِّفًا عَلَى الْمَدَائِنِ،، وَ حَمْزَةَ عَلَى هَمْدَانَ. قَتْلِ بُكَيْرِ بْنِ وَسَّاجٍ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ بُكَيْرَ بْنَ وَسَّاجٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ عَامِلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى خُرَاسَانَ، أَمَرَ بُكَيْرًا بِالتَّجْهِيزِ لِغَزْوِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَّاهُ طُخَارِسْتَانَ، فَتَجَهَّزَ لَهُ، فَوَشَى بِهِ بَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ إِلَى أُمَيَّةَ، فَمَنَعَهُ عَنْهَا، فَلَمَّا أَمَرَهُ بِغَزْوِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ تَجَهَّزَ وَأَنْفَقَ نَفَقَةً كَثِيرَةً وَادَّانَ فِيهَا، فَقَالَ بَحِيرٌ لِأُمَيَّةَ: إِنْ صَارَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ النَّهْرُ خَلَعَ الْخَلِيفَةَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أُمَيَّةُ: أَنْ أَقِمْ لَعَلِّي أَغْزُو فَتَكُونَ مَعِيَ. فَغَضِبَ بُكَيْرٌ وَقَالَ: كَأَنَّهُ يُضَارُّنِي. وَكَانَ عُقَابُ ذُو اللِّقْوَةِ الْغُدَانِيُّ اسْتَدَانَ لِيَخْرُجَ مَعَ بُكَيْرٍ، فَأَخَذَهُ غُرَمَاؤُهُ فَحُبِسَ حَتَّى أَدَّى عَنْهُ بُكَيْرٌ. ثُمَّ إِنَّ أُمَيَّةَ تَجَهَّزَ لِلْغَزْوِ إِلَى بُخَارَى، ثُمَّ يَعُودُ مِنْهَا إِلَى مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ بِتِرْمِذَ، وَتَجَهَّزَ النَّاسُ مَعَهُ وَفِيهِمْ بُكَيْرٌ، وَسَارُوا، فَلَمَّا بَلَغُوا النَّهْرَ وَأَرَادُوا قَطْعَهُ قَالَ أُمَيَّةُ لِبُكَيْرٍ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ ابْنِي عَلَى خُرَاسَانَ، وَأَخَافُ أَنَّهُ لَا يَضْبِطُهَا لِأَنَّهُ غُلَامٌ حَدَثٌ، فَارْجِعْ إِلَى مَرْوَ فَاكْفِنِيهَا، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَهَا، فَقُمْ بِأَمْرِ ابْنِي. فَانْتَخَبَ بُكَيْرٌ فُرْسَانًا كَانَ عَرَفَهُمْ وَوَثِقَ بِهِمْ وَرَجَعَ، وَمَضَى أُمَيَّةُ إِلَى بُخَارَى لِلْغُزَاةِ. فَقَالَ عُقَابٌ ذُو اللِّقْوَةِ لِبُكَيْرٍ: إِنَّا طَلَبْنَا أَمِيرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَنَا أَمِيرٌ يَلْعَبُ بِنَا وَيُحَوِّلُنَا مِنْ سِجْنٍ إِلَى سِجْنٍ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَحْرِقَ هَذِهِ السُّفُنَ، وَنَمْضِيَ إِلَى مَرْوَ، وَنَخْلَعَ أُمَيَّةَ وَنُقِيمَ بِمَرْوَ وَنَأْكُلَهَا إِلَى يَوْمٍ مَا. وَوَافَقَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ عَلَى هَذَا. قَالَ بُكَيْرٌ: أَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ هَؤُلَاءِ الْفُرْسَانُ الَّذِينَ مَعِي. قَالَ: إِنْ هَلَكَ هَؤُلَاءِ فَأَنَا أَتِيكَ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ بِمَا شِئْتَ. قَالَ: يَهْلِكُ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ يُنَادِيَ مُنَادٍ: مَنْ أَسْلَمَ رَفَعْنَا عَنْهُ الْخَرَاجَ، فَيَأْتِيكَ خَمْسُونَ أَلْفًا أَسْمَعُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَأَطْوَعُ. قَالَ: فَيَهْلِكُ أُمَيَّةُ وَمَنْ مَعَهُ. قَالَ: وَلِمَ يَهْلِكُونَ وَلَهُمْ عَدَدٌ وَعِدَّةٌ وَنَجْدَةٌ وَسِلَاحٌ ظَاهِرٌ، لِيُقَاتِلُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبْلُغُوا الصِّينَ ! فَحَرَقَ بُكَيْرٌ السُّفُنَ وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ، فَأَخَذَ ابْنُ أُمَيَّةَ بِحَبْسِهِ وَخَلْعِ أُمَيَّةَ. وَبَلَغَ أُمَيَّةَ الْخَبَرُ فَصَالَحَ أَهْلَ بُخَارَى عَلَى فِدْيَةٍ قَلِيلَةٍ، وَرَجَعَ وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ السُّفُنِ، وَعَبَرَ وَذَكَرَ لِلنَّاسِ إِحْسَانَهُ إِلَى بُكَيْرٍ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَأَنَّهُ كَافَأَهُ بِالْعِصْيَانِ، وَسَارَ إِلَى مَرْوَ، وَأَتَاهُ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَأَرْسَلَ أُمَيَّةُ شَمَّاسَ بْنَ دِثَارٍ فِي ثَمَانِمِائَةٍ، فَسَارَ إِلَيْهِ بُكَيْرٌ وَبَيَّتَهُ فَهَزَمَهُ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ لَا يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ سِلَاحَهُمْ وَيُطْلِقُونَهُمْ، وَقَدِمَ أُمَيَّةُ فَتَلَقَّاهُ شَمَّاسٌ، فَقَدَّمَ أُمَيَّةُ ثَابِتَ بْنَ قُطْبَةَ، فَلَقِيَهُ بُكَيْرٌ فَأَسَرَ ثَابِتًا وَفَرَّقَ جَمْعَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ لِيَدٍ كَانَتْ لِثَابِتٍ عِنْدَهُ. وَأَقْبَلَ أُمَيَّةُ وَقَاتَلَهُ بُكَيْرٌ، فَانْكَشَفَ يَوْمًا أَصْحَابُهُ، فَحَمَاهُمْ بُكَيْرٌ، ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمًا آخَرَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمًا آخَرَ، فَضَرَبَ بُكَيْرٌ ثَابِتَ بْنَ قُطْبَةَ عَلَى رَأْسِهِ، فَحَمَلَ حُرَيْثُ بْنُ قُطْبَةَ أَخُو ثَابِتٍ عَلَى بُكَيْرٍ، فَانْحَازَ بُكَيْرٌ وَانْكَشَفَ أَصْحَابُهُ، وَاتَّبَعَ حُرَيْثٌ بُكَيْرًا حَتَّى بَلَغَ الْقَنْطَرَةَ، وَنَادَاهُ: إِلَى أَيْنَ يَا بُكَيْرُ ؟ فَرَجَعَ، فَضَرَبَهُ حُرَيْثٌ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَطَعَ الْمِغْفَرَ، وَعَضَّ السَّيْفُ رَأْسَهُ فَصُرِعَ، وَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ فَأَدْخَلُوهُ الْمَدِينَةَ، وَكَانُوا يُقَاتِلُونَهُمْ. فَكَانَ أَصْحَابُ بُكَيْرٍ يَغْدُونَ فِي الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ مِنْ أَحْمَرَ وَأَصْفَرَ، فَيَجْلِسُونَ يَتَحَدَّثُونَ وَيُنَادِي مُنَادِيهِمْ: مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ رَمَيْنَا إِلَيْهِ بِرَأْسِ رَجُلٍ مِنْ وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ. فَلَا يَرْمِيهِمْ أَحَدٌ. وَخَافَ بُكَيْرٌ إِنْ طَالَ الْحِصَارُ أَنْ يَخْذُلَهُ النَّاسُ، فَطَلَبَ الصُّلْحَ، وَأَحَبَّ ذَلِكَ أَيْضًا أَصْحَابُ أُمَيَّةَ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَقْضِيَ أُمَيَّةُ عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَيَصِلَ أَصْحَابَهُ، وَيُوَلِّيَهُ أَيَّ كُوَرِ خُرَاسَانَ شَاءَ، وَلَا يَسْمَعُ قَوْلَ بَحِيرٍ فِيهِ، وَإِنْ رَابَهُ رَيْبٌ فَهُوَ آمِنٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَدَخَلَ أُمَيَّةُ مَدِينَةَ مَرْوَ وَوَفَى لِبُكَيْرٍ وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ مِنْ إِكْرَامِهِ، وَأَعْطَى أُمَيَّةُ عُقَابًا عِشْرِينَ أَلْفًا. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بُكَيْرًا لَمْ يَصْحَبْ أُمَيَّةَ إِلَى النَّهْرِ، كَانَ أُمَيَّةُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى مَرْوَ، فَلَمَّا سَارَ أُمَيَّةُ وَعَبَرَ النَّهْرَ خَلَعَهُ، فَجَرَى الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَكَانَ أُمَيَّةُ سَهْلًا لَيِّنًا سَخِيًّا، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ ثَقِيلًا عَلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ فِيهِ زَهْوٌ شَدِيدٌ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا تَكْفِينِي خُرَاسَانُ لِمَطْبَخِي. وَعَزَلَ أُمَيَّةُ بَحِيرًا عَنْ شُرْطَتِهِ، وَوَلَّاهَا عَطَاءَ بْنَ أَبِي السَّائِبِ. وَطَالَبَ أُمَيَّةُ النَّاسَ بِالْخَرَاجِ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ بُكَيْرٌ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ النَّاسُ، فَذَكَرُوا شِدَّةَ أُمَيَّةَ وَذَمُّوهُ، وَبَحِيرٌ وَضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَنَقَلَ بَحِيرٌ ذَلِكَ إِلَى أُمَيَّةَ، فَكَذَّبَهُ، فَادَّعَى شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ، فَشَهِدَ مُزَاحِمُ بْنُ أَبِي الْمُجَشَّرِ السُّلَمِيُّ أَنَّهُ كَانَ يَمْزَحُ فَتَرَكَهُ أُمَيَّةُ. ثُمَّ إِنَّ بَحِيرًا أَتَى أُمَيَّةَ وَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ إِنَّ بُكَيْرًا قَدْ دَعَانِي إِلَى خَلْعِكَ، وَقَالَ: لَوْلَا مَكَانُكَ لَقَتَلْتُ هَذَا الْقُرَشِيَّ وَأَكَلْتُ خُرَاسَانَ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ أُمَيَّةُ، فَاسْتَشْهَدَ جَمَاعَةً ذَكَرَ بُكَيْرٌ أَنَّهُمْ أَعْدَاؤُهُ، فَقَبَضَ أُمَيَّةُ عَلَى بُكَيْرٍ وَعَلَى بَدَلٍ وَشَمَرْدَلٍ ابْنَيْ أَخِيهِ، ثُمَّ أَمَرَ أُمَيَّةُ بَعْضَ رُؤَسَاءِ مَنْ مَعَهُ بِقَتْلِ بُكَيْرٍ، فَامْتَنَعُوا، فَأَمَرَ بَحِيرًا بِقَتْلِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ أُمَيَّةُ ابْنَيْ أَخِي بُكَيْرٍ. وَفَاةُ شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاةُ شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ - كَمَا قَدَّمْنَا - وَقَدْ كَانَ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ، لَمْ أَرَ بَعْدَ الصَّحَابَةِ مِثْلَهُ، وَمِثْلَ الْأَشْتَرِ وَابْنِهُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَمِمَّنْ يُنَاطُ بِهَؤُلَاءِ فِي الشَّجَاعَةِ ; مِثْلَ قَطَرِيِّ بْنِ الْفُجَاءَةِ مِنَ الْأَزَارِقَةِ الْخَوَارِجِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ، أَبُو عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ الْوَاعِظُ  : أَسْنَدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَأَبِي قَتَادَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ. وَرَوَى عَنْهُ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ: مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءُ، وَأَبُو حَازِمٍ. وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: كُنَّا نَفْخَرُ بِفَقِيهِنَا وَبِقَاضِينَا: فَأَمَّا فَقِيهُنَا فَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَمَّا قَاضِينَا فَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: إِنَّ أَهَّلَ الْقُبُورِ لِيَتَلَقَّوْنِ الْمَوْتَى كَمَا يُتَلَقَّى الرَّاكِبُ، يَسْأَلُونَهُ، فَإِذَا سَأَلُوهُ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَمَنْ كَانَ قَدْ مَاتَ يَقُولُ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَقَالَ: صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ بِمَكَّةَ، وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ، فَنَظَرَتْ يَوْمًا إِلَى وَجْهِهَا فِي الْمِرْآةِ، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: أَتَرَى أَحَدًا يَرَى هَذَا الْوَجْهَ لَا يُفْتَتَنُ بِهِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: وَمَنْ؟ قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَتْ: فَأْذِنْ لِي فِيهِ فَلَأَفْتِنَنَّهُ، قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكِ. قَالَ: فَأَتَتْهُ كَالْمُسْتَفْتِيَةِ، فَخَلَا مَعَهَا فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. قَالَ: فَأَسْفَرَتْ عَنْ وَجْهٍ مِثْلَ فِلْقَةِ الْقَمَرِ، فَقَالَ لَهَا: اسْتَتِرِي يَا أَمَةَ اللَّهِ، قَالَتْ: إِنِّي قَدْ فُتِنْتُ بِكَ فَانْظُرْ فِي أَمْرِي، قَالَ: إِنِّي سَائِلُكِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنْ أَنْتِ صَدَقْتِ نَظَرْتُ فِي أَمْرِكِ، قَالَتْ: لَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا صَدَقْتُكَ. قَالَ: أَخْبِرِينِي، لَوْ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ أَتَاكِ لِيَقْبِضَ رَوْحَكِ كَانَ يَسُرُّكِ أَنِّي قَضَيْتُ لَكِ هَذِهِ الْحَاجَةَ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: صَدَقْتِ، فَلَوْ أُدْخِلْتِ قَبْرَكِ فَأُجْلِسْتِ لِلْمُسَاءَلَةِ أَكَانَ يَسُرُّكِ أَنِّي قَضَيْتُ لَكِ هَذِهِ الْحَاجَةَ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: صَدَقْتِ، فَلَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا كُتُبَهُمْ فَلَا تَدْرِينَ أَتَأْخُذِينَ كِتَابَكِ بِيَمِينِكِ أَوْ بِشِمَالِكِ، أَكَانَ يَسُرُّكِ أَنِّي قَضَيْتُ لَكِ هَذِهِ الْحَاجَةَ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: صَدَقْتِ، فَلَوْ أَرَدْتِ الْمَمَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ فَلَا تَدْرِينَ تَنْجِينَ أَمْ لَا تَنْجِينَ، أَكَانَ يَسُرُّكِ أَنِّي قَضَيْتُ لَكِ هَذِهِ الْحَاجَةَ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: صَدَقْتِ، فَلَوْ جِيءَ بِالْمَوَازِينِ وَجِيءَ بِكِ لَا تَدْرِينَ تَخِفِّينَ أَمْ تَثْقُلِينَ، أَيَسُرُّكِ أَنِّي قَضَيْتُ لَكِ هَذِهِ الْحَاجَةَ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: صَدَقْتِ قَالَ: فَلَوْ وَقَفْتِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُسَاءَلَةِ، كَانَ يَسُرُّكِ أَنِّي قَضَيْتُ لَكِ هَذِهِ الْحَاجَةَ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: صَدَقْتِ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا أَمَةَ اللَّهِ، فَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَأَحْسَنَ إِلَيْكِ. قَالَ: فَرَجَعَتْ إِلَى زَوْجِهَا، قَالَ: مَا صَنَعْتِ؟ قَالَتْ: أَنْتَ بَطَّالٌ وَنَحْنُ بَطَّالُونَ. فَأَقْبَلَتْ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْعِبَادَةِ. قَالَ: فَكَانَ زَوْجُهَا يَقُولُ: مَا لِي وَلِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَفْسَدَ عَلَيَّ امْرَأَتِي كَانَتْ لِي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عَرُوسًا، فَصَيَّرَهَا رَاهِبَةً.

  241. التاريخ 2332لا حكم مسجّل

    فتح إرقيلية ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ الرُّومِ، فَفَتَحُوا إِرْقِيلِيَّةَ، فَلَمَّا رَجَعُوا أَصَابَهُمْ مَطَرٌ عَظِيمٌ وَثَلْجٌ وَبَرَدٌ، فَأُصِيبَ بِسَبَبِهِ نَاسٌ كَثِيرٌ. تولية موسى بن نصير غزو بلاد المغرب وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ غَزْوَ بِلَادِ الْمَغْرِبِ  جَمِيعِهِ، فَسَارَ إِلَى طَنْجَةَ وَقَدَّمَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ طَارِقًا، فَقَتَلُوا مُلُوكَ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَبَعْضُهُمْ قَطَعُوا أَنْفَهُ وَنَفَوْهُ. عزل أمية بن عبد الله عن إمرة خراسان وَفِيهَا عَزَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ أُمَيَّةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ، وَأَضَافَهَا إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ مَعَ سِجِسْتَانَ أَيْضًا، وَرَكِبَ الْحَجَّاجُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ شَأْنِ شَبِيبٍ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْكَوْفَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الْحَضْرَمِيَّ، فَقَدِمَ الْمُهَلَّبُ عَلَى الْحَجَّاجِ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ، وَقَدْ فَرَغَ مِنْ شَأْنِ الْأَزَارِقَةِ أَيْضًا، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَاسْتَدْعَى بِأَصْحَابِ الْبَلَاءِ مِنْ جَيْشِهِ، فَمَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ الْمُهَلَّبُ أَجْزَلَ الْحَجَّاجُ لَهُ الْعَطِيَّةَ، ثُمَّ وَلَّى الْحَجَّاجُ الْمُهَلَّبَ إِمْرَةَ سِجِسْتَانَ، وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ إِمْرَةَ خُرَاسَانَ، ثُمَّ نَاقَلَ بَيْنَهُمَا قَبْلَ خُرُوجِهِمَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ بِإِشَارَةِ الْمُهَلَّبِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَعَانَ بِصَاحِبِ الشُّرْطَةِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ طَارِقٍ الْعَبْشَمِيُّ، حَتَّى أَشَارَ عَلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَلْزَمَ الْمُهَلَّبَ بِأَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ; لِكَوْنِهِ اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ. من حج بالناس في هذه السنة قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَأَمِيرُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ وَتِلْكَ النَّوَاحِي كُلِّهَا الْحَجَّاجَ، وَنَائِبُهُ عَلَى خُرَاسَانَ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ وَنَائِبُهُ عَلَى سِجِسْتَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيَّ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ شُرَيْحٌ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ. فراغ الحجاج من بناء واسط وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فَرَغَ الْحَجَّاجُ مِنْ بِنَاءِ وَاسِطَ   [وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهَا] أَنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ: هَذَا وَسَطُ مَا بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ: الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَكَانَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي بِنَاءِ مَدِينَةٍ بَيْنَ الْمِصْرَيْنِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَابْتَدَأَ فِي الْبِنَاءِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَبَنَى الْقَصْرَ وَالْمَسْجِدَ وَالسُّورَيْنِ، وَحَفَرَ الْخَنْدَقَ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَفَرَغَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا خَرَاجَ الْعِرَاقِ كُلَّهُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ نَقَلَ إِلَيْهَا مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَنْ يَمِينِ الْمَقْصُورَةِ، وَنَقَلَ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَنْ يَسَارِ الْمَقْصُورَةِ، وَأَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَنْ يُصَلُّوا بِحِيَالِهِ مِمَّا يَلِي الْمَقْصُورَةَ، وَأَنْزَلَ أَصْحَابَ الطَّعَامِ وَالْبَزَّازِينَ وَالصَّيَارِفَ وَالْعَطَّارِينَ عَنْ يَمِينِ السُّورِ، وَأَنْزَلَ الْبَقَّالِينَ وَأَصْحَابَ السَّقْطِ، وَأَصْحَابَ الْفَاكِهَةِ فِي قِبْلَةِ السُّورِ، وَأَنْزَلَ الرُّوزِجَارِيَّةَ، وَالصُّنَّاعَ عَنْ يَسَارِ السُّورِ إِلَى دِجْلَةَ، وَجَعَلَ لِأَهْلِ كُلِّ تِجَارَةٍ قِطْعَةً لَا يُخَالِطُهُمْ غَيْرُهُمْ، وَأَمَرَ أَنْ يَكُونَ مَعَ أَهْلِ كُلِّ قِطْعَةٍ صَيْرَفِيٌّ، وَجَعَلَ لِقَصْرِهِ أَرْبَعَةَ أَبْوَابٍ، وَاتَّخَذَ لَهُمْ مَقْبَرَةً مِنَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَعَقَدَ الْجِسْرَ وَضَرَبَ الدَّرَاهِمَ، وَوَلَّاهَا لِابْنِ أَخِيهِ. قصة طريفة لابن أخ الحجاج وَقَدْ جَرَتْ لِابْنِ أَخِيهِ فِي تَوْلِيَتِهِ الْبَلَدَ قِصَّةٌ طَرِيفَةُ: قَالَ: أَبُو عَبَّادٍ، قَالَ: أَدْرَكْتُ الْخَادِمَ الَّذِي كَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْحَجَّاجِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ، قَالَ: كَانَ ابْنُ أَخِيهِ أَمِيرًا عَلَى وَاسِطَ، وَكَانَتْ بِوَاسِطَ امْرَأَةٌ يُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِوَاسِطَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَجْمَلَ مِنْهَا، فَأَرْسَلَ ابْنُ أَخِيهِ إِلَيْهَا يُرِيدُهَا عَنْ نَفْسِهَا مَعَ خَادِمٍ لَهُ، فَأَبَتْ عَلَيْهِ وَقَالَتْ: إِنْ أَرَدْتِنِي فَاخْطُبْنِي إِلَى إِخْوَتِي. قَالَ: وَكَانَتْ لَهَا إِخْوَةٌ أَرْبَعَةٌ، فَأَبَى وَقَالَ: لَا إِلَّا كَذَا، وَعَاوَدَهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَخْطُبَهَا، فَأَمَّا حَرَامٌ فَلَا، وَأَبَى هُوَ إِلَّا الْحَرَامَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا بِهَدِيَّةٍ فَأَخَذَتْهَا فَعَزَلَتْهَا. قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا عَشِيَّةَ جُمْعَةٍ: إِنِّي آتِيكِ اللَّيْلَةَ، فَقَالَتْ لِأُمِّهَا: إِنَّ الْأَمِيرَ بَعَثَ إِلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَأَنْكَرَتْ أُمُّهَا ذَلِكَ، وَقَالَتْ أُمُّهَا لِإِخْوَتِهَا: إِنَّ أُخْتَكُمْ قَدْ زَعَمَتْ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ وَكَذَّبُوهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يَأْتِيَنِي اللَّيْلَةَ وَسَتَرَوْنَهُ، قَالَ: فَقَعَدَ إِخْوَتُهَا فِي بَيْتٍ حِيَالَ الْبَيْتِ الَّذِي هِيَ فِيهِ وَفِيهِ سِرَاجٌ وَهُمْ يَرَوْنَ مَنْ يُدْخِلُ إِلَيْهَا وَجُوَيْرِيَّةٌ لَهَا عَلَى بَابِ الدَّارِ قَاعِدَةٌ، حَتَّى جَاءَ فَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ وَقَالَ لِغُلَامِهِ: إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْغَلَسِ فَاتَنِي بِدَابَّتِي. وَدَخَلَ فَمَشَتِ الْجَارِيَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَتْ لَهُ: ادْخُلْ وَهِيَ عَلَى سَرِيرٍ مُسْتَلْقِيَةٌ، فَاسْتَلْقَى إِلَى جَانِبِهَا ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا وَقَالَ: إِلَى كَمْ ذَا الْمَطْلُ؟ فَقَالَتْ لَهُ: كَفَّ يَدَكَ يَا فَاسِقُ. قَالَ: وَدَخَلَ إِخْوَتُهَا وَمَعَهُمْ سُيُوفٌ، فَقَطَعُوهُ ثُمَّ لَفُّوهُ فِي نَطْعٍ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ وَاسِطَ فَأَلْقُوهُ فِيهَا. وَجَاءَ الْغُلَامُ بِالدَّابَّةِ فَجَعَلَ يَدُقُّ الْبَابَ رَفِيقًا، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا غَشِيَ الصُّبْحُ، [وَخَشِيَ] أَنْ تُعْرَفَ الدَّابَّةُ انْصَرَفَ. وَأَصْبَحُوا فَإِذَا هُمْ بِهِ، فَأَتَوْا بِهِ الْحَجَّاجَ، فَأَخَذَ أَهْلَ تِلْكَ السِّكَّةِ، فَقَالَ: أَخْبَرُونِي مَا هَذَا وَمَا قِصَّتُهُ؟ قَالُوا: لَا نَعْلَمُ حَالَهُ غَيْرَ أَنَا وَجَدْنَاهُ مُلْقًى، فَفَطِنَ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِمَنْ كَانَ يَخْدِمُهُ فَأُتِيَ بِذَلِكَ الْخَصِيِّ الَّذِي كَانَ الرَّسُولَ، فَقِيلَ: هَذَا كَانَ صَاحِبَ سِرِّهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا كَانَ حَالُهُ، وَمَا [كَانَتْ] قِصَّتُهُ؟ فَأَبَى، فَقَالَ: إِنْ صَدَقْتَنِي لَمْ أَضْرِبْ عُنُقَكَ، وَإِنْ لَمْ تَصْدُقْنِي فَعَلْتُ بِكَ وَفَعَلْتُ. قَالَ: فَأَخْبَرَهُ بِالْأَمْرِ عَلَى جِهَتِهِ، فَأَمَرَ بِالْمَرْأَةِ وَأَمَّهَا وَإِخْوَتِهَا، فَجِيءَ بِهِمْ فَعُزِلَتِ الْمَرْأَةُ عَنْهُمْ فَسَأَلَهَا فَأَخْبَرَتْهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَهُ الْخَصِيُّ، ثُمَّ عَزَلَهَا وَسَأَلَ الْإِخْوَةَ فَأَخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَقَالُوا: نَحْنُ الَّذِي صَنَعْنَا بِهِ الَّذِي تَرَى، قَالَ: فَعَزَلَهُمْ وَأَمَرَ بِرَقِيقِهِ وَدَوَابِّهِ وَمَالِهِ لِلْمَرْأَةِ، فَقَالَتِ الْمَرْأَة: عِنْدِي هَدَيْتُهُ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكِ فِيهَا وَأَكْثَرَ فِي النِّسَاءِ مِثْلَكِ، هِيَ لَكِ، وَكُلُّ مَا تَرَكَ مِنْ شَيْءٍ، فَهُوَ لَكِ، وَقَالَ: مِثْلُ هَذَا لَا يُدْفَنُ، فَأَلْقُوُهُ لِلْكِلَابِ. وَدَعَا بِالْخَصِيِّ وَقَالَ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ قُلْتُ لَا أَضْرِبُ عُنُقَكَ، فَأُمِرَ بِضَرْبِ وَسَطِهِ.

  242. التاريخ 2333لا حكم مسجّل

    جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَأَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بَدْرًا فَمَنَعَهُ أَبُوهُ، وَخَلَّفَهُ عَلَى أَخَوَاتِهِ وَإِخْوَتِهِ، وَكَانُوا تِسْعَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ. تُوُفِّيَ جَابِرٌ بِالْمَدِينَةِ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَأَسْنَدَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا. شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو أُمَيَّةَ، الْكِنْدِيُّ وَهُوَ قَاضِي الْكُوفَةِ، وَقَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ وَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ اسْتَقَلَّ فِي الْقَضَاءِ، إِلَى أَنْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ رِزْقُهُ عَلَى الْقَضَاءِ فِي كُلِّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَكَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الْقَضَاءِ يَقُولُ: سَيَعْلَمُ الظَّالِمُ حَظَّ مَنْ نَقَصَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى ( ص: 26 ) الْآيَةَ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ يَنْتَظِرُ الْعِقَابَ، وَالْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ، أَوِ الْمَثُوبَةَ. وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يُصْبِحُ حَالُ مَنْ شَطْرُ النَّاسِ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ؟ وَقِيلَ: إِنَّهُ مَكَثَ قَاضِيًا نَحْوَ سَبْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتُعْفِيَ مِنَ الْقَضَاءِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَصْلُهُ مِنْ أَوْلَادِ الْفَرَسِ الَّذِينَ كَانُوا بِالْيَمَنِ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ، وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَثَمَانِ سِنِينَ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ نَزِيلُ فِلَسْطِينَ، وَقَدْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَدْ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ ; لِيُفَقِّهَ أَهْلَهَا فِي الدِّينِ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الصَّالِحِينَ. جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْأَزْدِيُّ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ الْأَزْدِيُّ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى غَزْوِ الْبَحْرِ لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالشَّجَاعَةِ وَالْخَيْرِ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ. الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْعُبَّادِ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَوْفِ وَالْوَرَعِ، وَكَانَ يَعْتَزِلُ فِي بَيْتِهِ، وَلَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، لَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى عَمِيَ، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْأَزْدِيُّ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْأَزْدِيُّ كَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا، هَجَا الْحَجَّاجَ فَنَفَاهُ إِلَى الشَّامِ، فَتُوُفِّيَ بِهَا. أيضًا ممن توفوا في هذه السنة النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ الشَّاعِرُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ الْكِنْدِيُّ وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: سُفْيَانُ بْنُ سَلَمَةَ الْأَسَدِيُّ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْبَصْرِيُّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَارِيُّ وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً  ، وَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَأْسِهِ. ( الْقَارِيُّ بِالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ ). وَفِيهَا مَاتَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ  ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

  243. التاريخ 2334لا حكم مسجّل

    طاعون الشام ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا وَقَعَ طَاعُونٌ عَظِيمٌ بِالشَّامِ،  حَتَّى كَادُوا يَفْنُونَ مَنْ شِدَّتِهُ، وَلَمْ يَغْزُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ; لِضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ، وَوَصَلَتِ الرُّومُ فِيهَا أَنْطَاكِيَّةَ، فَأَصَابُوا خَلْقًا مِنْ أَهْلِهَا ; لِعِلْمِهِمْ بِضَعْفِ الْجُنُودِ وَالْمُقَاتِلَةِ. غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل ملك الترك وَفِيهَا غَزَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ رُتْبِيلَ مَلِكَ التُّرْكِ حَتَّى أَوْغَلَ فِي بِلَادِهِ، ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ. قتل الحارث بن سعيد المتنبئ وَفِيهَا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَارِثَ بْنَ سَعِيدٍ الْمُتَنَبِّئَ الْكَذَّابَ،  وَيُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدٍ الدِّمَشْقِيُّ، مَوْلَى أَبِي الْجُلَاسِ الْعَبْدَرِيِّ. وَيُقَالُ: مَوْلَى الْحَكَمِ بْنِ مَرْوَانَ. كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْحُولَةِ، فَنَزَلَ دِمَشْقَ، وَتَعَبَّدَ بِهَا، وَتَنَسَّكَ وَتَزَهَّدَ، ثُمَّ مُكِرَ بِهِ، وَرَجَعَ الْقَهْقَرَى عَلَى عَقِبِهِ، وَانْسَلَخَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَارَقَ حِزْبَ اللَّهِ الْمُفْلِحِينَ، وَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَلَمْ يَزَلِ الشَّيْطَانُ يَزُخُّ فِي قَفَاهُ حَتَّى أَخْسَرَهُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، وَأَخْزَاهُ وَأَشْقَاهُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: كَانَ الْحَارِثُ الْكَذَّابُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ، وَكَانَ مَوْلًى لِأَبِي الْجُلَاسِ، وَكَانَ لَهُ أَبٌ بِالْحُولَةِ، فَعَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ وَكَانَ رَجُلًا مُتَعَبِّدًا زَاهِدًا، لَوْ لَبِسَ جُبَّةً مِنْ ذَهَبٍ لَرُئِيَتْ عَلَيْهِ الزَّهَادَةُ وَالْعِبَادَةُ، وَكَانَ إِذَا أَخَذَ فِي التَّحْمِيدِ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ مِثْلَ تَحْمِيدِهِ، وَلَا أَحْسَنَ مِنْ كَلَامِهِ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ، وَكَانَ بِالْحُولَةِ: يَا أَبَتَاهُ، أَعْجِلْ عَلَيَّ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَشْيَاءَ أَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْطَانُ قَدْ عَرَضَ لِي. قَالَ: فَزَادَهُ أَبُوهُ غَيًّا عَلَى غَيِّهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، أَقْبِلْ عَلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ وَلَسْتَ بِأَفَّاكٍ وَلَا أَثِيمٍ، فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ. فَكَانَ يَجِيءُ إِلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ رَجُلًا رَجُلًا فُيُذَاكِرُهُمْ أَمْرَهُ، وَيَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، إِنْ هُوَ يَرَى مَا يَرْضَى قَبِلَ وَإِلَّا كَتَمَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ يُرِيهِمُ الْأَعَاجِيبَ ; كَانَ يَأْتِي إِلَى رُخَامَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَيَنْقُرُهَا بِيَدِهِ فَتُسَبِّحُ تَسْبِيحًا بَلِيغًا، حَتَّى يَضِجَّ مِنْ ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ. قُلْتُ: وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا الْعَلَّامَةَ أَبَا الْعَبَّاسِ ابْنِ تَيْمِيَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، يَقُولُ: كَانَ يَنْقُرُ هَذِهِ الرُّخَامَةَ الْحَمْرَاءَ الَّتِي فِي الْمَقْصُورَةِ فَتُسَبِّحُ، وَكَانَ زِنْدِيقًا. قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ الْحَارِثُ يُطْعِمُهُمْ فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ: اخْرُجُوا حَتَّى أُرِيَكُمُ الْمَلَائِكَةَ. فَيَخْرُجُ بِهِمْ إِلَى دَيْرِ الْمُرَّانِ، فَيُرِيهِمْ رِجَالًا عَلَى خَيْلٍ، فَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ بِشْرٌ كَثِيرٌ، وَفَشَا أَمَرُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَثُرَ أَصْحَابُهُ وَأَتْبَاعُهُ، حَتَّى وَصَلَ الْأَمْرُ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، قَالَ: فَعَرَضَ عَلَى الْقَاسِمِ أَمْرَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ ; إِنْ هُوَ رَضِيَ أَمْرًا قَبِلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ كَتَمَهُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ: إِنِّي نَبِيٌّ. فَقَالَ الْقَاسِمُ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، مَا أَنْتَ نَبِيٌّ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَكِنَّكَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ الدَّجَّالِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ، دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنْتَ أَحَدُهُمْ وَلَا عَهْدَ لَكَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ إِلَى أَبِي إِدْرِيسَ - وَكَانَ عَلَى الْقَضَاءِ بِدِمَشْقَ - فَأَعْلَمَهُ بِمَا سَمِعَ مِنَ الْحَارِثِ، فَقَالَ أَبُو إِدْرِيسَ: نَعْرِفُهُ. ثُمَّ أَعْلَمَ أَبُو إِدْرِيسَ عَبْدَ الْمَلِكِ بِذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ مَكْحُولًا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي زَكَرِيَّا دَخْلَا عَلَى الْحَارِثِ فَدَعَاهُمَا إِلَى نُبُوَّتِهِ، فَكَذَّبَاهُ وَرَدَّا عَلَيْهِ مَا قَالَ، وَدَخَلَا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَعْلَمَاهُ بِأَمْرِهِ، فَتَطَلَّبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ طَلَبًا حَثِيثًا، وَاخْتَفَى الْحَارِثُ، وَصَارَ إِلَى دَارٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَدْعُو إِلَى نَفْسِهِ سِرًّا، وَاهْتَمَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بِشَأْنِهِ، حَتَّى رَكِبَ إِلَى الصِّنَّبْرَةِ فَنَزَلَهَا، فَوَرَدَ عَلَيْهِ هُنَاكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، مِمَّنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى الْحَارِثِ وَهُوَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَعْلَمَهُ بِأَمْرِهِ وَأَيْنَ هُوَ، وَسَأَلَ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْجُنْدِ الْأَتْرَاكِ لِيَحْتَاطَ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ طَائِفَةً وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِ الْقُدْسِ ; لِيَكُونَ فِي طَاعَةِ هَذَا الرَّجُلِ، وَيَفْعَلَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِمَنْ مَعَهُ انْتَدَبَ نَائِبَ الْقُدْسِ لِخِدْمَتِهِ، فَأَمْرَهُ أَنْ يَجْمَعَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّمُوعِ، وَيَجْعَلُ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ شَمْعَةً، فَإِذَا أَمَرَهُمْ بِإِشْعَالِهَا فِي اللَّيْلِ أَشْعَلُوهَا كُلُّهُمْ فِي سَائِرِ الطُّرُقِ وَالْأَزِقَّةِ، حَتَّى لَا يَخْفَى أَمْرُهُ، وَذَهَبَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ الدَّارَ الَّتِي فِيهَا الْحَارِثُ، فَقَالَ لِبَوَّابِهِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ. فَقَالَ: فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لَا يُؤْذَنُ عَلَيْهِ حَتَّى يُصْبِحَ. فَصَاحَ الْبَصْرِيُّ: أَسْرِجُوا. فَأَسْرَجَ النَّاسُ شُمُوعَهُمْ حَتَّى صَارَ اللَّيْلُ كَأَنَّهُ النَّهَارُ، وَهَجَمَ الْبَصْرِيُّ عَلَى الْحَارِثِ، فَاخْتَفَى مِنْهُ فِي سِرْبٍ هُنَاكَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: هَيْهَاتَ، تُرِيدُونَ أَنْ تَصِلُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ، إِنَّهُ قَدْ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: فَأَدْخَلَ الْبَصْرِيُّ يَدَهُ فِي ذَلِكَ السِّرْبِ فَإِذَا بِثَوْبِهِ، فَاجْتَرَّهُ فَأَخْرَجَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْفَرْغَانِيِّينَ مِنْ أَتْرَاكِ الْخَلِيفَةِ: تَسَلَّمُوا. قَالَ: فَأَخَذُوهُ فَرَبَطُوهُ فَقَيَّدُوهُ، فَيُقَالُ: إِنَّ الْقُيُودَ وَالْجَامِعَةَ سَقَطَتْ مِنْ عُنُقِهِ مِرَارًا، وَيُعِيدُونَهَا، وَجَعَلَ يَقْرَأُ: قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ [ سَبَأٍ: 50 ]، وَقَالَ لِأُولَئِكَ الْأَتْرَاكِ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [ غَافِرٍ: 28 ] فَقَالُوا لَهُ بِلِسَانِهِمْ وَلُغَتِهِمْ: هَذَا كُرَانُنَا فَهَاتِ كُرَانَكَ. أَيْ: هَذَا قُرْآنُنَا فَهَاتِ قُرْآنَكَ. فَلَمَّا انْتَهَوْا بِهِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَمَرَ بِصَلْبِهِ عَلَى خَشَبَةٍ، وَأَمَرَ رَجُلًا فَطَعَنَهُ بِحَرْبَةٍ  ، فَانْثَنَتْ فِي ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَيْحَكَ، أَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ طَعَنْتَهُ ؟ فَقَالَ: نَسِيتُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ، سَمِّ اللَّهَ، ثُمَّ اطْعَنْهُ. قَالَ: فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ ثُمَّ طَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ حَبَسَهُ قَبْلَ صَلْبِهِ، وَأَمَرَ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ أَنْ يَعِظُوهُ وَيُعْلِمُوهُ  أَنَّ هَذَا الَّذِي بِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ، فَصَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، فَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عُتْبَةَ الْأَعْوَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ زِيَادٍ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ: مَا غَبَطْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بِشَيْءٍ مِنْ وِلَايَتِهِ إِلَّا بِقَتْلِهِ حَارِثًا ; حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثُونَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَمَنْ قَالَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَلَهُ الْجَنَّةُ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: بَلَغَنِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: لَوْ حَضَرْتُكَ مَا أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ. قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ بِهِ الْمَذْهَبُ، فَلَوْ جَوَّعَتَهُ لَذَهَبَ ذَلِكَ عَنْهُ. وَقَالَ الْوَلِيدُ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ نَافِعٍ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ اللَّجْلَاجِ يَقُولُ لِغَيْلَانَ: وَيْحَكَ يَا غَيْلَانُ، أَلَمْ يَأْخُذْكَ فِي شَبِيبَتِكَ تُرَامِي النِّسَاءَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِالتُّفَّاحِ، ثُمَّ صِرْتَ حَارِثِيًّا يَحْجُبُ امْرَأَتَهُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَحَوَّلْتَ فَصِرْتَ قَدَرِيًّا زِنْدِيقًا. غزو عبيد الله بن أبي بكرة رتبيل ملك الترك وَفِيهَا غَزَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ رُتْبِيلَ - مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ  فِيهِمْ - وَقَدْ كَانَ يُصَانِعُ الْمُسْلِمِينَ تَارَةً، وَيَتَمَرَّدُ أُخْرَى، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَنْ نَاجِزْهُ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَسْتَبِيحَ أَرْضَهُ، وَتَهْدِمَ قِلَاعَهُ، وَتَقْتُلَ مُقَاتِلَتَهُ. فَخَرَجَ فِي جَمْعٍ مِنَ الْجُنُودِ مِنْ بِلَادِهِ، وَخَلْقٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، ثُمَّ الْتَقَى مَعَ رُتْبِيلَ - مَلِكِ التُّرْكِ - فَكَسَرَهُ، وَهَدَمَ أَرْكَانَهُ بِسَطْوَةٍ بِتَّارَةٍ، وَجَاسَ ابْنُ أَبِي بَكْرَةَ وَجُنْدُهُ خِلَالَ دِيَارِهِمْ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَقَالِيمِهِ وَمُدُنِهِ وَأَمْصَارِهِ، وَتَبَّرَ مَا هُنَالِكَ تَتْبِيرًا، ثُمَّ إِنَّ رُتْبِيلَ تَقَهْقَرَ مِنْهُ مُنْشَمِرًا، وَمَا زَالَ يَتْبَعُهُ حَتَّى اقْتَرَبَ مِنْ مَدِينَتِهِ الْعُظْمَى، حَتَّى كَانُوا مِنْهَا عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، وَخَافَتِ الْأَتْرَاكُ مِنْهُمْ خَوْفًا شَدِيدًا، ثُمَّ إِنَّ التُّرْكَ أَخَذَتْ عَلَيْهِمُ الطُّرُقَ وَالشِّعَابَ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكَ، حَتَّى ظَنَّ كُلٌّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا مَحَالَةَ هَالِكٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ أَنْ يُصَالِحَ رُتْبِيلَ عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ سَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَيَفْتَحُوا لِلْمُسْلِمِينَ طَرِيقًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ، وَيَرْجِعُونَ عَنْهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَانْتَدَبَ شُرَيْحَ بْنَ هَانِئٍ الْحَارِثِيَّ - وَكَانَ صَحَابِيًّا، وَكَانَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِ عَلَيٍّ، وَهُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ - فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْقِتَالِ وَالْمُصَابَرَةِ، وَالنِّزَالِ وَالْجِلَادِ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ وَالنِّبَالِ، فَنَهَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ فَلَمْ يَنْتَهِ، وَأَجَابَهُ شِرْذِمَةٌ مِنَ النَّاسِ مِنَ الشُّجْعَانِ وَأَهْلِ الْحَفَائِظِ، فَمَا زَالَ يُقَاتِلُ بِهِمِ التَّرْكَ حَتَّى فَنِيَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالُوا: وَجَعَلَ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ: أَصْبَحْتُ ذَا بَثٍّ أُقَاسِيَ الْكِبَرَا قَدْ عِشْتُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ أَعْصُرَا     ثُمَّتَ أَدْرَكْتُ النَّبِيَّ الْمُنْذِرَا وَبَعْدَهُ صِدِّيقَهُ وَعُمَرَا     وَيَوْمَ مِهْرَانَ وَيَوْمَ تُسْتَرَا وَالْجَمْعَ فِي صِفِّينِهِمْ وَالنَّهَرَا     هَيْهَاتَ مَا أَطْوَلَ هَذَا عُمُرَا ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ؓ، وَقُتِلَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنَ النَّاسِ صُحْبَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ مِنْ أَرْضِ رُتْبِيلَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فَأَخْذَهُ مَا تَقَدَّمَ، وَمَا تَأَخَّرَ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَيَسْتَشِيرُهُ فِي بَعْثِ جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ ; لِيَنْتَقِمُوا مِنْهُ بِسَبَبِ مَا حَلَّ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِ، فَحِينَ وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْمُوَافَقَةِ عَلَى مَا رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَأَنْ يُعَجِّلَ ذَلِكَ سَرِيعًا، فَحِينَ وَصَلَ الْبَرِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ أَخَذَ فِي جَمْعِ الْجُيُوشِ، فَجَهَّزَ جَيْشًا كَثِيفًا لِذَلِكَ، عَلَى مَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَابْتِيعَ الرَّغِيفُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِدِينَارٍ، وَقَاسَوْا شَدَائِدَ، وَمَاتَ بِسَبَبِ الْجُوعِ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَقَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ التُّرْكِ خَلْقًا كَثِيرًا أَيْضًا، قَتَلُوا أَضْعَافَهَمْ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْفَى شُرَيْحٌ مِنَ الْقَضَاءِ فَأَعْفَاهُ الْحَجَّاجُ مِنْ ذَلِكَ، وَوَلَّى مَكَانَهُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَةُ شُرَيْحٍ عِنْدَ وَفَاتِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. من حج بالناس في هذه السنة قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.

  244. التاريخ 2335لا حكم مسجّل

    قتل قطرى بن الفجأة التميمي وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ التَّمِيمِيُّ، أَبُو نَعَامَةَ الْخَارِجِيُّ،  وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشَاهِيرِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً يُسَلِّمُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِالْخِلَافَةِ، وَقَدْ جَرَتْ لَهُ خُطُوبٌ وَحُرُوبٌ مَعَ جَيْشِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا فِي أَمَاكِنِهِ. وَكَانَ خُرُوجُهُ فِي زَمَنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَتَغَلَّبَ عَلَى قِلَاعٍ كَثِيرَةٍ وَأَقَالِيمَ وَغَيْرِهَا، وَوَقَائِعُهُ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ جُيُوشًا كَثِيرَةً فَهَزَمَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْضِ الْحَرُورِيَّةِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ أَعْجَفَ، وَبِيَدِهِ عَمُودُ حَدِيدٍ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ كَشَفَ قَطَرِيٌّ عَنْ وَجْهِهِ، فَوَلَّى الرَّجُلُ هَارِبًا، فَقَالَ لَهُ قَطَرِيٌّ: إِلَى أَيْنَ ؟ أَمَا تَسْتَحِي أَنْ تَفِرَّ وَلَمْ تَرَ طَعْنًا وَلَا ضَرْبًا ؟ فَقَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَحِي أَنْ يَفِرَّ مِنْ مِثْلِكَ. ثُمَّ إِنَّهُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ الْكَلْبِيُّ فِي جَيْشٍ، فَاقْتَتَلُوا بِطَبَرِسْتَانَ، فَعَثَرَ بِقَطَرِيٍّ فَرَسُهُ فَوَقَعَ إِلَى الْأَرْضِ، فَتَكَاثَرُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَحَمَلُوا رَأْسَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ سَوْدَةُ بْنُ الْحُرِّ الدَّارِمِيُّ. وَكَانَ قَطَرِيُّ بْنُ الْفُجَاءَةِ - مَعَ شَجَاعَتِهِ الْمُفَرِطَةِ وَإِقْدَامِهِ - مِنْ خُطَبَاءَ الْعَرَبِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ  ، وَجَوْدَةِ الْكَلَامِ، وَالشِّعْرِ الْحَسَنِ، فَمِنْ مُسْتَجَادِ شِعْرِهِ قَوْلُهُ يُشَجِّعُ نَفْسَهُ وَغَيْرَهُ، وَمَنْ سَمِعَهَا انْتَفَعَ بِهَا: أَقُولُ لَهَا وَقَدْ طَارَتْ شَعَاعًا مِنَ الْأَبْطَالِ وَيْحَكِ لَنْ تُرَاعِي     فَإِنَّكِ لَوْ سَأَلْتِ بَقَاءَ يَوْمٍ عَلَى الْأَجَلِ الَّذِي لَكَ لِمَ تُطَاعِي     فَصَبْرًا فِي مَجَالِ الْمَوْتِ صَبْرًا فَمَا نَيْلُ الْخُلُودِ بِمُسْتَطَاعِ     وَلَا ثَوْبُ الْحَيَاةِ بِثَوْبِ عِزٍّ فَيُطْوَى عَنْ أَخِي الْخَنَعِ الْيَرَاعِ     سَبِيلُ الْمَوْتِ غَايَةُ كُلِّ حَيٍّ وَدَاعِيهِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ دَاعِي     وَمَنْ لَا يَغْتَبِطْ يَسْأَمْ وَيَهْرَمْ وَتُسْلِمْهُ الْمَنُونُ إِلَى انْقِطَاعِ     وَمَا لِلْمَرْءِ خَيْرٌ فِي حَيَاةٍ إِذَا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ الْمَتَاعِ ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْحَمَاسَةِ، وَاسْتَحْسَنَهَا ابْنُ خَلِّكَانَ فِي تَارِيخِهِ كَثِيرًا. وَفِيهَا مَاتَ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ  ، وَوُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدَسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدَسِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَبُو لَيْلَى  : وَهُوَ النَّابِغَةُ، نَابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ، وَقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. كَانَ جَاهِلِيًّا وَأَدْرَكَ الْإِسْلَامَ، وَوَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنْشَدَهُ. وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْشِدْنَا مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ. فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً، وَعَمَّرَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى أَدْرَكَ الْأَخْطَلَ النَّصْرَانِيَّ وَنَازَعَهُ الشِّعْرَ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: فَغَلَبَهُ الْأَخْطَلُ وَمَاتَ بِأَصْبَهَانَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: عَاشَ مِائَةً وَسِتِّينَ. وَيَقُولُ النَّابِغَةَ: أَنْشَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: بَلَغْنَا السَّمَاءَ مَجْدَنَا وَجُدُودَنَا     وَإِنَّا لَنَرْجُوَ بَعْدَ ذَلِكَ مَظْهَرَا فَقَالَ ﷺ: "فَأَيْنَ الْمَظْهَرُ يَا أَبَا لَيْلَى"، فَقُلْتُ: الْجَنَّةُ، فَقَالَ: "أَجَلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، ثُمَّ قُلْتُ: وَلَا خَيْرَ فِي حُلُمٍ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ     بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أَنْ يُكَدَّرَا وَلَا خَيْرَ فِي جَهْلٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ     حَلِيمٌ إِذَا مَا أَوْرَدَ الْأَمْرَ أَصْدَرَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَجَدْتَ لَا يَفْضُضُ اللَّهُ فَاكَ". مَرَّتَيْنِ. وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: أَقْحَمَتِ السَّنَةُ النَّابِغَةَ - نَابِغَةَ بَنِي جَعْدَةَ - فَدَخَلَ عَلَى الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَأَنْشَدَهُ: حَكَيْتَ لَنَا الصِّدِّيقَ لَمَّا وَلِيتَنَا     وَعُثْمَانَ وَالْفَارُوقَ فَارْتَاحَ مُعْدَمُ وَسَوَّيْتَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ فَاسْتَوَوْا     فَعَادَ صَبَاحًا حَالِكُ اللَّوْنِ مُظْلِمُ أَتَاكَ أَبُو لَيْلَى يَجُوبُ بِهِ الدُّجَى     دُجَى اللَّيْلِ جَوَّابُ الْفَلَاةِ عَشَمْشَمُ لَتَجْبُرَ مِنْهُ جَانِبًا دَغْدَغَتْ بِهِ     صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالزَّمَانُ الْمُصَمِّمُ فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَوِّنْ عَلَيْكَ أَبَا لَيْلَى، فَإِنَّ الشِّعْرَ أَهْوَنُ وَسَائِلِكَ عِنْدَنَا، أَمَّا صَفْوَةُ مَالِنَا فَلِآلِ الزُّبَيْرِ، وَأَمَّا عَفْوَةٌ فَإِنَّ بَنِي أَسَدٍ تَشْغَلُنَا عَنْكَ وَتَيْمَاءُ، وَلَكِنْ لَكَ فِي مَالِ اللَّهِ حَقَّانِ: حَقٌّ بِرُؤْيَتِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَحَقٌّ بِشِرْكَتِكَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ فِي فَيْئِهِمْ. ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَدَخَلَ بِهِ دَارَ النَّعَمِ، فَأَعْطَاهُ قَلَائِصَ سَبْعًا وَجَمَلًا رَجِيلًا، وَأَوْقَرَ لَهُ الرِّكَابَ بُرًّا وَتَمْرًا وَثِيَابًا، فَجَعَلَ النَّابِغَةُ يَسْتَعْجِلُ فَيَأْكُلُ الْحَبَّ صَرْفًا، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَيْحَ أَبِي لَيْلَى، لَقَدْ بَلَغَ مِنْهُ الْجَهْدُ، فَقَالَ النَّابِغَةُ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا وَلِيَتْ قُرَيْشٌ [فَعَدَلَتْ] فَرَحِمَتْ وَاسْتُرْحِمَتْ فَرَحِمَتْ، وَحَدَّثَتْ فَصَدَقَتْ، وَوَعَدَتْ خَيْرًا فَأَنْجَزَتْ، فَأَنَا وَالنَّبِيُّونَ فُرَّاطُ الْقَاصِفِينَ". ، قَالَ الزُّبَيْرِيُّ: وَالْفَارِطُ الَّذِي يَتَقَدَّمُ فَيَسْقِي الْمَاءَ لِلْإِبِلِ الَّتِي لِلْقَوْمِ. وَأَنْشُدُ الْقَطَامِيُّ: وَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتِنَا     كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ وَالْقَاصِفُونَ: الْمُسْرِعُونَ بَعْضُهُمْ إِثْرَ بَعْضٍ، وَمِنْهُ الرَّعْدُ الْقَاصِفُ، الرِّيحُ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَالرَّجِيلُ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ. وَيَقُولُ: النَّضِرَ بْنَ شُمَيْلٍ وَسُئِلَ مَنْ أَكْبَرُ مَنْ لَقِيتَ؟ قَالَ: الْمُنْتَجِعُ الْأَعْرَابِيُّ. قَالَ: وَقُلْتُ لِلْمُنْتَجَعِ: مَنْ أَكْبَرُ مَنْ لَقِيتَ؟ قَالَ: النَّابِغَةُ الْجَعْدِيُّ، فَقُلْتُ لِلنَّابِغَةِ: كَمْ عِشْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: [عِشْتُ] دَارَيْنِ، ثُمَّ أَدْرَكَتْ مُحَمَّدًا ﷺ فَأَسْلَمْتُ. قَالَ النَّضْرُ: الدَّارَانِ مِائَتَا سَنَةٍ. قَالَ النَّابِغَةُ: فَكُنْتُ أُجِيبُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

  245. التاريخ 2336لا حكم مسجّل

    وقوع السيل الجحاف بمكة ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِيهَا كَانَ السَّيْلُ الْجُحَافُ بِمَكَّةَ ; لِأَنَّهُ حَجَفَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مَرَّ بِهِ، وَحَمَلَ الْحُجَّاجَ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَالْجِمَالَ بِمَا عَلَيْهَا، وَالرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِنْهُ، وَبَلَغَ الْمَاءُ إِلَى الْحَجُونِ وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ ارْتَفَعَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُغَطِّيَ الْبَيْتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بِالْبَصْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الطَّاعُونُ الْجَارِفُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، كَمَا تَقَدَّمَ. غزو المهلب بن أبي صفرة الأتراك بكش وقطع نهر بلخ وَفِيهَا قَطَعَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ نَهْرَ بَلْخَ، وَأَقَامَ بِكَشَّ سَنَتَيْنِ صَابِرًا مُصَابِرًا لِلْأَعْدَاءِ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَجَرَتْ لَهُ مَعَهُمْ هُنَاكَ فُصُولٌ يُطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي غُبُونِ هَذِهِ الْمُدَّةِ كِتَابُ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِخَلْعِهِ الْحَجَّاجَ، فَبَعَثَهُ الْمُهَلَّبُ بِرُمَّتِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى قَرَأَهُ، ثُمَّ كَانَ مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِيمَا بَعْدُ مِنْ حُرُوبِ ابْنِ الْأَشْعَثِ. قتال الحجاج رتبيل ملك الترك وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَهَّزَ الْحَجَّاجُ الْجُيُوشَ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمَا ; لِقِتَالِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ ; لِيَقْتَصُّوا مِنْهُ مَا كَانَ مِنْ قَتْلِ جَيْشِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، فَجَهَّزَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ كُلٍّ مِنَ الْمِصْرَيْنِ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْحَجَّاجُ يُبْغِضُهُ جِدًّا، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ إِلَّا هَمَمْتُ بِقَتْلِهِ. وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يَوْمًا عَلَى الْحَجَّاجِ وَعِنْدَهُ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، فَقَالَ: انْظُرْ إِلَى مِشْيَتِهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَأَسَرَّهَا الشَّعْبِيُّ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَالَ ابْنُ الْأَشْعَثِ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَأَجْهَدَنَّ أَنْ أُزِيلَهُ عَنْ سُلْطَانِهِ إِنْ طَالَ بِي وَبِهِ الْبَقَاءُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَخْذَ فِي اسْتِعْرَاضِ هَذِهِ الْجُيُوشِ، وَبَذَلِ فِيهِمُ الْعَطَاءَ، ثُمَّ اخْتَلَفَ رَأْيُهُ فِيمَنْ يُؤَمِّرُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَعَ اخْتِيَارُهُ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَدَّمَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَتَى عَمُّهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْأَشْعَثِ، فَقَالَ لِلْحَجَّاجِ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تُؤَمِّرَهُ فَلَا يَرَى لَكَ طَاعَةً إِذَا جَاوَزَ جِسْرَ الْفُرَاتِ. فَقَالَ: لَيْسَ هُوَ هُنَالِكَ، هُوَ لِي أَهْيَبُ، وَمِنِّي أَرْهَبُ أَنْ يُخَالِفَ أَمْرِي، أَوْ يَخْرُجَ عَنْ طَاعَتِي، فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ، فَسَارَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِالْجُيُوشِ نَحْوَ أَرْضِ رُتْبِيلَ، فَلَمَّا بَلَغَ رُتْبِيلَ مَجِيءُ ابْنِ الْأَشْعَثِ بِالْجُنُودِ إِلَيْهِ كَتَبَ إِلَيْهِ رُتْبِيلَ يَعْتَذِرُ مِمَّا أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ لِذَلِكَ كَارِهًا، وَأَنَّهُمْ أَلْجَئُوهُ إِلَى قِتَالِهِمْ، وَسَأَلَ مِنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ أَنْ يُصَالِحَهُ، وَأَنْ يَبْذُلَ لِلْمُسْلِمِينَ الْخَرَاجَ، فَلَمْ يُجِبْهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى ذَلِكَ، وَصَمَّمَ عَلَى دُخُولِ بِلَادِهِ، وَجَمَعَ رُتْبِيلُ جُنُودَهُ، وَتَهَيَّأَ لَهُ وَلِحَرْبِهِ، وَجَعَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ كَلَّمَا دَخَلَ بَلَدًا أَوْ مَدِينَةً، أَوْ أَخَذَ قَلْعَةً مِنْ بِلَادِ رُتْبِيلَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا نَائِبًا مِنْ جِهَتِهِ، وَجَعَلَ مَعَهُ مَنْ يَحْفَظُهَا، وَجَعَلَ الْمَسَالِحَ عَلَى كُلِّ أَرْضٍ وَمَكَانٍ مَخُوفٍ، فَاسْتَحْوَذَ عَلَى بِلَادٍ وَمُدُنٍ كَثِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ رُتْبِيلَ، وَغَنِمَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً جَزِيلَةً، وَسَبَى خَلْقًا كَثِيرَةً، ثُمَّ حَبَسَ النَّاسَ عَنِ التَّوَغُّلِ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ حَتَّى يُصْلِحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْبِلَادِ، وَيَتَقَوَّوْا بِمَا فِيهَا مِنَ الْمُغَلَّاتِ وَالْحَوَاصِلِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُوا فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ، فَلَا يَزَالُونَ يُجَوِّزُونَ الْأَرَاضِيَ وَالْأَقَالِيمَ حَتَّى يُحَاصِرُوهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ - مَدِينَةِ الْعُظَمَاءِ - عَلَى الْكُنُوزِ وَالْأَمْوَالِ وَالذَّرَّارِي حَتَّى يَغْنَمُوهَا، ثُمَّ يَقْتُلُونَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَعَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ. وَكَتَبَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى الْحَجَّاجِ يُخْبِرُهُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْفَتْحِ، وَمَا صَنَعَ اللَّهُ لَهُمْ، وَبِهَذَا الرَّأْيِ الَّذِي رَآهُ لَهُمْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ وَجَّهَ هِمْيَانَ بْنَ عَدِيٍّ السَّدُوسِيَّ إِلَى كَرْمَانَ مَسْلَحَةً لِأَهْلِهَا ; لِيَمُدَّ عَامِلَ سِجِسْتَانَ وَالسِّنْدِ إِنِ احْتَاجَا إِلَى ذَلِكَ، فَعَصَى هِمْيَانُ وَمَنْ مَعَهُ، فَوَجَّهَ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ ابْنَ الْأَشْعَثِ، فَهَزَمَهُ وَأَقَامَ بِمَنْ مَعَهُ. وَمَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ بِإِمْرَةِ سِجِسْتَانَ مَكَانَ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ  ، وَجَهَّزَ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ جَيْشًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَلْفَيْ أَلْفٍ سِوَى أُعْطِيَاتِهِمْ، وَكَانَ يُدْعَى هَذَا الْجَيْشُ جَيْشَ الطَّوَاوِيسِ، وَأَمَرَهُ بِالْإِقْدَامِ عَلَى رُتْبِيلَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَهُ مَا تَقَدَّمَ. من حج في هذه السنة ونواب الأمصار قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: بَلْ حَجَّ بِهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ عَلَى الصَّائِفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ، وَعَلَى الْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ مُوسَى بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ

  246. التاريخ 2337لا حكم مسجّل

    أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ: أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ  : وَهُوَ أَبُو زَيْدِ بْنُ أَسْلَمَ، أَصْلُهُ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ، اشْتَرَاهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ لَمَّا حَجَّ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَتُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ، وَرَوَى عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَيْضًا، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ. جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرِ بْنِ مَالِكٍ الْحَضْرَمِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الشَّامِ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالْعِبَادَةِ وَالْعِلْمِ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ أَكْثَرُ، وَقِيلَ أَقَلُّ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: وُلِدَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَفَاةً، سَكَنَ الْمَدِينَةَ، وَلَمَّا اسْتُشْهِدَ أَبُوهُ جَعْفَرٌ بِمُؤْتَةَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ إِلَى أُمِّهِمْ فَقَالَ: ائْتُونِي بِبَنِي أَخِي. فَأُتِيَ بِهِمْ كَأَنَّهُمْ أَفْرُخٌ، فَدَعَا بِالْحَلَّاقِ فَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَتِهِ فَجَاءَتْ أُمُّهُمْ فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، فَقَالَ: أَنَا لَهُمْ عِوَضًا مِنْ أَبِيهِمْ. وَقَدْ بَايَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُمْرُهُمَا سَبْعُ سِنِينَ، وَهَذَا لَمْ يَتَّفِقْ لِغَيْرِهِمَا. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَسْخَى النَّاسِ، يُعْطِي الْجَزِيلَ الْكَثِيرَ وَيَسْتَقِلُّهُ، وَقَدْ تَصَدَّقَ مَرَّةً بِأَلْفَيْ أَلْفٍ، وَأَعْطَى مَرَّةً رَجُلًا سِتِّينَ أَلْفًا، وَمَرَّةً أَعْطَى رَجُلًا أَرْبَعَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَقِيلَ: إِنَّ رَجُلًا جَلَبَ مَرَّةً سُكَّرًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَكَسَدَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَشْتَرِهِ أَحَدٌ، فَأَمَرَ ابْنُ جَعْفَرٍ قَيِّمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، وَأَنْ يَهَبَهُ لِلنَّاسِ. وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا حَجَّ وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ فِي دَارِ مَرْوَانَ قَالَ يَوْمًا لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ هَلْ تَرَى بِالْبَابِ الْحَسَنَ أَوِ الْحُسَيْنَ أَوِ ابْنَ جَعْفَرٍ أَوْ فُلَانًا - وَعَدَّ جَمَاعَةً - فَخَرَجَ فَلَمْ يَرَ أَحَدًا، فَقِيلَ لَهُ: هُمْ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ يَتَغَدَّوْنَ. فَأَتَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: مَا أَنَا إِلَّا كَأَحَدِهِمْ. ثُمَّ أَخَذَ عَصًا فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى بَابَ ابْنِ جَعْفَرٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، وَدَخَلَ فَأَجْلَسَهُ فِي صَدْرِ فِرَاشِهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: أَيْنَ غَدَاؤُكَ يَا ابْنَ جَعْفَرٍ ؟ فَقَالَ: وَمَا تَشْتَهِي مِنْ شَيْءٍ فَادْعُ بِهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَطْعِمْنَا مُخًّا. فَقَالَ: يَا غُلَامُ هَاتِ مُخًّا. فَجَاءَ بِصَحْفَةٍ فَأَكَلَ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ لِغُلَامِهِ: هَاتِ مُخًّا. فَجَاءَ بِصَحْفَةٍ أُخْرَى مَلْآنَةً مُخًّا، إِلَى أَنْ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَتَعَجَّبَ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ: يَا ابْنَ جَعْفَرٍ مَا يَسَعُكَ إِلَّا الْكَثِيرُ مِنَ الْعَطَاءِ. فَلَمَّا خَرَجَ مُعَاوِيَةُ أَمَرَ لَهُ بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَكَانَ ابْنُ جَعْفَرٍ صَدِيقًا لِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَفِدُ عَلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ فَيُعْطِيهِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَيَقْضِي لَهُ مِائَةَ حَاجَةٍ، وَلَمَّا حَضَرَتْ مُعَاوِيَةَ الْوَفَاةُ أَوْصَى ابْنَهُ يَزِيدَ بِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَلَى يَزِيدَ قَالَ لَهُ: كَمْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُعْطِيكَ كُلَّ سَنَةٍ ؟ قَالَ: أَلْفَ أَلْفٍ. فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَضَعَفْنَاهَا لَكَ. وَكَانَ يُعْطِيهِ أَلْفَيْ أَلْفٍ كُلَّ سَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا قُلْتُهَا لِأَحَدٍ قَبْلَكَ، وَلَا أَقُولُهَا لِأَحَدٍ بَعْدَكَ. فَقَالَ يَزِيدُ: وَلَا أَعْطَاكَهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلَا يُعْطِيكَهَا أَحَدٌ بَعْدِي. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ عِنْدَ ابْنِ جَعْفَرٍ جَارِيَةٌ تُغَنِّيهِ تُسَمَّى عِمَارَةَ، وَكَانَ يُحِبُّهَا مَحَبَّةً عَظِيمَةً، فَحَضَرَ عِنْدَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ يَوْمًا، فَغَنَّتِ الْجَارِيَةُ، فَلَمَّا سَمِعَهَا يَزِيدُ افْتُتِنَ بِهَا وَلَمْ يَجْسُرْ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ أَنْ يَطْلُبَهَا مِنْهُ، خَوْفًا أَنْ يَمْنَعَهُ إِيَّاهَا، فَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِ يَزِيدَ مِنْهَا حَتَّى مَاتَ أَبُوهُ مُعَاوِيَةُ، فَبَعَثَ يَزِيدُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ تِجَارَةً، وَأَمَرَهُ أَنَّ يَتَلَطَّفَ فِي أَمْرِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ، فَقَدِمَ الرَّجُلُ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ جِوَارَ ابْنِ جَعْفَرٍ، وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدَايَا وَتُحَفًا كَثِيرَةً، وَأَنِسَ بِهِ، وَلَا زَالَ حَتَّى أَخَذَ الْجَارِيَةَ، وَأَتَى بِهَا يَزِيدَ، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَذُمُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عَلَى سَمَاعِهِ الْغِنَاءَ وَاللَّهْوِ، وَشِرَائِهِ الْمُوَلَّدَاتِ، وَيَقُولُ: أَمَا يَكْفِيهِ هَذَا الْأَمْرُ الْقَبِيحُ الَّذِي هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَغَيْرِهَا ؟ حَتَّى زَوَّجَ الْحَجَّاجَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ: إِنَّمَا تَزَوَّجْتُهَا لِأَذِلَّ بِهَا آلَ أَبِي طَالِبٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا. وَقَدْ كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَطَلَّقَهَا. أَسْنَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ثَلَاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا. أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ اسْمُهُ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، لَهُ أَحْوَالٌ وَمَنَاقِبُ، كَانَ يَقُولُ: قَلْبٌ نَقِيٌّ فِي ثِيَابٍ دَنِسَةٍ خَيْرٌ مِنْ قَلْبٍ دَنِسٍ فِي ثِيَابٍ نَقِيَّةٍ. وَقَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَرْجَمَتَهُ فِي كِتَابِنَا " التَّكْمِيلِ ". مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ الْقَدَرِيُّ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ الْقَدَرِيُّ   يُقَالُ: إِنَّهُ مَعْبَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ رَاوِي حَدِيثِ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ. سَمِعَ الْحَدِيثَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَغَيْرِهِمْ، وَشَهِدَ يَوْمَ التَّحْكِيمِ، وَسَأَلَ أَبَا مُوسَى فِي ذَلِكَ، وَوَصَّاهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَوَصَّاهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: إِيهًا يَا تَيْسَ جُهَيْنَةَ، مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ السِّرِّ وَلَا الْعَلَانِيَةِ، وَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُكَ الْحَقُّ وَلَا يَضُرُّكُ الْبَاطِلُ. وَهَذَا تَوَسُّمٌ فِيهِ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ; وَلِهَذَا كَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ،  وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ: سَوْسَنُ. وَأَخَذَ غَيْلَانُ الْقَدَرَ مِنْ مَعْبَدٍ. وَقَدْ كَانَتْ لِمَعْبَدٍ عِبَادَةٌ، وَفِيهِ زَهَادَةٌ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ فِي حَدِيثِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِيَّاكُمْ وَمَعْبَدًا ; فَإِنَّهُ ضَالٌّ مُضِلٌّ. وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَعَاقَبَهُ الْحَجَّاجُ عُقُوبَةً عَظِيمَةً بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ، ثُمَّ قَتَلَهُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ: بَلْ صَلَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانِينَ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ قَتَلَهُ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: مَاتَ قَبْلَ التِّسْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وممن توفي في هذه السنة أيضًا وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ  . وَفِيهَا تُوُفِّيَ جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَلَهُ صُحْبَةٌ  ، وَكَانَ عَلَى غَزْوِ الْبَحْرِ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ كُلِّهَا. وَفِيهَا مَاتَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أُخْتِ النَّمِرِ  ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ، ( بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْفَاءِ ). خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ خَيْثَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ  ، وَاسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعْفِيُّ: أَدْرَكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَعَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَالنُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ فِي آخَرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا زَاهِدًا، وَرِثَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَنْفَقَهَا عَلَى الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ. وَعَنْ الْأَعْمَشُ، قَالَ: رُبَّمَا دَخَلْنَا عَلَى خَيْثَمَةَ فَيُخْرِجُ الْعَسْكَرَ مِنْ تَحْتِ السَّرِيرِ عَلَيْهَا الْخَبِيصُ وَالْفَالُوذَجُ، فَيَقُولُ: مَا أَشْتَهِيهِ، كُلُوا أَمَا إِنِّي مَا جَعَلْتُهُ إِلَّا لَكُمْ. وَكَانَ مُوسِرًا، وَكَانَ يُصِرُّ الدَّرَاهِمَ، فَإِذَا رَأَى الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مُتَخَرِّقَ الْقَمِيصِ أَوِ الرِّدَاءَ أَوْ بِهِ خَلَّةً تَحَّيَنَهُ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْبَابِ خَرَجَ هُوَ مِنْ بَابٍ آخَرَ حَتَّى يَلْقَى فَيَقُولُ: اشْتَرِ قَمِيصًا، اشْتَرِ رِدَاءً، اشْتَرِ حَاجَةً كَذَا. وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الضَّبِّيُّ، لَمْ نَكُنْ نَدْرِي كَيْفَ يَقْرَأُ خَيْثَمَةُ الْقُرْآنَ حَتَّى مَرِضَ فَثَقُلَ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَبَكَتْ، فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ الْمَوْتُ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: الرِّجَالُ بَعْدَكَ عَلَيَّ حَرَامٌ، فَقَالَ لَهَا خَيْثَمَةُ: مَا كُلُّ هَذَا أَرَدْتُ مِنْكِ، إِنَّمَا كُنْتُ أَخَافُ رَجُلًا وَاحِدًا وَهُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ رَجُلٌ فَاسِقٌ يَتَنَاوَلُ الشَّرَابَ فَكَرِهْتُ أَنْ يَشْرَبَ فِي بَيْتِي الشَّرَابَ بَعْدَ أَنَّ الْقُرْآنَ يُتْلَى فِيهِ كُلَّ ثَلَاثٍ. وَعَنْ خَيْثَمَةَ أَنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي مَقْبَرَةِ فُقَرَاءِ قَوْمِهِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ، أَبُو الْمُغِيرَةِ:   سَمِعَ مِنْ عَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَرِيرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ أَبْزَى. وَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَكَانَ شَدِيدَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَنَّهُ مَذْعُورٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُذَيْلِ أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ شَغَلَتِ النَّارُ مَنْ يَعْقِلُ عَنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ:   وَلِيَ سِجِسْتَانَ أَيَّامَ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَغَزَا رَتْبِيلَ فِي أَيَّامِ الْحَجَّاج. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ جَوَادًا، وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ قَرَأَ بِالْأَلْحَانِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ. قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ، فَأُتِيَ بِوَصِيفٍ وَوَصِيفَةٍ أُهْدِيَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لِبَعْضِ جُلَسَائِهِ: خُذْهُمَا إِلَيْكَ. ثُمَّ فَكَّرَ فَقَالَ: إِيثَارُ بَعْضِ الْجُلَسَاءِ عَلَى بَعْضٍ قَبِيحٌ، فَقَالَ: يَا غِلْمَانُ، يَضُمُّ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُلَسَائِنَا وَصَيْفٌ وَوَصِيفَةً، فَضَمَّ إِلَيْهِمْ ثَمَانِينَ بَيْنَ وَصَيْفٍ وَوَصِيفَةٍ. أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْمُحْسِنِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ شَيْخًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: أُمْلِقْتُ حَتَّى نَقَضَتْ مَنْزِلِي، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيَّ الْأَمْرُ جَاءَتْنِي الْخَادِمَةُ فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لَنَا دَقِيقٌ وَلَا مَعَنَا ثَمَنُهُ. فَقُلْتُ: أَسَرْجِي حِمَارِي، فَأَسْرَجَتْهُ، فَخَرَجْتُ هَارِبًا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَمَّا شَارَفْتُهَا فَإِذَا أَنَا بِالْمَوْكِبِ مُقْبِلٌ، فَدَخَلْتُ فِي جُمْلَتِهِمْ، فَرَجَعَتِ الْخَيْلُ تُرِيدُ الْبَصْرَةَ، فَصِرْتُ مَعَهُمْ حَتَّى دَخَلْتُهَا، وَانْتَهَى صَاحِبُ الْمَوْكِبِ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَنَزَلَ، وَنَزَلَ الْمَوْكِبُ، وَنَزَلْتُ مَعَهُمْ، وَدَخَلْنَا فَإِذَا الدِّهْلِيزُ مَفْرُوشٌ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ مَعَ الرَّجُلِ، فَدَعَا بِغَدَاءٍ، فَجَاءُوهُ بِأَحْسَنِ غَدَاءٍ، فَتَغَدَّيْتُ مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ دَعَا بِالْغَالِيَةِ فَضَمَّخَنَا، ثُمَّ قَالَ: يَا غِلْمَانُ، هَاتُوا سَفَطًا، فَجَاءَ غِلْمَانُهُ بِسَفَطٍ أَبْيَضَ مَشْدُودٍ، فَفَتَحَ فَإِذَا فِيهِ أَكْيَاسٌ مَشْدُودَةٌ، فِي كُلِّ كِيسٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَبَدَأَ يُعْطِي فَأَمَّرَهَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْتَهَى إِلَيَّ [فَأَعْطَانِي كِيسًا، ثُمَّ ثَنَّى فَأَعْطَانِي آخَرَ، ثُمَّ ثَلَّثَ] فَأَعْطَانِي آخَرَ، فَأَخَذَتِ الْجَمَاعَةُ وَبَقِيَ فِي السَّفَطِ كِيسٌ وَاحِدٌ، فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: هَاكِ يَا هَذَا الَّذِي لَا أَعْرِفُهُ، فَأَخَذْتُ أَرْبَعَةَ أَكْيَاسٍ، وَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ لِإِنْسَانٍ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ. وَبَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا انْقَطَعَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، فَأَلْحَقَهُ بِحَشَمِهِ، وَكَفَاهُ مَئُونَتَهُ، فَبَطِرَ النِّعْمَةَ، فَسَعَى بِهِ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ أَبِي بَكْرَةَ، فَأَطْرَقَ مُفَكِّرًا، فَقِيلَ لَهُ: فِيمَ فَكَّرْتَ ؟ فَقَالَ: أَخَافَ أَنْ أَكُونَ قَصَّرْتُ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فَحَمَلْتُهُ عَلَى مَسَاوِئِ أَخْلَاقِهِ. مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ،  يُكَنَّى أَبَا إِيَاسٍ: رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا. عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَوْ خَرَجُوا فِيكُمُ الْيَوْمَ مَا عَرَفُوا شَيْئًا مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِلَّا الْآذَانَ. وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ الْعَبْدَ رِزْقَ شَهْرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنْ أَصْلَحَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، وَعَاشَ هُوَ وَعِيَالُهُ بَقِيَّةَ شَهْرِهِمْ فِي خَيْرٍ، وَإِنْ هُوَ أَفْسَدَهُ أَفْسَدَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَاشَ هُوَ وَعِيَالُهُ بَقِيَّةَ شَهْرِهِمْ بِشَرٍّ. هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ النَّخَعِيُّ هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ النَّخَعِيُّ  : رَوَى عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَجَرِيرٍ، وَعَائِشَةَ. وَكَانَ النَّاسُ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ. وَكَانَ طَوِيلَ السَّهَرِ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ اشْفِنِي مِنَ النَّوْمِ بِالسَّهَرِ، وَارْزُقْنِي سَهَرًا فِي طَاعَتِكَ، وَكَانَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا هُنَيْهَةً وَهُوَ قَاعِدٌ.

  247. التاريخ 2338لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَمَانِينَ فَتَحَ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ مَدِينَةَ قَالِيقَلَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ فَفَتَحَ قَالِيقَلَا. ذِكْرُ مَقْتَلِ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ   وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ بَحِيرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ. وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ بُكَيْرُ بْنُ وَسَّاجٍ، وَكِلَاهُمَا تَمِيمِيَّانِ، بِأَمْرِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ رَجَاءَ بْنِ جَابِرٍ أَحَدُ بَنِي عَوْفِ بْنِ سَعْدٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ يُحَرِّضُ بَعْضَ آلِ بُكَيْرٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَالْأَبْنَاءُ عِدَّةُ بُطُونٍ مِنْ تَمِيمٍ سُمُّوا بِذَلِكَ: لَعَمْرِي لَقَدْ أَغْضَيْتَ عَيْنًا عَلَى الْقَذَى وَبِتَّ بَطِينًا مِنْ رَحِيقٍ مُرَوَّقِ     وَخَلَّيْتَ ثَأْرًا طُلَّ وَاخْتَرْتَ نَوْمَةً وَمَنْ يَشْرَبِ الصَّهْبَاءَ بِالْوِتْرِ يُسْبَقِ     فَلَوْ كُنْتَ مِنْ عَوْفِ بْنِ سَعْدٍ ذُؤَابَةً تَرَكْتَ بَحِيرًا فِي دَمٍ مُتَرَقْرِقِ     فَقُلْ لِبَحِيرٍ نَمْ وَلَا تَخْشَ ثَائِرًا بِبَكْرٍ فَعَوْفٌ أَهْلُ شَاءٍ حَبَلَّقِ     دَعِ الضَّأْنَ يَوْمًا قَدْ سُبِقْتُمْ بِوِتْرِكُمْ وَصِرْتُمْ حَدِيثًا بَيْنَ غَرْبٍ وَمَشْرِقِ     وَهُبُّوا فَلَوْ أَمْسَى بُكَيْرٌ كَعَهْدِهِ لَغَادَاهُمُ زَحْفًا بِجَأْوَاءَ فَيْلَقِ وَقَالَ أَيْضًا: فَلَوْ كَانَ بَكْرٌ بَارِزًا فِي أَدَاتِهِ     وَذِي الْعَرْشِ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ بَحِيرُ فَفِي الدَّهْرِ إِنْ أَبْقَانِيَ الدَّهْرُ مَطْلَبٌ     وَفِي اللَّهِ طَلَّابٌ بِذَاكَ جَدِيرُ فَبَلَغَ بَحِيرًا أَنَّ رَهْطَ بُكَيْرٍ مِنَ الْأَبْنَاءِ يَتَوَعَّدُونَهُ فَقَالَ: تَوَعَّدَنِي الْأَبْنَاءُ جَهْلًا كَأَنَّمَا يَرَوْنَ فِنَائِي مُقْفِرًا مِنْ بَنِي كَعْبِ رَفَعْتُ لَهُ كَفِّي بِعَضْبٍ مُهَنَّدٍ حُسَامٍ كَلَوْنِ الثَّلْجِ ذِي رَوْنَقٍ عَضْبِ فَتَعَاقَدَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَوْفٍ عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ بُكَيْرٍ، فَخَرَجَ فَتًى مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ شَمَرْدَلٌ مِنَ الْبَادِيَةِ حَتَّى قَدِمَ خُرَاسَانَ فَرَأَى بَحِيرًا وَاقِفًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَطَعَنَهُ فَصَرَعَهُ، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: خَارِجِيٌّ، وَرَاكَضَهُمْ، فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ فَقُتِلَ. وَخَرَجَ صَعْصَعَةُ بْنُ حَرْبٍ الْعَوْفِيُّ مِنَ الْبَادِيَةِ، وَقَدْ بَاعَ غُنَيْمَاتٍ لَهُ وَمَضَى إِلَى سِجِسْتَانَ، فَجَاوَرَ قَرَابَةً لِبَحِيرٍ مُدَّةً، وَادَّعَى إِلَى بَنِي حَنِيفَةَ مِنَ الْيَمَامَةِ، وَأَطَالَ مُجَالَسَتَهُمْ حَتَّى أَنِسُوا بِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ لِي بِخُرَاسَانَ مِيرَاثًا، فَاكْتُبُوا لِي إِلَى بَحِيرٍ كِتَابًا لِيُعِينَنِي عَلَى حَقِّي. فَكَتَبُوا لَهُ، وَسَارَ فَقَدِمَ عَلَى بَحِيرٍ وَهُوَ مَعَ الْمُهَلَّبِ فِي غَزْوَتِهِ، فَلَقِيَ قَوْمًا مِنْ بَنِي عَوْفٍ، فَأَخْبَرَهُمْ أَمْرَهُ، وَلَقِيَ بَحِيرًا فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَأَنَّ لَهُ مَالًا بِسِجِسْتَانَ وَمِيرَاثًا بِمَرْوَ، وَقَدِمَ لِيَبِيعَهُ وَيَعُودَ إِلَى الْيَمَامَةِ. فَأَنْزَلَهُ بَحِيرٌ وَأَمَرَ لَهُ بِنَفَقَةٍ وَوَعَدَهُ، فَقَالَ صَعْصَعَةُ: أُقِيمُ عِنْدَكَ حَتَّى يَرْجِعَ النَّاسُ. فَأَقَامَ شَهْرًا يَحْضَرُ مَعَهُ بَابَ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ بَحِيرٌ قَدْ حَذِرَ، فَلَمَّا أَتَاهُ صَعْصَعَةُ بِكِتَابِ أَصْحَابِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ حَنِيفَةَ، آمَنَهُ. فَجَاءَ يَوْمًا صَعْصَعَةُ وَبَحِيرٌ عِنْدَ الْمُهَلَّبِ عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَرِدَاءٌ، فَقَعَدَ خَلْفَهُ، وَدَنَا مِنْهُ كَأَنَّهُ يُكَلِّمُهُ، فَوَجَأَهُ بِخِنْجَرٍ مَعَهُ فِي خَاصِرَتِهِ، فَغَيَّبَهُ فِي جَوْفِهِ، وَنَادَى: يَا لِثَارَاتِ بُكَيْرٍ ! فَأُخِذَ وَأُتِيَ بِهِ الْمُهَلَّبَ، فَقَالَ لَهُ: بُؤْسًا لَكَ ! مَا أَدْرَكْتَ بِثَأْرِكَ وَقَتَلْتَ نَفْسَكَ، وَمَا عَلَى بَحِيرٍ بَأْسٌ. فَقَالَ: لَقَدْ طَعَنْتُهُ طَعْنَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ النَّاسِ لَمَاتُوا، وَلَقَدْ وَجَدْتُ رِيحَ بَطْنِهِ فِي يَدِي. فَحَبَسَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ فَقَبَّلُوا رَأْسَهُ. وَمَاتَ بَحِيرٌ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ صَعْصَعَةُ لَمَّا مَاتَ بَحِيرٌ: اصْنَعُوا الْآنَ مَا شِئْتُمْ، أَلَيْسَ قَدْ حَلَّتْ نُذُورُ أَبْنَاءِ بَنِي عَوْفٍ وَأَدْرَكْتُ بِثَأْرِي ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ أَمْكَنَنِي مِنْهُ خَالِيًا غَيْرَ مَرَّةٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ سِرًّا. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَسْخَى نَفْسًا بِالْمَوْتِ مِنْ هَذَا. وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقُتِلَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ بَعَثَهُ إِلَى بَحِيرٍ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَقَتَلَهُ، وَمَاتَ بَحِيرٌ بَعْدَهُ. وَعَظُمَ مَوْتُهُ عَلَى الْمُهَلَّبِ، وَغَضِبَتْ عَوْفٌ وَالْأَبْنَاءُ وَقَالُوا: عَلَامَ قُتِلَ صَاحِبُنَا، وَإِنَّمَا أَخَذَ بِثَأْرِهِ ؟ فَنَازَعَهُمْ مُقَاعِسُ وَالْبُطُونُ، وَكُلُّهُمْ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ، حَتَّى خَافَ النَّاسُ أَنْ يَعْظُمَ الْأَمْرُ، فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَى: احْمِلُوا دَمَ صَعْصَعَةَ، وَاجْعَلُوا دَمَ بَحِيرٍ بِبُكَيْرٍ، فَوَدَوْا صَعْصَعَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَبْنَاءِ يَمْدَحُ صَعْصَعَةَ: لِلَّهِ دَرُّ فَتًى تَجَاوَزَ هَمُّهُ     دُونَ الْعِرَاقِ مَفَاوِزًا وَبُحُورَا مَا زَالَ يُدْئِبُ نَفْسَهُ وَرِكَابَهُ     حَتَّى تَنَاوَلَ فِي الْحُرُوبِ بَحِيرَا دُخُولِ الدَّيْلَمِ قَزْوِينَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ   كَانَتْ قَزْوِينُ ثَغْرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَاحِيَةِ دَيْلَمَ، فَكَانَتِ الْعَسَاكِرُ لَا تَبْرَحُ مُرَابِطَةً بِهَا، يَتَحَارَسُونَ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رَابِطٍ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ الْجُعْفِيُّ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا عَظِيمَ الْغَنَاءِ فِي حُرُوبِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَزْوِينَ رَأَى النَّاسَ يَتَحَارَسُونَ فَلَا يَنَامُونَ اللَّيْلَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَتَخَافُونَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْكُمُ الْعَدُوُّ مَدِينَتَكُمْ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ أَنْصَفُوكُمْ إِنْ فَعَلُوا، افْتَحُوا الْأَبْوَابَ وَلَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ. فَفَتَحُوهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ الدَّيْلَمَ فَسَارُوا إِلَيْهِمْ وَبَيَّتُوهُمْ وَهَجَمُوا إِلَى الْبَلَدِ، وَتَصَايَحَ النَّاسُ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ: أَغْلِقُوا أَبْوَابَ الْمَدِينَةِ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، فَقَدْ أَنْصَفُونَا وَقَاتِلُوهُمْ. فَأَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ وَقَاتَلُوهُمْ، وَأَبْلَى ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ بَلَاءً عَظِيمًا، وَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنَ الدَّيْلَمِ أَحَدٌ، وَاشْتَهَرَ اسْمُهُ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدِ الدَّيْلَمُ بَعْدَهَا يُقْدِمُونَ عَلَى مُفَارَقَةِ أَرْضِهِمْ. فَصَارَ مُحَمَّدٌ فَارِسَ ذَلِكَ الثَّغْرِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُدْمِنُ شُرْبَ الْخَمْرِ، وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَرَ بِتَسْيِيرِهِ إِلَى زُرَارَةَ، وَهِيَ دَارُ الْفُسَّاقِ بِالْكُوفَةِ، فَسُيِّرَ إِلَيْهَا، فَأَغَارَتِ الدَّيْلَمُ وَنَالَتْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَظَهَرَ الْخَلَلُ بَعْدَهُ، فَكَتَبُوا إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْكُوفَةِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمُ ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَأَذِنَ لَهُ فِي عَوْدِهِ إِلَى الثَّغْرِ، فَعَادَ إِلَيْهِ وَحَمَاهُ. وَلِمُحَمَّدٍ أَخٌ يُقَالُ لَهُ خُثَيْمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ اسْمُ أَبِي سَبْرَةَ، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ  . وَكَانَ مِمَّنْ حَجَّ أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى. وَفِيهَا وُلِدَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ الْمُهَلَّبَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبَا بُرْدَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أُذَيْنَةَ. وَكَانَتْ سِجِسْتَانُ وَكَرْمَانُ وَفَارِسُ وَالْبَصْرَةُ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. غزو موسى بن نصير بلاد الأندلس وَفِيهَا غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ أَمِيرُ بِلَادِ الْمَغْرِبِ مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ، فَافْتَتَحَ مُدُنًا كَثِيرَةً، وَأَرَاضِيَ عَامِرَةً، وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى الزُّقَاقِ الْمُنْبَثِقِ مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ الْمُحِيطِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  248. التاريخ 2339لا حكم مسجّل

    سبب فتنة ابن الأشعث فِتْنَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ   قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: كَانَ ابْتِدَاؤُهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَقَدْ سَاقَهَا ابْنُ جَرِيرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَوَافَقْنَاهُ فِي ذَلِكَ. وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْفِتْنَةِ أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ كَانَ الْحَجَّاجُ يُبْغِضُهُ، وَكَانَ هُوَ يَفْهَمُ ذَلِكَ، وَيُضْمِرُ لَهُ السُّوءَ وَزَوَالَ الْمُلْكِ عَنْهُ، فَلَمَّا أَمَّرَهُ الْحَجَّاجُ عَلَى ذَلِكَ الْجَيْشِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ، وَأَمَرَهُ بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ، فَمَضَى وَصَنَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَخْذِهِ بَعْضَ بِلَادِ التُّرْكِ، ثُمَّ رَأَى لِأَصْحَابِهِ أَنْ يُقِيمُوا حَتَّى يَتَقَوَّوْا إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَسْتَهْجِنُ رَأْيَهُ فِي ذَلِكَ، وَيَسْتَضْعِفُ عَقْلَهُ، وَيَقْرَعُهُ بِالْجُبْنِ وَالنُّكُولِ عَنِ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُ حَتْمًا بِدُخُولِ بِلَادِ رُتْبِيلَ، ثُمَّ أَرْدَفَ ذَلِكَ بِكِتَابٍ ثَانٍ ثُمَّ ثَالِثٍ، فَلَمَّا تَوَارَدَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ يَحُثُّهُ عَلَى التَّوَغُّلِ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ، جَمَعَ مَنْ مَعَهُ، وَقَامَ فِيهِمْ، فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانَ رَأَى مِنَ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ، وَبِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ مِنَ الْأَمْرِ بِمُعَاجَلَةِ رُتْبِيلَ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ، وَقَالُوا: لَا، بَلْ نَأْبَى عَلَى عَدُوِّ اللَّهِ الْحَجَّاجِ، وَلَا نَسْمَعُ لَهُ وَلَا نُطِيعُ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: فَحَدَّثَنِي مُطَرِّفُ بْنُ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ الْكِنَانِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ شَاعِرًا خَطِيبًا، وَكَانَ مِمَّا قَالَ: إِنَّ مَثَلَ الْحَجَّاجِ فِي هَذَا الرَّأْيِ وَمَثَلَنَا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ لِأَخِيهِ: احْمِلْ عَبْدَكَ عَلَى الْفَرَسِ، فَإِنْ هَلَكَ هَلَكَ، وَإِنْ نَجَا فَلَكَ. إِنَّكُمْ إِنْ ظَفِرْتُمْ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي سُلْطَانِهِ، وَإِنْ هَلَكْتُمْ كُنْتُمُ الْأَعْدَاءَ الْبُغَضَاءُ. ثُمَّ قَالَ: اخْلَعُوا عَدُوَّ اللَّهِ الْحَجَّاجَ - وَلَمْ يَذْكُرْ خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَبَايِعُوا لِأَمِيرِكُمْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ، فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوَّلُ خَالِعٍ لِلْحَجَّاجِ. فَقَالَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: خَلَعْنَا عَدُوَّ اللَّهِ. وَوَثَبُوا إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ فَبَايَعُوهُ عِوَضًا عَنِ الْحَجَّاجِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. صلح ابن الأشعث ورتبيل وَبَعَثَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى رُتْبِيلَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ ظَفِرَ بِالْحَجَّاجِ فَلَا خَرَاجَ عَلَى رُتْبِيلَ أَبَدًا، ثُمَّ سَارَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِالْجُنُودِ الَّذِينَ مَعَهُ مُقْبِلًا مِنْ سِجِسْتَانَ إِلَى الْحَجَّاجِ ; لِيُقَاتِلَهُ وَيَأْخُذَ مِنْهُ الْعِرَاقَ، ثُمَّ لَمَّا تَوَسَّطُوا الطَّرِيقَ قَالُوا: إِنَّ خَلْعَنَا لِلْحَجَّاجِ خَلْعٌ لِابْنِ مَرْوَانَ. فَخَلَعُوهُمَا جَمِيعًا، وَجَدَّدُوا الْبَيْعَةَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ، فَبَايَعَهُمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسِنَةِ رَسُولِهِ، وَخَلْعِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَجِهَادِ الْمُحِلِّينَ. فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ. بَايَعَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ مَا صَنَعُوا مِنْ خَلْعِهِ وَخَلْعِ ابْنِ مَرْوَانَ، كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَيَسْتَعْجِلُهُ فِي بَعْثِهِ الْجُنُودَ إِلَيْهِ  ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ الْبَصْرَةَ، وَبَلَغَ الْمُهَلَّبَ خَبَرُ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ يَا ابْنَ الْأَشْعَثِ قَدْ وَضَعْتَ رَجْلَكَ فِي رِكَابٍ طَوِيلٍ، أَبْقِ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، اللَّهَ اللَّهَ، انْظُرْ لِنَفْسِكَ فَلَا تُهْلِكْهَا، وَدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا تَسْفِكْهَا، وَالْجَمَاعَةِ فَلَا تُفَرِّقْهَا  ، وَالْبَيْعَةِ فَلَا تَنْكُثْهَا، فَإِنْ قُلْتَ: أَخَافُ النَّاسَ عَلَى نَفْسِي، فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَهُ مِنَ النَّاسِ، فَلَا تُعَرِّضْهَا لِلَّهِ فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ، أَوِ اسْتِحْلَالِ مُحَرَّمٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. كتاب المهلب إلى الحجاج وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَجَّاجِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ مِثْلَ السَّيْلِ الْمُنْحَدِرِ مِنْ عَلِ، لَيْسَ شَيْءٌ يَرُدُّهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى قَرَارِهِ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ شِرَّةً فِي أَوَّلِ مَخْرَجِهِمْ وَصَبَابَةً إِلَى أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَلَيْسَ شَيْءٌ يَرُدُّهُمْ حَتَّى يَصِلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ، وَيَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ، ثُمَّ وَاقِعْهُمْ عِنْدَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمَّا قَرَأَ الْحَجَّاجُ كِتَابَهُ قَالَ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ، لَا وَاللَّهِ مَا لِي نَظَرَ، وَلَكِنْ لِابْنِ عَمِّهِ نَصَحَ. وَلَمَّا وَقَعَ كِتَابُ الْحَجَّاجِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ هَالَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ، وَبَعَثَ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَأَقْرَأَهُ كِتَابَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَ هَذَا الْحَدَثُ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَخَفْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ سِجِسْتَانَ فَلَا تَخَفْهُ. تجهيز الجيوش وهزيمة مقدمة الحجاج ثُمَّ أَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي تَجْهِيزِ الْجُنُودِ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ فِي نُصْرَةِ الْحَجَّاجِ، وَتَجْهِيزِ الْحَجَّاجِ لِلْخُرُوجِ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَعَصَى رَأْيَ الْمُهَلَّبِ فِيمَا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِ النُّصْحُ وَالصِّدْقُ، وَجُعِلَتْ كُتُبُ الْحَجَّاجِ لَا تَنْقَطِعُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بِخَبَرِ ابْنِ الْأَشْعَثِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ; أَيْنَ نَزَلَ ؟ وَمِنْ أَيْنَ ارْتَحَلَ ؟ وَأَيُّ النَّاسِ إِلَيْهِ أَسْرَعُ ؟ وَجَعَلَ النَّاسُ يَلْتَفُّونَ عَلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ سَارَ مَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَخَرَجَ الْحَجَّاجُ فِي جُنُودِ الشَّامِ مِنَ الْبَصْرَةِ نَحْوَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَنَزَلَ تُسْتَرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُطَهِّرَ بْنَ حَيٍّ الْعَكِّيَّ أَمِيرًا عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُمَيْتٍ أَمِيرًا آخَرَ، فَانْتَهَوْا إِلَى دُجَيْلٍ، فَإِذَا مُقَدِّمَةُ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَانٍ الْحَارِثِيُّ، فَالْتَقَوْا فِي يَوْمِ الْأَضْحَى عِنْدَ نَهْرِ دُجَيْلٍ، فَهُزِمَتْ مُقَدِّمَةُ الْحَجَّاجِ، وَقَتَلَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، نَحْوَ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَاحْتَازُوا مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ مِنْ خُيُولٍ وَقُمَاشٍ وَأَمْوَالٍ، وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِهَزِيمَةِ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهُ مَا دَبَّ وَدَرَجَ، وَقَدْ كَانَ قَائِمًا يَخْطُبُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ارْجِعُوا إِلَى الْبَصْرَةِ، فَإِنَّهُ أَرْفَقُ بِالْجُنْدِ، فَرَجَعَ بِالنَّاسِ، وَاتَّبَعَتْهُمْ خُيُولُ ابْنِ الْأَشْعَثِ لَا يُدْرِكُونَ مِنْهُمْ شَاذًّا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَلَا فَاذًّا إِلَّا أَهْلَكُوهُ، وَمَضَى الْحَجَّاجُ هَارِبًا لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، حَتَّى أَتَى الزَّاوِيَةَ، فَعَسْكَرَ عِنْدَهَا، وَجَعَلَ يَقُولُ: لِلَّهِ دَرُّ الْمُهَلَّبِ ! أَيُّ صَاحِبِ حَرْبٍ هُوَ ؟ ! قَدْ أَشَارَ عَلَيْنَا بِالرَّأْيِ، وَلَكِنَّا لَمْ نَقْبَلْ. وَأَنْفَقَ الْحَجَّاجُ عَلَى جَيْشِهِ - وَهُوَ بِهَذَا الْمَكَانِ - مِائَةً وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَخَنْدَقَ حَوْلَ جَيْشِهِ خَنْدَقًا، وَجَاءَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، وَاجْتَمَعُوا بِأَهَالِيهِمْ وَشَمُّوا أَوْلَادَهُمْ، وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ الْبَصْرَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ بِهَا، وَبَايَعَهُمْ وَبَايَعُوهُ عَلَى خَلْعِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنَائِبِهِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَقَالَ لَهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: لَيْسَ الْحَجَّاجُ بِشَيْءٍ، وَلَكِنِ اذْهَبُوا بِنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ لِنُقَاتِلَهُ. وَوَافَقَهُ عَلَى خَلْعِهِمَا جَمِيعُ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ وَالشُّيُوخِ وَالشَّبَابِ، ثُمَّ أَمَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِخَنْدَقٍ حَوْلَ الْبَصْرَةِ فَعَمِلَ ذَلِكَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ.

  249. التاريخ 2340لا حكم مسجّل

    بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ الْبَصْرِيُّ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: بُحَيْرُ بْنُ وَرْقَاءَ الصُّرَيْمِيُّ الْبَصْرِيُّ  أَحَدُ الْأَشْرَافِ بِخُرَاسَانَ، وَالْقُوَّادِ وَالْأُمَرَاءِ، وَهُوَ الَّذِي حَارَبَ ابْنَ خَازِمٍ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ بُكَيْرَ بْنَ وِشَاحٍ. سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ بْنِ عَوْسَجَةَ بْنِ عَامِرٍ ثُمَّ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: سُوِيدُ بْنُ غَفْلَةَ بْنِ عَوْسَجَةَ بْنِ عَامِرٍ أَبُو أُمَيَّةَ الْجَعَفِيُّ الْكُوفِيُّ، شَهِدَ الْيَرْمُوكَ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُخَضْرَمِينَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَصَلَّى مَعَهُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ عَامَ وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ بَعْدَهُ بِسَنَتَيْنِ. وَعَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، لَمْ يُرَ يَوْمًا مُحْتَبِيًا وَلَا مُتَسَانِدًا، وَافْتَضَّ بِكْرًا عَامَ وَفَاتِهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ كَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الْعُلَمَاءِ، وَلَهُ وَصَايَا وَكَلِمَاتٌ حِسَانٌ، وَقَدْ رَوَى عِدَّةَ أَحَادِيثَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ.

  250. التاريخ 2341لا حكم مسجّل

    عزل أبان بن عثمان عن إمرة المدينة وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْهَا عَزَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيَّ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ أَبَانٍ عَلَى الْمَدِينَةِ سَبْعَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ عَلَى إِمْرَةِ بِلَادِ الْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَالنُّوَّابُ فِي الْأَقَالِيمِ مِنْ تَحْتِ يَدِهِ، وَهُوَ مَشْغُولٌ عَنْ تَدْبِيرِ الْمَمَالِكِ بِحَرْبِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كُلِّهَا. من حج بالناس هذه السنة قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ الَّذِي كَانَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ. صلح المهلب من وراء النهر وَفِيهَا: صَالَحَ الْمُهَلَّبُ مَنْ وَرَاءَ النَّهْرِ عَلَى شَيْءٍ يُؤَدُّونَهُ وَفَصَلَ عَنْهُمْ. غزو محمد بن مروان أرمينية وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَّةَ  فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ الصُّلْحَ فَصَالَحَهُمْ، وَوَلَّى عَلَيْهِمْ أَبَا شَيْخٍ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَغَدَرُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، وَقِيلَ: بَلْ قَتَلُوهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ.

  251. التاريخ 2342لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ   فَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الزَّاوِيَةِ بَيْنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَالْحَجَّاجِ  فِي آخِرِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ تَوَاقَعُوا يَوْمًا آخَرَ، فَحَمَلَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ - أَحَدُ أُمَرَاءِ أَهْلِ الشَّامِ - عَلَى مَيْمَنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَهَزَمَهَا، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْقُرَّاءِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَخَرَّ الْحَجَّاجُ لِلَّهِ سَاجِدًا بَعْدَمَا كَانَ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَسَلَّ شَيْئًا مِنْ سَيْفِهِ، وَجَعَلَ يَتَرَحَّمُ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَيَقُولُ: مَا كَانَ أَكْرَمَهُ حِينَ صَبَرَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ: أَبُو الطُّفَيْلِ بْنُ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ. وَلَمَّا فَرَّ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ رَجَعَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ، وَمَنِ اتَّبَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ، فَعَمَدَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَبَايَعُوهُ، فَقَاتَلَ الْحَجَّاجَ خَمْسَ لَيَالٍ أَشَدَّ الْقِتَالِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَحِقَ بِابْنِ الْأَشْعَثِ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَاسْتَنَابَ الْحَجَّاجُ عَلَى الْبَصْرَةِ أَيُّوبَ بْنَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ، وَدَخَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ الْكُوفَةَ، فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا عَلَى خَلْعِ الْحَجَّاجِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَكَثُرَ مُتَابِعُو ابْنِ الْأَشْعَثِ عَلَى ذَلِكَ، وَاشْتَدَّ الْحَالُ، وَتَفَرَّقَتِ الْكَلِمَةُ جِدًّا، وَعَظُمَ الْخَطْبُ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا الْتَقَى جَيْشُ الْحَجَّاجِ وَجَيْشُ ابْنِ الْأَشْعَثِ بِالزَّاوِيَةِ، جَعَلَ جَيْشُ الْحَجَّاجِ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَقَالَ الْقُرَّاءُ - وَكَانَ عَلَيْهِمْ جَبَلَةُ بْنُ زَحْرٍ -: أَيُّهَا النَّاسُ، لَيْسَ الْفِرَارُ مِنْ أَحَدٍ بِأَقْبَحَ مِنْهُ مِنْكُمْ، فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: قَاتِلُوهُمْ عَلَى جَوْرِهِمْ، وَاسْتِذْلَالِهِمُ الضُّعَفَاءَ، وَإِمَاتَتِهِمُ الصَّلَاةَ. ثُمَّ حَمَلَتِ الْقُرَّاءُ - وَهُمُ الْعُلَمَاءُ - عَلَى جَيْشِ الْحَجَّاجِ حَمْلَةً صَادِقَةً، فَبَدَّعُوا فِيهِمْ، ثُمَّ رَجَعُوا فَإِذَا هُمْ بِمُقَدَّمِهِمْ جَبَلَةُ بْنُ زَحْرٍ صَرِيعًا، فَهَدَّهُمْ ذَلِكَ، فَنَادَاهُمْ جَيْشُ الْحَجَّاجِ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ، قَدْ قَتَلْنَا طَاغِيَتَكُمْ. ثُمَّ حَمَلَ سُفْيَانُ بْنُ الْأَبْرَدِ - وَهُوَ عَلَى خَيْلِ الْحَجَّاجِ - عَلَى مَيْسَرَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ - وَعَلَيْهَا الْأَبْرَدُ بْنُ قُرَّةَ التَّمِيمِيُّ - فَانْهَزَمُوا، وَلَمْ يُقَاتِلُوا كَثِيرَ قِتَالٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ مِنْهُمْ ذَلِكَ، وَكَانَ أَمِيرُ مَيْسَرَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ - الْأَبْرَدُ - شُجَاعًا لَا يَفِرُّ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ خَامَرَ، فَنُقِضَتِ الصُّفُوفُ، وَرَكِبَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَكَانَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى الْقِتَالِ، فَلَمَّا رَأَى مَا النَّاسُ فِيهِ أَخَذَ مَنِ اتَّبَعَهُ وَذَهَبَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا.

  252. التاريخ 2343لا حكم مسجّل

    ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ  فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ لَمَّا قَصَدَ الْكُوفَةَ خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا، فَتَلَقَّوْهُ، وَحَفَوْا بِهِ، وَدَخَلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ شِرْذِمَةً قَلِيلَةً أَرَادَتْ أَنْ تُقَاتِلَهُ دُونَ مَطَرِ بْنِ نَاجِيَةَ نَائِبِ الْحَجَّاجِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَعَدَلُوا إِلَى الْقَصْرِ، فَلَمَّا وَصَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَى الْكُوفَةِ أَمَرَ بِالسَّلَالِيمِ فَنُصِبَتْ عَلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ، فَأَخَذَهُ، وَاسْتَنْزَلَ مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَقَالَ لَهُ: اسْتَبْقِنِي; فَإِنِّي خَيْرٌ مِنْ فُرْسَانِكَ. فَحَبَسَهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَأَطْلَقَهُ وَبَايَعَهُ، وَاسْتَوْثَقَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ أَمْرُ الْكُوفَةِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ مَنْ جَاءَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ مِمَّنْ قَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَمَرَ بِالْمَسَالِحِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَحُفِظَتِ الثُّغُورُ وَالطُّرُقُ وَالْمَسَالِكُ. ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ رَكِبَ فَيْمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ الشَّامِيَّةِ مِنَ الْبَصْرَةِ فِي الْبَرِّ، حَتَّى مَرَّ بَيْنَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْعُذَيْبِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ الْأَشْعَثِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْعَبَّاسِ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الْمَصْرَيْنِ، فَمَنَعُوا الْحَجَّاجَ مِنْ نُزُولِ الْقَادِسِيَّةِ، فَسَارَ الْحَجَّاجُ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ قُرَّةَ، وَجَاءَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ الْبَصْرِيَّةِ وَالْكُوفِيَّةِ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ الْجَمَاجِمِ، وَمَعَهُ جُنُودٌ كَثِيرَةٌ، وَفِيهِمُ الْقُرَّاءُ مِنَ الْمِصْرَيْنِ، وَخَلْقٌ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ ابْنَ الْأَشْعَثِ، أَمَا كَانَ يَزْجُرُ الطَّيْرَ حَيْثُ رَآنِي قَدْ نَزَلْتُ دَيْرَ قُرَّةَ، وَنَزَلَ هُوَ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ. وَكَانَ جُمْلَةُ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِمَّنْ يَأْخُذُ الْعَطَاءَ، وَمَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ مَوَالِيهِمْ، وَقَدِمَ عَلَى الْحَجَّاجِ فِي غُبُونِ ذَلِكَ أَمْدَادٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الشَّامِ، وَخَنْدَقَ كُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَحَوْلَ جَيْشِهِ خَنْدَقًا، يُمْتَنَعُ بِهِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ كَانَ يَبْرُزُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَيَقْتَتِلُونَ قِتَالًا شَدِيدًا فِي كُلِّ يَوْمٍ، حَتَّى أُصِيبَ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ خَلْقٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَمَرَّ هَذَا الْحَالُ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ مِنْ أَهْلِ الْمَشُورَةِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ كَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يُرْضِيهِمْ مِنْكَ أَنْ تَعْزِلَ عَنْهُمُ الْحَجَّاجَ فَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ قِتَالِهِمْ وَسَفْكِ دِمَائِهِمْ، فَاسْتَحْضَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ عِنْدَ ذَلِكَ أَخَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ، وَابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَمَعَهُمَا جُنُودٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ يَقُولُ لَهُمْ: إِنْ كَانَ يُرْضِيكُمْ مِنِّي عَزْلُ الْحَجَّاجِ عَنْكُمْ عَزَلْتُهُ، وَأَبْقَيْتُ عَلَيْكُمْ أُعْطِيَّاتِكُمْ مِثْلَ أَهْلِ الشَّامِ، وَلْيَخْتَرِ ابْنُ الْأَشْعَثِ أَيَّ بَلَدٍ شَاءَ يَكُونُ عَلَيْهِ أَمِيرًا مَا عَاشَ وَعِشْتُ، وَتَكُونُ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ لِمُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ. وَقَالَ فِي عَهْدِهِ هَذَا: فَإِنْ لَمْ يُجِبْ أَهْلُ الْعِرَاقِ إِلَى ذَلِكَ فَالْحَجَّاجُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَإِلَيْهِ إِمْرَةُ الْحَرْبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي طَاعَتِهِ وَتَحْتَ أَمْرِهِ، لَا يَخْرُجُونَ عَنْ رَأْيِهِ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهِ. وَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ مَا كَتَبَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ عَزْلِهِ إِنْ رَضُوا بِهِ، شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ مَشَقَّةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَعَظُمَ شَأْنُ هَذَا الرَّأْيِ عِنْدَهُ، وَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَعْطَيْتَ أَهْلَ الْعِرَاقِ نَزْعِي عَنْهُمْ لَا يَلْبَثُونَ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يُخَالِفُوكَ وَيَسِيرُوا إِلَيْكَ، وَلَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا جُرْأَةً عَلَيْكَ، أَلَمْ تَرَ وَتَسْمَعْ بِوُثُوبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ فَلَمَّا سَأَلَهُمْ: مَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نَزْعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا نَزَعَهُ لَمْ تَتِمَّ لَهُمُ السَّنَةُ حَتَّى سَارُوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ؟ وَإِنَّ الْحَدِيدَ بِالْحَدِيدِ يُفْلَحُ، كَانَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا ارْتَأَيْتَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. قَالَ: فَأَبَى عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَّا عَرْضَ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ كَمَا أَمَرَ، فَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ، فَنَادَى عَبْدُ اللَّهِ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، أَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكُمْ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَذَكَرَ مَا كَتَبَ بِهِ أَبُوهُ مَعَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ: وَأَنَا رَسُولُ أَخِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكُمْ بِذَلِكَ. فَقَالُوا: نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا غَدًا، وَنَرُدُّ عَلَيْكُمُ الْخَبَرَ عَشِيَّةً، ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَاجْتَمَعَ جَمِيعُ الْأُمَرَاءِ إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، وَنَدَبَهُمْ إِلَى قَبُولِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَزْلِ الْحَجَّاجِ عَنْهُمْ، وَبَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِبْقَاءِ الْأُعْطِيَّاتِ، وَإِمْرَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَلَى الْعِرَاقِ بَدَلَ الْحَجَّاجِ. فَنَفَرَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ ذَلِكَ; نَحْنُ أَكْثَرُ عَدَدًا وَعُدَدًا، وَهُمْ فِي ضِيقٍ مِنَ الْحَالِ، وَقَدْ حَكَّمْنَا عَلَيْهِمْ وَذَلُّوا لَنَا، وَاللَّهِ لَا نُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ أَبَدًا. ثُمَّ جَدَّدُوا خَلْعَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ثَانِيَةً، وَاتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ كُلُّهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَمَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ الْخَبَرُ قَالَا لِلْحَجَّاجِ: شَأْنُكَ بِهِمْ إِذًا، فَنَحْنُ فِي طَاعَتِكَ كَمَا أَمَرَنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَكَانَا إِذَا لَقِيَاهُ سَلَّمَا عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، وَيُسَلِّمُ هُوَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ بِالْإِمْرَةِ، وَتَوَلَّى الْحَجَّاجُ أَمْرَ الْحَرْبِ وَتَدْبِيرَهَا، كَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَرَزَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْقِتَالِ وَالْحَرْبِ، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى مَيْمَنَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُلَيْمَانَ الْكَلْبِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ عُمَارَةَ بْنَ تَمِيمٍ اللَّخْمِيَّ، وَعَلَى الْخَيْلِ سُفْيَانَ بْنَ الْأَبْرَدِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ حَبِيبٍ الْحَكَمِيَّ، وَجَعَلَ ابْنُ الْأَشْعَثِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ حَارِثَةَ الْخَثْعَمِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ الْأَبْرَدَ بْنَ قُرَّةَ التَّمِيمِيَّ، وَعَلَى الْخَيَّالَةِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍّ الزُّهْرِيَّ، وَعَلَى الْقُرَّاءِ جَبَلَةَ بْنَ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ الْجُعْفِيَّ، وَكَانَ فِي الْقُرَّاءِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ - وَكَانَ شُجَاعًا فَاتِكًا عَلَى كِبَرِ سِنِّهِ - وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ الطَّائِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَجَعَلُوا يَقْتَتِلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ تَأْتِيهِمُ الْمِيرَةُ مِنَ الرَّسَاتِيقِ وَالْأَقَالِيمِ، مِنَ الْعَلَفِ وَالطَّعَامِ وَغَيْرِهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ الَّذِينَ مَعَ الْحَجَّاجِ فَفِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَقِلَّةٍ مِنَ الطَّعَامِ، وَقَدْ فَقَدُوا اللَّحْمَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَجِدُونَهُ، وَمَا زَالَتِ الْحَرْبُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ كُلِّهَا، حَتَّى انْسَلَخَتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ وَقِتَالِهِمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ، أَوْ يَوْمٍ بَعْدَ يَوْمٍ، وَالدَّائِرَةُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ، وَقَدْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَجَّاجِ زِيَادُ بْنُ غَنْمٍ، وَكَسَرَ بِسْطَامُ بْنُ مِصْقَلَةَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، وَاسْتَقْتَلُوا، وَكَانُوا مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ.

  253. التاريخ 2344لا حكم مسجّل

    الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاةُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ  وَهُوَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ ظَالِمٌ، أَبُو سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ، أَحَدُ أَشْرَافِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَوُجُوهِهِمْ وَدُهَاتِهِمْ وَأَجْوَادِهِمْ وَكُرَمَائِهِمْ، وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ، وَكَانُوا يَنْزِلُونَ فِيمَا بَيْنَ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ، وَقَدِ ارْتَدَّ قَوْمُهُ فَقَاتَلَهُمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَفِيهِمْ أَبُو صُفْرَةَ، وَابْنُهُ الْمُهَلَّبُ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ، ثُمَّ نَزَلَ الْمُهَلَّبُ الْبَصْرَةَ وَقَدْ غَزَا فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ أَرْضَ الْهِنْدِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَوَلِيَ الْجَزِيرَةِ لِابْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ، ثُمَّ وَلِيَ حَرْبَ الْخَوَارِجِ أَوَّلَ دَوْلَةِ الْحَجَّاجِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ فِي وَقْعَةٍ وَاحِدَةٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَمَانَمِائَةٍ، فَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ الْحَجَّاجِ. وَكَانَ فَاضِلًا شُجَاعًا كَرِيمًا، يُحِبُّ الْمَدْحَ، وَلَهُ كَلَامٌ حَسَنٌ، فَمِنْهُ: نِعْمَ الْخَصْلَةُ السَّخَاءُ، تَسْتُرُ عَوْرَةَ الشَّرِيفِ، وَتَلْحَقُ خَسِيسَةَ الْوَضِيعِ، وَتُحَبِّبُ الْمَزْهُودَ فِيهِ. وَقَالَ: يُعْجِبُنِي فِي الرَّجُلِ خَصْلَتَانِ: أَنْ أَرَى عَقْلَهُ زَائِدًا عَلَى لِسَانِهِ، وَلَا أَرَى لِسَانَهُ زَائِدًا عَلَى عَقْلِهِ. تُوُفِّيَ الْمُهَلَّبُ غَازِيًا بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَعُمْرُهُ سِتَّةٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً رَحِمَهُ اللَّهُ، وَكَانَ لَهُ عَشْرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ وَهُمْ: يَزِيدُ، وَزِيَادٌ، وَالْمُفَضَّلُ، وَمُدْرِكٌ، وَحَبِيبٌ، وَالْمُغِيرَةُ، وَقَبِيصَةُ، وَمُحَمَّدٌ، وَهِنْدٌ، وَفَاطِمَةُ. تُوُفِّيَ الْمُهَلَّبُ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ، وَلَهُ مَوَاقِفُ حَمِيدَةٌ، وَغَزَوَاتٌ مَشْهُورَةٌ فِي التُّرْكِ وَالْأَزَارِقَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَوَارِجِ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ عَلَى إِمْرَةِ خُرَاسَانَ، فَأَمْضَى لَهُ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ. أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَسْمَاءُ بْنُ خَارِجَةَ الْفَزَارِيُّ الْكُوفِيُّ كَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا، حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى يَوْمًا شَابًّا عَلَى بَابِ دَارِهِ جَالِسًا، فَسَأَلَهُ عَنْ قُعُودِهِ عَلَى بَابِهِ، فَقَالَ: حَاجَةٌ لَا أَسْتَطِيعُ ذِكْرَهَا. فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: جَارِيَةٌ رَأَيْتُهَا دَخَلَتْ هَذِهِ الدَّارَ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهَا، وَقَدْ خَطَفَتْ قَلْبِي مَعَهَا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، وَأَدْخَلَهُ دَارَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ كُلَّ جَارِيَةٍ عِنْدَهُ، حَتَّى مَرَّتْ تِلْكَ الْجَارِيَةُ، فَقَالَ: هَذِهِ. فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ فَاجْلِسْ عَلَى الْبَابِ مَكَانَكَ. فَخَرَجَ الشَّابُّ فَجَلَسَ مَكَانَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِ بَعْدَ سَاعَةٍ وَالْجَارِيَةُ مَعَهُ، قَدْ أَلْبَسَهَا أَنْوَاعَ الْحُلِيِّ، وَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إِلَيْكَ وَأَنْتَ دَاخِلَ الدَّارِ إِلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ كَانَتْ لِأُخْتِي، وَكَانَتْ ضَنِينَةً بِهَا، فَاشْتَرَيْتُهَا لَكَ مِنْهَا بِثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَلْبَسْتُهَا هَذَا الْحُلِيَّ، فَهِيَ لَكَ بِمَا عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا الشَّابُّ وَانْصَرَفَ. الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ كَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا شُجَاعًا، لَهُ مَوَاقِفُ مَشْهُورَةٌ. الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ الْمَعْرُوفُ بِقُبَاعٍ، وَلِيَ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ لِابْنِ الزُّبَيْرِ. مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مُحَمَّدُ بْنُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ كَانَ مِنْ فُضَلَاءِ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ وَأَعْقَلِهِمْ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ وَالِدُ الْفَقِيهِ إِسْحَاقَ، حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ لَيْلَةَ مَاتَ ابْنُهَا، فَأَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ فَأَعْلَمَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ ﷺ: أَعَرَسْتُمْ؟ بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا وَلَمَّا وُلِدَ حَنَّكَهُ بِتَمَرَاتٍ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَ قَائِدَ كَعْبٍ حِينَ عَمِيَ، لَهُ رِوَايَاتٌ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ هَذِهِ السَّنَةَ. سُفْيَانُ بْنُ وَهْبٍ أَبُو أَيْمَنَ، الْخَوْلَانِيُّ الْمِصْرِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، وَغَزَا الْمَغْرِبَ، وَسَكَنَ مِصْرَ، وَبِهَا مَاتَ. أَبُو عَمْرٍو الشَّاعِرُ جَمِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ صَبَّاحِ بْنِ ظَبْيَانَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ ضِنَّةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، أَبُو عَمْرٍو الشَّاعِرُ صَاحِبُ بُثَيْنَةَ، كَانَ قَدْ خَطَبَهَا فَمُنِعَتْ مِنْهُ، فَتَغَزَّلَ فِيهَا وَاشْتَهَرَ بِهَا، وَكَانَ أَحَدَ عُشَّاقِ الْعَرَبِ، كَانَتْ إِقَامَتُهُ بِوَادِي الْقُرَى، وَكَانَ عَفِيفًا صَيِّنًا، دَيِّنًا شَاعِرًا إِسْلَامِيًّا، مِنْ أَفْصَحِ الشُّعَرَاءِ فِي زَمَانِهِ. وَكَانَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ رَاوِيَتَهُ، وَهُوَ يَرْوِي عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَشْرَمٍ، عَنِ الْحُطَيْئَةِ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَابْنِهِ كَعْبٍ. قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: كَانَ جَمِيلٌ أَشْعَرَ الْعَرَبِ، حَيْثُ يَقُولُ: وَخَبَّرْتُمَانِي أَنَّ تَيْمَاءَ مَنْزِلٌ لِلَيْلَى إِذَا مَا الصَّيْفُ أَلْقَى الْمَرَاسِيَا     فَهَذِي شُهُورُ الصَّيْفِ عَنَّا قَدِ انْقَضَتْ فَمَا لِلنَّوَى تَرْمِي بِلَيْلَى الْمَرَامِيَا وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَمَا زِلْتِ بِي يَا بُثْنُ حَتَّى لَوَ انَّنِي     مِنَ الشَّوْقِ أَسَتَبْكِي الْحَمَامَ بَكَى لِيَا وَمَا زَادَنِي الْوَاشُونَ إِلَّا صَبَابَةً     وَلَا كَثْرَةُ النَّاهِينَ إِلَّا تَمَادِيَا وَمَا أَحْدَثَ النَّأْيُ الْمُفَرِّقُ بَيْنَنَا     سُلُوًّا وَلَا طُولُ اللَّيَالِي تَقَالِيَا أَلَمْ تَعْلَمِي يَا عَذْبَةَ الرِّيقِ أَنَّنِي     أَظَلُّ إِذَا لَمْ أَلْقَ وَجْهَكِ صَادِيَا لَقَدْ خِفْتُ أَنْ أَلْقَى الْمَنِيَّةَ بَغْتَةً     وَفِي النَّفْسِ حَاجَاتٌ إِلَيْكِ كَمَا هِيَا وَمِمَّا أَوْرَدَهُ لَهُ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ فِي الْوَفِيَّاتِ قَوْلُهُ: إِنِّي لَأَحْفَظُ غَيْبَكُمْ وَيَسُرُّنِي     لَوْ تَعْلَمِينَ بِصَالِحٍ أَنْ تَذْكُرِي إِلَى أَنْ قَالَ: مَا أَنْتِ وَالْوَعْدُ الَّذِي تَعِدِينَنِي     إِلَّا كَبَرْقِ سَحَابَةٍ لَمْ تُمْطِرِ وَقَوْلُهُ - وَرُوِيَ لِعُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ -: مَا زِلْتُ أَبْغِي الْحَيَّ أَتْبَعُ فَلَّهُمْ     حَتَّى دُفِعْتُ إِلَى رَبِيبَةِ هَوْدَجِ فَدَنَوْتُ مُخْتَفِيًا أُلِمُّ بِبَيْتِهَا     حَتَّى وَلَجْتُ إِلَى خَفِيِّ الْمَوْلِجِ قَالَتْ وَعَيْشِ أَخِي وَنِعْمَةِ وَالِدِي     لَأُنَبِّهَنَّ الْحَيَّ إِنْ لَمْ تَخْرُجِ فَتَنَاوَلَتْ رَأْسِي لِتَعْرِفَ مَسَّهُ     بِمُخَضَّبِ الْأَطْرَافِ غَيْرِ مُشَنَّجِ فَخَرَجْتُ خِيفَةَ أَهْلِهَا فَتَبَسَّمَتْ     فَعَلِمْتُ أَنَّ يَمِينَهَا لَمْ تَحَرَّجِ فَلَثَمْتُ فَاهَا آخِذًا بِقُرُونِهَا     شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الْحَشْرَجِ قَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: لَقِيَنِي جَمِيلُ بُثَيْنَةَ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ عِنْدِ هَذِهِ الْحَبِيبَةِ. فَقَالَ: وَإِلَى أَيْنَ؟ فَقُلْتُ: إِلَى هَذِهِ الْحَبِيبَةِ - يَعْنِي عَزَّةَ - فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا رَجَعْتَ إِلَى بُثَيْنَةَ فَوَاعَدْتَهَا لِي; فَإِنَّ لِي مِنْ أَوَّلِ الصَّيْفِ مَا رَأَيْتُهَا، وَكَانَ آخِرُ عَهْدِي بِهَا بِوَادِي الْقُرَى، وَهِيَ تَغْسِلُ هِيَ وَأُمُّهَا ثَوْبًا، فَتَحَادَثْنَا إِلَى الْغُرُوبِ. قَالَ كُثَيِّرٌ: فَرَجَعْتُ حَتَّى أَنَخْتُ بِهِمْ، فَقَالَ أَبُو بُثَيْنَةَ: مَا رَدَّكَ يَا ابْنَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: أَبْيَاتٌ قُلْتُهَا، فَرَجَعْتُ لِأَعْرِضَهَا عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ فَأَنْشَدْتُهُ، وَبُثَيْنَةُ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ أَرْسَلَ صَاحِبِي     إِلَيْكِ رَسُولًا وَالرَّسُولُ مُوَكَّلُ بِأَنْ تَجْعَلِي بَيْنِي وَبَيْنَكِ مَوْعِدًا     وَأَنْ تَأْمُرِينِي مَا الَّذِي فِيهِ أَفْعَلُ وَآخِرُ عَهْدِي مِنْكِ يَوْمَ لَقِيتِنِي     بِأَسْفَلِ وَادِي الدَّوْمِ وَالثَّوْبُ يُغْسَلُ قَالَ: فَضَرَبَتْ بُثَيْنَةُ جَانِبَ خَدْرِهَا، وَقَالَتِ: اخْسَأْ، اخْسَأْ. فَقَالَ أَبُوهَا: مَهْيَمْ؟ فَقَالَتْ: كَلْبٌ يَأْتِينَا إِذَا نَامَ النَّاسُ، مِنْ وَرَاءِ الرَّابِيَةِ. ثُمَّ قَالَتْ لِجَارِيَتِهَا: ابْغِينَا مِنَ الدَّوْمَاتِ حَطَبًا لِيُشْوَى بِهِ لِكُثَيِّرٍ شَاةٌ. فَقُلْتُ: أَنَا أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ. وَانْطَلَقْتُ إِلَى جَمِيلٍ، فَقُلْتُ: مَوْعِدُكُ الدَّوْمَاتُ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَقْبَلَتْ بُثَيْنَةُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَاعَدَتْهُ إِلَيْهِ، وَجَاءَ جَمِيلٌ، وَكُنْتُ مَعَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ لَيْلَةً أَعْجَبَ مِنْهَا، وَلَا أَحْسَنَ مُنَادِمَاتٍ، وَانْفَضَّ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ وَمَا أَدْرِي أَيُّهُمَا أَفْهَمُ لِمَا فِي ضَمِيرِ صَاحِبِهِ مِنْهُ. وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى جَمِيلٍ وَهُوَ يَمُوتُ فَقَالَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ لَمْ يَشْرَبِ الْخَمْرَ قَطُّ، وَلَمْ يَزْنِ قَطُّ، وَلَمْ يَسْرِقْ، وَلَمْ يَقْتُلِ النَّفْسَ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: أَظُنُّهُ قَدْ نَجَا، وَأَرْجُو لَهُ الْجَنَّةَ، فَمَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَظُنُّكَ سَلِمْتَ، وَأَنْتَ تُشَبِّبُ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً بِبُثَيْنَةَ. فَقَالَ: لَا نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَإِنِّي لَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ وَآخَرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا إِنْ كُنْتُ وَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهَا بِرِيبَةٍ. قَالَ: فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى مَاتَ. قُلْتُ: كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ قَدِمَ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَكْرَمَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ حُبِّهِ بُثَيْنَةَ، فَقَالَ: شَدِيدٌ، وَاسْتَنْشَدَهُ مِنْ أَشْعَارِهِ وَمَدَائِحِهِ فَأَنْشَدَهُ، فَوَعَدَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَعَاجَلَتْهُ الْمَنِيَّةُ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ آمِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، أَنَّ جَمِيلًا قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ مُبْلِغٌ عَنِّي رِسَالَةً إِلَى حَيِّ بُثَيْنَةَ، وَلَكَ مَا عِنْدِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَارْكَبْ نَاقَتِي، وَالْبَسْ حُلَّتِي هَذِهِ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ أَبْيَاتًا مِنْهَا قَوْلُهُ: قُومِي بُثَيْنَةَ فَانْدُبِي بِعَوِيلِ     وَابْكِ خَلِيلًا دُونَ كُلِّ خَلِيلِ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى حَيِّهِمْ أَنْشَدَ الْأَبْيَاتَ، قَالَ: فَخَرَجَتْ بُثَيْنَةُ كَأَنَّهَا بَدْرٌ بَدَا فِي دُجْنَةٍ، وَهِيَ تَتَثَنَّى فِي مَرْطِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: وَيْحَكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ قَتَلْتَنِي، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَقَدْ فَضَحْتَنِي. فَقُلْتُ: بَلَى، وَاللَّهِ صَادِقٌ، وَهَذِهِ حُلَّتُهُ وَنَاقَتُهُ. فَلَمَّا تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ صَاحَتْ بِأَعْلَى صَوْتِهَا، وَصَكَّتْ وَجْهَهَا، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ الْحَيِّ إِلَيْهَا يَبْكِينَ مَعَهَا، ثُمَّ صَعِقَتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا، ثُمَّ أَفَاقَتْ، وَهِيَ تَقُولُ: وَإِنَّ سُلُوِّي عَنْ جَمِيلٍ لِسَاعَةٍ     مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلَا حَانَ حِينُهَا سَوَاءٌ عَلَيْنَا يَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ     إِذَا مُتَّ بَأْسَاءُ الْحَيَاةِ وَلِينُهَا قَالَ الرَّجُلُ: فَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ بَاكِيًا وَلَا بَاكِيَةً مِنْ يَوْمئِذٍ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ بِدِمَشْقَ: لَوْ تَرَكْتَ الشِّعْرَ وَحَفِظْتَ الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: هَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ يُخْبِرُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ لِحِكْمَةً. أَبُو حَفْصٍ الْقُرَشِيُّ التَّمِيمِيُّ عُمَرُ بْنُ عَبِيدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ عُثْمَانَ، أَبُو حَفْصٍ الْقُرَشِيُّ التَّمِيمِيُّ أَحَدُ الْأَجْوَادِ، وَالْأُمَرَاءِ الْأَمْجَادِ، فُتِحَتْ عَلَى يَدَيْهِ بُلْدَانٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ نَائِبًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَدْ فَتَحَ كَابُلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ قُطْرِيَّ بْنَ الْفُجَاءَةِ. رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا، وَعَنْهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَابْنُ عَوْنٍ. وَوَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَتُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ، قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ. وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً كَانَتْ تُحْسِنُ الْقُرْآنَ وَالشِّعْرَ وَغَيْرَهُ، فَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مَالَهُ كُلَّهُ حَتَّى أَفْلَسَ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ شَيْءٌ سِوَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ، فَقَالَتْ لَهُ الْجَارِيَةُ: قَدْ أَرَى مَا بِكَ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْءِ، فَلَوْ بِعْتَنِي وَانْتَفَعْتَ بِثَمَنِي صَلُحَ حَالُكَ، فَبَاعَهَا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ هَذَا - وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ - بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا قَبَضَ الْمَالَ نَدِمَ وَنَدِمَتِ الْجَارِيَةُ، فَأَنْشَأَتْ تُخَاطِبُ مَوْلَاهَا الَّذِي بَاعَهَا: هَنِيئًا لَكَ الْمَالُ الَّذِي قَدْ أَخَذْتَهُ     وَلَمْ يَبْقَ فِي كَفِّي إِلَّا تَفَكُّرِي أَقُولُ لِنَفْسِي وَهِيَ فِي كَرْبِ غَشْيَةٍ     أَقَلِّي فَقَدْ بَانَ الْخَلِيطُ أَوْ أَكْثَرِي إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْأَمْرِ عِنْدَكِ حِيلَةٌ     وَلَمْ تَجِدِي بُدًّا مِنَ الصَّبْرِ فَاصْبِرِي فَأَجَابَهَا سَيِّدُهَا، فَقَالَ: وَلَوْلَا قُعُودُ الدَّهْرِ بِي عَنْكِ لَمْ يَكُنْ     لِفُرْقَتِنَا شَيْءٌ سِوَى الْمَوْتِ فَاعْذُرِي أَءُوبُ بِحُزْنٍ مِنْ فِرَاقِكِ مُوجِعٍ     أُنَاجِي بِهِ قَلْبًا طَوِيلَ التَّذَكُّرِ عَلَيْكِ سَلَامٌ لَا زِيَارَةَ بَيْنَنَا     وَلَا وَصْلَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ ابْنُ مَعْمَرِ فَلَمَّا سَمِعَهُمَا ابْنُ مَعْمَرٍ قَدْ شَبَّبَتْ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا فَرَقْتُ بَيْنَ مُحِبَّيْنِ أَبَدًا. ثُمَّ أَعْطَاهُ الْمَالَ - وَهُوَ مِائَةُ أَلْفٍ - وَالْجَارِيَةَ; لَمَّا رَأَى مِنْ تَوَجُّعِهِمَا عَلَى فِرَاقِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَأَخَذَ الرِّجْلُ الْجَارِيَةَ وَثَمَنَهَا وَانْطَلَقَ. تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ هَذَا بِدِمَشْقَ بِالطَّاعُونِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَمَشَى فِي جِنَازَتِهِ، وَحَضَرَ دَفْنَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ طَلْحَةُ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَلَى صَدَاقٍ أَرْبَعِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَوْلَدَهَا إِبْرَاهِيمَ وَرَمْلَةَ، فَتَزَوَّجَ رَمْلَةَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَلَى صَدَاقٍ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ. كُمَيْلُ بْنُ زِيَادِ بْنِ نَهِيكِ بْنِ الْهَيْثَمِ كُمَيْلُ بْنُ زِيَادِ بْنِ نَهِيكِ بْنِ الْهَيْثَمِ، النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَشَهِدَ مَعَ عَلَيٍّ صِفِّينَ، وَكَانَ شُجَاعًا فَاتِكًا، وَزَاهِدًا عَابِدًا، قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، - وَقَدْ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ - قَتَلَهُ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَإِنَّمَا نَقَمَ عَلَيْهِ; لِأَنَّهُ طَلَبَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْقِصَاصَ مِنْ لَطْمَةٍ لَطَمَهَا إِيَّاهُ، فَلَمَّا أَمْكَنَهُ عُثْمَانُ مِنْ نَفْسِهِ عَفَا عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَوَ مِثْلُكَ يَسْأَلُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْقِصَاصَ؟ ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. قَالُوا: وَذَكَرَ الْحَجَّاجُ عَلِيًّا فِي غُبُونِ ذَلِكَ فَنَالَ مِنْهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ كُمَيْلٌ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: وَاللَّهِ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكَ مَنْ يُبْغِضُ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِمَّا تُحِبُّهُ أَنْتَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنَ أَدْهَمَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، وَيُقَالُ: أَبَا الْجَهْمِ بْنَ كِنَانَةَ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَقَدْ رَوَى عَنْ كُمَيْلٍ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَلَهُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي أَوَّلُهُ: الْقُلُوبُ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا. وَهُوَ طَوِيلٌ، قَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الثِّقَاتِ، وَفِيهِ مَوَاعِظُ وَكَلَامٌ حَسَنٌ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ قَائِلِهِ. زَاذَانُ أَبُو عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ زَاذَانُ أَبُو عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ أَحَدُ التَّابِعِينَ، كَانَ أَوَّلًا يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ وَيَضْرِبُ بِالطُّنْبُورِ، فَرَزَقَهُ اللَّهُ التَّوْبَةَ عَلَى يَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَحَصَلَتْ لَهُ إِنَابَةٌ وَرُجُوعٌ إِلَى الْحَقِّ، وَخَشْيَةٌ شَدِيدَةٌ، حَتَّى كَانَ فِي الصَّلَاةِ كَأَنَّهُ خَشَبَةٌ. وَقَالَ مَرَّةً: إِنِّي جَائِعٌ. فَنَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الرَّوْزَنَةِ رَغِيفٌ مِثْلُ الرَّحَا. وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ ابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ خَلِيفَةُ: تُوَفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ. زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ قَالَ خَلِيفَةُ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، أَحَدُ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَاتَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ سَنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ. أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى أُمُّ الدَّرْدَاءِ الصُّغْرَى اسْمُهَا هُجَيْمَةُ، وَيُقَالُ: جُهَيْمَةُ، تَابِعِيَّةٌ عَابِدَةٌ عَالِمَةٌ فَقِيهَةٌ، كَانَ الرِّجَالُ يَقْرَءُونَ عَلَيْهَا وَيَتَفَقَّهُونَ فِي الْحَائِطِ الشَّمَالِيِّ بِجَامِعِ دِمَشْقَ وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَتِهَا مَعَ الْمُتَفَقِّهَةِ، يَشْتَغِلُ عَلَيْهَا وَهُوَ خَلِيفَةٌ، ؓ. وَفِيهَا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ اللَّيْثِيُّ بِدُجَيْلٍ.   وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الْجَوْزَاءِ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرِّبْعِيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّلِيمِيُّ الْعَابِدُ. ( السَّلِيمِيُّ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ ). وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ:   كَانَ مِنْ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ وَالْمَعْدُودِينَ مِنْ كُبَرَائِهِمْ سَخَاءً وَفَصَاحَةً وَعَقْلًا. وَكَانَ قَدْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِعَمَلِ الْكِيمْيَاءِ، فَضَاعَ زَمَانُهُ. وَكَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ قَدْ تَزَوَّجَ أُمَّهُ أُمَّ خَالِدٍ لِأَجْلِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى خَالِدٍ لِمَكَانِ أَبِيهِ، وَكَانَ مَرْوَانُ يُطْمِعُهُ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَعَقَدَ لِابْنَيْهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَخَذَ يَضَعُ مِنْ خَالِدٍ حَتَّى شَتَمَهُ يَوْمًا وَذَكَرَ أُمَّهُ بِالْقُبْحِ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَخْبَارِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ - فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ قَتْلِ مَرْوَانَ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَحَجَّ مَعَهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مِنْ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ الْمَعْدُودِينَ وَعُلَمَائِهِمْ. وَكَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَبَيْنَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ بَصُرَ بِرَمَلَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَعَشِقَهَا عِشْقًا شَدِيدًا، وَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ وُقُوعًا مُتَمَكِّنًا. فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْقُفُولَ هَمَّ خَالِدٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ، فَوَقَعَ بِقَلْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَهْمُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَمَلْةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ قَدْ أَذْهَبَتْ عَقْلِي، وَاللَّهِ مَا أَبْدَيْتُ لَكَ مَا بِي حَتَّى عِيلَ صَبْرِي، فَلَقَدْ عَرَضْتُ النَّوْمَ عَلَى عَيْنِي فَلَمْ تَقْبَلْهُ، وَالسُّلُوَّ عَلَى قَلْبِي فَامْتَنَعَ مِنْهُ، فَأَطَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ التَّعَجُّبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا كُنْتُ أَقُولُ إِنَّ الْهَوَى يَسْتَأْسِرُ مِثْلَكَ، فَقَالَ: وَإِنِّي لَأَشَدُّ تَعَجُّبًا مِنْ تَعَجُّبِكَ مِنِّي، وَلَقَدْ كُنْتُ أَقُولُ إِنَّ الْهَوَى لَا يَتَمَكَّنُ إِلَّا مِنْ صِنْفَيْنِ مِنَ النَّاسِ: الشُّعَرَاءُ، وَالْأَعْرَابُ. فَأَمَّا الشُّعَرَاءُ فَإِنَّهُمْ أَلْزَمُوا قُلُوبَهُمُ الْفِكْرَ فِي النِّسَاءِ وَالْغَزَلِ، فَمَالَ طَمَعُهُمْ إِلَى النِّسَاءِ، فَضَعُفَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ دَفْعِ الْهَوَى فَاسْتَسْلَمُوا لَهُ مُنْقَادِينَ. وَأَمَّا الْأَعْرَابُ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَخْلُو بِامْرَأَتِهِ فَلَا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ غَيْرُ حُبِّهِ لَهَا، وَلَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْهُ، فَضَعُفُوا عَنْ دَفْعِ الْهَوَى، فَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ. وَجُمْلَةُ أَمْرِي مَا رَأَيْتُ نَظْرَةً حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَمِ، وَحَسَنَّتْ عِنْدِي رُكُوبَ الْإِثْمِ مِثْلَ نَظْرَتِي هَذِهِ. فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: أَوَ كُلُّ هَذَا قَدْ بَلَغَ بِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَرَفَتْنِي هَذِهِ الْبَلِيَّةُ قَبْلَ وَقْتِي هَذَا، فَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ رَمْلَةَ عَلَى خَالِدٍ، فَذَكَرُوا لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، أَوْ يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ، فَطَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ، إِحْدَاهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأُخْرَى مِنَ الْأَزْدِ، وَظَعَنَ بِهَا إِلَى الشَّامِ. وَفِيهَا يَقُولُ: أَلَيْسَ يَزِيدُ الشَّوْقُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ     وَفِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ حَبِيبَتِنَا قُرْبَا خَلِيلَيَّ مَا مِنْ سَاعَةٍ تَذْكُرَانِهَا     مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا فَرَّجَتْ عَنِّيَ الْكَرْبَا أُحِبُّ بَنِي الْعَوَامِّ طُرًّا لِحُبِّهَا     وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبَا تَجُولُ خَلَاخِيلُ النِّسَاءِ وَلَا أَرَى     لِرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجُولُ وَلَا قَلْبَا وَقَدْ زَادَ بَعْضُ أَعْدَائِهِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: فَإِنْ تُسْلِمِي نُسْلِمْ وَإِنْ تَتَنَصَّرِي     يَخُطُّ رِجَالٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ صُلْبَا فَلَمَّا سَمِعَ الْبَيْتَ قَالَ مَنْ قَالَهُ: لَعْنَةُ اللَّهِ [عَلَيْهِ] وَعَلَى مَنْ يُجِيبُهُ. قَالَ: الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، دَخَلَتْ رَمْلَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا رَمْلَةُ، غَرَّنِي عُرْوَةُ مِنْكِ، فَقَالَتْ: لَمْ يَغْرُرْكَ وَلَكِنْ نَصَحَكَ، إِنَّكَ قَتَلْتَ مُصْعَبًا أَخِي، فَلَمْ يَأْمَنِّي عَلَيْكَ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَكَ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ بَعَثَ إِلَى خَالِدٍ: مَا كُنْتُ أَرَاكَ تَخْطُبُ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ حَتَّى تُشَاوِرَنِي، فَكَيْفَ خَطَبَتْ إِلَى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأَكْفَائِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ نَازَعُوا أَبَاكَ عَلَى الْخِلَافَةِ وَرَمَوْهُ بِكُلِّ قَبِيحَةٍ. فَقَالَ لِرَسُولِهِ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْأُمُورَ بَلَغَتْ بِكَ إِلَى أَنْ أُؤَامِرَكَ فِي خُطْبَةِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: نَازَعُوا أَبَاكَ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْقَبِيحِ، فَإِنَّهَا قُرَيْشٌ تَتَقَارَعُ، فَإِذَا أَقَرَّ اللَّهُ الْحَقَّ مَقَرَّهُ تَعَاطَفُوا وَتَرَاحَمُوا. وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَيْسُوا لَكَ بِأَكْفَاءَ. فَقَبَّحَكَ اللَّهُ يَا حَجَّاجُ مَا أَقَلَّ عِلْمَكَ بِأَنْسَابِ قُرَيْشٍ، أَيَكُونُ الْعَوَامُّ كُفْؤًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ حَتَّى يَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ وَيَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ، وَلَا تَرَاهُمْ أَكْفَاءَ لِأَبِي سُفْيَانَ. وَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ مَرَّ بِخَالِدٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ خَالِدٌ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: هَذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَرَجَعَ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا أَنَا بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَكِنِّي ابْنُ الْغَطَارِيفِ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْعَقَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَقَدْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي هَذَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ كُلُّهُمْ يَشْهَدُ أَنَّ أَبَاكَ وَأَنْتَ وَجَدُّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ لَمْ آخُذْ لِذَلِكَ عِنْدَكَ شُكْرًا. طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَنْزِيُّ وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَنْزِيُّ:   رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ، وَكَانَ مُتَعَبِّدًا. عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ يَقُولُ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَقُومَ لِلَّهِ حَتَّى أَشْتَكِيَ ظَهْرِي، فَيَقُومُ فَيَبْتَدِئُ بِالْقُرْآنِ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِجْرَ ثُمَّ يَرْكَعُ.

  254. التاريخ 2345لا حكم مسجّل

    هزيمة ابن الأشعث في وقعة دير الجماجم ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ   اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالنَّاسُ مُتَوَاقِفُونَ لِقِتَالِ الْحَجَّاجِ  وَأَصْحَابِهِ بِدَيْرِ قُرَّةَ، وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابُهُ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ، وَالْمُبَارَزَةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَيْنَهُمْ وَاقِعَةٌ، وَفِي غَالِبِ الْأَيَّامِ تَكُونُ النُّصْرَةُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ أَصْحَابَ ابْنِ الْأَشْعَثِ - وَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ - كَسَرُوا أَهْلَ الشَّامِ - وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ - بِضْعًا وَثَمَانِينَ مَرَّةً يَنْتَصِرُونَ عَلَيْهِمْ. وَمَعَ هَذَا فَالْحَجَّاجُ ثَابِتٌ فِي مَكَانِهِ صَابِرٌ وَمُصَابِرٌ، لَا يَتَزَحْزَحُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، بَلْ إِذَا حَصَلَ لَهُ ظَفَرٌ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ يَتَقَدَّمُ بِجَيْشِهِ إِلَى نَحْرِ عَدُّوِهِ، وَكَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْحَرْبِ، وَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَدَأْبَهُمْ حَتَّى أَمَرَ بِالْحَمْلَةِ عَلَى كَتِيبَةِ الْقُرَّاءِ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا تَبَعًا لَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَصَبَرَ الْقُرَّاءُ لِحَمْلَةِ جَيْشِهِ، ثُمَّ جَمَعَ الرُّمَاةَ مِنْ جَيْشِهِ وَحَمَلَ بِهِمْ، وَمَا انْفَكَّ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى جَيْشِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَذَهَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَهَرَبَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، وَمَعَهُ فَلٌّ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَتْبَعُهُ الْحَجَّاجُ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ عِمَارَةَ بْنِ تَمِيمٍ اللَّخْمِيِّ، وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ، وَالْإِمْرَةُ لِعِمَارَةَ، فَسَاقُوا وَرَاءَهُمْ يَطْرُدُونَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِهِ قَتْلًا أَوْ أَسْرًا، فَمَا زَالَ يَسُوقُ وَيَخْتَرِقُ الْأَقَالِيمَ وَالْكُورَ وَالرَّسَاتِيقَ، وَهُمْ فِي أَثَرِهِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَرْمَانَ وَاتَّبَعَهُ الشَّامِيُّونَ، فَنَزَلُوا فِي قَصْرٍ كَانَ فِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ قَبْلَهُمْ، فَإِذَا فِيهِ كِتَابٌ قَدْ كَتَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ الَّذِينَ فَرُّوا مَعَهُ، مَنْ شِعْرِ أَبِي جِلْدَةَ الْيَشْكُرِيِّ، يَقُولُ: أَيَا لَهَفَا وَيَا حُزْنَا جَمِيعًا وَيَا حَرَّ الْفُؤَادِ لِمَا لَقِينَا     تَرَكْنَا الدِّينَ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا وَأَسْلَمْنَا الْحَلَائِلَ وَالْبَنِينَا     فَمَا كُنَّا أُنَاسًا أَهْلَ دُنْيَا فَنَمْنَعُهَا وَلَوْ لَمْ نَرْجُ دِينًا     تَرَكْنَا دَوْرَنَا لِطَغَامِ عَكٍّ وَأَنْبَاطِ الْقُرَى وَالْأَشْعَرِينَا نزول ابن الأشعث إلى رتبيل ملك الترك ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ دَخَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفَلِّ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ، فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ، وَأَمَّنَهُ وَعَظَّمَهُ. الوقعة بمسكن بين الحجاج وابن الأشعث قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَمَرَّ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ عَلَى عَامِلٍ لَهُ فِي بَعْضِ الْمُدُنِ، كَانَ ابْنُ الْأَشْعَثِ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَكْرَمَهُ ذَلِكَ الْعَامِلُ، وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدَايَا وَأَنْزَلَهُ; فَعَلَ ذَلِكَ خَدِيعَةً بِهِ وَمَكْرًا، وَقَالَ لَهُ: ادْخُلْ إِلَى عِنْدِي إِلَى الْبَلَدِ لِتَتَحَصَّنَ بِهَا مِنْ عَدُوِّكَ، وَلَكِنْ لَا تَدَعْ أَحَدًا مِمَّنْ مَعَكَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَكْرَ بِهِ، فَمَنْعَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَثَبَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ فَمَسَكَهُ وَأَوْثَقَهُ بِالْحَدِيدِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ بِهِ يَدًا عِنْدَ الْحَجَّاجِ، وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ رُتْبِيلَ سُرَّ بِقُدُومِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا حَدَثَ لَهُ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْعَامِلِ بِمَدِينَةِ بُسْتَ، سَارَ حَتَّى أَحَاطَ بِبُسْتَ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَامِلِهَا يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ لَئِنْ آذَيْتَ ابْنَ الْأَشْعَثِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسَتَنْزِلُكَ، وَأَقْتُلُ جَمِيعَ مَنْ فِي بَلَدِكَ. فَخَافَهُ ذَلِكَ الْعَامِلُ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنَ الْأَشْعَثِ، فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ، فَقَالَ ابْنُ الْأَشْعَثِ لرُتْبِيلَ: إِنَّ هَذَا الْعَامِلَ كَانَ عَامِلِي وَمِنْ جِهَتِي، فَغَدَرَ بِي، وَفَعَلَ مَا رَأَيْتَ فَأْذَنْ لِي فِي قَتْلِهِ. فَقَالَ: قَدْ أَمَّنْتُهُ. وَكَانَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ هُنَالِكَ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْفَلِّ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنَ الْحَجَّاجِ اجْتَمَعُوا وَسَارُوا وَرَاءَ ابْنِ الْأَشْعَثِ; لِيُدْرِكُوهُ فَيَكُونُوا مَعَهُ، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى سِجِسْتَانَ وَجَدُوا ابْنَ الْأَشْعَثِ قَدْ دَخَلَ إِلَى عِنْدِ رُتْبِيلَ فَتَغَلَّبُوا عَلَى سِجِسْتَانَ، وَعَذَّبُوا عَامِلَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ الْبِعَارَ وَإِخْوَتَهُ وَقَرَائِبَهُ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَانْتَشَرُوا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَأَخَذُوهَا، ثُمَّ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى نَكُونَ مَعَكَ; نَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُكَ، وَنَأْخُذُ بِلَادَ خُرَاسَانَ، فَإِنَّ بِهَا جُنْدًا عَظِيمًا مِنَّا، فَنَكُونُ بِهَا حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ الْحَجَّاجَ أَوْ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَنَرَى بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْنَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ، وَسَارَ بِهِمْ قَلِيلًا إِلَى نَحْوِ خُرَاسَانَ، فَاعْتَزَلَهُ شِرْذِمَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، فَقَامَ فِيهِمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ خَطِيبًا، فَذَكَرَ غَدْرَهُمْ وَنُكُولَهُمْ عَنِ الْحَرْبِ، وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِكُمْ، وَأَنَا ذَاهِبٌ إِلَى صَاحِبِي رُتْبِيلَ فَأَكُونُ عِنْدَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَبَقِيَ مُعْظَمُ الْجَيْشِ، فَلَمَّا انْفَصَلَ عَنْهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ بَايَعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ الْهَاشِمِيَّ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُهَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ; لِيَمْنَعَهُمْ مِنْ دُخُولِ بِلَادِهِ، وَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ فِي الْبِلَادِ مُتَّسَعًا، فَاذْهَبْ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ بِهَا سُلْطَانٌ، فَإِنِّي أَكْرَهُ قِتَالَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مَالًا بَعَثْتُ إِلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا جِئْنَا نَسْتَرِيحُ وَنُرِيحُ خَيْلَنَا، ثُمَّ نَذْهَبُ، وَلَيْسَتْ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى حَاجَةٍ مِمَّا عَرَضْتَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ مِمَّا حَوْلُهُ مِنَ الْبِلَادِ مِنْ كُورِ خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَمَعَهُ أَخُوهُ الْمُفَضَّلُ فِي جُيُوشٍ كَثِيفَةٍ، فَلَمَّا صَادَفُوهُمُ اقْتَتَلُوا غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَلَ يَزِيدُ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَسَرَ مِنْهُمْ أَسْرَى كَثِيرَةً، وَاحْتَازَ مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ، وَبَعَثَ بِالْأُسَارَى - وَفِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ - إِلَى الْحَجَّاجِ، وَيُقَالُ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ: أَسْأَلُكَ بِدَعْوَةِ أَبِي لِأَبِيكَ لَمَا أَطْلَقْتَنِي. فَأَطْلَقَهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: وَلِهَذَا الْكَلَامِ خَبَرٌ فِيهِ طُولٌ. قتل الحجاج للأسارى وَلَمَّا قَدِمَتِ الْأُسَارَى عَلَى الْحَجَّاجِ قَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَعَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ يَوْمَ ظَهَرَ عَلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ نَادَى مُنَادِيهِ فِي النَّاسِ: مَنْ رَجَعَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ لَحِقَ بِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ بِالرَّيِّ فَهُوَ آمِنٌ، فَلَحِقَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَأَمَّنَهُمُ الْحَجَّاجُ، وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ شَرَعَ الْحَجَّاجُ فِي تَتَبُّعِهِمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، حَتَّى كَانَ آخِرَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ صَارَ إِلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَذَكَرَهُ يَوْمًا الْحَجَّاجُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ سَارَ إِلَى قُتَيْبَةَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِالشَّعْبِيِّ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَمَرُونِي أَنْ أَعْتَذِرَ إِلَيْكَ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِلَّا الْحَقَّ، قَدْ وَاللَّهِ تَمَرَّدْنَا عَلَيْكَ، وَحَرَّضْنَا وَجَهَدْنَا كُلَّ الْجَهْدِ، فَمَا آلَوْنَا، فَمَا كُنَّا بِالْأَقْوِيَاءِ الْفَجَرَةِ، وَلَا بِالْأَتْقِيَاءِ الْبَرَرَةِ، وَلَقَدْ نَصَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَأَظْفَرَكَ بِنَا، فَإِنْ سَطَوْتَ فَبِذُنُوبِنَا، وَمَا جَرَّتْ إِلَيْكَ أَيْدِينَا، وَإِنْ عَفَوْتَ عَنَّا فَبِحِلْمِكَ، وَبَعْدُ فَالْحُجَّةُ لَكَ عَلَيْنَا. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَنْتَ وَاللَّهِ يَا شَعْبِيُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّنْ يَدْخُلُ عَلَيْنَا يَقْطُرُ سَيْفُهُ مِنْ دِمَائِنَا، ثُمَّ يَقُولُ: مَا فَعَلْتُ وَلَا شَهِدْتُ. قَدْ أَمِنْتَ عِنْدَنَا يَا شَعْبِيُّ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَلَمَّا مَشَيْتُ قَلِيلًا قَالَ: هَلُمَّ يَا شَعْبِيُّ. قَالَ: فَوَجَلَ لِذَلِكَ قَلْبِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: قَدْ أَمِنْتَ يَا شَعْبِيُّ، فَاطْمَأَنَّتْ نَفْسِي. فَقَالَ: كَيْفَ وَجَدْتَ النَّاسَ بَعْدَنَا يَا شَعْبِيُّ؟ قَالَ: - وَكَانَ لِي مُكْرِمًا - فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، قَدِ اكْتَحَلْتُ بَعْدَكَ السَّهَرَ، وَاسْتَوْعَرْتُ السُّهُولَةَ، وَاسْتَوْخَمْتُ الْجَنَابَ، وَاسْتَحْلَسْتُ الْخَوْفَ، وَاسْتَحْلَيْتُ الْهَمَّ، وَفَقَدْتُ صَالِحَ الْإِخْوَانِ، وَلَمْ أَجِدْ مِنَ الْأَمِيرِ خَلَفًا. قَالَ: انْصَرِفْ يَا شَعْبِيُّ. فَانْصَرَفْتُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الْخَرْقَاءِ فِي الْفَرَائِضِ، وَهِيَ: أُمٌّ وَزَوْجٌ وَأُخْتٌ، وَمَا كَانَ يَقُولُهُ فِيهَا الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ قَوْلٌ فِيهَا، فَنَقَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّعْبِيُّ فِي سَاعَتِهِ، فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَ عَلِيٍّ، وَحَكَمَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ، وَأُطْلِقَ الشَّعْبِيُّ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ خَمْسَةَ آلَافِ أَسِيرٍ، مِمَّنْ سَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا، فَجَعَلَ لَا يُبَايِعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا قَالَ: أَتَشْهَدُ عَلَى نَفْسِكَ أَنَّكَ قَدْ كَفَرْتَ. فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ. بَايَعَهُ، وَإِنْ أَبَى قَتَلَهُ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، مِمَّنْ أَبَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ. قَالَ: فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَا أَظُنُّ هَذَا يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ; لِصَلَاحِهِ وَدِينِهِ، وَأَرَادَ الْحَجَّاجُ مُخَادَعَتَهُ، فَقَالَ: أَخَادِعِي أَنْتَ عَنْ نَفْسِي، أَنَا أَكْفَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَكْفَرُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَنَمْرَودَ. قَالَ: فَضَحِكَ الْحَجَّاجُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. الأعشى والحجاج وترجمة الأعشى وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِخْنَفٍ، أَنَّ أَعْشَى هَمْدَانَ أُتِيَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَكَانَ قَدْ عَمِلَ قَصِيدَةً هَجَا فِيهَا الْحَجَّاجَ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَيَمْدَحُ فِيهَا ابْنَ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابُهُ، فَاسْتَنْشَدَهُ إِيَّاهَا فَأَنْشُدَهُ قَصِيدَةً طَوِيلَةً دَالِيَّةً، فِيهَا مَدْحٌ كَثِيرٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَجَعَلَ أَهْلُ الشَّامِ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: إِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ، إِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مُصَانَعَةٌ. ثُمَّ أَلَحَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَنْشُدَهُ قَصِيدَتَهُ الْأُخْرَى، فَلَمَّا أَنْشَدَهَا غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ، وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ. وَاسْمُ الْأَعْشَى هَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَبُو الْمُصْبِحِ الْهَمْدَانِيُّ، الْكُوفِيُّ، الشَّاعِرُ، أَحَدُ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ الْمَشْهُورِينَ، وَقَدْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ فِي مُبْتَدَئِهِ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ، وَأَقْبَلَ عَلَى الشِّعْرِ فَعُرِفَ بِهِ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - وَهُوَ أَمِيرٌ بِحِمْصَ - فَامْتَدَحَهُ، وَكَانَ مَحْصُولُهُ فِي رِحْلَتِهِ إِلَيْهِ مِنْهُ وَمِنْ جُنْدِ حِمْصَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِ الشَّعْبِيِّ، كَمَا أَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ زَوْجَ أُخْتِهِ أَيْضًا، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ كَمَا ذَكَرْنَا، رَحِمَهُ اللَّهُ. اشتداد القتال بين الحجاج وابن الأشعث وهزيمة ابن الأشعث وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ وَهُوَ مُوَاقِفٌ لِابْنِ الْأَشْعَثِ بَعَثَ كَمِينًا يَأْتُونَ جَيْشَ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ وَرَائِهِ، ثُمَّ تَوَاقَفَ الْحَجَّاجُ وَابْنُ الْأَشْعَثِ، وَهَرَبَ الْحَجَّاجُ بِمَنْ مَعَهُ، وَتَرَكَ مُعَسْكَرَهُ، فَجَاءَ ابْنُ الْأَشْعَثِ فَاحْتَازَ مَا فِي الْمُعَسْكَرِ، وَبَاتَ فِيهِ، فَجَاءَتِ السَّرِيَّةُ إِلَيْهِمْ لَيْلًا، وَقَدْ وَضَعُوا أَسْلِحَتَهُمْ، فَمَالُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَرَجَعَ الْحَجَّاجُ بِأَصْحَابِهِ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَقَتَلَ مَنْ وَجَدَهُ فِيهِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأَعْيَانِ، وَاحْتَازُوهُ بِكَمَالِهِ، وَانْطَلَقَ ابْنُ الْأَشْعَثِ هَارِبًا فِي ثَلَاثمِائَةٍ، فَرَكِبُوا دُجَيْلًا فِي السُّفُنِ، وَعَقَرُوا دَوَابَّهُمْ، وَجَازَوْا إِلَى الْبَصْرَةِ، ثُمَّ سَارُوا مِنْ هُنَالِكَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مِنْ دُخُولِهِمْ بِلَادَ رُتْبِيلَ مَا كَانَ، ثُمَّ شَرَعَ الْحَجَّاجُ فِي تَتَبُّعِ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَتَلَهُمْ مَثْنَى وَفُرَادَى، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. قَالَهُ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ. مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَجَمَاعَاتٌ مِنَ السَّادَاتِ، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُمْ. من حج في هذه السنة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ بِالنَّاسِ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ الْعَامِلُ عَلَى الْمَدِينَةِ،  وَكَانَ الْعُمَّالُ عَلَى الْأَمْصَارِ الْعُمَّالُ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. غزوة صقلية وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عَطَاءِ بْنِ رَافِعٍ صَقَلِّيَةَ  . بناء واسط وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَنَى الْحَجَّاجُ وَاسِطَ الْقَصَبَ   وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ ضَرَبَ الْبَعْثَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَعَسْكَرُوا بِحَمَّامِ عُمَرَ. وَكَانَ فَتًى مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ لَيْلًا، فَإِذَا سَكْرَانُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ طَرَقَ الْبَابَ، فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: هَذَا كُلَّ لَيْلَةٍ يَأْتِينَا فَنَلْقَى مِنْهُ الْمَكْرُوهَ، فَلَمَّا دَخَلَ ضَرَبَ الْفَتَى رَأْسَهُ فَأَنْدَرَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا عَلِمَ النَّاسُ بِالْقَتِيلِ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَسَأَلَ الْمَرْأَةَ فَصَدَّقَتْهُ، فَقَالَ: قَتِيلٌ إِلَى النَّارِ، لَا قَوْدَ لَهُ. ثُمَّ نَادَى مُنَادِيهِ: لَا يَنْزِلَنَّ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَبَعَثَ رُوَّادًا يَرْتَادُونَ لَهُ مَنْزِلًا حَتَّى نَزَلَ أَطْرَافَ كَسْكَرَ. فَبَيْنَا هُوَ فِي مَوْضِعِ وَاسِطَ إِذَا رَاهِبٌ قَدْ أَقْبَلَ عَلَى حِمَارِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي مَوْضِعِ وَاسِطَ بَالَتِ الْأَتَانُ، فَنَزَلَ الرَّاهِبُ فَاحْتَفَرَ الْأَرْضَ وَحَمَلَ التُّرَابِ فَرَمَى بِهِ فِي دِجْلَةَ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: عَلَيَّ بِهِ، فَجِيءَ بِهِ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعَتْ؟ قَالَ: نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّهُ يُبْنَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَسْجِدٌ يُعْبَدُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِيهِ مَا دَامَ فِي الْأَرْضِ مَنْ يُوَحِّدُ، فَبَنَى الْمَسْجِدَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. وَلَمَّا فَرَغَ الْحَجَّاجُ مِنْ بِنَاءِ وَاسِطَ، قَالَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا: كَيْفَ تَرَى بِنَاءَنَا هَذَا؟ قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ عُهُودَ الْعُلَمَاءِ وَمَوَاثِيقَهُمْ أَنْ لَا يَقُولُوا إِلَّا الْحَقَّ، أَمَّا أَهْلُ السَّمَاءِ أَيُّهَا الْأَمِيرُ [فَقَدْ] مَقَتُوكَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْأَرْضِ [فَقَدْ] غَرُّوكَ، أَنْفَقْتَ مَالَ اللَّهِ فِي غَيْرِ طَاعَتِهِ، يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ. فَنَكَّسَ الْحَجَّاجُ رَأْسَهُ حَتَّى خَرَجَ الْحَسَنُ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، يَدْخُلُ عَلَيَّ عُبَيْدُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَيَشْتُمُنِي فِي مَجْلِسِي ثُمَّ لَا يَكُونُ لِذَلِكَ مُعِيرٌ وَلَا نَكِيرٌ، رُدُّوهُ، فَخَرَجُوا لِيَرُدُّوهُ، وَدَعَا بِالسَّيْفِ لِيَقْتُلَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَسَنُ دَعَا بِدَعَوَاتٍ لَمْ يَتَمَالَكْ الْحَجَّاجُ أَنَّ قَرَّبَهُ وَرَحَّبَ بِهِ وَأَجْلَسَهُ عَلَى طَنْفَسَتِهِ، ثُمَّ دَعَا بِالطِّيبِ فَغَلَّفَ لِحْيَتَهُ وَصَرَفَهُ مُكَرَّمًا، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ تَبِعَهُ الْحَاجِبُ، وَقَالَ: يَقُولُ لَكَ الْأَمِيرُ رَأَيْتُكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ وَقَدْ كُنْتُ هَمَمْتُ بِكَ، فَمَاذَا قُلْتَ فِي دُعَائِكَ؟ فَقَالَ الْحَسَنُ: قُلْتُ: يَا عُدَّتِي عِنْدَ كُرْبَتِي، وَيَا صَاحِبِي عِنْدَ شِدَّتِي، وَيَا وَوَلِيَّ نِعْمَتِي، وَيَا إِلَهِي وَإِلَهَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَيَا كَهَيَعَصَ، بِحَقِّ طَهَ وَيسَ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ارْزُقْنِي مَعْرُوفَ الْحَجَّاجِ وَمَوَدَّتَهُ، وَاصْرِفْ عَنِّي أَذَاهُ وَمَعَرَّتَهُ، فَقَالَ الْحَاجِبُ عِنْدَهَا: بَخٍ بَخٍ لِهَذَا الدُّعَاءِ. وَأَمَرَ الْحَجَّاجُ بِأَنْ يُكْتَبَ لَهُ هَذَا [الدُّعَاءُ]. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْبَيْهَقِيُّ: قَالَ الرِّيَاشِيُّ: لَقَدْ دَعَوْتُ بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ فِي الشَّدَائِدِ مِرَارًا فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنِّي.

  255. التاريخ 2346لا حكم مسجّل

    عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُجَيْرَةَ الْخَوْلَانِيُّ الْمِصْرِيُّ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُجَيْرَةَ الْخَوْلَانِيُّ الْمِصْرِيُّ   رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ أَمِيرُ مِصْرَ قَدْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَصَصِ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ رِزْقُهُ فِي الْعَامِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَكَانَ لَا يَدَّخِرُ مِنْهَا شَيْئًا. طَارِقُ بْنُ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَحْمَسِيُّ طَارِقُ بْنُ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأَحْمَسِيُّ مِمَّنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ، وَغَزَا فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ ؓ بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ غَزَاةً، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ هَذِهِ السَّنَةَ. عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ قُرَيْشٍ وَعُلَمَائِهِمْ، وَأَبُوهُ عَدِيٌّ مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ كَانَ قَاضِي الْمَدِينَةِ، وَتُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْخَيْرِ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْخَيْرِ، الْيَزْنِيُّ فقد جماعة من القراء والعلماء مع ابن الأشعث وَفِيهَا فُقِدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ ; مِنْهُمْ مَنْ هَرَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُسِرَ فَضَرَبَ الْحَجَّاجُ عُنُقَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَتَبَّعَهُ الْحَجَّاجُ حَتَّى قَتَلَهُ. وَقَدْ سَمَّى مِنْهُمْ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ طَائِفَةً مِنَ الْأَعْيَانِ ; فَمِنْهُمْ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزَنِيُّ، وَأَبُو مَرَّانَةَ الْعِجْلِيُّ قُتِلَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ قُتِلَ، وَعُقْبَةُ بْنُ وَسَّاجٍ قُتِلَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبٍ الْجَهْضَمِيُّ قُتِلَ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ الرَّبَعِيُّ قُتِلَ، وَالنَّضِرُ بْنُ أَنَسٍ، وَعِمْرَانُ وَالِدُ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو الْمِنْهَالِ سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ الرِّيَاحِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَمُرَّةُ بْنُ دِبَابٍ الْهَدَادِيُّ، وَأَبُو نُجَيْدٍ الْجَهْضَمِيُّ، وَأَبُو شَيْخٍ الْهَنَائِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَخُوهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قَالَ أَيُّوبُ: قِيلَ لِابْنِ الْأَشْعَثِ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ النَّاسُ حَوْلَكَ كَمَا قُتِلُوا حَوْلَ هَوْدَجِ عَائِشَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ فَأَخْرِجِ الْحَسَنَ مَعَكَ، فَأَخْرَجَهُ. وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْمَعْرُورُ بْنُ سُوَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ، وَزُبَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ الْيَامِيَّانِ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ. قَالَ أَيُّوبُ: فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ صُرِعَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ إِلَّا رَغِبَ عَنْ مَصْرَعِهِ، وَلَا نَجَا أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا حَمِدَ اللَّهَ الَّذِي سَلَّمَهُ. ومن أعيان من قتل الحجاج عمران بن عصام الضبعي وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ الضُّبَعِيُّ وَالِدُ أَبِي جَمْرَةَ، كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ صَالِحًا عَابِدًا، أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا إِلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ: اشْهَدْ عَلَى نَفْسِكَ بِالْكُفْرِ حَتَّى أُطْلِقَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي مَا كَفَرْتُ بِاللَّهِ مُنْذُ آمَنْتُ بِهِ. فَأَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَبِيهِ أَبِي لَيْلَى صُحْبَةٌ، أَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقُرْآنَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَأُتِيَ بِهِ الْحَجَّاجُ أَسِيرًا، فَضُرِبَ عُنُقُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا. زينب أخت الحجاج قِيلَ: وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ سَيَّرَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ إِلَى الشَّامِ خَوْفًا مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَفِيهِنَّ أُخْتُهُ زَيْنَبُ الَّتِي ذَكَرَهَا النُّمَيْرُ فِي شِعْرِهِ، فَلَمَّا هُزِمَ ابْنُ الْأَشْعَثِ أَرْسَلَ الْبَشِيرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى أُخْتِهِ زَيْنَبَ، فَأَخَذَتِ الْكِتَابَ وَهِيَ رَاكِبَةٌ، فَنَفَرَتِ الْبَغْلَةُ مِنْ قَعْقَعَةِ الْكِتَابِ، فَسَقَطَتْ زَيْنَبُ فَمَاتَتْ. زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ، أَبُو سُلَيْمَانَ:   [رَحَلَ إِلَى حَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] وَزَيْدٌ فِي الطَّرِيقِ. رَوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَكِبَارِ الصَّحَابَةِ. زَاذَانُ أَبُو عَمْرٍو زَاذَانُ أَبُو عَمْرٍو، مَوْلَى كِنْدَةَ  : رَوَى عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَرِيرٍ، وَسَلْمَانَ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ، أَنَّ زَاذَانَ كَانَ يَبِيعُ الثِّيَابَ، فَإِذَا عَرَضَ الثَّوْبَ نَاوَلَ شَرَّ الطَّرَفَيْنِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَبُو الْمُصْبِحِ، وَهُوَ أَعْشَى هَمْدَانَ:   شَاعِرٌ فَصِيحٌ، كُوفِيٌّ، مِنْ شُعَرَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِ الشَّعْبِيِّ، وَالشَّعْبِيُّ زَوْجَ أُخْتِهِ. وَكَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الْفُقَهَاءِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ وَقَالَ الشِّعْرَ، وَرَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ دَخَلَ بَيْتًا فِيهِ حِنْطَةٌ وَشَعِيرٌ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذَ الشَّعِيرَ، فَقَالَ لَهُ الشَّعْبِيُّ: إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ تَرَكْتَ الْقُرْآنَ وَقُلْتُ الشِّعْرَ، فَكَانَ كَذَلِكَ. وَخَرَجَ مَعَ الْأَشْعَثِ فَأَخَذَهُ الْحَجَّاجُ فَقَتَلَهُ صَبْرًا. شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ، أَبُو وَائِلٍ الْأَسَدِيُّ  : أَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَلْقَهُ. وَسَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابٍ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَعَمَّارًا، وَخَبَّابًا، وَأَبَا مَسْعُودٍ، وَأَبَا مُوسَى، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَابْنَ عُمَرَ، وَأَبَا الدَّرْدَاءِ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ. رَوَى عَنْهُ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، وَالْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْكُوفَةِ، وَوَرَدَ الْمَدَائِنَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ حِينَ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ بِالنَّهْرَوَانِ. قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ لِي شَقِيقٌ: يَا سُلَيْمَانُ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَنَحْنُ هُرَّابٌ مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَوْمَ بُزَاخَةَ، فَوَقَعْتُ عَنِ الْبَعِيرِ فَكَادَتْ تَنْدَقُّ عُنُقِي، فَلَوْ مُتُّ يَوْمَئِذٍ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِي، وَكُنْتُ يَوْمَئِذٍ ابْنَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَكْبَرُ أَنْتَ أَوِ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ؟ فَقَالَ: أَنَا أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا، وَهُوَ كَانَ أَكْبَرَ مِنِّي عَقْلًا. وَقِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ عَلَى الْحَجَّاجِ؟ فَقَالَ: أَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَحْكُمَ عَلَى اللَّهِ. وَكَانَ يَسْمَعُ مَوْعِظَةَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَ الطَّيْرِ. وَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فِي صَلَاةٍ. وَقَالَ: دِرْهَمٌ [مِنْ] تِجَارَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَشَرَةٍ مِنْ عَطَائِي. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو وَائِلٍ يَؤُمُّ جَنَائِزَنَا وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَنْ عَاصِمٍ قَالَ: كَانَ أَبُو وَائِلٍ يَنْشِجُ [سِرًّا]، وَلَوْ جُعِلَتْ لَهُ الدُّنْيَا عَلَى أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ وَأَحَدٌ يَرَاهُ لَمْ يَفْعَلْ. وَعَنْ عَاصِمٍ قَالَ: كَانَ لِأَبِي وَائِلٍ خُصٌّ مِنْ قَصَبٍ، وَهُوَ فِيهِ وَفَرَسُهُ، فَكَانَ إِذَا غَزَا نَقْضَهُ، وَإِذَا قَدِمَ بَنَاهُ. مُعَاذَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ مُعَاذَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيَّةُ،  تُكَنَّى أُمَّ الصَّهْبَاءِ: رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهَا الْحَسَنُ، وَأَبُو قِلَابَةَ. وَكَانَتْ تُحْيِي اللَّيْلَ، [وَكَانَتْ] تَقُولُ: عَجِبْتُ لِعَيْنٍ تَنَامُ وَقَدْ عَرَفَتْ طُولَ الرُّقَادِ فِي ظُلَمِ الْقُبُورِ. وَلَمَّا قُتِلَ زَوْجُهَا صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ وَابْنُهَا فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ اجْتَمَعَ النِّسَاءُ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِكُنَّ إِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِتَهْنِئَتِي فَمَرْحَبًا بِكُنَّ، وَإِنْ كُنْتُنَّ جِئْتُنَّ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَارْجِعْنَ. وَلَمْ تَتَوَسَّدْ فِرَاشًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ الْبَقَاءَ إِلَّا لِأَتَقَرَّبَ إِلَى رَبِّي -عَزَّ وَجَلَّ- بِالْوَسَائِلِ لَعَلَّهُ يَجْمَعُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي الصَّهْبَاءِ وَوَلَدِهِ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا احْتَضُرِتْ بَكَتْ ثُمَّ ضَحِكَتْ، فَسُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: أَمَّا الْبُكَاءُ فَإِنِّي ذَكَرْتُ مُفَارَقَةَ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَأَمَّا الضَّحِكُ، فَإِنِّي نَظَرْتُ إِلَى أَبِي الصَّهْبَاءِ وَقَدْ أَقْبَلَ فِي صَحْنِ الدَّارِ وَعَلَيْهِ حُلَّتَانِ خَضْرَاوَانِ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مَا رَأَيْتُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا شَبَهًا فَضَحِكَتْ إِلَيْهِ. وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُ بَعْدَ ذَلِكَ فَرْضًا. فَمَاتَتْ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ.

  256. التاريخ 2347لا حكم مسجّل

    افتتاح المصيصة ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فِيهَا افْتَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْمِصِّيصَةَ.   غزو محمد بن مروان أرمينية وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَّةَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَحَرَّقَ كَنَائِسَهُمْ، وَضِيَاعَهُمْ. وَتُسَمَّى سَنَةَ الْحَرِيقِ. استعمال الحجاج على فارس محمد بن القاسم الثقفي وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى فَارِسَ مُحَمَّدَ بْنَ الْقَاسِمِ الثَّقَفِيَّ وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ الْأَكْرَادِ. تولية عياض بن غنم الإسكندرية وَفِيهَا وَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ التُّجَيْبِيَّ، وَعَزَلَ عَنْهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ أَبِي الْكَنُودِ الَّذِي كَانَ قَدْ وَلِيَهَا فِي الْعَامِ الْمَاضِي. افتتاح موسى بن نصير بلد أوربة من بلاد المغرب وَفِيهَا افْتَتَحَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ طَائِفَةً مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ مِنْ ذَلِكَ بَلَدُ أَوْرَبَةَ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا بَشَرًا كَثِيرًا جِدًّا، وَأَسَرَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا. ذِكْرُ فَتْحِ قَلْعَةِ نَيْزَكٍ بِبَاذَغِيسَ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ قَلْعَةَ نَيْزَكٍ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ وَضَعَ عَلَى نَيْزَكٍ الْعُيُونَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَرُوجُ نَيْزَكٍ عَنْهَا سَارَ إِلَيْهَا فَحَاصَرَهَا، فَمَلَكَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالذَّخَائِرِ، وَكَانَتْ مِنْ أَحْصَنِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، وَكَانَ نَيْزَكٌ إِذَا رَآهَا سَجَدَ لَهَا تَعْظِيمًا لَهَا، وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَعْدَانَ الْأَشْقَرِيُّ يَذْكُرُهَا: وَبَاذَغِيسُ الَّتِي مَنْ حَلَّ ذُرْوَتَهَا عَزَّ الْمُلُوكَ فَإِنْ شَاءَ جَارَ أَوْ ظَلَمَا     مَنِيعَةٌ لَمْ يَكِدْهَا قَبْلَهُ مَلِكٌ إِلَّا إِذَا وَاجَهَتْ جَيْشًا لَهُ وَجَمَا     تُخَالُ نِيرَانُهَا مِنْ بُعْدِ مَنْظَرِهَا بَعْضَ النُّجُومِ إِذَا مَا لَيْلُهَا عَتَمَا وَهِيَ أَبْيَاتٌ عِدَّةٌ، وَقَالَ أَيْضًا يَذْكُرُ يَزِيدَ وَفَتْحَهَا: نَفَى نَيْزَكًا عَنْ بَاذَغِيسَ وَنَيْزَكٌ     بِمَنْزِلَةٍ أَعْيَا الْمُلُوكَ اغْتِصَابُهَا مُحَلِّقَةٍ دُونَ السَّمَاءِ كَأَنَّهَا     غَمَامَةُ صَيْفٍ زَالَ عَنْهَا سَحَابُهَا وَلَا تَبْلُغُ الْأَرْوَى شَمَارِيخَهَا     الْعُلَى وَلَا الطَّيْرُ إِلَّا نَسْرُهَا وَعُقَابُهَا وَمَا خُوِّفَتْ بِالذِّئْبِ وِلْدَانُ أَهْلِهَا     وَلَا نَبَحَتْ إِلَّا النُّجُومَ كِلَابُهَا فِي أَبْيَاتِ غَيْرِهَا. فَلَمَّا فَتَحَهَا كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْفَتْحِ، وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ الْعَدْوَانِيُّ حَلِيفُ هُذَيْلٍ: إِنَّا لَحِقْنَا الْعَدُوَّ فَمَنَحَنَا اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ، فَقَتَلْنَا طَائِفَةً وَأَسَرْنَا طَائِفَةً، وَلَحِقَتْ طَائِفَةٌ بِرُءُوسِ الْجِبَالِ وَعَرَاعِرِ الْأَوْدِيَةِ، فَأَهْضَامِ الْغِيطَانِ، وَأَثْنَاءِ الْأَنْهَارِ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: مَنْ يَكْتُبُ لِيَزِيدَ ؟ فَقِيلَ: يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِحَمْلِهِ عَلَى الْبَرِيدِ. فَقَدِمَ إِلَيْهِ أَفْصَحُ النَّاسِ. فَقَالَ: أَيْنَ وُلِدْتَ ؟ قَالَ: بِالْأَهْوَازِ. [ قَالَ ]: فَهَذِهِ الْفَصَاحَةُ مِنْ أَيْنَ ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ كَلَامِ أَبِي، وَكَانَ فَصِيحًا. قَالَ: أَخْبِرْنِي، هَلْ يَلْحَنُ عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَثِيرًا. قَالَ: فَفُلَانٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي هَلْ أَلْحَنُ ؟ قَالَ: نَعَمْ تَلْحَنُ لَحْنًا خَفِيًّا، تَزِيدُ حَرْفًا، وَتُنْقِصُ حَرْفًا، وَتَجْعَلُ أَنْ فِي مَوْضِعٍ إِنْ، وَإِنْ فِي مَوْضِعِ أَنْ. قَالَ: قَدْ أَجَّلْتُكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ وَجَدْتُكَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ قَتَلْتُكَ. فَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ.

  257. التاريخ 2348لا حكم مسجّل

    مقتل جماعة من رؤساء أصحاب ابن الأشعث وَفِيهَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ أَيْضًا جَمَاعَةً مِنْ رُؤَسَاءِ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْهُمْ: أَيُّوبُ بْنُ الْقِرِّيَّةِ وَكَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا وَاعِظًا، قَتَلَهُ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ، وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ زَيْدِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْهِلَالِيُّ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْقِرِّيَّةِ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَسَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ الشَّيْبَانِيُّ. وَأَبُو عِنَبَةَ الْخَوْلَانِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ، سَكَنَ حِمْصَ، وَبِهَا تُوُفِّيَ، وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ سَنَةٍ. عَبْدُ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ. وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ ; مِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ. عُتْبَةُ بْنُ النَّدْرِ السُّلَمِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُتْبَةُ بْنُ النَّدْرِ السُّلَمِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ. عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ الْخَارِجِيُّ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ الْخَارِجِيُّ كَانَ أَوَّلًا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ الْخَوَارِجِ حَسَنَةً جَمِيلَةً جِدًّا فَأَحَبَّهَا، وَكَانَ هُوَ دَمِيمَ الشَّكْلِ، فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى السُّنَّةِ فَأَبَتْ، فَارْتَدَّ مَعَهَا إِلَى مَذْهَبِهَا. وَقَدْ كَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُطْبِقِينَ، وَهُوَ الْقَائِلُ فِي قَتْلِ عَلِيٍّ وَقَاتِلِهِ: يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا     إِنِّي لَأَذْكُرهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا     أَكْرِمْ بِقَوْمٍ بُطُونُ الطَّيْرِ قَبْرُهُمُ لَمْ يَخْلِطُوا دِينَهُمُ بَغْيًا وَعُدْوَانَا وَقَدْ كَانَ الثَّوْرِيُّ يَتَمَثَّلُ بِأَبْيَاتِهِ هَذِهِ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: أَرَى أَشْقِيَاءَ النَّاسِ لَا يَسْأَمُونَهَا     عَلَى أَنَّهُمْ فِيهَا عُرَاةٌ وَجُوَّعُ أَرَاهَا وَإِنْ كَانَتْ تُحَبُّ فَإِنَّهَا     سَحَابَةُ صَيْفٍ عَنْ قَلِيلٍ تَقَشَّعُ كَرَكْبٍ قَضَوْا حَاجَاتِهِمْ وَتَرَّحَلُوا     طَرِيقَهُمُ بَادِي الْعَلَامَةِ مَهْيَعُ مَاتَ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي أَبْيَاتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي قَتْلِ عَلِيٍّ ؓ، بِأَبْيَاتٍ عَلَى قَافِيَتِهَا وَوَزْنِهَا: بَلْ ضَرْبَةٌ مِنْ شَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا     إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ خُسْرَانَا إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ     أَشْقَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ وَفِيهَا كَانَ مَهْلِكُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا فَاللَّهُ أَعْلَمُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ الَّذِي لَجَأَ ابْنُ الْأَشْعَثِ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَئِنْ لَمْ تَبْعَثْ إِلَيَّ بِابْنِ الْأَشْعَثِ لَأَبْعَثَنَّ إِلَى بِلَادِكَ أَلْفَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَلِأُخَرِّبَنَّهَا. فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْوَعِيدُ مِنَ الْحَجَّاجِ اسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِتَسْلِيمِ ابْنِ الْأَشْعَثِ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُخَرِّبَ الْحَجَّاجُ دِيَارَهُ، وَيَأْخُذَ عَامَّةَ أَمْصَارِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُقَاتِلَ عَشْرَ سِنِينَ، وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِنْهَا إِلَّا مِائَةَ أَلْفٍ مِنَ الْخَرَاجِ، فَأَجَابَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ وَعْدَهُ أَنْ يُطْلِقَ لَهُ خَرَاجَ أَرْضِهِ سَبْعَ سِنِينَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ غَدَرَ رُتْبِيلُ بِابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ وَقِيلَ: بَلْ كَانَ ابْنُ الْأَشْعَثِ قَدْ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ قَبَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى ثَلَاثِينَ مِنْ أَقْرِبَائِهِ فَقَيَّدَهُمْ فِي الْأَصْفَادِ، وَبَعَثَ بِهِمْ مَعَ رُسُلِ الْحَجَّاجِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الرُّخَّجُ، صَعِدَ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِالْحَدِيدِ إِلَى سَطْحِ قَصْرٍ، وَمَعَهُ رَجُلٌ مُوكَّلٌ بِهِ; لِئَلَّا يَفِرَّ، وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَصْرِ، وَسَقَطَ مَعَهُ الْمُوكَّلُ بِهِ فَمَاتَا جَمِيعًا، فَعَمَدَ الرَّسُولُ إِلَى رَأْسِ ابْنِ الْأَشْعَثِ فَاحْتَزَّهُ، وَقَتَلَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَبَعَثَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَمَرَ فَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الْعِرَاقِ، ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَطِيفَ بِرَأْسِهِ فِي الشَّامِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِمِصْرَ فَطِيفَ بِرَأْسِهِ هُنَالِكَ، ثُمَّ دَفَنُوا رَأْسَهُ بِمِصْرَ وَجُثَّتَهُ بِالرُّخَّجِ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي ذَلِكَ: هَيْهَاتَ مَوْضِعُ جُثَّةٍ مِنْ رَأْسِهَا     رَأْسٌ بِمِصْرَ وَجُثَّةٌ بِالرُّخَّجِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مَقْتَلَ ابْنِ الْأَشْعَثِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذَا هُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَيْسِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ، قَدْ رَوَى لَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، حَدِيثُ: إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، أَوْ يَتَتَارَكَانِ وَعَنْهُ أَبُو الْعُمَيْسِ وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَهُ بَعْدَ التِّسْعِينَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوهُ بِالْإِمَارَةِ، وَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ وَإِنَّمَا هُوَ كِنْدِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ عَلَى أَنَّ الْإِمَارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الصِّدِّيقُ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الْأَنْصَارَ سَأَلُوا أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ أَمِيرٌ مَعَ أَمِيرِ الْمُهَاجِرِينَ، فَأَبَى الصِّدِّيقُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ ضَرَبَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - الَّذِي دَعَا إِلَى ذَلِكَ أَوَّلًا، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ - كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَكَيْفَ يَعْمِدُونَ إِلَى خَلِيفَةٍ قَدْ بُويِعَ لَهُ بِالْإِمَارَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ سِنِينَ، فَيَعْزِلُونَهُ وَهُوَ مِنْ صَلِيبَةِ قُرَيْشٍ، وَيُبَايِعُونَ لِرَجُلٍ كِنْدِيٍّ بَيْعَةً لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهَا أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ؟ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ زَلَّةٌ وَفَلْتَةٌ نَشَأَ بِسَبَبِهَا شَرٌّ كَثِيرٌ هَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ: أَنَّ مَهْلَكَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ. أَيُّوبُ ابْنُ الْقِرِّيَّةِ أَيُّوبُ ابْنُ الْقِرِّيَّةِ وَهِيَ أُمُّهُ، وَاسْمُ أَبِيهِ يَزِيدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، النَّمِرِيُّ الْهِلَالِيُّ، كَانَ أَعْرَابِيًّا أُمِّيًّا، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي فَصَاحَتِهِ وَبَيَانِهِ وَبَلَاغَتِهِ، صَحِبَ الْحَجَّاجَ، وَوَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ بَعَثَهُ رَسُولًا إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ: لَئِنْ لَمْ تَقُمْ خَطِيبًا فَتَخْلَعُ الْحَجَّاجَ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. فَفَعَلَ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ فَلَمَّا ظَهَرَ الْحَجَّاجُ اسْتَحْضَرَهُ، وَجَرَتْ لَهُ مَعَهُ مَقَامَاتٌ وَمَقَالَاتٌ فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ فِي آخِرِ الْأَمْرِ ضَرَبَ عُنُقَهُ، وَنَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا فَعَلَ مِنْ ضَرْبِ عُنُقِهِ، وَلَكِنْ نَدِمَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ كَمَا قِيلَ: وَجَادَتْ بِوَصْلٍ حِينَ لَا يَنْفَعُ الْوَصْلُ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ، وَابْنُ خَلِّكَانَ فِي الْوَفِيَّاتِ، وَأَطَالَ تَرْجَمَتَهُ، وَذَكَرَ فِيهَا أَشْيَاءَ حَسَنَةً. قَالَ: والْقِرِّيَّةُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهِيَ جَدَّتُهُ، وَاسْمُهَا خُمَاعَةُ بِنْتُ جُشَمَ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَنْكَرَ وَجُودَهُ، وَوُجُودَ مَجْنُونِ لَيْلَى، وَابْنِ أَبِي الْعَقَبِ صَاحِبِ الْمَلْحَمَةِ، وَهُوَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْعَقَبِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رَوحُ بْنُ زِنْبَاعِ بْنِ سَلَامَةَ الْجُذَامِيُّ أَبُو زُرْعَةَ رَوحُ بْنُ زِنْبَاعِ بْنِ سَلَامَةَ الْجُذَامِيُّ أَبُو زُرْعَةَ وَيُقَالُ: أَبُو زِنْبَاعٍ الدِّمَشْقِيُّ، دَارُهُ بِدِمَشْقَ فِي طَرَفِ الْبُزُورِيِّينَ، عِنْدَ دَارِ ابْنِ أَبِي الْعَقَبِ صَاحِبِ الْمَلْحَمَةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - وَتَمِيمٌ الدَّارِيُّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَمُعَاوِيَةُ، وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ وَغَيْرُهُمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ. كَانَ رَوْحٌ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَالْوَزِيرِ; لَا يَكَادُ يُفَارِقُهُ، وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ مَرْوَانَ يَوْمَ مَرْجِ رَاهِطٍ وَقَدْ أَمَّرَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ عَلَى جُنْدِ فِلَسْطِينَ. وَزَعَمَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَنَّ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَمْ يُتَابَعْ مُسْلِمٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ وَلَيْسَ بِصَحَابِيٍّ. وَمِنْ مَآثِرِهِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا أَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا خَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ يُعْتِقُ نِسْمَةً. قَالَ ابْنُ زَبْرٍ: مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ بِالْأُرْدُنِّ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ بَقِيَ إِلَى أَيَّامِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَدْ حَجَّ مَرَّةً، فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ فَأُصْلِحَتْ لَهُ أَطْعِمَةٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ، ثُمَّ وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَأْكُلُ إِذْ جَاءَ رَاعٍ مِنَ الرُّعَاةِ يَرِدُ الْمَاءَ، فَدَعَاهُ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ إِلَى الْأَكْلِ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَجَاءَ الرَّاعِي فَنَظَرَ إِلَى طَعَامِهِ، وَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ رَوْحٌ: فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ الطَّوِيلِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ تَصُومُ يَا رَاعِي؟ فَقَالَ الرَّاعِي: أَفَأَغْبِنُ أَيَّامِي مِنْ أَجْلِ طُعَيِّمَكَ؟ ثُمَّ إِنَّ الرَّاعِيَ ارْتَادَ لِنَفْسِهِ مَكَانًا فَنَزَلَهُ، وَتَرَكَ رَوْحَ بْنَ زِنْبَاعٍ، فَقَالَ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ: لَقَدْ ضَنِنْتَ بِأَيَّامِكَ يَا رَاعِي     إِذْ جَادَ بِهَا رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعِ ثُمَّ إِنَّ رَوْحًا بَكَى طَوِيلًا، وَأَمَرَ بِتِلْكَ الْأَطْعِمَةِ فَرُفِعَتْ، وَقَالَ: انْظُرُوا، هَلْ تَجِدُونَ لَهَا آكِلًا مِنْ هَذِهِ الْأَعْرَابِ أَوِ الرُّعَاةِ؟ ثُمَّ سَارَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَقَدْ أَخَذَ الرَّاعِي بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ، وَصَغُرَتْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  258. التاريخ 2349لا حكم مسجّل

    عَزَلَ الْحَجَّاجُ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ فِيهَا عَزَلَ الْحَجَّاجُ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا أَخَاهُ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ،  وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ وَفِدَ مَرَّةً عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا انْصَرَفَ مَرَّ بِدَيْرٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ فِيهِ شَيْخًا كَبِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَالِمًا. فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ: يَا شَيْخُ، هَلْ تَجِدُونَ فِي كُتُبِكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ لَهُ: فَمَا تَجِدُونَ صِفَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَجِدُهُ مَلِكًا أَقْرَعَ مَنْ يَقُمْ بِسَبِيلِهِ يُصْرَعُ. قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْوَلِيدُ. قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ رَجُلٌ اسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ، يَفْتَحُ بِهِ عَلَى النَّاسِ. قَالَ: أَفَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: قَدْ أُخْبِرْتُ بِكَ. قَالَ: أَفَتَعْرِفُ مَا أَلِي؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَنْ يَلِي الْعِرَاقَ بَعْدِي؟ قَالَ: رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ. قَالَ: أَفِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: أَفَتَعْرِفُ صِفَتَهُ؟ قَالَ: يَغْدِرُ غَدْرَةً لَا أَعْرِفُ غَيْرَهَا. قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَسَارَ سَبْعًا وَهُوَ وَجِلٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَعْفِيهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِرَاقِ ; لِيَعْلَمَ مَكَانَتَهُ عِنْدَهُ، فَجَاءَ الْكِتَابُ بِالتَّقْرِيعِ وَالتَّأْنِيبِ وَالتَّوْبِيخِ، وَالْأَمْرِ بِالثَّبَاتِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ الْحَجَّاجَ جَلَسَ يَوْمًا مُفَكِّرًا، وَاسْتَدْعَى بِعُبَيْدِ بْنِ مَوْهَبٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عُبَيْدُ، إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَذْكُرُونَ أَنَّ مَا تَحْتَ يَدِي سَيَلِيهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ. وَقَدْ تَذَكَّرْتُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ وَيَزِيدَ بْنَ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَيَزِيدَ بْنَ دِينَارٍ، فَلَيْسُوا هُنَاكَ وَمَا هُوَ - إِنْ كَانَ - إِلَّا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ عُبَيْدٌ: لَقَدْ شَرَّفْتَهُمْ، وَعَظَّمْتَ وِلَايَتَهُمْ، وَإِنَّ لَهُمْ لَعَدَدًا وَجَلَدًا وَحَظًّا فَأَخْلِقْ بِهِ. فَأَجْمَعَ رَأْيُ الْحَجَّاجِ عَلَى عَزْلِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَذُمُّهُ وَيُخَوِّفُهُ غَدْرُهُ، وَيُخْبِرُهُ بِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ ذَلِكَ الشَّيْخُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَدْ أَكْثَرْتَ فِي شَأْنِ يَزِيدَ، فَسَمِّ رَجُلًا يَصْلُحُ لِخُرَاسَانَ، فَوَقَعَ اخْتِيَارُ الْحَجَّاجِ عَلَى الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَوَلَّاهُ قَلِيلًا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ عَزَلَهُ بِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ. مقتل موسى بن عبد الله بن حازم قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ بِتِرْمِذَ. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ ذَلِكَ، وَمُلَخَّصُهُ: أَنَّهُ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِيهِ لَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ بَلَدٌ يَلْجَأُ إِلَيْهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَعَلَ كُلَّمَا اقْتَرَبَ مِنْ بَلْدَةٍ خَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا فَقَاتَلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ تِرْمِذَ، وَكَانَ مَلِكُهَا فِيهِ ضَعْفٌ، فَجَعَلَ يُهَادِنُهُ وَيَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالْأَلْطَافِ وَالتُّحَفِ، حَتَّى جَعَلَ يَتَصَيَّدُ هُوَ وَهُوَ، ثُمَّ عَنَّ لِلْمَلِكِ فَعَمِلَ لَهُ طَعَامًا، وَبَعَثَ إِلَى مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ: أَنِ ائْتِنِي فِي مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ، فَاخْتَارَ مُوسَى مِنْ جَيْشِهِ مِائَةً مِنْ شُجْعَانِهِمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَلَدَ، فَأَكَلَ مِنْ طَعَامِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا فَرَغَتِ الضِّيَافَةُ اضْطَجَعَ مُوسَى عَلَى جَنْبِهِ فِي دَارِ الْمَلِكِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَقْوَمُ مِنْ هُنَا حَتَّى يَكُونَ هَذَا الْمَنْزِلُ مَنْزِلِي، أَوْ يَكُونَ قَبْرِي، فَثَارَ أَهْلُ الْقَصْرِ إِلَيْهِ فَحَاجَفَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ تِرْمِذَ، فَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ تِرْمِذَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ، وَاسْتَدْعَى مُوسَى بَقِيَّةَ جَيْشِهِ إِلَيْهِ، وَاسْتَحْوَذَ مُوسَى عَلَى الْبَلَدِ فَحَصَّنَهَا وَمَنَعَهَا مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَخَرَجَ مِنْهَا مَلِكُهَا هَارِبًا، فَلَجَأَ إِلَى إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَتْرَاكِ فَاسْتَنْصَرَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ بَلَدِكُمْ لَا طَاقَةَ لَنَا بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ ذَهَبَ مَلِكُ تِرْمِذَ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنَ التُّرْكِ فَاسْتَصْرَخَهُمْ، فَبَعَثُوا مَعَهُ قُصَّادًا نَحْوَ مُوسَى ; لِيَسْمَعُوا كَلَامَهُ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِقُدُومِهِمْ - وَكَانَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ - أَمْرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُؤَجِّجُوا نَارًا، وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ الشِّتَاءِ، وَيُدْنُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ النَّارِ كَأَنَّهُمْ يَصْطَلُونَ بِهَا، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ، رَأَوْا أَصْحَابَهُ وَمَا يَصْنَعُونَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، فَقَالُوا لَهُمْ: مَا هَذَا الَّذِي تَفْعَلُونَهُ ؟ فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّا نَجِدُ الْبَرْدَ فِي الصَّيْفِ وَالْكُرْبَ فِي الشِّتَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا: مَا هَؤُلَاءِ بَشَرٌ، مَا هَؤُلَاءِ إِلَّا جِنٌّ. ثُمَّ عَادُوا إِلَى مَلِكِهِمْ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا رَأَوْا، فَقَالُوا: لَا طَاقَةَ لَنَا بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ ذَهَبَ صَاحِبُ تِرْمِذَ فَاسْتَجَاشَ بِطَائِفَةٍ أُخْرَى، فَجَاءُوا فَحَاصَرُوهُمْ بِتِرْمِذَ، وَجَاءَ الْخُزَاعِيُّ فَحَاصَرَهُمْ أَيْضًا، فَجَعَلَ يُقَاتِلُ الْخُزَاعِيَّ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَيُقَاتِلُ آخِرَهُ الْعَجَمَ، ثُمَّ إِنَّ مُوسَى بَيَّتَهُمْ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَفْزَعَ ذَلِكَ عُمَرَ الْخُزَاعِيَّ فَصَالَحَهُ، وَكَانَ مَعَهُ، فَدَخَلَ يَوْمًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَلَيْسَ يَرَى مَعَهُ سِلَاحًا، فَقَالَ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِلَا سِلَاحٍ. فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي سِلَاحًا. ثُمَّ رَفَعَ صَدْرَ فِرَاشِهِ فَإِذَا سَيْفُهُ مُنْتَضًى، فَأَخَذَهُ عُمَرُ، فَضَرْبَهُ بِهِ حَتَّى بَرَدَ، وَخَرَجَ هَارِبًا، ثُمَّ تَفَرَّقَ أَصْحَابُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ. عزم عبد الملك على عزل أخيه عبد العزيز بن مروان قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَمَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى عَزْلِ أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ إِمْرَةِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ  ، وَحَسَّنَ لَهُ ذَلِكَ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِمَا قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ فِي اللَّيْلِ، وَكَانَ لَا يُحْجَبُ عَنْهُ أَيَّ سَاعَةٍ جَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَعَزَّاهُ فِي أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْعَزْمِ عَلَى عَزْلِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى إِرَادَةِ عَزْلِهِ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَوْلَادِهِ ; الْوَلِيدِ ثُمَّ سُلَيْمَانَ ثُمَّ يَزِيدَ ثُمَّ هِشَامٍ، وَذَلِكَ عَنْ رَأْيِ الْحَجَّاجِ وَتَرْتِيبِهِ ذَلِكَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ أَبُوهُ مَرْوَانُ عَهِدَ بِالْأَمْرِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنْ يُنَحِّيَهُ عَنِ الْإِمْرَةِ مِنْ بَعْدِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَجْعَلَ الْأَمْرَ فِي أَوْلَادِهِ وَعَقِبِهِ، وَأَنْ تَكُونَ الْخِلَافَةُ بَاقِيَةً فِيهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُزَيِّنُ لَهُ وِلَايَةَ الْوَلِيدِ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْفَدَ إِلَيْهِ وَفَدًا فِي ذَلِكَ، عَلَيْهِمْ عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ الْعَنْزِيُّ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَامَ عِمْرَانُ خَطِيبًا فَتَكَلَّمَ، وَتَكَلَّمَ الْوَفْدُ فِي ذَلِكَ، وَحَثُّوا عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْشَدَ عِمْرَانُ بْنُ عِصَامٍ فِي ذَلِكَ: أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْكَ نُهْدِي عَلَى النَّأْيِ التَّحِيَّةَ وَالسِّلَامَا     أَجِبْنِي فِي بَنِيكَ يَكُنْ جَوَابِي لَهُمْ عَادِيَةً وَلَنَا قِوَامَا     فَلَوْ أَنَّ الْوَلِيدَ أُطَاعُ فِيهِ جَعَلْتَ لَهُ الْخِلَافَةَ وَالذِّمَامَا     شَبِيهُكَ حَوْلَ قُبَّتِهِ قُرَيْشٌ بِهِ يَسْتَمْطِرُ النَّاسُ الْغَمَامَا     وَمِثْلُكَ فِي التُّقَى لَمْ يَصْبُ يَوْمًا لَدُنْ خَلَعَ الْقَلَائِدَ وَالْتِمَامًا     فَإِنْ تُؤْثِرْ أَخَاكَ بِهَا فَإِنَّا وَجَدِّكَ لَا نُطِيقُ لَهَا اتِّهَامَا     وَلَكِنَّا نُحَاذِرُ مِنْ بَنِيهِ بَنِي الْعَلَّاتِ مَأْثَرَةً سَمَامَا     وَنَخْشَى إِنْ جَعَلْتَ الْمُلْكَ فِيهِمْ سَحَابًا أَنْ تَعُودَ لَهُمْ جَهَامَا     فَلَا يَكُ مَا حَلَبْتَ غَدًا لِقَوْمٍ وَبَعْدَ غَدٍ بُنُوكَ هُمُ الْعِيَامَا     فَأُقْسِمُ لَوْ تَخَطَّأْنِي عِصَامٌ بِذَلِكَ مَا عَذَرْتُ بِهِ عِصَامَا     وَلَوْ أَنِّي حَبَوْتُ أَخًا بِفَضْلٍ أُرِيدُ بِهِ الْمَقَالَةَ وَالْمَقَامَا     لِعَقَّبَ فِي بَنِيَّ عَلَى بَنِيهِ كَذَلِكَ أَوْ لَرُمْتُ لَهُ مَرَامَا     فَمَنْ يَكُ فِي أَقَارِبِهِ صُدُوعٌ فَصَدْعُ الْمُلْكِ أَبْطَؤُهُ الْتِئَامَا فَهَاجَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ كَتَبَ لِأَخِيهِ يَسْتَنْزِلُهُ عَنِ الْخِلَافَةِ لِلْوَلِيدِ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَدَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَوْتَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبْلَ مَوْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِعَامٍ وَاحِدٍ، فَتَمَكَّنَ حِينَئِذٍ مِمَّا أَرَادَ مِنْ بَيْعَةِ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. ذِكْرُ غَزْوِ الْمُفَضَّلِ بَاذَغِيسَ وَآخَرُونَ   لَمَّا وَلِيَ الْمُفَضَّلُ خُرَاسَانَ غَزَا بَاذَغِيسَ فَفَتَحَهَا، وَأَصَابَ مَغْنَمًا فَقَسَّمَهُ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ ثَمَانِيَ مِائَةٍ. ثُمَّ غَزَا آخَرُونَ وَشُومَانَ، فَغَنِمَ وَقَسَّمَ مَا أَصَابَ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُفَضَّلِ بَيْتُ مَالٍ، كَانَ يُعْطِي النَّاسَ كُلَّمَا جَاءَ شَيْءٌ، وَإِنْ غَنِمَ شَيْئًا قَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ   حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ. وَفِيهَا غَزَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ أَرْمِينِيَّةَ  ، فَصَافَ فِيهَا وَشَتَّى. بناء مدينة دبيل وبرذعة وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ: بُنِيَتْ مَدِينَةُ [دَبِيلَ]، وَمَدِينَةُ بَرْذَعَةَ، بَنَاهُمَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيُّ.

  259. التاريخ 2350لا حكم مسجّل

    عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ،  رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، أَبُو الْأَصْبَغِ، الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ مَعَ أَبِيهِ مَرْوَانَ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَوَلَّاهُ أَبُوهُ إِمْرَةَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، فَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهَا إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، وَشَهِدَ قَتْلَ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَتْ لَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ، وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي لِلصُّوفِيَّةِ الْيَوْمَ، الْمَعْرُوفَةُ بِالْخَانَقَاهِ السُّمَيْسَاطِيَّةِ، ثُمَّ كَانَتْ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ تَنَقَّلَتْ إِلَى أَنْ صَارَتْ خَانِقَاهَ لِلصُّوفِيَّةِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَحَدِيثُهُ عَنْهُ فِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ "، وَ " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ "، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ وَجُبْنٌ خَالِعٌ. وَعَنْهُ ابْنُهُ عُمَرُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ، وَجَمَاعَةٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ يَلْحَنُ فِي الْحَدِيثِ وَفِي كَلَامِهِ، ثُمَّ تَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ فَأَتْقَنَهَا وَأَحْسَنَهَا، فَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاسِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يَشْكُو خَتَنَهُ - وَهُوَ زَوْجُ ابْنَتِهِ - فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ مَنْ خَتَنَكَ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: خَتَنَنِي الْخَاتِنُ الَّذِي يَخْتِنُ النَّاسَ. فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: وَيْحَكَ، بِمَاذَا أَجَابَنِي ؟ فَقَالَ الْكَاتِبُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولَ مَنْ خَتَنُكَ ؟ فَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى يَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ، فَمَكَثَ جُمُعَةً وَاحِدَةً فَتَعَلَّمَهَا، فَخَرَجَ وَهُوَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاسِ، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْزِلُ عَطَاءَ مَنْ يُعْرِبُ كَلَامَهُ، وَيَنْقُصُ عَطَاءَ مَنْ يَلْحَنُ فِيهِ ; فَتَسَارَعَ النَّاسُ فِي زَمَانِهِ إِلَى تَعَلُّمِ الْعَرَبِيَّةِ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ يَوْمًا لِرَجُلٍ: مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ مِنْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ. فَقَالَ: تَجِدُهَا فِي جَائِزَتِكَ، فَنَقَصَهُ مِائَةَ دِينَارٍ. وَعَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ. وَلَسْتُ أَسْأَلُكَ شَيْئًا، وَلَا أَرُدُّ رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْكَ. وَعَنْ سُوِيدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: بَعَثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ بِأَلْفِ دِينَارٍ إِلَى ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: فَجِئْتُهُ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ الْكِتَابَ. فَقَالَ: أَيْنَ الْمَالُ ؟ فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُهُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أُصْبِحَ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا يَبِيتُ ابْنُ عُمَرَ اللَّيْلَةَ وَلَهُ أَلْفُ دِينَارٍ. قَالَ: فَدَفَعَ إِلَيَّ الْكِتَابَ حَتَّى جِئْتُهُ بِهَا، فَفَرَّقَهَا ؓ. وَمِنْ كَلَامِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَجَبًا لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ وَيُوقِنُ أَنَّ اللَّهَ يَرْزُقُهُ وَيُخْلِفُ عَلَيْهِ، كَيْفَ يَحْبِسُ مَالًا عَنْ عَظِيمِ أَجْرٍ وَحُسْنِ سَمَاعٍ. وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أُحْضِرَ لَهُ مَالٌ يَخُصُّهُ، وَإِذَا هُوَ ثَلَاثُمِائَةِ مُدْيٍ مِنْ ذَهَبَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهُ بَعْرٌ حَائِلٌ بِنَجْدٍ. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، وَلَوَدِدْتُ أَنْ أَكُونَ هَذَا الْمَاءَ الْجَارِيَ، أَوْ نَبَاتَةً بِأَرْضِ الْحِجَازِ. وَقَالَ: ائْتُونِي بِكَفَنِي الَّذِي تُكَفِّنُونِي فِيهِ. فَجَعَلَ يَقُولُ: أُفٍّ لَكَ مَا أَقْصَرَ طَوِيلَكَ، وَأَقَلَّ كَثِيرَكَ ! قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَالصَّوَابُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ ; فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخِيهِ، وَمَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ مِنْ خِيَارِ الْأُمَرَاءِ، كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا، وَهُوَ وَالِدُ الْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدِ اكْتَسَى عُمْرُ أَخْلَاقَ أَبِيهِ، وَزَادَ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَكَانَ لِعَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْأَوْلَادِ غَيْرُ عُمْرَ: عَاصِمٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَمُحَمَّدٌ وَالْأَصْبَغُ - مَاتَ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، فَحَزِنَ عَلَيْهِ حُزْنًا كَثِيرًا، وَمَرِضَ بَعْدَهُ وَمَاتَ - وَسُهَيْلٌ، وَكَانَ لَهُ عِدَّةُ بَنَاتٍ: أُمُّ مُحَمَّدٍ، وَأُمُّ عُثْمَانَ، وَأُمُّ الْحَكَمِ، وَأُمُّ الْبَنِينَ، وَهُنَّ مِنْ أُمَّهَاتٍ شَتَّى، وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مِصْرَ، وَحُمِلَ إِلَى مِصْرَ فِي النِّيلِ، وَدُفِنَ بِهَا، وَقَدْ تَرَكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَثَاثِ وَالدَّوَابِّ ; مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْإِبِلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مَا يَعْجَزُ عَنْهُ الْوَصْفُ، مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ: ثَلَاثُمِائَةِ مُدِّ ذَهَبٍ غَيْرُ الْوَرِقِ، مَعَ جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَبَذْلِهِ وَعَطَايَاهُ الْجَزِيلَةِ ; فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْطَى النَّاسَ لِلْجَزِيلِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

  260. التاريخ 2351لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ بَيْعَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  وَكَانَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، بُويِعَ لَهُ بِدِمَشْقَ، ثُمَّ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ، ثُمَّ لِسُلَيْمَانَ مِنْ بَعْدِهِ، ثُمَّ لَمَّا انْتَهَتِ الْبَيْعَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ امْتَنَعَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنْ يُبَايِعَ فِي حَيَاةِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأَحَدٍ، فَأَمَرَ بِهِ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ نَائِبَ الْمَدِينَةِ، فَضُرِبَ سِتِّينَ سَوْطًا، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابًا مِنْ شَعْرٍ، وَأَرْكَبَهُ جَمَلًا، وَطَافَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ، فَذَهَبُوا بِهِ إِلَى ثَنِيَّةِ ذُبَابٍ - وَهِيَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي كَانُوا يَصْلُبُونَ عِنْدَهَا، وَيَقْتُلُونَ - فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا رَدُّوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَوْدَعُوهُ السَّجْنَ، فَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَا تَقْتُلُونَنِي لَمْ أَلْبَسْ هَذَا الْتُّبَّانَ. ثُمَّ كَتَبَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يُعْلِمُهُ بِمُخَالَفَةِ سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعَنِّفُهُ فِي ذَلِكَ، وَيَأْمُرُهُ بِإِخْرَاجِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ سَعِيدًا كَانَ أَحَقَّ مِنْكَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ مِمَّا فَعَلْتَ بِهِ، وَإِنَّا لِنَعْلَمُ أَنَّ سَعِيدًا لَيْسَ عِنْدَهُ شِقَاقٌ وَلَا خِلَافٌ. وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَا يَنْبَغِي إِلَّا أَنْ يُبَايِعَ، فَإِنْ لَمْ يُبَايِعْ ضَرَبْتَ عُنُقَهُ، أَوْ خَلَّيْتَ سَبِيلَهُ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ سَعِيدًا رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا جَاءَتْ بَيْعَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِلَى الْمَدِينَةِ امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ، فَضَرَبَهُ نَائِبُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ - وَهُوَ جَابِرُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَوْفٍ - سِتِّينَ سَوْطًا أَيْضًا، وَسَجَنَهُ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  261. التاريخ 2352لا حكم مسجّل

    أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ   أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْعَشَرَةِ. قَالَهُ يَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً، وَكَانَ بِهِ صَمَمٌ، وَوَضَحٌ كَثِيرٌ، وَأَصَابَهُ الْفَالِجُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وَعَمْرُو بْنُ سَلَمَةَ وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ يَسْكُنُ الصُّفَّةَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَسْلَمَ وَاثِلَةُ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَتَجَهَّزُ إِلَى تَبُوكَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ. قَالَ وَاثِلَةُ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ أَنْتُمْ بَعْدِي إِذَا شَبِعْتُمْ مِنَ خُبْزِ الْبُرِّ وَالزَّيْتِ، فَأَكَلْتُمْ أَلْوَانَ الطَّعَامِ، وَلَبِسْتُمْ أَنْوَاعَ الثِّيَابِ، فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ أَمْ ذَلِكَ الْيَوْمُ ؟ قَالَ: قُلْنَا: ذَلِكَ الْيَوْمُ. قَالَ: بَلْ أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ. قَالَ وَاثِلَةُ: فَمَا ذَهَبَتْ عَنَّا الْأَيَّامُ حَتَّى أَكَلْنَا أَلْوَانَ الطَّعَامِ، وَلَبِسْنَا أَنْوَاعَ الثِّيَابِ، وَرَكِبْنَا الْمَرَاكِبَ. شَهِدَ وَاثِلَةُ تَبُوكَ، ثُمَّ شَهِدَ فَتْحَ دِمَشْقَ وَنَزَلَهَا، وَمَسْجِدُهُ بِهَا عِنْدَ حَبْسِ بَابِ الصَّغِيرِ مِنَ الْقِبْلَةِ. وَهُوَ آخِرُ مَنْ تُوَفِّيَ بِدِمَشْقَ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ كَانَ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ بِفُنُونِ الْعِلْمِ، وَلَهُ يَدٌ طُولَى فِي الطِّبِّ، وَكَلَامٌ كَثِيرٌ فِي الْكِيمْيَاءِ وَكَانَ قَدِ اسْتَفَادَ ذَلِكَ مِنْ رَاهِبٍ اسْمُهُ مَرْيَانُسُ، وَكَانَ خَالِدٌ فَصِيحًا بَلِيغًا شَاعِرًا مُطْبِقًا كَأَبِيهِ، دَخَلَ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِحَضْرَةِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ ابْنَهُ الْوَلِيدَ يَحْتَقِرُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ( النَّمْلِ: 34 ) فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ( الْإِسْرَاءِ: 16 ). فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ أَخُوكَ عَبْدُ اللَّهِ، فَإِذَا هُوَ لَا يُقِيمُ اللَّحْنَ. فَقَالَ خَالِدٌ: وَالْوَلِيدُ لَا يُقِيمُ اللَّحْنَ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ لَا يَلْحَنُ. فَقَالَ خَالِدٌ: وَأَنَا أَخُو عَبْدِ اللَّهِ لَا أَلْحَنُ. فَقَالَ الْوَلِيدُ - وَكَانَ حَاضِرًا - لِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ: اسْكُتْ، فَوَاللَّهِ مَا تُعَدُّ فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النَّفِيرِ. فَقَالَ خَالِدٌ: اسْمَعْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ أَقْبَلَ خَالِدٌ عَلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ: وَيْحَكَ، وَمَا هُوَ الْعِيرُ وَالنَّفِيرُ غَيْرُ جِدِّي أَبِي سُفْيَانَ صَاحِبِ الْعِيرِ، وَجَدِّي عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ صَاحِبِ النَّفِيرِ، وَلَكِنْ لَوْ قُلْتَ: غُنَيْمَاتٌ وَحُبَيْلَاتٌ وَالطَّائِفُ، وَرَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ. لَقُلْنَا: صَدَقْتَ. - يَعْنِي أَنَّ الْحَكَمَ كَانَ مَنْفِيًّا بِالطَّائِفِ يَرْعَى غَنَمًا، وَيَأْوِي إِلَى حَبَلَةِ الْكَرَمِ، حَتَّى آوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ حِينَ وَلِيَ، فَسَكَتَ الْوَلِيدُ وَأَبُوهُ، وَلَمْ يُحِيرَا جَوَابًا. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ  . عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ  ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيٍّ  ، وَكَانَ لَهُ لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعُ سِنِينَ.

  262. التاريخ 2353لا حكم مسجّل

    غزو قتيبة بن مسلم أرض الترك ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَمَانِينَ فَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ نَائِبُ الْحَجَّاجِ عَلَى مَرْوٍ وَخُرَاسَانَ، بِلَادًا كَثِيرَةً مِنْ أَرْضِ التُّرْكِ،  وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَسَبَى وَغَنِمَ وَسَلِمَ وَتَسَلَّمَ قِلَاعًا وَحُصُونًا وَمَمَالِكَ، ثُمَّ قَفَلَ فَسَبَقَ الْجَيْشَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَلُومُهُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقُولُ لَهُ: إِذَا كُنْتَ قَاصِدًا بِلَادَ الْعَدُوِّ فَكُنْ فِي مُقَدِّمَةِ الْجَيْشِ، وَإِذَا قَفَلْتَ رَاجِعًا فَكُنْ فِي سَاقَةِ الْجَيْشَ، يَعْنِي لِتَكُونَ رَدْءًا لَهُمْ مِنْ أَنْ يَنَالَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْعَدُوِّ وَغَيْرِهِمْ بِكَيْدٍ، وَهَذَا رَأْيٌ حَسَنٌ، وَعَلَيْهِ جَاءَتِ السُّنَّةُ. وَكَانَ فِي جُمْلَةِ السَّبْيِ امْرَأَةُ بَرْمَكَ - وَالِدِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ - فَأَعْطَاهَا قُتَيْبَةُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُسْلِمٍ، فَوَطِئَهَا، فَحَمَلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ قُتَيْبَةَ مَنَّ عَلَى السَّبْيِ، وَرُدَّتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا بَرْمَكَ، وَهِيَ حُبْلَى مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَكَانَ وَلَدُهَا عِنْدَهُمْ حَتَّى أَسْلَمُوا، فَقَدِمُوا بِهِ مَعَهُمْ أَيَّامَ بَنِي الْعَبَّاسِ، كَمَا سَيَأْتِي. وَلَمَّا رَجَعَ قُتَيْبَةُ إِلَى خُرَاسَانَ تَلْقَاهُ دَهَاقِينُ بُلْغَارَ وَصَاغَانَ بِهَدَايَا عَظِيمَةٍ، وَمِفْتَاحٍ مِنْ ذَهَبِ بُلْغَارَ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قُدُومَ قُتَيْبَةَ خُرَاسَانَ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ. طاعون الفتيات وَفِيهَا كَانَ طَاعُونٌ بِالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَوَاسِطٍ، وَيُسَمَّى طَاعُونَ الْفَتَيَاتِ ; لِأَنَّهُ أَوَّلَ مَا بَدَأَ بِالنِّسَاءِ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ. غزو مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَادَ الرُّومِ، فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ وَسَلِمَ، وَافْتَتَحَ حِصْنَ بِوَلْقَ، وَحِصْنَ الْأَخْرَمِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ. تولية عبد الله بن عبد الملك مصر وَفِيهَا عَقْدَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى مِصْرَ،  وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَدَخَلَهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. هلاك ملك الروم الأخرم بوري وَفِيهَا هَلَكَ مَلِكُ الرُّومِ الْأَخْرَمُ بِوَرَى، لَا رَحِمَهُ اللَّهُ. حبس الحجاج يزيد بن المهلب وَفِيهَا حَبَسَ الْحَجَّاجُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ. من حج بالناس هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ. [وَكَانَ الْأَمِيرَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى الصَّلَاةِ بِالْكُوفَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ أَيُّوبُ بْنُ الْحَكَمِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ].

  263. التاريخ 2354لا حكم مسجّل

    اسمه ونسبه عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ  وَالِدُ الْخُلَفَاءِ الْأُمَوِيِّينَ وَهُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، أَبُو الْوَلِيدِ الْأُمَوِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ. سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَشَهِدَ الدَّارَ مَعَ أَبِيهِ، وَلَهُ عَشْرُ سِنِينَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَارَ بِالنَّاسِ فِي بِلَادِ الرُّومِ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَهُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَلَّاهُ إِيَّاهَا مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ يُجَالِسُ الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ وَالْعُبَّادَ وَالصُّلَحَاءَ. وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، وَجَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَبَرِيرَةَ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ. وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، وَعُرْوَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ، وَجَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ. ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ قَدْ سَمَّاهُ الْقَاسِمَ، فَكَانَ يُكْنَى بِأَبِي الْقَاسِمِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ النَّهْيُ عَنِ التَّكَنِّي بِأَبِي الْقَاسِمِ، غَيَّرَ اسْمَهُ ; فَسَمَّاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ. قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ بِعَبْدِ الْمَلِكِ. وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، فِي خِلَافَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَبَقِيَ عَلَى الشَّامِ وَمِصْرَ مُدَّةَ سَبْعِ سِنِينَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى بَاقِي الْبِلَادِ ثُمَّ، اسْتَقَلَّ بِالْخِلَافَةِ عَلَى سَائِرِ الْبِلَادِ وَالْأَقَالِيمِ، بَعْدَ مَقْتَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ. مولده وصفته الخَلقية وَكَانَ مَوْلِدُهُ وَمَوْلِدُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَبْلَ الْخِلَافَةِ مِنَ الْعُبَّادِ الزُّهَّادِ الْفُقَهَاءِ، الْمُلَازِمِينَ لِلْمَسْجِدِ، التَّالِينَ لِلْقُرْآنِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ أَقْرَبَ إِلَى الْقِصَرِ. وَكَانَتْ أَسْنَانُهُ مُشَبَّكَةً بِالذَّهَبِ، وَكَانَ أَفْوَهَ مَفْتُوحَ الْفَمِ، فَرُبَّمَا غَفَلَ فَيَنْفَتِحُ فَمُهُ فَيَدْخُلُ فِيهِ الذُّبَابُ ; وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الذُّبَّانِ، وَكَانَ أَبْيَضَ رَبْعَةً لَيْسَ بِالنَّحِيفِ وَلَا الْبَادِنِ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، أَشْهَلَ كَبِيرَ الْعَيْنَيْنِ، دَقِيقَ الْأَنْفِ، مُشْرِقَ الْوَجْهِ، أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، لَمْ يَخْضِبْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَضَبَ بَعْدَ ذَلِكَ. صفاته الأخلاقية وَقَدْ قَالَ نَافِعٌ: لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ وَمَا فِيهَا شَابٌّ أَشَدَّ تَشْمِيرًا، وَلَا أَفْقَهَ وَلَا أَقْرَأَ لِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: كَانَ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةً: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعُرْوَةُ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ; قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْإِمَارَةِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: وَلَدَ النَّاسُ أَبْنَاءً، وَوَلَدَ مَرْوَانُ أَبًا - يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ - وَرَآهُ يَوْمًا وَقَدْ ذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا الْغُلَامُ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: كُنْتُ أُجَالِسُ بِرَيْرَةَ قَبْلَ أَنْ أَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ، فَكَانَتْ تَقُولُ: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ إِنَّ فِيكَ خِصَالًا، وَإِنَّكَ لِجَدِيرٌ أَنْ تَلِيَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَاحْذَرِ الدِّمَاءَ ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُدْفَعُ عَنْ بَابِ الْجَنَّةِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا عَلَى مِحْجَمَةٍ مِنْ دَمٍ يُرِيقُهُ مِنْ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ الزَّنْبَرِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى مَا بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَفِتْيَانٌ مَعَهُ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، إِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَالْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا جَالَسْتُ أَحَدًا إِلَّا وَجَدْتُ لِي الْفَضْلَ عَلَيْهِ إِلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ; فَإِنِّي مَا ذَاكَرْتُهُ حَدِيثًا إِلَّا زَادَنِي فِيهِ، وَلَا شِعْرًا إِلَّا زَادَنِي فِيهِ. مبايعته بالخلافة وَذَكَرَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إِلَى مَرْوَانَ، وَهُوَ نَائِبُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ خَمْسِينَ: أَنِ ابْعَثِ ابْنَكَ عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى بَعْثِ الْمَدِينَةِ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ. فَذَكَرَ مِنْ كِفَايَتِهِ وَغِنَائِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمَلِكِ مُقِيمًا بِالْمَدِينَةِ حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ، وَاسْتَوْلَى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى بِلَادِ الْحِجَازِ، وَأَجْلَى بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ هُنَالِكَ، فَقَدِمَ مَعَ أَبِيهِ الشَّامَ، ثُمَّ لَمَّا صَارَتِ الْإِمَارَةُ مَعَ أَبِيهِ وَبَايَعَهُ أَهْلُ الشَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَقَامَ فِي الْإِمَارَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ عَهِدَ إِلَيْهِ بِالْإِمَارَةِ مِنْ بَعْدِهِ، فَاسْتَقَلَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بِالْخِلَافَةِ فِي مُسْتَهَلِّ رَمَضَانَ أَوْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَقْتَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِي جُمَادَى الْأُولَى إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: لَمَّا سُلِّمَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْخِلَافَةِ كَانَ فِي حِجْرِهِ مُصْحَفٌ، فَأَطْبَقَهُ، وَقَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: صُنِعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ مَجْلِسٌ تُوُسِّعَ فِيهِ، وَقَدْ كَانَ بُنِيَ لَهُ فِيهِ قُبَّةٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَدَخَلَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَانَ ابْنُ حَنْتَمَةَ الْأَحْوَزِيُّ - يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - يَرَى أَنَّ هَذَا عَلَيْهِ حَرَامٌ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الْمُصْحَفَ مِنْ حِجْرِهِ قَالَ: هَذَا آخَرُ الْعَهْدِ مِنْكَ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَهُ إِقْدَامٌ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَكَانَ عُمَّالُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ ; مِنْهُمُ الْحَجَّاجُ وَالْمُهَلَّبُ، وَغَيْرُهُمْ، وَكَانَ حَازِمًا فَهِمًا فَطِنًا، سَائِسًا لِأُمُورِ الدُّنْيَا، لَا يَكِلُ أَمْرَ دُنْيَاهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَأَبُوهَا مُعَاوِيَةُ هُوَ الَّذِي جَدَعَ أَنْفَ حَمْزَةَ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. ما قيل لعبد الملك أثناء توليه الخلافة وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا خَرَجَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْعِرَاقِ لِقِتَالِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، خَرَجَ مَعَهُ يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَوْا قَالَ: اللَّهُمَّ احْجِزْ بَيْنَ هَذَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَوَلِّ الْأَمْرَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْكَ. فَظَفِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ قَتْلِهِ مُصْعَبًا، وَدُخُولِهِ الْكُوفَةَ، وَوَضْعِهِ رَأَسَ مُصْعَبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ أَعَزِّ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَأَحَبِّهِمْ إِلَيْهِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا بُويِعَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بِالْخِلَافَةِ، كَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ رَاعٍ، وَكُلُّ رَاعٍ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ؟ لَا أَحَدَ، وَالسَّلَامُ. وَبَعَثَ بِهِ مَعَ سَالِمٍ، فَوَجَدُوا عَلَيْهِ ; إِذْ قَدَّمَ اسْمَهُ عَلَى اسْمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ نَظَرُوا فِي كُتُبِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَوَجَدُوهَا كَذَلِكَ، فَاحْتَمَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ. وعَنِ ابْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ، إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ أَنْ يَلْزَمَ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ لَأَنْتُمْ، وَقَدْ سَالَتْ عَلَيْنَا أَحَادِيثُ مِنْ قِبَلِ هَذَا الْمَشْرِقِ وَلَا نَعْرِفُهَا، وَلَا نَعْرِفُ مِنْهَا إِلَّا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَالْزَمُوا مَا فِي مُصْحَفِكُمُ الَّذِي جَمَعَكُمْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْمَظْلُومُ، وَعَلَيْكُمْ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي جَمَعَكُمْ عَلَيْهَا إِمَامُكُمُ الْمَظْلُومُ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَنِعْمَ الْمُشِيرُ كَانَ لِلْإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَأَحْكِمَا مَا أَحْكَمَا وَأَسْقِطَا مَا شَذَّ عَنْهُمَا. خطب ومواعظ عبد الملك بن مروان وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِيهِ: حَجَّ عَلَيْنَا عَبْدُ الْمَلِكِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ مَقْتَلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِعَامَيْنِ، فَخَطَبَنَا فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ كَانَ مَنْ قَبْلِي مِنَ الْخُلَفَاءِ يَأْكُلُونَ مِنَ الْمَالِ، وَيُؤَكِّلُونَ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أُدَاوِي أَدْوَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِالسَّيْفِ، وَلَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ - يَعْنِي عُثْمَانَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمَأْبُونِ - يَعْنِي يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ - أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا نَحْتَمِلُ مِنْكُمْ كُلَّ اللَّغُوبَةِ مَا لَمْ يَكُنْ عَقْدَ رَايَةٍ، أَوْ وَثَوْبٍ عَلَى مِنْبَرٍ. هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، حَقُّهُ حَقُّهُ، وَقَرَابَتُهُ قَرَابَتُهُ، قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، فَقُلْنَا بِسَيْفِنَا هَكَذَا، وَإِنَّ الْجَامِعَةَ الَّتِي خَلَعَهَا مِنْ عُنُقِهِ عِنْدِي، وَقَدْ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا أَنْ لَا أَضَعَهَا فِي رَأْسِ أَحَدٍ إِلَّا أَخْرَجَهَا الصُّعَدَاءَ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَنَا عَبَّادُ بْنُ سَلْمِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: رَكِبَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بَكْرًا، فَأَنْشَأَ قَائِدُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الْبَكْرُ الَّذِي أَرَاكَا عَلَيْكَ سَهْلُ الْأَرْضِ فِي مَمْشَاكَا     وَيْحَكَ هَلْ تَعْلَمُ مَنْ عَلَاكَا خَلِيفَةُ اللَّهِ الَّذِي امْتَطَاكَا     لَمْ يَحْبُ بَكْرًا مِثْلَ مَا حَبَاكَا فَلَمَّا سَمِعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ: إِيْهًا يَا هَنَاهُ، قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: خَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَحَصِرَ فَقَالَ: إِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّا نَسْكُتُ حَصْرًا، وَلَا نَنْطِقُ هَذْرًا، وَنَحْنُ أُمَرَاءُ الْكَلَامِ، فِينَا رَسَخَتْ عُرُوقُهُ، وَعَلَيْنَا تَدَلَّتْ أَغْصَانُهُ، وَبَعْدَ مَقَامِنَا هَذَا مَقَامٌ، وَبَعْدَ عِيِّنَا هَذَا مَقَالٌ، وَبَعْدَ يَوْمِنَا هَذَا أَيَّامٌ، يُعْرَفُ فِيهَا فَصْلُ الْخِطَابِ، وَمَوْضِعُ الصَّوَابِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ. فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا وَأَنَا أَعْرِضُ عَقْلِي عَلَى النَّاسِ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ! وَقَالَ غَيْرُهُ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَسْرَعَ إِلَيْكَ الشَّيْبُ. فَقَالَ: شَيَّبَنِي كَثْرَةُ ارْتِقَاءِ الْمِنْبَرِ، وَمَخَافَةُ اللَّحْنِ. وَلَحَنَ رَجُلٌ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ: زِدْ أَلِفَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَأَنْتَ فَزِدْ أَلِفًا. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ الْعِلْمَ سَيُقْبَضُ قَبْضًا سَرِيعًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُظْهِرْهُ، غَيْرَ غَالٍ فِيهِ وَلَا جَافٍّ عَنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ كَانَ يَقُولُ لِمَنْ يُسَايِرُهُ فِي سَفَرِهِ إِذَا رُفِعَتْ لَهُ شَجَرَةٌ: سَبِّحُوا بِنَا حَتَّى نَأْتِيَ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، وَكَبِّرُوا بِنَا حَتَّى نَأْتِيَ تِلْكَ الْحَجَرَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ وَقَعَ مِنْهُ فَلْسٌ فِي بِئْرٍ قَذِرَةٍ، فَاكْتَرَى عَلَيْهِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِينَارًا حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ، يَقُومُ السَّيَّافُونَ عَلَى رَأْسِهِ بِالسُّيُوفِ، فَيُنْشِدُ - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَأْمُرُ مَنْ يُنْشِدُ فَيَقُولُ: إِنَّا إِذَا نَالَتْ دَوَاعِي الْهَوَى     وَأَنْصَتَ السَّامِعُ لِلْقَائِلِ وَاصْطَرَعَ النَّاسُ بِأَلْبَابِهِمْ     نَقْضِي بِحُكْمٍ عَادِلٍ فَاصِلِ لَا نَجْعَلُ الْبَاطِلَ حَقًّا وَلَا     نَلُطُّ دُونَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ نَخَافُ أَنْ تُسَفَّهَ أَحْلَامُنَا     فَنَخْمُلُ الدَّهْرَ مَعَ الْخَامِلِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَشْكُو الْحَجَّاجَ، وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا خَدَمَ عِيسَى لَيْلَةً وَاحِدَةً، أَوْ خَدَمَهُ فَعَرَفَتْهُ النَّصَارَى لَنَزَلَ عِنْدَهُمْ، وَلَعَرَفُوا لَهُ ذَلِكَ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا خَدَمَ مُوسَى أَوْ رَآهُ فَعَرَفَتْهُ الْيَهُودُ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَإِنِّي خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ، وَإِنَّ الْحَجَّاجَ قَدْ أَضَرَّ بِي وَفَعَلَ وَفَعَلَ. قَالَ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ شَهِدَ عَبْدَ الْمَلِكِ يَقْرَأُ الْكِتَابَ وَهُوَ يَبْكِي، وَبَلَغَ بِهِ الْغَضَبُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِكِتَابٍ غَلِيظٍ، فَجَاءَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَقَرَأَهُ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ إِلَى حَامِلِ الْكِتَابِ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ نَتَرَضَّاهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي أَيَّامِ ابْنِ الْأَشْعَثِ: إِنَّكَ أَعَزُّ مَا تَكُونُ بِاللَّهِ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَإِذَا عَزَزْتَ بِاللَّهِ فَاعْفُ لَهُ، فَإِنَّكَ بِهِ تَعِزُّ وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ. قَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَخْلُوَ بِهِ، فَأَمَرَ مَنْ عِنْدِهِ بِالِانْصِرَافِ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ الرَّجُلُ لِيَتَكَلَّمَ، قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِيَّاكَ أَنْ تَمْدَحَنِي ; فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْكَ، أَوْ تَكْذِبَنِي ; فَإِنَّهُ لَا رَأْيَ لِكَذُوبٍ، أَوْ تَسْعَى إِلَيَّ بِأَحَدٍ، وَإِنْ شِئْتَ أَقَلْتُكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَقِلْنِي. فَأَقَالَهُ. وَكَذَا كَانَ يَقُولُ لِلرَّسُولِ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ مِنَ الْآفَاقِ: اعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ، وَقُلْ مَا شِئْتَ ; لَا تُطْرِنِي، وَلَا تُجِبْنِي فِيمَا لَا أَسْأَلُكَ عَنْهُ، وَلَا تَكْذِبْنِي، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى الرَّعِيَّةِ ; فَإِنَّهُمْ إِلَى رَأْفَتِي وَمَعْدَلَتِي أَحْوَجُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أُتِيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِرَجُلٍ كَانَ مَعَ بَعْضِ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كَانَ هَذَا جَزَائِي مِنْكَ! فَقَالَ: وَمَا جَزَاؤُكَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مَعَ فُلَانٍ إِلَّا بِالنَّظَرِ لَكَ، وَذَلِكَ أَنِّي رَجُلٌ مَشْئُومٌ، مَا كُنْتُ مَعَ رَجُلٍ قَطُّ إِلَّا غُلِبَ وَهُزِمَ، وَقَدْ بَانَ لَكَ صِحَّةُ مَا ادَّعَيْتُ، وَكُنْتُ عَلَيْكَ خَيْرًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مَعَكَ. فَضَحِكَ وَخَلَّى سَبِيلَهُ. وَقِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَيُّ الرِّجَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَنْ تَوَاضَعَ عَنْ رِفْعَةٍ، وَزَهَدَ عَنْ قُدْرَةِ، وَتَرَكَ النُّصْرَةَ عَنْ قُوَّةٍ. وَقَالَ أَيْضًا: لَا طُمَأْنِينَةَ قَبْلَ الْخِبْرَةِ، فَإِنَّ الطُّمَأْنِينَةَ قَبْلَ الْخِبْرَةِ ضِدُّ الْحَزْمِ. وَقَالَ: خَيْرُ الْمَالِ مَا أَفَادَ حَمْدًا وَدَفَعَ ذَمًّا، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، فَإِنَّ الْخَلْقَ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللَّهِ. وَيَنْبَغِي أَنَّ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى غَيْرِ مَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِمُؤَدِّبِ أَوْلَادِهِ - وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ -: عَلِّمْهُمُ الصِّدْقَ كَمَا تُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ، وَجَنِّبْهُمُ السَّفِلَةَ ; فَإِنَّهُمْ أَسْوَأُ النَّاسِ رِعَةً، وَأَقَلُّهُمْ أَدَبًا، وَجَنِّبْهُمُ الْحَشَمَ ; فَإِنَّهُمْ لَهُمْ مَفْسَدَةٌ، وَأَحْفِ شُعُورَهُمْ، تَغْلُظْ رِقَابُهُمْ، وَأَطْعِمْهُمُ اللَّحْمَ يَقْوُوا، وَعَلِّمُهُمُ الشِّعْرَ يَمْجُدُوا وَيُنْجُدُوا، وَمُرْهُمْ أَنْ يَسْتَاكُوا عَرْضًا، وَيَمُصُّوا الْمَاءَ مَصًّا، وَلَا يَعُبُّوا عَبًّا، وَإِذَا احْتَجْتَ أَنْ تَتَنَاوَلَهُمْ بِأَدَبٍ ; فَلْيَكُنْ ذَلِكَ فِي سِرٍّ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ أَحَدٌ مِنَ الْغَاشِيَةِ، فَيَهُونُوا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: أَذِنَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلنَّاسِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ إِذْنًا خَاصًّا، فَدَخَلَ شَيْخٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ لَمْ يَأْبَهْ لَهُ الْحَرَسُ، فَأَلْقَى بَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ صَحِيفَةً، وَخَرَجَ فَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَ، وَإِذَا فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ ; فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ، وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ( ص: 26 ) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( الْمُطُفِّفِينَ: 4 - 6 ). ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( هُودٍ: 103، 104 ) إِنَّ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ لَوْ بَقِيَ لِغَيْرِكَ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ، فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ( النَّمْلِ: 52 ) وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ( الصَّافَّاتِ: 22 )، أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( الْأَعْرَافِ: 44 ) قَالَ: فَتَغَيَّرَ وَجْهُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَدَخَلَ دَارَ حَرَمِهِ، وَلَمْ تَزَلِ الْكَآبَةُ فِي وَجْهِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا. وَكَتَبَ زِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ كِتَابًا، وَفِي آخِرِهِ: وَلَا يُطْمِعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طُولِ الْبَقَاءِ مَا يَظْهَرُ لَكَ مِنْ صِحَّتِكَ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِنَفْسِكَ، وَاذْكُرْ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الْأَوَّلُونَ: إِذَا الرِّجَالُ وَلَدَتْ أَوْلَادَهَا     وَبَلِيَتْ مَنْ كِبَرٍ أَجْسَادُهَا وَجَعَلَتْ أَسْقَامُهَا تَعْتَادُهَا     تِلْكَ زُرُوعٌ قَدْ دَنَا حَصَادُهَا فَلَمَّا قَرَأَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بَكَى حَتَّى بَلَّ طَرْفَ ثَوْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ زِرٌّ، وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْنَا بِغَيْرِ هَذَا كَانَ أَرْفَقَ. وَسَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ يَذْكُرُونَ سِيرَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِيهَا عَنْ ذِكْرِ عُمَرَ؛ فَإِنَّهُ إِزْرَاءٌ عَلَى الْوُلَاةِ، مَفْسَدَةٌ لِلرَّعِيَّةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَجْلِسُ فِي حَلْقَةِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ بِدِمَشْقَ، فَقَالَتْ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ شَرِبْتَ الطِّلَاءَ بَعْدَ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ. فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَالدِّمَاءَ أَيْضًا قَدْ شَرِبْتُهَا، ثُمَّ جَاءَهُ غُلَامٌ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، فَقَالَ: مَا حَبَسَكَ، لَعَنَكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: لَا تَفْعَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الْهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَعَّانٌ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: ثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَالَ: قَدْ صِرْتُ لَا أَفْرَحُ بِالْحَسَنَةِ أَعْمَلُهَا، وَلَا أَحْزَنُ عَلَى السَّيِّئَةِ أَرْتَكِبُهَا. فَقَالَ سَعِيدٌ: الْآنَ تَكَامَلَ مَوْتُ قَلْبِهِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا خُطْبَةً بَلِيغَةً، ثُمَّ قَطَعَهَا وَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ إِنَّ ذُنُوبِي عَظِيمَةٌ، وَإِنَّ قَلِيلَ عَفْوِكَ أَعْظَمُ مِنْهَا، اللَّهُمَّ فَامْحُ بِقَلِيلِ عَفْوِكَ عَظِيمَ ذُنُوبِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ فَبَكَى، وَقَالَ: لَوْ كَانَ كَلَامٌ يُكْتَبُ بِالذَّهَبِ لَكُتِبَ هَذَا الْكَلَامُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ الدِّمَشْقِيُّ: وُضِعَ سِمَاطُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: ائْذَنْ لِخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ. فَقَالَ: مَاتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَأُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ. قَالَ: مَاتَ. قَالَ: فَلِخَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: مَاتَ. قَالَ: فَلِفُلَانٍ وَفُلَانٍ لِأَقْوَامٍ قَدْ مَاتُوا - وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ - فَبَكَى، وَأَمَرَ بِرَفْعِ السِّمَاطِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ لِدَّاتِي وَانْقَضَتْ أَيَّامُهُمْ     وَغَيَّرْتُ بَعْدَهُمْ وَلَسْتُ بِخَالِدِ احتضار عبد الملك ووصيته وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا هَذَا ؟ أَتَحِنُّ حَنِينَ الْجَارِيَةِ وَالْأَمَةِ ؟ إِذَا أَنَا مِتُّ فَشَمِّرْ وَاتَّزِرْ وَالْبَسْ جِلْدَ النَّمِرِ، وَضَعِ الْأُمُورَ عِنْدَ أَقْرَانِهَا، وَاحْذَرْ قُرَيْشًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا وَلِيدُ، اتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَسْتَخْلِفُكُ فِيهِ، وَاحْفَظْ وَصِيَّتِي، وَانْظُرْ إِلَى أَخِي مُعَاوِيَةَ فَصِلْ رَحِمَهُ، وَاحْفَظْنِي فِيهِ، وَانْظُرْ إِلَى أَخِي مُحَمَّدٍ فَأَقِرَّهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، وَلَا تَعْزِلْهُ عَنْهَا، وَانْظُرِ ابْنَ عَمِّنَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ إِلَيْنَا بِمَوَدَّتِهِ وَنَصِيحَتِهِ، وَلَهُ نَسَبٌ وَحَقٌّ، فَصِلْ رَحِمَهُ وَاعْرِفْ حَقَّهُ، وَانْظُرِ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ فَأَكْرِمْهُ ; فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي مَهَّدَ لَكُمُ الْبِلَادَ، وَقَهَرَ الْأَعْدَاءَ، وَأَخْلَصَ لَكُمُ الْمُلْكَ، وَشَتَّتَ الْخَوَارِجَ، وَأَنْهَاكَ وَإِخْوَتَكَ عَنِ الْفِرْقَةِ، وَكُونُوا أَوْلَادَ أُمٍّ وَاحِدَةٍ، وَكُونُوا فِي الْحَرْبِ أَحْرَارًا، وَلِلْمَعْرُوفِ مَنَارًا ; فَإِنَّ الْحَرْبَ لَمْ تُدْنِ مَنِيَّةً قَبْلَ وَقْتِهَا، وَإِنَّ الْمَعْرُوفَ يُشَيِّدُ ذِكْرَ صَاحِبِهِ، وَيُمَيِّلُ الْقُلُوبَ بِالْمَحَبَّةِ، وَيُذَلِّلُ الْأَلْسِنَةَ بِالذِّكْرِ الْجَمِيلِ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ: إِنَّ الْأُمُورَ إِذَا اجْتَمَعْنَ فَرَامَهَا     بِالْكَسْرِ ذُو حَنَقٍ وَبَطْشٍ بِالْيَدِ عَزَّتْ فَلَمْ تُكْسَرْ وَإِنْ هِيَ بُدِّدَتْ     فَالْكَسْرُ وَالتَّوْهِينُ لِلْمُتَبَدِّدِ ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَنَا مِتُّ فَادْعُ النَّاسَ إِلَى بَيْعَتِكَ، فَمَنْ أَبَى فَالسَّيْفُ، وَعَلَيْكَ بِالْإِحْسَانِ إِلَى إِخْوَانِكَ فَأَكْرِمْهُنَّ، وَأَحَبُّهُنَّ إِلَيَّ فَاطِمَةُ - وَكَانَ قَدْ أَعْطَاهَا قُرْطَيْ مَارِيَةَ وَالدُّرَّةَ الْيَتِيمَةَ - ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ احْفَظْنِي فِيهَا، فَتَزَوَّجَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا. وَلَمَّا احْتُضِرَ سَمِعَ غَسَّالًا يَغْسِلُ الثِّيَابَ، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا: غَسَّالٌ. فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتَ غَسَّالًا، أَكْسِبُ مَا أَعِيشُ بِهِ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَلَمْ أَلِ الْخِلَافَةَ، ثُمَّ تَمَثَّلَ فَقَالَ: لَعَمْرِي لَقَدْ عُمِّرْتُ فِي الْمُلْكِ بُرْهَةً     وَدَانَتْ لِيَ الدُّنْيَا بِوَقْعِ الْبَوَاتِرِ وَأُعْطِيتُ جَمَّ الْمَالِ وَالْحُكْمَ وَالنُّهَى     وَدَانَ قَمَاقِيمُ الْمُلُوكِ الْجَبَابِرِ فَأَضْحَى الَّذِي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي     كَحُلْمٍ مَضَى فِي الْمُزْمَنَاتِ الْغَوَابِرِ فَيَا لَيْتَنِي لَمْ أُعْنَ بِالْمُلْكِ لَيْلَةً     وَلَمْ أَسْعَ فِي لَذَّاتِ عَيْشٍ نَوَاضِرِ وَكُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ     مِنَ الْعَيْشِ حَتَّى زَارَ ضِيقَ الْمَقَابِرِ وَقَدْ أَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ. وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ: قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ فَقَالَ: أَجِدُنِي كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ الْآيَةَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا احْتُضِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَمَرَ بِفَتْحِ الْأَبْوَابِ مِنْ قَصْرِهِ، فَسَمِعَ قَصَّارًا، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: قَصَّارٌ. فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتَ قَصَّارًا. فَلَمَّا بَلَغَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَوْلُهُ، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَفِرُّونَ إِلَيْنَا وَلَا نَفِرُّ إِلَيْهِمْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ جَعَلَ يَنْدَمُ وَيَضْرِبُ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَقُولُ: وَدِدْتُ أَنِّي أَكْسِبُ قُوتِي يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَاشْتَغَلْتُ بِطَاعَةِ اللَّهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ فَوَصَّاهُمْ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسَى أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا، ثُمَّ يُنْشِدُ: فَهَلْ مِنْ خَالِدٍ إِمَّا هَلَكْنَا     وَهَلْ بِالْمَوْتِ يَا لِلنَّاسِ عَارُ وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: ارْفَعُونِي، فَرَفَعُوهُ حَتَّى شَمَّ الْهَوَاءَ، وَقَالَ: يَا دُنْيَا، مَا أَطْيَبَكِ ! إِنَّ طَوِيلَكِ لَقَصِيرٌ، وَإِنَّ كَثِيرَكِ لَحَقِيرٌ، وَإِنْ كُنَّا بِكِ لَفِي غُرُورٍ. ثُمَّ تَمَثَّلَ بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ، وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَهُمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ: إِنْ تُنَاقِشْ يَكُنْ نِقَاشُكَ يَا رَبِّ     عَذَابًا لَا طَوْقَ لِي بِالْعَذَابِ أَوْ تُجَاوِزْ فَأَنْتَ رَبٌّ صَفُوحٌ     عَنْ مُسِيءٍ ذُنُوبُهُ كَالتُّرَابِ وقت وفاته قَالُوا: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدِمَشْقَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ. وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ. وَقِيلَ: الْخَمِيسِ فِي النِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ. وَقِيلَ: لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ وَلِيُّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ سِتِّينَ سَنَةً، قَالَهُ: أَبُو مَعْشَرٍ، وَصَحَّحَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَقِيلَ: ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً، قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ. وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَدُفِنَ بِبَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ. ذِكْرُ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ذِكْرُ أَوْلَادِهِ وَأَزْوَاجِهِ: مِنْهُمُ الْوَلِيدُ، وَسُلَيْمَانُ، وَمَرْوَانُ الْأَكْبَرُ - دَرَجَ - وَعَائِشَةُ، وَأُمُّهُمْ وَلَّادَةُ بِنْتُ الْعَبَّاسِ بْنِ جَزْءِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسِ بْنِ بَغِيضٍ. وَيَزِيدُ، وَمَرْوَانُ الْأَصْغَرُ، وَمُعَاوِيَةُ - دَرَجَ - وَأُمُّ كُلْثُومٍ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَهِشَامٌ، وَأُمُّهُ أُمُّ هِشَامٍ عَائِشَةُ - فِيمَا قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ - بِنْتُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ. وَأَبُو بَكْرٍ، وَاسْمُهُ بَكَّارٌ، وَأُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ، وَالْحَكَمُ - دَرَجَ - وَأُمُّهُ أُمُّ أَيُّوبَ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ الْأُمَوِيِّ، وَفَاطِمَةُ، وَأُمُّهَا الْمُغِيرَةُ بِنْتُ الْمُغِيرَةِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ. وَعَبْدُ اللَّهِ، وَمَسْلَمَةُ، وَالْمُنْذِرُ، وَعَنْبَسَةُ، وَمُحَمَّدٌ، وَسَعْدُ الْخَيْرِ، وَالْحَجَّاجُ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ شَتَّى. فَكَانَ جُمْلَةُ أَوْلَادِهِ تِسْعَةَ عَشَرَ ; ذُكُورًا وَإِنَاثًا، وَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْهَا تِسْعُ سِنِينَ مُشَارِكًا لِابْنِ الزُّبَيْرِ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَنَصِفٌ مُسْتَقِلًّا بِالْخِلَافَةِ وَحْدَهُ. وَكَانَ قَاضِيَهُ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ، وَكَاتِبُهُ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ، وَحَاجِبُهُ يُوسُفُ مَوْلَاهُ، وَصَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ وَالْخَاتَمِ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ، وَعَلَى شُرْطَتِهِ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا عُمَّالَهُ فِيمَا مَضَى. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَكَانَ لَهُ زَوْجَاتٌ أُخَرَ شَقْرَاءُ بِنْتُ سَلَمَةَ بْنِ حَلْبَسٍ الطَّائِيِّ، وَابْنَةٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ أَبِيهَا بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. ومن بعض مناقبه أَعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ وَقُلْ مَا شِئْتَ   وَقَالَ ابْنُ عَائِشَةَ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ.. قَالَ: أَعْفِنِي مِنْ أَرْبَعٍ، وَقُلْ بَعْدَهَا مَا شِئْتَ: لَا تَكْذِبْنِي؛ فَإِنَّ الْكَذُوبَ لَا رَأْيَ لَهُ، وَلَا تُجِبْنِي فِيمَا لَا أَسْأَلُكَ؛ فَإِنَّ فِيمَا أَسْأَلُكَ عَنْهُ شُغُلًا، وَلَا تُطْرِنِي، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْكَ، وَلَا تَحْمِلْنِي عَلَى الرَّعِيَّةِ؛ فَإِنِّي إِلَى الرِّفْقِ بِهِمْ أَحْوَجُ). قِسْمَةُ تَرِكَةٍ وَالنَّصِيبُ دِينَارٌ وَاحِدٌ   وَأَسْنَدَ السَّلَفِيُّ فِي «الطُّيُورِيَّاتِ»: (أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ يَوْمًا فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: تُوُفِّيَ أَخِي وَتَرَكَ سِتَّمِائَةِ دِينَارٍ، فَدُفِعَ إِلَيَّ مِنْ مِيرَاثِهِ دِينَارٌ وَاحِدٌ، فَقِيلَ: هَذَا حَقُّكِ، فَعَمِيَ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الشَّعْبِيِّ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، هَذَا تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَأُمًّا فَلَهَا السُّدْسُ مِائَةٌ، وَزَوْجَةٌ فَلَهَا الثَّمَنُ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَخًا فَلَهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَبَقِيَ لِهَذِهِ دِينَارٌ). مَيْزَاتٌ فِي الْجَوَارِي   وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «الْمُصَنَّفِ»: حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِمْيَرِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: (قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ جَارِيَةً لِلتَّلَذُّذِ... فَلْيَتَّخِذْهَا بَرْبَرِيَّةً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَهَا لِلْوَلَدِ.. فَلْيَتَّخِذْهَا فَارِسِيَّةً، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَهَا لِلْخِدْمَةِ... فَلْيَتَّخِذْهَا رُومِيَّةً). الْأَخْطَلُ هُوَ شَاعِرُ بَنِي أُمَيَّةَ [الْأَخْطَلُ هُوَ شَاعِرُ بَنِي أُمَيَّةَ]   وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: (لَمَّا أَنْشَدَ الْأَخْطَلُ كَلِمَتَهُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: شَمْسُ الْعَدَاوَةِ حَتَّى يُسْتَقَادَ لَهُمْ     وَأَعْظَمُ النَّاسِ أَحْلَامًا إِذَا قَدَرُوا قَالَ: خُذْ بِيَدِهِ يَا غُلَامُ فَأَخْرِجْهُ، ثُمَّ أَلْقِ عَلَيْهِ مِنَ الْخُلَعِ مَا يَغْمُرُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ شَاعِرًا، وَإِنَّ شَاعِرَ بَنِي أُمَيَّةَ الْأَخْطَلُ). وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: دَخَلَ الْأَخْطَلُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! صِفْ لِي السُّكَّرَ، قَالَ: أَوَّلُهُ لَذَّةٌ، وَآخِرُهُ صُدَاعٌ، وَبَيْنَ ذَلِكَ سَاعَةٌ لَا أَصِفُ لَكَ مَبْلَغَهَا، فَقَالَ: مَا مَبْلَغُهَا؟ قَالَ: لَمُلْكُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ شِسْعِ نَعْلِي، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِذَا مَا نَدِيمِي عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي     ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ خَرَجْتُ أَجُرُّ الذَّيْلَ مِنِّي كَأَنَّنِي     عَلَيْكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمِيرُ قَالَ الثَّعَالِبِيُّ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقُولُ: وُلِدْتُ فِي رَمَضَانَ، وَفُطِمْتُ فِي رَمَضَانَ، وَخَتَمْتُ الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ، وَبَلَغْتُ الْحُلُمَ فِي رَمَضَانَ، وَوُلِّيتُ فِي رَمَضَانَ، وَأَتَتْنِي الْخِلَافَةُ فِي رَمَضَانَ، وَأَخْشَى أَنْ أَمُوتَ فِي رَمَضَانَ، فَلَمَّا دَخَلَ شَوَّالُ وَأَمِنَ... مَاتَ). ذِكْرُ أَوَّلِيَّاتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ   وَقَالَ مَالِكٌ: (سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَفِتْيَانٌ مَعَهُ، كَانُوا إِذَا صَلَّى الْإِمَامُ الظُّهْرَ... قَامُوا فَصَلُّوا إِلَى الْعَصْرِ، فَقِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: لَوْ قُمْنَا فَصَلَّيْنَا كَمَا يُصَلِّي هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَإِنَّمَا الْعِبَادَةُ التَّفَكُّرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَالْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ). وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: (أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدَ الْمَلِكِ:  عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ). وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: (سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ: عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ عَلَيْهَا الْقُرْآنَ). وَقَالَ مُصْعَبٌ: (كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الدَّنَانِيرِ: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَفِي الْوَجْهِ الْآخَرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَطَوَّقَهُ بِطَوْقٍ فِضَّةٍ، وَكَتَبَ فِيهِ: ضُرِبَ بِمَدِينَةِ كَذَا، وَكَتَبَ خَارِجَ الطَّوْقِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ). وَفِي «الْأَوَائِلِ» لِلْعَسْكَرِيِّ بِسَنَدِهِ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ فِي صُدُورِ الطَّوَامِيرِ  : { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ التَّارِيخِ، فَكَتَبَ مَلِكُ الرُّومِ: إِنَّكُمْ قَدْ أَحْدَثْتُمْ فِي طَوَامِيرِكُمْ شَيْئًا مِنْ ذِكْرِ نَبِيِّكُمْ فَاتْرُكُوهُ، وَإِلَّا... أَتَاكُمْ مِنْ دَنَانِيرِنَا ذِكْرُ مَا تَكْرَهُونَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَشَاوَرَهُ، فَقَالَ: حَرِّمْ دَنَانِيرَهُمْ وَاضْرِبْ لِلنَّاسِ سِكَكًا فِيهَا ذِكْرُ اللَّهِ وَذِكْرُ رَسُولِهِ، وَلَا تُعْفِهِمْ مِمَّا يَكْرَهُونَ فِي الطَّوَامِيرِ. فَضَرَبَ الدَّنَانِيرَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ. قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: (وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ بَخِلَ: عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَانَ يُسَمَّى: رَشْحُ الْحِجَارَةِ؛ لِبُخْلِهِ، وَيُكَنَّى أَبَا الذِّبَّانِ، لِبَخَرِهِ). قَالَ: (وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَدَرَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنِ الْكَلَامِ بِحَضْرَةِ الْخُلَفَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ). ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: (كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَلَّى الْعَهْدَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بَعْدَ ابْنِهِ، فَقَتَلَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَّلَ غَدْرٍ فِي الْإِسْلَامِ)، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَا قَوْمِ لَا تَغْلِبُوا عَنْ رَأْيِكُمْ فَلَقَدْ     جَرَّبْتُمُ الْغَدْرَ مِنْ أَبْنَاءِ مَرْوَانَا أَمْسَوْا وَقَدْ قَتَلُوا عَمْرًا وَمَا رَشَدُوا     يَدْعُونَ غَدْرًا بِعَهْدِ اللَّهِ كَيْسَانَا وَيَقْتُلُونَ الرِّجَالَ الْبُزْلَ ضَاحِيَةً     لِكَيْ يُوَلُّوا أُمُورَ النَّاسِ وِلْدَانَا تَلَاعَبُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاتَّخَذُوا     هَوَاهُمُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ قُرْآنًا وَأُخْرِجَ بِإِسْنَادٍ فِيهِ الْكُدَيْمِيُّ - وَهُوَ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ - عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَامَ حَجَّ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: (أَمَّا بَعْدُ: فَلَسْتُ بِالْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضْعَفِ - يَعْنِي: عُثْمَانَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمُدَاهِنِ - يَعْنِي: مُعَاوِيَةَ - وَلَا الْخَلِيفَةِ الْمَأْفُونِ - يَعْنِي: يَزِيدَ - أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلِي مِنَ الْخُلَفَاءِ كَانُوا يَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَمْوَالِ، أَلَا وَإِنِّي لَا أُدَاوِي أَدْوَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا بِالسَّيْفِ حَتَّى تَسْتَقِيمَ لِي قَنَاتُكُمْ، تُكَلِّفُونَا أَعْمَالَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَلَا تَعْمَلُونَ مِثْلَ أَعْمَالِهِمْ؟! فَلَنْ تَزْدَادُوا إِلَّا عُقُوبَةً حَتَّى يَحْكُمَ السَّيْفُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. هَذَا عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ قَرَابَتُهُ، وَمَوْضِعُهُ مَوْضِعُهُ، قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا، فَقُلْنَا بِأَسْيَافِنَا هَكَذَا، أَلَا وَإِنَّا نَحْمِلُ لَكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، إِلَّا وُثُوبًا عَلَى مِنْبَرٍ، أَوْ نَصْبَ رَايَةٍ، أَلَا وَإِنَّ الْجَامِعَةَ الَّتِي جَعَلْتُهَا فِي عُنُقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عِنْدِي، وَاللَّهِ لَا يَفْعَلُ أَحَدٌ فِعْلَهُ إِلَّا جَعَلْتُهَا فِي عُنُقِهِ، وَاللَّهِ لَا يَأْمُرُنِي أَحَدٌ بِتَقْوَى اللَّهِ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا.. إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ) ثُمَّ نَزَلَ. ثُمَّ قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: (وَعَبْدُ الْمَلِكِ أَوَّلُ مَنْ نَقَلَ الدِّيوَانَ مِنَ الْفَارِسِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَأَوَّلُ مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْمِنْبَرِ). قُلْتُ: فَتَمَّتْ لَهُ عَشْرَةٌ أَوَائِلُ؛ مِنْهَا خَمْسَةٌ مَذْمُومَةٌ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «الْمُصَنَّفَ» بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْأَذَانَ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى: بَنُو مَرْوَانَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدَ الْمَلِكِ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أَوْلَادِهِ). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: (أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ الدِّيبَاجَ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ، وَإِنَّ مَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَالُوا: أَصَابَ، مَا نَعْلَمُ لَهَا مِنْ كِسْوَةٍ أَوْفَقُ مِنْهُ). وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ: (كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا قَعَدَ لِلْحُكْمِ... قُيِّمَ عَلَى رَأْسِهِ بِالسُّيُوفِ). وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: (قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ عَجِلَ عَلَيْكَ الشَّيْبُ؟ فَقَالَ: وَكَيْفَ لَا؛ وَأَنَا أَعْرِضُ عَقْلِي عَلَى النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ؟!). وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الزِّيَادِيُّ: (قِيلَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ تَوَاضَعَ عَنْ رِفْعَةٍ، وَزَهِدَ عَنْ قُدْرَةٍ، وَأَنْصَفَ عَنْ قُوَّةٍ).

