3. الخلافة الراشدة
التاريخ 1798لا حكم مسجّل
[أَوَّلُ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ] عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ... اشْرَأَبَّ النِّفَاقُ، وَارْتَدَتِ الْعَرَبُ، وَانْحَازَتِ الْأَنْصَارُ، فَلَوْ نَزَلَ بِالْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ مَا نَزَلَ بِأَبِي... لَهَاضَهَا، فَمَا اخْتَلَفُوا فِي نُقْطَةٍ... إِلَّا طَارَ أَبِي بِفَنَائِهَا وَفَصْلِهَا، قَالُوا: أَيْنَ يُدْفَنُ النَّبِيُّ، ﷺ ؟ فَمَا وَجَدْنَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ يُقْبَضُ... إِلَّا دُفِنَ تَحْتَ مَضْجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ». قَالَتْ: وَاخْتَلَفُوا فِي مِيرَاثِهِ، فَمَا وَجَدُوا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُوَرَّثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ». قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: (الْهَيْضُ: الْكَسْرُ لِلْعَظْمِ، وَاشْرَأَبَّ: رَفَعَ رَأْسَهُ). قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا أَوَّلُ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ؓ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَدْفِنُهُ بِمَكَّةَ بَلَدِهِ الَّذِي وُلِدَ بِهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بِمَسْجِدِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بِالْبَقِيعِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ مَدْفَنِ الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى أَخْبَرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ زَنْجُوَيْهِ: (وَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا الصِّدِّيقُ مِنْ بَيْنِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَرَجَعُوا إِلَيْهِ فِيهَا).
التاريخ 1799لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ الْمُشِيرَةِ إِلَى خِلَافَتِهِ وَكَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ؓ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يَكُونُ خَلْفِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً: أَبُو بَكْرٍ لَا يَلْبَثُ إِلَّا قَلِيلًا» وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا خَطَبَ قُرْبَ وَفَاتِهِ وَقَالَ: «إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ...» الْحَدِيثَ، وَفِي آخِرِهِ: لَا يَبْقَيَنَّ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ»، وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا: « لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ ». قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْخِلَافَةِ ; لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَى الصَّلَاةِ بِالْمُسْلِمِينَ، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مَطْعِمٍ - ؓ، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ - كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ، قَالَ «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي... فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ». وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ ؓ قَالَ: بَعَثَنِي بَنُو الْمُصْطَلِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ سَلْهُ: إِلَى مَنْ نَدْفَعُ صَدَقَاتِنَا بَعْدَكَ؟ فَأَتَيْتُهُ فَسَأَلْتُهُ: فَقَالَ: «إِلَى أَبِي بَكْرٍ». وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ: «ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ وَأَخَاكِ، حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا ; فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ». وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ ؓ أَنَّهَا سُئِلَتْ: مَنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَ؟ قَالَتْ: (أَبُو بَكْرٍ)، فَقِيلَ لَهَا: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: ( عُمَرُ )، قِيلَ لَهَا: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ قَالَتْ: (أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ). [رَضِيَهُ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا] وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ؓ قَالَ: مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَامَ مَقَامَكَ... لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، فَعَادَتْ فَقَالَ: «مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ»، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، هَذَا الْحَدِيثُ مُتَوَاتِرٌ. وعَنْ عَائِشَةَ ؓ: ( لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ... إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَإِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ.. إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ). وَفِي حَدِيثِ ابْنِ زَمْعَةَ ؓ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِبًا فَتَقَدَّمَ عُمَرُ فَصَلَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا، لَا، لَا، يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ ». وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: كَبَّرَ عُمَرُ، فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَهُ، فَأَطْلَعَ رَأْسَهُ مُغْضَبًا فَقَالَ: «أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ؟ !». قَالَ الْعُلَمَاءُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحُ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ الصِّدِّيقَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَحَقُّهُمْ بِالْخِلَافَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ. قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: (قَدْ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الصِّدِّيقَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ مَعَ حُضُورِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، مَعَ قَوْلِهِ: يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ»، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَقْرَأَهُمْ: أَيْ أَعْلَمُهُمْ بِالْقُرْآنِ).انْتَهَى. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الصَّحَابَةُ أَنْفُسُهُمْ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ، مِنْهُمْ: عُمَرُ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَقَدْ كَانَ مَعْرُوفًا بِأَهْلِيَّةِ الْإِمَامَةِ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ. وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَأَتَاهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ، لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ وَقَالَ: «يَا بِلَالُ، إِنْ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَمْ آتِ.. فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» فَلَمَّا حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ.. أَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَصَلَّى. وَأَخْرَجَ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ فِي « الْغَيْلَانِيَّاتِ»، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ حَفْصَةَ ؓ: أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: إِذَا أَنْتَ مَرِضْتَ... قَدَّمْتَ أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ: «لَسْتُ أَنَا أُقَدِّمُهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُقَدِّمُهُ». وَعَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُقَدِّمَكَ ثَلَاثًا، فَأَبَى عَلَيَّ إِلَّا تَقْدِيمَ أَبِي بَكْرٍ ». وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَزَالُ أَرَانِي أَطَأُ فِي عَذِرَاتِ النَّاسِ؟ قَالَ: «لَتَكُونَنَّ مِنَ النَّاسِ بِسَبِيلٍ» قَالَ: وَرَأَيْتُ فِي صَدْرِي كَالرُّقْمَتَيْنِ؟ قَالَ: «سَنَتَيْنِ». وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: ( أَتَيْتُ عُمَرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ، فَرَمَى بِبَصَرِهِ فِي مُؤَخَّرِ الْقَوْمِ إِلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: مَا تَجِدُ فِيمَا تَقْرَأُ قِبَلَكَ مِنَ الْكُتُبِ؟ قَالَ: خَلِيفَةُ النَّبِيِّ ﷺ صِدِّيقُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: (أَرْسَلَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ لَهُ: اشْفِنِي فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ، هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ ؟ فَاسْتَوَى الْحَسَنُ قَاعِدًا فَقَالَ: أَوَفِي شَكٍّ هُوَ لَا أَبَا لَكَ؟ ! إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ، وَلَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِاللَّهِ، وَأَتْقَى لَهُ، وَأَشَدَّ لَهُ مَخَافَةً مِنْ أَنْ يَمُوتَ عَلَيْهَا لَوْ لَمْ يُؤَمِّرْهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: (قَالَ لِي الرَّشِيدُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ اسْتَخْلَفَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ؟ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، سَكَتَ اللَّهُ، وَسَكَتَ رَسُولُهُ، وَسَكَتَ الْمُؤْمِنُونَ، قَالَ: وَاللَّهِ، مَا زِدْتَنِي إِلَّا غَمًّا!! قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بِلَالٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ؟ قَالَ: «مُرْ أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ بِالنَّاسِ ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسُكُوتِ اللَّهِ، وَسَكَتَ الْمُؤْمِنُونَ لِسُكُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ). آيَاتٌ اسْتَنْبَطَ الْعُلَمَاءُ مِنْهَا خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ ؓ وَقَدِ اسْتَنْبَطَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ خِلَافَةَ الصِّدِّيقِ مِنْ آيَاتِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الْمَائِدَةِ: 54] قَالَ: (هُوَ وَاللَّهِ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ، لَمَّا ارْتَدَتِ الْعَرَبُ... جَاهَدَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الْفَتْحِ: 16] قَالَ: هُمْ بَنُو حَنِيفَةَ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ: (هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي دَعَا إِلَى قِتَالِهِمْ). وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: (سَمِعْتُ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ سُرَيْجٍ يَقُولُ: خِلَافَةُ الصِّدِّيقِ فِي الْقُرْآنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: لِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ نُزُولِهَا قِتَالٌ دَعُوا إِلَيْهِ إِلَّا دُعَاءُ أَبِي بَكْرٍ لَهُمْ وَلِلنَّاسِ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ، قَالَ: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَافْتِرَاضِ طَاعَتِهِ، إِذْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ عَنْ ذَلِكَ يُعَذَّبُ عَذَابًا أَلِيمًا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَمَنْ فَسَّرَ الْقَوْمُ: بِأَنَّهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ.. فَالصِّدِّيقُ هُوَ الَّذِي جَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَيْهِمْ، وَتَمَامُ أَمْرِهِمْ كَانَ عَلَى يَدِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَهُمَا فَرْعَا الصِّدِّيقِ). وَقَالَ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ [النُّورِ: 55] الْآيَةَ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (هَذِهِ الْآيَةُ مُنْطَبِقَةٌ عَلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَهْرِيِّ قَالَ: (إِنَّ وِلَايَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ [النُّورِ: 55]. وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ قَالَ: (أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى قَوْلِهِ: أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الْحَشْرِ: 8] فَمَنْ سَمَّاهُ صَادِقًا.. فَلَيْسَ يَكْذِبُ، هُمْ قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ)، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (اسْتِنْبَاطٌ حَسَنٌ). وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: (سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اضُطُرَّ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَجِدُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ خَيْرًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَوَلَّوْهُ رِقَابَهُمْ). وَأَخْرَجَ أَسَدُ السُّنَّةِ فِي «فَضَائِلِهِ» عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: ( مَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشُكُّونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ إِلَّا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ أَوْ ضَلَالَةٍ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ؓ قَالَ: ( مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا.. فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا.. فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ سَيِّئٌ، وَقَدْ رَأَى الصَّحَابَةُ جَمِيعًا أَنْ يَسْتَخْلِفُوا أَبَا بَكْرٍ ).
التاريخ 1800لا حكم مسجّل
حَدِيثُ السَّقِيفَةِ وَخِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ - ؓ وَأَرْضَاهُ - لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْتَمَعَ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ لِيُبَايِعُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَتَاهُمْ وَمَعَهُ عُمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا: مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مِنَّا الْأُمَرَاءُ، وَمِنْكُمُ الْوُزَرَاءُ. ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّكُمْ يَطِيبُ نَفْسًا أَنْ يَخْلُفَ قَدَمَيْنِ قَدَّمَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَبَايَعَهُ عُمَرُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ...وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ الْقُرْآنَ، فَحَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْنَا مَعَهُ، فَقَالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ: شَهِدْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ بِمِنًى، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ: لَوْ مَاتَ عُمَرُ لَبَايَعْتُ فُلَانًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَقَائِمٌ الْعَشِيَّةَ فِي النَّاسِ أُحَذِّرُهُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْتَصِبُوا النَّاسَ أَمْرَهُمْ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رِعَاعَ النَّاسِ وَغَوْغَاءَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ، وَأَخَافُ أَنْ تَقُولَ مَقَالَةً لَا يَعُوهَا وَلَا يَحْفَظُوهَا وَيَطَّيَّرُوا بِهَا، وَلَكِنْ أَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةِ، وَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَقُولَ مَا قُلْتَ، فَيَعُوا مَقَالَتَكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهَا أَوَّلَ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ هَجَرْتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَلَمَّا جَلَسَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرَّجْمَ وَمَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ فِيهِ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بَايَعْتُ فُلَانًا، فَلَا يَغُرَّنَّ امْرَأً أَنْ يَقُولَ: إِنَّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ فِتْنَةً، فَقَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا، وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ إِلَيْهِ الْأَعْنَاقُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنَّهُ كَانَ خَيْرَنَا حِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا عَنَّا فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ، وَتَخَلَّفَ عَنَّا الْأَنْصَارُ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَانْطَلَقْنَا نَحْوَهُمْ، فَلَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَحَدُهُمَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَالثَّانِي مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ، فَقَالَا لَنَا: ارْجِعُوا اقْضُوا أَمْرَكُمْ بَيْنَكُمْ. قَالَ: فَأَتَيْنَا الْأَنْصَارَ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَبَيْنَ أَظْهُرِهُمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَجِعٌ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَنَحْنُ الْأَنْصَارُ، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ رَهْطٌ بَيْنَنَا، وَقَدْ دَفَّتْ إِلَيْنَا دَافَّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُونَا الْأَمْرَ. فَلَمَّا سَكَتَ وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي مَقَالَةً أَقُولُهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى رِسْلِكَ ! فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَمَا تَرَكَ شَيْئًا كُنْتُ زَوَّرْتُ فِي نَفْسِي إِلَّا جَاءَ بِهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّكُمْ لَا تَذْكُرُونَ فَضْلًا إِلَّا وَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِقُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَنَسَبًا، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. وَأَخَذَ بِيَدِي وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا كَرِهْتُ مِنْ كَلَامِهِ كَلِمَةً غَيْرَهَا، إِنْ كُنْتُ أُقَدَّمُ فَتُضْرَبُ عُنُقِي فِيمَا لَا يُقَرِّبُنِي إِلَى إِثْمٍ، أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُؤَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا قَضَى أَبُو بَكْرٍ كَلَامَهُ قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ وَاللَّغَطُ، فَلَمَّا خِفْتُ الِاخْتِلَافَ قُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ النَّاسُ، ثُمَّ نَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ قَائِلُهُمْ: قَتَلْتُمْ سَعْدًا. فَقُلْتُ: قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا. وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا وَجَدْنَا أَمْرًا هُوَ أَقْوَى مِنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، خَشِيتُ إِنْ فَارَقْتُ الْقَوْمَ وَلَمْ تَكُنْ بَيْعَةٌ أَنْ يُحْدِثُوا بَعْدَنَا بَيْعَةً، فَإِمَّا أَنْ نُتَابِعَهُمْ عَلَى مَا لَا نَرْضَى بِهِ، وَإِمَّا أَنْ نُخَالِفَهُمْ فَيَكُونُ فَسَادًا. البيعة العامة وخطبة عمر وأبي بكر قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ فِي السَّقِيفَةِ وَكَانَ الْغَدُ، جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ قُلْتُ لَكُمْ بِالْأَمْسِ مَقَالَةً مَا كَانَتْ مِمَّا وَجَدْتُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا كَانَتْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيُدَبِّرُ أَمْرَنَا - يَقُولُ: يَكُونُ آخِرَنَا - وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْقَى فِيكُمْ كِتَابَهُ الَّذِي بِهِ هَدَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمُ اللَّهُ لِمَا كَانَ هَدَاهُ لَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ ; صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ. فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ بَيْعَةَ الْعَامَّةِ بَعْدَ بَيْعَةِ السَّقِيفَةِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقَّهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا يَدْعُ قَوْمٌ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِذَا عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ، قُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ، ؓ، عَلَى بَيْعَةِ الصِّدِّيقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، حَتَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، ؓ وَأَرْضَاهُمَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ فِي دَارِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. قَالَ: فَقَامَ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَخَلِيفَتَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ خَلِيفَتِهِ، كَمَا كُنَّا أَنْصَارَهُ. قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: صَدَقَ قَائِلُكُمْ، وَلَوْ قُلْتُمْ غَيْرَ هَذَا لَمْ نُتَابِعْكُمْ. فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ فَبَايِعُوهُ. فَبَايَعَهُ عُمَرُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، قَالَ: فَصَعِدَ أَبُو بَكْرٍ الْمِنْبَرَ، فَنَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَلَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ. قَالَ: فَدَعَا بِالزُّبَيْرِ فَجَاءَ، قَالَ: قُلْتُ: ابْنُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحِوَارِيُّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ؟ ! قَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَامَ فَبَايَعَهُ، ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَلَمْ يَرِ عَلِيًّا، فَدَعَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَجَاءَ فَقَالَ: قُلْتَ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَتَنُهُ عَلَى ابْنَتِهِ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ ؟ ! قَالَ: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ. فَبَايَعَهُ. هَذَا أَوْ مَعْنَاهُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ: جَاءَنِي مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، فَسَأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَكَتَبْتُهُ لَهُ فِي رُقْعَةٍ وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ يُسَاوِي بَدَنَةً. فَقُلْتُ: يَسْوَى بَدَنَةً ؟ ! بَلْ هَذَا يَسْوَى بَدْرَةً. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ مَعَ عُمَرَ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ كَسَرَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ، وَاعْتَذَرَ إِلَى النَّاسِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ حَرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، وَلَا سَأَلْتُهَا اللَّهَ فِي سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ. فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مَقَالَتَهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّنَا أُخِّرْنَا عَنِ الْمَشُورَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَإِنَّا لَنَعَرِفُ شَرَفَهُ وَخَيْرَهُ، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ، وَهَذَا اللَّائِقُ بَعَلِيٍّ، ؓ، وَالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثَارُ ; مِنْ شُهُودِهِ مَعَهُ الصَّلَوَاتِ، وَخُرُوجِهِ مَعَهُ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَذْلِهِ لَهُ النَّصِيحَةَ وَالْمَشُورَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَّا مَا يَأْتِي مِنْ مُبَايَعَتِهِ إِيَّاهُ بَعْدَ مَوْتِ فَاطِمَةَ - وَقَدْ مَاتَتْ بَعْدَ أَبِيهَا، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ - فَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا بَيْعَةٌ ثَانِيَةٌ أَزَالَتْ مَا كَانَ قَدْ وَقَعَ مِنْ وَحْشَةٍ بِسَبَبِ الْكَلَامِ فِي الْمِيرَاثِ، وَمَنْعِهِ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ بِالنَّصِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: " لَا نُورَثُ، مَا تَرَكَنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ ".
التاريخ 1801لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي تَنْفِيذِهِ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَسِيرِ إِلَى تُخُومِ الْبَلْقَاءِ مِنَ الشَّامِ، حَيْثُ قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٌ وَابْنُ رَوَاحَةَ فَيُغِيرُوا عَلَى تِلْكَ الْأَرَاضِي، فَخَرَجُوا إِلَى الْجُرْفِ فَخَيَّمُوا بِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - وَيُقَالُ وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. فَاسْتَثْنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمْ ; لِلصَّلَاةِ - فَلَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَامُوا هُنَالِكَ، فَلَمَّا مَاتَ عَظُمَ الْخُطَبُ وَاشْتَدَّ الْحَالُ وَنَجَمَ النِّفَاقُ بِالْمَدِينَةِ، وَارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَامْتَنَعَ آخَرُونَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَلَمْ تَبْقَ الْجُمُعَةُ تُقَامُ فِي بَلَدٍ سِوَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ جُوَاثَا مِنَ الْبَحْرَيْنِ أَوَّلَ قَرْيَةٍ أَقَامَتِ الْجُمُعَةَ بَعْدَ رُجُوعِ النَّاسِ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ كَانَتْ ثَقِيفٌ بِالطَّائِفِ ثَبَتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، لَمْ يَفِرُّوا وَلَا ارْتَدُّوا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ أَشَارَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى الصِّدِّيقِ أَنْ لَا يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ فِيمَا هُوَ أَهَمُّ الْآنَ مِمَّا جُهِّزَ بِسَبَبِهِ فِي حَالِ السَّلَامَةِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَشَارَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَامْتَنَعَ الصِّدِّيقُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ إِلَّا أَنْ يُنْفِذَ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَخَطَفُنَا، وَالسِّبَاعَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ أَنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، لَأُجَهِّزَنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ. فَجَهَّزَهُ وَأَمَرَ الْحَرَسَ يَكُونُونَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ خُرُوجُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَالِحِ، وَالْحَالَةُ تِلْكَ، فَسَارُوا لَا يَمُرُّونَ بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ إِلَّا أُرْعِبُوا مِنْهُمْ، وَقَالُوا: مَا خَرَجَ هَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمٍ إِلَّا وَبِهِمْ مَنَعَةٌ شَدِيدَةٌ. فَغَابُوا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيُقَالُ: سَبْعِينَ يَوْمًا. ثُمَّ آبُوا سَالِمِينَ غَانِمِينَ، ثُمَّ رَجَعُوا فَجَهَّزَهُمْ حِينَئِذٍ مَعَ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ لِقِتَالِ الْمُرْتَدَّةِ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا صَمَّمَ عَلَى تَجْهِيزِ جَيْشِ أُسَامَةَ قَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ لِعُمَرَ: قُلْ لَهُ فَلْيُؤَمِّرْ عَلَيْنَا غَيْرَ أُسَامَةَ. فَذَكَرَ لَهُ عُمَرُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَأُؤَمِّرُ غَيْرَ أَمِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ! ثُمَّ نَهَضَ بِنَفْسِهِ إِلَى الْجُرْفِ فَاسْتَعْرَضَ جَيْشَ أُسَامَةَ وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ، وَسَارَ مَعَهُمْ مَاشِيًا، وَأُسَامَةُ رَاكِبًا، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُودُ بِرَاحِلَةِ الصِّدِّيقِ، فَقَالَ أُسَامَةُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، إِمَّا أَنْ تَرْكَبَ وَإِمَّا أَنْ أَنْزِلَ. فَقَالَ: وَاللَّهَ لَسْتَ بِنَازِلٍ وَلَسْتُ بِرَاكِبٍ. ثُمَّ اسْتَطْلَقَ الصِّدِّيقُ مِنْ أُسَامَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - وَكَانَ مُكْتَتَبًا فِي جَيْشِهِ - فَأَطْلَقَهُ لَهُ، فَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ لَا يَلْقَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ بسنده عَنْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: نَادَى مُنَادِي أَبِي بَكْرٍ مِنَ الْغَدِ مِنْ مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِيَتِمَّ بَعْثُ أُسَامَةَ، أَلَا لَا يَبْقَيَنَّ بِالْمَدِينَةِ أَحَدٌ مِنْ جُنْدِ أُسَامَةَ إِلَّا خَرَجَ إِلَى عَسْكَرِهِ بِالْجُرْفِ. وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَنَا مِثْلُكُمْ، وَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلَّكُمْ سَتُكَلِّفُونَنِي مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُطِيقُ، إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ، وَعَصَمَهُ مِنَ الْآفَاتِ، وَإِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ، فَإِنِ اسْتَقَمْتُ فَتَابِعُونِي، وَإِنْ زِغْتُ فَقَوِّمُونِي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قُبِضَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلِمَةٍ ; ضَرْبَةِ سَوْطٍ فَمَا دُونَهَا، وَإِنَّ لِي شَيْطَانًا يَعْتَرِينِي، فَإِذَا أَتَانِي فَاجْتَنِبُونِي، لَا أُؤَثِّرُ فِي أَشْعَارِكُمْ وَأَبْشَارِكُمْ، وَإِنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ فِي أَجَلٍ قَدْ غُيِّبَ عَنْكُمْ عِلْمُهُ، وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا يَمْضِيَ إِلَّا وَأَنْتُمْ فِي عَمَلٍ صَالِحٍ فَافْعَلُوا، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَسَابِقُوا فِي مَهْلِ آجَالِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُسْلِمَكُمْ آجَالُكُمْ إِلَى انْقِطَاعِ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ قَوْمًا نَسُوا آجَالَهُمْ وَجَعَلُوا أَعْمَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ، فَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ، الْجِدَّ الْجِدَّ، النَّجَاءَ النَّجَاءَ، الْوَحَا الْوَحَا، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ طَالِبًا حَثِيثًا، وَأَجَلًا مَرُّهُ سَرِيعٌ، احْذَرُوا الْمَوْتَ، وَاعْتَبِرُوا بِالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْإِخْوَانِ، وَلَا تَغْبِطُوا الْأَحْيَاءَ إِلَّا بِمَا تَغْبِطُونَ بِهِ الْأَمْوَاتَ. قَالَ: وَقَامَ أَيْضًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهَهُ، فَأَرِيدُوا اللَّهَ بِأَعْمَالِكُمْ، فَأَيَّمَا أَخْلَصْتُمْ لِلَّهِ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَطَاعَةً أَتَيْتُمُوهَا، وَحَظًّا ظَفِرْتُمْ بِهِ، وَضَرَائِبَ أَدَّيْتُمُوهَا، وَسَلَفًا قَدَّمْتُمُوهُ مِنْ أَيَّامٍ فَانِيَةٍ لِأُخْرَى بَاقِيَةٍ لِحِينِ فَقْرِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ، اعْتَبَرُوا عِبَادَ اللَّهِ بِمَنْ مَاتَ مِنْكُمْ، وَتَفَكَّرُوا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، أَيْنَ كَانُوا أَمْسِ ؟ وَأَيْنَ هُمُ الْيَوْمَ ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ ؟ أَيْنَ الَّذِينَ كَانَ لَهُمْ ذِكْرُ الْقِتَالِ وَالْغَلَبَةِ فِي مَوَاطِنِ الْحُرُوبِ ؟ ! قَدْ تَضَعْضَعَ بِهِمُ الدَّهْرُ، وَصَارُوا رَمِيمًا، قَدْ تُرِكَتْ عَلَيْهِمُ الْقَالَاتُ، الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثَيْنِ، وَالْخِبِّيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ، وَأَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ أَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا ؟ ! قَدْ بَعُدُوا وَنُسِيَ ذِكْرُهُمْ، وَصَارُوا كَلَا شَيْءٍ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، قَدْ أَبْقَى عَلَيْهِمُ التَّبِعَاتِ، وَقَطَعَ عَنْهُمُ الشَّهَوَاتِ، وَمَضَوْا وَالْأَعْمَالُ أَعْمَالُهُمْ، وَالدُّنْيَا دُنْيَا غَيْرِهِمْ، وَبَقِينَا خَلَفًا بَعْدَهُمْ، فَإِنْ نَحْنُ اعْتَبَرْنَا بِهِمْ نَجَوْنَا، وَإِنِ اغْتَرَرْنَا بِهِمْ كُنَّا مَثَلَهُمْ، أَيْنَ الْوِضَاءُ الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمْ، الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ ؟ ! صَارُوا تُرَابًا، وَصَارَ مَا فَرَّطُوا فِيهِ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، أَيْنَ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا بِالْحَوَائِطِ، وَجَعَلُوا فِيهَا الْأَعَاجِيبَ ؟ ! قَدْ تَرَكُوهَا لِمَنْ خَلْفَهُمْ، فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ خَاوِيَةً، وَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ، هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا ؟ أَيْنَ مَنْ تَعْرِفُونَ مِنْ آبَائِكُمْ وَإِخْوَانِكُمْ ؟ ! قَدِ انْتَهَتْ بِهِمْ آجَالُهُمْ، فَوَرَدُوا عَلَى مَا قَدَّمُوا فَحَلُّوا عَلَيْهِ، وَأَقَامُوا لِلشِّقْوَةِ أَوِ السَّعَادَةِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، أَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ سَبَبٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْرًا، وَلَا يَصْرِفُ بِهِ عَنْهُ سُوءًا، إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ عَبِيدٌ مَدِينُونَ، وَأَنَّ مَا عِنْدَهُ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، أَمَا إِنَّهُ لَا خَيْرَ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ، وَلَا شَرَّ بَشَرٍ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ.
التاريخ 1802لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي تَصَدِّي الصِّدِّيقِ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ الدفاع عن المدينة قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ ارْتَدَتْ أَحْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ بِالْمَدِينَةِ، وَانْحَازَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ بَنُو حَنِيفَةَ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْيَمَامَةِ، وَالْتَفَتَ عَلَى طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ بَنُو أَسَدٍ وَطَيِّئٌ، وَبَشَرٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ أَيْضًا كَمَا ادَّعَاهَا مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَاشْتَدَّتِ الْحَالُ، وَنَفَّذَ الصِّدِّيقُ جَيْشَ أُسَامَةَ، فَقَلَّ الْجُنْدُ عِنْدَ الصِّدِّيقِ، فَطَمِعَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فِي الْمَدِينَةِ، وَرَامُوا أَنْ يَهْجُمُوا عَلَيْهَا، فَجَعَلَ الصِّدِّيقُ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ حُرَّاسًا يَبِيتُونَ بِالْجُيُوشِ حَوْلَهَا ; فَمِنْ أُمَرَاءِ الْحَرَسِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ التأويل لعدم دفع الزكاة ورأي الصديق ؓ وَجَعَلَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ تَقْدَمُ الْمَدِينَةَ، يُقِرُّونَ بِالصَّلَاةِ وَيَمْتَنِعُونَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الصِّدِّيقِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [ التَّوْبَةِ: 103 ]. قَالُوا: فَلَسْنَا نَدْفَعُ زَكَاتَنَا إِلَّا إِلَى مَنْ صَلَاتُهُ سَكَنٌ لَنَا. وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ كَانَ بَيْنَنَا فَوَاعَجَبًا مَا بَالُ مُلْكِ أَبِي بَكْرِ وَقَدْ تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ مَعَ الصِّدِّيقِ فِي أَنْ يَتْرُكَهُمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الزَّكَاةِ وَيَتَأَلَّفَهُمْ حَتَّى يَتَمَكَّنَ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ يُزَكُّونَ، فَامْتَنَعَ الصِّدِّيقُ مِنْ ذَلِكَ وَأَبَاهُ. وَقَدْ رَوَى الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ سِوَى ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: عَلَامَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا " ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا - وَفِي رِوَايَةٍ: عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، إِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. قَالَ عُمَرُ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. قُلْتُ: وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [ التَّوْبَةِ: 5 ]. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ ": أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ ": بُنِي الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ ; شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ. وَعَنْ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ: لَمَّا كَانَتِ الرِّدَّةُ قَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَى فَكَفَى، وَأَعْطَى فَأَغْنَى، إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ وَالْعِلْمُ شَرِيدٌ، وَالْإِسْلَامُ غَرِيبٌ طَرِيدٌ، قَدْ رَثَّ حَبْلُهُ، وَخَلُقَ عَهْدُهُ، وَضَلَّ أَهْلُهُ مِنْهُ، وَمَقَتَ اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ فَلَا يُعْطِيهِمْ خَيْرًا لِخَيْرٍ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُمْ شَرًّا لِشَرٍّ عِنْدَهُمْ، قَدْ غَيَّرُوا كِتَابَهُمْ، وَأَلْحَقُوا فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَالْعَرَبُ الْأُمِّيُّونَ صِفْرٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَعْبُدُونَهُ وَلَا يَدْعُونَهُ، فَأَجْهَدَهُمْ عَيْشًا، وَأَضَلَّهُمْ دِينًا، فِي ظَلَفٍ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ السَّحَابِ، فَجَمَعَهُمُ اللَّهُ بِمُحَمَّدٍ وَجَعَلَهُمُ الْأُمَّةَ الْوُسْطَى، نَصَرَهُمْ بِمَنِ اتَّبَعَهُمْ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ، فَرَكِبَ مِنْهُمُ الشَّيْطَانُ مَرْكَبَهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمْ، وَبَغَى هَلَكَتَهُمْ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 144 ]. إِنَّ مَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْعَرَبِ مَنَعُوا شَاتَهُمْ وَبَعِيرَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا فِي دِينِهِمْ - وَإِنْ رَجَعُوا إِلَيْهِ - أَزْهَدَ مِنْهُمْ يَوْمَهُمْ هَذَا، وَلَمْ تَكُونُوا فِي دِينِكُمْ أَقْوَى مِنْكُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا، عَلَى مَا قَدْ تَقَدَّمَ مِنْ بَرَكَةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَقَدْ وَكَلَكُمْ إِلَى الْمَوْلَى الْكَافِي، الَّذِي وَجَدَهُ ضَالًّا فَهَدَاهُ، وَعَائِلًا فَأَغْنَاهُ وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا [ آلِ عِمْرَانَ: 103 ]. وَاللَّهِ لَا أَدْعُ أَنْ أُقَاتِلَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يُنْجِزَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَيُوفِيَ لَنَا عَهْدَهُ، وَيُقْتَلَ مَنْ قُتِلَ مِنَّا شَهِيدًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيُبْقِيَ مَنْ بَقِيَ مِنَّا خَلِيفَتَهُ وَوَرَثَتَهُ فِي أَرْضِهِ، قَضَاءُ اللَّهِ الْحَقُّ، وَقَوْلُهُ الَّذِي لَا خُلْفَ لَهُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [ النُّورِ: 55 ]. ثُمَّ نَزَلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. ارتداد قبائل العرب وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَارْتَدَّتِ الْعَرَبُ عِنْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا خَلَا أَهْلُ الْمَسْجِدَيْنِ ; مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَارْتَدَّتْ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، وَعَلَيْهِمْ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ الْكَاهِنُ، وَارْتَدَّتْ كِنْدَةُ وَمَنْ يَلِيهَا، وَعَلَيْهِمُ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَارْتَدَّتْ مَذْحِجٌ وَمَنْ يَلِيهَا، وَعَلَيْهِمُ الْأَسْوَدُ بْنُ كَعْبٍ الْعَنْسِيُّ الْكَاهِنُ وَارْتَدَّتْ رَبِيعَةُ مَعَ الْمَعْرُورِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَتْ بَنُو حَنِيفَةَ مُقِيمَةً عَلَى أَمْرِهَا مَعَ مُسَيْلِمَةَ بْنِ حَبِيبٍ الْكَذَّابِ، وَارْتَدَّتْ سُلَيْمٌ مَعَ الْفُجَاءَةِ، وَاسْمُهُ أَنَسُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ، وَارْتَدَّتْ بَنُو تَمِيمٍ مَعَ سَجَاحِ الْكَاهِنَةِ. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: اجْتَمَعَتْ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَطَيِّئٌ عَلَى طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ، وَبَعَثُوا وُفُودًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلُوا عَلَى وُجُوهِ النَّاسِ، فَأَنْزَلُوهُمْ إِلَّا الْعَبَّاسَ، فَحَمَلُوا بِهِمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَنْ يُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَلَا يُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَعَزَمَ اللَّهُ لِأَبِي بَكْرٍ عَلَى الْحَقِّ، وَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ. فَرَدَّهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِقِلَّةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَطَمَّعُوهُمْ فِيهَا، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الْحَرَسَ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ، وَأَلْزَمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِحُضُورِ الْمَسْجِدِ، وَقَالَ: إِنَّ الْأَرْضَ كَافِرَةٌ، وَقَدْ رَأَى وَفْدُهُمْ مِنْكُمْ قِلَّةً، وَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَيْلًا تُؤْتَوْنَ أَمْ نَهَارًا، وَأَدْنَاهُمْ مِنْكُمْ عَلَى بَرِيدٍ، وَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ يُؤَمِّلُونَ أَنْ نَقْبَلَ مِنْهُمْ وَنُوَادِعَهُمْ، وَقَدْ أَبَيْنَا عَلَيْهِمْ فَاسْتَعِدُّوا وَأَعِدُّوا. فَمَا لَبِثُوا إِلَّا ثَلَاثًا حَتَّى طَرَقُوا الْمَدِينَةَ غَارَةً، وَخَلَّفُوا نِصْفَهُمْ بِذِي حُسًى لِيَكُونُوا رِدْءًا لَهُمْ، وَأَرْسَلَ الْحَرَسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُونَهُ بِالْغَارَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ أَنِ الْزَمُوا مَكَانَكُمْ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فِي أَهْلِ الْمَسْجِدِ عَلَى النَّوَاضِحِ إِلَيْهِمْ، فَانْقَشَعَ الْعَدُوُّ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِبِلِهِمْ، حَتَّى بَلَغُوا ذَا حُسًى، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الرِّدْءُ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْجَمِيعِ فَكَانَ الْفَتْحُ، وَقَدْ قَالَ الْخُطَيْلُ بْنُ أَوْسٍ - وَيُقَالُ: الْحُطَيْئَةُ - فِي ذَلِكَ: أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ وَسَطَنَا فَيَالَعِبَادِ اللَّهِ مَا لِأَبِي بَكْرِ يُوَرِّثُنَا بَكْرًا إِذَا كَانَ بَعْدَهُ وَتِلْكَ لَعَمْرُ اللَّهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ فَهَلَّا رَدَدْتُمْ وَفْدَنَا بِزَمَانِهِ وَهَلَّا خَشِيتُمْ حِسَّ رَاغِيَةِ الْبَكْرِ وَإِنَّ الَّذِي سَالُوكُمُ فَمَنَعْتُمُ لَكَالتَّمْرِ أَوْ أَحْلَى إِلَيَّ مِنَ التَّمْرِ خروج أبي بكر إلى بني عبس وبني مرة وذبيان وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ رَكِبَ الصِّدِّيقُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأُمَرَاءَ الْأَنْقَابِ إِلَى مَنْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ أَغَارُوا عَلَيْهَا، فَلَمَّا تَوَاجَهَ هُوَ وَأَعْدَاؤُهُ مِنْ بَنِي عَبْسٍ، وَبَنِي مُرَّةَ، وَذُبْيَانَ، وَمَنْ نَاصَبَ مَعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، وَأَمَدَّهُمْ طُلَيْحَةَ بِابْنِهِ حِبَالٍ، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الْقَوْمُ كَانُوا قَدْ صَنَعُوا مَكِيدَةً، وَهِيَ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَنْحَاءٍ فَنَفَخُوهَا ثُمَّ أَرْسَلُوهَا مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا رَأَتْهَا إِبِلُ أَصْحَابِ الصِّدِّيقِ نَفَرَتْ وَذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَلَمْ يَمْلِكُوا مِنْ أَمْرِهَا شَيْئًا إِلَى اللَّيْلِ، حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ الْخُطَيْلُ بْنُ أَوْسٍ: فِدًى لِبَنِي ذُبْيَانَ رَحْلِي وَنَاقَتِي عَشِيَّةَ يُحْذَى بِالرِّمَاحِ أَبُو بَكْرِ وَلَكِنْ يُدَهْدَى بِالرِّجَالِ فَهِبْنَهُ إِلَى قَدَرٍ مَا إِنْ تُقِيمُ وَلَا تَسْرِي وَلِلَّهِ أَجْنَادٌ تُذَاقُ مَذَاقَهُ لِتُحْسَبَ فِيمَا عُدَّ مِنْ عَجَبِ الدَّهْرِ أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَيْنَنَا فَيَالَعِبَادِ اللَّهِ مَا لِأَبِي بَكْرِ فَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ ظَنَّ الْقَوْمُ بِالْمُسْلِمِينَ الْوَهَنَ، وَبَعَثُوا إِلَى عَشَائِرِهِمْ مِنْ نَوَاحِي أَخَرَ، فَاجْتَمَعُوا، وَبَاتَ أَبُو بَكْرٍ، ؓ، قَائِمًا لَيْلَهُ يَتَهَيَّأُ يُعَبِّئُ النَّاسَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى تَعْبِئَةٍ مِنْ آخَرِ اللَّيْلِ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ أَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى السَّاقَةِ أَخُوهُمَا سُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ، فَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ إِلَّا وَهُمْ وَالْعَدُوُّ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَمَا سَمِعُوا لِلْمُسْلِمِينَ حِسًّا وَلَا هَمْسًا، حَتَّى وَضَعُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ حَتَّى وَلَّوْهُمُ الْأَدْبَارَ، وَغَلَبُوهُمْ عَلَى عَامَّةِ ظَهْرِهِمْ، وَقُتِلَ حِبَالٌ، وَاتَّبَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى نَزَلَ بِذِي الْقَصَّةِ، وَكَانَ أَوَّلَ الْفَتْحِ، وَذَلَّ بِهَا الْمُشْرِكُونَ، وَعَزَّ بِهَا الْمُسْلِمُونَ، وَوَثَبَ بَنُو ذُبْيَانَ وَعَبْسٌ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَتَلُوهُمْ، وَفَعَلَ مَنْ وَرَاءَهُمْ كَفِعْلِهِمْ، فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ لَيَقْتُلَنَّ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ بِمَنْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَزِيَادَةً، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيُّ: غَدَاةَ سَعَى أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِمْ كَمَا يَسْعَى لِمَوْتَتِهِ جُلَالُ أَرَاحَ عَلَى نَوَاهِقِهَا عَلِيًّا وَمَجَّ لَهُنَّ مُهْجَتَهُ حِبَالُ وَقَالَ أَيْضًا: أَقَمْنَا لَهُمْ عُرْضَ الشِّمَالِ فَكُبْكِبُوا كَكَبْكَبَةِ الْغُزَّى أَنَاخُوا عَلَى الْوَفْرِ فَمَا صَبَرُوا لِلْحَرْبِ عِنْدَ قِيَامِهَا صَبِيحَةَ يَسْمُو بِالرِّجَالِ أَبُو بَكْرِ طَرَقْنَا بَنِي عَبْسٍ بِأَدْنَى نِبَاجِهَا وَذُبْيَانَ نَهْنَهْنَا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ فَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ الْمُسْلِمُونَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَذَلَّ الْكُفَّارُ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى الْمَدِينَةِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا، سَالِمًا غَانِمًا، وَطَرَقَتِ الْمَدِينَةُ فِي اللَّيْلِ صَدَقَاتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَصَفْوَانَ، وَالزِّبْرِقَانِ، إِحْدَاهَا فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَالثَّانِيَةُ فِي أَوْسَطِهِ، وَالثَّالِثَةُ فِي آخِرِهِ، وَقَدِمَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بَشِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْأَنْقَابِ، فَكَانَ الَّذِي بَشَّرَ بِصَفْوَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالَّذِي بَشَّرَ بِالزِّبْرِقَانِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَالَّذِي بَشَّرَ بِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَيُقَالُ: أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ؓ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ لَيْلَةً مِنْ مُتَوَفَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
التاريخ 1803لا حكم مسجّل
خُرُوجِهِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ ذِكْرُ خُرُوجِهِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ حِينَ عَقَدَ أَلْوِيَةَ الْأُمَرَاءِ الْأَحَدَ عَشَرَ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا جَمَّ جَيْشُ أُسَامَةَ وَاسْتَرَاحُوا، رَكِبَ الصِّدِّيقُ أَيْضًا فِي الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ شَاهِرًا سَيْفَهُ مَسْلُولًا، مَنَ الْمَدِينَةِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، وَهِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَرْحَلَةٍ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقُودُ بِرَاحِلَةِ الصِّدِّيقِ، ؓ، فَسَأَلَهُ الصَّحَابَةُ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ، وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَنْ يَبْعَثَ لِقِتَالِ الْأَعْرَابِ غَيْرَهُ مِمَّنْ يُؤَمِّرُهُ مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَعَقَدَ لَهُمُ الْأَلْوِيَةَ الْأَحَدَ عَشَرَ لِأَحَدَ عَشَرَ أَمِيرًا. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا بَرَزَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِزِمَامِهَا وَقَالَ: إِلَى أَيْنَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ أَقُولُ لَكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ " شِمْ سَيَفَكَ، وَلَا تَفْجَعْنَا بِنَفْسِكَ ". وَارْجِعْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فُجِعْنَا بِكَ لَا يَكُونُ لِلْإِسْلَامِ نِظَامٌ أَبَدًا. فَرَجَعَ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَمَّا اسْتَرَاحَ أُسَامَةُ وَجُنْدُهُ، وَقَدْ جَاءَتْ صَدَقَاتٌ كَثِيرَةٌ تَفْضُلُ عَنْهُمْ، قَطَعَ أَبُو بَكْرٍ الْبُعُوثَ، وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةَ، فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً ; عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَمَرَهُ بِطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَإِذَا فَرَغَ سَارَ إِلَى مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةٍ بِالْبِطَاحِ إِنْ أَقَامَ لَهُ، وَلِعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَأَمَرَهُ بِمُسَيْلِمَةَ، وَبَعَثَ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ فِي أَثَرِهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، ثُمَّ إِلَى بَنِي قُضَاعَةَ. وَلِلْمُهَاجِرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأَمَرَهُ بِجُنُودِ الْعَنْسِيِّ، وَمَعُونَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى قَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ - قُلْتُ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ نَزَعَ يَدَهُ مِنَ الطَّاعَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي - قَالَ: وَلِخَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ إِلَى مَشَارِفِ الشَّامِ. وَلِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى جِمَاعِ قُضَاعَةَ وَوَدِيعَةَ وَالْحَارِثِ. وَلِحُذَيْفَةَ بْنِ مِحْصَنٍ الْغَطَفَانِيِّ، وَأَمَرَهُ بِأَهْلِ دَبَا. وَلِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ وَأَمَرَهُ بِمَهْرَةَ. وَلِطَرِيفَةَ بْنِ حَاجِزٍ، وَأَمَرَهُ بِبَنِي سُلَيْمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ. وَلِسُوَيْدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَأَمَرَهُ بِتِهَامَةِ الْيَمَنِ. وَلِلْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَأَمَرَهُ بِالْبَحْرَيْنِ. ؓ. وَقَدْ كَتَبَ لِكُلِّ أَمِيرٍ كِتَابَ عَهْدِهِ عَلَى حِدَتِهِ، فَفَصَلَ كُلُّ أَمِيرٍ بِجُنْدِهِ مِنْ ذِي الْقَصَّةِ، وَرَجَعَ الصِّدِّيقُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كَتَبَ مَعَهُمُ الصِّدِّيقُ كِتَابًا إِلَى الْمُرْتَدَّةِ، وَهَذِهِ نُسْخَتُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنْ عَامَّةٍ وَخَاصَّةٍ، أَقَامَ عَلَى إِسْلَامِهِ أَوْ رَجَعَ عَنْهُ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَلَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْهَوَى، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، نُقِرُّ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَنُكَفِّرُ مَنْ أَبَى ذَلِكَ وَنُجَاهِدُهُ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى خَلْقِهِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَهَدَى اللَّهُ بِالْحَقِّ مَنْ أَجَابَ إِلَيْهِ، وَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَدْبَرَ عَنْهُ، حَتَّى صَارَ إِلَى الْإِسْلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا، ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ، وَقَدْ نَفَذَ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ، وَقَضَى الَّذِي عَلَيْهِ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ، وَلِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ فَقَالَ: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [ الزُّمَرِ: 30 ]. وَقَالَ: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 34 ]. وَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 144 ]. فَمَنْ كَانَ إِنَّمَا يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَلَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، حَافِظٌ لِأَمْرِهِ، مُنْتَقِمٌ مِنْ عَدُّوِهِ، وَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَحَظِّكُمْ وَنَصِيبِكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَمَا جَاءَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ، وَأَنْ تَهْتَدُوا بِهُدَاهُ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِدِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ ضَالٌّ، وَكُلَّ مَنْ لَمْ يُعَافِهِ مُبْتَلًى، وَكُلَّ مَنْ لَمْ يُعِنْهُ اللَّهُ مَخْذُولٌ، وَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ كَانَ مُهْتَدِيًا، وَمَنْ أَضَلَّهُ كَانَ ضَالًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا [ الْكَهْفِ: 17 ]. وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا عَمَلٌ حَتَّى يُقِرَّ بِهِ، وَلَمْ يُقْبَلْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَقَدْ بَلَغَنِي رُجُوعُ مَنْ رَجَعَ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ أَقَرَّ بِالْإِسْلَامِ، وَعَمِلَ بِهِ ; اغْتِرَارًا بِاللَّهِ وَجَهْلًا بِأَمْرِهِ، وَإِجَابَةً لِلشَّيْطَانِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [ الْكَهْفِ: 50 ]. وَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [ فَاطِرٍ: 6 ]. وَإِنِّي بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلَانًا فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالتَّابِعَيْنِ بِإِحْسَانٍ، وَأَمَرْتُهُ أَنْ لَا يَقْبَلَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَلَا يَقْتُلُهُ حَتَّى يَدْعُوَهُ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ أَجَابَ وَأَقَرَّ وَعَمِلَ صَالَحَا، قَبِلَ مِنْهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَبَى، حَارَبَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يُبْقِي عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَحْرِقَهُمْ بِالنَّارِ وَأَنْ يَقْتُلَهُمْ كُلَّ قِتْلَةٍ، وَأَنْ يَسْبِيَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ، وَلَا يَقْبَلَ مَنْ أَحَدٍ غَيْرَ الْإِسْلَامِ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ، وَقَدْ أَمَرْتُ رَسُولِي أَنْ يَقْرَأَ كِتَابَهُ فِي كُلِّ مَجْمَعٍ لَكُمْ، وَالدَّاعِيَةُ الْأَذَانُ، فَإِذَا أَذَّنَ الْمُسْلِمُونَ فَكُفُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنُوا عَاجِلُوهُمْ، وَإِنْ أَذَّنُوا فَسَلُوهُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَوْا عَاجِلُوهُمْ، وَإِنْ أَقَرُّوا قَبِلَ مِنْهُمْ وَحَمَلَهُمْ عَلَى مَا يَنْبَغِي لَهُمْ.
التاريخ 1804لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَنِي تَمِيمٍ وَسَجَاحَ وَأَمَّا بَنُو تَمِيمٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَّقَ فِيهِمْ عُمَّالَهُ، فَكَانَ الزِّبْرِقَانُ مِنْهُمْ، وَسَهْلُ بْنُ مِنْجَابٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ صَفْوَانَ، وَسَبْرَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَوَكِيعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ. فَلَمَّا وَقَعَ الْخَبَرُ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَارَ صَفْوَانُ بْنُ صَفْوَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِصَدَقَاتِ بَنِي عَمْرٍو ، وَأَقَامَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يَنْظُرُ مَا الزِّبْرِقَانُ صَانِعٌ لِيُخَالِفَهُ، فَقَالَ حِينَ أَبْطَأَ عَلَيْهِ الزِّبْرِقَانُ فِي عَمَلِهِ: وَاوَيْلَتَاهُ مِنِ ابْنِ الْعُكْلِيَّةِ ! وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، لَئِنْ أَنَا بَعَثْتُ بِالصَّدَقَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَبَايَعْتُهُ، لَيَنْحَرَنَّ مَا مَعَهُ فِي بَنِي سَعْدٍ، فَيُسَوِّدُنِي عِنْدَهُ، فَقَسَّمَهَا عَلَى الْمَقَاعِسِ وَالْبُطُونِ، وَوَافَى الزِّبْرِقَانُ فَاتَّبَعَ صَفْوَانَ بْنَ صَفْوَانَ بِصَدَقَاتِ عَوْفٍ وَالْأَبْنَاءِ، وَهَذِهِ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ. ثُمَّ نَدِمَ قَيْسٌ، فَلَمَّا أَظَلَّهُ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ أَخْرَجَ الصَّدَقَةَ فَتَلَقَّاهُ بِهَا، ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُ وَتَشَاغَلَتْ تَمِيمٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ. وَكَانَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ تَأْتِيهِ أَمْدَادُ تَمِيمٍ، فَلَمَّا حَدَثَ هَذَا الْحَدَثُ أَضَرَّ ذَلِكَ بِثُمَامَةَ، وَكَانَ مُقَاتِلًا لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ. وَكَانَتْ بَنُو تَمِيمٍ قَدِ اخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ أَيَّامَ الرِّدَّةِ ; فَمِنْهُمْ مَنِ ارْتَدَّ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ بَعَثَ بِأَمْوَالِ الصَّدَقَاتِ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَتْ سَجَاحِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ عُقْفَانَ التَّغْلِبِيَّةُ مِنَ الْجَزِيرَةِ، وَهِيَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَقَدِ ادَّعَتِ النُّبُوَّةَ، وَمَعَهَا جُنُودٌ مِنْ قَوْمِهَا وَمَنِ الْتَفَّ بِهِمْ، وَقَدْ عَزَمُوا عَلَى غَزْوِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَلَمَّا مَرَّتْ بِبِلَادِ بَنِي تَمِيمٍ دَعَتْهُمْ إِلَى أَمْرِهَا فَاسْتَجَابَ لَهَا عَامَّتُهُمْ، وَكَانَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ التَّمِيمِيُّ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ أُمَرَاءِ بَنِي تَمِيمٍ، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ مِنْهُمْ عَنْهَا، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ لَا حَرْبَ بَيْنَهُمْ إِلَّا أَنَّ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ لَمَّا وَادَعَهَا ثَنَاهَا عَنْ غَزْوِهَا، وَحَرَّضَهَا عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى قِتَالِ النَّاسِ، وَقَالُوا: بِمَنْ نَبْدَأُ ؟ فَقَالَتْ لَهُمْ فِيمَا تَسْجَعُهُ: أَعِدُّوا الرِّكَابَ، وَاسْتَعِدُّوا لِلنِّهَابِ، ثُمَّ أَغِيرُوا عَلَى الرَّبَابِ، فَلَيْسَ دُونَهُمْ حِجَابٌ. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَعَاهَدُوا عَلَى نَصْرِهَا، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَتَتْنَا أُخْتُ تَغْلِبَ فِي رِجَالٍ جَلَائِبَ مِنْ سَرَاةِ بَنِي أَبِينَا وَأَرْسَتْ دَعْوَةً فِينَا سَفَاهًا وَكَانَتْ مِنْ عَمَائِرَ آخَرِينَا فَمَا كُنَّا لِنَرْزِيَهُمْ زِبَالًا وَمَا كَانَتْ لِتُسْلِمَ إِذْ أُتِينَا أَلَا سَفِهَتْ حُلُومُكُمُ وَضَلَّتْ عَشِيَّةَ تَحْشِدُونَ لَهَا ثُبِينَا وَقَالَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فِي ذَلِكَ: أَمْسَتْ نَبِيَّتُنَا أُنْثَى نُطِيفُ بِهَا وَأَصْبَحَتْ أَنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانَا ثُمَّ إِنَّ سَجَاحِ قَصَدَتْ بِجُنُودِهَا الْيَمَامَةَ ; لِتَأْخُذَهَا مِنْ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ الْكَذَّابِ، فَهَابَهُ قَوْمُهَا، وَقَالُوا: إِنَّهُ قَدِ اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ وَعَظُمَ. فَقَالَتْ لَهُمْ فِيمَا تَقُولُهُ: عَلَيْكُمْ بَالْيَمَامَهْ، دُفُوا دَفِيفَ الْحَمَامَهْ، فَإِنَّهَا غَزْوَةٌ صَرَّامَهْ، لَا تَلْحَقُكُمْ بَعْدَهَا مَلَامَهْ. قَالَ: فَقَصَدُوا نَحْوَ مُسَيْلِمَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَسِيرِهَا إِلَيْهِ خَافَهَا عَلَى بِلَادِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَشْغُولٌ بِمُقَاتَلَةِ ثُمَامَةَ بْنِ أَثَالٍ، وَقَدْ سَاعَدَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهِلٍ بِجُنُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ نَازِلُونَ بِبَعْضِ بِلَادِهِ يَنْتَظِرُونَ قُدُومَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا يَسْتَأْمِنُهَا وَيَضْمَنُ لَهَا أَنْ يُعْطِيَهَا نِصْفَ الْأَرْضِ الَّذِي كَانَ لِقُرَيْشٍ لَوْ عَدَلَتْ، فَقَدْ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْكِ فَحَبَاكِ بِهِ، وَرَاسَلَهَا لِيَجْتَمِعَ بِهَا فِي طَائِفَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَقَوْمِهَا، فَرَكِبَ فِي أَرْبَعِينَ مِنْ قَوْمِهِ وَجَاءَ إِلَيْهَا، فَاجْتَمَعَا فِي خَيْمَةٍ، فَلَمَّا خَلَا بِهَا وَعَرَضَ عَلَيْهَا مَا عَرَضَ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ وَقَبِلَتْ ذَلِكَ، قَالَ مُسَيْلِمَةُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ سَمِعْ، وَأَطْمَعَهُ بِالْخَيْرِ إِذَا طَمِعْ، وَلَا يَزَالُ أَمْرُهُ فِي كُلِّ مَا سَرَّ نَفْسَهُ مُجْتَمَعْ، رَآكُمْ رَبُّكُمْ فَحَيَّاكُمْ وَمِنْ وَحْشَةٍ أَخَلَّاكُمْ، وَيَوْمَ دِينِهِ أَنْجَاكُمْ، فَأَحْيَاكُمْ عَلَيْنَا مِنْ صَلَوَاتِ مَعْشَرٍ أَبْرَارْ، لَا أَشْقِيَاءَ وَلَا فُجَّارْ، يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَيَصُومُونَ النَّهَارْ، لِرَبِّكُمُ الْكُبَّارْ، رَبِّ الْغُيُومِ وَالْأَمْطَارْ. وَقَالَ أَيْضًا: لَمَّا رَأَيْتُ وُجُوهَهُمْ حَسُنَتْ، وَأَبْشَارَهُمْ صَفَتْ، وَأَيْدِيَهُمْ طَفُلَتْ، قُلْتُ لَهُمْ: لَا النِّسَاءَ تَأْتُونَ، وَلَا الْخَمْرَ تَشْرَبُونَ، وَلَكِنَّكُمْ مَعْشَرٌ أَبْرَارٌ تَصُومُونَ، فَسُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا جَاءَتِ الْحَيَاةُ كَيْفَ تَحْيَوْنَ، وَإِلَى مَلِكِ السَّمَاءِ كَيْفَ تَرْقَوْنَ، فَلَوْ أَنَّهَا حَبَّةُ خَرْدَلَةٍ لَقَامَ عَلَيْهَا شَهِيدٌ يَعْلَمُ مَا فِي الصُّدُورِ، وَلَأَكْثَرَ النَّاسُ فِيهَا الثُّبُورَ. وَقَدْ كَانَ مُسَيْلِمَةُ ، لَعَنَهُ اللَّهُ، شَرَعَ لِمَنِ اتَّبَعَهُ أَنَّ الْعَزَبَ يَتَزَوَّجُ، فَإِذَا وُلِدَ لَهُ ذَكَرٌ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ حِينَئِذٍ، إِلَّا أَنْ يَمُوتَ ذَلِكَ الْوَلَدُ الذِّكْرُ، فَتَحِلُّ لَهُ النِّسَاءُ حَتَّى يُولَدَ لَهُ ذَكَرٌ، هَذَا مِمَّا اقْتَرَحَهُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمَّا خَلَا بِسَجَاحِ سَأَلَهَا مَاذَا يُوحَى إِلَيْهَا ؟ فَقَالَتْ: وَهَلْ يَكُونُ النِّسَاءُ يَبْتَدِئْنَ ؟ بَلْ أَنْتَ مَاذَا أُوحِيَ إِلَيْكَ ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ فَعَلَ بِالْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صَفَاقٍ وَحَشَا. قَالَتْ: وَمَاذَا ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ النِّسَاءَ أَفْرَاجَا، وَجَعَلَ الرِّجَالَ لَهُنَّ أَزْوَاجًا، فَنُولِجُ فِيهِنَّ قُعْسًا إِيلَاجًا، ثُمَّ نُخْرِجُهَا إِذَا نَشَاءُ إِخْرَاجًا، فَيُنْتِجْنَ لَنَا سِخَالًا إِنْتَاجًا، فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ. فَقَالَ لَهَا: هَلْ لَكِ أَنْ أَتَزَوَّجَكِ وَآكُلُ بِقَوْمِي وَقَوْمِكِ الْعَرَبَ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. فَقَالَ: أَلَا قُومِي إِلَى النَّيْكِ فَقَدْ هُيِّئَ لَكِ الْمَضْجَعْ فَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْبَيْتِ وَإِنْ شِئْتِ فَفِي الْمَخْدَعْ وَإِنْ شِئْتِ سَلَقْنَاكِ وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعْ وَإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ فَقَالَتْ: بَلْ بِهِ أَجْمَعْ. فَقَالَ: بِذَلِكَ أُوحِيَ إِلَيَّ، وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى قَوْمِهَا فَقَالُوا: مَا أَصْدَقَكِ ؟ فَقَالَتْ: لَمْ يَصْدُقْنِي شَيْئًا. فَقَالُوا: إِنَّهُ قَبِيحٌ عَلَى مِثْلِكِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ، فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ تَسْأَلُهُ صَدَاقَهَا، فَقَالَ: أَرْسِلِي إِلَيَّ مُؤَذِّنَكِ. فَبَعَثَتْهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، فَقَالَ: نَادِ فِي قَوْمِكَ: إِنَّ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ وَضَعَ عَنْكُمْ صَلَاتَيْنِ مِمَّا أَتَاكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ. يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرَ وَصَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ - وَقِيلَ: بَلْ قَالَ لَهُمْ: إِنِّي وَضَعْتُ عَنْكُمْ مَا أَتَاكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَأَبَحْتُ فُرُوجَ الْمُؤْمِنَاتِ، وَشُرْبَ الْخَمْرِ فِي الْكَاسَاتِ - فَكَانَ هَذَا صَدَاقَهَا عَلَيْهِ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ انْشَمَرَتْ سَجَاحِ رَاجِعَةً إِلَى بِلَادِهَا، وَذَلِكَ حِينَ بَلَغَهَا دُنُوِّ خَالِدٍ مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ، فَكَرَّتْ رَاجِعَةً إِلَى الْجَزِيرَةِ بَعْدَمَا قَبَضَتْ مِنْ مُسَيْلِمَةَ نِصْفَ خَرَاجِ أَرْضِهِ، فَأَقَامَتْ فِي قَوْمِهَا بَنِي تَغَلِبَ إِلَى زَمَانِ مُعَاوِيَةَ، فَأَجْلَاهُمْ مِنْهَا عَامَ الْجَمَاعَةِ.
