التاريخ 2163
خلافة معاوية بن أبي سفيان
مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ جبلة بن الأيهم جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ: كَانَ مَلِكَ غَسَّانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ وَكَتَبَ بِإِسْلَامِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا حَتَّى كَانَ فِي زَمَانِ عُمَرَ ؓ فَوَطِئَ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَوَثَبَ الْمُزَنِيُّ فَلَطَمَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِدِمَشْقَ، فَأَخَذَ الرَّجُلَ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَقَالُوا: هَذَا لَطَمَ جَبَلَةَ بْنَ الْأَيْهَمِ، قَالَ: فَلْيَلْطِمْهُ، قَالُوا: وَمَا يُقْتَلُ ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: فَمَا تَقْطَعُ يَدَهُ ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْقَوَدِ، قَالَ جَبَلَةُ: أَتَرَوْنَ أَنِّي جَاعِلٌ وَجْهِي نِدًّا لِوَجْهِ جُدَرٍ جَاءَ مِنْ عُمْقٍ - يَعْنِي مَوْضِعًا فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ - بِئْسَ الدِّينُ هَذَا. ثُمَّ ارْتَدَّ نَصْرَانِيًّا، وَتَرَحَّلَ بِقَوْمِهِ حَتَّى دَخَلَ أَرْضَ الرُّومِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ. وَرُوِيَ لَنَا خَبَرُهُ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ، وَأَنَّهُ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: كَتَبَ جَبَلَةُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي خَمْسِمِائَةٍ مِنْ بَنِيهِ حَتَّى إِذَا كَانَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ، فَسُرَّ عُمَرُ وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِإِنْزَالٍ، وَأَمَرَ جَبَلَةُ مِائَتَيْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَلَبِسُوا الدِّيبَاجَ وَالْحَرِيرَ، وَرَكِبُوا الْخَيْلَ مَعْقُودَةً أَذْنَابُهَا وَأَلْبَسُوهَا قَلَائِدَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَبِسَ جَبَلَةُ تَاجَهُ وَفِيهِ قُرْطُ مَارِيَةَ، وَهِيَ جَدَّتُهُ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يَبْقَ بِهَا بِكْرٌ وَلَا عَانِسٌ إِلَّا خَرَجَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَإِلَى زِيِّهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى عُمَرَ رَحَّبَ بِهِ وَأَلْطَفَهُ وَأَدْنَى مَجْلِسَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الْحَجِّ، فَحَجَّ مَعَهُ جَبَلَةَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَطِئَ إِزَارَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فَانْحَلَّ، فَرَفَعَ جَبَلَةُ يَدَهُ فَهَشَّمَ أَنْفَهُ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ عُمَرَ، فَبَعَثَ إِلَى جَبَلَةَ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ تَعَمَّدَ حَلَّ إِزَارِي وَلَوْلَا حُرْمَةُ الْكَعْبَةِ لَضَرَبْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قَدْ أَقْرَرْتَ، فَإِمَّا أَنْ تُرْضِيَ الرَّجُلَ وَأَمَّا أَنْ أُقِيدَ مِنْكَ، قَالَ جَبَلَةُ: تَصْنَعُ بِي مَاذَا ؟ قَالَ: آمُرُ بِهَشْمِ أَنْفِكَ كَمَا فَعَلْتَ، قَالَ، كَيْفَ ذَلِكَ وَهُوَ سُوقَةٌ وَأَنَا مَلِكٌ ؟ قَالَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ جَمَعَكَ وَإِيَّاهُ، فَلَسْتَ تَفْضُلُهُ إِلَّا بِالتُّقَى، قَالَ جَبَلَةُ: قَدْ ظَنَنْتُ أَنِّي أَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ أَعَزَّ مِنِّي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ عُمَرُ: دَعْ ذَا عَنْكَ [فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُرْضِ الرَّجُلَ ] اقْتَدْتُهُ مِنْكَ، قَالَ: إِذًا أَتَنْصُرُ، قَالَ: إِنْ تَنَصَّرَتْ ضَرَبْتُ عُنُقَكَ لِأَنَّكَ قَدْ أَسْلَمْتَ فَإِنِ ارْتَدَدْتَ قَتَلْتُكَ. فَلَمَّا رَأَى الْجِدَّ مِنْ عُمَرَ قَالَ: أَنَا نَاظِرٌ فِي هَذِهِ لَيْلَتِي هَذِهِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ بِبَابِ عُمَرَ مِنْ حَيِّ هَذَا وَحَيِّ هَذَا خَلْقٌ كَثِيرٌ حَتَّى كَادَتْ تَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ، فَلَمَّا أَمْسَوْا أَذِنَ لَهُ عُمَرُ فِي الِانْصِرَافِ حَتَّى إِذَا نَامَ النَّاسُ تَحَمَّلَ بِخَيْلِهِ وَرَوَاحِلِهِ إِلَى الشَّامِ فَأَصْبَحَتْ مَكَّةُ بَلَاقِعَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا أَتَى الشَّامَ تَحَمَّلَ فِي خَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَتَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ فَدَخَلَ إِلَى هِرَقْلَ فَتَنَصَّرَ هُوَ وَقَوْمُهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ وَظَنَّ أَنَّهُ فَتْحٌ مِنَ الْفُتُوحِ، وَأَجْرَى عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَجَعَلَهُ مِنْ سُمَّارِهِ. فَمَكَثَ دَهْرًا ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى هِرْقِلَ كِتَابًا وَبَعَثَهُ مَعَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَجَابَ هِرْقِلُ بِمَا أَرَادَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: هَلْ لَقِيتَ ابْنَ عَمِّكَ جَبَلَةَ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَالْقَهُ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَمَا أَخَالَنِي رَأَيْتُ ثِيَابَ هِرْقِلَ مِنَ السُّرُورِ وَالْبَهْجَةِ مَا رَأَيْتُ مِنْ ثِيَابِ جَبَلَةَ، فَاسْتَأْذَنْتُ، فَأَذِنَ وَقَامَ وَرَحَّبَ بِي عَانَقَنِي وَعَاتَبَنِي فِي تَرْكِ النُّزُولِ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ مِنَ التَّمَاثِيلِ وَالْهَوْلِ مَا لَا أُحْسِنُ أَصِفُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ رَأْسُهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ أَصْهَبُ ذُو سِبَالٍ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أَمَرَ بِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ فَسُحِلَ فَذُرَّ فِي لِحْيَتِهِ، وَاسْتَقْبَلَ عَيْنَ الشَّمْسِ ثُمَّ أَجْلَسَنِي عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُهُ انْحَدَرْتُ عَنْهُ وَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ هَذَا، وَسَأَلَنِي عَنِ النَّاسِ وَأَلْحَفَ فِي السُّؤَالِ عَنْ عُمَرَ، ثُمَّ عَرَفْتُ الْحُزْنَ فِيهِ، فَقُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْمِكَ وَالْإِسْلَامِ ؟ قَالَ: بَعْدَ الَّذِي كَانَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَدْ كَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ارْتَدَّ وَضَرَبَهُمْ بِالسُّيُوفِ وَمَنَعَهُمُ الزَّكَاةَ ثُمَّ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، وَزَوَّجَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أُخْتَهُ، فَقَالَ: دَعْ هَذَا عَنْكَ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى وَصِيفٍ قَائِمٍ عَلَى رَأْسِهِ فَوَلَّى، فَمَا شَعَرْنَا إِلَّا بِالصَّنَادِيقِ يَحْمِلُهَا الرِّجَالُ، فَوُضِعَتْ أَمَامَنَا مَائِدَةٌ مِنْ ذَهَبٍ فَاسْتَعْفَيْتُ مِنْهَا، فَأَتَى بِمَائِدَةِ خَلَنْجَ، فَوُضِعَتْ أَمَامِي وَسَعَى عَلَيْنَا مِنْ كُلِّ حَارٍّ وَبَارِدٍ فِي صِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَدَارَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ فَاسْتَعْفَيْتُ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَبْرِيقٍ مِنْ ذَهَبٍ. ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَى وَصِيفٍ لَهُ فَمَا كَانَ إِلَّا هُنَيْهَةٌ حَتَّى أَقْبَلَتْ عَشْرُ جَوَارٍ، فَقَعَدَ خَمْسٌ عَنْ يَمِينِهِ وَخَمْسٌ عَنْ يَسَارِهِ عَلَى كَرَاسِيِّ الْعَاجِ، وَإِذَا عَشْرٌ أُخَرُ أَحْسَنُ مِنَ الْأُوَلِ، فَقَعَدَ خَمْسٌ عَنْ يَمِينِهِ وَخَمْسٌ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ [مِنْ أَحْسَنِ مَا تَكُونُ مِنَ الْجَوَارِي ] بِطَائِرٍ أَبْيَضَ، وَفِي يَدِهَا الْيُمْنَى جَامٌ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ مِسْكٌ وَعَنْبَرٌ سَحِيقَانِ، وَفِي يَدِهَا الْيُسْرَى جَامٌ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ [مَاءُ وَرْدٍ ] مَا لَمْ أَشُمَّ مِثْلَهُ، فَنَقَرَتِ الطَّائِرَ فَوَقَعَ فِي الْجَامِ فَتَقَلَّبَ فِيهِ ثُمَّ فِي الْجَامِ الْآخَرِ فَتَقَلَّبَ فِيهِ، ثُمَّ سَقَطَ عَلَى صَلِيبٍ فِي تَاجِ جَبَلَةَ، ثُمَّ حَرَّكَ جَنَاحَيْهِ فَنَثَرَ ذَلِكَ عَلَى رَأْسِ جَبَلَةَ وَلِحْيَتِهِ، ثُمَّ شَرِبَ جَبَلَةُ خَمْرًا ثُمَّ اسْتَهَلَّ وَاسْتَبْشَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْجَوَارِي: أَطْرِبْنَنِي، فَخَفَقْنَ بِعِيدَانِهِنَّ، فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ: لِلَّهِ دَرُّ عِصَابَةٍ نَادَمْتُهُمْ يَوْمًا بِجِلَّقَ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ أَوْلَادُ جَفْنَةَ عِنْدَ قَبْرِ أَبِيهِمْ قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفَضَّلِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَرِيمَةٌ أَحْسَابُهُمْ شُمُّ الْأُنُوفِ مِنَ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ يُغْشَوْنَ حَتَّى مَا تَهِرُّ كِلَابُهُمْ لَا يَسْأَلُونَ عَنِ السَّوَادِ الْمُقْبِلِ فَطَرِبَ ثُمَّ قَالَ: هَذَا شِعْرُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ فِينَا وَفِي مُلْكِنَا، ثُمَّ قَالَ لِي: كَيْفَ حَالُ حَسَّانَ ؟ قُلْتُ لَهُ: تَرَكْتُهُ ضَرِيرًا شَيْخًا كَبِيرًا. ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ: أَطْرِبْنَنِي. فَانْدَفَعْنَ يُغَنِّينَ بِقَوْلِ حَسَّانَ أَيْضًا: لِمَنِ الدَّارُ أَقْفَرَتْ بِمَعَانِ بَيْنَ فَرْعِ الْيَرْمُوكِ فَالصَّمَّانِ فَالْقُرَيَّاتِ مِنْ بَلَاسَ فَدَارَيَّا فَسَكَّاءَ فَالْقُصُورِ الدَّوَانِي فَحِمَى جَاسِمٍ إِلَى مَرْجِ ذِي الصُّفَّرِ مَغْنَى قَبَائِلٍ وَهِجَانِ تِلْكَ دَارُ الْعَزِيزِ بَعْدَ أَلُوفٍ وَحُلُولٍ عَظِيمَةِ الْأَرْكَانِ صَلَوَاتُ الْمَسِيحِ فِي ذَلِكَ الدَّيْ رِ دُعَاءُ الْقِسِّيسِ وَالرُّهْبَانِ ذَاكَ مَغْنًى لِآلِ جَفْنَةَ فِي الدَّهْ رِ مَحَاهُ تَعَاقُبُ الْأَزْمَانِ فَأُرَانِي هُنَاكَ حَقَّ مَكِينٍ عِنْدَ ذِي التَّاجِ مَجْلِسِي وَمَكَانِي ثَكِلَتْ أُمُّهُمْ وَقَدْ ثَكِلَتْهُمْ يَوْمَ حَلُّوًا بِحَارِثِ الْجَوْلَانِ قَدْ - دَنَا الْفِصْحُ فَالْوَلَائِدُ يَنْظِمْ نَ سِرَاعًا أَكِلَّةَ الْمَرْجَانِ قَالَ: هَذَا لِابْنِ الْفُرَيْعَةِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، فِينَا وَفِي مُلْكِنَا وَفِي مَنَازِلِنَا بِأَكْنَافِ غُوطَةِ دِمَشْقَ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ لَهُنَّ: بَكِّينَنِي. فَوَضَعْنَ عِيدَانَهُنَّ وَنَكَّسْنَ رُءُوسَهُنَّ وَقُلْنَ: تَنَصَّرَتِ الْأَشْرَافُ مِنْ عَارِ لَطْمَةٍ وَمَا كَانَ فِيهَا لَوْ صَبَرْتُ لَهَا ضَرَرْ تَكَنَّفَنِي فِيهَا لَجَاجٌ وَنَخْوَةٌ وَبِعْتُ بِهَا الْعَيْنَ الصَّحِيحَةَ بِالْعَوَرْ فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي وَلَيْتَنِي رَجَعْتُ إِلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَالَهُ عُمَرْ وَيَا لَيْتَنِي أَرْعَى الْمَخَاضَ بِقَفْرَةٍ وَكُنْتُ أَسِيرًا فِي رَبِيعَةَ أَوْ مُضَرْ وَيَا لَيْتَ لِي بِالشَّامِ أَدْنَى مَعِيشَةٍ أُجَالِسُ قَوْمِي ذَاهِبَ السَّمْعِ وَالْبَصَرْ أَدِينُ بِمَا دَانُوا بِهِ مِنْ شَرِيعَةٍ وَقَدْ يَصْبِرُ الْعَوْدُ الْكَبِيرُ عَلَى الدَّبَرْ قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ بِدُمُوعِهِ، وَبَكَيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتَدْعَى بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ هِرَقْلِيَّةٍ، فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ فَأَوْصِلْهَا إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ. وَجَاءَ بِأُخْرَى فَقَالَ: خُذْ هَذِهِ لَكَ. فَقُلْتُ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهَا، وَلَا أَقْبَلُ مِنْكَ شَيْئًا وَقَدِ ارْتَدَدْتَ عَنِ الْإِسْلَامِ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَضَافَهَا إِلَى الَّتِي لِحَسَّانَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ هِرَقْلِيَةٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: أَبْلِغْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنِّي السَّلَامَ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ أَخْبَرْتُهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: وَرَأَيْتَهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَبْعَدَهُ اللَّهُ، تَعَجَّلَ فَانِيَةً بِبَاقِيَةٍ، فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُ. ثُمَّ قَالَ: وَمَا الَّذِي وَجَّهَ بِهِ لِحَسَّانَ ؟ قُلْتُ: خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ هِرَقْلِيَّةٍ، فَدَعَا حِسَانًا فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَأَخَذَهَا وَوَلَّى وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ جَفْنَةَ مِنْ بَقِيَّةِ مَعْشَرٍ لَمْ يَغْذُهُمْ آبَاؤُهُمْ بِاللُّومِ لَمْ يَنْسَنِي بِالشَّامِ إِذْ هُوَ رَبُّهَا كَلًّا وَلَا مُتَنَصِّرًا بِالرُّومِ يُعْطِي الْجَزِيلَ وَلَا يَرَاهُ عِنْدَهُ إِلَّا كَبَعْضِ عَطِيَّةِ الْمَحْرُومِ وَأَتَيْتُهُ يَوْمًا فَقَرَّبَ مَجْلِسِي وَسَقَى فَرَوَّانِي مِنَ الْخُرْطُومِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ رَسُولًا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، فَاجْتَمَعَ بِجَبَلَةَ بْنِ الْأَيْهَمِ، فَرَأَى مَا هُوَ فِيهِ مِنَ السَّعَادَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأَمْوَالِ ; مِنَ الْخَدَمِ وَالْحَشَمِ وَالذَّهَبِ وَالْخُيُولِ، فَقَالَ لَهُ جَبَلَةُ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ يُقْطِعُنِي أَرْضَ الْبَثْنِيَّةِ فَإِنَّهَا مَنَازِلُنَا، وَعِشْرِينَ قَرْيَةً مِنْ غُوطَةِ دِمَشْقَ وَيَفْرِضُ لِجَمَاعَتِنَا، وَيُحْسِنُ جَوَائِزَنَا، لَرَجَعْتُ إِلَى الشَّامِ. فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ مُعَاوِيَةَ بِقَوْلِهِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَنَا أُعْطِيهُ ذَلِكَ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا مَعَ الْبَرِيدِ بِذَلِكَ، فَمَا أَدْرَكَهُ الْبَرِيدُ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: وَجَّهَنِي مُعَاوِيَةُ إِلَى مِلْكِ الرُّومِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ دُونَ مَجْلِسِ الْمَلِكِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ غَلَبَ عَلَيَّ الشَّقَاءُ، أَنَا جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، إِذَا صِرْتُ إِلَى مَنْزِلِي فَالْقَنِي. فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ أَتَيْتُهُ فَلَقِيتُهُ عَلَى شَرَابِهِ وَعِنْدَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِهِ بِشِعْرٍ حَسَّانَ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ السَّكَنِ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ السَّكَنِ : لَهُ صُحْبَةٌ، رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَاخْتَطَّ بِهَا [دَارًا ]، وَمَنْزِلُهُ بَاقٍ. رَوَى عَنْهُ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزْنِيُّ وَغَيْرُهُ. وَلَهُ بِالْمَغْرِبِ وِلَايَاتٌ وَفُتُوحٌ. تُوُفِّيَ بِبَرْقَةَ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَيْهَا لِمَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَمِيرِ مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمٍ : كَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَسْلَمَ. رَوَى أَبُو عَبْدِهِ، عَنْ عِقَالِ بْنِ شَبَّةَ، قَالَ: قَالَ صَعْصَعَةُ: خَرَجْتُ بَاغِيًا نَاقَتَيْنِ لِي فَرُفِعَتْ لِي نَارٌ فَسِرْتُ نَحْوَهَا وَهَمَمْتُ بِالنُّزُولِ، فَجَعَلَتِ النَّارُ تُضِيءُ مَرَّةً وَتَخْبُو أُخْرَى، فَلَمْ تَزَلْ تَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى قُلْتُ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ بَلَغَتْنِي هَذِهِ النَّارُ أَنْ لَا أَجِدَ أَهْلَهَا يُوقِدُونَهَا لِكُرْبَةٍ: إِلَّا فَرَّجْتُهَا عَنْهُمْ، قَالَ: فَلَمْ أَسِرْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَتَيْتُهَا، فَإِذَا حَيٌّ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ، وَإِذَا بِشَيْخٍ يُوقِدُهَا فِي مُقَدَّمِ بَيْتِهِ، وَالنِّسَاءُ قَدِ اجْتَمَعْنَ إِلَى امْرَأَةٍ مَاخِضٍ قَدْ حَبَسَتْهُنَّ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ: أَنَا صَعْصَعَةُ بْنُ نَاجِيَةَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِنَا، فَفِيمَ أَنْتَ يَا بْنَ أَخِي ؟ فَقُلْتُ: فِي بِغَاءِ نَاقَتَيْنِ لِي، قَالَ: قَدْ وَجَدْتُهُمَا بَعْدَ أَنْ أَحْيَى اللَّهُ بِهِمَا أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ قَوْمِكَ، وَقَدْ تَجْنَاهُمَا وَعَطَفْتُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَهُمْ شَأْنُكَ فِي أَدْنَى الْإِبِلِ، قَالَ: فَفِيمَ تُوقِدُ نَارَكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ، قَالَ: أَوْقَدْتُهَا لِامْرَأَةٍ مَاخِضٍ قَدْ حَبَسَتْنَا مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، قَالَ: فَقَالَ النِّسَاءُ: قَدْ جَاءَ الْوَلَدُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: إِنْ كَانَ غُلَامًا فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَلَا أَسْمَعَنَّ صَوْتَهَا إِلَّا قَتَلْتُهَا، فَقُلْتُ، يَا هَذَا، ذَرْهَا فَإِنَّهَا ابْنَتُكَ وَرِزْقُهَا عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ أَقْتُلُهَا، فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ بِهَا حَفِيًّا فَاشْتَرِهَا مِنِّي، قُلْتُ: إِنِّي أَشْتَرِيهَا مِنْكَ، فَقَالَ: مَا تُعْطِينِي ؟ قُلْتُ: أُعْطِيكَ إِحْدَى نَاقَتَيَّ، قَالَ: لَا، قُلْتُ: أَزِيدُكَ الْأُخْرَى، فَنَظَرَ إِلَى جَمَلِي الَّذِي تَحْتِي، فَقَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَزِيدَنِي جَمَلَكَ هَذَا فَإِنِّي أَرَاهُ حَسَنَ اللَّوْنِ شَابَّ السِّنِّ، فَقُلْتُ: هُوَ لَكَ عَلَى أَنْ تُبَلِّغَنِي أَهْلِي، قَالَ قَدْ فَعَلْتُ. فَابْتَعْتُهَا مِنْهُ، وَأَخَذْتُ عَلَيْهِ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَيُحْسِنَنَّ بِرَّهَا وَصِلَتَهَا مَا عَاشَتْ حَتَّى تَبِينَ عَنْهُ أَوْ يُدْرِكَهَا الْمَوْتُ، فَلَمَّا بَرَزْتُ مِنْ عِنْدِهِ حَدَّثْتُ نَفْسِي وَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ مَكْرُمَةٌ مَا سَبَقَنِي إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَسْمَعَ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ يُرِيدُ أَنْ يَئِدَ بِنْتًا لَهُ إِلَّا اشْتَرَيْتُهَا بِلَقُوحَةٍ وَجَمَلٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحَمَّدًا ﷺ وَقَدْ أَحْيَيْتُ مِائَةَ مَوْءُودَةٍ إِلَّا أَرْبَعًا لَمْ يُشَارِكْنِي فِي ذَلِكَ أَحَدٌ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تَحْرِيمَهُ فِي الْقُرْآنِ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَقَدْ أَحْيَى ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَوْءُودَةً. وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعَمِائَةٍ. وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ وَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا صَنَعَ، فَقَالَ: "لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ إِذْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ بِالْإِسْلَامِ ". ثُمَّ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ زِيَادُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - وَيُقَالُ لَهُ زِيَادُ ابْنُ أَبِيهِ وَ: زِيَادُ ابْنُ سُمَيَّةَ. وَهِيَ أُمُّهُ - فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَطْعُونًا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنِّي قَدْ ضَبَطْتُ لَكَ الْعِرَاقَ بِشِمَالِي، وَيَمِينِي فَارِغَةٌ. وَهُوَ يُعَرِّضُ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَهُ عَلَى بِلَادِ الْحِجَازِ أَيْضًا، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْحِجَازِ ذَلِكَ جَاءُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَشَكَوْا إِلَيْهِ ذَلِكَ، وَخَافُوا أَنْ يَلِيَ عَلَيْهِمْ زِيَادٌ، فَيَعْسِفَهُمْ كَمَا عَسَفَ أَهْلَ الْعِرَاقِ، فَقَامَ ابْنُ عُمَرَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَا عَلَى زِيَادٍ وَالنَّاسُ يُؤَمِّنُونَ، فَطُعِنَ زِيَادٌ بِالْعِرَاقِ فِي يَدِهِ فَضَاقَ ذَرْعًا بِذَلِكَ، وَاسْتَشَارَ شُرَيْحًا الْقَاضِيَ فِي قَطْعِ يَدِهِ، فَقَالَ لَهُ شُرَيْحٌ: إِنِّي لَا أَرَى لَكَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَجَلِّ فُسْحَةٌ لَقِيتَ اللَّهَ أَجْذَمَ قَدْ قَطَعْتَ يَدَكَ جَزَعًا مِنْ لِقَائِهِ، وَإِنْ كَانَ لَكَ أَجْلٌ بَقِيتَ فِي النَّاسِ أَجْذَمَ فَيُعَيَّرُ وَلَدُكَ بِذَلِكَ. فَصَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا خَرَجَ شُرَيْحٌ مِنْ عِنْدِهِ عَاتَبَهُ بَعْضُ النَّاسِ وَقَالُوا: هَلَّا تَرَكَتْهُ فَقَطَعَ يَدَهُ ؟ فَقَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ ". وَيُقَالُ: إِنَّ زِيَادًا جَعَلَ يَقُولُ: أَأَنَامَ أَنَا وَالطَّاعُونُ فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ ؟ فَعَزَمَ عَلَى قَطْعِ يَدِهِ، فَلَمَّا جِيءَ بِالْمَكَاوِي وَالْحَدِيدِ خَافَ مِنْ ذَلِكَ، فَتَرَكَ ذَلِكَ. وَذُكِرَ أَنَّهُ جَمَعَ مِائَةً وَخَمْسِينَ طَبِيبًا لِيُدَاوُوهُ مِمَّا يَجِدُ مِنَ الْحَرِّ فِي بَاطِنِهِ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَطِبَّاءَ مِمَّنْ كَانَ يَطِبُّ كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ فَعَجَزُوا عَنْ رَدِّ الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ وَالْأَمْرِ الْمَحْمُومِ، فَمَاتَ فِي ثَالِثِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ قَامَ فِي إِمْرَةِ الْعِرَاقِ خَمْسَ سِنِينَ. وَدُفِنَ بِالثَّوِيَّةِ خَارِجَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ كَانَ بَرَزَ مِنْهَا قَاصِدًا الْحِجَازَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ مَوْتِهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: اذْهَبْ إِلَيْكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، فَلَا الدُّنْيَا بَقِيَتْ لَكَ، وَلَا الْآخِرَةَ أَدْرَكْتَ. وعَنْ عَائِشَةَ، عَنْ أَبِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: جَمَعَ زِيَادٌ أَهْلَ الْكُوفَةِ، فَمَلَأَ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ وَالرَّحْبَةَ وَالْقَصْرَ ; لِيَعْرِضَهُمْ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَإِنِّي لَمَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِي مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالنَّاسُ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ مِنْ ذَلِكَ وَفِي حَصْرٍ. قَالَ: فَهَوَّمْتُ تَهْوِيمَةً - أَيْ نَعَسْتُ نَعْسَةً - فَرَأَيْتُ شَيْئًا أَقْبَلَ طَوِيلَ الْعُنُقِ، لَهُ عُنُقٌ مِثْلَ عُنُقِ الْبَعِيرِ، أَهْدَبَ أَهْدَلَ فَقُلْتُ: مَا أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَنَا النَّقَّادُ ذُو الرَّقَبَةِ، بُعِثْتُ إِلَى صَاحِبِ هَذَا الْقَصْرِ. فَاسْتَيْقَظْتُ فَزِعًا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَلْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ ؟ قَالُوا: لَا. فَأَخْبَرْتُهُمْ، وَخَرَجَ عَلَيْنَا خَارِجٌ مِنَ الْقَصْرِ فَقَالَ: إِنَّ الْأَمِيرَ يَقُولُ لَكُمْ: انْصَرِفُوا عَنِّي، فَإِنِّي عَنْكُمْ مَشْغُولٌ. وَإِذَا الطَّاعُونُ قَدْ أَصَابَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّ زِيَادًا لَمَّا وَلِيَ الْكُوفَةَ سَأَلَ عَنْ أَعَبْدِ أَهْلِهَا، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: أَبُو الْمُغِيرَةِ الْحِمْيَرِيُّ. فَجَاءَ بِهِ فَقَالَ لَهُ: الْزَمْ بَيْتَكَ وَلَا