  264. التاريخ 2355لا حكم مسجّل

    سيرة الوليد بن عبد الملك خِلَافَةُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ [86 - 96 هـ]   أَبُو الْعَبَّاسِ، قَالَ الْعِيشِيُّ: (كَانَ أَبَوَاهُ يُتْرِفَانِهِ، فَشَبَّ بِلَا أَدَبٍ). قَالَ رَوْحُ بْنُ زِنْبَاعٍ: (دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ - وَهُوَ مَهْمُومٌ - فَقَالَ: فَكَّرْتُ فِيمَنْ أُوَلِّيهِ أَمْرَ الْعَرَبِ، فَلَمْ أَجِدْهُ، فَقُلْتُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْوَلِيدِ؟ قَالَ: إِنَّهُ لَا يُحْسِنُ النَّحْوَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ الْوَلِيدُ، فَقَامَ مِنْ سَاعَتِهِ وَجَمَعَ أَصْحَابَ النَّحْوِ، وَجَلَسَ مَعَهُمْ فِي بَيْتٍ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ خَرَجَ وَهُوَ أَجْهَلُ مِمَّا كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ أَعْذَرَ). وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: (كَانَ الْوَلِيدُ لَحَّانًا، قَالَ عَلَى مِنْبَرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ). وَقَالَ أَبُو عِكْرِمَةَ الضَّبِّيُّ: قَرَأَ الْوَلِيدُ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا لَيْتُهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ وَتَحْتَ الْمِنْبَرِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَدِدْتُهَا وَاللَّهِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا ظَالِمًا. وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ» عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْوَلِيدُ بِالشَّامِ، وَالْحَجَّاجُ بِالْعِرَاقِ، وَعُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ بِالْحِجَازِ، وَقُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ بِمِصْرَ؛ امْتَلَأَتِ الْأَرْضُ وَاللَّهِ جَوْرًا). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَبِي زُرْعَةَ، أَنَّ الْوَلِيدَ قَالَ لَهُ: أَيُحَاسَبُ الْخَلِيفَةُ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ أَمْ دَاوُدُ؟ إِنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: { يَا دَاوُدُ } الْآيَةَ. لَكِنَّهُ أَقَامَ الْجِهَادَ فِي أَيَّامِهِ، وَفُتِحَتْ فِي خِلَافَتِهِ فُتُوحَاتٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَخْتِنُ الْأَيْتَامَ، وَيُرَتِّبُ لَهُمُ الْمُؤَدِّبِينَ، وَيُرَتِّبُ لِلزَّمْنَى مَنْ يَخْدِمُهُمْ، وَلِلْأَضِرَّاءِ مَنْ يَقُودُهُمْ، وَعَمَّرَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ وَوَسَّعَهُ، وَرَزَقَ الْفُقَهَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ سُؤَالَ النَّاسِ، وَفَرَضَ لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ، وَضَبَطَ الْأُمُورَ أَتَمَّ ضَبْطٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: (رَحِمَ اللَّهُ الْوَلِيدَ، وَأَيْنَ مِثْلُ الْوَلِيدِ؟! افْتَتَحَ الْهِنْدَ وَالْأَنْدَلُسَ، وَبَنَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ، وَكَانَ يُعْطِينِي قِصَاعَ الْفِضَّةِ أُقَسِّمُهَا عَلَى قُرَّاءِ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ). مبايعة الوليد بالخلافة خِلَافَةُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ دَفْنِ أَبِيهِ خَارِجَ بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ - وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ: الْجُمْعَةِ. لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ - لَمْ يَدْخُلِ الْمَنْزِلَ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ - مِنْبَرَ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ بِدِمَشْقَ - فَخَطَبَ النَّاسَ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مُصِيبَتِنَا بِمَوْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْنَا مِنَ الْخِلَافَةِ، قُومُوا فَبَايِعُوا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَامَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَمَّامٍ السَّلُولِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَعْطَاكَ الَّتِي لَا فَوْقَهَا وَقَدْ أَرَادَ الْمُلْحِدُونَ عَوْقَهَا     عَنْكَ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا سَوْقَهَا إِلَيْكَ حَتَّى قَلَّدُوكَ طَوْقَهَا ثُمَّ بَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بَعْدَهُ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ: أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا مُقَدِّمَ لِمَا أَخَّرَ اللَّهُ، وَلَا مُؤَخِّرَ لِمَا قَدَّمَ اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ قَضَاءِ اللَّهِ وَسَابِقَتِهِ، وَمَا كَتَبَهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَحَمَلَةِ عَرْشِهِ وَمَلَائِكَتِهِ الْمَوْتُ، وَقَدْ صَارَ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِمَا لَاقَى فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ - يَعْنِي بِالَّذِي يَحِقُّ لِلَّهِ عَلَيْهِ - مِنَ الشِّدَّةِ عَلَى الْمُرِيبِ، وَاللَّيِّنِ لِأَهْلِ الْحَقِّ وَالْفَضْلِ، وَإِقَامَةِ مَا أَقَامَ اللَّهُ مِنْ مَنَارِ الْإِسْلَامِ، وَإِعْلَائِهِ مِنْ حَجِّ هَذَا الْبَيْتِ، وَغَزْوِ هَذِهِ الثُّغُورِ، وَشَنِّ هَذِهِ الْغَارَاتِ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ يَكُنْ عَاجِزًا وَلَا مُفَرِّطًا، أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَرْدِ، أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ أَبْدَى لَنَا ذَاتَ نَفْسِهِ ضَرَبْنَا الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ، وَمَنْ سَكَتَ مَاتَ بِدَائِهِ، ثُمَّ نَزَلَ فَنَظَرَ إِلَى مَا كَانَ مِنْ دَوَابِّ الْخِلَافَةِ، فَحَازَهَا وَكَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا. محاسن ومناقب الوليد بن عبد الملك وَالْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَدْ كَانَ صَيِّنًا فِي نَفْسِهِ، حَازِمًا فِي رَأْيِهِ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَا تُعْرَفُ لَهُ صَبْوَةٌ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَحَاسِنِهِ مَا صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَصَّ عَلَيْنَا قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ فِي كِتَابِهِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ ذَكَرًا يَأْتِي ذَكَرًا كَمَا تُؤْتَى النِّسَاءُ. كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي تَرْجَمَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ الَّذِي لَا يُعْرَفُ فِي الْآفَاقِ أَحْسَنُ بِنَاءً مِنْهُ، وَقَدْ شَرَعَ فِي بِنَائِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي بِنَائِهِ وَتَحْسِينِهِ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ، وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ فَلَمَّا أَنْهَاهُ انْتَهَتْ أَيَّامُ خِلَافَتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا، وَقَدْ كَانَ مَوْضِعُ هَذَا الْمَسْجِدِ كَنِيسَةً يُقَالُ لَهَا: كَنِيسَةُ يُوحَنَّا، فَلَمَّا فَتَحَتِ الصَّحَابَةُ دِمَشْقَ جَعَلُوهَا مُنَاصَفَةً، فَأَخَذُوا مِنْهَا الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ فَحَوَّلُوهُ مَسْجِدًا، وَبَقِيَ الْجَانِبُ الْغَرْبِيُّ كَنِيسَةً بِحَالِهِ مِنْ لَدُنْ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَعَزَمَ الْوَلِيدُ عَلَى أَخْذِ بَقِيَّةِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ مِنْهُمْ، وَعَوَّضَهُمْ عَنْهَا كَنِيسَةَ مَرْيَمَ لِدُخُولِهَا فِي جَانِبِ السَّيْفِ، وَقِيلَ: عَوَّضَهُمْ عَنْهَا كَنِيسَةَ تُومَا، وَهَدَمَ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ وَأَضَافَهَا إِلَى مَسْجِدِ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَ الْجَمِيعَ مَسْجِدًا وَاحِدًا، عَلَى هَيْئَةٍ بَدِيعَةٍ لَا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ لَهَا نَظِيرًا فِي الْبُنْيَانِ وَالدِّيَارَاتِ وَالْآثَارِ وَالْعِمَارَاتِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  265. التاريخ 2356لا حكم مسجّل

    أَرْطَاةُ بْنُ زُفَرَ وَمِمَّنْ يُذْكَرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَقْرِيبًا أَرْطَاةُ بْنُ زُفَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ عَقْفَانَ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ نُشْبَةَ بْنِ غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ، أَبُو الْوَلِيدِ الْمُرِّيُّ وَيُعْرَفُ بِابْنِ سُهَيَّةَ، وَهِيَ أُمُّهُ بَنَتُ زَامِلِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَدِيجِ بْنِ أَبِي جُشَمَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَوْفٍ، سَبِيَّةٌ مِنْ كَلْبٍ، وَكَانَتْ عِنْدَ ضِرَارِ بْنِ الْأَزْوَرِ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى زُفَرَ - وَهِيَ حَامِلٌ - فَأَتَتْ بِأَرْطَاةَ عَلَى فِرَاشِهِ، وَقَدْ عُمِّرَ أَرْطَاةُ دَهْرًا طَوِيلًا حَتَّى جَاوَزَ الْمِائَةَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ سَيِّدًا شَرِيفًا مُطَاعًا مُمَدَّحًا شَاعِرًا مُطْبِقًا. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَيُقَالُ: إِنَّ بَنِي عَقْفَانَ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ دِعْبِسٍ، دَخَلُوا فِي بَنِي مُرَّةَ بْنِ نُشْبَةَ، فَقَالُوا: بَنِي عَقْفَانَ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ مُرَّةَ. وَقَدْ وَفَدَ أَبُو الْوَلِيدِ أَرْطَاةُ بْنُ زُفَرَ هَذَا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَأَنْشَدَهُ أَبْيَاتًا: رَأَيْتُ الْمَرْءَ تَأْكُلُهُ اللَّيَالِي كَأَكْلِ الْأَرْضِ سَاقِطَةَ الْحَدِيدِ     وَمَا تُبْقِي الْمَنِيَّةُ حِينَ تَأْتِي عَلَى نَفْسِ ابْنِ آدَمَ مِنْ مَزِيدِ     وَأَعْلَمُ أَنَّهَا سَتَكُرُّ حَتَّى تُوُفِّيَ نَذْرَهَا بِأَبِي الْوَلِيدِ قَالَ: فَارْتَاعَ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَظَنَّ أَنَّهُ عَنَاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا عَنَيْتُ نَفْسِي، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَأَنَا وَاللَّهِ سَيَمُرُّ بِي الَّذِي يَمُرُّ بِكَ. وَزَادَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: خُلِقْنَا أَنْفُسًا وَبَنِي نُفُوسٍ     وَلَسْنَا بِالسَّلَامِ وَلَا الْحَدِيدِ لَئِنْ فُجِّعْتُ بِالْقُرَنَاءِ يَوْمًا     لَقَدْ مُتِّعْتُ بِالْأَمَلِ الْبَعِيدِ وَهُوَ الْقَائِلُ: وَإِنِّي لَقَوَّامٌ لَدَى الضَّيْفِ مُوهِنًا     إِذَا أَسْبَلَ السِّتْرَ الْبَخِيلُ الْمُوَاكِلُ دَعَا فَأَجَابَتْهُ كِلَابٌ كَثِيرَةٌ     عَلَى ثِقَةٍ مِنِّي بِأَنِّي فَاعِلُ وَمَا دُونَ ضَيْفِي مِنْ تِلَادٍ تَحُوزُهُ     لِيَ النَّفْسُ إِلَّا أَنْ تُصَانَ الْحَلَائِلُ يُونُسُ بْنُ عَطِيَّةَ الْحَضْرَمِيُّ يُونُسُ بْنُ عَطِيَّةَ الْحَضْرَمِيُّ قَاضِي مِصْرَ، وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، ثُمَّ تَوَلَّى بَعْدَهُ الْقَضَاءَ ابْنُ أَخِيهِ أَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ   كَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا أُوتِيَ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ، وَعُقُولُ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ زَمَانِهِمْ، وَقَالَ: إِذَا اسْتَوَتْ سَرِيرَةُ الْعَبْدِ وَعَلَانِيَتُهُ قَالَ اللَّهُ: هَذَا عَبْدِي حَقًّا. وَقَالَ: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى مَرِيضٍ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَدْعُوَ لَكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ حُرِّكَ - أَيْ: قَدْ أُوقِظَ مِنْ غَفْلَتِهِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ - فَدُعَاؤُهُ مُسْتَجَابٌ مِنْ أَجْلِ كَسْرِهِ وَرِقَّةِ قَلْبِهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَقْبَحَ مَا طُلِبَتْ بِهِ الدُّنْيَا عَمَلُ الْآخِرَةِ. وَقَالَ لِبَعْضِ إِخْوَانِهِ: إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَيَّ حَاجَةٌ، فَلَا تُكَلِّمْنِي فِيهَا ; فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى ذُلَّ السُّؤَالِ فِي وَجْهِكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْهَا فِي رُقْعَةٍ وَارْفَعْهَا. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْمَوْتَ قَدْ أَفْسَدَ عَلَى أَهْلِ النِّعَمِ نَعِيمَهُمْ، فَاطْلُبُوا نَعِيمًا لَا مَوْتَ فِيهِ. وَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ مَتَى أَجَلِي، لَخَشِيتُ عَلَى ذَهَابِ عَقْلِي، وَلَكِنَّ اللَّهَ مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالْغَفْلَةِ عَنِ الْمَوْتِ، وَلَوْلَا الْغَفْلَةُ لَمَا تَهَنَّوْا بِعَيْشٍ، وَلَا قَامَتْ بَيْنَهُمُ الْأَسْوَاقُ. وَكَانَ مُطَرِّفٌ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ، سَبَّحَتْ مَعَهُ آنِيَةُ بَيْتِهِ. وَكَانَ يَسْكُنُ الْبَادِيَةَ، وَيَجِيءُ مِنْهَا إِلَى الْجُمْعَةِ مُبَكِّرًا، فَمَرَّ مَرَّةً بِمَقْبَرَةٍ، فَنَعَسَ فَنَامَ عِنْدَ الْقُبُورِ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ أَهْلَ الْقُبُورِ عَلَى أَفْوَاهِ قُبُورِهِمْ، فَقَالُوا: هَذَا مُطَرِّفٌ يَذْهَبُ إِلَى الْجُمْعَةِ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: وَتَعْرِفُونَ الْجُمْعَةَ مِنْ غَيْرِهَا ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَنَعْرِفُ مَا يَقُولُ الطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا تَقُولُ ؟ قَالُوا: تَقُولُ: سَلَامٌ سَلَامٌ لِيَوْمٍ صَالِحٍ. وَكَانَ يَقُولُ: يَا إِخْوَتَاهُ، اجْتَهِدُوا فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ; فَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ كَمَا نَرْجُو مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، كَانَ لَنَا دَرَجَاتٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ يَكُنِ الْأَمْرُ شَدِيدًا كَمَا نَخَافُ لَمْ نَقُلْ: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ نَقُولُ: قَدْ عَمِلْنَا فَلَمْ يَنْفَعْنَا. وَكَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ ارْضَ عَنَّا، فَإِنْ لَمْ تَرْضَ عَنَّا، فَاعْفُ عَنَّا، فَإِنَّ الْمَوْلَى قَدْ يَعْفُو عَنِ الْعَبْدِ، وَهُوَ عَنْهُ غَيْرُ رَاضٍ. وَكَانَ مُطَرِّفٌ قَدْ حَفَرَ فِي دَارِهِ قَبْرًا، كَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَنْزِلُ إِلَيْهِ، فَيُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ. تُوُفِّيَ مُطَرِّفٌ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ، وَكَانَ هُوَ مِنْ أَرْشَدِ النَّاسِ فِيهِمْ، وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ ; كَذَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ عِنْدَ بَعْضِ الْأُمَرَاءِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: يَا هَذَا، إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا عَجَّلَ اللَّهُ حَتْفَكَ. فَوَقَعَ الرَّجُلُ مَيِّتًا مَكَانَهُ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيّ وَفِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَاتَ أُسَيْدُ بْنُ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيُّ  . ( أُسَيْدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ. وَظُهَيْرٌ بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ). وَفِيهَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ سَلَمَةَ  . وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ  . سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ  ، وَوُلِدَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ. سَلَمَةُ بْنُ أُمِّ سَلَمَةَ وَفِي أَيَّامِهِ مَاتَ سَلَمَةُ بْنُ أُمِّ سَلَمَةَ  رَبِيبُ النَّبِيِّ ﷺ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الْأَسْلَمِيُّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى الْأَسْلَمِيُّ  ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ. الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ وَفِي آخِرِ أَيَّامِهِ مَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيُّ  ، وَوُلِدَ فِي آخِرِ زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ أَبُو مِجْلَزٍ السَّدُوسِيُّ  . أَبُو أُمَامَةُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ الْبَاهِلِيُّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ أَبُو أُمَامَةُ صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيُّ فِي قَوْلٍ شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِمِصْرَ، وَلَهُ أَحَادِيثُ.

  266. التاريخ 2357لا حكم مسجّل

    تولية عمر بن عبد العزيز إمرة المدينة ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ فَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ  ، وَوَلَّى عَلَيْهَا ابْنَ عَمِّهِ وَزَوْجَ أُخْتِهِ - فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ - عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَدَخَلَهَا فِي ثَلَاثِينَ بَعِيرًا فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَنَزَلَ دَارَ مَرْوَانَ وَجَاءَ النَّاسُ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ - وَعَمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً - فَلَمَّا صَلَّى الظَّهْرَ دَعَا عَشَرَةً مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتَبَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَجَلَسُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي إِنَّمَا دَعَوْتُكُمْ لِأَمْرٍ تُؤْجَرُونَ عَلَيْهِ، وَتَكُونُونَ فِيهِ أَعْوَانًا عَلَى الْحَقِّ، إِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَقْطَعَ أَمْرًا إِلَّا بِرَأْيِكُمْ، أَوْ بِرَأْيِ مَنْ حَضَرَ مِنْكُمْ، فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَحَدًا يَتَعَدَّى، أَوْ بَلَغَكُمْ عَنْ عَامِلٍ لِي ظُلَامَةٌ، فَأُحَرِّجُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَبْلَغَنِي، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ يَجْزُونَهُ خَيْرًا، وَافْتَرَقُوا عَلَى ذَلِكَ. كتاب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يقف هشام بن إسماعيل للناس وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِأَنْ يُوقِفَ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ لِلنَّاسِ عِنْدَ دَارِ مَرْوَانَ، وَكَانَ سَيِّئَ الرَّأْيِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَسَاءَ إِلَى النَّاسِ بِالْمَدِينَةِ فِي مُدَّةِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَكَانَتْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، وَلَا سِيَّمَا إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَإِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمَّا أُوقِفَ لِلنَّاسِ قَالَ هِشَامٌ: مَا أَخَافُ إِلَّا مِنْ سَعِيدٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لِابْنِهِ وَمَوَالِيهِ: لَا يَعْرِضُ مِنْكُمْ أَحَدٌ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَإِنِّي تَرَكْتُ ذَلِكَ لِلَّهِ وَلِلرَّحِمِ، وَأَمَّا كَلَامُهُ فَلَا أُكَلِّمُهُ أَبَدًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَإِنَّهُ مَرَّ بِهِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ عِنْدَ دَارِ مَرْوَانَ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى خَاصَّتِهِ أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَتَجَاوَزَهُ، نَادَاهُ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ: " اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ ". غزو مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِلَادَ الرُّومِ  فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، وَغَنِمَ غَنَائِمَ جَمَّةً، وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي غَزَا بِلَادَ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفَتَحَ حِصْنَ بِوَلْقَ، وَحِصْنَ الْأَخْرَمِ، وَبُحَيْرَةَ الْفُرْسَانِ، وَحِصْنَ بُولَسَ وَقُمَيْقِمَ، وَقَتَلَ مِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ، وَسَبَى ذَرَّارِيَّهُمْ. صُلْحِ قُتَيْبَةَ وَنِيزَكَ وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بِلَادَ التُّرْكِ، وَصَالَحَهُ مَلِكُهُمْ نَيْزَكُ عَلَى مَالٍ جَزِيلٍ، وَعَلَى أَنْ يُطْلِقَ كُلَّ مَنْ بِبِلَادِهِ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ. غزو قتيبة بيكند وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بِيكَنْدَ  فَاجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْأَتْرَاكِ عِنْدَهَا بَشَرٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ بُخَارَى فَلَمَّا نَزَلَ بِأَرْضِهِمُ اسْتَنْجَدُوا عَلَيْهِ بِأَهْلِ الصَّغْدِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَأَتَوْهُمُ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، فَأَخَذُوا عَلَى قُتَيْبَةَ الطُّرُقَ وَالْمَضَايِقَ، فَتَوَاقَفَ هُوَ وَهُمْ قَرِيبًا مِنْ شَهْرَيْنِ، وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا، وَلَا يَأْتِيَهُ مِنْ جِهَتِهِمْ رَسُولٌ، وَأَبْطَأَ خَبَرُهُ عَلَى الْحَجَّاجِ حَتَّى خَافَ عَلَيْهِ، وَأَشْفَقَ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كَثْرَةِ الْأَعْدَاءِ مِنَ التُّرْكِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى الْأَمْصَارِ. وَقَدْ كَانَ قُتَيْبَةُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَتِلُونَ مَعَ التُّرْكِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَكَانَ لِقُتَيْبَةَ عَيْنٌ مِنَ الْعَجَمِ يُقَالُ لَهُ: تَنْدُرُ، فَأَعْطَاهُ أَهْلُ بُخَارَى مَالًا جَزِيلًا عَلَى أَنْ يَأْتِيَ قُتَيْبَةَ فَيُخَذِّلَهُ عَنْهُمْ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: أَخْلِنِي، فَأَخْلَاهُ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ سِوَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَقَالَ لَهُ تَنْدُرُ: هَذَا عَامِلٌ يَقْدَمُ عَلَيْكَ سَرِيعًا بِعَزْلِ الْحَجَّاجِ، فَلَوِ انْصَرَفْتَ بِالنَّاسِ إِلَى مَرْوَ. فَقَالَ قُتَيْبَةُ لِمَوْلَاهُ سِيَاهٍ: اضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَالَ قُتَيْبَةُ لِضِرَارٍ: لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ سَمِعَ هَذَا غَيْرِي وَغَيْرُكَ، وَإِنِّي أُعْطِي اللَّهَ عَهْدًا إِنْ ظَهَرَ هَذَا الْخَبَرُ حَتَّى يَنْقَضِيَ حَرْبُنَا لَأُلْحِقَنَّكَ بِهِ، فَامْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، فَإِنَّ انْتِشَارَ هَذَا يَفُتُّ فِي أَعْضَادِ النَّاسِ، ثُمَّ نَهَضَ قُتَيْبَةُ فَحَرَّضَ النَّاسَ عَلَى الْحَرْبِ، وَوَقَفَ عَلَى أَصْحَابِ الرَّايَاتِ يُحَرِّضُهُمْ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الصَّبْرَ، فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ، فَهُزِمَتِ التُّرْكُ هَزِيمَةً عَظِيمَةً، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ فِيهِمْ، وَيَأْسِرُونَ مَا شَاءُوا، وَاعْتَصَمَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بِالْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ قُتَيْبَةُ الْفَعَلَةُ بِهَدْمِهَا، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ عَلَى مَالٍ عَظِيمٍ فَصَالَحَهُمْ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ، وَعِنْدَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْجَيْشِ، ثُمَّ سَارَ رَاجِعًا، فَلَمَّا كَانَ مِنْهُمْ عَلَى خَمْسِ مَرَاحِلَ نَقَضُوا الْعَهْدَ، وَقَتَلُوا الْأَمِيرَ، وَجَدَعُوا أُنُوفَ مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَحَاصَرَهَا شَهْرًا، وَأَمَرَ النَّقَّابِينَ وَالْفَعَلَةَ فَعَلَّقُوا سُورَهَا عَلَى الْخَشَبِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُضْرِمَ النَّارَ فِيهَا، فَسَقَطَ السُّورُ، فَقَتَلَ مِنَ الْفِعْلَةِ أَرْبَعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلُوهُ الصُّلْحَ فَأَبَى، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى افْتَتَحَهَا، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَغَنِمَ الْأَمْوَالَ. وَكَانَ الَّذِي أَلَّبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ أَعْوَرُ مِنْهُمْ، فَأُسِرَ فَقَالَ: أَنَا أَفْتَدِي نَفْسِي بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ صِينِيَّةٍ، قِيمَتُهَا أَلْفُ أَلْفٍ، فَأَشَارَ الْأُمَرَاءُ عَلَى قُتَيْبَةَ بِقَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ قُتَيْبَةُ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرَوِّعُ بِكَ مُسْلِمًا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَقَدْ غَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بِيكَنْدَ شَيْئًا كَثِيرًا مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْأَصْنَامِ مِنَ الذَّهَبِ، وَكَانَ فِيهَا صَنَمٌ سُبِكَ فَخَرَجَ مِنْهُ مِائَةُ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَوَجَدُوا فِي خَزَائِنِ الْمَلِكِ أَمْوَالًا كَثِيرَةً وَسِلَاحًا كَثِيرًا وَعِدَدًا مُتَنَوِّعَةً، وَجَوَاهِرَ نَفِيسَةً، وَأَخَذُوا مِنَ السَّبْيِ شَيْئًا كَثِيرًا، فَكَتَبَ قُتَيْبَةُ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي أَنْ يُعْطِيَ ذَلِكَ لِلْجُنْدِ، فَأَذِنَ لَهُ فَتَمَوَّلَ الْمُسْلِمُونَ مَالًا كَثِيرًا جِدًّا، وَصَارَتْ لَهُمْ أَسْلِحَةٌ وَعِدَدٌ، وَتَقْوَّوْا عَلَى الْأَعْدَاءِ قُوَّةً عَظِيمَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. من حج بالناس في هذه السنة وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ نَائِبُ الْمَدِينَةِ، وَقَاضِيهِ بِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ، وَنَائِبُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ، وَقَاضِيهِ بِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَعَامِلُهُ عَلَى الْحَرْبِ بِالْكُوفَةِ زِيَادُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَقَاضِيهِ بِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَنَائِبُهُ عَلَى خُرَاسَانَ وَأَعْمَالِهَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ.

  267. التاريخ 2358لا حكم مسجّل

    عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ  صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، نَزَلَ حِمْصَ، يُرْوَى أَنَّهُ شَهِدَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَعَنِ الْعِرْبَاضِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: هُوَ خَيْرٌ مِنِّي ; أَسْلَمَ قَبْلِي بِسَنَةٍ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَعْدَ التِّسْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ، وعَنْ عُتْبَةَ بْنَ عَبْدٍ السُّلَمِيُّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ لَحَقَرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: اشْتَكَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعُرْيَ، فَكَسَانِي خَيْشَتَيْنِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي أَلْبَسُهُمَا، وَأَنَا أَكْسَى أَصْحَابِي. الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِ يَكْرِبَ  صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، نَزَلَ حِمْصَ أَيْضًا، لَهُ أَحَادِيثُ، وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَالْفَلَّاسُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ: تُوُفِّيَ بَعْدَ التِّسْعِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَبُو سُفْيَانَ الْخُزَاعِيُّ الْمَدَنِيُّ وُلِدَ عَامَ الْفَتْحِ، وَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ لِيَدْعُوَ لَهُ. رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذَنٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْكُتُبَ إِذَا وَرَدَتْ مِنَ الْبِلَادِ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَيُخْبِرُهُ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْبِلَادِ فِيهَا، وَكَانَ صَاحِبَ سِرِّهِ، وَكَانَ لَهُ دَارٌ بِدِمَشْقَ بِبَابِ الْبَرِيدِ، وَتُوُفِّيَ بِدِمَشْقَ. عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عُرْوَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَلِيَ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ لِلْحَجَّاجِ، وَكَانَ شَرِيفًا لَبِيبًا مُطَاعًا فِي النَّاسِ، وَكَانَ أَحْوَلَ، تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ. يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ كَانَ قَاضِيَ مَرْوَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمَصَاحِفَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ النَّاسِ وَعُلَمَائِهِمْ، وَلَهُ أَحْوَالٌ وَمُعَامَلَاتٌ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُصَحَاءِ، أَخَذَ الْعَرَبِيَّةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ. شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ شُرَيْحُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ الْقَاضِي أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَاسْتَقْضَاهُ عُمَرُ عَلَى الْكُوفَةِ، فَمَكَثَ بِهَا قَاضِيًا خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَ عَالِمًا عَادِلًا كَثِيرَ الْخَيْرِ، حَسَنَ الْأَخْلَاقِ، فِيهِ دُعَابَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ كَوْسَجًا لَا شَعْرَ بِوَجْهِهِ وَكَذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ. وَقَدْ تَرْجَمْنَاهُ فِي " التَّكْمِيلِ " بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ وَسِنِّهِ وَعَامِ وَفَاتِهِ عَلَى أَقْوَالٍ، وَرَجَّحَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَفَاتَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَبُو سَعْدٍ الْقُرَشِيُّ نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ، أَبُو سَعْدٍ الْقُرَشِيُّ  : قَالَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ نَوْفَلُ بْنُ مُسَاحِقٍ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَكَانَتْ لَهُ نَاجِيَةٌ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ يُعْجِبُهُ الْحَمَّامُ وَيَتَّخِذُهُ لَهُ وَيَطِيرُ لَهُ، فَأُدْخِلَ نَوْفَلٌ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدُ الْحَمَّامِ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: إِنِّي خَصَصْتُكَ بِهَذَا الْمَدْخَلِ لِأُنْسَى بِكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ إِنَّكَ مَا خَصَصْتِنِي وَلَكِنَّ خَسَسْتَنِي، إِنَّمَا هَذِهِ عَوْرَةٌ، وَلَيْسَ مِثْلِي يَدْخُلُ عَلَى مِثْلِ هَذَا. فَسَيَّرَهُ [إِلَى] الْمَدِينَةِ وَغَضِبَ عَلَيْهِ. وَكَانَ يَلِي الْمَسَاعِيَ، فَأَخَذَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ فِي الْحِسَابِ. فَقَالَ: أَيْنَ الْغَنَمُ؟ قَالَ: أَكَلْنَاهَا بِالْخُبْزِ، قَالَ: فَأَيْنَ الْإِبِلُ؟ قَالَ: حَمَلْنَا عَلَيْهَا الرِّحَالَ. وَكَانَ لَا يَرْفَعُ لِلْأُمَرَاءِ مِنَ الْمَسَاعِي شَيْئًا يُقَسِّمُهَا وَيُطْعِمُهَا، وَكَانَ ابْنُهُ مِنْ بَعْدِهِ سَعْدُ بْنُ نَوْفَلٍ يَسْعَى عَلَى الصَّدَقَاتِ.

  268. التاريخ 2359لا حكم مسجّل

    فتح طوانة من بلد الروم ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ فِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ  وَابْنُ أَخِيهِ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَافْتَتَحَا بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِصْنَ طُوَانَةَ فِي جُمَادَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ حِصْنًا مَنِيعًا اقْتَتَلَ النَّاسُ عِنْدَهُ قِتَالًا عَظِيمًا، ثُمَّ حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى النَّصَارَى، فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى أَدْخَلُوهُمُ الْكَنِيسَةَ، ثُمَّ خَرَجَتِ النَّصَارَى فَحَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِي مَوْقِفِهِ إِلَّا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَمَعَهُ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ الْجُمَحِيُّ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِابْنِ مُحَيْرِيزٍ: أَيْنَ قُرَّاءُ الْقُرْآنِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ: نَادِهِمْ يَأْتُوكَ. فَنَادَى: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ. فَتَرَاجَعَ النَّاسُ، فَحَمَلُوا عَلَى النَّصَارَى فَكَسَرُوهُمْ، وَلَجَأُوا إِلَى الْحِصْنِ، فَحَاصَرُوهُمْ حَتَّى فَتَحُوهُ. عمارة مسجد النبي ﷺ وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ كِتَابُ الْوَلِيدِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالْمَدِينَةِ، يَأْمُرُهُ بِهَدْمِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَإِضَافَةِ حُجَرِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ  ، وَأَنْ يُوَسِّعَهُ مِنْ قِبْلَتِهِ وَسَائِرِ نَوَاحِيهِ، حَتَّى يَكُونَ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ فِي مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، فَمَنْ بَاعَكَ مِلْكَهُ فَاشْتَرِ مِنْهُ، وَإِلَّا فَقَوِّمْهُ لَهُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اهْدِمْ، وَادْفَعْ إِلَيْهِمْ أَثْمَانَ بُيُوتِهِمْ، فَإِنَّ لَكَ فِي ذَلِكَ سَلَفَ صِدْقٍ; عُمَرَ وَعُثْمَانَ. فَجَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وُجُوهَ النَّاسِ، وَالْفُقَهَاءَ الْعَشَرَةَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْوَلِيدِ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَالُوا: هَذِهِ حُجَرٌ قَصِيرَةُ السُّقُوفِ، وَسُقُوفُهَا مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ، وَحِيطَانُهَا مِنَ اللَّبِنِ، وَعَلَى أَبْوَابِهَا الْمُسُوحُ، وَتَرْكُهَا عَلَى حَالِهَا أَوْلَى; لِيَنْظُرَ إِلَيْهَا الْحُجَّاجُ وَالزُّوَّارُ وَالْمُسَافِرُونَ، وَإِلَى بُيُوتِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ وَيَعْتَبِرُوا بِهِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ أَدْعَى لَهُمْ إِلَى الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يُعَمِّرُونَ فِيهَا إِلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ مَا يَسْتُرُ وَيُكِنُّ، وَيَعْرِفُونَ أَنَّ هَذَا الْبُنْيَانَ الْعَالِيَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْفَرَاعِنَةِ وَالْأَكَاسِرَةِ، وَكُلِّ طَوِيلِ الْأَمَلِ رَاغِبٍ فِي الدُّنْيَا وَفِي الْخُلُودِ فِيهَا. فَعِنْدَ ذَلِكَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْوَلِيدِ بِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ الْعَشَرَةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخَرَابِ وَبِنَاءِ الْمَسْجِدِ عَلَى مَا ذَكَرَ، وَأَنْ يُعَلِّيَ سُقُوفَهُ، فَلَمْ يَجِدْ عُمَرُ بُدًّا مِنْ هَدْمِهَا، وَلَمَّا شَرَعُوا فِي الْهَدْمِ صَاحَ الْأَشْرَافُ وَوُجُوهُ النَّاسِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، وَتَبَاكَوْا مِثْلَ يَوْمِ مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَجَابَ مَنْ لَهُ مِلْكٌ مُتَاخِمٌ لِلْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ، وَشَرَعَ فِي بِنَائِهِ، وَشَمَّرَ عَنْ إِزَارِهِ، وَاجْتَهَدَ فِي ذَلِكَ، وَجَاءَتْهُ فُعُولٌ كَثِيرَةٌ مِنْ قِبَلِ الْوَلِيدِ، فَأَدْخَلَ فِيهِ الْحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ، حُجْرَةَ عَائِشَةَ، فَدَخَلَ الْقَبْرُ فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَتْ حَدَّهُ مِنَ الشَّرْقِ، وَسَائِرُ حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا أَمَرَ الْوَلِيدُ. وَرُوِّينَا أَنَّهُمْ لَمَّا حَفَرُوا الْحَائِطَ الشَّرْقِيَّ مِنْ حُجْرَةِ عَائِشَةَ بَدَتْ لَهُمْ قَدَمٌ، فَخَشُوا أَنْ تَكُونَ قَدَمَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَحَقَّقُوا أَنَّهَا قَدَمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ. وَيُحْكَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ أَنْكَرَ إِدْخَالَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فِي الْمَسْجِدِ، كَأَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ الْقَبْرُ مَسْجِدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ مَا عَمِلَ الْوَلِيدُ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَحْفِرَ الْفَوَّارَةَ بِالْمَدِينَةِ، وَأَنْ يُجْرِيَ مَاءَهَا، فَفَعَلَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْفِرَ الْآبَارَ، وَأَنْ يُسَهِّلَ الطُّرُقَ وَالثَّنَايَا، وَسَاقَ إِلَى الْفَوَّارَةِ الْمَاءَ مِنْ ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ، وَالْفَوَّارَةُ بُنِيَتْ فِي ظَاهِرِ الْمَسْجِدِ، عِنْدَ بُقْعَةٍ رَآهَا فَأَعْجَبَتْهُ. غزو قتيبة بن مسلم ملك الترك كورمغانون وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَلِكَ التُّرْكِ  كُورْمَغَانُونَ ابْنَ أُخْتِ مَلِكِ الصِّينِ، وَمَعَهُ مِائَتَا أَلْفِ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الصُّغْدِ وَفَرْغَانَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَكَانَ مَعَ قُتَيْبَةَ نَيْزَكُ مَلِكُ التُّرْكِ مَأْسُورًا، فَكَسَرَهُمْ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَغَنِمَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا وَسَبَى وَأَسَرَ. من حج بالناس في هذه السنة وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَعَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا كَانَ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَخْبَرُوهُ عَنْ قِلَّةِ الْمَاءِ بِمَكَّةَ لِقِلَّةِ الْمَطَرِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَلَا نَسْتَمْطِرُ؟ فَدَعَا وَدَعَا النَّاسُ، فَمَا زَالُوا يَدْعُونَ حَتَّى سُقُوا، وَدَخَلُوا مَكَّةَ وَمَعَهُمُ الْمَطَرُ، وَجَاءَ سَيْلٌ عَظِيمٌ حَتَّى خَافَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ شِدَّةِ الْمَطَرِ، وَمُطِرَتْ عَرَفَةُ وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنًى، وَأَخْصَبَتِ الْأَرْضُ هَذِهِ السَّنَةَ خِصْبًا عَظِيمًا بِمَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا، وَذَلِكَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَكَانَ النُّوَّابُ عَلَى الْبُلْدَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهَا. حبس المجذومين وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَبَسَ الْوَلِيدُ الْمُجَذَّمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى النَّاسِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ أَرْزَاقًا.  بناء مسجد دمشق وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَنَى الْوَلِيدُ مَسْجِدَ دِمَشْقَ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مَالًا عَظِيمًا.   عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، وَكَانَ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَنَّهُمْ حَسِبُوا مَا أُنْفِقَ عَلَى الْكَرْمَةِ الَّتِي فِي قِبْلَةِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَكَانَتْ سَبْعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ أَبُو قُصَيٍّ: وَحَسِبُوا مَا أَنْفَقَ عَلَى مَسْجِدِ دِمَشْقَ، وَكَانَ أَرْبَعُمِائَةِ صُنْدُوقٍ، فِي كُلِّ صُنْدُوقٍ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ أَبُو قُصَيٍّ: وَأَتَاهُ حَرَسَتْهُ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَهْلَ دِمَشْقَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ الْوَلِيدَ أَنْفَقَ الْأَمْوَالَ فِي غَيْرِ حَقِّهَا، فَنَادَى: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَّغَنِي حَرَسَتِي أَنَّكُمْ تَقُولُونَ إِنَّ الْوَلِيدَ أَنْفَقَ الْأَمْوَالَ فِي غَيْرِ حَقِّهَا، أَلَّا يَا عُمَرَ بْنَ مُهَاجِرٍ قُمْ فَأَحْضِرْ مَا قِبَلَكَ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ: فَأَتَتِ الْبِغَالُ تَحْمِلُ الْمَالَ، وَتَصُبُّ فِي الْقِبْلَةِ عَلَى الْأَنْطَاعِ حَتَّى لَمْ يُبْصِرْ مَنْ فِي الشَّامِ مَنْ فِي الْقِبْلَةِ، وَلَا مَنْ فِي الْقِبْلَةِ مَنْ فِي الشَّامِ، وَأَتَتِ الْمَوَازِينُ - يَعْنِي الْقَبَابِينُ فَوُزِنَتِ الْأَمْوَالُ، وَقَالَ لِصَاحِبِ الدِّيوَانِ: أَحْضِرْ مَنْ قِبَلَكَ مِمَّنْ يَأْخُذُ رِزْقَنَا، فَوَجَدُوا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَحَسَبُوا مَا يُصِيبُهُمْ فَوُجِدَ عِنْدَهُ رِزْقُ ثَلَاثِ سِنِينَ، فَفَرِحَ النَّاسُ وَكَبَّرُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- وَقَالَ: إِلَى مَا تَذْهَبُ هَذِهِ الثَّلَاثُ سِنِينَ قَدْ أَتَانَا اللَّهُ بِمِثْلِهِ وَمِثْلِهِ، أَلَّا وَأَنِّي إِنَّمَا رَأَيْتُكُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ تَفْخَرُونَ عَلَى النَّاسِ بِأَرْبَعِ خِصَالٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدُكُمُ الْخَامِسَ، تَفْخَرُونَ عَلَى النَّاسِ بِمَائِكُمْ، وَهَوَائِكُمْ، وَفَاكِهَتِكُمْ، وَحَمَّامَاتِكُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ مَسْجِدُكُمُ الْخَامِسَ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَانْصَرَفُوا وَهُمْ شَاكِرِينَ [دَاعِينَ]. وَقَدْ حَكَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْهَمْدَانِيُّ، أَنَّ الْجَاحِظَ حَكَى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ قَالَ: مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَشَدُّ شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حُسْنِ مَسْجِدِهِمْ. قَالَ: وَدَخَلَهُ الْمَأْمُونُ وَمَعَهُ الْمُعْتَصِمُ وَيَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، فَقَالَ الْمَأْمُونُ: أَيُّ شَيْءٍ يُعْجِبُكُمْ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ الْمُعْتَصِمُ: ذَهَبُهُ فَإِنَّا نَصْنَعُهُ فَلَا تَمْضِي عِشْرُونَ سَنَةً حَتَّى يَتَحَوَّلَ، وَهَذَا بِحَالِهِ كَأَنَّ الصَّانِعَ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ الْآنَ، فَقَالَ: مَا أَعْجَبَنِي هَذَا، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: الَّذِي أَعْجَبَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَأْلِيفُ رُخَامِهِ فَإِنَّ فِيهِ عُقُودًا مَا يُرَى مِثْلُهَا، قَالَ: كَلَّا، بَلْ أَعْجَبَنِي أَنَّهُ شَيْءٌ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ شُوهِدَ. قَالَ: وَأَمَرَ الْوَلِيدُ أَنْ يُسْقَفَ بِالرَّصَاصِ، فَطَلَبَ مِنْ كُلِّ الْبِلَادِ، وَبَقِيَتْ قِطْعَةٌ لَمْ يُوجَدْ لَهَا رَصَاصٌ إِلَّا عِنْدَ امْرَأَةٍ، فَأَبَتْ أَنْ تَبِيعَهُ إِلَّا بِوَزْنِهِ ذَهَبًا، فَقَالَ: اشْتَرَوْهُ مِنْهَا وَلَوْ بِوَزْنِهِ مَرَّتَيْنِ، فَفَعَلُوا وَوَزَنُوا مِثْلَهُ، فَلَمَّا قَبَضَتْهُ قَالَتْ: إِنِّي ظَنَنْتُ مَنْ صَاحِبِكُمْ أَنَّهُ يَظْلِمُ النَّاسَ فِي بِنَائِهِ فَلَمَّا رَأَيْتُ إِنْصَافَهُ رَدَدْتُ الثَّمَنَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى صَفَائِحِ الْمَرْأَةِ لِلَّهِ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ فِيمَا عَمِلَهُ، وَفِيمَا كَتَبَ عَلَيْهِ اسْمَهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهِ خَرَاجَ الدُّنْيَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَنَّهُ بَلَغَ ثَمَنَ الْبَقْلِ الَّذِي أَكَلَهُ الصُّنَّاعُ فِيهِ سِتَّةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَكَانَ فِيهِ سِتُّمِائَةِ سِلْسِلَةِ ذَهَبٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لِعِظَمِ شُعَاعِهَا فَدُخِّنَتْ. وَعَمِلَ هَذَا الْجَامِعَ فِي تِسْعِ سِنِينَ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ حَمَّادٍ الْبَرْبَرِيُّ: رَأَيْتُ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ كِتَابًا بِالذَّهَبِ فِي الزُّجَاجِ مَحْفُورًا عَلَيْهِ سُورَةُ "أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ" إِلَى آخِرِهَا، وَرَأَيْتُ جَوْهَرَةً حَمْرَاءَ مُلْصَقَةً فِي قَافِ الْمَقَابِرِ، فَسَأَلَتْ عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: كَانَ لِلْوَلِيدِ ابْنَةٌ وَلَهَا هَذِهِ الْجَوْهَرَةُ، وَكَانَتْ ابْنَةً نَفِيسَةً فَمَاتَتْ، فَأَمَرَتْ أُمُّهَا أَنْ تُدْفَنَ هَذِهِ الْجَوْهَرَةُ مَعَهَا فِي قَبْرِهَا، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِهَا فَصُيِّرَتْ فِي قَافِ الْمَقَابِرِ مَنْ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، ثُمَّ حَلَفَ لِأُمِّهَا أَنَّهُ قَدْ أَوْدَعَهَا فِي الْمَقَابِرِ فَسَكَتَتْ.

  269. التاريخ 2360لا حكم مسجّل

    عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرِ بْنِ أَبِي بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرِ بْنِ أَبِي بُسْرٍ الْمَازِنِيُّ   صَحَابِيٌّ كَأَبِيهِ، سَكَنَ حِمْصَ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ، عَنْ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً. زَادَ غَيْرُهُ: وَهُوَ آخِرُ مَنْ تُوَفِّيَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالشَّامِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَعِيشُ قَرْنًا. فَعَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ. وقيل تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ  بْنُ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ الْخُزَاعِيُّ ثُمَّ الْأَسْلَمِيُّ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِيمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ سَنَةَ تِسْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَقَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ، وَقِيلَ: قَارَبَهَا. ؓ. هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ  الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ وَكَانَ حَمَا عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَنَائِبَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَمَاتَ بِهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ دِرَاسَةَ الْقُرْآنِ بِجَامِعِ دِمَشْقَ، فَمَاتَ بِهَا فِي السَّبْعِ. حَكِيمُ بْنُ عُمَيْرٍ الْعَنْسِيُّ الشَّامِيُّ حَكِيمُ بْنُ عُمَيْرٍ الْعَنْسِيُّ الشَّامِيُّ   لَهُ رِوَايَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي الشَّامِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعِيبَ الْحَجَّاجَ عَلَانِيَةً إِلَّا هُوَ وَابْنُ مُحَيْرِيزٍ أَبُو الْأَحْوَصِ، قُتِلَ فِي غَزْوَةِ طُوَانَةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ وَفِيهَا مَاتَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ  ، وَقِيلَ: بَلْ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ.

  270. التاريخ 2361لا حكم مسجّل

    غزو الروم وفتح سورية ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ فِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنُ أَخِيهِ الْعَبَّاسُ بِلَادَ الرُّومِ،  فَقَتَلَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَفَتَحَا حُصُونًا كَثِيرَةً; مِنْهَا حِصْنُ سُورِيَّةَ وَعَمُّورِيَّةَ وَهِرَقْلَةَ وَقَمُودِيَّةَ، وَغَنِمَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَأَسَرَا جَمًّا غَفِيرًا. غزو قتيبة بلاد الصغد ونسف وكس ووردان وَفِيهَا غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بِلَادَ الصُّغْدِ وَنَسَفَ وَكِسَّ،  وَقَدْ لَقِيَهُ هُنَالِكَ خَلْقٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَظَفِرَ بِهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَسَارَ إِلَى بُخَارَى فَلَقِيَهُ دُونَهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ التَّرْكِ، فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ عِنْدَ مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: خَرْقَانُ. وَظَفِرَ بِهِمْ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ: وَبَاتَتْ لَهُمْ مِنَّا بِخَرْقَانَ لَيْلَةٌ وَلَيْلَتُنَا كَانَتْ بِخَرْقَانَ أَطْوَلَا ثُمَّ قَصَدَ قُتَيْبَةُ وَرْدَانَ خُذَاهْ، مَلِكَ بُخَارَى، فَقَاتَلَهُ وَرْدَانُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِ قُتَيْبَةُ، فَرَجَعَ عَنْهُ إِلَى مَرْوَ، فَجَاءَهُ كِتَابُ الْحَجَّاجِ يُعَنِّفُهُ عَلَى الْفِرَارِ وَالنُّكُولِ عَنْ أَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ بِصُورَةِ هَذَا الْبَلَدِ يَعْنِي بُخَارَى فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصُورَتِهَا فَكَتَبَ إِلَيْهِ; أَنِ ارْجِعْ إِلَيْهَا وَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَنْبِكِ، وَائْتِهَا مِنْ مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، وَرِدْ وَرْدَانَ خُذَاهْ، وَإِيَّاكَ وَالتَّحْوِيطَ، وَدَعْنِي وَبُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ. تولية خالد القسري إمرة مكة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِمْرَةَ مَكَّةَ لِخَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَحَفَرَ بِئْرًا بِأَمْرِ الْوَلِيدِ عِنْدَ ثَنِيَّةِ طُوًى وَثَنِيَّةِ الْحَجُونِ، فَجَاءَتْ عَذْبَةَ الْمَاءِ طَيِّبَةً، وَكَانَ يَسْتَقِي النَّاسُ مِنْهَا. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ يَقُولُ عَلَى مِنْبَرِ مَكَّةَ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّهُمَا أَعْظَمُ خَلِيفَةً: الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، أَمْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ؟ وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَعْلَمُوا فَضْلَ الْخَلِيفَةِ إِلَّا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ اسْتَسْقَاهُ فَسَقَاهُ مِلْحًا أُجَاجًا، وَاسْتَسْقَى الْخَلِيفَةُ فَسَقَاهُ عَذْبًا فُرَاتًا. يَعْنِي الْبِئْرَ الَّتِي احْتَفَرَهَا بِالثَّنِيَّتَيْنِ; ثَنِيَّةِ طُوًى وَثَنِيَّةِ الْحَجُونِ فَكَانَ يُنْقَلُ مَاؤُهَا فَيُوضَعُ فِي حَوْضٍ مِنْ أَدَمٍ إِلَى جَنْبِ زَمْزَمَ; لِيُعْرَفَ فَضْلُهُ عَلَى زَمْزَمَ. قَالَ: ثُمَّ غَارَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ فَذَهَبَ مَاؤُهَا، فَلَا يُدْرَى أَيْنَ هُوَ إِلَى الْيَوْمِ. وَهَذَا الْإِسْنَادُ غَرِيبٌ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ كُفْرًا إِنْ صَحَّ عَنْ قَائِلِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ لَا يَصِحُّ عَنْهُ هَذَا الْكَلَامُ، وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ عَدُوُّ اللَّهِ. وَقَدْ قِيلَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ نَحْوُ هَذَا الْكَلَامِ; مِنْ أَنَّهُ جَعَلَ الْخَلِيفَةَ أَفْضَلَ مِنَ الرَّسُولِ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ تَتَضَمَّنُ كُفْرَ قَائِلِهَا. غزو مسلمة الترك وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مَسْلَمَةُ التُّرْكَ  حَتَّى بَلَغَ الْبَابَ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، وَفَتَحَ حُصُونًا وَمَدَائِنَ هُنَالِكَ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ: فتح صقلية وميورقة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ صِقِلِّيَةُ وَمَيُورْقَةُ.  وَقِيلَ: مَنُورْقَةُ. وَهُمَا فِي الْبَحْرِ بَيْنَ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ وَحَدَارُّهُ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ. ذِكْرُ قَتْلِ ذَاهِرَ مَلِكِ السِّنْدِ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَتَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عُقَيْلٍ الثَّقَفِيِّ، - يَجْتَمِعُ هُوَ وَالْحَجَّاجُ فِي الْحَكَمِ -، ذَاهِرَ بْنَ صَعْصَعَةَ مَلِكَ السِّنْدِ، وَمَلَكَ بِلَادَهُ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ وَسَيَّرَ مَعَهُ سِتَّةَ أَلَافِ مُقَاتِلٍ، وَجَهَّزَهُ بِكُلِّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَتَّى الْمَسَالِّ وَالْإِبَرِ وَالْخُيُوطِ، فَسَارَ مُحَمَّدُ إِلَى مُكْرَانَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ أَتَى قَنَّزْبُورَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْمَائِيلَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى الدَّيْبُلِ، فَقَدِمَهَا يَوْمَ جُمُعَةٍ، وَوَافَتْهُ سُفُنٌ كَانَ حَمَلَ فِيهَا الرِّجَالَ وَالسِّلَاحَ وَالْأَدَاةَ، فَخَنْدَقَ حِينَ نَزَلَ الدَّيْبُلَ، وَأَنْزَلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، وَنَصَبَ مَنْجَنِيقًا يُقَالُ لَهُ الْعَرُوسُ، كَانَ يَمُدُّ بِهِ خَمْسُمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَانَ بِالدَّيْبُلِ بُدٌّ عَظِيمٌ عَلَيْهِ دَقَلٌ عَظِيمٌ، وَعَلَى الدَّقَلِ رَايَةٌ حَمْرَاءُ، إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ أَطَافَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ تَدُورُ، وَالْبُدُّ صَنَمٌ فِي بِنَاءٍ عَظِيمٍ، تَحْتَ مَنَارَةٍ عَظِيمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَفِي رَأْسِ الْمَنَارَةِ هَذَا الدَّقَلُ، وَكُلُّ مَا يُعْبَدُ فَهُوَ عِنْدَهُمْ بُدٌّ. فَحَصَرَهَا وَطَالَ حِصَارُهَا، فَرَمَى الدَّقَلَ بِحَجْرِ الْعَرُوسِ فَكَسَرَهُ، فَتَطَيَّرَ الْكُفَّارُ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ مُحَمَّدًا أَتَى وَنَاهَضَهُمْ وَقَدْ خَرَجُوا إِلَيْهِ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى الْبَلَدِ، وَأَمَرَ بِالسَّلَالِيمِ فَنُصِبَتْ، وَصَعِدَ عَلَيْهَا الرِّجَالُ، وَكَانَ أَوَّلَهُمْ صُعُودًا رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَفُتِحَتْ عَنْوَةً، وَقَتَلَ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهَرَبَ عَامِلُ ذَاهِرَ عَنْهَا، وَأَنْزَلَهَا مُحَمَّدٌ أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَنَى جَامِعَهَا، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى الْبِيرُونَ، وَكَانَ أَهْلُهَا بَعَثُوا إِلَى الْحَجَّاجِ فَصَالَحُوهُ، فَلَقُوا مُحَمَّدًا بِالْمِيرَةِ وَأَدْخَلُوهُ مَدِينَتَهُمْ، وَسَارَ عَنْهَا وَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا فَتَحَهَا حَتَّى عَبَرَ نَهْرًا دُونَ مِهْرَانَ، فَأَتَاهُ أَهْلُ سَرْبَيْدِسَ فَصَالَحُوهُ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ وَسَارَ عَنْهُمْ إِلَى سَهْبَانَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى نَهْرِ مِهْرَانَ فَنَزَلَ فِي وَسَطِهِ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ ذَاهِرَ، فَاسْتَعَدَّ لِمُحَارَبَتِهِ، وَبَعَثَ جَيْشًا إِلَى سَدُوسْتَانَ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ، فَآمَنَهُمْ وَوَظَّفَ عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، ثُمَّ عَبَرَ مُحَمَّدٌ مِهْرَانَ مِمَّا يَلِي بِلَادَ رَاسِلَ الْمَلِكِ عَلَى جِسْرٍ عَقَدَهُ، وَذَاهِرُ مُسْتَخِفٌّ بِهِ، فَلَقِيَهُ مُحَمَّدُ وَالْمُسْلِمُونَ وَهُوَ عَلَى فِيلٍ وَحَوْلَهُ الْفِيَلَةُ، وَمَعَهُ التَّكَاكِرَةُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَتَرَجَّلَ ذَاهِرُ، فَقُتِلَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ، وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ كَيْفَ شَاءُوا، وَقَالَ قَائِلُهُ: الْخَيْلُ تَشْهَدُ يَوْمَ ذَاهِرَ وَالْقَنَا وَمُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ أَنِّي فَرَجْتُ الْجَمْعَ غَيْرَ مُعَرِّدٍ حَتَّى عَلَوْتُ عَظِيمَهُمْ بِمُهَنَّدِ فَتَرَكْتُهُ تَحْتَ الْعَجَاجِ مُجَنْدَلًا مَتَعَفِّرَ الْخَدَّيْنِ غَيْرَ مُوَسَّدِ فَلَمَّا قُتِلَ ذَاهِرُ غَلَبَ مُحَمَّدُ عَلَى بِلَادِ السِّنْدِ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ رَاوَرَ عَنْوَةً، وَكَانَ بِهَا امْرَأَةٌ لِذَاهِرَ، فَخَافَتْ أَنْ تُؤْخَذَ، فَأَحْرَقَتْ نَفْسَهَا وَجَوَارِيَهَا وَجَمِيعَ مَالِهَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى بِرْهَمِنْابَاذَ الْعَتِيقَةَ، وَهِيَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الْمَنْصُورَةِ، وَلَمْ تَكُنِ الْمَنْصُورَةُ يَوْمَئِذٍ، كَانَ مَوْضِعُهَا غَيْضَةً، وَكَانَ الْمُنْهَزِمُونَ مِنَ الْكُفَّارِ بِهَا، فَقَاتَلُوهُ فَفَتَحَهَا مُحَمَّدُ عَنْوَةً، وَقَتَلَ بِهَا بَشَرًا كَثِيرًا وَخُرِّبَتْ. وَسَارَ يُرِيدُ الرُّورَ وَبَغْرُورَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُ سَاوَنْدَرَى فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَهْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى بِسَمْدَ وَصَالَحَ أَهْلَهَا، وَوَصَلَ إِلَى الرُّورَ، وَهِيَ مِنْ مَدَائِنِ السِّنْدِ عَلَى جَبَلٍ، فَحَصَرَهُمْ شُهُورًا فَصَالَحُوهُ، وَسَارَ إِلَى السِّكَّةِ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ قَطَعَ نَهْرَ بَيَاسَ إِلَى الْمُلْتَانِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا وَانْهَزَمُوا، فَحَصَرَهُمْ مُحَمَّدُ، فَجَاءَهُ إِنْسَانٌ وَدَلَّهُ عَلَى قَطْعِ الْمَاءِ الَّذِي يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ فَقَطَعَهُ، فَعَطِشُوا فَأَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَسَدَنَةَ الْبُدِّ، وَهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ، وَأَصَابُوا ذَهَبًا كَثِيرًا، فَجُمِعَ فِي بَيْتٍ طُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ وَعَرْضُهُ ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ كُوَّةٍ فِي وَسَطِهِ، فَسُمِّيَتِ الْمُلْتَانَ: فَرْجُ بَيْتِ الذَّهَبِ، وَالْفَرْجُ الثَّغْرُ، وَكَانَ بُدُّ الْمُلْتَانِ تُهْدَى إِلَيْهِ الْأَمْوَالُ، وَيُحَجُّ مِنَ الْبِلَادِ، وَيَحْلِقُونَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ عِنْدَهُ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ صَنَمَهُ هُوَ أَيُّوبُ النَّبِيُّ ﷺ. وَعَظُمَتْ فُتُوحُهُ، وَنَظَرَ الْحَجَّاجُ فِي النَّفَقَةِ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ، فَكَانَتْ سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَنَظَرَ فِي الَّذِي حُمِلَ فَكَانَ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَقَالَ: رَبِحْنَا سِتِّينَ أَلْفًا، وَأَدْرَكْنَا ثَأْرَنَا وَرَأْسَ ذَاهِرَ. ثُمَّ مَاتَ الْحَجَّاجُ. ذِكْرُ اسْتِعْمَالِ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ نُصَيْرٌ وَالِدُهُ عَلَى حَرَسِ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا سَارَ مُعَاوِيَةُ إِلَى صِفِّينَ لَمْ يَسِرْ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْمَسِيرِ مَعِي إِلَى قِتَالِ عَلِيٍّ وَيَدِي عِنْدَكَ مَعْرُوفَةٌ ؟ فَقَالَ لَا أُشْرِكُكَ بِكُفْرِ مَنْ أَوْلَى بِالشُّكْرِ مِنْكَ، وَهُوَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ. فَسَكَتَ عَنْهُ مُعَاوِيَةُ. فَوَصَلَ مُوسَى إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَبِهَا صَالِحٌ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ حَسَّانُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ الْبَرْبَرُ قَدْ طَمِعُوا فِي الْبِلَادِ بَعْدَ مَسِيرِ حَسَّانَ، فَلَمَّا وَصَلَ مُوسَى عَزَلَ صَالِحًا، وَبَلَغَهُ أَنَّ بِأَطْرَافِ الْبِلَادِ قَوْمًا خَارِجِينَ عَنِ الطَّاعَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ، فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَسَبَى مِنْهُمْ أَلْفَ رَأْسٍ، وَسَيَّرَهُ فِي الْبَحْرِ إِلَى جَزِيرَةٍ مَيُورْقَةَ، فَنَهَبَهَا وَغَنِمَ مِنْهَا مَا لَا يُحْصَى وَعَادَ سَالِمًا، فَوَجَّهَ ابْنَهُ هَارُونَ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى، فَظَفِرَ بِهِمْ وَسَبَى مِنْهُمْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَوَجَّهَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى، فَغَنِمَ نَحْوَ ذَلِكَ، فَبَلَغَ الْخُمُسُ سِتِّينَ أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ السَّبْيِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ أَنَّهُ سَمِعَ بِسَبْيٍ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا. ثُمَّ إِنَّ إِفْرِيقِيَّةَ قَحَطَتْ وَاشْتَدَّ بِهَا الْغَلَاءُ، فَاسْتَسْقَى بِالنَّاسِ، وَخَطَبَهُمْ وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَلِيدَ، وَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا مَقَامٌ لَا يُدْعَى فِيهِ لِأَحَدٍ وَلَا يُذْكَرُ إِلَّا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَسُقِيَ النَّاسُ وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا إِلَى طَنْجَةَ يُرِيدُ مَنْ بَقِيَ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَقَدْ هَرَبُوا خَوْفًا مِنْهُ، فَتَبِعَهُمْ وَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا حَتَّى بَلَغَ السُّوسَ الْأَدْنَى لَا يُدَافِعُهُ أَحَدٌ، فَاسْتَأْمَنَ الْبَرْبَرُ إِلَيْهِ وَأَطَاعُوهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ مَوْلَاهُ طَارِقَ بْنَ زِيَادٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ صَدَفِيٌّ. وَجَعَلَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا جُلُّهُمْ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَجَعَلَ مَعَهُمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمُ الْقُرْآنَ وَالْفَرَائِضَ، وَعَادَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. فَمَرَّ بِقَلْعَةِ مِجَّانَةَ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا مِنْهُ وَتَرَكَ عَلَيْهَا مَنْ يُحَاصِرُهَا مَعَ بِشْرِ بْنِ فُلَانٍ، فَفَتَحَهَا، فَسُمِّيَتْ قَلْعَةُ بِشْرٍ إِلَى الْآنِ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَبْقَ لَهُ فِي إِفْرِيقِيَّةَ مَنْ يُنَازِعُهُ. وَقِيلَ: كَانَتْ وِلَايَةُ مُوسَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ، وَهُوَ حِينَئِذٍ عَلَى مِصْرَ لِأَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ. الدعاء لبني العباس وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ ابْتُدِئَ بِالدُّعَاءِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ،  وَكَانَ الدُّعَاءُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَسُمِّي بِالْإِمَامِ، وَكُوتِبَ وَأُطِيعَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ يُنَمَّى وَيُقَوَّى وَيَتَزَايَدُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ  .

  271. التاريخ 2362لا حكم مسجّل

    عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ أَحَدُ التَّابِعِينَ الْعُذْرِيُّ الشَّاعِرُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَدْرَكَ حَيَاةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِهِ. وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ النَّسَبَ. وَالْعُمَّالُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. ظَلِيمٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَفِيهَا مَاتَ ظَلِيمٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ  . ( ظَلِيمٌ: بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ ). رَبِيعَةُ بْنُ عَبَّادٍ الدِّيلِيُّ رَبِيعَةُ بْنُ عَبَّادٍ الدِّيلِيُّ:   مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، غَزَا أَفْرِيقِيَّةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، وَأَبُو الزِّنَادِ، وَبُكَيْرُ بْنُ الْأَشَجِّ، [وَغَيْرُهُمْ]. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزَ [عَبْدُ اللَّهِ] بْنُ مُحَيْرِيزَ، أَبُو مُحَيْرِيزَ:   أَسْنَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَأَبِي مَحْذُورَةَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَشِيرِ بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: دَخَلَ ابْنُ مُحَيْرِيزَ حَانُوتًا بِدَابِقَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِيَ ثَوْبًا، فَقَالَ رَجُلٌ لِصَاحِبِ الْحَانُوتِ: هَذَا ابْنُ مُحَيْرِيزَ، فَأَحْسِنْ بَيْعَهُ، فَغَضِبَ ابْنُ مُحَيْرِيزَ وَخَرَجَ وَقَالَ: إِنَّمَا نَشْتَرِي بِأَمْوَالِنَا لَسْنَا نَشْتَرِي بِدِينِنَا. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ:   قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُثْمَانَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْوَلِيدَ يَقُولُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ خَلَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَتَصَدَّعَ النَّاسُ عَنْ قَبْرِهِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتَ عَبْدُ الْمَلِكِ الَّذِي كُنْتَ تَعِدُنِي فَأَرْجُوكَ، وَتَتَوَعَّدُنِي فَأَخَافُكَ، أَصْبَحْتَ وَلَيْسَ مَعَكَ مِنْ مُلْكِكَ غَيْرَ ثَوْبَيْكَ، وَلَيْسَ لَكَ غَيْرُ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ مِنَ الْأَرْضِ، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى أَهْلِهِ وَاجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ شَنٌّ. قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِهِ فَعَاتَبَهُ فِي نَفْسِهِ وَإِضْرَارِهِ بِهَا، وَقَالَ لِلْقَائِلِ: أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ تَصْدُقُنِي عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَالِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا، أَتَرْضَاهَا لِلْمَوْتِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: فَعَزَمْتَ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، قَالَ، مَا انْتَصَحَتْ رَأْيٌ فِي ذَلِكَ، قَالَ: أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَأْتِيَكَ الْمَوْتُ عَلَى حَالِكَ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: فَحَالُ مَا أَقَامَ عَلَيْهَا عَاقِلٌ، ثُمَّ انْكَفَأَ إِلَى مُصَلَّاهُ. عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ السُّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ السُّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ:   رَوَى عَنْ أَبِي مُوسَى، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ. وَرَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ. وَكَانَ شَاعِرًا. وَعَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ: دَخَلِ عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ عَلَى امْرَأَتِهِ - وَكَانَ عِمْرَانُ قَبِيحًا دَمِيمًا قَصِيرًا - وَقَدْ تَزَيَّنَتْ، وَكَانَتِ امْرَأَةً حَسْنَاءً، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا ازْدَادَتْ فِي عَيْنِهِ حُسْنًا، فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ يُدِيمَ النَّظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَا شَأْنُكَ، فَقَالَ: لَقَدْ أَصْبَحْتِ وَاللَّهِ جَمِيلَةً، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ فَإِنِّي وَإِيَّاكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتِ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لِأَنَّكَ أُعْطِيتَ مِثْلِي فَشَكَرْتَ، وَابْتُلِيتُ بِمِثْلِكَ فَصَبَرْتُ، وَالصَّابِرُ، وَالشَّاكِرُ فِي الْجَنَّةِ. مَذْعُورٌ مَذْعُورٌ:   كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ. قَالَ مُطَرِّفٌ: مَا تَحَابَّ اثْنَانِ فِي اللَّهِ إِلَّا كَانَ أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ أَفْضَلَهُمَا، وَأَنَا لِمَذْعُورٍ أَشَدُّ حُبًّا، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنِّي، فَكَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: فَلَمَّا أَمَرَ بِالرَّهْطِ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الشَّامِ أُمِرَ بِمَذْعُورٍ فِيهِمْ. قَالَ: فَلَقِيَنِي فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِي، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَرِفَ مَنَعَنِي، فَقُلْتُ: إِنَّ الْمَكَانَ بَعِيدٌ، فَجَعَلَ يَحْبِسُنِي، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا تَرَكْتَنِي فِيمَ تَحْبِسُنِي، [فَلَمَّا نَشَدْتُهُ] قَالَ: كَلِمَةً يُخْفِيهَا جُهْدَهُ مِنِّي، اللَّهُمَّ فِيكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ أَشَدُّ حُبًّا لِي مِنْهُ. يَزِيدُ بْنُ مَرْثَدٍ يَزِيدُ بْنُ مَرْثَدٍ، أَبُو عُثْمَانَ الْهَمْدَانِيُّ:   أَسْنَدَ عَنْ مُعَاذٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِيَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ: مَا لِي لَا أَرَى عَيْنَاكَ تَجِفَّانِ مِنَ الدُّمُوعِ، قَالَ: وَمَا سُؤَالُكَ عَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: هُوَ مَا تَرَى، قُلْتُ: هَكَذَا تَكُونُ فِي خَلَوَاتِكَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَيَعْتَرِينِي وَقَدْ قُرِّبَ إِلَيَّ طَعَامِي فَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ أَكْلِهِ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَيَعْتَرِينِي وَقَدْ دَنَوْتُ مِنْ أَهْلِي فَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَا أُرِيدُ حَتَّى تَبْكِيَ أَهْلِي لِبُكَائِي وَيَبْكِيَ صِبْيَانُنَا وَمَا يَدْرُونَ مَا يُبْكِينَا، وَحَتَّى تَقُولَ زَوْجَتِي: يَا وَيْحَهَا، مَاذَا خُصَّتْ بِهِ مِنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْحُزْنِ مَعَكَ، مَا يَنْفَعُنِي مَعَكَ عَيْشٌ، وَلَا تَقَرُّ عَيْنِي بِمَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُ النِّسَاءِ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ، قُلْتُ: يَا أَخِي مَا الَّذِي أَحْوَجَكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَخِي لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتَوَاعَدْنِي إِنْ أَنَا عَصَيْتُهُ إِلَّا أَنْ يَحْبِسَنِي فِي حَمَّامٍ لَكُنْتُ حَرِيًّا أَنْ لَا تَجِفَّ لِي دَمْعَةٌ، فَكَيْفَ وَقَدْ تَوَاعَدَنِي أَنْ يَسْجُنَنِي فِي النَّارِ. [وَرُوِيَ] عَنْ سُوَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الْوَضِينِ بْنِ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرَادَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُوَلِّيَ يَزِيدَ بْنَ مَرْثَدٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ، فَلَبِسَ فَرْوَةً وَقَلَبَهَا فَجَعَلَ الْجِلْدَ عَلَى ظَهْرِهِ وَالصُّوفَ خَارِجًا، وَأَخَذَ بِيَدِهِ رَغِيفًا وَعَرَقًا، وَخَرَجَ بِلَا رِدَاءٍ وَلَا قَلَنْسُوَةٍ وَلَا نَعْلٍ وَلَا خُفٍّ، وَجَعَلَ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَيَأْكُلُ، فَقِيلَ لِلْوَلِيدِ: يَزِيدُ قَدِ اخْتَلَطَ، وَأُخْبِرَ بِمَا فَعَلَ، فَتَرَكَهُ. يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ، أَبُو سُلَيْمَانَ اللَّيْثِيُّ الْبَصْرِيُّ  : كَانَ صَاحِبَ عِلْمٍ بِالْقُرْآنِ وَالْعَرَبِيَّةِ. رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ. وَرَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بُرَيْدَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ. وَنَزَلَ مَرْوَ، وَوَلِيَ الْقَضَاءِ، وَكَانَ عَالِمًا فَصِيحًا ثِقَةً. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: كَانَ يَحْيَى قَاضِيًا فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ، فَقَالَ يَحْيَى لِلرَّجُلِ: أَرَأَيْتَ إِنْ سَأَلْتُكَ حَقَّ شُكْرِهَا وَشَبْرِكَ أَنْشَأْتَ تُطِلُّهَا وَتَضْهَلُهَا. قَالَ: يَقُولُ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: لَا وَاللَّهِ لَا أَدْرِي مَا يَقُولُ قَوْمِي حَتَّى تَنْصَرِفَ [شَبْرَةٌ] تُطِلُّهَا: تُبْطِلُ حَقَّهَا. وَتَضْهَلُهَا: تُعْطِيهَا حَقَّهَا قَلِيلًا قَلِيلًا، وَالْكِنَايَةُ بِالشُّكْرِ وَالشَّبْرِ عَنِ النِّكَاحِ.

  272. التاريخ 2363لا حكم مسجّل

    غَزْوَةُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ فِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ،  فَفَتَحَا حُصُونًا، وَقَتَلَا خَلْقًا مِنَ الرُّومِ، وَغَنِمَا وَأَسَرَا خَلْقًا كَثِيرًا. أسر الروم خالد بن كيسان صاحب البحر وَفِيهَا أَسَرَتِ الرُّومُ خَالِدَ بْنَ كَيْسَانَ صَاحِبَ الْبَحْرِ، وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَأَهْدَاهُ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. عزل عبد الله بن عبد الملك عن إمرة مصر وَفِيهَا عَزَلَ الْوَلِيدُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ إِمْرَةِ مِصْرَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا قُرَّةَ بْنَ شَرِيكٍ. فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وَفِيهَا فَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ مَدِينَةَ بُخَارَى،  وَهَزَمَ جَمْعَ الْعَدُوِّ مِنَ التُّرْكِ بِهَا، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ فُصُولٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدْ تَقَصَّاهَا ابْنُ جَرِيرٍ. صلح قتيبة وطرخون وَفِيهَا طَلَبَ طَرْخُونُ مَلِكُ الصُّغْدِ بَعْدَ فَتْحِ بُخَارَى مِنْ قُتَيْبَةَ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ يَبْذُلُهُ فِي كُلِّ عَامٍ، فَأَجَابَهُ قُتَيْبَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ مِنْهُ رَهْنًا عَلَيْهِ. استنجاد وردان بالترك وفتح الطالقان وَفِيهَا اسْتَنْجَدَ وَرْدَانُ خُذَاهْ بِالتُّرْكِ، فَأَتَوْهُ مِنْ جَمِيعِ النَّوَاحِي وَهُوَ صَاحِبُ بُخَارَى بَعْدَ أَخْذِ قُتَيْبَةَ لَهَا وَخَرَجَ وَرْدَانُ خُذَاهْ وَحَمَلَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحَطَّمُوهُمْ، ثُمَّ عَادَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَصَالَحَ قُتَيْبَةُ مَلِكَ الصُّغْدِ، وَفَتَحَ بُخَارَى وَحُصُونَهَا، وَرَجَعَ قُتَيْبَةُ بِالْجُنْدِ إِلَى بِلَادِهِ فَأَذِنَ لَهُ الْحَجَّاجُ، فَلَمَّا سَارَ إِلَى بِلَادِهِ بَلَغَهُ أَنَّ صَاحِبَ الصُّغْدِ قَالَ لِمُلُوكِ التُّرْكِ: إِنِ الْعَرَبَ بِمَنْزِلَةِ اللُّصُوصِ، فَإِنْ أُعْطُوا شَيْئًا ذَهَبُوا، وَإِنَّ قُتَيْبَةَ هَكَذَا يَقْصِدُ الْمُلُوكَ، فَإِنْ أَعْطَوْهُ شَيْئًا أَخْذَهُ وَرَجَعَ عَنْهُمْ، وَإِنَّ قُتَيْبَةَ لَيْسَ بِمَلِكٍ، وَلَا يَطْلُبُ مُلْكًا. فَبَلَغَ قُتَيْبَةَ قَوْلُهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَكَاتَبَ نَيْزَكُ مَلِكُ التُّرْكِ مُلُوكَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ; مِنْهُمْ مَلِكُ الطَّالَقَانِ، وَكَانَ قَدْ صَالَحَ قُتَيْبَةَ فَنَقَضَ الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُتَيْبَةَ، وَاسْتَجَاشَ عَلَيْهِ بِالْمُلُوكِ كُلِّهَا، فَأَتَاهُ مُلُوكٌ كَثِيرٌ كَانُوا قَدْ عَاهَدُوا قُتَيْبَةَ عَلَى الصُّلْحِ، فَنَقَضُوا كُلُّهُمْ وَصَارُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى قُتَيْبَةَ، وَاتَّعَدُوا إِلَى الرَّبِيعِ، وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ يَجْتَمِعُوا فَيُقَاتِلُوا كُلُّهُمْ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ مِنَ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ قُتَيْبَةُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، وَصَلَبَ مِنْهُمْ سِمَاطَيْنِ فِي مَسَافَةِ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فِي نِظَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ مِمَّا كَسَرَ جُمُوعَهُمْ كُلَّهُمْ. هروب يزيد بن المهلب وأخواه من سجن الحجاج وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ هَرَبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَأَخَوَاهُ الْمُفَضَّلُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ سِجْنِ الْحَجَّاجِ، فَلَحِقُوا بِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَمَّنَهُمْ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدِ احْتَاطَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَعَاقَبَهُمْ عُقُوبَةً عَظِيمَةً، وَأَخَذَ مِنْهُمْ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفٍ، وَكَانَ أَصْبَرَهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، كَانَ لَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ، وَلَوْ فَعَلُوا بِهِ مَا فَعَلُوا، فَكَانَ ذَلِكَ يَغِيظُ الْحَجَّاجَ، حَتَّى قَالَ قَائِلٌ لِلْحَجَّاجِ: إِنَّ فِي سَاقِهِ أَثَرَ نُشَّابَةٍ بَقِيَ نَصْلُهَا فِيهِ، وَإِنَّهُ مَتَى أَصَابَهَا شَيْءٌ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ أَنْ يَصْرُخَ، فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ أَنْ يُنَالَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ بِعَذَابٍ، فَصَاحَ، فَلَمَّا سَمِعَتْ أُخْتُهُ هِنْدُ بِنْتُ الْمُهَلَّبِ وَكَانَتْ تَحْتَ الْحَجَّاجِ صَوْتَهُ بَكَتْ وَنَاحَتْ عَلَيْهِ فَطَلَّقَهَا الْحَجَّاجُ، ثُمَّ أَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ، ثُمَّ خَرَجَ الْحَجَّاجُ إِلَى بَعْضِ الْمَحَالِّ لِيُنْفِذَ جَيْشًا إِلَى الْأَكْرَادِ، وَاسْتَصْحَبَهُمْ مَعَهُ، فَخَنْدَقَ حَوْلَهُمْ، وَوَكَّلَ بِهِمُ الْحَرَسَ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي أَمَرَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بِطَعَامٍ كَثِيرٍ فَصُنِعَ لِلْحَرَسِ، فَاشْتَغَلُوا بِهِ، ثُمَّ تَنَكَّرَ فِي هَيْئَةِ بَعْضِ الطَّبَّاخِينَ، وَجَعَلَ لِحْيَتَهُ لِحْيَةً بَيْضَاءَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَرَآهُ بَعْضُ الْحَرَسِ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مِشْيَةً أَشْبَهَ بِمِشْيَةِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ مِنْ هَذَا. ثُمَّ اتَّبَعَهُ يَتَحَقَّقُهُ، فَلَمَّا رَأَى بَيَاضَ لِحْيَتِهِ انْصَرَفَ عَنْهُ، ثُمَّ لَحِقَهُ أَخَوَاهُ، فَرَكِبُوا السُّفُنَ، وَسَارُوا نَحْوَ الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَّاجَ هَرَبُهُمُ انْزَعَجَ لِذَلِكَ، وَذَهَبَ وَهْمُهُ أَنَّهُمْ سَارُوا إِلَى خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ إِلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ يُحَذِّرُهُ قُدُومَهُمْ، وَيَأْمُرُهُ بِالِاسْتِعْدَادِ لَهُمْ، وَأَنْ يَرْصُدَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَيَكْتُبَ إِلَى أُمَرَاءِ الثُّغُورِ وَالْكُوَرِ بِتَحْصِيلِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِهَرَبِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يَرَاهُمْ هَرَبُوا إِلَّا إِلَى خُرَاسَانَ، وَخَافَ الْحَجَّاجُ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، أَنْ يَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ مِنَ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَجَمْعِ النَّاسِ لَهُ. وَأَمَّا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَإِنَّهُ سَلَكَ عَلَى الْبَطَائِحِ، وَجَاءَتْهُ خُيُولٌ كَانَ قَدْ أَعَدَّهَا لَهُ أَخُوهُ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ لِهَذَا الْيَوْمِ، فَرَكِبَهَا وَسَلَكَ بِهِ دَلِيلٌ مِنْ بَنِي كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ يَزِيدَ. فَأَخَذَ بِهِمْ عَلَى السَّمَاوَةِ. وَجَاءَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَجَّاجِ بَعْدَ يَوْمَيْنِ أَنَّ يَزِيدَ قَدْ سَلَكَ نَحْوَ الشَّامِ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، وَسَارَ يَزِيدُ حَتَّى نَزَلَ الْأُرْدُنَّ، عَلَى وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيِّ وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَسَارَ وُهَيْبٌ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَأَخَوَيْهِ فِي مَنْزِلِي، قَدْ جَاءُوا مُسْتَعِيذِينَ بِكَ مِنَ الْحَجَّاجِ. قَالَ: فَاذْهَبْ فَائْتِنِي بِهِمْ، فَهُمْ آمِنُونَ مَا دُمْتُ حَيًّا. فَجَاءَهُمْ، فَذَهَبَ بِهِمْ حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَمَّنَهُمْ سُلَيْمَانُ، وَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْوَلِيدِ: إِنَّ آلَ الْمُهَلَّبِ قَدْ أَمَّنْتُهُمْ، وَإِنَّمَا بَقِيَ لِلْحَجَّاجِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافِ أَلْفٍ، وَهِيَ عِنْدِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَا وَاللَّهِ لَا أُؤَمِّنُهُ حَتَّى تَبْعَثَ بِهِ إِلَيَّ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَا وَاللَّهِ لَا أَبْعَثُهُ حَتَّى أَجِيءَ مَعَهُ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَفْضَحَنِي أَوْ تُخْفِرَنِي فِي جِوَارِي. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لَا وَاللَّهِ لَا تَجِئْ مَعَهُ وَابْعَثْ بِهِ إِلَيَّ فِي وَثَاقٍ. فَقَالَ يَزِيدُ: ابْعَثْنِي إِلَيْهِ، فَمَا أُحِبُّ أَنْ أُوقِعَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةً وَحَرْبًا، فَابْعَثْنِي إِلَيْهِ، وَابْعَثْ مَعِي ابْنَكَ، وَاكْتُبْ إِلَيْهِ بِأَلْطَفِ عِبَارَةٍ تَقْدِرُ عَلَيْهَا. فَبَعَثَهُ وَبَعَثَ مَعَهُ ابْنَهُ أَيُّوبَ، وَقَالَ لِابْنِهِ: إِذَا دَخَلْتَ فِي الدِّهْلِيزِ فَادْخُلْ مَعَ يَزِيدَ فِي السِّلْسِلَةِ، وَادْخُلَا عَلَيْهِ كَذَلِكَ. فَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ ابْنَ أَخِيهِ فِي السِّلْسِلَةِ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَلَغْنَا مِنْ سُلَيْمَانَ. وَدَفَعَ أَيُّوبُ كِتَابَ أَبِيهِ إِلَى عَمِّهِ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَفْسِي فِدَاؤُكَ لَا تَخْفِرْ ذِمَّةَ أَبِي، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ مَنَعَهَا، وَلَا تَقْطَعْ مِنَّا رَجَاءَ مَنْ رَجَا السَّلَامَةَ فِي جِوَارِنَا لِمَكَانِنَا مِنْكَ، وَلَا تُذِلَّ مَنْ رَجَا الْعِزَّ فِي الِانْقِطَاعِ إِلَيْنَا لِعِزِّنَا بِكَ. ثُمَّ قَرَأَ الْوَلِيدُ كِتَابَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ لَوِ اسْتَجَارَ بِي عَدُوٌّ قَدْ نَابَذَكَ وَجَاهَدَكَ فَأَنْزَلْتُهُ وَأَجْرَتْهُ، أَنَّكَ لَا تُذِلُّ جَارِي، وَلَا تَخْفِرُ جِوَارِي، بَلْ لَمْ أُجِرْ إِلَّا سَامِعًا مُطِيعًا، حَسَنَ الْبَلَاءِ وَالْأَثَرِ فِي الْإِسْلَامِ، هُوَ وَأَبُوهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُعِدُّ قَطِيعَتِي وَالْإِخْفَارَ بِذِمَّتِي وَالْإِبْلَاغَ فِي مَسَاءَتِي، فَقَدْ قَدَرْتَ إِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ، وَأَنَا أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنِ احْتِرَادِ قَطِيعَتِي، وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِي، وَتَرْكِ بِرِّي وَصِلَتِي، فَوَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَدْرِي مَا بَقَائِي وَبَقَاؤُكَ، وَلَا مَتَى يُفَرِّقُ الْمَوْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَدَامَ اللَّهُ سُرُورَهُ أَنْ لَا يَأْتِيَ أَجَلُ الْوَفَاةِ عَلَيْنَا إِلَّا وَهُوَ لِي وَاصِلٌ، وَلِحَقِّي مُؤَدٍّ، وَعَنْ مَسَاءَتِي نَازِعٌ، فَلْيَفْعَلْ، وَوَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَصْبَحْتُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ بِأَسَرَّ مِنِّي بِرِضَاكَ وَسُرُورِكَ، وَإِنَّ رِضَاكَ وَسُرُورَكَ مِمَّا أَلْتَمِسُ بِهِ رِضْوَانَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ كُنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ تُرِيدُ مَسَرَّتِي وَصِلَتِي وَكَرَامَتِي وَإِعْظَامَ حَقِّي فَتَجَاوَزْ لِي عَنْ يَزِيدَ، وَكُلُّ مَا طَلَبْتَهُ بِهِ فَهُوَ عَلَيَّ. فَلَمَّا قَرَأَ الْوَلِيدُ كِتَابَهُ قَالَ: لَقَدْ أَشْفَقْنَا عَلَى سُلَيْمَانَ. ثُمَّ دَعَا ابْنَ أَخِيهِ، فَأَدْنَاهُ مِنْهُ، وَتَكَلَّمَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى رَسُولِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ بَلَاءَكُمْ عِنْدَنَا أَحْسَنُ الْبَلَاءِ، فَمَنْ يَنْسَى ذَلِكَ فَلَسْنَا نَاسِيهِ، وَمَنْ يَكْفُرُهُ فَلَسْنَا بِكَافِرِيهِ، وَقَدْ كَانَ مِنْ بَلَائِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي طَاعَتِكُمْ وَالطَّعْنِ فِي أَعْيُنِ أَعْدَائِكُمْ فِي الْمَوَاطِنِ الْعِظَامِ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مَا إِنَّ الْمِنَّةَ عَلَيْنَا فِيهِ عَظِيمَةٌ. فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. فَجَلَسَ، فَأَمَّنَهُ، وَكَفَّ عَنْهُ، وَرَدَّهُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَكَانَ عِنْدَهُ يُعَلِّمُهُ الْهَيْئَةَ، وَيَصِفُ لَهُ أَلْوَانَ الْأَطْعِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَكَانَ حَظِيًّا عِنْدَهُ لَا يُهْدَى إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ إِلَّا بَعَثَ إِلَيْهِ بِنِصْفِهَا، وَتَقَرَّبَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ إِلَى سُلَيْمَانَ بِأَنْوَاعِ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ وَالتَّقَادُمِ. وَكَتَبَ الْوَلِيدُ إِلَى الْحَجَّاجِ: إِنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ مَعَ أَخِي سُلَيْمَانَ، فَاكْفُفْ عَنْهُمْ، وَالْهَ عَنِ الْكِتَابِ إِلَيَّ فِيهِمْ. فَكَفَّ الْحَجَّاجُ عَنْ آلِ الْمُهَلَّبِ، وَتَرَكَ مَا كَانَ يُطَالِبُهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، حَتَّى تَرَكَ لِأَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ حَتَّى هَلَكَ الْحَجَّاجُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، ثُمَّ وَلِيَ يَزِيدُ بِلَادَ الْعِرَاقِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ، كَمَا أَخْبَرَهُ الرَّاهِبُ. من حج بالناس في هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَعَامِلُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَلَى مِصْرَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ.

  273. التاريخ 2364لا حكم مسجّل

    تَيَاذُوقُ الطَّبِيبُ الْحَاذِقُ وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ تَيَاذُوقُ الطَّبِيبُ الْحَاذِقُ   لَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي فَنِّهِ، وَكَانَ حَظِيًّا عِنْدَ الْحَجَّاجِ، مَاتَ فِي حُدُودِ سَنَةِ تِسْعِينَ بِوَاسِطٍ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَسِنَانُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ،  أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَتَوَلَّى غَزْوَ الْهِنْدِ، وَطَالَ عُمْرُهُ. مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الثَّقَفِيُّ  أَخُو الْحَجَّاجِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْيَمَنِ وَكَانَ يَلْعَنُ عَلِيًّا عَلَى الْمَنَابِرِ. قِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَ حُجْرًا الْمَدَرِيَّ أَنْ يَلْعَنَ عَلِيًّا. فَقَالَ: بَلْ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَلْعَنُ عَلِيًّا، وَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ وَرَّى فِي لَعْنِهِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ سَلِيمٍ الْأَسَدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ سَلِيمٍ الْأَسَدِيُّ،  الشَّاعِرُ أَبُو كَثِيرٍ وَيُقَالُ: أَبُو سَعْدٍ. وَهُوَ مَشْهُورٌ، وَفَدَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَامْتَدَحَهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا، فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ نَاقَةً حَمَلَتْنِي إِلَيْكَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنْ وَصَاحِبَهَا. يُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ. أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ فِيهَا مَاتَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: وَتِسْعِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ عُمُرُهُ سِتًّا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: مِائَةً وَسِتَ سِنِينَ، وَقِيلَ: وَسَبْعَ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَ. نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ النَّحْوِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ نَصْرُ بْنُ عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ النَّحْوِيُّ، أَخَذَ النَّحْوَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ. رَفِيعٌ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ رَفِيعٌ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ:   أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ. قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأَعْرَابِيَّةٍ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ مَعَهَا، فَوَافَيْنَا الْإِمَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَبَضَتْ عَلَى يَدِي وَقَالَتْ: اللَّهُمَّ أَذْخِرْهُ عِنْدَكَ ذَخِيرَةً، اشْهَدُوا يَا أَهْلَ الْمَسْجِدِ أَنَّهُ سَائِبَةٌ لِلَّهِ، ثُمَّ ذَهَبَتْ، فَمَا تَرَاءَيْنَا بَعْدُ. أَسْنَدَ أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي، وَأَبِي مُوسَى، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ عَالِمًا ثِقَةً. وعَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ إِذَا جَلَسَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةٍ قَامَ. أَبُو الْخَيْرِ الْكُلَاعِيُّ الْيَزَنِيُّ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو الْخَيْرِ الْكُلَاعِيُّ الْيَزَنِيُّ:   يَرْوِي عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَمَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ مُفْتِي أَهْلِ مِصْرَ فِي أَيَّامِهِ. خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ:   كَانَ مِنْ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ وَالْمَعْدُودِينَ مِنْ كُبَرَائِهِمْ سَخَاءً وَفَصَاحَةً وَعَقْلًا. وَكَانَ قَدْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِعَمَلِ الْكِيمْيَاءِ، فَضَاعَ زَمَانُهُ. وَكَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ قَدْ تَزَوَّجَ أُمَّهُ أُمَّ خَالِدٍ لِأَجْلِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى خَالِدٍ لِمَكَانِ أَبِيهِ، وَكَانَ مَرْوَانُ يُطْمِعُهُ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَعَقَدَ لِابْنَيْهِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَخَذَ يَضَعُ مِنْ خَالِدٍ حَتَّى شَتَمَهُ يَوْمًا وَذَكَرَ أُمَّهُ بِالْقُبْحِ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي أَخْبَارِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ - فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ قَتْلِ مَرْوَانَ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَحَجَّ مَعَهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ مِنْ رِجَالَاتِ قُرَيْشٍ الْمَعْدُودِينَ وَعُلَمَائِهِمْ. وَكَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَبَيْنَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ بَصُرَ بِرَمَلَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَعَشِقَهَا عِشْقًا شَدِيدًا، وَوَقَعَتْ بِقَلْبِهِ وُقُوعًا مُتَمَكِّنًا. فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْقُفُولَ هَمَّ خَالِدٌ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهُ، فَوَقَعَ بِقَلْبِ عَبْدِ الْمَلِكِ تَهْمُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَمَلْةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ رَأَيْتُهَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ قَدْ أَذْهَبَتْ عَقْلِي، وَاللَّهِ مَا أَبْدَيْتُ لَكَ مَا بِي حَتَّى عِيلَ صَبْرِي، فَلَقَدْ عَرَضْتُ النَّوْمَ عَلَى عَيْنِي فَلَمْ تَقْبَلْهُ، وَالسُّلُوَّ عَلَى قَلْبِي فَامْتَنَعَ مِنْهُ، فَأَطَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ التَّعَجُّبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا كُنْتُ أَقُولُ إِنَّ الْهَوَى يَسْتَأْسِرُ مِثْلَكَ، فَقَالَ: وَإِنِّي لَأَشَدُّ تَعَجُّبًا مِنْ تَعَجُّبِكَ مِنِّي، وَلَقَدْ كُنْتُ أَقُولُ إِنَّ الْهَوَى لَا يَتَمَكَّنُ إِلَّا مِنْ صِنْفَيْنِ مِنَ النَّاسِ: الشُّعَرَاءُ، وَالْأَعْرَابُ. فَأَمَّا الشُّعَرَاءُ فَإِنَّهُمْ أَلْزَمُوا قُلُوبَهُمُ الْفِكْرَ فِي النِّسَاءِ وَالْغَزَلِ، فَمَالَ طَمَعُهُمْ إِلَى النِّسَاءِ، فَضَعُفَتْ قُلُوبُهُمْ عَنْ دَفْعِ الْهَوَى فَاسْتَسْلَمُوا لَهُ مُنْقَادِينَ. وَأَمَّا الْأَعْرَابُ، فَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَخْلُو بِامْرَأَتِهِ فَلَا يَكُونُ الْغَالِبُ عَلَيْهِ غَيْرُ حُبِّهِ لَهَا، وَلَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ عَنْهُ، فَضَعُفُوا عَنْ دَفْعِ الْهَوَى، فَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ. وَجُمْلَةُ أَمْرِي مَا رَأَيْتُ نَظْرَةً حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَرَمِ، وَحَسَنَّتْ عِنْدِي رُكُوبَ الْإِثْمِ مِثْلَ نَظْرَتِي هَذِهِ. فَتَبَسَّمَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: أَوَ كُلُّ هَذَا قَدْ بَلَغَ بِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَرَفَتْنِي هَذِهِ الْبَلِيَّةُ قَبْلَ وَقْتِي هَذَا، فَوَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ يَخْطُبُ رَمْلَةَ عَلَى خَالِدٍ، فَذَكَرُوا لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، أَوْ يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ، فَطَلَّقَ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ، إِحْدَاهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأُخْرَى مِنَ الْأَزْدِ، وَظَعَنَ بِهَا إِلَى الشَّامِ. وَفِيهَا يَقُولُ: أَلَيْسَ يَزِيدُ الشَّوْقُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَفِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ حَبِيبَتِنَا قُرْبَا     خَلِيلَيَّ مَا مِنْ سَاعَةٍ تَذْكُرَانِهَا مِنَ الدَّهْرِ إِلَّا فَرَّجَتْ عَنِّيَ الْكَرْبَا     أُحِبُّ بَنِي الْعَوَامِّ طُرًّا لِحُبِّهَا وَمِنْ أَجْلِهَا أَحْبَبْتُ أَخْوَالَهَا كَلْبَا     تَجُولُ خَلَاخِيلُ النِّسَاءِ وَلَا أَرَى لِرَمْلَةَ خَلْخَالًا يَجُولُ وَلَا قَلْبَا وَقَدْ زَادَ بَعْضُ أَعْدَائِهِ فِي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: فَإِنْ تُسْلِمِي نُسْلِمْ وَإِنْ تَتَنَصَّرِي     يَخُطُّ رِجَالٌ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ صُلْبَا فَلَمَّا سَمِعَ الْبَيْتَ قَالَ مَنْ قَالَهُ: لَعْنَةُ اللَّهِ [عَلَيْهِ] وَعَلَى مَنْ يُجِيبُهُ. قَالَ: الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، دَخَلَتْ رَمْلَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا رَمْلَةُ، غَرَّنِي عُرْوَةُ مِنْكِ، فَقَالَتْ: لَمْ يَغْرُرْكَ وَلَكِنْ نَصَحَكَ، إِنَّكَ قَتَلْتَ مُصْعَبًا أَخِي، فَلَمْ يَأْمَنِّي عَلَيْكَ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَكَ. وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ بَعَثَ إِلَى خَالِدٍ: مَا كُنْتُ أَرَاكَ تَخْطُبُ إِلَى آلِ الزُّبَيْرِ حَتَّى تُشَاوِرَنِي، فَكَيْفَ خَطَبَتْ إِلَى قَوْمٍ لَيْسُوا بِأَكْفَائِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ نَازَعُوا أَبَاكَ عَلَى الْخِلَافَةِ وَرَمَوْهُ بِكُلِّ قَبِيحَةٍ. فَقَالَ لِرَسُولِهِ: ارْجِعْ فَقُلْ لَهُ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْأُمُورَ بَلَغَتْ بِكَ إِلَى أَنْ أُؤَامِرَكَ فِي خُطْبَةِ النِّسَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: نَازَعُوا أَبَاكَ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالْقَبِيحِ، فَإِنَّهَا قُرَيْشٌ تَتَقَارَعُ، فَإِذَا أَقَرَّ اللَّهُ الْحَقَّ مَقَرَّهُ تَعَاطَفُوا وَتَرَاحَمُوا. وَأَمَّا قَوْلُكَ: لَيْسُوا لَكَ بِأَكْفَاءَ. فَقَبَّحَكَ اللَّهُ يَا حَجَّاجُ مَا أَقَلَّ عِلْمَكَ بِأَنْسَابِ قُرَيْشٍ، أَيَكُونُ الْعَوَامُّ كُفْؤًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ حَتَّى يَتَزَوَّجَ صَفِيَّةَ وَيَتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةَ، وَلَا تَرَاهُمْ أَكْفَاءَ لِأَبِي سُفْيَانَ. وَلَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ مَرَّ بِخَالِدٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ خَالِدٌ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: هَذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَرَجَعَ الْحَجَّاجُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا أَنَا بِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَلَكِنِّي ابْنُ الْغَطَارِيفِ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْعَقَائِلِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَقَدْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي هَذَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ كُلُّهُمْ يَشْهَدُ أَنَّ أَبَاكَ وَأَنْتَ وَجَدُّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ لَمْ آخُذْ لِذَلِكَ عِنْدَكَ شُكْرًا. وَقِيلَ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذَا الْعَامِ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، وَقِيلَ تُوَفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ.

  274. التاريخ 2365لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ غَزَا الصَّائِفَةَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنُ أَخِيهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ  . وَكَانَ عَلَى الْجَيْشِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ التُّرْكَ. حَتَّى بَلَغَ الْبَابَ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ، فَفُتِحَ عَلَى يَدَيْهِ مَدَائِنُ وَحُصُونٌ. وكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ عَزَلَ عَمَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَرْوَانَ عَنِ الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَوَلَّاهُمَا أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ.

  275. التاريخ 2366لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة إحدى وتسعين وَلَّى الْوَلِيدُ خَالِدَ بْنَ عَبْدٍ الْقَسْرِيَّ مَكَّةَ. فَلَمْ يَزَلْ وَالِيًا إِلَى أَنْ مَاتَ الْوَلِيدُ، فَلَمَّا وَلِيَ مَكَّةَ خَطَبَهُمْ وَعَظَّمَ أَمْرَ الْخِلَافَةِ وَحَثَّهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ، فَقَالَ: لَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الْوَحْشَ الَّتِي تَأْمَنُ فِي الْحَرَمِ لَوْ نَطَقَتْ لَمْ تُقِرَّ بِالطَّاعَةِ لَأَخْرَجْتُهَا مِنْهُ، فَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَوُتَى بِأَحَدٍ يَطْعَنُ عَلَى إِمَامِهِ إِلَّا صَلَبْتُهُ فِي الْحَرَمِ، إِنِّي لَا أَرَى فِيمَا كَتَبَ بِهِ الْخَلِيفَةُ أَوْ رَآهُ إِلَّا إِمْضَاءَهُ. وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ. وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ [عَبْدِ اللَّهِ] الْقَسْرِيُّ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ أَنْ يُضَحِّيَ فَلْيَنْطَلِقْ فَلْيُضَحِّ فَبَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي أُضْحِيَّتِهِ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا وَلَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، فَسُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا، ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ.

  276. التاريخ 2367لا حكم مسجّل

    وَفي سنة إحدى وتسعين غَزَا مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ بِلَادَ الْمَغْرِبِ،  فَفَتَحَ مُدُنًا كَثِيرَةً، وَدَخَلَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، وَوَلَجَ فِيهَا حَتَّى دَخَلَ أَرَاضِيَ غَابِرَةً قَاصِيَةً، فِيهَا آثَارُ قُصُورٍ وَبُيُوتٍ لَيْسَ بِهَا سَاكِنٌ، وَوَجَدَ هُنَاكَ مِنْ آثَارِ نِعْمَةِ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ مَا يَلُوحُ عَلَى سِمَاتِهَا أَنَّ أَهْلَهَا كَانُوا أَصْحَابَ أَمْوَالٍ وَنِعْمَةٍ دَارَّةٍ سَابِغَةٍ، فَبَادُوا جَمِيعًا فَلَا مُخْبِرَ بِهَا.

  277. التاريخ 2368لا حكم مسجّل

    خَبَرِ قُتَيْبَةَ مَعَ نِيزَكَ  وَفِي سنة إحدى وتسعين مَهَّدَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ بِلَادَ التُّرْكِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ نَقَضُوا مَا كَانُوا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُصَالَحَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ، وَحَرْبٍ يَشِيبُ لَهَا الْوَلِيدُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُلُوكَهُمْ كَانُوا قَدِ اتَّعَدُوا فِي الْعَامِ الْمَاضِي فِي أَوَانِ الرَّبِيعِ أَنْ يَجْتَمِعُوا، وَيُقَاتِلُوا قُتَيْبَةَ، وَأَنْ لَا يُوَلُّوا عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى يُخْرِجُوا الْعَرَبَ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا اجْتِمَاعًا هَائِلًا لَمْ يَجْتَمِعُوا مِثْلَهُ فِي مَوْقِفٍ، فَكَسَرَهُمْ قُتَيْبَةُ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ أُمَمًا كَثِيرَةً، وَرَدَّ الْأُمُورَ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، حَتَّى ذُكِرَ أَنَّهُ صَلَبَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَخَذَ مِنَ الْأُسَارَى سِمَاطَيْنِ طُولُهُمَا أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا، وَاتَّبَعَ نَيْزَكَ خَانَ مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ مِنْ إِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ، وَمِنْ كُورَةٍ إِلَى كُورَةٍ، وَمِنْ رُسْتَاقٍ إِلَى رُسْتَاقٍ ولَمَّا فَتَحَ الطَّالْقَانَ اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ عُمَرَ بْنَ مُسْلِمٍ، وَقِيلَ: إِنَّ مَلِكَهَا لَمْ يُحَارِبْ قُتَيْبَةَ، فَكَفَّ عَنْهُ، وَكَانَ بِهَا لُصُوصٌ، فَقَتَلَهُمْ قُتَيْبَةُ وَصَلَبَهُمْ، ثُمَّ سَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى الْفَارِيَابِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا مُقِرًّا مُذْعِنًا، فَقَبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ. وَبَلَغَ مَلِكَ الْجُوزَجَانِ خَبَرُهُمْ، فَهَرَبَ إِلَى الْجِبَالِ، وَسَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى الْجُوزَجَانِ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَلَمْ يَقْتُلْ بِهَا أَحَدًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ. ثُمَّ أَتَى بَلْخَ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، فَلَمْ يُقِمْ بِهَا إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، وَسَارَ يَتْبَعُ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى شِعْبِ خُلْمٍ، وَمَضَى نِيزَكُ إِلَى بَغْلَانَ، وَخَلَّفَ مُقَاتِلَةً عَلَى فَمِ الشِّعْبِ وَمَضَايِقِهِ لِيَمْنَعُوهُ، وَوَضَعَ مُقَاتِلَتَهُ فِي قَلْعَةٍ حَصِينَةٍ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ. فَأَقَامَ قُتَيْبَةُ أَيَّامًا يُقَاتِلُهُمْ عَلَى مَضِيقِ الشِّعْبِ لَا يَقْدِرُ عَلَى دُخُولِهِ وَلَا يَعْرِفُ طَرِيقًا يَسْلُكُهُ إِلَى نِيزَكَ إِلَّا الشِّعْبَ أَوْ مَفَازَةٍ لَا تَحْتَمِلُهَا الْعَسَاكِرُ، فَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا، فَقَدِمَ إِنْسَانٌ، فَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَدْخَلِ الْقَلْعَةِ الَّتِي مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، فَآمَنَهُ قُتَيْبَةُ، وَبَعَثَ مَعَهُ رِجَالًا، فَانْتَهَى بِهِمْ إِلَى الْقَلْعَةِ مِنْ وَرَاءِ شِعْبِ خُلْمٍ، فَطَرَقُوهُمْ وَهُمْ آمِنُونَ، فَقَتَلُوهُمْ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَمَنْ كَانَ فِي الشِّعْبِ، فَدَخَلَ قُتَيْبَةُ الشِّعْبَ فَأَتَى الْقَلْعَةَ، وَمَضَى إِلَى سِمِنْجَانَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ سَارَ إِلَى نِيزَكَ، وَقَدِمَ أَخَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَارْتَحَلَ نِيزَكُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَطَعَ وَادِيَ فَرْغَانَةَ، وَوَجَّهَ ثَقَلَهُ وَأَمْوَالَهُ إِلَى كَابُلِ شَاهْ، وَمَضَى حَتَّى نَزَلَ الْكُرْزَ ( وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتْبَعُهُ، فَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حِذَاءَ الْكُرْزِ )، وَنَزَلَ قُتَيْبَةُ بِمَنْزِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَرْسَخَانِ، فَتَحَصَّنَ نِيزَكُ فِي الْكُرْزِ وَلَيْسَ إِلَيْهِ مَسْلَكٌ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَعْبٌ لَا تُطِيقُهُ الدَّوَابُّ، فَحَصَرَهُ قُتَيْبَةُ شَهْرَيْنِ حَتَّى قَلَّ مَا فِي يَدِ نِيزَكَ مِنَ الطَّعَامِ وَأَصَابَهُمُ الْجُدَرِيُّ، وَجُدِرَ جَبْغَوَيْهِ. وَخَافَ قُتَيْبَةُ الشِّتَاءَ، فَدَعَا سُلَيْمًا النَّاصِحَ، فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَى نِيزَكَ وَاحْتَلْ لِتَأْتِيَنِي بِهِ بِغَيْرِ أَمَانٍ، فَإِنِ احْتَالَ وَأَبَى فَآمِنْهُ، وَاعْلَمْ أَنِّي إِنْ عَايَنْتُكَ وَلَيْسَ هُوَ مَعَكَ صَلَبْتُكَ. قَالَ: فَاكْتُبْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَا يُخَالِفْنِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: ابْعَثْ رِجَالًا لِيَكُونُوا عَلَى فَمِ الشِّعْبِ، فَإِذَا خَرَجْتُ أَنَا وَنِيزَكُ فَلْيَعْطِفُوا مِنْ وَرَائِنَا فَيَحُولُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشِّعْبِ، فَبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ خَيْلًا، فَكَانَتْ هُنَاكَ، وَحَمَلَ سُلَيْمٌ مَعَهُ أَطْعِمَةً وَأَخْبِصَةً أَوَقَارًا، وَأَتَى نِيزَكَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ أَسَأْتَ إِلَى قُتَيْبَةَ وَغَدَرْتَ. قَالَ نِيزَكُ: فَمَا الرَّأْيُ ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَأْتِيَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِبَارِحٍ، وَقَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَشْتُوَ مَكَانَهُ هَلَكَ أَوْ سَلِمَ. قَالَ نِيزَكُ: فَكَيْفَ آتِيهِ عَلَى غَيْرِ أَمَانٍ ؟ قَالَ: مَا أَظُنُّهُ يُؤَمِّنُكَ لِمَا فِي نَفْسِهِ عَلَيْكَ لِأَنَّكَ قَدْ مَلَأْتَهُ غَيْظًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ لَا يَعْلَمَ [ بِكَ ] حَتَّى تَضَعَ يَدَكَ فِي يَدِهِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَسْتَحِيَ وَيَعْفُوَ [ عَنْكَ ]، قَالَ: إِنِّي أَرَى نَفْسِي تَأْبَى هَذَا وَهُوَ إِنْ رَآنِي قَتَلَنِي، فَقَالَ سُلَيْمٌ: مَا أَتَيْتُكَ إِلَّا لِأُشِيرَ عَلَيْكَ بِهَذَا، وَلَوْ فَعَلْتَ لَرَجَوْتُ أَنْ تَسْلَمَ وَتَعُودَ حَالُكَ عِنْدَهُ، فَإِذَا أَبَيْتَ فَإِنِّي مُنْصَرِفٌ. وَقَدَّمَ سُلَيْمٌ الطَّعَامَ الَّذِي مَعَهُ، وَلَا عَهْدَ لَهُمْ بِمِثْلِهِ، فَانْتَهَبَهُ أَصْحَابُ نِيزَكَ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمٌ: إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ، أَرَى أَصْحَابَكَ قَدْ جَهِدُوا، وَإِنْ طَالَ بِهِمُ الْحِصَارُ لَمْ آمَنْهُمْ أَنْ يَسْتَأْمِنُوا بِكَ، فَأْتِ قُتَيْبَةَ، فَقَالَ: لَا آمَنُهُ عَلَى نَفْسِي وَلَا آتِيهِ إِلَّا بِأَمَانٍ، وَإِنَّ ظَنِّي أَنْ يَقْتُلَنِي وَإِنْ آمَنَنِي، وَلَكِنَّ الْأَمَانَ أَعْذَرُ إِلَيَّ. فَقَالَ سُلَيْمٌ: قَدْ آمَنَكَ، أَفَتَتَّهِمُنِي ؟ قَالَ: لَا. وَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: اقْبَلْ قَوْلَ سُلَيْمٍ فَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا. فَخَرَجَ مَعَهُ وَمَعَ جَبْغَوَيْهِ وَصُولُ طَرْخَانَ، خَلِيفَةُ جَبْغَوَيْهِ، وَحَبَسَ طَرْخَانَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ وَشَقْرَانَ ابْنَ أَخِي نِيزَكَ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ عَطَفَتِ الْخَيْلُ الَّتِي خَلَّفَهَا سُلَيْمٌ، فَحَالُوا بَيْنَ الْأَتْرَاكِ أَصْحَابِ نِيزَكَ وَالْخُرُوجِ، فَقَالَ نِيزَكُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ. قَالَ سُلَيْمٌ: تَخَلُّفُ هَؤُلَاءِ عَنْكَ خَيْرٌ لَكَ. وَأَقْبَلَ سُلَيْمٌ وَنِيزَكُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى دَخَلُوا إِلَى قُتَيْبَةَ، فَحَبَسَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ نِيزَكَ، وَوَجَّهَ قُتَيْبَةُ [ مُعَاوِيَةَ بْنَ عَامِرِ بْنِ عَلْقَمَةَ الْعَلِيمِيَّ، فَاسْتَخْرَجَ ] مَا كَانَ فِي الْكُرْزِ مِنْ مَتَاعٍ وَمَنْ كَانَ فِيهِ فَقَدِمَ بِهِ عَلَى قُتَيْبَةَ. فَانْتَظَرَ بِهِمْ كِتَابَ الْحَجَّاجِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ الْحَجَّاجِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَأْمُرُهُ بِقَتْلِ نِيزَكَ، فَدَعَا قُتَيْبَةُ النَّاسَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي قَتْلِهِ، وَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ: إِنِّي سَمِعْتُكَ تَقُولُ: أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ أَمْكَنَكَ مِنْهُ أَنْ تَقْتُلَهُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَلَا يَنْصُرُكَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَبَدًا. فَدَعَا نِيزَكَ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ بِيَدِهِ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ صُولٍ، وَابْنِ أَخِي نِيزَكَ، وَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ سَبْعَمِائَةٍ، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَصَلَبَ نِيزَكَ وَابْنَ أَخِيهِ، وَبَعْثَ بِرَأْسِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ فِي قَتْلِ نِيزَكَ: لَعَمْرِي لَنَعِمَتْ غَزْوَةُ الْجُنْدِ غَزْوَةً قَضَتْ نَحْبَهَا مِنْ نِيزَكٍ وَتَعَلَّتِ وَأَخَذَ الزُّبَيْرُ مَوْلَى عَبَّاسٍ الْبَاهِلِيِّ حُقًّا لِنِيزَكَ فِيهِ جَوْهَرٌ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ فِي بِلَادِهِ مَالًا وَعَقَارًا مِنْ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ، وَأَطْلَقَ قُتَيْبَةُ جَبْغَوَيْهِ وَمَنَّ عَلَيْهِ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْوَلِيدِ، فَلَمْ يَزَلْ بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ الْوَلِيدُ. كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: غَدَرَ قُتَيْبَةُ بِنِيزَكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَا تَحْسَبَنَّ الْغَدْرَ حَزْمًا فَرُبَّمَا تَرَقَّتْ بِهِ الْأَقْدَامُ يَوْمًا فَزَلَّتِ فَلَمَّا قَتَلَ قُتَيْبَةُ نِيزَكَ رَجَعَ إِلَى مَرْوَ، وَأَرْسَلَ مَلِكُ الْجُوزَجَانِ يَطْلُبُ الْأَمَانَ، فَآمَنُهُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَهُ، فَطَلَبَ رَهْنًا وَيُعْطِيَ رَهَائِنَ، فَأَعْطَاهُ قُتَيْبَةُ حَبِيبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ الْبَاهِلِيَّ، وَأَعْطَى مَلِكُ الْجُوزَجَانِ رَهَائِنَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَقَدِمَ عَلَى قُتَيْبَةَ [ فَصَالَحَهُ ]، ثُمَّ رَجَعَ فَمَاتَ بِالطَّالْقَانِ، فَقَالَ أَهْلُ الْجُوزَجَانِ: إِنَّهُمْ سَمُّوهُ، فَقَتَلُوا حَبِيبًا، وَقَتَلَ قُتَيْبَةُ الرَّهَائِنَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ.

  278. التاريخ 2369لا حكم مسجّل

    غَزْوِ شُومَانَ وَكِشَّ وَنَسَفَ   وَفِي سنة إحدى وتسعين سَارَ قُتَيْبَةُ إِلَى شُومَانَ فَحَصَرَهَا. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَهَا طَرَدَ عَامِلَ قُتَيْبَةَ مِنْ عِنْدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُتَيْبَةُ رَسُولَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ عَيَّاشٌ، وَالْآخَرُ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، يَدْعُوَانِ مَلِكَ شُومَانَ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا كَانَ صَالَحَ عَلَيْهِ. فَقَدِمَا شُومَانَ، فَخَرَجَ أَهْلُهَا إِلَيْهِمَا فَرَمَوْهُمَا، فَانْصَرَفَ الْخُرَاسَانِيُّ، وَقَاتَلَهُمْ عِيَاشٌ فَقَتَلُوهُ، وَوَجَدُوا بِهِ سِتِّينَ جِرَاحَةً. وَبَلَغَ قَتْلُهُ قُتَيْبَةَ فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا أَتَاهَا أَرْسَلَ صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخُو قُتَيْبَةَ [ رَجُلًا ] إِلَى مَلِكِهَا، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، يَأْمُرُهُ بِالطَّاعَةِ وَيَضْمَنُ لَهُ رِضَا قُتَيْبَةَ إِنْ رَجَعَ إِلَى الصُّلْحِ، فَأَبَى وَقَالَ لِرَسُولِ صَالِحٍ: أَتُخَوِّفُنِي مِنْ قُتَيْبَةَ وَأَنَا أَمْنَعُ الْمُلُوكِ حِصْنًا ؟ فَأَتَاهُ قُتَيْبَةُ وَقَدْ تَحَصَّنَ بِبَلَدِهِ فَوَضَعَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، وَرَمَى الْحِصْنَ فَهَشَّمَهُ، وَقَتَلَ رَجُلًا فِي مَجْلِسِ الْمَلِكِ بِحَجَرٍ، فَلَمَّا خَافَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ قُتَيْبَةُ جَمَعَ مَا كَانَ بِالْحِصْنِ مِنْ مَالٍ وَجَوْهَرٍ وَرَمَى بِهِ فِي بِئْرٍ بِالْقَلْعَةِ لَا يُدْرَكُ قَعْرُهَا، ثُمَّ فَتَحَ الْقَلْعَةَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، وَأَخَذَ قُتَيْبَةُ الْقَلْعَةَ عَنْوَةً، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ. ثُمَّ سَارَ إِلَى كَشَّ وَنَسَفَ فَفَتَحَهُمَا. وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ فَارَيَابُ فَأَحْرَقَهَا، فَسُمِّيَتِ الْمُحْتَرِقَةَ، وَسَيَّرَ مِنْ كَشَّ وَنَسَفَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى الصُّغْدِ، وَمَلِكُهَا طَرْخُونُ، فَقَبَضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ طَرْخُونَ مَا كَانَ صَالَحَهُ عَلَيْهِ قُتَيْبَةُ، وَدَفْعَ إِلَيْهِ رُهُنًا كَانُوا مَعَهُ، وَرَجَعَ إِلَى قُتَيْبَةَ بِبُخَارَى، وَكَانَ قَدْ سَارَ إِلَيْهَا مِنْ كَشَّ وَنَسَفَ، فَرَجَعُوا إِلَى مَرْوَ. وَلَمَّا كَانَ قُتَيْبَةُ بِبُخَارَى مَلَّكَ بُخَارَاخُذَاهْ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا، وَقَتَلَ مَنْ يَخَافُ أَنْ يُضَادَّهُ. وَقِيلَ: إِنَّ قُتَيْبَةَ سَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى الصُّغْدِ، فَلَمَّا رَجَعَ عَنْهُمْ قَالَتِ الصُّغْدُ لِطَرْخُونَ: إِنَّكَ قَدْ رَضِيتَ بِالذُّلِّ، وَاسْتَطَبْتَ الْجِزْيَةَ، وَأَنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكَ، فَحَبَسُوهُ وَوَلَّوْا غَوْزَكَ، فَقَتَلَ طَرْخُونُ نَفْسَهُ.

  279. التاريخ 2370لا حكم مسجّل

    [وَفِي سنة إحدى وتسعين حَجَّ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ]   قَالَ الْوَاقِدِيُّ: بسنده عن صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: فَلَمَّا حَضَرَ قُدُومَ الْوَلِيدِ أَمْرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يَخْرُجُونَ مَعَهُ، فَخَرَجُوا فَلَقُوهُ بِالسُّوَيْدَاءِ، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ يَنْظُرُ إِلَى بِنَائِهِ، فَأَخْرَجَ النَّاسَ مِنْهُ، فَمَا تُرِكَ فِيهِ أَحَدٌ، وَبَقِيَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ مَا يَجْتَرِئُ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَسِ أَنْ يُخْرِجَهُ، وَمَا عَلَيْهِ إِلَّا رَيْطَتَانِ مَا تُسَاوِيَانِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ فِي مُصَلَّاهُ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ قُمْتَ، قَالَ: وَاللَّهُ لَا أَقُومُ حَتَّى يَأْتِيَ الْوَقْتُ الَّذِي كُنْتُ أَقْوَمُ فِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ سَلَّمْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْوَمُ إِلَيْهِ. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: فَجَعَلْتُ أَعْدَلُ بِالْوَلِيدِ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ رَجَاءَ أَلَّا يَرَى سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ حَتَّى يَقُومَ، فَحَانَتْ مِنَ الْوَلِيدِ الْتِفَاتَةٌ - أَوْ قَالَ: نَظْرَةٌ - إِلَى الْقِبْلَةِ، فَقَالَ مَنْ ذَلِكَ الْجَالِسُ؟ أَهُوَ الشَّيْخُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ حَالِهِ وَمِنْ حَالِهِ، وَلَوْ عَلِمَ مَكَانَكَ لَقَامَ مُسَلِّمًا عَلَيْكَ، فَدَارَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى وَقَفَ [عَلَى الْقَبْرِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ] عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ؟ [فَوَ اللَّهِ مَا تَحَرَّكَ سَعِيدٌ وَلَا قَامَ] فَقَالَ: بِخَيْرٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، فَكَيْفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَيْفَ حَالُهُ؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ: بِخَيْرٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فَانْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ: لِعُمَرَ: هَذَا بَقِيَّةُ النَّاسِ، فَقَالَ: أَجَلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَسَّمَ الْوَلِيدُ بِالْمَدِينَةِ رَقِيقًا كَثِيرًا بَيْنَ النَّاسِ، وَآنِيَةً مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَأَمْوَالًا ثُمَّ خَطَبَ الْوَلِيدُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَلَسَ فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى، وَانْتَصَبَ قَائِمًا فِي الثَّانِيَةِ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى: فَقُلْتُ لِرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ وَهُوَ مَعَهُ: أَهَكَذَا تَصْنَعُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، مُكَرِّرًا، وَهَكَذَا صَنَعَ مُعَاوِيَةُ وَهَلُمَّ جَرَّا. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: هَلَّا تُكَلِّمُهُ ؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ أَنَّهُ كَلَّمَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَلَمْ يَتْرُكِ الْقُعُودَ، وَقَالَ: هَكَذَا خَطَبَ عُثْمَانُ. قَالَ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا خَطَبَ إِلَّا قَائِمًا. قَالَ رَجَاءٌ: رُوِيَ لَهُمْ شَيْءٌ فَاقْتَدَوْا بِهِ. قَالَ إِسْحَاقُ: وَلَمْ نَرَ مِنْهُمْ أَشَدَّ تَجَبُّرًا مِنْهُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَقَدِمَ بِطِيبٍ وَكُسْوَةٍ لِلْكَعْبَةِ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَحَجَّ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ مِنَ الْيَمَنِ، وَحَمَلَ هَدَايَا لِلْوَلِيدِ، فَقَالَتْ أُمُّ الْبَنِينِ لِلْوَلِيدِ: اجْعَلْ لِي هَدِيَّةَ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، فَأَمَرَ بِصَرْفِهَا إِلَيْهَا، فَجَاءَتْ أُمُّ الْبَنِينَ إِلَى مُحَمَّدٍ فِيهَا، فَأَبَى وَقَالَ: حَتَّى يَنْظُرَ إِلَيْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَرَى رَأْيَهُ، وَكَانَتْ هَدَايَا كَثِيرَةً فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِهَدَايَا مُحَمَّدٍ أَنْ تُصْرَفَ إِلَيَّ وَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، قَالَ: وَلِمَ، قَالَتْ: بَلَغَنِي أَنَّهُ غَصَبَهَا وَكَلَّفَهُمْ عَمَلَهَا وَظَلَمَهُمْ، وَحَمَلَ مُحَمَّدٌ الْمَتَاعَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ أَصَبْتَهَا غَصْبًا، قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، فَأَمَرَ فَاسْتُحْلِفَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ خَمْسِينَ يَمِينًا أَنَّهُ مَا غَصَبَ شَيْئًا مِنْهَا وَلَا ظَلَمَ أَحَدًا وَلَا أَصَابَهَا إِلَّا مِنْ طِيبٍ، فَحَلَفَ فَقَبِلَهَا الْوَلِيدُ وَدَفَعَهَا إِلَى أُمِّ الْبَنِينِ. وَمَاتَ مُحَمَّدٌ بِالْيَمَنِ، أَصَابَهُ دَاءٌ انْقَطَعَ مِنْهُ. وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مَنْ تَقَدَّمَ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، غَيْرَ مَكَّةَ، فَإِنَّ الْوَاقِدِيَّ يَقُولُ: كَانَ عَامِلُهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ كَانَ عُمَرَ بْنَ الْعَزِيزِ

  280. التاريخ 2371لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ:   أُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ مَنْظُورِ بْنِ زَبَانَ. تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَتُوُفِّيَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. عمر بن يوسف عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ، أَخُو الْحَجَّاجِ.   تُوُفِّيَ بِالْيَمَنِ وَالِيًا عَلَيْهَا. محمد بن الحجاج وَتُوُفِّيَ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ. مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ:   فَقَالَ الْحَجَّاجُ يَرْثِيهِ: وَحَسْبِي بَقَاءُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَيِّتٍ وَحَسْبِي بَقَاءُ اللَّهِ مِنْ كُلِّ هَالِكْ     إِذَا مَا أَتَيْتُ اللَّهَ عَنِّي رَاضِيًا فَإِنَّ شِفَاءَ النَّفْسِ فِيمَا هُنَالِكْ السائب بن يزيد وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ ثُمَامَةَ   وَقَدْ حَجَّ بِهِ أَبُوهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ عُمْرُ السَّائِبِ سَبْعَ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَلِهَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: سَنَةَ سِتٍّ. وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سهل بن سعد الساعدي سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ،  صَحَابِيٌّ مَدَنِيٌّ جَلِيلٌ، تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ مِمَّنْ خَتَمَهُ الْحَجَّاجُ فِي عُنُقِهِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ، هُوَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِي يَدِهِ لِيُذِلَّهُمْ كَيْلَا يَسْمَعَ النَّاسُ مِنْ رَأْيِهِمْ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: لَيْسَ فِي هَذَا خِلَافٌ. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  281. التاريخ 2372لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ غَزَا مَسْلَمَةُ، وَابْنُ أَخِيهِ عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ،  فَفَتَحَا حُصُونًا كَثِيرَةً، وَغَنِمَا شَيْئًا كَثِيرًا، وَهَرَبَتْ مِنْهُمُ الرُّومُ إِلَى أَقْصَى بِلَادِهِمْ. وَكَانَ مِمَّا فَتَحَ مَسْلَمَةُ وَابْنُ أَخِيهِ عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ حُصُونِ بِلَادِ الرُّومِ حِصْنُ سَوْسَنَةَ،  وَبَلَغَا إِلَى خَلِيجِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ.

  282. التاريخ 2373لا حكم مسجّل

    فَتْحِ الْأَنْدَلُسِ  وَفِي سنة إحدى وتسعين غَزَا طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ مَوْلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ  فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُهَا أَذَرِينُوقُ فِي جَحَافِلِهِ، وَعَلَيْهِ تَاجُهُ وَمَعَهُ سَرِيرُ مُلْكِهِ، فَقَاتَلَهُ طَارِقٌ فَهَزَمَهُ، وَغَنِمَ مَا فِي مُعَسْكَرِهِ، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ السَّرِيرُ، وَتَمَلَّكَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ بِكَمَالِهَا. قَالَ الذَّهَبِيُّ: كَانَ طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ أَمِيرَ طَنْجَةَ، وَهِيَ أَقْصَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَكَانَ نَائِبًا لِمَوْلَاهُ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ يَسْتَنْجِدُ بِهِ عَلَى عَدُوِّهِ، فَدَخَلَ طَارِقٌ إِلَى جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ مِنْ زُقَاقِ سَبْتَةَ، وَانْتَهَزَ الْفُرْصَةَ لِكَوْنِ الْفِرِنْجِ قَدِ اقْتَتَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَمْعَنَ طَارِقٌ فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ فَافْتَتَحَ قُرْطُبَةَ، وَقَتَلَ مَلِكَهَا أَذَرِينُوقَ، وَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ بِالْفَتْحِ، فَحَسَدَهُ مُوسَى عَلَى الِانْفِرَادِ بِهَذَا الْفَتْحِ، وَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُبَشِّرُهُ بِالْفَتْحِ، وَيَنْسِبُهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَكَتَبَ إِلَى طَارِقٍ يَتَوَعَّدُهُ لِكَوْنِهِ دَخَلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ لَا يَتَجَاوَزَ مَكَانَهُ حَتَّى يَلْحَقَ بِهِ، ثُمَّ سَارَ إِلَيْهِ مُسْرِعًا بِجُيُوشِهِ، فَدَخَلَ الْأَنْدَلُسَ وَمَعَهُ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْفِهْرِيُّ، فَأَقَامَ سِنِينَ يَفْتَحُ فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَيَأْخُذُ الْمُدُنَ وَالْأَمْوَالَ، وَيَقْتُلُ الرِّجَالَ، وَيَأْسِرُ النِّسَاءَ وَالْأَطْفَالَ، فَغَنِمَ شَيْئًا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ وَلَا يُعَدُّ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْأَثَاثِ وَالْخُيُولِ وَالْبِغَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَفَتَحَ مِنَ الْأَقَالِيمِ الْكِبَارِ وَالْمُدُنِ شَيْئًا كَثِيرًا. أول من سكن الأندلس وسبب تسميتها بالأندلس وقَالُوا: أَوَّلُ مَنْ سَكَنَهَا قَوْمٌ يُعْرَفُونَ بِالْأَنْدَلُشِ، بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، فَسُمِّيَ الْبَلَدُ بِهِمْ، ثُمَّ عُرِّبَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَالنَّصَارَى يُسَمُّونَ الْأَنْدَلُسَ أَشْبَانِيَّةَ، بِاسْمِ رَجُلٍ صُلِبَ فِيهَا يُقَالُ لَهُ: أَشْبَانِسُ، وَقِيلَ: بِاسْمِ مَلِكٍ كَانَ بِهَا فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ اسْمُهُ إِشْبَانُ بْنُ طِيطَسَ، وَهَذَا هُوَ اسْمُهَا عِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِأَنْدَلُسَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمَّرَهَا. قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَنْدَلُسَ بَعْدَ الطُّوفَانِ  قَوْمٌ يُعْرَفُونَ بِالْأَنْدَلُسِ، فَعَمَرُوهَا وَتَدَاوَلُوا مُلْكَهَا دَهْرًا طَوِيلًا، وَكَانُوا مَجُوسًا، ثُمَّ حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ، وَتَوَالَى عَلَيْهِمُ الْقَحْطُ، فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ، وَفَرَّ مِنْهَا مَنْ أَطَاقَ الْفِرَارَ، فَخَلَتِ الْأَنْدَلُسُ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ ابْتَعَثَ اللَّهُ لِعِمَارَتِهَا الْأَفَارِقَةَ، فَدَخَلَ إِلَيْهَا قَوْمٌ مِنْهُمْ أَجْلَاهُمْ مَلِكُ إِفْرِيقِيَّةَ تَخَفُّفًا مِنْهُمْ لِقَحْطٍ تَوَالَى عَلَى بِلَادِهِ حَتَّى كَادَ يُفْنِي أَهْلَهَا، فَحَمَلَهُمْ فِي السُّفُنِ مَعَ أَمِيرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَأَرْسَوْا بِجَزِيرَةِ قَادِسَ، وَرَأَوُا الْأَنْدَلُسَ قَدْ أَخْصَبَتْ بِلَادُهَا، وَجَرَتْ أَنْهَارُهَا، فَسَكَنُوهَا، وَعَمَّرُوهَا، وَنَصَبُوا لَهُمْ مُلُوكًا يَضْبِطُونَ أَمْرَهُمْ، وَهُمْ عَلَى دِينِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَكَانَتْ دَارُ مَمْلَكَتِهِمْ طَالِقَةَ الْخَرَابِ مِنْ أَرْضِ إِشْبِيلِيَّةَ بَنَوْهَا وَسَكَنُوهَا، وَأَقَامُوا مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، مَلَكَ مِنْهُمْ فِيهَا أَحَدَ عَشَرَ مَلِكًا. ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَجَمَ رُومَةَ، وَمَلِكُهُمْ إِشْبَانُ بْنُ طِيطَسَ، فَغَزَاهُمْ وَمَزَّقَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَحَاصَرَهُمْ بِطَالِقَةَ وَقَدْ تَحَصَّنُوا فِيهَا فَابْتَنَى عَلَيْهِمْ إِشْبَانِيَّةَ، وَهِيَ إِشْبِيلِيَّةَ، وَاتَّخَذَهَا دَارَ مَمْلَكَتِهِ، وَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ وَعَتَا وَتَجَبَّرَ، وَغَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَغَنِمَ مَا فِيهِ وَقَتَلَ فِيهِ مِائَةَ أَلْفٍ، وَنَقَلَ الْمَرْمَرَ مِنْهُ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ وَغَيْرِهَا، وَغَنِمَ أَيْضًا مَائِدَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهِيَ الَّتِي غَنِمَهَا طَارِقٌ مِنْ طُلَيْطِلَةَ لَمَّا افْتَتَحَهَا، وَغَنِمَ أَيْضًا قُلَيْلَةَ الذَّهَبِ وَالْحَجَرِ الَّذِي لُقِيَ بِمَارِدَةَ. وَكَانَ هَذَا إِشْبَانُ قَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ الْخَضِرُ وَهُوَ يَحْرُثُ الْأَرْضَ فَقَالَ لَهُ: يَا إِشْبَانُ سَوْفَ تَحْظَى وَتَمْلِكُ وَتَعْلُو، فَإِذَا مَلَكْتَ إِيلِيَاءَ فَارْفُقْ بِذُرِّيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ. فَقَالَ: أَتُسْخَرُ مِنِّي ؟ كَيْفَ يَنَالُ مِثْلِي الْمُلْكَ ؟ فَقَالَ: قَدْ جَعَلَهُ فِيكَ مَنْ جَعَلَ عَصَاكَ هَذِهِ كَمَا تَرَى. فَنَظَرَ فَإِذَا هِيَ قَدْ أَوْرَقَتْ، فَارْتَاعَ وَذَهَبَ عَنْهُ الْخَضِرُ، وَقَدْ وَثِقَ إِشْبَانُ بِقَوْلِهِ، فَدَاخَلَ النَّاسَ، فَارْتَقَى حَتَّى مَلَكَ مُلْكًا عَظِيمًا، وَكَانَ مُلْكُهُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَدَامَ مُلْكُ الْإِشْبَانِيِّينَ بَعْدَهُ إِلَى أَنْ مُلِّكَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ مَلِكًا. ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَجَمِ رُومَةَ أَمَّةٌ يُدْعَونَ الْبَشْنُولِيَّاتِ، وَمَلِكُهُمْ طُوَيْشُ بْنُ نِيطَهْ، وَذَلِكَ حِينَ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ، فَغَلَبُوا عَلَيْهَا، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى مُلْكِهَا، وَكَانَتْ مَدِينَةُ مَارِدَةَ دَارَ مَمْلَكَتِهِمْ، وَمَلَكَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مَلِكًا. دخول القوط بلاد الأندلس وولاية لذريق ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ أُمَّةُ الْقُوطِ مَعَ مَلِكٍ لَهُمْ، فَغَلَبُوا عَلَى الْأَنْدَلُسِ فَاقْتَطَعُوهَا مِنْ يَوْمِئِذٍ عَنْ صَاحِبِ رُومَةَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ظُهُورِهِمْ مِنْ نَاحِيَةِ إِيطَالِيَّةَ شَرْقِ الْأَنْدَلُسِ، فَأَغَارَتْ عَلَى بِلَادِ مَجْدُونِيَّةَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ قِلْيُوذِيُوسَ قَيْصَرَ، ثَالِثِ الْقَيَاصِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ فِيهِمْ، وَلَمْ يَظْهَرُوا بَعْدَهَا إِلَى أَيَّامِ قُسْطَنْطِينَ الْأَكْبَرِ وَأَعَادُوا الْغَارَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُ، وَانْقَطَعَ خَبَرُهُمْ إِلَى ثُلُثِ دَوْلَةِ قَيْصَرَ، فَإِنَّهُمْ قَدَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَمِيرًا اسْمُهُ لُذْرِيقُ، وَكَانَ يَعْبُدُ الْأَوْثَانَ، فَسَارَ إِلَى رُومَةَ لِيَحْمِلَ النَّصَارَى عَلَى السُّجُودِ لِأَوْثَانِهِ، فَظَهَرَ مِنْهُ سُوءُ سِيرَتِهِ، فَتَخَاذَلَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ وَمَالُوا إِلَى أَخِيهِ وَحَارَبُوهُ، فَاسْتَعَانَ بِصَاحِبِ رُومَةَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ جَيْشًا، فَهَزَمَ أَخَاهُ، وَدَانَ بِدِينِ النَّصَارَى، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. ولاية إقريط وإِمْلَرِيقُ وغْدِيشُ ثُمَّ وَلِيَ بَعْدَهُ إِقْرِيطُ، وَبَعْدَهُ إِمْلَرِيقُ، وَبَعْدَهُ وَغْدِيشُ، وَكَانُوا قَدْ عَادُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَمَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِائَةَ أَلْفٍ وَسَارَ إِلَى رُومَةَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ مَلِكُ الرُّومِ جَيْشًا، فَهَزَمُوهُ وَقَتَلُوهُ. ثُمَّ بَعْدَهُ الرِّيقُ، وَكَانَ زِنْدِيقًا شُجَاعًا، فَسَارَ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِ وَغْدِيشَ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ، وَنَازَلَ رُومِيَّةَ وَحَاصَرَهَا، وَضَيَّقَ عَلَى أَهْلِهَا، وَدَخَلَهَا عَنْوَةً وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، ثُمَّ جَمَعَ أُسْطُولَ الْبَحْرِ وَسَارَ إِلَى صِقِلِّيَةَ لِيَفْتَحَهَا وَيَغْنَمَ مَا فِيهَا، فَغَرَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ فِيمَنْ غَرِقَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ أَطْلُوفُ سِتَّ سِنِينَ، وَخَرَجَ عَنْ بَلَدِ إِيطَالِيَّةَ، وَأَقَامَ بِبَلَدِ غَالِيِسَ مُجَاوِرًا أَقْصَى الْأَنْدَلُسِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا إِلَى بَرْشِلُونَةَ. ثُمَّ بَعْدَهُ أَخُوهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ وَالْيَا، ثُمَّ بُورَدَزَارِيشُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ ابْنُهُ طَرَشْمَنْدُ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَخُوهُ لُذْرِيقُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهُ أُورِيقُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهُ الرِّيقُ بِطَلُوشَةَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ عِشْلِيقُ، ثُمَّ أَمْلِيقُ سَنَتَيْنِ، ثُمَّ تُوذِيُوشُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ طُودِتِقْلِيسُ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَثْلَةُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَطْلَنْجَهْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَهُ لِيُوبَا ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَخُوهُ لُوِيلْدُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ طُلَيْطِلَةَ دَارَ مُلْكٍ، وَنَزَلَهَا لِيَكُونَ مُتَوَسِّطًا لِمُلْكِهِ لِيُحَارِبَ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ عَنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُحَارِبُ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ حَتَّى احْتَوَى عَلَى جَمِيعِ الْأَنْدَلُسِ، وَبَنَى مَدِينَةَ رُقُوبَلَ وَأَتْقَنَهَا وَأَكْثَرَ بَسَاتِينَهَا، وَهُوَ عَلَى الْقُرْبِ مِنْ طُلَيْطِلَةَ، وَسَمَّاهَا بِاسْمِ وَلَدِهِ، وَغَزَا بِلَادَ الْبَشْقَنْسِ حَتَّى أَذَلَّهُمْ، وَخَطَبَ إِلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ ابْنَتَهُ لِوَلَدِهِ أَرْمِنْجِلْدَ، فَزَوَّجَهُ وَأَسْكَنَهُ إِشْبِيلِيَّةَ، فَحَسَّنَتْ لَهُ عِصْيَانَ وَالِدِهِ، فَفَعَلَ، فَسَارَ إِلَيْهِ أَبَوْهُ وَحَصَرَهُمَا وَضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَطَالَ مَقَامُهُ إِلَى أَنْ أَخَذَهُ عَنْوَةً، وَسَجَنَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ لُوِيلِدَ ابْنُهُ رِكُرْدُ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَجَمَعَ الْأَسَاقِفَةَ وَغَيَّرَ سِيرَةَ أَبِيهِ وَسَلَّمَ الْبِلَادَ إِلَيْهِمْ، وَكَانُوا نَحْوَ ثَمَانِينَ أُسْقُفًا، وَكَانَ تَقِيًّا عَفِيفًا قَدْ لَبِسَ ثِيَابَ الرُّهْبَانِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْكَنِيسَةَ الْمَعْرُوفَةَ بِالْوَزْقَةِ بِإِزَاءِ مَدِينَةِ وَادِي آشْ. ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُهُ لِيُوبَا فَسَارَ كَسِيرَةِ أَبِيهِ، فَاغْتَالَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقُوطِ يُقَالُ لَهُ بِتْرِيقُ، فَقَتَلَهُ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ بِتْرِيقُ هَذَا بِغَيْرِ رِضَا أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ مُجْرِمًا طَاغِيًا فَاسِقًا، فَثَارَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ خَاصَّتِهِ فَقَتَلَهُ. ( ثُمَّ مَلَكَ مِنْ بَعْدِهِ غَنْدِمَارُ سَنَتَيْنِ )، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ سَيْسَيْفُوطُ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُهُ رِكْرِيدُ، وَكَانَ صَغِيرًا عُمْرُهُ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، وَمَاتَ، ثُمَّ مَلَكَ شَنْتَلَهْ، وَكَانَ مُلْكُهُ عِنْدَ الْبَعْثِ، وَكَانَ مَشْكُورًا، ثُمَّ بَعْدَهُ سِشْنِنْدُ خَمْسَ سِنِينَ، ثُمَّ بَعْدَهُ خَنْتَلَةُ سِتَّةَ أَعْوَامٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ ( خِنِدْسُ أَرْبَعَةَ أَعْوَامٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ بُنْبَانُ ثَمَانِيَةُ أَعْوَامٍ، ثُمَّ بَعْدَهُ ) أَرَوَى سَبْعَ سِنِينَ. وَكَانَ فِي دَوْلَتِهِ قَحْطٌ شَدِيدٌ حَتَّى كَادَتْ بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ تَخْرَبُ لِشِدَّةِ الْجُوعِ. ثُمَّ بَعْدَهُ أَبْقَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ جَائِرًا مَذْمُومًا، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ غِيطْشَةَ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ لَيِّنَ الْعَرِيكَةِ وَأَطْلَقَ كُلَّ مَحْبُوسٍ كَانَ فِي سِجْنِ أَبِيهِ، وَأَدَّى الْأَمْوَالَ إِلَى أَرْبَابِهَا. ثُمَّ تُوُفِّيَ وَخَلَفَ وَلَدَيْنِ، فَلَمْ يَرْضَ بِهِمَا أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ، وَتَرَاضَوْا بِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ رُذَرِيقُ، وَكَانَ شُجَاعًا وَلَيْسَ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ، وَكَانَتْ عَادَةُ مُلُوكِ الْأَنْدَلُسِ أَنَّهُمْ يَبْعَثُونَ أَوْلَادَهُمُ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ إِلَى مَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ يَكُونُونَ فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ، لَا يَخْدُمُهُ غَيْرُهُمْ يَتَأَدَّبُونَ بِذَلِكَ، فَإِذَا بَلَغُوا الْحُلُمَ أَنْكَحَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَتَوَلَّى تَجْهِيزَهُمْ، فَلَمَّا وَلِيَ رُذَرِيقُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يُولْيَانُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ وَسَبْتَةَ وَغَيْرِهِمَا، ابْنَةً لَهُ، فَاسْتَحْسَنَهَا رُذَرِيقُ وَافْتَضَّهَا، فَكَتَبَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَأَغْضَبَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ عَامِلِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ بِالطَّاعَةِ، وَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فَأَدْخَلَهُ يُولْيَانُ مَدَائِنَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعُهُودَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ بِمَا يَرْضَى بِهِ، ثُمَّ وَصَفَ لَهُ الْأَنْدَلُسَ وَدَعَاهُ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ آخِرُ سِنَةِ تِسْعِينَ. كتاب يوليان إلى موسى بن نصير فَكَتَبَ مُوسَى إِلَى الْوَلِيدِ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَا دَعَاهُ إِلَيْهِ يُولْيَانُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ: خُضْهَا بِالسَّرَايَا، وَلَا تُغَرِّرْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي بَحْرٍ شَدِيدِ الْأَهْوَالِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُوسَى: إِنَّهُ لَيْسَ بِبَحْرٍ مُتَّسِعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ خَلِيجٌ يَبِينُ مَا وَرَاءَهُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْوَلِيدُ أَنِ اخْتَبِرْهَا بِالسَّرَايَا، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا حَكَيْتَ. فَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ مَوَالِيهِ يُقَالُ لَهُ طَرِيفٌ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ وَمَعَهُمْ مِائَةُ فَرَسٍ، فَسَارَ فِي أَرْبَعِ سَفَائِنَ، فَخَرَجَ فِي جَزِيرَةٍ بِالْأَنْدَلُسِ، فَسُمِّيَتْ جَزِيرَةُ طَرِيفٍ لِنُزُولِهِ فِيهَا، ثُمَّ أَغَارَ عَلَى الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ، فَأَصَابَ غَنِيمَةً كَثِيرَةً، وَرَجَعَ سَالِمًا فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ تَسَرَّعُوا إِلَى الْغَزْوِ. ثُمَّ إِنَّ مُوسَى دَعَا مَوْلًى لَهُ كَانَ عَلَى مُقَدِّمَاتِ جُيُوشِهِ يُقَالُ لَهُ طَارِقُ بْنُ زِيَادٍ، فَبَعَثَهُ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرُهُمُ الْبَرْبَرُ وَالْمُوَالِي وَأَقَلُّهُمُ الْعَرَبُ، فَسَارُوا فِي الْبَحْرِ، وَقَصَدَ إِلَى جَبَلٍ مُنِيفٍ، وَهُوَ مُتَّصِلٌ بِالْبَرِّ فَنَزَلَهُ، فَسُمِّيَ الْجَبَلُ جَبَلَ طَارِقٍ إِلَى الْيَوْمِ، وَلَمَّا مَلَكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْبِلَادَ أَمَرَ بِبِنَاءِ مَدِينَةٍ عَلَى هَذَا الْجَبَلِ وَسَمَّاهُ جَبَلَ الْفَتْحِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ هَذَا الِاسْمُ وَجَرَتِ الْأَلْسِنَةُ عَلَى الْأَوَّلِ. وَكَانَ حُلُولُ طَارِقٍ فِيهِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَلَمَّا رَكِبَ طَارِقٌ الْبَحْرَ غَلَبَتْهُ عَيْنُهُ، فَرَأَى النَّبِيَّ وَمَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ قَدْ تَقَلَّدُوا السُّيُوفَ وَتَنْكَبُّوا الْقِسِيَّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا طَارِقُ تَقَدَّمْ لِشَأْنِكَ. وَأَمَرَهُ بِالرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، فَنَظَرَ طَارِقٌ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ، وَأَصْحَابَهُ قَدْ دَخَلُوا الْأَنْدَلُسَ أَمَامَهُ، فَاسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهُ مُسْتَبْشِرًا، وَبَشَّرَ أَصْحَابَهُ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي الظَّفَرِ. فَلَمَّا تَكَامَلَ أَصْحَابُ طَارِقٍ بِالْجَبَلِ نَزَلَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَفَتَحَ الْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ، فَأَصَابَ بِهَا عَجُوزًا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي كَانَ لِي زَوْجٌ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَوَادِثِ، وَكَانَ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ أَمِيرٍ يَدْخُلُ بَلَدَهُمْ فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ، وَوَصَفَ مِنْ نَعْتِهِ أَنَّهُ ضَخْمُ الْهَامَةِ، وَأَنَّ فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى شَامَةٌ عَلَيْهَا شَعْرٌ، فَكَشَفَ طَارِقٌ ثَوْبَهُ، فَإِذَا الشَّامَةُ كَمَا ذَكَرَتْ، فَاسْتَبْشَرَ طَارِقٌ أَيْضًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ. وَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَافْتَتَحَ الْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ وَغَيْرَهَا، وَفَارَقَ الْحِصْنَ الَّذِي فِي الْجَبَلِ. وَلَمَّا بَلَغَ رُذَرِيقُ غَزْوَ طَارِقٍ بِلَادَهُ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ غَائِبًا فِي غَزَاتِهِ، فَرَجَعَ مِنْهَا وَطَارِقٌ قَدْ دَخَلَ بِلَادَهُ، فَجَمَعَ لَهُ جَمْعًا يُقَالُ بَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ، فَلَمَّا بَلَغَ طَارِقًا الْخَبَرُ كَتَبَ إِلَى مُوسَى يَسْتَمِدُّهُ وَيُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ، وَأَنَّهُ زَحَفَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْأَنْدَلُسِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخَمْسَةِ آلَافٍ، فَتَكَامَلَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَمَعَهُمْ يُولْيَانُ يَدُلُّهُمْ عَلَى عَوْرَةِ الْبِلَادِ، وَيَتَجَسَّسُ لَهُمُ الْأَخْبَارَ. فَأَتَاهُمْ رُذَرِيقُ فِي جُنْدِهِ، فَالْتَقَوْا عَلَى نَهْرِ لَكَّةَ مِنْ أَعْمَالِ شَذُونَةَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَاتَّصَلَتِ الْحَرْبُ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ وَمَيْسَرَتِهِ وَلَدَا الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْهَزِيمَةِ بُغْضًا لِرُذَرِيقَ، وَقَالُوا: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا امْتَلَأَتْ أَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ عَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَبَقِيَ الْمُلْكُ لَنَا. فَانْهَزَمُوا وَهَزَمَ اللَّهُ رُذَرِيقَ وَمَنْ مَعَهُ، وَغَرِقَ رُذَرِيقُ فِي النَّهْرِ، وَسَارَ طَارِقٌ إِلَى مَدِينَةِ إِسْتِجَةَ مُتَّبِعًا لَهُمْ، فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا وَمَعَهُمْ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ، وَلَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهَا حَرْبًا مِثْلَهَا. وَنَزَلَ طَارِقٌ عَلَى عَيْنٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَدِينَةِ إِسْتِجَةَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ، فَسُمِّيَتْ عَيْنُ طَارِقٍ إِلَى الْآنِ. وَلَمَّا سَمِعَتِ الْقُوطُ بِهَاتَيْنِ الْهَزِيمَتَيْنِ قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ طَرِيفٍ، فَهَرَبُوا إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَكَانَ قَدْ أَوْهَمَهُمْ أَنَّهُ يَأْكُلُهُمْ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ. فَلَمَّا دَخَلُوا طُلَيْطِلَةَ، وَأَخْلَوْا مَدَائِنَ الْأَنْدَلُسِ قَالَ لَهُ يُولْيَانُ: قَدْ فَرَغْتَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَفَرِّقْ جُيُوشَكَ وَسِرْ أَنْتَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ. فَفَرَّقَ جُيُوشَهُ مِنْ مَدِينَةِ إِسْتِجَةَ، وَبَعَثَ جَيْشًا إِلَى قُرْطُبَةَ، وَجَيْشًا إِلَى غَرْنَاطَةَ، وَجَيْشًا إِلَى مَالِقَةَ، وَجَيْشًا إِلَى تُدْمِيرَ، وَسَارَ هُوَ وَمُعْظَمُ الْجَيْشِ إِلَى جَيَّانَ يُرِيدُ طُلَيْطِلَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ طُلَيْطِلَةَ وَجَدَهَا خَالِيَةً، وَقَدْ لَحِقَ مَنْ كَانَ بِهَا بِمَدِينَةٍ خَلْفَ الْجَبَلِ يُقَالُ لَهَا: مَايَةَ. فَأَمَّا الْجَيْشُ الَّذِي سَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ فَإِنَّهُمْ دَلَّهُمْ رَاعٍ عَلَى ثَغْرَةٍ فِي سُورِهَا، فَدَخَلُوا مِنْهَا الْبَلَدَ وَمَلَكُوهُ. وَأَمَّا الَّذِينَ قَصَدُوا تُدْمِيرَ فَلَقِيَهُمْ صَاحِبُهَا، وَاسْمُهُ تُدْمِيرُ وَبِهِ سُمِّيَتْ، وَكَانَ اسْمُهَا أَرْوَيُولَةَ، وَكَانَ مَعَهُ جَيْشٌ كَثِيفٌ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَ فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَأَمَرَ تُدْمِيرُ النِّسَاءَ، فَلَبِسْنَ السِّلَاحَ، ثُمَّ صَالَحَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهَا، وَفَتَحَ سَائِرُ الْجُيُوشِ مَا قَصَدُوا إِلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ. وَأَمَّا طَارِقٌ، فَلَمَّا رَأَى طُلَيْطِلَةَ فَارِغَةً ضَمَّ إِلَيْهَا الْيَهُودَ، وَتَرَكَ مَعَهُمْ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَسَارَ هُوَ إِلَى وَادِي الْحِجَارَةِ، فَقَطَعَ الْجَبَلَ مِنْ فَجٍّ فِيهِ، فَسُمِّيَ بِفَجِّ طَارِقٍ إِلَى الْيَوْمِ. وَانْتَهَى إِلَى مَدِينَةٍ خَلْفَ الْجَبَلِ تُسَمَّى مَدِينَةَ الْمَائِدَةِ، وَفِيهَا وَجَدَ مَائِدَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهِيَ مِنْ زَبَرْجَدٍ خُضْرٍ، حَافَّاتُهَا وَأَرْجُلُهَا مِنْهَا مُكَلَّلَةٌ بِاللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ وَالْيَاقُوتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ رِجْلًا. ثُمَّ مَضَى إِلَى مَدِينَةِ مَايَةَ، فَغَنِمَ مِنْهَا وَرَجَعَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: اقْتَحَمَ أَرْضَ جِلِّيقِيَّةَ، فَخَرَقَهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَدِينَةِ إِسْتَرْقَةَ، وَانْصَرَفَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَوَافَتْهُ جُيُوشُهُ الَّتِي وَجَّهَهَا مِنْ إِسْتِجَةَ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ فَتْحِ تِلْكَ الْمُدُنِ الَّتِي سَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا. دخول موسى بن نصير الأندلس وَدَخْلَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ الْأَنْدَلُسَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ مَا صَنَعَ طَارِقٌ فَحَسَدَهُ، فَلَمَّا عَبَرَ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَنَزَلَ الْجَزِيرَةَ الْخَضْرَاءَ قِيلَ لَهُ: تَسْلُكُ طَرِيقَ طَارِقٍ، فَأَبَى، فَقَالَ لَهُ الْأَدِلَّاءُ: نَحْنُ نَدُلُّكَ عَلَى طَرِيقٍ أَشْرَفَ مِنْ طَرِيقِهِ وَمَدَائِنَ لَمْ تُفْتَحْ بَعْدُ، وَوَعَدَهُ يُولْيَانُ بِفَتْحٍ عَظِيمٍ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَكَانَ قَدْ غَمَّهُ. فَسَارُوا بِهِ إِلَى مَدِينَةِ ابْنِ السُّلَيْمِ فَافْتَتَحَهَا عَنْوَةً، ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةِ قَرْمُونَةَ، وَهِيَ أَحْصَنُ مُدُنِ الْأَنْدَلُسِ، فَقَدِمَ إِلَيْهَا يُولْيَانُ وَخَاصَّتُهُ، فَأَتَوْهُمْ عَلَى حَالِ الْمُنْهَزِمِينَ مَعَهُمُ السِّلَاحُ، فَأَدْخَلُوهُمْ مَدِينَتَهُمْ، فَأَرْسَلَ مُوسَى إِلَيْهِمُ الْخَيْلَ، فَفَتَحُوهَا لَهُمْ لَيْلًا، فَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَمَلَكُوهَا، ثُمَّ سَارَ مُوسَى إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَدَائِنِ الْأَنْدَلُسِ بُنْيَانًا وَأَعَزِّهَا آثَارًا، فَحَصَرَهَا أَشْهُرًا، وَفَتَحَهَا وَهَرَبَ مَنْ بِهَا، فَأَنْزَلَهَا مُوسَى الْيَهُودَ، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةٍ مَارِدَةَ فَحَصَرَهَا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُهَا خَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَمِنَ لَهُمْ مُوسَى لَيْلًا فِي مَقَاطِعِ الصَّخْرِ، فَلَمْ يَرَهُمُ الْكُفَّارُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا زَحَفَ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ مِنَ الْكَمِينِ وَأَحْدَقُوا بِهِمْ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَلَدِ، وَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَنَجَا مَنْ نَجَا مِنْهُمْ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَتْ حَصِينَةً، فَحَصَرَهُمْ بِهَا أَشْهُرًا، وَقَاتَلَهُمْ، وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ بِدَبَّابَةٍ عَمِلَهَا وَنَقَبُوا سُورَهَا، فَخَرَجَ أَهْلُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُمْ عِنْدَ الْبُرْجِ، فَسَمِّي بُرْجَ الشُّهَدَاءِ إِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ افْتَتَحَهَا آخِرَ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ يَوْمَ الْفِطْرِ صُلْحًا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَمْوَالِ الْقَتْلَى يَوْمَ الْكَمِينِ وَأَمْوَالَ الْهَارِبِينَ إِلَى جِلِّيقِيَّةَ وَأَمْوَالَ الْكَنَائِسِ وَحُلِيَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ إِشْبِيلِيَّةَ اجْتَمَعُوا وَقَصَدُوهَا، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَّرَ مُوسَى إِلَيْهَا ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بِجَيْشٍ، فَحَصَرَهَا وَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنْ أَهْلِهَا، وَسَارَ عَنْهَا إِلَى لَبْلَةَ وَبَاجَةَ، فَمَلَكَهَا، وَعَادَ إِلَى إِشْبِيلِيَّةَ. وَسَارَ مُوسَى مِنْ مَدِينَةٍ مَارِدَةَ فِي شَوَّالٍ يُرِيدُ طُلَيْطِلَةَ، فَخَرَجَ طَارِقٌ إِلَيْهِ فَلَقِيَهُ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ نَزَلَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَهُ مُوسَى بِالسَّوْطِ عَلَى رَأْسِهِ، وَوَبَّخَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلَافِهِ، ثُمَّ سَارَ بِهِ إِلَى مَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ، فَطَلَبَ مِنْهُ مَا غَنِمَ وَالْمَائِدَةَ أَيْضًا، فَأَتَاهُ بِهَا وَقَدِ انْتَزَعَ رِجْلًا مِنْ أَرْجُلِهَا، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي، كَذَلِكَ وَجَدْتُهَا، فَعَمِلَ عِوَضَهَا مِنْ ذَهَبٍ. وَسَارَ مُوسَى إِلَى سَرَقُسْطَةَ وَمَدَائِنِهَا، فَافْتَتَحَهَا وَأَوْغَلَ فِي بِلَادِ الْفِرِنْجِ، فَانْتَهَى إِلَى مَفَازَةٍ كَبِيرَةٍ وَأَرْضٍ سَهْلَةٍ ذَاتَ آثَارٍ، فَأَصَابَ فِيهَا صَنَمًا قَائِمًا فِيهِ مَكْتُوبٌ بِالنَّقْرِ: يَا بَنِي إِسْمَاعِيلَ إِلَى هَاهُنَا مُنْتَهَاكُمْ فَارْجِعُوا، وَإِنْ سَأَلْتُمْ إِلَى مَاذَا تَرْجِعُونَ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّكُمْ تَرْجِعُونَ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِيمَا بَيْنَكُمْ، حَتَّى يَضْرِبَ بَعْضُكُمْ أَعْنَاقَ بَعْضٍ، وَقَدْ فَعَلْتُمْ. فَرَجَعَ وَوَافَاهُ رَسُولُ الْوَلِيدِ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ عَنِ الْأَنْدَلُسِ وَالْقُفُولِ إِلَيْهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ وَمَطَلَ الرَّسُولَ، وَهُوَ يَقْصِدُ بِلَادَ الْعَدُوِّ فِي غَيْرِ نَاحِيَةِ الصَّنَمِ، يَقْتُلُ، وَيَسْبِي، وَيَهْدِمُ الْكَنَائِسَ، وَيُكَسِّرُ النَّوَاقِيسَ، حَتَّى بَلَغَ صَخْرَةَ بِلَايْ عَلَى الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ، وَهُوَ فِي قُوَّةٍ وَظُهُورٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولٌ آخَرُ لِلْوَلِيدِ يَسْتَحِثُّهُ، وَأَخَذَ بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ وَأَخْرَجَهُ، وَكَانَ مُوَافَاةُ الرَّسُولِ بِمَدِينَةٍ لَكَّ بِجِلِّيقِيَّةَ، وَخَرَجَ عَلَى الْفَجِّ الْمَعْرُوفِ بِفَجِّ مُوسَى، وَوَافَاهُ طَارِقٌ مِنَ الثَّغْرِ الْأَعْلَى، فَأَقْفَلَهُ مَعَهُ وَمَضَيَا جَمِيعًا. وَاسْتَخْلَفَ مُوسَى عَلَى الْأَنْدَلُسِ ابْنَهُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مُوسَى، فَلَمَّا عَبَرَ الْبَحْرَ إِلَى سَبْتَهَ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا وَعَلَى طَنْجَةَ وَمَا وَالَاهُمَا ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَأَعْمَالِهَا ابْنَهُ الْكَبِيرَ عَبْدَ اللَّهِ، وَسَارَ إِلَى الشَّامِ، وَحَمَلَ الْأَمْوَالَ الَّتِي غُنِمَتْ مِنَ الْأَنْدَلُسِ وَالذَّخَائِرَ وَالْمَائِدَةَ، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ بِكْرٍ مِنْ بَنَاتِ مُلُوكِ الْقُوطِ وَأَعْيَانِهِمْ، وَمِنْ نَفِيسِ الْجَوْهَرِ وَالْأَمْتِعَةِ مَا لَا يُحْصَى، فَوَرَدَ الشَّامَ. وفاة الوليد بن عبد الملك وَقَدْ مَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتُخْلِفَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ مُنْحَرِفًا عَنْ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَعَزَلَهُ عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ، وَأَقْصَاهُ وَحَبَسَهُ وَأَغْرَمَهُ حَتَّى احْتَاجَ أَنْ يَسْأَلَ الْعَرَبَ فِي مَعُونَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ قَدِمَ الشَّامَ وَالْوَلِيدُ حَيٌّ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَتَحَ الْأَنْدَلُسَ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْمَائِدَةِ، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ عَرَضَ عَلَيْهِ مَا مَعَهُ وَعَرْضَ الْمَائِدَةَ، وَمَعَهُ طَارِقٌ، فَقَالَ طَارِقٌ: أَنَا غَنِمْتُهَا. فَكَذَّبَهُ مُوسَى. فَقَالَ طَارِقٌ لِلْوَلِيدِ: سَلْهُ عَنْ رِجْلِهَا الْمَعْدُومَةِ. فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْمٌ، فَأَظْهَرَهَا طَارِقٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَخْفَاهَا لِهَذَا السَّبَبِ. فَعَلِمَ الْوَلِيدُ صِدْقَ طَارِقٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ حَبَسَهُ وَضَرَبَهُ حَتَّى أَرْسَلَ الْوَلِيدُ فَأَخْرَجَهُ، وَقِيلَ: لَمْ يَحْبِسْهُ. قَالُوا: وَلَمَّا دَخَلَتِ الرُّومُ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ كَانَ فِي مَمْلَكَتِهِمْ بَيْتٌ إِذَا وَلِيَ مَلِكٌ مِنْهُمْ أَقْفَلَ عَلَيْهِ قُفْلًا، فَلَمَّا مَلَكَتِ الْقُوطُ فَعَلُوا كَفِعْلِهِمْ، فَلَمَّا مَلَكَ رُذَرِيقُ أَرَادَ فَتْحَ الْأَقْفَالِ، فَنَهَاهُ أَكَابِرُ أَهْلِ الْبِلَادِ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَفَتَحَ الْأَقْفَالَ، فَرَأَى فِي الْبَيْتِ صُوَرَ الْعَرَبِ وَعَلَيْهِمُ الْعَمَائِمُ الْحُمْرُ عَلَى خُيُولٍ شُهُبٍ، وَفِيهِ كِتَابٌ: إِذَا فُتِحَ هَذَا الْبَيْتُ دَخَلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ هَذَا الْبَلَدَ. فَفُتِحَتِ الْأَنْدَلُسُ تِلْكَ السَّنَةَ.

  283. التاريخ 2374لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة اثنتين وتسعين غَزَا قُتَيْبَةُ سِجِسْتَانَ  يُرِيدُ رُتْبِيلَ مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَوَّلِ مَمْلَكَةِ رُتْبِيلَ تَلَقَّتْهُ رُسُلُهُ يُرِيدُونَ مِنْهُ الصُّلْحَ عَلَى أَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ; خُيُولٍ وَرَقِيقٍ وَنِسَاءٍ مِنْ بَنَاتِ الْمُلُوكِ يُحْمَلُ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَصَالَحَهُ. وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ رَبِّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ.

  284. التاريخ 2375لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ جَزِيرَةِ سَرْدَانِيَّةَ   هَذِهِ الْجَزِيرَةُ فِي بَحْرِ الرُّومِ، وَهِيَ مِنْ أَكْبَرِ الْجَزَائِرِ مَا عَدَا جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ وَأَقْرِيطِشَ، وَهِيَ كَثِيرَةُ الْفَوَاكِهِ، وَلَمَّا فَتَحَ مُوسَى بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ سَيَّرَ طَائِفَةً مِنْ عَسْكَرِهِ فِي الْبَحْرِ إِلَى هَذِهِ الْجَزِيرَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ، فَدَخَلُوهَا، وَعَمَدَ النَّصَارَى إِلَى مَالِهِمْ مِنْ آنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، فَأَلْقَوُا الْجَمِيعَ فِي الْمِينَاءِ الَّذِي لَهُمْ، وَجَعَلُوا أَمْوَالَهُمْ فِي سَقْفٍ بَنَوْهُ لِلْبَيْعَةِ الْعُظْمَى الَّتِي لَهُمْ تَحْتَ السَّقْفِ الْأَوَّلِ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ فِيهَا مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَأَكْثَرُوا الْغُلُولَ. فَاتَّفَقَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اغْتَسَلَ فِي الْمِينَاءِ، فَعَلِقَتْ رِجْلُهُ فِي شَيْءٍ، فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا صَحْفَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تِلْكَ الْكَنِيسَةِ، فَنَظَرَ إِلَى حَمَامٍ فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَأَخْطَأَهُ، وَوَقَعَ فِي السَّقْفِ، وَانْكَسَرَ لَوْحٌ، فَنَزَلَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الدَّنَانِيرِ، وَأَخَذُوا الْجَمِيعَ، وَازْدَادَ الْمُسْلِمُونَ غُلُولًا، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَذْبَحُ الْهِرَّةَ وَيَرْمِي مَا فِي جَوْفِهَا فَيَمْلَأُهُ دَنَانِيرَ وَيَخِيطُ عَلَيْهَا وَيُلْقِيهَا فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا خَرَجَ أَخَذَهَا، وَكَانَ يَضَعُ قَائِمَ سَيْفِهِ عَلَى الْجَفْنِ، وَيَمْلَأَهُ ذَهَبًا. فَلَمَّا رَكِبُوا فِي الْبَحْرِ سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ غَرِّقْهُمْ، فَغَرِقُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَوَجَدُوا أَكْثَرَ الْغَرْقَى وَالدَّنَانِيرُ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ.

  285. التاريخ 2376لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة اثنتين وتسعين: حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ كَانُوا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.

  286. التاريخ 2377لا حكم مسجّل

    وَتُوُفِّيَ فِي سنة اثنتين وتسعين مِنَ الْأَعْيَانِ مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ النَّصْرِيُّ  أَبُو سَعِيدٍ الْمَدَنِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَكِبَ الْخَيْلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَأَى أَبَا بَكْرٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَحْفَظْ مِنْهُ شَيْئًا. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَقَالُوا: لَا تَصِحُّ لَهُ صُحْبَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. طويس المغني طُوَيْسٌ الْمُغَنِّي   اسْمُهُ عِيسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْمَدَنِيُّ، مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ، كَانَ بَارِعًا فِي صِنَاعَتِهِ، وَكَانَ طَوِيلًا مُضْطَرِبًا أَحْوَلَ الْعَيْنِ، وَكَانَ مَشْئُومًا; لِأَنَّهُ وُلِدَ يَوْمَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَفُطِمَ يَوْمَ تُوُفِّيَ الصِّدِّيقُ، وَاحْتَلَمَ يَوْمَ قُتِلَ عُمَرُ، وَتَزَوَّجَ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَوُلِدَ لَهُ يَوْمَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ. وَقِيلَ: وُلِدَ لَهُ يَوْمَ قُتِلَ عَلِيٌّ. حَكَاهُ ابْنُ خَلِّكَانَ وَغَيْرُهُ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً بِالسُّوَيْدَاءِ، وَهِيَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ. الْأَخْطَلُ كَانَ شَاعِرًا مُطْبِقًا، فَاقَ أَقْرَانَهُ فِي الشِّعْرِ. أنس بن مالك أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ ضَمْضَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدَبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ: أَبُو حَمْزَةَ وَيُقَالُ: أَبُو ثُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ، وَأُمُّهُ أُمُّ حَرَامٍ مُلَيْكَةُ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، زَوْجَةُ أَبِي طَلْحَةَ زَيْدِ بْنِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيِّ. رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَادِيثَ جَمَّةً، وَأَخْبَرَ بِعُلُومٍ مُهِمَّةٍ، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ، وَحَدَّثَ عَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ. قَالَ أَنَسٌ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ وَأَنَا ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ لِأَنَسٍ: أَشَهِدْتَ بَدْرًا؟ فَقَالَ: وَأَيْنَ أَغِيبُ عَنْ بَدْرٍ لَا أُمَّ لَكَ؟ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: شَهِدَهَا يَخْدِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ: لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي. قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا شَهِدَ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمَغَازِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أُمَّهُ أَتَتْ بِهِ وَفِي رِوَايَةٍ: عَمُّهُ زَوْجُ أُمِّهِ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا أَنَسٌ خَادِمٌ لَبِيبٌ يَخْدِمُكَ. فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فَقَبِلَهُ، وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّ?ُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا. وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ عَلَى عِمَالَةِ الْبَحْرَيْنِ  وَشَكَرَاهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ  فَمَا ضَرَبَنِي، وَلَا سَبَّنِي، وَلَا عَبَسَ فِي وَجْهِي، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ لَا فَعَلْتَ كَذَا؟ وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَثِّرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَطَوِّلْ حَيَاتَهُ وَكَانَ أَنَسٌ ؓ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْعِبَادَةِ  . وَقَدِ انْتَقَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَكَنَ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ لَهُ بِهَا أَرْبَعُ دُورٍ، وَقَدْ نَالَهُ أَذًى مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ، وَذَلِكَ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ; تَوَهَّمَ الْحَجَّاجُ مِنْهُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْأَمْرِ، وَأَنَّهُ أَفْتَى فِيهِ، فَخَتَمَهُ الْحَجَّاجُ فِي عُنُقِهِ: هَذَا عَتِيقُ الْحَجَّاجِ. وَقَدْ شَكَاهُ أَنَسٌ كَمَا قَدَّمْنَا إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يُعَنِّفُهُ، فَفَزِعَ الْحَجَّاجُ مِنْ ذَلِكَ وَصَالَحَ أَنَسًا. وَقَدْ وَفَدَ أَنَسٌ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ، قِيلَ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ يَبْنِي جَامِعَ دِمَشْقَ. قَالَ مَكْحُولٌ: رَأَيْتُ أَنَسًا يَمْشِي فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوُضُوءِ مِنَ الْجِنَازَةِ،  فَقَالَ: لَا وُضُوءَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ قَالَ: قَدِمَ أَنَسٌ عَلَى الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ بِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَنْتُمْ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَقَدْ صَنَعْتُمْ فِيهَا مَا صَنَعْتُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ. يَعْنِي مَا كَانَ يَفْعَلُهُ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ مِنْ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمُوَسَّعِ; كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَى التَّأْخِيرِ إِلَّا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ. وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا غُلَامٌ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُنَيْسٌ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ  . قَالَ: فَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَتَيْنِ، وَأَنَا أَرْجُو الثَّالِثَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ حَتَّى نَخْلِي وَكَرْمِي لَيُثْمِرُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّ وَلَدِي لِصُلْبِي مِائَةٌ وَسِتَّةٌ. وَلِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَأَلْفَاظٌ مُنْتَشِرَةٌ جِدًّا، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ أَنَسٌ: وَأَخْبَرَتْنِي ابْنَتِي أَمِينَةُ: أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي إِلَى حِينِ مَقْدَمِ الْحَجَّاجِ عِشْرُونَ وَمِائَةٌ. وَقَالَ ثَابِتٌ لِأَنَسٍ: هَلْ مَسَّتْ يَدُكَ كَفَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَعْطِنِيهَا أُقَبِّلْهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ صَاحِبَ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِدَاوَتِهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وعَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ الذَّارِعِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَأَنَا أَرَى فِيهَا حَبِيبِي ﷺ. ثُمَّ يَبْكِي. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بسنده عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: أَنَا فَاعِلٌ قُلْتُ: فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ. قُلْتُ: فَإِذَا لَمْ أَلْقَكَ؟ قَالَ: فَأَنَا عِنْدَ الْمِيزَانِ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: فَأَنَا عِنْدَ الْحَوْضِ، لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ مَوَاطِنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِ ابْنِ أُمِّ سُلَيْمٍ، يَعْنِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ: كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ صَلَاةً فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ  . وَقَالَ أَنَسٌ: يَا ثَابِتُ خُذْ مِنِّي; فَإِنِّي أَخَذْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَسْتَ تَجِدُ أَوْثَقَ مِنِّي. وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ  غَيْرِي. بسنده عن أَبَا حُبَابٍ، سَمِعْتُ الْجَرِيرِيَّ يَقُولُ: أَحْرَمَ أَنَسٌ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، فَمَا سَمِعْنَاهُ مُتَكَلِّمًا إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى أَحَلَّ. فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أَخِي، هَكَذَا الْإِحْرَامُ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: دَخَلَ عَلَيْنَا أَنَسٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَنَحْنُ فِي بَعْضِ أَبْيَاتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ نَتَحَدَّثُ فَقَالَ: مَهْ. فَلَمَّا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَبْطَلْتُ جُمُعَتِي بِقَوْلِي لَكُمْ: مَهْ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بسنده عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَنَسٍ فَجَاءَ قَهْرَمَانُهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، عَطِشَتْ أَرْضُنَا. قَالَ: فَقَامَ أَنَسٌ، فَتَوَضَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا، فَرَأَيْتُ السَّحَابَ يَلْتَئِمُ، ثُمَّ مَطَرَتْ حَتَّى مَلَأَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَمَّا سَكَنَ الْمَطَرُ بَعَثَ أَنَسٌ بَعْضَ أَهْلِهِ فَقَالَ: انْظُرْ أَيْنَ بَلَغَتِ السَّمَاءُ، فَنَظَرَ فَلَمْ تَعْدُ أَرْضَهُ إِلَّا يَسِيرًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَانَ أَنَسٌ إِذَا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا فَفَرَغَ مِنْهُ قَالَ: أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: بَعَثَ أَمِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى أَنَسٍ شَيْئًا مِنَ الْفَيْءِ، فَقَالَ: أَخُمُسٌ؟ قَالَ: لَا. فَلَمْ يَقْبَلْهُ. وَقَالَ النَّضِرُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ: مَرِضَ أَنَسٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا نَدْعُو لَكَ الطَّبِيبَ؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ بسنده عن عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: كُنْتَ فِي الْقَصْرِ مَعَ الْحَجَّاجِ وَهُوَ يَعْرِضُ النَّاسَ لَيَالِيَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَجَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ الْحَجَّاجُ: هِي يَا خَبِيثُ، جَوَّالٌ فِي الْفِتَنِ، مَرَّةً مَعَ عَلِيٍّ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَمَرَّةً مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ الْحَجَّاجِ بِيَدِهِ لَأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تُسْتَأْصَلُ الصِّمْغَةُ، وَلَأُجَرِّدَنَّكَ كَمَا يُجَرَّدُ الضَّبُّ. قَالَ: يَقُولُ أَنَسٌ: مَنْ يَعْنِي الْأَمِيرُ؟ قَالَ: إِيَّاكَ أَعْنِي، أَصَمَّ اللَّهُ سَمْعَكَ. قَالَ: فَاسْتَرْجَعَ أَنَسٌ، وَشُغِلَ الْحَجَّاجُ، فَخَرَجَ أَنَسٌ فَتَبِعْنَاهُ إِلَى الرَّحْبَةِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي ذَكَرْتُ وَلَدِي وَخِفْتُهُ عَلَيْهِمْ لَكَلَّمْتُهُ بِكَلَامٍ فِي مَقَامِي هَذَا لَا يَسْتَحْيِينِي بَعْدَهُ أَبَدًا. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ أَنَّ أَنَسًا بَعَثَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَشْكُو إِلَيْهِ الْحَجَّاجَ، وَيَقُولُ فِي كِتَابِهِ: إِنِّي خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَدْرَكُوا رَجُلًا خَدَمَ نَبِيَّهُمْ لَأَكْرَمُوهُ. وَذَكَرَ لَهُ أَذِيَّةَ الْحَجَّاجِ لَهُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابَهُ حَصَلَ عِنْدَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: وَيْلَكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَصْلُحَ عَلَى يَدَيَّ أَحَدٌ. وَذَكَرَ لَهُ كَلَامًا فِيهِ غِلْظَةٌ، وَيَقُولُ فِيهِ: إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي فَقُمْ إِلَى أَنَسٍ، وَاعْتَذِرْ لَهُ. فَجَاءَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْغِلْظَةِ فِي ذَلِكَ، فَهَمَّ أَنْ يَنْهَضَ إِلَى أَنَسٍ، فَأَشَارَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ الَّذِي قَدِمَ بِالْكِتَابِ أَنْ لَا يَذْهَبَ إِلَى أَنَسٍ، وَأَشَارَ عَلَى أَنَسٍ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالْمُصَالَحَةِ وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ صَدِيقَ الْحَجَّاجِ فَجَاءَ أَنَسٌ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَتَلَقَّاهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكَ، كَمَا قِيلَ: إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ. أَرَدْتُ أَنْ لَا يَبْقَى لِأَحَدٍ عَلَيَّ مَنْطِقٌ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ لَمَّا قَالَ لِأَنَسٍ مَا قَالَ: يَا ابْنَ الْمُسْتَفْرِمَةِ بِحَبِّ الزَّبِيبِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْكُلَكَ رَكْلَةً تَهْوِي بِهَا إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ، قَاتَلَكَ اللَّهُ أُخَيْفِشَ الْعَيْنَيْنِ، أُقَيْبِلَ الرِّجْلَيْنِ، أَسْوَدَ الْجَاعِرَتَيْنِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْمُسْتَفْرِمَةِ بِحَبِّ الزَّبِيبِ، أَيْ: تُضَيِّقُ فَرْجَهَا عِنْدَ الْجِمَاعِ بِهِ. وَمَعْنَى: أَرْكُلُكَ، أَيْ: أَرْفُسُكَ بِرِجْلِي. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْعِجْلِيُّ: لَمْ يُبْتَلَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا رَجُلَيْنِ; مُعَيْقِيبٌ كَانَ بِهِ الْجُذَامُ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ; كَانَ بِهِ وَضَحٌ. وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ بسنده عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسًا يَأْكُلُ، فَرَأَيْتُهُ يَلْقَمُ لُقَمًا عِظَامًا، وَرَأَيْتُ بِهِ وَضَحًا شَدِيدًا. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى بسنده عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: ضَعُفَ أَنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ فَصَنَعَ جَفْنَةً مِنْ ثَرِيدٍ، وَدَعَا ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَأَطْعَمَهُمْ، وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ مُوسَى السُّنْبُلَانِيِّ، قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَنْتَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: قَدْ بَقِيَ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَنَا آخِرُ مَنْ بَقِيَ. وَقِيلَ لَهُ فِي مَرَضِهِ: أَلَا نَدْعُو لَكَ طَبِيبًا؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. وَجَعَلَ يَقُولُ: لَقِّنُونِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَهُوَ مُحْتَضِرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُهَا حَتَّى قُبِضَ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ عُصَيَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ مَعَهُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَاتَ وَلَهُ مِائَةٌ وَسَبْعُ سِنِينَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بسنده عَنْ حُمَيْدٍ، أَنَّ أَنَسًا عُمِّرَ مِائَةَ سَنَةٍ غَيْرَ سَنَةٍ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْبَصْرَةِ،  وَكَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ والْفَلَّاسُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي سَنَةِ وَفَاتِهِ; فَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ فِي جُمُعَةٍ وَاحِدَةٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا مَاتَ أَنَسٌ قَالَ مُوَرِّقُ الْعِجْلِيُّ: ذَهَبَ الْيَوْمَ نِصْفُ الْعِلْمِ. قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ ذَاكَ يَا أَبَا الْمُعْتَمِرِ؟ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، إِذَا خَالَفُونَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قُلْنَا لَهُمْ: تَعَالَوْا إِلَى مَنْ سَمِعَهُ مِنْهُ. إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ التَّيْمِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ شَرِيكٍ التَّيْمِيُّ،  مِنْ تَيْمِ الرَّبَابِ، يُكَنَّى أَبَا أَسْمَاءَ: رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَالْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ فِي آخَرِينَ، فَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا. عن الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، وَمَا رَأَيْتُهُ رَافِعًا بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ الرَّجُلَ لِيَظْلِمُهُ، فَأَرْحَمُهُ. وعن إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي الْجَنَّةِ آكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَأَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا، وَأُعَانِقُ أَبْكَارَهَا، ثُمَّ مَثَّلْتُ نَفْسِي فِي النَّارِ آكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا وَأَشْرَبُ مِنْ صَدِيدِهَا، وَأُعَالِجُ سَلَاسِلَهَا وَأَغْلَالهَا، فَقُلْتُ لِنَفْسِي: أَيْ نَفْسِي، أَيُّ شَيْءٍ تُرِيدِينَ؟ قَالَتْ: أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا فَأَعْمَلَ صَالِحًا قَالَ: قُلْتُ: فَأَنْتَ فِي الْأُمْنِيَةِ فَاعْمَلِي. وعن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَ سَبَبَ حَبْسِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ الْحَجَّاجَ طَلَبَ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ، فَجَاءَ الَّذِي يَطْلُبُهُ، فَقَالَ: أُرِيدُ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: أَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّخَعِيَّ، فَلَمْ يَسْتَحِلْ أَنْ يَدُلَّهُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْحَبْسِ ظِلٌّ مِنَ الشَّمْسِ، وَلَا كَنٌّ مِنَ الْبُرْدِ، وَكَانَ كُلُّ اثْنَيْنِ فِي سِلْسِلَةٍ، فَتَغَيَرَ إِبْرَاهِيمُ، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فِي الْحَبْسِ فَلَمْ تَعْرِفْهُ حَتَّى كَلَّمَهَا، فَمَاتَ فِي السِّجْنِ فَرَأَى الْحَجَّاجُ قَائِلًا يَقُولُ: مَاتَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: هَلْ مَاتَ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ بِوَاسِطَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حُلْمُ نَزْعَةٍ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ، وَأَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ عَلَى الْكُنَاسَةِ، وَذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وضاح اليمن وَضَّاحُ الْيَمَنِ:   عن إِسْحَاقُ بْنُ الضَّيْفِ، عَنْ أَبِي مُسْهِرٍ، قَالَ: كَانَ وَضَّاحُ الْيَمَنِ نَشَأَ هُوَ وَأُمُّ الْبَنِينَ صَغِيرَيْنِ، فَأَحَبَّهَا وَأَحَبَّتْهُ، وَكَانَ لَا يَصْبِرُ عَنْهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ حُجِبَتْ عَنْهُ، وَطَالَ بِهِمَا الْبَلَاءُ، فَحَجَّ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَبَلَغَهُ جِمَالُ أُمِّ الْبَنِينَ وَأَدَبُهَا فَتَزَوُّجَهَا وَنَقَلَهَا إِلَى الشَّامِ. قَالَ: فَذَهَبَ عَقْلُ وَضَّاحٍ عَلَيْهَا وَجَعَلَ يَذُوبُ وَيَنْحَلُّ فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، فَجَعَلَ يَطُوفُ بِقِصَرِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا يَجِدُ حِيلَةً حَتَّى رَأَى يَوْمًا جَارِيَةً صَفْرَاءَ، فَمَا زَالَ حَتَّى أَنِسَ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: هَلْ تَعْرِفِينَ أُمَّ الْبَنِينَ؟ فَقَالَتْ: إِنَّكَ تَسْأَلُ عَنْ مَوْلَاتِي، فَقَالَ: إِنَّهَا لَابْنَةُ عَمِّي، فَإِنَّهَا تُسَرُّ بِمَكَانِي وَمَوْضِعِي لَوْ أَخْبَرْتِهَا، قَالَتْ: إِنِّي أُخْبِرُهَا فَمَضَتِ الْجَارِيَةُ فَأَخْبَرَتْ أُمَّ الْبَنِينَ، فَقَالَتْ وَيْلَكِ، أَحَيٌّ هُوَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَتْ: قُولِي لَهُ كُنْ مَكَانَكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ رَسُولِي. فَلَنْ أَدَعَ الِاحْتِيَالَ لَكَ، فَاحْتَالَتْ إِلَى أَنْ أَدْخَلَتْهُ إِلَيْهَا فِي صُنْدُوقٍ، فَمَكَثَ عِنْدَهَا حِينًا فَإِذَا أَمِنَتْ أَخْرَجَتْهُ، فَقَعَدَ مَعَهَا وَإِذَا خَافَتْ عَيْنَ رَقِيبٍ أَدْخَلَتْهُ الصُّنْدُوقَ. فَأُهْدِيَ يَوْمًا لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ جَوْهَرٌ، فَقَالَ لِبَعْضِ خَدَمِهِ: خُذْ هَذَا الْجَوْهَرَ فَامْضِ بِهِ إِلَى أُمِّ الْبَنِينَ وَقُلْ لَهَا: أُهْدِيَ هَذَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَوَجَّهَ بِهِ إِلَيْكِ. فَدَخَلَ الْخَادِمُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَوَضَّاحٌ مَعَهَا، فَلَمَحَهُ وَلَمْ تَشْعُرْ أُمُّ الْبَنِينَ، فَبَادَرَ إِلَى الصُّنْدُوقِ فَدَخَلَهُ، فَأَدَّى الرِّسَالَةَ، إِلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: هَبِي لِي مِنْ هَذَا الْجَوْهَرِ حَجَرًا، فَقَالَتْ: لَا أُمَّ لَكَ، وَمَا تَصْنَعُ أَنْتَ بِهَذَا؟ فَخَرَجَ وَهُوَ عَلَيْهَا حَنِقٌ فَجَاءَ الْوَلِيدَ فَخَبَّرَهُ الْخَبَرَ وَوَصَفَ لَهُ الصُّنْدُوقَ الَّذِي رَآهُ دَخَلَهُ، فَقَالَ: كَذَّبْتَ، لَا أُمَّ لَكَ. ثُمَّ نَهَضَ الْوَلِيدُ مُسْرِعًا فَدَخَلَ إِلَيْهَا وَهِيَ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ وَفِيهِ صَنَادِيقُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَلَى ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الَّذِي وَصَفَ لَهُ الْخَادِمُ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْبَنِينَ، هَبِي لِي صُنْدُوقًا مِنْ صَنَادِيقِكِ هَذِهِ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هِيَ لَكَ وَأَنَا لَكَ فَقَالَ لَهَا: مَا أُرِيدُ غَيْرَ هَذَا الَّذِي تَحْتِي، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ، قَالَ: مَا أُرِيدُ غَيْرَهُ، قَالَتْ: هُوَ لَكَ. فَأَمَرَ بِهِ فَحُمِلَ وَدَعَا بِغُلَامَيْنِ وَأَمَرَهُمَا بِحَفْرِ بِئْرٍ، فَحَفَرَا حَتَّى إِذَا بَلَغَا الْمَاءَ وَضَعَ فَمَهُ عَلَى الصُّنْدُوقِ وَقَالَ: أَيُّهَا الصُّنْدُوقُ، قَدْ بَلَغَنَا عَنْكَ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ حَقًّا فَقَدْ دَفَنَّا خَبَرَكَ وَدَرَسْنَا أَثَرَكَ، وَإِنْ كَانَ كَذِبًا فَمَا عَلَيْنَا مِنْ دَفْنِ صُنْدُوقٍ مِنْ حَرَجٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَأُلْقِيَ فِي الْحُفْرَةِ، وَأُمِرَ بِالْخَادِمِ فَقُذِفَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ فَوْقَهُ، وَطَمَّ عَلَيْهِمَا الْمَكَانَ. فَكَانَتْ أُمُّ الْبَنِينَ تُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ تَبْكِي إِلَى أَنْ وُجِدَتْ فِيهِ يَوْمًا مَكْبُوبَةً عَلَى وَجْهِهَا مَيِّتَةً. وَقَدْ رَوَى نَحْوَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ: أَنَّ أُمَّ الْبَنِينَ كَانَتْ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَإِنَّ قِصَّةَ وَضَّاحِ الْيَمَنِ جَرَتْ لَهُ وَهِيَ عِنْدَ يَزِيدَ.

  287. التاريخ 2378لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ افْتَتَحَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حُصُونًا كَثِيرَةً مِنْ بِلَادِ الرُّومِ;  مِنْهَا حِصْنُ الْحَدِيدِ، وَغَزَالَةُ، وَمَاسَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ.

  288. التاريخ 2379لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثلاث وتسعين غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ سَبَسْطِيَةَ، وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ حَتَّى بَلَغَ خَنْجَرَةَ  . وَفِيهَا قَحَطَ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَجْدَبُوا جَدْبًا شَدِيدًا، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ يَسْتَسْقِي بِهِمْ، فَمَا زَالَ يَدْعُو حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ عَنِ الْمِنْبَرِ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَدْعُو لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ ذَاكَ. فَسَقَاهُمُ اللَّهُ مَطَرًا غَزِيرًا. ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا وَفِيهَا ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ خُبَيْبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ خَمْسِينَ سَوْطًا وَقِيلَ: مِائَةَ سَوْطٍ عَنْ أَمْرِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ قِرْبَةَ مَاءٍ بَارِدٍ فِي يَوْمٍ شَاتٍ، وَوَقَفَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَمَكَثَ يَوْمًا وَمَاتَ. وَكَانَ السَّبَبُ أَنَّ خُبَيْبًا حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ رَجُلًا اتَّخَذُوا عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا وَمَالَ اللَّهِ دُوَلًا". وعن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ خُبَيْبٌ قَدْ لَقِيَ الْعُلَمَاءَ وَلَقِيَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَكَانَ مِنَ النُّسَّاكِ، وَأَدْرَكَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يَذْكُرُونَ أَنَّهُ كَانَ يَعْلَمُ عِلْمًا كَثِيرًا لَا يَعْرِفُونَ وَجْهَهُ وَلَا مَذْهَبَهُ فِيهِ يُشْبِهُ مَا يَدَّعِي النَّاسُ مِنْ عُلُومِ النُّجُومِ. قَالَ عَمِّي مُصْعَبٌ: وَحُدِّثْتُ عَنْ مَوْلًى لِخَالَتِهِ أُمِّ هَاشِمٍ بِنْتِ مَنْظُورٍ يُقَالُ لَهُ يَعْلَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَهُ وَهُوَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ إِذْ وَقَفَ ثُمَّ قَالَ: سَأَلَ قَلِيلًا فَأُعْطِيَ كَثِيرًا، وَسَأَلَ كَثِيرًا فَأُعْطِيَ قَلِيلًا، فَطَعَنَهُ فَأَرْدَاهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: قُتِلَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ السَّاعَةَ، ثُمَّ مَضَى، فَوَجَدُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ. وَلَهُ أَشْبَاهُ هَذَا يَذْكُرُونَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا هِيَ، وَكَانَ طَوِيلَ الصَّمْتِ قَلِيلَ الْكَلَامِ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ حِينَ اشْتَدَّ وَجَعُهُ وَنَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَانْتَقَلَهُ آلُ الزُّبَيْرِ فِي دَارٍ مِنْ دُورِهِمْ. قَالَ عَمِّي مُصْعَبٌ: وَأَخْبَرَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ أَنَّهُمْ نَقَلُوهُ إِلَى دَارِ عُمَرَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ حَتَّى مَاتَ، فَبَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ إِذْ جَاءَهُمُ الْمَاجِشُونُ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِمْ وَخُبَيْبٌ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، وَكَانَ الْمَاجِشُونُ يَكُونُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ: ائْذَنُوا لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: كَانَ صَاحِبُكَ فِي مِرْيَةٍ مِنْ مَوْتِهِ، اكْشِفُوا لَهُ عَنْهُ، فَكَشَفُوا لَهُ عَنْهُ، فَلَمَّا رَآهُ الْمَاجِشُونُ انْصَرَفَ. قَالَ الْمَاجِشُونُ: فَانْتَهَيْتُ إِلَى دَارِ مَرْوَانَ فَقَرَعْتُ الْبَابَ، فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُ عُمَرَ كَالْمَرْأَةِ الْمَاخِضِ قَائِمًا قَاعِدًا، فَقَالَ لِي: مَا وَرَاءَكَ؟ فَقُلْتُ: مَاتَ الرَّجُلُ، فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ فَزَعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ يَسْتَرْجِعُ، فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَفُ فِيهِ حَتَّى مَاتَ، فَاسْتَعْفَى مِنَ الْمَدِينَةِ، وَامْتَنَعَ مِنَ الْوِلَايَةِ وَحَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُصْعَبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ: قَسَّمُ فِينَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَسْمًا فِي خِلَافَتِهِ خَصَّنَا بِهِ، فَقَالَ النَّاسُ: دِيَةُ خُبَيْبٍ. وكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ مَوْتِ خُبَيْبٍ شَدِيدَ الْخَوْفِ لَا يَأْمَنُ، وَكَانَ إِذَا بُشِّرَ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ يَقُولُ: وَكَيْفَ وَخُبَيْبٌ لِي بِالطَّرِيقِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ يَقُولُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ خُبَيْبٌ بِالطَّرِيقِ، ثُمَّ يَصِيحُ صِيَاحَ الْمَرْأَةِ الثَّكْلَى، وَكَانَ إِذَا أُثْنِيَ عَلَيْهِ يَقُولُ: خُبَيْبٌ وَمَا خُبَيْبٌ ! إِنْ نَجَوْتُ مِنْهُ فَأَنَا بِخَيْرٍ. وَمَا زَالَ عَلَى الْمَدِينَةِ إِلَى أَنْ ضَرَبَ خُبَيْبًا فَمَاتَ، فَاسْتَقَالَ وَرَكِبَهُ الْحُزْنُ وَالْخَوْفُ مِنْ حِينِئِذٍ، وَأَخَذَ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَالْبُكَاءِ، وَكَانَتْ تِلْكَ هَفْوَةً مِنْهُ وَزَلَّةً، وَلَكِنْ حَصَلَ لَهُ بِسَبَبِهَا خَيْرٌ كَثِيرٌ; مِنْ عِبَادَةٍ وَبُكَاءٍ وَحُزْنٍ وَخَوْفٍ وَإِحْسَانٍ وَعَدْلٍ وَصَدَقَةٍ وَبِرٍّ وَعِتْقٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

  289. التاريخ 2380لا حكم مسجّل

    صُلْحِ خُوَارَزْمِشَاهْ وَفَتْحِ خَامْ جُرْدَ  وَفِي سنة ثلاث وتسعين كَتَبَ خَوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى قُتَيْبَةَ يَدْعُوهُ إِلَى الصُّلْحِ، وَأَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ بِلَادِهِ مَدَائِنَ، وَأَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَمْوَالًا وَرَقِيقًا كَثِيرًا وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مَلِكَ خُوَارَزْمَ كَانَ ضَعِيفًا، فَغَلَبَهُ أَخُوهُ خُرَّزَادُ عَلَى أَمْرِهِ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ، وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّ عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ هُوَ مُنْقَطِعٌ إِلَى الْمَلِكِ جَارِيَةً أَوْ مَالًا أَوْ دَابَّةً أَوْ بِنْتًا أَوْ أُخْتًا أَوِ امْرَأَةً جَمِيلَةً أَرْسَلَ إِلَيْهِ وَأَخَذَهُ مِنْهُ، وَكَانَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَلَا الْمَلِكُ، فَإِذَا قِيلَ لِلْمَلِكِ، قَالَ: لَا أَقْوَى بِهِ وَهُوَ مُغْتَاظٌ عَلَيْهِ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَتَبَ إِلَى قُتَيْبَةَ يَدْعُوهُ إِلَى أَرْضِهِ لِيُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ أَخَاهُ وَكُلَّ مَنْ يُضَادَّهُ لِيَحْكُمَ فِيهِمْ بِمَا يَرَى، وَلَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ مِنْ مَرَازِبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ قُتَيْبَةُ إِلَى مَا طَلَبَ، وَتَجَهَّزُ لِلْغَزْوِ، وَأَظْهَرَ قُتَيْبَةُ أَنَّهُ يُرِيدُ الصُّغْدَ، وَسَارَ مِنْ مَرْوَ، وَجَمَعَ خُوَارَزْمَشَاهْ أَجْنَادُهُ وَدَهَاقِنَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّ قُتَيْبَةَ يُرِيدُ الصُّغْدَ وَلَيْسَ يُغَازِيكُمْ، فَهَلُمُّوا نَتَنَعَّمُ فِي رَبِيعِنَا هَذَا. فَأَقْبَلُوا عَلَى الشُّرْبِ وَالتَّنَعُّمِ، فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى نَزَلَ قُتَيْبَةُ فِي هِزَارَسِبَ، فَقَالَ خُوَارَزْمَشَاهْ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَرَوْنَ ؟ قَالُوا: نَرَى أَنْ نُقَاتِلَهُ. قَالَ: لَكِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ; لِأَنَّهُ قَدْ عَجَزَ عَنْهُ مَنْ هُوَ أَقْوَى مِنَّا وَأَشَدُّ شَوْكَةً، وَلَكِنْ أَصْرِفُهُ بِشَيْءٍ أُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ. فَسَارَ خُوَارَزْمَشَاهْ فَنَزَلَ بِمَدِينَةِ الْفِيلِ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ، وَهِيَ أَحْصَنُ بِلَادِهِ، وَقُتَيْبَةُ لَمْ يَعْبُرِ النَّهْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ خُوَارَزْمُشَاهْ، فَصَالَحَهُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ رَأْسٍ وَعَيْنٍ وَمَتَاعٍ، وَعَلَى أَنْ يُعِينَهُ عَلَى خَامَ جُرْدَ، فَقَبِلَ قُتَيْبَةُ ذَلِكَ. وَ?ِيلَ: صَالَحَهُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ رَأْسٍ، ثُمَّ بَعَثَ قُتَيْبَةُ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى خَامَ جُرْدَ، وَكَانَ يُغَازِي خُوَارَزْمَشَاهْ، فَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَلَبَ عَلَى أَرْضِهِ، وَقَدِمَ مِنْهُمْ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ أَسِيرٍ، فَقَتَلَهُمْ قُتَيْبَةُ، وَسَلَّمَ قُتَيْبَةُ إِلَى خُوَارَزْمَشَاهْ أَخَاهُ وَمَنْ كَانَ يُخَالِفُهُ، فَقَتَلَهُمْ وَدَفَعَ أَمْوَالَهُمْ إِلَى قُتَيْبَةَ.

  290. التاريخ 2381لا حكم مسجّل

    فَتْحِ سَمَرْقَنْدَ  فَلَمَّا قَبَضَ قُتَيْبَةُ صُلْحَ خُوَارَزْمَشَاهْ قَامَ إِلَيْهِ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيُّ. فَقَالَ لَهُ سِرًّا: إِنْ أَرَدْتَ الصُّغْدَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَالْآنَ، فَإِنَّهُمْ أَمِنُوكَ عَامَكَ هَذَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَعْدِلَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، فَإِنَّكَ مَتَى فَعَلْتَ ذَلِكَ أَخَذْتَهَا إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ. فَقَالَ قُتَيْبَةُ لِذَلِكَ الْأَمِيرِ: هَلْ قُلْتَ هَذَا لِأَحَدٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَلَئِنْ يَسْمَعْهُ مِنْكَ أَحَدٌ أَضْرِبْ عُنُقَكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَمَرَ أَخَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَسَارَ فِي الْفُرْسَانِ وَالرُّمَاةِ، وَقَدَّمَ الْأَثْقَالَ إِلَى مَرْوَ، فَسَارَ يَوْمَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى كَتَبَ إِلَيْهِ قُتَيْبَةُ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَوَجِّهِ الْأَثْقَالَ إِلَى مَرْوَ، وَسِرْ بِالْفُرْسَانِ وَالرُّمَاةِ نَحْوَ الصُّغْدِ، وَاكْتُمِ الْأَخْبَارَ، فَإِنِّي فِي الْأَثَرِ. فَفَعَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَا أَمَرَهُ، وَخَطَبَ قُتَيْبَةُ النَّاسَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الصُّغْدَ شَاغِرَةٌ بِرِجْلِهَا، وَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَصَنَعُوا مَا بَلَغَكُمْ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خُوَارَزْمُ وَالصُّغْدُ كَقُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. ثُمَّ سَارَ فَأَتَى الصُّغْدَ فَبَلَغَهَا بَعْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، وَقَدِمَ مَعَهُ أَهْلُ خُوَارَزْمَ وَبُخَارَى، فَقَاتَلُوهُ شَهْرًا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُمْ مَحْصُورُونَ. وَخَافَ أَهْلُ الصُّغْدِ طُولَ الْحِصَارِ، فَكَتَبُوا إِلَى الْمَلِكِ الشَّاشِ وَخَاقَانَ وَأَخْشَادَ فَرْغَانَةَ: إِنَّ الْعَرَبَ [ إِنْ ] ظَفِرُوا بِنَا أَتَوْكُمْ بِمِثْلِ مَا أَتَوْنَا بِهِ، فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَهْمَا كَانَ عِنْدَكُمْ مِنْ قُوَّةٍ فَابْذُلُوهَا. فَنَظَرُوا، وَقَالُوا: إِنَّمَا نُؤْتَى مِنْ سَفِلَتِنَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ كَوَجْدِنَا. فَانْتَخَبُوا مِنْ أَوْلَادِ الْمُلُوكِ وَأَهْلِ النَّجْدَةِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَرَازِبَةِ وَالْأَسَاوِرَةِ وَالْأَبْطَالِ، وَأَمَرُوهُمْ أَنْ يَأْتُوا عَسْكَرَ قُتَيْبَةَ فَيُبَيِّتُوهُ، فَإِنَّهُ مَشْغُولٌ عَنْهُ بِحِصَارِ سَمَرْقَنْدَ، وَوَلَّوْا عَلَيْهِ ابْنًا لِخَاقَانَ، فَسَارُوا. وَبَلَغَ قُتَيْبَةَ الْخَبَرُ، فَانْتَخَبَ مِنْ عَسْكَرِهِ أَرْبَعَمِائَةٍ، وَقِيلَ: سِتَّمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى عَدُوِّهِمْ، فَسَارُوا وَعَلَيْهِمْ صَالِحُ بْنُ مُسْلِمٍ، فَنَزَلُوا عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الْعَسْكَرِ عَلَى طَرِيقِ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ صَالِحٌ لَهُ كَمِينَيْنِ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ جَاءَهُمْ عَدُوُّهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا صَالِحًا حَمَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا اقْتَتَلُوا شَدَّ الْكَمِينَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، فَلَمْ يُرَ قَوْمٌ كَانُوا أَشَدَّ مِنْ أُولَئِكَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّا لَنُقَاتِلُهُمْ إِذْ رَأَيْتُ تَحْتَ اللَّيْلِ قُتَيْبَةَ وَقَدْ جَاءَ سِرًّا، فَضَرَبْتُ ضَرْبَةً أَعْجَبَتْنِي. فَقُلْتُ: كَيْفَ تَرَى بِأُمِّي وَأَبِي ؟ قَالَ: اسْكُتْ فَضَّ اللَّهُ فَاكَ. قَالَ: فَقَتَلْنَاهُمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَحَوَيْنَا أَسَلَابَهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، فَاحْتَزَزْنَا رُءُوسَهُمْ وَأَسَرْنَا مِنْهُمْ أَسْرَى، فَسَأَلْنَاهُمْ عَمَّنْ قَتَلْنَا فَقَالُوا: مَا قَتَلْتُمْ إِلَّا ابْنَ مَلِكٍ أَوْ عَظِيمًا أَوْ بَطَلًا، كَانَ الرَّجُلُ يُعَدُّ بِمِائَةِ رَجُلٍ، وَكَتَبْنَا أَسْمَاءَهُمْ عَلَى آذَانِهِمْ، ثُمَّ دَخَلْنَا الْعَسْكَرَ حِينَ أَصْبَحْنَا، فَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْنَا بِهِ مِنَ الْقَتْلَى وَالْأَسْرَى وَالْخَيْلِ وَمَنَاطِقِ الذَّهَبِ وَالسِّلَاحِ، قَالَ: وَأَكْرَمَنِي قُتَيْبَةُ وَأَكْرَمَ مَعِي جَمَاعَةً، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ رَأَى مِنْهُمْ مِثْلَ الَّذِي رَأَى مِنِّي. وَلَمَّا رَأَى الصُّغْدُ ذَلِكَ انْكَسَرُوا، وَنَصَبَ قُتَيْبَةُ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ فَرَمَاهُمْ وَثَلَمَ ثُلْمَةً، فَقَامَ عَلَيْهَا رَجُلٌ شَتَمَ قُتَيْبَةَ، فَرَمَاهُ بَعْضُ الرُّمَاةِ فَقَتَلَهُ، فَأَعْطَاهُ قُتَيْبَةُ عَشَرَةَ آلَافٍ. وَسَمِعَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ قُتَيْبَةَ وَهُوَ يَقُولُ كَأَنَّمَا يُنَاجِي نَفْسَهُ: حَتَّى مَتَى يَا سَمَرْقَنْدُ يُعَشِّشُ فِيكِ الشَّيْطَانُ ؟ أَمَّا وَاللَّهِ [ لَئِنْ ] أَصْبَحْتُ لَأُحَاوِلَنَّ مِنْ أَهْلِكِ أَقْصَى غَايَةٍ. فَانْصَرَفَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كَمْ مِنْ نَفْسٍ تَمُوتُ غَدًا ! وَأَخْبَرَ الْخَبَرَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ قُتَيْبَةُ أَمَرَ النَّاسَ بِالْجِدِّ فِي الْقِتَالِ، فَقَاتَلُوهُمْ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَأَمَرَهُمْ قُتَيْبَةُ أَنْ يَبْلُغُوا ثُلْمَةَ الْمَدِينَةِ، فَجَعَلُوا التِّرَسَةَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَحَمَلُوا، فَبَلَغُوهَا وَوَقَفُوا عَلَيْهَا، وَرَمَاهُمُ الصُّغْدُ بِالنُّشَّابِ فَلَمْ يَبْرَحُوا. فَأَرْسَلَ الصُّغْدُ إِلَى قُتَيْبَةَ فَقَالُوا لَهُ: انْصَرِفْ عَنَّا الْيَوْمَ حَتَّى نُصَالِحَكَ غَدًا. فَقَالَ قُتَيْبَةُ: لَا نُصَالِحُهُمْ إِلَّا وَرِجَالُنَا عَلَى الثُّلْمَةِ، وَقِيلَ: بَلْ قَالَ قُتَيْبَةُ: جَزِعَ الْعَبِيدُ، انْصَرِفُوا عَلَى ظَفَرِكُمْ، فَانْصَرَفُوا فَصَالَحَهُمْ مِنَ الْغَدِ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ مِثْقَالٍ فِي كُلِّ عَامٍ، وَأَنْ يُعْطُوهُ تِلْكَ السَّنَةَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَأَنْ يُخْلُوا الْمَدِينَةَ لِقُتَيْبَةَ فَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا مُقَاتِلٌ، فَيَبْنِي فِيهَا مَسْجِدًا، وَيَدْخُلُ وَيُصَلِّي وَيَخْطُبُ وَيَتَغَدَّى وَيَخْرُجُ. فَلَمَّا تَمَّ الصُّلْحُ وَأَخْلَوُا الْمَدِينَةَ وَبَنَوُا الْمَسْجِدَ دَخَلَهَا قُتَيْبَةُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ انْتَخَبَهُمْ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى فِيهِ وَخَطَبَ، وَأَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الصُّغْدِ: مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ فَلْيَأْخُذْ فَإِنِّي لَسْتُ خَارِجًا مِنْهَا وَلَسْتُ آخُذُ مِنْكُمْ إِلَّا مَا صَالَحْتُكُمْ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنَّ الْجُنْدَ يُقِيمُونَ فِيهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ فِي الصُّلْحِ مِائَةَ أَلْفِ فَارِسٍ، وَبُيُوتَ النِّيرَانِ وَحِلْيَةَ الْأَصْنَامِ، فَقَبَضَ ذَلِكَ، وَأُتِيَ بِالْأَصْنَامِ فَكَانَتْ كَالْقَصْرِ الْعَظِيمِ، وَأَخَذَ مَا عَلَيْهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ. فَجَاءَهُ غَوْزَكُ فَقَالَ: إِنْ شُكْرَكَ عَلَيَّ وَاجِبٌ، لَا تَتَعَرَّضْ لِهَذِهِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّ مِنْهَا أَصْنَامًا مَنْ أَحْرَقَهَا هَلَكَ. فَقَالَ قُتَيْبَةُ: أَنَا أَحْرِقُهَا بِيَدِي، فَدَعَا بِالنَّارِ فَكَبَّرَ، ثُمَّ أَشْعَلَهَا فَاحْتَرَقَتْ، فَوَجَدُوا مِنْ بَقَايَا مَسَامِيرِ الذَّهَبِ خَمْسِينَ أَلْفَ مِثْقَالٍ. وَأَصَابَ بِالصُّغْدِ جَارِيَةً مِنْ وَلَدِ يَزْدِجَرْدَ، فَأَرْسَلَهَا إِلَى الْحَجَّاجِ، فَأَرْسَلَهَا الْحَجَّاجُ إِلَى الْوَلِيدِ، فَوَلَدَتْ لَهُ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ. وَأَمَرَ غَوْزَكَ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا فَانْتَقَلَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ خَرَجُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ يَوْمَ فَتْحِهَا، وَقَدْ أَمَرَ قُتَيْبَةُ بِسَرِيرٍ فَأُبْرِزَ وَقَعَدَ عَلَيْهِ، فَطَاعَنُوهُمْ حَتَّى جَازُوا قُتَيْبَةَ وَإِنَّهُ لِمُحْتَبٍ بِسَيْفِهِ مَا حَلَّ حَبَوْتَهُ، وَانْطَوَتْ مُجَنِّبَتَا الْمُسْلِمِينَ عَلَى الَّذِينَ هَزَمُوا الْقَلْبَ، فَهَزَمُوهُمْ حَتَّى رَدُّوهُمْ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَدَدٌ كَثِيرٌ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَصَالَحُوهُمْ، وَصَنَعَ غَوْزَكُ طَعَامًا وَدَعَا قُتَيْبَةَ، فَأَتَاهُ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَعُدَ اسْتَوْهَبَ مِنْهُ سَمَرْقَنْدَ وَقَالَ لِلْمَلِكِ: انْتَقِلْ عَنْهَا، فَلَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ طَاعَتِهِ، وَتَلَا قُتَيْبَةُ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى، وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى. الخبر بفتح سمرقند وَحُكِيَ عَنِ الَّذِي أَرْسَلَهُ قُتَيْبَةُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِفَتْحِ سَمَرْقَنْدَ قَالَ: فَأَرْسَلَنِي الْحَجَّاجُ إِلَى الْوَلِيدِ، فَقَدِمْتُ دِمَشْقَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَدَخَلَتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا إِلَى جَنْبِي رَجُلٌ ضَرِيرٌ، فَسَأَلَنِي: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ: مِنْ خُرَاسَانَ، وَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ سَمَرْقَنْدَ. فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مَا افْتَتَحْتُمُوهَا إِلَّا غَدْرًا ! وَإِنَّكُمْ يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ الَّذِينَ تَسْلُبُونَ بَنِي أُمَيَّةَ مُلْكَهُمْ، ثُمَّ تَنْقُضُونَ دِمَشْقَ حَجَرًا حَجَرًا. فَلَمَّا فَتَحَ قُتَيْبَةُ سَمَرْقَنْدَ قِيلَ: [ إِنَّ ] هَذَا لَأَعْدَى الْعَيْرَيْنِ، لِأَنَّهُ فَتَحَ سَمَرْقَنْدَ وَخُوَارَزْمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَارِسَ إِذَا صَرَعَ فِي طَلْقٍ وَاحِدٍ عَيْرَيْنِ قِيلَ: عَادَى عَيْرَيْنِ. فَلَمَّا فَتَحَهَا قُتَيْبَةُ دَعَا نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ فَقَالَ: يَا نَهَارُ أَيْنَ قَوْلُكَ: أَلَا ذَهَبَ الْغَزْوُ الْمُقَرِّبُ لِلْغِنَى وَمَاتَ النَّدَى وَالْجُودُ بَعْدَ الْمُهَلَّبِ     أَقَامَا بِمُرْوِ الرُّوذِ رَهَنَ ضَرِيحِهِ وَقَدْ غُيِّبَا عَنْ كُلِّ شَرْقٍ وَمَغْرِبِ أَفَغَزْوٌ هَذَا ؟ قَالَ: لَا، هَذَا أَحْسَنُ، وَأَنَا الَّذِي أَقُولُ: وَمَا كَانَ مُذْ كُنَّا وَلَا كَانَ قَبْلَنَا     وَلَا هُوَ فِيمَا بَعْدَنَا كَابْنِ مُسْلِمِ أَعَمَّ لِأَهْلِ الشِّرْكِ قَتْلًا بِسَيْفِهِ     وَأَكْثَرَ فِينَا مَقْسِمًا بَعْدَ مَقْسِمِ قَالَ: وَقَالَ الشُّعَرَاءُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الْكُمَيْتُ مِنْ قَصِيدَةٍ: ( كَانَتْ سَمَرْقَنْدُ أَحْقَابًا يَمَانِيَةً     فَالْيَوْمَ تَنْسُبُهَا قَيْسِيَّةً مُضَرُ وَقَالَ كَعْبٌ الْأَشْقَرِيُّ، وَقِيلَ رَجُلٌ مِنْ جُعْفَى ): كُلَّ يَوْمٍ يَحْوِي قُتَيْبَةُ نَهْبًا     وَيَزِيدُ الْأَمْوَالَ مَالًا جَدِيدَا بَاهِلِيٌّ قَدْ أُلْبِسَ التَّاجَ حَتَّى     شَابَ مِنْهُ مَفَارِقٌ كُنَّ سُودَا دَوَّخَ الصُّغْدَ بِالْكَتَائِبِ حَتَّى     تَرَكَ الصُّغْدَ بِالْعَرَاءِ قُعُودَا فَوَلِيدٌ يَبْكِي لِفَقْدِ أَبِيهِ     وَأَبٌ مُوجَعٌ يُبَكِّي الْوَلِيدَا ثُمَّ رَجَعَ قُتَيْبَةُ إِلَى مَرْوَ، وَكَانَ أَهْلُ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ: إِنْ قُتَيْبَةَ غَدَرَ بِأَهْلِ سَمَرْقَنْدَ فَمَلَكَهَا غَدْرًا. وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى خُوَارَزْمَ إِيَاسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى حَرْبِهَا، وَكَانَ ضَعِيفًا، وَكَانَ عَلَى خَرَاجِهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى مُسْلِمٍ. فَاسْتَضْعَفَ أَهْلُ خُوَارَزْمَ إِيَاسًا، فَجَمَعُوا لَهُ، فَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى قُتَيْبَةَ، فَبَعَثَ قُتَيْبَةُ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ عَامِلًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ إِيَاسًا وَحَيَّانَ النَّبَطِيَّ مِائَةً مِائَةً وَيَحْلِقَهُمَا. فَلَمَّا قَرُبَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ خُوَارَزْمَ أَرْسَلَ إِلَى إِيَاسٍ فَأَنْذَرَهُ، فَتَنَحَّى، وَقَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخَذَ حَيَّانَ فَضَرَبَهُ وَحَلَقَهُ. ثُمَّ وَجَّهَ قُتَيْبَةُ الْجُنُودَ إِلَى خُوَارَزْمَ مَعَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَبَلَغَهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُغِيرَةُ اعْتَزَلَ أَبْنَاءُ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ خُوَارَزْمَشَاهْ وَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ، فَهَرَبَ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ، وَقَدِمَ الْمُغِيرَةُ فَقَتَلَ وَسَبَى، فَصَالَحَهُ الْبَاقُونَ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَقَدِمَ عَلَى قُتَيْبَةَ فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى نَيْسَابُورَ.

  291. التاريخ 2382لا حكم مسجّل

    فَتْحِ طُلَيْطِلَةَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ  وَفِي سنة ثلاث وتسعين غَضِبَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ عَلَى مَوْلَاهُ طَارِقٍ فَسَارَ إِلَيْهِ فِي رَجَبٍ مِنْهَا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى، وَعَبَرَ مُوسَى إِلَى طَارِقٍ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَتَلَقَّاهُ وَتَرَضَّاهُ، فَرَضِيَ عَنْهُ، وَقَبِلَ عُذْرَهُ، وَسَيَّرَهُ إِلَى طُلَيْطِلَةَ، وَهِيَ مِنْ عِظَامِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ، وَهِيَ مِنْ قُرْطُبَةَ عَلَى عِشْرِينَ يَوْمًا، فَفَتَحَهَا وَأَصَابَ فِيهَا مَائِدَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا فِيهَا مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوْهَرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. قُلْتُ: لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ مِنْ فَتْحِ الْأَنْدَلُسِ وَدُخُولِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ إِلَى طَارِقٍ مَا فِيهِ كِفَايَةٌ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى إِعَادَتِهِ، إِلَّا أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ قَدْ ذَكَرَ أَنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي سَيَّرَ طَارِقًا وَهُوَ بِالْأَنْدَلُسِ، فَفَتَحَ مَدِينَةَ طُلَيْطِلَةَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فِي تَوَارِيخِهِمْ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.

  292. التاريخ 2383لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثلاث وتسعين افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ مَدِينَةَ الدَّيْبُلِ وَغَيْرَهَا مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ، وَكَانَ قَدْ وَلَّاهُ الْحَجَّاجُ غَزْوَ الْهِنْدِ، وَعُمْرُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَسَارَ فِي الْجُيُوشِ فَلَقُوا الْمَلِكَ دَاهِرَ وَهُوَ مَلِكُ الْهِنْدِ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَمَعَهُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ فِيلًا مُنْتَخَبَةً، فَاقْتَتَلُوا فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، وَهَرَبَ الْمَلِكُ دَاهِرُ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَقْبَلَ الْمَلِكُ وَمَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ جِدًّا، فَأَحَاطُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الْمَلِكُ دَاهِرُ وَغَالِبُ مَنْ مَعَهُ، وَتَبِعَ الْمُسْلِمُونَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْهُنُودِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ سَارَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ فَافْتَتَحَ مَدِينَةَ الْكَيْرَجِ وَبَرَّهَا، وَرَجَعَ بِغَنَائِمَ كَثِيرَةٍ وَأَمْوَالٍ لَا تُحْصَى كَثْرَةً; مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

  293. التاريخ 2384لا حكم مسجّل

    عَزْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنِ الْحِجَازِ  وَفِي سنة ثلاث وتسعين عَزَلَ الْوَلِيدُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُمْ فِي ضَيْمٍ وَضِيقٍ مَعَ الْحَجَّاجِ مِنْ ظُلْمِهِ وَغَشْمِهِ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْحَجَّاجُ فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ: إِنَّ عُمَرَ ضَعِيفٌ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَدْ لَجَأُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَهَذَا وَهْنٌ وَضَعْفٌ فِي الْوِلَايَةِ، فَاجْعَلْ عَلَى الْحَرَمَيْنِ مَنْ يَضْبِطُ أَمْرَهُمَا. فَوَلِّ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ، وَعَلَى مَكَّةَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْحَجَّاجُ، فَخَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي شَوَّالٍ فَنَزَلَ السُّوَيْدَاءَ، وَقَدِمَ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ الْمَدِينَةَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وقيل لَمَّا خَرَجَ عُمَرُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ، يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: تَنْفِي خَبَثَهَا. وَكَانَ عَزْلُهُ عَنْهَا فِي شَعْبَانَ، وَلَمَّا قَدِمَ خَالِدٌ مَكَّةَ أَخْرَجَ مَنْ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ كَرْهًا، وَتَهَدَّدَ مَنْ أَنْزَلَ عِرَاقِيًّا أَوْ أَجَّرَهُ دَارًا، وَاشْتَدَّ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَسَفَهُمْ وَجَارَ فِيهِمْ، وَمَنَعَهُمْ مِنْ إِنْزَالِ عِرَاقِيٍّ، وَكَانُوا أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ كُلُّ مَنْ خَافَ الْحَجَّاجَ لَجَأَ إِلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. ( وَقِيلَ: إِنَّمَا اسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ وِلَايَةُ خَالِدٍ مَكَّةَ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ.

  294. التاريخ 2385لا حكم مسجّل

    وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ،  وَكَانَتِ الْعُمَّالُ عَلَى الْأَمْصَارِ عُمَّالَهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا إِلَّا الْمَدِينَةَ فَإِنَّ عُمَرَ وَلِيَهَا إِلَى شَعْبَانَ، وَعُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ وَلِيَهَا مِنْ شَعْبَانَ، وَيُقَالُ: قَدِمَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ.

  295. التاريخ 2386لا حكم مسجّل

    إِيَاسُ بْنُ قَتَادَةَ التَّمِيمِيُّ إِيَاسُ بْنُ قَتَادَةَ التَّمِيمِيُّ،  ابْنُ أُخْتِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: أَسْنَدَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ، قَالَ: اعْتِمَّ إِيَاسُ بْنُ قَتَادَةَ وَهُوَ يُرِيدُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ، فَنَظَرَ فِي الْمِرْآةِ فَإِذَا بِشَيْبَةٍ فِي ذَقَنِهِ، فَقَالَ: افْلِيهَا يَا جَارِيَةُ، فَفَلَتْهَا، فَإِذَا هِيَ بِشَيْبَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: انْظُرُوا مَنْ بِالْبَابِ مِنْ قَوْمِي فَادْخُلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ، إِنِّي كُنْتُ وَهَبْتُ لَكُمْ شَبِيبَتِي، فَهَبُوا لِي شَيْبَتِي، أَلَا أَرَانِي حَمِيرَ الْحَاجَاتِ وَهَذَا الْمَوْتُ يَقْرُبُ مِنِّي. ثُمَّ قَالَ: انْقُضِي الْعِمَامَةَ فَاعْتَزَلَ يُؤَذِّنُ لِقَوْمِهِ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ، وَلَمْ يَغَشْ سُلْطَانًا حَتَّى مَاتَ. زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى الْحَرَشِيُّ زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى الْحَرَشِيُّ،  يُكَنَّى أَبَا حَاجِبٍ: أَسْنَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعِمْرَانَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَجْأَةً. عن عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَبَّابٍ الْقَصَّارُ، قَالَ: صَلَّى بِنَا زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى الْفَجْرَ، فَلَمَّا بَلَغَ: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ شَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَارِيَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ:   وَأُمُّهُ جَمِيلَةُ بِنْتُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، وُلِدَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ،  وَاسْمُهُ حُذَيْفَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، يُكَنَّى أَبَا الْخَطَّابِ: وَكَانَ أَبُو رَبِيعَةَ يُسَمَّى ذَا الرُّمْحَيْنِ، سُمِّي بِذَلِكَ لِطُولِهِ، كَأَنَّهُ يَمْشِي عَلَى رُمْحَيْنِ. وَقِيلَ: بَلْ قَاتَلَ فِي عُكَاظٍ بِرُمْحَيْنِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ. وُلِدَ عُمَرُ لَيْلَةَ قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ وَأُمُّ إِخْوَتِهِ نَصْرَانِيَّةٌ. وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ عَمُّ أَبِيهِ، وَأُمُّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حَثْمَةُ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِنْتُ عَمِّ أَبِيهِ، وَإِخْوَتُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَالْحَارِثُ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. وَكَانَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بَعْدَ طَلْحَةَ، وَوَلَدَتْ لَهُ، وَأَعْقَبَ الْحَارِثُ وَلَا عَقِبَ لِعُمَرَ. وَكَانَ عُمَرُ شَاعِرًا مَجِيدًا. رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تُقِرُّ لِقُرَيْشٍ بِالتَّقَدُّمِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهَا إِلَّا فِي الشِّعْرِ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ أَقَرَّتْ لَهُ الشُّعَرَاءُ بِالشِّعْرِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَا دَخَلَ عَلَى الْعَوَاتِقِ فِي حِجَالِهِنَّ [شَيْءٌ] أَضَرَّ عَلَيْهِنَّ مِنْ شِعْرِ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: لَا تُرْوُوا فَتَيَاتِكُمْ شِعْرَ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ لَا يَتَوَرَّطْنَ فِي الزِّنَا تَوَرُّطًا. وَكَانَ كَثِيرَ التَّشْبِيبِ بِالنِّسَاءِ، قَلَّمَا يَرَى امْرَأَةً إِلَّا وَيَتَشَبَّبُ بِهَا تَشْبِيبَ عَاشِقٍ. وَكَانَ يُحِبُّ زِيَارَتَهُنَّ، وَيُكْثِرُ مُجَالَسَتَهُنَّ، فَمِمَّنْ شَبَّبَ بِهِنَّ سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: قَالَتْ سُكَيْنَةُ وَالدُّمُوعُ ذَوَارِفُ مِنْهَا عَلَى الْخَدَّيْنِ وَالْجِلْبَابِ     لَيْتَ الْمُغِيرِيُّ الَّذِي لَمْ أُجِزْهُ فِيمَا أَطَالَ تَصَيُّدِي وَطِلَابِي     كَانَتْ تَرُدُّ لَنَا الْمُنَى أَيَّامَهُ أَوَّلًا تَلُومُ عَلَى هَوًى وَتَصَابِي     أَسُكَيْنُ مَا مَاءُ الْفُرَاتِ وَطِيبِهِ مِنِّي عَلَى ظَمَأٍ وَحُبِّ شَرَابِ     بِأَلَذَّ مِنْكِ وَقَدْ نَأَيْتِ وَقَلَّمَا تَرْعَى النِّسَاءُ أَمَانَةَ الْغُيَّابِ وَشَبَّبَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: افْعَلِي بِالْأَسِيرِ إِحْدَى ثَلَاثٍ     وَافْهَمِيهِنَّ ثُمَّ رُدِّي جَوَابِي اقْتُلِيهِ قَتْلًا سَرِيحًا مُرِيحًا     لَا تَكُونِي عَلَيْهِ سَوْطَ عَذَابِي أَوِ اقْتَدِي فَإِنَّمَا النَّفْسُ بِالنَّفْسِ     قَضَاءً مُفَصَّلًا فِي الْكِتَابِ أَوْصِلِيهِ وَصْلًا تَقَرُّ بِهِ الْعَيْنُ     وَشَرُّ الْوِصَالِ وَصْلُ الْكِذَابِ فَأَعْطَتِ الَّذِي جَاءَهَا بِالْأَبْيَاتِ لِكُلِّ بَيْتٍ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ. وَحَجَّ عَبْدُ الْمَلِكِ فَلَقِيَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا فَاسِقُ، فَقَالَ: بِئْسَ تَحِيَّةُ ابْنِ الْعَمِّ عَلَى طُولِ السُّخْطِ، قَالَ: يَا فَاسِقُ، أَمَا إِنَّ قُرَيْشًا لَتَعْلَمُ أَنَّكَ أَطْوَلُهَا صَبْوَةً وَأَبْطَؤُهَا تَوْبَةً، أَلَسْتَ الْقَائِلَ. وَلَوْلَا أَنْ تُعَنِّفَنِي قُرَيْشٌ     فَقَالَ النَّاصِحُ الْأَوْفَى الشَّقِيقُ لَقُلْتُ إِذَا الْتَقَيْنَا قَبِّلِينِي     وَلَوْ كُنَّا عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقَ وَكَانَ أَخُوهُ الْحَارِثُ خَيِّرًا عَفِيفًا، فَعَاتَبَهُ يَوْمًا. قَالَ عُمَرُ: وَكُنْتُ عَلَى مِيعَادٍ مِنَ الثُّرَيَّا، فَرُحْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ مَعَ الْمَغْرِبِ وَجَاءَتِ الثَّرِيَّا لِلْمِيعَادِ فَتَجِدُ الْحَارِثَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ وَهِيَ لَا تَشُكُّ أَنَّهُ أَنَا، فَوَثَبَ وَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ قِيلَ لَهُ: الثُّرَيَّا، قَالَ: مَا أَرَى عُمَرُ يَنْتَفِعُ بِوَعْظِنَا، فَلَمَّا جِئْتُ لِلْمِيعَادِ، قَالَ: وَيْحَكَ كِدْنَا نُفْتَنُ بَعْدَكَ، لَا وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ إِلَّا وَصَاحِبَتُكَ وَاقِعَةٌ عَلَيَّ، قُلْتُ: لَا تُمْسِكُ [النَّارَ] أَبَدًا، قَالَ: عَلَيْكَ لَعْنَةُ اللَّهِ وَعَلَيْهَا. فَلَمَّا تَزَوَّجَ سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الثُّرَيَّا، قَالَ عُمَرُ: أَيُّهَا الْمُنْكِحُ الثُّرَيَّا سُهَيْلًا     عَمْرَكَ اللَّهُ كَيْفَ يَلْتَقِيَانِ هِيَ شَامِيَّةٌ إِذَا مَا اسْتَقَلَّتْ     وَسُهَيْلٌ إِذَا اسْتَقَلَّ يَمَانِ وعَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ، قَالَ: لَمَّا بَصُرَتِ الثُّرِيَّا بِعُمَرَ بْنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ يَطُوفُ حَوْلَ الْبَيْتِ فَتَنَكَّرَتْ وَفِي كَفِّهَا خَلُوقٌ، فَرَجَمَتْهُ فَأَثَّرَ الْخَلُوقُ فِي ثَوْبِهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا أَبَا الْخَطَّابِ، مَا هَذَا بِزِيِّ مُحْرِمٍ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَدْخَلَ اللَّهُ رَبَّ مُوسَى وَعِيسَى     جَنَّةَ الْخُلْدِ مَنْ مَلَانِي خَلُوقَا مَسَحَتْ كَفَّهَا بِجَيْبِ قَمِيصِي     حِينَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ مَسْحًا رَفِيقَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ تَقُولُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَدْ سَمِعْتَ مِنِّي مَا سَمِعْتَ، فَوَ رَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ مَا حَلَلْتُ إِزَارِي عَلَى حَرَامٍ قَطُّ. وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الضِّحَاكِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَ الْمَوْتِ أَسِفَ عَلَيْهِ أَخُوهُ الْحَارِثُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أَخِي إِنْ كَانَ أَسَفُكَ لِمَا سَمِعْتَ مِنْ قَوْلِي قُلْتُ لَهَا وَقَالَتْ لِي، فَكُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إِنْ كَانَ كَشَفْتُ فَرْجًا حَرَامًا قَطُّ، فَقَالَ الْحَارِثُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ طَيَّبْتَ نَفْسِي، وَكَانَ لَهُ سَبْعُونَ عَبْدًا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا كَبِرَ حَلَفَ أَلَّا يَقُولَ بَيْتَ شِعْرٍ إِلَّا أَعْتَقَ رَقَبَةً. وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الضِّحَاكِ، قَالَ: عَاشَ عُمَرُ بْنُ [أَبِي] رَبِيعَةَ ثَمَانِينَ سَنَةً فَتَكَ مِنْهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَنَسَكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقَدْ رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عُثْمَانَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ لَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا عُمَرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْأَحْوَصُ. فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ: إِنِّي قَدْ عَرَّفْتُ عُمَرَ وَالْأَحْوَصَ بِالْخُبْثِ وَالشَّرِّ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَاشْدُدْهُمَا وَاحْمِلْهُمَا إِلَيَّ - فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ حَمَلَهُمَا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ وَقَالَ: هِيهِ فَلَمْ أَرَ كَالتَّجْمِيزِ مَنْظَرَ نَاظِرٍ كَالرَّمْيِ، فَإِذَا لَمْ يَفْلِتِ النَّاسُ مِنْكَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فَمَتَى يُفْلِتُونَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَهْمَمْتُ بِحَجْبِكَ لَمْ تَنْظُرْ إِلَى شَيْءٍ غَيْرَكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَفْيِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: أُعَاهِدُ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ لَا أَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا الشِّعْرِ، وَلَا أَذْكُرُ النِّسَاءَ فِي شِعْرٍ، وَأُجَدِّدُ تَوْبَةً عَلَى يَدِكَ، قَالَ: أَنْ تَفْعَلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى تَوْبَتِهِ وَخَلَّاهُ. ثُمَّ دَعَا بِالْأَحْوَصِ، فَقَالَ: مَنْ يَقُولُ: هِيَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ قَيِّمِهَا     يَفِرُّ مِنِّي بِهَا وَأَتْبَعُهُ بَلِ اللَّهُ بَيْنَ قَيِّمِهَا وَبَيْنَكَ، ثُمَّ أَمَرَ بِنَفْيِهِ إِلَى دَهْلَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا، فَسُئِلَ فِي رَدِّهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَرُدُّهُ مَا كَانَ لِي سُلْطَانٌ. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ مَوْتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَيَّرَهُ إِلَى دَهْلَكَ ثُمَّ غَزَا فِي الْبَحْرِ فَأُحْرِقَتِ السَّفِينَةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا، فَاحْتَرَقَ هُوَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ مُسْتَحْسَنَةٍ فِي الطَّوَافِ، فَكَلَّمَهَا فَلَمْ تُجِبْهُ، فَقَالَ لَهَا أَبْيَاتًا فَبَلَغَتْهَا، فَقِيلَ لَهَا: اذْكُرِيهَا لِزَوْجِكِ يُنْكِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: كَلَّا، لَا أَشْكُوهَا إِلَّا إِلَى اللَّهِ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ نَوَّهَ بِاسْمِي ظَالِمًا فَاجْعَلْهُ طَعَامًا لِلرِّيحِ. فَضَرَبَ الدَّهْرُ ضَرْبَةً، فَغَدَا يَوْمًا عَلَى فَرَسٍ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ، فَنَزَلَ إِلَى شَجَرَةٍ، فَخَدَشَهُ مِنْهَا غُصْنٌ فَدَمِيَ فَرُمِيَ فِيهِ. فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ. وَأَبُو الْعَالِيَةِ الْبَرَاءُ، وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ فَيْرُوزَ، وَكَانَ مَوْلًى لِأَعْرَابِيَّةٍ مِنْ بَنِي رِيَاحٍ، وَلَيْسَ بِأَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، ذَاكَ كَانَ مَوْتُهُ سَنَةَ تِسْعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ بِلَالُ بْنُ أَبِي الدَّرْدَاءِ الْأَنْصَارِيُّ قَاضِي دِمَشْقَ.

  296. التاريخ 2387لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ أَرْضَ الرُّومِ،  فَقِيلَ: إِنَّهُ فَتَحَ أَنْطَالِيَةَ. وَغَزَا أَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَلَغَ غَزَالَةَ، وَبَلَغَ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ أَرْضَ بُرْجِ الْحَمَامِ، وَبَلَغَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ أَرْضَ سُورِيَّةَ.

  297. التاريخ 2388لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ كَانَتِ الرَّجْفَةُ بِالشَّامِ. وَفِيهَا افْتَتَحَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ سَنْدَرَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ  . وَفِيهَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فُتُوحَاتٍ عَظِيمَةً فِي دَوْلَةِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَلَى يَدَيْ أَوْلَادِهِ وَأَقْرِبَائِهِ وَأُمَرَائِهِ، حَتَّى عَادَ الْجِهَادُ شَبِيهًا بِأَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ. وَفِيهَا افْتَتَحَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ أَرْضَ الْهِنْدِ،  وَغَنِمَ أَمْوَالًا لَا تُعَدُّ وَلَا تُوصَفُ، وَقَدْ وَرَدَ فِي غَزْوِ الْهِنْدِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ. وَفِيهَا كَانَتِ الزَّلَازِلُ بِالشَّامِ، وَدَامَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَخَرَّبَتِ الْبِلَادَ، وَكَانَ عِظَمُ ذَلِكَ فِي أَنْطَاكِيَّةَ. وَفِيهَا: أَخَذَ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ جَمَاعَةً مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَتَلَهُمْ، وَبَعَثَ بِبَعْضِهِمْ فِي جَوَامِعِ إِلَى الْحَجَّاجِ، وَنَادَى: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِمَّنْ آوَى عِرَاقِيًّا.

  298. التاريخ 2389لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ الشَّاشِ وَفَرْغَانَةَ  وفي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ غَزَا قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ الشَّاشَ وَفَرْغَانَةَ حَتَّى بَلَغَ خُجَنْدَةَ  ، وَكَاشَانَ مَدِينَتَيْ فَرْغَانَةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصُّغْدِ، وَفَتْحِ سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ خَاضَ تِلْكَ الْبِلَادَ يَفْتَحُ فِيهَا حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَابُلَ، فَحَاصَرَهَا وَافْتَتَحَهَا، وَقَدْ لَقِيَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي جُمُوعٍ هَائِلَةٍ مِنَ التُّرْكِ فَقَاتَلَهُمْ قُتَيْبَةُ عِنْدَ خُجَنْدَةَ مِرَارًا. كُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ الظَّفَرُ لَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قَالَ سَحْبَانُ وَائِلٍ يَذْكُرُ قِتَالَهُمْ بِخُجَنْدَةَ: فَسَلِ الْفَوَارِسَ فِي خُجَنْ دَةَ تَحْتَ مُرْهَفَةِ الْعَوَالِي     هَلْ كُنْتُ أَجْمَعُهُمْ إِذَا هُزِمُوا وَأُقْدِمُ فِي قِتَالِي     أَمْ كُنْتُ أَضْرِبُ هَامَّةَ الْ عَاتِي وَأَصْبِرُ لِلنِّزَالِ     هَذَا وَأَنْتِ قَرِيعُ قَيْ سٍ كُلِّهَا ضَخْمُ النَّوَالِ     وَفَضَلْتَ قَيْسًا فِي النَّدَى وَأَبُوكَ فِي الْحِجَجِ الْخَوَالِي     تَمَّتْ مُرُوءَتُكُمْ وَنَا غَى عِزُّكُمْ غُلْبَ الْجِبَالِ     وَلَقَدْ تَبَيَّنَ عَدْلُ حُكْ مِكَ فِيهِمُ فِي كُلِّ مَالِ هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذَا مِنْ شِعْرِ سَحْبَانَ وَائِلٍ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَظَمِهِ; أَنَّ سَحْبَانَ مَاتَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  299. التاريخ 2390لا حكم مسجّل

    قَتْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ  قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ قَتَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى نَفَقَاتِ الْجُنْدِ حِينَ بَعَثَهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ إِلَى قِتَالِ رُتْبِيلَ، فَلَمَّا خَلَعَهُ ابْنُ الْأَشْعَثِ خَلَعَهُ مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَلَمَّا ظَفِرَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابِهِ هَرَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهَا أَنْ يَبْعَثَهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذَلِكَ سَعِيدٌ هَرَبَ مِنْهَا، ثُمَّ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَيَحُجُّ، ثُمَّ إِنَّهُ لَجَأَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ وَلِيَهَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَأَشَارَ مَنْ أَشَارَ عَلَى سَعِيدٍ بِالْهَرَبِ مِنْهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنَ اللَّهِ، مِمَّ أَفِرُّ وَلَا مَفَرَّ مِنْ قَدَرِهِ؟! وَتَوَلَّى عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ بَدَلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَجَعَلَ يَبْعَثُ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي الْقُيُودِ، فَتَعَلَّمَ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، فَعَيَّنَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ مَكَّةَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ، وَمُجَاهِدَ بْنَ جَبْرٍ، وَعَمْرَو بْنَ دِينَارٍ، وَطَلْقَ بْنَ حَبِيبٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ يُخْبِرُهُ أَنَّ بِمَكَّةَ أَقْوَامًا مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ، فَبَعَثَ خَالِدٌ بِهَؤُلَاءِ إِلَيْهِ، ثُمَّ عَفَا عَنْ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ; لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَبَعَثَ بِأُولَئِكَ الثَّلَاثَةِ، فَأَمَّا طَلْقٌ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، وَأَمَّا مُجَاهِدٌ فَحُبِسَ حَتَّى مَاتَ الْحَجَّاجُ. وكَانَ سَيْرُهُمْ مَعَ حَرَسَيْنِ، فَانْطَلَقَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَةٍ وَبَقِيَ الْآخَرُ، فَقَالَ لِسَعِيدٍ، وَقَدِ اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ لَيْلًا: يَا سَعِيدُ، إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْ دَمِكَ، إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي، فَقِيلَ لِي: وَيْلَكَ ! تَبَرَّأْ مِنْ دَمِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ! فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ فَإِنِّي لَا أَطْلُبُكَ. فَأَبَى سَعِيدٌ، فَرَأَى ذَلِكَ الْحَرَسُ مِثْلَ تِلْكَ الرُّؤْيَا ثَلَاثًا، وَيَأْذَنُ لِسَعِيدٍ فِي الذَّهَابِ وَهُوَ لَا يَفْعَلُ. فَقَدِمُوا بِهِ الْكُوفَةَ، فَأُنْزِلَ فِي دَارِهِ، وَأَتَاهُ قُرَّاءُ الْكُوفَةِ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُمْ وَهُوَ يَضْحَكُ وَبُنَيَّةٌ لَهُ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَى الْقَيْدِ فِي رِجْلِهِ بَكَتْ، ثُمَّ أَدْخَلُوهُ عَلَى الْحَجَّاجِ بعث سعيد بن جبير على الحجاج فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: يَا سَعِيدُ، أَلَمْ أُشْرِكْكَ فِي أَمَانَتِي؟ أَلَمْ أَسْتَعْمِلْكَ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ، أَلَمْ أَفْعَلْ؟ كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: نَعَمْ. حَتَّى ظَنَّ مَنْ عِنْدَهُ أَنَّهُ سَيُخْلِي سَبِيلَهُ حَتَّى قَالَ لَهُ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ خَرَجْتَ عَلَيَّ، وَخَلَعْتَ بَيْعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ أَخَذَ مِنِّي الْبَيْعَةَ عَلَى ذَلِكَ، وَعَزَمَ عَلَيَّ. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ غَضَبًا شَدِيدًا، وَانْتَفَخَ حَتَّى سَقَطَ أَحَدُ طَرَفَيْ رِدَائِهِ عَنْ مَنْكِبِهِ، وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، أَلَمْ أَقْدَمْ مَكَّةَ فَقَتَلْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأَخَذْتُ بَيْعَةَ أَهْلِهَا، وَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: ثُمَّ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ وَالِيًا عَلَى الْعِرَاقِ فَجَدَّدْتُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْبَيْعَةَ، فَأَخَذْتُ بَيْعَتَكَ لَهُ ثَانِيَةً؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَتَنْكُثُ بَيْعَتَيْنِ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَفِي بِوَاحِدَةٍ لِلْحَائِكِ ابْنِ الْحَائِكِ؟ يَا حَرَسِيُّ اضْرِبْ عُنُقَهُ. قَالَ: فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، فَنَدَرَ رَأْسُهُ، عَلَيْهِ لَاطِئَةٌ صَغِيرَةٌ بَيْضَاءُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا أُوقِفَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قُدَّامَ الْحَجَّاجِ، قَالَ: يَا شَقِيُّ بْنَ كُسَيْرٍ، أَمَا قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَجَعَلْتُكَ إِمَامًا؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَمَا وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ، فَضَجَّ أَهْلُ الْكُوفَةِ: إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ إِلَّا عَرَبِيٌّ. فَجَعَلْتُ أَبَا بُرْدَةَ، وَأَمَّرْتُهُ أَنْ لَا يَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: أَمَا أَعْطَيْتُكَ مِائَةَ أَلْفٍ تُفَرِّقُهَا عَلَى أَهْلِ الْحَاجَةِ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَكَ عَلَيَّ؟ قَالَ: بَيْعَةٌ كَانَتْ فِي عُنُقِي لِابْنِ الْأَشْعَثِ. فَغَضِبَ الْحَجَّاجُ، وَقَالَ: أَمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عُنُقِكَ مِنْ قَبْلُ؟ ثُمَّ قَالَ: أَكَفَرْتَ إِذْ خَرَجْتَ عَلَيَّ؟ قَالَ: مَا كَفَرْتُ مُنْذُ آمَنْتُ. فَقَالَ: اخْتَرْ أَيَّ قِتْلَةٍ أَقْتُلُكَ. فَقَالَ: اخْتَرْ أَنْتَ، فَإِنَّ الْقِصَاصَ أَمَامَكَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: يَا حَرَسِيُّ، اضْرِبْ عُنُقَهُ. وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ بِوَاسِطٍ، وَقَبْرُهُ ظَاهِرٌ يُزَارُ. وَلَمَّا قَتَلَهُ خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ كَثِيرٌ حَتَّى رَاعَ الْحَجَّاجَ، فَدَعَا طَبِيبًا، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّكَ قَتَلْتَهُ وَنَفْسُهُ مَعَهُ، وَقَلْبُهُ حَاضِرٌ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي بِكُلِّ رَجُلٍ قَتَلْتُهُ قَتْلَةً، وَقَتَلَنِي بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ قَتْلَةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: سَمِعْتُ خَلَفَ بْنَ خَلِيفَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَنَدَرَ رَأْسُهُ هَلَّلَ ثَلَاثًا مَرَّةً يُفْصِحُ بِهَا، وَفِي الثِّنْتَيْنِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُفْصِحُ بِهَا. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ أَبِي شَيْخٍ يَقُولُ: لَمَّا أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: لُعِنَ ابْنُ النَّصْرَانِيَّةِ يَعْنِي خَالِدًا الْقَسْرِيَّ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ أَمَا كُنْتُ أَعْرِفُ مَكَانَهُ؟! بَلَى وَاللَّهِ، وَالْبَيْتَ الَّذِي هُوَ فِيهِ بِمَكَّةَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا سَعِيدُ، مَا أَخْرَجَكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، أَنَا امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُخْطِئُ مَرَّةً، وَيُصِيبُ أُخْرَى. فَطَابَتْ نَفْسُ الْحَجَّاجِ، وَانْطَلَقَ وَجْهُهُ، وَرَجَا الْحَجَّاجُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ أَمْرِهِ، ثُمَّ عَاوَدَهُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةٌ فِي عُنُقِي. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ قَتْلِهِ. وَذَكَرَ عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ يُرِيدُ الرُّكُوبَ، وَقَدْ وَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ فِي الْغَرْزِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَرْكَبُ حَتَّى تَتَبَوَّأَ مَقْعَدَكَ مِنَ النَّارِ، اضْرِبُوا عُنُقَهُ. فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، قَالَ: وَالْتَبَسَ الْحَجَّاجُ فِي عَقْلِهِ مَكَانَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قُيُودَنَا قُيُودَنَا. فَظَنُّوا أَنَّهُ يُرِيدُ الْقُيُودَ الَّتِي عَلَى سَعِيدٍ، فَقَطَعُوا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَأَخَذُوا الْقُيُودَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ: بسنده عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ: جِيءَ بِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: كَتَبْتَ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ؟ فَقَالَ: بَلْ كَتَبَ إِلَيَّ مُصْعَبٌ. قَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ: إِنِّي إِذًا لَسَعِيدٌ كَمَا سَمَّتْنِي أُمِّي. قَالَ: فَقَتَلَهُ. فَلَمْ يَلْبَثِ الْحَجَّاجُ بَعْدَهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَكَانَ إِذَا نَامَ يَرَاهُ فِي الْمَنَامِ يَأْخُذُ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ، وَيَقُولُ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ فِيمَ قَتَلْتَنِي؟ فَيَقُولُ الْحَجَّاجُ: مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ ! قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ هِشَامِ الْأَسَدِيُّ، مَوْلَى بَنِي وَالِبَةَ كُوفِيًّا، أَحَدَ الْأَعْلَامِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَكَانَ أَسْوَدَ اللَّوْنِ، وَكَانَ لَا يَكْتُبُ عَلَى الْفُتْيَا، فَلَمَّا عَمِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَتَبَ، فَغَضِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ ذَلِكَ. وَذَكَرَ مَقْتَلَهُ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي شَعْبَانَ، وَأَنَّ الْحَجَّاجَ مَاتَ بَعْدَهُ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ: بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَذُكِرَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: قُتِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ مُحْتَاجٌ أَوْ قَالَ: مُفْتَقِرٌ إِلَى عِلْمِهِ. وَيُقَالُ إِنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يُسَلَّطْ بَعْدَهُ عَلَى أَحَدٍ.. سنة الفقهاء قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَانَ يُقَالُ لِهَذِهِ السَّنَةِ: سَنَةُ الْفُقَهَاءِ; لِأَنَّهُ مَاتَ فِيهَا عَامَّةُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ; مَاتَ فِي أَوَّلِهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ، ثُمَّ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. ترجمة سعيد بن جبير رحمه الله سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ الْأَسَدِيُّ الْوَالِبِيُّ   مَوْلَاهُمْ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَيُقَالُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْكُوفِيُّ الْمَكِّيُّ، مِنْ أَكَابِرِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ فِي التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَأَنْوَاعِ الْعُلُومِ، وَكَثْرَةِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَدْ رَأَى خَلْقًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، وَعَنْهُ خَلْقٌ مِنَ التَّابِعِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِيمَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ خَتْمَةً تَامَّةً، وَكَانَ يَقْعُدُ فِي الْكَعْبَةِ الْقَعْدَةَ فَيَقْرَأُ فِيهَا الْخَتْمَةَ، وَرُبَّمَا قَرَأَهَا فِي رَكْعَةٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدْ أَتَاهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ يَسْأَلُونَهُ: أَلَيْسَ فِيكُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْرِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، حِينَ قُتِلَ، فَقِيلَ: كَانَ عُمْرُهُ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: سَبْعًا وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ: كَانَ مَقْتَلُهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مَقْتَلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  300. التاريخ 2391لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَاسْتَقْضَى الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الشَّامِ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَقَامَ الْحَجَّ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْوَلِيدِ، وَيُقَالُ: مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ عَلَى نِيَابَةِ مَكَّةَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَلَى الْمَشْرِقِ بِكَمَالِهِ الْحَجَّاجُ، وَعَلَى خُرَاسَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ زِيَادُ بْنُ جَرِيرٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  301. التاريخ 2392لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة أربع وتسعين مِنَ الْأَكَابِرِ  سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ  بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، سَيِّدُ التَّابِعِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا - وَقِيلَ: بَقِيَتَا - مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَقِيلَ: لِأَرْبَعٍ مَضَيْنَ مِنْهَا. وَقَوْلُ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ أَدْرَكَ الْعَشَرَةَ. وَهْمٌ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَكِنْ أَرْسَلَ عَنْهُمْ كَمَا أَرْسَلَ كَثِيرًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَوَى عَنْ عُمَرَ كَثِيرًا، فَقِيلَ: سَمِعَ مِنْهُ. وَقِيلَ: لَمْ يَسْمَعْ. وَعَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَعْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ زَوْجَ ابْنَتِهِ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَحَدَّثَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَلْقٍ مِمَّنْ سِوَاهُمْ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: كَانَ سَعِيدٌ أَحَدَ الْمُفْتِينَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: جَالَسْتُهُ سَبْعَ حِجَجٍ، وَأَنَا لَا أَظُنُّ عِنْدَ أَحَدٍ عِلْمًا غَيْرَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: طُفْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَمَا لَقِيتُ أَعْلَمَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سُئِلَ الزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ: مَنْ أَفْقَهُ مَنْ لَقِيتُمَا؟ قَالَا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْهُ. وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا أَشْهَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ. وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ يُقَالُ لَهُ: فَقِيهُ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: كُنْتُ أَرْحَلُ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. قَالَ مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُرْسِلُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ يَسْأَلُهُ عَنْ قَضَايَا عُمَرَ وَأَحْكَامِهِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: إِرْسَالُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عِنْدَنَا حَسَنٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هِيَ صِحَاحٌ. قَالَ: وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لَا أَعْلَمُ فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ. وَإِذَا قَالَ سَعِيدٌ: مَضَتِ السُّنَّةُ. فَحَسْبُكَ بِهِ، وَهُوَ عِنْدِي أَجْلُّ التَّابِعِينَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: كَانَ سَعِيدُ رَجُلًا صَالِحًا فَقِيهًا، كَانَ لَا يَأْخُذُ الْعَطَاءَ، وَكَانَتْ لَهُ بِضَاعَةٌ، أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ يَتَّجِرُ فِي الزَّيْتِ، وَكَانَ أَعْوَرَ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: مَدَّنِيٌّ ثِقَةٌ إِمَامٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ فِي التَّابِعِينَ أَنْبَلُ مِنْهُ، وَهُوَ أَثْبَتُهُمْ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ. وَابْتُلِيَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِالضَّرْبِ. وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَلَّى جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ الزُّهْرِيَّ الْمَدِينَةَ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَضَرَبَهُ سِتِّينَ سَوْطًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَلُومُهُ وَيَقُولُ: مَا لَنَا وَلِسَعِيدٍ، دَعْهُ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ قَدْ خَطَبَ بِنْتَ سَعِيدٍ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ، فَأَبَى، فَاحْتَالَ عَلَى سَعِيدٍ حَتَّى ضَرَبَهُ مِائَةَ سَوْطٍ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ، وَصَبَّ عَلَيْهِ جَرَّةَ مَاءٍ وَأَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوفٍ. وعن ضِمَامٌ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: لَمَّا كَانَتْ بَيْعَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ بَيْعَةِ الْوَلِيدِ كَرِهَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنْ يُبَايِعَ بَيْعَتَيْنِ، فَكَتَبَ صَاحِبُ الْمَدِينَةِ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ كَرِهَ أَنْ يُبَايِعَ لَهُمَا جَمِيعًا، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى صَاحِبِ الْمَدِينَةِ. وَمَا كَانَ حَاجَتُكَ إِلَى رَفْعِ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، مَا كُنَّا نَخَافُ مِنْهُ، فَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ وَانْتَشَرَ فِي النَّاسِ فَادْعُهُ إِلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مَنْ دَخَلَ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ، فَإِنْ أَبَى فَاجْلِدْهُ مِائَةَ سَوْطٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَأَلْبِسْهُ ثِيَابًا مَنْ شَعَرٍ، وَقِفْهُ عَلَى النَّاسِ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يَجْتَرِئَ عَلَيْنَا غَيْرُهُ. فَلَمَّا عَلِمَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ مِنْ قُرَيْشٍ سَأَلُوا الْوَالِيَ أَنْ لَا يَعْجَلَ عَلَيْهِ حَتَّى يُخَوِّفَهُ بِالْقَتْلِ فَعَسَى أَنْ يُجِيبَ، فَأَرْسَلُوا مَوْلًى لَهُ كَانَ فِي الْحَرَسِ، قَالُوا: اذْهَبْ فَأَخِفْهُ بِالْقَتْلِ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ مَقْتُولٌ لَعَلَّ ذَلِكَ يُخِيفُهُ حَتَّى يَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ. فَجَاءَهُ مَوْلَاهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَبَكَى الْمَوْلَى، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي مَا يُرَادُ بِكَ، قَدْ جَاءَ كِتَابٌ فِيكَ إِنْ لَمْ تُبَايِعْ قُتِلْتَ، فَجِئْتُ لِتَطْهُرَ وَتَلْبِسَ ثِيَابًا طَاهِرَةً، وَتَفْرَغَ مِنْ عَهْدِكَ، قَالَ: وَيْحَكَ قَدْ وَجَدْتَنِي أُصَلِّي، فَتَرَانِي كُنْتُ أُصَلِّي وَلَسْتُ بِطَاهِرٍ، وَثِيَابِي غَيْرُ طَاهِرَةٍ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْعَهْدِ فَإِنِّي أَضَلُّ مِمَّنْ أَرْسَلَكَ إِنْ كُنْتُ بِتُّ لَيْلَةً وَلَمْ أَفْرَغْ مِنْ عَهْدِي. فَانْطَلَقَ، فَلَمَّا أَتَى الْوَالِي دَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يُجِيبَ، فَأَمَرَهُ بِالتَّجْرِيدِ وَلَبِسَ ثِيَابًا مِنْ شَعَرٍ، ثُمَّ جَلَدَهُ مِائَةَ سَوْطٍ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، وَوَقَفَ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلَّا هَذَا مَا نَزَعْتُ ثِيَابِي طَائِعًا، وَلَا أَجَبْتُ إِلَى ذَلِكَ. قَالَ ضِمَامٌ: فَبَلَغَنِي أَنَّ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ كَانَ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ تَحَوَّلَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِوَجْهِهِ مَا دَامَ يَذْكُرُ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- حَتَّى إِذَا رَفَعَ يَذْكُرُ عَبْدَ الْمَلِكِ وَيَمْدَحُهُ وَيَقُولُ فِيهِ مَا يَقُولُ أَعْرَضَ عَنْهُ سَعِيدٌ بِوَجْهِهِ، فَلَمَّا فَطِنَ لَهُ هِشَامٌ أَمَرَ حَرَسِيًّا أَنْ يُخَصِّبَ وَجْهَهُ إِذَا تَحَوَّلَ عَنْهُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ سَعِيدٌ لِهِشَامٍ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ: هِيَ ثَلَاثٌ نِحَلٍ. فَمَا مَرَّ بِهِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ أَشْهُرٍ حَتَّى عُزِلَ هِشَامٌ. وعن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَا يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَى هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ إِذَا خَطَبَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَأَمَرَ بِهِ هِشَامٌ بَعْضَ أَعْوَانِهِ يَعْطِفُهُ عَلَيْهِ إِذَا خَطَبَ فَأَهْوَى الْعَوْنُ يَعْطِفُهُ فَأَبَى عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ حَتَّى عَطَفَهُ، فَصَاحَ سَعِيدٌ، يَا هِشَامٌ إِنَّمَا [هِيَ] أَرْبَعٌ بَعْدَ أَرْبَعٍ. فَلَمَّا انْصَرَفَ هِشَامٌ قَالَ: وَيَحْكُمُ جُنَّ سَعِيدٌ، فَسُئِلَ سَعِيدٌ: أَيُّ شَيْءٍ أَرْبَعٌ بَعْدَ أَرْبَعٍ، سَمِعْتَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، فَقِيلَ: مَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ؟ قَالَ: إِنَّ جَارِيَتِي لَمَّا أَرَدْتُ الْمَسْجِدَ، قَالَتْ لِي: إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا فَلَا تَخْرُجُ حَتَّى أَقُصَّهَا عَلَيْكَ وَتَعْبُرُهَا لِي، رَأَيْتُ كَأَنَّ مُوسَى غَطَّسَ عَبْدَ الْمَلِكِ فِي الْبَحْرِ ثَلَاثَ غَطَسَاتٍ، فَمَاتَ فِي الثَّالِثَةِ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ مَاتَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى بُعِثَ عَلَى الْجَبَّارِينَ بِقَتْلِهِمْ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ جَبَّارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ: فَلِمَ قُلْتَ أَرْبَعٌ بَعْدَ أَرْبَعٍ؟ قَالَ: مَسَافَةُ مَسِيرِ الرَّسُولِ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِالْخَبَرِ. فَمَكَثُوا ثَمَانِيَ لَيَالٍ ثُمَّ جَاءَ رَسُولٌ بِمَوْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ. تزويج بنت سعيد بن المسيب تَزْوِيجُ بِنْتُ سَعِيدٍ   عَنِ ابْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُجَالِسُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَفَقَدَنِي أَيَّامًا، فَلَمَّا جِئْتُهُ، قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قُلْتُ: تُوُفِّيَتْ أَهْلِي فَاشْتَغَلْتُ بِهَا، قَالَ: أَلَا أَخْبَرَتْنَا فَشَهِدْنَاهَا. قَالَ: ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَقَالَ: هَلِ اسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً؟ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَمَنْ يُزَوِّجُنِي وَمَا أَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَقَالَ: أَنَا، فَقُلْتُ: أَوَ تَفْعَلُ؟ نَعَمْ، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَزَوَّجَنِي عَلَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ. قَالَ: فَقُمْتُ وَمَا أَدْرِي [مَا أَصْنَعُ] مِنَ الْفَرَحِ، فَصِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ مِمَّنْ آخُذُ؟ وَمِمَّنْ أَسْتَدِينُ؟ فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ، وَكُنْتُ وَحْدِي، وَقَدَّمْتُ عَشَائِي أَفْطُرُ خُبْزًا وَزَيْتًا، فَإِذَا الْبَابُ يُقْرَعُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سَعِيدٌ، قَالَ: فَأَفْكَرَتْ فِي كُلِّ إِنْسَانٍ اسْمُهُ سَعِيدٌ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا بَيْنَ بَيْتِهِ وَالْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ فَخَرَجْتُ، فَإِذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَآتِيكَ، قَالَ: لَا، أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُؤْتَى، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُ؟ قَالَ: إِنَّكَ كُنْتَ رَجُلًا عَزَبَا تَزَوَّجْتَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَكَ اللَّيْلَةَ وَحْدَكَ، وَهَذِهِ امْرَأَتُكَ [قَالَ:] فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ مِنْ خَلْفِهِ فِي طُولِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَدَفَعَهَا فِي الْبَابِ وَرَدَّ الْبَابِ، فَسُقِطَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيَاءِ، فَاسْتَوْثَقْتُ مِنَ الْبَابِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُهَا إِلَى الْقَصْعَةِ الَّتِي فِيهَا الزَّيْتُ وَالْخُبْزُ، فَوَضَعْتُهَا فِي ظِلِّ السِّرَاجِ لِكَيْلَا تَرَاهُ، ثُمَّ صَعِدْتُ إِلَى السَّطْحِ فَرَمَيْتُ الْجِيرَانَ فَجَاءُونِي، فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: وَيْحَكُمْ، زَوَّجَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بَنَتْهُ الْيَوْمَ وَقَدْ جَاءَ بِهَا عَلَى غَفْلَةٍ، فَقَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ زَوَّجَكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. وَهُوَ ذَا هِيَ فِي الدَّارِ. قَالَ: وَنَزَلُوا هُمْ إِلَيْهَا، وَبَلَغَ أُمِّي فَجَاءَتْ وَقَالَتْ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ مَسَسْتَهَا قَبْلَ أَنْ أُصْلِحَهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. قَالَ: فَأَقَمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلْتُ بِهَا، فَإِذَا هِيَ مِنْ أَجْمَلِ النَّاسِ، وَإِذَا هِيَ أَحْفَظُ النَّاسِ لِكِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- وَأَعْلَمُهُمْ بِسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَقِّ زَوْجٍ. قَالَ: فَمَكَثْتُ شَهْرًا لَا يَأْتِينِي سَعِيدٌ وَلَا آتِيهِ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الشَّهْرِ أَتَيْتُ سَعِيدًا وَهُوَ فِي حَلْقَتِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَلَمْ يُكَلِّمْنِي حَتَّى تَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَجْلِسِ، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرِي، قَالَ: مَا حَالُ ذَلِكَ الْإِنْسَانِ؟ قُلْتُ: خَيْرًا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ عَلَى مَا يُحِبُّ الصَّدِيقُ وَيَكْرَهُ الْعَدُوُّ، فَقَالَ: إِنْ رَابَكَ شَيْءٌ فَالْعَصَا. فَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي، فَوَجَّهَ إِلَيَّ بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وقَالَ عَبْدُ اللَّهُ: وَابْنُ أَبِي وَدَاعَةَ هُوَ كَثِيرُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ. قَالَ ابن الجوزي: وَكَانَ لِكَثِيرٍ هَذَا وَلَدٌ يُقَالُ لَهُ كَثِيرٌ أَيْضًا. رَوَى الْحَدِيثَ، وَكَانَ شَاعِرًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَقِبٌ. فَأَمَّا أَبُو وَدَاعَةَ فَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ صُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ. كَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَأُسِرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّ لَهُ ابْنًا كَيِّسًا بِمَكَّةَ. فَخَرَجَ الْمُطَّلِبُ فَفَدَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَهُوَ أَوَّلُ أَسِيرٍ فُدِيَ، فَشَخَصَ النَّاسُ بَعْدَهُ فَفَدَوْا أَسْرَاهُمْ، وَكَانَ أَبُوهُ صُبَيْرَةُ قَدْ جَازَ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً بِقَلِيلٍ ثُمَّ مَاتَ. وعَنْ عَامِرِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ النَّاسَ مَكَثُوا زَمَانًا وَمَنْ جَازَ مِنْ قُرَيْشٍ فِي السِّنِّ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَمَّرَ، فَجَازِهَا صُبَيْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ بِيَسِيرٍ، ثُمَّ مَاتَ فَجْأَةً، فَفَزِعَ لِذَلِكَ النَّاسُ، فَنَاحَتْ عَلَيْهِ الْجِنُّ، فَقَالَتْ: مِنْ يَأْمَنُ الْحَدَثَانِ بَعْدَ صُبَيْرَةَ الْقُرَشِيِّ مَاتَا     عَجِلَتْ مَنِيَّتُهُ الْمَشِيبَ فَكَانَ مَنِيَّتُهُ افْتِلَاتَا وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ شَاعِرًا قَالَ: حُجَّاجَ بَيْتِ اللَّهِ إِنَّ     صُبَيْرَةِ الْقُرَشِيِّ مَاتَا سَبَقَتْ مُنْيَتُهُ الْمَشِيبَ     كَأَنَّ مِيتَتَهُ افْتِلَاتَا فَتَزَوَّدُوا لَا تَهْلَكُوا مِنْ     دُونِ أَهْلِكُمُ خِفَاتَا قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ إِنَّ أَبَا وَدَاعَةَ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَبَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ عُمَرَ، وَأَسْلَمَ ابْنُهُ الْمُطَّلِبُ يَوْمَ الْفَتْحِ أَيْضًا. تُوفِي سَعِيدٌ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ سعيد فِي سَنَةِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. رَحِمَهُ اللَّهُ. طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَنَزِيُّ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ الْعَنَزِيُّ   تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَالْأَعْمَشُ وَطَاوُسٌ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي قِرَاءَتِهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَكِنْ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِالْإِرْجَاءِ. وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَكَانَ يَقُولُ: اتَّقُوهَا بِالتَّقْوَى. فَقِيلَ لَهُ: صِفْ لَنَا التَّقْوَى. فَقَالَ: التَّقْوَى الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ، رَجَاءَ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالتَّقْوَى تَرْكُ مَعَاصِي اللَّهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللَّهِ; مَخَافَةَ عَذَابِ اللَّهِ. وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَقُومَ بِهَا الْعِبَادُ، وَإِنَّ نِعَمَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَكِنْ أَصْبِحُوا تَائِبِينَ، وَأَمْسُوا تَائِبِينَ. قَالَ مَالِكٌ: قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ وَجَمَاعَةً مِنَ الْقُرَّاءِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ بَعَثَ مِنْ مَكَّةَ ثَلَاثَةً إِلَى الْحَجَّاجِ، وَهُمْ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَطَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، فَمَاتَ طَلْقٌ فِي الطَّرِيقِ، وَحُبِسَ مُجَاهِدٌ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ سَعِيدٍ مَا كَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عروة بن الزبير عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ،  الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الْعَبَادِلَةِ، وَمُعَاوِيَةَ، وَالْمُغِيرَةِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ، وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَخَلْقٌ مِمَّنْ سِوَاهُمْ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ عُرْوَةُ ثِقَةً، كَثِيرَ الْحَدِيثِ، عَالِمًا مَأْمُونًا ثَبَتًا. وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: مَدَّنِيٌّ، تَابِعِيٌّ، رَجُلٌ صَالِحٌ، لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفِتَنِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ فَقِيهًا، عَالِمًا، حَافِظًا، ثَبَتًا، حُجَّةً، عَالِمًا بِالسِّيَرِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْمَغَازِيَ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الْمَعْدُودِينَ، وَلَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْأَلُونَهُ، وَكَانَ أَرْوَى النَّاسِ لِلشِّعْرِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ: الْعِلْمُ لِوَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ: لِذِي حَسَبٍ يُزَيِّنُهُ بِهِ، أَوْ ذِي دِينٍ يَسُوسُ بِهِ دِينَهُ، أَوْ مُخْتَلِطٍ بِسُلْطَانٍ يُتْحِفُهُ بِعِلْمِهِ. وَقَالَ: وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَشْرَطَ لِهَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ إِلَّا عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَكَانَ عُرْوَةُ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعَ الْقُرْآنِ، وَيَقُومُ بِهِ فِي اللَّيْلِ. وَكَانَ أَيَّامَ الرُّطَبِ يَثْلِمُ حَائِطَهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ، فَيَدْخُلُونَ فَيَأْكُلُونَ وَيَحْمِلُونَ، فَإِذَا ذَهَبَ الرُّطَبُ أَعَادَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ عُرْوَةُ بَحْرًا لَا يُنْزَفُ، وَقَالَ مَرَّةً: كَانَ بَحْرًا لَا تُكَدِّرُهُ الدِّلَاءُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنْ عُرْوَةَ، وَمَا أَعْلَمُهُ يَعْلَمُ شَيْئًا أَجْهَلُهُ. وَقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُنْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْفُقَهَاءِ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِمْ فِي زَمَنِ وِلَايَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى الْوَلِيدِ بِدِمَشْقَ، فَلَمَّا رَجَعَ أَصَابَتْهُ فِي رِجْلِهِ الْأَكِلَةُ، فَأَرَادُوا قَطْعَهَا، فَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يَشْرَبَ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ، حَتَّى لَا يَحِسَّ بِالْأَلَمِ، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ قَطْعِهَا، فَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَشْرَبُ شَيْئًا يُغَيِّبُ عَقْلَهُ حَتَّى لَا يَعْرِفَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَكِنْ هَلُمُّوا فَاقْطَعُوهَا. فَقَطَعُوهَا مِنْ رُكْبَتِهِ وَهُوَ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ. وَرُوِيَ أَنَّهُمْ قَطَعُوهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَشْعُرْ لِشُغْلِهِ بِالصَّلَاةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَوَقَعَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُطِعَتْ فِيهَا رِجْلُهُ وَلَدٌ لَهُ يُسَمَّى مُحَمَّدًا كَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِهِ مِنْ سَطْحٍ فَمَاتَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَزَّوْهُ فِيهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، كَانُوا سَبْعَةً فَأَخَذْتَ وَاحِدًا، وَأَبْقَيْتَ سِتَّةً، وَكُنَّ أَطْرَافًا أَرْبَعًا، فَأَخَذْتَ وَاحِدَةً، وَأَبْقَيْتَ ثَلَاثًا، فَلَئِنْ كُنْتَ قَدْ أَخَذْتَ فَلَقَدْ أَعْطَيْتَ، وَلَئِنْ كُنْتَ قَدِ ابْتَلَيْتَ فَلَقَدْ عَافَيْتَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا رَأَى الْمَقْطُوعَةَ فِي الطَّسْتِ، قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَنِّي مَا مَشَيْتُ بِهَا إِلَى مَعْصِيَةٍ قَطُّ. قِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ فِي حَيَاةِ عُمَرَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ عُمَرَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ مِائَةٍ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: إِحْدَى وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ، أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. علي بن الحسين بن أبي طالب عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،  الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ، الْمَشْهُورُ بِزَيْنِ الْعَابِدِينَ وَأُمُّهُ أَمُّ وَلَدٍ اسْمُهَا سَلَّامَةُ، وَكَانَ لَهُ أَخٌ أَكْبَرُ مِنْهُ يُقَالُ لَهُ: عَلِيٌّ أَيْضًا، قُتِلَ مَعَ أَبِيهِ، رَوَى عَلِيٌّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، وَعَمِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَجَابِرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَصَفِيَّةَ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ بَنُوهُ: زَيْدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُمَرُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَطَاوُسٌ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ، وَخَلْقٌ. قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَتْ أُمُّهُ سَلَّامَةَ بِنْتَ يَزْدَجِرْدَ آخِرِ مُلُوكِ الْفُرْسِ. وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي " رَبِيعِ الْأَبْرَارِ ": أَنَّ يَزْدَجِرْدَ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ سُبِينَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَحَصَلَتْ وَاحِدَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَوْلَدَهَا سَالِمًا، وَالْأُخْرَى لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَأَوْلَدَهَا الْقَاسِمَ، وَالْأُخْرَى لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَأَوْلَدَهَا عَلِيًّا زَيْنَ الْعَابِدِينَ هَذَا، فَكُلُّهُمْ بَنُو خَالَةٍ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَلَمَّا قَتَلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فَيْرُوزَ بْنَ يَزْدَجِرْدَ بَعَثَ بِابْنَتَيْهِ إِلَى الْحَجَّاجِ فَأَخَذَ إِحْدَاهُمَا، وَبَعَثَ بِالْأُخْرَى إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَوْلَدَهَا الْوَلِيدُ يَزِيدَ النَّاقِصَ. وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ " الْمَعَارِفِ " ; أَنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ هَذَا كَانَتْ أُمُّهُ سِنْدِيَّةً، يُقَالُ لَهَا: سَلَّامَةُ. وَيُقَالُ: غَزَالَةُ. وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ بِكَرْبَلَاءَ، فَاسْتُبْقِيَ لِصِغَرِهِ، وَقِيلَ: لِمَرَضِهِ. فَإِنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ هَمَّ بِقَتْلِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ. وَأَشَارَ بَعْضُ الْفَجَرَةِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِقَتْلِهِ أَيْضًا، فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، ثُمَّ كَانَ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ يُكْرِمُهُ وَيُعَظِّمُهُ، وَيُجْلِسُهُ مَعَهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ مُكَرَّمِينَ، وَكَانَ عَلِيٌّ بِالْمَدِينَةِ مُحْتَرَمًا مُعَظَّمًا. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَمَسْجِدُهُ بِدِمَشْقَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ. قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مَشْهَدُ عَلِيٍّ شَرْقِيَّ جَامِعِ دِمَشْقَ، وَقَدِ اسْتَقْدَمَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى دِمَشْقَ فَاسْتَشَارَهُ فِي جَوَابِ مَلِكِ الرُّومِ عَنْ بَعْضِ مَا كَتَبَ إِلَيْهِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ السَّكَّةِ وَطِرَازِ الْقَرَاطِيسِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا رَأَيْتُ قُرَشِيًّا أَفْضَلَ مِنْهُ، وَكَانَ مَعَ أَبِيهِ يَوْمَ قُتِلَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: لَا تَعَرَّضُوا لِهَذَا الْمَرِيضِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَأَعْبَدِهِمْ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ إِذَا مَشَى لَا يَخْطُرُ بِيَدِهِ، وَكَانَ يَعْتَمُّ بِعِمَامَةٍ بَيْضَاءَ يُرْخِيهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَكَانَ كُنْيَتَهُ أَبُو الْحَسَنِ، وَقِيلَ: أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقِيلَ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، كَثِيرَ الْحَدِيثِ، عَالِيًا، رَفِيعًا وَرِعًا. وَأُمُّهُ غَزَالَةُ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ الْحُسَيْنِ مَوْلَاهُ زُبَيْدٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زُبَيْدٍ. وَهُوَ عَلِيٌّ الْأَصْغَرُ، فَأَمَّا عَلِيٌّ الْأَكْبَرُ فَقُتِلَ مَعَ أَبِيهِ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَازِمٍ: لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْبَيْتِ مِثْلُهُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ وَهُوَ أَفْضَلُ هَاشِمِيٍّ أَدْرَكْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَحِبُّونَا حُبَّ الْإِسْلَامِ، فَمَا بَرِحَ بِنَا حُبُّكُمْ حَتَّى صَارَ عَلَيْنَا عَارًا. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى بَغَّضْتُمُونَا إِلَى النَّاسِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمْ يَكُنْ لِلْحُسَيْنِ عَقِبٌ إِلَّا مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ نَسْلٌ إِلَّا مِنَ ابْنَةِ عَمِّهِ الْحَسَنِ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ: لَوِ اتَّخَذْتَ السِّرَارِيَّ حَتَّى يَكْثُرَ أَوْلَادُكُ. فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَا أَتَسَرَّى بِهِ. فَأَقْرَضَهُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَاشْتَرَى لَهُ السِّرَارِيَّ، فَوَلَدْنَ لَهُ، وَكَثُرَ نَسْلُهُ، ثُمَّ لَمَّا مَرِضَ مَرْوَانُ أَوْصَى أَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ مَا كَانَ أَقْرَضَهُ، فَجَمِيعُ الْحُسَيْنِيِّينَ مِنْ نَسْلِهِ. ؓ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ احْتَرَقَ الْبَيْتُ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالُوا لَهُ: مَا لَكَ لَمْ تَنْصَرِفْ؟ فَقَالَ: إِنِّي اشْتَغَلْتُ عَنْ هَذِهِ النَّارِ بِالنَّارِ الْأُخْرَى. وَكَانَ إِذَا تَوَضَّأَ يَصْفَرُّ لَوْنُهُ، فَإِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ ارْتَعَدَ مِنَ الْفَرَقِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَا تَدْرُونَ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ أُرِيدُ أَنْ أَقُومَ وَلِمَنْ أُنَاجِي؟ وَلَمَّا حَجَّ أَرَادَ أَنْ يُلَبِّيَ، فَارْتَعَدَ وَقَالَ: أَخْشَى أَنْ أَقُولَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. فَيَقُولُ لِي: لَا لَبَّيْكَ. فَشَجَّعُوهُ، وَقَالُوا: لَا بُدَّ مِنَ التَّلْبِيَةِ؟ فَلَمَّا لَبَّى غُشِيَ عَلَيْهِ حَتَّى سَقَطَ عَنِ الرَّاحِلَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ. وَقَالَ طَاوُسٌ: سَمِعْتُهُ وَهُوَ سَاجِدٌ عِنْدَ الْحِجْرِ يَقُولُ: عُبَيْدُكَ بِفِنَائِكَ، مِسْكِينُكَ بِفِنَائِكَ، سَائِلُكَ بِفِنَائِكَ، فَقِيرُكَ بِفِنَائِكَ. قَالَ طَاوُسٌ: فَوَاللَّهِ مَا دَعَوْتُ بِهَا فِي كَرْبٍ قَطُّ إِلَّا كُشِفَ عَنِّي، وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَقُولُ: صَدَقَةُ اللَّيْلِ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ. وَأَنَّهُ قَاسَمَ اللَّهُ تَعَالَى مَالَهُ مَرَّتَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ نَاسٌ بِالْمَدِينَةِ يَعِيشُونَ، لَا يَدْرُونَ مِنْ أَيْنَ يَعِيشُونَ وَمَنْ يُعْطِيهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَدُوا ذَلِكَ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي اللَّيْلِ بِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ. وَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوا فِي ظَهْرِهِ وَأَكْتَافِهِ أَثَرَ حَمْلِ الْجُرْبِ إِلَى بُيُوتِ الْأَرَامِلِ وَالْمَسَاكِينِ فِي اللَّيْلِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَعُولُ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ، وَلَا يَدْرُونَ بِذَلِكَ حَتَّى مَاتَ. وَدَخَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَعُودُهُ، فَبَكَى ابْنُ أُسَامَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: عَلَيَّ دَيْنٌ. قَالَ: وَكَمْ هُوَ؟ قَالَ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَفِي رِوَايَةٍ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: هِيَ عَلَيَّ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ بِمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ. وَنَالَ مِنْهُ رَجُلٌ يَوْمًا فَجَعَلَ يَتَغَافَلُ عَنْهُ يُرِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِيَّاكَ أَعْنِي. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَعَنْكَ أُغْضِي. وَخَرَجَ يَوْمًا مِنَ الْمَسْجِدِ، فَسَبَّهُ رَجُلٌ، فَابْتَدَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَقَالَ: دَعُوهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا سُتِرَ عَنْكَ مِنْ أَمْرِنَا أَكْثَرُ، أَلَكَ حَاجَةٌ نُعِينُكَ عَلَيْهَا؟ فَاسْتَحْيَا الرَّجُلُ، فَأَلْقَى إِلَيْهِ خَمِيصَةً كَانَتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ. قَالُوا: وَاخْتَصَمَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَحَسَنُ بْنُ حَسَنٍ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُنَافَسَةٌ فَنَالَ مِنْهُ حَسَنُ بْنُ حَسَنٍ، وَهُوَ سَاكِتٌ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عَمِّ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ. ثُمَّ رَجَعَ، فَلَحِقَهُ فَصَالَحَهُ. وَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ خَطَرًا؟ فَقَالَ: مَنْ لَمْ يَرْضَ الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَرَا. وَقَالَ أَيْضًا: الْفِكْرَةُ مِرْآةٌ تُرِي الْمُؤْمِنَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ. وَقَالَ: فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللَّهَ رَهْبَةً، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبِيدِ، وَآخَرُونَ عَبَدُوهُ رَغْبَةً فَتِلْكَ عِبَادَةُ التُّجَّارِ، وَآخَرُونَ عَبَدُوهُ مَحَبَّةً وَشُكْرًا، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْأَحْرَارِ الْأَخْيَارِ. وَقَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، لَا تَصْحَبْ فَاسِقًا; فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِأَكْلَةٍ وَأَقَلَّ مِنْهَا، يَطْمَعُ فِيهَا ثُمَّ لَا يَنَالُهَا، وَلَا بَخِيلًا; فَإِنَّهُ يَخْذُلُكَ فِي مَالِهِ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَلَا كَذَّابًا; فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ مِنْكَ الْبَعِيدَ وَيُبَاعِدُ عَنْكَ الْقَرِيبَ، وَلَا أَحْمَقَ; فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرُّكَ، وَلَا قَاطِعَ رَحِمٍ; فَإِنَّهُ مَلْعُونٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ( مُحَمَّدٍ: 22 ). وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ تَخَطَّى النَّاسَ حَتَّى يَجْلِسَ فِي حَلْقَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَنْتَ سَيِّدُ النَّاسِ تَأْتِي تَخَطَّى حَتَّى تَجْلِسَ مَعَ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: إِنَّمَا يَجْلِسُ الرَّجُلُ حَيْثُ يَنْتَفِعُ، وَإِنَّ الْعِلْمَ يُبْتَغَى وَيُؤْتَى، وَيُطْلَبُ مِنْ حَيْثُ كَانَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ مَسْعُودِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؟ فَقُلْتُ: مَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَنْفَعُنَا اللَّهُ بِهَا، إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا مَا يَرْمِينَا بِهِ هَؤُلَاءِ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْعِرَاقِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ رَزِينِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَرْحَبًا بِالْحَبِيبِ ابْنِ الْحَبِيبِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الصُّولِيُّ بسنده عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَأَقْعَدَهُ إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: يُولَدُ لِابْنِي هَذَا ابْنٌ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ: لِيَقُمْ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، فَيَقُومُ هُوَ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ أَكْثَرُ مُجَالَسَتِي مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَكَانَ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَحْسَنِهِمْ طَاعَةً، وَأَحَبِّهِمْ إِلَى مَرْوَانَ، وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ يُسَمِّيهِ: زَيْنَ الْعَابِدِينَ. وَقَالَ جُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ: مَا أَكَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بِقَرَابَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دِرْهَمًا قَطُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ الْمُخْتَارُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَكَرِهَ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَخَافَ أَنْ يَرُدَّهَا، فَاحْتَبَسَهَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ الْمُخْتَارُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: إِنَّ الْمُخْتَارَ بَعَثَ إِلَيَّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْبَلَهَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّهَا، فَابْعَثْ مَنْ يَقْبِضُهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَا ابْنَ عَمٍّ، خُذْهَا فَقَدْ طَيَّبْتُهَا لَكَ. فَقَبِلَهَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: سَادَةُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا الْأَسْخِيَاءُ الْأَتْقِيَاءُ، وَفِي الْآخِرَةِ أَهْلُ الدِّينِ وَأَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ ; لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ أَيْضًا: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ أَرَى الْأَخَ مِنْ إِخْوَانِي، فَأَسْأَلَ اللَّهَ لَهُ الْجَنَّةَ، وَأَبْخَلَ عَلَيْهِ بِالدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لِي: لَوْ كَانَتِ الْجَنَّةُ بِيَدِكَ لَكُنْتَ بِهَا أَبْخَلَ وَأَبْخَلَ وَأَبْخَلَ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَكَى حَتَّى ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ عَلَى يُوسُفَ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَاتَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُذْبَحُونَ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ، أَفَتَرَوْنَ حُزْنَهُمْ يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِي أَبَدًا؟! وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سَكَبَتْ جَارِيَةٌ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ مَاءً لِيَتَوَضَّأَ، فَسَقَطَ الْإِبْرِيقُ مِنْ يَدِهَا عَلَى وَجْهِهِ فَشَجَّهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ فَقَالَ: قَدْ كَظَمْتُ غَيْظِي. قَالَتْ: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ. فَقَالَ: قَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْكِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( آلِ عِمْرَانَ: 134 ). قَالَ: فَاذْهَبِي، أَنْتِ حُرَّةٌ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَذَكَرُوا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَنَالُوا مِنْهُمَا، ثُمَّ ابْتَدَءُوا فِي عُثْمَانَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي، أَنْتُمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَإِلَى قَوْلِهِ: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( الْحَشْرِ: 8 ) ؟ قَالُوا: لَا، لَسْنَا مِنْهُمْ. قُلْتُ: فَأَنْتُمْ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ إِلَى قَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( الْحَشْرِ: 9 ). قَالُوا: لَا، لَسْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: أَمَّا أَنْتُمْ فَقَدَ تَبَرَّأْتُمْ وَأَقْرَرْتُمْ وَشَهِدْتُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنْهُمْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ الْفِرْقَةِ الثَّالِثَةِ، الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ( الْحَشْرِ: 10 ) قُومُوا عَنِّي، لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، وَلَا قَرَّبَ دُورَكُمْ، أَنْتُمْ مُسْتَهْزِئُونَ بِالْإِسْلَامِ، وَلَسْتُمْ مِنْ أَهْلِهِ. وَجَاءَ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ: مَتَى يُبْعَثُ عَلِيٌّ؟ فَقَالَ: يُبْعَثُ وَاللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَهُمُّهُ نَفْسُهُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: بسنده عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَصَدَّقُ الْيَوْمَ أَوْ أَهَبُ عِرْضِي الْيَوْمَ مَنِ اسْتَحَلَّهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ غُلَامًا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ سَفُّودٌ، وَهُوَ يَشْوِي شَيْئًا فِي التَّنُّورِ عَلَى رَأْسِ صَبِيٍّ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَتَلَهُ، فَنَهَضَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مُسْرِعًا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ لِلْغُلَامِ: يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَمْ تَتَعَمَّدْ أَنْتَ حُرٌّ. ثُمَّ شَرَعَ فِي جَهَازِ ابْنِهِ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِنَصِيبِي مِنَ الذُّلِّ حُمْرَ النَّعَمِ. وَمَاتَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْلِ إِسْرَافِهِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ ابْنِكَ خِلَالًا ثَلَاثًا: شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَشَفَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَرَحْمَةَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: قَارَفَ الزُّهْرِيُّ ذَنْبًا، فَاسْتَوْحَشَ مِنْهُ، وَهَامَ عَلَى وَجْهِهِ، وَتَرَكَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ لَهُ: يَا زُهْرِيُّ، قُنُوطُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَنْبِكِ. فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ أَصَابَ دَمًا خَطَأً، فَأَمَرَهُ عَلِيٌّ بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَأَنْ يَبْعَثَ الدِّيَةَ إِلَى أَهْلِهِ. وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَعْظَمُ النَّاسِ عَلَيَّ مِنَّةً. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: لَا يَقُولُ رَجُلٌ فِي رَجُلٍ مِنَ الْخَيْرِ مَا لَا يَعْلَمُ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَقُولَ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَا يَعْلَمُ، وَمَا اصْطَحَبَ اثْنَانِ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَفْتَرِقَا عَلَى غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَةً مِنْ مَوْلًى لَهُ، وَأَعْتَقَ أَمَةً فَتَزَوَّجَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَلُومُهُ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ وَقَدْ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ فَتَزَوَّجَهَا، وَزَوَّجَ مَوْلَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مِنِ ابْنَةِ عَمَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ. قَالُوا: وَكَانَ يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ خَمِيصَةً مِنْ خَزٍّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَإِذَا جَاءَ الصَّيْفُ تَصَدَّقَ بِهَا، وَيَلْبَسُ فِي الصَّيْفِ الثِّيَابَ الْمُرَقَّعَةَ وَدُونَهَا، وَيَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ( الْأَعْرَافِ: 32 ). وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ ذَكَرَهَا الصُّولِيُّ وَالْجُرَيْرِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَجَّ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ أَوْ أَخِيهِ الْوَلِيدِ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ لَمْ يَتَمَكَّنْ حَتَّى نُصِبَ لَهُ مِنْبَرٌ، فَاسْتَلَمَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَقَامَ أَهْلُ الشَّامِ حَوْلَهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْحَجَرِ; لِيَسْتَلِمَهُ تَنَحَّى عَنْهُ النَّاسُ إِجْلَالًا لَهُ وَهِيبَةً وَاحْتِرَامًا، وَهُوَ فِي بِزَّةٍ حَسَنَةٍ، وَشَكْلٍ مَلِيحٍ، فَقَالَ أَهْلُ الشَّامِ لِهِشَامٍ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهُ. لِئَلَّا يَرْغَبَ فِيهِ أَهْلُ الشَّامِ. فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ وَكَانَ حَاضِرًا: أَنَا أَعْرِفُهُ. فَقَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ فَأَنْشَأَ الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي تَعْرِفُ الْبَطْحَاءُ وَطْأَتَهُ     وَالْبَيْتُ يَعْرِفُهُ وَالْحِلُّ وَالْحَرَمُ هَذَا ابْنُ خَيْرِ عِبَادِ اللَّهِ كُلِّهِمُ     هَذَا التَّقِيُّ النَّقِيُّ الطَّاهِرُ الْعَلَمُ إِذَا رَأَتْهُ قُرَيْشٌ قَالَ قَائِلُهَا     إِلَى مَكَارِمِ هَذَا يَنْتَهِي الْكَرَمُ يُنْمَى إِلَى ذُرْوَةِ الْعِزِّ الَّتِي قَصُرَتْ     عَنْ نَيْلِهَا عَرَبُ الْإِسْلَامِ وَالْعَجَمُ يَكَادُ يُمْسِكُهُ عِرْفَانَ رَاحَتِهِ     رُكْنُ الْحَطِيمِ إِذَا مَا جَاءَ يَسْتَلِمُ يُغْضِي حَيَاءً وَيُغْضَى مِنْ مَهَابَتِهِ     فَمَا يُكَلَّمُ إِلَّا حِينَ يَبْتَسِمُ بِكَفِّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهَا عَبِقٌ     مِنْ كَفِّ أَرْوَعَ فِي عِرْنِينِهِ شَمَمُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ نَبْعَتُهُ     طَابَتْ عَنَاصِرُهَا وَالْخِيمُ وَالشِّيَمُ يَنْجَابُ نُورُ الْهُدَى مِنْ نُورِ غُرَّتِهِ     كَالشَّمْسِ يَنْجَابُ عَنْ إِشْرَاقِهَا الْقَتَمُ حَمَّالُ أَثْقَالِ أَقْوَامٍ إِذَا فُدِحُوَا     حُلْوُ الشَّمَائِلِ تَحْلُو عِنْدَهُ نَعَمُ هَذَا ابْنُ فَاطِمَةٍ إِنْ كُنْتَ جَاهِلَهُ     بِجَدِّهِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ قَدْ خُتِمُوا اللَّهُ فَضَّلَهُ قِدْمًا وَشَرَّفَهُ     جَرَى بِذَاكَ لَهُ فِي لَوْحِهِ الْقَلَمُ مَنْ جَدُّهُ دَانَ فَضْلُ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ     وَفَضْلُ أُمَّتِهِ دَانَتْ لَهَا الْأُمَمُ عَمَّ الْبَرِّيَّةَ بِالْإِحْسَانِ فَانْقَشَعَتْ     عَنْهَا الْغَيَابَةُ وَالْإِمْلَاقُ وَالظُّلَمُ كِلْتَا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفْعُهُمَا     يَسْتَوْكِفَانِ وَلَا يَعْرُوهُمَا الْعَدَمُ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَا تُخْشَى بَوَادِرُهُ     يَزِينُهُ اثْنَانِ حُسْنُ الْخُلْقِ وَالْكَرَمُ لَا يُخْلِفُ الْوَعْدَ مَيْمُونٌ نَقِيبَتُهُ     رَحْبُ الْفِنَاءِ أَرِيبٌ حِينَ يَعْتَزِمُ مِنْ مَعْشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ وَبُغْضُهُمُ     كَفْرٌ وَقُرْبُهُمْ مَنْجَى وَمُعْتَصَمُ يُسْتَدْفَعُ السُّوءُ وَالْبَلْوَى بِحُبِّهِمُ     وَيُسْتَرَبُّ بِهِ الْإِحْسَانُ وَالنِّعَمُ مُقَدَّمٌ بَعْدَ ذِكْرِ اللَّهِ ذِكْرُهُمُ     فِي كُلِّ حُكْمٍ وَمَخْتُومٌ بِهِ الْكَلِمُ إِنْ عُدَّ أَهْلُ التُّقَى كَانُوا أَئِمَّتَهُمْ     أَوْ قِيلَ مَنْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ قِيلَ هُمُ لَا يَسْتَطِيعُ جَوَادٌ بُعْدَ غَايَتِهِمْ     وَلَا يُدَانِيهِمُ قَوْمٌ وَإِنْ كَرُمُوا هُمُ الْغُيُوثُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ     وَالْأُسْدُ أُسْدُ الشَّرَى وَالْبَأْسُ مُحْتَدِمُ يَأْبَى لَهُمْ أَنْ يَحِلَّ الذَّمُّ سَاحَتَهُمْ     خِيمٌ كَرِيمٌ وَأَيْدٍ بِالنَّدَى هُضُمُ لَا يَنْقُصُ الْعُسْرُ بَسْطًا مِنْ أَكُفِّهِمُ     سِيَّانَ ذَلِكَ إِنْ أَثْرَوْا وَإِنْ عَدِمُوا أَيُّ الْخَلَائِقِ لَيْسَتْ فِي رِقَابِهِمُ     لِأَوَّلِيَّةِ هَذَا أَوْ لَهُ نِعَمُ فَلَيْسَ قَوْلُكَ " مَنْ هَذَا؟ " بِضَائِرِهِ     الْعُرْبُ تَعْرِفُ مَنْ أَنْكَرْتَ وَالْعَجَمُ مَنْ يَعْرِفِ اللَّهَ يَعْرِفْ أَوَّلِيَّةَ ذَا     فَالدِّينُ مِنْ بَيْتِ هَذَا نَالَهُ الْأُمَمُ قَالَ: فَغَضِبَ هِشَامٌ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِحَبْسِ الْفَرَزْدَقِ بِعُسْفَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ بَعَثَ إِلَى الْفَرَزْدَقِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَرْسَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ أَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ الْيَوْمَ غَيْرُهَا، فَرَدَّهَا الْفَرَزْدَقُ، وَقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ مَا قُلْتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَنُصْرَةً لِلْحَقِّ، وَقِيَامًا بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذُرِّيَّتِهِ، وَلَسْتُ أَعْتَاضُ عَنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صِدْقَ نِيَّتِكَ فِي ذَلِكَ، وَأَقْسَمْتُ لَتَقْبَلَنَّهَا. فَقَبِلَهَا مِنْهُ ثُمَّ جَعَلَ يَهْجُو هِشَامًا، فَكَانَ مِمَّا قَالَ فِيهِ: يُحَبِّسُنِي بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالَّتِي     إِلَيْهَا قُلُوبُ النَّاسِ يَهْوِي مُنِيبُهَا يُقَلِّبُ رَأْسًا لَمْ يَكُنْ رَأْسَ سَيِّدٍ     وَعَيْنَيْنِ حَوْلَاوَيْنِ بَادٍ عُيُوبُهَا وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّتْ بِهِ الْجِنَازَةُ يَقُولُ: نُرَاعُ إِذَا الْجَنَائِزُ قَابَلَتْنَا     وَنَلْهُو حِينَ تَمْضِي ذَاهِبَاتِ كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لِمُغَارِ سَبْعٍ     فَلَمَّا غَابَ عَادَتْ رَاتِعَاتِ وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ سَيِّدَ الْعَابِدِينَ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ، وَيُنَاجِي رَبَّهُ يَقُولُ: يَا نَفْسُ حَتَّامَ إِلَى الدُّنْيَا غُرُورُكِ، وَإِلَى عِمَارَتِهَا رُكُونُكِ، أَمَا اعْتَبَرْتِ بِمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلَافِكِ، وَمَنْ وَارَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ أُلَّافِكِ؟ وَمَنْ فُجِعْتِ بِهِ مِنْ إِخْوَانِكِ، وَنُقِلَ إِلَى الْبِلَى مِنْ أَقْرَانِكِ؟ فَهُمْ فِي بُطُونِ الْأَرْضِ بَعْدَ ظُهُورِهَا     مَحَاسِنُهُمْ فِيهَا بِوَالٍ دَوَاثِرُ خَلَتْ دُورُهُمْ مِنْهُمْ وَأَقْوَتْ عِرَاصُهُمْ     وَسَاقَتْهُمْ نَحْوَ الْمَنَايَا الْمَقَادِرُ وَخُلُّوا عَنِ الدُّنْيَا وَمَا جَمَعُوا لَهَا     وَضَمَّتْهُمُ تَحْتَ التُّرَابِ الْحَفَائِرُ كَمْ تَخَرَّمَتْ أَيْدِي الْمَنُونِ مِنْ قُرُونٍ بَعْدَ قُرُونٍ، وَكَمْ غَيَّرَتِ الْأَرْضُ بِبَلَائِهَا، وَغَيَّبَتْ فِي ثَرَاهَا مِمَّنْ عَاشَرْتَ مِنْ صُنُوفِ النَّاسِ، وَشَيَّعْتَهُمْ إِلَى الْأَرْمَاسِ، وَأَنْتَ عَلَى الدُّنْيَا مُكِبٌّ مُنَافِسٌ     لِخُطَّابِهَا فِيهَا حَرِيصٌ مُكَاثِرُ عَلَى خَطَرٍ تُمْسِي وَتُصْبِحُ لَاهِيًا     أَتَدْرِي بِمَاذَا لَوْ عَقَلْتَ تُخَاطِرُ وَإِنَّ امْرَأً يَسْعَى لِدُنْيَاهُ دَائِبًا     وَيَذْهَلُ عَنْ أُخْرَاهُ لَا شَكَّ خَاسِرُ فَحَتَّامَ عَلَى الدُّنْيَا إِقْبَالُكَ؟ وَبِشَهَوَاتِكَ اشْتِغَالُكَ؟ وَقَدْ وَخَطَكَ الْقَتِيرُ، وَأَتَاكَ النَّذِيرُ، وَأَنْتَ عَمَّا يُرَادُ بِكَ سَاهٍ، وَبِلَذَّةِ يَوْمِكَ لَاهٍ. وَفِي ذِكْرِ هَوْلِ الْمَوْتِ وَالْقَبْرِ وَالْبِلَى     عَنِ اللَّهْوِ وَاللَّذَّاتِ لِلْمَرْءِ زَاجِرُ أَبَعْدَ اقْتِرَابِ الْأَرْبَعِينَ تَرَبُّصٌ     وَشَيْبِ قَذَالٍ مُنْذِرٌ لَكَ كَاسِرُ كَأَنَّكَ مَعْنِيٌّ بِمَا هُوَ صَائِرٌ     لِنَفْسِكَ عَمْدًا أَوْ عَنِ الرُّشْدِ جَائِرُ انْظُرْ إِلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، وَالْمُلُوكِ الْفَانِيَةِ كَيْفَ أَفْنَتْهُمُ الْأَيَّامُ وَوَافَاهُمُ الْحِمَامُ; فَانْمَحَتْ مِنَ الدُّنْيَا آثَارُهُمْ، وَبَقِيَتْ فِيهَا أَخْبَارُهُمْ. وَأَضْحَوْا رَمِيمًا فِي التُّرَابِ وَعُطِّلَتْ     مَجَالِسُ مِنْهُمْ أَقْفَرَتْ وَمَقَاصِرُ وَحَلُّوا بِدَارٍ لَا تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ     وَأَنَّى لِسُكَّانِ الْقُبُورِ تَزَاوُرُ فَمَا إِنْ تَرَى إِلَّا جُثًى قَدْ ثَوَوْا بِهَا     مُسَطَّحَةً تُسْفِي عَلَيْهَا الْأَعَاصِرُ كَمْ مِنْ ذِي مَنَعَةٍ وَسُلْطَانٍ، وَجُنُودٍ وَأَعْوَانٍ، تَمَكَّنَ مِنْ دُنْيَاهُ، وَنَالَ فِيهَا مَا تَمَنَّاهُ، وَبَنَى فِيهَا الْقُصُورَ وَالدَّسَاكِرَ، وَجَمَعَ الْأَعْلَاقَ، وَالذَّخَائِرَ. فَمَا صَرَفَتْ كَفَّ الْمَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْ     مُبَادِرَةً تَهْوِي إِلَيْهِ الذَّخَائِرُ وَلَا دَفَعَتْ عَنْهُ الْحُصُونُ الَّتِي بَنَى     وَحَفَّ بِهَا أَنْهَارُهُ وَالدَّسَاكِرُ وَلَا قَارَعَتْ عَنْهُ الْمَنِيَّةَ حِيلَةٌ     وَلَا طَمِعَتْ فِي الذَّبِّ عَنْهُ الْعَسَاكِرُ أَتَاهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يُرَدُّ، وَنَزَلَ بِهِ مِنْ قَضَائِهِ مَا لَا يُصَدُّ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْقَهَّارُ قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ، وَمُبِيدُ الْمُتَكَبِّرِينَ. مَلِيكٌ عَزِيزٌ لَا يُرَدُّ قَضَاؤُهُ     حَكِيمٌ عَلِيمٌ نَافِذُ الْأَمْرِ قَاهِرُ عَنَا كُلُّ ذِي عِزٍّ لِعِزَّةِ وَجْهِهِ     فَكُلُّ عَزِيزٍ لِلْمُهَيْمِنِ صَاغِرُ لَقَدْ خَضَعَتْ وَاسْتَسْلَمَتْ وَتَضَاءَلَتْ     لِعِزَّةِ ذِي الْعَرْشِ الْمُلُوكُ الْجَبَابِرُ فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ، وَالْحِذَارَ الْحِذَارَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَكَايِدِهَا، وَمَا نَصَبَتْ لَكَ مِنْ مَصَايِدِهَا، وَتَحَلَّتْ لَكَ مِنْ زِينَتِهَا، وَأَظْهَرَتْ لَكَ مِنْ بَهْجَتِهَا. وَفِي دُونِ مَا عَايَنْتَ مِنْ فَجَعَاتِهَا     إِلَى رَفْضِهَا دَاعٍ وَبِالزُّهْدِ آمِرُ فَجِدَّ وَلَا تَغْفُلْ فَعَيْشُكَ زَائِلٌ     وَأَنْتَ إِلَى دَارِ الْإِقَامَةِ صَائِرُ وَلَا تَطْلُبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ طِلَابَهَا     وَإِنْ نِلْتَ مِنْهَا غُبَّةً لَكَ ضَائِرُ فَهَلْ يَحْرِصُ عَلَيْهَا لَبِيبٌ، أَوْ يُسَرُّ بِهَا أَرِيبٌ؟ وَهُوَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ فَنَائِهَا، وَغَيْرُ طَامِعٍ فِي بَقَائِهَا، أَمْ كَيْفَ تَنَامُ عَيْنَا مَنْ يَخْشَى الْبَيَاتَ، وَتَسْكُنُ نَفْسُ مَنْ يَتَوَقَّعُ الْمَمَاتَ. أَلَا لَا وَلَكِنَّا نَغُرُّ نُفُوسَنَا     وَتَشْغَلُنَا اللَّذَّاتُ عَمَّا نُحَاذِرُ وَكَيْفَ يَلَذُّ الْعَيْشَ مَنْ هُوَ مُوقِنٌ     بِمَوْقِفِ عَدْلٍ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ كَأَنَّا نَرَى أَنْ لَا نُشُورَ وَأَنَّنَا     سُدًى مَا لَنَا بَعْدَ الْمَمَاتِ مَصَائِرُ وَمَا عَسَى أَنْ يَنَالَ صَاحِبُ الدُّنْيَا مِنْ لَذَّتِهَا، وَيَتَمَتَّعُ بِهِ مِنْ بَهْجَتِهَا، مَعَ صُنُوفِ عَجَائِبِهَا وَكَثْرَةِ تَعَبِهِ فِي طَلَبِهَا، وَمَا يُكَابِدُ مِنْ أَسْقَامِهَا وَأَوْصَابِهَا وَآلَامِهَا؟ أَمَا قَدْ تَرَى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ     يَرُوحُ عَلَيْنَا صَرْفُهَا وَيُبَاكِرُ ؟ تُعَاوِرُنَا آفَاتُهَا وَهُمُومُهَا     وَكَمْ قَدْ تُرَى يَبْقَى لَهَا الْمُتَعَاوِرُ فَلَا هُوَ مَغْبُوطٌ بِدُنْيَاهُ آمِنٌ     وَلَا هُوَ عَنْ تَطْلَابِهَا النَّفْسَ قَاصِرُ كَمْ قَدْ غَرَّتِ الدُّنْيَا مِنْ مُخْلِدٍ إِلَيْهَا، وَصَرَعَتْ مِنْ مُكِبٍّ عَلَيْهَا، فَلَمْ تُنْعِشْهُ مِنْ عَثْرَتِهِ، وَلَمْ تُقِمْهُ مِنْ صَرْعَتِهِ، وَلَمْ تَشْفِهِ مِنْ أَلَمِهِ، وَلَمْ تُبْرِهِ مِنْ سَقَمِهِ. بَلَى أَوْرَدَتْهُ بَعْدَ عِزٍّ وَمَنْعَةٍ     مَوَارِدَ سُوءٍ مَا لَهُنَّ مَصَادِرُ فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَا نَجَاةَ وَأَنَّهُ     هُوَ الْمَوْتُ لَا يُنْجِيهِ مِنْهُ التَّحَاذُرُ تَنَدَّمَ إِذْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ نَدَامَةٌ     عَلَيْهِ وَأَبْكَتْهُ الذُّنُوبُ الْكَبَائِرُ بَكَى عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَطَايَاهُ، وَتَحَسَّرَ عَلَى مَا خَلَفَ مِنْ دُنْيَاهُ، حِينَ لَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِغْفَارُ، وَلَا يُنْجِيهِ الِاعْتِذَارُ، عِنْدَ هَوْلِ الْمَنِيَّةِ وَنُزُولِ الْبَلِيَّةِ. أَحَاطَتْ بِهِ أَحْزَانُهُ وَهُمُومُهُ     وَأَبْلَسَ لَمَّا أَعْجَزَتْهُ الْمَعَاذِرُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ كُرْبَةِ الْمَوْتِ فَارِجٌ     وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا يُحَاذِرُ نَاصِرُ وَقَدْ جَشَأَتْ خَوْفَ الْمَنِيَّةِ نَفْسُهُ     تُرَدِّدُهَا مِنْهُ اللَّهَا وَالْحَنَاجِرُ هُنَالِكَ خَفَّ عُوَّادُهُ، وَأَسْلَمَهُ أَهْلُهُ وَأَوْلَادُهُ، وَارْتَفَعَتِ الرَّنَّةُ بِالْعَوِيلِ، وَقَدْ أَيِسُوا مِنَ الْعَلِيلِ، فَغَمَّضُوا بِأَيْدِيهِمْ عَيْنَيْهِ، وَمَدَّ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ رِجْلَيْهِ. فَكَمْ مُوجَعٍ يَبْكِي عَلَيْهِ وَمُفْجَعٍ     وَمُسْتَنْجِدٍ صَبْرًا وَمَا هُوَ صَابِرُ وَمُسْتَرْجِعٍ دَاعٍ لَهُ اللَّهَ مُخْلِصًا     يُعَدِّدُ مِنْهُ خَيْرَ مَا هُوَ ذَاكِرُ وَكَمْ شَامِتٍ مُسْتَبْشِرٍ بِوَفَاتِهِ     وَعَمَّا قَلِيلٍ كَالَّذِي صَارَ صَائِرُ فَشَقَّ جُيُوبَهَا نِسَاؤُهُ، وَلَطَمَ خُدُودَهَا إِمَاؤُهُ، وَأَعْوَلَ لِفَقْدِهِ جِيرَانُهُ، وَتَوَجَّعَ لِرُزْئِهِ إِخْوَانُهُ، ثُمَّ أَقْبَلُوا عَلَى جَهَازِهِ، وَشَمَّرُوا لِإِبْرَازِهِ. وَظَلَّ أَحَبُّ الْقَوْمِ كَانَ لِقُرْبِهِ     يَحُثُّ عَلَى تَجْهِيزِهِ وَيُبَادِرُ وَشَمَّرَ مَنْ قَدْ أَحْضَرُوهُ لِغَسْلِهِ     وَوَجَّهَ لَمَّا قَامَ لِلْقَبْرِ حَافِرُ وَكُفِّنَ فِي ثَوْبَيْنِ وَاجْتَمَعَتْ لَهُ     مُشَيِّعَةً إِخْوَانُهُ وَالْعَشَائِرُ فَلَوْ رَأَيْتَ الْأَصْغَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَقَدْ غَلَبَ الْحُزْنُ عَلَى فُؤَادِهِ، وَغُشِيَ مِنَ الْجَزَعِ عَلَيْهِ، وَخَضَّبَتِ الدُّمُوعُ خَدَّيْهِ، وَهُوَ يَنْدُبُ أَبَاهُ وَيَقُولُ: يَا وَيْلَاهُ. لَعَايَنْتَ مِنْ قُبْحِ الْمَنِيَّةِ مَنْظَرًا     يُهَالُ لِمَرْآهُ وَيَرْتَاعُ نَاظِرُ أَكَابِرُ أَوْلَادٍ يَهِيجُ اكْتِئَابُهُمْ     إِذَا مَا تَنَاسَاهُ الْبَنُونَ الْأَصَاغِرُ وَرَنَّةُ نِسْوَانٍ عَلَيْهِ جَوَازِعٍ     مَدَامِعُهُمْ فَوْقَ الْخُدُودِ غَوَازِرُ ثُمَّ أُخْرِجَ مِنْ سَعَةِ قَصْرِهِ إِلَى ضِيقِ قَبْرِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي اللَّحْدِ وَهَى عَلَيْهِ اللَّبِنُ، وَحَثَوْا بِأَيْدِيهِمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَأَكْثَرُوا التَّلَدُّدَ عَلَيْهِ وَالِانْتِحَابَ، ثُمَّ وَقَفُوا سَاعَةً عَلَيْهِ، وَأَيِسُوا مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. فَوَلَّوْا عَلَيْهِ مُعْوِلِينَ وَكُلُّهُمْ     لِمِثْلِ الَّذِي لَاقَى أَخُوهُ مُحَاذِرُ كَشَاءٍ رِتَاعٍ آمِنِينَ بَدَا لَهَا     بِمُدْيَتِهِ بَادِي الذِّرَاعَيْنِ حَاسِرُ فَرِيعَتْ وَلَمْ تَرْتَعْ قَلِيلًا وَأَجْفَلَتْ     فَلَمَّا نَأَى عَنْهَا الَّذِي هُوَ جَازِرُ عَادَتْ إِلَى مَرْعَاهَا، وَنَسِيَتْ مَا فِي أُخْتِهَا دَهَاهَا، أَفَبِأَفْعَالِ الْبَهَائِمِ اقْتَدَيْنَا؟ أَمْ عَلَى عَادَتِهَا جَرَيْنَا؟ عُدْ إِلَى ذِكْرِ الْمَنْقُولِ إِلَى دَارِ الْبِلَى وَالثَّرَى، وَاعْتَبِرْ بِمَوْضِعِهِ تَحْتَ الثَّرَى، الْمَدْفُوعِ إِلَى هَوْلِ مَا تَرَى. ثَوَى مُفْرَدًا فِي لَحْدِهِ وَتَوَزَّعَتْ     مَوَارِيثَهُ أَرْحَامُهُ وَالْأَوَاصِرُ وَأَحْنَوْا عَلَى أَمْوَالِهِ يَقْسِمُونَهَا     فَلَا حَامِدٌ مِنْهُمْ عَلَيْهَا وَشَاكِرُ فَيَا عَامِرَ الدُّنْيَا وَيَا سَاعِيًا لَهَا     وَيَا آمِنًا مِنْ أَنْ تَدُورَ الدَّوَائِرُ كَيْفَ أَمِنْتَ هَذِهِ الْحَالَةَ وَأَنْتَ صَائِرٌ إِلَيْهَا لَا مَحَالَةَ؟! أَمْ كَيْفَ تَتَهَنَّأُ لِحَيَاتِكَ، وَهِيَ مَطِيَّتُكَ إِلَى مَمَاتِكَ؟! أَمْ كَيْفَ تَسِيغُ طَعَامَكَ وَأَنْتَ مُنْتَظِرٌ حِمَامَكَ؟!. وَلَمْ تَتَزَوَّدْ لِلرَّحِيلِ وَقَدْ دَنَا     وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ وَشِيكًا مُسَافِرُ فَيَا لَهْفَ نَفْسِي كَمْ أُسَوِّفُ تَوْبَتِي     وَعُمْرِيَ فَانٍ وَالرَّدَى لِي نَاظِرُ وَكُلُّ الَّذِي أَسْلَفْتُ فِي الصُّحْفِ مُثْبَتٌ     يُجَازِي عَلَيْهِ عَادِلُ الْحُكْمِ قَادِرُ فَكَمْ تُرَقِّعُ بِآخِرَتِكَ دُنْيَاكَ؟ وَتَرْكَبُ فِي ذَلِكَ هَوَاكَ؟ أَرَاكَ ضَعِيفَ الْيَقِينِ، يَا مُؤْثِرَ الدُّنْيَا عَلَى الدِّينِ، أَبِهَذَا أَمَرَكَ الرَّحْمَنُ؟ أَمْ عَلَى هَذَا نَزَلَ الْقُرْآنُ؟ تُخَرِّبُ مَا يَبْقَى وَتَعْمُرُ فَانِيًا     فَلَا ذَاكَ مَوْفُورٌ وَلَا ذَاكَ عَامِرُ وَهَلْ لَكَ إِنْ وَافَاكَ حَتْفُكَ بَغْتَةً     وَلَمْ تَكْتَسِبْ خَيْرًا لَدَى اللَّهِ عَاذِرُ أَتَرْضَى بِأَنْ تَفْنَى الْحَيَاةُ وَتَنْقَضِيَ     وَدِينُكَ مَنْقُوصٌ وَمَالُكَ وَافِرُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّارِيخِ فِي السَّنَةِ الَّتِي تُوَفِّيَ فِيهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ; فَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ فِي أَوَّلِهَا عَنْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ، وَدُفِنَ بِهِ. قَالَ الْفَلَّاسُ: مَاتَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَعُرْوَةُ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُوُفِّيَ ثِنْتَيْنِ - أَوْ ثَلَاثٍ - وَتِسْعِينَ. وَأَغْرَبَ الْمَدَائِنِيُّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: وَمِنَ الْعَجَائِبِ: ثَلَاثَةٌ كَانُوا فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، وَهُمْ بَنُو أَعْمَامٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اسْمُهُ عَلِيٌّ، وَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ كُلُّ وَاحِدٍ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، وَالْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ عُلَمَاءُ أَشْرَافٌ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ. أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ   بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَدَنِيُّ، أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، قِيلَ: اسْمُهُ مُحَمَّدٌ. وَقِيلَ: اسْمُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ وَكُنْيَتَهُ وَاحِدٌ، وَلَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ كَثِيرٌ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ عَمَّارٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ: مِنْهُمْ بَنُوهُ سَلَمَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَعُمَرُ، وَمَوْلَاهُ سُمَيٌّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ. وُلِدَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: رَاهِبُ قُرَيْشٍ. لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ، وَكَانَ مَكْفُوفًا، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَةِ وَالْأَمَانَةِ وَالْفِقْهِ وَصِحَّةِ الرِّوَايَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ. وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يُكْرِمُهُ وَيَعْرِفُ فَضْلَهُ، وَيَقُولُ: إِنِّي أَهُمُّ بِالشَّيْءِ أَفْعَلُهُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ; لِسُوءِ أَثَرِهِمْ عِنْدَنَا، فَأَذْكُرُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَسْتَحِي مِنْهُ، وَأَتْرُكُ ذَلِكَ الْأَمْرَ مِنْ أَجْلِهِ. وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ قَدْ كُفَّ، وَكَانَ إِذَا سَجَدَ يَضَعُ يَدَهُ فِي طَسْتٍ; لِعِلَّةٍ كَانَ يَجِدُهَا. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي الَّتِي قَبْلَهَا. وَقِيلَ: فِي الَّتِي بَعْدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  302. التاريخ 2393لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بِلَادَ الرُّومِ،  وَافْتَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً. وَفِيهَا افْتَتَحَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَدِينَةَ الْبَابِ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ،  وَخَرَّبَهَا، ثُمَّ بَنَاهَا مَسْلَمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتِسْعِ سِنِينَ. وَفِيهَا افْتَتَحَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الثَّقَفِيُّ مَدِينَةَ الْمُولْتَانِ مِنْ أَرْضِ الْهِنْدِ،  وَأَخَذَ مِنْهَا أَمْوَالًا جَزِيلَةً. وَفِيهَا قَدِمَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَمَعَهُ الْأَمْوَالُ عَلَى الْعَجَلِ تُحْمَلُ مِنْ كَثْرَتِهَا، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ رَأْسٍ مِنَ السَّبْيِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَهُ أَبُو مَعْشَرٍ وَالْوَاقِدِيُّ. وَفِيهَا قُتِلَ الْوَضَّاحِيُّ بِأَرْضِ الرُّومِ، وَمَعَهُ أَلْفٌ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَوْلِدُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ افْتَتَحَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ قِنَّسْرِينَ.

  303. التاريخ 2394لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ الشَّاشِ   قِيلَ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ الْحَجَّاجُ جَيْشًا مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى قُتَيْبَةَ فَغَزَا بِهِمْ، فَفَتَحَ مُدُنًا وَأَقَالِيمَ كَثِيرَةً، فَلَمَّا كَانَ بِالشَّاشِ أَوْ بِكَشَّ مَاهَانَ أَتَاهُ مَوْتُ الْحَجَّاجِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، فَغَمَّهُ ذَلِكَ وَتَمَثَّلَ يَقُولُ: لَعَمْرِي لَنِعْمَ الْمَرْءُ مِنْ آلِ جَعْفَرٍ بِحَوْرَانَ أَمْسَى أَعَلَقَتْهُ الْحَبَائِلُ     فَإِنْ تَحْيَ لَا أَمْلَلْ حَيَاتِي وَإِنْ تَمُتْ فَمَا فِي حَيَاةٍ بَعْدَ مَوْتِكَ طَائِلُ وَرَجَعَ إِلَى مَرْوَ وَتَفَرَّقَ بالنَّاسِ، فَأَتَاهُ كِتَابُ الْوَلِيدِ: قَدْ عَرَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَلَاءَكَ وَجِدَّكَ وَاجْتِهَادَكَ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ رَافِعُكَ وَصَانِعٌ بِكَ الَّذِي يَجِبُ لَكَ، فَالْمُمْ مَغَازِيَكَ، وَانْتَظِرْ ثَوَابَ رَبِّكَ، وَلَا تَغِبْ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ كُتُبُكَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَلَائِكَ وَالثَّغْرَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ.

  304. التاريخ 2395لا حكم مسجّل

    تَرْجَمَةُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ وَذِكْرُ وَفَاتِهِ   هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي عَقِيلِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ وَهُوَ قَسِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، مرويات الحجاج بن يوسف سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى. وَرَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَجَرَادُ بْنُ مُجَالِدٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. قَالَ: وَكَانَتْ لَهُ بِدِمَشْقَ آدُرٌ مِنْهَا دَارُ الزَّاوِيَةِ بِقُرْبِ قَصْرِ ابْنِ أَبِي الْحَدِيدِ، وَوَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْحِجَازَ، فَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا وَوَلَّاهُ الْعِرَاقَ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ وَافِدًا عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: خَطَبَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، فَذَكَرَ الْقَبْرَ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: إِنَّهُ بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَبَيْتُ الْغُرْبَةِ. حَتَّى بَكَى وَبَكَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ مَرْوَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: خَطَبَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: مَا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى قَبْرٍ أَوْ ذَكَرَهُ إِلَّا بَكَى. وعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا يَحْيَى، أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ حَسَنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ إِلَى اللَّهِ حَاجَةٌ فَلْيَدْعُ بِهَا فِي دُبُرِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ: سَمِعْتُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَهِيَ تَتَخَلَّلُ أَيْ تُخَلِّلُ أَسْنَانَهَا لِيَخْرُجَ مَا بَيْنَهَا مِنْ أَذًى وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتِ بَاكَرْتِ الْغَذَاءَ إِنَّكَ لِرَغِيبَةٌ دَنِيَّةٌ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي تُخَلِّلِينَ مِنْهُ شَيْءٌ بَقِيَ فِي فِيكِ مِنَ الْبَارِحَةِ إِنَّكِ لِقَذِرَةٌ. فَطَلَّقَهَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا كَانَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتَ، وَلَكِنَّنِي بَاكَرْتُ مَا تُبَاكِرُهُ الْحُرَّةُ مِنَ السِّوَاكِ، فَبَقِيَتْ شَظِيَّةٌ فِي فَمِي مِنْهُ فَحَاوَلْتُهَا لِأُخْرِجَهَا. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِيُوسُفَ أَبِي الْحَجَّاجِ: تَزَوَّجْهَا، فَإِنَّهَا لِخَلِيقَةٌ أَنْ تَأْتِيَ بِرَجُلٍ يَسُودُ. فَتَزَوَّجَهَا يُوسُفُ أَبُو الْحَجَّاجِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَأُخْبِرْتُ أَنَّ أَبَا الْحَجَّاجِ لَمَّا بَنَى بِهَا وَاقَعَهَا فَنَامَ، فَقِيلَ لَهُ فِي النَّوْمِ: مَا أَسْرَعَ مَا أَلْقَحْتَ بِالْمُبِيرِ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: وَاسْمُ أُمِّهِ الْفَارِعَةُ بِنْتُ هَمَّامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ، وَكَانَ زَوْجُهَا الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ الثَّقَفِيُّ طَبِيبَ الْعَرَبِ. وَذَكَرَ عَنْهُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ فِي السِّوَاكِ. وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْعِقْدِ " أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ يُعَلِّمَانِ الْغِلْمَانَ بِالطَّائِفِ، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ فَكَانَ عِنْدَ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ وَزِيرِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَشَكَا عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى رَوْحٍ أَنَّ الْجَيْشَ لَا يَنْزِلُونَ لِنُزُولِهِ وَلَا يَرْحَلُونَ لِرَحِيلِهِ، فَقَالَ رَوْحٌ: عِنْدِي رَجُلٌ تُوَلِّيهِ ذَلِكَ. فَوَلَّى عَبْدُ الْمَلِكِ الْحَجَّاجَ أَمْرَ الْجَيْشِ، فَكَانَ لَا يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ فِي النُّزُولِ وَالرَّحِيلِ، حَتَّى اجْتَازَ إِلَى فُسْطَاطِ رَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ وَهُمْ يَأْكُلُونَ، فَضَرَبَهُمْ وَطَوَّفَ بِهِمْ، وَأَحْرَقَ الْفُسْطَاطَ، فَشَكَا رَوْحٌ ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لِلْحَجَّاجِ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْهُ، إِنَّمَا فَعَلَهُ أَنْتَ; فَإِنَّ يَدِي يَدُكَ وَسَوْطِي سَوْطُكَ، وَمَا ضَرَّكَ إِذَا أَعْطَيْتَ رَوْحًا فُسْطَاطَيْنِ بَدَلَ فُسْطَاطِهِ، وَبَدَلَ الْغُلَامِ غُلَامَيْنِ، وَلَا تَكْسِرُنِي فِي الَّذِي وَلَّيْتَنِي؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ الْحَجَّاجُ عِنْدَهُ. قَالَ: وَبَنَى وَاسِطَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ، وَفَرَغَ مِنْهَا فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَقِيلَ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ: وَفِي أَيَّامِهِ نُقِطَتِ الْمَصَاحِفُ. وَذُكِرَ فِي حِكَايَتِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا يُسَمَّى كُلَيْبًا، ثُمَّ سُمِّيَ الْحَجَّاجَ. وَذُكِرَ أَنَّهُ وُلِدَ وَلَا مَخْرَجَ لَهُ حَتَّى فُتِقَ لَهُ مَخْرَجٌ، وَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَضِعْ أَيَّامًا حَتَّى سَقَوْهُ دَمَ جَدْيٍ أَيَّامًا، ثُمَّ دَمَ سَالِخٍ، وَلُطِّخَ وَجْهُهُ بِدَمِهِ فَارْتَضَعَ، وَكَانَتْ فِيهِ شَهَامَةٌ وَحُبٌّ لِسَفْكِ الدِّمَاءِ; لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَا ارْتَضَعَ ذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي لُطِّخَ بِهِ وَجْهُهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ أُمَّهُ هِيَ الْمُتَمَنِّيَةُ لِنَصْرِ بْنِ حَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ. وَقِيلَ: إِنَّهَا أُمُّ أَبِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ فِيهِ شَهَامَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي سَيْفِهِ رَهَقٌ، وَكَانَ كَثِيرَ قَتْلِ النُّفُوسِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ، وَكَانَ يَغْضَبُ غَضَبَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُ يَتَشَبَّهُ بِزِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، وَكَانَ زِيَادٌ يَتَشَبَّهُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فِيمَا يَزْعُمُ أَيْضًا. وَلَا سَوَاءٌ وَلَا قَرِيبٌ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ سُلَيْمِ بْنِ عِتْرٍ التُّجِيبِيِّ قَاضِي مِصْرَ، وَكَانَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ خُطْبَةَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْجَابِيَةِ، وَكَانَ مِنَ الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، وَكَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَ خَتَمَاتٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَانَ مَعَ أَبِيهِ بِمِصْرَ فِي جَامِعِهَا، فَاجْتَازَ بِهِمَا سُلَيْمُ بْنُ عِتْرٍ هَذَا، فَنَهَضَ إِلَيْهِ أَبُو الْحَجَّاجِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ لَكَ عِنْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، تَسْأَلُهُ أَنْ يَعْزِلَنِي عَنِ الْقَضَاءِ. فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ قَاضِيًا الْيَوْمَ خَيْرًا مِنْكَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى ابْنِهِ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبَهْ، أَتَقُومُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ تُجِيبَ وَأَنْتَ ثَقَفِيٌّ ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يُرْحَمُونَ بِهَذَا وَأَمْثَالِهِ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: وَاللَّهِ مَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَضَرُّ مِنْ هَذَا وَأَمْثَالِهِ. فَقَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: لِأَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِمْ فَيُحَدِّثُونَهُمْ عَنْ سِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَيُحَقِّرُ النَّاسُ سِيرَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَرَوْنَهَا شَيْئًا عِنْدَ سِيرَتِهِمَا، فَيَخْلَعُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَيْهِ، وَيَبْغَضُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ طَاعَتَهُ، وَاللَّهِ لَوْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَ هَذَا وَأَمْثَالِهِ. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَكَ شَقِيًّا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَاهُ كَانَ ذَا وَجَاهَةٍ عِنْدَ الْخَلِيفَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ ذَا فِرَاسَةٍ صَحِيحَةٍ; فَإِنَّهُ تَفَرَّسَ فِي ابْنِهِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالُوا: وَكَانَ مَوْلِدُ الْحَجَّاجِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. نشأة الحجاج ثُمَّ نَشَأَ شَابًّا لَبِيبًا فَصِيحًا بَلِيغًا حَافِظًا لِلْقُرْآنِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانَ الْحَجَّاجُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَلَاءِ: مَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْهُ وَمِنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَكَانَ الْحَسَنُ أَفْصَحَ مِنْهُ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بسنده قَالَ عُتْبَةُ بْنُ عَمْرٍو: مَا رَأَيْتُ عُقُولَ النَّاسِ إِلَّا قَرِيبًا بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، إِلَّا الْحَجَّاجَ وَإِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّ عُقُولَهُمَا كَانَتْ تَرْجَحُ عَلَى عُقُولِ النَّاسِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بَعَثَ الْحَجَّاجَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بِمَكَّةَ فَحَاصَرَهُ بِهَا، وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ عَامَئِذٍ، وَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْحَجَّاجُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَا تَمَكَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَمَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَزَلْ مُحَاصِرَهُ حَتَّى ظَفِرَ بِهِ فِي جُمَادَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثُمَّ اسْتَنَابَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ وَالْيَمَنِ، ثُمَّ وَلَّاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ الْعِرَاقَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ بِشْرٍ، فَدَخَلَ الْكُوفَةَ، وَقَالَ لَهُمْ وَفَعَلَ بِهِمْ مَا تَقَدَّمَ إِيرَادُهُ مُفَصَّلًا، فَأَقَامَ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ عِشْرِينَ سَنَةً كَامِلَةً. وَفَتَحَ فِيهَا فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً هَائِلَةً مُنْتَشِرَةً، حَتَّى وَصَلَتْ خُيُولُهُ إِلَى بِلَادِ الْهِنْدِ وَالسِّنْدِ، فَفَتَحَ فِيهَا جُمْلَةَ مُدُنٍ وَأَقَالِيمَ، وَوَصَلَتْ خُيُولُهُ أَيْضًا إِلَى قَرِيبٍ مِنْ بِلَادِ الصِّينِ، وَجَرَتْ لَهُ فُصُولٌ قَدْ ذَكَرْنَاهَا. وَنَحْنُ نُورِدُ هُنَا أَشْيَاءَ أُخَرَ مِمَّا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْأُمُورِ وَالْجَرَاءَةِ وَالْإِقْدَامِ، وَالتَّهَوُّرِ فِي الْأُمُورِ الْعِظَامِ، مِمَّا يُمْدَحُ عَلَى مِثْلِهِ، وَمِمَّا يُذَمُّ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، مِمَّا سَاقَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ: فَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ ابْنِ أَخِي إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدِينِيِّ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ صَلَّى مَرَّةً بِجَنْبِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ شَيْئًا فَجَعَلَ يَرْفَعُ قَبْلَ الْإِمَامِ وَيَقَعُ قَبْلَهُ فِي السُّجُودِ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ سَعِيدٌ بِطَرْفِ رِدَائِهِ وَكَانَ لَهُ ذِكْرٌ يَقُولُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَمَا زَالَ الْحَجَّاجُ يُنَازِعُهُ رِدَاءَهُ حَتَّى قَضَى سَعِيدٌ ذِكْرَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ سَعِيدٌ فَقَالَ لَهُ: يَا سَارِقُ يَا خَائِنُ، تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ! لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَ بِهَذَا النَّعْلِ وَجْهَكَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَضَى الْحَجَّاجُ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ رَجَعَ فَعَادَ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ جَاءَ نَائِبًا عَلَى الْحِجَازِ، فَلَمَّا قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ نَائِبًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إِذَا مَجْلِسُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقَصَدَهُ الْحَجَّاجُ فَخَشِيَ النَّاسُ عَلَى سَعِيدٍ مِنْهُ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ صَاحِبُ الْكَلِمَاتِ؟ فَضَرَبَ سَعِيدٌ صَدْرَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَجَزَاكَ اللَّهُ مِنْ مُعَلِّمٍ وَمُؤَدِّبٍ خَيْرًا، مَا صَلَّيْتُ بَعْدَكَ صَلَاةً إِلَّا وَأَنَا أَذْكُرُ قَوْلَكَ. ثُمَّ قَامَ وَمَضَى. وَرَوَى الرِّيَاشِيُّ، بسنده عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْعَلَاءِ أَخِي أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ ارْتَجَّتْ مَكَّةُ بِالْبُكَاءِ، فَأَمَرَ بالنَّاسِ فَجُمِعُوا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، بَلَغَنِي إِكْبَارُكُمْ قَتْلَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أَلَا وَإِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ مِنْ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، حَتَّى رَغِبَ فِي الْخِلَافَةِ وَنَازَعَ فِيهَا أَهْلَهَا، فَنَزَعَ طَاعَةَ اللَّهِ وَاسْتَكَنَّ بِحَرَمِ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مَانِعَ الْعُصَاةِ لَمَنَعَتْ آدَمَ حُرْمَةُ اللَّهِ; إِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ وَأَبَاحَ لَهُ كَرَامَتَهُ، وَأَسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، فَلَمَّا أَخْطَأَ أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ بِخَطِيئَتِهِ، وَآدَمُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْجَنَّةُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ الْكَعْبَةِ، اذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ. الحجاج مبير ثقيف وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده أَنَّ الْحَجَّاجَ دَخَلَ عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَمَا قَتَلَ ابْنَهَا عَبْدَ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَكِ أَلْحَدَ فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَذَاقَهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَفَعَلَ بِهِ وَفَعَلَ. فَقَالَتْ: كَذَبْتَ، كَانَ بَرًّا بِوَالِدَيْهِ، صَوَّامًا قَوَّامًا، وَاللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ كَذَّابَانِ الْآخَرُ مِنْهُمَا شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مُبِيرٌ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: بسنده عَنْ قَيْسِ بْنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُثْلَةِ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَخْرُجُ مِنْ ثَقِيفٍ رَجُلَانِ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ. قَالَتْ: فَقُلْتُ لِلْحَجَّاجِ: أَمَّا الْكَذَّابُ فَقَدْ رَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَأَنْتَ هُوَ يَا حَجَّاجُ. وعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اعْتَزَلَ لَيَالِيَ قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَجَّاجِ بِمِنًى، فَكَانَ يُصَلِّي مَعَ الْحَجَّاجِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ فَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي وَرَاءَهُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ بسنده عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ الصَّلْتِ قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ غَيَّرَ كِتَابَ اللَّهِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا أَنْتَ مَعَهُ وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ: كَذَبْتَ، لَفَعَلْتُ. بعض من أخبار الحجاج وَرُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْحَجَّاجَ أَطَالَ الْخُطْبَةَ، فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، مِرَارًا، ثُمَّ قَامَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَقَامَ النَّاسُ، فَصَلَّى الْحَجَّاجُ بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا نَجِيءُ لِلصَّلَاةِ، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ بَقْبِقْ مَا شِئْتَ بَعْدُ مِنْ بَقْبَقَةٍ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: سَمِعْتُ عَمِّي يَقُولُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا فَرَغَ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ لَقِيَ شَيْخًا خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْ حَالِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: بِشَرِّ حَالٍ; قُتِلَ ابْنُ حَوَارِيِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: وَمَنْ قَتَلَهُ؟ قَالَ: الْفَاجِرُ اللَّعِينُ الْحَجَّاجُ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ وَتَهْلُكَتُهُ; مِنْ قَلِيلِ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ. فَغَضِبَ الْحَجَّاجُ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَتَعْرِفُ الْحَجَّاجَ إِذَا رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَا عَرَّفَهُ اللَّهُ خَيْرًا، وَلَا وَقَاهُ ضُرًّا. فَكَشَفَ الْحَجَّاجُ عَنْ لِثَامِهِ، وَقَالَ: سَتَعْلَمُ أَيُّهَا الشَّيْخُ الْآنَ إِذَا سَالَ دَمُكَ السَّاعَةَ. فَلَمَّا تَحَقَّقَ الشَّيْخُ الْجَدُّ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ يَا حَجَّاجُ، لَوْ كُنْتَ تَعْرِفُنِي مَا قُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، أَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، أُصْرَعُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: انْطَلِقْ، فَلَا شَفَى اللَّهُ الْأَبْعَدَ مِنْ جُنُونِهِ وَلَا عَافَاهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَقَالَ لَهَا: إِذَا دَخَلَ بِكِ فَقُولِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ هَذَا. قَالَ حَمَّادٌ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمَّا تَزَوَّجَ الْحَجَّاجُ بِنْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: أَتُمَكِّنُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ؟ قَالَ: أَشَدُّ الْبَأْسِ وَاللَّهِ. قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ ذَهَبَ مَا فِي صَدْرِي عَلَى آلِ الزُّبَيْرِ مُنْذُ تَزَوَّجْتُ رَمْلَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ. قَالَ: فَكَأَنَّهُ كَانَ نَائِمًا فَأَيْقَظَهُ، فَكَتَبَ إِلَى الْحَجَّاجِ يَعْزِمُ عَلَيْهِ فِي طَلَاقِهَا فَطَلَّقَهَا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ: حَجَّ الْحَجَّاجُ مَرَّةً، فَمَرَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَأُتِيَ بِغَدَائِهِ فَقَالَ لِحَاجِبِهِ: انْظُرْ مَنْ يَأْكُلُ مَعِي. فَذَهَبَ فَإِذَا أَعْرَابِيٌّ نَائِمٌ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: أَجِبِ الْأَمِيرَ. فَقَامَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ قَالَ لَهُ: اغْسِلْ يَدَيْكَ ثُمَّ تَغَدَّ مَعِي. فَقَالَ: إِنَّهُ دَعَانِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ فَأَجَبْتُهُ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: اللَّهُ دَعَانِي إِلَى الصَّوْمِ فَأَجَبْتُهُ. قَالَ: فِي هَذَا الْحَرِّ الشَّدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ صُمْتُ لِيَوْمٍ هُوَ أَشَدُّ حَرًّا مِنْهُ. قَالَ: فَأَفْطِرْ وَصُمْ غَدًا. قَالَ: إِنْ ضَمِنْتَ لِيَ الْبَقَاءَ إِلَى غَدٍ. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ. قَالَ: فَكَيْفَ تَسْأَلُنِي عَاجِلًا بِآجِلٍ لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِنَّ طَعَامَنَا طَعَامٌ طَيِّبٌ. قَالَ: لَمْ تُطَيِّبْهُ أَنْتَ وَلَا الطَّبَّاخُ، إِنَّمَا طَيَّبَتْهُ الْعَافِيَةُ. وفاة الحجاج وَفَاةِ الْحَجَّاجِ   قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ أَوْصَى وَلَدَهُ الْوَلِيدَ بِالْحَجَّاجِ، ثُمَّ لَمْ يَمُتِ الْحَجَّاجُ حَتَّى ثَقُلَ عَلَى الْوَلِيدِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ قَدْ مَرِضَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ عَامَّةَ يَوْمِهِ يَحْسَبُونَهُ مَيِّتًا، فَقَدِمَتِ الْبُرُدُ عَلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ فَاسْتَرْجَعَ، وَأَمَرَ بِحَبْلٍ فَشُدَّ فِي يَدِهِ ثُمَّ أُوثِقَ إِلَى أُسْطُوَانَةٍ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ مَنْ لَا رَحْمَةَ لَهُ فَقَدْ طَالَ مَا سَأَلْتُكَ أَنْ تَجْعَلَ مَنِيَّتِي قَبْلَ مَنِيَّتِهِ، وَجَعَلَ يَدْعُو. فَقَدِمَ الْبَرِيدُ بِإِفَاقَتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ الْوَلِيدُ، قَالَ: مَا أَحَدٌ أَسَرُّ بِعَافِيَتِي مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ عُمَرُ: كَأَنِّي بِكِتَابِ الْحَجَّاجِ قَدْ أَتَاكَ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ بُرْؤُكَ خَرَّ سَاجِدًا وَأَعْتَقَ كُلَّ مَمْلُوكٍ لَهُ، فَجَاءَ الْكِتَابُ بِذَلِكَ، وَبَقِيَ الْحَجَّاجُ فِي إِمْرَتِهِ عَلَى الْعِرَاقِ تَمَامَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُقْدِمًا عَلَى الْقَتْلِ وَالظُّلْمِ، وَآخِرُ مَنْ قَتَلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَوَقَعَتِ الْأَكَلَةُ فِي بَطْنِهِ، فَأَخَذَ الطَّبِيبُ لَحْمًا وَجَعَلَهُ فِي خَيْطٍ وَأَرْسَلَهُ فِي حَلْقِهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ وَقَدْ لَصِقَ الدُّودُ بِهِ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَاجٍ، فَقَالَ: يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الْأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا أَيْمَانَهُمْ أَنَّنِي مِنْ سَاكِنِي النَّارِ     أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ وَيْلَهُمُ مَا عِلْمُهُمْ بِعَظِيمِ الْعَفْوِ غَفَّارِ وعَنْ كَاتِبٍ كَانَ لِلْحَجَّاجِ يُقَالُ لَهُ يَعْلَى، قَالَ: كُنْتُ أَكْتُبُ لِلْحَجَّاجِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ حَدِيثُ السِّنِّ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا بَعْدَ قَتْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، فَدَخَلْتُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَهُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَخَرَجْتُ رُوَيْدًا وَعَلِمْتُ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ بِي قَتَلَنِي، [ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الْحَجَّاجُ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ]. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا لِي وَلِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ كُلَّمَا أَرَدْتُ النَّوْمَ أَخَذَ بِرِجْلِي. وَمَاتَ فِي شَوَّالٍ هَذِهِ السَّنَةَ. وَقِيلَ: لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الْجِرْمِيُّ، قَالَ يُونُسُ النَّحْوِيُّ: أَنَا أَذْكُرُ عُرْسَ الْعِرَاقِ، فَقِيلَ لَهُ: وَمَا عُرْسُ الْعِرَاقِ؟ قَالَ: مَوْتُ الْحَجَّاجِ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ الْعِرَاقَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الصَّلَاةِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَجَّاجِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى حَرْبِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ، وَعَلَى خَرَاجِهِمَا يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ، فَأَقَرَّهُمَا الْوَلِيدُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَلَمْ يُغَيِّرْ أَحَدًا مِنْ عُمَّالِ الْحَجَّاجِ.

  305. التاريخ 2396لا حكم مسجّل

    قَالَ الْقَاضِي الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا بسنده عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ أَهْلَ الْعِرَاقِ بَعْدَ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدِ اسْتَبْطَنَكُمْ فَخَالَطَ اللَّحْمَ وَالدَّمَ وَالْعَصَبَ وَالْمَسَامِعَ وَالْأَطْرَافَ ثُمَّ أَفْضَى إِلَى الْأَسْمَاخِ وَالْأَمْخَاخِ وَالْأَشْبَاحِ وَالْأَرْوَاحِ، ثُمَّ ارْتَفَعَ فَعَشَّشَ، ثُمَّ بَاضَ وَفَرَّخَ، ثُمَّ دَبَّ وَدَرَجَ، فَحَشَاكُمْ نِفَاقًا وَشِقَاقًا، وَأَشْعَرَكُمْ خِلَافًا، اتَّخَذْتُمُوهُ دَلِيلًا تَتَّبِعُونَهُ، وَقَائِدًا تُطِيعُونَهُ، وَمُؤَامِرًا تُشَاوِرُونَهُ وَتَسْتَأْمِرُونَهُ، فَكَيْفَ تَنْفَعُكُمْ تَجْرِبَةٌ أَوْ يَنْفَعُكُمْ بَيَانٌ؟ أَلَسْتُمْ أَصْحَابِي بِالْأَهْوَازِ حَيْثُ رُمْتُمُ الْمَكْرَ وَأَجْمَعْتُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ دِينَهُ وَخِلَافَتَهُ؟ وَأَنَا أَرْمِيكُمْ بِطَرْفِي وَأَنْتُمْ تَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا، وَتَنْهَزِمُونَ سِرَاعًا. يَوْمُ الزَّاوِيَةِ وَمَا يَوْمُ الزَّاوِيَةِ؟ مِمَّا كَانَ مِنْ فَشَلِكُمْ وَتَنَازُعِكُمْ وَتَخَاذُلِكُمْ وَبَرَاءَةِ اللَّهِ مِنْكُمْ وَنُكُوسِ قُلُوبِكُمْ; إِذْ وَلَّيْتُمْ كَالْإِبِلِ الشَّارِدَةِ عَنْ أَوْطَانِهَا النَّوَازِعِ، لَا يَسْأَلُ الْمَرْءُ عَنْ أَخِيهِ، وَلَا يَلْوِي الشَّيْخُ عَلَى بَنِيهِ حِينَ عَضَّكُمُ السِّلَاحُ وَنَخَسَتْكُمُ الرِّمَاحُ. يَوْمُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ وَمَا يَوْمُ دَيْرِ الْجَمَاجِمِ ! بِهَا كَانَتِ الْمَعَارِكُ وَالْمَلَاحِمُ، بِضَرْبٍ يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ، وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ، يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الْكَفَرَاتِ بَعْدَ الْفَجَرَاتِ، وَالْغَدَرَاتِ بَعْدَ الْخَتَرَاتِ، وَالنَّزْوَةِ بَعْدَ النَّزَوَاتِ، إِنْ بَعَثْنَاكُمْ إِلَى ثُغُورِكُمْ غَلَلْتُمْ وَخُنْتُمْ، وَإِنْ أَمِنْتُمْ أَرَجَفْتُمْ، وَإِنْ خِفْتُمْ نَافَقْتُمْ، لَا تَذْكُرُونَ نِعْمَةً وَلَا تَشْكُرُونَ مَعْرُوفًا، هَلِ اسْتَخَفَّكُمْ نَاكِثٌ أَوِ اسْتَغْوَاكُمْ غَاوٍ، أَوِ اسْتَنْقَذَكُمْ عَاصٍ، أَوِ اسْتَنْصَرَكُمْ ظَالِمٌ، أَوِ اسْتَعْضَدَكُمْ خَالِعٌ إِلَّا لَبَّيْتُمْ دَعْوَتَهُ، وَأَجَبْتُمْ صَيْحَتَهُ، وَنَفَرْتُمْ إِلَيْهِ خِفَافًا وَثِقَالًا، وَفُرْسَانًا وَرِجَالًا؟ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، هَلْ شَغَبَ شَاغِبٌ أَوْ نَعَبَ نَاعِبٌ، أَوْ زَفَرَ زَافِرٌ إِلَّا كُنْتُمْ أَتْبَاعَهُ وَأَنْصَارَهُ؟ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، أَلَمْ تَنْفَعْكُمُ الْمَوَاعِظُ؟ أَلَمْ تَزْجُرْكُمُ الْوَقَائِعُ؟ أَلَمْ يُشَدِّدِ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَطْأَتَهُ، وَيُذِقْكُمْ حَرَّ سَيْفِهِ، وَأَلِيمَ بَأْسِهِ وَمَثُلَاتِهِ؟ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ كَالظَّلِيمِ الرَّامِحِ عَنْ فِرَاخِهِ، يَنْفِي عَنْهَا الْقَذَرَ، وَيُبَاعِدُ عَنْهَا الْحَجَرَ، وَيُكِنُّهَا مِنَ الْمَطَرِ، وَيَحْمِيهَا مِنَ الضَّبَابِ، وَيَحْرُسُهَا مِنَ الذُّبَابِ، يَا أَهْلَ الشَّامِ، أَنْتُمْ الْجُنَّةُ وَالرِّدَاءُ، وَأَنْتُمُ الْمُلَاءَةُ وَالْحِذَاءُ، أَنْتُمُ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَنْصَارُ، وَالشِّعَارُ وَالدِّثَارُ، بِكُمْ يُذَبُّ عَنِ الْبَيْعَةِ وَالْحَوْزَةِ، وَبِكُمْ تُرْمَى كَتَائِبُ الْأَعْدَاءِ، وَيُهْزَمُ مَنْ عَانَدَ وَتَوَلَّى. قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا: بسنده عن أَبِي بَكْرٍ التَّيْمِيِّ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ وَكَانَ لَسِنًا: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْأَرْضِ فَأَمْشَاهُمْ عَلَى ظَهْرِهَا، فَأَكَلُوا ثِمَارَهَا، وَشَرِبُوا أَنْهَارَهَا، وَهَتَكُوهَا بِالْمَسَاحِي وَالْمُرُورِ، ثُمَّ أَدَالَ اللَّهُ الْأَرْضَ مِنْهُمْ فَرَدَّهُمْ إِلَيْهَا، فَأَكَلَتْ لُحُومَهُمْ كَمَا أَكَلُوا ثِمَارَهَا، وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ كَمَا شَرِبُوا أَنْهَارَهَا، وَقَطَّعَتْهُمْ فِي جَوْفِهَا، وَفَرَّقَتْ أَوْصَالَهُمْ كَمَا هَتَكُوهَا بِالْمَسَاحِي وَالْمُرُورِ. وَمِمَّا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الْحَجَّاجِ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي الْمَوَاعِظِ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، رَجُلٌ خَطَمَ نَفْسَهُ وَزَمَّهَا فَقَادَهَا بِخِطَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَكَفَّهَا بِزِمَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً رَدَّ نَفْسَهُ، امْرَأً اتَّهَمَ نَفْسَهُ، امْرَأً اتَّخَذَ نَفْسَهُ عَدُوَّهُ، امْرَأً حَاسَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ الْحِسَابُ إِلَى غَيْرِهِ، امْرَأً نَظَرَ إِلَى مِيزَانِهِ، امْرَأً نَظَرَ إِلَى حِسَابِهِ، امْرَأً وَزَنَ عَمَلَهُ، امْرَأً فَكَّرَ فِيمَا يَقْرَأُ غَدًا فِي صَحِيفَتِهِ، وَيَرَاهُ فِي مِيزَانِهِ، وَكَانَ عِنْدَ قَلْبِهِ زَاجِرًا، وَعِنْدَ هَمِّهِ آمِرًا، امْرَأً أَخَذَ بِعِنَانِ عَمَلِهِ كَمَا يَأْخُذُ بِعِنَانِ جَمَلِهِ، فَإِنْ قَادَهُ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَبِعَهُ وَإِنْ قَادَهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَفَّ، امْرَأً عَقَلَ عَنِ اللَّهِ أَمْرَهُ، امْرَأً فَاقَ وَاسْتَفَاقَ وَأَبْغَضَ الْمَعَاصِيَ وَالنِّفَاقَ، وَكَانَ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالْأَشْوَاقِ. فَمَا زَالَ يَقُولُ امْرَأً امْرَأً. حَتَّى بَكَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ، بسنده عن الشَّعْبِيُّ قال: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ مَا سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ; يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ عَلَى الدُّنْيَا الْفَنَاءَ، وَعَلَى الْآخِرَةِ الْبَقَاءَ، فَلَا فَنَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْبَقَاءُ، وَلَا بَقَاءَ لِمَا كُتِبَ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ، فَلَا يَغُرَنَّكُمْ شَاهِدُ الدُّنْيَا عَنْ غَائِبِ الْآخِرَةِ، وَاقْهَرُوا طُولَ الْأَمَلِ بِقِصَرِ الْأَجَلِ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ، بسنده عن الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: وَقَذَتْنِي كَلِمَةٌ سَمِعْتُهَا مِنَ الْحَجَّاجِ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَادِ: إِنَّ امْرَأً ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ عُمْرِهِ فِي غَيْرِ مَا خُلِقَ لَهُ لَحَرِيٌّ أَنْ تَطُولَ عَلَيْهَا حَسْرَتُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا: مَنْ كَانَ لَهُ بَلَاءٌ أَعْطَيْنَاهُ عَلَى قَدْرِهِ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي قَتَلْتُ الْحُسَيْنَ. فَقَالَ: وَكَيْفَ قَتَلْتَهُ؟ قَالَ: دَسَرْتُهُ بِالرُّمْحِ دَسْرًا، وَهَبَرْتُهُ بِالسَّيْفِ هَبْرًا، وَمَا أَشْرَكْتُ مَعِي فِي قَتْلِهِ أَحَدًا. فَقَالَ: اذْهَبْ، فَوَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ أَنْتَ وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ. وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا. مواقف للحجاج بن يوسف الثقفي وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَجَّاجِ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَضُرِبَ عَلَى اسْمِي فِي الدِّيوَانِ، وَمُنِعْتُ الْعَطَاءَ، وَقَدْ هُدِمَتْ دَارِي. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: جَانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ تُعْدِي الصِّحَاحَ مَبَارِكُ الْجُرْبِ     وَلَرُبَّ مَأْخُوذٍ بِذَنْبِ قَرِيبِهِ وَنَجَا الْمُقَارِفُ صَاحِبُ الذَّنْبِ فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، وَقَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ مِنْ هَذَا. قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قَالَ: قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [ يُوسُفَ: 78، 79 ]. قَالَ: يَا غُلَامُ، أَعِدِ اسْمَهُ فِي الدِّيوَانِ، وَابْنِ دَارَهُ، وَأَعْطِهِ عَطَاءَهُ، وَمُرْ مُنَادِيًا يُنَادِي: صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الشَّاعِرُ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِرَأْسِ أَسْلَمَ بْنِ عَبْدٍ الْبَكْرِيِّ; لِمَا بَلَغَنِي عَنْهُ. فَأَحْضَرَهُ الْحَجَّاجُ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أَنْتَ الشَّاهِدُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْغَائِبُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ( الْحُجُرَاتِ: 6 ) وَمَا بَلَغَهُ عَنِّي فَبَاطِلٌ، وَإِنِّي أَعُولُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ امْرَأَةً مَا لَهُنَّ كَاسِبٌ غَيْرِي، وَهُنَّ بِالْبَابِ. فَأَمَرَ الْحَجَّاجُ بِإِحْضَارِهِنَّ، فَلَمَّا حَضَرْنَ جَعَلَتْ هَذِهِ تَقُولُ: أَنَا خَالَتُهُ. وَهَذِهِ: أَنَا عَمَّتُهُ. وَهَذِهِ: أَنَا أُخْتُهُ. وَهَذِهِ: أَنَا ابْنَتُهُ. وَهَذِهِ: أَنَا زَوْجَتُهُ. وَتَقَدَّمَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ فَوْقَ الثَّمَانِي وَدُونَ الْعَشَرَةِ، فَقَالَ لَهَا الْحَجَّاجُ: مَنْ أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا ابْنَتُهُ. ثُمَّ قَالَتْ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، وَجَثَتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، وَقَالَتْ: أَحَجَّاجُ لَمْ تَشْهَدْ مَقَامَ بَنَاتِهِ     وَعَمَّاتِهِ يَنْدُبْنَهُ اللَّيْلَ أَجْمَعَا أَحَجَّاجُ كَمْ تَقْتُلْ بِهِ إِنْ قَتَلْتَهُ     ثَمَانًا وَعَشْرًا وَاثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعَا أَحَجَّاجُ مَنْ هَذَا يَقُومُ مَقَامَهُ     عَلَيْنَا فَمَهْلًا أَنْ تَزِدْنَا تَضَعْضُعَا أَحَجَّاجُ إِمَّا أَنْ تَجُودَ بِنِعْمَةٍ     عَلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ تُقَتِّلَنَا مَعَا قَالَ: فَبَكَى الْحَجَّاجُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَعَنْتُ عَلَيْكُنَّ، وَلَا زِدْتُكُنَّ تَضَعْضُعًا، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا قَالَ الرَّجُلُ، وَبِمَا قَالَتِ ابْنَتُهُ هَذِهِ، فَكَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَأْمُرُهُ بِإِطْلَاقِهِ وَحُسْنِ صِلَتِهِ، وَبِالْإِحْسَانِ إِلَى هَذِهِ الْجَارِيَةِ، وَتَفَقُّدِهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ أَيْسَرُ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ. فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ، مَا أَصْفَقَ وَجْهَكَ، وَأَقَلَّ حَيَاءَكَ، تَفْعَلُ مَا تَفْعَلُ وَتَقُولُ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ؟ خِبْتَ وَضَلَّ سَعْيُكَ. فَقَالَ لِلْحَرَسِ: خُذُوهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ قَالَ لَهُ: مَا الَّذِي جَرَّأَكَ عَلَيَّ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا حَجَّاجُ أَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ وَلَا أَجْتَرِئُ أَنَا عَلَيْكَ! وَمَنْ أَنْتَ حَتَّى لَا أَجْتَرِئَ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ تَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ فَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ. فَأُطْلِقَ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِأَسِيرَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ لِي عِنْدَكَ يَدًا. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ الْأَشْعَثِ يَوْمًا أُمَّكَ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ قَالَ: صَاحِبِي هَذَا. فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ؟ قَالَ: بُغْضُكَ. قَالَ: أَطْلِقُوا هَذَا لِصِدْقِهِ، وَهَذَا لِفِعْلِهِ، فَأَطْلَقُوهُمَا. وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْحَجَّاجَ نَادَى فِي الْبَلَدِ; أَنَّ مَنْ خَرَجَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ مِنْ بَيْتِهِ قُتِلَ، فَأُتِيَ لَيْلَةً بِرَجُلٍ، فَقَالَ: مَا أَخْرَجَكَ مِنْ بَيْتِكَ هَذِهِ السَّاعَةَ مِنْ بَعْدِ مَا سَمِعْتَ الْمُنَادِيَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَكْذِبُ الْأَمِيرَ، إِنَّ أُمِّي مَرِيضَةٌ هَالِكَةٌ، وَأَنَا عِنْدَهَا مُنْذُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ السَّاعَةُ أَفَاقَتْ، وَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكَ بِحَقِّي عَلَيْكَ إِلَّا مَضَيْتَ إِلَى أَهْلِكَ وَأَوْلَادِكَ، فَإِنَّهُمْ مَغْمُومُونَ بِتَخَلُّفِكَ عَنْهُمْ. فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، فَأَخَذَنِي الْعَسَسُ وَأَتَوْا بِي إِلَيْكَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: نَنْهَاكُمْ وَتَعْصُونَنَا. ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِآخَرَ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَكْذِبُكَ، إِنَّهُ كَانَ عِنْدِي لِرَجُلٍ دَرَاهِمُ فَأَقْعَدَنِي عَلَى بَابِهِ وَلَزِمَنِي، وَقَالَ: لَا أُفَارِقُكَ إِلَّا بِحَقِّي. فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّاعَةُ دَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ، وَتَرَكَنِي عَلَى بَابِهِ، فَجَاءَنِي طَائِفُكَ فَأَخَذَنِي إِلَيْكَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: اضْرِبُوا عُنُقَهُ. قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِآخَرَ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَخْرَجَكَ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ فَقَالَ: كُنْتُ أَشْرَبُ مَعَ قَوْمٍ، فَلَمَّا سَكِرْتُ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِمْ وَأَنَا لَا أَدْرِي، فَأَخَذُونِي إِلَيْكَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ لِرَجُلٍ كَانَ عِنْدَهُ: مَا أَرَاهُ إِلَّا صَادَقًا. ثُمَّ قَالَ: خَلُّوا سَبِيلَهُ. فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ فِيمَا بَلَغَهُ أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: جَحْدَرُ بْنُ مَالِكٍ. وَكَانَ فَاتِكًا بِأَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهَا يُؤَنِّبُهُ وَيَلُومُهُ عَلَى عَدَمِ أَخْذِهِ، فَمَا زَالَ نَائِبُهَا فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَسَرَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ فَقَالَ: جَرَاءَةُ الْجَنَانِ، وَجَفَاءُ السُّلْطَانِ، وَكَلْبُ الزَّمَانِ، وَلَوِ اخْتَبَرَنِي الْأَمِيرُ لَوَجَدَنِي مِنْ صَالِحِ الْأَعْوَانِ، وَبُهْمِ الْفُرْسَانِ، وَلَوَجَدَنِي مِنْ أَصْلَحِ رَعِيَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنِّي مَا لَقِيتُ فَارِسًا قَطُّ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِي مُقْتَدِرًا. فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: إِنَّا قَاذِفُوكَ فِي حَائِرٍ فِيهِ أَسَدٌ عَاقِرٌ، فَإِنْ قَتَلَكَ كَفَانَا مُؤْنَتَكَ، وَإِنْ قَتَلْتَهُ خَلَّيْنَا سَبِيلَكَ. ثُمَّ أَوْدَعَهُ السِّجْنَ مُقَيَّدًا مَغْلُولَةً يَدُهُ الْيُمْنَى إِلَى عُنُقِهِ، وَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى نَائِبِهِ بِكَسْكَرَ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِأَسَدٍ عَظِيمٍ ضَارٍ، وَقَدْ قَالَ جَحْدَرٌ هَذَا فِي مَحْبَسِهِ هَذَا أَشْعَارًا يَتَحَزَّنُ فِيهَا عَلَى امْرَأَتِهِ سُلَيْمَى أَمِّ عَمْرٍو، يَقُولُ فِي بَعْضِهَا: أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو     وَإِيَّانَا فَذَاكَ بِنَا تَدَانِي بَلَى وَنَرَى الْهِلَالَ كَمَا تَرَاهُ     وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ إِذَا عَلَانِي إِذَا جَاوَزْتُمَا نَخَلَاتِ حَجْرٍ     وَأَوْدِيَةَ الْيَمَامَةِ فَانْعَيَانِي وَقُولَا جَحْدَرٌ أَمْسَى رَهِينًا     يُحَاذِرُ وَقْعَ مَصْقُولٍ يَمَانِي فَلَمَّا قَدِمَ الْأَسَدُ عَلَى الْحَجَّاجِ أَمَرَ بِهِ فَجُوِّعَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أُبْرِزَ إِلَى حَائِرٍ وَهُوَ الْبُسْتَانُ وَأَمَرَ بِجَحْدَرٍ، فَأُخْرِجَ فِي قُيُودِهِ وَيَدُهُ الْيُمْنَى مَغْلُولَةٌ بِحَالِهَا، وَأُعْطِيَ سَيْفًا فِي يَدِهِ الْيُسْرَى، وَخُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسَدِ، وَجَلَسَ الْحَجَّاجُ وَأَصْحَابُهُ فِي مَنْظَرَةٍ، وَأَقْبَلَ جَحْدَرٌ نَحْوَ الْأَسَدِ، وَهُوَ يَقُولُ: لَيْثٌ وَلَيْثٌ فِي مَجَالِ ضَنْكِ     كِلَاهُمَا ذُو أَنَفٍ وَمَحْكِ وَشِدَّةٍ فِي نَفْسِهِ وَفَتْكِ     إِنْ يَكْشِفِ اللَّهُ قِنَاعَ الشَّكِّ فَهْوَ أَحَقُّ مَنْزِلٍ بِتَرْكِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْأَسَدُ زَأَرَ زَأْرَةً شَدِيدَةً، وَتَمَطَّى وَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، فَلَمَّا صَارَ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ رُمْحٍ وَثَبَ الْأَسَدُ عَلَى جَحْدَرٍ وَثْبَةً شَدِيدَةً، فَتَلَقَّاهُ جَحْدَرٌ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً حَتَّى خَالَطَ ذُبَابُ السَّيْفِ لَهَوَاتِهِ، فَخَرَّ الْأَسَدُ كَأَنَّهُ خَيْمَةٌ قَدْ صَرَعَتْهَا الرِّيحُ، مِنْ شِدَّةِ الضَّرْبَةِ، وَسَقَطَ جَحْدَرٌ مِنْ شِدَّةِ وَثْبَةِ الْأَسَدِ; وَشِدَّةِ مَوْضِعِ الْقُيُودِ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ الْحَجَّاجُ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، وَأَنْشَأَ جَحْدَرٌ يَقُولُ: يَا جُمْلُ إِنَّكِ لَوْ رَأَيْتِ كَرِيهَتِي     فِي يَوْمِ هَوْلٍ مُسْدِفٍ وَعَجَاجِ وَتَقَدُّمِي لِلَّيْثِ أَرْسُفُ مُوَثَقًا     كَيْمَا أُثَاوِرَهُ عَلَى الْأَحْرَاجِ شَثْنٌ بَرَاثِنُهُ كَأَنَّ نُيُوبَهُ     زُرْقُ الْمَعَاوِلِ أَوْ شِبَاهُ زُجَاجِ يَسْمُو بِنَاظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فِيهِمَا     لَهَبًا أَحَدُّهُمَا شُعَاعُ سِرَاجِ وَكَأَنَّمَا خِيطَتْ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ     بَرْقَاءُ أَوْ خِرَقٌ مِنَ الدِّيبَاجِ لَعَلِمْتِ أَنِّي ذُو حِفَاظٍ مَاجِدٌ     مِنْ نَسْلِ أَقْوَامٍ ذَوِي أَبْرَاجِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: عَلِمَ النِّسَاءُ بِأَنَّنِي لَا أَنْثَنِي     إِذْ لَا يَثِقْنَ بِغَيْرَةِ الْأَزْوَاجِ وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ كَرِهْتُ نِزَالَهُ     أَنِّي مِنَ الْحَجَّاجِ لَسْتُ بِنَاجِ فَعِنْدَ ذَلِكَ خَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ إِنْ شَاءَ أَقَامَ عِنْدَهُ، وَإِنْ شَاءَ انْطَلَقَ إِلَى بِلَادِهِ، فَاخْتَارَ الْمَقَامَ عِنْدَ الْحَجَّاجِ، فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَأَعْطَاهُ أَمْوَالًا. وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ فَصَاحَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ يَلْحَنُ فِي حُرُوفٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَنْكَرَهَا يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ; مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُبْدِلُ " إِنِ " الْمَكْسُورَةَ بِ " أَنِ " الْمَفْتُوحَةِ، وَعَكْسُهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ إِلَى قَوْلِهِ: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ ( التَّوْبَةِ: 24 ) فَيَقْرَؤُهَا بِرَفْعِ " أَحَبَّ ". وَأَنْكَرَ يَوْمًا أَنْ يَكُونَ الْحُسَيْنُ مِنْ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; لِكَوْنِهِ ابْنَ بِنْتِهِ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ: كَذَبْتَ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى مَا قُلْتَ بِبَيِّنَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ. فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِلَى قَوْلِهِ: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى ( الْأَنْعَامِ: 84، 85 ) فَعِيسَى مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَهُوَ إِنَّمَا يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ مَرْيَمَ، وَالْحُسَيْنُ ابْنُ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ الْحَجَّاجُ: صَدَقْتَ. وَنَفَاهُ إِلَى خُرَاسَانَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْسِ وَالْيَوْمَ وَغَدٍ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: أَكَانَ خُوَيْلِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَكَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ: أَمَّا أَمْسِ فَأَجَلٌ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَعَمَلٌ، وَأَمَّا غَدًا فَأَمَلٌ. توسعة الحجاج على أهل العراق في العطاء بعد قتله ابن الأشعث وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى قَالَ: لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الْأَشْعَثِ، وَصَفَتْ لَهُ الْعِرَاقُ وَسَّعَ عَلَى النَّاسِ فِي الْعَطَاءِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّكَ تُنْفِقُ فِي الْيَوْمِ مَا لَا يُنْفِقُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأُسْبُوعِ، وَتُنْفِقُ فِي الْأُسْبُوعِ مَا لَا يُنْفِقُهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الشَّهْرِ، ثُمَّ قَالَ مُنْشِدًا: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ     وَكُنْ لِوَعِيدِ اللَّهِ تَخْشَى وَتَضْرَعُ وَوَفِّرْ خَرَاجَ الْمُسْلِمِينَ وَفَيْئَهُمْ     وَكُنْ لَهُمُ حِصْنًا تُجِيرُ وَتَمْنَعُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ: لَعَمْرِي لَقَدْ جَاءَ الرَّسُولُ بِكُتْبِكُمْ     قَرَاطِيسَ تُمْلَى ثُمَّ تُطْوَى فَتُطْبَعُ كِتَابٌ أَتَانِي فِيهِ لِينٌ وَغِلْظَةٌ     وَذُكِّرْتُ وَالذِّكْرَى لِذِي اللُّبِّ تَنْفَعُ وَكَانَتْ أُمُورٌ تَعْتَرِينِي كَثِيرَةٌ     فَأَرْضَخُ أَوْ أَعْتَلُّ حِينًا فَأَمْنَعُ إِذَا كُنْتُ سَوْطًا مِنْ عَذَابٍ عَلَيْهِمُ     وَلَمْ يَكُ عِنْدِي بِالْمَنَافِعِ مَطْمَعُ أَيَرْضَى بِذَاكَ النَّاسُ أَوْ يَسْخَطُونَهُ     أَمُ احْمَدُ فِيهِمْ أَمْ أُلَامُ فَأُقْذَعُ وَكَانَتْ بِلَادٌ جِئْتُهَا حِينَ جِئْتُهَا     بِهَا كُلُّ نِيرَانِ الْعَدَاوَةِ تَلْمَعُ فَقَاسَيْتُ مِنْهَا مَا عَلِمْتَ وَلَمْ أَزَلْ     أُصَارِعُ حَتَّى كِدْتُ بِالْمَوْتِ أُصْرَعُ وَكَمْ أَرَجَفُوا مِنْ رَجْفَةٍ قَدْ سَمِعْتُهَا     وَلَوْ كَانَ غَيْرِي طَارَ مِمَّا يُرَوَّعُ وَكُنْتُ إِذَا هَمُّوا بِإِحْدَى قَنَاتِهِمْ     حَسَرْتُ لَهُمْ رَأْسِي وَلَا أَتَقَنَّعُ فَلَوْ لَمْ يَذُدْ عَنِّي صَنَادِيدُ مِنْهُمُ     تُقَسِّمُ أَعْضَائِي ذِئَابٌ وَأَضْبُعُ قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ أَنِ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ. وَقَالَ التَّوْزِيُّ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَوْرِدِ الْجُمَحِيِّ، قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِسَارِقٍ، فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ كُنْتَ غَنِيًّا أَنْ يَأْتِيَكَ الْحُكْمُ، فَيُبْطِلَ عَلَيْكَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: إِذَا قَلَّ ذَاتُ الْيَدِ سَخَتِ النَّفْسُ بِالْمَتَالِفِ. قَالَ: صَدَقْتَ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ حُسْنُ اعْتِذَارٍ يُبْطِلُ حَدًّا لَكُنْتُ لَهُ مُوضِعًا، يَا غُلَامُ، سَيْفٌ صَارِمٌ وَرَجُلٌ قَاطِعٌ. فَقَطَعَ يَدَهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ مُجَاهِدٍ، بسنده عَنِ الْفَرَّاءِ قَالَ: تَغَدَّى الْحَجَّاجُ يَوْمًا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا انْقَضَى غَدَاؤُهُمَا دَعَاهُ الْوَلِيدُ إِلَى شُرْبِ النَّبِيذِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْحَلَالُ مَا أَحْلَلْتَ، وَلَكِنِّي أَنْهَى عَنْهُ أَهْلَ عَمَلِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُخَالِفَ قَوْلَ الْعَبْدِ الصَّالِحِ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: كَتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي إِسْرَافِهِ فِي صَرْفِ الْأَمْوَالِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ وَنَحْنُ خُزَّانُهُ، وَسِيَّانَ مَنْعُ حَقٍّ وَإِعْطَاءُ بَاطِلٍ. وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَتْرُكْ أُمُورًا كَرِهْتَهَا     وَتَطْلُبْ رِضَائِي فِي الَّذِي أَنَا طَالِبُهْ وَتَخْشَى الَّذِي يَخْشَاهُ مِثْلُكَ هَارِبًا     إِلَى اللَّهِ مِنْهُ ضَيَّعَ الدُّرَّ جَالِبُهْ فَإِنْ تَرَ مِنِّي غَفْلَةً قُرَشِيَّةً     فَيَا رُبَّمَا قَدْ غَصَّ بِالْمَاءِ شَارِبُهْ وَإِنْ تَرَ مِنِّي وَثْبَةً أُمَوِيَّةً     فَهَذَا وَهَذَا كُلُّهُ أَنَا صَاحِبُهْ فَلَا تَعْدُ مَا يَأْتِيكَ مِنِّي فَإِنْ تَعُدْ     تَقُمْ فَاعْلَمَنْ يَوْمًا عَلَيْكَ نَوَادِبُهْ فَلَمَّا قَرَأَهُ الْحَجَّاجُ كَتَبَ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَنِي كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَذْكُرُ فِيهِ سَرَفِي فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ، فَوَاللَّهِ مَا بَالَغْتُ فِي عُقُوبَةِ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا قَضَيْتُ حَقَّ أَهْلِ الطَّاعَةِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَرَفًا فَلْيُحِدَّ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَدًّا أَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَا أَتَجَاوَزُهُ. وَكَتَبَ فِي أَسْفَلِ الْكِتَابِ: إِذَا أَنَا لَمْ أَطْلُبْ رِضَاكَ وَأَتَّقِي     أَذَاكَ فَيَوْمِي لَا تَوَارَتْ كَوَاكِبُهْ إِذَا قَارَفَ الْحَجَّاجُ فِيكَ خَطِيئَةً     فَقَامَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّبَاحِ نَوَادِبُهْ أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتَ مِنْ ذِي هَوَادَةٍ     وَمَنْ لَمْ تُسَالِمْهُ فَإِنِّي مُحَارِبُهْ إِذَا أَنَا لَمْ أُدْنِ الشَّفِيقَ لِنُصْحِهِ     وَأُقْصِ الَّذِي تَسْرِي إِلَيَّ عَقَارِبُهْ فَمَنْ يَتَّقِي يَوْمِي وَيَرْجُو إذًا غَدِي     عَلَى مَا أَرَى وَالدَّهْرُ جَمٌّ عَجَائِبُهْ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِلْغَازِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنْ يَسْأَلَ الْحَجَّاجَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ; هَلْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا أَصَابَ مِنَ الدِّمَاءِ شَيْئًا؟ فَسَأَلَهُ كَمَا أَمَرَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي لُبْنَانَ أَوْ سَنِيرًا ذَهَبًا أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَكَانَ مَا أَبْلَانِي اللَّهُ مِنَ الطَّاعَةِ.

  306. التاريخ 2397لا حكم مسجّل

    فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الْكَلِمَاتِ النَّاقِصَةِ وَالْجَرَاءَةِ الْبَالِغَةِ   قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بسنده عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اتَّقَوْا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهِ لَوْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَخَرَجُوا مِنْ بَابٍ آخَرَ لَحَلَّتْ لِي دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَاللَّهِ لَوْ أَخَذْتُ رَبِيعَةَ بِمُضَرَ لَكَانَ ذَلِكَ لِي مِنَ اللَّهِ حَلَالًا، وَمَا عَذِيرِي مِنْ عَبْدِ هُذَيْلٍ يَزْعُمُ أَنَّ قُرْآنَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا هِيَ إِلَّا رَجَزٌ مِنْ رَجَزِ الْأَعْرَابِ مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ، وَعَذِيرِي مِنْ هَذِهِ الْحَمْرَاءِ، يَزْعُمُ أَحَدُهُمْ يَرْمِي بِالْحَجَرِ فَيَقُولُ: إِلَى أَنْ يَقَعَ الْحَجَرُ حَدَثَ أَمْرٌ. فَوَاللَّهِ لَأَدَعَنَّهُمْ كَالْأَمْسِ الدَّابِرِ. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لِلْأَعْمَشِ، فَقَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ سَمِعْتُهُ مِنْهُ. وَهَذَا مِنْ جَرَاءَةِ الْحَجَّاجِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - وَإِقْدَامِهِ عَلَى الْكَلَامِ السَّيِّئِ وَالدِّمَاءِ الْحَرَامِ. وَإِنَّمَا نَقَمَ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ لِكَوْنِهِ خَالَفَ الْقِرَاءَةَ عَلَى الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ، الَّذِي جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجَعَ إِلَى قَوْلِ عُثْمَانَ وَمُوَافِقِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سب الحجاج لعبد الله بن مسعود ؓ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُبَشِّرٍ، بسنده عن الصَّلْتُ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ عَلَى مِنْبَرِ وَاسِطٍ يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ، لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَأَسْقَيْتُ الْأَرْضَ مِنْ دَمِهِ. قَالَ: وَسَمِعْتُهُ عَلَى مِنْبَرِ وَاسِطٍ وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ لَحَسُودًا. وَهَذِهِ جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ تُفْضِي بِهِ إِلَى الْكُفْرِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ، وَأَبْعَدَهُ وَأَقْصَاهُ. وَمِنِ الطَّامَّاتِ أَيْضًا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، بسنده عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ بَزِيعِ بْنِ خَالِدٍ الضَّبِّيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَجَّاجَ يَخْطُبُ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: رَسُولُ أَحَدِكُمْ فِي حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ؟ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أُصَلِّيَ خَلْفَكَ صَلَاةً أَبَدًا، وَإِنْ وَجَدْتُ قَوْمًا يُجَاهِدُونَكَ لَأُجَاهِدَنَّكَ مَعَهُمْ. زَادَ إِسْحَاقُ فِي حَدِيثِهِ: فَقَاتَلَ فِي الْجَمَاجِمِ حَتَّى قُتِلَ. فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ فَظَاهِرُهُ كُفْرٌ إِنْ أَرَادَ تَفْضِيلَ مَنْصِبَ الْخِلَافَةِ عَلَى الرِّسَالَةِ، أَوْ أَرَادَ أَنَّ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّسُولِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: بسنده قَالَ: خَطَبَ الْحَجَّاجُ يَوْمًا فَأَقْبَلَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ، ثُمَّ أَطْرَقَ فَقَالَ: إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ. ثُمَّ أَطْرَقَ فَأَقْبَلَ عَنْ يَسَارِهِ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْحَجَّاجَ كَافِرٌ. فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: كَافِرٌ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى. وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: بسنده عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: بَيْنَمَا الْحَجَّاجُ يَخْطُبُنَا يَوْمًا، إِذْ قَالَ: الْحَجَّاجُ كَافِرٌ. قُلْنَا: مَا لَهُ؟ أَيُّ شَيْءٍ يُرِيدُ؟ قَالَ: الْحَجَّاجُ كَافِرٌ بِيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَالْبَغْلَةِ الشَّهْبَاءِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا لِلْحَجَّاجِ: إِنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يَعْرِفُ عَيْبَ نَفْسِهِ، فَصِفْ لِي عَيْبَ نَفْسِكَ. فَقَالَ: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَبَى، فَقَالَ: أَنَا لَجُوجٌ حَقُودٌ حَسُودٌ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا فِي الشَّيْطَانِ شَرٌّ مِمَّا ذَكَرْتَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: إذًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ إِبْلِيسَ نَسَبٌ. الحجاج كان نقمة على أهل العراق وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ نِقْمَةً عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ بِمَا سَلَفَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْخُرُوجِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَخُذْلَانِهِمْ لَهُمْ، وَعِصْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ، وَالِافْتِيَاتِ عَلَيْهِمْ. قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ بسنده عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ مَنْ حَدَّثَهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ حَصَبُوا أَمِيرَهُمْ فَخَرَجَ غَضْبَانَ، فَصَلَّى لَنَا صَلَاةً، فَسَهَا فِيهَا حَتَّى جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ. فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، ثُمَّ قُمْتُ أَنَا ثَالِثًا أَوْ رَابِعًا، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الشَّامِ، اسْتَعِدُّوا لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ بَاضَ فِيهِمْ وَفَرَّخَ، اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ لَبَسُوا عَلَيْهِمْ فَالْبِسْ عَلَيْهِمْ، وَعَجِّلْ عَلَيْهِمْ بِالْغُلَامِ الثَّقَفِيِّ، يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بسنده عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ اللَّهُمَّ كَمَا ائْتَمَنْتُهُمْ فَخَانُونِي وَنَصَحْتُ لَهُمْ فَغَشُّونِي، فَسَلِّطْ عَلَيْهِمْ فَتَى ثَقِيفٍ الذَّيَّالَ الْمَيَّالَ يَأْكُلُ خَضِرَتَهَا، وَيَلْبَسُ فَرْوَتَهَا، وَيَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ: يَقُولُ الْحَسَنُ: وَمَا خُلِقَ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ. وَرَوَاهُ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، بسنده عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: الشَّابُّ الذَّيَّالُ أَمِيرُ الْمِصْرَيْنِ، يَلْبَسُ فَرْوَتَهَا، وَيَأْكُلُ خَضِرَتَهَا وَيَقْتُلُ أَشْرَافَ أَهْلِهَا، يَشْتَدُّ مِنْهُ الْفَرَقُ، وَيَكْثُرُ مِنْهُ الْأَرَقُ، وَيُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَى شِيعَتِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ": بسنده عن حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ: لَا مِتَّ حَتَّى تُدْرِكَ فَتَى ثَقِيفٍ. قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا فَتَى ثَقِيفٍ؟ قَالَ: لَيُقَالَنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اكْفِنَا زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا جَهَنَّمَ. رَجُلٌ يَمْلِكُ عِشْرِينَ أَوْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ - سَنَةً، لَا يَدَعُ لِلَّهِ مَعْصِيَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا، حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَعْصِيَةٌ وَاحِدَةٌ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا بَابٌ مُغْلَقٌ لَكَسَرَهُ حَتَّى يَرْتَكِبَهَا، يَقْتُلُ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ، بسنده عَنْ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ سِنَانٍ الْجَدَلِيَّةِ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى عَلِيٍّ فَرَدَّهُ قُنْبُرٌ فَأَدْمَى أَنْفَهُ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ يَا أَشْعَثُ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَوْ بِعَبْدِ ثَقِيفٍ تَمَرَّسْتَ لَاقْشَعَرَّتْ شُعَيْرَاتُ اسْتِكَ. قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ عَبْدُ ثَقِيفٍ؟ قَالَ: غُلَامٌ يَلِيهِمْ لَا يُبْقِي أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا أَلْبَسَهُمْ ذُلًّا. قِيلَ: كَمْ يَمْلِكُ؟ قَالَ: عِشْرِينَ إِنْ بَلَغَ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بسنده: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَوْ جَاءَتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِخَبِيثِهَا وَجِئْنَا بِالْحَجَّاجِ لَغَلَبْنَاهُمْ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النُّجُودِ أَنَّهُ قَالَ: مَا بَقِيَتْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حُرْمَةٌ إِلَّا وَقَدِ ارْتَكَبَهَا الْحَجَّاجُ. وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَهُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ هَذَا، وَقَدْ كَانَ نَاصِبِيًّا يُبْغِضُ عَلِيًّا وَشِيعَتَهُ فِي هَوَى آلِ مَرْوَانَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا مِقْدَامًا عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِأَدْنَى شُبْهَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَلْفَاظٌ بَشِعَةٌ شَنِيعَةٌ ظَاهِرُهَا الْكُفْرُ كَمَا قَدَّمْنَا، فَإِنْ كَانَ قَدْ تَابَ مِنْهَا وَأَقْلَعَ عَنْهَا، وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ فِي عُهْدَتِهَا، وَلَكِنْ قَدْ يُخْشَى أَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْهُ بِنَوْعٍ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ; فَإِنَّ الشِّيعَةَ كَانُوا يُبْغِضُونَهُ جِدًّا لِوُجُوهٍ، وَرُبَّمَا حَرَّفُوا عَلَيْهِ بَعْضَ الْكَلِمِ، وَزَادُوا فِيمَا يَحْكُونَهُ عَنْهُ بَشَاعَاتٍ وَشَنَاعَاتٍ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَتَدَيَّنُ بِتَرْكِ الْمُسْكِرِ، وَكَانَ يُكْثِرُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَيَتَجَنَّبُ الْمَحَارِمَ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالْفُرُوجِ، وَإِنْ كَانَ مُتَسَرِّعًا فِي سَفْكِ الدِّمَاءِ. فَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَحَقَائِقِ الْأُمُورِ وَسَائِرِهَا، وَخَفِيَّاتِ الصُّدُورِ وَضَمَائِرِهَا. تطاول الحجاج بن يوسف على أنس بن مالك ؓ وَقَالَ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ طَرَارَا الْبَغْدَادِيُّ: بسنده قَالَ: دَخَلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِيهٍ إِيهٍ يَا أُنَيْسُ، يَوْمٌ لَكَ مَعَ عَلِيٍّ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَيَوْمٌ لَكَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، وَاللَّهِ لَأَسْتَأْصِلَنَّكَ كَمَا تُسْتَأْصَلُ الشَّأْفَةُ، وَلَأَدْمَغَنَّكَ كَمَا تُدْمَغُ الصَّمْغَةُ. فَقَالَ أَنَسٌ: إِيَّايَ يَعْنِي الْأَمِيرُ أَصْلَحَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: إِيَّاكَ، سَكَّ اللَّهُ سَمْعَكَ. قَالَ أَنَسٌ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَوْلَا الصِّبْيَةُ الصِّغَارُ مَا بَالَيْتُ أَيَّ قِتْلَةٍ قُتِلْتُ، وَلَا أَيَّ مِيتَةٍ مِتُّ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْحَجَّاجِ فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ، فَلَمَّا قَرَأَ عَبْدُ الْمَلِكِ كِتَابَ أَنَسٍ اسْتَشَاطَ غَضَبًا، وَصَفَّقَ عَجَبًا، وَتَعَاظَمَ ذَلِكَ مِنَ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ كِتَابُ أَنَسٍ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَمَّا بَعْدُ; فَإِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِي هُجْرًا، وَأَسْمَعَنِي نُكْرًا، وَلَمْ أَكُنْ لِذَلِكَ أَهْلًا، فَخُذْ لِي عَلَى يَدَيْهِ، فَإِنِّي أَمُتُّ بِخِدْمَتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصُحْبَتِي إِيَّاهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ وَكَانَ مُصَادِقًا لِلْحَجَّاجِ فَقَالَ لَهُ: دُونَكَ كِتَابَيَّ هَذَيْنِ فَخُذْهُمَا، وَارْكَبِ الْبَرِيدَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَابْدَأْ بِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَادْفَعْ كِتَابِي إِلَيْهِ، وَأَبْلِغْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، قَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْحَجَّاجِ الْمَلْعُونِ كِتَابًا، إِذَا قَرَأَهُ كَانَ أَطْوَعَ لَكَ مِنْ أَمَتِكَ. وَكَانَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَمَّا بَعْدُ; فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ مِنْ شِكَايَتِكَ الْحَجَّاجَ، وَمَا سَلَّطْتُهُ عَلَيْكَ، وَلَا أَمَرْتُهُ بِالْإِسَاءَةِ إِلَيْكَ، فَإِنْ عَادَ لِمِثْلِهَا اكْتُبْ إِلَيَّ بِذَلِكَ أُنْزِلْ بِهِ عُقُوبَتِي، وَتَحْسُنْ لَكَ مَعُونَتِي، وَالسَّلَامُ. فَلَمَّا قَرَأَ أَنَسٌ كِتَابَهُ وَأُخْبِرَ بِرِسَالَتِهِ قَالَ: جَزَى اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِّي خَيْرًا، وَعَافَاهُ وَكَفَاهُ، وَكَافَأَهُ بِالْجَنَّةِ، فَهَذَا كَانَ ظَنِّي بِهِ وَالرَّجَاءَ مِنْهُ. فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَسٍ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّ الْحَجَّاجَ عَامِلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ بِكَ عَنْهُ غِنًى، وَلَا بِأَهْلِ بَيْتِكَ، وَلَوْ جُعِلَ لَكَ فِي جَامِعَةٍ ثُمَّ دُفِعَ إِلَيْكَ لَقَدَرَ أَنْ يَضُرَّ وَيَنْفَعَ، فَقَارِبْهُ وَدَارِهِ; تَعِشْ مَعَهُ بِخَيْرٍ وَسَلَامٍ. فَقَالَ أَنَسٌ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ إِسْمَاعِيلُ مِنْ عِنْدِهِ فَدَخَلَ عَلَى الْحَجَّاجِ، فَلَمَّا رَآهُ الْحَجَّاجُ قَالَ: مَرْحَبًا بِرَجُلٍ أُحِبُّهُ وَكُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَهُ. فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: أَنَا وَاللَّهِ كُنْتُ أُحِبُّ لِقَاءَكَ فِي غَيْرِ مَا أَتَيْتُكَ بِهِ. فَتَغَيَّرَ لَوْنُ الْحَجَّاجِ، وَقَالَ: مَا أَتَيْتَنِي بِهِ؟ قَالَ: فَارَقْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكَ غَضَبًا، وَمِنْكَ بُعْدًا. قَالَ: فَاسْتَوَى الْحَجَّاجُ جَالِسًا مَرْعُوبًا فَرَمَى إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بِالطُّومَارِ، فَجَعَلَ الْحَجَّاجُ يَنْظُرُ فِيهِ مَرَّةً وَيَعْرَقُ، وَيَنْظُرُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ أُخْرَى، فَلَمَّا نَقَضَهُ قَالَ: قُمْ بِنَا إِلَى أَبِي حَمْزَةَ نَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَنَتَرَضَّاهُ. فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: لَا تَعْجَلْ. فَقَالَ: كَيْفَ لَا أَعْجَلُ، وَقَدْ أَتَيْتَنِي بِآبِدَةٍ؟ وَكَانَ فِي الطُّومَارِ: إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، أَمَّا بَعْدُ; فَإِنَّكَ عَبْدٌ طَمَتْ بِكَ الْأُمُورُ فَسَمَوْتَ فِيهَا، وَعَدَوْتَ طَوْرَكَ، وَجَاوَزْتَ قَدْرَكَ، وَرَكِبْتَ دَاهِيَةً إِدًّا، وَأَرَدْتَ أَنْ تَبُورَنِي، فَإِنْ سَوَّغْتُكَهَا مَضَيْتَ قُدُمًا، وَإِنْ لَمْ أُسَوِّغْهَا رَجَعْتَ الْقَهْقَرَى، فَلَعَنَكَ اللَّهُ عَبْدًا أَخْفَشَ الْعَيْنَيْنِ، مَنْقُوصَ الْجَاعِرَتَيْنِ، أَنَسِيتَ مَكَاسِبَ آبَائِكَ بِالطَّائِفِ، وَحَفْرَهُمُ الْآبَارَ، وَنَقْلَهُمُ الصُّخُورَ عَلَى ظُهُورِهِمْ فِي الْمَنَاهِلِ؟ يَا ابْنَ الْمُسْتَفْرِمَةِ بِعُجْمِ الزَّبِيبِ، وَاللَّهِ لَأَغْمِزَنَّكَ غَمْزَ اللَّيْثِ الثَّعْلَبَ، وَالصَّقْرَ الْأَرْنَبَ، وَثَبْتَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَلَمْ تَقْبَلْ لَهُ إِحْسَانَهُ، وَلَمْ تَجَاوَزْ لَهُ إِسَاءَتَهُ، جُرْأَةً مِنْكَ عَلَى الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وَاسْتِخْفَافًا مِنْكَ بِالْعَهْدِ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى رَأَتْ رَجُلًا خَدَمَ عُزَيْرَ بْنَ عِزْرَا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَعَظَّمَتْهُ وَشَرَّفَتْهُ وَأَكْرَمَتْهُ، فَكَيْفَ وَهَذَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَ سِنِينَ، يُطْلِعُهُ عَلَى سِرِّهِ، وَيُشَاوِرُهُ فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا أَصْحَابِهِ، فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَكُنْ أَطْوَعَ لَهُ مِنْ خُفِّهِ وَنَعْلِهِ، وَإِلَّا أَتَاكَ مِنِّي سَهْمٌ مُثْكَلٌ بِحَتْفٍ قَاضٍ، وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. وَقَدْ تَكَلَّمَ ابْنُ طَرَارَا عَلَى مَا وَقَعَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنَ الْغَرِيبِ، وَكَذَلِكَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنِ الزُّبَيْرِ يَعْنِي ابْنَ عَدِيٍّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: اصْبِرُوا; فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ عَامٌ أَوْ يَوْمٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ، سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ ﷺ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُصَلُّونَ فِيهِ عَلَى الْحَجَّاجِ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ، بسنده قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُمْ لَتَمَنَّوُنَّ الْحَجَّاجَ. الحجاج والحسن البصري وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّكَ تَقُولُ: الْآخِرُ شَرٌّ مِنَ الْأَوَّلِ. وَهَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ الْحَجَّاجِ. فَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ تَنْفِيسَاتٍ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ بَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْحَسَنِ وَقَدْ هَمَّ بِهِ، فَلَمَّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، قَالَ: يَا حَجَّاجُ، كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ آدَمَ مِنْ أَبٍ؟ قَالَ: كَثِيرٌ. قَالَ: فَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ: مَاتُوا. قَالَ: فَنَكَّسَ الْحَجَّاجُ رَأْسَهُ، وَخَرَجَ الْحَسَنُ. وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ: إِنَّ الْحَجَّاجَ أَرَادَ قَتْلَ الْحَسَنِ مِرَارًا، فَعَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُ. وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ مَعَهُ مُنَاظَرَاتٍ، عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَرَى الْخُرُوجَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَعَهُمْ مُكْرَهًا، كَمَا قَدَّمْنَا، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ نِقْمَةٌ، فَلَا تُقَابَلُ نِقْمَةُ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وَعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ وَالسَّكِينَةِ وَالتَّضَرُّعِ. رأي الخوارج في الحجاج بن يوسف وَقَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ بسنده عَنِ ابْنِ عَائِشَةَ قَالَ: أُتِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِرَجُلٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَأَثْنَى خَيْرًا، قَالَ: فَعُثْمَانَ؟ فَأَثْنَى خَيْرًا، حَتَّى قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ فِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ؟ فَقَالَ: الْآنَ جَاءَتِ الْمَسْأَلَةُ، مَا أَقُولُ فِي رَجُلٍ الْحَجَّاجُ خَطِيئَةٌ مِنْ خَطَايَاهُ؟ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ: أُتِيَ الْحَجَّاجُ بِامْرَأَةٍ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُهَا وَهِيَ لَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَلَا تَرُدُّ عَلَيْهِ كَلَامًا، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ الشُّرَطِ: يُكَلِّمُكِ الْأَمِيرُ وَأَنْتِ مُعْرِضَةٌ عَنْهُ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ. فَأَمَرَ بِهَا فَقُتِلَتْ. عدد قتلى الحجاج بن يوسف وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بسنده عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: خَرَجْتَ عَلَى الْحَجَّاجِ؟ قَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ عَلَيْهِ حَتَّى كَفَرَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ بَعْدَهُ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا اسْمُهُ مَاهَانُ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ قَبْلَهُ خَلْقًا كَثِيرًا، أَكْثَرُهُمْ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ. وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ بسنده عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ: أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: بسنده عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ قَحْذَمٍ، قَالَ: أَطْلَقَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ أَحَدًا وَثَمَانِينَ أَلْفَ أَسِيرٍ، وَعُرِضَتِ السُّجُونُ بَعْدَ الْحَجَّاجِ فَوَجَدُوا فِيهَا ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَطْعٌ وَلَا صَلْبٌ، وَكَانَ فِي مَنْ حُبِسَ أَعْرَابِيٌّ وُجِدَ يَبُولُ فِي أَصْلِ رَبَضِ مَدِينَةِ وَاسِطٍ، وَكَانَ فِي مَنْ أُطْلِقُ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: إِذَا نَحْنُ جَاوَزْنَا مَدِينَةَ وَاسِطٍ خَرَيْنَا وَصَلَّيْنَا بِغَيْرِ حِسَابِ وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ مَعَ هَذَا الْعُنْفِ الشَّدِيدِ لَا يَسْتَخْرِجُ مِنْ خَرَاجِ الْعِرَاقِ كَبِيرَ أَمْرٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: بسنديهما قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ تَخَابَثَتِ الْأُمَمُ وَجِئْنَا بِالْحَجَّاجِ لَغَلَبْنَاهُمْ، وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِدُنْيَا وَلَا لِآخِرَةٍ، لَقَدْ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَهُوَ أَوْفَرُ مَا يَكُونُ فِي الْعِمَارَةِ، فَأَخَسَّ بِهِ حَتَّى صَيَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَلَقَدْ أُدِّيَ إِلَيَّ فِي عَامِي هَذَا ثَمَانُونَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَإِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ رَجَوْتُ أَنْ يُؤَدَّى إِلَيَّ مَا أُدِّيَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِائَةُ أَلْفِ أَلْفٍ وَعَشَرَةُ آلَافِ أَلْفٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ: بسنده قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَسْتَنُّ بِسَنَنِ الْحَجَّاجِ فَلَا تَسْتَنَّ بِسَنَنِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، وَيَأْخُذُ الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِ حَقِّهَا، وَكَانَ لِمَا سِوَى ذَلِكَ أَضْيَعَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: بسنده عَنِ الرَّيَّانِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِآلِ أَبِي عَقِيلٍ أَهْلِ بَيْتِ الْحَجَّاجِ إِلَى صَاحِبِ الْيَمَنِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ بِآلِ أَبِي عَقِيلٍ وَهُمْ شَرُّ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ، فَفَرِّقْهُمْ فِي الْعَمَلِ عَلَى قَدْرِ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَعَلَيْنَا، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ. وَإِنَّمَا نَفَاهُمْ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ يَقُولُ: كَانَ الْحَجَّاجُ يَنْقُضُ عُرَى الْإِسْلَامِ. وَذَكَرَ حِكَايَةً. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ: لَمْ يُبْقِ لِلَّهِ حُرْمَةً إِلَّا ارْتَكَبَهَا الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ. الاختلاف في أمر الحجاج وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ: اخْتَلَفُوا فِي الْحَجَّاجِ، فَسَأَلُوا مُجَاهِدًا، فَقَالَ: تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّيْخِ الْكَافِرِ؟ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْحَجَّاجُ مُؤْمِنٌ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ، كَافِرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ. كَذَا قَالَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، بسنده عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عَجَبًا لِإِخْوَانِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ; يُسَمُّونَ الْحَجَّاجَ مُؤْمِنًا ! وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُسْأَلُ عَنِ الْحَجَّاجِ: أَتَشْهَدُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: أَتَأْمُرُونِي أَنْ أَشْهَدَ عَلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ لَعْنِ الْحَجَّاجِ أَوْ بَعْضِ الْجَبَابِرَةِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( هُودٍ: 18 ) ؟ وَبِهِ; قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَفَى بِالرَّجُلِ عَمًى أَنْ يَعْمَى عَنْ أَمْرِ الْحَجَّاجِ. وَقَالَ سَلَامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ: لَأَنَا لِلْحَجَّاجِ أَرْجَى مِنِّي لِعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ; لَأَنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ النَّاسَ عَلَى الدُّنْيَا، وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ أَحْدَثَ لِلنَّاسِ بِدْعَةً، فَقَتَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَالَ الزِّبْرِقَانُ: سَبَبْتُ الْحَجَّاجَ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي وَائِلٍ، فَقَالَ: لَا تَسُبُّهُ; لَعَلَّهُ قَالَ يَوْمًا: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي. فَيَرْحَمُهُ، إِيَّاكَ وَمُجَالَسَةَ مَنْ يَقُولُ: أَرَأَيْتَ أَرَأَيْتَ. وَقَالَ عَوْفٌ: ذُكِرَ الْحَجَّاجُ عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَقَالَ: مِسْكِينٌ أَبُو مُحَمَّدٍ; إِنْ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَبِذَنْبِهِ، وَإِنْ يَغْفِرْ لَهُ فَهَنِيئًا لَهُ، وَإِنْ يَلْقَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، فَقَدْ أَصَابَ الذُّنُوبَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. فَقِيلَ لَهُ: مَا الْقَلْبُ السَّلِيمُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ حَقٌّ قَائِمَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ. وَقَالَ أَبُو قَاسِمٍ الْبَغَوِيُّ بسنده قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: اشْهَدْ عَلَى الْحَجَّاجِ وَعَلَى أَبِي مُسْلِمٍ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ. قَالَ: لَا، إِذَا أَقَرَّا بِالتَّوْحِيدِ. وَقَالَ الرِّيَاشِيُّ: بسنده قَالَ: مَرَّ الْحَجَّاجُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَسَمِعَ اسْتِغَاثَةً، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: أَهْلُ السُّجُونِ يَقُولُونَ: قَتَلَنَا الْحَرُّ. فَقَالَ: قُولُوا لَهُمْ: اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ. قَالَ: فَمَا عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا أَقَلَّ مِنْ جُمُعَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَأْتِي الْجُمُعَةَ، وَقَدْ كَادَ يَهْلِكُ مِنَ الْعِلَّةِ. مرض ووفاة الحجاج وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمَّا مَرِضَ الْحَجَّاجُ أَرْجَفَ النَّاسُ بِمَوْتِهِ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنْ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَهُمْ، فَقَالُوا: مَاتَ الْحَجَّاجُ، وَمَاتَ الْحَجَّاجُ. فَمَهْ، وَهَلْ يَرْجُو الْحَجَّاجُ الْخَيْرَ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ؟ وَاللَّهُ مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا أَمُوتَ وَأَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَمَا رَأَيْتُ اللَّهَ رَضِيَ التَّخْلِيدَ إِلَّا لِأَهْوَنِ خَلْقِهِ عَلَيْهِ إِبْلِيسَ، قَالَ اللَّهُ لَهُ: إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ [ الْأَعْرَافِ: 15 ]. فَأَنْظَرَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَلَقَدْ دَعَا اللَّهُ الْعَبْدَ الصَّالِحَ، فَقَالَ: وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ص: 35 ]. فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا الْبَقَاءَ، فَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ أَيُّهَا الرَّجُلُ، وَكُلُّكُمْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، كَأَنِّي وَاللَّهِ بِكُلِّ حَيٍّ مِنْكُمْ مَيِّتًا، وَبِكُلِّ رَطْبٍ يَابِسًا، ثُمَّ نُقِلَ فِي ثِيَابِ أَكْفَانِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ طُولًا فِي ذِرَاعٍ عَرْضًا، فَأَكَلَتِ الْأَرْضُ لَحْمَهُ، وَمَصَّتْ صَدِيدَهُ، وَانْصَرَفَ الْحَبِيبُ مِنْ وَلَدِهِ يَقْسِمُ الْحَبِيبَ مِنْ مَالِهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ يَعْقِلُونَ مَا أَقُولُ. ثُمَّ نَزَلَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ، بسنده عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَسَدْتُ الْحَجَّاجَ عَدُوَّ اللَّهِ عَلَى شَيْءٍ حَسَدِي إِيَّاهُ عَلَى حُبِّهِ الْقُرْآنَ وَإِعْطَائِهِ أَهْلَهُ، وَقَوْلِهِ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُبْغِضُ الْحَجَّاجَ، فَنَفَسَ عَلَيْهِ بِكَلِمَةٍ قَالَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّكَ لَا تَفْعَلُ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ: قِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ كَذَا وَكَذَا قَالَ: أَقَالَهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: عَسَى. وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ، عَنِ الرِّيَاشِيِّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتِ الْحَجَّاجَ الْوَفَاةُ أَنْشَأَ يَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الْأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا     بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِي النَّارِ أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ وَيْحَهُمُ     مَا عِلْمُهُمْ بِعَظِيمِ الْعَفْوِ غَفَّارِ قَالَ: فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ الْحَسَنُ فَقَالَ: تَاللَّهِ إِنْ نَجَا فَبِهِمَا. وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الْمَوَالِيَ إِذَا شَابَتْ عَبِيدُهُمْ     فِي رِقِّهِمْ عَتَقُوهُمْ عِتْقَ أَبْرَارِ وَأَنْتَ يَا خَالِقِي أَوْلَى بِذَا كَرَمًا     قَدْ شِبْتُ فِي الرِّقِّ فَاعْتِقْنِي مِنَ النَّارِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِ حَتَّى أَشْرَفَتْ جَارِيَةٌ فَبَكَتْ، فَقَالَتْ: أَلَا إِنَّ مُطْعِمَ الطَّعَامِ وَمُفَلِّقَ الْهَامِ، وَسَيِّدَ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: الْيَوْمَ يَرْحَمُنَا مَنْ كَانَ يَغْبِطُنَا     وَالْيَوْمَ يَأْمَنُنَا مَنْ كَانَ يَخْشَانَا وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ، بسنده عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أُخْبِرَ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ مِرَارًا، فَلَمَّا تَحَقَّقَ وَفَاتَهُ قَالَ: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( الْأَنْعَامِ: 45 ). وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْحَسَنَ لَمَّا بُشِّرَ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ سَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ مُخْتَفِيًا فَظَهَرَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَمَتَّهُ فَأَذْهِبْ عَنَّا سُنَّتَهُ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: لَمَّا أَخْبَرْتُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيَّ بِمَوْتِ الْحَجَّاجِ بَكَى مِنَ الْفَرَحِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: بسنده قَالَ: قَالَ زِيَادُ بْنُ الرَّبِيعِ الْحَارِثِيُّ لِأَهْلِ السِّجْنِ: يَمُوتُ الْحَجَّاجُ فِي مَرَضِهِ هَذَا فِي لَيْلَةِ كَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَمْ يَنَمْ أَهْلُ السِّجْنِ فَرَحًا، جَلَسُوا يَنْتَظِرُونَ حَتَّى سَمِعُوا الْوَاعِيَةَ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ. وَقِيلَ: فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً; لِأَنَّ مَوْلِدَهُ كَانَ عَامَ الْجَمَاعَةِ سَنَةَ أَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَاتَ بِوَاسِطٍ، وَعُفِيَ قَبْرُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ الْمَاءُ لِكَيْلَا يُنْبَشَ وَيُحْرَقَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: مَا كَانَ أَعْجَبَ الْحَجَّاجَ، مَا تَرَكَ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: بسنده عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَرِيبٍ، ثَنَا عَمِّي قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ الْحَجَّاجَ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَمُصْحَفًا، وَسَيْفًا، وَسَرْجًا، وَرَحْلًا، وَمِائَةَ دِرْعٍ مَوْقُوفَةٍ. وَقَالَ شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ: حَدَّثَنِي عَمِّي يَزِيدُ بْنُ حَوْشَبٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِوَصِيَّةِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. فَقُلْتُ: اعْفِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِهَا. فَقُلْتُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَّا طَاعَةَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَيْهَا يَحْيَا، وَعَلَيْهَا يَمُوتُ، وَعَلَيْهَا يُبْعَثُ، وَأَوْصَى بِتِسْعِمِائَةِ دِرْعٍ حَدِيدٍ; سِتِّمِائَةٍ مِنْهَا لِمُنَافِقِي أَهْلِ الْعِرَاقِ يَغْزُونَ بِهَا، وَثَلَاثِمِائَةٍ لِلتُّرْكِ. قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو جَعْفَرٍ رَأْسَهُ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ الطُّوسِيِّ وَكَانَ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ: هَذِهِ وَاللَّهِ الشِّيعَةُ لَا شِيعَتُكُمْ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي بِكُلِّ قَتْلَةٍ قَتَلْتُ بِهَا إِنْسَانًا. قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، مَا صَنَعَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ، أَمَا سَأَلْتَ عَنْ هَذَا عَامَ أَوَّلَ؟ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يُوسُفَ كُنْتُ عِنْدَ الرَّشِيدِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ الْبَارِحَةَ فِي النَّوْمِ، قَالَ: فِي أَيِّ زِيٍّ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: فِي زِيٍّ قَبِيحٍ. فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ: مَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ؟ فَقَالَ هَارُونُ: صَدَقْتَ وَاللَّهِ، أَنْتَ رَأَيْتَ الْحَجَّاجَ حَقًّا، مَا كَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ لِيَدَعَ صَرَامَتَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا. وَقَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ بسنده عَنْ أَشْعَثَ الْحُدَّانِيِّ. قَالَ: رَأَيْتُ الْحَجَّاجَ فِي الْمَنَامِ فِي حَالَةٍ سَيِّئَةٍ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: مَا قَتَلْتُ أَحَدًا قِتْلَةً إِلَّا قَتَلَنِي بِهَا. فَقُلْتُ: ثُمَّ مَهْ. قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِي إِلَى النَّارِ. قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ. قَالَ: ثُمَّ أَرْجُو مَا يَرْجُو أَهْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَيُخْلِفَنَّ اللَّهُ رَجَاءَهُ فِيهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ: سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيَّ يَقُولُ: كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجْلِسُ مَجْلِسًا إِلَّا ذَكَرَ فِيهِ الْحَجَّاجَ فَدَعَا عَلَيْهِ، قَالَ: فَرَآهُ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الْحَجَّاجُ؟ قَالَ: أَنَا الْحَجَّاجُ. قَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: قُتِلْتُ بِكُلِّ قَتِيلٍ قَتَلْتُهُ، ثُمَّ عُزِلْتُ مَعَ الْمُوَحِّدِينَ. قَالَ: فَأَمْسَكَ الْحَسَنُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ شَتْمِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  307. التاريخ 2398لا حكم مسجّل

    مَا فَعَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بَعْدَ مَوْتِ الْحَجَّاجِ وَقَتْلِهِ   لَمَّا مَاتَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بِالْمُلْتَانِ، فَأَتَاهُ خَبَرُ وَفَاتِهِ، فَرَجَعَ إِلَى الرُّورِ وَالْبَغْرُورِ، وَكَانَ قَدْ فَتَحَهُمَا، فَأَعْطَى النَّاسَ، وَوَجَّهَ إِلَى الْبَيْلَمَانِ جَيْشًا، فَلَمْ يُقَاتِلُوا وَأَعْطَوُا الطَّاعَةَ، وَسَأَلَهُ أَهْلُ سُرَشْتَ، وَهِيَ مَغْزَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَهْلُهَا يَقْطَعُونَ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَتَى مُحَمَّدٌ الْكَيْرَجَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ دَوْهَرُ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ دَوْهَرُ وَهَرَبَ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ، وَنَزَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ فَقَتَلَ وَسَبَى، قَالَ الشَّاعِرُ: نَحْنُ قَتَلْنَا ذَاهِرًا وَدَوْهَرَا وَالْخَيْلُ تَرْدِي مِنْسَرًا فَمِنْسَرَا وَمَاتَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَوَلَّى يَزِيدَ بْنَ أَبِي كَبْشَةَ السَّكْسَكِيَّ السِّنْدَ، فَأَخَذَ مُحَمَّدًا وَقَيَّدَهُ وَحَمَلَهُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ مُتَمَثِّلًا: أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا     لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وَسِدَادِ ثَغْرِ فَبَكَى أَهْلُ السِّنْدِ عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْعِرَاقِ حَبَسَهُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِوَاسِطَ، فَقَالَ: فَلَئِنْ ثَوَيْتُ بِوَاسِطٍ وَبِأَرْضِهَا     رَهْنَ الْحَدِيدِ مُكَبَّلًا مَغْلُولَا فَلَرُبَّ قَيْنَةِ فَارِسٍ قَدْ رُعْتُهَا     وَلَرُبَّ قَرْنٍ قَدْ تَرَكْتُ قَتِيلَا وَقَالَ: وَلَوْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ الْفِرَارَ لَوُطِّئَتْ     إِنَاثٌ أُعِدَّتْ لِلْوَغَى وَذُكُورُ وَمَا دَخَلَتْ خَيْلُ السَّكَاسِكِ أَرْضَنَا     وَلَا كَانَ مِنْ عَكٍّ عَلَيَّ أَمِيرُ وَمَا كُنْتُ لِلْبُدِّ الْمَزُونِيِّ تَابِعًا     فَيَا لَكَ دَهْرٌ بِالْكِرَامِ عَثُورُ فَعَذَّبَهُ صَالِحٌ فِي رِجَالٍ مِنْ آلِ أَبِي عَقِيل حَتَّى قَتَلَهُ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَتْلَ آدَمَ أَخَا صَالِحٍ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ بَيْضٍ الْحَنَفِيُّ يَرْثِي مُحَمَّدًا: إِنَّ الْمُرُوءَةَ وَالسَّمَاحَةَ وَالنَّدَى     لِمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ سَاسَ الْجُيُوشَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً     يَا قُرْبَ ذَلِكَ سُؤْدُدًا مِنْ مَوْلِدِ وَقَالَ آخَرُ: سَاسَ الرِّجَالَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً     وَلِدَاتُهُ إِذْ ذَاكَ فِي أَشْغَالِ وَمَاتَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي كَبْشَةَ بَعْدَ قُدُومِهِ أَرْضَ السِّنْدِ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاسْتَعْمَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى السِّنْدِ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَقَدِمَهَا وَقَدْ رَجَعَ مُلُوكُ السِّنْدِ إِلَى مَمَالِكِهِمْ وَرَجَعَ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرٍ إِلَى بِرْهَمْنَابَاذَ، فَنَزَلَ حَبِيبٌ عَلَى شَاطِئِ مِهْرَانَ، فَأَعْطَاهُ أَهْلُ الرُّورِ الطَّاعَةَ، وَحَارَبَ قَوْمًا فَظَفِرَ بِهِمْ. ثُمَّ مَاتَ سُلَيْمَانُ وَاسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إِلَى الْمُلُوكِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَالطَّاعَةِ عَلَى أَنْ يُمَلِّكَهُمْ، وَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ. فَأَسْلَمَ جَيْشَبَهْ وَالْمُلُوكُ، وَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْعَرَبِ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ الْبَاهِلِيُّ عَامِلَ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ، فَغَزَا بَعْضَ الْهِنْدِ فَظَفِرَ. ثُمَّ إِنَّ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلِيَ السِّنْدَ أَيَّامَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَتَى الْجُنَيْدُ شَطَّ مِهْرَانَ فَمَنَعَهُ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرٍ الْعُبُورَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَوَلَّانِي الرَّجُلُ الصَّالِحُ بِلَادِي وَلَسْتُ آمَنُكَ، فَأَعْطَاهُ رُهُنًا وَأَخَذَ مِنْهُ رُهُنًا عَلَى خَرَاجِ بِلَادِهِ، ثُمَّ تَرَادَّا وَكَفَرَ جَيْشَبَهْ وَحَارَبَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُحَارِبْ وَلَكِنَّ الْجُنَيْدَ تَجَنَّى عَلَيْهِ، فَأَتَى الْهِنْدَ فَجَمَعَ جُمُوعًا، وَأَعَدَّ السُّفُنَ وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ بِالسُّفُنِ، فَالْتَقَوْا فِي بَطِيحَةَ، فَأُخِذَ جَيْشَبَهْ أَسِيرًا، وَقَدْ جَنَحَتْ سَفِينَتُهُ، فَقَتَلَهُ الْجُنَيْدُ وَهَرَبَ صَصَّةُ بْنُ ذَاهِرٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى الْعِرَاقِ فَيَشْكُوَ غَدْرَ الْجُنَيْدِ، فَلَمْ يَزَلِ الْجُنَيْدُ يُؤْنِسُهُ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَقَتَلَهُ. وَغَزَا الْجُنَيْدُ الْكَيْرَجَ، وَكَانُوا قَدْ نَقَضُوا، فَاتَّخَذُوا كَبْشًا وَصَكَّ بِهَا سُورَ الْمَدِينَةِ، فَثَلَمَهُ وَدَخَلَهَا، فَقَتَلَ وَسَبَى، وَوَجَّهَ الْعُمَّالَ إِلَى الْمَرْمَذِ وَالْمَنْدَلِ وَدَهْنَجَ وَبُرُوَنْجَ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ يَقُولُ: الْقَتْلُ فِي الْجَزَعِ أَكْبَرُ مِنْهُ فِي الصَّبْرِ. وَوَجَّهَ جَيْشًا إِلَى أَزِينَ فَأَغَارُوا عَلَيْهَا وَحَرَّقُوا رَبْضَهَا، وَفَتَحَ الْبَيْلَمَانَ، وَحَصَلَ عِنْدَهُ سِوَى مَا حَمَلَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَحَمَلَ مِثْلَهَا، وَوَلَّى الْجُنَيْدُ تَمِيمَ بْنَ زَيْدٍ الْقَيْنِيَّ، فَضَعُفَ وَوَهَنَ، وَمَاتَ قَرِيبًا مِنَ الدَّيْبُلِ. وَفِي أَيَّامِهِ خَرَجَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ بِلَادِ الْهِنْدِ وَرَفَضُوا مَرَاكِزَهُمْ، ثُمَّ وُلِّيَ الْحَكَمُ بْنُ عَوَّامٍ الْكَلْبِيُّ، وَقَدْ كَفَرَ أَهْلُ الْهِنْدِ إِلَّا أَهْلَ قَصَّةَ، فَبَنَى مَدِينَةً سَمَّاهَا الْمَحْفُوظَةَ، وَجَعَلَهَا مَأْوَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ مَعَهُ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَكَانَ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ عَظِيمَ الْأُمُورِ، فَأَغْزَاهُ مِنَ الْمَحْفُوظَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَقَدْ ظَفِرَ أَمَرَهُ فَبَنَى مَدِينَةً وَسَمَّاهَا الْمَنْصُورَةَ، فَهِيَ الَّتِي يَنْزِلُهَا الْأُمَرَاءُ، وَاسْتَخْلَصَ مَا كَانَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ، وَرَضِيَ النَّاسُ بِوِلَايَتِهِ، وَكَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَقُولُ: وَاعْجَبَا ! وَلَّيْتُ فَتَى الْعَرَبِ، يَعْنِي تَمِيمًا، فَرُفِضَ وَتُرِكَ، وَوَلَّيْتُ أَبْخَلَ الْعَرَبِ فَرُضِيَ بِهِ. ثُمَّ قُتِلَ الْحَكَمُ، وَكَانَ الْعُمَّالُ يُقَاتِلُونَ الْعَدُوَّ، فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ نَاحِيَةً وَيَأْخُذُونَ مَا تَيَسَّرَ لَهُمْ لِضَعْفِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، إِلَى أَنْ جَاءَتِ الدَّوْلَةُ الْمُبَارَكَةُ الْعَبَّاسِيَّةُ.

  308. التاريخ 2399لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ  : إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ النَّخَعِيُّ   قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا جِنَازَةً، أَوْ سَمِعْنَا بِمَيِّتٍ عُرِفَ ذَلِكَ فِينَا أَيَّامًا; لِأَنَّا قَدْ عَرَفْنَا أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ صَيَّرَهُ إِلَى الْجَنَّةِ أَوْ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّكُمْ فِي جَنَائِزِكُمْ تَتَحَدَّثُونَ بِأَحَادِيثَ دُنْيَاكُمْ. وَقَالَ: لَا يَسْتَقِيمُ رَأْيٌ إِلَّا بِرِوَايَةٍ، وَلَا رِوَايَةٌ إِلَّا بِرَأْيٍ. وَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَهَاوَنُ بِالتَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَاغْسِلْ يَدَيْكَ مِنْ فَلَاحِهِ. وَقَالَ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْءَ مِمَّا يُعَابُ فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ عَيْبِهِ إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ أُبْتَلَى بِهِ. وَبَكَى عِنْدَ مَوْتِهِ فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: انْتِظَارُ مَلَكِ الْمَوْتِ، مَا أَدْرِي يُبَشِّرُنِي بِجَنَّةٍ، أَوْ بِنَارٍ. الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ   كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ، كَانَ الْمُقَدَّمَ عَلَى إِخْوَتِهِ فِي الْفَضْلِ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالِاخْتِلَافِ وَالْفِقْهِ وَالتَّفْسِيرِ، وَكَانَ مِنْ ظُرَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ وَعُقَلَائِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَقِبٌ. قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ. وَكَتَبَ فِي ذَلِكَ رِسَالَةً ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهَا. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، فَلَا يَتَوَلَّاهُمْ، وَلَا يَذُمُّهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَبَاهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَرَبَهُ فَشَجَّهُ، وَقَالَ: وَيْحَكَ، أَلَا تَتَوَلَّى أَبَاكَ عَلِيًّا؟ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ وَأُمُّهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِأُمِّهِ، وَكَانَ حُمَيْدٌ فَقِيهًا نَبِيلًا عَالِمًا، لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ. وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ  ، فِي قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدَائِنِيِّ، وَجَمَاعَةٍ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ إِيَاسٍ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَفِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ مَاتَ سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ. وَفِيهَا مَاتَ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَرْوَانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. وَفِي إِمَارَةِ الْحَجَّاجِ قُتِلَ أَبُو الْأَحْوَصِ عَوْفُ بْنُ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ الْجُشَمِيُّ الْكُوفِيُّ، قَتَلَهُ الْخَوَارِجُ. قيس بن أبي حازم قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَاسْمُهُ حُصَيْنُ بْنُ عَوْفٍ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ عَبْدُ عَوْفِ بْنُ الْحَارِثِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَحْمَسِيُّ: أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَقَصَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُبَايِعَهُ فَوَجَدَهُ قَدْ تُوُفِّيَ. رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ، وَسَعِيدٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَبِلَالِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَمَّارٍ، وَخَبَّابٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَجَرِيرٍ [فِي آخَرِينَ]. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَى عَنْ تِسْعَةٍ مِنَ الْعَشْرَةِ، [وَلَمْ يَرْوِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: رَوَى عَنِ الْعَشْرَةِ]. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خِرَاشٍ الْحَافِظُ: لَيْسَ فِي التَّابِعِينَ مَنْ رَوَى عَنِ الْعَشْرَةِ غَيْرُهُ. وَشَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ عَلِيٍّ ؓ. رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدٍ، وَالْأَعْمَشُ وَجَازَ الْمِائَةَ بِسِنِينَ كَثِيرَةً فَتَغَيَّرَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ.

  309. التاريخ 2400لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ فَتَحِ قُتَيْبَةَ مَدِينَةَ كَاشْغَرَ  وفي سَنَةُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ   فَتَحَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَاشْغَرَ مِنْ أَرْضِ الصِّينِ،  وَبَعَثَ إِلَى مَلِكِ الصِّينِ رُسُلًا يَتَهَدَّدُهُ وَيَتَوَعَّدُهُ، وَيُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَطَأَ بِلَادَهُ، وَيَخْتِمَ مُلُوكَهُمْ وَأَشْرَافَهُمْ، وَيَأْخُذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ، أَوْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ، فَدَخَلَ الرُّسُلُ عَلَى الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ فِيهَا وَهُوَ فِي مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ يُقَالُ: إِنَّ عَلَيْهَا تِسْعِينَ بَابًا فِي سُورِهَا الْمُحِيطِ بِهَا يُقَالُ لَهَا: خَانُ بَالِقَ. مِنْ أَعْظَمِ الْمُدُنِ، وَأَكْثَرِهَا رَيْعًا، وَمُعَامَلَاتٍ وَأَمْوَالًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ بِلَادَ الْهِنْدِ مَعَ اتِّسَاعِهَا كَالشَّامَةِ فِي مُلْكِ الصِّينِ. وَالصِّينُ لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى أَنْ يُسَافِرُوا فِي مُلْكِ غَيْرِهِمْ; لِكَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ وَمَتَاعِهِمْ، وَغَيْرُهُمْ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمْ; لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَتَاعِ وَالدُّنْيَا الْمُتَّسِعَةِ، وَسَائِرُ مُلُوكِ تِلْكَ الْبِلَادِ تُؤَدِّي إِلَى مَلِكِ الصِّينَ الْخَرَاجَ; لِقَهْرِهِ وَكَثْرَةِ جُنْدِهِ وَعُدَدِهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى مَلِكِ الصِّينِ وَجَدُوا مَمْلَكَةً عَظِيمَةً، وَجُنْدًا كَثِيرًا، وَمَدِينَةً حَصِينَةً ذَاتَ أَنْهَارٍ وَأَسْوَاقٍ، وَحُسْنٍ وَبَهَاءٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فِي قَلْعَةٍ عَظِيمَةٍ حَصِينَةٍ، بِقَدْرِ مَدِينَةٍ كَبِيرَةٍ، فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُ الصِّينِ: مَا أَنْتُمْ؟ وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَسُولٍ عَلَيْهِمْ هُبَيْرَةُ فَقَالَ الْمَلِكُ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: مَا أَنْتُمْ وَمَا تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَهُوَ يَدْعُوكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَالْحَرْبُ. فَغَضِبَ الْمَلِكُ، وَأَمَرَ بِهِمْ إِلَى دَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ دَعَاهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَكُونُونَ فِي عِبَادَةِ إِلَهِكُمْ؟ فَصَلَّوُا الصَّلَاةَ عَلَى عَادَتِهِمْ، فَلَمَّا رَكَعُوا وَسَجَدُوا ضَحِكَ مِنْهُمْ، فَقَالَ: كَيْفَ تَكُونُونَ فِي بُيُوتِكُمْ؟ فَلَبِسُوا ثِيَابَ مِهَنِهِمْ، فَأَمَرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: كَيْفَ تَدْخُلُونَ عَلَى مُلُوكِكُمْ؟ فَلَبِسُوا الْوَشْيَ وَالْعَمَائِمَ وَالْمَطَارِفَ، وَدَخَلُوا عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُمْ: ارْجِعُوا. فَرَجَعُوا فَقَالَ الْمَلِكُ لِأَصْحَابِهِ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالُوا: هَذِهِ أَشْبَهُ بِهَيْئَةِ الرِّجَالِ مِنْ تِلْكَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، وَهُمْ أُولَئِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: كَيْفَ تَلْقَوْنَ عَدُوَّكُمْ ؟ فَشَدُّوا عَلَيْهِمْ سِلَاحَهُمْ وَلَبِسُوا الْمَغَافِرَ وَالْبَيْضَ، وَتَقَلَّدُوا السُّيُوفَ، وَتَنْكَبُّوا الْقِسِيَّ، وَأَخَذُوا الرِّمَاحَ، وَرَكِبُوا خُيُولَهُمْ وَمَضَوْا، فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ مَلِكُ الصِّينِ فَرَأَى أَمْثَالَ الْجِبَالِ مُقْبِلَةً، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْهُ رَكَزُوا رِمَاحَهُمْ، ثُمَّ أَقْبَلُوا نَحْوَهُ مُشَمِّرِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ: ارْجِعُوا وَذَلِكَ لِمَا دَخَلَ قُلُوبَ أَهْلِ الصِّينِ مِنَ الْخَوْفِ مِنْهُمْ فَانْصَرَفُوا فَرَكِبُوا خُيُولَهُمْ، وَاخْتَلَجُوا رِمَاحَهُمْ، ثُمَّ سَاقُوا خُيُولَهُمْ، كَأَنَّهُمْ يَتَطَارَدُونَ بِهَا، فَقَالَ الْمَلِكُ لِأَصْحَابِهِ: كَيْفَ تَرَوْنَهُمْ ؟ فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَؤُلَاءِ قَطُّ. فَلَمَّا أَمْسَوْا بَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمَلِكُ; أَنِ ابْعَثُوا إِلَيَّ زَعِيمَكُمْ وَأَفْضَلَكُمْ. فَبَعَثُوا إِلَيْهِ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ: قَدْ رَأَيْتُمْ عِظَمَ مُلْكِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَمْنَعُكُمْ مِنِّي وَأَنْتُمْ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْضَةِ فِي كَفِّي، وَأَنَا سَائِلُكُ عَنْ أَمْرٍ فَإِنْ لَمْ تَصْدُقْنِي قَتَلْتُكَ. فَقَالَ: سَلْ. فَقَالَ الْمَلِكُ: لِمَ صَنَعْتُمْ مَا صَنَعْتُمْ مِنْ زِيٍّ أَوَّلَ يَوْمٍ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ؟ فَقَالَ: أَمَّا زِيُّنَا أَوَّلَ يَوْمٍ فَهُوَ لِبَاسُنَا فِي أَهْلِنَا وَنِسَائِنَا، وَطِيبُنَا عِنْدَهُمْ، وَأَمَّا مَا فَعَلْنَا ثَانِيَ يَوْمٍ فَهُوَ زِيُّنَا إِذَا دَخَلْنَا عَلَى مُلُوكِنَا، وَأَمَّا زِيُّنَا ثَالِثَ يَوْمٍ فَهُوَ إِذَا لَقِينَا عَدُوَّنَا، فَقَالَ الْمَلِكُ: مَا أَحْسَنَ مَا دَبَّرْتُمْ دَهْرَكُمْ! انْصَرِفُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ يَعْنِي قُتَيْبَةَ وَقُولُوا لَهُ: يَنْصَرِفُ رَاجِعًا عَنْ بِلَادِي; فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ حِرْصَهُ وَقِلَّةَ أَصْحَابِهِ، وَإِلَّا بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ مَنْ يُهْلِكُكُمْ عَنْ آخِرِكُمْ. فَقَالَ لَهُ هُبَيْرَةُ: تَقُولُ لِقُتَيْبَةَ هَذَا؟ فَكَيْفَ يَكُونُ قَلِيلَ الْأَصْحَابِ مَنْ أَوَّلُ خَيْلِهِ فِي بِلَادِكَ وَآخِرُهَا فِي مَنَابِتِ الزَّيْتُونِ؟! وَكَيْفَ يَكُونُ حَرِيصًا مَنْ خَلَّفَ الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَيْهَا، وَغَزَاكَ فِي بِلَادِكَ؟! وَأَمَّا تَخْوِيفُكَ إِيَّانَا بِالْقَتْلِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا أَجَلًا إِذَا حَضَرَ، فَأَكْرَمُهَا عِنْدَنَا الْقَتْلُ فَلَسْنَا نَكْرَهُهُ وَلَا نَخَافُهُ. فَقَالَ الْمَلِكُ: فَمَا الَّذِي يُرْضِي صَاحِبَكُمْ؟ فَقَالَ: قَدْ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَطَأَ أَرْضَكَ، وَيَخْتِمَ مُلُوكَكَ، وَيَجْبِيَ الْجِزْيَةَ مِنْ بِلَادِكَ. فَقَالَ الْمَلِكُ: أَنَا أَبِرُّ يَمِينَهُ وَأُخْرِجُهُ مِنْهَا; أُرْسِلُ إِلَيْهِ بِتُرَابٍ مِنْ أَرْضِي، وَأَرْبَعِ غِلْمَانٍ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَأُرْسِلُ إِلَيْهِ ذَهَبًا كَثِيرًا، وَحَرِيرًا وَثِيَابًا صِينِيَّةً لَا تُقَوَّمُ، وَلَا يَدْرِي أَحَدٌ قَدْرَهَا، ثُمَّ جَرَتْ لَهُمْ مَعَهُ مُقَاوَلَاتٌ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ شَرَعَ يَتَهَدَّدُهُمْ فَتَهَدَّدُوهُ، وَيَتَوَعَّدَهُمْ فَتَوَعَّدُوهُ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ بَعَثَ صِحَافًا مَنْ ذَهَبٍ مُتَّسِعَةً، فِيهَا تُرَابٌ مِنْ أَرْضِهِ لِيَطَأَهُ قُتَيْبَةُ، وَبَعَثَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ الْمُلُوكِ لِيَخْتِمَ رِقَابَهُمْ، وَبَعَثَ بِمَالٍ جَزِيلٍ لِيَبِرَّ بِيَمِينِ قُتَيْبَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَ أَرْبَعَمِائَةٍ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ الْمُلُوكِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قُتَيْبَةَ مَا أَرْسَلَهُ مَلِكُ الصِّينِ قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ انْتَهَى إِلَيْهِ خَبَرُ مَوْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَانْكَسَرَتْ هِمَّتُهُ لِذَلِكَ. فَقَبِلَ قُتَيْبَةُ الْجِزْيَةَ، وَخَتَمَ الْغِلْمَانَ وَرَدَّهُمْ، وَوَطِئَ التُّرَابَ. فَقَالَ سَوَادَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ السَّلُولِيُّ: لَا عَيْبَ فِي الْوَفْدِ الَّذِينَ بَعَثْتَهُمْ لِلصِّينِ إِنْ سَلَكُوا طَرِيقَ الْمَنْهَجِ     كَسَرُوا الْجُفُونَ عَلَى الْقَذَى خَوْفَ الرَّدَى حَاشَا الْكَرِيمَ هُبَيْرَةَ بْنَ مُشَمْرَجٍ     أَدَّى رِسَالَتَكَ الَّتِي اسْتَرْعَيْتَهُ فَأَتَاكَ مِنْ حِنْثِ الْيَمِينِ بِمَخْرَجِ فَأَوْفَدَ قُتَيْبَةُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَمَاتَ بِقَرْيَةَ مِنْ فَارِسَ، فَرَثَاهُ سَوَادَةُ فَقَالَ: لِلَّهِ دَرُّ هُبَيْرَةَ بْنِ مُشَمْرَجِ     مَاذَا تَضَمَّنَ مِنْ نَدًى وَجَمَالِ وَبَدِيهَةٍ يَعْيَا بِهَا أَبْنَاؤُهَا     عِنْدَ احْتِفَالِ مَشَاهِدِ الْأَقْوَالِ كَانَ الرَّبِيعَ إِذَا السُّيُوفُ تَتَابَعَتْ     وَاللَّيْثَ عِنْدَ تَكَعْكُعِ الْأَبْطَالِ فَسَقَى بِقَرْيَةَ حَيْثُ أَمْسَى قَبْرُهُ     غُرٌّ يَرُحْنَ بِمُسْبِلٍ هَطَّالِ بَكَتِ الْجِيَادُ الصَّافِنَاتُ لِفَقْدِهِ     وَبَكَاهُ كُلُّ مُثَقَّفٍ عَسَّالِ وَبَكَتْهُ شُعْثٌ لَمْ يَجِدْنَ مُوَاسِيًا     فِي الْعَامِ ذِي السَّنَوَاتِ وَالْإِمْحَالِ وَوَصْلَ الْخَبَرُ إِلَى قُتَيْبَةَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ بِمَوْتِ الْوَلِيدِ. وَكَانَ قُتَيْبَةُ إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزَاتِهِ كُلَّ سَنَةٍ اشْتَرَى اثْنَيْ عَشَرَ فَرَسًا وَاثْنَيْ عَشَرَ هَجِينًا، فَتَحَدَّرَ إِلَى وَقْتِ الْغَزْوِ، فَإِذَا تَأَهَّبَ لِلْغَزْوِ ضَمَّرَهَا وَحَمَلَ عَلَيْهَا الطَّلَائِعَ، وَكَانَ يَجْعَلُ الطَّلَائِعَ فُرْسَانَ النَّاسِ وَأَشْرَافَهُمْ وَمَعَهُمْ مِنَ الْعَجَمِ مَنْ يَسْتَنْصِحُهُ، وَإِذَا بَعَثَ طَلِيعَةً أَمَرَ بِلَوْحٍ فَنُقِشَ، ثُمَّ شَقَّهُ بِنِصْفَيْنِ، وَجَعَلَ شِقَّةً عِنْدَهُ، وَيُعْطِي نِصْفَهُ الطَّلِيعَةَ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَدْفِنُوهُ فِي مَوْضِعٍ يَصِفُهُ لَهُمْ مِنْ شَجَرَةٍ أَوْ مَخَاضَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، ثُمَّ يَبْعَثُ بَعْدَ الطَّلِيعَةِ مَنْ يَسْتَخْرِجُهُ لِيَعْلَمَ أَصْدَقَتِ الطَّلِيعَةُ أَمْ لَا.

  310. التاريخ 2401لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ست وتسعين غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ،  وَغَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ،  فَفَتَحَ طُولَسَ وَالْمَرْزُبَانَيْنِ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ. وَفِيهَا عَزَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ عَنِ الْمَدِينَةِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْلِدَ أَبَا بَكْرٍ وَيَحْلِقَ لِحْيَتَهُ مِنَ الْغَدِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَ الْبَرِيدُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِتَأْمِيرِهِ وَعَزْلِ عُثْمَانَ وَحَدِّهِ، [ وَأَنْ ] يُقَيِّدَهُ. وَفِيهَا عَزَلَ سُلَيْمَانُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ عَنِ الْعِرَاقِ، وَاسْتَعْمَلَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَجَعَلَ صَالِحَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى الْخَرَاجِ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ بَنِي عَقِيلٍ وَبَسْطِ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أَهْلُ الْحَجَّاجِ، فَكَانَ يُعَذِّبُهُمْ وَيَلِي عَذَابَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ قَدِ اسْتَعْمَلَ أَخَاهُ زِيَادًا عَلَى حَرْبِ عُثْمَانَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ سُلَيْمَانُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ عَنْ مَكَّةَ وَوَلَّاهَا طَلْحَةَ بْنَ دَاوُدَ الْحَضْرَمِيَّ  . وَفِيهَا: غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الصَّائِفَةِ فَفَتَحَ حِصْنًا يُقَالُ لَهُ: حِصْنُ عَوْفٍ.

  311. التاريخ 2402لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ست وتسعين تَكَامَلَ بِنَاءُ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ بِدِمَشْقَ عَلَى يَدِ بَانِيهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ،  جَزَاهُ اللَّهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَكَانَ أَصْلُ مَوْضِعِ هَذَا الْجَامِعِ قَدِيمًا مَعْبَدًا بَنَتْهُ الْيُونَانُ الْكُلْدَانِيُّونَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمُرُونَ دِمَشْقَ، وَهُمُ الَّذِينَ وَضَعُوهَا وَعَمَرُوهَا أَوَّلًا; فَهُمْ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهَا، وَقَدْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ الْمُتَحَيِّرَةَ; وَهِيَ الْقَمَرُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَعُطَارِدُ فِي السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، وَالزُّهْرَةُ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَالشَّمْسُ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْمِرِّيخُ فِي الْخَامِسَةِ، وَالْمُشْتَرِي فِي السَّادِسَةِ، وَزُحَلُ فِي السَّابِعَةِ. وَكَانُوا قَدْ صَوَّرُوا عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ دِمَشْقَ هَيْكَلًا لِكَوْكَبٍ مِنْ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ، وَكَانَتْ أَبْوَابُ دِمَشْقَ سَبْعَةً، وَضَعُوهَا قَصْدًا لِذَلِكَ، فَنَصَبُوا هَيَاكِلَ سَبْعَةً لِكُلِّ كَوْكَبٍ هَيْكَلٌ، وَكَانَ لَهُمْ عِنْدَ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ دِمَشْقَ عِيدٌ فِي السَّنَةِ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ وَضَعُوا الْأَرْصَادَ، وَتَكَلَّمُوا عَلَى حَرَكَاتِ الْكَوَاكِبِ وَاتِّصَالَاتِهَا وَمُقَارَنَتِهَا، وَبَنَوْا دِمَشْقَ، وَاخْتَارُوا لَهَا هَذِهِ الْبُقْعَةَ إِلَى جَانِبِ الْمَاءِ الْوَارِدِ مِنْ بَيْنِ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ، وَصَرَّفُوهُ أَنْهَارًا تَجْرِي إِلَى الْأَمَاكِنِ الْمُرْتَفِعَةِ وَالْمُنْخَفِضَةِ، وَسَلَكُوا الْمَاءَ فِي أَفْنَاءِ أَبْنِيَةِ الدُّورِ بِدِمَشْقَ، فَكَانَتْ دِمَشْقُ فِي أَيَّامِهِمْ مِنْ أَحْسَنِ الْمُدُنِ، بَلْ هِيَ أَحْسَنُهَا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّصَارِيفِ الْعَجِيبَةِ. وَبَنَوْا هَذَا الْمَعْبَدَ وَهُوَ الْجَامِعُ الْيَوْمَ إِلَى جِهَةِ الْقُطْبِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى الْقُطْبِ الشَّمَالِيِّ، وَكَانَتْ مَحَارِيبُهُ تُجَاهَ الشَّمَالِ، وَكَانَ بَابُ مَعْبَدِهِمْ يُفْتَحُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، خَلْفَ الْمِحْرَابِ الْيَوْمَ، كَمَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ عِيَانًا، وَرَأَيْنَا مَحَارِيبَهُمْ إِلَى جِهَةِ الْقُطْبِ، وَرَأَيْنَا الْبَابَ، وَهُوَ بَابٌ حَسَنٌ، مَبْنِيٌّ بِحِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَعَلَيْهِ كِتَابٌ بِخَطِّهِمْ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ بَابَانِ صَغِيرَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَكَانَ غَرْبِيَّ الْمَعْبَدِ قَصْرٌ مُنِيفٌ جِدًّا، تَحْمِلُهُ هَذِهِ الْأَعْمِدَةُ الَّتِي بِبَابِ الْبَرِيدِ، وَشَرْقِيَّ الْمَعْبَدِ قَصْرُ جَيْرُونَ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ مَلِكَهُمْ وَكَانَ هُنَاكَ دَارَانِ عَظِيمَتَانِ مُعَدَّتَانِ لِمَنْ يَتَمَلَّكُ دِمَشْقَ قَدِيمًا مِنْهُمْ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ مَعَ الْمَعْبَدِ ثَلَاثُ دُورٍ عَظِيمَةٍ لِلْمُلُوكِ، وَيُحِيطُ بِهَذِهِ الدُّورِ وَالْمَعْبَدِ سُورٌ وَاحِدٌ عَالٍ مُنِيفٌ، بِحِجَارَةٍ كِبَارٍ مَنْحُوتَةٍ; وَهُنَّ دَارُ الْمُطْبِقِ، وَدَارُ الْخَيْلِ، وَدَارٌ كَانَتْ تَكُونُ مَكَانَ الْخَضْرَاءِ الَّتِي بَنَاهَا مُعَاوِيَةُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ كُتُبِ بَعْضِ الْأَوَائِلِ: إِنَّهُمْ مَكَثُوا يَأْخُذُونَ الطَّالِعَ لِبِنَاءِ دِمَشْقَ، وَهَذِهِ الْأَمَاكِنَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ حَفَرُوا أَسَاسَ الْجُدْرَانِ حَتَّى وَافَاهُمُ الْوَقْتُ الَّذِي طَلَعَ فِيهِ الْكَوْكَبَانِ اللَّذَانِ أَرَادُوا أَنَّ الْمَسْجِدَ لَا يَخْرُبُ أَبَدًا وَلَا تَخْلُو مِنْهُ الْعِبَادَةُ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ إِذَا بُنِيَتْ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ دَارَ الْمَلِكِ وَالسَّلْطَنَةِ. قُلْتُ: أَمَّا الْمَعْبَدُ فَلَمْ يَخْلُ مِنَ الْعِبَادَةِ. قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَا يَخْلُو مِنْهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. وَأَمَّا دَارُ الْمَلِكِ الَّتِي هِيَ الْخَضْرَاءُ فَقَدْ جَدَّدَ بِنَاءَهَا مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ أُحْرِقَتْ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فَبَادَتْ وَصَارَتْ مَسَاكِنَ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَأَرَاذِلِهِمْ فِي الْغَالِبِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْيُونَانَ اسْتَمَرُّوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَّرْنَاهَا بِدِمَشْقَ مُدَدًا طَوِيلَةً، تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ، حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ بَنَى جُدْرَانَ هَذَا الْمَعْبَدِ الْأَرْبَعَةَ هُودٌ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَقَدْ كَانَ هُودٌ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ. نزول الخليل إبراهيم دمشق وَقَدْ وَرَدَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، دِمَشْقَ  وَنَزَلَ شَمَالِيَّهَا عِنْدَ بَرْزَةَ، وَقَاتَلَ هُنَاكَ قَوْمًا مِنْ أَعْدَائِهِ فَظَفِرَ بِهِمْ، وَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ مَقَامُهُ لِمُقَاتَلَتِهِمْ عِنْدَ بَرْزَةَ. فَهَذَا الْمَكَانُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ بِهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ يَأْثِرُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَإِلَى زَمَانِنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ دِمَشْقُ إِذْ ذَاكَ عَامِرَةً آهِلَةً بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْيُونَانِ، وَكَانُوا خَلْقًا لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّهُ; وَهُمْ خُصَمَاءُ الْخَلِيلِ، وَقَدْ نَاظَرَهُمْ الْخَلِيلُ فِي عِبَادَتِهِمُ الْأَصْنَامَ وَالْكَوَاكِبَ وَغَيْرَهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْيُونَانَ لَمْ يَزَالُوا يَعْمُرُونَ دِمَشْقَ وَيَبْنُونَ فِيهَا وَفِي مُعَامَلَاتِهَا مِنْ أَرْضِ حَوْرَانَ وَالْبِقَاعِ وَبَعْلَبَكَّ وَغَيْرِهَا الْبِنَايَاتِ الْهَائِلَةَ الْغَرِيبَةَ الْعَجِيبَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِمُدَّةٍ نَحْوٍ مَنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ تَنَصَّرَ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى يَدِ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ، الَّذِي بَنَى الْمَدِينَةَ الْمَشْهُورَةَ فِي بِلَادِ الرُّومِ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَهِيَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَهُوَ الَّذِي وَضَعَ لَهُمُ الْقَوَانِينَ، وَقَدْ كَانَ أَوَّلًا هُوَ وَقَوْمُهُ وَغَالِبُ أَهْلِ الْأَرْضِ يُونَانًا، وَوَضَعَتْ لَهُ بَطَارِكَةُ النَّصَارَى دِينًا مُخْتَرَعًا مُرَكَّبًا مِنْ أَصْلِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ مَمْزُوجًا بِشَيْءٍ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَصَلَّوْا بِهِ إِلَى الشَّرْقِ، وَزَادُوا فِي الصِّيَامِ، وَأَحَلُّوا الْخِنْزِيرَ، وَعَلَّمُوا أَوْلَادَهُمُ الْأَمَانَةَ الْكَبِيرَةَ فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خِيَانَةٌ كَبِيرَةٌ، وَجِنَايَةٌ كَثِيرَةٌ حَقِيرَةٌ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْحَجْمِ صَغِيرَةٌ حَقِيرَةٌ نَقِيرَةٌ، فَبَنَى لَهُمْ هَذَا الْمَلِكُ، الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ الطَّائِفَةُ الْمَلَكِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى كَنَائِسَ كَثِيرَةً فِي دِمَشْقَ وَفِي غَيْرِهَا، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ بُنِيَ فِي زَمَانِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ كَنِيسَةً، وَأُوقِفَ عَلَيْهَا أَوْقَافًا دَارَّةً، مِنْ ذَلِكَ كَنِيسَةُ بَيْتِ لَحْمٍ وَقُمَامَةَ بِالْقُدْسِ، بَنَتْهَا أُمُّ هَيْلَانَةَ الْفَنْدَقَانِيَّةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ يَعْنِي النَّصَارَى حَوَّلُوا بِنَاءَ هَذَا الْمَعْبَدِ الَّذِي هُوَ بِدِمَشْقَ مُعَظَّمًا عِنْدَ الْيُونَانِ، فَجَعَلُوهُ كَنِيسَةً، وَبَنَوْا لَهُ الْمَذَابِحَ فِي شَرْقِيِّهِ، وَسَمَّوْهُ كَنِيسَةَ مَرْيُحَنَّا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَنِيسَةُ يُوحَنَّا. وَبَنَوْا بِدِمَشْقَ كَنَائِسَ كَثِيرَةً غَيْرَهَا مُسْتَأْنَفَةً. وَاسْتَمَرَّ النَّصَارَى عَلَى دِينِهِمْ هَذَا بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ. وَقَدْ بَعَثَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فِي زَمَانِهِ وَهُوَ قَيْصَرُ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَاسْمُهُ هِرَقْلُ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَانَ مِنْ مُرَاجَعَتِهِ وَمُخَاطَبَتِهِ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ. ثُمَّ بَعَثَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمَرَاءَهُ الثَّلَاثَةَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ، وَجَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، إِلَى الْبَلْقَاءِ مِنْ تُخُومِ الشَّامِ فَبَعَثَ الرُّومُ إِلَيْهِمْ جَيْشًا كَثِيرًا، فَقَتَلُوا هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءَ وَجَمَاعَةً مِمَّنْ مَعَهُمْ مِنَ الْجَيْشِ فَعَزَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى قِتَالِ الرُّومِ وَدُخُولِ الشَّامِ عَامَ تَبُوكَ، ثُمَّ رَجَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَامَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ وَضَعْفِ الْحَالِ وَضِيقِهِ عَلَى النَّاسِ. ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ الصِّدِّيقُ الْجُيُوشَ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى الْعِرَاقِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الشَّامَ بِكَمَالِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ مَدِينَةُ دِمَشْقَ  بِأَعْمَالِهَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْيَدُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَيْهَا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ فِيهَا، وَسَاقَ بِرَّهُ إِلَيْهَا، وَكَتَبَ أَمِيرُ الْحَرْبِ إِذْ ذَاكَ، وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِأَهْلِ دِمَشْقَ كِتَابَ أَمَانٍ، وَأَقَرُّوا أَيْدِيَ النَّصَارَى عَلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَنِيسَةً، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ نِصْفَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهَا كَنِيسَةَ مَرْيُحَنَّا، بِحُكْمِ أَنَّ الْبَلَدَ فَتَحَهُ خَالِدٌ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ بِالسَّيْفِ، وَأَخَذَتِ النَّصَارَى الْأَمَانَ مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَكَانَ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ الصُّلْحُ، فَاخْتَلَفُوا، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ جَعَلُوا نِصْفَ الْبَلَدِ صُلْحًا، وَنِصْفَهُ عَنْوَةً، فَأَخَذُوا نِصْفَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ الشَّرْقِيَّ، فَجَعَلَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَسْجِدًا وَكَانَ قَدْ صَارَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ الشَّامِ; لِعَزْلِ عُمَرَ خَالِدًا وَتَوْلِيَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى فِي هَذَا الْمَسْجِدِ أَبُو عُبَيْدَةَ، ؓ، ثُمَّ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ فِي الْبُقْعَةِ الشَّرْقِيَّةِ مِنْهُ; الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مِحْرَابُ الصَّحَابَةِ. وَلَكِنْ لَمْ يَكُنِ الْجِدَارُ مَفْتُوحًا بِمِحْرَابٍ مَحْنِيٍّ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ عِنْدَ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَلِيدَ هُوَ الَّذِي فَتَقَ الْمَحَارِيبَ فِي الْجِدَارِ الْقِبْلِيِّ. وَقَدْ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَحَارِيبِ، وَجَعَلُوهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ وَالنَّصَارَى يَدْخُلُونَ هَذَا الْمَعْبَدَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَابُ الْمَعْبَدِ الْأَصْلِيُّ الَّذِي كَانَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، مَكَانَ الْمِحْرَابِ الْكَبِيرِ الَّذِي فِي الْمَقْصُورَةِ الْيَوْمَ، فَيَنْصَرِفُ النَّصَارَى إِلَى جِهَةِ الْغَرْبِ إِلَى كَنِيسَتِهِمْ، وَيَأْخُذُ الْمُسْلِمُونَ يَمْنَةً إِلَى مَسْجِدِهِمْ، وَلَا يَسْتَطِيعُ النَّصَارَى أَنْ يَجْهَرُوا بِقِرَاءَةِ كِتَابِهِمْ، وَلَا يَضْرِبُوا بِنَاقُوسِهِمْ; إِجْلَالًا لِلصَّحَابَةِ وَمَهَابَةً وَخَوْفًا. وَقَدْ بَنَى مُعَاوِيَةُ ؓ، فِي أَيَّامِ وِلَايَتِهِ عَلَى الشَّامِ دَارَ الْإِمَارَةِ قِبْلِيَّ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ لِلصَّحَابَةِ، وَبَنَى فِيهَا قُبَّةً خَضْرَاءً، فَعُرِفَتِ الدَّارُ بِكَمَالِهَا بِهَا، فَسَكَنَهَا مُعَاوِيَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. أخذ الوليد بن عبد الملك بقية الكنيسة وجعل الجميع مسجدا واحدا ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ شَطْرَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالنَّصَارَى، مِنْ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا، وَقَدْ صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي شَوَّالٍ مِنْهَا، فَعَزَمَ الْوَلِيدُ عَلَى أَخْذِ بَقِيَّةِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ وَإِضَافَتِهَا إِلَى مَا بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا، وَجَعْلِ الْجَمِيعِ مَسْجِدًا وَاحِدًا; وَذَلِكَ لِأَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ يَتَأَذَّى بِسَمَاعِ قِرَاءَةِ النَّصَارَى لِلْإِنْجِيلِ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ فِي صَلَوَاتِهِمْ، فَأَحَبَّ أَنْ يُبْعِدَهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُضِيفَ ذَلِكَ الْمَكَانَ إِلَى هَذَا، فَيُكَبِّرَ بِهِ الْمَسْجِدَ الْجَامِعَ، فَطَلَبَ النَّصَارَى، وَسَأَلَ مِنْهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا لَهُ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ، وَيُعَوِّضَهُمْ إِقْطَاعَاتٍ كَثِيرَةً، وَعَرَضَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَنْ يُقِرَّ لَهُمْ أَرْبَعَ كَنَائِسَ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَهْدِ; وَهِيَ كَنِيسَةُ مَرْيَمَ، وَكَنِيسَةُ الْمُصَلِّبَةِ دَاخِلَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَكَنِيسَةُ تَلِّ الْجُبْنِ، وَكَنِيسَةُ حُمَيْدِ بْنِ دُرَّةَ الَّتِي بِدَرْبِ الصَّقِيلِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِبَاءِ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِعَهْدِكُمْ. فَأَتَوْا بِعَهْدِهِمُ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ، فَقُرِئَ بِحَضْرَةِ الْوَلِيدِ، فَإِذَا كَنِيسَةُ تُومَا الَّتِي كَانَتْ خَارِجَ بَابِ تُومَا عِنْدَ النَّهْرِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الْعَهْدِ، وَكَانَتْ فِيمَا يُقَالُ أَكْبَرَ مِنْ كَنِيسَةِ مَرْيُحَنَّا، فَقَالَ الْوَلِيدُ: أَنَا أَهْدِمُهَا وَأَجْعَلُهَا مَسْجِدًا. فَقَالُوا: بَلْ يَتْرُكُهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا ذَكَرَ مِنَ الْكَنَائِسِ، وَنَحْنُ نَرْضَى بِأَخْذِ بَقِيَّةِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ فَأَقَرَّهُمْ عَلَى تِلْكَ الْكَنَائِسِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ. هَذَا قَوْلٌ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْوَلِيدَ لَمَّا أَهَمَّهُ ذَلِكَ وَعَرَضَ مَا عَرَضَ عَلَى النَّصَارَى فَأَبَوْا مِنْ قَبُولِهِ، دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَأَرْشَدَهُ إِلَى أَنْ يَقِيسَ مِنْ بَابِ الشَّرْقِيِّ وَمِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ، فَوَجَدَ مُنْتَصَفَ ذَلِكَ عِنْدَ سُوقِ الرَّيْحَانِ تَقْرِيبًا; فَإِذَا الْكَنِيسَةُ الْمُنَازَعُ فِيهَا قَدْ دَخَلَتْ فِي الْعَنْوَةِ، فَأَخَذَهَا. وَحُكِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ مَوْلَى الْوَلِيدِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْوَلِيدِ فَوَجَدْتُهُ مَهْمُومًا، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَهْمُومًا؟ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ، وَقَدْ ضَاقَ بِهِمُ الْمَسْجِدُ، فَأَحْضَرْتُ النَّصَارَى وَبَذَلْتُ لَهُمُ الْأَمْوَالَ فِي بَقِيَّةِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ; لِأُضِيفَهَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَّسِعَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَبَوْا. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، عِنْدِي مَا يُزِيلُ هَمَّكَ. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: إِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا أَخَذُوا دِمَشْقَ دَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ بَابِ الشَّرْقِيِّ بِالسَّيْفِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ الْبَلَدِ بِذَلِكَ فَزِعُوا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْأَمَانَ فَأَمَّنَهُمْ، وَفَتَحُوا لَهُ بَابَ الْجَابِيَةِ، فَدَخَلَ مِنْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالصُّلْحِ، فَنَحْنُ نُمَاسِحُهُمْ إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ بَلَغَ السَّيْفُ أَخَذْنَاهُ، وَمَا بِالصُّلْحِ تَرَكْنَاهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَرْجُو أَنْ تُدْخَلَ الْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي الْعَنْوَةِ، فَتَدْخُلَ فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ الْوَلِيدُ: فَرَّجْتَ عَنِّي، فَتَوَلَّ أَنْتَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ. فَتَوَلَّاهُ الْمُغِيرَةُ وَمَسَحَ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ إِلَى نَحْوِ بَابِ الْجَابِيَةِ إِلَى سُوقِ الرَّيْحَانِ; فَوَجَدَ السَّيْفَ لَمْ يَزَلْ عَمَّالًا حَتَّى جَاوَزَ الْقَنْطَرَةَ الْكَبِيرَةَ بِأَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَكَسْرٍ، فَدَخَلَتِ الْكَنِيسَةُ فِي الْمَسْجِدِ. فَأَرْسَلَ الْوَلِيدُ إِلَى النَّصَارَى فَأَخْبَرَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْكَنِيسَةَ كُلَّهَا دَخَلَتْ فِي الْعَنْوَةِ فَهِيَ لَنَا دُونَكُمْ. فَقَالُوا: إِنَّكَ أَوَّلًا دَفَعْتَ إِلَيْنَا الْأَمْوَالَ وَأَقْطَعْتَنَا الْإِقْطَاعَاتِ فَأَبَيْنَا، فَمِنْ إِحْسَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصَالِحَنَا فَيُبْقِيَ لَنَا هَذِهِ الْكَنَائِسَ الْأَرْبَعَةَ بِأَيْدِينَا، وَنَحْنُ نَتْرُكُ لَهُ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ. فَصَالَحَهُمْ عَلَى إِبْقَاءِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ كَنَائِسَ بِأَيْدِيهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَوَّضَهُمْ مِنْهَا كَنِيسَةً عِنْدَ حَمَّامِ الْقَاسِمِ عِنْدَ بَابِ الْفَرَادِيسِ، فَسَمَّوْهَا مَرْيُحَنَّا بِاسْمِ تِلْكَ الْكَنِيسَةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُمْ، وَأَخَذُوا شَاهِدَهَا فَوَضَعُوهُ فَوْقَ الَّتِي أَخَذُوهَا بَدَلَهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَمَرَ الْوَلِيدُ بِإِحْضَارِ آلَاتِ الْهَدْمِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّاسِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ أَسَاقِفَةُ النَّصَارَى وَقَسَاوِسَتُهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ مَنْ يَهْدِمُ هَذِهِ الْكَنِيسَةَ يُجَنُّ. فَقَالَ: أَنَا أُحِبُّ أَنْ أُجَنَّ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَوَاللَّهِ لَا يَهْدِمُ فِيهَا أَحَدٌ شَيْئًا قَبْلِي، ثُمَّ صَعِدَ الْمَنَارَةَ الشَّرْقِيَّةَ ذَاتِ الْأَضَالِعِ الْمَعْرُوفَةِ بِالسَّاعَاتِ وَكَانَتْ صَوْمَعَةً هَائِلَةً فِيهَا رَاهِبٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَهُمْ، فَأَمَرَهُ الْوَلِيدُ بِالنُّزُولِ مِنْهَا، فَأَكْبَرَ الرَّاهِبُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ الْوَلِيدُ بِقَفَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَدْفَعُهُ حَتَّى أَحْدَرَهُ مِنْهَا، ثُمَّ صَعِدَ الْوَلِيدُ عَلَى أَعْلَى مَكَانٍ فِي الْكَنِيسَةِ; فَوْقَ الْمَذْبَحِ الْأَكْبَرِ مِنْهَا الَّذِي يُسَمُّونَهُ الشَّاهِدَ; وَهُوَ تِمْثَالٌ فِي أَعْلَى الْكَنِيسَةِ، فَقَالَ لَهُ الرُّهْبَانُ: احْذَرِ الشَّاهِدَ. فَقَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَا أَضَعُ فَأْسِي فِي رَأْسِ الشَّاهِدِ. ثُمَّ كَبَّرَ وَضَرَبَهُ فَهَدَمَهُ، وَكَانَ عَلَى الْوَلِيدِ قَبَاءٌ لَوْنُهُ أَصْفَرُ سَفَرْجَلِيٌّ، قَدْ غَرَزَ أَذْيَالَهُ فِي الْمِنْطَقَةِ، ثُمَّ أَخَذَ فَأْسًا فِي يَدِهِ فَضَرَبَ بِهَا فِي أَعْلَى حَجَرٍ فَأَلْقَاهُ، فَتَبَادَرَ الْأُمَرَاءُ إِلَى الْهَدْمِ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، وَصَرَخَتِ النَّصَارَى بِالْعَوِيلِ عَلَى دَرَجِ جَيْرُونَ، وَكَانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ أَمِيرَ الشُّرَطَةِ وَهُوَ أَبُو نَاتِلٍ رِيَاحٌ الْغَسَّانِيُّ أَنْ يَضْرِبَهُمْ حَتَّى يَذْهَبُوا مِنْ هُنَالِكَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَهَدَمَ الْوَلِيدُ وَالْأُمَرَاءُ جَمِيعَ مَا جَدَّدَهُ النَّصَارَى فِي تَرْبِيعِ هَذَا الْمَكَانِ; مِنَ الْمَذَابِحِ وَالْأَبْنِيَةِ وَالْحَنَايَا، حَتَّى بَقِيَ صَرْحَةً مُرَبَّعَةً، ثُمَّ شَرَعَ فِي بِنَائِهِ بِفِكْرَةٍ جَيِّدَةٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْحَسَنَةِ الْأَنِيقَةِ، الَّتِي لَمْ يَشْتَهِرْ مِثْلُهَا قَبْلَهَا. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ الْوَلِيدُ فِي بِنَاءِ هَذَا الْمَسْجِدِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصُّنَّاعِ وَالْمُهَنْدِسِينَ وَالْفَعَلَةِ، وَكَانَ الْمُسْتَحِثُّ عَلَى عِمَارَتِهِ أَخُوهُ وَوَلِيُّ عَهْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، بعث الوليد إلى ملك الروم يطلب منه صناعا ليستعين بهم على بناء المسجد وَيُقَالُ: إِنَّ الْوَلِيدَ بَعَثَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَطْلُبُ مِنْهُ صُنَّاعًا فِي الرُّخَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ; لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ عَلَى عِمَارَةِ هَذَا الْمَسْجِدِ عَلَى مَا يُرِيدُ، وَأَرْسَلَ يَتَوَعَّدُهُ; لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَيَغْزُوَنَّ بِلَادَهُ بِالْجُيُوشِ، وَلَيُخَرِّبَنَ كُلَّ كَنِيسَةٍ فِي بِلَادِهِ، حَتَّى كَنِيسَةَ الْقُدْسِ، وَكَنِيسَةَ الرُّهَا، وَسَائِرَ آثَارِ الرُّومِ، فَبَعَثَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَيْهِ صُنَّاعًا كَثِيرَةً جِدًّا; مِائَتَيْ صَانِعٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ: إِنْ كَانَ أَبُوكَ فَهِمَ هَذَا الَّذِي تَصْنَعُهُ وَتَرَكَهُ، فَإِنَّهُ لَوَصْمَةٌ عَلَيْكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهِمَهُ وَفَهِمْتَهُ أَنْتَ، فَإِنَّهُ لَوَصْمَةٌ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلَ ذَلِكَ الْكِتَابُ إِلَى الْوَلِيدِ أَرَادَ أَنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عِنْدَهُ لِذَلِكَ، وَكَانَ فِيهِمُ الْفَرَزْدَقُ الشَّاعِرُ، فَقَالَ: أَنَا أُجِيبُهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ الْوَلِيدُ: وَمَا هُوَ وَيْحَكَ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا، وَسُلَيْمَانُ هُوَ ابْنُ دَاوُدَ، فَفَهَّمَهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ أَبُوهُ. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ، فَأَرْسَلَ بِهِ جَوَابًا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ. وَقَدْ قَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ: فَرَّقْتَ بَيْنَ النَّصَارَى فِي كَنَائِسِهِمْ وَالْعَابِدِينَ مَعَ الْأَسْحَارِ وَالْعَتَمِ     وَهُمْ جَمِيعًا إِذَا صَلَّوْا وَأَوْجُهُهُمْ شَتَّى إِذَا سَجَدُوا لِلَّهِ وَالصَّنَمِ     وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ النَّاقُوسُ يَضْرِبُهُ أَهْلُ الصَّلِيبِ مَعَ الْقُرَّاءِ لَمْ تَنَمِ     فُهِّمْتَ تَحْوِيلَهَا عَنْهُمْ كَمَا فَهِمَا إِذْ يَحْكُمَانِ لَهُمْ فِي الْحَرْثِ وَالْغَنَمِ     دَاوُدُ وَالْمَلِكُ الْمَهْدِيُّ إِذْ جَزَّا أَوْلَادَهَا وَاجْتِزَازُ الصُّوفِ بِالْجَلَمِ     فَهَّمَكَ اللَّهُ تَحْوِيلًا لِبَيْعَتِهِمْ عَنْ مَسْجِدٍ فِيهِ يُتْلَى طَيِّبُ الْكَلِمِ     مَا مِنْ أَبٍ حَمَلَتْهُ الْأَرْضُ نَعْلَمُهُ خَيْرٌ بَنِينَ وَلَا خَيْرٌ مِنَ الْحَكَمِ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ الدِّمَشْقِيُّ: بَنَى الْوَلِيدُ مَا كَانَ دَاخِلَ حِيطَانِ الْمَسْجِدِ، وَزَادَ فِي سَمْكِ الْحِيطَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ: إِنَّ هُودًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هُوَ الَّذِي بَنَى الْحَائِطَ الْقِبْلِيَّ مِنْ مَسْجِدِ دِمَشْقَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا أَرَادَ الْوَلِيدُ بِنَاءَ الْقُبَّةِ الَّتِي وَسَطَ الرِّوَاقَاتِ وَهِيَ قُبَّةُ النَّسْرِ، وَهُوَ اسْمٌ حَادِثٌ لَهَا، وَكَأَنَّهُمْ شَبَّهُوهَا بِالنَّسْرِ فِي شَكْلِهِ; لِأَنَّ الرِّوَاقَاتِ عَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا كَالْأَجْنِحَةِ لَهَا حَفَرُوا لِأَرْكَانِهَا، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْمَاءِ وَشَرِبُوا مِنْهُ مَاءً عَذْبًا زُلَالًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ وَضَعُوا فِيهِ جِرَارَ الْكَرْمِ، وَبَنَوْا فَوْقَهَا بِالْحِجَارَةِ فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْأَرْكَانُ بَنَوْا عَلَيْهَا الْقُبَّةَ فَسَقَطَتْ، فَقَالَ الْوَلِيدُ لِبَعْضِ الْمُهَنْدِسِينَ: أُرِيدُ أَنْ تَبْنِيَ لِي أَنْتَ هَذِهِ الْقُبَّةَ. فَقَالَ: عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنْ لَا يَبْنِيَهَا أَحَدٌ غَيْرِي. فَفَعَلَ، فَبَنَى الْأَرْكَانَ ثُمَّ غَلَّفَهَا بِالْبَوَارِي، وَغَابَ عَنْهَا سَنَةً كَامِلَةً لَا يَدْرِي الْوَلِيدُ أَيْنَ ذَهَبَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ السَّنَةِ حَضَرَ، فَهَمَّ بِهِ الْوَلِيدُ، فَأَخَذَهُ وَمَعَهُ رُءُوسُ النَّاسِ، فَكَشَفَ الْبَوَارِيَ عَنِ الْأَرْكَانِ; فَإِذَا هِيَ قَدْ هَبَطَتْ بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا حَتَّى سَاوَتِ الْأَرْضَ، فَقَالَ لَهُ: مِنْ هَذَا أُتِيتَ. ثُمَّ بَنَاهَا فَانْعَقَدَتْ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرَادَ الْوَلِيدُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْضَةَ الْقُبَّةِ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ; لِيُعَظِّمَ بِذَلِكَ شَأْنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ الْمِعْمَارُ: إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَضَرَبَهُ خَمْسِينَ سَوْطًا وَقَالَ لَهُ: وَيْلَكَ أَنَا لَا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَزْعُمُ أَنِّي أَعْجَزُ عَنْهُ، وَخَرَاجُ الْأَرْضِ وَأَمْوَالُهَا تُجْبَى إِلَيَّ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَنَا أُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ. قَالَ: فَبَيِّنْ ذَلِكَ. قَالَ: اضْرِبْ لَبِنَةً وَاحِدَةً مِنَ الذَّهَبِ وَقِسْ عَلَيْهَا مَا تُرِيدُ هَذِهِ الْقُبَّةُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَمَرَ الْوَلِيدُ، فَأُحْضِرَ مِنَ الذَّهَبِ مَا سُبِكَ بِهِ لَبِنَةٌ; فَإِذَا هِيَ قَدْ دَخَلَهَا أُلُوفٌ مِنَ الذَّهَبِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّا نُرِيدُ مِنْ هَذِهِ كَذَا وَكَذَا أَلْفِ لَبِنَةً، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ عَمِلْنَاهُ. فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْوَلِيدُ صِحَّةَ قَوْلِهِ أَطْلَقَ لَهُ خَمْسِينَ دِينَارًا، ثُمَّ عَقَدَهَا عَلَى مَا أَشَارَ بِهِ الْمِعْمَارُ. وَلَمَّا سَقَفَ الْوَلِيدُ الْجَامِعَ جَعَلُوا سَقْفَهُ جَمَلُونَاتٍ، وَبَاطِنَهَا مُسَطَّحًا مُقَرْنَصًا بِالذَّهَبِ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ: أَتْعَبْتَ النَّاسَ بَعْدَكَ فِي تَطْيِينِ أَسْطِحَةِ هَذَا الْمَسْجِدِ فِي كُلِّ عَامٍ. فَأَمَرَ الْوَلِيدُ أَنْ يُجْمَعَ مَا فِي بِلَادِهِ مِنَ الرَّصَاصِ; لِيَجْعَلَهُ عِوَضَ الطِّينِ، وَيَكُونَ أَخَفَّ عَلَى السُّقُوفِ، فَجَمَعَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنَ الشَّامِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَقَالِيمِ، فَعَازُوا، فَإِذَا عِنْدَ امْرَأَةٍ مِنْهُ قَنَاطِيرُ مُقَنْطَرَةٌ، فَسَاوَمُوهَا فِيهِ، فَأَبَتْ أَنْ تَبِيعَهُ إِلَّا بِوَزْنِهِ فِضَّةً، فَكَتَبُوا إِلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ: اشْتَرُوهُ مِنْهَا، وَلَوْ بِوَزْنِهِ فِضَّةً. فَلَمَّا بَذَلُوا لَهَا ذَلِكَ قَالَتْ: أَمَا إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ لِلَّهِ يَكُونُ فِي سَقْفِ هَذَا الْمَسْجِدِ. فَكَتَبُوا عَلَى أَلْوَاحِهَا بِطَابَعٍ: " لِلَّهِ ". وَيُقَالُ: إِنَّهَا كَانَتْ إِسْرَائِيلِيَّةً، وَإِنَّهُ كُتِبَ عَلَى الْأَلْوَاحِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهَا: هَذَا مَا أَعْطَتْهُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ: سَمِعْتُ الْمَشَايِخَ يَقُولُونَ: مَا تَمَّ بِنَاءُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ إِلَّا بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، لَقَدْ كَانَ يَفْضُلُ عِنْدَ الرَّجُلِ مِنَ الْقَوَمَةِ يَعْنُونَ الْفَعَلَةَ الْفَأْسَ وَرَأْسَ الْمِسْمَارِ، فَيَجِيءُ حَتَّى يَضَعَهُ فِي الْخِزَانَةِ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِ الدَّمَاشِقَةِ: لَيْسَ فِي الْجَامِعِ مِنَ الرُّخَامِ شَيْءٌ إِلَّا الرُّخَامَتَانِ اللَّتَانِ فِي الْمَقَامِ مِنْ عَرْشِ بِلْقِيسَ، وَالْبَاقِي كُلُّهُ مَرْمَرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اشْتَرَى الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَمُودَيْنِ الْأَخْضَرَيْنِ اللَّذَيْنِ تَحْتَ النَّسْرِ، مِنْ حَرْبِ بْنِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ. وَقَالَ دُحَيْمٌ، بسنده عن مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَرْخَمٍ. قبلة جامع الجامع الأموي بدمشق وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ فِي قِبْلَةِ جَامِعِ دِمَشْقَ ثَلَاثُ صَفَائِحَ مُذَهَّبَةٍ بِلَازُورْدَ، فِي كُلٍّ مِنْهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، رَبُّنَا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَدِينُنَا الْإِسْلَامُ، وَنَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ. أَمَرَ بِبُنْيَانِ هَذَا الْمَسْجِدِ، وَهَدْمِ الْكَنِيسَةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهِ، عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَلِيدُ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ. وَفِي صَفِيحَةٍ أُخْرَى رَابِعَةٍ مِنْ تِلْكَ الصَّفَائِحِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [ الْفَاتِحَةِ: 2 - 4 ] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ النَّازِعَاتِ، ثُمَّ عَبَسَ، ثُمَّ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التَّكْوِيرِ: 1 ]. قَالُوا: ثُمَّ مُحِيَتْ بَعْدَ مَجِيءِ الْمَأْمُونِ إِلَى دِمَشْقَ. وَذَكَرُوا أَنَّ أَرْضَهُ كَانَتْ مُفَضَّضَةً كُلَّهَا، وَأَنَّ الرُّخَامَ كَانَ فِي جُدْرَانِهِ إِلَى قَامَاتٍ، وَفَوْقَ الرُّخَامِ كَرْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَفَوْقَ الْكَرْمَةِ الْفُصُوصُ الْمُذَهَّبَةُ وَالْخُضْرُ وَالْحُمْرُ وَالزُّرْقُ وَالْبِيضُ، قَدْ صَوَّرُوا بِهَا سَائِرَ الْبُلْدَانِ الْمَشْهُورَةِ: الْكَعْبَةَ فَوْقَ الْمِحْرَابِ، وَسَائِرَ الْأَقَالِيمِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، وَصَوَّرُوا مَا فِي الْبُلْدَانِ مِنَ الْأَشْجَارِ الْحَسَنَةِ الْمُثْمِرَةِ وَالْمُزْهِرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَسَقْفُهُ مُقَرْنَصٌ بِالذَّهَبِ، وَالسَّلَاسِلُ الْمُعَلَّقَةُ فِيهِ جَمِيعُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَأَنْوَارُ الشُّمُوعِ فِي أَمَاكِنِهِ مُفَرَّقَةٌ. قَالَ: وَكَانَ فِي مِحْرَابِ الصَّحَابَةِ بَرْنِيَّةٌ; حَجَرٌ مِنْ بَلُّورٍ وَيُقَالُ: بَلْ كَانَتْ حَجَرًا مِنْ جَوْهَرٍ، وَهِيَ الدُّرَّةُ، وَكَانَتْ تُسَمَّى الْقَلِيلَةَ، وَكَانَتْ إِذَا طَفِئَتِ الْقَنَادِيلُ تُضِيءُ لِمَنْ هُنَاكَ بِنُورِهَا، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ الْأَمِينِ بْنِ الرَّشِيدِ وَكَانَ يُحِبُّ الْبَلُّورَ، وَقِيلَ: الْجَوْهَرَ بَعَثَ إِلَى سُلَيْمَانَ وَإِلَى شُرَطَةِ دِمَشْقَ أَنْ يَبْعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، فَسَرَقَهَا، وَسَيَّرَهَا إِلَى الْأَمِينِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْمَأْمُونُ رَدَّهَا إِلَى دِمَشْقَ; لِيُشَنِّعَ بِذَلِكَ عَلَى الْأَمِينِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: ثُمَّ ذَهَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَجُعِلَ مَكَانَهَا بَرْنِيَّةٌ مِنْ زُجَاجٍ. قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ تِلْكَ الْبَرْنِيَّةَ ثُمَّ انْكَسَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يُجْعَلْ مَكَانَهَا شَيْءٌ. قَالُوا: وَكَانَتِ الْأَبْوَابُ الشَّارِعَةُ مِنْ دَاخِلِ الصَّحْنِ لَيْسَ عَلَيْهَا أَغْلَاقٌ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَيْهَا السُّتُورُ مُرْخَاةً، وَكَذَلِكَ السُّتُورُ عَلَى سَائِرِ جُدْرَانِهِ إِلَى حَدِّ الْكَرْمَةِ الَّتِي فَوْقَهَا الْفُصُوصُ الْمُذَهَّبَةُ، وَرُءُوسُ الْأَعْمِدَةِ مَطْلِيَّةٌ بِالذَّهَبِ الْخَالِصِ الْكَثِيرِ، وَعَمِلُوا لَهُ شُرُفَاتٍ تُحِيطُ بِهِ، وَبَنَى الْوَلِيدُ الْمَنَارَةَ الشَّمَالِيَّةَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: مِئْذَنَةُ الْعَرُوسِ. فَأَمَّا الشَّرْقِيَّةُ وَالْغَرْبِيَّةُ فَكَانَتَا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ، وَقَدْ كَانَ فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْ هَذَا الْمَعْبَدِ صَوْمَعَةٌ شَاهِقَةٌ جِدًّا، بَنَتْهَا الْيُونَانُ لِلرَّصْدِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَقَطَتِ الشَّمَالِيَّتَانِ وَبَقِيَتِ الْقِبْلِيَّتَانِ إِلَى الْآنَ، وَقَدْ أُحْرِقَ بَعْضُ الشَّرْقِيَّةِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، فَنُقِضَتْ وَجُدِّدَ بِنَاؤُهَا مِنْ أَمْوَالِ النَّصَارَى، حَيْثُ اتُّهِمُوا بِحَرِيقِهَا، فَقَامَتْ عَلَى أَحْسَنِ الْأَشْكَالِ بَيْضَاءَ بِذَاتِهَا وَهِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، الْمَنَارَةُ الشَّرْقِيَّةُ الَّتِي يَنْزِلُ عَلَيْهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ. قُلْتُ: ثُمَّ أُحْرِقَ أَعْلَى هَذِهِ الْمَنَارَةِ وَجُدِّدَتْ، وَكَانَ أَعْلَاهَا مِنْ خَشَبٍ، فَبُنِيَتْ بِحِجَارَةٍ كُلُّهَا فِي آخِرِ السَّبْعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، فَصَارَتْ كُلُّهَا مَبْنِيَّةً بِالْحِجَارَةِ. حسن بناء الجامع الأموي وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَامِعَ الْأُمَوِيَّ لَمَّا كَمُلَ بِنَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِنَاءٌ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَبْهَى وَلَا أَجَلَّ مِنْهُ، بِحَيْثُ إِنَّهُ إِذَا نَظَرَ النَّاظِرُ إِلَيْهِ، أَوْ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ مِنْهُ أَوْ إِلَى أَيِّ بُقْعَةٍ أَوْ مَكَانٍ مِنْهُ، تَحَيَّرَ فِيمَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ; لِحُسْنِهِ جَمِيعِهِ، وَلَا يَمَلُّ نَاظِرُهُ، بَلْ كُلَّمَا أَدْمَنَ النَّظَرَ، بَانَتْ لَهُ أُعْجُوبَةٌ لَيْسَتْ كَالْأُخْرَى. وَكَانَتْ فِيهِ طِلَّسْمَاتٌ مِنْ أَيَّامِ الْيُونَانَ، فَلَا يَدْخُلُ هَذِهِ الْبُقْعَةَ شَيْءٌ مِنَ الْحَشَرَاتِ بِالْكُلِّيَّةِ; لَا مِنَ الْحَيَّاتِ، وَلَا مِنَ الْعَقَارِبِ، وَلَا الْخَنَافِسِ، وَلَا الْعَنَاكِيبِ، وَيُقَالُ: وَلَا الْعَصَافِيرُ أَيْضًا تُعَشِّشُ فِيهِ، وَلَا الْحَمَامُ، وَلَا شَيْءٌ مِمَّا يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ. وَأَكْثَرُ هَذِهِ الطِلَّسْمَاتِ أَوْ كُلُّهَا كَانَتْ مُودَعَةً فِي سَقْفِ الْجَامِعِ، مِمَّا يَلِي السُّبْعَ، فَأُحْرِقَتْ لَمَّا وَقَعَ فِيهِ الْحَرِيقُ، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ، سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فِي دَوْلَةِ الْفَاطِمِيِّينَ،. وَقَدْ كَانَتْ بِدِمَشْقَ طِلَّسْمَاتٌ وَضَعَتْهَا الْيُونَانُ، بَعْضُهَا بَاقٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَمِنْ ذَلِكَ، الْعَمُودُ الَّذِي فِي رَأْسِهِ مِثْلُ الْكُرَةِ بِسُوقِ الشَّعِيرِ عِنْدَ قَنْطَرَةِ أُمِّ حَكِيمٍ، وَهَذَا الْمَكَانُ يُعْرَفُ الْيَوْمَ بِالْعَلَبِيِّينَ، ذَكَرَ مَشَايِخُ دِمَشْقَ أَنَّهُ مِنْ وَضْعِ الْيُونَانِ لِعُسْرِ بَوْلِ الْحَيَوَانِ، فَإِذَا دَارُوا بِالْحَيَوَانِ حَوْلَ هَذَا الْعَمُودِ ثَلَاثَ دَوْرَاتٍ انْطَلَقَ بَوْلُهُ، وَذَلِكَ مُجَرَّبٌ عِنْدَ الْيُونَانِ. وَمَا زَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَعْمَلُ فِي تَكْمِلَةِ الْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ مُدَّةَ وِلَايَتِهِ، وَجُدِّدَتْ لَهُ فِيهِ الْمَقْصُورَةُ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَزَمَ عَلَى أَنْ يُجَرِّدَ مَا فِيهِ مِنَ الذَّهَبِ، وَيَقْلَعُ السَّلَاسِلَ وَالرُّخَامَ وَالْفُسَيْفِسَاءَ، وَيَرُدَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَيُطَيِّنَهُ مَكَانَ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، وَاجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ إِلَيْهِ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ: أَنَا أُكَلِّمُهُ لَكُمْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ خَالِدٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بَلَغَنَا أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ خَالِدٌ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ: وَلِمَ يَا ابْنَ الْكَافِرَةِ؟ وَكَانَتْ أُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً رُومِيَّةً أُمَّ وَلَدٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ كَانَتْ كَافِرَةً، فَقَدْ وَلَدَتْ رَجُلًا مُؤْمِنًا. فَقَالَ: صَدَقْتَ. وَاسْتَحْيَا عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: فَلِمَ قُلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ; لِأَنَّ غَالِبَ مَا فِيهِ مِنَ الرُّخَامِ إِنَّمَا حَمَلَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ، وَلَيْسَ هُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ. فَأَطْرَقَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالُوا: وَاتَّفَقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قُدُومُ جَمَاعَةٍ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ رُسُلًا مِنْ عِنْدِ مَلِكِهِمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ بَابِ الْبَرِيدِ، وَانْتَهَوْا إِلَى الْبَابِ الْكَبِيرِ الَّذِي تَحْتَ النَّسْرِ، وَرَأَوْا مَا بَهَرَ عُقُولَهُمْ مِنْ حُسْنِ ذَلِكَ الْجَامِعِ الْبَاهِرِ، وَالزَّخْرَفَةِ الَّتِي لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا صَعِقَ كَبِيرُهُمْ، وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَحَمَلُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِمْ، فَبَقِيَ أَيَّامًا مُدْنِفًا، فَلَمَّا تَمَاثَلَ سَأَلُوهُ عَمَّا عَرَضَ لَهُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَبْنِيَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَ هَذَا الْبِنَاءِ، وَكُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّ مُدَّتَهُمْ تَكُونُ أَقْصَرَ مِنْ هَذَا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: أَوَإِنَّ هَذَا لَغَيْظُ الْكُفَّارِ؟ دَعُوهُ. وَسَأَلَتِ النَّصَارَى فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَعْقِدَ لَهُمْ مَجْلِسًا فِي شَأْنِ مَا كَانَ أَخَذَهُ الْوَلِيدُ مِنْهُمْ وَكَانَ عُمَرُ عَادِلًا، فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ أَخَذَهُ الْوَلِيدُ مِنْهُمْ فَأَدْخَلَهُ فِي الْجَامِعِ، ثُمَّ حَقَّقَ عُمَرُ الْقَضِيَّةَ، ثُمَّ نَظَرَ فَإِذَا الْكَنَائِسُ الَّتِي هِيَ خَارِجُ الْبَلَدِ لَمْ تَدْخُلْ فِي الصُّلْحِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُمُ الصَّحَابَةُ; مِثْلَ كَنِيسَةِ دَيْرِ مُرَّانَ، وَكَنِيسَةِ الرَّاهِبِ، وَكَنِيسَةِ تُومَا، خَارِجَ بَابِ تُومَا، وَسَائِرِ الْكَنَائِسِ الَّتِي بِقُرَى الْحَوَاجِزِ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ رَدِّ مَا سَأَلُوهُ، وَتَخْرِيبِ هَذِهِ الْكَنَائِسِ كُلِّهَا، أَوْ تَبْقَى تِلْكَ الْكَنَائِسُ وَيَطِيبُوا نَفْسًا لِلْمُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، فَاتَّفَقَتْ آرَاؤُهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَلَى إِبْقَاءِ تِلْكَ الْكَنَائِسِ، وَيَكْتُبُ لَهُمْ كِتَابَ أَمَانٍ بِهَا، وَيَطِيبُوا نَفْسًا بِهَذِهِ الْبُقْعَةِ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ أَمَانٍ بِهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَامِعَ الْأُمَوِيَّ كَانَ حِينَ تَكَامَلَ بِنَاؤُهُ لَيْسَ لَهُ فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ فِي حُسْنِهِ وَبَهْجَتِهِ. أقوال في الجامع الأموي قَالَ الْفَرَزْدَقُ: أَهْلُ دِمَشْقَ فِي بَلَدِهِمْ قَصْرٌ مِنْ قُصُورِ الْجَنَّةِ، يَعْنِي بِهِ الْجَامِعَ الْأُمَوِيَّ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَشَدَّ شَوْقًا إِلَى الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ; لِمَا يَرَوْنَ مِنْ حُسْنِ مَسْجِدِهَا. قَالُوا: وَلَمَّا دَخَلَ الْمَهْدِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْعَبَّاسِيُّ دِمَشْقَ يُرِيدُ زِيَارَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، نَظَرَ إِلَى جَامِعِ دِمَشْقَ فَقَالَ لِكَاتِبِهِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيِّ: سَبَقَنَا بَنُو أُمَيَّةَ بِثَلَاثٍ; بِهَذَا الْمَسْجِدِ، لَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلَهُ، وَبِنُبْلِ الْمَوَالِي، وَبِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لَا يَكُونُ وَاللَّهِ فِينَا مِثْلُهُ أَبَدًا. ثُمَّ لَمَّا أَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَنَظَرَ إِلَى الصَّخْرَةِ وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ هُوَ الَّذِي بَنَاهَا قَالَ لِكَاتِبِهِ: وَهَذِهِ رَابِعَةٌ. وَلَمَّا دَخَلَ الْمَأْمُونُ دِمَشْقَ فَنَظَرَ إِلَى جَامِعِهَا، وَكَانَ مَعَهُ أَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ، وَقَاضِيهِ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ، قَالَ: مَا أَعْجَبُ مَا فِيهِ؟ فَقَالَ أَخُوهُ: هَذِهِ الْأَذْهَابُ الَّتِي فِيهِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: هَذَا الرُّخَامُ، وَهَذِهِ الْعُقَدُ. فَقَالَ الْمَأْمُونُ: إِنَّمَا أَعْجَبُ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مُتَقَدِّمٍ. ثُمَّ قَالَ الْمَأْمُونُ لِقَاسِمٍ التَّمَّارِ: أَخْبِرْنِي بِاسْمٍ حَسَنٍ أُسَمِّي بِهِ جَارِيَتِي هَذِهِ. فَقَالَ: سَمِّهَا مَسْجِدَ دِمَشْقَ; فَإِنَّهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: عَجَائِبُ الدُّنْيَا خَمْسَةٌ; أَحَدُهَا مَنَارَتُكُمْ هَذِهِ يَعْنِي مَنَارَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ الَّتِي بِإِسْكَنْدَرِيَّةَ وَالثَّانِيَةُ أَصْحَابُ الرَّقِيمِ; وَهْمُ بِالرُّومِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَالثَّالِثَةُ مِرْآةٌ بِبَابِ الْأَنْدَلُسِ عَلَى بَابِ مَدِينَتِهَا، يَجْلِسُ الرَّجُلُ تَحْتَهَا، فَيَنْظُرُ فِيهَا صَاحِبَهُ مِنْ مَسَافَةِ مِائَةِ فَرْسَخٍ، وَالرَّابِعُ مَسْجِدُ دِمَشْقَ وَمَا يُوصَفُ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَالْخَامِسُ الرُّخَامُ وَالْفُسَيْفِسَاءُ; فَإِنَّهُ لَا يُدْرَى لَهُمَا مَوْضِعٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ الرُّخَامَ مَعْجُونٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَذُوبُ عَلَى النَّارِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ الْكَاتِبُ وَكَانَ قَدِمَ دِمَشْقَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ فِي رِسَالَةٍ لَهُ قَالَ: ثُمَّ أُمِرْنَا بِالِانْتِقَالِ إِلَى الْبَلَدِ، فَانْتَقَلْتُ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ تَمَّتْ مَحَاسِنُهُ، وَوَافَقَ ظَاهِرَهُ بَاطِنُهُ، أَزِقَّتُهُ أَرِجَةٌ، وَشَوَارِعُهُ فَرِجَةٌ، فَحَيْثُ مَا شِئْتَ شَمَمْتَ طِيبًا، وَأَيْنَ سَعَيْتَ رَأَيْتَ مَنْظَرًا عَجِيبًا، وَأَفْضَيْتُ إِلَى جَامِعِهِ، فَشَاهَدْتُ مِنْهُ مَا لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَةِ الْوَاصِفِ أَنْ يَصِفَهُ، وَلَا الرَّائِي أَنْ يُعَرِّفَهُ، وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ بِكْرُ الدَّهْرِ، وَنَادِرَةُ الْوَقْتِ، وَأُعْجُوبَةُ الزَّمَانِ، وَغَرِيبَةُ الْأَوْقَاتِ، وَلَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، بِهِ ذِكْرًا يُدْرَسُ، وَخَلَّفَ بِهِ أَمْرًا لَا يَخْفَى وَلَا يَدْرُسُ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْأَدَبِ لِبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ، عَمَّرَهُ اللَّهُ بِذِكْرِهِ: دِمَشْقُ قَدْ شَاعَ حُسْنُ جَامِعِهَا     وَمَا حَوَتْهُ رُبَى مَرَابِعِهَا بَدِيعَةُ الْحَسَنِ فِي الْكَمَالِ لِمَا     يُدْرِكُهُ الطَّرْفُ مِنْ بَدَائِعِهَا طَيِّبَةٌ أَرْضُهَا مُبَارَكَةٌ     بِالْيُمْنِ وَالسَّعْدِ أَخْذُ طَالِعِهَا جَامِعُهَا جَامِعُ الْمَحَاسِنِ قَدْ     فَاقَتْ بِهِ الْمُدْنَ فِي جَوَامِعِهَا بَنِيَّةٌ بِالْإِتْقَانِ قَدْ وُضِعَتْ     لَا ضَيَّعَ اللَّهُ سَعْيَ وَاضِعِهَا تُذْكَرُ فِي فَضْلِهِ وَرِفْعَتِهِ     أَخْبَارُ صِدْقٍ رَاقَتْ لِسَامِعِهَا قَدْ كَانَ قَبْلَ الْحَرِيقِ مَدْهَشَةً     فَغَيَّرَتْهُ نَارٌ بِلَافِعِهَا فَأَذْهَبَتْ بِالْحَرِيقِ بَهْجَتَهُ     فَلَيْسَ يُرْجَى إِيَابُ رَاجِعِهَا إِذَا تَفَكَّرْتَ فِي الْفُصُوصِ وَمَا     فِيهَا تَيَقَّنْتَ حِذْقَ رَاصِعِهَا أَشْجَارُهَا لَا تَزَالُ مُثْمِرَةً     لَا تَذْهَبُ الرِّيحُ مِنْ مَدَافِعِهَا كَأَنَّهَا مِنْ زُمُرُّدٍ غُرِسَتْ     فِي أَرْضِ تِبْرٍ تَغْشَى بِفَاقِعِهَا فِيهَا ثِمَارٌ تَخَالُهَا يَنَعَتْ     وَلَيْسَ يُخْشَى فَسَادُ يَانِعِهَا تُقْطَفُ بِاللَّحْظِ لَا بِجَارِحَةِ الْ     أَيْدِي وَلَا تُجْتَنَى لِبَائِعِهَا وَتَحْتَهَا مِنْ رُخَامِهِ قِطَعٌ     لَا قَطَّعَ اللَّهُ كَفَّ قَاطِعِهَا أَحْكَمَ تَرْخِيمَهَا الْمُرَخِّمُ قَدْ     بَانَ عَلَيْهَا إِحْكَامُ صَانِعِهَا وَإِنْ تَفَكَّرْتَ فِي قَنَاطِرِهِ     وَسَقْفِهِ بَانَ حِذْقُ رَافِعِهَا وَإِنْ تَبَيَّنْتَ حُسْنَ قُبَّتِهِ     تَحَيَّرَ اللُّبُّ فِي أَضَالِعِهَا تَخْتَرِقُ الرِّيحُ فِي مَخَارِمِهَا     عَصْفًا فَتَقْوَى عَلَى زَعَازِعِهَا وَأَرْضُهُ بِالرُّخَامِ قَدْ فُرِشَتْ     يَنْفَسِحُ الطَّرْفُ فِي مَوَاضِعِهَا مَجَالِسُ الْعِلْمِ فِيهِ مُتْقَنَةٌ     يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ فِي مَجَامِعِهَا وَكُلُّ بَابٍ عَلَيْهِ مَطْهَرَةٌ     قَدْ أَمِنَ النَّاسُ دَفْعَ مَانِعِهَا يَرْتَفِقُ الْخَلْقُ مِنْ مَرَافِقِهَا     وَلَا يَصُدُّونَ عَنْ مَنَافِعِهَا وَلَا تَزَالُ الْمِيَاهُ جَارِيَةً     فِيهَا لِمَا شُقَّ مِنْ مَشَارِعِهَا وَسُوقُهَا لَا تَزَالُ آهِلَةً     لِيَزْدَحِمَ النَّاسُ فِي شَوَارِعِهَا لِمَا يَشَاءُونَ مِنْ فَوَاكِهِهَا     وَمَا يُرِيدُونَ مِنْ بَضَائِعِهَا كَأَنَّهَا جَنَّةٌ مُعَجَّلَةٌ     فِي الْأَرْضِ لَوْلَا سُرَى فَجَائِعِهَا دَامَتْ بِرَغْمِ الْعِدَى مُسَلَّمَةً     وَحَاطَهَا اللَّهُ مِنْ قَوَارِعِهَا ما روي في الجامع الأموي من الآثار وما ورد في فضله من الأخبار فِيمَا رُوِيَ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ مِنَ الْآثَارِ   وَمَا وَرَدَ فِي فَضْلِهِ مِنَ الْأَخْبَارِ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّادَةِ الْأَخْيَارِ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ. وَالزَّيْتُونِ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَطُورِ سِنِينَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ وَهُوَ مَكَّةُ. وَنَقَلَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُمْ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالتِّينِ هُوَ مَسْجِدُ دِمَشْقَ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ، بسنده عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ الْكِلَابِيِّ، قَالَ: قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَيُبْنَيَنَّ فِي دِمَشْقَ مَسْجِدٌ يَبْقَى بَعْدَ خَرَابِ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ عَامًا. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاتِكَةِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى جَبَلِ قَاسِيُونَ أَنْ هَبْ ظِلَّكَ وَبَرَكَتَكَ إِلَى جَبَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: فَفَعَلَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَمَا إِذْ فَعَلْتَ فَإِنِّي سَأَبْنِي لِي فِي حِضْنِكَ بَيْتًا أُعْبَدُ فِيهِ بَعْدَ خَرَابِ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْكَ ظِلَّكَ وَبَرَكَتَكَ. قَالَ: فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الضَّعِيفِ الْمُتَضَرِّعِ. وَقَالَ دُحَيْمٌ: حِيطَانُ الْمَسْجِدِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ بِنَاءِ هُودٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَ مِنَ الْفُسَيْفِسَاءِ إِلَى فَوْقَ فَهُوَ مِنْ بِنَاءِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَعْنِي أَنَّهُ رَفَعَ الْجِدَارَ فَعَلَّاهُ مِنْ حَدِّ الرُّخَامِ وَالْكَرْمَةِ إِلَى فَوْقَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا بَنَى هُودٌ الْجِدَارَ الْقِبْلِيَّ فَقَطْ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْبِرَامِيِّ، الدِّمَشْقِيُّ: بسنده عن عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَحْيَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ قَالَ: كَانَ خَارِجَ بَابِ السَّاعَاتِ صَخْرَةٌ يُوضَعُ عَلَيْهَا الْقُرْبَانُ، فَمَا تُقُبِّلَ مِنْهُ جَاءَتْ نَارٌ فَأَكَلَتْهُ، وَمَا لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الصَّخْرَةُ نُقِلَتْ إِلَى دَاخِلِ بَابِ السَّاعَاتِ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ إِلَى الْآنَ، وَبَعْضُ الْعَامَّةِ يَزْعُمُ أَنَّهَا الصَّخْرَةُ الَّتِي وَضَعَ عَلَيْهَا ابْنَا آدَمَ قُرْبَانَهُمَا، فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ صَلَّى فِي مَوْضِعِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. قُلْتُ: وَمُنْكَرٌ جِدًّا، وَلَا يَثْبُتُ أَيْضًا لَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبِرَامِيُّ: بسنده أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ تَقَدَّمَ إِلَى الْقُوَّامِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ اللَّيْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا تَتْرُكُوا فِيهِ أَحَدًا حَتَّى أُصَلِّيَ اللَّيْلَةَ. ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى بَابَ السَّاعَاتِ، فَاسْتَفْتَحَ الْبَابَ فَفُتِحَ لَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ بَيْنَ بَابِ السَّاعَاتِ، وَبَابِ الْخَضْرَاءِ الَّذِي يَلِي الْمَقْصُورَةَ يُصَلِّي، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى بَابِ الْخَضْرَاءِ مِنْهُ إِلَى بَابِ السَّاعَاتِ، فَقَالَ لِلْقُوَّامِ: أَلَمْ آمُرْكُمْ أَنْ لَا تَتْرُكُوا أَحَدًا اللَّيْلَةَ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا الْخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُصَلِّي كُلَّ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجِدِ. فِي إِسْنَادِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ وَصِحَّتِهَا نَظَرٌ، وَلَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهَا وُجُودُ الْخَضِرِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا صَلَاتُهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اشْتُهِرَ فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ أَنَّ الزَّاوِيَةَ الْقِبْلِيَّةَ عِنْدَ بَابِ الْمِئْذَنَةِ الْغَرْبِيَّةِ تُسَمَّى زَاوِيَةَ الْخَضِرِ، وَمَا أَدْرِي مَا سَبَبُ ذَلِكَ، وَالَّذِي ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ صَلَاةُ الصَّحَابَةِ فِيهِ، أول من صلى إماما بالجامع الأموي وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى فِيهِ إِمَامًا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْأُمَرَاءِ بِالشَّامِ، وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَصَلَّى فِيهِ خَلْقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يُغَيِّرَهُ الْوَلِيدُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَأَمَّا بَعْدَ أَنْ غُيِّرَ إِلَى هَذَا الشَّكْلِ فَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَذَلِكَ إِلَّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ وَرَدَ دِمَشْقَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ يَبْنِي فِي هَذَا الْجَامِعِ، فَصَلَّى فِيهِ أَنَسٌ وَرَاءَ الْوَلِيدِ، وَأَنْكَرَ أَنَسٌ عَلَى الْوَلِيدِ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا، وَسَيُصَلِّي فِيهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِذَا نَزَلَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، إِذَا خَرَجَ الدَّجَّالُ وَعَمَّتِ الْبَلْوَى بِهِ، وَانْحَصَرَ النَّاسُ مِنْهُ بِدِمَشْقَ، فَيَنْزِلُ مَسِيحُ الْهُدَى فَيَقْتُلُ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ، وَيَكُونُ نُزُولُهُ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ وَقْتَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَيَأْتِي وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ لَهُ إِمَامُ النَّاسِ: تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ. فَيَقُولُ: إِنَّمَا أُقِيمَتْ لَكَ. فَيُصَلِّي عِيسَى تِلْكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ رَجُلٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ. يُقَالُ إِنَّهُ الْمَهْدِيُّ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ يَخْرُجُ عِيسَى بِالنَّاسِ، فَيُدْرِكُ الدَّجَّالَ عِنْدَ عَقَبَةِ أَفِيقَ، وَقِيلَ: بِبَابِ لُدٍّ. فَيَقْتُلُهُ بِيَدِهِ هُنَالِكَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مَبْسُوطًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ( النِّسَاءِ: 159 )، وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَنْزِلَنَّ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، وَإِمَامًا عَادِلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَنْزِلُ وَالْبَلَدُ مُحَصَّنٌ مِنَ الدَّجَّالِ، وَيَكُونُ نُزُولُهُ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ وَهِيَ هَذِهِ الْمَنَارَةُ الْمَبْنِيَّةُ فِي زَمَانِنَا مِنْ أَمْوَالِ النَّصَارَى; حَيْثُ أَحْرَقُوهَا فَجُدِّدَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ثُمَّ يَكُونُ نُزُولُ عِيسَى حَتْفًا لَهُمْ، وَهَلَاكًا وَدَمَارًا عَلَيْهِمْ، يَنْزِلُ بَيْنَ مَلَكَيْنِ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنَاكِبِهِمَا، وَعَلَيْهِ مَهْرُودَتَانِ وَفِي رِوَايَةٍ: مُمَصَّرَتَانِ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، وَذَلِكَ وَقْتَ الْفَجْرِ، فَيَنْزِلُ مِنَ الْمَنَارَةِ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ بِدِمَشْقَ، وَهُوَ هَذَا الْجَامِعُ. وَمَا وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ رِوَايَةِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيُّ: فَيَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ كَأَنَّهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى بِحَسَبِ مَا فَهِمَهُ الرَّاوِي، وَإِنَّمَا هُوَ يَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ أُخْبِرْتُ - وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ إِلَّا الْآنَ - أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الْمُصَنَّفَاتِ، وَاللَّهُ الْمَسْئُولُ الْمَأْمُولُ أَنْ يُوَفِّقَنِي، فَيُوقِفَنِي عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ. وَلَيْسَ فِي الْبَلَدِ مَنَارَةٌ تُعْرَفُ بِالشَّرْقِيَّةِ سِوَى هَذِهِ، وَهِيَ بَيْضَاءُ بِنَفْسِهَا، وَلَا يُعْرَفُ فِي بِلَادِ الشَّامِ مَنَارَةٌ أَحْسَنُ مِنْهَا، وَلَا أَبْهَى وَلَا أَعْلَى مِنْهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

  312. التاريخ 2403لا حكم مسجّل

    الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِرَأْسِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ  وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ قَالَ: وَكَّلَنِي الْوَلِيدُ عَلَى الْعُمَّالِ فِي بِنَاءِ جَامِعِ دِمَشْقَ فَوَجَدْنَا فِيهِ مَغَارَةً، فَعَرَّفْنَا الْوَلِيدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ وَافَانَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ الشَّمْعُ، فَنَزَلَ فَإِذَا هِيَ كَنِيسَةٌ لَطِيفَةٌ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَإِذَا فِيهَا صُنْدُوقٌ، فَفَتَحَ الصُّنْدُوقَ فَإِذَا فِيهِ سَفَطٌ، وَفِي السَّفَطِ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: هَذَا رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا. فَأَمَرَ بِهِ الْوَلِيدُ فَرُدَّ إِلَى الْمَكَانِ. وَقَالَ: اجْعَلُوا الْعَمُودَ الَّذِي فَوْقَهُ مُغَيَّرًا مِنْ بَيْنِ الْأَعْمِدَةِ. فَجُعِلَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مُسَفَّطَ الرَّأْسِ. وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ: أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَانَ تَحْتَ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْقُبَّةِ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تُبْنَى قَالَ: وَكَانَ عَلَى الرَّأْسِ شَعْرٌ وَبَشَرٌ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ، قَالَ: حَضَرْتُ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَقَدْ أُخْرِجَ مِنَ اللِّيطَةِ الْقِبْلِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي عِنْدَ مَجْلِسِ بُجَيْلَةَ، فَوُضِعَ تَحْتَ عَمُودِ السِّبْطِ السَّكَاسِكِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: هُوَ الْعَمُودُ الرَّابِعُ الْمُسَفَّطُ. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبِرَامِيِّ، بسنده عَنْ أَبِي زِيَادٍ، وَأَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيَّيْنِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أَمِّ عَمْرٍو بِنْتِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ خَرَجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي بَابَ جَيْرُونَ فَلَقِيَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ وَاثِلَةُ: أُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ: تَعَالَ حَتَّى أُرِيَكَ مَوْضِعًا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، مَنْ صَلَّى فِيهِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَذَهَبَ بِهِ فَأَرَاهُ مَا بَيْنَ الْبَابِ الْأَصْفَرِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْوَالِي إِلَى الْحَنِيَّةِ يَعْنِي الْقَنْطَرَةَ الْغَرْبِيَّةَ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ وَاثِل?ةُ: إِنَّهُ لَمَجْلِسِي وَمَجْلِسُ قَوْمِي. قَالَ كَعْبٌ: هُوَ ذَاكَ. وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ جِدًّا وَمُنْكَرٌ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى مِثْلِهِ. وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِبِنَاءِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَجَدُوا فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ الْقِبْلِيِّ لَوْحًا مِنْ حَجَرٍ فِيهِ كِتَابٌ نَقْشٌ، فَأَتَوْا بِهِ الْوَلِيدَ، فَبَعَثَ إِلَى الرُّومِ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى مَنْ كَانَ بِدِمَشْقَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَشْبَانِ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ. فَدُلَّ عَلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِمَوْضِعِ ذَلِكَ اللَّوْحِ، فَوَجَدُوهُ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ وَيُقَالُ: إِنْ ذَلِكَ الْحَائِطَ بَنَاهُ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْبٌ حَرَّكَ رَأْسَهُ وَقَرَأَهُ فَإِذَا هُوَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ابْنَ آدَمَ، لَوْ رَأَيْتَ يَسِيرَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِكَ، لَزَهَدْتَ فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِكَ، وَإِنَّمَا تَلْقَى نَدَمَكَ. لَوْ قَدْ زَلَّتْ بِكَ قَدَمُكَ، وَأَسْلَمَكَ أَهْلُكَ وَحَشَمُكَ، وَانْصَرَفَ عَنْكَ الْحَبِيبُ، وَوَدَّعَكَ الْقَرِيبُ، ثُمَّ صِرْتَ تُدْعَى فَلَا تُجِيبُ، فَلَا أَنْتَ إِلَى أَهْلِكَ عَائِدٌ، وَلَا فِي عَمَلِكَ زَائِدٌ، فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَبْلَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِكَ أَجَلُكَ، وَتُنْزَعَ مِنْكَ رُوحُكَ، فَلَا يَنْفَعُكَ مَالٌ جَمَعْتَهُ، وَلَا وَلَدٌ وَلَدْتَهُ، وَلَا أَخٌ تَرَكْتَهُ، ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى بَرْزَخِ الثَّرَى، وَمُجَاوَرَةِ الْمَوْتَى، فَاغْتَنِمِ الْحَيَاةَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَالْقُوَّةَ قَبْلَ الضَّعْفِ، وَالصِّحَّةَ قَبْلَ السَّقَمِ، قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ بِالْكَظْمِ، وَيُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعَمَلِ. وَكُتِبَ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ بسنده: لَمَّا كَانَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبِنَائِهِ الْمَسْجِدَ احْتَفَرُوا فِيهِ مَوْضِعًا، فَوَجَدُوا بَابًا مِنْ حِجَارَةٍ مُغْلَقًا، فَلَمْ يَفْتَحُوهُ، وَأَعْلَمُوا بِهِ الْوَلِيدَ، فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، وَفُتِحَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا دَاخِلُهُ مَغَارَةٌ فِيهَا تَمْثَالُ إِنْسَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ عَلَى فَرَسٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِي يَدِ التَّمْثَالِ الْوَاحِدَةِ الدُّرَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمِحْرَابِ، وَيَدُهُ الْأُخْرَى مَقْبُوضَةٌ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُسِرَتْ، فَإِذَا فِيهَا حَبَّتَانِ; حَبَّةُ قَمْحٍ وَحَبَّةُ شَعِيرٍ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَرَكْتَ الْكَفَّ لَمْ تَكْسِرْهَا لَمْ يُسَوِّسْ فِي هَذَا الْبَلَدِ قَمْحٌ وَلَا شَعِيرٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَحْمَدُ الْوَرَّاقُ، وَكَانَ قَدْ عُمِّرَ مِائَةَ سَنَةٍ: سَمِعْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ يَقُولُ: لَمَّا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دِمَشْقَ وَجَدُوا عَلَى الْعَمُودِ الَّذِي عَلَى الْمِقْسِلَّاطِ عَلَى السَّفُّودِ الْحَدِيدِ الَّذِي فِي أَعْلَاهُ صَنَمًا مَادًّا يَدَهُ بِكَفٍّ مُطْبَقَةٍ، فَكَسَرُوهُ، فَإِذَا فِي يَدِهِ حَبَّةُ قَمْحٍ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ الْحَبَّةُ الْقَمْحِ جَعَلَهَا حُكَمَاءُ الْيُونَانِ فِي كَفِّ هَذَا الصَّنَمِ طِلَّسْمًا، حَتَّى لَا يُسَوِّسَ الْقَمْحُ، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ كَثِيرَةً. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا هَذَا السَّفُّودَ عَلَى قَنَاطِرِ كَنِيسَةِ الْمِقْسِلَّاطِ، فَلَمَّا هُدِمَتِ الْقَنَاطِرُ ذَهَبَ. قُلْتُ: كَنِيسَةُ الْمِقْسِلَّاطِ كَانَتْ مَبْنِيَّةً فَوْقَ الْقَنَاطِرِ الَّتِي فِي السُّوقِ الْكَبِيرِ، عِنْدَ الصَّابُونِيِّينَ وَالْعَطَّارِينَ الْيَوْمَ، وَعِنْدَهَا اجْتَمَعَتْ جُيُوشُ الْإِسْلَامِ يَوْمَ فَتْحِ دِمَشْقَ، دَخَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَخَالِدٌ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ: سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ دِمَشْقَ يَقُولُونَ: إِنَّ فِي سَقْفِ مَسْجِدِ الْجَامِعِ طَلَاسِمَ عَمِلَهَا الْحُكَمَاءُ فِي السَّقْفِ، مِمَّا يَلِي الْحَائِطَ الْقِبْلِيَّ، فِيهَا طَلَاسِمُ لِلصَّنُونِيَّاتِ، لَا تَدْخُلُهُ وَلَا تُعَشِّشُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تَكُونُ مِنْهَا، وَلَا يَدْخُلُهُ غُرَابٌ، وَطِلَّسْمٌ لِلْفَأْرِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ مَا أَبْصَرَ النَّاسُ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا الْفَأْرَ، وَيُشَكُّ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُدِمَ طِلَّسْمُهَا وَطِلَّسْمٌ لِلْعَنْكَبُوتِ حَتَّى لَا يَنْسِجَ فِي زَوَايَاهُ، فَيَرْكَبُهُ الْغُبَارُ وَالْوَسَخُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَسَمِعْتُ جَدِّي أَبَا الْفَضْلِ يَحْيَى بْنَ عَلِيٍّ الْقَاضِيَ، يَذْكُرُ أَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الْجَامِعِ قَبْلَ حَرِيقِهِ طِلَّسْمَاتٍ لِسَائِرِ الْحَشَرَاتِ، مُعَلَّقَةً فِي السَّقْفِ فَوْقَ الْبَطَائِنِ مِمَّا يَلِي السُّبْعَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ فِي الْجَامِعِ شَيْءٌ مِنَ الْحَشَرَاتِ قَبْلَ الْحَرِيقِ، فَلَمَّا احْتَرَقَتِ الطِّلَّسْمَاتُ وُجِدَتْ، وَكَانَ حَرِيقُ الْجَامِعِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَقَدْ كَانَتْ بِدِمَشْقَ طِلَّسْمَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا سِوَى الْعَمُودِ الَّذِي بِسُوقِ الْعَلَبِيِّينَ الْيَوْمَ الَّذِي فِي أَعْلَاهُ مِثْلُ الْكُرَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهُوَ لِعُسْرِ بَوْلِ الدَّوَابِّ إِذَا دَارُوا بِالدَّابَّةِ حَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ انْطَلَقَ. وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا هَذَا قَبْرُ مُشْرِكٍ مُتَمَرِّدٍ مَدْفُونٌ هُنَالِكَ يُعَذَّبُ، فَإِذَا سَمِعَتِ الدَّابَّةُ صِيَاحَهُ فَزِعَتْ فَانْطَلَقَ طَبْعُهَا. قَالَ: وَلِهَذَا يَذْهَبُونَ بِالدَّوَابِّ إِلَى مَقَابِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِذَا مَغَلَتْ فَيَنْطَلِقُ طِبَاعُهَا وَتَرُوثُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهَا تَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  313. التاريخ 2404لا حكم مسجّل

