التاريخ 2315
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين
مبايعة أهل العراق لعبد الملك وتولية بشر بن مروان إمارة الكوفة قَالُوا: وَلَمَّا قَتَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُصْعَبًا ارْتَحَلَ إِلَى الْكُوفَةِ فَنَزَلَ النُّخَيْلَةَ فَوَفَدَتْ عَلَيْهِ الْوُفُودُ بِهَا مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ وَسَادَاتِ الْعَرَبِ، وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ بِفَصَاحَةٍ وَبَلَاغَةٍ وَاسْتِشْهَادٍ بِأَشْعَارٍ حَسَنَةٍ، وَبَايَعَهُ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَفَرَّقَ الْعِمَالَاتِ فِي النَّاسِ، وَوَلَّى الْكُوفَةَ قَطَنَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى أَخَاهُ بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَيْهَا، وَخَطَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا بِالْكُوفَةِ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ لَوْ كَانَ خَلِيفَةً كَمَا يَزْعُمُ لَخَرَجَ فَآسَى بِنَفْسِهِ، وَلَمْ يَغْرِزْ ذَنْبَهُ فِي الْحَرَمِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ أَخِي بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ وَأَمَرْتُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ، وَبِالشِّدَّةِ عَلَى أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا. ولاية خالد بن عبد الله البصرة وَأَمَّا أَهْلُ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَقْتَلُ مُصْعَبٍ تَنَازَعَ فِي إِمَارَتِهَا حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، فَغَلَبَهُ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانٍ عَلَيْهَا فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا فَكَانَ أَشْرَفَ الرَّجُلَيْنِ. قَالَ أَعْرَابِيٌّ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رِدَاءَ ابْنِ أَبَانٍ مَالَ عَنْ عَاتِقِهِ يَوْمًا، فَابْتَدَرَهُ مَرْوَانُ، وَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ أَيُّهُمَا يُسَوِّيهِ عَلَى مَنْكِبَيْهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَدَّ حُمْرَانُ يَوْمًا رِجْلَهُ فَابْتَدَرَ مُعَاوِيَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ أَيُّهُمَا يَغْمِزُهَا. قَالَ: فَبَعَثَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ وَالِيًا عَلَيْهَا - يَعْنِي عَلَى الْبَصْرَةِ - فَأَخَذَهَا مِنْ حُمْرَانَ بْنِ أَبَانٍ وَاسْتَنَابَ فِيهَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، وَعَزَلَ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانٍ عَنْهَا. قَالُوا: وَقَدْ أَمَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بِطَعَامٍ كَثِيرٍ فَعُمِلَ لِأَهْلِ الْكُوفَةِ فَأَكَلُوا مِنْ سِمَاطِهِ، وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى السَّرِيرِ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَلَذَّ عَيْشَنَا لَوْ أَنَّ شَيْئًا يَدُومُ، وَلَكِنْ نَحْنُ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: وَكُلُّ جَدِيدٍ يَا أُمَيْمَ إِلَى بِلًى وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا يَصِيرُ إِلَى كَانْ فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنَ الطَّعَامِ نَهَضَ فَدَارَ فِي الْقَصْرِ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ عَنْ أَحْوَالِ الْقَصْرِ وَمَنْ بَنَى أَمَاكِنَهُ وَبُيُوتَهُ، فَيُخْبِرُهُ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَجْلِسِهِ فَاسْتَلْقَى وَهُوَ يَقُولُ: اعْمَلْ عَلَى مَهَلٍ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ وَاكَدَحْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانْ فَكَأَنَّ مَا قَدْ كَانَ لَمْ يَكُ إِذْ مَضَى وَكَأَنَّ مَا هُوَ كَائِنٌ قَدْ كَانْ رجوع عبد الملك بن مروان إلى الشام قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِيهَا رَجَعَ عَبْدُ الْمَلِكِ - فِيمَا زَعَمَ الْوَاقِدِيُّ - إِلَى الشَّامِ. عزل ابن الزبير ؓ جابر بن الأسود عن المدينة قَالَ: وَفِيهَا عَزَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ جَابِرَ بْنَ الْأَسْوَدِ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ هُوَ آخِرَ أُمَرَائِهِ عَلَيْهَا، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهَا طَارِقُ بْنُ عَمْرٍو مَوْلَى عُثْمَانَ، مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. من حج بالناس في هذه السنة وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى الْعِرَاقِ. فتح قرطاجنة قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِيهَا عَقَدَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ نَائِبُ مِصْرَ لِحَسَّانَ الْغَسَّانِيِّ عَلَى غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَافْتَتَحَ قَرْطَاجَنَّةَ وَكَانَ أَهْلُهَا رُومًا عُبَّادَ أَصْنَامٍ. قتل نجدة الحروري وَفِيهَا قُتِلَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ الَّذِي تَغَلَّبَ عَلَى الْيَمَامَةَ، وَفِيهَا خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثَوْرٍ فِي الْيَمَامَةِ. ذِكْرُ أَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَزُفَرَ بْنِ الْحَارِثِ قَدْ ذَكَرْنَا فِي وَقْعَةِ رَاهِطٍ مَسِيرَ زُفَرَ إِلَى قَرْقِيسِيَا وَاجْتِمَاعَ قَيْسٍ عَلَيْهِ، وَالسَّبَبَ فِي اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهَا وَمَا كَانَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَ عَلَى بَيْعَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَفِي طَاعَتِهِ. فَلَمَّا مَاتَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَوَلِيَ ابْنُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ كَتَبَ إِلَى أَبَانَ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَهُوَ عَلَى حِمْصٍ يَأْمُرُهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى زُفَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَمِيتٍ الطَّائِيُّ، فَوَاقَعَ عَبْدُ اللَّهِ زُفَرَ قَبْلَ وُصُولِ أَبَانَ، وَكَثُرَ فِي أَصْحَابِهِ الْقَتْلُ، قُتِلَ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ، فَلَامَهُ أَبَانُ عَلَى عَجَلَتِهِ، وَأَقْبَلَ أَبَانُ فَوَاقَعَ زُفَرَ، فَقُتِلَ ابْنُهُ وَكِيعُ بْنُ زُفَرَ، وَأَدْرَكَتْ طَيِّءٌ ثَقَلَ زُفَرَ وَنِسَاءِهِ، فَاسْتَوْهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ النِّسَاءَ وَأَلْحَقَهُنَّ بِزُفَرَ بِقَرْقِيسِيَا، فَقَالَ زُفَرُ: عَلِقْنَ بِحَبْلٍ مِنْ حُصَيْنٍ لَوَ انَّهُ تَغَيَّبَ حَالَتْ دُونَهُنَّ الْمَصَائِرُ أَبُوكُمْ أَبُونَا فِي