التاريخ 2792
ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة
وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبْرُمَةَ . وَبُرَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ مَوْلَى سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ . وَعُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ الْأَيَلِيُّ صَاحِبُ الزُّهْرِيِّ ، وَكَانَ مَوْتُهُ بِمِصْرَ فَجْأَةً. وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَنِيُّ. وَهَاشِمُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الْمَدَنِيُّ. ( بُرَيْدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ. وَعُقَيْلٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْقَافِ ). خَالِدُ بْنُ أَبِي يَزِيدَ - وَقِيلَ: [ابْنُ] يَزِيدَ - أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَرَّانِيُّ. قَدِمَ بَغْدَادَ، فَسَمِعَ بِهَا مِنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ. قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: هُوَ ثِقَةٌ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سَعِيدُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، أَبُو مَسْعُودٍ الْجُرَيْرِيُّ. مَنْسُوبٌ إِلَى جُرَيْرٍ - بِضَمِّ الْجِيمِ - وَهُوَ جُرَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ، قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، يَرْوِي عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، وَأَبِي نُضْرَةَ. سَمِعَ مِنْهُ الثَّوْرِيُّ، وَشُعْبَةُ. وَكَانَ ثِقَةً، لَكِنَّهُ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ. تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ. كَانَ فَصِيحَ الْعِبَارَةِ، جَيِّدَ الْكَلَامِ، وَلَهُ: "الْيَتِيمَةُ" كِتَابٌ فِيهِ آدَابٌ حِسَانٌ. فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ [فِيهِ]: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ وَالْأَدَبِ اعْرِفِ الْأُصُولَ وَالْفُصُولَ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَطْلُبُ الْفُصُولَ مَعَ إِضَاعَةِ الْأُصُولِ، فَلَا تَكُونُ دَرَكُهُمْ دَرْكًا، وَمَنْ أَحْرَزَ الْأُصُولَ اكْتَفَى بِهَا مِنَ الْفُصُولِ، فَإِنْ أَصَابَ الْفَصْلَ بَعْدَ إِحْرَازِ الْأَصْلِ فَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُ الْأَمْرِ أَنْ تُعْقَدَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَتُجْتَنَبَ الْكَبَائِرُ، وَتُؤَدِّيَ الْفَرِيضَةَ، فَإِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُجَاوِزَ إِلَى الْفِقْهِ وَالْعِبَادَةِ، فَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَصْلُ الْأَمْرِ فِي إِصْلَاحِ الْبَدَنِ أَنْ لَا يُحْمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَالْبَاءَةِ إِلَّا خِفًّا، ثُمَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تَعْلَمَ عَنْ جَمِيعِ مَنَافِعِ الْجَسَدِ وَمَضَارِّهِ فَهُوَ أَفْضَلُ. وَأَصْلُ الْأَمْرِ فِي الْمَعِيشَةِ أَنْ لَا تَنِيَ عَنْ طَلَبِ الْحَلَالِ، وَتُحْسِنُ التَّقْدِيرَ لِمَا تَفِيدُ وَتُنْفِقُ، وَلَا تُغْرُنَّكَ سَعَةٌ تَكُونُ فِيهَا، فَإِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ خَطَرًا أَحْوَجُهُمْ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَالْمُلُوكُ أَحْوَجُ النَّاسِ إِلَيْهِ مِنَ السُّوقَةِ، فَإِنَّ السُّوقَةَ قَدْ يَعِيشُونَ بِغَيْرِ مَالٍ، وَالْمُلُوكُ لَا قِوَامَ لَهُمْ إِلَّا بِالْمَالِ. وَإِنِ ابْتُلِيتَ بِالسُّلْطَانِ فَتَغَوَّثْ بِالْعُلَمَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَائِلَ الْمَدْحِ كَمَادِحِ نَفْسِهِ، وَالرَّادَّ لَهُ مَمْدُوحٌ، وَالْقَائِلَ لَهُ مَعِيبٌ، إِنَّكَ إِنْ تَلْتَمِسْ رِضَا النَّاسِ تَلْتَمِسْ مَا لَا يُدْرَكُ، فَعَلَيْكَ بِالْتِمَاسِ رِضَا الْأَخْيَارِ ذَوِي الْعُقُولِ، احْرِصِ الْحِرْصَ كُلَّهُ عَلَى أَنْ تَكُونَ خَابِرًا بِأُمُورِ عُمَّالِكَ، فَإِنَّ الْمُسِيءَ يُفَرِّقُ مِنْ خِبْرَتِكَ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهُ وَقْعُكَ، وَإِنَّ الْمُحْسِنَ يَسْتَبْشِرُ بِعِلْمِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ مَعْرُوفُكَ، تَعْرِفُ النَّاسَ فِيمَا يَعْرِفُونَ مِنْ أَخْلَاقِكَ، إِنَّكَ لَا تُعَاجِلْ بِالثَّوَابِ وَلَا بِالْعِقَابِ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَدْوَمُ لِخَوْفِ الْخَائِفِ وَرَجَاءِ الرَّاجِي. وَاعْلَمْ أَنَّ رَأْيَكَ لَا يَتَّسِعُ لِكُلِّ شَيْءٍ، فَدَعْهُ لِلْمُهِمِّ، فَإِنَّ مَالَكَ لَا يُغْنِي النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَاخْصُصْ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ، وَكَرَامَتَكَ لَا تُطِيقُ الْعَامَّةَ، فَتَوَخَّ بِهَا أَهْلَ الْفَضْلِ. وَاعْلَمْ إِنَّمَا شَغَلَتْ مِنْ رَأْيِكَ فِي غَيْرِ الْمُهِمِّ أَزْرَى بِكَ فِي الْمُهِمِّ، لَيْسَ لِلْمَلِكِ أَنْ يُغْضِبَ، لِأَنَّ الْقُدْرَةَ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا أَنْ يَكْذِبَ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى اسْتِكْرَاهِهِ عَلَى مَا لَا يُرِيدُ، وَلَا أَنْ يَبْخَلَ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ النَّاسِ عُذْرًا فِي خَوْفِ الْفَقْرِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ حَقُودًا، لِأَنَّ خَطَرَهُ قَدْ جَلَّ عَنِ الْمُجَازَاةِ، وَلْيَتَفَقَّدِ الْوَالِي حَاجَةَ الْأَحْرَارِ فَيَسُدُّ بِهَا طُغْيَانَ السَّفَلَةِ فَيَقْمَعُهُ وَلْيَتَّقِ حَرَمَ الْكَرِيمِ الْجَائِعِ، وَاللَّئِيمِ الشَّبْعَانِ، فَإِنَّمَا يَصُولُ الْكَرِيمُ إِذَا جَاعَ، وَاللَّئِيمُ إِذَا شَبِعَ. وَأَحْوَجُ النَّاسِ إِلَى التَّثْبِيتِ الْمُلُوكُ، وَاللِّئَامُ أَصْبَرُ أَجْسَادًا وَالْكِرَامُ أَصْبَرُ قُلُوبًا. اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَوْقَعِ الْأُمُورِ فِي الدِّينِ، وَأَنْهَكِهَا لِلْجِسْمِ، وَأَتْلَفِهَا لِلْمَالِ، وَأَفْسَدِهَا لِلْعَقْلِ، وَأَذْهَبِهَا لِلْوَقَارِ الْإِغْلَامُ بِالنِّسَاءِ. وَمِنَ الْبَلَاءِ عَلَى الْحُرِّ الْغُرْمُ بِهِنَّ، إِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ يَسْأَمُ مَا عِنْدَهُ، وَتَطْمَحُ عَيْنَاهُ إِلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَمَجْهُولَاتُهُنَّ خُدَعٌ، وَرُبَّمَا هَجَمَ عَلَى مَا يَظُنُّهُ حَسَنًا، وَهُوَ قَبِيحٌ حَتَّى لَوْ لَمْ يَبْقَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا امْرَأَةٌ ظُنَّ أَنَّ لَهَا شَأْنًا غَيْرَ شَأْنِ مَا ذَاقَ، وَهَذَا مِنَ الْحُمْقِ. وَمَنْ أَتْخَمَ نَفْسَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالنِّسَاءَ كَانَ مِمَّا يُصِيبُهُ انْقِطَاعُ تِلْكَ اللَّذَّاتِ عَنْهُ لِخُمُودِ نَارِ شَهْوَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَضَعَ نَفْسَكَ دُونَ غَايَتِكَ بِرَبْوَةٍ فَافْعَلْ، لَا تُجَالِسْ أَمِيرًا بِغَيْرِ طَرِيقَتِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ لَاقَيْتَ الْجَاهِلَ بِالْعِلْمِ، وَالْغَنِيَّ بِالْبَيَانِ، ضَيَّعْتَ عَقْلَكَ، وَآذَيْتَ جَلِيسَكَ بِحَمْلِكَ عَلَيْهِ مَا لَا يَعْرِفُ، كَمُخَاطَبَةِ الْأَعْجَمِيِّ بِمَا لَا يَفْقَهُ، إِذَا نَزَلَ بِكَ مُهِمٌّ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ حِيلَةٌ فَلَا يَعْجَزُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا حِيلَةَ لَهُ فَلَا يَجْزَعُ. وَقِيلَ لَهُ: مَنْ أَدَّبَكَ؟ قَالَ: نَفْسِي، إِذَا رَأَيْتَ شَيْئًا أَذُمُّهُ مِنْ غَيْرِي اجْتَنَبْتُهُ. وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ مَعَ هَذِهِ الْفَصَاحَةِ وَالْأَدَبِ كَرِيمًا. قال مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ: لَمَّا وَلِيَ ابْنُ شُبْرُمَةَ الْقَضَاءَ كَتَبَ إِلَيْهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ: إِنَّهُ قَدْ أَصَابَتْنِي حَاجَةٌ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: الْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. فَخَرَجَ إِسْمَاعِيلُ، [فَلَمَّا قَدِمَ تَلَقَّاهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ. فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ بَعْدَ هَذَا السَّنِّ؟] قَالَ: أَصَابَتْنِي حَاجَةٌ فَكَتَبْتُ إِلَى ابْنِ شُبْرُمَةَ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: الْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ. قَالَ: اسْتَخَفَّ وَاللَّهِ بِكَ، لِأَنَّكَ مِنَ الْعَجَمِ، وَلَوْ كُنْتَ مِنَ الْعَرَبِ لَبَعَثَ إِلَيْكَ فِي مِصْرِكَ تَمَلَّكْ عَلَى نَفْسِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا تَأْتِيهِ. قَالَ: فَانْطَلَقَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَتَانِي بِسَبْعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ تَنْقُصُ دُرَيْهَمَاتٍ، وَأَتَمَّهُمَا بِخَلْخَالٍ، وَقَالَ: خُذْهَا الْآنَ إِنْ شِئْتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْتَ فَأْتِهِ، وَإِنْ شِئْتَ فَارْجِعْ إِلَى مِصْرِكَ. قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، لَا آتِيهِ وَلَا أُقِيمُ عِنْدَكَ. وَرَجَعْتُ إِلَى بَلَدِي. وَرَوَى شَبِيبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا بِالْمِرْبَدِ - وَكَانَ مَوَاقِفَ الْأَشْرَافِ - إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ فَتَشَبَّثْنَا بِهِ، وَبَادَأْنَاهُ بِالسَّلَامِ، فَرَدَّ عَلَيْنَا، وَقَالَ: لَوْ مِلْتُمْ إِلَى دَارِي، فَوَدَّعْتُمْ أَبْدَانَكُمْ، وَأَرَحْتُمْ دَوَابَّكُمْ. فَمِلْنَا، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِنَا الْمَكَانُ قَالَ لَنَا: أَيُّ الْأُمَمِ أَعْقَلُ؟ فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ وَقُلْنَا: لَعَلَّهُ أَرَادَ أَصْلَهُ مِنْ فَارِسَ. فَقُلْنَا: فَارِسُ. فَقَالَ: لَيْسُوا كَذَلِكَ، إِنَّهُمْ مَلَكُوا كَثِيرًا مِنَ الْأَرْضِ، وَحَوَوْا عَظِيمًا مِنَ الْمُلْكِ، وَغَلَبُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَبِثَ فِيهِمْ عَقْدَ الْأَمْرِ، فَمَا اسْتَنْبَطُوا شَيْئًا بِعُقُولِهِمْ، وَلَا ابْتَدَعُوا حُكْمًا فِي أَنْفُسِهِمْ. قُلْنَا: فَالرُّومُ. قَالَ: أَصْحَابُ صَبْغَةَ. قُلْنَا: فَالصِّينُ. قَالَ: أَصْحَابُ طُرْفَةِ. قُلْنَا: فَالْهِنْدُ. قَالَ: أَصْحَابُ فَلْسَفَةٍ. قُلْنَا: السُّودَانُ. قَالَ: شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ. قُلْنَا: التُّرْكُ. قَالَ: كِلَابٌ مُخْتَلِسَةٌ. قُلْنَا: الْخَزْرُ. قَالَ: بَقَرٌ سَائِمَةٌ. قُلْنَا: فَقُلْ. قَالَ: الْعَرَبُ. فَضَحِكْنَا. قَالَ: إِنِّي مَا أَرَدْتُ مُوَافَقَتَكُمْ، وَلَكِنِّي إِذْ فَاتَنِي حَظِّي مِنَ النِّسْبَةِ فَلَا يَفُوتُنِي حَظِّي مِنَ الْمَعْرِفَةِ، إِنَّ الْعَرَبَ حَكَمَتْ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ مَثُلَ لَهَا، [وَلَا آثَارٍ] أُثِرَتْ، أَصْحَابُ إِبِلٍ وَغَنَمٍ، وَسُكَّانُ شَعْرٍ وَأُدْمٍ، يَجُودُ أَحَدُهُمْ بِقُوَّتِهِ، وَيَتَفَضَّلُ بِمَجْهُودِهِ، وَيُشَارِكُ فِي مَيْسُورِهِ وَمَعْسُورِهِ، وَيَصِفُ الشَّيْءَ بِعَقْلِهِ فَيَكُونُ قُدْوَةً، وَيَفْعَلُهُ فَيَصِيرُ حُجَّةً، وَيُحْسِنُ مَا يَشَاءُ فَيُحْسِنُ، وَيُقَبِّحُ مَا يَشَاءُ فَيُقَبَّحُ، أَدَّبَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، وَرَفَعَتْهُمْ هِمَمُهُمْ، وَأَعْلَمَتْهُمْ قُلُوبُهُمْ وَأَلْسِنَتُهُمْ، فَرَفَعَ اللَّهُ لَهُمْ أَكْرَمَ الْفَخْرِ، وَبَلَغَ بِهِمْ أَشْرَفَ الذِّكْرِ، وَخَتَمَ لَهُمْ بِمُلْكِ الدُّنْيَا عَلَى الدَّهْرِ، وَافْتَتَحَ دِينَهُ وَخِلَافَتَهُ مِنْهُمْ إِلَى الْحَشْرِ، فَمَنْ دَفَعَ حَقَّهُمْ خَسِرَ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَضْلَهُمْ خُصِمَ، وَدَفْعُ الْحَقِّ بِاللِّسَانِ أَكْبَتُ لِلْجَنَانِ. وَاجْتَمَعَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ بِالْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ فَقَالَ الْخَلِيلُ: عِلْمُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَقْلِهِ. وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ مَعَ هَذَا يُتَّهَمُ فِي دِينِهِ، فَرُوِيَ عَنِ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا وَجَدْتُ كِتَابَ زَنْدَقَةٍ قَطُّ إِلَّا وَأَصْلُهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ. وَقَدْ حَكَى الْمُرْتَضَى عَنِ الْجَاحِظِ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ وَمُطِيعُ بْنُ إِيَاسٍ وَمُنْقِذُ بْنُ زِيَادٍ يُتَّهَمُونَ فِي دِينِهِمْ. قَالَ الْمُرْتَضَى: وَمَرَّ ابْنُ الْمُقَفَّعِ بِبَيْتِ نَارٍ لِلْمَجُوسِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ، فَتَلْمَحُهُ ثُمَّ قَالَ: يَا بَيْتَ عَاتِكَةَ الَّذِي أَتَعَزَّلُ حَذَرَ الْعِدَى وَبِهِ الْفُؤَادُ مُوَكَّلُ إِنِّي لِأَمْنَحُكَ الصُّدُودَ وَإِنَّنِي قَسَمًا إِلَيْكَ مَعَ الصُّدُودِ لَأَمْيَلُ وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ قَدْ كَتَبَ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَتَبَ فِيهِ: وَمَتَى غَدَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِعَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ فَنِسَاؤُهُ طَوَالِقُ، وَدَوَابُّهُ حُبْسٌ، وَعَبِيدُهُ أَحْرَارٌ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي حِلٍّ مِنْ بَيْعَتِهِ. فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَنْصُورِ، فَكَتَبَ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ - فَقَتَلَهُ. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الصُّولِيُّ: أَنَّ الرَّبِيعَ الْحَاجِبَ قَالَ: لَمَّا قَرَأَ الْمَنْصُورُ الْأَيْمَانَ الَّذِي كَتَبَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ قَالَ: مَنْ كَتَبَ هَذَا؟ فَقِيلَ: رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُقَفَّعِ يَكْتُبُ لِعَمَّيْكَ سُلَيْمَانَ وَعِيسَى ابْنِي عَلِيٍّ بِالْبَصْرَةِ، فَكَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِالْبَصْرَةِ: لَا يُفْلِتَنَّكَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ حَتَّى تَقْتُلَهُ. فَاسْتَأْذَنَ يَوْمًا عَلَيْهِ مَعَ وُجُوهِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَخَّرَ سُفْيَانُ إِذْنَهُ وَأَذِنَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ قَبْلَهُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي الدِّهْلِيزِ عَدَلَ بِهِ إِلَى حُجْرَةَ، فَقُتِلَ فِيهَا، وَخَرَجَ الْقَوْمُ فَرَأَوْا غِلْمَانَهُ فَسَأَلُوهُمْ عَنْهُ، فَقِيلَ: دَخَلَ بَعْدَكُمْ، فَخَاصَمَ سُلَيْمَانُ وَعِيسَى ابْنَا عَلِيٍّ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الْمُهَلَّبِيَّ وَأَشْخَصَاهُ إِلَى الْمَنْصُورِ، وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ بِأَنَّ ابْنَ الْمُقَفَّعِ دَخَلَ دَارَ سُفْيَانَ سَلِيمًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَنَا أَنْظُرُ فِي هَذَا، وَأَقِيدُهُ بِهِ. وَوَعَدَهُمُ الْغَدَ، فَجَاءَ سُفْيَانُ لَيْلًا فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي صَنِيعِكَ وَمَتْبَعِ أَمْرِكَ أَنْ تُجْرِيَ قَتْلَهُ عَلَيَّ. قَالَ: لَا تَرْعَ وَاحْضُرْ. فَحَضَرَ وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بِابْنِ الْمُقَفَّعِ، ثُمَّ خَرَجَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ - وَأَوْمَأَ إِلَى بَابٍ خَلْفَهُ - مَنْ يَنْصِبُ لِي نَفْسَهُ حَتَّى أَقْتُلَهُ مَكَانَ سُفْيَانَ؟ فَرَجَعُوا كُلُّهُمْ عَنِ الشَّهَادَةِ وَانْدَفَعَ الْأَمْرُ. وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ: أَنَّ ابْنَ الْمُقَفَّعِ كَانَ يَعْبَثُ بِسُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ بِالْحِيرَةِ، وَيَضْحَكُ مِنْهُ، فَغَضِبَ سُفْيَانُ يَوْمًا وَافْتَرَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْمُقَفَّعِ: يَا ابْنَ الْمُغْتَلِمَةِ، وَاللَّهِ مَا اكْتَفَتْ أُمُّكَ بِرِجَالِ الْعِرَاقِ حَتَّى نَكَحَهَا رِجَالُ أَهْلِ الشَّامِ؟ وَكَانَتْ أُمُّ سُفْيَانَ: مَيْسُونُ بِنْتُ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْمُهَلَّبِ. فَاضْطَغَنَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ، فَقَدِمَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، وَعِيسَى بْنُ عَلِيٍّ لِيَكْتُبُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَمَانًا. وَكَانَ ابْنُ الْمُقَفَّعِ يَكْتُبُ لِعِيسَى بْنِ عَلِيٍّ، وَكَانَ يَتَنَوَّقُ فِي الشَّرْطِ، فَكَتَبَ فِيمَا اشْتَرَطَ: إِنْ قَتَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا بَيْعَةَ لَهُ. فَقَالَ الْمَنْصُورُ: مَنْ يَتَوَثَّقُ لَهُمْ؟ قَالُوا: ابْنُ الْمُقَفَّعِ. قَالَ: فَمَا أَحَدٌ يَكْفِينِي ابْنَ الْمُقَفَّعِ. فَكَتَبَ أَبُو الْخَصِيبِ إِلَى سُفْيَانَ بْنِ مُعَاوِيَةَ يَحْكِي لَهُ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَاعْتَزَمَ عَلَى قَتْلِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ فَاسْتَدْعَاهُ فَقَالَ: أَتَذَكَّرُ مَا كُنْتَ تَقُولُ؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ. فَقَالَ: أُمِّي مُغْتَلِمَةٌ كَمَا قُلْتَ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ قِتْلَةً لَمْ يُقْتَلْ بِهَا أَحَدٌ. فَأَمَرَ بِتَنُّورٍ فَسُجِرَ حَتَّى إِذَا حَمِيَ أَمَرَ أَنْ تُقْطَّعَ أَعْضَاؤُهُ، فَكُلَّمَا قَطَعُوا عُضْوًا قَالَ: أَلْقُوهُ فِي النَّارِ. فَيُلْقُونَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، حَتَّى أَتَى عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ، ثُمَّ أَطْبَقَ التَّنُّورَ وَقَالَ: لَيْسَ عَلَيَّ فِي الْمُثْلَةِ بِكَ حَرَجٌ، لِأَنَّكَ زِنْدِيقٌ قَدْ أَفْسَدْتَ النَّاسَ، وَاخْتَفَى أَثَرُهُ، فَقَالَ عِيسَى لِغُلَامِهِ: قُلْ لِسُفْيَانَ: إِنْ لَمْ تَكُنْ قَتَلْتَهُ فَخَلِّهِ، وَإِنْ كُنْتَ قَتَلْتَهُ فَوَاللَّهِ لَأُطَالِبَنَّكَ بِدِيَةٍ. قَالَ سُفْيَانُ: مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ. فَمَضَى عِيسَى إِلَى الْمَنْصُورِ وَقَالَ: قَتَلَهُ سُفْيَانُ فَجِيءَ بِسُفْيَانَ مُقَيَّدًا، وَجَعَلَ عِيسَى يَطْلُبُ الشُّهُودَ وَيُخَاطِبُ الْمَنْصُورَ، وَدَخَلَ الشُّهُودُ فَشَهِدُوا، فَقَالَ لَهُمُ الْمَنْصُورُ: قَدْ شَهِدْتُمْ، فَإِنْ أَتَيْتُكُمْ بِابْنِ الْمُقَفَّعِ حَتَّى يُخَاطِبَكُمْ، مَا تَرَوْنِي صَانِعًا بِكُمْ؟ فَقَامَ الشُّهُودُ، وَضَرَبَ عِيسَى بْنُ عَلِيٍّ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ. الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِّيِّ. رَوَى عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، وَابْنُ لَهِيعَةَ. وَكَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ. تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ بَابٍ، أَبُو عُثْمَانَ. وَبَابٌ مِنْ سَبْيِ فَارِسَ، كَانَ عَمْرٌو يَسْكُنُ الْبَصْرَةَ، وَجَالَسَ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، ثُمَّ أَزَالَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَالَ بِالْقَدَرِ، وَدَعَا إِلَيْهِ، وَاعْتَزَلَ أَصْحَابَ الْحَسَنِ، وَكَانَ لَهُ سَمْتٌ وَإِظْهَارُ زُهْدٍ، وَدَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ فَوَعَظَهُ. وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ هَارُونَ قَالَ: دَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَلَى الْمَنْصُورِ وَعِنْدَهُ الْمَهْدِيُّ بَعْدَ أَنْ بَايَعَ لَهُ بِبَغْدَادَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، عِظْنِي. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي أَصْبَحَ فِي يَدِكَ لَوْ بَقِيَ فِي يَدِ غَيْرِكَ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكَ لَمْ يَصِلْ إِلَيْكَ، فَأُحَذِّرُكَ لَيْلَةً تَمَخَّضُ بِيَوْمٍ لَا لَيْلَةً بَعْدَهُ، ثُمَّ أَنْشَدَهُ: يَا أَيُّهَذَا الَّذِي قَدْ غَرَّهُ الْأَمَلُ وَدُونَ مَا يَأْمُلُ التَّنْغِيصُ وَالْأَجَلُ أَلَا تَرَى أَنَّمَا الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا كَمَنْزِلِ الرَّكْبِ حَلُّوا ثُمَّتِ ارْتَحَلُوا حُتُوفُهَا رُصُدٌ، وَعَيْشُهَا نَكَدٌ وَصَفْوُهَا كَدَرٌ، وَمُلْكُهَا دُوَلُ تَظَلُّ تُفْزِعُ بِالرَّوْعَاتِ سَاكِنَهَا فَمَا يَسُوغُ لَهُ لِينٌ وَلَا جِذَلُ كَأَنَّهُ لِلْمَنَايَا وَالرَّدَى غَرَضٌ تَظَلُّ فِيهِ بَنَاتُ الدَّهْرِ تَنْتَضِلُ تُدِيرُهُ - مَا أَدَارَتْهُ - دَوَائِرُهَا مِنْهَا الْمُصِيبُ وَمِنْهَا الْمُخْطِئُ الزَّلِلُ وَالنَّفْسُ هَارِبَةٌ وَالْمَوْتُ يَرْصُدُهَا فَكُلُّ عَثْرَةِ رَجُلٍ عِنْدَهَا جَلَلُ وَالْمَرْءُ يَسْعَى بِمَا يَسْعَى لِوَارِثِهِ وَالْقَبْرُ وَارِثُ مَا يَسْعَى لَهُ الرَّجُلُ قَالَ: فَبَكَى الْمَنْصُورُ. وعن إِسْحَاقِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عَلَى بَابِ الْمَنْصُورِ وَإِلَى جَنْبِي عُمَارَةُ بْنُ حَمْزَةَ إِذْ طَلَعَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ عَلَى حِمَارٍ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ، وَنَحَّى الْبِسَاطَ بِرِجْلِهِ، وَجَلَسَ دُونَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ عُمَارَةُ فَقَالَ: لَا تَزَالُ بَصْرَتُكُمْ تَرْمِينَا بِأَحْمَقَ. فَمَا فَصَلَ كَلَامَهُ مِنْ فِيهِ، حَتَّى خَرَجَ الرَّبِيعُ وَهُوَ يَقُولُ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ. فَمَرَّ مُتَوَكِّئًا عَلَيْهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى عُمَارَةَ فَقُلْتُ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَحْمَقْتَ قَدْ دُعِيَ وَتَرَكَنَا. قَالَ: كَثِيرًا مَا يَكُونُ مِثْلُ هَذَا. فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ خَرَجَ الرَّبِيعُ وَعَمْرٌو مُتَّكِئٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا غُلَامُ، حِمَارُ أَبِي عُثْمَانَ. فَمَا بَرِحَ حَتَّى عَلَا سَرْجَهُ، وَضَمَّ إِلَيْهِ نَشْرَ ثَوْبَهُ، وَاسْتَوْدَعَهُ اللَّهَ. فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى الرَّبِيعِ فَقَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُمُ الْيَوْمَ بِهَذَا الرَّجُلِ فِعْلًا لَوْ فَعَلْتُمُوهُ بِوَلِيِّ عَهْدِكُمْ لَكُنْتُمْ قَدْ قَضَيْتُمْ حَقَّهُ. قَالَ: فَمَا غَابَ عَنْكَ وَاللَّهِ مِمَّا فَعَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَكْثَرُ وَأَعْجَبُ. قَالَ: فَإِنِ اتَّسَعَ لَكَ الْحَدِيثُ فَحَدِّثْنَا. فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِمَكَانِهِ، فَمَا أُمْهِلَ حَتَّى أَمَرَ بِمَجْلِسٍ فَفُرِشَ لُبُودًا، ثُمَّ انْتَقَلَ هُوَ وَالْمَهْدِيُّ، وَكَانَ عَلَى الْمَهْدِيِّ سَوَادُهُ وَسَيْفُهُ، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ سَلَّمَ عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، وَمَا زَالَ يُدْنِيهِ حَتَّى أَتْكَأَهُ عَلَى فَخِذِهِ، وَتَحَفَّى بِهِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ عِيَالِهِ يُسَمِّيهِمْ رَجُلًا رَجُلًا وَامْرَأَةً امْرَأَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، عِظْنِي. فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ لَبِالْمِرْصَادِ. قَالَ: فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تِلْكَ الْآيَاتِ إِلَّا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، وَقَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَاكَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا، فَاشْتَرِ نَفْسَكَ مِنْهُ بِبَعْضِهَا، وَاعْلَمْ، أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي صَارَ إِلَيْكَ إِنَّمَا كَانَ فِي يَدِ مَنْ قَبْلَكَ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَيْكَ، وَكَذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْكَ إِلَى مَنْ هُوَ بَعْدَكَ، وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ لَيْلَةً تَمَخَّضُ صَبِيحَتُهَا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَبَكَى وَاللَّهِ أَشَدَّ مِنْ بُكَائِهِ الْأَوَّلِ حَتَّى جَفَّ جَفْنَاهُ. فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ خَالِدٍ: رِفْقًا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ أَتْعَبْتَهُ الْيَوْمَ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بِمِثْلِكَ ضَاعَ الْأَمْرُ وَانْتَشَرَ، لَا أَبَا لَكَ، وَمَاذَا خِفْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ؟ عَزَّ وَجَلَّ؟ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، أَعِنِّي بِأَصْحَابِكَ أَسْتَعِنْ بِهِمْ. قَالَ: أَظْهِرِ الْحَقَّ يَتْبَعْكَ أَهْلُهُ. قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ كَتَبَ إِلَيْكَ كِتَابًا. قَالَ: قَدْ جَاءَنِي كِتَابٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كِتَابَهُ. قَالَ: فِيمَ أَجَبْتَهُ؟ قَالَ: أَوَلَيْسَ قَدْ عَرَفْتَ رَأْيِي فِي السَّيْفِ أَيَّامَ كُنْتَ تَخْتَلِفُ إِلَيْنَا، إِنِّي لَا أُرَاهُ، قَالَ: أَجَلْ، وَلَكِنْ تَحْلِفُ لِي لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. قَالَ: لَئِنْ كَذَبْتُكَ تُقْيَةً لَأَحْلِفَنَّ لَكَ بَقِيَّةً. قَالَ: أَنْتَ وَاللَّهِ الصَّادِقُ الْبَرُّ. ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ تَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى سَفَرِكَ وَزَمَانِكَ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَتَأْخُذَنَّهَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَا آخُذُهَا. فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: يَحْلِفُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَتَحْلِفُ؟ ! فَتَرَكَ الْمَهْدِيَّ وَأَقْبَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ وَقَالَ: مَنْ هَذَا الْفَتَى؟ قَالَ: هَذَا ابْنِي مُحَمَّدٌ، هُوَ الْمَهْدِيُّ وَوَلِيُّ الْعَهْدِ. قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَسْمَيْتَهُ اسْمًا مَا اسْتَحَقَّهُ عَمَلُهُ، وَأَلْبَسْتَهُ لِبَاسًا مَا هُوَ مِنْ لُبْسِ الْأَبْرَارِ، وَلَقَدْ مَهَّدْتَ لَهُ أَمْرًا أَمْتَعَ مَا يَكُونُ بِهِ، أَشْغَلَ مَا يَكُونُ عَنْهُ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا حَلَفَ أَبُوكَ حَلَفَ عَمُّكَ، لِأَنَّ أَبَاكَ أَقْدَرُ عَلَى الْكَفَّارَةِ مِنْ عَمِّكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: لَا تَبْعَثُ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ. قَالَ: إِذًا لَا تَأْتِينِي. قَالَ: عَنْ حَاجَتِي سَأَلْتَنِي. قَالَ: فَاسْتَحْفَظَهُ اللَّهَ وَوَدَّعَهُ وَنَهَضَ، فَلَمَّا وَلَّى أَمَدَّهُ بِبَصَرِهِ وَهُوَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ يَمْشِي رُوَيْدْ كُلُّكُمْ يَطْلُبُ صَيْدْ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدْ قَالَ ابن الجوزي رَحِمَهُ اللَّهُ: تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ لِأَجْلِ مَذْهَبِهِ فِي الْقَدَرِ، وَكَذَّبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فِي حَدِيثِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِنْ كَانَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ فَمَا عَلَى أَبِي لَهَبٍ مِنْ لَوْمٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعَسَّالَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ مُسَبِّحَ بْنَ حَاتِمٍ الْبَصْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ - وَذَكَرَ حَدِيثَ الصَّادِقِ وَالْمَصْدُوقِ - فَقَالَ: لَوْ سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ يَقُولُ هَذَا لَكَذَّبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ هَذَا مَا أَجَبْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ هَذَا مَا قَبِلْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ هَذَا لَرَدَدْتُهُ، وَلَوْ سَمِعْتُ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ هَذَا لَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا أَخَذْتَ مِيثَاقَنَا. قال الْأَصْمَعِيُّ: جَاءَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو، يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ [وَعَدَ اللَّهُ عَلَى] عَمَلٍ عِقَابًا، يُخْلِفُ وَعْدَهُ؟ فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: مِنَ الْعُجْمَةِ أَتَيْتَ يَا أَبَا عُثْمَانَ، إِنَّ الْوَعْدَ غَيْرَ الْوَعِيدِ، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعِدُ خَلَفًا وَلَا عَارًا، إِنْ تُعِدْ شَرًّا ثُمَّ لَا تَفْعَلُهُ، تَرَى ذَاكَ كَرَمًا وَفَضْلًا، إِنَّمَا الْخُلْفُ أَنْ تُعِدْ خَيْرًا ثُمَّ لَا تَفْعَلُهُ قَالَ: أَوْجِدْنِي هَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ. قَالَ: أَمَا سَمِعْتَ إِلَى قَوْلِ الْأَوَّلِ: وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ لَمُخْلِفٌ إِيعَادِي وَمُنْجِزٌ مَوْعِدِي قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْأَفْطَسُ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ شَهِدَ عِنْدِي عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلَى سِوَاكَ مَا أَجَزْتُهُ. تُوُفِّيَ عَمْرٌو فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَدُفِنَ بِمَرَّانَ عَلَى لَيَالٍ مِنْ مَكَّةَ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ. مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ. رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فِيهِ. 763 - هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ، أَبُو الْعَلَاءِ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ الْعَبْدِيُّ. وَهُوَ بَصْرِيُّ سَكَنَ الْمَدَائِنَ، وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ السُّوَائِيُّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ. رَوَى عَنْهُ: مِسْعَرٌ، وَالثَّوْرِيُّ. وَكَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا، وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ فَقَالَ: وَيُونُسُ بْنُ خَبَّابٍ أَخُو هِلَالٍ. وَقَالَ آخَرُ: هِلَالٌ وَيُونُسُ وَصَالِحٌ بَنُو خَبَّابٍ. وَكَانَ ذَلِكَ غَلَطًا لَيْسَ بَيْنَهُمْ قَرَابَةٌ، إِنَّمَا هُوَ اتِّفَاقٌ فِي اسْمِ الْأَبِ. وَتُوُفِّيَ هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ بِالْمَدَائِنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.