التاريخ 3100
سنة ست وتسعين ومائة
ذِكْرُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَلِيٍّ وَمَوْتِهِ قَدْ ذَكَرْنَا قَبْضَ الرَّشِيدِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ صَالِحٍ، وَحَبْسَهُ إِيَّاهُ، فَلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حَتَّى مَاتَ الرَّشِيدُ، فَأَخْرَجَهُ الْأَمِينُ مِنَ الْحَبْسِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ [ وَمِائَةٍ ]، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَشَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ ذَلِكَ لَهُ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ طَاهِرٍ مَا كَانَ دَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ عَلَى الْأَمِينِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَى النَّاسَ قَدْ طَمِعُوا فِيكَ، وَجُنْدُكَ قَدْ أَعْيَتْهُمُ الْهَوَامُّ، وَأَضْعَفَتْهُمُ الْحُرُوبُ، وَامْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ هَيْبَةً لِعَدُوِّهِمْ، فَإِنْ سَيَّرْتَهُمْ إِلَى طَاهِرٍ غَلَبَ بِقَلِيلِ مَنْ مَعَهُ كَثِيرَهُمْ، وَهَزَمَ بِقُوَّةِ نِيَّتِهِ ضَعْفَ نَصَائِحِهِمْ وَنِيَّاتِهِمْ، وَأَهْلُ الشَّامِ قَوْمٌ قَدْ ضَرَسَتْهُمُ الْحَرْبُ، وَأَدَّبَتْهُمُ الشَّدَائِدُ، وَكُلُّهُمْ مُنْقَادٌ ( إِلَيَّ مُتَنَازِعٌ إِلَى طَاعَتِي )، وَإِنْ وَجَّهَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ اتَّخَذْتُ لَهُ مِنْهُمْ جُنْدًا يَعْظُمُ نِكَايَتُهُمْ فِي عَدُوِّهِ. فَوَلَّاهُ الْأَمِينُ الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ، وَقَوَّاهُ بِمَالٍ وَرِجَالٍ، وَسَيَّرَهُ سَيْرًا حَثِيثًا. فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الرَّقَّةَ، وَكَاتَبَ رُؤَسَاءَ أَهْلِ الشَّامِ، وَأَهْلِ الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ وَالْبَأْسِ، فَأَتَوْهُ رَئِيسًا بَعْدَ رَئِيسٍ، وَجَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ، فَأَكْرَمَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَمَرِضَ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ. ثُمَّ إِنَّ بَعْضَ جُنُودِ خُرَاسَانَ الْمُقِيمِينَ فِي عَسْكَرِ الشَّامِ رَأَى دَابَّةً كَانَتْ أُخِذَتْ مِنْهُ فِي وَقْعَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ تَحْتَ بَعْضِ الزَّوَاقِيلِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَيْضًا، فَتَعَلَّقَ بِهَا، وَاجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الزَّوَاقِيلِ وَالْجُنْدِ، فَتَضَارَبُوا، وَاجْتَمَعَتِ الْأَبْنَاءُ وَتَأَلَّبُوا، وَأَتَوُا الزَّوَاقِيلَ وَهُمْ غَارُّونَ، فَوَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَتَنَادَى الزَّوَاقِيلُ، فَرَكِبُوا خُيُولَهُمْ، وَنَشَبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمَلِكِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَاقْتَتَلُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَكْثَرَتِ الْأَبْنَاءُ الْقَتْلَ فِي الزَّوَاقِيلِ، فَأُخْبِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِذَلِكَ، وَكَانَ مَرِيضًا مُدْنَفًا، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى يَدِهِ، وَقَالَ: وَاذُلَّاهُ ! تُسْتَضَامُ الْعَرَبُ فِي دُورِهَا وَبِلَادِهَا ! فَغَضِبَ مَنْ كَانَ أَمْسَكَ عَنِ الشَّرِّ مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَقَامَ بِأَمْرِ الْأَبْنَاءِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ، وَأَصْبَحَ الزَّوَاقِيلُ فَاجْتَمَعُوا بِالرَّقَّةِ، وَاجْتَمَعَ الْأَبْنَاءُ وَأَهْلُ خُرَاسَانَ بِالرَّافِقَةِ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ ! الْهَرَبُ أَهْوَنُ مِنَ الْعَطَبِ، وَالْمَوْتُ أَهْوَنُ مِنَ الذُّلِّ، إِنَّكُمْ قَدْ بَعِدْتُمْ عَنْ بِلَادِكُمْ، تَرْجُونَ الْكَثْرَةَ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَالْعِزَّةَ بَعْدَ الذِّلَّةِ، أَلَا وَفِي الشَّرِّ وَقَعْتُمْ، وَفِي حَوْمَةِ الْمَوْتِ أَنَخْتُمْ، إِنَّ الْمَنَايَا فِي شَوَارِبِ الْمُسَوِّدَةِ وَقَلَانِسِهِمْ، النَّفِيرَ النَّفِيرَ، قَبْلَ أَنْ يَنْقَطِعَ السَّبِيلُ، وَيَنْزِلَ الْأَمْرُ الْجَلِيلُ، وَيَفُوتَ الْمَطْلَبُ، وَيَعْسَرَ الْمَهْرَبُ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ فِي غَرْزِ نَاقَتِهِ، فَقَالَ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنِّي سَائِرٌ، فَمَنْ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَلْيَنْصَرِفْ مَعِي ! ثُمَّ سَارَ فَسَارَ مَعَهُ عَامَّةُ أَهْلِ الشَّامِ. وَأَحْرَقَتِ الزَّوَاقِيلُ مَا كَانَ التُّجَّارُ قَدْ جَمَعُوهُ مِنَ الْأَعْلَافِ، وَأَقْبَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ الْعُقَيْلِيُّ، ثُمَّ حَمَلَ وَأَصْحَابُهُ، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَصَبَرَ الْجُنْدُ لَهُمْ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْقَتْلِ فِي الزَّوَاقِيلِ لِكَثِيرِ بْنِ قَادِرَةَ، وَأَبِي الْفِيلِ، وَدَاوُدَ بْنِ مُوسَى بْنِ عِيسَى الْخُرَاسَانِيِّ، وَانْهَزَمَتِ الزَّوَاقِيلُ، وَكَانَ عَلَى حَامِيَتِهِمْ يَوْمَئِذٍ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السُّلَمِيُّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ زُفَرَ الْكِلَابِيُّ. ثُمَّ تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ صَالِحٍ بِالرَّقَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.