الْقَدِيمِ وَإِنَّنِي لِغَابِرُكُمْ فِي آخِرِ الدَّهْرِ شَاكِرُ وَكَانَ يُقَالُ لِزُفَرَ إِنَّهُ مِنْ كِنْدَةَ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ لَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَى مُصْعَبٍ سَارَ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَحَصَرَ زُفَرَ فِيهَا وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، فَأَمَرَ زُفَرُ أَنْ يُنَادِيَ [ فِي ] عَسْكَرِ عَبْدِ الْمَلِكِ: لِمَ نَصَبْتُمْ عَلَيْنَا الْمَجَانِيقَ ؟ قَالَ: لِنَثْلِمَ ثُلْمَةً نُقَاتِلُكُمْ عَلَيْهَا. فَقَالَ زُفَرُ: قُولُوا لَهُمْ: فَإِنَّا لَا نُقَاتِلُكُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحِيطَانِ، وَلَكِنَّا نَخْرُجُ إِلَيْكُمْ. وَثَلَمَتِ الْمَنْجَنِيقُ مِنَ الْمَدِينَةِ بُرْجًا مِمَّا يَلِي حُرَيْثَ بْنَ بَحْدَلٍ، فَقَالَ زُفَرُ: لَقَدْ تَرَكَتْنِي مَنْجَنِيقُ ابْنِ بَحْدَلٍ أَحِيدُ عَنِ الْعُصْفُورِ حِينَ يَطِيرُ وَكَانَ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ مُجِدًّا فِي قِتَالِهِمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ زُفَرَ مِنْ بَنِي كَلَابٍ: لَأَقُولَنَّ لِخَالِدٍ كَلَامًا لَا يَعُودُ إِلَى مَا يَصْنَعُ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ خَالِدٌ لِلْمُحَارَبَةِ، فَقَالَ لَهُ الْكَلَابِيُّ: مَاذَا ابْتِغَاءُ خَالِدٍ وَهَمُّهْ إِذْ سَلَبَ الْمُلْكَ وَنِيكَتُ امُّهْ فَاسْتَحْيَا وَعَادَ وَلَمْ يَرْجِعْ يُقَاتِلُهُمْ. وَقَالَتْ كَلْبٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: إِنَّا إِذَا لَقِيَنَا زُفَرَ انْهَزَمَتِ الْقَيْسِيَّةُ الَّذِينَ مَعَكَ، فَلَا تَخْلِطْهُمْ مَعَنَا. فَفَعَلَ، فَكَتَبَتِ الْقَيْسِيَّةُ عَلَى نَبْلِهَا: إِنَّهُ لَيْسَ يُقَاتِلُكُمْ غَدًا مُضَرِيٌّ، وَرَمَوُا النَّبْلَ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ زُفَرُ دَعَا ابْنَهُ الْهُذَيْلَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَقِيلَ: [ كَانَ ] يُكَنَّى أَبَا الْكَوْثَرِ، فَقَالَ: اخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَشُدَّ عَلَيْهِمْ شَدَّةً لَا تَرْجِعْ حَتَّى تَضْرِبَ فُسْطَاطَ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْتَ دُونَ أَنْ تَطَأَ أَطْنَابَ فُسْطَاطِهِ لَأَقْتُلَنَّكَ. فَجَمَعَ الْهُذَيْلُ خَيْلَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ، فَصَبَرُوا قَلِيلًا ثُمَّ انْكَشَفُوا، وَتَبِعَهُمُ الْهُذَيْلُ بِخَيْلِهِ حَتَّى وَطِئُوا أَطْنَابَ الْفُسْطَاطِ وَقَطَعُوا بَعْضَهَا ثُمَّ رَجَعُوا، فَقَبَّلَ زُفَرُ رَأَسَ الْهُذَيْلِ وَقَالَ: لَا يَزَالُ عَبْدُ الْمَلِكِ يُحِبُّكَ بَعْدَهَا أَبَدًا. فَقَالَ الْهُذَيْلُ: وَاللَّهِ لَوْ شِئْتَ أَنْ أَدْخُلَ الْفُسْطَاطَ لَفَعَلْتُ. فَقَالَ زُفَرُ: أَلَا لَا أُبَالِي مَنْ أَتَاهُ حِمَامُهُ إِذَا مَا الْمَنَايَا عَنْ هُذَيْلٍ تَجَلَّتِ تَرَاهُ أَمَامَ الْخَيْلِ أَوَّلَ فَارِسٍ وَيَضْرِبُ فِي أَعْجَازِهَا إِنْ تَوَلَّتِ وَلَمَّا ثُلِمَ بُرْجُ قَرْقِيسِيَا قَالَ لِعَبْدِ الْمَلِكِ بَعْضُ أَهْلِهِ: لَوْ قَاتَلْتَهُمْ بِقُضَاعَةَ لَمَلَكْتَهُمْ. فَفَعَلَ وَقَاتَلَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْمَسَاءِ انْكَشَفَتْ قُضَاعَةُ وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِيهِمْ، وَأَقْبَلَ رُوحُ بْنُ زِنْبَاعٍ الْجُذَامِيُّ إِلَى بُرْجٍ مِنْهَا، فَسَأَلَ أَهْلَهُ وَقَالَ: نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ كَمْ قَتَلْنَا مِنْكُمْ ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ لَمْ يُقْتَلْ مِنَّا أَحَدٌ، وَلَمْ يُجْرَحْ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالُوا: نَشَدْنَاكَ اللَّهَ كَمْ قُتِلَ مِنْكُمْ ؟ قَالَ: عِدَّةُ فُرْسَانٍ، وَجَرَحْتُمْ مَا لَا يُحْصَى، فَلَعَنَ اللَّهُ ابْنَ بَحْدَلٍ ! وَرَجَعَ رَوْحٌ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ بَحْدَلٍ يُمَنِّيكَ الْبَاطِلَ، فَأَعْرِضْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ يُقَالُ لَهُ الذَّيَّالُ يَخْرُجُ فَيَسُبُّ زُفَرَ فَيُكْثِرُ، فَقَالَ زُفَرُ لِلْهُذَيْلِ ابْنِهِ أَوْ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَمَا تَكْفِينِي هَذَا ؟ قَالَ: أَنَا أَجِيئُكَ بِهِ. فَدَخَلَ عَسْكَرَ عَبْدِ الْمَلِكِ لَيْلًا فَجَعَلَ يُنَادَى: مَنْ يَعْرِفُ بَغْلًا مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا ؟ حَتَّى انْتَهَى إِلَى خِبَاءِ الرَّجُلِ وَقَدْ عَرَفَهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ ضَالَّتَكَ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ عَيِيتُ فَلَوْ أَذِنْتَ لِي فَاسْتَرَحْتُ قَلِيلًا. قَالَ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ وَالرَّجُلُ وَحْدَهُ فِي خِبَائِهِ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ وَنَامَ صَاحِبُ الْخِبَاءِ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ تَكَلَّمْتَ لَأَقْتُلَنَّكَ. قَالَ: قُتِلْتُ أَوْ سَلِمْتُ فَمَاذَا يَنْفَعُكَ قَتْلِي ؟ ( قَالَ: لَئِنْ ) سَكَتَّ وَجِئْتَ مَعِي إِلَى زُفَرَ، فَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنْ أَرُدَّكَ إِلَى عَسْكَرِكَ بَعْدَ أَنْ يَصِلَكَ زُفَرُ وَيُحْسِنَ إِلَيْهِ. فَخَرَجَا وَهُوَ يُنَادِي: مَنْ دَلَّ عَلَى بَغْلٍ مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا ؟ حَتَّى أَتَى زُفَرَ وَالرَّجُلُ مَعَهُ، فَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ آمَنَهُ، فَوَهَبَ لَهُ زُفَرُ دَنَانِيرَ، وَحَمَلَهُ عَلَى رِحَالَةِ النِّسَاءِ، وَأَلْبَسَهُ ثِيَابَهُنَّ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَجُلًا حَتَّى دَنَوْا مِنْ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمَلِكِ. فَنَادَوْا: هَذِهِ جَارِيَةٌ قَدْ بَعَثَ بِهَا زُفَرُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ. وَانْصَرَفُوا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْعَسْكَرِ عَرَفُوهُ، وَأَخْبَرُوا عَبْدَ الْمَلِكِ الْخَبَرَ، فَضَحِكَ وَقَالَ: لَا يُبْعِدُ اللَّهُ رَجُلًا نُصِرَ، وَاللَّهِ إِنَّ قَتْلَهُمْ لَذُلٌّ، وَإِنَّ تَرْكَهُمْ لَحَسْرَةٌ. وَكَفَّ الرَّجُلُ فَلَمْ يَعُدْ يَسُبُّ زُفَرَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنَ الْعَسْكَرِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ أَمَرَ أَخَاهُ مُحَمَّدًا أَنْ يَعْرِضَ عَلَى زُفَرَ وَابْنِهِ الْهُذَيْلِ الْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَمَنْ مَعَهُمَا وَمَالِهِمْ، وَأَنْ يُعْطَيَا مَا أَحَبَّا. فَفَعَلَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ، فَأَجَابَ الْهُذَيْلُ وَكَلَّمَ أَبَاهُ وَقَالَ لَهُ: لَوْ صَالَحْتَ هَذَا الرَّجُلَ فَقَدْ أَطَاعَهُ النَّاسُ، وَهُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَأَجَابَ عَلَى أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي بَيْعَتِهِ سَنَةً، وَأَنْ يَنْزِلَ حَيْثُ شَاءَ، وَلَا يُعِينَ عَبْدَ الْمَلِكِ عَلَى قِتَالِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَبَيْنَا الرُّسُلُ تَخْتَلِفُ بَيْنَهُمَا إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ، فَقَالَ: قَدْ هُدِمَ مِنَ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَبْرَاجٍ. فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لَا أُصَالِحُهُمْ. وَزَحَفَ إِلَيْهِمْ، فَهَزَمُوا أَصْحَابَهُ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ عَسْكَرَهُمْ. فَقَالَ: أَعْطُوهُمْ مَا أَرَادُوا. فَقَالَ زُفَرُ: لَوْ كَانَ قَبْلَ هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ. وَاسْتَقَرَّ الصُّلْحُ عَلَى أَمَانِ الْجَمِيعِ، وَوَضْعِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، وَأَنْ لَا يُبَايِعَ عَبْدَ الْمَلِكِ حَتَّى يَمُوتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِلْبَيْعَةِ لَهُ فِي عُنُقِهِ، وَأَنْ يُعْطَى مَالًا يُقَسِّمُهُ فِي أَصْحَابِهِ. وَخَافَ زُفَرُ أَنْ يَغْدِرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ كَمَا غَدَرَ بِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، فَلَمْ يَنْزِلْ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِقَضِيبِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَانًا لَهُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ ابْنُ عِضَاةَ الْأَشْعَرِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْهُ. فَقَالَ زُفَرُ: كَذَبْتَ هُنَاكَ، إِنِّي عَادَيْتُ فَضَرَرْتُ، وَوَالَيْتُ فَنَفَعْتُ. وَلَمَّا رَأَى عَبْدُ الْمَلِكِ قِلَّةَ مَنْ مَعَ زُفَرَ قَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الْقِلَّةِ لَحَاصَرْتُهُ أَبَدًا حَتَّى يَنْزِلَ عَلَى حُكْمِي. فَبَلَغَ قَوْلُهُ زُفَرَ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ رَجَعْنَا وَرَجَعْتَ. فَقَالَ: بَلْ نَفِي لَكَ يَا أَبَا الْهُذَيْلِ. وَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ يَوْمًا: بَلَغَنِي أَنَّكَ مِنْ كِنْدَةَ. فَقَالَ: وَمَا خَيْرُ مَنْ لَا يَبْغِي حَسَدًا، وَلَا يَدَّعِي رَغْبَةً ! وَتَزَوَّجَ مَسْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الرَّبَابَ بِنْتَ زُفَرَ، فَكَانَ يُؤْذَنُ لِأَخَوَيْهَا الْهُذَيْلِ وَالْكَوْثَرِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. وَأَمَرَ زُفَرُ ابْنَهُ الْهُذَيْلَ أَنْ يَسِيرَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى قِتَالِ مُصْعَبٍ وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ لَا عَهْدَ عَلَيْكَ. فَسَارَ مَعَهُ، فَلَمَّا قَارَبَ مُصْعَبًا هَرَبَ إِلَيْهِ، وَقَاتَلَ مَعَ ابْنِ الْأَشْتَرِ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الْأَشْتَرِ اخْتَفَى الْهُذَيْلُ بِالْكُوفَةِ حَتَّى اسْتُؤْمِنَ لَهُ مِنْ عَبْدِ الْمَلِكِ فَآمَنَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.