دليل

التاريخ 3101

سنة ست وتسعين ومائة

ذِكْرُ خَلْعِ الْأَمِينِ وَالْمُبَايِعَةِ لِلْمَأْمُونِ وُعَوْدِ الْأَمِينِ إِلَى الْخِلَافَةِ   فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ نَادَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ فِي الْجُنْدِ، فَجَعَلَ الرَّجَّالَةَ فِي السُّفُنِ، وَسَارَ الْفُرْسَانُ عَلَى الظَّهْرِ فِي رَجَبٍ، فَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَاذَ لَقِيَهُ الْقُوَّادُ وَأَهْلُ بَغْدَاذَ، وَعُمِلَتْ لَهُ الْقِبَابُ، وَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَلَمَّا كَانَ جَوْفُ اللَّيْلِ بَعَثَ إِلَيْهِ الْأَمِينُ يَأْمُرُهُ بِالرُّكُوبِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا أَنَا بِمُغَنٍّ، وَلَا مُسَامِرٍ، وَلَا مُضْحِكٍ، وَلَا وَلِيتُ لَهُ عَمَلًا وَلَا مَالًا، فَلِأَيِّ شَيْءٍ يُرِيدُنِي هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ انْصَرِفْ، فَإِذَا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَيْهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَصْبَحَ الْحُسَيْنُ، فَوَافَى بَابَ الْجِسْرِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَبْنَاءِ، إِنَّ خِلَافَةَ اللَّهِ لَا تُجَاوَرُ بِالْبَطَرِ، وَنِعْمَتَهُ لَا تُسْتَصْحَبُ بِالتَّجَبُّرِ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا يُرِيدُ أَنْ يُوقِعَ أَدْيَانَكُمْ، وَيَنْقُلَ عِزَّكُمْ إِلَى غَيْرِكُمْ، وَهُوَ صَاحِبُ الزَّوَاقِيلِ، وَبِاللَّهِ إِنْ طَالَتْ بِهِ مُدَّةٌ لَيَرْجِعَنَّ وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ، فَاقْطَعُوا أَثَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ آثَارَكُمْ، وَضَعُوا عِزَّهُ قَبْلَ أَنْ يَضَعَ عِزَّكُمْ، فَوَاللَّهِ لَا يَنْصُرُهُ نَاصِرٌ مِنْكُمْ إِلَّا خُذِلَ، وَمَا عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِأَحَدٍ هَوَادَةٌ، وَلَا يُرَاقَبُ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِعُهُودِهِ، وَالْحِنْثِ بِأَيْمَانِهِ. ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِعُبُورِ الْجِسْرِ فَعَبَرُوا، وَصَارُوا إِلَى سِكَّةِ بَابِ خُرَاسَانَ، وَتَسَرَّعَتْ خُيُولُ الْأَمِينِ إِلَى الْحُسَيْنِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ الْأَمِينِ وَتَفَرَّقُوا، فَخَلَعَ الْحُسَيْنُ الْأَمِينَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ، وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِلْمَأْمُونِ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ وَثَبَ الْعَبَّاسُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِيسَى بِالْأَمِينِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَصْرِ الْخُلْدِ، وَحَبَسَهُ بِقَصْرِ الْمَنْصُورِ، وَأَخْرَجَ أُمَّهُ زُبَيْدَةَ أَيْضًا، فَجَعَلَهَا مَعَ ابْنِهَا. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ طَالَبَ النَّاسُ الْحُسَيْنَ بِالْأَرْزَاقِ، وَمَاجُوا بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ بِبَابِ الشَّامِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ ! وَاللَّهِ مَا أَدْرِي بِأَيِّ سَبَبٍ تَأَمَّرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَيْنَا، وَيَتَوَلَّى هَذَا الْأَمْرَ دُونَنَا ؟ مَا هُوَ بِأَكْبَرِنَا سِنًّا، وَمَا هُوَ بِأَكْبَرِنَا حَسَبًا، وَلَا بِأَعْظَمِنَا مَنْزِلَةً وَغِنًى، وَإِنِّي أَوَّلُكُمْ أَنْقُضُ عَهْدَهُ، وَأُظْهِرُ الْإِنْكَارَ لِفِعْلِهِ، فَمَنْ كَانَ عَلَى رَأْيِي فَلْيَعْتَزِلْ مَعِي. وَقَالَ أَسَدٌ الْحَرْبِيُّ: يَا مَعْشَرَ الْحَرْبِيَّةِ ! هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنَّكُمْ قَدْ نِمْتُمْ فَطَالَ نَوْمُكُمْ، وَتَأَخَّرْتُمْ فَتَقَدَّمَ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ، وَقَدْ ذَهَبَ أَقْوَامٌ بِخَلْعِ الْأَمِينِ، فَاذْهَبُوا أَنْتُمْ بِذِكْرِ فَكِّهِ وَإِطْلَاقِهِ. وَأَقْبَلَ شَيْخٌ عَلَى فَرَسٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، هَلْ تَعْتَدُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ بِقَطْعِ أَرْزَاقِهِمْ ؟ قَالُوا: لَا ! قَالَ: فَهَلْ قَصَّرَ بِأَحَدٍ مِنْ رُؤَسَائِكُمْ، وَعَزَلَ أَحَدًا مِنْ قُوَّادِكُمْ ؟ قَالُوا: لَا ! قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ خَذَلْتُمُوهُ، وَأَعَنْتُمْ عَدُوَّهُ عَلَى أَسْرِهِ ؟ وَايْمُ اللَّهِ مَا قَتَلَ قَوْمٌ خَلِيفَتَهُمْ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّيْفَ، انْهَضُوا إِلَى خَلِيفَتِكُمْ فَقَاتِلُوا عَنْهُ مَنْ أَرَادَ خَلْعَهُ. فَنَهَضُوا وَتَبِعَهُمْ أَهْلُ الْأَرْبَاضِ، فَقَاتَلُوا الْحُسَيْنَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأُسِرَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَدَخَلَ أَسَدٌ الْحَرْبِيُّ عَلَى الْأَمِينِ، فَكَسَرَ قُيُودَهُ، وَأَقْعَدَهُ فِي مَجْلِسِ الْخِلَافَةِ. وَرَأَى الْأَمِينُ أَقْوَامًا لَيْسَ عَلَيْهِمْ لِبَاسُ الْجُنْدِ، وَأَمَرَهُمْ بِأَخْذِ السِّلَاحِ، فَانْتَهَبَتْهُ الْغَوْغَاءُ، وَنَهَبُوا غَيْرَهُ. وَحُمِلَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ أَسِيرًا، فَلَامَهُ، فَاعْتَذَرَ لَهُ الْحُسَيْنُ، فَأَطْلَقَهُ، وَأَمَرَهُ بِجَمْعِ الْجُنْدِ، وَمُحَارَبَةِ أَصْحَابِ الْمَأْمُونِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ مَا وَرَاءَ بَابِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى حُلْوَانَ، فَوَقَفَ الْحُسَيْنُ بِبَابِ الْجِسْرِ وَالنَّاسُ يُهَنِّئُونَهُ، فَلَمَّا خَفَّ عَنْهُ النَّاسُ قَطَعَ الْجِسْرَ وَهَرَبَ، فَنَادَى الْأَمِينُ فِي الْجُنْدِ يَطْلُبُهُ، فَرَكِبُوا كُلُّهُمْ، فَأَدْرَكُوهُ بِمَسْجِدِ كَوْثَرٍ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ بَغْدَاذَ، فَقَاتَلَهُمْ فَعَثَرَ بِهِ فَرَسُهُ، فَسَقَطَ عَنْهُ، فَقُتِلَ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الْأَمِينَ كَانَ اسْتَوْزَرَهُ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ خَاتَمَهُ. وَجَدَّدَ الْجُنْدُ الْبَيْعَةَ لِلْأَمِينِ بَعْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ بِيَوْمٍ، وَكَانَ قَتْلُهُ خَامِسَ عَشَرَ رَجَبٍ، فَلَمَّا قُتِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ هَرَبَ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ وَاخْتَفَى. وَاسْتَحْوَذَ طَاهِرُ بْنُ الْحُسَيْنِ نَائِبُ الْمَأْمُونِ عَلَى أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَاسْتَنَابَ بِهَا النُّوَّابَ، مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُونِ وَخَلَعَتْ أَكْثَرُ الْأَقَالِيمِ الْأَمِينَ، وَبَايَعُوا الْمَأْمُونَ وَتَدَنَّى طَاهِرٌ إِلَى الْمَدَائِنِ فَأَخَذَهَا مَعَ وَاسِطٍ وَأَعْمَالِهَا، وَاسْتَنَابَ مِنْ جِهَتِهِ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ الْأَمِينِ مِنَ الْبِلَادِ إِلَّا الْقَلِيلُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.