التاريخ 2403
سنة ست وتسعين
الْكَلَامُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِرَأْسِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ قَالَ: وَكَّلَنِي الْوَلِيدُ عَلَى الْعُمَّالِ فِي بِنَاءِ جَامِعِ دِمَشْقَ فَوَجَدْنَا فِيهِ مَغَارَةً، فَعَرَّفْنَا الْوَلِيدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ وَافَانَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ الشَّمْعُ، فَنَزَلَ فَإِذَا هِيَ كَنِيسَةٌ لَطِيفَةٌ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فِي ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ، وَإِذَا فِيهَا صُنْدُوقٌ، فَفَتَحَ الصُّنْدُوقَ فَإِذَا فِيهِ سَفَطٌ، وَفِي السَّفَطِ رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ: هَذَا رَأْسُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا. فَأَمَرَ بِهِ الْوَلِيدُ فَرُدَّ إِلَى الْمَكَانِ. وَقَالَ: اجْعَلُوا الْعَمُودَ الَّذِي فَوْقَهُ مُغَيَّرًا مِنْ بَيْنِ الْأَعْمِدَةِ. فَجُعِلَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مُسَفَّطَ الرَّأْسِ. وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ: أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَانَ تَحْتَ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْقُبَّةِ يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تُبْنَى قَالَ: وَكَانَ عَلَى الرَّأْسِ شَعْرٌ وَبَشَرٌ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقَدٍ، قَالَ: حَضَرْتُ رَأْسَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، وَقَدْ أُخْرِجَ مِنَ اللِّيطَةِ الْقِبْلِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ الَّتِي عِنْدَ مَجْلِسِ بُجَيْلَةَ، فَوُضِعَ تَحْتَ عَمُودِ السِّبْطِ السَّكَاسِكِ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: هُوَ الْعَمُودُ الرَّابِعُ الْمُسَفَّطُ. وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبِرَامِيِّ، بسنده عَنْ أَبِي زِيَادٍ، وَأَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيَّيْنِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ صَلَاةٍ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُسْهِرٍ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ نَافِعٍ مَوْلَى أَمِّ عَمْرٍو بِنْتِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ: عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمَّاهُ أَنَّ وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ خَرَجَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي بَابَ جَيْرُونَ فَلَقِيَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ وَاثِلَةُ: أُرِيدُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ: تَعَالَ حَتَّى أُرِيَكَ مَوْضِعًا فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، مَنْ صَلَّى فِيهِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَذَهَبَ بِهِ فَأَرَاهُ مَا بَيْنَ الْبَابِ الْأَصْفَرِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْوَالِي إِلَى الْحَنِيَّةِ يَعْنِي الْقَنْطَرَةَ الْغَرْبِيَّةَ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ فَكَأَنَّمَا صَلَّى فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ وَاثِل?