التاريخ 2682
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائة
ذِكْرُ قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامِ قَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ حَبْسِهِ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَوْتِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ حَبَسَهُ بِحَرَّانَ، وَحَبَسَ سَعِيدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَابْنَيْهِ عُثْمَانَ وَمَرْوَانَ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْعَبَّاسَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَبَا مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيَّ، هَلَكَ مِنْهُمْ فِي وَبَاءٍ وَقَعَ بِحَرَّانَ الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْإِمَامُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ هَزِيمَةِ مَرْوَانَ مِنَ الزَّابِ بِجُمْعَةٍ خَرَجَ سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ وَابْنُ عَمِّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمَحْبُوسِينَ، فَقَتَلُوا صَاحِبَ السِّجْنِ وَخَرَجُوا، فَقَتَلَهُمْ أَهْلُ حَرَّانَ وَمَنْ فِيهَا مِنَ الْغَوْغَاءِ، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَهُ أَهْلُ حَرَّانَ شَرَاحِيلُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ بِشْرٍ التَّغْلِبِيُّ، وَبِطْرِيقُ إِرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ وَاسْمُهُ كُوشَانُ، وَتَخَلَّفَ أَبُو مُحَمَّدٍ السُّفْيَانِيُّ فِي الْحَبْسِ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِيمَنْ خَرَجَ، وَمَعَهُ غَيْرُهُ لَمْ يَسْتَحِلُّوا الْخُرُوجَ مِنَ الْحَبْسِ، فَقَدِمَ مَرْوَانُ مُنْهَزِمًا مِنَ الزَّابِ، فَجَاءَ فَخَلَّى عَنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ مَرْوَانَ هَدَمَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ بَيْتًا فَقَتَلَهُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ شَرَاحِيلَ بْنَ مَسْلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ مَحْبُوسًا مَعَ إِبْرَاهِيمَ فَكَانَا يَتَزَاوَرَانِ، فَصَارَ بَيْنَهُمَا مَوَدَّةٌ، فَأَتَى رَسُولٌ مِنْ شَرَاحِيلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يَوْمًا بِلَبَنٍ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ أَخُوكَ إِنِّي شَرِبْتُ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ فَاسْتَطَبْتُهُ فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْرَبَ مِنْهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ فَتَكَسَّرَ جَسَدُهُ مِنْ سَاعَتِهِ. وَكَانَ يَوْمًا يَزُورُ فِيهِ شَرَاحِيلَ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ شَرَاحِيلُ: إِنَّكَ قَدْ أَبْطَأْتَ فَمَا حَبَسَكَ ؟ فَأَعَادَ إِبْرَاهِيمُ: إِنِّي لَمَّا شَرِبْتُ اللَّبَنَ الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ قَدْ أَسْهَلَنِي. فَأَتَاهُ شَرَاحِيلُ فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا شَرِبْتُ الْيَوْمَ لَبَنًا، وَلَا أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَيْكَ ! فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! احْتِيلَ وَاللَّهِ عَلَيْكَ. فَبَاتَ إِبْرَاهِيمُ لَيْلَتَهُ وَأَصْبَحَ مَيِّتًا، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَرِمَةَ يَرْثِيهِ: قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُنِي جَلْدًا فَضَعْضَعَنِي قَبْرٌ بِحَرَّانَ فِيهِ عِصْمَةُ الدِّينِ فِيهِ الْإِمَامُ وَخَيْرُ النَّاسِ كُلِّهُمُ بَيْنَ الصَّفَائِحِ وَالْأَحْجَارِ وَالطِّينِ فِيهِ الْإِمَامُ الَّذِي عَمَّتْ مُصِيبَتُهُ وَعَيَّلَتْ كُلَّ ذِي مَالٍ وَمِسْكِينِ فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْ مَرْوَانَ مَظْلَمَةً لَكِنْ عَفَا اللَّهُ عَمَّنْ قَالَ آمِينِ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَيِّرًا فَاضِلًا كَرِيمًا، قَدِمَ الْمَدِينَةَ مَرَّةً فَفَرَّقَ فِي أَهْلِهَا مَالًا جَلِيلًا، وَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحَسَنِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَبَعَثَ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَبَعَثَ إِلَى جَمَاعَةِ الْعَلَوِيِّينَ بِمَالٍ كَثِيرٍ. فَأَتَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وَهُوَ صَغِيرٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ. فَبَكَى حَتَّى بَلَّ رِدَاءَهُ وَأَمَرَ وَكِيلَهُ بِإِحْضَارِ مَا بَقِيَ مِنَ الْمَالِ، فَأَحْضَرَ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ آخَرُ لَسَلَّمْتُهُ إِلَيْكَ. وَسَيَّرَ مَعَهُ بَعْضَ مَوَالِيهِ إِلَى أُمِّهِ رَيْطَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِالْحَنَفِيَّةِ يَعْتَذِرُ إِلَيْهَا. ( وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ، وَأُمُّهُ أُمُّ وَلَدٍ بَرْبَرِيَّةٌ اسْمُهَا سَلْمَى ). وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَدَّمَ ذِكْرُ قَتْلِهِ عَلَى هَزِيمَةِ مَرْوَانَ، وَإِنَّمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ لِتَتْبَعَ الْحَادِثَةُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.