التاريخ 2288
سنة ثمان وستين
وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي سنة ثمان وستين مِنَ الْأَعْيَانِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَوْسِيُّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ ابْنِ أَخِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ عَنْ نَحْوِ سَبْعِينَ سَنَةً. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ. عُدَيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ عُدَيُّ بْنُ حَاتِمٍ الطَّائِيُّ، وَأُمُّهُ النَّوَّارُ بِنْتُ بَرْمَكَةَ بْنِ عُكْلٍ، وَيُكَنَّى أَبَا طَرِيفٍ: فعَنْ أَبِي عُمَيْرٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: كَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ يَقُولُ: مَا كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ أَشَدَّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي، وَكُنْتُ امْرَأً شَرِيفًا قَدْ سُدْتُ قَوْمِي، فَقُلْتُ: إِنِ اتَّبَعْتُهُ كُنْتُ دَنِيًّا. وَكُنْتُ نَصْرَانِيًّا، فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لِي: أَعِدَّ لِي مِنْ إِبِلِي أَجْمَالًا ذُلَلًا سِمَانًا أَحْبِسُهَا قَرِيبًا مِنِّي، فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشِ مُحَمَّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنِّي؛ فَإِنِّي أَرَى خَيْلَهُ قَدْ وَطِئَتْ بِلَادَ الْعَرَبِ كُلَّهَا. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ غَدَاةٍ جَاءَنِي غُلَامِي فَقَالَ: مَا كُنْتَ صَانِعًا إِذَا غَشِيَتْكَ خَيْلُ مُحَمَّدٍ فَاصْنَعْهُ، فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ فَسَأَلْتُ عَنْهَا فَقِيلَ: هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمَّدٍ. قُلْتُ: قَرِّبْ لِي أَجْمَالِي، فَقَرَّبَهَا فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنَ النَّصَارَى بِالشَّامِ، وَخَلَّفْتُ ابْنَةَ حَاتِمٍ بِالْحَاضِرِ. وَتَخَالَفَتْنِي خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَشَنُّوا الْغَارَةَ عَلَى مَحِلَّةِ آلِ حَاتِمٍ، فَأَصَابُوا نِسَاءً وَأَطْفَالًا وَشَاءً وَابْنَةَ حَاتِمٍ، فَقُدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَدْ بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ هَرَبِي، فَجُعِلَتِ ابْنَةُ حَاتِمٍ فِي حَظِيرَةٍ بِبَابِ الْمَسْجِدِ -كَانَتِ النِّسَاءُ يُحْبَسْنَ فِيهَا- فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَامَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً جَزْلَةً، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَاتَ الْوَلَدُ وَغَابَ الْوَافِدُ، فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَإِنِّي فَعَلْتُ، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكِ مَنْ يَكُونُ لَكِ ثِقَةً. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: وَمَنْ وَافِدُكِ؟ قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: الْفَارُّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَرَكَنِي حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ مَرَّ بِي فَقُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ الْغَدِ مَرَّ بِي وَقَدْ يَئِسْتُ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَأَشَارَ إِلَيَّ رَجُلٌ خَلْفَهُ أَنْ قُومِي فَكَلِّمِيهِ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكَ الْوَالِدُ وَغَابَ الْوَافِدُ فَامْنُنْ عَلَيَّ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ فَعَلْتُ، فَلَا تَعْجَلِي بِخُرُوجٍ حَتَّى تَجِدِي مِنْ قَوْمِكِ مَنْ يَكُونُ لَكِ ثِقَةً حَتَّى يُبَلِّغَكِ إِلَى بِلَادِكِ، ثُمَّ آذِنِينِي. قَالَتْ: فَسَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيَّ أَنْ أُكَلِّمَهُ، فَقِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَقَمْتُ حَتَّى قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ قُضَاعَةَ. قَالَتْ: وَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ آتِيَ أَخِي بِالشَّامِ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: قَدْ جَاءَ مِنْ قَوْمِي مَنْ لِي ثِقَةٌ وَبَلَاغٌ، فَكَسَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَحَمَلَنِي وَأَعْطَانِي نَفَقَةً، وَخَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ. قَالَ عَدِيٌّ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَقَاعِدٌ فِي أَهْلِي إِذْ نَظَرْتُ إِلَى ظَعِينَةٍ تُصَوِّبُ إِلَيَّ تَؤُمُّنَا. قُلْتُ: ابْنَةُ حَاتِمٍ، فَإِذَا هِيَ هِيَ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَيَّ انْسَحَلَتْ تَقُولُ: الْقَاطِعُ الظَّالِمُ، احْتَمَلْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ. وَتَرَكْتَ بَقِيَّةَ وَالِدِكَ، قُلْتُ: يَا أُخَيَّةُ لَا تَقُولِي إِلَّا خَيْرًا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا لِي مِنْ عُذْرٍ قَدْ صَنَعْتُ مَا ذَكَرْتِ، ثُمَّ نَزَلَتْ فَأَقَامَتْ عِنْدِي، فَقُلْتُ: مَا تَرَيْنَ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَكَانَتْ حَازِمَةً -وَكَانَتِ امْرَأَةً حَازِمَةً- فَقَالَتْ: أَرَى وَاللَّهِ أَنْ تَلْحَقَ بِهِ سَرِيعًا، فَإِنْ يَكُنِ الرَّجُلُ نَبِيًّا فَالسَّبْقُ إِلَيْهِ أَفْضَلُ، وَإِنْ يَكُنْ مَلِكًا فَلَنْ تُذَلَّ فِي عِزِّ الْيَمَنِ، وَأَنْتَ أَنْتَ، وَأَبُوكَ أَبُوكَ، مَعَ أَنِّي قَدْ نُبِّئْتُ أَنَّ عِلْيَةَ أَصْحَابِهِ قَوْمُكَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. فَخَرَجْتُ حَتَّى أُقْدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلْتُ وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ، فَسَلَّمْتُ [عَلَيْهِ]، فَقَالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَانْطَلَقَ بِي إِلَى بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَعَامِدٌ بِي إِلَى بَيْتِهِ إِذْ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ ضَعِيفَةٌ كَبِيرَةٌ فَاسْتَوْقَفَتْهُ فَوَقَفَ لَهَا طَوِيلًا تُكَلِّمُهُ فِي حَاجَتِهَا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللَّهِ مَا هَذَا بِمَلِكٍ، إِنَّ لِلْمَلِكِ حَالًا غَيْرَ هَذَا. ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ تَنَاوَلَ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ مَحْشُوَّةٍ لِيفًا، فَقَدَّمَهَا إِلَيَّ، فَقَالَ: "اجْلِسْ عَلَى هَذِهِ" فَقُلْتُ: لَا، بَلْ أَنْتَ. فَجَلَسَ عَلَيْهَا فَرَأَى فِي عُنُقِي وَثَنًا مِنْ ذَهَبٍ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [9: 31] فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ، فَقَالَ: "أَلَيْسَ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ". وَقَالَ: "إِيهِ يَا عَدِيُّ، أَلَمْ تَكُنْ تَسِيرُ فِي قَوْمِكَ بِالْمِرْبَاعِ فِي مَالٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ"، قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّكَ يَا عَدِيُّ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ فِي هَذَا الدِّينِ مَا تَرَى مِنْ حَاجَتِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ [هَذَا] الْمَالُ [أَنْ] يَفِيضَ فِيهِمْ حَتَّى لَا يُوجَدَ مَنْ يَأْخُذُهُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مَا تَرَى مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَوَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْمَرْأَةِ تَخْرُجُ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ عَلَى بَعِيرٍ حَتَّى تَزُورَ هَذَا الْبَيْتَ، لَا تَخَافُ، وَلَعَلَّكَ إِنَّمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الدُّخُولِ أَنَّ الْمُلْكَ وَالسُّلْطَانَ فِي غَيْرِهِمْ، وَايْمُ اللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ تَسْمَعَ بِالْقُصُورِ الْبِيضِ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ قَدْ فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ". قَالَ عَدِيٌّ: فَأَسْلَمْتُ. وَكَانَ عَدِيٌّ يَقُولُ: قَدْ مَضَتِ اثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ: لَيَفِيضُ الْمَالُ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا قَدِمَ عَدِيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَرَجَعَ إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِ ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَارْتَدَتِ الْعَرَبُ ثَبَتَ عَدِيٌّ وَقَوْمُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَجَاءَ بِصَدَقَاتِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَحَضَرَ فَتْحَ الْمَدَائِنِ، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ. وَكَانَ جَوَادًا يَفُتُّ لِلنَّمْلِ الْخُبْزَ، وَيَقُولُ: إِنَّهُنَّ جَارَاتٌ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ: أَنَّهُ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي أُنَاسٍ مِنْ طَيِّئٍ -أَوْ قَالَ: مِنْ قَوْمِهِ- فَجَعَلَ يَفْرِضُ لِرِجَالٍ مِنْ طَيِّئٍ فِي أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، فَاسْتَقْبَلْتُهُ فَأَعْرَضَ عَنِّي، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَمَا تَعْرِفُنِي؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي وَاللَّهِ أَعْرِفُكَ، أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَإِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيِّئٍ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وعَنْ عَامِرٍ، قَالَ: أَرْسَلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ يَسْتَعِيرُ مِنْهُ قُدُورَ حَاتِمٍ، فَأَمَرَ بِهَا عَدِيٌّ فَمُلِئَتْ وَحَمَلَهَا الرِّجَالُ إِلَى الْأَشْعَثِ، فَأَرْسَلَ الْأَشْعَثُ: إِنَّمَا أَرَدْنَاهَا فَارِغَةً، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: إِنَّا لَا نُعِيرُهَا فَارِغَةً. وعن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: مَاتَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ. وَقَدْ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَاخْتَلَفُوا أَيْنَ مَاتَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِالْكُوفَةِ. قَالَهُ ابْنُ خَيَّاطٍ. وَالثَّانِي بِقَرْقِيسِيَاءَ. وعَنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: خَرَجَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ مِنَ الْكُوفَةِ، فَنَزَلُوا قَرْقِيسِيَا وَقَالُوا: لَا نُقِيمُ بِبَلَدٍ يُشْتَمُ فِيهِ عُثْمَانُ. قَالَ ابْنُ ثَابِتٍ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّورِيُّ: أَنَا رَأَيْتُ قُبُورَهُمْ بِقَرْقِيسِيَاءَ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ. وزَيْدُ بْنُ أَرَقَمَ بْنِ زَيْدٍ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ. أبو شريح الخزاعي العدوي وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ الْعَدَوِيُّ الْكَعْبِيُّ ، اخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ عَلَى أَقْوَالٍ ; أَصَحُّهَا خُوَيْلِدُ بْنُ عَمْرٍو، أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَكَانَ مَعَهُ أَحَدُ أَلْوِيَةِ بَنِي كَعْبٍ الثَّلَاثَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَهُ أَحَادِيثُ. حميد بن ثور الهلالي حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ الْهِلَالِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، قَالَ الشِّعْرَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَهُوَ مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ. أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ الْحَارِثُ بْنُ مَالِكٍ -وَقِيلَ: الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَقِيلَ: عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ- أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ: أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَكَانَ يَحْمِلُ لِوَاءَ بَنِي لَيْثٍ وَضَمْرَةَ وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى تَبُوكَ يَسْتَنْفِرُ بَنِي لَيْثٍ. وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَجَاوَرَ بِهَا فَمَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِمَكَّةَ فِي مَقْبَرَةِ الْمُهَاجِرِينَ الَّتِي بِفَجَّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ مَقْبَرَةَ الْمُهَاجِرِينَ؛ لِأَنَّهُ دُفِنَ فِيهَا مَنْ مَاتَ مِمَّنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ. عَابِسُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُطَيْفِيُّ قَاضِي مِصْرَ عَابِسُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُطَيْفِيُّ قَاضِي مِصْرَ: وَلِيَ الْقَضَاءَ وَالشُّرْطَةَ لِمَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ، رَوَى عَنْهُ أَبُو قُتَيْلٍ الْمَغَافِرِيُّ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قيس بن ذريح بن الحباب قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحِ بْنِ الْحُبَابِ بْنِ شَبَّةَ بْنِ حُذَافَةَ: كَانَ رَضِيعَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَرْضَعَتْهُ أُمُّ قَيْسٍ، وَكَانَ مَنْزِلُ قَوْمِهِ [فِي] ظَاهِرِ الْمَدِينَةِ، وَكَانَ هُوَ وَأَبُوهُ مِنْ حَاضِرَةِ الْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: كَانَ مَنْزِلُهُ بِسَرَفَ. فَمَرَّ قَيْسٌ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ بِخِيَامِ بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَالْحَيُّ خُلُوفٌ، فَوَقَفَ عَلَى خَيْمَةٍ لِلُبْنَى بِنْتِ الْحُبَابِ الْكَعْبِيَّةُ، فَاسْتَسْقَى الْمَاءَ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ فَسَقَتْهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةً مَدِيدَةَ الْقَامَةِ، شَهْلَةً حُلْوَةَ الْمَنْظَرِ وَالْكَلَامِ، فَلَمَّا رَآهَا وَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ وَشَرِبَ الْمَاءَ، فَقَالَتْ لَهُ: انْزِلْ فَتَبَرَّدْ عِنْدَنَا، فَنَزَلَ [بِهِمْ]، وَجَاءَ أَبُوهَا فَنَحَرَ لَهُ وَأَكْرَمَهُ. فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَفِي نَفْسِهِ مِنْ لُبْنَى حَرٌّ لَا يُطْفَأُ، فَجَعَلَ يَقُولُ الشِّعْرَ فِيهَا حَتَّى شَاعَ وَرُوِيَ. ثُمَّ أَتَاهَا يَوْمًا آخَرَ وَقَدِ اشْتَدَّ وَجْدُهُ بِهَا، فَسَلَّمَ فَظَهَرَتْ لَهُ وَرَدَّتْ سَلَامَهُ وَلَحِقَتْ بِهِ، فَشَكَى إِلَيْهَا مَا يَجِدُ مِنْ حُبِّهَا، فَبَكَتْ وَشَكَتْ إِلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَهُ عِنْدَ صَاحِبِهِ، فَانْصَرَفَ إِلَى أَبِيهِ وَأَعْلَمَهُ حَالَهُ وَسَأَلَهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ عَلَيْكَ بِإِحْدَى بَنَاتِ عَمِّكَ فَهُنَّ أَحَقُّ بِكَ، وَكَانَ ذُرَيْحٌ كَثِيرَ الْمَالِ مُوسِرًا، فَأَحَبَّ أَلَّا يُزَوِّجَ ابْنَهُ إِلَى غَرِيبَةٍ، فَانْصَرَفَ قَيْسٌ وَقَدْ سَاءَهُ مَا خَاطَبَهُ بِهِ أَبُوهُ، فَأَتَى أُمَّهُ فَشَكَى إِلَيْهَا وَاسْتَعَانَ بِهَا عَلَى أَبِيهِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهَا مَا يُحِبُّ. فَأَتَى الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ؓ وَابْنَ أَبِي عَتِيقٍ، وَكَانَ صَدِيقَهُ، فَشَكَى إِلَيْهِمَا مَا بِهِ وَمَا رَدَّ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَنَا أَكْفِيكَ، فَمَشَى مَعَهُ إِلَى أَبِي لُبْنَى، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ أَعْظَمَهُ وَوَثَبَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: إِنَّ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ يُوجِبُ قَصْدَكَ، قَدْ جِئْتُكَ خَاطِبًا ابْنَتَكَ لُبْنَى لِقَيْسِ بْنِ ذُرَيْحٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، مَا كُنَّا لِنَعْصِيَ لَكَ أَمْرًا، وَمَا بِنَا عَنِ الْفَتَى رَغْبَةٌ، وَلَكِنَّ أَحَبَّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيْنَا أَنْ يَخْطُبَهَا ذُرَيْحٌ أَبُوهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّا نَخَافُ إِنْ لَمْ يَسْمَحْ أَبُوهُ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ عَارًا عَلَيْنَا، فَأَتَى الْحُسَيْنُ ذُرَيْحًا وَقَوْمُهُ مُجْتَمِعُونَ، فَقَامُوا إِلَيْهِ إِعْظَامًا وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ الْخُزَاعِيِّينَ، فَقَالَ لِذُرَيْحٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِلَّا مَا خَطَبْتَ لُبْنَى عَلَى قَيْسٍ، فَقَالَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِكَ، فَخَرَجَ مَعَهُ فِي وُجُوهِ قَوْمِهِ حَتَّى أَتَوْا حَيَّ لُبْنَى، فَخَطَبَهَا ذُرَيْحٌ عَلَى ابْنِهِ إِلَى أَبِيهَا، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَزُفِّتْ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ مَعَهَا مُدَّةً، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ، فَأَلْهَتْهُ لُبْنَى وَعُكُوفُهُ عَلَيْهَا عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، فَوَجَدَتْ أُمُّهُ وَأَخَذَتْ فِي نَفْسِهَا، وَقَالَتْ: لَقَدْ شَغَلَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ ابْنِي عَنْ بِرِّي. وَمَرِضَ قَيْسٌ، فَقَالَتْ أُمُّهُ لِأَبِيهِ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنَّ يَمُوتَ وَلَمْ يَتْرُكْ خَلَفًا وَقَدْ حُرِمَ الْوَلَدَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، وَأَنْتَ ذُو مَالٍ فَيَصِيرُ مَالُكَ إِلَى الْكَلَالَةِ، فَزَوِّجْهُ غَيْرَهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا، وَأَلَحَّتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ قَوْمُهُ دَعَاهُ فَقَالَ: يَا قَيْسُ، إِنَّكَ اعْتَلَلْتَ فَخِفْتُ عَلَيْكَ [وَلَا] وَلَدَ لِي سِوَاكَ، وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَيْسَتْ بِوَلُودٍ فَتَزَوَّجْ إِحْدَى بَنَاتِ عَمِّكَ؛ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَكَ وَلَدًا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ وَأَعْيُنُنَا، فَقَالَ قَيْسٌ: لَسْتُ مُتَزَوِّجًا غَيْرَهَا أَبَدًا، قَالَ أَبُوهُ، فَتَسَرَّ بِالْإِمَاءِ، قَالَ: وَلَا أَسُوءُهَا بِشَيْءٍ وَاللَّهِ أَبَدًا، قَالَ أَبُوهُ: فَإِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ إِلَّا طَلَّقْتَهَا، فَأَبَى وَقَالَ: الْمَوْتُ عِنْدِي وَاللَّهِ أَسْهَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي أُخَيِّرُكَ خَصْلَةً مِنْ [ثَلَاثِ] خِصَالٍ، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَتَزَوَّجُ أَنْتَ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُرْزُقَكَ وَلَدًا غَيْرِي، قَالَ: مَا فِيَّ فَضْلَةٌ لِذَلِكَ، قَالَ: فَدَعْنِي أَتَرَحَّلُ عَنْكَ بِأَهْلِي وَاصْنَعْ مَا