دليل

التاريخ 2256

سنة خمس وستين

مُحَارِبَةِ الْمُهَلَّبِ الْخَوَارِجَ  لَمَّا قَرُبَتِ الْخَوَارِجُ مِنَ الْبَصْرَةِ أَتَى أَهْلُهَا الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَوَلَّى حَرْبَهُمْ، فَأَشَارَ بِالْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ لِمَا يَعْلَمُ فِيهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالرَّأْيِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَرْبِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَدْ وَلَّاهُ خُرَاسَانَ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: مَا لِهَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ الْمُهَلَّبِ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَكَلَّمُوهُ، فَأَبَى، فَكَلَّمَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، فَاعْتَذَرَ بِعَهْدِهِ عَلَى خُرَاسَانَ، فَوَضَعَ الْحَارِثُ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ كِتَابًا إِلَيْهِ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ وَأَتَوْهُ بِالْكِتَابِ، فَلَمَّا قَرَأَهُ قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَسِيرُ إِلَيْهِمْ إِلَّا أَنْ تَجْعَلُوا لِي مَا غُلِبْتُ عَلَيْهِ وَتُقْطِعُونِي مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا أُقَوِّي بِهِ مَنْ مَعِي. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَكَتَبُوا لَهُ بِهِ كِتَابًا، وَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فَأَمْضَاهُ، فَاخْتَارَ الْمُهَلَّبُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِمَّنْ يَعْرِفُ نَجْدَتَهُ وَشَجَاعَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، مِنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِيَاحٍ الْأَنْصَارِيُّ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ الْمُزَنِيُّ وَأَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، وَخَرَجَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْخَوَارِجِ وَهُمْ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَصْغَرِ، فَحَارَبَهُمْ وَهُوَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ وَأَشْرَافِهِمْ، فَدَفَعَهُمْ عَنِ الْجِسْرِ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ إِلَّا أَنْ يَدْخُلُوا، فَارْتَفَعُوا إِلَى الْجِسْرِ الْأَكْبَرِ إِلَيْهِمْ فِي الْخَيْلِ وَالرِّجَالِ. فَلَمَّا رَأَوْهُ قَدْ قَارَبَهُمُ ارْتَفَعُوا فَوْقَ ذَلِكَ. وَلَمَّا بَلَغَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ تَأْمِيرُ الْمُهَلَّبِ عَلَى قِتَالِ الْأَزَارِقَةِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ [ مِنَ ] النَّاسِ: كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا فَأَقْبَلَ بِمَنْ مَعَهُ نَحْوَ الْبَصْرَةِ فَرَدَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَى الْمُهَلَّبِ، وَرَكِبَ حَارِثَةُ فِي سَفِينَةٍ فِي نَهْرِ دُجَيْلٍ يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ وَعَلَيْهِ سِلَاحُهُ وَالْخَوَارِجُ وَرَاءَهُ، فَصَاحَ التَّمِيمِيُّ بِحَارِثَةَ يَسْتَغِيثُ بِهِ لِيَحْمِلَهُ مَعَهُ، فَقَرَّبَ السَّفِينَةَ إِلَى شَاطِئِ النَّهْرِ، وَهُوَ جُرْفٌ، فَوَثَبَ التَّمِيمِيُّ إِلَيْهَا فَغَاصَتْ بِجَمِيعِ مَنْ فِيهَا فَغَرِقُوا. وَأَمَّا الْمُهَلَّبُ فَإِنَّهُ سَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالْخَوَارِجِ وَهُمْ بِنَهْرِ تِيرَى وَتَنَحَّوْا عَنْهُ إِلَى الْأَهْوَازِ، وَسَيَّرَ الْمُهَلَّبُ إِلَى