    السَّاعَاتِ الَّتِي عَلَى بَابِهِ   قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زَبْرٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ بَابُ الْجَامِعِ الْقِبْلِيُّ بَابَ السَّاعَاتِ لِأَنَّهُ عُمِلَ هُنَاكَ بِرْكَارُ السَّاعَاتِ يُعْلَمُ بِهَا كُلُّ سَاعَةٍ تَمْضِي مِنَ النَّهَارِ، عَلَيْهَا عَصَافِيرُ مِنْ نُحَاسٍ، وَحَيَّةٌ مِنْ نُحَاسٍ، وَغُرَابٌ، فَإِذَا تَمَّتِ السَّاعَةُ خَرَجَتِ الْحَيَّةُ فَصَفَّرَتِ الْعَصَافِيرُ، وَصَاحَ الْغُرَابُ، وَسَقَطَتْ حَصَاةٌ فِي الطَّسْتِ فَيَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنَ النَّهَارِ سَاعَةٌ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِهَا. قُلْتُ: هَذَا يَحْتَمِلُ أَحَدَ شَيْئَيْنِ; إِمَّا أَنَّ السَّاعَاتِ كَانَتْ فِي الْبَابِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الْجَامِعِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بَابُ الزِّيَادَةِ، وَلَكِنْ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مُحْدَثٌ بَعْدَ بِنَاءِ الْجَامِعِ، وَلَا يَنْفِي ذَلِكَ أَنَّ السَّاعَاتِ كَانَتْ عِنْدَهُ فِي زَمَنِ الْقَاضِي ابْنِ زَبْرٍ. وَإِمَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنَ الْجَامِعِ، فِي حَائِطِهِ الْقِبْلِيِّ بَابٌ آخَرُ فِي مُحَاذَاةِ بَابِ الزِّيَادَةِ، وَعِنْدَهُ السَّاعَاتُ، ثُمَّ نُقِلَتْ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ إِلَى بَابِ الْوَرَّاقِينَ الْيَوْمَ; وَهُوَ بَابُ الْجَامِعِ مِنَ الشَّرْقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: فَأَمَّا الْقُبَّةُ الَّتِي فِي وَسَطِ صَحْنِ الْجَامِعِ الَّتِي فِيهَا الْمَاءُ الْجَارِي، وَتَقُولُ الْعَامَّةُ لَهَا: قُبَّةُ أَبِي نُوَاسٍ. فَكَانَ بِنَاؤُهَا فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، أَرَّخَ ذَلِكَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ خَطِّ بَعْضِ الدَّمَاشِقَةِ، وَأَمَّا الْقُبَّةُ الْغَرْبِيَّةُ الْعَالِيَةُ الَّتِي فِي صَحْنِ الْجَامِعِ، الَّتِي يُقَالُ لَهَا: قُبَّةُ عَائِشَةَ. فَسَمِعْتُ شَيْخَنَا الذَّهَبِيَّ يَقُولُ: إِنَّهَا إِنَّمَا بُنِيَتْ فِي حُدُودِ سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَةٍ، فِي أَيَّامِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ الْعَبَّاسِيِّ، وَجَعَلُوهَا لِحَوَاصِلِ الْجَامِعَ وَكُتُبِ أَوْقَافِهِ. وَأَمَّا الْقُبَّةُ الشَّرْقِيَّةُ الَّتِي عَلَى بَابِ مَشْهَدِ عَلِيٍّ فَيُقَالُ: إِنَّهَا بُنِيَتْ فِي زَمَنِ الْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ فِي حُدُودِ سَنَةِ أَرْبَعِمِائَةٍ. وَأَمَّا الْفَوَّارَةُ الَّتِي تَحْتَ دُرْجِ جَيْرُونَ فَعَمِلَهَا الشَّرِيفُ فَخْرُ الدَّوْلَةِ أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِيُّ، وَكَأَنَّهُ كَانَ نَاظِرَ الْجَامِعِ، وَجَرَّ إِلَيْهَا قِطْعَةً مِنْ حَجَرٍ كَبِيرٍ مِنْ قَصْرِ حَجَّاجٍ، وَأَجْرَى فِيهَا الْمَاءَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعَ عَشَرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَعُمِلَتْ حَوْلَهَا قَنَاطِرُ، وَعُقِدَ عَلَيْهَا قُبَّةٌ، ثُمَّ سَقَطَتِ الْقُبَّةُ بِسَبَبِ جِمَالٍ تَحَاكَّتْ عِنْدَهَا وَازْدَحَمَتْ، وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَأُعِيدَتْ، ثُمَّ سَقَطَتْ أَعْمِدَتُهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ حَرِيقِ اللَّبَّادِينَ وَدَارِ الْحِجَارَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ. قُلْتُ: وَأَمَّا الْقَصْعَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْفَوَّارَةِ، فَمَا زَالَتْ وَسَطَهَا، وَقَدْ أَدْرَكْتُهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ رُفِعَتْ بَعْدَ ذَلِكَ. وَكَانَ بِطَهَّارَةِ جَيْرُونَ قَصْعَةٌ أُخْرَى مِثْلُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهَا، ثُمَّ لَمَّا انْهَدَمَتِ اللَّبَّادِينَ بِسَبَبِ حَرِيقِ النَّصَارَى فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ، اسْتُؤْنِفَ بِنَاءُ الطَّهَارَةِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَتْ، وَذَهَبَتْ تِلْكَ الْقَصْعَةُ فَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ، ثُمَّ عُمِلَ الشَّاذِرْوَانُ الَّذِي هُوَ شَرْقِيُّ فَوَّارَةِ جَيْرُونَ بَعْدَ الْخَمْسِمِائَةِ، أَظُنُّهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  314. التاريخ 2405لا حكم مسجّل

    ابْتِدَاءِ أَمْرِ السُّبْعِ بِالْجَامِعِ الْأُمَوِيِّ   قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: بسنده عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: الدِّرَاسَةُ مُحْدَثَةٌ، أَحْدَثَهَا هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ فِي قَدْمَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَحَجَبَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَجَلَسَ بَعْدَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَسَمِعَ قِرَاءَةً، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَأُخْبِرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ يَقْرَأُ فِي الْخَضْرَاءِ، فَقَرَأَ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، فَجَعَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَقْرَأُ بِقِرَاءَةِ هِشَامٍ، فَقَرَأَ بِقِرَاءَتِهِ مَوْلًى لَهُ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ، فَقَرَءُوا بِقِرَاءَتِهِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ خَطِيبُ دِمَشْقَ: بسنده عن خَالِدُ بْنُ دِهْقَانَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْقِرَاءَةَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ  هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ الْقِرَاءَةَ بِفِلَسْطِينَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُرَشِيُّ  . قُلْتُ: هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ هَذَا كَانَ نَائِبًا عَلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي ضَرَبَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمَّا امْتَنَعَ مِنَ الْبَيْعَةِ لِلْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَبُوهُ، ثُمَّ عَزَلَهُ عَنْهَا الْوَلِيدُ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَدْ حَضَرَ هَذَا السُّبْعَ جَمَاعَاتٌ مِنْ سَادَاتِ السَّلَفِ مِنَ التَّابِعِينَ بِدِمَشْقَ مِنْهُمْ هِشَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ، وَمَوْلَاهُ رَافِعٌ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ وَكَانَ مُكْتِبًا لِأَوْلَادِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَقَدْ وَلِيَ إِمْرَةَ إِفْرِيقِيَّةَ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمَرْوَانُ. وَحَضَرَهُ مِنَ الْقُضَاةِ أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ، وَنُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي الْهَمْدَانِيِّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَسَدِيُّ. وَمِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْحُفَّاظِ الْمُقْرِئِينَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ مُعَاوِيَةَ، وَمَكْحُولٌ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَشْدَقُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ بْنِ زَبْرٍ، وَأَبُو إِدْرِيسَ الْأَصْغَرُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عِرَاكٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَامِرٍ الْيَحْصُبِيُّ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَيَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ النُّعْمَانِ الْمُزَنِيُّ، وَأَنَسُ بْنُ أُنَيْسٍ الْعُذْرِيُّ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بَزِيعٍ الْقَارِئُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْخُشَنِيُّ، وَنَمْرَانُ أَوْ هَزَّانُ بْنُ حَكِيمٍ الْقُرَشِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ الْأَزْدِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ عُبَيْدَةَ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، وَعَيَّاشُ بْنُ دِينَارٍ وَغَيْرُهُمْ، هَكَذَا أَوْرَدَهُمُ ابْنُ عَسَاكِرَ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَرِهَ اجْتِمَاعَهُمْ وَأَنْكَرَهُ، وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ. ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ يُنْكِرُ الدِّرَاسَةَ، وَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ، وَقَدْ أَدْرَكْتُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَكَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرًا عَلَى دِمَشْقَ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ

  315. التاريخ 2406لا حكم مسجّل

    ( ابْتِدَاءِ عِمَارَةِ جَامِعِ دِمَشْقَ   ) كَانَ ابْتِدَاءُ عِمَارَةِ جَامِعِ دِمَشْقَ فِي أَوَاخِرَ سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ; هُدِمَتِ الْكَنِيسَةُ الَّتِي كَانَتْ مَوْضِعَهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْهَدْمِ، شَرَعُوا فِي الْبِنَاءِ، وَتَكَامَلَ فِي عَشْرِ سِنِينَ، فَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ بَانِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقَدْ بَقِيَتْ فِيهِ بَقَايَا، فَكَمَّلَهَا أَخُوهُ سُلَيْمَانُ، كَمَا ذَكَرْنَا. فَأَمَّا قَوْلُ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ: سَأَلْتُ هِشَامَ بْنَ عَمَّارٍ عَنْ قِصَّةِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَهَذِهِ الْكَنِيسَةِ قَالَ: كَانَ الْوَلِيدُ قَالَ لِلنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ: مَا شِئْتُمْ، إِنَّا أَخَذْنَا كَنِيسَةَ تُومَا عَنْوَةً وَكَنِيسَةَ الدَّاخِلَةِ صُلْحًا، فَأَنَا أَهْدِمُ كَنِيسَةَ تُومَا؟ قَالَ هِشَامٌ: وَتِلْكَ أَكْبَرُ مِنْ هَذِهِ الدَّاخِلَةِ، قَالَ: فَرَضُوا أَنْ أَهْدِمَ كَنِيسَةَ الدَّاخِلَةِ، وَأُدْخِلَهَا فِي الْمَسْجِدِ. قَالَ: وَكَانَ بَابُهَا قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ، وَهُوَ الْمِحْرَابُ الَّذِي يُصَلَّى فِيهِ قَالَ: وَهَدْمُ الْكَنِيسَةِ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ الْوَلِيدِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَمَكَثُوا فِي بِنَائِهِ سَبْعَ سِنِينَ، حَتَّى مَاتَ الْوَلِيدُ، وَلَمْ يُتِمَّ بِنَاءَهُ، فَأَتَمَّهُ هِشَامٌ مِنْ بَعْدِهِ. فَفِيهِ فَوَائِدُ، وَفِيهِ غَلَطٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّهُمْ مَكَثُوا فِي بِنَائِهِ سَبْعَ سِنِينَ. وَالصَّوَابُ: عَشْرَ سِنِينَ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَقَدْ حَكَى أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعَ أَهْلِ السِّيَرِ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَتِمَّ بِنَاؤُهُ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ. بَلْ قَدْ تَمَّ، وَلَكِنْ بَقِيَتْ بَقِيَّاتٌ مِنَ الزَّخْرَفَةِ، فَأَكْمَلَهَا أَخُوهُ سُلَيْمَانُ لَا هِشَامٌ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  316. التاريخ 2407لا حكم مسجّل

    تَرْجَمَةُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ، وَذِكْرُ وَفَاتِهِ فِي هَذَا الْعَامِ هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأُمَوِيُّ، بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ أَبِيهِ بِعَهْدٍ مِنْهُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ وَالْوَلِيَّ مِنْ بَعْدِهِ، وَأُمُّهُ وَلَّادَةُ بِنْتُ الْعَبَّاسِ بْنِ جُزِيِّ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيِّ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَكَانَ أَبَوَاهُ يُتْرِفَانِهِ، فَشَبَّ بِلَا أَدَبٍ، وَكَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وَكَانَ طَوِيلًا أَسْمَرَ، بِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ، أَفْطَسَ الْأَنْفِ سَائِلَهُ، وَكَانَ إِذَا مَشَى يَتَوَكَّفُ فِي الْمِشْيَةِ أَيْ يَتَبَخْتَرُ وَكَانَ جَمِيلًا، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ دَمِيمًا، قَدْ شَابَ فِي مُقَدَّمِ لِحْيَتِهِ، وَقَدْ رَأَى سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَسَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ; لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ سَأَلَهُ مَاذَا سَمِعَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةَ؟ وَسَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، وَحَكَى عَنِ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَرَادَ أَنْ يَعْهَدَ إِلَيْهِ ثُمَّ تَوَقَّفَ; لِأَنَّهُ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، فَجَمَعَ الْوَلِيدُ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ النَّحْوِ عِنْدَهُ فَأَقَامُوا سَنَةً، وَقِيلَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ. فَخَرَجَ يَوْمَ خَرَجَ أَجْهَلَ مِمَّا كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَدْ أُجْهِدَ وَأُعْذِرَ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ أَوْصَاهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَا أَلْفَيَنَّكَ إِذَا مِتُّ، تَجْلِسُ تَعْصِرُ عَيْنَيْكَ، وَتَحِنُّ حَنِينَ الْأَمَةِ، وَلَكِنْ شَمِّرْ وَائْتَزِرْ وَدَلِّنِي فِي حُفْرَتِي وَخَلِّنِي وَشَأْنِي، وَادْعُ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ; فَمَنْ قَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا فَقُلْ بِسَيْفِكَ هَكَذَا. وَقَالَ اللَّيْثُ: وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعَيْنِ غَزَا الْوَلِيدُ بِلَادَ الرُّومِ، وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَيْضًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: غَزَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَفِي الَّتِي بَعْدَهَا بِلَادَ مَلَطْيَةَ وَغَيْرَهَا. وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ مُخْلِصًا. وَقِيلَ: كَانَ نَقْشُهُ: يَا وَلِيدُ إِنَّكَ مَيِّتٌ. وَيُقَالُ: إِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ: قَالَ لِي الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمًا: فِي كَمْ تَخْتِمُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: فِي كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى شُغْلِهِ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ. وَقِيلَ: فِي كُلِّ سَبْعٍ. قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَبْعَ عَشْرَةَ خَتْمَةً. قَالَ إِبْرَاهِيمُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: الْوَلِيدُ ! وَأَيْنَ مِثْلُهُ؟ بَنَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ وَكَانَ يُعْطِينِي قِصَاعَ الْفِضَّةِ، فَأُقَسِّمُهَا عَلَى قُرَّاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. بعض من أخبار الوليد بن عبد الملك وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ الْوَلِيدُ يَوْمًا مِنَ الْبَابِ الْأَصْغَرِ، فَرَأَى رَجُلًا عِنْدَ الْمِئْذَنَةِ الشَّرْقِيَّةِ يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَتَاهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَتُرَابًا، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: الْقُنُوعُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَذَهَبَ إِلَى مَجْلِسِهِ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِهِ، فَقَالَ: إِنْ لَكَ لَشَأْنًا، فَأَخْبِرْنِي بِهِ وَإِلَّا ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ. فَقَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كُنْتُ رَجُلًا جَمَّالًا، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مِنْ مَرْجِ الصُّفَّرِ قَاصِدًا إِلَى الْكُسْوَةِ إِذْ زَرَتَنِي الْبَوْلُ، فَعَدَلْتُ إِلَى خَرِبَةٍ لِأَبُولَ، فَإِذَا سَرَبٌ فَحَفَرْتُهُ فَإِذَا مَالٌ صَبِيبٌ، فَمَلَأْتُ مِنْهُ غَرَائِرِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَقُودُ بِرَوَاحِلِي، وَإِذَا بِمِخْلَاةٍ مَعِي فِيهَا طَعَامٌ فَأَلْقَيْتُهُ مِنْهَا، وَقُلْتُ: إِنِّي سَآتِي الْكُسْوَةَ، وَرَجَعْتُ إِلَى الْخَرِبَةِ، لِأَمْلَأَ تِلْكَ الْمِخْلَاةَ مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ، فَلَمْ أَهْتَدِ إِلَى الْمَكَانِ بَعْدَ الْجَهْدِ فِي الطَّلَبِ، فَلَمَّا أَيِسْتُ رَجَعْتُ إِلَى الرَّوَاحِلِ فَلَمْ أَجِدْهَا وَلَمْ أَجِدِ الطَّعَامَ، فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنِّي لَا آكُلُ إِلَّا خُبْزًا وَتُرَابًا. قَالَ: فَهَلْ لَكَ عِيَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَفَرَضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ ابْنُ جَابِرٍ: وَبَلَغَنَا أَنَّ تِلْكَ الرَّوَاحِلَ سَارَتْ حَتَّى أَتَتْ بَيْتَ الْمَالِ، فَتَسَلَّمَهَا خَازِنُهُ فَوَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقَالَ نُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السَّمْعَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ قَوْمَ لُوطٍ فِي الْقُرْآنِ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُ هَذَا. قَالُوا: وَكَانَ الْوَلِيدُ لَحَّانًا. كَمَا جَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ الْوَلِيدَ خَطَبَ يَوْمًا، فَقَرَأَ فِي خُطْبَتِهِ: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [ الْحَاقَّةِ: 27 ] فَضَمَّ التَّاءَ مِنْ لَيْتَهَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَا لَيْتَهَا كَانَتْ عَلَيْكَ وَأَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْكَ. وَكَانَ يَقُولُ: يَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ إِبْرَاهِيمَ أَبِي زُرْعَةَ، أَنَّ الْوَلِيدَ قَالَ لَهُ: أَيُحَاسَبُ الْخَلِيفَةُ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ أَمْ دَاوُدُ؟ إِنَّ اللَّهَ جَمَعَ لَهُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: { يَا دَاوُدُ } الْآيَةَ. لَكِنَّهُ أَقَامَ الْجِهَادَ فِي أَيَّامِهِ، وَفُتِحَتْ فِي خِلَافَتِهِ فُتُوحَاتٌ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَخْتِنُ الْأَيْتَامَ، وَيُرَتِّبُ لَهُمُ الْمُؤَدِّبِينَ، وَيُرَتِّبُ لِلزَّمْنَى مَنْ يَخْدِمُهُمْ، وَلِلْأَضِرَّاءِ مَنْ يَقُودُهُمْ، وَعَمَّرَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ وَوَسَّعَهُ، وَرَزَقَ الْفُقَهَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَالضُّعَفَاءَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ سُؤَالَ النَّاسِ، وَفَرَضَ لَهُمْ مَا يَكْفِيهِمْ، وَضَبَطَ الْأُمُورَ أَتَمَّ ضَبْطٍ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ: إِنَّكَ لَرَجُلٌ لَوْلَا أَنَّكَ تَلْحَنُ. فَقَالَ: وَهَذَا ابْنُكَ الْوَلِيدُ يَلْحَنُ. فَقَالَ: لَكِنَّ ابْنِي سُلَيْمَانَ لَا يَلْحَنُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَأَخِي أَبُو فُلَانٍ لَا يَلْحَنُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ بسنده عن ابْنَ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيَّ قَالَ: كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ أَفْضَلَ خَلَائِفِهِمْ، بَنَى الْمَسَاجِدَ بِدِمَشْقَ، وَوَضَعَ الْمَنَارَ، وَأَعْطَى النَّاسَ وَأَعْطَى الْمَجْذُومِينَ، وَقَالَ لَهُمْ: لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ، وَأَعْطَى كُلَّ مُقْعَدٍ خَادِمًا، وَكُلَّ ضَرِيرٍ قَائِدًا، وَفَتَحَ فِي وِلَايَتِهِ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً عِظَامًا، فَفَتَحَ الْهِنْدَ وَالسِّنْدَ وَالْأَنْدَلُسَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا يَمُرُّ بِالْبَقَّالِ فَيَأْخُذُ حُزْمَةَ الْبَقْلِ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: بِكَمْ تَبِيعُ هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِفَلْسٍ. فَيَقُولُ: زِدْ فِيهَا فَإِنَّكَ تَرْبَحُ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يَبَرُّ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ وَيُكْرِمُهُمْ، وَيَقْضِي عَنْهُمْ دُيُونَهُمْ. قَالُوا: وَكَانَتْ هِمَّةُ الْوَلِيدِ فِي الْبِنَاءِ وَكَانَ النَّاسُ كَذَلِكَ; يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: مَاذَا بَنَيْتَ ؟ مَاذَا عَمَرْتَ ؟ وَكَانَتْ هِمَّةُ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ فِي النِّسَاءِ، فَكَانَ النَّاسُ كَذَلِكَ; يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ، فَيَقُولُ: كَمْ تَزَوَّجْتَ؟ مَاذَا عِنْدَكَ مِنَ السَّرَارِيِّ؟ وَكَانَتْ هِمَّةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةِ وَالْعِبَادَةِ، فَكَانَ النَّاسُ كَذَلِكَ; يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: كَمْ وِرْدُكَ؟ كَمْ تَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ؟ مَاذَا صَلَّيْتَ الْبَارِحَةَ؟. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا ذَا سَطْوَةٍ شَدِيدَةٍ لَا يَتَوَقَّفُ إِذَا غَضِبَ، لَجُوجًا، كَثِيرَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ، مِطْلَاقًا، يُقَالُ: إِنَّهُ تَزَوَّجَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ امْرَأَةً غَيْرَ الْإِمَاءِ. قُلْتُ: وَقَدْ يُرَادُ بِهَذَا الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْفَاسِقُ لَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَانِي الْجَامِعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: بَنَى الْوَلِيدُ الْجَامِعَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ، وَبَنَى صَخْرَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَقَدَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ، وَبَنَى مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَسَّعَهُ، حَتَّى دَخَلَتِ الْحُجْرَةُ الَّتِي فِيهَا الْقَبْرُ فِيهِ، وَلَهُ آثَارٌ حِسَانٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي يَوْمِ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَجَمَاعَةٌ: كَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سِتٍّ - وَقِيلَ: ثَلَاثٍ، وَقِيلَ: تِسْعٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعٍ - وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِدَيْرِ مُرَّانَ، فَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى دُفِنَ بِمَقَابِرِ بَابِ الصَّغِيرِ، وَقِيلَ: بِمَقَابِرِ بَابِ الْفَرَادِيسِ. حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَكَانَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ; لِأَنَّ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ كَانَ بِالْقُدْسِ الشَّرِيفِ، وَقِيلَ: صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَقِيلَ: بَلْ صَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ. وَالصَّحِيحُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى قَبْرِهِ، وَقَالَ حِينَ أَنْزَلَهُ: لَتَنْزِلَنَّهُ غَيْرَ مُوَسَّدٍ وَلَا مُمَهَّدٍ، قَدْ خَلَّفْتَ الْأَسْبَابَ، وَفَارَقْتَ الْأَحْبَابَ، وَسَكَنْتَ التُّرَابَ، وَوَاجَهْتَ الْحِسَابَ، فَقِيرًا إِلَى مَا تُقْدِمُ عَلَيْهِ، غَنِيًّا عَمَّا تُخَلِّفُ. وَجَاءَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَ الْوَلِيدَ فِي لَحْدِهِ ارْتَكَضَ فِي أَكْفَانِهِ، وَجُمِعَتْ رِجْلَاهُ إِلَى عُنُقِهِ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: (عَاشَ الْجِهَادُ فِي أَيَّامِهِ، وَفُتِحَتْ فِيهَا الْفُتُوحَاتُ الْعَظِيمَةُ كَأَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ). أولاد الوليد بن عبد الملك قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَ?ِ تِسْعَةَ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا; وَهُمْ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَمُحَمَّدٌ، وَالْعَبَّاسُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَتَمَّامٌ، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَمُبَشِّرٌ، وَمَسْرُورٌ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَصَدَقَةُ، وَمَنْصُورٌ، وَمَرْوَانُ، وَعَنْبَسَةُ، وَعُمَرُ، وَرَوْحٌ، وَبِشْرٌ، وَيَزِيدُ، وَيَحْيَى، فَأُمُّ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدٍ; أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ عَمِّهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأُمُّ أَبِي عُبَيْدَةَ فَزَارِيَّةٌ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ شَتَّى. رثاء جرير للوليد بن عبد الملك قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَقَدْ رَثَاهُ جَرِيرٌ فَقَالَ: يَا عَيْنُ جُودِي بِدَمْعٍ هَاجَهُ الذِّكَرُ فَمَا لِدَمْعِكِ بَعْدَ الْيَوْمِ مُدَّخَرُ     إِنَّ الْخَلِيفَةَ قَدْ وَارَتْ شَمَائِلَهُ غَبْرَاءُ مُلْحَدَةٌ فِي جَوْلِهَا زَوَرُ     أَضْحَى بَنُوهُ وَقَدْ جَلَّتْ مُصِيبَتُهُمْ مِثْلَ النُّجُومِ هَوَى مِنْ بَيْنِهَا الْقَمَرُ     كَانُوا جَمِيعًا فَلَمْ يَدْفَعْ مَنِيَّتَهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَلَا رَوْحٌ وَلَا عُمْرَ

  317. التاريخ 2408لا حكم مسجّل

    خِلَافَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبَيْعَتِهِ   بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ الْوَلِيدِ يَوْمَ مَاتَ، وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بِالرَّمْلَةِ، وَكَانَ وَلِيُّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ أَخِيهِ عَنْ وَصِيَّةِ أَبِيهِمَا عَبْدِ الْمَلِكِ. وَقَدْ كَانَ الْوَلِيدُ قَدْ عَزَمَ قَبْلَ مَوْتِهِ عَلَى خَلْعِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ، وَأَنْ يَجْعَلَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ طَاوَعَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَقَدْ أَنْشَدَ فِي ذَلِكَ جَرِيرٌ وَغَيْرُهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ قَصَائِدَ فَلَمْ يَنْتَظِمْ ذَلِكَ لَهُ حَتَّى مَاتَ، وَانْعَقَدَتِ الْبَيْعَةُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَخَافَهُ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعَزَمَ عَلَى أَنْ لَا يُبَايِعَهُ، فَعَزَلَهُ سُلَيْمَانُ، وَوَلَّى عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ ثُمَّ خُرَاسَانَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ; فَأَعَادَهُ إِلَى إِمْرَتِهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَأَمَرَهُ بِمُعَاقَبَةِ آلِ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ هُوَ الَّذِي عَزَلَ يَزِيدَ عَنْ خُرَاسَانَ. وَلِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ سُلَيْمَانُ عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ حَيَّانَ، وَوَلَّى عَلَيْهَا أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ كَانَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ بَلَغَهُ وِلَايَةُ سُلَيْمَانَ الْخِلَافَةَ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يُعَزِّيهِ فِي أَخِيهِ، وَيُهَنِّئُهُ بِوِلَايَتِهِ، وَيَذْكُرُ فِيهِ بَلَاءَهُ وَعَنَاءَهُ وَقِتَالَهُ وَهَيْبَتَهُ فِي صُدُورِ الْأَعْدَاءِ، وَمَا فَتَحَ اللَّهُ مِنَ الْبِلَادِ وَالْمُدُنِ وَالْأَقَالِيمِ الْكِبَارِ عَلَى يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ لَهُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ لِلْوَلِيدِ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالنَّصِيحَةِ، إِنْ لَمْ يَعْزِلْهُ عَنْ خُرَاسَانَ وَنَالَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، ثُمَّ كَتَبَ كِتَابًا ثَانِيًا يَذْكُرُ فِيهِ مَا فَعَلَ مِنَ الْقِتَالِ وَالْفُتُوحَاتِ وَهَيْبَتَهُ فِي صُدُورِ الْمُلُوكِ وَالْأَعَاجِمِ، وَيَذُمُّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَيْضًا، وَيُقْسِمُ فِيهِ لَئِنْ عَزَلَهُ وَوَلَّى يَزِيدَ لَيَخْلَعَنَّ سُلَيْمَانَ عَنِ الْخِلَافَةِ، وَكَتَبَ كِتَابًا ثَالِثًا فِيهِ خَلْعُ سُلَيْمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ الْبَرِيدِ، وَقَالَ لَهُ: ادْفَعْ إِلَيْهِ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ فَإِنْ قَرَأَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فَادْفَعْ إِلَيْهِ الثَّانِيَ، فَإِنْ قَرَأَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ، فَادْفَعْ إِلَيْهِ الثَّالِثَ، فَلَمَّا قَرَأَ سُلَيْمَانُ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ وَاتَّفَقَ حُضُورُ يَزِيدَ عِنْدَ سُلَيْمَانَ دَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ، فَقَرَأَهُ، فَنَاوَلَهُ الْبَرِيدُ الْكِتَابَ الثَّانِيَ، فَقَرَأَهُ وَدَفَعَهُ إِلَى يَزِيدَ، فَنَاوَلَهُ الْبَرِيدُ الْكِتَابَ الثَّالِثَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ التَّصْرِيحُ بِعَزْلِهِ وَخَلْعِهِ، فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ثُمَّ خَتَمَهُ وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ إِلَى يَزِيدَ، وَأَمَرَ بِإِنْزَالِ الْبَرِيدِ فِي دَارِ الضِّيَافَةِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ بَعَثَ إِلَى الْبَرِيدِ فَأَحْضَرَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ ذَهَبًا وَكِتَابًا فِيهِ وِلَايَةُ قُتَيْبَةَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَأَرْسَلَ مَعَ ذَلِكَ الْبَرِيدِ بَرِيدًا آخَرَ مِنْ جِهَتِهِ لِيُقَرِّرَهُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَا بِلَادَ خُرَاسَانَ بَلَغَهُمَا أَنَّ قُتَيْبَةَ قَدْ خَلَعَ الْخَلِيفَةَ، فَدَفَعَ بَرِيدُ سُلَيْمَانَ الْكِتَابَ الَّذِي مَعَهُ إِلَى بَرِيدِ قُتَيْبَةَ، ثُمَّ بَلَغَهُمَا مَقْتَلُ قُتَيْبَةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ بَرِيدُ سُلَيْمَانَ. وَجاء سليمان إِلَى دِمَشْقَ، فَوَرَدَ عَلَى فَاقَةٍ مِنَ النَّاسِ إِلَيْهِ لِمَا كَانُوا فِيهِ مِنْ جَوْرِ الْوَلِيدِ وَعَسْفِهِ، فَأَحْسَنَ السِّيرَةَ، وَرَدَّ الْمَظَالِمَ، وَفَكَّ الْأَسْرَى، وَأَطْلَقَ أَهْلَ السُّجُونِ، وَاتَّخَذَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَزِيرًا، ثُمَّ عَهِدَ إِلَيْهِ. وَكَانَ طَوِيلًا أَسَمَرًا أَعْرَجَ أَكُولًا، نَشَأَ بِالْبَادِيَةِ عِنْدَ أَخْوَالِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ، ثُمَّ قَالَ: رَكْبٌ تَخِبُّ بِهِ الْمُطِيُّ فَغَافِلٌ عَنْ سَيْرِهِ وَمُشَمِّرٌ لَمْ يَغْفُلْ     لَا بُدَّ أَنْ يَرِدَ الْمُقَصِّرُ وَالَّذِي حُبُّ النَّجَاءِ مَحَلَّهُ لَمْ تَحْلُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، رَحِمَ اللَّهُ مَنْ ذُكِّرَ فَاذَّكَرَ، فَإِنَّ الْعِظَةَ تَجْلُو الْعَمَى، إِنَّكُمْ أَوْطَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ دَارَ الرِّحْلَةِ، وَاطْمَأْنَنْتُمْ إِلَى دَارِ الْغُرُورِ فَأَلْهَاكُمُ الْأَمَلُ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ، فَأَنْتُمْ سَفْرٌ وَإِنْ أَقَمْتُمْ، وَمُرْتَحِلُونَ وَإِنْ وُطِّنْتُمْ، لَا تَشْتَكِي مَطَايَاكُمْ أَلَمَ الْكَلَالِ، وَلَا يُتْعِبُهَا دَأْبُ السَّيْرِ، لَيْلٌ يُدْلِجُ بِكُمْ وَأَنْتُمْ نَائِمُونَ، وَنَهَارٌ يَجِدُّ بِكُمْ وَأَنْتُمْ غَافِلُونَ، لَكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ مُشَيَّعٌ لَا يَسْتَقْبِلُ، وَمُوَدَّعٌ لَا يَؤُوبُ. أَوَلَا تَرَوْنَ - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ مُنَافِسُونَ، وَعَلَيْهِ مُوَاظِبُونَ، وَلَهُ مُؤْثِرُونَ، مِنْ كَثِيرٍ يَفْنَى، وَجَدِيدٍ يَبْلَى، كَيْفَ أُخِذَ بِهِ الْمُخَلِّفُونَ لَهُ، وَحُوسِبُوا عَلَيْهِ دُونَ الْمُتَنَعِّمِ بِهِ، فَأَصْبَحَ كُلٌّ مِنْهُمْ رَهْنًا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ. وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ. فَيَا أَيُّهَا اللَّبِيبُ الْمُسْتَبْصِرُ فِيهِمْ تَذْهَبُ أَيَّامُكَ ضَيَاعًا؟ وَعَمَّا قَلِيلٍ يَقَعُ مَحْذُورُكَ، وَيَنْزِلُ بِكَ مَا اطَّرَحَتْهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ، فَأَسْلَمَكَ عَشِيرُكَ، وَفَرَّ مِنْكَ قَرِيبُكَ، فَنُبِذْتَ بِالْعَرَاءِ، وَانْفَضَّتْ عَنْكَ الدُّنْيَا. فَامْهَدْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمَغْرُورُ، وَاعْمَلْ قَبْلَ رُكُوبِ الْمَضِيقِ وَسَدِّ الطَّرِيقِ، فَكَأَنِّي بِكَ قَدْ أُدْرِجْتَ فِي أَطْمَارِكَ، وَأُودِعْتَ مَلْحَدَكَ، وَتَصَدَّعَ عَنْكَ أَقْرَبُوكَ، وَاقْتَسَمَ مَالَكَ بَنُوكَ، وَرَجَعَ الْقَوْمُ يَرْعَوْنَ فِي زَهَرَاتِ مَوْبِقِ دُنْيَاكَ الَّتِي كَدَحْتَ لَهَا وَارْتَحَلَتْ عَنْهَا، فَأَنْتَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: سَتَرْحَلُ عَنْ دُنْيَا قَلِيلٌ بَقَاؤُهَا     عَلَيْكَ، وَإِنْ تَبْقَى فَإِنَّكَ فَانٍ إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا فَرُّوا مِنْهُ إِلَيْهِ فَجَالَتْ فِكْرَتُهُمْ فِي مَلَكُوتِ الْعَظَمَةِ، فَعَزَفَتْ عَنِ الدُّنْيَا نُفُوسُهُمْ. أَيُّهَا النَّاسُ، أَيْنَ الْوَلِيدُ وَأَبُو الْوَلِيدِ وَجَدُّ الْوَلِيدِ خُلَفَاءُ اللَّهِ، وَأُمَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَاسَةُ الرَّعِيَّةِ؟ أَسْمَعَهُمُ الدَّاعِي، وَقَبَضَ الْعَارِيَةَ مُعِيرُهَا، فَاضْمَحَلَّ مَا كَانَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَأَتَى مَا كَأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، وَبَلَغُوا الْأَمَدَ، وَانْقَضَتْ بِهِمُ الْمُدَّةُ، وَرَفَضَتْهُمُ الْأَيَّامُ وَشَمَّرَتْهُمُ الْحَادِثَاتُ، فَسُلِبُوا عَنِ السَّلْطَنَةِ، وَنَفَضُوا لَدَّةَ الْمُلْكِ، وَذَهَبَ عَنْهُمْ طِيبُ الْحَيَاةِ، فَارَقُوا وَاللَّهِ الْقُصُورَ وَسَكَنُوا الْقُبُورَ، وَاسْتَبْدَلُوا بِلِينَةِ الْوِطَاءِ خُشُونَةَ الثَّرَى، فَهُمْ رَهَائِنُ التُّرَابِ إِلَى يَوْمِ الْحِسَابِ. فَرَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا مَهَّدَ لِنَفْسِهِ، وَاجْتَهَدَ لِدِينِهِ، وَأَخَذَ بِحَظِّهِ، وَعَمِلَ فِي حَيَاتِهِ، وَسَعَى لِصَلَاحِهِ، وَعَمِلَ لِيَوْمٍ ( تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ الْمَوْتَ حَتْمًا سَبَقَ بِهِ حُكْمُهُ، وَنَفَذَ بِهِ قَدَرُهُ، لِئَلَّا يَطْمَعُ أَحَدٌ فِي الْخُلُودِ، وَلَا يُطْغِي الْمُعَمَّرَ عُمْرُهُ، وَلِيَعْلَمَ الْمُخَلَّفُ بَعْدَ الْمُقَدَّمِ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَلَّدٍ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الدُّنْيَا دَارًا لَا تَقُومُ إِلَّا بِأَئِمَّةِ الْعَدْلِ، وَدُعَاةِ الْحَقِّ، وَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يُمَلِّكُهُمْ أَرْضَهُ، وَيَسُوسُ بِهِمْ عِبَادَهُ، وَيُقِيمُ بِهِمْ حُدُودَهُ، وَيَجْعَلُهُمْ رُعَاةَ عِبَادِهِ، وَقَدْ أَصْبَحْتُ فِي هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي أَنَا بِهِ غَيْرُ رَاغِبٍ فِيهِ، وَلَا مُنَافِسٍ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهَا إِحْدَى الرِّبَقِ أَعْلَقَهَا الْوَاهِقُ مَسَاغَ الْمُزْدَرَدِ وَمَخْرَجَ النَّفَسِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْخِلَافَةَ تُحْفَةٌ مِنَ اللَّهِ كُفْرٌ بِاللَّهِ [خُلْفُهَا] لَتَمَنَّيْتُ أَنِّي كَأَحَدِ الْمُسْلِمِينَ يُضْرَبُ لِي بِسَهْمِي. فَعَلَى رِسْلِكُمْ بَنِي الْوَلِيدِ، فَإِنِّي شِبْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَنَابُ مَرْوَانَ، لَا تُظْلِعُنِي حَمْلُ النَّائِبَةِ، وَلَا يُفْزِعُنِي صَرِيفُ الْأَجْفَرِ. وَقَدْ وَلِيتُ مِنْ أَمْرِكُمْ مَا كُنْتُ لَهُ مَكْفِيًّا، وَأَصْبَحْتُ خَلِيفَةً وَأَمِيرًا، وَمَا هُوَ إِلَّا الْعَدْلُ أَوِ النَّارُ، وَلِيَجِدَنِي الْمُمَارِسُ لِي أَخْشَنَ مِنْ مُضَرَّسٍ الْكَذَّابِ، فَمَنْ سَلَكَ الْمَحَجَّةَ حَذَى نَعْلَ السَّلَامَةِ، وَمَنْ عَدَلَ عَنِ الطَّرِيقِ وَقَعَ فِي وَادِي الْهَلَكَةِ وَالضَّلَالَةِ. أَلَا فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلًّا عَنْ كُلٍّ، فَمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ وَلَزِمَ طَاعَتَهُ كَانَ اللَّهُ لَهُ بِصِرَاطِ التَّوْفِيقِ، وَبِرَصْدِ الْمَعُونَةِ، وَكُتَبَ لَهُ بِسَبِيلِ الشُّكْرِ وَالْمُكَافَأَةِ، فَاقْبَلُوا الْعَافِيَةَ فَقَدْ رُزِقْتُمُوهَا، وَالْزَمُوا السَّلَامَةَ فَقَدْ وَجَدْتُمُوهَا، فَمَنْ سَلِمْنَا مِنْهُ سَلِمَ مِنَّا، وَمَنْ تَارَكَنَا تَارَكْنَاهُ، وَمَنْ نَازَعْنَا نَازَعْنَاهُ. فَارْغَبُوا إِلَى اللَّهِ فِي صَلَاحِ نِيَّاتِكُمْ وَقَبُولِ أَعْمَالِكُمْ، وَطَاعَةِ سُلْطَانِكُمْ، فَإِنِّي وَاللَّهِ غَيْرُ مُبْطِلٍ حَدًّا، وَلَا تَارِكٍ لَهُ حَقًّا حَتَّى أَنْكُثَهَا عُثْمَانِيَّةً عُمَرِيَّةً، وَقَدْ عَزَلْتُ كُلَّ أَمِيرٍ كَرِهَتْهُ رَعِيَّتُهُ، وَوَلَّيْتُ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ مَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ خِيَارُهُمْ وَاتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَتُهُمْ، وَقَدْ جَعَلْتُ الْغَزْوَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَفَرَضْتُ لِذُرِّيَّةِ الْغَازِينَ سَهْمَ الْمُقِيمِينَ، وَأَمَرْتُ بِقِسْمَةِ صَدَقَةِ كُلِّ مِصْرَ فِي أَهْلِهِ إِلَّا سَهْمَ الْعَامِلِ عَلَيْهَا، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لِي وَأَنَا أَوْلَى بِالنَّظَرِ فِيهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَرَفَ مِنَّا سَهْوَ الْمَغْفَلِ عَنْ مَفْرُوضِ حَقٍّ أَوْ وَاجِبٍ فَأَعَانَ بِرَأْيٍ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَوْنَ عَلَى صَلَاحِكُمْ فَإِنَّهُ مُجِيبُ السَّائِلِينَ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِمَوْعِظَتِهِ، وَيُوفِي بِعَهْدِهِ فَإِنَّهُ سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ. ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِهِ وَسِيرَتِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَكُولًا، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَصُلَةٌ. قَالَ: قَالَ لَنَا سُلَيْمَانُ يَوْمًا: إِنِّي قَدْ أَمَرْتُ قَيِّمَ بُسْتَانٍ لِي أَنْ يَحْبِسَ عَلَيَّ الْفَاكِهَةَ وَلَا يَجْنِيَ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى يُدْرِكَ، فَاغْدُوَا عَلَيَّ مَعَ الْفَجْرِ - يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ الَّذِينَ كَانَ يَأْنَسُ بِهِمْ - لِنَأْكُلَ الْفَاكِهَةَ فِي بَرْدِ النَّهَارِ. فَغَدَوْنَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَصَلَّى الصُّبْحَ وَصَلَّيْنَا، فَدَخَلْنَا مَعَهُ فَإِذَا الْفَاكِهَةُ مُتَهَدِّلَةٌ عَلَى أَغْصَانِهَا، وَإِذَا كُلُّ فَاكِهَةٍ مُخْتَارَةٍ قَدْ أَدْرَكَتْ كُلُّهَا، فَقَالَ: كُلُوا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهَا وَأَكَلْنَا بِمِقْدَارِ الطَّاقَةِ، وَأَقْبَلْنَا نَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا الْعُنْقُودُ، فَيَخْرُطُهُ فِي فِيهِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ التُّفَّاحَةُ، وَكُلَّمَا رَأَيْنَا شَيْئًا نَضِيجًا أَوْمَأْنَا إِلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ فَيَأْكُلُهُ حَتَّى ارْتَفَعَ الضُّحَى وَارْتَفَعَ النَّهَارُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى قَيِّمِ الْبُسْتَانِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ إِنِّي قَدِ اسْتَجَعْتُ فَهَلْ عِنْدَكَ شَيْءُ تُطْعِمُنِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنَاقٌ حَوْلِيَّةٌ حَمْرَاءُ، قَالَ: آتِنِي بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي مَعَهَا بِخُبْزٍ. فَجَاءَ بِهَا عَلَى خِوَانٍ لَا قَوَائِمَ لَهُ وَقَدْ مَلَأَتِ الْخِوَانَ، فَأَقْبَلَ يَأْخُذُ الْعُضْوَ فَيَجِيءُ مَعَهُ فَيَخْرُطُهُ فِي فِيهِ وَيُلْقِي الْعَظْمَ حَتَّى أَتَى عَلَيْهَا، ثُمَّ عَادَ لِأَكْلِ الْفَاكِهَةِ، فَأَكَلَ فَأَكْثَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْقَيِّمِ: وَيَحَكَ مَا عِنْدَكَ شَيْءُ تُطْعِمُنِيهِ؟ قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ دَجَاجَتَانِ بَحْرِيَّتَانِ قَدْ عَمِيَتَا شَحْمًا، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، فَأَتَى بِهِمَا فَفَعَلَ بِهِمَا كَمَا فَعَلَ بِالْعَنَاقِ، ثُمَّ عَادَ لِأَكْلِ الْفَاكِهَةِ، فَأَكَلَ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِلْقَيِّمِ: هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ تُطْعِمُنِيهِ فَإِنِّي قَدْ جُعْتُ؟ قَالَ: عِنْدِي سَوِيقٌ [كَأَنَّهُ قِطَعُ الْأَوْتَارِ]، وَسَمْنٌ، وَسُكَّرٌ. قَالَ: أَفَلَا أَعْلَمَتَنِي قَبْلَ هَذَا بِهِ، ائْتِنِي بِهِ وَأَكْثِرْ، فَأَتَاهُ بِقَعْبٍ يَقْعُدُ فِيهِ الرَّجُلُ وَقَدْ مَلَأَهُ مِنَ السَّوِيقِ وَقَدْ خَلَطَهُ بِالسُّكَّرِ وَصَبَّ عَلَيْهِ السَّمْنَ، وَأَتَى بِجَرَّةٍ مِنْ مَاءٍ بَارِدٍ وَكُوزٍ، فَأَخَذَ الْقَعْبَ عَلَى كَفِّهِ وَأَقْبَلَ الْقَيِّمُ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ [فَيُحَرِّكُهُ وَيَأْكُلُهُ - أَوْ قَالَ] - وَيَشْرَبُهُ حَتَّى كَفَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارِغًا، ثُمَّ عَادَ لِلْفَاكِهَةِ، فَأَكَلَ مَلِيًّا حَتَّى عَلَتِ الشَّمْسُ، وَدَخَلَ وَأَمَرَنَا أَنْ نَدْخُلَ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَدَخَلْنَا وَجَلَسْنَا، فَمَا مَكَثَ أَنْ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا جَلَسَ قَامَ كَبِيرُ الطَّبَّاخِينَ حِيَالَهُ يُؤْذِنُهُ بِالْغَدَاءِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنِ ائْتِ بِالْغَدَاءِ، فَأَتَاهُ بِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فَأَكَلَ، فَمَا فَقَدْنَا مِنْ أَكْلِهِ شَيْئًا. وعَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي نَادِيَةٍ لَهُ،  فَسَمَرَ لَيْلَةً عَلَى ظَهْرِ سَطْحٍ، ثُمَّ تَفَرَّقَ عَنْهُ جُلَسَاؤُهُ، فَدَعَا بِوَضُوءٍ، فَجَاءَتْ بِهِ جَارِيَةٌ لَهُ، فَبَيْنَا هِيَ تَصُبُّ عَلَيْهِ إِذِ اسْتَمَدَّهَا بِيَدِهِ وَأَشَارَ إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ سَاهِيَةٌ مُصْغِيَةٌ بِسَمْعِهَا مَائِلَةٌ بِجَسَدِهَا كُلِّهِ إِلَى صَوْتِ غِنَاءٍ تَسْمَعُهُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَأَمَرَهَا فَتَنَحَّتْ وَاسْتَمَعَ هُوَ الصَّوْتَ، فَإِذَا صَوْتُ رَجُلٍ يُغَنِّي، فَأَنْصَتَ لَهُ حَتَّى [إِذَا] فَهِمَ مَا يُغَنِّي بِهِ مِنَ الشِّعْرِ، ثُمَّ دَعَا جَارِيَةً مِنْ جَوَارِيهِ غَيْرَهَا، فَتَوَضَّأَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَذِنَ لِلنَّاسِ إِذْنًا عَامًّا، فَلَمَّا أَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ أَجْرَى ذِكْرَ الْغِنَاءِ وَمَنْ كَانَ يَسْمَعُهُ وَلِينَ فِيهِ حَتَّى ظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ يَشْتَهِيهِ، فَأَفَاضُوا فِي ذَلِكَ فِي التَّلْيِينِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّسْهِيلِ، وَذَكَرُوا مَنْ كَانَ يَسْمَعُهُ مِنْ أَهْلِ الْمُرُوءَاتِ وَسَرَوَاتِ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ يُسْمَعُ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: عِنْدِي رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ حَاذِقَانِ، فَقَالَ: أَيْنَ مَنْزِلُكَ مِنَ الْعَسْكَرِ، فَأَوْمَأَ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْغِنَاءُ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: يُبْعَثُ إِلَيْهِمَا، فَوَجَدَ الرَّسُولُ أَحَدَهُمَا فَأَقْبَلَ بِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: سَمِيرٌ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَنِ الْغِنَاءِ كَيْفَ هُوَ فِيهِ؟ قَالَ: حَاذِقٌ مُحْكِمٌ، قَالَ: فَمَتَى عَهْدُكَ بِهِ؟ قَالَ: فِي لَيْلَتِي هَذِهِ الْمَاضِيَةِ، قَالَ: وَفِي أَيِّ نَوَاحِي الْعَسْكَرِ كُنْتَ؟ فَذَكَرَ لَهُ النَّاحِيَةَ الَّتِي سَمِعَ فِيهَا الصَّوْتَ، قَالَ: فَمَا غَنَّيْتَ؟ قَالَ: فَذَكَرَ الشِّعْرَ الَّذِي سَمِعَ سُلَيْمَانُ، فَأَقْبَلَ سُلَيْمَانُ، يَقُولُ: هَدَرَ الْجَمَلُ فَضَبَعَتِ النَّاقَةُ، وَهَبَّ التَّيْسُ فَشَكَرَتِ الشَّاةُ، وَهَدَرَ الْحَمَامُ فَرَافَتْ، وَغَنَّى الرَّجُلُ فَطَرِبَتِ الْمَرْأَةُ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَخُصِيَ. وَسَأَلَ عَنِ الْغِنَاءِ أَيْنَ أَصْلُهُ، وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ؟ قَالُوا: بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ فِي الْمُخَنَّثِينَ وَهُمُ الْحُذَّاقُ بِهِ وَالْأَئِمَّةُ فِيهِ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنِ اخْصِ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَكَانَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يَقُصَّانِ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. [مُشَادَّةٌ بَيْنَ مَرْوَانَ وَسُلَيْمَانَ وَتَدَخُّلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ]   يُرْوَى: (أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ فِي خِلَافَتِهِ كَلَامٌ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: يَابْنَ اللَّخْنَاءِ، فَفَتَحَ مَرْوَانُ فَاهُ لِيُجِيبَهُ، فَأَمْسَكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِفِيهِ وَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ؛ إِمَامُكَ وَأَخُوكَ وَلَهُ السِّنُّ! فَسَكَتَ، وَقَالَ: قَتَلْتَنِي وَاللَّهِ؛ لَقَدْ زِدْتَ فِي جَوْفِي أَحَرَّ مِنَ النَّارِ، فَمَا أَمْسَى حَتَّى مَاتَ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ زِيَادِ بْنِ عُثْمَانَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا مَاتَ ابْنُهُ أَيُّوبُ، فَقَالَ: (يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَحَبَّ الْبَقَاءَ... فَلْيُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى الْمَصَائِبِ).

  318. التاريخ 2409لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ قُتَيْبَةَ  ذِكْرُ سَبَبِ مَقْتَلِ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ   وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ ما قام به من خَلْعِ سُلَيْمَانَ وقد اسْتَشَارَ إِخْوَتَهُ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اقْطَعْ بَعْثًا فَوَجِّهْ فِيهِ كُلَّ مَنْ تَخَافُهُ، وَوَجِّهْ قَوْمًا إِلَى مَرْوَ، وَسِرْ حَتَّى تَنْزِلَ سَمَرْقَنْدَ، وَقُلْ لِمَنْ مَعَكَ: مَنْ أَحَبَّ الْمُقَامَ فَلَهُ الْمُوَاسَاةُ، وَمَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَغَيْرُ مُسْتَكْرَهٍ، فَلَا يُقِيمُ عِنْدَكَ إِلَّا مُنَاصِحٌ، وَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ أَحَدٌ. وَقَالَ لَهُ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ: اخْلَعْهُ مَكَانَكَ، فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ رَجُلَانِ. فَخَلَعَ سُلَيْمَانَ مَكَانَهُ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى خَلْعِهِ، وَذَكَرَ أَثَرَهُ فِيهِمْ وَسُوءَ أَثَرِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، فَلَمْ يَجُبْهُ أَحَدٌ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لَا أَعَزَّ اللَّهُ مَنْ نَصَرْتُمْ ! ثُمَّ وَاللَّهِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى عَنْزٍ مَا كَسَرْتُمْ قَرْنَهَا ! يَا أَهْلَ السَّافِلَةِ، وَلَا أَقُولُ يَا أَهْلَ الْعَالِيَةِ، أَوْبَاشَ الصَّدَقَةِ ( جَمَعْتُكُمْ كَمَا تُجْمَعُ إِبِلُ الصَّدَقَةِ ) مِنْ كُلِّ أَوْبٍ ! يَا مَعْشَرَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ! يَا أَهْلَ النَّفْخِ وَالْكَذِبِ وَالْبُخْلِ ! بِأَيِّ يَوْمَيْكُمْ تَفْخَرُونَ ؟ بِيَوْمِ حَرْبِكُمْ، أَوْ بِيَوْمِ سِلْمِكُمْ ! يَا أَصْحَابَ مُسَيْلِمَةَ ! يَا بَنِي ذَمِيمٍ، وَلَا أَقُولُ تَمِيمٍ ! يَا أَهْلَ الْجَوْرِ وَالْقَصْفِ، كُنْتُمْ تُسَمَّوْنَ الْغَدْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَيْسَانَ ! يَا أَصْحَابَ سِجَاحَ ! يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ الْقُسَاةِ، تَبَدَّلْتُمْ بِتَأْبِيرِ النَّخْلِ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ ! يَا مَعْشَرَ الْأَزْدِ تَبَدَّلْتُمْ بِقُلُوسِ السُّفُنِ أَعِنَّةَ الْخَيْلِ ! إِنَّ هَذَا بِدْعَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، الْأَعْرَابُ وَمَا الْأَعْرَابُ ! لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ! يَا كُنَاسَةَ الْمِصْرَيْنِ، جَمَعْتُكُمْ مِنْ مَنَابِتِ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ، تَرْكَبُونَ الْبَقَرَ وَالْحُمُرَ، فَلَمَّا جَمَعْتُكُمْ قُلْتُمْ كَيْتَ وَكَيْتَ ! أَمَّا وَاللَّهِ إِنِّي لَابْنُ أَبِيهِ وَأَخُو أَخِيهِ ! وَاللَّهِ لَأَعْصِبَنَّكُمْ عَصْبَ السَّلِمَةِ ! إِنَّ حَوْلَ الصِّلِّيَانِ لَزَمْزَمَةٌ ! يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ أَتُدْرُونَ مَنْ وَلِيُّكُمْ ؟ [ وَلِيُّكُمْ ] يَزِيدُ بْنُ ثَرْوَانَ. كَأَنِّي بِأَمِيرٍ جَاءَكُمْ فَغَلَبَكُمْ عَلَى فَيْئِكُمْ وَظِلَالِكُمْ ! ارْمُوا غَرَضَكُمُ الْقَصِيَّ ! حَتَّى مَتَى يَتَبَطَّحُ أَهْلُ الشَّامِ بِأَفْنِيَتِكُمْ ! يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ انْسُبُونِي تَجِدُونِي عِرَاقِيَّ الْأُمِّ وَالْمَوْلِدِ وَالرَّأْيِ وَالْهَوَى وَالدِّينِ، وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِيمَا تَرَوْنَ مِنَ الْأَمْنِ وَالْعَافِيَةِ ! قَدْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمُ الْبِلَادَ وَآمَنَ سُبُلَكُمْ، فَالظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنْ مَرْوَ إِلَى بَلْخٍ بِغَيْرِ جَوَازٍ، فَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ وَاسْأَلُوهُ الشُّكْرَ وَالْمَزِيدَ. ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَأَتَاهُ أَهْلُهُ وَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاكَ كَالْيَوْمِ قَطُّ، وَلَامُوهُ. فَقَالَ: لَمَّا تَكَلَّمْتُ فَلَمْ يُجِبْنِي أَحَدٌ غَضِبْتُ فَلَمْ أَدْرِ مَا قُلْتُ. وَغَضِبَ النَّاسُ، وَكَرِهُوا خَلْعَ سُلَيْمَانَ، فَأَجْمَعُوا عَلَى خَلْعِ قُتَيْبَةَ وَخِلَافِهِ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ الْأَزْدَ، فَأَتَوْا حُضَيْنَ بْنَ الْمُنْذِرِ ( بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ )، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا قَدْ دَعَا إِلَى خَلْعِ الْخَلِيفَةِ، وَفِيهِ فَسَادُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَقَدْ شَتَمَنَا، فَمَا تَرَى ؟ فَقَالَ: إِنَّ مُضَرَ بِخُرَاسَانَ كَثِيرَةٌ، وَتَمِيمٌ أَكْثَرُهَا، وَهُمْ فُرْسَانُ خُرَاسَانَ، وَلَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ فِي غَيْرِ مُضَرَ، فَإِنْ أَخْرَجْتُمُوهُمْ مِنْهُ أَعَانُوا قُتَيْبَةَ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: مَنْ تَرَى مِنْ تَمِيمٍ ؟ قَالَ: لَا أَرَى غَيْرَ وَكِيعٍ. فَقَالَ حَيَّانُ النَّبَطِيُّ مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ: إِنَّ أَحَدًا لَا يَتَوَلَّى هَذَا غَيْرُ وَكِيعٍ، فَيَصْلَى بِحَرِّهِ، وَيَبْذُلُ دَمَهُ، وَيَتَعَرَّضُ لِلْقَتْلِ، فَإِنْ قَدِمَ أَمِيرٌ أَخَذَهُ بِمَا جَنَى، فَإِنَّهُ لَا يَنْظُرُ فِي عَاقِبَةٍ، وَلَهُ عَشِيرَةٌ تُطِيعُهُ، وَهُوَ مَوْتُورٌ يَطْلُبُ قُتَيْبَةَ بِرِيَاسَتِهِ الَّتِي صَرَفَهَا عَنْهُ، وَصَيَّرَهَا لِضِرَارِ بْنِ حُصَيْنٍ الضَّبِّيِّ، فَمَشَى النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ سِرًّا. وَقِيلَ لِقُتَيْبَةَ: لَيْسَ يُفْسِدُ أَمْرَ النَّاسِ إِلَّا حَيَّانَ، فَأَرَادَ أَنْ يَغْتَالَهُ، وَكَانَ حَيَّانُ يُلَاطِفُ خَدَمَ الْوُلَاةِ، فَدَعَا قُتَيْبَةُ رَجُلًا فَأَمَرَهُ بِقَتْلِ حَيَّانَ، وَسَمْعِ بَعْضُ الْخَدَمِ فَأَتَى حَيَّانَ فَأَخْبَرَهُ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُهُ يَدْعُوهُ تَمَارَضَ. وَأَتَى النَّاسُ وَكِيعًا وَسَأَلُوهُ أَنْ يَلِيَ أَمْرَهُمْ، فَفَعَلَ. وَبِخُرَاسَانَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْعَالِيَةِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ تِسْعَةُ آلَافٍ، وَمَنْ بَكْرٍ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَرَئِيسُهُمْ حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْ تَمِيمٍ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ ضِرَارُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَعَبْدُ الْقَيْسِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُلْوَانَ، وَالْأَزْدُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَوْذَانَ، وَمِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ سَبْعَةُ آلَافٍ، وَعَلَيْهِمْ جَهْمُ بْنُ زَحْرٍ، وَالْمَوَالِي سَبْعَةُ آلَافٍ، عَلَيْهِمْ حَيَّانُ، وَهُوَ مِنَ الدَّيْلَمِ، وَقِيلَ: مِنْ خُرَاسَانَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ نَبَطِيٌّ لِلُكْنَتِهِ. فَأَرْسَلَ حَيَّانُ إِلَى وَكِيعٍ: إِنْ أَنَا كَفَفْتُ عَنْكَ وَأَعَنْتُكَ أَتَجْعَلُ لِي الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مِنْ نَهْرِ بِلْخٍ [ وَ ] خَرَاجُهُ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَمَا دُمْتُ أَمِيرًا ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ حَيَّانُ لِلْعَجَمِ: هَؤُلَاءِ يُقَاتِلُونَ عَلَى غَيْرِ دِينٍ، فَدَعُوهُمْ يَقْتُلْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَفَعَلُوا فَبَايَعُوا وَكِيعًا سِرًّا. وَقِيلَ لِقُتَيْبَةَ: إِنَّ النَّاسَ يُبَايِعُونَ وَكِيعًا. فَدَسَّ ضِرَارَ بْنَ سِنَانٍ الضَّبِّيَّ إِلَى وَكِيعٍ، فَبَايَعَهُ سِرًّا، فَظَهَرَ لِقُتَيْبَةَ أَمْرُهُ، فَأَرْسَلَ يَدَعُوهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ طَلَى رِجْلَيْهِ بِمَغْرَةٍ، وَعَلَّقَ عَلَى رَأْسِهِ حِرْزًا، وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ يَرْقِيَانِ رِجْلَهُ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: قَدْ تَرَى مَا بِرِجْلِي. فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ قُتَيْبَةَ، فَأَعَادَهُ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: لَتَأْتِيَنِّي مَحْمُولًا. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَقَالَ قُتَيْبَةُ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْطَلِقْ إِلَى وَكِيعٍ فَأْتِنِي بِهِ، فَإِنْ أَبَى فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، وَوَجَّهَ مَعَهُ خَيْلًا، وَقِيلَ: أَرْسَلَ إِلَيْهِ شُعْبَةَ بْنَ ظُهَيْرٍ التَّمِيمِيَّ، فَقَالَ لَهُ وَكِيعٌ: يَا ابْنَ ظُهَيْرٍ، الْبَثْ قَلِيلًا تَلْحَقِ الْكَتَائِبَ. وَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَنَادَى فِي النَّاسِ، فَأَتَوْهُ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَخَرَجَ، فَتَلَقَّاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: مِنْ بَنِي أَسَدٍ. قَالَ: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: ضِرْغَامَةُ. قَالَ: ابْنُ مَنْ ؟ قَالَ: ابْنُ لَيْثٍ، فَأَعْطَاهُ رَايَتَهُ، وَقِيلَ كَانَتْ مَعَ عُقْبَةَ بْنِ شِهَابٍ الْمَازِنِيِّ. وَأَتَاهُ النَّاسُ أَرْسَالًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ،، فَتَقَدَّمَ بِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: قَرْمٌ إِذَا حُمِّلَ مَكْرُوهَةً شَدَّ الشَّرَاسِيفَ لَهَا وَالْحَزِيمْ وَاجْتَمَعَ إِلَى قُتَيْبَةَ أَهْلُ بَيْتِهِ وَخَوَاصُّ أَصْحَابِهِ وَثِقَاتُهُ، مِنْهُمْ إِيَاسُ بْنُ بَيْهَسَ بْنِ عَمْرٍو، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قُتَيْبَةَ، فَأَمَرَ قُتَيْبَةُ رَجُلًا فَنَادَى: أَيْنَ بَنُو عَامِرٍ ؟ فَقَالَ لَهُ مُحَقِّرُ بْنُ جَزْءٍ الْعَلَائِيُّ، وَهُوَ قَيْسِيٌّ أَيْضًا، وَكَانَ قُتَيْبَةُ قَدْ جَفَاهُمْ: نَادِهِمْ حَيْثُ وَضَعْتَهُمْ. قَالَ قُتَيْبَةُ: نَادِ: أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ. قَالَ مُحَقِّرٌ: أَنْتَ قَطَعْتَهَا. قَالَ: نَادِ: لَكُمُ الْعُتْبَى. قَالَ مُحَقِّرٌ: لَا أَقَالَنَا اللَّهُ إِذَنْ، فَقَالَ قُتَيْبَةُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا نَفْسُ صَبْرًا عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَلَمٍ إِذْ لَمْ أَجِدْ لِفُضُولِ الْعَيْشِ أَقْرَانَا وَدَعَا بِبِرْذَوْنٍ لَهُ مُدَرَّبٍ لِيَرْكَبَهُ، فَجَعَلَ يَمْنَعُهُ حَتَّى أَعْيَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَادَ إِلَى سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَيْهِ وَقَالَ: دَعُوهُ، إِنَّ هَذَا أَمْرٌ يُرَادُ. وَجَاءَ حَيَّانُ النَّبَطِيُّ فِي الْعَجَمِ وَقُتَيْبَةُ وَاجِدٌّ عَلَيْهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَخُو قُتَيْبَةَ لَحَيَّانَ: احْمِلْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ حَيَّانُ: لَمْ يَأْنِ بَعْدُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: نَاوِلْنِي قَوْسِي. فَقَالَ حَيَّانُ: لَيْسَ هَذَا بِيَوْمِ قَوْسٍ. وَقَالَ حَيَّانُ لِابْنِهِ: إِذَا رَأَيْتَنِي قَدْ حَوَّلْتُ قَلَنْسُوَتِي وَمَضَيْتُ نَحْوَ عَسْكَرِ وَكِيعٍ، فَمِلْ بِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْعَجَمِ إِلَيَّ. فَلَمَّا حَوَّلَ حَيَّانُ قَلَنْسُوَتَهُ مَالَتِ الْأَعَاجِمُ إِلَى عَسْكَرِ وَكِيعٍ وَكَبَّرُوا. فَبَعَثَ قُتَيْبَةُ أَخَاهُ صَالِحًا إِلَى النَّاسِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ، وَقِيلَ: مِنْ بَلْعَمٍ، فَأَصَابَ رَأْسَهُ، فَحُمِلَ إِلَى قُتَيْبَةَ وَرَأْسُهُ مَائِلٌ، فَوُضِعَ فِي مُصَلَّاهُ، وَجَلَسَ قُتَيْبَةُ عِنْدَهُ سَاعَةً. وَتَهَايَجَ النَّاسُ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَخُو قُتَيْبَةَ نَحْوَهُمْ، فَرَمَاهُ أَهْلُ السُّوقِ وَالْغَوْغَاءِ فَقَتَلُوهُ، وَأَحْرَقَ النَّاسُ مَوْضِعًا كَانَتْ فِيهِ إِبِلٌ لِقُتَيْبَةَ وَدَوَابِّهِ، وَدَنَوْا مِنْهُ. فَقَاتَلَ عَنْهُ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ، فَقَالَ لَهُ قُتَيْبَةُ: انْجُ بِنَفْسِكَ. فَقَالَ: بِئْسَ مَا جَزَيْتُكَ إِذًا، وَقَدْ أَطْعَمْتَنِي الْجَرْدَقَ، وَأَلْبَسَتْنِي النَّرْمَقَ. وَجَاءَ النَّاسُ حَتَّى بَلَغُوا فُسْطَاطَهُ فَقَطَّعُوا أَطْنَابَهُ، وَجُرِحَ قُتَيْبَةُ جِرَاحَاتٍ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ جَهْمُ بْنُ زَحْرِ بْنِ قَيْسٍ لِسَعْدٍ: انْزِلْ فَخُذْ رَأْسَهُ، فَنَزَلَ سَعْدٌ فَشَقَّ الْفُسْطَاطَ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ، وَقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ إِخْوَتِهِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَصَالِحٌ، وَحَصِينٌ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ، وَمُسْلِمٌ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ ابْنُهُ، وَقِيلَ: قُتِلَ عَبْدُ الْكَرِيمِ بِقَزْوِينَ. وَكَانَ عِدَّةُ مَنْ قُتِلَ مَعَ قُتَيْبَةَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَنَجَا عُمَرُ بْنُ مُسْلِمٍ أَخُو قُتَيْبَةَ، نَجَّاهُ أَخْوَالُهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ الْغَبْرَاءَ بِنْتَ ضِرَارِ بْنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ الْقَيْسِيَّةَ. فَلَمَّا قُتِلَ قُتَيْبَةُ صَعِدَ وَكِيعٌ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: مَثَلِي وَمَثَلُ قُتَيْبَةَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: مَنْ يَنِكِ الْعِيرَ يَنِكْ نَيَّاكَا أَرَادَ قُتَيْبَةُ قَتْلِي وَأَنَا قَتَّالٌ قَدْ جَرَّبُونِي ثُمَّ جَرَّبُونِي     مِنْ غَلْوَتَيْنِ وَمِنَ الْمِئَيْنِ حَتَّى إِذَا شِبْتُ وَشَيَّبُونِي     خَلَّوْا عَنَانِي وَتَنَكَّبُونِي أَنَا أَبُو مُطَرِّفٍ ! ثُمَّ قَالَ: أَنَا ابْنُ خِنْدِفَ تَنْمِينِي قَبَائِلُهَا     بِالصَّالِحَاتِ وَعَمِّي قَيْسُ عَيْلَانَا ثُمَّ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ: شَيْخٌ إِذَا حُمِّلَ مَكْرُوهَةً     شَدَّ الشَّرَاسِيفَ لَهَا وَالْحَزِيمْ وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ ثُمَّ لَأَقْتُلَنَّ ! وَلَأُصَلِّبَنَّ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّ ! إِنَّ مَرْزُبَانَكُمْ هَذَا ابْنَ الزَّانِيَةِ قَدْ أَغْلَى أَسْعَارَكُمْ ! وَاللَّهِ لَيَصِيرَنَّ الْقَفِيزُ بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ أَوْ لَأُصَلَّبَنَّهُ ! صَلُّوا عَلَى نَبِيِّكُمْ. ثُمَّ نَزَلَ، وَطَلَبَ وَكِيعٌ رَأْسَ قُتَيْبَةَ وَخَاتَمَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْأَزْدَ أَخَذَتْهُ. فَخَرَجَ وَكِيعٌ مُشْهِرًا وَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَا أَبْرَحُ حَتَّى أُوتَى بِالرَّأْسِ، أَوْ يَذْهَبَ رَأْسِي مَعَهُ. فَقَالَ لَهُ حُضَيْنٌ: اسْكُنْ يَا أَبَا مُطَرِّفٍ فَإِنَّكَ تُؤْتَى بِهِ. وَذَهَبَ حُضَيْنٌ إِلَى الْأَزْدِ، وَهُوَ سَيِّدُهُمْ، فَأَمَرَهُمْ بِتَسْلِيمِ الرَّأْسِ إِلَى وَكِيعٍ، فَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى سُلَيْمَانَ مَعَ نَفَرٍ لَيْسَ فِيهِمْ تَمِيمِيٌّ، وَوَفَى وَكِيعٌ لَحَيَّانَ النَّبَطِيِّ بِمَا كَانَ ضَمِنَ لَهُ. فَلَمَّا أُتِيَ سُلَيْمَانُ بِرَأْسِ قُتَيْبَةَ وَرُءُوسِ أَهْلِهِ كَانَ عِنْدَهُ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ سَاءَكَ هَذَا يَا هُذَيْلُ ؟ فَقَالَ: لَوْ سَاءَنِي لَسَاءَ قَوْمًا كَثِيرًا. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا أَرَدْتُ هَذَا كُلَّهُ. وَإِنَّمَا قَالَ سُلَيْمَانُ هَذَا لِلْهُذَيْلِ ; لِأَنَّهُ هُوَ وَقُتَيْبَةُ مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالرِّءُوسِ فَدُفِنَتْ، وَلَمَّا قُتِلَ قُتَيْبَةُ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ قَتَلْتُمْ قُتَيْبَةَ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مِنَّا فَمَاتَ لَجَعَلْنَاهُ فِي تَابُوتٍ، فَكُنَّا نَسْتَسْقِي بِهِ وَنَسْتَفْتِحُ بِهِ إِذَا غَزَوْنَا، وَمَا صَنَعَ أَحَدٌ بِخُرَاسَانَ قَطُّ مَا صَنَعَ قُتَيْبَةُ، إِلَّا أَنَّهُ غَدَرَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّاجَ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَنِ اخْتَلْهُمْ وَاقْتُلْهُمْ لِلَّهِ. وَقَالَ الْإِصْبَهْبَذُ: قَتَلْتُمْ قُتَيْبَةَ وَيَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ وَهُمَا سَيِّدَا الْعَرَبِ. قِيلَ لَهُ أَيُّهُمَا كَانَ أَعَظَمُ عِنْدَكُمْ وَأَهْيَبُ ؟ قَالَ: لَوْ كَانَ قُتَيْبَةُ بِأَقْصَى جُحْرٍ فِي الْغَرْبِ مُكَبَّلًا وَيَزِيدُ مَعَنَا فِي بِلَادِنَا وَالٍ عَلَيْنَا، لَكَانَ قُتَيْبَةُ أَهْيَبَ فِي صُدُورِنَا وَأَعْظَمَ مِنْ يَزِيدَ. وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي ذَلِكَ: أَتَانِي وَرَحْلِي فِي الْمَدِينَةِ وَقْعَةٌ     لِآلِ تَمِيمٍ أَقْعَدَتْ كُلَّ قَائِمِ رثاء قتيبة بن مسلم وَقَدْ رَثَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُمَانَةَ الْبَاهِلِيُّ فَقَالَ: كَأَنَّ أَبَا حَفْصٍ قُتَيْبَةَ لَمْ يَسِرْ     بِجَيْشٍ إِلَى جَيْشٍ وَلَمْ يَعْلُ مِنْبَرَا وَلَمْ تَخْفِقِ الرَّايَاتُ وَالْقَوْمُ حَوْلَهُ     وُقُوفٌ وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ النَّاسُ عَسْكَرَا دَعَتْهُ الْمَنَايَا فَاسْتَجَابَ لِرَبِّهِ     وَرَاحَ إِلَى الْجَنَّاتِ عَفًّا مُطَهَّرَا فَمَا رُزِئَ الْإِسْلَامُ بَعْدَ مُحَمَّدٍ     بِمَثَلِ أَبِي حَفْصٍ فَبَكِّيهِ عَبْهَرَا وَلَقَدْ بَالَغَ هَذَا الشَّاعِرُ فِي بَيْتِهِ الْأَخِيرِ، وَعَبْهَرُ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ. وَقَالَ الطِّرْمَاحُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا قُتَيْبَةُ عَلَى يَدِ وَكِيعِ بْنِ أَبِي سُودٍ: لَوْلَا فَوَارِسُ مَذْحِجِ ابْنَةِ مَذْحِجِ     وَالْأَزْدُ زُعْزِعَ وَاسْتُبِيحَ الْعَسْكَرُ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْبِلَادُ وَلَمْ يَؤُبْ     مِنْهُمْ إِلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ مُخَبِّرُ وَاسْتَضْلَعَتْ عُقَدُ الْجَمَاعَةِ وَازْدَرَى     أَمْرُ الْخَلِيفَةِ وَاسْتُحِلَّ الْمُنْكَرُ قَوْمٌ هُمُو قَتَلُوا قُتَيْبَةَ عَنْوَةً     وَالْخَيْلُ جَانِحَةٌ عَلَيْهَا الْعِثْيَرُ بِالْمَرْجِ مَرْجِ الصِّينِ حَيْثُ تَبَيَّنَتْ     مُضَرُ الْعِرَاقِ مَنِ الْأَعَزُّ الْأَكْبَرُ إِذْ حَالَفَتْ جَزَعًا رَبِيعَةُ كُلُّهَا     وَتَفَرَّقَتْ مُضَرٌ وَمَنْ يَتَمَضَّرُ وَتَقَدَّمَتْ أَزْدُ الْعِرَاقِ وَمَذْحِجٌ     لِلْمَوْتِ يَجْمَعُهَا أَبُوهَا الْأَكْبَرُ قَحْطَانُ تَضْرِبُ رَأْسَ كُلَّ مُدَجَّجٍ     تَحْمِي بَصَائِرَهُنَّ إِذْ لَا تُبْصِرُ وَالْأَزْدُ تَعْلَمُ أَنَّ تَحْتَ لِوَائِهَا     مُلْكًا قُرَاسِيَةً وَمَوْتٌ أَحْمَرُ فَبِعِزِّنَا نُصِرَ النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ     وَبِنَا تَثَبَّتَ فِي دِمَشْقَ الْمِنْبَرُ وَقَدْ بَسَطَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذِهِ الْقِصَّةَ بَسَطًا كَثِيرًا وَذَكَرَ أَشْعَارًا كَثِيرَةً جِدًّا. وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَقَالَ جَرِيرٌ فِي قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَسَامَحَهُ: نَدِمْتُمْ عَلَى قَتْلِ الْأَغَرِّ ابْنِ مُسْلِمٍ     وَأَنْتُمْ إِذَا لَاقَيْتُمُ اللَّهَ أَنْدَمُ لَقَدْ كُنْتُمُ مِنْ غَزْوِهِ فِي غَنِيمَةٍ     وَأَنْتُمْ لِمَنْ لَاقَيْتُمُ الْيَوْمَ مَغْنَمُ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَى إِلَى حُورِ جَنَّةٍ     وَتُطْبِقُ بِالْبَلْوَى عَلَيْكُمْ جَهَنَّمُ قَالَ: وَقَدْ وَلِيَ مِنْ أَوْلَادِهِ وَذُرِّيَّتِهِ جَمَاعَةٌ الْإِمْرَةَ فِي الْبُلْدَانِ، فَمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَلْمِ بْنِ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، وَكَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا، رَثَاهُ حِينَ مَاتَ أَبُو عَمْرٍو أَشْجَعُ بْنُ عَمْرٍو السُّلَمِيُّ الرِّقِّيُّ نَزِيلُ الْبَصْرَةِ بِقَوْلِهِ: مَضَى ابْنُ سَعِيدٍ حِينَ لَمْ يَبْقَ مَشْرِقٌ     وَلَا مَغْرِبٌ إِلَّا لَهُ فِيهِ مَادِحُ وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَا فَوَاضِلُ كَفِّهِ     عَلَى النَّاسِ حَتَّى غَيَّبَتْهُ الصَّفَائِحُ وَأَصْبَحَ فِي لَحْدٍ مِنَ الْأَرْضِ ضَيِّقٍ     وَكَانَتْ بِهِ حَيًّا تَضِيقُ الصَّحَاصِحُ سَأُبْكِيكَ مَا فَاضَتْ دُمُوعِي فَإِنْ تَغِضْ     فَحَسْبُكَ مِنِّي مَا تُجِنُّ الْجَوَانِحُ فَمَا أَنَا مِنْ رُزْءٍ وَإِنْ جَلَّ جَازِعٌ     وَلَا بِسُرُورٍ بَعْدَ مَوْتِكَ فَارِحُ كَأَنْ لَمْ يَمُتْ حَيٌّ سِوَاكَ وَلَمْ تَقُمْ     عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَيْكَ النَّوَائِحُ لَئِنْ حَسُنَتْ فِيكَ الْمَرَاثِي وَذِكْرُهَا     لَقَدْ حَسُنَتْ مِنْ قَبْلُ فِيكَ الْمَدَائِحُ قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ وَهِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَرَاثِي، وَهِيَ فِي الْحَمَاسَةِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى بَاهِلَةَ، وَأَنَّهَا قَبِيلَةٌ مَرْذُولَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْمَجَامِيعِ أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَتَكَافَأُ دِمَاؤُنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ قَتَلْتَ رَجُلًا مِنْ بَاهِلَةَ لَقَتَلْتُكَ بِهِ وَقِيلَ لِبَعْضِ الْعَرَبِ: أَيَسُرُّكَ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَأَنْتَ بَاهِلِيٌّ؟ قَالَ: بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْلَمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ بِذَلِكَ. وَسَأَلَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ رَجُلًا: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ بَاهِلَةَ. فَجَعَلَ يَرْثِي لَهُ. فَقَالَ: وَأَزِيدُكَ أَنِّي لَسْتُ مِنَ الصَّمِيمِ وَإِنَّمَا أَنَا مِنْ مَوَالِيهِمْ. فَجَعَلَ يُقَبِّلُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَ: وَلِمَ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَقَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا ابْتَلَاكَ بِهَذِهِ الرَّزِيَّةِ فِي الدُّنْيَا إِلَّا لِيُعَوِّضَكَ الْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ.

  319. التاريخ 2410لا حكم مسجّل

    وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَكَانَ هُوَ الْأَمِيرَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَى مَكَّةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَعَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ وَصَلَاتِهَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَعَلَى خَرَاجِهَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَلَى نِيَابَةِ الْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيُّ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أُذَيْنَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَعَلَى حَرْبِ خُرَاسَانَ وَكِيعُ بْنُ أَبِي سُودٍ.

  320. التاريخ 2411لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ست وتسعين مِنَ الْأَكَابِرِ قرة بن شريك القيسي وَفِي سنة ست وتسعين تُوُفِّيَ قُرَّةُ بْنُ شَرِيكٍ الْقَيْسِيُّ أَمِيرُ مِصْرَ مِنْ جِهَةِ الْوَلِيدِ. فِي صَفَرٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ فِي الشَّهْرِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ الْحَجَّاجُ. وَفِيهَا مَاتَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةٌ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ. وَمَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَبُو عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَبُو عِمْرَانَ النَّخَعِيُّ  : كَانَ إِمَامًا فِي الْفِقْهِ، يُعَظِّمُهُ الْأَكَابِرُ، وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَقُولُ: أَتَسْتَفْتُونِي وَفِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ. وَكَانَ شَدِيدَ الْهَيْبَةِ، يُهَابُ كَمَا يُهَابُ الْأَمِيرُ، وَكَانَ يَتَخَوَّفُ مِنَ الْفَتْوَى وَيَحْتَقِرُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: احْتِيجَ إِلَيَّ. وَيَكْرَهُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى السَّارِيَةِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يُسْأَلَ وَحَمَلَ النَّاسُ عَنْهُ الْعِلْمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. عن مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيَّ، قال: قَدِمْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ لِي: مِنْ أَيْنَ [قَدِمْتَ] يَا زُهْرِيُّ؟ قُلْتُ: مِنْ مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنْ خَلَّفْتَ بِهَا يَسُودُ أَهْلَهَا؟ قُلْتُ: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: فَمِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ الْمَوَالِي، قَالَ: وَبِمَ سَادَهُمْ؟ قُلْتُ: بِالدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ، قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الدِّيَانَةِ وَالرِّوَايَةِ لَيَنْبَغِي أَنْ يَسُودُوا، فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْيَمَنِ؟ قُلْتُ: طَاوُسُ بْنُ كَيْسَانَ، قَالَ: مِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ الْمَوَالِي، قَالَ: وَبِمَ سَادَهُمْ؟ قُلْتُ: بِمَا سَادَهُمْ بِهِ عَطَاءٌ، قَالَ: إِنَّهُ لَيَنْبَغِي. قَالَ: فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ مِصْرَ؟ قُلْتُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، قَالَ: فَمِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ الْمَوَالِي، [عَبْدٌ نُوبِيٌّ أَعْتَقَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ]، قَالَ: فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ؟ قُلْتُ: مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، قَالَ: فَمِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ الْمَوَالِي، قَالَ: فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ؟ قُلْتُ: الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، قَالَ: فَمِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ الْمَوَالِي، قَالَ: وَيْلَكَ، فَمَنْ يَسُودُ أَهْلَ الْكُوفَةِ؟ قُلْتُ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، قَالَ: فَمِنَ الْعَرَبِ أَمْ مِنَ الْمَوَالِي؟ قُلْتُ: مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَيْلَكَ يَا زُهْرِيُّ، فَرَّجْتَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَيَسُودَنَّ الْمَوَالِي عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى يُخْطَبَ لَهَا عَلَى الْمَنَابِرِ وَالْعَرَبُ تَحْتَهَا، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ اللَّهِ وَدِينُهُ، فَمَنْ حَفِظَهُ سَادَ، وَمَنْ ضَيَّعَهُ سَقَطَ. وعَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ تَكَلَّمْتُ وَلَوْ وَجَدْتُ بُدًّا مَا تَكَلَّمْتُ، وَإِنَّ زَمَانًا أَكُونُ فِيهِ فَقِيهَ الْكُوفَةِ لَزَمَانُ سُوءٍ. عن الْأَعْمَشُ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَنَحْنُ نُرِيدُ الْجَامِعَ، فَلَمَّا صِرْنَا فِي خِلَالِ طُرُقَاتِ الْكُوفَةِ قَالَ لِي: يَا سُلَيْمَانُ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: هَلْ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ فِي خِلَالِ طُرُقَاتِ الْكُوفَةِ كَيْ لَا نَمُرَّ بِسُفَهَائِهَا فَيَنْظُرُونَ إِلَى أَعْوَرَ وَأَعْمَشَ فَيَغْتَابُونَا وَيَأْثَمُونَ؟ قُلْتُ: يَا أَبَا عِمْرَانَ، وَمَا عَلَيْكَ فِي أَنْ نُؤْجَرَ وَيَأْثَمُونَ؟ قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، بَلْ نَسْلَمُ وَيَسْلَمُونَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ نُؤْجَرَ وَيَأْثَمُونَ. عَنْ عِمْرَانَ الْخَيَّاطِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ نَعُودُهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْنَا: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَنْتَظِرُ مَلَكَ الْمَوْتِ، لَا أَدْرِي يُبَشِّرُنِي بِالْجَنَّةِ أَمْ بِالنَّارِ. أَدْرَكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَعَائِشَةَ، وَعَامَّةُ مَا يَرْوِي عَنِ التَّابِعِينَ كَعَلْقَمَةَ، وَمَسْرُوقٍ، وَالْأَسْوَدِ. وَتُوُفِّيَ هَذِهِ السَّنَةَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ابْنُ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أُمُّهُ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، تُوُفِّيَ بِمِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَهَذَا الرَّجُلُ تَزَوَّجَ إِلَيْهِ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ، كَانَ لَهُ بِنْتٌ اسْمُهَا عَبْدَةُ تَزَوَّجَهَا الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَبِنْتٌ تُكَنَّى أُمَّ سَعِيدٍ تَزَوَّجَهَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَرُقَيَّةُ تَزَوَّجَهَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَبِنْتٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ تَزَوَّجَهَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.

  321. التاريخ 2412لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ   جَهَّزَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجُيُوشَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ  . وَفِيهَا أَمَّرَ ابْنَهُ دَاوُدَ عَلَى الصَّائِفَةِ، فَفَتَحَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الْوَضَّاحِيَّةِ  فَافْتَتَحَ الْحِصْنَ الَّذِي فَتَحَهُ الْوَضَّاحُ صَاحِبُ الْوَضَّاحِيَّةِ. وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ أَيْضًا بَرْجَمَةَ، فَفَتَحَ حُصُونًا، وَبَرْجَمَةَ، وَحِصْنَ الْحَدِيدِ وَسَرْدَوْسَلَ، وَشَتَّى بِأَرْضِ الرُّومِ. وَفِيهَا غَزَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ فِي الْبَحْرِ أَرْضَ الرُّومِ  وَشَتَّى بِهَا. وَفِيهَا عُزِلَ دَاوُدُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَضْرَمِيُّ عَنْ مَكَّةَ، وَكَانَ عَمَلُهُ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَوُلِّيَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ.

  322. التاريخ 2413لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ ذِكْرُ مَقْتَلِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ   وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ أَبَاهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، عِنْدَ عَوْدِهِ إِلَى الشَّامِ، فَضَبَطَهَا وَسَدَّدَ أُمُورَهَا، وَحَمَى ثُغُورَهَا، وَافْتَتَحَ فِي إِمَارَتِهِ مَدَائِنَ بَقِيَتْ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ رُذَرِيقَ، فَحَظِيَتْ عِنْدَهُ وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ، فَحَمَلَتْهُ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ أَصْحَابَهُ وَرَعِيَّتَهُ بِالسُّجُودِ لَهُ إِذَا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يُفْعَلُ لِزَوْجِهَا رُذَرِيقَ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي دِينِنَا. فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى أَمَرَ فَفُتِحَ بَابٌ قَصِيرٌ لِمَجْلِسِهِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ فِيهِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا دَخَلَ مِنْهُ طَأْطَأَ رَأْسَهُ فَيَصِيرُ كَالرَّاكِعِ، فَرَضِيَتْ بِهِ، فَصَارَ كَالسُّجُودِ عِنْدَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: الْآنَ لَحِقْتَ بِالْمُلُوكِ، وَبَقِيَ أَنْ أَعْمَلَ لَكَ تَاجًا مِمَّا عِنْدِي مِنَ الذَّهَبِ وَاللُّؤْلُؤِ، فَأَبَى، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى فَعَلَ. فَانْكَشَفَ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقِيلَ: تَنَصَّرَ، وَفَطِنُوا لِلْبَابِ، فَثَارُوا عَلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ فِي آخِرِ سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْثَ إِلَى الْجُنْدِ فِي قَتْلِهِ عِنْدَ سُخْطِهِ عَلَى وَالِدِهِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمِحْرَابِ، فَصَلَّى الصُّبْحَ وَقَدْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةَ الْوَاقِعَةِ، فَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ فَسَيَّرُوهُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَعَرَضَهُ سُلَيْمَانُ عَلَى أَبِيهِ، فَتَجَلَّدَ لِلْمُصِيبَةِ، وَقَالَ: هَنِيئًا لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَقَدْ قَتَلْتُمُوهُ وَاللَّهِ صَوَّامًا قَوَّامًا. وَكَانُوا يَعُدُّونَهَا مِنْ زَلَّاتِ سُلَيْمَانَ. وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ فِي آخِرِهَا. ثُمَّ إِنْ سُلَيْمَانَ وَلَّى الْأَنْدَلُسَ الْحُرَّ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الثَّقَفِيَّ، فَأَقَامَ وَالِيًا عَلَيْهَا إِلَى أَنِ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَعَزَلَهُ.

  323. التاريخ 2414لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ خُرَاسَانَ  وَفِي سنة سبع وتسعين وَلَّى سُلَيْمَانُ نِيَابَةَ خُرَاسَانَ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنْ إِمْرَةِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا وَلَّى يَزِيدَ الْعِرَاقَ فَوَّضَ إِلَيْهِ حَرْبَهَا وَالصَّلَاةَ بِهَا وَخَرَاجَهَا، فَنَظَرَ يَزِيدُ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: إِنَّ الْعِرَاقَ قَدْ أَخْرَبَهَا الْحَجَّاجُ، وَأَنَا الْيَوْمَ رَجُلُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَمَتَى قَدِمْتُهَا وَأَخَذْتُ النَّاسَ بِالْخَرَاجِ وَعَذَّبْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ صِرْتُ مِثْلَ الْحَجَّاجِ، وَأَعَدْتُ عَلَيْهِمُ السُّجُونَ، وَمَا عَافَاهُمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَمَتَى لَمْ آتِ سُلَيْمَانَ بِمِثْلِ مَا كَانَ الْحَجَّاجُ أَتَى بِهِ لَمْ يَقْبَلْ مِنِّي. فَأَتَى يَزِيدُ سُلَيْمَانَ وَقَالَ: أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ بَصِيرٍ بِالْخَرَاجِ تَوَلِّيهِ إِيَّاهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى [ بَنِي ] تَمِيمٍ، فَوَلَّاهُ الْخَرَاجَ وَسَيَّرَهُ قَبْلَ يَزِيدَ، فَنَزَلَ وَاسِطًا، وَأَقْبَلَ يَزِيدُ، فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَلَقَّوْنَهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ صَالِحٌ حَتَّى قَرُبَ يَزِيدُ، فَخَرَجَ صَالِحٌ فِي الدُّرَّاعَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَلَقِيَ يَزِيدَ وَسَايَرَهُ، فَنَزَلَ يَزِيدُ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ صَالِحٌ فَلَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ شَيْءٍ، وَاتَّخَذَ [ يَزِيدُ ] أَلْفَ خِوَانٍ يُطْعِمُ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَأَخَذَهَا صَالِحٌ، فَقَالَ يَزِيدُ: اكْتُبْ ثَمَنَهَا عَلَيَّ. وَاشْتَرَى يَزِيدُ مَتَاعًا وَكَتَبَ صَكًّا بِثَمَنِهِ إِلَى صَالِحٍ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقَالَ لِيَزِيدَ: إِنَّ الْخَرَاجَ لَا يَقُومُ بِمَا تُرِيدُ وَلَا يَرْضَى بِهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَتُؤْخَذُ بِهِ. فَضَاحَكَهُ يَزِيدُ، وَقَالَ: أَجْرِ هَذَا الْمَالَ هَذِهِ الْمَرَّةَ وَلَا أَعُودُ. فَفَعَلَ صَالِحٌ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ لَمْ يَجْعَلْ خُرَاسَانَ إِلَى يَزِيدَ، فَضَجِرَ يَزِيدُ مِنَ الْعِرَاقِ لِتَضْيِيقِ صَالِحٍ عَلَيْهِ، فَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَهْتَمِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُكَ لِأَمْرٍ قَدْ أَهَمَّنِي فَأُحِبُّ أَنْ تَكْفِيَنِيهِ. قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ: أَنَا فِيمَا تَرَى مِنَ الضِّيقِ وَقَدْ ضَجِرْتُ مِنْهُ، وَخُرَاسَانُ شَاغِرَةٌ بِرَجُلِهَا فَهَلْ مِنْ حِيلَةٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَرِّحْنِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَاكْتُمْ مَا أَخْبَرْتُكَ. وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ يُخْبِرُهُ بِحَالِ الْعِرَاقِ، وَأَثْنَى عَلَى ابْنِ الْأَهْتَمِ، وَذَكَرَ عِلْمَهُ بِهَا، وَسَيَّرَ ابْنَ الْأَهْتَمِ عَلَى الْبَرِيدِ. فَأَتَى سُلَيْمَانَ وَاجْتَمَعَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: إِنْ يَزِيدَ كَتَبَ إِلَيَّ يَذْكُرُ عِلْمَكَ بِالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، فَكَيْفَ عِلْمُكَ بِهَا ؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا، بِهَا وُلِدْتُ وَبِهَا نَشَأَتْ، وَلِي بِهَا وَبِأَهْلِهَا خَبَرٌ وَعِلْمٌ. قَالَ: فَأَشِرْ عَلَيَّ بِرَجُلٍ أُوَلِّيهِ خُرَاسَانَ. قَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِمَنْ يُرِيدُ، فَإِنْ ذَكَرَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَخْبَرْتُهُ بِرَأْيِي فِيهِ. فَسَمَّى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ رِجَالِ خُرَاسَانَ. قَالَ: فَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: لَا يَصْلُحُ فَإِنَّهُ يَصْبُوَا عَنْ هَذَا، فَلَيْسَ لَهُ مَكْرُ أَبِيهِ، وَلَا شَجَاعَةُ أَخِيهِ. حَتَّى عَدَّدَ رِجَالًا، وَكَانَ آخِرُ مَنْ ذَكَرَ وَكِيعُ بْنُ أَبِي سُودٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَكِيعٌ رَجُلٌ شُجَاعٌ صَارِمٌ رَئِيسٌ مِقْدَامٌ، وَمَا أَحَدٌ أَوْجَبُ شُكْرًا وَلَا أَعْظَمُ عِنْدِي يَدًا مِنْ وَكِيعٍ، لَقَدْ أَدْرَكَ بِثَأْرِي وَشَفَانِي مِنْ عَدُوِّي، وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمُ حَقًّا وَالنَّصِيحَةُ لَهُ تَلْزَمُنِي، إِنَّ وَكِيعًا لَمْ تَجْتَمِعْ لَهُ مِائَةُ عِنَانٍ قَطُّ إِلَّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِغَدْرَةٍ، خَامِلٌ فِي الْجَمَاعَةِ ثَابِتٌ فِي الْفِتْنَةِ، قَالَ: مَا هُوَ مِمَّنْ تَسْتَعِينُ بِهِ، فَمَنْ لَهَا وَيْحَكَ ؟ قَالَ: رَجُلٌ أَعْلَمُهُ لَمْ يُسِمِّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: لَا أَذْكُرُهُ حَتَّى يَضْمَنَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَتْرَ ذَلِكَ، وَأَنْ يُجِيرَنِي مِنْهُ إِنْ عَلِمَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: الْعِرَاقُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ خُرَاسَانَ. قَالَ ابْنُ الْأَهْتَمِ: قَدْ عَلِمْتُ وَلَكِنْ تُكْرِهُهُ فَيَسْتَخْلِفُ عَلَى الْعِرَاقِ وَيَسِيرُ. قَالَ: أَصَبْتَ الرَّأْيَ. فَكَتَبَ عَهْدَ يَزِيدَ عَلَى خُرَاسَانَ، وَسَيَّرَهُ مَعَ ابْنِ الْأَهْتَمِ، فَأَتَى يَزِيدَ بِهِ، فَأَمَرَهُ بِالْجِهَازِ لِلْمَسِيرِ سَاعَتَهُ، وَقَدَّمَ ابْنَهُ مَخْلَدًا إِلَى خُرَاسَانَ مِنْ يَوْمِهِ، ثُمَّ سَارَ يَزِيدُ بَعْدَهُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى وَاسِطَ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ هِلَالٍ الْكِلَابِيَّ، وَجَعَلَ أَخَاهُ مَرْوَانَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَلَى حَوَائِجِهِ وَأُمُورِهِ بِالْبَصْرَةِ، وَكَانَ أَوْثَقَ إِخْوَتِهِ عِنْدَهُ، وَاسْتَخْلَفَ بِالْكُوفَةِ حَرْمَلَةَ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّخْمِيَّ أَشْهُرًا ثُمَّ عَزَلَهُ، وَوَلَّى بَشِيرَ بْنَ حَيَّانَ النَّهْدِيَّ. وَكَانَتْ قَيْسُ تَزْعُمُ أَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَخْلَعْ، فَلَمَّا سَارَ يَزِيدُ إِلَى خُرَاسَانَ أَمَرَهُ سُلَيْمَانُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ قُتَيْبَةَ، فَإِنْ أَقَامَتْ قَيْسٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّ قُتَيْبَةَ لَمْ يَخْلَعْ أَنْ يُقِيدَ وَكِيعًا بِهِ، وَلَمَّا وَصَلَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ مَرْوَ أَخَذَهُ، فَحَبَسَهُ وَعَذَّبَهُ، وَأَخَذَ أَصْحَابَهُ وَعَذَّبَهُمْ قَبْلَ قُدُومِ أَبِيهِ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ وَكِيعٍ خُرَاسَانَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ أَوْ عَشْرَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ قَدِمَ يَزِيدُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خُرَاسَانَ فَأَدْنَى أَهْلَ الشَّامِ وَقَوْمًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ فِي ذَلِكَ: وَمَا كُنَّا نُؤَمِّلُ مِنْ أَمِيرٍ كَمَا كُنَّا نُؤَمِّلُ مِنْ يَزِيدِ     فَأَخْطَأَ ظَنُّنَا فِيهِ وَقِدَمًا زَهِدْنَا فِي مُعَاشَرَةِ الزَّهِيدِ     إِذَا لَمْ يُعْطِنَا نَصَفًا أَمِيرٌ مَشَيْنَا نَحْوَهُ مَشْيَ الْأَسْوَدِ     فَمَهْلًا يَا يَزِيدُ أَنِبْ إِلَيْنَا وَدَعْنَا مِنْ مُعَاشَرَةِ الْعَبِيدِ     نَجِيءُ وَلَا نَرَى إِلَّا صُدُودًا عَلَى أَنَّا نُسَلِّمُ مِنْ بَعِيدِ     وَنَرْجِعُ خَائِبِينَ بِلَا نَوَالٍ فَمَا بَالُ التَّجَهُّمِ وَالصُّدُودِ

  324. التاريخ 2415لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة سبع وتسعين عَزَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ الْقُرَشِيَّ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ سُلَيْمَانُ فَعُزِلَ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَكَانَهُ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ سَنَةَ مِائَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ، فَأَسْلَمَ الْبَرْبَرُ فِي أَيَّامِهِ جَمِيعُهُمْ.

  325. التاريخ 2416لا حكم مسجّل

    وفِي سنة سبع وتسعين حَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَنُوَّابُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، غَيْرَ أَنَّ خُرَاسَانَ عُزِلَ عَنْهَا وَكِيعُ بْنُ أَبِي سُودٍ، وَوَلِيَهَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ مَعَ الْعِرَاقِ.

  326. التاريخ 2417لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ   الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ   أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ. رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: مَنْ عَالَ أَهْلَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَلِيٍّ فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ، وَعَنْ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، وَعَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَجَمَاعَةٌ. وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَكْرَمَهُ وَنَصَرَهُ عَلَى الْحَجَّاجِ، وَأَقَرَّهُ وَحْدَهُ عَلَى وِلَايَةِ صَدَقَةِ عَلِيٍّ. وَقَدْ تَرْجَمَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فَأَحْسَنَ، وَذَكَرَ عَنْهُ آثَارًا تَدُلُّ عَلَى سِيَادَتِهِ وَعِلْمِهِ وَتَسَنُّنِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْمَدِينَةِ: إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ كَاتَبَ أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَاجْلِدْهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، وَقِفْهُ لِلنَّاسِ، وَلَا أُرَانِي إِلَّا قَاتِلَهُ. فَأَرْسَلَ خَلْفَهُ فَعَلَّمَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ كَلِمَاتِ الْكَرْبِ، فَقَالَهَا حِينَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَنَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، وَهِيَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ خَوْلَةَ بِنْتَ مَنْظُورٍ الْفَزَارِيِّ. وَقَالَ يَوْمًا لِرَجُلٍ مِنَ الرَّافِضَةِ: وَاللَّهِ إِنَّ قَتْلَكَ لَقُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّكَ تَمْزَحُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا هَذَا مِنِّي بِمَزْحٍ وَلَكِنَّهُ الْجِدُّ. وَقَالَ لَهُ آخَرُ مِنْهُمْ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ؟ فَقَالَ: بَلَى، وَلَوْ أَرَادَ الْخِلَافَةَ لَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا وَلِيُّ أَمْرِكُمْ وَهُوَ الْقَائِمُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ اخْتَارَ عَلِيًّا لِهَذَا الْأَمْرِ ثُمَّ تَرَكَهُ عَلِيٌّ لَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَرَكَ أَمْرَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا: وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّينَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا لَنُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ، ثُمَّ لَا نَقْبَلُ لَكُمْ تَوْبَةً، وَيْلَكُمْ غَرَرْتُمُونَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَيَلْكُمْ لَوْ كَانَتِ الْقَرَابَةُ تَنْفَعُ بِلَا عَمَلٍ لَنَفَعَتْ أَبَاهُ وَأُمَّهُ. فَلَوْ كَانَ مَا تَقُولُونَ فِينَا حَقًّا لَكَانَ آبَاؤُنَا إِذْ لَمْ يُعْلِمُونَا بِذَلِكَ قَدْ ظَلَمُونَا وَكَتَمُوا عَنَّا أَفْضَلَ الْأُمُورِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَى أَنْ يُضَاعَفَ لِلْعَاصِي مِنَّا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ، كَمَا إِنِّي لَأَرْجُوَ لِلْمُحْسِنِ مِنَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَيْلَكُمْ أَحِبُّونَا إِنْ أَطَعْنَا اللَّهَ، وَأَبْغِضُونَا إِنْ عَصَيْنَا اللَّهَ. مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ  أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ اللَّخْمِيُّ مَوْلَاهُمْ، كَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ مَوْلًى لِبَنِي أُمَيَّةَ. افْتَتَحَ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَغَنِمَ مِنْهَا أَمْوَالًا لَا تُعَدُّ وَلَا تُوصَفُ، وَلَهُ بِهَا مَقَامَاتٌ مَشْهُورَةٌ هَائِلَةٌ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ أَعْرَجَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَأَصْلُهُ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ إِرَاشَةَ مِنْ بَلِيٍّ. سُبِيَ أَبُوهُ مِنْ جَبَلِ الْخَلِيلِ مِنَ الشَّامِ فِي أَيَّامِ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ اسْمُ أَبِيهِ نَصْرًا فَصُغِّرَ. رَوَى عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَيَزِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْيَحْصُبِيُّ. وَوَلِيَ غَزْوَ الْبَحْرِ لِمُعَاوِيَةَ، فَغَزَا قُبْرُصَ، وَبَنَى هُنَالِكَ حُصُونًا كَالْمَاغُوصَةِ وَحِصْنِ يَانِسَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحُصُونِ الَّتِي بَنَاهَا بِقُبْرُصَ وَكَانَ نَائِبَ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهَا بَعْدَ أَنْ فَتَحَهَا مُعَاوِيَةُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَشَهِدَ مَرْجَ رَاهِطٍ مَعَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ، فَلَمَّا قُتِلَ الضَّحَّاكُ لَجَأَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ إِلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ مَرْوَانُ بِلَادَ مِصْرَ كَانَ مَعَهُ فَتَرَكَهُ عِنْدَ ابْنِهِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثُمَّ لَمَّا أَخَذَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِلَادَ الْعِرَاقِ جَعَلَهُ وَزِيرًا عِنْدَ أَخِيهِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ. وَكَانَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ هَذَا ذَا رَأْيٍ وَتَدْبِيرٍ وَحَزْمٍ وَخِبْرَةٍ بِالْحَرْبِ. قَالَ الْفَسَوِيُّ: وَلِيَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ إِمْرَةَ بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ، فَافْتَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ افْتَتَحَ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ، وَهِيَ بِلَادٌ ذَاتُ مُدُنٍ وَقُرًى وَرِيفٍ، فَسَبَى مِنْهَا وَمِنْ غَيْرِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَغَنِمَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، مِنَ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ شَيْئًا لَا يُحْصَى وَلَا يُعَدُّ، وَأَمَّا الْآلَاتُ وَالْمَتَاعُ وَالدَّوَابُّ فَشَيْءٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ، وَسَبَى مِنَ الْغِلْمَانِ الْحِسَانِ وَالنِّسَاءِ الْحِسَانِ شَيْئًا كَثِيرًا، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْبِ أَحَدٌ مِثْلَهُ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَأَسْلَمَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ عَلَى يَدَيْهِ، وَبَثَّ فِيهِمُ الدِّينَ وَالْقُرْآنَ، وَكَانَ إِذَا سَارَ إِلَى مَكَانٍ، تُحْمَلُ الْأَمْوَالُ مَعَهُ عَلَى الْعَجَلِ لِكَثْرَتِهَا وَعَجْزِ الدَّوَابِّ عَنْهَا. وَقَدْ كَانَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ هَذَا يَفْتَحُ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَقُتَيْبَةُ يَفْتَحُ فِي بِلَادِ الْمَشْرِقِ، فَجَزَاهُمَا اللَّهُ خَيْرًا، فَكِلَاهُمَا فَتَحَ مِنَ الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ شَيْئًا كَثِيرًا، وَلَكِنَّ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ حَظِيَ بِأَشْيَاءَ لَمْ يَحْظَ بِهَا قُتَيْبَةُ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا فَتَحَ الْأَنْدَلُسَ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْعَثْ مَعِي رِجَالًا حَتَّى أَدُلَّكَ عَلَى كَنْزٍ عَظِيمٍ، فَبَعَثَ مَعَهُ رِجَالًا فَأَتَى بِهِمْ إِلَى مَكَانٍ، فَقَالَ: احْفِرُوا. فَحَفَرُوا فَأَفْضَى بِهِمُ الْحَفْرُ إِلَى قَاعَةٍ عَظِيمَةٍ ذَاتِ لَوَاوِينَ حَسَنَةٍ، فَوَجَدُوا هُنَاكَ مِنَ الْيَوَاقِيتِ وَالْجَوَاهِرِ وَالزَّبَرْجَدِ مَا أَبْهَتَهُمْ، وَأَمَّا الذَّهَبُ فَشَيْءٌ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ، وَوَجَدُوا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الطَّنَافِسَ، الطِّنْفِسَةُ مِنْهَا مَنْسُوجَةٌ بِقُضْبَانِ الذَّهَبِ، مَنْظُومَةٌ بِاللُّؤْلُؤِ الْغَالِي الْمُفْتَخِرِ، وَالطِّنْفِسَةُ مَنْظُومَةٌ بِالْجَوْهَرِ الْمُثَمَّنِ، وَالْيَوَاقِيتِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِي شَكْلِهَا وَحُسْنِهَا وَصِفَاتِهَا. وَلَقَدْ سُمِعَ يَوْمَئِذٍ مُنَادٍ يُنَادِي لَا يَرَوْنَ شَخْصَهُ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ فُتِحَ عَلَيْكُمْ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ وَجَدُوا فِي هَذَا الْكَنْزِ مَائِدَةَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الَّتِي كَانَ يَأْكُلُ عَلَيْهَا. وَقَدْ جَمَعَ أَخْبَارَهُ وَمَا جَرَى لَهُ فِي حُرُوبِهِ وَغَزَوَاتِهِ رَجُلٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو مُعَاوِيَةَ مُعَارِكُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ النُّصَيْرِيُّ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَأَلَ مُوسَى بْنَ نُصَيْرٍ حِينَ قَدِمَ دِمَشْقَ أَيَّامَ الْوَلِيدِ عَنْ أَعْجَبِ شَيْءٍ رَآهُ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: انْتَهَيْنَا مَرَّةً إِلَى جَزِيرَةٍ فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ جَرَّةً خَضْرَاءَ مَخْتُومَةً عَلَيْهَا بِخَاتَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَأَمَرْتُ بِأَرْبَعَةٍ مِنْهَا فَأُخْرِجَتْ، وَأَمَرْتُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا فَنُقِبَتْ فَإِذَا شَيْطَانٌ يَنْفُضُ رَأْسَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَا أَعُودُ بَعْدَهَا أُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: ثُمَّ نَظَرَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَرَى بِهَا سُلَيْمَانَ وَمُلْكَهُ. فَانْسَاخَ فِي الْأَرْضِ فَذَهَبَ، قَالَ: فَأَمَرْتُ بِالثَّلَاثِ الْبَوَاقِي فَرُدَّتْ إِلَى مَكَانِهَا. وَقَدِ اسْتَسْقَى مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ حِينَ أَقْحَطُوا بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ قَبْلَ الِاسْتِسْقَاءِ، ثُمَّ خَرَجَ بَيْنَ النَّاسِ، وَمَيَّزَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْبَهَائِمِ وَأَوْلَادِهَا ثُمَّ أَمَرَ بِرَفْعِ الضَّجِيجِ وَالْبُكَاءِ، وَهُوَ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ نَزَلَ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا دَعَوْتَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: هَذَا مَوْطِنٌ لَا يُذْكَرُ فِيهِ إِلَّا اللَّهُ. فَسَقَاهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، لَمَّا قَالَ ذَلِكَ. وَقَدْ وَفَدَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ، فَدَخَلَ دِمَشْقَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَالْوَلِيدُ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَقَدْ لَبِسَ مُوسَى ثِيَابًا حَسَنَةً وَهَيْئَةً حَسَنَةً، وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ وَالْأَشْبَانِ، وَقَدْ أَلْبَسَهُمْ تِيجَانَ الْمُلُوكِ مَعَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ وَالْأُبَّهَةِ الْعَظِيمَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ الْوَلِيدُ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ جَامِعِ دِمَشْقَ بُهِتَ إِلَيْهِمْ، لِمَا رَأَى عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَرِيرِ وَالْجَوَاهِرِ وَالزِّينَةِ الْبَالِغَةِ، وَجَاءَ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ فَسَلَّمَ عَلَى الْوَلِيدِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَأَمَرَ أُولَئِكَ فَوَقَفُوا عَنْ يَمِينِ الْمِنْبَرِ وَشِمَالِهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ الْوَلِيدُ، وَشَكَرَهُ عَلَى مَا أَيَّدَهُ بِهِ وَوَسَّعَ مُلْكَهُ، وَأَطَالَ الدُّعَاءَ وَالتَّحْمِيدَ وَالشُّكْرَ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِمُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ فَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَأَعْطَاهُ شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ مُوسَى قَدْ قَدِمَ مَعَهُ بِمَائِدَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، الَّتِي كَانَ يَأْكُلُ عَلَيْهَا وَكَانَتْ مِنْ خَلِيطَيْنِ، ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَعَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَطْوَاقِ لُؤْلُؤٍ وَجَوْهَرٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، وَجَدَهَا فِي مَدِينَةِ طُلَيْطِلَةَ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ مَعَ أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَعَثَ ابْنَهُ مَرْوَانَ عَلَى جَيْشٍ، فَأَصَابَ مِنَ السَّبْيِ مِائَةَ أَلْفِ رَأْسٍ، وَبَعَثَ ابْنَ أَخِيهِ فِي جَيْشٍ، فَأَصَابَ مِائَةَ أَلْفِ رَأْسٍ أَيْضًا مِنَ الْبَرْبَرِ، فَلَمَّا جَاءَ كِتَابُهُ إِلَى الْوَلِيدِ وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ خُمُسَ الْغَنَائِمِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ رَأْسٍ. قَالَ النَّاسُ: إِنَّ هَذَا أَحْمَقُ، مِنْ أَيْنَ لَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ رَأْسٍ خُمُسُ الْغَنَائِمِ؟ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَأَرْسَلَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَأْسٍ وَهِيَ خُمُسُ مَا غَنِمَ، وَلَمْ يُسْمَعْ فِي الْإِسْلَامِ بِمِثْلِ سَبَايَا مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ أَمِيرِ الْمَغْرِبِ. وَقَدْ جَرَتْ لَهُ عَجَائِبُ فِي فَتْحِهِ بِلَادَ الْأَنْدَلُسِ، وَقَالَ: لَوِ انْقَادَ النَّاسُ لِي لَقُدْتُهُمْ حَتَّى أَفْتَحَ بِهِمْ مَدِينَةَ رُومِيَّةَ وَهِيَ الْمَدِينَةُ الْعُظْمَى فِي بِلَادِ الْفِرِنْجِ ثُمَّ لَيَفْتَحَنَّهَا اللَّهُ عَلَى يَدَيَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الْوَلِيدِ قَدِمَ مَعَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ السَّبْيِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ خُمُسُ مَا كَانَ غَنِمَهُ فِي آخِرِ غَزَاةٍ غَزَاهَا بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَقَدِمَ مَعَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالتُّحَفِ وَاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ. وَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِدِمَشْقَ حَتَّى مَاتَ الْوَلِيدُ وَتَوَلَّى سُلَيْمَانُ، وَكَانَ عَاتِبًا عَلَى مُوسَى فَحَبَسَهُ عِنْدَهُ، وَطَالَبَهُ بِأَمْوَالٍ عَظِيمَةٍ. وَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ حَتَّى حَجَّ سُلَيْمَانُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَأَخَذَهُ مَعَهُ فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: بِوَادِي الْقُرَى. وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهَا مَاتَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ. طلحة بن عبد الله بن عوف طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ [ابْنُ أَخِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ] يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ  : وَلِيَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ مِنْ سَرَاةِ قُرَيْشٍ وَأَجْوَادِهِمْ، وَمَدَحَهُ الْفَرَزْدَقُ وَمَدَحَ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَعْطَاهُ طَلْحَةُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ عَلَى نَقِيصَةِ الْفَرَزْدَقِ لِئَلَّا يَتَعَرَّضُوا لِلِسَانِهِ فَأَتْعَبَ النَّاسَ. وَتُوُفِّيَ طَلْحَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً.

  327. التاريخ 2418لا حكم مسجّل

    مُحَاصَرَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ   وفِي سَنَةُ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ سَارَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى دَابِقٍ، وَجَهَّزَ جَيْشًا مَعَ أَخِيهِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لِيَسِيرَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَمَاتَ مَلِكُ الرُّومِ، فَأَتَاهُ أَلْيُونُ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ فَأَخْبَرَهُ، فَضَمِنَ لَهُ فَتْحَ الرُّومِ، فَوَجَّهَ مَسْلَمَةَ مَعَهُ، فَسَارَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا أَمَرَ كُلَّ فَارِسٍ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ مُدَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ عَلَى عَجُزِ فَرَسِهِ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَفَعَلُوا، فَلَمَّا أَتَاهَا أَمَرَ بِالطَّعَامِ فَأُلْقِيَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: لَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا، وَأَغِيرُوا فِي أَرْضِهِمْ وَازْرَعُوا. وَعَمِلَ بُيُوتًا مِنْ خَشَبٍ، فَشَتَّى فِيهَا وَصَافَ، وَزَرَعَ النَّاسُ، وَبَقِيَ الطَّعَامُ فِي الصَّحْرَاءِ وَالنَّاسُ يَأْكُلُونَ مَا أَصَابُوا مِنَ الْغَارَاتِ وَمِنَ الزَّرْعِ، وَأَقَامَ مَسْلَمَةُ قَاهِرًا لِلرُّومِ مَعَهُ أَعْيَانُ النَّاسِ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ، وَمُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْخُزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. فَأَرْسَلَ الرُّومُ إِلَى مَسْلَمَةَ يُعْطُونَهُ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ دِينَارًا، فَلَمْ يَقْبَلْ. فَقَالَتِ الرُّومُ لَأَلْيُونَ: إِنْ صَرَفْتَ عَنَّا الْمُسْلِمِينَ مَلَّكْنَاكَ. فَاسْتَوْثَقَ مِنْهُمْ، فَأَتَى مَسْلَمَةَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الرُّومَ قَدْ عَلِمُوا أَنَّكَ لَا تَصْدُقُهُمُ الْقِتَالَ، وَأَنَّكَ تُطَاوِلُهُمْ مَا دَامَ الطَّعَامُ عِنْدَكَ، فَلَوْ أَحْرَقْتَهُ أَعْطَوُا الطَّاعَةَ بِأَيْدِيهِمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُحْرِقَ، فَقَوِيَ الرُّومُ وَضَاقَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى كَادُوا يَهْلِكُونَ، وَبَقُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ سُلَيْمَانُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا خَدَعَ أَلْيُونَ مَسْلَمَةَ بِأَنْ يَسْأَلَهُ أَنْ يُدْخِلَ الطَّعَامَ إِلَى الرُّومِ بِمِقْدَارِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ لَيْلَةً وَاحِدَةً، لِيُصَدِّقُوهُ أَنَّ أَمْرَهُ وَأَمْرَ مَسْلَمَةَ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَ السَّبْيِ وَالْخُرُوجِ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُ، وَكَانَ أَلْيُونُ قَدِ اعَدَّ السُّفُنَ وَالرِّجَالَ، فَنَقَلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الطَّعَامَ، فَلَمْ يَتْرُكُوا فِي تِلْكَ الْحَظَائِرِ إِلَّا مَا لَا يَذْكَرُ، وَأَصْبَحَ أَلْيُونُ مُحَارِبًا، وَقَدْ خُدِعَ خَدِيعَةً لَوْ كَانَتِ امْرَأَةً لَعِيبَتْ بِهَا، وَلَقِيَ الْجُنْدُ مَا لَمْ يَلْقَهُ جَيْشٌ آخَرُ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْعَسْكَرِ وَحْدَهُ، وَأَكَلُوا الدَّوَابَّ وَالْجُلُودَ وَأُصُولَ الشَّجَرِ وَالْوَرَقِ، وَكُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ التُّرَابِ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُمْ حَتَّى جَاءَتْهُمْ وَفَاةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَتَوْلِيَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي، فَكَرُّوا رَاجِعِينَ إِلَى الشَّامِ وَقَدْ جُهِدُوا جَهْدًا شَدِيدًا، لَكِنْ لَمْ يَرْجِعْ مَسْلَمَةُ حَتَّى بَنَى مَسْجِدًا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ شَدِيدَ الْبِنَاءِ مُحْكَمًا، رَحْبَ الْفِنَاءِ، شَاهِقًا فِي السَّمَاءِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا وَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرَادَ الْإِقَامَةَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ أَرْسَلَ الْعَسَاكِرَ إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَأَشَارَ عَلَيْهِ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ بِأَنْ يَفْتَحَ مَا دُونَهَا مِنَ الْمُدُنِ وَالرَّسَاتِيقِ وَالْحُصُونِ، حَتَّى يَبْلُغَ الْمَدِينَةَ فَلَا يَأْتِيَهَا إِلَّا وَقَدْ هُدِمَتْ حُصُونُهَا وَوَهَنَتْ قُوَّتُهَا، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا مَانِعٌ، فَيُعْطُوا بِأَيْدِيهِمْ وَيُسَلِّمُوا لَكَ الْبَلَدَ، ثُمَّ اسْتَشَارَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَدَعَ مَا دُونَهَا مِنَ الْبِلَادِ وَيَفْتَحَهَا عَنْوَةً، فَمَتَى مَا فُتِحَتْ فَإِنَّ بَاقِيَ مَا دُونَهَا مِنَ الْبِلَادِ وَالْحُصُونِ بِيَدِكَ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: هَذَا هُوَ الرَّأْيُ. ثُمَّ أَخَذَ فِي تَجْهِيزِ الْجُيُوشِ مِنَ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ فَجَهَّزَ فِي الْبَرِّ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَفِي الْبَحْرِ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَأَخْرَجَ لَهُمُ الْأَعْطِيَةَ وَأَنْفَقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ الْكَثِيرَةَ وَأَعْلَمَهُمْ بِغَزْو الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَالْإِقَامَةِ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ يَفْتَحُوهَا، ثُمَّ سَارَ سُلَيْمَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَدَخَلَ دِمَشْقَ وَقَدِ اجْتَمَعَتْ لَهُ الْعَسَاكِرُ فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ، ثُمَّ قَالَ: سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ وَالتَّنَاصُحِ وَالتَّنَاصُفِ. ثُمَّ سَارَ سُلَيْمَانُ حَتَّى نَزَلَ مَرْجَ دَابِقٍ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ أَيْضًا مِنَ الْمُطَّوِّعَةِ الْمُحْتَسِبِينَ أُجُورَهُمْ عَلَى اللَّهِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ جُنْدٌ عَظِيمٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، ثُمَّ أَمَرَ مَسْلَمَةَ أَنْ يَرْحَلَ بِالْجُيُوشِ وَأَخَذَ مَعَهُ إِلْيُونَ الرُّومِيَّ الْمَرْعَشِيَّ، ثُمَّ سَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَحَاصَرَهَا إِلَى أَنْ بَرَّحَ بِهِمْ، وَعَرَضَ أَهْلُهَا الْجِزْيَةَ عَلَى مَسْلَمَةَ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَفْتَحَهَا عَنْوَةً، قَالُوا: فَابْعَثْ إِلَيْنَا إِلْيُونَ نُشَاوِرْهُ. فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: رُدَّ هَذِهِ الْعَسَاكِرَ عَنَّا وَنَحْنُ نُعْطِيكَ وَنُمَلِّكُكَ عَلَيْنَا. فَرَجَعَ إِلَى مَسْلَمَةَ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَجَابُوا إِلَى فَتْحِهَا غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَفْتَحُونَهَا مَا لَمْ تَنَحَّ عَنْهُمْ. فَقَالَ مَسْلَمَةُ: إِنِّي أَخْشَى غَدْرَكَ، فَحَلَفَ لَهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَفَاتِيحَهَا وَمَا فِيهَا، فَلَمَّا تَنَحَّى عَنْهُمْ أَخَذُوا فِي تَرْمِيمِ مَا تَهَدَّمَ مِنْ أَسْوَارِهَا وَاسْتَعَدُّوا لِلْحِصَارِ. وَغَدَرَ إِلْيُونُ بِالْمُسْلِمِينَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ.

  328. التاريخ 2419لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي سنة ثمان وتسعين أَخَذَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَهْدَ لِوَلَدِهِ أَيُّوبَ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ مَرْوَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَعَدَلَ عَنْ وِلَايَةِ أَخِيهِ يَزِيدَ إِلَى وِلَايَةِ وَلَدِهِ أَيُّوبَ، وَتَرَبَّصَ بِأَخِيهِ الدَّوَائِرَ فَمَاتَ أَيُّوبُ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ، فَبَايَعَ سُلَيْمَانُ لِابْنِ عَمِّهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَنِعْمَ مَا فَعَلَ.

  329. التاريخ 2420لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثمان وتسعين فُتِحَتْ مَدِينَةُ الصَّقَالِبَةِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَقَدْ أَغَارَتِ الْبُرْجَانُ عَلَى جَيْشِ مَسْلَمَةَ وَهُوَ فِي قِلَّةٍ مِنَ النَّاسِ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ جَيْشًا فَقَاتَلَ الْبُرْجَانَ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

  330. التاريخ 2421لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثمان وتسعين غَزَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ دِهِسْتَانَ مِنْ أَرْضِ الصِّينِ فَحَاصَرَهَا  وَقَاتَلَ عِنْدَهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَلَمْ يَزَلْ حَتَّى تَسَلَّمَهَا، وَقَتَلَ مِنَ التُّرْكِ الَّذِينَ بِهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ صَبْرًا، وَأَخَذَ مِنْهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ كَثْرَةً وَقِيمَةً وَحُسْنًا، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى جُرْجَانَ

  331. التاريخ 2422لا حكم مسجّل

    فَتَحِ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ   فِي سنة ثمان وتسعين غَزَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ لَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ. وَسَبَبُ غَزْوِهِمَا وَاهْتِمَامِهِ بِهِمَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ عِنْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالشَّامِ كَانَ سُلَيْمَانُ كُلَّمَا فَتَحَ قُتَيْبَةُ فَتْحًا يَقُولُ لِيَزِيدَ: أَلَا تَرَى إِلَى مَا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى قُتَيْبَةَ ؟ فَيَقُولُ يَزِيدُ: مَا فَعَلَتْ جُرْجَانُ ( الَّتِي قَطَعَتِ الطَّرِيقَ، وَأَفْسَدَتْ قُومِسَ وَنَيْسَابُورَ وَيَقُولُ: هَذِهِ الْفُتُوحُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، الشَّانُ هِيَ جُرْجَانُ. فَلَمَّا وَلَّاهُ سُلَيْمَانُ خُرَاسَانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ غَيْرُ جُرْجَانَ )، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ أَهْلِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ، سِوَى الْمَوَالِي وَالْمُتَطَوِّعَةِ، وَلَمْ تَكُنْ جُرْجَانُ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةً، إِنَّمَا هِيَ جِبَالٌ وَمَخَارِمُ وَأَبْوَابٌ، يَقُومُ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ مِنْهَا فَلَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ أَحَدٌ. فَابْتَدَأَ بِقُهِسْتَانَ فَحَاصَرَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا طَائِفَةً مِنَ التُّرْكِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا. وَكَانَ أَهْلُهَا يَخْرُجُونَ وَيُقَاتِلُونَ، فَيَهْزِمُهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي كُلِّ ذَلِكَ، فَإِذَا هُزِمُوا دَخَلُوا الْحِصْنَ. فَخَرَجُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَخَرَجَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَحَمَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَلَى تُرْكِيٍّ قَدْ صَدَّ النَّاسَ عَنْهُ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ، فَثَبَتَ سَيْفُ التُّرْكِيِّ فِي بَيْضَةِ ابْنِ أَبِي سَبْرَةَ، وَضَرَبَهُ ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ وَسَيْفُهُ يَقْطُرُ دَمًا، وَسَيْفُ التُّرْكِيِّ فِي بَيْضَتِهِ، فَنَظَرَ النَّاسُ إِلَى أَحْسَنِ مَنْظَرٍ رَأَوْهُ. وَخَرَجَ يَزِيدُ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْمًا يَنْظُرُ مَكَانًا يَدْخُلُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ وَفُرْسَانِهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِمُ التُّرْكُ فِي نَحْوِ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَقَاتَلُوهُمْ سَاعَةً، وَقَاتَلَ يَزِيدُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَسَلِمُوا وَانْصَرَفُوا، وَكَانُوا قَدْ عَطِشُوا، فَانْتَهَوْا إِلَى الْمَاءِ فَشَرِبُوا، وَرَجَعَ عَنْهُمُ الْعَدُوُّ. ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ أَلَحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْقِتَالِ، وَقَطَعَ عَنْهُمُ الْمَوَادَّ حَتَّى ضَعِفُوا وَعَجَزُوا. فَأَرْسَلَ صُولُ، دِهْقَانُ قُهِسْتَانَ، إِلَى يَزِيدَ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُصَالِحَهُ وَيُؤَمِّنَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، لِيَدْفَعَ إِلَيْهِ الْمَدِينَةَ بِمَا فِيهَا، فَصَالَحَهُ وَوَفَى لَهُ، وَدَخْلَ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْكُنُوزِ وَالسَّبْيِ مَا لَا يُحْصَى، وَقَتْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ تُرْكِيٍّ صَبْرًا، وَكَتَبَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بِذَلِكَ. ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أَتَى جُرْجَانَ. وَكَانَ أَهْلُ جُرْجَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَكَانُوا يَجْبُونَ أَحْيَانًا مِائَةَ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا مِائَتَيْ أَلْفٍ، وَأَحْيَانًا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفٍ، وَرُبَّمَا أَعْطَوْا ذَلِكَ وَرُبَّمَا مَنَعُوهُ، ثُمَّ امْتَنَعُوا وَكَفَرُوا، فَلَمْ يُعْطُوا خَرَاجًا، وَلَمْ يَأْتِ جُرْجَانَ بَعْدَ سَعِيدٍ أَحَدٌ، وَمَنَعُوا ذَلِكَ الطَّرِيقَ، فَلَمْ يَكُنْ يَسْلُكُ طَرِيقَ خُرَاسَانَ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى فَارِسَ وَكَرْمَانَ. وَأَوَّلُ مَنْ صَيَّرَ الطَّرِيقَ مِنْ قُومِسَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ حِينَ وَلِيَ خُرَاسَانَ. وَبَقِيَ أَمْرُ جُرْجَانَ كَذَلِكَ حَتَّى وَلِيَ يَزِيدُ وَأَتَاهُمْ، فَاسْتَقْبَلُوهُ بِالصُّلْحِ، وَزَادُوهُ وَهَابُوهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ وَصَالَحَهُمْ. فتح طبرستان فَلَمَّا فَتَحَ قُهِسْتَانَ وَجُرْجَانَ طَمِعَ فِي طَبَرِسْتَانَ أَنْ يَفْتَحَهَا، فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا، فَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعَمَّرِ الْيَشْكُرِيَّ عَلَى السَّاسَانِ وَقُهِسْتَانَ، وَخَلَّفَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَدَانِي جُرْجَانَ مِمَّا يَلِي طَبَرِسْتَانَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَى أَيْذُوسَا رَاشِدَ بْنَ عَمْرٍو، وَجَعَلَهُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَدَخَلَ بِلَادَ طَبَرِسْتَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْإِصْبَهْبَذُ صَاحِبُهَا يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ طَبَرِسْتَانَ، فَأَبَى يَزِيدُ، وَرَجَا أَنْ يَفْتَتِحَهَا، وَوَجَّهَ أَخَاهُ أَبَا عُيَيْنَةَ مِنْ وَجْهٍ، وَابْنَهُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ مِنْ وَجْهٍ، وَأَبَا الْجَهْمِ الْكَلْبِيَّ مِنْ وَجْهٍ، وَقَالَ: إِذَا اجْتَمَعْتُمْ فَأَبُوا عُيَيْنَةَ عَلَى النَّاسِ. فَسَارَ أَبُو عُيَيْنَةَ وَأَقَامَ يَزِيدُ مُعَسْكَرًا. وَاسْتَجَاشَ الْإِصْبَهْبَذُ أَهْلَ جِيلَانَ وَالدَّيْلَمَ، فَأَتَوْهُ فَالْتَقَوْا فِي سَفْحِ جَبَلٍ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْجَبَلِ، فَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، فَدَخَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وَصَعِدَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْجَبَلِ وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَرُومُونَ الصُّعُودَ، فَرَمَاهُمُ الْعَدُوُّ بِالنُّشَّابِ وَالْحِجَارَةِ، فَانْهَزَمَ أَبُو عُيَيْنَةَ وَالْمُسْلِمُونَ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يَتَسَاقَطُونَ فِي الْجَبَلِ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى عَسْكَرِ يَزِيدَ، وَكَفَّ عَدُّوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ، وَخَافَهُمُ الْإِصْبَهْبَذُ، فَكَانَ أَهْلُ جُرْجَانَ وَمُقَدِّمُهُمُ الْمَرْزُبَانُ يَسْأَلُهُمْ أَنْ يُبَيِّتُوا مِنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقْطَعُوا عَنْ يَزِيدَ الْمَادَّةَ وَالطَّرِيقَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَيَعِدُهُمْ أَنْ يُكَافِئَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَثَارُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ وَهُمْ غَارُّونَ فِي لَيْلَةٍ، وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعَمَّرِ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُ فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَكَتَبُوا إِلَى الْإِصْبَهْبَذِ بِأَخْذِ الْمَضَايِقِ وَالطُّرُقِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ وَأَصْحَابَهُ فَعَظُمَ عَلَيْهِمْ وَهَالَهُمْ، وَفَزِعَ يَزِيدُ إِلَى حَيَّانَ النَّبَطِيَّ وَقَالَ لَهُ: لَا يَمْنَعُكَ مَا كَانَ مِنِّي إِلَيْكَ مِنْ نَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ جَاءَنَا عَنْ جُرْجَانَ مَا جَاءَنَا فَاعْمَلْ فِي الصُّلْحِ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَتَى حَيَّانُ الْإِصْبَهْبَذَ فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَإِنْ كَانَ الدِّينُ فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ، فَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ يَزِيدَ، وَقَدْ بَعَثَ يَسْتَمِدُّ وَأَمْدَادُهُ مِنْهُ قَرِيبَةٌ، وَإِنَّمَا أَصَابُوا مِنْهُ طَرَفًا، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَأْتِيَكَ مَنْ لَا تَقُومُ لَهُ، فَأَرِحْ نَفْسَكَ وَصَالِحْهُ، فَإِنْ صَالَحْتَهُ صَيَّرَ حَدَّهُ عَلَى أَهْلِ جُرْجَانَ بِغَدْرِهِمْ وَقَتْلِهِمْ أَصْحَابَهُ. فَصَالَحَهُ عَلَى سَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ خَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ وَقْرِ زَعْفَرَانَ، أَوْ قِيمَتِهِ مِنَ الْعَيْنِ، وَأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تُرْسٌ وَطَيْلَسَانُ، وَمَعَ كُلِّ رَجُلٍ جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ وَخِرْقَةُ حَرِيرٍ وَكُسْوَةٌ. ثُمَّ رَجَعَ حَيَّانُ إِلَى يَزِيدَ، فَقَالَ: ابْعَثْ مِنْ ( يَحْمِلُ صُلْحَهُمْ )، فَقَالَ: مِنْ عِنْدِهِمْ أَوْ مِنْ عِنْدِنَا ؟ قَالَ: مِنْ عِنْدِهِمْ، وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ طَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوا وَيَرْجِعَ إِلَى جُرْجَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَى يَزِيدَ مَنْ يَقْبِضُ مَا صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ حَيَّانُ، فَانْصَرَفَ إِلَى جُرْجَانَ. وَكَانَ يَزِيدُ قَدْ أَغْرَمَ حَيَّانَ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حَيَّانَ كَتَبَ إِلَى مَخْلَدِ بْنِ يَزِيدَ، فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: تَكْتُبُ إِلَى مَخْلَدٍ وَتَبْدَأُ بِنَفْسِكَ. قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَقِيَ مَا لَقِيَ قُتَيْبَةُ. فَبَعَثَ مَخْلَدٌ الْكِتَابَ إِلَى أَبِيهِ يَزِيدَ، فَأَغْرَمَهُ مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقِيلَ: إِنَّ سَبَبَ مَسِيرِ يَزِيدَ إِلَى جُرْجَانَ أَنَّ صُولًا التُّرْكِيَّ كَانَ يَنْزِلُ قُهِسْتَانَ وَالْبُحَيْرَةَ، وَهِيَ جَزِيرَةٌ فِي الْبَحْرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قُهِسْتَانَ خَمْسَةُ فَرَاسِخَ، وَهُمَا مِنْ جُرْجَانَ مِمَّا يَلِي خُوَارَزْمَ، وَكَانَ يُغِيرُ عَلَى فَيْرُوزَ [ بْنِ ] قَوْلٍ مَرْزُبَانِ جُرْجَانَ، فَيُصِيبُ مِنْ بِلَادِهِ. فَخَافَهُ فَيْرُوزُ، فَسَارَ إِلَى يَزِيدَ بِخُرَاسَانَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ، فَقَالَ: خِفْتُ صُولًا فَهَرَبْتُ مِنْهُ، وَأَخَذَ صُولٌ جُرْجَانَ. فَقَالَ يَزِيدُ لِفَيْرُوزَ: هَلْ مِنْ حِيلَةٍ لِقِتَالِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، شَيْءٌ وَاحِدٌ إِنْ ظَفِرْتَ بِهِ قَتَلْتَهُ وَأَعْطَى بِيَدِهِ. قَالَ: مَا هُوَ ؟ قَالَ: تَكْتُبُ إِلَى الْإِصْبَهْبَذِ كِتَابًا تَسْأَلُهُ فِيهِ أَنْ يَحْتَالَ لِصُولٍ حَتَّى يُقِيمَ بِجُرْجَانَ، وَاجْعَلْ لَهُ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا، فَإِنَّهُ يَبْعَثُ بِكِتَابِكَ إِلَى صُولٍ يَتَقَرَّبُ [ بِهِ ] إِلَيْهِ فَيَتَحَوَّلُ عَنْ جُرْجَانَ فَيَنْزِلُ الْبُحَيْرَةَ، وَإِنْ تَحَوَّلَ عَنْ جُرْجَانَ وَحَاصَرْتَهُ ظَفِرْتَ بِهِ. فَفَعَلَ يَزِيدُ ذَلِكَ، وَضَمِنَ لِلْإصْبَهْبَذَ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ إِنْ هُوَ حَبَسَ صُولًا عَنِ الْبُحَيْرَةِ لِيُحَاصِرَهُ بِجُرْجَانَ، فَأَرْسَلَ الْإِصْبَهْبَذُ الْكِتَابَ إِلَى صُولٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ الْكِتَابُ رَحَلَ إِلَى الْبُحَيْرَةِ لِيَتَحَصَّنَ بِهَا، وَبَلَغَ يَزِيدُ مَسِيرَهُ فَخَرَجَ إِلَى جُرْجَانَ وَمَعَهُ فَيْرُوزُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ ابْنَهُ مَخْلَدًا، وَعَلَى سَمَرْقَنْدَ وَكَشَّ وَنَسَفَ وَبُخَارَى ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَى طَخَارِسْتَانَ حَاتِمَ بْنَ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَقْبَلَ حَتَّى أَتَى جُرْجَانَ، فَدَخَلَهَا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهَا أَحَدٌ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى الْبُحَيْرَةِ فَحَصَرَ صُولًا بِهَا، فَكَانَ يَخْرُجُ إِلَيْهِ صُولٌ فَيُقَاتِلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَأَصَابَهُمْ مَرَضٌ وَمَوْتٌ، فَأَرْسَلَ صُولٌ يَطْلُبُ الصُّلْحَ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِهِ وَخَاصَّتِهِ، وَيُسَلِّمُ إِلَيْهِ الْبُحَيْرَةَ، فَأَجَابَهُ يَزِيدُ، فَخَرَجَ بِمَالِهِ وَثَلَاثِمِائَةٍ مِمَّنْ أَحَبَّ. وَقَتْلَ يَزِيدُ مِنَ الْأَتْرَاكِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا صَبْرًا، وَأَطْلَقَ الْبَاقِينَ. وَطَلَبَ الْجُنْدُ أَرْزَاقَهُمْ، فَقَالَ لِإِدْرِيسَ بْنِ حَنْظَلَةَ الْعَمِّيِّ: أَحْصِ لَنَا مَا فِي الْبُحَيْرَةِ حَتَّى نُعْطِيَ الْجُنْدَ. فَدَخَلَهَا إِدْرِيسُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِحْصَاءِ مَا فِيهَا، فَقَالَ لِيَزِيدَ: لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ وَهُوَ فِي ظُرُوفٍ، فَتُحْصَى الْجَوَالِيقُ وَيُعَلَّمُ مَا فِيهَا وَيُعْطَى الْجُنْدُ فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا عَرَفْنَا مَا أَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالسِّمْسِمِ وَالْعَسَلِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَخَذُوا شَيْئًا كَثِيرًا، وَكَانَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَلَى خَزَائِنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَرَفَعُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ خَرِيطَةً، فَسَأَلَهُ يَزِيدُ عَنْهَا، فَأَتَاهُ بِهَا فَأَعْطَاهَا شَهْرًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ بَاعَ شَهْرٌ دِينَهُ بِخَرِيطَةٍ فَمَنْ يَأْمَنِ الْقُرَّاءَ بِعْدَكَ يَا شَهْرُ وَقَالَ مُرَّةُ الْحَنَفِيُّ: يَا ابْنَ الْمُهَلَّبِ مَا أَرَدْتَ إِلَى امْرِئٍ     لَوْلَاكَ كَانَ كَصَالِحِ الْقُرَّاءِ وَأَصَابَ يَزِيدُ بِجُرْجَانَ تَاجًا فِيهِ جَوْهَرٌ فَقَالَ: أَتَرَوْنَ أَحَدًا يَزْهَدُ فِي هَذَا ؟ قَالُوا: لَا. فَدَعَا مُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ الْأَزْدِيَّ فَقَالَ: خُذْ هَذَا التَّاجَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ. فَأَخَذَهُ، فَأَمْرَ يَزِيدُ رَجُلًا يَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ بِهِ، فَلَقِيَ سَائِلًا فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ الرَّجُلُ السَّائِلَ وَأَتَى بِهِ يَزِيدَ وَأَخْبَرَهُ، فَأَخَذَ يَزِيدُ التَّاجَ وَعَوَّضَ السَّائِلَ مَالًا كَثِيرًا.وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ: كَانَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ عَلَى خَزَائِنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فَرَفَعُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ أَخَذَ خَرِيطَةً فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ: نَعَمْ. وَأَحْضَرَهَا، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ: هِيَ لَكَ. ثُمَّ اسْتَدْعَى الَّذِي وَشَى بِهِ فَشَتَمَهُ.

  332. التاريخ 2423لا حكم مسجّل

    فَتَحِ جُرْجَانَ الْفَتْحَ الثَّانِي   قَدْ ذَكَرْنَا فَتْحَ جُرْجَانَ وَقُهِسْتَانَ وَغَدْرَ أَهْلِ جُرْجَانَ، فَلَمَّا صَالَحَ يَزِيدُ أَصْبَهْبَذَ طَبَرِسْتَانَ سَارَ إِلَى جُرْجَانَ، وَعَاهَدَ اللَّهَ تَعَالَى لَئِنْ ظَفِرَ بِهِمْ لَا يَرْفَعُ السَّيْفَ حَتَّى يَطْحَنَ بِدِمَائِهِمْ، وَيَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الطَّحِينِ. فَأَتَاهَا وَحَصَرَ أَهْلَهَا بِحِصْنِ فَجَاهْ وَمَنْ يَكُونُ بِهَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى عُدَّةٍ مِنْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ، فَحَصَرَهُمْ يَزِيدُ فِيهَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَهُمْ يَخْرُجُونَ إِلَيْهِ فِي الْأَيَّامِ فَيُقَاتِلُونَهُ وَيَرْجِعُونَ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ عَجَمِ خُرَاسَانَ يَتَصَيَّدُ، وَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ طَيْءٍ، فَأَبْصَرَ وَعْلًا فِي الْجَبَلِ، وَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى هَجَمَ عَلَى عَسْكَرِهِمْ، فَرَجَعَ كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَصْحَابَهُ، وَجَعَلَ يُخَرِّقُ قَبَاءَهُ وَيَعْقِدُ عَلَى الشَّجَرِ عَلَامَاتٍ، فَأَتَى يَزِيدَ فَأَخْبَرَهُ، فَضَمِنَ لَهُ يَزِيدُ دِيَةً إِنْ دَلَّهُمْ عَلَى الْحِصْنِ، فَانْتَخَبَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنَهُ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ غُلِبْتَ عَلَى الْحَيَاةِ فَلَا تُغْلَبَنَّ عَلَى الْمَوْتِ، وَإِيَّاكَ أَنْ أَرَاكَ عِنْدِي مَهْزُومًا. وَضَمَّ إِلَيْهِ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ، وَقَالَ لِلرَّجُلِ: مَتَى تَصِلُونَ ؟ قَالَ: غَدًا الْعَصْرُ. قَالَ يَزِيدُ: سَأَجْهَدُ عَلَى مُنَاهَضَتِهِمْ عِنْدَ الظُّهْرِ. فَسَارُوا فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَقْتَ الظُّهْرِ أَحْرَقَ يَزِيدُ كُلَّ حَطَبٍ كَانَ عِنْدَهُمْ، فَصَارَ مِثْلَ الْجِبَالِ مِنَ النِّيرَانِ، فَنَظَرَ الْعَدُوُّ إِلَى النِّيرَانِ فَهَالَهُمْ ذَلِكَ فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَ يَزِيدُ إِلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا، وَهَجَمَ أَصْحَابُ يَزِيدَ الَّذِينَ سَارُوا عَلَى عَسْكَرِ التُّرْكِ قَبْلَ الْعَصْرِ وَهُمْ آمَنُونَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَيَزِيدُ يُقَاتِلُهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَانْقَطَعُوا جَمِيعًا إِلَى حِصْنِهِمْ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ، وَنَزَلُوا عَلَى حَكَمِ يَزِيدَ، فَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ وَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَصَلَبَهُمْ فَرْسَخَيْنِ إِلَى يَمِينِ الطَّرِيقِ وَيَسَارِهِ، وَقَادَ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا إِلَى وَادِي جُرْجَانَ وَقَالَ: مَنْ طَلَبَهُمْ بِثَأْرٍ فَلْيُقْتَلْ. فَكَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتُلُ الْأَرْبَعَةَ وَالْخَمْسَةَ، وَأَجْرَى الْمَاءَ عَلَى الدَّمِ وَعَلَيْهِ أَرْحَاءٌ لِيَطْحَنَ بِدِمَائِهِمْ لِيُبِرَّ يَمِينَهُ، فَطَحَنَ وَخَبَزَ وَأَكَلَ، وَقِيلَ: قَتَلَ مِنْهُمْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَبَنَى مَدِينَةَ جُرْجَانَ، وَلَمْ تَكُنْ بُنِيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مَدِينَةً، وَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى جُرْجَانَ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْجَعْفِيَّ، وَقِيلَ: بَلْ قَالَ يَزِيدُ لِأَصْحَابِهِ لَمَّا سَارُوا: إِذَا وَصَلْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ انْتَظِرُوا، فَإِذَا كَانَ السَّحَرُ كَبِّرُوا وَاقْصُدُوا الْبَابَ، فَسَتَجِدُونِي قَدْ نَهَضْتُ بِالنَّاسِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلَ ابْنُ زَحْرٍ الْمَدِينَةَ أَمْهَلَ حَتَّى كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي أَمَرَهُ يَزِيدُ أَنْ يَنْهَضَ فِيهَا، فَكَبَّرَ، فَفَزِعَ أَهْلُ الْحِصْنِ، وَكَانَ أَصْحَابُ يَزِيدَ لَا يَلْقَوْنَ أَحَدًا إِلَّا قَتَلُوهُ، وَدَهِشَ التُّرْكُ، فَبَقُوا لَا يَدْرُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ، وَسَمِعَ يَزِيدُ التَّكْبِيرَ، فَسَارَ فِي النَّاسِ إِلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ أَحَدًا يَمْنَعُهُ وَهُمْ مَشْغُولُونَ بِالْمُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ الْحِصْنَ مِنْ سَاعَتِهِ وَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ وَصَلَبَهُمْ فَرْسَخَيْنِ مِنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَيَسَارِهِ، فَصَلَبَهُمْ أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ، وَسَبَى أَهْلَهَا وَغَنِمَ مَا فِيهَا، وَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى سُلَيْمَانَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ فَتَحَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتْحًا عَظِيمًا، وَصَنَعَ لِلْمُسْلِمِينَ أَحْسَنَ الصُّنْعِ، فَلِرَبِّنَا الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَظْهَرَ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ، وَقَدْ أَعْيَا ذَلِكَ سَابُورَ ذَا الْأَكْتَافِ، وَكِسْرَى بْنَ قُبَادٍ، وَكِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ، وَأَعْيَا الْفَارُوقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَذَا النُّورَيْنِ وَمَنْ بَعْدَهُمَا، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ، وَزِيَادَةً فِي نِعَمِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَارَ عِنْدِي مِنْ خُمْسِ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ صَارَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقِّ حَقُّهُ مِنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ سَبْعَةُ آلَافِ أَلْفٍ، وَأَنَا حَامِلٌ ذَلِكَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي قُرَّةَ مَوْلَى بَنِي سَدُوسٍ: لَا تَكْتُبْ تَسْمِيَةَ الْمَالِ، فَإِنَّكَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا اسْتَكْثَرَهُ فَأَمَرَكَ بِحَمْلِهِ، وَإِمَّا سَمَحَتْ نَفْسُهُ لَكَ بِهِ فَأَعْطَاكَهُ، فَتُكَلَّفُ الْهَدِيَّةَ، فَلَا يَأْتِيهِ مِنْ قَبِلَكِ شَيْءٌ إِلَّا اسْتَقَلَّهُ، فَكَأَنِّي بِكَ قَدِ اسْتَغْرَقْتَ مَا سَمَّيْتَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ مَوْقِعًا، وَيَبْقَى الْمَالُ الَّذِي سَمَّيْتَ مُخَلَّدًا فِي دَوَاوِينِهِمْ، فَإِنْ وَلِيَ وَالٍ بَعْدَهُ أَخَذَكَ بِهِ، وَإِنْ وَلِيَ مَنْ يَتَحَامَلُ عَلَيْكَ لَمْ يَرْضَ بِأَضْعَافِهِ، وَلَكِنِ اكْتُبْ فَسَلْهُ الْقُدُومَ، وَشَافِهْهُ بِمَا أَحْبَبْتَ فَهُوَ أَسْلَمُ. فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَأَمْضَى الْكِتَابَ، وَقِيلَ: كَانَ الْمَبْلَغُ أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفٍ.

  333. التاريخ 2424لا حكم مسجّل

    فِي سنة ثمان وتسعين تُوُفِّيَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ وَلِيُّ عَهْدٍ  . وَفِيهَا غَزَا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَرْضَ الرُّومِ، فَفَتَحَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ  مِمَّا يَلِي مَلَطْيَةَ. وَفِيهَا كَانَتِ الزَّلَازِلُ فِي الدُّنْيَا كَثِيرَةٌ وَدَامَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَسِيدٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا الْبَصْرَةَ، فَإِنَّ يَزِيدَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْكِنْدِيَّ. وَفِيهَا غَزَا الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ، فَأُصِيبَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَّةَ، وَأَصَابَ الْوَلِيدُ نَاسًا مِنْ ضَوَاحِي الرُّومِ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا.

  334. التاريخ 2425لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ثمان وتسعين مِنَ الْأَكَابِرِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ،  وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخَدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ. وَكَانَ ثِقَةً فَقِيهًا، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَمِنْ أَكَابِرِهِمْ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ شَاعِرٌ فَصِيحٌ. وَجَدُّهُ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبَوَيْهِ، قَدِيمُ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْوِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. وَأَمَّا ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَإِنَّهُ نَزَلَ الْكُوفَةَ وَمَاتَ بِهَا فِي خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَمَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالْمَدِينَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ تِسْعٍ. وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُسَمِّيهِ بَحْرًا. قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوْ أَدْرَكَنِي إِذْ وَقَعْتُ فِيمَا وَقَعْتُ فِيهِ. وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: مَنْ لِي بِلَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ. وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، [وَقَالَ شِعْرًا]. رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ امْرَأَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً جِدًّا، فَرَغِبَ النَّاسُ فِيهَا فَخَطَبُوهَا وَكَادَتْ تَذْهَبُ بِعُقُولِ أَكْثَرِهِمْ، فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أُحِبُّكِ حُبًّا لَا يُحِبُّكِ مِثْلَهُ قَرِيبٌ وَلَا فِي الْعَاشِقِينَ بَعِيدُ     أُحِبُّكِ حُبًّا لَوْ شَعَرْتِ بِبَعْضِهِ لَجُدْتِ وَلَمْ يَصْعُبْ عَلَيْكِ شَدِيدُ     وَحُبُّكِ يَا أُمَّ الصَّبِيِّ مُدَلِّهِي شَهِيدِي أَبُو بَكْرٍ فَنِعْمَ شَهِيدُ     وَيَعْرِفُ وَجْدِيَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ مَا أَلْقَى بِكُمْ وَسَعِيدُ     وَيَعْلَمُ مَا أُخْفِي سُلَيْمَانُ عِلْمَهُ وَخَارِجَةُ يُبْدِي بِنَا وَيُعِيدُ     مَتَى تَسْأَلِي عَمَّا أَقُولُ وَتُخْبَرِي فَلِلَّهِ عِنْدِي طَارِفٌ وَتَلِيدُ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَمَّا أَنْتَ وَاللَّهِ قَدْ أَمِنْتَ أَنْ تَسْأَلَنَا وَمَا طَمِعْتَ إِنْ سَأَلْتَنَا أَنْ نَشْهَدَ لَكَ بِزُورٍ. قَالَ الزُّبَيْرُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اسْتَشْهَدَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ أُخِذَ عَنْهُمُ الرَّأْيُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.، وتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَيُعْرَفُ بِمَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيُّ. وَسَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ مَوْلَى قُرَيْشٍ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ.

  335. التاريخ 2426لا حكم مسجّل

    مَوْتِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ   وفي سَنَةُ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ   كَانَتْ وَفَاةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  ، أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ وَقِيلَ: بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنْهَا، عَنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: عَنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يُجَاوِزِ الْأَرْبَعِينَ. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، وَزَعَمَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَانَ مِنْهَا، وَأَنَّهُ اسْتَكْمَلَ فِي خِلَافَتِهِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. نسب سليمان بن عبد الملك ومولده ونشأته وَهُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَبُو أَيُّوبَ. كَانَ مَوْلِدُهُ بِالْمَدِينَةِ فِي بَنِي جَزِيلَةَ، وَنَشَأَ بِالشَّامِ عِنْدَ أَبِيهِ، وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جِدِّهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْهُ. وَرَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُنَيْدَةَ أَنَّهُ صَحِبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ إِلَى الْغَابَةِ، قَالَ: فَسَكَتُّ، فَقَالَ لِي ابْنُ عُمَرَ: مَا لَكَ؟ فَقُلْتُ: كُنْتُ أَتَمَنَّى، فَهَلْ تَتَمَنَّى يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ لِي أُحُدًا هَذَا ذَهَبًا أَعْلَمُ عَدَدَهُ وَأُخْرِجُ زَكَاتَهُ مَا كَرِهْتُ ذَلِكَ، أَوْ قَالَ: مَا خَشِيتُ أَنْ يَضُرَّنِي. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَكَانَتْ دَارُهُ بِدِمَشْقَ مَوْضِعَ مِيضَأَةِ جَيْرُونَ الْآنَ فِي تِلْكَ السَّاحَةِ جَمِيعِهَا، وَبَنَى دَارًا كَبِيرَةً مِمَّا يَلِي بَابَ الصَّغِيرِ مَوْضِعَ الدَّرْبِ الْمَعْرُوفِ بِدَرْبِ مُحْرِزٍ وَجَعَلَهَا دَارَ الْإِمَارَةِ وَعَمِلَ فِيهَا قُبَّةً صَفْرَاءَ تَشْبِيهًا بِالْقُبَّةِ الْخَضْرَاءِ. قَالَ: وَكَانَ فَصِيحًا مُؤْثِرًا لِلْعَدْلِ مُحِبًّا لِلْغَزْوِ، وَقَدْ أَنْفَذَ الْجَيْشَ لِحِصَارِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ حَتَّى صَالَحُوهُمْ عَلَى بِنَاءِ الْجَامِعِ بِهَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ جَمَعَ بَنِيهِ الْوَلِيدَ وَسُلَيْمَانَ وَمَسْلَمَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَقْرَأَهُمُ الْقُرْآنَ فَأَجَادُوا الْقِرَاءَةَ، ثُمَّ اسْتَنْشَدَهُمُ الشِّعْرَ فَأَجَادُوا، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا أَوْ يُحْكِمُوا شِعْرَ الْأَعْشَى، فَلَامَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ: لِيُنْشِدْنِي كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَرَقَّ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ وَلَا يُفْحِشُ، هَاتِ يَا وَلِيدُ: فَقَالَ الْوَلِيدُ: مَا مَرْكَبٌ وَرُكُوبُ الْخَيْلِ يُعْجِبُنِي كَمَرْكَبٍ بَيْنَ دُمْلُوجٍ وَخَلْخَالِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَهَلْ يَكُونُ مِنَ الشِّعْرِ أَرَفْثُ مِنْ هَذَا؟ هَاتِ يَا سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: حَبَّذَا رَجْعُهَا يَدَيْهَا إِلَيْهَا     فِي يَدِى دِرْعُهَا تَحُلُّ الْإِزَارَا فَقَالَ: لَمْ تُصِبْ، هَاتِ يَا مَسْلَمَةُ، فَأَنْشَدَهُ قَوْلَ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَمَا ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلَّا لِتَضْرِبِي     بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ فَقَالَ: كَذَبَ امْرُؤُ الْقَيْسِ وَلَمْ يُصِبْ، إِذَا ذَرَفَتْ عَيْنَاهَا بِالْوَجْدِ فَمَا بَقِيَ إِلَّا اللِّقَاءُ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْعَاشِقِ أَنْ يَقْتَضِيَ مِنْهَا الْجَفَاءَ وَيَكْسُوَهَا الْمَوَدَّةَ. ثُمَّ قَالَ: أَنَا مُؤَجِّلُكُمْ فِي هَذَا الْبَيْتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَمَنْ أَتَانِي بِهِ فَلَهُ حُكْمُهُ أَيْ مَهْمَا طَلَبَ أَعْطَيْتُهُ فَنَهَضُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَبَيْنَمَا سُلَيْمَانُ فِي مَوْكِبٍ إِذَا هُوَ بِأَعْرَابِيٍّ يَسُوقُ إِبِلَهُ وَهُوَ يَقُولُ: لَوْ حَزَّ بِالسَّيْفِ رَأْسِي فِي مَوَدَّتِهَا     لَمَالَ يَهْوِي سَرِيعًا نَحْوَهَا رَأْسِي فَأَمَرَ سُلَيْمَانُ بِالْأَعْرَابِيِّ فَاعْتُقِلَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى أَبِيهِ فَقَالَ: قَدْ جِئْتُكَ بِمَا سَأَلْتَ. فَقَالَ: هَاتِ. فَأَنْشَدَهُ الْبَيْتَ، فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، وَأَنَّى لَكَ هَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: سَلْ حَاجَتَكَ وَلَا تَنْسَ صَاحِبَكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ قَدْ عَهِدْتَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِكَ لِلْوَلِيدِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَبَعَثَهُ عَلَى الْحَجِّ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَعْطَاهَا سُلَيْمَانُ لِذَلِكَ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ الْبَيْتَ مِنَ الشِّعْرِ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ، وَصَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى أَخِيهِ الْوَلِيدِ، كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالْوَزِيرِ وَالْمُشِيرِ، وَكَانَ هُوَ الْمُسْتَحِثَّ عَلَى عِمَارَةِ جَامِعِ دِمَشْقَ مبايعة سليمان بن عبد الملك فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخُوهُ الْوَلِيدُ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ بِالرَّمْلَةِ، فَلَمَّا أَقْبَلَ تَلَقَّاهُ الْأُمَرَاءُ وَوُجُوهُ النَّاسِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ سَارُوا إِلَيْهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَبَايَعُوهُ هُنَاكَ. وَعَزَمَ عَلَى الْإِقَامَةِ بِالْقُدْسِ، وَأَتَتْهُ الْوُفُودُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَلَمْ يَرَوْا وِفَادَةً، فَكَانَ يَجْلِسُ فِي قُبَّةٍ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ مِمَّا يَلِي الصَّخْرَةَ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ، وَتَجْلِسُ أَكَابِرُ النَّاسِ عَلَى الْكَرَاسِيِّ وَتُقَسَّمُ فِيهِمُ الْأَمْوَالُ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى الْمَجِيءِ إِلَى دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا وَكَمَّلَ عِمَارَةَ الْجَامِعِ. من أعمال سليمان بن عبد الملك وَفِي أَيَّامِهِ جُدِّدَتِ الْمَقْصُورَةُ، وَاتَّخَذَ ابْنَ عَمِّهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُسْتَشَارًا وَوَزِيرًا، وَقَالَ لَهُ: إِنَّا قَدْ وُلِّينَا مَا تَرَى، وَلَيْسَ لَنَا عِلْمٌ بِتَدْبِيرِهِ، فَمَا رَأَيْتَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَمُرْ بِهِ فَلْيُكْتَبْ. وَكَانَ مِنْ ذَلِكَ عَزْلُ نُوَّابِ الْحَجَّاجِ، وَإِخْرَاجُ أَهْلِ السُّجُونِ مِنْهَا، وَإِطْلَاقُ الْأُسَرَاءِ وَبَذْلُ الْأَعْطِيَةِ بِالْعِرَاقِ وَرَدُّ الصَّلَاةِ إِلَى مِيقَاتِهَا الْأَوَّلِ، بَعْدَ مَا كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ يُؤَخِّرُونَهَا إِلَى آخَرِ وَقْتِهَا، مَعَ أُمُورٍ حَسَنَةٍ كَانَ يَسْمَعُهَا مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَأَمَرَ بِغَزْوِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ فِي الْبَرِّ نَحْوًا مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَبَعَثَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ أَلْفَ مَرْكَبٍ فِي الْبَحْرِ، عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ كُلِّهِمْ أَخُوهُ مَسْلَمَةُ وَمَعَهُ ابْنُهُ دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ عَنْ مَشُورَةِ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَدِمَ فِي أَيَّامِ أَخِيهِ الْوَلِيدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَوْنٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: أَوَّلُ كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حِينَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَنْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَا شَاءَ صَنَعَ، وَمَا شَاءَ رَفَعَ، وَمَا شَاءَ وَضَعَ، وَمَنْ شَاءَ أَعْطَى، وَمَنْ شَاءَ مَنَعَ، إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ غُرُورٍ، وَمَنْزِلُ بَاطِلٍ، وَزِينَةُ تَقَلُّبٍ، تُضْحِكُ بَاكِيًا، وَتُبْكِي ضَاحِكًا، وَتُخِيفُ آمِنًا، وَتُؤَمِّنُ خَائِفًا، تُفْقِرُ مُثْرِيهَا، وَتُثْرِي فَقِيرَهَا، مَيَّالَةٌ لَاعِبَةٌ بِأَهْلِهَا، يَا عِبَادَ اللَّهِ، اتَّخِذُوا كِتَابَ اللَّهِ إِمَامًا وَارْضَوْا بِهِ حَكَمًا وَاجْعَلُوهُ لَكُمْ قَائِدًا فَإِنَّهُ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ وَلَنْ يَنْسَخْهُ كِتَابٌ بَعْدَهُ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَجْلُو كَيْدَ الشَّيْطَانِ وَضَغَائِنَهُ كَمَا يَجْلُو ضَوْءُ الصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ إِدْبَارَ اللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ. وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَخْطُبُنَا كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يَدَعُ أَنْ يَقُولَ فِي خُطْبَتِهِ: وَإِنَّمَا أَهْلُ الدُّنْيَا عَلَى رَحِيلٍ، لَمْ تَمْضِ بِهِمْ نِيَّةٌ، وَلَمْ تَطْمَئِنَّ لَهُمْ دَارٌ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ وَعْدِ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَذَلِكَ لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا، وَلَا تُؤْمَنُ فَجَائِعُهَا، وَلَا يُتَّقَى مِنْ شَرِّ أَهْلِهَا ثُمَّ يَتْلُو: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 205 207 ]. وَرَوَى الْأَصْمَعِيُّ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِهِ: آمَنْتُ بِاللَّهِ مُخْلِصًا. وَقَالَ أَبُو مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ سَلَمَةَ بْنِ الْعَيَّارِ الْفَزَارِيِّ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: يَرْحَمُ اللَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، افْتَتَحَ خِلَافَتَهُ بِخَيْرٍ، وَخَتَمَهَا بِخَيْرٍ; افْتَتَحَهَا بِإِحْيَائِهِ الصَّلَاةَ لِمَوَاقِيتِهَا، وَخَتَمَهَا بِاسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ أَنَّهُ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَهُوَ خَلِيفَةٌ. وقِيلَ: حَجَّ سُلَيْمَانُ وَحَجَّ الشُّعَرَاءُ، فَلَمَّا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَافِلًا تَلَقَّوْهُ بِنَحْوِ أَرْبَعِمِائَةِ أَسِيرٍ مِنَ الرُّومِ، فَقَعَدَ سُلَيْمَانُ وَأَقْرَبُهُمْ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَدَّمَ بِطْرِيقَهُمْ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اضْرِبْ عُنُقَهُ ! فَأَخَذَ سَيْفًا مِنْ حَرَسِيٍّ فَضَرَبَهُ، فَأَبَانَ الرَّأْسَ، وَأَطَنَّ السَّاعِدَ وَبَعْضَ الْغُلِّ، وَدَفَعَ الْبَقِيَّةَ إِلَى الْوُجُوهِ يَقْتُلُونَهُمْ، وَدَفَعَ إِلَى جَرِيرٍ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَعْطَاهُ بَنُو عَبْسٍ سَيْفًا جَيِّدًا، فَضَرَبَهُ فَأَبَانَ رَأْسَهُ، وَدَفَعَ إِلَى الْفَرَزْدَقِ أَسِيرًا فَأَعْطَوْهُ سَيْفًا رَدِيًّا لَا يَقْطَعُ، فَضَرَبَ بِهِ الْأَسِيرَ ضَرَبَاتٍ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَضَحِكَ سُلَيْمَانُ وَالْقَوْمُ، وَشَمِتَتْ بِهِ بَنُو عَبْسٍ أَخْوَالُ سُلَيْمَانَ، وَأَلْقَى السَّيْفَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: وَإِنْ يَكُ سَيْفٌ خَانَ أَوْ قَدَرٌ أَتَى     بِتَأْخِيرِ نَفْسٍ حَتْفُهَا غَيْرُ شَاهِدِ فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وَقَدْ ضَرَبُوا بِهِ     نَبَا بِيَدَيْ وَرْقَاءَ عَنْ رَأْسِ خَالِدِ كَذَاكَ سُيُوفُ الْهِنْدِ تَنْبُو ظُبَاتُهَا     وَتَقْطَعُ أَحْيَانًا مَنَاطَ الْقَلَائِدِ وَرْقَاءُ هُوَ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ الْعَبْسِيُّ، ضَرَبَ خَالِدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، وَخَالِدٌ قَدْ أَكَبَّ عَلَى [ أَبِيهِ ] زُهَيْرٍ وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَصَرَعَهُ، فَأَقْبَلَ وَرْقَاءُ فَضَرَبَ خَالِدًا ضَرَبَاتٍ، فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ: رَأَيْتُ زُهَيْرًا تَحْتَ كَلْكَلِ خَالِدٍ     فَأَقْبَلْتُ أَسْعَى كَالْعُجُولِ أُبَادِرُ فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ خَالِدًا     وَيَمْنَعُهُ مِنِّي الْحَدِيدُ الْمُظَاهَرُ قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَجَّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ بِالْمَوْسِمِ، قَالَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَلَا تَرَى هَذَا الْخَلْقَ الَّذِي لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يَسَعُ رِزْقَهُمْ غِيْرُهُ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَؤُلَاءِ رَعِيَّتُكَ الْيَوْمَ وَهُمْ غَدًا خُصَمَاؤُكَ. فَبَكَى سُلَيْمَانُ بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بسنده عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي سَفَرٍ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَصَابَتْهُمُ السَّمَاءُ بِرَعْدٍ وَبَرْقٍ وَظُلْمَةٍ وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ، حَتَّى فَزِعُوا لِذَلِكَ، وَجَعَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَضْحَكُ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: مَا أَضْحَكَكَ يَا عُمَرُ؟ أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذِهِ آثَارُ رَحْمَتِهِ فِيهِ شَدَائِدُ مَا تَرَى، فَكَيْفَ بِآثَارِ سَخَطِهِ وَغَضَبِهِ؟! وَمِنْ كَلَامِهِ الْحَسَنِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، قَوْلُهُ: الصَّمْتُ مَنَامُ الْعَقْلِ وَالنُّطْقُ يَقَظَتُهُ وَلَا يَتِمُّ هَذَا إِلَّا بِهَذَا. وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَأَعْجَبَهُ مَنْطِقُهُ، ثُمَّ فَتَّشَهُ فَلَمْ يَحْمَدْ عَقْلَهُ، فَقَالَ: فَضْلُ مَنْطِقِ الرَّجُلِ عَلَى عَقْلِهِ خُدْعَةٌ، وَفَضْلُ عَقْلِهِ عَلَى مَنْطِقِهِ هُجْنَةٌ، وَخَيْرُ ذَلِكَ مَا أَشْبَهَ بَعْضُهُ بَعْضًا. وَقَالَ: الْعَاقِلُ أَحْرَصُ عَلَى إِقَامَةِ لِسَانِهِ مِنْهُ عَلَى طَلَبِ مَعَاشِهِ. وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَسْكُتَ فَيُحْسِنَ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ سَكَتَ فَأَحْسَنَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ فَيُحْسِنَ. من شعر سليمان بن عبد الملك وَمِنْ شِعْرِهِ يَتَسَلَّى عَنْ صَدِيقٍ لَهُ مَاتَ: وَهَوَّنَ وَجْدِي فِي شَرَاحِيلَ أَنَّنِي     مَتَى شِئْتُ لَاقَيْتُ امْرَءًا مَاتَ صَاحِبُهْ وَمِنْ شِعْرِهِ أَيْضًا: وَمِنْ شِيمَتِي أَنْ لَا أُفَارِقَ صَاحِبِي     وَإِنْ مَلَّنِي إِلَّا سَأَلْتُ لَهُ رُشْدَا وَإِنْ دَامَ لِي بِالْوُدِّ دُمْتُ وَلَمْ أَكُنْ     كَآخَرِ لَا يَرْعَى ذِمَامًا وَلَا عَهْدَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَدَعَاهُ إِلَى أَكْلِ الْفَالُوذَجِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَكْلَهَا يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ. فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ رَأْسُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ رَأْسِ الْبَغْلِ. وَذَكَرُوا أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ نَهِمًا فِي الْأَكْلِ، وَقَدْ نَقَلُوا عَنْهُ أَشْيَاءَ فِي ذَلِكَ غَرِيبَةً; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ اصْطَبَحَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ بِأَرْبَعِينَ دَجَاجَةً مَشْوِيَّةً، وَأَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ كُلْوَةً بِشَحْمِهَا، وَثَمَانِينَ جَرْدَقَةً، ثُمَّ أَكَلَ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْعَادَةِ فِي السِّمَاطِ الْعَامِّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَرَضَتْ لَهُ حُمَّى أَدَّتْهُ إِلَى الْمَوْتِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ سَبَبَ مَرَضِهِ كَانَ مِنْ أَكْلِ أَرْبَعِمِائَةِ بَيْضَةٍ، وَسَلَّتَيْنِ مِنْ تِينٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ الْفَضْلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ لَبِسَ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ حُلَّةً صَفْرَاءَ، ثُمَّ نَزَعَهَا وَلَبِسَ بَدَلَهَا حُلَّةً خَضْرَاءَ، وَاعْتَمَّ بِعِمَامَةٍ خَضْرَاءَ، وَجَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ أَخْضَرَ، وَقَدْ بُسِطَ مَا حَوْلَهُ بِالْخُضْرَةِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ فَأَعْجَبَهُ حُسْنُهُ، وَشَمَّرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَقَالَ: أَنَا الْخَلِيفَةُ الشَّابُّ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ فِيهَا وَيَقُولُ: كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا ﷺ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ صِدِّيقًا، وَكَانَ عُمَرُ فَارُوقًا، وَكَانَ عُثْمَانُ حَيِيًّا، وَكَانَ عَلِيٌّ شُجَاعًا، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ حَلِيمًا، وَكَانَ يَزِيدُ صَبُورًا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ سَائِسًا، وَكَانَ الْوَلِيدُ جَبَّارًا، وَأَنَا الْمَلِكُ الشَّابُّ. قَالُوا: فَمَا دَارَ عَلَيْهِ شَهْرٌ وَفِي رِوَايَةٍ: جُمُعَةٌ حَتَّى مَاتَ. قَالُوا: وَلَمَّا حُمَّ شَرَعَ يَتَوَضَّأُ، فَدَعَا بِجَارِيَةٍ، فَصَبَّتْ عَلَيْهِ مَاءَ الْوُضُوءِ، ثُمَّ أَنْشَدَتْهُ: أَنْتَ نِعْمَ الْمَتَاعُ لَوْ كُنْتَ تَبْقَى     غَيْرَ أَنْ لَا بَقَاءَ لِلْإِنْسَانِ لَيْسَ فِيمَا عَلِمْتُهُ فِيكَ عَيْبٌ     كَانَ فِي النَّاسِ غَيْرَ أَنَّكَ فَانِ قَالُوا: فَصَاحَ بِهَا وَقَالَ: عَزَّتْنِي فِي نَفْسِي. وَصَرَفَهَا ثُمَّ أَمَرَ خَالَهُ الْوَلِيدَ بْنَ الْقَعْقَاعِ الْعَنْسِيَّ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَرِّبْ وُضُوءَكَ يَا وَلِيدُ فَإِنَّمَا     هَذِي الْحَيَاةُ تَعِلَّةٌ وَمَتَاعُ فَقَالَ الْوَلِيدُ: فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ فِي حَيَاتِكَ صَالِحًا     فَالدَّهْرُ فِيهِ فُرْقَةٌ وَجِمَاعُ وَيُرْوَى أَنَّ الْجَارِيَةَ لَمَّا جَاءَتْهُ بِالطَّسْتِ، جَعَلَتْ تَضْطَرِبُ مِنَ الْحُمَّى فَقَالَ: أَيْنَ فُلَانَةُ؟ فَقَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. قَالَ: فَفُلَانَةُ؟ قَالَتْ: مَحْمُومَةٌ. وَكَانَ بِمَرْجِ دَابِقٍ مِنْ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ فَأَمَرَ خَالَهُ فَوَضَّأَهُ، ثُمَّ خَرَجَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَأَخَذَتْهُ بُحَّةٌ فِي الْخُطْبَةِ، ثُمَّ نَزَلَ وَقَدْ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى، فَاسْتَمَرَّ فِيهَا حَتَّى مَاتَ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَصَابَهُ ذَاتُ الْجَنْبِ، فَمَاتَ بِهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَكَانَ قَدْ أَقْسَمَ أَنَّهُ لَا يَبْرَحُ دَابِقًا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ الْخَبَرُ بِفَتْحِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَوْ يَمُوتَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. قَالُوا: وَجَعَلَ يَلْهَجُ فِي مَرَضِهِ وَيَقُولُ: إِنْ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صِغَارُ     أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ كِبَارُ فَيَقُولُ لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّ بَنِيَّ صِبْيَةٌ صَيْفِيُّونَ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ لَهُ شِتْوِيُّونَ وَيُرْوَى أَنَّ هَذَا آخِرُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: أَسْأَلُكَ مُنْقَلَبًا كَرِيمًا. ثُمَّ قَضَى. الوصية بالولاية لعمر بن عبد العزيز وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ وَكَانَ وَزِيرَ صِدْقٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ قَالَ: اسْتَشَارَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ مَرِيضٌ أَنْ يُوَلِّيَ ابْنًا لَهُ صَغِيرًا لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، فَقُلْتُ: إِنَّ مِمَّا يَحْفَظُ الْخَلِيفَةَ فِي قَبْرِهِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِ الرَّجُلَ الصَّالِحَ، ثُمَّ شَاوَرَنِي فِي وِلَايَةِ ابْنِهِ دَاوُدَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ غَائِبٌ عَنْكَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَلَا تَدْرِي أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ؟ فَقَالَ: فَمَنْ تَرَى؟ فَقُلْتُ: رَأْيَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَقُلْتُ: أَعْلَمُهُ وَاللَّهِ خَيِّرًا فَاضِلًا مُسْلِمًا. فَقَالَ: هُوَ وَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنْ أَتَخَوَّفُ إِخْوَتِي لَا يَرْضُونَ بِذَلِكَ. فَأَشَارَ رَجَاءٌ أَنْ يَجْعَلَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِيُرْضِيَ بِذَلِكَ بَنِي مَرْوَانَ، فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي، وَمِنْ بَعْدِهِ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُطْمَعَ فِيكُمْ. وَخَتَمَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ حَامِدٍ الْعَبْسِيِّ صَاحِبِ الشُّرَطَةِ، فَقَالَ لَهُ: اجْمَعْ أَهْلَ بَيْتِي، فَمُرْهُمْ فَلْيُبَايِعُوا عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ مَخْتُومًا، فَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ، فَاجْتَمَعُوا وَدَخَلَ رِجَالٌ مِنْهُمْ فَسَلَّمُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا الْكِتَابُ عَهْدِي إِلَيْكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا وَبَايِعُوا مَنْ وَلَّيْتُ فِيهِ. فَبَايَعُوا رَجُلًا رَجُلًا. قَالَ رَجَاءٌ: فَلَمَّا تَفَرَّقُوا جَاءَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحُرْمَتِي وَمَوَدَّتِي إِلَّا أَعْلَمْتَنِي إِنْ كَانَ كَتَبَ لِي ذَلِكَ حَتَّى أَسْتَعْفِيَهُ الْآنَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ حَالٌ لَا أَقْدِرُ فِيهَا عَلَى مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ السَّاعَةَ! فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكَ حَرْفًا وَاحِدًا. قَالَ: وَلَقِيَنِي هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: يَا رَجَاءُ، إِنَّ لِي بِكَ حُرْمَةً وَمَوَدَّةً قَدِيمَةً، فَأَخْبِرْنِي هَذَا الْأَمْرَ، فَإِنْ كَانَ إِلَيَّ عَلِمْتُ، وَإِنْ كَانَ إِلَى غَيْرِي تَكَلَّمْتُ، فَمَا مِثْلِي قُصِّرَ بِهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أُخْبِرُكَ حَرْفًا وَاحِدًا مِمَّا أَسَرَّ إِلَيَّ. قَالَ رَجَاءٌ: وَدَخَلْتُ عَلَى سُلَيْمَانَ، فَإِذَا هُوَ يَمُوتُ، فَجَعَلْتُ إِذَا أَخَذَتْهُ السَّكْرَةُ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ أَحُرِّفُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَفَاقَ يَقُولُ: لَمْ يَأْنِ لِذَلِكَ بَعْدُ يَا رَجَاءُ. فَفَعَلْتُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: مِنَ الْآنَ يَا رَجَاءُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ شَيْئًا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَحَرَّفْتُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ وَمَاتَ، فَغَطَّيْتُهُ بِقَطِيفَةٍ خَضْرَاءَ، وَأَغْلَقْتُ الْبَابَ عَلَيْهِ، وَأَرْسَلْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ حَامِدٍ، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي مَسْجِدِ دَابِقٍ فَقُلْتُ: بَايِعُوا لِمَنْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. فَقَالُوا: قَدْ بَايَعْنَا. فَقُلْتُ: بَايِعُوا ثَانِيَةً. فَفَعَلُوا، ثُمَّ قُلْتُ: قُومُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَقَدْ مَاتَ. وَقَرَأْتُ الْكِتَابَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إِلَى ذِكْرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، تَغَيَّرَتْ وُجُوهُ بَنِي مَرْوَانَ، فَلَمَّا قَرَأْتُ: وَإِنَّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ بَعْدِهِ، تَرَاجَعُوا بَعْضَ الشَّيْءِ، وَنَادَى هِشَامٌ: لَا نُبَايِعُهُ أَبَدًا. فَقُلْتُ: أَضْرِبُ وَاللَّهِ عُنُقَكَ، قُمْ فَبَايِعْ. وَنَهَضَ النَّاسُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَلَمْ تَحْمِلْهُ رِجْلَاهُ حَتَّى أَخَذُوا بِضَبْعَيْهِ، فَأَصْعَدُوهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَسَكَتَ حِينًا، فَقَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: أَلَا تَقُومُونَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتُبَايِعُوهُ! فَنَهَضَ الْقَوْمُ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ هِشَامٌ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ لِيُبَايِعَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَقَالَ عُمَرُ: نَعَمْ! إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، الَّذِي صِرْتُ أَنَا وَأَنْتَ نَتَنَازَعُ هَذَا الْأَمْرَ. ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةً بَلِيغَةً وَبَايَعُوهُ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، وَإِنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَمْصَارِ وَالْمُدُنِ إِنْ هُمْ أَطَاعُوا كَمَا أَطَعْتُمْ فَأَنَا وَالِيكُمْ، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَلَسْتُ لَكُمْ بِوَالٍ. تجهيز سليمان بن عبد الملك والصلاة عليه ودفنه ثُمَّ نَزَلَ فَشَرَعُوا فِي جِهَازِ سُلَيْمَانَ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فَلَمْ يَفْرَغُوا مِنْهُ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ، فَصَلَّى عُمَرُ بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ صَلَّى عَلَى سُلَيْمَانَ وَدُفِنَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ عُمَرُ أُتِيَ بِمَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ فَلَمْ يَرْكَبْهَا، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ، ثُمَّ سَارَ مَعَ النَّاسِ حَتَّى أَتَوْا دِمَشْقَ فَمَالُوا بِهِ نَحْوَ دَارِ الْخِلَافَةِ فَقَالَ: لَا أَنْزِلُ إِلَّا فِي مَنْزِلِي حَتَّى تَفْرُغَ دَارُ أَبِي أَيُّوبَ، فَاسْتُحْسِنَ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِالْكَاتِبِ، فَجَعَلَ يُمْلِي عَلَيْهِ نُسْخَةَ الْكِتَابِ الَّذِي يُبَايِعُ عَلَيْهِ الْأَمْصَارَ قَالَ رَجَاءٌ: فَمَا رَأَيْتُ أَفْصَحَ مِنْهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ وَفَاةُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِدَابِقٍ مِنْ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ  يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، عَلَى رَأْسِ سَنَتَيْنِ وَتِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ مُتَوَفَّى الْوَلِيدِ. وَكَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ فِي تَارِيخِ وَفَاتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ. وَقَالُوا: كَانَتْ وِلَايَتُهُ سَنَتَيْنِ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، زَادَ بَعْضُهُمْ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُ الْحَاكِمِ أَبِي أَحْمَدَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَخَمْسَةَ أَيَّامٍ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. فَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا وَقَدْ خَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فِي كُلِّ مَا قَالَهُ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ فَقِيلَ: بِثَلَاثٍ. وَقِيلَ: بِخَمْسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالُوا: وَكَانَ طَوِيلًا جَمِيلًا أَبْيَضَ نَحِيفًا، حَسَنَ الْوَجْهِ، مَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، وَكَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ، وَيَرْجِعُ إِلَى دِينٍ وَخَيْرٍ وَمَحَبَّةٍ لِلْحَقِّ وَأَهْلِهِ، وَاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَإِظْهَارِ الشَّرَائِعِ الْإِسْلَامِيَّةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ شَرَاحِيلَ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ قَيْسٍ الْعُقَيْلِيِّ مَا مَضْمُونُهُ، أَنَّ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا ضَيَّقَ بِمُحَاصَرَتِهِ عَلَى أَهْلِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَتَتَبَّعَ الْمَسَالِكَ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى أَكْثَرِ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْمَمَالِكِ، كَتَبَ إِلْيُونُ مَلِكُ الرُّومِ إِلَى مَلِكِ الْبُرْجَانِ يَسْتَنْصِرُهُ عَلَى مَسْلَمَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَيْسَ لَهُمْ هِمَّةٌ إِلَّا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى دِينِهِمْ، الْأَقْرَبُ مِنْهُمْ فَالْأَقْرَبُ، وَإِنَّهُمْ مَتَى فَرَغُوا مِنِّي خَلَصُوا إِلَيْكَ، فَمَهْمَا كُنْتَ صَانِعًا حِينَئِذٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ شَرَعَ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ، فَكَتَبَ إِلَى مَسْلَمَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ إِلْيُونَ كَتَبَ إِلَيَّ يَسْتَنْصِرُنِي عَلَيْكَ، وَأَنَا مَعَكَ فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَسْلَمَةُ: إِنِّي لَا أُرِيدُ مِنْكَ رِجَالًا وَلَا عُدَدًا وَلَكِنْ أَرْسِلْ إِلَيَّ بِالْمِيرَةِ، فَقَدْ قَلَّ مَا عِنْدَنَا مِنَ الْأَزْوَادِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ بِسُوقٍ عَظِيمَةٍ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَأَرْسِلْ مَنْ يَتَسَلَّمُهَا وَيَشْتَرِي مِنْهَا. فَأَذِنَ مَسْلَمَةُ لِمَنْ شَاءَ مِنَ الْجَيْشِ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ فَيَشْتَرِي لَهُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَذَهَبَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَوَجَدُوا هُنَالِكَ سُوقًا هَائِلَةً، فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْبَضَائِعِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْأَطْعِمَةِ، فَأَقْبَلُوا يَشْتَرُونَ، وَاشْتَغَلُوا بِذَلِكَ، وَلَا يَشْعُرُونَ بِمَا أَرْصَدَ لَهُمُ الْخَبِيثُ مِنَ الْكَمَائِنِ بَيْنَ تِلْكَ الْجِبَالِ الَّتِي هُنَالِكَ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ بَغْتَةً، فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَسَرُوا آخَرِينَ، وَمَا رَجَعَ إِلَى مَسْلَمَةَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. فَكَتَبَ مَسْلَمَةُ بِذَلِكَ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ يُخْبِرُهُ بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ جَيْشًا كَثِيفًا صُحْبَةَ شَرَاحِيلَ بْنِ عُبَيْدَةَ هَذَا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُرُوا خَلِيجَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَوَّلًا فَيُقَاتِلُوا مَلِكَ الْبُرْجَانِ، ثُمَّ يَعُودُوا إِلَى مَسْلَمَةَ فَذَهَبُوا إِلَى بِلَادِ الْبُرْجَانِ وَقَطَعُوا إِلَيْهِمْ تِلْكَ الْخُلْجَانِ فَاقْتَتَلُوا مَعَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَسَبَوْا وَأَسَرُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَخَلَّصُوا أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ تَحَيَّزُوا إِلَى مَسْلَمَةَ، فَكَانُوا عِنْدَهُ حَتَّى اسْتَقْدَمَ الْجَمِيعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز; خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنْ غَائِلَةِ الرُّومِ وَبِلَادِهِمْ، وَمِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ هُنَالِكَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ. أَثَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى.

  336. التاريخ 2427لا حكم مسجّل

    خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ   ؓ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ وَقِيلَ: بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ يَوْمَ مَاتَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَهْدٍ مِنْهُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مِنْ عُمَرَ كَمَا قَدَّمْنَا وَقَدْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ مَخَايِلُ الْوَرَعِ وَالدِّينِ وَالتَّقَشُّفِ وَالصِّيَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْ أَوَّلِ حَرَكَةٍ بَدَتْ مِنْهُ; حَيْثُ أَعْرَضَ عَنْ رُكُوبِ مَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ، وَهِيَ الْخُيُولُ الْحِسَانُ الْجِيَادُ الْمُعَدَّةُ لَهَا وَالِاجْتِزَاءُ بِمَرْكُوبِهِ الَّذِي كَانَ يَرْكَبُهُ، وَسُكْنَى مَنْزِلِهِ رَغْبَةً عَنْ مَنْزِلِ الْخِلَافَةِ. ثُمَّ أَنْشَدَ يَقُولُ: وَلَوْلَا التُّقَى ثُمَّ النُّهَى خَشْيَةَ الرَّدَى لَعَاصَيْتُ فِي حُبِّ الْهَوَى كُلَّ زَاجِرِ     قَضَى مَا قَضَى فِيمَا مَضَى ثُمَّ لَا تُرَى لَهُ صَبْوَةٌ أُخْرَى اللَّيَالِي الْغَوَابِرِ ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ رَأْيٍ كَانَ مِنِّي فِيهِ، وَلَا مَشُورَةٍ. وَإِنِّي قَدْ خَلَعْتُ مَا فِي أَعْنَاقِكُمْ مِنْ بَيْعَتِي فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَصَاحَ النَّاسُ صَيْحَةً وَاحِدَةً: قَدِ اخْتَرْنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَضِينَا بِكَ فَلِي أَمْرَنَا بِالْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ. فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَلَفٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَيْسَ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ خَلَفٌ، فَاعْمَلُوا لِآخِرَتِكُمْ، فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَأَصْلِحُوا سَرَائِرَكُمْ يُصْلِحُ الْكَرِيمُ عَلَانِيَتَكُمْ، وَأَكْثِرُوا ذِكْرَ الْمَوْتِ وَأَحْسِنُوا الِاسْتِعْدَادَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ، وَإِنَّ امْرَأً لَا يَذْكُرُ مِنْ آبَائِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ أَبًا حَيًّا لَمُعْرَقٌ لَهُ فِي الْمَوْتِ. ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ فَأَمَرَ بِالسُّتُورِ فَهُتِكَتْ، وَالثِّيَابِ الَّتِي كَانَتْ تُبْسَطُ لِلْخُلَفَاءِ فَحُمِلَتْ وَأَمَرَ بِبَيْعِهَا وَإِدْخَالِ ثَمَنِهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ. وعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: لَمَّا بَلَغَ الْخَوَارِجَ سِيرَةُ عُمَرَ وَمَا رَدَّ مِنَ الْمَظَالِمِ قَالُوا: مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُقَاتِلَ هَذَا الرَّجُلَ. وَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَزْرَيْتَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَعِبْتَ عَلَيْهِمْ وَسِرْتَ بِغَيْرِ سِيرَتِهِمْ بُغْضًا لَهُمْ وَسَبًّا لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَوْلَادِهِمْ، قَطَعْتَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إِذْ عَمَدْتَ إِلَى أَمْوَالِ قُرَيْشٍ وَمَوَارِيثِهِمْ، فَأَدْخَلْتَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ جَوْرًا وَعُدْوَانًا، وَلَنْ تُتْرَكَ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا قَرَأَ كِتَابَهُ كَتَبَ إِلَيْهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْوَلِيدِ، السَّلَامُ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّنِي بَلَغَنِي كِتَابُكَ وَسَأُجِيبُكَ بِنَحْوٍ مِنْهُ: أَمَّا أَوَّلُ شَأْنِكَ ابْنَ الْوَلِيدِ كَمَا زُعِمَ فَأُمُّكَ بُنَانَةُ أَمَةُ السُّكُونِ، كَانَتْ تَطُوفُ فِي سُوقِ حِمْصَ وَتَدْخُلُ فِي حَوَانِيتِهَا، ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا اشْتَرَاهَا ذُبْيَانُ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَهْدَاهَا لِأَبِيكَ، فَحَمَلَتْ بِكَ، فَبِئْسَ الْمَحْمُولُ وَبِئْسَ الْمَوْلُودُ. ثُمَّ نَشَأْتَ فَكُنْتَ جَبَّارًا عَنِيدًا، أَتَزْعُمُ أَنِّي مِنَ الظَّالِمِينَ لَمَّا حَرَمْتُكَ وَأَهْلَ بَيْتِكَ فَيْءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي فِيهِ حَقُّ الْقَرَابَةِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ، وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مَنِ اسْتَعْمَلَكَ صَبِيًّا سَفِيهًا عَلَى جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ تَحْكُمُ فِيهِمْ بِرَأْيِكَ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ نِيَّةٌ إِلَّا حُبَّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، فَوَيْلٌ لَكَ وَوَيْلٌ لِأَبِيكَ، مَا أَكْثَرَ خُصَمَاءَكُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَيْفَ يَنْجُو أَبُوكَ مِنْ خُصَمَائِهِ. وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مَنِ اسْتَعْمَلَ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَسْفِكُ الدَّمَ الْحَرَامَ، وَيَأْخُذُ الْمَالَ الْحَرَامَ. وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مَنِ اسْتَعْمَلَ قُرَّةَ بْنَ شَرِيكٍ أَعْرَابِيًّا جَافِيًا عَلَى مِصْرَ أَذِنَ لَهُ فِي الْمَعَازِفِ وَاللَّهْوِ وَالشُّرْبِ. وَإِنَّ أَظْلَمَ مِنِّي وَأَتْرَكَ لِعَهْدِ اللَّهِ مَنْ جَعَلَ لِعَالِيَةِ الْبَرْبَرِيَّةِ سَهْمًا فِي خُمْسِ فَيْءِ الْعَرَبِ فَرُوَيْدًا يَا ابْنَ بُنَانَةَ، فَلَوِ الْتَفَّتْ حَلَقَتَا الْبِطَانِ وَرُدَّ الْفَيْءُ إِلَى أَهْلِهِ لَتَفَرَّغْتُ لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ فَوَضَعْتُهُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ، فَطَالَمَا تَرَكْتُمُ الْحَقَّ وَأَخَذْتُمْ فِي بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ، وَمِنْ وَرَاءِ هَذَا مَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ رَأَيْتُهُ بَيْعَ رَقَبَتِكَ وَقَسْمَ ثَمَنِكَ بَيْنَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْأَرَامِلِ فَإِنَّ لِكُلٍّ فِيكَ حَقًّا، وَالسَّلَامُ عَلَيْنَا وَلَا يَنَالُ سَلَامُ اللَّهِ الظَّالِمِينَ. بَلَدٍ. وَبَلَغَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ غَائِبًا، عَنْ مَوْتِ سُلَيْمَانَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِبَيْعَةِ عُمَرَ، فَعَقَدَ لِوَاءً وَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، فَبَلَغَهُ بَيْعَةُ عُمَرَ بِعَهْدِ سُلَيْمَانَ، وَأَقْبَلَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ بَايَعْتَ مَنْ قِبَلَكَ وَأَرَدْتَ دُخُولَ دِمَشْقَ ! فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ عَهِدَ لِأَحَدٍ، فَخِفْتُ عَلَى الْأَمْوَالِ أَنْ تُنْهَبَ. فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ بَايَعْتَ وَقُمْتَ بِالْأَمْرِ لَمْ أُنَازِعْكَ فِيهِ وَلَقَعَدْتُ فِي بَيْتِي. فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: مَا أُحِبُّ أَنَّهُ وَلِيَ هَذَا الْأَمْرَ غَيْرُكَ، وَبَايَعَهُ، وَكَانَ يُرْجَى لِسُلَيْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَتَرْكِ وَلَدِهِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّتِ الْبَيْعَةُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنْ أَرَدْتِ صُحْبَتِي فَرُدِّي مَا مَعَكِ مِنْ مَالٍ وَحُلِيٍّ وَجَوْهَرٍ إِلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لَهُمْ، فَإِنِّي لَا أَجْتَمِعُ أَنَا وَأَنْتِ وَهُوَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ. فَرَدَّتْهُ جَمِيعَهُ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ وَوَلِيَ أَخُوهَا يَزِيدُ رَدَّهُ عَلَيْهَا، وَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ ظَلَمَكِ. قَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ. وَامْتَنَعَتْ مِنْ أَخْذِهِ، وَقَالَتْ: مَا كُنْتُ أُطِيعُهُ حَيًّا وَأَعْصِيهِ مَيِّتًا. فَأَخَذَهُ يَزِيدُ وَفَرَّقَهُ عَلَى أَهْلِهِ. وَكَانَ مِمَّا بَادَرَ إِلَيْهِ عُمَرُ عقب توليه الخلافة أَنْ بَعَثَ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ بِأَرْضِ الرُّومِ مُحَاصِرُو الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَالُ وَضَاقَ عَلَيْهِمُ الْمَجَالُ; لِأَنَّهُمْ عَسْكَرٌ كَثِيرٌ فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الشَّامِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِطَعَامٍ كَثِيرٍ وَخُيُولٍ كَثِيرَةٍ عِتَاقٍ يُقَالُ: خَمْسُمِائَةِ فَرَسٍ. فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ.

  337. التاريخ 2428لا حكم مسجّل

    تَرْكِ سَبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ   كَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يَسُبُّونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخِلَافَةَ، فَتَرَكَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى الْعُمَّالِ فِي الْآفَاقِ بِتَرْكِهِ. وَكَانَ سَبَبُ مَحَبَّتِهِ عَلِيًّا أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ بِالْمَدِينَةِ أَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ وَكُنْتُ أَلْزَمُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَبَلَغَهُ عَنِّي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا وَهُوَ يُصَلِّي، فَأَطَالَ الصَّلَاةَ، فَقَعَدْتُ أَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ لِي: مَتَى عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ غَضِبَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ وَبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بَعْدَ أَنْ رَضِيَ عَنْهُمْ ؟ قُلْتُ: لَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ. قَالَ: فَمَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ فِي عَلِيٍّ ؟ فَقُلْتُ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكَ ! وَتَرَكْتُ مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبِي إِذَا خَطَبَ فَنَالَ مِنْ عَلِيٍّ، ؓ، تَلَجْلَجَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ، إِنَّكَ تَمْضِي فِي خُطْبَتِكَ فَإِذَا أَتَيْتَ عَلَى ذِكْرِ عَلِيٍّ عَرَفْتُ مِنْكَ تَقْصِيرًا ؟ قَالَ: أَوَفَطِنْتَ لِذَلِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَنَا لَوْ يَعْلَمُونَ مِنْ عَلِيٍّ مَا نَعْلَمُ تَفَرَّقُوا عَنَّا إِلَى أَوْلَادِهِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا مَا يَرْتَكِبُ هَذَا الْأَمْرَ الْعَظِيمَ لِأَجْلِهَا، فَتَرَكَ ذَلِكَ، وَكَتَبَ بِتَرْكِهِ، وَقَرَأَ عِوَضَهُ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى الْآيَةَ، فَحَلَّ هَذَا الْفِعْلُ عِنْدَ النَّاسِ مَحَلًّا حَسَنًا، وَأَكْثَرُوا مَدْحَهُ بِسَبَبِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: وَلِيتَ وَلَمْ تَشْتُمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ بَرِيًّا وَلَمْ تَتْبَعْ مَقَالَةَ مُجْرِمِ     تَكَلَّمْتَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ وَإِنَّمَا تُبَيَّنُ آيَاتُ الْهُدَى بِالتَّكَلُّمِ     وَصَدَّقْتَ مَعْرُوفَ الَّذِي قُلْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ فَأَضْحَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمِ     أَلَا إِنَّمَا يَكْفِي الْفَتَى بَعْدَ زَيْغِهِ مِنَ الْأَوَدِ الْبَادِي ثِقَافُ الْمُقَوِّمِ فَقَالَ عُمَرُ حِينَ أَنْشَدَهُ هَذَا الشِّعْرَ: أَفْلَحْنَا إِذًا.

  338. التاريخ 2429لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة تسع وتسعين أَغَارَتِ التُّرْكُ عَلَى أَذْرَبِيجَانَ فَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَاتِمَ بْنَ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيَّ، فَقَتَلَ أُولَئِكَ الْأَتْرَاكَ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَبَعَثَ مِنْهُمْ أُسَارَى إِلَى عُمَرَ وَهُوَ بِخُنَاصِرَةَ. وَقَدْ كَانَ الْمُؤَذِّنُونَ يُذَكِّرُونَهُ بَعْدَ أَذَانِهِمْ بِاقْتِرَابِ الْوَقْتِ وَضِيقِهِ لِئَلَّا يُؤَخِّرَهَا كَمَا كَانَ يُؤَخِّرُهَا مَنْ كَانَ قَبْلَهُ لِكَثْرَةِ الْأَشْغَالِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ الرَّحْبِيِّ الْحِمْصِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ مُؤَذِّنِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، الصَّلَاةُ قَدْ قَارَبَتْ.

  339. التاريخ 2430لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة تسع وتسعين عَزَلَ عُمَرُ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ عَنْ إِمْرَةِ الْعِرَاقِ، وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ الْفَزَارِيَّ عَلَى إِمْرَةِ الْبَصْرَةِ، فَاسْتَقْضَى عَلَيْهَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، فَاسْتَعْفَاهُ فَأَعْفَاهُ، وَاسْتَقْضَى مَكَانَهُ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الذَّكِيَّ الْمَشْهُورَ، وَبَعَثَ عَلَى إِمْرَةِ الْكُوفَةِ وَأَرْضِهَا عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ أَبَا الزِّنَادِ كَاتِبًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْضَى عَلَيْهَا عَامِرًا الشَّعْبِيَّ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَلَمْ يَزَلْ قَاضِيًا عَلَيْهَا مُدَّةَ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَعَلَ عَلَى إِمْرَةِ خُرَاسَانَ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ، وَكَانَ نَائِبَ مَكَّةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَعَلَى إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَهُوَ الَّذِي حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَعَزَلَ عَنْ إِمْرَةِ مِصْرَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ رِفَاعَةَ وَوَلَّى عَلَيْهَا أَيُّوبَ بْنَ شُرَحْبِيلَ وَجَعَلَ الْفُتْيَا إِلَى جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يُفْتُونَ النَّاسَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّ، وَكَانَ حَسَنَ السِّيرَةِ وَأَسْلَمَ فِي وِلَايَتِهِ عَلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  340. التاريخ 2431لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ   عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزِ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَيْرِيزِ بْنِ جُنَادَةَ بْنِ وَهْبٍ الْقُرَشِيُّ الْجُمَحِيُّ الْمَكِّيُّ، نَزِيلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ زَوْجِ أُمِّهِ أَبِي مَحْذُورَةَ الْمُؤَذِّنِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ وَمَكْحُولٌ وَحَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ وَالزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ. وَقَدْ وَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ حَتَّى قَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: إِنْ يَفْخَرَ عَلَيْنَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِعَابِدِهِمْ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّا نَفْخَرُ عَلَيْهِمْ بِعَابِدِنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَيْرِيزٍ. وَقَالَ بَعْضُ وَلَدِهِ: كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ جُمُعَةٍ، وَكَانَ يُفْرَشُ لَهُ الْفِرَاشُ فَلَا يَنَامُ عَلَيْهِ. قَالُوا: وَكَانَ صَمُوتًا مُعْتَزِلًا لِلْفِتَنِ. وَكَانَ لَا يَتْرُكُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا يَذْكُرُ شَيْئًا مِنْ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ. وَرَأَى عَلَى بَعْضِ الْأُمَرَاءِ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنَّمَا أَلْبَسُهَا مِنْ أَجْلِ هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُحَيْرِيزٍ: لَا تَعْدِلْ بِخَوْفِكَ مِنَ اللَّهِ خَوْفَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَنْ كَانَ مُقْتَدِيًا فَلْيَقْتَدِ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِلُّ أُمَّةً فِيهَا مِثْلُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تُوُفِّيَ أَيَّامَ الْوَلِيدِ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: تُوُفِّيَ أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ فِي " الْأَعْلَامِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدِ بْنِ عُقْبَةَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدِ بْنِ عُقْبَةَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ الْمَدَنِيُّ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ، لَكِنْ حُكْمُهَا الْإِرْسَالُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَسَنُّ مِنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ قِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَقِيلَ: سَبْعٍ وَتِسْعِينَ. وَذَكَرَ الذَّهَبِيُّ فِي " الْأَعْلَامِ " أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذَا الْعَامِ، أَعْنِي سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْيَقِينِ. نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ابْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، الْقُرَشِيُّ النَّوْفَلِيُّ الْمَدَنِيُّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَالْعَبَّاسِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ، وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ ثِقَةً عَابِدًا يَحُجُّ مَاشِيًا، وَمَرْكُوبُهُ يُقَادُ مَعَهُ، قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ بِالْمَدِينَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كُرَيْبُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كُرَيْبُ بْنُ مُسْلِمٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ عِنْدَهُ حِمْلُ كُتُبٍ، وَكَانَ مِنَ الثِّقَاتِ الْمَشْهُورِينَ بِالْخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ كَانَ مِنْ عُلَمَاءِ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافِهَا، وَلَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرةٌ، تُوَفِّيَ فِي الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ. مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ لَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ يَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ، وَعُمْرُهُ أَرْبَعُ سِنِينَ، تُوُفِّيَ وَعُمْرُهُ ثَلَاثٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً بِالْمَدِينَةِ. مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ، الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ، لَهُ رِوَايَاتٌ، كَانَ لَا يُفَضَّلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ عَابِدًا وَرِعًا زَاهِدًا كَثِيرَ الْخُشُوعِ وَقِيلَ: إِنَّهُ وَقَعَ فِي دَارِهِ حَرِيقٌ فَأَطْفَئُوهُ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ، وَلَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قُلْتُ: وَانْهَدَمَتْ مَرَّةً نَاحِيَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ فَفَزِعَ أَهْلُ السُّوقِ لِهَدَّتِهَا، وَإِنَّهُ لَفِي الْمَسْجِدِ فِي صَلَاتِهِ فَمَا الْتَفَتَ. وَقَالَ ابْنُهُ: رَأَيْتُهُ سَاجِدًا، وَهُوَ يَقُولُ: مَتَى أَلْقَاكَ وَأَنْتَ عَنِّي رَاضٍ؟ ثُمَّ يَذْهَبُ فِي الدُّعَاءِ ثُمَّ يَقُولُ: مَتَى أَلْقَاكَ وَأَنْتَ عَنِّي رَاضٍ؟ وَكَانَ إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ كَأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ. حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الصَّنْعَانِيُّ كَانَ وَالِيَ إِفْرِيقِيَّةَ وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ وَبِإِفْرِيقِيَّةَ تُوَفِّيَ غَازِيًا، وَلَهُ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنُ الضَّحَّاكِ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنُ الضَّحَّاكِ، الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ الْفَقِيهُ، كَانَ يُفْتِي بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ مِنْ فُقَهَائِهَا الْمَعْدُودِينَ، كَانَ عَالِمًا بِالْفَرَائِضِ وَتَقْسِيمِ الْمَوَارِيثِ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ مَدَارُ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمْ. وَأَبُو ظَبْيَانَ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ جُنْدُبٍ الْجَنْبِيُّ وَالِدُ قَابُوسٍ، ( ظَبْيَانَ بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ). أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو هَاشِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ سُمٍّ سُقِيَهُ عِنْدَ عَوْدِهِ مِنَ الشَّامِ، وَضَعَ عَلَيْهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَنْ سَقَاهُ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِذَلِكَ عَادَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ بِالْحُمَيْمَةِ، فَعَرَّفَهُ حَالَهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ الْخِلَافَةَ صَائِرَةٌ إِلَى وَلَدِهِ، وَأَعْلَمَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ عِنْدَهُ. وَفِي أَيَّامِ سُلَيْمَانَ تُوُفِّيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحٍ الْمُغَنِّي الْمَشْهُورُ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَبُو الْخَطَّابِ.إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ  : كَانَ شَرِيفًا كَرِيمًا، وَيُسَمَّى أَسَدَ قُرَيْشٍ وَأَسَدَ الْحِجَازَ، وَكَانَ أَعْرَجَ، وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنِ [بْنِ حَسَنِ] بْنِ عَلِيٍّ لِأُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَاسْتَعْمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى خَرَاجِ الْكُوفَةِ. تُوُفِّيَ بِمِنًى لَيْلَةَ جَمْعٍ مُحْرِمًا، وَدُفِنَ أَسْفَلَ الْعَقَبَةِ. عن أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ الْحَرَمَيْنِ بَعْدَ قَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَشْخَصَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَرَّبَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ عِنْدَهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ زَائِرًا لَهُ، فَخَرَجَ مُعَادِلًا لَهُ لَا يَتْرُكُ تَوْشِيحَهُ وَتَعْظِيمَهُ، فَلَمَّا حَضَرَ بَابَ عَبْدِ الْمَلِكِ حَضَرَ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمْ يَبْدَأْ بِشَيْءٍ بَعْدَ التَّسْلِيمِ أَوْلَى مِنْ أَنْ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِرَجُلِ الْحِجَازِ، لَمْ أَدَعْ وَاللَّهِ لَهُ فِيهَا نَظِيرًا فِي كَمَالِ الْمُرُوءَةِ وَالْأَدَبِ وَحُسْنِ الْمَذْهَبِ وَالطَّاعَةِ وَالنَّصِيحَةِ مَعَ الْقَرَابَةِ وَوُجُوبِ الْحَقِّ وَفَضْلِ الْأُبُوَّةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَدْ أَحْضَرْتُهُ بَابَكَ أُسَهِّلُ عَلَيْهِ إِذْنَكَ، وَتَلْقَاهُ بِبِشْرِكَ، وَتَفْعَلُ بِهِ مَا تَفْعَلُ بِمِثْلِهِ مِمَّنْ كَانَتْ مَذَاهِبُهُ مِثْلَ مَذَاهِبِهِ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: ذَكَّرْتَنَا حَقًّا وَاجِبًا وَرَحِمًا قَرِيبَةً، يَا غُلَامُ ائْذَنْ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ. فَلَمَّا دَخَلَ قَرَّبَهُ حَتَّى أَجْلَسَهُ عَلَى فِرَاشِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ طَلْحَةَ، إِنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ ذَكَّرَنَا مَا لَمْ نَزَلْ نَعْرِفُكَ بِهِ فِي الْفَضْلِ وَالْأَدَبِ وَحُسْنِ الْمَذْهَبِ مَعَ قَرَابَةِ الرَّحِمِ وَوُجُوبِ الْحَقِّ، فَلَا تَدَعَنَّ حَاجَةً فِي خَاصٍّ مِنْ أَمْرِكَ وَلَا عَامٍّ إِلَّا ذَكَرْتَهَا، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ أَوْلَى الْأُمُورِ أَنْ يُفْتَتَحَ بِهِ الْحَوَائِجُ وَتُرَجَّى بِهِ الزُّلَفُ مَا كَانَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رِضًى، وَلِحَقِّ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَدَاءً، وَلَكَ وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ نَصِيحَةً، وَإِنَّ عِنْدِي نَصِيحَةً لَا أَجِدُ بُدًّا مِنْ ذِكْرِهَا، وَلَا يَكُونُ الْبَوْحُ بِهَا إِلَّا وَأَنْتَ خَالٍ، فَأَخْلِنِي حَتَّى تَرِدَ عَلَيْكَ نَصِيحَتِي، قَالَ: دُونَ أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: دُونَ أَبَا مُحَمَّدٍ، قَالَ: قُمْ يَا حَجَّاجُ، فَلَمَّا جَازَ حَدَّ السِّتْرِ قَالَ: قُلْ يَا أَبَا طَلْحَةَ نَصِيحَتَكَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ عَمَدْتَ إِلَى الْحَجَّاجِ فِي تَغَطْرُسِهِ وَتَعَجْرُفِهِ وَبُعْدِهِ مِنَ الْحَقِّ وَرُكُونِهِ إِلَى الْبَاطِلِ فَوَلَّيْتَهُ الْحَرَمَيْنِ وَبِهِمَا مَنْ بِهِمَا، وَفِيهِمَا مَنْ فِيهِمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالْمَوَالِي وَالْأَخْيَارِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ يَسُومُهُمُ الْخَسْفَ، وَيَطَؤُهُمْ بِالْعَسْفِ، وَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ السُّنَّةِ، وَيَطَؤُهُمْ بِطَغَامٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَزَعَازِعَ لَا رَوِيَّةَ لَهُمْ فِي إِقَامَةِ حَقٍّ وَلَا إِزَاحَةِ بَاطِلٍ، ثُمَّ ظَنَنْتَ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ رَاهِقٌ، وَفِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا جَاثَاكَ لِخُصُومَتِهِ إِيَّاكَ فِي أُمَّتِهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَا تَنْجُو هُنَالِكَ إِلَّا بِحُجَّةٍ تَضْمَنُ لَكَ النَّجَاةَ، فَارْبَعْ عَلَى نَفْسِكَ أَوْ دَعْ. فَقَالَ: كَذَبْتَ وَمُنْتَ وَظَنَّ بِكَ الْحَجَّاجُ مَا لَمْ نَجِدْهُ عِنْدَكَ، فَلَرُبَّمَا ظُنَّ الْخَيْرُ بِغَيْرِ أَهْلِهِ، قُمْ فَأَنْتَ الْكَاذِبُ الْمَائِنُ، قَالَ: فَقُمْتُ وَمَا أُبْصِرُ طَرِيقًا، فَلَمَّا خَلَّفْتُ السِّتْرَ لَحِقَنِي لَاحِقٌ مِنْ قِبَلِهِ فَقَالَ لِلْحَاجِبِ: احْبِسْ هَذَا، ادْخُلْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ. قَالَ: فَدَخَلَ الْحَجَّاجُ فَلَبِثَ مَلِيًّا لَا أَشُكُّ أَنَّهُمَا فِي أَمْرِي، ثُمَّ خَرَجَ الْآذِنُ: قُمْ يَا أَبَا طَلْحَةَ ادْخُلْ، فَقُمْتُ فَلَمَّا كُشِفَ لِي السِّتْرُ لَقِيَنِي الْحَجَّاجُ وَهُوَ خَارِجٌ وَأَنَا دَاخِلٌ، فَاعْتَنَقَنِي وَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيَّ ثُمَّ قَالَ: إِذَا مَا جَزَى اللَّهُ الْمُتَوَاخِينَ بِفَضْلِ تَوَاصُلِهِمْ جَزَاكَ اللَّهُ أَفْضَلَ مَا جَزَى أَخًا عَنْ أَخِيهِ، فَوَ اللَّهِ لَئِنْ سَلِمْتَ لَأَرْفَعَنَّ نَاطِرَكَ، وَلَأُعْلِيَنَّ كَفَّكَ وَلَأُتْبِعَنَّ الرِّجَالَ غُبَارَ قَدَمِكَ. قَالَ: قُلْتُ: تَهْزَأُ بِي. فَلَمَّا وَصَلْتُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ أَدْنَانِي حَتَّى أَجْلَسَنِي فِي مَجْلِسِي الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ طَلْحَةَ، لَعَلَّ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ شَارَكَكَ فِي نَصِيحَتِكَ، قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَظْهَرَ عِنْدِي مَعْرُوفًا وَلَا أَوْضَحَ يَدًا مِنَ الْحَجَّاجِ، وَلَوْ كُنْتُ مُحَابِيًا أَحَدًا بِدِينِي لَكَانَ هُوَ، وَلَكِنِّي آثَرْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَرَسُولَهُ ﷺ وَالْمُسْلِمِينَ وَأَنْتَ عَلَيْهِ. قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ آثَرْتَ اللَّهَ، وَلَوْ أَرَدْتَ الدُّنْيَا كَانَ لَكَ فِي الْحَجَّاجِ كِفَايَةٌ، وَقَدْ أَزَحْتُ الْحَجَّاجَ عَنِ الْحَرَمَيْنِ [وَأَعْلَمْتُهُ أَنَّكَ اسْتَنْزَلْتَنِي لَهُ عَنْهُمَا اسْتِصْغَارًا لَهُمَا عَنْهُ] وَوَلَّيْتُهُ الْعِرَاقَيْنِ لِمَا هُنَاكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَدْحَضُهَا إِلَّا مِثْلُهُ، وَأَعْلَمْتُهُ أَنَّكَ اسْتَدْعَيْتَنِي إِلَى التَّوْلِيَةِ عَلَيْهِمَا اسْتِزَادَةً لَهُ لِيَلْزَمَهُ مِنْ نَصِيحَتِكَ مَا يُؤَدِّي بِهِ عَنِّي إِلَيْكَ [الْحَقَّ]، وَتَصِيرَ مَعَهُ إِلَى الَّذِي تَسْتَحِقُّهُ، فَاخْرُجْ مَعَهُ فَإِنَّكَ غَيْرُ ذَامٍّ صُحْبَتَهُ. 544 سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، أَخُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، أَخُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ  : رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ بسنده عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ حَزِنَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ حُزْنًا شَدِيدًا، فَأَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسِهِ وَحَدِيثِهِ، فَكُلِّمَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلِ الْحُزْنَ عَارًا عَلَى يَعْقُوبَ، ثُمَّ قَالَ: بِئْسَتِ الدَّارُ الْمُفَرِّقَةُ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: دَفَعَ إِلَيَّ الْحَسَنُ بُرْنُسًا كَانَ لِأَخِيهِ سَعِيدٍ لِأَبِيعَهُ، فَقُلْتُ: أَشْتَرِيهِ أَنَا، فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، وَلَكِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ عَلَيْكَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَطَرٍ، أَبُو رَيْحَانَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَطَرٍ، أَبُو رَيْحَانَةَ: رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَفِينَةَ. عَنْ فَرْوَةَ الْأَعْمَى، قَالَ: رَكِبَ أَبُو رَيْحَانَةَ الْبَحْرَ، وَكَانَ يَخِيطُ فِيهِ بِإِبْرَةٍ مَعَهُ، فَسَقَطَتْ إِبْرَتُهُ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ إِلَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ إِبْرَتِي، فَظَهَرَتْ حَتَّى أَخَذَهَا. قَالَ: وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ ذَاتَ يَوْمٍ وَهَاجَ، فَقَالَ: اسْكُنْ أَيُّهَا الْبَحْرُ، فَإِنَّمَا أَنْتَ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، فَسَكَنَ حَتَّى صَارَ كَالزَّيْتِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ حَبِيبِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ  : شَاعِرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مُتَعَصِّبٌ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وَهُوَ الْأَعْشَى، أَعْشَى بَنِي رَبِيعَةَ. دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَأَنْشَدَهُ يَقُولُ: وَمَا أَنَا فِي أَمْرِي وَلَا فِي خُصُومَتِي بِمُهْتَضَمٍ حَقِّي وَلَا قَارَعِ قَرْنِي     وَلَا مُسْلِمٍ مَوْلَايَ عِنْدَ جِنَايَةٍ وَلَا خَائِفٍ مَوْلَايَ مِنْ شَرِّ مَا أَجْنِي     وَإِنَّ فُؤَادِيَ بَيْنَ جَنْبَيْ عَالِمٍ بِمَا أَبْصَرَتْ عَيْنِي وَمَا سَمِعَتْ أُذُنِي     وَفَضَّلَنِي فِي الشِّعْرِ وَاللُّبِّ أَنَّنِي أَقُولُ عَلَى عِلْمٍ وَأَعْرِفُ مَنْ أَعْنِي     فَأَصْبَحْتُ إِذْ فَضَّلْتُ مَرْوَانَ وَابْنَهُ عَلَى النَّاسِ قَدْ فَضَّلْتُ خَيْرَ أَبٍ وَابْنِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مَنْ يَلُومُنِي عَلَى هَذَا، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَعَشْرَةِ تُخُوتٍ مِنْ ثِيَابٍ، وَعَشْرِ قَلَائِصَ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَقْطَعُهُ أَلْفَ جَرِيبٍ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَأَنْشَدَهُ يَقُولُ: رَأَيْتُكَ أَمْسَ خَيْرَ بَنِي مَعَدٍّ     وَأَنْتَ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكَ أَمْسِ وَأَنْتَ غَدًا تَزِيدُ الضِّعْفَ ضِعْفًا     كَذَاكَ تَزِيدُ سَادَةُ عَبْدِ شَمْسِ الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ الْهَمْدَانِيُّ الْقَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ الْهَمْدَانِيُّ  : كُوفِيُّ الْأَصْلِ، ثُمَّ نَزَلَ الشَّامَ. رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ التَّابِعِينَ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ، أَنَّهُ كَرِهَ صَيْدَ الطَّيْرِ أَيَّامَ فِرَاخِهِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، قَالَ: مَا اجْتَمَعَ عَلَى مَائِدَتِي لَوْنَانِ مِنْ طَعَامٍ، وَلَا غَلَّقْتُ بَابِي وَلِي خَلْفَهُ هَمٌّ، وَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَضَى عَنِّي سَبْعِينَ دِينَارًا، وَحَمَلَنِي عَلَى بَغْلَةٍ وَفَرَضَ لِي فِي خَمْسِينَ فَقُلْتُ: أَغْنَيْتَنِي عَنِ التِّجَارَةِ، فَسَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ، فَقُلْتُ: هَبْنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُحَدِّثَهُ بَعْدُ لِأَجْلِ الْعَطَاءِ.

  341. التاريخ 2432لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ شَوْذَبٍ الْخَارِجِيِّ   وفِي سنة مائة من الهجرة خَرَجَ شَوْذَبٌ، وَاسْمُهُ بِسْطَامٌ، مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فِي جُوخَى، وَكَانَ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ عَامِلِهِ بِالْكُوفَةِ أَنْ لَا يُحَرِّكَهُمْ حَتَّى يَسْفِكُوا دِمَاءً، وَيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ، فَإِنْ فَعَلُوا وَجِّهْ إِلَيْهِمْ رَجُلًا صَلِيبًا حَازِمًا فِي جُنْدٍ. فَبَعَثَ عَبْدُ الْحَمِيدِ مُحَمَّدَ بْنَ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فِي أَلْفَيْنِ وَأَمْرَهُ بِمَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى بِسْطَامٍ يَسْأَلُهُ عَنْ مَخْرَجِهِ، فَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ عَلَيْهِ وَقَدْ قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، فَقَامَ بِإِزَائِهِ لَا يَتَحَرَّكُ. فَكَانَ فِي كِتَابِ عُمَرَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ خَرَجْتَ غَضَبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَلَسْتَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنِّي، فَهَلُمَّ إِلَيَّ أُنَاظِرُكَ، فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ بِأَيْدِينَا دَخَلْتَ فِيمَا دَخَلَ النَّاسُ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدِكَ نَظَرْنَا فِي أَمْرِكَ. فَكَتَبَ بِسْطَامٌ إِلَى عُمَرَ: قَدْ أَنْصَفْتَ وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ رَجُلَيْنِ يُدَارِسَانِكَ وَيُنَاظِرَانِكَ. وَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ مَوْلًى لِبَنِي شَيْبَانَ حَبَشِيًّا اسْمُهُ عَاصِمٌ، وَرَجُلًا مِنْ بَنِي يَشْكُرَ، فَقَدِمَا عَلَى عُمَرَ بِخُنَاصِرَةَ، فَدَخَلَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: مَا أَخْرَجَكُمَا هَذَا الْمَخْرَجَ، وَمَا الَّذِي نَقَمْتُمْ ؟ فَقَالَ عَاصِمٌ: مَا نَقَمْنَا سِيرَتَكَ، إِنَّكَ لَتَتَحَرَّى الْعَدْلَ وَالْإِحْسَانَ، فَأَخْبِرْنَا عَنْ قِيَامِكَ بِهَذَا الْأَمْرِ، أَعَنْ رِضًى مِنَ النَّاسِ وَمَشُورَةٍ، أَمِ ابْتَزَزْتُمْ أَمْرَهُمْ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: مَا سَأَلْتُهُمُ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا غَلَبْتُهُمْ عَلَيْهَا، وَعَهِدَ إِلَيَّ رَجُلٌ كَانَ قَبْلِي فَقُمْتُ وَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَلَمْ يَكْرَهْهُ غَيْرُكُمْ، وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ الرِّضَا بِكُلِّ مَنْ عَدَلَ وَأَنْصَفَ مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ، فَاتْرُكُونِي ذَلِكَ الرَّجُلَ، فَإِنْ خَالَفْتُ الْحَقَّ وَرَغِبْتُ عَنْهُ; فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. قَالَا: بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَمْرٌ وَاحِدٌ. قَالَ: مَا هُوَ ؟ قَالَا: رَأَيْنَاكَ خَالَفْتَ أَعْمَالَ أَهْلِ بَيْتِكَ، وَسَمَّيْتَهَا مَظَالِمَ، فَإِنْ كُنْتَ عَلَى هُدًى وَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ، فَالْعَنْهُمْ وَابْرَأْ مِنْهُمْ. فَقَالَ عُمَرً: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ لَمْ تَخْرِجُوا طَلَبًا لِلدُّنْيَا، وَلَكِنَّكُمْ أَرَدْتُمُ الْآخِرَةَ، فَأَخْطَأْتُمْ طَرِيقَهَا، إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ يَبْعَثْ رَسُولَهُ، ﷺ، لَعَّانًا، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ. وَقَدْ سَمَّيْتُ أَعْمَالَهُمْ ظُلْمًا، وَكَفَى بِذَلِكَ ذَمًّا وَنَقْصًا، وَلَيْسَ لَعْنُ أَهْلِ الذُّنُوبِ فَرِيضَةً لَا بُدَّ مِنْهَا، فَإِنْ قُلْتُمْ إِنَّهَا فَرِيضَةٌ فَأَخْبِرْنِي مَتَى لَعَنْتَ فِرْعَوْنَ ؟ قَالَ: مَا أَذْكُرُ مَتَى لَعَنْتُهُ. قَالَ: أَفَيَسَعُكَ أَنْ لَا تَلْعَنَ فِرْعَوْنَ وَهُوَ أَخْبَثُ الْخَلْقِ وَشَرُّهُمْ، وَلَا يَسَعُنِي أَنْ لَا أَلْعَنَ أَهْلَ بَيْتِي وَهُمْ مُصَلُّونَ صَائِمُونَ ! قَالَ: أَمَا هُمْ كُفَّارٌ بِظُلْمِهِمْ ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ، فَكَانَ مَنْ أَقَرَّ بِهِ وَبِشَرَائِعِهِ قَبِلَ مِنْهُ، فَإِنَّ أَحْدَثَ حَدَثًا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. فَقَالَ الْخَارِجِيُّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، دَعَا النَّاسَ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا نَزَلَ مِنْ عِنْدِهِ. قَالَ عُمَرُ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: لَا أَعْمَلُ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِمُ السَّفَاءُ. قَالَ عَاصِمٌ: فَابْرَأْ مِمَّا خَالَفَ عَمَلَكَ وَرُدَّ أَحْكَامَهُمْ. قَالَ عُمَرُ: أَخْبِرَانِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، أَلَيْسَا عَلَى حَقٍّ ؟ قَالَا: بَلَى. قَالَ: أَتَعْلَمَانِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حِينَ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ سَفَكَ دِمَاءَهُمْ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ، وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ ؟ قَالَا: بَلَى. قَالَ: أَتَعْلَمَانِ أَنَّ عُمَرَ رَدَّ السَّبَايَا بَعْدَهُ إِلَى عَشَائِرِهِمْ بِفِدْيَةٍ ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عُمَرُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ ؟ قَالَا: لَا. قَالَ: أَفَتَبْرَءُونَ أَنْتُمْ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ؟ قَالَا: لَا. قَالَ: فَأَخْبِرَانِي عَنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ وَهُمْ أَسْلَافُكُمْ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ خَرَجُوا فَلَمْ يَسْفِكُوا دَمًا، وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا، وَأَنَّ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ وَجَارِيَتَهُ وَهِيَ حَامِلٌ ؟ قَالَا: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ بَرِئَ مَنْ لَمْ يَقْتُلْ مِمَّنْ قَتَلَ وَاسْتَعْرَضَ ؟ قَالَا: لَا: أَفَتَبْرَءُونَ أَنْتُمْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ ؟ ( قَالَا: لَا ). قَالَ: أَفَيَسَعُكُمْ أَنْ تَتَوَلَّوْا أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ وَأَهْلَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ اخْتِلَافَ أَعْمَالِهِمْ، وَلَا يَسَعُنِي إِلَّا الْبَرَاءَةُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي وَالدِّينُ وَاحِدٌ ! فَاتَّقُوا اللَّهَ ! فَإِنَّكُمْ جُهَّالٌ، تَقْبَلُونَ مِنَ النَّاسِ مَا رَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ مَا قَبِلَ، وَيَأْمَنُ عِنْدَكُمْ مَنْ خَافَ عِنْدَهُ، وَيَخَافُ عِنْدَكُمْ مِنْ أَمْنِ عِنْدَهُ، فَإِنَّكُمْ يَخَافُ عِنْدَكُمْ مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَكَانَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ آمِنًا وَحَقَنَ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَأَنْتُمْ تَقْتُلُونَهُ، وَيَأْمَنُ عِنْدَكُمْ سَائِرُ أَهْلِ الْأَدْيَانِ، فَتُحَرِّمُونَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. قَالَ الْيَشْكُرِيُّ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَلِيَ قَوْمًا وَأَمْوَالَهُمْ، فَعَدَلَ فِيهَا، ثُمَّ صَيَّرَهَا بَعْدَهُ إِلَى رَجُلٍ غَيْرِ مَأْمُونٍ، أَتَرَاهُ أَدَّى الْحَقَّ الَّذِي يَلْزَمُهُ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ تَرَاهُ قَدْ سَلِمَ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَتُسَلِّمُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَى يَزِيدَ مِنْ بَعْدِكَ، وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَقُومُ فِيهِ بِالْحَقِّ ؟ قَالَ: إِنَّمَا وَلَّاهُ غَيْرِي وَالْمُسْلِمُونَ أَوْلَى بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ فِيهِ بَعْدِي. قَالَ: أَفْتَرَى ذَلِكَ مِنْ صُنْعِ مَنْ وَلَّاهُ حَقًّا ؟ فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَنْظِرَانِي ثَلَاثًا. فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ عَادَا إِلَيْهِ، فَقَالَ عَاصِمٌ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عَلَى حَقٍّ. فَقَالَ عُمَرُ لِلْيَشْكُرِيِّ: مَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا وَصَفْتَ، وَلَكِنِّي لَا أَفْتَاتُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرٍ، اعْرِضْ عَلَيْهِمْ مَا قُلْتَ وَاعْلَمْ مَا حُجَّتُهُمْ. فَأَمَّا عَاصِمٌ فَأَقَامَ عِنْدَ عُمَرَ، فَأَمَرَ لَهُ عُمَرُ بِالْعَطَاءِ، فَتُوُفِّيَ بَعْدَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. فَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: أَهْلَكَنِي أَمْرُ يَزِيدَ وَخُصِمْتُ فِيهِ، فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ. فَخَافَ بَنُو أُمَيَّةَ أَنْ يُخْرِجَ مَا بِأَيْدِيهمْ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَنْ يَخْلَعَ يَزِيدَ مِنْ وِلَايَةِ الْعَهْدِ، فَوَضَعُوا عَلَى عُمَرَ مَنْ سَقَاهُ سُمًّا، فَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى مَرِضَ وَمَاتَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ مُقَابِلٌ الْخَوَارِجَ لَا يَتَعَرَّضُ إِلَيْهِمْ وَلَا يَتَعَرَّضُونَ إِلَيْهِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَنْتَظِرُ عَوْدَ الرُّسُلِ مِنْ عِنْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَتُوُفِّيَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.

  342. التاريخ 2433لا حكم مسجّل

    الْقَبْضِ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَاسْتِعْمَالِ الْجَرَّاحِ عَلَى خُرَاسَانَ  قِيلَ: وَفِي سنة مائة من الهجرة كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ يَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ إِلَيْهِ مُوثَقًا، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَى عَمَلِهِ وَيُقْبِلَ إِلَيْهِ، فَاسْتَخْلَفَ مَخْلَدًا ابْنَهُ، وَقَدِمَ مِنْ خُرْسَانَ وَنَزَلَ وَاسِطًا، ثُمَّ رَكِبَ السُّفُنَ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، فَبَعَثَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ مُوسَى بْنَ الْوَجِيهِ الْحِمْيَرِيَّ، فَلَحِقَهُ فِي نَهْرِ مَعْقِلٍ عِنْدَ الْجِسْرِ، فَأَوْثَقَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَدَعَا بِهِ عُمَرُ، وَكَانَ يُبْغِضُ يَزِيدَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَيَقُولُ: هَؤُلَاءِ جَبَابِرَةٌ وَلَا أُحِبُّ مِثْلَهُمْ. وَكَانَ يَزِيدُ يُبْغِضُ عُمَرَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ مُرَاءٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ عَرَفَ يَزِيدُ أَنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الرِّيَاءِ، وَلَمَّا دَعَا عُمَرُ يَزِيدَ سَأَلَهُ عَنِ الْأَمْوَالِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: كُنْتُ مِنْ سُلَيْمَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَدْ رَأَيْتَ، وَإِنَّمَا كَتَبْتُ إِلَى سُلَيْمَانَ لِأُسْمِعَ النَّاسَ بِهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ سُلَيْمَانَ لَمْ يَكُنْ لِيَأْخُذَنِي بِهِ. فَقَالَ لَهُ: لَا أَجِدُ فِي أَمْرِكَ إِلَّا حَبْسَكَ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَأَدِّ مَا قِبَلَكَ، فَإِنَّهَا حُقُوقُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَسَعُنِي تَرْكُهَا. وَحَبَسَهُ بِحِصْنِ حَلَبَ. وَبَعَثَ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ، فَسَرَّحَهُ إِلَى خُرَاسَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، وَأَقْبَلَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ مِنْ خُرَاسَانَ يُعْطِي النَّاسَ، فَفَرَّقَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ صَنَعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِوِلَايَتِكَ، وَقَدِ ابْتُلِينَا بِكَ، فَلَا نَكُنْ نَحْنُ أَشْقَى النَّاسِ بِوِلَايَتِكَ، عَلَامَ تَحْبِسُ هَذَا الشَّيْخَ ؟ أَنَا أَتَحَمَّلُ مَا عَلَيْهِ، فَصَالِحْنِي عَلَى مَا تَسْأَلُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ الْجَمِيعَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ فَخُذْ بِهَا، وَإِلَّا فَصَدِّقْ مُقَالَةَ يَزِيدَ وَاسْتَحْلِفْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَصَالِحْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا آخُذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الْمَالِ. فَخَرَجَ مَخْلَدٌ مِنْ عِنْدِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَبِيهِ. ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ مَخْلَدٌ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: الْيَوْمَ مَاتَ فَتَى الْعَرَبِ، وَأَنْشَدَ: بَكَوْا حُذَيْفَةَ لَمْ يُبَكُّوا مِثْلَهُ حَتَّى تَبِيدَ خَلَائِقٌ لَمْ تُخْلَقِ فَلَمَّا أَبَى يَزِيدُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى عُمَرَ شَيْئًا أَلْبَسَهُ جُبَّةَ صُوفٍ، وَحَمَلَهُ عَلَى جَمَلٍ، وَقَالَ: سِيرُوا بِهِ إِلَى دَهْلَكَ. فَلَمَّا خَرَجَ، وَمَرُّوا بِهِ عَلَى النَّاسِ، أَخَذَ يَقُولُ: أَمَا لِي عَشِيرَةٌ ؟ إِنَّمَا يَذْهَبُ إِلَى دَهْلَكَ الْفَاسِقُ وَاللِّصُّ. فَدَخَلَ سَلَامَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ارْدُدْ يَزِيدَ إِلَى مَحْبِسِهِ فَإِنِّي أَخَافُ إِنْ أَمْضَيْتَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ قَوْمُهُ، فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَبُوا لَهُ. فَرَدَّهُ إِلَى مَحْبِسِهِ، فَبَقِيَ فِيهِ حَتَّى بَلَغَهُ مَرَضُ عُمَرَ.

  343. التاريخ 2434لا حكم مسجّل

    عَزْلِ الْجَرَّاحِ وَاسْتِعْمَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ الْقُشَيْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ  وَقِيلَ: فِي سنة مائة من الهجرة عَزَلَ عُمَرُ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ نُعَيْمٍ الْقُشَيْرِيَّ، وَكَانَ عَزْلُ الْجَرَّاحِ فِي رَمَضَانَ. كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنْ يَزِيدَ لَمَّا عُزِلَ عَنْ خُرَاسَانَ أَرْسَلَ عَامِلُ الْعِرَاقِ عَامِلًا عَلَى جُرْجَانَ، فَأَخَذَ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْجُعْفِيَّ، وَكَانَ عَلَى جُرْجَانَ عَامِلًا لِيَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ، وَحَبَسَ رَهْطًا قَدِمُوا مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْجَرَّاحِ بِخُرَاسَانَ، فَأَطْلَقَ أَهْلُ جُرْجَانَ عَامِلَهُمْ، وَقَالَ الْجَرَّاحُ لِجَهْمٍ: لَوْلَا أَنَّكَ ابْنُ عَمِّي لَمْ أُسَوِّغْكَ هَذَا. فَقَالَ جَهْمٌ: وَلَوْلَا أَنَّكَ ابْنُ عَمِّي لَمْ آتِكَ. وَكَانَ جَهْمٌ سِلْفَ الْجَرَّاحِ مِنْ قِبَلِ ابْنَتَيِ الْحُصَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ ابْنَ عَمِّهِ فَلِأَنَّ الْحَكَمَ وَالْجُعْفِيَّ ابْنَا سَعْدٍ الْقُشَيْرِيِّ. فَقَالَ لَهُ الْجَرَّاحُ: خَالَفْتَ إِمَامَكَ، فَاغْزُ لَعَلَّكَ تَظْفَرُ، فَيَصْلُحُ أَمْرُكَ عِنْدَهُ. فَوَجَّهَهُ إِلَى الْخُتَّلِ، فَغَنِمَ مِنْهُمْ وَرَجِعَ، وَأَوْفَدَ الْجَرَّاحُ إِلَى عُمَرَ وَفْدًا، رَجُلَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، وَرَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي يُكَنَّى أَبَا الصَّيْدِ، فَتَكَلَّمَ الْعَرَبِيَّانِ وَالْمَوْلَى سَاكِتٌ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَنْتَ مِنَ الْوَفْدِ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَامِ ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَوَالِي يَغْزُونَ بِلَا عَطَاءٍ وَلَا رِزْقٍ، وَمِثْلُهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا مِنَ الذِّمَّةِ يُؤْخَذُونَ بِالْخَرَاجِ، فَأَمِيرُنَا عَصَبِيٌّ جَافٍ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا، فَيَقُولُ: أَتَيْتُكُمْ حَفِيًّا، وَأَنَا الْيَوْمُ عَصَبِيٌّ، وَاللَّهِ لَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَهُوَ بَعْدُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الْحَجَّاجِ، قَدْ عَمِلَ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ. قَالَ عُمَرُ: إِذَنْ بِمِثْلِكَ يُوفَدُ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْجَرَّاحِ: انْظُرْ مَنْ صَلَّى قِبَلَكَ [ إِلَى الْقِبْلَةِ ] فَضَعْ عَنْهُ الْجِزْيَةَ. فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقِيلَ لِلْجَرَّاحِ: إِنِ النَّاسَ قَدْ سَارَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ نُفُورًا مِنَ الْجِزْيَةِ، فَامْتَحِنْهُمْ بِالْخِتَانِ. فَكَتَبَ الْجَرَّاحُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ، دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ خَاتِنًا، وَقَالَ: إِيتُونِي رَجُلًا صَدُوقًا أَسْأَلُهُ عَنْ خُرَاسَانَ. فَقِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِأَبِي مِجْلَزٍ. فَكَتَبَ إِلَى الْجَرَّاحِ: أَنْ أَقْبِلْ وَاحْمِلْ أَبَا مِجْلَزٍ، وَخَلِّفْ عَلَى حَرْبِ خُرَاسَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ نُعَيْمٍ الْعَامِرِيَّ. فَخَطَبَ الْجَرَّاحُ وَقَالَ: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ جِئْتُكُمْ فِي ثِيَابِي هَذِهِ الَّتِي عَلَيَّ وَعَلَى فَرَسِي، لَمْ أُصِبْ مِنْ مَالِكُمْ إِلَّا حِلْيَةَ سَيْفِي. وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا فَرَسٌ وَبَغْلَةٌ. فَسَارَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ قَالَ: مَتَى خَرَجْتَ ؟ قَالَ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ: صَدَقَ مَنْ وَصَفَكَ بِالْجَفَاءِ، هَلَّا أَقَمْتَ حَتَّى تُفْطِرَ ثُمَّ تَخْرُجَ ! وَكَانَ الْجَرَّاحُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدِمْتُ خُرَاسَانَ، فَوَجَدْتُ قَوْمًا قَدْ أَبْطَرَتْهُمُ الْفِتْنَةُ، فَأَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَعُودُوا لِيَمْنَعُوا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَكْفِهِمْ إِلَّا السَّيْفُ وَالسَّوْطُ، فَكَرِهْتُ الْإِقْدَامَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: يَا ابْنَ أُمِّ الْجَرَّاحِ، أَنْتَ أَحْرَصُ عَلَى الْفِتْنَةِ مِنْهُمْ، لَا تَضْرِبَنَّ مُؤْمِنًا وَلَا مُعَاهِدًا سَوْطًا إِلَّا فِي الْحَقِّ، وَاحْذَرِ الْقِصَاصَ، فَإِنَّكَ صَائِرٌ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَتَقْرَأُ كِتَابًا: لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا. فَلَمَّا قَدِمَ الْجَرَّاحُ عَلَى عُمَرَ، وَقَدِمَ أَبُو مِجْلَزٍ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: يُكَافِي الْأَكْفَاءَ، وَيُعَادِي الْأَعْدَاءَ، وَهُوَ أَمِيرٌ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيُقْدِمُ إِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَاعِدُهُ. قَالَ: فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ ؟ قَالَ: يُحِبُّ الْعَافِيَةَ وَالتَّأَنِّي، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ. فَوَلَّاهُ الصَّلَاةَ وَالْحَرْبَ، وَوَلَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيَّ الْخَرَاجَ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ: إِنِّي اسْتَعْمَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى حَرْبِكُمْ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ [ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ] عَلَى خَرَاجِكُمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمَا يَأْمُرُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ. فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ عَلَى خُرَاسَانَ حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَوَجَّهَ مَسْلَمَةُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَارِثَ بْنَ الْحَكَمِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ.

  344. التاريخ 2435لا حكم مسجّل

    ابْتِدَاءِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ  وَفِي سنة مائة من الهجرة كَانَ بُدُوُّ دَعْوَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ   وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ مُقِيمًا بِأَرْضِ الشُّرَاةِ بَعَثَ مِنْ جِهَتِهِ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: مَيْسَرَةُ. إِلَى الْعِرَاقِ وَأَرْسَلَ طَائِفَةً أُخْرَى وَهُمْ; مُحَمَّدُ بْنُ خُنَيْسٍ وَأَبُو عِكْرِمَةَ السَّرَّاجُ وَهُوَ أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ وَحَيَّانُ الْعَطَّارُ خَالُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ إِلَى خُرَاسَانَ وَعَلَيْهَا يَوْمئِذٍ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ قَبْلَ أَنْ يُعْزَلَ فِي رَمَضَانَ وَأَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَلَقُوا مَنْ لَقُوا ثُمَّ انْصَرَفُوا بِكُتُبِ مَنِ اسْتَجَابَ مِنْهُمْ إِلَى مَيْسَرَةَ، الَّذِي بِالْعِرَاقِ فَبَعَثَ بِهَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فَفَرِحَ بِهَا وَاسْتَبْشَرَ وَسَرَّهُ وَكَانَ مَبَادِئَ أَمْرٍ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ إِتْمَامَهُ وَأَوَّلَ رَأْيٍ قَدْ أَحْكَمَ اللَّهُ إِبْرَامَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ دَوْلَةَ بَنِي أُمَيَّةَ قَدْ بَانَ عَلَيْهَا مَخَايِلُ الْوَهْنِ وَالضَّعْفِ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَدِ اخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَهُمْ; سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ الْخُزَاعِيُّ وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ التَّمِيمِيُّ وَقَحْطَبَةُ بْنُ شَبِيبٍ الطَّائِيُّ وَمُوسَى بْنُ كَعْبٍ التَّمِيمِيُّ وَخَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذَهَبٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُجَاشِعٍ التَّمِيمِيُّ وَعِمْرَانُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَبُو النَّجْمِ مَوْلًى لِآلِ أَبِي مُعَيْطٍ وَمَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْخُزَاعِيُّ وَطَلْحَةُ بْنُ زُرَيْقٍ الْخُزَاعِيُّ وَعَمْرُو بْنُ أَعْيَنَ أَبُو حَمْزَةَ مَوْلًى لِخُزَاعَةَ وَشِبْلُ بْنُ طَهْمَانَ أَبُو عَلِيٍّ الْهَرَوِيُّ مَوْلًى لِبَنِي حَنِيفَةَ وَعِيسَى ابْنُ أَعْيَنَ مَوْلَى خُزَاعَةَ أَيْضًا. وَاخْتَارَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا أَيْضًا. وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ كِتَابًا يَكُونُ مِثَالًا وَسِيرَةً يَقْتَدُونَ بِهَا وَيَسِيرُونَ بِهَا. كَانَ يَقُولُ لِرِجَالِ أَهْلِ الدَّعْوَةِ حِينَ أَرَادَ تَوْجِيهَهُمْ: أَمَّا الْكُوفَةُ وَسَوَادُهَا فَهُنَاكَ شِيعَةُ عَلِيٍّ وَوَلَدِهِ، وَأَمَّا الْبَصْرَةُ وَسَوَادُهَا فَعُثْمَانِيَّةٌ تَرَى الْكَفَّ، تَقُولُ: كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ، وَأَمَّا الْجَزِيرَةُ فَحَرُورِيَّةٌ، وَأَمَّا الرِّقَّةُ فَمُسْلِمُونَ أَحْلَافُ النَّصَارَى، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَلَا يَعْرِفُونَ إِلَّا طَاعَةَ بَنِي مَرْوَانَ، وَأَمَّا أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِخُرَاسَانَ فَإِنَّ هُنَاكَ الصُّدُورَ السَّلِيمَةَ وَالْقُلُوبَ الْفَارِغَةَ الَّتِي [لَمْ] تَتَقَسَّمْهَا الْأَهْوَاءُ وَلَمْ تَتَوَزَّعْهَا النِّحَلُ.

  345. التاريخ 2436لا حكم مسجّل

    وفِي سنة مائة من الهجرة أَمْرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَهْلَ طُرَنْدَةَ بِالْقُفُولِ عَنْهَا إِلَى مَلَطْيَةَ  ، وَطُرَنْدَةَ وَاغِلَةٌ فِي الْبِلَادِ الرُّومِيَّةِ مِنْ مَلَطْيَةَ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ أَسْكَنَهَا الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ غَزَاهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ، وَمَلَطْيَةُ يَوْمَئِذٍ خَرَابٌ، وَكَانَ يَأْتِيهِمْ جُنْدٌ مِنَ الْجَزِيرَةِ يُقِيمُونَ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنْ يَنْزِلَ الثَّلْجُ، وَيَعُودُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ وَلِيَ عُمَرُ، فَأَمَرَهُمْ بِالْعَوْدِ إِلَى مَلَطْيَةَ، وَأَخْلَى طُرَنْدَةَ خَوْفًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْعَدِوِّ، وَأَخْرَبَ طُرَنْدَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَلَطْيَةَ جَعُونَةَ بْنَ الْحَارِثِ أَحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ.

  346. التاريخ 2437لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة مائة من الهجرة كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى مُلُوكِ السِّنْدِ  يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلَى أَنْ يُمَلِّكَهُمْ بِلَادَهُمْ، وَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَتْ سِيرَتُهُ بِلَغَتْهُمْ، فَأَسْلَمَ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرَ، وَالْمُلُوكُ تَسَمَّوْا لَهُ بِأَسْمَاءِ الْعَرَبِ، وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى ذَلِكَ الثَّغْرِ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ أَخَا قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَغَزَا بَعْضَ الْهِنْدِ، فَظَفِرَ وَبَقِيَ مُلُوكُ السِّنْدِ مُسْلِمِينَ عَلَى بِلَادِهِمْ أَيَّامَ عُمَرَ وَيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا كَانَ أَيَّامَ هِشَامٍ ارْتَدُوا عَنِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سَبَبُهُ مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  347. التاريخ 2438لا حكم مسجّل

    وَفِيهَا أَغْزَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوَلِيدَ بْنَ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ الصَّائِفَةَ. وعَنْ جُوَيْرِيَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ، قَالَ: بَعَثَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ وَلِيَ فِي الْفِدَاءِ، فَبَيْنَا أَنَا أَجُولُ فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا يُغَنِّي وَهُوَ يَقُولُ: أَرِقْتُ وَغَابَ عَنِّي مَنْ يَلُومُ وَلَكِنْ لَمْ أَنَمْ أَنَا وَالْهُمُومُ     كَأَنِّي مِنْ تَذَكُّرِ مَا أُلَاقِي إِذَا مَا أَظْلَمَ اللَّيْلُ الْبَهِيمُ     سَقِيمٌ مَلَّ مِنْهُ أَقْرَبُوهُ وَوَدَّعَهُ الْمُدَاوِي وَالْحَمِيمُ     وَكَمْ فِي بَحْرَةٍ بَيْنَ الْمُنَقَّا إِلَى أُحُدٍ إِلَى مَاءٍ زَرِيمُ     إِلَى الْجَمَّاءِ مِنْ خَدٍّ أَسِيلٍ نَقِيِّ اللَّوْنِ لَيْسَ بِهِ كُلُومُ     يُضِيءُ بِهِ الظَّلَامُ إِذَا تَبَدَّى كَضَوْءِ الْفَجْرِ مَنْظَرُهُ وَسِيمُ     فَلَمَّا أَنْ دَنَا مِنَّا ارْتِحَالٌ وَقُرْبَ نَاجِيَاتِ السَّيْرِ كُومُ     أَتَيْنَ مُوَدِّعَاتٍ وَالْمَطَايَا عَلَى أَكْوَارِهَا خُوصٌ هَجُومُ     فَقَائِلَةٌ وَمُثْنِيَةٌ عَلَيْنَا تَقُولُ وَمَا لَهَا فِينَا حَمِيمُ     وَأُخْرَى لُبُّهَا مَعَنَا وَلَكِنْ تَسَتَّرُ وَهْيَ وَاجِمَةٌ كَظُومُ     تَعُدُّ لَنَا اللَّيَالِي تَحْتَصِيهَا مَتَى هُوَ خَائِنٌ مِنَّا قَدُومُ     مَتَى تَرَ غَفْلَةَ الْوَاشِينَ عَنَّا تَجُدْ بِدُمُوعِهَا الْعَيْنُ السَّجُومُ قَالَ الزُّبَيْرُ: وَالشِّعْرُ لَبُقَيْلَةَ الْأَشْجَعِيِّ. قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ: فَسَأَلْتُهُ حِينَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْوَابِصِيُّ الَّذِي أُخِذْتُ فَعُذِّبْتُ فَجَزِعْتُ فَدَخَلْتُ فِي دِينِهِمْ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعَثَنِي فِي الْفِدَاءِ وَأَنْتَ وَاللَّهِ أَحَبُّ مَنِ افْتَدَيْتُهُ إِلَّا أَنْ لَمْ تَكُنْ بَطَنْتَ فِي الْكُفْرِ، قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَطَنْتُ فِي الْكُفْرِ، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَسْلِمْ، فَقَالَ: أُسْلِمُ، وَهَذَانَ ابْنَايَ وَقَدْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، وَهَذَانَ ابْنَاهَا، وَإِذَا دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ قَالَ أَحَدُهُمْ: يَا نَصْرَانِيُّ، وَقِيلَ لِوَلَدَيَّ وَأُمِّهِمْ [وَوَلَدِهِمْ] كَذَلِكَ، لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ، فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ قَارِئًا لِلْقُرْآنِ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ مِنْ أَقْرَإِ الْقُرَّاءِ لِلْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَا بَقِيَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: لَا شَيْءَ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ: ( رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيَّ عَلَى الْجَزِيرَةِ عَامِلًا عَلَيْهِمْ. ( وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ السَّمْحَ بْنَ مَالِكٍ الْخَوْلَانِيَّ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ قَدْ رَأَى مِنْهُ أَمَانَةً وَدِيَانَةً عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَاسْتَعْمَلَهُ ). وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَعَ طَاعُونٌ، فَقِيلَ لَهُ: طَاعُونُ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ.

  348. التاريخ 2439لا حكم مسجّل

    وَقَدْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي سنة مائة من الهجرة أَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ نَائِبُ الْمَدِينَةِ. وَالنُّوَّابُ عَلَى الْأَمْصَارِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا سِوَى مَنْ ذَكَرْنَا مِمَّنْ عُزِلَ وَتَوَلَّى غَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمْ يَحُجَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ لِشُغْلِهِ بِالْأُمُورِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُبْرِدُ الْبَرِيدَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَيَقُولُ لَهُ: سَلِّمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِّي.

  349. التاريخ 2440لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة مائة من الهجرة كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ بِالْخَيْرِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ وَيُبَيِّنُ لَهُمُ الْحَقَّ، وَيُوَضِّحُهُ لَهُمْ، وَيَعِظُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَيُخَوِّفُهُمْ بَأْسَ اللَّهِ وَانْتِقَامَهُ فَكَانَ فِيمَا كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ الْقُشَيْرِيِّ: أَمَّا بَعْدُ، فَكُنْ عَبْدًا لِلَّهِ نَاصِحًا لِلَّهِ فِي عِبَادِهِ، وَلَا تَأْخُذْكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِكَ مِنَ النَّاسِ وَحَقَّهُ عَلَيْكَ أَعْظَمُ، وَلَا تُوَلِّيَنَّ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا الْمَعْرُوفَ بِالنَّصِيحَةِ لَهُمْ، وَالتَّوْفِيرِ عَلَيْهِمْ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيمَا اسْتُرْعِيَ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَكُونَ مَيْلُكَ مَيْلًا إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ; فَإِنَّ اللَّهَ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ وَلَا تَذْهَبَنَّ عَنِ اللَّهِ مَذْهَبًا; فَإِنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ. وَكَتَبَ مِثْلَ ذَلِكَ مَوَاعِظَ كَثِيرَةً إِلَى الْعُمَّالِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، مَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.

  350. التاريخ 2441لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة مائة مِنَ الْأَكَابِرِ بَسْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّينَ بَسْرُ بْنُ سَعِيدٍ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّينَ  : رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ. وَكَانَ بُسْرٌ ثِقَةً مِنَ الْعُبَّادِ الْمُنْقَطِعِينَ، وَأَهْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ وَسَبْعَيْنِ، وَلَمْ يَدَعْ كَفَنًا. حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَبُو رِشْدِينَ الصَّنْعَانِيُّ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَبُو رِشْدِينَ الصَّنْعَانِيُّ: كَانَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْكُوفَةِ، وَقَدِمَ مِصْرَ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ، وَغَزَا الْمَغْرِبَ مَعَ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ، وَغَزَا الْأَنْدَلُسَ مَعَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَكَانَ فِيمَنْ ثَارَ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأُتِيَ بِهِ عَبْدَ الْمَلِكِ فِي وَثَاقٍ فَعَفَا عَنْهُ، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ حِينَ غَزَا الْمَغْرِبَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ، نَزَلَ عَلَيْهِ بِإِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ خَمْسِينَ، فَحَفِظَ لَهُ ذَلِكَ. وَكَانَ حَنَشٌ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَ عُشُورَ إِفْرِيقِيَّةَ فِي الْإِسْلَامِ،  وَكَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ عَشَائِهِ وَحَوَائِجِهِ وَأَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ أَوْقَدَ الْمِصْبَاحَ وَقَدَّمَ الْمُصْحَفَ وَإِنَاءً فِيهِ مَاءٌ، وَكَانَ إِذَا وَجَدَ النُّعَاسَ أَخَذَ الْمَاءَ، وَإِذَا تَعَايَا فِي آيَةٍ نَظَرَ فِي الْمُصْحَفِ. وَتُوُفِّيَ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ أَبِيهِ، وَكَانَ صَالِحًا. عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ [أَبِي] عُمَرُ الْخِلَافَةَ وَخَطَبَ النَّاسَ ذَهَبَ يَتَبَوَّأُ مَقِيلًا، فَأَتَاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ أَقِيلُ، قَالَ: تَقِيلُ وَلَا تَرُدُّ الْمَظَالِمَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنِّي قَدْ سَهِرْتُ الْبَارِحَةَ فِي أَمْرِ عَمِّكَ سُلَيْمَانَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ الظُّهْرَ رَدَدْتُ الْمَظَالِمَ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنْ لَكَ أَنْ تَعِيشَ إِلَى الظَّهْرِ، قَالَ: ادْنُ مِنِّي أَيْ بُنَيَّ. فَدَنَا مِنْهُ فَالْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِي مَنْ يُعِينُنِي عَلَى دِينِي، فَخَرَجَ وَلَمْ يَقِلْ. عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ: أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. قَالَ: فَنَزَلْتُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ عَزَبٌ، فَكُنْتُ مَعَهُ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الْعِشَاءَ وَأَوَى كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا إِلَى فِرَاشِهِ، فَلَمَّا ظَنَّ أَنْ قَدْ نِمْنَا قَامَ [إِلَى] الْمِصْبَاحِ فَأَطْفَأَهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَ يُصَلِّي حَتَّى ذَهَبَ النَّوْمُ. قَالَ: فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ يَقْرَأُ: ( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ. ثُمَّ بَكَى ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا ثُمَّ بَكَى ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَفْعَلُ حَتَّى قُلْتُ سَيَقْتُلُهُ الْبُكَاءُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، كَالْمُسْتَيْقِظِ مِنَ النَّوْمِ لِأَقْطَعَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَلَمَّا سَمِعَنِي أَلْبَدَ فَلَمْ أَسْمَعْ لَهُ حِسًّا. عن زِيَادُ بْنُ أَبِي حَسَّانَ: أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ دَفَنَ ابْنَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، اسْتَوَى قَائِمًا فَأَحَاطَ بِهِ النَّاسُ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّ لَقَدْ كُنْتَ بَرًّا بِأَبِيكَ، وَوَ اللَّهِ مَا زِلْتُ مُنْذُ وَهَبَكَ اللَّهُ لِي مَسْرُورًا بِكَ، وَلَا وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَشَدَّ سُرُورًا وَلَا أَرْجَى لِحَظِّي مِنَ اللَّهِ مِنْكَ مُذْ وَضَعَتْكَ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي صَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَرَحِمَكَ وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ وَجَزَاكَ بِأَحْسَنِ عَمَلِكَ، وَرَحِمَ كُلَّ شَافِعٍ يَشْفَعُ لَكَ غَيْرِي شَاهِدٍ وَغَائِبٍ، رَضِيَنَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَسَلَّمْنَا لِأَمْرِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. ثُمَّ انْصَرَفَ. عِمْرَانُ بْنُ مِلْحَانَ، أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ عِمْرَانُ بْنُ مِلْحَانَ، أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: عن يُوسُفُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ، فَقَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ عَلَى مَاءٍ لَنَا، وَكَانَ لَنَا صَنَمٌ مُدَوَّرٌ فَحَمَلْنَاهُ عَلَى قَتَبٍ وَانْتَقَلْنَا مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ إِلَى غَيْرِهِ، فَمَرَرْنَا بِرَمْلَةٍ فَانْسَلَّ الْحَجَرُ فَوَقَعَ فِي الرَّمْلِ فَغَابَ فِيهِ، فَلَمَّا رَجَعْنَا إِلَى الْمَاءِ فَقَدْنَا الْحَجَرَ فَرَجَعْنَا فِي طَلَبِهِ فَإِذَا هُوَ فِي رَمْلٍ قَدْ غَابَ فَاسْتَخْرَجْنَاهُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ إِسْلَامِي، فَقُلْتُ: إِنَّ إِلَهًا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ تُرَابٍ يَغِيبُ فِيهِ لَإِلَهُ سُوءٍ وَإِنَّ الْعَنْزَ لَتَمْنَعُ حَيَاءَهَا بِثَدْيِهَا. فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابن الجوزي رحمه الله تعالى: رَوَى أَبُو رَجَاءٍ [الْعُطَارِدِيُّ ] عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمَّ قَوْمَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ الْأَشْجَعِيُّ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ الْأَشْجَعِيُّ مَوْلَاهُمُ الْكُوفِيُّ أَخُو زِيَادٍ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَعِمْرَانُ وَمُسْلِمٌ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ رَوَى عَنْ ثَوْبَانَ وَجَابِرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ قَتَادَةُ وَالْأَعْمَشُ وَآخَرُونَ وَكَانَ ثِقَةً نَبِيلًا جَلِيلًا، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ الْمَدَنِيُّ وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَرَآهُ وَحَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو حَازِمٍ وَجَمَاعَةٌ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ مِنْ عِلْيَةِ الْأَنْصَارِ وَعُلَمَائِهِمْ وَمِنْ أَبْنَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: آخِرُ خَرْجَةٍ خَرَجَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؓ إِلَى الْجُمُعَةِ، حَصَبَهُ النَّاسُ وَحَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ. قَالُوا: تُوُفِّيَ سَنَةَ مِائَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ حُدَيْرُ بْنُ كُرَيْبٍ الْحِمْصِيُّ أَبُو الزَّاهِرِيَّةِ حُدَيْرُ بْنُ كُرَيْبٍ الْحِمْصِيُّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ صَدَى بْنَ عَجْلَانَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ وَيُقَالُ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَبَا الدَّرْدَاءِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ وَعَنْ حُذَيْفَةَ مُرْسَلَةٌ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَلَدِهِ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ. وَمِنْ أَغْرَبِ مَا رُوِيَ عَنْهُ قَوْلُ قُتَيْبَةَ: ثَنَا شِهَابُ بْنُ خِرَاشٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ قَالَ: أَغْفَيْتُ فِي صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَجَاءَتِ السَّدَنَةُ، فَأَغْلَقُوا عَلَيَّ الْبَابَ، فَمَا انْتَبَهْتُ إِلَّا بِتَسْبِيحِ الْمَلَائِكَةِ فَوَثَبْتُ مَذْعُورًا، فَإِذَا الْمَلَائِكَةُ صُفُوفٌ; فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ فِي الصَّفِّ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَغَيْرُهُ: مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ. أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو اللَّيْثِيُّ الْكِنَانِيُّ صَحَابِيٌّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَفَاةً بِالْإِجْمَاعِ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَآهُ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ وَذَكَرَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدَّثَ عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَكَانَ مِنْ أَنْصَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ شَهِدَ مَعَهُ حُرُوبَهُ كُلَّهَا لَكِنْ نَقِمَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ كَوْنَهُ كَانَ مَعَ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ حَامِلَ رَايَتِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ: مَا أَبْقَى لَكَ الدَّهْرُ مِنْ ثَكْلِكَ عَلِيًّا؟ فَقَالَ: ثُكْلَ الْعَجُوزِ الْمِقْلَاتِ وَالشَّيْخِ الرَّقُوبِ. قَالَ: كَيْفَ حُبُّكَ لَهُ؟ قَالَ: حُبُّ أُمِّ مُوسَى لِمُوسَى وَإِلَى اللَّهِ أَشْكُو التَّقْصِيرَ. قِيلَ: إِنَّهُ أَدْرَكَ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانَ سِنِينَ وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ: وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مُطْلَقًا وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ. وَفِيهَا مَاتَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ( وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.

  351. التاريخ 2443لا حكم مسجّل

    تَرْجَمَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْأُمَوِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ  رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو حَفْصٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأُمُّهُ أُمُّ عَاصِمٍ لَيْلَى بِنْتُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَيُقَالُ لَهُ: أَشَجُّ بَنِي مَرْوَانَ. وَكَانَ يُقَالُ: الْأَشَجُّ وَالنَّاقِصُ أَعْدَلَا بَنِي مَرْوَانَ. فَهَذَا هُوَ الْأَشَجُّ،. مرويات عمر بن عبد العزيز كَانَ عُمَرُ تَابِعِيًّا جَلِيلًا، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَيُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَيُوسُفُ صَحَابِيٌّ صَغِيرٌ. وَرَوَى عَنْ خَلْقٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: لَا أَرَى قَوْلَ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ حُجَّةً إِلَّا قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ ابْنِ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَهْدٍ مِنْهُ لَهُ بِذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ. مولد عمر بن عبد العزيز وإخوته وَيُقَالُ: كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ؓ بِمِصْرَ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْإِخْوَةِ، وَلَكِنِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَبَوَيْهِ; أَبُو بَكْرٍ وَعَاصِمٌ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بسنده عَنِ اللَّيْثِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَجُلًا رَأَى فِي الْمَنَامِ لَيْلَةَ وُلِدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ لَيْلَةَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ شَكَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ مُنَادِيًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يُنَادِي: أَتَاكُمُ اللِّينُ وَالدِّينُ، وَإِظْهَارُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ فِي الْمُصَلِّينَ. فَقُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟ فَنَزَلَ فَكَتَبَ فِي الْأَرْضِ: عُمَرُ. وَقَالَ آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ بسنده عن أَبُو عَلِيٍّ ثَرْوَانُ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى إِصْطَبْلِ أَبِيهِ وَهُوَ غُلَامٌ، فَضَرَبَهُ فَرَسٌ فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ أَبُوهُ يَمْسَحُ عَنْهُ الدَّمَ، وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ أَشَجَّ بَنِي أُمَيَّةَ إِنَّكَ إِذًا لَسَعِيدٌ. وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ بسنده عَنْ أَبِي قُبَيْلٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَكَى، وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهُ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ الْمَوْتَ. فَبَكَتْ أُمُّهُ. وَكَانَ قَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ الْحِزَامِيُّ: كَانَ أَبُوهُ قَدْ جَعَلَهُ عِنْدَ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ يُؤَدِّبُهُ، فَلَمَّا حَجَّ أَبُوهُ اجْتَازَ بِهِ فِي الْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: مَا خَبَرْتُ أَحَدًا اللَّهُ أَعْظَمُ فِي صَدْرِهِ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَأَخَّرَ عَنِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ يَوْمًا، فَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ مَا شَغَلَكَ؟ فَقَالَ: كَانَتْ مُرَجِّلَتِي تُسَكِّنُ شَعْرِي. فَقَالَ لَهُ: أَقَدَّمْتَ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ؟ وَكَتَبَ إِلَى أَبِيهِ، وَهُوَ عَلَى مِصْرَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ أَبُوهُ رَسُولًا فَلَمْ يُكَلِّمْهُ حَتَّى حَلَقَ رَأْسَهُ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَخْتَلِفُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَسْمَعُ مِنْهُ، فَبَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ يَنْتَقِصُ عَلِيًّا، فَلَمَّا أَتَاهُ عُمَرُ أَعْرَضَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْهُ، وَقَامَ يُصَلِّي فَجَلَسَ عُمَرُ يَنْتَظِرُهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَى عُمَرَ مُغْضَبًا، وَقَالَ لَهُ: مَتَى بَلَغَكَ أَنَّ اللَّهَ سَخِطَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ بَعْدَ أَنْ رَضِيَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: فَفَهِمَهَا عُمَرُ، وَقَالَ: مَعْذِرَةً إِلَى اللَّهِ ثُمَّ إِلَيْكَ، وَاللَّهِ لَا أَعُودُ. قَالَ: فَمَا سُمِعَ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْكُرُ عَلِيًّا إِلَّا بِخَيْرٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: بسنده عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ: دَخَلَ عَلَيْنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ هَذَا الْبَابِ يَعْنِي بَابًا مِنْ أَبْوَابِ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بَعَثَ إِلَيْنَا الْفَاسِقُ بِابْنِهِ هَذَا يَتَعَلَّمُ الْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ خَلِيفَةً وَيَسِيرُ بِسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. قَالَ دَاوُدُ: فَوَاللَّهِ مَا مَاتَ حَتَّى رَأَيْنَا ذَلِكَ فِيهِ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنِي الْعُتْبِيُّ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا اسْتُبْيِنَ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِرْصُهُ عَلَى الْعِلْمِ وَرَغْبَتُهُ فِي الْأَدَبِ - أَنَّ أَبَاهُ وَلِيَ مِصْرَ وَهُوَ حَدِيثُ السِّنِّ، يُشَكُّ فِي بُلُوغِهِ، فَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ مَعَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَهْ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ لَعَلَّهُ يَكُونُ أَنْفَعَ لِي وَلَكَ؟ تُرَحِّلُنِي إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقْعُدُ إِلَى فُقَهَاءِ أَهْلِهَا وَأَتَأَدَّبُ بِآدَابِهِمْ. فَوَجَّهَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَعَدَ مَعَ مَشَايِخِ قُرَيْشٍ، وَتَجَنَّبَ شَبَابَهُمْ، وَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى اشْتَهَرَ ذِكْرُهُ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُوهُ أَخَذَهُ عَمُّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَخَلَطَهُ بِوَلَدِهِ، وَقَدَّمَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، وَهِيَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الشَّاعِرُ: بِنْتُ الْخَلِيفَةِ وَالْخَلِيفَةُ جَدُّهَا أُخْتُ الْخَلَائِفِ وَالْخَلِيفَةُ زَوْجُهَا قَالَ: وَلَا نَعْرِفُ امْرَأَةً بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا سِوَاهَا. قَالَ الْعُتْبِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ حَاسِدُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَنْقِمُ عَلَيْهِ شَيْئًا سِوَى مُتَابَعَتِهِ فِي النِّعْمَةِ، وَالِاخْتِيَالِ فِي الْمِشْيَةِ. وَقَدْ قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: الْكَامِلُ مَنْ عُدَّتْ هَفَوَاتُهُ، وَلَا تُعَدُّ إِلَّا مِنْ قِلَّةٍ. وَدَخَلَ يَوْمًا عَلَى عَمِّهِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ يَتَجَانَفُ فِي مِشْيَتِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، مَا لَكَ تَمْشِي غَيْرَ مِشْيَتِكَ؟ قَالَ: إِنَّ فِيَّ جُرْحًا. فَقَالَ: وَأَيْنَ هُوَ مِنْ جَسَدِكَ؟ قَالَ: بَيْنَ الرَّانِفَةِ وَالصَّفَنِ يَعْنِي بَيْنَ طَرَفِ الْأَلْيَةِ وَجِلْدَةِ الْخِصْيَةِ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِرَوْحِ بْنِ زِنْبَاعٍ: بِاللَّهِ لَوْ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِكَ سُئِلَ عَنْ هَذَا مَا أَجَابَ هَذَا الْجَوَابَ. قَالُوا: وَلَمَّا مَاتَ عَمُّهُ عَبْدُ الْمَلِكِ حَزِنَ عَلَيْهِ، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ تَحْتَ ثِيَابِهِ سَبْعِينَ يَوْمًا. وَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ عَامَلَهُ بِمَا كَانَ أَبُوهُ يُعَامِلُهُ بِهِ، وَوَلَّاهُ الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفَ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ، وَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَسَنَةَ تِسْعِينَ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ الْوَلِيدُ سَنَةَ إِحْدَى وَتِسْعِينَ، ثُمَّ حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ. وَبَنَى فِي مُدَّةِ وِلَايَتِهِ هَذِهِ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ وَوَسَّعَهُ عَنْ أَمْرِ الْوَلِيدِ لَهُ بِذَلِكَ، فَدَخَلَ فِيهِ قَبْرُ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ كَانَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ مُعَاشَرَةً، وَأَعْدَلِهِمْ سِيرَةً; كَانَ إِذَا وَقَعَ لَهُ أَمْرٌ مُشْكِلٌ جَمَعَ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَيَّنَ عَشَرَةً مِنْهُمْ، وَكَانَ لَا يَقْطَعُ أَمْرًا بِدُونِهِمْ أَوْ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ، وَهُمْ: عُرْوَةُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي خَثْمَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. وَكَانَ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَدْ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَا يَأْتِي أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ وَكَانَ يَأْتِي إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَبِهَا ابْنُ الْمُسَيِّبِ، وَغَيْرُهُ وَقَدْ نَدَبَهُمْ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ رَأْيًا. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ بسنده عن قَادِمٌ الْبَرْبَرِيُّ، أَنَّهُ ذَاكَرَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْئًا مِنْ قَضَايَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ: كَأَنَّكَ تَقُولُ: أَخْطَأَ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْطَأَ قَطُّ. وَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ أَشْبَهَ صَلَاةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذَا الْفَتَى يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ كَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ. قَالُوا: وَكَانَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَيُخَفِّفُ الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ: أَنَّهُ كَانَ يُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَشْرًا عَشْرًا. علم عمر بن عبد العزيز وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ بسنده عَنْ أَبِي النَّضْرِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: لَقِيتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ خَارِجًا مِنْ عِنْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقُلْتُ لَهُ: مِنْ عِنْدِ عُمَرَ خَرَجْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: تُعَلِّمُونَهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: هُوَ وَاللَّهِ أَعْلَمُكُمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَتَيْنَاهُ نُعَلِّمُهُ فَمَا بَرِحْنَا حَتَّى تَعَلَّمْنَا مِنْهُ. وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ كَانَتِ الْعُلَمَاءُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَلَامِذَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ مَيْمُونٌ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُعَلِّمَ الْعُلَمَاءِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ كَانَ قَدْ صَحِبَ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ قَالَ: مَا الْتَمَسْنَا عِلْمَ شَيْءٍ إِلَّا وَجَدْنَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَصْلِهِ وَفَرْعِهِ، وَمَا كَانَ الْعُلَمَاءُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَّا تَلَامِذَةً. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ: رَأَيْتُ أَبِي تَوَاقَفَ هُوَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ حَتَّى أَصْبَحْنَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا قُلْتُ: يَا أَبَهْ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ ؟ قَالَ: هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ مِنْ صَالِحِي هَذَا الْبَيْتِ، يَعْنِي بَنِي أُمَيَّةَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا كَانَ بَدْءُ إِنَابَتِكَ؟ قَالَ: أَرَدْتُ ضَرْبَ غُلَامٍ لِي فَقَالَ لِي: اذْكُرْ لَيْلَةً صَبِيحَتُهَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ. عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: لَمَّا عُزِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الْمَدِينَةِ يَعْنِي فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَخَرَجَ مِنْهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا وَبَكَى، وَقَالَ لِمَوْلَاهُ: يَا مُزَاحِمُ، نَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّنْ نَفَتِ الْمَدِينَةُ. يَعْنِي أَنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ، وَتَنْصَعُ طِيبَهَا. قُلْتُ: خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَنَزَلَ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: السُّوَيْدَاءُ حِينًا، ثُمَّ قَدِمَ دِمَشْقَ عَلَى بَنِي عَمِّهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: خَرَجْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَا مِنْ رَجُلٍ أَعْلَمَ مِنِّي، فَلَمَّا قَدِمْتُ الشَّامَ نَسِيتُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: سَهِرْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: كُلُّ مَا حَدَّثْتَ فَقَدْ سَمِعْتُهُ، وَلَكِنْ حَفِظْتَ وَنَسِيتُ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعَثَ إِلَيَّ الْوَلِيدُ ذَاتَ سَاعَةٍ مِنَ الظَّهِيرَةِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَابِسٌ، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ فَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِيمَنْ يَسُبُّ الْخُلَفَاءَ أَيُقْتَلُ ؟ فَسَكَتُّ ثُمَّ عَادَ فَسَكَتُّ ثُمَّ عَادَ، فَقُلْتُ: أَقَتَلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ سَبَّ. فَقُلْتُ: يُنَكَّلُ بِهِ. فَغَضِبَ وَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ، وَقَالَ لِي ابْنُ الرَّيَّانِ السَّيَّافُ: اذْهَبْ. قَالَ: فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَمَا تَهُبُّ رِيحٌ إِلَّا وَأَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ رَسُولٌ يَرُدُّنِي إِلَيْهِ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ: أَقْبَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى مُعَسْكَرِ سُلَيْمَانَ وَفِيهِ تِلْكَ الْخُيُولُ وَالْجِمَالُ وَالْبِغَالُ وَالْأَثْقَالُ وَالرِّجَالُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا تَقُولُ يَا عُمَرُ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: أَرَى دُنْيَا يَأْكُلُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَأَنْتَ الْمَسْئُولُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنَ الْمُعَسْكَرِ إِذَا غُرَابٌ قَدْ أَخَذَ لُقْمَةً فِي فِيهِ مِنْ فُسْطَاطِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ طَائِرٌ بِهَا وَنَعَبَ نَعْبَةً، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ أَنَّهُ يَقُولُ؟ قَالَ: كَأَنَّهُ يَقُولُ: مَنْ أَيْنَ جَاءَتْ؟ وَأَيْنَ يُذْهَبُ بِهَا؟ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: مَا أَعْجَبَكَ!! فَقَالَ عُمَرُ: أَعْجَبُ مِنِّي مَنْ عَرَفَ اللَّهَ فَعَصَاهُ، وَمَنْ عَرَفَ الشَّيْطَانَ فَأَطَاعَهُ. وَذَكَرَ الْإِمَامُ مَالِكٌ أَنَّ سُلَيْمَانَ وَعُمَرَ تَقَاوَلَا مَرَّةً، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ فِي جُمْلَةِ الْكَلَامِ: كَذَبْتَ. فَقَالَ: تَقُولُ لِي: كَذَبْتَ ؟ وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ مُنْذُ عَرَفْتُ أَنَّ الْكَذِبَ يَضُرُّ أَهْلَهُ. ثُمَّ هَجَرَهُ عُمَرُ وَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ إِلَى مِصْرَ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ سُلَيْمَانُ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ فَصَالَحَهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا عَرَضَ لِي أَمْرٌ يَهُمُّنِي إِلَّا خَطَرْتَ عَلَى بَالِي. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَفَاةُ، أَوْصَى بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَانْتَظَمَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.

  352. التاريخ 2444لا حكم مسجّل

    ( مَنَاقِبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ   ) قَالَ: أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: بسنده عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: يَا عَجَبًا ! يَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْقَضِي حَتَّى يَلِيَ رَجُلٌ مِنْ آلِ عُمَرَ يَعْمَلُ بِمِثْلِ عَمَلِ عُمَرَ. قَالَ: فَكَانُوا يَرَوْنَهُ بِلَالَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: وَكَانَ بِوَجْهِهِ أَثَرٌ، فَلَمْ يَكُنْ هُوَ، وَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأُمُّهُ ابْنَةُ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: بسنده عَنْ جُوَيْرِيَّةَ بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنَّ مِنْ وَلَدِي رَجُلًا بِوَجْهِهِ شَيْنٌ يَلِي، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا. قَالَ نَافِعٌ مِنْ قَبْلِهِ: وَلَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ: وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ كَأَنَّ رَجُلًا دَخَلَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وُلِّيَ عَلَيْكُمْ كِتَابُ اللَّهِ. فَقُلْتُ: مَنْ ؟ فَأَشَارَ إِلَى ظَهْرِهِ، فَإِذَا مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: عُ مَ رُ. قَالَ: فَجَاءَتْ بَيْعَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ بَقِيَّةُ، بسنده عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فَقَالَ لَهُ: " إِنَّكَ سَتَلِي أَمْرَ أُمَّتِي فَزَعْ عَنِ الدَّمِ، فَإِنَّ اسْمَكَ فِي النَّاسِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاسْمُكَ عِنْدَ اللَّهِ جَابِرٌ ". وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِيِّ: بسنده عَنْ رَبَاحِ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَشَيْخٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى يَدِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّ هَذَا الشَّيْخَ جَافٌّ، فَلَمَّا صَلَّى وَدَخَلَ لَحِقْتُهُ، فَقُلْتُ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، مَنِ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ مُتَّكِئًا عَلَى يَدِكَ ؟ فَقَالَ: يَا رَبَاحُ رَأَيْتَهُ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أَحْسَبُكَ يَا رَبَاحُ إِلَّا رَجُلًا صَالِحًا، ذَاكَ أَخِي الْخَضِرُ، أَتَانِي فَأَعْلَمَنِي أَنِّي سَأَلِي أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنِّي سَأَعْدِلُ فِيهَا. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: بسنده عَنْ أَبِي الْأَعْيَسِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَجَاءَ شَابٌّ عَلَيْهِ مُقَطَّعَاتٌ، فَأَخَذَ بِيَدِ خَالِدٍ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيْنَا مِنْ عَيْنٍ ؟ فَقَالَ أَبُو الْأَعْيَسِ: فَقُلْتُ: عَلَيْكُمَا مِنَ اللَّهِ عَيْنٌ بَصِيرَةٌ وَأُذُنٌ سَمِيعَةٌ، قَالَ: فَتَرَقْرَقَتْ عَيْنَا الْفَتَى. فَأَرْسَلَ يَدَهُ مِنْ يَدِ خَالِدٍ وَوَلَّى، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنُ أَخِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّهُ إِمَامَ هُدًى. قُلْتُ: قَدْ كَانَ عِنْدَ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ شَيْءٌ جَيِّدٌ مِنْ أَخْبَارِ الْأَوَائِلِ وَأَقْوَالِهِمْ. العهد لعمر بن عبد العزيز بالخلافة وَقَدْ روي أن سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عَزَمَ أَنْ يَكْتُبَ الْعَهْدَ بِاسْمِ أَحَدِ أَوْلَادِهِ، فَمَا زَالَ بِهِ وَزِيرُهُ الصَّادِقُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ حَتَّى صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ لِأَصْلَحِ النَّاسِ لَهُمْ، فَأَلْهَمَ اللَّهُ الْخَلِيفَةَ رُشْدَهُ، فَعَيَّنَ لَهَا ابْنَ عَمِّهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَجَوَّدَ رَأْيَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ وَصَوَّبَهُ، فَكَتَبَ سُلَيْمَانُ الْعَهْدَ فِي صَحِيفَةٍ، وَخَتَمَهَا، وَلَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ عُمَرُ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ سِوَى سُلَيْمَانَ وَرَجَاءٍ، ثُمَّ أَمَرَ صَاحِبَ الشُّرَطَةِ بِإِحْضَارِ الْأُمَرَاءِ، وَرُءُوسِ النَّاسِ مِنْ بَنِي مَرْوَانَ وَغَيْرِهِمْ، فَبَايَعُوا سُلَيْمَانَ عَلَى مَا فِي الصَّحِيفَةِ الْمَخْتُومَةِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، ثُمَّ لَمَّا مَاتَ الْخَلِيفَةُ اسْتَدْعَاهُمْ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ فَبَايَعُوا ثَانِيَةً، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا مَوْتَ الْخَلِيفَةِ، ثُمَّ فَتَحَهَا فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ، فَإِذَا فِيهَا الْبَيْعَةُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَخَذُوهُ فَأَجْلَسُوهُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَبَايَعُوهُ، فَانْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ. اختلاف العلماء في الرَّجُلِ يُوصِي الْوَصِيَّةَ فِي كِتَابٍ وَيُشْهِدُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الشُّهُودِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ فِي الرَّجُلِ يُوصِي الْوَصِيَّةَ فِي كِتَابٍ وَيُشْهِدُ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى الشُّهُودِ، ثُمَّ يَشْهَدُونَ عَلَى مَا فِيهِ فَيَنْفُذُ  ، فَسَوَّغَ ذَلِكَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ; قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجُرَيْرِيُّ: أَجَازَ ذَلِكَ وَأَمْضَاهُ وَأَنْفَذَ الْحُكْمَ بِهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الشَّامِ. وَحَكَى نَحْوَ ذَلِكَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ وَقُضَاةِ جُنْدِهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي مَنْ وَافَقَهُ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ مِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقُضَاتِهِمْ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، وَعَنْ سَوَّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَمُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيِّ فِي مَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ. وَأَخَذَ بِهَذَا عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. قُلْتُ: وَقَدِ اعْتَنَى بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ". قَالَ الْمُعَافَى: وَأَبَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ، مِنْهُمْ: إِبْرَاهِيمُ، وَحَمَّادٌ، وَالْحَسَنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ. قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ شَيْخِنَا أَبِي جَعْفَرٍ، وَكَانَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ يَذْهَبُ إِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ. قَالَ الْجَرِيرِيُّ: وَإِلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ نَذْهَبُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ جِنَازَةِ سُلَيْمَانَ أُتِيَ بِمَرَاكِبِ الْخِلَافَةِ لِيَرْكَبَهَا، فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: فَلَوْلَا التُّقَى ثُمَّ النُّهَى خَشْيَةَ الرَّدَى لَعَاصَيْتُ فِي حُبِّ الصِّبَا كُلَّ زَاجِرِ     قَضَى مَا قَضَى فِيمَا مَضَى ثُمَّ لَا تَرَى لَهُ صَبْوَةً أُخْرَى اللَّيَالِي الْغَوَابِرِ ثُمَّ قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَدِّمُوا إِلَيَّ بَغْلَتِي. ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْعِ تِلْكَ الْمَرَاكِبِ الْخَلِيفِيَّةِ فِي مَنْ يُرِيدُ، وَكَانَتْ مِنَ الْخُيُولِ الْجِيَادِ الْمُثَمَّنَةِ، فَبَاعَهَا وَجَعَلَ أَثْمَانَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ. قَالُوا: فَلَمَّا رَجَعَ مِنَ الْجِنَازَةِ، وَقَدْ بَايَعَهُ النَّاسُ، وَاسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ بِاسْمِهِ، انْقَلَبَ وَهُوَ مُغْتَمٌّ مَهْمُومٌ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: مَا لَكَ هَكَذَا مُغْتَمًّا مَهْمُومًا، وَلَيْسَ هَذَا بِوَقْتِ هَذَا ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ ! وَمَا لِي لَا أَغْتَمُّ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا وَهُوَ يُطَالِبُنِي بِحَقِّهِ ; أَنْ أُؤَدِّيَهُ إِلَيْهِ، كَتَبَ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَكْتُبْ، طَلَبَهُ مِنِّي أَوْ لَمْ يَطْلُبْ. قَالُوا: ثُمَّ إِنَّهُ خَيَّرَ امْرَأَتَهُ فَاطِمَةَ بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرَاغَ لَهُ إِلَيْهَا، وَبَيْنَ أَنْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَبَكَتْ وَبَكَى جَوَارِيهَا لِبُكَائِهَا، فَسُمِعَتْ ضَجَّةٌ فِي دَارِهِ، ثُمَّ اخْتَارَتْ مُقَامَهَا مَعَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، رَحِمَهَا اللَّهُ. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: تَفَرَّغْ لَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ قَدْ جَاءَ شُغْلٌ شَاغِلٌ     وَعَدَلْتُ عَنْ طُرُقِ السَّلَامَهْ ذَهَبَ الْفَرَاغُ فَلَا فَرَا     غَ لَنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَهْ وَقَالَ سَهْلُ بْنُ صَدَقَةَ: (لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ... سُمِعَ فِي مَنْزِلِهِ بُكَاءٌ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّ عُمَرَ خَيَّرَ جَوَارِيَهُ، فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ بِي أَمْرٌ قَدْ شَغَلَنِي عَنْكُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ أُعْتِقَهُ... أَعْتَقْتُهُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ أُمْسِكَهُ... أَمْسَكْتُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِنِّي إِلَيْهَا شَيْءٌ، فَبَكَيْنَ إِيَاسًا مِنْهُ). وَقَالَتْ فَاطِمَةُ امْرَأَتُهُ: (كَانَ عُمَرُ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ... أَلْقَى نَفْسَهُ فِي مَسْجِدِهِ، فَلَا يَزَالُ يَبْكِي وَيَدْعُو حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لَيْلَتَهُ أَجْمَعَ). وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي السَّائِبِ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَخْوَفَ مِنْ عُمَرَ). وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: (إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَهُ أَشْرَافُ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ: تُحِبُّونَ أَنْ أُوَلِّيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ جُنْدًا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: لِمَ تَعْرِضُ عَلَيْنَا مَا لَا تَفْعَلُهُ؟! قَالَ: تَرَوْنَ بِسَاطِي هَذَا؟ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى بِلًى وَفَنَاءٍ، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تُدَنِّسُوهُ بِأَرْجُلِكُمْ، فَكَيْفَ أُوَلِّيكُمْ دِينِي، أُوَلِّيكُمْ أَعْرَاضَ الْمُسْلِمِينَ وَأَبْشَارَهُمْ؟! هَيْهَاتَ لَكُمْ هَيْهَاتَ!! فَقَالُوا لَهُ: لِمَ؟ أَمَا لَنَا قَرَابَةٌ؟ أَمَا لَنَا حَقٌّ؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ وَأَقْصَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عِنْدِي فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا سَوَاءٌ، إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَبَسَهُ عَنِّي طُولُ شُقَّتِهِ). وَقَالَ حُمَيْدٌ: (أَمْلَى عَلَيَّ الْحَسَنُ رِسَالَةً إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَبْلَغَ، ثُمَّ شَكَا الْحَاجَةَ وَالْعِيَالَ، فَأَمَرَ بِعَطَائِهِ). وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاقِبَ رَجُلًا... حَبَسَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَاقَبَهُ، كَرَاهَةَ أَنْ يَعْجَلَ فِي أَوَّلِ غَضَبِهِ). وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: (مَا رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ضَرَبَ أَحَدًا فِي خِلَافَتِهِ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، تَنَاوَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَضَرَبَهُ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَمَّا قَطَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ مَا كَانَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ أَرْزَاقِ الْخَاصَّةِ... كَلَّمُوهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: لَنْ يَتَّسِعَ مَالِي لَكُمْ، وَأَمَّا هَذَا الْمَالُ... فَإِنَّمَا حَقُّكُمْ فِيهِ كَحَقِّ رَجُلٍ بِأَقْصَى بَرْكِ الْغِمَادِ). وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: (كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: بِرَدِّ أَحْكَامٍ مَنْ أَحْكَامِ الْحَجَّاجِ مُخَالِفَةٍ لِأَحْكَامِ النَّاسِ). وَقَالَ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ: (لَمَّا وَلَّانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَوْصِلَ.. قَدِمْتُهَا فَوَجَدْتُهَا مِنْ أَكْثَرِ الْبِلَادِ سَرِقَةً وَنَقْبًا، فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أُعْلِمُهُ حَالَ الْبَلَدِ، وَأَسْأَلُهُ: آخُذُ النَّاسَ بِالظِّنَّةِ وَأَضْرِبُهُمْ عَلَى التُّهْمَةِ؟ أَوْ آخُذُهُمْ بِالْبَيِّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنْ خُذِ النَّاسَ بِالْبَيِّنَةِ وَمَا جَرَتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ؛ فَإِنْ لَمْ يُصْلِحْهُمُ الْحَقُّ... فَلَا أَصْلَحَهُمُ اللَّهُ. قَالَ يَحْيَى: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَمَا خَرَجْتُ مِنَ الْمَوْصِلِ.. حَتَّى كَانَتْ مِنْ أَصْلَحِ الْبِلَادِ، وَأَقَلِّهِ سَرِقَةً وَنَقْبًا). وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ: (سَمَرْتُ لَيْلَةً عِنْدَ عُمَرَ، فَعَشَى السِّرَاجُ، - وَإِلَى جَانِبِهِ وَصِيفٌ، قُلْتُ: أَلَا أُنَبِّهُهُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَفَلَا أَقُومُ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ اسْتِخْدَامُهُ ضَيْفَهُ، فَقَامَ إِلَى بَطَّةِ الزَّيْتِ، وَأَصْلَحَ السِّرَاجَ ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: قُمْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَجَعْتُ وَأَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ). وَقَالَ نُعَيْمٌ كَاتِبُهُ: (قَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ مَخَافَةُ الْمُبَاهَاةِ). وَقَالَ مَكْحُولٌ: (لَوْ حَلَفْتُ... لَصَدَقْتُ؛ مَا رَأَيْتُ أَزْهَدَ وَلَا أَخْوَفَ لِلَّهِ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ!!). وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْتَ... اضْطَرَبَتْ أَوْصَالُهُ). وَقَالَ عَطَاءٌ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَجْمَعُ كُلَّ لَيْلَةٍ الْفُقَهَاءَ، فَيَتَذَاكَرُونَ الْمَوْتَ  وَالْقِيَامَةَ ثُمَّ يَبْكُونَ، حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جِنَازَةً). وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعِيزَارِ: (خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِالشَّامِ عَلَى مِنْبَرٍ مِنْ طِينٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَصْلِحُوا أَسْرَارَكُمْ... تَصْلُحْ عَلَانِيَتُكُمْ، وَاعْمَلُوا لِآخِرَتِكُمْ... تُكْفَوْا دُنْيَاكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ رَجُلًا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ أَبٌ حَيٌّ لَمُعْرَقٌ لَهُ فِي الْمَوْتِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ). وَقَالَ وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ: (اجْتَمَعَ بَنُو مَرْوَانَ إِلَى بَابِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالُوا لِابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ: قُلْ لِأَبِيكَ: إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ كَانَ يُعْطِينَا وَيَعْرِفُ لَنَا مَوْضِعَنَا، وَإِنَّ أَبَاكَ قَدْ حَرَمَنَا مَا فِي يَدَيْهِ، فَدَخَلَ عَلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ قُلْ: إِنَّ أَبِي يَقُولُ لَكُمْ: { إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: خُذُوا مِنَ الرَّأْيِ مَا يُصَدِّقُ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَلَا تَأْخُذُوا مَا هُوَ خِلَافٌ لَهُمْ؛ فَإِنَّهُمْ خَيْرٌ مِنْكُمْ وَأَعْلَمُ). [ قِصَّةُ صَاحِبِ الْحَرَسِ مَعَ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ]   وَقَالَ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ: (كَانَ عُمَرُ يَنْهَى سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ قَتْلِ الْحَرُورِيَّةِ، وَيَقُولُ: ضَمِنَهُمُ الْحَبْسُ حَتَّى يُحْدِثُوا تَوْبَةً، فَأَتَى سُلَيْمَانُ بِحَرُورِيٍّ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: هِيهِ، فَقَالَ الْحَرُورِيُّ: وَمَاذَا أَقُولُ؟ يَا فَاسِقَ ابْنَ الْفَاسِقِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: عَلَيَّ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَلَمَّا جَاءَ.. قَالَ: اسْمَعْ مَقَالَةَ هَذَا، فَأَعَادَهَا الْحَرُورِيُّ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِعُمَرَ: مَاذَا تَرَى عَلَيْهِ؟ فَسَكَتَ، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ؛ لَتُخْبِرَنِّي مَاذَا تَرَى عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَرَى عَلَيْهِ أَنْ تَشْتِمَهُ كَمَا شَتَمَكَ، قَالَ: لَيْسَ إِلَّا [ذَا]؟! فَأَمَرَ بِهِ سُلَيْمَانُ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَخَرَجَ عُمَرُ، فَأَدْرَكَهُ خَالِدٌ صَاحِبُ الْحَرَسِ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ؛ كَيْفَ تَقُولُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: مَا أَرَى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ تَشْتُمَهُ كَمَا شَتَمَكَ؟! وَاللَّهِ؛ لَقَدْ كُنْتُ مُتَوَقِّعًا أَنْ يَأْمُرَنِي بِضَرْبِ عُنُقِكَ. قَالَ: وَلَوْ أَمَرَكَ... فَعَلْتَ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ. فَلَمَّا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عُمَرَ... جَاءَ خَالِدٌ فَقَامَ مَقَامَ صَاحِبِ الْحَرَسِ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا خَالِدُ؛ ضَعْ هَذَا السَّيْفَ عَنْكَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي قَدْ وَضَعْتُ لَكَ خَالِدًا فَلَا تَرْفَعْهُ أَبَدًا، ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْحَرَسِ، فَدَعَا عَمْرَو بْنَ مُهَاجِرٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: يَا عَمْرُو، وَاللَّهِ لَتَعْلَمَنَّ أَنَّ، مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَرَابَةٌ إِلَّا قَرَابَةُ الْإِسْلَامِ؛ وَلَكِنْ سَمِعْتُكَ تُكْثِرُ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَرَأَيْتُكَ تُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ تَظُنُّ أَلَّا يَرَاكَ أَحَدٌ، فَرَأَيْتُكَ تُحْسِنُ الصَّلَاةَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، خُذْ هَذَا السَّيْفَ؛ فَقَدْ وَلَّيْتُكَ حَرَسِي). وَقَالَ شُعَيْبٌ: (حُدِّثْتُ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَبِّكَ غَدًا إِذَا سَأَلَكَ؟ فَقَالَ: رَأَيْتَ بِدَعَةً فَلَمْ تُمِتْهَا، أَوْ سُنَّةً فَلَمْ تُحْيِهَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَجَزَاكَ مِنْ وَلَدٍ خَيْرًا، يَا بُنَيَّ؛ إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ شَدُّوا هَذَا الْأَمْرَ عُقْدَةً عُقْدَةً، وَعُرْوَةً عُرْوَةً، وَمَتَى أَرَدْتُ مُكَابَرَتَهُمْ عَلَى انْتِزَاعِ مَا فِي أَيْدِيهِمْ... لَمْ آمَنْ أَنْ يَفْتُقُوا عَلَيَّ فَتْقًا يَكْثُرُ فِيهِ الدِّمَاءُ، وَاللَّهِ؛ لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يُرَاقَ فِي سَبَبِي مَحْجَمَةٌ مِنْ دَمٍ، أَوَ مَا تَرْضَى أَلَّا يَأْتِيَ عَلَى أَبِيكَ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا... إِلَّا وَهُوَ يُمِيتُ فِيهِ بِدْعَةً، وَيُحْيِي فِيهِ سُنَّةً؟!) وَقَالَ مَعْمَرٌ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ عُصِمَ مِنَ الْمِرَاءِ وَالْغَضَبِ وَالطَّمَعِ).   وَقَالَ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ: (قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَوِ اتَّخَذْتَ حَرَسًا، وَاحْتَرَزْتَ فِي طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ؟ فَقَالَ: اللَّهُمَّ؛ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي أَخَافُ شَيْئًا دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ... فَلَا تُؤْمِنْ خَوْفِي). كتاب عمر بن عبد العزيز إلى يزيد بن المهلب وقِيلَ: لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَبَضَهُ وَاسْتَخْلَفَنِي، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ بَعْدِي إِنْ كَانَ، وَإِنَّ الَّذِي وَلَّانِي اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدَّرَ لِي لَيْسَ عَلَيَّ بِهَيِّنٍ، وَلَوْ كَانَتْ رَغْبَتِي فِي اتِّخَاذِ أَزْوَاجٍ، أَوِ اعْتِقَادِ أَمْوَالٍ، لَكَانَ فِي الَّذِي أَعْطَانِي مِنْ ذَلِكَ مَا قَدْ بَلَغَ بِي، أَفْضَلَ مَا بَلَغَ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَا أَخَافُ فِيمَا ابْتُلِيتُ بِهِ حِسَابًا شَدِيدًا، وَمَسْأَلَةً غَلِيظَةً، إِلَّا مَا عَفَا اللَّهُ وَرَحِمَ، وَقَدْ بَايَعَ مَنْ قِبَلَنَا، فَبَايِعْ مَنْ قِبَلَكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ قِيلَ لَهُ: لَسْتَ مِنْ عُمَّالِهِ، لِأَنَّ كَلَامَهُ لَيْسَ كَكَلَامِ مَنْ مَضَى مِنْ أَهْلِهِ. فَدَعَا يَزِيدُ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ، فَبَايَعُوا. قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَاعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. قَالَ طُفَيْلُ بْنُ مِرْدَاسٍ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي السَّرِيِّ: أَنِ اعْمَلْ خَانَاتٍ، فَمَنْ مَرَّ بِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَاقْرُوهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَتَعَهَّدُوا دَوَابَّهُمْ، وَمَنْ كَانَتْ بِهِ عِلَّةٌ فَاقْرُوهُ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا بِهِ، فَأَبْلِغْهُ بَلَدَهُ. فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ عُمَرَ قَالَ لَهُ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ: قُتَيْبَةُ ظَلَمَنَا وَغَدَرَ بِنَا فَأَخَذَ بِلَادَنَا، وَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْعَدْلَ وَالْإِنْصَافَ، فَأْذَنْ لَنَا فَلْيَقْدَمْ مِنَّا وَفْدٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَأَذِنَ لَهُمْ، فَوَجَّهُوا وَفْدًا إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ لَهُمْ إِلَى سُلَيْمَانَ: إِنَّ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ شَكَوْا ظُلْمًا وَتَحَامُلًا مِنْ قُتَيْبَةَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِهِمْ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي فَأَجْلِسْ لَهُمُ الْقَاضِي، فَلْيَنْظُرْ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ قَضَى لَهُمْ، فَأَخْرِجِ الْعَرَبَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ كَمَا كَانُوا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِمْ قُتَيْبَةُ. قَالَ: فَأَجْلَسَ لَهُمْ سُلَيْمَانُ جُمَيْعَ بْنَ حَاضِرٍ الْقَاضِيَ، فَقَضَى أَنْ يَخْرُجَ عَرَبُ سَمَرْقَنْدَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ، وَيُنَابِذُوهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، فَيَكُونُ صُلْحًا جَدِيدًا، أَوْ ظَفَرًا عَنْوَةً. فَقَالَ أَهْلُ الصُّغْدِ: بَلَى نَرْضَى بِمَا كَانَ وَلَا نُحْدِثُ حَرْبًا، وَتَرَاضَوْا بِذَلِكَ. قَالَ دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ وَشِدَّةٌ وَجَوْرٌ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ، وَسُنَّةٌ خَبِيثَةٌ سَنَّهَا عَلَيْهِمْ عُمَّالُ السُّوءِ، وَإِنَّ قِوَامَ الدِّينِ الْعَدْلُ وَالْإِحْسَانُ، فَلَا يَكُونَنَّ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّهُ لَا قَلِيلَ مِنَ الْإِثْمِ، وَلَا تَحْمِلْ خَرَابًا عَلَى عَامِرٍ، وَخُذْ مِنْهُ مَا أَطَاقَ، وَأَصْلِحْهُ حَتَّى يُعَمَّرَ، وَلَا يُؤْخَذَنَّ مِنَ الْعَامِرِ إِلَّا وَظِيفَةَ الْخَرَاجِ فِي رِفْقٍ وَتَسْكِينٍ لِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَا تَأْخُذَنَّ أُجُورَ الضَّرَّابِينَ، وَلَا هَدِيَّةَ النَّوْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ، وَلَا ثَمَنَ الصُّحُفِ، وَلَا أُجُورَ الْفُيُوجِ، وَلَا أُجُورَ الْبُيُوتِ، وَلَا دِرْهَمَ النِّكَاحِ، وَلَا خَرَاجَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاتَّبِعْ فِي ذَلِكَ أَمْرِي، فَإِنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ مِنْ ذَلِكَ مَا وَلَّانِي اللَّهُ، وَلَا تُعَجِّلْ دُونِي بِقَطْعٍ وَلَا صَلْبٍ حَتَّى تُرَاجِعَنِي فِيهِ، وَانْظُرْ مَنْ أَرَادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ أَنْ يَحُجَّ، فَعَجِّلْ لَهُ مِائَةً لِيَحُجَّ بِهَا، وَالسَّلَامُ. أول خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز بعد توليه الخلافة وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: بسنده عَنْ سَلَّامِ بْنِ سُلَيْمٍ، قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَكَانَ أَوَّلَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ صَحِبَنَا فَلْيَصْحَبْنَا بِخَمْسٍ، وَإِلَّا فَلْيُفَارِقْنَا ; يَرْفَعُ إِلَيْنَا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ رَفْعَهَا، وَيُعِينُنَا عَلَى الْخَيْرِ بِجُهْدِهِ، وَيَدُلُّنَا مِنَ الْخَيْرِ عَلَى مَا لَا نَهْتَدِي إِلَيْهِ، وَلَا يَغْتَابَنَّ عِنْدَنَا الرَّعِيَّةَ، وَلَا يَعْرِضَنَّ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ. فَانْقَشَعَ عَنْهُ الشُّعَرَاءُ وَالْخُطَبَاءُ، وَثَبَتَ مَعَهُ الْفُقَهَاءُ وَالزُّهَّادُ، وَقَالُوا: مَا يَسَعُنَا أَنْ نُفَارِقَ هَذَا الرَّجُلَ حَتَّى يُخَالِفَ فِعْلُهُ قَوْلَهُ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَرَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ تَرَوْنَ مَا ابْتُلِيتُ بِهِ وَمَا قَدْ نَزَلَ بِي، فَمَا عِنْدَكُمْ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: اجْعَلِ الشَّيْخَ أَبًا، وَالشَّابَّ أَخًا، وَالصَّغِيرَ وَلَدًا، فَبِرَّ أَبَاكَ، وَصِلْ أَخَاكَ، وَتَعَطَّفْ عَلَى وَلَدِكَ. وَقَالَ رَجَاءٌ: ارْضَ لِلنَّاسِ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكَ، وَمَا كَرِهْتَ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْكَ فَلَا تَأْتِهِ إِلَيْهِمْ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ تَمُوتُ. وَقَالَ سَالِمٌ اجْعَلِ الْأَمْرَ يَوْمًا وَاحِدًا صُمْ فِيهِ عَنْ شَهَوَاتِ الدُّنْيَا، وَاجْعَلْ آخِرَ فِطْرِكَ فِيهِ الْمَوْتَ، فَكَأَنْ قَدْ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَوْمًا النَّاسَ فَقَالَ، وَقَدْ خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَصْلِحُوا آخِرَتَكُمْ تَصْلُحْ لَكُمْ دُنْيَاكُمْ، وَأَصْلِحُوا سَرَائِرَكُمْ تَصْلُحْ لَكُمْ عَلَانِيَتُكُمْ، وَاللَّهِ إِنَّ عَبْدًا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ أَبٌ إِلَّا قَدْ مَاتَ، إِنَّهُ لَمُعْرَقٌ لَهُ فِي الْمَوْتِ. وَقَالَ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: كَمْ مِنْ عَامِرٍ مُؤَنَّقٍ عَمَّا قَلِيلٍ يَخْرُبُ، وَكَمْ مِنْ مُقِيمٍ مُغْتَبِطٍ عَمَّا قَلِيلٍ يَظْعَنُ، فَأَحْسِنُوا - رَحِمَكُمُ اللَّهُ - مِنَ الدُّنْيَا الرِّحْلَةَ بِأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ النَّقْلَةِ، بَيْنَمَا ابْنُ آدَمَ فِي الدُّنْيَا يُنَافِسُ فِيهَا قَرِيرَ الْعَيْنِ قَانِعًا، إِذْ دَعَاهُ اللَّهُ بِقَدَرِهِ وَرَمَاهُ بِيَوْمِ حَتْفِهِ، فَسَلَبَهُ آثَارَهُ وَدُنْيَاهُ، وَصَيَّرَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ مَصَانِعَهُ وَمَغْنَاهُ، إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَسُرُّ بِقَدْرِ مَا تَضُرُّ، تَسُرُّ قَلِيلًا، وَتُحْزِنُ طَوِيلًا. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُهَاجِرٍ، قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا كِتَابَ بَعْدَ الْقُرْآنِ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِنِّي لَسْتُ بِقَاضٍ وَلَكِنِّي مُنْفِذٌ، وَإِنِّي لَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ، إِنَّ الرَّجُلَ الْهَارِبَ مِنَ الْإِمَامِ الظَّالِمِ لَيْسَ بِظَالِمٍ، أَلَا إِنَّ الْإِمَامَ الظَّالِمَ هُوَ الْعَاصِي، أَلَا لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا: وَإِنِّي لَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ وَلَكِنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلًا، أَلَا لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، أَلَا هَلْ أَسْمَعْتُ ؟ آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ: بسنده عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، حَدَّثَنِي ابْنٌ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: كَانَ آخِرُ خُطْبَةً خَطَبَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى، عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا عَبَثًا، وَلَنْ تُتْرَكُوا سُدًى، وَإِنَّ لَكُمْ مَعَادًا يَنْزِلُ اللَّهُ فِيهِ لِلْحُكْمِ فِيكُمْ وَالْفَصْلِ بَيْنَكُمْ، فَخَابَ وَخَسِرَ مَنْ خَرَجَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَحُرِمَ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا يَأْمَنُ غَدًا إِلَّا مَنْ حَذِرَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَخَافَهُ، وَبَاعَ نَافِدًا بِبَاقٍ، وَقَلِيلًا بِكَثِيرٍ، وَخَوْفًا بِأَمَانٍ ؟ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّكُمْ فِي أَسْلَابِ الْهَالِكِينَ، وَسَيَكُونُ مِنْ بَعْدِكُمْ لِلْبَاقِينَ، كَذَلِكَ حَتَّى نُرَدَّ إِلَى خَيْرِ الْوَارِثِينَ ؟ ثُمَّ إِنَّكُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ تُشَيِّعُونَ غَادِيًا وَرَائِحًا إِلَى اللَّهِ، قَدْ قَضَى نَحْبَهُ حَتَّى تُغَيِّبُوهُ فِي صَدْعٍ مِنَ الْأَرْضِ، فِي بَطْنِ صَدْعٍ غَيْرِ مُوَسَّدٍ وَلَا مُمَهَّدٍ، قَدْ فَارَقَ الْأَحْبَابَ، وَبَاشَرَ التُّرَابَ، وَوَاجَهَ الْحِسَابَ، فَهُوَ مُرْتَهَنٌ بِعَمَلِهِ، غَنِيٌّ عَمَّا تَرَكَ، فَقِيرٌ إِلَى مَا قَدَّمَ، فَاتَّقُوا اللَّهَ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُرَاقَبَتِهِ وَنُزُولِ الْمَوْتِ بِكُمْ، أَمَا إِنِّي أَقُولُ هَذَا. ثُمَّ وَضَعَ طَرْفَ رِدَائِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَايْمِ اللَّهِ، إِنِّي لَأَقُولَ قَوْلِي هَذَا، وَمَا أَعْلَمُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنَ الذُّنُوبِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ نَفْسِي، وَلَكِنَّهَا سُنَنٌ مِنَ اللَّهِ عَادِلَةٌ ; أَمَرَ فِيهَا بِطَاعَتِهِ، وَنَهَى فِيهَا عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَوَضَعَ كُمَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، فَمَا عَادَ لِمَجْلِسِهِ حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي النَّوْمِ، وَهُوَ يَقُولُ: " ادْنُ يَا عُمَرُ ". قَالَ: فَدَنَوْتُ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ أُصِيبَهُ، فَقَالَ: " إِذَا وُلِّيتَ فَاعْمَلْ نَحْوًا مِنْ عَمَلِ هَذَيْنِ ". وَإِذَا كَهْلَانِ قَدِ اكْتَنَفَاهُ، فَقُلْتُ: وَمَنْ هَذَانِ ؟ قَالَ: " هَذَا أَبُو بَكْرٍ، وَهَذَا عُمَرُ ". وَرُوِّينَا أَنَّهُ قَالَ لِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ اكْتُبْ لِي سِيرَةَ عُمَرَ حَتَّى أَعْمَلَ بِهَا، فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ: إِنَّكَ إِنْ عَمِلْتَ بِهَا كُنْتَ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَجِدُ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا، وَأَنْتَ لَا تَجِدُ مَنْ يُعِينُكَ عَلَى الْخَيْرِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: آمَنْتُ بِاللَّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: الْوَفَاءُ عَزِيزٌ. وَقَدْ جَمَعَ يَوْمًا رُءُوسَ النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ فَدَكَ كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَضَعُهَا حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ، ثُمَّ وَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ كَذَلِكَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: وَمَا أَدْرِي مَا قَالَ فِي عُثْمَانَ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ أَقْطَعَهَا فَحَصَلَ لِي مِنْهَا نَصِيبٌ، وَوَهَبَنِي الْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ نَصِيبَهُمَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَالِي شَيْءٌ أَرَدَّ عَلَيَّ مِنْهَا، وَقَدْ رَدَدْتُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَيَئِسَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمَظَالِمِ، ثُمَّ أَخَذَ أَمْوَالَ جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَرَدَّهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَسَمَّاهَا أَمْوَالُ الْمَظَالِمِ، فَاسْتَشْفَعُوا إِلَيْهِ بِالنَّاسِ، وَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ بِعَمَّتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ مَرْوَانَ فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِ وَلَمْ يَرُدُّهُ عَنِ الْحَقِّ شَيْءٌ، وَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَتَدَعُنِّي، وَإِلَّا ذَهَبْتُ إِلَى مَكَّةَ فَنَزَلْتُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ لِأَحَقِّ النَّاسِ بِهِ. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَقَمْتُ فِيكُمْ خَمْسِينَ عَامًا مَا أَقَمْتُ فِيكُمْ مَا أُرِيدُ مِنَ الْعَدْلِ، وَإِنِّي لَأُرِيدُ الْأَمْرَ فَمَا أُنْفِذُهُ إِلَّا مَعَ طَمَعٍ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى تَسْكُنَ قُلُوبُهُمْ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَهْدِيٌّ فَهُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَنَحْوَ هَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ مَهْدِيٌّ وَلَيْسَ بِهِ، إِنَّهُ لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْعَدْلَ كُلَّهُ، إِذَا كَانَ الْمَهْدِيُّ تِيبَ عَلَى الْمُسِيءِ مِنْ إِسَاءَتِهِ، وَزِيدَ الْمُحْسِنُ فِي إِحْسَانِهِ، سَمْحٌ بِالْمَالِ، شَدِيدٌ عَلَى الْعُمَّالِ، رَحِيمٌ بِالْمَسَاكِينِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ حَبْتَرٍ: (مَثَلُ عُمَرَ فِي بَنِي أُمَيَّةَ.. مَثَلُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ). وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَتَعَاهَدُ النَّاسَ بِنَبِيٍّ بَعْدَ نَبِيٍّ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَاهَدَ النَّاسَ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ). عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين وَقَالَ مَالِكٌ، بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: الْخُلَفَاءُ أَبُو بَكْرٍ وَالْعُمَرَانِ. فَقِيلَ لَهُ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ قَدْ عَرَفْنَاهُمَا، فَمَنْ عُمَرُ الْآخَرُ ؟ قَالَ: يُوشِكُ إِنْ عِشْتَ أَنْ تَعْرِفَهُ. يُرِيدُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَشَجُّ بَنِي مَرْوَانَ. وَقَالَ عَبَّادٌ السَّمَّاكُ وَكَانَ يُجَالِسُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ: سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: الْخُلَفَاءُ خَمْسَةٌ ; أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ، وَأَحَدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ. وَذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِينَ جَاءَ فِيهِمُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: " لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مُسْتَقِيمًا حَتَّى يَكُونَ فِيهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ ". وَقَدِ اجْتَهَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُدَّةِ وِلَايَتِهِ مَعَ قِصَرِهَا حَتَّى رَدَّ الْمَظَالِمَ، وَصَرَفَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَكَانَ مُنَادِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ يُنَادِي: أَيْنَ الْغَارِمُونَ ؟ أَيْنَ النَّاكِحُونَ ؟ أَيْنَ الْمَسَاكِينُ ؟ أَيْنَ الْيَتَامَى ؟ حَتَّى أَغْنَى كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ. أَيُّهُمَا أَفْضَلُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أم عمر بن عبد العزيز وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ هُوَ أَوْ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ؟  فَفَضَّلَ بَعْضُهُمْ عُمَرَ لِسِيرَتِهِ وَمَعْدَلَتِهِ وَزُهْدِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَفَضَّلَ آخَرُونَ مُعَاوِيَةَ لِسَابِقَتِهِ وَصُحْبَتِهِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيَوْمٌ شَهِدَهُ مُعَاوِيَةُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَيَّامِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُعْجِبُهُ جَارِيَةٌ مِنْ جَوَارِي زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَانَ يَسْأَلُهَا إِيَّاهَا إِمَّا بَيْعًا أَوْ هِبَةً، فَكَانَتْ تَأْبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَلْبَسَتْهَا وَطَيَّبَتْهَا وَأَهْدَتْهَا إِلَيْهِ وَوَهَبَتْهَا لَهُ، فَلَمَّا أَخْلَتْهَا بِهِ أَعْرَضَ عَنْهَا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَصَدَفَ عَنْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا سَيِّدِي، فَأَيْنَ مَا كَانَ يَظْهَرُ لِي مِنْ مَحَبَّتِكَ إِيَّايَ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ مَحَبَّتَكِ لَبَاقِيَةٌ كَمَا هِيَ، وَلَكِنْ لَا حَاجَةَ لِي فِي النِّسَاءِ، فَقَدْ جَاءَنِي أَمْرٌ شَغَلَنِي عَنْكِ، وَعَنْ غَيْرِكِ. ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ أَصْلِهَا، وَمِنْ أَيْنَ جَلَبُوهَا، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَبِي أَصَابَ جِنَايَةً بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَصَادَرَهُ مُوسَى بْنُ نُصَيْرٍ فَأُخِذْتُ فِي الْجِنَايَةِ، وَبَعَثَ بِي إِلَى الْوَلِيدِ فَوَهَبَنِي الْوَلِيدُ لِأُخْتِهِ فَاطِمَةَ زَوْجَتِكَ، فَأَهْدَتْنِي إِلَيْكَ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، كِدْنَا وَاللَّهِ نَفْتَضِحُ وَنَهْلَكُ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّهَا مُكَرَّمَةً إِلَى بِلَادِهَا وَأَهْلِهَا. وَقَالَتْ زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ: دَخَلْتُ يَوْمًا عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مُصَلَّاهُ وَاضِعًا خَدَّهُ عَلَى يَدِهِ، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدَّيْهِ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ ؟ فَقَالَ: وَيْحَكِ يَا فَاطِمَةُ، إِنِّي قَدْ وُلِّيتُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا وُلِّيتُ، فَتَفَكَّرْتُ فِي الْفَقِيرِ الْجَائِعِ، وَالْمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالْعَارِي الْمَجْهُودِ، وَالْيَتِيمِ الْمَكْسُورِ، وَالْأَرْمَلَةِ الْوَحِيدَةِ، وَالْمَظْلُومِ الْمَقْهُورِ، وَالْغَرِيبِ، وَالْأَسِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَذِي الْعِيَالِ الْكَثِيرِ وَالْمَالِ الْقَلِيلِ، وَأَشْبَاهِهِمْ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَأَطْرَافِ الْبِلَادِ، فَعَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ سَيَسْأَلُنِي عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّ خَصْمِي دُونَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَخَشِيتُ أَنْ لَا يَثْبُتَ لِي حُجَّةٌ عِنْدَ خُصُومَتِهِ، فَرَحِمْتُ نَفْسِي فَبَكَيْتُ. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَلَّانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِمَالَةً، ثُمَّ قَالَ لِي: إِذَا جَاءَكَ كِتَابٌ مِنِّي عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَاضْرِبْ بِهِ الْأَرْضَ. وَكَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: إِذَا دَعَتْكَ قُدْرَتُكَ عَلَى النَّاسِ إِلَى ظُلْمِهِمْ، فَاذْكُرْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَنَفَادَ مَا تَأْتِي إِلَيْهِمْ، وَبَقَاءَ مَا يَأْتُونَ إِلَيْكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، بسنده عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلْإِسْلَامِ سُنَنًا وَشَرَائِعَ وَفَرَائِضَ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ أُبَيِّنْهَا لَكُمْ لِتَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَوَاللَّهِ مَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.. وَذَكَرَ الصُّولِيُّ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي لَا يُقْبَلُ غَيْرُهَا، وَلَا يُرْحَمُ إِلَّا أَهْلُهَا، وَلَا يُثَابُ إِلَّا عَلَيْهَا، وَإِنَّ الْوَاعِظِينَ بِهَا كَثِيرٌ، وَالْعَامِلِينَ بِهَا قَلِيلٌ. وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ عَلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ أَقَلَّ مِنْهُ إِلَّا فِيمَا يَنْفَعُهُ، وَمَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ اجْتَزَأَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَنْ لَمْ يَعُدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ كَثُرَتْ خَطَايَاهُ، وَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ. وَكَلَّمَهُ رَجُلٌ يَوْمًا حَتَّى أَغْضَبَهُ فَهَمَّ بِهِ عُمَرُ ثُمَّ أَمْسَكَ نَفْسَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: أَرَدْتَ أَنْ يَسْتَفِزَّنِي الشَّيْطَانُ بِعِزَّةِ السُّلْطَانِ فَأَنَالَ مِنْكَ مَا تَنَالُهُ مِنِّي غَدًا ! قُمْ عَافَاكَ اللَّهُ، لَا حَاجَةَ لَنَا فِي مُقَاوَلَتِكَ. وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَى اللَّهِ الْقَصْدُ فِي الْجِدِّ، وَالْعَفْوُ فِي الْمَقْدِرَةِ، وَالرِّفْقُ فِي الْوِلَايَةِ، وَمَا رَفَقَ عَبْدٌ بِعَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَفَقَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ يُعْطِي مَنِ انْقَطَعَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، مِنْ بَلَدِهِ وَغَيْرِهَا، لِلْفِقْهِ وَنَشْرِ الْعِلْمِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فِي كُلِّ عَامٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَأْخُذُوا النَّاسَ بِالسُّنَّةِ، وَيَقُولَ: إِنْ لَمْ تُصْلِحْهُمُ السُّنَّةُ فَلَا أَصْلَحَهُمُ اللَّهُ. وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ أَنْ لَا يَرْكَبَ ذِمِّيٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ عَلَى سَرْجٍ، وَلَا يَلْبَسُ قَبَاءً وَلَا طَيْلَسَانًا وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا يَمْشِيَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا بِزُنَّارٍ مِنْ جِلْدٍ، وَهُوَ مَقْرُونُ النَّاصِيَةِ، وَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ فِي مَنْزِلِهِ سِلَاحٌ أُخِذَ مِنْهُ، وَكَتَبَ أَيْضًا أَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَعْمَالِ إِلَّا أَهْلُ الْقُرْآنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ خَيْرٌ فَغَيْرُهُمْ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ خَيْرٌ. وَكَانَ يَكْتُبُ إِلَى عُمَّالِهِ: اجْتَنِبُوا الْأَشْغَالَ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّ مَنْ أَضَاعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ أَشَدُّ تَضْيِيعًا. وَقَدْ كَانَ يَكْتُبُ الْمَوْعِظَةَ إِلَى الْعَامِلِ مِنْ عُمَّالِهِ فَيَنْخَلِعُ بِهَا قَلْبُهُ، وَرُبَّمَا عَزَلَ بَعْضُهُمْ نَفْسَهُ عَنِ الْعِمَالَةِ مِنْ شِدَّةِ مَا تَقَعُ مَوْعِظَتُهُ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْعِظَةَ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قَلْبِ الْوَاعِظِ دَخَلَتْ قَلْبَ الْمَوْعُوظِ. وَقَدْ صَرَّحَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثِقَةٌ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِمَوَاعِظَ حِسَانٍ وَلَوْ تَقَصَّيْنَا ذَلِكَ لَطَالَ هَذَا الْفَصْلُ، وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهِ إِشَارَةً إِلَى ذَلِكَ. وَكَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُذَكِّرُكَ لَيْلَةً تَمَخَّضُ بِالسَّاعَةِ فَصَبَاحُهَا الْقِيَامَةُ، فَيَا لَهَا مِنْ لَيْلَةٍ وَيَا لَهُ مِنْ صَبَاحٍ، وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا. وَكَتَبَ إِلَى آخَرَ: أُذَكِّرُكَ طُولَ سَهَرِ أَهْلِ النَّارِ فِي النَّارِ مَعَ خُلُودِ الْأَبَدِ، وَإِيَّاكَ أَنْ يُنْصَرَفَ بِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَكُونَ آخِرَ الْعَهْدِ بِكَ، وَانْقِطَاعَ الرَّجَاءِ مِنْكَ. قَالُوا: فَخَلَعَ هَذَا الْعَامِلُ نَفْسَهُ مِنَ الْعِمَالَةِ، وَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ ؟ فَقَالَ: خَلَعْتَ قَلْبِي بِكِتَابِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَا أَعُودُ إِلَى وِلَايَةٍ أَبَدًا. وَأُخْرِجَ عَنْ جَعْوَنَةَ قَالَ: (وَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ السَّكُونِيَّ الصَّائِفَةَ، فَقَالَ: اقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَلَا تَكُنْ فِي أَوَّلِهِمْ فَتُقْتَلُ، وَلَا فِي آخِرِهِمْ فَتَفْشَلُ، وَلَكِنْ كُنْ وَسَطًا حَيْثُ يُرَى مَكَانُكَ، وَيُسْمَعُ صَوْتُكَ). وَأُخْرِجَ عَنِ السَّائِبِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: (كَتَبَ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ قَوْمٌ سَاءَتْ رَعِيَّتُهُمْ، وَإِنَّهُ لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا السَّيْفُ وَالسَّوْطُ؛ فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْذَنَ لِي فِي ذَلِكَ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا بَعْدُ: فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ أَنَّ أَهْلَ خُرَاسَانَ قَدْ سَاءَتْ رَعِيَّتُهُمْ، وَأَنَّهُ لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا السَّيْفُ وَالسَّوْطُ؛ فَقَدْ كَذَبْتَ، بَلْ يُصْلِحُهُمُ الْعَدْلُ وَالْحَقُّ، فَابْسُطْ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَالسَّلَامُ). وَأُخْرِجَ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ يَزِيدَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِذَا أَمْلَى عَلَيَّ كِتَابَهُ... قَالَ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ لِسَانِي). وَأُخْرِجَ عَنْ صَالِحِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: (رُبَّمَا كَلَّمْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الشَّيْءِ فَيَغْضَبُ، فَأَذْكُرُ أَنَّ فِي الْكِتَابِ مَكْتُوبًا: اتَّقِ غَضْبَةَ الْمَلِكِ الشَّابِّ، فَأَرْفُقُ بِهِ حَتَّى يَذْهَبَ غَضَبُهُ، فَيَقُولُ لِي بَعْدَ ذَلِكَ: لَا يَمْنَعُكَ يَا صَالِحُ مَا تَرَى مِنَّا أَنْ تُرَاجِعَنَا فِي الْأَمْرِ إِذَا رَأَيْتَهُ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: (قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفِيِّ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَذَهَبَ لِيَقُولَ، فَنَهَاهُ عُمَرُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَذْكُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ... فَاذْكُرْ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي ابْتَعَثَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا     جَعَلَ الْخِلَافَةَ لِلْأَمِيرِ الْعَادِلِ رَدَّ الْمَظَالِمَ حَقَّهَا بِيَقِينِهَا     عَنْ جَوْرِهَا، وَأَقَامَ مَيْلَ الْمَائِلِ إِنِّي لَأَرْجُو مِنْكَ خَيْرًا عَاجِلًا     وَالنَّفْسُ مُغْرَمَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَجِدُ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقًّا!! قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّنِي ابْنُ سَبِيلٍ، فَأَمَرَ لَهُ مِنْ خَاصَّةِ مَالِهِ بِخَمْسِينَ دِينَارًا). وَفِي «الطُّيُورِيَّاتِ»: (أَنَّ حَرِيزَ بْنَ عُثْمَانَ الرَّحْبِيَّ دَخَلَ مَعَ أَبِيهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ حَالِ ابْنِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: عَلِّمْهُ الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ، قَالَ: وَمَا الْفِقْهُ الْأَكْبَرُ؟ قَالَ: الْقَنَاعَةُ وَكَفُّ الْأَذَى). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: (دَعَانِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: صِفْ لِي الْعَدْلَ، فَقُلْتُ: بَخٍ!! سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ جَسِيمٍ، كُنْ لِصَغِيرِ النَّاسِ أَبًا، وَلِكَبِيرِهِمُ ابْنًا، وَلِلْمِثْلِ مِنْهُمْ أَخًا، وَلِلنِّسَاءِ كَذَلِكَ، وَعَاقِبِ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ؛ وَعَلَى قَدْرِ أَجْسَادِهِمْ، وَلَا تَضْرِبَنَّ لِغَضَبِكَ سَوْطًا وَاحِدًا فَتَعَدَّى فَتَكُونَ مِنَ الْعَادِينَ). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنِ الزُّهْرِيِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَتَوَضَّأُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ؛  حَتَّى كَانَ يَتَوَضَّأُ مِنَ السُّكَّرِ). وَأُخْرِجَ عَنْ وُهَيْبٍ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: مَنْ عَدَّ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ... قَلَّ كَلَامُهُ). وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: (أَظْهَرَ غَيْلَانُ الْقَدَرَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَاسْتَتَابَهُ عُمَرُ، فَقَالَ: لَقَدْ كُنْتُ ضَالًّا فَهَدَيْتَنِي، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ صَادِقًا وَإِلَّا... فَاصْلُبْهُ وَاقْطَعْ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَنَفَذَتْ فِيهِ دَعْوَتُهُ، فَأُخِذَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقُطِعَتْ أَرْبَعَتُهُ، وَصُلِبَ بِدِمَشْقَ فِي الْقَدَرِ). وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَبْلَ خِلَافَتِهِ: انْهَ الْفُؤَادَ عَنِ الصِّبَا     وَعَنِ انْقِيَادٍ لِلْهَوَى فَلَعَمْرُ رَبِّكَ إِنَّ فِي     شَيْبِ الْمَفَارِقِ وَالْجَلَى لَكَ وَاعِظًا لَوْ كُنْتَ تَتَّـ     ــعِظُ اتِّعَاظَ ذَوِي النُّهَى حَتَّى مَتَى لَا تَرْعَوِي     وَإِلَى مَتَى وَإِلَى مَتَى؟ مَا بَعْدَ أَنْ سُمِّيتَ كَهْــــ     ــلًا وَاسْتُلِبْتَ اسْمَ الْفَتَى بَلِيَ الشَّبَابُ وَأَنْتَ إِنْ     عُمِّرْتَ رَهْنٌ لِلْبِلَى وَكَفَى بِذَلِكَ زَاجِرًا     لِلْمَرْءِ عَنْ غَيٍّ كَفَى وَخَرَجَ ابْنٌ لَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَشَجَّهُ صَبِيٌّ مِنْهُمْ، فَاحْتَمَلُوا الصَّبِيَّ الَّذِي شَجَّ ابْنَهُ وَجَاءُوا بِهِ إِلَى عُمَرَ، فَسَمِعَ الْجَلَبَةَ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا مُرَيْئَةٌ تَقُولُ: إِنَّهُ ابْنِي، وَإِنَّهُ يَتِيمٌ. فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: أَلَهُ عَطَاءٌ فِي الدِّيوَانِ ؟ قَالَتْ: لَا، قَالَ: فَاكْتُبُوهُ فِي الذُّرِّيَّةِ. فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وَفَعَلَ إِنْ لَمْ يَشُجَّ ابْنَكَ ثَانِيَةً. فَقَالَ: وَيْحَكِ، إِنَّكُمْ أَفْزَعْتُمُوهُ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَقُولُونَ: مَالِكٌ زَاهِدٌ. أَيُّ زُهْدٍ عِنْدِي ! إِنَّمَا الزَّ?هِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَتْهُ الدُّنْيَا فَاغِرَةً فَاهَا فَتَرَكَهَا. قَالُوا: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى قَمِيصٍ وَاحِدٍ فَكَانَ إِذَا غَسَلُوهُ جَلَسَ فِي الْمَنْزِلِ حَتَّى يَيْبَسَ. وَقَدْ وَقَفَ مَرَّةً عَلَى رَاهِبٍ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ عِظْنِي. فَقَالَ لَهُ: عَلَيْكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ تَجَرَّدْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ إِنَّمَا     خَرَجْتَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْتَ مُجَرَّدُ قَالُوا: فَكَانَ يُعْجِبُهُ وَيُكَرِّرُهُ وَعَمِلَ بِهِ حَقَّ الْعَمَلِ. قَالُوا: وَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ يَوْمًا فَسَأَلَهَا أَنْ تُقْرِضَهُ دِرْهَمًا أَوْ فُلُوسًا يَشْتَرِي لَهُ بِهَا عِنَبًا، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهَا شَيْئًا، فَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ فِي خِزَانَتِكَ مَا تَشْتَرِي بِهِ عِنَبًا ؟ ! فَقَالَ: هَذَا أَيْسَرُ مِنْ مُعَالَجَةِ الْأَغْلَالِ وَالْأَنْكَالِ غَدًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ. قَالُوا: وَكَانَ سِرَاجُ بَيْتِهِ عَلَى ثَلَاثِ قَصَبَاتٍ فِي رَأْسِهِنَّ طِينٌ. قَالُوا: وَبَعَثَ يَوْمًا غُلَامَهُ لِيَشْوِيَ لَهُ لَحْمَةً فَجَاءَهُ بِهَا سَرِيعًا مَشْوِيَّةً، فَقَالَ: أَيْنَ شَوَيْتَهَا ؟ قَالَ: فِي الْمَطْبَخِ. فَقَالَ: فِي مَطْبَخِ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: كُلْهَا فَإِنِّي لَمْ أُرْزَقْهَا، هِيَ رِزْقُكَ. وَسَخَّنُوا لَهُ مَاءً فِي الْمَطْبَخِ الْعَامِّ فَرَدَّ بَدَلَ ذَلِكَ بِدِرْهَمٍ حَطَبًا. وَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: مَا جَامَعَ وَلَا احْتَلَمَ وَهُوَ خَلِيفَةٌ. قَالُوا: وَبَلَغَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي سَلَّامٍ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ ثَوْبَانَ فِي الْحَوْضِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ عَلَى الْبَرِيدِ، وَقَالَ لَهُ كَالْمُتَوَجِّعِ: مَا أَرَدْنَا الْمَشَقَّةَ عَلَيْكَ يَا أَبَا سَلَّامٍ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تُشَافِهَنِي بِالْحَدِيثِ مُشَافَهَةً. فَقَالَ: سَمِعْتُ ثَوْبَانَ، يَقُولُ قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَوْضِي مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقَاءِ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، أَكَاوِيبُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَوَّلُ النَّاسِ وُرُودًا عَلَيْهِ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُءُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا، الَّذِينَ لَا يَنْكِحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ، وَلَا تُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَكِنِّي نَكَحْتُ الْمُتَنَعِّمَاتِ، فَاطِمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَفُتِحَتْ لِيَ السُّدَدُ فَلَا جَرَمَ لَا أَغْسِلُ رَأْسِي حَتَّى يَشْعَثَ، وَلَا أُلْقِى ثَوْبِي حَتَّى يَتَّسِخَ. قَالُوا: وَكَانَ لَهُ سِرَاجٌ يَكْتُبُ عَلَيْهِ حَوَائِجَهُ، وَسِرَاجٌ لِبَيْتِ الْمَالِ يَكْتُبُ عَلَيْهِ مَصَالِحَ الْمُسْلِمِينَ، لَا يَكْتُبُ عَلَى ضَوْئِهِ لِنَفْسِهِ حَرْفًا. وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ كُلَّ يَوْمٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، وَلَا يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُمِائَةِ شُرَطِيٍّ، وَثَلَاثُمِائَةِ حَرَسِيٍّ، وَأَهْدَى لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ تُفَّاحًا فَاشْتَمَّهُ ثُمَّ رَدَّهُ مَعَ الرَّسُولِ، وَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَهَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ. فَقَالَ: إِنَّ الْهَدِيَّةَ كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً، فَأَمَّا نَحْنُ فَهِيَ لَنَا رِشْوَةٌ. قَالُوا: وَكَانَ يُوَسِّعُ عَلَى عُمَّالِهِ فِي النَّفَقَةِ ; يُعْطِي الرَّجُلَ مِنْهُمْ فِي الشَّهْرِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَمِائَتَيْ دِينَارٍ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ أَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا فِي كِفَايَةٍ تَفَرَّغُوا لِأَشْغَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا لَهُ: لَوْ أَنْفَقْتَ عَلَى عِيَالِكَ كَمَا تُنْفِقُ عَلَى عُمَّالِكَ ؟ فَقَالَ: لَا أَمْنَعُهُمْ حَقًّا لَهُمْ، وَلَا أُعْطِيهِمْ حَقَّ غَيْرِهِمْ. وَكَانَ أَهْلُهُ قَدْ بَقُوا فِي جَهْدٍ عَظِيمٍ فَاعْتَذَرَ بِأَنَّ مَعَهُمْ سَلَفًا كَثِيرًا مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، وَقَالَ يَوْمًا لِرَجُلٍ مِنْ وَلَدِ عَلِيٍّ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ تَقِفَ بِبَابِي وَلَا يُؤْذَنُ لَكَ. وَقَالَ لِآخَرَ مِنْهُمْ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ وَأَرْغَبُ بِكَ أَنْ أُدَنِّسَكَ بِالدُّنْيَا لِمَا أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ. وَقَالَ أَيْضًا: كُنَّا نَحْنُ وَبَنُو عَمِّنَا بَنُو هَاشِمٍ، مَرَّةً لَنَا وَمَرَّةً عَلَيْنَا، نَلْجَأُ إِلَيْهِمْ وَيَلْجَئُونَ إِلَيْنَا، حَتَّى طَلَعَتْ شَمْسُ الرِّسَالَةِ فَأَكْسَدَتْ كُلَّ نَافِقٍ، وَأَخْرَسَتْ كُلَّ مُنَافِقٍ، وَأَسْكَتَتْ كُلَّ نَاطِقٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ: بسنده عَنْ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ الرَّاعِي وَكَانَ يَرْعَى الْغَنَمَ لِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُيَيْنَةَ قَالَ: كَانَتِ الْغَنَمُ وَالْأُسْدُ وَالْوَحْشُ تَرْعَى فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَعَرَضَ لِشَاةٍ مِنْهَا ذِئْبٌ، فَقُلْتُ: إِنَّا لِلَّهِ، مَا أَرَى الرَّجُلَ الصَّالِحَ إِلَّا قَدْ هَلَكَ. قَالَ: فَحَسَبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ هَلَكَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ. من دعاء عمر بن عبد العزيز وَمِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنْ رِجَالًا أَطَاعُوكَ فِيمَا أَمَرْتَهُمْ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَيْتَهُمْ، اللَّهُمَّ وَإِنَّ تَوْفِيقَكَ إِيَّاهُمْ كَانَ قَبْلَ طَاعَتِهِمْ إِيَّاكَ، فَوَفِّقْنِي. وَمِنْهُ: اللَّهُمَّ، إِنَّ عُمَرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ تَنَالَهُ رَحْمَتُكَ، وَلَكِنَّ رَحْمَتَكَ أَهْلٌ أَنْ تَنَالَ عُمَرَ. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَبْقَاكَ اللَّهُ مَا كَانَ الْبَقَاءُ خَيْرًا لَكَ. فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ، وَلَكِنْ قُلْ: أَحْيَاكَ اللَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً، وَتَوَفَّاكَ مَعَ الْأَبْرَارِ. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: أَصْبَحْتُ بَطِيئًا بَطِينًا، مُتَلَوِّثًا بِالْخَطَايَا، أَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ كَانَتِ الْخِلَافَةُ لَهُمْ زَيْنٌ، وَأَنْتَ زَيْنُ الْخِلَافَةِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: وَإِذَا الدُّرُّ زَانَ حُسْنَ وُجُوهٍ     كَانَ لِلدُّرِّ حُسْنُ وَجْهِكَ زَيْنَا قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنْهُ عُمَرُ. وَقَالَ: أَكْثِرُوا ذِكْرَ النِّعَمِ فَإِنَّ ذِكْرَهَا شُكْرُهَا. وَقَالَ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ مَخَافَةَ الْمُبَاهَاةِ. وَبَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ تُوُفِّيَ، فَجَاءَ إِلَى أَهْلِهِ لِيُعَزِّيَهُمْ فِيهِ، فَصَرَخُوا فِي وَجْهِهِ بِالْبُكَاءِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَهْ، إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَمْ يَكُنْ يَرْزُقُكُمْ، وَإِنَّ الَّذِي يَرْزُقُكُمْ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا، لَمْ يَسُدَّ شَيْئًا مِنْ حُفَرِكُمْ، وَإِنَّمَا سَدَّ حُفْرَةَ نَفْسِهِ، وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ حُفْرَةً لَا بُدَّ وَاللَّهِ أَنْ يَسُدَّهَا، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا خَلَقَ الدُّنْيَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِالْخَرَابِ وَعَلَى أَهْلِهَا بِالْفَنَاءِ، وَمَا امْتَلَأَتْ دَارٌ حَبْرَةً إِلَّا امْتَلَأَتْ عَبْرَةً، وَلَا اجْتَمَعُوا إِلَّا تَفَرَّقُوا، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ بَاكِيًا فَلْيَبْكِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ الَّذِي صَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُكُمْ، كُلُّكُمْ يَصِيرُ إِلَيْهِ غَدًا. خوف عمر بن عبد العزيز من الله وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ إِلَى الْقُبُورِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا أَيُّوبَ، هَذِهِ قُبُورُ آبَائِي بَنِي أُمَيَّةَ، كَأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهِمْ وَعَيْشِهِمْ، أَمَا تَرَاهُمْ صَرْعَى قَدْ خَلَتْ فِيهِمُ الْمَثُلَاتُ، وَاسْتَحْكَمَ فِيهِمُ الْبَلَاءُ ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا بِنَا فَوَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْعَمَ مِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْقُبُورِ، وَقَدْ أَمِنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي جِنَازَةٍ، فَلَمَّا دُفِنَتْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا حَتَّى آتِيَ قُبُورَ الْأَحِبَّةِ. فَأَتَاهُمْ فَجَعَلَ يَبْكِي وَيَدْعُو، إِذْ هَتَفَ بِهِ التُّرَابُ، فَقَالَ: يَا عُمَرُ أَلَا تَسْأَلُنِي مَا فَعَلْتُ فِي الْأَحِبَّةِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا فَعَلْتَ بِهِمْ ؟ قَالَ: مَزَّقْتُ الْأَكْفَانَ، وَأَكَلْتُ اللُّحُومَ، وَشَدَخْتُ الْمُقْلَتَيْنِ، وَأَكَلْتُ الْحَدَقَتَيْنِ، وَنَزَعْتُ الْكَفَّيْنِ مِنَ السَّاعِدَيْنِ، وَالسَّاعِدَيْنِ مِنَ الْعَضُدَيْنِ، وَالْعَضُدَيْنِ مِنَ الْمَنْكِبَيْنِ، وَالْمَنْكِبَيْنِ مِنَ الصُّلْبِ، وَالْقَدَمَيْنِ مِنَ السَّاقَيْنِ، وَالسَّاقَيْنِ مِنَ الْفَخْذَيْنِ، وَالْفَخْذَيْنِ مِنَ الْوِرْكِ، وَالْوِرْكَ مِنَ الصُّلْبِ وَعُمَرُ يَبْكِي. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ قَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَكْفَانٍ لَا تَبْلَى ؟ قَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: تَقْوَى اللَّهِ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ. وَقَالَ مَرَّةً لِرَجُلٍ مِنْ جُلَسَائِهِ: لَقَدْ أَرِقْتُ اللَّيْلَةَ مُفَكِّرًا. قَالَ: وَفِيمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: فِي الْقَبْرِ وَسَاكِنِهِ، إِنَّكَ لَوْ رَأَيْتَ الْمَيِّتَ بَعْدَ ثَالِثَةٍ فِي قَبْرِهِ لَاسْتَوْحَشْتَ مِنْ قُرْبِهِ بَعْدَ طُولِ الْأُنْسِ مِنْكَ بِنَاحِيَتِهِ، وَلَرَأَيْتَ بَيْتًا تَجُولُ فِيهِ الْهَوَامُّ، وَيَجْرِي فِيهِ الصَّدِيدُ، وَتَخْتَرِقُهُ الدِّيدَانُ، مَعَ تَغَيُّرِ الرِّيحِ، وَبِلَى الْأَكْفَانِ بَعْدَ حُسْنِ الْهَيْئَةِ، وَطِيبِ الرِّيحِ، وَنَقَاءِ الثَّوْبِ. قَالَ: ثُمَّ شَهِقَ شَهْقَةً خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَرَأَ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ فَجَعَلَ يُكَرِّرُهَا وَمَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُجَاوِزَهَا. وَقَالَتِ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ صَلَاةً وَصِيَامًا مِنْهُ، وَلَا أَحَدًا أَشَدَّ فَرَقًا مِنْ رَبِّهِ مِنْهُ، كَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ثُمَّ يَجْلِسُ يَبْكِي حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنُهُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ فَلَا يَزَالُ يَبْكِي حَتَّى تَغْلِبَهُ عَيْنُهُ. قَالَتْ: وَلَقَدْ كَانَ يَكُونُ مَعِي فِي الْفِرَاشِ فَيَذْكُرُ الشَّيْءَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ; فَيَنْتَفِضُ كَمَا يَنْتَفِضُ الْعُصْفُورُ فِي الْمَاءِ، وَيَجْلِسُ يَبْكِي، فَأَطْرَحُ عَلَيْهِ اللِّحَافَ رَحْمَةً لَهُ، وَأَنَا أَقُولُ: يَا لَيْتَ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخِلَافَةِ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا سُرُورًا مُنْذُ دَخَلْنَا فِيهَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ: مَا رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ كَأَنَّ النَّارَ لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لَهُمَا مِثْلَ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُهُ يَبْكِي حَتَّى بَكَى دَمًا. قَالُوا: وَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَرَأَ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ الْأَعْرَافِ: 54 ] الْآيَةَ. وَيَقْرَأُ: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ وَنَحْوَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَكَانَ يَجْتَمِعُ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَلَا يَذْكُرُونَ إِلَّا الْمَوْتَ وَالْآخِرَةَ، ثُمَّ يَبْكُونَ حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَهُمْ جِنَازَةً. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ عَنِ الْمُبَرِّدِ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَتَمَثَّلُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: فَمَا تَزَوَّدَ مِمَّا كَانَ يَجْمَعُهُ     سِوَى حَنُوطٍ غَدَاةَ الْبَيْنِ فِي خِرَقِ وَغَيْرَ نَفْحَةِ أَعْوَادٍ تُشَبُّ لَهُ     وَقَلَّ ذَلِكَ مِنْ زَادٍ لِمُنْطَلِقِ بِأَيِّمَا بَلَدٍ كَانَتْ مَنِيَّتُهُ     إِنْ لَا يَسِرْ طَائِعًا فِي قَصْدِهَا يُسَقِ وَنَظَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ فِي جِنَازَةٍ، إِلَى قَوْمٍ قَدْ تَلَثَّمُوا مِنَ الْغُبَارِ وَالشَّمْسِ، وَانْحَازُوا إِلَى الظِّلِّ، فَبَكَى وَأَنْشَدَ: مَنْ كَانَ حِينَ تُصِيبُ الشَّمْسُ جَبْهَتَهُ     أَوِ الْغُبَارُ يَخَافُ الشَّيْنَ وَالشَّعَثَا وَيَأْلَفُ الظِّلَّ كَيْ تَبْقَى بَشَاشَتُهُ     فَسَوْفَ يَسْكُنُ يَوْمًا رَاغِمًا جَدَثًا فِي قَعْرِ مُظْلِمَةٍ غَبْرَاءَ مُوحِشَةٍ     يُطِيلُ فِي قَعْرِهَا تَحْتَ الثَّرَى لُبْثَا تَجَهَّزِي بِجَهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ     يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا وَقَالَ الْمُفَضَّلُ بْنُ غَسَّانَ الْغَلَّابِيُّ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَا يَجِفُّ فُوهُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ: وَلَا خَيْرَ فِي عَيْشِ امْرِئٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ     مِنَ اللَّهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ نَصِيبُ وَزَادَ غَيْرُهُ مَعَهُ بَيْتًا حَسَنًا، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ تُعْجِبُ الدُّنْيَا أُنَاسًا فَإِنَّهَا     مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَالزَّوَالُ قَرِيبُ وَمِنْ شَعْرِهِ الَّذِي أَنْشَدَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَنَا مَيْتٌ وَعَزَّ مَنْ لَا يَمُوتُ     قَدْ تَيَقَّنْتُ أَنَّنِي سَأَمُوتُ لَيْسَ مُلْكٌ يُزِيلُهُ الْمَوْتُ مُلْكًا     إِنَّمَا الْمُلْكُ مُلْكُ مَنْ لَا يَمُوتُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَقُولُ: تُسَرُّ بِمَا يَبْلَى وَتَفْرَحُ بِالْمُنَى     كَمَا اغْتَرَّ بِاللَّذَّاتِ فِي النَّوْمِ حَالِمُ نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ     وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لَازِمُ وَسَعْيكُ فِيمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ     كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ الْبَهَائِمُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَلُومُ نَفْسَهُ وَيُعَاتِبُهَا: أَيَقِظَانُ أَنْتَ الْيَوْمَ أَمْ أَنْتَ نَائِمُ     وَكَيْفَ يُطِيقُ النَّوْمَ حَيْرَانُ هَائِمُ فَلَوْ كَنْتَ يَقْظَانَ الْغَدَاةَ لَحَرَّقَتْ     مَدَامِعَ عَيْنَيْكَ الدُّمُوعُ السَّوَاجِمُ نَهَارُكَ يَا مَغْرُورُ سَهْوٌ وَغَفْلَةٌ     وَلَيْلُكَ نَوْمٌ وَالرَّدَى لَكَ لَازِمُ بَلَ اصْبَحْتَ فِي النَّوْمِ الطَّوِيلِ وَقَدْ دَنَتْ     إِلَيْكَ أُمُورٌ مُفْظِعَاتٌ عَظَائِمُ وَشُغْلُكَ فِيمَا سَوْفَ تَكْرَهُ غِبَّهُ     كَذَلِكَ فِي الدُّنْيَا تَعِيشُ الْبَهَائِمُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَتْ: انْتَبَهَ عُمَرُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا مُعْجِبَةً. فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِهَا. فَقَالَ: حَتَّى نُصْبِحَ. فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ بِالْمُسْلِمِينَ دَخَلَ فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: رَأَيْتُ كَأَنِّي دُفِعْتُ إِلَى أَرْضٍ خَضْرَاءَ وَاسِعَةٍ كَأَنَّهَا بِسَاطٌ أَخْضَرُ، وَإِذَا فِيهَا قَصْرٌ كَأَنَّهُ الْفِضَّةُ، فَخَرَجَ مِنْهُ خَارِجٌ فَنَادَى: أَيْنَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؟ أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ إِذْ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى دَخَلَ ذَلِكَ الْقَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ فَنَادَى: أَيْنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؟ فَأَقْبَلَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ فَنَادَى: أَيْنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؟ فَأَقْبَلَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ فَنَادَى: أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؟ فَأَقْبَلَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ فَنَادَى: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؟ فَأَقْبَلَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ آخَرُ فَنَادَى: أَيْنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؟ فَقُمْتُ - فَدَخَلْتُ فَجَلَسْتُ إِلَى جَانِبِ أَبِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ سَمِعْتُ هَاتِفًا يَهْتِفُ، بَيْنِي وَبَيْنَهُ نُورٌ لَا أَرَاهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا عُمَرُ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَمَسَّكْ بِمَا أَنْتَ عَلَيْهِ، وَاثْبُتْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ كَأَنَّهُ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجْتُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْقَصْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَصَرَنِي رَبِّي، وَإِذَا عَلِيٌّ فِي إِثْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي غَفَرَ لِي رَبِّي.

  353. التاريخ 2445لا حكم مسجّل

    عَنْ عَوَانَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفَدَ الشُّعَرَاءُ إِلَيْهِ، فَأَقَامُوا بِبَابِهِ أَيَّامًا لَا يُؤْذَنُ لَهُمْ. فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ وَقَدْ أَزْمَعُوا عَلَى الرَّحِيلِ إِذْ مَرَّ بِهِمْ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ - وَكَانَ مِنْ خُطَبَاءِ أَهْلِ الشَّامِ - فَلَمَّا رَآهُ جَرِيرٌ دَاخِلًا عَلَى عُمَرَ أَنْشَأَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ هَذَا زَمَانُكَ فَاسْتَأْذِنْ لَنَا عُمَرَا قَالَ: فَدَخَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ أَمْرِهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ، فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُرْخِي مَطِيَّتَهُ     هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ مَضَى زَمَنِي أَبْلِغْ خَلِيفَتَنَا إِنْ كُنْتَ لَاقِيهِ     أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالْمَصْفُودِ فِي قَرَنِ لَا تَنْسَ حَاجَتَنَا لُقِّيتَ مَغْفِرَةً     قَدْ طَالَ مُكْثِي عَنْ أَهْلِي وَعَنْ وَطَنِي قَالَ: فَدَخَلَ عَدِيٌّ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الشُّعَرَاءُ بِبَابِكَ وَسِهَامُهُمْ مَسْمُومَةٌ وَأَقْوَالُهُمْ نَافِذَةٌ، قَالَ: وَيَحَكَ يَا عَدِيُّ، مَا لِي وَلِلشُّعَرَاءِ، قَالَ: أَعَزَّ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ امْتُدِحَ وَأَعْطَى، وَلَكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُسْوَةٌ، قَالَ: كَيْفَ؟ قَالَ: امْتَدَحَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ فَأَعْطَاهُ حُلَّةً قَطَعَ بِهَا لِسَانَهُ، قَالَ: أَوَ تَرْوِي مِنْ قَوْلِهِ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَنْشَدَهُ يَقُولُ: رَأَيْتُكَ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ كُلِّهَا     نَشَرْتَ كِتَابًا جَاءَ بِالْحَقِّ مُعَلِّمًا [شَرَعْتَ لَنَا دِينَ الْهُدَى بَعْدَ جَوْرِنَا     عَنِ الْحَقِّ لَمَّا أَصْبَحَ الْحَقُّ مُظْلِمًا] وَنَوَّرْتَ بِالتِّبْيَانِ أَمْرًا مُدَلَّسًا     وَأَطْفَأْتَ بِالْقُرْآنِ نَارًا تَضَرَّمَا فَمَنْ مُبَلِّغٌ عَنِّي النَّبِيَّ مُحَمَّدًا     وَكُلُّ امْرِئٍ يُجْزَى بِمَا كَانَ قَدَّمَا أَقَمْتَ سَبِيلَ الْحَقِّ بَعْدَ اعْوِجَاجِهِ     وَكَانَ قَدِيمًا رُكْنُهُ قَدْ تَهَدَّمَا تَعَالَى عُلُوًّا فَوْقَ عَرْشٍ إِلَهُنَا     وَكَانَ مَكَانُ اللَّهِ أَعْلَا وَأَعْظَمَا قَالَ: وَيْحَكَ يَا عَدِيُّ، مَنْ بِالْبَابِ مِنْهُمْ؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ [أَبِي] رَبِيعَةَ، قَالَ: أَوَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: ثَمَّ نَبَّهْنَهَا فَهَبَّتْ كِعَابًا     طَفِلَةً مَا تُبَيِّنُ رَجْعَ الْكَلَامِ سَاعَةً ثُمَّ إِنَّهَا بَعْدُ قَالَتْ     وَيْلَتَا قَدْ عَجِلْتَ يَا ابْنَ الْكِرَامِ أَعَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ جِئْتَ تَسْرِي     تَتَخَطَّى إِلَيَّ رُءُوسَ النِّيَامِ فَلَوْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ إِذْ فَجَرَ كَتَمَ عَلَى نَفْسِهِ، لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَاللَّهِ أَبَدًا، [مَنْ] بِالْبَابِ سِوَاهُ؟ قَالَ: هَمَّامُ بْنُ غَالِبٍ يَعْنِي الْفَرَزْدَقَ - قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: هُمَا دَلَّيَانِي مِنْ ثَمَانِينَ قَامَةً     كَمَا انْقَضَّ بَازٍ أَقْتَمُ الرِّيشِ كَاسِرُهْ فَلَمَّا اسْتَوَتْ رِجْلَايَ بِالْأَرْضِ قَالَتَا     أَحَيٌّ يُرَجَّى أَمْ مَثِيلٌ نُحَاذِرُهُ لَا يَطَأُ وَاللَّهِ بِسَاطِي، فَمَنْ سِوَاهُ بِالْبَابِ مِنْهُمْ؟ قَالَ: الْأَخْطَلُ، قَالَ: يَا عَدِيُّ، هُوَ الَّذِي يَقُولُ: وَلَسْتُ بِصَائِمٍ رَمَضَانَ طَوْعًا     وَلَسْتُ بِآكِلٍ لَحْمَ الْأَضَاحِي وَلَسْتُ بِزَاجِرٍ عِيسًا بِكُورٍ     إِلَى بَطْحَاءَ مَكَّةَ لِلنَّجَاحِ وَلَسْتُ بِزَائِرٍ بَيْتًا بَعِيدًا     بِمَكَّةَ أَبْتَغِي فِيهِ صَلَاحِي وَلَسْتُ بِقَائِمٍ كَالْعِيرِ أَدْعُو     قُبَيْلَ الصُّبْحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ وَلَكِنِّي سَأَشْرَبُهَا شُمُولًا     وَأَسْجُدُ عِنْدَ مُنْبَلَجِ الصَّبَاحِ وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ كَافِرٌ أَبَدًا، فَهَلْ بِالْبَابِ سِوَى مَنْ ذَكَرْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ الْأَحْوَصُ، قَالَ: أَلَيْسَ هُوَ الَّذِي يَقُولُ: اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ سَيِّدِهَا     يَفِرُّ مِنِّي بِهَا وَأَتْبَعُهْ فَمَنْ هَاهُنَا أَيْضًا؟ قَالَ: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: يَا عَدِيُّ، هُوَ الَّذِي يَقُولُ: أَلَا لَيْتَنَا نَحْيَا جَمِيعًا وَإِنْ أَمُتْ     يُوَافِقُ فِي الْمَوْتَى ضَرِيحِي ضَرِيحُهَا فَمَا أَنَا فِي طُولِ الْحَيَاةِ بِرَاغِبٍ     إِذَا قِيلَ قَدْ سُوِّيَ عَلَيْهَا صَفِيحُهَا فَلَوْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ تَمَنَّى لِقَاءَهَا فِي الدُّنْيَا لِيَعْمَلَ بَعْدَ ذَلِكَ صَالِحًا، وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَبَدًا، فَهَلْ سِوَى مَنْ ذَكَرْتَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ: أَمَا أَنَّهُ الَّذِي يَقُولُ: طَرَقَتْكَ صَائِدَةُ الْقُلُوبِ فَلَيْسَ ذَا     حِينَ الزِّيَارَةِ فَارْجَعِي بِسَلَامِ فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَهُوَ، قَالَ: فَأَذِنَ لِجَرِيرٍ، فَدَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِي بَعَثَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا     جَعَلَ الْخِلَافَةَ لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَسِعَ الْخَلَائِقَ عَدْلُهُ وَوَفَاؤُهُ     حَتَّى ارْعَوَى فَأَقَامَ مَيْلَ الْمَائِلِ إِنِّي لَأَرْجُو مِنْكَ خَيْرًا عَاجِلًا     وَالنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ فَلَمَّا مَثُلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ: وَيْحَكَ يَا جَرِيرُ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَقُلْ إِلَّا حَقًّا، فَأَنْشَأَ جَرِيرٌ يَقُولُ: أَأَذْكُرُ الْجَهْدَ وَالْبَلْوَى الَّتِي نَزَلَتْ     أَمْ قَدْ كَفَانِي بِمَا بُلِّغْتَ مِنْ خَبَرِي كَمْ بِالْيَمَامَةِ مِنْ شَعْثَاءَ أَرْمَلَةٍ     وَمِنْ يَتِيمٍ ضَعِيفٍ الصَّوْتِ وَالنَّظَرِ مِمَّنْ يَعُدُّكَ تَكْفِي فَقْدَ وَالِدِهِ     كَالْفَرْخِ فِي الْعُشِّ لَمْ يَنْهَضْ وَلَمْ يَطِرِ يَدْعُوكَ دَعْوَةَ مَلْهُوفٍ كَأَنَّ بِهِ     خَبَلًا مِنَ الْجِنِّ أَوْ مَسًّا مِنَ الْبَشَرِ خَلِيفَةَ اللَّهِ مَاذَا تَأْمُرُونَ بِنَا     لَسْنَا إِلَيْكُمْ وَلَا فِي دَارِ مُنْتَظَرِ مَا زِلْتُ بَعْدَكَ فِي هَمٍّ يُؤَرِّقُنِي     قَدْ طَالَ فِي الْحَيِّ إِصْعَادِي وَمُنْحَدَرِي لَا يَنْفَعُ الْحَاضِرُ الْمَجْهُودُ بَادِينَا     وَلَا يَعُودُ لَنَا بَادٍ عَلَى حَضَرِ إِنَّا لَنَرْجُوُ إِذَا مَا الْغَيْثُ أَخْلَفَنَا     مِنَ الْخَلِيفَةِ مَا نَرْجُو مِنَ الْمَطَرِ نَالَ الْخِلَافَةَ إِذْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا     كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ هَذِي الْأَرَامِلُ قَدْ قَضَّيْتَ حَاجَتَهَا     فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ الْخَيْرُ مَا دُمْتَ حَيًّا لَا يُفَارِقُنَا     بُورِكْتَ يَا عُمَرَ الْخَيْرَانِ مِنْ عُمَرِ فَقَالَ: يَا جَرِيرُ، مَا أَرَى [لَكَ] فِيمَا هَا هُنَا حَقًّا، قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا ابْنُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطِعٌ. فَأَعْطَاهُ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ مِائَةَ دِرْهَمٍ. قَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا جَرِيرُ لَقَدْ وُلِّينَا هَذَا الْأَمْرَ وَمَا نَمْلِكُ إِلَّا ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمِائَةٌ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَمِائَةٌ أَخَذَتْهَا أُمُّ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَا غُلَامُ أَعْطِهِ الْمِائَةَ الْبَاقِيَةَ. قَالَ: فَأَخَذَهَا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَهِيَ أَحَبُّ مِنْ كُلِّ مَا اكْتَسَبْتُهُ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ لَهُ الشُّعَرَاءُ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا يَسُرُّكُمْ، خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ يُعْطِي الْفُقَرَاءَ وَيُعْطِي الشُّعَرَاءَ، وَإِنِّي عَنْهُ لَرَاضٍ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رُقَى الشَّيْطَانِ لَا يَسْتَفِزُّهُ     وَقَدْ كَانَ شَيْطَانِي مِنَ الْجِنِّ رَاقِيَا وَحَكَى ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ حَمَّادٍ الرَّاوِيَةِ، قَالَ: قَالَ لِي كَثِيرٌ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَا دَعَانِي إِلَى تَرْكِ الشِّعْرِ؟ قُلْتُ: خَبِّرْنِي، قَالَ: شَخَصْتُ أَنَا وَالْأَحْوَصُ وَنُصَيْبٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يُدِلُّ عَلَيْهِ بِسَابِقَةٍ لَهُ أَوْ خَلَّةٍ وَنَحْنُ لَا نَشُكُّ فِي أَنَّهُ سَيُشْرِكُنَا فِي خِلَافَتِهِ، فَلَمَّا رُفِعَتْ لَنَا أَعْلَامُ خَنَاصِرِهِ لَقِينَا مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ جَائِيًا مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فَتَى الْعَرَبِ، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا بَلَغَكُمْ أَنَّ إِمَامَكُمْ لَا يَقْبَلُ الشِّعْرَ، قُلْتُ: مَا وَضَحَ لَنَا حَتَّى لَقِينَاكَ. وَوَجَمْنَا وَجْمَةً عَرَفَ ذَلِكَ فِينَا، قَالَ: إِنْ يَكُنْ مَا تُحِبُّونَ وَإِلَّا فَمَا أَلْبَثُ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكُمْ فَأَمْنَحَكُمْ مَا أَنْتُمْ أَهْلُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ كَانَتْ رِحَالُنَا هَذِهِ بِأَكْرَمِ مَنْزَلٍ وَأَفْضَلِ مَنْزُولٍ عَلَيْهِ، وَأَقَمْنَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يَطْلُبُ لَنَا الْإِذْنَ هُوَ وَغَيْرُهُ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا إِلَى أَنْ قُلْتُ فِي جُمْعَةٍ مِنْ تِلْكَ الْجُمَعِ: لَوْ أَنِّي دَنَوْتُ مِنْ عُمَرَ فَسَمِعْتُ كَلَامَهُ فَتَحَفَّظْتُهُ كَانَ ذَلِكَ رَأْيًا، فَكَانَ مِمَّا تَحَفَّظْتُهُ مِنْ كِلَامِهِ يَوْمَئِذٍ: لِكُلِّ سَفَرٍ لَا مَحَالَةَ زَادٌ، فَتَزَوَّدُوا مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ التَّقْوَى، وَكُونُوا كَمَنْ عَايَنَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، فَتَرَّغَبُوا وَتَرَهَّبُوا، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمْرُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ وَتَنْقَادُوا لِعَدُوِّكُمْ، فِي كَلَامٍ كَثِيرٍ. ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، أَنْ آمُرَكُمْ بِمَا أَنْهَى عَنْهُ نَفْسِي فَتَخْسَرَ صَفْقَتِي وَتَظْهَرَ عَيْبَتِي، وَتَبْدُوَ مَسْكَنَتِي فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الْحَقُّ وَالصِّدْقُ. ثُمَّ بَكَى حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَاضٍ نَحْبَهُ، وَارْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِالْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: خُذُوا فِي شَرْحٍ مِنَ الشِّعْرِ غَيْرَ مَا [كُنَّا] نَقُولُ لِعَمِّهِ وَآبَائِهِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ أُخْرَوِيٌّ وَلَيْسَ بِدُنْيَوِيٍّ إِلَى أَنِ اسْتَأْذَنَ لَنَا مَسْلَمَةُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَأَذِنَ لَنَا بَعْدَ مَا أَذِنَ لِلْعَامَّةِ، فَلَمَّا دَخَلْتُ سَلَّمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، طَالَ الثَّوَاءُ وَقَلَّتِ الْفَائِدَةُ، وَتَحَدَّثَتْ بِجَفَائِكَ إِيَّانَا وُفُودُ الْعَرَبِ، فَقَالَ: يَا كُثَيِّرُ، إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ أَفِي وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: ابْنُ سَبِيلٍ مُنْقَطِعٌ [بِهِ] وَأَنَا صَاحِبُكَ، قَالَ: أَوَلَسْتَ ضَيْفَ أَبِي سَعِيدٍ؟ قُلْتُ: بَلَى، [قَالَ:] مَا أَرَى مَنْ كَانَ ضَيْفُهُ مُنْقَطِعًا بِهِ، قُلْتُ: أَفَتَأْذَنُ لِي فِي الْإِنْشَادِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: [قُلْ] وَلَا تَقُلْ إِلَّا حَقًّا، فَقُلْتُ: وَلِيتَ فَلَمْ تَشْتُمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ     بَرِيًّا وَلَمْ تَقْبَلْ إِشَارَةَ مُجْرِمِ وَصَدَّقْتَ بِالْفِعْلِ الْمَقَالَ مَعَ الَّذِي     أَتَيْتَ فَأَمْسَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمِ وَقَدْ لَبِسْتَ لُبْسَ الْهَلُوكِ ثِيَابَهَا     تَرَاءَى لَكَ الدُّنْيَا بِوَجْهٍ وَمِعْصَمٍ وَتُومِضُ أَحْيَانًا بِعَيْنٍ مَرِيضَةٍ     وَتَبْسِمُ عَنْ مِثْلِ الْجُمَانِ الْمُنَظَّمِ فَأَعْرَضْتَ عَنْهَا مُشْمَئِزًّا كَأَنَّمَا     سَقَتْكَ مَذُوقًا مِنْ سِمَامٍ وَعَلْقَمِ وَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَجْبَالِهَا فِي مُمَنَّعٍ     وَمِنْ بَحْرِهَا فِي مُزْبِدِ الْمَوْجِ مُفْعَمِ فَلَمَّا أَتَاكَ الْمُلْكُ عَفْوًا وَلَمْ يَكُنْ     لِطَالِبِ دُنْيَا بَعْدَهُ مِنْ تَكَلُّمِ تَرَكْتَ الَّذِي يَفْنَى وَإِنْ كَانَ مُونِقًا     وَآثَرْتَ مَا يَبْقَى بِرَأْيٍ مُصَمِّمٍ سَمَا لَكَ هَمٌّ فِي الْفُؤَادِ مُؤَرِّقٌ     بَلَغْتَ بِهِ أَعْلَى الْبِنَاءِ الْمُقَدَّمِ فَمَا بَيْنَ شَرْقِ الْأَرْضِ وَالْغَرْبِ كُلِّهَا     مُنَادٍ يُنَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ يَقُولُ: أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَلَمْتَنِي     بِأَخْذٍ لِدِينَارٍ وَلَا أَخْذِ دِرْهَمِ وَلَا بَسْطِ كَفٍّ بِامْرِئٍ غَيْرِ مُجْرِمٍ     وَلَا السَّفْكِ مِنْهُ ظَالِمًا مِلْءَ مِحْجَمِ فَأ?رْبِحْ بِهَا مِنْ صَفْقَةٍ لِمُتَابِعٍ     وَأَعْظِمْ بِهَا أَعْظِمْ بِهَا ثُمَّ أَعْظِمِ فَقَالَ لِي: يَا كَثَيِّرُ، إِنَّكَ تُسْأَلُ عَمَّا قُلْتَ. ثُمَّ تَقَدَّمَ الْأَحْوَصُ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْإِنْشَادِ، فَقَالَ: قُلْ وَلَا تَقُلْ إِلَّا حَقًّا، فَقَالَ: وَمَا الشِّعْرُ إِلَّا خُطْبَةٌ مِنْ مُؤَلِّفٍ     بِمَنْطِقِ حَقٍّ أَوْ بِمَنْطِقِ بَاطِلِ فَلَا تَقْبَلَنَّ إِلَّا الَّذِي وَافَقَ الرِّضَا     وَلَا تَرْجِعْنَّا كَالنِّسَاءِ الْأَرَامِلِ رَأَيْنَاكَ لَمْ تَعْدِلْ عَنِ الْحَقِّ يَمْنَةً     وَلَا شَامَةً فِعْلَ الظَّلُومِ الْمُجَادِلِ وَلَكِنْ أَخَذْتَ الْقَصْدَ جَهْدَكَ كُلَّهُ     تَقْفُو مِثَالَ الصَّالِحِينَ الْأَوَائِلِ فَقُلْنَا وَلَمْ نَكْذِبْ بِمَا قَدْ بَدَا لَنَا     وَمَنْ ذَا يَرُدُّ الْحَقَّ مِنْ قَوْلِ قَائِلِ وَمَنْ ذَا يَرُدُّ السَّهْمَ بَعْدَ مَضَائِهِ     عَلَى فُوقِهِ إِنْ عَارَ مِنْ نَزْعٍ نَابِلِ وَلَوْلَا الَّذِي قَدْ عَوَّدَتْنَا خَلائِفٌ     غَطَارِيفُ كَانَتْ كَاللُّيُوثِ الْبَوَاسِلِ لَمَّا وَخَدَتْ شَهْرًا بِرِجْلَيْ رَسْلَةٌ     تَغُلُّ مُتُونَ الْبِيدِ بَيْنَ الرَّوَاحِلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلشِّعْرِ عِنْدَكَ مَوْضِعٌ     وَإِنْ كَانَ مِثْلَ الدُّرِّ مِنْ قَوْلِ قَائِلِ فَإِنَّ لَنَا قُرْبَى وَمَحْضَ مَوَدَّةٍ     وَمِيرَاثَ آبَاءٍ مَشَوْا بِالْمَنَاصِلِ فَذَادُوا عَمُودَ الشِّرْكِ عَنْ عُقْرِ دَارِهِمْ     وَأَرْسَوْا عَمُودَ الدِّينِ بَعْدَ التَّمَايُلِ وَقَبْلَكَ مَا أَعْطَى هُنَيْدَةَ جِلَّةً     عَلَى الشِّعْرِ كَعْبًا مِنْ سَدِيسٍ وَبَازِلِ رَسُولُ الْإِلَهِ الْمُسْتَضَاءُ بِنُورِهِ     عَلَيْهِ سَلَامٌ بِالضُّحَى وَالْأَصَائِلِ فَكُلُّ الَّذِي عَدَّدْتُ يَكْفِيكَ بَعْضُهُ     وَنَيْلُكَ خَيْرٌ مِنْ بُحُورٍ سَوَائِلِ فَقَالَ: يَا أَحْوَصُ، إِنَّكَ تُسْأَلُ عَمَّا قُلْتَ. وَتَقَدَّمَ نُصَيْبٌ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْإِنْشَادِ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَأَمَرَهُ بِالْغَزْوِ إِلَى دَابِقٍ، فَخَرَجَ وَهُوَ مَحْمُومٌ. وَأَمَرَ لِي بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلِلْأَحْوَصِ بِمِثْلِهَا، وَلِنُصَيْبٍ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا.

  354. التاريخ 2446لا حكم مسجّل

    ( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا   ) وَهُوَ ذِكْرُنَا فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا أَمْرَ دِينِهَا. فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ جَدَّدَ اللَّهُ بِهِ أَمْرَ الدِّينِ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَوْلَى مَنْ دَخَلَ فِي ذَلِكَ وَأَحَقَّ ; لِإِمَامَتِهِ، وَعُمُومِ وِلَايَتِهِ، وَاجْتِهَادِهِ وَقِيَامِهِ فِي تَنْفِيذِ الْحَقِّ، فَقَدْ كَانَتْ سِيرَتُهُ شَبِيهَةً بِسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَشَبَّهُ بِهِ.

  355. التاريخ 2447لا حكم مسجّل

    ( رَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؓ لِلْمَظَالِمِ   ) وَقَدْ رَدَّ جَمِيعَ الْمَظَالِمِ، حَتَّى إِنَّهُ رَدَّ فَصَّ خَاتَمٍ كَانَ فِي يَدِهِ قَالَ: أَعْطَانِيهِ الْوَلِيدُ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ. وَخَرَجَ مِنْ جَمِيعِ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَتَاعِ، حَتَّى إِنَّهُ تَرَكَ التَّمَتُّعَ بِزَوْجَتِهِ الْحَسْنَاءِ، فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ، يُقَالُ: كَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَدَّ جَهَازَهَا وَمَا كَانَ مِنْ أَمْوَالِهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ دَخْلُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ دَخْلٌ سِوَى أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَكَانَ حَاصِلُهُ فِي خِلَافَتِهِ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ أَجَلَّهُمْ، فَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَبِيهِ. فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ حُزْنٌ، وَقَالَ: أَمْرٌ رَضِيَهُ اللَّهُ فَلَا أَكْرَهُهُ. وَكَانَ قَبْلَ الْخِلَافَةِ يُؤْتَى بِالْقَمِيصِ الرَّفِيعِ اللَّيِّنِ جِدًّا، فَيَقُولُ: مَا أَحْسَنَهُ لَوْلَا خُشُونَةٌ فِيهِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْغَلِيظَ الْمَرْقُوعَ وَلَا يَغْسِلُهُ حَتَّى يَتَّسِخَ جِدًّا، وَيَقُولُ: مَا أَحْسَنَهُ لَوْلَا لِينُهُ. وَكَانَ يَلْبَسُ الْفَرْوَةَ الْغَلِيظَةَ، وَكَانَ سِرَاجُهُ عَلَى ثَلَاثِ قَصَبَاتٍ فِي رَأْسِهِنَّ طِينٌ، وَلَمْ يَبْنِ شَيْئًا فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ. وَكَانَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا عَوَّضَنِي اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. وَكَانَ يَأْكُلُ الْغَلِيظَ مِنَ الطَّعَامِ أَيْضًا، وَلَا يُبَالِي بِشَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ، وَلَا يُتْبِعُهُ نَفْسَهُ وَلَا يَوَدُّهُ، حَتَّى قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَزْهَدَ مِنْ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ ; لِأَنَّ عُمَرَ مَلَكَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا وَزَهِدَ فِيهَا، وَلَا نَدْرِي حَالَ أُوَيْسٍ لَوْ مَلَكَ مَا مَلَكَهُ عُمَرُ كَيْفَ يَكُونُ ؟ لَيْسَ مَنْ جَرَّبَ كَمَنْ لَمْ يُجَرِّبْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: لَمْ يَكُنْ عُمَرُ يَرْتَزِقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ أَمَرَ جَارِيَةً تُرَوِّحُهُ حَتَّى يَنَامَ فَرَوَّحَتْهُ، فَنَامَتْ هِيَ، فَأَخَذَ الْمِرْوَحَةَ مِنْ يَدِهَا وَجَعَلَ يُرَوِّحُهَا، وَيَقُولُ: أَصَابَكِ مِنَ الْحَرِّ مَا أَصَابَنِي. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا. فَقَالَ: بَلْ جَزَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَنِّي خَيْرًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ تَحْتَ ثِيَابِهِ مِسْحًا غَلِيظًا مِنْ شَعْرٍ، وَيَضَعُ فِي رَقَبَتِهِ غُلًّا إِذَا قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ إِذَا أَصْبَحَ وَضَعَهُ فِي مَكَانٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ فَلَا يَشْعُرُ بِهِ أَحَدٌ وَكَانُوا يَظُنُّونَهُ مَالًا أَوْ جَوْهَرًا مِنْ حِرْصِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ فَإِذَا فِيهِ غُلٌّ وَمَسْحٌ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ: (شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِنَّ حُجْزَةَ إِزَارِهِ لَغَائِبَةٌ فِي عُكَنِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا اسْتُخْلِفَ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ أَضْلَاعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَمَسَّهَا... لَفَعَلْتُ). وَقَالَ وَلَدُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: (سَأَلَنِي أَبُو جَعْفَرَ الْمَنْصُورُ: كَمْ كَانَتْ غَلَّةُ أَبِيكَ حِينَ أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ؟ قُلْتُ: أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، قَالَ: فَكَمْ كَانَتْ حِينَ تُوُفِّيَ؟ قُلْتُ: أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْ بَقِيَ... لَنَقَصَتْ). وَقَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: (دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَسِخٌ، فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَلَا تَغْسِلِينَ قَمِيصَهُ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ، مَا لَهُ قَمِيصٌ غَيْرُهُ). وَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ الْخَصِيُّ غُلَامُ عُمَرَ: (دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى مَوْلَاتِي فَغَدَّتْنِي عَدَسًا، فَقُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ عَدَسٌ؟! فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ؛ هَذَا طَعَامُ مَوْلَاكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ). قَالَ: (وَدَخَلَ عُمَرُ الْحَمَّامَ يَوْمًا فَأَطْلَى، فَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ). قَالَ: (وَلَمَّا احْتُضِرَ... بَعَثَنِي بِدِينَارٍ إِلَى أَهْلِ الدَّيْرِ فَقَالَ: إِنْ بِعْتُمُونِي مَوْضِعَ قَبْرِي؛ وَإِلَّا... تَحَوَّلْتُ عَنْكُمْ، فَأَتَيْتُهُمْ فَقَالُوا: لَوْلَا أَنَّا نَكْرَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنَّا... مَا قَبِلْنَاهُ). وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى بَكَى الدَّمَ مِنَ الدُّمُوعِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ بَكَى فَوْقَ سَطْحٍ حَتَّى سَالَ دَمْعُهُ مِنَ الْمِيزَابِ. وَكَانَ يَأْكُلُ مِنَ الْعَدَسِ لِيَرِقَّ قَلْبُهُ وَتَغْزُرُ دَمْعَتُهُ، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْتَ اضْطَرَبَتْ أَوْصَالُهُ، وَقَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَهُ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [ الْفُرْقَانِ: 13 ] الْآيَةَ. فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ مَنْ كَانَ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَهْلِكْ مَنْ كَانَ فِي هَلَاكِهِ صَلَاحُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ. وَقَالَ: لَوْ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى يَحْكُمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لَذَهَبَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَقَلَّ الْوَاعِظُونَ وَالسَّاعُونَ لِلَّهِ بِالنَّصِيحَةِ. وَقَالَ: الدُّنْيَا عَدُوَّةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَاءِ اللَّهِ، أَمَّا الْأَوْلِيَاءُ فَغَمَّتْهُمْ، وَأَمَّا الْأَعْدَاءُ فَغَرَّتْهُمْ. وَقَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ عُصِمَ مِنَ الْمِرَاءِ وَالْغَضَبِ وَالطَّمَعِ. وَقَالَ لِرَجُلٍ: مَنْ سَيِّدُ قَوْمِكَ ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: لَوْ كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَقُلْهُ. وَقَالَ: أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ: لَقَدْ بُورِكَ لِعَبْدٍ فِي حَاجَةٍ أَكْثَرَ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ، أُعْطِيَ أَوْ مُنِعَ. وَقَالَ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ. وَقَالَ لِرَجُلٍ: عَلِّمْ وَلَدَكَ الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ: الْقَنَاعَةَ وَكَفَّ الْأَذَى. وَتَكَلَّمَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَأَحْسَنَ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ السِّحْرُ الْحَلَّالُ. وعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ عَرَفَنِي وَلَمْ أَعْرِفْهُ، فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَلَمْ تَكُنْ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ أَمِيرًا، فَكَانَ مَرْكَبُكَ وَطِيًّا، وَثَوْبُكَ نَقِيًّا وَوَجْهُكَ بَهِيًّا، وَطَعَامُكَ شَهِيًّا، وَخَدَمُكَ كَثِيرٌ، فَمَا الَّذِي غَيَّرَكَ وَأَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَبَكَى وَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، كَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي بَعْدَ ثَلَاثٍ فِي قَبْرِي وَقَدْ سَالَتْ حَدَقَتَايَ عَلَى وَجْنَتَيَّ، ثُمَّ جَفَّ لِسَانِي، وَانْشَقَّتْ بَطْنِي وَجَرَتِ الدِّيدَانُ فِي بَدَنِي لَكُنْتَ لِي أَشَدَّ إِنْكَارًا، أَعِدْ عَلَيَّ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي بِالْمَدِينَةِ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًا مُضَرَّسَةً لَا يَجُوزُهَا إِلَّا كُلُّ ضَامِرٍ مَهْزُولٍ. قَالَ: فَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا حَازِمٍ، أَمَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُضْمِرَ نَفْسِي لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ فَعَسَى أَنْ أَنْجُوَ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، وَمَا أَظُنُّ أَنِّي مَعَ هَذَا الْبَلَاءِ الَّذِي ابْتُلِيتُ بِهِ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ بِنَاجٍ. ثُمَّ رَقَدَ ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّاسُ، فَقُلْتُ: أَقِلُّوا الْكَلَامَ فَمَا فَعَلَ بِهِ مَا تَرَوْنَ إِلَّا سَهَرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَصَبَّبَ عَرَقًا فِي يَوْمٍ اللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَلَا نَحِيبُهُ، ثُمَّ تَبَسَّمَ، فَسَبَقْتُ النَّاسَ إِلَى كَلَامِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ مِنْكَ عَجَبًا، إِنَّكَ لَمَّا رَقَدْتَ تَصَبَّبْتَ عَرَقًا حَتَّى ابْتَلَّ مَا حَوْلَكَ، ثُمَّ بَكَيْتَ حَتَّى عَلَا نَحِيبُكَ ثُمَّ تَبَسَّمْتَ، فَقَالَ لِي: وَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَمَنْ كَانَ حَوْلَكَ مِنَ النَّاسِ رَآهُ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا حَازِمٍ، إِنِّي لَمَّا وَضَعْتُ رَأْسِي فَرَقَدْتُ، رَأَيْتُ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ فَمَلَئُوا الْأُفُقَ، أُمَّةُ مُحَمَّدٍ مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَنْتَظِرُونَ مَتَى يُدْعَوْنَ إِلَى الْحِسَابِ، إِذْ نُودِيَ: أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؟ فَأَجَابَ فَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَأَوْقَفُوهُ أَمَامَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَحُوسِبَ ثُمَّ نَجَا [وَأُخِذَ بِهِ ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ نُودِيَ بِعُمَرَ فَقَرَّبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَوَقَّفُوهُ أَمَامَ رَبِّهِ، فَحُوسِبَ ثُمَّ نَجَا] وَأُمِرَ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. ثُمَّ نُودِيَ بِعُثْمَانَ، فَأَجَابَ، فَحُوسِبَ يَسِيرًا، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ نُودِيَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَحُوسِبَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَرُبَ الْأَمْرُ مِنِّي أُسْقِطَ فِي يَدِي، ثُمَّ جَعَلَ يُؤْتَى بِقَوْمٍ لَا أَدْرِي مَا حَالُهُمْ، ثُمَّ نُودِيَ: أَيْنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَتَصَبَّبْتُ عَرَقًا، ثُمَّ سُئِلْتُ عَنِ الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ وَعَنْ كُلِّ قَضِيَّةٍ قَضَيْتُ بِهَا، ثُمَّ غُفِرَ لِي، فَمَرَرْتُ بِجِيفَةٍ مُلْقَاةٍ، فَقُلْتُ لِلْمَلَائِكَةِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: إِنَّكَ لَوْ كَلَّمْتَهُ كَلَّمَكَ، فَوَكَزْتُهُ بِرِجْلِي فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قُلْتُ: تَفَضَّلَ عَلَيَّ وَفَعَلَ بِي مَا فَعَلَ بِالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ غَفَرَ لَهُمْ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَمَا أَدْرِي مَا فُعِلَ بِهِمْ، فَقَالَ لِي: هَنِيئًا لَكَ مَا صِرْتَ إِلَيْهِ. قُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحَجَّاجُ، قَدِمْتُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَجَدْتُهُ شَدِيدَ الْعِقَابِ فَقَتَلَنِي بِكُلِّ قِتْلَةٍ قَتْلَةً، وَهَا أَنَا مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْتَظِرُ مَا يَنْتَظِرُ الْمُوَحِّدُونَ مِنْ رَبِّهِمْ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَعَاهَدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ رُؤْيَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَلَّا أَقْطَعَ عَلَى أَحَدٍ بِالنَّارِ مِمَّنْ يَمُوتُ وَهُوَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَمَا زَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُنْذُ وَلِيَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَدْلِ وَمَحْوِ الظُّلْمِ وَتَرْكِ الْهَوَى،  وَكَانَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: ارْحَلُوا إِلَى بِلَادِكُمْ فَإِنِّي أَنْسَاكُمْ هَا هُنَا وَأَذْكُرُكُمْ فِي بِلَادِكُمْ. وَمِنْ ظَلَمَهُ عَامِلُهُ فَلَا إِذْنَ لَهُ عَلَيَّ.

  356. التاريخ 2448لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ  ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْمَرَضُ يَتَزَايَدُ بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ بِخُنَاصِرَةَ مِنْ دَيْرِ سَمْعَانَ بَيْنَ حَمَاةَ وَحَلَبَ وقيل في سَبَبِ وَفَاتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ   كَانَ سَبَبُهَا السُّلَّ، وَقِيلَ: سَبَبُهَا أَنَّ مَوْلًى لَهُ سَمَّهُ فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، وَأُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ أَلْفَ دِينَارٍ. فَحَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَرَضٌ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ مَسْمُومٌ، فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ يَوْمَ سُقِيتُ السُّمَّ. ثُمَّ اسْتَدْعَى مَوْلَاهُ الَّذِي سَقَاهُ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ: أَلْفُ دِينَارٍ أُعْطِيتُهَا. فَقَالَ: هَاتِهَا. فَأَحْضَرَهَا فَوَضَعَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ حَيْثُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ فَتَهْلَكَ. ثُمَّ قِيلَ لِعُمَرَ: تَدَارَكْ نَفْسَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ شِفَائِي أَنْ أَمْسَحَ شَحْمَةَ أُذُنِي، أَوْ أُوتَى بِطِيبٍ فَأَشُمَّهُ مَا فَعَلْتُ. فَقِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ بَنُوكَ وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلَا تُوصِي لَهُمْ بِشَيْءٍ ; فَإِنَّهُمْ فُقَرَاءُ ؟ فَقَالَ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [ الْأَعْرَافِ: 196 ] وَاللَّهِ لَا أُعْطِيهِمْ حَقَّ أَحَدٍ، وَهُمْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ ; إِمَّا صَالِحٌ فَاللَّهُ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَإِمَّا غَيْرُ صَالِحٍ فَمَا كُنْتُ لِأُعِينَهُ عَلَى فِسْقِهِ وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا أُبَالِي فِي أَيِّ وَادٍ هَلَكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَفَأَدَعُ لَهُ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَأَكُونَ شَرِيكَهُ فِيمَا يَعْمَلُ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِأَوْلَادِهِ فَوَدَّعَهُمْ وَعَزَّاهُمْ بِهَذَا، وَأَوْصَاهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ، ثُمَّ قَالَ: انْصَرِفُوا عَصَمَكُمُ اللَّهُ، وَأَحْسَنَ الْخِلَافَةَ عَلَيْكُمْ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ أَوْلَادِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَحْمِلُ عَلَى ثَمَانِينَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ بَعْضُ أَوْلَادِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ كَثْرَةِ مَا تَرَكَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ يَتَعَاطَى وَيَسْأَلُ مِنْ أَوْلَادِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِأَنَّ عُمَرَ وَكَلَ وَلَدَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُ إِنَّمَا يَكِلُونَ أَوْلَادَهُمْ إِلَى مَا يَدَعُونَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ الْفَانِيَةِ، فَيَضِيعُونَ وَتَذْهَبُ أَمْوَالُهُمْ فِي شَهَوَاتِ أَوْلَادِهِمْ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: بسنده، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَتَيْتَ الْمَدِينَةَ فَإِنْ قَضَى اللَّهُ مَوْتًا دُفِنْتَ فِي الْقَبْرِ الرَّابِعِ مَعَ رَسُولِ صَلَّى الْهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ يُعَذِّبَنَا اللَّهُ بِكُلِّ عَذَابٍ، إِلَّا النَّارَ فَإِنَّهُ لَا صَبْرَ لِي عَلَيْهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعْلَمَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِي أَنِّي لِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَهْلٌ. قَالُوا: وَكَانَ مَرَضُهُ بِدَيْرِ سَمْعَانَ مِنْ قُرَى حِمْصَ وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ عِشْرِينَ يَوْمًا. وَلَمَّا احْتُضِرَ قَالَ: أَجْلِسُونِي. فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ: إِلَهِي، أَنَا الَّذِي أَمَرْتَنِي فَقَصَّرْتُ، وَنَهَيْتَنِي فَعَصَيْتُ ثَلَاثًا وَلَكِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَحَدَّ النَّظَرَ، فَقَالُوا: إِنَّكَ لَتَنْظُرُ نَظَرًا شَدِيدًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: إِنِّي لَأَرَى حَضَرَةً مَا هُمْ بِإِنْسٍ وَلَا جَانٍّ. ثُمَّ قُبِضَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَهْلِهِ: اخْرُجُوا عَنِّي. فَخَرَجُوا وَجَلَسَ عَلَى الْبَابِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَأُخْتُهُ فَاطِمَةُ، فَسَمِعُوهُ يَقُولُ: مَرْحَبًا بِهَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي لَيْسَتْ بِوُجُوهِ إِنْسٍ وَلَا جَانٍّ، ثُمَّ قَرَأَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الْقَصَصِ: 83 ] ثُمَّ هَدَأَ الصَّوْتُ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ غُمِّضَ، وَسُوِّيَ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَقُبِضَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بسنده عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وُضِعَ عِنْدَ قَبْرِهِ هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَسَقَطَتْ صَحِيفَةٌ بِأَحْسَنِ كِتَابٍ فَقَرَءُوهَا فَإِذَا فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنَ النَّارِ. فَأَدْخَلُوهَا بَيْنَ أَكْفَانِهِ، وَدَفَنُوهَا مَعَهُ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِسَنَدِهِ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ الْحُبَابِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: أُسِرْتُ أَنَا وَثَمَانِيَةٌ فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَأَمَرَ مَلِكُ الرُّومِ بِضَرْبِ رِقَابِنَا، فَقُتِلَ أَصْحَابِي، وَشَفَعَ فِيَّ بِطْرِيقٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الْمَلِكِ، فَأَطْلَقَنِي لَهُ، فَأَخَذَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ، وَإِذَا لَهُ ابْنَةٌ مِثْلُ الشَّمْسِ، فَعَرَضَهَا عَلَيَّ، وَعَلَى أَنْ يُقَاسِمَنِي نِعْمَتَهُ، وَأَدْخُلَ مَعَهُ فِي دِينِهِ، فَأَبَيْتُ، وَخَلَتْ بِي ابْنَتُهُ فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيَّ فَامْتَنَعْتُ، فَقَالَتْ: مَا يَمْنَعُكَ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقُلْتُ: يَمْنَعُنِي دِينِي، فَلَا أَتْرُكُ دِينِي لِامْرَأَةٍ وَلَا لِشَيْءٍ. فَقَالَتْ: تُرِيدُ الذَّهَابَ إِلَى بِلَادِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَتْ: سِرْ عَلَى هَذَا النَّجْمِ بِاللَّيْلِ، وَاكْمُنْ بِالنَّهَارِ ; فَإِنَّهُ يُلْقِيكَ إِلَى بِلَادِكَ. قَالَ: فَسِرْتُ كَذَلِكَ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ مُكْمِنٌ، وَإِذَا بِخَيْلٍ مُقْبِلَةٍ فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ فِي طَلَبِي ; فَإِذَا أَنَا بِأَصْحَابِي الَّذِينَ قُتِلُوا، وَمَعَهُمْ آخَرُونَ عَلَى دَوَابَّ شُهْبٍ، فَقَالُوا: عُمَيْرٌ ؟ فَقُلْتُ: عُمَيْرٌ، فَقُلْتُ: أَوَلَيْسَ قَدْ قُتِلْتُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، نَشَرَ الشُّهَدَاءَ، وَأَذِنَ لَهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا جِنَازَةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِي بَعْضُهُمْ: نَاوِلْنِي يَدَكَ يَا عُمَيْرُ، فَأَرْدَفَنِي، فَسِرْنَا يَسِيرًا، ثُمَّ قَذَفَ بِي قَذْفَةً وَقَعْتُ قُرْبَ مَنْزِلِي بِالْجَزِيرَةِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَحِقَنِي شَرٌّ. وصية عمر بن عبد العزيز لرجاء بن حيوة بغسله وتكفينه ودفنه وَقَالَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَدْ أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ أُغَسِّلَهُ وَأُكَفِّنَهُ، وَأَدْفِنَهُ فَإِذَا حَلَلْتُ عُقْدَةَ الْكَفَنِ، أَنْ أَنْظُرَ فِي وَجْهِهِ، قَالَ: فَلَمَّا فَعَلْتُ ذَلِكَ إِذَا وَجْهُهُ كَالْقَرَاطِيسِ بَيَاضًا، وَكَانَ قَدْ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ دَفَنَ ثَلَاثَةً مِنَ الْخُلَفَاءِ فَيَحُلُّ عَنْ وُجُوهِهِمْ فَإِذَا هِيَ مُسْوَدَّةٌ. وَقَدْ رُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ، وَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، لَا سِيَّمَا الْعُلَمَاءُ وَالزُّهَّادُ وَالْعُبَّادُ. رثاء عمر بن عبد العزيز وَرَثَاهُ الشُّعَرَاءُ ; فَمِنْ ذَلِكَ مَا أَنْشَدَهُ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ لِكُثَيِّرِ عَزَّةَ يَرْثِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَمَّتْ صَنَائِعُهُ فَعَمَّ هَلَاكُهُ فَالنَّاسُ فِيهِ كُلُّهُمْ مَأْجُورُ     وَالنَّاسُ مَأْتَمُهُمْ عَلَيْهِ وَاحِدٌ فِي كُلِّ دَارٍ رَنَّةٌ وَزَفِيرُ     يُثْنِي عَلَيْكَ لِسَانُ مَنْ لَمْ تُولِهِ خَيْرًا لِأَنَّكَ بِالثَّنَاءِ جَدِيرُ     رَدَّتْ صَنَائِعُهُ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ فَكَأَنَّهُ مِنْ نَشْرِهَا مَنْشُورُ وقَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ: أَقُولُ لَمَّا أَتَانِي ثَمَّ مَهْلِكُهُ     لَا تَبْعُدَنَّ قِوَامَ الْحَقِّ وَالدِّينِ قَدْ غَادَرُوا فِي ضَرِيحِ اللَّحْدِ مُنْجَدِلًا     بِدَيْرِ سَمْعَانَ قِسْطَاسَ الْمَوَازِينِ وَقَالَ جَرِيرٌ يَرْثِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَنْعَى النُّعَاةُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَنَا     يَا خَيْرَ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ وَاعْتَمَرَا حَمَلْتَ أَمْرًا عَظِيمًا فَاضْطَلَعْتَ بِهِ     وَقُمْتَ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ يَا عُمْرَا الشَّمْسُ كَاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ     تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَّيْلِ وَالْقَمَرَا وَقَالَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ يَرْثِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَوْ أَعْظَمَ الْمَوْتُ خَلْقًا أَنْ يُوَاقِعَهُ     لِعَدْلِهِ لَمْ يُصِبْكَ الْمَوْتُ يَا عُمَرُ كَمْ مِنْ شَرِيعَةِ عَدْلٍ قَدْ نَعَشْتَ لَهُمْ     كَادَتْ تَمُوتُ وَأُخْرَى مِنْكَ تُنْتَظَرُ يَا لَهَفَ نَفْسِي وَلَهَفَ الْوَاجِدِينَ مَعِي     عَلَى الْعُدُولِ الَّتِي تَغْتَالُهَا الْحَفْرُ ثَلَاثَةٌ مَا رَأَتْ عَيْنِي لَهُمْ شَبَهًا     تَضُمُّ أَعْظُمَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحُفَرُ وَأَنْتَ تَتْبَعُهُمْ لَمْ تَأْلُ مُجْتَهِدًا     سُقْيًا لَهَا سُنَنٌ بِالْحَقِّ تَفْتَقِرُ لَوْ كُنْتُ أَمْلِكُ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ     تَأْتِي رَوَاحًا وَتِبْيَانًا وَتَبْتَكِرُ صَرَفْتُ عَنْ عُمَرَ الْخَيْرَاتِ مَصْرَعَهُ     بِدَيْرِ سَمْعَانَ لَكِنْ يَغْلِبُ الْقَدْرُ قَالُوا: وَكَانَتْ وَفَاتُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقِيلَ: الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ. وَقِيلَ: بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ. وَقِيلَ: لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى - وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ - وَمِائَةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَمِائَةٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُ عَمِّهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقِيلَ: صَلَّى عَلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقِيلَ: ابْنُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ مَاتَ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ بِأَشْهُرٍ. وَقِيلَ: بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: بِأَكْثَرَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: سِتًّا وَثَلَاثِينَ. وَقِيلَ: سَبْعًا وَثَلَاثِينَ. وَقِيلَ: ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعِينَ وَلَمْ يَبْلُغْهَا. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ: مَاتَ عُمَرُ عَلَى رَأْسِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا وَهْمٌ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، يَعْنِي تِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ: سَنَتَانِ وَنِصْفٌ. وَكَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَسْمَرَ دَقِيقَ الْوَجْهِ حَسَنَهُ، نَحِيفَ الْجِسْمِ حَسَنَ اللِّحْيَةِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، بِجَبْهَتِهِ أَثَرُ شَجَّةٍ، وَكَانَ قَدْ شَابَ وَخَضَّبَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ حَكَمًا مُقْسِطًا وَإِمَامًا عَادِلًا وَرِعًا دَيِّنًا، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.

  357. التاريخ 2442لا حكم مسجّل

    هَرَبِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ  وفي سَنَةُ إِحْدَى وَمِائَةٍ   كَانَ هَرَبُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ مِنَ السِّجْنِ حِينَ بَلَغَهُ مَرَضُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ  فَوَاعَدَ غِلْمَانِهِ يَلْقَوْنَهُ بِالْخَيْلِ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ وَقِيلَ: بِإِبِلٍ لَهُ. ثُمَّ نَزَلَ مِنْ مَحْبَسِهِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ وَامْرَأَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ الْفُرَاتِ الْعَامِرِيَّةُ فَلَمَّا جَاءَهُ غِلْمَانُهُ رَكِبَ رَوَاحِلَهُ وَسَارَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنِّي وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ مِنْ سِجْنِكَ إِلَّا حِينَ بَلَغَنِي مَرَضُكَ وَلَوْ رَجَوْتُ حَيَاتَكَ مَا خَرَجْتُ وَلَكِنِّي خَشِيتُ مِنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ يَتَوَعَّدُنِي بِالْقَتْلِ. وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَقُولُ: لَئِنْ وُلِّيتُ لَأَقْطَعَنَّ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ طَائِفَةً. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وُلِّيَ الْعِرَاقَ عَاقَبَ أَصْهَارَهُ آلَ أَبِي عَقِيلٍ، وَهُمْ بَيْتُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مُزَوَّجًا بِبِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ، وَلَهُ مِنْهَا ابْنُهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْفَاسِقُ الْمَقْتُولُ. وَقيل كَانَ سَبَبُ تَعْذِيبِهِمْ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ طَلَبَ آلَ أَبِي عَقِيلٍ، فَأَخَذَهُمْ وَسَلَّمَهُمْ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ لِيُخَلِّصَ أَمْوَالَهُمْ، فَعَذَّبَهُمْ وَبَعَثَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ إِلَى الْبَلْقَاءِ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ، وَبِهَا خَزَائِنُ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَعِيَالُهُ، فَنَقَلَهُمْ وَمَا مَعَهُمْ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِيمَنْ أُتِيَ بِهِ أُمُّ الْحَجَّاجِ زَوْجَةُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ( وَقِيلَ: بَلْ أُخْتٌ لَهَا، فَعَذَّبَهَا، فَأَتَى يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ) إِلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ فِي مَنْزِلِهِ فَشَفَعَ فِيهَا، فَلَمْ يُشَفِّعْهُ، فَقَالَ: الَّذِي قَرَّرْتُمْ عَلَيْهَا أَنَا أَحْمِلُهُ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَقَالَ لِابْنِ الْمُهَلَّبِ: أَمَّا وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئًا لَأَقْطَعَنَّ مِنْكَ عُضْوًا ! فَقَالَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ ذَلِكَ لَأَرْمِيَنَّكَ بِمِائَةِ أَلْفِ سَيْفٍ. فَحَمَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ( مَا كَانَ عَلَيْهَا )، وَكَانَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ هَرَبَ مِنَ السِّجْنِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ يُرِيدُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ سُوءًا فَاكْفِهِمْ شَرَّهُ، وَارْدُدْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ. وَمَرَّ يَزِيدُ فِي طَرِيقِهِ بِالْهُذَيْلِ بْنِ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ يَخَافُهُ، فَلَمْ يَشْعُرِ الْهُذَيْلُ إِلَّا وَقَدْ دَخَلَ يَزِيدُ وَدَعَا بِلَبَنٍ فَشَرِبَهُ، فَاسْتَحْيَا مِنْهُ الْهُذَيْلُ وَعَرَضَ عَلَيْهِ خَيْلَهُ وَغَيْرَهَا، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّمَا هَرَبَ مِنْ سِجْنِ عُمَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ ؓ.

  358. التاريخ 2449لا حكم مسجّل

    خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  وَيُكَنَّى أَبَا خَالِدٍ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، بُويِعَ لَهُ بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَكُونَ وَلِيَّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ فِي رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ بَايَعَهُ النَّاسُ الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ، وَعُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَلَمَّا احْتُضِرَ عُمَرُ، قِيلَ لَهُ: اكْتُبْ إِلَى يَزِيدَ فَأَوْصِهِ بِالْأُمَّةِ، قَالَ: بِمَاذَا أُوصِيهِ ؟ إِنَّهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ فَاتَّقِ يَا يَزِيدُ الصَّرْعَةَ بَعْدَ الْغَفْلَةِ، حِينَ لَا تُقَالُ الْعَثْرَةُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى الرَّجْعَةِ، إِنَّكَ تَتْرُكُ مَا تَتْرُكُ لِمَنْ لَا يَحْمَدُكَ، وَتَصِيرُ إِلَى مَنْ لَا يَعْذُرُكَ، وَالسَّلَامُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: (كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى وَلِيِّ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ؛ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي كَتَبْتُ وَأَنَا دَنِفٌ مِنْ وَجَعِي، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنِّي مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتُ، يُحَاسِبُنِي عَلَيْهِ مَلِيكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَسْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِي شَيْئًا، فَإِنْ يَرْضَ عَنِّي... فَقَدْ أَفْلَحْتُ وَنَجَوْتُ مِنَ الْهَوَانِ الطَّوِيلِ، وَإِنْ سَخِطَ عَلَيَّ... فَيَا وَيْحَ نَفْسِي إِلَامَ أَصِيرُ؟! أَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَنْ يُجِيرَنِي مِنَ النَّارِ بِرَحْمَتِهِ، وَأَنَّ يَمُنَّ عَلَيَّ بِرِضْوَانِهِ وَالْجَنَّةِ، فَعَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، الرَّعِيَّةَ الرَّعِيَّةَ، فَإِنَّكَ لَنْ تَبْقَى بَعْدِي إِلَّا قَلِيلًا وَالسَّلَامُ). وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْفِهْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: مَا جَعَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِرَبِّهِ أَرْجَى مِنِّي، فَتَنَسَّكَ وَأَقَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لَا تَفُوتُهُ صَلَاةٌ فِي جَمَاعَةٍ، فَقَدِمَ الْأَحْوَصُ فَأَرْسَلَتْ لَهُ حُبَابَةُ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَلَا لَكَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مَا دَامَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَقُلْ أَبْيَاتًا أُغَنِّيهَا لَهُ عَسَى أَنْ يَتْرُكَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ النُّسُكِ، فَقَالَ الْأَحْوَصُ: أَلَا لَا تَلُمْهُ الْيَوْمَ أَنْ يَتَبَلَّدَا فَقَدْ غُلِبَ الْمَحْزُونُ أَنْ يَتَجَلَّدَا     إِذَا كُنْتَ عَزِيفًا عَنِ اللَّهْوِ وَالصَّبَا فَكُنْ حَجَرًا مِنْ يَابِسِ الصَّخْرِ جَلْمَدَا     فَمَا الْعَيْشُ إِلَّا مَا يَلَذُّ وَيُشْتَهَى وَإِنْ لَامَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا فَلَمَّا خَرَجَ يَزِيدُ لِلْجُمْعَةِ عَرَضَتْ لَهُ حُبَابَةُ عَلَى طَرِيقِهِ فَحَرَّكَتِ الْعُودَ وَغَنَّتِ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ فَسَبَّحَ، فَلَمَّا غَنَّتِ الْبَيْتَ الثَّانِي قَالَ: مَهْ مَهْ وَيْحَكِ لَا تَفْعَلِي، فَلَمَّا غَنَّتِ الثَّالِثَ نَفَضَ عِمَامَتَهُ، وَقَالَ: مُرُوا صَاحِبَ الشُّرْطَةِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَجَلَسَ مَعَهَا، وَدَعَى بِالشَّرَابِ وَسَأَلَهَا عَنْ قَائِلِ الشِّعْرِ، فَقَالَتِ: الْأَحْوَصُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ فَأَجَازَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَنْشَدَهُ مَدِيحَهُ. وَعَمَدَ يَزِيدُ إِلَى كُلِّ مَا صَنَعَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِمَّا لَمْ يُوَافِقْ هَوَاهُ، فَرَدَّهُ، وَلَمْ يَخَفْ شَنَاعَةً عَاجِلَةً، وَلَا إِثْمًا عَاجِلًا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يُوسُفَ أَخَا الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ كَانَ عَلَى الْيَمَنِ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ خَرَاجًا مُجَدَّدًا، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِأَمْرِهِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ، وَتَرْكِ مَا جَدَّدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَالَ: لَأَنْ يَأْتِيَنِي مِنَ الْيَمَنِ حِصَّةُ ذُرَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ تَقْرِيرِ هَذِهِ الْوَضِيعَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بَعْدَ عُمَرَ أَمَرَ بَرَدِهَا، وَقَالَ لِعَامِلِهِ: خُذْهَا مِنْهُمْ وَلَوْ صَارُوا حَرَضًا، وَالسَّلَامُ.

  359. التاريخ 2450لا حكم مسجّل

    وفي رَمَضَانَ سنة إحدى ومائة عَزَلَ يزيد بن عبد الملك عَنْ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ وَاسْتَقْضَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيَّ، وَأَرَادَ مُعَارَضَةَ ابْنِ حَزْمٍ فَلَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، حَتَّى شَكَا عُثْمَانُ بْنُ حَيَّانَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنِ ابْنِ حَزْمٍ، وَأَنَّهُ ضَرَبَهُ حَدَّيْنِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُقِيدَهُ مِنْهُ، فَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ كِتَابًا: أَمَّا بَعْدُ فَانْظُرْ فِيمَا ضَرَبَ ابْنُ حَزْمٍ ابْنَ حَيَّانَ، فَإِنْ كَانَ ضَرَبَهُ فِي أَمْرٍ بَيِّنٍ أَوْ أَمْرٍ يُخْتَلَفُ فِيهِ، فَلَا تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ. فَأَرْسَلَ ابْنُ الضَّحَّاكِ فَأَحْضَرَ ابْنَ حَزْمٍ، وَضَرَبَهُ حَدَّيْنِ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ.

  360. التاريخ 2451لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ شَوْذَبٍ الْخَارِجِيِّ   قَدْ ذَكَرْنَا خُرُوجَهُ وَمُرَاسَلَتَهُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمُنَاظَرَتِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ أَحَبَّ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَى الْكُوفَةِ، أَنْ يَحْظَى عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ يَأْمُرُهُ بِمُنَاجَزَةِ شَوْذَبٍ، وَاسْمُهُ بِسْطَامٌ، وَلَمْ يَرْجِعْ رَسُولَا شَوْذَبٍ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِمَوْتِ عُمَرَ. فَلَمَّا رَأَوْا مُحَمَّدًا يَسْتَعِدُّ لِلْحَرْبِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ شَوْذَبٌ: مَا أَعْجَلَكُمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ ! أَلَيْسَ قَدْ تَوَاعَدْنَا إِلَى أَنْ يَرْجِعَ الرَّسُولَانِ ؟ فَأَرْسَلَ مُحَمَّدٌ: إِنَّهُ لَا يَسَعُنَا تَرْكُكُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ هَذَا إِلَّا وَقَدْ مَاتَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ. فَاقْتَتَلُوا فَأُصِيبَ مِنَ الْخَوَارِجِ نَفَرٌ، وَقُتِلَ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَانْهَزَمُوا، وَجُرِحُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ فِي اسْتِهِ، فَدَخْلَ الْكُوفَةَ، وَتَبِعَهُمُ الْخَوَارِجُ حَتَّى بَلَغُوا الْكُوفَةَ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَكَانِهِمْ. وَأَقَامَ شَوْذَبٌ يَنْتَظِرُ صَاحِبَيْهِ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ وَأَخْبَرَاهُ بِمَوْتِ عُمَرَ، وَوَجَّهَ يَزِيدُ مَنْ عِنْدَ تَمِيمِ بْنِ الْحُبَابِ فِي أَلْفَيْنِ قَدْ أَرْسَلَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ يَزِيدَ لَا يُفَارِقُهُمْ عَلَى مَا فَارَقَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَلَعَنُوهُ وَلَعَنُوا يَزِيدَ مَعَهُ وَحَارَبُوهُ، فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ، وَلَجَأَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ، وَبَعْضُهُمْ إِلَى يَزِيدَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ نَجْدَةَ بْنَ الْحَكَمِ الْأَزْدِيَّ فِي جَمْعٍ، فَقَتَلُوهُ وَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ الشَّحَّاجُ بْنُ وَدَاعٍ فِي أَلْفَيْنِ، فَقَتَلُوهُ وَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ نَفَرٌ، مِنْهُمْ هُدْبَةُ ابْنُ عَمِّ شَوْذَبٍ. فَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ خَوْلِيٍّ يَرْثِيهِمْ: تَرَكْنَا تَمِيمًا فِي الْغُبَارِ مُلَحَّبًا تُبَكِّي عَلَيْهِ عِرْسُهُ وَقَرَائِبُهْ     وَقَدْ أَسْلَمَتْ قَيْسٌ تَمِيمًا وَمَالِكًا كَمَا أَسْلَمَ الشَّحَّاجَ أَمْسِ أَقَارِبُهْ     وَأَقْبَلَ مِنْ حَرَّانَ يَحْمِلُ رَايَةً يُغَالِبُ أَمْرَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَالِبُهْ     فَيَا هُدْبُ لِلْهَيْجَا، وَيَا هُدْبُ لِلنَّدَى وَيَا هُدْبُ لِلْخَصْمِ الْأَلَدِّ يُحَارِبُهْ     وَيَا هُدْبُ كَمْ مِنْ مُلْجِمٍ قَدْ أَجَبْتَهُ وَقَدْ أَسْلَمَتْهُ لِلرِّيَاحِ جُوَالِبُهْ     وَكَانَ أَبُو شَيْبَانَ خَيْرَ مُقَاتِلٍ يُرَجَّى وَيَخْشَى حَرْبَهُ مَنْ يُحَارِبُهْ     فَفَازَ وَلَاقَى اللَّهَ فِي الْخَيْرِ كُلِّهِ وَخَذَّمَهُ بِالسَّيْفِ فِي اللَّهِ ضَارِبُهْ     تَزَوَّدَ مِنْ دُنْيَاهُ دِرْعًا وَمِغْفَرًا وَعَضْبًا حُسَامًا لَمْ تَخُنْهُ مَضَارِبُهْ     وَأَجْرَدَ مَحْبُوكَ السَّرَاةِ كَأَنَّهُ إِذَا انْقَضَّ وَافِي الرِّيشِ حُجْنٌ مَخَالِبُهْ وَأَقَامَ الْخَوَارِجُ بِمَكَانِهِمْ حَتَّى دَخَلَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكُوفَةَ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ، مَكَانَ شَوْذَبٍ وَخَوَّفُوهُ مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَسْلَمَةُ سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ، وَكَانَ فَارِسًا، فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَتَاهُ وَهُوَ بِمَكَانِهِ، فَرَأَى شَوْذَبٌ وَأَصْحَابُهُ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ فَقَدْ جَاءَتْهُ، وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الدُّنْيَا فَقَدْ ذَهَبَتْ. فَكَسَرُوا أَغْمَادَ السُّيُوفِ وَحَمَلُوا فَكَشَفُوا سَعِيدًا وَأَصْحَابَهُ مِرَارًا، حَتَّى خَافَ سَعِيدٌ الْفَضِيحَةَ، فَوَبَّخَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: مِنْ هَذِهِ الشِّرْذِمَةِ - لَا أَبَ لَكُمْ - تَفِرُّونَ ! يَا أَهْلَ الشَّامِ يَوْمًا كَأَيَّامِكُمْ ! فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ فَطَحَنُوهُمْ طَحْنًا، وَقَتَلُوا بِسْطَامًا، وَهُوَ شَوْذَبٌ، وَأَصْحَابَهُ.

  361. التاريخ 2452لا حكم مسجّل

    مَوْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ   وَفِي سنة إحدى ومائة تُوُفِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَخُو عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ الْجَزِيرَةَ وَأَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَغَزَا الرُّومَ وَأَهْلَ أَرْمِينِيَّةَ عِدَّةَ دَفَعَاتٍ، وَكَانَ شُجَاعًا قَوِيًّا، وَكَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَحْسُدُهُ لِذَلِكَ، فَلَمَّا انْتَظَمَتِ الْأُمُورُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ أَظْهَرَ مَا فِي نَفْسِهِ لَهُ، فَتَجَهَّزَ مُحَمَّدٌ لِيَسِيرَ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ، فَلَمَّا وَدَّعَ عَبْدَ الْمَلِكِ سَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ مَسِيرِهِ، فَقَالَ وَأَنْشَدَ: وَإِنَّكَ لَا تَرَى طَرْدًا لِحُرٍّ كَإِلْصَاقٍ بِهِ بَعْضَ الْهَوَانِ     فَلَوْ كُنَّا بِمَنْزِلَةٍ جَمِيعًا جَرَيْتُ وَأَنْتَ مُضْطَرِبُ الْعِنَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُقِيمَنَّ، فَوَاللَّهِ لَا رَأَيْتَ مِنِّي مَا تَكْرَهُ، وَصَلُحَ لَهُ، وَلَمَّا أَرَادَ الْوَلِيدُ عَزْلَهُ طَلَبَ مَنْ يَسُدُّ مَكَانَهُ، فَلَمْ يُقْدِمْ أَحَدٌ عَلَيْهِ إِلَّا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ.

  362. التاريخ 2453لا حكم مسجّل

    دُخُولِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ الْبَصْرَةَ وَخَلْعِهِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  وَفِي سنة إحدى ومائة خَرَجَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَخَلَعَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ  وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَذَلِكَ أنه لَمَّا مَاتَ عُمَرُ وَبُويِعَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَإِلَى عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ يَأْمُرُهُمَا بِالتَّحَرُّزِ مِنْ يَزِيدَ وَيُعَرِّفْهُمَا هَرَبَهُ، وَأَمَرَ عَدِيًّا أَنْ يَأْخُذَ مَنْ بِالْبَصْرَةِ مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ، فَأَخَذَهُمْ وَحَبَسَهُمْ، فِيهِمْ: الْمُفَضَّلُ، وَحَبِيبٌ، وَمَرْوَانُ بَنُو الْمُهَلَّبِ، وَأَقْبَلَ يَزِيدُ حَتَّى ارْتَفَعَ عَلَى الْقُطقُطَانَةِ، وَبَعَثَ عَبْدُ الْحَمِيدِ جُنْدًا إِلَيْهِمْ، عَلَيْهِمْ هِشَامُ بْنُ مُسَاحِقٍ الْعَامِرِيُّ، عَامِرُ بَنِي لُؤَيٍّ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا الْعُذَيْبِ، وَمَرَّ يَزِيدُ قَرِيبًا مِنْهُمْ فَلَمْ يُقْدِمُوا عَلَيْهِ. وَمَضَى يَزِيدُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ، وَقَدْ جَمَعَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَخَنْدَقَ عَلَيْهَا، وَبَعَثَ عَلَى خَيْلِ الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، وَجَاءَ يَزِيدُ فِي أَصْحَابِهِ الَّذِينَ مَعَهُ، فَالتَّقَاهُ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ وَمَوَالِيهِ، فَبَعَثَ عَدِيٌّ عَلَى كُلِّ خُمُسٍ مِنْ أَخْمَاسِ الْبَصْرَةِ رَجُلًا، فَبَعَثَ عَلَى الْأَزْدِ: الْمُغِيرَةَ بْنَ زِيَادِ بْنِ عَمْرٍو الْعَتَكِيَّ، وَبَعَثَ عَلَى تَمِيمٍ: مُحْرِزَ بْنَ حُمْرَانَ السَّعْدِيَّ، وَعَلَى خُمُسِ بَكْرٍ: مُفَرِّجَ بْنَ شَيْبَانَ بْنِ مَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ، وَعَلَى عَبْدِ الْقَيْسِ [ مَالِكَ بْنَ ] الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَعَلَى أَهْلِ الْعَالِيَةِ: عَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ قُرَيْشٌ، وَكِنَانَةُ وَالْأَزْدُ، وَبَجِيلَةُ، وَخَثْعَمُ، وَقَيْسُ عَيْلَانَ كُلُّهَا، وَمُزَيْنَةُ، وَأَهْلُ الْعَالِيَةِ وَالْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُمْ رُبُعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. فَأَقْبَلَ يَزِيدُ لَا يَمُرُّ بِخَيْلٍ ( مِنْ خَيْلِهِمْ، وَلَا قَبِيلَةٍ مِنْ قَبَائِلِهِمْ إِلَّا تَنَحَّوْا لَهُ عَنْ طَرِيقِهِ، وَأَقْبَلَ يَزِيدُ حَتَّى نَزَلَ دَارَهُ )، فَاخْتَلَفَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَدِيٍّ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ إِخْوَتِي، وَإِنِّي أُصَالِحُكَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَأُخَلِّيكَ وَإِيَّاهَا حَتَّى آخُذَ لِنَفْسِي مِنْ يَزِيدَ مَا أُحِبُّ. فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، فَسَارَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنُ الْمُهَلَّبِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَبَعَثَ مَعَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ يَزِيدٍ الْحَكَمِيَّ بِأَمَانِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَأَهْلِهِ. وَأَخَذَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ يُعْطِي مَنْ أَتَاهُ قِطَعَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَكَانَ عَدِيٌّ لَا يُعْطِي إِلَّا دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ وَيَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِي أَنْ أُعْطِيَكُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دِرْهَمًا إِلَّا بِأَمْرِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَكِنْ تَبَلَّغُوا بِهَذِهِ حَتَّى يَأْتِيَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْفَرَزْدَقُ: أَظُنُّ رِجَالَ الدِّرْهَمَيْنِ تَقُودُهُمْ إِلَى الْمَوْتِ آجَالٌ لَهُمْ وَمُصَارِعُ     وَأَكْيَسُهُمْ مَنْ قَرَّ فِي قَعْرِ بَيْتِهِ وَأَيْقَنَ أَنَّ الْمَوْتَ لَا بُدَّ وَاقِعُ وَخَرَجَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مِنْ أَصْحَابِ عَدِيٍّ فَنَزَلُوا الْمِرْبَدَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ دَارِسٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَهَزَمَهُمْ. وَخَرَجَ يَزِيدُ حِينَ اجْتَمَعَ النَّاسُ لَهُ حَتَّى نَزَلَ جَبَّانَةَ بَنِي يَشْكُرَ، وَهِيَ النِّصْفُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَصْرِ، فَلَقِيَهُ قَيْسٌ وَتَمِيمٌ وَأَهْلُ الشَّامِ وَاقْتَتَلُوا هُنَيْهَةَ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ يَزِيدَ فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمُ ابْنُ الْمُهَلَّبِ حَتَّى دَنَا مِنَ الْقَصْرِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عَدِيٌّ بِنَفْسِهِ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ مُوسَى بْنُ الْوَجِيهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَالْحَارِثُ بْنُ الْمُصَرِّفِ الْأَوْدِيُّ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الْحَجَّاجِ وَأَشْرَافِ أَهْلِ الشَّامِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَدِيٍّ، وَسَمِعَ إِخْوَةُ يَزِيدَ، وَهُمْ فِي مَحْبِسِ عَدِيٍّ، الْأَصْوَاتَ تَدْنُو وَالنُّشَّابَ تَقَعُ فِي الْقَصْرِ، وَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنِّي أَرَى أَنَّ يَزِيدَ قَدْ ظَهَرَ، وَلَا آمَنُ مَنْ مَعَ عَدِيٍّ مِنْ مُضَرَ وَ [ أَهْلِ ] الشَّامِ أَنْ يَأْتُونَا فَيَقْتُلُونَا قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْنَا يَزِيدُ، فَأَغْلِقُوا الْبَابَ وَأَلْقُوا عَلَيْهِ الرَّحْلَ. فَفَعَلُوا، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ جَاءَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ مَوْلَى بَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ عَلَى حَرَسِ عَدِيٍّ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ إِلَى الْبَابِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَخَذُوا يُعَالِجُونَ الْبَابَ، فَلَمْ يُطِيقُوا قَلْعَهُ، وَأَعْجَلَهُمُ النَّاسُ فَخَلَّوْا عَنْهُمْ. وَجَاءَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ حَتَّى نَزَلَ دَارًا لِسُلَيْمَانَ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَبِيهِ، إِلَى جَنْبِ الْقَصْرِ، وَأَتَى بِالسَّلَالِيمِ وَفَتَحَ الْقَصْرَ، وَأُتِيَ بِعَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، فَحَبَسَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَوْلَا حَبْسُكَ إِخْوَتِي لَمَا حَبَسْتُكَ. فَلَمَّا ظَهَرَ يَزِيدُ هَرَبَ رُءُوسُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْ تَمِيمٍ، وَقَيْسٍ، وَمَالِكِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَلَحِقُوا بِالْكُوفَةِ، وَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ، وَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادِ ( بْنِ عَمْرٍو الْعَتَكِيُّ نَحْوَ الشَّامِ، فَلَقِيَ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ يَزِيدَ الْحَكَمِيَّ، وَمَعَهُمَا حُمَيْدَ بْنَ ) عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُهَلَّبِ قَدْ أَقْبَلُوا بِأَمَانِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَكُلِّ شَيْءٍ أَرَادَهُ، فَسَأَلَاهُ عَنِ الْخَبَرِ، فَخَلَا بِهِمَا سِرًّا مِنْ حُمَيْدٍ، وَأَخْبَرَهُمَا وَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدَانِ ؟ فَأَخْبَرَاهُ بِأَمَانِ يَزِيدَ. فَقَالَ: إِنْ يَزِيدَ قَدْ ظَهَرَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَقَتَلَ الْقَتْلَى وَحَبَسَ عَدِيًّا، فَارْجِعَا. فَرَجِعَا، وَأَخَذَا حُمَيْدًا مَعَهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا حُمَيْدُ: أَنْشُدُكُمَا اللَّهُ أَنَّ تُخَالِفَا مَا بُعِثْتُمَا بِهِ، فَإِنَّ ابْنَ الْمُهَلَّبِ قَابِلٌ مِنْكُمَا، وَإِنَّ هَذَا وَأَهْلَ بَيْتِهِ لَمْ يَزَالُوا لَنَا أَعْدَاءً، فَلَا تَسْمَعَا مَقَالَتَهُ. فَلَمْ يَقْبَلَا قَوْلَهُ وَرَجَعَا بِهِ. وَأَخَذَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْكُوفَةِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَحَمَّالَ بْنَ زَحْرٍ، وَلَمْ يَكُونَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ، فَأَوْثَقَهُمَا وَسَيَّرَهُمَا إِلَى الشَّامِ، فَحَبَسَهُمَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمْ يُفَارِقَا السِّجْنَ حَتَّى هَلَكَا فِيهِ. إرسال يزيد بن عبد الملك جيشا إلى العراق وَأَرْسَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْكُوفَةِ شَيْئًا عَلَى أَهْلِهَا وَيُمَنِّيهِمُ الزِّيَادَةَ. وَجَهَّزَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَابْنَ أَخِيهِ الْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ، وَقِيلَ: كَانُوا ثَمَانِينَ أَلْفًا، فَسَارُوا إِلَى الْعِرَاقِ. وَكَانَ مَسْلَمَةُ يَعِيبُ الْعَبَّاسَ وَيَذُمُّهُ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا اخْتِلَافٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْعَبَّاسُ: أَلَا نَفْسِي فِدَاكَ أَبَا سَعِيدٍ     وَتَقْصُرُ عَنْ مُلَاحَاتِي وَعَذْلِي فَلَوْلَا أَنَّ أَصْلَكَ حِينَ يُنْمَى     وَفَرْعَكَ مُنْتَهَى فَرْعِي وَأَصْلِي وَأَنِّي إِنْ رَمَيْتُكَ هُضْتُ عَظْمِي     وَنَالَتْنِي إِذَا نَالَتْكَ نَبْلِي لَقَدْ أَنْكَرْتَنِي إِنْكَارَ خَوْفٍ     يُقَصِّرُ مِنْكَ عَنْ شَتْمِي وَأَكْلِي كَقَوْلِ الْمَرْءِ عَمْرٌو فِي الْقَوَافِي     أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَيُرِيدُ قَتْلِي قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِلْعَبَّاسِ، وَقِيلَ: إِنَّمَا تَمَثَّلَ بِهَا. فَبَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا وَأَصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَقَدِمَا الْكُوفَةَ وَنَزَلَا بِالنُّخَيْلَةِ، فَقَالَ مَسْلَمَةُ: لَيْتَ هَذَا الْمَزُونِيَّ، يَعْنِي ابْنَ الْمُهَلَّبِ، لَا كَلَّفَنَا اتِّبَاعَهُ فِي هَذَا الْبَرْدِ. فَقَالَ حَيَّانُ النَّبَطِيُّ مَوْلًى لِشَيْبَانَ: أَنَا أَضْمَنُ لَكَ أَنَّهُ لَا يَبْرَهُ الْأَرْصَةَ، يُرِيدُ أَضْمَنُ أَنَّهُ لَا يَبْرَحُ الْعَرْصَةَ. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: لَا أُمَّ لَكَ أَنْتَ بِالنَّبَطِيَّةِ أَبْصَرُ مِنْكَ بِهَذَا ! فَقَالَ حَيَّانُ: أَنَبَطَ اللَّهُ وَجْهَكَ أَسْقَرَ أَهَمَرَ لَيْسَ أَلَيْهِ طَابَئُ الْخِلَافَةِ، يُرِيدُ: أَشْقَرَ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ طَابَعُ الْخِلَافَةِ. قَالَ مَسْلَمَةُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ لَا يَهُولَنَّكَ كَلَامُ الْعَبَّاسِ. فَقَالَ: إِنَّهُ أَهْمَقُ، يُرِيدُ أَحْمَقَ. وَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وُصُولَ مَسْلَمَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ رَاعَهُمْ ذَلِكَ، فَبَلَغَ ابْنَ الْمُهَلَّبِ، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَهْلَ الْعَسْكَرِ وَخَوْفَهُمْ، يَقُولُونَ: جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ وَمَسْلَمَةُ، وَمَا أَهْلُ الشَّامِ ؟ هَلْ هُمْ إِلَّا تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، سَبْعَةٌ مِنْهَا إِلَيَّ وَسَيْفَانِ عَلَيَّ ؟ وَمَا مَسْلَمَةُ إِلَّا جَرَادَةٌ صَفْرَاءُ، أَتَاكُمْ فِي بَرَابِرَةٍ، وَجَرَامِقَةٍ، وَجَرَاجِمَةٍ، وَأَنْبَاطٍ، وَأَبْنَاءِ فَلَّاحِينَ وَأَوْبَاشٍ، وَأَخْلَاطٍ، أَوَلَيْسُوا بَشَرًا يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ؟ أَعِيرُونِي سَوَاعِدَكُمْ تُصَفِّقُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ وَقَدْ وَلَّوُا الْأَدْبَارَ. وَاسْتَوْسَقُوا أَهْلُ الْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَبَعَثَ عُمَّالَهُ عَلَى الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَكَرْمَانَ، وَبَعَثَ إِلَى خُرَاسَانَ مُدْرِكَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعَلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ، فَقَالَ لِأَهْلِهَا: هَذَا مُدْرِكٌ قَدْ أَتَاكُمْ لِيُلْقِيَ بَيْنَكُمُ الْحَرْبَ وَأَنْتُمْ فِي بِلَادِ عَافِيَةٍ وَطَاعَةٍ، فَسَارَ بَنُو تَمِيمٍ لِيَمْنَعُوهُ، وَبَلَغَ الْأَزْدَ بِخُرَاسَانَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ نَحْوُ أَلْفَيْ فَارِسٍ، فَلَقُوا مُدْرِكًا عَلَى رَأْسِ الْمَفَازَةِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا، وَقَدْ خَرَجَ أَخُوكَ، فَإِنْ يَظْهَرْ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ لَنَا، وَنَحْنُ أَسْرَعُ النَّاسِ إِلَيْكُمْ وَأَحَقُّهُ بِذَلِكَ، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَمَا لَكَ فِي أَنْ تُغَشِّيَنَا الْبَلَاءَ رَاحَةً. فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا اسْتَجْمَعَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ لِيَزِيدَ خَطْبَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ جِهَادَ أَهْلِ الشَّامِ أَعْظَمُ ثَوَابًا مِنْ جِهَادِ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ. وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَسْمَعُ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَاكَ وَالِيًا وَمُولًى عَلَيْكَ، فَمَا يَنْبَغِي لَكَ ذَلِكَ. وَوَثَبَ أَصْحَابُهُ فَأَخَذُوا بِفَمِهِ وَأَجْلَسُوهُ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ الْمَسْجِدِ وَعَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ: يَا عِبَادَ اللَّهِ مَا تَنْقِمُونَ مِنْ أَنْ تُجِيبُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا ذَلِكَ [ وَلَا رَأَيْتُمُوهُ ] ( مُنْذُ وُلِدْتُمْ إِلَّا هَذِهِ الْأَيَّامَ ) [ مِنْ إِمَارَةِ ] عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَالنَّضْرُ أَيْضًا قَدْ شَهِدَ. فَدَخَلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ هَلْ تَرَى وَجْهَ رَجُلٍ تَعْرِفُهُ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، فَقَالَ: فَوَ اللَّهِ هَؤُلَاءِ الْغُثَاءُ، فَدَنَا مِنَ الْمِنْبَرِ وَإِذَا هُوَ يَدْعُو إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فَقَالَ الْحَسَنُ: يَزِيدُ يَدْعُو إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنَاكَ وَالِيًا وَمُوَلَّيًا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَأْخُذُونَ عَلَى فِيهِ لِئَلَّا يَتَكَلَّمَ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا كَانَ يَزِيدُ بِالْأَمْسِ يَضْرِبُ رِقَابَ هَؤُلَاءِ وَيَسْرَحُ بِهَا إِلَى بَنِي مَرْوَانَ يُرِيدُ رِضَاهُمْ، فَلَمَّا غَضِبَ نَصَّبَ هَؤُلَاءِ وَقَالَ: أَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ، وَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْعُمَرَيْنِ أَنْ يُوضَعَ قَيْدٌ فِي رِجْلِهِ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى مَحْبَسِ عُمَرَ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، كَأَنَّكَ رَاضٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَالَ: أَنَا رَاضٍ عَنْ أَهْلِ الشَّامِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَبَرَّحَهُمْ، أَلَيْسُوا الَّذِينَ أَحَلُّوا حَرَمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَتَلُوا أَهْلَهُ ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فَهَدَمُوا الْكَعْبَةَ وَأَوْقَدُوا النَّارَ بَيْنَ أَحْجَارِهَا وَأَسْتَارِهَا، عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ سَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ مَرْوَانَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَأَتَى وَاسِطًا، وَكَانَ قَدِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ حِينَ تَوَجَّهَ نَحْوَ وَاسِطَ، فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ حَبِيبٌ وَغَيْرُهُ: نَرَى أَنْ نَخْرُجَ وَنَنْزِلَ بِفَارِسَ، فَنَأْخُذَ بِالشِّعَابِ وَالْعِقَابِ، وَنَدْنُو مِنْ خُرَاسَانَ، وَنُطَاوِلُ أَهْلَ الشَّامِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْجِبَالِ يَأْتُونَ إِلَيْكَ، وَفِي يَدِكَ الْقِلَاعُ وَالْحُصُونُ. فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا بِرَأْيٍ، تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُونِي طَائِرًا عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ. فَقَالَ حَبِيبٌ: إِنَّ الرَّأْيَ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْأَمْرِ قَدْ فَاتَ، قَدْ أَمَرْتُكَ حَيْثُ ظَهَرْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَنْ تُوَجِّهَ خَيْلًا عَلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِكَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَإِنَّمَا بِهَا عَبْدُ الْحَمِيدِ، مَرَرْتَ بِهِ فِي سَبْعِينَ رَجُلًا فَعَجَزَ عَنْكَ، فَهُوَ عَنْ خَيْلِكَ أَعْجَزُ، فَسَبَقَ إِلَيْهَا أَهْلُ الشَّامِ، وَأَكْثَرُ أَهْلِهَا يَرَوْنَ رَأْيَكَ، وَلَأَنْ تَلِيَ عَلَيْهِمْ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الشَّامِ، ( فَلَمْ تُطِعْنِي، وَأَنَا أُشِيرُ الْآنَ بِرَأْيٍ، سَرِّحْ مَعَ بَعْضِ أَهْلِكَ خَيْلًا كَثِيرَةً مِنْ خَيْلِكَ، فَتَأْتِيَ الْجَزِيرَةَ وَتُبَادِرَ إِلَيْهَا حَتَّى يَنْزِلُوا حِصْنًا مِنْ حُصُونِهِمْ، وَتَسِيرَ فِي أَثَرِهِمْ، فَإِذَا أَقْبَلَ أَهْلُ الشَّامِ ) يُرِيدُونَكَ، لَمْ يَدَعُوَا جُنْدَكَ بِالْجَزِيرَةِ يُقْبِلُونَ إِلَيْكَ فَيُقِيمُونَ عَلَيْهِمْ، فَيَحْبِسُونَهُمْ عَنْكَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ، وَيَأْتِيَكَ مَنْ بِالْمَوْصِلِ مِنْ قَوْمِكَ، وَيَنْفَضَّ إِلَيْكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الثُّغُورِ، وَتَقَاتِلُهُمْ فِي أَرْضٍ رَخِيصَةِ السِّعْرِ، وَقَدْ جَعَلْتَ الْعِرَاقَ كُلَّهُ وَرَاءَ ظَهْرِكَ. قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أُقَطِّعَ جَيْشِي. فَلَمَّا نَزَلَ وَاسِطًا أَقَامَ بِهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً، وَخَرَجَتِ السَّنَةُ.

  363. التاريخ 2454لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي سنة إحدى ومائة عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ. وَعَلَى مَكَّةَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا وَخَلَعَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ عَلَى خُرَاسَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ.

  364. التاريخ 2455لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ   ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ سَارَ عَنْ وَاسِطَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَهُ مُعَاوِيَةَ وَجَعَلَ عِنْدَهُ بَيْتَ الْمَالِ وَالْأُسَرَاءِ، وَسَارَ عَلَى فَمِ النِّيلِ حَتَّى نَزَلَ الْعَقْرَ، وَقَدَّمَ أَخَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ الْمُهَلَّبِ نَحْوَ الْكُوفَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بُسُورًا، فَاقْتَتَلُوا، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَمْلَةً كَشَفُوهُمْ فِيهَا، وَمَعَهُمْ نَاسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَنَادَوْا: يَا أَهْلَ الشَّامِ ! اللَّهَ اللَّهَ أَنْ تُسْلِمُونَا ! وَقَدِ اضْطَرَّهُمْ أَصْحَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى النَّهْرِ. فَقَالَ أَهْلُ الشَّامِ: لَا بَأْسَ عَلَيْكُمْ، إِنَّ لَنَا جَوْلَةً فِي أَوَّلِ الْقِتَالِ، ثُمَّ كَرُّوا عَلَيْهِمْ فَانْكَشَفَ أَصْحَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَانْهَزَمُوا وَعَادُوا إِلَى يَزِيدَ. وَأَقْبَلَ مَسْلَمَةُ يَسِيرُ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَعَقَدَ عَلَيْهَا الْجِسْرَ، فَعَبَرَ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَتَى إِلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَثِيرٌ، وَمِنَ الثُّغُورِ، فَبَعَثَ عَلَى مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَرُبُعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُغَفَّلِ الْأَزْدِيَّ، وَعَلَى رُبُعِ مَذْحِجٍ وَأَسَدٍ النُّعْمَانَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، وَعَلَى كِنْدَةَ وَرَبِيعَةَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَعَلَى تَمِيمٍ وَهَمْدَانَ حَنْظَلَةَ بْنَ عَتَّابِ بْنِ وَرْقَاءَ التَّمِيمِيَّ، وَجَمَعَهُمْ جَمِيعًا [ مَعَ ] الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَأَحْصَى دِيوَانَ ابْنِ الْمُهَلَّبِ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِهِمْ مَنْ بِخُرَاسَانَ مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ قَامَ فِي أَصْحَابِهِ فَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ. وَكَانَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ عَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ، وَشَقَّ الْمِيَاهَ، وَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ الْأَرْصَادَ لِئَلَّا يَخْرُجُوا إِلَى ابْنِ الْمُهَلَّبِ، وَبَعَثَ بَعْثًا إِلَى مَسْلَمَةَ مَعَ سَبْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ فَعَزَلَ عَبْدَ الْحَمِيدِ عَنِ الْكُوفَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَهُوَ ذُو الشَّامَةِ. فَجَمَعَ يَزِيدُ رُءُوسَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَجْمَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا فَأَبْعَثُهُمْ مَعَ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهَلَّبِ حَتَّى يُبَيِّتُوا مَسْلَمَةَ، وَيَحْمِلُوا مَعَهُمُ الْبَرَاذِعَ وَالْأُكُفَ وَالزُّبْلَ لِدَفْنِ خَنْدَقِهِمْ، فَيُقَاتِلُهُمْ عَلَى خَنْدَقِهِمْ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِ، وَأُمِدَّهُ بِالرِّجَالِ حَتَّى أُصْبِحَ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ نَهَضْتُ إِلَيْهِمْ فِي النَّاسِ فَأُنَاجِزُهُمْ، فَإِنِّي أَرْجُو عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْصُرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ السَّمَيْدَعُ: إِنَّا قَدْ دَعَوْنَاهُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ﷺ، وَقَدْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَبِلُوا هَذَا مِنَّا، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَمْكُرَ وَلَا نَغْدُرَ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا [ مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَابِلُوهُ مِنَّا ]. وَقَالَ أَبُو رُؤْبَةَ، وَهُوَ رَأْسُ الطَّائِفَةِ الْمُرْجِئَةِ، وَمَعَهُ أَصْحَابٌ لَهُ: صَدَقَ، هَكَذَا يَنْبَغِي. فَقَالَ يَزِيدُ: وَيْحَكُمُ ! أَتُصَدِّقُونَ بَنِي أُمَيَّةَ أَنَّهُمْ يَعْمَلُونَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَدْ ضَيَّعُوا ذَلِكَ مُنْذُ كَانُوا ؟ إِنَّهُمْ يُخَادِعُونَكُمْ لِيَمْكُرُوا بِكُمْ فَلَا يَسْبِقُوكُمْ إِلَيْهِ، إِنِّي لَقِيتُ بَنِي مَرْوَانَ، فَمَا لَقِيتُ مِنْهُمْ أَمْكَرَ وَلَا ( أَبْعَدَ غَدْرًا ) مِنْ هَذِهِ الْجَرَادَةِ الصَّفْرَاءِ، يَعْنِي مَسْلَمَةَ. قَالُوا: لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَرُدُّوا عَلَيْنَا مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ قَابِلُوهُ مِنَّا. وَكَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ يَحُثُّ النَّاسَ عَلَى حَرْبِ أَهْلِ الشَّامِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يُثَبِّطُهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ، قَامَ فِي النَّاسِ يَأْمُرُهُمْ بِالْجِدِّ وَالِاحْتِشَادِ، ثُمَّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ هَذَا الشَّيْخَ الضَّالَّ الْمُرَائِيَ، وَلَمْ يُسَمِّهِ، يُثَبِّطُ النَّاسَ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ جَارَهُ نَزَعَ مِنْ خُصِّ دَارِهِ قَصَبَةً لَظَلَّ يَرْعُفُ أَنْفُهُ ! وَايْمُ اللَّهِ لَيَكُفَّنَّ عَنْ ذِكْرِنَا وَعَنْ جَمْعِهِ إِلَيْهِ، سُقَّاطَ الْأُبُلَّةِ وَعُلُوجَ فُرَاتِ الْبَصْرَةِ، أَوْ لَأُنْحِيَنَّ عَلَيْهِ مِبْرَدًا خَشِنًا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْحَسَنَ، قَالَ: وَاللَّهِ [ مَا أَكْرَهُ ] أَنْ يُكْرِمَنِي اللَّهُ بِهَوَانِهِ. فَقَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: لَوْ أَرَادَكَ ثُمَّ شِئْتَ لَمَنَعْنَاكَ. فَقَالَ لَهُمْ: فَقَدْ خَالَفْتُكُمْ إِذًا إِلَى مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، آمُرُكُمْ أَنْ لَا يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا مَعَ غَيْرِي، وَآمُرُكُمْ أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا دُونِي ! فَبَلَغَ ذَلِكَ مَرْوَانَ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ وَطَلَبَهُمْ وَتَفَرَّقُوا، وَكَفَّ عَنِ الْحَسَنِ. وَكَانَ اجْتِمَاعُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَمَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ. بعث مسلمة إلى الوضاح أن يخرج بالسفن حتى يحرق الجسر فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ صَفَرٍ بَعَثَ مَسْلَمَةُ إِلَى الْوَضَّاحِ أَنْ يَخْرُجَ بِالسُّفُنِ حَتَّى يَحْرِقَ الْجِسْرَ، فَفَعَلَ، وَخَرَجَ مَسْلَمَةُ، فَعَبَّأَ جُنُودَ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ قَرُبَ مِنَ ابْنِ الْمُهَلَّبِ وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ جَبَلَةَ بْنَ مَخْرَمَةَ الْكِنْدِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْهُذَيْلَ بْنَ زُفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الْكِلَابِيَّ، وَجَعَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مَيْمَنَتِهِ سَيْفَ بْنَ هَانِئٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ سُوِيدَ بْنَ الْقَعْقَاعِ التَّمِيمِيَّ، وَكَانَ مَسْلَمَةُ عَلَى النَّاسِ. وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ حَبِيبَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ. فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَدَعَا إِلَى الْمُبَارَزَةِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، فَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ، فَاتَّقَاهُ الرَّجُلُ بِيَدِهِ وَعَلَى كَفِّهِ كَفٌّ مِنْ حَدِيدٍ، فَضَرَبَهُ مُحَمَّدٌ فَقَطَعَ الْكَفَّ الْحَدِيدَ، وَأَسْرَعَ السَّيْفُ فِي كَفِّهِ وَاعْتَنَقَ فَرَسَهُ فَانْهَزَمَ. فَلَمَّا دِنَّا الْوَضَّاحُ مِنَ الْجِسْرِ أَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ، فَسَطَعَ دُخَانُهُ، وَقَدْ أَقْبَلَ النَّاسُ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَلَمْ يَشْتَدِ الْقِتَالُ، فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ الدُّخَانَ، وَقِيلَ لَهُمْ أُحْرِقَ الْجِسْرُ، انْهَزَمُوا، فَقِيلَ لِيَزِيدَ: قَدِ انْهَزَمَ النَّاسُ. فَقَالَ: مِمَّ انْهَزَمُوا ؟ هَلْ كَانَ قِتَالٌ يُنْهَزَمُ مِنْ مِثْلِهِ ؟ فَقِيلَ لَهُ قَالُوا أُحْرِقَ الْجِسْرُ فَلَمْ يَثْبُتْ أَحَدٌ. فَقَالَ: قَبَّحَهُمُ اللَّهُ ! بَقٌّ دُخِّنَ عَلَيْهِ فَطَارَ ! ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالَ: اضْرِبُوا وُجُوهَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِمْ حَتَّى كَثُرُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَهُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَقَالَ: دَعَوْهُمْ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَجْمَعَنِي وَإِيَّاهُمْ مَكَانٌ أَبَدًا، دَعُوهُمْ يَرْحَمْهُمُ اللَّهُ، غَنَمٌ عَدَا فِي نَوَاحِيهَا الذِّئْبُ ! وَكَانَ يَزِيدُ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِالْفِرَارِ، وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَالِدِ مَرْوَانَ نَسَبٌ، وَهُوَ بِوَاسِطَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ بَنِي مَرْوَانَ قَدْ بَادَ مُلْكُهُمْ، فَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَشْعُرْ بِذَلِكَ فَاشْعُرْ. فَقَالَ: مَا شَعَرْتُ، فَقَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: فَعِشْ مَلِكًا أَوْ مُتْ كَرِيمًا فَإِنْ تَمُتْ وَسَيْفُكَ مَشْهُورٌ بِكَفِّكِ تُعْذَرُ فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَعَسَى. فَلَمَّا رَأَى يَزِيدُ انْهِزَامَ أَصْحَابِهِ، قَالَ: يَا سَمَيْدَعُ أَرَأْيِي أَجْوَدُ أَمْ رَأْيُكَ ؟ أَلَمْ أُعْلِمْكَ مَا يُرِيدُ الْقَوْمُ ؟ قَالَ: بَلَى، فَنَزَلَ سَمَيْدَعُ وَنَزَلَ يَزِيدُ فِي أَصْحَابِهِمَا. وَقِيلَ: كَانَ عَلَى فَرَسٍ أَشْهَبَ فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَخَاكَ حَبِيبًا قَدْ قُتِلَ. فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُ، قَدْ كُنْتُ وَاللَّهِ أَبْغَضُ الْحَيَاةَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ، وَقَدِ ازْدَدْتُ لَهَا بُغْضًا، امْضُوا قُدُمًا. فَعَلِمُوا أَنَّهُ قَدِ اسْتَقْتَلَ، فَتَسَلَّلَ عَنْهُ مَنْ يَكْرَهُ الْقِتَالَ، وَبَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ حَسَنَةٌ وَهُوَ يَتَقَدَّمُ، فَكُلَّمَا مَرَّ بِخَيْلٍ كَشَفِهَا، أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَدَلُوا عَنْهُ، وَأَقْبَلَ نَحْوَ مَسْلَمَةَ لَا يُرِيدُ غَيْرَهُ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ أَدْنَى مَسْلَمَةُ فَرَسَهُ لِيَرْكَبَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ خُيُولُ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، فَقُتِلَ يَزِيدُ وَالسَّمَيْدَعُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ: الْقَحْلُ بْنُ عَيَّاشٍ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يَزِيدَ، قَالَ: هَذَا وَاللَّهِ يَزِيدُ ! وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّهُ أَوْ لَيَقْتُلَنِّي ! فَمَنْ يَحْمِلُ مَعِي يَكْفِينِي أَصْحَابَهُ، حَتَّى أَصِلَ إِلَيْهِ ؟ فَحَمَلَ مَعَهُ نَاسٌ، فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، وَانْفَرَجَ الْفَرِيقَانِ عَنْ يَزِيدَ قَتِيلًا، وَعَنِ الْقَحْلِ بِآخِرِ رَمَقِهِ، فَأَوْمَأَ إِلَى أَصْحَابِهِ يُرِيهِمْ مَكَانَ يَزِيدَ، وَأَنَّهُ هُوَ قَاتِلُهُ وَأَنَّ يَزِيدَ قَتَلَهُ. وَأَتَى بِرَأْسِ يَزِيدَ مَوْلًى لِبَنِي مُرَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ قَتَلْتَهُ ؟ قَالَ: لَا، فَلَمَّا أَتَى مَسْلَمَةَ سَيَّرَهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَقِيلَ: بَلْ قَتَلَهُ الْهُذَيْلُ بْنُ زُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِلَابِيُّ، وَلَمْ يَنْزِلْ يَأْخُذُ رَأْسَهُ أَنَفَةً. وَلَمَّا قُتِلَ يَزِيدُ كَانَ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ يُقَاتِلُ أَهْلَ الشَّامِ، وَمَا يَدْرِي بِقَتْلِ يَزِيدَ وَلَا بِهَزِيمَةِ النَّاسِ، وَكَانَ كُلَّمَا حَمَلَ عَلَى النَّاسِ انْكَشَفُوا، ثُمَّ يَحْمِلُ حَتَّى يُخَالِطَهُمْ، وَكَانَ مَعَهُ عَامِرُ بْنُ الْعُمَيْثَلِ الْأَزْدِيُّ يَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ الْمَوْلُودِ     أَنِّي بِنَصْلِ السَّيْفِ غَيْرُ رِعْدِيدْ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، فَانْهَزَمَتْ رَبِيعَةُ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ الْمُفَضَّلُ يُنَادِيهِمْ: يَا مَعْشَرَ رَبِيعَةَ الْكَرَّةَ الْكَرَّةَ ! وَاللَّهِ مَا كُنْتُمْ بِكُشْفٍ وَلَا لِئَامٍ، وَلَا لَكُمْ هَذِهِ بِعَادَةٍ، فَلَا يُؤْتَيَّنَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ قِبَلِكُمْ، فَدَتْكُمْ نَفْسِي ! فَرَجَعُوا إِلَيْهِ يُرِيدُونَ الْحَمْلَةَ، فَأُتِي، وَقِيلَ لَهُ: مَا تَصَنَعُ هَاهُنَا وَقَدْ قُتِلَ يَزِيدُ وَحَبِيبٌ وَمُحَمَّدٌ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ مُنْذُ طَوِيلٍ ؟ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، وَمَضَى الْمُفَضَّلُ إِلَى وَاسِطَ، فَمَا كَانَ مِنَ الْعَرَبِ أَضْرَبُ بِسَيْفِهِ، وَلَا أَحْسَنُ تَعْبِيَةً لِلْحَرْبِ، وَلَا أَغْشَى لِلنَّاسِ مِنْهُ. وَقِيلَ: بَلْ أَتَاهُ أَخُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَرِهَ أَنْ يُخْبِرَهُ بِقَتْلِ يَزِيدَ فَيَسْتَقْتِلَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْأَمِيرَ قَدِ انْحَدَرَ إِلَى وَاسِطَ. فَانْحَدَرَ الْمُفَضَّلُ بِمَنْ بَقِيَ مِنْ وَلِدِ الْمُهَلَّبِ إِلَى وَاسِطَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِقَتْلِ يَزِيدَ حَلَفَ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَ الْمَلِكِ أَبَدًا، فَمَا كَلَّمَهُ حَتَّى قُتِلَ بِقَنْدَابِيلَ. وَكَانَتْ عَيْنُهُ أُصِيبَتْ فِي الْحَرْبِ، فَقَالَ: فَضَحَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ، مَا عُذْرِي إِذَا رَآنِي النَّاسُ، فَقَالُوا شَيْخٌ أَعْوَرُ مَهْزُومٌ ! أَلَا صَدَقَنِي فَقُتِلْتُ ؟ ثُمَّ قَالَ: وَلَا خَيْرَ فِي طَعْنِ الصَّنَادِيدِ بِالْقَنَا     وَلَا فِي لِقَاءِ الْحَرْبِ بَعْدَ يَزِيدِ فَلَمَّا فَارَقَ الْمُفَضَّلُ الْمَعْرَكَةَ، جَاءَ عَسْكَرُ الشَّامِ إِلَى عَسْكَرِ يَزِيدَ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو رُؤْبَةَ صَاحِبُ الْمُرْجِئَةِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ، وَأَسَرَ مَسْلَمَةُ نَحْوَ ثَلَاثَمِائَةِ أَسِيرٍ، فَسَرَّحَهُمْ إِلَى الْكُوفَةِ، فَحُبِسُوا بِهَا، فَجَاءَ كِتَابُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ يَأْمُرُهُ بِضَرْبِ رِقَابِ الْأَسْرَى، فَأَمَرَ الْعُرْيَانَ بْنَ الْهَيْثَمِ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ، أَنْ يُخْرِجَهُمْ عِشْرِينَ عِشْرِينَ وَثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ، فَقَامَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ تَمِيمٍ فَقَالُوا: نَحْنُ انْهَزَمْنَا بِالنَّاسِ، فَابْدَءُوا بِنَا قَبْلَ النَّاسِ. فَأَخْرَجَهُمُ الْعُرْيَانُ، فَضَرَبَ رِقَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: انْهَزَمْنَا بِالنَّاسِ، فَكَانَ هَذَا جَزَاءُنَا. فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْهُمْ، جَاءَ رَسُولٌ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ مَسْلَمَةَ يَأْمُرُهُ بِتَرْكِ قَتْلِ الْأَسْرَى. وَأَقْبَلَ مَسْلَمَةُ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ. قتل معاوية بن يزيد الأسرى وَلَمَّا أَتَتْ هَزِيمَةُ يَزِيدَ إِلَى وَاسِطَ أَخْرَجَ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَسِيرًا كَانُوا عِنْدَهُ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، مِنْهُمْ: عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ، وَمَالِكٌ وَعَبْدُ الْمَلِكِ ابْنَا مِسْمَعٍ، وَغَيْرُهُمَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الْبَصْرَةَ وَمَعَهُ الْمَالُ وَالْخَزَائِنُ، وَجَاءَ الْمُفَضَّلُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ فَأَعَدُّوا السُّفُنَ وَتَجَهَّزُوا لِلرُّكُوبِ فِي الْبَحْرِ. وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بَعَثَ وَدَّاعَ بْنَ حُمَيْدٍ الْأَزْدِيَّ عَلَى قَنْدَابِيلَ أَمِيرًا، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَائِرٌ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ وَلَوْ قَدْ لَقِيتُهُمْ لَمْ أَبْرَحِ الْعَرْصَةَ حَتَّى يَكُونَ لِي أَوْ لَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتُ أَكْرَمْتُكَ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنْتَ بِقَنْدَابِيلَ حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْكَ أَهْلُ بَيْتِي فَيَتَحَصَّنُوا بِهَا حَتَّى يَأْخُذُوا [ لِأَنْفُسِهِمْ ] أَمَانًا، وَقَدِ اخْتَرْتُكَ لَهُمْ مِنْ بَيْنِ قَوْمِي، فَكُنْ عِنْدَ أَحْسَنِ ظَنِّي. وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعُهُودَ لَيُنَاصِحَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ إِنْ هُمْ لَجَأُوا إِلَيْهِ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ آلُ الْمُهَلَّبِ بِالْبَصْرَةِ حَمَلُوا عِيَالَاتِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ فِي السُّفُنِ الْبَحْرِيَّةِ، ثُمَّ لَجَّجُوا فِي الْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِحِيَالِ كَرْمَانَ خَرَجُوا مِنْ سُفُنِهِمْ، وَحَمَلُوا عِيَالَاتِهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ عَلَى الدَّوَابِّ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الْمُفَضَّلَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَكَانَ بِكَرْمَانَ فُلُولٌ كَثِيرَةٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى الْمُفَضَّلِ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مُدْرِكَ بْنَ ضَبٍّ الْكَلْبِيَّ فِي طَلَبِهِمْ وَفِي أَثَرِ الْفَلِّ، فَأَدْرَكَ مُدْرِكٌ الْمُفَضَّلَ، وَمَعَهُ الْفُلُولُ فِي عَقَبَةٍ، فَعَطَفُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ، وَاشْتَدَّ قِتَالُهُمْ [ إِيَّاهُ ]، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُفَضَّلِ النُّعْمَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَأُخِذَ ابْنُ صُولٍ مَلِكُ قُهِسْتَانَ أَسِيرًا، وَجُرِحَ عُثْمَانُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ، وَهَرَبَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حُلْوَانَ، فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَقُتِلَ، وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْحِيرَةِ. وَرَجَعَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُهَلَّبِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأُومِنُوا، مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، وَالْوَرْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ السَّعْدِيُّ التَّمِيمِيُّ. وَمَضَى آلُ الْمُهَلَّبِ وَمَنْ مَعَهُمْ إِلَى قَنْدَابِيلَ، وَبَعَثَ مَسْلَمَةُ إِلَى مُدْرِكِ بْنِ ضَبٍّ فَرَدَّهُ وَسَيَّرَ فِي أَثَرِهِمْ هِلَالَ بْنَ أَحْوَزَ التَّمِيمِيَّ، فَلَحِقَهُمْ بِقَنْدَابِيلَ، فَأَرَادَ أَهْلُ الْمُهَلَّبِ دُخُولَهَا، فَمَنَعَهُمْ وَدَّاعُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَكَانَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ لَمْ يُبَايِنْ آلَ الْمُهَلَّبِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا كَانَ وَدَاعٌ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِلَالٍ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَكِلَاهُمَا أَزْدِيٌّ، فَرَفَعَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ رَايَةَ أَمَانٍ، فَمَالَ إِلَيْهِ وَدَّاعُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِلَالٍ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْ آلِ الْمُهَلَّبِ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مَرْوَانُ بْنُ الْمُهَلَّبِ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى النِّسَاءِ فَيَقْتُلَهُنَّ، لِئَلَّا يَصِرْنَ إِلَى أُولَئِكَ، فَنَهَاهُ الْمُفَضَّلُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّا لَا نَخَافُ عَلَيْهِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ. فَتَرَكَهُنَّ، وَتَقَدَّمُوا بِأَسْيَافِهِمْ، فَقَاتَلُوا حَتَّى قُتِلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، وَهُمْ: الْمُفَضَّلُ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ، وَزِيَادٌ، وَمَرْوَانُ بَنُو الْمُهَلَّبِ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَالْمِنْهَالُ بْنُ أَبِي عُيَيْنَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَعَمْرُو وَالْمُغَيَّرَةُ ابْنَا قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَحُمِلَتْ رُءُوسُهُمْ، وَفِي أُذُنِ كُلِّ وَاحِدٍ رُقْعَةٌ فِيهَا اسْمُهُ إِلَّا أَبَا عُيَيْنَةَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، وَعُمَرَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَعُثْمَانَ بْنَ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَإِنَّهُمْ لَحِقُوا بِرُتْبِيلَ. وَبَعَثَ هِلَالُ بْنُ أَحْوَزَ بِنِسَائِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ وَالْأَسْرَى مِنْ آلِ الْمُهَلَّبِ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْحِيرَةِ، فَبَعَثَهُمْ مَسْلَمَةُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَسَيَّرَهُمْ يَزِيدُ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ وَهُوَ عَلَى حَلَبَ، فَنَصَبَ الرُّءُوسَ، وَأَرَادَ مَسْلَمَةُ أَنْ يَبِيعَ الذُّرِّيَّةَ، فَاشْتَرَاهُمْ مِنْهُ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ ( اللَّهِ الْحَكَمِيُّ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، وَلَمْ يَأْخُذْ مَسْلَمَةُ مِنَ الْجَرَّاحِ شَيْئًا. وَلَمَّا بَلَغَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْخَبَرُ بِقَتْلِ يَزِيدَ سَرَّهُ لِانْتِصَارِهِ، وَلِمَا فِي نَفْسِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ ). وَكَانَ سَبَبُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ ابْنَ الْمُهَلَّبِ خَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ أَيَّامَ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ تَضَمَّخَ بِالْغَالِيَةِ، فَاجْتَازَ بِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ إِلَى جَانِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ الدُّنْيَا، لَوَدِدْتُ أَنَّ مِثْقَالَ غَالِيَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَلَا يَنَالُهَا إِلَّا كُلُّ شَرِيفٍ. فَسَمِعَ ابْنُ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ لَهُ: بَلْ وَدِدْتُ أَنَّ الْغَالِيَةَ كَانَتْ فِي جَبْهَةِ الْأَسَدِ، فَلَا يَنَالُهَا إِلَّا مِثْلِي. فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتُ يَوْمًا لَأَقْتُلَنَّكَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُهَلَّبِ: وَاللَّهِ لَئِنْ وُلِّيتَ هَذَا الْأَمْرَ وَأَنَا حَيٌّ لَأَضْرِبَنَّ وَجْهَكَ بِخَمْسِينَ أَلْفِ سَيْفٍ، فَهَذَا كَانَ سَبَبُ الْبُغْضِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَأَمَّا الْأَسْرَى فَكَانُوا ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَلَمَّا قَدِمَ بِهِمْ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعِنْدَهُ كُثَيِّرُ عَزَّةَ، فَأَنْشَدَ: حَلِيمٌ إِذَا مَا نَالَ عَاقَبَ مُجْمِلًا     أَشَدَّ الْعِقَابِ أَوْ عَفَا لَمْ يُثَرِّبِ فَعَفْوًا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَحِسْبَةً     فَمَا تَأْتِهِ مِنْ صَالِحٍ لَكَ يُكْتَبِ أَسَاءُوا فَإِنْ تَصَفَحْ فَإِنَّكَ قَادِرٌ     وَأَفْضَلُ حِلْمٍ حِسْبَةً حِلْمُ مُغْضَبِ قَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: هَيْهَاتَ يَا أَبَا صَخْرٍ ! طَفَّ بِكَ الرَّحِمُ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَفَادَنِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمِ الْخَبِيثَةِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَقُتِلُوا، وَبَقِيَ غُلَامٌ صَغِيرٌ، فَقَالَ: اقْتُلُونِي، فَمَا أَنَا بِصَغِيرٍ. فَقَالَ: انْظُرُوا أَنْبَتَ. فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي، فَقَدِ احْتَلَمْتُ، وَوَطِئْتُ النِّسَاءَ. فَأَمَرَ بِهِ يَزِيدُ فَقُتِلَ. وَأَسْمَاءُ الْأَسْرَى الَّذِينَ قُتِلُوا: الْمُعَارِكُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَالْمُغِيرَةُ، وَالْمُفَضَّلُ، وَمِنْجَابُ أَوْلَادُ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَدُرَيْدٌ، وَالْحَجَّاجٌ، وَغَسَّانٌ، وَشَبِيبٌ، وَالْفَضْلُ أَوْلَادُ الْمُفَضَّلِ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَالْمُفَضَّلُ بْنُ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُهَلَّبِ.رثاء يزيد بن المهلب وَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ يَرْثِي يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ: أَبَى طُولُ هَذَا اللَّيْلِ أَنْ يَتَصَرَّمَا     وَهَاجَ لَكَ الْهَمُّ الْفُؤَادَ الْمُتَيَّمَا أَرِقْتُ وَلَمْ تَأْرَقْ مَعِي أُمُّ خَالِدٍ     وَقَدْ أَرِقَتْ عَيْنَايَ حَوْلًا مُجَرَّمَا عَلَى هَالِكٍ هَدَّ الْعَشِيرَةَ فَقْدُهُ     دَعَتْهُ الْمَنَايَا فَاسْتَجَابَ وَسَلَّمَا عَلَى مَلِكٍ بِالْعَقْرِ يَا صَاحِ جُبِّنَتْ     كَتَائِبُهُ وَاسْتَوْرَدَ الْمَوْتَ مُعْلِمَا أُصِيبَ وَلَمْ أَشْهَدْ وَلَوْ كُنْتُ شَاهِدًا     لَسَلَّبْتُ إِنْ لَمْ يَجْمَعِ الْحَيُّ مَأْتَمَا وَفِي غِيَرِ الْأَيَّامِ يَا هِنْدُ فَاعْلَمِي     لِطَالِبِ وِتْرٍ نَظْرَةٌ إِنْ تَلَوَّمَا فَعَلِّيَ إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً     عَلَى ابْنِ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا أَمَسْلَمَ إِنْ تَقْدِرْ عَلَيْكَ رِمَاحُنَا     نُذِقْكَ بِهَا قَيْءَ الْأَسَاوِدِ مُسْلَمَا وَإِنْ نَلْقَ لِلْعَبَّاسِ فِي الدَّهْرِ عَثْرَةً     نُكَافِئُهُ بِالْيَوْمِ الَّذِي كَانَ قَدَّمَا قِصَاصًا وَلَمْ نَعْدُ الَّذِي كَانَ قَدْ أَتَى     إِلَيْنَا وَإِنْ كَانَ ابْنُ مَرْوَانَ أَظْلَمَا سَتَعْلَمُ إِنْ زَلَّتْ بِكَ النَّعْلُ زَلَّةً     وَأَظْهَرَ أَقْوَامٌ حَيَاءً مُجَمْجَمَا مَنِ الظَّالِمُ الْجَانِي عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ     إِذَا أُحْضِرَتْ أَسْبَابُ أَمْرٍ وَأُبْهِمَا وَإِنَّا لَعَطَّافُونَ بِالْحِلْمِ بَعْدَمَا     نَرَى الْجَهْلَ مِنْ فَرْطِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمَا وَإِنَّا لَحَلَّالُونَ بِالثَّغْرِ لَا نَرَى     بِهِ سَاكِنًا إِلَّا الْخَمِيسَ الْعَرَمْرَمَا نَرَى أَنَّ لِلْجِيرَانِ حَقًّا وَذِمَّةً     إِذَا النَّاسُ لَمْ يَرْعَوْا لِذِي الْجَارِ مَحْرَمَا وَإِنَّا لَنَقْرِي الضَّيْفَ مِنْ قَمَعِ الذُّرَى     إِذَا كَانَ رَفْدُ الرَّافِدِينَ تَجَشُّمَا وَلَهُ فِيهِ مَرْثِيَّاتٌ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا أَبُو عُيَيْنَةَ بْنُ الْمُهَلَّبِ فَأَرْسَلَتْ هِنْدُ بِنْتُ الْمُهَلَّبِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي أَمَانِهِ، فَآمَنَهُ، وَبَقِيَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ حَتَّى وَلِيَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ خُرَاسَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمَا بِأَمَانِهِمَا، فَقَدِمَا خُرَاسَانَ.

  365. التاريخ 2456لا حكم مسجّل

    اسْتِعْمَالِ مَسْلَمَةَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ   وَلَمَّا فَرَغَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ حَرْبِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ جَمَعَ لَهُ أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وِلَايَةَ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَخُرَاسَانَ، فَأَقَرَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْكُوفَةِ، وَكَانَ قَدْ قَامَ بِأَمْرِ الْبَصْرَةِ بَعْدَ آلِ الْمُهَلَّبِ شَبِيبُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، فَبَعَثَ عَلَيْهَا مَسْلَمَةُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سُلَيْمَانَ الْكَلْبِيَّ، وَعَلَى شُرْطَتِهَا وَأَحْدَاثِهَا عَمْرَو بْنَ يَزِيدَ التَّمِيمِيَّ، فَأَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يَسْتَعْرِضَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ فَيَقْتُلَهُمْ، فَنَهَاهُ عَمْرٌو وَاسْتَمْهَلَهُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَكَتَبَ إِلَى مَسْلَمَةَ بِالْخَبَرِ، فَعَزَلَهُ وَوَلَّى الْبَصْرَةَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، وَأَقَرَّ عَمْرَو بْنَ يَزِيدَ عَلَى الشُّرَطِ وَالْأَحْدَاثِ. وَبَعَثَ عَلَى خُرَاسَانَ خَتَنَهُ زَوْجَ ابْنَتِهِ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعاصِ، الْمُلَقَّبِ بِخُذَيْنَةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَحَرَّضَ أَهْلَهَا عَلَى الصَّبْرِ وَالشَّجَاعَةِ، وَعَاقَبَ عُمَّالًا مِمَّنْ كَانَ يَنُوبُ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، وَمَاتَ بَعْضُهُمْ تَحْتَ الْعُقُوبَةِ.

  366. التاريخ 2457لا حكم مسجّل

    اسْتِعْمَالِ سَعِيدِ خُذَيْنَةَ عَلَى خُرَاسَانَ لِمَسْلَمَةَ   اسْتَعْمَلَ مَسْلَمَةُ عَلَى خُرَاسَانَ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَعِيدُ خُذَيْنَةَ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رَجُلًا لَيِّنًا مُتَنَعِّمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَلِكُ أَبْغَرَ وَسَعِيدٌ فِي ثِيَابٍ مُصَبَّغَةٍ، وَحَوْلَهُ مَرَافِقُ مُصَبَّغَةٌ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ قَالُوا: كَيْفَ رَأَيْتَ الْأَمِيرَ ؟ قَالَ: خُذَيْنَةَ، فَلُقِّبَ خُذَيْنَةَ، وَخُذَيْنَةُ هِيَ الدِّهْقَانَةُ رَبَّةُ الْبَيْتِ. وَكَانَ سَعِيدٌ تَزَوَّجَ ابْنَةَ مَسْلَمَةَ، فَلِهَذَا اسْتَعْمَلَهُ عَلَى خُرَاسَانَ. فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ مَسْلَمَةُ سَعِيدًا عَلَى خُرَاسَانَ، سَارَ إِلَيْهَا، فَاسْتَعْمَلَ شُعْبَةَ بْنَ ظُهَيْرٍ النَّهْشَلِيَّ عَلَى سَمَرْقَنْدَ، فَسَارَ إِلَيْهَا، فَقَدِمَ الصُّغْدَ، وَكَانَ أَهْلُهَا كَفَرُوا فِي وِلَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الصُّلْحِ، فَخَطَبَ شُعْبَةُ أَهْلَ الصُّغْدِ، وَوَبَّخَ سُكَّانَهَا مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ بِالْجُبْنِ، وَقَالَ: مَا أَرَى فِيكُمْ جَرِيحًا، وَلَا أَسْمَعُ أَنَّةً. فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِأَنْ جَبَّنُوا أَمِيرَهُمْ عِلْبَاءَ بْنَ حَبِيبٍ الْعَبْدِيَّ. وَأَخَذَ سَعِيدٌ عُمَّالَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِينَ وُلُّوا أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَحَبَسَهُمْ ثُمَّ أَطْلَقَهُمْ، ثُمَّ رُفِعَ إِلَى سَعِيدٍ أَنَّ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْجُعْفِيَّ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَجَّاجِ الزَّبِيدِيَّ، وَالْمُنْتَجِعَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيَّ، وُلُّوا لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فِي ثَمَانِيَةِ نَفَرٍ وَعِنْدَهُمْ أَمْوَالٌ قَدِ اخْتَانُوهَا [ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ ] فَحَبَسَهُمْ بِقُهُنْدُزِ مَرْوَ، وَحَمَلَ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ عَلَى حِمَارٍ وَأَطَافَ بِهِ، فَضَرَبَهُ مِائَتَيْ سَوْطٍ، وَأَمَرَ بِهِ وَبِالثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ حُبِسُوا مَعَهُ فَسُلِّمُوا إِلَى وَرْقَاءَ بْنِ نَصْرٍ الْبَاهِلِيِّ فَاسْتَعْفَاهُ، فَأَعْفَاهُ، فَسَلَّمَهُمْ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ دِثَارٍ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ دِثَارٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ نَشِيطٍ مَوْلَى بَاهِلَةَ، فَقَتَلُوا فِي الْعَذَابِ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ، وَعَبْدَ الْعَزِيزِ، وَالْمُنْتَجِعَ، وَعَذَّبُوا الْقَعْقَاعَ وَقُومًا حَتَّى أَشْفَوْا عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمْ يَزَالُوا فِي السِّجْنِ حَتَّى غَزَاهُمُ التُّرْكُ وَالصُّغْدُ، فَأَمَرَ سَعِيدٌ بِإِخْرَاجِهِمْ، وَكَانَ يَقُولُ: قَبَّحَ اللَّهُ الزُّبَيْرَ، فَإِنَّهُ قَتَلَ جَهْمًا !

  367. التاريخ 2458لا حكم مسجّل

    الْبَيْعَةِ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لِهِشَامٍ وَالْوَلِيدِ   لَمَّا وَجَّهَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجُيُوشَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْجَيْشِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَاهُ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ، قَالَا لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَهْلُ غَدْرٍ وَإِرْجَافٍ، وَقَدْ تَوَجَّهْنَا مُحَارِبِينَ وَالْحَوَادِثُ تَحْدُثُ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَرْجُفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ، وَيَقُولُوا: مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَفُتُّ ذَلِكَ فِي أَعَضَادِنَا، فَلَوْ عَهِدْتَ عَهْدَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْوَلِيدِ لَكَانَ رَأْيًا صَوَابًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَتَى أَخَاهُ يَزِيدَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَخُوكَ أَمِ ابْنُ أَخِيكَ ؟ فَقَالَ: بَلْ أَخِي. فَقَالَ: فَأَخُوكَ أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ. فَقَالَ يَزِيدُ: إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي وَلَدِي فَأَخِي أَحَقُّ بِهَا مِنِ ابْنِ أَخِي كَمَا ذَكَرْتَ. قَالَ: فَابْنُكَ لَمْ يَبْلُغْ فَبَايِعْ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ بَعْدَهُ لِابْنِكَ الْوَلِيدِ، وَكَانَ الْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، فَبَايَعَ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخِيهِ، وَبَعْدَهُ لِابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ، ثُمَّ عَاشَ يَزِيدُ حَتَّى بَلَغَ ابْنُهُ الْوَلِيدُ، فَكَانَ إِذَا رَآهُ يَقُولُ: اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ هِشَامًا بَيْنِي وَبَيْنَكَ.

  368. التاريخ 2459لا حكم مسجّل

    غَزْوِ التُّرْكِ   لَمَّا وَلِيَ سَعِيدٌ خُرَاسَانَ اسْتَضْعَفَهُ النَّاسُ وَسَمَّوْهُ خُذَيْنَةَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ شُعْبَةَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ ثُمَّ عَزَلَهُ، فَطَمِعَتِ التُّرْكُ، فَجَمَعَهُمْ خَاقَانُ وَوَجَّهَهُمْ إِلَى الصُّغْدِ، وَعَلَى التُّرْكِ كُورْ صُولَ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلُوا بِقَصْرِ الْبَاهِلِيِّ. وَقِيلَ: أَرَادَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الدَّهَاقِينِ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَاهِلَةَ كَانَتْ فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ، فَأَبَتْ، فَاسْتَجَاشَ، وَرَجَوْا أَنْ يَسْبُوا مَنْ فِي الْقَصْرِ، فَأَقْبَلَ كُورْ صُولَ حَتَّى حَصَرَ أَهْلَ الْقَصْرِ، وَفِيهِ مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ بِذَرَارِيهِمْ، وَكَانَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَدِ اسْتَعْمَلَهُ سَعِيدٌ بَعْدَ شُعْبَةَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ، وَخَافُوا أَنْ يُبْطِئَ عَنْهُمُ الْمُدَدُ فَصَالَحُوا التُّرْكَ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَعْطَوْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا رَهِينَةً. وَنَدَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ، فَانْتَدَبَ الْمُسَيَّبَ بْنَ بِشْرٍ الرِّيَاحَيَّ، وَانْتَدَبَ مَعَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ جَمِيعِ الْقَبَائِلِ، وَفِيهِمْ شُعْبَةُ بْنُ ظُهَيْرٍ، وَثَابِتُ قُطْنَةَ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْفُرْسَانِ، فَلَمَّا عَسْكَرُوا، قَالَ لَهُمُ الْمُسَيَّبُ: إِنَّكُمْ تُقْدِمُونَ عَلَى حَلْبَةِ التُّرْكِ عَلَيْهِمْ خَاقَانُ، وَالْعِوَضُ إِنْ صَبَرْتُمُ الْجَنَّةُ، وَالْعِقَابُ إِنْ فَرَرْتُمُ النَّارُ، فَمَنْ أَرَادَ الْغَزْوَ وَالصَّبْرَ فَلْيُقْدِمْ، فَرَجَعَ عَنْهُ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ، فَلَمَّا سَارَ فَرْسَخًا رَجَعَ بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ الْأُولَى، فَاعْتَزَلَهُ أَلْفٌ، ( ثُمَّ سَارَ فَرْسَخًا آخَرَ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلُ ذَلِكَ، فَاعْتَزَلَهُ أَلْفٌ، ثُمَّ سَارَ ) فَلَمَّا كَانَ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْهُمْ نَزَلَ، فَأَتَاهُمْ تُرْكُ خَاقَانَ مَلِكُ ( قِي ) فَقَالَ: لَمْ يَبْقَ هَاهُنَا دِهْقَانٌ إِلَّا وَقَدْ بَايَعَ التُّرْكَ غَيْرِي، وَأَنَا فِي ثَلَاثِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، فَهُمْ مَعَكَ، وَعِنْدِي الْخَبَرُ قَدْ كَانُوا صَالَحُوهُمْ، وَأَعْطَوْهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَكُونُونَ رَهِينَةً فِي أَيْدِيهِمْ، حَتَّى يَأْخُذُوا صُلْحَهُمْ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيُرُكُمْ إِلَيْهِمْ قَتَلُوا الرَّهَائِنَ، وَمِيعَادُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا غَدًا وَيَفْتَحُوا لَهُمُ الْقَصْرَ. فَبَعَثَ الْمُسَيَّبُ رَجُلَيْنِ، رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ، وَرَجُلًا مِنَ الْعَجَمِ، لِيَعْلَمَا عِلْمَ الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَا فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَقَدْ أَخَذَتِ التُّرْكُ الْمَاءَ فِي نَوَاحِي الْقَصْرِ، فَلَيْسَ يَصِلُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَدَنَوْا مِنَ الْقَصْرِ، فَصَاحَ بِهِمَا الرَّبِيئَةُ، فَقَالَا لَهُ: اسْكُتْ وَادْعُ لَنَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ دِثَارٍ. فَدَعَاهُ، فَأَعْلَمَاهُ بِقُرْبِ الْمُسَيَّبِ مِنْهُمْ، وَقَالَا: هَلْ عِنْدَكُمُ امْتِنَاعٌ اللَّيْلَةَ وَغَدًا ؟ قَالُوا: قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى تَقْدِيمِ نِسَائِنَا لِلْمَوْتِ أَمَامَنَا، حَتَّى نَمُوتَ جَمِيعًا غَدًا. فَرَجِعَا إِلَى الْمُسَيَّبِ فَأَخْبَرَاهُ، فَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إِنِّي سَائِرٌ إِلَى هَذَا الْعَدُوِّ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ، فَلَمْ يُفَارِقْهُ أَحَدٌ وَبَايَعُوهُ عَلَى الْمَوْتِ. فَأَصْبَحَ وَسَارَ وَقَدِ ازْدَادَ الْقَصْرُ تَحْصِينًا بِالْمَاءِ الَّذِي أَجْرَاهُ التُّرْكُ، فَلَمَّا صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرْكِ نِصْفُ فَرْسَخٍ نَزَلَ وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى بَيَاتِهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالصَّبْرِ وَحَثَّهُمْ عَلَيْهِ وَقَالَ: لِيَكُنْ شِعَارُكُمْ يَا مُحَمَّدُ، وَلَا تَتْبَعُوا مُوَلِّيًا، وَعَلَيْكُمْ بِالدَّوَابِّ فَاعْقِرُوهَا، فَإِنَّهَا إِذَا عُقِرَتْ كَانَتْ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْكُمْ، وَلَيْسَتْ بِكُمْ قِلَّةٌ، فَإِنَّ سَبْعَمِائَةِ سَيْفٍ لَا يُضْرَبُ بِهَا فِي عَسْكَرٍ إِلَّا أَوْهَنُوهُ وَإِنْ كَثُرَ أَهْلُهُ. وَجَعَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ كَثِيرًا الدَّبُّوسِيَّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ ثَابِتُ قُطْنَةَ، وَهُوَ مِنَ الْأَزْدِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْهُمْ، كَبَّرُوا، وَذَلِكَ فِي السَّحَرَ، وَثَارَ التُّرْكُ وَخَالَطَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَعَقَرُوا الدَّوَابَّ، وَتَرَجَّلَ الْمُسَيَّبُ فِي رِجَالٍ مَعَهُ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْقَطَعَتْ يَمِينُ الْبَخْتَرِيِّ الْمُرَائِيِّ، فَأَخَذَ السَّيْفَ بِشَمَالِهِ فَقُطِعَتْ، فَجَعَلَ يَذُبُّ بِيَدَيْهِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ. وَضَرَبَ ثَابِتُ قُطْنَةَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءِ التُّرْكِ، فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتِ التُّرْكُ، وَنَادَى مُنَادِي الْمُسَيَّبِ: لَا تَتْبَعُوهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مِنَ الرُّعْبِ أَتَّبَعْتُمُوهُمْ أَمْ لَا، وَاقْصُدُوا الْقَصْرَ، وَلَا تَحْمِلُوا إِلَّا الْمَاءَ، وَلَا تَحْمِلُوا إِلَّا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ، وَمَنْ حَمَلَ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا أَوْ ضَعِيفًا; حِسْبَةً، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَبَى فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقَصْرِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَهْدِكُمْ فَاحْمِلُوهُ. فَحَمَلُوا مَنْ فِي الْقَصْرِ وَأَتَوْا تُرْكَ خَاقَانَ، فَأَنْزَلَهُمْ قَصْرَهُ وَأَتَاهُمْ بِطَعَامٍ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى سَمَرْقَنْدَ. وَرَجَعَتِ التُّرْكُ مِنَ الْغَدِ، فَلَمْ يَرَوْا فِي الْقَصْرِ أَحَدًا، وَرَأَوْا قَتْلَاهُمْ فَقَالُوا: لَمْ يَكُنِ الَّذِي جَاءَنَا مِنَ الْإِنْسِ، فَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ: فَدَتْ نَفْسِي فَوَارِسَ مِنْ تَمِيمٍ غَدَاةَ الرَّوْعِ فِي ضَنْكِ الْمَقَامِ     فَدَتْ نَفْسِي فَوَارِسَ أَكْنَفُونِي عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي رَهَجِ الْقَتَامِ     بِقَصْرِ الْبَاهِلِيِّ وَقَدْ رَأَوْنِي أُحَامِي حَيْثُ ضَنَّ بِهِ الْمُحَامِي     بِسَيْفِي بَعْدَ حَطْمِ الرُّمْحِ قُدْمًا أَذَوْدُهُمُ بِذِي شُطَبٍ حُسَامِ     أُكِرُّ عَلَيْهِمُ الْيَحْمُومَ كَرًا كَكَرِّ الشَّرْبِ آنِيَةَ الْمُدَامِ     أَكُرُّ بِهِ لَدَى الْغَمَرَاتِ حَتَّى تَجَلَّتْ لَا يَضِيقُ بِهِ مَقَامِي     فَلَوْلَا اللَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ وَضَرْبِي قَوْنَسَ الْمَلِكِ الْهُمَامِ     إِذًا لَسَعَتْ نِسَاءُ بَنِي دِثَارٍ أَمَامَ التُّرْكِ بَادِيَةَ الْخِدَامِ     فَمَنْ مِثْلُ الْمُسَيَّبِ فِي تَمِيمٍ أَبِي بِشْرٍ كَقَادِمَةِ الْحَمَامِ وَعَوِرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ الطَّائِيُّ، وَشُلَّتْ يَدُهُ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ وِلَايَةً قَبْلَ سَعِيدٍ، فَأَخَذَهُ سَعِيدٌ بِشَيْءٍ بَقِيَ عَلَيْهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى شَدَّادِ بْنِ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيِّ لِيَسْتَأْدِيَهُ، فَضَيَّقَ عَلَيْهِ شَدَّادٌ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ سِرْتُ إِلَى قَصْرِ الْبَاهِلِيِّ وَأَنَا شَدِيدُ الْبَطْشِ حَدِيدُ الْبَصَرِ، فَعَوِرْتُ وَشُلَّتْ يَدِي، وَقَاتَلْتُ حَتَّى اسْتَنْقَذْنَاهُمْ بَعْدَمَا أَشْرَفُوا عَلَى الْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَالسَّبْيِ، وَهَذَا صَاحِبُكُمْ يَصْنَعُ بِي مَا يَصْنَعُ فَكُفُّوهُ عَنِّي، فَخَلَّاهُ. قَالَ بَعْضُ مَنْ كَانَ بِالْقَصْرِ: لَمَّا الْتَقَوْا ظَنَنَّا أَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ لِمَا سَمِعْنَا مِنْ هَمَاهِمِ الْقَوْمِ، وَوَقَعِ الْحَدِيدِ، وَصَهِيلِ الْخَيْلِ.

  369. التاريخ 2460لا حكم مسجّل

    غَزْوِ الصُّغْدِ   وَفِي سنة اثنتين ومائة عَبَرَ سَعِيدُ خُذَيْنَةَ النَّهْرَ وَغَزَا الصُّغْدَ، ( وَكَانُوا قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَأَعَانُوا التُّرْكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ النَّاسُ لِسَعِيدٍ: إِنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ الْغَزْوَ، وَقَدْ أَغَارَ التُّرْكُ، وَكَفَرَ أَهْلُ الصُّغْدِ. فَقَطَعَ النَّهْرَ، وَقَصَدَ الصُّغْدَ )، فَلَقِيَهُ التُّرْكُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الصُّغْدِ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تَتْبَعُوهُمْ، فَإِنَّ الصُّغْدَ بُسْتَانُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ هَزَمْتُمُوهُمْ، أَفَتُرِيدُونَ بَوَارَهُمْ ؟ وَقَدْ قَاتَلْتُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ الْخُلَفَاءَ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَهَلْ أَبَادُوكُمْ ؟ وَقَالَ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ لَحَيَّانَ النَّبَطِيِّ: ارْجِعْ عَنْهُمْ يَا حَيَّانُ. قَالَ: عَقِيرَةُ اللَّهِ لَا أَدَعُهَا. قَالَ: انْصَرِفْ يَا نَبَطِيُّ. قَالَ: أَنَبَطَ اللَّهُ وَجْهَكَ ! وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ فَانْتَهَوْا إِلَى وَادٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَرْجِ، فَقَطَعَهُ بَعْضُهُمْ وَقَدْ أَكْمَنَ لَهُمُ التُّرْكُ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْمُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْوَادِي، فَصَبَرُوا حَتَّى انْكَشَفُوا لَهُمْ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الْمُنْهَزِمُونَ مَسْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا وَالتُّرْكُ قَدْ خَرَجُوا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْضَةٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ شُعْبَةُ بْنُ ظُهَيْرٍ، فَأَعْجَلَهُمُ التُّرْكُ عَنِ الرُّكُوبِ، فَقَاتَلَهُمْ شُعْبَةُ، فَقُتِلَ، وَقُتِلَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الْمَسْلَحَةِ، وَأَتَى الْمُسْلِمِينَ الْخَبَرُ، فَرَكِبَ الْخَلِيلُ بْنُ أَوْسٍ الْعَبْشَمِيُّ أَحَدُ بَنِي ظَالِمٍ وَنَادَى: يَا بَنِي تَمِيمٍ إِلَيَّ أَنَا الْخَلِيلُ ! فَاجْتَمَعَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَحَمَلَ بِهِمْ عَلَى الْعَدُوِّ، فَكَفُّوهُمْ حَتَّى جَاءَ الْأَمِيرُ وَالنَّاسُ، فَانْهَزَمَ الْعَدُوُّ، فَصَارَ الْخَلِيلُ عَلَى خَيْلِ بَنِي تَمِيمٍ حَتَّى وَلِيَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، ثُمَّ صَارَتْ رِيَاسَتُهُمْ لِأَخِيهِ الْحَكَمِ بْنِ أَوْسٍ. فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ بَعَثَ رِجَالًا مِنْ تَمِيمٍ إِلَى وَزْغِيشَ، فَقَالُوا: لَيْتَنَا نَلْقَى الْعَدُوَّ فَنُطَارِدُهُمْ. وَكَانَ سَعِيدٌ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً، فَأَصَابُوا أَوْ غَنِمُوا وَسَبَوْا رَدَّ السَّبْيَ وَعَاقَبَ السَّرِيَّةَ، فَقَالَ الْهَجَرِيُّ الشَّاعِرُ: سَرَيْتَ إِلَى الْأَعْدَاءِ تَلْهُو بِلُعْبَةٍ وَأَيْرُكَ مَسْلُولٌ وَسَيْفُكَ مُغْمَدُ     وَأَنْتَ لِمَنْ عَادَيْتَ عِرْسٌ خَفِيَّةٌ وَأَنْتِ عَلَيْنَا كَالْحُسَامِ الْمُهَنَّدِ فَقَعَدَ سَعِيدٌ عَلَى النَّاسِ وَضَعَّفُوهُ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: إِسْمَاعِيلُ مُنْقَطِعًا إِلَى مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ عِنْدَ خُذَيْنَةَ مَوَدَّتَهُ لِمَرْوَانَ، فَقَالَ خُذَيْنَةُ: وَمَا ذَاكَ الْمِلْطُ ؟ فَقَالَ إِسْمَاعِيلُ: زَعَمَتْ خُذَيْنَةُ أَنَّنِي مِلْطُ     لِخُذَيْنَةَ الْمِرْآةُ وَالْمُشْطُ وَمَجَامِرٌ وَمَكَاحِلٌ جُعِلَتْ     وَمَعَازِفٌ وَبِخَدِّهَا نُقْطُ أَفَذَاكَ أَمْ زَغَفٌ مُضَاعَفَةٌ     وَمُهَنَّدٌ مِنْ شَأْنِهِ الْقَطُّ لِمُقْرَسٍ ذَكَرٍ أَخِي ثِقَةٍ     لَمْ يَغْذُهُ التَّأْنِيثُ وَاللَّقْطُ فِي أَبْيَاتِ غَيْرِهَا.

  370. التاريخ 2461لا حكم مسجّل

    وفِي سنة اثنتين ومائة غَزَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ الرُّومَ  مِنْ نَاحِيَةِ أَرْمِينِيَّةَ وَهُوَ عَلَى الْجَزِيرَةِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْعِرَاقَ، فَهَزَمَهُمْ وَأَسَرَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا قِيلَ سَبْعُمِائَةِ أَسِيرٍ. وَفِيهَا غَزَا عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ فَافْتَتَحَ دَلْسَةَ.

  371. التاريخ 2462لا حكم مسجّل

    مَوْتِ حَيَّانَ النَّبَطِيِّ   وَقَدْ ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ حَيَّانَ فِيمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَتْلِ قُتَيْبَةَ، وَأَنَّهُ سَادَ وَتَقَدَّمَ بِخُرَاسَانَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ: يَا نَبَطِيُّ، وَأَجَابَهُ حَيَّانُ، فَقَالَ: أَنَبَطَ اللَّهُ وَجْهَكَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا، حَقَدَهَا عَلَيْهِ سَوْرَةُ، فَقَالَ لِسَعِيدِ خُذَيْنَةَ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ أَعْدَى النَّاسِ لِلْعَرَبِ وَالْوَالِي، وَهُوَ أَفْسَدَ خُرَاسَانَ عَلَى قُتَيْبَةَ، وَهُوَ وَاثِبٌ بِكَ، مُفْسِدٌ عَلَيْكَ خُرَاسَانَ، ثُمَّ يَتَحَصَّنُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْقِلَاعِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: لَا تُسْمِعَنَّ هَذَا أَحَدًا. ثُمَّ دَعَا فِي مَجْلِسِهِ بِلَبَنٍ وَقَدْ أَمَرَ بِذَهَبٍ، فَسُحِقَ وَأُلْقِيَ فِي اللَّبَنِ الَّذِي فِي إِنَاءِ حَيَّانَ، فَشَرِبَهُ حَيَّانُ، ثُمَّ رَكَضَ سَعِيدٌ وَالنَّاسُ مَعَهُ أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ ثُمَّ رَجَعَ، فَعَاشَ حَيَّانُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَمَاتَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ هَذِهِ السَّنَةَ.

  372. التاريخ 2463لا حكم مسجّل

    عَزْلِ مَسْلَمَةَ عَنِ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ ابْنِ هُبَيْرَةَ   وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَلِيَ الْعِرَاقَ وَخُرَاسَانَ، فَلَمْ يَرْفَعْ مِنَ الْخَرَاجِ شَيْئًا، وَاسْتَحْيَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يَعْزِلَهُ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: اسْتَخْلِفْ عَلَى عَمَلِكَ وَأَقْبِلْ. وَقِيلَ إِنَّ مَسْلَمَةَ شَاوَرَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ فِي الشُّخُوصِ إِلَى يَزِيدَ لِيَزُورَهُ. قَالَ: أَمِنْ شَوْقٍ إِلَيْهِ ؟ إِنَّ عَهْدَكَ مِنْهُ لَقَرِيبٌ. قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: إِذًا لَا تَخْرُجْ مِنْ عَمَلِكَ حَتَّى تَلْقَى الْوَالِيَ عَلَيْهِ. فَسَارَ مَسْلَمَةُ فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيُّ بِالْعِرَاقِ عَلَى دَوَابِّ الْبَرِيدِ، فَسَأَلَهُ عَنْ مَقْدِمِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَّهَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي حِيَازَةِ أَمْوَالِ بَنِي الْمُهَلَّبِ. فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ أَحْضَرَ مَسْلَمَةُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ حَاتِمٍ، وَأَخْبَرَهُ خَبَرَ ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ. قَالَ مَسْلَمَةُ: فَإِنَّهُ جَاءَ لِحِيَازَةِ أَمْوَالِ آلِ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: هَذَا أَعْجَبُ مِنَ الْأَوَّلِ، يَكُونُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَيُعْزَلُ عَنْهَا، وَيُبْعَثُ لِحِيَازَةِ أَمْوَالِ بَنِي الْمُهَلَّبِ، وَلَمْ يُكْتَبْ مَعَهُ إِلَيْكَ كِتَابٌ ! فَلَمْ يَلْبَثْ حَتَّى أَتَاهُ عَزْلُ ابْنِ هُبَيْرَةَ عُمَّالَهُ وَالْغِلْظَةُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: رَاحَتْ بِمَسْلَمَةَ الْبِغَالُ عَشِيَّةً فَارْعَيْ فَزَارَةُ لَا هَنَاكِ الْمَرْتَعُ     عُزِلَ ابْنُ بِشْرٍ وَابْنُ عَمْرٍو قَبْلَهُ وَأَخُو هَرَاةَ لِمِثْلِهَا يَتَوَقَّعُ يَعْنِي بِابْنِ بِشْرٍ: عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ، وَبِابْنِ عَمْرٍو: مُحَمَّدًا ذَا الشَّامَةِ، وَبِأَخِي هَرَاةَ: سَعِيدَ خُذَيْنَةَ. ( وَأَمَّا ابْتِدَاءُ أَمْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ حَتَّى وَلِيَ الْعِرَاقَ )، فَإِنَّهُ قَدِمَ مِنَ الْبَادِيَةِ مِنْ بِنِي فَزَارَةَ، فَافْتُرِضَ مَعَ بَعْضِ وُلَاةِ الْحَرْبِ، وَكَانَ يَقُولُ: لَأَرْجُو أَنْ لَا تَنْقَضِيَ الْأَيَّامُ حَتَّى أَلِيَ الْعِرَاقَ. وَسَارَ مَعَ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعُقَيْلِيِّ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ، فَأُتِيَ بِفَرَسٍ رَائِعٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ رُكُوبُهُ، فَقَالَ: مَنْ رَكِبَهُ فَهُوَ لَهُ، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ وَتَنَحَّى عَنِ الْفَرَسِ، وَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِحَيْثُ تَنَالُهُ رِجْلَا الْفَرَسِ إِذَا رَمَحَهُ وَثَبَ فَصَارَ عَلَى سَرْجِهِ، فَأَخَذَ الْفَرَسَ. فَلَمَّا خَلَعَ مُطَرِّفُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الْحَجَّاجَ سَارَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ حَارَبُوهُ مِنَ الرَّيِّ، فَلَمَّا الْتَقَى الْعَسْكَرَانِ الْتَحَقَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بِمُطَرِّفٍ مُظْهِرًا أَنَّهُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَالَ النَّاسُ كَانَ مِمَّنْ قَتَلَهُ وَأَخَذَ رَأْسَهُ، وَقِيلَ قَتَلَهُ غَيْرُهُ وَأَخَذَ هُوَ رَأْسَهُ، وَأَتَى بِهِ عَدِيًّا، فَأَعْطَاهُ مَالًا، وَأَوْفَدَهُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِالرَّأْسِ، فَسَيَّرَهُ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَقْطَعَهُ بِبَرْزَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِدِمَشْقَ، وَعَادَ إِلَى الْحَجَّاجِ، فَوَجَّهَهُ إِلَى كَرْدَمِ بْنِ مَرْثَدٍ الْفَزَارِيِّ لِيُخَلِّصَ مِنْهُ مَالًا، فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَهَرَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ: أَنَا عَائِذٌ بِاللَّهِ وَبِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحَجَّاجِ، فَإِنَّنِي قَتَلْتُ ابْنَ عَمِّهِ مُطَرِّفَ بْنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَتَيْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَأَرَادَ قَتْلِي، وَلَسْتُ آمَنُ أَنْ يَنْسِبَنِي إِلَى أَمْرٍ يَكُونُ فِيهِ هَلَاكِي. فَقَالَ: أَنْتَ فِي جِوَارِي. فَأَقَامَ عِنْدَهُ، فَكَتَبَ فِيهِ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَذْكُرُ أَخْذَهُ الْمَالَ وَهَرَبَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَمْسِكْ عَنْهُ. وَتَزَوَّجَ بَعْضُ وَلَدِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِنْتًا لِلْحَجَّاجِ، فَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ يُهْدِي لَهَا، وَيَبَرَّهَا، وَيُيَسِّرُ عَلَيْهَا، فَكَتَبَتْ إِلَى أَبِيهَا تُثْنِي عَلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُنْزِلَ بِهِ حَاجَاتَهُ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ بِالشَّامِ. فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَرَأَى ابْنُ هُبَيْرَةَ تَحَكُّمَ حَبَابَةَ عَلَيْهِ تَابَعَ هَدَايَاهُ إِلَيْهِ وَإِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَعَمِلَتْ لَهُ فِي وِلَايَةِ الْعِرَاقِ، فَوَلَّاهُ يَزِيدُ. وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَعْقَاعِ بْنِ خُلَيْدٍ الْعَبْسِيِّ تَحَاسَدٌ، فَقَالَ الْقَعْقَاعُ: مَنْ يُطِيقُ ابْنَ هُبَيْرَةَ، حَبَابَةُ بِاللَّيْلِ، وَهَدَايَاهُ بِالنَّهَارِ ! فَلَمَّا مَاتَتْ حَبَابَةُ، قَالَ الْقَعْقَاعُ: هَلُمَّ فَقَدْ مَاتَتْ حَبَابَةُ سَامِنِي     بِنَفْسِكَ يُقْدِمْكَ الذُّرَى وَالْكَوَاهِلُ أَغَرَّكَ إِنْ كَانَتْ حَبَابَةُ مَرَّةً تَمِيحُكَ،     فَانْظُرْ كَيْفَ مَا أَنْتَ فَاعِلُ فِي أَبْيَاتٍ. وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَعْقَاعِ يَوْمًا كَلَامٌ، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: يَابْنَ اللَّخْنَاءِ مَنْ قَدَّمَكَ ؟ فَقَالَ: قَدَّمَكَ أَنْتَ وَأَهْلَكَ أَعْجَازُ الْغَوَانِي، وَقَدَّمَنِي صُدُورُ الْعَوَالِي. فَسَكَتَ الْقَعْقَاعُ. يَعْنِي أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَدَّمَهُمْ لَمَّا تَزَوَّجَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّ أُمَّ الْوَلِيدِ وَسُلَيْمَانَ ابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ عَبْسِيَّةٌ.

  373. التاريخ 2464لا حكم مسجّل

    بَعْضِ الدُّعَاةِ لِلدَّوْلَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ   وَفِي سنة اثنتين ومائة وَجَّهَ مَيْسَرَةُ رُسُلَهُ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَظَهَرَ أَمْرُ الدُّعَاةِ بِهَا، فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ بَحِيرِ بْنِ وَرْقَاءَ السَّعْدِيُّ إِلَى سَعِيدِ خُذَيْنَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ هَاهُنَا قَوْمًا قَدْ ظَهَرَ مِنْهُمْ كَلَامٌ قَبِيحٌ، وَأَعْلَمَهُ حَالَهُمْ، فَبَعَثَ سَعِيدٌ إِلَيْهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا: نَاسٌ مِنَ التُّجَّارِ. قَالَ: فَمَا هَذَا الَّذِي يُحْكَى عَنْكُمْ ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: جِئْتُمْ دُعَاةً ؟ قَالُوا: إِنَّ لَنَا فِي أَنْفُسِنَا وَتِجَارِتِنَا شُغْلًا عَنْ هَذَا. فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ هَؤُلَاءِ ؟ فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ أَكْثَرُهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنِ فَقَالُوا: نَحْنُ نَعْرِفُهُمْ، وَهُمْ عَلَيْنَا إِنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ. فَخَلَّى سَبِيلَهُمْ.

  374. التاريخ 2465لا حكم مسجّل

    قَتْلِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ   قِيلَ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدِ اسْتَعْمَلَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ، وَقِيلَ هَذِهِ السَّنَةَ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ عَزَمَ أَنْ يَسِيرَ فِيهِمْ بِسِيرَةِ الْحَجَّاجِ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ الَّذِينَ سَكَنُوا الْأَمْصَارَ مِمَّنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ السَّوَادِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَأَسْلَمَ بِالْعِرَاقِ، فَإِنَّهُ رَدَّهُمْ إِلَى قُرَاهُمْ وَوَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى رِقَابِهِمْ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَتْ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَهُمْ كُفَّارٌ، فَلَمَّا عَزَمَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَتَلُوهُ، وَوَلَّوْا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْوَالِي الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، فَوَلِيَ الْأَمْصَارَ، وَكَانَ عِنْدَهُمْ، وَكَتَبُوا إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنَّا لَمْ نَخْلَعْ أَيْدِيَنَا مِنْ طَاعَةٍ، وَلَكِنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي مُسْلِمٍ سَامَنَا مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ، فَقَتَلْنَاهُ وَأَعَدْنَا عَامِلَكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: إِنِّي لَمْ أَرْضَ مَا صَنَعَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، وَأَقَرَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ عَلَى عَمَلِهِ.

  375. التاريخ 2466لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ سنة اثنتين ومائة عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَهُوَ عَامِلُ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ. وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الشَّامَةِ، وَعَلَى قَضَائِهَا: الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ إِلَى أَنْ عَزَلَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ: سَعِيدُ خُذَيْنَةَ، وَعَلَى مِصْرَ: أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.

  376. التاريخ 2467لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة اثنتين ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، أَبُو خَالِدٍ الْأَزْدِيُّ  : قَدْ ذَكَرْنَا أَحْوَالَهُ فِي الْحَوَادِثِ وَخُرُوجَهُ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمُحَارَبَتَهُ لَهُ، وَأَنَّهُ قُتِلَ فِي الْحَرْبِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ جَوَادًا. عَنِ الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو مُؤَاخِيًا لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَلَمَّا حَبَسَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَزِيدَ ابْنَ الْمُهَلَّبِ مَنَعَ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ، فَأَتَاهُ سَعِيدٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِي عَلَى يَزِيدَ خَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقَدْ حُلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي فَاقْتَضِيهِ، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَسُرَّ بِهِ يَزِيدُ وَقَالَ: كَيْفَ وَصَلْتَ إِلَيَّ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَخْرُجُ إِلَّا وَهِيَ مَعَكَ، فَامْتَنَعَ سَعِيدٌ، فَحَلَفَ يَزِيدُ لَيَقْبِضَنَّهَا، فَوَجَّهَ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى حُمِلَ إِلَى سَعِيدٍ خَمْسُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَرَوَى الصُّولِيُّ قَالَ: دَخَلَ الْكَوْثَرُ بْنُ زُفَرَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ حِينَ وَلَّاهُ سُلَيْمَانُ الْعِرَاقَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْبَرُ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُسْتَعَانَ عَلَيْكَ إِلَّا بِكَ، وَلَسْتَ تَصْنَعُ مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْكَ، وَلَيْسَ الْعَجَبُ أَنْ تَفْعَلَ، وَلَكِنَّ الْعَجَبَ أَلَا تَفْعَلَ. فَقَالَ يَزِيدُ: سَلْ حَاجَتَكَ، فَقَالَ: حَمَلْتُ عَنْ قَوْمٍ عَشْرَ دِيَاتٍ وَقَدْ نَهَضَنِي ذَلِكَ، قَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِهَا وَقَدْ شَفَعْتُهَا بِمِثْلِهَا، فَقَالَ لَهُ الْكَوْثَرُ: أَمَّا مَا سَأَلْتُكَ بِوَجْهِي فَأَقْبَلُهُ مِنْكَ، وَأَمَّا الَّذِي ابْتَدَأَتْنِي بِهِ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قَالَ: وَلِمَ وَقَدْ كَفَيْتُكَ فِيهِ ذُلَّ الْمَسْأَلَةِ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي أَخَذْتَهُ مِنِّي بِمَسْأَلَتِي إِيَّاكَ وَبَذْلِ وَجْهِي لَكَ أَكْبَرُ مِنْ مَعْرُوفِكِ عِنْدِي فَكَرِهْتُ الْفَضْلَ عَلَيَّ، قَالَ يَزِيدُ: وَأَنَا أَسْأَلُكَ كَمَا سَأَلْتَنِي بِحَقِّكَ عَلَيَّ مَا أَهَّلْتَنِي لَهُ مِنْ إِنْزَالِكَ الْحَاجَةَ بِي إِلَّا قَبِلْتَهَا، فَفَعَلَ. كَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَلَهُ فُتُوحَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ أَخْبَارٌ فِي الْكَرَمِ وَالشَّجَاعَةِ، وَآخِرُ أَمْرِهِ أَنَّهُ قُتِلَ، وَقُتِلَ مِنْ إِخْوَتِهِ وَأَوْلَادِهِ جَمَاعَةٌ، وَأُخِذَتْ أَمْوَالُهُ وَنِسَاؤُهُ وَأَوْلَادُهُ، وَزَالَ مَا كَانَ فِيهِ، وَقَدْ كَانُوا نَحْوَ ثَمَانِينَ نَفْسًا آلَ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، وَقَدْ جَمَعُوا شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْجَوَاهِرِ، فَمَا أَفَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا بَلْ سُلِبُوا ذَلِكَ جَمِيعَهُ. عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ   الْفَزَارِيُّ، نَائِبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْبَصْرَةِ وَهُوَ الَّذِي قَبَضَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ وَبَعَثَ بِهِ مُقَيَّدًا إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِسَجْنِهِ، فَلَمَّا مَرِضَ عُمَرُ هَرَبَ مِنَ السِّجْنِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ ظَهَرَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَنَصَبَ رَايَاتٍ سُودًا، وَطَلَبَ الْبَصْرَةَ وَمَلَكَهَا، وَجَرَتْ لَهُ فُصُولٌ قَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ ثُمَّ إِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ أَبِيهِ أَخْرَجَ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ هَذَا مِنَ الْحَبْسِ وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ جَمَاعَةً نَحْوَ ثَلَاثِينَ إِنْسَانًا. الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْهِلَالِيُّ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ الْهِلَالِيُّ   أَبُو الْقَاسِمِ وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ الْخُرَاسَانِيُّ، كَانَ يَكُونُ بِبَلْخٍ وَسَمَرْقَنْدَ وَنَيْسَابُورَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ لَهُ سَمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ حَتَّى وَلَا مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَاوَرَهُ سَبْعَ سِنِينَ. وَكَانَ الضَّحَّاكُ إِمَامًا فِي التَّفْسِيرِ، قَالَ الثَّوْرِيُّ: خُذُوا التَّفْسِيرَ عَنْ أَرْبَعَةٍ ; مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو زُرْعَةَ: وَهُوَ ثِقَةٌ. وَأَنْكَرَ شُعْبَةُ سَمَاعَهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَخَذَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: كَانَ ضَعِيفًا. وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " الثِّقَاتِ "، وَقَالَ: لَمْ يُشَافِهْ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَدْ وَهِمَ. وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ سَنَتَيْنِ، وَوَضَعَتْهُ وَلَهُ أَسْنَانٌ، وَكَانَ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ حِسْبَةً، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي مَكْتَبِهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ صَبِيٍّ، وَكَانَ يَرْكَبُ حِمَارًا، وَيَدُورُ مِنَ الْعَلْيَاءِ عَلَيْهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ - وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ - وَمِائَةٍ. وَقَدْ بَلَغَ الثَّمَانِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ قَبِيصَةُ بْنُ قَيْسٍ الْعَنْبَرِيُّ: كَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ إِذَا أَمْسَى بَكَى، فَيُقَالُ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا صَعِدَ الْيَوْمَ مِنْ عَمَلِي. أَبُو الْمُتَوَكِّلِ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، ثِقَةٌ، رَفِيعُ الْقَدْرِ.

  377. التاريخ 2468لا حكم مسجّل

    اسْتِعْمَالِ سَعِيدٍ الْحَرَشِيِّ عَلَى خُرَاسَانَ  وفي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ عَزَلَ أَمِيرُ الْعِرَاقِ - وَهُوَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ - سَعِيدًا الْمُلَقَّبُ خُذَيْنَةَ  ، عَنْ نِيَابَةِ خُرَاسَانَ وَوَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ، بِإِذْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ سَعِيدٌ هَذَا مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَشْهُورِينَ، انْزَعَجَ لَهُ التُّرْكُ، وَخَافُوهُ خَوْفًا شَدِيدًا، وَتَقَهْقَرُوا مِنْ بِلَادِ الصُّغْدِ إِلَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ بِلَادِ الصِّينِ وَغَيْرِهَا. كَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ الْمُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ قَدِمَا عَلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ فَشَكَوَاهُ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ عَمْرٍو الْحَرَشِيَّ، ( بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، مِنْ بَنِي الْحَرِيشِ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ ). وَكَانَ خُذَيْنَةُ [ غَازِيًا ] بِبَابِ سَمَرْقَنْدَ، فَبَلَغَهُ عَزْلُهُ، وَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ أَلْفَ رَجُلٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَسْمَاءِ مَنْ أَبْلَى يَوْمَ الْعَقْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ، فَقَالَ يَزِيدُ: لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الْحَرَشِيَّ ؟ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ أَنْ وَلِّ الْحَرَشِيَّ خُرَاسَانَ، فَوَلَّاهُ، فَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ، فَقَالَ نَهَارُ بْنُ تَوْسِعَةَ: فَهَلْ مِنْ مُبْلِغٍ فِتْيَانَ قَوْمِي بِأَنَّ النَّبْلَ رِيشَتْ كُلَّ رَيْشِ     وَأَنَّ اللَّهَ أَبْدَلَ مِنْ سَعِيدٍ سَعِيدًا لَا الْمُخَنَّثَ مِنْ قُرَيْشِ وَقَدِمَ سَعِيدٌ الْحَرَشِيُّ خُرَاسَانَ، فَلَمْ يَعْرِضْ لِعُمَّالِ خُذَيْنَةَ، وَقَرَأَ رَجُلٌ عَهْدَهُ فَلَحَنَ فِيهِ، فَقَالَ: صَهٍ، مَهْمَا سَمِعْتُمْ فَهُوَ مِنَ الْكَاتِبِ، وَالْأَمِيرُ مِنْهُ بَرِيءٌ. وَلَمَّا قَدِمَ الْحَرَشِيُّ خُرَاسَانَ كَانَ النَّاسُ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ، وَكَانُوا قَدْ نَكَبُوا، فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ بِكَثْرَةٍ وَلَا بِعُدَّةٍ، وَلَكِنْ بِنْصِرِ اللَّهِ وَعِزِّ الْإِسْلَامِ، فَقُولُوا: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ [ الْعَلِيِّ ] الْعَظِيمِ، وَقَالَ: فَلَسْتُ لِعَامِرٍ إِنْ لَمْ تَرَوْنِي     أَمَامَ الْخَيْلِ أَطْعَنُ بِالْعَوَالِي وَأَضْرِبُ هَامَةَ الْجَبَّارِ مِنْهُمْ     بِعَضْبِ الْحَدِّ حُودِثَ بِالصِّقَالِ فَمَا أَنَا فِي الْحُرُوبِ بِمُسْتَكِينٍ     وَلَا أَخْشَى مُصَاوَلَةَ الرِّجَالِ أَبَى لِي وَالِدِي مِنْ كُلِّ ذَمٍّ     وَخَالِي فِي الْحَوَادِثِ خَيْرُ خَالِ فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ الصُّغْدِ بِقُدُومِ الْحَرَشِيِّ خَافُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَعَانُوا التُّرْكَ أَيَّامَ خُذَيْنَةَ، فَاجْتَمَعَ عُظَمَاؤُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مَلِكُهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَقِيمُوا وَاحْمِلُوا الْخَرَاجَ مَا مَضَى، وَاضْمَنُوا لَهُ خَرَاجَ مَا يَأْتِي وَعِمَارَةَ الْأَرْضِ، وَالْغَزْوَ مَعَهُ إِنْ أَرَادَ ذَلِكَ، وَاعْتَذِرُوا مِمَّا كَانَ مِنْكُمْ وَأَعْطُوهُ رَهَائِنَ. قَالُوا: نَخَافُ أَنْ لَا يَرْضَى وَلَا يَقْبَلَ ذَلِكَ مِنَّا، وَلَكِنَّا نَأْتِي خُجَنْدَةَ فَنَسْتَجِيرُ مَلِكَهَا، وَنُرْسِلُ إِلَى الْأَمِيرِ، فَنَسْأَلُهُ الصَّفْحَ عَمَّا كَانَ مِنَّا، وَنُوَثِّقُ [ لَهُ ] أَنَّهُ لَا يَرَى [ مِنَّا ] أَمْرًا يَكْرَهُهُ. فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَالَّذِي أَشَرْتُ بِهِ عَلَيْكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ. فَأَبَوْا وَخَرَجُوا إِلَى خُجَنْدَةَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ فَرْغَانَةَ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَمْنَعَهُمْ وَيُنْزِلَهُمْ مَدِينَتَهُ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ فَقَالَتْ أُمُّهُ: لَا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينُ مَدِينَتَكَ، وَلَكِنْ فَرِّغْ لَهُمْ رُسْتَاقًا يَكُونُونَ فِيهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: سَمُّوا رُسْتَاقًا تَكُونُونَ فِيهِ حَتَّى أُفَرِّغَهُ لَكُمْ، وَأَجِّلُونِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ عِشْرِينَ يَوْمًا. فَاخْتَارُوا شِعْبَ عِصَامِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَاهِلِيِّ، وَكَانَ قُتَيْبَةُ قَدْ خَلَّفَهُ فِيهِمْ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَيْسَ [ لَكُمْ ] عَلَيَّ عَقْدٌ وَجِوَارٌ حَتَّى تَدْخُلُوهُ، وَإِنْ أَتَتْكُمْ [ الْعَرَبُ ] قَبْلَ أَنْ تَدْخُلُوهُ لَمْ أَمْنَعْكُمْ. فَرَضُوا، فَفَرَّغَ لَهُمُ الشِّعْبَ.

