التاريخ 2447
سنة إحدى ومائة
( رَدُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ؓ لِلْمَظَالِمِ ) وَقَدْ رَدَّ جَمِيعَ الْمَظَالِمِ، حَتَّى إِنَّهُ رَدَّ فَصَّ خَاتَمٍ كَانَ فِي يَدِهِ قَالَ: أَعْطَانِيهِ الْوَلِيدُ مِنْ غَيْرِ حَقِّهِ. وَخَرَجَ مِنْ جَمِيعِ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَأْكَلِ وَالْمَتَاعِ، حَتَّى إِنَّهُ تَرَكَ التَّمَتُّعَ بِزَوْجَتِهِ الْحَسْنَاءِ، فَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ، يُقَالُ: كَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَدَّ جَهَازَهَا وَمَا كَانَ مِنْ أَمْوَالِهَا إِلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ دَخْلُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَتَرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ دَخْلٌ سِوَى أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَكَانَ حَاصِلُهُ فِي خِلَافَتِهِ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْأَوْلَادِ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ أَجَلَّهُمْ، فَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ فِي زَمَنِ خِلَافَتِهِ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ خَيْرًا مِنْ أَبِيهِ. فَلَمَّا مَاتَ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ حُزْنٌ، وَقَالَ: أَمْرٌ رَضِيَهُ اللَّهُ فَلَا أَكْرَهُهُ. وَكَانَ قَبْلَ الْخِلَافَةِ يُؤْتَى بِالْقَمِيصِ الرَّفِيعِ اللَّيِّنِ جِدًّا، فَيَقُولُ: مَا أَحْسَنَهُ لَوْلَا خُشُونَةٌ فِيهِ. فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْغَلِيظَ الْمَرْقُوعَ وَلَا يَغْسِلُهُ حَتَّى يَتَّسِخَ جِدًّا، وَيَقُولُ: مَا أَحْسَنَهُ لَوْلَا لِينُهُ. وَكَانَ يَلْبَسُ الْفَرْوَةَ الْغَلِيظَةَ، وَكَانَ سِرَاجُهُ عَلَى ثَلَاثِ قَصَبَاتٍ فِي رَأْسِهِنَّ طِينٌ، وَلَمْ يَبْنِ شَيْئًا فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ. وَكَانَ يَخْدِمُ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا عَوَّضَنِي اللَّهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ. وَكَانَ يَأْكُلُ الْغَلِيظَ مِنَ الطَّعَامِ أَيْضًا، وَلَا يُبَالِي بِشَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ، وَلَا يُتْبِعُهُ نَفْسَهُ وَلَا يَوَدُّهُ، حَتَّى قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيُّ: كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَزْهَدَ مِنْ أُوَيْسٍ الْقَرْنِيِّ ; لِأَنَّ عُمَرَ مَلَكَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا وَزَهِدَ فِيهَا، وَلَا نَدْرِي حَالَ أُوَيْسٍ لَوْ مَلَكَ مَا مَلَكَهُ عُمَرُ كَيْفَ يَكُونُ ؟ لَيْسَ مَنْ جَرَّبَ كَمَنْ لَمْ يُجَرِّبْ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ: لَمْ يَكُنْ عُمَرُ يَرْتَزِقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ أَمَرَ جَارِيَةً تُرَوِّحُهُ حَتَّى يَنَامَ فَرَوَّحَتْهُ، فَنَامَتْ هِيَ، فَأَخَذَ الْمِرْوَحَةَ مِنْ يَدِهَا وَجَعَلَ يُرَوِّحُهَا، وَيَقُولُ: أَصَابَكِ مِنَ الْحَرِّ مَا أَصَابَنِي. وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا. فَقَالَ: بَلْ جَزَى اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَنِّي خَيْرًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ تَحْتَ ثِيَابِهِ مِسْحًا غَلِيظًا مِنْ شَعْرٍ، وَيَضَعُ فِي رَقَبَتِهِ غُلًّا إِذَا قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ إِذَا أَصْبَحَ وَضَعَهُ فِي مَكَانٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ فَلَا يَشْعُرُ بِهِ أَحَدٌ وَكَانُوا يَظُنُّونَهُ مَالًا أَوْ جَوْهَرًا مِنْ حِرْصِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ فَإِذَا فِيهِ غُلٌّ وَمَسْحٌ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ: (شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِنَّ حُجْزَةَ إِزَارِهِ لَغَائِبَةٌ فِي عُكَنِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدَ مَا اسْتُخْلِفَ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ أَضْلَاعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَمَسَّهَا... لَفَعَلْتُ). وَقَالَ وَلَدُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: (سَأَلَنِي أَبُو جَعْفَرَ الْمَنْصُورُ: كَمْ كَانَتْ غَلَّةُ أَبِيكَ حِينَ أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ؟ قُلْتُ: أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، قَالَ: فَكَمْ كَانَتْ حِينَ تُوُفِّيَ؟ قُلْتُ: أَرْبَعُمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْ بَقِيَ... لَنَقَصَتْ). وَقَالَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ: (دَخَلْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ قَمِيصٌ وَسِخٌ، فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَلِكِ: أَلَا تَغْسِلِينَ قَمِيصَهُ؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ، مَا لَهُ قَمِيصٌ غَيْرُهُ). وَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ الْخَصِيُّ غُلَامُ عُمَرَ: (دَخَلْتُ يَوْمًا إِلَى مَوْلَاتِي فَغَدَّتْنِي عَدَسًا، فَقُلْتُ: كُلَّ يَوْمٍ عَدَسٌ؟! فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ؛ هَذَا طَعَامُ مَوْلَاكَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ). قَالَ: (وَدَخَلَ عُمَرُ الْحَمَّامَ يَوْمًا فَأَطْلَى، فَوَلِيَ عَانَتَهُ بِيَدِهِ). قَالَ: (وَلَمَّا احْتُضِرَ... بَعَثَنِي بِدِينَارٍ إِلَى أَهْلِ الدَّيْرِ فَقَالَ: إِنْ بِعْتُمُونِي مَوْضِعَ قَبْرِي؛ وَإِلَّا... تَحَوَّلْتُ عَنْكُمْ، فَأَتَيْتُهُمْ فَقَالُوا: لَوْلَا أَنَّا نَكْرَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنَّا... مَا قَبِلْنَاهُ). وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى بَكَى الدَّمَ مِنَ الدُّمُوعِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ بَكَى فَوْقَ سَطْحٍ حَتَّى سَالَ دَمْعُهُ مِنَ الْمِيزَابِ. وَكَانَ يَأْكُلُ مِنَ الْعَدَسِ لِيَرِقَّ قَلْبُهُ وَتَغْزُرُ دَمْعَتُهُ، وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْتَ اضْطَرَبَتْ أَوْصَالُهُ، وَقَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَهُ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ [ الْفُرْقَانِ: 13 ] الْآيَةَ. فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ عَنْهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ مَنْ كَانَ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَهْلِكْ مَنْ كَانَ فِي هَلَاكِهِ صَلَاحُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَالَ: أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَدَاءُ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ. وَقَالَ: لَوْ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى يَحْكُمَ أَمْرَ نَفْسِهِ لَذَهَبَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَقَلَّ الْوَاعِظُونَ وَالسَّاعُونَ لِلَّهِ بِالنَّصِيحَةِ. وَقَالَ: الدُّنْيَا عَدُوَّةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَاءِ اللَّهِ، أَمَّا الْأَوْلِيَاءُ فَغَمَّتْهُمْ، وَأَمَّا الْأَعْدَاءُ فَغَرَّتْهُمْ. وَقَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ عُصِمَ مِنَ الْمِرَاءِ وَالْغَضَبِ وَالطَّمَعِ. وَقَالَ لِرَجُلٍ: مَنْ سَيِّدُ قَوْمِكَ ؟ قَالَ: أَنَا. قَالَ: لَوْ كُنْتَ كَذَلِكَ لَمْ تَقُلْهُ. وَقَالَ: أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ: لَقَدْ بُورِكَ لِعَبْدٍ فِي حَاجَةٍ أَكْثَرَ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ، أُعْطِيَ أَوْ مُنِعَ. وَقَالَ: قَيِّدُوا الْعِلْمَ بِالْكِتَابِ. وَقَالَ لِرَجُلٍ: عَلِّمْ وَلَدَكَ الْفِقْهَ الْأَكْبَرَ: الْقَنَاعَةَ وَكَفَّ الْأَذَى. وَتَكَلَّمَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَأَحْسَنَ، فَقَالَ: هَذَا هُوَ السِّحْرُ الْحَلَّالُ. وعَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَدْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ عَرَفَنِي وَلَمْ أَعْرِفْهُ، فَقَالَ: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ: أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَلَمْ تَكُنْ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ أَمِيرًا، فَكَانَ مَرْكَبُكَ وَطِيًّا، وَثَوْبُكَ نَقِيًّا وَوَجْهُكَ بَهِيًّا، وَطَعَامُكَ شَهِيًّا، وَخَدَمُكَ كَثِيرٌ، فَمَا الَّذِي غَيَّرَكَ وَأَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَبَكَى وَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ، كَيْفَ لَوْ رَأَيْتَنِي بَعْدَ ثَلَاثٍ فِي قَبْرِي وَقَدْ سَالَتْ حَدَقَتَايَ عَلَى وَجْنَتَيَّ، ثُمَّ جَفَّ لِسَانِي، وَانْشَقَّتْ بَطْنِي وَجَرَتِ الدِّيدَانُ فِي بَدَنِي لَكُنْتَ لِي أَشَدَّ إِنْكَارًا، أَعِدْ عَلَيَّ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي بِالْمَدِينَةِ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًا مُضَرَّسَةً لَا يَجُوزُهَا إِلَّا كُلُّ ضَامِرٍ مَهْزُولٍ. قَالَ: فَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا حَازِمٍ، أَمَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُضْمِرَ نَفْسِي لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ فَعَسَى أَنْ أَنْجُوَ مِنْهَا يَوْمَئِذٍ، وَمَا أَظُنُّ أَنِّي مَعَ هَذَا الْبَلَاءِ الَّذِي ابْتُلِيتُ بِهِ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ بِنَاجٍ. ثُمَّ رَقَدَ ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّاسُ، فَقُلْتُ: أَقِلُّوا الْكَلَامَ فَمَا فَعَلَ بِهِ مَا تَرَوْنَ إِلَّا سَهَرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَصَبَّبَ عَرَقًا فِي يَوْمٍ اللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ، ثُمَّ بَكَى حَتَّى عَلَا نَحِيبُهُ، ثُمَّ تَبَسَّمَ، فَسَبَقْتُ النَّاسَ إِلَى كَلَامِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَأَيْتُ مِنْكَ عَجَبًا، إِنَّكَ لَمَّا رَقَدْتَ تَصَبَّبْتَ عَرَقًا حَتَّى ابْتَلَّ مَا حَوْلَكَ، ثُمَّ بَكَيْتَ حَتَّى عَلَا نَحِيبُكَ ثُمَّ تَبَسَّمْتَ، فَقَالَ لِي: وَقَدْ رَأَيْتَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَمَنْ كَانَ حَوْلَكَ مِنَ النَّاسِ رَآهُ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا حَازِمٍ، إِنِّي لَمَّا وَضَعْتُ رَأْسِي فَرَقَدْتُ، رَأَيْتُ كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ فَمَلَئُوا الْأُفُقَ، أُمَّةُ مُحَمَّدٍ مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَنْتَظِرُونَ مَتَى يُدْعَوْنَ إِلَى الْحِسَابِ، إِذْ نُودِيَ: أَيْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؟ فَأَجَابَ فَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فَأَوْقَفُوهُ أَمَامَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَحُوسِبَ ثُمَّ نَجَا [وَأُخِذَ بِهِ ذَاتَ الْيَمِينِ، ثُمَّ نُودِيَ بِعُمَرَ فَقَرَّبَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، فَوَقَّفُوهُ أَمَامَ رَبِّهِ، فَحُوسِبَ ثُمَّ نَجَا] وَأُمِرَ بِهِ وَبِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. ثُمَّ نُودِيَ بِعُثْمَانَ، فَأَجَابَ، فَحُوسِبَ يَسِيرًا، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ نُودِيَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَحُوسِبَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. فَلَمَّا قَرُبَ الْأَمْرُ مِنِّي أُسْقِطَ فِي يَدِي، ثُمَّ جَعَلَ يُؤْتَى بِقَوْمٍ لَا أَدْرِي مَا حَالُهُمْ، ثُمَّ نُودِيَ: أَيْنَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؟ فَتَصَبَّبْتُ عَرَقًا، ثُمَّ سُئِلْتُ عَنِ الْفَتِيلِ وَالنَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ وَعَنْ كُلِّ قَضِيَّةٍ قَضَيْتُ بِهَا، ثُمَّ غُفِرَ لِي، فَمَرَرْتُ بِجِيفَةٍ مُلْقَاةٍ، فَقُلْتُ لِلْمَلَائِكَةِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: إِنَّكَ لَوْ كَلَّمْتَهُ كَلَّمَكَ، فَوَكَزْتُهُ بِرِجْلِي فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ لِي: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قُلْتُ: تَفَضَّلَ عَلَيَّ وَفَعَلَ بِي مَا فَعَلَ بِالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ غَفَرَ لَهُمْ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَمَا أَدْرِي مَا فُعِلَ بِهِمْ، فَقَالَ لِي: هَنِيئًا لَكَ مَا صِرْتَ إِلَيْهِ. قُلْتُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الْحَجَّاجُ، قَدِمْتُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَوَجَدْتُهُ شَدِيدَ الْعِقَابِ فَقَتَلَنِي بِكُلِّ قِتْلَةٍ قَتْلَةً، وَهَا أَنَا مَوْقُوفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْتَظِرُ مَا يَنْتَظِرُ الْمُوَحِّدُونَ مِنْ رَبِّهِمْ، إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَعَاهَدْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ رُؤْيَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَلَّا أَقْطَعَ عَلَى أَحَدٍ بِالنَّارِ مِمَّنْ يَمُوتُ وَهُوَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَمَا زَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُنْذُ وَلِيَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَدْلِ وَمَحْوِ الظُّلْمِ وَتَرْكِ الْهَوَى، وَكَانَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: ارْحَلُوا إِلَى بِلَادِكُمْ فَإِنِّي أَنْسَاكُمْ هَا هُنَا وَأَذْكُرُكُمْ فِي بِلَادِكُمْ. وَمِنْ ظَلَمَهُ عَامِلُهُ فَلَا إِذْنَ لَهُ عَلَيَّ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.