عَسْكَرِهِمُ الْجَوَاسِيسَ تَأْتِيهِ بِأَخْبَارِهِمْ، فَلَمَّا أَتَاهُ خَبَرُهُمْ سَارَ نَحْوَهُمْ وَاسْتَخْلَفَ أَخَاهُ الْمُعَارِكَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى نَهْرِ تِيرَى، فَلَمَّا وَصَلَ الْأَهْوَازَ قَاتَلَتِ الْخَوَارِجُ مُقَدِّمَتَهُ، وَعَلَيْهِمُ ابْنُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ، فَجَالَ أَصْحَابُهُ ثُمَّ عَادُوا. فَلَمَّا رَأَى الْخَوَارِجُ صَبْرَهُمْ سَارُوا عَنْ سُوقِ الْأَهَاوِزِ إِلَى مَنَاذِرَ، فَسَارَ يُرِيدُهُمْ، فَلَمَّا قَارَبَهُمْ سَيَّرَ الْخَوَارِجُ جَمْعًا عَلَيْهِمْ وَاقَدٌ مَوْلَى أَبِي صُفْرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى وَبِهَا الْمَعَارِكُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَسَيَّرَ ابْنَهُ الْمُغِيرَةَ إِلَى نَهْرِ تِيرَى، فَأَنْزَلَ عَمَّهُ الْمُعَارِكَ وَدَفَنَهُ وَسَكَنَ النَّاسُ وَاسْتَخْلَفَ بِهَا جَمَاعَةً وَعَادَ إِلَى أَبِيهِ وَقَدْ نَزَلَ سُولَافَ. وَكَانَ الْمُهَلَّبُ شَدِيدَ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ، لَا يَنْزِلُ إِلَّا فِي خَنْدَقٍ وَهُوَ عَلَى تَعْبِيَةٍ وَيَتَوَلَّى الْحَرَسَ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا نَازَلَ الْخَوَارِجَ بِسُولَافَ رَكِبُوا وَوَقَفُوا لَهُ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ حَمَلَتِ الْخَوَارِجُ حَمْلَةً صَادِقَةً عَلَى الْمُهَلَّبِ وَأَصْحَابِهِ فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَثَبَتَ الْمُهَلَّبُ وَأَبْلَى ابْنُهُ الْمُغِيرَةَ يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا ظَهَرَ فِيهِ أَثَرُهُ، وَنَادَى الْمُهَلَّبُ أَصْحَابَهُ فَعَادُوا إِلَيْهِ مَعَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرٌ نَحْوَ أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرَادَ الْقِتَالَ بِمَنْ مَعَهُ فَنَهَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ لِضَعْفِهِمْ وَكَثْرَةِ الْجِرَاحِ فِيهِمْ، فَتَرَكَ الْقِتَالَ وَسَارَ وَقَطَعَ دُجَيْلَ وَنَزَلَ بِالْعَاقُولِ لَا يُؤْتَى إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، شعر ابن قيس الرقيات في يوم سولاف ( وَفِي يَوْمِ سُولَافَ يَقُولُ ابْنُ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ: أَلَا طَرَقَتْ مِنْ آلِ مَيَّةَ طَارِقَهْ عَلَى أَنَّهَا مَعْشُوقَةُ الدَّلِّ عَاشِقَهْ     تَمِيسُ وَأَرْضُ السُّوسِ بَيْنِي وَبَيْنَهَا وَسُولَافُ رُسْتَاقٌ حَمَتْهُ الْأَزَارِقَهْ     إِذَا نَحْنُ شَتَّى صَادَفَتْنَا عِصَابَةٌ حَرُورِيَّةٌ أَضْحَتْ مِنَ الدِّينِ مَارِقَهْ     أَجَازَتْ إِلَيْنَا الْعَسْكَرَيْنِ كِلَيْهِمَا فَبَاتَتْ لَنَا دُونَ اللِّحَافِ مُعَانِقَهْ وَقَالَ فِيهِ بَعْضُ الْخَوَارِجِ: وَكَائِنْ تَرَكْنَا يَوْمَ سُولَافَ مِنْهُمُ     أُسَارَى وَقَتْلَى فِي الْجَحِيمِ مَصِيرُهَا وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِيهِ. فَلَمَّا وَصَلَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْعَاقُولِ نَزَلَ فِيهِ وَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ ارْتَحَلَ وَسَارَ نَحْوَ الْخَوَارِجِ، وَهُمْ بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى، فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْهُمْ وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَفْعَلُ أَشْيَاءَ يُحَدِّثُ بِهَا النَّاسَ لِيَنْشَطُوا إِلَى الْقِتَالِ فَلَا يَرَوْنَ لَهَا أَثَرًا، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ: أَنْتَ الْفَتَى كُلُّ الْفَتَى     لَوْ كُنْتَ تَصْدُقُ مَا تَقُولُ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمُ الْكَذَّابَ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذَّابٌ فِي كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكَايَدَةً لِلْعَدُوِّ. فَلَمَّا نَزَلَ الْمُهَلَّبُ قَرِيبًا مِنَ الْخَوَرِاجِ وَخَنْدَقَ عَلَيْهِ، وَضَعَ الْمَسَالِحَ وَأَذْكَى الْعُيُونَ وَالْحَرَسَ وَالنَّاسَ عَلَى رَايَاتِهِمْ وَمَوَاقِفِهِمْ، وَأَبْوَابُ الْخَنْدَقِ مَحْفُوظَةٌ، فَكَانَ الْخَوَارِجُ إِذَا أَرَادُوا بَيَاتَهُ وَغِرَّتَهُ وَجَدُوا أَمْرًا مُحْكَمًا فَرَجَعُوا، فَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ إِنْسَانٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْهُ. ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ أَرْسَلُوا عُبَيْدَةَ بْنَ هِلَالٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ فِي عَسْكَرٍ لَيْلًا إِلَى عَسْكَرِ الْمُهَلَّبِ لِيُبَيِّتُوهُ، فَصَاحُوا بِالنَّاسِ عَنْ يَمِينِهِمْ وَيَسَارِهِمْ فَوَجَدُوهُمْ عَلَى تَعْبِيَةٍ قَدْ حَذِرُوا، فَلَمْ يَنَالُوا مِنْهُمْ شَيْئًا، وَأَصْبَحَ الْمُهَلَّبُ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِي تَعْبِيَةٍ، وَجَعَلَ الْأَزْدَ وَتَمِيمًا مَيْمَنَةً، وَبَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَعَبْدَ الْقَيْسِ مَيْسَرَةً، وَأَهْلَ الْعَالِيَةِ فِي الْقَلْبِ، وَخَرَجَتِ الْخَوَارِجُ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِمْ عُبَيْدَةُ بْنُ هِلَالٍ الْيَشْكُرِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْمَاحُوزِ، وَكَانُوا أَحْسَنَ عُدَّةً وَأَكْرَمَ خَيْلًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لِأَنَّهُمْ مَخَرُوا الْأَرْضَ وَجَرَّدُوهَا مَا بَيْنَ كَرْمَانَ إِلَى الْأَهْوَازِ. فَالْتَقَى النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ عَامَّةَ النَّهَارِ، ثُمَّ إِنَّ الْخَوَارِجَ شَدَّتْ عَلَى النَّاسِ شَدَّةً مُنْكَرَةً، فَأَجْفَلُوا وَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٌ، حَتَّى بَلَغَتِ الْهَزِيمَةُ الْبَصْرَةَ، وَخَافَ أَهْلُهَا السِّبَاءَ. وَأَمَّا الْمُهَلَّبُ فَإِنَّهُ سَبَقَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَوَقَفَ لَهُمْ بِمَكَانٍ مُرْتَفِعٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَجَعَلَ يُنَادِي: إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ جَيْشِهِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْفُرْسَانِ الشُّجْعَانِ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رُبَّمَا يَكِلُ الْجَمْعَ الْكَثِيرَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيُهْزَمُونَ، وَيُنْزِلُ النَّصْرَ عَلَى الْجَمْعِ الْيَسِيرِ فَيَظْهَرُونَ، وَلَعَمْرِي مَا بِكُمُ الْآنَ مِنْ قِلَّةٍ، وَأَنْتُمْ فُرْسَانُ أَهْلِ الْمِصْرَ وَأَهْلُ النَّصْرِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنِ انْهَزَمَ مَعَكُمُ الْآنَ، وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا. ثُمَّ قَالَ: عَزَمْتُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَّا أَخَذَ عَشَرَةَ أَحْجَارٍ مَعَهُ، ثُمَّ امْشُوا بِنَا إِلَى عَسْكَرِهِمْ ; فَإِنَّهُمُ الْآنَ آمِنُونَ، وَقَدْ خَرَجَتْ خُيُولُهُمْ فِي طَلَبِ إِخْوَانِكُمْ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ خَيْلُهُمْ حَتَّى تَسْتَبِيحُوا عَسْكَرَهُمْ، وَتَقْتُلُوا