كُنْتَ صَانِعًا لَوْ مُتُّ فِي عِلَّتِي هَذِهِ، قَالَ: وَلَا هَذِهِ، قَالَ: فَأَدَعُ لُبْنَى عِنْدَكَ وَأَرْتَحِلُ عَنْكَ فَلَعَلِّي أَسْلُوهَا فَإِنِّي مَا أُحِبُّ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ نَفْسِي طَيِّبَةً فَإِنَّهَا فِي خَيَالِي، قَالَ: لَا أَرْضَى أَوْ تُطَلِّقُهَا، وَحَلَفَ لَا يُكِنُّهُ سَقْفٌ أَبَدًا حَتَّى يُطَلِّقَ لُبْنَى. وَكَانَ يَخْرُجُ فَيَقِفُ فِي حَرِّ الشَّمْسِ، فَيَجِيءُ قَيْسٌ فَيَقِفُ إِلَى جَانِبِهِ فَيُظِلُّهُ بِرِدَائِهِ وَيَصْطَلِي هُوَ بَحَرِّ الشَّمْسِ ثُمَّ يَدْخُلُ إِلَى لُبْنَى فَيُعَانِقُهَا وَيَبْكِي وَتَبْكِي هِيَ مَعَهُ، وَتَقُولُ لَهُ: يَا قَيْسُ، لَا تُطِعْ أَبَاكَ فَتَهْلِكَ وَتُهْلِكَنِي، فَيَقُولُ: مَا كُنْتُ لِأُطِيعَ فِيكِ أَحَدًا أَبَدًا. فَيُقَالُ: إِنَّهُ مَكَثَ كَذَلِكَ سَنَةً، وَقِيلَ: عِشْرِينَ سَنَةً، وَهَجَرَهُ أَبَوَاهُ لَا يُكَلِّمَانِهِ. طلاق قيس للبنى فَطَلَّقَهَا، فَلَمَّا طَلَّقَهَا اسْتُطِيرَ عَقْلُهُ، وَلَحِقَهُ مِثْلُ الْجُنُونِ، وَجَعَلَ يَبْكِي، فَبَلَغَهَا الْخَبَرُ فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا لِيَحْتَمِلَهَا، فَأَقْبَلَ أَبُوهَا بِهَوْدَجٍ وَإِبِلٍ، فَقَالَ قَيْسٌ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: لُبْنَى تَرْحَلُ اللَّيْلَةَ أَوْ غَدًا، فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: وَإِنِّي لَمُفْنٍ دَمْعَ عَيْنِي بِالْبُكَا حِذَارَ الَّذِي قَدْ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنُ وَقَالُوا غَدًا أَوْ بَعْدَ ذَاكَ بِلَيْلَةٍ فِرَاقُ حَبِيبٍ لَمْ يَبِنْ وَهُوَ بَائِنُ وَمَا كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مَنِيَّتِي بِكَفَّيْكِ إِلَّا أَنَّ مَا حَانَ حَائِنُ وَقَالَ: يَقُولُونَ لُبْنَى فِتْنَةٌ كُنْتَ قَبْلَهَا بِخَيْرٍ فَلَا تَنْدَمْ عَلَيْهَا وَطَلِّقِ فَطَاوَعْتُ أَعْدَائِي وَعَاصَيْتُ نَاصِحِي وَأَقْرَرْتُ عَيْنَ الشَّامِتِ الْمُتَخَلِّقِ وَدِدْتُ وَبَيْتِ اللَّهِ أَنِّي عَصَيْتُهُمْ وَحَمَلْتُ فِي رِضْوَانِهَا كُلَّ مَوْثِقِ وَكُلِّفْتُ خَوْضَ الْبَحْرِ وَالْبَحْرُ زَاخِرُ أَبَيْتُ عَلَى أَثْبَاجِ مَوْجٍ مُغَرِّقِ كَأَنِّي أَرَى النَّاسَ الْمُحِبِّينَ بَعْدَهَا عُصَارَةَ مَاءِ الْحَنْظَلِ الْمُتَفَلِّقِ فَتُنْكِرُ عَيْنِي بَعْدَهَا كُلَّ مَنْظَرٍ وَيَكْرَهُ سَمْعِي بَعْدَهَا كُلَّ مَنْطِقِ وَسَقَطَ غُرَابٌ قَرِيبًا مِنْهُ فَجَعَلَ يَنْعَقُ مِرَارًا، فَتَطَيَّرَ مِنْهُ وَقَالَ: لَقَدْ نَعَقَ الْغُرَابُ بِبَيْنِ لُبْنَى فَطَارَ الْقَلْبُ مِنْ حَذَرِ الْغُرَابِ وَقَالَ غَدًا تَبَاعَدُ دَارُ لُبْنَى وَتَنْأَى بَعْدَ وِدٍّ وَاقْتِرَابِ فَقُلْتُ تَعِسْتَ وَيْحَكَ مِنْ غُرَابٍ وَكَانَ الدَّهْرَ سَعْيُكَ فِي تَبَابِ فَلَمَّا رَكِبَتْ هَوْدَجَهَا تَبِعَهَا وَقَالَ: أَلَا يَا غُرَابَ الْبَيْنِ هَلْ أَنْتَ مُخْبِرِي بِخَيْرٍ كَمَا خَبَّرْتَ بِالنَّأْيِ وَالشَّرِّ وَقُلْتَ كَذَاكَ الدَّهْرُ مَا زَالَ فَاجِعًا صَدَقْتَ وَهَلْ شَيْءٌ بِبَاقٍ عَلَى الدَّهْرِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ مِنْهَا، فَوَقَفَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ حَتَّى غَابُوا، فَكَرَّ رَاجِعًا يَنْظُرُ إِلَى [أَثَرِ] خُفِّ بَعِيرِهَا يُقَبِّلُهُ وَيُقَبِّلُ مَوْضِعَ مَجْلِسِهَا وَأَثَرَ قَدَمِهَا فَعَنَّفُوهُ عَلَى تَقْبِيلِ التُّرَابِ، فَقَالَ: وَمَا أَحْبَبْتُ أَرْضَكُمُ وَلَكِنْ أُقَبِّلُ أَثَرَ مَنْ وَطِئَ التُّرَابَا لَقَدْ لَاقَيْتُ مَنْ كَلَفِي بِلُبْنَى بَلَاءً مَا أُسِيغُ لَهُ شَرَابَا إِذَا نَادَى الْمُنَادِي بِاسْمِ لُبْنَى عَيِيتُ فَمَا أُطِيقُ لَهُ جَوَابَا وَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ: مُنْذُ كَمْ وَجَدْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ مَا وَجَدْتَ؟ فَقَالَ: تَعَلَّقُ رُوحِي رُوحَهَا قَبْلَ خُلُقِنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا كُنَّا نِطَافًا وَفِي الْمَهْدِ . فَزَادَ كَمَا زِدْنَا فَأَصْبَحَ نَامِيًا وَلَيْسَ إِذَا مُتْنَا بِمُنْصَرِمِ الْعَهْدِ وَلَكِنَّهُ بَاقٍ عَلَى كُلِّ حَادِثٍ وَزَائِرُنَا فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ: إِنَّ مِمَّا يُسَلِّيكَ عَنْهَا أَنْ تَذْكُرَ مَسَاوِئَهَا وَمَا تَعَافُهُ النَّفْسُ مِنْهَا مِنْ أَقْذَارِ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ: إِذَا عِبْتُهَا شَبَّهْتُهَا الْبَدْرَ طَالِعًا وَحَسْبُكَ مِنْ عَيْبٍ لَهَا شَبَهُ الْبَدْرِ لَقَدْ فُضِّلَتْ لُبْنَى عَلَى النَّاسِ مِثْلَمَا عَلَى أَلْفِ شَهْرٍ فُضِّلَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ إِذَا مَا