دليل

التاريخ 2475

سنة أربع ومائة

وِلَايَةِ الْجَرَّاحِ أَرْمِينِيَّةَ وَفَتْحِ بَلَنْجَرَ وَغَيْرِهَا   لَمَّا تَمَّتِ الْهَزِيمَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَمِعَ الْخَزَرُ فِي الْبِلَادِ، فَجَمَعُوا وَحَشَدُوا، وَاسْتَعْمَلَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْجَرَّاحَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمِيَّ حِينَئِذٍ عَلَى أَرْمِينِيَّةَ، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، وَأَمْرَهُ بِغَزْوِ الْخَزَرِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ وَبِقَصْدِ بِلَادِهِ. فَسَارَ الْجَرَّاحُ، وَتَسَامَعَ الْخَزَرِيَّةُ، فَعَادُوا حَتَّى نَزَلُوا بِالْبَابِ وَالْأَبْوَابِ، وَوَصَلَ الْجَرَّاحُ إِلَى بَرْذَعَةَ، فَأَقَامَ حَتَّى اسْتَرَاحَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْخَزَرِ، فَعَبَرَ نَهْرَ الْكَرِّ، فَسَمِعَ بِأَنَّ بَعْضَ مَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْجِبَالِ قَدْ كَاتَبَ مَلِكَ الْخَزَرِ يُخْبِرُهُ بِمُسَيَّرِ الْجَرَّاحِ إِلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ أَمَرَ الْجَرَّاحُ مُنَادِيَهُ فَنَادَى فِي النَّاسِ: إِنَّ الْأَمِيرَ مُقِيمٌ هَاهُنَا عِدَّةَ أَيَّامٍ، فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ الْمِيرَةِ ; فَكَتَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَى مَلِكِ الْخَزَرِ يُخْبِرُهُ أَنَّ الْجَرَّاحَ مُقِيمٌ، وَيُشِيرُ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْحَرَكَةِ لِئَلَّا يَطْمَعَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَمَرَ الْجَرَّاحُ بِالرَّحِيلِ، فَسَارَ مُجِدًّا حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَدِينَةِ الْبَابِ وَالْأَبْوَابِ، فَلَمْ يَرَ الْخَزَرَ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ فَبَثَّ سَرَايَاهُ فِي النَّهْبِ وَالْغَارَةِ عَلَى مَا يُجَاوِرُهُ، فَغَنِمُوا وَعَادُوا مِنَ الْغَدِ، وَسَارَ الْخَزَرُ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ ابْنُ مَلِكِهِمْ، فَالْتَقَوْا عِنْدَ نَهْرِ الرَّانِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَرَّضَ الْجَرَّاحُ أَصْحَابَهُ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَظَفِرُوا بِالْخَزَرِ وَهَزَمُوهُمْ، وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ، وَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حِصْنٍ يُعْرَفُ بِالْحُصَيْنِ، فَنَزَلَ أَهْلُهُ بِالْأَمَانِ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُونَهُ، فَأَجَابَهُمْ وَنَقَلَهُمْ عَنْهَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا يَرْغُوَا، فَأَقَامَ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، وَهُوَ مُجِدٌّ فِي قِتَالِهِمْ، فَطَلَبُوا الْأَمَانَ، فَآمَنَهُمْ وَتَسَلَّمَ حِصْنَهُمْ وَنَقَلَهُمْ مِنْهُ. ثُمَّ سَارَ الْجَرَّاحُ إِلَى بَلَنْجَرَ، وَهُوَ حِصْنٌ مَشْهُورٌ مِنْ حُصُونِهِمْ، فَنَازَلَهُ، وَكَانَ أَهْلُ الْحِصْنِ قَدْ جَمَعُوا ثَلَاثَمِائَةِ عَجَلَةٍ، فَشَدُّوا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَجَعَلُوهَا بِحَوْلِ حِصْنِهِمْ لِيَحْتَمُوا بِهَا، وَتَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْحِصْنِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْعَجَلُ أَشَدُّ شَيْءٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِهِمْ. فَلَمَّا رَأَوُا الضَّرَرَ الَّذِي عَلَيْهِمْ مِنْهَا انْتَدَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ نَحْوَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْمَوْتِ، وَكَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهِمْ، وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَتَقَدَّمُوا نَحْوَ الْعَجَلِ، وَجَدَّ الْكُفَّارُ فِي قِتَالِهِمْ، وَرَمَوْا مِنَ النُّشَّابِ مَا كَانَ يَحْجُبُ الشَّمْسَ، فَلَمْ يَرْجِعْ أُولَئِكَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْعَجَلِ، وَتَعَلَّقُوا بِبَعْضِهَا، وَقَطَعُوا الْحَبْلَ الَّذِي يُمْسِكُهَا، وَجَذَبُوهَا فَانْحَدَرَتْ، وَتَبِعَهَا سَائِرُ الْعَجَلِ، لِأَنَّ بَعْضَهَا كَانَ مَشْدُودًا إِلَى بَعْضٍ، وَانْحَدَرَ الْجَمِيعُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ، وَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى الْجَمِيعِ حَتَّى بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. ثُمَّ إِنَّ الْخَزَرَ انْهَزَمُوا وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْحِصْنِ عَنْوَةً وَغَنِمُوا جَمِيعَ مَا فِيهِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَأَصَابَ الْفَارِسُ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. ثُمَّ إِنَّ الْجَرَّاحَ أَخَذَ أَوْلَادَ صَاحِبِ بَلَنْجَرَ وَأَهْلَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأَحْضَرَهُ، وَرَدَّ إِلَيْهِ أَمْوَالَهُ وَأَهْلَهُ وَحِصْنَهُ، وَجَعَلَهُ عَيْنًا لَهُمْ يُخْبِرُهُمْ بِمَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ. ثُمَّ سَارَ عَنْ بَلَنْجَرَ فَنَزَلَ عَلَى حِصْنِ الْوَبَنْدَرِ، وَبِهِ نَحْوُ أَرْبَعِينَ أَلْفَ بَيْتٍ مِنَ التُّرْكِ، فَصَالَحُوا الْجَرَّاحَ عَلَى مَالٍ يُؤَدُّونَهُ. ثُمَّ إِنْ أَهْلَ تِلْكَ الْبِلَادِ تَجَمَّعُوا وَأَخَذُوا الطُّرُقَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبَ صَاحِبُ بَلَنْجَرَ إِلَى الْجَرَّاحِ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ. فَعَادَ مُجِدًّا حَتَّى وَصَلَ إِلَى رُسْتَاقِ مَلَّى، وَأَدْرَكَهُمُ الشِّتَاءُ، فَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ، وَكَتَبَ الْجَرَّاحُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ يُخْبِرُهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَبِمَا اجْتَمَعَ مِنَ الْكُفَّارِ وَيَسْأَلُهُ الْمَدَدَ. فَوَعَدَهُ إِنْفَاذَ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَهُ أَجْلُهُ قَبْلَ إِنْفَاذِ الْجَيْشِ، فَأَرْسَلَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى الْجَرَّاحِ، فَأَقَرَّهُ عَلَى عَمَلِهِ، وَوَعَدَهُ الْمَدَدَ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.