تَخْرُجْ مِنْهُ وَأَنَا أُعْطِيكَ مِنَ الْمَالِ مَا شِئْتَ. فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي مُلْكَ الْأَرْضِ مَا تَرَكْتُ خُرُوجِي لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ. فَقَالَ: الْزَمِ الْجَمَاعَةَ وَلَا تَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ. فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَلَمَّا احْتَضَرَ قَالَ لَهُ ابْنُهُ: يَا أَبَةِ، قَدْ هَيَّأْتُ لَكَ سِتِّينَ ثَوْبًا أُكَفِّنُكَ فِيهَا. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، قَدْ دَنَا مِنْ أَبِيكَ أَمْرٌ ; إِمَّا لِبَاسٌ خَيْرٌ مِنْ لِبَاسِهِ وَإِمَّا سَلْبٌ سَرِيعٌ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ إِحْدَى مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَ مِسْكِينٌ الدَّارِمِيُّ يَرْثِيهِ: رَأَيْتُ زِيَادَةَ الْإِسْلَامِ وَلَّتْ جِهَارًا حِينَ وَدَّعَنَا زِيَادُ فَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يُجِيبُهُ، وَلَمْ يَكُنْ هَجَا زِيَادًا حَتَّى مَاتَ: أَمَسْكَيْنُ أَبْكَى اللَّهُ عَيْنَيْكَ إِنَّمَا جَرَى فِي ضَلَالٍ دَمْعُهَا فَتَحَدَّرَا بَكَيْتَ امْرَأً مِنْ أَهْلِ مَيْسَانَ كَافِرًا كَكِسْرَى عَلَى عِدَّانِهِ أَوْ كَقَيْصَرَا أَقُولُ لَهُ لَمَّا أَتَانِي نَعِيُّهُ بِهِ لَا بِظَبْيٍ بِالصَّرِيمَةِ أَعْفَرَا وَكَانَ زِيَادٌ فِيهِ حُمْرَةٌ، وَفِي عَيْنِهِ الْيُمْنَى انْكِسَارٌ، أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ مَخْرُوطَهَا، عَلَيْهِ قَمِيصٌ رُبَّمَا رَقَّعَهُ. الربيع بن زياد الحارثي ذِكْرُ وَفَاةِ الرَّبِيعِ وَفِيهَا مَاتَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْحَارِثِيُّ عَامِلُ خُرَاسَانَ مِنْ قِبَلِ زِيَادٍ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ سَخِطَ قَتْلَ حُجْرِ بْنِ عَدِيٍّ حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: لَا تَزَالُ الْعَرَبُ تُقْتَلُ صَبْرًا بَعْدَهُ، وَلَوْ نَفَرَتْ عِنْدَ قَتْلِهِ لَمْ يُقْتَلْ رَجُلٌ مِنْهُمْ صَبْرًا، وَلَكِنَّهَا أَقَرَّتْ فَذَلَّتْ: ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ هَذَا الْكَلَامِ جُمُعَةً، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُ الْحَيَاةَ وَإِنِّي دَاعٍ بِدَعْوَةٍ فَأَمِّنُوا ! ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَكَ خَيْرٌ فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ عَاجِلًا ! وَأَمَّنَ النَّاسُ، ثُمَّ خَرَجَ فَمَا تَوَارَتْ ثِيَابُهُ حَتَّى سَقَطَ فَحُمِلَ إِلَى بَيْتِهِ، وَاسْتُخْلِفَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، ثُمَّ مَاتَ ابْنُهُ بَعْدَهُ بِشَهْرَيْنِ. [ عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ]: وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فِي نَوْمَةٍ نَامَهَا، وَقِيلَ: تُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ. فيروز الديلمي وَفِيهَا تُوُفِّيَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى صَنْعَاءَ. عمرو بن حزم وَفِيهَا مَاتَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ. فضالة بن عبيد وَفِيهَا مَاتَ فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ قَاضِيهَا لِمُعَاوِيَةَ، ( وَقِيلَ: مَاتَ آخَرَ أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ )، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.