التاريخ 1805لا حكم مسجّل
مَقْتَلُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ لَعَنَهُ اللَّهُ وَأَخْزَاهُ. لَمَّا رَضِيَ الصِّدِّيقُ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَذَرَهُ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ، بَعَثَهُ إِلَى قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ بِالْيَمَامَةِ، وَأَوْعَبَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَعَلَى الْأَنْصَارِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَسَارَ لَا يَمُرُّ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ إِلَّا نَكَّلَ بِهِمْ، وَقَدِ اجْتَازَ بِخُيُولٍ لِأَصْحَابِ سَجَاحِ فَشَرَّدَهُمْ، وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَرْدَفَ الصِّدِّيقُ خَالِدًا بِسَرِيَّةٍ ; لِتَكُونَ رِدْءًا لَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَدْ كَانَ بَعَثَ قَبْلَهُ إِلَى مُسَيْلِمَةَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهِلٍ، وَشُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، فَلَمْ يُقَاوِمَا بَنِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُمْ فِي نَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، فَعَجِلَ عِكْرِمَةُ قَبْلَ مَجِيءِ صَاحِبِهِ شُرَحْبِيلَ، فَنَاجَزَهُمْ فَنُكِبَ، فَانْتَظَرَ خَالِدًا، فَلَمَّا سَمِعَ مُسَيْلِمَةُ بِقُدُومِ خَالِدٍ، عَسْكَرَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: عَقْرَبَاءُ. فِي طَرَفِ الْيَمَامَةِ، وَالرِّيفُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَنَدَبَ لَهُ النَّاسَ وَحَثَّهُمْ، فَحَشَدَ لَهُ أَهْلَ الْيَمَامَةِ، وَجَعَلَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ جَيْشِهِ الْمُحْكَمَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَالرَّجَّالَ بْنَ عُنْفُوَةَ بْنِ نَهْشَلٍ، وَكَانَ الرَّجَّالُ هَذَا صَدِيقُهُ الَّذِي شَهِدَ لَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّهُ قَدْ أَشْرَكَ مَعَهُ مُسَيْلِمَةَ بْنَ حَبِيبٍ فِي الْأَمْرِ، فَكَانَ هَذَا الْمَلْعُونُ مِنْ أَكْبَرِ مَا أَضَلَّ أَهْلَ الْيَمَامَةِ، حَتَّى اتَّبَعُوا مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَقَدْ كَانَ الرَّجَّالُ هَذَا قَدْ وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَرَأَ " الْبَقَرَةَ " وَجَاءَ زَمَنَ الرِّدَّةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَبَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيُثَبِّتُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَارْتَدَّ مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَهْطٍ، مَعَنَا الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، فَقَالَ: إِنْ فِيكُمْ لَرَجُلًا ضِرْسُهُ فِي النَّارِ أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ. فَهَلَكَ الْقَوْمُ وَبَقِيتُ أَنَا وَالرَّجَّالُ، وَكُنْتُ مُتَخَوِّفًا لَهَا، حَتَّى خَرَجَ الرَّجَّالُ مَعَ مُسَيْلِمَةَ وَشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، فَكَانَتْ فِتْنَةُ الرَّجَّالِ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ مُسَيْلِمَةَ وَاقْتَرَبَ خَالِدٌ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ وَعَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ زَيْدًا وَأَبَا حُذَيْفَةَ، وَقَدْ مَرَّتِ الْمُقَدِّمَةُ فِي اللَّيْلِ بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: سِتِّينَ فَارِسًا، عَلَيْهِمْ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ، وَكَانَ قَدْ ذَهَبَ لِأَخْذِ ثَأْرٍ لَهُ فِي بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْمِهِ، فَأَخَذُوهُمْ فَلَمَّا جِيءَ بِهِمْ إِلَى خَالِدٍ، سَأَلَهُمْ عَنْ خَبَرِهِمْ فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِهِمْ كُلِّهِمْ سِوَى مُجَّاعَةَ فَإِنَّهُ اسْتَبْقَاهُ مُقَيَّدًا عِنْدَهُ ; لِعِلْمِهِ بِالْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ، وَكَانَ سَيِّدًا فِي بَنِي حَنِيفَةَ شَرِيفًا مُطَاعًا. وَيُقَالُ: إِنَّ خَالِدًا لَمَّا عُرِضُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ يَا بَنِي حَنِيفَةَ ؟ قَالُوا: نَقُولُ: مِنَّا نَبِيٌّ وَمِنْكُمْ نَبِيٌّ. فَقَتَلَهُمْ إِلَّا وَاحِدًا اسْمُهُ سَارِيَةُ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ غَدًا بِعُدُولِ هَؤُلَاءِ خَيْرًا أَوْ شَرًّا فَاسْتَبْقِ هَذَا الرَّجُلَ. يَعْنِي مُجَّاعَةَ بْنَ مُرَارَةَ. فَاسْتَبْقَاهُ خَالِدٌ مُقَيَّدًا، وَجَعَلَهُ فِي الْخَيْمَةِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَقَالَ: اسْتَوْصِي بِهِ خَيْرًا، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الْجَيْشَانِ قَالَ مُسَيْلِمَةُ لِقَوْمِهِ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْغَيْرَةِ، الْيَوْمُ إِنْ هُزِمْتُمْ تُسْتَرْدَفِ النِّسَاءُ سَبِيَّاتٍ، وَيُنْكَحْنَ غَيْرَ حَظِيَّاتٍ، فَقَاتِلُوا عَنْ أَحِسَابِكُمْ وَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ. وَتَقَدَّمَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ خَالِدٌ عَلَى كَثِيبٍ يُشْرِفُ عَلَى الْيَمَامَةِ. فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ، وَرَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَرَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَالْعَرَبُ عَلَى رَايَاتِهَا، وَمُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ مُقَيَّدٌ فِي الْخَيْمَةِ مَعَ أُمِّ تَمِيمٍ امْرَأَةِ خَالِدٍ، فَاصْطَدَمَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، فَكَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ وَانْهَزَمَتِ الْأَعْرَابُ حَتَّى دَخَلَتْ بَنُو حَنِيفَةَ خَيْمَةَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ أُمِّ تَمِيمٍ، حَتَّى أَجَارَهَا مُجَّاعَةُ، وَقَالَ: نِعْمَتِ الْحُرَّةُ هَذِهِ. وَقَدْ قُتِلَ الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الْجَوْلَةِ، قَتَلَهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ تَذَامَرَ الصَّحَابَةُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ: بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانَكُمْ. وَنَادَوْا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: اخْلُصْنَا يَا خَالِدُ. فَخَلَصَتْ ثُلَّةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَحَمِيَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، وَكَانَ إِذَا رَأَى الْحَرْبَ أَخَذَتْهُ الْعُرَوَاءُ فَيَجْلِسُ عَلَى ظَهْرِهِ الرِّجَالُ وَيَنْتَفِضُ حَتَّى يَبُولَ فِي سَرَاوِيلِهِ، ثُمَّ يَثُورُ كَمَا يَثُورُ الْأَسَدُ، وَقَاتَلَتْ بَنُو حَنِيفَةَ قِتَالًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَجَعَلَتِ الصَّحَابَةُ يَتَوَاصَوْنَ بَيْنَهُمْ وَيَقُولُونَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " بَطَلَ السِّحْرُ الْيَوْمَ. وَحَفَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ لِقَدَمَيْهِ فِي الْأَرْضِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، وَهُوَ حَامِلُ لِوَاءِ الْأَنْصَارِ بَعْدَمَا تَحَنَّطَ وَتَكَفَّنَ، فَلَمْ يَزَلْ ثَابِتًا حَتَّى قُتِلَ هُنَاكَ، وَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: أَتَخْشَى أَنْ نُؤْتَى مِنْ قِبَلِكَ ؟ فَقَالَ: بِئْسَ حَامِلُ الْقُرْآنِ أَنَا إِذًا. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَيُّهَا النَّاسُ، عَضُّوا عَلَى أَضْرَاسِكُمْ، وَاضْرِبُوا فِي عَدُوِّكُمْ، وَامْضُوا قُدُمًا. وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَتَكَلَّمُ حَتَّى يَهْزِمَهُمُ اللَّهُ أَوْ أَلْقَى اللَّهَ فَأُكَلِّمَهُ بِحُجَّتِي. فَقُتِلَ شَهِيدًا، ؓ. وَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِالْفِعَالِ، وَحَمَلَ فِيهِمْ حَتَّى أَبْعَدَهُمْ وَأُصِيبَ، ؓ، وَحَمَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى جَاوَزَهُمْ وَسَارَ بِحِيَالِ مُسَيْلِمَةَ وَجَعَلَ يَتَرَقَّبُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ فَيَقْتُلَهُ، ثُمَّ رَجَعَ ثُمَّ وَثَبَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، وَقَالَ: أَنَا ابْنُ الْوَلِيدِ الْعَوْدِ، أَنَا ابْنُ عَامِرٍ وَزَيْدِ. ثُمَّ نَادَى بِشِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ شِعَارُهُمْ يَوْمَئِذٍ: يَا مُحَمَّدَاهْ. وَجَعَلَ لَا يَبْرُزُ لَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَا يَدْنُو مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا أَكَلَهُ، وَدَارَتْ رَحَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصَفَ وَالرُّجُوعَ إِلَى الْحَقِّ، فَجَعَلَ شَيْطَانُ مُسَيْلِمَةَ يَلْوِي عُنُقَهُ، لَا يَقْبَلُ مِنْهُ شَيْئًا، وَكُلَّمَا أَرَادَ مُسَيْلِمَةُ يُقَارِبُ مِنَ الْأَمْرِ صَرَفَهُ عَنْهُ شَيْطَانُهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ خَالِدٌ، وَقَدْ مَيَّزَ خَالِدٌ الْمُهَاجِرِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَكُلُّ بَنِي أَبٍ عَلَى رَايَتِهِمْ، يُقَاتِلُونَ تَحْتَهَا، حَتَّى يَعْرِفَ النَّاسُ مِنْ أَيْنَ يُؤْتَوْنَ، وَصَبَرَتِ الصَّحَابَةُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ صَبْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَلَمْ يَزَالُوا يَتَقَدَّمُونَ إِلَى نُحُورِ عَدُّوِهِمْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَوَلَّى الْكُفَّارُ الْأَدْبَارَ، وَاتَّبَعُوهُمْ يُقَتِّلُونَ فِي أَقْفَائِهِمْ، وَيَضَعُونَ السُّيُوفَ فِي رِقَابِهِمْ حَيْثُ شَاءُوا، حَتَّى أَلْجَأُوهُمْ إِلَى حَدِيقَةِ الْمَوْتِ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ، وَهُوَ مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ، لَعَنَهُ اللَّهُ بِدُخُولِهَا، فَدَخَلُوهَا وَفِيهَا عَدُوُّ اللَّهِ مُسَيْلِمَةُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَأَدْرَكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَتَلَهُ، وَأَغْلَقَتْ بَنُو حَنِيفَةَ الْحَدِيقَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الصَّحَابَةُ، وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَلْقُونِي عَلَيْهِمْ فِي الْحَدِيقَةِ. فَاحْتَمَلُوهُ فَوْقَ الْحَجَفِ وَرَفَعُوهَا بِالرِّمَاحِ حَتَّى أَلْقَوْهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ سُورِهَا، فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُهُمْ دُونَ بَابِهَا حَتَّى فَتَحَهُ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْحَدِيقَةَ مِنْ حِيطَانِهَا وَأَبْوَابِهَا يَقْتُلُونَ مِنْ فِيهَا مِنَ الْمُرْتَدَّةِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، حَتَّى خَلَصُوا إِلَى مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، وَإِذَا هُوَ وَاقِفٌ فِي ثُلْمَةِ جِدَارٍ، كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ، وَهُوَ مُزْبِدٌ مُتَسَانِدٌ، لَا يَعْقِلُ مِنَ الْغَيْظِ، وَكَانَ إِذَا اعْتَرَاهُ شَيْطَانُهُ أَزَبَدَ حَتَّى يَخْرُجَ الزَّبَدُ مِنْ شِدْقَيْهِ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَحْشِيُّ بْنُ حَرْبٍ مَوْلَى جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَاتِلُ حَمْزَةَ، فَرَمَاهُ بِحَرْبَتِهِ فَأَصَابَهُ وَخَرَجَتْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَسَارَعَ إِلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ، فَضَرْبَهُ بِالسَّيْفِ فَسَقَطَ، فَنَادَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَصْرِ: وَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهْ، قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ. فَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ قُتِلُوا فِي الْحَدِيقَةِ وَفِي الْمَعْرَكَةِ قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ مُقَاتِلٍ - وَقِيلَ: أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا - وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سِتُّمِائَةٍ - وَقِيلَ: خَمْسُمِائَةٍ - فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِمْ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَأَعْيَانِ النَّاسِ مَنْ يُذْكَرُ بَعْدُ، وَخَرَجَ خَالِدٌ وَمَعَهُ مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ يَرْسِفُ فِي قُيُودِهِ، فَجَعَلَ يُرِيَهُ الْقَتْلَى لِيُعَرِّفَهُ بِمُسَيْلِمَةَ، فَلَمَّا مَرُّوا بِالرَّجَّالِ بْنِ عُنْفُوَةَ قَالَ لَهُ خَالِدٌ: أَهَذَا هُوَ ؟ قَالَ: لَا، وَاللَّهِ هَذَا خَيْرٌ مِنْهُ، هَذَا الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: ثُمَّ مَرُّوا بِرُوَيْجِلٍ أُصَيْفِرَ أُخَيْنِسَ، فَقَالَ: هَذَا صَاحِبُكُمْ. فَقَالَ خَالِدٌ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ عَلَى اتِّبَاعِكُمْ هَذَا. غزو اليمامة ثُمَّ بَعَثَ خَالِدٌ الْخُيُولَ حَوْلَ الْيَمَامَةِ يَلْتَقِطُونَ مَا حَوْلَ حُصُونِهَا مِنْ مَالٍ وَسَبْيٍ، ثُمَّ عَزَمَ عَلَى غَزْوِ الْحُصُونِ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ فِيهَا إِلَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالشُّيُوخُ الْكِبَارُ، فَخَدَعَهُ مُجَّاعَةُ فَقَالَ: إِنَّهَا مَلْأَى رِجَالًا وَمُقَاتِلَةً فَهَلُمَّ فَصَالِحْنِي عَنْهُمْ. فَصَالَحَهُ خَالِدٌ ; لِمَا رَأَى بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَهْدِ، وَقَدْ كَلُّوا مِنْ كَثْرَةِ الْحُرُوبِ وَالْقِتَالِ، فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَذْهَبَ إِلَيْهِمْ لِيُوَافِقُونِي عَلَى الصُّلْحِ. فَقَالَ: اذْهَبْ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُجَّاعَةُ، فَأَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يَلْبَسْنَ الْحَدِيدَ وَيَبْرُزْنَ عَلَى رُءُوسِ الْحُصُونِ، فَنَظَرَ خَالِدٌ فَإِذَا الشُّرُفَاتُ مُمْتَلِئَةٌ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ، فَظَنَّهُمْ كَمَا قَالَ مُجَّاعَةُ، فَانْتَظَمَ الصُّلْحُ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ وَالصَّفْرَاءِ وَالْحَلْقَةِ وَالْكُرَاعِ وَنِصْفِ الرَّقِيقِ. وَقِيلَ لِخَالِدٍ: إِنَّ مُجَّاعَةَ قَدْ خَدَعَكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا مُجَّاعَةُ، خَدَعْتَنِي. فَقَالَ: إِنَّهُمْ قَوْمِي وَقَدْ أَفْنَيْتَهُمْ، فَلَا تَلُمْنِي عَلَى ذَلِكَ. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ بَنِي حَنِيفَةَ، خَطَبَ إِلَى مُجَّاعَةَ ابْنَتَهُ، وَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وَلَمَّا بَلَغَ أَبَا بَكْرٍ ذَلِكَ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ لِفَارِغُ الْقَلْبِ ; تَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ وَحَوْلَ خِبَائِكَ أَلْفٌ وَمِائَتَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ تَجِفَّ دِمَاؤُهُمْ ؟ ! وَبَعْدُ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَالْحَقْ بِمَنْ مَعَكَ مِنْ جُمُوعِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْعِرَاقِ. وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَقَالَ: لَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تُشَخِّصَهُ. فَلَمَّا قَرَأَ خَالِدٌ الْكِتَابَ قَالَ: هَذَا مِنْ عَمَلِ الْأُعَيْسِرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَدَعَاهُمْ خَالِدٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى الْحَقِّ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ بَعْضَ مَا كَانَ أَخَذَ مِنَ السَّبْيِ، وَسَاقَ الْبَاقِينَ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَقَدْ تَسَرَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِجَارِيَةٍ مِنْهُمْ، وَهِيَ أَمُّ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ. ؓ. وَقَدْ قَالَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي غَزْوَةِ الْيَمَامَةِ هَذِهِ: وَلَوْ سُئِلَتْ عَنَّا جَنُوبُ لَأَخْبَرَتْ عَشِيَّةَ سَالَتْ عَقْرَبَاءُ وَمَلْهَمُ وَسَالَ بِفَرْعِ الْوَادِ حَتَّى تَرَقْرَقَتْ حِجَارَتُهُ فِيهِ مِنَ الْقَوْمِ بِالدَّمِ عَشِيَّةَ لَا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا وَلَا النَّبْلُ إِلَّا الْمَشْرَفِيُّ الْمُصَمِّمُ فَإِنْ تَبْتَغِي الْكُفَّارَ غَيْرَ مُلِيمَةٍ جَنُوبُ فَإِنِّي تَابِعُ الدِّينِ مُسْلِمُ أُجَاهِدُ إِذْ كَانَ الْجِهَادُ غَنِيمَةً وَلَلَّهُ بِالْمَرْءِ الْمُجَاهِدِ أَعْلَمُ وَقَدْ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ وَخَلْقٌ مِنَ السَّلَفِ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَمَامَةِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ. وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ: فِي آخِرِهَا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَآخَرُونَ: كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا أَنَّ ابْتِدَاءَهَا فِي سِنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ، وَالْفَرَاغَ مِنْهَا فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أسجاع مسيلمة الكذاب وَلَمَّا قَدِمَتْ وُفُودُ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى الصِّدِّيقِ قَالَ لَهُمْ: أَسْمِعُونَا شَيْئًا مِنْ قُرْآنِ مُسَيْلِمَةَ . فَقَالُوا: أَوَتَعْفِينَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالُوا: كَانَ يَقُولُ: يَا ضِفْدَعُ بَنَتَ الضِّفْدَعِينْ، نَقِّي كَمْ تَنِقِّينْ، لَا الْمَاءَ تُكَدِّرِينْ، وَلَا الشَّارِبَ تَمْنَعِينْ، رَأْسُكِ فِي الْمَاءِ وَذَنَبُكِ فِي الطِّينْ. وَكَانَ يَقُولُ: وَالْمُبَذِّرَاتِ زَرْعًا، وَالْحَاصِدَاتِ حَصْدًا، وَالذَّارِيَاتِ قَمْحًا، وَالطَّاحِنَاتِ طِحْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خَبْزًا، وَالثَّارِدَاتِ ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فُضِّلْتُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ، رَفِيقَكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْتَرَّ فَآوُوهُ، وَالْبَاغِيَ فَنَاوِئُوهُ. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ مِنْ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي يَأْنَفُ مِنْ قَوْلِهَا الصِّبْيَانُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، فَيُقَالُ: إِنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمُ ! أَيْنَ كَانَ يُذْهَبُ بِعُقُولِكُمْ ؟ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ إِلٍّ. وَكَانَ يَقُولُ: وَالْفِيلْ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْفِيلْ، لَهُ زَلُّومٌ طَوِيلْ. وَكَانَ يَقُولُ: وَاللَّيْلُ الدَّامِسْ، وَالذِّئْبُ الْهَامِسْ، مَا قَطَعَتْ أَسَدٌ مِنْ رَطْبٍ وَلَا يَابِسْ. وَتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى الْحُبْلَى، أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى، مِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَا. وَأَشْيَاءُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ السَّخِيفِ الرَّكِيكِ الْبَارِدِ السَّمِجِ. وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِي كِتَابِهِ " إِعْجَازِ الْقُرْآنِ " أَشْيَاءَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ الْمُتَنَبِّئِينَ كَمُسَيْلِمَةَ وَطُلَيْحَةَ وَالْأَسْوَدِ وَسَجَاحِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَعُقُولِ مَنِ اتَّبَعَهُمْ عَلَى ضَلَالِهِمْ وَمِحَالِهِمْ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَيَّامِ جَاهِلِيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ: مَاذَا أُنْزِلَ عَلَى صَاحِبِكُمْ فِي هَذَا الْحِينِ ؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ سُورَةٌ وَجِيزَةٌ بَلِيغَةٌ. فَقَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ قَالَ: فَفَكَّرَ مُسَيْلِمَةُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: وَلَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ مِثْلُهَا. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: وَمَا هُوَ ؟ فَقَالَ مُسَيْلِمَةُ: يَا وَبَرُ يَا وَبَرُ، إِنَّمَا أَنْتِ أُذُنَانِ وَصَدْرٌ، وَسَائِرُكِ حَقْرٌ نَقْرٌ. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى يَا عَمْرُو ؟ فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي أَعْلَمُ إِنَّكَ لَتَكْذِبُ. وَذَكَرَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ أَنَّهُ كَانَ يَتَشَبَّهُ بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَصَقَ فِي بِئْرٍ، فَغَزُرَ مَاؤُهَا ، فَبَصَقَ فِي بِئْرٍ فَغَاضَ مَاؤُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي أُخْرَى فَصَارَ مَاؤُهَا أُجَاجًا، وَتَوَضَّأَ وَسَقَى بِوَضُوئِهِ نَخْلًا فَيَبِسَتْ وَهَلَكَتْ، وَأُتِيَ بِوِلْدَانٍ يَبَرِّكُ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَمْسَحُ رُءُوسَهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ قُرِعَ رَأْسُهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لُثِغَ لِسَانُهُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ دَعَا لِرَجُلٍ أَصَابَهُ وَجَعٌ فِي عَيْنَيْهِ فَمَسَحَهُمَا فَعَمِيَ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، بسنده عَنْ عُمَيْرِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَقَالَ: أَيْنَ مُسَيْلِمَةُ ؟ قَالُوا: مَهْ، رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: لَا، حَتَّى أَرَاهُ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَنْتَ مُسَيْلِمَةُ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ يَأْتِيكَ ؟ قَالَ: رَحْمَنٌ. قَالَ: أَفِي نُورٍ أَمْ فِي ظُلْمَةٍ ؟ فَقَالَ: فِي ظُلْمَةٍ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَذَّابٌ وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنْ كَذَّابُ رَبِيعَةَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ صَادَقِ مُضَرَ. وَاتَّبَعَهُ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ عَقْرَبَاءَ، لَا رَحِمَهُ اللَّهُ.
التاريخ 1806لا حكم مسجّل
ذِكْرُ رِدَّةِ أَهْلِ مَهْرَةُ ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا فَرَغُوا مِنْ عُمَانَ كَمَا ذَكَرْنَا، سَارَ عِكْرِمَةُ بِالنَّاسِ إِلَى بِلَادِ مَهْرَةَ، بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ، وَمَنْ أُضِيفَ إِلَيْهَا حَتَّى اقْتَحَمَ عَلَى مَهْرَةَ بِلَادَهَا، فَوَجَدَهُمْ جُنْدَيْنِ ; عَلَى أَحَدِهِمَا - وَهُمُ الْأَكْثَرُ - أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ: الْمُصَبَّحُ. أَحَدُ بَنِي مُحَارِبٍ، وَعَلَى الْجُنْدِ الْآخَرِ أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ: شِخْرِيتُ. وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ، وَكَانَ هَذَا الِاخْتِلَافُ رَحْمَةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَرَاسَلَ عِكْرِمَةُ شِخْرِيتَ، فَأَجَابَهُ وَانْضَافَ إِلَى عِكْرِمَةَ، فَقَوِيَ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَضَعُفَ جَأْشُ الْمُصَبَّحِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَاغْتَرَّ بِكَثْرَةِ مَنْ مَعَهُ وَمُخَالَفَةً لِشِخْرِيتَ، فَتَمَادَى فِي طُغْيَانِهِ، فَسَارَ إِلَيْهِ عِكْرِمَةُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْمُصَبَّحِ أَشَدَّ مِنْ قِتَالِ دَبَا الْمُتَقَدِّمِ، ثُمَّ فَتَحَ اللَّهُ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، فَفَرَّ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ الْمُصَبَّحُ وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ أَمْوَالَهُمْ، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا غَنِمُوا أَلْفَا نَجِيبَةٍ، فَخَمَّسَ عِكْرِمَةُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَبَعَثَ بِخُمُسِهِ إِلَى الصِّدِّيقِ مَعَ شِخْرِيتَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَالْبِشَارَةِ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: السَّائِبُ، مِنْ بَنِي عَابِدٍ مِنْ مَخْزُومٍ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ عُلْجُومٌ: جَزَى اللَّهُ شِخْرِيتًا وَأَفْنَاءَ هَاشِمٍ وَفِرْضِمَ إِذْ سَارَتْ إِلَيْنَا الْحَلَائِبُ جَزَاءَ مُسِيءٍ لَمْ يُرَاقِبْ لِذِمَّةٍ وَلَمْ يَرْجُهَا فِيمَا يُرَجَّى الْأَقَارِبُ أَعِكْرِمُ لَوْلَا جَمْعُ قَوْمِي وَفِعْلُهُمْ لَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ بِالْفَضَاءِ الْمَذَاهِبُ وَكُنَّا كَمَنِ اقْتَادَ كَفًّا بِأُخْتِهَا وَحَلَّتْ عَلَيْنَا فِي الدُّهُورِ النَّوَائِبُ ذِكْرُ خَبَرِ رِدَّةِ الْيَمَنِ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى مَكَّةَ وَأَرْضِهَا عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَعَلَى عَكٍّ وَالْأَشْعَرِيِّينَ الطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ، وَعُثْمَانُ عَلَى الْمُدُنِ، وَمَالِكٌ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ، وَبِصَنْعَاءَ فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ يُسَانِدُهُ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، وَعَلَى الْجُنْدِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَلَى مَأْرِبَ أَبُو مُوسَى، وَكَانَ مِنْهُمْ مَعَ الْأَسْوَدِ الْكَذَّابِ مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ بَقِيَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَحَدٍ. وَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ فَارْتَدَّ النَّاسُ، فَكَتَبَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعَرِّفُهُ خَبَرَ مَنِ ارْتَدَّ فِي عَمَلِهِ، وَبَعَثَ عَتَّابٌ أَخَاهُ خَالِدًا إِلَى أَهْلِ تِهَامَةَ، وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ مُدْلِجٍ وَخُزَاعَةَ وَأَبْنَاءِ كِنَانَةَ. وَأَمَّا كِنَانَةُ عَلَيْهِمْ جُنْدُبُ بْنُ سَلْمَى، فَالْتَقَوْا بِالْأَبَارِقِ، فَقَتَلَهُمْ خَالِدٌ وَفَرَّقَهُمْ، وَأَفْلَتَ جُنْدُبُ بْنُ سَلْمَى وَعَادَ، وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بَعْثًا إِلَى شَنُوءَةَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَزْدِ، وَبَجِيلَةُ، وَخَثْعَمُ، وَعَلَيْهِمْ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَاسْتَعْمَلَ عُثْمَانُ عَلَى السَّرِيَّةِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، فَالْتَقَوْا بِشَنُوءَةَ، فَانْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَفَرَّقُوا، وَهَرَبَ حُمَيْضَةُ فِي الْبِلَادِ. وَأَمَّا الْأَخَابِثُ مِنَ الْعَكِّ فَكَانُوا أَوَّلَ مُنْتَقِضٍ بِتِهَامَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ تَجَمَّعَ عَكٌّ وَالْأَشْعَرِيُّونَ، وَأَقَامُوا عَلَى الْأَعْلَابِ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الطَّاهِرُ بْنُ أَبِي هَالَةَ وَمَعَهُ مَسْرُوقٌ وَقَوْمُهُ مِنْ عَكٍّ مِمَّنْ لَمْ يَرْتَدَّ، فَالْتَقَوْا عَلَى الْأَعْلَابِ، فَانْهَزَمَتْ عَكٌّ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَكَانَ ذَلِكَ فَتْحًا عَظِيمًا. وَوَرَدَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ عَلَى الطَّاهِرِ يَأْمُرُهُ بِقِتَالِهِمْ، وَسَمَّاهُمُ الْأَخَابِثَ، وَسَمَّى طَرِيقَهُمْ طَرِيقَ الْأَخَابِثِ، فَبَقِيَ الِاسْمُ عَلَيْهِمْ إِلَى الْآنَ. وَأَمَّا أَهْلُ نَجْرَانَ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ أَرْسَلُوا وَفْدًا لِيُجَدِّدُوا عَهْدَهُمْ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ كِتَابًا. وَأَمَّا بَجِيلَةُ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَدَّ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَنْفِرَ مِنْ قَوْمِهِ مَنْ ثَبَتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَيُقَاتِلَ بِهِمْ مَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَأْتِيَ خَثْعَمَ فَيُقَاتِلَ مَنْ خَرَجَ غَضَبًا لِذِي الْخَلَصَةِ، فَخَرَجَ جَرِيرٌ وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَقَتَلَهُمْ وَتَتَبَّعَهُمْ. ( حُمَيْضَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَضْمُومَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ). ذِكْرُ خَبَرِ رِدَّةِ الْيَمَنِ ثَانِيَةً وَكَانَ مِمَّنِ ارْتَدَّ ثَانِيَةً قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ مَكْشُوحٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ النَّبِيِّ ﷺ عَمِلَ فِي قَتْلِ فَيْرُوزَ وَجِشْنَسَ، وَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عُمَرَ ذِي مُرَّانَ، وَإِلَى سَعِيدٍ ذِي زُودٍ، وَإِلَى الْكَلَاعِ، وَإِلَى حَوْشَبٍ ذِي ظُلَيْمٍ، وَإِلَى شَهْرٍ ذِي نِيَافٍ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِدِينِهِمْ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِعَانَةِ الْأَبْنَاءِ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، وَالسَّمْعِ لِفَيْرُوزَ، وَكَانَ فَيْرُوزُ وَدَاذَوَيْهِ وَقَيْسٌ قَبْلَ ذَلِكَ مُتَسَانِدِينَ. فَلَمَّا سَمِعَ قَيْسٌ بِذَلِكَ كَتَبَ إِلَى ذِي الْكُلَاعِ وَأَصْحَابِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى قَتْلِ الْأَبْنَاءِ وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِمْ مِنَ الْيَمَنِ، فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يَنْصُرُوا الْأَبْنَاءَ. فَاسْتَعَدَّ لَهُمْ قَيْسٌ، وَكَاتَبَ أَصْحَابَ الْأَسْوَدِ الْمُتَرَدِّدِينَ فِي الْبِلَادِ سِرًّا، يَدْعُوهُمْ لِيَجْتَمِعُوا مَعَهُ، فَجَاءُوا إِلَيْهِ، فَسَمِعَ بِهِمْ أَهْلُ صَنْعَاءَ، فَقَصَدَ قَيْسٌ فَيْرُوزَ وَدَاذَوَيْهِ، فَاسْتَشَارَهُمَا فِي أَمْرِهِ خَدِيعَةً مِنْهُ لِيُلَبِّسَ عَلَيْهِمَا، فَاطْمَأَنَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ قِيْسًا صَنَعَ مِنَ الْغَدِ طَعَامًا وَدَعَا دَاذَوَيْهِ وَفَيْرُوزَ وَجِشْنَسَ، فَخَرَجَ دَاذَوَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَجَاءَ إِلَيْهِ فَيْرُوزُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ سَمِعَ امْرَأَتَيْنِ تَتَحَدَّثَانِ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا: هَذَا مَقْتُولٌ كَمَا قُتِلَ دَاذَوَيْهِ، فَخَرَجَ. فَطَلَبَهُ أَصْحَابُ قَيْسٍ، فَخَرَجَ يَرْكُضُ، وَلَقِيَهُ جِشْنَسُ فَرَجَعَ مَعَهُ، فَتَوَجَّهَا نَحْوَ جَبَلِ خَوْلَانَ، وَهُمْ أَخْوَالُ فَيْرُوزَ، فَصَعِدَا الْجَبَلَ، وَرَجَعَتْ خُيُولُ قَيْسٍ فَأَخْبَرُوهُ، فَثَارَ بِصَنْعَاءَ وَمَا حَوْلَهَا، وَأَتَتْهُ خُيُولُ الْأَسْوَدِ. وَاجْتَمَعَ إِلَى فَيْرُوزَ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُخْبِرُهُ، وَاجْتَمَعَ إِلَى قَيْسٍ عَوَامُّ قَبَائِلِ مَنْ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رُؤَسَائِهِمْ، وَاعْتَزَلَ الرُّؤَسَاءُ، وَعَمَدَ قَيْسٌ إِلَى الْأَنْبَاءِ فَفَرَّقَهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ: مَنْ أَقَامَ أَقَرَّ عِيَالَهُ، وَالَّذِينَ سَارُوا مَعَ فَيْرُوزَ فَرَّقَ عِيَالَهُمْ فِرْقَتَيْنِ، فَوَجَّهَ إِحْدَاهَا إِلَى عَدَنَ لِيَحْمِلُوا فِي الْبَحْرِ، وَحَمَلَ الْأُخْرَى فِي الْبَرِّ، وَقَالَ لَهُمْ جَمِيعِهِمْ: الْحَقُوا بِأَرْضِكُمْ. فَلَمَّا عَلِمَ فَيْرُوزُ ذَلِكَ جَدَّ فِي حَرْبِهِ وَتَجَرَّدَ لَهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي عُقَيْلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ يَسْتَمِدُّهُمْ، وَإِلَى عَكٍّ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَرَكِبَتْ عُقَيْلٌ، فَلَقُوا خَيْلَ قَيْسِ بْنِ عَامِرٍ وَمَعَهُمْ عِيَالَاتُ الْأَبْنَاءِ الَّذِينَ كَانَ قَدْ سَيَّرَهُمْ قَيْسٌ، فَاسْتَنْقَذُوهُمْ وَقَتَلُوا خَيْلَ قَيْسٍ. وَسَارَتْ عَكٌّ فَاسْتَنْقَذُوا طَائِفَةً أُخْرَى مِنْ عِيَالَاتِ الْأَبْنَاءِ، وَقَتَلُوا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ قَيْسٍ، وَأَمَدَّتْ عُقَيْلٌ وَعَكٌّ فَيْرُوزَ بِالرِّجَالِ. فَلَمَّا أَتَتْهُ أَمْدَادُهُمْ خَرَجَ بِهِمْ وَبِمَنِ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ، فَلَقُوا قَيْسًا دُونَ صَنْعَاءَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَ قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ، وَتَذَبْذَبَ أَصْحَابُ الْعَنْسِيِّ وَقَيْسٌ مَعَهُمْ فِيمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَنَجْرَانَ. قِيلَ: وَكَانَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُسْلِمًا، فَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى صَدَقَاتِ مُرَادٍ، وَمَنْ نَازَلَهُمْ وَنَزَلَ دَارَهُمْ. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ قَدْ فَارَقَ قَوْمَهُ سَعْدَ الْعَشِيرَةِ، وَانْحَازَ إِلَيْهِمْ وَأَسْلَمَ مَعَهُمْ، فَلَمَّا ارْتَدَّ الْعَنْسِيُّ وَمَعَهُ مَذْحِجٌ ارْتَدَّ عَمْرٌو فِيمَنِ ارْتَدَّ، وَكَانَ عَمْرٌو مَعَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا ارْتَدَّ سَارَ إِلَيْهِ خَالِدٌ فَلَقِيَهُ، فَضَرَبَهُ خَالِدٌ عَلَى عَاتِقِهِ فَهَرَبَ مِنْهُ، وَأَخَذَ خَالِدٌ سَيْفَهُ الصَّمْصَامَةَ وَفَرَسَهُ، فَلَمَّا ارْتَدَّ عَمْرٌو جَعَلَهُ الْعَنْسِيُّ بِإِزَاءِ فَرْوَةَ، فَامْتَنَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الْبَرَاحِ لِمَكَانِ صَاحِبِهِ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ قَدِمَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ أَبْيَنَ مِنْ مَهْرَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِتَالِ مَهْرَةَ، وَمَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ مَهْرَةَ وَغَيْرِهِمْ، فَاسْتَبْرَى النَّخْعَ وَحِمْيَرَ، وَقَدِمَ أَيْضًا الْمُهَاجِرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ فِي جَمْعٍ مِنْ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَبَجِيلَةَ مَعَ جَرِيرٍ إِلَى نَجْرَانَ، فَانْضَمَّ إِلَيْهِ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ الْمُرَادِيُّ، فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ مُسْتَجِيبًا، حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمُهَاجِرِ مِنْ غَيْرِ أَمَانٍ، فَأَوْثَقَهُ الْمُهَاجِرُ، وَأَخَذَ قَيْسًا أَيْضًا فَأَوْثَقَهُ، وَسَيَّرَهُمَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا قَيْسُ، قَتَلْتَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاتَّخَذْتَ الْمُرْتَدِّينَ وَلِيَجِةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ! فَانْتَفَى قَيْسٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَارَفَ مِنْ أَمْرِ دَاذَوَيْهِ شَيْئًا، وَكَانَ قَتَلَهُ سِرًّا، فَتَجَافَى لَهُ عَنْ دَمِهِ، وَقَالَ لِعَمْرٍو: أَمَا تَسْتَحِي أَنَّكَ كُلَّ يَوْمٍ مَهْزُومٌ أَوْ مَأْسُورٌ ؟ لَوْ نَصَرْتَ هَذَا الدِّينَ لَرَفَعَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: لَا جَرَمَ، لَأُقْبِلَّنَ وَلَا أَعُودُ. وَرَجَعَا إِلَى عَشَائِرِهِمَا. فَسَارَ الْمُهَاجِرُ مِنْ نَجْرَانَ وَالْتَقَتِ الْخُيُولُ عَلَى أَصْحَابِ الْعَنْسِيِّ، فَاسْتَأْمَنُوا فَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ، وَقَتَلَهُمْ بِكُلِّ سَبِيلٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى صَنْعَاءَ فَدَخَلَهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِذَلِكَ.
التاريخ 1807لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي مَسِيرَةِ الْأُمَرَاءَ مِنْ ذِي الْقَصَّةِ عَلَى مَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ وَكَانَ سَيِّدَ الْأُمَرَاءِ وَرَأْسَ الشُّحْعَانِ الصَّنَادِيدِ أَبُو سُلَيْمَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ . رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ لَمَّا عَقَدَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَخُو الْعَشِيرَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ ، سَلَّهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. وَلَمَّا تَوَجَّهَ خَالِدٌ مِنْ ذِي الْقَصَّةِ وَفَارَقَهُ الصِّدِّيقُ، وَاعَدَهُ أَنَّهُ سَيَلْقَاهُ مِنْ نَاحِيَةِ خَيْبَرَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَأَظْهَرُوا ذَلِكَ لِيُرْعِبُوا الْأَعْرَابَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ أَوَّلًا إِلَى طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ، ثُمَّ يَذْهَبَ بَعْدَهُ إِلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِي قَوْمِهِ بَنِي أَسَدٍ، وَفِي غَطَفَانَ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ، وَبَعَثَ إِلَى بَنِي جَدِيلَةَ وَالْغَوْثِ وَطَيِّئٍ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَبَعَثُوا أَقْوَامًا مِنْهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، لِيَلْحَقُوا عَلَى أَثَرِهِمْ سَرِيعًا، وَكَانَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ قَدِمَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِصَدَقَاتِ قَوْمِهِمَا بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَتَقَوَّى بِهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ ، وَلَمْ يَزَلْ لِعَدِيِّ وَالزِّبْرِقَانِ بِذَلِكَ الشَّرَفُ عَلَى قَوْمِهِمَا وَمَنْ سِوَاهُمَا، وَكَانَ الصِّدِّيقُ قَدْ بَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَبْلَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَقَالَ لَهُ: أَدْرِكْ قَوْمَكُ لَا يَلْحَقُوا بِطُلَيْحَةَ فَيَكُونَ دَمَارُهُمْ. فَذَهَبَ عَدِيٌّ إِلَى قَوْمِهِ بَنِي طَيِّئٍ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُبَايِعُوا الصِّدِّيقَ، وَأَنْ يُرَاجِعُوا أَمْرَ اللَّهِ، فَقَالُوا: لَا نُبَايِعُ أَبَا الْفَصِيلِ أَبَدًا، يَعْنُونَ أَبَا بَكْرٍ، ؓ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لِيَأْتِيَنَّكُمْ جَيْشٌ، فَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّهُ أَبُو الْفَحْلِ الْأَكْبَرِ. وَلَمْ يَزَلْ عَدِيٌّ يَفْتِلُ لَهُمْ فِي الذِّرْوَةِ وَالْغَارِبِ حَتَّى لَانُوا، وَجَاءَ خَالِدٌ فِي الْجُنُودِ، وَعَلَى مُقَدِّمَةِ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ مَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ وَعُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ طَلِيعَةً، فَتَلَقَّاهُمَا طُلَيْحَةُ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ فِيمَنْ مَعَهُمَا، فَلَمَّا وَجَدَا ثَابِتًا وَعُكَّاشَةَ تَبَارَزُوا، فَقَتَلَ عُكَّاشَةُ حِبَالَ بْنَ طُلَيْحَةَ - وَقِيلَ: بَلْ كَانَ قَتَلَ حِبَالًا قَبْلَ ذَلِكَ - وَأَخَذَ مَا مَعَهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ هُوَ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ ثَابِتَ بْنَ أَقْرَمَ، وَجَاءَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ فَوَجَدُوهُمَا صَرِيعَيْنِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمَا فَدُفِنَا بِدِمَائِهِمَا فِي ثَوْبَيْهِمَا. وَقَدْ قَالَ طُلَيْحَةُ فِي ذَلِكَ: عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابْنَ أَقْرَمَ ثَاوِيًا وَعُكَّاشَةَ الْغَنْمِيَّ تَحْتَ مَجَالِ أَقَمْتُ لَهُ صَدْرَ الْحَمَالَةِ إِنَّهَا مُعَوَّدَةٌ قَبْلَ الْكُمَاةِ نِزَالِ فَيَوْمًا تَرَاهَا فِي الْجُلَالِ مَصُونَةً وَيَوْمًا تَرَاهَا فِي ظِلَالِ عَوَالِي وَإِنْ تَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ فَلَمْ يَذْهَبُوا فِرْغًا بِقَتْلِ حِبَالِ وَمَالَ خَالِدٌ إِلَى بَنِي طَيِّئٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ فَقَالَ: أَنْظِرْنِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ; فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتَنْظَرُونِي حَتَّى يَبْعَثُوا إِلَى مَنْ تَعَجَّلَ مِنْهُمْ إِلَى طُلَيْحَةَ حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَخْشَوْنَ إِنْ تَابَعُوكَ أَنْ يَقْتُلَ طُلَيْحَةُ مَنْ سَارَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ يُعْجِّلَهُمْ إِلَى النَّارِ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ جَاءَهُ عَدِيٌّ فِي خَمْسِمِائَةِ مُقَاتِلٍ مِمَّنْ رَاجَعَ الْحَقَّ، فَانْضَافُوا إِلَى جَيْشِ خَالِدٍ، وَقَصَدَ خَالِدٌ بَنِي جَدِيلَةَ، فَقَالَ لَهُ عَدِيٌّ: أَجِّلْنِي أَيَّامًا حَتَّى آتِيَهُمْ، فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنْقِذَهُمْ كَمَا أَنْقَذَ طَيِّئًا، فَأَتَاهُمْ عَدِيٌّ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى بَايَعُوهُ، فَجَاءَ خَالِدًا بِإِسْلَامِهِمْ، وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَلْفُ رَاكِبٍ، فَكَانَ عَدِيٌّ خَيْرَ مَوْلُودٍ وَأَعْظَمَهُ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهِ، ؓ. قَالُوا: ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ حَتَّى نَزَلَ بِأَجَأٍ وَسَلْمَى، وَعَبَّأَ جَيْشَهُ هُنَالِكَ، وَالْتَقَى مَعَ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: بُزَاخَةُ. وَوَقَفَتْ أَحْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَنْظُرُونَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدَّائِرَةُ، وَجَاءَ طُلَيْحَةُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنِ الْتَفَّ مَعَهُمْ وَانْضَافَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ مَعَهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ فِي سَبْعِمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي فَزَارَةَ، وَاصْطَفَّ النَّاسُ، وَجَلَسَ طُلَيْحَةُ مُلْتَفًّا فِي كِسَاءٍ لَهُ يَتَنَبَّأُ لَهُمْ، يَنْظُرُ مَا يُوحَى إِلَيْهِ فِيمَا يَزْعُمُ، وَجَعَلَ عُيَيْنَةُ يُقَاتِلُ مَا يُقَاتِلُ، حَتَّى إِذَا ضَجِرَ مِنَ الْقِتَالِ يَجِيءُ إِلَى طُلَيْحَةَ وَهُوَ مُلْتَفٌّ فِي كِسَائِهِ فَيَقُولُ: أَجَاءَكَ جِبْرِيلُ ؟ فَيَقُولُ: لَا. فَيَرْجِعُ فَيُقَاتِلُ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ لَهُ: هَلْ جَاءَكَ جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا قَالُ لَكَ ؟ قَالَ: قَالَ لِي: إِنَّ لَكَ رَحًا كَرَحَاهُ، وَحَدِيثًا لَا تَنْسَاهُ. قَالَ: يَقُولُ عُيَيْنَةُ: أَظُنُّ أَنْ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ سَيَكُونُ لَكَ حَدِيثٌ لَا تَنْسَاهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي فَزَارَةَ، انْصَرِفُوا. وَانْهَزَمَ، وَانْهَزَمَ النَّاسُ عَنْ طُلَيْحَةَ، فَلَمَّا جَاءَهُ الْمُسْلِمُونَ رَكِبَ عَلَى فَرَسٍ كَانَ قَدْ أَعَدَّهَا لَهُ، وَأَرْكَبَ امْرَأَتَهُ النَّوَارَ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ، ثُمَّ انْهَزَمَ بِهَا إِلَى الشَّامِ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُ، وَقَدْ قَتَلَ اللَّهُ طَائِفَةً مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَوْقَعَ اللَّهُ بِطُلَيْحَةَ وَفَزَارَةَ مَا أَوْقَعَ، قَالَتْ بَنُو عَامِرٍ وَسُلَيْمٍ وَهَوَازِنُ: نَدْخُلُ فِيمَا خَرَجْنَا مِنْهُ، وَنُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَنُسَلِّمُ لِحُكْمِهِ فِي أَمْوَالِنَا وَأَنْفُسِنَا. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ ارْتَدَّ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ بِمُؤَازَرَتِهِ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ بَدْرٍ، وَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لِقَوْمِهِ: وَاللَّهِ لِنَبِيٌّ مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ، وَهَذَا طُلَيْحَةُ فَاتِّبِعُوهُ. فَوَافَقَهُ قَوْمُهُ بَنُو فَزَارَةَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَسَرَهُمَا خَالِدٌ هَرَبَ طُلَيْحَةُ بِامْرَأَتِهِ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ عَلَى بَنِي كَلْبٍ، وَأَسَرَ خَالِدٌ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَبَعَثَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَجَعَلَ الْوِلْدَانُ وَالْغِلْمَانُ يَطْعَنُونَهُ بِأَيْدِيهِمْ، وَيَقُولُونَ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، ارْتَدَدْتَ عَنِ الْإِسْلَامِ ؟ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ آمَنْتُ قَطُّ. فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيِ الصِّدِّيقِ اسْتَتَابَهُ وَحَقَنَ دَمَهُ، ثُمَّ حَسُنَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ مَنَّ عَلَى قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَكَانَ أَحَدَ الْأُمَرَاءِ مَعَ طُلَيْحَةَ، فَأَسَرَهُ مَعَ عُيَيْنَةَ، وَأَمَّا طُلَيْحَةُ فَإِنَّهُ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا أَيَّامَ الصِّدِّيقِ وَاسْتَحْيَا أَنْ يُوَاجِهَهُ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ وَقَدْ رَجَعَ فَشَهِدَ الْقِتَالَ مَعَ خَالِدٍ، وَكَتَبَ الصِّدِّيقُ إِلَى خَالِدٍ أَنِ اسْتَشِرْهُ فِي الْحَرْبِ وَلَا تُؤَمِّرْهُ، يَعْنِي مُعَامَلَتَهُ لَهُ بِنَقِيضِ مَا كَانَ قَصَدَهُ مِنَ الرِّيَاسَةِ فِي الْبَاطِلِ. وَهَذَا مِنْ فِقْهِ الصِّدِّيقِ، ؓ وَأَرْضَاهُ. وَقَدْ قَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِبَعْضِ أَصْحَابِ طُلَيْحَةَ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ: أَخْبِرْنَا عَمَّا كَانَ يَقُولُ لَكُمْ طُلَيْحَةُ مِنَ الْوَحْيِ. فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَالْحَمَامِ وَالْيَمَامِ، وَالصُّرَدِ الصَّوَّامِ، قَدْ صُمْنَ قَبْلَكُمْ بِأَعْوَامٍ، لَيَبْلُغَنَّ مُلْكُنَا الْعِرَاقَ وَالشَّامَ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْهَذَيَانَاتِ السَّمِجَةِ. وَقَدْ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ جَاءَهُ أَنَّهُ كَسَرَ طُلَيْحَةَ وَمَنْ كَانَ فِي صَفِّهِ، وَقَامَ بِنَصْرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: لِيَزِدْكَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا، وَاتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ، جِدَّ فِي أَمْرِكَ وَلَا تَنِيَنَّ، وَلَا تَظْفَرْ بِأَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا نَكَّلَتَ بِهِ، وَمَنْ أَخَذْتَ مِمَّنْ حَادَّ اللَّهَ أَوْ ضَادَّهُ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ فِي ذَلِكَ صَلَاحًا فَاقْتُلْهُ. فَأَقَامَ خَالِدٌ بِبُزَاخَةَ شَهْرًا، يُصَعِّدُ فِيهَا وَيُصَوِّبُ، وَيَرْجِعُ إِلَيْهَا فِي طَلَبِ الَّذِينَ وَصَّاهُ بِسَبَبِهِمُ الصِّدِّيقُ، فَجَعَلَ يَتَرَدَّدُ فِي طَلَبِ هَؤُلَاءِ شَهْرًا، يَأْخُذُ بِثَأْرِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ حِينَ ارْتَدُّوا ; فَمِنْهُمْ مَنْ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَضَخَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَمَى بِهِ مِنْ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ، كُلُّ هَذَا لِيُشَرِّدَ بِهِمْ مَنْ يَسْمَعُ بَخَبَرِهِمْ مِنْ مُرْتَدَّةِ الْعَرَبِ. ؓ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمْ، عَنْ، طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بُزَاخَةَ ; أَسَدٌ وَغَطَفَانُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ، خَيَّرَهُمْ أَبُو بَكْرٍ بَيِّنَ حَرْبٍ مُجْلِيَةٍ أَوْ حِطَّةٍ مُخْزِيَةٍ. فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ فَقَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الْحِطَّةُ الْمُخْزِيَةُ ؟ قَالَ: تُؤْخَذُ مِنْكُمُ الْحَلْقَةُ وَالْكُرَاعُ، وَتُتْرَكُونَ أَقْوَامًا يَتَّبِعُونَ أَذْنَابَ الْإِبِلِ حَتَّى يُرِيَ اللَّهُ خَلِيفَةَ نَبِيِّهِ وَالْمُؤْمِنَيْنِ أَمْرًا يَعْذِرُونَكُمْ بِهِ، وَتُؤَدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِنَّا، وَلَا نُؤَدِّي مَا أَصَبْنَا مِنْكُمْ، وَتَشْهَدُونَ أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ، وَتَدُونَ قَتْلَانَا وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَّا قَوْلُكَ: تَدُونَ قَتْلَانَا. فَإِنَّ قَتْلَانَا قُتِلُوا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا دِيَاتِ لَهُمْ. فَاتَّبَعَ عُمَرَ. وَقَالَ عُمَرُ فِي الثَّانِي: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ بِسَنَدِهِ مُخْتَصَرًا.
