دليل

التاريخ 2434

سنة مائة من الهجرة النبوية

عَزْلِ الْجَرَّاحِ وَاسْتِعْمَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نُعَيْمٍ الْقُشَيْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ  وَقِيلَ: فِي سنة مائة من الهجرة عَزَلَ عُمَرُ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ عَنْ خُرَاسَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ نُعَيْمٍ الْقُشَيْرِيَّ، وَكَانَ عَزْلُ الْجَرَّاحِ فِي رَمَضَانَ. كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنْ يَزِيدَ لَمَّا عُزِلَ عَنْ خُرَاسَانَ أَرْسَلَ عَامِلُ الْعِرَاقِ عَامِلًا عَلَى جُرْجَانَ، فَأَخَذَ جَهْمَ بْنَ زَحْرٍ الْجُعْفِيَّ، وَكَانَ عَلَى جُرْجَانَ عَامِلًا لِيَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ، وَحَبَسَ رَهْطًا قَدِمُوا مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْجَرَّاحِ بِخُرَاسَانَ، فَأَطْلَقَ أَهْلُ جُرْجَانَ عَامِلَهُمْ، وَقَالَ الْجَرَّاحُ لِجَهْمٍ: لَوْلَا أَنَّكَ ابْنُ عَمِّي لَمْ أُسَوِّغْكَ هَذَا. فَقَالَ جَهْمٌ: وَلَوْلَا أَنَّكَ ابْنُ عَمِّي لَمْ آتِكَ. وَكَانَ جَهْمٌ سِلْفَ الْجَرَّاحِ مِنْ قِبَلِ ابْنَتَيِ الْحُصَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ ابْنَ عَمِّهِ فَلِأَنَّ الْحَكَمَ وَالْجُعْفِيَّ ابْنَا سَعْدٍ الْقُشَيْرِيِّ. فَقَالَ لَهُ الْجَرَّاحُ: خَالَفْتَ إِمَامَكَ، فَاغْزُ لَعَلَّكَ تَظْفَرُ، فَيَصْلُحُ أَمْرُكَ عِنْدَهُ. فَوَجَّهَهُ إِلَى الْخُتَّلِ، فَغَنِمَ مِنْهُمْ وَرَجِعَ، وَأَوْفَدَ الْجَرَّاحُ إِلَى عُمَرَ وَفْدًا، رَجُلَيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، وَرَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي يُكَنَّى أَبَا الصَّيْدِ، فَتَكَلَّمَ الْعَرَبِيَّانِ وَالْمَوْلَى سَاكِتٌ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَنْتَ مِنَ الْوَفْدِ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الْكَلَامِ ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَوَالِي يَغْزُونَ بِلَا عَطَاءٍ وَلَا رِزْقٍ، وَمِثْلُهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا مِنَ الذِّمَّةِ يُؤْخَذُونَ بِالْخَرَاجِ، فَأَمِيرُنَا عَصَبِيٌّ جَافٍ يَقُومُ عَلَى مِنْبَرِنَا، فَيَقُولُ: أَتَيْتُكُمْ حَفِيًّا، وَأَنَا الْيَوْمُ عَصَبِيٌّ، وَاللَّهِ لَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَهُوَ بَعْدُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ الْحَجَّاجِ، قَدْ عَمِلَ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ. قَالَ عُمَرُ: إِذَنْ بِمِثْلِكَ يُوفَدُ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْجَرَّاحِ: انْظُرْ مَنْ صَلَّى قِبَلَكَ [ إِلَى الْقِبْلَةِ ] فَضَعْ عَنْهُ الْجِزْيَةَ. فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقِيلَ لِلْجَرَّاحِ: إِنِ النَّاسَ قَدْ سَارَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ نُفُورًا مِنَ الْجِزْيَةِ، فَامْتَحِنْهُمْ بِالْخِتَانِ. فَكَتَبَ الْجَرَّاحُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ، دَاعِيًا وَلَمْ يَبْعَثْهُ خَاتِنًا، وَقَالَ: إِيتُونِي رَجُلًا صَدُوقًا أَسْأَلُهُ عَنْ خُرَاسَانَ. فَقِيلَ لَهُ: عَلَيْكَ بِأَبِي مِجْلَزٍ. فَكَتَبَ إِلَى الْجَرَّاحِ: أَنْ أَقْبِلْ وَاحْمِلْ أَبَا مِجْلَزٍ، وَخَلِّفْ عَلَى حَرْبِ خُرَاسَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ نُعَيْمٍ الْعَامِرِيَّ. فَخَطَبَ الْجَرَّاحُ وَقَالَ: يَا أَهْلَ خُرَاسَانَ جِئْتُكُمْ فِي ثِيَابِي هَذِهِ الَّتِي عَلَيَّ وَعَلَى فَرَسِي، لَمْ أُصِبْ مِنْ مَالِكُمْ إِلَّا حِلْيَةَ سَيْفِي. وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إِلَّا فَرَسٌ وَبَغْلَةٌ. فَسَارَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ قَالَ: مَتَى خَرَجْتَ ؟ قَالَ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ: صَدَقَ مَنْ وَصَفَكَ بِالْجَفَاءِ، هَلَّا أَقَمْتَ حَتَّى تُفْطِرَ ثُمَّ تَخْرُجَ ! وَكَانَ الْجَرَّاحُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدِمْتُ خُرَاسَانَ، فَوَجَدْتُ قَوْمًا قَدْ أَبْطَرَتْهُمُ الْفِتْنَةُ، فَأَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَيْهِمْ أَنْ يَعُودُوا لِيَمْنَعُوا حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَلَيْسَ يَكْفِهِمْ إِلَّا السَّيْفُ وَالسَّوْطُ، فَكَرِهْتُ الْإِقْدَامَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِإِذْنِكَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: يَا ابْنَ أُمِّ الْجَرَّاحِ، أَنْتَ أَحْرَصُ عَلَى الْفِتْنَةِ مِنْهُمْ، لَا تَضْرِبَنَّ مُؤْمِنًا وَلَا مُعَاهِدًا سَوْطًا إِلَّا فِي الْحَقِّ، وَاحْذَرِ الْقِصَاصَ، فَإِنَّكَ صَائِرٌ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَتَقْرَأُ كِتَابًا: لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا. فَلَمَّا قَدِمَ الْجَرَّاحُ عَلَى عُمَرَ، وَقَدِمَ أَبُو مِجْلَزٍ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: يُكَافِي الْأَكْفَاءَ، وَيُعَادِي الْأَعْدَاءَ، وَهُوَ أَمِيرٌ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيُقْدِمُ إِنْ وَجَدَ مَنْ يُسَاعِدُهُ. قَالَ: فَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ ؟ قَالَ: يُحِبُّ الْعَافِيَةَ وَالتَّأَنِّي، وَهُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ. فَوَلَّاهُ الصَّلَاةَ وَالْحَرْبَ، وَوَلَّى عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْقُشَيْرِيَّ الْخَرَاجَ، وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ خُرَاسَانَ: إِنِّي اسْتَعْمَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى حَرْبِكُمْ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ [ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ] عَلَى خَرَاجِكُمْ، وَكَتَبَ إِلَيْهِمَا يَأْمُرُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِحْسَانِ. فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نُعَيْمٍ عَلَى خُرَاسَانَ حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، وَبَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ، وَوَجَّهَ مَسْلَمَةُ سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْحَارِثَ بْنَ الْحَكَمِ، فَكَانَتْ وِلَايَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.