  378. التاريخ 2469لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثلاث ومائة جَمَعَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ بَيْنَ إِمْرَةِ الْمَدِينَةِ وَإِمْرَةِ مَكَّةَ،

  379. التاريخ 2470لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ قِيلَ: وَفِي سنة ثلاث ومائة أَغَارَتِ التُّرْكُ عَلَى اللَّانِ، وَفِيهَا غَزَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الرُّومَ، فَفَتَحَ مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا دَلْسَةَ. وَفِيهَا وُلِّيَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ الطَّائِفَ، وَعُزِلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَنْهُ وَعَنْ مَكَّةَ.

  380. التاريخ 2471لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَكَانَ عَامِلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ: عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ: الْحَرَشِيُّ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى. وَكَانَ عَلَى الطَّائِفِ عَبْدُ الْوَاحِدِ الْبَصَرِيُّ،

  381. التاريخ 2472لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ في سنة ثلاث ومائة: يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَدَنِيُّ يَزِيدُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ أَبُو الْعَلَاءِ الْمَدَنِيُّ  . عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ الْهِلَالِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاصُّ الْمَدَنِيُّ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ الْهِلَالِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاصُّ الْمَدَنِيُّ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ، وَهُوَ أَخُو سُلَيْمَانَ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ تَابِعِيٌّ. وَرَوَى هَذَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَوَثَّقَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: تُوفِيَ قَبْلَ الْمِائَةِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ الْمَكِّيُّ مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ الْمَكِّيُّ ، أَبُو الْحَجَّاجِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ  مَوْلَى السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ، كَانَ مِنْ أَخِصَّاءِ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالتَّفْسِيرِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُرِيدُ بِالْعِلْمِ وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَخَذَ ابْنُ عُمَرَ بِرِكَابِي وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ابْنِي سَالِمًا وَغُلَامِي نَافِعًا يَحْفَظَانِ حِفْظَكَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَرَضَ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثِينَ مَرَّةً. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مَرَّتَيْنِ، أَقِفُهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ، وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا. مَاتَ مُجَاهِدٌ وَهُوَ سَاجِدٌ، سَنَةَ مِائَةٍ. وَقِيلَ: إِحْدَى - وَقِيلَ: ثِنْتَيْنِ. وَقِيلَ: ثَلَاثٍ - وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ. وَقَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ  تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ جَلِيلُ الْقَدْرِ. مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ كَانَ يُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ لِصَلَاحِهِ، كَانَ تَابِعِيًّا جَلِيلَ الْقَدْرِ، مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.. يَزِيدُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنُ نُمَيْرٍ السَّكُونِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ الْحُصَيْنِ بْنُ نُمَيْرٍ السَّكُونِيُّ، عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَفِيهَا تُوُفِّيَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَهِيَ ابْنَةُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ الْأَسَدِيُّ الْمِنْقَرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ الْأَسَدِيُّ الْمِنْقَرِيُّ. عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيُّ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيُّ، وَكَانَ عَامِلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى الْجَزِيرَةِ. جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، أَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، أَبُو الشَّعْثَاءِ  : كَانَ مُفْتِي الْبَصْرَةِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَوْ نَزَلَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ عِنْدَ قَوْلِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ لَأَوْسَعَهُمْ عَمَّا فِي كِتَابِ اللَّهِ عِلْمًا. وَقَالَ جَابِرٌ فِي مَرَضِهِ: أَشْتَهِي نَظْرَةً مِنَ الْحَسَنِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فِي اللَّيْلِ وَكَانَ مُخْتَفِيًا. خَالِدُ بْنُ مِعْدَانَ [وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. خَالِدُ بْنُ مِعْدَانَ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُلَاعِيُّ: أَسْنَدَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٍ، وَعُبَادَةَ، وَأَبِي ذَرٍّ، وَغَيْرِهِمْ. وَتُوُفِّيَ فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ. عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ إِذَا عَظُمَتْ حَلْقَتُهُ قَامَ فَانْصَرَفَ، قِيلَ لِصَفْوَانَ: وَلِمَ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَ: كَانَ يَكْرَهُ الشُّهْرَةَ. أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، أَبُو بُرْدَةَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ بَعْدَ شُرَيْحٍ، وَبِهَا تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: . عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ، أَخُو سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: رَوَى عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي أَيُّوبَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: خَرَجَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ حَاجَّيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُمَا أَصْحَابٌ لَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْأَبْوَاءِ نَزَلُوا مَنْزِلًا، فَانْطَلَقَ سُلَيْمَانُ وَأَصْحَابُهُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِمْ وَبَقِيَ عَطَاءٌ قَائِمًا فِي الْمَنْزِلِ يُصَلِّي. قَالَ: فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ جَمِيلَةٌ، فَلَمَّا رَآهَا عَطَاءٌ ظَنَّ أَنَّ لَهَا حَاجَةً، فَأَوْجَزَ فِي صِلَاتِهِ  ثُمَّ قَالَ: أَلَكِ حَاجَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَتْ: قُمْ فَأَصِبْ مِنِّي فَإِنِّي قَدْ وَدِقْتُ وَلَا بَعْلَ لِي، قَالَ: إِلَيْكِ عَنِّي [لَا تَحْرِقِينِي وَنَفْسَكِ بِالنَّارِ. وَنَظَرَ إِلَى امْرَأَةٍ جَمِيلَةٍ فَجَعَلَتْ تُرَاوِدُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَأْبَى إِلَّا مَا يُرِيدُ. قَالَ: فَجَعَلَ عَطَاءٌ يَبْكِي وَيَقُولُ: وَيْحَكِ إِلَيْكِ عَنِّي]. قَالَ: وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ، فَلَمَّا نَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِ وَمَا دَخَلَهُ مِنَ الْبُكَاءِ وَالْجَزَعِ بَكَتِ الْمَرْأَةُ لِبُكَائِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ يَبْكِي وَالْمَرْأَةُ تَبْكِي بَيْنَ يَدَيْهِ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ سُلَيْمَانُ مَنْ حَاجَتِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَطَاءٍ يَبْكِي وَالْمَرْأَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ تَبْكِي جَلَسَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ يَبْكِي لِبُكَائِهِمَا وَلَا يَدْرِي مَا أَبْكَاهُمَا، وَجَعَلَ أَصْحَابُهُمَا يَأْتُونَ رَجُلًا رَجُلًا كُلَّمَا أَتَى رَجُلٌ فَرَآهُمْ يَبْكُونَ جَلَسَ فَبَكَى لِبُكَائِهِمْ لَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى كَثُرَ الْبُكَاءُ وَعَلَا الصَّوْتُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَرْأَةُ الْأَعْرَابِيَّةُ ذَلِكَ قَامَتْ فَخَرَجَتْ. قَالَ: فَقَامَ الْقَوْمُ فَدَخَلُوا، فَلَبِثَ سُلَيْمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يَسْأَلُ أَخَاهُ عَنْ قِصَّةِ الْمَرْأَةِ إِجْلَالًا لَهُ وَهَيْبَةً. قَالَ: وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُمَا قَدِمَا مُضَرَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِمَا فَلَبِثَا بِهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَبَيْنَا عَطَاءٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ نَائِمٌ إِذِ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَخِي؟ قَالَ: رُؤْيَا رَأَيْتُهَا اللَّيْلَةَ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا تُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا مَا دُمْتُ حَيًّا، رَأَيْتُ يُوسُفَ النَّبِيَّ ﷺ فِي النَّوْمِ، فَجِئْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ فِيمَنْ يَنْظُرُ، فَلَمَّا نَظَرْتُ حُسْنَهُ بَكَيْتُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّيٌّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، ذَكَرْتُكَ وَامْرَأَةَ الْعَزِيزِ وَمَا ابْتُلِيتَ بِهِ مِنْ أَمْرِهَا، وَمَا لَقِيتَ مِنَ السِّجْنِ وَفُرْقَةِ يَعْقُوبَ، فَبَكَيْتُ مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْهُ، قَالَ: فَهَلَّا تَعَجَّبْتَ مِنْ صَاحِبِ الْمَرْأَةِ الْبَدَوِيَّةِ بِالْأَبْوَاءِ، فَعَرَفْتُ الَّذِي أَرَادَ، فَبَكَيْتُ فَاسْتَيْقَظْتُ بَاكِيًا قَالَ: سُلَيْمَانُ: يَا أَخِي وَمَا حَالُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ عَطَاءٌ الْقِصَّةَ، فَمَا أَخْبَرَ بِهَا سُلَيْمَانُ أَحَدًا حَتَّى مَاتَ عَطَاءٌ، فَحَدَّثَ بِهَا بَعْدَهُ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِهِ، وَشَاعَ الْحَدِيثُ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مَوْتِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ. وَقَدْ رُوِيَتْ لَنَا هَذِهِ الْقِصَّةُ عَنْ سُلَيْمَانَ أَنَّهَا جَرَتْ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَتُوُفِّيَ عَطَاءٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ [وَتِسْعِينَ]. يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ عَمْرِو بْنُ عُدُسٍ: وَأُمُّهُ بَرْزَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ، أُخْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ. رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ يَنْزِلُ الرِّقَّةَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

  382. التاريخ 2473لا حكم مسجّل

    الْوَقْعَةِ بَيْنَ الْحَرَشِيِّ وَالصُّغْدِ   قِيلَ: وَفِي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ غَزَا الْحَرَشِيُّ فَقَطَعَ النَّهْرَ، وَسَارَ، فَنَزَلَ فِي قَصْرِ الرِّيحِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الدَّبُّوسِيَّةِ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ إِلَيْهِ جُنْدُهُ، فَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ، ( فَقَالَ لَهُ هِلَالُ بْنُ عَلِيمٍ الْحَنْظَلِيُّ: يَا هَنَاهْ، إِنَّكَ وَزِيرًا خَيْرٌ مِنْكَ أَمِيرًا، لَمْ يَجْتَمِعْ إِلَيْكَ جُنْدُكَ وَقَدْ أَمَرْتَ بِالرَّحِيلِ ). فَعَادَ فَأَمَرَ بِالنُّزُولِ، وَأَتَاهُ ابْنُ عَمِّ مَلِكَ فَرْغَانَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الصُّغْدِ بِخُجَنْدَةَ، وَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِمْ، وَقَالَ: عَاجِلْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الشِّعْبِ، فَلَيْسَ لَهُمْ جِوَارٌ عَلَيْنَا حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ. فَوَجَّهَ مَعَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيَّ، وَزِيَادَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَمَا فَصَلُوا، وَقَالَ: جَاءَنِي عِلْجٌ لَا أَعْلَمُ أَصَدَقَ أَمْ كَذِبَ، فَغَرَّرْتُ بِجُنْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَارْتَحَلَ فِي أَثَرِهِمْ حَتَّى نَزَلَ أَشْرُوسَنَةَ فَصَالَحَهُمْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ. فَبَيْنَا هُوَ يَتَعَشَّى إِذْ قِيلَ لَهُ هَذَا عَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ، وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَقَطَتِ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِهِ، وَدَعَا بِعَطَاءٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ قَاتَلْتُمْ أَحَدًا ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لِلَّهِ الْحَمْدُ ! وَتَعَشَّى وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَدِمَ لَهُ، فَسَارَ مُسْرِعًا حَتَّى لَحِقَ الْقُشَيْرِيَّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَسَارَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى خُجَنْدَةَ، قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَرَى الْمُعَاجَلَةَ. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، إِنْ جُرِحَ رَجُلٌ فَإِلَى أَيْنَ يَرْجِعُ، أَوْ قُتِلَ قَتِيلٌ فَإِلَى مَنْ يُحْمَلْ ؟ وَلَكِنِّي أَرَى النُّزُولَ وَالتَّأَنِّي وَالِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ. فَنَزَلَ فَأَخَذَ فِي التَّأَهُّبِ، فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَجَبَّنَ النَّاسُ الْحُرَشِيَّ وَقَالُوا: كَانَ يُذْكَرُ بِشَجَاعَةٍ وَدِيَانَةٍ، فَلَمَّا صَارَ بِخُرَاسَانَ مَاقَ. فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فَضَرَبَ بَابَ خُجَنْدَةَ بِعَمُودٍ فَفَتَحَ الْبَابَ، وَكَانُوا حَفَرُوا فِي رِبْضِهِمْ وَرَاءَ الْبَابِ الْخَارِجِ خَنْدَقًا وَغَطَّوْهُ بِقَصَبٍ وَتُرَابٍ مَكِيدَةً، وَأَرَادُوا إِذَا الْتَقَوْا إِنِ انْهَزَمُوا كَانُوا قَدْ عَرَفُوا الطَّرِيقَ، وَيُشْكِلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَسْقُطُونَ فِي الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمُوا، وَأَخْطَأَهُمُ الطَّرِيقُ فَسَقَطُوا فِي الْخَنْدَقِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا. وَحَصَرَهُمُ الْحَرَشِيُّ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ. فَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ فَرْغَانَةَ: إِنَّكَ غَدَرْتَ بِنَا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَنْصُرَهُمْ، فَقَالَ: قَدْ أَتَوْكُمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَلَسْتُمْ فِي جِوَارِي. فَطَلَبُوا الصُّلْحَ وَسَأَلُوا الْأَمَانَ وَأَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الصُّغْدِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَنْ يُؤَدُّوا مَا كَسَرُوا مِنَ الْخَرَاجِ، وَلَا يَغْتَالُوا أَحَدًا، وَلَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ بِخُجَنْدَةَ أَحَدٌ، فَإِنْ أَحْدَثُوا حَدَثًا حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُلُوكُ وَالتُّجَّارُ مِنَ الصُّغْدِ، وَتَرَكَ أَهْلَ خُجَنْدَةَ عَلَى حَالِهِمْ، وَنَزَلَ عُظَمَاءُ الصُّغْدِ عَلَى الْجُنْدِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُمْ، وَنَزَلَ كَارَزَنْجُ عَلَى أَيُّوبَ بْنِ أَبِي حَسَّانَ. وَبَلَغَ الْحَرَشِيُّ أَنَّهُمْ قَتَلُوا امْرَأَةً مِمَّنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ثَابِتًا قَتْلَ امْرَأَةً وَدَفَنَهَا، فَجَحَدَ، فَسَأَلَ فَإِذَا الْخَبَرُ صَحِيحٌ، فَدَعَا بِثَابِتٍ إِلَى خَيْمَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ كَارَزَنْجُ بِقَتْلِهِ خَافَ أَنْ يُقْتَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ لِيَأْتِيَهُ بِسَرَاوِيلَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ: إِذَا طَلَبْتُ سَرَاوِيلَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْقَتْلُ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، وَخَرَجَ، وَاعْتَرَضَ النَّاسَ، فَقَتَلَ نَاسًا، وَتَضَعْضَعَ الْعَسْكَرُ، وَلَقُوا مِنْهُ شَرًّا، وَانْتَهَى إِلَى ثَابِتِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَتَلَهُ ثَابِتٌ. وَقَتَلَ الصُّغْدُ أَسْرَى عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَأُخْبِرَ الْحَرَشِيُّ بِذَلِكَ، فَسَأَلَ، فَرَأَى الْخَبَرَ صَحِيحًا، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَعَزْلِ التُّجَّارِ عَنْهُمْ، فَقَاتَلَهُمُ الصُّغْدُ بِالْخَشَبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِلَاحٌ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَقِيلَ: سَبْعَةَ آلَافٍ، وَاصْطَفَى أَمْوَالَ الصُّغْدِ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَخَذَ مِنْهَا مَا أَعْجَبَهُ، ثُمَّ دَعَا مُسْلِمَ بْنَ بُدَيْلٍ الْعَدَوِيَّ عَدِيٌّ الرَّبَابُ، وَقَالَ: وَلَّيْتُكَ الْمَقْسَمَ. فَقَالَ: بَعْدَمَا عَمِلَ فِيهِ عُمَّالُكَ لَيْلَةً ! وَلِّهِ غَيْرِي، فَوَلَّاهُ غَيْرَهُ. وَكَتَبَ الْحَرَشِيُّ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَمْ يَكْتُبْ إِلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا أَوْغَرَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ يَذْكُرُ مَا أَصَابُوا مِنْ عُظَمَائِهِمْ: أَقَرَّ الْعَيْنَ مَصْرَعُ كَارَزَنْجٍ وَكَشْكِيرٍ وَمَا لَاقَى يُبَادُ     وَدَيْوَشْتَى وَمَا لَاقَى خَلَنْجٌ بِحِصْنِ خُجَنْدَ إِذْ دَمَرُوا فَبَادُوا يُقَالُ: إِنَّ دَيْوَشْتَى دِهْقَانُ سَمَرْقَنْدَ، وَاسْمُهُ دَيْوَ أَشْنَجِ فَأَعْرَبُوهُ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى أَقْبَاضِ خُجَنْدَةَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، فَاشْتَرَى رَجُلٌ مِنْهُمْ جُونَةً بِدِرْهَمَيْنِ، فَوَجَدَ فِيهَا سَبَائِكَ ذَهَبٍ، فَرَجَعَ وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ رَمِدَ، فَرَدَّ الْجُونَةَ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَطُلِبَ فَلَمْ يُعْرَفْ. وَسَرَّحَ الْحَرَشِيُّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي السَّرِيِّ إِلَى حِصْنٍ يُطِيفُ بِهِ وَادِي الصُّغْدِ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَمَعَهُ خُوَارَزْمُشَاهْ، وَصَاحِبُ آخْرُونَ، وَشُومَانَ، فَسَيَّرَ سُلَيْمَانُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْمُسَيَّبَ بْنَ بِشْرٍ الرِّيَاحِيَّ، فَتَلْقَوْهُ عَلَى فَرْسَخٍ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ فَحَصَرَهُمْ، فَطَلَبَ الدَّيْوَشْتَى أَنْ يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ الْحَرَشِيِّ، فَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ، وَطَلَبَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ الصُّلْحَ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَيُسَلِّمُونَ الْقَلْعَةَ. فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْحَرَشِيِّ لِيَبْعَثَ الْأُمَنَاءَ لِقَبْضِ مَا فِي الْقَلْعَةِ، فَبَعَثَ مَنْ قَبَضَهُ وَبَاعُوهُ وَقَسَّمُوهُ. وَسَارَ الْحَرَشِيُّ إِلَى كَشَّ، وَصَالَحُوهُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ رَأْسٍ، وَقِيلَ سِتَّةِ آلَافِ رَأْسٍ. وَسَارَ إِلَى زَرَنْجَ، فَوَافَاهُ كِتَابُ ابْنِ هُبَيْرَةَ بِإِطْلَاقِ دَيْوَشْتَى، فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، وَوَلَّى نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ قَبْضَ صُلْحِ كَشَّ، وَاسْتَعْمَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي السَّرِيِّ عَلَى كَشَّ وَنَسَفَ حَرْبِهَا وَخَرَاجِهَا. وَكَانَتْ خَزَائِنَ مَنِيعَةً، فَقَالَ الْمُجَشِّرِ لِلْحَرَشِيِّ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ يَفْتَحُهَا لَكَ بِغَيْرِ قِتَالٍ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: الْمُسَرْبَلُ بْنُ الْخِرِّيتِ بْنِ رَاشِدٍ النَّاجِي، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ صَدِيقًا لِمَلِكِهَا، وَاسْمُ الْمَلِكِ سُبُقْرَى، فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ بِمَا صَنَعَ الْحَرَشِيُّ بِأَهْلِ خُجَنْدَةَ وَخَوَّفَهُ، قَالَ: فَمَا تَرَى ؟ قَالَ: أَنْ تَنْزِلَ بِأَمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ بِمَنْ لَحِقَ بِي ؟ قَالَ: تَجْعَلُهُمْ فِي أَمَانِكَ، فَصَالَحَهُمْ فَآمَنُوهُ وَبِلَادَهُ، وَرَجَعَ الْحَرَشِيُّ إِلَى بِلَادِهِ وَمَعَهُ سُبُقْرَى، فَقُتِلَ سُبُقْرَى وَصُلِبَ وَمَعَهُ الْأَمَانُ.

  383. التاريخ 2474لا حكم مسجّل

    ظَفَرِ الْخَزَرِ بِالْمُسْلِمِينَ   وفِي سنة أربع ومائة دَخَلَ جَيْشٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِلَادَ الْخَزَرِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ وَعَلَيْهِمْ ثُبَيْتٌ النَّهْرَانِيُّ، فَاجْتَمَعَتِ الْخَزَرُ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ وَأَعَانَهُمْ قُفْجَاقٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ التُّرْكِ، فَلَقُوا الْمُسْلِمِينَ فِي مَكَانٍ يُعْرَفُ بِمَرْجِ الْحِجَارَةِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَاحْتَوَتِ الْخَزَرُ عَلَى عَسْكَرِهِمْ، وَغَنِمُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَأَقْبَلَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى الشَّامِ فَقَدِمُوا عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَفِيهِمْ ثُبَيْتٌ، فَوَبَّخَهُمْ يَزِيدُ عَلَى الْهَزِيمَةِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا جَبُنْتُ وَلَا نَكَبْتُ عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ لَصَقْتُ الْخَيْلَ بِالْخَيْلِ وَالرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَلَقَدْ طَاعَنْتُ حَتَّى انْقَصَفَ رُمْحِي، وَضَارَبْتُ حَتَّى انْقَطَعَ سَيْفِي، غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.

  384. التاريخ 2475لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ الْجَرَّاحِ أَرْمِينِيَّةَ وَفَتْحِ بَلَنْجَرَ وَغَيْرِهَا   لَمَّا تَمَّتِ الْهَزِيمَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَمِعَ الْخَزَرُ فِي الْبِلَادِ، فَجَمَعُوا وَحَشَدُوا، وَاسْتَعْمَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ حِينَئِذٍ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، وَأَمْرَهُ بِغَزْوِ الْخَزَرِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَبِقَصْدِ بِلَادِهِ. فَسَارَ الْجَرَّاحُ، وَتَسَامَعَ الْخَزَرِيَّةُ، فَعَادُوا حَتَّى نَزَلُوا بِالْبَابِ وَالْأَبْوَابِ، وَوَصَلَ الْجَرَّاحُ إِلَى بَرْذَعَةَ، فَأَقَامَ حَتَّى اسْتَرَاحَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْخَزَرِ، فَعَبَرَ نَهْرَ الْكَرِّ، فَسَمِعَ بِأَنَّ بَعْضَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْجِبَالِ قَدْ كَاتَبَ مَلِكَ الْخَزَرِ يُخْبِرُهُ بِمُسَيَّرِ الْجَرَّاحِ إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ الْجَرَّاحُ مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّ الْأَمِيرَ مُقِيمٌ هَاهُنَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ الْمِيرَةِ ; فَكَتَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى مَلِكِ الْخَزَرِ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْجَرَّاحَ مُقِيمٌ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْحَرَكَةِ لِئَلَّا يَطْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَ الْجَرَّاحُ بِالرَّحِيلِ، فَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَدِينَةِ الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ، فَلَمْ يَرَ الْخَزَرَ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ فَبَثَّ سَرَايَاهُ فِي النَّهْبِ وَالْغَارَةِ عَلَى مَا يُجَاوِرُهُ، فَغَنِمُوا وَعَادُوا مِنَ الْغَدِ، وَسَارَ الْخَزَرُ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ ابْنُ مَلِكِهِمْ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ نَهْرِ الرَّانِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَرَّضَ الْجَرَّاحُ أَصْحَابَهُ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَظَفِرُوا بِالْخَزَرِ وَهَزَمُوهُمْ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حِصْنٍ يُعْرَفُ بِالْحُصَيْنِ، فَنَزَلَ أَهْلُهُ بِالْأَمَانِ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُونَهُ، فَأَجَابَهُمْ وَنَقَلَهُمْ عَنْهَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا يَرْغُوَا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ مُجِدٌّ فِي قِتَالِهِمْ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَآمَنَهُمْ وَتَسَلَّمَ حِصْنَهُمْ وَنَقَلَهُمْ مِنْهُ. ثُمَّ سَارَ الْجَرَّاحُ إِلَى بَلَنْجَرَ، وَهُوَ حِصْنٌ مَشْهُورٌ مِنْ حُصُونِهِمْ، فَنَازَلَهُ، وَكَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ قَدْ جَمَعُوا ثَلَاثَمِائَةِ عَجَلَةٍ، فَشَدُّوا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَجَعَلُوهَا بِحَوْلِ حِصْنِهِمْ لِيَحْتَمُوا بِهَا، وَتَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْحِصْنِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْعَجَلُ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمْ. فَلَمَّا رَأَوُا الضَّرَرَ الَّذِي عَلَيْهِمْ مِنْهَا انْتَدَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ نَحْوَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْمَوْتِ، وَكَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَتَقَدَّمُوا نَحْوَ الْعَجَلِ، وَجَدَّ الْكُفَّارُ فِي قِتَالِهِمْ، وَرَمَوْا مِنَ النُّشَّابِ مَا كَانَ يَحْجُبُ الشَّمْسَ، فَلَمْ يَرْجِعْ أُولَئِكَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْعَجَلِ، وَتَعَلَّقُوا بِبَعْضِهَا، وَقَطَعُوا الْحَبْلَ الَّذِي يُمْسِكُهَا، وَجَذَبُوهَا فَانْحَدَرَتْ، وَتَبِعَهَا سَائِرُ الْعَجَلِ، لِأَنَّ بَعْضَهَا كَانَ مَشْدُودًا إِلَى بَعْضٍ، وَانْحَدَرَ الْجَمِيعُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْجَمِيعِ حَتَّى بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. ثُمَّ إِنَّ الْخَزَرَ انْهَزَمُوا وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ عَنْوَةً وَغَنِمُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَصَابَ الْفَارِسُ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. ثُمَّ إِنَّ الْجَرَّاحَ أَخَذَ أَوْلَادَ صَاحِبِ بَلَنْجَرَ وَأَهْلَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ، وَرَدَّ إِلَيْهِ أَمْوَالَهُ وَأَهْلَهُ وَحِصْنَهُ، وَجَعَلَهُ عَيْنًا لَهُمْ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ. ثُمَّ سَارَ عَنْ بَلَنْجَرَ فَنَزَلَ عَلَى حِصْنِ الْوَبَنْدَرِ، وَبِهِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنَ التُّرْكِ، فَصَالَحُوا الْجَرَّاحَ عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ. ثُمَّ إِنْ أَهْلَ تِلْكَ الْبِلَادِ تَجَمَّعُوا وَأَخَذُوا الطُّرُقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبَ صَاحِبُ بَلَنْجَرَ إِلَى الْجَرَّاحِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ. فَعَادَ مُجِدًّا حَتَّى وَصَلَ إِلَى رُسْتَاقِ مَلَّى، وَأَدْرَكَهُمُ الشِّتَاءُ، فَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، وَكَتَبَ الْجَرَّاحُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَبِمَا اجْتَمَعَ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسْأَلُهُ الْمَدَدَ. فَوَعَدَهُ إِنْفَاذَ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَهُ أَجْلُهُ قَبْلَ إِنْفَاذِ الْجَيْشِ، فَأَرْسَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْجَرَّاحِ، فَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَوَعَدَهُ الْمَدَدَ.

  385. التاريخ 2476لا حكم مسجّل

    عَزْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ   وَذَلِكَ لِلنِّصْفِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ سِنِينَ وَفِي سنة أربع ومائة عَزَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الضَّحَّاكِ عَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَيْهِمَا ثَلَاثَ سِنِينَ، وَوَلَّى عَبْدَ الْوَاحِدِ النَّضْرِيَّ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ خَطَبَ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: مَا أُرِيدُ النِّكَاحَ وَلَقَدْ قَعَدْتُ عَلَى بَنِيَّ هَؤُلَاءِ. فَأَلَحَّ عَلَيْهَا وَقَالَ: لَئِنْ لَمْ تَفْعَلِي لَأَجْلِدَنَّ أَكْبَرَ بَنِيكِ فِي الْخَمْرِ، يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَلَى الدِّيوَانِ بِالْمَدِينَةِ ابْنُ هُرْمُزَ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَقَدْ رَفَعَ حِسَابَهُ وَيُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى يَزِيدَ، فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ يُوَدِّعُهَا [ فَقَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ ؟ ] فَقَالَتْ: تُخْبِرُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَلْقَى مِنِ ابْنِ الضَّحَّاكِ، وَمَا يَتَعَرَّضُ مِنِّي، وَبَعَثَتْ رَسُولًا بِكِتَابٍ إِلَى يَزِيدَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ. وَقَدِمَ ابْنُ هُرْمُزَ عَلَى يَزِيدَ، فَاسْتَخْبَرَهُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَقَالَ: هَلْ مِنْ مَغْرَبَةِ خَبَرٍ ؟ فَلَمْ يَذْكُرْ شَأْنَ فَاطِمَةَ. فَقَالَ الْحَاجِبُ لِيَزِيدَ: بِالْبَابِ رَسُولٌ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ. فَقَالَ ابْنُ هُرْمُزَ: إِنَّهَا حَمَّلَتْنِي رِسَالَةً. وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ. فَنَزَلَ مِنْ فِرَاشِهِ، وَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ ! عِنْدَكَ هَذَا وَلَا تُخْبِرُنِيهِ ؟ فَاعْتَذَرَ بِالنِّسْيَانِ، وَأَذِنَ لِرَسُولِهَا فَأَدْخَلَهُ، وَأَخَذَ الْكِتَابَ، فَقَرَأَهُ، وَجَعَلَ يَضْرِبُ بِخَيْزُرَانٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: لَقَدِ اجْتَرَأَ ابْنُ الضَّحَّاكِ، هَلْ مِنْ رَجُلٍ يُسْمُعُنِي صَوْتَهُ فِي الْعَذَابِ ؟ قِيلَ لَهُ: عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ. فَكَتَبَ بِيَدِهِ إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ: قَدْ وَلَّيْتُكَ الْمَدِينَةَ، فَاهْبِطْ إِلَيْهَا، وَاعْزِلْ عَنْهَا ابْنَ الضَّحَّاكِ، وَأَغْرِمْهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَذِّبْهُ حَتَّى أَسْمَعَ صَوْتَهُ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِي. وَسَارَ الْبَرِيدُ بِالْكِتَابِ، وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى ابْنِ الضَّحَّاكِ، فَأُخْبِرَ ابْنُ الضَّحَّاكِ، فَأَحْضَرَ الْبَرِيدَ، وَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَهُ، فَأَخْبَرَهُ، فَسَارَ ابْنُ الضَّحَّاكِ مُجِدًّا، فَنَزَلَ عَلَى مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْتَجَارَهُ، فَحَضَرَ مَسْلَمَةُ عِنْدَ يَزِيدَ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ حَاجَةَ خَالِهِ، فَقَالَ: كُلُّ حَاجَةٍ فَهِيَ لَكَ إِلَّا ابْنَ الضَّحَّاكِ. فَقَالَ: هِيَ وَاللَّهِ ابْنُ الضَّحَّاكِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعْفِيهِ أَبَدًا. وَرَدَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى عَبْدِ الْوَاحِدِ، فَعَذَّبَهُ وَلَقِيَ شَرًّا، ثُمَّ لَبِسَ جُبَّةَ صُوفٍ يَسْأَلُ النَّاسَ. وَكَانَ قُدُومُ النَّضْرِيِّ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ. وَكَانَ ابْنُ الضَّحَّاكِ قَدْ آذَى الْأَنْصَارَ طُرًّا، فَهَجَاهُ الشُّعَرَاءُ وَذَمَّهُ الصَّالِحُونَ، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِرَأْيٍ سَدِيدٍ ; وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ الْعُلَمَاءَ إِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَمْرٌ، فَلَمْ يَقْبَلْ وَلَمْ يَفْعَلْ، فَأَبْغَضَهُ النَّاسُ، وَذَمَّهُ الشُّعَرَاءُ، ثُمَّ كَانَ هَذَا آخِرَ أَمْرِهِ. وَلَمَّا وَلِيَهُمُ النَّضْرِيُّ أَحْسَنَ السِّيرَةَ فَأَحَبُّوهُ، وَكَانَ خَيِّرًا يَسْتَشِيرُ فِيمَا يُرِيدُ فِعْلَهُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

  386. التاريخ 2477لا حكم مسجّل

    وِلَادَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ السَّفَّاحِ   وَقِيلَ: وَفِيهَا وُلِدَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَهُوَ السَّفَّاحُ، وَوَصَلَ إِلَى أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ مِنْ خُرَاسَانَ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمْ أَبَا الْعَبَّاسِ فِي خِرْقَةٍ، وَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقَالَ لَهُمْ: هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَتِمُّ الْأَمْرُ عَلَى يَدِهِ فَقَبَّلُوا أَطْرَافَهُ، وَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى تُدْرِكُوا ثَأْرَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ. وهو أَوَّلُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ  وَقَدْ بَايَعَ أَبَاهُ فِي الْبَاطِنِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ.

  387. التاريخ 2478لا حكم مسجّل

    عَزْلِ سَعِيدٍ الْحَرَشِيِّ   وَفِي سنة أربع ومائة عَزَلَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ الْكِلَابِيَّ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا كَانَ كَتَبَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى الْحَرَشِيِّ بِإِطْلَاقِ الدَّيْوَشْتَى، فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَسْتَخِفُّ بِابْنِ هُبَيْرَةَ وَيَذْكُرُهُ بِأَبِي الْمُثَنَّى، [ وَلَا يَقُولُ الْأَمِيرُ ] فَيَقُولُ: [ قَالَ ] أَبُو الْمُثَنَّى، ( وَفَعَلَ أَبُو الْمُثَنَّى، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَأَرْسَلَ جَمِيلَ بْنَ عِمْرَانَ ; لِيَعْلَمَ حَالَ الْحَرَشِيِّ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يَنْظُرُ فِي الدَّوَاوِينِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى الْحَرَشِيِّ، قَالَ: كَيْفَ أَبُو الْمُثَنَّى ) ؟ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ جَمِيلًا لَمْ يَقْدَمْ إِلَّا لِيَعْلَمَ عِلْمَكَ. فَسَمَّ بَطِّيخَةً وَبَعَثَ بِهَا إِلَيْهِ، فَأَكَلَهَا، وَمَرِضَ، وَسَقَطَ شَعْرُهُ، وَرَجَعَ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ، وَقَدْ عُولِجَ، فَصَحَّ، فَقَالَ لَهُ: الْأَمْرُ أَعْظَمُ مِمَّا بَلَغَكَ، مَا يَرَى الْحَرَشِيُّ إِلَّا أَنَّكَ عَامِلٌ لَهُ، فَغَضِبَ وَعَزَلَهُ، وَنَفْحَ فِي بَطْنِهِ النَّمْلَ، وَعَذَّبَهُ حَتَّى أَدَّى الْأَمْوَالَ. وَسَمَرَ لَيْلَةً ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ: مَنْ سَيِّدُ قَيْسٍ ؟ فَقَالُوا: الْأَمِيرُ. قَالَ: دَعُوا هَذَا: سَيِّدُ قَيْسٍ: الْكَوْثَرُ بْنُ زُفَرَ، لَوْ ثَوَّرَ بِلَيْلٍ لَوَافَاهُ عِشْرُونَ أَلْفًا لَا يَقُولُونَ لِمَ دَعَوْتَنَا، وَفَارِسُهَا هَذَا الْحِمَارُ الَّذِي فِي الْحَبْسِ، وَقَدْ أَمَرْتُ بِقَتْلِهِ، يَعْنِي الْحَرَشِيَّ، فَأَمَّا خَيْرُ قَيْسٍ لَهَا فَعَسَى أَنْ أَكُونَهُ. فَقَالَ لَهُ أَعْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ: لَوْ كُنْتَ كَمَا تَقُولُ مَا أَمَرْتَ بِقَتْلِ فَارِسِهَا. فَأَرْسَلَ إِلَى مَعْقِلِ بْنِ عُرْوَةَ أَنْ كُفَّ عَنْ قَتْلِهِ، وَكَانَ قَدْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، ( وَكَانَ ابْنُ هُبَيْرَةَ لَمَّا وَلَّى مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدٍ خُرَاسَانَ أَمَرَهُ بِأَخْذِ الْحَرَشِيِّ وَتَقْيِيدِهِ ) وَإِنْفَاذِهِ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ مُسْلِمٌ دَارَ الْإِمَارَةِ، فَرَأَى الْبَابَ مُغْلَقًا، فَقِيلَ لِلْحَرَشِيِّ: قَدِمَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: أَقَدِمْتَ أَمِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ زَائِرًا ؟ فَقَالَ: مِثْلِي لَا يَقْدَمُ زَائِرًا وَلَا وَزِيرًا. فَأَتَاهُ الْحَرَشِيُّ فَشَتَمَهُ وَقَيَّدَهُ وَأَمَّرَ بِحَبْسِهِ، ثُمَّ أَمَرَ صَاحِبَ الْحَبْسِ أَنْ يَزِيدَهُ قَيْدًا، فَأُخْبِرَ الْحَرَشِيُّ بِذَلِكَ، فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: اكْتُبْ إِلَيْهِ إِنَّ صَاحِبَ سِجْنِكَ ذَكَرَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَزِيدَنِي قَيْدًا، فَإِنْ كَانَ أَمْرًا فَوْقَكَ فَسَمْعًا وَطَاعَةً، وَإِنْ كَانَ رَأْيًا رَأَيْتَهُ فَسَيْرُكَ الْحَقْحَقَةِ ! وَهِيَ أَشَدُّ السِّيَرِ، وَتَمَثَّلَ: فَإِمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي وَمَنْ يُثَقَفْ فَلَيْسَ لَهُ خُلُودُ     هُمُ الْأَعْدَاءُ إِنْ شَهِدُوا وَغَابُوا أُولُوا الْأَحْقَادِ وَالْأَكْبَادُ سُودُ فَلَمَّا هَرَبَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الْعِرَاقِ أَرْسَلَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ فِي طَلَبِ الْحَرَشِيِّ، فَأَدْرَكَهُ عَلَى الْفُرَاتِ، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ بِي ؟ قَالَ: ظَنِّي بِكَ أَنَّكَ لَا تَدْفَعُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِكَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَيْسٍ. فَقَالَ: هُوَ ذَاكَ.

  388. التاريخ 2479لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ في سنة أربع ومائة عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّضْرِيُّ. وَكَانَ هُوَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ [ وَالْمَدِينَةِ ] وَالطَّائِفِ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ: عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْكِنْدِيُّ. وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى.

  389. التاريخ 2480لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سَّنَةِ أربع ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ حَيَّانُ بْنُ شُرَيْحٍ حَيَّانُ بْنُ شُرَيْحٍ  : كَانَ صَاحِبَ خَرَاجِ مِصْرَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَ عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُنَادَةَ، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشِ بْنِ جَحْشِ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشِ بْنِ جَحْشِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِجَادٍ الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ: رَوَى عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي بَكْرَةَ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. حَدَّثَ عَنْهُ الشَّعْبِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا. عن صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: رِبْعِيُّ بْنُ خِرَاشٍ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ. وَيُقَالُ إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ كَذْبَةً قَطُّ. كَانَ لَهُ ابْنَانِ عَاصِيَانِ فِي زَمَنِ الْحَجَّاجِ، فَقِيلَ لِلْحَجَّاجِ: إِنَّ أَبَاهُمَا لَمْ يَكْذِبْ كُذْبَةً قَطُّ، لَوْ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَسَأَلْتَهُ عَنْهُمَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَيْنَ ابْنَاكَ؟ قَالَ: هُمَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: قَدْ عَفَوْنَا عَنْهُمَا بِصِدْقِكَ. وعَنِ الْحَارِثِ الْغَنَوِيِّ، قَالَ: آلَى رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ أَلَّا تَفْتَرَّ أَسْنَانُهُ ضَاحِكًا حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ مَصِيرُهُ، فَمَا ضَحِكَ إِلَّا عِنْدَ مَوْتِهِ، وَآلَى أَخُوهُ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ بَعْدَهُ أَلَّا يَضْحَكَ حَتَّى يَعْلَمَ أَفِي الْجَنَّةِ هُوَ أَمْ فِي النَّارِ. قَالَ الْحَارِثُ الْغَنَوِيُّ: فَلَقَدْ أَخْبَرَنِي غَاسِلُهُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَبَسِّمًا عَلَى سَرِيرِهِ وَنَحْنُ نَغْسِلُهُ حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهُ. تُوُفِّيَ رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ إِحْدَى. زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْقُرَشِيِّ، وَاسْمُ أَبِي زِيَادٍ مَيْسَرَةُ. وَكَانَ زِيَادٌ عَبْدًا، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَسْتَزِيدُهُ وَيُكْرِمُهُ، وَبَعَثَ إِلَى مَوْلَاهُ لِيَبِيعَهُ إِيَّاهُ، فَأَبَى وَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: كَانَ زِيَادٌ عَابِدًا مُعْتَزِلًا لَا يَزَالُ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيَلْبَسُ الصُّوفَ. عن يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنِّي خَلَّفْتُ زِيَادَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ يُخَاصِمُ نَفْسَهُ فِي الْمَسْجِدِ يَقُولُ: اجْلِسِي، أَيْنَ تُرِيدِينَ أَنْ تَخْرُجِي إِلَى أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ؟ انْظُرِي إِلَى مَا فِيهِ، تُرِيدِينَ أَنْ تَنْظُرِي إِلَى دَارِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ: مَالَكِ مِنَ الطَّعَامِ يَا نَفْسُ إِلَّا هَذَا الْخَبْزَ وَالزَّيْتَ، وَمَالَكِ مِنَ الثِّيَابِ إِلَّا هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ، وَمَالَكِ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا هَذِهِ الْعَجُوزَ، أَتُحِبِّينَ أَنْ تَمُوتِي؟ فَقَالَتْ: أَنَا أَصْبِرُ عَلَى هَذَا الْعَيْشِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيُّ: كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا بِالْفِقْهِ، بَصِيرًا بِالْقَضَاءِ، فَلَمَّا طُلِبَ لِلْقَضَاءِ هَرَبَ وَمَرِضَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا قِلَابَةَ، تَشَدَّدْ وَلَا تُشْمِتْ بِنَا الْمُنَافِقِينَ. وَمَاتَ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عن أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: احْفَظْ عَنِّي ثَلَاثَ خِصَالٍ: إِيَّاكَ وَأَبْوَابَ السُّلْطَانِ، وَمُجَالَسَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَالْزَمْ سُوقَكَ فَإِنَّ الْغِنَى مِنَ الْعَافِيَةِ. وعن عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ بِالْبَصْرَةِ مِنْ بَنِي سَعِيدٍ، وَكَانَ قَائِدًا مِنْ قُوَّادِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَسَقَطَ مِنَ السَّطْحِ فَانْكَسَرَتْ رِجْلَاهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو قِلَابَةَ يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ: أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لَكَ خِيَرَةً، فَقَالَ: يَا أَبَا قِلَابَةَ، وَأَيُّ خِيَرَةٍ فِي كَسْرِ رِجْلَيَّ جَمِيعًا، قَالَ: مَا سَتَرَ اللَّهُ عَنْكَ أَكْثَرَ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ أَنْ يَخْرُجَ فَيُقَاتِلَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ؓ فَقَالَ لِلرَّسُولِ: قَدْ أَصَابَنِي مَا تَرَى، فَمَا كَانَ إِلَّا سَبْعًا حَتَّى وَافَى الْخَبَرُ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا قِلَابَةَ، لَقَدْ صَدَقَ أَنَّهُ كَانَ خِيَرَةً لِي. عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ - وَقِيلَ: عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَرَاحِيلَ - أَبُو عَمْرٍو الشَّعْبِيُّ: مِنْ شَعْبِ هَمْدَانَ، كُوفِيٌّ، وَأُمُّهُ مِنْ سَبْيِ جَلُولَاءَ، وُلِدَ لَسِتِّ سِنِينَ خَلَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هُوَ وَأَخٌ لَهُ تَوْأَمًا. وَسَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالْحَسَنَ، وَالْحُسَيْنَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ عَمْرٍو، وَابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأُسَامَةَ، وَجَابِرَ، وَالْبَرَاءَ، وَأَنَسَ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَسَمُرَةَ، وَعَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ، وَالْمُغِيرَةَ، وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَغَيْرَهُمْ. وَكَانَ مُفْتِيًا فِي الْعُلُومِ وَحَافِظًا ثِقَةً، وَقَالَ: مَا كَتَبْتُ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ، وَلَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ بِحَدِيثٍ قَطُّ إِلَّا حَفِظْتُهُ، وَمَا أَحْبَبْتُ أَنْ يُعِيدَهُ عَلَيَّ، وَمَا أَرْوِي شَيْئًا أَقَلَّ مِنَ الشِّعْرِ، وَلَوْ شِئْتُ لَأَنْشَدْتُكُمْ شَهْرًا لَا أُعِيدُ. وَلَقَدْ نَسِيتُ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَوْ حَفِظَهُ رَجُلٌ لَكَانَ بِهِ عَالِمًا، وَلَيْتَنِي أُفْلِتُ مِنْ ذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي. وَسَمِعَهُ عُمَرُ يُحَدِّثُ بِالْمَغَازِي، فَقَالَ: لَكَأَنَّ هَذَا الْفَتَى شَهِدَ مَعَنَا. وَقَالَ أَبُو مَخْلَدٍ: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنَ الشَّعْبِيِّ، وَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ عَقْلُ الشَّعْبِيِّ وَعِلْمُهُ وَطِيبُ مُجَالَسَتِهِ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِالشَّعْبِيِّ، فَفَعَلَ وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أَوَثِرُكَ بِهِ عَلَى نَفْسِي، لَا يَلْبَثُ عِنْدَكَ إِلَّا شَهْرًا. وَكَانَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِمِصْرَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ رَدَّهُ. عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَخِي الْأَصْمَعِيِّ عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: وَجَّهَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ عَامِرًا الشَّعْبِيَّ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ فَاسْتَكْثَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمَلِكِ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا، فَلَمَّا أَرَادَ الرُّجُوعَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ حَمَّلَهُ رُقْعَةً لَطِيفَةً وَقَالَ: إِذَا رَجَعْتَ إِلَى صَاحِبِكَ فَأَبْلِغْهُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ مِنْ نَاحِيَتِنَا، وَادْفَعْ إِلَيْهِ هَذِهِ الرُّقْعَةَ، فَلَمَّا صَارَ الشَّعْبِيُّ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ ذَكَرَ لَهُ مَا احْتَاجَ إِلَى ذِكْرِهِ، وَنَهَضَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ ذَكَرَ الرُّقْعَةَ فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ حَمَّلَنِي إِلَيْكَ رُقْعَةً نَسِيتُهَا حِينَ خَرَجْتُ، وَكَانَتْ فِي آخِرٍ مَا حَمَّلَنِي، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ وَنَهَضَ فَقَرَأَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَمَرَ بِرَدِّهِ، فَقَالَ: أَعَلِمْتَ مَا فِي هَذِهِ الرُّقْعَةِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فِيهَا: عَجِبْتُ مِنَ الْعَرَبِ كَيْفَ مَلَّكَتْ غَيْرَ هَذَا، أَفَتَدْرِي لِمَ كَتَبَ إِلَيَّ بِهَذَا؟ فَقَالَ: لَا، قَالَ: حَسَدَنِي بِكَ فَأَرَادَ أَنْ يُغْرِيَنِي بِقَتْلِكَ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَوْ كَانَ ذَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا اسْتَكْثَرَنِي. فَبَلَغَ مَلِكَ الرُّومِ ذَلِكَ، فَذَكَرَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَقَالَ: لِلَّهِ أَبُوهُ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا ذَلِكَ. كَانَ الشَّعْبِيُّ قَدْ خَرَجَ مَعَ الْقُرَّاءِ عَلَى الْحَجَّاجِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ فَاعْتَذَرَ فَقَبِلَ عُذْرَهُ، وَوَلِيَ الْقَضَاءَ. وعن زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الشَّعْبِيِّ وَهُوَ يَشْتَكِي فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي وَجِعًا مَجْهُودًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَحْتَسِبُ نَفْسِي عِنْدَكَ فَإِنَّهَا أَعَزُّ الْأَنْفُسِ عِنْدِي. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ. وَفِي مِقْدَارِ عُمْرِهِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا: سَبْعٌ وَتِسْعُونَ، وَالثَّانِي: اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ. وَفِيهَا مَاتَ عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَعُمَيْرٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ.

  390. التاريخ 2481لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ خُرُوجِ عُقْفَانَ فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وفي سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَةٍ خَرَجَ حَرُورِيٌّ اسْمُهُ عُقْفَانُ فِي ثَمَانِينَ رَجُلًا، فَأَرَادَ يَزِيدُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ جُنْدًا يُقَاتِلُونَهُ: فَقِيلَ لَهُ: إِنْ قُتِلَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ اتَّخَذَهَا الْخَوَارِجُ دَارَ هِجْرَةٍ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَبْعَثَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ يُكَلِّمُهُ وَيَرُدُّهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: إِنَّا نَخَافُ أَنْ نُؤْخَذَ بِكُمْ. وَأُومِنُوا وَبَقِيَ عُقْفَانُ وَحْدَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَزِيدُ أَخَاهُ، فَاسْتَعْطَفَهُ، فَرَدَّهُ، فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَلَّاهُ أَمْرَ الْعُصَاةِ، فَقَدِمَ ابْنُهُ مِنْ خُرَاسَانَ غَاضِبًا، فَشَدَّهُ وَثَاقًا وَبَعَثَ بِهِ إِلَى هِشَامٍ، فَأَطْلَقَهُ لِأَبِيهِ وَقَالَ: لَوْ خَانَنَا عُقْفَانُ لَكَتَمَ أَمْرَ ابْنِهِ. وَاسْتَعْمَلَ عُقْفَانَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ هِشَامٌ.

  391. التاريخ 2482لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ مَسْعُودٍ الْعَبْدِيِّ   وَخَرَجَ مَسْعُودُ بْنُ أَبِي زَيْنَبَ الْعَبْدِيُّ بِالْبَحْرَيْنِ عَلَى الْأَشْعَثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَارُودِ، فَفَارَقَ الْأَشْعَثُ الْبَحْرَيْنِ، وَسَارَ مَسْعُودٌ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَعَلَيْهَا سُفْيَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعُقَيْلِيُّ، وَلَّاهُ إِيَّاهَا عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ سُفْيَانُ، فَاقْتَتَلُوا بِالْخِضْرِمَةِ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ مَسْعُودٌ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْخَوَارِجِ بَعْدَهُ هِلَالُ بْنُ مُدْلِجٍ فَقَاتَلَهُمْ يَوْمَهُ كُلَّهُ، فَقُتِلَ نَاسٌ مِنَ الْخَوَارِجِ وَقُتِلَتْ زَيْنَبُ أُخْتُ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا أَمْسَى هِلَالٌ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَبَقِيَ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، فَدَخَلَ قَصْرًا فَتَحَصَّنَ بِهِ، فَنَصَبُوا عَلَيْهِ السَّلَالِيمَ، وَصَعِدُوا إِلَيْهِ، فَقَتَلُوهُ وَاسْتَأْمَنَ أَصْحَابُهُ فَآمَنَهُمْ، وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي هَذَا الْيَوْمِ: لَعَمْرِي لَقَدْ سَلَّتْ حَنِيفَةُ سَلَّةً سُيُوفًا أَبَتْ يَوْمَ الْوَغَى أَنْ تُغَيَّرَا     تَرَكْنَ لِمَسْعُودٍ وَزَيْنَبَ أُخْتِهِ رِدَاءً وَسِرْبَالًا مِنَ الْمَوْتِ أَحْمَرَا     أَرَيْنَ الْحَرُورِيَّيْنِ يَوْمَ لِقَائِهِمْ بِبُرْقَانَ يَوْمًا يَجْعَلُ الْمَوْتَ أَشْقَرَا وَقِيلَ: إِنَّ مَسْعُودًا غَلَبَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً حَتَّى قَتَلَهُ سُفْيَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعُقَيْلِيُّ.

  392. التاريخ 2483لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْوَالِبِيِّ   كَانَ مُصْعَبٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْخَوَارِجِ، وَطَلَبَهُ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ، وَطَلَبَ مَعَهُ مَالِكَ بْنَ الصَّعْبِ، وَجَابِرَ بْنَ سَعْدٍ، فَخَرَجُوا وَاجْتَمَعُوا بِالْخَوَرْنَقِ، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ مُصْعَبًا، وَمَعَهُ أُخْتُهُ آمِنَةُ، وَسَارُوا عَنْهُ. فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْعِرَاقِ خَالِدًا الْقَسْرِيَّ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، وَكَانُوا قَدْ صَارُوا بِحَزَّةَ مِنْ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَقُتِلَ الْخَوَارِجُ، وَقِيلَ: كَانَ قَتْلُهُمْ آخِرَ أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ فِيهِمُ الشُّعَرَاءُ: فِتْيَةٌ تَعْرِفُ التَّخَشُّعَ فِيهِمْ كُلُّهُمْ أَحْكَمَ الْقُرَانَ إِمَامًا     قَدْ بَرَى لَحْمَهُ التَّهَجُّدُ حَتَّى عَادَ جِلْدًا مُصَفَّرًا وَعِظَامَا     غَادَرُوهُمْ بِقَاعِ حَزَّةَ صَرْعَى فَسَقَى الْغَيْثُ أَرْضَهُمْ يَا إِمَامَا

  393. التاريخ 2484لا حكم مسجّل

    مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ   وفِي سنة خمس ومائة تُوُفِّيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ، بِأَرْبَدَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، ( وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَشَهْرًا وَأَيَّامًا )، وَكُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ، وَكَانَ مَرَضُهُ السُّلُّ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّ حَبَابَةَ لَمَّا مَاتَتْ وَجَدَ عَلَيْهَا وَجْدًا شَدِيدًا، عَلَى، فَخَرَجَ مُشَيِّعًا لِجِنَازَتِهَا وَمَعَهُ أَخُوهُ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ لِيُسَلِّيَهُ وَيُعَزِّيَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ بِكَلِمَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ لَمْ يُطِقِ الرُّكُوبَ مِنَ الْجَزَعِ، وَعَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ، فَأَمَرَ مَسْلَمَةَ فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَقِيلَ: مَنَعَهُ مَسْلَمَةُ عَنْ ذَلِكَ لِئَلَّا يَرَى النَّاسُ مِنْهُ مَا يَعِيبُونَهُ بِهِ. فَلَمَّا دُفِنَتْ بَقِيَ بَعْدَهَا خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمَاتَ وَدُفِنَ إِلَى جَانِبِهَا، وَقِيلَ: بَقِيَ بَعْدَهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَلَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ مَسْلَمَةُ، وَقِيلَ: ابْنُهُ الْوَلِيدُ، وَكَانَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِحِمْصَ.

  394. التاريخ 2485لا حكم مسجّل

    ترجمة يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وبَعْضِ سِيرَتِهِ  هُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ. بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَةٍ، بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ أَنْ يَكُونَ الْخَلِيفَةَ بَعْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ رَجَبٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ:بسنده عن الزُّهْرِيُّ قَالَ: كَانَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ، وَلَمْ يُورِّثِ الْكَافِرَ مِنَ الْمُسْلِمِ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَاجَعَ السُّنَّةَ الْأُولَى، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا قَامَ هِشَامٌ أَخَذَ بِسُّنَّةِ الْخُلَفَاءِ. يَعْنِي أَنَّهُ وَرَّثَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْكَافِرِ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ جَابِرٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ مَكْحُولٍ إِذْ أَقْبَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَهَمَمْنَا أَنْ نُوَسِّعَ لَهُ، فَقَالَ مَكْحُولٌ: دَعُوهُ يَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسُ، يَتَعَلَّمُ التَّوَاضُعَ. وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ هَذَا يُكْثِرُ مِنْ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ، فَلَمَّا وَلِيَ عَزَمَ أَنْ يَتَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَمَا تَرَكَهُ قُرَنَاءُ السُّوءِ، وَحَسَّنُوا لَهُ الظُّلْمَ، كَمَا قَالَ حَرْمَلَةُ بسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سِيرُوا بِسِيرَةِ عُمَرَ. فَمَكَثَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَأُتِيَ بِأَرْبَعِينَ شَيْخًا، فَشَهِدُوا لَهُ أَنَّهُ مَا عَلَى الْخُلَفَاءِ مِنْ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ. وَقَدِ اتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ فِي الدِّينِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إِنَّمَا ذَاكَ وَلَدُهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، أَمَّا هَذَا فَمَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ، وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي لَا أُرَانِي إِلَّا لِمَا بِي، وَمَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا سَيُفْضِي إِلَيْكَ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ; فَإِنَّكَ عَمَّا قَلِيلٍ مَيِّتٌ، فَتَدَعُ الدُّنْيَا لِمَنْ لَا يَحْمَدُكَ، وَتُفْضِي إِلَى مَنْ لَا يَعْذِرُكَ، وَالسَّلَامُ. وَكَتَبَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى أَخِيهِ هِشَامٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ بَلَغَهُ أَنَّكَ اسْتَبْطَأْتَ حَيَاتَهُ، وَتَمَنَّيْتَ وَفَاتَهُ، وَرُمْتَ الْخِلَافَةَ. وَكَتَبَ فِي آخِرِهِ: تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبِيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ     وَقَدْ عَلِمُوا لَوْ يَنْفَعُ الْعِلْمُ عِنْدَهُمْ مَتَى مِتُّ مَا الْبَاغِي عَلَيَّ بِمُخْلَدِ     مَنِيَّتُهُ تَجْرِي لِوَقْتٍ وَحَتْفُهُ يُصَادِفُهُ يَوْمًا عَلَى غَيْرِ مَوْعِدِ     فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى تَهَيَّأْ لِأُخْرَى مِثْلِهَا فَكَأَنْ قَدِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ: جَعَلَ اللَّهُ يَوْمِي قَبْلَ يَوْمِكَ، وَوَلَدِي قَبْلَ وَلَدِكَ، فَلَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَكَ. وكَانَ يَزِيدُ مِنْ فِتْيَانِهِمْ، فَقَالَ يَوْمًا وَقَدْ طَرِبَ وَعِنْدَهُ حَبَابَةُ وَسَلَّامَةُ الْقَسِّ: دَعُونِي أَطِيرُ. قَالَتْ حَبَابَةُ: عَلَى مَنْ تَدَعُ الْأُمَّةَ ؟ قَالَ: عَلَيْكِ، قِيلَ وَغَنَّتْهُ يَوْمًا: وَبَيْنَ التَّرَاقِي وَاللَّهَاةِ حَرَارَةٌ     مَا تَطْمَئِنُّ وَمَا تَسُوغُ فَتَبْرُدَا فَأَهْوَى لِيَطِيرَ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ لَنَا فِيكَ حَاجَةً. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطِيرَنَّ ! فَقَالَتْ: عَلَى مَنْ تُخَلِّفُ الْأُمَّةَ وَالْمُلْكَ ؟ قَالَ: عَلَيْكِ وَاللَّهِ ! وَقَبَّلَ يَدَهَا، فَخَرَجَ بَعْضُ خَدَمِهِ وَهُوَ يَقُولُ: سَخِنَتْ عَيْنُكَ فَمَا أَسْخَفَكَ ! حب يزيد بن عبد الملك لحبابة وَقَدْ كَانَ يَزِيدُ هَذَا يُحِبُّ حَبَّابَةُ - بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْأُولَى، وَالصَّحِيحُ تَخْفِيفُهَا - وَاسْمُهَا الْعَالِيَةُ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً جِدًّا، وَكَانَ قَدِ اشْتَرَاهَا فِي زَمَنِ أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، مِنْ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ فَقَالَ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَحْجُرَ عَلَى يَزِيدَ. فَبَاعَهَا يَزِيدُ فَلَمَّا أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ سَعْدَةُ يَوْمًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ مَنْ أَمْرِ الدُّنْيَا شَيْءٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ، حَبَّابَةُ. فَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ، فَاشْتَرَتْهَا لَهُ وَلَبَّسَتْهَا وَصَنَّعَتْهَا وَأَجْلَسَتْهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتَارَةِ، وَقَالَتْ لَهُ أَيْضًا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ بَقِيَ فِي نَفْسِكَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ ؟ قَالَ: أَوَمَا أَخْبَرْتُكِ ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ حَبَّابَةُ وَأَبْرَزَتْهَا لَهُ، وَأَخْلَتْهُ بِهَا، وَتَرَكَتْهُ وَإِيَّاهَا، فَحَظِيَتِ الْجَارِيَةُ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ زَوْجَتُهُ أَيْضًا، فَقَالَ يَوْمًا: أَشْتَهِي أَنْ أَخْلُوَ بِحَبَّابَةَ فِي قَصْرٍ مُدَّةً مِنَ الدَّهْرِ لَا يَكُونُ عِنْدَنَا أَحَدٌ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَجَمَعَهَا إِلَيْهِ فِي قَصْرٍ، فَبَيْنَمَا هُوَ مَعَهَا عَلَى أَسَرِّ حَالٍ وَأَنْعَمِ بَالٍ، إِذْ رَمَاهَا بِحَبَّةِ رُمَّانٍ - وَيُرْوَى: بِعِنَبَةٍ - فِي فَمِهَا وَهِيَ تَضْحَكُ، فَشَرِقَتْ بِهَا فَمَاتَتْ، فَمَكَثَ أَيَّامًا يُقَبِّلُهَا وَيَرْشُفُهَا وَهِيَ مَيِّتَةٌ، حَتَّى أَنْتَنَتْ وَجَيَّفَتْ، فَأَمَرَ بِدَفْنِهَا، فَلَمَّا دَفَنَهَا أَقَامَ أَيَّامًا عِنْدَ قَبْرِهَا هَائِمًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَنْزِلِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى قَبْرِهَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: فَإِنْ تَسْلُ عَنْكِ النَّفْسُ أَوْ تَدَعِ الصَّبَا     فَبِالْيَأْسِ تَسْلُو عَنْكِ لَا بِالتَّجَلُّدِ وَكُلُّ خَلِيلٍ زَارَنِي فَهُوَ قَائِلٌ     مِنْ أَجْلِكِ هَذَا هَامَةُ الْيَوْمِ أَوْ غَدِ وَسَمِعَ جَارِيَةً لَهُ تَتَمَثَّلُ بَعْدَهَا: كَفَى حَزَنًا بِالْهَائِمِ الصَّبِّ أَنْ يَرَى     مَنَازِلَ مَنْ يَهْوَى مُعَطَّلَةً قَفْرَا فَبَكَى ثُمَّ رَجَعَ، فَمَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَتَّى خُرِجَ بِنَعْشِهِ، وَكَانَ مَرَضُهُ بِالسُّلِّ، وَذَلِكَ بِالسَّوَادِ سَوَادِ الْأُرْدُنِّ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ. وَلَمَّا مَاتَ يَزِيدُ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِ حَتَّى نَاحَتْ سَلَّامَةُ فَقَالَتْ: لَا تَلُمْنَا إِنْ خَشَعْنَا أَوْ هَمَمْنَا بِخُشُوعِ     قَدْ لَعَمْرِي بِتُّ لَيْلِي كَأَخِي الدَّاءِ الْوَجِيعِ ثُمَّ بَاتَ الْهَمُّ مِنِّي دُونَ مَنْ لِي بِضَجِيعِ     لِلَّذِي حَلَّ بِنَا الْيَوْمَ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ كُلَّمَا أَبْصَرْتُ رَبْعًا خَالِيًا فَاضَتْ دُمُوعِي     قَدْ خَلَا مِنْ سَيِّدٍ كَانَ لَنَا غَيْرُ مُضِيعِ ثُمَّ نَادَتْ: وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهْ ! فَعَلِمُوا بِمَوْتِهِ. وَالشِّعْرُ لِبَعْضِ الْأَنْصَارِ. وَأَخْبَارُ يَزِيدَ مَعَ سَلَّامَةَ وَحَبَابَةَ كَثِيرَةٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُ ذِكْرِهَا. وَإِنَّمَا قِيلَ لِسَلَّامَةَ [ سَلَّامَةُ ] الْقَسِّ، لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَحَدَ بَنِي جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بُكَيْرٍ كَانَ فَقِيهًا عَابِدًا مُجْتَهِدًا فِي الْعِبَادَةِ، وَكَانَ يُسَمَّى الْقَسَّ لِعِبَادَتِهِ، مَرَّ يَوْمًا بِمَنْزِلِ مَوْلَاهَا، فَسَمِعَ غِنَاءَهَا، فَوَقَفَ يَسْمَعُهُ، فَرَآهُ مَوْلَاهَا، فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَنْظُرَ وَتَسْمَعَ ؟ فَأَبَى، فَقَالَ: أَنَا أُقْعِدُهَا بِمَكَانٍ لَا تَرَاهَا، وَتَسْمَعُ غِنَاءَهَا، فَدَخَلَ مَعَهُ فَغَنَّتْهُ، فَأَعْجَبَهُ غِنَاؤُهَا، ثُمَّ أَخْرَجَهَا مَوْلَاهَا إِلَيْهِ، فَشُغِفَ بِهَا وَأَحَبَّهَا، وَأَحَبَّتْهُ هِيَ أَيْضًا، وَكَانَ شَابًّا جَمِيلًا. فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا عَلَى خَلْوَةٍ: أَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ ! قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكِ ! قَالَتْ: وَأُحِبُّ أَنْ أُقَبِّلَكَ ! قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ ! قَالَتْ: وَأُحِبُّ أَنْ أَضَعَ بَطْنِي عَلَى بَطْنِكَ ! قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ ! قَالَتْ: فَمَا يَمْنَعُكَ ؟ قَالَ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَؤُولَ خُلَّتُنَا إِلَى عَدَاوَةٍ، ثُمَّ قَامَ، وَانْصَرَفَ عَنْهَا، وَعَادَ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَلَهُ فِيهَا أَشْعَارٌ، مِنْهَا: أَلَمْ تَرَهَا لَا يُبْعِدُ اللَّهُ دَارَهَا     إِذَا طَرَّبَتْ فِي صَوْتِهَا كَيْفَ تَصْنَعُ تَمُدُّ نِظَامَ الْقَوْلِ ثُمَّ تَرُدُّهُ     إِلَى صَلْصَلٍ مِنْ صَوْتِهَا يَتَرَجَّعُ وَلَهُ فِيهَا: أَلَا قُلْ لِهَذَا الْقَلْبِ هَلْ أَنْتَ مُبْصِرُ     وَهَلْ أَنْتَ عَنْ سَلَّامَةَ الْيَوْمَ مُقْصِرُ أَلَا لَيْتَ أَنِّي حَيْثُ صَارَتْ بِهَا النَّوَى     جَلِيسٌ لِسَلْمَى كُلَّمَا عَجَّ مِزْهَرُ إِذَا أَخَذَتْ فِي الصَّوْتِ كَادَ جَلِيسُهَا     يَطِيرُ إِلَيْهَا قَلْبُهُ حِينَ يَنْظُرُ فَقِيلَ لَهَا: سَلَّامَةُ الْقَسِّ لِذَلِكَ. وَكَانَ يزيد طَوِيلًا جَسِيمًا أَبْيَضَ مُدَوَّرَ الْوَجْهِ، أَفْقَمَ الْفَمِ، لَمْ يَشِبْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ بِالْجَوْلَانِ. وَقِيلَ: بِحَوْرَانَ. وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ وَعُمْرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةٍ، وَقِيلَ: بَلْ صَلَّى عَلَيْهِ أَخُوهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ بَعْدَهُ، وَحُمِلَ عَلَى أَعْنَاقِ الرِّجَالِ حَتَّى دَفُنِ بَيْنَ بَابِ الْجَابِيَةِ وَبَابِ الصَّغِيرِ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ عَهِدَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ هِشَامٍ وَمِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ فَبَايَعَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ هِشَامًا.

  395. التاريخ 2486لا حكم مسجّل

    خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ - وَلَهُ مِنَ الْعُمْرِ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً وَأَشْهَرٌ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ لَمَّا قَتَلَ أَبُوهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعَيْنِ، فَسَمَّاهُ مَنْصُورًا تَفَاؤُلًا، ثُمَّ قَدِمَ فَوَجَدَ أُمَّهُ قَدْ أَسْمَتْهُ بِاسْمِ أَبِيهَا هِشَامٍ فَأَقَرَّهُ. وَكَانَتْ أُمُّهُ عَائِشَةُ بِنْتُ هِشَامٍ حَمْقَاءَ، فَطَلَّقَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ. وَكَانَتْ كُنْيَةُ هِشَامٍ: أَبَا الْوَلِيدِ وقَالَ الْوَاقِدِيُّ: أَتَتْهُ الْخِلَافَةُ وَهُوَ بِالزَّيْتُونَةِ فِي مَنْزِلٍ لَهُ، فَجَاءَهُ الْبَرِيدُ بِالْعَصَا وَالْخَاتَمِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَرَكِبَ مِنَ الرَّصَافَةِ حَتَّى أَتَى دِمَشْقَ، فَقَامَ بِأَمْرِ الْخِلَافَةِ أَتَمَّ الْقِيَامِ. وقد وُلِدَ هشام بن عبد الملك سَنَةَ نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ، وَاسْتُخْلِفَ بِعَهْدٍ مِنْ أَخِيهِ يَزِيدَ. قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: (رَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ بَالَ فِي الْمِحْرَابِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَسَأَلَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَقَالَ: يَمْلِكُ مِنْ وَلَدِهِ لِصُلْبِهِ أَرْبَعَةٌ، فَكَانَ آخِرَهُمْ هِشَامٌ). وَكَانَ هِشَامٌ حَازِمًا عَاقِلًا، كَانَ لَا يُدْخِلُ بَيْتَ مَالِهِ مَالًا حَتَّى يَشْهَدَ أَرْبَعُونَ قَسَامَةً: لَقَدْ أُخِذَ مِنْ حَقِّهِ، وَلَقَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: (أَسْمَعَ رَجُلٌ مَرَّةً هِشَامًا كَلَامًا، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا؛ لَيْسَ لَكَ أَنْ تُسْمِعَ خَلِيفَتَكَ). قَالَ: وَغَضِبَ مَرَّةً عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: (وَاللَّهِ؛ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَضْرِبَكَ سَوْطًا). وَقَالَ سَحْبَلُ بْنُ مُحَمَّدٍ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنَ الْخُلَفَاءِ أَكْرَهَ إِلَيْهِ الدِّمَاءُ وَلَا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ هِشَامٍ). وَعَنْ هِشَامٍ أَنَّهُ قَالَ: (مَا بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ لَذَّاتِ الدُّنْيَا... إِلَّا وَقَدْ نِلْتُهُ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا؛ أَخًا أَرْفَعُ مُؤْنَةَ التَّحَفُّظِ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ). وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: (لَمَّا بَنَى هِشَامٌ الرَّصَافَةَ بِقِنَّسْرِينَ... أَحَبَّ أَنْ يَخْلُوَ يَوْمًا لَا يَأْتِيهِ فِيهِ غَمٍّ، فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى أَتَتْهُ رِيشَةٌ بِدَمٍ مِنْ بَعْضِ الثُّغُورِ، فَأُوصِلَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَلَا يَوْمًا وَاحِدًا!!(. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْبَيْتَ لَهُ وَلَمْ يُحْفَظْ لَهُ سِوَاهُ: إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَكَ الْهَوَى إِلَى بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَيْكَ مَقَالُ مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.   [الْحِكْمَةُ فِي مُخَاطَبَةِ السُّلْطَانِ]   أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ: (أَرَادَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنْ يُوَلِّيَنِي خَرَاجَ مِصْرَ فَأَبَيْتُ، فَغَضِبَ حَتَّى اخْتَلَجَ وَجْهُهُ، وَكَانَ فِي عَيْنَيْهِ الْحَوْلُ، فَنَظَرَ إِلَيَّ نَظَرًا مُنْكَرًا وَقَالَ: لَتَلِيَنَّ طَائِعًا أَوْ لَتَلِيَنَّ كَارِهًا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكَلَامِ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا } الْآيَةَ فَوَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ مَا غَضِبَ عَلَيْهِنَّ إِذْ أَبَيْنَ، وَلَا أَكْرَهَهُنَّ إِذْ كَرِهْنَ، وَمَا أَنَا بِحَقِيقٍ أَنْ تَغْضَبَ عَلَيَّ إِنْ أَبَيْتُ، وَلَا تُكْرِهَنِي إِذْ كَرِهْتُ، فَضَحِكَ وَأَعْفَانِي). [مَوْعِظَةُ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ]   وَأُخْرِجَ عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: (وَفَدْتُ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: هَاتِ يَا بْنَ صَفْوَانَ، قُلْتُ: إِنَّ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ خَرَجَ مُتَنَزِّهًا إِلَى الْخَوَرْنَقِ، وَكَانَ ذَا عِلْمٍ مَعَ الْكَثْرَةِ وَالْغَلَبَةِ، فَنَظَرَ وَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: لِلْمَلِكِ. قَالَ: فَهَلْ رَأَيْتُمْ أَحَدًا أُعْطِيَ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ؟ وَكَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَقَايَا حَمَلَةِ الْحُجَّةِ، فَقَالَ: إِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ، فَتَأْذَنُ لِي بِالْجَوَابِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَرَأَيْتَ مَا أَنْتَ فِيهِ، أَشِيءٌ لَمْ تَزَلْ فِيهِ، أَمْ شَيْءٌ صَارَ إِلَيْكَ مِيرَاثًا وَهُوَ زَائِلٌ عَنْكَ إِلَى غَيْرِكَ كَمَا صَارَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: كَذَا هُوَ. قَالَ: فَتُعْجَبُ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ لَا تَكُونُ فِيهِ إِلَّا قَلِيلًا، وَتُنْقَلُ عَنْهُ طَوِيلًا، فَيَكُونُ عَلَيْكَ حِسَابًا؟! قَالَ: وَيْحَكَ!! فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ؟ وَأَيْنَ الْمَطْلَبُ؟ وَأَخَذَتْهُ قُشَعْرِيرَةٌ، قَالَ: إِمَّا أَنْ تُقِيمَ فِي مِلْكِكَ فَتَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا سَاءَكَ وَسَرَّكَ، وَإِمَّا أَنْ تَنْخَلِعَ مِنْ مُلْكِكَ وَتَضَعَ تَاجَكَ، وَتُلْقِيَ عَنْكَ أَطَمَارَكَ وَتَعْبُدَ رَبَّكَ؟ قَالَ: إِنِّي مُفَكِّرٌ اللَّيْلَةَ وَأُوَافِيكَ السَّحَرَ، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ... قَرَعَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَقَالَ: إِنِّي اخْتَرْتُ هَذَا الْجَبَلَ وَفَلَوَاتِ الْأَرْضِ، وَقَدْ لَبِسْتُ عَلَى أَمْسَاحِي، فَإِنْ كُنْتَ لِي رَفِيقًا... لَا تُخَالِفْ، فَلَزِمَا الْجَبَلَ حَتَّى مَاتَا. وَفِيهِ يَقُولُ عَدِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحِمَارِ: أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْـ     ـرِ أَأَنْتَ الْمُبَرَّأُ الْمَوْفُورُ؟ أَمْ لَدَيْكَ الْعَهْدُ الْوَثِيقُ مِنَ الْـ     أَيَّامِ؟ بَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ مَنْ رَأَيْتَ الْمَنُونَ خَلَّدْنَ أَمْ مَنْ     ذَا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ؟ أَيْنَ كِسْرَى كِسْرَى الْمُلُوكِ أَبُو سَا     سَانَ أَمْ أَيْنَ قَبْلَهُ سَابُورُ؟ وَبَنُو الْأَصْفَرِ الْكِرَامُ مُلُوكُ الرُّ     ومِ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُورُ وَأَخُو الْحُضْرِ إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْـ     ـلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ وَالْخَابُورُ شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كَلْـ     ـسًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ لَمْ تَهَبْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ، فَبَادَ الْمُـ     ـلْكِ عَنْهُ، فَبَابُهُ مَهْجُورُ وَتَذَكَّرْ رَبَّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ أَشْـ     ـرَفَ يَوْمًا، وَلِلْهُدَى تَذْكِيرُ سَرَّهُ مَالُهُ، وَكَثْرَةُ مَا يَمْـ     ـلِكُ وَالْبَحْرُ مُعْرِضٌ وَالسَّدِيرُ فَارْعَوَى قَلْبُهُ، وَقَالَ وَمَا غِبْـ     ـطَةٌ حَيٌّ إِلَى الْمَمَاتِ يَصِيرُ؟ ثُمَّ بَعْدَ الْفَلَاحِ وَالْمُلْكِ والْأُمَّـ     ـةِ وَارَتْهُمْ هُنَاكَ الْقُبُورُ ثُمَّ صَارُوا كَأَنَّهُمْ وَرَقٌ جَـ     ـفَّ فَأَلْوَتْ بِهِ الصَّبَا وَالدَّبُورُ قَالَ: فَبَكَى هِشَامٌ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَأَمَرَ بِأَبْنِيَتَهِ وَطَيِّ فُرُشِهِ، وَلَزِمَ قَصْرَهُ، فَأَقْبَلَتِ الْمَوَالِي وَالْحَشَمُ عَلَى خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ وَقَالُوا: مَاذَا أَرَدْتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ لَذَّتَهُ؟ فَقَالَ: إِلَيْكُمْ عَنِّي؛ فَإِنِّي عَاهَدْتُ اللَّهَ أَلَّا أَخْلُوَ بِمَلِكٍ... إِلَّا ذَكَّرْتُهُ اللَّهَ تَعَالَى).

  396. التاريخ 2487لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ الْعِرَاقَ   وفي سنة خمس ومائة عَزَلَ هِشَامٌ عُمَرَ بْنَ هُبَيْرَةَ عَنِ الْعِرَاقِ، وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ فِي شَوَّالٍ. قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عُمَيْرٍ الْأُسَيِّدِيُّ: دَخَلْتُ عَلَى هِشَامٍ وَخَالِدٌ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَذْكُرُ طَاعَةَ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ هَكَذَا خَطَأً وَخَطَلًا، وَاللَّهِ مَا فُتِحَتْ فِتْنَةٌ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِأَهْلِ الْيَمَنِ، هُمْ قَتَلُوا عُثْمَانَ، وَهُمْ خَلَعُوا عَبْدَ الْمَلِكِ، وَإِنَّ سُيُوفَنَا لَتَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ أَهْلِ الْمُهَلَّبِ. قَالَ: فَلَمَّا قُمْتُ تَبِعَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ مَرْوَانَ، فَقَالَ: يَا أَخَا بَنِي تَمِيمٍ وَرَتْ بِكَ زِنَادِي، قَدْ سَمِعْتُ مَقَالَتَكَ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَلَّى خَالِدًا الْعِرَاقَ، وَلَيْسَتْ لَكَ بِدَارٍ ! فَسَارَ خَالِدٌ إِلَى الْعِرَاقِ مِنْ يَوْمِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْعِرَاقِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَةٍ. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.

  397. التاريخ 2488لا حكم مسجّل

    دُعَاةِ بَنِي عَبَّاسٍ   قِيلَ: وَفِي سنة خمس ومائة قَوِيَ أَمْرُ دَعْوَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي السِّرِّ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ حيث قَدِمَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ مِنَ السِّنْدِ، وَكَانَ بِهَا مَعَ الْجُنَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فَلَمَّا عُزِلَ الْجُنَيْدُ قَدِمَ بُكَيْرٌ الْكُوفَةَ، وَمَعَهُ أَرْبَعُ لَبِنَاتٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَلَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبَ، فَلَقِيَ أَبَا عِكْرِمَةَ الصَّادِقَ وَمَيْسَرَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ خُنَيْسٍ، وَسَالِمًا الْأَعْيَنَ، وَأَبَا يَحْيَى مَوْلَى بَنِي سَلِمَةَ، فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَ دَعْوَةِ بَنِي هَاشِمٍ، فَقَبِل ذَلِكَ وَرَضِيَهُ وَأَنْفَقَ مَا مَعَهُ عَلَيْهِمْ، وَدَخَلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمَاتَ مَيْسَرَةُ فَأَقَامَهُ مَقَامَهُ.

  398. التاريخ 2489لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ خَمْسٍ وَمِائَةٍ غَزَا الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ بِلَادَ اللَّانِ، وَفَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً، وَبِلَادًا مُتَّسِعَةَ الْأَكْنَافِ مِنْ وَرَاءِ بَلَنْجَرَ 72، وَأَصَابَ غَنَائِمَ جَمَّةً، وَسَبَى خَلْقًا مِنْ أَوْلَادِ الْأَتْرَاكِ. وَفِيهَا غَزَا مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ بِلَادَ التُّرْكِ، وَحَاصَرَ مَدِينَةً عَظِيمَةً مِنْ بِلَادِ الصُّغْدِ فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا عَلَى مَالٍ كَثِيرٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ. وَفِيهَا غَزَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِلَادَ الرُّومِ، فَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ سِرِّيَّةً أَلْفَ فَارِسٍ فَأُصِيبُوا جَمِيعًا. وَغَزَا مَسْلَمَةُ أَفْشِينَ، فَصَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى سِتَّةِ آلَافِ رَأْسٍ، وَدُفِعَ إِلَيْهِ الْقَلْعَةُ، وَذَلِكَ لِتَمَامِ خَمْسٍ وَمِائَةٍ بَعْدَ مَوْتِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى، فَافْتَتَحَ قُونِيَةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَكُمْخَ.

  399. التاريخ 2490لا حكم مسجّل

    وحَجَّ بِالنَّاسِ في سنة خمس ومائة إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ خَالُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَخُو أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَلَمْ تَلِدْ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ سِوَاهُ حَتَّى طَلَّقَهَا ; لِأَنَّهَا كَانَتْ حَمْقَاءَ. وأَرْسَلَ إِلَى عَطَاءٍ: مَتَى أَخْطُبُ ؟ قَالَ: بَعْدَ الظُّهْرِ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ، فَخَطَبَ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقَالَ: أَخْبَرَنِي رَسُولِي عَنْ عَطَاءٍ، فَقَالَ عَطَاءٌ: مَا أَمَرْتُهُ إِلَّا بَعْدَ الظُّهْرِ، فَاسْتَحْيَا. وَكَانَ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ عَبْدُ الْوَاحِدِ النَّضْرِيُّ. وَكَانَ عَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ: عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ. وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ: حُسَيْنُ بْنُ حَسَنٍ الْكِنْدِيُّ. وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ: مُوسَى بْنُ أَنَسٍ.

  400. التاريخ 2491لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة خمس ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ   وَلِيَ الْمَدِينَةَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرٍ، وَهُوَ أَحَدُ سَبْعَةٍ مِنْ فُصَحَاءِ الْإِسْلَامِ، سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، وَأَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ الْأَسَدِيُّ. وَوُلِدَ [لَهُ] سِتَّةُ ذُكُورٍ مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانَ. وَكَانَ مِنْ أَزْهَدِ النَّاسِ، وَعَقِبُ أَبَانَ كَثِيرٌ بِنَاحِيَةِ الْأَنْدَلُسِ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ أَنْ فَلَجَ سِنَّهُ أَعْظَمُ فَالِجٍ حَتَّى ضُرِبَ بِهِ الْمَثَلُ. وَكَانَ بِهِ وَضَحٌ عَظِيمٌ، وَصَمَمٌ شَدِيدٌ، وَحَوَلٌ قَبِيحٌ. وَهُوَ وَأَخَوَاهُ عَمْرٌو وَعُمَرُ لِأُمٍّ وَاحِدَةٍ. شُفَيُّ بْنُ مَاتِعٍ، أَبُو عُبَيْدٍ الْأَصْبَحِيُّ شُفَيُّ بْنُ مَاتِعٍ، أَبُو عُبَيْدٍ الْأَصْبَحِيُّ: يَرْوِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَكَانَ عَالِمًا حَكِيمًا. رَوَى عَنْهُ أَبُو قَبِيلٍ الْمَعَافِرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَكَانَ شُفَيٌّ إِذَا أَقْبَلَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: جَاءَكُمْ أَعْلَمُ مَنْ عَلَيْهَا. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الْكُوفِيُّ: سَمِعَ عُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَابْنَ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وَأَقْرَأَ الْقُرْآنَ النَّاسَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَصَامَ ثَمَانِينَ رَمَضَانَ. عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ وَهُوَ يَقْضِي فِي مَسْجِدِهِ، فَقُلْنَا: يَرْحَمُكَ اللَّهُ لَوْ تَحَوَّلْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ مِنَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ". فَأُرِيدُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا فِي مَسْجِدِي. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَهُ تِسْعُونَ سَنَةً. عِكْرِمَةُ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عِكْرِمَةُ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: تُوُفِّيَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ عَبْدٌ، فَاشْتَرَاهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مِنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عِكْرِمَةَ فَأَتَى عَلِيًّا فَقَالَ: بِعْتَ عِلْمَ أَبِيكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَرَاحَ عَلِيٌّ إِلَى خَالِدٍ فَاسْتَقَالَهُ فَأَقَالَهُ فَأَعْتَقَهُ. وَكَانَ يَرْوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَعَائِشَةَ. عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَجْعَلُ فِي رِجْلِي الْكَبْلَ يُعَلِّمُنِي الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ. وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْ عِكْرِمَةَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ: عِكْرِمَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَعْلَمُهُمْ بِالتَّفْسِيرِ عِكْرِمَةُ. تُوُفِّيَ عِكْرِمَةُ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ، وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتٍّ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. غَزْوَانُ بْنُ غَزْوَانَ الرَّقَاشِيُّ غَزْوَانُ بْنُ غَزْوَانَ الرَّقَاشِيُّ، وَقِيلَ: غَزْوَانُ بْنُ زَيْدٍ: كَانَ مِنْ كِبَارِ الصَّالِحِينَ. عن عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ مَشْيَخَتَنَا يَذْكُرُونَ: أَنْ غَزْوَانَ لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ غَزْوَانُ يَغْزُو، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الرِّفَاقُ رَاجِعِينَ تَسْتَقْبِلُهُمْ أُمُّهُ فَتَقُولُ لَهُمْ: أَمَا تَعْرِفُونَ غَزْوَانَ، فَيَقُولُونَ: وَيْحَكِ يَا عَجُوزُ، ذَاكَ سَيِّدُ الْقَوْمِ. كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ مَخْلَدٍ، أَبُو صَخْرٍ الْخُزَاعِيُّ الشَّاعِرُ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ مَخْلَدٍ، أَبُو صَخْرٍ الْخُزَاعِيُّ الشَّاعِرُ: وَاسْمُ أُمِّهِ جُمُعَةُ بِنْتُ الْأَشْيَمِ بْنِ خَالِدٍ، وَقِيلَ: جُمْعَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو. وَقِيلَ: كَانَتْ كُنْيَةُ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ أَبَا جُمْعَةَ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ابْنُ أَبِي جُمْعَةَ. وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا يَقُولُ بِإِمَامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَنَّهُ أَحَقُّ مِنَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِالْإِمَامَةِ وَمِنْ سَائِرِ النَّاسِ.  وَأَنَّهُ حَيٌّ مُقِيمٌ بِجَبَلِ رَضْوَى لَا يَمُوتُ. وَمَدَحَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَكَانَ يَقُولُ بِالتَّنَاسُخِ وَالرَّجْعَةِ. وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى، يَعْنِي أَنَّ رُوحَهُ نُسِخَتْ فِيَّ. وَقَالَ يَوْمًا: مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيَّ؟ قِيلَ: يَقُولُونَ إِنَّكَ الدَّجَّالُ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ فِي عَيْنَيَّ ضَعْفًا مُنْذُ أَيَّامٍ. وَكَانَ بِمَكَّةَ وَقَدْ وَرَدَ عَلَى الْأُمَرَاءِ الْأَمْرُ بِلَعْنِ عَلِيٍّ ؓ، فَرَقَى الْمِنْبَرَ وَأَخْذَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَسُبُّ عَلِيًّا وَبَنِيهِ مِنْ سُوقَةٍ وَإِمَامِ     أَيُسَبُّ الْمُطَهَّرُونَ أُصُولًا وَالْكِرَامُ الْأَخْوَالِ وَالْأَعْمَامِ     يَأْمَنُ الطَّيْرُ وَالْحَمَامُ وَلَا يَأْمَنُ آلُ الرَّسُولِ عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَنْزَلُوهُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَأَثْخَنُوهُ ضَرْبًا بِالنِّعَالِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ: إِنَّ امْرَأً كَانَتْ مَسَاوِئُهُ     حُبَّ النَّبِيِّ بِغَيْرِ ذِي عَتْبِ وَبَنِي أَبِي حَسَنٍ وَوَالِدِهِمْ     مَنْ طَابَ فِي الْأَرْحَامِ وَالصُّلْبِ أَتَرَوْنَ ذَنْبًا أَنْ أُحِبَّهُمُ     بَلْ حُبُّهُمْ كَفَّارَةُ الذَّنْبِ وَكَانَ كُثَيِّرٌ دَمِيمَ الْخِلْقَةِ فَاسْتَزَارَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ، فَازْدَرَاهُ لِدَمَامَتِهِ، فَقَالَ: تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، فَقَالَ كُثَيِّرٌ: تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ     وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ مَزِيرُ فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنَّا أَسَأْنَا اللِّقَاءَ فَلَسْنَا نُسِيءُ الثَّوَاءَ، حَاجَتُكَ، قَالَ: تُزَوِّجُنِي عَزَّةَ، فَأَرَادَ أَهْلَهَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا: هِيَ بَالِغٌ وَأَحَقُّ بِنَفْسِهَا، فَقِيلَ لَهَا، فَقَالَتْ: أَبْعَدَ مَا تَشَبَّبَ بِي وَشَهَرَنِي فِي الْعَرَبِ مَا لِي إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ. وعَنِ الْعُتْبِيِّ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ يُحِبُّ النَّظَرَ إِلَى كُثَيِّرٍ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ آذِنُهُ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا كُثَيِّرٌ بِالْبَابِ، فَاسْتَبْشَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: أَدْخِلْهُ يَا غُلَامُ، فَأُدْخِلَ كُثَيِّرٌ - وَكَانَ دَمِيمًا حَقِيرًا تَزْدَرِيهِ الْعَيْنُ - فَسَلَّمَ بِالْخِلَافَةِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: تَسْمَعُ بِالْمُعِيدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ، فَقَالَ كُثَيِّرٌ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّمَا الرَّجُلُ بِأَصْغَرَيْهِ: لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، فَإِنْ نَطَقَ نَطَقَ بِبَيَانٍ، وَإِنْ قَاتَلَ قَاتَلَ بِجَنَانٍ، وَأَنَا الَّذِي أَقُولُ: وَجَرَّبْتُ الْأُمُورَ وَجَرَّبَتْنِي     فَقَدْ أَبْدَتْ عَرِيكَتِيَ الْأُمُورُ وَمَا تَخْفَى الرِّجَالُ عَلَيَّ إِنِّي     بِهِمْ لَأَخُو مُثَاقَفَهٍ خَبِيرُ تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ     وَفِي أَثْوَابِهِ أَسَدٌ مَزِيرُ وَيُعْجِبُكَ الطَّرِيرُ فَتَبْتَلِيهِ     فَيُخْلِفُ ظَنَّكَ الرَّجُلُ الطَّرِيرُ وَمَا عِظَمُ الرِّجَالِ لَهُمْ بِزَيْنٍ     وَلَكِنْ زَيْنُهَا كَرَمٌ وَخِيرُ بُغَاثُ الطَّيْرِ أَطْوَلُهَا جُسُومًا     وَلَمْ تَطُلِ الْبُزَاةُ وَلَا الصُّقُورُ بُغَاثُ الطَّيْرِ أَكْثَرُهَا فِرَاخًا     وَأُمُّ الصَّقْرِ مِقْلَاتٌ نَزُورُ لَقَدْ عَظُمَ الْبَعِيرُ بِغَيْرِ لُبٍّ     فَلَمْ يَسْتَغْنِ بِالْعِظَمِ الْبَعِيرُ فَيُرْكَبُ ثُمَّ يُضْرَبُ بِالْهَرَاوِي     وَلَا عُرْفٌ لَدَيْهِ وَلَا نَكِيرُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا كُثَيِّرُ أَنْشِدْنِي فِي إِخْوَانٍ ذَكَّرُوكَ بِهَذَا، فَأَنْشَدَهُ: خَيْرُ إِخْوَانِكَ الْمُنَازِلُ فِي الْمُرِّ     وَأَيْنَ الشَّرِيكُ فِي الْمُرِّ أَيْنَا الَّذِي إِنْ حَضَرْتَ سَرَّكَ فِي الْحَيِّ     وَإِنْ غِبْتَ كَانَ أُذُنًا وَعَيْنَا ذَاكَ مِثْلُ الْحُسَامِ أَخْلَصُهُ الْقَيْنُ     جَلَّاهُ الْجَلَاءُ فَازْدَادَ زَيْنَا أَنْتَ فِي مَعْشَرٍ إِذَا غِبْتَ عَنْهُمْ     بَدَّلُوا كُلَّ مَا يَزِينُكَ شَيْنَا وَإِذَا مَا رَأَوْكَ قَالُوا جَمِيعًا     أَنْتَ [مِنْ] أَكْرَمِ الرِّجَالِ عَلَيْنَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا كُثَيِّرُ، فَأَيْنَ الْإِخْوَانُ غَيْرَ أَنِّي أَقُولُ: صَدِيقُكَ حِينَ تَسْتَغْنِي كَثِيرٌ     وَمَا لَكَ عِنْدَ فَقْرِكَ مِنْ صَدِيقِ [فَلَا تُنْكِرْ عَلَى أَحَدٍ إِذَا مَا     طَوَى عَنْكَ الزِّيَارَةَ عِنْدَ ضِيِقِ] وَكُنْتُ إِذَا الصَّدِيقُ أَرَادَ غَيْظِي     عَلَى حَنَقٍ وَأَشْرَقَنِي بِرِيقِي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُ وَصَفَحْتُ عَنْهُ     مَخَافَةَ أَنْ أَكُونَ بِلَا صَدِيقِ وَكَانَ كُثَيِّرُ يَعْشَقُ عَزَّةَ بِنْتَ حُمَيْدِ بْنِ وَقَّاصٍ، وَهِيَ مِنْ بِنِي ضَمْرَةَ، وَتَشَبَّبَ بِهَا، وَكَانَتْ حُلْوَةً مَلِيحَةً، وَكَانَ ابْتِدَاءُ عِشْقِهِ لَهَا مَا رَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، بسنده عن إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ جُمَيْعٍ: أَنَّهُ كَانَ أَمْرُ كُثَيِّرٍ أَنَّهُ مَرَّ بِنِسْوَةٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ وَمَعَهُ غَنَمٌ، فَأَرْسَلْنَ إِلَيْهِ عَزَّةَ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَقَالَتْ: تَقُولُ لَكَ النِّسْوَةُ: بِعْنَا كَبْشًا مِنْ هَذِهِ الْغَنَمِ وَأَنْسِئْنَا بِثَمَنِهِ إِلَى أَنْ تَرْجِعَ، فَأَعْطَاهَا كَبْشًا فَأَعْجَبَتْهُ حِينَئِذٍ، فَلَمَّا رَجَعَ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ بِدَرَاهِمِهِ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيَّةُ الَّتِي أَخَذَتْ مِنِّي الْكَبْشَ؟ قَالَتْ: وَمَا تَصْنَعُ بِهَا، هَذِهِ دَرَاهِمُكَ، قَالَ: لَا آخُذُ دَرَاهِمِي إِلَّا مِمَّنْ دَفَعْتُ إِلَيْهِ، وَقَالَ: قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَّى غَرِيمَهُ     وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَرِيمُهَا وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ أَنْشَدَهُنَّ: نَظَرْتُ إِلَيْهَا نَظْرَةً وَهْيَ عَاتِقٌ     عَلَى حِينِ أَنْ شَبَّتْ وَبَانَ نُهُودُهَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا نَظْرَةً مَا يَسُرُّنِي     بِهَا حُمْرُ أَنْعَامِ الْبِلَادِ وَسُودُهَا وَكُنْتُ إِذَا مَا جِئْتُ سَعِدًا بِأَرْضِهَا     أَرَى الْأَرْضَ تُطْوَى لِي وَيَدْنُو بِعِيدُهَا مِنَ الْخَفَرَاتِ الْبِيضِ وَدَّ جَلِيسُهَا     إِذَا مَا انْقَضَتْ أُحْدُوثَةٌ لَوْ تُعِيدُهَا ثُمَّ أَحَبَّتْهُ عَزَّةُ أَشَدَّ مِنْ حُبِّهِ إِيَّاهَا، وَدَخَلَتْ إِلَيْهِ يَوْمًا وَهُوَ يَبْرِي السِّهَامَ فَحَدَّثَتْهُ وَهُوَ يَبْرِي فَبَرَى ذِرَاعَهُ وَسَالَ الدَّمُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالصَّادِقِ فِي مَحَبَّتِهِ. وَرُوِّينَا أَنَّ عَزَّةَ تَنَكَّرَتْ لَهُ فَتَبِعَهَا وَقَالَ: يَا سَيِّدَتِي قِفِي أُكَلِّمُكِ، قَالَتْ وَهَلْ تَرَكَتْ عَزَّةُ فِيكَ بَقِيَّةً لِأَحَدٍ، فَقَالَ: لَوْ أَنَّ عَزَّةَ أَمَةٌ لِي لَوَهَبْتُهَا لَكِ، قَالَتْ: فَكَيْفَ بِمَا قُلْتَ فِي عِزَّةَ؟ قَالَ: أَقْلِبُهُ لَكِ، فَسَفَرَتْ عَنْ وَجْهِهَا وَقَالَتْ: أَغَدْرًا يَا فَاسِقُ، وَمَضَتْ، فَقَالَ: أَلَا لَيْتَنِي قَبْلَ الَّذِي قُلْتُ شِيبَ لِي     مِنَ السُّمِّ جُدْحَاتٌ بِمَاءِ الذَّرَارِحِ فَمُتُّ وَلَمْ تُعْلَمْ عَلَيَّ خِيَانَةٌ     وَكَمْ طَالِبٍ لِلرِّبْحِ لَيْسَ بِرَابِحِ وعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَوْصِلِيُّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو الْمُتَيِّعِ قَالَ: خَرَجَ كُثَيِّرٌ يَلْتَمِسُ عَزَّةَ وَمَعَهُ شُنَيْنَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَأَخَذَهُ الْعَطَشُ فَتَنَاوَلَ الشُّنَيْنَةَ فَإِذَا هِيَ غِطَمٌّ مَا فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ، فَرُفِعَتْ لَهُ نَارٌ فَأَمَّهَا، فَإِذَا بِقُرْبِهَا مِظَلَّةٌ بِفِنَائِهَا عَجُوزٌ، فَقَالَتْ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا كُثَيِّرٌ، قَالَتْ: قَدْ كُنْتُ أَتَمَنَّى مُلَاقَاتَكَ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَانِيكَ، قَالَ: وَمَا الَّذِي تَلْتَمِسِينَهُ عِنْدِي؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ: إِذَا مَا أُتِينَا خُلَّةٌ كَيْ تُزِيلَهَا     أَبَيْنَا وَقُلْنَا الْحَاجِبِيَّةُ أَوَّلُ سَنُولِيكِ عُرْفًا إِنْ أَرَدْتِ وِصَالَنَا     وَنَحْنُ لِتِلْكَ الْحَاجِبِيَّةِ أَوْصَلُ قَالَ: بَلَى، قَالَتْ: أَفَلَا قُلْتَ كَمَا قَالَ سَيِّدُكَ جَمِيلٌ: يَا رُبَّ عَارِضَةٍ عَلَيَّ وِصَالَهَا     بِالْجِدِّ تَخْلِطُهُ بِقَوْلِ الْهَازِلِ فَأَجَبْتُهَا فِي الْقَوْلِ بَعْدَ تَأَمُّلٍ     حُبِّي بُثَيْنَةَ عَنْ وِصَالِكِ شَاغِلِي لَوْ كَانَ فِي قَلْبِي كَقَدْرِ قُلَامَةٍ     فَضْلًا وَصَلْتُكِ أَوْ أَتَتْكِ رَسَائِلِي قَالَ: دَعِي هَذَا وَاسْقِينِي مَاءً، قَالَتْ: وَاللَّهِ لَا سَقَيْتُكَ شَيْئًا، قَالَ: وَيْحَكِ إِنَّ الْعَطَشَ قَدْ أَضَرَّ بِي، قَالَتْ ثَكِلْتُ بُثَيْنَةَ إِنْ طَعِمْتَ عِنْدِي قَطْرَةَ مَاءٍ، فَكَانَ جَهْدُهُ أَنْ رَكَضَتْ رَاحِلَتُهُ وَمَضَى يَطْلُبُ الْمَاءَ، فَمَا بَلَغَهُ حَتَّى أَضْحَى النَّهَارُ وَقَدْ أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ: بسنده لَمَّا أُتِيَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِأُسَارَى بَنِي الْمُهَلَّبِ أَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ، فَكَانَ كُثَيِّرُ حَاضِرًا، فَقَامَ وَأَنْشَأَ يَقُولُ: فَعَفْوٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَحِسْبَةٌ     فَمَا يُحْتَسَبُ مِنْ صَالِحٍ لَكَ يُكْتَبِ أَسَاءُوا فَإِنْ تَغْفِرْ فَإِنَّكَ قَادِرٌ     وَأَفْضَلُ حِلْمٍ حِسْبَةً حِلْمُ مُغْضَبِ فَقَالَ يَزِيدُ: يَا كُثَيِّرُ أَطَّتْ بِكَ الرَّحِمُ قَدْ وَهَبْنَاهُمْ لَكَ، وَأَمَرَ بِرَفْعِ الْقَتْلِ عَنْهُمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَطَّتْ: حَنَّتْ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ، بسنده عن حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَرَجَ كُثَيِّرٌ يُرِيدُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ فَأَكْرَمَهُ وَرَفَعَ مَنْزِلَتَهُ وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ وَقَالَ: سَلْنِي مَا شِئْتَ مِنَ الْحَوَائِجِ، قَالَ: نَعَمْ أُحِبُّ أَنْ تَنْظُرَ لِي مَنْ يَعْرِفُ قَبْرَ عَزَّةَ فَيَقِفُنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنِّي لَعَارِفٌ بِهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ الرَّجُلُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرِهَا، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَجْرِيَانِ وَهُوَ يَقُولُ: وَقَفْتُ عَلَى رَبْعٍ لِعَزَّةَ نَاقَتِي     وَفِي التُّرْبِ رِشَاشٌ مِنَ الدَّمْعِ يُسْفَحُ فَيَا عَزُّ أَنْتِ الْبَدْرُ قَدْ حَالَ دُونَهُ     رَجِيعُ تُرَابٍ وَالصَّفِيحُ الْمُصْرَحُ وَقَدْ كُنْتُ أَبْكِي مِنْ فِرَاقِكِ خِيفَةً     فَهَذَا لَعَمْرِي الْيَوْمَ إِيَّايَ أَنْزَحُ فَهَلَّا فَدَاكِ الْمَوْتَ مَنْ أَنْتِ قُرْبَهُ     وَمَنْ هُوَ أَسْوَأُ مِنْكِ حَالًا وَأَقْبَحُ أَلَا لَا أَرَى بَعْدَ ابْنَةِ النَّضْرِ لَذَّةً     بِشَيْءٍ وَلَا مُلْحًا لِمَنْ يَتَمَلَّحُ فَلَا زَالَ وَادِي رَمْسِ عَزَّةَ سَائِلًا     بِهِ نِعْمَةٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَسْفَحُ أَرِبَ لِعَيْنَيَّ الْبُكَا كُلَّ لَيْلَةٍ     فَقَدْ كَانَ مَجْرَى دَمْعِ عَيْنِي يَقْرَحُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَاءُ تَجِلَّتِنَا دَمًا     وَشَرُّ الْبُكَاءِ الْمُسْتَعَارُ الْمُمْنَحُ وَمِنْ شِعْرِ كُثَيِّرٍ: خَلِيلَيَّ هَذَا رَسْمُ عَزَّةَ فَاعْقِلَا     قَلُوصَيْكُمَا ثُمَّ ابْكِيَا حَيْثُ حَلَّتِ وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ مَا الْبُكَا     وَلَا مُرْجِفَاتِ الْحُزْنِ حَتَّى تَوَلَّتِ فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ     إِذَا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ أَبَاحَتْ حِمًى لَمْ يَرْعَهُ النَّاسُ قَبْلَهَا     وَحَلَّتْ بَلَاغًا لَمْ تَكُنْ قَبْلُ حُلَّتِ وَوَ اللَّهِ مَا قَارَبَتْ إِلَّا تَبَاعَدَتْ     بِصُرْمٍ وَلَا أَكْثَرَتْ إِلَّا أَقَلَّتِ أَسِيئِي بِنَا أَوْ أَحْسِنِي لَا مَلُومَةً     لَدَيْنَا وَلَا مُوَلِّيَةً إِنْ تَقَلَّتِ فَلَا يَحْسَبُ الْوَاشُونَ أَنَّ صَبَابَتِي     بِعَزَّةَ كَانَتْ غَمْرَةً فَتَجَلَّتِ وَكُنَّا ارْتَقَيْنَا مِنْ صُعُودٍ مِنَ الْهَوَى     فَلَمَّا عَلَوْنَاهُ ثَبَتُّ وَزَلَّتِ وَكُنَّا عَقْدَنَا عُقْدَةَ الْوَصْلِ بَيْنَنَا     فَلَمَّا تَوَافَيْنَا شَدَدْتُ وَحَلَّتِ وَلِلْعَيْنِ أَسْرَابٌ إِذَا مَا ذَكَرْتُهَا     وَلِلْقَلْبِ أَسْرَارٌ إِذَا الْعَيْنُ مَلَّتِ وَقَالَ حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ، عَنْ كُثَيِّرِ عَزَّةَ: وَفَدْتُ أَنَا وَالْأَحْوَصُ وَنُصَيْبٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، وَنَحْنُ نَمُتُّ إِلَيْهِ بِصُحْبَتِنَا إِيَّاهُ وَمُعَاشَرَتِنَا لَهُ لَمَّا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فَكُلٌّ مِنَّا يَظُنُّ أَنَّهُ سَيُشْرِكُهُ فِي الْخِلَافَةِ، فَنَحْنُ نَسِيرُ وَنَخْتَالُ فِي رِحَالِنَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى خُنَاصِرَةَ وَلَاحَتْ لَنَا أَعْلَامُهَا، تَلَقَّانَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا أَقْدَمُكُمْ ؟ أَوَمَا عَلِمْتُمْ أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُحِبُّ الشِّعْرَ ؟ قَالَ: فَوَجَمْنَا لِذَلِكَ، فَأَنْزَلَنَا مَسْلَمَةُ عِنْدَهُ، وَأَجْرَى عَلَيْنَا النَّفَقَاتِ وَعَلَفَ دَوَابَّنَا، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَنَا عَلَى عُمَرَ فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْجُمَعِ دَنَوْتُ مِنْهُ لِأَسْمَعَ خُطْبَتَهُ فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: لِكُلِّ سَفَرٍ زَادٌ لَا مَحَالَةَ، فَتُزَوَّدُوا لِسَفَرِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ بِالتَّقْوَى، وَكُونُوا كَمَنْ عَايَنَ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنْ عَذَابِهِ وَثَوَابِهِ فَتَرْغَبُوا وَتَرْهَبُوا، وَلَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ وَتَنْقَادُوا لِعَدُوِّكُمْ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بُسِطَ أَمَلُ مَنْ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ لَا يُمْسِي بَعْدَ إِصْبَاحِهِ وَلَا يُصْبِحُ بَعْدَ إِمْسَائِهِ، وَرُبَّمَا كَانَتْ لَهُ بَيْنَ ذَلِكَ خَطَرَاتُ الْمَنَايَا، وَإِنَّمَا يَطَمْئِنُّ مَنْ وَثِقَ بِالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا مَنْ لَا يُدَاوِي مِنَ الدُّنْيَا كَلْمًا إِلَّا أَصَابَهُ جَارِحٌ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَكَيْفَ يَطْمَئِنُّ ؟ ! أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ آمُرَكُمْ بِمَا أَنْهَى عَنْهُ نَفْسِي فَتَخْسَرُ صَفْقَتِي وَتَبْدُو مَسْكَنَتِي فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الْحَقُّ وَالصِّدْقُ. ثُمَّ بَكَّى حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَاضٍ نَحْبَهُ، وَارْتَجَّ الْمَسْجِدُ وَمَا حَوْلَهُ بِالْبُكَاءِ وَالْعَوِيلِ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ إِلَى صَاحِبَيَّ، فَقُلْتُ: خُذَا شَرْجًا مِنَ الشِّعْرِ غَيْرَ مَا كُنَّا نَقُولُ لِعُمَرَ وَآبَائِهِ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ آخِرِيٌّ، لَيْسَ بِرَجُلِ دُنْيَا. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْذَنَ لَنَا مَسْلَمَةُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، طَالَ الثَّوَاءُ، وَقَلَّتِ الْفَائِدَةُ، وَتَحَدَّثَ بِجَفَائِكَ إِيَّانَا وُفُودُ الْعَرَبِ. فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [ التَّوْبَةِ: 60 ] - وَقَرَأَ الْآيَةَ - فَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ أَعْطَيْتُكُمْ، وَإِلَّا فَلَا حَقَّ لَكُمْ فِيهَا. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي مِسْكِينٌ وَعَابِرُ سَبِيلٍ وَمُنْقَطَعٌ بِهِ. فَقَالَ: أَلَسْتُمْ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ ؟ يَعْنِي مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقُلْنَا: بَلَى. فَقَالَ: إِنَّهُ لَا ثَوَاءَ عَلَى مَنْ هُوَ عِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ. فَقُلْتُ: ائْذَنْ لِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْإِنْشَادِ. قَالَ: نَعَمْ، وَلَا تَقُلْ إِلَّا حَقًّا. فَأَنْشَدْتُهُ قَصِيدَةً فِيهِ: وَلَيْتَ فَلَمْ تَشْتِمْ عَلِيًّا وَلَمْ تُخِفْ     بَرِيًّا وَلَمْ تَقْبَلْ إِشَارَةَ مُجْرِمِ وَصَدَّقْتَ بِالْفِعْلِ الْمَقَالَ مَعَ الَّذِي     أَتَيْتَ فَأَمْسَى رَاضِيًا كُلُّ مُسْلِمِ أَلَا إِنَّمَا يَكْفِي الْفَتَى بَعْدَ زَيْغِهِ     مِنَ الْأَوَدِ الْبَادِي ثِقَافُ الْمُقَوِّمِ وَقَدْ لَبِسَتْ تَسْعَى إِلَيْكَ ثِيَابُهَا     تَرَاءَى لَكَ الدُّنْيَا بِكَفٍّ وَمِعْصَمِ وَتُومِضُ أَحْيَانًا بِعَيْنٍ مَرِيضَةٍ     وَتَبْسِمُ عَنْ مِثْلِ الْجُمَانِ الْمُنَظَّمِ فَأَعْرَضْتَ عَنْهَا مُشْمَئِزًّا كَأَنَّمَا     سَقَتْكَ مَدُوفًا مِنْ سِمَامٍ وَعَلْقَمِ وَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَجْبَالِهَا فِي مُمَنَّعٍ     وَمِنْ بَحْرِهَا فِي مُزْبِدِ الْمَوْجِ مُفْعَمِ وَمَا زِلْتَ تَوَّاقًا إِلَى كُلِّ غَايَةٍ     بَلَغْتَ بِهَا أَعْلَى الْبِنَاءِ الْمُقَدَّمِ فَلَمَّا أَتَاكَ الْمَلِكُ عَفْوًا وَلَمْ تَكُنْ     لِطَالِبِ دُنْيَا بَعْدَهُ فِي تَكَلُّمِ تَرَكْتَ الَّذِي يَفْنَى وَإِنْ كَانَ مُونِقًا     وَآثَرْتَ مَا يَبْقَى بِرَأْيِ مُصَمِّمِ وَأَضْرَرْتَ بِالْفَانِي وَشَمَّرْتَ لِلَّذِي     أَمَامَكَ فِي يَوْمٍ مِنَ الشَّرِّ مُظْلِمِ وَمَا لَكَ إِذْ كُنْتَ الْخَلِيفَةَ مَانِعٌ     سِوَى اللَّهِ مِنْ مَالِ رَغِيبٍ وَلَا دَمِ سَمَا لَكَ هَمٌّ فِي الْفُؤَادِ مُؤَرِّقٌ     بَلَغْتَ بِهِ أَعْلَى الْمَعَالِي بِسُلَّمِ فَمَا بَيْنَ شَرْقِ الْأَرْضِ وَالْغَرْبِ كُلِّهَا     مُنَادٍ يُنَادِي مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ يَقُولُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ظَلَمْتَنِي     بِأَخْذِكَ دِينَارِي وَلَا أَخْذِ دِرْهَمِي وَلَا بَسْطِ كَفٍّ لِامْرِئٍ غَيْرِ مُجْرِمٍ     وَلَا السَّفْكِ مِنْهُ ظَالِمًا مِلْءَ مِحْجَمِ وَلَوْ يَسْتَطِيعُ الْمُسْلِمُونَ لَقَسَّمُوا     لَكَ الشَّطْرَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ غَيْرَ نُدَّمِ فَعِشْتَ بِهَا مَا حَجَّ لِلَّهِ رَاكِبٌ     مُلَبٍّ مَطِيفٌ بِالْمَقَامِ وَزَمْزَمَ فَأَرْبِحْ بِهَا مِنْ صَفْقَةٍ لِمُبَايِعٍ     وَأَعْظِمْ بِهَا أَعْظِمْ بِهَا ثُمَّ أَعْظِمِ قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالَ: إِنَّكَ تُسْأَلُ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ الْأَحْوَصُ فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّكَ تُسْأَلُ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَهُ نُصَيْبٌ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَأَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَأَغْزَى نُصَيْبًا إِلَى مَرَجِ دَابِقٍ. وَقَدْ وَفَدَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَامْتَدَحَهُ بِقَصَائِدَ، فَأَعْطَاهُ سَبْعَمِائَةِ دِينَارٍ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَ كُثِّيرُ عَزَّةَ شِيعِيًّا خَشَبِيًّا يَرَى الرَّجْعَةَ، وَكَانَ يَرَى التَّنَاسُخَ، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [ الِانْفِطَارِ: 8 ]. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: هُوِّلَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ لَيْلَةً فِي مَنَامِهِ، فَأَصْبَحَ يَمْتَدِحُ آلَ الزُّبَيْرِ وَيَرْثِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَكَانَ يُسِيءُ الرَّأْيَ فِيهِ: بِمُفْتَضِحِ الْبَطْحَاءِ ثَاوٍ لَوَ انَّهُ     أَقَامَ بِهَا مَا لَمْ تَرُمْهَا الْأَخْاشِبُ سَرِحْنَا سُرُوبًا آمِنِينَ وَمَنْ يَخَفْ     بَوَائِقَ مَا يَخْشَى تَنُبْهُ النَّوَائِبُ تَبَرَّأْتُ مِنْ عَيْبِ ابْنِ أَسْمَاءَ إِنَّنِي     إِلَى اللَّهِ مِنْ عَيْبِ ابْنِ أَسْمَاءَ تَائِبُ هُوَ الْمَرْءُ لَا تُزْرِي بِهِ أُمَّهَاتُهُ     وَآبَاؤُهُ فِينَا الْكِرَامُ الْأَطَايِبُ وَقَالَ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّبَيْرِيُّ: قَالَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ لِكُثَيِّرِ عَزَّةَ: مَا الَّذِي يَدْعُوكَ إِلَى مَا تَقُولُ مِنَ الشِّعْرِ فِي عَزَّةَ وَلَيْسَتْ عَلَى مَا تَصِفُ مِنَ الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ ؟ ! فَلَوْ قُلْتَ ذَلِكَ فِيَّ وَفِي أَمْثَالِي، فَأَنَا أَشْرَفُ وَأَفْضَلُ مِنْهَا، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَنْ تَخْتَبِرَهُ وَتَبْلُوَهُ، فَقَالَ: صَحَا قَلْبُهُ يَا عَزُّ أَوْ كَادَ يَذْهَلُ     وَأَضْحَى يُرِيدُ الصَّوْمَ أَوْ يَتَبَدَّلُ وَكَيْفَ يُرِيدُ الصَّوْمَ مَنْ هُوَ وَامِقٌ     لِعَزَّةَ لَا قَالٍ وَلَا مُتَبَذِّلُ إِذَا وَصَلَتْنَا خُلَّةٌ كَيْ تُزِيلُنَا     أَبَيْنَا وَقُلْنَا الْحَاجِبِيَّةُ أَوَّلُ سَنُولِيكِ عُرْفًا إِنْ أَرَدْتِ وِصَالَنَا     وَنَحْنُ لِتِيكَ الْحَاجِبِيَّةِ أَوْصَلُ وَحَدَّثَهَا الْوَاشُونَ أَنِّي هَجَرْتُهَا     فَحَمَلَهَا غَيْظًا عَلَيَّ الْمُحَمِّلُ فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لَقَدْ جَعَلَتْنِي خُلَّةً وَلَسْتُ لَكَ بِخُلَّةٍ، وَهَلَّا قُلْتَ كَمَا قَالَ جَمِيلٌ فَهُوَ وَاللَّهِ أَشْعَرُ مِنْكَ حَيْثُ يَقُولُ: يَا رُبَّ عَارِضَةٍ عَلَيْنَا وَصْلَهَا     بِالْجِدِّ تَخْلِطُهُ بِقَوْلِ الْهَازِلِ فَأَجَبْتُهَا بِالْقَوْلِ بَعْدَ تَسَتُّرٍ     حُبِّي بُثَيْنَةَ عَنْ وِصَالِكِ شَاغِلِي لَوْ كَانَ فِي قَلْبِي بِقَدْرِ قُلَامَةٍ     فَضْلٌ وَصَلْتُكِ أَوْ أَتَتْكِ رَسَائِلِي فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُنْكِرُ فَضْلَ جَمِيلٍ وَمَا أَنَا إِلَّا حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِهِ. وَاسْتَحْيَا. وَمِمَّا أَنْشَدَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ، لِكُثَيِّرِ عَزَّةَ: بِأَبِي وَأُمِّي أَنْتِ مِنْ مَعْشُوقَةٍ     طَبِنَ الْعَدُوُّ لَهَا فَغَيَّرَ حَالَهَا وَمَشَى إِلَيَّ بِعَيْبِ عَزَّةَ نِسْوَةٌ     جَعَلَ الْإِلَهَ خُدُودَهُنَّ نِعَالَهَا اللَّهُ يَعْلَمُ لَوْ جُمِعْنَ وَمُثِّلَتْ     لَاخْتَرْتُ قَبْلَ تَأَمُّلٍ تِمْثَالَهَا وَلَوَ انَّ عَزَّةَ خَاصَمَتْ شَمْسَ الضُّحَى     فِي الْحُسْنِ عِنْدَ مُوَفَّقٍ لَقَضَى لَهَا وَأَنْشَدَ غَيْرُهُ لِكُثَيِّرِ عَزَّةَ: فَمَا أَحْدَثَ النَّأْيُ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا     سُلُوًّا وَلَا طُولُ اجْتِمَاعٍ تَقَالِيَا وَمَا زَادَنِي الْوَاشُونَ إِلَّا صَبَابَةً     وَلَا كَثْرَةُ النَّاهِينَ إِلَّا تَمَادِيَا وَقَالَ كُثَيِّرٌ أَيْضًا: فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ     إِذَا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ دَاءٍ مُخَامِرٍ     لِعَزَّةَ مِنْ أَعْرَاضِنَا مَا اسْتَحَلَّتِ وَقَالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ أَيْضًا، وَفِيهِ حِكْمَةٌ: وَمَنْ لَا يُغْمِضُ عَيْنَهُ عَنْ صَدِيقِهِ     وَعَنْ بَعْضِ مَا فِيهِ يَمُتْ وَهُوَ عَاتِبُ وَمَنْ يَتَتَبَّعْ جَاهِدًا كُلَّ عَثْرَةٍ     يَجِدْهَا وَلَا يَسْلَمُ لَهُ الدَّهْرُ صَاحِبُ وَذَكَرُوا أَنَّ عَزَّةَ بِنْتَ جَمِيلِ بْنِ حَفْصٍ - أَحَدِ بَنِي حَاجِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غِفَارٍ - أُمَّ عَمْرِو الضَّمْرِيَّةَ وَفَدَتْ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ تَشْكُو إِلَيْهِ ظُلَامَةً، فَقَالَ لَهَا: لَا أَقْضِيهَا لَكِ حَتَّى تُنْشِدِينِي شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ. فَقَالَتْ: لَا أَحْفَظُ لَهُ كَثِيرَ شِعْرٍ، لَكِنِّي سَمِعْتُهُمْ يَحْكُونَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِيَّ: قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ عَلِمْتُ غَرِيمَهُ     وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَرِيمُهَا فَقَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا أَسْأَلُكِ، وَلَكِنْ أَنْشِدِينِي قَوْلَهُ: وَقَدْ زَعَمَتْ أَنِّي تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا     وَمَنْ ذَا الَّذِي يَا عَزُّ لَا يَتَغَيَّرُ تَغَيَّرَ جِسْمِي وَالْخَلِيقَةُ كَالَّذِي     عَهِدْتِ وَلَمْ يُخْبَرْ بِسِرِّكِ مُخْبَرُ فَاسْتَحْيَتْ وَقَالَتْ: أَمَّا هَذَا فَلَا أَحْفَظُهُ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُمْ يَحْكُونَهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ أَحْفَظُ لَهُ قَوْلَهُ: كَأَنِّي أُنَادِي صَخْرَةً حِينَ أَعْرَضَتْ     مِنَ الصُّمِّ لَوْ تَمْشِي بِهَا الْعُصْمُ زَلَّتِ صَفُوحٌ فَمَا تَلْقَاكِ إِلَّا بَخِيلَةً     وَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الْوَصْلَ مَلَّتِ قَالَ: فَقَضَى لَهَا حَاجَتَهَا وَرَدَّهَا، وَرَدَّ عَلَيْهَا ظُلَامَتَهَا، وَقَالَ: أَدْخِلُوهَا عَلَى الْحُرَمِ لِيَتَعَلَّمُوا مَنْ أَدَبِهَا. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ نِسَاءِ الْعَرَبِ قَالَتْ: اجْتَازَتْ بِنَا عَزَّةُ فَاجْتَمَعَ نِسَاءُ الْحَاضِرِ إِلَيْهَا لِيَنْظُرْنَ حُسْنَهَا، فَإِذَا هِيَ حُمَيْرَاءُ حُلْوَةٌ لَطِيفَةٌ، فَلَمْ تَقَعْ مِنَ النِّسَاءِ بِذَلِكَ الْمَوْقِعِ حَتَّى تَكَلَّمَتْ، فَإِذَا هِيَ أَبْرَعُ الْخَلْقِ وَأَحْلَاهُ حَدِيثًا، فَمَا بَقِيَ فِي أَعْيُنَنَا امْرَأَةً تَفُوقُهَا حُسْنًا وَجَمَالًا وَحَلَاوَةً. وَذَكَرَ الْأَصْمَعِيُّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: دَخَلَتْ عَزَّةُ عَلَى سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ فَقَالَتْ لَهَا: إِنِّي أَسْأَلُكِ عَنْ شَيْءٍ فَاصْدُقِينِي، مَا الَّذِي أَرَادَ كُثَيِّرُ فِي قَوْلِهِ لَكِ: قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ فَوَفَى غَرِيمَهُ     وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنًّى غَرِيمُهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ وَعَدْتُهُ قُبْلَةً مَطَلْتُهُ بِهَا. فَقَالَتْ: أَنْجِزِيهَا لَهُ وَإِثْمُهَا عَلَيَّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أُمَّ الْبَنِينَ أُخْتَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَتْ لَهَا مِثْلَ هَذَا سَوَاءً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تُوُفِّيَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ وَعِكْرِمَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَصُلِّيَ عَلَيْهِمَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَقَالَ النَّاسُ: مَاتَ أَفْقَهُ النَّاسِ وَأَشْعَرُ النَّاسِ. وَكَانَ كُثَيِّرٌ يَقُولُ عِنْدَ مَوْتِهِ لِأَهْلِهِ: لَا تَبْكُوا عَلَيَّ فَإِنِّي بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَرْجِعُ. أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ مِنْ رِجَالِ " الصَّحِيحَيْنِ ". حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَفِيهَا مَاتَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً )، وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أُمُّهُ صَفِيَّةُ أُخْتُ الْمُخْتَارِ، وَأَوْصَى إِلَيْهِ أَبُوهُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ أَخُو سَالِمٍ لِأُمِّهِ، أُمُّهُمَا أُمُّ وَلَدٍ. فِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَلَهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَفِي أَيَّامِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ. وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ اللَّيْثِيُّ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، سَكَنَ الشَّامَ، ( الْجُنْدَعِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ، وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالنُّونِ ). وَعِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ الْغِفَارِيُّ وَالِدُ خَيْثَمَ بْنِ عِرَاكَ. وَمُوَرِّقٌ الْعِجْلِيُّ.

  401. التاريخ 2492لا حكم مسجّل

    ومما حدث في سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ أَنَّ هِشَامًا عَزْلَ عَبْدَ الْوَاحِدِ النَّضْرِيَّ عَنْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ،  وَوَلَّى ذَلِكَ خَالَهُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيِّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَةُ النَّضْرِيِّ عَلَى الْمَدِينَةِ سَنَةً وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ.

  402. التاريخ 2493لا حكم مسجّل

    الْوَقْعَةِ بَيْنَ مُضَرَ وَالْيَمَنِ بِخُرَاسَانَ   قِيلَ: وَفِي سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ كَانَتِ الْوَقْعَةُ بَيْنَ الْمُضَرِيَّةِ وَالْيَمَانِيَّةِ بِالْبَرُوقَانِ مِنْ أَرْضِ بَلْخٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ زُرْعَةَ غَزَا، فَتَبَطَّأَ النَّاسُ عَنْهُ، وَكَانَ مِمَّنْ تَبَطَّأَ عَنْهُ الْبَخْتَرِيُّ بْنُ دِرْهَمٍ، فَرَدَّ مُسْلِمٌ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ، وَبَلْعَاءَ بْنَ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرَهُمَا إِلَى بَلْخٍ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُخْرِجُوا النَّاسَ، فَأَحْرَقَ نَصْرُ بَابَ الْبَخْتَرِيِّ، وَزِيَادِ بْنِ طَرِيفٍ الْبَاهِلِيِّ، فَمَنَعَهُمْ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ أَخُو قُتَيْبَةَ دُخُولَ بَلْخٍ وَكَانَ عَلَيْهَا، وَقَطَعَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ النَّهْرَ، وَنَزَلَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الْبَرُوقَانِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ الصَّغَانَيَانِ، وَمَسْلَمَةُ التَّمِيمِيُّ، وَحَسَّانُ بْنُ خَالِدٍ الْأَسَدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَتَجَمَّعَتْ رَبِيعَةُ وَالْأَزْدُ بِالْبَرُوقَانِ، عَلَى نِصْفِ فَرْسَخٍ مِنْ نَصْرٍ، وَخَرَجَتْ مُضَرُ إِلَى نَصْرٍ، وَخَرَجَتْ رَبِيعَةُ وَالْأَزْدُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَرْسَلَتْ تَغْلِبُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ: إِنَّكَ مِنَّا، وَأَنْشَدُوهُ شِعْرًا قَالَهُ رَجُلٌ عَزَا بَاهِلَةَ إِلَى تَغْلِبَ، وَكَانَ بَنُو قُتَيْبَةَ مِنْ بَاهِلَةَ، فَلَمْ يَقْبَلْ عَمْرُو ذَلِكَ. وَسَفَرَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْحُدَّانِيُّ فِي الصُّلْحِ، وَكَلَّمَا نَصْرًا، فَانْصَرَفَ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ وَالْبَخْتَرِيِّ عَلَى نَصْرٍ، وَكَرَّ نَصْرُ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ رَجُلٌ مِنْ بَاهِلَةَ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَانْهَزَمَ عَمْرٌو، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ مِنْ نَصْرٍ، فَآمَنُهُ، وَقِيلَ: أَصَابُوا عَمْرًا فِي طَاحُونَةٍ، فَأَتَوْا بِهِ نَصْرًا وَفِي عُنُقِهِ حَبْلٌ، فَآمَنَهُ وَضَرَبَهُ مِائَةً، وَضَرَبَ الْبَخْتَرِيَّ وَزِيَادَ بْنَ طَرِيفٍ مِائَةً مِائَةً، وَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ وَلِحَاهُمْ، وَأَلْبَسَهُمُ الْمُسُوحَ. وَقِيلَ إِنَّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ أَوَّلًا عَلَى نَصْرٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ مُضَرَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُسْلِمٍ لِرَجُلٍ مَعَهُ مِنْ تَمِيمٍ: كَيْفَ تَرَى أَسْتَاهُ قَوْمِكَ يَا أَخَا تَمِيمٍ ؟ يُعَيِّرُهُ بِذَلِكَ. ثُمَّ كَرَّتْ تَمِيمٌ فَهَزَمَتْ أَصْحَابَ عَمْرٍو، فَقَالَ التَّمِيمِيُّ لِعَمْرٍو: هَذِهِ أَسْتَاهُ قَوْمِي. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ انْهِزَامِ عَمْرٍو أَنَّ رَبِيعَةَ كَانَتْ مَعَ عَمْرٍو، فَقُتِلَ مِنْهُمْ وَمِنَ الْأَزْدِ جَمَاعَةٌ، فَقَالَتْ رَبِيعَةُ: عَلَامَ نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا وَأَمِيرَنَا، وَقَدْ تَقَرَّبْنَا إِلَى عَمْرٍو فَأَنْكَرَ قَرَابَتَنَا ؟ فَاعْتَزَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الْأَزْدُ وَعَمْرٌو، ثُمَّ آمَنَهُمْ نَصْرٌ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَلْحَقُوا مُسْلِمَ بْنَ سَعِيدٍ.

  403. التاريخ 2494لا حكم مسجّل

    غَزْوِ مُسْلِمٍ التُّرْكَ   ثُمَّ قَطَعَ مُسْلِمٌ النَّهْرَ، وَلَحِقَ بِهِ مَنْ لَحِقَ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا بَلَغَ بُخَارَى أَتَاهُ كِتَابُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِوِلَايَتِهِ الْعِرَاقَ، وَيَأْمُرُهُ بِإِتْمَامِ غَزَاتِهِ. فَسَارَ إِلَى فَرْغَانَةَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا بَلَغَهُ أَنَّ خَاقَانَ قَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ ذَكَرُوهُ، فَارْتَحَلَ، فَسَارَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ فِي يَوْمٍ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ خَاقَانُ، فَلَقِيَ طَائِفَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَصَابَ دَوَابَّ لِمُسْلِمٍ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقُتِلَ الْمُسَيَّبُ بْنُ بِشْرٍ الرِّيَاحَيُّ، وَالْبَرَاءُ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ الْمُهَلَّبِ، وَقُتِلَ أَخُو غَوْزَكَ، وَثَارَ النَّاسُ فِي وُجُوهِهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَرَحَلَ مُسْلِمٌ بِالنَّاسِ، فَسَارَ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ وَهُمْ مُطِيفُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا كَانَتِ التَّاسِعَةُ أَرَادُوا النُّزُولَ، فَشَاوَرُوا النَّاسَ، فَأَشَارَ بِهِ وَقَالُوا: إِذَا أَصْبَحْنَا وَرْدَنَا الْمَاءَ [ وَالْمَاءُ ] مِنَّا غَيْرُ بَعِيدٍ. فَنَزَلُوا وَلَمْ يَرْفَعُوا بِنَاءً فِي الْعَسْكَرِ، وَأَحْرَقَ النَّاسُ مَا ثَقُلَ مِنَ الْآنِيَةِ وَالْأَمْتِعَةِ، فَحَرَقُوا مَا قِيمَتُهُ أَلْفُ أَلْفٍ، وَأَصْبَحَ النَّاسُ، فَسَارُوا، فَوَرَدُوا النَّهْرَ، وَأَهْلُ فَرْغَانَةَ وَالشَّاشِ دُونَهُ، فَقَالَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ: أَعْزِمُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ إِلَّا اخْتَرَطَ سَيْفَهُ، فَفَعَلُوا وَصَارَتِ الدُّنْيَا كُلُّهَا سُيُوفًا، فَتَرَكُوا الْمَاءَ وَعَبَرُوا. فَأَقَامَ يَوْمًا، ثُمَّ قَطَعَ مِنْ غَدٍ، وَاتَّبَعَهُمُ ابْنٌ لِخَاقَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهُوَ عَلَى السَّاقَةِ: قِفْ لِي فَإِنَّ خَلْفِي مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنَ التُّرْكِ حَتَّى أُقَاتِلَهُمْ، وَهُوَ مُثْقَلٌ جِرَاحَةً، فَوَقَفَ النَّاسُ، وَعَطَفَ عَلَى التُّرْكِ، فَقَاتَلَهُمْ، وَأُسِرَ أَهْلُ الصُّغْدِ وَقَائِدُهُمْ وَقَائِدُ التُّرْكِ فِي سَبْعَةٍ، وَمَضَى الْبَقِيَّةُ، وَرَجَعَ حُمَيْدٌ، فَرُمِيَ بِنُشَّابَةٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَمَاتَ. وَعَطِشَ النَّاسُ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعَامِرِيُّ حَمَلَ عِشْرِينَ قِرْبَةً عَلَى إِبِلِهِ، فَسَقَاهَا النَّاسَ جُرَعًا جُرَعًا، وَاسْتَسْقَى مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ، فَأَتَوْهُ بِإِنَاءٍ، فَأَخَذَهُ جَابِرٌ أَوْ حَارِثَةُ بْنُ كَثِيرٍ أَخُو سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ مِنْ فِيهِ، فَقَالَ مُسْلِمٌ: دَعُوهُ فَمَا نَازَعَنِي شَرْبَتِي إِلَّا مِنْ حَرٍّ دَخَلَهُ. وَأَتَوْا خُجَنْدَةَ، وَقَدْ أَصَابَهُمْ مَجَاعَةٌ وَجَهْدٌ، فَانْتَشَرَ النَّاسُ، فَإِذَا فَارِسَانِ يَسْأَلَانِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ، فَأَتَيَاهُ بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ مِنْ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخِي خَالِدٍ، فَأَقْرَأَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مُسْلِمًا، فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْخِيَامَ فِي مَفَازَةِ آمُلَ. قَالَ الْخَزْرَجُ التَّغْلَبِيُّ: قَاتَلْنَا التُّرْكَ، فَأَحَاطُوا بِنَا حَتَّى أَيْقَنَّا بِالْهَلَاكِ، فَحَمَلَ حَوْثَرَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحُرِّ بْنِ الْخُنَيْفِ عَلَى التُّرْكِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَقَاتَلَهُمْ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ، وَأَقْبَلَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَزَالَهُمْ عَنْ مَوَاضِعِهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ، فَانْهَزَمَ التُّرْكُ، وَحَوْثَرَةُ وَهُوَ ابْنُ أَخِي رَقَبَةَ بْنِ الْحُرِّ. قِيلَ: وَكَانَ عُمَرُ بْنُ هُبَيْرَةَ قَالَ لِمُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ حِينَ وَلَّاهُ: لِيَكُنْ حَاجِبُكَ مِنْ صَالِحِ مُوَالِيكَ، فَإِنَّهُ لِسَانُكَ وَالْمُعَبِّرُ عَنْكَ، وَعَلَيْكَ بِعُمَّالِ الْعُذْرِ. قَالَ: وَمَا عُمَّالُ الْعُذْرِ ؟ قَالَ: تَأْمُرُ أَهْلَ كُلِّ بَلَدٍ أَنْ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا كَانَ لَكَ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا كَانَ لَهُمْ دُونَكَ، وَكُنْتَ مَعْذُورًا. وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ مُسْلِمِ بْنِ سَعِيدٍ تَوْبَةُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، فَلَمَّا وَلِيَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خُرَاسَانَ جَعَلَهُ عَلَى خَاتَمِهِ أَيْضًا.

  404. التاريخ 2495لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ أَسَدٍ خُرَاسَانَ   قِيلَ: وَفِي سنة ست ومائة اسْتَعْمَلَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخَاهُ أَسَدًا عَلَى خُرَاسَانَ، فَقَدِمَهَا وَمُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ [ غَازٍ ] بِفَرْغَانَةَ، فَلَمَّا أَتَى أَسَدٌ النَّهْرَ لِيَقْطَعَهُ مَنْعَهُ الْأَشْهَبُ بْنُ عُبَيْدٍ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ عَلَى السُّفُنِ بِآمُلَ، وَقَالَ: قَدْ نُهِيتُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ وَلَاطَفَهُ، فَأَبَى، قَالَ: فَإِنِّي أَمِيرٌ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ أَسَدٌ: اعْرِفُوا هَذَا حَتَّى نَشْكُرَهُ فِي أَمَانَتِنَا. وَأَتَى الصُّغْدَ فَنَزَلَ بِالْمَرَجِ، وَعَلَى سَمَرْقَنْدَ هَانِئُ بْنُ هَانِئٍ، فَخَرَجَ فِي النَّاسِ يَلْقَى أَسَدًا، فَرَآهُ عَلَى حَجَرٍ، فَتَفَاءَلَ النَّاسُ، وَقَالُوا: مَا عِنْدَ هَذَا خَيْرٌ، أَسَدٌ عَلَى حَجَرٍ. وَدَخَلَ سَمَرْقَنْدَ وَبَعَثَ رَجُلَيْنِ مَعَهُمَا عَهْدُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ عَلَى الْجُنْدِ، فَقَدِمَا وَسَأَلَا عَنْهُ وَسَلَّمَا إِلَيْهِ الْعَهْدَ، فَأَتَى بِهِ مُسْلِمًا فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. وَقَفَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالنَّاسِ وَمَعَهُ مُسْلِمٌ، فَقَدِمُوا عَلَى أَسَدٍ بِسَمَرْقَنْدَ، فَعَزَلَ هَانِئًا عَنْهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْعَمَرَّطَةِ الْكِنْدِيَّ. وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ الْأَتْرَاكَ قَدْ أَتَوْكَ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ. فَقَالَ: مَا أَتَوْنَا، نَحْنُ أَتَيْنَاهُمْ وَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ وَاسْتَعْبَدْنَاهُمْ، وَمَعَ هَذَا فَلَأُدْنِيَنَّ بَعْضَكُمْ مِنْ بَعْضٍ وَلَأُقْرِنَنَّ نَوَاصِيَ خَيْلِكُمْ بِخَيْلِهِمْ، ثُمَّ سَبَّهُمْ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ مُتَبَاطِئًا، فَأَغَارُوا وَرَجَعُوا سَالِمِينَ. وَاسْتَخْلَفَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ ثَابِتَ قُطْنَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ وَقَالَ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ، فَسَكَتَ وَلَمْ يَنْطِقْ بِكَلِمَةٍ، وَقَالَ: إِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ خَطِيبًا فَإِنَّنِي بِسَيْفِي إِذَا جَدَّ الْوَغَى لَخَطِيبُ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ قُلْتَ هَذَا عَلَى الْمِنْبَرِ لَكُنْتَ أَخْطَبَ النَّاسِ، فَقَالَ حَاجِبُ الْفِيلِ الْيَشْكُرِيُّ يُعَيِّرُهُ حَصْرَهُ: أَبَا الْعَلَاءِ لَقَدْ لَاقَيْتَ مُعْضِلَةً يَوْمَ الْعُرُوبَةِ مِنْ كَرْبٍ وَتَخْنِيقِ     تَلْوِي اللِّسَانَ إِذَا رُمْتَ الْكَلَامَ بِهِ كَمَا هَوَى زَلَقٌ مِنْ شَاهِقِ النِّيقِ     لَمَّا رَمَتْكَ عُيُونُ النَّاسِ صَاحِيَةً أَنْشَأَتْ تَجْرَضُ لَمَّا قُمْتَ بِالرِّيقِ     أَمَّا الْقُرَانُ فَلَا تُهْدَى لِمُحْكَمَةٍ مِنَ الْقُرَانِ وَلَا تُهْدَى لِتَوْفِيقِ

  405. التاريخ 2496لا حكم مسجّل

    اسْتِعْمَالِ الْحُرِّ عَلَى الْمَوْصِلِ   فِي سنة ست ومائة اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ الْحُرَّ بْنَ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْمَنْقُوشَةَ دَارًا يَسْكُنُهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمَنْقُوشَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَنْقُوشَةً بِالسَّاجِ وَالرُّخَامِ وَالْفُصُوصِ الْمُلَوَّنَةِ وَمَا شَاكَلَهَا، وَكَانَتْ عِنْدَ سُوقِ الْقَتَّابِينَ وَالشَّعَّارِينَ وَسُوقِ الْأَرْبِعَاءَ، وَأَمَّا الْآنُ فَهِيَ خَرِبَةٌ تُجَاوِرُ سُوقَ الْأَرْبِعَاءَ. وَهَذَا الْحُرُّ الَّذِي عَمِلَ النَّهْرَ الَّذِي كَانَ بِالْمَوْصِلِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تَحْمِلُ جَرَّةَ مَاءٍ، وَهِيَ تَحْمِلُهَا قَلِيلًا، ثُمَّ تَسْتَرِيحُ قَلِيلًا; لِبُعْدِ الْمَاءِ، فَكَتَبَ إِلَى هِشَامٍ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِحَفْرِ نَهْرٍ إِلَى الْبَلَدِ، فَحَفَرَهُ، فَكَانَ أَكْثَرُ شُرْبِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ كَانَ الشَّارِعُ الْمَعْرُوفُ بِشَارِعِ النَّهْرِ، وَبَقِيَ الْعَمَلُ فِيهِ عِدَّةَ سِنِينَ، وَمَاتَ الْحُرُّ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ.

  406. التاريخ 2497لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ غَزَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ، وَغَزَا الْحَجَّاجُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ اللَّانَ،  فَصَالَحَ أَهْلَهَا وَأَدَّوُا الْجِزْيَةَ. وَفِيهَا: قَدِمَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ بَعْدَ خُرَاسَانَ،  فَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ لَبِيدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى خُرَاسَانَ. وَفِيهَا: اسْتَقْضَى هِشَامٌ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامٍ الْجُمَحِيَّ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَاسْتَقْضَى الصَّلْتَ الْكِنْدِيَّ. وَفِيهَا: وُلِدَ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ فِي رَجَبٍ.

  407. التاريخ 2498لا حكم مسجّل

    حَجِّ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ  وفي سَنَةُ سِتٍّ وَمِائَةٍ: حَجَّ بِالنَّاسِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ،  وَكَتَبَ إِلَى أَبِي الزِّنَادِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ: اكْتُبْ إِلَيَّ بِسُنَنِ الْحَجِّ، فَكَتَبَهَا لَهُ وَتَلَقَّاهُ، فَلَمَّا صَلَّى هِشَامٌ فِي الْحِجْرِ كَلَّمَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَبِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ وَالْبَلَدِ الَّذِي خَرَجْتَ مُعَظِّمًا لِحَقِّهِ إِلَّا رَدَدْتَ عَلَيَّ ظُلَامَتِي، قَالَ: وَأَيُّ ظُلَامَةٍ؟ قَالَ: دَارِي، قَالَ: فَأَيْنَ كُنْتَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي وَاللَّهِ، قَالَ: فَعَنِ الْوَلِيدِ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي وَاللَّهِ، قَالَ: فَعَنْ سُلَيْمَانَ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي وَاللَّهِ، قَالَ: فَعَنْ عُمَرَ؟ قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ رَدَّهَا وَاللَّهِ عَلَيَّ، قَالَ: فَعَنْ يَزِيدَ؟ قَالَ: ظَلَمَنِي وَاللَّهِ، هُوَ قَبَضَهَا مِنْ بَعْدِ قَبْضِي لَهَا، وَهِيَ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ كَانَ فِيكَ ضَرْبٌ لَضَرَبْتُ، فَقَالَ: فِي وَاللَّهِ ضَرْبٌ بِالسَّيْفِ وَالسَّوْطِ، فَقَالَ هِشَامٌ: هَذِهِ قُرَيْشٌ وَأَلْسِنَتُهَا وَلَا يَزَالُ فِي النَّاسِ بَقَايَا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: لَقِيتُ هِشَامًا، فَإِنِّي لَفِي الْمَوْكِبِ إِذْ لَقِيَهُ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَسَارَ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ يُنْعِمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْصُرُ خَلِيفَتَهُ الْمَظْلُومَ، وَلَمْ يَزَالُوا يَلْعَنُونَ فِي هَذِهِ الْمُوَاطِنِ أَبَا تُرَابٍ ! فَإِنَّهَا مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْعَنَهُ فِيهَا. فَشَقَّ عَلَى هِشَامٍ قَوْلُهُ وَقَالَ: مَا قَدِمْنَا لِشَتْمِ أَحَدٍ وَلَا لِلَعْنِهِ، قَدِمْنَا حُجَّاجًا، ثُمَّ قَطَعَ كَلَامَهُ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنِ الْحَجِّ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا كَتَبْتُ لَهُ، قَالَ: وَشَقَّ عَلَى سَعِيدٍ أَنِّي سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِذَلِكَ، وَكَانَ مُنْكَسِرًا كُلَّمَا رَآنِي. وَلَمَّا دَخَلَ هِشَامٌ الْمَدِينَةَ صَلَّى عَلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَرَأَى كَثْرَةَ النَّاسِ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ بَعْثَ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسُمِّيَ عَامَ الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى صَلَاةِ الْبَصْرَةِ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَعَلَى الشُّرْطَةِ مَالِكَ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَعَلَى قَضَائِهَا ثُمَامَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَخَاهُ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ.

  408. التاريخ 2499لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ست ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَبُو عُمَرَ  : رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَأَبِي أَيُّوبَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَكَانَ فَقِيهًا عَابِدًا جَوَادًا صَالِحًا، وَكَانَ أَشْبَهَ أَوْلَادِ أَبِيهِ بِهِ، وَكَانَ أَبُوهُ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لَهُ فَإِذَا لِيمَ عَلَى ذَلِكَ أَنْشَدَ: يَلُومُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأَلُومُهُمْ وَجِلْدَةُ بَيْنَ الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ سَالِمُ عن هَوْدَةُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: زَحَمَ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: بَعْضُ هَذَا رَحِمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مَا أَرَاكَ إِلَّا رَجُلَ سُوءٍ، فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: مَا أَحْسَبُكَ أَبْعَدْتَ. وعن ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَنْظَلَةُ، قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي حَوَائِجَ نَفْسِهِ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ أَشْهَبَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي زَمَنِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَشْبَهَ بِمَنْ مَضَى مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الزُّهْدِ وَالْقَصْدِ فِي الْعَيْشِ مِنْهُ،  كَانَ يَلْبَسُ بِدِرْهَمَيْنِ، وَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَرَآهُ حَسَنَ السَّجِيَّةِ: أَيُّ شَيْءٍ تَأْكُلُ؟ قَالَ: الْخُبْزَ وَالزَّيْتَ وَإِذَا وَجَدْتُ اللَّحْمَ أَكَلْتُهُ، فَقَالَ لَهُ: أَوَ تَشْتَهِيهِ، قَالَ: إِذَا لَمْ أَشْتَهِهِ تَرَكْتُهُ حَتَّى أَشْتَهِيَهُ. عن عُمَيْرُ بْنُ مِرْدَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: دَخَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكَعْبَةَ فَإِذَا هُوَ بِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا سَالِمُ سَلْنِي حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَسْأَلَ فِي بَيْتِ اللَّهِ غَيْرَهُ. فَلَمَّا خَرَجَ خَرَجَ فِي أَثَرِهِ، فَقَالَ لَهُ: الْآنَ قَدْ خَرَجْتَ فَسَلْنِي حَاجَةً، فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا أَمْ مِنْ حَوَائِجِ الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُ: مَا سَأَلْتُ مَنْ يَمْلِكُهَا فَكَيْفَ أَسْأَلُ مَنْ لَا يَمْلِكُهَا. تُوُفِّيَ سَالِمٌ بِالْمَدِينَةِ فِي آخِرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَقْدِمَهُ الْمَدِينَةَ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. طَاوُوسُ بْنُ كَيْسَانَ الْيَمَانِيُّ طَاوُوسُ بْنُ كَيْسَانَ الْيَمَانِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَوْلًى لِهَمَذَانَ: حَجَّ أَرْبَعِينَ حَجَّةً، وَجَالَسَ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. عن عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَطَاوُوسٌ الْيَمَانِيُّ الْغَدَاةَ بِوُضُوءِ الْعَتَمَةَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وعن عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ دَاوُدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ الْأَسَدَ حَبَسَ النَّاسَ لَيْلَةً فِي طَرِيقِ الْحَجِّ، فَدَقَّ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَمَّا كَانَ السَّحَرُ ذَهَبَ عَنْهُمْ، فَنَزَلَ النَّاسُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ فَنَامُوا، وَقَامَ طَاوُوسٌ يُصَلِّي، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: أَلَا تَنَامُ فَقَدْ نَصِبْتَ اللَّيْلَةَ؟ فَقَالَ طَاوُوسٌ: وَمَنْ يَنَامُ السَّحَرَ. وعن عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: قَدِمَ طَاوُوسٌ مَكَّةَ فَقَدِمَ أَمِيرٌ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ مِنْ فَضْلِهِ، وَمِنْ، وَمِنْ، فَلَوْ أَتَيْتَهُ، قَالَ: مَا إِلَيْهِ مِنْ حَاجَةٍ، قَالُوا: إِنَّا نَخَافُهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَمَا هُوَ كَمَا تَقُولُونَ. الْعَابِدُ الْيَمَنِيُّ الْعَابِدُ الْيَمَنِيُّ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: قَالَ طَاوُوسٌ: بَيْنَا أَنَا بِمَكَّةَ بَعَثَ إِلَيَّ الْحَجَّاجُ فَأَجْلَسَنِي إِلَى جَنْبِهِ وَأَتْكَأَنِي عَلَى وِسَادَةٍ إِذْ سَمِعَ مُلَبِّيًا يُلَبِّي حَوْلَ الْبَيْتِ رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِالرَّجُلِ، فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قَالَ: مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: لَيْسَ عَنِ الْإِسْلَامِ سَأَلْتُكَ، قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ عَنِ الْبَلَدِ، قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ مُحَمَّدَ بْنُ يُوسُفَ؟ - يُرِيدُ أَخَاهُ - قَالَ: تَرَكْتُهُ عَظِيمًا وَسِيمًا لَبَّاسًا رَكَّابًا خَرَّاجًا وَلَّاجًا، قَالَ: لَيْسَ عَنْ هَذَا سَأَلْتُكَ، قَالَ: فَعَمَّ سَأَلْتَ؟ قَالَ: سَأَلْتُكَ عَنْ سِيرَتِهِ، قَالَ: تَرَكْتُهُ ظَلُومًا غَشُومًا، مُطِيعًا لِلْمَخْلُوقِ عَاصِيًا لِلْخَالِقِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَكَانَهُ مِنِّي؟ قَالَ الرَّجُلُ: أَتَرَاهُ بِمَكَانِهِ مِنْكَ أَعَزَّ مِنِّي بِمَكَانِي مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَنَا وَافِدُ بَيْتِهِ وَمُصَدِّقُ نَبِيِّهِ وَقَاضِي دَيْنِهِ، قَالَ: فَسَكَتَ الْحَجَّاجُ فَمَا أَجَابَ جَوَابًا، فَقَامَ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَانْصَرَفَ. قَالَ طَاوُوسٌ: فَقُمْتُ فِي أَثَرِهِ وَقُلْتُ: الرَّجُلُ حَكِيمٌ، فَأَتَى الْبَيْتَ فَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بِكَ أَعُوذُ وَبِكَ أَلُوذُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي اللَّهَفِ إِلَى جُودِكِ، وَالرِّضَا بِضَمَانِكَ مَنْدُوحَةً عَنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ وَغِنًى عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَكَ الْقَرِيبَ وَمَعْرُوفَكَ الْقَدِيمَ وَعَادَتَكَ الْحَسَنَةَ. ثُمَّ ذَهَبَ النَّاسُ فَرَأَيْتُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْبَلْ حَجِّي وَتَعَبِي وَنَصَبِي فَلَا تَحْرِمْنِي الْأَجْرَ عَلَى مُصِيبَتِي بِتَرْكِكَ الْقَبُولَ. ثُمَّ ذَهَبَ فِي النَّاسِ فَرَأَيْتُهُ غَدَاةَ جَمْعٍ يَقُولُ: وَا سَوْءَتَاهُ مِنْكَ [وَاللَّهِ] وَإِنْ عَفَوْتَ. يُرَدِّدُ ذَلِكَ.

  409. التاريخ 2500لا حكم مسجّل

    مُلْكِ الْجُنَيْدِ بَعْضَ بِلَادِ السِّنْدِ وَقَتْلِ صَاحِبِهِ جَيْشَبَهْ   وفي سَنَةُ سَبْعٍ وَمِائَةٍ اسْتَعْمَلَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى السِّنْدِ فَنَزَلَ شَطَّ مِهْرَانَ، فَمَنَعَهُ جَيْشَبَهْ بْنُ ذَاهِرَ الْعُبُورَ، وَقَالَ: إِنَّنَا مُسْلِمُونَ، فَقَدِ اسْتَعْمَلَنِي الرَّجُلُ الصَّالِحُ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَلَى بِلَادِي وَلَسْتُ آمَنُكَ، فَأَعْطَاهُ رَهْنًا وَأَخَذَ مِنْهُ رَهْنًا بِمَا عَلَى بِلَادِهِ مِنَ الْخَرَاجِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا تَرَادَّا الرَّهْنَ وَكَفَرَ جَيْشَبَهْ وَحَارَبَهُ، وَقِيلَ: لَمْ يُحَارِبْهُ، وَلَكِنَّ الْجُنَيْدَ تَجَنَّى عَلَيْهِ، فَأَتَى الْهِنْدَ، فَجَمَعَ وَأَخَذَ السُّفُنَ، ( وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ، فَسَارَ الْجُنَيْدُ إِلَيْهِ فِي السُّفُنِ ) أَيْضًا، فَالْتَقَوْا، فَأُخِذَ جَيْشَبَهْ أَسِيرًا، وَقَدْ جَنَحَتْ سَفِينَتُهُ، فَقَتَلَهُ، وَهَرَبَ أَخُوهُ صَصَّةَ إِلَى الْعِرَاقِ لِيَشْكُوَ غَدْرَ الْجُنَيْدِ، فَخَدَعَهُ الْجُنَيْدُ حَتَّى جَاءَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وَغَزَا الْجُنَيْدُ الْكَيْرَجَ، وَكَانُوا قَدْ نَقَضُوا، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، وَفَتَحَ أَرَزِينَ، وَالْمَالِيَّةَ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ ذَلِكَ الثَّغْرِ.

  410. التاريخ 2501لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ عَنْبَسَةَ الْفِرِنْجَ بِالْأَنْدَلُسِ   وفِي سنة سبع ومائة غَزَا عَنْبَسَةُ بْنُ سُحَيْمٍ الْكَلْبِيُّ عَامِلُ الْأَنْدَلُسِ بَلَدَ الْفِرِنْجِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَنَازَلَ مَدِينَةَ قَرْقَسُونَةَ وَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى نِصْفِ أَعْمَالِهَا، وَعَلَى جَمِيعِ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَأَسْلَابِهِمْ، وَأَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَيَلْتَزِمُوا بِأَحْكَامِ الذِّمَّةِ مِنْ مُحَارَبَةِ مَنْ حَارَبَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَمُسَالِمَةِ مَنْ سَالَمُوهُ، فَعَادَ عَنْهُمْ عَنْبَسَةُ، وَتُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ أَيْضًا، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَرْبَعَ سِنِينَ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَلَمَّا مَاتَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ بِشْرُ بْنُ صَفْوَانَ يَحْيَى بْنَ سَلَمَةَ الْكَلْبِيَّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ أَيْضًا.

  411. التاريخ 2502لا حكم مسجّل

    حَالِ الدُّعَاةِ لِبَنِي الْعَبَّاسِ   قِيلَ: وَفِي سنة سبع ومائة وَجَّهَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ: أَبَا عِكْرِمَةَ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ خُنَيْسٍ، وَعَمَّارًا الْعَبَّادِيَّ، وَزِيَادًا خَالَ الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِ، فِي عِدَّةٍ مِنْ شِيعَتِهِمْ دُعَاةً إِلَى خُرَاسَانَ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَوَشَى بِهِمْ إِلَيْهِ، فَأُتِيَ بِأَبِي عِكْرِمَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ خُنَيْسٍ، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ، وَنَجَا عَمَّارٌ، فَقَطَعَ أَسَدٌ أَيْدِي مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ وَصَلَبَهُمْ، وَأَقْبَلَ عَمَّارٌ إِلَى بُكَيْرِ بْنِ مَاهَانَ، فَأَخْبَرَهُ [ الْخَبَرَ ]، فَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَّقَ دَعْوَتَكُمْ وَمَقَالَتَكُمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْكُمْ قَتْلَى، سَتُقْتَلُ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ خُرَاسَانَ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ زِيَادٌ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى هَمْدَانَ فِي وِلَايَةِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، بَعَثَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ النَّاسَ إِلَيْنَا، وَانْزِلْ فِي الْيَمَنِ وَأَلْطِفْ مُضَرَ، فَقَدِمَ وَدَعَا إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، وَذَكَرَ سِيرَةَ بَنِي مَرْوَانَ وَظُلْمَهُمْ، وَجَعَلَ يُطْعِمُ النَّاسَ الطَّعَامَ، وَكَانَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَتَلَهُمْ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

  412. التاريخ 2503لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة سبع ومائة قَدِمَ مُسْلِمُ بْنُ سَعِيدٍ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَكَانَ أَسَدٌ يُكْرِمُهُ بِخُرَاسَانَ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ، فَقَدِمَ مُسْلِمٌ وَابْنُ هُبَيْرَةَ يُرِيدُ الْهَرَبَ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنِ الْقَوْمَ فِينَا أَحْسَنُ رَأْيًا مِنْكُمْ فِيهِمْ.

  413. التاريخ 2504لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة سبع ومائة غَزَا أَسَدٌ جِبَالَ نَمِرُونَ مَلِكِ غَرْشِسْتَانَ مِمَّا يَلِي جِبَالَ الطَّالْقَانِ، فَصَالَحَهُ نَمِرُونَ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِهِ، وَهُمُ [ الْيَوْمَ ] يَتَوَلَّوْنَ الْيَمَنَ.

  414. التاريخ 2505لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ غَزْوَةِ الْغُورِ   قِيلَ: وَفِي سنة سبع ومائة غَزَا أَسَدٌ الْغُورَ، وَهِيَ جِبَالُ هَرَاةَ، فَعَمَدَ أَهْلُهَا إِلَى أَثْقَالِهِمْ فَصَيَّرُوهَا فِي كَهْفٍ لَيْسَ إِلَيْهِ طَرِيقٌ، فَأَمَرَ أَسَدٌ بِاتِّخَاذِ تَوَابِيتَ، وَوَضَعَ فِيهَا الرِّجَالَ، وَدَلَّاهَا بِسَلَاسِلَ فَلَمَّا جَمَعُوا مَا هُنَالِكَ قَعَدَ الرِّجَالُ فِي التَّوَابِيتِ وَرَفَعُوهُمْ، فَسَلِمُوا وَغَنِمُوا. وَهَذَا رَأْيٌ سَدِيدٌ.

  415. التاريخ 2506لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سنة سبع ومائة عَزَلَ هِشَامٌ: الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَسْلَمَةُ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو الطَّائِيَّ، فَافْتَتَحَ مِنْ بَلَدِ التُّرْكِ رُسْتَاقًا وَقُرًى كَثِيرَةً، وَأَثَّرَ فِيهَا أَثَرًا حَسَنًا. وَفِيهَا نَقَلَ أَسَدٌ مَنْ كَانَ بِالْبَرُوقَانِ إِلَى بَلْخٍ مِنَ الْجُنْدِ، وَأَقْطَعَ كُلَّ مَنْ كَانَ لَهُ بِالْبَرُوقَانِ بِقَدْرِ مَسْكَنِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ أَقْطَعَهُ مَسْكَنًا، وَأَرَادَ أَنْ يُنْزِلَهُمْ عَلَى الْأَخْمَاسِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ يَتَعَصَّبُونَ، فَخَلَطَ بَيْنَهُمْ. وَتَوَلَّى بِنَاءَ مَدِينَةِ بَلْخٍ بَرْمَكُ أَبُو خَالِدِ بْنِ بَرْمَكَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَرُوقَانِ فَرْسَخَانِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا. فِيهَا خَرَجَ بِالْيَمَنِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عَبَّادٌ الرُّعَيْنِيُّ. فَدَعَا إِلَى مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَاتَّبَعَهُ فِرْقَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَحَكَمُوا، فَقَاتَلَهُمْ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَفِيهَا وَقَعَ بِالشَّامِ طَاعُونٌ شَدِيدٌ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ وَعَلَى جَيْشِ أَهْلِ الشَّامِ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ فَقَطَعُوا الْبَحْرَ إِلَى قُبْرُسَ  . وَغَزَا مَسْلَمَةُ فِي الْبَرِّ فِي جَيْشٍ آخَرَ. وَفِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ أَيَّامِهِ: فُتِحَتْ قَيْصَرِيَّةُ الرُّومِ بِالسَّيْفِ.

  416. التاريخ 2507لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة سبع ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ  : حَدَّثَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. كَانَ يَسْكُنُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَلَهُ عِبَادَةٌ وَفَضْلٌ، غَرِقَ فِي بَحْرِ الرُّومِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: إِنَّ عِنْدَنَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدٍ مِنَ الْعُبَّادِ، إِذَا سَمِعَنَا نَذْكُرُ شِعْرًا صَاحَ عَلَيْنَا، فَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: ذَاكَ رَجُلٌ نَسَكَ نُسُكَ الْعَجَمِ. أَسْوَدُ بْنُ كُلْثُومٍ أَسْوَدُ بْنُ كُلْثُومٍ: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ كُلْثُومٍ، كَانَ إِذَا مَشَى لَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ قَدَمَيْهِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِالنِّسْوَةِ وَفِي الْخِدْرِ يَوْمَئِذٍ قُصَّرٌ، وَلَعَلَّ إِحْدَاهُنَّ أَنْ تَكُونَ وَاضِعَةً ثَوْبَهَا أَوْ خِمَارَهَا فَإِذَا رَأَيْنَهُ رَاعَهُنَّ ثُمَّ يَقُلْنَ: كَلَّا إِنَّهُ الْأَسْوَدُ بْنُ كُلْثُومٍ، فَلَمَّا قَرُبَ غَازِيًا قَالَ: اللَّهُمَّ نَفْسِي هَذِهِ تَزْعُمُ فِي الرَّخَاءِ أَنَّهَا تُحِبُّ لِقَاءَكَ فَإِنْ كَانَتْ صَادِقَةً فَارْزُقْهَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَاحْمِلْهَا عَلَيْهِ فَإِنْ كَرِهَتْ فَأَطْعِمْ لَحْمِي سِبَاعًا وَطَيْرًا، فَانْطَلَقَ فِي خَيْلٍ فَدَخَلُوا حَائِطًا فَنَدَرَ بِهِمُ الْعَدُوُّ، فَجَاءُوا فَأَخَذُوا بِثُلْمَةِ الْحَائِطِ، فَنَزَلَ الْأَسْوَدُ عَنْ فَرَسِهِ فَضَرَبَهَا حَتَّى غَذَّتْ، فَخَرَجَ ثُمَّ أَتَى الْمَاءَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، قَالَ: يَقُولُ الْعَجَمُ: هَكَذَا اسْتِسْلَامُ الْعَرَبِ إِذَا اسْتَسْلَمُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ: فَمَرَّ عَظِيمُ الْجَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ بِذَلِكَ الْحَائِطِ فَقِيلَ لِأَخِيهِ: لَوْ دَخَلْتَ فَنَظَرْتَ مَا بَقِيَ مِنْ عِظَامِ أَخِيكَ [وَلَحْمِهِ]، قَالَ: لَا، دَعَا أَخِي بِدُعَاءٍ فَاسْتُجِيبَ لَهُ، فَلَسْتُ أَعْرِضُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، مَوْلًى لِبَنِي زَهْرَةَ، مَدِينِيٌّ: رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، أَبُو نَصْرٍ الْعَدَوِيُّ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، أَبُو نَصْرٍ الْعَدَوِيُّ: أَسْنَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ. كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: مَا بِالْمِصْرِيِّينَ أَعْلَى مِنْ حُمَيْدٍ. عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَصُوِّرَ صُورَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأُلْبِسَ لِبَاسَهُمْ وَحُلِّيَ حُلَاهُمْ وَرَأَى أَزْوَاجَهُ وَخَدَمَهُ وَمَسَاكِنَهُ فِي الْجَنَّةِ يَأْخُذُهُ سُوَارُ فَرَحٍ، فَلَوْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَمُوتَ مَاتَ فَرَحًا، فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَ سُوَارَ فَرْحَتِكَ هَذِهِ فَإِنَّهَا قَائِمَةٌ لَكَ أَبَدًا. حَسَّانُ بْنُ حُرَيْثٍ حَسَّانُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَبُو السُّوَارِ الْعَدَوَيُّ: وَيُقَالُ اسْمُهُ مُنْقِذٌ. رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ [بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ، وَكَذَلِكَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلَهُ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ]، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْقَاضِي الْعَدَوِيُّ. وَلِيَ الْقَضَاءَ لِلرَّشِيدِ، وَكَذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو غَسَّانَ الْعَدَوِيُّ، وَيُلَقَّبُ زَيَنَّجًا أَخْرَجَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَثَمَّ مَنْ يُقَالُ لَهُ الْعَدَوِيُّ يُنْسَبُ إِلَى عَدِيِّ الْأَنْصَارِ، مِنْهُمْ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ. وَهُمَا مِنْ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ. وَقَدْ يُقَالُ الْعَدَوِيُّ وَيُنْسَبُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَهُمْ رَهْطُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَبِيلَتُهُ. وَيُقَالُ الْعَدَوِيُّ، وَيُنْسَبُ إِلَى الْعَدَوِيَّةِ وَهِيَ أُمُّهُمْ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ الرَّبَابِ، مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ مُرَّةَ أَبُو الْمُعَلَّى الْبَصْرِيُّ، رَوَى عَنِ الْحَسَنِ. وَيُقَالُ: الْعَدَوِيُّ مَنْسُوبًا إِلَى عَدِيِّ خُزَاعَةَ، مِنْهُمْ حَبَشِيَّةُ الْعَدَوِيَّةُ زَوْجَةُ سُفْيَانَ بْنِ مَعْمَرٍ الْبَيَاضِيِّ مِنْ مُهَاجَرَةِ الْحَبَشَةِ. كَانَ أَبُو السَّوَادِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْحُلَمَاءِ الْحُكَمَاءِ الزُّهَّادِ الثِّقَاتِ، سَبَّهُ رَجُلٌ وَهُوَ يَمْشِي سَاكِتًا، فَلَمَّا دَخَلَ مَنْزِلَهُ قَالَ لِلرَّجُلِ: حَسْبُكَ إِنْ شِئْتَ. وَقَالَ هِشَامٌ: كَانَ أَبُو السَّوَّارِ يَعْرِضُ لَهُ الرَّجُلُ فَيَشْتُمُهُ فَيَقُولُ: إِنْ كُنْتُ كَمَا قُلْتَ إِنِّي إِذًا لَرَجُلُ سُوءٍ. سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ [أَبُو أَيُّوبَ] مَوْلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

  417. التاريخ 2508لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ غَزْوَةِ الْخُتَّلِ وَالْغُورِ   قِيلَ: وَفِي سَنَةُ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ قَطَعَ أَسَدٌ النَّهْرَ، وَأَتَاهُ خَاقَانُ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قِتَالٌ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَقِيلَ: عَادَ مَهْزُومًا مِنَ الْخُتَّلِ، وَكَانَ أَسَدٌ قَدْ أَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَشْتُوَ بِسُرْخَ دَرَهْ، فَأَمْرَ النَّاسَ فَارْتَحَلُوا، وَوَجَّهَ رَايَاتِهِ، وَسَارَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ إِلَى سُرْخَ دَرَهْ، فَكَبَّرَ النَّاسُ، فَقَالَ: مَا لَهُمْ ؟ فَقَالُوا: هَذِهِ عَلَامَتُهُمْ إِذَا قَفَلُوا. فَقَالَ لِلْمُنَادِي: نَادِ إِنَّ الْأَمِيرَ يُرِيدُ غُورِيِّينَ، فَمَضَى إِلَيْهِمْ، فَقَاتَلُوهُمْ يَوْمًا وَصَبَرُوا لَهُمْ. وَبَرَزَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَحْوَزَ لِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ: أَنَا حَامِلٌ عَلَى هَذَا الْعِلْجِ، فَلَعَلِّي أَقْتُلُهُ فَيَرْضَى أَسَدٌ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَرَجَعَ سَالِمٌ، فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ لِنَصْرٍ: أَنَا حَامِلٌ حَمْلَةً أُخْرَى، فَحَمَلَ فَقَتَلَ رَجُلًا آخَرَ، وَجُرِحَ سَالِمٌ، فَقَالَ نَصْرٌ لِسَالِمٍ: قِفْ حَتَّى أَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ حَتَّى خَالَطَ الْعَدُوَّ، فَصَرَعَ رَجُلَيْنِ، وَرَجَعَ جَرِيحًا، وَقَالَ: أَتَرَى مَا صَنَعْنَا يُرْضِيهِ ؟ لَا أَرْضَاهُ اللَّهُ ! قَالَ: لَا وَاللَّهِ. قَالَ: وَأَتَاهُمَا رَسُولُ أَسَدٍ فَقَالَ: يَقُولُ لَكُمَا الْأَمِيرُ قَدْ رَأَيْتُ مَوْقِفَكُمَا وَقِلَّةَ غَنَائِكُمَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، لَعَنَكُمَا اللَّهُ. فَقَالَ: آمِينَ إِنْ عُدْنَا لِمِثْلِ هَذَا ! وَتَحَاجَزُوا. ثُمَّ عَادُوا مِنَ الْغَدِ، فَاقْتَتَلُوا، وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَحَوَى الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَهُمْ، وَظَهَرُوا عَلَى الْبِلَادِ، وَأَسَرُوا وَسَبَوْا وَغَنِمُوا. وَقَدْ كَانَ أَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ بِالْخُتَّلِ، فَبَعَثَ أَسَدٌ بِكَبْشَيْنِ مَعَ غُلَامٍ لَهُ وَقَالَ: بِعْهُمَا بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ. فَلَمَّا مَضَى الْغُلَامُ، قَالَ أَسَدٌ: لَا يَشْتَرِيهُمَا إِلَّا ابْنُ الشِّخِّيرِ، وَكَانَ فِي الْمَسَلَحَةِ، فَدَخَلَ حِينَ أَمْسَى فَرَأَى الشَّاتَيْنِ فِي السُّوقِ، فَاشْتَرَاهُمَا بِخَمْسِمِائَةٍ، فَذَبَحَ إِحْدَاهُمَا، وَبَعَثَ بِالْأُخْرَى إِلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ الْغُلَامُ أَسَدًا بِالْقِصَّةِ بَعَثَ إِلَى ابْنِ الشِّخِّيرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ

  418. التاريخ 2509لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وفِي سنة ثمان ومائة غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرُّومَ مِمَّا يَلِي الْجَزِيرَةَ فَفَتَحَ قَيْسَارِيَّةَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ مَشْهُورَةٌ. وَفِيهَا أَيْضًا غَزَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ فَفَتَحَ حِصْنًا مِنْ حُصُونِ الرُّومِ. وَفِيهَا وَقَعَ الْحَرِيقُ بِدَابِقٍ فَاحْتَرَقَ الْمَرْعَى وَالدَّوَابُّ وَالرِّحَالُ. وَفِيهَا سَارَ ابْنُ خَاقَانَ مَلِكُ التُّرْكِ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، فَحَصَرَ بَعْضَ مُدُنِهَا، فَسَارَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو الطَّائِيُّ، فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ التُّرْكُ، وَتَبِعَهُمُ الْحَارِثُ حَتَّى عَبَرَ نَهْرَ أُرْسٍ، فَعَادَ إِلَيْهِ ابْنُ خَاقَانَ، فَعَاوَدَ الْحَرْبَ أَيْضًا، فَانْهَزَمَ ابْنُ خَاقَانَ، وَقُتِلَ مِنَ التُّرْكِ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَفِيهَا خَرَجَ عِبَادٌ الرُّعَيْنِيُّ بِالْيَمَنِ مُحَكِّمًا، فَقَتَلَهُ أَمِيرُهَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ. وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَمَعَهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَقَطَعُوا الْبَحْرَ إِلَى قُبْرُسَ، وَغَزَا فِي الْبَرِّ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَفِيهَا كَانَ بِالشَّامِ طَاعُونٌ شَدِيدٌ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ: فُتِحَتْ خِنْجَرَةُ عَلَى يَدِ الْبَطَّالِ الشُّجَاعِ الْمَشْهُورِ.

  419. التاريخ 2510لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ثمان ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ  : أَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ فَقِيهًا ثِقَةً حُجَّةً عَابِدًا شَدِيدَ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَفَ [بِعَرَفَةَ] فَرَقَّ فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي فِيهِمْ لَقُلْتُ قَدْ غُفِرَ لَهُمْ. وَكَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ الْحِسَانَ، وَكَانَتْ قِيمَةُ كِسَوْتِهِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَاشْتَرَى طَيْلَسَانًا بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَكَانَ يُقَالُ: الْحَسَنُ شَيْخُ الْبَصْرَةِ، وَبَكْرٌ فَتَاهَا. عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى لَطْمَةٍ مَنْ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَذَهَبَ مَعَهُ بِآخَرَ، وَأَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى لَطْمَتَيْنِ [رَجُلٌ] دَخَلَ إِلَى دَارِ قَوْمٍ فَقِيلَ لَهُ اجْلِسْ هَاهُنَا فَقَالَ لَا بَلْ هَاهُنَا، وَأَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى ثَلَاثِ لَطَمَاتِ رَجُلٌ قُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالَ: لَا آكُلُ حَتَّى يَجْلِسَ مَعِي رَبُّ الْبَيْتِ. وعن مِسْمَعُ بْنُ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ عَاصِمًا الْجَحْدَرِيَّ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ مُتَّ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ: فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَنَا وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِي نَجْتَمِعُ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ وَصَبِيحَتِهَا إِلَى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ فَنَتَلَاقَى. قَالَ: قُلْتُ: أَرْوَاحُكُمْ وَأَجْسَامُكُمْ؟ قَالَ: هَيْهَاتَ بَلِيَتِ الْأَجْسَامُ وَإِنَّمَا تَتَلَاقَى الْأَرْوَاحُ.   تُوُفِّيَ بَكْرٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْبَصْرَةِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؓ: رَوَى عَنْ أَبِيهِ. عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عُثْمَانَ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَانَ يَشْتَرِي أَهْلَ الْبَيْتِ ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِمْ فَيُكْسَوْنَ وَيَذْهَبُونَ، ثُمَّ يُعْرَضُونَ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَنْتُمْ أَحْرَارٌ لِوَجْهِ اللَّهِ أَسْتَعِينُ بِكُمْ عَلَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. قَالَ: فَمَاتَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي مَسْجِدِهِ، يَعْنِي فِي السَّبْخَةِ. الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أَبُو مُحَمَّدٍ: كَانَ دَيِّنًا، أُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ، رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ. عن مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ أَوْ سَالِمٌ؟ قَالَ: ذَاكَ مَنْزِلُ سَالِمٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا حَتَّى قَامَ الْأَعْرَابِيُّ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَرِهَ أَنْ يَقُولَ: هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي فَيَكْذِبُ، أَوْ يَقُولُ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَيُزَكِّي نَفْسَهُ. عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنَ الْقَاسِمِ، وَلَقَدْ تَرَكَ مِائَةَ أَلْفٍ وَهِيَ لَهُ حَلَالٌ. قَالَ يَعْقُوبُ: بسنده أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَوْ كَانَ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ لَوَلَّيْتُ الْقَاسِمَ الْخِلَافَةَ. عَنْ مُحَمَّدٍ، بسنده عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: اجْتَمَعُوا إِلَى الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي صَدَقَةٍ قَسَمَهَا. قَالَ: وَهُوَ يُصَلِّي، فَجَعَلُوا يَتَكَلَّمُونَ، فَقَالَ ابْنُهُ: إِنَّكُمُ اجْتَمَعْتُمْ إِلَى رَجُلٍ وَاللَّهِ مَا نَالَ مِنْهَا دِرْهَمًا وَلَا دَانِقًا، قَالَ: فَأَوْجَزَ الْقَاسِمُ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ قُلْ فِيمَا عَلِمْتَ. قَالَ سُفْيَانُ: صَدَقَ ابْنُهُ وَلَكِنَّهُ أَرَادَ تَأْدِيبَهُ فِي النُّطْقِ وَحِفْظَهُ. وعَنْ رَجَاءِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: مَاتَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَقَالَ لِابْنِهِ: شُنَّ عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، وَسَوِّ عَلَى قَبْرِي وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ كَانَ وَكَانَ. تُوُفِّيَ الْقَاسِمُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ أَنْ كُفَّ بَصَرُهُ بِنَحْوِ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَقَدْ عَبَرَ السَّبْعِينَ. مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، أَبُو حَمْزَةَ الْقُرَظِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، أَبُو حَمْزَةَ الْقُرَظِيُّ: عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ لِمُحَمَّدٍ: يَا بُنَيَّ لَوْلَا أَنِّي أَعْرِفُكَ صَغِيرًا طَيِّبًا وَكَبِيرًا طَيِّبًا لَظَنَنْتُ أَنَّكَ أَحْدَثْتَ ذَنْبًا مُوبِقًا لِمَا أَرَاكَ تَصْنَعُ بِنَفْسِكَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَقَالَ: يَ? أَمَتَاهُ وَمَا يُؤَمِّنُنِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدِ اطَّلَعَ عَلَيَّ وَأَنَا فِي بَعْضِ ذُنُوبِي فَمَقَتَنِي فَقَالَ: اذْهَبْ لَا أَغْفِرُ لَكَ، مَعَ أَنَّ عَجَائِبَ الْقُرْآنِ تَرُدُّنِي عَلَى أُمُورٍ حَتَّى إِنَّهُ لَيَنْقَضِيَ اللَّيْلُ وَلَمْ أَفْرُغْ مِنْ حَاجَتِي. كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ يَقُصُّ بِالْمَدِينَةِ فَسَقَطَ عَلَيْهِ مَسْجِدُهُ وَعَلَى جَمِيعِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فَقَتَلَهُمْ، وَذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ: وُلِدَ بِالسَّرَاةِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ، وَتُوُفِّيَ بِبِلَادِ الرُّومِ غَازِيًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَنْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. مُوَرِّقُ بْنُ الْمُشَمْرِجِ مُوَرِّقُ بْنُ الْمُشَمْرِجِ، أَبُو بَكْرٍ الْعِجْلِيُّ الْبَصْرِيُّ: عَابِدٌ زَاهِدٌ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ، وَغَيْرِهِمَا. وَكَانَ يَقُولُ: أَمْرٌ أَنَا فِي طَلَبِهِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَلَسْتُ بِتَارِكٍ طَلَبَهُ أَبَدًا، قِيلَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الصَّمْتُ عَمَّا لَا يَعْنِينِي، وَمَا قُلْتُ فِي الْغَضَبِ شَيْئًا قَطُّ فَنَدِمْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّضَى. وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى بَعْضِ إِخْوَانِهِ فَيَضَعُ عِنْدَهُمُ الدَّرَاهِمَ فَيَقُولُ: أَمْسِكُوهَا حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكُمْ، فَإِذَا خَرَجَ قَالَ: أَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْهَا. نُصَيْبُ بْنُ رَبَاحٍ، وَقِيلَ أَبُو مِحْجَنٍ الشَّاعِرُ، مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ نُصَيْبُ بْنُ رَبَاحٍ، وَقِيلَ أَبُو مِحْجَنٍ الشَّاعِرُ، مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ: وَكَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ، جَيِّدَ الشِّعْرِ، عَفِيفَ الْفَرْجِ، كَرِيمًا يُفْضِلُ بِمَالِهِ وَطَعَامِهِ. وَكَانَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ يَدْعُونَهُ النُّصَيْبَ تَفَخُّمًا لِمَا يَرَوْنَ مِنْ جَوْدَةِ شِعْرِهِ، وَلَمْ يَهْجُ أَحَدًا تَدَيُّنًا، وَكَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ عَبْدًا لِبَنِي كَعْبٍ رَاعِيًا لَهُمْ، فَبَاعُوهُ مِنْ قِلَاصِ بْنِ مُحْرِزٍ الْكِنَانِيِّ وَكَانَ يَرْعَى إِبِلَهُ. وَزَعَمَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ نُصَيْبًا مِنْ بَنِي الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً فَوَثَبَ عَلَيْهَا سَيِّدُهَا فَجَاءَتْ بِنُصَيْبٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ فَبَاعَهُ مِنْ رَجُلٍ، فَاشْتَرَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ مِنَ الرَّجُلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا كَانَ يَتَوَلَّعُ بِالشِّعْرِ، فَلَمَّا جَاءَ قَوْلُهُ اسْتَأْذَنَ مَوْلَاهُ فِي إِتْيَانِ بَنِي مَرْوَانَ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَهَرَبَ عَلَى نَاقَةٍ بِاللَّيْلِ وَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ فَمَدَحَهُ، فَقَالَ: حَاجَتُكَ، قَالَ: أَنَا مَمْلُوكٌ، فَقَالَ لِلْحَاجِبِ: اخْرُجْ فَأَبْلِغْ فِي قِيمَتِهِ، فَجَمَعَ لَهُ الْمُقَوِّمِينَ فَقَالَ: قَوِّمُوا غُلَامًا أَسْوَدَ لَيْسَ بِهِ عَيْبٌ، قَالُوا: مِائَةُ دِينَارٍ، قَالَ: إِنَّهُ رَاعِي إِبِلٍ يُبْصِرُهَا وَيُحْسِنُ الْقِيَامَ عَلَيْهَا، قَالُوا: مِائَتَا دِينَارٍ، قَالَ: إِنَّهُ يَبْرِي النَّبْلَ وَيَرِيشُهَا وَيَبْرِي الْقِسِيَّ، قَالُوا: أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، قَالُوا: إِنَّهُ رَاوِيَةٌ لِلشِّعْرِ، قَالُوا: سِتُّمِائَةِ دِينَارٍ، قَالَ: إِنَّهُ شَاعِرٌ، قَالُوا: أَلْفُ دِينَارٍ، فَقَالَ نُصَيْبٌ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ جَائِزَتِي عَنْ مِدْحَتِي، قَالَ: أَعْطُوهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَعَادَ فَاشْتَرَى أُمَّهُ وَأُخْتَهُ وَأَهْلَهُ وَأَعْتَقَهُمْ. وَقَدْ مَدَحَ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ مَرْوَانَ وَأَخَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ وَأَوْلَادَهُ وَعُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَحَصَّلَ مِنْهُمْ مَالًا كَثِيرًا. وَقَالَ أَيُّوبُ بْنُ عَبَايَةَ: بَلَغَنِي أَنَّ النُّصَيْبَ كَانَ إِذَا قَدِمَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخْلَى لَهُ مَجْلِسَهُ وَاسْتَنْشَدَهُ مَرَاثِيَ بَنِي أُمَيَّةَ، فَإِذَا أَنْشَدَهُ بَكَى وَبَكَى مَعَهُ، فَأَنْشَدَهُ يَوْمًا قَصِيدَةً مَدَحَهُ [بِهَا يَقُولُ] فِيهَا: إِذَا اسْتَبَقَ النَّاسُ الْعُلَا سَبَقَتْهُمْ يَمِينُكَ عَفْوًا ثُمَّ ضَلَّتْ شِمَالُهَا فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: يَا أَسْوَدُ بَلَغْتَ غَايَةَ الْمَدْحِ فَسَلْنِي، فَقَالَ: يَدُكَ بِالْعَطِيَّةِ أَجْوَدُ وَأَبْسَطُ مِنْ لِسَانِي بِمَسْأَلَتِكَ، فَقَالَ: [هَذَا] وَاللَّهِ أَحْسَنُ مِنَ الشِّعْرِ. وَأَحْسَنَ جَائِزَتَهُ. وَمِنْ شِعْرِ نُصَيْبٍ يَمْدَحُ نَفْسَهُ: لَيْسَ السَّوَادُ بِنَاقِصِي مَا دَامَ لِي     هَذَا اللِّسَانُ إِلَى فُؤَادٍ ثَابِتِ مَنْ كَانَ تَرْفَعُهُ مَنَابِتُ أَصْلِهِ     فَبُيُوتُ أَشْعَارِي جُعِلْنَ مَنَابِتِي كَمْ بَيْنَ أَسْوَدَ نَاطِقٍ بِبَيَانِهِ     مَاضِي الْجَنَانِ وَبَيْنَ أَبْيَضَ صَامِتِ إِنِّي لَيَحْسُدُنِي الرَّفِيعُ بِنَاؤُهُ     مِنْ فَضْلِ ذَاكَ وَلَيْسَ بِي مِنْ شَامِتِ وَكَانَ نُصَيْبٌ تَشَبَّبَ بِزَيْنَبَ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ بَيْضَاءَ مُسْتَحْسَنَةً. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا أَنَّهَا كَانَتْ سَوْدَاءَ. وعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ الْحِزَامِيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ فِي آخِرِ الْحَجِّ فَنَزَلْتُ بِالْأَبْوَاءِ عَلَى امْرَأَةٍ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ حُسْنِهَا وَأَطْرَبَنِي، فَتَمَثَّلْتُ قَوْلَ نُصَيْبٍ: بِزَيْنَبَ أَلْمِمْ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ الرَّكْبُ     وَقُلْ إِنْ تَمَلَّيْنَا فَمَا مَلَكَ الْقَلْبُ خَلِيلَيَّ مِنْ كَعْبٍ إِلَى مَا هُدِيتُمَا     بِزَيْنَبَ لَا يَقْعُدُ كَمَا أَبَدًا كَعْبُ وَقُولَا لَهَا مَا فِي الْبِعَادِ لِذِي الْهَوَى     بِعَادٌ وَمَا فِيهِ لِصَدْعِ النَّوَى شَعْبُ فَمَنْ شَاءَ رَامَ الصُّرْمَ أَوْ قَالَ ظَالِمًا     لِصَاحِبِهِ ذَنْبٌ وَلَيْسَ لَهُ ذَنْبُ فَلَمَّا سَمِعَتْنِي أَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ قَالَتْ لِي: يَا فَتَى الْعَرَبِ، أَتَعْرِفُ قَائِلَ هَذَا الشِّعْرِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ ذَاكَ نُصَيْبٌ، قَالَتْ: نَعَمْ هُوَ ذَاكَ، فَتَعْرِفُ زَيْنَبَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: أَنَا وَاللَّهِ زَيْنَبُ، قُلْتُ: فَحَيَّاكِ اللَّهُ، قَالَتْ: أَمَا إِنَّ الْيَوْمَ مَوْعِدُهُ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، خَرَجَ إِلَيْهِ عَامَ أَوَّلَ وَوَعَدَنِي هَذَا الْيَوْمَ، وَلَعَلَّكَ لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَرَاهُ. قَالَ: فَمَا بَرِحْتْ مِنْ مَجْلِسِي حَتَّى إِذَا أَنَا بِرَكْبٍ يَزُولُ مَعَ السَّرَابِ، فَقَالَتْ: تَرَى خَبَبَ ذَلِكَ الْفَارِسِ - أَوْ ذَاكَ الرَّاكِبِ - إِنِّي لَأَحْسَبُهُ إِيَّاهُ، قَالَ: وَأَقْبَلَ الرَّاكِبُ فَأَمِنَّا حَتَّى أَنَاخَ قَرِيبًا مِنَ الْخَيْمَةِ، فَإِذَا هُوَ نُصَيْبٌ، ثُمَّ ثَنَى رِجْلَهُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَنَزَلَ ثُمَّ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَجَلَسَ مِنْهَا نَاحِيَةً وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَسَاءَلَهَا وَسَاءَلَتْهُ فَأَخْفَيَا ثُمَّ إِنَّهَا سَأَلَتْهُ أَنْ يُنْشِدَهَا مَا أَحْدَثَ مِنَ الشِّعْرِ بَعْدَهَا، فَجَعَلَ يُنْشِدُهَا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: عَاشِقَانِ أَطَالَا التَّنَائِي لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا إِلَى صَاحِبِهِ حَاجَةٌ، فَقُمْتُ إِلَى رَاحِلَتِي أَشُدُّ عَلَيْهَا، فَقَالَ لِي: عَلَى رِسْلِكَ أَنَا مَعَكَ، فَجَلَسْتُ حَتَّى نَهَضَ وَنَهَضْتُ مَعَهُ، فَتَسَايَرْنَا سَاعَةً ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ: قُلْتَ [فِي نَفْسِكَ]: مُحِبَّانِ الْتَقَيَا بَعْدَ طُولِ تَنَاءٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا إِلَى صَاحِبِهِ حَاجَةٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَا وَرَبِّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ الَّتِي إِلَيْهَا نَعْمِدُ، مَا جَلَسْتُ مِنْهَا مَجْلِسًا قَطُّ أَقْرَبَ مِنْ مَجْلِسِي الَّذِي رَأَيْتَ وَلَا كَانَ شَيْءٌ مَكْرُوهٌ قَطُّ. وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنْتُ حَاجًّا وَمَعِي رَجُلٌ مِنَ الْقَافِلَةِ لَا أَعْرِفُهُ وَلَمْ أَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعَهُ هَوَادِجُ وَأَثْقَالٌ وَصِبْيَةٌ وَعَبِيدٌ وَمَتَاعٌ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَإِذَا فُرُشٌ مُمَهَّدَةٌ وَبُسُطٌ قَدْ بُسِطَتْ، فَخَرَجَ مَنْ أَعْظَمِهَا هَوْدَجًا امْرَأَةٌ زِنْجِيَّةٌ فَجَلَسَتْ عَلَى تِلْكَ الْفُرَشِ الْمُمَهَّدَةِ، ثُمَّ جَاءَ زِنْجِيٌّ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِهَا عَلَى الْفِرَاشِ فَبَقِيتُ مُتَعَجِّبًا مِنْهُمَا، فَبَيْنَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِمَا إِذْ مَرَّ بِنَا مَارٌّ وَهُوَ يَقُودُ إِبِلًا، فَجَعَلَ يَتَغَنَّى وَيَقُولُ: بِزَيْنَبَ أَلْمِمْ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ الرَّكْبُ     وَقُلْ إِنْ تَمَلَّيْنَا فَمَا مَلَكَ الْقَلْبُ قَالَ: فَوَثَبَتِ الزِّنْجِيَّةُ إِلَى الزِّنْجِيِّ فَخَبَطَتْهُ وَضَرَبَتْهُ وَهِيَ تَقُولُ: شَهَرْتَنِي فِي النَّاسِ شَهَرَكَ اللَّهُ، فَقُلْتْ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: نُصَيْبٌ الشَّاعِرُ وَهَذِهِ زَيْنَبُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّعْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ جَدِّهَا، قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا أَسْوَدَ وَمَعَهُ امْرَأَةٌ بَيْضَاءُ، فَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ سَوَادِهِ وَبَيَاضِهَا، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي تُحْدِثِينَ لِي     إِذَا مَا غَدَا النَّأْيُ الْمُفَرِّقُ وَالْبُعْدِ أَتَصْرِمُنِي عِنْدَ الْأُلَى فَهُمُ الْعِدَا     فَتُشْمِتَهُمْ بِي أَمْ تَدُومُ عَلَى الْعَهْدِ قَالَ: فَصَاحَتْ: بَلَى وَاللَّهِ تَدُومُ عَلَى الْعَهْدِ، فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ: هَذَا نُصَيْبٌ وَهَذِهِ أُمُّ بَكْرٍ. قَالَ ابْنُ خَلَفٍ: بسنده عن الْعُتْبِيُّ، قَالَ: دَخَلَ نُصَيْبٌ عَلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ: هَلْ عَشِقْتَ يَا نُصَيْبُ؟ قَالَ: نَعَمْ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، قَالَ: مَنْ؟ قَالَ: جَارِيَةٌ لِبَنِي مُدْلِجٍ فَأَحْدَقَ بِهَا الْوَاشُونَ فَكُنْتُ لَا أَقْدِرُ عَلَى كَلَامِهَا إِلَّا بِعَيْنٍ أَوْ إِشَارَةٍ، وَأَجْلِسُ لَهَا عَلَى الطَّرِيقِ حَتَّى تَمُرَّ بِي فَأَرَاهَا، وَفِي ذَلِكَ أَقُولُ: جَلَسْتُ لَهَا كَيْمَا تَمُرَّ لَعَلَّنِي     أُخَالِسُهَا التَّسْلِيمَ إِنْ لَمْ تُسَلِّمِ فَلَمَّا رَأَتْنِي وَالْوُشَاةَ تَحَدَّرَتْ     مَدَامِعُهَا خَوْفًا وَلَمْ تَتَكَلَّمِ مَسَاكِينُ أَهْلُ الْعِشْقِ مَا كُنْتُ مُشْتَرٍ      [جَمِيعَ] حَيَاةِ الْعَاشِقِينَ بِدِرْهَمِ فَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَيْحَكَ، وَمَا فَعَلَتِ الْمُدْلِجِيَّةُ؟ قَالَ: اشْتُرِيَتْ وَأَوْلَدَتْ، قَالَ: فَهَلْ فِي قَلْبِكَ مِنْهَا شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، عَقَابِيلُ أَوْجَاعٍ. قَالَ ابْنُ خَلَفٍ: وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: دَخَلَ نُصَيْبٌ عَلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: حَدِّثْنِي بِبَعْضِ مَا مَرَّ عَلَيْكَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِقْتُ جَارِيَةً حَمْرَاءَ - يَعْنِي بَيْضَاءَ - فَمَكَثْتُ زَمَانًا تُمَنِّينِي بِالْأَبَاطِيلِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهَا بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: فَإِنْ أَكُ حَالِكًا فَالْمِسْكُ أَحَوَى     وَمَا لِسَوَادِ جِلْدِي مِنْ دَوَاءِ وَلِي كَرَمٌ عَنِ الْفَحْشَاءِ نَاءٍ     كَبُعْدِ الْأَرْضِ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ وَمِثْلِي فِي رِجَالِكُمُ قَلِيلٌ     وَمِثْلُكِ لَيْسَ يُعْدَمُ فِي النِّسَاءِ فَإِنْ تَرْضَيْ فَرُدِّي قَوْلَ رَاضٍ     وَإِنْ تَنْأَيْ فَنَحْنُ عَلَى السَّوَاءِ فَلَمَّا قَرَأَتِ الْكِتَابَ قَالَتِ: الْمَالُ وَالْعَقْلُ يُعَفِّيَانِ عَلَى غَيْرِهِمَا فَزَوَّجَتْنِي نَفْسَهَا. وعَنْ مَعَاذٍ صَاحِبِ الْهَرَوِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْكُوفَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَنْقَى ثِيَابًا مِنْهُ، وَلَا أَشَدَّ سَوَادًا، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: نُصَيْبٌ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْكَ وَعَنْ أَصْحَابِكَ، فَقَالَ: جَمِيلٌ إِمَامُنَا، وَعُمَرُ أَوْصَفُنَا لِرَبَّاتِ الْحِجَالِ، وَكُثَيِّرٌ أَبْكَانَا عَلَى الْأَطْلَالِ وَالدِّمَنِ، وَقَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتَ، قُلْتُ: فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ أَنْ تَهْجُوَ، فَقَالَ: فَأَقَرُّوا لِي أَنِّي أُحْسِنُ [أَنْ] أَمْدَحَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَرَى أَلَّا أُحْسِنَ أَنْ أَجْعَلَ مَكَانَ عَافَاكَ اللَّهُ أَخْزَاكَ اللَّهُ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَلَكِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ رَجُلَيْنِ، رَجُلًا لَمْ أَسْأَلْهُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ أَهْجُوَهُ فَأَظْلِمَهُ، وَرَجُلًا سَأَلْتُهُ فَمَنَعَنِي فَكَانَتْ نَفْسِي أَحَقَّ بِالْهِجَاءِ إِذْ سَوَّلَتْ لِي أَنْ أَطْلُبَ مِنْهُ. وعن خَلَفُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، قَالَ: لَمَّا أَصَابَ نُصَيْبٌ مِنَ الْمَالِ مَا أَصَابَ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ أُمُّ مِحْجَنٍ [ - وَكَانَتْ سَوْدَاءَ - تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَيْضَاءَ، فَغَضِبَتْ أُمُّ مِحْجَنٍ] وَغَارَتْ، فَقَالَ: يَا أُمَّ مِحْجَنٍ وَاللَّهِ مَا مِثْلِي يُغَارُ عَلَيْهِ إِنِّي لَشَيْخٌ كَبِيرٌ وَمَا مِثْلُكِ مَنْ يَغَارُ إِنَّكِ لَعَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، وَمَا أَجِدُ أَكْرَمَ عَلَيَّ مِنْكِ وَلَا أَوْجَبَ حَقًّا فَجَوِّزِي هَذَا الْأَمْرَ وَلَا تُكَدِّرِيهِ عَلَيَّ، فَرَضِيَتْ وَقَّرَتْ، ثُمَّ قَالَ لَهَا بَعْدَ ذَلِكَ: هَلْ لَكِ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْكِ زَوْجَتِي الْجَدِيدَةَ فَهُوَ أَصْلَحُ لِذَاتِ الْبَيْنِ وَأَلَمُّ لِلشَّعْثِ وَأَبْعَدُ لِلشَّمَاتَةِ، فَقَالَتِ: افْعَلْ فَأَعْطَاهَا دِينَارًا وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَرَى بِكِ خَصَاصَةً وَأَنْ تَفْضُلَ عَلَيْكِ، فَاعْمَلِي لَهَا إِذَا أَصْبَحَتْ عِنْدَكِ غَدًا نُزُلًا بِهَذَا الدِّينَارِ ثُمَّ أَتَى زَوْجَتَهُ الْجَدِيدَةَ، فَقَالَ لَهَا: إِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَكِ إِلَى أُمِّ مِحْجَنٍ غَدًا وَهِيَ مُكْرِمَتُكِ وَأَكْرَهُ أَنْ تَفْضُلَ عَلَيْكِ، فَخُذِي هَذَا الدِّينَارَ فَاهْدِي لَهَا بِهِ إِذَا أَصْبَحْتِ عِنْدَهَا غَدًا لِئَلَّا تَرَى بِكِ خَصَاصَةً وَلَا تَذْكُرِي الدِّينَارَ لَهَا، ثُمَّ أَتَى صَاحِبًا لَهُ يَسْتَنْصِحُهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَجْمَعَ زَوْجَتِي الْجَدِيدَةَ إِلَى أُمِّ مِحْجَنٍ غَدًا فَأْتِنِي مُسَلِّمًا فَإِنِّي سَأَسْتَجْلِسُكَ لِلْغَدَاءِ فَإِذَا تَغَدَّيْتَ فَسَلْنِي عَنْ أَحَبِّهِمَا إِلَيَّ فَإِنِّي سَأَنْفِرُ وَأُعْظِمُ ذَلِكَ وَآبَى أَنْ أُخْبِرَكَ، فَإِذَا أَبَيْتُ ذَلِكَ فَاحْلِفْ عَلَيَّ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ زَارَتْ زَوْجَتُهُ الْجَدِيدَةُ أُمَّ مِحْجَنٍ، وَمَرَّ بِهِ صَدِيقُهُ فَاسْتَجْلَسَهُ، فَلَمَّا تَغَدَّيَا أَقْبَلَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا مِحْجَنٍ، أُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنِي عَنْ أَحَبِّ زَوْجَتَيْكَ إِلَيْكَ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا وَهُمَا يَسْمَعَانِ، مَا سَأَلَ عَنْ مِثْلِ هَذَا أَحَدٌ، قَالَ: فَإِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَا أَعْذِرُكَ، وَلَا أَقْبَلُ إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: أَمَا إِذْ فَعَلْتَ فَأَحَبُّهُمَا إِلَيَّ صَاحِبَةُ الدِّينَارِ، وَاللَّهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى هَذَا شَيْئًا، فَأَعْرَضَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَضْحَكُ وَنَفْسُهَا مَسْرُورَةٌ وَهِيَ تَظُنُّ أَنَّهُ عَنَاهَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْمُتَوَكِّلِ عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ النَّاجِيُّ. وَأَبُو الصِّدِّيقِ النَّاجِيُّ أَيْضًا، وَاسْمُهُ بَكْرُ بْنُ قَيْسٍ النَّاجِيُّ، ( النَّاجِيُّ: بِالنُّونِ وَالْجِيمِ ). وَأَبُو نَضْرَةَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطْعَةَ النَّضْرِيُّ، ( نَضْرَةُ: بِالنُّونِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ). وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ الْكُوفِيُّ قَاضِيهَا، ( دِثَارٌ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ). وَفِيهَا تُوُفِّيَ رَاشِدُ بْنُ سَعْدٍ الْمَقْرَائِيُّ الْحِمْصِيُّ

  420. التاريخ 2511لا حكم مسجّل

    عَزْلِ خَالِدٍ وَأَخِيهِ أَسَدٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ أَشْرَسَ   وفي سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَةٍ عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ عَنْ إِمْرَةِ خُرَاسَانَ وكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَسَدًا أَخَا خَالِدٍ تَعَصَّبَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَنَفَرٍ مَعَهُ مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ، وَسَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ، وَالْبَخْتَرِيُّ بْنُ أَبِي دِرْهَمٍ، وَعَامِرُ بْنُ مَالِكٍ الْحِمَّانِيُّ زَعَمَ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْهُمْ مَا لَا يَصْلُحُ، فَضَرَبَهُمْ بِالسِّيَاطِ وَحَلَّقَهُمْ، وَبَعَثَهُمْ إِلَى خَالِدٍ وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُمْ أَرَادُوا الْوُثُوبَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى خَالِدٍ لَامَ أَسَدًا، وَعَنَّفَهُ، وَقَالَ: أَلَا بَعَثَ إِلَيَّ بِرُءُوسِهِمْ ؟ فَقَالَ نَصْرٌ: بَعَثْتَ بِالْعِتَابِ فِي غَيْرِ ذَنْبٍ فِي كِتَابٍ تَلُومُ أُمُّ تَمِيمِ     إِنْ أَكُنْ مُوَثَّقًا أَسِيرًا لَدَيْهِمْ فِي هُمُومٍ وَكُرْبَةٍ وَسُهُومِ     رَهْنَ قَسْرٍ فَمَا وَجَدْتُ بَلَاءً كَإِسَارِ الْكِرَامِ عِنْدَ اللَّئِيمِ     أَبْلِغِ الْمُدَّعِينَ قَسْرًا وَقَسْرٌ أَهْلُ عُودِ الْقَنَاةِ ذَاتِ الْوُصُومِ     هَلْ فُطِمْتُمْ عَنِ الْخِيَانَةِ وَالْغَدْ رِ أَمْ أَنْتُمْ كَالْحَاكِرِ الْمُسْتَدِيمِ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: أَخَالِدُ لَوْلَا اللَّهُ لَمْ تُعْطَ طَاعَةً     وَلَوْلَا بَنُو مَرْوَانَ لَمْ يُوثِقُوا نَصْرَا إِذًا لَلَقِيتُمْ عِنْدَ شَدِّ وَثَاقِهِ     بَنِي الْحَرْبِ لَا كُشْفَ اللِّقَاءِ وَلَا ضَجْرَا وَخَطَبَ يَوْمًا أَسَدٌ فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَذِهِ الْوُجُوهَ، وُجُوهَ أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَالْفَسَادِ، اللَّهُمَّ فَرِّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَأَخْرِجْنِي إِلَى مُهَاجَرِي وَوَطَنِي. وَقَالَ: مَنْ يَرُومُ مَا قِبَلِي وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَالِي وَخَالُ أَخِي، وَمَعِي اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ سَيْفٍ يَمَانِيٍّ، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى خَالِدٍ: اعْزِلْ أَخَاكَ، فَعُزِلَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْدَمَ إِلَى الْحَجِّ، فَأَقْبَلَ مِنْهَا فِي رَمَضَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ الْحَكَمَ بْنَ عَوَانَةَ الْكَلْبِيَّ، وَاسْتَنَابَ هِشَامٌ عَلَى خُرَاسَانَ أَشْرَسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَاتِبَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ وَكَانَ أَشْرَسُ فَاضِلًا خَيِّرًا، وَكَانَ يُسَمَّى الْكَامِلَ لِذَلِكَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْمُرَابِطَةَ بِخُرَاسَانَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ دِثَارٍ الْبَاهِلِيَّ وَتَوَلَّى هُوَ الْأُمُورَ بِنَفْسِهِ، كَبِيرَهَا وَصَغِيرَهَا، فَفَرِحَ بِهِ أَهْلُهَا.

  421. التاريخ 2512لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَةٍ كانت غَزْوَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُقْبَةَ فِي الْبَحْرِ.  وَغَزْوَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ أَرْضَ الرُّومِ فَفَتَحَ حِصْنًا بِهَا. وأُصِيبَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَّةَ. وَفِيهَا غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ التُّرْكَ مِنْ نَاحِيَةِ أَذْرَبِيجَانَ  ، فَغَنِمَ وَسَبَى وَعَادَ سَالِمًا. وَفِيهَا غَزَا بِشْرُ بْنُ صَفْوَانَ عَامِلُ إِفْرِيقِيَّةَ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ، فَغَنِمَ شَيْئًا كَثِيرًا ثُمَّ رَجَعَ مِنْ غَزَاتِهِ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَتُوُفِّيَ بِهَا مِنْ سَنَتِهَا، ( فَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ بَعْدَهُ عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الْأَغَرِّ السُّلَمِيَّ، فَعَزَلَ عُبَيْدَةُ يَحْيَى بْنَ سَلَمَةَ الْكَلْبِيَّ عَنِ الْأَنْدَلُسِ، وَاسْتَعْمَلَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْأَحْوَصِ الْأَشْجَعِيَّ، فَقَدِمَ الْأَنْدَلُسَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، فَبَقِيَ وَالِيًا عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ عُزِلَ، وَوَلِيَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي نِسْعَةَ الْخَثْعَمِيُّ.

  422. التاريخ 2513لا حكم مسجّل

    دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ   قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ خُرَاسَانَ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ زِيَادٌ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى هَمْدَانَ فِي وِلَايَةِ أَسَدٍ، بَعَثَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ لَهُ: انْزِلْ فِي الْيَمَنِ وَأَلْطُفْ مُضَرَ، وَنَهَاهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ نَيْسَابُورَ، يُقَالُ لَهُ: غَالِبٌ لِأَنَّهُ كَانَ مُفْرِطًا فِي حُبِّ بَنِي فَاطِمَةَ، وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ أَتَى خُرَاسَانَ بِكِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ حَرْبُ بْنُ عُثْمَانَ مَوْلَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مِنْ أَهْلِ بَلْخٍ، فَلَمَّا قَدِمَ زِيَادٌ دَعَا إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ، وَذَكَرَ سِيرَةَ بَنِي أُمَيَّةَ وَظُلْمَهُمْ، وَأَطْعَمَ النَّاسَ الطَّعَامَ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ غَالِبٌ، وَتَنَاظَرَا فِي تَفْضِيلِ آلِ عَلِيٍّ وَآلِ الْعَبَّاسِ، وَافْتَرَقَا، وَأَقَامَ زِيَادٌ بِمُرْوٍ شَتْوَةً وَ [ كَانَ ] يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهَا يَحْيَى بْنُ عُقَيْلٍ الْخُزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُ. فَأُخْبِرَ بِهِ أَسَدٌ، فَدَعَاهُ، وَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْكَ ؟ قَالَ: الْبَاطِلُ، إِنَّمَا قَدِمْتُ إِلَى تِجَارَةٍ وَقَدْ فَرَّقْتُ مَالِي عَلَى النَّاسِ، فَإِذَا اجْتَمَعَ خَرَجْتُ. فَقَالَ لَهُ أَسَدٌ: اخْرُجْ عَنْ بِلَادِي. فَانْصَرَفَ، فَعَادَ إِلَى أَمْرِهِ، فَرُفِعَ أَمَرُهُ إِلَى أَسَدٍ، وَخُوِّفَ مِنْ جَانِبِهِ، فَأَحْضَرَهُ، وَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ عَشَرَةً مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا غُلَامَانِ اسْتَصْغَرَهُمَا، وَقِيلَ: بَلْ أَمَرَ بِزِيَادٍ أَنْ يُوَسَّطَ بِالسَّيْفِ، فَضَرَبُوهُ بِالسَّيْفِ فَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ، فَكَبَّرَ النَّاسُ، فَقَالَ أَسَدٌ: مَا هَذَا ؟ قِيلَ: نَبَا السَّيْفُ عَنْهُ، ثُمَّ ضُرِبَ أُخْرَى فَنَبَا السَّيْفُ عَنْهُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثَّالِثَةَ فَقَطَعَهُ بِاثْنَتَيْنِ، وَعَرَضَ الْبَرَاءَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَمَنْ تَبَرَّأَ خَلَّى سَبِيلَهُ، فَتَبَرَّأَ اثْنَانِ، فَتُرِكَا، وَأَبَى الْبَرَاءَةُ ثَمَانِيَةٌ، فَقُتِلُوا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَقْبَلَ أَحَدُهُمَا إِلَى أَسَدٍ، فَقَالَ: أَسْأَلُكَ أَنْ تُلْحِقَنِي بِأَصْحَابِي، فَقَتَلَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ الْأَضْحَى بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُسَمَّى كَثِيرًا، فَنَزَلَ عَلَى أَبِي النَّجْمِ، وَكَانَ يَأْتِيهِ الَّذِينَ لَقُوا زِيَادًا، فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، وَكَانَ أُمِّيًّا، فَقَدِمَ عَلَيْهِ خِدَاشٌ، وَاسْمُهُ عُمَارَةُ غَلَبَ عَلَيْهِ خِدَاشٌ، فَغَلَّبَ كَثِيرًا عَلَى أَمْرِهِ.

  423. التاريخ 2514لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة تسع ومائة قُتِلَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ الْأُسَيَّدِيُّ  ، قَتَلَهُ مَالِكُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّهُ أَبْلَى فِي قِتَالِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: هَذَا رَجُلُ الْعِرَاقِ. فَغَاظَ ذَلِكَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَرَ مَالِكَ بْنَ الْمُنْذِرَ، وَهُوَ عَلَى شُرَطِ الْبَصْرَةِ، أَنْ يُعَظِّمَهُ وَلَا يَعْصِيَ لَهُ أَمْرًا، وَأَقْبَلَ يَطْلُبُ لَهُ عَثْرَةً يَقْتُلُهُ بِهَا، فَذَكَرَ مَالِكُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَبْدَ الْأَعْلَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ، فَافْتَرَى عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ: لَا تَفْتَرِ عَلَى مِثْلِ عَبْدِ الْأَعْلَى. فَأَغْلَظَ لَهُ مَالِكٌ، وَضَرَبَهُ بِالسِّيَاطِ حَتَّى قَتَلَهُ.

  424. التاريخ 2515لا حكم مسجّل

    وَفِي سَنَةُ تِسْعٍ وَمِائَةٍ حَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ، فَخَطَبَ بِمِنًى مِنْ غَدِ يَوْمِ النَّحْرِ بَعْدَ الظُّهْرِ  وَقَالَ: سَلُونِي فَمَا تَسْأَلُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي، فَقَامَ [إِلَيْهِ] رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْأُضْحِيَّةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَمَا عَلِمَ مَا يَقُولُ، فَنَزَلَ. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَكَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى الصَّلَاةِ بِالْبَصْرَةِ أَبَانُ بْنُ ضُبَارَةَ، وَعَلَى شُرْطَتِهَا بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، وَعَلَى قَضَائِهَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ قِبَلِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَشْرَسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ.

  425. التاريخ 2516لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة تسع ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ الْعَابِدُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ الْعَابِدُ نُزِيلُ مَكَّةَ  : عن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ مَنْ بَنِي جُشَمٍ يَنْزِلُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ عُبَّادِ أَهْلِهَا، فَسُمِّيَ الْقَسَّ مِنْ عِبَادَتِهِ، فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِسَلَامَةَ وَهِيَ تُغَنِّي، فَوَقَفَ فَسَمِعَ غِنَاهَا فَرَآهُ مَوْلَاهَا، فَدَعَاهُ إِلَى أَنْ يُدْخِلَهُ عَلَيْهَا، فَأَبَى ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: فَاقْعُدْ فِي مَكَانٍ تَسْمَعُ غِنَاهَا وَلَا تَرَاهَا، فَفَعَلَ فَغَنَّتْ فَأَعْجَبَتْهُ، فَقَالَ لَهُ مَوْلَاهَا: هَلْ لَكَ أَنْ أُحَوِّلَهَا إِلَيْكَ، فَامْتَنَعَ بَعْضَ الِامْتِنَاعِ ثُمَّ أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَأَعْجَبَتْهُ فَشُغِفَ بِهَا وَشُغِفَتْ بِهِ، وَكَانَ طَرِيفًا فَقَالَ فِيهَا: أُمَّ سَلَامٍ لَوْ وَجَدْتُ مِنَ الْوَجْدِ غَيْرَ الَّذِي بِكُمْ أَنَا لَاقِي     أُمَّ سَلَامٍ أَنْتِ هَمِّي وَشُغْلِي وَالْعَزِيزِ الْمُهَيْمِنِ الْخَلَّاقِ     أُمَّ سَلَامٍ مَا ذَكَرْتُكِ إِلَّا شَرِقَتْ بِالدُّمُوعِ مِنِّي الْمَآقِي قَالَ: وَعَلِمَ بِذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ فَسَمَّوْهَا سَلَامَ الْقَسِّ، فَقَالَتْ لَهُ يَوْمًا: أَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكَ، فَقَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّكِ، فَقَالَتْ لَهُ: أَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّ أَنْ تَضَعَ فَمَكِ عَلَى فَمِي، قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ أُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَمَا يَمْنَعُكَ فَوَ اللَّهِ إِنَّ الْمَوْضِعَ لَخَالٍ، فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ( الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ وَأَنَا وَاللَّهِ أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ خُلَّةُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكِ فِي الدُّنْيَا عَدَاوَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ نَهَضَ وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ مِنْ حُبِّهَا، وَعَادَ إِلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنَ النُّسُكِ وَالْعِبَادَةِ، فَكَانَ يَمُرُّ بَيْنَ الْأَيَّامِ بِبَابِهَا فَيُرْسِلُ السَّلَامَ، فَيُقَالُ لَهُ: ادْخُلْ فَيَأْبَى. وَمِمَّا قَالَ فِيهَا: إِنَّ سَلَامَةَ الَّتِي أَفْقَدَتْنِي تَجَلُّدِي     لَوْ تَرَاهَا وَالْعُودُ فِي حِجْرِهَا حِينَ تَنْشُدِ الشَّرِيحَبِيَّ وَالْغَرِيضَ وَلِلْقَوْمِ مَعْبَدٌ     خِلْتَهُمْ تَحْتَ عُودِهَا حِينَ تَدْعَرُهُ بِالْيَدِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهَا: أَكْرَهُ أَنْ تَكُونَ خُلَّةُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكِ عَدَاوَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَتْ: أَتَحْسَبُ أَنَّ رَبَّنَا لَا يَقْبَلُنَا إِنْ نَحْنُ تُبْنَا إِلَيْهِ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنْ لَا آمَنُ أَنْ أُفَاجَأَ، ثُمَّ نَهَضَ يَبْكِي فَلَمْ يَرْجِعْ بَعْدُ، وَعَادَ إِلَى مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النُّسُكِ. وَرَوَى مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ، بسنده عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ فَقِيهُ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى نَخَّاسٍ فَعَلِقَ فَتَاةً فَاشْتُهِرَ بِذِكْرِهَا حَتَّى مَشَى إِلَيْهِ عَطَاءٌ وَطَاوُوسٌ وَمُجَاهِدٌ يَعْذِلُونَهُ، فَكَانَ جَوَابُهُ: يَلُومُنِي فِيكِ أَقْوَامٌ أُجَالِسُهُمْ     فَمًا أُبَالِي أَطَارَ اللَّوْمُ أَوْ وَقَعَا فَانْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ غَيْرَهُ، فَحَجَّ فَبَعَثَ إِلَى مَوْلَى الْجَارِيَةِ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَأَمَرَ قَيِّمَةَ جَوَارِيهِ أَنْ تُزَيِّنَهَا وَتُحَلِّيهَا، فَفَعَلَتْ، وَبَلَغَ النَّاسَ قُدُومُهُ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَرَى ابْنَ أَبِي عَمَّارٍ زَارَنَا، فَأُخْبِرَ الشَّيْخُ فَأَتَاهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْهَضَ اسْتَجْلَسَهُ فَقَعَدَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ: مَا فَعَلَ حُبُّ فُلَانَةَ، فَقَالَ: سِيطَ بِهِ لَحْمِي وَدَمِي وَعَصَبِي وَمُخِّي وَعِظَامِي، قَالَ: تَعْرِفُهَا إِنْ رَأَيْتَهَا؟ قَالَ: وَأَعْرِفُ غَيْرَهَا، قَالَ: فَإِنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُهَا، وَوَ اللَّهِ مَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَزُفَّتْ بِالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ، فَقَالَ: أَهَذِهِ هِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ بِأَبِي وَأُمِّي، قَالَ: فَخُذْ بِيَدِهَا فَقَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ لَكَ، أَرَضِيتَ؟ قَالَ: أَيْ وَاللَّهِ بِأَبِي وَأُمِّي وَفَوْقَ الرِّضَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ جَعْفَرٍ: وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرْضَى أَنْ أُعْطِيَكُهَا صِفْرًا، احْمِلْ مَعَهُ يَا غُلَامُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ كَيْلَا يَهْتَمَّ بِمَئُونَتِهَا، قَالَ: فَرَاحَ بِهَا وَبِالْمَالِ. أَبُو مِجْلَزٍ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ الْبَصْرِيُّ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ أَبُو مِجْلَزٍ لَاحِق? بْنُ حُمَيْدٍ الْبَصْرِيُّ

  426. التاريخ 2517لا حكم مسجّل

    وفي سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَاتَلَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَلِكَ التُّرْكِ الْأَعْظَمَ خَاقَانَ فِي جُمُوعٍ عَظِيمَةٍ، فَتَوَاقَفُوا نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ هَزَمَ اللَّهُ خَاقَانَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ  ، وَرَجَعَ مَسْلَمَةُ سَالِمًا غَانِمًا، فَسَلَكَ عَلَى مَسْلَكِ ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي رُجُوعِهِ إِلَى الشَّامِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْغَزْوَةُ غُزَاةُ الطِّينِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ سَلَكُوا عَلَى مَغَارِقَ وَمَوَاضِعَ غَرَقٍ فِيهَا دَوَابُّ كَثِيرَةٌ، وَتَوَحَّلَ فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَمَا نَجَوْا حَتَّى قَاسَوْا شَدَائِدَ وَأَهْوَالًا صِعَابًا وَشِدَادًا عِظَامًا.

  427. التاريخ 2518لا حكم مسجّل

    مَا جَرَى لِأَشْرَسَ مَعَ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَغَيْرِهَا  وفِي سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَةٍ أَرْسَلَ أَشْرَسُ إِلَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ وَمَا وَرَاءَ النَّهْرِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنْ تُوضَعَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ، وَأَرْسَلَ فِي ذَلِكَ أَبَا الصَّيْدَاءِ ( صَالِحَ بْنَ طَرِيفٍ مَوْلَى بَنِي ضَبَّةَ، وَالرَّبِيعَ بْنَ عِمْرَانَ التَّمِيمِيَّ. فَقَالَ أَبُو الصَّيْدَاءِ ): إِنَّمَا أَخْرُجُ عَلَى شَرِيطَةِ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَإِنَّمَا خَرَاجُ خُرَاسَانَ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ. فَقَالَ أَشْرَسُ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو الصَّيْدَاءِ لِأَصْحَابِهِ: فَإِنِّي أَخْرُجُ، فَإِنْ لَمْ يَفِ الْعُمَّالُ أَعَنْتُمُونِي عَلَيْهِمْ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَشَخَصَ إِلَى سَمَرْقَنْدَ وَعَلَيْهَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْعَمَرَّطَةِ الْكِنْدِيُّ عَلَى حَرْبِهَا وَخَرَاجِهَا، فَدَعَا أَبُو الصَّيْدَاءِ أَهْلَ سَمَرْقَنْدَ وَمَنْ حَوْلَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، عَلَى أَنْ تُوضَعَ عَنْهُمُ الْجِزْيَةُ، فَسَارَعَ النَّاسُ، فَكَتَبَ غَوْزَكُ إِلَى أَشْرَسَ أَنَّ الْخَرَاجَ قَدِ انْكَسَرَ. فَكَتَبَ أَشْرَسُ إِلَى ابْنِ [ أَبِي ] الْعَمَرَّطَةَ: إِنَّ فِي الْخَرَاجِ قُوَّةً لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ أَهْلَ الصُّغْدِ وَأَشْبَاهِهِمْ لَمْ يُسْلِمُوا رَغْبَةً، إِنَّمَا أَسْلَمُوا تَعَوُّذًا مِنَ الْجِزْيَةِ، فَانْظُرْ مَنِ اخْتَتَنَ، وَأَقَامَ الْفَرَائِضَ، وَقَرَأَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ، فَارْفَعْ خَرَاجَهُ. ثُمَّ عَزَلَ أَشْرَسُ ابْنَ [ أَبِي ] الْعَمَرَّطَةِ عَنِ الْخَرَاجِ، وَصَيَّرَهُ إِلَى هَانِئِ بْنِ هَانِئٍ، فَمَنَعَهُمْ أَبُو الصَّيْدَاءِ مِنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ أَسْلَمَ، فَكَتَبَ هَانِئٌ إِلَى أَشْرَسَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا وَبَنَوُا الْمَسَاجِدَ. فَكَتَبَ أَشْرَسُ إِلَيْهِ وَإِلَى الْعُمَّالِ: خُذُوا الْخَرَاجَ مِمَّنْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَهُ مِنْهُ. فَأَعَادُوا الْجِزْيَةَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ. فَامْتَنَعُوا وَاعْتَزَلُوا فِي سَبْعَةِ آلَافٍ، عَلَى عِدَّةِ فَرَاسِخَ مِنْ سَمَرْقَنْدَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُو الصَّيْدَاءِ، وَرَبِيعُ بْنُ عِمْرَانَ التَّمِيمِيُّ، وَالْهَيْثَمُ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو فَاطِمَةَ الْأَزْدِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَبَحِيرُ الْخُجَنْدِيُّ، وَبَنَانُ الْعَنْبَرِيُّ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُقْبَةَ لِيَنْصُرُوهُمْ، فَعَزَلَ أَشْرَسُ بْنُ [ أَبِي ] الْعَمَرَّطَةِ عَنِ الْحَرْبِ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ الْمُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ عَلَى الْحَرْبِ، وَضَمَّ إِلَيْهِ عُمَيْرَةُ بْنُ سَعْدٍ الشَّيْبَانِيُّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمُجَشِّرُ كَتَبَ إِلَى أَبِي الصَّيْدَاءِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَدِمَ أَبُو الصَّيْدَاءِ وَثَابَتُ قُطْنَةَ، فَحَبَسَهُمَا، فَقَالَ أَبُو الصَّيْدَاءِ: غَدَرْتُمْ وَرَجَعْتُمْ عَمَّا قُلْتُمْ. فَقَالَ هَانِئٌ: لَيْسَ بِغَدْرٍ مَا كَانَ فِيهِ حَقْنُ الدِّمَاءِ، ثُمَّ سَيَّرُوهُ إِلَى أَشْرَسَ، وَاجْتَمَعَ أَصْحَابُهُ وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ أَبَا فَاطِمَةَ لِيُقَاتِلُوا هَانِئًا، فَقَالَ لَهُمْ: كُفُّوا حَتَّى نَكْتُبَ إِلَى أَشْرَسَ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ، فَكَتَبَ أَشْرَسُ: ضَعُوا عَلَيْهِمُ الْخَرَاجَ، فَرَجَعَ أَصْحَابُ أَبِي الصَّيْدَاءِ وَضَعُفَ أَمْرُهُمْ، فَتَتَبَّعَ الرُّؤَسَاءَ، فَأُخِذُوا وَحُمِلُوا إِلَى مَرْوَ، وَبَقِيَ ثَابِتٌ مَحْبُوسًا، فَأَلَحَّ هَانِئٌ فِي الْخَرَاجِ، وَاسْتَخَفُّوا بِعُظَمَاءِ الْعَجَمِ وَالدَّهَاقِينِ، وَأُقِيمُوا وَخُرِّقَتْ ثِيَابُهُمْ، وَأَلْقِيَتْ مَنَاطِقُهُمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَأَخَذُوا الْجِزْيَةَ مِمَّنْ أَسَلَمَ [ مِنَ الضُّعَفَاءِ ]، فَكَفَرَتِ الصُّغْدُ وَبُخَارَى، وَاسْتَجَاشُوا التُّرْكَ. وَلَمْ يَزَلْ ثَابِتُ قُطْنَةَ فِي حَبْسِ الْمُجَشِّرِ حَتَّى قَدِمَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ إِلَى الْمُجَشِّرِ وَالِيًا، فَحَمَلَهُ إِلَى أَشْرَسَ فَحَبَسَهُ، وَكَانَ نَصْرٌ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَقَالَ ثَابِتٌ يَمْدَحْهُ [ بِأَبْيَاتٍ ] يَقُولُ فِيهَا: مَا هَاجَ شَوْقُكَ مِنْ نُؤْيٍ وَأَحْجَارِ وَمِنْ رُسُومٍ عَفَاهَا صَوْبُ أَمْطَارِ     إِنْ كَانَ ظَنِّي بِنَصْرٍ صَادِقًا أَبَدًا فِيمَا أُدَبِّرُ مِنْ نَقْضِي وَإِمْرَارِي     لَا يَصْرِفُ الْجُنْدَ حَتَّى يَسْتَفِيءَ بِهِمْ نَهْبًا عَظِيمًا وَيَحْوِيَ مُلْكَ جَبَّارِ     إِنِّي وَإِنْ كُنْتُ مِنْ جَذْمِ الَّذِي نَضُرَتْ مِنْهُ الْفُرُوعُ وَزَنْدِي الثَّاقِبُ الْوَارِي     لَذَاكِرٌ مِنْكَ أَمْرًا قَدْ سَبَقْتَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ يَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارِ     نَاضَلْتَ عَنِّي نِضَالَ الْحُرِّ إِذْ قَصُرَتْ دُونِي الْعَشِيرَةُ وَاسْتَبْطَأْتُ أَنْصَارِي     وَصَارَ كُلُّ صِدِّيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ أَلْبًا عَلَي وَرَثَّ الْحَبْلُ مِنْ جَارِي     وَمَا تَلَبَّسْتُ بِالْأَمْرِ الَّذِي وَقَعُوا بِهِ عَلَيَّ وَلَا دَنَّسْتُ أَطَمَارِي     وَلَا عَصَيْتُ إِمَامًا كَانَ طَاعَتُهُ حَقًا عَلِيَّ وَلَا قَارَفْتُ مِنْ عَارِ وَخَرَجَ أَشْرَسُ غَازِيًا، فَنَزَلَ آمُلَ، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. وَقَدَّمَ قَطَنَ بْنَ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَعَبَرَ النَّهْرَ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، فَأَقْبَلَ أَهْلُ الصُّغْدِ وَبُخَارَى مَعَهُمْ خَاقَانُ وَالتُّرْكُ، فَحَصَرُوا قَطَنًا فِي خَنْدَقِهِ، فَأَرْسَلَ خَاقَانُ مَنْ أَغَارَ عَلَى مَسْرَحِ النَّاسِ، فَأَخْرَجَ أَشْرَسُ ثَابِتَ قُطْنَةَ بِكَفَالَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، فَوَجَّهَهُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ فِي خَيْلٍ، فَقَاتَلُوا التُّرْكَ بِآمُلَ حَتَّى اسْتَنْقَذُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَرَجَعَ التُّرْكُ. ثُمَّ عَبَرَ أَشْرَسُ بِالنَّاسِ إِلَى قَطَنٍ، وَبَعْثَ أَشْرَسُ سَرِيَّةً مَعَ مَسْعُودٍ أَحَدِ بَنِي حَيَّانَ، فَلَقِيَهُمُ الْعَدُوُّ ( فَقَاتَلُوهُمْ، فَقُتِلَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُزِمَ مَسْعُودٌ، فَرَجَعَ أَشْرَسُ )، وَأَقْبَلَ الْعَدُوُّ، فَلَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَجَالُوا جَوْلَةً، فَقُتِلَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ وَصَبَرُوا فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَسَارَ أَشْرَسُ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ بِيكَنْدَ، فَقَطَعَ الْعَدُوُّ عَنْهُمُ الْمَاءَ، وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَعَطِشُوا، فَرَحَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي قَطَعَ الْعَدُوُّ [ الْمِيَاهَ ] مِنْهَا، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ قَطَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ، فَلَقِيَهُمُ الْعَدُوُّ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَجَهِدُوا مِنَ الْعَطَشِ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُمِائَةٍ، ( فَعَجَزَ النَّاسُ عَنِ الْقِتَالِ )، فَحَرَّضَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ النَّاسَ، فَقَالَ: الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ أَكْرَمُ فِي الدُّنْيَا وَأَعْظَمُ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمَوْتِ عَطَشًا. وَتَقَدَّمَ الْحَارِثُ وَقَطَنٌ فِي فَوَارِسَ مِنْ تَمِيمٍ، فَقَاتَلُوا حَتَّى أَزَالُوا التُّرْكَ عَنِ الْمَاءِ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا. ثُمَّ مَرَّ ثَابِتُ قُطْنَةَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ دِثَارٍ الْبَاهِلِيِّ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ فِي الْجِهَادِ ؟ فَقَالَ: أَمْهِلْنِي حَتَّى أَغْتَسِلَ وَأَتَحَنَّطَ. فَوَقَفَ لَهُ حَتَّى اغْتَسَلَ ثُمَّ مَضَيَا، وَقَالَ ثَابِتٌ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا أَعْلَمُ بِقِتَالِ هَؤُلَاءِ مِنْكُمْ، وَحَرَّضَهُمْ، فَحَمَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كَنْتُ ضَيْفَ ابْنِ بِسْطَامٍ الْبَارِحَةَ، فَاجْعَلْنِي ضَيْفَكَ اللَّيْلَةَ، وَاللَّهِ لَا يَنْظُرُ إِلَيَّ بَنُو أُمَيَّةَ مَشْدُودًا فِي الْحَدِيدِ. فَحَمَلَ وَحَمَلَ أَصْحَابُهُ، فَرَجَعَ أَصْحَابُهُ وَثَبَتَ هُوَ، فَرُمِيَ بِرْذَوْنُهُ فَشَبَّ، وَضَرَبَهُ فَأَقْدَمَ، وَضُرِبَ ثَابِتٌ، فَارْتُثَّ، فَقَالَ وَهُوَ صَرِيعٌ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ ضَيْفًا لِابْنِ بِسْطَامٍ وَأَمْسَيْتُ ضَيْفَكَ ! فَاجْعَلْ قِرَايَ مِنْكَ الْجَنَّةَ ! فَقَتَلُوهُ وَقَتَلُوا مَعَهُ عِدَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ: صَخْرُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ النُّعْمَانِ الْعَبْدِيُّ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ دِثَارٍ الْبَاهِلِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَجَمَعَ قَطَنٌ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حِبَّانَ خَيْلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَبَايَعُوا عَلَى الْمَوْتِ، فَحَمَلُوا عَلَى الْعَدُوِّ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَكَشَفُوهُمْ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ حَتَّى حَجَزَهُمُ اللَّيْلُ، وَتَفَرَّقَ الْعَدُوُّ، وَأَتَى أَشْرَسُ بُخَارَى فَحَصَرَ أَهْلَهَا.

  428. التاريخ 2519لا حكم مسجّل

    وَقْعَةِ كَمَرْجَهْ   ثُمَّ إِنَّ خَاقَانَ حَصَرَ كَمَرْجَهْ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ بُلْدَانِ خُرَاسَانَ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ خَاقَانَ أَهْلُ فَرْغَانَةَ وَأَفْشِينَةَ وَنَسَفَ وَطَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ بُخَارَى، فَأَغْلَقَ الْمُسْلِمُونَ الْبَابَ، وَقَطَعُوا الْقَنْطَرَةَ الَّتِي عَلَى الْخَنْدَقِ. فَأَتَاهُمُ ابْنُ خِسْرُو بْنِ يَزْدِجَرْدَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لِمَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ؟ أَنَا الَّذِي جِئْتُ بِخَاقَانَ لِيَرُدَّ عَلَيَّ مَمْلَكَتِي، وَأَنَا آخِذٌ لَكُمُ الْأَمَانَ. فَشَتَمُوهُ. وَأَتَاهُمْ بَازَغْرَى فِي مِائَتَيْنِ، وَكَانَ دَاهِيَةً، وَكَانَ خَاقَانُ لَا يُخَالِفُهُ، فَدَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمَانٍ، وَقَالَ: لِيَنْزِلَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ أُكَلِّمُهُ بِمَا أَرْسَلَنِي بِهِ خَاقَانُ. فَأَحْدَرُوا يَزِيدَ بْنَ سَعِيدٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ يَفْهَمُ بِالتُّرْكِيَّةِ يَسِيرًا، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ خَاقَانَ أَرْسَلَنِي، وَهُوَ يَقُولُ إِنِّي أَجْعَلُ مَنْ عَطَاؤُهُ مِنْكُمْ سِتُّمِائَةٍ أَلْفًا، وَمِنْ عَطَاؤُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ سِتَّمِائَةٍ، وَهُوَ يُحْسِنُ إِلَيْكُمْ. فَقَالَ [ لَهُ ] يَزِيدُ: كَيْفَ تَكُونُ الْعَرَبُ وَهُمْ ذِئَابٌ مَعَ التُّرْكِ وَهُمْ شَاءٌ ! لَا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ صُلْحٌ. فَغَضِبَ بَازَغْرَى، وَكَانَ مَعَهُ تُرْكِيَّانِ، فَقَالَا: أَلَا تَضْرِبُ عُنُقَهُ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ نَزَلَ بِأَمَانٍ. وَفَهِمَ يَزِيدُ مَا قَالَا، فَخَافَ، فَقَالَ: بَلَى إِنَّمَا تَجْعَلُونَنَا نِصْفَيْنِ، فَيَكُونُ نَصْفُنَا مَعَ أَثْقَالِنَا، وَيَسِيرُ النِّصْفُ مَعَكُمْ، فَإِنْ ظَفِرْتُمْ فَنَحْنُ مَعَكُمْ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ كُنَّا كَسَائِرِ مَدَائِنِ الصُّغْدِ. فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَقَالَ: أَعْرِضُ عَلَى أَصْحَابِي هَذَا. وَصَعِدَ فِي الْحَبْلِ، فَلَمَّا صَارَ عَلَى السُّورِ نَادَى: يَا أَهْلَ كَمْرَجَهْ، اجْتَمِعُوا، فَقَدْ جَاءَكُمْ قَوْمٌ يَدْعُونَكُمْ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، فَمَا تَرَوْنَ ؟ قَالُوا: لَا نُجِيبُ وَلَا نَرْضَى. قَالَ: يَدْعُونَكُمْ إِلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: نَمُوتُ قَبْلَ ذَلِكَ. فَرُدَّ بَازَغْرَى. ثُمَّ أَمَرَ خَاقَانُ بِقَطْعِ الْخَنْدَقِ، فَجَعَلُوا يُلْقُونَ الْحَطَبَ الرَّطْبَ، وَيُلْقِي الْمُسْلِمُونَ الْحَطَبَ الْيَابِسَ، حَتَّى سُوِّيَ الْخَنْدَقُ، فَأَشْعَلُوا فِيهِ النِّيرَانَ، وَهَاجَتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ صُنْعًا مِنَ اللَّهِ، فَاحْتَرَقَ الْحَطَبُ، وَكَانُوا جَمَعُوهُ فِي سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ فَرَّقَ خَاقَانُ عَلَى التُّرْكِ أَغْنَامًا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا لَحْمَهَا، وَيَحْشُوا جُلُودَهَا تُرَابًا، وَيَكْبِسُوا خَنْدَقَهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ سَحَابَةً فَمَطَرَتْ مَطَرًا شَدِيدًا، فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ مَا فِي الْخَنْدَقِ، وَأَلْقَاهُ فِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ. وَرَمَاهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالسِّهَامِ، فَأَصَابَتْ بَازَغْرَى نُشَّابَةٌ فِي سُرَّتِهِ فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ بِمَوْتِهِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. فَلَمَّا امْتَدَّ النَّهَارُ جَاءُوا بِالْأَسْرَى الَّتِي عِنْدَهُمْ، وَهُمْ مِائَةٌ، فِيهِمْ أَبُو الْعَوْجَاءِ الْعَتَكِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ حُمَيْدٍ النَّضْرِيُّ، فَقَتَلُوهُمْ وَرَمَوْا بِرَأْسِ الْحَجَّاجِ، وَكَانَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِائَتَانِ مِنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ رَهَائِنَ، فَقَتَلُوهُمْ وَاسْتَمَاتُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ. وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ كَمَرْجَهْ كَذَلِكَ حَتَّى أَقْبَلَتْ جُنُودُ الْعَرَبِ فَنَزَلَتْ فَرْغَانَةَ، فَعَيَّرَ خَاقَانُ أَهْلَ الصُّغْدِ، وَفَرْغَانَةَ، وَالشَّاشِ، وَالدَّهَاقِينَ، وَقَالَ: زَعَمْتُمْ أَنَّ فِي هَذِهِ خَمْسِينَ حِمَارًا، وَأَنَّا نَفْتَحُهَا فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ، فَصَارَتِ الْخَمْسَةُ شَهْرَيْنِ. وَأَمَرَهُمْ بِالرَّحِيلِ وَشَتَمَهُمْ، فَقَالُوا: مَا نَدَعُ جُهْدًا، فَأَحْضِرْنَا غَدًا، وَانْظُرْ مَا نَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ وَقَفَ خَاقَانُ، وَتَقَدَّمَ الطَّارْبَنْدُ، فَقَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَمَانِيَةً، وَجَاءَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ثُلْمَةٍ إِلَى جَنْبِ بَيْتٍ فِيهِ مَرِيضٌ مِنْ تَمِيمٍ، فَرَمَاهُ التَّمِيمِيُّ بِكَلُّوبٍ، فَتَعَلَّقَ بِدِرْعِهِ، ثُمَّ نَادَى النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ، فَجَذَبُوهُ فَسَقَطَ لِوَجْهِهِ، وَرَمَاهُ رَجُلٌ بِحَجَرٍ، فَأَصَابَ أَصْلَ أُذُنِهِ، فَصُرِعَ، وَطَعَنَهُ آخَرُ، فَقَتَلَهُ، فَاشْتَدَّ قَتْلُهُ عَلَى التُّرْكِ. وَأَرْسَلَ خَاقَانُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَأْيِنَا أَنْ نَرْتَحِلَ عَنْ مَدِينَةٍ نُحَاصِرُهَا دُونَ افْتِتَاحِهَا، أَوْ تَرَحُّلِهِمْ عَنْهَا. فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ دِينِنَا أَنْ نُعْطِيَ بِأَيْدِينَا حَتَّى نُقْتَلَ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ. فَأَعْطَاهُمُ التُّرْكُ الْأَمَانَ أَنْ يَرْحَلَ خَاقَانُ عَنْهُمْ وَيَرْحَلُوا هُمْ ( عَنْهَا إِلَى سَمَرْقَنْدَ أَوِ الدَّبُّوسِيَّةَ، فَرَأَى أَهْلُ كَمَرْجَهْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْحِصَارِ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ، فَأَخَذُوا مِنَ التُّرْكِ رَهَائِنَ أَنْ لَا يَعْرِضُوا لَهُمْ، وَطَلَبُوا أَنَّ كُورُصُولَ التُّرْكِيَّ يَكُونُ مَعَهُمْ فِي جَمَاعَةٍ ) لِيَمْنَعَهُمْ إِلَى الدَّبُّوسِيَّةِ، فَسَلَّمُوا إِلَيْهِمُ الرَّهَائِنَ وَأَخَذُوا أَيْضًا هُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَهَائِنَ، وَارْتَحَلَ خَاقَانُ عَنْهُمْ، ثُمَّ رَحَلُوا هُمْ بَعْدَهُ، فَقَالَ الْأَتْرَاكُ الَّذِينَ مَعَ كُورُصُولَ: إِنَّ بِالدَّبُّوسِيَّةِ عَشْرَةَ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَخْرُجُوا عَلَيْنَا. فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: إِنْ قَاتَلُوكُمْ قَاتَلْنَاهُمْ مَعَكُمْ. فَسَارُوا، فَلَمَّا صَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الدَّبُّوسِيَّةِ فَرْسَخٌ نَظَرَ أَهْلُهَا إِلَى الْفُرْسَانِ فَظَنُّوا أَنَّ كَمَرْجَهْ فُتِحَتْ، وَأَنَّ خَاقَانَ قَدْ قَصَدَهُمْ، فَتَأَهَّبُوا لِلْحَرْبِ، فَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ يُخْبِرُونَهُمْ خَبَرَهُمْ، فَالْتَقَوْهُمْ وَحَمَلُوا مَنْ كَانَ يَضْعُفُ عَنِ الْمَشْيِ وَمَنْ كَانَ مَجْرُوحًا. فَلَمَّا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ الدَّبُّوسِيَّةَ أَرْسَلُوا إِلَى مَنْ عِنْدَهُ الرَّهَائِنُ يُعْلِمُونَهُ بِوُصُولِهِمْ، وَيَأْمُرُونَهُ بِإِطْلَاقِهِمْ، فَجَعَلَتِ الْعَرَبُ تُطْلِقُ رَجُلًا مِنَ الرَّهْنِ وَالتُّرْكُ رَجُلًا، حَتَّى بَقِيَ سِبَاعُ بْنُ النُّعْمَانِ مَعَ التُّرْكِ، وَرَجُلٌ مِنَ التُّرْكِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَجَعَلَ كُلُّ فَرِيقٍ يَخَافُ مِنْ صَاحِبِهِ الْغَدْرَ، فَقَالَ سِبَاعٌ: خَلُّوا رَهِينَةَ التُّرْكِ، فَخَلَّوْهُ، وَبَقِيَ سِبَاعٌ مَعَ التُّرْكِ، فَقَالَ لَهُ كُورْصُولُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ: وَثِقْتُ بِكَ وَقُلْتُ: تَرْفَعُ نَفْسَكَ عَنِ الْغَدْرِ، فَوَصَلَهُ كُورْصُولُ وَأَعْطَاهُ سِلَاحَهُ وَبِرْذَوْنًا وَأَطْلَقَهُ. وَكَانَتْ مُدَّةُ حِصَارِ كَمَرْجَهْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَسْقُوا إِبِلَهُمْ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا.

  429. التاريخ 2520لا حكم مسجّل

    رِدَّةِ أَهْلِ كَرْدَرَ   وفِي هَذِهِ سنة عشر ومائة ارْتَدَّ أَهْلُ كَرْدَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَشْرَسُ جُنْدًا فَظَفِرُوا بِهِمْ، فَقَالَ عَرْفَجَةُ: وَنَحْنُ كَفَيْنَا أَهْلَ مَرْوٍ وَغَيْرَهُمْ وَنَحْنُ نَفَيْنَا التُّرْكَ عَنْ أَهْلِ كَرْدَرِ فَإِنْ تَجْعَلُوا مَا قَدْ غَنِمْنَا لِغَيْرِنَا فَقَدْ يُظْلَمُ الْمَرْءُ الْكَرِيمُ فَيَصْبِرُ

  430. التاريخ 2521لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وفِي سنة عشر ومائة جَمَعَ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ الصَّلَاةَ وَالْأَحْدَاثَ وَالشُّرَطَ وَالْقَضَاءَ بِالْبَصْرَةِ لِبِلَالِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَزَلَ ثُمَامَةَ عَنِ الْقَضَاءِ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الرُّومَ فَفَتَحَ صِمْلَةَ  . وَفِيهَا غَزَا الصَّائِفَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُقْبَةَ الْفِهْرِيُّ  ، وَكَانَ عَلَى جَيْشِ الْبَحْرِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، ( بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ). وَفِيهَا أَرْسَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هِشَامٌ، عُبَيْدَةَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ مُتَوَلِّيًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ جَهَّزَ ابْنَهُ وَأَخَاهُ فِي جَيْشٍ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمُشْرِكِينَ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَسَرُوا بِطْرِيقَهُمْ، وَانْهَزَمَ بِاقِيهِمْ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا. وَفِيهَا فَتَحَ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ حِصْنَيْنِ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ وَغَنِمَ غَنَائِمَ جَمَّةً.

