دليل

التاريخ 3113

سنة ست وتسعين ومائة

ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ   1071 - بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ صَائِدِ بْنِ كَعْبٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُلَّاعِيُّ الْبَصْرِيُّ  . وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ مِنْ خَلْقٍ كَثِيرٍ. وَرَوَى عَنْهُ: شُعْبَةُ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. وَفِي أَحَادِيثِهِ مَنَاكِيرُ، إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَهَا عَنِ الْمَجَاهِيلِ. قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ ثِقَةً صَدُوقًا، لَكِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ عَنْ مَنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ: ثِقَةٌ صَدُوقٌ [وَيُتَّقَى حَدِيثُهُ عَنْ مَشْيَخَتِهِ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ، وَلَهُ أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ جِدًّا. تُوُفِّيَ بَقِيَّةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. 1072 - حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ طَلْقٍ، أَبُو عُمَرَ الْكُوفِيُّ  . سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ الْعُمَرِيَّ، وَهِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي خَالِدٍ، وَأَبَا إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيَّ، وَسُلَيْمَانَ الْأَعْمَشَ، وَجَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَلَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ، وَدَاوُدَ بْنَ أَبِي هِنْدٍ، وَالْحَسَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَشْعَثَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَأَشْعَثَ بْنَ سِوَارٍ، وَابْنَ جُرَيْجٍ، وَمِسْعَرَ بْنَ كَدَامٍ، وَالثَّوْرِيَّ. رَوَى عَنْهُ: ابْنُهُ عُمَرُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، وَعَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَابْنُ مَعِينٍ، وَابْنُ الْمَدَنِيِّ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، وَابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ. وَوَلِيَ حَفْصٌ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ وَحَدَّثَ بِهَا، ثُمَّ عُزِلَ وَوَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ اللَّيْثِ: بَاعَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ جِمَالًا بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ مَرْزُبَانَ الْمَجُوسِيِّ وَكَيْلِ أُمِّ جَعْفَرٍ فَمَطَلَهُ بِثَمَنِهَا وَحَبَسَهُ، فَطَالَ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ، فَأَتَى بَعْضُ أَصْحَابِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ فَشَاوَرَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ أَعْطِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَأُحِيلُ عَلَيْكَ بِالْمَالِ الْبَاقِي، وَأَخْرُجُ إِلَى خُرَاسَانَ، فَإِنْ فَعَلَ هَكَذَا فَالْقَنِي حَتَّى أُشِيرَ عَلَيْكَ. فَفَعَلَ الرَّجُلُ وَأَتَى مَرْزُبَانَ فَأَعْطَاهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَرَجَعَ إِلَى الرَّجُلِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: عُدْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: إِذَا رَكِبْتَ غَدًا فَطَرِيقُكَ عَلَى الْقَاضِي تَحَضَّرَ وَأَوْكِلْ رَجُلًا يَقْبِضُ الْمَالَ وَاخْرُجْ، فَإِذَا جَلَسَ إِلَيَّ الْقَاضِي فَادْعُ عَلَيْهِ مَا بَقِيَ لَكَ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا أَقَرَّ حَبَسَهُ حَفْصٌ وَأَخَذْتُ مَالَكَ. فَرَجَعَ إِلَى مَرْزُبَانَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: انْتَظِرْنِي بِبَابِ الْقَاضِي. فَلَمَّا رَكِبَ مِنَ الْغَدِ وَثَبَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَنْزِلَ إِلَى الْقَاضِي حَتَّى أُوكِلَ بِقَبْضِ الْمَالِ وَأَخْرُجَ، فَنَزَلَ مَرْزُبَانُ فَتَقَدَّمَا إِلَى حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَيَّدَ اللَّهُ الْقَاضِي لِي عَلَى هَذَا الرَّجُلِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ حَفْصٌ: مَا تَقُولُ يَا مَجُوسِيُّ ؟ قَالَ: صَدَقَ أَصْلَحَ اللَّهُ الْقَاضِي. قَالَ: مَا تَقُولُ يَا رَجُلُ، قَدْ أَقَرَّ لَكَ ؟ قَالَ يُعْطِينِي مَالِي. قَالَ حَفْصٌ لِلْمَجُوسِيِّ: مَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ: هَذَا الْمَالُ عَلَى السَّيِّدَةِ. قَالَ: أَنْتَ أَحْمَقُ، تُقِرُّ ثُمَّ تَقُولُ عَلَى السَّيِّدَةِ، مَا تَقُولُ يَا رَجُلُ ! ؟ فَقَالَ: إِنْ أَعْطَانِي مَالِي وَإِلَّا حَبَسْتَهُ. قَالَ: مَا تَقُولُ يَا مَجُوسِيُّ ؟ قَالَ: الْمَالُ عَلَى السَّيِّدَةِ، قَالَ حَفْصٌ: خُذُوا بِيَدِهِ إِلَى الْحَبْسِ. فَلَمَّا حُبِسَ بَلَغَ الْخَبَرُ أُمَّ جَعْفَرٍ، فَغَضِبَتْ وَبَعَثَتْ إِلَى السِّنْدِيِّ وَجِّهْ إِلَيَّ مَرْزُبَانَ فَأَخْرِجْهُ، وَبُلِّغَ حَفْصٌ الْخَبَرَ فَقَالَ: أَحْبِسُ أَنَا وَيُخْرِجُ السِّنْدِيُّ ؟ لَا جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا أَوْ يُرَدُّ مَرْزُبَانُ إِلَى الْحَبْسِ. فَجَاءَ السِّنْدِيُّ إِلَى أُمِّ جَعْفَرٍ فَقَالَ: اللَّهَ اللَّهَ فِيَّ، إِنَّهُ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَأَخَافُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولَ لِي: بِأَمْرِ مَنْ أَخْرَجْتَهُ ؟ رُدِّيهِ إِلَى الْحَبْسِ وَأَنَا أُكَلِّمُ حَفْصًا فِي أَمْرِهِ، فَأَجَابَتْهُ فَرَجَعَ مَرْزُبَانُ إِلَى الْحَبْسِ، فَقَالَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ لِهَارُونَ: قَاضِيكَ هَذَا أَحْمَقُ، حَبَسَ وَكِيلِي، فَمُرْهُ لَا يَنْظُرُ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَتُوَلِّي أَمْرَهُ إِلَى أَبِي يُوسُفَ. فَأَمَرَ لَهُ بِالْكِتَابِ، وَبَلَغَ حَفْصًا الْخَبَرُ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَحْضِرْ لِي شُهُودًا حَتَّى أُسَجِّلَ لَكَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ بِالْمَالِ فَجَلَسَ حَفْصٌ، فَسَجَّلَ عَلَى الْمَجُوسِيِّ، وَوَرَدَ كِتَابُ هَارُونَ مَعَ خَادِمٍ لَهُ، فَقَالَ: هَذَا كِتَابُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: انْظُرْ مَا يُقَالُ لَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ حَفْصٌ مِنَ السِّجِلِّ أَخَذَ الْكِتَابَ مِنَ الْخَادِمِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُ أَنَّ كِتَابَهُ وَرَدَ، وَقَدْ أُنْفِذَ الْحَكْمُ، فَقَالَ الْخَادِمُ: قَدْ وَاللَّهِ عَرَفْتُ مَا صَنَعْتَ، مَا أَرَدْتُ أَنْ تَأْخُذَ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى تَفْرَغَ مِمَّا تُرِيدُ، وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا فَعَلْتَ. فَقَالَ حَفْصٌ: قُلْ لَهُ مَا أَحْبَبْتَ. فَجَاءَ الْخَادِمُ، فَأَخْبَرَ هَارُونَ، فَضَحِكَ وَقَالَ لِلْحَاجِبِ: مُرْ لِحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَرَكِبَ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ وَاسْتَقْبَلَ حَفْصًا مُنْصَرِفًا مِنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْقَاضِي، قَدْ سَرَرْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ، وَأَمَرَ لَكَ بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَمَا كَانَ السَّبَبُ فِي هَذَا ؟ قَالَ: تَمَّمَ اللَّهُ نِعَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَحْسَنَ حِفْظَهُ وَكَلَاءَتَهُ، مَا زِدْتُ عَلَى مَا أَفْعَلُ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنِّي سَجَّلْتُ عَلَى مَرْزُبَانَ الْمَجُوسِيَّ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فَمِنْ هَذَا سُرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ حَفْصٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا. فَقَالَتْ أُمُّ جَعْفَرٍ لِهَارُونَ: لَا أَنَا وَلَا أَنْتَ، إِلَّا أَنْ تَعْزِلَ حَفْصًا. فَأَبَى عَلَيْهَا، ثُمَّ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ فَعَزَلَهُ عَنِ الشَّرْقِيَّةِ، وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْكُوفَةِ، فَمَكَثَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ لَمَّا وَلِيَ حَفْصٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: تَعَالَوْا نَكْتُبُ نَوَادِرَ حَفْصٍ، فَلَمَّا وَرَدَتْ أَحْكَامُهُ وَقَضَايَاهُ عَلَى أَبِي يُوسُفَ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَيْنَ النَّوَادِرُ الَّتِي تَكْتُبُهَا ؟ قَالَ: وَيْحَكُمْ إِنَّ حَفْصًا أَرَادَ اللَّهَ فَوَفَّقَهُ اللَّهُ. قَالَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبِي الْوَفَاةُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَبَكَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَأَفَاقَ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قُلْتُ: أَبْكِي لِفِرَاقِكِ، وَلَمَّا دَخَلْتُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ - يَعْنِي الْقَضَاءَ - قَالَ: لَا تَبْكِ، فَإِنِّي مَا حَلَلَتْ سَرَاوِيلِي عَلَى حَرَامٍ قَطُّ، وَلَا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ خَصْمَانِ فَبَالِيَتْ عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ الْحُكْمُ مِنْهَا. عَنْ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: وَلَدَتْ أُمُّ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ أَرْبَعَةَ بَنِينٍ فِي بَطْنٍ، قَالَ: فَرَأَيْتُهُمْ كُلَّهُمْ قَدْ نَيَّفُوا عَلَى الثَّمَانِينَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ غَنَّامٍ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: مَرِضَ حَفْصٌ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَدَفَعَ إِلَيَّ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَقَالَ: امْضِ بِهَا إِلَى الْعَامِلِ وَقُلْ لَهُ: هَذِهِ رِزْقُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَمْ أَحْكُمْ فِيهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَا حَظَّ لِي فِيهَا. تُوُفِّيَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ. كَذَا قَالَ الْفَلَّاسُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ: سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ. وَقَالَ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. 1073 - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْزُوقٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ.   زَعَمَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ الصُّوفِيُّ أَنَّهُ كَانَ وَزِيرَ الرَّشِيدِ، فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ وَتَخَلَّى مِنْ مَالِهِ وَتَزَهَّدَ، وَكَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، شَدِيدَ الْحُزْنِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْزُوقٍ: يَا سَلَامَةُ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قُلْتُ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: تَحْمِلُنِي فَتَطْرَحُنِي عَلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ لَعَلِّي أَمُوتُ عَلَيْهَا، فَيَرَى مَكَانِي فَيَرْحَمُنِي. 1074 - مُحَمَّدُ بْنُ زِينِ بْنِ سُلَيْمٍ، أَبُو الشِّيصِ الشَّاعِرُ  . انْقَطَعَ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْأَشْعَثِ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الرِّقَّةِ، فَمَدَحَهُ [فِي ] أَكْثَرِ شَعْرِهِ، وَكَانَ أَبُو الشِّيصِ سَرِيعَ الْخَاطِرِ، الشِّعْرُ عَلَيْهِ أَهْوَنُ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ. رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: اجْتَمَعَ مُسْلِمُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَأَبُو نُوَاسٍ، وَأَبُو الشِّيصِ، وَدِعْبَلٌ فِي مَجْلِسٍ، فَقَالُوا: لِيَنْشُدْ كُلٌّ مِنْكُمْ أَجْوَدَ مَا قَالَ مِنَ الشِّعْرِ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ مَعَهُمْ: اسْمَعُوا مِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَنْشُدُ كُلٌّ مِنْكُمْ قَبْلَ أَنْ يَنْشُدَ. قَالُوا: هَاتِ. فَقَالَ لِمُسْلِمٍ: أَمَّا أَنْتَ فَكَأَنِّي بِكَ قَدْ أَنْشَدْتَ: إِذَا مَا عَلَتْ مِنَّا ذُؤَابَةُ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ ذَا حِلْمٍ دَعَتْهُ إِلَى الْجَهْلِ     هَلِ الْعَيْشُ إِلَّا أَنْ تَرُوحَ مَعَ الصَّبَى وَتَغْدُو صَرِيعَ الْكَأْسِ وَالْأَعْيُنِ النُّجْلِ قَالَ: وَبِهَذَا الْبَيْتِ لُقِّبَ بِـ"صَرِيعِ الْغَوَانِي" لَقَّبَهُ بِهِ الرَّشِيدُ. فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ: صَدَقْتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي نُوَاسٍ فَقَالَ لَهُ: وَكَأَنِّي بِكَ قَدْ أَنْشَدْتَ: لَا تَبْكِ لَيْلَى وَلَا تَطْرَبْ إِلَى هِنْدِ     وَاشْرَبْ عَلَى الْوَرْدِ مِنْ حَمْرَاءَ كَالْوَرْدِ تَسْقِيكَ مِنْ عَيْنِهَا خَمْرًا وَمِنْ يَدِهَا     خَمْرًا فَمَا لَكَ مِنْ سُكْرَيْنِ مِنْ بُدِّ فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى دِعْبَلٍ فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ أَنْشَدْتَ: أَيْنَ الشَّبَابُ وَأَيَّةً سَلَكَا     لَا أَيْنَ يُطْلَبُ ضَلَّ بَلْ هَلَكَا لَا تَعْجَبِي يَا سَلمَ مِنْ رَجُلٍ     ضَحِكَ الْمَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكَى فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي الشِّيصِ فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ قَدْ أَنْشَدْتَ: لَا تُنْكِرِي صَدِّي وَلَا إِعْرَاضِي     لَيْسَ الْمُقِلُّ عَنِ الزَّمَانِ بِرَاضِي فَقَالَ لَهُ: لَا، مَا أَرَدْتُ [أَنْ ] أَنْشِدَ هَذَا، وَلَيْسَ هَذَا بِأَجْوَدِ شَيْءٍ قُلْتُهُ. قَالُوا: فَأَنْشِدْنَا مَا بَدَا لَكَ. فَأَنْشَدَهُمْ: وَقَفَ الْهَوَى بِي حَيْثُ أَنْتَ فَلَيْسَ لِي     مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ وَلَا مُتَقَدِّمُ أَجِدُ الْمَلَامَةَ فِي هَوَاكَ لَذِيذَةً     حُبًّا لِذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ أَشْبَهْتَ أَعْدَائِي فَصِرْتُ أُحِبُّهُمْ     إِذْ كَانَ حَظِّي مِنْكَ حَظِي مِنْهُمُ وَأَهَنْتَنِي فَأَهَنْتُ نَفْسِي صَاغِرًا     يَا مَنْ أَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ أُكْرِمُ فَقَالَ أَبُو نُوَاسٍ: أَحْسَنْتَ وَاللَّهِ وَجَوَّدْتَ. وَعَمِيَ أَبُو الشِّيصِ فِي آخِرِ عُمُرِهِ. 1075 - مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، أَبُو الْمُثَنَّى الْبَصْرِيُّ الْعَنْبَرِيُّ  . وُلِدَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، وَسَمِعَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيَّ، وَشُعْبَةَ، [وَ ] الثَّوْرِيَّ، وَغَيْرَهُمْ. رَوَى عَنْهُ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَغَيْرُهُمْ. وَوَلِيَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ مِنَ الْأَثْبَاتِ فِي الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ تَعَلَّقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مُعَاذَ الْعَنْبَرِيَّ، فَإِنَّهُمْ مَا قَدَرُوا أَنْ يَتَعَلَّقُوا عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ مَعَ شُغْلِهِ بِالْقَضَاءِ. تُوفِّيَ مُعَاذٌ بِالْبَصْرَةِ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. 1076 - هَاشِمُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، يُكَنَّى: أَبَا بَكْرٍ  . مَدْبَغِيٌّ، كَانَ مِنْ سَاكِنِي الْكُوفَةِ، فَقَدِمَ قَاضِيًا عَلَى مِصْرَ مِنْ قِبَلِ الْأَمِينِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ، وَكَانَ يَذْهَبُ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ. تُوفِّيَ فِي مُحَرَّمِ هَذِهِ السَّنَةِ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.