التاريخ 2539
سنة أربع عشرة ومائة
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي سنة أربع عشرة ومائة مِنَ الْأَكَابِرِ جُعَيْلُ بْنُ مَاعَانَ بْنِ عُمَيْرٍ جُعَيْلُ بْنُ مَاعَانَ بْنِ عُمَيْرٍ، أَبُو سَعِيدٍ الرُّعَيْنِيُّ ثُمَّ الْقِيَانِيُّ : كَانَ أَحَدَ الْقُرَّاءِ الْفُقَهَاءِ، أَخْرَجَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْمَغْرِبِ لِيُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْقَضَاءِ بِإِفْرِيقِيَّةَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَلَهُ عَلَيْهِ وِفَادَةٌ. وَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي تَمِيمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الْجَيْشَانِيِّ. وَحَدَّثَ عَنْهُ بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ. عَبْدُ خَيْرِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو عُمَارَةَ عَبْدُ خَيْرِ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو عُمَارَةَ: أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ، وَسَكَنَ الْكُوفَةَ وَحَدَّثَ بِهَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَشَهِدَ مَعَهُ حَرْبَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ. رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَإِسْمَاعِيلُ السُّدِّيُّ، وَكَانَ ثِقَةً. عن مُسْهِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ خَيْرٍ: كَمْ أَتَى عَلَيْكَ؟ قَالَ: عِشْرُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، كُنْتُ غُلَامًا بِبِلَادِنَا بِالْيَمَنِ، فَجَاءَ كِتَابُ النَّبِيِّ ﷺ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ فَخَرَجُوا إِلَى حَيِّزٍ وَاسِعٍ، فَكَانَ أَبِي فِيمَنْ خَرَجَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جَاءَ أَبِي فَقَالَتْ لَهُ أُمِّي: مَا حَبَسَكَ وَهَذِهِ الْقِدْرُ قَدْ بَلَغَتْ وَهَؤُلَاءِ عِيَالُكَ يَتَضَوَّرُونَ يُرِيدُونَ الْغِذَاءَ؟ فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلَانٍ، أَسْلَمْنَا فَأَسْلِمِي، وَمُرِي بِهَذَا الْقِدْرِ فَلْتُهْرَقْ لِلْكِلَابِ وَكَانَتْ مَيْتَةً. فَهَذَا مَا أَذْكُرُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: بَاقِرُ الْعِلْمِ، تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ، كَثِيرُ الْعِلْمِ، أَحَدُ أَعْلَامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَعِبَادَةً وَنَسَبًا وَشَرَفًا، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ تَدَّعِي فِيهِ طَائِفَةُ الشِّيعَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ عَلَى طَرِيقِهِمْ وَلَا عَلَى مِنْوَالِهِمْ، وَلَا يَدَيْنُ بِمَا وَقَعَ فِي أَذْهَانِهِمْ وَأَوْهَامِهِمْ وَخَيَالِهِمْ، بَلْ كَانَ مِمَّنْ يُقَدِّمُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ وَذَلِكَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ فِي الْأَثَرِ، وَقَالَ أَيْضًا: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ بَيْتِي إِلَّا وَهُوَ يَتَوَلَّاهُمَا. ؓ وَعَنْهُ. وأُمُّهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَوُلِدَ لَهُ جَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ مِنْ أُمِّ فَرْوَةَ بِنْتِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ عَنْ جَابِرٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُقَالُ عِنْدَنَا بِالْعِرَاقِ إِنَّكَ لَتَبْرَأُ مِنْهُمَا، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ كَذَبَ مَنْ قَالَ هَذَا عَنِّي، أَوَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ زَوَّجَ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ الَّتِي مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَدَّتُهَا خَدِيجَةُ وَجَدُّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ،. قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عَنْ حِلْيَةِ السُّيُوفِ، قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ قَدْ حَلَّى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ سَيْفَهُ، قَالَ: قُلْتُ: وَتَقُولُ الصِّدِّيقُ، فَوَثَبَ وَثْبَةً وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ الصِّدِّيقُ، نَعَمْ الصِّدِّيقُ، نَعَمْ الصِّدِّيقُ، فَمَنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الصِّدِّيقُ فَلَا صَدَّقَ اللَّهُ لَهُ قَوْلًا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. قَالَ ابْنُ حُبَيْشٍ: بسنده عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَا جَابِرُ، بَلَغَنِي أَنَّ قَوْمًا بِالْعِرَاقِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَا وَيَنَالُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَزْعُمُونَ أَنِّي أَمَرْتُهُمْ بِذَلِكَ، فَأَبْلْغِهُمْ أَنِّي إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ وُلِّيتُ لَتَقَرَّبْتُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِدِمَائِهِمْ لَا نَالَتْنِي شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ إِنْ لَمْ [أَكُنْ] أَسْتَغْفِرُ لَهُمَا وَأَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمَا. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: قَالَ لَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: يُدْخِلُ أَحَدُكُمْ يَدَهُ فِي كُمِّ صَاحِبِهِ فَيَأْخُذُ مَا يُرِيدُ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَلَسْتُمْ إِخْوَانًا كَمَا تَزْعُمُونَ. تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَأَوْصَى أَنْ يُكَفَّنَ فِي قَمِيصِهِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ. الْمُفَضَّلُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُفَضَّلُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ عَوْفِ بْنِ رَبِيعَةَ، مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، كَذَلِكَ سَمَّاهُ أَبُو عُمَرَ وَالشَّيْبَانِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا النَّجْمِ: وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: اسْمُهُ الْفَضْلُ، وَهُوَ مِنْ رُجَّازِ الْإِسْلَامِ الْفُحُولِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى مِنْهُمْ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَا زَالَتِ الشُّعَرَاءُ تُقَصِّرُ بِالرُّجَّازِ حَتَّى قَالَ أَبُو النَّجْمِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَهُوبِ الْمُجْزِلِ وَقَالَ الْعَجَّاجُ: قَدْ جَبَرَ الدِّينَ الْإِلَهُ فَجُبِرَ وَقَالَ رُؤْبَةُ: وَقَاتِمِ الْأَعْمَاقِ خَاوِي الْمُخْتَرَقِ فَانْتَصَفُوا مِنْهُمْ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: دَخَلَ أَبُو النَّجْمِ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَقَدْ أَتَتْ لَهُ سَبْعُونَ سَنَةً، فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: مَا رَأْيُكَ فِي النِّسَاءِ؟ قَالَ: إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ شَزْرًا وَيَنْظُرْنَ إِلَيَّ شَزْرًا، فَوَهَبَ لَهُ جَارِيَةً وَقَالَ: اغْدُ عَلَيَّ فَأَعْلِمْنِي مَا كَانَ مِنْكَ، فَلَمَّا غَدَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا صَنَعْتُ شَيْئًا وَلَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، وَقُلْتُ فِي ذَلِكَ أَبْيَاتًا وَهِيَ: نَظَرَتْ فَأَعْجَبَهَا الَّذِي فِي دِرْعِهَا مِنْ حُسْنِهِ وَنَظَرْتُ فِي سِرْبَالِيَا فَرَأَتْ لَهَا كَفَلًا يَمِيلُ بِخَصْرِهَا وَعَثَا رَوَادِفُهُ وَأَجْثَمَ رَابِيَا وَرَأَيْتُ مُنْتَشِرَ الْعَجَانِ مُقَلَّصًا رِخْوًا مَفَاصِلُهُ وَجِلْدًا بَالِيَا أُدْنِي لَهُ الرَّكْبَ الْحَلِيقَ كَأَنَّمَا أُدْنِي إِلَيْهِ عَقَارِبًا وَأَفَاعِيَا فَضَحِكَ هِشَامٌ وَأَمَرَ لَهُ بِجَائِزَةٍ. وَقَالَ لَهُ هِشَامٌ: حَدِّثْنِي عَنْكَ، قَالَ: عَرَضَ لِي الْبَوْلُ فَقُمْتُ بِاللَّيْلِ أَبُولُ، فَخَرَجَ مِنِّي صَوْتٌ [فَتَشَدَّدْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَخَرَجَ مِنِّي صَوْتٌ] آخَرُ فَأَوَيْتُ إِلَى فِرَاشِي وَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْخِيَارِ، هَلْ سَمِعْتِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ وَلَا وَاحِدَةً مِنْهُمَا، فَضَحِكَ. وَأُمُّ الْخِيَارِ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الْخِيَارِ تَدَّعِي عَلَيَّ دَيْنًا كُلَّهُ لَمْ أَصْنَعِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، أَبُو مُحَمَّدٍ، وَاسْمُ أَبِي رَبَاحٍ: أَسْلَمُ الْمَكِّيُّ، وَهُوَ مَوْلَى الْجُنَيْدِ: وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ، أَعْوَرَ أَفْطَسَ أَعْرَجَ، ثُمَّ عَمِيَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَصِيحًا عَالِمًا فَقِيهًا، أَدْرَكَ أَبَا جُحَيْفَةَ وَشَهِدَ جِنَازَةَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ. وَرَوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ. رَوَى عَنْهُ: عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَيُّوبُ. وَحَجَّ سَبْعِينَ حَجَّةً، وَكَانَ يُنَادِي فِي زَمَنِ بَنِي أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ: لَا يُفْتِ النَّاسَ إِلَّا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ. عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُرِيدُ بِهَذَا الْعِلْمِ وَجْهَ اللَّهِ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ: عَطَاءٌ، وَطَاوُوسٌ، وَمُجَاهِدٌ. عَنْ مُعَاذِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَتَحَدَّثَ رَجُلٌ بِحَدِيثٍ فَاعْتَرَضَ لَهُ آخَرُ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ عَطَاءٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْأَخْلَاقُ!؟ إِنِّي لَأَسْمَعُ الْحَدِيثَ مِنَ الرَّجُلِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ، فَأُرِيهِ أَنِّي لَا أُحْسِنُ مِنْهُ شَيْئًا. عن مُعَلَّى بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ فَقَالَ: أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ لَعَلَّهُ يَنْفَعُكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ نَفَعَنِي، ثُمَّ قَالَ: قَالَ لَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: يَا بَنِي أَخِي، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، أَتُنْكِرُونَ أَنَّ عَلَيْكُمْ حَافِظِينَ، أَمَا يَسْتَحِي أَحَدُكُمْ أَنْ لَوْ نُشِرَتْ عَلَيْهِ صَحِيفَتُهُ الَّتِي أَمْلَى صَدْرَ نَهَارِهِ، كَانَ أَكْثَرُ مَا فِيهَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْأَنْمَاطِيُّ قَالَ: بسنده قَالَ: سَمِعْتُ الْأَصْمَعِيَّ يَقُولُ: دَخَلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ وَحَوَالَيْهِ الْأَشْرَافُ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ فِي وَقْتِ حَجِّهِ فِي خِلَافَتِهِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَامَ إِلَيْهِ وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ وَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، حَاجَتُكَ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي حَرَمِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُولِهِ، فَتَعَاهَدْهُ بِالْعِمَارَةِ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَأَنْتَ بِهِمْ أُجْلِسْتْ هَذَا الْمَجْلِسَ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَهْلِ الثُّغُورِ، فَإِنَّهُمْ حِصْنُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَهَّدْ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ وَحْدَكَ الْمَسْئُولُ عَنْهُمْ، وَاتَّقِ اللَّهَ فَيَمَنْ عَلَى بَابِكَ، وَلَا تَغْفُلُ عَنْهُمْ، وَلَا تُغْلِقْ دُونَهُمْ بَابَكَ. فَقَالَ لَهُ: أَفْعَلُ. ثُمَّ نَهَضَ فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا سَأَلْتَنَا حَوَائِجَ غَيْرِكَ، وَقَدْ قَضَيْنَاهَا، فَمَا حَاجَتُكَ؟ فَقَالَ: مَا لِي إِلَى مَخْلُوقٍ حَاجَةٌ. ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: هَذَا وَأَبِيكَ الشَّرَفُ، هَذَا وَأَبِيكَ السُّؤْدَدُ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ: بسنده قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: كَانَ عَطَاءٌ عَبْدًا أَسْوَدَ لِامْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ أَنْفُهُ كَأَنَّهُ بَاقِلَاءُ. قَالَ: وَجَاءَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى عَطَاءٍ هُوَ وَابْنَاهُ، فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا صَلَّى انْفَتَلَ إِلَيْهِمَا، فَمَا زَالُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَقَدْ حَوَّلَ قَفَاهُ إِلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ سُلَيْمَانُ لِابْنَيْهِ: قُومَا. فَقَامَا، فَقَالَ: يَا بَنِيَّ لَا تَنِيَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنِّي لَا أَنْسَى ذُلَّنَا بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْعَبْدِ الْأَسْوَدِ. أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ خَيْرُونَ بسنده عن عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي وَهُوَ يُرِيدُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا قَرَّبْنَا إِذَا بِشَيْخٍ أَسْوَدَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَيْهِ قَمِيصٌ دَنِسٌ، وَجُبَّةٌ دَنِسَةٌ، وَقَلَنْسُوَةٌ لَاطِيَةٌ دَنِسَةٌ، وَرِكَابَاهُ مِنْ خَشَبٍ. فَضَحِكْتُ وَقُلْتُ لِأَبِي: مَنْ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ؟ قَالَ: اسْكُتْ، هَذَا سَيِّدُ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ، هَذَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ. فَلَمَّا قَرُبَ نَزَلَ أَبِي عَنْ بَغْلَتِهِ، وَنَزَلَ هُوَ عَنْ حِمَارِهِ، فَاعْتَنَقَا وَتَسَالَا، ثُمَّ عَادَا فَرَكِبَا فَانْطَلَقَا حَتَّى وَقَفَا بِبَابِ هِشَامٍ، فَلَمَّا رَجَعَ أَبِي سَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا كَانَ مِنْكُمَا. قَالَ: لَمَّا قِيلَ لِهِشَامٍ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ [بِالْبَابِ] أَذِنَ لَهُ، فَوَ اللَّهِ مَا دَخَلْتُ إِلَّا بِسَبَبِهِ. فَلَمَّا رَآهُ هِشَامٌ قَالَ: مَرْحَبًا مَرْحَبًا هَاهُنَا هَاهُنَا. فَرَفَعَهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتُهُ رُكَبَهُ، وَعِنْدَهُ أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ، فَسَكَتُوا. فَقَالَ هِشَامٌ: مَا حَاجَتُكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ، أَهْلُ اللَّهِ، وَجِيرَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ فِيهِمْ أُعْطِيَاتِهِمْ وَأَرْزَاقَهُمْ، قَالَ: نَعَمْ، يَا غُلَامُ اكْتُبْ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ مَكَّةَ بِعَطَاءَيْنِ وَأَرْزَاقَهُمْ لِسَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ الْحِجَازِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ، أَصْلُ الْعَرَبِ، تُرَدُّ فِيهِمْ [فُضُولُ] صَدَقَاتِهِمْ قَالَ: نَعَمْ، يَا غُلَامُ اكْتُبْ بِأَنْ تُرَدَّ فِيهِمْ صَدَقَاتُهُمْ. قَالَ: هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ الثُّغُورِ يَرْمُونَ مِنْ وَرَاءِ بَيْضَتِكُمْ، وَيُقَاتِلُونَ عَدُوَّكُمْ، قَدْ أَجْرَيْتُمْ لَهُمْ أَرْزَاقًا تُدِرُّهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ إِنْ هَلَكُوا أَغَرْتُمْ. قَالَ: نَعَمْ، اكْتُبْ بِحَمْلِ أَرْزَاقِهِمْ إِلَيْهِمْ يَا غُلَامُ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَهْلُ ذِمَّتِكُمْ يَحْيَى صِغَارُهُمْ وَلَا يُتَعْتَعُ كِبَارُهُمْ، وَلَا يُكَلِّفُونَ إِلَّا مَا يُطِيقُونَ. قَالَ: نَعَمْ، اكْتُبْ لَهُمْ يَا غُلَامُ، هَلْ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرِهَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ خُلِقْتَ وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُحْشَرُ وَحْدَكَ، وَتُحَاسَبُ وَحْدَكَ، وَلَا وَاللَّهِ مَا مَعَكَ مِمَّنْ تَرَى أَحَدًا. قَالَ: فَأَكَبَّ هِشَامٌ وَقَامَ عَطَاءٌ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْبَابِ إِذَا رَجُلٌ قَدْ تَبِعَهُ بِكِيسٍ مَا أَدْرِي مَا فِيهِ، أَدَرَاهِمُ أَمْ دَنَانِيرُ. فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَ لَكَ بِهَذَا. فَقَالَ: لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنَّ أَجْرِي إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ عَطَاءٌ، فَلَا وَاللَّهِ مَا شَرِبَ عِنْدَهُ حُسْوَةً مِنْ مَاءٍ فَمَا فَوْقَهُ. تُوُفِّيَ عَطَاءٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بَلْ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ. وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَهُوَ مَوْلَى امْرَأَةٍ مِنْ كِنْدَةَ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسِينَ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيُّ قَاضِي مَرْوَ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ لِثَلَاثِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.