التاريخ 1808لا حكم مسجّل
قِتَالُ خَالِدٍ فِي بُزَاخَةَ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْفُلَّالِ يَوْمَ بُزَاخَةَ مِنْ أَصْحَابِ طُلَيْحَةَ مِنْ بَنِي غَطَفَانَ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ زِمْلٍ سَلْمَى بِنْتُ مَالِكِ بْنِ حُذَيْفَةَ. وَكَانَتْ مِنْ سَيِّدَاتِ الْعَرَبِ، كَأُمِّهَا أُمِّ قِرْفَةَ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِأُمِّهَا الْمَثَلُ فِي الشَّرَفِ ; لِكَثْرَةِ أَوْلَادِهَا وَعِزَّةِ قَبِيلَتِهَا وَبَيْتِهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهَا ذَمَرَتْهُمْ لِقِتَالِ خَالِدٍ، فَهَاجُوا لِذَلِكَ، وَتَأَشَّبَ إِلَيْهِمْ آخَرُونَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَطَيِّئٍ وَهَوَازِنَ وَأَسَدٍ، فَصَارُوا جَيْشًا كَثِيفًا، وَتَفَحَّلَ أَمْرُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَهِيَ رَاكِبَةٌ عَلَى جَمَلِ أُمِّهَا الَّذِي كَانَ يُقَالُ: مَنْ نَخَسَ جَمَلَهَا فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. وَذَلِكَ لِعِزِّهَا، فَهَزَمَهُمْ خَالِدٌ وَعَقَرَ جَمَلَهَا وَقَتَلَهَا، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ إِلَى الصِّدِّيقِ، ؓ. ذِكْرُ رِدَّةِ بَنِي عَامِرٍ وَهَوَازِنَ وَسُلَيْمٍ وَكَانَتْ بَنُو عَامِرٍ تُقَدِّمُ إِلَى الرِّدَّةِ رِجْلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَتَنْظُرُ مَا تَصْنَعُ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ، فَلَمَّا أُحِيطَ بِهِمْ وَبَنُو عَامِرٍ عَلَى قَادَتِهِمْ وَسَادَتِهِمْ - كَانَ قُرَّةُ بْنُ هُبَيْرَةَ فِي كَعْبٍ وَمَنْ لَافَّهَا، وَعَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ فِي كِلَابٍ وَمَنْ لَافَّهَا، وَكَانَ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَحِقَ بِالشَّامِ بَعْدَ فَتْحِ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ مُسْرِعًا حَتَّى عَسْكَرَ فِي بَنِي كَعْبٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ سَرِيَّةً عَلَيْهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَقِيلَ: بَلْ قَعْقَاعُ بْنُ سَوْرٍ، وَقَالَ لَهُ لِيُغِيرَ عَلَى عَلْقَمَةَ لَعَلَّهُ يَقْتُلُهُ أَوْ يَسْتَأْسِرُهُ. فَخَرَجَ حَتَّى أَغَارَ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي عَلَيْهِ عَلْقَمَةُ، وَكَانَ لَا يَبْرَحُ إِلَّا مُسْتَعِدًّا، فَسَابَقَهُمْ عَلَى فَرَسِهِ فَسَبَقَهُمْ، وَأَسْلَمَ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ، وَأَخَذَهُمُ الْقَعْقَاعُ وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَجَحَدُوا أَنْ يَكُونُوا عَلَى حَالِ عَلْقَمَةَ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَبَا بَكْرٍ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَارَقُوا دَارَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: مَا ذَنْبُنَا فِيمَا صَنَعَ عَلْقَمَةُ ؟ فَأَرْسَلَهُمْ. ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ. وَأَقْبَلَتْ بَنُو عَامِرٍ بَعْدَ هَزِيمَةِ أَهْلِ بُزَاخَةَ يَقُولُونَ: نَدْخُلُ فِيمَا خَرَجْنَا مِنْهُ، وَنُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَتَوْا خَالِدًا فَبَايَعَهُمْ عَلَى مَا بَايَعَ أَهْلَ بُزَاخَةَ، وَأَعْطَوْهُ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ بَيْعَتُهُ: عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَتُؤْمِنُنَّ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَتُقِيمُنَّ الصَّلَاةَ، وَلَتُؤْتُنَّ الزَّكَاةَ، وَتُبَايِعُونَ عَلَى ذَلِكَ أَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعَمْ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَسَدٍ، وَغَطَفَانَ، وَطَيِّئٍ، وَسُلَيْمٍ، وَعَامِرٍ - إِلَّا أَنْ يَأْتُوهُ بِالَّذِينَ حَرَّقُوا وَمَثَّلُوا وَعَدَوْا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي حَالِ رِدَّتِهِمْ، فَأَتَوْهُ بِهِمْ، فَمَثَّلَ بِهِمْ وَحَرَّقَهُمْ وَرَضَخَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَرَمَى بِهِمْ مِنَ الْجِبَالِ، وَنَكَّسَهُمْ فِي الْآبَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يُعْلِمُهُ مَا فَعَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قُرَّةَ بْنَ هُبَيْرَةَ وَنَفَرًا مَعَهُ مُوَثَّقِينَ، وَزُهَيْرًا أَيْضًا.
التاريخ 1809لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قُدُومِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ عُمَانَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَرْسَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى جَيْفَرٍ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ. فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَمْرٌو بِعُمَانَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَوَجَدَ الْمُنْذِرَ بْنَ سَاوَى فِي الْمَوْتِ. ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ إِلَى بِلَادِ بَنِي عَامِرٍ فَنَزَلَ بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، وَقُرَّةُ يَقُدِّمُ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَمَعَهُ عَسْكَرٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَذَبَحَ لَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ. فَلَمَّا أَرَادَ الرِّحْلَةَ خَلَا بِهِ قُرَّةُ وَقَالَ: يَا هَذَا، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَطِيبُ لَكُمْ نَفْسًا بِالْإِتَاوَةِ، فَإِنْ أَعْفَيْتُمُوهَا مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِهَا فَسَتَسْمَعُ لَكُمْ وَتُطِيعُ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَا تَجْتَمِعُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أَكَفَرْتَ يَا قُرَّةُ ؟ أَتُخَوِّفُنَا بِالْعَرَبِ ؟ فَوَاللَّهِ لَأُوطِئَنَّ عَلَيْكَ الْخَيْلَ فِي حِفْشِ أُمِّكَ. وَالْحِفْشُ: بَيْتٌ تَنْفَرِدُ فِيهِ النُّفَسَاءُ. وَقَدِمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَأَطَافُوا بِهِ يَسْأَلُونَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْعَسَاكِرَ مُعَسْكِرَةٌ مِنْ دَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ. فَتَفَرَّقُوا وَتَحَلَّقُوا حِلَقًا، وَأَقْبَلَ عُمَرُ يُرِيدُ التَّسْلِيمَ عَلَى عَمْرٍو، فَمَرَّ عَلَى حِلْقَةٍ فِيهَا عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٌ. فَلَمَّا دَنَا عُمَرُ مِنْهُمْ سَكَتُوا، فَقَالَ: فِيمَ أَنْتُمْ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: مَا أَخَوْفَنَا عَلَى قُرَيْشٍ مِنَ الْعَرَبِ ! قَالُوا: صَدَقْتَ. قَالَ: فَلَا تَخَافُوهُمْ، أَنَا وَاللَّهِ مِنْكُمْ عَلَى الْعَرَبِ أَخْوَفُ مِنِّي مِنَ الْعَرَبِ عَلَيْكُمْ، وَاللَّهِ لَوْ تَدْخُلُونَ، مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، جُحْرًا لَدَخَلَتْهُ الْعَرَبُ فِي آثَارِكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيهِمْ. وَمَضَى عُمَرُ، فَلَمَّا قُدِمَ بِقُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَسِيرًا، اسْتَشْهَدَ بِعَمْرٍو عَلَى إِسْلَامِهِ، فَأَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عَمْرًا فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ قُرَّةَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى ذِكْرِ الزَّكَاةِ فَقَالَ قُرَّةُ: مَهْلًا يَا عَمْرُو ! فَقَالَ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ بِجَمِيعِهِ. فَعَفَا عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَبِلَ إِسْلَامَهُ.
التاريخ 1810لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي خَبَرِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ الْيَرْبُوعِيِّ التَّمِيمِيِّ كَانَ قَدْ صَانَعَ سَجَاحِ حِينَ قَدِمَتْ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، فَلَمَّا اتَّصَلَتْ بِمُسَيْلِمَةَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ تَرَحَّلَتْ إِلَى بِلَادِهَا، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ نَدِمَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَتَلَوَّمَ فِي شَأْنِهِ، وَهُوَ نَازِلٌ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْبُطَاحُ. فَقَصَدَهَا خَالِدٌ بِجُنُودِهِ وَتَأَخَّرَتْ عَنْهُ الْأَنْصَارُ، وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ قَضَيْنَا مَا أَمَرَنَا بِهِ الصِّدِّيقُ. فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: إِنَّ هَذَا أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ، وَفُرْصَةٌ لَا بُدَّ مِنَ انْتِهَازِهَا وَإِنْ لَمْ يَأْتِنِي فِيهَا كِتَابٌ، وَأَنَا الْأَمِيرُ وَإِلَيَّ تَرِدُ الْأَخْبَارُ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُجْبِرُكُمْ عَلَى الْمَسِيرِ، وَأَنَا قَاصِدٌ الْبُطَاحَ. فَسَارَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ لَحِقَهُ رَسُولُ الْأَنْصَارِ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الِانْتِظَارَ، فَلَحِقُوا بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْبُطَاحَ وَعَلَيْهَا مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ،، فَبَثَّ خَالِدٌ السَّرَايَا فِي الْبُطَاحِ يَدْعُونَ النَّاسَ، فَاسْتَقْبَلَهُ أُمَرَاءُ بَنِي تَمِيمٍ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَبَذَلُوا الزِّكْوَاتِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، فَإِنَّهُ مُتَحَيِّرٌ فِي أَمْرِهِ، مُتَنَحٍّ عَنِ النَّاسِ، فَجَاءَتْهُ السَّرَايَا فَأَسَرُوهُ وَأَسَرُوا مَعَهُ أَصْحَابَهُ، وَاخْتَلَفَتِ السَّرِيَّةُ فِيهِمْ، فَشَهِدَ أَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيِّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُمْ أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُمْ لَمْ يُؤَذِّنُوا وَلَا صَلَّوْا. فَيُقَالُ: إِنَّ الْأُسَارَى بَاتُوا فِي كُبُولِهِمْ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَنَادَى مُنَادِي خَالِدٍ أَنْ دَافِئُوا أَسْرَاكُمْ. فَظَنَّ الْقَوْمُ أَنَّهُ أَرَادَ الْقَتْلَ، فَقَتَلُوهُمْ، وَقَتَلَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ، فَلَمَّا سَمِعَ خَالِدٌ الْوَاعِيَةَ خَرَجَ وَقَدْ فَرَغُوا مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا أَصَابَهُ. وَاصْطَفَى خَالِدٌ امْرَأَةَ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وَهِيَ أُمُّ تَمِيمٍ ابْنَةُ الْمِنْهَالِ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً، فَلَمَّا حَلَّتْ بَنَى بِهَا. وَيُقَالُ: بَلِ اسْتَدْعَى خَالِدٌ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ فَأَنَّبَهُ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ مُتَابَعَةِ سَجَاحِ، وَعَلَى مَنْعِهِ الزَّكَاةَ، وَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهَا قَرِينَةُ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ كَانَ يَزْعُمُ ذَلِكَ. فَقَالَ: أَهْوَ صَاحِبُنَا وَلَيْسَ بِصَاحِبِكَ ؟ ! يَا ضِرَارُ، اضْرِبْ عُنُقَهُ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَأَمَرَ بِرَأْسِهِ فَجُعِلَ مَعَ حَجَرَيْنِ، وَطُبِخَ عَلَى الثَّلَاثَةِ قِدْرًا، فَأَكَلَ مِنْهَا خَالِدٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لِيُرْهِبَ بِذَلِكَ الْأَعْرَابَ مِنَ الْمُرْتَدَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَيُقَالُ: إِنَّ شَعْرَ مَالِكٍ جَعَلَتِ النَّارُ تَعْمَلُ فِيهِ إِلَى أَنْ نَضِجَ لَحْمِ الْقِدْرِ، وَلَمْ يَفَرُغَ الشَّعْرُ لِكَثْرَتِهِ. التحريض على عزل خالد وَقَدْ تَكَلَّمَ أَبُو قَتَادَةَ مَعَ خَالِدٍ فِيمَا صَنَعَ، وَتَقَاوَلَا فِي ذَلِكَ، حَتَّى ذَهَبَ أَبُو قَتَادَةَ فَشَكَاهُ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَتَكَلَّمَ عُمَرُ مَعَ أَبِي قَتَادَةَ فِي خَالِدٍ، وَقَالَ لِلصَّدِيقِ: اعْزِلْهُ، فَإِنَّ فِي سَيْفِهِ رَهَقًا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا أَشْيَمُ سَيْفًا سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ . وَجَاءَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ فَجَعَلَ يَشْكُو إِلَى الصِّدِّيقِ خَالِدًا، وَعُمَرُ يُسَاعِدُهُ وَيُنْشِدُ الصِّدِّيقَ مَا قَالَ فِي أَخِيهِ مِنَ الْمَرَاثِي، فَوَدَاهُ الصِّدِّيقُ مِنْ عِنْدِهِ. وَمِنْ قَوْلِ مُتَمِّمٍ فِي ذَلِكَ: وَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ بُرْهَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا وَعِشْنَا بِخَيْرٍ مَا حَيِينَا وَقَبْلَنَا أَبَادَ الْمَنَايَا قَوْمَ كِسْرَى وَتُبَّعَا فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا تَرَاهُ كَنَصْلِ السَّيْفِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى إِذَا لَمْ يَجِدْ عِنْدَ امْرِئِ السَّوْءَ مَطْمَعَا وَمَا كَانَ وَقَّافًا إِذَا الْخَيْلُ أَحْجَمَتْ وَلَا طَالِبًا مِنْ خَشْيَةِ الْمَوْتِ مَفْزِعَا وَلَا بِكَهَامٍ سَيْفُهُ عَنْ عَدُوِّهِ إِذَا هُوَ لَاقَى حَاسِرًا أَوْ مُقَنَّعَا وَإِنِّي مَتَى مَا أَدْعُ بِاسْمِكَ لَمْ تُجِبْ وَكُنْتَ حَرِيًّا أَنْ تُجِيبَ وَتَسْمَعَا وَمَا شَارِفٌ حَنَّتْ حَنِينًا وَرَجَّعَتْ أَنِينًا فَأَبْكَى شَجْوُهَا الْبَرْكَ أَجْمَعَا بِأَوْجَدَ مِنِّي يَوْمَ قَامَ بِمَالِكٍ مُنَادٍ فَصِيحٌ بِالْفِرَاقِ فَأَسْمَعَا تَحِيَّتُهُ مِنِّي وَإِنْ كَانَ نَائِيًا وَأَمْسَى تُرَابًا فَوْقَهُ الْأَرْضُ بَلْقَعَا سَقَى اللَّهُ أَرْضًا حَلَّهَا قَبْرُ مَالِكٍ ذِهَابَ الْغَوَادِي الْمُدْجِنَاتِ فَأَمْرَعَا فِي أَبْيَاتٍ أُخَرَ اخْتَصَرْنَاهَا. وَقِيلَ: إِنَّ مُتَمِّمًا حَزِنَ عَلَى أَخِيهِ مَالِكٍ حُزْنًا شَدِيدًا ; مَكَثَ سَنَةً كَامِلَةً لَمْ يَنِمِ اللَّيْلَ، وَلَمْ يَزَلْ حَزِينًا عَلَيْهِ يُنْشِدُ فِيهِ الْأَشْعَارَ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ أَعْوَرَ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِيهِ حَتَّى سَالَتْ عَيْنُهُ الْعَوْرَاءُ بِالدُّمُوعِ، وَهَذَا أَبْلَغُ مَا يَكُونُ مِنَ الْحُزْنِ. وَقَالَ أَيْضًا: لَقَدْ لَامَنِي عِنْدَ الْقُبُورِ عَلَى الْبُكَا رَفِيقِي لِتَذْرَافِ الدُّمُوعِ السَّوَافِكِ وَقَالَ أَتَبْكِي كُلَّ قَبْرٍ رَأَيْتَهُ لِقَبْرٍ ثَوَى بَيْنَ اللِّوَى فَالدَّكَادِكِ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ الْأَسَى يَبْعَثُ الْأَسَى فَدَعْنِي فَهَذَا كُلُّهُ قَبْرُ مَالِكِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ؓ، يُحَرِّضُ الصِّدِّيقَ وَيَذْمُرُهُ عَلَى عَزْلِ خَالِدٍ عَنِ الْإِمْرَةِ وَيَقُولُ: إِنَّ فِي سَيْفِهِ لَرَهَقًا، قَتَلَ مَالِكًا وَنَزَى عَلَى امْرَأَتِهِ. استمرار إمارة خالد واعتذاره عن قتل مالك بن نويرة حَتَّى بَعَثَ الصِّدِّيقُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ وَقَدْ لَبِسَ عَلَيْهِ دِرْعَهُ الَّتِي مِنْ حَدِيدٍ، قَدْ صَدِئَ مِنْ كَثْرَةِ الدِّمَاءِ، وَغَرَزَ فِي عِمَامَتِهِ النُّشَّابَ الْمُضَمَّخَ بِالدِّمَاءِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَانْتَزَعَ الْأَسْهُمَ مِنْ عِمَامَةَ خَالِدٍ فَحَطَّمَهَا، وَقَالَ: أَرِيَاءً قَتَلْتَ امْرَأً مُسْلِمًا ثُمَّ نَزَوْتَ عَلَى امْرَأَتِهِ ؟ ! وَاللَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ. وَخَالِدٌ لَا يُكَلِّمُهُ، وَلَا يَظُنُّ إِلَّا أَنَّ رَأْيَ الصِّدِّيقِ فِيهِ كَرَأْيِ عُمَرَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَعَذَرَهُ وَتَجَاوَزَ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، وَوَدَى مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَعُمَرُ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ خَالِدٌ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا ابْنَ أُمِّ شَمْلَةَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، وَعَرَفَ أَنَّ الصِّدِّيقَ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ. وَاسْتَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ بِخَالِدٍ عَلَى الْإِمْرَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدِ اجْتَهَدَ فِي قَتْلِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ وَأَخْطَأَ فِي قَتْلِهِ، كَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَقَتَلَ أُولَئِكَ الْأُسَارَى الَّذِينَ قَالُوا: صَبَأْنَا صَبَأْنَا. وَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا. فَوَدَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى رَدَّ إِلَيْهِمْ مِيلَغَةَ الْكَلْبِ، وَرَفْعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ . وَمَعَ هَذَا لَمْ يَعْزِلْ خَالِدًا عَنِ الْإِمْرَةِ.
التاريخ 1811لا حكم مسجّل
وَأَمَّا خَبَرُ الْفُجَاءَةِ السُّلَمِيِّ، وَاسْمُهُ إِيَاسُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ، فَإِنَّهُ جَاءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ: أَعِنِّي بِالسِّلَاحِ، أُقَاتِلُ بِهِ أَهْلَ الرِّدَّةِ. فَأَعْطَاهُ سِلَاحًا وَأَمَّرَهُ إِمْرَةً، فَخَالَفَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ بِالْجِوَاءِ، وَبَعَثَ نُخْبَةَ بْنَ أَبِي الْمَيْثَاءِ مِنْ بَنِي الشَّرِيدِ وَأَمَرَهُ بِالْمُسْلِمِينَ، فَشَنَّ الْغَارَةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي سُلَيْمٍ، وَعَامِرٍ، وَهَوَازِنَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى طُرَيْفَةَ بْنِ حَاجِزٍ،، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ وَيَسِيرَ إِلَيْهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ الْحَاسِيَّ عَوْنًا، فَنَهَضَا إِلَيْهِ وَطَلَبَاهُ، فَلَاذَ مِنْهُمَا، ثُمَّ لَقِيَاهُ عَلَى الْجِوَاءِ فَاقْتَتَلُوا، وَقُتِلَ نُخْبَةُ وَهَرَبَ الْفُجَاءَةُ، فَلَحِقَهُ طُرَيْفَةُ فَأَسَرَهُ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا قَدِمَ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ تُوقَدَ لَهُ نَارٌ فِي مُصَلَّى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ فِيهِ مَقْمُوطًا.
التاريخ 1812لا حكم مسجّل
وَأَمَّا خَبَرُ أَبِي شَجَرَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيِّ، وَهُوَ ابْنُ الْخَنْسَاءِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ ارْتَدَّ فِيمَنِ ارْتَدَّ مِنْ سُلَيْمٍ، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ مَعَ مَعْنِ بْنِ حَاجِزٍ، وَكَانَ أَمِيرًا لِأَبِي بَكْرٍ. فَلَمَّا سَارَ خَالِدٌ إِلَى طُلَيْحَةَ كَتَبَ إِلَى مَعْنٍ أَنْ يَلْحَقَهُ فِيمَنْ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَمَلِهِ أَخَاهُ طُرَيْفَةَ بْنَ حَاجِزٍ. فَقَالَ أَبُو شَجَرَةَ حِينَ ارْتَدَّ: صَحَا الْقَلْبُ عَنْ مَيٍّ هَوَاهُ وَأَقْصَرَا وَطَاوَعَ فِيهَا الْعَاذِلِينَ فَأَبْصَرَا أَلَا أَيُّهَا الْمُدْلِي بِكَثْرَةِ قَوْمِهِ وَحَظُّكَ مِنْهُمْ أَنْ تُضَامَ وَتُقْهَرَا سَلِ النَّاسَ عَنَّا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ إِذَا مَا الْتَقَيْنَا دَارِعِينَ وَحُسَّرًا أَلَسْنَا نُعَاطِي ذَا الطِّمَاحِ لِجَامَهُ وَنَطْعَنُ فِي الْهَيْجَا إِذَا الْمَوْتُ أَقْفَرَا فَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أَعُمَّرَا ثُمَّ إِنَّ أَبَا شَجَرَةَ أَسْلَمَ، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَرَأَى عُمَرَ وَهُوَ يُقَسِّمُ فِي الْمَسَاكِينِ، فَقَالَ: أَعْطِنِي فَإِنِّي ذُو حَاجَةٍ، فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو شَجَرَةَ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى السُّلَمِيُّ. قَالَ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَا وَاللَّهِ ! أَلَسْتَ الَّذِي تَقُولُ: فَرَوَّيْتُ رُمْحِي مِنْ كَتِيبَةِ خَالِدٍ وَإِنِّي لَأَرْجُو بَعْدَهَا أَنْ أَعُمِّرَا ؟ وَجَعَلَ يَعْلُوهُ بِالدِّرَّةِ فِي رَأْسِهِ حَتَّى سَبَقَهُ عَدْوًا إِلَى نَاقَتِهِ، فَرَكِبَهَا وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ وَقَالَ: ضَنَّ عَلَيْنَا أَبُو حَفْصٍ بِنَائِلِهِ وَكُلُّ مُخْتَبِطٍ يَوْمًا لَهُ وَرَقُ فِي أَبْيَاتٍ.
التاريخ 1813لا حكم مسجّل
ذَكْرُ رِدَّةِ أَهْلِ الْبَحْرِينِ وَعَوْدِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ كَانَ مِنْ خَبَرِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ قَدْ بَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى مَلِكِهَا الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ وَأَقَامَ فِيهِمُ الْإِسْلَامَ وَالْعَدْلَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ الْمُنْذِرُ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ فِي مَرَضِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو، هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْعَلُ لِلْمَرِيضِ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، الثُّلُثَ. قَالَ: مَاذَا أَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ تَصَدَّقَتْ بِهِ عَلَى أَقْرِبَائِكَ، وَإِنْ شِئْتَ عَلَى الْمَحَاوِيجِ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ صَدَقَةً مِنْ بَعْدِكَ حَبْسًا مُحَرَّمًا، فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَجْعَلَهُ كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي، وَلَكِنِّي أَتَصَدَّقُ بِهِ. فَفَعَلَ، وَمَاتَ فَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ، فَلَمَّا مَاتَ الْمُنْذِرُ ارْتَدَّ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ الْغَرُورَ، وَهُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا مَا مَاتَ. موقف قرية جواثي من الردة والجارود بن المعلى وَلَمْ يَبْقَ بِهَا بَلْدَةٌ عَلَى الثَّبَاتِ سِوَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: جُوَاثَى. كَانَتْ أَوَّلَ قَرْيَةٍ أَقَامَتِ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ حَاصَرَهُمُ الْمُرْتَدُّونَ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، حَتَّى مُنِعُوا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَجَاعُوا جَوْعًا شَدِيدًا حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذَفٍ أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ، وَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْجُوعُ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ رَسُولًا وَفِتْيَانَ الْمَدِينَةِ أَجَمْعِينَا فَهَلْ لَكَمُ إِلَى قَوْمٍ كِرَامٍ قُعُودٍ فِي جُوَاثَى مُحْصَرِينَا كَأَنَّ دِمَاءَهُمْ فِي كُلِّ فَجٍّ شُعَاعُ الشَّمْسِ يَغْشَى النَّاظِرِينَا تَوَكَّلْنَا عَلَى الرَّحْمَنِ إِنَّا وَجَدْنَا الصَّبْرَ لِلْمُتَوَكِّلِينَا وَقَدْ قَامَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَهُوَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَكَانَ مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، وَقَدْ جَمَعَهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ أَمْرٍ، فَأَخْبِرُونِي إِنْ عَلِمْتُمُوهُ وَلَا تُجِيبُونِي إِنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ. فَقَالُوا: سَلْ. قَالَ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ لِلَّهِ أَنْبِيَاءُ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: تَعْلَمُونَهُ أَمْ تَرَوْنَهُ ؟ قَالُوا: نَعْلَمُهُ. قَالَ: فَمَا فَعَلُوا ؟ قَالُوا: مَاتُوا. قَالَ: فَإِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ مَاتَ كَمَا مَاتُوا، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالُوا: وَنَحْنُ أَيْضًا نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْتَ أَفْضَلُنَا وَسَيِّدُنَا، وَثَبَتُوا عَلَى إِسْلَامِهِمْ، وَتَرَكُوا بَقِيَّةَ النَّاسِ فِيمَا هُمْ فِيهِ. بعث العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وَبَعَثَ الصِّدِّيقُ، ؓ، كَمَا قَدَّمْنَا إِلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْبَحْرَيْنِ، جَاءَ إِلَيْهِ ثُمَامَةُ بْنُ أَثَالٍ فِي جَحْفَلٍ كَثِيرٍ، وَجَاءَ كُلُّ أُمَرَاءِ تِلْكَ النَّوَاحِي، فَانْضَافُوا إِلَى جَيْشِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَأَكْرَمَهُمُ الْعَلَاءُ وَتَرَحَّبَ بِهِمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ. كرامات العلاء بن الحضرمي وَقَدْ كَانَ الْعَلَاءُ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ الْعُلَمَاءِ الْعُبَّادِ مُجَابِي الدَّعْوَةِ، اتَّفَقَ لَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنَّهُ نَزَلَ مَنْزِلًا، فَلَمْ يَسْتَقِرَّ النَّاسُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى نَفَرَتِ الْإِبِلُ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ زَادِ الْجَيْشِ وَخِيَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، وَبَقُوا عَلَى الْأَرْضِ لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ سِوَى ثِيَابِهِمْ، وَذَلِكَ لَيْلًا، وَلَمْ يَقْدِرُوا مِنْهَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَرَكِبَ النَّاسُ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَمِّ مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوَصَفُ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُوصِي إِلَى بَعْضٍ، فَنَادَى مُنَادِي الْعَلَاءِ فَاجْتَمَعَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَسْتُمُ الْمُسْلِمِينَ ؟ أَلَسْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ أَلَسْتُمْ أَنْصَارَ اللَّهِ ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَبْشِرُوا، فَوَاللَّهِ لَا يَخْذِلُ اللَّهُ مَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِكُمْ. وَنُودِيَ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَجَثَا النَّاسُ، وَنَصِبَ فِي الدُّعَاءِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَفَعَلَ النَّاسُ مِثْلَهُ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى سَرَابِ الشَّمْسِ يَلْمَعُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الدُّعَاءِ، فَلَمَّا لَمَعَ الثَّالِثَةَ إِذَا قَدْ خَلَقَ اللَّهُ إِلَى جَانِبِهِمْ غَدِيرًا عَظِيمًا مِنَ الْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَمَشَى وَمَشَى النَّاسُ إِلَيْهِ، فَشَرِبُوا وَاغْتَسَلُوا فَمَا تَعَالَى النَّهَارُ حَتَّى أَقْبَلَتِ الْإِبِلُ مِنْ كُلِّ فَجٍّ بِمَا عَلَيْهَا، لَمْ يَفْقِدِ النَّاسُ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ سِلْكًا، فَسَقَوُا الْإِبِلَ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، فَكَانَ هَذَا مِمَّا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ بِهَذِهِ السَّرِيَّةِ. ثُمَّ لَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ جُيُوشِ الْمُرْتَدَّةِ - وَقَدْ حَشَدُوا وَجَمَعُوا خَلْقًا عَظِيمًا - نَزَلَ وَنَزَلُوا، وَبَاتُوا مُتَجَاوِرِينَ فِي الْمَنَازِلِ، فَبَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي اللَّيْلِ إِذْ سَمِعَ الْعَلَاءُ أَصْوَاتًا عَالِيَةً فِي جَيْشِ الْمُرْتَدِّينَ، فَقَالَ: مَنْ رَجُلٌ يَكْشِفُ لَنَا خَبَرَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَذَفٍ، فَدَخَلَ فِيهِمْ فَوَجَدَهُمْ سُكَارَى لَا يَعْقِلُونَ مِنَ الشَّرَابِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ، فَرَكِبَ الْعَلَاءُ مِنْ فَوْرِهِ هُوَ وَالْجَيْشُ مَعَهُ، فَكَبَسُوا أُولَئِكَ فَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا عَظِيمًا، وَقَلَّ مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَاسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ وَحَوَاصِلِهِمْ وَأَثْقَالِهِمْ، فَكَانَتْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً جَسِيمَةً. مقتل الحطم بن ضبيعة وَكَانَ الْحُطَمُ بْنُ ضُبَيْعَةَ - أَخُو بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مِنْ سَادَاتِ الْقَوْمِ - نَائِمًا، فَقَامَ دَهِشًا حِينَ اقْتَحَمَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَرَكِبَ جَوَادَهُ، فَانْقَطَعَ رِكَابُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: مَنْ يُصْلِحُ لِي رِكَابِي ؟ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي اللَّيْلِ فَقَالَ: أَنَا أُصْلِحُهَا لَكَ، ارْفَعْ رَجْلَكَ. فَلَمَّا رَفَعَهَا ضَرْبَهُ بِالسَّيْفِ فَقَطْعَهَا مَعَ قَدَمِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَجْهِزْ عَلَيَّ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَوَقَعَ صَرِيعًا، كُلَّمَا مَرَّ بِهِ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَيَأْبَى، حَتَّى مَرَّ بِهِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فَقَالَ لَهُ: أَنَا الْحُطَمُ فَاقْتُلْنِي فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا رَأَى رِجْلَهُ مَقْطُوعَةً نَدِمَ عَلَى قَتْلِهِ وَقَالَ: وَاسَوْأَتَاهْ، لَوْ أَعْلَمُ مَا بِهِ لَمْ أُحَرِّكْهُ. غزو العلاء بن الحضرمي لدارين ثُمَّ رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ فِي آثَارِ الْمُنْهَزِمِينَ، يَقْتُلُونَهُمْ بِكُلِّ مَرْصَدٍ وَطَرِيقٍ، وَذَهَبَ مَنْ فَرَّ مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرُهُمْ فِي الْبَحْرِ إِلَى دَارِينَ، رَكِبُوا إِلَيْهَا السُّفُنَ، ثُمَّ شَرَعَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ فِي قَسْمِ الْغَنِيمَةِ وَنَفْلِ الْأَنْفَالِ، وَفَرَغَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى دَارِينَ ; لِنَغْزُوَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَعْدَاءِ، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ سَرِيعًا، فَسَارَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى سَاحِلَ الْبَحْرِ ; لِيَرْكَبُوا فِي السُّفُنِ، فَرَأَى أَنَّ الشُّقَّةَ بَعِيدَةٌ، لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِمْ فِي السُّفُنِ حَتَّى يَذْهَبَ أَعْدَاءُ اللَّهِ، فَاقْتَحَمَ الْبَحْرَ بِفَرَسِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، يَا حَلِيمُ يَا كَرِيمُ، يَا أَحَدُ يَا صَمَدُ، يَا حَيُّ يَا مُحْيِي الْمَوْتَى، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَبَّنَا. وَأَمَرَ الْجَيْشَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ وَيَقْتَحِمُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَأَجَازَ بِهِمُ الْخَلِيجَ بِإِذْنِ اللَّهِ يَمْشُونَ عَلَى مِثْلِ رَمْلَةٍ دَمِثَةٍ، فَوْقَهَا مَاءٌ لَا يَغْمُرُ أَخْفَافَ الْإِبِلِ، وَلَا يَصِلُ إِلَى رُكَبِ الْخَيْلِ، وَمَسِيرَتُهُ لِلسُّفُنِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقَطَعَهُ إِلَى السَّاحِلِ الْآخَرِ، فَقَاتَلَ عَدُوَّهُ وَقَهَرَهُمْ، وَاحْتَازَ غَنَائِمَهُمْ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَطَعَهُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَعَادَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي يَوْمٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ مِنَ الْعَدُوِّ مُخْبِرًا، وَاسْتَاقَ الذَّرَارِيَّ وَالْأَنْعَامَ وَالْأَمْوَالَ، وَلَمْ يَفْقِدِ الْمُسْلِمُونَ فِي الْبَحْرِ شَيْئًا سِوَى عُلَّيْقَةِ فَرَسٍ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ هَذَا رَجَعَ الْعَلَاءُ فَجَاءَهُ بِهَا، ثُمَّ قَسَّمَ غَنَائِمَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِمْ، فَأَصَابَ الْفَارِسُ أَلْفَيْنِ وَالرَّاجِلُ أَلْفًا، مَعَ كَثْرَةِ الْجَيْشِ، وَكَتَبَ إِلَى الصِّدِّيقِ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ الصِّدِّيقُ يَشْكُرُهُ عَلَى مَا صَنَعَ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مُرُورِهِمْ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ عَفِيفُ بْنُ الْمُنْذِرِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ ذَلَّلَ بِحَرَهُ وَأَنْزَلَ بِالْكُفَّارِ إِحْدَى الْجَلَائِلِ دَعَوْنَا الَّذِي شَقَّ الْبِحَارَ فَجَاءَنَا بِأَعْجَبَ مِنْ فَلْقِ الْبِحَارِ الْأَوَائِلِ ومما أجرى الله على العلاء بن الحضرمي من كرامات وَقَدْ ذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ كَانَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَوَاقِفِ وَالْمَشَاهِدِ الَّتِي رَأَوْهَا مِنْ أَمْرِ الْعَلَاءِ، وَمَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْكَرَامَاتِ ، رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ هَجَرَ، رَاهِبٌ، فَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ، فَقِيلَ لَهُ: مَا دَعَاكَ إِلَى الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ: خَشِيتُ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ أَنْ يَمْسَخَنِي اللَّهُ ; لِمَا شَاهَدْتُ مِنَ الْآيَاتِ. قَالَ: وَقَدْ سَمِعْتُ فِي الْهَوَاءِ وَقْتَ السَّحَرِ دُعَاءً. قَالُوا: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَالْبَدِيعُ لَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَالدَّائِمُ غَيْرُ الْغَافِلِ، وَالْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَخَالِقُ مَا يُرَى وَمَا لَا يُرَى، وَكُلَّ يَوْمٍ أَنْتَ فِي شَأْنٍ، وَعَلِمْتَ اللَّهُمَّ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا. قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يُعَانُوا بِالْمَلَائِكَةِ إِلَّا وَهُمْ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ. قَالَ: فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَسْمَعُونَ مِنْهُ.
التاريخ 1814لا حكم مسجّل
نسب الأسود العنسي وخروجه خُرُوجُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ . وَاسْمُهُ عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبِ بْنِ غَوْثٍ، مِنْ بَلَدٍ يُقَالُ لَهَا: كَهْفُ خُبَّانَ. فِي سَبْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِ النَّبِيِّ ﷺ: أَيُّهَا الْمَوْرُودُونَ عَلَيْنَا، أَمْسِكُوا عَلَيْنَا مَا أَخَذْتُمْ مِنْ أَرْضِنَا، وَوَفِّرُوا مَا جَمَعْتُمْ، فَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ، وَأَنْتُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ رَكِبَ فَتَوَجَّهَ إِلَى نَجْرَانَ فَأَخَذَهَا بَعْدَ عَشْرِ لَيَالٍ مِنْ مَخْرَجِهِ، ثُمَّ قَصَدَ إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ شَهْرُ بْنُ بَاذَامَ فَتَقَاتَلَا، فَغَلَبَهُ الْأَسْوَدُ وَقَتَلَهُ، وَكَسَرَ جَيْشَهَ مِنَ الْأَبْنَاءِ، وَاحْتَلَّ بَلْدَةَ صَنْعَاءَ لِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْ مَخْرَجِهِ، فَفَرَّ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِنْ هُنَالِكَ، وَاجْتَازَ بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَذَهَبَا إِلَى حَضْرَمَوْتَ، وَانْحَازَ عُمَّالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّاهِرِ، وَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَوْثَقَتِ الْيَمَنُ بِكَمَالِهَا لِلْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، وَجَعَلَ أَمْرُهُ يَسْتَطِيرُ اسْتِطَارَةَ الشَّرَارَةِ، وَكَانَ جَيْشُهُ يَوْمَ لَقِيَ شَهْرًا سَبْعَمِائَةِ فَارِسٍ، وَأُمَرَاؤُهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ الْمُرَادِيُّ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَيَزِيدُ بْنُ مُخَزَّمٍ، وَيَزِيدُ بْنُ حُصَيْنٍ الْحَارِثِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَفْكَلِ الْأَزْدِيُّ، وَاشْتَدَّ مُلْكُهُ، وَاسْتَغْلَظَ أَمْرُهُ، وَارْتَدَّ خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَعَامَلَهُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ هُنَاكَ بِالتَّقِيَّةِ، وَكَانَ خَلِيفَتُهُ عَلَى مَذْحِجٍ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ، وَأَسْنَدَ أَمْرَ الْجُنْدِ إِلَى قَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأَسْنَدَ أَمْرَ الْأَبْنَاءِ إِلَى فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ وَدَاذَوَيْهِ، وَتَزَوَّجَ امْرَأَةَ شَهْرِ بْنِ بَاذَامَ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، وَاسْمُهَا آزَاذُ، وَكَانَتِ امْرَأَةً حَسْنَاءَ جَمِيلَةً، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنَةٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنَ الصَّالِحَاتِ. الرسول ﷺ يأمر بقتال الأسود العنسي قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَهُ حِينَ بَلَغَهُ خَبَرُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ الدَّيْلَمِيُّ. يَأْمُرُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ هُنَاكَ بِمُقَاتَلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ وَمُصَاوَلَتِهِ، وَقَامَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِهَذَا الْكِتَابِ أَتَمَّ الْقِيَامِ، وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنَ السَّكُونِ يُقَالُ لَهَا: رَمْلَةُ. فَحَدِبَتْ عَلَيْهِ السَّكُونُ ; لِصِهْرِهِ فِيهِمْ، وَقَامُوا مَعَهُ فِي ذَلِكَ، وَبَلَّغُوا هَذَا الْكِتَابَ إِلَى عُمَّالِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ، وَاتَّفَقَ اجْتِمَاعُهُمْ بِقَيْسِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَمِيرِ الْجُنْدِ، وَكَانَ قَدْ تَغْضَّبَ عَلَيْهِ الْأَسْوَدُ وَاسْتَخَفَّ بِهِ، وَهَمَّ بِقَتْلِهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ أَمْرُ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ قَدْ ضَعُفَ عِنْدَهُ أَيْضًا، وَكَذَا دَاوَذَيْهِ. علم الأسود العنسي بخبر الرسول ﷺ فَلَمَّا أَعْلَمْ وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ وَالْمُسْلِمُونَ قَيْسَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ، وَهُوَ قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، كَانَ كَأَنَّمَا نَزَلُوا عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى الْفَتْكِ بِالْأَسْوَدِ، وَتَوَافَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ وَتَعَاقَدُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَيْقَنَ ذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ اطَّلَعَ شَيْطَانُ الْأَسْوَدِ لِلْأَسْوَدِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَدَعَا قَيْسَ بْنَ مَشْكُوحٍ فَقَالَ لَهُ: يَا قَيْسُ، مَا يَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ ؟ قَالَ: يَقُولُ: عَمَدْتَ إِلَى قَيْسٍ فَأَكْرَمْتَهُ حَتَّى إِذَا دَخَلَ مِنْكَ كُلَّ مَدْخَلٍ، وَصَارَ فِي الْعِزِّ مِثْلَكَ، مَالَ مَيْلَ عَدُوِّكَ، وَحَاوَلَ مَلْكَكَ، وَأَضْمَرَ عَلَى الْغَدْرِ، إِنَّهُ يَقُولُ: يَا أَسْوَدُ يَا أَسْوَدُ، يَا سَوْآهْ يَا سَوْآهْ، قَطِّفْ قُنَّتَهُ، وَخُذْ مِنْ قَيْسٍ أَعْلَاهُ، وَإِلَّا سَلَبَكَ وَقَطَفَ قُنَّتَكَ، فَقَالَ قَيْسٌ: - وَحَلَفَ لَهُ فَكَذَبَ -: وَذِي الْخِمَارِ لَأَنْتَ أَعْظَمُ فِي نَفْسِي وَأَجَلُّ عِنْدِي مِنْ أَنْ أُحَدِّثَ بِكَ نَفْسِي. فَقَالَ لَهُ الْأَسْوَدُ: مَا إِخَالُكَ تُكَذِّبُ الْمَلَكَ، فَقَدْ صَدَقَ الْمَلَكُ وَعَرَفَ الْآنَ أَنَّكَ تَائِبٌ ; لِمَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْكَ. ثُمَّ خَرَجَ قَيْسٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَجَاءَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَيْرُوزَ وَدَاوَذَيْهِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: إِنَّا كُلُّنَا عَلَى حَذَرٍ، فَمَا الرَّأْيُ ؟ فَبَيْنَمَا هُمْ يَشْتَوِرُونَ إِذْ جَاءَهُمْ رَسُولُهُ فَأَحْضَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَلَمْ أُشَرِّفْكُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَمَاذَا يَبْلُغُنِي عَنْكُمْ ؟ فَقَالُوا: أَقِلْنَا مَرَّتَنَا هَذِهِ. فَقَالَ: لَا يَبْلُغُنِي عَنْكُمْ فَأَقْتُلَكُمْ. قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَلَمْ نَكَدْ وَهُوَ فِي ارْتِيَابٍ مِنْ أَمْرِنَا، وَنَحْنُ عَلَى خَطَرٍ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي ذَلِكَ إِذْ جَاءَتْنَا كُتُبٌ مِنْ عَامِرِ بْنِ شَهْرٍ أَمِيرِ هَمْدَانَ، وَذِي ظُلَيْمٍ، وَذِي كَلَاعٍ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ، يَبْذُلُونَ لَنَا الطَّاعَةَ وَالنَّصْرَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَسْوَدِ، وَذَلِكَ حِينَ جَاءَهُمْ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحُثُّهُمْ عَلَى مُصَاوَلَةِ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ، فَكَتَبْنَا إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نُبْرِمَ الْأَمْرَ. الاتفاق على قتل الأسود العنسي قَالَ قَيْسٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى امْرَأَتِهِ آزَاذَ، فَقُلْتُ: يَا ابْنَةَ عَمِّي، قَدْ عَرَفْتِ بَلَاءَ هَذَا الرَّجُلِ عِنْدَ قَوْمِكِ، قَتَلَ زَوْجَكِ، وَطَأْطَأَ فِي قَوْمِكِ الْقَتْلَ، وَفَضَحَ النِّسَاءَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مُمَالَأَةٌ عَلَيْهِ ؟ قَالَتْ: عَلَى أَيِّ أَمْرِهِ ؟ قُلْتُ: إِخْرَاجِهِ. قَالَتْ: أَوْ قَتْلِهِ ؟ قُلْتُ: أَوْ قَتْلِهِ. قَالَتْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ مَا خَلْقَ اللَّهُ شَخْصًا هُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْهُ، فَمَا يَقُومُ لِلَّهِ عَلَى حَقٍّ، وَلَا يَنْتَهِي لَهُ عَنْ حُرْمَةٍ، فَإِذَا عَزَمْتُمْ فَأَعْلِمُونِي أُخْبِرْكُمْ بِمَا فِي هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ: فَأَخْرُجُ فَإِذَا فَيْرُوزُ وَدَاوَذَيْهِ يَنْتَظِرَانِي يُرِيدُونَ أَنْ يُنَاهِضُوهُ. فَمَا اسْتَقَرَّ اجْتِمَاعُهُ بِهِمَا حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِ الْأَسْوَدُ، فَدَخَلَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ بِالْحَقِّ وَتُخْبِرْنِي بِالْكِذَابَةِ ؟ إِنَّهُ يَقُولُ: يَا سَوْآهْ يَا سَوْآهْ، إِنْ لَمْ تَقْطَعْ مِنْ قَيْسٍ يَدَهُ يَقْطَعْ رَقَبَتَكَ الْعُلْيَا. حَتَّى ظَنَّ قَيْسٌ أَنَّهُ قَاتِلُهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْحَقِّ أَنْ أَهْلِكَ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَتْلِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَوْتَاتٍ أُمُوتُهَا كُلَّ يَوْمٍ. فَرَقَّ لَهُ وَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ، فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالَ: اعْمَلُوا عَمَلَكُمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ وُقُوفٌ بِالْبَابِ يَشْتَوِرُونَ إِذْ خَرَجَ الْأَسْوَدُ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ جَمَعَ لَهُ مِائَةً مَا بَيْنَ بَقَرَةٍ وَبَعِيرٍ، فَقَامَ وَخَطَّ خَطًّا وَأُقِيمَتْ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَامَ دُونَهَا، فَنَحَرَهَا غَيْرَ مُحَبَّسَةٍ وَلَا مُعَلَّقَةٍ، مَا يَقْتَحِمُ الْخَطَّ مِنْهَا شَيْءٌ، فَجَالَتْ إِلَى أَنْ زَهَقَتْ أَرْوَاحُهَا. قَالَ قَيْسٌ: فَمَا رَأَيْتُ أَمْرًا كَانَ أَفْظَعَ مِنْهُ، وَلَا يَوْمًا أَوْحَشَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ الْأَسْوَدُ: أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ يَا فَيْرُوزُ ؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْحَرَكَ فَأُتْبِعَكَ هَذِهِ الْبَهِيمَةَ. وَبَوَّأَ لَهُ الْحَرْبَةَ. فَقَالَ لَهُ فَيْرُوزُ: اخْتَرْتَنَا لِصِهْرِكَ، وَفَضَّلْتَنَا عَلَى الْأَبْنَاءِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا مَا بِعْنَا نَصِيبَنَا مِنْكَ بِشَيْءٍ، فَكَيْفَ وَقَدِ اجْتَمَعَ لَنَا بِكَ أَمْرُ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا ؟ فَلَا تَقْبَلْ عَلَيْنَا أَمْثَالَ مَا يَبْلُغُكَ، فَإِنَّا بِحَيْثُ تُحِبُّ، فَرَضِيَ عَنْهُ وَأَمَرَهُ بِقَسْمِ لُحُومِ تِلْكَ الْأَنْعَامِ، فَفَرَّقَهَا فَيْرُوزُ فِي أَهْلِ صَنْعَاءَ، ثُمَّ أَسْرَعَ اللِّحَاقَ بِهِ، فَإِذَا رَجُلٌ يُحَرِّضُهُ عَلَى فَيْرُوزَ وَيَسْعَى إِلَيْهِ فِيهِ، فَاسْتَمَعَ لَهُ فَيْرُوزُ، فَإِذَا الْأَسْوَدُ يَقُولُ: أَنَا قَاتِلُهُ غَدًا وَأَصْحَابِهِ، فَاغْدُ عَلَيَّ بِهِ. ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا فَيْرُوزُ، فَقَالَ: مَهْ. فَأَخْبَرَهُ فَيْرُوزُ بِمَا صَنَعَ مِنْ قَسْمِ ذَلِكَ اللَّحْمِ، فَدَخَلَ الْأَسْوَدُ دَارَهُ، وَرَجَعَ فَيْرُوزُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَأَعْلَمَهُمْ بِمَا سَمِعَ وَبِمَا قَالَ وَقِيلَ لَهُ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يُعَاوِدُوا الْمَرْأَةَ فِي أَمْرِهِ، فَدَخَلَ أَحَدُهُمْ - وَهُوَ فَيْرُوزُ - إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الدَّارِ بَيْتٌ إِلَّا وَالْحَرَسُ مُحِيطُونَ بِهِ، غَيْرَ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنَّ ظَهْرَهُ إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا مِنَ الطَّرِيقِ، فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ فَانْقُبُوا عَلَيْهِ مِنْ دُونِ الْحَرَسِ، وَلَيْسَ مِنْ دُونِ قَتْلِهِ شَيْءٌ، وَإِنِّي سَأَضَعُ فِي الْبَيْتِ سِرَاجًا وَسِلَاحًا. قتل فيروز الديلمي للأسود العنسي فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا تَلَقَّاهُ الْأَسْوَدُ فَقَالَ لَهُ: مَا أَدْخَلَكَ عَلَى أَهْلِي ؟ وَوَجَأَ رَأْسَهُ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ شَدِيدًا، فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ فَأَدْهَشَتْهُ عَنْهُ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَتَلَهُ، وَقَالَتِ: ابْنُ عَمِّي جَاءَنِي زَائِرًا. فَقَالَ: اسْكُتِي لَا أَبَا لَكِ، قَدْ وَهَبْتُهُ لَكِ. فَخَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: النِّجَاءَ النِّجَاءَ. وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَحَارُوا مَاذَا يَصْنَعُونَ ؟ فَبَعَثَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِمْ تَقُولُ لَهُمْ: لَا تَنْثَنُوا عَمَّا كُنْتُمْ عَازِمِينَ عَلَيْهِ. فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ فَاسْتَثْبَتَ مِنْهَا الْخَبَرَ، وَدَخَلُوا إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ فَنَقَبُوا مِنْ دَاخِلِهِ بَطَائِنَ ; لِيَهُونَ عَلَيْهِمُ النَّقْبُ مِنْ خَارِجٍ، ثُمَّ جَلَسَ عِنْدَهَا جَهْرَةً كَالزَّائِرِ، فَدَخَلَ الْأَسْوَدُ فَقَالَ: وَمَا هَذَا ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ أَخِي مَنِ الرَّضَاعَةِ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي. فَنَهَرَهُ وَأَخْرَجَهُ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نَقَبُوا ذَلِكَ الْبَيْتَ فَدَخَلُوا فَوَجَدُوا فِيهِ سِرَاجًا تَحْتَ جَفْنَةٍ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَالْأَسْوَدُ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشٍ مِنْ حَرِيرٍ، قَدْ غَرِقَ رَأْسُهُ فِي جَسَدِهِ، وَهُوَ سَكْرَانُ يَغُطُّ، وَالْمَرْأَةُ جَالِسَةٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا قَامَ فَيْرُوزُ عَلَى الْبَابِ أَجْلَسَهُ شَيْطَانُهُ وَتَكَلَّمَ عَلَى لِسَانِهِ - وَهُوَ نَائِمٌ مَعَ ذَلِكَ يَغُطُّ - فَقَالَ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا فَيْرُوزُ ؟ فَخَشِيَ إِنْ رَجَعَ أَنْ يَهْلِكَ وَتَهْلِكَ الْمَرْأَةُ، فَعَاجَلَهُ وَخَالَطَهُ، وَهُوَ مِثْلُ الْجَمَلِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِهِ فَدَقَّ عُنُقَهُ، وَوَضَعَ رُكْبَتَيْهِ فِي ظَهْرِهِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ إِلَى أَصْحَابِهِ لِيُخْبِرَهُمْ، فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِذَيْلِهِ وَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ عَنْ حُرْمَتِكُمْ ؟ فَظَنَّتْ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، فَقَالَ: أَخْرُجُ لِأُعْلِمَهُمْ بِقَتْلِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ لِيَحْتَزُّوا رَأْسَهُ، فَحَرَّكَهُ شَيْطَانُهُ فَاضْطَرَبَ، فَلَمْ يَضْبُطُوا أَمْرَهُ حَتَّى جَلَسَ اثْنَانِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ بِشِعْرِهِ، وَجَعَلَ يُبَرْبِرُ بِلِسَانِهِ، فَاحْتَزَّ الْآخَرُ رَقَبَتَهُ، فَخَارَ كَأَشَدِّ خُوَارِ ثَوْرٍ سُمِعَ قَطُّ، فَابْتَدَرَ الْحَرَسُ إِلَى الْمَقْصُورَةِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا ؟ ! مَا هَذَا ؟ ! فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: النَّبِيُّ يُوحَى إِلَيْهِ. فَرَجَعُوا. البشارة بمقتل الأسود العنسي وَجَلَسَ قَيْسٌ وَدَاذَوَيْهِ وَفَيْرُوزُ يَأْتَمِرُونَ كَيْفَ يُعْلِمُونَ أَشْيَاعَهُمْ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الصَّبَاحُ يُنَادُونَ بِشِعَارِهِمُ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ قَامَ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ قَيْسٌ، عَلَى سُورِ الْحِصْنِ فَنَادَى بِشِعَارِهِمْ، فَاجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْكَافِرُونَ حَوْلَ الْحِصْنِ، فَنَادَى قَيْسٌ - وَيُقَالُ: وَبَرُ بْنُ يُحَنِّسَ - بِالْأَذَانِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَنَّ عَبْهَلَةَ كَذَّابٌ. وَأَلْقَى إِلَيْهِمْ رَأْسَهُ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، وَتَبِعَهُمُ النَّاسُ يَأْخُذُونَهُمْ وَيَرْصُدُونَهُمْ فِي كُلِّ طَرِيقٍ يَأْسِرُونَهُمْ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَأَهْلُهُ، وَتَرَاجَعَ نُوَّابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَتَنَازَعَ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ فِي الْإِمَارَةَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَكَتَبُوا بِالْخَبَرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى الْخَبَرِ مِنْ لَيْلَتِهِ. كَمَا قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَى الْخَبَرُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ السَّمَاءِ اللَّيْلَةَ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا الْعَنْسِيُّ لِيُبَشِّرَنَا، فَقَالَ: " قُتِلَ الْعَنْسِيُّ الْبَارِحَةَ، قَتَلَهُ رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مُبَارَكِينَ ". قِيلَ: وَمَنْ ؟ قَالَ: " فَيْرُوزُ، فَازَ فَيْرُوزُ ". وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مُدَّةَ مُلْكِهِ مُنْذُ ظَهَرَ إِلَى أَنْ قُتِلَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَيُقَالُ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنِ الْمُسْتَنِيرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الضِّحَاكِ، عَنْ فَيْرُوزَ قَالَ: قَتَلْنَا الْأَسْوَدَ وَعَادَ أَمْرُنَا كَمَا كَانَ، إِلَّا أَنَّا أَرْسَلْنَا إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ فَتَرَاضَيْنَا عَلَيْهِ، فَكَانَ يُصَلِّي بِنَا فِي صَنْعَاءَ، فَوَاللَّهِ مَا صَلَّى بِنَا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَتَانَا الْخَبَرُ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْتَقَضَتِ الْأُمُورُ، وَأَنْكَرَنَا كَثِيرًا مِمَّا كُنَّا نَعْرِفُ، وَاضْطَرَبَتِ الْأَرْضُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ خَبَرَ الْعَنْسِيِّ جَاءَ إِلَى الصِّدِّيقِ فِي أَوَاخِرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَا جَهَّزَ جَيْشَ أُسَامَةَ، وَقِيلَ: بَلْ جَاءَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى الْمَدِينَةِ صَبِيحَةَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمْ يَجِئْهُمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِمْ وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ وَتَأْلِيفِ مَا بَيْنَهُمْ وَالتَّمَسُّكِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ إِلَّا الصِّدِّيقُ، ؓ، وَسَيَأْتِي إِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ مَنْ يُمَهِّدُ الْأُمُورَ الَّتِي اضْطَرَبَتْ فِي بِلَادِهِمْ وَيُقَوِّي أَيْدِيَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُثَبِّتُ أَرْكَانَ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ، ؓ. وقت مقتل الأسود العنسي مَقْتَلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ الْمُتَنَبِّئِ الْكَذَّابِ لَعَنَهُ اللَّهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ وغيره، عَنْ مَشْيَخَتِهِ، قَالُوا: أَمْضَى أَبُو بَكْرٍ جَيْشَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَتَى مَقْتَلُ الْأَسْوَدِ فِي آخِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَخْرِجِ أُسَامَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ فَتْحٍ أَتَى أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.
التاريخ 1815لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَتَبَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَعُمَّالُ الْيَمَنِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْقُدُومِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَكُمْ لِمَا بَعَثَكُمْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ، فَمَنْ كَانَ أَنْفَذَ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَاءَ أَنْ يَرْجِعَ فَلْيَرْجِعْ وَلِيَسْتَخْلِفْ عَلَى عَمَلِهِ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَ فَلْيُقِمْ، فَرَجَعُوا. فَلَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَاعْتَنَقَا وَعَزَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَكَانَ مَعَ مُعَاذٍ الْخَرَاجُ، وَكَانَ مَعَهُ وُصَفَاءُ قَدْ عَزَلَهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: أُهْدُوا لِي، فَقَالَ عُمَرُ: أَطِعْنِي وَائْتِ بِهِمْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُطَيِّبْهُمْ لَكَ، قَالَ مُعَاذٌ: لَا لَعَمْرِي آتِي أَبَا بَكْرٍ بِمَالِي يُطَيِّبُهُ لِي، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ وَأَصْبَحَ أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي الْبَارِحَةَ كَأَنِّي أَدْنُو إِلَى النَّارِ، وَأَنْتَ آخِذٌ بِحُجْزَتِي، إِنِّي وَجَدْتُ الْأَمْرَ كَمَا قُلْتَ. فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَاسْتَحَلَّهَا فَأَحَلَّهُمْ. فَبَيْنَمَا مَعَاذٌ قَائِمٌ يُصَلِّي رَأَى رَقِيقَهُ يُصَلُّونَ كُلُّهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: نُصَلِّي، قَالَ: لِمَنْ؟ قَالُوا: لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، [قَالَ]: فَاذْهَبُوا فَأَنْتُمْ لِلَّهِ، فَأَعْتَقَهُمْ.
التاريخ 1816لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقِيلَ: بَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقِيلَ: عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ. وَفِيهَا اسْتَقْضَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، ؓ.
التاريخ 1817لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ ، مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْمَشَاهِيرِ، وَذَكَرْنَا مَعَهُمْ مَنْ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ ; لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ أَنَّهَا فِي رَبِيعٍ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وفاة رسول الله ﷺ تُوُفِّيَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَذَلِكَ فِي رَبِيعِهَا الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشْرِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ وَبَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهَرٍ - عَلَى الْأَشْهَرِ - وفاة فاطمة بنت رسول الله ﷺ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: خَطِيبُ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ وَأَنَّهُ بَشَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ - وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ - فَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِهِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ . وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: بإسناده عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَدَمْتُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْتُ عَمَّنْ يُحَدِّثُنِي بِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، فَأَرْشَدُونِي إِلَى ابْنَتِهِ، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [ لُقْمَانَ: 18 ]. اشْتَدَّتْ عَلَى ثَابِتٍ وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، وَطَفِقَ يَبْكِي، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ أُحِبُّ الْجَمَالَ، وَأَنَا أَسَوَدُ قَوْمِي. فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ وَتَمُوتُ بِخَيْرٍ، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ . فَلَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ [ الْحُجُرَاتِ: 2 ]. فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَأَنَّهُ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ؛ بَلْ تَعِيشُ حَمِيدًا، وَتُقْتَلُ شَهِيدًا، وَيُدْخِلُكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ. فَلَمَّا اسْتَنْفَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْيَمَامَةِ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَارَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَنْ سَارَ، فَلَمَّا لَقُوا مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ هَزَمُوا الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ ثَابِتٌ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَجَعَلَا لِأَنْفُسِهِمَا حُفْرَةً فَدَخَلَا فِيهَا، فَقَاتَلَا حَتَّى قُتِلَا. قَالَتْ: وَأُرِيَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ بِالْأَمْسِ مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَانْتَزَعَ مِنِّي دِرْعًا نَفِيسَةً، وَمَنْزِلُهُ فِي أَقْصَى الْعَسْكَرِ، وَعِنْدَ مَنْزِلِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طُولِهِ، وَقَدْ أَكْفَأَ عَلَى الدِّرْعِ بُرْمَةً، وَجَعَلَ فَوْقَ الْبُرْمَةِ رَحْلًا، وَائْتِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ،، فَلْيَبْعَثْ إِلَى دِرْعِي فَلْيَأْخُذْهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا، وَلِي مِنَ الْمَالِ كَذَا، وَفُلَانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا حُلْمٌ، فَتُضَيِّعَهُ. قَالَ: فَأَتَى خَالِدًا فَوَجَّهَ إِلَى الدِّرْعِ فَوَجَدَهَا كَمَا ذَكَرَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ فَأَنَفَذَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَّا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ . وَلِهَذَا الْحَدِيثِ وَهَذِهِ الْقِصَّةِ شَوَاهِدُ أُخَرُ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيُّ وَمِنْهُمْ حَزْنُ بْنُ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيُّ، لَهُ هِجْرَةٌ، وَيُقَالُ: أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ. وَهُوَ جَدُّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسَمِّيَهُ سَهْلًا فَامْتَنَعَ وَقَالَ: لَا أُغَيِّرُ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبَوَايَ. قَالَ سَعِيدٌ: فَلَمْ تَزَلِ الْحُزُونَةُ فِينَا. اسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا ابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَهْبٌ، وَابْنُ ابْنِهِ حَكِيمُ بْنُ وَهْبِ بْنِ حَزْنٍ. دَاذَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ وَمِمَّنِ اسْتُشْهِدَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ دَاذَوَيْهِ الْفَارِسِيُّ ، أَحَدُ أُمَرَاءِ الْيَمَنِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيَّ، قَتَلَهُ غِيلَةً قَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ حِينَ ارْتَدَّ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ قَيْسٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا عَنَّفَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى قَتْلِهِ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَبِلَ عَلَانِيَتَهُ وَإِسْلَامَهُ. زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ وَمِنْهُمْ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيُّ الْيَمَامِيُّ الْكَذَّابُ لَعَنَهُ اللَّهُ. قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ اتَّبَعْتُهُ. فَقَالَ لَهُ: لَوْ سَأَلْتَنِي هَذَا الْعُودَ - لِعُرْجُونٍ فِي يَدِهِ - مَا أَعْطَيْتُكَهُ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيَتُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَأَى فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِهِ سُوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّهُ شَأْنُهُمَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْمَنَامِ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخَهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلَهُمَا بِكَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ، وَهُمَا صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ. وَهَكَذَا وَقَعَ فَإِنَّهُمَا ذَهَبَا وَذَهَبَ أَمْرُهُمَا ; أَمَّا الْأَسْوَدُ فَذُبِحَ فِي دَارِهِ، وَأَمَّا مُسَيْلِمَةُ فَعَقَرَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ، رَمَاهُ بِالْحَرْبَةِ، فَأَنْفَذَهُ كَمَا تُعْقَرُ الْإِبِلُ، وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ عَلَى رَأْسِهِ فَفَلَقَهُ، وَذَلِكَ بِعُقْرِ دَارِهِ فِي الْحَدِيقَةِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: حَدِيقَةُ الْمَوْتِ. وَقَدْ وَقَفَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ طَرِيحٌ، أَرَاهُ إِيَّاهُ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى مُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ، وَيُقَالُ: كَانَ أُصَيْفَرَ أُخَيْنِسَ. وَقِيلَ: كَانَ ضَخْمًا أَسْمَرَ اللَّوْنِ كَأَنَّهُ جَمَلٌ أَوْرَقُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ مَاتَ وَعُمُرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قُتِلَ قَبْلَهُ وَزِيرَاهُ وَمُسْتَشَارَاهُ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَهَمَا مُحَكَّمُ بْنُ الطُّفَيْلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مُحَكَّمُ الْيَمَامَةِ. قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، رَمَاهُ بِسَهْمٍ وَهُوَ يَخْطُبُ قَوْمَهُ يَأْمُرُهُمْ بِمَصَالِحِ حَرْبِهِمْ فَقَتَلَهُ، وَالْآخَرُ نَهَارُ بْنُ عُنْفُوَةَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ وَصَدَّقَ مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُمَا اللَّهُ، وَشَهِدَ لَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ قَدْ أُشْرِكَ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ، وَقَدْ كَذَبَ الرَّجَّالُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ زَيْدَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ زَيْدٌ، ؓ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى كَذِبِ الرَّجَّالِ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ الضَّرُورَةُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، كَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَكَ، فَلَكَ الْمَدَرُ وَلِيَ الْوَبَرُ. وَيُرْوَى: فَلَكُمْ نِصْفُ الْأَرْضِ وَلَنَا نِصْفُهَا، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. وقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [ الْأَنْعَامِ: 93 ]. فَمُسَيْلِمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَأَمْثَالُهُمَا، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، أَحَقُّ النَّاسِ دُخُولًا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْعَظِيمَةِ.
التاريخ 1818لا حكم مسجّل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَنَةُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ . اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَجُيُوشُ الصِّدِّيقِ وَأُمَرَاؤُهُ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ جَوَّالُونَ فِي الْبِلَادِ يَمِينًا وَشِمَالًا ; لِتَمْهِيدِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَقِتَالِ الطُّغَاةِ مِنَ الْأَنَامِ، حَتَّى رُدَّ شَارِدُ الدِّينِ بَعْدَ ذَهَابِهِ، وَرَجَعَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، وَتَمَهَّدَتْ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، وَصَارَ الْبَعِيدُ الْأَقْصَى كَالْقَرِيبِ الْأَدْنَى. وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ: إِنَّ وَقْعَةَ الْيَمَامَةِ كَانَتْ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا كَانَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، وَانْتِهَاءَهَا وَقَعَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْآتِيَةِ، فَعَلَى قَوْلِ الْأَوَّلِينَ يَنْبَغِي أَنْ تُنْقَلُ تَرَاجِمُ مَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْيَمَامَةِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرُوا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ; لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ قُتِلُوا فِي الْمَاضِيَةِ، وَمُبَادَرَةً إِلَى اسْتِيفَاءِ تَرَاجِمِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُذْكَرُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ جُوَاثَى وَعُمَانَ وَمَهْرَةَ، وَمَا كَانَ مِنَ الْوَقَائِعِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا إِنَّمَا كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. وَفِيهَا كَانَ قَتْلُ الْمُلُوكِ الْأَرْبَعَةِ ; جَمْدٌ، وَمِخْوَسٌ، وَأَبْضَعَةُ، وَمِشْرَحٌ، وَأُخْتُهُمْ الْعَمَرَّدَةُ، الَّذِينَ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " بِلَعْنِهِمْ، وَكَانَ الَّذِي قَتَلَهُمْ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ.
التاريخ 1819لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِيمَا كَانَ مِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ . جمع القرآن فِيهَا أَمَرَ الصِّدِّيقُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ مَنِ اللِّخَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي الْقُرَّاءِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ". زواج علي بن أبي طالب بأمامة بنت زينب وَفِيهَا تَزَوَّجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِأُمَامَةَ بِنْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهِيَ مِنْ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأُمَوِيِّ، وَقَدْ تُوُفِّيَ أَبُوهَا فِي هَذَا الْعَامِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُهَا فِي الصَّلَاةِ فَيَضَعُهَا إِذَا سَجَدَ وَيَرْفَعُهَا إِذَا قَامَ. وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ، وَكَانَ لَهَا مُحِبًّا وَبِهَا مُعْجَبًا، وَكَانَ لَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَيَكْرَهُ خُرُوجَهَا، فَجَلَسَ لَهَا ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الطَّرِيقِ فِي ظُلْمَةٍ، فَلَمَّا مَرَّتْ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى عَجُزِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا وَلَمْ تَخْرُجْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَهُ تَحْتَ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ فِيمَا قِيلَ، فَقُتِلَ عَنْهَا، وَكَانَتْ قَبْلَ زَيْدٍ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقُتِلَ عَنْهَا، وَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ الزُّبَيْرُ، فَلَمَّا قُتِلَ خَطَبَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَتْ: إِنِّي أَرْغَبُ بِكَ عَنِ الْمَوْتِ. وَامْتَنَعَتْ مِنَ التَّزْوِيجِ حَتَّى مَاتَتْ. شراء عمر مولاه أسلم وَفِيهَا اشْتَرَى عُمَرُ مَوْلَاهُ أَسْلَمَ، ثُمَّ صَارَ مِنْهُ أَنْ كَانَ أَحَدَ سَادَاتِ التَّابِعِينَ، وَابْنُهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الرُّفَعَاءِ. حَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ . رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بسنده عَنْ أَبِي مَاجِدَةَ، قَالَ: حَجَّ بِنَا أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ. فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي الْقِصَاصِ مِنْ قَطْعِ الْأُذُنِ، وَأَنَّ عُمَرَ حَكَمَ فِي ذَلِكَ بِأَمْرِ الصِّدِّيقِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: لَمْ يَحُجَّ أَبُو بَكْرٍ فِي خِلَافَتِهِ، وَإِنَّهُ بَعَثَ عَلَى الْمَوْسِمِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، أَوْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ. عُمْرَةُ أَبِي بَكْرٍ ؓ فِي رَجَبٍ وَمِنَ الْحَوَادِثِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ [عُمْرَةُ أَبِي بَكْرٍ ؓ فِي رَجَبٍ] إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، فَدَخَلَ مَكَّةَ ضَحْوَةً، فَأَتَى مَنْزِلَهُ وَأَبُو قُحَافَةَ جَالِسٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ وَمَعَهُ فِتْيَانٌ يُحَدِّثُهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا ابْنُكَ، فَنَهَضَ قَائِمًا وَعَجَّلَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُنِيخَ رَاحِلَتَهُ فَنَزَلَ عَنْهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ، فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا أَبَهْ لَا تَقُمْ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَبْكِي فَرَحًا بِقُدُومِهِ، وَجَاءَ إِلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَصَافَحُوهُ جَمِيعًا، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَبْكِي حِينَ يَذْكُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَسَلَّمُوا عَلَى أَبِي قُحَافَةَ، فَقَالَ أَبُو قُحَافَةَ: يَا عَتِيقَ هَؤُلَاءِ الْمَلَأِ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَهْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، طُوِّقْتُ عَظِيمًا مِنَ الْأَمْرِ لَا قُوَّةَ لِي بِهِ وَلَا يَدَانِ إِلَّا بِاللَّهِ، وَقَالَ: هَلْ أَحَدٌ يَشْتَكِي ظُلَامَةً، فَمَا أَتَاهُ أَحَدٌ. وَأَثْنَى النَّاسُ عَلَى وَالِيهِمْ.
التاريخ 1820لا حكم مسجّل
بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى الْعِرَاقِ . لَمَّا فَرَغَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنَ الْيَمَامَةِ، بَعَثَ إِلَيْهِ الصِّدِّيقُ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِفَرْجِ الْهِنْدِ، وَهِيَ الْأُبُلَّةُ، وَيَأْتِي الْعِرَاقَ مِنْ أَعَالِيهَا، وَأَنْ يَتَأَلَّفَ النَّاسَ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا أَخَذَ مِنْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ قَاتَلَهُمْ فِي اللَّهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُكْرِهَ أَحَدًا عَلَى الْمَسِيرِ مَعَهُ، وَلَا يَسْتَعِينَ بِمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عَادَ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَصْحِبَ كُلَّ امْرِئٍ مَرَّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَعَ أَبُو بَكْرٍ فِي تَجْهِيزِ السَّرَايَا وَالْبُعُوثِ وَالْجُيُوشِ إِمْدَادًا لِخَالِدٍ، ؓ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: اخْتُلِفَ فِي خَالِدٍ، فَقَائِلٌ يَقُولُ: مَضَى مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: رَجَعَ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْعِرَاقِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحِيرَةِ. قُلْتُ: وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ خَالِدًا تَوَجَّهَ إِلَى الْعِرَاقِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَجَعَلَ طَرِيقَهُ الْبَصْرَةَ وَفِيهَا قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، فَمَضَى خَالِدٌ يُرِيدُ الْعِرَاقَ حَتَّى نَزَلَ بِقُرَيَّاتٍ مِنَ السَّوَادِ يُقَالُ لَهَا: بَانِقْيَا، وَبَارُوسْمَا، وَأُلَّيْسٌ وَصَاحِبُهَا جَابَانُ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا. قُلْتُ: وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ الصُّلْحِ خَلْقًا كَثِيرًا، وَكَانَ الصُّلْحُ عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: دِينَارٍ. فِي رَجَبٍ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ بُصْبُهْرَى بْنُ صَلُوبَا، وَيُقَالُ: صَلُوبَا بْنُ بُصْبُهْرَى. فَقَبِلَ مِنْهُمْ خَالِدٌ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا. صلح الحيرة ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَشْرَافُهَا مَعَ قَبِيصَةَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ حَيَّةَ الطَّائِيِّ، وَكَانَ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا كِسْرَى بَعْدَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَيْهِ فَأَنْتُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لَكُمْ مَا لَهُمْ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمُ الْجِزْيَةَ فَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِأَقْوَامٍ هُمْ أَحْرَصُ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ عَلَى الْحَيَاةِ ; جَاهَدْنَاكُمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ. فَقَالَ لَهُ قَبِيصَةُ: مَا لَنَا بِحَرْبِكَ مِنْ حَاجَةٍ، بَلْ نُقِيمُ عَلَى دِينِنَا وَنُعْطِيكُمُ الْجِزْيَةَ. فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: تَبًّا لَكُمْ ! إِنَّ الْكُفْرَ فَلَاةٌ مُضِلَّةٌ، فَأَحْمَقُ الْعَرَبِ مَنْ سَلَكَهَا، فَلَقِيَهُ مِنْهُمْ رَجُلَانِ ; أَحَدُهُمَا عَرَبِيٌّ وَالْآخَرُ أَعْجَمِيٌّ، فَتَرَكَهُ وَاسْتَدَلَّ بِالْعَجَمِيِّ. ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى تِسْعِينَ أَلْفًا. وَفِي رِوَايَةٍ: مِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ. فَكَانَتْ أَوَّلَ جِزْيَةٍ أُخِذَتْ مِنَ الْعِرَاقِ وَحُمِلَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ هِيَ وَالْقُرَيَّاتُ قَبْلَهَا الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا ابْنُ صَلُوبَا. قُلْتُ: وَقَدْ كَانَ مَعَ نَائِبِ كِسْرَى عَلَى الْحِيرَةِ مِمَّنْ وَفَدَ إِلَى خَالِدٍ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَيَّانَ بْنِ بُقَيْلَةَ، وَكَانَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ بعث خالد كتابًا إلى كسرى بالمدائن ومرازبته ووزرائه ثُمَّ بَعَثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ كِتَابًا إِلَى أُمَرَاءِ كِسْرَى بِالْمَدَائِنِ وَمَرَازِبَتِهِ وَوُزَرَائِهِ، كَمَا قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَقْرَأَنِي بَنُو بُقَيْلَةَ كِتَابَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْمَدَائِنِ: مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إِلَى مَرَازِبَةِ أَهْلِ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّ خَدَمَتَكُمْ وَسَلَبَ مُلْكَكُمْ، وَوَهَّنَ كَيْدَكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا، أَمَّا بَعْدُ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي فَابْعَثُوا إِلَيَّ بِالرُّهُنِ، وَاعْتَقِدُوا مِنِّي الذِّمَّةَ، وَإِلَّا فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ قَوْمًا يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْتُمُ الْحَيَاةَ. فَلَمَّا قَرَأُوا الْكِتَابَ أَخَذُوا يَتَعَجَّبُونَ.
التاريخ 1821لا حكم مسجّل
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ، وَكَانَ قَاضِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: فَرَّقَ خَالِدٌ مَخْرَجَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ إِلَى الْعِرَاقِ، جُنْدَهُ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ عَلَى طَرِيقٍ وَاحِدَةٍ، فَسَرَّحَ الْمُثَنَّى قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ وَدَلِيلُهُ ظَفَرٌ، وَسَرَّحَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَعَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَدَلِيلَاهُمَا مَالِكُ بْنُ عَبَّادٍ وَسَالِمُ بْنُ نَصْرٍ، أَحَدُهُمَا قَبْلَ صَاحِبِهِ بِيَوْمٍ، وَخَرَجَ خَالِدٌ - يَعْنِي فِي آخِرِهِمْ - وَدَلِيلُهُ رَافِعٌ، فَوَاعَدَهُمْ جَمِيعًا الْحَفِيرَ لِيَجْتَمِعُوا بِهِ، وَيُصَادِمُوا عَدُوَّهُمْ، وَكَانَ فَرْجُ الْهِنْدِ أَعْظَمَ فُرُوجِ فَارِسَ شَأْنًا وَأَشَدَّهَا شَوْكَةً، وَكَانَ صَاحِبُهُ يُحَارِبُ الْعَرَبَ فِي الْبَرِّ، وَالْهِنْدَ فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ هُرْمُزُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ، فَبَعَثَ هُرْمُزُ بِكِتَابِ خَالِدٍ إِلَى شِيرَى بْنِ كِسْرَى، وَأَرْدَشِيرَ بْنِ شِيرَى، وَجَمَعَ هُرْمُزُ وَهُوَ نَائِبُ كِسْرَى، جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَسَارَ بِهِمْ إِلَى كَاظِمَةَ، وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ - وَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ - وَقَدْ تَقَرَّنَ الْجَيْشُ فِي السَّلَاسِلِ ; لِئَلَّا يَفِرُّوا، وَكَانَ هُرْمُزُ هَذَا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ طَوِيَّةً وَأَشَدِّهِمْ كُفْرًا، وَكَانَ شَرِيفًا فِي الْفُرْسِ، وَكَانَ الرَّجُلُ كُلَّمَا ازْدَادَ شَرَفًا زَادَ فِي حِلْيَتِهِ، فَكَانَتْ قَلَنْسُوَةُ هُرْمُزَ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَدِمَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ، وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفًا فَنَزَلَ تُجَاهَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَشَكَى إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: جَالِدُوهُمْ حَتَّى تُجْلُوهُمْ عَنِ الْمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلُ الْمَاءِ لِأَصْبَرِ الطَّائِفَتَيْنِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْمَنْزِلُ وَهُمْ رُكْبَانٌ عَلَى خُيُولِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْهُمْ حَتَّى صَارَ لَهُمْ غُدْرَانٌ مِنْ مَاءٍ، فَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، وَفَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا، فَلَمَّا تَوَاجَهَ الصَّفَّانِ وَتَقَابَلَ الْفَرِيقَانِ، تَرَجَّلَ هُرْمُزُ وَدَعَا إِلَى الْبِرَازِ، فَتَرَجَّلَ خَالِدٌ وَتَقَدَّمَ إِلَى هُرْمُزَ، فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ وَاحْتَضَنَهُ خَالِدٌ، وَجَاءَتْ حَامِيَةُ هُرْمُزَ فَمَا شَغَلَهُ عَنْ قَتْلِهِ، وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو عَلَى حَامِيَةِ هُرْمُزَ فَأَنَامُوهُمْ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ فَارِسَ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ، وَاسْتَحْوَذَ خَالِدٌ عَلَى أَمْتِعَتِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، فَبَلَغَ وِقْرَ أَلْفِ بَعِيرٍ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ ذَاتَ السَّلَاسِلِ ; لِكَثْرَةِ مَنْ سُلْسِلَ بِهَا مِنْ فُرْسَانِ فَارِسَ، وَأَفْلَتَ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ. وَلَمَّا رَجَعَ الطَّلَبُ نَادَى مُنَادِي خَالِدٍ بِالرَّحِيلِ، فَسَارَ بِالنَّاسِ وَتَبِعَتْهُ الْأَثْقَالُ حَتَّى نَزَلَ بِمَوْضِعِ الْجِسْرِ الْأَعْظَمِ مِنَ الْبَصْرَةِ الْيَوْمَ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ وَالْخُمُسِ، مَعَ زِرِّ بْنِ كُلَيْبٍ، إِلَى الصِّدِّيقِ، وَبَعَثَ مَعَهُ بِفِيلٍ، فَلَمَّا رَآهُ نِسْوَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ جَعَلْنَ يَقُلْنَ: أَمِنْ خَلْقِ اللَّهِ هَذَا أَمْ شَيْءٌ مَصْنُوعٌ ؟ ! فَرَدَّهُ الصِّدِّيقُ مَعَ زِرٍّ، وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ، فَنَفَّلَهُ سَلْبَ هُرْمُزَ، وَكَانَتْ قَلَنْسُوَتُهُ بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَكَانَتْ مُرَصَّعَةً بِالْجَوْهَرِ، وَبَعَثَ خَالِدٌ الْأُمَرَاءَ يَمِينًا وَشِمَالًا يُحَاصِرُونَ حُصُونًا هُنَالِكَ، فَفَتَحُوهَا عَنْوَةً وَصُلْحًا، وَأَخَذُوا مِنْهَا أَمْوَالًا جَمَّةً، وَلَمْ يَكُنْ خَالِدٌ يَتَعَرَّضُ لِلْفَلَّاحِينَ - مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْهُمْ - وَلَا لِأَوْلَادِهِمْ، بَلْ لِلْمُقَاتِلَةِ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ.
التاريخ 1822لا حكم مسجّل
ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ الْمَذَارِ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَيُقَالُ لَهَا: وَقْعَةُ الثَّنْيِ. وَهُوَ النَّهْرُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَيَوْمَئِذٍ قَالَ النَّاسُ: صَفَرُ الْأَصْفَارِ، فِيهِ يُقْتَلُ كُلُّ جَبَّارٍ، عَلَى مَجْمَعِ الْأَنْهَارِ. وَكَانَ سَبَبَهَا أَنَّ هُرْمُزَ كَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَى أَرْدَشِيرَ وَشِيرَى بِقَدُومِ خَالِدٍ نَحْوَهُ مِنَ الْيَمَامَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ كِسْرَى بِمَدَدٍ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ: قَارَنُ بْنُ قِرْيَانِسَ. فَلَمْ يَصِلْ إِلَى هُرْمُزَ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَ خَالِدٍ مَا تَقَدَّمَ، وَفَرَّ مَنْ فَرَّ مِنَ الْفُرْسِ، فَتَلَقَّاهُمْ قَارَنُ، فَالْتَفُّوا عَلَيْهِ فَتَذَامَرُوا وَاتَّفَقُوا عَلَى الْعَوْدِ إِلَى خَالِدٍ، فَسَارُوا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: الْمَذَارُ. وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْ قَارَنَ قُبَاذُ وَأَنُوشَجَانُ، فَلَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ إِلَى خَالِدٍ، قَسَمَ مَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ غَنِيمَةً يَوْمَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الصِّدِّيقِ بِخَبَرِهِ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ حَتَّى نَزَلَ عَلَى الْمَذَارِ، وَهُوَ عَلَى تَعْبِئَتِهِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالَ حَنَقٍ وَحَفِيظَةٍ، وَخَرَجَ قَارَنُ يَدْعُو إِلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ خَالِدٌ، وَابْتَدَرَهُ الشُّجْعَانُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، فَقَتَلَ مَعْقِلُ بْنُ الْأَعْشَى بْنِ النَّبَّاشِ قَارَنَ، وَقَتَلَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قُبَاذَ، وَقَتَلَ عَاصِمٌ أَنُوشَجَانَ، وَفَّرَّتِ الْفُرْسُ، وَرَكِبَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي ظُهُورِهِمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَغَرِقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْأَنْهَارِ وَالْمِيَاهِ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بِالْمَذَارِ، وَسَلَّمَ الْأَسْلَابَ إِلَى مَنْ قَتَلَ - وَكَانَ قَارَنُ قَدِ انْتَهَى شَرَفُهُ فِي أَبْنَاءِ فَارِسَ - وَجَمَعَ بَقِيَّةَ الْغَنِيمَةِ وَخَمَّسَهَا، وَبَعَثَ بِالْخُمُسِ وَالْفَتْحِ وَالْبِشَارَةِ إِلَى الصِّدِّيقِ، مَعَ سَعِيدِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَقَامَ خَالِدٌ هُنَاكَ حَتَّى قَسَمَ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ وَسَبَى ذَرَارِيَّ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، دُونَ الْفَلَّاحِينَ ; فَإِنَّهُ أَقَرَّهُمْ بِالْجِزْيَةِ، وَكَانَ فِي هَذَا السَّبْيِ حَبِيبٌ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَمَافِنَّةُ مَوْلَى عُثْمَانَ، وَأَبُو زِيَادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. ثُمَّ أَمَّرَ عَلَى الْجُنْدِ سَعِيدَ بْنَ النُّعْمَانِ وَعَلَى الْجِزْيَةِ سُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَنْزِلَ الْحَفِيرَ ; لِيَجْبِيَ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ، وَأَقَامَ خَالِدٌ يَتَحَسَّسُ الْأَخْبَارَ عَنِ الْأَعْدَاءِ.
التاريخ 1823لا حكم مسجّل
ثُمَّ كَانَ أَمْرُ الْوَلَجَةِ فِي صَفَرٍ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ، فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى الْخَبَرُ بِمَا كَانَ بِالْمَذَارِ مِنْ قَتْلِ قَارَنَ وَأَصْحَابِهِ، إِلَى أَرْدَشِيرَ، وَهُوَ مَلِكُ الْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ، بَعَثَ أَمِيرًا شُجَاعًا يُقَالُ لَهُ: الْأَنْدَرْزَغَرُ. وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ السَّوَادِ، وُلِدَ بِالْمَدَائِنِ وَنَشَأَ بِهَا، وَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ آخَرَ مَعَ أَمِيرٍ يُقَالُ لَهُ: بَهْمَنُ جَاذَوَيْهِ. فَسَارُوا حَتَّى بَلَغُوا مَكَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلَجَةُ. فَسَمِعَ بِهِمْ خَالِدٌ فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، وَوَصَّى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ هُنَالِكَ بِالْحَذَرِ وَقِلَّةِ الْغَفْلَةِ، فَنَازَلَ أَنْدَرْزَغَرَ وَمَنْ تَأَشَّبَ مَعَهُ، وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ بِالْوَلَجَةِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا هُوَ أَشَدُّ مِمَّا قَبْلَهُ، حَتَّى ظَنَّ الْفَرِيقَانِ أَنَّ الصَّبْرَ قَدْ فَرَغَ، وَاسْتَبْطَأَ كَمِينَهُ ; الَّذِي كَانَ قَدْ أَرْصَدَهُمْ وَرَاءَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ، فَمَا كَانَ إِلَّا يَسِيرٌ حَتَّى خَرَجَ الْكَمِينَانِ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، فَفَرَّتْ صُفُوفُ الْأَعَاجِمِ، فَأَخَذَهُمْ خَالِدٌ مِنْ أَمَامِهِمْ، وَالْكَمِينَانِ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَلَمْ يَعْرِفْ رَجُلٌ مِنْهُمْ مَقْتَلَ صَاحَبِهِ، وَهَرَبَ الْأَنْدَرْزَغَرُ مِنَ الْوَقْعَةِ فَمَاتَ عَطَشًا، وَقَامَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَرَغَّبَهُمْ فِي بِلَادِ الْأَعَاجِمِ، وَزَهَّدَهُمْ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ، وَقَالَ: أَلَا تَرَوْنَ مَا هَا هُنَا مِنَ الْأَطْعِمَاتِ ؟ وَبِاللَّهِ لَوْ لَمْ يَلْزَمْنَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الْمَعَاشُ، لَكَانَ الرَّأْيُ أَنْ نُقَاتِلَ عَلَى هَذَا الرِّيفِ حَتَّى نَكُونَ أَوْلَى بِهِ، وَنُوَلِّيَ الْجُوعَ وَالْإِقْلَالَ مَنْ تَوَلَّاهُ مِمَّنِ اثَّاقَلَ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَمَّسَ الْغَنِيمَةَ، وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَبَعَثَ الْخُمُسَ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ ذَرَارِيِّ الْمُقَاتِلَةِ، وَأَقَرَّ الْفَلَّاحِينَ بِالْجِزْيَةِ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: بَارَزَ خَالِدٌ يَوْمَ الْوَلَجَةِ رَجُلًا مِنَ الْأَعَاجِمِ يَعْدِلُ بِأَلْفِ رَجُلٍ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَيْهِ وَأُتِيَ بِغَدَائِهِ فَأَكَلَهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ.
التاريخ 1824لا حكم مسجّل
ثُمَّ كَانَتْ وَقْعَةُ أُلَّيْسٍ فِي صَفَرٍ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ خَالِدًا كَانَ قَدْ قَتَلَ يَوْمَ الْوَلَجَةِ طَائِفَةً مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ مِمَّنْ كَانَ مَعَ الْفُرْسِ، فَاجْتَمَعَ عَشَائِرُهُمْ، وَأَشَدُّهُمْ حَنَقًا عَبْدُ الْأَسْوَدِ الْعِجْلِيُّ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ لَهُ ابْنٌ بِالْأَمْسِ، فَكَاتَبُوا الْأَعَاجِمَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَرْدَشِيرُ جَيْشًا مَدَدًا، فَاجْتَمَعُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: أُلَّيْسٍ. فَبَيْنَمَا هُمْ قَدْ نَصَبُوا لَهُمْ سِمَاطًا فِيهِ طَعَامٌ يُرِيدُونَ أَكْلَهُ، إِذْ غَافَلَهُمْ خَالِدٌ بِجَيْشِهِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَشَارَ مَنْ أَشَارَ مِنْهُمْ بِأَكْلِ الطَّعَامِ وَعَدَمِ الِاعْتِنَاءِ بِخَالِدٍ، وَقَالَ أَمِيرُ كِسْرَى، وَاسْمُهُ جَابَانُ: بَلْ نَنْهَضُ إِلَيْهِ. فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ. فَلَمَّا نَزَلَ خَالِدٌ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ جَيْشِهِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ لِشُجْعَانِ مَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْأَعْرَابِ: أَيْنَ فُلَانٌ، أَيْنَ فُلَانٌ ؟ فَكُلُّهُمْ نَكَلُوا عَنْهُ إِلَّا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ، مِنْ بَنِي جِذْرَةَ، فَإِنَّهُ بَرَزَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَا ابْنَ الْخَبِيثَةِ، مَا جَرَّأَكَ عَلَيَّ مِنْ بَيْنِهِمْ وَلَيْسَ فِيكَ وَفَاءٌ ؟ ! فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ. وَنَفَرَتِ الْأَعَاجِمُ عَنِ الطَّعَامِ، وَقَامُوا إِلَى السِّلَاحِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، وَالْمُشْرِكُونَ يَرْقُبُونَ قُدُومَ بَهْمَنَ مَدَدًا مِنْ جِهَةِ الْمَلِكِ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ فِي قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ وَكَلَبٍ فِي الْقِتَالِ، وَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ صَبْرًا بَلِيغًا، وَقَالَ خَالِدٌ: اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ إِنْ مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ أَنْ لَا أَسْتَبْقِيَ مِنْهُمْ أَحَدًا أَقْدِرُ عَلَيْهِ حَتَّى أُجْرِيَ نَهْرَهُمْ بِدِمَائِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، مَنَحَ الْمُسْلِمِينَ أَكْتَافَهُمْ، فَنَادَى مُنَادِي خَالِدٍ: الْأَسْرَ، الْأَسْرَ، لَا تَقْتُلُوا إِلَّا مَنِ امْتَنَعَ مِنَ الْأَسْرِ. فَأَقْبَلَتِ الْخُيُولُ بِهِمْ أَفْوَاجًا يُسَاقُونَ سَوْقًا، وَقَدْ وَكَّلَ بِهِمْ رِجَالًا يَضْرِبُونَ أَعْنَاقَهُمْ فِي النَّهْرِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ خَالِدٌ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَيَطْلُبُهُمْ فِي الْغَدِ وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ، وَكُلَّمَا حَضَرَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ فِي النَّهْرِ، وَقَدْ صَرَفَ مَاءَ النَّهْرِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: إِنَّ النَّهْرَ لَا يَجْرِي بِدِمَائِهِمْ حَتَّى تُرْسِلَ الْمَاءَ عَلَى الدَّمِ فَيَجْرِيَ مَعَهُ، فَتُبِرَّ يَمِينَكَ. فَأَرْسَلَهُ فَسَالَ النَّهْرُ دَمًا عَبِيطًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ نَهْرَ الدَّمِ، إِلَى الْيَوْمِ، فَدَارَتِ الطَّوَاحِينُ بِذَلِكَ الْمَاءِ الْمُخْتَلِطِ بِالدَّمِ الْعَبِيطِ مَا كَفَى الْعَسْكَرَ بِكَمَالِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبَلَغَ عَدَدُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا، وَلَمَّا هَزَمَ خَالِدٌ الْجَيْشَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنَ النَّاسِ، عَدَلَ خَالِدٌ إِلَى الطَّعَامِ الَّذِي كَانُوا قَدْ وَضَعُوهُ لِيَأْكُلُوهُ، فَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: هَذَا نَفَلٌ فَانْزِلُوا فَكُلُوا. فَنَزَلَ النَّاسُ فَأَكَلُوا عِشَاءً. وَقَدْ جَعَلَ الْأَعَاجِمُ عَلَى طَعَامِهِمْ جَرْدَقًا كَثِيرًا، فَجَعَلَ مَنْ يَرَاهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ مِنَ الْأَعْرَابِ يَقُولُونَ: مَا هَذِهِ الرُّقَعُ ؟ يَحْسَبُونَهَا ثِيَابًا. فَيَقُولُ لَهُمْ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْيَافِ وَالْمُدُنِ: أَمَا سَمِعْتُمْ بِرَقِيقِ الْعَيْشِ ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالُوا: فَهَذَا رَقِيقُ الْعَيْشِ. فَسَمَّوْهُ يَوْمَئِذٍ رُقَاقًا، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْقَرْنَ. وَقَدْ قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَمَّنْ حَدَّثَ عَنْ خَالِدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَّلَ النَّاسَ يَوْمَ خَيْبَرَ الْخُبْزَ وَالطَّبِيخَ وَالشِّوَاءَ وَمَا أَكَلُوا غَيْرَ ذَلِكَ، غَيْرَ مُتَأَثِّلِيهِ.
التاريخ 1825لا حكم مسجّل
[حَدِيثُ أَمْغِيشْيَا] وَنَفَذَ خَالِدٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ؓ بِفَتْحِ أَلِيسَ، فَلَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ وَقْعَةِ أَلِيسَ جَاءَ إِلَى أَمْغِيشْيَا، وَقَدْ جَلَا أَهْلُهَا فَأَمَرَ بِهَدْمِهَا، وَكَانَتْ مِصْرًّا كَالْحِيرَةِ، فَأَصَابُوا مِنْهَا مَا لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَهُ قَطُّ، بَلَغَ سَهْمُ الْفَارِسِ أَلْفَ وَخَمْسَمِائَةٍ سِوَى النَّفْلِ الَّذِي نَفَلَهُ أَهْلُ الْبَلَاءِ. وَبَعَثَ خَالِدٌ إِلَى الصِّدِّيقِ بِالْبِشَارَةِ وَالْفَتْحِ وَالْخُمُسِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسَّبْيِ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: جَنْدَلٌ. مِنْ بَنِي عِجْلٍ، وَكَانَ دَلِيلًا صَارِمًا، فَلَمَّا بَلَّغَ الصِّدِّيقَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، أَثْنَى عَلَيْهِ وَأَجَازَهُ جَارِيَةً مِنَ السَّبْيِ، وَقَالَ الصِّدِّيقُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ أَسَدَكُمْ قَدْ عَدَا عَلَى الْأَسَدِ، فَغَلَبَهُ عَلَى خَرَاذِيلِهِ، عَجَزَتِ النِّسَاءُ أَنْ تَلِدْنَ مِثْلَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ.
التاريخ 1826لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وَقْعَةِ يَوْمِ فُرَاتِ بَادَقْلَى، وَفَتْحِهِ الْحِيرَةَ ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ مِنْ أَمْغِيشِيَّا إِلَى الْحِيرَةِ وَحَمَلَ الرِّحَالَ وَالْأَثْقَالَ فِي السُّفُنِ، فَخَرَجَ مَرْزُبَانُ الْحِيرَةِ، وَهُوَ الْأَزَاذَبَهْ، فَعَسْكَرَ عِنْدَ الْغَرِيِّينَ، وَأَرْسَلَ ابْنَهُ فَقَطَعَ الْمَاءَ عَنِ السُّفُنِ، فَبَقِيَتْ عَلَى الْأَرْضِ. فَسَارَ خَالِدٌ فِي خَيْلٍ نَحْوَ ابْنِ الْأَزَاذَبَهْ فَلَقِيَهُ عَلَى فُرَاتِ بَادَقْلَى، فَضَرَبَهُ وَقَتَلَهُ وَقَتَلَ أَصْحَابَهُ، وَسَارَ نَحْوَ الْحِيرَةِ، فَهَرَبَ مِنْهُ الْأَزَاذَبَهْ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ مَوْتُ أَرْدَشِيرَ وَقَتْلُ ابْنِهِ، فَهَرَبَ بِغَيْرِ قِتَالٍ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ الْغَرِيِّينَ، وَتَحَصَّنَ أَهْلُ الْحِيرَةِ فَحَصَرَهُمْ فِي قُصُورِهِمْ. وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ مُحَاصِرًا الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ وَفِيهِ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ مُحَاصِرًا قَصْرَ الْغَرِيِّينَ وَفِيهِ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ الْمَقْتُولُ، وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْمُزَنِيُّ عَاشِرَ عَشَرَةِ إِخْوَةٍ مُحَاصِرًا قَصْرَ ابْنِ مَازِنٍ وَفِيهِ ابْنُ أَكَّالٍ، وَكَانَ الْمُثَنَّى مُحَاصِرًا قَصْرَ ابْنِ بُقَيْلَةَ وَفِيهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ، فَدَعَوْهُمْ جَمِيعًا وَأَجْلَوْهُمْ يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَأَبَى أَهْلُ الْحِيرَةِ، وَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَافْتَتَحُوا الدُّورَ وَالدِّيرَاتِ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. فَنَادَى الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ: يَا أَهْلَ الْقَصْرِ، مَا يَقْتُلُنَا غَيْرُكُمْ ! فَنَادَى أَهْلُ الْقُصُورِ الْمُسْلِمِينَ: قَدْ قَبِلْنَا وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ، وَهِيَ إِمَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْجِزْيَةُ أَوِ الْمُحَارَبَةُ، فَكَفُّوا عَنْهُمْ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ إِيَاسُ بْنُ قَبِيصَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ قَيْسِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ بُقَيْلَةُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بُقَيْلَةَ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي بُرْدَيْنِ أَخْضَرَيْنِ، فَقَالُوا: مَا أَنْتَ إِلَّا بُقَيْلَةُ خَضْرَاءُ، فَأَرْسَلُوهُمْ إِلَى خَالِدٍ، فَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: كَمْ أَتَى عَلَيْكَ ؟ قَالَ: مِئُو سِنِينَ. قَالَ: فَمَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ ؟ قَالَ: رَأَيْتُ الْقُرَى مَنْظُومَةً مَا بَيْنَ دِمَشْقَ وَالْحِيرَةِ، وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فَلَا تَتَزَوَّدُ إِلَّا رَغِيفًا. فَتَبَسَّمَ خَالِدٌ وَقَالَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ: أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكُمْ خَبَثَةٌ خَدَعَةٌ، فَمَا بَالُكُمْ تَتَنَاوَلُونَ حَوَائِجَكُمْ بِخَرِفٍ لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ جَاءَ ؟ فَأَحَبَّ عَمْرٌو أَنْ يُرِيَهُ مِنْ نَفْسِهِ مَا يَعْرِفُ بِهِ عَقْلَهُ وَصِحَّةَ مَا حَدَّثَهُ بِهِ، قَالَ: وَحَقِّكَ إِنِّي لَأَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ جِئْتُ ! قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ خَرَجْتَ ؟ قَالَ: مِنْ بَطْنِ أُمِّي. قَالَ: فَأَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ: أَمَامِي. قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: الْآخِرَةُ. قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ أَقْصَى أَثَرِكَ ؟ قَالَ: مِنْ صُلْبِ أَبِي. قَالَ: فَفِيمَ أَنْتَ ؟ قَالَ: فِي ثِيَابِي. قَالَ: أَتَعْقِلُ ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ وَأُقَيِّدُ. قَالَ خَالِدٌ: إِنَّمَا أَسْأَلُكَ ! قَالَ: فَأَنَا أُجِيبُكَ. قَالَ: أَسِلْمٌ أَنْتَ أَمْ حَرْبٌ ؟ قَالَ: بَلْ سِلْمٌ. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْحُصُونُ ؟ قَالَ: بَنَيْنَاهَا لِلسَّفِيهِ نَحْبِسُهُ حَتَّى يَنْهَاهُ الْحَلِيمُ. قَالَ خَالِدٌ: قَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا، وَقَتَلَ أَرْضًا عَالِمُهَا، الْقَوْمُ أَعْلَمُ بِمَا فِيهِمْ. وَكَانَ مَعَ ابْنِ بُقَيْلَةَ خَادِمٌ مَعَهُ كِيسٌ فِيهِ سُمٌّ، فَأَخَذَهُ خَالِدٌ وَنَثَرَهُ فِي يَدِهِ وَقَالَ: لِمَ تَسْتَصْحِبُ هَذَا ؟ قَالَ: خَشِيتُ أَنْ تَكُونُوا عَلَى غَيْرِ مَا رَأَيْتُ، فَكَانَ الْمَوْتُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ مَكْرُوهٍ أُدْخِلُهُ عَلَى قَوْمِي. فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهَا لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى أَجَلِهَا، وَقَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ، رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ دَاءٌ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَابْتَلَعَ السُّمَّ. فَقَالَ ابْنُ بُقَيْلَةَ: وَاللَّهِ لَتَبْلُغُنَّ مَا أَرَدْتُمْ مَا دَامَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَكَذَا. وَأَبَى خَالِدٌ أَنْ يُصَالِحَهُمْ إِلَّا عَلَى تَسْلِيمِ كَرَامَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمَسِيحِ إِلَى شُوَيْلٍ، فَأَبَوْا، فَقَالَتْ: هَوِّنُوا عَلَيْهِمْ وَأَسْلِمُونِي، فَإِنِّي سَأَفْتَدِي. فَفَعَلُوا، فَأَخَذَهَا شُوَيْلٌ، فَافْتَدَتْ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَامَهُ النَّاسُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ هَذَا. وَكَانَ سَبَبُ تَسْلِيمِهَا إِلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ اسْتِيلَاءَ أُمَّتِهِ عَلَى مُلْكِ فَارِسَ وَالْحِيرَةِ - سَأَلَهُ شُوَيْلٌ أَنْ يُعْطَى كَرَامَةَ ابْنَةَ عَبْدِ الْمَسِيحِ، وَكَانَ رَآهَا شَابَّةً فَمَالَ إِلَيْهَا، فَوَعَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، فَلَمَّا فُتِحَتِ الْحِيرَةُ طَلَبَهَا وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ بِوَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُسَلِّمَهَا إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ خَالِدٌ. وَصَالَحَهُمْ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: عَلَى مِائَتَيْ أَلْفٍ وَتِسْعِينَ أَلْفًا، وَأَهْدَوْا لَهُ هَدَايَا. فَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْهَدَايَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَبِلَهَا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْجَزَاءِ، وَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بَقِيَّةَ الْجِزْيَةِ، وَيَحْسِبَ لَهُمُ الْهَدِيَّةَ. وَكَانَ فَتْحُ الْحِيرَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَكَتَبَ لَهُمْ خَالِدٌ كِتَابًا، فَلَمَّا كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ ضَيَّعُوا الْكِتَابَ، فَلَمَّا افْتَتَحَهُ الْمُثَنَّى ثَانِيَةً عَادَ بِشَرْطٍ آخَرَ، فَلَمَّا عَادُوا كَفَرُوا، وَافْتَتَحَهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَضَعَ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ خَالِدٌ: مَا لَقِيتُ قَوْمًا كَأَهْلِ فَارِسَ، وَمَا لَقِيتُ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ كَأَهْلِ أُلَّيْسَ. ذِكْرُ مَا بَعْدُ الْحِيرَةِ قِيلَ: كَانَ الدَّهَاقِينُ يَتَرَبَّصُونَ بِخَالِدٍ وَيَنْظُرُونَ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا صَالَحَهُمْ وَاسْتَقَامُوا لَهُ أَتَتْهُ الدَّهَاقِينُ مِنْ تِلْكَ النَّوَاحِي، أَتَاهُ دَهْقَانُ فُرَاتٍ سِرْيَا وَصَلُوبَا ابْنُ نَسْطُونَا وَنَسْطُونَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى مَا بَيْنَ الْفَلَالِيجِ إِلَى هُرْمُزْجَرْدَ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ، وَقِيلَ: أَلْفُ أَلْفٍ سِوَى مَا كَانَ لِآلِ كِسْرَى، وَبَعَثَ خَالِدٌ عُمَّالَهُ وَمَسَالِحَهُ، وَبَعَثَ ضِرَارَ بْنَ الْأَزْوَرِ، وَضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَالْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ، وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، فَنَزَلُوا عَلَى السِّيبِ، وَهُمْ كَانُوا أُمَرَاءَ الثُّغُورِ مَعَ خَالِدٍ، وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ، فَمَخَرُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إِلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، وَكَتَبَ خَالِدٌ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا حَارَبَهُمْ، فَكَانَ الْعَجَمُ مُخْتَلِفِينَ بِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَدْ أُنْزِلُوا بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ بَهُرَسِيرَ وَمَعَهُ غَيْرُهُ كَأَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لَهُمْ، وَجَبَى خَالِدٌ الْخَرَاجَ فِي خَمْسِينَ لَيْلَةً وَأَعْطَاهُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ فَارِسَ فِيمَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَدِجْلَةَ أَمْرٌ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ بِمَوْتِ أَرْدَشِيرَ، إِلَّا أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى حَرْبِ خَالِدٍ، وَخَالِدٌ مُقِيمٌ بِالْحِيرَةِ يَصْعَدُ وَيُصَوِّبُ سَنَةً قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الشَّامِ، وَالْفُرْسُ يَخْلَعُونَ وَيَمْلِكُونَ لَيْسَ إِلَّا الدَّفْعُ عَنْ بَهُرَسِيرَ، وَذَلِكَ أَنْ شِيرَى بْنَ كِسْرَى قَتَلَ كُلَّ مَنْ كَانَ يُنَاسِبُهُ إِلَى أُنُوشُرْوَانَ، وَقَتَلَ أَهْلُ فَارِسٍ بَعْدَهُ وَبَعْدَ أَرْدَشِيرَ ابْنَهُ - مَنْ كَانَ بَيْنَ أُنُوشُرْوَانَ وَبَيْنَ بَهْرَامَ جُورَ، فَبَقُوا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَنْ يُمَلِّكُونَهُ مِمَّنْ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ. فَلَمَّا وَصَلَهُمْ كُتُبُ خَالِدٍ تَكَلَّمَ نِسَاءُ آلِ كِسْرَى عَلَى مَنْ يُمَلِّكُونَهُ إِنْ وَجَدُوهُ. وصول جرير بن عبد الله البجلي إلى خالد بعد فتح الحيرة وَوَصَلَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ إِلَى خَالِدٍ بَعْدَ فَتْحِ الْحِيرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ مَعَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالشَّامِ، فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِيُكَلِّمَهُ فِي قَوْمِهِ لِيَجْمَعَهُمْ لَهُ، وَكَانُوا أَوْزَاعًا مُتَفَرِّقِينَ فِي الْعَرَبِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَدَهُ بِهِ وَشَهِدَ لَهُ شُهُودٌ، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: تَرَى شُغْلَنَا وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِغَوْثِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ بِإِزَائِهِمْ مِنْ فَارِسَ وَالرُّومِ، ثُمَّ أَنْتَ تُكَلِّفُنِي مَا لَا يُغْنِي ؟ ! وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ بَعْدَ فَتْحِ الْحِيرَةِ، وَلَمْ يَشْهَدْ شَيْئًا مِمَّا قَبْلَهَا بِالْعِرَاقِ، وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ خَالِدٌ فِيهِ مِنْ قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ.
التاريخ 1827لا حكم مسجّل
فَصْلٌ خَالِدٌ يُحَاصِرُ الْخَوَرْنَقَ وَالسَّدِيرَ وَالنَّجَفَ . ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ فَنَزَلَ الْخَوَرْنَقَ وَالسَّدِيرَ وَالنَّجَفَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يُحَاصِرُونَ الْحُصُونَ مِنَ الْحِيرَةِ، وَيَسْتَنْزِلُونَ أَهْلَهَا قَسْرًا وَقَهْرًا، وَصُلْحًا وَيُسْرًا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ نَزَلَ بِالصُّلْحِ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، فِيهِمُ ابْنُ بُقَيْلَةَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ، وَكَتَبَ لِأَهْلِ الْحِيرَةِ كِتَابَ أَمَانٍ، فَكَانَ الَّذِي رَاوَضَهُ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ بُقَيْلَةَ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: لَمَّا افْتَتَحَ خَالِدٌ الْحِيرَةَ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَقَدْ قَالَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَمَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَأَيَّامِ الرِّدَّةِ: سَقَى اللَّهُ قَتْلَى بِالْفُرَاتِ مُقِيمَةً وَأُخْرَى بِأَثْبَاجِ النِّجَافِ الْكَوَانِفِ وَنَحْنُ وَطِئْنَا بِالْكَوَاظِمِ هُرْمُزًا وَبِالثِّنْيِ قَرْنَيْ قَارَنٍ بَالْجَوَارِفِ وَيَوْمَ أَحَطْنَا بِالْقُصُورِ تَتَابَعَتْ عَلَى الْحِيرَةِ الرَّوْحَاءُ إِحْدَى الْمَصَارِفِ حَطَطْنَاهُمُ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ عَرْشُهُمْ يَمِيلُ بِهِمْ فِعْلَ الْجَبَانِ الْمُخَالِفِ رَمَيْنَا عَلَيْهِمْ بِالْقَبُولِ وَقَدْ رَأَوْا غَبُوقَ الْمَنَايَا حَوْلَ تِلْكَ الْمَحَارِفِ صَبِيحَةَ قَالُوا نَحْنُ قَوْمٌ تَنَزَّلُوا إِلَى الرِّيفِ مِنْ أَرْضِ الْعُرَيْبِ الْمَقَانِفِ صلح ابن صلويا خالدا على بانقيا وباروسما وما حولها قَالَ سَيْفٌ بِأَسَانِيدِهِ: ثُمَّ جَاءَ ابْنُ صَلُوبَا فَصَالَحَ خَالِدًا عَلَى بَانِقْيَا وَبَارُوسْمَا وَمَا حَوْلَ ذَلِكَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَجَاءَهُ دَهَاقِينُ تِلْكَ الْبِلَادِ فَصَالَحُوهُ عَلَى بُلْدَانِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ، كَمَا صَالَحَ أَهْلُ الْحِيرَةِ عَلَى الْحِيرَةِ، وَاتَّفَقَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ - الَّتِي كَانَ خَالِدٌ قَدْ تَمَكَّنَ بِأَطْرَافِ الْعِرَاقِ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى الْحِيرَةِ وَتِلْكَ الْبُلْدَانِ وَأَوْقَعَ بِأَهْلِ أُلَّيْسٍ وَالثِّنْيِ وَمَا بَعْدَهَا بِفَارِسَ وَمَنْ تَأَشَّبَ مَعَهُمْ، مَا أَوْقَعَ مِنَ الْقَتْلِ الْفَظِيعِ فِي فُرْسَانِهِمْ - أَنْ عَدَتْ فَارِسُ عَلَى مَلِكِهِمُ الْأَكْبَرِ أَرْدَشِيرَ وَابْنِهِ شِيرَى، فَقَتَلُوهُمَا وَقَتَلُوا كُلَّ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِمَا، وَبَقِيَتِ الْفُرْسُ حَائِرِينَ لِمَنْ يُوَلُّونَهُ أَمْرَهُمْ ؟ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَدْ جَهَّزُوا جُيُوشًا تَكُونُ حَائِلَةً بَيْنَ خَالِدٍ وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ الَّتِي فِيهَا إِيوَانُ كِسْرَى وَسَرِيرُ مَمْلَكَتِهِ، فَحِينَئِذٍ كَتَبَ خَالِدٌ إِلَى مَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْمَرَازِبَةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالدَّوْلَةِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ ; لِيَثْبُتَ مُلْكُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلْيَدْفَعُوا الْجِزْيَةَ، وَإِلَّا فَلْيَعْلَمُوا وَلْيَسْتَعِدُّوا لِقُدُومِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْمٍ يُحِبُّونَ الْمَوْتَ كَمَا يُحِبُّونَ هُمُ الْحَيَاةَ، فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ جُرْأَةِ خَالِدٍ وَشَجَاعَتِهِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْ ذَلِكَ لِحَمَاقَتِهِمْ وَرُعُونَةٍ بِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَقَدْ أَقَامَ خَالِدٌ هُنَالِكَ بَعْدَ صُلْحِ الْحِيرَةِ سَنَةً يَتَرَدَّدُ فِي بِلَادِ فَارِسَ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، وَيُوقِعُ بِأَهْلِهَا مِنَ الْبَأْسِ الشَّدِيدِ، وَالسَّطْوَةِ الْبَاهِرَةِ، مَا يُبْهِرُ الْأَبْصَارَ لِمَنْ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَيُشَنِّفُ أَسْمَاعَ مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَيُحَيِّرُ الْعُقُولَ لِمَنْ تَدَبَّرَهُ.
التاريخ 1828لا حكم مسجّل
فَتْحُ خَالِدٍ لِلْأَنْبَارِ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْغَزْوَةُ ذَاتَ الْعُيُونِ. رَكِبَ خَالِدٌ فِي جُيُوشِهِ، فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْأَنْبَارِ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ أَعْقَلِ الْفُرْسِ وَأَسْوَدِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ، يُقَالُ لَهُ: شِيرْزَاذُ. فَأَحَاطَ بِهَا خَالِدٌ وَعَلَيْهَا خَنْدَقٌ وَحَوْلَهُ أَعْرَابٌ مِنْ قَوْمِهِمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَاجْتَمَعَ مَعَهُمْ أَهْلُ أَرْضِهِمْ، فَمَانَعُوا خَالِدًا أَنْ يَصِلَ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَضَرَبَ مَعَهُمْ رَأْسًا، وَلَمَّا تَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ أَمَرَ خَالِدٌ أَصْحَابَهُ فَرَشَقُوهُمْ بِالنِّبَالِ حَتَّى فَقَئُوا مِنْهُمْ أَلْفَ عَيْنٍ، فَتَصَايَحَ النَّاسُ: ذَهَبَتْ عُيُونُ أَهْلِ الْأَنْبَارِ. فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ ذَاتَ الْعُيُونِ، فَرَاسَلَ شِيرْزَاذُ خَالِدًا فِي الصُّلْحِ، فَاشْتَرَطَ خَالِدٌ أُمُورًا امْتَنَعَ شِيرْزَاذُ مِنْ قَبُولِهَا، فَتَقَدَّمَ خَالِدٌ إِلَى الْخَنْدَقِ فَاسْتَدْعَى بِرَذِيِّ الْأَمْوَالِ مِنَ الْإِبِلِ فَذَبَحَهَا حَتَّى رَدَمَ الْخَنْدَقَ بِهَا، وَجَازَ هُوَ وَأَصْحَابَهُ فَوْقَهَا، فَلَمَّا رَأَى شِيرْزَاذُ ذَلِكَ أَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطَهَا خَالِدٌ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، فَوَفَّى لَهُ خَالِدٌ بِذَلِكَ، وَخَرَجَ شِيرْزَاذُ مِنَ الْأَنْبَارِ وَتَسَلَّمَهَا خَالِدٌ، فَنَزَلَهَا وَاطْمَأَنَّ بِهَا، وَتَعَلَّمَ الصَّحَابَةُ مِمَّنْ بِهَا مِنَ الْعَرَبِ الْكِتَابَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَكَانَ أُولَئِكَ الْعَرَبُ قَدْ تَعَلَّمُوهَا مِنْ عَرَبٍ قَبْلَهُمْ وَهُمْ بَنُو إِيَادٍ، كَانُوا بِهَا فِي زَمَانِ بُخْتَ نَصَّرَ حِينَ أَبَاحَ الْعِرَاقَ لِلْعَرَبِ، وَأَنْشَدُوا خَالِدًا قَوْلَ بَعْضِ إِيَادٍ يَمْتَدِحُ قَوْمَهُ: قَوْمِي إِيَادٌ لَوْ أَنَّهُمْ أُمَمُ أَوْ لَوْ أَقَامُوا فَتُهْزَلَ النَّعَمُ قَوْمٌ لَهُمْ بَاحَةُ الْعِرَاقِ إِذَا سَارُوا جَمِيعًا وَاللَّوْحُ وَالْقَلَمُ ثُمَّ صَالَحَ خَالِدٌ أَهْلَ الْبَوَازِيجِ وَكَلْوَاذَى. قَالَ: ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُ الْأَنْبَارِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ عَهْدَهُمْ لَمَّا اضْطَرَبَتْ بَعْضُ الْأَحْوَالِ، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى عَهْدِهِ سِوَى الْبَوَازِيجِ وَبَانِقْيَا. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ عَقْدٌ قَبْلَ الْوَقْعَةِ إِلَّا بَنِي صَلُوبَا، وَهُمْ أَهْلُ الْحِيرَةِ وَكَلْوَاذَى وَقُرًى مِنْ قُرَى الْفُرَاتِ، حَتَّى غَدَرُوا، حَتَّى دُعُوا إِلَى الذِّمَّةِ بَعْدَمَا غَدَرُوا. وَقَالَ سَيْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: أُخِذَ السَّوَادُ عَنْوَةً ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَكُلُّ أَرْضٍ إِلَّا بَعْضَ الْقِلَاعِ وَالْحُصُونِ. قَالَ: بَعْضٌ صَالِحٌ وَبَعْضٌ غَالِبٌ. قُلْتُ: فَهَلْ لِأَهْلِ السَّوَادِ ذِمَّةٌ اعْتَقَدُوهَا قَبْلَ الْهَرَبِ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا دُعُوا وَرَضُوا بِالْخَرَاجِ، وَأُخِذَ مِنْهُمْ، صَارُوا ذِمَّةً. وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأَنْبَارُ لِأَنَّ أَهْرَاءَ الطَّعَامِ كَانَتْ بِهَا أَنَابِيرُ.
التاريخ 1829لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ عَيْنِ التَّمْرِ . لَمَّا اسْتَقَلَّ خَالِدٌ بِالْأَنْبَارِ اسْتَنَابَ عَلَيْهَا الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ وَقَصَدَ عَيْنَ التَّمْرِ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ مِهْرَانُ بْنُ بَهْرَامَ جُوبِينَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنَ الْعَجَمِ، وَحَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ طَوَائِفُ مِنَ النَّمِرِ وَتَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَمَنْ لَاقَاهُمْ، وَعَلَيْهِمْ عَقَّةُ بْنُ أَبِي عَقَّةَ، فَلَمَّا دَنَا خَالِدٌ، قَالَ عَقَّةُ لِمِهْرَانَ: إِنَّ الْعَرَبَ أَعْلَمُ بِقِتَالِ الْعَرَبِ، فَدَعْنَا وَخَالِدًا. فَقَالَ لَهُ: دُونَكُمْ وَإِيَّاهُمْ، وَإِنِ احْتَجْتُمْ إِلَيْنَا أَعَنَّاكُمْ. فَلَامَتِ الْعَجَمُ أَمِيرَهُمْ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: دَعُوهُمْ، فَإِنْ غَلَبُوا خَالِدًا فَهُوَ لَكُمْ، وَإِنْ غُلِبُوا قَاتَلْنَا خَالِدًا وَقَدْ ضَعُفُوا وَنَحْنُ أَقْوِيَاءُ. فَاعْتَرَفُوا لَهُ بِفَضْلِ الرَّأْيِ عَلَيْهِمْ، وَسَارَ خَالِدٌ وَتَلَقَّاهُ عَقَّةُ، فَلَمَّا تَوَاجَهُوا قَالَ خَالِدٌ لِمُجَنِّبَتَيْهِ: احْفَظُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي حَامِلٌ. وَأَمَرَ حُمَاتَهُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ وَرَائِهِ، وَحَمَلَ عَلَى عَقَّةَ وَهُوَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، فَاحْتَضَنَهُ وَأَسَرَهُ، وَانْهَزَمَ جَيْشُ عَقَّةَ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، فَأَكْثَرُوا فِيهِمُ الْأَسْرَ، وَقَصَدَ خَالِدٌ حِصْنَ عَيْنِ التَّمْرِ، فَلَمَّا بَلَغَ مِهْرَانَ هَزِيمَةُ عَقَّةَ وَجَيْشِهِ، نَزَلَ مِنَ الْحِصْنِ وَهَرَبَ وَتَرَكَهُ، وَرَجَعَتْ فُلَّالُ نَصَارَى الْأَعْرَابِ إِلَى الْحِصْنِ، فَوَجَدُوهُ مَفْتُوحًا فَدَخَلُوهُ وَاحْتَمَوْا بِهِ، فَجَاءَ خَالِدٌ فَأَحَاطَ بِهِ، وَحَاصَرَهُمْ أَشَدَّ الْحِصَارِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ سَأَلُوهُ الصُّلْحَ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ خَالِدٍ، فَجُعِلُوا فِي السَّلَاسِلِ وَتَسَلَّمَ الْحِصْنَ، ثُمَّ أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُ عَقَّةَ، وَمَنْ كَانَ أُسِرَ مَعَهُ، وَالَّذِينَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ أَيْضًا أَجْمَعِينَ، وَغَنِمَ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْحِصْنِ، وَوَجَدَ فِي الْكَنِيسَةِ الَّتِي بِهِ أَرْبَعِينَ غُلَامًا يَتَعَلَّمُونَ الْإِنْجِيلَ، وَعَلَيْهِمْ بَابٌ مُغْلَقٌ، فَكَسَرَهُ خَالِدٌ وَفَرَّقَهُمْ فِي الْأُمَرَاءِ وَأَهْلِ الْغَنَاءِ، وَكَانَ فِيهِمْ حُمْرَانُ، صَارَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مِنَ الْخُمُسِ، وَمِنْهُمْ سِيرِينُ وَالِدُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَخَذَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْمَوَالِي الْمَشَاهِيرِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ وَبِذَرَارِيِّهِمْ خَيْرًا. وَلَمَّا قَدِمَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ عَلَى الصِّدِّيقِ بِالْخُمُسِ رَدَّهُ الصِّدِّيقُ إِلَى عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ مَدَدًا لَهُ وَهُوَ مُحَاصِرٌ دُومَةَ الْجَنْدَلِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْعِرَاقِ يُحَاصِرُ قَوْمًا وَهُمْ قَدْ أَخَذُوا عَلَيْهِ الطُّرُقَ، فَهُوَ مَحْصُورٌ أَيْضًا، فَقَالَ عِيَاضٌ لِلْوَلِيدِ: إِنَّ بَعْضَ الرَّأْيِ خَيْرٌ مِنْ جَيْشٍ كَثِيفٍ، مَاذَا تَرَى فِيمَا نَحْنُ فِيهِ ؟ فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: اكْتُبْ إِلَى خَالِدٍ يُمِدُّكَ بِجَيْشٍ مِنْ عِنْدِهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَمِدُّهُ فَقَدِمَ كِتَابُهُ عَلَى خَالِدٍ غِبَّ وَقْعَةِ عَيْنِ التَّمْرِ وَهُوَ يَسْتَغِيثُ بِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: مِنْ خَالِدٍ إِلَى عِيَاضٍ، إِيَّاكَ أُرِيدُ لَبِّثْ قَلِيلًا تَأْتِكَ الْحَلَائِبُ يَحْمِلْنَ آسَادًا عَلَيْهَا الْقَاشِبُ كَتَائِبٌ تَتْبَعُهَا كَتَائِبُ
التاريخ 1830لا حكم مسجّل
خَبَرُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ . لَمَّا فَرَغَ خَالِدٌ مِنْ عَيْنِ التَّمْرِ قَصَدَ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى عَيْنِ التَّمْرِ عُوَيْمِرَ بْنَ الْكَاهِنِ الْأَسْلَمِيَّ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ بِمَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ، بَعَثُوا إِلَى أَحْزَابِهِمْ مِنْ بَهْرَاءَ وَتَنُوخَ وَكَلْبٍ وَغَسَّانَ وَالضَّجَاعِمِ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِمْ وَعَلَى غَسَّانَ وَتَنُوخَ ابْنُ الْأَيْهَمِ، وَعَلَى الضَّجَاعِمِ ابْنُ الْحِدْرِجَانِ، وَجِمَاعُ النَّاسِ بِدُومَةَ إِلَى رَجُلَيْنِ ; أُكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَالْجُودِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، فَاخْتَلَفَا، فَقَالَ أُكَيْدِرٌ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِخَالِدٍ، لَا أَحَدَ أَيْمَنُ طَائِرًا مِنْهُ فِي حَرْبٍ وَلَا أَحَدُّ مِنْهُ، وَلَا يَرَى وَجْهَ خَالِدٍ قَوْمٌ أَبَدًا ; قَلُّوا أَمْ كَثُرُوا إِلَّا انْهَزَمُوا عَنْهُ، فَأَطِيعُونِي وَصَالِحُوا الْقَوْمَ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَنْ أُمَالِئَكُمْ عَلَى حَرْبِ خَالِدٍ. وَفَارَقَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدٌ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو فَعَارَضَهُ فَأَخَذَهُ، فَلَمَّا أَتَى بِهِ خَالِدًا أَمَرَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ، ثُمَّ تَوَاجَهَ خَالِدٌ وَأَهْلُ دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَعَلَيْهِمُ الْجُودِيُّ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكُلُّ قَبِيلَةٍ مَعَ أَمِيرِهَا مِنَ الْأَعْرَابِ، وَجَعَلَ خَالِدٌ دُومَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَيْشِ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ، وَافْتَرَقَ جَيْشُ الْأَعْرَابِ فِرْقَتَيْنِ ; فِرْقَةً نَحْوَ خَالِدٍ، وَفِرْقَةً نَحْوَ عِيَاضٍ، وَحَمَلَ خَالِدٌ عَلَى مَنْ قِبَلَهُ، وَحَمَلَ عِيَاضٌ عَلَى أُولَئِكَ، فَأَسَرَ خَالِدٌ الْجُودِيَّ، وَأَسَرَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَدِيعَةَ، وَفَّرَتِ الْأَعْرَابُ إِلَى الْحِصْنِ، فَمَلَأُوهُ وَبَقِيَ مِنْهُمْ خَلْقٌ ضَاقَ عَنْهُمْ، فَعَطَفَتْ بَنُو تَمِيمٍ عَلَى مَنْ هُوَ خَارِجَ الْحِصْنِ فَأَعْطَوْهُمْ مِيرَةً، فَنَجَا بَعْضُهُمْ، وَجَاءَ خَالِدٌ فَضَرَبَ أَعْنَاقَ مَنْ وَجَدَهُ خَارِجَ الْحِصْنِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِ الْجُودِيِّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْأُسَارَى، إِلَّا أُسَارَى بَنِي كَلْبٍ ; فَإِنَّ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَبَنِي تَمِيمٍ أَجَارُوهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: مَا لِي وَلَكُمْ، أَتَحْفَظُونَ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتُضَيِّعُونَ أَمْرَ الْإِسْلَامِ ؟ ! فَقَالَ لَهُ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو: أَتَحْسُدُونَهُمُ الْعَافِيَةَ وَتُحَوِّزُونَهُمْ إِلَى الشَّيْطَانِ. ثُمَّ أَطَافَ خَالِدٌ بِالْبَابِ فَلَمْ يَزَلْ عَنْهُ حَتَّى اقْتَلَعَهُ، وَاقْتَحَمُوا الْحِصْنَ فَقَتَلُوا مَنْ فِيهِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَسَبَوُا الذَّرَارِيَّ، فَتَبَايَعُوهُمْ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ يَزِيدُ، وَاشْتَرَى خَالِدٌ يَوْمَئِذٍ ابْنَةَ الْجُودِيِّ، وَكَانَتْ مَوْصُوفَةً بِالْجَمَالِ، وَأَقَامَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَرَدَّ الْأَقْرَعَ إِلَى الْأَنْبَارِ، ثُمَّ رَجَعَ خَالِدٌ إِلَى الْحِيرَةِ، فَتَلَقَّاهُ أَهْلُهَا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ بِالتَّقْلِيسِ، فَسَمِعَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: مُرَّ بِنَا فَهَذَا يَوْمٌ فَرِحَ الشَّرُّ.
التاريخ 1831لا حكم مسجّل
خَبَرُ وَقْعَتَيِ الْحُصَيْدِ وَالْمُصَيَّخِ . قَالَ سَيْفٌ عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَالْمُهْلَّبِ، قَالُوا: وَقَدْ كَانَ خَالِدٌ أَقَامَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَظَنَّ الْأَعَاجِمُ بِهِ، وَكَاتَبُوا عَرَبَ الْجَزِيرَةِ، فَاجْتَمَعُوا لِحَرْبِهِ، وَقَصَدُوا الْأَنْبَارَ يُرِيدُونَ انْتِزَاعَهَا مِنَ الزِّبْرِقَانِ، وَهُوَ نَائِبُ خَالِدٍ عَلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الزِّبْرِقَانَ كَتَبَ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو نَائِبِ خَالِدٍ عَلَى لْحِيرَةِ، فَبَعَثَ الْقَعْقَاعُ أَعْبَدَ بْنَ فَدَكِيٍّ السَّعْدِيَّ، وَأَمَرَهُ بِالْحُصَيْدِ، وَبَعَثَ عُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ الْبَارِقِيَّ وَأَمَرَهُ بِالْخَنَافِسِ، وَرَجَعَ خَالِدٌ مِنْ دُومَةَ إِلَى الْحِيرَةِ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى مُصَادَمَةِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ مَحَلَّةِ كِسْرَى، لَكِنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إِذَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَشَغَلَهُ مَا قَدِ اجْتَمَعَ مِنْ جُيُوشِ الْأَعَاجِمِ مَعَ نَصَارَى الْأَعْرَابِ يُرِيدُونَ حَرْبَهُ، فَبَعَثَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو أَمِيرًا عَلَى النَّاسِ، فَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْحُصَيْدُ، وَعَلَى الْعَجَمِ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: رُوزَبَهْ. وَأَمَدَّهُ أَمِيرٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ: زَرْمِهْرُ. فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ، فَقَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَتَلَ الْقَعْقَاعُ بِيَدِهِ زَرْمِهْرَ، وَقَتَلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: عِصْمَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ رُوزَبَهْ. وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ مِنَ الْعَجَمِ، فَلَجَأُوا إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: خَنَافِسُ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ أَبُو لَيْلَى بْنُ فَدَكِيٍّ السَّعْدِيُّ. وقعة مصيخ بني الرشاء فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ سَارُوا إِلَى الْمُصَيَّخِ، فَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِهَا بِمَنْ مَعَهُمْ مِنَ الْأَعَاجِمِ وَالْأَعْرَابِ قَصَدَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُنُودِ، وَقَسَّمَ الْجَيْشَ ثَلَاثَ فِرَقٍ، وَأَغَارَ عَلَيْهِمْ لَيْلًا وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَنَامَهُمْ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْيَسِيرُ، فَمَا شُبِّهُوا إِلَّا بِغَنَمٍ مُصَرَّعَةٍ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: انْتَهَيْنَا فِي هَذِهِ الْغَارَةِ إِلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: حُرْقُوصُ بْنُ النُّعْمَانِ النَّمَرِيُّ. وَحَوْلَهُ بَنُوهُ وَبَنَاتُهُ وَامْرَأَتُهُ، وَقَدْ وَضَعَ لَهُمْ جَفْنَةً مِنْ خَمْرٍ وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا أَحَدَ يَشْرَبُ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَهَذِهِ جُيُوشُ خَالِدٍ قَدْ أَقْبَلَتْ ؟ ! فَقَالَ لَهُمُ: اشْرَبُوا شُرْبَ وَدَاعٍ، فَمَا أَرَى أَنْ تَشْرَبُوا خَمْرًا بَعْدَهَا فَشَرِبُوا وَجَعَلَ يَقُولُ: أَلَا فَاسْقِيَانِي قَبْلَ ثَائِرَةِ الْفَجْرِ لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وَلَا نَدْرِي الْقَصِيدَةَ إِلَى آخِرِهَا. قَالَ: فَهَجَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَضَرَبَ رَجُلٌ رَأْسَهُ، فَإِذَا هُوَ فِي جَفْنَتِهِ، وَأُخِذَتْ بَنُوهُ وَبَنَاتُهُ وَامْرَأَتُهُ. وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ رَجُلَانِ كَانَا قَدْ أَسْلَمَا وَمَعَهُمَا كِتَابٌ مِنَ الصِّدِّيقِ بِالْأَمَانِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ، وَهُمَا عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ أَبِي رِهْمِ بْنِ قِرْوَاشٍ، قَتَلَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَالْآخَرُ لَبِيدُ بْنُ جَرِيرٍ قَتَلَهُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُهُمَا الصِّدِّيقَ وَدَاهُمَا، وَبَعَثَ بِالْوَصَاةِ بِأَوْلَادِهِمَا، وَتَكَلَّمَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ فِي خَالِدٍ بِسَبَبِهِمَا، كَمَا تَكَلَّمَ فِيهِ بِسَبَبِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ: كَذَلِكَ يَلْقَى مَنْ سَاكَنَ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي دِيَارِهِمْ. أَيِ: الذَّنْبُ لَهُمَا فِي مُجَاوَرَتِهِمَا الْمُشْرِكِينَ. وَهَذَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مَنْ سَاكَنَ الْمُشْرِكَ فِي دَارِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: لَا تَتَرَاءَى نَارُهُمَا. أَيْ لَا يَجْتَمِعُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فِي مَحَلَّةٍ وَاحِدَةٍ.
التاريخ 1832لا حكم مسجّل
[الثَّنِيُّ وَالزُّمَيْلُ] ثُمَّ خَرَجَ خَالِدٌ مِنَ الْمُصَيَّخِ، فَبَدَأَ بِالثَّنِيِّ، فَبَيَّتَ أَهْلَهُ وَسَبَى، وَبَعَثَ بِخُمْسِ اللَّهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَاشْتَرَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ الصَّهْبَاءَ ابْنَةَ رَبِيعَةَ بْنِ بُجَيْرٍ، فَاتَّخَذَهَا فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرًا وَرُقَيَّةَ. وَكَانَ خَالِدٌ قَدْ بَعَثَ بِالْمُثَنَّى إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَغَارَ عَلَى سُوقٍ فِيهَا جَمْعٌ لِقُضَاعَةَ، وَهِيَ مَكَانَ بَغْدَادَ الْيَوْمَ وَطَعَنَ خَالِدٌ فِي الْبَرِّ، وَأَرَادَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ قُرَاقِرَ إِلَى سَوَاءٍ، وَهُمَا مَاءَانِ لِكَلْبٍ، فَخَافَ الضَّلَالَ، فَدَلُّوهُ عَلَى رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الطَّائِيِّ، وَكَانَ هَادِيًا، فَقَالَ لِخَالِدٍ: إِنَّ الرَّاكِبَ الْمُنْفَرِدَ لَيَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ فِي هَذِهِ الْمَفَازَةِ، وَمَا يَسْلُكُهَا إِلَّا مَغْرُورٌ، وَأَنْتَ مَعَكَ أَثْقَالٌ، فَقَالَ: لَا بُدَّ أَنْ أَسْلُكَهَا، فَقَالَ رَافِعٌ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُصَيِّرَ أُذُنَ رَاحِلَتِهِ عَلَى مَاءٍ فَلْيَفْعَلْ، ثُمَّ قَالَ: ابْغِنِي عِشْرِينَ جَزُورًا عِظَامًا سِمَانًا، فَأَتَى بِهَا فَأَظْمَأَهُنَّ حَتَّى أَجْهَدَهُنَّ عَطَشًا، ثُمَّ سَقَاهُنَّ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى أَرْوَاهُنَّ، ثُمَّ قَطَعَ مَشَافِرَهُنَّ، ثُمَّ جَمَعَهُنَّ حَتَّى لَا يَحْتَرِزْنَ فَيَفْسَدُ الْمَاءُ فِي أَجْوَافَهُنَّ، ثُمَّ قَالَ لِخَالِدٍ: سِرْ، فَسَارَ فَكُلَّمَا نَزَلُوا نَحَرَ مِنْ تِلْكَ الْجَزُورِ أَرْبَعًا فَأَخَذَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ مِنَ الْمَاءِ فَسَقَاهُ الْخَيْلَ وَشَرِبَ النَّاسُ مِمَّا تَزَوَّدُوا، حَتَّى إِذَا كَانَ صَبِيحَةَ الْيَوْمِ السَّادِسِ نَحَرَ الْجُزُرَ كُلَّهَا قَالَ خَالِدٌ لِرَافِعٍ: وَيْحَكَ مَا عِنْدَكَ؟ قَالَ: أَدْرَكْتُ الرِّيَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَكَانَ رَافِعٌ يَوْمَئِذٍ أَرْمَدَ، فَقَالَ: انْظُرُوا، هَلْ تَرَوْنَ شَجَرَ عَوْسَجٍ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَدْ وَاللَّهِ إِذَنْ هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ، لَا أَبَا لَكُمُ انْظُرُوا، فَمَا زَوَالُ يَطْلُبُونَهَا حَتَّى رَأَوْهَا، فَقَالَ: الْتَمِسُوا قُرْبَهَا مَاءً، فَنَظَرُوا فَوَجَدُوا عَيْنًا فَشَرِبُوا وَارْتَوَوْا، فَقَالَ رَافِعٌ: مَا سَلَكْتُهَا قَطُّ إِلَّا مَعَ أَبِي وَأَنَا غُلَامٌ، فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ ارْتِجَازًا: لِلَّهِ دَرُّ خَالِدٍ أَنَّى اهْتَدَى فِي زَمَنِ قُرَاقِرَ إِلَى سُوَى خَمْسًا إِذَا مَا سَارَهُ الْجَيْشُ بَكَى مَا سَارَهَا قَبْلَكَ إِنْسَانٌ أَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى قَالَ: فَأَغَارَ خَالِدٌ عَلَى نَاسٍ مِنْ ثَعْلَبٍ وَبَهْرَا وَعَلَى غَسَّانَ.
التاريخ 1833لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ الْفِرَاضِ . ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَقْعَةِ الْفِرَاضِ وَهِيَ تُخُومُ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ شَهْرَ رَمَضَانَ مُفْطِرًا ; لِشُغْلِهِ بِالْأَعْدَاءِ، وَلَمَّا بَلَغَ الرُّومَ أَمْرُ خَالِدٍ وَمَصِيرُهُ إِلَى قُرْبِ بِلَادِهِمْ، حَمُوا وَغَضِبُوا وَجَمَعُوا جُمُوعًا كَثِيرَةً، وَاسْتَمَدُّوا تَغْلِبَ وَإِيَادًا وَالنَّمِرَ، ثُمَّ نَاهَدُوا خَالِدًا، فَحَالَتِ الْفُرَاتُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَتِ الرُّومُ لِخَالِدٍ: اعْبُرْ إِلَيْنَا. وَقَالَ خَالِدٌ لِلرُّومِ: بَلِ اعْبُرُوا أَنْتُمْ. فَعَبَرَتِ الرُّومُ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لِلنِّصْفِ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا عَظِيمًا بَلِيغًا، ثُمَّ هَزَمَ اللَّهُ جُمُوعَ الرُّومِ، وَتَمَكَّنَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَقْفَائِهِمْ، فَقُتِلَ فِي هَذِهِ الْمَعْرَكَةِ مِائَةُ أَلْفٍ، وَأَقَامَ خَالِدٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْفِرَاضِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَذِنَ بِالْقُفُولِ إِلَى الْحِيرَةِ، لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ. حجة خالد وَأَمَرَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَسِيرَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَأَمَرَ شَجَرَةَ بْنَ الْأَعَزِّ أَنْ يَسِيرَ فِي السَّاقَةِ، وَأَظْهَرَ خَالِدٌ أَنَّهُ يَسِيرُ فِي السَّاقَةِ، وَسَارَ خَالِدٌ فِي عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَدَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فِي طَرِيقٍ لَمْ تُسْلَكْ قَبْلَهُ قَطُّ، وَتَأَتَّى لَهُ فِي ذَلِكَ أَمْرٌ لَمْ يَقَعْ لِغَيْرِهِ، فَجَعَلَ يَسِيرُ مُعْتَسِفًا عَلَى غَيْرِ جَادَّةٍ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَّةَ فَأَدْرَكَ الْحَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ثُمَّ عَادَ فَأَدْرَكَ آخِرَ السَّاقَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْحِيرَةِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِحَجِّ خَالِدٍ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِذَلِكَ أَيْضًا إِلَّا بَعْدَمَا رَجَعَ أَهْلُ الْحَجِّ مِنَ الْمَوْسِمِ، فَبَعَثَ يَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي مُفَارَقَتِهِ الْجَيْشَ، وَكَانَتْ عُقُوبَتَهُ عِنْدَهُ أَنْ صَرَفَهُ مِنْ غَزْوِ الْعِرَاقِ إِلَى غَزْوِ الشَّامِ، وَقَالَ لَهُ فِيمَا كَتَبَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: وَإِنَّ الْجُمُوعَ لَمْ تَشْجُ بِعَوْنِ اللَّهِ شَجْيَكَ، فَلْيَهْنِكَ أَبَا سُلَيْمَانَ النِّيَّةُ وَالْحُظْوَةُ، فَأَتْمِمْ يُتَمِّمِ اللَّهُ لَكَ، وَلَا يَدْخُلَنَّكَ عُجْبٌ فَتَخْسَرَ وَتُخْذَلَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُدِلَّ بِعَمَلٍ، فَإِنَّ اللَّهَ لَهُ الْمَنُّ، وَهُوَ وَلِيُّ الْجَزَاءِ.
التاريخ 1834لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِيمَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ . قَدْ قِيلَ: إِنَّ وَقْعَةَ الْيَمَامَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ، فَلْيُذْكَرْ هَا هُنَا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَنْ قُتِلَ بِالْيَمَامَةِ، وَمَا بَعْدَهَا، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ مَا ذَكَرْنَاهُ. بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيُّ وَالِدُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيُّ، وَالِدُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ الصِّدِّيقَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَشَهِدَ مَعَ خَالِدٍ حُرُوبَهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ بِعَيْنِ التَّمْرِ، ؓ. رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ حَدِيثَ النُّحْلِ. الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيُّ تَزَوَّجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِابْنَتِهِ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ، بَعْدَ وَفَاةِ خَالَتِهَا فَاطِمَةَ، وَمَا أَدْرِي هَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ وَفَاةِ أَبِيهَا أَبِي الْعَاصِ أَوْ بَعْدَهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 1835لا حكم مسجّل
وقتها وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ . عَلَى مَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَأَمَّا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ نَقَلَ بسنده عن وَالْوَلِيدِ وَابْنِ لَهِيعَةَ وَاللَّيْثِ وَأَبِي مَعْشَرٍ، أَنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَمَا قَالَهُ سَيْفٌ مِنْ أَنَّهَا قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا ذِكْرُ سِيَاقِ سَيْفٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. أسباب غزوة اليرموك قَالُوا: وَلَمَّا تَوَجَّهَتْ هَذِهِ الْجُيُوشُ نَحْوَ الشَّامِ أَفْزَعَ ذَلِكَ الرُّومَ وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَكَتَبُوا إِلَى هِرَقْلَ يُعْلِمُونَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ. وَيُقَالُ: بَلْ كَانَ حَجَّ عَامَهُ ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ الْخَبَرُ قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمْ ! إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ دِينٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّهُمْ لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِمْ، فَأَطِيعُونِي وَصَالِحُوهُمْ بِمَا تُصَالِحُونَهُمْ عَلَى نِصْفِ خَرَاجِ الشَّامِ، وَيَبْقَى لَكُمْ جِبَالُ الرُّومِ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ، أَخَذُوا مِنْكُمُ الشَّامَ وَضَيَّقُوا عَلَيْكُمْ جِبَالَ الرُّومِ. فَنَخَرُوا مِنْ ذَلِكَ نَخْرَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ، كَمَا هِيَ عَادَاتُهُمْ فِي قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ، وَالرَّأْيِ بِالْحَرْبِ وَالنُّصْرَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى حِمْصَ، وَأَمَرَ هِرَقْلُ بِخُرُوجِ الْجُيُوشِ الرُّومِيَّةِ صُحْبَةَ الْأُمَرَاءِ، فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ أَمِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَيْشٌ كَثِيفٌ، فَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخَاهُ لِأَبَوَيْهِ تَذَارِقَ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَبَعَثَ جَرَجَةَ بْنَ تُوذْرَا إِلَى نَاحِيَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَسْكَرَ بِإِزَائِهِ، وَبَعَثَ الدُّرَاقِصَ إِلَى شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، وَبَعَثَ الْقَيْقَارَ - وَيُقَالُ: الْقَيْقَلَانُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهُوَ حَصِيُّ هِرَقْلَ - ابْنَ نَسْطُورِسَ، فِي سِتِّينَ أَلْفًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ. وَقَالَتِ الرُّومُ: وَاللَّهِ لَنَشْغَلَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَنْ أَنْ يُورِدَ الْخُيُولَ إِلَى أَرْضِنَا. وَجَمِيعُ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا سِوَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ وَاقِفًا فِي طَرَفِ الشَّامِ رِدْءًا لِلنَّاسِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، فَكَتَبَ الْأُمَرَاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يُعْلِمُونَهُمَا بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فَيَكُونُوا جُنْدًا وَاحِدًا، وَالْقَوْا جُنُودَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْتُمْ أَعْوَانُ اللَّهِ، وَاللَّهُ نَاصِرٌ مَنْ نَصَرَهُ، وَخَاذِلٌ مَنْ كَفَرَهُ، وَلَنْ يُؤْتَى مِثْلُكُمْ عَنْ قِلَّةٍ، وَلَكِنْ مِنْ تِلْقَاءِ الذُّنُوبِ، فَاحْتَرِسُوا مِنْهَا، وَلْيُصَلِّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِأَصْحَابِهِ. الصديق يوجه خالد إلى الشام ويدعو إلى توحيد القيادة وَقَالَ الصِّدِّيقُ: وَاللَّهِ لَأَشْغَلَنَّ النَّصَارَى عَنْ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ لِيَقْدَمَ إِلَى الشَّامِ، فَيَكُونَ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ بِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ بِالْعِرَاقِ. فَكَانَ مَا سَنَذْكُرُهُ. عدد جيش المسلمين وجيش الروم وَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ مَا أَمَرَ بِهِ الصِّدِّيقُ أُمَرَاءَهُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، بَعَثَ إِلَى أُمَرَائِهِ أَنْ يَجْتَمِعُوا أَيْضًا، وَأَنْ يَنْزِلُوا بِالْجَيْشِ مَنْزِلًا وَاسِعَ الْعَطَنِ، وَاسِعَ الْمَطْرَدِ، ضَيِّقَ الْمَهْرَبِ، وَعَلَى النَّاسِ أَخُوهُ تَذَارِقُ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ، وَعَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ بَاهَانُ وَالدُّرَاقِصُ، وَعَلَى الْحَرْبِ الْقَيْقَلَانُ.. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَعَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالرُّومُ كَانُوا عِشْرِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، عَلَيْهِمْ بَاهَانُ وَسُقْلَابُ، يَوْمَ الْيَرْمُوكِ. وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ سُقْلَابَ الْحَصِيَّ كَانَ عَلَى الرُّومِ يَوْمَئِذٍ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَمِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا عَلَيْهِمْ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى قَاتَلَتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَائِهِمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: بَعَثَ هِرَقْلُ مِائَتَيْ أَلْفٍ، عَلَيْهِمْ بَاهَانُ الْأَرْمَنِيُّ. طلب المدد من الخليفة وبعث خالد قَالَ سَيْفٌ: فَسَارَتِ الرُّومُ فَنَزَلُوا الْوَاقُوصَةَ قَرِيبًا مِنَ الْيَرْمُوكِ، وَصَارَ الْوَادِي خَنْدَقًا عَلَيْهِمْ، وَبَعَثَ الصَّحَابَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ يَسْتَمِدُّونَهُ، وَيُعْلِمُونَهُ بِمَا اجْتَمَعَ مِنْ جَيْشِ الرُّومِ بِالْيَرْمُوكِ، فَكَتَبَ الصِّدِّيقُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَسْتَنِيبَ عَلَى الْعِرَاقِ، وَأَنْ يَقْفِلَ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِمْ. فَاسْتَنَابَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ عَلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ خَالِدٌ مُسْرِعًا فِي تِسْعَةِ آلَافٍ - وَيُقَالُ: ثَمَانِمِائَةٍ، أَوْ خَمْسُمِائَةٍ - وَدَلِيلُهُ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ الطَّائِيُّ، فَأَخَذَ بِهِ عَلَى السَّمَاوَةِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قُرَاقِرَ، وَسَلَكَ بِهِ أَرَاضِيَ لَمْ يَسْلُكْهَا قَبْلَهُ أَحَدٌ، فَاجْتَابَ الْبَرَارِيَّ وَالْقِفَارَ، وَقَطَعَ الْأَوْدِيَةِ، وَتَصَعَّدَ عَلَى الْجِبَالِ، وَسَارَ فِي غَيْرِ مَهْيَعٍ، وَجَعَلَ رَافِعٌ يَدُلُّهُمْ فِي مَسِيرِهِمْ عَلَى الطَّرِيقِ وَهُوَ أَرْمَدُ، وَعَطَّشَ النُّوقَ وَسَقَاهَا الْمَاءَ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، وَقَطَعَ مَشَافِرَهَا وَكَعَمَهَا حَتَّى لَا تَجْتَرَّ، وَخَلَّ أَدْبَارَهَا، وَاسْتَاقَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَقَدُوا الْمَاءَ نَحَرَهَا فَشَرِبُوا مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْمَاءِ، وَيُقَالُ: بَلْ سَقَاهُ الْخَيْلَ وَشَرِبُوا مَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ مِنَ الْمَاءِ وَأَكَلُوا لُحُومَهَا، وَوَصَلَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ. صلح تدمر وأرك وفتح بصرى فَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ مِنْ نَاحِيَةِ تَدْمُرَ، فَصَالَحَ أَهْلَ تَدْمُرَ وَأَرَكَ، وَلَمَّا مَرَّ بِعَذْرَاءَ أَبَاحَهَا وَغَنِمَ لِغَسَّانَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً، وَخَرَجَ مِنْ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَنَاةِ بُصْرَى، فَوَجَدَ الصَّحَابَةَ مُحَاصِرِيهَا، فَصَالَحَهُ صَاحِبُهَا وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ مَنِ الشَّامِ . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَبَعَثَ خَالِدٌ بِأَخْمَاسِ مَا غَنِمَ مِنْ غَسَّانَ مَعَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ إِلَى الصِّدِّيقِ. مسير خالد إلى الروم ومشورة أبو سفيان ووقعة أجنادين ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ وَشُرَحْبِيلُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَدْ قَصَدَهُ الرُّومُ بِأَرْضِ الْعَرَبَاتِ مِنَ الْغَوْرِ فَكَانَتْ وَاقِعَةُ أَجْنَادِينَ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسِيرِهِمْ هَذَا مَعَ خَالِدٍ: لِلَّهِ عَيْنَا رَافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى فَوَّزَ مِنْ قُرَاقِرٍ إِلَى سُوَى خَمْسًا إِذَا مَا سَارَهَا الْجَيْشُ بَكَى مَا سَارَهَا قَبْلَكَ إِنْسِيٌّ أَرَى وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْمَسِيرِ: إِنْ أَنْتَ أَصْبَحَتْ عِنْدَ الشَّجَرَةِ الْفُلَانِيَّةِ، نَجَوْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْهَا هَلَكْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ. فَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ وَسَرَوْا سَرْوَةً عَظِيمَةً، فَأَصْبَحُوا عِنْدَهَا، فَقَالَ خَالِدٌ: عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى. فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا، ؓ. قَالَ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ كَسَيْفِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي مِخْنَفٍ وَغَيْرِهِمَا فِي تَكْمِيلِ السِّيَاقِ الْأَوَّلِ: حِينَ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ مَعَ أُمَرَائِهَا بِالْوَاقُوصَةِ، وَانْتَقَلَ الصَّحَابَةُ مِنْ مَنْزِلِهِمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الرُّومِ فِي طَرِيقِهِمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُمْ طَرِيقٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَبْشِرُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَدْ حُصِرَتْ وَاللَّهِ الرُّومُ، وَقَلَّمَا جَاءَ مَحْصُورٌ بِخَيْرٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِلْمَشُورَةِ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسِيرِ إِلَى الرُّومِ، جَلَسَ الْأُمَرَاءُ لِذَلِكَ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أُعَمَّرُ حَتَّى أُدْرِكَ قَوْمًا يَجْتَمِعُونَ لِحَرْبٍ وَلَا أَحْضُرُهُمْ. ثُمَّ أَشَارَ أَنْ يَتَجَزَّأَ الْجَيْشُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَيَسِيرُ ثُلْثُهُ فَيَنْزِلُونَ تُجَاهَ الرُّومِ، ثُمَّ تَسِيرُ الْأَثْقَالُ وَالذَّرَارِيُّ فِي الثُّلْثِ الْآخَرِ، وَيَتَأَخَّرُ خَالِدٌ بِالثُّلْثِ الْآخِرِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَتِ الْأَثْقَالُ إِلَى أُولَئِكَ سَارَ بَعَدَهُمْ، وَنَزَلُوا فِي مَكَانٍ تَكُونُ الْبَرِّيَّةُ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ ; لِيَصِلَ إِلَيْهِمُ الْبُرُدُ وَالْمَدَدُ. فَامْتَثَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ، وَنِعْمَ الرَّأْيُ هُوَ. وَذَكَرَ الْوَلِيدُ عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ الرُّومَ نَزَلُوا فِيمَا بَيْنَ دَيْرِ أَيُّوبَ وَالْيَرْمُوكَ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَأَذْرِعَاتُ خَلْفَهُمْ ; لِيَصِلَ إِلَيْهِمُ الْمَدَدُ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ خَالِدًا إِنَّمَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَمَا نَزَلَ الصَّحَابَةُ تُجَاهَ الرُّومِ، بَعْدَمَا صَابَرُوهُمْ وَحَاصَرُوهُمْ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِكَمَالِهِ، فَلَمَّا انْسَلَخَ وَأَمْكَنَ الْقِتَالُ لِقِلَّةِ الْمَاءِ، بَعَثُوا إِلَى الصِّدِّيقِ يَسْتَمِدُّونَهُ، فَقَالَ: خَالِدٌ لَهَا. فَبَعَثَ إِلَى خَالِدٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَعِنْدَ وُصُولِ خَالِدٍ إِلَيْهِمْ أَقْبَلَ بَاهَانُ مَدَدًا لِلرُّومِ، وَمَعَهُ الْقَسَاقِسَةُ، وَالشَّمَامِسَةُ وَالرُّهْبَانُ، يَحُثُّونَهُمْ وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ لِنَصْرِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَتَكَامَلَ جَيْشُ الرُّومِ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ ; ثَمَانُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ بِالْحَدِيدِ وَالْحِبَالِ، وَثَمَانُونَ أَلْفَ فَارِسٍ وَثَمَانُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الَّذِينَ تَسَلْسَلُوا - كُلُّ عَشَرَةٍ فِي سِلْسِلَةٍ ; لِئَلَّا يَفِرُّوا - ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ سَيْفٌ: وَقَدِمَ عِكْرِمَةُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ، فَتَكَامَلَ جَيْشُ الصَّحَابَةِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالْمَدَائِنِيِّ أَيْضًا أَنَّ وَقْعَةَ أَجْنَادِينَ قَبْلَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ وَكَانَتْ وَاقِعَةُ أَجْنَادِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقُتِلَ بِهَا بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُزِمَ الرُّومُ وَقُتِلَ أَمِيرُهُمُ الْقَيْقَلَانُ. وَكَانَ قَدْ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ يَجُسُّ لَهُ أَمْرَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ قَالَ: وَجَدْتُ قَوْمًا رُهْبَانًا بِاللَّيْلِ فُرْسَانًا بِالنَّهَارِ، وَاللَّهِ لَوْ سَرَقَ فِيهِمُ ابْنُ مَلِكِهِمْ قَطَعُوهُ، أَوْ زَنَى لَرَجَمُوهُ. فَقَالَ لَهُ الْقَيْقَلَانُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا. خطة خالد لمواجهة الروم وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي سِيَاقِهِ: وَوَجَدَ خَالِدٌ الْجُيُوشَ مُتَفَرِّقَةً فَجَيْشُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ نَاحِيَةً، وَجَيْشُ يَزِيدَ وَشُرَحْبِيلَ نَاحِيَةً، فَقَامَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَتَصَافُّوا مَعَ عَدُوِّهِمْ فِي أَوَّلِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَقَامَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا الْبَغْيُ، أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنْ رَدَدْنَاهُمُ الْيَوْمَ إِلَى خَنْدَقِهِمْ فَلَا نَزَالُ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَتَعَالَوْا فَلْنَتَعَاوَرِ الْإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ عَلَيْهَا بَعْضُنَا الْيَوْمَ، وَالْآخَرُ غَدًا، وَالْآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى يَتَأَمَّرَ كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي الْيَوْمَ أَلِيكُمْ. فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَمْرَ يَطُولُ جِدًّا، فَخَرَجَتِ الرُّومُ فِي تَعْبِئَةٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَطُّ. تعبئة خالد للجيش وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِئَةٍ لَمْ تُعَبِّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ ; فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ، كُلُّ كُرْدُوسٍ أَلْفُ رَجُلٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي الْقَلْبِ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمَعَهُ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمَّرَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ أَمِيرًا، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قُبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْقَاضِي يَوْمَئِذٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَقَاصُّهُمُ الَّذِي يَعِظُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَقَارِئُهُمِ الَّذِي يَدُورُ عَلَى النَّاسِ فَيَقْرَأُ سُورَةَ " الْأَنْفَالِ " وَآيَاتِ الْجِهَادِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ أُمَرَاءَ الْأَرْبَاعِ يَوْمَئِذٍ كَانُوا أَرْبَعَةً ; أَبُو عُبَيْدَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ قُبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ الْكِنَانِيُّ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ، وَعَلَى الْخَيَّالَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ الْمُشِيرُ فِي الْحَرْبِ الَّذِي يَصْدُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْ رَأْيِهِ. وَلَمَّا أَقْبَلَتِ الرُّومُ فِي خُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا قَدْ سَدَّتْ أَقْطَارَ تِلْكَ الْبُقْعَةِ سَهْلِهَا وَوَعْرِهَا، كَأَنَّهُمْ غَمَامَةٌ سَوْدَاءُ يَصِيحُونَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَرُهْبَانُهُمْ يَتْلُونَ الْإِنْجِيلَ وَيُحِثُّونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَكَانَ خَالِدٌ فِي الْخَيْلِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ، فَسَاقَ بِفَرَسِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مُشِيرٌ بِأَمْرٍ. فَقَالَ: قُلْ مَا أَرَاكَ اللَّهُ، أَسْمَعْ لَكَ وَأُطِعْ. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْلَةٍ عَظِيمَةٍ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، وَإِنِّي أَخْشَى عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُفَرِّقَ الْخَيْلَ فِرْقَتَيْنِ وَأَجْعَلَهَا مِنْ وَرَاءِ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ، حَتَّى إِذَا صَدَمُوهُمْ كَانُوا لَهُمْ رِدْءًا مِنْ وَرَائِهِمْ. فَقَالَ لَهُ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَكَانَ خَالِدٌ فِي أَحَدِ الْخَيَلِينَ مِنْ وَرَاءِ الْمَيْمَنَةِ، وَجَعَلَ قَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ فِي الْخَيْلِ الْأُخْرَى، وَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ الْقَلْبِ إِلَى وَرَاءِ الْجَيْشِ كُلِّهِ ; لِكَيْ إِذَا رَآهُ الْمُنْهَزِمُ اسْتَحْيَى مِنْهُ، وَرَجَعَ إِلَى الْقِتَالِ، فَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَكَانَهُ فِي الْقَلْبِ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ الْعَدَوِيَّ أَحَدَ الْعَشْرَةِ، ؓ، وَسَاقَ خَالِدٌ إِلَى النِّسَاءِ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، وَمَعَهُنَّ عَدَدٌ مِنَ السُّيُوفِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ لَهُنَّ: مَنْ رَأَيْتُمُوهُ مُولِّيًا فَاقْتُلْنَهُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ، ؓ. مواعظ لبعض الصحابة عند المعركة وَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ وَتَبَارَزَ الْفَرِيقَانِ، وَعَظَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اصْبِرُوا ; فَإِنَّ الصَّبْرَ مَنْجَاةٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَدْحَضَةٌ لِلْعَارِ، وَلَا تَبْرَحُوا مَصَافَّكُمْ، وَلَا تَخْطُوا إِلَيْهِمْ خُطْوَةً، وَلَا تَبْدَأُوهُمْ بِالْقِتَالِ، وَأَشْرِعُوا الرِّمَاحَ وَاسْتَتِرُوا بِالدَّرَقِ، وَالْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي أَنْفُسِكُمْ، حَتَّى آمُرَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالُوا: وَخَرَجَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى النَّاسِ، فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُمْ وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ وَمُسْتَحْفِظِي الْكِتَابِ، وَأَنْصَارَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُنَالُ وَجَنَّتَهُ لَا تُدْخَلُ بِالْأَمَانِيِّ، وَلَا يُؤْتِي اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ الْوَاسِعَةَ إِلَّا الصَّادِقَ الْمُصَدِّقَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا لِقَوْلِ اللَّهِ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الْآيَةَ [ النُّورِ: 55 ]. فَاسْتَحْيُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، مِنْ رَبِّكُمْ أَنْ يَرَاكُمْ فُرَّارًا مِنْ عَدُّوِّكُمْ وَأَنْتُمْ فِي قَبْضَتِهِ، وَلَيْسَ لَكُمْ مُلْتَحَدٌ مِنْ دُونِهِ، وَلَا عِزٌّ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، غُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَاجْثُوَا عَلَى الرُّكَبِ، وَأَشْرِعُوا الرِّمَاحَ، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ فَأَمْهِلُوهُمْ، حَتَّى إِذَا رَكِبُوا أَطْرَافَ الْأَسِنَّةِ فَثِبُوا إِلَيْهِمْ وَثْبَةَ الْأَسَدِ، فَوَالَّذِي يَرْضَى الصِّدْقَ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وَيَمْقُتُ الْكَذِبَ، وَيَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيَفْتَحُونَهَا كَفْرًا كَفْرًا، وَقَصْرًا قَصْرًا، فَلَا يَهُولَنَّكُمْ جُمُوعُهُمْ وَلَا عَدَدُهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَوْ صَدَقْتُمُوهُمُ الشَّدَّ تَطَايَرُوا تَطَايُرَ أَوْلَادِ الْحَجَلِ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَنْتُمُ الْعَرَبُ، وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي دَارِ الْعَجَمِ مُنْقَطِعِينَ عَنِ الْأَهْلِ، نَائِينَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمْدَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحْتُمْ بِإِزَاءِ عَدُوٍّ كَثِيرٍ عَدَدُهُ، شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ حَنَقُهُ، وَقَدْ وَتِرْتُمُوهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَاللَّهِ لَا يُنَجِّيكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ رِضْوَانَ اللَّهِ غَدًا، إِلَّا بِصِدْقِ اللِّقَاءِ وَالصَّبْرِ فِي الْمَوَاطِنِ الْمَكْرُوهَةِ، أَلَا وَإِنَّهَا سُنَّةٌ لَازِمَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْضَ وَرَاءَكُمْ، بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَحَارَى وَبَرَارِيُّ، لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا مَعْقِلٌ وَلَا مَعْدِلٌ إِلَّا الصَّبْرُ وَرَجَاءُ مَا وَعَدَ اللَّهُ، فَهُوَ خَيْرُ مُعَوَّلٍ، فَامْتَنِعُوا بِسُيُوفِكُمْ وَتَعَاوَنُوا، وَلْتَكُنْ هِيَ الْحُصُونُ. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النِّسَاءِ فَوَصَّاهُنَّ، ثُمَّ عَادَ فَنَادَى: يَا مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، حَضَرَ مَا تَرَوْنَ فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ، وَالشَّيْطَانُ وَالنَّارُ خَلْفَكُمْ. ثُمَّ سَارَ إِلَى مَوْقِفِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ وَعَظَ النَّاسَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا فَجَعَلَ يَقُولُ: سَارِعُوا إِلَى الْحُورِ الْعِينِ، وَجِوَارِ رَبِّكُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، مَا أَنْتُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فِي مَوْطِنٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ، أَلَا وَإِنَّ لِلصَّابِرِينَ فَضْلَهُمْ. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُيُوخِهِ: إِنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ أَلْفُ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ; مِنْهُمْ مِائَةٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ. وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَقِفُ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ وَيَقُولُ: اللَّهَ اللَّهَ، إِنَّكُمْ دَارَةُ الْعَرَبِ وَأَنْصَارُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّهُمْ دَارَةُ الرُّومِ وَأَنْصَارُ الشِّرْكِ، اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ عَلَى عِبَادِكَ. قَالُوا: وَلَمَّا أَقْبَلَ خَالِدٌ مِنَ الْعِرَاقِ قَالَ رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ ! فَقَالَ خَالِدٌ: وَيْلَكَ، أَتُخَوِّفُنِي بِالرُّومِ ؟ إِنَّمَا تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ، وَتَقِلُّ بِالْخِذْلَانِ لَا بِعَدَدِ الرِّجَالِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الْأَشْقَرَ بَرَاءٌ مِنْ تَوَجِّيهِ وَأَنَّهُمْ أَضْعَفُوا فِي الْعَدَدِ. وَكَانَ فَرَسُهُ قَدْ حَفِيَ وَاشْتَكَى فِي مَجِيئِهِ مِنَ الْعِرَاقِ. محاولة الصلح وَلَمَّا تَقَارَبَ النَّاسُ تَقَدَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَمَعَهُمَا ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، وَنَادَوْا: إِنَّمَا نُرِيدُ أَمِيرَكُمْ لِنَجْتَمِعَ بِهِ. فَأُذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَى تَذَارِقَ، وَإِذَا هُوَ جَالَسٌ فِي خَيْمَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: لَا نَسْتَحِلُّ دُخُولَهَا. فَأَمَرَ لَهُمْ بِفُرُشٍ ; بُسُطٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالُوا: وَلَا نَجْلِسُ عَلَى هَذِهِ. فَجَلَسَ مَعَهُمْ حَيْثُ أَحَبُّوا، وَتَرَاضَوْا عَلَى الصُّلْحِ، وَرَجَعَ عَنْهُمُ الصَّحَابَةُ بَعْدَمَا دَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ بَاهَانَ طَلَبَ خَالِدًا ; لِيَبْرُزَ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَيَجْتَمِعَا فِي مَصْلَحَةٍ لَهُمْ، فَقَالَ بَاهَانُ: إِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَخْرَجَكُمْ مِنْ بِلَادِكُمُ الْجَهْدَ وَالْجُوعَ، فَهَلُمُّوا إِلَى أَنْ أُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَكِسْوَةً وَطَعَامًا، وَتَرْجِعُونَ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بَعَثْنَا لَكُمْ بِمِثْلِهَا. فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْنَا مِنْ بِلَادِنَا مَا ذَكَرْتَ، غَيْرَ أَنَّا قَوْمٌ نَشْرَبُ الدِّمَاءَ، وَأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ لَا دَمَ أَطْيَبُ مِنْ دَمِ الرُّومِ، فَجِئْنَا لِذَلِكَ. فَقَالَ أَصْحَابُ بَاهَانَ: هَذَا وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُحَدَّثُ بِهِ عَنِ الْعَرَبِ. خالد يأمر يالهجوم قَالُوا: ثُمَّ تَقَدَّمَ خَالِدٌ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُمَا عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْقَلْبِ - أَنْ يُنْشِئَا الْقِتَالَ، فَبَدَرَا يَرْتَجِزَانِ وَدَعَوْا إِلَى الْبِرَازِ، وَتَنَازَلَ الْأَبْطَالُ، وَتَجَاوَلُوا وَحَمِيَ الْحَرْبُ، وَقَامَتْ عَلَى سَاقٍ، هَذَا وَخَالِدٌ مَعَهُ كُرْدُوسٌ مِنَ الْحُمَاةِ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ بَيْنَ يَدَيِ الصُّفُوفِ، وَالْأَبْطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ وَيَبْعَثُ إِلَى كُلِّ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمَا يَعْتَمِدُونَهُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَ الْحَرْبِ أَتَمَّ تَدْبِيرٍ. شجاعة الزبير بن العوام وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ النَّاسِ وَشُجْعَانِهِمْ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَبْطَالِ يَوْمَئِذٍ فَقَالُوا: أَلَا تَحْمِلُ فَنَحْمِلَ مَعَكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَثْبُتُونَ. فَقَالُوا: بَلَى. فَحَمَلَ وَحَمَلُوا، فَلَمَّا وَاجَهُوا صُفُوفَ الرُّومِ أَحْجَمُوا وَأَقْدَمَ هُوَ ; فَاخْتَرَقَ صُفُوفَ الرُّومِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ جُرْحَيْنِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: جُرْحٌ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي " صَحِيحِهِ ". موقف معاذ بن جبل وَجَعَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَلَّمَا سَمِعَ أَصْوَاتَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ زَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا السَّكِينَةَ، وَأَلْزِمْنَا كَلِمَةَ التَّقْوَى، وَحَبِّبْ إِلَيْنَا اللِّقَاءَ، وَرَضِّنَا بِالْقَضَاءِ. وَخَرَجَ بَاهَانُ فَأَمَرَ صَاحِبَ الْمَيْسَرَةِ، وَهُوَ الذَّرْبِيجَانُ، وَكَانَ عَدُوُّ اللَّهِ مُتَنَسِّكًا فِيهِمْ، فَحَمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَفِيهَا الْأَزْدُ وَمَذْحِجٌ وَحَضْرَمَوْتُ وَخَوْلَانُ، فَثَبَتُوا حَتَّى صَدَقُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، ثُمَّ رَكِبَهُمْ مِنَ الرُّومِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَزَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَيْمَنَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الْقَلْبِ، وَانْكَشَفَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَثَبَتَ صَدْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمٌ يُقَاتِلُونَ تَحْتَ رَايَاتِهِمْ، وَانْكَشَفَتْ زُبَيْدٌ، ثُمَّ تَنَادَوْا فَتَرَاجَعُوا وَحَمَلُوا حَتَّى نَهْنَهُوا مَنْ أَمَامَهُمْ مِنَ الرُّومِ، وَأَشْغَلُوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ مَنِ انْكَشَفَ مِنَ النَّاسِ، وَاسْتَقْبَلَ النِّسَاءُ مَنِ انْهَزَمَ مِنْ سَرَعَانِ النَّاسِ يَضْرِبْنَهُمْ بِالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ، وَجَعَلَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَقُولُ: يَا هَارِبًا عَنْ نِسْوَةٍ تَقِيَّاتْ فَعَنْ قَلِيلٍ مَا تَرَى سَبِيَّاتْ وَلَا حَظِيَّاتٍ وَلَا رَضِيَّاتْ قَالَ: فَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ. موقف عكرمة بن أبي جهل وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْغَسَّانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ: يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، ؓ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُمْ لَمَّا صُرِعُوا مِنَ الْجِرَاحِ اسْتَسْقَوْا مَاءً، فَجِيءَ إِلَيْهِمْ بِشَرْبَةِ مَاءٍ، فَلَمَّا قُرِّبَتْ إِلَى أَحَدِهِمْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا دُفِعَتْ إِلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ، مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا، وَلَمْ يَشْرَبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، ؓ أَجْمَعِينَ. أول من قتل من المسلمين واحتدام القتال وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ شَهِيدًا رَجُلٌ جَاءَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ تَهَيَّأْتُ لِأَمْرِي، فَهَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، تُقْرِأُهُ عَنِّي السَّلَامَ وَتَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا. قَالَ: فَتَقَدَّمَ هَذَا الرَّجُلُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالُوا: وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى رَايَتِهِمْ حَتَّى صَارَتِ الرُّومُ تَدُورُ كَأَنَّهَا الرَّحَى، فَلَمْ يُرَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَكْثَرَ قِحْفًا سَاقِطًا وَمِعْصَمًا نَادِرًا، وَكَفًّا طَائِرَةً، مِنْ ذَلِكَ الْمَوْطِنِ، ثُمَّ حَمَلَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَيَّالَةِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَزَالُوهُمْ إِلَى الْقَلْبِ، فَقَتَلَ فِي حَمْلَتِهِ هَذِهِ سِتَّةَ آلَافٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الصَّبْرِ وَالْجَلَدِ غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَمْنَحَكُمُ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ. ثُمَّ اعْتَرَضَهُمْ فَحَمَلَ بِمِائَةِ فَارِسٍ مَعَهُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ. فَمَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ حَتَّى انْفَضَّ جَمْعُهُمْ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَانْكَشَفُوا وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْهُمْ. قدوم البريد من الخليفة قَالُوا: وَبَيْنَمَا هُمْ فِي جَوْلَةِ الْحَرْبِ وَحَوْمَةِ الْوَغَى، وَالْأَبْطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِذْ قَدِمَ الْبَرِيدُ مِنْ نَحْوِ الْحِجَازِ، فَدُفِعَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ: مَا الْخَبَرُ ؟ فَقَالَ لَهُ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ: إِنَّ الصِّدِّيقَ، ؓ، قَدْ تُوُفِّيَ، وَاسْتُخْلِفَ عُمَرَ، فَاسْتَنَابَ عَلَى الْجُيُوشِ أَبَا عُبَيْدَةَ عَامِرَ بْنَ الْجَرَّاحِ. فَأَسَرَّهَا خَالِدٌ، وَلَمْ يُبْدِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ; لِئَلَّا يَحْصُلَ ضَعْفٌ وَوَهَنٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَقَالَ لَهُ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ: أَحْسَنْتَ. وَأَخَذَ مِنْهُ الْكِتَابَ فَوَضَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَاشْتَغَلَ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَرْبِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَأَوْقَفَ الرَّسُولَ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ - وَهُوَ مَحْمِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ - إِلَى جَانِبِهِ. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَسَانِيدِهِ. إسلام جرجة القائد الرومي قَالُوا: وَخَرَجَ جَرَجَةُ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ مِنَ الصَّفِّ، وَاسْتَدْعَى خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَجَاءَ إِلَيْهِ حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَعْنَاقُ فَرَسَيْهِمَا، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ، أَخْبِرْنِي فَاصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ بِاللَّهِ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ فَلَا تَسُلُّهُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا هَزَمْتَهُمْ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ ﷺ، فَدَعَانَا فَنَفَرْنَا مِنْهُ وَنَأَيْنَا عَنْهُ جَمِيعًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَنَا صَدَّقَهُ وَتَابَعَهُ، وَبَعْضَنَا كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ بِقُلُوبِنَا وَنَوَاصِينَا فَهَدَانَا بِهِ وَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ، فَسُمِّيتُ سَيْفَ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَأَنَا مِنْ أَشَدِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. فَقَالَ جَرْجَةُ: يَا خَالِدُ، إِلَامَ تَدْعُونَ ؟ قَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَمَنْ لَمْ يُجِبْكُمْ ؟ قَالَ: فَالْجِزْيَةُ وَنَمْنَعُهُمْ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا ؟ قَالَ: نُؤْذِنُهُ بِالْحَرْبِ ثُمَّ نُقَاتِلُهُ. قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ مَنْ يُجِيبُكُمْ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْيَوْمَ ؟ قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا، شَرِيفُنَا وَوَضِيعُنَا وَأَوَّلُنَا وَآخِرُنَا. قَالَ جَرَجَةُ: فَلِمَنْ دَخَلَ فِيكُمُ الْيَوْمَ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لَكَمَ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَفْضَلُ. قَالَ: وَكَيْفَ يُسَاوِيكُمْ وَقَدْ سَبَقْتُمُوهُ ؟ فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّا دَخَلْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَبَايَعْنَا نَبِيَّنَا ﷺ وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا تَأْتِيهِ أَخْبَارُ السَّمَاءِ، وَيُخْبِرُنَا بِالْكُتُبِ وَيُرِينَا الْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ وَيُبَايِعَ، وَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مَا رَأَيْنَا، وَلَمْ تَسْمَعُوا مَا سَمِعْنَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْحُجَجِ، فَمَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ بِحَقِيقَةٍ وَنِيَّةٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا. فَقَالَ جَرَجَةُ: بِاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتَنِي وَلَمْ تُخَادِعْنِي ؟ قَالَ: بِاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ وَلِيُّ مَا سَأَلَتْ عَنْهُ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَلَبَ جَرَجَةُ التُّرْسَ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ، وَقَالَ: عَلِّمْنِي الْإِسْلَامَ. فَمَالَ بِهِ خَالِدٌ إِلَى فُسْطَاطِهِ، فَشَنَّ عَلَيْهِ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ رَكْعَتَيْنِ. استشهاد جرجة الرومي وَحَمَلَتِ الرُّومُ مَعَ انْقِلَابِهِ إِلَى خَالِدٍ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا مِنْهُ حَمْلَةٌ، فَأَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَكِبَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مَعَهُ، وَالرُّومُ خِلَالَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَنَادَى النَّاسُ وَثَابُوا وَتَرَاجَعَتِ الرُّومُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَزَحَفَ خَالِدٌ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَصَافَحُوا بِالسُّيُوفِ، فَضَرَبَ فِيهِمْ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مِنْ لَدُنِ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى جُنُوحِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ، وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَصَلَاةَ الْعَصْرِ إِيمَاءً، وَأُصِيبَ جَرَجَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ إِلَّا تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ خَالِدٍ، ؓ، وَتَضَعْضَعَتِ الرُّومُ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى صَارَ فِي وَسَطِ خُيُولِ الرُّومِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ هَرَبَتْ خَيَّالَتُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ بِهِمْ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ، وَأَفْرَجَ الْمُسْلِمُونَ بِخُيُولِهِمْ حَتَّى ذَهَبُوا، وَأَخَّرَ النَّاسُ صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْفَتْحُ. قتل خالد مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا من الروم وَعَمَدَ خَالِدٌ إِلَى رَجْلِ الرُّومِ - وَهُمُ الرَّجَّالَةُ - فَفَصَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، حَتَّى صَارُوا كَأَنَّهُمْ حَائِطٌ قَدْ هُدِمَ، ثُمَّ تَبِعُوا مَنْ فَرَّ مِنَ الْخَيَّالَةِ، وَاقْتَحَمَ خَالِدٌ عَلَيْهِمْ خَنْدَقَهُمْ، وَجَاءَ الرُّومُ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ إِلَى الْوَاقُوصَةِ، فَجَعَلَ الَّذِينَ تَسَلْسَلُوا وَقَيَّدُوا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ إِذَا سَقَطَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَ الَّذِينَ مَعَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: فَسَقَطَ فِيهَا وَقُتِلَ عِنْدَهَا مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ. قتال نساء المسلمين في المعركة وَقَدْ قَاتَلَ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الرُّومِ. وَكُنَّ يَضْرِبْنَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُلْنَ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ وَتَدَعُونَنَا لِلْعُلُوجِ ؟ ! فَإِذَا زَجَرْنَهُمْ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ نَفْسَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْقِتَالِ. قَالَ: وَتَجَلَّلَ الْقَيْقَلَانُ وَأَشْرَافٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الرُّومِ بِبَرَانِسِهِمْ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى نَصْرِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَلْنَمُتْ عَلَى دِينِهِمْ. فَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. عدد من قتل من المسلمين قَالُوا: وَقُتِلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ؛ مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَابْنُهُ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ - وَأُثْبِتَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ - وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ وَعَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ، وَحَقَّقَ اللَّهُ رُؤْيَا أَبِيهِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ. وَقَدِ انْكَشَفَ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ ; انْهَزَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي أَرْبَعَةٍ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ رَجَعُوا حِينَ زَجَرَهُمُ النِّسَاءُ، وَانْكَشَفَ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا حِينَ وَعَظَهُمُ الْأَمِيرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ: 111 ]. ثبات يزيد بن أبي سفيان في المعركة وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ مَرَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ بِهَذَا الْوَادِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَحْفُوفًا بِالْقِتَالِ، فَكَيْفَ بِكَ وَبِأَشْبَاهِكَ الَّذِينَ وُلُّوا أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ ؟ أُولَئِكَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّبْرِ وَالنَّصِيحَةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا بُنَيَّ، وَلَا يَكُونَنَّ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ بَأَرْغَبَ فِي الْأَجْرِ وَالصَّبْرِ فِي الْحَرْبِ، وَلَا أَجْرَأَ عَلَى عَدُوِّ الْإِسْلَامِ مِنْكَ، فَقَالَ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْقَلْبِ، ؓ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فَسَمِعْنَا صَوْتًا يَكَادُ يَمْلَأُ الْعَسْكَرَ يَقُولُ: يَا نَصْرَ اللَّهِ اقْتَرِبْ، الثَّبَاتَ الثَّبَاتَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ تَحْتَ رَايَةِ ابْنِهِ يَزِيدَ.. هروب هرقل ملك الروم وَأَكْمَلَ خَالِدٌ لَيْلَتَهُ فِي خَيْمَةِ تَذَارِقَ أَخِي هِرَقْلَ، وَهُوَ أَمِيرُ الرُّومِ كُلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ، هَرَبَ فِيمَنْ هَرَبَ، وَبَاتَتِ الْخُيُولُ تَجُولُ نَحْوَ خَيْمَةِ خَالِدٍ يَقْتُلُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الرُّومِ حَتَّى أَصْبَحُوا، وَقُتِلَ تَذَارِقُ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ سُرَادِقًا وَثَلَاثُونَ رُوَاقًا مِنْ دِيبَاجٍ بِمَا فِيهَا مِنَ الْفُرُشِ وَالْحَرِيرِ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ حَازُوا مَا كَانَ هُنَالِكَ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَمَا فَرِحُوا بِمَا وَجَدُوا بِقَدْرِ حُزْنِهِمْ عَلَى الصِّدِّيقِ حِينَ أَعْلَمَهُمْ خَالِدٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ عَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِالْفَارُوقِ ؓ. وَقَالَ خَالِدٌ حِينَ عَزَّى الْمُسْلِمِينَ فِي الصِّدِّيقِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْمَوْتِ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَلَّى عُمَرَ وَكَانَ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَلْزَمَنِي حُبَّهُ. تتبع خالد من انهزم من الروم وَقَدِ اتَّبَعَ خَالِدٌ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الرُّومِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَقَالُوا: نَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا وَصُلْحِنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَاقَ وَرَاءَهُمْ إِلَى حِمْصَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَصَالَحَهُمْ كَمَا صَالَحَ أَهْلُ دِمَشْقَ، وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَرَاءَهُمْ أَيْضًا، فَسَاقَ حَتَّى وَصَلَ مَلَطْيَةَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا وَرَجَعَ، فَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَى مُقَاتِلِيهَا فَحَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَرَ بِمَلَطْيَةَ فَحُرِقَتْ، وَانْتَهَتِ الرُّومُ مُنْهَزِمَةً إِلَى هِرَقْلَ وَهُوَ بِحِمْصَ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَغْنَمُونَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى هِرَقْلَ ارْتَحَلَ مِنْ حِمْصَ، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَّسَ بِهَا، وَقَالَ هِرَقْلُ: أَمَّا الشَّامُ فَلَا شَامَ، وَوَيْلٌ لِلرُّومِ مِنَ الْمَوْلُودِ الْمَشْئُومِ. مما قيل من الأشعار في يوم اليرموك وَمِمَّا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي يَوْمِ الْيَرْمُوكِ قَوْلُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو: أَلَمْ تَرَنَا عَلَى الْيَرْمُوكِ فُزْنَا كَمَا فُزْنَا بِأَيَّامِ الْعِرَاقِ فَتَحْنَا قَبْلَهَا بُصْرَى وَكَانَتْ مُحَرَّمَةَ الْجَنَابِ لَدَى الْبُعَاقِ وَعَذْرَاءَ الْمَدَائِنِ قَدْ فَتَحْنَا وَمَرَجَ الصُّفَّرَيْنِ عَلَى الْعِتَاقِ قَتَلْنَا مَنْ أَقَامَ لَنَا وَفِينَا نِهَابُهُمُ بِأَسْيَافٍ رِقَاقِ قَتَلْنَا الرُّومَ حَتَّى مَا تُسَاوِي عَلَى الْيَرْمُوكِ ثُفْرُوقَ الْوِرَاقِ فَضَضْنَا جَمْعَهُمْ لَمَّا اسْتَحَالُوا عَلَى الْوَاقُوصِ بِالْبُتْرِ الرِّقَاقِ غَدَاةَ تَهَافَتُوا فِيهَا فَصَارُوا إِلَى أَمْرٍ يُعَضِّلُ بِالذَّوَاقِ وَقَالَ الْأَسْوَدُ أَبُو مُفَزِّرٍ التَّمِيمِيُّ: وَكَمْ قَدْ أَغَرْنَا غَارَةً بَعْدَ غَارَةٍ وَيَوْمًا وَيَوْمًا قَدْ كَشَفْنَا أَهَاوِلَهْ وَلَوْلَا رِجَالٌ كَانَ حَشْوُ غَنِيمَةٍ لَدَى مَأْقَطٍ رَجَّتْ عَلَيْنَا أَوَائِلُهْ لَقِينَاهُمُ الْيَرْمُوكَ لَمَّا تَضَايَقَتْ بِمَنْ حَلَّ بِالْيَرْمُوكِ مِنْهُ حَمَائِلُهْ فَلَا يَعْدَمَنْ مِنَّا هِرَقْلُ كَتَائِبًا إِذَا رَامَهَا رَامَ الَّذِي لَا يُحَاوِلُهْ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: الْقَوْمُ لَخْمٌ وَجُذَامٌ فِي الْحَرِبْ وَنَحْنُ وَالرُّومُ بِمَرْجٍ نَضْطَرِبْ فَإِنْ يَعُودُوا بَعْدَهَا لَا نَصْطَحِبْ بَلْ نَعْصِبُ الْفُرَّارَ بِالضَّرْبِ الْكَلِبْ بين هرقل ورجاله وقوة المسلمين وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ فِي " الْمُجَالَسَةِ " بسنده، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَثْبُتُ لَهُمُ الْعَدُوُّ فُوَاقَ نَاقَةٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ. فَقَالَ هِرَقْلُ وَهُوَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا قَدِمَتْ مُنْهَزِمَةُ الرُّومِ: وَيَلَكُمُ ! أَخْبِرُونِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، أَلَيْسُوا هُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ ؟ ! قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَنْتُمْ أَكْثَرُ أَمْ هُمْ ؟ قَالُوا: بَلْ نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا فِي كُلِّ مَوْطِنٍ. قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ تَنْهَزِمُونَ كُلَّمَا لَقِيتُمُوهُمْ ؟ ! فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ اللَّيْلَ، وَيَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَتَنَاصَفُونَ بَيْنَهُمْ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّا نَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَنَزْنِي، وَنَرْكَبُ الْحَرَامَ، وَنَنْقُضُ الْعَهْدَ، وَنَغْصَبُ، وَنَظْلِمُ، وَنَأْمُرُ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ، وَنَنْهَى عَمَّا يُرْضِي اللَّهَ، وَنُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ: أَنْتَ صَدَقْتَنِي. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِنَاحِيَةِ الْأُرْدُنِّ تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا أَنَّ دِمَشْقَ سَتُحَاصَرُ، فَذَهَبْنَا نَتَسَوَّقُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِيهَا إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا بِطْرِيقُهَا فَجِئْنَاهُ فَقَالَ: أَنْتُمَا مِنَ الْعَرَبِ ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ: لِيَذْهَبْ أَحَدُكُمَا فَلْيَتَجَسَّسْ لَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَرَأْيِهِمْ، وَلِيَثْبُتِ الْآخَرُ عَلَى مَتَاعِ صَاحِبِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُنَا، فَلَبِثَ مَلِيًّا ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ رِجَالٍ دِقَاقْ، يَرْكَبُونَ خُيُولًا عِتَاقْ، أَمَّا اللَّيْلُ فَرُهْبَانْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَفُرْسَانْ، يَرِيشُونَ النَّبْلَ وَيَبْرُونَهَا، وَيُثَقِّفُونَ الْقَنَا، لَوْ حَدَّثْتَ جَلِيسَكَ حَدِيثًا مَا فَهِمَهُ عَنْكَ ; لِمَا عَلَا مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: أَتَاكُمْ مِنْهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ.
التاريخ 1836لا حكم مسجّل
سبب هذه الوقعة وَقْعَةٌ جَرَتْ بِالْعِرَاقِ بَعْدَ مَجِيءِ خَالِدٍ إِلَى الشَّامِ . وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ اجْتَمَعُوا بَعْدَ مَقْتَلِ مَلِكِهِمْ وَابْنِهِ عَلَى تَمْلِيكِ شَهْرِيَارَ بْنِ أَرْدَشِيرَ بْنِ شَهْرِيَارَ، وَاسْتَغْنَمُوا غَيْبَةَ خَالِدٍ عَنْهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَى نَائِبِهِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ جَيْشًا كَثِيفًا نَحْوًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، عَلَيْهِمْ هُرْمُزُ بْنُ جَاذَوَيْهِ، وَكَتَبَ شَهْرِيَارُ إِلَى الْمُثَنَّى: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ جُنْدًا مِنْ وَحْشِ أَهْلِ فَارِسَ، إِنَّمَا هُمْ رُعَاةُ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ، وَلَسْتُ أُقَاتِلُكَ إِلَّا بِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُثَنَّى: مِنَ الْمُثَنَّى إِلَى شَهْرِيَارَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ ; إِمَّا بَاغٍ فَذَلِكَ شَرٌّ لَكَ وَخَيْرٌ لَنَا، وَإِمَّا كَاذِبٌ فَأَعْظَمُ الْكَاذِبِينَ عُقُوبَةً وَفَضِيحَةً عِنْدَ اللَّهِ فِي النَّاسِ الْمُلُوكُ، وَأَمَّا الَّذِي يَدُلُّنَا عَلَيْهِ الرَّأْيُ فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِمْ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَكُمْ إِلَى رُعَاةِ الدَّجَاجِ وَالْخَنَازِيرِ. قَالَ: فَجَزِعَ أَهْلُ فَارِسَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَامُوا شَهْرِيَارَ عَلَى كِتَابِهِ إِلَيْهِ وَاسْتَهْجَنُوا رَأْيَهُ، وَسَارَ الْمُثَنَّى مِنَ الْحَرَّةِ إِلَى بَابِلَ. هزيمة الفرس وقتل المثنى للفيل وَلَمَّا الْتَقَى الْمُثَنَّى وَجَيْشَهُمْ بِمَكَانٍ عِنْدَ عُدْوَةِ الصَّرَاةِ الْأُولَى، اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا جِدًّا، وَأَرْسَلَ الْفُرْسُ فِيلًا بَيْنَ صُفُوفِ الْخَيْلِ لِيُفَرِّقَ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فَقَتَلَهُ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلُوا، فَلَمْ تَكُنْ إِلَّا هَزِيمَةُ الْفُرْسِ، فَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ مَالًا عَظِيمًا، وَفَّرَتِ الْفُرْسُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَدَائِنِ فِي شَرِّ حَالَةٍ، وَوَجَدُوا الْمَلِكَ قَدْ مَاتَ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمُ ابْنَةَ كِسْرَى بُورَانَ بِنْتَ أَبَرْوِيزَ، فَأَقَامَتِ الْعَدْلَ، وَأَحْسَنَتِ السِّيرَةَ، فَأَقَامَتْ سَنَةً وَسَبْعَةَ شُهُورٍ، ثُمَّ مَاتَتْ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ أُخْتَهَا آزَرْمِيدُخْتَ زَنَانَ، فَلَمْ يَنْتَظِمْ لَهُمْ أَمْرٌ، فَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ سَابُورَ بْنَ شَهْرِيَارَ، وَجَعَلُوا أَمْرَهُ إِلَى الْفَرُّخْزَاذِ بْنِ الْبِنْدَوَانِ، فَزَوَّجَهُ سَابُورُ بِابْنَةِ كِسْرَى آزَرْمِيدُخْتَ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ وَقَالَتْ: إِنَّمَا هَذَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِنَا. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ عُرْسِهَا عَلَيْهِ هَمُّوا إِلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى سَابُورَ فَقَتَلُوهُ أَيْضًا، وَمَلَّكُوا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، وَهِيَ آزَرْمِيدُخْتُ ابْنَةُ كِسْرَى، وَلَعِبَتْ فَارِسُ بِمُلْكِهَا لَعِبًا كَثِيرًا، وَآخِرُ مَا اسْتَقَرَّ أَمْرُهُمْ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَنْ مَلَّكُوا امْرَأَةً، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً. وَفِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا يَقُولُ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ السَّعْدِيُّ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ لِمُهَاجَرَةِ حَلِيلَةٍ لَهُ حَتَّى شَهِدَ وَقْعَةَ بَابِلَ هَذِهِ، فَلَمَّا آيَسَتْهُ رَجَعَ إِلَى الْبَادِيَةِ وَقَالَ:. هَلْ حَبْلُ خَوْلَةَ بَعْدَ الْبَيْنِ مَوْصُولُ أَمْ أَنْتَ عَنْهَا بَعِيدُ الدَّارِ مَشْغُولُ وَلِلْأَحِبَّةِ أَيَّامٌ تَذَكَّرُهَا وَلِلنَّوَى قَبْلَ يَوْمِ الْبَيْنِ تَأْوِيلُ حَلَّتْ خُوَيْلَةُ فِي حَيٍّ عَهِدْتُهُمُ دُونَ الْمَدِينَةِ فِيهَا الدِّيكُ وَالْفِيلُ يُقَارِعُونَ رُءُوسَ الْعُجْمِ ضَاحِيَةً مِنْهُمْ فَوَارِسُ لَا عُزْلٌ وَلَا مِيلُ وَقَدْ قَالَ الْفَرَزْدَقُ فِي شِعْرِهِ يَذْكُرُ قَتْلَ الْمُثَنَّى ذَلِكَ الْفِيلَ: وَبَيْتُ الْمُثَنَّى قَاتِلِ الْفِيلِ عَنْوَةً بِبَابِلَ إِذْ فِي فَارِسٍ مُلْكُ بَابِلِ وصية الصديق لعمر بجهاد أهل العراق ثُمَّ إِنَّ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ اسْتَبْطَأَ أَخْبَارَ الصِّدِّيقِ لِتَشَاغُلِهِ بِأَهْلِ الشَّامِ، وَمَا فِيهِ مِنْ حَرْبِ الْيَرْمُوكِ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرُهُ، فَسَارَ الْمُثَنَّى نَفْسُهُ إِلَى الصِّدِّيقِ، وَاسْتَنَابَ عَلَى الْعِرَاقِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَةِ، وَعَلَى الْمَسَالِحِ سَعِيدَ بْنَ مُرَّةَ الْعِجْلِيَّ، فَلَمَّا انْتَهَى الْمُثَنَّى إِلَى الْمَدِينَةِ وَجَدَ الصِّدِّيقَ فِي آخِرِ مَرَضِ الْمَوْتِ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ، وَلَمَّا رَأَى الصِّدِّيقُ الْمُثَنَّى قَالَ لِعُمَرَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تُمْسِيَنَّ حَتَّى تَنْدُبَ النَّاسَ لِحَرْبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ الْمُثَنَّى، وَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أُمَرَاءِنَا بِالشَّامِ فَارْدُدْ أَصْحَابَ خَالِدٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَمُ بِحَرْبِهِ. فَلَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ نَدَبَ عُمَرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْجِهَادِ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ ; لِقِلَّةِ مَنْ بَقِيَ فِيهِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ بَعْدَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَانْتَدَبَ خَلْقٌ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدِ بْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ شَابًّا شُجَاعًا خَبِيرًا بِالْحَرْبِ وَالْمَكِيدَةِ. وَهَذَا آخِرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِخَبَرِ الْعِرَاقِ إِلَى آخَرِ أَيَّامِ الصِّدِّيقِ وَأَوَّلِ دَوْلَةِ الْفَارُوقِ.
التاريخ 1837لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَأَحْوَالِهِ ذِكْرُ اسْمِهِ وَنَسَبِهِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَيُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ. وَأُمُّهُ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ وُلِدَ أَبُو بَكْرٍ بِمِنًى. وَفِي تَسْمِيَتِهِ بِعَتِيقٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا سُئِلَتْ: لِمَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ ؓ عَتِيقًا؟ فَقَالَتْ: نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "هَذَا عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: إِنَّنِي لَفِي بَيْتِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فِي الْفِنَاءِ وَبَيْنِي وَبَيْنَهُمُ السِّتْرُ، إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا". [قَالَتْ:] وَإِنَّ اسْمَهُ الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ [بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو]، لَكِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ عَتِيقٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْمُهُ، سَمَّتْهُ بِهِ أُمُّهُ. قَالَهُ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِجَمَالِ وَجْهِهِ. قَالَهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَقَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ لِجَمَالِ وَجْهِهِ. وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ صِدِّيقًا، قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، أَبُو بَكْرٍ الصَّدِّيقُ لَا يَلْبَثُ إِلَّا قَلِيلًا". وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ لِجِبْرِيلَ: "إِنَّ قَوْمِي لَا يُصَدِّقُونِي"، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الصِّدِّيقُ.
التاريخ 1838لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي مَوْلِدِهِ، وَمَنْشَئِهِ وُلِدَ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ وَأَشْهُرٍ ; فَإِنَّهُ مَاتَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَنَا أَكْبَرُ أَوْ أَنْتَ؟» قَالَ: «أَنْتَ أَكْبَرُ وَأَنَا أَسَنُّ مِنْكَ».. فَهُوَ مُرْسَلٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ عَنِ الْعَبَّاسِ). وَكَانَ مَنْشَؤُهُ بِمَكَّةَ، لَا يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَّا لِتِجَارَةٍ، وَكَانَ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ فِي قَوْمِهِ، وَمُرُوءَةٍ تَامَّةٍ، وَإِحْسَانٍ وَتَفَضُّلٍ فِيهِمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: (إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الدَّهْرِ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ). قَالَ النَّوَوِيُّ: (وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَهْلِ مُشَاوَرَتِهِمْ، وَمُحَبَّبًا فِيهِمْ، وَمَأْلَفًا لَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ.. آثَرَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَدَخَلَ فِيهِ أَكْمَلَ دُخُولٍ). وَعَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ قَالَ:) إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ؓ أَحَدُ عَشَرَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ اتَّصَلَ لَهُمْ شَرَفُ الْجَاهِلِيَّةِ بِشَرَفِ الْإِسْلَامِ، فَكَانَ إِلَيْهِ أَمْرُ الدِّيَاتِ وَالْغُرْمِ)، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَلِكٌ تَرْجِعُ الْأُمُورُ كُلُّهَا إِلَيْهِ، بَلْ كَانَ فِي كُلِّ قَبِيلَةٍ وِلَايَةٌ عَامَّةٌ تَكُونُ لِرَئِيسِهَا. فَكَانَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ السِّقَايَةُ، وَالرِّفَادَةُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ إِلَّا مِنْ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ. وَكَانَتْ فِي بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: الْحِجَابَةُ، وَاللِّوَاءُ، وَالنَّدْوَةُ، أَيْ: لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِمْ، وَإِذَا عَقَدَتْ قُرَيْشٌ رَايَةَ حَرْبٍ.. عَقَدَهَا لَهُمْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا لِأَمْرٍ إِبْرَامًا أَوْ نَقْضًا لَا يَكُونُ اجْتِمَاعُهُمْ لِذَلِكَ إِلَّا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وَلَا يَنْفُذُ إِلَّا بِهَا، وَكَانَتْ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
التاريخ 1839لا حكم مسجّل
فَصْلٌ [خُلُقُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؓ ] كَانَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَعَفِّ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: ( وَاللَّهِ، مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ شِعْرًا قَطُّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، لَقَدْ تَرَكَ هُوَ وَعُثْمَانُ شُرْبَ الْخَمْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ). وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْهَا قَالَتْ: ( لَقَدْ حَرَّمَ أَبُو بَكْرٍ الْخَمْرَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: ( مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ شِعْرًا قَطُّ ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي مَجْمَعٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ شَرِبْتَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، فَقِيلَ: وَلِمَ؟ قَالَ: كُنْتُ أَصُونُ عِرْضِي، وَأَحْفَظُ مُرُوءَتِي، فَإِنَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ.. كَانَ مُضَيَّعًا فِي عِرْضِهِ وَمُرُوءَتِهِ، قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ، صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ » مَرَّتَيْنِ، مُرْسَلٌ غَرِيبٌ سَنَدًا وَمَتْنًا.
التاريخ 1840لا حكم مسجّل
ذِكْرُ صِفَتِهِ ؓ كَانَ أَبُو بَكْرٍ ؓ نَحِيفًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الْقَامَةِ، خَفِيفَ الْعَارِضِينَ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئَ الْجَبْهَةِ، أَجْنَأَ لَا يَسْتَمْسِكُ إِزَارَهُ يَسْتَرْخِي عَنْ حَقْوَيْهِ، عَارِيَ الْأَشَاجِعِ، يُخَضِّبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتْمِ، وَكَانَ كَرِيمًا عَالِمًا بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ. وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ ؓ يُخَضِّبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ. وَعَنْ حَيَّانَ الصَّائِغِ، قَالَ: [كَانَ] نَقْشُ خَاتَمِ أَبِي بَكْرٍ ؓ "نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ". قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ؓ تَخَتَّمَ فِي الْيَسَارِ.
التاريخ 1841لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي إِسْلَامِهِ عَنْ عَلِيٍّ ؓ، قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ: أَبُو بَكْرٍ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ:"أَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامًا؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ حَسَّانَ: إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، أَتْقَاهَا وَأَعْدَلَهَا إِلَّا النَّبِيَّ، وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا وَالثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ فُرَاتِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَأَلْتُ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ قُلْتُ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ عِنْدَكَ أَمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ قَالَ: فَارْتَعَدَ حَتَّى سَقَطَتْ عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: (مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَبْقَى إِلَى زَمَانٍ يُعْدَلُ بِهِمَا، لِلَّهِ دَرُّهُمَا! كَانَا رَأْسَ الْإِسْلَامِ). قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامًا أَوْ عَلِيٌّ؟ قَالَ: (وَاللَّهِ، لَقَدْ آمَنَ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ زَمَنَ بَحِيرَا الرَّاهِبِ حِينَ مَرَّ بِهِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَدِيجَةَ حَتَّى أَنْكَحَهَا إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَلِيٌّ). وَقَدْ قَالَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ خَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، بَلِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ، وَقِيلَ: خَدِيجَةُ. وَيُجْمَعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ: بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ، وَعَلِيًّا: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ، وَخَدِيجَةَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ ذَكَرَ هَذَا الْجَمْعَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْهُ..... وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: هَلْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَوَّلَ الْقَوْمِ إِسْلَامًا؟ قَالَ: (لَا)، قُلْتُ: فَبِمَ عَلَا أَبُو بَكْرٍ وَسَبَقَ حَتَّى لَا يُذْكَرَ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: (لِأَنَّهُ كَانَ أَفْضَلَهُمْ إِسْلَامًا مِنْ حِينِ أَسْلَمَ حَتَّى لَحِقَ بِرَبِّهِ). وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِيهِ سَعْدٍ: أَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوَّلَكُمْ إِسْلَامًا؟ قَالَ: (لَا، وَلَكِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَهُ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ، وَلَكِنْ كَانَ خَيْرَنَا إِسْلَامًا). قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (الظَّاهِرُ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ ﷺ آمَنُوا قَبْلَ كُلِّ أَحَدٍ: زَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ، وَمَوْلَاهُ زَيْدٌ، وَزَوْجَةُ زَيْدٍ أُمَّ أَيْمَنَ، وَعَلِيٌّ، وَوَرَقَةُ). انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: (كُنْتُ جَالِسًا بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَاعِدًا، فَمَرَّ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ، قَالَ: وَهَلْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَا قَضَى اللَّهُ فِي الْحَنِيفَةِ بُورُ أَمَا إِنَّ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي يُنْتَظَرُ مِنَّا أَوْ مِنْكُمْ؟ قَالَ: وَلَمْ أَكُنْ سَمِعْتُ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ بِنَبِيٍّ يُنْتَظَرُ وَلَا يُبْعَثُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ أُرِيدُ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَكَانَ كَثِيرَ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ، كَثِيرَ هَمْهَمَةِ الصَّدْرِ، فَاسْتَوْقَفْتُهُ، ثُمَّ قَصَصْتُ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: نَعَمْ يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّا أَهْلَ الْكُتُبِ وَالْعُلَمَاءِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي يُنْتَظَرُ مِنْ أَوْسَطِ الْعَرَبِ نَسَبًا - وَلِي عِلْمٌ بِالنَّسَبِ - وَقَوْمُكَ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا، قُلْتُ: يَا عَمِّ، وَمَا يَقُولُ النَّبِيُّ؟ قَالَ: يَقُولُ مَا قِيلَ لَهُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ، وَلَا يُظَالَمُ، قَالَ: فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.. آمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُهُ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ.. إِلَّا كَانَتْ لَهُ عَنْهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدَّدَ وَنَظَرَ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، مَا عَتَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ». عَتَمَ: أَيْ تَلَبَّثَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: (وَهَذَا لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى دَلَائِلَ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَسْمَعُ آثَارَهُ قَبْلَ دَعْوَتِهِ، فَحِينَ دَعَاهُ.. كَانَ قَدْ سَبَقَ لَهُ فِيهِ تَفَكُّرٌ وَنَظَرٌ، فَأَسْلَمَ فِي الْحَالِ). ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ: ( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا بَرَزَ.. سَمِعَ مَنْ يُنَادِيهِ: يَا مُحَمَّدُ، فَإِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ.. انْطَلَقَ هَارِبًا، فَأَسَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا كَلَّمْتُ فِي الْإِسْلَامِ أَحَدًا.. إِلَّا أَبَى عَلَيَّ وَرَاجَعَنِي الْكَلَامَ، إِلَّا ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ، فَإِنِّي لَمْ أُكَلِّمْهُ فِي شَيْءٍ.. إِلَّا قَبِلَهُ وَاسْتَقَامَ عَلَيْهِ». وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ».
التاريخ 1842لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أَزْوَاجِهِ وَأَوْلَادِهِ ؓ تَزَوَّجَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ امْرَأَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَأَسْمَاءَ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. وَالثَّانِيَةُ: أُمُّ رُومَانَ بِنْتُ عَامِرٍ، وَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةَ. وَتَزَوَّجَ فِي الْإِسْلَامِ امْرَأَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، وَكَانَتْ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ قَبْلَهُ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا، وَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ عَلِيٌّ ؓ، فَذَكَرَ أَنَّهَا وَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَكَانَ يُقَالُ لَهَا أُمُّ الْمُحَمَّدَيْنِ. وَالزَّوْجَةُ الثَّانِيَةُ: حَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى أَبِيهَا خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ فَتَزَوَّجَهَا.
التاريخ 1843لا حكم مسجّل
بذل ماله وصحبته لرسول الله ﷺ ذِكْرُ أَفْعَالِهِ الْجَمِيلَةِ فِي الْإِسْلَامِ وَفَضَائِلِهِ وَنَفَقَتِهِ ؓ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا. عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: أَتَى الصَّرِيخُ إِلَى أَبِي [بَكْرٍ ؓ ]، فَقِيلَ لَهُ: أَدْرِكْ صَاحِبَكَ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا وَإِنَّ لَهُ غَدِائِرَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُوَ يَقُولُ: [وَيْلَكُمْ] أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ، قَالَ: فَلَهَوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ [فَرَجَعَ إِلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ] فَجَعَلَ لَا يُمِيرُ شَيْئًا مِنْ غَدَائِرِهِ إِلَّا جَاءَ مَعَهُ وعن الزُّهْرِيِّ قَالَ-]. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: "هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا"؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: "قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ"، فَقَالَ: وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إِذْ صَعَدَ الْجَبَلَا وَكَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلًا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: "صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ، هُوَ كَمَا قُلْتَ". وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، قَالَ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قُلْتُ: مِثْلَهُ. وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ ؓ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ " قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ" فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: وَهَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَى بَابٌ فِي الْمَسْجِدِ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَفِي إِفْرَادِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي أَمْرٍ جَرَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي مَرَّتَيْنِ". فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْآيَاتِ فِي مَدْحِهِ، أَوْ تَصْدِيقِهِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ شَأْنِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهَ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [التَّوْبَةِ: 40] أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الصَّاحِبَ الْمَذْكُورَ أَبُو بَكْرٍ وَسَيَأْتِي فِيهِ أَثَرٌ عَنْهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ قَالَ: (عَلَى أَبِي بَكْرٍ ; إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ تَزَلِ السَّكِينَةُ عَلَيْهِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اشْتَرَى بِلَالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، بِبُرْدَةٍ وَعَشَرِ أَوَاقٍ، فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [اللَّيْلِ: 1 - 4] سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمَيَّةَ، وَأُبَيٍّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعْتِقُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، فَكَانَ يُعْتِقُ عَجَائِزَ وَنِسَاءً إِذَا أَسْلَمْنَ، فَقَالَ أَبُوهُ: أَيْ بُنَيَّ، أَرَاكَ تُعْتِقُ أُنَاسًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ تُعْتِقُ رِجَالًا جُلُدًا يَقُومُونَ مَعَكَ، وَيَمْنَعُونَكَ وَيَدْفَعُونَ عَنْكَ؟ ! قَالَ: (أَيْ أَبَتِ، إِنَّمَا أُرِيدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ)، قَالَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [اللَّيْلِ: 5] إِلَى آخِرِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُرْوَةَ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ؓ أَعْتَقَ سَبْعَةً كُلُّهُمْ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ، وَفِيهِ نَزَلَتْ: وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى... [اللَّيْلِ: 17] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: (نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [اللَّيْلِ: 19] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ؓ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ؓ (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ). وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أُسَيْدِ بْنِ صَفْوَانَ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: (وَالَّذِي جَاءَ بِالْحَقِّ) مُحَمَّدٌ، (وَصَدَّقَ بِهِ): أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ (بِالْحَقِّ) وَلَعَلَّهَا قِرَاءَةٌ لِعَلِيٍّ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ [آلِ عِمْرَانَ: 159] قَالَ: (نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قَالَ: نَزَلَتْ: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرَّحْمَنِ: 46] فِي أَبِي بَكْرٍ ؓ وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى ذَكَرْتُهَا فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ [التَّحْرِيمِ: 4] قَالَ: (نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ). وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [الْأَحْزَابِ: 56] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ خَيْرًا... إِلَّا أَشْرَكَنَا فِيهِ!!)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [الْأَحْزَابِ: 43]. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: (أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [الْحِجْرِ: 47]. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا إِلَى قَوْلِهِ: وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الْأَحْقَافِ: 15، 16]. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: (عَاتَبَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْمُعَاتَبَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ [التَّوْبَةِ: 40]. أعظم فضائل أبي بكر ؓ وَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ ؓ فَتْوَاهُ فِي حَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [عَلَا رَجُلًا] مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَدَرْتُ لَهُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلْبُهُ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ [ثُمَّ قَالَ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلْبُهُ. فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ]، ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ، فَقُمْتُ [فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ] فَقَالَ رَجُلٌ: صِدِّيقٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُهُ عِنْدِي، فَأَرْضِهِ عَنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ: لَاهَا اللَّهُ إِذًا لَا تَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَعَنْ رَسُولِهِ نُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "صَدَقَ فَأَعْطِهِ" وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ قِتَالٌ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَتَاهُمْ بَعْدَ الظُّهْرِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ إِنْ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَمْ آتِ فَمُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". [قَالَ]: فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ أَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ فَتَقَدَّمَ بِهِمْ، وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ صَفَّحُوا وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشُقُّ النَّاسَ حَتَّى قَامَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ، [قَالَ]: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَلْتَفِتْ، فَلَمَّا رَأَى التَّصْفِيحَ لَا يُمْسَكُ عَنْهُ، الْتَفَتَ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ خَلْفَهُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ أَنِ امْضِهْ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ كَهَيْئَتِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ مَشَى الْقَهْقَرَى، [قَالَ]: فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ إِذْ أَوْمَأْتُ إِلَيْكَ [أَنْ] لَا تَكُونَ مَضَيْتَ، قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَمْ يَكُنْ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَؤُمَّ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: "إِذَا نَابَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ [شَيْءٌ] فَلْيُسَبِّحِ الرِّجَالُ وَلْيَصَفِّحِ النِّسَاءُ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ؓ وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا فِي صَدْرِهِ بِخِلَالٍ، [فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا لِي أَرَى أَبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ قَدْ خَلَّهَا فِي صَدْرِهِ بِخِلَالٍ؟] فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ، أَنْفَقَ مَالَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الْفَتْحِ"، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: قُلْ لَهُ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ: أَرَاضٍ أَنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذَا أَمْ سَاخِطٌ؟ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ؓ: أَأَسْخَطَ عَنْ رَبِّي، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ، أَنَا عَنْ رَبِّي رَاضٍ. وَعَنْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ]، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ ؓ مَعْرُوفًا بِالتِّجَارَةِ، وَلَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَكَانَ يَعْتِقُ مِنْهَا وَيُقَوِّي الْمُسْلِمِينَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِخَمْسَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ كَانَ يَفْعَلُ فِيهَا مَا كَانَ يَفْعَلُ بِمَكَّةَ. أَدَبِهِ وَذَكَائِهِ ؓ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قِيلَ لَهُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُ أَهْلَ بَدْرٍ؟ قَالَ: (إِنِّي أَرَى مَكَانَهُمْ ; وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُدَنِّسَهُمْ بِالدُّنْيَا). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي «الزُّهْدِ» عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَسَّمَ قَسْمًا فَسَوَّى فِيهِ بَيْنَ النَّاسِ؟، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: (تُسَوِّي بَيْنَ أَصْحَابِ بَدْرٍ وَسِوَاهُمْ مِنَ النَّاسِ؟) فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (إِنَّمَا الدُّنْيَا بَلَاغٌ، وَخَيْرُ الْبَلَاغِ أَوْسَعُهُ، وَإِنَّمَا فَضْلُهُمْ فِي أُجُورِهِمْ).
التاريخ 1844لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وَرَعِهِ ؓ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَمْلُوكٌ يَغُلُّ عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ لَيْلَةً بِطَعَامٍ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ لُقْمَةً، فَقَالَ لَهُ الْمَمْلُوكُ: مَا لَكَ كُنْتَ تَسْأَلُنِي كُلَّ لَيْلَةٍ وَلَمْ تَسْأَلْنِي اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ الْجُوعُ، مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهَذَا؟ قَالَ: مَرَرْتُ بِقَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَقَيْتُ لَهُمْ فَوَعَدُونِي، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ مَرَرْتُ بِهِمْ فَإِذَا عُرْسٌ لَهُمْ، فَأَعْطُونِي، فَقَالَ: أُفٍّ لَكَ، كِدْتَ أَنْ تُهْلِكَنِي، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي حَلْقِهِ فَجَعَلَ يَتَقَيَّأُ وَجَعَلَتْ لَا تَخْرُجُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِالْمَاءِ، فَدَعَا مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ يَشْرَبُ وَيَتَقَيَّأُ حَتَّى رَمَى بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، كُلُّ هَذَا مِنْ أَجْلِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ، قَالَ: لَوْلَا تَخْرُجُ إِلَّا مَعَ نَفْسِي لَأَخْرَجْتُهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُ جَسَدٍ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ". فَخَشِيتُ أَنْ يَنْبُتَ شَيْءٌ مِنْ جَسَدِي مِنْ هَذِهِ اللُّقْمَةِ. وقد رَوَى ابن الجوزي بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخْلِي قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يُسَمَّى الْأَوَّاهَ، لِرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ . تجارته في السوق على عادته وَخَرَجَ عَقِيبَ وِلَايَتِهِ لِيَتَّجِرَ فِي السُّوقِ عَلَى عَادَتِهِ وَعَنْ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ ؓ، أَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى السُّوقِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ أَثْوَابٌ يَتَّجِرُ بِهَا، فَلَقِيَهُ عُمَرُ [بْنُ الْخَطَّابِ] وَأَبُو عُبَيْدَةَ [بْنُ الْجَرَّاحِ] فَقَالَا لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قَالَ: السُّوقَ، قَالَا: تَصْنَعُ مَاذَا وَقَدْ وُلِّيتَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أُطْعِمُ عِيَالِي؟ قَالَا لَهُ: انْطَلِقْ حَتَّى نَفْرِضَ لَكَ شَيْئًا، فَانْطَلَقَ مَعَهُمَا، فَفَرَضُوا لَهُ كُلَّ يَوْمٍ شَطْرَ شَاةٍ. وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: لَمَّا وُلِّيَ أَبُو بَكْرٍ ؓ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: افْرِضُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُغْنِيهِ، قَالُوا: نَعَمْ، بُرْدَاهُ إِذَا أَخْلَقَهُمَا وَضَعَهُمَا وَأَخَذَ مِثْلَهُمَا، وَظَهْرُهُ إِذَا سَافَرَ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى أَهْلِهِ كَمَا كَانَ يُنْفِقُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَخْلَفَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَضِيتُ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلُوا لَهُ أَلْفَيْنِ، فَقَالَ: زِيدُونِي فَإِنَّ لِي عِيَالًا وَقَدْ شَغَلْتُمُونِي عَنِ التِّجَارَةِ، قَالَ: فَزَادُوهُ خَمْسَمِائَةٍ. قَالَ: وَكَانَ يَحْلِبُ لِلْحَيِّ أَغْنَامَهُمْ، فَلَمَّا بُويِعَ قَالَتْ جَارِيَةٌ مِنَ الْحَيِّ: الْآنَ لَا تَحْلِبُ لَنَا مَنَاتِحَ دَارِنَا، فَسَمِعَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: بَلَى [لَعَمْرِي] لَأَحْلِبَنَّهَا لَكُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلْتُ فِيهِ عَنْ خُلُقٍ كُنْتُ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَحْلِبُ لَهُمْ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخ?هِ، قَالَ: كَانَ مَنْزِلُ أَبِي بَكْرٍ بِالسُّنْحِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ حَبِيبَةَ بِنْتِ خَارِجَةَ، وَكَانَ قَدْ حَجَرَ عَلَيْهِ حُجْرَةً مِنْ شَعْرٍ، فَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَحَوَّلَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَأَقَامَ بِالسُّنْحِ بَعْدَ مَا بُويِعَ لَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَغْدُو عَلَى رِجْلَيْهِ إِلَى مَنْزِلِهِ بِالْمَدِينَةِ، وَرُبَّمَا رَكِبَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ مُمَشَّقٌ فَيُوَافِي الْمَدِينَةَ فَيُصَلِّي الصَّلَوَاتِ بِالنَّاسِ، فَإِذَا صَلَّى الْعِشَاءَ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ، وَكَانَ إِذَا لَمْ يَحْضُرْ صَلَّى بِهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ يُقِيمُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ صَدْرَ النَّهَارِ بِالنُّسْغِ، يَصْبُغُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْجُمْعَةِ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ: أَرْضِي الَّتِي بِمَكَانِ كَذَا لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا أَصَبْتُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَدَفَعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، وَلُقُوحٌ، وَعَبْدٌ صَيْقَلٌ، وَقَطِيفَةٌ مَا تُسَاوِي خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَتْعَبَ مَنْ بَعْدَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ: انْظُرُوا كَمْ أَنْفَقْتُ مُنْذُ وُلِّيتُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَاقْضُوهُ، فَنَظَرَ عُمَرُ فَوَجَدُوا مَبْلَغَهُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ فِي وِلَايَتِهِ
التاريخ 1845لا حكم مسجّل
نُبَذٍ مِنْ حِلْمِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَزُهْدِهِ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أُنَيْسَةَ قَالَتْ: (نَزَلَ فِينَا أَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَخْلَفَ، وَسَنَةً بَعْدَمَا اسْتُخْلِفَ، فَكَانَ جَوَارِي الْحَيِّ يَأْتِينَهُ بِغَنَمِهِنَّ فَيَحْلِبُهُنَّ لَهُنَّ). وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ: مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ أَجْمَعِينَ؟ !). وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ الْغِفَارِيِّ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يَتَعَهَّدُ عَجُوزًا، كَبِيرَةً عَمْيَاءَ فِي بَعْضِ حَوَاشِي الْمَدِينَةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَسْتَقِي لَهَا وَيَقُومُ بِأَمْرِهَا، فَكَانَ إِذَا جَاءَهَا.. وَجَدَ غَيْرَهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا، فَأَصْلَحَ مَا أَرَادَتْ، فَجَاءَهَا غَيْرَ مَرَّةٍ كَيْلَا يُسْبَقَ إِلَيْهَا، فَرَصَدَهُ عُمَرُ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ الَّذِي يَأْتِيهَا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنْتَ هُوَ لَعَمْرِي). وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصْبِهَانِيِّ قَالَ: (جَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْزِلْ عَنْ مَجْلِسِ أَبِي، فَقَالَ: صَدَقْتَ، إِنَّهُ مَجْلِسُ أَبِيكَ، وَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ وَبَكَى، فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ، مَا هَذَا عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: صَدَقْتَ، وَاللَّهِ، مَا اتَّهَمْتُكَ). وَعَنْ أَبِي سَرِيحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ؓ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلَا إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّاهٌ مُنِيبُ الْقَلْبِ. وَقَالَ قَيْسٌ: رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ ؓ آخِذًا بِطَرَفِ لِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ. قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ ثُمَّ تُؤْكَلُ. وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَوَدِدْتُ أَنِّي شَعْرَةٌ فِي جَنْبِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ. أَبَا بَكْرٍ ؓ أَرْحَمُ النَّاسِ بِالْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي: أَبُو بَكْرٍ، وَأَشُدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً: عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ». وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِيهِ، «وَأَقْضَاهُمْ عَلِيٌّ». وَأَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي «مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ» مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ وَزَادَ: وَأَبُو ذَرٍّ: أَزْهَدُ أُمَّتِي وَأَصْدَقُهَا، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ: أَعْبَدُ أُمَّتِي وَأَتْقَاهَا، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَحْلَمُ أُمَّتِي وَأَجْوَدُهَا». وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: (بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَصُومُ الصَّيْفَ وَيُفْطِرُ الشِّتَاءَ).