ةُ: إِنَّهُ لَمَجْلِسِي وَمَجْلِسُ قَوْمِي. قَالَ كَعْبٌ: هُوَ ذَاكَ. وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ جِدًّا وَمُنْكَرٌ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَى مِثْلِهِ. وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِبِنَاءِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ وَجَدُوا فِي حَائِطِ الْمَسْجِدِ الْقِبْلِيِّ لَوْحًا مِنْ حَجَرٍ فِيهِ كِتَابٌ نَقْشٌ، فَأَتَوْا بِهِ الْوَلِيدَ، فَبَعَثَ إِلَى الرُّومِ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى مَنْ كَانَ بِدِمَشْقَ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَشْبَانِ، فَلَمْ يَسْتَخْرِجُوهُ. فَدُلَّ عَلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِمَوْضِعِ ذَلِكَ اللَّوْحِ، فَوَجَدُوهُ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ وَيُقَالُ: إِنْ ذَلِكَ الْحَائِطَ بَنَاهُ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ وَهْبٌ حَرَّكَ رَأْسَهُ وَقَرَأَهُ فَإِذَا هُوَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ابْنَ آدَمَ، لَوْ رَأَيْتَ يَسِيرَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِكَ، لَزَهَدْتَ فِي طُولِ مَا تَرْجُو مِنْ أَمَلِكَ، وَإِنَّمَا تَلْقَى نَدَمَكَ. لَوْ قَدْ زَلَّتْ بِكَ قَدَمُكَ، وَأَسْلَمَكَ أَهْلُكَ وَحَشَمُكَ، وَانْصَرَفَ عَنْكَ الْحَبِيبُ، وَوَدَّعَكَ الْقَرِيبُ، ثُمَّ صِرْتَ تُدْعَى فَلَا تُجِيبُ، فَلَا أَنْتَ إِلَى أَهْلِكَ عَائِدٌ، وَلَا فِي عَمَلِكَ زَائِدٌ، فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَبْلَ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ بِكَ أَجَلُكَ، وَتُنْزَعَ مِنْكَ رُوحُكَ، فَلَا يَنْفَعُكَ مَالٌ جَمَعْتَهُ، وَلَا وَلَدٌ وَلَدْتَهُ، وَلَا أَخٌ تَرَكْتَهُ، ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى بَرْزَخِ الثَّرَى، وَمُجَاوَرَةِ الْمَوْتَى، فَاغْتَنِمِ الْحَيَاةَ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَالْقُوَّةَ قَبْلَ الضَّعْفِ، وَالصِّحَّةَ قَبْلَ السَّقَمِ، قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ بِالْكَظْمِ، وَيُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعَمَلِ. وَكُتِبَ فِي زَمَنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ بسنده: لَمَّا كَانَ فِي أَيَّامِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَبِنَائِهِ الْمَسْجِدَ احْتَفَرُوا فِيهِ مَوْضِعًا، فَوَجَدُوا بَابًا مِنْ حِجَارَةٍ مُغْلَقًا، فَلَمْ يَفْتَحُوهُ، وَأَعْلَمُوا بِهِ الْوَلِيدَ، فَخَرَجَ مِنْ دَارِهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، وَفُتِحَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا دَاخِلُهُ مَغَارَةٌ فِيهَا تَمْثَالُ إِنْسَانٍ مِنْ حِجَارَةٍ عَلَى فَرَسٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِي يَدِ التَّمْثَالِ الْوَاحِدَةِ الدُّرَّةُ الَّتِي كَانَتْ فِي الْمِحْرَابِ، وَيَدُهُ الْأُخْرَى مَقْبُوضَةٌ، فَأَمَرَ بِهَا فَكُسِرَتْ، فَإِذَا فِيهَا حَبَّتَانِ; حَبَّةُ قَمْحٍ وَحَبَّةُ شَعِيرٍ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ تَرَكْتَ الْكَفَّ لَمْ تَكْسِرْهَا لَمْ يُسَوِّسْ فِي هَذَا الْبَلَدِ قَمْحٌ وَلَا شَعِيرٌ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَحْمَدُ الْوَرَّاقُ، وَكَانَ قَدْ عُمِّرَ مِائَةَ سَنَةٍ: سَمِعْتُ بَعْضَ الشُّيُوخِ يَقُولُ: لَمَّا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دِمَشْقَ وَجَدُوا عَلَى الْعَمُودِ الَّذِي عَلَى الْمِقْسِلَّاطِ عَلَى السَّفُّودِ الْحَدِيدِ الَّذِي فِي أَعْلَاهُ صَنَمًا مَادًّا يَدَهُ بِكَفٍّ مُطْبَقَةٍ، فَكَسَرُوهُ، فَإِذَا فِي يَدِهِ حَبَّةُ قَمْحٍ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُمْ: هَذِهِ الْحَبَّةُ الْقَمْحِ جَعَلَهَا حُكَمَاءُ الْيُونَانِ فِي كَفِّ هَذَا الصَّنَمِ طِلَّسْمًا، حَتَّى لَا يُسَوِّسَ الْقَمْحُ، وَلَوْ أَقَامَ سِنِينَ كَثِيرَةً. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ رَأَيْتُ أَنَا هَذَا السَّفُّودَ عَلَى قَنَاطِرِ كَنِيسَةِ الْمِقْسِلَّاطِ، فَلَمَّا هُدِمَتِ الْقَنَاطِرُ ذَهَبَ. قُلْتُ: كَنِيسَةُ الْمِقْسِلَّاطِ كَانَتْ مَبْنِيَّةً فَوْقَ الْقَنَاطِرِ الَّتِي فِي السُّوقِ الْكَبِيرِ، عِنْدَ الصَّابُونِيِّينَ وَالْعَطَّارِينَ الْيَوْمَ، وَعِنْدَهَا اجْتَمَعَتْ جُيُوشُ الْإِسْلَامِ يَوْمَ فَتْحِ دِمَشْقَ، دَخَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ، وَخَالِدٌ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ، كَمَا قَدَّمْنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ التَّمِيمِيُّ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ: سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ دِمَشْقَ يَقُولُونَ: إِنَّ فِي سَقْفِ مَسْجِدِ الْجَامِعِ طَلَاسِمَ عَمِلَهَا الْحُكَمَاءُ فِي السَّقْفِ، مِمَّا يَلِي الْحَائِطَ الْقِبْلِيَّ، فِيهَا طَلَاسِمُ لِلصَّنُونِيَّاتِ، لَا تَدْخُلُهُ وَلَا تُعَشِّشُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْأَوْسَاخِ الَّتِي تَكُونُ مِنْهَا، وَلَا يَدْخُلُهُ غُرَابٌ، وَطِلَّسْمٌ لِلْفَأْرِ وَالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ مَا أَبْصَرَ النَّاسُ مِنْ هَذَا شَيْئًا إِلَّا الْفَأْرَ، وَيُشَكُّ أَنْ يَكُونَ قَدْ عُدِمَ طِلَّسْمُهَا وَطِلَّسْمٌ لِلْعَنْكَبُوتِ حَتَّى لَا يَنْسِجَ فِي زَوَايَاهُ، فَيَرْكَبُهُ الْغُبَارُ وَالْوَسَخُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَسَمِعْتُ جَدِّي أَبَا الْفَضْلِ يَحْيَى بْنَ عَلِيٍّ الْقَاضِيَ، يَذْكُرُ أَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الْجَامِعِ قَبْلَ حَرِيقِهِ طِلَّسْمَاتٍ لِسَائِرِ الْحَشَرَاتِ، مُعَلَّقَةً فِي السَّقْفِ فَوْقَ الْبَطَائِنِ مِمَّا يَلِي السُّبْعَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ فِي الْجَامِعِ شَيْءٌ مِنَ الْحَشَرَاتِ قَبْلَ الْحَرِيقِ، فَلَمَّا احْتَرَقَتِ الطِّلَّسْمَاتُ وُجِدَتْ، وَكَانَ حَرِيقُ الْجَامِعِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ. وَقَدْ كَانَتْ بِدِمَشْقَ طِلَّسْمَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا سِوَى الْعَمُودِ الَّذِي بِسُوقِ الْعَلَبِيِّينَ الْيَوْمَ الَّذِي فِي أَعْلَاهُ مِثْلُ الْكُرَةِ الْعَظِيمَةِ، وَهُوَ لِعُسْرِ بَوْلِ الدَّوَابِّ إِذَا دَارُوا بِالدَّابَّةِ حَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ انْطَلَقَ. وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ: إِنَّمَا هَذَا قَبْرُ مُشْرِكٍ مُتَمَرِّدٍ مَدْفُونٌ هُنَالِكَ يُعَذَّبُ، فَإِذَا سَمِعَتِ الدَّابَّةُ صِيَاحَهُ فَزِعَتْ فَانْطَلَقَ طَبْعُهَا. قَالَ: وَلِهَذَا يَذْهَبُونَ بِالدَّوَابِّ إِلَى مَقَابِرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِذَا مَغَلَتْ فَيَنْطَلِقُ طِبَاعُهَا وَتَرُوثُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا أَنَّهَا تَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.