دليل

التاريخ 2473

سنة أربع ومائة

الْوَقْعَةِ بَيْنَ الْحَرَشِيِّ وَالصُّغْدِ   قِيلَ: وَفِي سَنَةُ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ غَزَا الْحَرَشِيُّ فَقَطَعَ النَّهْرَ، وَسَارَ، فَنَزَلَ فِي قَصْرِ الرِّيحِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ مِنَ الدَّبُّوسِيَّةِ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ إِلَيْهِ جُنْدُهُ، فَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ، ( فَقَالَ لَهُ هِلَالُ بْنُ عَلِيمٍ الْحَنْظَلِيُّ: يَا هَنَاهْ، إِنَّكَ وَزِيرًا خَيْرٌ مِنْكَ أَمِيرًا، لَمْ يَجْتَمِعْ إِلَيْكَ جُنْدُكَ وَقَدْ أَمَرْتَ بِالرَّحِيلِ ). فَعَادَ فَأَمَرَ بِالنُّزُولِ، وَأَتَاهُ ابْنُ عَمِّ مَلِكَ فَرْغَانَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَهْلَ الصُّغْدِ بِخُجَنْدَةَ، وَأَخْبَرَهُ بِخَبَرِهِمْ، وَقَالَ: عَاجِلْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الشِّعْبِ، فَلَيْسَ لَهُمْ جِوَارٌ عَلَيْنَا حَتَّى يَمْضِيَ الْأَجَلُ. فَوَجَّهَ مَعَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيَّ، وَزِيَادَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَمَا فَصَلُوا، وَقَالَ: جَاءَنِي عِلْجٌ لَا أَعْلَمُ أَصَدَقَ أَمْ كَذِبَ، فَغَرَّرْتُ بِجُنْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَارْتَحَلَ فِي أَثَرِهِمْ حَتَّى نَزَلَ أَشْرُوسَنَةَ فَصَالَحَهُمْ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ. فَبَيْنَا هُوَ يَتَعَشَّى إِذْ قِيلَ لَهُ هَذَا عَطَاءٌ الدَّبُّوسِيُّ، وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَسَقَطَتِ اللُّقْمَةُ مِنْ يَدِهِ، وَدَعَا بِعَطَاءٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ قَاتَلْتُمْ أَحَدًا ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: لِلَّهِ الْحَمْدُ ! وَتَعَشَّى وَأَخْبَرَهُ بِمَا قَدِمَ لَهُ، فَسَارَ مُسْرِعًا حَتَّى لَحِقَ الْقُشَيْرِيَّ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَسَارَ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى خُجَنْدَةَ، قَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَرَى الْمُعَاجَلَةَ. قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ، إِنْ جُرِحَ رَجُلٌ فَإِلَى أَيْنَ يَرْجِعُ، أَوْ قُتِلَ قَتِيلٌ فَإِلَى مَنْ يُحْمَلْ ؟ وَلَكِنِّي أَرَى النُّزُولَ وَالتَّأَنِّي وَالِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ. فَنَزَلَ فَأَخَذَ فِي التَّأَهُّبِ، فَلَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْعَدُوِّ، فَجَبَّنَ النَّاسُ الْحُرَشِيَّ وَقَالُوا: كَانَ يُذْكَرُ بِشَجَاعَةٍ وَدِيَانَةٍ، فَلَمَّا صَارَ بِخُرَاسَانَ مَاقَ. فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فَضَرَبَ بَابَ خُجَنْدَةَ بِعَمُودٍ فَفَتَحَ الْبَابَ، وَكَانُوا حَفَرُوا فِي رِبْضِهِمْ وَرَاءَ الْبَابِ الْخَارِجِ خَنْدَقًا وَغَطَّوْهُ بِقَصَبٍ وَتُرَابٍ مَكِيدَةً، وَأَرَادُوا إِذَا الْتَقَوْا إِنِ انْهَزَمُوا كَانُوا قَدْ عَرَفُوا الطَّرِيقَ، وَيُشْكِلُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَسْقُطُونَ فِي الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا