التاريخ 2264
سنة ست وستين
مَقْتَلِ شَمِرِ بْنِ ذِي الْجَوْشَنِ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ الَّتِي قَتَلَتْ حُسَيْنًا وَهَرَبَ أَشْرَافُ الْكُوفَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَكَانَ مِمَّنْ هَرَبَ لِقَصْدِهِ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ - قَبَّحَهُ اللَّهُ - فَبَعَثَ الْمُخْتَارُ فِي أَثَرِهِ غُلَامًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: زَرْبِيٌّ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ شَمِرٌ لِأَصْحَابِهِ: تَقَدَّمُوا وَذَرُونِي وَرَاءَكُمْ بِصِفَةِ أَنَّكُمْ قَدْ هَرَبْتُمْ وَتَرَكْتُمُونِي حَتَّى يَطْمَعَ فِيَّ هَذَا الْعِلْجُ. فَسَاقُوا وَتَأَخَّرَ شَمِرٌ فَأَدْرَكَهُ زَرْبِيٌّ فَعَطْفَ عَلَيْهِ شَمِرٌ، فَدَقَّ ظَهْرَهُ فَقَتَلَهُ، وَسَارَ شَمِرٌ وَتَرْكَهُ، وَكَتَبَ كِتَابًا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ يُنْذِرُهُ بِقُدُومِهِ عَلَيْهِ، وَوِفَادَتِهِ إِلَيْهِ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ فَرَّ مِنْ هَذِهِ الْوَقْعَةِ يَهْرُبُ إِلَى مُصْعَبٍ بِالْبَصْرَةِ، وَبَعَثَ شَمِرٌ الْكِتَابَ مَعَ عِلْجٍ مِنْ عُلُوجِ قَرْيَةٍ قَدْ نَزَلَ عِنْدَهَا يُقَالُ لَهَا الْكَلْتَانِيَّةُ عِنْدَ نَهْرٍ إِلَى جَانِبِ تَلٍّ هُنَاكَ، فَذَهَبَ ذَلِكَ الْعِلْجُ فَلَقِيَهُ عِلْجٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ قَالَ: إِلَى مُصْعَبٍ. قَالَ مِمَّنْ ؟ قَالَ مِنْ شَمِرٍ. فَقَالَ: اذْهَبْ مَعِي إِلَى سَيِّدِي. وَإِذَا سَيِّدُهُ أَبُو عَمْرَةَ أَمِيرُ حَرَسِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ قَدْ رَكِبَ فِي طَلَبِ شَمِرٍ، فَدَلَّهُ الْعِلْجُ عَلَى مَكَانِهِ فَقَصَدَهُ أَبُو عَمْرَةَ، وَقَدْ أَشَارَ أَصْحَابُ شَمِرٍ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا كُلُّهُ فَرَقٌ مِنَ الْكَذَّابِ، وَاللَّهِ لَا أَرْتَحِلُ مِنْ هَاهُنَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ حَتَّى أَمْلَأَ قُلُوبَهُمْ رُعْبًا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ كَابَسَهُمْ أَبُو عَمْرَةَ فِي الْخَيْلِ فَأَعْجَلَهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا أَوْ يَلْبَسُوا أَسْلِحَتَهُمْ، وَثَارَ إِلَيْهِمْ شَمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ فَطَاعَنَهُمْ بِرُمْحِهِ وَهُوَ عُرْيَانُ، ثُمَّ دَخَلَ خَيْمَتَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَيْفًا وَهُوَ يَقُولُ: نَبَّهْتُمُ لَيْثَ عَرِينٍ بَاسِلَا جَهْمًا مُحَيَّاهُ يَدُقُّ الْكَاهِلَا لَمْ يُرَ يَوْمًا عَنْ عَدُوٍّ نَاكِلَا إِلَّا كَذَا مُقَاتِلًا أَوْ قَاتِلَا يُبْرِحْهُمُ ضَرْبًا وَيُرْوِي الْعَامِلَا ثُمَّ مَا زَالَ يُنَاضِلُ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَصْحَابُهُ، وَهُمْ مُنْهَزِمُونَ صَوْتَ التَّكْبِيرِ وَقَوْلَ أَصْحَابِ الْمُخْتَارِ: اللَّهُ أَكْبَرُ قُتِلَ الْخَبِيثُ. عَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: وَلَمَّا خَرَجَ الْمُخْتَارُ مِنْ جَبَّانَةِ السَّبِيعِ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْقَصْرِ - يَعْنِي مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْقِتَالِ - نَادَاهُ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى: امْنُنْ عَلَيَّ الْيَوْمَ يَا خَيْرَ مَعَدْ وَخَيْرَ مَنْ حَلَّ بِشِحْرٍ وَالْجَنَدْ وَخَيْرَ مَنْ لَبَّى وَصَامَ وَسَجَدْ قَالَ: فَبَعَثَهُ إِلَى السِّجْنِ، فَاعْتَقَلَهُ لَيْلَةً، ثُمَّ أَطْلَقُهُ مِنَ الْغَدِ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْمُخْتَارِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا أَخْبِرْ أَبَا إِسْحَاقَ أَنَّا نَزَوْنَا نَزْوَةً كَانَتْ عَلَيْنَا خَرَجْنَا لَا نَرَى الضُّعَفَاءَ شَيْئًا وَكَانَ خُرُوجُنَا بَطَرًا وَحَيْنًا نَرَاهُمْ فِي مَصَافِهِمُ قَلِيلًا وَهُمْ مِثْلُ الدَّبَا حِينَ الْتَقَيْنَا بَرَزْنَا إِذْ رَأَيْنَاهُمْ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْقَوْمَ قَدْ بَرَزُوا إِلَيْنَا رَأَيْنَا مِنْهُمُ ضَرْبًا وَطَحْنًا وَطَعْنًا صَائِبًا حَتَّى انْثَنَيْنَا نُصِرْتَ عَلَى عَدُوِّكَ كُلَّ يَوْمٍ بِكُلِّ كَتِيبَةٍ تَنْعَى حُسَيْنَا كَنَصْرِ مُحَمَّدٍ فِي يَوْمِ بَدْرٍ وَيَوْمَ الشِّعْبِ إِذْ لَاقَى حُنَيْنَا فَأَسْجِحْ إِذْ مَلَكْتَ فَلَوْ مَلَكْنَا لَجُرْنَا فِي الْحُكُومَةِ وَاعْتَدَيْنَا تَقَبَّلْ تَوْبَةً مِنِّي فَإِنِّي سَأَشْكُرُ إِذْ جَعَلْتَ النَّقْدَ دَيْنَا وَجَعَلَ سُرَاقَةُ بْنُ مِرْدَاسٍ يَحْلِفُ أَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تَقَاتِلُ عَلَى الْخُيُولِ الْبُلْقِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْسِرْهُ إِلَّا وَاحِدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ، فَأَمَرَهُ الْمُخْتَارُ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ فَيُخْبِرُ النَّاسَ بِذَلِكَ. فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَأَخْبَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ خَلَا بِهِ الْمُخْتَارُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ أَنَّكَ لَمْ تَرَ الْمَلَائِكَةَ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ بِقَوْلِكَ هَذَا أَنِّي لَا أَقْتُلُكَ، وَلَسْتُ أَقْتُلُكَ فَاذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ لَا تُفْسِدْ عَلَيَّ أَصْحَابِي. فَذَهَبَ سُرَاقَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا إِسْحَاقَ أَنِّي رَأَيْتُ الْبُلْقَ دُهْمًا مُصْمِتَاتِ كَفَرْتُ بِوَحْيِكُمْ وَجَعَلْتُ نَذْرًا عَلَيَّ قِتَالَكُمْ حَتَّى الْمَمَاتِ رَأَتْ عَيْنَايَ مَا لَمْ تُبْصِرَاهُ كِلَانَا عَالِمٌ بِالتُّرَّهَاتِ إِذَا قَالُوا أَقُولُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ وَإِنْ خَرَجُوا لَبِسْتُ لَهُمْ أَدَاتِي خطبة المختار بن أبي عبيد الثقفي في التحريض على تتبع من قتل الحسين من أهل الكوفة المقيمين بها قَالُوا: ثُمَّ خَطَبَ الْمُخْتَارُ أَصْحَابَهُ فَحَرَّضَهُمْ فِي خُطْبَتِهِ تِلْكَ عَلَى تَتَبُّعِ مَنْ قَتَلَ الْحُسَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْمُقِيمِينَ بِهَا، فَقَالَ: مَا دِينُنَا تَرْكُ قَوْمٍ قَتَلُوا حُسَيْنًا يَمْشُونَ فِي الدُّنْيَا أَحْيَاءً آمِنِينَ، بِئْسَ نَاصِرُ آلِ مُحَمَّدٍ، إِنِّي إِذًا كَذَّابٌ كَمَا سَمَّيْتُمُونِي أَنْتُمْ، فَإِنِّي بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي سَيْفًا أَضْرِبُهُمْ، وَرُمْحًا أَطْعَنُهُمْ، وَطَالِبَ وَتْرِهِمْ، وَالْقَائِمَ بِحَقِّهِمْ، وَإِنَّهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ قَتَلَهُمْ، وَأَنْ يُذِلَّ مَنْ جَهِلَ حَقَّهُمْ، فَسَمُّوهُمْ ثُمَّ اتْبَعُوهُمْ حَتَّى تَقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ لِيَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ حَتَّى أُطَهِّرَ الْأَرْضَ مِنْهُمْ، وَأَنْفِي مَنْ فِي الْمِصْرِ مِنْهُمْ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَتَبَّعُ مَنْ فِي الْكُوفَةِ مِنْهُمْ وَكَانُوا يَأْتُونَ بِهِمْ حَتَّى يُوقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَأْمُرُ بِقَتْلِهِمْ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنَ الْقِتْلَاتِ مِمَّا يُنَاسِبُ مَا فَعَلُوا، وَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرْمَى بِالنِّبَالِ حَتَّى يَمُوتَ، فَأَتَوْهُ بِمَالِكِ بْنِ بَشِيرٍ، فَقَالَ لَهُ الْمُخْتَارُ: أَنْتَ الَّذِي نَزَعْتَ بُرْنُسَ الْحُسَيْنِ عَنْهُ ؟ فَقَالَ: خَرَجْنَا وَنَحْنُ كَارِهُونَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا. فَقَالَ: اقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ. فَفَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ تَرَكُوهُ يَضْطَرِبُ حَتَّى مَاتَ، وَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَسَيْدٍ الْجُهَنِيَّ وَغَيْرَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ. وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَادَّعَى قَتْلَهُ سِعْرُ بْنُ أَبِي سِعْرٍ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ الشِّبَامِيُّ، وَشِبَامٌ، مِنْ هَمْدَانَ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِأَبِي الزُّبَيْرِ الشِّبَامِيِّ: أَتَقْتُلُ أَبِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ سَيِّدَ قَوْمِكَ ؟ فَقَرَأَ: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْآيَةَ. وَانْجَلَتِ الْوَقْعَةُ عَنْ سَبْعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ قَتِيلًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ أَكْثَرُ الْقَتْلِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ. وَأَمَرَ بِزِيَادِ بْنِ مَالِكٍ الضُّبَعِيِّ، وَبِعِمْرَانَ بْنِ خَالِدٍ الْقُشَيْرِيِّ، وَبِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي خِشْكَارَةَ الْبَجَلِيِّ، وَبِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْخَوْلَانِيِّ، فَأُحْضِرُوا عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: يَا قَتْلَةَ الصَّالِحِينَ، وَقَتَلَةَ سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، قَدْ أَقَادَ اللَّهُ مِنْكُمُ الْيَوْمَ، لَقَدْ جَاءَكُمُ الْوَرْسُ فِي يَوْمِ نَحْسٍ. وَكَانُوا نَهَبُوا مِنَ الْوَرْسِ الَّذِي كَانَ مَعَ الْحُسَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا. وَأُحْضِرَ عِنْدَهُ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنَا صَلْخَتٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَمْرٍو الْهَمْدَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ أَعْشَى هَمْدَانَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَقُتِلُوا، وَأُحْضِرَ عِنْدَهُ: عُثْمَانُ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ الدُّهْمَانِيُّ الْجُهَنِيُّ، وَأَبُو أَسْمَاءَ بِشْرُ بْنُ شُمَيْطٍ الْقَانِصِيُّ، وَكَانَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي قَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَقِيلٍ وَفِي سَلْبِهِ، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهَمَا، وَأُحْرِقَا بِالنَّارِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.