مَشَتْ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ أَرَجَفَتْ مِنَ الْبُهْرِ حَتَّى مَا تَزِيدُ عَلَى شِبْرِ لَهَا كَفَلٌ يَرْتَجُّ مِنْهَا إِذَا مَشَتْ وَقَدٌّ كَغُصْنِ الْبَانِ مُنْضَمِرُ الْخَصْرِ فَدَخَلَ أَبُوهُ وَالطَّبِيبُ عِنْدَهُ، فَجَعَلَ يُعَاتِبُهُ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ دُمْتَ عَلَى هَذَا مُتَّ. فَقَالَ: وَفِي عُرْوَةَ الْعُذْرِيِّ إِنْ مُتُّ أُسْوَةٌ وَعَمْرِو بْنِ عَجْلَانَ الَّذِي قَتَلَتْ هِنْدُ وَبِي مِثْلُ مَا مَاتَا بِهِ غَيْرَ أَنَّنِي إِلَى أَجَلٍ لَمْ يَأْتِنِي وَقْتُهُ بَعْدُ وَقَالَ: هَلِ الْحُبُّ إِلَّا عَبْرَةٌ بَعْدَ زَفْرَةٍ وَحَرٌّ عَلَى الْأَحْشَاءِ لَيْسَ لَهُ بَرْدُ وَفَيْضُ دُمُوعٍ تَسْتَهِلُّ إِذَا بَدَا لَنَا عِلْمٌ مِنْ أَرْضِكُمْ لَمْ يَكُنْ يَبْدُو قَالَ: فَلَمَّا طَالَ عَلَى قَيْسٍ مَا بِهِ أَشَارَ قَوْمُهُ عَلَى أَبِيهِ أَنْ يُزَوِّجَهُ امْرَأَةً جَمِيلَةً لَعَلَّهُ يَسْلُو بِهَا، فَدَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ فَأَبَى، فَأَعْلَمَهُمْ أَبُوهُ بِمَا رَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: مُرْهُ بِالْمَسِيرِ فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ وَالنُّزُولِ عَلَيْهِمْ؛ لَعَلَّهُ يُبْصِرُ امْرَأَةً تُعْجِبُهُ، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ، فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِحَيٍّ فَرَأَى جَارِيَةً كَالْبَدْرِ، فَقَالَ: مَا اسْمُكِ يَا جَارِيَةُ؟ فَقَالَتْ: لُبْنَى، فَسَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَاعَتْ، وَقَالَتْ: إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا قَيْسَ بْنَ ذُرَيْحٍ، إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ، فَلَمَّا أَفَاقَ سَأَلَتْهُ أَنْ يُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِمْ، فَأَكَلَ وَارْتَحَلَ، فَأَتَى أَخُوهَا فَرَأَى مُنَاخَ النَّاقَةِ فَلَحِقَهُ فَرَدَّهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى زَوَّجَهُ مِنْ أُخْتِهِ، فَلَمَّا زُفَّتْ إِلَيْهِ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا زواج لبنى وَبَلَغَ حَدِيثُهُ لُبْنَى، فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَغَدَّارٌ وَلَقَدْ كُنْتُ أَمْتَنِعُ مِنَ التَّزْوِيجِ فَالْآنَ أَتَزَوَّجُ، فَزُوِّجَتْ، فَاشْتَدَّ جَزَعُهُ. وَإِنَّ أَبَا لُبْنَى شَخَصَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَشَكَى إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلُبْنَى بَعْدَ الطَّلَاقِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِإِهْدَارِ دَمِهِ، فَبَعَثَتْ لُبْنَى إِلَيْهِ تُحَذِّرُهُ، فَقَالَ: فَإِنْ يَحْجُبُوهَا أَوْ يَحُلْ دُونَ وَصْلِهَا مَقَالَةُ وَاشٍ أَوْ وَعِيدُ أَمِيرِ فَلَنْ يَمْنَعُوا عَيْنَيَّ مِنْ دَائِمِ الْبُكَا وَلَنْ يُذْهِبُوا مَا قَدْ أَجَنَّ ضَمِيرِي إِلَى اللَّهِ أَشْكُو مَا أُلَاقِي مِنَ الْهَوَى وَمِنْ حُرَقٍ تَعْتَادُنِي وَزَفِيرِ وَمِنْ حَرَقٍ لِلْحُبِّ فِي بَاطِنِ الْحَشَى وَلَيْلٍ طَوِيلِ الْحُزْنِ غَيْرِ قَصِيرِ وَكُنَّا جَمِيعًا قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الْهَوَى بِأَنْعَمِ حَالَيْ غِبْطَةٍ وَسُرُورِ فَمَا بَرِحَ الْوَاشُونَ حَتَّى بَدَتْ لَهُمْ بُطُونُ الْهَوَى مَقْلُوبَةً لِظُهُورِ لَقَدْ كُنْتِ حَسْبَ النَّفْسِ لَوْ دَامَ وَصْلُنَا وَلَكِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاعُ غُرُورِ ثُمَّ حَجَّ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَجَّتْ، فَلَقِيَهَا فَوَقَفَ بَاهِتًا، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِالسَّلَامِ. ثُمَّ إِنَّهُ اقْتَطَعَ قِطْعَةً مِنْ إِبِلِهِ وَأَعْلَمَ أَبَاهُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِهَا الْمَدِينَةَ لِيَبِيعَهَا وَيَمْتَارَ لِأَهْلِهِ بِثَمَنِهَا، فَعَرَفَ أَبُوهُ [أَنَّهُ] إِنَّمَا يُرِيدُ لُبْنَى، فَعَاتَبَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا هُوَ يَعْرِضُهَا [إِذْ] سَاوَمَهُ زَوْجُ لُبْنَى بِنَاقَةٍ مِنْهَا وَهُمَا لَا يَتَعَارَفَانِ، فَبَاعَهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: إِذَا كَانَ فِي غَدٍ فَأْتِنِي فِي دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ فَاقْبَضِ الثَّمَنَ، فَمَضَى، وَقَالَ زَوْجُ لُبْنَى لَهَا: إِنِّي ابْتَعْتُ نَاقَةً مِنْ رَجُلٍ بَدَوِيٍّ وَهُوَ يَأْتِينَا غَدًا لِيَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَأَعِدِّي لَهُ طَعَامًا. فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جَاءَ فَصَوَّتَ بِالْخَادِمِ وَقَالَ: قُولِي لِسَيِّدِكِ: صَاحِبُ النَّاقَةِ بِالْبَابِ، فَعَرَفَتْ لُبْنَى نَغْمَتَهُ فَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ زَوْجُهَا لِلْخَادِمِ: قُولِي لَهُ يَدْخُلْ، فَدَخَلَ فَجَلَسَ، فَقَالَتْ لُبْنَى لِلْخَادِمِ: قَوْلِي لَهُ: مَا لَكَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ، فَقَالَتْ لَهُ، فَتَنَفَّسَ وَقَالَ: هَكَذَا تَكُونُ حَالُ مَنْ فَارَقَ الْأَحِبَّةَ، وَبَكَى. فَقَالَتْ لُبْنَى: قُولِي لَهُ: حَدِّثْنَا حَدِيثَكَ، فَلَمَّا ابْتَدَأَ يُحَدِّثُ كَشَفَتِ الْحِجَابَ، فَبُهِتَ لَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ بَكَى وَنَهَضَ يَخْرُجُ، فَنَادَاهُ زَوْجُهَا: مَا قِصَّتُكَ؟ ارْجِعْ فَاقْبِضِ الثَّمَنَ، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ وَخَرَجَ، فَقَالَتْ لُبْنَى لِزَوْجِهَا: هَذَا وَاللَّهِ قَيْسٌ. وَقَالَ فِي طَرِيقِهِ فِيهَا: أَتَبْكِي عَلَى لُبْنَى وَأَنْتَ تَرَكْتَهَا وَكُنْتَ عَلَيْهَا بِالْمَلَا أَنْتَ أَقْدَرُ فَإِنْ تَكُنِ الدُّنْيَا بِلُبْنَى تَقَلَّبَتْ فَلِلدَّهْرِ وَالدُّنْيَا بُطُونٌ وَأَظْهُرُ لَقَدْ كَانَ فِيهَا لِلْأَمَانَةِ مَوْضِعٌ وَلِلْكَفِّ مُرْتَادٌ وَلِلَعِينِ مَنْظَرُ كَأَنِّي لَهَا أُرْجُوحَةٌ بَيْنَ أَحْبُلٍ إِذَا ذُكْرَةٌ مِنْهَا عَلَى الْقَلْبِ تَخْطُرُ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَمَرِضَ مَرَضًا أَشَفَى مِنْهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَأَهْلُهُ فَعَاتَبُوهُ، فَقَالَ: وَيْحَكُمْ! أَتَرَوْنِي أَمْرَضْتُ نَفْسِي أَوْ وَجَدْتُ لَهَا سَلْوَةً فَاخْتَرْتُ الْبَلَاءَ، أَوْ لِي فِي ذَلِكَ صُنْعٌ، هَذَا مَا اخْتَارَهُ لِي أَبَوَايَ فَقَتَلَانِي بِهِ، فَجَعَلَ أَبُوهُ يَبْكِي وَيَدْعُو لَهُ بِالْفَرَجِ، وَدَسَّتْ إِلَيْهِ لُبْنَى رَجُلًا فَقَالَتْ لَهُ: قُلْ لَهُ: لِمَ تَزَوَّجْتَ بَعْدَهَا؟ فَجَاءَ يَسْأَلُهُ، فَحَلَفَ لَهُ أَنَّ عَيْنَهُ مَا اكْتَحَلَتْ بِالْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا، وَأَنَّهُ لَوْ رَآهَا فِي نِسْوَةٍ مَا عَرَفَهَا، وَأَنَّهُ مَا مَدَّ إِلَيْهَا يَدًا، وَلَا كَشَفَ لَهَا عَنْ ثَوْبٍ، قَالَ: فَحَمِّلْنِي إِلَيْهَا مَا شِئْتَ، فَقَالَ: أَلَا حَيِّ لُبْنَى الْيَوْمَ إِنْ كُنْتَ غَادِيًا وَأَلْمِمْ بِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ لَا تَلَاقِيَا وَقُلْ إِنَّنِي وَالرَّاقِصَاتُ إِلَى مِنًى بِأَجْبُلِ جَمْعٍ يَنْظُرُونَ الْمُنَادِيَا أَصُونُكِ عَنْ بَعْضِ الْأُمُورِ مَظَنَّةً وَأَخْشَى عَلَيْكِ الْكَاشِحِينَ الْأَعَادِيَا أَقُولُ إِذَا نَفْسِي مِنَ الْوَجْدِ أَصْعَدَتْ بِهَا زَفْرَةٌ تَعْتَادُنِي هِيَ مَا هِيَا وَبَيْنَ الْحَشَى وَالنَّحْرِ مِنِّي حَرَارَةٌ وَلَوْعَةُ وَجْدٍ تَتْرُكُ الْقَلْبَ سَاهِيَا أَلَا لَيْتَ لُبْنَى لَمْ تَكُنْ خُلَّةً لَنَا وَلَمْ تَرَنِي لُبْنَى وَلَمْ أَدْرِ مَا هِيَا خَلِيلِيَّ مَا لِي قَدْ بُلِيتُ وَلَا أَرَى لُبَيْنَى عَلَى الْهِجْرَانِ إِلَّا كَمَا هِيَا جَزِعْتُ عَلَيْهَا لَوْ أَرَى لِي مَجْزَعًا وَأَفْنَيْتُ دَمْعَ الْعَيْنِ لَوْ كَانَ فَانِيَا تَمُرُّ اللَّيَالِي وَالشُّهُورُ وَلَا أَرَى وُلُوعِي بِهَا يَزْدَادُ إِلَّا تَمَادِيَا وَاشْتَهَرَ أَمْرُ قَيْسٍ بِالْمَدِينَةِ، وَغَنَّى بِشِعْرِهِ الْغَرِيضُ وَمَالِكٌ وَمَعْبَدٌ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ شَرِيفٌ وَلَا وَضِيعٌ إِلَّا سَمِعَ بِذَلِكَ وَحَزِنَ لَهُ، وَجَاءَ زَوْجُ لُبْنَى فَعَاتَبَهَا فَقَالَ: فَضَحَنِي بِذِكْرِكِ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا تَزَوَّجْتُكَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أُهْدِرَ دَمُهُ، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيكَ. وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ دَارُ ضِيَافَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَهُ زَوْجَةٌ يُقَالُ لَهَا بُرَيْكَةُ، فَدَخَلَ الدَّارَ قَيْسٌ فِي جُنُونِهِ، فَقَالَ: أَيْنَ بُرَيْكَةُ؟ فَلَقِيَهَا، فَقَالَ لَهَا: حَاجَتِي نَظْرَةٌ إِلَى لُبْنَى، فَقَالَتْ: لَكَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ وَأَهْدَى لَهَا هَدَايَا كَثِيرَةً، وَقَالَ لَاطِفِيهِمْ حَتَّى يَأْنَسُوا بِكِ، فَفَعَلَتْ وَزَارَتْهُمْ مِرَارًا وَقَالَتْ لِزَوْجِ لُبْنَى: أَخْبِرْنِي، أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ زَوْجِي؟! قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَلُبْنَى خَيْرٌ مِنِّي؟! قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَمَا لِي أَزُورُهَا وَلَا تَزُورُنِي؟! قَالَ: ذَاكَ إِلَيْهَا، فَأَتَتْهَا وَسَأَلَتْهَا الزِّيَارَةَ، وَأَعْلَمَتْهَا أَنَّ قَيْسًا عِنْدَهَا فَأَسْرَعَتْ إِلَيْهَا فَبَكَيَا حَتَّى كَادَا يَتْلَفَانِ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: أَنْشِدْنِي مَا قُلْتَ فِي عِلَّتِكَ، فَقَالَ: أُعَالِجُ مِنْ نَفْسِي بَقَايَا حُشَاشَةٍ عَلَى ظَمَأٍ وَالْعَائِدَاتُ تَعُودُ فَإِنْ ذُكِرَتْ لُبْنَى هَشِشْتُ لِذِكْرِهَا كَمَّا هَشَّ لِلثَّدْيِ الدُّرُورِ وَلِيدُ وَرَحَلَ قَيْسٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنِهِ يَزِيدَ فَامْتَدَحَهُ وَشَكَى مَا بِهِ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُحَتِّمَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يُطَلِّقَهَا، قَالَ: لَا، بَلْ أُحِبُّ أَنْ أُقِيمَ حَيْثُ تُقِيمُ، وَأَعْرِفَ أَخْبَارَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهْدَرَ دَمِي، فَأَجَابَهُ، وَغَيَّرَ مَا كَانَ كَتَبَ فِي إِهْدَارِ دَمِهِ. الاختلاف في آخر أمر قيس وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي آخِرِ أَمْرِ قَيْسٍ. فَرَوَى قَوْمٌ أَنَّ لُبْنَى مَاتَتْ فَخَرَجَ قَيْسٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَوَقَفَ عَلَى قَبْرِهَا، فَقَالَ: مَاتَتْ لُبَيْنَى فَمَوْتُهَا مَوْتِي هَلْ تَنْفَعَنْ حَسْرَتِي عَلَى الْفَوْتِ وَسَوْفَ أَبْكِي بُكَاءَ مُكْتَئِبٍ قَضَى حَيَاةً وَجْدًا عَلَى مَيْتِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَى الْقَبْرِ يَبْكِي حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَرَفَعَهُ أَهْلُهُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ، فَلَمْ يَزَلْ عَلِيلًا لَا يُفِيقُ وَلَا يُجِيبُ مُكَلِّمًا ثَلَاثًا، ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ إِلَى جَنْبِهَا. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبَايَةَ، قَالَ: خَرَجَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ إِلَى الْمَدِينَةِ يَبِيعُ نَاقَةً لَهُ، فَاشْتَرَاهَا زَوْجُ لُبْنَى وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ مَعِي أُعْطِكَ الثَّمَنَ، فَمَضَى مَعَهُ، فَلَمَّا فَتَحَ الْبَابَ إِذَا لُبْنَى قَدِ اسْتَقْبَلَتْ قَيْسًا، فَلَمَّا رَآهَا وَلَّى هَارِبًا، وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي إِثْرِهِ بِالثَّمَنِ لِيَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: لَا تَرْكَبُ لِي مَطِيَّتَيْنِ أَبَدًا، فَقَالَ: وَأَنْتَ قَيْسُ بْنُ ذُرَيْحٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ لُبْنَى قَدْ رَأَيْتَهَا قِفْ حَتَّى أُخَيِّرَهَا فَإِنِ اخْتَارَتْكَ طَلَّقْتُهَا، وَظَنَّ الْقُرَشِيُّ أَنَّ فِي قَلْبِهَا لَهُ مَوْضِعًا وَأَنَّهَا لَا تَفْعَلُ، قَالَ لَهُ قَيْسٌ: افْعَلْ. فَدَخَلَ الْقُرَشِيُّ عَلَيْهَا فَاخْتَارَتْ قَيْسًا فَطَلَّقَهَا، وَأَقَامَ قَيْسٌ يَنْتَظِرُ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ لِيَتَزَوَّجَهَا فَمَاتَتْ فِي الْعِدَّةِ. وَرَوَى آخَرُونَ أَنَّ ابْنَ أَبِي عَتِيقٍ جَاءَ إِلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ؓ وَابْنِ جَعْفَرٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: إِنَّ لِي حَاجَةً إِلَى رَجُلٍ وَأَخْشَى أَنْ يَرُدَّنِي، وَإِنِّي أَسْتَعِينُ بِجَاهِكُمْ، فَمَضَى بِهِمْ إِلَى زَوْجِ لُبْنَى، فَلَمَّا رَآهُمْ أَعْظَمَ مَصِيرَهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: جِئْنَا لِحَاجَةٍ لِابْنِ أَبِي عَتِيقٍ، فَقَالَ: هِيَ مَقْضِيَّةٌ مَا كَانَتْ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ: فَهَبْ لِي وَلَهُمْ زَوْجَتَكَ لُبْنَى وَتُطَلِّقُهَا، قَالَ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنَّهَا طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَاسْتَحْيَا الْقَوْمُ وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَا أَنَّ حَاجَتَهُ هَذِهِ، وَعَوَّضَهُ الْحَسَنُ ؓ عَنْ ذَلِكَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَحَمَلَهَا ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْقَضَتِ الْعِدَّةُ سَأَلَ الْقَوْمُ أَبَاهَا فَزَوَّجَهَا مِنْهُ، فَلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى مَاتَا. وَقَالَ قَيْسٌ يَمْدَحُ ابْنَ أَبِي عَتِيقٍ: جَزَى الرَّحْمَنُ أَفْضَلَ مَا يُجَازِي عَلَى الْإِحْسَانِ خَيْرًا مِنْ صَدِيقِ فَقَدْ جَرَّبْتُ إِخْوَانِي جَمِيعًا فَمَا أَلْفَيْتُ كَابْنِ أَبِي عَتِيقِ سَعَى فِي جَمْعِ شَمْلِي بَعْدَ صَدْعٍ وَرَأْيٍ حِدْتُ فِيهِ عَنِ الطَّرِيقِ وَأَطْفَأَ لَوْعَةً كَانَتْ بِقَلْبِي أَغَصَّتْنِي حَرَارَتُهَا بِرِيقِي
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.