خَرَجُوا قَاتَلُوهُمْ فَانْهَزَمُوا، وَأَخْطَأَهُمُ الطَّرِيقُ فَسَقَطُوا فِي الْخَنْدَقِ، وَأَخْرَجَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا. وَحَصَرَهُمُ الْحَرَشِيُّ وَنَصَبَ عَلَيْهِمُ الْمَجَانِيقَ. فَأَرْسَلُوا إِلَى مَلِكِ فَرْغَانَةَ: إِنَّكَ غَدَرْتَ بِنَا، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَنْصُرَهُمْ، فَقَالَ: قَدْ أَتَوْكُمْ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَلَسْتُمْ فِي جِوَارِي. فَطَلَبُوا الصُّلْحَ وَسَأَلُوا الْأَمَانَ وَأَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى الصُّغْدِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَنْ يُؤَدُّوا مَا كَسَرُوا مِنَ الْخَرَاجِ، وَلَا يَغْتَالُوا أَحَدًا، وَلَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ بِخُجَنْدَةَ أَحَدٌ، فَإِنْ أَحْدَثُوا حَدَثًا حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُلُوكُ وَالتُّجَّارُ مِنَ الصُّغْدِ، وَتَرَكَ أَهْلَ خُجَنْدَةَ عَلَى حَالِهِمْ، وَنَزَلَ عُظَمَاءُ الصُّغْدِ عَلَى الْجُنْدِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَهُمْ، وَنَزَلَ كَارَزَنْجُ عَلَى أَيُّوبَ بْنِ أَبِي حَسَّانَ. وَبَلَغَ الْحَرَشِيُّ أَنَّهُمْ قَتَلُوا امْرَأَةً مِمَّنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، فَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ثَابِتًا قَتْلَ امْرَأَةً وَدَفَنَهَا، فَجَحَدَ، فَسَأَلَ فَإِذَا الْخَبَرُ صَحِيحٌ، فَدَعَا بِثَابِتٍ إِلَى خَيْمَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ كَارَزَنْجُ بِقَتْلِهِ خَافَ أَنْ يُقْتَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ لِيَأْتِيَهُ بِسَرَاوِيلَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِابْنِ أَخِيهِ: إِذَا طَلَبْتُ سَرَاوِيلَ فَاعْلَمْ أَنَّهُ الْقَتْلُ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ، وَخَرَجَ، وَاعْتَرَضَ النَّاسَ، فَقَتَلَ نَاسًا، وَتَضَعْضَعَ الْعَسْكَرُ، وَلَقُوا مِنْهُ شَرًّا، وَانْتَهَى إِلَى ثَابِتِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مَسْعُودٍ، فَقَتَلَهُ ثَابِتٌ. وَقَتَلَ الصُّغْدُ أَسْرَى عِنْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فَأُخْبِرَ الْحَرَشِيُّ بِذَلِكَ، فَسَأَلَ، فَرَأَى الْخَبَرَ صَحِيحًا، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَعَزْلِ التُّجَّارِ عَنْهُمْ، فَقَاتَلَهُمُ الصُّغْدُ بِالْخَشَبِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ سِلَاحٌ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَقِيلَ: سَبْعَةَ آلَافٍ، وَاصْطَفَى أَمْوَالَ الصُّغْدِ وَذَرَارِيهِمْ، وَأَخَذَ مِنْهَا مَا أَعْجَبَهُ، ثُمَّ دَعَا مُسْلِمَ بْنَ بُدَيْلٍ الْعَدَوِيَّ عَدِيٌّ الرَّبَابُ، وَقَالَ: وَلَّيْتُكَ الْمَقْسَمَ. فَقَالَ: بَعْدَمَا عَمِلَ فِيهِ عُمَّالُكَ لَيْلَةً ! وَلِّهِ غَيْرِي، فَوَلَّاهُ غَيْرَهُ. وَكَتَبَ الْحَرَشِيُّ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَمْ يَكْتُبْ إِلَى عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا أَوْغَرَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ ثَابِتُ قُطْنَةَ يَذْكُرُ مَا أَصَابُوا مِنْ عُظَمَائِهِمْ: أَقَرَّ الْعَيْنَ مَصْرَعُ كَارَزَنْجٍ وَكَشْكِيرٍ وَمَا لَاقَى يُبَادُ     وَدَيْوَشْتَى وَمَا لَاقَى خَلَنْجٌ بِحِصْنِ خُجَنْدَ إِذْ دَمَرُوا فَبَادُوا يُقَالُ: إِنَّ دَيْوَشْتَى دِهْقَانُ سَمَرْقَنْدَ، وَاسْمُهُ دَيْوَ أَشْنَجِ فَأَعْرَبُوهُ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَى أَقْبَاضِ خُجَنْدَةَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، فَاشْتَرَى رَجُلٌ مِنْهُمْ جُونَةً بِدِرْهَمَيْنِ، فَوَجَدَ فِيهَا سَبَائِكَ ذَهَبٍ، فَرَجَعَ وَقَدْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ رَمِدَ، فَرَدَّ الْجُونَةَ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَطُلِبَ فَلَمْ يُعْرَفْ. وَسَرَّحَ الْحَرَشِيُّ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي السَّرِيِّ إِلَى حِصْنٍ يُطِيفُ بِهِ وَادِي الصُّغْدِ إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَمَعَهُ خُوَارَزْمُشَاهْ، وَصَاحِبُ آخْرُونَ، وَشُومَانَ، فَسَيَّرَ سُلَيْمَانُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْمُسَيَّبَ بْنَ بِشْرٍ الرِّيَاحِيَّ، فَتَلْقَوْهُ عَلَى فَرْسَخٍ، فَهَزَمَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ فَحَصَرَهُمْ، فَطَلَبَ الدَّيْوَشْتَى أَنْ يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ الْحَرَشِيِّ، فَسَيَّرَهُ إِلَيْهِ، فَأَكْرَمَهُ، وَطَلَبَ أَهْلُ الْقَلْعَةِ الصُّلْحَ عَلَى أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَيُسَلِّمُونَ الْقَلْعَةَ. فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ إِلَى الْحَرَشِيِّ لِيَبْعَثَ الْأُمَنَاءَ لِقَبْضِ مَا فِي الْقَلْعَةِ، فَبَعَثَ مَنْ قَبَضَهُ وَبَاعُوهُ وَقَسَّمُوهُ. وَسَارَ الْحَرَشِيُّ إِلَى كَشَّ، وَصَالَحُوهُ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ رَأْسٍ، وَقِيلَ سِتَّةِ آلَافِ رَأْسٍ. وَسَارَ إِلَى زَرَنْجَ، فَوَافَاهُ كِتَابُ ابْنِ هُبَيْرَةَ بِإِطْلَاقِ دَيْوَشْتَى، فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ، وَوَلَّى نَصْرَ بْنَ سَيَّارٍ قَبْضَ صُلْحِ كَشَّ، وَاسْتَعْمَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي السَّرِيِّ عَلَى كَشَّ وَنَسَفَ حَرْبِهَا وَخَرَاجِهَا. وَكَانَتْ خَزَائِنَ مَنِيعَةً، فَقَالَ الْمُجَشِّرِ لِلْحَرَشِيِّ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ يَفْتَحُهَا لَكَ بِغَيْرِ قِتَالٍ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: الْمُسَرْبَلُ بْنُ الْخِرِّيتِ بْنِ رَاشِدٍ النَّاجِي، فَوَجَّهَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ صَدِيقًا لِمَلِكِهَا، وَاسْمُ الْمَلِكِ سُبُقْرَى، فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ بِمَا صَنَعَ الْحَرَشِيُّ بِأَهْلِ خُجَنْدَةَ وَخَوَّفَهُ، قَالَ: فَمَا تَرَى ؟ قَالَ: أَنْ تَنْزِلَ بِأَمَانٍ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ بِمَنْ لَحِقَ بِي ؟ قَالَ: تَجْعَلُهُمْ فِي أَمَانِكَ، فَصَالَحَهُمْ فَآمَنُوهُ وَبِلَادَهُ، وَرَجَعَ الْحَرَشِيُّ إِلَى بِلَادِهِ وَمَعَهُ سُبُقْرَى، فَقُتِلَ سُبُقْرَى وَصُلِبَ وَمَعَهُ الْأَمَانُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.