دليل

التاريخ 3069

سنة ثنتين وتسعين ومائة

مَسِيرِ الرَّشِيدِ إِلَى خُرَاسَانَ   وفِي سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا سَارَ الرَّشِيدُ مِنَ الرَّقَّةِ إِلَى بَغْدَاذَ يُرِيدُ خُرَاسَانَ لِحَرْبِ رَافِعِ بْنِ اللَّيْثِ، وَكَانَ مَرِيضًا، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الرَّقَّةِ ابْنَهُ الْقَاسِمَ، وَضَمَّ إِلَيْهِ خُزَيْمَةَ بْنَ خَازِمٍ، وَسَارَ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى النَّهْرَوَانِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ شَعْبَانَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى بَغْدَاذَ ابْنَهُ الْأَمِينَ، وَأَمَرَ الْمَأْمُونَ بِالْمُقَامِ بِبَغْدَاذَ. فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ لِلْمَأْمُونِ حِينَ أَرَادَ الرَّشِيدُ الْمَسِيرَ إِلَى خُرَاسَانَ: لَسْتَ تَدْرِي مَا يَحْدُثُ بِالرَّشِيدِ، وَخُرَاسَانُ وِلَايَتُكَ، وَمُحَمَّدٌ الْأَمِينُ الْمُقَدَّمُ عَلَيْكَ، وَإِنَّ أَحْسَنَ مَا يَصْنَعُ بِكَ أَنْ يَخْلَعَكَ، وَهُوَ ابْنُ زُبَيْدَةَ [ وَأَخْوَالُهُ بَنُو هَاشِمٍ، وَزُبَيْدَةُ ] وَأَمْوَالُهَا [ رِدْءٌ لَهُ ]، فَاطْلُبْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَسِيرَ مَعَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ بَعْدَ امْتِنَاعٍ. فَلَمَّا سَارَ الرَّشِيدُ سَايَرَهُ الصَّبَّاحُ الطَّبَرِيُّ، فَقَالَ لَهُ: يَا صَبَّاحُ، لَا أَظُنُّكَ تَرَانِي أَبَدًا. فعَنْ أَحْمَدَ بْنِ صَبَاحٍ الطَّبَرِيُّ مَوْلَى عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: شَيَّعْتُ الرَّشِيدَ حِينَ مَضَى إِلَى خُرَاسَانَ فَقَالَ لِي وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَأْرَمَا: يَا صَبَاحُ، مَا أَحْسَبُكَ تَرَانِي بَعْدَ هَذَا أَبَدًا. فَقُلْتُ: أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَقُولَ هَذَا  ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُبْقِيَكَ اللَّهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِائَةَ سَنَةٍ. فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: يَا صَبَاحُ، أَنَا وَاللَّهِ مَيِّتٌ بَعْدَ قَرِيبٍ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ، وَاللَّهِ إِنِّي أَرَى دَمًا ظَاهِرًا، وَلَوْنًا نَاصِعًا، وَشَبَابًا زَائِدًا، وَمَئُونَةً قَوِيَّةً، وَرُوحًا طَيِّبَةً، فَعَمَّرَكَ اللَّهُ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَّرَ مَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ، وَفَتَحَ لَكَ مَا فَتَحَ عَلَى ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَلَا أَرَى رَعِيَّتَكَ فِيكَ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى جَمْعِيَّةٍ كَانَتْ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: تَنَحُّوا عَنِّي. ثُمَّ قَالَ: مِلْ بِنَا نَحْوَ تِلْكَ الشَّجَرَةِ حَتَّى أُسِرَّ إِلَيْكَ سِرًّا. قَالَ: فَسِرْتُ مَعَهُ مُنْحَرِفًا عَنِ الْجَادَّةِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ، فَكَمَنَ فِي ظِلِّ حَائِطٍ ثُمَّ قَالَ: أَمَانَةُ اللَّهِ فِي عُنُقِكَ أَنْ [لَا ] تُخْبِرَ بِمَا أُلْقِي إِلَيْكَ أَحَدًا. فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، هَذِهِ مُخَاطَبَةُ الْأَخِ أَخَاهُ، وَأَنَا عَبْدٌ يُخَاطِبُنِي مَوْلَايَ بِمِثْلِ هَذَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَتَقُولَنَّ إِنِّي لَا أَقُولُهَا لِأَحَدٍ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ حَتَّى أُؤَدِّيَهَا إِلَيْكَ عِنْدَ اللَّهِ. قَالَ: فَعَلْتُ. فَكَشَفَ عَنْ بَطْنِهِ، فَإِذَا حَرِيرٌ قَدْ عَصَبَ بَيْنَ بَطْنِهِ وَظَهْرِهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى قَفَاهُ فَأَخَذَ ثِيَابَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَإِذَا قُرُوحٌ وَنِقَابَاتٌ قَدْ وَارَاهَا بِخِرَقٍ وَأَدْوِيَةٍ، وَقَالَ: مُنْذُ كَمْ تَرَى هَذَا بِي ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي. قَالَ: ظَهَرَتْ فِي أَوَّلِ سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ، وَاللَّهِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا بَخْتِيشُوعَ، وَرَجَاءٌ، وَمَسْرُورٌ، فَأَمَّا ابْنُ بَخْتِيشُوعَ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ أَخْبَرَ بِهِ الْمَأْمُونُ، وَوَاللَّهِ لَئِنْ بَقِيتُ لِابْنِ الْفَاعِلَةِ لَأَتْرُكَنَّهُ يَهِيمُ بِطَلَبِ الْخَبَرِ حَتَّى يَشْغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ إِذَاعَةِ السِّرِّ. وَأَمَّا مَسْرُورٌ فَأَخْبَرَ الْأَمِينَ بِعِلَّتِي، وَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا لَهُ عَلَيَّ حِينٌ، فَأَنَّى تَصْفُو لِي حَيَاةً وَأَعَزُّ وَلَدِي يُحْصِي أَنْفَاسِي، وَيَسْتَحِبُّ عِلَّتِي، وَلَقَدْ بَلَغَ مِنْ تَبَرُّمِهِمْ بِي وَبِحَيَاتِي أَنِّي إِذَا أَرَدْتُ الرُّكُوبَ جَاءُونِي بِبِرْذَوْنِ قُطُوفٍ، وَلَيْسَ إِلَّا لِيَزِيدَ فِي عِلَّتِي، وَيُفْسِدَ عَلَيَّ جَوَارِحِي، فَأَكْرَهُ أَنْ أُظْهِرَ هَذَا لَهُمْ، فَيَسْتَوْحِشُوا مِنِّي، وَمَتَى اسْتَوْحَشُوا أَظْهَرُوا مِنَ الْعَدَاوَةِ مَا كَانَ بَاطِنًا، وَالْعَامَّةُ لَهُمْ أَرْجَأُ وَالْخَاصَّةُ إِلَيْهِمْ أَمْيَلُ، وَأَنَا كَالْخَائِفِ بَيْنَهُمْ، أَصْبَحَ فَلَا أَطْمَعُ فِي الْمَسَاءِ، وَأُمْسِي وَلَا أَطْمَعُ فِي الصَّبَاحِ. فَقُلْتُ: يَا سَيِّدِي، مَا أُحْسِنُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا، وَلَكِنْ أَقُولُ: مَنْ أَرَادَكَ بِكَيْدٍ فَأَرَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الْكَيْدَ فِي نَفْسِهِ، وَأَرَاهُ فِيكَ مَا يَسُوءُهُ، وَأَطَالَ بَقَاءَكَ، وَكَبَتَ أَعْدَاءَكَ حَيْثُ كَانُوا. فَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، انْصَرِفْ فَإِنَّ أَشْغَالَكَ بِبَغْدَادَ كَثِيرَةٌ. فَوَدَّعْتُهُ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ بسنده عن عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَسْرُورٌ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرَّشِيدِ وَهُوَ يَبْكِي عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى خُرَاسَانَ آخِرَ خَرْجَةٍ، وَفِي يَدِهِ قِرْطَاسٌ يَقْرَأُهُ فَقَالَ: يَا مَسْرُورُ، كَأَنِّي وَاللَّهِ عَنِيتُ بِمَا فِي هَذَا الْقِرْطَاسِ. ثُمَّ رَمَى بِهِ مَزِيدَةَ، فَأَخَذْتُهُ، وَوَثَبَ فَدَخَلَ، فَإِذَا فِيهِ شِعْرٌ لِأَبِي الْعَتَاهِيَةِ:. هَلْ أَنْتَ مُعْتَبِرٌ بِمَنْ خَرِبَتْ مِنْهُ غَدَاةَ قَضَى دَسَاكِرَهُ     وَبِمَنْ أَذَلَّ الدَّهْرُ مَصْرَعَهُ فَتَبَرَّأَتْ مِنْهُ عَسَاكِرُهُ     وَبِمَنْ خَلَتْ مِنْهُ أُسْرَتُهُ وَبِمَنْ خَلَتْ مِنْهُ مَنَابِرُهُ     أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَيْنَ جُنْدُهُمْ صَارُوا مَصِيرًا أَنْتَ صَائِرُهُ     يَا مُؤْثِرَ الدُّنْيَا بِلَذَّتِهِ وَالْمُسْتَعِدُّ لِمَنْ يُفَاخِرُهُ     نِلْ مَا بَدَا لَكَ أَنْ تَنَالَ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْمَوْتَ آخِرُهُ قَالَ: فَمَاتَ فِي سَفْرَتِهِ تِلْكَ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.