التاريخ 1846لا حكم مسجّل
أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَخَيْرُهُمْ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِّيٌّ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ أُحُدٍ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلُ الْبَيْعَةِ، ثُمَّ بَاقِي الصَّحَابَةِ، هَكَذَا حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ ؓ. زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ»: (فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يُنْكِرُهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (كُنَّا وَفِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نُفَضِّلُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا). وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (كُنَّا مُعَاشِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ مُتَوَافِرُونَ - نَقُولُ: أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ نَسْكُتُ). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ قُلْتَ ذَاكَ.. فَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ». وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: (أَبُو بَكْرٍ)، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( عُمَرُ ) وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانَ - قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: (مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، قَالَ الذَّهَبِيُّ: (هَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْ عَلِيٍّ، فَلَعَنَ اللَّهُ الرَّافِضَةَ مَا أَجْهَلَهُمْ). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: (أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ عُمَرَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ ثُمَّ قَالَ: (أَلَا إِنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، فَمَنْ قَالَ غَيْرَ هَذَا فَهُوَ مُفْتَرٍ، عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُفْتَرِي). وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: (لَا يُفَضِّلُنِي أَحَدٌ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.. وَإِلَّا جَلَدْتُهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي). وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى أَحَدٍ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ». وَفِي لَفْظٍ: عَلَى أَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ». وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلَفْظُهُ: « مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ أَفْضَلَ مِنْهُ ». وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ خَيْرُ النَّاسِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيٌّ ». وَفِي «الْأَوْسَطِ» عَنْ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي: أَنَّ خَيْرَ أُمَّتِكَ بَعْدَكَ أَبُو بَكْرٍ ». وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: « عَائِشَةُ »، قُلْتُ: مَنِ الرِّجَالُ؟ قَالَ: «أَبُوهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ». وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَيُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: (أَبُو بَكْرٍ)، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: (ثُمَّ عُمَرُ)، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَتْ: ( أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: « هَذَانِ سَيِّدَا كَهَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ ». وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: (مَنْ فَضَّلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ... فَقَدْ أَزْرَى عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ). عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَّ] عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ، قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ أَرَى أَبَا بَكْرٍ ؓ. الأحاديث الواردة في فضله مقرونًا بعمر فَصْلٌ: فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِهِ مَقْرُونًا بِعُمَرَ، سِوَى مَا تَقَدَّمَ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بَيْنَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ... عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ ! وَبَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ». قَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ!! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَإِنِّي أُؤْمِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»، وَمَا ثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ)، أَيْ: لَمْ يَكُونَا فِي الْمَجْلِسِ، شَهِدَ لَهُمَا بِالْإِيمَانِ بِذَلِكَ، لِعِلْمِهِ بِكَمَالِ إِيمَانِهِمَا. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، أَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ... فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ... فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». وَأَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ...» وَذَكَرَ تَمَامَ الْعَشَرَةِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَهْلَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا لَيَرَاهُمْ مَنْ تَحْتَهُمْ، كَمَا تَرَوْنَ النَّجْمَ الطَّالِعَ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا». وَعَنْ أَنَسٍ: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَهُمْ جُلُوسٌ، فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَلَا يَرْفَعُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ بَصَرَهُ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا، وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا، وَقَالَ: «هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»،. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ». وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: «هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ». وَعَنْ أَبِي أَرْوَى الدَّوْسِيِّ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَيَّدَنِي بِكُمَا». وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَانِي جِبْرِيلُ آنِفًا، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، حَدِّثْنِي بِفَضَائِلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: لَوْ حَدَّثْتُكَ بِفَضَائِلِ عُمَرَ مُنْذُ مَا لَبِثَ نُوحٌ فِي قَوْمِهِ... مَا نَفِدَتْ فَضَائِلُ عُمَرَ، وَإِنَّ عُمَرَ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ». وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «لَوِ اجْتَمَعْتُمَا فِي مَشُورَةٍ... مَا خَالَفْتُكُمَا». وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ: مَنْ كَانَ يُفْتِي النَّاسَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، لَا أَعْلَمُ غَيْرَهُمَا). وَأَخْرَجَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: ( كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ يُفْتُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: « إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ خَاصَّةً مِنْ أُمَّتِهِ، وَإِنَّ خَاصَّتِي مِنْ أَصْحَابِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ». وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ، وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، وَأَعْتَقَ بِلَالًا، رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، تَرَكَهُ الْحَقُّ وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ، رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ، تَسْتَحِيهُ الْمَلَائِكَةُ، رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أَدْرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَهْلٍ ؓ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ.. صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَسُؤْنِي قَطُّ، فَاعْرِفُوا لَهُ ذَلِكَ، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي رَاضٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ، فَاعْرِفُوا ذَلِكَ لَهُمْ». وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي «زَوَائِدِ الزُّهْدِ» عَنِ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، فَقَالَ: (مَا كَانَ مَنْزِلَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: كَمَنْزِلَتِهِمَا مِنْهُ السَّاعَةَ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ بِسْطَامِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «لَا يَتَأَمَّرُ عَلَيْكُمَا أَحَدٌ بَعْدِي». وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ إِيمَانٌ، وَبُغْضُهُمَا كُفْرٌ». وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: (حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَعْرِفَتُهُمَا مِنَ السُّنَّةِ). وَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: إِنِّي لَأَرْجُو لِأُمَّتِي فِي حُبِّهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَا أَرْجُو لَهُمْ فِي قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». خَصَائِصِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (خَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ بِأَرْبَعِ خِصَالٍ لَمْ يَخُصَّ بِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ: سَمَّاهُ الصَّدِيقَ وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا الصِّدِّيقَ غَيْرَهُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْغَارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَفِيقُهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ وَالْمُسْلِمُونَ شُهُودٌ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ «الْمَصَاحِفِ» عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَسْمَعُ مُنَاجَاةَ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَرَاهُ). وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَكَانَ الْوَزِيرِ، فَكَانَ يُشَاوِرُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَكَانَ ثَانِيَهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَثَانِيَهُ فِي الْغَارِ، وَثَانِيَهُ فِي الْعَرِيشِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَثَانِيَهُ فِي الْقَبْرِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَحَدًا).
التاريخ 1847لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أَسْمَاءِ قُضَاتِهِ وَعُمَّالِهِ عَلَى الصَّدَقَاتِ لَمَّا وَلِيَ قَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنَا أَكْفِيكَ الْقَضَاءَ، فَجَعَلَهُ قَاضِيًا فَمَكَثَ سَنَةً لَا يُخَاصَمُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، وَكَانَ يَكْتُبُ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؓ وَمَنْ حَضَرَ. وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابَ بْنَ أَسِيدٍ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى صَنْعَاءَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، وَعَلَى حَضْرَمَوْتَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، وَعَلَى خَوْلَانَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، وَعَلَى الْجُنْدِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، وَعَلَى الْبَحْرِينِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، وَبَعَثَ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ فِي أَعْمَالٍ، وَأَمَّرَ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ.
التاريخ 1848لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي صُحْبَتِهِ وَمَشَاهِدِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ: صَحِبَ أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ – ﷺ مِنْ حِينِ أَسْلَمَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، لَمْ يُفَارِقْهُ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا، إِلَّا فِيمَا أَذِنَ لَهُ عَلَيْهِ ﷺ فِي الْخُرُوجِ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهَاجَرَ مَعَهُ، وَتَرَكَ عِيَالَهُ وَأَوْلَادَهُ، رَغْبَةً فِي اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَهُوَ رَفِيقُهُ فِي الْغَارِ، قَالَ تَعَالَى: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التَّوْبَةِ: 40]. وَقَامَ بِنَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَلَهُ الْآثَارُ الْجَمِيلَةُ فِي الْمَشَاهِدِ، وَثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ، وَقَدْ فَرَّ النَّاسُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي (فَصْلِ شَجَاعَتِهِ ؓ ). أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (تَبَاشَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالُوا: أَمَا تَرَوْنَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرِيشِ؟ !) وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ:قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وَلِأَبِي بَكْرٍ: «مَعَ أَحَدِكُمَا جِبْرِيلُ، وَمَعَ الْآخَرِ مِيكَائِيلُ». وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ.. قَالَ لِأَبِيهِ: لَقَدْ أَهَدَفْتَ لِي يَوْمَ بَدْرٍ، فَصَرَفْتُ عَنْكَ وَلَمْ أَقْتُلْكَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: (لَكِنَّكَ لَوْ هَدَفْتَ لِي.. لَمْ أَنْصَرِفْ عَنْكَ). قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: (مَعْنَى «أَهَدَفْتَ»: أَشْرَفْتَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْبِنَاءِ الْمُرْتَفِعِ: هَدَفٌ).
التاريخ 1849لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي شَجَاعَتِهِ وَأَنَّهُ أَشْجَعُ الصَّحَابَةِ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي «مُسْنَدِهِ» عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: (أَخْبِرُونِي مَنْ أَشْجَعُ النَّاسِ؟) قَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: (أَمَا إِنِّي مَا بَارَزْتُ أَحَدًا.. إِلَّا انْتَصَفْتُ مِنْهُ، وَلَكِنْ أَخْبِرُونِي بِأَشْجَعِ النَّاسِ). قَالُوا: لَا نَعْلَمُ، فَمَنْ؟ قَالَ: (أَبُو بَكْرٍ، إِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ.. جَعَلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرِيشًا، فَقُلْنَا: مَنْ يَكُونُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِئَلَّا يَهْوِيَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَوَاللَّهِ، مَا دَنَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ شَاهِرًا بِالسَّيْفِ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا يَهْوِي إِلَيْهِ أَحَدٌ.. إِلَّا هَوَى إِلَيْهِ ; فَهَذَا أَشْجَعُ النَّاسِ). قَالَ عَلِيٌّ: (وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، فَهَذَا يَجَؤُهُ، وَهَذَا يُتَلْتِلُهُ، وَهُمْ يَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي جَعَلْتَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ ! قَالَ: فَوَاللَّهِ، مَا دَنَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ يَضْرِبُ هَذَا، وَيَجْبَأُ وَيُجَأَ هَذَا، وَيُتَلْتِلُ هَذَا، وَهُوَ يَقُولُ: وَيْلَكُمْ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ. ثُمَّ رُفِعَ عَلَى بُرْدَةٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَبَكَى حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ ثُمَّ قَالَ: (أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ، أَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ خَيْرٌ أَمْ أَبُو بَكْرٍ ؟) فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ فَوَاللَّهِ، لَسَاعَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ مِثْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، ذَاكَ رَجُلٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَهَذَا رَجُلٌ أَعْلَنَ إِيمَانَهُ). وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: (لَمَّا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانُوا ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا.. أَلَحَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهُورِ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّا قَلِيلٌ»، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُلِحُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ فِي نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، كُلُّ رَجُلٍ فِي عَشِيرَتِهِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَكَانَ أَوَّلَ خَطِيبٍ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَثَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَضُرِبُوا فِي نُوَاحِي الْمَسْجِدِ ضَرْبًا شَدِيدًا). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: (لَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ... أَظْهَرَ إِسْلَامَهُ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ.
التاريخ 1850لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي عِلْمِهِ، وَأَنَّهُ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ، وَأَذْكَاهُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «تَهْذِيبِهِ»، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُ: (اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى عِظَمِ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ ؓ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «وَاللَّهِ، لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَاللَّهِ، لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ... لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ». وَاسْتَدَلَّ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ بِهَذَا وَغَيْرِهِ فِي «طَبَقَاتِهِ»: عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ ; لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ وَقَفُوا عَنْ فَهْمِ الْحِكْمَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ إِلَّا هُوَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُمْ بِمُبَاحَثَتِهِ لَهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ هُوَ الصَّوَابُ، فَرَجَعُوا إِلَيْهِ. وَرَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ: مَنْ كَانَ يُفْتِي النَّاسَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ؓ مَا أَعْلَمُ غَيْرَهُمَا». وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ تَعَالَى خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ». فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: بَلْ نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَعَجِبْنَا لِبُكَائِهِ أَنْ يُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدٍ خُيِّرَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ. وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: (كَانَ الصِّدِّيقُ ؓ أَقْرَأُ الصَّحَابَةِ - أَيْ: أَعْلَمُهُمْ بِالْقُرْآنِ - لِأَنَّهُ ﷺ قَدَّمَهُ إِمَامًا لِلصَّلَاةِ بِالصَّحَابَةِ مَعَ قَوْلِهِ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ». وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ ». وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَعْلَمَهُمْ بِالسُّنَّةِ، كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ يَبْرُزُ عَلَيْهِمْ بِنَقْلِ سُنَنٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَحْفَظُهَا هُوَ، وَيَسْتَحْضِرُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ، وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ وَاظَبَ صُحْبَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ أَوَّلِ الْبِعْثَةِ إِلَى الْوَفَاةِ؟ ! وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَذْكَى عِبَادِ اللَّهِ وَأَعْقَلِهِمْ. وَإِنَّمَا لَمْ يَرْوِ عَنْهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ إِلَّا الْقَلِيلَ، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ، وَسُرْعَةِ وَفَاتِهِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَّا فَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهُ.. لَكَثُرَ ذَلِكَ عَنْهُ جِدًّا، وَلَمْ يَتْرُكِ النَّاقِلُونَ عَنْهُ حَدِيثًا إِلَّا نَقَلُوهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ كَانَ الَّذِينَ فِي زَمَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا يَحْتَاجُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَنْقُلَ عَنْهُ مَا قَدْ شَارَكَهُ هُوَ فِي رِوَايَتِهِ ; فَكَانُوا يَنْقُلُونَ عَنْهُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ. وَأَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْخَصْمُ.. نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بَيْنَهُمْ.. قَضَى بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَابِ، وَعُلِمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ سُنَّةٌ قَضَى بِهَا، فَإِنْ أَعْيَاهُ خَرَجَ فَسَأَلَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: أَتَانِي كَذَا وَكَذَا، فَهَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي ذَلِكَ بِقَضَاءٍ؟ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُمْ يُذْكَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ قَضَاءٌ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَنْ نَبِيِّنَا، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ... جَمَعَ رُءُوسَ النَّاسِ وَخِيَارَهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَإِنْ أَجْمَعَ أَمْرَهُمْ عَلَى رَأْيٍ.. قَضَى بِهِ). وَكَانَ عُمَرُ ؓ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَإِنْ أَعْيَاهُ أَنْ يَجِدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.. نَظَرَ هَلْ كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ فِيهِ قَضَاءٌ؟ فَإِنْ وَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَضَى فِيهِ بِقَضَاءٍ.. قَضَى بِهِ، وَإِلَّا.. دَعَا رُءُوسَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى أَمْرٍ.. قَضَى بِهِ. أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ وَكَانَ الصِّدِّيقُ ؓ مَعَ ذَلِكَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ، لَا سِيَّمَا قُرَيْشٌ. أَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ شَيْخٍ مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: (كَانَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ مِنْ أَنْسَبِ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ وَلِلْعَرَبِ قَاطِبَةً، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّمَا أَخَذْتُ النَّسَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ مِنْ أَنْسَبِ الْعَرَبِ). وَكَانَ الصِّدِّيقُ مَعَ ذَلِكَ غَايَةً فِي عِلْمِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، وَقَدْ كَانَ يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. أعلم الناس بتعبير الرؤيا وأفصحهم وأخطبهم وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ - وَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي هَذَا الْعِلْمِ بِالِاتِّفَاقِ -: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْبَرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ). أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُؤَوِّلَ الرُّؤْيَا أَبَا بَكْرٍ ». قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: غَرِيبٌ. وَكَانَ مِنْ أَفْصَحِ النَّاسِ وَأَخْطَبِهِمْ ; قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: سَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: (خُطَبَاءُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ ). (وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِاللَّهِ وَأَخْوَفِهِمْ لَهُ). وَمِنَ الدَّالِ عَلَى أَنَّهُ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ: حَدِيثُ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، حَيْثُ سَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ الصُّلْحِ، وَقَالَ: (عَلَامَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَجَابَهُ الصِّدِّيقُ بِمِثْلِ مَا أَجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ أَسَدَّ الصَّحَابَةِ رَأْيًا، وَأَكْمَلِهِمْ عَقْلًا، أَخْرَجَ تَمَّامٌ الرَّازِيُّ فِي «فَوَائِدِهِ» وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَسْتَشِيرَ أَبَا بَكْرٍ ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُسَرِّحَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ.. اسْتَشَارَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِرَأْيِهِ، فَقَالَ: «مَا تَرَى يَا مُعَاذُ؟» فَقُلْتُ: أَرَى مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَكْرَهُ فَوْقَ سَمَائِهِ أَنْ يُخَطَّأَ أَبُو بَكْرٍ ». . تعبيره للرؤيا فِيمَا وَرَدَ عَنْهُ مِنْ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: رَأَتْ عَائِشَةُ ؓ كَأَنَّهُ وَقَعَ فِي بَيْتِهَا ثَلَاثَةُ أَقْمَارٍ، فَقَصَّتْهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ مِنْ أَعْبَرِ النَّاسِ، فَقَالَ: (إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكِ.. لِيُدْفَنَنَّ فِي بَيْتِكِ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثًا)، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ ; هَذَا خَيْرُ أَقْمَارِكِ). وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « رَأَيْتُنِي أَرْدَفْتُ غَنَمَ سُودٍ، ثُمَّ أَرْدَفَتْهَا غَنَمٌ بِيضٌ حَتَّى مَا تُرَى السُّودُ فِيهَا». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ; أَمَّا الْغَنَمُ السُّودُ: فَإِنَّهَا الْعَرَبُ يُسْلِمُونَ وَيَكْثُرُونَ، وَالْغَنَمُ الْبِيضُ: الْأَعَاجِمُ يُسْلِمُونَ حَتَّى لَا تَرَى الْعَرَبُ فِيهِمْ مِنْ كَثْرَتِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ عَبَرَهَا الْمَلَكُ سَحَرًا». وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: ( كَانَ أَعْبَرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا: أَبُو بَكْرٍ ). وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: رَأَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رُؤْيَا، فَقَصَّهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ كَأَنِّي اسْتَبَقْتُ أَنَا وَأَنْتَ دَرَجَةً، فَسَبَقْتُكَ بِمِرْقَاتَيْنِ وَنِصْفٍ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ; يَقْبِضُكَ اللَّهُ إِلَى مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ، وَأَعِيشُ بَعْدَكَ سَنَتَيْنِ وَنِصْفًا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «مُصَنَّفِهِ»، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ أَنِّي أَبُولُ دَمًا، قَالَ: (أَنْتَ رَجُلٌ تَأْتِي امْرَأَتَكَ وَهِيَ حَائِضٌ، فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَلَا تَعُدْ). الصِّدِّيقَ ؓ حَافِظٌ لِكِتَابِ اللَّهِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «تَهْذِيبِهِ»: (الصِّدِّيقُ ؓ أَحَدُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ كُلَّهُ)، وَذَكَرَ هَذَا أَيْضًا جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي «تَفْسِيرِهِ». وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ: (جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ).. فَمُرَادُهُ مِنَ الْأَنْصَارِ، كَمَا أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ «الْإِتْقَانِ». وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (مَاتَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ كُلَّهُ).. فَهُوَ مَدْفُوعٌ، أَوْ مُأَوَّلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ: جَمَعَهُ فِي الْمُصْحَفِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي صَنَعَهُ عُثْمَانُ ؓ. فَصْلٌ فِيمَا وَرَدَ عَنِ الصِّدِّيقِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ أَخْرَجَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ آيَةٍ؟ فَقَالَ: (أَيُّ أَرْضٍ تَسَعُنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ؟ !.) وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَفَاكِهَةً وَأَبًّا فَقَالَ:) أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، أَوْ أَيُّ أْرَضٍ تُقِلُّنِي إِنْ قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ؟ !). وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكَلَالَةِ؟ فَقَالَ: (إِنِّي سَأَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا.. فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً.. فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، أُرَاهُ مَا خَلَا الْوَلَدُ وَالْوَالِدُ)، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قَالَ: (إِنِّي لَأَسْتَحِي أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ ). وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ» عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِأَصْحَابِهِ: (مَا تَقُولُونَ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالُوا: ثُمَّ اسْتَقَامُوا: فَلَمْ يُذْنِبُوا، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِخَطِيئَةٍ، قَالَ: لَقَدْ حَمَّلْتُمُوهَا عَلَى غَيْرِ الْمَحْمَلِ، ثُمَّ قَالَ: قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا: فَلَمْ يَمِيلُوا إِلَى إِلَهٍ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ). وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ الْبَجَلِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يُونُسَ: 26] قَالَ: (النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى). وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا قَالَ: (قَدْ قَالَهَا النَّاسُ، فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا.. فَهُوَ مِمَّنِ اسْتَقَامَ).
التاريخ 1851لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِيمَا رُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ ؓ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ قَوْلًا أَوْ قَضَاءً، أَوْ خُطْبَةً أَوْ دُعَاءً أَخْرَجَ اللَّالِكَائِيُّ فِي «السُّنَّةِ» عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ الزِّنَا بِقَدَرٍ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدَّرَهُ عَلَيَّ ثُمَّ يُعَذِّبُنِي؟ قَالَ: (نَعَمْ يَابْنَ اللَّخْنَاءِ، أَمَا وَاللهِ لَوْ كَانَ عِنْدِي إِنْسَانٌ.. أَمَرْتُ أَنْ يَجَأَ أَنْفَكَ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ: (يَا مَعْشَرَ النَّاسِ، اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَظَلُّ حِينَ أَذْهَبُ إِلَى الْغَائِطِ فِي الْفَضَاءِ مُغَطِّيًا رَأْسِي، اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّي). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ، إِنِّي لَأَدْخُلُ الْكَنِيفَ فَأُسْنِدُ ظَهْرِي إِلَى الْحَائِطِ، حَيَاءً مِنَ اللَّهِ). وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي «سُنَنِهِ» عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ: (أَنَّهُ صَلَّى وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ الْمَغْرِبَ، فَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ مِنْ قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَقَرَأَ فِي الثَّالِثَةِ: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا الْآيَةَ.. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا عَزَّى رَجُلًا.. قَالَ: (لَيْسَ مَعَ الْعَزَاءِ مُصِيبَةٌ، وَلَيْسَ مَعَ الْجَزَعِ فَائِدَةٌ، الْمَوْتُ أَهْوَنُ مِمَّا قَبْلَهُ، وَأَشَدُّ مِمَّا بَعْدَهُ، اذْكُرُوا فَقْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ.. تَصْغُرُ مُصِيبَتُكُمْ، وَأَعْظَمَ اللَّهُ أَجَرَكُمْ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ - وَهُوَ صَحَابِيٌّ - قَالَ: ( كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَقُولُ لِي: قُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ الْفَجْرِ حَتَّى أَتَسَحَّرَ ). وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَأَبِي السَّفَرِ قَالَا: ( كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَقُولُ: أَجِيفُوا الْبَابَ حَتَّى نَتَسَحَّرَ ). وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ قَالَ: ( لَقَدْ أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَمَا يُضَحِّيَانِ، إِرَادَةَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِمَا ). وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ( شَهِدْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ: كُلُوا الطَّافِيَ مِنَ السَّمَكِ ). وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ فِي «الْأُمِّ» عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: (أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ). وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ: (أَنَّهُ جَعَلَ الْجَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ) يَعْنِي: فِي الْمِيرَاثِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: (الْجَدُّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ، مَا لَمْ يَكُنْ أَبٌ دُونَهُ، وَابْنُ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ مَا لَمْ يَكُنِ ابْنٌ دُونَهُ). وَأَخْرَجَ عَنِ الْقَاسِمِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أُتِيَ بِرَجُلٍ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (اضْرِبِ الرَّأْسَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ فِي الرَّأْسِ). وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ.. قَالَ: (اللَّهُمَّ ; عَبْدُكَ أَسْلَمَهُ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْعَشِيرَةُ، وَالذَّنْبُ عَظِيمٌ، وَأَنْتَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي «سُنَنِهِ» عَنْ عُمَرَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى بِعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأُمِّ عَاصِمٍ، وَقَالَ: (رِيحُهَا وَشَمُّهَا وَلُطْفُهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْكَ). وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: إِنَّ أَبِي يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ مَالِي كُلَّهُ يَجْتَاحُهُ؟ فَقَالَ لِأَبِيهِ: إِنَّمَا لَكَ مِنْ مَالِهِ مَا يَكْفِيكَ، فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ; أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» فَقَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ النَّفَقَةَ ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: ( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا لَا يَقْتُلَانِ الْحُرَّ بِالْعَبْدِ ). وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ جَدِّهِ: ( أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَضَى فِي الْأُذُنِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَقَالَ: (يُوَارِي شَيْنَهَا الشَّعْرُ وَالْعِمَامَةُ). [أُوصِيكَ بِعَشْرِ خِلَالٍ] وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ بَعَثَ جُيُوشًا إِلَى الشَّامِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، فَقَالَ: (إِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرِ خِلَالٍ: لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا، وَلَا تَقْطَعْ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلَا تَخْرِبَنَّ عَامِرًا، وَلَا تَعْقِرَنَّ شَاةً وَلَا بَعِيرًا إِلَّا لِمَأْكَلِهِ، وَلَا تُفَرِّقَنَّ نَحْلًا وَلَا تَحْرُقْهُ، وَلَا تَغْلُلْ، وَلَا تَجْبُنْ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: ( غَضِبَ أَبُو بَكْرٍ مِنْ رَجُلٍ، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ جَدًّا، فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، اضْرِبْ عُنُقَهُ، قَالَ: وَيْلَكَ!! مَا هِيَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (. [بَعْضُ أَقْضِيَةِ الصِّدِّيقِ ؓ ] وَأَخْرَجَ سَيْفٌ فِي كِتَابِ «الْفُتُوحِ» عَنْ شُيُوخِهِ: أَنَّ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ - وَكَانَ أَمِيرَ الْيَمَامَةِ - رُفِعَ إِلَيْهِ امْرَأَتَانِ مُغَنِّيَتَانِ ; غَنَّتْ إِحْدَاهُمَا بِشَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ: فَقَطَعَ يَدَهَا وَنَزَعَ ثَنَايَاهَا، وَغَنَّتِ الْأُخْرَى بِهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ: فَقَطَعَ يَدَهَا وَنَزَعَ ثَنِيَّتَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ: (بَلَغَنِي الَّذِي فَعَلْتَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي تَغَنَّتْ بِشَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَوْلَا مَا سَبَقْتَنِي فِيهَا.. لَأَمَرْتُكَ بِقَتْلِهَا ; لِأَنَّ حَدَّ الْأَنْبِيَاءِ لَيْسَ يُشْبِهُ الْحُدُودَ، فَمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ مِنْ مُسْلِمٍ.. فَهُوَ مُرْتَدٌّ، أَوْ مُعَاهَدٍ.. فَهُوَ مُحَارِبٌ غَادِرٌ، وَأَمَّا الَّتِي تَغَنَّتْ بِهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ.. فَأَدَبٌ وَتَقْدِمَةٌ دُونَ الْمُثْلَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذِمِّيَّةً.. فَلَعَمْرِي ; لَمَّا صَفَحْتَ عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ فِي مِثْلِ هَذَا.. لَبَلَغْتَ مَكْرُوهًا، فَاقْبَلِ الدَّعَةَ، وَإِيَّاكَ وَالْمُثْلَةَ فِي النَّاسِ ; فَإِنَّهَا مَأْثَمٌ وَمَنْفَرَةٌ إِلَّا فِي قِصَاصٍ). وَأَخْرَجَ مَالِكٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ: (أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ عَلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ وَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، ثُمَّ نَفَاهُ إِلَى فَدَكَ). وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: جِيءَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ وَقَدْ قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (مَا أَجِدُ لَكَ شَيْئًا إِلَّا مَا قَضَى فِيكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أَمَرَ بِقَتْلِكَ ; فَإِنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ بِكَ) فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ، فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ ظَلَمَهُ، فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: وَأَبِيكَ، ; مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ!! ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَقَدُوا حُلِيًّا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَعَلَ يَطُوفُ مَعَهُمْ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ ; عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ، فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ، فَاعْتَرَفَ الْأَقْطَعُ، أَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (وَاللَّهِ ; لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ). وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ: ( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ ). وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ» عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ الْيَمَنِ زَمَانَ أَبِي بَكْرٍ وَسَمِعُوا الْقُرْآنَ.. جَعَلُوا يَبْكُونَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (هَكَذَا كُنَّا، ثُمَّ قَسَتِ الْقُلُوبُ) قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: أَيْ: قَوِيَتْ وَاطْمَأَنَّتْ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (ارْقَبُوا مُحَمَّدًا ﷺ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ). وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي «الْغَرِيبِ» عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: (طُوبَى لِمَنْ مَاتَ فِي النَّأْنَأَةِ): أَيْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ تَحَرُّكِ الْفِتَنِ. وَأَخْرَجَ الْأَرْبَعَةُ وَمَالِكٌ عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ: ( جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا؟ فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ نَبِيِّ اللهِ ﷺ شَيْئًا، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكِ غَيْرَكِ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَأَخْرَجَ مَالِكٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: ( أَنَّ جَدَّتَيْنِ أَتَتَا أَبَا بَكْرٍ تَطْلُبَانِ مِيرَاثَهُمَا ; أُمُّ أُمٍّ وَأُمُّ أَبٍ، فَأَعْطَى الْمِيرَاثَ أُمَّ الْأُمِّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَخُو بَنِي حَارِثَةَ -: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ; أَعْطَيْتَ الَّتِي لَوْ أَنَّهَا مَاتَتْ.. لَمْ يَرِثْهَا؟ ! فَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمَا ). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنْ عَائِشَةَ ؓ حَدِيثُ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الَّتِي طُلِّقَتْ مِنْهُ، وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَغْشَاهَا، وَأَرَادَتِ الْعَوْدَ إِلَى رِفَاعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ». وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الصَّحِيحِ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: فَقَعَدَتْ، ثُمَّ جَاءَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ أَنْ قَدْ مَسَّهَا، فَمَنَعَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ ; إِنْ كَانَ إِنَّمَا بِهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَى رِفَاعَةَ.. فَلَا يَتِمُّ لَهَا نِكَاحُهُ مَرَّةً أُخْرَى»، ثُمَّ أَتَتْ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي خِلَافَتِهِمَا فَمَنَعَاهَا. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: ( أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِي وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ بَعَثَاهُ بَرِيدًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِرَأْسِ بَنَانَ بِطْرِيقِ الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ.. أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عُقْبَةُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ; فَإِنَّهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِنَا؟ ! قَالَ: أَفَيَسْتَنَّانِ بِفَارِسَ وَالرُّومِ؟ ! لَا يُحْمَلُ إِلَيَّ رَأْسٌ، إِنَّمَا يَكْفِي الْكِتَابَ وَالْخَبَرَ ). وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: ( دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ، فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالُوا: حَجَّتْ مُصْمَتَةً، قَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي ; فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ فَقَالَتْ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: امْرُؤٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ: أَيُّ الْمُهَاجِرِينَ؟ قَالَ: مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَتْ: مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ؟ قَالَ: إِنَّكِ لَسَئُولٌ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَتْ: مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ أَئِمَّتُكُمْ، قَالَتْ: وَمَا الْأَئِمَّةُ؟ قَالَ: أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُءُوسٌ وَأَشْرَافٌ يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَتْ: بَلَى قَالَ: فَهُمْ أُولَئِكَ عَلَى النَّاسِ ). وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ اطَّلَعَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ آخِذٌ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ: (هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ). وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي «الْغَرِيبِ» عَنْ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ مَرَّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ يُمَاظُّ جَارًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ: (لَا تُمَاظَّ جَارَكَ ; فَإِنَّهُ يَبْقَى وَيَذْهَبُ عَنْكَ النَّاسُ). الْمُمَاظَّةُ: الْمُنَازَعَةُ وَالْمُخَاصَمَةُ. [مِنْ خُطَبِ سَيِّدِنَا أَبِي بَكْرٍ ؓ ] وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ يَخْطُبُ فَيَقُولُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَنَسْأَلُهُ الْكَرَامَةَ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ ; فَإِنَّهُ قَدْ دَنَا أَجَلِي وَأَجَلُكُمْ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَسِرَاجًا مُنِيرًا ; لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.. فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا.. فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا. أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاعْتِصَامِ بِأَمْرِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لَكُمْ وَهَدَاكُمْ بِهِ، ; فَإِنَّ جَوَامِعَ هُدَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِمَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ; فَإِنَّهُ مَنْ يُطِعِ وَالِيَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.. فَقَدْ أَفْلَحَ، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ. وَإِيَّاكُمْ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى ; فَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ حُفِظَ مِنَ الْهَوَى وَالطَّمَعِ وَالْغَضَبِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْفَخْرَ، وَمَا فَخْرُ مَنْ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِلَى التُّرَابِ يَعُودُ، ثُمَّ يَأْكُلُهُ الدُّودُ، ثُمَّ هُوَ الْيَوْمَ حَيٌّ وَغْدًا مَيِّتٌ؟ ! فَاعْمَلُوا يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَسَاعَةً بِسَاعَةٍ، وَتَوَقُّوا دُعَاءَ الْمَظْلُومِ، وَعُدُّوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْمَوْتَى، وَاصْبِرُوا فَإِنَّ الْعَمَلَ كُلَّهُ بِالصَّبْرِ، وَاحْذَرُوا وَالْحَذَرُ يَنْفَعُ، وَاعْمَلُوا وَالْعَمَلُ يُقْبَلُ، وَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِهِ، وَسَارَعُوا فِيمَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ. وَافْهَمُوا وَتَفَهَّمُوا، وَاتَّقُوا وَتَوَقُّوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَمَا نَجَى بِهِ مَنْ نَجَى قَبْلَكُمْ، قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ فِي كِتَابِهِ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ، وَمَا يُحِبُّ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمَا يَكْرَهُ ; فَإِنِّي لَا آلُوكُمْ وَنَفْسِي، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَاعْلَمُوا: أَنَّكُمْ مَا أَخْلَصْتُمْ لِلَّهِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ.. فَرَبَّكُمْ أَطَعْتُمْ، وَحَظَّكُمْ حَفِظْتُمْ وَاغْتَبَطْتُمْ، وَمَا تَطَوَّعْتُمْ بِهِ لِرَبِّكُمْ.. فَاجْعَلُوهُ نَوَافِلَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، تَسْتَوْفُوا لِسَلَفِكُمْ، وَتُعْطُوا جَزَاءَكُمْ حِينَ فَقْرِكُمْ وَحَاجَتِكُمْ إِلَيْهَا. ثُمَّ تَفَكَّرُوا عِبَادَ اللَّهِ فِي إِخْوَانِكُمْ وَصَحَابَتِكُمُ الَّذِينَ مَضَوْا ; قَدْ وَرَدُوا عَلَى مَا قَدَّمُوا فَأَقَامُوا عَلَيْهِ، وَحَلُّوا فِي الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ. إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ نَسَبٌ يُعْطِيهِ بِهِ خَيْرًا، وَلَا يَصْرِفُ عَنْهُ سُوءًا إِلَّا بِطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ ; فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي خَيْرٍ بَعْدَهُ النَّارُ، وَلَا شَرَّ فِي شَرٍّ بَعْدَهُ الْجَنَّةُ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَصَلُّوا عَلَى نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ). وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: خَطَبَنَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، ثُمَّ قَالَ: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأَنْ تُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَأَنْ تَخْلِطُوا الرَّغْبَةَ بِالرَّهْبَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ. ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ: أَنَّ اللَّهَ قَدِ ارْتَهَنَ بِحَقِّهِ أَنْفُسَكُمْ، وَأَخَذَ عَلَى ذَلِكَ مَوَاثِيقَكُمْ، وَاشْتَرَى مِنْكُمُ الْقَلِيلَ الْفَانِيَ بِالْكَثِيرِ الْبَاقِي، وَهَذَا كِتَابُ اللَّهِ فِيكُمْ لَا يُطْفَأُ نُورُهُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، فَاسْتَضِيئُوا بِنُورِهِ، وَانْتَصِحُوا كِتَابَهُ، وَاسْتَضِيئُوا مِنْهُ لِيَوْمِ الظُّلْمَةِ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَكُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَوَكَّلَ بِكُمْ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ. ثُمَّ اعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ: أَنَّكُمْ تَغْدُونَ وَتَرُوحُونَ فِي أَجَلٍ قَدْ غُيِّبَ عَنْكُمْ عِلْمُهُ ; فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْقَضِيَ الْآجَالُ وَأَنْتُمْ فِي عَمَلِ اللَّهِ.. فَافْعَلُوا، وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ إِلَّا بِاللَّهِ، سَابِقُوا فِي آجَالِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ آجَالُكُمْ فَيَرُدَّكُمْ إِلَى أَسْوَأِ أَعْمَالِكُمْ ; فَإِنَّ قَوْمًا جَعَلُوا آجَالَهُمْ لِغَيْرِهِمْ وَنَسُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْهَاكُمْ أَنْ تَكُونُوا أَمْثَالَهُمْ ; فَالْوَحَا الْوَحَا، ثُمَّ النَّجَاءَ النَّجَاءَ ; فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ طَالِبًا حَثِيثًا مَرُّهُ سَرِيعٌ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَأَحْمَدُ فِي «الزُّهْدِ» وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي «الْحِلْيَةِ» عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: (أَيْنَ الْوُضَّاءُ الْحَسَنَةُ وُجُوهُهُمُ، الْمُعْجَبُونَ بِشَبَابِهِمْ؟ ! أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِينَ بَنَوُا الْمَدَائِنَ وَحَصَّنُوهَا؟ ! أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يُعْطَوْنَ الْغَلَبَةَ فِي مُوَاطِنِ الْحَرْبِ؟ ! قَدْ تَضَعْضَعَ أَرْكَانُهُمْ حِينَ أَخْنَى بِهِمُ الدَّهْرُ، وَأَصْبَحُوا فِي ظُلُمَاتِ الْقُبُورِ، الْوَحَا الْوَحَا، ثُمَّ النَّجَاءَ النَّجَاءَ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي «الزُّهْدِ» عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: ( أَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا سَلْمَانُ ; اتَّقِ اللَّهَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ سَتَكُونُ فُتُوحٌ، فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا كَانَ حَظُّكَ مِنْهَا مَا جَعَلْتَهُ فِي بَطْنِكَ، أَوْ أَلْقَيْتَهُ عَلَى ظَهْرِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.. فَإِنَّهُ يُصْبِحُ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، وَيُمْسِي فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا تَقْتُلْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ ذِمَّةِ اللَّهِ فَتَخْفِرَ اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ، فَيُكِبَّكَ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِكَ). وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ؓ قَالَ: (يُقْبَضُ الصَّالِحُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، حَتَّى يَبْقَى مِنَ النَّاسِ حُثَالَةٌ كَحُثَالَةِ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، لَا يُبَالِي اللَّهُ بِهِمْ). وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي «سُنَنِهِ» عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ؓ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ ; اجْعَلْ خَيْرَ عُمَرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَوَاتِمَهُ، وَخَيْرَ أَيَّامِي يَوْمَ لِقَائِكَ ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي «الزُّهْدِ» عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: (اللَّهُمَّ ; إِنِّي أَسْأَلُكَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِي فِي عَاقِبَةِ الْأَمْرِ، اللَّهُمَّ ; اجْعَلْ آخِرَ مَا تُعْطِينِي مِنَ الْخَيْرِ رِضْوَانَكَ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى مِنْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ). وَأَخْرَجَ عَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْكِيَ.. فَلْيَبْكِ، وَإِلَّا فَلْيَتَبَاكَ). وَأَخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: (أَهْلَكَهُنَّ الْأَحْمَرَانِ: الذَّهَبُ، وَالزَّعْفَرَانُ ). وَأَخْرَجَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: (إِنَّ الْمُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ; حَتَّى فِي النَّكْبَةِ وَانْقِطَاعِ شِسْعِهِ، وَالْبِضَاعَةُ تَكُونُ فِي كُمِّهِ، فَيَفْقِدُهَا، فَيَفْزَعُ لَهَا، فَيَجِدُهَا فِي ضَبْنِهِ ). وَأَخْرَجَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، قَالَ: أَتَى أَبُو بَكْرٍ بِغُرَابٍ وَافِرِ الْجَنَاحَيْنِ، فَقَلَبَهُ ثُمَّ قَالَ: (مَا صِيدَ مِنْ صَيْدٍ، وَلَا عَضَدْتَ مِنْ شَجَرَةٍ.. إِلَّا بِمَا ضَيَّعْتَ مِنَ التَّسْبِيحِ). وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي «الْأَدَبِ» وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ «الزُّهْدِ» عَنِ الصُّنَابِحِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ: (إِنَّ دُعَاءَ الْأَخِ لِأَخِيهِ فِي اللَّهِ يُسْتَجَابُ). وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فِي زَوَائِدِ «الزُّهْدِ» عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ لَبِيدٍ الشَّاعِرِ: أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ فَقَالَ (صَدَقْتَ)، فَقَالَ: وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ فَقَالَ: (كَذَبْتَ ; عِنْدَ اللَّهِ نَعِيمٌ لَا يَزُولُ)، فَلَمَّا وَلَّى.. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (رُبَّمَا قَالَ الشَّاعِرُ الْكَلِمَةَ مِنَ الْحِكْمَةِ). كَلِمَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى شِدَّةِ خَوْفِهِ مِنْ رَبِّهِ أَخْرَجَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ حَائِطًا ; وَإِذَا بِدُبْسِيٍّ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ، فَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ: (طُوبَى لَكَ يَا طَيْرُ ; تَأْكُلُ مِنَ الشَّجَرِ، وَتَسْتَظِلُّ بِالشَّجَرِ، وَتَصِيرُ إِلَى غَيْرِ حِسَابٍ، يَا لَيْتَ أَبَا بَكْرٍ مِثْلُكَ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا مُدِحَ.. قَالَ: (اللَّهُمَّ ; أَنْتَ أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي، وَأَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْهُمُ، اللَّهُمَّ ; اجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ، وَاغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي «الزُّهْدِ» عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ( كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ.. كَأَنَّهُ عُودٌ مِنَ الْخُشُوعِ، قَالَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ كَذَلِكَ ). وَأَخْرَجَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: حَضَرَتِ الْوَفَاةُ ابْنًا لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَجَعَلَ الْفَتَى يَلْحَظُ إِلَى وِسَادَةٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ.. قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ: رَأَيْنَا ابْنَكَ يَلْحَظُ إِلَى وِسَادَةٍ!! فَدَفَعُوهُ عَنِ الْوِسَادَةِ فَوَجَدُوا تَحْتَهَا خَمْسَةَ دَنَانِيرَ أَوْ سِتَّةً، فَضَرَبَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ عَلَى الْأُخْرَى يُرَجِّعُ وَيَقُولُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، يَا فُلَانُ ; مَا أَحْسَبُ جِلْدَكَ يَتَّسِعُ لَهَا). وَأَخْرَجَ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يَتَمَثَّلُ: لَا تَزَالُ تَنْعِي حَبِيبًا حَتَّى تَكُونَهُ وَقَدْ يَرْجُو الْفَتَى الرَّجَا يَمُوتُ دُونَهُ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ أَهْيَبَ لِمَا لَا يَعْلَمُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ أَهْيَبَ لِمَا لَا يَعْلَمُ مِنْ عُمَرَ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ نَزَلَتْ بِهِ قَضِيَّةٌ فَلَمْ نَجِدْ لَهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ أَصْلًا، وَلَا فِي السُّنَّةِ أَثَرًا، فَقَالَ:) أَجْتَهِدُ رَأْيِي فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا.. فَمِنَ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً.. فَمِنِّي وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ). فَائِدَةٌ [فِي قِيَادَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِسَرِيَّةٍ فِيهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ؓ ] أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: ( بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِي فِي سَرِيَّةٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَكَانِ الْحَرْبِ.. أَمَرَهُمْ عَمْرٌو أَلَّا يُنَوِّرُوا نَارًا، فَغَضِبَ عُمَرُ، فَهَمَّ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَنَهَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَخْبَرَهُ: أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْكَ إِلَّا لِعِلْمِهِ بِالْحَرْبِ، فَهَدَأَ عَنْهُ ). وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ بَعْضِ مَشْيَخَتِهِمْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: « إِنِّي لَأُؤَمِّرَ الرَّجُلَ عَلَى الْقَوْمِ فِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ; لِأَنَّهُ أَيْقَظُ عَيْنًا وَأَبْصَرُ بِالْحَرْبِ ». فَائِدَةٌ [فِي ضَيَاعِ الْأَمَانَةِ] أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: (لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ.. خَرَجَتِ ابْنَةٌ لِأَبِي قُحَافَةَ، فَلَقِيَتْهَا الْخَيْلُ، وَفِي عُنُقِهَا طَوْقٌ مِنْ وَرِقٍ، فَاقْتَطَعَهُ إِنْسَانٌ مِنْ عُنُقِهَا، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسْجِدَ.. قَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ طَوْقَ أُخْتِي، فَوَاللَّهِ مَا أَجَابَهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ فَمَا أَجَابَهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: يَا أُخَيَّةُ ; احْتَسِبِي طَوْقَكِ، فَوَاللَّهِ ; إِنَّ الْأَمَانَةَ الْيَوْمَ فِي النَّاسِ لَقَلِيلٌ).
التاريخ 1852لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي أَوَّلِيَّاتِهِ مِنْهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ، وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ مُصْحَفًا، وَتَقَدَّمَ دَلِيلُ ذَلِكَ. وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ خَلِيفَةً. أَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ، يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ، قَالَ: (أَنَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا رَاضٍ بِهِ). وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ فَرَضَ لَهُ رَعِيَّتُهُ الْعَطَاءَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: (لَمَّا احْتُضِرَ أَبُو بَكْرٍ... قَالَ: يَا عَائِشَةُ، انْظُرِي اللِّقْحَةَ الَّتِي كُنَّا نَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا، وَالْجَفْنَةَ الَّتِي كُنَّا نَصْطَبِحُ فِيهَا، وَالْقَطِيفَةَ الَّتِي كُنَّا نَلْبَسُهَا، فَإِنَّا كُنَّا نَنْتَفِعُ بِذَلِكَ حِينَ كُنَّا نَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا مُتُّ.. فَارْدُدِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَلَمَّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ.. أَرْسَلْتُ بِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا بَكْرٍ، لَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكَ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا احْتُضِرَ لِعَائِشَةَ: (يَا بُنَيَّةُ، إِنَّا وُلِّينَا أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمْ نَأْخُذْ لَنَا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَلَكُنَّا أَكَلْنَا مِنْ جَرِيشِ طَعَامِهِمْ فِي بُطُونِنَا، وَلَبَسْنَا مِنْ خَشِنِ ثِيَابِهِمْ عَلَى ظُهُورِنَا، وَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ عِنْدَنَا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، إِلَّا هَذَا الْعَبْدُ الْحَبَشِيُّ، وَهَذَا الْبَعِيرُ النَّاضِحُ، وَجَرْدَ هَذِهِ الْقَطِيفَةِ، فَإِذَا مُتُّ... فَابْعَثِي بِهِنَّ إِلَى عُمَرَ). وَمِنْهَا: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ. أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَغَيْرِهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ؓ كَانَ لَهُ بَيْتُ مَالٍ بِالسُّنْحِ لَيْسَ يَحْرُسُهُ أَحَدٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَجْعَلُ عَلَيْهِ مَنْ يَحْرُسُهُ؟ قَالَ: عَلَيْهِ قُفْلٌ، وَكَانَ يُعْطِي مَا فِيهِ حَتَّى يَفْرَغَ، فَلَمَّا انْتَقَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ.. حَوَّلَهُ فَجَعَلَهُ فِي دَارِهِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ مَالٌ، فَكَانَ يُقَسِّمُهُ عَلَى فُقَرَاءِ النَّاسِ، فَيُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ فِي الْقَسْمِ، وَكَانَ يَشْتَرِي الْإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ فَيَجْعَلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَاشْتَرَى قَطَائِفَ أَتَى بِهَا مِنَ الْبَادِيَةِ فَفَرَّقَهَا فِي أَرَامِلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ ؓ وَدُفِنَ... دَعَا عُمَرُ الْأُمَنَاءَ، وَدَخَلَ بِهِمْ بَيْتَ مَالِ أَبِي بَكْرٍ - مِنْهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ - فَفَتَحُوا بَيْتَ الْمَالِ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ لَا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا). قُلْتُ: وَبِهَذَا الْأَثَرِ يُرَدُّ قَوْلُ الْعَسْكَرِيِّ فِي «الْأَوَائِلِ»: (إِنَّ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ عُمَرُ، وَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَيْتُ مَالٍ، وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ ؓ ). وَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِي الَّذِي صَنَّفْتُهُ فِي الْأَوَائِلِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْعَسْكَرِيَّ تَنَبَّهَ لَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَ بَيْتَ الْمَالِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ لِأَبِي بَكْرٍ). وَمِنْهَا: قَالَ الْحَاكِمُ: (أَوَّلُ لَقَبٍ فِي الْإِسْلَامِ: لَقَبُ أَبِي بَكْرٍ، عَتِيقٌ. فَائِدَةٌ [فِي أَرْبَعَةٍ أَدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبْنَائِهِمْ ؓ ] أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: (لَا نَعْلَمُ أَرْبَعَةً أَدْرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ وَأَبْنَاءَهُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو قُحَافَةَ، وَابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو عَتِيقٍ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ). وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: ( مَا أَسْلَمَ أَبُو أَحَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَبُو أَبِي بَكْرٍ ). فَائِدَةٌ [فِي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ؓ كَانَ أَسَنَّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ] أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَالْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( كَانَ أَسَنَّ أَصْحَابِ الرَّسُولِ - ﷺ: - أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ بَيْضَاءَ ).
