التاريخ 3119
سنة ثمان وتسعين ومائة
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ لِلْمَأْمُونِ الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ . بَابُ ذِكْرِ خِلَافَةِ الْمَأْمُونِ وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ فِي أَيَّامِ الرَّشِيدِ، وَكَانَ فِي خِلَافَتِهِ تَكَنَّى بِأَبِي جَعْفَرٍ تَفَاؤُلًا بِكُنْيَةِ الْمَنْصُورِ وَالرَّشِيدِ فِي طُولِ الْعُمُرِ. وُلِدَ لَيْلَةَ اسْتُخْلِفَ الرَّشِيدُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سَبْعِينَ، وَكَانَ أَبْيَضَ، أَقْنَى، أَعْيَنَ، جَمِيلًا، طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، قَدْ وَخَطَّهُ الشَّيْبُ، ضَيِّقَ الْجَبْهَةِ، بِخَدِّهِ خَالٌ أَسْوَدُ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ، سَاقَاهُ دُونَ سَائِرِ جَسَدِهِ صَفْرَاوَيْنِ كَأَنَّهُمَا طُلِيَا بِالزَّعْفَرَانِ، وَأُمُّهُ أَمَةٌ اسْمُهَا مَرَاجِلُ، مَاتَتْ بَعْدَ وِلَادَتِهِ بِقَلِيلٍ، فَسَلَّمَهُ الرَّشِيدُ إِلَى سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ، وَكَانَ مِنْ زَمَنِ صِغَرِهِ فَطِنًا ذَكِيًّا. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَزِيدِيُّ: كُنْتُ أُؤَدِّبُ الْمَأْمُونَ وَهُوَ فِي حِجْرِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ يَوْمًا وَهُوَ دَاخِلٌ، فَوَجَّهْتُ إِلَيْهِ بَعْضَ خَدَمِهِ يُعْلِمُهُ بِمَكَانِي، فَأَبْطَأَ عَلَيَّ، ثُمَّ وَجَّهْتُ آخَرَ فَأَبْطَأَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لِسَعِيدٍ: إِنَّ هَذَا الْفَتَى رُبَّمَا تَشَاغَلَ بِالْبطَالَةِ وَتَأَخَّرَ. فَقَالَ: أَجَلْ، وَمَعَ هَذَا إِذَا فَارَقَكَ عَزَمَ عَلَى خَدَمِهِ، وَلَقُوا مِنْهُ أَذًى شَدِيدًا، فَقَوَّمَهُ بِالْأَدَبِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَمَرْتُ بِحَمْلِهِ فَضَرَبْتُهُ سَبْعَ دُرَرٍ. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيُدَلِّكُ عَيْنَهُ مِنَ الْبُكَاءِ إِذْ قِيلَ: هَذَا جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى قَدْ أَقْبَلَ، فَأَخَذَ مَنْدِيلًا، فَمَسَحَ عَيْنَيْهِ، وَجَمَعَ ثِيَابَهُ، وَقَامَ إِلَى فِرَاشِهِ، فَقَعَدَ عَلَيْهِ مُتَرَبِّعًا وَقَالَ: لِيَدْخُلْ. فَدَخَلَ، فَقُمْتُ إِلَى الْمَجْلِسِ، وَخِفْتُ أَنْ يَشْكُوَنِي إِلَيْهِ، فَأَلْقَى مِنْهُ مَا أَكْرَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ وَحَدَّثَهُ حَتَّى أَضْحَكَهُ، وَضَحِكَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا هَمَّ بِالْحَرَكَةِ دَعَا بِدَابَّتِهِ، وَأَمَرَ غِلْمَانَهُ فَسَعَوْا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنِّي، فَجِئْتُ فَقَالَ: خُذْ عَلَيَّ مَا بَقِيَ مِنْ جُزْئِي، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ، لَقَدْ خِفْتُ أَنْ تَشْكُوَنِي إِلَى جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى، وَلَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَتَنَكَّرَ لِي. فَقَالَ: أَتُرَانِي يَا أَبَا مُحَمَّدٍ كُنْتُ أُطْلِعُ الرَّشِيدَ عَلَى هَذَا، فَكَيْفَ بِجَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى حَتَّى أُطْلِعَهُ أَنِّي أَحْتَاجُ إِلَى أَدَبٍ، أَدَبٍ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ بَعْدَ ظَنِّكَ، خُذْ فِي أَمْرِكَ، فَقَدْ خَطَرَ بِبَالِكَ مَا لَا تَرَاهُ أَبَدًا، وَلَوْ عُدْتَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. وَرَوَى الطَّالقَانِيُّ قَالَ: قَالَ الرَّشِيدُ لِأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ وَهُشَيْمٍ: إِنِّي أَسْمَعُ مِنِ ابْنِي هَذَا - يَعْنِي الْمَأْمُونَ - كَلَامًا لَسْتُ أَدْرِي أَمِنْ تَلْقِينِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ هُوَ أَمْ مِنْ قَرِيحَةٍ ؟ فَادْخُلَا إِلَيْهِ، فَنَاظِرَاهُ وَاسْمَعَا مِنْهُ، وَأَخْبِرَانِي بِمَا تَقِفَانِ عَلَيْهِ. فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَهُوَ فِي أَثْوَابِ صِبَاهُ، فَقَالَا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَنَا بِالدُّخُولِ عَلَيْكَ وَمُنَاظَرَتِكَ، فَأَيُّ الْعُلُومِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: أَمْتُعُهَا لِي. قَالَا: وَمَا أَمْتُعُهَا لَكَ. قَالَ: أَثْبَتُهَا عَنْ ثِقَةٍ، وَأَقْرَبُهَا مِنْ أَفْهَامِ مُسْتَمِعِيهَا. فَقَالَ لَهُ هُشَيْمٌ: جِئْنَاكَ لِنُعَلِّمَكَ فَتَعَلَّمْنَا. ثُمَّ أَخْبَرَا الرَّشِيدَ فَقَالَا: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ أَوَّلُهُ لَحَقِيقٌ أَنْ يُرْجَى آخِرُهُ، ثُمَّ أَعْتَقَ عَنْهُ مِائَةَ عَبْدٍ وَأَمَةٍ، وَأَلْزَمَهَا خِدْمَتَهُ. وَبَلَغَنَا أَنَّ أُمَّ جَعْفَرٍ عَاتَبَتِ الرَّشِيدَ عَلَى تَقْرِيبِهِ الْمَأْمُونَ دُونَ ابْنِهَا مُحَمَّدٍ، فَدَعَا خَادِمًا بِحَضْرَتِهَا، وَقَالَ لَهُ: وَجِّهْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدٍ خَادِمَيْنِ حَصِيفَيْنِ يَقُولَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْخَلْوَةِ: مَا يَفْعَلُ بِهِ إِذَا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ ؟ فَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَقَالَ لِلْخَادِمِ الَّذِي مَضَى إِلَيْهِ: أُقْطِعُكَ وَأُوَلِّيكَ وَأَبْلُغُ لَكَ. وَأَمَّا الْمَأْمُونُ فَرَمَى الْخَادِمَ بِالدَّوَاةِ وَقَالَ: يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ تَسْأَلُنِي مَا أَفْعَلُ بِكَ بِمَوْتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ بَلْ نَكُونُ جَمِيعًا فِدَاءً لَهُ. فَرَجَعَ بِالْخَبَرِ كُلٌّ مِنْهُمَا. فَقَالَ لِأُمِّ جَعْفَرٍ: كَيْفَ تَرَيْنَ مَا أَقْدَمَ ابْنُكِ إِلَّا مُتَابَعَةً لِرَأْيِكِ وَتَرْكًا لِلْجَزَعِ، وَقَدْ كَانَ الْمَأْمُونُ يُعْنَى بِالْعِلْمِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ كَثِيرًا حَتَّى جَعَلَ لِنَفْسِهِ مَجْلِسَ نَظَرٍ. عَنْ يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قَالَ: كَانَ الْمَأْمُونُ قَبْلَ تَقَلُّدِهِ الْخِلَافَةَ يَجْلِسُ لِلنَّظَرِ، فَدَخَلَ يَهُودِيٌّ حَسَنُ الْوَجْهِ، طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، حَسَنُ الثَّوْبِ، فَتَكَلَّمَ فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسُ دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ: إِسْرَائِيلِيٌّ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَسْلِمْ حَتَّى أَفْعَلَ لَكَ وَأَصْنَعَ. فَقَالَ: دِينِي وَدِينِ آبَائِي فَلَا تَكْشِفْنِي. فَتَرَكَهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ جَاءَنَا وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَتَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ، فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ، فَلَمَّا تَقَوَّضَ الْمَجْلِسَ دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ: أَلَسْتَ صَاحِبَنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ دَعَاكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ كُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلَيْكَ فَأَبَيْتَ ؟ قَالَ: إِنِّي أُحْسِنُ الْخَطَّ، فَمَضَيْتُ فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ وَأَدْخَلْتُهَا الْكَنِيسَةَ، فَبِعْتُهَا، فَاشْتَرَيْتُ. قَالَ: وَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ مِنَ الْإِنْجِيلِ، فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ فَأَدْخَلْتُهَا إِلَى الْبَيْعَةِ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي. قَالَ: وَعَمَدْتُ إِلَى الْقُرْآنِ فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ، وَأَدْخَلْتُهَا إِلَى الْوَرَّاقِينَ، فَكُلَّمَا تَصَفَّحُوهَا قَرَؤُوا الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ وَرَمَوْا بِهَا، فَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ مَحْفُوظٌ، فَكَانَ سَبَبَ إِسْلَامِي. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: فَحَجَجْتُ فَرَأَيْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَحَدَّثْتُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لِي: مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قُلْتُ: فِي أَيِّ مَوْضِعٍ ؟ قَالَ: فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَجَعَلَ حِفْظَهُ إِلَيْهِمْ فَضَاعَ. وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: اسْتُخْلِفَ الْمَأْمُونُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ [وَمِائَةٍ ]، وَقَدْ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ قَبْلَ ذَلِكَ بِبِلَادِ خُرَاسَانَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ، وَخَلَعَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ. خِلَافَةُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَأْمُونِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيدِ لَمَّا قُتِلَ أَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الرَّشِيدِ بِبَغْدَادَ فِي رَابِعِ صَفَرٍ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ: فِي آخِرِ الْمُحَرَّمِ اسْتَوْسَقَتِ الْبَيْعَةُ شَرْقًا وَغَرْبًا لِلْمَأْمُونِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّشِيدِ، فَوَلَّى الْحَسَنَ بْنَ سَهْلٍ نِيَابَةَ الْعِرَاقِ وَفَارِسَ وَالْأَهْوَازِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ، وَبَعَثَ نُوَّابَهُ إِلَى هَذِهِ الْأَقَالِيمِ، وَكَتَبَ إِلَى طَاهِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ وَهُوَ بِبَغْدَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إِلَى الرَّقَّةِ لِحَرْبِ نَصْرِ بْنِ شَبَثٍ وَوَلَّاهُ نِيَابَةَ الْجَزِيرَةِ وَالشَّامِ وَالْمَوْصِلِ وَالْمَغْرِبِ. وَكَتَبَ إِلَى هَرْثَمَةَ بْنِ أَعْيَنَ بِنِيَابَةِ خُرَاسَانَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.