  431. التاريخ 2522لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة عشر ومائة: حَجَّ بِالنَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ،  وَكَانَ هُوَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْعِرَاقِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَشْرَسُ مِنْ قِبَلِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

  432. التاريخ 2523لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ في سنة عشر ومائة الْأَعْيَانِ: جرير الشاعر جَرِيرٌ الشَّاعِرُ   وَهُوَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى وَيُقَالُ: جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ بْنِ الْخَطَفَى. وَاسْمُ الْخَطَفَى حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ، أَبُو حَزْرَةَ الشَّاعِرُ الْبَصْرِيُّ، قَدِمَ دِمَشْقَ مِرَارًا، وَامْتَدَحَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ وَالْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِ، وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَكَانَ فِي عَصْرِهِ مِنَ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ يُقَارَنُونَ الْفَرَزْدَقُ، وَالْأَخْطَلُ، وَكَانَ جَرِيرٌ أَشْعَرَهُمْ وَأَخْيَرَهُمْ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ أَشْعَرُ الثَّلَاثَةِ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ، بسنده، عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ جَرِيرًا وَمَا تُضَمُّ شَفَتَاهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، فَقُلْتُ: وَمَا يَنْفَعُكَ هَذَا وَأَنْتَ تَقْذِفُ الْمُحْصَنَةَ ؟ ! فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [ هُودٍ: 114 ]، وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ حَقٌّ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخْلُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يَمْتَدِحُهُ بِقَصِيدَةٍ، وَعِنْدَهُ الشُّعَرَاءُ الثَّلَاثَةُ جَرِيرٌ، وَالْفَرَزْدَقُ، وَالْأَخْطَلُ فَلَمْ يَعْرِفْهُمُ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلْأَعْرَابِيِّ: هَلْ تَعْرِفُ أَهَجَى بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَوْلُ جَرِيرٍ: فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِنْ نُمَيْرٍ فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابًا فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، فَهَلْ تَعْرِفُ أَمْدَحَ بَيْتٍ قِيلَ فِي الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَوْلُ جَرِيرٍ: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا     وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحٍ فَقَالَ: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ، فَهَلْ تَعْرِفُ أَرَقَّ بَيْتٍ قِيلَ فِي الْإِسْلَامِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَوْلُ جَرِيرٍ: إِنَّ الْعُيُونَ الَّتِي فِي طَرْفِهَا مَرَضٌ     قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلَانَا يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حَرَاكَ بِهِ     وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ أَرْكَانًا فَقَالَ: أَحْسَنْتَ، فَهَلْ تَعْرِفُ جَرِيرًا ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ وَإِنِّي إِلَى رُؤْيَتِهِ لَمُشْتَاقٌ. قَالَ: فَهَذَا جَرِيرٌ وَهَذَا الْأَخْطَلُ وَهَذَا الْفَرَزْدَقُ. فَأَنْشَأَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: فَحَيَّا الْإِلَهُ أَبَا حَرْزَةٍ     وَأَرْغَمَ أَنْفَكَ يَا أَخْطَلُ وَجَدُّ الْفَرَزْدَقِ أَتْعِسْ بِهِ     وَدَقَّ خَيَاشِيمَهُ الْجَنْدَلُ فَأَنْشَأَ الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ: يَا أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفًا أَنْتَ حَامِلُهُ     يَا ذَا الْخَنَا وَمَقَالِ الزُّورِ وَالْخَطَلِ مَا أَنْتَ بِالْحَكَمِ التُّرْضَى حُكُومَتُهُ     وَلَا الْأَصِيلِ وَلَا ذِي الرَّأْيِ وَالْجَدَلِ ثُمَّ أَنْشَأَ الْأَخْطَلُ يَقُولُ: يَا شَرَّ مَنْ حَمَلَتْ سَاقٌ عَلَى قَدَمٍ     مَا مِثْلُ قَوْلِكَ فِي الْأَقْوَامِ يُحْتَمَلُ إِنَّ الْحُكُومَةَ لَيْسَتْ فِي أَبِيكَ وَلَا     فِي مَعْشَرٍ أَنْتَ مِنْهُمْ إِنَّهُمْ سَفَلُ فَقَامَ جَرِيرٌ مُغْضَبًا وَهُوَ يَقُولُ: شَتَمْتُمَا قَائِلًا بِالْحَقِّ مُهْتَدِيًا     عِنْدَ الْخَلِيفَةِ وَالْأَقْوَالُ تَنْتَضِلُ أَتَشْتُمَانِ سَفَاهًا خَيْرَكُمْ حَسَبًا     فَفِيكُمَا وَإِلَهِي الزُّورُ وَالْخَطَلُ شَتَمْتُمَاهُ عَلَى رَفْعِي وَوَضْعِكُمَا     لَا زِلْتُمَا فِي سَفَالٍ أَيُّهَا السَّفَلُ ثُمَّ وَثَبَ جَرِيرٌ فَقَبَّلَ رَأْسَ الْأَعْرَابِيِّ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَائِزَتِي لَهُ. وَكَانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: وَلَهُ مِثْلُهَا مِنْ مَالِي. فَقَبَضَ الْأَعْرَابِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَخَرَجَ. دخول جرير على عبد الملك بن مروان مع وفد العراق وَحَكَى يَعْقُوبُ بْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ جَرِيرًا دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ مَعَ وَفْدِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ جِهَةِ الْحَجَّاجِ فَأَنْشَدَهُ مَدِيحَهُ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ: أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا     وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ فَأَطْلَقَ لَهُ مِائَةَ نَاقَةٍ وَثَمَانِيَةً مِنَ الرُّعَاةِ ; أَرْبَعَةً مِنَ النُّوبَةِ، وَأَرْبَعَةً مِنَ السَّبْيِ الَّذِينَ قَدِمَ بِهِمْ مِنَ الصُّغْدِ. قَالَ جَرِيرٌ وَبَيْنَ يَدَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ جَامَاتٌ مِنْ فِضَّةٍ قَدْ أُهْدِيَتْ لَهُ، وَهُوَ لَا يَعْبَأُ بِهَا شَيْئًا، فَهُوَ يَقْرَعُهَا بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمَحْلَبَ، فَأَلْقَى إِلَيَّ وَاحِدَةً مِنْ تِلْكَ الْجَامَاتِ، وَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْحَجَّاجِ أَعْجَبَهُ إِكْرَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ، فَأَطْلَقَ لَهُ خَمْسِينَ نَاقَةً تَحْمِلُ طَعَامًا لِأَهْلِهِ. وَحَكَى نِفْطَوَيْهِ أَنَّ جَرِيرًا دَخَلَ يَوْمًا عَلَى بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ وَعِنْدَهُ الْأَخْطَلُ فَقَالَ بِشْرٌ لِجَرِيرٍ: أَتَعْرِفُ هَذَا ؟ قَالَ: لَا، وَمَنْ هَذَا أَيُّهَا الْأَمِيرُ ؟ فَقَالَ: هَذَا الْأَخْطَلُ. فَقَالَ الْأَخْطَلُ: أَنَا الَّذِي شَتَمْتُ عِرْضَكَ، وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَآذَيْتُ قَوْمَكَ. فَقَالَ جَرِيرٌ: أَمَّا قَوْلُكَ: شَتَمْتُ عِرْضَكَ. فَمَا ضَرَّ الْبَحْرَ أَنْ يَشْتُمَهُ مَنْ غَرِقَ فِيهِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ. فَلَوْ تَرَكْتَنِي أَنَامُ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: وَآذَيْتُ قَوْمَكَ. فَكَيْفَ تُؤْذِي قَوْمًا أَنْتَ تُؤَدِّي الْجِزْيَةَ إِلَيْهِمْ ؟ ! وَكَانَ الْأَخْطَلُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ الْمُتَنَصِّرَةِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَبْعَدَ مَثْوَاهُ. بين جرير والحجاج بن يوسف الثقفي قَالَ بَعْضُهُمْ فِيمَا حَكَاهُ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْجَرِيرِيُّ: قَالَتْ جَارِيَةٌ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ فِي جَرِيرٍ: إِنَّكَ تُدْخِلُ هَذَا عَلَيْنَا. فَقَالَ: إِنَّهُ مَا عَلِمْتُ [ إِلَّا ] عَفِيفًا. فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَلَيْتِنِي وَإِيَّاهُ سَتَرَى مَا يَصْنَعُ. فَأَمَرَ بِإِخْلَائِهَا مَعَ جَرِيرٍ فِي مَكَانٍ يَرَاهُمَا وَلَا يَشْعُرُ جَرِيرٌ بِشَيْءٍ، مِنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا جَرِيرُ فَأَطْرَقَ رَأْسَهُ وَقَالَ: هَا أَنَا ذَا. فَقَالَتْ: أَنْشِدْنِي مِنْ قَوْلِكَ كَذَا وَكَذَا. لِشِعْرٍ فِيهِ رِقَّةٌ وَتَحْنُّنٌ. فَقَالَ: لَسْتُ أَحْفَظُهُ، وَلَكِنْ أَحْفَظُ كَذَا وَكَذَا. وَيُعْرِضُ عَنْ ذَاكَ، وَيُنْشِدُهَا شِعْرًا فِي مَدْحِ الْحَجَّاجِ فَقَالَتْ: لَسْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا، إِنَّمَا أُرِيدُ كَذَا وَكَذَا. فَيُعْرِضُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَنْشُدُهَا فِي مَدْحِ الْحَجَّاجِ حَتَّى انْقَضَى الْمَجْلِسُ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ: لِلَّهِ دَرُّكَ، أَبَيْتَ إِلَّا كَرَمًا وَتَكَرُّمًا. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَنْشَدْتُ أَعْرَابِيًّا بَيْتًا لِجَرِيرٍ الْخَطَفَى: أَبُدِّلَ اللَّيْلُ لَا تَجْرِي كَوَاكِبُهُ     أَوْ طَالَ حَتَّى حَسِبْتُ النَّجْمَ حَيْرَانَا فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: إِنَّ هَذَا حَسَنٌ فِي مَعْنَاهُ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مِثْلِهِ، وَلَكِنِّي أَنْشُدُكَ فِي ضِدِّهِ مِنْ قَوْلِي: وَلَيْلٍ لَمْ يُقَصِّرْهُ رُقَادٌ     وَقَصَّرَهُ لَنَا وَصْلُ الْحَبِيبِ نَعِيمُ الْحُبِّ أَوْرَقَ فِيهِ حَتَّى     تَنَاوَلْنَا جَنَاهُ مِنْ قِرِيبِ بِمَجْلِسِ لَذَّةٍ لَمْ نَقْفِ فِيهِ     عَلَى شَكْوَى وَلَا عَيْبِ الذُّنُوبِ فَحُلْنَا أَنْ نُقَطِّعَهُ بِلَفْظٍ     فَتَرْجَمَتِ الْعُيونُ عَنِ الْقُلُوبِ فَقُلْتُ لَهُ: زِدْنِي. قَالَ: أَمَّا مِنْ هَذَا فَحَسْبُكَ، وَلَكِنْ أُنْشِدُكَ غَيْرَهُ. فَأَنْشَدَنِي: وَكُنْتُ إِذَا عَقَدْتُ حِبَالَ قَوْمٍ     صَحِبْتُهُمْ وَشِيمَتِيَ الْوَفَاءُ فَأُحْسِنُ حِينَ يُحْسِنُ مُحْسِنُوهُمْ     وَأَجْتَنِبُ الْإِسَاءَةَ إِنْ أَسَاءُوا أَشَاءُ سِوَى مَشِيئَتِهِمْ فَآتِي     مَشِيئَتَهُمْ وَأَتْرُكُ مَا أَشَاءُ جرير أشعر من الفرزدق قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ جَرِيرٌ أَشْعَرَ مِنَ الْفَرَزْدَقِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَفْخَرُ بَيْتٍ قَالَهُ جَرِيرٌ: إِذَا غَضِبَتْ عَلَيْكَ بَنُو تَمِيمٍ     حَسِبْتَ النَّاسَ كُلَّهُمُ غِضَابَا قَالَ: وَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ: مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ ؟ فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَأَدْخَلَهُ عَلَى أَبِيهِ، وَإِذَا هُوَ يَرْتَضِعُ مِنْ ثَدْيِ عَنْزٍ، فَاسْتَدْعَاهُ فَنَهَضَ وَاللَّبَنُ يَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِلَّذِي سَأَلَهُ: أَتُبْصِرُ هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَعْرِفُهُ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: هَذَا أَبِي، وَإِنَّمَا يَشْرَبُ مِنْ ضَرْعِ الْعَنْزِ ; لِئَلَّا يَحْلِبَهَا فَيَسْمَعَ جِيرَانُهُ حِسَّ الْحَلْبِ فَيَطْلُبُوا مِنْهُ لَبَنًا، فَأَشْعُرُ النَّاسِ مَنْ فَاخَرَ بِهَذَا ثَمَانِينَ شَاعِرًا فَغَلَبَهُمْ. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ جَرِيرٍ، وَالْفَرَزْدَقِ مُقَاوَلَاتٌ وَمُهَاجَاةٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَقَدْ مَاتَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. قَالَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ خَلِيفَةُ: مَاتَ الْفَرَزْدَقُ، وَجَرِيرٌ بَعْدَهُ بِأَشْهُرٍ. وَقَالَ الصُّولِيُّ: مَاتَا فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَمَاتَ الْفَرَزْدَقُ قَبْلَ جَرِيرٍ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ الْكُدَيْمِيُّ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَى رَجُلٌ جَرِيرًا فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي. فَقِيلَ: بِمَاذَا ؟ قَالَ: بِتَكْبِيرَةٍ كَبَّرْتُهَا بِالْبَادِيَةِ. قِيلَ لَهُ: فَمَا فَعَلَ الْفَرَزْدَقُ ؟ قَالَ: أَيْهَاتِ، أَهْلَكَهُ قَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: لَمْ يَدَعْهُ فِي الْحَيَاةِ وَلَا فِي الْمَمَاتِ. الْفَرَزْدَقُ وَأَمَّا الْفَرَزْدَقُ  : فَاسْمُهُ هَمَّامُ بْنُ غَالِبِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ نَاجِيَةَ بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ، أَبُو فِرَاسِ بْنُ أَبِي خَطَلٍ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ الشَّاعِرُ الْمَعْرُوفُ بِالْفَرَزْدَقِ، وَجَدُّهُ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ صَحَابِيٌّ، وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَسَمِعَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ وَرَآهُ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى الْعِرَاقِ وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، وَعَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ، وَزُرَارَةَ بْنَ كَرْبٍ، وَالطِّرَمَّاحَ بْنَ عَدِيٍّ الشَّاعِرَ. وَرَوَى عَنْهُ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَمَرْوَانُ الْأَصْفَرُ، وَحَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ الْأَحْوَلُ وَجَمَاعَةٌ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى مُعَاوِيَةَ يَطْلُبُ مِيرَاثَ عَمِّهِ الْحُتَاتِ، وَعَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَلَى أَخِيهِ هِشَامٍ وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. وَقَالَ أَشْعَثُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ الْفَرَزْدَقِ قَالَ: نَظَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى قَدَمِي فَقَالَ: يَا فَرَزْدَقُ إِنِّي أَرَى قَدَمَيْكَ صَغِيرَتَيْنِ، فَاطْلُبْ لَهُمَا مَوْضِعًا فِي الْجَنَّةِ. فَقُلْتُ: إِنَّ ذُنُوبِي كَثِيرَةٌ. فَقَالَ: لَا تَأْيَسْ ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ بِالْمَغْرِبِ بَابًا مَفْتُوحًا لِلتَّوْبَةِ، لَا يُغْلَقُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ". وَرَوَى أَعْيَنُ بْنُ لَبَطَةَ بْنِ الْفَرَزْدَقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الْفَرَزْدَقِ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ،. فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: غَالِبُ بْنُ صَعْصَعَةَ الْمُجَاشِعِيُّ، قَالَ: ذُو الْإِبِلِ الْكَثِيرَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا فَعَلَتْ إِبِلُكَ؟ قَالَ: نَكَبَتْهَا النَّوَائِبُ، وَدَعَدَتْهَا الْحُقُوقُ، قَالَ: ذَاكَ خَيْرٌ مِنْ سَبْلِهَا، مَنْ هَذَا الْفَتَى مَعَكَ؟ قَالَ: هَذَا ابْنِي وَهُوَ شَاعِرٌ، قَالَ: عَلِّمْهُ الْقُرْآنَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الشِّعْرِ. قَالَ لَبَطَةُ: فَمَا زَالَ فِي نَفْسِ أَبِي حَتَّى شَدَّ نَفْسَهُ فَحَفِظَ الْقُرْآنَ. وعن مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْفَرَزْدَقِ فَتَحَرَّكَ فَإِذَا فِي رِجْلَيْهِ قَيْدٌ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا أَبَا فِرَاسٍ؟ قَالَ: حَلَفْتُ أَلَّا أُخْرِجَهُ مِنْ رِجْلِي حَتَّى أَحْفَظَ الْقُرْآنَ. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَوَّارٍ، قَالَ: أَوْلَادُ الْفَرَزْدَقِ لَبَطَةُ وَسَبَطَةُ وَحَبَطَةُ وَالْحَنْطَبَا قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْحِرْمَازِيُّ: كَانَتِ النَّوَّارُ وَهِيَ بِنْتُ أَعْيَنَ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيِّ، وَكَانَ قَدْ وَجَّهَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْبَصْرَةِ أَيَّامَ الْحَكَمَيْنِ، فَقَتَلَهُ الْخَوَارِجُ غِيلَةً، فَخَطَبَ ابْنَتَهُ النَّوَّارَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَبَعَثَتْ إِلَى الْفَرَزْدَقِ، وَكَانَتْ بِنْتَ عَمِّهِ، فَقَالَتْ: أَنْتَ ابْنُ عَمِّي وَأَوْلَى النَّاسِ بِي وَبِتَزْوِيجِي، فَزَوِّجْنِي مِنْ هَذَا الرَّجُلِ، قَالَ: لَا أَفْعَلُ أَوَ تَشْهَدِي أَنَّكِ قَدْ رَضِيتِ بِمَنْ زَوَّجْتُكِ، فَفَعَلَتْ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ النَّوَّارَ قَدْ وَلَّتْنِي أَمْرَهَا، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ زَوَّجْتُهَا مِنْ نَفْسِي عَلَى مِائَةِ نَاقَةٍ حَمْرَاءَ سُودِ الْحَدَقِ، فَنَفَرَتْ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهُ: وَفِّهَا صَدَاقَهَا، فَفَعَلَ وَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ وَقَدْ أَحْبَلَهَا، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ زَمَانًا تَرْضَى عَنْهُ أَحْيَانًا وَتُخَاصِمُهُ أَحْيَانًا، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَهَا وَشَرَطَ أَلَّا تَبْرَحَ مَنْزِلَهُ وَلَا تَتَزَوَّجَ بَعْدَهُ، وَأَشْهَدَ عَلَى طَلَاقِهَا الْحَسَنَ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ قَدْ نَدِمْتُ، فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ دَمَكَ يَتَرَقْرَقُ، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْتَ لَنَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ، فَمَضَى وَهُوَ يَقُولُ: نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لَمَّا     غَدَتْ مِنِّي مُطَلَّقَةً نَوَارُ فَلَوْ أَنِّي مَلَكْتُ يَدِي وَقَلْبِي     لَكَانَ عَلَيَّ لِلْقَدَرِ الْخِيَارُ وَكَانَتْ جَنَّتِي فَخَرَجْتُ مِنْهَا     كَآدَمَ حِينَ أَخْرَجَهُ الضِّرَارُ وَكُنْتُ كَفَاقِئِ عَيْنَيْهِ عَمْدًا     فَأَصْبَحَ مَا يُضِيءُ لَهُ النَّهَارُ وَحَكَى الْفَرَزْدَقُ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ دَوَابٍّ قَدْ خَرَجَتْ نَاحِيَةَ الْبَرِّيَّةِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ قَوْمًا خَرَجُوا لِنُزْهَةٍ فَتَبِعْتُهُمْ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مُسْتَنْقَعَاتٌ فِي غَدِيرٍ، فَقُلْتُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ، وَلَا يَوْمَ دَارَةِ جُلْجُلٍ، فَانْصَرَفْتُ مُسْتَحْيِيًا مِنْهُنَّ، فَنَادَيْنَنِي: بِاللَّهِ يَا صَاحِبَ الْبَغْلَةِ ارْجِعْ نَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِنَّ وَهُنَّ فِي الْمَاءِ إِلَى حُلُوقِهِنَّ، فَقُلْنَ: بِاللَّهِ حَدَّثْنَا بِحَدِيثِ دَارَةِ جُلْجُلٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ كَانَ يَهْوَى بِنْتَ عَمٍّ لَهُ يُقَالُ لَهَا: عُنَيْزَةُ، فَطَلَبَهَا زَمَانًا فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْغَدِيرِ وَهُوَ يَوْمُ دَارَةِ جُلْجُلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَيَّ احْتَمَلُوا، فَتَقَدَّمَ الرِّجَالُ، وَتَخَلَّفَ النِّسَاءُ وَالْخَدَمُ وَالثَّقَلُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ امْرُؤُ الْقَيْسِ تَخَلَّفَ بَعْدَ مَا سَارَ الرِّجَالُ غَلْوَةً، فَكَمَنَ فِي غَابَةٍ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى مَرَّ بِهِ النِّسَاءُ، فَإِذَا فَتَيَاتٌ وَفِيهِنَّ عُنَيْزَةُ، فَلَمَّا وَرَدْنَ الْغَدِيرَ قُلْنَ: لَوْ نَزَلْنَا، فَذَهَبَ بَعْضُ كُلَالِنَا فَنَزَلْنَ إِلَيْهِ، وَنَحَّيْنَ الْعَبِيدَ عَنْهُنَّ، ثُمَّ تَجَرَّدْنَ وَاغْتَمَسْنَ فِي الْغَدِيرِ كَهَيْئَتِكُنَّ السَّاعَةَ، فَأَتَاهُنَّ امْرُؤُ الْقَيْسِ مُحْتَالًا كَنَحْوِ مَا أَتَيْتُكُنَّ وَهُنَّ غَوَافِلٌ، فَأَخَذَ ثِيَابَهُنَّ فَجَمَعَهَا وَرَمَى الْفَرَزْذَقُ نَفْسَهُ عَنْ بَغْلَتِهِ، فَأَخَذَ بَعْضَ أَثْوَابِهِنَّ فَجَمَعَهَا - وَقَالَ لَهُنَّ كَمَا أَقُولُ لَكُنَّ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِي جَارِيَةً مِنْكُنَّ ثَوْبَهَا وَلَوْ أَقَامَتْ فِي الْغَدِيرِ يَوْمَهَا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيَّ مُجَرَّدَةً. فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ: فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: هَذَا امْرُؤُ الْقَيْسِ، كَانَ عَاشِقًا لِابْنَةِ عَمِّهِ، أَفَعَاشِقٌ أَنْتَ لِبَعْضِنَا؟ فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي اشْتَهَيْتُكُنَّ، قَالَ: فَتَأَبَّيْنَ أَمْرِي حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ وَخَشِينَ أَنْ يَقْصُرْنَ دُونَ الْمَنْزِلِ، فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُنَّ، فَدَفَعَ إِلَيْهَا ثَوْبَهَا وَوَضَعَهُ نَاحِيَةً، فَأَخَذَتْهُ وَلَبِسَتْهُ، وَتَتَابَعْنَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَقِيَتْ عُنَيْزَةُ وَحْدَهَا، فَنَاشَدَتْهُ اللَّهَ أَنْ يَطْرَحَ لَهَا ثَوْبَهَا، فَقَالَ: دَعِينَا مِنْكِ، فَأَنَا حَرَامٌ إِنْ أَخَذْتِ ثَوْبَكِ إِلَّا بِيَدِكِ. قَالَ: فَخَرَجَتْ فَنَظَرَ إِلَيْهَا مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً، فَأَخَذَتْ ثَوْبَهَا، وَأَقْبَلْنَ عَلَيْهِ يَعْذِلْنَهُ وَيَلُمْنَهُ وَيَقُلْنَ: عَرَّيْتَنَا وَحَبَسْتَنَا وَجَوَّعْتَنَا، قَالَ: فَإِنْ نَحَرْتُ لَكُنَّ نَاقَتِي، أَتَأْكُلْنَ مِنْهَا؟ قُلْنَ: نَعَمْ، فَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ فَعَقَرَهَا وَنَحَرَهَا وَكَشَطَهَا وَصَاحَ بِخَدَمِهِنَّ، فَجَمَعُوا لَهُ حَطَبًا، فَأَجَّجَ نَارًا عَظِيمَةً، وَجَعَلَ يَقْطَعُ لَهُنَّ مِنْ سَنَامِهَا وَأَطَائِبِهَا وَكَبِدِهَا، فَيُلْقِيهِ عَلَى الْجَمْرِ فَيَأْكُلُ وَيَأْكُلْنَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ الرَّحِيلَ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: أَنَا أَحْمِلُ طُنْفُسَتَهُ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: أَنَا أَحْمِلُ رَحْلَهُ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: أَنَا حَشِيَّتَهُ وَأَنْسَاعَهُ، فَتَقَاسَمْنَ رَحْلَهُ بَيْنَهُنَّ، وَبَقِيَتْ عُنَيْزَةُ، فَقَالَ لَهَا [امْرُؤُ الْقَيْسِ]: يَا ابْنَةَ الْكِرَامِ، لَا بُدَّ أَنْ تَحْمِلِينِي مَعَكِ فَإِنِّي لَا أُطِيقُ الْمَشْيَ وَلَيْسَ مِنْ عَادَتِي، فَحَمَلَتْهُ عَلَى غَارِبِ بِعِيرِهَا، فَكَانَ يُدْخِلُ رَأْسَهُ فِي خِدْرِهَا فَيُقَبِّلُهَا، فَإِذَا امْتَنَعَتْ مَالَ حَدَجُهَا، فَتَقُولُ: يَا امْرَأَ الْقَيْسِ عَقَرْتَ بَعِيرِي فَانْزِلْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا     عَقَرْتَ بِعِيرِي يَا امْرَأَ الْقَيْسِ فَانْزِلِ فَلَمَّا فَرَغَ الْفَرَزْدَقُ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: اصْرِفْ وَجْهَكَ عَنَّا سَاعَةً، وَهَمَسَتْ إِلَى صُوَيْحِبَاتِهَا بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَانْغَطَطْنَ فِي الْمَاءِ وَخَرَجْنَ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مِلْءَ كَفِّهَا طِينًا، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَعَادَيْنَ نَحْوِي وَيَضْرِبْنَ بِذَلِكَ الطِّينِ وَالْحَمْأَةِ وَجْهِي وَثِيَابِي وَمَلَأْنَ عَيْنِي، فَوَقَعْتُ عَلَى وَجْهِي مَشْغُولًا بِعَيْنِي وَمَا فِيهَا، فَأَخَذْنَ ثِيَابَهُنَّ وَرَكِبْنَ، وَرَكِبَتْ تِلْكَ الْمَاجِنَةُ بَغْلَتِي وَتَرَكَتْنِي مُلْقًى بِأَقْبَحِ حَالٍ، فَغَسَلْتُ وَجْهِي وَثِيَابِي وَانْصَرَفْتُ عِنْدَ مَجِيءِ الظَّلَامِ إِلَى مَنْزِلِي مَاشِيًا وَقَدْ وَجَّهْنَ بَغْلَتِي إِلَى بَيْتِي وَقُلْنَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لَهُ تَقُولُ لَكَ أَخَوَاتُكَ: طَلَبْتَ مِنَّا مَا لَمْ يُمْكِنَّا، وَقَدْ وَجَّهْنَا إِلَيْكَ بِزَوْجَتِكَ فَافْعَلْ بِهَا سَائِرَ لَيْلَتِكَ، وَهَذَا كَسْرُ دِرْهَمٍ يَكُونُ لِحَمَّامِكَ إِذَا أَصْبَحْتَ. فَكَانَ يَقُولُ: مَا مُنِيتُ بِمِثْلِهِنَّ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: مَا رَأَيْتُ بَدَوِيًّا أَقَامَ بِالْحَضَرِ إِلَّا فَسَدَ لِسَانُهُ إِلَّا رُؤْبَةَ بْنَ الْعَجَّاجِ، وَالْفَرَزْدَقَ، فَإِنَّهُمَا زَادَا عَلَى طُولِ الْإِقَامَةِ جِدَّةً وَحِدَّةً. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: لَمَّا مَاتَتِ النَّوَارُ بِنْتُ أَعْيَنَ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيُّ امْرَأَةُ الْفَرَزْدَقِ وَكَانَتْ قَدْ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَشَهِدَهَا أَعْيَانُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَالْحَسَنُ عَلَى بَغْلَتِهِ وَالْفَرَزْدَقُ عَلَى بَعِيرِهِ فَسَارَا، فَقَالَ الْحَسَنُ، لِلْفَرَزْدَقِ: مَاذَا يَقُولُ النَّاسُ ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: شَهِدَ هَذِهِ الْجِنَازَةَ الْيَوْمَ خَيْرُ النَّاسِ. يَعْنُونَكَ، وَ: شَرُّ النَّاسِ. يَعْنُونِي. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا فِرَاسٍ لَسْتُ بِخَيْرِ النَّاسِ، وَلَسْتَ بِشَرِّ النَّاسِ. ثُمَّ قَالَ لَهُ الْحَسَنُ: مَا أَعْدَدْتَ لِهَذَا الْيَوْمِ ؟ قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُنْذُ ثَمَانِينَ سَنَةً. فَلَمَّا أَنْ صَلَّى عَلَيْهَا الْحَسَنُ مَالُوا إِلَى قَبْرِهَا لِدَفْنِهَا، فَأَنْشَأَ الْفَرَزْدَقُ يَقُولُ: أَخَافُ وَرَاءَ الْقَبْرِ إِنْ لَمْ يُعَافِنِي     أَشَدَّ مِنَ الْقَبْرِ الْتِهَابًا وَأَضْيَقَا إِذَا جَاءَنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِدٌ     عَنِيفٌ وَسَوَّاقٌ يَسُوقُ الْفَرَزْدَقَا لَقَدْ خَابَ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ مَنْ مَشَى     إِلَى النَّارِ مَغْلُولَ الْقِلَادَةِ أَزْرَقَا يُسَاقُ إِلَى نَارِ الْجَحِيمِ مُسَرْبَلًا     سَرَابِيلَ قَطْرَانٍ لِبَاسًا مُخَرَّقَا إِذَا شَرِبُوا فِيهَا الصَّدِيدَ رَأَيْتَهُمْ     يَذُوبُونَ مِنْ حَرِّ الصَّدِيدِ تَمَزُّقَا قَالَ: فَبَكَى الْحَسَنُ حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ الْتَزَمَ الْفَرَزْدَقَ وَقَالَ: لَقَدْ كُنْتَ مِنْ أَبْغَضِ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ. وَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: أَلَا تَخَافُ مِنَ اللَّهِ فِي قَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَيْنَيَّ اللَّتَيْنِ أُبْصِرُ بِهِمَا، فَكَيْفَ يُعَذِّبُنِي ؟ ! وتُوُفِّيَ الْفَرَزْدَقُ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ قَارَبَ الْمِائَةَ. وَكَانَتْ عَلَتْهُ الدُّبَيْلَةُ، فَرَآهُ ابْنُهُ لَبَطَةُ فِي النَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ نَفَعَتْنِي الْكَلِمَةُ الَّتِي رَاجَعْتُ بِهَا الْحَسَنَ عِنْدَ الْقَبْرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَاتَ الْفَرَزْدَقُ سَنَةَ عَشْرٍ وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى التِّسْعِينَ، كَانَ مِنْهَا خَمْسٌ وَسَبْعُونَ يُبَارِي الشُّعَرَاءَ فَبَذَّهُمْ، وَمَا ثَبَتَ لَهُ غَيْرُ جَرِيرٍ. الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ فَأَمَّا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ  وَاسْمُهُ يَسَارٌ، أَبُو سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَيُقَالُ: مَوْلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأُمُّهُ خَيْرَةُ مُوَلَّاةُ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَخْدُمُهَا، فَرُبَّمَا أَرْسَلَتْهَا فِي الْحَاجَةِ فَتَشْتَغِلُ عَنْ وَلَدِهَا الْحَسَنِ وَهُوَ رَضِيعٌ، فَتُشَاغِلُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِثَدْيِهَا، فَيَدُرُّ عَلَيْهِ فَيَرْتَضِعُ مِنْهَا، فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ تِلْكَ الْحِكْمَةَ وَالْعُلُومَ الَّتِي أُوتِيَهَا الْحَسَنُ مِنْ بَرَكَةِ تِلْكَ الرَّضَاعَةِ مِنَ الثَّدْيِ الْمَنْسُوبِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ كَانَ وَهُوَ صَغِيرٌ تُخْرِجُهُ أُمُّهُ إِلَى الصَّحَابَةِ فَيَدْعُونَ لَهُ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَدْعُو لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَحَبِّبْهُ إِلَى النَّاسِ. وَسُئِلَ مَرَّةً أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: سَلُوا عَنْهَا مَوْلَانَا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ سَمِعَ وَسَمِعْنَا، فَحَفِظَ وَنَسِينَا. وَقَالَ ابْنُ مُرَّةَ: إِنِّي لَأَغْبِطُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِهَذَيْنِ الشَّيْخَيْنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا جَالَسْتُ رَجُلًا فَقِيهًا إِلَّا رَأَيْتُ فَضْلَ الْحَسَنِ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَا رَأَتْ عَيْنَايَ أَفْقَهَ مِنَ الْحَسَنِ. وَقَالَ أَيُّوبُ: كَانَ الرَّجُلُ يُجَالِسُ الْحَسَنَ ثَلَاثَ حِجَجٍ مَا يَسْأَلُهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ ; هَيْبَةً لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لِرَجُلٍ يُرِيدُ قُدُومَ الْبَصْرَةِ: إِذَا نَظَرْتَ إِلَى رَجُلٍ أَجْمَلِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَأَهْيَبِهِمْ فَهُوَ الْحَسَنُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا نَظَرَ إِلَى الْحَسَنِ انْتَفَعَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ وَلَمْ يَرَ عَمَلَهُ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: مَا زَالَ الْحَسَنُ يَعِي الْحِكْمَةَ حَتَّى نَطَقَ بِهَا، وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ إِذَا ذَكَرَهُ يَقُولُ: ذَاكَ الَّذِي يُشْبِهُ كَلَامُهُ كَلَامَ الْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: قَالُوا: كَانَ الْحَسَنُ جَامِعًا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، عَالِمًا رَفِيعًا فَقِيهًا، ثِقَةً مَأْمُونًا، عَابِدًا نَاسِكًا، كَثِيرَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَصِيحًا جَمِيلًا وَسِيمًا، وَقَدِمَ مَكَّةَ فَأُجْلِسَ عَلَى سَرِيرٍ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَحَدَّثَهُمْ. وَكَانَ فِيهِمْ مُجَاهِدٌ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ فَقَالُوا: لَمْ نَرَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ. من مواعظ الحسن وعَنْ يُونُسَ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: نَضْحَكُ وَلَعَلَّ اللَّهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى بَعْضِ أَعْمَالِنَا، فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ مِنْكُمْ شَيْئًا. قَالَ السَّرَّاجُ: بسنده عن حَكِيمُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ لِي [مِسْمَعٌ]: لَوْ رَأَيْتَ الْحَسَنَ لَقُلْتَ قَدْ بُثَّ عَلَيْهِ حُزْنُ الْخَلَائِقِ مِنْ طُولِ تِلْكَ الدَّمْعَةِ وَكَثْرَةِ ذَلِكَ التَّشَنُّجِ. وعَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَكَى الْحَسَنُ، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَطْرَحَنِي غَدًا فِي النَّارِ وَلَا يُبَالِي. وعن عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ الْبَاجِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحُسَيْنِ يَقُولُ: حَادِثُوا هَذِهِ الْقُلُوبَ فَإِنَّهَا سَرِيعَةُ الدُّثُورِ، وَأَقْذِعُوا هَذِهِ الْأَنْفُسَ فَإِنَّهَا طَلِعَةٌ، وَإِنَّهَا تَنْزِعُ إِلَى شَرِّ غَايَةٍ، وَإِنَّكُمْ إِنْ تُقَارِبُوهَا لَمْ يَبْقَ لَكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْءٌ، فَتَصَبَّرُوا وَتَشَدَّدُوا فَإِنَّمَا هِيَ لَيَالٍ تَعْدُو، وَإِنَّمَا أَنْتُمْ رَكْبٌ وُقُوفٌ، يُوشِكُ أَنْ يُدْعَى أَحَدُكُمْ فَيُجِيبُ فَلَا يَلْتَفِتُ فَانْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، إِنَّ هَذَا الْحَقَّ أَجْهَدَ النَّاسَ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ شَهَوَاتِهِمْ، وَإِنَّمَا صَبَرَ عَلَى هَذَا الْحَقِّ مَنْ عَرَفَ فَضْلَهُ وَرَجَا عَاقِبَتَهُ. وعَنِ الْحَسَنِ: أَنَّهُ مَرَّ بِبَعْضِ الْقُرَّاءِ عَلَى أَبْوَابِ بَعْضِ السَّلَاطِينِ، فَقَالَ: أَفَرَّخْتُمْ حَمَائِمَكُمْ، وَفَرْطَحْتُمْ بِغَالَكُمْ، وَجِئْتُمْ بِالْعِلْمِ تَحْمِلُونَهُ عَلَى رِقَابِكُمْ إِلَى أَبْوَابِهِمْ فَزَهِدُوا فِيكُمْ، أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ جَلَسْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ حَتَّى يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ يَتَوَسَّلُونَ إِلَيْكُمْ لَكَانَ أَعْظَمَ لَكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ، تَفَرَّقُوا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ أَعْضَائِكُمْ. عَاصَرَ الْحَسَنُ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَسَمِعَ مِنْ بَعْضِهِمْ. تُوُفِّيَ عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ، وَدُفِنَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ هَذِهِ السَّنَةَ، وَغَسَّلَهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ النَّضْرُ بْنُ عَمْرٍو أَمِيرُ الْبَصْرَةَ، وَمَشَى هُوَ وَبِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَكَانَ لَهُ تِسْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً. وقَالَ أَهْلُ التَّارِيخِ: مَاتَ الْحَسَنُ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً عَامَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، فِي مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ مِنْهَا، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مِائَةُ يَوْمٍ. مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، أَبُو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ، مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  : سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ. وَهُوَ أَرَوَى النَّاسِ عَنْ شُرَيْحٍ وَعُبَيْدَةَ. رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَخَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَكَانَ فَقِيهًا وَرِعًا. عن ابْنُ عَائِشَةَ، قَالَ: كَانَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ سِيرِينَ مَنْ أَهْلِ جَرْجَرَايَا، وَكَانَ يَعْمَلُ قُدُورَ النُّحَاسِ، فَجَاءَ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ يَعْمَلُ بِهَا فَسَبَاهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. وعَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: هَذِهِ مُكَاتَبَةُ سِيرِينَ عِنْدَنَا: هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَتَاهُ سِيرِينَ عَلَى كَذَا وَكَذَا أَلْفًا، وَعَلَى غُلَامَيْنِ يَعْمَلَانِ عَمَلَهُ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ بَعَثَ بِسِيرِينَ إِلَى عُمَرَ عِنْدَ مَصِيرِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَوَهَبَهُ لِأَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَوَهَبَهُ أَبُو طَلْحَةَ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَكَاتَبَهُ أَنَسٌ عَلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا أَدَّاهَا. وَوُلِدَ لَهُ مُحَمَّدٌ، وَأَنَسٌ، وَمَعْبَدٌ، وَيَحْيَى، وَحَفْصَةُ، وَأُمُّ مُحَمَّدٍ صَفِيَّةُ مَوْلَاةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، حَضَرَ إِمْلَاكَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بَدْرِيًّا مِنْهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَكَانَ يَدْعُو وَهُمْ يُؤَمِّنُونَ. وَوُلِدَ مُحَمَّدٌ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَوُلِدَ لَهُ ثَلَاثُونَ وَلَدًا مِنَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ لَقِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ، وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيٍنٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ. وَكَانَ وَرِعًا فِي الْفِقْهِ فَقِيهًا فِي الْوَرَعِ. وَرَكِبَهُ دَيْنٌ فَحُبِسَ لِأَجْلِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ ذَلِكَ الدَّيْنِ، فَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ سَبَبِ الدَّيْنِ، فَقَالَ: اشْتَرَى طَعَامًا بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأُخْبِرَ عَنْ أَصْلِ الطَّعَامِ بِشَيْءٍ كَرِهَهُ، فَتَرَكَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ وَبَقِيَ الْمَالُ عَلَيْهِ فَحُبِسَ. عن الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: كَانَ حَبْسُ ابْنِ سِيرِينَ فِي الدَّيْنِ أَنَّهُ اشْتَرَى زَيْتًا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَوَجَدَ فِي زِقٍّ مِنْهُ فَأْرَةً، فَقَالَ: الْفَأْرَةُ كَانَتْ فِي الْمَعْصَرَةِ، فَصَبَّ الزَّيْتَ كُلَّهُ. وَكَانَ يَقُولُ: عَيَّرْتُ رَجُلًا بِشَيْءٍ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَحْسَبُنِي عُوقِبْتُ بِهِ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ عَيَّرَ رَجُلًا بِالْفَقْرِ فَابْتُلِيَ بِهِ. عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَبَّادٍ امْرَأَةُ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَتْ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِنِّي لَمْ أَرَ امْرَأَةً فِي الْمَنَامِ فَأَعْرِفُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي فَأَصْرِفُ بَصَرِيَ عَنْهَا. وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْقَزَّازُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَتْ: رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ مَرَّ فِي السُّوقِ فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِقَوْمٍ إِلَّا سَبَّحُوا وَذَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أُخْتِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ لَمَّا وَفَدَ إِلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: كَيْفَ خَلَّفْتَ مَنْ وَرَاءَكَ؟ قَالَ: خَلَّفْتُ الظُّلْمَ فِيهِمْ فَاشِيًّا، قَالَ: فَهَمَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو الزِّنَادِ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ إِنَّهُ شَيْخٌ، فَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى سَكَنَ، فَلَمَّا أَجَازَهُمْ أَتَاهُ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بِجَائِزَةٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَقَالَ: أَتَرُدُّ عَطِيَّةَ الْأَمِيرِ، قَالَ: أَتَتَصَدَّقُ عَلَيَّ فَقَدْ أَغْنَانِي اللَّهُ، أَوْ تُعْطِينِي عَلَى الْعِلْمِ أَجْرًا، فَلَا آخُذُ عَلَى الْعِلْمِ أَجْرًا. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: رَأَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كَأَنَّ الْجَوْزَاءَ تَقَدَّمَتِ الثُّرَيَّا، فَأَخَذَ فِي وَصِيَّتِهِ وَقَالَ: يَمُوتُ الْحَسَنُ وَأَمُوتُ بَعْدَهُ، وَهُوَ أَشْرَفُ مِنِّي. فَتُوُفِّيَ الْحَسَنُ، وَمَاتَ بَعْدَهُ مُحَمَّدٌ بِمِائَةِ يَوْمٍ. وعن خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ، قَالَ: قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: مَاتَ مُحَمَّدٌ لِتِسْعٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وهب بن منبه اليماني وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ  : مِنَ الْأَبْنَاءِ، أَبْنَاءِ الْفُرْسِ الَّذِينَ أَبْعَدَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَنِ. أَسْنَدَ عَنْ جَابِرٍ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَأَرْسَلَ الرِّوَايَةَ عَنْ مُعَاذٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا. وَقَالَ: قَرَأْتُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ كِتَابًا. وَمَكَثَ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِوُضُوءِ الْعِشَاءِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: الْإِيمَانٌ عُرْيَانٌ وَلِبَاسُهُ التَّقْوَى، وَزِينَتُهُ الْحَيَاءُ، وَمَالُهُ الْفِقْهُ. وعن عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، قَالَ: إِنَّ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ قَالَ فِي مَوْعِظَةٍ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّهُ لَا أَقْوَى مِنْ خَالِقٍ وَلَا أَضْعَفَ مِنْ مَخْلُوقٍ، وَلَا أَقْدَرَ مِمَّنْ طِلْبَتُهُ فِي يَدِهِ، وَلَا أَضْعَفَ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِ طَالِبِهِ. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّهُ قَدْ ذَهَبَ مِنْكَ مَا لَا يَرْجِعُ إِلَيْكَ، وَأَقَامَ مَعَكَ مَا سَيَذْهَبُ عَنْكَ، يَا ابْنَ آدَمَ، أَقْصِرْ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَا يُنَالُ، وَعَنْ طَلَبِ مَا لَا يُدْرَكُ، وَعَنِ ابْتِغَاءِ مَا لَا يُوجَدُ، وَاقْطَعِ الرَّجَاءَ مِنْكَ عَمَّا فَقَدْتَ مِنَ الْأَشْيَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ رُبَّ مَطْلُوبٍ هُوَ شَرٌّ لِطَالِبِهِ. يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَأَعْظَمُ مِنَ الْمُصِيبَةِ سُوءُ الْخَلَفِ مِنْهَا، أَمْسُ شَاهِدٌ مَقْبُولٌ، وَأَمِينٌ مُؤَدٍّ، وَحَكِيمٌ وَارِدٌ، قَدْ فَجَعَكَ بِنَفْسِهِ وَخَلَّفَ فِي يَدَيْكَ حِكْمَتَهُ، وَالْيَوْمُ صَدِيقٌ مُوَدِّعٌ، وَكَانَ طَوِيلَ الْغَيْبَةِ وَهُوَ سَرِيعُ الظَّعْنِ، وَقَدْ مَضَى قَبْلَهُ شَاهِدُ عَدْلٍ. يَا ابْنَ آدَمَ، قَدْ مَضَتْ لَنَا أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقِيَ الْفَرْعُ بَعْدَ أَصْلِهِ. يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَهْلُ هَذِهِ الدَّارِ سَفْرٌ وَلَا يَحُلُّونَ عُقَدَ الرِّحَالِ إِلَّا فِي غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا يَتَبَلَّغُونَ بِالْعَوَارِي، فَمَا أَحْسَنَ الشُّكْرَ لِلْمُنْعِمِ، وَالتَّسْلِيمَ لِلْمُغَيِّرِ. إِنَّمَا الْبَقَاءُ بَعْدَ الْفَنَاءِ وَقَدْ خُلِقْنَا وَلَمْ نَكُنْ، وَسَنَبْلَى ثُمَّ نَعُودُ، أَلَا وَإِنَّمَا الْعَوَارِي الْيَوْمَ وَالْهِبَاتُ غَدًا، أَلَا وَإِنَّهُ قَدْ تَقَارَبَ مِنَّا سَلْبٌ فَاحِشٌ أَوْ عَطَاءٌ جَزِيلٌ، فَأَصْلِحُوا مَا تَقْدَمُونَ عَلَيْهِ بِمَا تَظْعَنُونَ عَنْهُ، إِنَّمَا أَنْتُمْ فِي هَذِهِ الدَّارِ عَرَضٌ فِيكُمُ الْمَنَايَا تَنْتَضِلُ، وَإِنَّ الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ نَهْبٌ لِلْمَصَائِبِ، لَا تَتَنَاوَلُونَ نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى، وَلَا يَسْتَقْبِلُ مُعَمَّرٌ مِنْكُمْ يَوْمًا مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ آجِلِهِ، وَلَا يَحْيَى لَهُ أَثَرٌ إِلَّا مَاتَ لَهُ أَثَرٌ. وعن مُنِيرٌ مَوْلَى الْفَضْلِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ مُنَبِّهٍ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنِّي مَرَرْتُ بِفُلَانٍ وَهُوَ يَشْتُمُكَ فَغَضِبَ وَقَالَ: مَا وَجَدَ الشَّيْطَانُ رَسُولًا غَيْرَكَ، فَمَا بَرِحْتُ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى جَاءَهُ ذَلِكَ الشَّاتِمُ فَسَلَّمَ عَلَى وَهْبٍ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَمَدَّ يَدَهُ وَصَافَحَهُ وَأَجْلَسَهُ إِلَى جَنْبِهِ. تُوُفِّيَ بِصَنْعَاءَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ، أَبُو مَسْعُودٍ التُّجِيبِيُّ  : مِنْ تُجِيبَ، وَفَدَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَأَسْنَدَ حَدِيثًا وَاحِدًا، وَبَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ إِفْرِيقِيَّةَ يُفَقِّهُ أَهْلَهَا فِي الدِّينِ.

  433. التاريخ 2524لا حكم مسجّل

    عَزْلِ أَشْرَسَ عَنْ خُرَاسَانَ وَاسْتِعْمَالِ الْجُنَيْدِ   وفِي سَنَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ عَزَلَ هِشَامٌ أَشْرَسَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خُرَاسَانَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ شَدَّادَ بْنَ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيَّ شَكَاهُ إِلَى هِشَامٍ، فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى خُرَاسَانَ، وَهُوَ الْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ. وَكَانَ سَبَبُ اسْتِعْمَالِهِ أَنَّهُ أَهْدَى لِأُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ امْرَأَةِ هِشَامٍ قِلَادَةً فِي جَوْهَرٍ، فَأَعْجَبَتْ هِشَامًا، فَأَهْدَى لِهِشَامٍ قِلَادَةً أُخْرَى، فَاسْتَعْمَلَهُ وَحَمَلَهُ عَلَى ثَمَانِيَةٍ مِنَ الْبَرِيدِ، فَقَدِمَ خُرَاسَانَ فِي خَمْسِمِائَةٍ وَسَارَ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَسَارَ مَعَهُ حَطَّابُ بْنُ مُحْرِزٍ السُّلَمِيُّ خَلِيفَةُ أَشْرَسَ بِخُرَاسَانَ وَقَطَعَا النَّهْرَ. وَأَرْسَلَ الْجُنَيْدُ إِلَى أَشْرَسَ وَهُوَ يُقَاتِلُ أَهْلَ بُخَارَى وَالصُّغْدِ: أَنْ أَمِدَّنِي بَخَيْلٍ، وَخَافَ أَنْ يَقْتَطِعَ دُونَهُ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ أَشْرَسُ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ، فَلَمَّا كَانَ عَامِرٌ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَرَضَ لَهُ التُّرْكُ وَالصُّغْدُ، فَدَخَلَ حَائِطًا حَصِينًا وَقَاتَلَهُمْ عَلَى الثُّلْمَةِ، وَمَعَهُ وَرْدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَدْهَمَ بْنِ كُلْثُومٍ ابْنِ أَخِي الْأَسْوَدِ بْنِ كُلْثُومٍ وَوَاصِلُ بْنُ عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ. فَخَرَجَ وَاصِلٌ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ وَمَعَهُمَا غَيْرُهُمَا، فَاسْتَدَارُوا حَتَّى صَارُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَاءِ الَّذِي هُنَاكَ. ثُمَّ جَمَعُوا قَصَبًا وَخَشَبًا وَعَبَرُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَشْعُرْ خَاقَانُ إِلَّا وَالتَّكْبِيرُ مِنْ خَلْفِهِ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى التُّرْكِ، ( فَقَاتَلُوهُمْ فَقَتَلُوا عَظِيمًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ ) وَانْهَزَمَ التُّرْكُ، وَسَارَ عَامِرٌ إِلَى الْجُنَيْدِ، فَلَقِيَهُ وَأَقْبَلَ مَعَهُ، وَعَلَى مُقَدِّمَةِ الْجُنَيْدِ عُمَارَةُ بْنُ حُرَيْمٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ بِيكَنْدَ تَلَقَّتْهُ خَيْلُ التُّرْكِ فَقَاتَلَهُمْ، فَكَادَ الْجُنَيْدُ يَهْلِكُ وَمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ أَظْهَرَهُ اللَّهُ وَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْعَسْكَرَ، فَظَفِرَ الْجُنَيْدُ وَقَتَلَ التُّرْكَ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ خَاقَانُ، فَالْتَقَوْا دُونَ رُزْمَانَ مِنْ بِلَادِ سَمَرْقَنْدَ، وَقَطَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى سَاقَةِ الْجُنَيْدِ. فَأَسَرَ الْجُنَيْدُ مِنَ التُّرْكِ ابْنَ أَخِي خَاقَانَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى هِشَامٍ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ قَدِ اسْتَخْلَفَ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ مُجَشِّرَ بْنَ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيَّ عَلَى مَرْوَ، وَوَلَّى سَوْرَةَ بْنَ الْحُرِّ التَّمِيمِيَّ بَلْخًا، وَأَوْفَدَ لَمَّا أَصَابَ فِي وَجْهِهِ هَذَا وَفْدًا إِلَى هِشَامٍ، وَرَجَعَ الْجُنَيْدُ إِلَى مَرْوَ وَقَدْ ظَفِرَ، فَقَالَ خَاقَانُ: هَذَا غُلَامٌ مُتْرَفٌ هَزَمَنِيَ الْعَامَ وَأَنَا مُهْلِكُهُ فِي قَابِلٍ. وَاسْتَعْمَلَ الْجُنَيْدُ عُمَّالَهُ وَلَمْ يَسْتَعْمِلْ إِلَّا مُضَرِيًّا، اسْتَعْمَلَ قَطَنَ بْنَ قُتَيْبَةَ عَلَى بُخَارَى، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْقَعْقَاعِ الْعَبْسِيَّ عَلَى هَرَاةَ، وَحَبِيبَ بْنَ مُرَّةَ الْعَبْسِيَّ عَلَى شُرَطِهِ، وَعَلَى بَلْخٍ مُسْلِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ عَلَيْهَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَكَانَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَاهِلِيِّينَ مُتَبَاعِدًا لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ بِالْبَرُوقَانِ، وَأَرْسَلَ مُسْلِمٌ إِلَى نَصْرٍ فَصَادَفُوهُ نَائِمًا، فَجَاءُوا بِهِ فِي قَمِيصٍ لَيْسَ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ مُلَبَّبًا، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ مُضَرَ: جِئْتُمْ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ! فَعَزَلَ الْجُنَيْدُ مُسْلِمًا عَنْ بَلْخٍ وَاسْتَعْمَلَ يَحْيَى بْنَ ضُبَيْعَةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خَرَاجِ سَمَرْقَنْدَ شَدَّادَ بْنَ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيَّ.

  434. التاريخ 2525لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي سنة إحدى عشر ومائة غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُسْرَى  ، وَغَزَا سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى حَتَّى أَتَى قَيْسَارِيَّةَ، وَغَزَا فِي الْبَحْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ. وَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ الْحَكَمَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ هِشَامٌ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ، وَعَزَلَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَدَخَلَ بِلَادَ الْخَزَرِ مِنْ نَاحِيَةِ تَفْلِيسَ، فَفَتَحَ مَدِينَتَهُمُ الْبَيْضَاءَ وَانْصَرَفَ سَالِمًا، فَجُمِعَتِ الْخَزَرُ وَحُشِدَتْ، وَسَارَتْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ سَبَبُ قَتْلِ الْجَرَّاحِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَفِيهَا عَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَامِلُ إِفْرِيقِيَّةَ، عُثْمَانَ بْنَ نِسْعَةَ عَنِ الْأَنْدَلُسِ، وَاسْتَعْمَلَ بَعْدَهُ الْهَيْثَمَ بْنَ عُبَيْدٍ الْكِنَانِيَّ، وَقَدِمَهَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، فَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا خُرَاسَانَ كَانَ بِهَا الْجُنَيْدُ، وَكَانَ بِإِرْمِينِيَّةَ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَفِيهَا قَصَدَتِ التُّرْكُ بِلَادَ أَذْرَبِيجَانَ فَلَقِيَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو فَهَزَمَهُمْ  ، وَلَمَّا وَصَلَ الْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى خُرَاسَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، تَلَقَّتْهُ خُيُولُ الْأَتْرَاكِ مُنْهَزِمِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ، فَتَصَافُّوا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَطَمِعُوا فِيهِ وَفِيمَنْ مَعَهُ لِقِلَّتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ، وَمَعَهُمْ مِلْكُهُمْ خَاقَانُ، فَكَادَ الْجُنَيْدُ أَنْ يَهْلَكَ، ثُمَّ أَظْفَرَهُ اللَّهُ بِهِمْ، فَهَزَمَهُمْ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَأَسَرَ ابْنَ أَخِي مَلِكِهِمْ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ.

  435. التاريخ 2526لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة إحدى عشرة ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ الْحَجَّاجُ الْعَابِدُ الْحَجَّاجُ الْعَابِدُ: عن مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ بَنِي جَرَادٍ: جَاوَرَنِي شَابٌّ فَكُنْتُ إِذَا أَذَّنْتُ لِلصَّلَاةِ وَافَى كَأَنَّهُ نُقْرَةٌ فِي قَفَايَ، فَإِذَا صَلَّيْتُ صَلَّى ثُمَّ لَبِسَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ دَخَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَكُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يُكَلِّمَنِي أَوْ يَسْأَلَنِي حَاجَةً، فَقَالَ لِي ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عِنْدَكَ مُصْحَفٌ تُعِيرُنِي أَقْرَأُ فِيهِ، فَأَخْرَجْتُ إِلَيْهِ مُصْحَفًا وَرَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَيَكُونُنَّ [الْيَوْمَ] لِي وَلَكَ شَأْنٌ، فَفَقَدْتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَلَمْ أَرَهُ يَخْرُجُ، فَأَقَمْتُ لِلْمَغْرِبِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَأَقَمْتُ لِعِشَاءِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَسَاءَ ظَنِّي، فَلَمَّا صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ جِئْتُ إِلَى الدَّارِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإِذَا فِيهَا دَلْوٌ وَمَطْهَرَةٌ، وَإِذَا عَلَى بَابِهِ سِتْرٌ، فَدَفَعْتُ الْبَابَ فَإِذَا بِهِ مَيِّتٌ وَالْمُصْحَفُ فِي حِجْرِهِ، فَأَخَذْتُ الْمُصْحَفَ مِنْ حِجْرِهِ، وَاسْتَعَنْتُ بِقَوْمٍ عَلَى حَمْلِهِ حَتَّى وَضَعْنَاهُ عَلَى سَرِيرِهِ، وَبَقِيتُ أُفَكِّرُ لَيْلَتِي مَنْ أُكَلِّمُ حَتَّى يُكَفِّنَهُ، فَأَذَّنْتُ لِلْفَجْرِ بِوَقْتٍ، وَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ لِأَرْكَعَ، فَإِذَا بِضَوْءٍ فِي الْقِبْلَةِ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَإِذَا كَفَنٌ مَلْفُوفٌ فِي الْقِبْلَةِ، فَأَخَذْتُهُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَدْخَلْتُهُ الْبَيْتَ وَخَرَجْتُ، فَأَقَمْتُ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ إِذَا عَنْ يَمِينِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَمَالِكُ ابْنُ دِينَارٍ، وَحَبِيبٌ الْفَارِسِيُّ، وَصَالِحٌ الْمُرِّيُّ، فَقُلْتُ: يَا إِخْوَانِي، مَا غَدَا بِكُمْ؟ قَالُوا لِي: مَاتَ فِي جِوَارِكَ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ، قُلْتُ: مَاتَ شَابٌّ كَانَ يُصَلِّي مَعِي الصَّلَوَاتِ، فَقَالُوا لِي: أَرِنَاهُ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ كَشَفَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ يَا حَجَّاجُ إِذَا عُرِفْتَ فِي مَوْضِعٍ تَحَوَّلْتَ مِنْهُ إِلَى مَوْضِعٍ غَيْرِهِ، ثُمَّ أَخَذُوا فِي غَسْلِهِ وَإِذَا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَفَنٌ، فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: أَنَا أُكَفِّنُهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي فَكَّرْتُ فِي أَمْرِهِ اللَّيْلَةَ فَقُلْتُ: مَنْ أُكَلِّمُ حَتَّى يُكَفِّنَهُ، فَأَتَيْتُ الْمَسْجِدَ فَأَذَّنْتُ ثُمَّ دَخَلْتُ لِأَرْكَعَ فَإِذَا كَفَنٌ مَلْفُوفٌ لَا أَدْرِي مَنْ وَضَعَهُ، فَقَالُوا: يُكَفَّنُ فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ، فَكَفَّنَّاهُ وَأَخْرَجْنَاهُ، فَمَا كِدْنَا نَرْفَعُ جِنَازَتَهُ مِنْ كَثْرَةٍ مَنْ حَضَرِهِ مِنَ الْجَمْعِ.

  436. التاريخ 2527لا حكم مسجّل

    قَتْلِ الْجَرَّاحِ الْحَكَمِيِّ  وفِي سَنَةُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ قُتِلَ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيُّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ مِنْ دُخُولِهِ بِلَادَ الْخَزَرِ وَانْهِزَامِهِمْ، فَلَمَّا هَزَمَهُمُ اجْتَمَعَ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ مِنْ نَاحِيَةِ اللَّانِ، فَلَقِيَهُمُ الْجَرَّاحُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ، فَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَتَكَاثَرَتِ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتُشْهِدَ الْجَرَّاحُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بِمَرْجِ أَرْدَبِيلَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ أَخَاهُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ. وَلَمَّا قُتِلَ الْجَرَّاحُ طَمِعَ الْخَزَرُ وَأَوْغَلُوا فِي الْبِلَادِ حَتَّى قَارَبُوا الْمَوْصِلَ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ الْجَرَّاحُ خَيِّرًا فَاضِلًا مِنْ عُمَّالِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَرَثَاهُ كَثِيرٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ. وَقِيلَ: كَانَ قَتْلُهُ بِبَلَنْجَرَ. وَلَمَّا بَلَغَ هِشَامًا خَبَرُهُ دَعَا سَعِيدًا الْحَرَشِيَّ فَقَالَ لَهُ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجَرَّاحَ قَدِ انْحَازَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: كَلَّا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، الْجَرَّاحُ أَعْرَفُ بِاللَّهِ مِنْ أَنْ يَنْهَزِمَ، وَلَكِنَّهُ قُتِلَ. قَالَ: فَمَا رَأْيُكَ ؟ قَالَ: تَبْعَثُنِي عَلَى أَرْبَعِينَ دَابَّةً مِنْ دَوَابِّ الْبَرِيدِ، ثُمَّ تَبْعَثُ إِلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ اكْتُبْ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ يُوَافُونِي. فَفَعَلَ ذَلِكَ هِشَامٌ، وَسَارَ الْحَرَشِيُّ، فَكَّانِ لَا يَمُرُّ بِمَدِينَةٍ إِلَّا وَيَسْتَنْهِضُ أَهْلَهَا فَيُجِيبُهُ مَنْ يُرِيدُ الْجِهَادَ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَدِينَةِ أَرْزَنَ، فَلَقِيَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْجَرَّاحِ، وَبَكَوْا وَبَكَى لِبُكَائِهِمْ وَفَرَّقَ فِيهِمْ نَفَقَةً وَرَدَّهُمْ مَعَهُ، وَجَعَلَ لَا يَلْقَاهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْجَرَّاحِ إِلَّا رَدَّهُ مَعَهُ، وَوَصَلَ إِلَى خِلَاطٍ، وَهِيَ مُمْتَنِعَةٌ عَلَيْهِ، فَحَصَرَهَا أَيْضًا وَفَتَحَهَا وَقَسَّمَ غَنَائِمَهَا فِي أَصْحَابِهِ. ثُمَّ سَارَ عَنْ خِلَاطٍ وَفَتَحَ الْحُصُونَ وَالْقِلَاعَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَرْذَعَةَ فَنَزَلَهَا. وَكَانَ ابْنُ خَاقَانَ يَوْمَئِذٍ بِأَذْرَبِيجَانَ يُغِيرُ وَيَنْهَبُ وَيَسْبِي وَيَقْتُلُ، وَهُوَ مُحَاصِرٌ مَدِينَةَ وَرْثَانَ، فَخَافَ الْحَرَشِيُّ أَنْ يَمْلِكَهَا، فَأَرْسَلَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ إِلَى أَهْلِ وَرْثَانَ سِرًّا يُعَرِّفُهُمْ وُصُولَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِالصَّبْرِ، فَسَارَ الْقَاصِدُ، وَلَقِيَهُ بَعْضُ الْخَزَرِ فَأَخَذُوهُ وَسَأَلُوهُ عَنْ حَالِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ وَصَدَقَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ فَعَلْتَ مَا نَأْمُرُكَ بِهِ أَحْسَنَّا إِلَيْكَ وَأَطْلَقْنَاكَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ. قَالَ: فَمَا الَّذِي تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا: تَقُولُ لَأَهْلِ وَرْثَانَ إِنَّكُمْ لَيْسَ لَكُمْ مَدَدٌ وَلَا مَنْ يَكْشِفُ مَا بِكُمْ، وَتَأْمُرُهُمْ بِتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْنَا. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا قَارَبَ الْمَدِينَةَ وَقَفَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ أَهْلُهَا كَلَامَهُ فَقَالَ لَهُمْ: أَتَعْرِفُونِي ؟ قَالُوا: نَعَمْ أَنْتَ فُلَانٌ. قَالَ: فَإِنَّ الْحَرَشِيُّ قَدْ وَصَلَ إِلَى مَكَانِ كَذَا فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ يَأْمُرُكُمْ بِحِفْظِ الْبَلَدِ وَالصَّبْرِ، فَفِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ يَصِلُ إِلَيْكُمْ. فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ. وَقَتَلَتِ الْخَزَرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ وَرَحَلُوا عَنْ مَدِينَةِ وَرْثَانَ، فَوَصَلَهَا الْحَرَشِيُّ فِي الْعَسَاكِرِ وَلَيْسَ عِنْدَهَا أَحَدٌ. فَارْتَحَلَ يَطْلُبُ الْخَزَرَ إِلَى أَرْدَبِيلَ، فَسَارَ الْخَزَرُ عَنْهَا وَنَزَلَ الْحَرَشِيُّ بَاجَرْوَانَ، فَأَتَاهُ فَارِسٌ عَلَى فَرَسٍ أَبْيَضَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ فِي الْجِهَادِ وَالْغَنِيمَةِ ؟ قَالَ: كَيْفَ لِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ: هَذَا عَسْكَرُ الْخَزَرِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ، وَمَعَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُسَارَى أَوْ سَبَايَا، وَقَدْ نَزَلُوا عَلَى أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ. فَسَارَ الْحَرَشِيُّ لَيْلًا فَوَافَاهُمْ آخِرَ اللَّيْلِ وَهُمْ نِيَامٌ، فَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ فِي أَرْبَعِ جِهَاتٍ فَكَبَسَهُمْ مَعَ الْفَجْرِ، وَوَضَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَمَا بَزَغَتِ الشَّمْسُ حَتَّى قُتِلُوا أَجْمَعِينَ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَطْلَقَ الْحَرَشِيُّ مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَخَذَهُمْ إِلَى بَاجَرْوَانَ، فَلَمَّا دَخَلَهَا أَتَاهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ صَاحِبُ الْفَرَسِ الْأَبْيَضِ فَسَلَّمَ وَقَالَ: هَذَا جَيْشٌ لِلْخَزَرِ وَمَعَهُمْ أَمْوَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَحُرَمُ الْجَرَّاحِ وَأَوْلَادُهُ بِمَكَانِ كَذَا. فَسَارَ الْحَرَشِيُّ إِلَيْهِمْ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السَّيْفَ فَقَتَلُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنَ الْخَزَرِ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَاسْتَنْقَذُوا مَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ، وَأَخَذَ أَوْلَادَ الْجَرَّاحِ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَحَمَلَ الْجَمِيعَ إِلَى بَاجَرْوَانَ. وَبَلَغَ خَبَرُ مَا فَعَلَهُ الْحَرَشِيُّ بِعَسَاكِرِ الْخَزَرِ ابْنَ مَلِكِهِمْ، فَوَبَّخَ عَسَاكِرَهُ وَذَمَّهُمْ وَنَسَبَهُمْ إِلَى الْعَجْزِ وَالْوَهَنِ، فَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِجَمْعِ أَصْحَابِهِ وَالْعَوْدِ إِلَى قِتَالِ الْحَرَشِيِّ. فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ نَوَاحِي أَذْرَبِيجَانَ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُ عَسَاكِرُ كَثِيرَةٌ، وَسَارَ الْحَرَشِيُّ إِلَيْهِ فَالْتَقَيَا بِأَرْضِ بَرْزَنْدَ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَعْظَمَهُ، فَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ يَسِيرًا، فَحَرَّضَهُمُ الْحَرَشِيُّ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ فَعَادُوا إِلَى الْقِتَالِ وَصَدَقُوهُمُ الْحَمْلَةَ، وَاسْتَغَاثَ مَنْ مَعَ الْخَزَرِ مِنَ الْأُسَارَى وَنَادَوْا بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ، فَعِنْدَهَا حَرَّضَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا وَبَكَى رَحْمَةً لِلْأَسْرَى، وَاشْتَدَّتْ نِكَايَتُهُمْ فِي الْعَدُوِّ، فَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ مُنْهَزِمِينَ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى بَلَغُوا بِهِمْ نَهْرَ أُرْسٍ، وَعَادُوا عَنْهُمْ وَحَوَوْا مَا فِي عَسَاكِرِهِمْ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْغَنَائِمِ، وَأَطْلَقُوا الْأَسْرَى وَالسَّبَايَا وَحَمَلُوا الْجَمِيعَ إِلَى بَاجَرْوَانَ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَلِكِ الْخَزَرِ جَمَعَ مَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ عَسَاكِرِهِ وَعَادَ بِهِمْ نَحْوَ الْحَرَشِيِّ، فَنَزَلَ عَلَى نَهْرِ الْبَيْلَقَانِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْحَرَشِيِّ فَسَارَ نَحْوَهُ فِي عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَافَاهُمْ وَهُمْ عَلَى نَهْرِ الْبَيْلَقَانِ، فَالْتَقَوْا هُنَاكَ، فَصَاحَ الْحَرَشِيُّ بِالنَّاسِ، فَحَمَلُوا حَمْلَةً صَادِقَةً ضَعْضَعُوا صُفُوفَ الْخَزَرِ، وَتَابَعَ الْحَمَلَاتِ وَصَبَرَ الْخَزَرُ صَبْرًا عَظِيمًا، ثُمَّ كَانَتِ الْهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ، فَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ مُنْهَزِمِينَ، وَكَانَ مَنْ غَرِقَ مِنْهُمْ فِي النَّهْرِ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ. وَجَمَعَ الْحَرَشِيُّ الْغَنَائِمَ وَعَادَ إِلَى بَاجَرْوَانَ فَقَسَّمَهَا، وَأَرْسَلَ الْخُمْسَ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعَرَّفَهُ مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ يَشْكُرُهُ. وَأَقَامَ بِبَاجَرْوَانَ، فَأَتَاهُ كِتَابُ هِشَامٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِ، وَاسْتَعْمَلَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، فَوَصَلَ إِلَى الْبِلَادِ وَسَارَ إِلَى التُّرْكِ فِي شِتَاءٍ شَدِيدٍ حَتَّى جَازَ الْبَابَ فِي آثَارِهِمْ.

  437. التاريخ 2528لا حكم مسجّل

    وَقْعَةِ الْجُنَيْدِ بِالشِّعْبِ   وفِي سنة اثنتى عشرة ومائة خَرَجَ الْجُنَيْدُ غَازِيًا يُرِيدُ طَخَارِسْتَانَ، فَوَجَّهَ عُمَارَةَ بْنَ حُرَيْمٍ إِلَى طَخَارِسْتَانَ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَوَجَّهَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ بَسَّامٍ اللَّيْثِيَّ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ إِلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَجَاشَتِ التُّرْكُ فَأَتَوْا سَمَرْقَنْدَ وَعَلَيْهَا سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ، فَكَتَبَ سَوْرَةُ إِلَى الْجُنَيْدِ: إِنَّ خَاقَانَ جَاشَ التُّرْكَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ فَلَمْ أُطِقْ [ أَنْ ] أَمْنَعَ حَائِطَ سَمَرْقَنْدَ، فَالْغَوْثَ الْغَوْثَ ! فَأَمَرَ الْجُنَيْدُ النَّاسَ بِعُبُورِ النَّهْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيُّ وَابْنُ بِسْطَامٍ الْأَزْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَالُوا: إِنَّ التُّرْكَ لَيْسُوا كَغَيْرِهِمْ لَا يَلْقَوْنَكَ صَفًّا وَلَا زَحْفًا وَقَدْ فَرَّقْتَ جُنْدَكَ، فَمُسْلِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِالْبَيْرُوذِ، وَالْبَخْتَرِيُّ بِهَرَاةَ، وَعُمَارَةُ بْنُ حُرَيْمٍ غَائِبٌ بِطَخَارِسْتَانَ، وَصَاحِبُ خُرَاسَانَ لَا يَعْبُرُ النَّهْرَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ أَلْفًا، فَاكْتُبْ إِلَى عُمَارَةَ فَلْيَأْتِكَ وَأَمْهِلْ وَلَا تَعْجَلْ. قَالَ: فَكَيْفَ بِسَوْرَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؟ لَوْ لَمْ أَكُنْ إِلَّا فِي بَنِي مُرَّةَ أَوْ مَنْ طَلَعَ مَعِي مِنَ الشَّامِ لَعَبَرْتُ، وَقَالَ شِعْرًا: أَلَيْسَ أَحَقُّ النَّاسِ أَنْ يَشْهَدَ الْوَغَى وَأَنْ يَقْتُلَ الْأَبْطَالَ ضَخْمًا عَلَى ضَخْمِ وَقَالَ: مَا عِلَّتِي مَا عِلَّتِي مَا عِلَّتِي     إِنْ لَمْ أُقَتِّلْهُمْ فَجُزُّوا لُمَّتِي وَعَبَرَ الْجُنَيْدُ فَنَزَلَ كَشَّ وَتَأَهَّبَ لِلْمَسِيرِ، وَبَلَغَ التُّرْكَ فَعَوَّرُوا الْآبَارَ الَّتِي فِي طَرِيقِ كَشٍّ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: أَيُّ طَرِيقٍ إِلَى سَمَرْقَنْدَ أَصْلَحُ ؟ فَقَالُوا: طَرِيقُ الْمُحْتَرِقَةِ. فَقَالَ الْمُجَشِّرُ: الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ أَصْلَحُ مِنَ الْقَتْلِ بِالنَّارِ، طَرِيقُ الْمُحْتَرِقَةِ كَثِيرُ الشَّجَرِ وَالْحَشِيشِ وَلَمْ يُزْرَعْ مُنْذُ سِنِينَ، فَإِنْ لَقِينَا خَاقَانَ أَحْرَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَقَتَلَنَا بِالنَّارِ وَالدُّخَانِ، وَلَكِنْ خُذْ طَرِيقَ الْعَقَبَةِ فَهُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَوَاءٌ. فَأَخَذَ الْجُنَيْدُ طَرِيقَ الْعَقَبَةِ فَارْتَقَى فِي الْجَبَلِ، فَأَخَذَ الْمُجَشِّرُ بِعِنَانِ دَابَّتِهِ وَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ إِنَّ رَجُلًا مُتْرَفًا مِنْ قَيْسٍ يَهْلِكُ عَلَى يَدَيْهِ جُنْدٌ مِنْ جُنُودِ خُرَاسَانَ وَقَدْ خِفْنَا أَنْ تَكُونَهُ. قَالَ: لِيُفْرِخْ رَوْعُكَ. قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ بَيْنَنَا مِثْلُكَ فَلَا. فَبَاتَ فِي أَصْلِ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى صَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَمَرْقَنْدَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَدَخَلَ الشِّعْبَ، فَصَبَّحَهُ خَاقَانُ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَزَحَفَ إِلَيْهِ أَهْلُ الصُّغْدِ وَفَرْغَانَةَ وَالشَّاشِ وَطَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ، فَحَمَلَ خَاقَانُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَعَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، فَرَجَعُوا إِلَى الْعَسْكَرِ وَالتُّرْكُ تَتْبَعُهُمْ وَجَاءُوهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَجَعَلَ الْجُنَيْدُ تَمِيمًا وَالْأَزْدَ فِي الْمَيْمَنَةِ، وَرَبِيعَةَ فِي الْمَيْسَرَةِ مِمَّا يَلِي الْجَبَلَ، وَعَلَى مُجَفَّفَةِ خَيْلِ بَنِي تَمِيمٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ حَيَّانَ، وَعَلَى الْمُجَرَّدَةِ عَمْرَو بْنَ جِرْقَاشٍ الْمِنْقَرِيَّ، وَعَلَى جَمَاعَةِ بَنِي تَمِيمٍ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ الْحِمَّانِيَّ، وَعَلَى الْأَزْدِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بِسْطَامِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو، وَعَلَى الْمُجَفَّفَةِ وَالْمُجَرَّدَةِ فُضَيْلَ بْنَ هَنَّادٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَوْذَانَ. فَالْتَقَوْا، وَقَصَدَ الْعَدُوُّ الْمَيْمَنَةَ لِضِيقِ الْمَيْسَرَةِ، فَتَرَجَّلَ حَسَّانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرٍ بَيْنَ يَدَيْ أَبِيهِ، فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِالرُّكُوبِ، فَرَكِبَ، وَأَحَاطَ الْعَدُوَّ بِالْمَيْمَنَةِ، فَأَمَدَّهُمُ الْجُنَيْدُ بِنَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ، فَشَدَّ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْعَدُوِّ فَكَشَفُوهُمْ، ثُمَّ كَرُّوا عَلَيْهِمْ وَقَتَلُوا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زُهَيْرٍ وَابْنَ جِرْقَاشَ وَالْفُضَيْلَ بْنَ هَنَّادٍ، وَجَالَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْجُنَيْدُ وَاقِفٌ فِي الْقَلْبِ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْمَيْمَنَةِ وَوَقَفَ تَحْتَ رَايَةِ الْأَزْدِ، وَكَانَ قَدْ جَفَاهُمْ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الرَّايَةِ: مَا هَلَكْنَا لِتُكْرِمَنَا، وَلَكِنَّكَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يُوصَلُ إِلَيْكَ وَمِنَّا رَجُلٌ حَيٌّ، فَإِنْ ظَفِرْنَا كَانَ لَكَ، وَإِنْ هَلَكْنَا لَمْ تَبْكِ عَلَيْنَا. وَتَقَدَّمَ فَقُتِلَ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ ابْنُ مُجَّاعَةَ فَقُتِلَ، وَتَدَاوَلَهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقُتِلُوا، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْأَزْدِ ثَمَانُونَ رَجُلًا. وَصَبَرَ النَّاسُ يُقَاتِلُونَ حَتَّى أُعْيُوا، فَكَانَتِ السُّيُوفُ لَا تَقْطَعُ شَيْئًا، فَقَطَعَ عَبِيدُهُمُ الْخَشَبَ يُقَاتِلُونَ بِهِ حَتَّى مَلَّ الْفَرِيقَانِ، فَكَانَتِ الْمُعَانَقَةُ ثُمَّ تَحَاجَزُوا. وَقُتِلَ مِنَ الْأَزْدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِسْطَامٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْذَانَ، وَالْحَسَنُ بْنُ شَيْخٍ، وَالْفُضَيْلُ صَاحِبُ الْخَيْلِ، وَيَزِيدُ بْنُ الْفَضْلِ الْحِدَّانِيُّ، وَكَانَ قَدْ حَجَّ فَأَنْفَقَ فِي حَجَّتِهِ ثَمَانِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، وَقَالَ لِأُمِّهِ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنِي الشَّهَادَةَ، فَدَعَتْ لَهُ وَغُشِيَ عَلَيْهَا، فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ مَقْدِمِهِ مِنَ الْحَجِّ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَقُتِلَ النَّضْرُ بْنُ رَاشِدٍ الْعَبْدِيُّ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ فَقَالَ لَهَا: كَيْفَ أَنْتِ إِذَا أُتِيتِ بِأَبِي ضَمْرَةَ فِي لِبْدٍ مُضَرَّجًا بِالدَّمِ ؟ فَشَقَّتْ جَيْبَهَا وَدَعَتْ بِالْوَيْلِ، فَقَالَ لَهَا: حَسْبُكِ، لَوْ أَعْوَلَتْ عَلَيَّ كُلُّ أُنْثَى لَعَصَيْتُهَا شَوْقًا إِلَى ( الْحُورِ الْعِينِ ! فَرَجَعَ وَقَاتَلَ حَتَّى اسْتُشْهِدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. فَبَيْنَا النَّاسُ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ ) رَهَجٌ وَطَلَعَتْ فُرْسَانٌ، فَنَادَى مُنَادِي الْجُنَيْدِ: الْأَرْضَ الْأَرْضَ ! فَتَرَجَّلَ وَتَرَجَّلَ النَّاسُ، ثُمَّ نَادَى: لِيُخَنْدِقْ كُلُّ قَائِدٍ عَلَى حِيَالِهِ، فَخَنْدَقُوا وَتَحَاجَزُوا، وَقَدْ أُصِيبَ مِنَ الْأَزْدِ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ رَجُلًا. وَكَانَ قِتَالُهُمْ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ قَصَدَهُمْ خَاقَانُ وَقْتَ الظُّهْرِ فَلَمْ يَرَ مَوْضِعًا لِلْقِتَالِ أَسْهَلَ مِنْ مَوْضِعِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَعَلَيْهِمْ زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ، فَقَصَدَهُمْ، فَلَمَّا قَرُبُوا حَمَلَتْ بَكْرٌ عَلَيْهِمْ فَأَفْرَجُوا لَهُمْ، فَسَجَدَ الْجُنَيْدُ وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ.

  438. التاريخ 2529لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ سَوْرَةَ بْنِ الْحُرِّ   فَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ وَرَأَى الْجُنَيْدُ شِدَّةَ الْأَمْرِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ: اخْتَرْ إِمَّا أَنْ تَهْلِكَ أَنْتَ أَوْ سَوْرَةُ بْنُ الْحُرِّ. قَالَ: هَلَاكُ سَوْرَةَ أَهْوَنُ عَلَيَّ. قَالَ: فَاكْتُبْ ( إِلَيْهِ فَلْيَأْتِكَ فِي أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ، فَإِنَّهُ إِذَا بَلَغَ التُّرْكَ إِقْبَالُهُ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ ). فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ. وَقَالَ حُلَيْسُ بْنُ غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ: إِنَّ التُّرْكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْجُنَيْدِ، فَإِنْ خَرَجْتَ كَرُّوا عَلَيْكَ فَاخْتَطَفُوكَ. فَكَتَبَ إِلَى الْجُنَيْدِ: إِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْجُنَيْدُ: يَابْنَ اللَّخْنَاءِ تَخْرُجُ، وَإِلَّا وَجَّهْتُ إِلَيْكَ شَدَّادَ بْنَ خُلَيْدٍ الْبَاهِلِيَّ، وَكَانَ عَدُوَّهُ، فَاخْرُجِ الْزَمِ الْمَاءَ وَلَا تُفَارِقْهُ، فَأَجْمَعَ عَلَى الْمَسِيرِ وَقَالَ: إِذَا سِرْتُ عَلَى النَّهْرِ لَا أَصِلُ فِي يَوْمَيْنِ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ فِي هَذَا الْوَجْهِ لَيْلَةٌ، فَإِذَا سَكَتَ الرَّجُلُ سِرْتُ. فَجَاءَتْ عُيُونُ الْأَتْرَاكِ فَأَخْبَرُوهُمْ بِمَقَالَةِ سَوْرَةَ، وَرَحَلَ سَوْرَةُ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى سَمَرْقَنْدَ مُوسَى بْنَ أَسْوَدَ الْحَنْظَلِيَّ، وَسَارَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَأَصْبَحَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ، فَتَلَقَّاهُ خَاقَانُ حِينَ أَصْبَحَ، وَقَدْ سَارَ ثَلَاثَةَ فَرَاسِخَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُنَيْدِ فَرْسَخٌ فَقَاتَلَهُمْ، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَصَبَرُوا. فَقَالَ غُوزَكُ لِخَاقَانَ: الْيَوْمَ حَارٌّ فَلَا نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَحْمَى عَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، فَوَافَقَهُمْ وَأَشْعَلَ النَّارَ فِي الْحَشِيشِ وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَاءِ، فَقَالَ سَوْرَةُ لِعُبَادَةَ: مَا تَرَى يَا أَبَا سُلَيْمٍ ؟ فَقَالَ: أَرَى أَنَّ التُّرْكَ يُرِيدُونَ الْغَنِيمَةَ، فَاعْقِرِ الدَّوَابَّ وَأَحْرِقِ الْمَتَاعَ وَجَرِّدِ السَّيْفَ، فَإِنَّهُمْ يُخَلُّونَ لَنَا الطَّرِيقَ، وَإِنْ مَنَعُونَا شَرَعْنَا الرِّمَاحَ وَنَزْحَفُ زَحْفًا، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْسَخٌ حَتَّى نَصِلَ إِلَى الْعَسْكَرِ. فَقَالَ: لَا أَقْوَى عَلَى هَذَا وَلَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَعَدَّ رِجَالًا، وَلَكِنْ أَجْمَعُ الْخَيْلَ فَأَصُكُّهُمْ بِهَا سَلِمْتُ أَمْ عَطِبْتُ.. وَجَمَعَ النَّاسَ وَحَمَلُوا، فَانْكَشَفَ التُّرْكُ وَثَارَ الْغُبَارُ فَلَمْ يُبْصِرُوا، وَمِنْ وَرَاءِ التُّرْكِ لَهِيبٌ فَسَقَطُوا فِيهِ، وَسَقَطَ الْعَدُوُّ وَالْمُسْلِمُونَ وَسَقَطَ سَوْرَةُ فَانْدَقَّتْ فَخِذُهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، فَقَتَلَهُمُ التُّرْكُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرَ أَلْفَيْنِ، وَيُقَالُ أَلْفٌ، وَكَانَ مِمَّنْ نَجَا مِنْهُمْ عَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، وَاسْتُشْهِدَ حُلَيْسُ بْنُ غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَانْحَازَ الْمُهَلَّبُ بْنُ زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ فِي سَبْعِمِائَةٍ إِلَى رُسْتَاقَ يُسَمَّى الْمَرْغَابُ فَنَزَلُوا قَصْرًا هُنَاكَ، فَأَتَاهُمُ الْأَشْكَنْدُ صَاحِبُ نَسَفَ فِي خَيْلٍ وَمَعَهُ غَوْزَكُ، فَأَعْطَاهُمْ غَوْزَكُ الْأَمَانَ. فَقَالَ قُرَيْشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدِيُّ: لَا تَثِقُوا بِهِمْ، وَلَكِنْ إِذَا جَنَّنَا اللَّيْلُ خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نَأْتِيَ سَمَرْقَنْدَ. فَعَصَوْهُ فَنَزَلُوا بِالْأَمَانِ، فَسَاقَهُمْ إِلَى خَاقَانَ فَقَالَ: لَا أُجِيزُ أَمَانَ غَوْزَكَ، فَقَاتَلَهُمُ الْوَجْفُ بْنُ خَالِدٍ وَالْمُسْلِمُونَ فَأُصِيبُوا غَيْرَ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَقُتِلُوا غَيْرَ ثَلَاثَةٍ. وَقُتِلَ سَوْرَةُ فِي اللَّهَبِ. خروج الجنيد من الشعب نحو سمرقند فَلَمَّا قُتِلَ خَرَجَ الْجُنَيْدُ مِنَ الشِّعْبِ يُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ مُبَادِرًا، فَقَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: سِرْ وَأَسْرِعْ. فَقَالَ لَهُ الْمُجَشِّرُ: انْزِلْ وَخُذْ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ، فَنَزَلَ وَنَزَلَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمْ يَسْتَتِمَّ نُزُولُهُمْ حَتَّى طَلَعَ التُّرْكُ، فَقَالَ الْمُجَشِّرُ لَهُ: لَوْ لَاقَوْنَا وَنَحْنُ نَسِيرُ أَلَمْ يُهْلِكُونَا ؟ فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَنَاهَضُوا فَجَالَ النَّاسُ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا النَّارُ، فَرَجَعُوا، وَنَادَى الْجُنَيْدُ: أَيُّ عَبْدٍ قَاتَلَ فَهُوَ حُرٌّ. فَقَاتَلَ الْعَبِيدُ قِتَالًا عَجِبَ مِنْهُ النَّاسُ، فَسُرُّوا بِمَا رَأَوْا مِنْ صَبْرِهِمْ، وَصَبَرَ النَّاسُ حَتَّى انْهَزَمَ الْعَدُوُّ وَمَضَوْا، فَقَالَ مُوسَى ابْنُ التَّعْرَاءِ [ لِلنَّاسِ ]: تَفْرَحُونَ بِمَا رَأَيْتُمْ مِنَ الْعَبِيدِ ! إِنَّ لَكُمْ مِنْهُمْ لَيَوْمًا أَرُوزْبَانَ. وَمَضَى الْجُنَيْدُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فَحَمَلَ عِيَالَ مَنْ كَانَ مَعَ سَوْرَةَ إِلَى مَرْوَ، وَأَقَامَ بِالصُّغْدِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَكَانَ صَاحِبُ رَأْيِ خُرَاسَانَ فِي الْحَرْبِ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صُبْحٍ الْخَرَقِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ حَبِيبٍ الْهَجَرِيُّ، وَكَانَ الْمُجَشِّرُ يُنْزِلُ النَّاسَ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَيَضَعُ الْمَسَالِحَ، لَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ رَأْيِهِ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِذَا نَزَلَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ فِي الْحَرْبِ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِثْلُ رَأْيِهِ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَلَى تَعْبِيَةِ الْقِتَالِ. وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمَوَالِي مِثْلَ هَؤُلَاءِ فِي الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ وَالْعِلْمِ بِالْحَرْبِ، فَمِنْهُمْ: الْفَضْلُ بْنُ بَسَّامٍ، مَوْلَى لَيْثٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلَى سُلَيْمٍ، وَالْبَخْتَرِيُّ بْنُ مُجَاهِدٍ، مَوْلَى شَيْبَانَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ التُّرْكُ بَعَثَ الْجُنَيْدُ نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ، أَحَدَ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ، وَزِبْلَ بْنَ سُوَيْدٍ الْمُرِّيَّ إِلَى هِشَامٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ سَوْرَةَ عَصَانِي، أَمَرْتُهُ بِلُزُومِ الْمَاءِ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَأَتَتْنِي طَائِفَةٌ [ إِلَى كَشٍّ ]، وَطَائِفَةٌ إِلَى نَسَفَ، وَطَائِفَةٌ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، وَأُصِيبَ سَوْرَةُ فِي بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ. فَسَأَلَ هِشَامٌ نَهَارَ بْنَ تَوْسِعَةَ عَنِ الْخَبَرِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا شَهِدَ، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى الْجُنَيْدِ: قَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمِنَ السِّلَاحِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ رُمْحٍ، وَمِثْلُهَا تِرَسَةٌ، فَافْرِضْ فَلَا غَايَةَ لَكَ فِي الْفَرِيضَةِ لِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. فَلَمَّا سَمِعَ هِشَامٌ مُصَابَ سَوْرَةَ ( قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مُصَابُ سَوْرَةَ ) بِخُرَاسَانَ وَمُصَابُ الْجَرَّاحِ بِالْبَابِ. وَأَبْلَى نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا. وَأَرْسَلَ الْجُنَيْدُ لَيْلَةً بِالشِّعْبِ رَجُلًا وَقَالَ [ لَهُ ]: تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّاسُ وَكَيْفَ حَالُهُمْ. فَفَعَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رَأَيْتُهُمْ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ، يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ. فَسَرَّهُ ذَلِكَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ النُّعْمَانِ: رَأَيْتُ فَسَاطِيطَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا: لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِسْطَامٍ وَأَصْحَابِهِ، فَقُتِلُوا فِي غَدٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَرَرْتُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ، فَشَمَمْتُ رَائِحَةَ الْمِسْكِ. وَأَقَامَ الْجُنَيْدُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَتَوَجَّهُ الْخَاقَانُ إِلَى بُخَارَى وَعَلَيْهَا قَطَنُ بْنُ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَخَافَ الْجُنَيْدُ التُّرْكَ عَلَى قَطَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، فَشَاوَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ قَوْمٌ: نَلْزَمُ سَمَرْقَنْدَ. وَقَالَ قَوْمٌ: نَسِيرُ مِنْهَا فَنَأْتِي رَبِنْجَنَ، ثُمَّ كَشَّ، ثُمَّ إِلَى نَسَفَ، فَنَتَّصِلُ مِنْهَا إِلَى أَرْضِ زُمَّ، وَنَقْطَعُ النَّهْرَ وَنَنْزِلُ آمُلَ فَنَأْخُذُ عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ. فَاسْتَشَارَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى بَنِي سُلَيْمٍ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا، فَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ فِيمَا يُشِيرُ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ ارْتِحَالٍ وَنُزُولٍ وَقِتَالٍ، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي أَطْلُبُ إِلَيْكَ خِصَالًا. قَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: تَخَنْدَقْ حَيْثُمَا نَزَلْتَ، فَلَا يَفُوتَنَّكَ حَمْلُ الْمَاءِ، وَلَوْ كُنْتَ عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ، وَأَنْ تُطِيعَنِي فِي نُزُولِكَ وَارْتِحَالِكَ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَّا مَا أَشَارُوا عَلَيْكَ فِي مُقَامِكَ بِسَمَرْقَنْدَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْغِيَاثُ، فَالْغِيَاثُ يُبْطِئُ عَنْكَ، وَأَمَّا مَا أَشَارُوا مِنْ طَرِيقِ كَشٍّ وَنَسَفَ، فَإِنَّكَ إِنْ سِرْتَ بِالنَّاسِ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ، فَتَتَّ فِي أَعْضَادِهِمْ، وَانْكَسَرُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ، وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ خَاقَانُ، وَهُوَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفْتَحَ بُخَارَى فَلَمْ يَفْتَحُوا لَهُ، فَإِنْ أَخَذْتَ غَيْرَ الطَّرِيقِ بَلَغَ أَهْلُ بُخَارَى مَا فَعَلْتَ فَيَسْتَسْلِمُوا لِعَدُوِّهِمْ، وَإِنْ أَخَذْتَ الطَّرِيقَ الْأَعْظَمَ هَابَكَ الْعَدُوُّ، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ تَأْخُذَ عِيَالَ مَنْ قُتِلَ مَعَ سَوْرَةَ فَتُقَسِّمَهُمْ عَلَى عَشَائِرِهِمْ وَتَحْمِلَهُمْ مَعَكَ، فَإِنِّي أَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يَنْصُرَكَ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّكَ، وَتُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ تَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَفَرَسًا. فَأَخَذَ بِرَأْيِهِ وَخَلَّفَ بِسَمَرْقَنْدَ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ فِي أَرْبَعِمِائَةِ فَارِسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ. فَشَتَمَ النَّاسُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ وَقَالُوا: مَا أَرَادَ إِلَّا هَلَاكَنَا. فَخَرَجَ الْجُنَيْدُ وَحَمَلَ الْعِيَالَ مَعَهُ، وَسَرَّحَ الْأَشْحَبَ بْنَ عُبَيْدٍ الْحَنْظَلِيَّ وَمَعَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الطَّلَائِعِ وَقَالَ: كُلَّمَا مَضَتْ مَرْحَلَةٌ تُسَرِّحُ إِلَيَّ رَجُلًا يُعْلِمُنِي الْخَبَرَ. وَسَارَ الْجُنَيْدُ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، فَقَالَ لَهُ عَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ: انْظُرْ أَضْعَفَ شَيْخٍ فِي الْعَسْكَرِ فَسَلِّحْهُ سِلَاحًا تَامًّا بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ وَتُرْسِهِ وَجَعْبَتِهِ، ثُمَّ سِرْ عَلَى قَدْرِ مَشْيِهِ، فَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى سُرْعَةِ الْمَسِيرِ وَالْقِتَالِ وَنَحْنُ رَجَّالَةٌ. فَفَعَلَ الْجُنَيْدُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلنَّاسِ عَارِضٌ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْأَمَاكِنِ الْمُخَوِّفَةِ، وَدَنَا مِنَ الطَّوَاوِيسِ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ خَاقَانُ بِكَرْمِينِيَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَاقْتَتَلُوا، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ الْجُنَيْدُ: لَيْسَ هَذَا يَوْمَ ضَحِكٍ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَلْقَكَ هَؤُلَاءِ فِي جِبَالٍ مُعَطَّشَةٍ وَعَلَى ظُهْرٍ، إِنَّمَا أَتَوْكَ وَأَنْتَ مُخَنْدِقٌ آخِرَ النَّهَارِ كَالِّينِ وَأَنْتَ مَعَكَ الزَّادُ، فَقَاتَلُوا قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعُوا. ثُمَّ قَالَ لِلْجُنَيْدِ: ارْتَحِلْ فَإِنَّ خَاقَانَ وَدَّ أَنَّكَ تُقِيمُ فَيَنْطَوِي عَلَيْكَ إِذَا شَاءَ. فَسَارَ وَعَبْدَ اللَّهِ عَلَى السَّاقَةِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالنُّزُولِ فَنَزَلَ، وَاسْتَقَى النَّاسُ وَبَاتُوا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا ارْتَحَلُوا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنِّي أَتَوَقَّعُ أَنَّ خَاقَانَ يَصْدِمُ السَّاقَةَ الْيَوْمَ فَشَدُّوهَا بِالرِّجَالِ، فَقَوَّاهُمُ الْجُنَيْدُ، وَجَاءَتِ التُّرْكُ فَمَالَتْ عَلَى السَّاقَةِ فَاقْتَتَلُوا، فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَقَتَلَ مُسْلِمُ بْنُ أَحْوَزَ عَظِيمًا مِنْ عُظَمَاءَ التُّرْكِ، فَتَطَيَّرُوا مِنْ ذَلِكَ وَانْصَرَفُوا مِنَ الطَّوَاوِيسِ. وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ فَدَخَلُوا بُخَارَى يَوْمَ الْمِهْرَجَانِ، فَتَلَقَّوْهُمْ بِالدَّرَاهِمِ الْبُخَارِيَّةِ، فَأَعْطَاهُمْ عَشَرَةً عَشَرَةً. قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَالِدٍ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَقَالَ: حَدَّثَ النَّاسُ عَنِّي بِرَأْيِي يَوْمَ الشِّعْبِ. وَكَانَ الْجُنَيْدُ يَذْكُرُ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَيَقُولُ: زُبْدَةٌ مِنَ الزُّبْدِ، صُنْبُورٌ مِنْ صُنْبُورٍ، قُلٌّ مَنْ قُلٍّ، هَيْفَةٌ مِنَ الْهِيفِ. وَالْهَيْفَةُ: الضَّبُعُ، وَالْقُلُّ: الْفَرْدُ، وَالصُّنْبُورُ: الَّذِي لَا أَخَ لَهُ، ( وَقِيلَ الْمُلْصَقُ ). وَقَدِمَتِ الْجُنُودُ مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى الْجُنَيْدِ، فَسَرَّحَ مَعَهُمْ حَوْثَرَةَ بْنَ زَيْدٍ الْعَنْبَرِيَّ فِيمَنِ انْتَدَبَ مَعَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ الشِّعْبِ كَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ شعر نصر بن سيار في يوم الشعب وَقَالَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ يَذْكُرُ يَوْمَ الشِّعْبِ: إِنِّي نَشَأْتُ وَحُسَّادِي ذَوُو عَدَدٍ يَا ذَا الْمَعَارِجِ لَا تُنْقِصْ لَهُمْ عَدَدًا     إِنْ تَحْسُدُونِي عَلَى مِثْلِ الْبَلَاءِ لَكُمْ يَوْمًا فَمِثْلُ بَلَائِي جَرَّ لِي الْحَسَدَا     يَأْبَى الْإِلَهُ الَّذِي أَعْلَى بِقُدْرَتِهِ كَعْبِي عَلَيْكُمْ وَأَعْطَى فَوْقَكُمْ عَدَدًا     أَرْمِي الْعُدَاةَ بِأَفْرَاسٍ مُكَلَّمَةٍ حَتَّى اتَّخَذْنَ عَلَى حُسَّادِهِنَّ يَدَا     مَنْ ذَا الَّذِي مِنْكُمْ فِي الشِّعْبِ إِذْ وَرَدُوا لَمْ يَتَّخِذْ حَوْمَةَ الْأَثْقَالِ مُعْتَمَدًا     هَلَّا شَهِدْتُمْ دِفَاعِي عَنْ جُنَيْدِكُمُ وَقْعَ الْقَنَا وَشِهَابُ الْحَرْبِ قَدْ وُقِدَا وَقَالَ ابْنُ عُرْسٍ يَمْدَحُ نَصْرًا: يَا نَصْرُ أَنْتَ فَتَى نِزَارٍ كُلِّهَا     فَلَكَ الْمَآثِرُ وَالْفَعَالُ الْأَرْفَعُ فَرَّجْتَ عَنْ كُلِّ الْقَبَائِلِ كُرْبَةً     بِالشِّعْبِ حِينَ تَخَاضَعُوا وَتَضَعْضَعُوا يَوْمَ الْجُنَيْدِ إِذِ الْقَنَا مُتَشَاجِرٌ     وَالنَّحْرُ دَامٍ وَالْخَوَافِقُ تَلْمَعُ مَا زِلْتَ تَرْمِيهِمْ بِنَفْسٍ حُرَّةٍ     حَتَّى تَفَرَّجَ جَمْعُهُمْ وَتَصَدَّعُوا فَالنَّاسُ كُلٌّ بَعْدَهَا عُتَقَاؤُكُمْ     وَلَكَ الْمَكَارِمُ وَالْمَعَالِي أَجْمَعُ

  439. التاريخ 2530لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي سنة اثنتى عشرة ومائة غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ، فَافْتَتَحَ خَرْشَنَةَ  . وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَقِيلَ: سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. ( وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَعْدَ مَوْتِ الْهَيْثَمِ أَمِيرَهُمْ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَشْجَعِيَّ، فَبَقِيَ شَهْرَيْنِ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيُّ ). وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ هَذِهِ السَّنَةَ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا.

  440. التاريخ 2531لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ في سنة اثنتى عشرة ومائة من الْأَعْيَانِ: رجاء بن حيوة رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ الْكِنْدِيُّ  أَبُو الْمِقْدَامِ وَيُقَالُ: أَبُو نَصْرٍ. وَهُوَ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، كَبِيرُ الْقَدْرِ ثِقَةٌ فَاضِلٌ عَادِلٌ، وَزِيرُ صِدْقٍ لِخُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ وَكَانَ مَكْحُولٌ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: سَلُوا شَيْخَنَا وَسَيِّدَنَا رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَوَثَّقُوهُ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَهُ رِوَايَاتٌ وَكَلَامٌ حَسَنٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ. شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيُّ الْحِمْصِيُّ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيُّ الْحِمْصِيُّ  ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ دِمَشْقِيٌّ. تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ مَوْلَاتِهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ وَغَيْرِهَا، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ عَالِمًا عَابِدًا نَاسِكًا، لَكِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ بِسَبَبِ أَخْذِهِ خَرِيطَةً مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّ الْأَمْرِ، فَعَابُوهُ وَنَزَكُوا عِرْضَهُ، وَتَرَكُوا حَدِيثَهُ، وَأَنْشَدُوا فِيهِ الشِّعْرَ، مِنْهُمْ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ سَرَقَ غَيْرَهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَاتٌ آخَرُونَ وَقَبِلُوا رِوَايَتَهُ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ وَعَلَى عِبَادَتِهِ وَدِينِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَقَالُوا: لَا يَقْدَحُ فِي رِوَايَتِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ  إِنْ صَحَّ عَنْهُ. وَقَدْ كَانَ وَالِيًا عَلَيْهِ مُتَصَرِّفًا فِيهِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ شَهْرٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أَعْنِي سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: قَبْلَهَا بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ مِائَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ  : سَمِعَ مِنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنِ أَبِي أَوْفَى، وَابْنِ الزُّبَيْرِ. وَكَانَ قَارِئَ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَلَمَّا رَأَى كَثْرَتَهُمْ عَلَيْهِ كَرِهَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، فَمَشَى إِلَى الْأَعْمَشِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَى الْأَعْمَشِ وَتَرَكُوا طَلْحَةَ. وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا عَابِدًا. عن ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ، عَنْ جَدَّتِهِ قَالَتْ: أَرْسَلَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوتِدَ فِي حَائِطِكِ وَتَدًا، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ: نَعَمْ، قَالَتْ: وَدَخَلَتْ خَادِمَتُنَا مَنْزِلَ طَلْحَةَ تَقْتَبِسُ نَارًا وَطَلْحَةُ يُصَلِّي، فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَتُهُ: مَكَانَكِ يَا فُلَانَةُ حَتَّى نَشْوِيَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ هَذَا الْقَدِيدَ عَلَى قَضِيبِكِ يُفْطِرُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: مَا صَنَعْتِ لَا أَذُوقُهُ حَتَّى تُرْسِلِي إِلَى سَيِّدَتِهَا، لِحَبْسِكِ إِيَّاهَا وَشِوَاكِ عَلَى قَضِيبِهَا. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: بسنده عن عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ: بَلَغَنِي عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ ضَحِكَ يَوْمًا فَوَثَبَ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: فِيمَ الضَّحِكُ، إِنَّمَا يَضْحَكُ مَنْ قَطَعَ الْأَهْوَالَ، وَجَازَ الصِّرَاطَ. ثُمَّ قَالَ: آلَيْتُ أَلَّا أَفْتَرَّ ضَاحِكًا حَتَّى أَعْلَمَ بِمَ تَقَعُ الْوَاقِعَةُ، فَمَا رُئِيَ ضَاحِكًا حَتَّى صَارَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ [أَبِي] الْقَاسِمِ بِإِسْنَادٍ لَهُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هَانِئٍ: خَطَبَ زَيْدٌ إِلَى طَلْحَةَ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّهَا قَبِيحَةٌ، قَالَ: قَدْ رَضِيتُ بِهَا، قَالَ: إِنَّ بِعَقِبِهَا أَثَرًا، قَالَ: قَدْ رَضِيتُ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: بسنده عن مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ نَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو كَعْبٍ: شَفَاكَ اللَّهُ، قَالَ: أَسْتَجِيرُ اللَّهَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وعَنْ لَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثْتُ طَلْحَةَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَنَّ طَاوُوسًا كَانَ يَكْرَهُ الْأَنِينَ، قَالَ: فَمَا سُمِعَ طَلْحَةُ يَئِنُّ حَتَّى مَاتَ. الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ الصَّنْعَانِيُّ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ الصَّنْعَانِيُّ: مِنَ الْأَنْبَارِ، رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَافَرَ الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ إِلَى مَكَّةَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ سَفْرَةً حَافِيًا مُحْرِمًا صَائِمًا، لَا يَتْرُكُ صَلَاةَ السَّحَرِ فِي سَفَرِهِ، إِذَا كَانَ السَّحَرُ نَزَلَ فَصَلَّى وَيَمْضِي أَصْحَابُهُ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ لَحِقَ مَتَى مَا لَحِقَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَأَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ جُزْءُ الْمُغِيرَةِ بْنِ حَكِيمٍ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ، يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنَ الْبَقَرَةِ إِلَى هُودٍ، وَيَقْرَأُ قَبْلَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ مَنْ هُودٍ إِلَى الْحَجِّ، ثُمَّ يَخْتِمُ. وَعَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ وَائِلِ بْنِ حَجَرٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَمَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ، فَكُلُّ مَا يَرْوُونَهُ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ.

  441. التاريخ 2532لا حكم مسجّل

    وَمِائَةٍ ذِكْرُ قَتْلِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بن بخت وفي سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ غَزَا عَبْدَ الْوَهَّابِ مَعَ الْبَطَّالِ، فَانْكَشَفُوا فَأَلْقَى بَيْضَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ وَصَاحَ: أَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ، أَمِنَ الْجَنَّةِ تَفِرُّونَ؟ ثُمَّ تَقَدَّمَ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فَمَرَّ بِرَجُلٍ يَقُولُ: وَا عَطَشَاهُ، فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ فَالرِّيُّ أَمَامَكَ فَخَالَطَ الْقَوْمَ فَقُتِلَ. وَقُتِلَ فَرَسُهُ.

  442. التاريخ 2533لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ مَسْلَمَةَ  وَعَوْدِهِ وَفِيهَا فَرَّقَ مَسْلَمَةُ الْجُيُوشَ بِبِلَادِ خَاقَانَ، فَفُتِحَتْ مَدَائِنُ وَحُصُونٌ عَلَى يَدَيْهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ وَأَسَرَ وَسَبَى وَأَحْرَقَ، وَدَانَ لَهُ مَنْ وَرَاءَ جِبَالِ بَلَنْجَرَ، وَقُتِلَ ابْنُ خَاقَانَ، فَاجْتَمَعَتْ تِلْكَ الْأُمَمُ جَمِيعُهَا، الْخَزَرُ وَغَيْرُهُمْ عَلَيْهِ فِي جَمْعٍ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ جَازَ مَسْلَمَةُ بَلَنْجَرَ فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُهُمْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ، فَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ ثُمَّ تَرَكَ خِيَامَهُمْ وَأَثْقَالَهُمْ وَعَادَ هُوَ وَعَسْكَرُهُ جَرِيدَةَ، وَقَدَّمَ الضُّعَفَاءَ وَأَخَّرَ الشُّجْعَانَ، وَطَوَوُا الْمَرَاحِلَ كُلَّ مَرْحَلَتَيْنِ فِي مَرْحَلَةٍ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ فِي آخِرِ رَمَقٍ.

  443. التاريخ 2534لا حكم مسجّل

    قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمِيرِ الْأَنْدَلُسِ وَوِلَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهِيَ سَنَةُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، غَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيُّ أَمِيرَ الْأَنْدَلُسِ مِنْ قِبَلِ عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَكَانَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ اسْتَعْمَلَ عُبَيْدَةَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ ( وَالْأَنْدَلُسِ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ إِفْرِيقِيَّةَ رَأَى ) الْمُسْتَنِيرَ بْنَ الْحَارِثِ الْحُرَيْثِيَّ غَازِيًا بِصِقِلِّيَّةَ، وَأَقَامَ هُنَاكَ حَتَّى هَجَمَ عَلَيْهِ الشِّتَاءُ ثُمَّ قَفَلَ رَاجِعًا، فَغَرِقَ مَنْ مَعَهُ وَسَلِمَ الْمُسْتَنِيرُ فِي مَرْكَبِهِ، فَحَبَسَهُ عُبَيْدَةُ عُقُوبَةً لَهُ وَجَلَدَهُ وَشَهَّرَهُ بِالْقَيْرَوَانِ. ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَةَ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَغَزَا إِفْرِنْجَةَ وَأَوْغَلَ فِي أَرْضِهِمْ وَغَنِمَ غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَكَانَ فِيمَا أَصَابَ رِجْلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُفَصَّصَةٌ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ، فَكَسَرَهَا وَقَسَّمَهَا فِي النَّاسِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عُبَيْدَةُ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَتَهَدَّدُهُ، فَأَجَابَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَوْ كَانَتْ رَتْقًا لَجَعَلَ اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ مِنْهَا مَخْرَجًا. ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا ( بِبِلَادِ الْفِرِنْجِ هَذِهِ السَّنَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ )، فَقُتِلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ شُهَدَاءَ. ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَةَ سَارَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الشَّامِ وَمَعَهُ مِنَ الْهَدَايَا وَالْإِمَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَاسْتَعْفَى هِشَامًا، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَعَزَلَهُ، وَكَانَ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ. ثُمَّ إِنَّ هِشَامًا اسْتَعْمَلَ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ عُبَيْدَةَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَبْحَابِ، وَكَانَ عَلَى مِصْرَ، فَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ فَأَخْرَجَ الْمُسْتَنِيرَ مِنَ الْحَبْسِ وَوَلَّاهُ تُونُسَ. ثُمَّ إِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ جَهَّزَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى أَرْضِ السُّودَانِ، فَظَفِرَ بِهِمْ ظَفَرًا لَمْ يَظْفَرْ أَحَدٌ مِثْلَهُ وَأَصَابَ مَا شَاءَ، ثُمَّ غَزَا الْبَحْرَ ثُمَّ انْصَرَفَ.

  444. التاريخ 2535لا حكم مسجّل

    وفي سنة ثلاث عشرة ومائة كانت غَزْوَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ أَرْضَ الرُّومِ،  فَرَابَطَ ثُمَّ رَجَعَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: صَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَخَذَ الْجُنَيْدُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: مَنْ أُصِيبَ مِنْهُمْ فَدَمُهُ هَدَرٌ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: حَجَّ بِالنَّاسِ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ،  وَقِيلَ: بَلْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ. وَأَمَّا عُمَّالُ الْبِلَادِ فَالَّذِينَ كَانُوا فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ.

  445. التاريخ 2536لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ثلاث عشرة ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ  : كَانَ عَالِمًا فَصِيحًا صَالِحًا. تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَنِ الْوَصَّافِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِمَنْ أَخَذَ بِالتَّقْوَى وَتَزَيَّنَ بِالْوَرِعِ أَنْ يَذِلَّ لِصَاحِبِ الدُّنْيَا.  الْأَمِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ: قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهَا كَانَ مَهْلِكُ الْأَمِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُخْتٍ  وَهُوَ مَعَ الْبَطَّالِ عَبْدِ اللَّهِ بِأَرْضِ الرُّومِ. قُتِلَ شَهِيدًا، وَهَذِهِ تَرْجَمَتُهُ: هُوَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ أَبُو عُبَيْدَةَ وَيُقَالُ: أَبُو بَكْرٍ. مَوْلَى آلِ مَرْوَانَ، مَكِّيٌّ سَكَنَ الشَّامَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَعَنْهُ خَلْقٌ مِنْهُمْ أَيُّوبُ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ. حَدِيثُهُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي هَذِهِ فَوَعَاهَا، ثُمَّ بَلَّغَهَا غَيْرَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ صَدْرُ مُؤْمِنٍ ; إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَمُنَاصَحَةُ أُولِي الْأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ ". وَرَوَى عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ. وَقَدْ وَثَّقَ عَبْدَ الْوَهَّابِ هَذَا جَمَاعَاتٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ. وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ كَثِيرَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْغَزْوِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَقَّ بِمَا فِي رَحْلِهِ مِنْ رُفَقَائِهِ. وَكَانَ سَمْحًا جَوَادًا، اسْتُشْهِدَ بِبِلَادِ الرُّومِ مَعَ الْأَمِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ الْبَطَّالِ وَدُفِنَ هُنَاكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَهُ خَلِيفَةُ وَغَيْرُهُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَقِيَ الْعَدُوَّ، فَفَرَّ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلَ يُنَادِي وَيَرْكُضُ فَرَسَهُ نَحْوَ الْعَدُوِّ ; أَنْ هَلُمُّوا إِلَى الْجَنَّةِ، وَيْحَكُمْ ! أَتَفِرُّونَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ ! ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ  ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، كَبِيرُ الْقَدْرِ، إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ هُذَيْلٍ وَقِيلَ: مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنْ آلِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. وَكَانَ نُوبِيًّا. وَقِيلَ: مِنْ سَبْيِ كَابُلَ. وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الْأَبْنَاءِ، مِنْ سُلَالَةِ الْأَكَاسِرَةِ.. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: طُفْتُ الْأَرْضَ كُلَّهَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: الْعُلَمَاءُ أَرْبَعَةٌ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بِالْحِجَازِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِالْبَصْرَةِ وَالشَّعْبِيُّ بِالْكُوفَةِ وَمَكْحُولٌ بِالشَّامِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: قُلْ. وَإِنَّمَا يَقُولُ: كُلْ. وَكَانَ لَهُ وَجَاهَةٌ عِنْدَ النَّاسِ، مَهْمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ يُفْعَلْ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانَ أَفْقَهَ أَهْلِ الشَّامِ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: بَعْدَهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ لَهُ خَاتَمٌ لَا يَلْبَسُهُ، وَكَانَ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: أَعِذْ مَكْحُولًا مِنَ النَّارِ. وفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ  . وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ إِيَاسٍ الْمُزَنِيُّ، وَالِدُ إِيَاسٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ الَّذِي يُضْرَبُ بِذَكَائِهِ الْمَثَلُ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ حَرَامُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَبُو سَعِيدٍ، وَعُمْرُهُ سَبْعُونَ سَنَةً  ، ( حَرَامٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَمُحَيِّصَةَ: بِضَمِّ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ، وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ). وَفِيهَا تُوُفِّيَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ الْإِيَامِيُّ  . وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا جَعْفَرٍ، وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ الصَّنْعَانِيُّ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ أَخِيهِ هَمَّامٍ، وَكَانُوا خَمْسَةَ إِخْوَةٍ: هَمَّامٌ وَوَهْبٌ وَغَيْلَانُ وَعَقِيلٌ وَمَعْقِلٌ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحُرُّ بْنُ يُوسُفَ أَمِيرُ الْمَوْصِلِ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِ قُرَيْشٍ بِالْمَوْصِلِ، وَكَانَتْ بِإِزَاءِ دَارِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَنْقُوشَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ مَكَانَهُ الْوَلِيدَ بْنَ تَلِيدٍ الْعَبْسِيَّ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي إِتْمَامِ حَفْرِ النَّهْرِ فِي الْبَلَدِ، فَشَرَعَ فِيهِ وَاهْتَمَّ بِعَمَلِهِ.

  446. التاريخ 2537لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ   وفِي سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ اسْتَعْمَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، عَلَى الْجَزِيرَةِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَإِرْمِينِيَّةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِي عَسْكَرِ مَسْلَمَةَ بِإِرْمِينِيَّةَ حِينَ غَزَا الْخَزَرُ، فَلَمَّا عَادَ مَسْلَمَةُ سَارَ مَرْوَانُ إِلَى هِشَامٍ، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ سَبَبِ قُدُومِهِ فَقَالَ: ضِقْتُ ذَرْعًا بِمَا أَذْكُرُهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ يَحْمِلُهُ غَيْرِي ! قَالَ: وَمَا هُوَ: قَالَ مَرْوَانُ: قَدْ كَانَ مِنْ دُخُولِ الْخَزَرِ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَقَتْلِ الْجَرَّاحِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا دَخَلَ بِهِ الْوَهْنُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَجِّهَ أَخَاهُ مَسْلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا وَطِئَ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا أَدْنَاهَا، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ جَمْعِهِ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى الْخَزَرِ يُؤْذِنُهُمْ بِالْحَرْبِ، وَأَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، فَاسْتَعَدَّ الْقَوْمُ وَحَشَدُوا، فَلَمَّا دَخَلَ بِلَادَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِمْ نِكَايَةٌ، وَكَانَ قُصَارَاهُ السَّلَامَةُ، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تَأْذَنَ لِي فِي غَزْوَةٍ أُذْهِبُ بِهَا عَنَّا الْعَارَ، وَأَنْتَقِمُ مِنَ الْعَدُوِّ. قَالَ: قَدْ أَذِنْتُ لَكَ. قَالَ: وَتُمِدُّنِي بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: وَتَكْتُمُ هَذَا الْأَمْرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، وَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ. فَوَدَّعَهُ وَسَارَ إِلَى إِرْمِينِيَّةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، وَسَيَّرَ هِشَامٌ الْجُنُودَ مِنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنَ الْجُنُودِ وَالْمُتَطَوِّعَةِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ غَزْوَ اللَّانِ وَقَصَدَ بِلَادَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَلِكِ الْخَزَرِ يَطْلُبُ مِنْهُ الْمُهَادَنَةَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ يُقَرِّرُ الصُّلْحَ، فَأَمْسَكَ الرَّسُولَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ جَهَازِهِ وَمَا يُرِيدُ، ثُمَّ أَغْلَظَ لَهُمُ الْقَوْلَ وَآذَنَهُمْ بِالْحَرْبِ، وَسَيَّرَ الرَّسُولَ إِلَى صَاحِبِهِ بِذَلِكَ، وَوَكَّلَ بِهِ مَنْ يُسَيِّرُهُ عَلَى طَرِيقٍ فِيهِ بُعْدٌ، وَسَارَ هُوَ فِي أَقْرَبِ الطُّرُقِ، فَمَا وَصَلَ الرَّسُولُ إِلَى صَاحِبِهِ إِلَّا وَمَرْوَانُ قَدْ وَافَاهُمْ، فَأَعْلَمَ صَاحِبَهُ الْخَبَرَ وَأَخْبَرَهُ بِمَا جَمَعَ لَهُ مَرْوَانُ وَحَشَدَ وَاسْتَعَدَّ. فَاسْتَشَارَ مَلِكُ الْخَزَرِ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا قَدِ اغْتَرَّكَ وَدَخَلَ بِلَادَكَ، فَإِنْ أَقَمْتَ إِلَى أَنْ تَجْمَعَ لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَكَ إِلَى مُدَّةٍ فَيَبْلُغُ مِنْكَ مَا يُرِيدُ، وَإِنْ أَنْتَ لَقِيتَهُ عَلَى حَالِكَ هَذِهِ هَزَمَكَ وَظَفِرَ بِكَ، وَالرَّأْيُ أَنْ تَتَأَخَّرَ إِلَى أَقْصَى بِلَادِكَ وَتَدَعَهُ وَمَا يُرِيدُ. فَقَبِلَ رَأْيَهُمْ وَسَارَ حَيْثُ أَمَرُوهُ. وَدَخَلَ مَرْوَانُ الْبِلَادَ وَأَوْغَلَ فِيهَا وَأَخْرَبَهَا وَغَنِمَ وَسَبَى وَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا، وَأَقَامَ فِيهَا عِدَّةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَذَلَّهُمْ وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ، وَدَخَلَ بِلَادَ مَلِكِ السَّرِيرِ فَأَوْقَعَ بِأَهْلِهِ، وَفَتَحَ قِلَاعًا، وَدَانَ لَهُ الْمَلِكُ وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ رَأْسٍ وَخَمْسِمِائَةِ غُلَامٍ وَخَمْسِمِائَةِ جَارِيَةٍ سُودِ الشُّعُورِ وَمِائَةِ أَلْفِ مُدْيٍ تُحْمَلُ إِلَى الْبَابِ، وَصَالَحَ مَرْوَانُ أَهْلَ تُومَانَ عَلَى مِائَةِ رَأْسٍ نِصْفَيْنِ، وَعِشْرِينَ أَلْفَ مُدْيٍ، ثُمَّ دَخَلَ أَرْضَ زِرِيكِرَانَ، فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا، ثُمَّ أَتَى إِلَى أَرْضِ حَمْزِينَ، فَأَبَى حَمْزِينُ أَنْ يُصَالِحَهُ، فَحَصَرَهُمْ فَافْتَتَحَ حِصْنَهُمْ، ثُمَّ أَتَى سُغْدَانَ فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا، وَوَظَّفَ عَلَى طَيْرِ شَانْشَاهَ عَشَرَةَ آلَافِ مُدْيٍ كُلَّ سَنَةٍ تُحْمَلُ إِلَى الْبَابِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى قَلْعَةِ صَاحِبِ اللَّكْزِ، وَقَدِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَاءِ الْوَظِيفَةِ، فَخَرَجَ مَلِكُ اللَّكْزِ يُرِيدُ مَلِكُ الْخَزَرِ، فَقَتَلَهُ رَاعٍ بِسَهْمٍ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَصَالَحَ أَهْلُ اللَّكْزِ مَرْوَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَامِلًا، وَسَارَ إِلَى قَلْعَةِ شَرْوَانَ، وَهِيَ عَلَى الْبَحْرِ، فَأَذْعَنَ بِالطَّاعَةِ، وَسَارَ إِلَى الدُّودَانِيَّةِ فَأَوْقَعَ بِهِمْ ثُمَّ عَادَ.

  447. التاريخ 2538لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ ( فِي سَنَةُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ومائة غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُسْرَى  ، فَأَصَابَ رَبَضَ أَقْرَنَ، وَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ الْبَطَّالَ الْتَقَى هُوَ وَقُسْطَنْطِينُ فِي جَمْعٍ، فَهَزَمَهُمُ الْبَطَّالُ وَأَسَرَ قُسْطَنْطِينَ. وَفِيهَا غَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى، فَبَلَغَ قَيْسَارِيَّةَ   ). وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِبْرَاهِيمَ بْنَ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ عَنِ الْمَدِينَةِ  وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَتْ إِمْرَةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْمَدِينَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ، وَعَزَلَ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمَا مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيَّ، وَقِيلَ: بَلْ وَلَّى مُحَمَّدًا سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَلَمَّا عَزَلَ إِبْرَاهِيمَ أَقَرَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهَا. وَفِيهَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِوَاسِطٍ. وَفِيهَا أَقْبَلَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بَعْدَمَا هَزَمَ خَاقَانَ، وَأَحْكَمَ مَا هُنَاكَ وَبَنَى الْبَابَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ، وَقِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ. وَكَانَ الْعُمَّالُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي السَّنَةِ قَبْلَهَا، غَيْرَ أَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَ عَامِلُهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَامِلُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَامِلُ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ.

  448. التاريخ 2539لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة أربع عشرة ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ جُعَيْلُ بْنُ مَاعَانَ بْنِ عُمَيْرٍ جُعَيْلُ بْنُ مَاعَانَ بْنِ عُمَيْرٍ، أَبُو سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ ثُمَّ الْقِيَانِيُّ  : كَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الْفُقَهَاءِ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْمَغْرِبِ لِيُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْقَضَاءِ بِإِفْرِيقِيَّةَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَهُ عَلَيْهِ وِفَادَةٌ. وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي تَمِيمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْجَيْشَانِيِّ. وَحَدَّثَ عَنْهُ بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ. عَبْدُ خَيْرِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو عُمَارَةَ عَبْدُ خَيْرِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو عُمَارَةَ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَشَهِدَ مَعَهُ حَرْبَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ. رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَإِسْمَاعِيلُ السُّدِّيُّ، وَكَانَ ثِقَةً. عن مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ خَيْرٍ: كَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، كُنْتُ غُلَامًا بِبِلَادِنَا بِالْيَمَنِ، فَجَاءَ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ فَخَرَجُوا إِلَى حَيِّزٍ وَاسِعٍ، فَكَانَ أَبِي فِيمَنْ خَرَجَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جَاءَ أَبِي فَقَالَتْ لَهُ أُمِّي: مَا حَبَسَكَ وَهَذِهِ الْقِدْرُ قَدْ بَلَغَتْ وَهَؤُلَاءِ عِيَالُكَ يَتَضَوَّرُونَ يُرِيدُونَ الْغِذَاءَ؟ فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ، أَسْلَمْنَا فَأَسْلِمِي، وَمُرِي بِهَذَا الْقِدْرِ فَلْتُهْرَقْ لِلْكِلَابِ وَكَانَتْ مَيْتَةً. فَهَذَا مَا أَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: بَاقِرُ الْعِلْمِ، تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ، كَثِيرُ الْعِلْمِ، أَحَدُ أَعْلَامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَعِبَادَةً وَنَسَبًا وَشَرَفًا، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ تَدَّعِي فِيهِ طَائِفَةُ الشِّيعَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ عَلَى طَرِيقِهِمْ وَلَا عَلَى مِنْوَالِهِمْ، وَلَا يَدَيْنُ بِمَا وَقَعَ فِي أَذْهَانِهِمْ وَأَوْهَامِهِمْ وَخَيَالِهِمْ، بَلْ كَانَ مِمَّنْ يُقَدِّمُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَذَلِكَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ فِي الْأَثَرِ، وَقَالَ أَيْضًا: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي إِلَّا وَهُوَ يَتَوَلَّاهُمَا. ؓ وَعَنْهُ. وأُمُّهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَوُلِدَ لَهُ جَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ مِنْ أُمِّ فَرْوَةَ بِنْتِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُقَالُ عِنْدَنَا بِالْعِرَاقِ إِنَّكَ لَتَبْرَأُ مِنْهُمَا، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا عَنِّي، أَوَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ الَّتِي مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَّتُهَا خَدِيجَةُ وَجَدُّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،. قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ حِلْيَةِ السُّيُوفِ،  قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ حَلَّى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ سَيْفَهُ، قَالَ: قُلْتُ: وَتَقُولُ الصِّدِّيقُ، فَوَثَبَ وَثْبَةً وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ الصِّدِّيقُ، نَعَمْ الصِّدِّيقُ، نَعَمْ الصِّدِّيقُ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الصِّدِّيقُ فَلَا صَدَّقَ اللَّهُ لَهُ قَوْلًا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. قَالَ ابْنُ حُبَيْشٍ: بسنده عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَا جَابِرُ، بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا بِالْعِرَاقِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَا وَيَنَالُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَزْعُمُونَ أَنِّي أَمَرْتُهُمْ بِذَلِكَ، فَأَبْلْغِهُمْ أَنِّي إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ وُلِّيتُ لَتَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِدِمَائِهِمْ لَا نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ إِنْ لَمْ [أَكُنْ] أَسْتَغْفِرُ لَهُمَا وَأَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمَا. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْخِلُ أَحَدُكُمْ يَدَهُ فِي كُمِّ صَاحِبِهِ فَيَأْخُذُ مَا يُرِيدُ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَلَسْتُمْ إِخْوَانًا كَمَا تَزْعُمُونَ. تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَأَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ. الْمُفَضَّلُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُفَضَّلُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ عَوْفِ بْنِ رَبِيعَةَ، مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، كَذَلِكَ سَمَّاهُ أَبُو عُمَرَ وَالشَّيْبَانِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا النَّجْمِ: وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: اسْمُهُ الْفَضْلُ، وَهُوَ مِنْ رُجَّازِ الْإِسْلَامِ الْفُحُولِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا زَالَتِ الشُّعَرَاءُ تُقَصِّرُ بِالرُّجَّازِ حَتَّى قَالَ أَبُو النَّجْمِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَهُوبِ الْمُجْزِلِ وَقَالَ الْعَجَّاجُ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجُبِرَ وَقَالَ رُؤْبَةُ: وَقَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقِ فَانْتَصَفُوا مِنْهُمْ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: دَخَلَ أَبُو النَّجْمِ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ أَتَتْ لَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: مَا رَأْيُكَ فِي النِّسَاءِ؟ قَالَ: إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ شَزْرًا وَيَنْظُرْنَ إِلَيَّ شَزْرًا، فَوَهَبَ لَهُ جَارِيَةً وَقَالَ: اغْدُ عَلَيَّ فَأَعْلِمْنِي مَا كَانَ مِنْكَ، فَلَمَّا غَدَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا صَنَعْتُ شَيْئًا وَلَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا وَهِيَ: نَظَرَتْ فَأَعْجَبَهَا الَّذِي فِي دِرْعِهَا مِنْ حُسْنِهِ وَنَظَرْتُ فِي سِرْبَالِيَا     فَرَأَتْ لَهَا كَفَلًا يَمِيلُ بِخَصْرِهَا وَعَثَا رَوَادِفُهُ وَأَجْثَمَ رَابِيَا     وَرَأَيْتُ مُنْتَشِرَ الْعَجَانِ مُقَلَّصًا رِخْوًا مَفَاصِلُهُ وَجِلْدًا بَالِيَا     أُدْنِي لَهُ الرَّكْبَ الْحَلِيقَ كَأَنَّمَا أُدْنِي إِلَيْهِ عَقَارِبًا وَأَفَاعِيَا فَضَحِكَ هِشَامٌ وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ. وَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: حَدِّثْنِي عَنْكَ، قَالَ: عَرَضَ لِي الْبَوْلُ فَقُمْتُ بِاللَّيْلِ أَبُولُ، فَخَرَجَ مِنِّي صَوْتٌ [فَتَشَدَّدْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَخَرَجَ مِنِّي صَوْتٌ] آخَرُ فَأَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي وَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْخِيَارِ، هَلْ سَمِعْتِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ وَلَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَضَحِكَ. وَأُمُّ الْخِيَارِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الْخِيَارِ تَدَّعِي     عَلَيَّ دَيْنًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَاسْمُ أَبِي رَبَاحٍ: أَسْلَمُ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ مَوْلَى الْجُنَيْدِ: وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ، أَعْوَرَ أَفْطَسَ أَعْرَجَ، ثُمَّ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَصِيحًا عَالِمًا فَقِيهًا، أَدْرَكَ أَبَا جُحَيْفَةَ وَشَهِدَ جِنَازَةَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. وَرَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ. رَوَى عَنْهُ: عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَيُّوبُ. وَحَجَّ سَبْعِينَ حَجَّةً، وَكَانَ يُنَادِي فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ: لَا يُفْتِ النَّاسَ إِلَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُرِيدُ بِهَذَا الْعِلْمِ وَجْهَ اللَّهِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ: عَطَاءٌ، وَطَاوُوسٌ، وَمُجَاهِدٌ. عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَتَحَدَّثَ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَاعْتَرَضَ لَهُ آخَرُ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَخْلَاقُ!؟ إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ، فَأُرِيهِ أَنِّي لَا أُحْسِنُ مِنْهُ شَيْئًا. عن مُعَلَّى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ فَقَالَ: أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ لَعَلَّهُ يَنْفَعُكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ نَفَعَنِي، ثُمَّ قَالَ: قَالَ لَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: يَا بَنِي أَخِي، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، أَتُنْكِرُونَ أَنَّ عَلَيْكُمْ حَافِظِينَ، أَمَا يَسْتَحِي أَحَدُكُمْ أَنْ لَوْ نُشِرَتْ عَلَيْهِ صَحِيفَتُهُ الَّتِي أَمْلَى صَدْرَ نَهَارِهِ، كَانَ أَكْثَرُ مَا فِيهَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْأَنْمَاطِيُّ قَالَ: بسنده قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: دَخَلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ وَحَوَالَيْهِ الْأَشْرَافُ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ فِي وَقْتِ حَجِّهِ فِي خِلَافَتِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَامَ إِلَيْهِ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، حَاجَتُكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُولِهِ، فَتَعَاهَدْهُ بِالْعِمَارَةِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَأَنْتَ بِهِمْ أُجْلِسْتْ هَذَا الْمَجْلِسَ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَهْلِ الثُّغُورِ، فَإِنَّهُمْ حِصْنُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَهَّدْ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ وَحْدَكَ الْمَسْئُولُ عَنْهُمْ، وَاتَّقِ اللَّهَ فَيَمَنْ عَلَى بَابِكَ، وَلَا تَغْفُلُ عَنْهُمْ، وَلَا تُغْلِقْ دُونَهُمْ بَابَكَ. فَقَالَ لَهُ: أَفْعَلُ. ثُمَّ نَهَضَ فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا سَأَلْتَنَا حَوَائِجَ غَيْرِكَ، وَقَدْ قَضَيْنَاهَا، فَمَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: مَا لِي إِلَى مَخْلُوقٍ حَاجَةٌ. ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هَذَا وَأَبِيكَ الشَّرَفُ، هَذَا وَأَبِيكَ السُّؤْدَدُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ: بسنده قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: كَانَ عَطَاءٌ عَبْدًا أَسْوَدَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَنْفُهُ كَأَنَّهُ بَاقِلَاءُ. قَالَ: وَجَاءَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَطَاءٍ هُوَ وَابْنَاهُ، فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا صَلَّى انْفَتَلَ إِلَيْهِمَا، فَمَا زَالُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَقَدْ حَوَّلَ قَفَاهُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ لِابْنَيْهِ: قُومَا. فَقَامَا، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ لَا تَنِيَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنِّي لَا أَنْسَى ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ. أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونَ بسنده عن عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي وَهُوَ يُرِيدُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا قَرَّبْنَا إِذَا بِشَيْخٍ أَسْوَدَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَيْهِ قَمِيصٌ دَنِسٌ، وَجُبَّةٌ دَنِسَةٌ، وَقَلَنْسُوَةٌ لَاطِيَةٌ دَنِسَةٌ، وَرِكَابَاهُ مِنْ خَشَبٍ. فَضَحِكْتُ وَقُلْتُ لِأَبِي: مَنْ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ؟ قَالَ: اسْكُتْ، هَذَا سَيِّدُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ، هَذَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ. فَلَمَّا قَرُبَ نَزَلَ أَبِي عَنْ بَغْلَتِهِ، وَنَزَلَ هُوَ عَنْ حِمَارِهِ، فَاعْتَنَقَا وَتَسَالَا، ثُمَّ عَادَا فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا حَتَّى وَقَفَا بِبَابِ هِشَامٍ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبِي سَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا كَانَ مِنْكُمَا. قَالَ: لَمَّا قِيلَ لِهِشَامٍ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ [بِالْبَابِ] أَذِنَ لَهُ، فَوَ اللَّهِ مَا دَخَلْتُ إِلَّا بِسَبَبِهِ. فَلَمَّا رَآهُ هِشَامٌ قَالَ: مَرْحَبًا مَرْحَبًا هَاهُنَا هَاهُنَا. فَرَفَعَهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتُهُ رُكَبَهُ، وَعِنْدَهُ أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ، فَسَكَتُوا. فَقَالَ هِشَامٌ: مَا حَاجَتُكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ، أَهْلُ اللَّهِ، وَجِيرَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ فِيهِمْ أُعْطِيَاتِهِمْ وَأَرْزَاقَهُمْ، قَالَ: نَعَمْ، يَا غُلَامُ اكْتُبْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ بِعَطَاءَيْنِ وَأَرْزَاقَهُمْ لِسَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ الْحِجَازِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ، أَصْلُ الْعَرَبِ، تُرَدُّ فِيهِمْ [فُضُولُ] صَدَقَاتِهِمْ قَالَ: نَعَمْ، يَا غُلَامُ اكْتُبْ بِأَنْ تُرَدَّ فِيهِمْ صَدَقَاتُهُمْ. قَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ الثُّغُورِ يَرْمُونَ مِنْ وَرَاءِ بَيْضَتِكُمْ، وَيُقَاتِلُونَ عَدُوَّكُمْ، قَدْ أَجْرَيْتُمْ لَهُمْ أَرْزَاقًا تُدِرُّهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ هَلَكُوا أَغَرْتُمْ. قَالَ: نَعَمْ، اكْتُبْ بِحَمْلِ أَرْزَاقِهِمْ إِلَيْهِمْ يَا غُلَامُ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ ذِمَّتِكُمْ يَحْيَى صِغَارُهُمْ وَلَا يُتَعْتَعُ كِبَارُهُمْ، وَلَا يُكَلِّفُونَ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ. قَالَ: نَعَمْ، اكْتُبْ لَهُمْ يَا غُلَامُ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ خُلِقْتَ وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُحْشَرُ وَحْدَكَ، وَتُحَاسَبُ وَحْدَكَ، وَلَا وَاللَّهِ مَا مَعَكَ مِمَّنْ تَرَى أَحَدًا. قَالَ: فَأَكَبَّ هِشَامٌ وَقَامَ عَطَاءٌ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْبَابِ إِذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَهُ بِكِيسٍ مَا أَدْرِي مَا فِيهِ، أَدَرَاهِمُ أَمْ دَنَانِيرُ. فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَ لَكَ بِهَذَا. فَقَالَ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنَّ أَجْرِي إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَطَاءٌ، فَلَا وَاللَّهِ مَا شَرِبَ عِنْدَهُ حُسْوَةً مِنْ مَاءٍ فَمَا فَوْقَهُ.   تُوُفِّيَ عَطَاءٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بَلْ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ. وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنْ كِنْدَةَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ قَاضِي مَرْوَ  ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ لِثَلَاثِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.

  449. التاريخ 2540لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا غَزْوَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ الرُّومَ.   وَفِيهَا: وَقَعَ الطَّاعُونُ بِالشَّامِ  . وَفِيهَا: أَصَابَ النَّاسَ بِخُرَاسَانَ قَحْطٌ شَدِيدٌ وَمَجَاعَةٌ،  فَأَعْطَى الْجُنَيْدُ رَجُلًا دِرْهَمًا فَاشْتَرَى بِهِ رَغِيفًا، فَقَالَ: تَشْكُونَ الْجُوعَ وَرَغِيفٌ بِدِرْهَمٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي بِالْهِنْدِ وَإِنَّ الْحَبَّ مِنَ الْحُبُوبِ لَتُبَاعَ عَدَدًا بِالدَّرَاهِمِ. وَفِيهَا: حَجَّ بِالنَّاسِ مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ أَمِيرُ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ،  وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ عُمَّالَ السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، غَيْرَ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي عَامِلِ خُرَاسَانَ، فَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: الْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عُمَارَةُ بْنُ خُرَيْمٍ الْمُرِّيُّ، وَإِنَّ الْجُنَيْدَ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَاسْتَخْلَفَ عُمَارَةَ. وَأَمَّا الْمَدَائِنِيُّ فَقَالَ: مَاتَ الْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ [وَمِائَةٍ]، وَهِيَ السَّنَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ السَّنَةِ. ( وَفِيهَا غَزَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَطَنٍ عَامِلُ الْأَنْدَلُسِ أَرْضَ الْبَشْكَنْسِ وَعَادَ سَالِمًا   ).

  450. التاريخ 2541لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة خمس عشرة ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ خِيَارُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ خِيَارُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، أَبُو نَضْلَةَ الْمُدْلِجِيُّ  : قَاضِي مِصْرَ لِهِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، كَانَ رَجُلًا صَالِحًا. عَمْرُو بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ عَمْرُو بْنُ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَبُو حَفْصٍ: لَمْ يَكُنْ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بِمِصْرَ فِي أَيَّامِهِ أَفْضَلَ مِنْهُ. كَانَ خُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ يَكْتُبُونَ إِلَى أُمَرَاءِ مِصْرَ لَا تَعْصُوا لَهُ أَمْرًا. وَكَانَ يَأْتِي عَجَائِزَ كُنَّ فِي خَرَابِ الْمَعَافِرِ، فَيُدْفَعُ إِلَيْهِنَّ مَا يَكْفِيهِنَّ طُوَالَ السَّنَةِ. رَوَى عَنْهُ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَغَيْرِهِ.

  451. التاريخ 2542لا حكم مسجّل

    عَزْلِ الْجُنَيْدِ وَوَفَاتِهِ وَوِلَايَةِ عَاصِمٍ خُرَاسَانَ   وَفِي سنة ست عشرة ومائة عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجُنَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيَّ عَنْ خُرَاسَانَ، ( وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَاصِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْهِلَالِيَّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْجُنَيْدَ تَزَوَّجَ الْفَاضِلَةَ بِنْتَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، فَغَضِبَ هِشَامٌ فَوَلَّى عَاصِمًا خُرَاسَانَ )، وَكَانَ الْجُنَيْدُ قَدْ سُقِيَ بَطْنُهُ، فَقَالَ هِشَامٌ لِعَاصِمٍ: إِنْ أَدْرَكْتَهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَأَزْهِقْ نَفْسَهُ. فَقَدِمَ عَاصِمٌ وَقَدْ مَاتَ الْجُنَيْدُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ، فَأَخَذَ عُمَارَةَ بْنَ حُرَيْمٍ، وَكَانَ الْجُنَيْدُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، فَعَذَّبَهُ عَاصِمٌ وَعَذَّبَ عُمَّالَ الْجُنَيْدِ. وَعُمَارَةُ هَذَا جَدُّ أَبِي الْهَيْذَامِ صَاحِبِ الْعَصَبِيَّةِ بِالشَّامِ. وَكَانَ مَوْتُ الْجُنَيْدِ بِمَرْوَ، وَكَانَ مِنَ الْأَجْوَادِ الْمَمْدُوحِينَ غَيْرَ مَحْمُودٍ فِي حُرُوبِهِ.

  452. التاريخ 2543لا حكم مسجّل

    خَلْعِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ بِخُرَاسَانَ   وَفِي سنة ست عشرة ومائة خُلِعَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْفَارِيَابِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رُسُلًا فِيهِمْ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ النَّبَطِيُّ وَحَطَّابُ بْنُ مُحْرِزٍ السُّلَمِيُّ فَقَالَا لِمَنْ مَعَهُمَا: لَا نَلْقَى الْحَارِثَ إِلَّا بِأَمَانٍ. فَأَبَى الْقَوْمُ عَلَيْهِمَا، فَأَخَذَهُمُ الْحَارِثُ وَحَبَسَهُمْ وَوَكَّلَ بِهِمْ رَجُلًا، فَأَوْثَقُوهُ وَخَرَجُوا مِنَ السِّجْنِ فَرَكِبُوا وَعَادُوا إِلَى عَاصِمٍ، فَأَمَرَهُمْ، فَخَطَبُوا وَذَمُّوا الْحَارِثَ وَذَكَرُوا خُبْثَ سِيرَتِهِ ( وَغَدْرَهُ. وَكَانَ الْحَارِثُ قَدْ لَبِسَ السَّوَادَ وَدَعَا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ وَالْبَيْعَةِ لِلرِّضَا، فَسَارَ مِنَ الْفَارِيَابِ ) فَأَتَى بَلْخًا وَعَلَيْهَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ [ وَ ] التُّجِيبِيُّ [ ابْنُ ضُبَيْعَةَ الْمُرِّيُّ ]، فَلَقِيَا الْحَارِثَ ( فِي عَشَرَةِ آلَافٍ وَالْحَارِثُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَقَاتَلَهُمَا وَمَنْ مَعَهُمَا، فَانْهَزَمَ أَهْلُ بَلْخٍ وَتَبِعَهُمُ الْحَارِثُ )، فَدَخَلَ مَدِينَةَ بَلْخٍ، وَخَرَجَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مِنْهَا، وَأَمَرَ الْحَارِثَ بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَسَارَ إِلَى الْجُوزَجَانِ فَغُلِبَ عَلَيْهَا وَعَلَى الطَّالَقَانِ وَمَرْوِ الرُّوذِ. فَلَمَّا كَانَ بِالْجُوزَجَانِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي أَيِّ بَلَدٍ يَقْصِدُ، فَقِيلَ لَهُ: مَرْوُ بَيْضَةُ خُرَاسَانَ وَفُرْسَانُهُمْ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَلْقَوْكَ إِلَّا بِعَبِيدِهِمْ لَانْتَصَفُوا مِنْكَ، فَأَقِمْ فَإِنْ أَتَوْكَ قَاتَلْتَهُمْ، وَإِنْ أَقَامُوا قَطَعْتَ الْمَادَّةَ عَنْهُمْ. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى مَرْوَ ( فَقَالَ لِأَهْلِ الرَّأْيِ مِنْ مَرْوَ: إِنْ أَتَى نَيْسَابُورَ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَإِنْ أَتَانَا نُكِبَ. وَبَلَغَ عَاصِمًا أَنَّ أَهْلَ مَرْوَ يُكَاتِبُونَ الْحَارِثَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَرْوَ قَدْ كَاتَبْتُمُ الْحَارِثَ، لَا يَقْصِدُ الْمَدِينَةَ إِلَّا تَرَكْتُمُوهَا لَهُ، وَإِنِّي لَاحِقٌ بِنَيْسَابُورَ، وَأُكَاتِبُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يُمِدَّنِي بِعَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَقَالَ لَهُ الْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ: إِنْ أَعْطَوْكَ بَيْعَتَهُمْ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ عَلَى الْقِتَالِ مَعَكَ وَالْمُنَاصَحَةِ لَكَ ( فَلَا تُفَارِقْهُمْ ). وَأَقْبَلَ الْحَارِثُ إِلَى مَرْوَ يُقَالُ: فِي سِتِّينَ أَلْفًا وَمَعَهُ فُرْسَانُ الْأَزْدِ وَتَمِيمٍ، وَمِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَحَمَّادُ بْنُ عَامِرٍ الْحِمَّانِيُّ، وَدَاوُدُ الْأَعْسَرُ، وَبِشْرُ بْنُ أُنَيْفٍ الرِّيَاحِيُّ، وَعَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ، وَمِنَ الدَّهَاقِينِ: دِهْقَانُ الْجُوزَجَانِ وَدِهْقَانُ الْفَارِيَابِ وَمَلِكُ الطَّالَقَانِ وَدِهْقَانُ مَرْوِ الرُّوذِ فِي أَشْبَاهِهِمْ، وَخَرَجَ عَاصِمٌ فِي أَهْلِ مَرْوَ وَغَيْرِهِمْ فَعَسْكَرَ، وَقَطَعَ عَاصِمٌ الْقَنَاطِرَ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ فَأَصْلَحُوا الْقَنَاطِرَ، فَمَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْفَرَاهِيذِيُّ الْأَزْدِيُّ إِلَى عَاصِمٍ فِي أَلْفَيْنِ فَأَتَى الْأَزْدَ، وَمَالَ حَمَّادُ بْنُ عَامِرٍ الْحِمَّانِيُّ إِلَى عَاصِمٍ فَأَتَى بَنِي تَمِيمٍ، وَالْتَقَى الْحَارِثُ وَعَاصِمٌ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ الْحَارِثِ وَابِضُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَارَةَ التَّغْلِبِيُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ فَغَرِقَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ فِي أَنْهَارِ مَرْوَ وَفِي النَّهْرِ الْأَعْظَمِ، وَمَضَتِ الدَّهَاقِينُ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَغَرِقَ خَازِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، وَكَانَ مَعَ الْحَارِثِ، وَقُتِلَ أَصْحَابُ الْحَارِثِ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَقَطَعَ الْحَارِثُ وَادِي مَرْوَ، فَضَرَبَ رِوَاقًا عِنْدَ مَنَازِلِ الرُّهْبَانِ، وَكَفَّ عَنْهُ عَاصِمٌ، وَاجْتَمَعَ إِلَى الْحَارِثِ زُهَاءَ ثَلَاثَةِ آلَافٍ.

  453. التاريخ 2544لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي سنة ست عشرة ومائة عَزَلَ هِشَامٌ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَبْحَابِ الْمَوْصِلِيَّ عَنْ وِلَايَةِ مِصْرَ  ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا. وَفِيهَا سَيَّرَ ابْنُ الْحَبْحَابِ جَيْشًا إِلَى صِقِلِّيَّةَ، فَلَقِيَهُمْ مَرَاكِبُ الرُّومِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَكَانُوا قَدْ أَسَرُوا جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، فَبَقِيَ أَسِيرًا إِلَى سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَفِيهَا سَيَّرَ ابْنُ الْحَبْحَابِ أَيْضًا جَيْشًا إِلَى السُّوسِ وَأَرْضِ السُّودَانِ، فَغَنِمُوا وَظَفِرُوا وَعَادُوا. وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ عَطِيَّةَ بْنَ الْحَجَّاجِ الْقَيْسِيَّ عَلَى الْأَنْدَلُسِ، فَسَارَ إِلَيْهَا وَوَلِيَهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَعَزَلَ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ، وَكَانَ لَهُ كُلَّ سَنَةٍ غَزَاةٌ، وَهُوَ [ الَّذِي ] افْتَتَحَ جِلِّيقِيَّةَ وَالْبَتَّةَ وَغَيْرَهُمَا. وَقِيلَ: بَلْ وَلِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ إِفْرِيقِيَّةَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَسَتَرِدُ أَخْبَارُهُ هُنَاكَ، وَهَذَا أَصَحُّ ). وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدٍ. وَكَانَ الْعُمَّالُ عَلَى الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ إِلَّا خُرَاسَانَ، فَكَانَ عَامِلَهَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وفي سَنَةُ سِتَّةَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ الصَّائِفَةَ. وَفِيهَا كَانَ طَاعُونٌ شَدِيدٌ بِالْعِرَاقِ وَالشَّامِ، وَكَانَ أَشَدَّ بِوَاسِطٍ.

  454. التاريخ 2545لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ست عشرة ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ حَمْزَةُ بْنُ بِيضٍ الْحَنَفِيُّ حَمْزَةُ بْنُ بِيضٍ الْحَنَفِيُّ  : شَاعِرٌ مُجِيدٌ. قَالَ الْمَأْمُونُ لِلنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ: أَيُّ بَيْتٍ أَطْيَبُ؟ قَالَ: قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ بِيضٍ: تَقُولُ لِي وَالْعُيُونُ هَاجِعَةٌ أَقِمْ عَلَيْنَا يَوْمًا فَلَمْ أُقِمِ     أَيَّ الْوُجُوهِ انْتَجَعْتَ قُلْتَ لَهَا وَأَيُّ وَجْهٍ إِلَّا إِلَى الْحَكَمِ     مَتَى تَقُلْ حَاجِبَا سُرَادِقِهِ هَذَا ابْنُ بِيضٍ بِالْبَابِ يَبْتَسِمُ انْقَطَعَ إِلَى الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، ثُمَّ إِلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ إِلَى أَبَانَ بْنِ الْوَلِيدِ، ثُمَّ إِلَى بِلَالِ بْنِ أَبِي بَرْزَةَ، وَاكْتَسَبَ بِالشِّعْرِ مَالًا عَظِيمًا، مَدَحَ مَخْلَدَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ، وَهُوَ يَخْلُفُ أَبَاهُ عَلَى خُرَاسَانَ، فَأَعْطَاهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَدَخَلَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ السِّجْنَ، فَأَنْشَدَهُ: أُغْلِقَ دُونَ السَّمَاحِ وَالْجُودِ وَالنَّجْدَةِ     بَابٌ حَدِيدٌ مِفْتَاحُهُ أَشِبُ يَرَوْنَ سَبْقَ الْجَوَادِ فِي مَهَلٍ     وَقَصُرَتْ دُونَ سَعْيِكَ الرُّتَبُ فَقَالَ: يَا حَمْزَةُ، أَسَأْتَ إِذْ نَوَّهْتَ بِاسْمِي فِي غَيْرِ وَقْتِ تَنْوِيهٍ، ثُمَّ رَمَى إِلَيْهِ بِحُزْمَةٍ مَصْرُورَةٍ وَعَلَيْهِ صَاحِبُ خَبَرٍ وَاقِفٌ. وَقَالَ: خُذْ هَذَا الدِّينَارَ، فَوَ اللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُ. فَأَخَذَهُ حَمْزَةُ وَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ سِرًّا: خُذْهُ وَلَا تُخْدَعْ عَنْهُ، فَإِذَا فَصُّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، فَخَرَجَ إِلَى خُرَاسَانَ فَبَاعَهُ بِثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا قَبَضَهَا قَالَ لَهُ الْمُشْتَرِي: وَاللَّهِ لَوْ أَبَيْتَ إِلَّا خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ لَأَخَذْتُهُ مِنْكَ. فَضَاقَ صَدْرُهُ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ أُخْرَى. حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ: قَرَأَتِ الْقُرْآنَ وَهِيَ بِنْتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَتْ تَخْتِمُ كُلَّ يَوْمَيْنِ، وَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ. عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بِالْبَصْرَةِ أُفَضِّلُهُ عَلَى حَفْصَةَ خَتَمَتِ الْقُرْآنَ وَهِيَ بِنْتُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَاتَتْ وَهِيَ بِنْتُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَتْ تَتَوَضَّأُ ارْتِفَاعَ النَّهَارِ وَتَدْخُلُ مَسْجِدَهَا فِي بَيْتِهَا، فَلَا تَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْغَدِ، وَكَانَ يَأْتِيهَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ مُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ بسنده عَنْ هِشَامٍ قَالَ: كَانَتْ حَفْصَةُ تُسْرِجُ سِرَاجَهَا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ تَقُومُ فِي مُصَلَّاهَا، فَرُبَّمَا طُفِئَ السِّرَاجُ فَيُضِيءُ لَهَا الْبَيْتُ حَتَّى تُصْبِحَ. قَالَ الرِّيَاشِيُّ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: قَالَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ: بَلَغَ مِنْ بِرِّ ابْنِي الْهُذَيْلِ بِي أَنَّهُ كَانَ يَكْسِرُ الْقَصَبَ فِي الصَّيْفِ فَيُوقِدُ لِي فِي الشِّتَاءِ. قَالَ: لِئَلَّا يَكُونَ لَهُ دُخَانٌ. قَالَتْ: وَكَانَ يَحْلِبُ نَاقَتَهُ بِالْغَدَاةِ فَيَأْتِينِي بِهِ فَيَقُولُ: اشْرَبِي يَا أُمَّ الْهُذَيْلِ، فَإِنَّ أَطْيَبَ اللَّبَنِ مَا بَاتَ فِي الضَّرْعِ. ثُمَّ مَاتَ فَرُزِقْتُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ مَا شَاءَ أَنْ يَرْزُقَنِي، فَكُنْتُ أَجِدُ مَعَ ذَلِكَ حَرَارَةً فِي صَدْرِي لَا تَكَادُ تَسْكُنُ. قَالَتْ: فَأَتَيْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ( مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَذَهَبَ عَنِّي مَا كُنْتُ أَجِدُ. عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجَمَلِيُّ: [رَوَى] عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ: مَا أُحِبُّ أَنِّي بَصِيرٌ أَذْكُرُ أَنِّي نَظَرْتُ نَظْرَةً وَأَنَا شَابٌّ. أَسْنَدَ عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ. هِشَامُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ خَبَّابٍ هِشَامُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ خَبَّابٍ، أَبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ: شَاعِرٌ مُجِيدٌ فَصِيحٌ، كَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ يَقْدُمُهُ، [أَدْرَكَ الدَّوْلَتَيْنِ الْأُمَوِيَّةَ وَالْعَبَّاسِيَّةَ]، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ هَوَجٌ وَجُبْنٌ، وَكَانَ يُصْرَعُ فِي أَوْقَاتٍ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَانَ مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ، يُحَدِّثُ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِلَى الصَّحْرَاءِ فَيَدْعُو الْغِرْبَانَ فَتَقَعُ حَوْلَهُ، فَيَأْخُذُ مِنْهَا مَا شَاءَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَيَّةَ، أَفَرَأَيْتَ إِنْ أَخْرَجْنَاكَ إِلَى الصَّحْرَاءِ تَدْعُوهَا فَلَمْ تَأْتِكَ، فَمَاذَا نَصْنَعُ بِكَ؟ قَالَ: أَبْعَدَهَا اللَّهُ إِذَنْ. وَكَانَ لَهُ سَيْفٌ يُسَمِّيهِ لُعَابَ الْمَنِيَّةِ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَشَبَةِ شَيْءٌ، فَحَدَّثَ جَارًا لَهُ قَالَ: دَخَلَ لَيْلَةً إِلَى بَيْتِهِ كَلْبٌ فَظَنَّهُ لِصًّا، فَانْتَضَا سَيْفَهُ وَقَالَ: أَيُّهَا الْمُغْتَرُّ بِنَا، الْمُجْتَرِئُ عَلَيْنَا، بِئْسَ وَاللَّهِ مَا اخْتَرْتَ لِنَفْسِكَ، سَيْفٌ صَقِيلٌ لُعَابُ الْمَنِيَّةِ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ، اخْرُجْ بِالْعَفْوِ عَنْكَ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْكَ. فَإِذَا الْكَلْبُ قَدْ خَرَجَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَسَخَكَ كَلْبًا، وَكَفَانَا حَرْبًا. الْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيُّ وَفِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا تُوُفِّيَ الْجُنَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُرِّيُّ أَمِيرُ خُرَاسَانَ مِنْ مَرَضٍ أَصَابَهُ فِي بَطْنِهِ  ، وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ الْفَاضِلَةَ بِنْتَ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ فَتَغْضَّبَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَعَزَلَهُ وَوَلَّى مَكَانَهُ عَاصِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى خُرَاسَانَ  ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ أَدْرَكْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ فَأَزْهِقْ رُوحَهُ. فَمَا قَدِمَ عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خُرَاسَانَ حَتَّى مَاتَ الْجُنَيْدُ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْهَا بِمُرْوَ وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو الْجُوَيْرِيَّةِ عِيسَى بْنُ عَصَبَةَ يَرْثِيهِ: هَلَكَ الْجُودُ وَالْجُنَيْدُ جَمِيعًا     فَعَلَى الْجُودِ وَالْجُنَيْدِ السَّلَامُ أَصْبَحَا ثَاوِيَيْنِ فِي بَطْنِ مَرْوَ     مَا تَغَنَّى عَلىَ الْغُصُونِ الْحَمَامُ كُنْتُمَا نُزْهَةَ الْكِرَامِ فَلَمَّا     مِتَّ مَاتَ النَّدَى وَمَاتَ الْكِرَامُ وَلَمَّا قَدِمَ عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ خُرَاسَانَ أَخَذَ نُوَّابَ الْجُنَيْدِ بِالضَّرْبِ الْبَلِيغِ وَأَنْوَاعِ الْعُقُوبَاتِ  ، وَعَسَفَهُمْ فِي الْمُصَادَرَاتِ وَالْجِنَايَاتِ، فَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ وَبَارَزَهُ بِالْحَرْبِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا، ثُمَّ هُزِمَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ وَظَهَرَ عَاصِمٌ عَلَيْهِ  .

  455. التاريخ 2546لا حكم مسجّل

    عَزْلِ عَاصِمٍ عَنْ خُرَاسَانَ وَوِلَايَةِ أَسَدٍ  وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَاصِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خُرَاسَانَ، وَوَلَّاهَا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ، فَاسْتَخْلَفَ خَالِدٌ عَلَيْهَا أَخَاهُ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عَاصِمًا كَتَبَ إِلَى هِشَامٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الرَّائِدَ لَا يَكْذِبُ أَهْلَهُ، وَإِنَّ خُرَاسَانَ لَا تَصِحُّ إِلَّا [ أَنْ ] تُضَمَّ إِلَى [ صَاحِبِ ] الْعِرَاقِ، فَتَكُونَ مَوَادُّهَا وَمَعُونَتُهَا مِنْ قَرِيبٍ لِتَبَاعُدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [ عَنْهَا ] وَتَبَاطُؤِ غِيَاثِهِ. فَضَمَّ هِشَامٌ خُرَاسَانَ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: ابْعَثْ أَخَاكَ يُصْلِحْ مَا أَفْسَدَ، فَإِنْ كَانَ رَجِيَّةً كَانَتْ بِهِ. فَسَيَّرَ خَالِدٌ إِلَيْهَا أَخَاهُ أَسَدًا. فَلَمَّا بَلَغَ عَاصِمًا إِقْبَالُ أَسَدٍ، وَأَنَّهُ قَدْ سَيَّرَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيَّ صَالَحَ الْحَارِثَ بْنَ سُرَيْجٍ، وَكَتَبَا بَيْنَهُمَا كِتَابًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحَارِثُ أَيَّ كُوَرِ خُرَاسَانَ شَاءَ، وَأَنْ يَكْتُبَا جَمِيعًا إِلَى هِشَامٍ يَسْأَلَانِهِ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ فَإِنْ أَبَى اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، فَخَتَمَ الْكِتَابَ بَعْضُ الرُّؤَسَاءِ، وَأَبَى يَحْيَى بْنُ حُضَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَنْ يَخْتِمَ وَقَالَ: هَذَا خَلْعٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَانْفَسَخَ ذَلِكَ. وَكَانَ عَاصِمٌ بِقَرْيَةٍ بِأَعْلَى مَرْوَ، وَأَتَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْحَارِثُ وَأُسِرَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَسْرَى كَثِيرَةٌ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الْمَازِنِيُّ رَأْسُ أَهْلِ مَرْوِ الرُّوذِ، فَقَتَلَ عَاصِمٌ الْأَسْرَى، وَكَانَ فَرَسُ الْحَارِثِ قَدْ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ الْحَارِثُ، وَأَلَحَّ عَلَى الْفَرَسِ بِالضَّرْبِ وَالْحُضْرِ لِيَشْغَلَهُ عَنْ أَثَرِ الْجِرَاحَةِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُ مَالَ الْحَارِثُ عَنْ فَرَسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَ الشَّامِيَّ فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ فِي دَمِي ! فَقَالَ: انْزِلْ عَنْ فَرَسِكَ. فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ، فَرَكِبَهُ الْحَارِثُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فِي ذَلِكَ: تَوَلَّتْ قُرَيْشٌ لَذَّةَ الْعَيْشِ وَاتَّقَتْ بِنَا كُلَّ فَجٍّ مِنْ خُرَاسَانَ أَغْبَرَا     فَلَيْتَ قُرَيْشًا أَصْبَحُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ يَعُومُونَ فِي لُجٍّ مِنَ الْبَحْرِ أَخْضَرَا وَعَظَّمَ أَهْلُ الشَّامِ يَحْيَى بْنَ ( حُضَيْنٍ لِمَا صَنَعَ فِي نَقْضِ الْكِتَابِ، وَكَتَبُوا كِتَابًا بِمَا كَانَ وَبِهَزِيمَةِ الْحَارِثِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَنْبَرِيِّ. فَلَقِيَ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِالرَّيِّ، وَقِيلَ بِبَيْهَقَ، فَكَتَبَ إِلَى أَخِيهِ ) يَنْتَحِلُ أَنَّهُ هَزَمَ الْحَارِثَ وَيُخْبِرُهُ بِأَمْرِ يَحْيَى، فَأَجَازَ خَالِدٌ يَحْيَى بِعَشَرَةِ آلَافِ ( دِينَارٍ وَ [ كَسَاهُ ] مِائَةَ حُلَّةٍ. وَكَانَتْ وِلَايَةُ عَاصِمٍ أَقَلَّ مِنْ سَنَةٍ، فَحَبَسَهُ أَسَدٌ وَحَاسَبَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ) وَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَفُزْ، وَأَطْلَقَ عُمَارَةَ بْنَ حُرَيْمٍ وَعُمَّالَ الْجُنَيْدِ. فَلَمَّا قَدِمَ أَسَدٌ لَمْ يَكُنْ لِعَاصِمٍ إِلَّا مَرْوُ وَنَيْسَابُورُ، وَالْحَارِثُ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَجَرِيُّ بِآمُلَ مُوَافِقٌ لِلْحَارِثِ، فَخَافَ أَسَدٌ إِنْ قَصَدَ الْحَارِثَ بِمَرْوِ الرُّوذِ أَنْ يَأْتِيَ الْهَجَرِيُّ مِنْ قِبَلِ آمُلَ، وَإِنْ قَصَدَ الْهَجَرِيَّ قَصَدَ الْحَارِثُ مَرْوَ مِنْ قِبَلِ مَرْوِ الرُّوذِ. فَأَجْمَعَ عَلَى تَوْجِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ إِلَى الْحَارِثِ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَسَارَ أَسَدٌ بِالنَّاسِ إِلَى آمُلَ، فَلَقِيَهُ خَيْلُ آمُلَ عَلَيْهِمْ زِيَادٌ الْقُرَشِيُّ مَوْلَى حَيَّانَ النَّبَطِيِّ وَغَيْرُهُ، فَهُزِمُوا حَتَّى رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَحَصَرَهُمْ أَسَدٌ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ وَعَلَيْهِمُ الْهَجَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَسَدٌ: مَا تَطْلُبُونَ ؟ قَالُوا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ، ﷺ، وَأَنْ لَا تَأْخُذَ أَهْلَ الْمُدُنِ بِجِنَايَتِنَا. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ يَحْيَى بْنَ نُعَيْمِ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيَّ وَسَارَ يُرِيدُ بَلْخًا، فَأُخْبِرَ أَنَّ أَهْلَهَا قَدْ بَايَعُوا سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَهَا وَاتَّخَذَ سُفُنًا وَسَارَ مِنْهَا إِلَى تِرْمِذَ، فَوَجَدَ الْحَارِثَ مُحَاصِرًا لَهَا، وَبِهَا سِنَانٌ الْأَعْرَابِيُّ، فَنَزَلَ أَسَدٌ دُونَ النَّهْرِ وَلَمْ يُطِقِ الْعُبُورَ إِلَيْهِمْ وَلَا يُمِدُّهُمْ، وَخَرَجَ أَهْلُ تِرْمِذَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَاتَلُوا الْحَارِثَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَاسْتَطْرَدَ الْحَارِثُ لَهُمْ، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ كَمِينًا، فَتَبِعُوهُ، وَنَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مَعَ أَسَدٍ جَالِسٌ يَنْظُرُ، فَأَظْهَرَ الْكَرَاهِيَةَ، وَعَرَفَ أَنَّ الْحَارِثَ قَدْ كَادَهُمْ، وَظَنَّ أَسَدٌ أَنَّمَا ذَلِكَ شَفَقَةٌ عَلَى الْحَارِثِ حِينَ وَلِيَ، وَأَرَادَ مُعَاتَبَةَ نَصْرٍ، وَإِذَا الْكَمِينُ قَدْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا. ثُمَّ ارْتَحَلَ أَسَدٌ إِلَى بَلْخٍ، وَخَرَجَ أَهْلُ تِرْمِذَ إِلَى الْحَارِثِ فَهَزَمُوهُ وَقَتَلُوا جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْبَصَائِرِ، مِنْهُمْ: عِكْرِمَةُ وَأَبُو فَاطِمَةَ. ثُمَّ سَارَ أَسَدٌ إِلَى سَمَرْقَنْدَ فِي طَرِيقِ زُمَّ، فَلَمَّا قَدِمَ زُمَّ بَعَثَ إِلَى الْهَيْثَمِ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ فِي حِصْنٍ مِنْ حُصُونِهَا، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ، فَقَالَ لَهُ أَسَدٌ: إِنَّمَا أَنْكَرْتُمْ [ عَلَى قَوْمِكُمْ ] مَا كَانَ مِنْ سُوءِ السِّيرَةِ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ السَّبْيَ وَاسْتِحْلَالَ الْفُرُوجِ وَلَا غَلَبَةَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مِثْلِ سَمَرْقَنْدَ، وَأَنَا أُرِيدُ سَمَرْقَنْدَ، وَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّتُهُ أَنْ لَا يَنَالَكَ مِنِّي شَرٌّ، وَلَكَ الْمُوَاسَاةُ وَالْكَرَامَةُ وَالْأَمَانُ ( وَلِمَنْ مَعَكَ، وَإِنْ أَبَيْتَ مَا دَعَوْتُكَ إِلَيْهِ فَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ أَنْتَ رُمِيتَ بِسَهْمٍ أَنْ لَا أُؤَمِّنَكَ بَعْدَهُ، وَإِنْ جَعَلْتُ لَكَ أَلْفَ أَمَانٍ لَا أَفِي لَكَ بِهِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَلَى الْأَمَانِ )، وَسَارَ مَعَهُ إِلَى سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ ارْتَفَعَ إِلَى وَرَغْسَرَ، وَمَاءِ سَمَرْقَنْدَ مِنْهَا، فَسَكَّرَ الْوَادِيَ وَصَرَفَهُ عَنْ سَمَرْقَنْدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلْخٍ. وَقِيلَ: إِنَّ أَمْرَ أَسَدٍ وَأَصْحَابِ الْحَارِثِ كَانَ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ.

  456. التاريخ 2547لا حكم مسجّل

    حَالِ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ   قِيلَ: وَفِي سنة سبع عشرة ومائة أَخَذَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ جَمَاعَةً مِنْ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِخُرَاسَانَ، فَقَتَلَ بَعْضَهُمْ وَمَثَّلَ بِبَعْضِهِمْ وَحَبَسَ بَعْضَهُمْ، وَكَانَ فِيمَنْ أَخَذَ: سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ، وَمَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَمُوسَى بْنُ كَعْبٍ، وَلَاهِزُ بْنُ قُرَيْظٍ، وَخَالِدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَطَلْحَةُ بْنُ زُرَيْقٍ، فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَالَ [ لَهُمْ ]: يَا فَسَقَةُ، أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ( عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ) ؟ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: نَحْنُ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: لَوْ بِغَيْرِ الْمَاءِ حَلْقِي شَرِقٌ كُنْتُ كَالْغَصَّانِ بِالْمَاءِ اعْتِصَارِي صِيدَتْ وَاللَّهِ الْعَقَارِبُ بِيَدَيْكَ ! إِنَّا نَاسٌ مِنْ قَوْمِكَ ! وَإِنَّ الْمُضَرِيَّةَ رَفَعُوا إِلَيْكَ هَذَا لِأَنَّا كُنَّا أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ فَطَلَبُوا بِثَأْرِهِمْ. فَبَعَثَ بِهِمْ إِلَى الْحَبْسِ، ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَمُنَّ بِهِمْ عَلَى عَشَائِرِهِمْ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ، فَأَطْلَقَ مَنْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ كَانَ مِنْ رَبِيعَةَ أَطْلَقَهُ أَيْضًا لِحِلْفِهِمْ مَعَ الْيَمَنِ، وَأَرَادَ قَتْلَ مَنْ كَانَ مِنْ مُضَرَ، فَدَعَا مُوسَى بْنَ كَعْبٍ، وَأَلْجَمَهُ بِلِجَامِ حِمَارٍ، جَذَبَ اللِّجَامَ فَتَحَطَّمَتْ أَسْنَانُهُ وَدَقَّ وَجْهَهُ وَأَنْفَهُ، وَدَعَا لَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا بِحَقٍّ، تَصْنَعُ بِنَا هَذَا وَتَتْرُكُ الْيَمَانِيِّينَ وَالرَّبِيعِيِّينَ ؟ فَضَرَبَهُ ثَلَاثَمِائَةِ سَوْطٍ، فَشَهِدَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ الْأَزْدِيُّ بِالْبَرَاءَةِ وَلِأَصْحَابِهِ فَتَرَكَهُمْ.

  457. التاريخ 2548لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَبْحَابِ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسَ   فِي سنة سبع عشرة ومائة اسْتَعْمَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَبْحَابِ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهَا، وَكَانَ وَالِيًا عَلَى مِصْرَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا وَلَدَهُ وَسَارَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْأَنْدَلُسِ عُقْبَةَ بْنَ ( الْحَجَّاجِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَبَعَثَ حَبِيبَ بْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ ) نَافِعٍ غَازِيًا إِلَى الْمَغْرِبِ، فَبَلَغَ السُّوسَ الْأَقْصَى وَأَرْضَ السُّودَانِ، فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ إِلَّا ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَأَصَابَ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ أَمْرًا عَظِيمًا، فَمُلِئَ أَهْلُ الْمَغْرِبِ مِنْهُ رُعْبًا، وَأَصَابَ بِالسَّبْيِ جَارِيَتَيْنِ مِنَ الْبَرْبَرِ لَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غَيْرُ ثَدْيٍ وَاحِدٍ، وَرَجَعَ سَالِمًا. وَسَيَّرَ جَيْشًا فِي الْبَحْرِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ إِلَى جَزِيرَةِ السَّرْدَانِيَّةِ، فَفَتَحُوا مِنْهَا وَنَهَبُوا وَعَادُوا. ثُمَّ سَيَّرَهُ غَازِيًا إِلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَةٍ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ، فَلَمَّا نَزَلَ بِأَرْضِهَا وَجَّهَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى الْخَيْلِ، فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ إِلَّا هَزَمَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَظَفِرَ ظَفَرًا لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، حَتَّى نَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مُدُنِ صِقِلِّيَّةَ، فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، فَصَالَحُوهُ عَلَى الْجِزْيَةِ، وَعَادَ إِلَى أَبِيهِ، وَعَزَمَ حَبِيبٌ عَلَى الْمُقَامِ بِصِقِلِّيَةَ إِلَى أَنْ يَمْلِكَهَا جَمِيعًا، فَأَتَاهُ كِتَابُ ابْنِ الْحَبْحَابِ يَسْتَدْعِيهِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَلَى طَنْجَةَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَجَعَلَ مَعَهُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرَادِيَّ، فَأَسَاءَ السِّيرَةَ وَتَعَدَّى، وَأَرَادَ أَنْ يُخَمِّسَ مُسْلِمِي الْبَرْبَرِ، وَزَعَمَ أَنَّهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ يَرْتَكِبْهُ أَحَدٌ قَبْلَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْبَرْبَرُ بِمَسِيرِ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدَةَ إِلَى صِقِلِّيَّةَ بِالْعَسَاكِرِ طَمِعُوا وَنَقَضُوا الصُّلْحَ عَلَى ابْنِ الْحَبْحَابِ، وَتَدَاعَتْ عَلَيْهِ بِأَسْرِهَا مُسْلِمُهَا وَكَافِرُهَا، وَعَظُمَ الْبَلَاءُ، وَقَدَّمَ مَنْ بِطَنْجَةَ مِنَ الْبَرْبَرِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مَيْسَرَةَ السَّقَّاءَ ثُمَّ الْمَدْغُورِيَّ، وَكَانَ خَارِجِيًّا صُفَرِيًّا وَسَقَّاءً، وَقَصَدُوا طَنْجَةَ، فَقَاتَلَهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَتَلُوهُ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى طَنْجَةَ، وَبَايَعُوا مَيْسَرَةَ بِالْخِلَافَةِ وَخُوطِبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُ بِنَوَاحِي طَنْجَةَ. ظهور جماعة بإفريقية تقول بمقالة الخوارج وَظَهَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَمَاعَةٌ بِإِفْرِيقِيَّةَ، فَأَظْهَرُوا مَقَالَةَ الْخَوَارِجِ، فَأَرْسَلَ ابْنُ الْحَبْحَابِ إِلَى حَبِيبٍ وَهُوَ بِصِقِلِّيَّةَ يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِقِتَالِ مَيْسَرَةَ السَّقَّاءِ، لِأَنَّ أَمْرَهُ كَانَ قَدْ عَظُمَ، فَعَادَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. وَكَانَ ابْنُ الْحَبْحَابِ قَدْ سَيَّرَ خَالِدَ بْنَ حَبِيبٍ فِي جَيْشٍ إِلَى مَيْسَرَةَ، فَلَمَّا وَصَلَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ سَيَّرَهُ فِي أَثَرِهِ، وَالْتَقَى خَالِدٌ وَمَيْسَرَةُ بِنَوَاحِي طَنْجَةَ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَعَادَ مَيْسَرَةُ إِلَى طَنْجَةَ، فَأَنْكَرَتِ الْبَرْبَرُ سِيرَتَهُ، وَكَانُوا بَايَعُوهُ بِالْخِلَافَةِ، فَقَتَلُوهُ وَوَلَّوْا أَمْرَهُمْ خَالِدَ بْنَ حُمَيْدٍ الزَّنَاتِيَّ، ثُمَّ الْتَقَى خَالِدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَمَعَهُ الْبَرْبَرُ بِخَالِدِ بْنِ حَبِيبٍ وَمَعَهُ الْعَرَبُ وَعَسْكَرُ هِشَامٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ شَدِيدٌ صَبَرَتْ فِيهِ الْعَرَبُ، وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ كَمِينٌ مِنَ الْبَرْبَرِ فَانْهَزَمُوا، وَكَرِهَ خَالِدُ بْنُ حَبِيبٍ أَنْ يَنْهَزِمَ مِنَ الْبَرْبَرِ فَصَبَرُوا مَعَهُ فَقُتِلُوا جَمِيعُهُمْ. وَقُتِلَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ حُمَاةُ الْعَرَبِ وَفُرْسَانُهَا، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ الْأَشْرَافِ  ، وَانْتَقَضَتِ الْبِلَادُ، وَخَرَجَ أَمْرُ النَّاسِ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْأَنْدَلُسِ الْخَبَرُ فَثَارُوا بِأَمِيرِهِمْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ فَعَزَلُوهُ وَوَلَّوْا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ، فَاخْتَلَطَتِ الْأُمُورُ عَلَى ابْنِ الْحَبْحَابِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: لَأَغْضَبَنَّ لِلْعَرَبِ غَضْبَةً، وَأُسَيِّرُ جَيْشًا يَكُونُ أَوَّلُهُمْ عِنْدَهُمْ وَآخِرُهُمْ عِنْدِي، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى ابْنِ الْحَبْحَابِ يَأْمُرُهُ بِالْحُضُورِ، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي جُمَادَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ هِشَامٌ عِوَضَهُ كُلْثُومَ بْنَ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيَّ وَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا، وَكَتَبَ إِلَى سَائِرِ الْبِلَادِ الَّتِي عَلَى طَرِيقِهِ بِالْمَسِيرِ مَعَهُ، فَوَصَلَ إِفْرِيقِيَّةَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ بَلْجُ بْنُ بِشْرٍ، فَوَصَلَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ وَلَقِيَ أَهْلَهَا بِالْجَفَاءِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ، وَأَرَادَ أَنْ يُنْزِلَ الْعَسْكَرَ الَّذِي مَعَهُ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَكَتَبَ أَهْلُهَا إِلَى حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَهُوَ بِتِلْمِسَانَ مَوَاقِفِ الْبَرْبَرِ، يَشْكُونَ إِلَيْهِ بَلْجًا وَكُلْثُومًا، فَكَتَبَ حَبِيبٌ إِلَى كُلْثُومٍ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ بَلْجًا فَعَلَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَارْحَلْ عَنِ الْبَلَدِ وَإِلَّا رَدَدْنَا أَعِنَّةَ الْخَيْلِ إِلَيْكَ. فَاعْتَذَرَ كُلْثُومٌ وَسَارَ إِلَى حَبِيبٍ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ بَلْجُ بْنُ بِشْرٍ، فَاسْتَخَفَّ بِحَبِيبٍ وَسَبَّهُ، وَجَرَى بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا وَاجْتَمَعُوا عَلَى قِتَالِ الْبَرْبَرِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمُ الْبَرْبَرُ مِنْ طَنْجَةَ، فَقَالَ لَهُمْ حَبِيبٌ: اجْعَلُوا الرَّجَّالَةَ لِلرَّجَّالَةِ وَالْخَيَّالَةَ لِلْخَيَّالَةِ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَتَقَدَّمَ كُلْثُومٌ بِالْخَيْلِ، فَقَاتَلَهُ رَجَّالَةُ الْبَرْبَرِ فَهَزَمُوهُ، فَعَادَ إِلَى كُلْثُومٍ مُنْهَزِمًا، وَوَهَّنَ النَّاسَ ذَلِكَ وَنَشِبَ الْقِتَالُ، وَانْكَشَفَتْ خَيَّالَةُ الْبَرْبَرِ وَثَبَتَتْ رَجَّالَتُهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ وَكَثُرَ الْبَرْبَرُ عَلَيْهِمْ، فَقُتِلَ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَوُجُوهُ الْعَرَبِ، وَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ وَتَفَرَّقُوا. فَمَضَى أَهْلُ الشَّامِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ وَمَعَهُمْ بَلْجُ بْنُ بِشْرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَعَادَ بَعْضُهُمْ إِلَى الْقَيْرَوَانِ. ظهور عكاشة بن أيوب بمدينة قابس فَلَمَّا ضَعُفَتِ الْعَرَبُ بِهَذِهِ الْوَقْعَةِ ظَهَرَ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ عُكَّاشَةُ ( بْنُ أَيُّوبَ الْفَزَارِيُّ بِمَدِينَةِ قَابِسَ، وَهُوَ عَلَى رَأْيِ الْخَوَارِجِ الصُّفْرِيَّةِ، فَسَارَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْقَيْرَوَانِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْقَيْرَوَانِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَسْكَرٌ آخَرُ فَانْهَزَمَ عُكَّاشَةُ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ وَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَحِقَ عُكَّاشَةُ ) بِبِلَادِ الرَّمْلِ. فَلَمَّا بَلَغَ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ قَتْلُ كُلْثُومٍ بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ الْكَلْبِيَّ، فَوَصَلَهَا فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمْ يَمْكُثْ بِالْقَيْرَوَانِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى زَحَفَ إِلَيْهِ عُكَّاشَةُ الْخَارِجِيُّ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْبَرْبَرِ، وَكَانَ حِينَ انْهَزَمَ حَشَدَهُمْ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِهِ وَأَعَانَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ يَزِيدَ الْهَوَّارِيُّ ثُمَّ الْمُدْغَمِيُّ، وَكَانَ صُفْرِيًّا، فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَافْتَرَقَا لِيَقْصِدَا الْقَيْرَوَانَ مِنْ جِهَتَيْنِ، فَلَمَّا قَرُبَ عُكَّاشَةُ خَرَجَ إِلَيْهِ حَنْظَلَةُ وَلَقِيَهُ مُنْفَرِدًا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ عُكَّاشَةُ وَقُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ مَا لَا يُحْصَى، وَعَادَ حَنْظَلَةُ إِلَى الْقَيْرَوَانِ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيفًا عُدَّتُهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا، فَسَارُوا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَارَبُوهُ لَمْ يَجِدُوا شَعِيرًا يُطْعِمُونَهُ دَوَابَّهُمْ فَأَطْعَمُوهَا حِنْطَةً، ثُمَّ لَقُوهُ مِنَ الْغَدِ فَانْهَزَمُوا مِنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَعَادُوا إِلَى الْقَيْرَوَانِ، وَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ بِسَبَبِ الْحِنْطَةِ. فَلَمَّا وَصَلُوهَا نَظَرُوا وَإِذَا قَدْ هَلَكَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفَ فَرَسٍ، وَسَارَ عَبْدُ الْوَاحِدِ فَنَزَلَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْقَيْرَوَانِ بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِالْأَصْنَامِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَحَشَدَ حَنْظَلَةُ كُلَّ مَنْ بِالْقَيْرَوَانِ وَفَرَّقَ فِيهِمُ السِّلَاحَ وَالْمَالَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَلَمَّا دَنَا الْخَوَارِجُ مَعَ عَبْدِ الْوَاحِدِ خَرَجَ إِلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ مِنَ الْقَيْرَوَانِ وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَقَامَ الْعُلَمَاءُ فِي أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ يَحُثُّونَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَيُذَكِّرُونَهُمْ مَا يَفْعَلُونَهُ بِالنِّسَاءِ مِنَ السَّبْيِ وَبِالْأَبْنَاءِ مِنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَبِالرِّجَالِ مِنَ الْقَتْلِ، فَكَسَرَ النَّاسُ أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نِسَاؤُهُمْ يُحَرِّضْنَهُمْ، فَحَمِيَ النَّاسُ وَحَمَلُوا عَلَى الْخَوَارِجِ حَمْلَةً وَاحِدَةً وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَاشْتَدَّ اللِّزَامُ وَكَثُرَ الزِّحَامُ وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَزَمَ الْخَوَارِجَ وَالْبَرْبَرَ وَنَصَرَ الْعَرَبَ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي الْبَرْبَرِ وَتَبِعُوهُمْ إِلَى جَلُولَاءَ يَقْتُلُونَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْوَاحِدِ قَدْ قُتِلَ حَتَّى حُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى حَنْظَلَةَ، فَخَرَّ النَّاسُ لِلَّهِ سُجَّدًا. فَقِيلَ: لَمْ يُقْتَلْ بِالْمَغْرِبِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الْقَتْلَةِ، فَإِنَّ حَنْظَلَةَ أَمَرَ بِإِحْصَاءِ الْقَتْلَى، فَعَجَزَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ حَتَّى عَدُّوهُمْ بِالْقَصَبِ، فَكَانَتْ عِدَّةُ الْقَتْلَى مِائَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفًا، ثُمَّ أُسِرَ عُكَّاشَةُ مَعَ طَائِفَةٍ أُخْرَى بِمَكَانٍ آخَرَ وَحُمِلَ إِلَى حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ، وَكَتَبَ حَنْظَلَةُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالْفَتْحِ، وَكَانَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَقُولُ: مَا غَزْوَةٌ إِلَى الْآنَ أَشَدُّ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ مِنْ غَزْوَةِ الْعَرَبِ بِالْأَصْنَامِ.

  458. التاريخ 2549لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ   فِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُسْرَى وَسُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ الْيُمْنَى  . وَفِيهَا بَعَثَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ عَلَى إِرْمِينِيَّةَ - بَعْثَيْنِ، فَفَتَحَ حُصُونًا مِنْ بِلَادِ اللَّانِ وَنَزَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ الْعَامِلُ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيَّ، وَعَلَى إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ.

  459. التاريخ 2550لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   بِلَالُ بْنُ سَعِيدٍ بِلَالُ بْنُ سَعِيدٍ:   كَانَ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ كَالْحَسَنِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَأَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ فِي آخَرِينَ. عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى مَنْ عَصَيْتَ. سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ:  وَاسْمُهَا: آمِنَةُ، وَقِيلَ: أُمَيْمَةُ. وَسُكَيْنَةُ لَقَبٌ عُرِفَتْ بِهِ، وَأُمُّهَا الرَّبَابُ بِنْتُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَوْسٍ الْكَلْبِيُّ. كَانَ نَصْرَانِيًّا فَجَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ فَأَسْلَمَ، فَدَعَا لَهُ بِرُمْحٍ، فَعَقَدَ لَهُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ بِالشَّامِ مِنْ قُضَاعَةَ، فَتَوَلَّى قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً، وَمَا أَمْسَى الْمَسَاءُ حَتَّى خَطَبَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ابْنَتَهُ الرَّبَابَ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، فَأَوْلَدَهَا عَبْدَ اللَّهِ وَسُكَيْنَةَ، وَكَانَ الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: لَعَمْرُكَ إِنَّنِي لَأُحِبُّ دَارًا تَكُونُ بِهَا سُكَيْنَةُ وَالرَّبَابُ     أُحِبُّهُمَا وَأَبْذُلُ جُلَّ مَالِي وَلَيْسَ بِعَاتِبٍ عِنْدِي عِتَابُ     وَلَسْتُ لَهُمُ وَإِنْ عَابُوا مُطِيعًا حَيَاتِي أَوْ يُغَيِّبُنِي الرِّكَابُ وَكَانَتْ سُكَيْنَةُ مِنَ الْجَمَالِ وَالْأَدَبِ وَالْفَصَاحَةِ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، كَانَ مَنْزِلُهَا مَأْلَفَ الْأُدَبَاءِ وَالشُّعَرَاءِ، وَتَزَوَّجَتْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقُتِلَ بِالطَّائِفِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمَهَرَهَا أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَحَمَلَهَا إِلَيْهِ أَخُوهَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ الرَّبَابَ، فَكَانَتْ تُلْبِسُهَا اللُّؤْلُؤَ وَتَقُولُ: مَا أُلْبِسُهَا إِيَّاهُ إِلَّا لِتَفْضَحَهُ. وَخَطَبَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ فَقَالَتْ أُمُّهَا: لَا وَاللَّهِ، لَا تَتَزَوَّجُهُ أَبَدًا، وَقَدْ قَتَلَ ابْنَ أَخِي مُصْعَبًا، فَتَزَوَّجَهَا الْأَصْبَغُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَ يَتَوَلَّى مِصْرَ، فَنَفَسَ بِهَا عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: اخْتَرْ مِصْرَ أَوْ سُكَيْنَةَ. فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، وَمَتَّعَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَخَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ مُصْعَبٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَكِيمًا، وَعُثْمَانَ، وَزُبَيْحَةَ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ قَبْلَهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا خَطَبَ سُكَيْنَةَ أَحْلَفَتْهُ بِطَلَاقِهَا أَنْ لَا يُؤْثِرَ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ. ثُمَّ اتَّهَمَتْهُ أَنْ يَكُونَ آثَرَهَا، فَاسْتَعْدَتْ عَلَيْهِ هِشَامَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ وَالِيَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَحْلَفَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ سُكَيْنَةَ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا: أَمْرُكِ الْآنَ بِيَدِكَ. فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ: إِنَّا مَا ظَنَنَّا أَنَا قَدْ هُنَّا عَلَيْكَ هَذَا الْهَوَانَ، إِنَّمَا يُلَجْلِجُ فِي نَفْسِي شَيْءٌ، وَخِفْتُ الْمَأْثَمَ، فَأَمَّا إِذْ بَرِئَتْ مِنْ ذَلِكَ فَمَا أُوثِرَ عَلَيْكَ شَيْئًا. ثُمَّ خَلَفَ عَلَى سُكَيْنَةَ زَيْدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عُثْمَانَ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَتْ وَلِيَّةَ نَفْسِهَا، فَلَمْ تُنْفِذْ نِكَاحَهُ. وَقِيلَ: حُمِلَتْ إِلَيْهِ إِلَى مِصْرَ فَوَجَدَتْهُ قَدْ مَاتَ. وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَصْبَهَانِيُّ أَنَّ الْمَدَائِنِيَّ قَالَ: بسنده عَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ الْفَرَزْدَقَ خَرَجَ حَاجًّا، فَلَمَّا قَضَى حَجَّهُ عَدَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ إِلَى سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ فَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا فَرَزْدَقُ، مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَتْ: كَذَبْتَ، أَشْعَرُ مِنْكَ الَّذِي يَقُولُ: بِنَفْسِي مَنْ تَجَنُّبُهُ عَزِيزٌ     عَلَيَّ وَمَنْ زِيَارَتُهُ لِمَامُ وَمَنْ أُمْسِي وَأُصْبِحُ لَا أَرَاهُ     وَيَطْرُقُنِي إِذَا هَجَعَ النِّيَامُ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَذِنْتِ لِي لَأُسْمِعَنَّكِ أَحْسَنَ مِنْهُ. قَالَتْ: أَقِيمُوهُ. فَأُخْرِجَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا مِنَ الْغَدِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا فَرَزْدَقُ، مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَتْ: كَذَبْتَ صَاحِبُكَ جَرِيرٌ أَشْعَرُ مِنْكَ حَيْثُ يَقُولُ: لَوْلَا الْحَيَاءُ لَهَاجَنِي اسْتِعْبَارُ     وَلَزُرْتُ قَبْرَكِ وَالْحَبِيبُ يُزَارُ كَانَتْ إِذَا هَجَرَ الضَّجِيعُ فِرَاشَهَا     كُتِمَ الْحَدِيثُ وَعَفَّتِ الْأَسْرَارُ لَا يَلْبَثُ الْقُرَنَاءُ أَنْ يَتَفَرَّقُوا     لَيْلٌ يَكُرُّ عَلَيْهِمُ وَنَهَارُ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنْ أَذِنْتِ أَسْمَعْتُكِ أَحْسَنَ مِنْهُ. فَأَمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَحَوْلَهَا مُوَلَّدَاتٌ لَهَا كَأَنَّهُنَّ التَّمَاثِيلُ، فَنَظَرَ الْفَرَزْدَقُ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَأُعْجِبَ بِهَا وَبُهِتَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ سُكَيْنَةُ: يَا فَرَزْدَقُ، مَنْ أَشْعَرُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَتْ: كَذَبْتَ، صَاحِبُكَ أَشْعَرُ مِنْكَ حَيْثُ يَقُولُ: إِنَّ الْعُيُونَ الَّتِي فِي لَحْظِهَا مَرَضٌ     قَتَلْنَنَا ثُمَّ لَمْ يُحْيِينَ قَتْلَانَا يَصْرَعْنَ ذَا اللُّبِّ حَتَّى لَا حِرَاكَ بِهِ     وَهُنَّ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ أَرْكَانَا أَتْبَعْتُهُمْ مُقْلَةً إِنْسَانُهَا غَرِقٌ     هَلْ مَا تَرَى تَارِكٌ لِلْعَيْنِ إِنْسَانَا فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتِينِي لَأُسْمِعَنَّكِ أَحْسَنَ مِنْهُ. فَأَمَرَتْ بِإِخْرَاجِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهَا وَقَالَ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ لِي عَلَيْكِ حَقًّا عَظِيمًا، صِرْتُ مِنْ مَكَّةَ إِرَادَةَ التَّسْلِيمِ عَلَيْكِ، فَكَانَ جَزَائِي مِنْ ذَلِكَ تَكْذِيبِي وَطَرْدِي وَتَفْضِيلُ جَرِيرٍ عَلَيَّ، وَمَنْعُكِ إِيَّايَ أَنْ أَنْشُدَكَ شَيْئًا مِنْ شِعْرِي، وَبِي مَا قَدْ عِيلَ مِنْهُ صَبْرِي، وَهَذِهِ الْمَنَايَا تَغْدُو وَتَرُوحُ، وَلَعَلِّي لَا أُفَارِقُ الْمَدِينَةَ حَتَّى أَمُوتَ، فَإِذَا مُتُّ فَمُرِي بِي أَنْ أُدْرَجَ فِي كَفَنِي وَأُدْفَنَ فِي حِرِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ -يَعْنِي الَّتِي أَعْجَبَتْهُ- فَضَحِكَتْ سُكَيْنَةُ وَأَمَرَتْ لَهُ بِالْجَارِيَةِ. فَخَرَجَ بِهَا، وَأَمَرَتْ بِالْجَوَارِي، فَدَفَعْنَ فِي أَقْفِيَتِهِمَا، وَنَادَتْهُ: يَا فَرَزْدَقُ، احْتَفِظْ بِهَا وَأَحْسِنْ صُحْبَتَهَا، فَإِنِّي آثَرْتُكَ بِهَا عَلَى نَفْسِي. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ: بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ قَالَ: اجْتَمَعَ فِي ضِيَافَةِ سُكَيْنَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ: جَرِيرٌ، وَالْفَرَزْدَقُ، وَكُثَيِّرٌ، وَجَمِيلٌ، وَنَصِيبٌ، فَمَكَثُوا أَيَّامًا، ثُمَّ أَذِنَتْ لَهُمْ فَدَخَلُوا عَلَيْهَا، فَقَعَدَتْ حَيْثُ تَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنَهَا وَتَسْمَعُ كَلَامَهُمْ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ وَصِيفَةً لَهَا وَضِيَّةً قَدْ رَوَتِ الْأَشْعَارَ وَالْأَحَادِيثَ. فَقَالَتْ: أَيُّكُمُ الْفَرَزْدَقُ؟ قَالَ لَهَا: هَا أَنَا ذَا. فَقَالَتْ: أَنْتَ الْقَائِلُ: هُمَّا دَلَّتَانِي مِنْ ثَمَانِينَ قَامَةً     كَمَا انْقَضَّ بَازٌ أَقْتَمُ الرِّيشِ كَاسِرُهْ فَلَمَّا اسْتَوَتْ رِجْلَايَ فِي الْأَرْضِ قَالَتَا     أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ قَتِيلٌ نُحَاذِرُهْ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَمَا دَعَاكَ إِلَى إِفْشَاءِ سِرِّهَا وَسِرِّكَ، هَلَّا سَتَرْتَهَا وَسَتَرْتَ نَفْسَكَ، خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ. ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَى مَوْلَاتِهَا وَخَرَجَتْ، فَقَالَتْ: أَيُّكُمْ جَرِيرٌ؟ فَقَالَ: هَا أَنَا ذَا. فَقَالَتْ: أَنْتَ الْقَائِلُ: طَرَقَتْكَ صَائِدَةُ الْقُلُوبِ وَلَيْسَ ذَا     حِينَ الزِّيَارَةِ فَارْجِعِي بِسَلَامِ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَهَلَّا رَحَّبْتَ بِهَا! خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ وَانْصَرِفْ. ثُمَّ دَخَلَتْ وَخَرَجَتْ فَقَالَتْ: أَفِيكُمْ كُثَيِّرٌ؟ قَالَ: هَا أَنَا ذَا. قَالَتْ: أَنْتَ الْقَائِلُ: فَأَعْجَبَنِي يَا عَزُّ مِنْكِ خَلَائِقُ     كِرَامٌ إِذَا عُدَّ الْخَلَائِقُ أَرْبَعُ دُنُوُّكِ حَتَّى يَطْمَعَ الطَّالِبُ الصِّبَا     وَرَفْعُكِ أَسْبَابَ الْهَوَى حِينَ يَطْمَعُ فَوَاللَّهِ مَا يَدْرِي كَرِيمٌ مُمَاطَلٌ     أَيَنْسَاكِ إِذْ بَاعَدْتِ أَمْ يَتَضَرَّعُ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: مَلَّحْتَ وَشَكَّلْتَ، خُذْ هَذِهِ الْأَلْفَ وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ. ثُمَّ دَخَلَتْ وَخَرَجَتْ فَقَالَتْ: أَيُّكُمْ نُصَيْبٌ؟ قَالَ: هَا أَنَا ذَا. قَالَتْ: أَنْتَ الْقَائِلُ: وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ صَبَا نُصَيْبُ     لَقُلْتُ: بِنَفْسِي النَّشُ الصِّغَارُ بِنَفْسِي كُلُّ مَهْضُومٍ حَشَاهَا     إِذَا ظُلِمَتْ فَلَيْسَ لَهَا انْتِصَارُ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: رَثَيْتَنَا صِغَارًا وَمَدَحْتَنَا كِبَارًا، خُذْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ آلَافِ وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ. ثُمَّ دَخَلَتْ وَخَرَجَتْ فَقَالَتْ: يَا جَمِيلُ، مَوْلَاتِي تُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ مُشْتَاقَةً إِلَى رُؤْيَتِكَ مُنْذُ سَمِعْتُ قَوْلَكَ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً     بِوَادِي الْقُرَى إِنِّي إِذًا لَسَعِيدُ لِكُلِّ حَدِيثٍ بَيْنَهُنَّ بَشَاشَةٌ     وَكُلُّ قَتِيلٍ بَيْنَهُنَّ شَهِيدُ جَعَلْتَ حَدِيثَنَا بَشَاشَةً، وَقَتْلَانَا شُهَدَاءَ، خُذْ هَذِهِ أَلْفَ دِينَارٍ وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ. وَعَنْ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ قَالَ: اجْتَمَعَ رَاوِيَةُ جَرِيرٍ، وَرَاوِيَةُ كُثَيِّرٍ، وَرَاوِيَةُ جَمِيلٍ، وَرَاوِيَةُ الْأَحْوَصِ، وَرَاوِيَةُ نُصَيْبٍ، فَافْتَخَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِصَاحِبِهِ وَقَالَ: صَاحِبِي أَشْعُرُ. فَحَكَّمُوا سُكَيْنَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ لِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ عَقْلِهَا وَبَصَرِهَا بِالشِّعْرِ، فَاسْتَأْذَنُوا عَلَيْهَا فَأَذِنَتْ، فَذُكِرَ لَهَا الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فَقَالَتْ لِرَاوِيَةِ جَرِيرٍ: أَلَيْسَ صَاحِبُكَ يَقُولُ: طَرَقَتْكَ صَائِدَةُ الْقُلُوبِ وَلَيْسَ ذَا     حِينَ الزِّيَارَةِ فَارْجِعِي بِسَلَامِ فَأَيُّ سَاعَةٍ أَحْلَى لِلزِّيَارَةِ مِنَ الطُّرُوقِ؟! قَبَّحَ اللَّهُ صَاحِبَكَ وَقَبَّحَ شِعْرَهُ، أَلَا قَالَ: فَادْخُلِي بِسَلَامِ؟! ثُمَّ قَالَتْ لِرَاوِيَةِ كُثَيِّرٍ: أَلَيْسَ صَاحِبُكَ الَّذِي يَقُولُ: تَقَرُّ بِعَيْنِي مَا تَقَرُّ بِعَيْنِهَا     وَأَحْسَنُ شَيْءٍ مَا بِهِ الْعَيْنُ قَرَّتِ وَلَيْسَ بِعَيْنِهَا أَقَرُّ مِنَ النِّكَاحِ، أَفَيُحِبُّ صَاحِبُكَ أَنْ يَنْكِحَ، قَبَّحَ اللَّهُ صَاحِبَكَ وَقَبَّحَ شِعْرَهُ. ثُمَّ قَالَتْ لِرَاوِيَةِ جَمِيلٍ: أَلَيْسَ صَاحِبُكَ الَّذِي يَقُولُ: فَلَوْ تَرَكَتْ عَقْلِي مَعِي مَا طَلَبْتُهَا     وَلَكِنْ طِلَابَيْهَا لِمَا فَاتَ مِنْ عَقْلِي فَمَا أَرَى صَاحِبَكَ هَوِيَ، إِنَّمَا يَطْلُبُ عَقْلَهُ، قَبَّحَ [اللَّهُ] صَاحِبَكَ وَقَبَّحَ شِعْرَهُ. ثُمَّ قَالَتْ لِرَاوِيَةِ نُصَيْبٍ: أَلَيْسَ صَاحِبُكَ الَّذِي يَقُولُ: أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حَيِيتُ فَإِنْ أَمُتْ     فَوَاحُزْنًا مَنْ ذَا يَهِيمُ بِهَا بَعْدِي فَمَا أَرَى لَهُ هِمَّةً إِلَّا مَنْ يَتَعَشَّقُهَا بَعْدَهُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَ شِعْرَهُ، أَلَا قَالَ: أَهِيمُ بِدَعْدٍ مَا حَيِيتُ وَإِنْ أَمُتْ     فَلَا صَلُحَتْ دَعْدٌ لِذِي حِيلَةٍ بَعْدِي ثُمَّ قَالَتْ لِرَاوِيَةِ الْأَحْوَصِ: أَلَيْسَ صَاحِبُكَ الَّذِي يَقُولُ: مِنْ عَاشِقَيْنِ تَوَاعَدَا وَتَرَاسُلَا     حَتَّى إِذَا نَجَمَ الثُّرَيَّا حَلَّقَا بَاتَا بِأَنْعَمِ لَيْلَةٍ وَأَلَذِّهَا     حَتَّى إِذَا وَضَحَ الصَّبَاحُ تَفَرَّقَا قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: قَبَّحَهُ اللَّهُ وَقَبَّحَ شِعْرَهُ، أَلَا قَالَ: "تَعَانَقَا". فَلَمْ تَثْنِ عَلَى أَحَدٍ يَوْمَئِذٍ وَلَمْ تُقَدِّمْهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالَتْ لِرَاوِيَةِ جَمِيلٍ: أَلَيْسَ صَاحِبُكَ الَّذِي يَقُولُ: فَيَا لَيْتَنِي أَعْمَى أَصَمُّ تَقُودُنِي     بُثَيْنَةُ لَا يَخْفَى عَلَيَّ كَلَامُهَا قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ صَاحِبَكَ، فَإِنَّهُ كَانَ صَادِقًا فِي شِعْرِهِ، وَكَانَ كَاسْمِهِ، فَحَكَمَتْ لَهُ. تُوُفِّيَتْ سُكَيْنَةُ بِمَكَّةَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهَا شَيْبَةُ بْنُ نَصَّاحٍ الْمُقْرِئُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيِّ،  مِنْ تَيْمِ قُرَيْشٍ، وَاسْمُ أَبِي مُلَيْكَةَ زُهَيْرٌ: وَكَانَ ابْنُ جُدْعَانَ أَحَدَ الْأَجْوَادِ، وَكَانَ مَالُهُ عَظِيمًا، وَكَانَتْ لَهُ جَفْنَةٌ مُبَاحَةٌ، فَلَمَّا أَسَنَّ حَجَرَ عَلَيْهِ رَهْطُهُ، فَإِذَا أَعْطَى رَجَعُوا عَلَى الْمُعْطَى فَأَخَذُوهُ مِنْهُ، فَكَانَ إِذَا جَاءَهُ سَائِلٌ قَالَ لَهُ: كُنْ مِنِّي قَرِيبًا حَتَّى أَلْطُمَكَ وَلَا تَرْضَى مِنِّي إِلَّا أَنْ تَلْطُمَنِي، أَوْ تُفْدَى بِلَطْمَتِكَ بِفِدَاءٍ رَغِيبٍ. فَلَمَّا أُعْلِمَ أَهْلُهُ بِذَلِكَ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ. وَكَانَ ابْنُ جُدْعَانَ يَقُولُ: إِنِّي وَإِنْ لَمْ يَنَلْ مَالِي مَدَى خُلُقِي     وَهَّابُ مَا مَلَكَتْ كَفَّايَ مِنْ مَالِ لَا أَحْبِسُ الْمَالَ إِلَّا حَيْثُ أُتْلِفُهُ     وَلَا يُغَيِّرُنِي حَالٌ عَلَى حَالِ وَكَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ فَقِيهًا، رَأَى ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، أَبُو الْقَاسِمِ:   سَمِعَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: قَالَ عَبْدَةُ: إِنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ مِنَ الرِّيَاءِ آمَنُهُمْ لَهُ. 626 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْخُزَاعِيُّ:   عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا: عَالَجْتُ الصَّمْتَ عَمَّا لَا يَعْنِينِي عِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ أَنْ أَقْدِرَ مِنْهُ عَلَى مَا أُرِيدُ. قَالَ: وَكَانَ لَا يَدَعُ أَحَدًا يَغْتَابُ فِي مَجْلِسِهِ أَحَدًا، يَقُولُ: إِنْ ذَكَرْتُمُ اللَّهَ أَعَنَّاكُمْ، وَإِنْ ذَكَرْتُمُ النَّاسَ تَرَكْنَاكُمْ. أَسْنَدَ عَبْدُ اللَّهِ عَنْ عُبَادَةَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ،  أَبُو مُحَمَّدٍ: أُمُّهُ زُرْعَةُ بِنْتُ مُسَرِّحٍ، وُلِدَ لَيْلَةَ قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، وَكُنِّيَ بِكُنْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ [بْنُ مَرْوَانَ]: لَا أَحْتَمِلُ بِكَ الِاسْمَ وَالْكُنْيَةَ. فَغَيَّرَ كُنْيَتَهُ، فَكُنِّيَ أَبَا مُحَمَّدٍ. وَكَانَ أَجْمَلَ قُرَشِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَأَكْثَرَ صَلَاةٍ، كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَ رَكْعَةٍ، وَكَانَ يَصْبُغُ بِالسَّوَادِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بسنده عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَخْزُومِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ كَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا عَطَّلَتْ قُرَيْشٌ مَجَالِسَهَا فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَهَجَرَتْ مَوَاضِعَ حِلَقِهَا، وَلَزِمَتْ مَجْلِسَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ إِعْظَامًا وَإِجْلَالًا وَتَبْجِيلًا، فَإِنْ قَعَدَ قَعَدُوا، وَإِنْ نَهَضَ نَهَضُوا، وَإِنْ مَشَى مَشَوْا جَمِيعًا حَوْلَهُ، وَكَانَ لَا يُرَى لِقُرَشِيٍّ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَجْلِسُ ذِكْرٍ يُجْتَمَعُ إِلَيْهِ فِيهِ حَتَّى يَخْرُجَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَرَمِ. تُوُفِّيَ عَلِيٌّ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. عَلِيُّ بْنُ رَبَاحِ بْنِ قَصِيرٍ عَلِيُّ بْنُ رَبَاحِ بْنِ قَصِيرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اللَّخْمِيُّ: وُلِدَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، عَامَ الْيَرْمُوكِ، وَكَانَ أَعْوَرَ، ذَهَبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ ذِي الصَّوَارِي فِي الْبَحْرِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ، وَكَانَ يَفِدُ لِلْيَمَانِيَةِ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَكَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ مِنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ الَّذِي زَفَّ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، ثُمَّ عَتَبَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ فَأَغْزَاهُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. عِمْرَانُ بْنُ مِلْحَانَ، أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ [عِمْرَانُ بْنُ مِلْحَانَ، أَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ: تَمِيمِيٌّ مُخَضْرَمٌ، وُلِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً، تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَقَدْ بَلَغَ مِائَةً وَثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً]. فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ   ؓ: أُمُّهَا أُمُّ إِسْحَاقَ بِنْتُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، تَزَوَّجَهَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. عن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ قَدْ خَطَبَ إِلَى عَمِّهِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: يَا ابْنَ أَخِي، قَدِ انْتَظَرْتُ هَذَا مِنْكَ، انْطَلِقْ مَعِي. فَخَرَجَ حَتَّى أَدْخَلَهُ مَنْزِلَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ [إِلَيْهِ] بِنْتَيْهِ: فَاطِمَةَ، وَسُكَيْنَةَ، فَقَالَ: اخْتَرْ. فَاخْتَارَ فَاطِمَةَ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ أَمْرَ سُكَيْنَةَ مَرْدُودٌ إِلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَمُنْقَطِعَةٌ. وَلَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ بْنَ الْحَسَنِ الْوَفَاةُ قَالَ لِفَاطِمَةِ: إِنَّكِ امْرَأَةٌ مَرْغُوبٌ فِيكِ، وَكَأَنِّي بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ إِذَا خُرِجَ بِجِنَازَتِي قَدْ جَاءَ عَلَى فَرَسِهِ مُرَجِّلًا جُمَّتَهُ، لَابِسًا حُلَّتَهُ، يَسِيرُ فِي جَانِبِ النَّاسِ يَتَعَرَّضُ لَكِ، فَأَنْكِحِي مَنْ شِئْتِ سِوَاهُ، فَإِنِّي لَا أَدَعُ مِنَ الدُّنْيَا وَرَائِي هَمًّا غَيْرَكِ. فَقَالَتْ لَهُ: أَنْتَ آمَنُ مِنْ ذَلِكَ. وَأَثْلَجَتْهُ بِالْأَيْمَانِ مِنَ الْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ أَنْ لَا تَتَزَوَّجَهُ. وَمَاتَ الْحَسَنُ، وَخُرِجَ بِجِنَازَتِهِ، فَوَافَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ فِي الْحَالِ الَّتِي وَصَفَ الْحَسَنُ، وَكَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: الْمُطْرَفُ -مِنْ حُسْنِهِ- فَنَظَرَ إِلَى فَاطِمَةَ حَاسِرَةً تَضْرِبُ وَجْهَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: إِنَّ لَنَا فِي وَجْهِكِ حَاجَةً، فَارْفُقِي بِهِ. فَاسْتَرْخَتْ يَدَاهَا، وَعَرَفَ ذَلِكَ فِيهَا، وَخَمَّرَتْ وَجْهَهَا، فَلَمَّا حَلَّتْ أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَخْطُبُهَا، فَقَالَتْ: كَيْفَ بِيَمِينِي الَّتِي حَلَفْتُ بِهَا؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا: لَكِ بِكُلِّ مَمْلُوكٍ مَمْلُوكَانِ، وَعَنْ كُلِّ شَيْءٍ شَيْئَانِ، فَعَوَّضَهَا مِنْ يَمِينِهَا، فَنَكَحَتْهُ، وَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، وَالْقَاسِمَ، وَرُقَيَّةَ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ يَقُولُ: مَا أَبْغَضْتُ بُغْضَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَحَدًا، وَلَا أَحْبَبْتُ حُبَّ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ أَحَدًا. وعن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: جَمَعَتْنَا أُمُّنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: يَا بَنِيَّ، وَاللَّهِ مَا نَالَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السَّفَهِ بِسَفَهِهِمْ شَيْئًا، وَلَا أَدْرَكُوهُ مِنْ لَذَّاتِهِمْ إِلَّا وَقَدْ نَالُوهُ أَهْلُ الْمُرُوءَاتِ بِمُرُوءَاتِهِمْ، فَاسْتَتِرُوا بِجَمِيلِ سَتْرِ اللَّهِ. قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ، أَبُو الْخَطَّابِ السَّدُوسِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ السَّدُوسِيُّ أَبُو الْخَطَّابِ الْبَصْرِيُّ الْأَعْمَى  أَحَدُ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْعَامِلِينَ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَزُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى، وَعَطَاءٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَمَسْرُوقٌ، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَغَيْرُهُمْ. وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْكِبَارِ كَأَيُّوبَ، وَحَمَّادِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَالْأَعْمَشِ، وَشُعْبَةَ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَاللَّيْثِ، وَمِسْعَرٍ، وَمَعْمَرٍ، وَهَمَّامٍ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: مَا جَاءَنِي عِرَاقِيٌّ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَقَالَ بَكْرٌ الْمُزْنِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَحْفَظَ مِنْهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: هُوَ مِنْ أَحْفَظِ النَّاسِ. وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ: كَانَ قَتَادَةُ إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ يَأْخُذُهُ الْعَوِيلُ وَالزَّوِيلُ حَتَّى يَحْفَظَهُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: هُوَ أَعْلَمُ مِنْ مَكْحُولٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَقَتَادَةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَا سَمِعْتُ شَيْئًا إِلَّا وَعَاهُ قَلْبِي. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: هُوَ أَحْفَظُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، لَا يَسْمَعُ شَيْئًا إِلَّا حَفِظَهُ، وَقُرِئَ عَلَيْهِ صَحِيفَةُ جَابِرٍ مَرَّةً وَاحِدَةً فَحَفِظَهَا، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَذُكِرَ يَوْمًا، فَأَثْنَى عَلَى عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالِاخْتِلَافِ وَالتَّفْسِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَقَالَ: قَلَّمَا تَجِدُ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ، أَمَّا الْمِثْلُ فَلَعَلَّ ! وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: كَانَتْ وَفَاتُهُ بِوَاسِطَ فِي الطَّاعُونِ - يَعْنِي فِي هَذِهِ السَّنَةِ - وَعُمْرُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، أَبُو أَيُّوبَ، مَوْلَى بَنِي النَّضْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ:   كَانَ مُكَاتَبًا لَهُمْ، وَأَدَّى كِتَابَتَهُ وَعَتَقَ، وَكَانَ بَزَّازًا، وَتَشَاغَلَ بِالْعِلْمِ، وَسَأَلَ ابْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ دَقَائِقِ الْعُلُومِ، اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى خَرَاجِ الْجَزِيرَةِ. وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، [تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. وَأَسْنَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا، وَكَانَ ثِقَةً. أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسُّونَ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عِيسَى بْنِ كَثِيرٍ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: مَشَيْتُ مَعَ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ حَتَّى إِذَا أَتَى بَابَ دَارِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَرِفَ قَالَ لَهُ عَمْرٌو: يَا أَبَتِ، أَلَا تَعْرِضُ عَلَيْهِ الْعَشَاءَ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ مِنْ نِيَّتِي. مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ مُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ الْعَامِرِيِّ يُكَنَّى أَبَا عُمَرَ:   سَمِعَ مِنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ. رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ، وَكَانَ يَقُصُّ بِمِصْرَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:   أَصَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ فِي غَزَاتِهِ. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالرُّبَيِّعِ بِنْتِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ ثِقَةً. وَبَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى مِصْرَ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ، أُخْتُ عُمَرَ   [ ؓ ]: كَانَتْ مِنَ الْأَجْوَادِ الْكُرَمَاءِ، وَ[كَانَتْ] تَقُولُ: لِكُلِّ قَوْمٍ نَهْمَةٌ فِي شَيْءٍ، وَنَهْمَتِي فِي الْعَطَاءِ. وَكَانَتْ تَعْتِقُ كُلَّ جُمُعَةٍ رَقَبَةً، وَتَحْمِلُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي جَمِيلَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَقُولُ: أُفٍّ لِلْبُخْلِ، لَوْ كَانَ قَمِيصًا مَا لَبِسْتُهُ، وَلَوْ كَانَ طَرِيقًا مَا سَلَكْتُهُ. قَالَ الْقُرَشِيُّ: بسنده عن مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: دَخَلَتْ عَزَّةُ عَلَى أُمِّ الْبَنِينَ، فَقَالَتْ لَهَا مَا يَقُولُ كُثَيِّرٌ: قَضَى كُلُّ ذِي دَيْنٍ عَلِمْتُ غَرِيمَهُ     وَعَزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنَّى غَرِيمُهَا مَا كَانَ هَذَا الدَّيْنُ يَا عَزَّةُ؟ فَاسْتَحْيَتْ فَقَالَتْ: عَلَيَّ ذَاكَ. قَالَتْ: كُنْتُ وَعَدْتُهُ قُبْلَةً فَحَرَّجْتُ مِنْهَا، فَقَالَتْ أُمُّ الْبَنِينَ: أَنْجِزِيهَا لَهُ وَإِثْمُهَا عَلَيَّ. قَالَ يُوسُفُ: وَحَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أُمَّ الْبَنِينَ أَعْتَقَتْ لِكَلِمَتِهَا هَذِهِ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ إِذَا ذَكَرَتْهَا بَكَتْ وَقَالَتْ: يَا لَيْتَنِي خَرِسْتُ وَلَمْ أَتَكَلَّمْ بِهَا. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْحُبَابِ سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ، وَالْأَعْرَجُ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا الْخُزَاعِيُّ، وَمُوسَى بْنُ وَرْدَانَ. ذُو الرُّمَّةِ الشَّاعِرُ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ: ذُو الرُّمَّةِ الشَّاعِرُ   وَاسْمُهُ غَيْلَانُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ بُهَيْشٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ أَبُو الْحَارِثِ أَحَدُ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، وَلَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ، وَكَانَ يَتَغَزَّلُ فِي مَيَّةَ بِنْتِ مُقَاتِلِ بْنِ طَلَبَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ وَكَانَتْ جَمِيلَةً، وَكَانَ هُوَ دَمِيمَ الْخَلْقِ، أَسْوَدَ اللَّوْنَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فُحْشٌ وَلَا خَنَا، وَلَمْ يَكُنْ رَآهَا قَطُّ وَلَا رَأَتْهُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَسْمَعُ بِهِ وَيَسْمَعُ بِهَا، وَيُقَالُ: إِنَّهَا كَانَتْ تَنْذُرُ إِنْ هِيَ رَأَتْهُ أَنْ تَذْبَحَ جَزُورًا، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: وَاسَوْأَتَاهُ وَاسَوْأَتَاهُ. وَلَمْ تُبْدِ لَهُ وَجْهَهَا قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: عَلَى وَجْهِ مَيٍّ مَسْحَةٌ مِنْ حَلَاوَةٍ     وَتَحْتَ الثِّيَابِ الْعَارُ لَوْ كَانَ بَادِيَا قَالَ: فَانْسَلَخَتْ مِنْ ثِيَابِهَا، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَاءَ يَخْبُثُ طَعْمُهُ     وَإِنْ كَانَ لَوْنُ الْمَاءِ أَبْيَضَ صَافِيَا فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تَذُوقَ طَعْمَهُ ؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ. فَقَالَتْ: تَذُوقُ الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ تَذُوقَهُ. فَأَنْشَأَ يَقُولُ: فَوَاضَيْعَةَ الشِّعْرِ الَّذِي لَجَّ وَانْقَضَى     بِمَيٍّ وَلَمْ أَمْلِكْ ضَلَالَ فُؤَادِيَا قَالَ الْقَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: وَمِنْ شَعْرِهِ السَّائِرِ بَيْنَ النَّاسِ مَا أَنْشَدَهُ: إِذَا هِبَّتِ الْأَرْوَاحُ مِنْ نَحْوِ جَانِبٍ بِهِ     أَهْلُ مَيٍّ هَاجَ قَلْبِي هُبُوبُهَا هَوًى تَذْرِفُ الْعَيْنَانِ مِنْهُ وَإِنَّمَا     هَوَى كُلِّ نَفْسٍ أَيْنَ حَلَّ حَبِيبُهَا وَأَنْشَدَ عِنْدَ الْمَوْتِ: يَا قَابِضَ الرُّوحِ عَنْ نَفْسِي إِذَا احْتُضِرَتْ     وَغَافِرَ الذَّنْبِ زَحْزِحْنِي عَنِ النَّارِ وَأَبُو شَاكِرٍ مَسْلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَقِيلَ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ. وَفِيهَا مَاتَتْ عَائِشَةُ ابْنَةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ  .

  460. التاريخ 2551لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ دُعَاةِ بَنِي الْعَبَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَجَّهَ بُكَيْرُ بْنُ مَاهَانَ عَمَّارَ بْنَ يَزِيدَ إِلَى خُرَاسَانَ وَالِيًا عَلَى شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَنَزَلَ مَرْوَ وَغَيَّرَ اسْمَهُ وَتَسَمَّى بِخِدَاشٍ، وَدَعَا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَسَارَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَأَطَاعُوهُ، ثُمَّ غَيَّرَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَتَكَذَّبَ وَأَظْهَرَ دِينَ الْخُرَّمِيَّةِ [ وَدَعَا إِلَيْهِ ]، وَرَخَّصَ لِبَعْضِهِمْ فِي نِسَاءِ بَعْضٍ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا صَوْمَ وَلَا صَلَاةَ وَلَا حَجَّ، وَإِنَّ تَأْوِيلَ الصَّوْمِ أَنْ يُصَامَ عَنْ ذِكْرِ الْإِمَامِ فَلَا يُبَاحُ بِاسْمِهِ، وَالصَّلَاةُ الدُّعَاءُ لَهُ، وَالْحَجُّ الْقَصْدُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ مِنَ الْقُرْآنِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ). وَكَانَ خِدَاشٌ نَصْرَانِيًّا بِالْكُوفَةِ فَأَسْلَمَ وَلَحِقَ بِخُرَاسَانَ. وَكَانَ مِمَّنِ اتَّبَعَهُ عَلَى مَقَالَتِهِ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ، وَالْحَرِيشُ بْنُ سُلَيْمٍ الْأَعْجَمِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ أَمَرَ بِذَلِكَ. فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَظَفِرَ بِهِ، فَأَغْلَظَ الْقَوْلَ لِأَسَدٍ، فَقَطَعَ لِسَانَهُ وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي انْتَقَمَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْكَ ! وَأَمَرَ يَحْيَى بْنَ نُعَيْمٍ الشَّيْبَانِيَّ فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ بِآمُلَ، وَأُتِيَ أَسَدٌ بِجَزُورٍ مَوْلَى الْمُهَاجِرِ بْنِ دَارَةَ الضَّبِّيِّ فَضَرَبَ عُنُقَهُ بِشَاطِئِ النَّهْرِ.

  461. التاريخ 2552لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثماني عشرة ومائة نَزَلَ أَسَدٌ بَلْخًا، وَسَرَّحَ جُدَيْعًا الْكَرْمَانِيَّ إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي فِيهَا أَهْلُ الْحَارِثِ وَأَصْحَابُهُ، وَاسْمُهَا التُّبُوشْكَانُ مِنْ طَخَارِسْتَانَ الْعُلْيَا، وَفِيهَا بَنُو بَرْزَى التَّغْلِبِيُّونَ أَصْهَارُ الْحَارِثِ، فَحَصَرَهُمُ الْكَرْمَانِيُّ حَتَّى فَتَحَهَا، فَقَتَلَ بَنِي بَرْزَى، وَسَبَى عَامَّةَ أَهْلِهَا مِنَ الْعَرَبِ وَالْمُوَالِي وَالذَّرَارِي، وَبَاعَهُمْ فِيمَنْ يَزِيدُ فِي سُوقِ بَلْخٍ، وَنَقَمَ عَلَى الْحَارِثِ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ رَئِيسُهُمْ جَرِيرَ بْنَ مَيْمُونٍ الْقَاضِي، فَقَالَ لَهُمُ الْحَارِثُ إِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ مُفَارِقِيَّ فَاطْلُبُوا الْأَمَانَ وَأَنَا شَاهِدٌ فَإِنَّهُمْ يُجِيبُونَكُمْ، وَإِنِ ارْتَحَلْتُ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يُعْطُوا الْأَمَانَ. فَقَالُوا: ارْتَحِلْ أَنْتَ وَخَلِّنَا. وَأَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ، فَأُخْبِرَ أَسَدٌ أَنَّ الْقَوْمَ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ وَلَا مَاءٌ، فَسَرَّحَ إِلَيْهِمْ أَسَدٌ جُدَيْعًا الْكَرْمَانِيَّ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، فَحَصَرَهُمْ فِي الْقَلْعَةِ وَقَدْ عَطِشَ أَهْلُهَا وَجَاعُوا، فَسَأَلُوا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى الْحُكْمِ وَيَتْرُكَ لَهُمْ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ، فَأَجَابَهُمْ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ أَسَدٍ فَأَرْسَلَ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ وُجُوهِهِمْ فِيهِمُ الْمُهَاجِرُ بْنُ مَيْمُونٍ، فَحُمِلُوا إِلَيْهِ، فَقَتَلَهُمْ وَكَتَبَ إِلَى الْكَرْمَانِيِّ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِينَ بَقُوا عِنْدَهُ أَثْلَاثًا، فَثُلُثٌ يَقْتُلُهُمْ، وَثُلُثٌ يَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَثُلُثٌ يَقْطَعُ أَيْدِيَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْكَرْمَانِيُّ وَأَخْرَجَ أَثْقَالَهُمْ فَبَاعَهَا. وَاتَّخَذَ أَسَدٌ مَدِينَةَ بَلْخٍ دَارًا، وَنَقَلَ إِلَيْهَا الدَّوَاوِينَ، ثُمَّ غَزَا طَخَارِسْتَانَ ثُمَّ أَرْضَ جَبْغَوَيْهِ فَغَنِمَ وَسَبَى.

  462. التاريخ 2553لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي سنة ثماني عشرة ومائة عَزَلَ هِشَامٌ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْمَدِينَةِ  ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا خَالَهُ مُحَمَّدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. وَجَاءَ كِتَابٌ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ يَوْمَ عَزْلِ خَالِدٍ عَنِ الْمَدِينَةِ بِإِمْرَتِهِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ مِنْ مَكَّةَ عَامِلًا عَلَى الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ  ، وَدَخَلَ أَرْضَ وَرْتَنِيسَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ، فَهَرَبَ مِنْهُ وَرْتَنِيسُ إِلَى الْخَزَرِ وَنَزَلَ حِصْنَهُ، فَحَصَرَهُ مَرْوَانُ وَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَجَانِيقَ، فَقُتِلَ وَرْتَنِيسُ، قَتَلَهُ بَعْضُ مَنِ اجْتَازَ بِهِ وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَى مَرْوَانَ، فَنَصَبَهُ لِأَهْلِ حِصْنِهِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَقَتَلَ الْقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ. وفيها غَزَا مُعَاوِيَةُ وَسُلَيْمَانُ ابْنَا هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَرْضَ الرُّومِ  .

  463. التاريخ 2554لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثماني عشرة ومائة حَجَّ بِالنَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَقِيلَ: إِنَّ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ كَانَتْ مَعَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ عُزِلَ، وَوُلِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَكَانَتْ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ وَإِلَيْهِ الْمَشْرِقُ، وَعَامِلُهُ عَلَى خُرَاسَانَ أَخُوهُ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَامِلُهُ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ وَأَحْدَاثِهَا وَقَضَائِهَا وَالصَّلَاةِ بِأَهْلِهَا بِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ. وعن الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: نَظَرَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ إِلَى رَجُلٍ قَدِ اشْتَرَى سَمَكَةً بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ، وَثِيَابُهُ تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: يَا هَذَا، اشْتَرَيْتَ سَمَكَةً بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ وَثِيَابُكَ لَعَلَّهَا تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا يَحْيَى لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُهَا لِلْأَمِيرِ الظَّالِمِ الَّذِي يُطَالِبُنَا بِمَا لَا نُطِيقُ -وَذَكَرَ لَهُ بِلَالَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ- قَالَ: فَامْضِ مَعِي إِلَيْهِ، فَمَضَى فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا الرَّجُلُ، أَزِلْ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْتَمِدُهُ مِنَ الظُّلْمِ، وَلَا تَعْرِضْ لِهَذَا الْبَائِسِ، قَالَ: قَدْ أَزَلْتُ عَنْهُ الْمَظْلَمَةَ لِمَكَانِكَ يَا أَبَا يَحْيَى، ادْعُ اللَّهَ لِي دَعْوَةً، قَالَ: وَمَا يَنْفَعُكَ أَنْ أَدْعُوَ لَكَ وَعَلَى بَابِكَ مِائَتَانِ يَدْعُونَ عَلَيْكَ.

  464. التاريخ 2555لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَبُو بَكْرٍ الْأَسْلَمِيُّ:   رَوَى عَنْ أَبِيهِ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ. ثَابِتُ بْنُ أَسْلَمَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْبُنَانِيُّ الْبَصْرِيُّ ثَابِتُ بْنُ أَسْلَمَ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْبُنَانِيُّ الْبَصْرِيُّ:   نُسِبَ إِلَى بُنَانَةَ بِنْتِ الْقَيْنِ بْنِ حَبَشِيٍّ تَرَبَّى حَاضِنُهُ، حَضَنَتْ أَوْلَادَ سَعْدِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَنُسِبَ أَوْلَادُهُ إِلَيْهَا. أَسْنَدَ ثَابِتٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ مُتَعَبِّدًا، كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ، قَالَ: عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ [اللَّهِ]، قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى أَعْبَدِ رَجُلٍ أَدْرَكْنَاهُ فِي زَمَانِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، فَمَا أَدْرَكْنَا الَّذِي هُوَ أَعْبَدُ مِنْهُ، تَرَاهُ فِي يَوْمٍ مَعْ مَعَانِيٍّ بَعِيدَ مَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، يُظِلُّ صَائِمًا، وَيُرَوِّحُ مَا بَيْنَ جَبْهَتِهِ وَقَدَمِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: بسنده حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ثَابِتًا يَقُولُ: مَا تَرَكْتُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ سَارِيَةً إِلَّا وَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ عِنْدَهَا وَبَكَيْتُ عِنْدَهَا. حَيُّ بْنُ يُؤْمِنَ بْنِ حُجَيْلٍ حَيُّ بْنُ يُؤْمِنَ بْنِ حُجَيْلٍ، أَبُو عُشَّانَةَ الْمَعَافِرِيُّ: حَدَّثَ عَنْهُ أَبُو قُبَيْلٍ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ. [تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. الْحَجَّاجُ بْنُ فُرَافِصَةَ الْحَجَّاجُ بْنُ فُرَافِصَةَ: رَوَى عَنْ أَنَسٍ، وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الْمُشْتَغِلِينَ. وعَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: بِتُّ عِنْدَ الْحَجَّاجِ بْنِ فُرَافِصَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً، مَا رَأَيْتُهُ أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا نَامَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَحْصَبِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْيَحْصَبِيُّ:   إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ فِي الْقِرَاءَةِ، قَرَأَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ أَبِي شِهَابٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَقَرَأَ الْمُغِيرَةُ عَلَى عُثْمَانَ. وَرَوَى ابْنُ عَامِرٍ عَنْ وَاثِلَةَ، وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ. وَوُلِّيَ الْقَضَاءَ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ:   قَاضِي الْأُرْدُنِّ وَسَيِّدُ أَهْلِهَا، رَأَى عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيَّ. [تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. عن ضَمْرَةُ، عَنْ رَجَاءٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ وَبَيْنَ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ مُنَازَعَةٌ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَلَقِيَ رَجَاءَ بْنَ حَيْوَةَ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ فُلَانًا كَانَ مِنْهُ إِلَيْكَ فَأَخْبِرْنِي، فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَكُونَ غِيبَةً مِنِّي لَأَخْبَرْتُكَ بِمَا كَانَ مِنْهُ. عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ، أَبُو عُمَرَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ، أَبُو عُمَرَ: مِنْ بَنِي لَيْثٍ، وَكَانَ شَرِيفًا أَدِيبًا [ثَبَتًا] يُحْمَلُ عَنْهُ الْحَدِيثُ. وَفَدَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الْقَائِلَ: لَقَدْ عَلِمْتُ وَمَا الْإِسْرَافُ مِنْ خُلُقِي أَنَّ الَّذِي هُوَ رِزْقِي سَوْفَ يَأْتِينِي     أَسْعَى لَهُ فَيُعَنِّينِي تَطَلَّبُهُ وَلَوْ قَعَدْتُ أَتَانِي لَا يُعَنِّينِي قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَمَا أَقْدَمَكَ عَلَيْنَا؟ قَالَ: سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، وَخَرَجَ فَارْتَحَلَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَبَلَغَ ذَلِكَ هِشَامًا فَأَتْبَعَهُ بِجَائِزَتِهِ. وَوَقَفَتْ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: أَنْتَ الَّذِي يُقَالُ عَنْكَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ وَأَنْتَ تَقُولُ: إِذَا وَجَدْتُ أُوَارَ الْحُبِّ فِي كَبِدِي     عَمَدْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ هَذَا يُؤَدِّي بِبَرْدِ الْمَاءِ ظَاهِرَهُ     فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الْأَحْشَاءِ تَتَّقِدُ فَوَاللَّهِ مَا قَالَ هَذَا صَالِحٌ قَطُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ الْحَافِظُ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: مَرَّتْ سُكَيْنَةُ وَمَعَهَا جَوَارِيهَا لَيْلَةً بِالْعَقِيقِ، فَإِذَا هِيَ بِعُرْوَةَ بْنِ أُذَيْنَةَ، فَقَالَتْ لِجَوَارِيهَا: مَنْ فِي قَصْرِ ابْنِ عَنْبَسَةَ جَالِسٌ، فَقُلْنَ لَهَا: عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ، فَمَالَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: أَنْتَ يَا أَبَا عَامِرٍ تَزْعُمُ أَنَّكَ بَرِيءٌ وَأَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: قَالَتْ وَقَدْ أَبْثَثْتُهَا وَجْدِي فَبُحْتُ بِهِ     قَدْ كُنْتَ وَيْحِيَ تَحْتَ السِّتْرِ فَاسْتَتِرِ أَلَسْتَ تُبْصِرُ مَنْ حَوْلِي؟ فَقُلْتُ لَهَا     غَطِّي هَوَاكِ وَمَا أَلْقَى عَلَى بَصَرِي هُنَّ أَحْرَارٌ إِنْ كَانَ خَرَجَ هَذَا مِنْ قَلْبٍ سَلِيمٍ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُعْتِقَهُنَّ فَقُلْ. أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْغَسَّانِيُّ:   كَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ، دَائِمَ الْبُكَاءِ، قَدْ جَعَلَتِ الدُّمُوعُ فِي خَدَّيْهِ طَرِيقَيْنِ. عن عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ يَقُولُ: عُدْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ وَهُوَ فِي النَّزْعِ، فَقُلْتُ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، لَوْ جَرَعْتَ جُرْعَةَ مَاءٍ، فَقَالَ بِيَدِهِ لَا، ثُمَّ جَاءَ اللَّيْلُ فَقَالَ: إِذَنْ، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَطَّرْنَا فِي فَمِهِ قَطْرَةَ مَاءٍ ثُمَّ مَاتَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ مَاتَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَبَّاسِ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ. وَأَبُو صَخْرَةَ جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ. وَأَبُو عُشَّانَةَ الْمَعَافِرَيُّ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ.

  465. التاريخ 2556لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ قَتْلِ خَاقَانَ في سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ  وكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرَ خُرَاسَانَ عَمِلَ نِيَابَةً عَنْ أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْعِرَاقِ ثُمَّ سَارَ بِجُيُوشِهِ إِلَى مَدِينَةِ خُتَّلَ فَافْتَتَحَهَا، وَتَفَرَّقَتْ فِي أَرْضِهَا جُنُودُهُ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَغْنَمُونَ، فكَتَبَ ابْنُ السَايِجِيِّ إِلَى خَاقَانَ، وَهُوَ بِنَوَاكِثَ، يُعْلِمُهُ دُخُولَ أَسَدٍ الْخُتُّلَ، وَتَفَرُّقَ جُنُودِهِ فِيهَا، وَأَنَّهُ بِحَالٍ مُضَيَّعَةٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْجِهَازِ وَسَارَ، فَلَمَّا أَحَسَّ ابْنُ السَايِجِيِّ بِمَجِيءِ خَاقَانَ بَعَثَ إِلَى أَسَدٍ: اخْرُجْ عَنِ الْخُتُّلِ فَإِنَّ خَاقَانَ قَدْ أَظَلَّكَ. فَشَتَمَ الرَّسُولَ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ. فَبَعَثَ ابْنُ السَّايِجِيِّ: إِنِّي لَمْ أُكَذِّبْكَ، وَأَنَا الَّذِي أَعْلَمْتُهُ دُخُولَكَ وَتَفَرُّقَ عَسْكَرِكَ، وَأَنَّهَا فُرْصَةٌ لَهُ، وَسَأَلْتُهُ الْمَدَدَ، فَإِنْ لَقِيَكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ظَفِرَ بِكَ، وَعَادَتْنِي الْعَرَبُ أَبَدًا مَا بَقِيتُ، وَاسْتَطَالَ عَلَيَّ خَاقَانُ وَاشْتَدَّتْ مَئُونَتُهُ، وَقَالَ: أَخْرَجْتُ الْعَرَبَ مِنْ بِلَادِكَ، وَرَدَدْتُ عَلَيْكَ مُلْكَكَ. فَعَرَفَ أَسَدٌ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَهُ، فَأَمَرَ بِالْأَثْقَالِ أَنْ تُقَدَّمَ، وَجَعَلَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَاصِمٍ الْعُقَيْلِيَّ وَأَخْرَجَ مَعَهُ الْمَشْيَخَةَ، فَسَارَتِ الْأَثْقَالُ وَمَعَهَا أَهْلُ الصَّغَانِيَانِ وَصَغَانُ خُذَاهْ، وَأَقْبَلَ أَسَدٌ مِنَ الْخُتُّلِ نَحْوَ جَبَلِ الْمِلْحِ يُرِيدُ [ أَنْ ] يَخُوضَ نَهْرَ بَلْخٍ، وَقَدْ قَطَعَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَاصِمٍ بِالسَّبْيِ وَمَا أَصَابُوا، وَأَشْرَفَ أَسَدٌ عَلَى النَّهْرِ فَأَقَامَ يَوْمَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَبَرَ النَّهْرَ فِي مَخَاضَةٍ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَعْبُرُونَ، فَأَدْرَكَهُمْ خَاقَانُ فَقَتَلَ مَنْ لَمْ يَقْطَعِ النَّهْرَ، وَكَانَتِ الْمَسْلَحَةُ عَلَى الْأَزْدِ وَتَمِيمٍ، فَقَاتَلُوا خَاقَانَ وَانْكَشَفُوا. وَأَقْبَلَ خَاقَانُ وَظَنَّ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ لَا يَعْبُرُ إِلَيْهِمُ النَّهْرَ، فَلَمَّا نَظَرَ خَاقَانُ إِلَى النَّهْرِ أَمَرَ التُّرْكَ بِعُبُورِهِ، فَعَبَرُوهُ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَهُمْ وَأَخَذَ التُّرْكُ مَا رَأَوْهُ خَارِجًا، وَخَرَجَ الْغِلْمَانُ فَضَارَبُوهُمْ بِالْعُمُدِ فَعَادُوا، وَبَاتَ أَسَدٌ وَالْمُسْلِمُونَ وَعَبَّأَ أَصْحَابَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ لَمْ يَرَ خَاقَانَ، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالُوا لَهُ: اقْبَلِ الْعَافِيَةَ. قَالَ: مَا هَذِهِ عَافِيَةٌ ! هَذِهِ بَلِيَّةٌ ! إِنَّ خَاقَانَ أَصَابَ أَمْسِ مِنَ الْجُنْدِ وَالسِّلَاحِ وَمَا مَنَعَهُ الْيَوْمَ مِنَّا إِلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْبَرَهُ بَعْضُ مَنْ أَخْذَهُ مِنَ الْأَسْرَى بِمَوْضِعِ الْأَثْقَالِ أَمَامَنَا فَسَارَ طَمَعًا فِيهَا. فَارْتَحَلَ وَبَعَثَ الطَّلَائِعَ، فَلَمَّا أَمْسَى اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي النُّزُولِ أَوِ الْمَسِيرِ، فَقَالَ النَّاسُ: اقْبَلِ الْعَافِيَةَ، وَمَا عَسَى أَنْ يَكُونَ ذَهَابُ الْأَمْوَالِ بِعَافِيَتِنَا وَعَافِيَةِ أَهْلِ خُرَاسَانَ ! وَنَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مُطْرِقٌ. فَقَالَ لَهُ أَسَدٌ: مَا لَكَ لَا تَتَكَلَّمُ ؟ قَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ خُلَّتَانِ كِلْتَاهُمَا لَكَ، إِنْ تَسِرْ تُغِثْ مَنْ مَعَ الْأَثْقَالِ وَتُخَلِّصْهُمْ، فَإِنِ انْتَهَيْتَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ هَلَكُوا فَقَدْ قَطَعْتَ مَشَقَّةً لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِهَا. فَقَبِلَ رَأْيَهُ وَسَارَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَدَعَا أَسَدٌ سَعِيدًا الصَّغِيرَ مَوْلَى بَاهِلَةَ، وَكَانَ فَارِسًا بِأَرْضِ الْخُتُّلِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَأْمُرُهُ بِالِاسْتِعْدَادِ وَيُخْبِرُهُ بِمَسِيرِ خَاقَانَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: لِتُجِدَّ السَّيْرَ. فَطَلَبَ مِنْهُ فَرَسَهُ الذَّبُوبَ، فَقَالَ أَسَدٌ: لَعَمْرِي لَئِنْ جُدْتَ بِنَفْسِكَ وَبَخِلْتُ عَلَيْكَ بِالْفَرَسِ إِنِّي إِذًا لَلَئِيمٌ. فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَ مَعَهُ جَنِيبًا وَسَارَ. فَلَمَّا حَاذَى التُّرْكَ وَقَدْ سَارُوا نَحْوَ الْأَثْقَالِ طَلَبَتْهُ طَلَائِعُهُمْ فَرَكِبَ الذَّبُوبَ فَلَمْ يَلْحَقُوهُ، فَأَتَى إِبْرَاهِيمَ بِالْكِتَابِ. وَسَارَ خَاقَانُ إِلَى الْأَثْقَالِ، وَقَدْ خَنْدَقَ إِبْرَاهِيمُ خَنْدَقًا، فَأَتَاهُمْ وَهُمْ قِيَامٌ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ الصُّغْدَ بِقِتَالِهِمْ فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَصَعِدَ خَاقَانُ تَلًّا فَجَعَلَ يَنْظُرُ لِيَرَى عَوْرَةً يَأْتِي مِنْهَا، وَهَكَذَا كَانَ يَفْعَلُ، فَلَمَّا صَعِدَ التَّلَّ رَأَى خَلْفَ الْعَسْكَرِ جَزِيرَةً دُونَهَا مَخَاضَةٌ فَدَعَا بَعْضَ قُوَّادِ التُّرْكِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَقْطَعُوا فَوْقَ الْعَسْكَرِ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ يَنْحَدِرُوا حَتَّى يَأْتُوا عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَأَنْ يَبْدَءُوا بِالْأَعَاجِمِ وَأَهْلِ الصَّغَانِيَانِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ رَجَعُوا إِلَيْكُمْ دَخَلْنَا نَحْنُ. فَفَعَلُوا وَدَخَلُوا مِنْ نَاحِيَةِ الْأَعَاجِمِ فَقَتَلُوا صَغَانَ خُذَاهْ وَعَامَّةَ أَصْحَابِهِ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، وَدَخَلُوا عَسْكَرَ إِبْرَاهِيمَ فَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ، وَتَرَكَ الْمُسْلِمُونَ التَّعْبِيَةَ وَاجْتَمَعُوا فِي مَوْضِعٍ وَأَحَسُّوا بِالْهَلَاكِ، وَإِذَا رَهَجٌ قَدِ ارْتَفَعَ، وَإِذَا أَسَدٌ فِي جُنْدِهِ قَدْ أَتَاهُمْ، فَارْتَفَعَتِ التُّرْكُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ خَاقَانُ، وَإِبْرَاهِيمُ يَعْجَبُ مِنْ كَفِّهِمْ وَقَدْ ظَفِرُوا وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا وَهُوَ لَا يَطْمَعُ فِي أَسَدٍ، وَكَانَ أَسَدٌ قَدْ أَغَذَّ الْمَسِيرَ وَأَقْبَلَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى التَّلِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ خَاقَانُ، وَتَنَحَّى خَاقَانُ إِلَى نَاحِيَةِ الْجَبَلِ، فَخَرَجَ إِلَى أَسَدٍ مَنْ كَانَ بَقِيَ مَعَ الْأَثْقَالِ وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا. وَمَضَى خَاقَانُ بِالْأَسْرَى وَالْجِمَالِ الْمُوَقَرَةِ وَالْجَوَارِي، وَأَمَرَ خَاقَانُ رَجُلًا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ فَنَادَى أَسَدًا: قَدْ كَانَ لَكَ فِيمَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَغْزًى، إِنَّكَ لَشَدِيدُ الْحِرْصِ، وَقَدْ كَانَ عَنِ الْخُتُّلِ مَنْدُوحَةٌ وَهِيَ أَرْضُ آبَائِي وَأَجْدَادِي. فَقَالَ أَسَدٌ: لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْكَ. وَسَارَ أَسَدٌ إِلَى بَلْخٍ فَعَسْكَرَ فِي مَرْجِهَا حَتَّى أَتَى الشِّتَاءُ، ثُمَّ فَرَّقَ النَّاسَ فِي الدُّورِ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ بِنَاحِيَةِ طَخَارِسْتَانَ فَانْضَمَّ إِلَى خَاقَانَ. فَلَمَّا كَانَ وَسَطُ الشِّتَاءِ أَقْبَلَ خَاقَانُ، وَكَانَ لَمَّا فَارَقَ أَسَدٌ أَتَى طَخَارِسْتَانَ فَأَقَامَ عِنْدَ جَبْغَوَيْهِ، فَأَقْبَلَ فَأَتَى الْجُوزَجَانَ وَبَثَّ الْغَارَاتِ. وَسَبَبُ مَجِيئِهِ أَنَّ الْحَارِثَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَا نُهُوضَ بِأَسَدٍ فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ كَثِيرُ جُنْدٍ وَنَزَلَ جَزَّةَ، فَأَتَى الْخَبَرُ إِلَى أَسَدٍ بِنُزُولِ خَاقَانَ بِجَزَّةَ، فَأَمَرَ بِالنِّيرَانِ فَرُفِعَتْ بِالْمَدِينَةِ، فَجَاءَ النَّاسُ مِنَ الرَّسَاتِيقِ إِلَيْهَا، فَأَصْبَحَ أَسَدٌ وَصَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ، عِيدِ الْأَضْحَى، وَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ الْحَارِثَ اسْتَجْلَبَ الطَّاغِيَةَ لِيُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ وَيُبَدِّلَ دِينَهُ، وَاللَّهُ مُذِلُّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ مَنْ أَصَابَ، وَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ نَصْرَكُمْ لَمْ يَضُرَّكُمْ قِلَّتُكُمْ وَكَثْرَتُهُمْ، فَاسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، وَإِنَّ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ إِذَا وَضَعَ جَبْهَتَهُ لَهُ، وَإِنِّي نَازِلٌ وَوَاضِعٌ جَبْهَتِي، فَاسْجُدُوا لَهُ وَادْعُوا مُخْلِصِينَ. فَفَعَلُوا وَرَفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَلَا يَشُكُّونَ فِي الْفَتْحِ، ثُمَّ نَزَلَ وَضَحَّى مشاورة أسد الناس في المسير إلى خاقان وَشَاوَرَ النَّاسَ فِي الْمَسِيرِ إِلَى خَاقَانَ، قَالَ قَوْمٌ: تَحْفَظُ مَدِينَةَ بَلْخٍ وَتَكْتُبُ إِلَى خَالِدٍ وَالْخَلِيفَةِ تَسْتَمِدُّهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: تَأْخُذُ فِي طَرِيقِ زُمَّ فَتَسْبِقُ خَاقَانَ إِلَى مَرْوَ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ تَخْرُجُ إِلَيْهِمْ. فَوَافَقَ هَذَا رَأْيَ أَسَدٍ، وَكَانَ عَزَمَ عَلَى لِقَائِهِمْ، فَخَرَجَ بِالنَّاسِ وَهُوَ فِي سَبْعَةِ آلَافٍ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ وَالشَّامِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَلْخٍ الْكَرْمَانِيَّ بْنَ عَلِيٍّ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَدَعَ أَحَدًا يَخْرُجُ مِنْ مَدِينَتِهَا وَإِنْ ضَرَبَ التُّرْكُ بَابَهَا. وَنَزَلَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ بَلْخٍ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ طَوَّلَهُمَا، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَنَادَى فِي النَّاسِ: ادْعُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَأَطَالَ الدُّعَاءَ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: نُصِرْتُمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ! ثُمَّ سَارَ، فَلَمَّا جَازَ قَنْطَرَةَ عَطَاءٍ نَزَلَ، وَأَرَادَ الْمُقَامَ حَتَّى يَتَلَاحَقَ بِهِ النَّاسُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّحِيلِ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى الْمُتَخَلِّفِينَ. ثُمَّ ارْتَحَلَ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ سَالِمُ بْنُ مَنْصُورٍ الْبَجَلِيُّ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، فَلَقِيَ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنَ التُّرْكِ طَلِيعَةً لِخَاقَانَ، فَأَسَرَ قَائِدَهُمْ وَسَبْعَةً مَعَهُ، وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ، فَأُتِيَ بِهِ أَسَدٌ فَبَكَى التُّرْكِيُّ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ: لَسْتُ أَبْكِي لِنَفْسِي وَلَكِنِّي أَبْكِي لِهَلَاكِ خَاقَانَ، إِنَّهُ قَدْ فَرَّقَ جُنُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَرْوَ. فَسَارَ أَسَدٌ حَتَّى شَارَفَ مَدِينَةَ الْجُوزَجَانِ فَنَزَلَ عَلَيْهَا عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنْ خَاقَانَ، وَكَانَ قَدِ اسْتَبَاحَهَا خَاقَانُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَرَاءَى الْعَسْكَرَانِ، فَقَالَ خَاقَانُ لِلْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ: أَلَمْ تَكُنْ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ أَسَدًا لَا حَرَاكَ بِهِ وَهَذِهِ الْعَسَاكِرُ قَدْ أَقْبَلَتْ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَرَايَتُهُ. فَبَعَثَ خَاقَانُ طَلِيعَةً وَقَالَ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ عَلَى الْإِبِلِ سَرِيرًا وَكَرَاسِيَّ ؟ فَعَادُوا إِلَيْهِ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا، فَقَالَ خَاقَانُ: هَذَا أَسَدٌ. وَسَارَ أَسَدٌ قَدْرَ غَلْوَةٍ، فَلَقِيَهُ سَالِمُ بْنُ جَنَاحٍ فَقَالَ: أَبْشِرْ أَيُّهَا الْأَمِيرُ قَدْ حَزَرْتُمْ وَلَا يَبْلُغُونَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَاقَانُ عَقِيرَةَ اللَّهِ. فَصَفَّ أَسَدٌ أَصْحَابَهُ، وَعَبَّى خَاقَانُ أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا الْتَقَوْا حَمَلَ الْحَارِثُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصُّغْدِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانُوا مَيْمَنَةَ خَاقَانَ عَلَى مَيْسَرَةِ أَسَدٍ، فَهَزَمَهُمْ فَلَمْ يَرُدَّهُمْ شَيْءٌ دُونَ رِوَاقِ أَسَدٍ، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ أَسَدٍ وَهُمُ الْجُوزَجَانُ وَالْأَزْدُ وَتَمِيمٌ عَلَيْهِمْ، فَانْهَزَمَ الْحَارِثُ وَمَنْ مَعَهُ وَانْهَزَمَتِ التُّرْكُ جَمِيعُهَا، وَحَمَلَ النَّاسُ جَمِيعًا فَتَفَرَّقَ التُّرْكُ فِي الْأَرْضِ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ، فَتَبِعَهُمُ النَّاسُ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ يَقْتُلُونَ [ مَنْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ] حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَغْنَامِهِمْ وَأَخَذُوا مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ رَأْسٍ وَدَوَابَّ كَثِيرَةً. وَأَخَذَ خَاقَانُ طَرِيقًا فِي الْجَبَلِ وَالْحَارِثُ يَحْمِيهِ، وَسَارَ مُنْهَزِمًا، فَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ لِعُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: إِنِّي لَأَعْلَمُ بِبِلَادِي وَبِطُرُقِهَا، فَهَلْ تَتْبَعُنِي لَعَلَّنَا نُهْلِكُ خَاقَانَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَخَذَا طَرِيقًا وَسَارَا وَمَنْ مَعَهُمَا حَتَّى أَشْرَفُوا عَلَى خَاقَانَ فَأَوْقَعُوا بِهِ، فَوَلَّى مُنْهَزِمًا، فَحَوَى الْمُسْلِمُونَ عَسْكَرَ التُّرْكِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَوَجَدُوا فِيهِ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَالْمُوَلِّيَاتِ مِنْ نِسَاءِ التُّرْكِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ( وَوَحِلَ بِخَاقَانَ بِرْذَوْنُهُ فَحَمَاهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَلَمْ يُعْلِمِ النَّاسَ أَنَّهُ خَاقَانُ )، ( وَأَرَادَ الْخَصِيُّ الَّذِي لِخَاقَانَ أَنْ يَحْمِلَ امْرَأَةَ خَاقَانَ ) فَأَعْجَلُوهُ فَقَتَلَهَا، وَاسْتَنْقَذُوا مَنْ كَانَ مَعَ خَاقَانَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَتَتَبَّعَ أَسَدٌ خَيْلَ التُّرْكِ الَّتِي فَرَّقَهَا فِي الْغَارَةِ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ وَغَيْرِهَا فَقَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ غَيْرُ الْقَلِيلِ، وَرَجَعَ إِلَى بَلْخٍ. وَكَانَ بِشْرٌ الْكَرْمَانِيُّ فِي السَّرَايَا فَيُصِيبُونَ مِنَ التُّرْكِ الرَّجُلَ وَالرَّجُلَيْنِ وَأَكْثَرَ. وَمَضَى خَاقَانُ إِلَى طَخَارِسْتَانَ وَأَقَامَ عِنْدَ جَبْغَوَيْهِ الْخَزْلَجِيِّ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى بِلَادِهِ، فَلَمَّا وَرَدَ أُشْرُوسَنَةَ تَلَقَّاهُ خَرَابُغْرَهْ أَبُو خَانَاجِزَهْ جَدُّ كَاوُوسَ أَبِي أَفْشِينَ بِكُلِّ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَكَانَ مَا بَيْنَهُمَا مُتَبَاعِدًا، إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَتَّخِذَ عِنْدَهُ يَدًا. ثُمَّ أَتَى خَاقَانُ بِلَادَهُ وَاسْتَعَدَّ لِلْحَرْبِ وَمُحَاصَرَةِ سَمَرْقَنْدَ، وَحَمَلَ الْحَارِثَ وَأَصْحَابَهُ عَلَى خَمْسَةِ آلَافِ بِرْذَوْنٍ. فَلَاعَبَ خَاقَانُ يَوْمًا كُورْصُولَ بِالنَّرْدِ عَلَى خَطَرٍ، فَتَنَازَعَا، فَضَرَبَ كُورْصُولُ يَدَ خَاقَانَ وَكَسَرَهَا، وَتَنَحَّى وَجَمَعَ جَمْعًا، وَبَلَغَهُ أَنَّ خَاقَانَ قَدْ حَلَفَ لَيَكْسِرَنَّ يَدَهُ، فَبَيَّتَ خَاقَانَ فَقَتَلَهُ، وَتَفَرَّقَتِ التُّرْكُ وَتَرَكُوهُ مُجَرَّدًا، فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنَ التُّرْكِ فَدَفَنُوهُ. وَاشْتَغَلَتِ التُّرْكُ يُغِيرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعَ أَهْلُ الصُّغْدِ فِي الرَّجْعَةِ إِلَيْهَا. البشارة إلى هشام بن عبد الملك بقتل خاقان وَأَرْسَلَ أَسَدٌ مُبَشِّرًا إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَبِقَتْلِ خَاقَانَ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَقَالَ لِلرَّبِيعِ حَاجِبِهِ: لَا أَظُنُّ هَذَا صَادِقًا، اذْهَبْ فَعُدْهُ ثُمَّ سَلْهُ عَمَّا يَقُولُ، فَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ هِشَامًا، ثُمَّ أَرْسَلَ أَسَدٌ مُبَشِّرًا آخَرَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ هِشَامٍ وَكَبَّرَ، فَأَجَابَهُ هِشَامٌ بِالتَّكْبِيرِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِالْفَتْحِ، فَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَحَسَدَتِ الْقَيْسِيَّةُ أَسَدًا وَقَالُوا لِهِشَامٍ: اكْتُبْ بِطَلَبِ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ النَّبَطِيِّ، فَسَيَّرَهُ أَسَدٌ إِلَى هِشَامٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: حَاجَتُكَ ؟ قَالَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَخَذَ مِنْ أَبِي مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَاسْتَحْلَفَهُ عَلَى ذَلِكَ. فَكَتَبَ إِلَى أَسَدٍ، فَرَدَّهَا عَلَيْهِ، وَقَسَّمَهَا مُقَاتِلٌ بَيْنَ وَرَثَةِ حَيَّانَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ أَبُو الْهِنْدِيِّ يَذْكُرُ هَذِهِ الْوَقْعَةَ : أَبَا مُنْذِرٍ رُمْتَ الْأُمُورَ وَقِسْتَهَا وَسَاءَلْتَ عَنْهَا كَالْحَرِيصِ الْمُسَاوِمِ     فَمَا كَانَ ذُو رَأْيٍ مِنَ النَّاسِ قِسْتَهُ بِرَأْيِكَ إِلَّا مِثْلَ رَأْيِ الْبَهَائِمِ     أَبَا مُنْذِرٍ لَوْلَا مَسِيرُكَ لَمْ يَكُنْ عِرَاقٌ وَلَا انْقَادَتْ مُلُوكُ الْأَعَاجِمِ     وَلَا حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ مَنْ حَجَّ رَاكِبًا وَلَا عَمَرَ الْبَطْحَاءَ بَعْدَ الْمَوَاسِمِ     وَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ بَيْنَ سَانٍ وَجَزَّةٍ كَسِيرَ الْأَيَادِي مِنْ مُلُوكٍ قَمَاقِمِ     تَرَكْتَ بِأَرْضِ الْجُوزَجَانِ تَزُورُهُ سِبَاعٌ وَعِقْبَانٌ لَحَزِّ الْغَلَاصِمِ     وَذِي سُوقَةٍ فِيهِ مِنَ السَّيْفِ خَبْطَةٌ بِهِ رَمَقٌ مُلْقًى لِحَوْمِ الْحَوَائِمِ     فَمِنْ هَارِبٍ مِنَّا وَمِنْ دَائِنٍ لَنَا أَسِيرٍ يُقَاسِي مُبْهَمَاتِ الْأَدَاهِمِ     فَدَتْكَ نُفُوسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَعَامِرٍ وَمِنْ مُضَرَ الْحَمْرَاءِ عِنْدَ الْمَآزِمِ     هُمْ أَطْمَعُوا خَاقَانَ فِينَا فَأَصْبَحَتْ حَلَائِبُهُ تَرْجُو خُلُوَّ الْمَغَانِمِ وَكَانَ ابْنُ السَّايِجِيِّ الَّذِي أَخْبَرَ أَسَدًا بِمَجِيءِ خَاقَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ السَّبْلُ عَلَى مَمْلَكَتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَأَوْصَاهُ بِثَلَاثِ خِصَالٍ، قَالَ: لَا تَسْتَطِلْ عَلَى أَهْلِ الْخُتُّلِ اسْتِطَالَتِي عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي مَلِكٌ وَأَنْتَ لَسْتَ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَقَالَ لَهُ: اطْلُبِ الْحُنَيْشَ حَتَّى تَرُدَّهُ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِنَّهُ الْمَلِكُ بَعْدِي، وَكَانَ الْحُنَيْشُ قَدْ هَرَبَ إِلَى الصِّينِ، وَقَالَ لَهُ: لَا تُحَارِبُوا الْعَرَبَ وَادْفَعُوهَا عَنْكُمْ بِكُلِّ حِيلَةٍ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ السَّايِجِيِّ: أَمَّا تَرْكِي الِاسْتِطَالَةَ عَلَيْهِمْ وَرَدِّي الْحُنَيْشَ فَهُوَ الرَّأْيُ، وَأَمَّا قَوْلُكَ لَا تُحَارِبُوا الْعَرَبَ، فَكَيْفَ وَقَدْ كُنْتَ أَكْثَرَ الْمُلُوكِ مُحَارَبَةً لَهُمْ ؟ قَالَ السَّبْلُ: قَدْ جَرَّبْتُ قُوَّتَكُمْ بِقُوَّتِي فَمَا رَأَيْتُكُمْ تَقَعُونَ مِنِّي مَوْقِعًا، وَكُنْتُ إِذَا حَارَبْتُهُمْ لَمْ أُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا جَرِيضًا، وَإِنَّكُمْ إِذَا حَارَبْتُمُوهُمْ هَلَكْتُمْ. فَهَذَا الَّذِي كَرَّهَ إِلَى ابْنِ السَّايِجِيِّ مُحَارِبَةَ الْعَرَبِ. مدح بعض الشعراء لأسد بن عبد الله لانتصاره وقتله خاقان وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي أَسَدٍ يَمْدَحُهُ عَلَى ذَلِكَ: لَوْ سِرْتَ فِي الْأَرْضِ تَقِيسُ الْأَرْضَا     تَقِيسُ مِنْهَا طُولَهَا وَالْعَرْضَا لَمْ تَلْقَ خَيْرًا مَرَّةً وَنَقْضَا     مِنَ الْأَمِيرِ أَسَدٍ وَأَمْضَى أَفْضَى إِلَيْنَا الْخَيْرَ حِينَ أَفْضَى     وَجَمَعَ الشَّمْلَ وَكَانَ رَفْضَا مَا فَاتَهُ خَاقَانُ إِلَّا رَكْضَا     قَدْ فَضَّ مِنْ جُمُوعِهِ مَا فَضَّا يَا بْنَ سُرَيْجٍ قَدْ لَقِيتَ حَمْضَا     حَمْضًا بِهِ يُشْفَى صُدَاعُ الْمَرْضَى

  466. التاريخ 2557لا حكم مسجّل

    قَتْلِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ وَبَيَانٍ   وفِي سنة تسع عشرة ومائة خَرَجَ الْمُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَبَيَانٌ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْوُصَفَاءَ، وَكَانَ الْمُغِيرَةُ سَاحِرًا، وَكَانَ يَقُولُ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُحْيِيَ عَادًا وَثَمُودَ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرَةً لَفَعَلْتُ. وَبَلَغَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ خُرُوجُهُمْ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: أَطْعِمُونِي مَاءً، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلَ فِي ذَلِكَ: أَخَالِدُ لَا جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا وَأَيْرٌ فِي حِرِّ أُمِّكَ مِنْ أَمِيرِ     وَكُنْتَ لَدَى الْمُغِيرَةِ عَبْدَ سَوْءٍ تَبُولُ مِنَ الْمَخَافَةِ لِلزَّئِيرِ     وَقُلْتَ لِمَا أَصَابَكَ أَطْعِمُونِي شَرَابًا ثُمَّ بُلْتَ عَلَى السَّرِيرِ     لِأَعْلَاجٍ ثَمَانِيَةٍ وَشَيْخٍ كَبِيرِ السِّنِّ لَيْسَ بِذِي نَصِيرِ فَأَرْسَلَ خَالِدٌ فَأَخَذَهُمْ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ مُرَادَابَنْدَ: رَأَيْتُ خَالِدًا حِينَ أُتِيَ بِالْمُغِيرَةِ وَبَيَانٍ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ أَوْ سَبْعَةٍ، أَمَرَ بِسَرِيرِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَأَمَرَ بِأَطْنَانِ قَصَبٍ وَنِفْطٍ، فَأُحْضِرَا ثُمَّ أَمَرَ الْمُغِيرَةَ أَنْ يَتَنَاوَلَ طُنًّا فَتَأَنَّى، فَصُبِّتِ السِّيَاطُ عَلَى رَأْسِهِ، فَتَنَاوَلَ طُنًّا فَاحْتَضَنَهُ، فَشَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ وَعَلَى الطُّنِّ نِفْطٌ ثُمَّ أُلْهِبَتْ فِيهِمَا النَّارُ فَاحْتَرَقَا، ثُمَّ أَمَرَ الرَّهْطَ فَفَعَلُوا كَذَلِكَ. ثُمَّ أَمَرَ بَيَانًا آخِرَهُمْ فَتَقَدَّمَ إِلَى الطُّنِّ مُبَادِرًا فَاحْتَضَنَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: وَيْلَكُمْ فِي كُلِّ أَمْرِكُمْ تَحْمُقُونَ، هَلَّا رَأَّسْتُمْ هَذَا لَا الْمُغِيرَةَ، ثُمَّ أَحْرَقَهُ. وَأَرْسَلَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ الْجَرْمِيِّ فَسَأَلَهُ، فَصَدَقَهُ، فَتَرَكَهُ. وَكَانَ رَأْيُ الْمُغِيرَةِ التَّجْسِيمَ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ، وَإِنَّ أَعْضَاءَهُ عَلَى عَدَدِ حُرُوفِ الْهِجَاءِ وَيَقُولُ مَا لَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانٌ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ تَكَلَّمَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى تَاجِهِ، ثُمَّ كَتَبَ بِإِصْبَعِهِ عَلَى كَفِّهِ أَعْمَالَ عِبَادِهِ مِنَ الْمَعَاصِي وَالطَّاعَاتِ، فَلَمَّا رَأَى الْمَعَاصِيَ ارْفَضَّ عَرَقًا، فَاجْتَمَعَ مِنْ عَرَقِهِ بَحْرَانِ أَحَدُهُمَا مِلْحٌ مُظْلِمٌ وَالْآخَرُ عَذْبٌ نَيِّرٌ، ثُمَّ اطَّلَعَ فِي الْبَحْرِ فَرَأَى ظِلَّهُ فَذَهَبَ لِيَأْخُذَهُ فَطَارَ فَأَدْرَكَهُ، فَقَلَعَ عَيْنَيْ ذَلِكَ الظِّلِّ وَمَحَقَهُ، فَخَلَقَ مِنْ عَيْنَيْهِ الشَّمْسَ وَسَمَاءً أُخْرَى، وَخَلَقَ مِنَ الْبَحْرِ الْمِلْحِ الْكُفَّارَ، وَمِنَ الْبَحْرِ الْعَذْبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَ يَقُولُ بِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ وَتَكْفِيرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ إِلَّا مَنْ ثَبَتَ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الشَّرَائِعِ، وَكَانَ يَقُولُ بِتَحْرِيمِ مَاءِ الْفُرَاتِ وَكُلِّ نَهْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ بِئْرٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَيَتَكَلَّمُ فَيُرَى أَمْثَالُ الْجَرَادِ عَلَى الْقُبُورِ. وَجَاءَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ فَقَالَ لَهُ: أَقْرِرْ أَنَّكَ تَعْلَمُ الْغَيْبَ حَتَّى أَجْبِيَ لَكَ الْعِرَاقَ. فَنَهَرَهُ وَطَرَدَهُ. وَجَاءَ إِلَى ابْنِهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ ! وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُولُ لِلْمُغِيرَةِ: مَا فَعَلَ الْإِمَامُ ؟ فَيَقُولُ: أَتَتَهَزَّأُ بِهِ ؟ فَيَقُولُ: لَا إِنَّمَا أَتَهَزَّأُ بِكَ. وَأَمَّا بَيَانٌ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِإِلَهِيَّةِ عَلِيٍّ، وَإِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ إِلَهَانِ، وَمُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَهُمْ، ثُمَّ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو هَاشِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِنَوْعٍ مِنَ التَّنَاسُخِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْنَى جَمِيعُهُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَيَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ). تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ( هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ ). وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى سِحْرِهِ وَفُجُورِهِ.

