التاريخ 2919
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائة
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ذِكْرُ عَزْلِ مُوسَى عَنِ الْمَوْصِلِ وَوِلَايَةِ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ الْمَنْصُورُ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ عَنِ الْمَوْصِلِ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ مَا أَسْخَطَهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ ابْنَهُ الْمَهْدِيَّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الرَّقَّةِ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طَرِيقَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَإِذَا صَارَ بِالْبَلَدِ أَخَذَ مُوسَى وَقَيَّدَهُ وَاسْتَعْمَلَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ. وَكَانَ الْمَنْصُورُ قَدْ أَلْزَمَ خَالِدَ بْنَ بَرْمَكٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَجَّلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَحْضَرَ الْمَالَ وَإِلَّا قَتَلَهُ، فَقَالَ لِابْنِهِ يَحْيَى: يَا بُنَيَّ الْقَ إِخْوَانَنَا عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ، وَمُبَارَكًا التُّرْكِيَّ، وَصَالِحًا صَاحِبَ الْمُصَلَّى ( وَغَيْرَهُمْ ) وَأَعْلِمْهُمْ حَالَنَا. قَالَ يَحْيَى: فَأَتَيْتُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَنِي الدُّخُولَ عَلَيْهِ وَوَجَّهَ الْمَالَ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَجَهَّمَنِي بِالرَّدِّ وَوَجَّهَ الْمَالَ [ سِرًّا إِلَيَّ ]. قَالَ: فَأَتَيْتُ عُمَارَةَ بْنَ حَمْزَةَ وَوَجْهُهُ إِلَى الْحَائِطِ، فَمَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَيَّ، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ رَدًّا ضَعِيفًا. وَقَالَ: كَيْفَ أَبُوكَ ؟ فَعَرَّفْتُهُ الْحَالَ، وَطَلَبْتُ قَرْضَ مِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ: إِنْ أَمْكَنَنِي شَيْءٌ فَسَيَأْتِيكَ، فَانْصَرَفْتُ وَأَنَا أَلْعَنُهُ مِنْ تِيهِهِ، وَحَدَّثْتُ أَبِي بِحَدِيثِهِ، وَإِذْ قَدْ أَنْفَذَ الْمَالَ، قَالَ: فَجَمَعْنَا فِي يَوْمَيْنِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَسَبْعَمِائَةِ أَلْفٍ، وَبَقِيَ ثَلَاثُمِائَةِ أَلْفٍ تُبْطِلُ الْجَمِيعَ بِتَعَذُّرِهَا. قَالَ: فَعَبَرْتُ عَلَى الْجِسْرِ وَأَنَا مَهْمُومٌ، فَوَثَبَ إِلَيَّ زَاجِرٌ فَقَالَ: فَرْخُ الطَّائِرِ أَخْبَرَكَ، فَطَوَيْتُهُ فَلَحِقَنِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِي، وَقَالَ لِي: أَنْتَ مَهْمُومٌ، وَوَاللَّهِ لَتَفْرَحَنَّ وَلَتَمُرَّنَ غَدًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالدَّوَاءُ بَيْنَ يَدَيْكَ. فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ فَلِي عَلَيْكَ خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ. فَقُلْتُ: نَعَمْ ! وَأَنَا أَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ. وَوَرَدَ عَلَى الْمَنْصُورِ انْتِقَاضُ الْمَوْصِلِ وَالْجَزِيرَةِ، وَانْتِشَارُ الْأَكْرَادِ بِهَا، فَقَالَ: مَنْ لَهَا ؟ فَقَالَ الْمُسَيَّبُ بْنُ زُهَيْرٍ: عِنْدِي رَأْيٌ أَعْلَمُ أَنَّكَ لَا تَقْبَلُهُ مِنِّي، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ تَرُدُّهُ عَلَيَّ، وَلَكِنِّي لَا أَدَعُ نُصْحَكَ. قَالَ: قُلْ ! قُلْتُ: مَا لَهَا مِثْلُ خَالِدِ بْنِ بَرْمَكٍ. قَالَ: فَكَيْفَ يَصْلُحُ لَنَا بَعْدَ مَا فَعَلْنَا ؟ قَالَ: إِنَّمَا قَوَّمْتَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَا الضَّامِنُ لَهُ. قَالَ: فَلْيَحْضُرْنِي غَدًا، فَأَحْضَرَهُ، فَصَفَحَ لَهُ عَنِ الثَّلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ الْبَاقِيَةِ، وَعَقَدَ لَهُ، وَعَقَدَ لِابْنِهِ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ. فَاجْتَازَ يَحْيَى بِالزَّاجِرِ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ، وَأَعْطَاهُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَنْفَذَ خَالِدٌ إِلَى عُمَارَةَ بِالْمِائَةِ أَلْفٍ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْهُ مَعَ ابْنِهِ يَحْيَى، فَقَالَ لَهُ: صَيْرَفِيًّا كُنْتَ لِأَبِيكَ ؟ قُمْ عَنِّي، لَا قُمْتَ ! فَعَادَ بِالْمَالِ، وَسَارَ مَعَ الْمَهْدِيِّ، فَعَزَلَ مُوسَى بْنَ كَعْبٍ وَوَلَّاهُمَا. فَلَمْ يَزَلْ خَالِدٌ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَابْنُهُ يَحْيَى عَلَى أَذْرَبِيجَانَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ الْمَنْصُورُ، فَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: مَا هِبْنَا أَمِيرًا قَطُّ هَيْبَتَنَا خَالِدًا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيْنَا، وَلَكِنْ هَيْبَةً كَانَتْ لَهُ فِي صُدُورِنَا.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.