أَمِيرَهُمْ. فَفَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَزَحَفَ بِهِمْ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ عَلَى عَسْكَرِ الْخَوَارِجِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا نَحْوًا مِنْ سَبْعَةِ آلَافٍ، وَقَتَلَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْمَاحُوزِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَزَارِقَةِ، وَاحْتَازَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ شَيْئًا كَثِيرًا، وَقَدْ أَرْصَدَ الْمُهَلَّبُ خُيُولًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ مِنْ طَلَبِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَجَعَلُوا يُقْتَطَعُونَ دُونَ قَوْمِهِمْ، وَانْهَزَمَ فَلُّهُمْ إِلَى كَرْمَانَ وَأَرْضِ أَصْبَهَانَ، وَأَقَامَ الْمُهَلَّبُ بِالْأَهْوَازِ حَتَّى قَدِمَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَعَزَلَ عَنْهَا الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. شعر بعض الخوارج لما رأى قتال أصحاب المهلب بالحجارة ( قَالَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ لَمَّا رَأَى قِتَالَ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ بِالْحِجَارَةِ: أَتَانَا بِأَحْجَارٍ لِيَقْتُلَنَا بِهَا     وَهَلْ تُقْتَلُ الْأَقْرَانُ وَيْحَكَ بِالْحَجَرِ ! ( وَفِي هَذَا الْيَوْمِ يَقُولُ الصَّلَتَانِ الْعَبْدِيُّ: بِسِلَّى وَسِلَّبْرَى مَصَارِعُ فِتْيَةٍ     كِرَامٍ وَقَتْلَى لَمْ تُوَسَّدْ خُدُودُهَا استخلاف الخوارج الزبير بن الماحوز فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمَاحُوزِ ) اسْتَخْلَفَ الْخَوَارِجُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْمَاحُوزِ: وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ يُعَرِّفُهُ ظَفَرَهُ، فَأَرْسَلَ الْحَارِثُ الْكِتَابَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ لِيَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ هُنَاكَ، وَكَتَبَ الْحَارِثُ إِلَى الْمُهَلَّبِ: ( أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ فِيهِ نَصْرَ اللَّهِ وَظَفَرَ الْمُسْلِمِينَ، فَهَنِيئًا لَكَ يَا أَخَا الْأَزْدِ شَرَفُ الدُّنْيَا وَعِزُّهَا وَثَوَابُ الْآخِرَةِ وَفَضْلُهَا. فَلَمَّا قَرَأَ الْمُهَلَّبُ كِتَابَهُ ضَحِكَ وَقَالَ: أَمَا يَعْرِفُنِي إِلَّا بِأَخِي الْأَزْدِ ! مَا هُوَ إِلَّا أَعْرَابِيٌّ جَافٍ ). وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ وَنَافِعَ بْنَ الْأَزْرَقِ قَبْلَ مُسْلِمٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ مِنَ الْخَوَارِجِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَسُيِّرَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَصْرَةِ بَعْدَهُ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ الْغُدَانِيُّ، فَلَمَّا رَآهُمْ عَرَفَ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِمْ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كَرْنِبُوا وَدَوْلِبُوا كَيْفَ شِئْتُمْ فَاذْهَبُوا يَعْنِي مَا شَاءَ، ثُمَّ سَارَ بَعْدَهُ مُسْلِمُ بْنُ عُبَيْسٍ ). وَقِيلَ: إِنَّ الْمُهَلَّبَ لَمَّا دَفَعَ الْخَوَارِجَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الْأَهْوَازِ أَقَامَ بَقِيَّةَ سَنَتِهِ يَجْبِي كُوَرَ دِجْلَةَ، وَرَزَقَ أَصْحَابَهُ، وَأَتَاهُ الْمَدَدُ مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى بَلَغَ أَصْحَابُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَزِيمَةُ الْخَوَارِجِ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.