  467. التاريخ 2558لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ خَبَرِ الْخَوَارِجِ  هَذِهِ السَّنَةَ وَفِي سنة تسع عشرة ومائة خَرَجَ بُهْلُولُ بْنُ بِشْرٍ الْمُلَقَّبُ كُثَارَةُ، وَهُوَ مِنَ الْمَوْصِلِ مِنْ شَيْبَانَ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ بِدَابِقَ، وَكَانَ يَتَأَلَّهُ، فَقِيلَ: وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِهِ أَنَّهُ خَرَجَ يُرِيدُ الْحَجَّ، فَأَمَرَ غُلَامَهُ يَبْتَاعُ لَهُ خَلًّا بِدِرْهَمٍ، فَأَتَاهُ بِخَمْرٍ، فَأَمَرَهُ بَرَدِّهَا وَأَخَذَ الدِّرْهَمَ، فَلَمْ يُجِبْهُ صَاحِبُ الْخَمْرِ إِلَى ذَلِكَ، فَجَاءَ بُهْلُولٌ إِلَى عَامِلِ الْقَرْيَةِ، وَهِيَ مِنَ السَّوَادِ، فَكَلَّمَهُ، فَقَالَ الْعَامِلُ: الْخَمْرُ خَيْرٌ مِنْكَ وَمِنْ قَوْلِكَ. فَمَضَى فِي حَجِّهِ وَقَدْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ، فَلَقِيَ بِمَكَّةَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ، فَاتَّعَدُوا قَرْيَةً مِنْ قُرَى الْمَوْصِلِ، فَاجْتَمَعُوا بِهَا، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَأَمَّرُوا عَلَيْهِمْ بُهْلُولًا، وَكَتَمُوا أَمْرَهُمْ وَجَعَلُوا لَا يَمُرُّونَ بِعَامِلٍ إِلَّا أَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا مِنْ عِنْدِ هِشَامٍ عَلَى بَعْضِ الْأَعْمَالِ، وَأَخَذُوا دَوَابَّ الْبَرِيدِ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي ابْتَاعَ الْغُلَامُ بِهَا الْخَمْرَ قَالَ بُهْلُولٌ: نَبْدَأُ بِهَذَا الْعَامِلِ فَنَقْتُلُهُ. فَقَالَ أَصْحَابُهُ: نَحْنُ نُرِيدُ قَتْلَ خَالِدٍ، فَإِنْ بَدَأْنَا بِهَذَا شُهِرَ أَمْرُنَا وَحَذِرَنَا خَالِدٌ وَغَيْرُهُ، فَنَشَدْنَاكَ اللَّهَ أَنْ نَقْتُلَ هَذَا فَيُفْلِتُ مِنَّا خَالِدٌ الَّذِي يَهْدِمُ الْمَسَاجِدَ، وَيَبْنِي الْبِيَعَ وَالْكَنَائِسَ، وَيُوَلِّي الْمَجُوسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُنْكِحُ أَهْلَ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمَاتِ، لَعَلَّنَا نَقْتُلُهُ فَيُرِيحُ اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُ مَا يَلْزَمُنِي لِمَا بَعْدَهُ، وَأَرْجُو أَنْ أَقْتُلَ هَذَا وَخَالِدًا، فَقَتَلَهُ، فَعَلِمَ بِهِمُ النَّاسُ أَنَّهُمْ خَوَارِجُ، وَهَرَبُوا، وَخَرَجَتِ الْبَرِيدُ إِلَى خَالِدٍ فَأَعْلَمُوهُ بِهِمْ، وَلَا يَدْرُونَ مَنْ رَئِيسُهُمْ. فَخَرَجَ خَالِدٌ مِنْ وَاسِطٍ وَأَتَى الْحِيرَةَ، وَكَانَ بِهَا جُنْدٌ قَدْ قَدِمُوا مِنَ الشَّامِ مَدَدًا لِعَامِلِ الْهِنْدِ، فَأَمَرَهُمْ خَالِدٌ بِقِتَالِهِ وَقَالَ: مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ رَجُلًا أَعْطَيْتُهُ عَطَاءً سِوَى مَا أَخَذَ فِي الشَّامِ، وَأَعْفَيْتُهُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْهِنْدِ. فَسَارَعُوا إِلَى ذَلِكَ، فَتَوَجَّهَ مُقَدِّمُهُمْ، وَهُوَ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ، وَمَعَهُ سِتُّمِائَةٍ مِنْهُمْ، فَضَمَّ إِلَيْهِ خَالِدٌ مِائَتَيْنِ مِنَ الشُّرَطِ، فَالْتَقَوْا عَلَى الْفُرَاتِ، فَقَالَ الْقَيْنِيُّ لِمَنْ مَعَهُ مِنَ الشُّرَطِ: لَا تَكُونُوا مَعَنَا لِيَكُونَ الظَّفَرُ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ. وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَحَمَلَ عَلَى الْقَيْنِيِّ فَأَنْفَذَهُ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ الشَّامِ وَالشُّرَطِ، وَتَبِعَهُمْ بُهْلُولٌ وَأَصْحَابُهُ يَقْتُلُونَهُمْ حَتَّى بَلَغُوا الْكُوفَةَ. فَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَكَانُوا عَلَى خَيْلٍ جِيَادٍ فَفَاتُوهُ، وَأَمَّا شُرَطُ الْكُوفَةِ فَأَدْرَكَهُمْ، فَقَالُوا: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّا مُكْرَهُونَ مَقْهُورُونَ، فَجَعَلَ يَقْرَعُ رُءُوسَهُمْ بِالرُّمْحِ وَيَقُولُ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ. فَوَجَدَ بُهْلُولٌ مَعَ الْقَيْنِيِّ بَدْرَةً فَأَخَذَهَا. وَكَانَ فِي الْكُوفَةِ سِتَّةٌ يَرَوْنَ رَأْيَ بُهْلُولٍ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَقُتِلُوا بِصَرِيفِينَ، فَخَرَجَ بُهْلُولٌ وَمَعَهُ الْبَدْرَةُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ حَتَّى أُعْطِيَهُ هَذِهِ الْبَدْرَةَ ؟ فَجَاءَ قَوْمٌ فَقَالُوا: نَحْنُ قَتَلْنَاهُمْ، وَهُمْ يَظُنُّونَهُ مِنْ عِنْدِ خَالِدٍ، فَقَالَ بُهْلُولٌ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ: أَصَدَقَ هَؤُلَاءِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَقَتَلَهُمْ وَتَرَكَ أَهْلَ الْقَرْيَةِ. وَبَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ خَالِدًا وَمَا فَعَلَ بِصَرِيفِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ قَائِدًا مِنْ شَيْبَانَ أَحَدَ بَنِي حَوْشَبِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُوَيْمٍ، فَلَقِيَهُ فِيمَا بَيْنَ الْمَوْصِلِ وَالْكُوفَةِ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فَأَتَوْا خَالِدًا. فَارْتَحَلَ بُهْلُولٌ مِنْ يَوْمِهِ يُرِيدُ الْمَوْصِلَ، فَكَتَبَ عَامِلُ الْمَوْصِلِ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِهِمْ وَيَسْأَلُهُ جُنْدًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ: وَجِّهْ إِلَيْهِ كُثَارَةَ بْنَ بِشْرٍ. وَكَانَ هِشَامٌ لَا يَعْرِفُ بُهْلُولًا إِلَّا بِلَقَبِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْعَامِلُ أَنَّ الْخَارِجَ هُوَ كُثَارَةُ. ثُمَّ قَالَ بُهْلُولٌ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّا وَاللَّهِ مَا نَصْنَعُ بِابْنِ النَّصْرَانِيَّةِ شَيْئًا، يَعْنِي خَالِدًا، فَلِمَ لَا نَطْلُبُ الرَّأْسَ الَّذِي سَلَّطَ خَالِدًا ؟ فَسَارَ يُرِيدُ هِشَامًا بِالشَّامِ، فَخَافَ عُمَّالُ هِشَامٍ مِنْ هِشَامٍ إِنْ تَرَكُوهُ يَجُوزُ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَسَيَّرَ خَالِدٌ جُنْدًا مِنَ الْعِرَاقِ، وَسَيَّرَ عَامِلُ الْجَزِيرَةِ جُنْدًا مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَوَجَّهَ هِشَامٌ جُنْدًا مِنَ الشَّامِ، وَاجْتَمَعُوا بِدَيْرٍ بَيْنَ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَأَقْبَلَ بُهْلُولٌ إِلَيْهِمْ، وَقِيلَ الْتَقَوْا بِكُحَيْلٍ دُونَ الْمَوْصِلِ، فَنَزَلَ بُهْلُولٌ عَلَى بَابِ الدَّيْرِ وَهُوَ فِي سَبْعِينَ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَفَرًا وَقَاتَلَهُمْ عَامَّةَ نَهَارِهِ، وَكَانُوا عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَكْثَرَ فِيهِمُ الْقَتْلَ وَالْجِرَاحَ، ثُمَّ إِنَّ بُهْلُولًا وَأَصْحَابَهُ عَقَرُوا دَوَابَّهُمْ وَتَرَجَّلُوا فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ بُهْلُولٍ، فَطُعِنَ بُهْلُولٌ فَصُرِعَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: وَلِّ أَمْرَنَا. فَقَالَ: إِنْ هَلَكْتُ فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ دِعَامَةُ الشَّيْبَانِيُّ، وَإِنْ هَلَكَ فَأَمِّرُوا الْيَشْكُرِيَّ. وَمَاتَ بُهْلُولٌ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا هَرَبَ دِعَامَةُ وَخَلَّاهُمْ. فَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ يَرْثِي بُهْلُولًا: بُدِّلْتُ بَعْدَ أَبِي بِشْرٍ وَصُحْبَتِهِ قَوْمًا عَلَيَّ مَعَ الْأَحْزَابِ أَعْوَانًا     كَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ صَحَابَتِنَا وَلَمْ يَكُونُوا لَنَا بِالْأَمْسِ خِلَّانَا     يَا عَيْنُ أَذْرِي دُمُوعًا مِنْكِ تَهْتَانًا وَابْكِي لَنَا صُحْبَةً بَانُوا وَإِخْوَانَا     خَلَّوْا لَنَا ظَاهِرَ الدُّنْيَا وَبَاطِنَهَا وَأَصْبَحُوا فِي جِنَانِ الْخُلْدِ جِيرَانَا فَلَمَّا قُتِلَ بُهْلُولٌ خَرَجَ عَمْرٌو الْيَشْكُرِيُّ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قُتِلَ. وَخَرَجَ الْبَخْتَرِيُّ صَاحِبُ الْأَشْهَبِ، وَبِهَذَا كَانَ يُعْرَفُ، عَلَى خَالِدٍ فِي سِتِّينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ خَالِدٌ السِّمْطَ بْنَ مُسْلِمٍ الْبَجَلِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَالْتَقَوْا بِنَاحِيَةِ الْفُرَاتِ، فَانْهَزَمَتِ الْخَوَارِجُ، فَتَلَقَّاهُمْ عَبِيدُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَسِفْلَتُهُمْ فَرَمَوْهُمْ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُمْ. ثُمَّ خَرَجَ وَزِيرُ السِّخْتِيَانِيِّ عَلَى خَالِدٍ بِالْحِيرَةِ فِي نَفَرٍ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ إِلَّا أَحْرَقَهَا، وَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، وَغَلَبَ عَلَى مَا هُنَالِكَ وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ خَالِدٌ جُنْدًا فَقَاتَلُوا عَامَّةَ أَصْحَابِهِ وَأُثْخِنَ بِالْجِرَاحِ، وَأُتِيَ بِهِ خَالِدٌ، وَأَقْبَلَ عَلَى خَالِدٍ فَوَعَظَهُ، فَأَعْجَبَ خَالِدًا مَا سَمِعَ مِنْهُ فَلَمْ يَقْتُلْهُ وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ، وَكَانَ يُؤْتَى بِهِ فِي اللَّيْلِ فَيُحَادِثُهُ. فَسُعِيَ بِخَالِدٍ إِلَى هِشَامٍ وَقِيلَ: أَخَذَ حَرُورِيًّا قَدْ قَتَلَ وَحَرَّقَ وَأَبَاحَ الْأَمْوَالَ فَجَعَلَهُ سَمِيرًا، فَغَضِبَ هِشَامٌ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ، وَكَانَ خَالِدٌ يَقُولُ: إِنِّي أَنْفَسُ بِهِ عَنِ الْمَوْتِ، فَأَخَّرَ قَتْلَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ ثَانِيًا يَذُمُّهُ وَيَأْمُرُهُ بِقَتْلِهِ وَإِحْرَاقِهِ، فَقَتَلَهُ وَأَحْرَقَهُ وَنَفَرًا مَعَهُ، وَلَمْ يَزَلْ يَتْلُو الْقُرْآنَ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ يَقْرَأُ: ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ).

  468. التاريخ 2559لا حكم مسجّل

    خُرُوجِ الصَّحَارِيِّ بْنِ شَبِيبٍ  وَفِي سنة تسع عشرة ومائة خَرَجَ الصَّحَارِيُّ بْنُ شَبِيبِ بْنِ يَزِيدَ بِنَاحِيَةِ حُبَلَ، وَكَانَ قَدْ أَتَى خَالِدًا يَسْأَلُهُ الْفَرِيضَةَ، فَقَالَ خَالِدٌ: وَمَا يَصْنَعُ ابْنُ شَبِيبٍ بِالْفَرِيضَةِ ؟ فَمَضَى، وَنَدِمَ خَالِدٌ وَخَافَ أَنْ يَفْتِقَ عَلَيْهِ [ فَتْقًا ]، فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى حُبَلَ، وَبِهَا نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالُوا: وَمَا تَرْجُو مِنِ ابْنِ النَّصْرَانِيَّةِ ؟ كُنْتَ أَوْلَى أَنْ تَسِيرَ إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَتَضْرِبَهُ بِهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ الْفَرِيضَةَ، وَمَا أَرَدْتُ إِلَّا التَّوَصُّلَ إِلَيْهِ لِئَلَّا يُنْكِرَنِي ثُمَّ أَقْتُلَهُ بِفُلَانٍ، يَعْنِي بِفُلَانٍ رَجُلًا مِنْ قَعَدَةِ الصُّفْرِيَّةِ، وَكَانَ خَالِدٌ قَتَلَهُ صَبْرًا، ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَتَبِعَهُ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ رَجُلًا وَخَرَجَ بِهِمْ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ خَالِدًا وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ خِفْتُهَا مِنْهُ، ثُمَّ وَجَّهَ إِلَيْهِ خَالِدٌ جُنْدًا، فَلَقُوهُ بِنَاحِيَةِ الْمَنَاذِرِ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا فَقَتَلُوهُ وَجَمِيعَ أَصْحَابِهِ.

  469. التاريخ 2560لا حكم مسجّل

    غَزْوَةِ أَسَدٍ الْخُتُّلَ  وَفِيهَا غَزَا أَسَدٌ الْخُتُّلَ، فَوَجَّهَ مُصْعَبَ بْنَ عَمْرٍو الْخُزَاعِيَّ إِلَيْهَا، فَسَارَ فَنَزَلَ بِقُرْبِ بَدْرِ طَرْخَانَ فَطَلَبَ الْأَمَانَ لِيَخْرُجَ إِلَى أَسَدٍ، فَآمَنَهُ مُصْعَبٌ، فَسَيَّرَهُ إِلَى أَسَدٍ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَبَى أَسَدٌ وَقَالَ: إِنَّكَ دَخَلْتَهَا وَأَنْتَ غَرِيبٌ مِنْ أَهْلِ الْبَامْيَانِ، اخْرُجْ مِنَ الْخُتُّلِ كَمَا دَخَلْتَ. قَالَ بَدَرْطَرْخَانِ: فَأَنْتَ دَخَلْتَ إِلَى خُرَاسَانَ عَلَى عَشَرَةٍ مِنَ الدَّوَابِّ وَلَوْ خَرَجْتَ مِنْهَا لَمْ تُحْتَمَلْ عَلَى خَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِنِّي دَخَلْتُ الْخُتُّلَ شَابًّا، فَارْدُدْ عَلَيَّ شَبَابِي، وَخُذْ مَا كَسَبْتُ مِنْهَا. فَغَضِبَ أَسَدٌ وَرَدَّهُ إِلَى مُصْعَبٍ لِيُمَكِّنَهُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى حِصْنِهِ، فَوَصَلَ بَدَرْطَرْخَانَ مَعَ مَوْلًى لِأَسَدٍ إِلَى مُصْعَبٍ، فَأَخَذَهُ سَلَمَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَهُوَ مِنَ الْمَوَالِي، وَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَنْدَمُ عَلَى تَرْكِهِ وَحَبْسِهِ عِنْدَهُ. وَأَقْبَلَ أَسَدٌ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لِمُجَشِّرِ بْنِ مُزَاحِمٍ: كَيْفَ أَنْتَ ؟ قَالَ مُجَشِّرٌ: كُنْتُ أَمْسِ أَحْسَنَ حَالًا مِنِّي الْيَوْمَ، كَانَ بَدَرْطَرْخَانُ فِي أَيْدِينَا وَعَرَضَ مَا عَرَضَ، فَلَا الْأَمِيرُ قَبِلَ مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ شَدَّ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ خَلَّى سَبِيلَهُ، وَأَمَرَ بِإِدْخَالِهِ حِصْنَهُ. فَنَدِمَ أَسَدٌ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَرْسَلَ إِلَى مُصْعَبٍ يَسْأَلُهُ: هَلْ دَخَلَ بَدَرْطَرْخَانُ حِصْنَهُ أَمْ لَا ؟ فَجَاءَ الرَّسُولُ فَوَجَدَهُ عِنْدَ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَحَوَّلَهُ أَسَدٌ إِلَيْهِ وَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَقَالَ: مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَوْلِيَاءَ أَبِي فُدَيْكٍ - رَجُلٌ مِنَ الْأَزْدِ كَانَ بَدَرْطَرْخَانُ قَدْ قَتَلَهُ ؟ - فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَزْدِ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: اضْرِبْ عُنُقَهُ، فَفَعَلَ. وَغَلَبَ أَسَدٌ عَلَى الْقَلْعَةِ الْعُظْمَى، وَبَقِيَتْ قَلْعَةٌ فَوْقَهَا صَغِيرَةٌ وَفِيهَا وَلَدُهُ وَأَمْوَالُهُ فَلَمْ يُوصَلْ إِلَيْهَا. وَفَرَّقَ أَسَدٌ الْعَسْكَرَ فِي أَوْدِيَةِ الْخُتُّلِ فَمَلَأَ أَيْدِيَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ، وَهَرَبَ أَهْلُهُ إِلَى الصِّينِ.

  470. التاريخ 2561لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ سنة تسع عشرة ومائة ( فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا الْوَلِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ أَرْضَ الرُّومِ   ). وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ إِرْمِينِيَّةَ، فَدَخَلَ بِلَادَ اللَّانِ  ، وَسَارَ فِيهَا حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا إِلَى بِلَادِ الْخَزَرِ، فَمَرَّ بِبَلَنْجَرَ وَسَمَنْدَرَ وَانْتَهَى إِلَى الْبَيْضَاءِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا خَاقَانُ، فَهَرَبَ خَاقَانُ مِنْهُ.

  471. التاريخ 2562لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ سنة تسع عشرة ومائة أَبُو شَاكِرٍ مَسْلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَحَجَّ مَعَهُ ابْنُ شِهَابٍ [ الزُّهْرِيُّ ]. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ كُلِّهِ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ، وَعَلَى خُرَاسَانَ أَخُوهُ أَسَدٌ، وَقِيلَ: كَانَ أَسَدٌ قَدْ هَلَكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا جَعْفَرَ بْنَ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيَّ. وَقِيلَ: إِنَّمَا هَلَكَ أَسَدٌ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَنَائِبُ إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانُ الْمُلَقَّبُ بِالْحِمَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  472. التاريخ 2563لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ مِنَ الْأَكَابِرِ   حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الْأَسَدِيُّ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ الْأَسَدِيُّ، مَوْلًى لِبَنِي كَاهِلٍ:   رَوَى عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ [ وَجَابِرٍ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] وَابْنِ أَبِي أَوْفَى. وَكَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: لَوْ رَأَيْتَ حَبِيبَ بْنَ أَبِي ثَابِتٍ سَاجِدًا لَقُلْتَ: مَيِّتٌ مِنْ طُولِ سُجُودِهِ، وَكَانَ كَرِيمًا، أَنْفَقَ عَلَى الْقُرَّاءِ مِائَةَ أَلْفٍ، وَكَانَ يَقُولُ: مَا اسْتَقْرَضْتُ شَيْئًا مِنْ أَحَدٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، أَقُولُ لَهَا: أَمْهِلِي حَتَّى يَجِيءَ مِنْ حَيْثُ أَحَبَّ. [وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. حَبِيبٌ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ حَبِيبٌ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ:   حَضَرَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَتَأَثَّرَ بِمَوْعِظَتِهِ، فَخَرَجَ مِمَّا كَانَ يَمْلِكُهُ وَتَعَبَّدَ. وَكَانَ لَهُ زَوْجَةٌ يُقَالُ لَهَا عَمْرَةُ تُنَبِّهُهُ فِي السَّحَرِ، وَتَقُولُ: قُمْ يَا رَجُلُ فَقَدْ ذَهَبَ اللَّيْلُ وَجَاءَ النَّهَارُ، وَبَيْنَ يَدَيْكَ طَرِيقٌ بَعِيدٌ، وَالزَّادُ قَلِيلٌ، وَقَوَافِلُ الصَّالِحِينَ قَدْ سَارَتْ قُدَّامَنَا وَبَقِينَا. عن خَلَفُ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: اشْتَرَى حَبِيبٌ الْفَارِسِيُّ نَفْسَهُ مِنْ رَبِّهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أَخْرَجَ بَدْرَةً فَقَالَ: يَا رَبِّ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ نَفْسِي بِهَذِهِ، وَأَخْرَجَ بَدْرَةً أُخْرَى، فَقَالَ: إِلَهِي إِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ تِلْكَ فَهَذِهِ شُكْرَانُهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: إِلَهِي إِنْ كُنْتَ لَمْ تَقْبَلِ [الْأُولَى] وَالثَّانِيَةَ فَاقْبَلْ هَذِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: إِلَهِي إِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ الثَّالِثَةَ فَهَذِهِ شُكْرٌ لَهَا. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَرِيَّا وَكَانَ جَارًا لِحَبِيبٍ، [قَالَ]: كُنْتُ إِذَا أَمْسَيْتُ سَمِعْتُ بُكَاءَهُ، وَإِذَا أَصْبَحْتُ سَمِعْتُ بُكَاءَهُ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَقُلْتُ: مَا شَأْنُهُ يَبْكِي إِذَا أَمْسَى وَيَبْكِي إِذَا أَصْبَحَ؟ قَالَ: فَقَالَتْ لِي: يَخَافُ وَاللَّهِ إِذَا أَمْسَى أَنْ لَا يُصْبِحَ وَإِذَا أَصْبَحَ أَنْ لَا يُمْسِيَ. وعَنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ حَبِيبًا أَبَا مُحَمَّدٍ جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا عِنْدَ الْمَوْتِ، فَجَعَلَ يَقُولُ بِالْفَارِسِيَّةِ: أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ سَفَرًا مَا سَافَرْتُهُ قَطُّ، أُرِيدُ أَنْ أَسَلُكَ طَرِيقًا مَا سَلَكْتُهُ قَطُّ، أُرِيدُ أَنْ أَدْخُلَ تَحْتَ التُّرَابِ فَأَبْقَى تَحْتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أُوقَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَأَخَافَ أَنْ يَقُولَ لِي: حَبِيبُ، هَاتِ تَسْبِيحَةً وَاحِدَةً سَبَّحْتَنِي فِي سِتِّينَ سَنَةً لَمْ يَظْفَرْ بِكَ الشَّيْطَانُ فِيهَا، فَمَاذَا أَقُولُ وَلَيْسَ لِي حِيلَةٌ، أَقُولُ: يَا رَبِّ هُوَ ذَا قَدْ أَتَيْتُكَ مَقْبُوضَ الْيَدَيْنِ إِلَى عُنُقِي. قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ، سِتِّينَ سَنَةً مُشْتَغِلًا بِهِ وَلَمْ يَشْتَغِلْ مِنَ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ قَطُّ، فَأَيُّ شَيْءٍ حَالنَا؟ وَاغَوْثَاهْ بِاللَّهِ! مُجَمِّعُ بْنُ سَمْعَانَ مُجَمِّعُ بْنُ سَمْعَانَ،  أَبُو حَمْزَةَ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَرَى لَهُ أَمْرًا عَظِيمًا حَتَّى قَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِي أَرْجُو أَلَّا يَشُوبَهُ شَيْءٌ كَحُبِّي لِمُجَمِّعٍ التَّيْمِيِّ. وَقَالَ سُفْيَانُ: يُرْوَى عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَحَلَفَ: مَا مِنْ عَمَلِهِ شَيْءٌ أَوْثَقُ فِي نَفْسِهِ مِنْ حُبِّهِ مِنْ مُجَمِّعٍ التَّيْمِيِّ. وَكَانَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ يَقُولُ: وَمَنْ كَانَ أَوْرَعَ مِنْ مُجَمِّعٍ. وَرَأَى مُجَمِّعٌ فِي إِزَارِ سُفْيَانَ خَرْقًا فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، قَالَ سُفْيَانُ: لَا أَحْتَاجُ إِلَيْهَا، قَالَ: صَدَقْتَ، أَنْتَ لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَلَكِنِّي أَحْتَاجُ. وعن سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ مِسْعَرٌ: جَاءَ مُجَمِّعٌ إِلَى السُّوقِ بِشَاةٍ يَبِيعُهَا، فَقَالَ: يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ فِي لَبَنِهَا مُلُوحَةٌ. قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: دَعَا مُجَمِّعٌ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُمِيتَهُ قَبْلَ الْفِتْنَةِ فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَخَرَجَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ مِنَ الْغَدِ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ الْمَخْزُومِيُّ. وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ الْمَكِّيُّ. وَسُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَشْدَقُ.

  473. التاريخ 2564لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ  فِي سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ تُوُفِّيَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ بِمَدِينَةِ بَلْخٍ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ كَانَ بِهِ دُبَيْلَةٌ [ فِي جَوْفِهِ ] فَأَصَابَهُ مَرَضٌ، ثُمَّ أَفَاقَ مِنْهُ، فَخَرَجَ يَوْمًا فَأُتِيَ بِكُمَّثْرَى أَوَّلَ مَا جَاءَ، فَأَطْعَمَ النَّاسَ مِنْهُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، وَأَخَذَ كُمَّثْرَاةً فَرَمَى بِهَا إِلَى خُرَاسَانَ دِهْقَانَ هَرَاةَ فَانْقَطَعَتِ الدُّبَيْلَةُ فَهَلَكَ، وَاسْتَخْلَفَ جَعْفَرَ بْنَ حَنْظَلَةَ الْبَهْرَانِيَّ، فَعَمِلَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ جَاءَ عَهْدُ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ بِالْعَمَلِ فِي رَجَبٍ. وَكَانَ هَذَا خُرَاسَانَ دِهْقَانِ هَرَاةَ خِصِّيصًا بِأَسَدٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي الْمِهْرَجَانِ وَمَعَهُ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحَفِ مَا لَمْ يَحْمِلْ غَيْرُهُ مِثْلَهُ، وَكَانَتْ قِيمَةُ الْهَدِيَّةِ أَلْفَ أَلْفٍ. وَقَالَ لِأَسَدٍ: إِنَّا مَعْشَرَ الْعَجَمِ أَكَلْنَا الدُّنْيَا أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ بِالْحِلْمِ وَالْعَقْلِ وَالْوَقَارِ، وَكَانَ الرِّجَالُ فِينَا ثَلَاثَةً: مَيْمُونُ النَّقِيبَةِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهَ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالَّذِي يَلِيهِ رَجُلٌ تَمَّتْ مُرُوَّتُهُ فِي بَيْتٍ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ رَحَّبَ وَحَيَّا، وَرَجُلٌ رَحُبَ صَدْرُهُ وَبَسَطَ يَدَهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قَدَّمَ وَقَوَّدَ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ صِفَاتِ هَؤُلَاءِ فِيكَ، فَمَا نَعْلَمُ [ أَحَدًا ] هُوَ أَتَمُّ كَتْخُدَانِيَّةً مِنْكَ، إِنَّكَ عَزِيزٌ، ضَابِطٌ أَهْلَ بَيْتِكَ وَحَشَمَكَ وَمَوَالِيَكَ، فَلَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى صَغِيرٍ وَلَا كَبِيرٍ، ثُمَّ بَنَيْتَ الْإِيوَانَاتِ فِي الْمَفَاوِزِ مِنْ أَحْسَنِ مَا عُمِلَ، وَمِنْ يُمْنِ نَقِيبَتِكَ أَنَّكَ لَقِيتَ خَاقَانَ وَهُوَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَمَعَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ فَهَزَمْتَهُ وَفَلَلْتَهُ وَقَتَلَتْ أَصْحَابَهُ وَأَبَحْتَ عَسْكَرَهُ، وَأَمَّا رُحْبُ صَدْرِكَ وَبَسْطُ يَدِكَ فَإِنَّا لَا نَدْرِي أَيُّ الْمَالَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكَ، أَمَالٌ قَدِمَ عَلَيْكَ أَمْ مَالٌ خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ ؟ بَلْ أَنْتَ بِمَا خَرَجَ أَقَرُّ عَيْنًا. فَضَحِكَ أَسَدٌ وَقَالَ: أَنْتَ خَيْرُ دَهَاقِينِنَا، وَفَرَّقَ جَمِيعَ الْهَدِيَّةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. رثاء أسد بن عبد الله القسري وَلَمَّا مَاتَ أَسَدٌ رَثَاهُ ابْنُ عُرْسٍ الْعَبْدِيُّ فَقَالَ: نَعَى أَسَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ نَاعِ فَرِيعَ الْقَلْبُ لِلْمَلِكِ الْمُطَاعِ     بِبَلْخٍ وَافَقَ الْمِقْدَارُ يُسْرِي وَمَا لِقَضَاءِ رَبِّكَ مِنْ دِفَاعِ     فَجُودِي عَيْنُ بِالْعَبَرَاتِ سَحًّا أَلَمْ يُحْزِنْكِ تَفْرِيقُ الْجِمَاعِ فِي أَبْيَاتٍ غَيْرِهَا. وَلَمَّا مَاتَ أَسَدٌ كَتَبَ مَسْلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ أَبُو شَاكِرٍ، إِلَى خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ: أَرَاحَ مِنْ خَالِدٍ فَأَهْلَكَهُ     رَبٌّ أَرَاحَ الْعِبَادَ مِنْ أَسَدِ أَمَّا أَبُوهُ فَكَانَ مُؤْتَشِبًا     عَبْدًا لَئِيمًا لِأَعْبُدٍ فَقَدِ يَرَى الزِّنَى وَالصَّلِيبَ وَالْخَمْرَ     وَالْخِنْزِيرَ حِلًّا وَالْغَيَّ كَالرَّشَدِ وَأُمُّهُ هَمُّهَا وَبُغْيَتُهَا     هَمُّ الْإِمَاءِ الْعَوَاهِرِ الشُّرَدِ كَافِرَةٌ بِالنَّبِيِّ مُؤْمِنَةٌ     بِقَسِّهَا وَالصَّلِيبِ وَالْعُمَدِ يَعْنِي الْمَعْمُودِيَّةَ. فَلَمَّا قَرَأَ خَالِدٌ الْكِتَابَ قَالَ: يَا عِبَادَ اللَّهِ مَنْ رَأَى كَهَذِهِ تَعْزِيَةَ رَجُلٍ مِنْ أَخِيهِ ؟ وَكَانَ مَا بَيْنَ خَالِدٍ وَأَبِي شَاكِرٍ مُبَاعَدَةٌ، وَسَبَبُهَا أَنَّ هِشَامًا يُرَشِّحُ ابْنَهُ أَبَا شَاكِرٍ لِلْخِلَافَةِ، فَقَالَ الْكُمَيْتُ: إِنَّ الْخِلَافَةَ كَائِنٌ أَوْتَادُهَا     بَعْدَ الْوَلِيدِ إِلَى ابْنِ أُمِّ حَكِيمِ يَعْنِي أَبَا شَاكِرٍ، وَأُمَّهُ أُمَّ حَكِيمٍ، فَبَلَغَ الشِّعْرُ خَالِدًا فَقَالَ: أَنَا كَافِرٌ بِكُلِّ خَلِيفَةٍ يُكَنَّى أَبَا شَاكِرٍ، فَسَمِعَهَا أَبُو شَاكِرٍ فَحَقَدَهَا عَلَيْهِ.

  474. التاريخ 2565لا حكم مسجّل

    شِيعَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ بِخُرَاسَانَ  وَفِي سنة عشرين ومائة اسْتَبْطَأَتْ شِيعَةُ آلِ الْعَبَّاسِ كِتَابَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ كَانَ عَتَبَ عَلَيْهِمْ فِي اتِّبَاعِهِمْ ذَلِكَ الزِّنْدِيقَ الْمُلَقَّبَ بِخِدَاشٍ وَكَانَ خُرَّمِيًّا، وَهُوَ الَّذِي أَحَلَّ لَهُمُ الْمُنْكِرَاتِ، وَدَنَّسَ الْمَحَارِمَ وَالْمُصَاهِرَاتِ، فَقَتَلَهُ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ، فَعَتَبَ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ فِي تَصْدِيقِهِمْ لَهُ وَاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ عَلَى الْبَاطِلِ، فَلَمَّا اسْتَبْطَأُوا كِتَابَهُ إِلَيْهِمْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا يَخْبُرُ لَهُمْ أَمَرَهُ، وَبَعَثُوا هُمْ أَيْضًا رَسُولًا، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُهُمْ أَعْلَمَهُ مُحَمَّدٌ بِمَاذَا عَتَبَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الْخُرَّمِيِّ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ مَعَ الرَّسُولِ كِتَابًا مَخْتُومًا، فَلَمَّا فَتَحُوهُ إِذَا هُوَ لَيْسَ فِيهِ سِوَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، تَعْلَمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا عَتَبْنَا عَلَيْكُمْ بِسَبَبِ الْخُرَّمِيُّ. ثُمَّ وَجَّهَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَيْهِمْ بُكَيْرَ بْنَ مَاهَانَ بَعْدَ عَوْدِ سُلَيْمَانَ مِنْ عِنْدِهِ، وَكَتَبَ مَعَهُ إِلَيْهِمْ يُعْلِمُهُمْ كَذِبَ خِدَاشٍ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَاسْتَخَفُّوا بِهِ، فَانْصَرَفَ بُكَيْرٌ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَبَعَثَ مَعَهُ بِعِصِيٍّ مُضَبَّبَةٍ بَعْضُهَا بِحَدِيدٍ وَبَعْضُهَا بِنُحَاسٍ، فَجَمَعَ بُكَيْرٌ النُّقَبَاءَ وَالشِّيعَةَ وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَصًا، فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لِسِيرَتِهِ فَتَابُوا وَرَجَعُوا.

  475. التاريخ 2566لا حكم مسجّل

    عَزْلِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ وَوِلَايَةِ يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ الثَّقَفِيِّ  وَفِي سنة عشرين ومائة عَزَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ خَالِدًا عَنْ أَعْمَالِهِ جَمِيعِهَا، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَسَبَبِهِ. قِيلَ: إِنَّ فَرُّوخَ أَبَا الْمُثَنَّى كَانَ عَلَى ضِيَاعِ هِشَامٍ بِنَهْرِ الرُّمَّانِ، فَثَقُلَ مَكَانُهُ عَلَى خَالِدٍ، فَقَالَ خَالِدٌ لَحَيَّانَ النَّبَطِيِّ: اخْرُجْ إِلَى هِشَامٍ وَزِدْ عَلَى فَرُّوخٍ، فَفَعَلَ حَيَّانُ ذَلِكَ وَتَوَلَّاهَا، فَصَارَ حَيَّانُ أَثْقَلَ عَلَى خَالِدٍ مِنْ فَرُّوخٍ، فَجَعَلَ يُؤْذِيهِ، فَيَقُولُ حَيَّانُ: لَا تُؤْذِنِي وَأَنَا صَنِيعَتُكَ، فَأَبَى إِلَّا أَذَاهُ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ بَثَقَ الْبُثُوقَ عَلَى الضِّيَاعِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى هِشَامٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ خَالِدًا بَثَقَ الْبُثُوقَ عَلَى ضِيَاعِكَ. فَوَجَّهَ هِشَامٌ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا. فَقَالَ حَيَّانُ لِخَادِمٍ مِنْ خَدَمِ هِشَامٍ: إِنْ تَكَلَّمْتَ بِكَلِمَةٍ أَقُولُهَا لَكَ حَيْثُ يَسْمَعُ هِشَامٌ فَلَكَ أَلْفُ دِينَارٍ. قَالَ: فَعَجِّلْهَا [ وَأَقُولُ مَا شِئْتَ ]، فَأَعْطَاهُ أَلْفًا وَقَالَ لَهُ: تُبْكِي صَبِيًّا مِنْ صِبْيَانِ هِشَامٍ، فَإِذَا بَكَى فَقُلْ لَهُ: ( اسْكُتْ وَاللَّهِ لَكَأَنَّكَ ابْنُ خَالِدٍ ) الْقَسْرِيُّ الَّذِي غَلَّتُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفِ أَلْفٍ. فَفَعَلَ الْخَادِمُ، فَسَمِعَهَا هِشَامٌ، فَسَأَلَ حَيَّانَ عَنْ غَلَّةِ خَالِدٍ، فَقَالَ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفٍ، فَوَقَرَتْ فِي نَفْسِ هِشَامٍ. وَقِيلَ: كَانَتْ غَلَّتُهُ عِشْرِينَ أَلْفًا، وَإِنَّهُ حَفَرَ بِالْعِرَاقِ الْأَنْهَارَ، مِنْهَا نَهْرُ خَالِدٍ، وَبَاجِرَى، وَتَارْمَانَا، وَالْمُبَارَكُ، وَالْجَامِعُ، وَكُورَةُ سَابُورَ، وَالصِّلْحُ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: إِنِّي مَظْلُومٌ، مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ شَيْءٌ إِلَّا هُوَ لِي، يَعْنِي أَنَّ عُمَرَ جَعَلَ لِبَجِيلَةَ رُبْعَ السَّوَادِ. وَأَشَارَ عَلَيْهِ الْعُرْيَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ وَبِلَالُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ بِعَرْضِ أَمْلَاكِهِ عَلَى هِشَامٍ، لِيَأْخُذَ مِنْهَا مَا أَرَادَ، وَيَضْمَنَانِ لَهُ الرِّضَا، فَإِنَّهُمَا قَدْ بَلَغَهُمَا تَغَيُّرُ هِشَامٍ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَلَمْ يُجِبْهُمَا إِلَى شَيْءٍ. وَقِيلَ لِهِشَامٍ: إِنَّ خَالِدًا قَالَ لِوَلَدِهِ: مَا أَنْتَ بِدُونِ مَسْلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ ! وَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ آلِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى خَالِدٍ فِي مَجْلِسِهِ، فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَكَتَبَ إِلَى هِشَامٍ يَشْكُو خَالِدًا، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى خَالِدٍ يَذُمُّهُ وَيَلُومُهُ وَيُوَبِّخُهُ وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَمْشِيَ رَاجِلًا إِلَى بَابِهِ وَيَتَرَضَّاهُ، فَقَدْ جَعَلَ عَزْلَهُ وَوِلَايَتَهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَذْكُرُ هِشَامًا فَيَقُولُ: ابْنُ الْحَمْقَاءِ، وَكَانَ خَالِدٌ يَخْطُبُ فَيَقُولُ: زَعَمْتُمْ أَنِّي أُغْلِي أَسْعَارَكُمْ، فَعَلَى مَنْ يُغْلِيهَا لَعْنَةُ اللَّهِ ! وَكَانَ هِشَامٌ كَتَبَ إِلَيْهِ أَلَّا تَبِيعَنَّ مِنَ الْغَلَّاتِ شَيْئًا حَتَّى تُبَاعَ غَلَّاتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَبَلَغَتْ كَيْلَهَا دَرَاهِمَ. وَكَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا احْتَاجَ إِلَيْكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَبَلَغَ هَذَا جَمِيعُهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هِشَامًا فَتَنَكَّرَ لَهُ. وَبَلَغَهُ أَيْضًا أَنَّهُ يَسْتَقِلُّ وِلَايَةَ الْعِرَاقِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ: يَابْنَ أُمِّ خَالِدٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: مَا وِلَايَةُ الْعِرَاقِ لِي بِشَرَفٍ. يَابْنَ اللَّخْنَاءِ، كَيْفَ لَا تَكُونُ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ لَكَ شَرَفًا، وَأَنْتَ مِنْ بَجِيلَةَ الْقَلِيلَةِ الذَّلِيلَةِ ؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَأْتِيكَ صَغِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَشُدُّ يَدَيْكَ إِلَى عُنُقِكَ. وَلَمْ يَزَلْ يَبْلُغُهُ عَنْهُ مَا يَكْرَهُ، فَعَزَمَ عَلَى عَزْلِهِ، فَكَتَمَ ذَلِكَ وَكَتَبَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ بِالْيَمَنِ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَقْدَمَ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْعِرَاقِ فَقَدْ وَلَّاهُ ذَلِكَ، فَسَارَ يُوسُفُ إِلَى الْكُوفَةِ فَعَرَّسَ قَرِيبًا مِنْهَا، وَقَدْ خَتَنَ طَارِقٌ خَلِيفَةُ خَالِدٍ بِالْكُوفَةِ وَلَدَهُ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ أَلْفَ وَصِيفٍ وَوَصِيفَةٍ سِوَى الْأَمْوَالِ وَالثِّيَابِ، فَمَرَّ بِيُوسُفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَسَأَلُوهُ: مَا أَنْتُمْ وَأَيْنَ تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا: بَعْضَ الْمَوَاضِعِ. فَأَتَوْا طَارِقًا فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ وَأَمَرُوهُ بِقَتْلِهِمْ وَقَالُوا: إِنَّهُمْ خَوَارِجُ. فَسَارَ يُوسُفُ إِلَى دُورِ ثَقِيفٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: مَا أَنْتُمْ ؟ فَكَتَمُوا حَالَهُمْ وَأَمْرَ يُوسُفَ، فَجَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُضَرَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا دَخَلَ الْمَسْجِدَ مَعَ الْفَجْرِ وَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى، وَأَرْسَلَ إِلَى طَارِقٍ وَخَالِدٍ فَأَخَذَهُمَا وَإِنَّ الْقُدُورَ لَتَغْلِي. وَقِيلَ: لَمَّا أَرَادَ هِشَامٌ أَنْ يُوَلِّيَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ الْعِرَاقَ كَتَمَ ذَلِكَ، فَقَدِمَ جُنْدُبٌ مَوْلَى يُوسُفَ بِكِتَابِ يُوسُفَ إِلَى هِشَامٍ، فَقَرَأَهُ ثُمَّ قَالَ لِسَالِمِ بْنِ عَنْبَسَةَ وَهُوَ عَلَى الدِّيوَانِ: أَنْ أَجِبْهُ عَنْ لِسَانِكَ وَأْتِنِي بِالْكِتَابِ. وَكَتَبَ هِشَامٌ بِخَطِّهِ كِتَابًا صَغِيرًا إِلَى يُوسُفَ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَكَتَبَ سَالِمٌ الْكِتَابَ وَأَتَى بِهِ هِشَامًا، فَجَعَلَ كِتَابَهُ فِي وَسَطِهِ وَخَتَمَهُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولَ يُوسُفَ فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ وَمُزِّقَتْ ثِيَابَهُ، وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَيْهِ فَسَارَ. فَارْتَابَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَلِيفَةَ سَالِمٍ، فَقَالَ: هَذِهِ حِيلَةٌ، وَقَدْ وَلَّى يُوسُفَ الْعِرَاقَ، فَكَتَبَ إِلَى عِيَاضٍ، وَهُوَ نَائِبُ سَالِمٍ بِالْعِرَاقِ: إِنَّ أَهْلَكَ قَدْ بَعَثُوا إِلَيْكَ بِالثَّوْبِ الْيَمَانِيِّ، فَإِذَا أَتَاكَ فَالْبَسْهُ، وَاحَمْدِ اللَّهَ تَعَالَى، ( وَأَعْلِمْ ذَلِكَ طَارِقًا ). فَأَعْلَمَ عِيَاضٌ طَارِقَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ بِالْكِتَابِ لَهُ. ثُمَّ نَدِمَ بَشِيرٌ عَلَى كِتَابِهِ، فَكَتَبَ إِلَى عِيَاضٍ: ( إِنَّ أَهْلَكَ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِي إِمْسَاكِ ) الثَّوْبِ. فَأَتَى عِيَاضٌ ) بِالْكِتَابِ الثَّانِي إِلَى طَارِقٍ، فَقَالَ طَارِقٌ: الْخَبَرُ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ بَشِيرًا نَدِمَ وَخَافَ أَنْ يَظْهَرَ الْخَبَرُ. وَرَكِبَ طَارِقٌ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى خَالِدٍ وَهُوَ بِوَاسِطٍ، فَرَآهُ دَاوُدُ الْبَرِيدِيُّ، وَكَانَ عَلَى حِجَابَةِ خَالِدٍ وَدِيوَانِهِ، فَأَعْلَمَ خَالِدًا، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَا أَقْدَمَكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ ؟ قَالَ: أَمْرٌ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فِيهِ، كُنْتُ قَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْأَمِيرِ أُعَزِّيهِ بِأَخِيهِ أَسَدٍ، وَإِنَّمَا كَانَ يَجِبُ أَنْ آتِيَهُ مَاشِيًا. فَرَقَّ خَالِدٌ وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَمَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ لَمَّا غَابَ دَاوُدُ، قَالَ: مَا الرَّأْيُ ؟ قَالَ: تَرْكَبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَتَعْتَذِرُ إِلَيْهِ مِمَّا بَلَغَهُ عَنْكَ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ. قَالَ: فَتُرْسِلُنِي إِلَيْهِ حَتَّى آتِيَكَ بِإِذْنِهِ. قَالَ: وَلَا هَذَا. قَالَ: فَأَذْهَبُ فَأَضْمَنُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَمِيعَ مَا انْكَسَرَ فِي هَذِهِ السِّنِينَ وَآتِيكَ بِعَهْدِهِ. قَالَ: وَكَمْ مَبْلَغُهُ ؟ قَالَ: مِائَةُ أَلْفِ أَلْفٍ. قَالَ: وَمِنْ أَيْنَ آخُذُهَا ؟ وَاللَّهِ مَا أَجِدُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ ! قَالَ: أَتَحَمَّلُ أَنَا وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ. قَالَ: إِنِّي إِذًا لَلَئِيمٌ إِنْ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُمْ شَيْئًا وَأَعُودُ فِيهِ. فَقَالَ طَارِقٌ: إِنَّمَا نَفْدِيكَ وَنَفْدِي أَنْفُسَنَا بِأَمْوَالِنَا وَتُسْتَأْنَفُ الدُّنْيَا، وَتَبْقَى النِّعْمَةُ عَلَيْكَ وَعَلَيْنَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَجِيءَ مَنْ يُطَالِبُنَا بِالْأَمْوَالِ ( وَهِيَ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَيَتَرَبَّصُونَ فَنُقْتَلُ وَيَأْكُلُونَ تِلْكَ الْأَمْوَالَ ). فَأَبَى خَالِدٌ. فَوَدَّعَهُ طَارِقٌ وَبَكَى وَقَالَ: هَذَا آخِرُ مَا نَلْتَقِي فِي الدُّنْيَا. وَمَضَى إِلَى الْكُوفَةِ وَخَرَجَ خَالِدٌ إِلَى الْجَمَّةِ. وَقَدِمَ رَسُولُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الْيَمَنَ فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ سَاخِطٌ، وَقَدْ ضَرَبَنِي وَلَمْ يَكْتُبْ جَوَابَ كِتَابِكَ، وَهَذَا كِتَابُ سَالِمٍ صَاحِبِ الدِّيوَانِ. فَقَرَأَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى آخِرِهِ قَرَأَ كِتَابَ هِشَامٍ بِخَطِّهِ وَوِلَايَةِ الْعِرَاقِ، وَيَأْمُرُهُ أَنْ يَأْخُذَ ابْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، يَعْنِي خَالِدًا، وَعُمَّالَهُ وَيُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَشْتَفِيَ. فَأَخَذَ دَلِيلًا وَسَارَ مِنْ يَوْمِهِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْيَمَنِ ابْنَهُ الصَّلْتَ، فَقَدِمَ الْكُوفَةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَنَزَلَ النَّجَفَ، وَأَرْسَلَ مَوْلَاهُ كَيْسَانَ وَقَالَ: انْطَلِقْ فَأْتِنِي بِطَارِقٍ، فَإِنْ أَقْبَلَ فَاحْمِلْهُ عَلَى إِكَافٍ، وَإِنْ لَمْ يُقْبِلْ فَأْتِ بِهِ سَحْبًا. فَأَتَى كَيْسَانُ الْحِيرَةَ فَأَخَذَ مَعَهُ عَبْدَ الْمَسِيحِ سَيِّدَ أَهْلِهَا إِلَى طَارِقٍ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ يُوسُفَ قَدْ قَدِمَ عَلَى الْعِرَاقِ وَهُوَ يَسْتَدْعِيكَ. فَقَالَ طَارِقٌ لَكَيْسَانَ: إِنْ أَرَادَ الْأَمِيرُ الْمَالَ أَعْطَيْتُهُ مَا سَأَلَ. وَأَقْبَلُوا بِهِ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ فَتَوَافَوْا بِالْحِيرَةِ، فَضَرَبَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، يُقَالُ خَمْسُمِائَةِ سَوْطٍ، وَدَخَلَ الْكُوفَةَ، وَأَرْسَلَ عَطَاءَ بْنَ مُقَدِّمٍ إِلَى خَالِدٍ بِالْجَمَّةِ، فَأَتَى الرَّسُولُ حَاجِبَهُ وَقَالَ: اسْتَأْذِنْ [ لِي ] عَلَى أَبِي الْهَيْثَمِ، فَدَخَلَ عَلَى خَالِدٍ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ، فَقَالَ خَالِدٌ: مَا لَكَ ؟ قَالَ: خَيْرٌ. قَالَ: مَا عِنْدَكَ خَيْرٌ ! قَالَ: عَطَاءٌ [ قَالَ ]: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى أَبِي الْهَيْثَمِ. فَقَالَ: ايذَنْ لَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: وَيْلُ أُمِّهَا سَخْطَةٌ ! ثُمَّ أَخَذَهُ فَحَبَسَهُ، وَصَالَحَهُ عَنْهُ أَبَانُ بْنُ الْوَلِيدِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى تِسْعَةِ آلَافِ أَلْفٍ، فَقِيلَ لِيُوسُفَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَأَخَذْتَ مِنْهُ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ، فَنَدِمَ وَقَالَ: قَدْ رَهَنْتُ لِسَانِي مَعَهُ وَلَا آمَنُ وَلَا أَرْجِعُ. وَأَخْبَرَ أَصْحَابُ خَالِدٍ خَالِدًا فَقَالَ: قَدْ أَخْطَأْتُمْ وَلَا آمَنُ أَنْ يَأْخُذَهَا ثُمَّ يَعُودُ، ارْجِعُوا، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ خَالِدًا لَمْ يَرْضَ، فَقَالَ: قَدْ رَجَعْتُمْ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَرْضَى بِمِثْلِهَا وَلَا مِثْلَيْهَا، فَأَخَذَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: أَخَذَ مِائَةَ أَلْفٍ. فَأَرْسَلَ يُوسُفَ إِلَى بِلَالِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، فَقَبَضَهُ، وَكَانَ قَدِ اتَّخَذَ بِلَالٌ بِالْكُوفَةِ دَارًا لَمْ يَنْزِلْهَا، فَأَحْضَرَهُ يُوسُفُ مُقَيَّدًا فَأَنْزَلَهُ الدَّارَ، ثُمَّ جُعِلَتْ سِجْنًا. وَكَانَ خَالِدٌ يَصِلُ الْهَاشِمِيِّينَ وَيَبَرُّهُمْ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِيَسْتَحْمِيَهُ فَلَمْ يَرَ مِنْهُ مَا يُحِبُّ، فَقَالَ: أَمَّا الصِّلَةُ فَلِلْهَاشِمِيِّينَ، وَلَيْسَ لَنَا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ يَلْعَنُ عَلِيًّا، فَبَلَغَتْ خَالِدًا فَقَالَ: إِنْ أَحَبَّ نِلْنَا عُثْمَانَ بِشَيْءٍ. وَكَانَ خَالِدٌ مَعَ هَذَا يُبَالِغُ فِي سَبِّ عَلِيٍّ، فَقِيلَ: كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ، وَتَقَرُّبًا إِلَى الْقَوْمِ. وَكَانَتْ وِلَايَةُ خَالِدٍ الْعِرَاقَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ، وَعُزِلَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، ولاية يوسف بن عمر الثقفي العراق وبعض من أخباره وَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ الْعِرَاقَ كَانَ الْإِسْلَامُ ذَلِيلًا وَالْحُكْمُ فِيهِ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ نَوْفَلَ فِيهِ: أَتَانَا وَأَهْلُ الشِّرْكِ أَهْلُ زَكَاتِنَا وَحُكَّامُنَا فِيمَا نُسِرُّ وَنَجْهَرُ     فَلَمَّا أَتَانَا يُوسُفُ الْخَيْرِ أَشْرَقَتْ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى كُلُّ وَادٍ مُنَوَّرُ     وَحَتَّى رَأَيْنَا الْعَدْلَ فِي النَّاسِ ظَاهِرًا وَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الْعُقَيْلِيِّ يَظْهَرُ فِي أَبْيَاتٍ. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: أَرَانَا وَالْخَلِيفَةُ إِذْ رَمَانَا     مَعَ الْإِخْلَاصِ بِالرَّجُلِ الْجَدِيدِ كَأَهْلِ النَّارِ حِينَ دَعَوْا أُغِيثُوا     جَمِيعًا بِالْحَمِيمِ وَبِالصَّدِيدِ وَكَانَ فِي يُوسُفَ أَشْيَاءُ مُتَبَايِنَةٌ مُتَنَاقِضَةٌ، كَانَ طَوِيلَ الصَّلَاةِ، مُلَازِمًا لِلْمَسْجِدِ، ضَابِطًا لِحَشَمِهِ وَأَهْلِهِ عَنِ النَّاسِ، لَيِّنَ الْكَلَامِ، مُتَوَاضِعًا، حَسَنَ الْمَلَكَةِ، كَثِيرَ التَّضَرُّعِ وَالدُّعَاءِ، فَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا حَتَّى يُصَلِّيَ الضُّحَى، يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَضَرَّعُ، وَكَانَ بَصِيرًا بِالشِّعْرِ وَالْأَدَبِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْعُقُوبَةِ مُسْرِفًا فِي ضَرْبِ الْأَبْشَارِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الثَّوْبَ الْجَدِيدَ فَيُمِرُّ ظُفْرَهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ طَاقُهُ ضَرَبَ صَاحِبَهُ وَرُبَّمَا قَطَعَ يَدَهُ. وَكَانَ أَحْمَقَ، أُتِيَ يَوْمًا بِثَوْبٍ فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الثَّوْبِ ؟ فَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ بُيُوتُهُ أَصْغَرَ مِمَّا هِيَ. فَقَالَ لِلْحَائِكِ: صَدَقَ يَابْنَ اللَّخْنَاءِ ! فَقَالَ الْحَائِكُ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذَا. فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: صَدَقَ يَابْنَ اللَّخْنَاءِ. فَقَالَ الْكَاتِبُ: هَذَا يَعْمَلُ فِي السَّنَةِ ثَوْبًا أَوْ ثَوْبَيْنِ، وَأَنَا يَمُرُّ عَلَى يَدَيَّ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةُ ثَوْبٍ مِثْلَ هَذَا. فَقَالَ لِلْحَائِكِ: صَدَقَ يَابْنَ اللَّخْنَاءِ ! فَلَمْ يَزَلْ يُكَذِّبُ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً حَتَّى عَدَّ أَبْيَاتَ الثَّوْبِ فَوَجَدَهَا تَنْقُصُ بَيْتًا مِنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الثَّوْبِ، فَضَرَبَ الْحَائِكَ مِائَةَ سَوْطٍ. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ أَرَادَ السَّفَرَ فَدَعَا جَوَارِيَهُ فَقَالَ لِإِحْدَاهُنَّ: تَخْرُجِينَ مَعِي ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: يَا خَبِيثَةُ كُلُّ هَذَا مِنْ حُبِّ النِّكَاحِ، يَا خَادِمُ اضْرِبْ رَأْسَهَا. وَقَالَ لِأُخْرَى: مَا تَقُولِينَ ؟ فَقَالَتْ: أُقِيمُ عَلَى وَلَدِي. فَقَالَ: يَا خَبِيثَةُ أَكُلُّ هَذَا زَهَادَةٌ فِيَّ ؟ اضْرِبْ رَأْسَهَا. وَقَالَ لِثَالِثَةٍ: مَا تَقُولِينَ ؟ قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ، إِنْ قُلْتُ مَا قَالَتْ إِحْدَاهُمَا لَمْ آمَنْ عُقُوبَتَكَ. فَقَالَ: يَا لَخْنَاءُ أَوَتُنَاقِضِينَ وَتَحْتَجِّينَ ؟ اضْرِبْ رَأْسَهَا. فَضَرَبَ الْجَمِيعَ. وَكَانَ قَصِيرًا عَظِيمَ اللِّحْيَةِ، وَكَانَ يُحْضِرُ الثَّوْبَ الطَّوِيلَ لِيُفَصِّلَهُ لِيَلْبَسَهُ، فَإِنْ قَالَ الْخَيَّاطُ إِنَّهُ يُفَصِّلُ مِنْهُ ضَرَبَهُ، فَإِنْ قَالَ لَهُ الْخَيَّاطُ: لَا يَكْفِينَا إِلَّا بَعْدَ التَّصَرُّفِ فِي التَّفْصِيلِ، سَرَّهُ، فَكَانُوا يُفَصِّلُونَ لَهُ ثِيَابًا طِوَالًا وَيَأْخُذُونَ مَا يَنْبَغِي مِنَ الثَّوْبِ يُوهِمُونَهُ أَنَّ الثَّوْبَ لَمْ يَكْفِهِ فَيَرْضَى بِذَلِكَ. وَلَهُ فِي هَذَا الْبَابِ أَشْيَاءُ نَوَادِرُ، مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِكَاتِبٍ لَهُ: مَا حَبَسَكَ ؟ قَالَ: اشْتَكَيْتُ ضِرْسِي، فَدَعَا بِحَجَّامٍ يَقْلَعُهُ وَمَعَهُ ضِرْسٌ آخَرُ.

  476. التاريخ 2567لا حكم مسجّل

    وِلَايَةِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ الْكِنَانِيِّ خُرَاسَانَ  لَمَّا مَاتَ أَسَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اسْتَشَارَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ عَبْدَ الْكَرِيمِ بْنَ سُلَيْطٍ الْحَنَفِيَّ، وَكَانَ عَالِمًا بِخُرَاسَانَ، فِيمَنْ يُوَلِّيهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَّا رَجُلُ خُرَاسَانَ حَزْمًا وَنَجْدَةً فَالْكَرْمَانِيُّ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَقَالَ: مَا اسْمُهُ ؟ قَالَ جُدَيْعُ بْنُ عَلِيٍّ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ، وَتَطَيَّرَ، قَالَ: فَالْمُسِنُّ الْمُجَرِّبُ يَحْيَى بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ. قَالَ: رَبِيعَةُ لَا تُسَدُّ بِهَا الثُّغُورُ. قَالَ عَبْدُ الْكَرِيمِ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ رَبِيعَةَ وَالْيَمَنَ فَأَرْمِيهِ بِمُضَرَ، فَقُلْتُ: عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلٍ اللِّيثِيُّ إِنْ غَفَرْتَ هَنَةً. قَالَ: مَا هِيَ ؟ قُلْتُ: لَيْسَ بِالْعَفِيفِ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. قُلْتُ: مَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْخَرْقَاءِ السُّلَمِيُّ إِنْ غَفَرْتَ نُكْرَهُ فَإِنَّهُ مَشْئُومٌ. قَالَ: غَيْرُهُ. قُلْتُ: فَالْمُجَشِّرُ بْنُ مُزَاحِمٍ السُّلَمِيُّ ; عَاقِلٌ شُجَاعٌ لَهُ رَأْيٌ مَعَ كَذِبٍ فِيهِ. قَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْكَذِبِ. قُلْتُ: يَحْيَى بْنُ الْحُضَيْنِ. قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّ رَبِيعَةَ لَا تُسَدُّ بِهَا الثُّغُورُ ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ. قَالَ: هُوَ لَهَا. قُلْتُ: إِنْ غَفَرْتَ وَاحِدَةً، فَإِنَّهُ عَفِيفٌ مُجَرِّبٌ عَاقِلٌ. قَالَ: مَا هِيَ ؟ قُلْتُ: عَشِيرَتُهُ بِهَا قَلِيلَةٌ. قَالَ لَا أَبَا لَكَ ! [ أَتُرِيدُ عَشِيرَةً ] أَكْثَرَ مِنِّي ؟ أَنَا عَشِيرَتُهُ. فَكَتَبَ عَهْدَهُ وَبَعَثَهُ مَعَ عَبْدِ الْكَرِيمِ. وَقَدْ قِيلَ: عُرِضَ عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ الشِّخِّيرِ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ صَاحِبُ شَرَابٍ، وَقِيلَ لَهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُضَيْنِ: إِنَّهُ كَثِيرُ التِّيهِ، وَقِيلَ لَهُ عَنْ قَطَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ: إِنَّهُ مَوْتُورٌ، فَلَمْ يُوَلِّهِمْ فَاسْتَعْمَلَ نَصْرًا. وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ أَسَدٌ عَلَى خُرَاسَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ قَدْ عَرَضَ عَلَى نَصْرٍ أَنْ يُوَلِّيَهُ بُخَارَى، فَاسْتَشَارَ الْبَخْتَرِيَّ بْنَ مُجَاهِدٍ مَوْلَى بَنِي شَيْبَانَ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَقْبَلْهَا لِأَنَّكَ شَيْخُ مُضَرَ بِخُرَاسَانَ، وَكَأَنَّكَ بِعَهْدِكَ قَدْ جَاءَ عَلَى خُرَاسَانَ كُلِّهَا. فَلَمَّا أَتَاهُ عَهْدُهُ بَعَثَ إِلَى الْبَخْتَرِيِّ لِيَأْتِيَهُ، فَقَالَ الْبَخْتَرِيُّ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ وَلِيَ نَصْرٌ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا أَتَاهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ؟ قَالَ: كُنْتَ تَأْتِينِي، فَلَمَّا بَعَثْتَ إِلَيَّ عَلِمْتُ أَنَّكَ قَدْ وَلِيتَ. وَأَعْطَى نَصْرٌ عَبْدَ الْكَرِيمِ لَمَّا أَتَاهُ بِعَهْدِهِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى بَلْخٍ مُسْلِمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَرْوِ الرُّوذِ وَسَّاجَ بْنَ بُكَيْرِ بْنِ وَسَّاجٍ، وَعَلَى هَرَاةَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَشْرَجِ، وَعَلَى نَيْسَابُورَ زِيَادَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيَّ، وَعَلَى خَوَارِزْمَ أَبَا حَفْصِ بْنَ عَلِيٍّ خَتَنَهُ، وَعَلَى الصُّغْدِ قَطَنَ بْنَ قُتَيْبَةَ. قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَمَانِيَّةِ: مَا رَأَيْتُ عَصَبِيَّةً مِثْلَ هَذَا. قَالَ: بَلَى، الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا، فَلَمْ يَسْتَعْمِلْ أَرْبَعَ سِنِينَ إِلَّا مُضَرِيًّا. وَعُمِرَتْ خُرَاسَانُ عِمَارَةً لَمْ تُعْمَرْ قَبْلَهَا، وَأَحْسَنَ الْوِلَايَةَ وَالْجِبَايَةَ، فَقَالَ سَوَّارُ بْنُ الْأَشْعَرِ: أَضْحَتْ خُرَاسَانُ بَعْدَ الْخَوْفِ آمِنَةً مِنْ ظُلْمِ كُلِّ غَشُومِ الْحُكْمِ جَبَّارِ     لَمَّا أَتَى يُوسُفًا أَخْبَارُ مَا لَقِيَتْ اخْتَارَ نَصْرًا لَهَا نَصْرَ بْنَ سَيَّارِ وَأَتَى نَصْرًا عَهْدَهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ.

  477. التاريخ 2568لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي سنة عشرين ومائة غَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّائِفَةَ  ، وَافْتَتَحَ سَنْدَرَةَ. وَفِيهَا غَزَا إِسْحَاقُ بْنُ مُسْلِمٍ الْعُقَيْلِيُّ تُومَانْشَاهْ، وَافْتَتَحَ قِلَاعَهَا وَخَرَّبَ أَرْضَهَا. وَفِيهَا غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِمَارُ بِلَادَ التُّرْكِ  . وكَانَ قَدْ وَلَّاهُ هِشَامٌ أَرْمِينِيَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الدُّخُولِ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ هِشَامٌ: كَيْفَ أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ قَبْلِي، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ النَّاسَ يَشْتَهُونَ ذَلِكَ وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ خَيْرٌ، فَأَذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ وَالْقَوْمُ غَارُّونَ فَهَرَبُوا إِلَى الْآجَامِ، فَأَضْرَمَهَا نَارًا، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ بِالْخَبَرِ.

  478. التاريخ 2569لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ في سنة عشرين ومائة مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ، وَقِيلَ: حَجَّ بِهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَقِيلَ: أَخُوهُ يَزِيدُ بْنُ هِشَامٍ. وَكَانَ الْعَامِلَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَى الْعِرَاقِ وَالْمَشْرِقِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَقَدْ أَمَرَهُ هِشَامٌ أَنْ يُكَاتِبَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَيْهَا جَعْفَرُ بْنُ حَنْظَلَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ، اسْتَعْمَلَهُ يُوسُفُ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَامِرُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَعَلَى إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ ابْنُ شُبْرُمَةَ.

  479. التاريخ 2570لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي سَنَةُ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْأَكَابِرِ   سَلْمُ بْنُ قَيْسٍ الْعَلَوِيُّ سَلْمُ بْنُ قَيْسٍ الْعَلَوِيُّ:   يَرْوِي عَنْ أَنَسٍ. رَوَى عَنْهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. وَثَّقَهُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ. وَقَالَ يَحْيَى فِي رِوَايَةٍ: هُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ: ذَكَرْتُهُ لِشُعْبَةَ، فَقَالَ: الَّذِي يَرَى الْهِلَالَ قَبْلَ النَّاسِ بِيَوْمَيْنِ. قَالَ لَهُ الْحَسَنُ: خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَهِلَالِهِمْ حَتَّى يَرَوْهُ. قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقَالُ: إِنَّ أَشْفَارَ عَيْنَيْهِ ابْيَضَّتْ، وَكَانَ إِذَا أَبْصَرَ رَأَى أَشْفَارَ عَيْنَيْهِ فَيَظُنُّهَا الْهِلَالَ. وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَوْلَادِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، إِنَّمَا هُوَ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ [يُونَانَ، قِيلَ: كَانُوا بِالْبَصْرَةِ، وَثَمَّ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْعَلَوِيُّ مِنْ وَلَدِ عَلِيِّ بْنِ] الْأَسْوَدِ، يَرْوِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَثَمَّ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: جُنْدُبُ بْنُ سَرْحَانَ الْعَلَوِيُّ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ، حَدَّثَ عَنْ بَلِيغٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، وَمُدْلِجٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِوَلَدِهِ بَنُو عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمُ الدَّفْرَاءَ -وَاسْمُهَا فَكِيهَةُ- تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَبِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ مَسْعُودٍ الْغَسَّانِيُّ، فَنُسِبُوا إِلَيْهِ. وَإِيَّاهُمْ عَنَى أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ بِقَوْلِهِ: لِلَّهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ أَيِّمٌ مِنْهُمْ وَنَاكِحُ وَمَا عَدَا مَنْ ذَكَرْنَا مِمَّنْ يُقَالُ لَهُ الْعَلَوِيُّ فَمَنْسُوبٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، أَبُو مَعْبَدٍ الْمُقْرِئُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، أَبُو مَعْبَدٍ الْمُقْرِئُ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عَلْقَمَةَ الْكِنَانِيِّ، وَيُقَالُ: الدَّارِيُّ:   وَالدَّارُ بَطْنٌ مِنْ لَخْمٍ، وَهُوَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ الَّذِينَ كَانُوا بِصَنْعَاءَ، بَعَثَهُمْ كِسْرَى إِلَى الْيَمَنِ لَمَّا طَرَدَ الْحَبَشِيَّةَ عَنْهَا، وَهُوَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ. أَخَذَ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ. وَكَانَ ذَا دِينٍ وَوَرَعٍ، وَكَانَ عَطَّارًا، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، أَبُو عُمَرَ الظَّفَرِيُّ الْأَنْصَارِيُّ:   كَانَ لَهُ عِلْمٌ بِالسِّيَرِ وَالْمَغَازِي. رَوَى عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ ثِقَةً، وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ فِي دَيْنٍ لَزِمَهُ، فَقَضَاهُ عَنْهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِمَعُونَةٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَيُحَدِّثَ النَّاسَ بِمَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَنَاقِبِ أَصْحَابِهِ ؓ، وَقَالَ: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا يَكْرَهُونَ هَذَا وَيَنْهَوْنَ عَنْهُ، فَاجْلِسْ فَحَدِّثْ، فَفَعَلَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ الْجَدَلِيُّ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ الْجَدَلِيُّ: رَوَى عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، وَابْنِ جُبَيْرٍ. وَكَانَ مِنَ الْمُتَعَبِّدِينَ الْبَكَّاءِينَ، [وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. عن سُفْيَانُ، قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ يُصَلِّي حَتَّى السَّحَرَ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيَمُجُّ الْبُكَاءَ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ وَيَقُولُ: لِأَمْرٍ مَا خُلِقْنَا، لَئِنْ لَمْ نَأْتِ الْآخِرَةَ بِخَيْرٍ لَنَهْلِكَنَّ. مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعِ بْنِ جَابِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعِ بْنِ جَابِرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ:   أَسْنَدَ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ عَالِمًا خَيِّرًا مُتَوَاضِعًا، وَكَانَ الْحَسَنُ يُسَمِّيهِ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ وَيُخْفِي ذَلِكَ، وَكَانَ يَبْكِي طُولَ اللَّيْلِ حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ لَهُ: لَوْ كَانَ هَذَا قَتَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا مَا زَادَ عَلَى هَذَا. وَكَانَ يَخْرُجُ فَيَغْزُو، فَخَرَجَ مَرَّةً إِلَى التَّرْكِ مَعَ قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، فَقِيلَ لِقُتَيْبَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ يَرْفَعُ إِصْبَعَهُ -يَعْنِي يَدْعُو- فَقَالَ: تِلْكَ الْإِصْبَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ عَنَانٍ. عن عَلِيُّ بْنُ بَزِيعٍ الْهِلَالِيُّ، قَالَ: قَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، قَالَ: مَا اشْتَهَيْتُ أَنْ أَبْكِيَ قَطُّ حَتَّى أَشْتَفِيَ إِلَّا نَظَرْتُ إِلَى وَجْهِ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، وَكُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ قَدْ ثَكِلَ عَشَرَةً مِنَ الْحُزْنِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: كَانَ إِذَا قِيلَ بِالْبَصْرَةِ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى لَهُ كَثِيرَ عِبَادَةٍ، وَكَانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا بَصْرِيًّا وَسَاجًّا، وَكَانَ لَهُ عُلِّيَّةٌ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلَ ثُمَّ أَغْلَقَهَا عَلَيْهِ. وعَنْ يُونُسَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ يَقُولُ: لَوْ كَانَ يُوجَدُ لِلذُّنُوبِ رِيحٌ مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَدْنُوا مِنِّي مِنْ نَتْنِ رِيحِي. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بسنده حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ وَاسِعٍ يَقُولُ: وَاأَصْحَابَاهْ، [ذَهَبَ أَصْحَابِي]: قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ، أَلَيْسَ قَدْ نَشَأَ شَبَابٌ يَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيَقُومُونَ اللَّيْلَ، وَيُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ يَدَاخٌ وَثُفْلٌ أَفْسَدَهُمُ الْعُجْبُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بسنده عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، قَالَ: قَسَمَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَبَعَثَ إِلَى مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ فَقَبِلَ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: يَا مَالِكُ قَبِلْتَ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ، قَالَ: سَلْ جُلَسَائِي، فَقَالُوا: اشْتَرَى بِهَا رِقَابًا وَأَعْتَقَهُمْ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، أَقَلْبُكَ السَّاعَةَ لَهُ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَكَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، قَالَ: تَرَى أَيَّ شَيْءٍ دَخَلَ عَلَيْكَ؟ فَقَالَ مَالِكٌ لِجُلَسَائِهِ: [إِنَّمَا مَالِكٌ حِمَارٌ] إِنَّمَا يَعْبُدُ اللَّهَ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وعن حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ نَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ، فَجَاءَ يَحْيَى الْبَكَّاءُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالُوا: يَحْيَى الْبَكَّاءُ، فَقَالَ: إِنَّ شَرَّ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ نُسِبْتُمْ إِلَى الْبُكَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَبْكِي عِشْرِينَ سَنَةً وَامْرَأَتُهُ لَا تَعْلَمُ. وَقَالَ لِرَجُلٍ: هَلْ أَبْكَاكَ قَطُّ سَابِقُ عِلْمِ اللَّهِ فِيكَ. وعن مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزَّرَّادُ، قَالَ: رَأَى مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ ابْنًا لَهُ وَهُوَ يَخْطُرُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: وَيْحَكَ! تَعَالَ، تَدْرِي مَنْ أَنْتَ؟ أُمُّكَ اشْتَرَيْتُهَا بِمِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وَأَبُوكَ فَلَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلَهُ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: بسنده عَنْ حَزْمٍ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ: يَا إِخْوَتَاهُ، تَدْرُونَ أَيْنَ يُذْهَبُ بِي؟ يُذْهَبُ بِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَى النَّارِ أَوْ يَعْفُو عَنِّي. أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَكَانَ فَاضِلًا، وَكَانَ إِلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْحَجُّ، وَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَّاهُ إِمْرَةَ الْمَدِينَةِ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَّافِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنِ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا اضْطَجَعَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى فِرَاشِهِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِاللَّيْلِ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَفِيهَا مَاتَ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ. وَحَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ، وَوَاقِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَعَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الْكُوفِيُّ.

  480. التاريخ 2571لا حكم مسجّل

    ظُهُورِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ  وقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ خِلَافِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ زَيْدًا وَدَاوُدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدَ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَدِمُوا عَلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ بِالْعِرَاقِ فَأَجَازَهُمْ وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا وَلِيَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى هِشَامٍ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ خَالِدًا ابْتَاعَ مِنْ زَيْدٍ أَرْضًا بِالْمَدِينَةِ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، ثُمَّ رَدَّ الْأَرْضَ عَلَيْهِ، فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى عَامِلِ الْمَدِينَةِ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَيْهِ فَفَعَلَ، فَسَأَلَهُمْ هِشَامٌ عَنْ ذَلِكَ فَأَقَرُّوا بِالْجَائِزَةِ، وَأَنْكَرُوا مَا سِوَى ذَلِكَ وَحَلَفُوا، فَصَدَّقَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ لِيُقَابِلُوا خَالِدًا، فَسَارُوا عَلَى كُرْهٍ وَقَابَلُوا خَالِدًا، فَصَدَّقَهُمْ، فَعَادَوْا نَحْوَ الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا نَزَلُوا الْقَادِسِيَّةَ رَاسَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ زَيْدًا فَعَادَ إِلَيْهِمْ. وَقِيلَ: بَلِ ادَّعَى خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ أَنَّهُ أَوْدَعَ زَيْدًا وَدَاوُدَ بْنَ عَلِيٍّ وَنَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ مَالًا، فَكَتَبَ يُوسُفُ بِذَلِكَ إِلَى هِشَامٍ، فَأَحْضَرَهُمْ هِشَامٌ مِنَ الْمَدِينَةِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى يُوسُفَ لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَالِدٍ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ يُوسُفُ لِزَيْدٍ: إِنَّ خَالِدًا زَعَمَ أَنَّهُ أَوْدَعَكَ. قَالَ: كَيْفَ يُودِعُنِي وَهُوَ يَشْتُمُ آبَائِي عَلَى مِنْبَرِهِ ! فَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدٍ فَأَحْضَرَهُ فِي عَبَاءَةٍ، فَقَالَ: هَذَا زَيْدٌ قَدْ أَنْكَرَ أَنَّكَ قَدْ أَوْدَعْتَهُ شَيْئًا. فَنَظَرَ خَالِدٌ إِلَيْهِ وَإِلَى دَاوُدَ وَقَالَ لِيُوسُفَ: أَتُرِيدُ أَنْ تَجْمَعَ مَعَ إِثْمِكَ فِيَّ إِثْمًا فِي هَذَا ؟ كَيْفَ أُودِعُهُ وَأَنَا أَشْتُمُهُ وَأَشْتُمُ آبَاءَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ ! فَقَالُوا لِخَالِدٍ: مَا دَعَاكَ إِلَى مَا صَنَعْتَ ؟ قَالَ: شَدَّدَ عَلَيَّ الْعَذَابَ فَادَّعَيْتُ ذَلِكَ، وَأَمَلْتُ أَنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِفَرَجٍ قَبْلَ قُدُومِكُمْ. فَرَجَعُوا وَأَقَامَ زَيْدٌ وَدَاوُدُ بِالْكُوفَةِ. قِيلَ: إِنَّ يَزِيدَ بْنَ خَالِدٍ الْقَسْرِيَّ هُوَ الَّذِي ادَّعَى الْمَالَ وَدِيعَةً عِنْدَ زَيْدٍ. فَلَمَّا أَمَرَهُمْ هِشَامٌ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَى يُوسُفَ اسْتَقَالُوهُ خَوْفًا مِنْ شَرِّ يُوسُفَ وَظُلْمِهِ، فَقَالَ: أَنَا أَكْتُبُ إِلَيْهِ بِالْكَفِّ عَنْكُمْ، وَأُلْزِمُهُمْ بِذَلِكَ، فَسَارُوا عَلَى كُرْهٍ. وَجَمَعَ يُوسُفُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ يَزِيدُ: [ مَا ] لِي عِنْدَهُمْ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. قَالَ يُوسُفُ: أَبِي تَهْزَأُ أَمْ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَعَذَّبَهُ يَوْمَئِذٍ عَذَابًا كَادَ يُهْلِكُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْفِرَّاشِينَ فَضُرِبُوا وَتَرَكَ زَيْدًا. ثُمَّ اسْتَحْلَفَهُمْ وَأَطْلَقَهُمْ، فَلَحِقُوا بِالْمَدِينَةِ، وَأَقَامَ زَيْدٌ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ زَيْدٌ قَدْ قَالَ لِهِشَامٍ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى يُوسُفَ: مَا آمَنُ إِنْ بَعَثْتَنِي إِلَيْهِ أَنْ لَا نَجْتَمِعَ أَنَا وَأَنْتَ حَيَّيْنِ أَبَدًا. قَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَيْهِ، فَسَارُوا إِلَيْهِ. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ زَيْدًا كَانَ يُخَاصِمُ ابْنَ عَمِّهِ جَعْفَرَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ فِي [ وِلَايَةِ ] وُقُوفِ عَلِيٍّ، [ وَكَانَ ] زَيْدٌ يُخَاصِمُ عَنْ بَنِي الْحُسَيْنِ، وَجَعْفَرٌ يُخَاصِمُ عَنْ بَنِي الْحَسَنِ، فَكَانَا يَتَبَالَغَانِ [ بَيْنَ يَدَيِ الْوَالِي إِلَى ] كُلِّ غَايَةٍ وَيَقُومَانِ فَلَا يُعِيدَانِ مِمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا حَرْفًا. فَلَمَّا مَاتَ جَعْفَرٌ نَازَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، فَتَنَازَعَا يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَغْلَظَ عَبْدُ اللَّهِ لِزَيْدٍ وَقَالَ: يَابْنَ السِّنْدِيَّةِ ! فَضَحِكَ زَيْدٌ وَقَالَ: قَدْ كَانَ إِسْمَاعِيلُ لِأَمَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَبَرَتْ بَعْدَ وَفَاةِ سَيِّدِهَا إِذْ لَمْ يَصْبِرْ غَيْرُهَا - يَعْنِي فَاطِمَةَ ابْنَةَ الْحُسَيْنِ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا تَزَوَّجَتْ بَعْدَ أَبِيهِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، ثُمَّ نَدِمَ زَيْدٌ وَاسْتَحْيَا مِنْ فَاطِمَةَ، وَهِيَ عَمَّتُهُ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهَا زَمَانًا، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ: يَابْنَ أَخِي إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ أُمَّكَ عِنْدَكَ كَأُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَهُ. وَقَالَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ: بِئْسَ مَا قُلْتَ لِأُمِّ زَيْدٍ ! أَمَا وَاللَّهِ لَنِعْمَ دَخِيلَةُ الْقَوْمِ كَانَتْ ! قَالَ: فَذَكَرَ أَنَّ خَالِدًا قَالَ لَهُمَا: اغْدُوَا عَلَيْنَا غَدًا، فَلَسْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ إِنْ لَمْ أَفْصِلْ بَيْنَكُمَا. فَبَاتَتِ الْمَدِينَةُ تَغْلِي كَالْمِرْجَلِ، يَقُولُ قَائِلٌ قَالَ زَيْدٌ كَذَا، وَيَقُولُ قَائِلٌ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَذَا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَلَسَ خَالِدٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَمِنْ بَيْنَ شَامِتٍ وَمَهْمُومٍ، فَدَعَا بِهِمَا خَالِدٌ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَتَشَاتَمَا، فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ زَيْدٌ: لَا تَعْجَلْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، أَعْتَقَ زَيْدٌ مَا يَمْلِكُ إِنْ خَاصَمَكَ إِلَى خَالِدٍ أَبَدًا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى خَالِدٍ فَقَالَ: جَمَعْتَ ذُرِّيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَمْرٍ مَا كَانَ يَجْمَعُهُمْ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ ! فَقَالَ خَالِدٌ: أَمَا لِهَذَا السَّفِيهِ أَحَدٌ ؟ فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ آلِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ: يَابْنَ أَبِي تُرَابٍ وَابْنَ حُسَيْنٍ السَّفِيهَ ! أَمَا تَرَى لِلْوَالِي عَلَيْكَ حَقًّا وَلَا طَاعَةً ؟ فَقَالَ زَيْدٌ: اسْكُتْ أَيُّهَا الْقَحْطَانِيُّ فَإِنَّا لَا نُجِيبُ مِثْلَكَ. قَالَ: وَلِمَ تَرْغَبُ عَنِّي ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَخَيْرٌ مِنْكَ، وَأَبِي خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ، وَأُمِّي خَيْرٌ مِنْ أُمِّكَ. فَتَضَاحَكَ زَيْدٌ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذَا الدِّينُ قَدْ ذَهَبَ فَذَهَبَتِ الْأَحْسَابُ، فَوَاللَّهِ لَيَذْهَبُ دِينُ الْقَوْمِ وَمَا تَذْهَبُ أَحْسَابُهُمْ. فَتَكَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ أَيُّهَا الْقَحْطَانِيُّ ! فَوَاللَّهِ لَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ نَفْسًا وَأُمًّا وَأَبًا وَمَحْتِدًا ! وَتَنَاوَلَهُ بِكَلَامٍ كَثِيرٍ، وَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ وَضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا لَنَا عَلَى هَذَا مِنْ صَبْرٍ. وَشَخَصَ زَيْدٌ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَجَعَلَ هِشَامٌ لَا يَأْذَنُ لَهُ، فَيَرْفَعُ إِلَيْهِ الْقِصَصَ، فَكُلَّمَا رَفَعَ قِصَّةً يَكْتُبُ هِشَامٌ فِي أَسْفَلِهَا: ارْجِعْ إِلَى أَمِيرِكَ. فَيَقُولُ زَيْدٌ: وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَى خَالِدٍ أَبَدًا. ثُمَّ أَذِنَ لَهُ يَوْمًا بَعْدَ طُولِ حَبْسٍ، وَرَقِيَ عَلِّيَّةً طَوِيلَةً، وَأَمَرَ خَادِمًا أَنْ يَتْبَعَهُ بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ زَيْدٌ وَيَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَصَعِدَ زَيْدٌ، وَكَانَ بَدِينًا، فَوَقَفَ فِي بَعْضِ الدَّرَجَةِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا يُحِبُّ الدُّنْيَا أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ. ثُمَّ صَعِدَ إِلَى هِشَامٍ فَحَلَفَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ، فَقَالَ: لَا أُصَدِّقُكَ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْفَعْ أَحَدًا عَنْ أَنْ يَرْضَى بِاللَّهِ، وَلَمْ يَضَعْ أَحَدًا عَنْ أَلَّا يَرْضَى بِذَلِكَ مِنْهُ. فَقَالَ هِشَامٌ: لَقَدْ بَلَغَنِي يَا زَيْدُ أَنَّكَ تَذْكُرُ الْخِلَافَةَ وَتَتَمَنَّاهَا، وَلَسْتَ هُنَالِكَ وَأَنْتَ ابْنُ أَمَةٍ. قَالَ زَيْدٌ: إِنَّ لَكَ جَوَابًا. قَالَ: فَتَكَلَّمْ. قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَوْلَى بِاللَّهِ، وَلَا أَرْفَعَ دَرَجَةً عِنْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ ابْتَعَثَهُ، وَقَدْ كَانَ إِسْمَاعِيلُ ابْنَ أَمَةٍ، وَأَخُوهُ ابْنَ صَرِيحَةٍ فَاخْتَارَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ خَيْرَ الْبَشَرِ، وَمَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ ذَلِكَ إِذْ كَانَ جَدُّهُ رَسُولَ اللَّهِ، وَأَبُوهُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَا كَانَتْ أُمُّهُ أَمَةً. قَالَ لَهُ هِشَامٌ: اخْرُجْ. قَالَ: أَخْرُجُ ثُمَّ لَا أَكُونُ إِلَّا بِحَيْثُ تَكْرَهُ. فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ لَا تُظْهِرَنَّ هَذَا مِنْكَ. خروج زيد بن علي بن الحسين إلى الكوفة فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أُذَكِّرُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ لَمَّا لَحِقْتَ بِأَهْلِكَ وَلَا تَأْتِ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَفُونَ لَكَ، فَلَمْ يَقْبَلْ. فَقَالَ لَهُ: خَرَجَ بِنَا أُسَرَاءُ عَلَى غَيْرِ ذَنْبٍ مِنِ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ إِلَى الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَى قَيْسِ ثَقِيفٍ يَلْعَبُ بِنَا، وَقَالَ: بَكَرَتْ تُخَوِّفُنِي الْحُتُوفَ كَأَنَّنِي أَصْبَحْتُ عَنْ عَرَضِ الْحَيَاةِ بِمَعْزِلِ     فَأَجَبْتُهَا: إِنَّ الْمَنِيَّةَ مَنْهَلٌ لَا بُدَّ أَنْ أُسْقَى بِكَأْسِ الْمَنْهَلِ     إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ مِثْلَى إِذَا نَزَلُوا بِضَيْقِ الْمَنْزِلِ     فَاقْنَيْ حَيَاءَكِ لَا أَبَا لَكِ وَاعْلَمِي أَنِّي امْرُؤٌ سَأَمُوتُ إِنْ لَمْ أُقْتَلِ أَسَتُودِعُكَ اللَّهَ وَإِنِّي أُعْطِي اللَّهَ عَهْدًا إِنْ دَخَلَتْ يَدٌ فِي طَاعَةِ هَؤُلَاءِ مَا عِشْتُ. وَفَارَقَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَأَقَامَ بِهَا مُسْتَخْفِيًا يَتَنَقَّلُ فِي الْمَنَازِلِ، وَأَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَيْهِ تُبَايِعُهُ، فَبَايَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، وَنَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ الْعَبْسِيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَنَاسٌ مِنْ وُجُوهِ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ: إِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَجِهَادِ الظَّالِمِينَ، وَالدَّفْعِ عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَإِعْطَاءِ الْمَحْرُومِينَ، وَقَسْمِ هَذَا الْفَيْءِ بَيْنَ أَهْلِهِ بِالسَّوَاءِ، وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَنَصْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ، أَتُبَايِعُونَ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَإِذَا قَالُوا: نَعَمْ، وَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَيَقُولُ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ لَتَفِيَنَّ بِبَيْعَتِي، وَلَتُقَاتِلَنَّ عَدُوِّي، وَلَتَنْصَحَنَّ لِي فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فَإِذَا قَالَ: نَعَمْ، مَسَحَ يَدَهُ عَلَى يَدِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. فَبَايَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالِاسْتِعْدَادِ، فَأَقْبَلَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفِيَ لَهُ وَيَخْرُجَ مَعَهُ وَيَسْتَعِدَّ وَيَتَهَيَّأَ، فَشَاعَ أَمْرُهُ فِي النَّاسِ. هَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَتَى الْكُوفَةَ مِنَ الشَّامِ، وَاخْتَفَى بِهَا يُبَايِعُ النَّاسَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَتَى إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ لِمُوَافَقَةِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ أَوِ ابْنِهِ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ، فَإِنَّ زَيْدًا أَقَامَ بِالْكُوفَةِ ظَاهِرًا وَمَعَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَأَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَخْتَلِفُ إِلَى زَيْدٍ وَتَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ وَيَقُولُونَ: إِنَّا لَنَرْجُوَ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ الْمَنْصُورُ، وَإِنَّ هَذَا الزَّمَانَ هُوَ الَّذِي تَهْلِكُ فِيهِ بَنُو أُمَيَّةَ. فَأَقَامَ بِالْكُوفَةِ، وَجَعَلَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ يَسْأَلُ عَنْهُ فَيُقَالُ: هُوَ هَاهُنَا، وَيَبْعَثُ إِلَيْهِ لِيَسِيرَ فَيَقُولُ: نَعَمْ، وَيَعْتَلُّ بِالْوَجَعِ، فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يُوسُفُ لِيَسِيرَ، فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ يَبْتَاعُ أَشْيَاءَ يُرِيدُهَا. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يُوسُفُ بِالْمَسِيرِ عَنِ الْكُوفَةِ، فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ يُحَاكِمُ بَعْضَ آلِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِمُلْكٍ بَيْنَهُمَا بِالْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ لِيُوَكِّلَ وَكِيلًا وَيَرْحَلَ عَنْهَا. فسَارَ حَتَّى أَتَى الْقَادِسِيَّةَ، وَقِيلَ الثَّعْلَبِيَّةَ، فَتَبِعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ أَرْبَعُونَ أَلْفًا لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْكَ أَحَدٌ نَضْرِبُ عَنْكَ بِأَسْيَافِنَا، وَلَيْسَ هَاهُنَا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ إِلَّا عِدَّةٌ يَسِيرَةٌ، بَعْضُ قَبَائِلِنَا يَكْفِيكَهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحَلَفُوا لَهُ بِالْأَيْمَانِ الْمُغَلَّظَةِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَخْذُلُونِي وَتُسْلِمُونِي كَفِعْلِكُمْ بِأَبِي وَجَدِّي، فَيَحْلِفُونَ لَهُ. فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَابْنَ عَمِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَغُرُّونَكَ مِنْ نَفْسِكَ، أَلَيْسَ قَدْ خَذَلُوا مَنْ كَانَ أَعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنْكَ، جَدَّكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى قُتِلَ ؟ وَالْحَسَنَ مِنْ بَعْدِهِ بَايَعُوهُ، ثُمَّ وَثَبُوا عَلَيْهِ، فَانْتَزَعُوا رِدَاءَهُ وَجَرَحُوهُ ؟ أَوَلَيْسَ قَدْ أَخْرَجُوا جَدَّكَ الْحُسَيْنَ، وَحَلَفُوا لَهُ وَخَذَلُوهُ وَأَسْلَمُوهُ، وَلَمْ يَرْضَوْا بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلُوهُ ؟ فَلَا تَرْجِعْ مَعَهُمْ. فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يُرِيدُ أَنْ تَظْهَرَ أَنْتَ، وَيَزْعُمَ أَنَّهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ. فَقَالَ زَيْدٌ لِدَاوُدَ: إِنَّ عَلِيًّا كَانَ يُقَاتِلُهُ مُعَاوِيَةُ بِدَهَائِهِ وَنَكْرَائِهِ بِأَهْلِ الشَّامِ، وَإِنَّ الْحُسَيْنَ قَاتَلَهُ يَزِيدُ وَالْأَمْرُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ دَاوُدُ: إِنِّي خَائِفٌ إِنْ رَجَعْتَ مَعَهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدٌ أَشَدَّ عَلَيْكَ مِنْهُمْ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ. وَمَضَى دَاوُدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرَجَعَ زَيْدٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ زَيْدٌ أَتَاهُ سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، فَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَقَّهُ، فَأَحْسَنَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ كَمْ بَايَعَكَ ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ أَلْفًا. قَالَ: فَكَمْ بَايَعَ جَدَّكَ ؟ قَالَ: ثَمَانُونَ أَلْفًا. قَالَ: فَكَمْ حَصَلَ مَعَهُ ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ. قَالَ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ جَدُّكَ ؟ قَالَ: جَدِّي. قَالَ: فَهَذَا الْقَرْنُ خَيْرٌ أَمْ ذَلِكَ الْقَرْنُ ؟ قَالَ: ذَلِكَ الْقَرْنُ. قَالَ: أَفَتَطْمَعُ أَنْ يَفِيَ لَكَ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ غَدَرَ أُولَئِكَ بِجَدِّكَ ؟ قَالَ: قَدْ بَايَعُونِي وَوَجَبَتِ الْبَيْعَةُ فِي عُنُقِي وَأَعْنَاقِهِمْ. قَالَ: أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَخْرُجَ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ ؟ فَلَا آمَنُ أَنْ يَحْدُثَ حَدَثٌ فَلَا أَمْلِكُ نَفْسِي. فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ إِلَى الْيَمَامَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مُبَايَعَةِ سَلَمَةَ. وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ إِلَى زَيْدٍ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ نَفْخُ الْعَلَانِيَةِ، خَوَرُ السَّرِيرَةِ، هَرَجٌ فِي الرَّخَاءِ، جَزَعٌ فِي اللِّقَاءِ، تَقَدَمُهُمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَلَا تُشَايِعُهُمْ قُلُوبُهُمْ، وَلَقَدْ تَوَاتَرَتْ إِلَيَّ كُتُبُهُمْ بِدَعْوَتِهِمْ، فَصَمَمْتُ عَنْ نِدَائِهِمْ، وَأَلْبَسْتُ قَلْبِي غِشَاءً عَنْ ذِكْرِهِمْ يَأْسًا مِنْهُمْ وَاطِّرَاحًا لَهُمْ، وَمَا لَهُمْ مَثَلٌ إِلَّا مَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " إِنْ أُهْمِلْتُمْ خُضْتُمْ، وَإِنْ حُورِبْتُمْ خِرْتُمْ، وَإِنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ طَعَنْتُمْ، وَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَى مَشَاقَّةٍ نَكَصْتُمْ ". فَلَمْ يُصْغِ زَيْدٌ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَأَقَامَ عَلَى حَالِهِ يُبَايِعُ النَّاسَ وَيَتَجَهَّزُ لِلْخُرُوجِ، وَتَزَوَّجَ بِالْكُوفَةِ ابْنَةَ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيِّ، وَتَزَوَّجَ أَيْضًا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْعَنْبَسِيِّ الْأَزْدِيِّ. وَكَانَ سَبَبُ تَزَوُّجِهِ إِيَّاهَا أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ عَمْرٍو بِنْتَ الصَّلْتِ كَانَتْ تَتَشَيَّعُ، فَأَتَتْ زَيْدًا تُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً حَسْنَاءَ قَدْ دَخَلَتْ فِي السِّنِّ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهَا، فَخَطَبَهَا زَيْدٌ إِلَى نَفْسِهَا، فَاعْتَذَرَتْ بِالسِّنِّ وَقَالَتْ لَهُ: لِيَ ابْنَةٌ هِيَ أَجْمَلُ مِنِّي وَأَبْيَضُ وَأَحْسَنُ دَلًّا وَشَكْلًا. فَضَحِكَ زِيدٌ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا. وَكَانَ يَتَنَقَّلُ بِالْكُوفَةِ تَارَةً عِنْدَهَا، وَتَارَةً عِنْدَ زَوْجِهِ الْأُخْرَى، وَتَارَةً فِي بَنِي عَبْسٍ، وَتَارَةً فِي بَنِي هِنْدٍ، وَتَارَةً فِي بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى أَنْ ظَهَرَ.

  481. التاريخ 2572لا حكم مسجّل

    غَزَوَاتِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ   وَفِي سنة إحدى وعشرين ومائة غَزَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا مِنْ نَحْوِ الْبَابِ الْجَدِيدِ، فَسَارَ مِنْ بَلْخٍ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَرْوَ فَخَطَبَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدْ أَقَامَ مَنْصُورَ بْنَ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْخَرْقَاءِ عَلَى كَشْفِ الْمَظَالِمِ، وَأَنَّهُ قَدْ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَمَّنْ قَدْ أَسْلَمَ، وَجَعَلَهَا عَلَى مَنْ كَانَ يُخَفِّفُ عَنْهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَلَمْ تَمْضِ جُمْعَةٌ حَتَّى أَتَاهُ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُسْلِمٍ كَانُوا يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، وَثَمَانُونَ أَلْفًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَتْ قَدْ أُلْقِيَتْ عَنْهُمْ، فَحَوَّلَ مَا كَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ وَوَضَعَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ صَنَّفَ الْخَرَاجَ وَوَضَعَهُ مَوَاضِعَهُ. ثُمَّ غَزَا الثَّانِيَةَ إِلَى وَرَغْسَرَ وَسَمَرْقَنْدَ ثُمَّ رَجَعَ. ثُمَّ غَزَا الثَّالِثَةَ إِلَى الشَّاشِ مِنْ مَرْوَ، فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُبُورِ نَهْرِ الشَّاشِ كُورْصُولُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَكَانَ مَعَهُمُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ، وَعَبَرَ كُورْصُولُ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا، فَبَيَّتَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَ نَصْرٍ بُخَارَاخُذَاهْ فِي أَهْلِ بُخَارَى، وَمَعَهُ أَهْلُ سَمَرْقَنْدَ وَكَشٍّ وَنَسَفَ، وَهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، فَنَادَى نَصْرٌ: أَلَّا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ وَاثْبُتُوا عَلَى مَوَاضِعِكُمْ. فَخَرَجَ عَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهُوَ عَلَى جُنْدِ سَمَرْقَنْدَ، فَمَرَّتْ بِهِ خَيْلُ التُّرْكِ، فَحَمَلَ عَلَى رَجُلٍ فِي آخِرِهِمْ فَأَسَرَهُ، فَإِذَا هُوَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِهِمْ صَاحِبُ أَرْبَعَةِ آلَافِ قُبَّةٍ، فَأَتَى بِهِ إِلَى نَصْرٍ، فَقَالَ لَهُ نَصْرٌ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: كُورْصُولُ. فَقَالَ نَصْرٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ. قَالَ: مَا تَرْجُو مِنْ قَتْلِ شَيْخٍ ؟ وَأَنَا أُعْطِيكَ أَرْبَعَةَ آلَافِ بَعِيرٍ مِنْ إِبِلِ التُّرْكِ وَأَلْفَ بِرْذَوْنٍ تُقَوِّي بِهَا جُنْدَكَ وَتُطْلِقُ سَبِيلِي. فَاسْتَشَارَ نَصْرٌ أَصْحَابَهُ، فَأَشَارُوا بِإِطْلَاقِهِ، فَسَأَلَهُ عَنْ عُمْرِهِ، قَالَ: لَا أَدْرِي. قَالَ: كَمْ غَزَوْتَ ؟ قَالَ: اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ غَزْوَةً. قَالَ: أَشْهِدْتَ يَوْمَ الْعَطَشِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مَا أَفْلَتَّ مِنْ يَدِي بَعْدَ مَا ذَكَرْتَ مِنْ مَشَاهِدِكَ. وَقَالَ لِعَاصِمِ بْنِ عُمَيْرٍ السَّعْدِيِّ: قُمْ إِلَى سَلَبِهِ فَخُذْهُ. فَقَالَ: مَنْ أَسَرَنِي ؟ قَالَ نَصْرٌ، وَهُوَ يَضْحَكُ: أَسَرَكَ يَزِيدُ بْنُ قِرَانٍ الْحَنْظَلِيُّ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ. قَالَ: هَذَا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَغْسِلَ اسْتَهُ، أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُتِمَّ لَهُ بَوْلَهُ فَكَيْفَ يَأْسِرُنِي ؟ أَخْبِرْنِي مَنْ أَسَرَنِي ؟ قَالَ: أَسَرَكَ عَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ. قَالَ: لَسْتُ أَجِدُ أَلَمَ الْقَتْلِ إِذَا كَانَ أَسَرَنِي فَارِسٌ مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ. فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ. وَعَاصِمُ بْنُ عُمَيْرٍ هُوَ الْهَزَارْمَرْدُ، قُتِلَ بِنَهَاوَنْدَ أَيَّامَ قَحْطَبَةَ. فَلَمَّا قُتِلَ كُورْصُولُ أَحْرَقَتِ التُّرْكُ أَبْنِيَتَهُ وَقَطَعُوا آذَانَهُمْ وَقَصُّوا شُعُورَهُمْ وَأَذْنَابَ خَيْلِهِمْ. فَلَمَّا أَرَادَ نَصْرٌ الرُّجُوعَ أَحْرَقَهُ لِئَلَّا يَحْمِلُوا عِظَامَهُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلِهِ، وَارْتَفَعَ إِلَى فَرْغَانَةَ فَسَبَى بِهَا أَلْفَ رَأْسٍ. وَكَتَبَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ إِلَى نَصْرٍ: سِرْ إِلَى هَذَا الْغَارِزِ ذَنَبَهُ فِي الشَّاشِ، يَعْنِي الْحَارِثَ بْنَ سُرَيْجٍ، فَإِنْ أَظْفَرَكَ اللَّهُ بِهِ وَبِأَهْلِ الشَّاشِ فَخَرِّبْ بِلَادَهُمْ وَاسْبِ ذَرَارِيَهُمْ، إِيَّاكَ وَوَرْطَةَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَرَأَ الْكِتَابَ عَلَى النَّاسِ وَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ يَحْيَى بْنُ الْحُضَيْنِ: ( امْضِ لِأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمْرِ الْأَمِيرِ ). فَقَالَ نَصْرٌ: يَا يَحْيَى تَكَلَّمْتَ بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ عَاصِمٍ بَلَغَتِ الْخَلِيفَةَ فَحَظِيتَ بِهَا وَبَلَغْتَ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، فَقُلْتَ أَقُولُ مِثْلَهَا، سِرْ يَا يَحْيَى قَدْ وَلَّيْتُكَ مُقَدِّمَتِي. فَلَامَ النَّاسُ يَحْيَى، فَسَارَ إِلَى الشَّاشِ، فَأَتَاهُمُ الْحَارِثُ فَنَصَبَ عَلَيْهِمْ عَرَّادَتَيْنِ، وَأَغَارَ الْأَخْرَمُ، وَهُوَ فَارِسُ التُّرْكِ، عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْا رَأْسَهُ إِلَى التُّرْكِ، فَصَاحُوا وَانْهَزَمُوا. وَسَارَ نَصْرٌ إِلَى الشَّاشِ، فَتَلَقَّاهُ مَلِكُهَا بِالصُّلْحِ وَالْهَدِيَّةِ وَالرَّهْنِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ نَصْرٌ إِخْرَاجَ الْحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ عَنْ بَلَدِهِ، فَأَخْرَجَهُ إِلَى فَارَابَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الشَّاشِ نَيْزَكَ بْنَ صَالِحٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ قُبَا مِنْ أَرْضِ فَرْغَانَةَ، وَكَانُوا أَحَسُّوا بِمَجِيئِهِ فَأَحْرَقُوا الْحَشِيشَ وَقَطَعُوا الْمِيرَةَ، فَوَجَّهَ نَصْرٌ إِلَى وَلِيِّ [ عَهْدِ ] صَاحِبِ فَرْغَانَةَ فَحَاصَرَهُ فِي حِصْنٍ، وَغَفَلُوا عَنْهُ فَخَرَجَ وَغَنِمَ دَوَابَّ الْمُسْلِمِينَ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ نَصْرٌ رِجَالًا مِنْ تَمِيمٍ وَمَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ وَدَوَابُّهُمْ كَمَنُوا لَهُمْ، فَخَرَجُوا وَاسْتَاقُوا بَعْضَهَا، وَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا الدِّهْقَانَ، وَأَسَرُوا مِنْهُمْ وَأَسَرُوا ابْنَ الدِّهْقَانِ فَقَتَلَهُ نَصْرٌ، وَأَرْسَلَ نَصْرٌ سُلَيْمَانَ بْنَ صُولٍ بِكِتَابِ الصُّلْحِ إِلَى صَاحِبِ فَرْغَانَةَ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُدْخِلَ الْخَزَائِنَ لِيَرَاهَا ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ الطَّرِيقَ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ؟ قَالَ: سَهْلًا كَثِيرَ الْمَاءِ وَالْمَرَاعِي، ( فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ: مَا عِلْمُكَ ؟ فَقَالَ سُلَيْمَانُ: قَدْ غَزَوْتُ غَرْشِسْتَانَ وَغُورَ ) وَالْخُتُّلَ وَطَبَرِسْتَانَ فَكَيْفَ لَا أَعْلَمُ ؟ قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتَ مَا أَعْدَدْنَا ؟ قَالَ: عُدَّةٌ حَسَنَةٌ، وَلَكِنْ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ [ صَاحِبَ ] الْحِصَارِ لَا يَسْلَمُ مِنْ خِصَالٍ، لَا يَأْمَنُ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ وَأَوْثَقَهُمْ فِي نَفْسِهِ [ أَنْ يَثِبَ بِهِ يَطْلُبُ مَرْتَبَتَهُ وَيَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ ]، أَوْ يُفْنِيَ مَا [ قَدْ ] جَمَعَ فَيَسْلَمُ بِرُمَّتِهِ، أَوْ يُصِيبُهُ دَاءٌ فَيَمُوتُ. فَكَرِهَ مَا قَالَ لَهُ وَأَمَرَهُ فَأُحْضِرَ كِتَابُ الصُّلْحِ، فَأَجَابَ إِلَيْهِ وَسَيَّرَ أُمَّهُ مَعَهُ، وَكَانَتْ صَاحِبَةُ أَمْرِهِ، فَقَدِمَتْ عَلَى نَصْرٍ، فَأَذِنَ لَهَا وَجَعَلَ يُكَلِّمُهَا، وَكَانَ مِمَّا قَالَتْ لَهُ: كُلُّ مَلِكٍ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ سِتَّةُ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ بِمَلِكٍ، وَزِيرٌ يَبُثُّ إِلَيْهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَيُشَاوِرُهُ وَيَثِقُ بِنَصِيحَتِهِ، وَطَبَّاخٌ إِذَا لَمْ يَشْتَهِ الطَّعَامَ اتَّخَذَ لَهُ مَا يَشْتَهِي، وَزَوْجَةٌ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا مُغْتَمًّا فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهَا زَالَ غَمُّهُ، وَحِصْنٌ إِذَا فَزِعَ أَتَاهُ فَأَنْجَاهُ، تَعْنِي الْبِرْذَوْنَ، وَسَيْفٌ إِذَا قَاتَلَ لَا يَخْشَى خِيَانَتَهُ، وَذَخِيرَةٌ إِذَا حَمَلَهَا عَاشَ بِهَا أَيْنَ كَانَ مِنَ الْأَرْضِ. ثُمَّ دَخَلَ تَمِيمُ بْنُ نَصْرٍ فِي جَمَاعَةٍ فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا: هَذَا فَتَى خُرَاسَانَ تَمِيمُ بْنُ نَصْرٍ. قَالَتْ: مَا لَهُ نُبْلُ الْكَبِيرِ وَلَا حَلَاوَةُ الصَّغِيرِ، ثُمَّ دَخَلَ الْحَجَّاجُ بْنُ قُتَيْبَةَ فَقَالَتْ: مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا: الْحَجَّاجُ بْنُ قُتَيْبَةَ، فَحَيَّتْهُ وَسَأَلَتْ عَنْهُ وَقَالَتْ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ مَا لَكُمْ وَفَاءٌ وَلَا يُصْلِحُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. قُتَيْبَةُ الَّذِي ذَلَّلَ لَكُمْ مَا أَرَى، وَهَذَا ابْنُهُ تُقْعِدُهُ دُونَكَ فَحَقُّهُ أَنْ تُجْلِسَهُ أَنْتَ هَذَا الْمَجْلِسَ وَتَجْلِسَ أَنْتَ مَجْلِسَهُ.

  482. التاريخ 2573لا حكم مسجّل

    غَزْوِ مَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ   وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ غَزَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ وَهُوَ وَالِيهَا، فَأَتَى قَلْعَةَ بَيْتِ السَّرِيرِ فَقَتَلَ وَسَبَى، ثُمَّ أَتَى قَلْعَةً ثَانِيَةً فَقَتَلَ وَسَبَى، وَدَخَلَ غُومِيكَ وَهُوَ حِصْنٌ فِيهِ بَيْتُ الْمَلِكِ وَسَرِيرُهُ، فَهَرَبَ الْمَلِكُ مِنْهُ حَتَّى أَتَى حِصْنًا يُقَالُ لَهُ خَيْزَجُ فِيهِ السَّرِيرُ الذَّهَبُ، فَسَارَ إِلَيْهِ مَرْوَانُ وَنَازَلَهُ صَيْفِيَّتَهُ وَشِتْوِيَّتَهُ، فَصَالَحَ الْمَلِكَ عَلَى أَلْفِ رَأْسٍ كُلَّ سَنَةٍ وَمِائَةِ أَلْفِ مُدْيٍ، وَسَارَ مَرْوَانُ فَدَخَلَ أَرْضَ ازْرُوبَطْرَانَ، فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا، ثُمَّ سَارَ فِي أَرْضِ تُومَانَ فَصَالَحَهُ، وَسَارَ حَتَّى أَتَى حَمْزِينَ فَأَخْرَبَ بِلَادَهُ وَحَصَرَ حِصْنًا لَهُ شَهْرًا فَصَالَحَهُ، ثُمَّ أَتَى مَرْوَانُ أَرْضَ مَسْدَازَ فَافْتَتَحَهَا عَلَى صُلْحٍ، ثُمَّ نَزَلَ مَرْوَانُ كِيرَانَ فَصَالَحَهُ طَبَرِسْرَانَ وَفِيلَانَ، وَكُلُّ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ مِنْ إِرْمِينِيَّةَ إِلَى طَبَرِسْتَانَ.

  483. التاريخ 2574لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي سنة إحدى وعشرين ومائة غَزَا مَسْلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ الرُّومَ  فَافْتَتَحَ بِهَا مَطَامِيرَ.

  484. التاريخ 2575لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَخْزُومِيُّ، وَهُوَ كَانَ عَامِلَ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالطَّائِفِ. وَعَلَى الْعِرَاقِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، وَعَلَى خُرَاسَانَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ، وَعَلَى إِرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى قَضَاءِ الْبَصْرَةِ عَامِرُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَعَلَى قَضَاءِ الْكُوفَةِ ابْنُ شُبْرُمَةَ. وَفِيهَا فَرَغَ الْوَلِيدُ بْنُ بُكَيْرٍ عَامِلُ الْمَوْصِلِ مِنْ حَفْرِ النَّهْرِ الَّذِي أَدْخَلَهُ الْبَلَدَ، وَكَانَ مَبْلَغُ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ أَحْجَارٍ تَطْحَنُ، وَوَقَفَ هِشَامٌ هَذِهِ الْأَرْحَاءَ عَلَى عَمَلِ النَّهْرِ.

  485. التاريخ 2576لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ في سنة إحدى وعشرين ومائة: مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ   بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْقُرَشِيِّ الْأُمَوِيِّ، أَبُو سَعِيدٍ وَأَبُو الْأَصْبَغِ الدِّمَشْقِيُّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَدَارُهُ بِدِمَشْقَ فِي مَحَلَّةِ الْقِبَابِ عِنْدَ بَابِ الْجَامِعِ الْقِبْلِيِّ، وَلِيَ الْمَوْسِمَ أَيَّامَ أَخِيهِ الْوَلِيدِ وَغَزَا الرُّومَ غَزَوَاتٍ، وَحَاصَرَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَوَلَّاهُ أَخُوهُ يَزِيدُ إِمْرَةَ الْعِرَاقَيْنِ ثُمَّ عَزَلَهُ، وَوَلِيَ إِرْمِينِيَّةَ. وَرَوَى الْحَدِيثَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعَنْهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي عُثْمَانَ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ قَزْعَةَ، وَعُيَيْنَةَ وَالِدُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ أَبِي عِمْرَانَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي أُمَيَّةَ وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْجَرَادَةِ الصَّفْرَاءِ، وَلَهُ آثَارٌ كَثِيرَةٌ وَحُرُوبٌ وَنِكَايَةٌ فِي الرُّومِ. قُلْتُ: وَقَدْ فَتَحَ حُصُونًا كَثِيرَةً مِنْ بِلَادِ الرُّومِ. وَلَمَّا وَلِيَ إِرْمِينِيَّةَ غَزَا التُّرْكَ فَبَلَغَ بَابَ الْأَبْوَابِ فَهَدَمَ الْمَدِينَةَ الَّتِي عِنْدَهُ، ثُمَّ أَعَادَ بِنَاءَهَا بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ. وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ غَزَا الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فَحَاصَرَهَا، وَافْتَتَحَ مَدِينَةَ الصَّقَالِبَةِ  وَكَسَرَ مَلِكَهُمُ الْبُرْجَانَ ثُمَّ عَادَ إِلَى مُحَاصَرَةِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: فَأَخَذَهُ، وَهُوَ يُغَازِيهِمْ، صُدَاعٌ عَظِيمٌ فِي رَأْسِهِ، فَبَعَثَ مَلِكُ الرُّومِ إِلَيْهِ بِقَلَنْسُوَةٍ، وَقَالَ: ضَعْهَا عَلَى رَأْسِكَ يَذْهَبْ صُدَاعُكَ. فَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً، فَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِ بَهِيمَةٍ، فَلَمْ يَرَ إِلَّا خَيْرًا، ثُمَّ وَضَعَهَا عَلَى رَأْسِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَرَ إِلَّا خَيْرًا، فَوَضَعَهَا عَلَى رَأْسِهِ فَذَهَبَ صُدَاعُهُ، فَفَتَقَهَا فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ سَبْعُونَ سَطْرًا هَذِهِ الْآيَةُ مُكَرَّرَةً: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [ فَاطِرٍ: 41 ]. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَدْ لَقِيَ مَسْلَمَةُ فِي حِصَارِهِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ شِدَّةً عَظِيمَةً، وَجَاعَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَهَا جَوْعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الْبَرِيدَ يَأْمُرُهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الشَّامِ، فَحَلَفَ مَسْلَمَةُ أَنْ لَا يُقْلِعَ عَنْهُمْ حَتَّى يَبْنُوا لَهُ جَامِعًا كَبِيرًا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فَبَنَوْا لَهُ جَامِعًا وَمَنَارَةً، فَهُوَ بِهَا إِلَى الْآنِ يُصَلِّي فِيهِ الْمُسْلِمُونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ. قُلْتُ: وَهِيَ آخِرُ مَا يَفْتَحُهُ الْمُسْلِمُونَ  قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، كَمَا سَنُورِدُهُ فِي الْمَلَاحِمِ وَالْفِتَنِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَذْكُرُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ هُنَاكَ. وَبِالْجُمْلَةِ كَانَتْ لِمَسْلَمَةَ مَوَاقِفُ مَشْهُورَةٌ وَمَسَاعٍ مَشْكُورَةٌ، وَغَزَوَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ وَمَنْثُورَةٌ، وَقَدِ افْتَتَحَ حُصُونًا وَقِلَاعًا، وَأَحْيَا بِعَزْمِهِ وَحَزْمِهِ قُصُورًا وَبِقَاعًا، وَكَانَ فِي زَمَانِهِ نَظِيرَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فِي أَيَّامِهِ، فِي كَثْرَةِ مَغَازِيهِ، وَكَثْرَةِ فُتُوحِهِ، وَقُوَّةِ عَزْمِهِ، وَشِدَّةِ بَأْسِهِ، وَجَوْدَةِ تَصَرُّفِهِ فِي نَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ، هَذَا مَعَ الْكَرَمِ وَالْفَصَاحَةِ، وَالرِّيَاسَةِ وَالسَّمَاحَةِ، وَالْأَصَالَةِ وَالرَّجَاحَةِ، وَالدِّينِ وَالْعِفَّةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَمِنْ كَلَامِهِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ: مُرُوءَتَانِ ظَاهِرَتَانِ ; الرِّيَاشُ وَالْفَصَاحَةُ. وَقَالَ يَوْمًا لِنُصَيْبٍ الشَّاعِرِ: سَلْنِي. قَالَ: لَا. قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّ كَفَّكَ بِالْجَزِيلِ أَكْثَرُ مِنْ مَسْأَلَتِي بِاللِّسَانِ. فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِينَارٍ. وَقَالَ أَيْضًا: الْأَنْبِيَاءُ لَا يَتَثَاءَبُونَ كَمَا يَتَثَاءَبُ النَّاسُ، مَا تَثَاءَبَ نَبِيٌّ قَطُّ. وَقَدْ أَوْصَى بِثُلْثِ مَالِهِ لِأَهْلِ الْأَدَبِ، وَقَالَ: إِنَّهَا صِنَاعَةٌ مَجْفُوٌّ أَهْلُهَا. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ: تُوُفِّيَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسَبْعٍ مَضَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: الْحَانُوتُ. وَقَدْ رَثَاهُ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَقَالَ: أَقُولُ وَمَا الْبُعْدُ إِلَّا الرَّدَى أَمْسَلَمُ لَا تَبْعُدَنْ مَسْلَمَهْ     فَقَدْ كُنْتَ نُورًا لَنَا فِي الْبِلَادِ مُضِيئًا فَقَدْ أَصْبَحَتْ مُظْلِمَهْ     وَنَكْتُمُ مَوْتَكَ نَخْشَى الْيَقِينَ فَأَبْدَى الْيَقِينُ عَنِ الْجُمْجُمَهْ نُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ الْأَشْعَرِيُّ نُمَيْرُ بْنُ أَوْسٍ الْأَشْعَرِيُّ قَاضِي دِمَشْقَ  ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ حُذَيْفَةَ مُرْسَلًا وَأَبِي مُوسَى مُرْسَلًا وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ مُرْسَلًا، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَحَدَّثَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ، مِنْهُمُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَيَحْيَى بْنُ الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ. وَلَّاهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْقَضَاءَ بِدِمَشْقَ بَعْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْخَشْخَاشِ الْعُذْرِيِّ ثُمَّ اسْتَعْفَى هِشَامًا فَأَعْفَاهُ وَوَلَّى مَكَانَهُ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ. وَكَانَ نُمَيْرٌ هَذَا لَا يَحْكُمُ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَكَانَ يَقُولُ: الْآدَابُ مِنَ الْآبَاءِ، وَالصَّلَاحُ مِنَ اللَّهِ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: تُوَفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. وَهُوَ غَرِيبٌ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: عن أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ ذَرٍّ يَقُولُ: كُنْتُ إِذَا رَأَيْتُ الرَّبِيعَ بْنَ أَبِي رَاشِدٍ كَأَنَّهُ مِخْمَارٌ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ. وعَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ: اقْرَأْ عَلَيَّ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَقَرَأْتُهَا [عَلَيْهِ] فَبَكَى ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ بِدْعَةً لَسِحْتُ -أَوْ قَالَ: لَهِمْتُ- فِي الْجِبَالِ. وَفِيهَا مَاتَ سَلَمَةُ بْنُ سُهَيْلٍ  ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ بِالشَّامِ. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً بِالْمَدِينَةِ، ( حَبَّانُ: بِفَتْحِ الْحَاءِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ). وَقُتِلَ يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ شَهِيدًا بِأَرْضِ الرُّومِ.

  486. التاريخ 2577لا حكم مسجّل

    مَقْتَلِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ  وَفِي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةً من شهر صَفَرٍ قُتِلَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي تَنْتَسِبُ إِلَيْهِ الطَّائِفَةُ الزَّيْدِيَّةُ. وقيل إِنَّمَا قُتِلَ فِي صَفَرٍ مِنْ إحدى وَعِشْرِينَ ومائة وَفِي قَوْلٍ: إِنَّهُ قُتِلَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ الْبَيْعَةَ مِمَّنْ بَايَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَمَرَهُمْ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السَّنَةِ بِالْخُرُوجِ وَالتَّأَهُّبِ لَهُ، فَشَرَعُوا فِي أَخْذِ الْأُهْبَةِ لِذَلِكَ، فَانْطَلَقَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: سُلَيْمَانُ بْنُ سُرَاقَةَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ نَائِبِ الْعِرَاقِ فَأَخْبَرَهُ - وَهُوَ بِالْحِيرَةِ يَوْمَئِذٍ - خَبَرَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَبَعَثَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ يَطْلُبُهُ وَيُلِحُّ فِي طَلَبِهِ، فَلَمَّا عَلِمَتِ الشِّيعَةُ ذَلِكَ اجْتَمَعُوا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ فَقَالُوا لَهُ: مَا قَوْلُكَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ؟ فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُمَا، مَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا، وَأَنَا لَا أَقُولُ فِيهِمَا إِلَّا خَيْرًا. قَالُوا: فَلِمَ تَطْلُبُ إِذًا بِدَمِ أَهْلِ الْبَيْتِ ؟ فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ اسْتَأْثَرُوا عَلَيْنَا بِهِ وَدَفَعُونَا عَنْهُ، وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ عِنْدَنَا بِهِمْ كُفْرًا، قَدْ وَلُوا فَعَدَلُوا، وَعَمِلُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. قَالُوا: فَلِمَ تُقَاتِلُ هَؤُلَاءِ إِذًا ؟ قَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا كَأُولَئِكَ، إِنَّ هَؤُلَاءِ ظَلَمُوا النَّاسَ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنِّي أَدْعُو إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِحْيَاءِ السُّنَنِ وَإِمَاتَةِ الْبِدَعِ، فَإِنْ تَسْمَعُوا يَكُنْ خَيْرًا لَكُمْ وَلِي، وَإِنْ تَأْبَوْا فَلَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ. فَرَفَضُوا وَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَنَقَضُوا بَيْعَتَهُ وَتَرَكُوهُ، فَلِهَذَا سُمُّوا الرَّافِضَةَ  مِنْ يَوْمِئِذٍ، وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ النَّاسِ عَلَى قَوْلِهِ سُمُّوا الزَّيْدِيَّةِ  وَغَالِبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْهُمْ رَافِضَةٌ وَغَالِبُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى الْيَوْمِ عَلَى مَذْهَبِ الزَّيْدِيَّةِ وَفِيهِ حَقٌّ وَهُوَ تَعْدِيلُ الشَّيْخَيْنِ، وَبَاطِلٌ وَهُوَ اعْتِقَادُ تَقْدِيمِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا، وَلَيْسَ عَلِيٌّ مُقَدَّمًا عَلَيْهِمَا، بَلْ وَلَا عُثْمَانُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْآثَارِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ عَنِ الصَّحَابَةِ ؓ عزم زيد بن علي على الخروج ثُمَّ إِنَّ زَيْدًا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ بِمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَوَاعَدَهُمْ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءَ مُسْتَهَلَّ صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السُّنَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى الْكُوفَةِ وَهُوَ الْحَكَمُ بْنُ الصَّلْتِ يَأْمُرُهُ بِجَمْعِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَجَمَعَ النَّاسَ لِذَلِكَ فِي يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ سَلْخَ الْمُحَرَّمِ، قَبْلَ خُرُوجِ زَيْدٍ بِيَوْمٍ، وَخَرَجَ زَيْدٌ بِمَنْ مَعَهُ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ فِي بَرْدٍ شَدِيدٍ، وَرَفَعَ أَصْحَابَهُ النِّيرَانَ، وَجَعَلُوا يُنَادُونَ: يَا مَنْصُورُ يَا مَنْصُورُ. فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ إِذَا قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مِائَتَانِ وَثَمَانِيَةَ عَشْرَ رَجُلًا، فَجَعَلَ زَيْدٌ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَيْنَ النَّاسُ ؟ فَقِيلَ: هُمْ فِي الْمَسْجِدِ مَحْصُورُونَ. وَكَتَبَ الْحَكَمُ بْنُ الصَّلْتِ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ يُعْلِمُهُ بِخُرُوجِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ فَبَعَثَ إِلَيْهِ سِرِّيَّةً إِلَى الْكُوفَةِ، وَرَكِبَتِ الْجُيُوشُ مَعَ نَائِبِ الْكُوفَةِ، وَجَاءَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ أَيْضًا فِي طَائِفَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَالْتَقَى زَيْدٌ بِمَنْ مَعَهُ جُرْثُومَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ خَمْسُمِائَةِ فَارِسٍ فَهَزَمَهُمْ ثُمَّ أَتَى الْكُنَاسَةَ، فَحَمَلَ عَلَى جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَهَزَمَهُمْ، ثُمَّ اجْتَازَ بِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ وَاقِفٌ فَوْقَ تَلٍّ وَزَيْدٌ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، وَلَوْ قَصَدَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ لَقَتَلَهُ، وَلَكِنْ أَخْذَ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَكُلَّمَا الْتَقَى بِطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ هَزَمَهُمْ، وَجَعَلَ أَصْحَابَهُ يُنَادُونَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ اخْرُجُوا إِلَى الدِّينِ وَالْعِزِّ وَالدُّنْيَا، فَإِنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي دِينٍ وَلَا عِزٍّ وَلَا دُنْيَا. ثُمَّ لَمَّا أَمْسَوُا انْضَافَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَقَدْ قُتِلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي أَوَّلِ يَوْمٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي اقْتَتَلَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَانْصَرَفُوا عَنْهُ بِشَرِّ حَالٍ، وَأَمْسَوْا فَعَبَّأَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ جَيْشَهُ جِدًّا، ثُمَّ أَصْبَحُوا فَالْتَقَوْا مَعَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي أَصْحَابِهِ، فَكَشَفَهُمْ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ إِلَى السَّبْخَةِ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَخْرَجَهُمْ إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ ثُمَّ تَبِعَهُمْ فِي خَيْلِهِ وَرَجِلِهِ حَتَّى أَخَذُوا عَلَى الْمُسَنَّاةِ، ثُمَّ اقْتَتَلُوا هُنَاكَ قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، حَتَّى كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ رُمِيَ زَيْدٌ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَ جَانِبَ جَبْهَتَهُ الْيُسْرَى، فَوَصَلَ إِلَى دِمَاغِهِ، فَرَجَعَ وَرَجَعَ أَصْحَابُهُ، وَلَا يَظُنُّ أَهْلُ الشَّامِ أَنَّهُمْ رَجَعُوا إِلَّا لِلْمَسَاءِ وَاللَّيْلِ، وَأُدْخِلَ زَيْدٌ فِي دَارٍ فِي سِكَّةِ الْبَرِيدِ وَجِيءَ بِطَبِيبٍ فَانْتَزَعَ ذَلِكَ السَّهْمَ مِنْ جَبْهَتِهِ، فَمَا عَدَا أَنِ انْتَزَعَهُ حَتَّى مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. الاختلاف في مكان دفن زيد بن علي بن الحسين فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ أَيْنَ يَدْفِنُوهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلْبِسُوهُ دِرْعَهُ وَأَلْقُوهُ فِي الْمَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: احْتَزُّوا رَأْسَهُ وَاتْرُكُوا جُثَّتَهُ فِي الْقَتْلَى. فَقَالَ ابْنُهُ: لَا وَاللَّهِ لَا تَأْكُلُ أَبِي الْكِلَابُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ادْفِنُوهُ فِي الْعَبَّاسِيَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ادْفِنُوهُ فِي الْحُفْرَةِ الَّتِي يُؤْخَذُ مِنْهَا الطِّينُ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَجْرَوْا عَلَى قَبْرِهِ الْمَاءَ ; لِئَلَّا يُعْرَفَ، وَانْفَتَلَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ رَأْسٌ يُقَاتِلُونَ بِهِ، فَمَا أَصْبَحَ الْفَجْرُ وَلَهُمْ قَائِمَةٌ يَنْهَضُونَ بِهَا، وَتَتَبَّعَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْجَرْحَى هَلْ يَجِدُ زَيْدًا بَيْنَهُمْ، وَجَاءَ مَوْلًى لِزَيْدٍ سِنْدِيٌّ، قَدْ شَهِدَ دَفْنَهُ، فَدَلَّ عَلَى قَبْرِهِ، فَأُخِذَ مِنْ قَبْرِهِ، فَأَمَرَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِصُلْبِهِ عَلَى خَشَبَةٍ بِالْكُنَاسَةِ وَمَعَهُ نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَزِيَادٌ النَّهْدِيُّ وَيُقَالُ: إِنَّ زَيْدًا مَكَثَ مَصْلُوبًا أَرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأُحْرِقَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. رواية أخرى لأبي جعفر بن جرير الطبري وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ يُوسُفَ بْنَ عُمَرَ لَمْ يَعْلَمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ حَتَّى كَتَبَ لَهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّكَ لَغَافِلٌ، وَإِنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ غَارِزٌ ذَنَبَهُ بِالْكُوفَةِ يُبَايَعُ لَهُ، فَأَلِحَّ فِي طَلَبِهِ وَأُعْطِهِ الْأَمَانَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَقَاتِلْهُ. فَتَطَلَّبَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَى قَبْرِهِ حَزَّ رَأْسَهُ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَنَصَبَهُ عَلَى بَابِ دِمَشْقَ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَسَارُوا بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى نَصَبُوهُ عَلَى أَحَدِ أَبْوَابِهَا، وَأَمَّا جُثَّتُهُ فَلَمْ تَزَلْ مَصْلُوبَةً تُحْرَسُ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى انْقَضَتْ دَوْلَةُ هِشَامٍ وَقَامَ مِنْ بَعْدِهِ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ فَأَمَرَ بِهِ، فَأُنْزِلَ وَحُرِّقَ فِي أَيَّامِهِ، قَبَّحَ اللَّهُ الْوَلِيدَ هَذَا. وَقِيلَ: كَانَ خِرَاشُ بْنُ حَوْشَبِ بْنِ يَزِيدَ الشَّيْبَانِيُّ عَلَى شُرْطَةِ زَيْدٍ، وَهُوَ الَّذِي نَبَشَ زَيْدًا وَصَلَبَهُ، فَقَالَ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ: بِتُّ لَيْلًا مُسَهَّدًا سَاهِرَ الْعَيْنِ مُقْصَدًا     وَلَقَدْ قُلْتُ قَوْلَةً وَأَطَلْتُ التَّبَلُّدَا     لَعَنَ اللَّهُ حَوْشَبًا وَخِرَاشًا وَمَزْيَدَا     وَيَزِيدًا فَإِنَّهُ كَانَ أَعْتَى وَأَعْنَدَا     أَلْفُ أَلْفٍ وَأَلْفُ أَلْ فٍ مِنَ اللَّعْنِ سَرْمَدَا     إِنَّهُمْ حَارَبُوا الْإِلَ هَ وَآذَوْا مُحَمَّدَا     شَرِكُوا فِي دَمِ الْمُطَهَّ رِ زَيْدٍ تَعَنُّدَا     ثُمَّ عَالَوْهُ فَوْقَ جِذْ عٍ صَرِيعًا مُجَرَّدَا     يَا خِرَاشُ بْنَ حَوْشَبٍ أَنْتَ أَشْقَى الْوَرَى غَدَا وَأَمَّا ابْنُهُ يَحْيَى بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ فَاسْتَجَارَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرِ بْنِ مَرْوَانَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ يَتَهَدَّدُهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ بِشْرٍ: مَا كُنْتُ لِأُؤْوِيَ مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ وَهُوَ عَدُوُّنَا وَابْنُ عَدُوِّنَا. فَصَدَّقَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فِي ذَلِكَ. وَلَمَّا هَدَأَ الطَّلَبُ عَنْهُ سَيَّرَهُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَخَرَجَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الزَّيْدِيَّةِ إِلَى خُرَاسَانَ فَأَقَامُوا بِهَا هَذِهِ الْمُدَّةَ. قَالَ أَبُو مَخْنَفٍ: وَلَمَّا قَتَلَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ خَطَبَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَتَهَدَّدَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ وَشَتَمَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ ; قَالَ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَأْذَنْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَتْلِ خَلْقٍ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَذِنَ لِي لَقَتَلْتُ مُقَاتَلَتَكُمْ، وَسَبَيْتُ ذَرَارِيَّكُمْ، وَمَا صَعِدْتُ هَذَا قَالَ الْمِنْبَرَ إِلَّا لِأُسْمِعَكُمْ مَا تَكْرَهُونَ. وَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْمُودٍ الْبَلْخِيُّ فِي كِتَابِ الْمَقَالَاتِ: أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا خَرَجَ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ وَدَفَنَهُ أَصْحَابُهُ، فَعَلِمَ بِهِ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ، فَنَبَشَهُ وَصَلَبَهُ ثُمَّ كَتَبَ هِشَامٌ يَأْمُرُ بِحَرْقِهِ فَأُحْرِقَ وَنُسِفَ رَمَادُهُ فِي الْفُرَاتِ. خروج يحيى بن زيد على الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ ثُمَّ خَرَجَ يَحْيَى بْنُ زَيْدٍ بِالْجُوزَجَانِ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَبَعَثَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ إِلَيْهِ سَلْمَ بْنَ أَجْوَزَ الْمَازِنِيَّ فَحَارَبَهُ، فَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَدُفِنَ فِي بَعْضِ الْخَانَاتِ. خروج مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بِالْمَدِينَةِ، وَبُويِعَ لَهُ فِي الْآفَاقِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ بِعِيسَى بْنِ مُوسَى، وَحُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ فَقَتَلَاهُ، وَقَتَلَا مِنْ أَجْلِهِ تَحْتَ الْهَدْمِ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَعَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، وَجَمَاعَةً، وَدُفِنَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ وَهُوَ حَيٌّ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَجَّهَ وَلَدَهُ وَإِخْوَتَهُ إِلَى الْآفَاقِ يَدْعُونَ إِلَيْهِ فَوَجَّهَ ابْنَهُ عَلِيًّا إِلَى مِصْرَ، فَأُخِذَ هُنَاكَ وَقُتِلَ، وَوَجَّهَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى خُرَاسَانَ فَطُلِبَ، فَهَرَبَ إِلَى السِّنْدِ، فَأُخِذَ بِهَا وَقُتِلَ، وَوَجَّهَ ابْنَهُ الْحَسَنَ إِلَى الْيَمَنِ فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ أَمَانًا ثُمَّ حُبِسَ فَمَاتَ فِي السِّجْنِ، ثُمَّ وَجَّهَ أَخَاهُ مُوسَى إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ أَمَانًا، وَوَجَّهَ أَخَاهُ إِدْرِيسَ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَوَجَّهَ أَخَاهُ يَحْيَى إِلَى الرَّيِّ، وَخَرَجَ بَعْدَهُ أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ [بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى] الْبَصْرَةِ فَغَلَبَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ وَأَكْثَرِ السَّوَادِ، وَشَخَصَ عَنِ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ مُحَارَبَةَ الْمَنْصُورِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الْمَنْصُورُ بِعِيسَى بْنِ مُوسَى وَسَعِيدِ بْنِ سَلْمٍ، فَحَارَبَ حَتَّى قُتِلَ وَمَضَى أَخُوهُ إِدْرِيسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْمَغْرِبِ فَغَلَبَ عَلَى بُلْدَانٍ كَثِيرَةٍ [وَبَسَطَ الْعَدْلَ فِيهَا. خروج الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ وَخَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ فَبَايَعَهُ النَّاسُ]، وَعَسْكَرَ بِفَخَّ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُوسَى بْنُ عِيسَى فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَقُتِلَ وَأَكْثَرُ مَنْ كَانَ مَعَهُ، وَلَمْ يَتَجَاسَرْ أَحَدٌ أَنْ يَدْفِنَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَكَلَتْ أَكْثَرَهُمُ السِّبَاعُ. وَكَانَ خُرُوجُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِي خِلَافَةِ مُوسَى، وَأُسِرَ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ بِمَكَّةَ صَبْرًا، وَقُتِلَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ. خروج يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ وَخَرَجَ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ فَقُتِلَ، وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بِتَاهَرْتَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا. وَخَرَجَ بِالْكُوفَةِ أَيَّامَ الْمَأْمُونِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. فَخَرَجَ مِنْ بَعْدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، فَأُخِذَ وَأَظْهَرَ مَوْتَهُ. وَخَرَجَ بِالْيَمَنِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ دَاعِيَةً لِمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَأَمَّنَهُ الْمَأْمُونُ. وَخَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ بِالْيَمَنِ، فَقُدِمَ بِهِ عَلَى الْمَأْمُونِ فَأَمَّنَهُ. وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بِالطَّالَقَانِ فِي خِلَافَةِ الْمُعْتَصِمِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ، فَانْهَزَمَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ وَقَعُوا بِهِ فَأَنْفَذَ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَحَبَسَهُ فِي قَصْرِهِ فَقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ، وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الشِّيعَةِ: إِنَّهُ سَيَظْهَرُ. خروج مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ دَاعِيَةً لِمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فَلَمَّا مَاتَ مُحَمَّدٌ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ [فَحُمِلَ إِلَى الْمَأْمُونِ. وَخَرَجَ الْأَفْطَسُ بِالْمَدِينَةِ دَاعِيَةً لِمُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا مَاتَ مُحَمَّدٌ دَعَا إِلَى نَفْسِهِ]، وَهَرَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ مِنَ الرَّشِيدِ، فَدَعَا بِهِ، فَشَتَمَهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ [مَا قَالَ]، فَضُرِبَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِالْعَمَدِ حَتَّى مَاتَ. وَخَرَجَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِطَبَرِسْتَانَ فَمَا زَالَتْ بِيَدِهِ حَتَّى مَاتَ، [وَخَلَفَهُ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ فَحَارَبَهُ رَافِعُ بْنُ هَرْثَمَةَ، ثُمَّ تَابَعَهُ بِالرَّيِّ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْحَسَنِ، فَأُسِرُوا، وَحُمِلَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، فَحَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ]. وَخَرَجَ الْكَوْكَبِيُّ وَاسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فَهَزَمَهُ مُوسَى بْنُ بَغَا، وَخَرَجَ بِالْكُوفَةِ أَيَّامَ الْمُسْتَعِينِ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَحَارَبَ فَقُتِلَ. وَخَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ، فَأُخِذَ وَحُبِسَ. وَخَرَجَ ابْنُ الْأَفْطَسِ [بِالْمَدِينَةِ]، وَخَرَجَ بِالْمَدِينَةِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَخَلَفَهُ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ، فَطُلِبَ فَهَرَبَ وَمَاتَ. وَخَرَجَ ابْنٌ لِمُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَمَضَى إِلَى فَارِسَ، فَمَاتَ بِهَا. وَخَرَجَ صَاحِبُ الْبَصْرَةِ وَكَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ أَنْصَارُهُ الزِّنْجَ، وَكَانَ يَرَى رَأْيَ الْأَزَارِقَةِ،

  487. التاريخ 2578لا حكم مسجّل

    قَتْلِ الْبَطَّالِ   وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْأَنْطَاكِيُّ، فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ الرُّومِ وَفِي سنة اثنتين وعشرين ومائة قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ الْبَطَّالُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضِ الرُّومِ  . وَلَمْ يَزِدِ ابْنُ جَرِيرٍ عَلَى هَذَا، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الرَّجُلَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ، فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ أَبُو يَحْيَى الْمَعْرُوفُ بِالْبَطَّالِ. كَانَ يَنْزِلُ أَنْطَاكِيَةَ، حَكَى عَنْهُ أَبُو مَرْوَانَ الْأَنْطَاكِيُّ. ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ حِينَ عَقَدَ لِابْنِهِ مَسْلَمَةَ عَلَى غَزْوِ بِلَادِ الرُّومِ وَلَّى عَلَى رُؤَسَاءِ أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ الْبَطَّالَ وَقَالَ لِابْنِهِ مَسْلَمَةَ: صَيِّرْهُ عَلَى طَلَائِعِكَ، وَأْمُرْهُ فَلْيُعَسَّ بِاللَّيْلِ الْعَسْكَرَ، فَإِنَّهُ أَمِينٌ ثِقَةٌ مِقْدَامٌ شُجَاعٌ. وَخَرَجَ مَعَهُمْ عَبْدُ الْمَلِكِ يُشَيِّعُهُمْ إِلَى بَابِ دِمَشْقَ. قَالَ: فَقَدَّمَ مَسْلَمَةُ الْبَطَّالَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ تُرْسًا مِنَ الرُّومِ أَنْ يَصِلُوا إِلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ. بعض من أخبار البطال قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ الدِّمَشْقِيُّ: ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ - شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ - قَالَ: كُنْتُ أَغَازِي الْبَطَّالَ وَقَدْ أَوْطَأَ الرُّومَ ذُلًّا، قَالَ الْبَطَّالُ: فَسَأَلَنِي بَعْضُ وُلَاةِ بَنِي أُمَيَّةَ عَنْ أَعْجَبِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِي فِيهِمْ، فَقُلْتُ لَهُ: خَرَجْتُ فِي سِرِّيَّةٍ لَيْلًا، فَدَفَعْنَا إِلَى قَرْيَةٍ، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: أَرْخُوا لُجُمَ خُيُولِكُمْ وَلَا تُحَرِّكُوا أَحَدًا بِقَتْلٍ وَلَا بِسَبْيٍ حَتَّى تَشْحَنُوا الْقَرْيَةَ فَإِنَّهُمْ فِي نَوْمَةٍ. فَفَعَلُوا وَافْتَرَقُوا فِي أَزِقَّتِهَا، فَدَفَعْتُ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِي إِلَى بَيْتٍ يَزْهَرُ سِرَاجُهُ، وَإِذَا امْرَأَةٌ تُسَكِّتُ ابْنَهَا مِنْ بُكَائِهِ وَهِيَ تَقُولُ: لَتَسْكُتْنَّ أَوْ لَأَدْفَعَنَّكَ إِلَى الْبَطَّالِ يَذْهَبُ بِكَ. وَانْتَشَلَتْهُ مِنْ سَرِيرِهِ وَقَالَتْ: أَمْسِكْ يَا بِطَّالُ. قَالَ: فَأَخَذْتُهُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ بسنده عَنِ الْبَطَّالِ قَالَ: انْفَرَدْتُ مَرَّةً عَلَى فَرَسِي، لَيْسَ مَعِي أَحَدٌ مِنَ الْجُنْدِ، وَقَدْ سَمَّطْتُ خَلْفِي مِخْلَاةً فِيهَا شَعِيرٌ، وَمَعِي مَنْدِيلٌ فِيهِ خُبْزٌ وَشِوَاءٌ، فَبَيْنَا أَنَا أَسِيرُ لَعَلِّي أَلْقَى أَحَدًا مُنْفَرِدًا أَوْ أَطَّلِعُ عَلَى خَبَرٍ، إِذَا أَنَا بِبُسْتَانٍ فِيهِ بُقُولٌ حَسَنَةٌ، فَنَزَلْتُ وَأَكَلْتُ مِنْ ذَلِكَ الْخَبْزِ وَالشِّوَاءِ مَعَ الْبَقْلِ، فَأَخَذَنِي إِسْهَالٌ عَظِيمٌ قُمْتُ مِنْهُ مِرَارًا، فَخِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ مِنْ كَثْرَةِ الْإِسْهَالِ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَالْإِسْهَالُ مُسْتَمِرٌّ عَلَى حَالِهِ، وَجَعَلْتُ أَخْشَى إِنْ أَنَا نَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي أَنْ أَضْعُفَ عَنِ الرُّكُوبِ، وَأَفْرَطَ بِي الْإِسْهَالُ فِي السَّرْجِ، حَتَّى خَشِيَتُ أَنْ أَسْقُطَ مِنَ الضَّعْفِ، فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الْفَرَسِ، وَنِمْتُ عَلَى وَجْهِي لَا أَدْرِي أَيْنَ يَسِيرُ الْفَرَسُ بِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلَّا بِقَرْعِ نِعَالِهِ عَلَى بَلَاطٍ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَإِذَا دَيْرٌ، وَإِذَا قَدْ خَرَجَ مِنْهُ نِسْوَةٌ صُحْبَةَ امْرَأَةٍ حَسْنَاءَ جَمِيلَةٍ جِدًّا، فَجَعَلَتْ تَقُولُ لَهُنَّ بِلِسَانِهَا: أَنْزِلْنَهُ. فَأَنْزَلْنَنِي، فَغَسَلْنَ عَنِّي ثِيَابِي وَسَرْجِي وَفَرَسِي، وَوَضَعْنَنِي عَلَى سَرِيرٍ، وَعَمِلْنَ لِي طَعَامًا وَشَرَابًا فَمَكَثْتُ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَسْبُوتًا، ثُمَّ أَقَمْتُ بَقِيَّةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى تُرَادَّ إِلَيَّ حَالِي، فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ إِذْ قِيلَ: جَاءَ الْبِطْرِيقُ. فَأَمَرْتُ بِفَرَسِي فَحُوِّلَ، وَغُلِّقَ عَلَيَّ الْبَابُ الَّذِي أَنَا فِيهِ، وَإِذَا هُوَ بِطْرِيقٌ كَبِيرٌ فِيهِمْ قَدْ جَاءَ لِخِطْبَتِهَا، فَأَخْبَرَهُ بَعْضُ مَنْ كَانَ هُنَاكَ بِأَنَّ هَذَا الْبَيْتَ فِيهِ رَجُلٌ وَلَهُ فَرَسٌ، فَهَمَّ بِالْهُجُومِ عَلَيَّ، فَمَنَعَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَتْ تَقُولُ لَهُ: إِنْ فَتَحَ عَلَيْهِ الْبَابَ لَمْ أَقْضِ حَاجَتَهُ. فَثَنَاهُ ذَلِكَ عَنِ الْهُجُومِ عَلَيَّ، وَأَقَامَ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ فِي ضِيَافَتِهِمْ، ثُمَّ رَكِبَ فَرَسَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ وَانْطَلَقَ. قَالَ الْبَطَّالُ: فَنَهَضْتُ فِي أَثَرِهِمْ، فَهَمَّتْ أَنْ تَمْنَعَنِي خَوْفًا عَلَيَّ مِنْهُمْ فَلَمْ أَقْبَلْ، وَسُقْتُ حَتَّى لَحِقْتُهُمْ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَانْفَرَجَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَأَرَادَ الْفِرَارَ، فَأَلْحَقُهُ فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ وَاسْتَلَبْتُهُ وَأَخَذْتُ رَأْسَهُ مُسَمَّطًا عَلَى فَرَسِي، وَرَجَعْتُ إِلَى الدَّيْرِ، فَخَرَجْنَ إِلَيَّ وَوَقَفْنَ بَيْنَ يَدَيَّ، فَقُلْتُ: ارْكَبْنَ. فَرَكِبْنَ مَا هُنَالِكَ مِنَ الدَّوَابِّ، وَسُقْتُ بِهِنَّ حَتَّى أَتَيْتُ أَمِيرَ الْجَيْشِ، فَدَفَعْتُهُنَّ إِلَيْهِ، فَنَفَّلَنِي مَا شِئْتُ مِنْهُنَّ، فَأَخَذْتُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْحَسْنَاءَ بِعَيْنِهَا، فَهِيَ أَمُّ أَوْلَادِي. وَكَانَ أَبُوهَا بِطْرِيقًا كَبِيرًا فِيهِمْ، وَكَانَ الْبَطَّالُ بَعْدَ ذَلِكَ يُكَاتِبُ أَبَاهَا وَيُهَادِيهِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ بسنده عن مَوْلَى خُزَاعَةَ يُخْبِرُ عَمَّنْ سَمِعَهُ مِنَ الْبَطَّالِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَمَّا وَلَّاهُ الْمِصِّيصَةَ بَعَثَ الْبَطَّالُ سَرِيَّةً إِلَى أَرْضِ الرُّومِ فَغَابَ عَنْهُ خَبَرُهَا فَلَمْ يَدْرِ مَا صَنَعُوا، فَرَكِبَ بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، وَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى عَمُّورِيَّةَ، فَطَرَقَ بَابَهَا لَيْلًا، فَقَالَ لَهُ الْبَوَّابُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ الْبَطَّالُ: فَقُلْتُ: أَنَا سَيَّافُ الْمَلِكِ وَرَسُولُهُ إِلَى الْبِطْرِيقِ فَخُذْ لِي طَرِيقًا إِلَيْهِ. فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ إِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ، فَجَلَسْتُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ إِلَى جَانِبِهِ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ فِي رِسَالَةٍ، فَمُرْ هَؤُلَاءِ فَلْيَنْصَرِفُوا. فَأَمَرَ مَنْ عِنْدَهُ فَذَهَبُوا. قَالَ: ثُمَّ قَامَ فَغَلَقَ بَابَ الْكَنِيسَةِ عَلَيَّ وَعَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي، وَضَرَبْتُ بِهِ رَأَسَهُ صَفْحًا، وَقُلْتُ لَهُ: أَنَا الْبَطَّالُ فَاصْدُقْنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ وَإِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ. قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قُلْتُ: السَّرِيَّةُ الَّتِي بَعَثْتُهَا مَا خَبَرُهَا ؟ فَقَالَ: هُمْ فِي بِلَادِي يَنْتَهِبُونَ مَا تَهَيَّأَ لَهُمْ، وَهَذَا كِتَابٌ قَدْ جَاءَنِي يُخْبِرُ أَنَّهُمْ فِي وَادِي كَذَا وَكَذَا، وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُكَ. فَقُلْتُ: هَاتِ الْأَمَانَ. فَأَعْطَانِي الْأَمَانَ، فَقُلْتُ: ائْتِنِي بِطَعَامٍ. فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَجَاءُوا بِطَعَامٍ، فَوُضِعَ لِي، فَأَكَلْتُ ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْصَرِفَ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: اخْرُجُوا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الْمَلِكِ. فَانْطَلَقُوا يَتَعَادُّونَ بَيْنَ يَدَيَّ، وَانْطَلَقْتُ إِلَى ذَلِكَ الْوَادِي الَّذِي ذُكِرَ، فَإِذَا أَصْحَابِي هُنَالِكَ، فَأَخَذَتْهُمْ وَرَجَعْتُ إِلَى الْمِصِّيصَةِ. فَهَذَا أَغْرَبُ مَا جَرَى. قَالَ الْوَلِيدُ: وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ شُيُوخِنَا أَنَّهُ رَأَى الْبَطَّالَ وَهُوَ قَافِلٌ مَنْ حَجَّتِهِ، وَكَانَ قَدْ شُغِلَ بِالْجِهَادِ عَنِ الْحَجِّ، وَكَانَ يَسْأَلُ اللَّهَ دَائِمًا الْحَجَّ ثُمَّ الشَّهَادَةَ، فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا فِي السَّنَةِ الَّتِي اسْتُشْهِدَ فِيهَا، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، سبب شهادة البطال وَكَانَ سَبَبُ شَهَادَتِهِ أَنَّ لِيُونَ مَلِكَ الرُّومِ خَرَجَ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، فَبَعَثَ الْبِطْرِيقُ - الَّذِي الْبَطَّالُ مُتَزَوِّجٌ بِابْنَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَمْرَهَا - إِلَى الْبَطَّالِ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ الْبَطَّالُ أَمِيرَ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، وَكَانَ الْأَمِيرُ مَالِكَ بْنَ شَبِيبٍ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي أَنْ نَتَحَصَّنَ فِي مَدِينَةِ حَرَّانَ، فَنَكُونُ بِهَا حَتَّى يَقْدَمَ عَلَيْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ فِي الْجُيُوشِ. فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَدَهَمَهُمُ الْجَيْشُ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَالْبَطَّالُ يَجُولُ بَيْنَ يَدَيِ الْأَبْطَالِ، وَلَا يَتَجَاسَرُ أَحَدٌ أَنْ يُنَوِّهَ بِاسْمِهِ ; خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الرُّومِ فَاتَّفَقَ أَنْ نَادَاهُ بَعْضُهُمْ، وَذَكَرَ اسْمَهُ غَلَطًا مِنْهُ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ فُرْسَانُ الرُّومِ حَمَلُوا عَلَيْهِ حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَاقْتَلَعُوهُ مَنْ سَرْجِهِ بِرِمَاحِهِمْ، فَأَلْقَوْهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَاقُوا وَرَاءَ النَّاسِ يَقْتُلُونَ فِيهِمْ وَيَأْسِرُونَ، وَقُتِلَ الْأَمِيرُ الْكَبِيرُ مَالِكُ بْنُ شَبِيبٍ  وَانْكَسَرَ الْمُسْلِمُونَ، وَانْطَلَقُوا إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْخَرَابِ فَتَحَصَّنُوا بِهَا، وَأَصْبَحَ لِيُونُ فَوَقَفَ عَلَى مَكَانِ الْمَعْرَكَةِ، فَإِذَا الْبَطَّالُ بِآخِرِ رَمَقٍ، فَقَالَ لَهُ لِيُونُ مَا هَذَا يَا أَبَا يَحْيَى ؟ فَقَالَ: هَكَذَا تُقْتَلُ الْأَبْطَالُ. فَاسْتَدْعَى لِيُونُ بِالْأَطِبَّاءِ لِيُدَاوُوهُ فَإِذَا جِرَاحُهُ قَدْ نَفَذَتْ إِلَى مَقَاتِلِهِ، فَقَالَ لَهُ لِيُونُ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: تَأْمُرُ مَنْ مَعَكَ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَلُوا غَسْلِيَ وَالصَّلَاةَ عَلَيَّ وَدَفْنِي. فَفَعَلَ، وَأَطْلَقَ لِأَجْلِ ذَلِكَ أُولَئِكَ الْأُسَارَى، وَانْطَلَقَ لِيُونُ إِلَى أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَحَصَّنُوا فَحَاصَرَهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهُمُ الْبُرُدُ بِقُدُومِ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ فِي الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَفَرَّ لِيُونُ فِي جَيْشِهِ رَاجِعًا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: كَانَتْ وَفَاةُ الْبَطَّالِ وَمَقْتَلُهُ بِأَرْضِ الرُّومِ  فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ أَبُو حَسَّانَ الزِّيَادِيُّ: قُتِلَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ. قُلْتُ: وَقَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ قُتِلَ هُوَ وَالْأَمِيرُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ بُخْتٍ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ  ، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَكِنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لَمْ يُؤَرِّخْ وَفَاتَهُ إِلَّا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: فَهَذَا مُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَطَّالِ مَعَ تَقَصِّيهِ لِلْأَخْبَارِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ الْعَامَّةُ عَنِ الْبَطَّالِ مِنَ السِّيرَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى دَلْهَمَةَ، وَالْبَطَّالِ، وَالْأَمِيرِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَالْقَاضِي عُقَبَةَ فَكَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ، وَوَضْعٌ بَارِدٌ، وَجَهْلٌ كَبِيرٌ، وَتَخْبِيطٌ فَاحِشٌ، لَا يَرُوجُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ أَوْ جَاهِلٍ رَدِيٍّ، كَمَا يَرُوجُ عَلَيْهِمْ سِيرَةُ عَنْتَرَةَ الْعَبْسِيِّ  الْمَكْذُوبَةُ، وَكَذَلِكَ سِيرَةُ الْبَكْرِيِّ، وَالدَّنَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْكَذِبُ الْمُفْتَعَلُ فِي سِيرَةِ الْبَكْرِيِّ أَشَدُّ إِثْمًا وَأَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ غَيْرِهَا ; لِأَنَّ وَاضِعَهَا يَدْخُلُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.

  488. التاريخ 2579لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ قِيلَ: وَفِي سنة اثنتين وعشرين ومائة قُتِلَ كُلْثُومُ بْنُ عِيَاضٍ الْقُشَيْرِيُّ  الَّذِي كَانَ هِشَامٌ بَعَثَهُ فِي أَهْلِ الشَّامِ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ حَيْثُ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالْبَرْبَرِ. وَفِيهَا وُلِدَ الْفَضْلُ بْنُ صَالِحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ. وَفِيهَا وَجَّهَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ ابْنَ شُبْرُمَةَ عَلَى سِجِسْتَانَ فَاسْتَقْضَى مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى. 50/ وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ، وَكَانَ عُمَّالُ الْأَمْصَارِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ، قِيلَ: وَكَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ: أَبُو قُحَافَةَ ابْنُ أَخِي الْوَلِيدِ بْنِ تَلِيدٍ الْعَبْسِيِّ.

  489. التاريخ 2580لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي سنة اثنتين وعشرين ومائة مِنَ الْأَعْيَانِ: إِيَاسٌ الذَّكِيُّ إِيَاسٌ الذَّكِيُّ  وَهُوَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ بْنُ إِيَاسِ بْنِ هِلَالِ بْنِ رِئَابِ بْنِ عَبْدِ بْنِ دُرَيْدِ بْنِ أَوْسِ بْنِ سُوَاءَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَارِيَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَوْسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ هَكَذَا نَسَبَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ، وَهُوَ أَبُو وَاثِلَةَ الْمُزَنِيُّ قَاضِي الْبَصْرَةِ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ، وَلِجَدِّهِ صُحْبَةٌ، وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِذَكَائِهِ، مرويات إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ رَوَى عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جِدِّهِ مَرْفُوعًا فِي الْحَيَاءِ، عَنْ أَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَنَافِعٍ، وَأَبِي مِجْلَزٍ. وَعَنْهُ الْحَمَّادَانِ، وَشُعْبَةُ، وَالْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: إِنَّهُ لَفَهِمٌ، إِنَّهُ لَفَهِمٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، وَالْعِجْلِيُّ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَالنَّسَائِيُّ: ثِقَةٌ. زَادَ ابْنُ سَعْدٍ: وَكَانَ عَاقِلًا مِنَ الرِّجَالِ فَطِنًا. وَزَادَ الْعِجْلِيُّ: وَكَانَ فَقِيهًا عَفِيفًا. فقه إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَقَدْ قَدِمَ دِمَشْقَ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَرَّةً أُخْرَى حِينَ عَزَلَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ: تَحَاكَمَ إِيَاسٌ وَهُوَ صَبِيٌّ شَابٌّ، وَشَيْخٌ إِلَى قَاضِي عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: إِنَّهُ شَيْخٌ وَأَنْتَ شَابٌّ، فَلَا تُسَاوِهِ فِي الْكَلَامِ. فَقَالَ إِيَاسٌ: إِنْ كَانَ كَبِيرًا فَالْحَقُّ أَكْبَرُ مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: اسْكُتْ. فَقَالَ: وَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِي إِذَا سَكَتُّ ؟ فَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَحْسَبُكَ تَنْطِقُ بِحَقٍّ فِي مَجْلِسِي هَذَا حَتَّى تَقُومَ. فَقَالَ إِيَاسٌ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - زَادَ غَيْرُهُ: فَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَظُنُّكَ إِلَّا ظَالِمًا لَهُ. فَقَالَ: مَا عَلَى ظَنِّ الْقَاضِي خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي - فَقَامَ الْقَاضِي، فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ فَقَالَ: اقْضِ حَاجَتَهُ وَأَخْرِجْهُ السَّاعَةَ مِنْ دِمَشْقَ، لَا يُفْسِدُ عَلَيَّ النَّاسَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا عَزَلَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ قَضَاءِ الْبَصْرَةِ فَرَّ مِنْهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَوَجَدَهُ قَدْ مَاتَ، فَكَانَ يَجْلِسُ فِي حَلْقَةٍ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ، فَتَكَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ فَرَدَّ عَلَيْهِ إِيَاسٌ فَأَغْلَظَ لَهُ الْأُمَوِيُّ، فَقَامَ إِيَاسٌ فَقِيلَ لِلْأُمَوِيِّ: هَذَا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْمُزَنِيُّ. فَلَمَّا عَادَ مِنَ الْغَدِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْأُمَوِيُّ وَقَالَ: لَمْ أَعْرِفْكَ، وَقَدْ جَلَسَتْ إِلَيْنَا بِثِيَابِ السُّوقَةِ وَكَلَّمْتَنَا بِكَلَامِ الْأَشْرَافِ، فَلَمْ نَحْتَمِلْ ذَلِكَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: بسنده عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: يُولَدُ فِي كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ رَجُلٌ تَامُّ الْعَقْلِ. فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ مِنْهُمْ. وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: دَخَلَ عَلَى إِيَاسٍ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، فَلَمَّا رَآهُنَّ قَالَ: أَمَّا إِحْدَاهُنَّ فَمُرْضِعٌ، وَالْأُخْرَى بِكْرٌ، وَالْأُخْرَى ثَيِّبٌ. فَقِيلَ لَهُ: بِمَ عَلِمَتْ هَذَا ؟ فَقَالَ: أَمَّا الْمُرْضِعُ فَلَمَّا قَعَدَتْ أَمْسَكَتْ ثَدْيَهَا بِيَدِهَا، وَأَمَّا الْبِكْرُ فَلَمَّا دَخَلَتْ لَمْ تَلْتَفِتْ إِلَى أَحَدٍ، وَأَمَّا الثَّيِّبُ فَلَمَّا دَخَلَتْ نَظَرَتْ وَرَمَتْ بِعَيْنَيْهَا. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: بسنده عن حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: أَعْرِفُ اللَّيْلَةَ الَّتِي وُلِدْتُ فِيهَا، وَضَعَتْ أُمِّي عَلَى رَأْسِي جَفْنَةً. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ لِأُمِّهِ: مَا شَيْءٌ سَمِعْتُهُ وَأَنْتِ حَامِلٌ بِي وَلَهُ جَلَبَةٌ شَدِيدَةٌ ؟ قَالَتْ: تِلْكَ يَا بُنَيَّ طِسْتٌ سَقَطَتْ مِنْ فَوْقِ الدَّارِ إِلَى أَسْفَلَ، فَفَزِعْتُ فَوَلَدَتُكَ تِلْكَ السَّاعَةَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ شَبَّةَ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنْ أَكْذِبَ كِذْبَةً لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا أَبِي مُعَاوِيَةَ لَا أُحَاسَبُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّ لِي الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا بسنده عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: مَا خَاصَمْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ بِعَقْلِي كُلِّهِ إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ ; قَلْتُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنِ الظُّلْمِ مَا هُوَ ؟ قَالُوا: أَخْذُ الْإِنْسَانِ مَا لَيْسَ لَهُ. قُلْتُ: فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ. قَالَ بَعْضُهُمْ، عَنْ إِيَاسٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْكُتَّابِ وَأَنَا صَبِيٌّ، فَجَعَلَ أَوْلَادُ النَّصَارَى  يَضْحَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُولُونَ: إِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا فَضْلَةَ لِطَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. فَقُلْتُ لِلْفَقِيهِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَنْصَرِفُ فِي غِذَاءِ الْبَدَنِ ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ: فَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ طَعَامَ أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّهُ غِذَاءً لِأَبْدَانِهِمْ ؟ فَقَالَ لَهُ مُعَلِّمُهُ: مَا أَنْتَ إِلَّا شَيْطَانٌ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ إِيَاسٌ وَهُوَ صَغِيرٌ بِعَقْلِهِ قَدْ وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ، فِي صِفَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ  أَنَّ طَعَامَهُمْ يَنْصَرِفُ جُشَاءً وَعَرَقًا كَالْمِسْكِ، فَإِذَا الْبَطْنُ ضَامِرٌ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ: قَدِمَ إِيَاسٌ وَاسِطًا فَجَاءَهُ ابْنُ شُبْرُمَةَ بِمَسَائِلَ قَدْ أَعَدَّهَا، فَقَالَ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ ؟ قَالَ: سَلْ، وَقَدِ ارْتَبْتُ حِينَ اسْتَأْذَنْتَ. فَسَأَلَهُ عَنْ سَبْعِينَ مَسْأَلَةً يُجِيبُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَخْتَلِفَا إِلَّا فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ، رَدَّهُ إِيَاسٌ إِلَى قَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ إِيَاسٌ: أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَحْفَظُ قَوْلَهُ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [ الْمَائِدَةِ: 3 ] ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. قَالَ: فَهَلْ أَبْقَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِآلِ شُبْرُمَةَ رَأْيًا ؟ وَقَالَ عَبَّاسٌ، بسنده عن عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِإِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ: يَا أَبَا وَاثِلَةَ حَتَّى مَتَى يَبْقَى النَّاسُ ؟ وَحَتَّى مَتَى يَتَوَالَدُ النَّاسُ وَيَمُوتُونَ ؟ فَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: أَجِيبُوهُ. فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ جَوَابٌ، فَقَالَ إِيَاسٌ: حَتَّى تَتَكَامَلَ الْعِدَّتَانِ ; عِدَّةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَعِدَّةُ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اكْتَرَى إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنَ الشَّامِ قَاصِدًا الْحَجَّ، فَرَكِبَ مَعَهُ فِي الْمَحْمَلِ غَيْلَانُ الْقَدَرِيُّ وَلَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَمَكَثَا ثَلَاثًا لَا يُكَلِّمُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ تَحَادَثَا فَتَعَارَفَا، وَتَعَجَّبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ اجْتِمَاعِهِ بِصَاحِبِهِ، لِمُبَايَنَةِ مَا بَيْنَهُمَا فِي الِاعْتِقَادِ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ لَهُ إِيَاسٌ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَقُولُونَ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [ الْأَعْرَافِ: 43 ] وَيَقُولُ أَهْلُ النَّارِ: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [ الْمُؤْمِنُونَ: 106 ] وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا [ الْبَقَرَةِ: 32 ] ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَأَمْثَالِ الْعَجَمِ مَا فِيهِ إِثْبَاتُ الْقَدَرِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ مَرَّةً أُخْرَى إِيَاسٌ، وَغَيْلَانُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَنَاظَرَ بَيْنَهُمَا، فَقَهَرَهُ إِيَاسٌ وَمَا زَالَ يَحْصُرُهُ فِي الْكَلَامِ حَتَّى اعْتَرَفَ غَيْلَانُ بِالْعَجْزِ وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ  ، فَدَعَا عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ مِنْهُ، فَأُمْكِنَ مِنْ غَيْلَانَ فَقُتِلَ وَصُلِبَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَمِنْ كَلَامِ الْحَسَنِ: لَأَنْ يَكُونَ فِي فِعَالِ الرَّجُلِ فَضْلٌ عَنْ قَوْلِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي قَوْلِهِ فَضْلٌ عَنْ فِعَالِهِ. من مواعظ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ: ذَكَرْتُ رَجُلًا بِسُوءٍ عِنْدَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَنَظَرَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: أَغَزَوْتَ الرُّومَ ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَالسِّنْدَ وَالْهِنْدَ وَالتُّرْكَ ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أَفَسَلِمَ مِنْكَ الرُّومُ وَالسِّنْدُ وَالْهِنْدُ وَالتُّرْكُ وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ؟ ! قَالَ: فَلَمْ أَعُدْ بَعْدَهَا. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ: رَأَيْتُ إِيَاسَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فِي بَيْتِ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ وَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ طَوِيلُ الذِّرَاعِ غَلِيظُ الثِّيَابِ، يُلَوِّثُ عِمَامَتَهُ، وَهُوَ قَدْ غَلَبَ عَلَى الْكَلَامِ، فَلَا يَتَكَلَّمُ مَعَهُ أَحَدٌ. وَقَدْ قَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ فِيكَ عَيْبٌ سِوَى كَثْرَةِ كَلَامِكَ. فَقَالَ: بِحَقٍّ أَتَكَلَّمُ أَمْ بِبَاطِلٍ ؟ فَقِيلَ: بَلْ بِحَقٍّ. فَقَالَ: كُلَّمَا كَثُرَ الْحَقُّ فَهُوَ خَيْرٌ. وَلَامَهُ بَعْضُهُمْ فِي لِبَاسِهِ الثِّيَابَ الْغَلِيظَةَ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَلْبَسُ ثَوْبًا يَخْدِمُنِي وَلَا أَلْبَسُ ثَوْبًا أَخْدِمُهُ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: قَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: إِنَّ أَشْرَفَ خِصَالِ الرَّجُلِ صَدَقُ اللِّسَانِ، وَمِنْ عَدِمَ فَضِيلَةَ الصِّدْقِ فَقَدْ فُجِعَ بِأَكْرَمِ أَخْلَاقِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَأَلَ رَجُلٌ إِيَاسًا عَنِ النَّبِيذِ، فَقَالَ: هُوَ حَرَامٌ. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْمَاءِ. فَقَالَ: حَلَالٌ. قَالَ: فَالْكَشُوثُ ؟ قَالَ: حَلَالٌ. قَالَ: فَالتَّمْرُ ؟ قَالَ: حَلَالٌ. قَالَ: فَمَا بَالُهُ إِذَا اجْتَمَعَ يَحْرُمُ ؟ فَقَالَ إِيَاسٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ رَمَيْتُكَ بِهَذِهِ الْحَفْنَةِ مِنَ التُّرَابِ، أَتُوجِعُكَ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَذِهِ الْحَفْنَةُ مِنَ التِّبْنِ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَذِهِ الْغَرْفَةُ مِنَ الْمَاءِ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ خَلَطْتُ هَذَا بِهَذَا، وَهَذَا بِهَذَا حَتَّى صَارَ طِينًا، ثُمَّ اسْتَحْجَرَ، ثُمَّ رَمَيْتُكَ، أَيُوجِعُكَ ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، وَيَقْتُلُنِي. قَالَ: فَكَذَلِكَ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ إِذَا اجْتَمَعَتْ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَدِيَّ بْنَ أَرْطَاةَ إِلَى الْبَصْرَةِ نَائِبًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ إِيَاسٍ، وَالْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ الْجَوْشَنِيِّ فَأَيُّهُمَا كَانَ أَفْقَهَ فَلْيُوَلِّهِ الْقَضَاءَ. فَقَالَ إِيَاسٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لَا يَتَوَلَّى: أَيُّهَا الرَّجُلُ، سَلْ فَقِيهَيِ الْبَصْرَةِ ; الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ. وَكَانَ إِيَاسٌ لَا يَأْتِيهِمَا، فَعَرَفَ الْقَاسِمُ أَنَّهُ إِنْ سَأَلَهُمَا أَشَارَا بِهِ، فَقَالَ الْقَاسِمُ لِعَدِيٍّ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّ إِيَاسًا أَفْضَلُ مِنِّي وَأَفْقَهُ مِنِّي وَأَعْلَمُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَوَلِّهِ، وَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ أَلِيَ الْقَضَاءَ. فَقَالَ إِيَاسٌ: هَذَا رَجُلٌ أُوقِفَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، فَافْتَدَى مِنْهَا بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْهَا. فَقَالَ عَدِيٌّ: أَمَا إِذْ فَطِنَتْ إِلَى هَذَا فَقَدْ وَلَّيْتُكَ الْقَضَاءَ. فَمَكَثَ سَنَةً يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ وَيُصْلِحُ بَيْنَهُمْ، وَإِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ حَكَمَ بِهِ، ثُمَّ هَرَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى دِمَشْقَ، فَاسْتَعْفَى مِنَ الْقَضَاءِ، فَوَلَّى عَدِيٌّ بُعْدَهُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ. توليته إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قضاء البصرة قَالُوا: لَمَّا تَوَلَّى إِيَاسٌ الْقَضَاءَ بِالْبَصْرَةِ فَرِحَ بِهِ الْعُلَمَاءُ، حَتَّى قَالَ أَيُّوبُ: لَقَدْ رَمَوْهَا بِحَجَرِهَا. وَجَاءَهُ الْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَبَكَى إِيَاسٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ ; قَاضِيَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ الْحَسَنُ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِلَى قَوْلِهِ: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا [ الْأَنْبِيَاءِ: 78، 79 ]. قَالُوا: ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ لِلْخُصُومَاتِ، فَمَا قَامَ حَتَّى فَصَلَ سَبْعِينَ قَضِيَّةً، حَتَّى كَانَ يُشَبَّهُ بِشُرَيْحٍ الْقَاضِي. وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَسَأَلَهُ عَنْهُ. وَقَالَ إِيَاسٌ: إِنِّي لَأُكَلِّمُ النَّاسَ بِنِصْفِ عَقْلِي، فَإِذَا اخْتَصَمَ إِلَيَّ اثْنَانِ جَمَعْتُ عَقْلِي كُلَّهُ. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ لَتُعْجَبُ بِرَأْيِكَ. فَقَالَ: لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ أَقْضِ بِهِ. وَقَالَ لَهُ آخَرُ: إِنَّ فِيكَ خِصَالًا لَا تُعْجِبُنِي. فَقَالَ: مَا هِيَ ؟ فَقَالَ: تَحْكُمُ قَبْلَ أَنْ تَفْهَمَ، وَتُجَالِسَ كُلَّ أَحَدٍ، وَتَلْبَسُ الثِّيَابَ الْغَلِيظَةَ. فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا أَكْثَرُ ; الثَّلَاثَةُ أَوِ الِاثْنَانِ ؟ قَالَ: الثَّلَاثَةُ. فَقَالَ: مَا أَسْرَعَ مَا فَهِمْتَ وَأَجَبْتَ. فَقَالَ: أَوَ يَجْهَلُ هَذَا أَحَدٌ ؟ فَقَالَ: وَكَذَلِكَ مَا أَحْكَمُ أَنَا بِهِ، وَأَمَّا مُجَالَسَتِي لِكُلِّ أَحَدٍ فَلَأَنْ أَجْلِسَ مَعَ مَنْ يَعْرِفُ لِي قَدْرِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَجْلِسَ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ لِي قَدْرِي، وَأَمَّا الثِّيَابُ فَإِنَّمَا أَلْبَسُ مِنْهَا مَا يَقِينِي لَا مَا أَقِيهِ أَنَا. قَالُوا: وَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ اثْنَانِ قَدْ أَوْدَعَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ الْآخَرِ مَالًا، وَجَحَدَهُ الْآخَرُ، فَقَالَ إِيَاسٌ لِلْمُودِعِ: أَيْنَ أَوْدَعْتَهُ ؟ قَالَ: عِنْدَ شَجَرَةٍ فِي بُسْتَانٍ. فَقَالَ: انْطَلِقْ إِلَيْهَا، فَقِفْ عِنْدَهَا لَعَلَّكَ تَتَذَكَّرُ. فَانْطَلَقَ. وَجَلَسَ الْآخَرُ، فَجَعَلَ إِيَاسٌ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَيُلَاحِظُهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَقَالَ لَهُ: أَوْصَلَ صَاحِبُكَ بَعْدُ إِلَيْهَا ؟ فَقَالَ: لَا بَعْدُ، أَصْلَحَكَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ فَأَدِّ إِلَيْهِ حَقَّهُ، وَإِلَّا جَعَلْتُكَ نَكَالًا. وَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَامَ مَعَهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ وَدِيعَتَهُ بِكَمَالِهَا. وَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ أَوْدَعْتُ عِنْدَ فُلَانٍ مَالًا، وَقَدْ جَحَدَنِي. فَقَالَ لَهُ: اذْهَبِ الْآنَ وَائْتِنِي غَدًا. وَبَعَثَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الْجَاحِدِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ عِنْدَنَا هَاهُنَا مَالٌ، فَضَعْهُ عِنْدَكَ فِي مَكَانٍ حَرِيزٍ. فَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً. فَقَالَ: لَهُ اذْهَبِ الْآنَ وَائْتِنِي غَدًا. وَأَصْبَحَ ذَلِكَ الرَّجُلُ صَاحِبُ الْحَقِّ فَجَاءَ إِلَى إِيَاسٍ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبِ الْآنَ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: أَعْطِنِي حَقِّي وَإِلَّا رَفَعَتُكَ إِلَى الْقَاضِي. فَذَهَبَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَخَافَ أَنْ لَا يُودِعَ عِنْدَهُ الْحَاكِمُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ حَقَّهُ، فَجَاءَ إِلَى إِيَاسٍ فَأَعْلَمَهُ، ثُمَّ جَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِنَ الْغَدِ ; رَجَاءَ أَنْ يُودَعَ، فَانْتَهَرَهُ إِيَاسٌ وَطَرَدَهُ، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ خَائِنٌ. وَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ اثْنَانِ فِي جَارِيَةٍ، فَادَّعَى الْمُشْتَرِي أَنَّهَا ضَعِيفَةُ الْعَقْلِ، فَقَالَ لَهَا إِيَاسٌ: أَيُّ رِجْلَيْكِ أَطْوَلَ ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ. فَقَالَ لَهَا: أَتَذْكُرِينَ لَيْلَةَ وُلِدْتِ ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ لِلْبَائِعِ: رُدَّ رُدَّ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ إِيَاسًا سَمِعَ صَوْتَ امْرَأَةٍ مِنْ بَيْتِهَا، فَقَالَ: هَذِهِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ بِصَبِيٍّ. فَلَمَّا وَلَدَتْ وَلَدَتْ كَمَا قَالَ، فَسُئِلَ: بِمَ عَرَفْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: سَمِعْتُ صَوْتَهَا وَنَفَسُهَا مَعَهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّهَا حَامِلٌ، وَفِي صَوْتِهَا صَحَلٌ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ غُلَامٌ. قَالُوا: ثُمَّ مَرَّ يَوْمًا بِبَعْضِ الْمَكَاتِبِ، فَإِذَا صَبِيٌّ هُنَالِكَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ أَدْرِي شَيْئًا فَهَذَا الصَّبِيُّ ابْنُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فَإِذَا هُوَ ابْنُهَا. وَقَالَ مَالِكٌ بسنده عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: شَهِدَ رَجُلٌ عِنْدَ إِيَاسٍ فَقَالَ لَهُ: مَا اسْمُكَ ؟ فَقَالَ: أَبُو الْعَنْقَزِ. فَلَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ: دَعَوْنِي إِلَى إِيَاسٍ فَإِذَا رَجُلٌ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ حَدِيثٍ أَخَذَ فِي آخِرَ. وَقَالَ إِيَاسٌ: كُلُّ رَجُلٍ لَا يَعْرِفُ عَيْبَ نَفْسِهِ فَهُوَ أَحْمَقُ. فَقِيلَ لَهُ: فَمَا عَيْبُكَ ؟ قَالَ: كَثْرَةُ الْكَلَامِ. قَالُوا: وَلَمَّا مَاتَتْ أُمُّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: كَانَ لِي بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى الْجَنَّةِ، فَغُلِقَ أَحَدُهُمَا. وَقَالَ أَبُوهُ: إِنَّ النَّاسَ يَلِدُونَ أَبْنَاءً، وَوَلَدْتُ أَبًا. وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ، وَيَكْتُبُونَ عَنْهُ الْفِرَاسَةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ حَوْلَهُ جُلُوسٌ، إِذْ نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ قَدْ جَاءَ، فَجَلَسَ عَلَى دَكَّةِ حَانُوتٍ، وَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ أَحَدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَنَظَرَ فِي وَجْهِ رَجُلٍ، ثُمَّ عَادَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَذَا فَقِيهُ كُتَّابٍ قَدْ أَبَقَ لَهُ غُلَامٌ أَعْوَرُ فَهُوَ يَتَطَلَّبُهُ. فَقَامُوا إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ فَسَأَلُوهُ، فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَ إِيَاسٌ فَقَالُوا لِإِيَاسٍ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: لَمَّا جَلَسَ عَلَى دَكَّةِ الْحَانُوتِ عَلِمْتُ أَنَّهُ ذُو وِلَايَةٍ، ثُمَّ نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِفَقَاهَةِ الْمَكْتَبِ، ثُمَّ جَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ مَنْ يَمُرُّ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ قَدْ فَقَدَ غُلَامًا، ثُمَّ لَمَّا قَامَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِ ذَلِكَ الرَّجُلِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، عَرَفْتُ أَنَّ غُلَامَهُ أَعْوَرُ. وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً فِي تَرْجَمَتِهِ، مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: شَهِدَ عِنْدِي رَجُلٌ فِي بُسْتَانٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ عَدَدُ أَشْجَارِهِ ؟ فَقَالَ: كَمْ عَدَدُ جُذُوعِ هَذَا الْمَجْلِسِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ مِنْ مُدَّةِ سِنِينَ ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي. وَأَقْرَرْتُ شَهَادَتَهُ. قَالَ خَلِيفَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوفِّيَ بِوَاسِطَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ:   أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَسًا، وَكَانَ عَابِدًا ثِقَةً دَيِّنًا، كَانَ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ خُيِّرْتُ عَبْدًا أَلْقَى اللَّهَ فِي صَلَاحِهِ لَاخْتَرْتُ زُبَيْدًا الْيَامِيَّ. عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قَالَ: كَانَ زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ يُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزْءًا عَلَيْهِ، وَجُزْءًا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِهِ، وَجُزْءًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِهِ، فَكَانَ زُبَيْدٌ يُصَلِّي ثُلُثَ اللَّيْلِ ثُمَّ يَقُولُ لِأَحَدِهِمَا: قُمْ، فَإِنْ تَكَاسَلَ صَلَّى جُزْأَهُ، ثُمَّ يَقُولُ لِلْآخَرِ: قُمْ، فَإِنَّ تَكَاسَلَ صَلَّى جُزْأَهُ، فَيُصَلِّي اللَّيْلَ كُلَّهُ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: كَانَ زُبَيْدٌ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ مَطِيرَةٌ أَخَذَ شُعْلَةً مِنَ النَّارِ فَطَافَ عَلَى عَجَائِزِ الْحَيِّ فَقَالَ: أَوْلَفَ عَلَيْكُمْ بَيْتٌ؟ أَتُرِيدُونَ نَارًا؟ فَإِذَا أَصْبَحَ طَافَ عَلَى عَجَائِزِ الْحَيِّ: أَلَكُمْ فِي السُّوقِ حَاجَةٌ؟! أَوْ: تُرِيدُونَ شَيْئًا؟! قَالَ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى زُبَيْدٍ نَعُودُهُ، فَقُلْنَا: شَفَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَسْتَجِيرُ اللَّهَ. تُوُفِّيَ زُبَيْدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ طَلْحَةُ أَسَنَّ مِنْهُ بِعَشْرِ سِنِينَ، فَاسْتَوْفَى زُبَيْدٌ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ. سَيَّارُ بْنُ دِينَارٍ سَيَّارُ بْنُ دِينَارٍ -وَيُقَالُ: ابْنُ وَرْدَانَ- أَبُو الْحَكَمِ الْقَسْرِيُّ: رَوَى عَنْ طَارِقِ] بْنِ شِهَابٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَأَبِي حَازِمٍ، وَكَانَ شَدِيدَ الْحُزْنِ كَثِيرَ الْبُكَاءِ. وَقَالَ: إِنَّ الْفَرَحَ بِالدُّنْيَا وَالْحُزْنَ بِالْآخِرَةِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ، إِذَا سَكَنَ أَحَدُهُمَا الْقَلْبَ خَرَجَ الْآخَرُ. عن وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُسَيْنُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: بَعَثَ بَعْضُ الْقُضَاةِ إِلَى سَيَّارٍ بِوَاسِطَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَا تَجِيءُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ لَهُ: إِنْ أَدْنَيْتَنِي فَتَنْتَنِي، وَإِنْ بَاعَدْتَنِي غَمَمْتَنِي، وَلَيْسَ عِنْدَكَ مَا أَرْجُو، وَلَا عِنْدِي مَا أَخَافُكَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَامَ. قَالَ أَسْلَمُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: خَرَجَ سَيَّارُ بْنُ يَسَارٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَقَامَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ جِيَادٌ، فَرَأْهُ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَ سَيَّارٌ، فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: هَذِهِ الصَّلَاةُ وَهَذِهِ الثِّيَابُ؟ فَقَالَ لَهُ سَيَّارٌ: ثِيَابِي هَذِهِ تَرْفَعُنِي عِنْدَكَ أَوْ تَضَعُنِي؟ قَالَ: تَضَعُكَ، قَالَ: هَذَا أَرَدْتُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا مَالِكُ، إِنِّي لَأَحْسَبُ ثَوْبَيْكَ هَذَيْنِ قَدْ أَنْزَلَاكَ مِنْ نَفْسِكَ مَا لَمْ يُنْزِلْكَ مِنَ اللَّهِ، فَبَكَى مَالِكٌ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ سَيَّارٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَانَقَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: جَاءَ مَالِكٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ. عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ، أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ:   أَسْنَدَ عَنْ أَنَسٍ، وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَكَانَ عَالِمًا مُتَعَبِّدًا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ: بسنده كَانَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. عُثْمَانُ بْنُ أَبِي دَهْرَشٍ الْمَكِّيُّ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي دَهْرَشٍ الْمَكِّيُّ: يَرْوِي عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي دَهْرَشٍ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَيْهِ تَنَبَّهَ وَقَالَ: أَسِيرُ الْآنَ مَعَ النَّاسِ وَلَا أَدْرِي مَا أَجْنِي عَلَى نَفْسِي. وَقَالَ عُثْمَانُ: مَا صَلَّيْتُ صَلَاةً قَطُّ إِلَّا اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ تَقْصِيرِي فِيهَا. 664 - مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، كُنْيَتُهُ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ شُجَاعًا جَوَادًا ذَا رَأْيٍ وَحَزْمٍ وَفَضْلٍ، وَغَزَا غَزَوَاتٍ، وَكَانَ حَسَنَ التَّدْبِيرِ. قَالَ: مَا لُمْتُ نَفْسِي عَلَى خَطَأٍ افْتَتَحْتُهُ بِحَزْمٍ، وَلَا حَمِدْتُهَا عَلَى صَوَابٍ افْتَتَحْتُهُ بِعَجْزٍ. وَإِنَّمَا زَوَتْ عَنْهُ بَنُو أُمَيَّةَ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ أُمُّ وَلَدٍ. [تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ]. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ التَّيْمِيُّ، تَيْمُ قُرَيْشٍ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِسْطٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ.

  490. التاريخ 2581لا حكم مسجّل

    صُلْحِ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ مَعَ الصُّغْدِ   فِي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ صَالَحَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ الصُّغْدَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ خَاقَانَ لَمَّا قُتِلَ فِي وِلَايَةِ أَسَدٍ تَفَرَّقَتِ التُّرْكُ فِي غَارَةِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، فَطَمِعَ أَهْلُ الصُّغْدِ فِي الرَّجْعَةِ إِلَيْهَا، وَانْحَازَ قَوْمٌ مِنْهُمْ إِلَى الشَّاشِ، فَلَمَّا وَلِيَ نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا، وَكَانُوا يَنَالُونَ شُرُوطًا أَنْكَرَهَا أُمَرَاءُ خُرَاسَانَ، مِنْهَا: أَنْ لَا يُعَاقَبَ مَنْ كَانَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يُعَدَّى عَلَيْهِمْ فِي دَيْنٍ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يُؤْخَذُ أُسَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ إِلَّا بِقَضِيَّةِ قَاضٍ وَشَهَادَةِ عُدُولٍ. فَعَابَ النَّاسُ ذَلِكَ عَلَى نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ وَقَالُوا لَهُ فِيهِ، فَقَالَ: لَوْ عَايَنْتُمْ شَوْكَتَهُمْ فِي الْمُسْلِمِينَ مِثْلَ مَا عَايَنْتُ مَا أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ. وَأَرْسَلَ رَسُولًا إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي ذَلِكَ فَتَوَقَّفَ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا اسْتَمَرُّوا عَلَى مُعَانَدَتِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ ضَرَرُهُمْ أَشَدَّ، أَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ.

  491. التاريخ 2582لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثلاث وعشرين ومائة أَوْفَدَ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْأَلُهُ ضَمَّ خُرَاسَانَ إِلَيْهِ،  وَعَزْلَ نَصْرِ بْنِ سَيَّارٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّ وِلَايَةَ نَصْرٍ طَالَتْ، وَدَانَتْ لَهُ خُرَاسَانُ، فَحَسَدَهُ يُوسُفُ، وَأَمَرَ مَنْ قَدَحَ فِيهِ عِنْدَ هِشَامٍ بِالْكِبَرِ وقالوا بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ شَهْمًا شُجَاعًا، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَبِرَ وَضَعُفَ بَصَرُهُ فَلَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ إِلَّا مِنْ قَرِيبٍ بِصَوْتِهِ، وَتَكَلَّمُوا فِيهِ كَلَامًا كَثِيرًا، فَوَجَّهَ هِشَامٌ إِلَى دَارِ الضِّيَافَةِ فَأَحْضَرَ مُقَاتِلَ بْنَ عَلِيٍّ السَّعْدِيَّ وَقَدْ قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَمَعَهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِنَ التُّرْكِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَكَمِ وَمَا وَلِيَ بِخُرَاسَانَ، فَقَالَ: وَلِيَ قَرْيَةً يُقَالُ لَهَا الْفَارِيَابَ سَبْعُونَ أَلْفًا خَرَاجُهَا، فَأَسَرَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ فَعَرَكَ أُذُنَهُ وَأَطْلَقَهُ وَقَالَ: أَنْتَ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ أَقْتُلَكَ. فَلَمْ يَعْزِلْ هِشَامٌ نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ عَنْ خُرَاسَانَ.

  492. التاريخ 2583لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ وَدُخُولِ بَلْجٍ الْأَنْدَلُسِ فِي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ تُوُفِّيَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ السَّلُولِيُّ أَمِيرُ الْأَنْدَلُسِ، فَقِيلَ: بَلْ ثَارَ بِهِ أَهْلُ الْأَنْدَلُسِ فَخَلَعُوهُ وَوَلَّوْا بَعْدَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ قَطَنٍ، وَهِيَ وِلَايَتُهُ الثَّانِيَةُ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتِ الْبَرْبَرُ قَدْ فَعَلَتْ بِإِفْرِيقِيَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَقَدْ حَصَرُوا بَلْجَ بْنَ بِشْرٍ الْعَبْسِيَّ حَتَّى ضَاقَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ مَعَهُ الْأَمْرُ وَاشْتَدَّ الْحَصْرُ، وَهُمْ صَابِرُونَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ مَرَاكِبَ يَجُوزُ فِيهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى الْأَنْدَلُسِ، وَذَكَرَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ وَأَنَّهُمْ أَكَلُوا دَوَابَّهُمْ. فَامْتَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ إِدْخَالِهِمُ الْأَنْدَلُسِ وَوَعَدَهُمْ بِإِرْسَالِ الْمَدَدِ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَاتَّفَقَ أَنَّ الْبَرْبَرَ قَوِيَتْ بِالْأَنْدَلُسِ، فَاضْطُرَّ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى إِدْخَالِ بَلْجٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي جَوَازِ بَلْجٍ فَخَوَّفُوهُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَخَافُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولَ: أَهْلَكْتَ جُنْدِي، فَأَجَازَهُمْ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقِيمُوا سَنَةً وَيَرْجِعُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخَذَ رَهَائِنَهُمْ وَأَجَازَهُمْ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ رَأَى هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ مَا بِهِمْ مِنْ سُوءِ الْحَالِ وَالْفَقْرِ وَالْعُرْيِ لِشِدَّةِ الْحِصَارِ عَلَيْهِمْ، فَكَسَوْهُمْ وَأَحْسَنُوا إِلَيْهِمْ، وَقَصَدُوا جَمْعًا مِنَ الْبَرْبَرِ بِشَدُونَةَ فَقَاتَلُوهُمْ فَظَفِرُوا بِالْبَرْبَرِ فَأَهْلَكُوهُمْ وَغَنِمُوا مَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَسِلَاحَهُمْ، فَصَلُحَتْ أَحْوَالُ أَصْحَابِ بَلْجٍ وَصَارَ لَهُمْ دَوَابٌّ يَرْكَبُونَهَا. وَرَجَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَطَنٍ إِلَى قُرْطُبَةَ وَقَالَ لِبَلْجٍ وَمَنْ مَعَهُ لِيَخْرُجُوا مِنَ الْأَنْدَلُسِ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَطَلَبُوا مِنْهُ مَرَاكِبَ يَسِيرُونَ فِيهَا مِنْ غَيْرِ الْجَزِيرَةِ الْخَضْرَاءِ لِئَلَّا يَلْقَوُا الْبَرَابِرَ الَّذِينَ حَصَرُوهُمْ. فَامْتَنَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَقَالَ: لَيْسَ لِي مَرَاكِبُ إِلَّا فِي الْجَزِيرَةِ. فَقَالُوا: إِنَّا لَا نَرْجِعُ نَتَعَرَّضُ إِلَى الْبَرْبَرِ وَلَا نَقْصِدُ الْجِهَةَ الَّتِي هُمْ فِيهَا لِأَنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونَا فِي بِلَادِهِمْ. فَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ فِي الْعَوْدِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ ثَارُوا بِهِ وَقَاتَلُوهُ، فَظَفِرُوا بِهِ وَأَخْرَجُوهُ مِنَ الْقَصْرِ، وَذَلِكَ أَوَائِلَ ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. فَلَمَّا ظَفِرَ بَلْجٌ بِعَبْدِ الْمَلِكِ أَشَارَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ بِقَتْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ دَارِهِ وَكَأَنَّهُ فَرْخٌ لِكِبَرِ سِنِّهِ فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، وَوَلِيَ الْأَنْدَلُسَ، وَكَانَ عُمْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ تِسْعِينَ سَنَةً، وَهَرَبَ ابْنَاهُ قَطَنٌ وَأُمَيَّةُ، فَلَحِقَ أَحَدُهُمَا بِمَارِدَةَ وَالْآخَرُ بِسَرَقُسْطَةَ، وَكَانَ هَرَبُهُمَا قَبْلَ قَتْلِ أَبِيهِمَا، فَلَمَّا قُتِلَ فَعَلَا مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  493. التاريخ 2584لا حكم مسجّل

    وَفِي سنة ثلاث وعشرين ومائة غَزَا نَصْرُ بْنُ سَيَّارٍ فَرْغَانَةَ غَزْوَتَهُ الثَّانِيَةَ، فَأَوْفَدَ وَفْدًا إِلَى الْعِرَاقِ عَلَيْهِمْ مَعْنُ بْنُ أَحْمَرَ النُّمَيْرِيُّ، ثُمَّ إِلَى هِشَامٍ، فَاجْتَازَ بِيُوسُفَ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ: يَابْنَ أَحْمَرَ أَيَغْلِبُكُمُ الْأَقْطَعُ عَلَى سُلْطَانِكُمْ يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ ! قَالَ: قَدْ كَانَ ذَاكَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَعِيبَهُ عِنْدَ هِشَامٍ، فَقَالَ: كَيْفَ أَعِيبُهُ مَعَ بَلَائِهِ وَآثَارِهِ الْجَمِيلَةِ عِنْدِي وَعِنْدَ قَوْمِي ؟ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ، قَالَ: فَبِمَ أَعِيبُهُ ؟ أَعِيبُ تَجْرِبَتَهُ أَمْ طَاعَتَهُ أَمْ يُمْنَ نَقِيبَتِهِ أَوْ سِيَاسَتِهِ ؟ قَالَ: عِبْهُ بِالْكِبَرِ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى هِشَامٍ ذَكَرَ جُنْدَ خُرَاسَانَ وَنَجْدَتَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ، فَقَالَ: إِلَّا أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَائِدٌ. قَالَ: وَيْحَكَ ! فَمَا فَعَلَ الْكِنَانِيُّ ؟ يَعْنِي نَصْرًا. قَالَ: لَهُ بَأْسٌ وَرَأْيٌ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الرَّجُلَ وَلَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ حَتَّى يُدْنَى مِنْهُ، وَمَا يَكَادُ يُفْهَمُ مِنْهُ مِنَ الضَّعْفِ لِأَجْلِ كِبَرِهِ، فَقَالَ شُبَيْلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَازِنِيُّ: كَذِبٌ وَاللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ بِالشَّيْخِ يُخْشَى خَرَفُهُ، وَلَا الشَّابِّ يُخْشَى سَفَهُهُ، [ بَلْ هُوَ ] الْمُجَرِّبُ وَقَدْ وَلِيَ عَامَّةَ ثُغُورِ خُرَاسَانَ وَحُرُوبِهَا قَبْلَ وِلَايَتِهِ. فَعَلِمَ هِشَامٌ أَنَّ قَوْلَ مَعْنٍ بِوَضْعِ يُوسُفَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ. فَرَجَعَ مَعْنٌ إِلَى يُوسُفَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُحَوِّلَ ابْنَهُ عَنْ خُرَاسَانَ، فَفَعَلَ، فَأَرْسَلَ فَأَحْضَرَ أَهْلَهُ، وَكَانَ نَصْرٌ لَمَّا قَدِمَ خُرَاسَانَ قَدْ آثَرَ مَعْنًا وَأَعْلَى مَنْزِلَتَهُ، وَشَفَّعَهُ فِي حَوَائِجِهِ، فَلَمَّا فَعَلَ هَذَا أَجْفَى الْقَيْسِيَّةَ فَحَضَرُوا عِنْدَهُ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ.

  494. التاريخ 2585لا حكم مسجّل

    وَحَجَّ بِالنَّاسِ في سنة ثلاث وعشرين ومائة السَّنَةَ يَزِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ الْعُمَّالُ فِي الْأَمْصَارِ هُمُ الْعُمَّالُ فِي السَّنَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.

  495. التاريخ 2586لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   سماك بن حرب السدوسي سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ السَّدُوسِيُّ:   كَانَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَصْبَحَ يُبْصِرُ. سِمَاكُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أَوْسِ وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ نِزَارٍ، أَبُو الْمُغِيرَةِ الذُّهْلِيُّ: رَأَى الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَسَمِعَ مِنَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، وَسُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ، وَثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَكَمِ. وَقَالَ سِمَاكٌ: أَدْرَكْتُ ثَمَانِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. رَوَى عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، وَالثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ، وَزَائِدَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ. وَكَانَ ثِقَةً، وَبَعَثَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى بَغْدَادَ فَقَدِمَهَا قَبْلَ أَنْ تُمَصَّرَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، مَوْلَى بَنِي لَيْثٍ:   رَوَى عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ ثِقَةً. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: لَكِنَّهُ بَقِيَ حَتَّى اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ. وَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ:   سَمِعَ مِنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجُمْهُورُ رِوَايَاتِهِ عَنْ أَبِيهِ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ، قَالَ: قَالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَفَى بِكَ مِنَ الْكِبْرِ أَنْ تَرَى لَكَ فَضْلًا عَلَى مَنْ هُوَ دُونَكَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بسنده عَنْ أَبِي هَارُونَ، قَالَ: كَانَ عَوْنٌ يُحَدِّثُنَا وَلِحْيَتُهُ تُرَشُّ بِالدُّمُوعِ. عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ:   أُمُّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَالَتِهَا. وَكَانَتْ فَائِقَةَ الْحُسْنِ، تَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عِمْرَانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأَبَا بَكْرٍ، وَطَلْحَةَ، وَنَفِيسَةَ، ثُمَّ فَارَقَتْ زَوْجَهَا ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا، فَمَا فَتَحَتْ فَاهَا عَلَيْهِ. ثُمَّ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَمْهَرَهَا خَمْسَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَهْدَى لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ. وَكَانَتْ تُكْثِرُ مُخَاصَمَتَهُ، وَدَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ بِثَمَانِي لُؤْلُؤَاتٍ قِيمَتُهَا عِشْرُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَيْقَظَهَا وَنَثَرَ اللُّؤْلُؤَ فِي حِجْرِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: نَوْمَتِي كَانَتْ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ هَذَا اللُّؤْلُؤِ. ثُمَّ قُتِلَ عَنْهَا مُصْعَبٌ. فَخَطَبَهَا بِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ. وَقَدِمَ عُمَرُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيُّ مِنَ الشَّامِ، فَنَزَلَ الْكُوفَةَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ بِشْرًا خَطَبَهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا جَارِيَةً لَهَا، وَقَالَ لَهَا: قُولِي لَهَا ابْنُ عَمِّكِ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكِ: أَنَا خَيْرٌ لَكِ مِنْ هَذَا الْمَيْسُورِ وَالْمَطْحُولِ، وَإِنْ تَزَوَّجْتُ بِكِ مَلَأْتُ بَيْتَكِ خَيْرًا. فَتَزَوَّجَتْهُ فَبَنَى بِهَا بِالْحِيرَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ بِشْرًا بَعَثَ إِلَيْهَا عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَخْطُبُهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَمَا وَجَدَ بِشْرٌ رَسُولًا إِلَى ابْنَةِ عَمِّكِ غَيْرَكَ، فَأَيْنَ بِكَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: أَوَتَفْعَلِينَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَتَزَوَّجَهَا وَحَمَلَ إِلَيْهَا أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، خَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ مَهْرًا وَخَمْسَمِائَةِ أَلْفٍ هَدِيَّةً، وَقَالَ لِمَوْلَاتِهَا: لَكِ عَلَيَّ أَلْفُ دِينَارٍ إِنْ دَخَلْتُ بِهَا اللَّيْلَةَ، فَحُمِلَ الْمَالُ، فَأُلْقِيَ فِي الدَّارِ، وَغُطِّيَ بِالثِّيَابِ، وَخَرَجَتْ عَائِشَةُ فَقَالَتْ لِمَوْلَاتِهَا: مَا هَذَا أَفَرْشٌ أَمْ ثِيَابٌ؟ قَالَتِ: انْظُرِي، فَنَظَرَتْ فَإِذَا مَالٌ، فَتَبَسَّمَتْ فَقَالَتْ لَهَا: أَجْزَاءُ [مَنْ حَمَلَ] هَذَا أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ دُخُولُهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَتَزَيَّنَ لَهُ وَأَسْتَعِدَّ، قَالَتْ: وَبِمَاذَا فَوَاللَّهِ لَوَجْهُكِ أَحْسَنُ مِنْ كُلِّ زِينَةٍ، وَمَا تَمُدِّينَ يَدَيْكِ إِلَى طِيبٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ فَرْشٍ إِلَّا وَهُوَ عِنْدَكِ، وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَيْكِ أَنْ تَأْذَنِي لَهُ، قَالَتِ: افْعَلِي، فَذَهَبَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: بِتْ بِبَيْتِنَا اللَّيْلَةَ، فَجَاءَهُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَمَكَثَتْ مَعَهُ ثَمَانِيَ سِنِينَ، وَكَانَتْ تَصِفُ لَهُ مُصْعَبًا فَيَكَادُ يَمُوتُ مِنَ الْغَيْظِ، فَلَمَّا مَاتَ نَدَبَتْهُ قَائِمَةً وَقَالَتْ: كَانَ أَكْرَمَهُمْ عَلَيَّ، وَأَمَسَّهُمْ رَحِمًا بِي، فَلَا أَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا نَدَبَتْ زَوْجَهَا قَائِمَةً عُلِمَ أَنَّهَا لَا تَتَزَوَّجُ بَعْدَهُ. وَدَخَلَتْ عَلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مُرْ لِي بِأَعْوَانٍ يَكُونُونَ مَعِي، فَضَمَّ إِلَيْهَا جَمَاعَةً يَكُونُونَ مَعَهَا، فَحَجَّتْ وَمَعَهَا سِتُّونَ بَغْلًا وَعَلَيْهَا الْهَوَادِجُ وَالرِّحَالُ. وَحَجَّتْ سُكَيْنَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ أَحْسَنَ مِنْهَا آلَةً وَثِقَلًا، فَقَالَ حَادِي عَائِشَةَ يَتَرَنَّمُ: عَائِشُ يَا ذَاتَ الْبِغَالِ السِّتِّينَ لَا زِلْتِ مَا عِشْتِ غَدًا تَحُجِّينَ فَشَقَّ عَلَى سُكَيْنَةَ، فَنَزَلَ حَادِيهَا فَقَالَ: عَائِشُ هَذِهِ ضَرَّةٌ تَشْكُوكِ     لَوْلَا أَبُوهَا مَا اهْتَدَى أَبُوكِ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ حَادِيَهَا أَنْ يَكُفَّ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ لَمَّا تَأَيَّمَتْ تُقِيمُ بِمَكَّةَ سَنَةً، وَبِالْمَدِينَةِ سَنَةً، وَتَخْرُجُ إِلَى مَالٍ لَهَا بِالطَّائِفِ وَقَصْرٍ لَهَا فَتَتَنَزَّهُ. وَقَدِمَتْ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكِ؟ فَقَالَتْ: حَبَسَتِ السَّمَاءُ قَطْرَهَا، وَمَنَعَ السُّلْطَانُ الْحَقَّ، فَأَمَرَ لَهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَرَدَّهَا إِلَى الْمَدِينَةِ. وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ  ، وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ الزَّاهِدُ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ الْقَصِيرُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ وَأَبُو يُونُسَ سُلَيْمُ بْنُ جُبَيْرٍ

  496. التاريخ 2587لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيِّ   قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَبِي مُسْلِمٍ، فَقِيلَ: كَانَ حُرًّا، وَاسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ بَشَّارِ بْنِ سَدُوسِ بْنِ جَوْدَزْدَهْ مِنْ وَلَدِ بُزُرْجُمِهْرَ، وَيُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ، وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ، وَنَشَأَ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ أَبُوهُ أَوْصَى إِلَى عِيسَى بْنِ مُوسَى السَّرَّاجِ فَحَمَلَهُ إِلَى الْكُوفَةِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، فَلَمَّا اتَّصَلَ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْإِمَامِ قَالَ لَهُ: غَيِّرِ اسْمَكَ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ لَنَا الْأَمْرُ إِلَّا بِتَغَيِيرِ اسْمِكَ عَلَى مَا وَجَدْتُهُ فِي الْكُتُبِ، فَسَمَّى نَفْسَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُسْلِمٍ، وَيُكَنَّى أَبَا مُسْلِمٍ، فَمَضَى لِشَأْنِهِ وَلَهُ ذُؤَابَةٌ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ بِإِكَافٍ وَلَهُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَزَوَّجَهُ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ ابْنَةَ عِمْرَانَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الطَّائِيِّ الْمَعْرُوفِ بِأَبِي النَّجْمِ، وَهِيَ بِخُرَاسَانَ مَعَ أَبِيهَا، فَبَنَى بِهَا أَبُو مُسْلِمٍ بِخُرَاسَانَ، وَزَوَّجَ أَبُو مُسْلِمٍ ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ مِنْ مُحْرِزِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنَتَهُ الْأُخْرَى أَسْمَاءَ مِنْ فَهْمِ بْنِ مُحْرِزٍ، فَأَعْقَبَتْ أَسْمَاءُ وَلَمْ تُعْقِبْ فَاطِمَةُ، وَفَاطِمَةُ هِيَ الَّتِي تَذْكُرُهَا الْخُرَّمِيَّةُ. ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ كَثِيرٍ وَمَالِكَ بْنَ الْهَيْثَمِ وَلَاهِزَ بْنَ قُرَيْظٍ وَقَحْطَبَةَ بْنَ شَبِيبٍ تَوَجَّهُوا مِنْ خُرَاسَانَ يُرِيدُونَ مَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْكُوفَةَ أَتَوْا عَاصِمَ بْنَ يُونُسَ الْعِجْلِيَّ وَهُوَ فِي الْحَبْسِ، قَدِ اتُّهِمَ بِالدُّعَاءِ إِلَى وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَمَعَهُ عِيسَى وَإِدْرِيسُ ابْنَا مَعْقِلٍ الْعِجْلِيَّانِ، وَهَذَا إِدْرِيسُ هُوَ جَدُّ أَبِي دُلَفٍ الْعِجْلِيِّ، وَكَانَ حَبَسَهُمَا يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ مَعَ مَنْ حُبِسَ مِنْ عُمَّالِ خَالِدٍ الْقَسْرِيِّ وَمَعَهُمَا أَبُو مُسْلِمٍ يَخْدِمُهُمَا قَدِ اتَّصَلَ بِهِمَا، فَرَأَوْا فِيهِ الْعَلَامَاتِ فَقَالُوا: لِمَنْ هَذَا الْفَتَى ؟ فَقَالَا: غُلَامٌ مَعَنَا مِنَ السَّرَّاجِينَ يَخْدِمُنَا، وَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ يَسْمَعُ عِيسَى وَإِدْرِيسَ يَتَكَلَّمَانِ فِي هَذَا الرَّأْيِ، فَإِذَا سَمِعَهُمَا بَكَى، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُ دَعَوْهُ إِلَى رَأْيِهِمْ فَأَجَابَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ ضِيَاعِ بَنِي مَعْقِلٍ الْعِجْلِيَّةِ بِأَصْبَهَانَ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْجَبَلِ، وَكَانَ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَيُلَقَّبُ حَيْكَانَ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَكَنَّاهُ أَبَا مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ الْإِمَامُ، وَكَانَ مَعَ أَبِي مُوسَى السَّرَّاجِ صَاحِبِهِ يُخَرِّزُ الْأَعِنَّةَ وَيَعْمَلُ السُّرُوجَ، وَلَهُ مَعْرِفَةٌ بِصِنَاعَةِ الْأُدُمِ وَالسُّرُوجِ، فَكَانَ يَحْمِلُهَا إِلَى أَصْبَهَانَ وَالْجِبَالِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ وَنَصِيبِينَ وَآمِدَ وَغَيْرِهَا يَتَّجِرُ فِيهَا. وَكَانَ عَاصِمُ بْنُ يُونُسَ الْعِجْلِيُّ وَإِدْرِيسُ وَعِيسَى ابْنَا مَعْقِلٍ مَحْبُوسِينَ، فَكَانَ أَبُو مُسْلِمٍ يَخْدِمُهُمْ فِي الْحَبْسِ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ، فَقَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَلَاهِزُ وَقَحْطَبَةُ الْكُوفَةَ فَدَخَلُوا عَلَى عَاصِمٍ، فَرَأَوْا أَبَا مُسْلِمٍ عِنْدَهُ، فَأَعْجَبَهُمْ، فَأَخَذُوهُ، وَكَتَبَ أَبُو مُوسَى السَّرَّاجُ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، فَلَقُوهُ بِمَكَّةَ، فَأَخَذَ أَبَا مُسْلِمٍ فَكَانَ يَخْدِمُهُ. ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ النُّقَبَاءَ قَدِمُوا عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ مَرَّةً أُخْرَى يَطْلُبُونَ رَجُلًا يَتَوَجَّهُ مَعَهُمْ إِلَى خُرَاسَانَ. فَكَانَ هَذَا نَسَبُ أَبِي مُسْلِمٍ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ حُرٌّ. فَلَمَّا تَمَكَّنَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ سَلِيطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ سَلِيطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ مُوَلَّدَةٌ صَفْرَاءُ تَخْدِمُهُ، فَوَاقَعَهَا مَرَّةً وَلَمْ يَطْلُبْ وَلَدَهَا ثُمَّ تَرَكَهَا دَهْرًا، فَاغْتَنَمَتْ ذَلِكَ فَاسْتَنْكَحَتْ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِ الْمَدِينَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَبِلَتْ وَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَحَدَّهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَاسْتَعْبَدَ وَلَدَهَا وَسَمَّاهُ سَلِيطًا، فَنَشَأَ جَلْدًا ظَرِيفًا يَخْدِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ مَنْزِلَةٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ وَلَدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَوَضَعَهُ عَلَى أَمْرِ الْوَلِيدِ لِمَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَمَرَهُ بِمُخَاصَمَةِ عَلِيٍّ، فَخَاصَمَهُ وَاحْتَالَ فِي شُهُودٍ عَلَى إِقْرَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّهُ ابْنُهُ، فَشَهِدُوا بِذَلِكَ عِنْدَ قَاضِي دِمَشْقَ، فَتَحَامَلَ الْقَاضِي اتِّبَاعًا لِرَأْيِ الْوَلِيدِ فَأَثْبَتَ نَسَبَهُ. ثُمَّ إِنَّ سَلِيطًا خَاصَمَ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمِيرَاثِ حَتَّى لَقِيَ مِنْهُ عَلِيٌّ أَذًى شَدِيدًا، وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ يُقَالُ لَهُ عُمَرُ الدَّنُّ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ يَوْمًا: لَأَقْتُلَنَّ هَذَا الْكَلْبَ وَأُرِيحَكَ مِنْهُ، فَنَهَاهُ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وَتَهَدَّدَهُ بِالْقَطِيعَةِ وَرَفُقَ عَلَى سَلِيطٍ حَتَّى كَفَّ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّ سَلِيطًا دَخَلَ مَعَ عَلِيٍّ بُسْتَانًا لَهُ بِظَاهِرِ دِمَشْقَ، فَنَامَ عَلِيٌّ فَجَرَى بَيْنَ عُمَرَ الدَّنِّ وَسُلَيْطٍ كَلَامٌ، فَقَتَلَهُ عُمَرُ وَدَفَنَهُ فِي الْبُسْتَانِ، وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ مَوْلًى لِعَلِيٍّ وَهَرَبَا، وَكَانَ لِسَلِيطٍ صَاحِبٌ قَدْ عَرَفَ دُخُولَهُ الْبُسْتَانَ فَفَقَدَهُ فَأَتَى أُمَّ سَلِيطٍ فَأَخْبَرَهَا، وَفَقَدَ عَلِيٌّ أَيْضًا عُمَرَ الدَّنَّ وَمَوْلَاهُ، فَسَأَلَ عَنْهُمَا وَعَنْ سَلِيطٍ فَلَمْ يُخْبِرْهُ أَحَدٌ، وَغَدَتْ أُمُّ سَلِيطٍ إِلَى بَابِ الْوَلِيدِ فَاسْتَغَاثَتْ عَلَى عَلِيٍّ، فَأَتَى الْوَلِيدُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَأَحْضَرَ عَلِيًّا وَسَأَلَهُ عَنْ سَلِيطٍ، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ خَبَرَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِأَمْرٍ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِ عُمَرَ الدَّنِّ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهُ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِإِرْسَالِ الْمَاءِ فِي أَرْضِ الْبُسْتَانِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْحُفْرَةِ الَّتِي فِيهَا سَلِيطٌ انْخَسَفَتْ وَأُخْرِجَ مِنْهَا سَلِيطٌ، فَأَمَرَ الْوَلِيدُ بِعَلِيٍّ فَضُرِبَ وَأُقِيمَ فِي الشَّمْسِ، وَأُلْبِسَ جُبَّةَ صُوفٍ لِيُخْبِرَهُ خَبَرَ سَلِيطٍ وَيَدُلَّهُ عَلَى عُمَرَ الدَّنِّ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ، ثُمَّ شَفَعَ فِيهِ عَبَّاسُ بْنُ زِيَادٍ فَأُخْرِجَ إِلَى الْحُمَيْمَةِ، وَقِيلَ إِلَى الْحِجْرِ، فَأَقَامَ بِهِ حَتَّى هَلَكَ الْوَلِيدُ وَوَلِيَ سُلَيْمَانُ، فَرَدَّهُ إِلَى دِمَشْقَ. وَكَانَ هَذَا مِمَّا عَدَّهُ الْمَنْصُورُ عَلَى أَبِي مُسْلِمٍ حِينَ قَتَلَهُ، وَقَالَ لَهُ: زَعَمْتَ أَنَّكَ ابْنُ سَلِيطٍ وَلَمْ تَرْضَ حَتَّى نَسَبْتَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ غَيْرَ وَلَدِهِ، لَقَدِ ارْتَقَيْتَ مُرْتَقًى صَعْبًا. وَكَانَ سَبَبُ مَوْجِدَةِ الْوَلِيدِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أُمَّ ابْنِهَا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، فَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ، فَتَغَيَّرَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّمَا صِلَاتُهُ رِيَاءٌ، وَسَمِعَ الْوَلِيدُ ذَلِكَ مِنْ أَبِيهِ فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا مُسْلِمٍ كَانَ عَبْدًا، وَكَانَ سَبَبُ انْتِقَالِهِ إِلَى بَنِي الْعَبَّاسِ أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ مَاهَانَ كَانَ كَاتِبًا لِبَعْضِ عُمَّالِ السِّنْدِ فَقَدِمَ الْكُوفَةَ، فَاجْتَمَعَ هُوَ وَشِيعَةُ بَنِي الْعَبَّاسِ، فَغَمَزَ بِهِمْ، فَأُخِذُوا، فَحُبِسَ بُكَيْرٌ وَخُلِّيَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَكَانَ فِي الْحَبْسِ يُونُسُ أَبُو عَاصِمٍ وَعِيسَى بْنُ مَعْقِلٍ الْعِجْلِيُّ وَمَعَهُ أَبُو مُسْلِمٍ يَخْدِمُهُ، فَدَعَاهُمْ بُكَيْرٌ إِلَى رَأْيِهِ، فَأَجَابُوهُ، فَقَالَ لِعِيسَى بْنِ مَعْقِلٍ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ ؟ قَالَ: مَمْلُوكٌ. قَالَ: أَتَبِيعُهُ ؟ قَالَ: هُوَ لَكَ. قَالَ: أُحِبُّ أَنْ تَأْخُذَ ثَمَنَهُ. قَالَ: هُوَ لَكَ بِمَا شِئْتَ، فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ السِّجْنِ، فَبَعَثَ بِهِ بُكَيْرٌ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامِ، فَدَفَعَهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِي مُوسَى السَّرَّاجِ، فَسَمِعَ مِنْهُ وَحَفِظَ ثُمَّ سَارَ مُتَرَدِّدًا إِلَى خُرَاسَانَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لِبَعْضِ أَهْلِ هَرَاةَ أَوْ بُوشَنْجَ، فَقَدِمَ مَوْلَاهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ الْإِمَامُ وَأَبُو مُسْلِمٍ مَعَهُ، فَأَعْجَبَهُ عَقْلُهُ فَابْتَاعَهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ وَمَكَثَ عِنْدَهُ عِدَّةَ سِنِينَ، وَكَانَ يَتَرَدَّدُ بِكُتُبٍ إِلَى خُرَاسَانَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ، ثُمَّ وَجَّهَهُ أَمِيرًا عَلَى شِيعَتِهِمْ بِخُرَاسَانَ وَكَتَبَ إِلَى مَنْ بِهَا مِنْهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي سَلَمَةَ الْخَلَّالِ دَاعِيَتِهِمْ وَوَزِيرِهِمْ بِالْكُوفَةِ يُعْلِمُهُ أَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَ أَبَا مُسْلِمٍ وَيَأْمُرُهُ بِإِنْفَاذِهِ إِلَى خُرَاسَانَ. فَسَارَ إِلَيْهَا فَنَزَلَ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ كَانَ أَبُو مُسْلِمٍ رَأَى رُؤْيَا قَبْلَ ذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى مُلْكِ خُرَاسَانَ فَظَهَرَ أَمْرُهَا، فَلَمَّا وَرَدَ نَيْسَابُورَ نَزَلَ بُونَابَاذَ، وَكَانَتْ عَامِرَةً، فَتَحَدَّثَ صَاحِبُ الْخَانِ الَّذِي نَزَلَهُ أَبُو مُسْلِمٍ بِذَلِكَ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَلِي خُرَاسَانَ. فَخَرَجَ أَبُو مُسْلِمٍ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَعَمَدَ بَعْضُ الْمُجَّانِ فَقَطَعَ ذَنَبَ حِمَارِهِ، فَلَمَّا عَادَ قَالَ لِصَاحِبِ الْخَانِ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِحِمَارِي ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي ! قَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الْمَحِلَّةِ ؟ قَالَ: بُونَابَاذَ. قَالَ: إِنْ لَمْ أُصَيِّرْهَا كَنَدَابَاذَ فَلَسْتُ بِأَبِي مُسْلِمٍ. فَلَمَّا وَلِيَ خُرَاسَانَ أَخْرَبَهَا.

  497. التاريخ 2588لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَلْجٍ وَابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَوَفَاةِ بَلْجٍ وَوِلَايَةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَلَامَةَ الْأَنْدَلُسَ   فِي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ كَانَ بِالْأَنْدَلُسِ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ بَلْجٍ وَأُمَيَّةَ وَقَطَنِ ابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَطَنٍ، وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّهُمَا لَمَّا هَرَبَا مِنْ قُرْطُبَةَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَلَمَّا قُتِلَ أَبُوهُمَا اسْتَنْجَدَا بِأَهْلِ الْبِلَادِ وَالْبَرْبَرِ، فَاجْتَمَعَ مَعَهُمَا جَمْعٌ كَثِيرٌ قِيلَ كَانُوا مِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَسَمِعَ بِهِمْ بَلْجٌ وَالَّذِينَ مَعَهُ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَجُرِحَ بَلْجٌ جِرَاحَاتٍ، ثُمَّ ظَفِرَ بِابْنَيْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْبَرْبَرِ وَمَنْ مَعَهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ فَأَكْثَرَ، وَعَادَ إِلَى قُرْطُبَةَ مُظَفَّرًا مَنْصُورًا، فَبَقِيَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَمَاتَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ الَّتِي فِيهِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. فَلَمَّا مَاتَ قَدِمَ أَصْحَابُهُ عَلَيْهِمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَلَامَةَ الْعِجْلِيُّ، لِأَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ عَهِدَ إِلَيْهِمْ: إِنْ حَدَثَ بِبَلْجٍ وَكُلْثُومٍ حَدَثٌ فَالْأَمِيرُ ثَعْلَبَةُ، فَقَامَ بِالْأَمْرِ، وَثَارَتْ فِي أَيَّامِهِ الْبَرْبَرُ بِنَاحِيَةِ مَارِدَةَ، فَغَزَاهُمْ فَقَتَلَ فِيهِمْ فَأَكْثَرَ وَأَسَرَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَأَتَى بِهِمْ إِلَى قُرْطُبَةَ.

  498. التاريخ 2589لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا غَزَا سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامٍ الصَّائِفَةَ  ، فَلَقِيَ أَلْيُونَ مَلِكَ الرُّومِ فَغَنِمَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: حَجَّ بِالنَّاسِ فِيهَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. وَكَانَ نَائِبَ الْحِجَازِ وَالطَّائِفِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ يَقِفُ عَلَى بَابِهَا، وَيَهْدِي إِلَيْهَا الْأَلْطَافَ وَالتُّحَفَ، وَيَعْتَذِرُ إِلَيْهَا مِنَ التَّقْصِيرِ، وَهِيَ لَا تَلْتَفِتُ إِلَى ذَلِكَ. وَنُوَّابُ الْبِلَادِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا.

  499. التاريخ 2590لا حكم مسجّل

    مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ:   رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ. أُتِيَ يَوْمًا بِعَطَائِهِ، فَوَضَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَامَ فَنَسِيَهُ، فَذَكَرَ، فَقَالَ لِخَادِمِهِ: ادْخُلِ الْمَسْجِدَ وَائْتِنِي بِعَطَائِي، قَالَ: وَأَيْنَ أَجِدُهُ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَيَأْخُذُ أَحَدٌ مَا لَيْسَ لَهُ؟! عن عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: اشْتَرَى عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَفْسَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِتِسْعِ دِيَاتٍ. وعن قُدَامَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَوْدُودٍ يَقُولُ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَتَحَيَّنُ الْعِبَادَ وَهُمْ سُجُودٌ: أَبَا حَازِمٍ، وَصَفْوَانَ بْنَ سُلَيْمٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنَ سُحَيْمٍ وَأَشْبَاهَهُمْ، فَيَأْتِيهِمْ بِالصُّرَّةِ فِيهَا الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، فَيَضَعُهَا عِنْدَ نِعَالِهِمْ بِحَيْثُ يَحُسُّونَ بِهَا وَلَا يَشْعُرُونَ بِمَكَانِهِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُرْسِلَ بِهَا إِلَيْهِمْ؟ فَيَقُولُ: [إِنِّي] أَكْرَهُ أَنْ يَتَمَعَّرَ وَجْهُ أَحَدِهِمْ إِذَا نَظَرَ إِلَى رَسُولِي وَإِذَا لَقِيَنِي. وعن عَيَّاشُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: كَانَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ إِذَا شَهِدَ جِنَازَةً وَقَفَ عَلَى الْقَبْرِ، فَقَالَ: أَلَا أَرَاكَ ضَيِّقًا، أَلَا أَرَاكَ رُقَعًا، أَلَا أَرَاكَ مُظْلِمًا، لَئِنْ سَلِمْتُ لَأَتَأَهَّبَنَّ لَكَ أَهْبَتَكَ، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَرَاهُ مِنْ مَالِهِ يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، فَإِنْ كَانَ [رَقِيقُهُ] لَيَتَعَرَّضُونَ لَهُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْجِنَازَةِ لِيُعْتِقَهُمْ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عَمِّي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُؤَذِّنَ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، وَمَنْزِلُهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: خُذُوا بِيَدِي، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ عَلِيلٌ، فَقَالَ: أَسْمَعُ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَا أُجِيبُ، فَأَخَذُوا بِيَدِهِ فَدَخَلَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَرَكَعَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً ثُمَّ مَاتَ. 671 نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، أَبُو جَمْرَةَ الضَّبَعِيُّ نَصْرُ بْنُ عِمْرَانَ، أَبُو جَمْرَةَ الضَّبَعِيُّ:   قَالَ: كُنْتُ أَدْفَعُ الزِّحَامَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَحُمِمْتُ أَيَّامًا فَتَأَخَّرْتُ، فَلَمَّا حَضَرْتُهُ سَأَلَنِي عَنْ تَأَخُّرِي فَأَخْبَرْتُهُ بِالْحُمَّى، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ". تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَفِيهَا مَاتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ  فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَوَصَّى إِلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ بِالْقِيَامِ بِأَمْرِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا تُوُفِّيَ فِي الَّتِي بَعْدَهَا. الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ  أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَكِّيُّ الْقَارِئُ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، رَوَى عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ، وَوَثَّقَهُ الْأَئِمَّةُ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: بَعْدَهَا بِسَنَةٍ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. محمد بن شهاب الزهري الزُّهْرِيُّ   مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ، مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، تَابِعِيٌّ جَلِيلٌ، سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ. رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَصَابَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَارْتَحَلْتُ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ عِنْدِي عِيَالٌ كَثِيرَةٌ، فَجِئْتُ جَامِعَهَا، فَجَلَسْتُ فِي أَعْظَمِ حَلْقَةٍ، فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مَسْأَلَةٌ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِيهَا شَيْئًا - وَقَدْ شَذَّ عَنْهُ - فِي أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ يَرْوِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقُلْتُ: إِنِّي أَحْفَظُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَأَخَذَنِي فَأَدْخَلَنِي عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. فَسَأَلَنِي: مِمَّنْ أَنْتَ ؟ فَانْتَسَبْتُ لَهُ، وَذَكَرْتُ لَهُ حَاجَتِي وَعِيَالِي، فَسَأَلَنِي: هَلْ تَحْفَظُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَالْفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ. فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَأَجَبْتُهُ، فَقَضَى دَيْنِي، وَأَمَرَ لِي بِجَائِزَةٍ، وَقَالَ لِي: اطْلُبِ الْعِلْمَ، فَإِنِّي أَرَى لَكَ عَيْنًا حَافِظَةً وَقَلْبًا ذَكِيًّا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَطْلُبُ الْعِلْمَ وَأَتَتَبَّعُهُ، فَبَلَغَنِي أَنَّ امْرَأَةً بِقُبَاءَ رَأَتْ رُؤْيَا عَجِيبَةً، فَأَتَيْتُهَا فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: إِنَّ بِعْلِي مَاتَ وَتَرَكَ لَنَا خَادِمًا وَدَاجِنًا وَنُخَيْلَاتٍ ; نَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا، وَنَأْكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا، فَبَيْنَمَا أَنَا بَيْنَ النَّائِمَةِ وَالْيَقْظَى رَأَيْتُ كَأَنَّ ابْنِي الْكَبِيرَ - وَكَانَ مُشْتَدًّا - قَدْ أَقْبَلَ، فَأَخَذَ الشَّفْرَةَ، فَذَبَحَ وَلَدَ الدَّاجِنِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يُضَيِّقُ عَلَيْنَا اللَّبَنَ. تَمَّ نَصَبَ الْقِدْرَ، وَقَطَّعَهُ وَوَضَعَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَ بِهَا أَخَاهُ - وَأَخُوهُ صَغِيرٌ كَمَا قَدْ جَاءَ - ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ مَذْعُورَةً، فَدَخَلَ وَلَدِي الْكَبِيرُ فَقَالَ: أَيْنَ اللَّبَنُ ؟ فَقُلْتُ: شَرِبَهُ وَلَدُ الدَّاجِنِ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيْنَا اللَّبَنَ. ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَذَبَحَهُ وَقَطَّعَهُ فِي الْقِدْرِ، فَبَقِيتُ مُشْفِقَةً خَائِفَةً مِمَّا رَأَيْتُ، فَأَخَذْتُ وَلَدِي الصَّغِيرَ فَغَيَّبْتُهُ فِي بَعْضِ بُيُوتِ الْجِيرَانِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى الْمَنْزِلِ وَأَنَا مُشْفِقَةٌ جِدًّا مِمَّا رَأَيْتُ، فَأَخَذَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَائِلًا يَقُولُ: مَا لَكِ مُغْتَمَّةً ؟ فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ مَنَامًا، فَأَنَا أَحْذَرُ مِنْهُ. فَقَالَ: يَا رُؤْيَا، يَا رُؤْيَا. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ ؟ قَالَتْ: مَا أَرَدْتُ إِلَّا خَيْرًا. ثُمَّ قَالَ: يَا أَحْلَامُ، يَا أَحْلَامُ. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ دُونَهَا فِي الْحُسْنِ وَالْجَمَالِ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ ؟ فَقَالَتْ: مَا أَرَدْتُ إِلَّا خَيْرًا. ثُمَّ قَالَ: يَا أَضْغَاثُ، يَا أَضْغَاثُ. فَأَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ شَعِثَةٌ، فَقَالَ: مَا أَرَدْتِ إِلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهَا امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَغُمَّهَا سَاعَةً. ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، فَجَاءَ ابْنِي فَوَضَعَ الطَّعَامَ، وَقَالَ: أَيْنَ أَخِي ؟ فَقُلْتُ لَهُ: دَرَجَ إِلَى بُيُوتِ الْجِيرَانِ. فَذَهَبَ وَرَاءَهُ، فَكَأَنَّمَا هُدِيَ إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِ يُقَبِّلُهُ، ثُمَّ وَضَعَهُ وَجَلَسْنَا جَمِيعًا، فَأَكَلَنَا مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ. مولد الزهري وصفاته وقد وُلِدَ الزُّهْرِيُّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ قَصِيرًا قَلِيلَ اللِّحْيَةِ، لَهُ شَعَرَاتٌ طِوَالٌ، خَفِيفُ الْعَارِضِينَ. قَالُوا: وَقَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي نَحْوٍ مَنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا، وَجَالَسَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ ثَمَانَ سِنِينَ أَوْ عَشْرَ سِنِينَ، تَمَسُّ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ. وَكَانَ يَخْدِمُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْتَقِي لَهُ الْمَاءَ الْمَالِحَ، وَيَدُورُ عَلَى مَشَايِخِ الْحَدِيثِ وَمَعَهُ أَلْوَاحٌ يَكْتُبُ عَنْهُمُ الْحَدِيثَ، وَيَكْتُبُ عَنْهُمْ كُلَّ مَا سَمِعَ مِنْهُمْ، حَتَّى صَارَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ أَوْ أَعْلَمَهُمْ فِي زَمَانِهِ، وَقَدِ احْتَاجَ أَهْلُ عَصْرِهِ إِلَيْهِ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كُنَّا نَكْرَهُ كِتَابَ الْعِلْمِ حَتَّى أَكْرَهَنَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاءُ، فَرَأَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَهُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ الزُّهْرِيُّ يَرْجِعُ مِنْ عِنْدِ عُرْوَةَ فَيَقُولُ لِجَارِيَةٍ عِنْدَهُ فِيهَا لُكْنَةٌ: حَدَّثَنَا عُرْوَةُ ثَنَا فُلَانٌ. وَيَسْرُدُ عَلَيْهَا مَا سَمِعَهُ مِنْهُ، فَتَقُولُ لَهُ الْجَارِيَةُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا تَقُولُ. فَيَقُولُ لَهَا: اسْكُتِي لَكَاعِ، فَإِنِّي لَا أُرِيدُكِ، إِنَّمَا أُرِيدُ نَفْسِي. ثُمَّ وَفَدَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بِدِمَشْقَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَكْرَمَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ، وَفَرَضَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ كَانَ بَعْدُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَجُلَسَائِهِ، ثُمَّ كَانَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَوْلَادِهِ مِنْ بَعْدِهِ الْوَلِيدِ، وَسُلَيْمَانَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ عِنْدَ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَاسْتَقْضَاهُ يَزِيدُ مَعَ سُلَيْمَانَ بْنِ حَبِيبٍ ثُمَّ كَانَ حَظِيًّا عِنْدَ هِشَامٍ وَحَجَّ مَعَهُ، وَجَعَلَهُ مُعَلِّمَ أَوْلَادِهِ إِلَى أَنْ تُوفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، قَبْلَ هِشَامٍ بِسَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ يَقُولُ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: مَا اسْتَوْدَعْتُ قَلْبِي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ. قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ أَكْلَ التُّفَّاحِ وَسُؤْرَ الْفَأْرِ  ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُنْسِي. وَكَانَ يَشْرَبُ الْعَسَلَ وَيَقُولُ: إِنَّهُ يُذَكِّرُ. شعر في ابن شهاب الزهري وَفِيهِ يَقُولُ فَائِدُ بْنُ أَقْرَمَ: ذَرْ ذَا وَأَثْنِ عَلَى الْكَرِيمِ مُحَمَّدٍ وَاذْكُرْ فَوَاضِلَهُ عَلَى الْأَصْحَابِ     وَإِذَا يُقَالُ مَنِ الْجَوَادُ بِمَالِهِ قِيلَ الْجَوَادُ مُحَمَّدُ بْنُ شِهَابِ     أَهْلُ الْمَدَائِنِ يَعْرِفُونَ مَكَانَهُ وَرَبِيعُ نَادِيهِ عَلَى الْأَعْرَابِ     يَشْرِي وَفَاءَ جِفَانِهِ وَيَمُدُّهَا بِكُسُورِ أَثْبَاجٍ وَفَتْقِ لُبَابِ وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: حَدَّثَ الزُّهْرِيُّ يَوْمًا بِحَدِيثٍ، فَلَمَّا قَامَ أَخَذْتُ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَاسْتَفْهَمْتُهُ، فَقَالَ: تَسْتَفْهِمُنِي ؟ مَا اسْتَفْهَمْتُ عَالِمًا قَطُّ، وَلَا رَدَدْتُ عَلَى عَالِمٍ قَطُّ. ثُمَّ جَعَلَ ابْنُ مَهْدِيٍّ يَقُولُ: فَذِيكَ الطِّوَالُ، وَتِلْكَ الْمَغَازِي. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، بسنده عَنْ سَعِيدٍ - يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ - أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ أَنْ يَكْتُبَ لِبَنِيهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَأَمْلَى عَلَى كَاتِبِهِ أَرْبَعَمِائَةِ حَدِيثٍ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ فَحَدَّثَهُمْ بِهَا، ثُمَّ إِنَّ هِشَامًا قَالَ لِلزَّهْرِيِّ: إِنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ ضَاعَ. فَقَالَ: لَا عَلَيْكَ. فَأَمْلَى عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ، ثُمَّ أَخْرَجَ هِشَامٌ الْكِتَابَ الْأَوَّلَ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يُغَادِرْ حَرْفًا وَاحِدًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ هِشَامٌ امْتِحَانَ حِفْظِهِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ سَوْقًا لِلْحَدِيثِ إِذَا حَدَّثَ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ وَلَا أَهْوَنَ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ عِنْدَهُ، وَمَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرِ. قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: وَلَقَدْ جَالَسْتُ جَابِرًا، وَابْنَ عَبَّاسٍ، وَابْنَ عُمَرَ، وَابْنَ الزُّبَيْرِ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْسَقُ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: أَحْسَنُ النَّاسِ حَدِيثًا وَأَجْوَدُهُمْ إِسْنَادًا الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: أَحْسَنُ الْأَسَانِيدِ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: مَكَثْتُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً أَخْتَلِفُ مِنَ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ، وَمِنَ الشَّامِ إِلَى الْحِجَازِ فَمَا كُنْتُ أَسْمَعُ حَدِيثًا أَسْتَطْرِفُهُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: مَا رَأَيْتُ عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ مِنَ ابْنِ شِهَابٍ وَلَوْ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ لَقُلْتَ: مَا يُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا. وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ قَلْتَ: لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا. وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْأَعْرَابِ وَالْأَنْسَابِ قُلْتَ: لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا. وَإِنْ حَدَّثَ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَانَ حَدِيثَهُ، ثُمَّ يَتْلُوهُ بِدُعَاءٍ جَامِعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ أَحَاطَ بِهِ عِلْمُكَ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ أَسْخَى مَنْ رَأَيْتُ، كَانَ يُعْطِي كُلَّ مَنْ جَاءَ وَسَأَلَهُ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ شَيْءٌ اسْتَسْلَفَ، وَكَانَ يُطْعِمُ النَّاسَ الثَّرِيدَ وَيَسْقِيهِمُ الْعَسَلَ، وَكَانَ يَسْمُرُ عَلَى شَرَابِ الْعَسَلِ كَمَا يَسْمُرُ أَهْلُ الشَّرَابِ عَلَى شَرَابِهِمْ، وَيَقُولُ: اسْقُونَا وَحَدِّثُونَا. فَإِذَا نَعَسَ أَحَدُهُمْ يَقُولُ لَهُ: مَا أَنْتَ مِنْ سُمَّارِ قُرَيْشٍ. وَكَانَتْ لَهُ قُبَّةٌ مُعَصْفَرَةٌ، وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، وَتَحْتُهُ بِسَاطٌ مُعَصْفَرٌ. وَقَالَ اللَّيْثُ: قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا بَقِيَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْعِلْمِ مَا بَقِيَ عِنْدَ ابْنِ شِهَابٍ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَ مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: عَلَيْكُمْ بِابْنِ شِهَابٍ فَإِنَّهُ مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ. وَكَذَا قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَيُّوبُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ. فَقِيلَ لَهُ: وَلَا الْحَسَنُ ؟ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَعْلَمَ مِنَ الزُّهْرِيِّ. وَقِيلَ لِمَكْحُولٍ: مَنْ أَعْلَمُ مَنْ لَقِيتَ ؟ قَالَ: الزُّهْرِيُّ. قِيلَ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: الزُّهْرِيُّ. قِيلَ: ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَ: الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ مَالِكٌ: كَانَ الزُّهْرِيُّ إِذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدٌ حَتَّى يَخْرُجَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: مُحَدِّثُو أَهْلِ الْحِجَازِ ثَلَاثَةٌ الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: الَّذِينَ أَفْتَوْا أَرْبَعَةٌ الزُّهْرِيُّ، وَالْحَكَمُ، وَحَمَّادٌ وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ أَفْقَهُهُمْ عِنْدِي. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: ثَلَاثٌ إِذَا كُنَّ فِي الْقَاضِي فَلَيْسَ بِقَاضٍ، إِذَا كَرِهَ اللَّوَائِمَ وَأَحَبَّ الْمَحَامِدَ، وَكَرِهَ الْعَزْلَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: كَانَ يُقَالُ: فُصَحَاءُ زَمَانِهِمُ الزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ الَّذِي أَدَّبَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ، وَأَدَّبَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ أَمَّتَهُ أَمَانَةُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِهِ لِيُؤَدِّيَهُ عَلَى مَا أُدِّيَ إِلَيْهِ، فَمَنْ سَمِعَ عِلْمًا فَلْيَجْعَلْهُ أَمَامَهُ حُجَّةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَمِرُّوا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا جَاءَتْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّ مِنْ غَوَائِلِ الْعِلْمِ أَنْ يُتْرَكَ الْعَالِمُ حَتَّى يَذْهَبَ عِلْمُهُ، وَالنِّسْيَانَ، وَالْكَذِبَ، وَهُوَ أَشَدُّ الْغَوَائِلِ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ، بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: الْقِرَاءَةُ عَلَى الْعَالَمِ وَالسَّمَاعُ عَلَيْهِ سَوَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بسنده عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: إِذَا طَالَ الْمَجْلِسُ كَانَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَصِيبٌ. وَقَدْ قَضَى عَنْهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ مَرَّةً ثَمَانِينَ أَلْفًا. وَفِي رِوَايَةٍ: سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَفِي رِوَايَةٍ عِشْرِينَ أَلْفًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَتَبَ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي الْإِسْرَافِ، وَكَانَ يَسْتَدِينُ، فَقَالَ لَهُ: لَا آمَنُ أَنْ يَحْبِسَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ عَنْكَ فَتَكُونَ قَدْ حُمِلْتَ عَلَى أَمَانَتِكَ. قَالَ: فَوَعَدَهُ الزُّهْرِيُّ أَنْ يُقْصِرَ، فَمَرَّ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ وَضَعَ الطَّعَامَ وَنَصَبَ مَوَائِدَ الْعَسَلِ، فَوَقَفَ بِهِ رَجَاءٌ وَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَا هَذَا بِالَّذِي فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الزُّهْرِيُّ: انْزِلْ فَإِنَّ السَّخِيَّ لَا تُؤَدِّبُهُ التَّجَارِبُ. وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمَعْنَى: لَهُ سَحَائِبُ جُودٍ فِي أَنَامِلِهِ     أَمْطَارُهَا الْفِضَّةُ الْبَيْضَاءُ وَالذَّهَبُ يَقُولُ فِي الْعُسْرِ إِنْ أَيْسَرْتُ ثَانِيَةً     أَقْصَرْتُ عَنْ بَعْضِ مَا أُعْطِي وَمَا أَهَبُ حَتَّى إِذَا عَادَ أَيَامُ الْيَسَارِ لَهُ     رَأَيْتَ أَمْوَالَهُ فِي النَّاسِ تُنْتَهَبُ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وُلِدَ الزُّهْرِيُّ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ. وَقَدِمَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى أَمْوَالِهِ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ بِشَغْبٍ وَبَدَا فَأَقَامَ بِهَا، فَمَرِضَ هُنَاكَ وَمَاتَ، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، قَالُوا: وَكَانَ ثِقَةً، كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ وَالرِّوَايَةِ، فَقِيهًا جَامِعًا. وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْمُتَوَكِّلِ الْعَسْقَلَانِيُّ: رَأَيْتُ قَبْرَ الزُّهْرِيِّ بِأَدَامَى - وَهِيَ خَلْفَ شَغْبٍ وَبَدَا مِنْ فِلَسْطِينَ - مُسَنَّمًا مُجَصَّصًا. وَقَدْ وَقَفَ الْأَوْزَاعِيُّ يَوْمًا عَلَى قَبْرِهِ فَقَالَ: يَا قَبْرُ كَمْ فِيكَ مِنْ عِلْمٍ وَحِلْمٍ. وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ تُوفِّيَ الزُّهْرِيُّ بِأَمْوَالِهِ بِشَغْبٍ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، عَنْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ لِيَدْعُوَ لَهُ الْمَارَّةُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ بْنِ تَمِيمٍ السُّكُونِيُّ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ: بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ بْنِ تَمِيمٍ السُّكُونِيُّ  أَبُو عَمْرٍو وَيُقَالُ: أَبُو زُرْعَةَ إِمَامُ الْجَامِعِ بِدِمَشْقَ أَيَّامَ هِشَامٍ وَقَاصُّ أَهْلِ الشَّامِ، كَانَ أَحَدَ الزُّهَّادِ الْكِبَارِ وَالْعُبَّادِ الصُّوَّامِ الْقُوَّامِ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ لَهُ صُحْبَةٌ، وَعَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَكْتُبُ عَنْهُ مَا يَقُولُهُ مِنَ الْفَوَائِدِ الْعَظِيمَةِ فِي قَصَصِهِ وَوَعْظِهِ، وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ وَاعِظًا قَطُّ مِثْلَهُ. وَقَالَ أَيْضًا: مَا بَلَغَنِي عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادَةِ مَا بَلَغَنِي عَنْهُ، كَانَ يُصَلِّي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَ رَكْعَةٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ، وَهُوَ الْأَصْمَعِيُّ: كَانَ إِذَا نَعَسَ فِي لَيْلِ الشِّتَاءِ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي ثِيَابِهِ فِي الْبِرْكَةِ، فَعَاتَبَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّ مَاءَ الْبِرْكَةِ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ صَدِيدِ جَهَنَّمَ. وَقَالَ آخَرُ، وَهُوَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: كَانَ إِذَا كَبَّرَ فِي الْمِحْرَابِ سَمِعُوا تَكْبِيرَهُ مِنَ الْأَوْزَاعِ - قُلْتُ: وَهِيَ خَارِجُ بَابِ الْفَرَادِيسِ بِمَحَلَّةِ سُوقِ قُمَيْلَةَ الْيَوْمَ - قَالَ: وَكُنَّا نَتَبَيَّنُ قِرَاءَتَهُ مِنْ عَقَبَةِ الشِّيحِ عِنْدَ دَارِ الضِّيَافَةِ. يَعْنِي مِنْ عِنْدِ دَارِ الذَّهَبِ دَاخِلَ بَابِ الْفَرَادِيسِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعِجْلِيُّ: هُوَ شَامِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ: كَانَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ، قَاصًّا حَسَنَ الْقِصَصِ. وَقَدِ اتَّهَمَهُ رَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ بِالْقَدَرِ، حِينَ قَالَ بِلَالٌ يَوْمًا فِي وَعْظِهِ: رُبَّ مَسْرُورٍ مَغْبُونٍ، وَرُبَّ مَغْبُونٍ لَا يَشْعُرُ، فَوَيْلٌ لِمَنْ لَهُ الْوَيْلُ وَلَا يَشْعُرُ، يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَيَضْحَكُ، وَقَدْ حَقَّ عَلَيْهِ فِي قَضَاءِ اللَّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَا وَيْلٌ لَكَ رُوحًا، وَيَا وَيْلٌ لَكَ جَسَدًا، فَلْتَبْكِ وَلْتَبْكِ عَلَيْكَ الْبَوَاكِي لِطُولِ الْأَمَدِ. وَقَدْ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ شَيْئًا حَسَنًا مِنْ كَلَامِهِ فِي مَوَاعِظِهِ الْبَلِيغَةِ ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: وَاللَّهِ لَكَفَى بِهِ ذَنْبًا أَنَّ اللَّهَ يُزَهِّدُنَا فِي الدُّنْيَا، وَنَحْنُ نَرْغَبُ فِيهَا، زَاهِدُكُمْ رَاغِبٌ، وَعَالِمُكُمْ جَاهِلٌ، وَمُجْتَهِدُكُمْ مُقَصِّرٌ. وَقَالَ أَيْضًا: أَخٌ لَكَ كُلَّمَا لَقِيَكَ ذَكَّرَكَ بِنَصِيبِكَ مِنَ اللَّهِ، أَوْ أَخْبَرَكَ بِعَيْبٍ فِيكَ، أَحَبُّ إِلَيْكَ وَخَيْرٌ لَكَ مِنْ أَخٍ كُلَّمَا لَقِيَكَ وَضَعَ فِي كَفِّكَ دِينَارًا. وَقَالَ أَيْضًا: لَا تَكُنْ وَلِيًّا لِلَّهِ فِي الْعَلَانِيَةِ وَعَدُوَّهُ فِي السِّرِّ، وَلَا تَكُنْ ذَا وَجْهَيْنِ وَذَا لِسَانَيْنِ، فَتُظْهِرُ لِلنَّاسِ أَنَّكَ تَخْشَى اللَّهَ لِيَحْمَدُوكَ، وَقَلْبُكَ فَاجِرٌ. وَقَالَ أَيْضًا: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَمْ تُخْلَقُوا لِلْفَنَاءِ، وَإِنَّمَا خُلِقْتُمْ لِلْبَقَاءِ، تُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، كَمَا نُقِلْتُمْ مِنَ الْأَصْلَابِ إِلَى الْأَرْحَامِ، وَمِنَ الْأَرْحَامِ إِلَى الدُّنْيَا، وَمِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْقُبُورِ، وَمِنَ الْقُبُورِ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَمِنَ الْمَوْقِفِ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ. وَقَالَ أَيْضًا: عِبَادُ الرَّحْمَنِ، إِنَّكُمْ تَعْمَلُونَ فِي أَيَّامٍ قِصَارٍ لِأَيَّامٍ طِوَالٍ، وَفِي دَارِ زَوَالٍ لِدَارِ مُقَامٍ، وَدَارِ حُزْنٍ وَنَصَبٍ لِدَارِ نَعِيمٍ وَخُلْدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ عَلَى يَقِينٍ فَلَا يَتَعَنَّ، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، لَوْ قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاكُمُ الْمَاضِيَةُ لَكَانَ فِيمَا تَسْتَقْبِلُونَ لَكُمْ شُغُلٌ، وَلَوْ عَمِلْتُمْ بِمَا تَعْمَلُونَ لَكُنْتُمْ عِبَادَ اللَّهِ حَقًّا، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، أَمَّا مَا وَكَلَكُمُ اللَّهُ بِهِ فَتُضَيِّعُونَهُ، وَأَمَّا مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ فَتَطْلُبُونَهُ ! مَا هَكَذَا نَعَتَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُوقِنِينَ، أَذَوُو عُقُولٍ فِي الدُّنْيَا وَبُلْهٌ عَمَّا خُلِقْتُمْ لَهُ ؟ ! فَكَمَا تَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ بِمَا تُؤَدُّونَ مِنْ طَاعَتِهِ، فَكَذَلِكَ أَشْفِقُوا مِنْ عَذَابِهِ بِمَا تَنْتَهِكُونَ مِنْ مَعَاصِيهِ، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، هَلْ جَاءَكُمْ مُخْبِرٌ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِكُمْ تُقُبِّلَ مِنْكُمْ ؟ أَوْ شَيْئًا مِنْ خَطَايَاكُمْ غُفِرَ لَكُمْ ؟ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 115 ] وَاللَّهِ لَوْ عُجِّلَ لَكُمُ الثَّوَابُ فِي الدُّنْيَا لَاسْتَقْلَلْتُمْ مَا فُرِضَ عَلَيْكُمْ، أَتَرْغَبُونَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ لِتَعْجِيلِ دَارٍ مَغْمُورَةٍ بِالْآفَاتِ، وَلَا تَرْغَبُونَ وَتَنَافِسُونَ فِي جَنَّةٍ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [ الرَّعْدِ: 35 ] ؟ ! وَقَالَ أَيْضًا: الذِّكْرُ ذِكْرَانِ ; ذِكْرُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ حَسَنٌ جَمِيلٌ، وَذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ مَا أَحَلَّ وَحَرَّمَ أَفْضَلُ، عِبَادُ الرَّحْمَنِ، يُقَالُ لِأَحَدِنَا: تُحِبُّ أَنْ تَمُوتَ ؟ فَيَقُولُ: لَا. فَيُقَالُ: لِمَ ؟ فَيَقُولُ: حَتَّى أَعْمَلَ. فَيُقَالُ لَهُ: اعْمَلْ. فَيَقُولُ: سَوْفَ. فَلَا يُحِبُّ أَنْ يَمُوتَ، وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ، وَأَحَبُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ أَنْ يُؤَخِّرَ عَمَلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يُحِبُّ أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ عَرَضُ دُنْيَاهُ، عِبَادَ الرَّحْمَنِ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْفَرِيضَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ أَضَاعَ مَا سِوَاهَا، فَمَا يَزَالُ يُمَنِّيهِ الشَّيْطَانُ فِيهَا وَيُزَيِّنُ لَهُ حَتَّى مَا يَرَى شَيْئًا دُونَ الْجَنَّةِ، فَقَبْلَ أَنْ تَعْمَلُوا أَعْمَالَكُمْ فَانْظُرُوا مَاذَا تُرِيدُونَ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ خَالِصَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمْضُوهَا، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ اللَّهِ فَلَا تَشُقُّوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَلَا شَيْءَ لَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، فَإِنَّهُ قَالَ: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فَاطِرٍ: 10 ]. وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ إِلَى عَذَابِكُمْ بِسَرِيعٍ ; يُقِيلُ الْعَثْرَةَ، وَيَقْبَلُ الْمُقْبِلَ، وَيَدْعُو الْمُدْبِرَ. وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ لَجُوجًا، مُمَارِيًا، مُعْجَبًا بِرَأْيِهِ، فَقَدْ تَمَّتْ خَسَارَتُهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: خَرَجَ النَّاسُ بِدِمَشْقَ يَسْتَسْقُونَ، فَقَامَ فِيهِمْ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ حَضَرْتُمْ، أَلَسْتُمْ مُقِرِّينَ بِالْإِسَاءَةِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التَّوْبَةِ: 91 ] وَقَدْ أَقْرَرْنَا بِالْإِسَاءَةِ، فَاعْفُ عَنَّا وَاسْقِنَا. قَالَ: فَسُقُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ. وَقَالَ أَيْضًا: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَعْرَاضِ، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا. وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا يَقُولُ: لَا تَنْظُرُ إِلَى صِغَرِ الذَّنْبِ، وَانْظُرْ مَنْ عَصَيْتَ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ بَادَأَكَ بِالْوُدِّ فَقَدَ اسْتَرَقَّكَ بِالشُّكْرِ. وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَيْغِ الْقُلُوبِ، وَمِنْ تَبِعَاتِ الذُّنُوبِ، وَمِنْ مُرْدِيَاتِ الْأَعْمَالِ، وَمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ  ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ  ، وَهُوَ الَّذِي يُنْسَبُ إِلَيْهِ مَرْوَانُ الْجَعْدِيُّ وَهُوَ مَرْوَانُ الْحِمَارُ آخِرُ خُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ كَانَ شَيْخُهُ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ أَصْلُهُ مِنْ حَرَّانَ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي بَنِي مَرْوَانَ. سَكَنَ الْجَعْدُ دِمَشْقَ، وَكَانَتْ لَهُ بِهَا دَارٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَلَانِسِيِّينَ إِلَى جَانِبِ الْكَنِيسَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. قُلْتُ: وَهِيَ مَحَلَّةٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْخَوَّاصِينَ الْيَوْمَ غَرْبِيَّهَا عِنْدَ حَمَّامِ الْقَطَّانِينَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: حَمَّامُ قُلَيْنِسَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ: وَقَدْ أَخَذَ بِدْعَتَهُ عَنْ بَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ وَأَخَذَهَا بَيَانٌ عَنْ طَالُوتِ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ وَزَوْجِ ابْنَتِهِ، عَنْ لَبِيدِ بْنِ أَعْصَمَ السَّاحِرِ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَأَخَذَ عَنِ الْجَعْدِ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ الْخَزَرِيُّ. وَقِيلَ: التِّرْمِذِيُّ. وَقَدْ أَقَامَ بِبَلْخَ وَكَانَ يُصَلِّي مَعَ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَيَتَنَاظَرَانِ، حَتَّى نُفِيَ إِلَى تِرْمِذَ، ثُمَّ قُتِلَ الْجَهْمُ بِأَصْبَهَانَ وَقِيلَ: بِمَرْوَ. قَتَلَهُ نَائِبُهَا سَلْمُ بْنُ أَحْوَزَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَجَزَاهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، وَأَخَذَ بِشْرُ الْمَرِيسِيُّ عَنِ الْجَهْمِ وَأَخَذَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ، عَنْ بِشْرٍ وَأَمَّا الْجَعْدُ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ أَقَامَ بِدِمَشْقَ حَتَّى أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَتَطَلَّبَهُ بَنُو أُمَيَّةَ فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَسَكَنَ الْكُوفَةَ فِلْقَيْهِ بِهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَتَقَلَّدَ هَذَا الْقَوْلَ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى بِالْكُوفَةِ وَذَلِكَ أَنَّ خَالِدًا خَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ تِلْكَ: أَيُّهَا النَّاسُ، ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا. ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ بِيَدِهِ، أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَبَّلَ مِنْهُ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ كَانَ هِشَامٌ طَلَبَهُ بِدِمَشْقَ حِينَ أَظْهَرَ مَا أَظْهَرَ، ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَقَتَلَهُ كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَدْ رَوَى قِصَّتَهُ مَعَ خَالِدٍ الْبُخَارِيُّ فِي " أَفْعَالِ الْعِبَادِ " وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي السُّنَّةِ كَالطَّبَرَانِيِّ، وَابْنِ أَبِي عَاصِمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " التَّارِيخِ ". وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَرَدَّدُ إِلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَأَنَّهُ كَانَ كُلَّمَا رَاحَ إِلَى وَهْبٍ يَغْتَسِلُ وَيَقُولُ: أَجْمَعُ لِلْعَقْلِ. وَكَانَ يَسْأَلُ وَهْبًا عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ وَهْبٌ يَوْمًا: وَيْلَكَ يَا جَعْدُ أَقْصِرِ الْمَسْأَلَةَ، إِنِّي لَأَظُنُّكَ مِنَ الْهَالِكِينَ، لَوْ لَمْ يُخْبِرْنَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَنَّ لَهُ يَدًا مَا قُلْنَا ذَلِكَ، وَأَنَّ لَهُ عَيْنًا مَا قُلْنَا ذَلِكَ. ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الْجَعْدُ أَنْ صُلِبَ، ثُمَّ قُتِلَ. وَذُكِرَ فِي تَرْجَمَتِهِ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ وَيُرْوَى لِعِمْرَانِ بْنِ حِطَّانَ: لَيْثٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ     فَتْخَاءُ تَجْفُلُ مِنْ صَفِيرِ الصَّافِرِ هَلَّا بَرَزْتَ إِلَى غَزَالَةَ فِي الْوَغَى     بَلْ كَانَ قَلْبُكَ فِي جَنَاحَيْ طَائِرِ

  500. التاريخ 2595لا حكم مسجّل

    وَوَقَعَتْ بَيْنَ هِشَامٍ وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ وَحْشَةٌ عَظِيمَةٌ بِسَبَبِ تَعَاطِي الْوَلِيدِ مَا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْمُنْكَرَاتِ، فَتَنَكَّرَ لَهُ هِشَامٌ وَعَزَمَ عَلَى خَلْعِهِ وَتَوْلِيَةِ وَلَدِهِ مَسْلَمَةَ وِلَايَةَ الْعَهْدِ، فَفَرَّ مِنْهُ الْوَلِيدُ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَجَعَلَا يَتَرَاسَلَانِ بِأَقْبَحِ الْمُرَاسَلَاتِ، وَجَعَلَ هِشَامٌ يَتَوَعَّدُهُ وَعِيدًا شَدِيدًا وَيَتَهَدَّدُهُ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ هِشَامٌ، وَالْوَلِيدُ فِي الْبَرِّيَّةِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قَدِمَ فِي صَبِيحَتِهَا عَلَيْهِ الْبُرُدُ بِالْخِلَافَةِ ; قَلِقَ الْوَلِيدُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَلَقًا شَدِيدًا، وَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: وَيْحَكَ ! قَدْ أَخَذَنِي اللَّيْلَةَ قَلَقٌ عَظِيمٌ، فَارْكَبْ لَعَلَّنَا نَنْبَسِطُ، فَسَارَا مِيلَيْنِ يَتَكَلَّمَانِ فِي هِشَامٍ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ كَتْبِهِ إِلَيْهِ بِالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ، ثُمَّ رَأَيَا مِنْ بُعْدٍ رَهْجًا وَأَصْوَاتًا وَغُبَارًا، ثُمَّ انْكَشَفَ ذَلِكَ عَنْ بُرُدٍ يَقْصِدُونَهُ بِالْوِلَايَةِ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ: وَيْحَكَ ! إِنَّ هَذِهِ رُسُلُ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا خَيْرَهَا. فَلَمَّا اقْتَرَبَتِ الْبَرُدُ مِنْهُ وَتَبَيَّنُوهُ تَرَجَّلُوا إِلَى الْأَرْضِ، وَجَاءُوا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَبُهِتَ وَقَالَ: وَيْحَكُمْ ! أَمَاتَ هِشَامٌ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَمَنْ بَعَثَكُمْ ؟ قَالُوا: سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ. وَأَعْطَوْهُ الْكِتَابَ فَقَرَأَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، وَكَيْفَ مَاتَ عَمُّهُ هِشَامٌ فَأَخْبَرُوهُ. وَلَمَّا رَأَى الْوَلِيدُ تَقْصِيرَ هِشَامٍ فِي حَقِّهِ خَرَجَ فِي نَاسٍ مِنْ خَاصَّتِهِ وَمَوَالِيهِ، فَنَزَلَ بِالْأَزْرَقِ مَنْ أَرْضِ بَلْقَيْنِ وَفَزَارَةَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ: الْأَغْدَقُ، وَخَلَّفَ كَاتِبَهُ عِيَاضَ بْنَ مُسْلِمٍ، وَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا يَحْدُثُ قِبَلَكُمْ، فَقَطَعَ هِشَامٌ مَا كَانَ يَجْرِي عَلَى الْوَلِيدِ، وَضَرَبَ عِيَاضًا ضَرْبًا مُبَرِّحًا، فَلَمْ يَزَلِ الْوَلِيدُ مُقِيمًا بِتِلْكَ الْبَرِّيَّةِ حَتَّى مَاتَ هِشَامٌ، وَوَصَلَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، فَسَأَلَ عَنْ كَاتِبِهِ عِيَاضٍ، فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا، حَتَّى نَزَلَ أَمْرُ اللَّهِ بِهِشَامٍ، فَلَمَّا صَارَ فِي حَدٍّ لَا تُرْجَى الْحَيَاةُ لِمِثْلِهِ أَرْسَلَ عِيَاضٌ إِلَى الْخُزَّانِ: احْتَفَظُوا بِمَا فِي أَيْدِيكُمْ، وَلَا يَصِلَنَّ أَحَدٌ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ، فَأَفَاقَ هِشَامٌ إِفَاقَةً، فَطَلَبَ شَيْئًا فَمَنَعُوهُ، فَقَالَ: أُرَانَا كُنَّا خُزَّانًا لِلْوَلِيدِ، ثُمَّ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ. فَخَرَجَ عِيَاضٌ مِنَ السِّجْنِ، فَخَتَمَ أَبْوَابَ الْخَزَائِنِ، وَأَمَرَ بِهِشَامٍ فَأُنْزِلَ عَنْ فَرْشِهِ، فَمَا وَجَدُوا قُمْقُمًا يُسَخَّنُ لَهُ فِيهِ الْمَاءُ حَتَّى اسْتَعَارُوهُ، وَلَا وَجَدُوا كَفَنًا مِنَ الْخَزَائِنِ، وَكَفَّنَهُ غَالِبٌ مَوْلَى هِشَامٍ.

تُعرض أول ٥٠٠ حديث من هذا الباب.