التاريخ 1853لا حكم مسجّل
مرض أبي بكر ؓ فَصْلٌ فِي مَرَضِهِ وَوَفَاتِهِ، وَوَصِيَّتِهِ، وَاسْتِخْلَافِهِ عُمَرَ أَخْرَجَ سَيْفٌ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (كَانَ سَبَبُ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ وَفَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمِدَ، فَمَا زَالَ جِسْمُهُ يَحْرِي حَتَّى مَاتَ). يَحْرِي: أَيْ يَنْقُصُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَالْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ كَانَا يَأْكُلَانِ خَزِيرَةً أُهْدِيَتْ لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ الْحَارِثُ لِأَبِي بَكْرٍ: (ارْفَعْ يَدَكَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّ فِيهَا لَسُمُّ سَنَةٍ، وَأَنَا وَأَنْتَ نَمَوْتُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ)، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَلَمْ يَزَالَا عَلِيلَيْنِ حَتَّى مَاتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عِنْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (مَاذَا نَتَوَقَّعُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ وَقَدْ سُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسُمَّ أَبُو بَكْرٍ ؟ !) وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: (كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ مَرَضِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِسَبْعٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا، فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يَخْرُجُ إِلَى صَلَاةٍ، وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً). اسْتِخْلَافُهُ لِعُمَرَ ؓ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: (دَخَلُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَا نَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ؟ قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، فَقَالُوا: مَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ). وَأَخْرَجَ الْوَاقِدِيُّ مِنْ طُرُقٍ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا ثَقُلَ.. دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ فَقَالَ: مَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَمْرٍ.. إِلَّا وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي!! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنْ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ فِيهِ. ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ؟ فَقَالَ: أَنْتَ أَخْبَرُنَا بِهِ، فَقَالَ: عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ. وَشَاوَرَ مَعَهُمَا سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، وَأُسَيْدَ بْنَ الْحُضَيْرِ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ أُسَيْدٌ: اللَّهُمَّ أَعْلَمُهُ الْخَيِّرَ بَعْدَكَ، يَرْضَى لِلرِّضَا وَيَسْخَطُ لِلسُّخْطِ، الَّذِي يُسِرُّ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي يُعْلِنُ، وَلَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرِ أَحَدٌ أَقْوَى عَلَيْهِ مِنْهُ. عَهْدُ الصِّدِّيقِ وَوَصَّيْتُهُ ؓ وَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنْهُمْ: مَا أَنْتَ قَائِلٌ لِرَبِّكَ إِذَا سَأَلَكَ عَنِ اسْتِخْلَافِكَ عُمَرَ عَلَيْنَا وَقَدْ تَرَى غِلْظَةً؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي؟ ! أَقُولُ: اللَّهُمَّ، إِنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَ أَهْلِكَ، أَبْلِغْ عَنِّي مَا قُلْتُ مَنْ وَرَائَكَ. ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ، فَقَالَ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ فِي آخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا خَارِجًا مِنْهَا، وَعِنْدَ أَوَّلِ عَهْدِهِ بِالْآخِرَةِ دَاخِلًا فِيهَا، حَيْثُ يُؤْمِنُ الْكَافِرُ، وَيُوقِنُ الْفَاجِرُ، وَيَصْدُقُ الْكَاذِبُ: إِنِّي اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، وَإِنِّي لَمْ آلُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَدِينَهُ وَنَفْسِي وَإِيَّاكُمْ خَيْرًا، فَإِنْ عَدَلَ.. فَذَلِكَ ظَنِّي بِهِ وَعِلْمِي فِيهِ، وَإِنَّ بَدَّلَ فَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ، وَالْخَيْرَ أَرَدْتُ، وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ: وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ أَمَرَ بِالْكِتَابِ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانَ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا، فَبَايَعَ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ، ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ خَالِيًا، فَأَوْصَاهُ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا صَلَاحَهُمْ، وَخِفْتُ عَلَيْهِمُ الْفِتْنَةَ، فَعَمِلْتُ فِيهِمْ بِمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُمْ رَأْيِي، فَوَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ وَأَقْوَاهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى مَا أَرْشَدَهُمْ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِكَ مَا حَضَرَ، فَاخْلُفْنِي فِيهِمْ، فَهُمْ عِبَادُكَ، وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِكَ، أَصْلِحْ لَهُمْ وُلَاتَهُمْ، وَاجْعَلْهُ مِنْ خُلَفَائِكَ الرَّاشِدِينَ، وَأَصْلِحْ لَهُ رَعِيَّتَهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: (أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، وَصَاحِبَةُ مُوسَى حِينَ قَالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ، وَالْعَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ فِي يُوسُفَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ سَيَّارٍ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: (لَمَّا ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ.. أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُوَّةٍ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قَدْ عَهِدْتُ عَهْدًا، أَفَتَرْضَوْنَ بِهِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: رَضِينَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَقَالَ: لَا نَرْضَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ عُمَرُ، قَالَ: فَإِنَّهُ عُمَرُ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: (إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ.. قَالَ: أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ قَالَ: فَإِنْ مِتُّ مِنْ لَيْلَتِي.. فَلَا تَنْتَظِرُوا بِيَ الْغَدَ، فَإِنْ أَحَبَّ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِي إِلَى أَقْرَبِهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ). وَأَخْرَجَ مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ ؓ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ.. قَالَ: يَا بُنَيَّةُ، وَاللَّهِ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ.. كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَاأَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا... لَتَرَكْتُهُ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ، فَمَنِ الْأُخْرَى؟ قَالَ: ذُو بَطْنِ ابْنَةِ خَارِجَةَ، أُرَاهَا جَارِيَةً). وَأَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: (قَالَ: ذَاتُ بَطْنِ ابْنَةِ خَارِجَةَ، قَدْ أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّهَا جَارِيَةٌ، فَاسْتَوْصِي بِهَا خَيْرًا، فَوُلِدَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ [ خَالِدِ بْنِ أَبِي عَزَّةَ ]: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى بِخُمْسِ مَالِهِ، وَقَالَ: (آخُذُ مِنْ مَالِي مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ). وَأُخْرِجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ قَالَ: (لَأَنْ أُوصِيَ بِالْخُمْسِ.. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبْعِ، وَلَأَنْ أُوصِيَ بِالرُّبْعِ.. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالثُّلُثِ، وَمَنْ أَوْصَى بِالثُّلُثِ.. لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا). وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي «سُنَنِهِ» عَنِ الضَّحَّاكِ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا أَوْصَيَا بِالْخُمْسِ مِنْ أَمْوَالِهِمَا لِمَنْ لَا يَرِثُ مِنْ ذَوِي قَرَابَتِهِمَا). وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي «زَوَائِدِ الزُّهْدِ» عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: (وَاللَّهِ، مَا تَرَكَ أَبُو بَكْرٍ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا ضَرَبَ اللَّهُ سِكَّتَهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ:) لَمَّا ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ.. تَمَثَّلْتُ بِهَذَا الْبَيْتِ: لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذَا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وَضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، وَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ قُولِي: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق: 19] انْظُرُوا ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ فَاغْسِلُوهُمَا، وَكَفِّنُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إِلَى الْجَدِيدِ مِنَ الْمَيِّتِ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ، عَنْ عَائِشَةَ ؓ: أَنَّهَا تَمَثَّلَتْ بِهَذَا الْبَيْتِ وَأَبُو بَكْرٍ يَقْضِي: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: (ذَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ:) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَيُعِينَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ (. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: ( أَنَّ عُمَرَ ؓ صَلَّى عَلَى أَبِي بَكْرٍ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا). وَأَخْرَجَ عَنْ عُرْوَةَ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: ( أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى عَائِشَةَ أَنْ يُدْفَنَ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ.. حُفِرَ لَهُ وَجُعِلَ رَأْسُهُ عِنْدَ كَتِفَيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأُلْصِقَ اللَّحْدُ بِقَبْرِ الرَّسُولِ ﷺ ). وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (نَزَلَ فِي حُفْرَةِ أَبِي بَكْرٍ: عُمَرُ وَطَلْحَةُ، وَعُثْمَانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ). وَأُخْرِجَ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ: (أَنَّهُ دُفِنَ لَيْلًا). وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا مَاتَ.. ارْتَجَّتْ مَكَّةُ، فَقَالَ أَبُو قُحَافَةَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: مَاتَ ابْنُكَ، قَالَ: رُزْءٌ جَلِيلٌ، مَنْ قَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ؟ قَالُوا: عُمَرُ، قَالَ: صَاحِبُهُ). وَأَخْرَجَ عَنْ مُجَاهِدٍ: (أَنَّ أَبَا قُحَافَةَ رَدَّ مِيرَاثَهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ عَلَى وَلَدِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَعِشْ أَبُو قُحَافَةَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَمَاتَ فِي الْمُحَرَّمِ، سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً). قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمْ يَلِ الْخِلَافَةَ أَحَدٌ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ إِلَّا أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَرِثْ خَلِيفَةً أَبُوهُ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ وَسَبْعَةَ أَشْهُرٍ). وَفِي «تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ » بِسَنَدِهِ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ: قَالَ خِفَافُ بْنُ نَنَدْبَةَ السُّلَمِيُّ يَبْكِي أَبَا بَكْرٍ ؓ: لَيْسَ لِحَيٍّ فَاعْلَمْنَهُ بَقَاءْ وَكُلُّ دُنْيَا أَمْرُهَا لِلْفَنَاءِ وَالْمُلْكُ فِي الْأَقْوَامِ مُسْتَوْدَعٌ عَارِيَةٌ وَالشَّرْطُ فِيهِ الْأَدَاءْ وَالْمَرْءُ يَسْعَى وَلَهُ رَاصِدٌ تَنْدُبُهُ الْعَيْنُ وَنَارُ الصَّدَاءْ يَهْرَمُ أَوْ يُقْتَلُ أَوْ قَهْرُهُ يَشُكُّوهُ سُقْمٌ لَيْسَ فِيهِ شِفَاءْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الْغَيْثُ إِذْ لَمْ تُزْرَعِ الْجَوْزَاءُ بَقْلًا بِمَاءْ تَاللَّهِ لَا يُدْرِكُ أَيَّامَهُ ذُو مِئْزَرٍ نَاشٍ، وَلَا ذُو رِدَاءْ مَنْ يَسَعَ كَيْ يُدْرِكَ أَيَّامَهُ مُجْتَهِدُ الشَّدِّ بِأَرْضٍ فَضَاءْ
التاريخ 1797لا حكم مسجّل
خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَ مِنَ الْهِجْرَةِ الْمُبَارَكَةِ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِيمَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِ النَّبِيِّ ﷺ، حَتَّى اسْتَقَرَّ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى خَيْرِهِمْ وَخَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ، فَبُويِعَ أَبُو بَكْرٍ ؓ بِالْخِلَافَةِ، وَهَذَا يَعُودُ لِمَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِفَضْلِهِ وَسَابِقَتِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَلِوُرُودِ الْعَدِيدِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تُشِيرُ بِدَلَالَةِ الْمَفْهُومِ إِلَى أَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَهُوَ الصِّدِّيقُ الَّذِي مَا ارْتَجَّ فِي إِسْلَامِهِ وَهُوَ الْمُتَصَدِّقُ بِكُلِّ مَالِهِ تَارِكًا لِأَهْلِهِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَرَسُولَهُ ﷺ. وَهُوَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّلَاةِ فِي أَثْنَاءِ مَرَضِهِ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ تَسُدَّ كُلُّ أَبْوَابٍ مُشَرَّعَةٍ عَلَى الْمَسْجِدِ إِلَّا بَابَهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ. وَلَمَّا تَوَلَّى الصَّدِّيقُ ؓ الْخِلَافَةَ ارْتَدَتْ أَحْيَاءٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَنَجَمَ النِّفَاقُ بِالْمَدِينَةِ، وَانْحَازَ إِلَى مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابِ بَنُو حَنِيفَةَ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ بِالْيَمَامَةِ، وَالْتَفَّتْ عَلَى طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ بَنُو أَسَدٍ وَطَيِّئٌ، وَبَشَرٌ كَثِيرٌ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ كَمَا ادَّعَاهَا مُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ، وَعَظُمَ الْخَطْبُ وَاشْتَدَّتِ الْحَالُ. وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ صَمَّمَ الصِّدِّيقُ عَلَى إِنْفَاذِ جَيْشِ أُسَامَةَ، فَقَلَّ الْجُنْدُ عِنْدَ الصِّدِّيقِ، فَطَمِعَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ فِي الْمَدِينَةِ، وَرَامُوا أَنْ يَهْجُمُوا عَلَيْهَا، فَجَعَلَ الصِّدِّيقُ عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ حُرَّاسًا يَبِيتُونَ بِالْجُيُوشِ حَوْلَهَا. كَمَا امْتَنَعَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْعَرَبِ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَجَعَلَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ تَقْدُمُ الْمَدِينَةَ، يُقِرُّونَ بِالصَّلَاةِ وَيَمْتَنِعُونَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِهَا إِلَى الصِّدِّيقِ. وَهُنَا أَبَى الصِّدِّيقُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَصَمَّمَ عَلَى قِتَالِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَلَوْ مَنَعُوا فَوَاقَ نَاقَةٍ، وَلَمَّا رَأَى الصَّحَابَةُ انْشِرَاحَ أَبِي بَكْرٍ لِهَذَا الْأَمْرِ عَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ فَكَانَ فِيهِ حِفْظُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَقَدْ خَرَجَ الصِّدِّيقُ بِنَفْسِهِ لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ حَتَّى أَلَحَّ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ بِأَلَّا يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يَمْكُثَ وَيَبْعَثَ الْبُعُوثَ، وَيَنْظُرَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَوَافَقَهُمْ ؓ وَعَقَدَ الْأَلْوِيَةَ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ بِالْجُيُوشِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، فَعَقَدَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً وَوَجَّهَهَا لِقِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ مِنَ الْعَرَبِ وَذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِ جَيْشِ أُسَامَةَ. وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ خَرَجَتْ سَجَاحُ مُدَّعِيَةً النُّبُوَّةَ وَالْتَفَّ عَلَيْهَا أُنَاسٌ مِنْ قَوْمِهَا وَتَبِعَهَا الْكَثِيرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَعَلَى رَأْسِهِمْ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَعَدَدٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَأَرَادَتْ أَنْ تُقَاتِلَ الصِّدِّيقَ ثُمَّ غَيَّرَتْ وُجْهَتَهَا إِلَى حَيْثُ مُسَيْلَمَةَ الْكَذَّابِ وَلَهَا مَعَهُ قِصَّةٌ وَوَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ. وَقَدْ رَمَى الصِّدِّيقُ مُسَيْلَمَةَ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَأَرْسَلَ مَعَهُ الْجُيُوشَ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَسَرُوا الْمَلْعُونَ وَقَتَلَهُ وَحْشِيٌّ وَأَبُو دُجَانَةَ ؓ بَعْدَ صَوْلَاتٍ لِجَيْشِ الْمُسْلِمِينَ وَجَوْلَاتٍ وَحِصَارِ الْمُرْتَدِّينَ فِي حَدِيقَةِ الْمَوْتِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا ارْتَدَّ أَهْلُ عُمَانَ وَمَهَرَةَ وَالْيَمَنِ، فَتَبِعَ أَهْلَ عُمَانَ لَقِيطُ بْنُ مَالِكٍ الْأَزْدِيُّ، فَادَّعَى النُّبُوَّةَ أَيْضًا، وَتَابَعَهُ الْجَهَلَةُ مِنْ أَهْلِ عُمَانَ، فَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا وَقَهَرَ جَيْفَرًا وَعَبَّادًا وَأَلْجَأَهُمَا إِلَى أَطْرَافِهَا. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الصِّدِّيقُ حُذَيْفَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْحِمْيَرِيَّ وَعَرْفَجَةَ الْبَارِقِيَّ، بِالْجُيُوشِ ثُمَّ أَلْحَقُ بِهِمَا عِكْرِمَةَ ؓ، وَأَمَرَهُمُ الصِّدِّيقُ أَنْ يُنَكِّلُوا بِالْمُرْتَدِّينَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا كَانَ مَسِيرُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ لِقِتَالِ طُلَيْحَةَ الْأَسَدِيِّ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَمَنِ انْضَافَ إِلَى طُلَيْحَةَ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ فَكَسَرَهُمْ خَالِدٌ وَهَرَبَ طُلَيْحَةُ إِلَى الشَّامِ وَتَفَرَّقَ جَمْعُهُ وَأُسِرَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وَأَرْسَلَهُ خَالِدًا وَهُوَ مَكْتُوفٌ إِلَى الصِّدِّيقِ ؓ، ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ إِلَى مَنِ اجْتَمَعَ عَلَى أُمِّ زِمْلٍ فِي يَوْمِ بُزَاخَةَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِ طَلْحَةَ عَدَدٌ كَثِيفٌ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ. وَفِيهَا كَانَ قَتْلُ خَالِدٍ لِمَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ بَعْدَمَا أَسَرَهُ وَأَصْحَابَهُ، وَكَانَ كَمَا مَرَّ قَدِ اتَّبَعَ سَجَاحَ وَمَنَعَ الزَّكَاةَ، وَفِيهَا كَانَ قَتْلُ أَبِي بَكْرٍ لِلْفُجَاءَةِ تَحْرِيقًا نَظَرًا لِخِيَانَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَقَتْلِهِمْ. وَفِيهَا كَانَتْ رِدَّةُ أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى ؓ وَلَمْ يَبْقَ بِهَا بَلْدَةٌ عَلَى الثَّبَاتِ سِوَى قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: جُوَاثَى. كَانَتْ أَوَّلَ قَرْيَةٍ أَقَامَتِ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَقَدْ حَصَرَهُمْ أَهْلُ الرِّدَّةِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الصِّدِّيقُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَاتَلَ الْمُرْتَدِينَ وَنَكَّلَ بِهِمْ، وَاتَّفَقَ لَهُ فِيهَا الْعَدِيدُ مِنَ الْكَرَامَاتِ ؓ وَأَرْضَاهُ. وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِيِ الْمُتَنَبِّئِ عَلَى يَدِ فَيْرُوزَ الدَّيْلِمِيِّ وَقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ، وَآزَاذَ زَوْجَةِ الْأَسْوَدِ وَكَانَتْ مُؤْمِنَةً بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِلْأَسْوَدِ مُبْغِضَةٌ. ثُمَّ دَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ وَفِيهَا أَمَرَ الصِّدِّيقُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَنْ يَجْمَعَ الْقُرْآنَ مِنَ اللِّخَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِي الْقُرَّاءِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَفِيهَا كَانَ مَسِيرُ خَالِدٍ إِلَى الْعِرَاقِ، وَفِيهَا كَانَتْ أَوَّلُ جِزْيَةٍ حُمِلَتْ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الصِّدِّيقِ بَعْدَ صُلْحِ الْحِيرَةِ، وَفِيهَا كَانَ كِتَابُ خَالِدٍ إِلَى مَرَازِبَةِ فَارِسٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْحَرْبِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ كَاظِمَةَ (ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَقَدْ قَتَلَ خَالِدٌ فِيهَا هُرْمُزَ مُبَارَزَةً وَانْهَزَمَ جَيْشُ فَارِسٍ، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْمَذَارِ (الثَّنْيِ)، وَقَدْ قُتِلَ فِيهَا قَائِدُ الْفُرْسِ قَارَنُ بْنُ قِرْيَانِسَ، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْوَلَجَةِ وَالَّتِي هُزِمَ فِيهَا الْفُرْسُ وَمَاتَ فِيهَا قَائِدُهُمُ الْأَنْدَرْزَغَرُ عَطَشًا، وَكَانَتْ وَقْعَةُ أُلَّيْسٍ، وَالَّتِي أَقْسَمَ فِيهَا خَالِدٌ إِنْ مَنَحَهُ اللَّهُ أَكْتَافَ الْقَوْمِ أَنْ يُجْرِيَ النَّهْرَ بِدِمَائِهِمْ وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَبَرَّ خَالِدٌ بِقَسَمِهِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ أَمْغِيشَيَا، وَوَقْعَةُ يَوْمِ فُرَاتٍ بَادَقْلَى وَفَتْحُ الْحِيرَةِ، وَالَّتِي فِيهَا قَدْ لَاكَ خَالِدٌ السُّمَّ الَّذِي كَانَ فِي خَاتَمِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْمَسِيحِ بَعْدَمَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَمْ يَضُرَّهُ. وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ ذَاتِ الْعُيُونِ (الْأَنْبَارِ، وَالَّتِي فِيهَا أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يُرْمَى الْفُرْسُ بِالنَّبْلِ فَرَمَوْا عُيُونَهُمْ فَفَقَئُوا قُرَابَةَ أَلْفِ عَيْنٍ فَسُمِّيَتْ بِذَاتِ الْعُيُونِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ عَيْنِ التَّمْرِ، وَالَّتِي فِيهَا أَسَرَ خَالِدٌ عَقَّةَ بْنِ أَبِي عَقَّةَ أَمِيرَ الْجَيْشِ وَهُوَ يُسَوِّي صُفُوفَ جَيْشِهِمْ فَانْهَزَمَ الْجَيْشُ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَ أَمْرُ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ إِلَى أُكَيْدِرِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْجُودِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ وَقَدْ أَسَرَهُمَا خَالِدٌ وَقَتَلَهُمَا، وَفِيهَا أَيْضًا كَانَتْ وَقْعَةُ الْحَصِيدِ وَالْخَنَافِسِ وَالْمُصَيَّخِ، وَالثِّنْيِ وَالزُّمَيْلِ، وَوَقْعَةُ الْفِرَاضِ، وَفِي هَذِهِ الْوَقَعَاتِ جَمِيعًا أَذَلَّ اللَّهُ فِيهَا الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ خَالِدٌ ؓ. ثُمَّ دَخَلَتِ السَّنَةُ الثَّالِثَةَ عَشَرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِيهَا كَانَتْ مَعْرَكَةُ الْيَرْمُوكِ، وَذَلِكَ لَمَّا خَرَجَتْ جُيُوشُ الصِّدِّيقِ نَحْوَ الشَّامِ وَأُخْبِرَ هِرَقْلُ بِذَلِكَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى مُصَالَحَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى نِصْفِ خَرَاجِ الشَّامِ فَأَبَوْا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ أَخْرَجَ الْجُيُوشَ فِي قُبَالَةِ كُلِّ أَمِيرٍ مِنْ أُمَرَاءِ حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ أَمِيرًا مَعَ جَيْشٍ كَثِيفٍ، قَدْ بَلَغَ فِي مَجْمُوعِهِ مِائَتَانِ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا وَكَانَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ مُجْتَمِعًا قُرَابَةَ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا إِلَى أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَقَدْ أَرْسَلَ الصِّدِّيقُ إِلَى خَالِدٍ وَكَانَ بِالْعِرَاقِ أَنْ يَقْدُمَ إِلَى الشَّامِ وَيَكُونَ أَمِيرًا عَلَى مَنْ بِهَا. وَدَارَتِ الْحَرْبُ عَلَى قَدَمٍ وَسَاقٍ وَتَصَاوَلَ الشُّجْعَانُ وَتَصَادَمَ الْجَمْعَانِ فَرِيقٌ هَدَى وَفَرِيقٌ حَقَّ عَلَيْهِ الضَّلَالُ، فَكَانَ نَصْرُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَهَرَبَتِ الرُّومُ وَمَنَحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ أَكْتَافَهُمْ فَشَرَّدُوا بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ، فَقُتِلَ مِنَ الرُّومِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ اسْتَغَلَّ أَهْلُ فَارِسٍ خُرُوجَ خَالِدٍ بِعَدَدٍ مِنَ الْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ وَأَرَادُوا أَنْ يُوقِعُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي الْعِرَاقِ فَصَاوَلَهُمْ وَقَاتَلَهُمُ الْمُثَنَّى وَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ قَدْ رَاسَلَ الصِّدِّيقَ يُعْلِمُهُ أَمْرَ الْفُرْسِ فَلَمَّا اسْتَبْطَأَ رَدَّهُ أَتَاهُ فَوَجَدَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَأَخْبَرَهُ مَا كَانَ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ لِلْمُوَحِّدِينَ وَأَنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْمَدَدِ فَأَمَرَ الصِّدِّيقُ عُمَرَ أَنْ يَنْدُبَ النَّاسَ لِلْخُرُوجِ إِلَى الْعِرَاقِ مَعَ الْمُثَنَّى، فَظَلَّ عُمَرُ يَنْدُبُ النَّاسَ حَتَّى اجْتَمَعَ عَدَدٌ مِنْهُمْ بِقِيَادَةِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَفَاةُ الصِّدِّيقِ ؓ. وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَيُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ، وَقَدْ سُمِّيَ بِعَتِيقٍ وَفِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ وَرَدَتْ عِدَّةُ رِوَايَاتٍ. وَقَدْ وُلِدَ ؓ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَنَتَيْنِ وَأَشْهُرٍ; وَقَدْ مَاتَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ إِلَيْهِ أَمْرُ الدِّيَاتِ وَالْغُرْمِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ فِيهَا. وَقَدْ كَانَ ؓ نَحِيفًا أَبْيَضَ، حَسَنَ الْقَامَةِ، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئَ الْجَبْهَةِ، أَجْنَأَ لَا يَسْتَمْسِكُ إِزَارُهُ يَسْتَرْخِي عَنْ حَقْوَيْهِ، عَارِيَ الْأَشَاجِعِ، يَخْضِبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ كَرِيمًا عَالِمًا بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ. وَهُوَ مِنْ أَوَّلِ النَّاسِ إِسْلَامًا وَأَصْدَقِهِمْ إِيمَانًا، وَعَلَى يَدَيْهِ كَانَ إِسْلَامُ أَكْثَرِ الْعَشْرِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَشْجَعِ الصَّحَابَةِ وَأَقْوَاهُمْ فِي دِينِ اللَّهِ، وَبِهِ حَفِظَ اللَّهُ الْأُمَّةَ مِنَ الِارْتِدَادِ وَنَقْضِ دِينِهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ، وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ مُصْحَفًا، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ خَلِيفَةً. وَأَحْوَالُهُ مَعْلُومَةٌ وَفِي الْوَرَى مَشْهُورَةٌ وَفِي الْكُتُبِ مَنْثُورَةٌ ؓ وَأَرْضَاهُ.
التاريخ 1855لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ، ؓ وَأَرْضَاهُ. كَانَتْ وَفَاةُ الصِّدِّيقِ، ؓ، فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ عَشِيَّةً. وَقِيلَ: بَعْدَ الْمَغْرِبِ . وَدُفِنَ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَذَلِكَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، بَعْدَ مَرَضٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُصَلِّي عَنْهُ فِيهَا بِالْمُسْلِمِينَ، وَفِي أَثْنَاءِ هَذَا الْمَرَضِ عَهِدَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ ، فلقد دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: إِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ رَأْيِكَ إِلَّا أَنَّهُ فِيهِ غِلْظَةٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَرَانِي رَقِيقًا، وَلَوْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَيْهِ لَتَرَكَ كَثِيرًا مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَمَقْتُهُ فَكُنْتُ إِذَا غَضِبْتُ عَلَى رَجُلٍ أَرَانِي الرِّضَاءَ عَنْهُ، وَإِذَا لِنْتُ لَهُ أَرَانِي الشِّدَّةَ عَلَيْهِ. وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: سَرِيرَتُهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَلَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَهُمَا: لَا تَذْكُرَا مِمَّا قُلْتُ لَكُمَا شَيْئًا، وَلَوْ تَرَكْتُهُ مَا عَدَوْتُ عُثْمَانَ، وَالْخِيرَةُ لَهُ أَنْ لَا يَلِيَ مِنْ أُمُورِكُمْ شَيْئًا، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مِنْ أُمُورِكُمْ خِلْوًا، وَكُنْتُ فِيمَنْ مَضَى مِنْ سَلَفِكُمْ. وَشَاوَرَ مَعَهُمَا سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، وَأُسَيْدَ بْنَ الْحُضَيْرِ، وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ أُسَيْدٌ: اللَّهُمَّ أَعْلَمُهُ الْخَيِّرَ بَعْدَكَ، يَرْضَى لِلرِّضَا وَيَسْخَطُ لِلسُّخْطِ، الَّذِي يُسِرُّ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي يُعْلِنُ، وَلَنْ يَلِيَ هَذَا الْأَمْرِ أَحَدٌ أَقْوَى عَلَيْهِ مِنْهُ. وَدَخَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: اسْتَخْلَفْتَ عَلَى النَّاسِ عُمَرَ وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَلْقَى النَّاسُ مِنْهُ وَأَنْتَ مَعَهُ، وَكَيْفَ بِهِ إِذَا خَلَا بِهِمْ وَأَنْتَ لَاقٍ رَبَّكَ فَسَائِلُكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ ! فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَجْلِسُونِي، فَأَجْلَسُوهُ، فَقَالَ: أَبِاللَّهِ تُخَوِّفُنِي ! إِذَا لَقِيتُ رَبِّي فَسَأَلَنِي قُلْتُ: اسْتَخْلَفْتُ عَلَى أَهْلِكَ خَيْرَ أَهْلِكَ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ خَالِيًا لِيَكْتُبَ عَهْدَ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا عَهِدَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، أَمَّا بَعْدُ 000 - ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ - فَكَتَبَ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَلَمْ آلُكُمْ خَيْرًا. ثُمَّ أَفَاقَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَكَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: أَرَاكَ خِفْتَ أَنْ يَخْتَلِفَ النَّاسُ إِنْ مُتُّ فِي غَشْيَتِي. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. فَلَمَّا كُتِبَ الْعَهْدُ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُقْرَأَ عَلَى النَّاسِ، فَجَمَعَهُمْ وَأَرْسَلَ الْكِتَابَ مَعَ مَوْلًى لَهُ وَمَعَهُ عُمَرُ، فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّاسِ: أَنْصِتُوا وَاسْمَعُوا لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْلُكُمْ نُصْحًا. فَسَكَنَ النَّاسُ، فَلَمَّا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابُ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: أَتَرْضُونَ بِمَنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ ؟ فَإِنِّي مَا اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ ذَا قَرَابَةٍ، وَإِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ عُمَرَ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَلَوْتُ مِنْ جُهْدِ الرَّأْيِ. فَقَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. ثُمَّ أَحْضَرَ أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، إِنَّ لِلَّهِ حَقًّا بِاللَّيْلِ لَا يَقْبَلُهُ فِي النَّهَارِ، وَحَقًّا فِي النَّهَارِ لَا يَقْبَلُهُ بِاللَّيْلِ، وَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ نَافِلَةً حَتَّى تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ، أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْحَقَّ وَثِقْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا حَقٌّ أَنْ يَكُونَ ثَقِيلًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا خَفَّتْ مَوَازِينُ مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ وَخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَحُقَّ لِمِيزَانٍ لَا يُوضَعُ فِيهِ غَدًا إِلَّا بَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا. أَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا نَزَلَتْ آيَةُ الرَّخَاءِ مَعَ آيَةِ الشِّدَّةِ، وَآيَةُ الشِّدَّةِ مَعَ آيَةِ الرَّخَاءِ؛ لِيَكُونَ الْمُؤْمِنُ رَاغِبًا رَاهِبًا، لَا يَرْغَبُ رَغْبَةً يَتَمَنَّى فِيهَا عَلَى اللَّهِ مَا لَيْسَ لَهُ، وَلَا يَرْهَبُ رَهْبَةً يَلْقَى فِيهَا بِيَدَيْهِ. أَوَلَمْ تَرَ يَا عُمَرُ أَنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ أَهْلَ النَّارِ بِأَسْوَأِ أَعْمَالِهِمْ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا أَكُونَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِأَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ؛ لِأَنَّهُ يُجَاوِزُ لَهُمْ مَا كَانَ مِنْ سَيِّئٍ، فَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ قُلْتُ أَيْنَ عَمَلِي مِنْ أَعْمَالِهِمْ ؟ فَإِنْ حَفِظْتَ وَصِيَّتِي فَلَا يَكُونَنَّ غَائِبٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ حَاضِرٍ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَسْتَ بِمُعْجِزِهِ. ثُمَّ خَرَجَ عمر مِنْ عِنْدِهِ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا صَلَاحَهُمْ، وَخِفْتُ عَلَيْهِمُ الْفِتْنَةَ، فَعَمِلْتُ فِيهِمْ بِمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُمْ رَأْيِي، فَوَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ وَأَقْوَاهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى مَا أَرْشَدَهُمْ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِكَ مَا حَضَرَ، فَاخْلُفْنِي فِيهِمْ، فَهُمْ عِبَادُكَ، وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِكَ، أَصْلِحْ لَهُمْ وُلَاتَهُمْ، وَاجْعَلْهُ مِنْ خُلَفَائِكَ الرَّاشِدِينَ، وَأَصْلِحْ لَهُ رَعِيَّتَهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: (أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، وَصَاحِبَةُ مُوسَى حِينَ قَالَتِ: اسْتَأْجِرْهُ، وَالْعَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ فِي يُوسُفَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ). وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمَّا دُفِنَ صَعِدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَخَطَبَ النَّاسَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ، وَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ ! وقَامَ عمر بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ أَتَمَّ الْقِيَامِ، ؓ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِهَا الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقِيلَ: غَيْرُهُ. وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ] بْنِ مِكْنَفٍ، قَالَ: سُلِّمَ عَلَى عُمَرَ فِي صَدْرِ إِمَارَتِهِ: يَا خَلِيفَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ فَجَمَعَ النَّاسَ بَعْدُ، وَقَالَ: إِنِّي أَرَاكُمْ لِمَنْ بَعْدَكُمْ خَيْرٌ مِنْ رَأْيِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَلْحَدُوا فِي هَذَا الِاسْمِ، أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنَا أَمِيرُكُمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقُبِلَتْ. وَقَدْ كَتَبَ بِوَفَاةِ الصِّدِّيقِ إِلَى أُمَرَاءِ الشَّامِ مَعَ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَمَحْمِيَةَ بْنِ جَزْءٍ، فَوَصَلَا وَالنَّاسُ مُصَافُّونَ جُيُوشَ الرُّومِ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ.
التاريخ 1856لا حكم مسجّل
انْتِقَالُ إِمْرَةِ الشَّامِ مِنْ خَالِدٍ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ وَذَلِكَ بَعْدَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ وَصَيْرُورَةِ الْإِمْرَةِ بِالشَّامِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَوَّلَ مَنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ . فَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ كَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ عَزَلَ خَالِدًا، وَقَالَ: لَا يَلِي لِي عَمَلًا أَبَدًا. وَقَدْ أَمَّرَ عُمَرُ عَلَى الْجُيُوشِ أَبَا عُبَيْدَةَ. وَذَكَرَ سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّ عُمَرَ إِنَّمَا عَزَلَ خَالِدًا لِكَلَامٍ بَلَغَهُ عَنْهُ، وَلِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مَالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وَمَا كَانَ يَعْتَمِدُهُ فِي حَرْبِهِ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ: إِنْ أَكْذَبَ خَالِدٌ نَفْسَهُ فَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُكْذِبْ نَفْسَهُ فَهُوَ مَعْزُولٌ، فَانْزِعْ عِمَامَتَهُ عَنْ رَأْسِهِ وَقَاسِمْهُ مَالَهُ نِصْفَيْنِ. فَلَمَّا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ لِخَالِدٍ قَالَ لَهُ خَالِدٌ: أَمْهِلْنِي حَتَّى أَسْتَشِيرَ أُخْتِي، فَذَهَبَ إِلَى أُخْتِهِ فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ تَحْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَاسْتَشَارَهَا فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ عُمَرَ لَا يُحِبُّكَ أَبَدًا، وَإِنَّهُ سَيَعْزِلُكَ وَإِنْ أَكْذَبْتَ نَفْسَكَ. فَقَالَ لَهَا: صَدَقَتِ وَاللَّهِ. فَقَاسَمَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى أَخَذَ إِحْدَى نَعْلَيْهِ وَتَرَكَ لَهُ الْآخَرَ، وَخَالِدٌ يَقُولُ: سَمْعًا وَطَاعَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ عَلَى عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ أَقَامَ بِالشَّامِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ. وَهُوَ أَصَحُّ. وصية عمر لعماله وتعاهده إياهم وَصِيَّتِهِ لِعُمَّالِهِ وَتَعَاهُدِهِ إِيَّاهُمْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ كِتَابٍ كَتَبَهُ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ حِينَ وَلَّاهُ وَعَزَلَ خَالِدًا، أَنْ قَالَ: وَأُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي يَبْقَى وَيَفْنَى مَا سِوَاهُ، الَّذِي هَدَانَا مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَخْرَجَنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَقَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى جُنْدِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَقُمْ بِأَمْرِهِمُ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْكَ، لَا تُقَدِّمِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى هَلَكَةٍ رَجَاءَ غَنِيمَةٍ، وَلَا تُنْزِلْهُمْ مَنْزِلًا قَبْلَ أَنْ تَسْتَرِيدَهُ لَهُمْ، وَتَعْلَمَ كَيْفَ مَأْتَاهُ، وَلَا تَبْعَثْ سَرِيَّةً إِلَّا فِي كَثْفٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِيَّاكَ وَإِلْقَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْهَلَكَةِ، وَقَدْ أَبْلَاكَ اللَّهُ بِي وَأَبْلَانِي بِكَ، فَغُضَّ بَصَرَكَ عَنِ الدُّنْيَا، وَأَلْهِ قَلْبَكَ عَنْهَا، وَإِيَّاكَ أَنْ تُهْلِكَكَ كَمَا أَهْلَكَتْ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ، فَقَدْ رَأَيْتَ مَصَارِعَهُمْ. وَأَمَرَهُمْ بِالْمَسِيرِ إِلَى دِمَشْقَ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا بَلَغَهُ الْخَبَرُ بِفَتْحِ الْيَرْمُوكِ وَجَاءَتْهُ بِهِ الْبِشَارَةُ، وَحُمِلَ الْخُمُسُ إِلَيْهِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَاتَلُوا بَعْدَ الْيَرْمُوكِ بِأَجْنَادِينَ، ثُمَّ بِفِحْلٍ مِنْ أَرْضِ الْغَوْرِ قَرِيبًا مِنْ بَيْسَانَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الرَّدْغَةُ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَا لَقُوا مِنَ الْأَوْحَالِ فِيهَا، ثُمَّ لَمَّا فَرَّتِ الرُّومُ مِنْ هَذِهِ الْوَقْعَةِ أَلْجَأُوهُمْ إِلَى دِمَشْقَ، فَقَصَدُوهُمْ فِيهَا فَأَغْلَقُوهَا عَلَيْهِمْ، وَأَحَاطَ بِهَا الصَّحَابَةُ. قَالَ: وَحِينَئِذٍ جَاءَتِ الْإِمَارَةُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ جِهَةِ عُمَرَ، وَعُزِلَ خَالِدٌ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ مَجِيءِ الْإِمَارَةِ لِأَبِي عُبَيْدَةَ فِي حِصَارِ دِمَشْقَ هُوَ الْمَشْهُورُ.
التاريخ 1857لا حكم مسجّل
فَتْحُ الْبِقَاعِ . ثُمَّ إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْبِقَاعِ فَفَتَحَهُ بِالسَّيْفِ، وَبَعَثَ سَرِيَّةً فَالْتَقَوْا مَعَ الرُّومِ بِعَيْنِ مَيْسَنُونَ، وَعَلَى الرُّومِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: سِنَانٌ. تَحَدَّرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَقَبَةِ بَيْرُوتَ، فَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّهَدَاءِ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ عَيْنَ مَيْسَنُونَ عَيْنَ الشُّهَدَاءِ. وَاسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى دِمَشْقَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، كَمَا وَعَدَهُ بِهَا الصِّدِّيقُ، وَبَعَثَ يَزِيدُ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ إِلَى تَدْمُرَ فِي سَرِيَّةٍ لِيُمَهِّدُوا أَمْرَهَا، وَبَعَثَ أَبَا الزَّهْرَاءِ الْقُشَيْرِيَّ إِلَى الْبَثَنِيَّةِ وَحَوْرَانَ فَصَالَحَ أَهْلَهَا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: افْتَتَحَ خَالِدٌ دِمَشْقَ صُلْحًا، وَهَكَذَا سَائِرُ مُدُنِ الشَّامِ كَانَتْ صُلْحًا دُونَ أَرْضِهَا، فَعَلَى يَدَيْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَشُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِ دِمَشْقَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَمَا هُمْ عَلَى حِصَارِ دِمَشْقَ إِذْ أَقْبَلَتْ خَيْلٌ مِنْ عَقَبَةِ السَّلَمِيَّةِ مُخَمَّرَةٌ بِالْحَرِيرِ، فَثَارَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَالْتَقَوْا فِيمَا بَيْنَ بَيْتِ لَهْيَا وَالْعَقَبَةِ الَّتِي أَقْبَلُوا مِنْهَا، فَهَزَمُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ إِلَى أَبْوَابِ حِمْصَ، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ حِمْصَ ذَلِكَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ فَتَحُوا دِمَشْقَ، فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ حِمْصَ: إِنَّا نُصَالِحُكُمْ عَلَى مَا صَالَحْتُمْ عَلَيْهِ أَهْلَ دِمَشْقَ. فَفَعَلُوا. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: افْتَتَحَ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ الْأُرْدُنَّ كُلَّهَا عَنْوَةً مَا خَلَا طَبَرِيَّةَ، فَإِنَّ أَهْلَهَا صَالَحُوهُ. وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَا: بَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدًا فَغَلَبَ عَلَى أَرْضِ الْبِقَاعِ وَصَالَحَهُ أَهَلُ بَعْلَبَكَّ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، وَقَالَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ: وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْصَافِ مَنَازِلِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَوَضْعِ الْخَرَاجِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: وَفِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ حِمْصُ وَبَعْلَبَكُّ صُلْحًا عَلَى يَدَيْ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ. قَالَ خَلِيفَةُ: وَيُقَالُ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ.
التاريخ 1858لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ فِحْلٍ ، بِكَسْرِ الْفَاءِ، قِيلَ: وَالْحَاءُ. وَالصَّحِيحُ تَسْكِينُهَا. وَقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ سِيَاقَ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ يَزِيدَ بْنِ أَسِيدٍ الْغَسَّانِيِّ وَأَبِي حَارِثَةَ الْعَبْشَمِيِّ قَالَا: خَلَّفَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فِي خَيْلِهِ فِي دِمَشْقَ، وَسَارُوا نَحْوَ فِحْلٍ، مِنْ أَرْضِ الْأُرْدُنِّ وَعَلَى النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِالْغَوْرِ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَعَلَى الْخَيْلِ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، فَوَصَلُوا إِلَى فِحْلٍ، وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْغَوْرِ، وَقَدِ انْحَازَ الرُّومُ إِلَى بَيْسَانَ، وَأَرْسَلُوا مِيَاهَ تِلْكَ الْأَرَاضِي عَلَى مَا هُنَالِكَ مِنَ الْأَرَاضِي، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُونَهُ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ مُصَابَرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَمَا صَنَعَهُ الرُّومُ مِنْ تِلْكَ الْمَكِيدَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ وَمَدَدٍ كَثِيرٍ، وَهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَمِيرُ هَذَا الْحَرْبِ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَهُوَ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِئَةٍ، وَظَنَّ الرُّومُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ، فَرَكِبُوا فِي بَعْضِ اللَّيَالِي لِيُبَيِّتُوهُمْ، وَعَلَى الرُّومِ سِقْلَابُ بْنُ مِخْرَاقَ، فَهَجَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ نَهْضَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ دَائِمًا، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى الصَّبَاحِ وَذَلِكَ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ فَرَّ الرُّومُ وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ سِقْلَابُ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ وَأَسْلَمَتْهُمْ هَزِيمَتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْوَحْلِ الَّذِي كَانُوا قَدْ كَادُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَغَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ مَا قَارَبَ الثَّمَانِينَ أَلْفًا، لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا وَمَالًا جَزِيلًا، وَقَدْ أُصِيبَ رَئِيسُهُمْ سَقَلَّارُ وَالَّذِي يَلِيهِ فِيهِمْ نِسْطُورَسُ، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ وَرَكِبُوهُمْ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرُّومُ مَأْخَذَهُمْ، فَانْتَهَتْ بِهِمُ الْهَزِيمَةُ إِلَى الْوَحْلِ فَرَكِبُوهُ، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُمْ، وَلَا يَمْنَعُونَ يَدَ لَامِسٍ، وكَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِفِحْلٍ وَالْقَتْلُ بِالرِّدَاغِ، فَأُصِيبَ الرُّومُ ولَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ يَصْنَعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَارِهُونَ، كَرِهُوا الْبُثُوقَ وَالْوَحْلَ، فَكَانَتْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ فَاقْتَسَمُوهَا. وَمِمَّنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ السَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَكَانَتْ فِحْلٌ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَانْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْجُيُوشِ نَحْوَ حِمْصَ، كَمَا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ. فَتْحِ بَيْسَانَ وَطَبَرِيَّةَ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْأُرْدُنِّ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، فَسَارَ شُرَحْبِيلُ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَحَاصَرَ بَيْسَانَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ مَا صَالَحَتْ عَلَيْهِ دِمَشْقُ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ. وَبَلَغَ أَهْلَ طَبَرِيَّةَ الْخَبَرُ، فَصَالَحُوا أَبَا الْأَعْوَرِ عَلَى أَنْ يَبْلُغَهُمْ شُرَحْبِيلُ، فَفَعَلَ، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ.
التاريخ 1859لا حكم مسجّل
خَبَرِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ وَأَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودٍ فَصْلٌ فِيمَا وَقَعَ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ مِنَ الْقِتَالِ . قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ لَمَّا سَارَ خَالِدٌ مِنَ الْعِرَاقِ بِمَنْ صَحِبَهُ إِلَى الشَّامِ - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ سَارَ بِتِسْعَةِ آلَافٍ. وَقِيلَ: بِثَلَاثَةِ آلَافٍ. وَقِيلَ: بِسَبْعِمِائَةٍ. وَقِيلَ: بِأَقَلَّ. إِلَّا أَنَّهُمْ صَنَادِيدُ جَيْشِ الْعِرَاقِ - فَأَقَامَ الْمُثَنَّى بِمَنْ بَقِيَ، فَاسْتَقَلَّ عَدَدَهُمْ، وَخَافَ مِنْ سَطْوَةِ الْفُرْسِ لَوْلَا اشْتِغَالُهُمْ بِتَبْدِيلِ مُلُوكِهِمْ وَمَلِكَاتِهِمْ، وَاسْتَبْطَأَ الْمُثَنَّى خَبَرَ الصِّدِّيقِ، فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَوَجْدَ الصِّدِّيقَ فِي السِّيَاقِ، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ الْعِرَاقِ، فَأَوْصَى الصِّدِّيقُ عُمَرَ أَنْ يَنْدُبَ النَّاسَ لِقِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ وَدُفِنَ لَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، أَصْبَحَ عُمَرُ فَنَدَبَ النَّاسَ وَحَثَّهُمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَحَرَّضَهُمْ وَرَغَّبَهُمْ فِي الثَّوَابِ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَكْرَهُونَ قِتَالَ الْفُرْسِ ; لِقُوَّةِ سَطْوَتِهِمْ، وَشِدَّةِ قِتَالِهِمْ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ وَتَكَلَّمَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَعْظُمَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا الْوَجْهُ، فَإِنَّا قَدْ تَبَحْبَحْنَا رِيفَ فَارِسَ، وَغَلَبْنَاهُمْ عَلَى خَيْرِ السَّوَادِ، وَشَاطَرْنَاهُمْ وَنِلْنَا مِنْهُمْ، وَلَهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا بَعْدَهَا. فَأَحْسَنَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدَيْ خَالِدٍ مِنْ مُعْظَمِ أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَمَا لَهُمْ هُنَالِكَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَمْلَاكِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالزَّادِ، فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ كَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَدَبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ الْمُخْتَارِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْإِجَابَةِ، وَأَمَرَ عُمَرُ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ أَبَا عُبَيْدٍ هَذَا، وَلَمْ يَكُنْ صَحَابِيًّا، فَقِيلَ لِعُمَرَ: هَلَّا أَمَرْتَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أُؤَمِّرُ أَوَّلَ مَنِ اسْتَجَابَ، إِنَّكُمْ إِنَّمَا سَبَقْتُمُ النَّاسَ بِنُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ، وَإِنَّ هَذَا هُوَ الَّذِي اسْتَجَابَ قَبْلَكُمْ. ثُمَّ دَعَا أَبَا عُبَيْدٍ، وَسَعْدًا وَسَلِيطًا، وَقَالَ لَهُمَا: لَوْ سَبَقْتُمَاهُ لَوَلَيَّتُكُمَا، وَلَأَدْرَكْتُمَا بِهَا إِلَى مَا لَكُمَا مِنَ السَّابِقَةِ. ثُمَّ دَعَاهُ فَوَصَّاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمَيْنِ خَيْرًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشِيرَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنْ يَسْتَشِيرَ سَلِيطَ بْنَ قَيْسٍ ; فَإِنَّهُ رَجُلٌ بَاشَرَ الْحُرُوبَ، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ، وَهُمْ سَبْعَةُ آلَافِ رَجُلٍ وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ يُرْسِلَ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَ خَالِدٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَجَهَّزَ عَشَرَةَ آلَافٍ، عَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَأَرْسَلَ عُمَرُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَقَدِمَ الْكُوفَةَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فَوَاقَعَ هِرَقْرَانَ الْمَدَارَ فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَ جَيْشُهُ، وَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ فِي دِجْلَةَ فَلَمَّا وَصَلَ النَّاسُ إِلَى الْعِرَاقِ وَجَدُوا الْفُرْسَ مُضْطَرِبِينَ فِي مُلْكِهِمْ، وَآخِرُ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُهُمْ أَنْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بُورَانَ بِنْتَ كِسْرَى بَعْدَمَا قَتَلُوا الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا آزَرْمِيدُخْتَ، وَفَوَّضَتْ بُورَانُ أَمْرَ الْمُلْكِ عَشْرَ سِنِينَ إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: رُسْتُمُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ. عَلَى أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ الْحَرْبِ، ثُمَّ يَصِيرُ الْمُلْكُ إِلَى آلِ كِسْرَى، فَقَبِلَ ذَلِكَ. وَكَانَ رُسْتُمُ هَذَا مُنَجِّمًا يَعْرِفُ النُّجُومَ وَعِلْمَهَا جَيِّدًا، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ يَعْنُونَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَتِمُّ لَكَ، فَقَالَ: الطَّمَعُ وَحُبُّ الشَّرَفِ.
التاريخ 1860لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ النَّمَارِقِ . سَارَ أَبُو عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيَّانِ، وَالْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ أَحَدُ بَنِي هِنْدٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَ عُمَرُ الْمُثَنَّى بِالتَّقَدُّمِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَأَمَرَهُمْ بِاسْتِنْفَارِ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ الْمُثَنَّى فَقَدِمَ الْحِيرَةَ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ تَشَاغَلَتْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتِ شَهْرِيرَانَ حَتَّى اصْطَلَحُوا عَلَى بُورَانَ، وَكَانَتْ عَدْلًا بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى يَصْطَلِحُوا ثُمَّ قَدِمَ الْمُثَنَّى إِلَى الْحِيرَةِ فِي عَشْرٍ، وَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدٍ بَعْدَهُ بِشَهْرٍ. فَكَتَبَ رُسْتُمُ إِلَى الدَّهَاقِينِ أَنْ يَثُورُوا بِالْمُسْلِمِينَ، وَبَعَثَ فِي كُلِّ رُسْتَاقٍ رَجُلًا يَثُورُ بِأَهْلِهِ وبَعَثَ رُسْتُمُ أَمِيرًا يُقَالُ لَهُ: جَابَانُ. وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ رَجُلَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: جِشْنِسُ مَاهْ. وَيُقَالُ لِلْآخَرِ: مَرْدَانْ شَاهْ. وَهُوَ حَصِيُّ أَمِيرِ حَاجِبِ الْفُرْسِ، فَالْتَقَوْا مَعَ أَبِي عُبَيْدٍ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: النَّمَارِقُ. بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَعَلَى الْخَيْلِ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَمْرُو بْنُ الْهَيْثَمِ، فَاقْتَتَلُوا هُنَالِكَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَهَزَمَ اللَّهُ الْفُرْسَ، وَأُسِرَ جَابَانُ وَمَرْدَانْ شَاهْ. فَأَمَّا مَرْدَانْ شَاهْ فَإِنَّهُ قَتَلَهُ الَّذِي أَسَرَهُ، وَأَمَّا جَابَانُ فَإِنَّهُ خَدَعَ الَّذِي أَسَرَهُ حَتَّى أَطْلَقَهُ، فَأَمْسَكَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَبَوْا أَنْ يُطْلِقُوهُ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا هُوَ الْأَمِيرُ. وَجَاءُوا بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَالُوا: اقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ الْأَمِيرُ. فَقَالَ: وَإِنْ كَانَ الْأَمِيرَ، فَإِنِّي لَا أَقْتُلُهُ وَقَدْ أَمَّنَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. السَّقَاطِيَّةُ بِكَسْكَرَ] وَلَمَّا انْهَزَمَتْ فَارِسُ [أَخَذُوا] نَحْوَ كَسْكَرَ لِيَلْحَقُوا نَرْسِي - وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ كِسْرَى - وَكَانَتْ كَسْكَرُ قَطِيعَةً لَهُ، نَادَى أَبُو عُبَيْدٍ بِالرَّحِيلِ، وَقَالَ لِلْمُجَرَّدَةِ: اتْبَعُوهُمْ حَتَّى تُدْخِلُوهُمْ عَسْكَرَ نَرْسِي، أَوْ تُبِيدُوهُمْ [فِيمَا بَيْنَ النَّمَارِقِ إِلَى بَارِقٍ إِلَى دُرْتَا]. فَوَازَرَهُمْ نَرْسِي عَلَى قِتَالِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَهَرَهُمْ أَبُو عُبَيْدٍ، وَغَنِمَ مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا وَأَطْعِمَاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَبَعَثَ بِخُمُسِ مَا غَنِمَ مِنَ الْمَالِ وَالطَّعَامِ إِلَى عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: لَعَمْرِي وَمَا عُمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ لَقَدْ صُبِّحَتْ بِالْخِزْيِ أَهْلُ النَّمَارِقِ بِأَيْدِي رِجَالٍ هَاجَرُوا نَحْوَ رَبِّهِمْ يَجُوسُونَهُمْ مَا بَيْنَ دُرْتَا وَبَارِقِ قَتَلْنَاهُمْ مَا بَيْنَ مَرْجِ مُسَلِّحٍ وَبَيْنَ الْهَوَافِي مِنْ طَرِيقِ الْبَذَارِقِ فَالْتَقَوْا بِمَكَانٍ بَيْنَ كَسْكَرَ وَالسَّقَاطِيَةِ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ نَرْسِي وَمَيْسَرَتِهِ ابْنَا خَالِهِ بِنَدَوَيْهِ وَتِيرَوَيْهِ أَوْلَادُ بِسْطَامَ، وَكَانَ رُسْتُمُ قَدْ جَهَّزَ الْجُيُوشَ مَعَ الْجَالِنُوسِ، فَلَمَّا بَلَغَ أَبُو عُبَيْدٍ ذَلِكَ أَعْجَلَ نَرْسِي بِالْقِتَالِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتِ الْفُرْسُ وَهَرَبَ نَرْسِي وَالْجَالِنُوسُ إِلَى الْمَدَائِنِ بَعْدَ وَقْعَةٍ جَرَتْ مِنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَعَ الْجَالِنُوسِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: بَارُوسْمَا. فَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ وَسَرَايَا أُخَرَ إِلَى مَا تَاخَمَ تِلْكَ النَّاحِيَةَ كَنَهْرِ جَوْبَرَ وَنَحْوِهَا، فَفَتَحَهَا صُلْحًا وَقَهْرًا، وَضَرَبُوا الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ، وَغَنِمُوا الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَكَسَرُوا الْجَالِنُوسَ الَّذِي جَاءَ لِنُصْرَةِ جَابَانَ، وَغَنِمُوا جَيْشَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَكَرَّ هَارِبًا إِلَى قَوْمِهِ حَقِيرًا ذَلِيلًا. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى أَرْضِ الْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، تُقْدِمُ عَلَى قَوْمٍ تَجَرَّءُوا عَلَى الشَّرِّ فَعَلِمُوهُ، وَتَنَاسَوُا الْخَيْرَ فَجَهِلُوهُ، فَانْظُرْ كَيْفَ تَكُونُ، وَاحْرِزْ لِسَانَكَ، وَلَا تُفْشِيَنَّ سِرَّكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ السِّرِّ مَا يَضْبُطُهُ مُتَحَصِّنٌ لَا يُؤْتَى مِنْ وَجْهٍ يَكْرَهُهُ، وَإِذَا ضَيَّعَهُ كَانَ بِمَضْيَعَةٍ. وَجَاءُوا إِلَى أَبِي عُبَيْدٍ بِطَعَامٍ أَكْرَمُوهُ بِهِ، فَقَالَ: أَكْرَمْتُمُ الْجُنْدَ كُلَّهُمْ بِمِثْلِ هَذَا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: بِئْسَ الْمَرْءُ أَبُو عُبَيْدٍ، إِنْ صَحِبَ قَوْمًا فَاسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ، لَا وَاللَّهِ لَا نَأْكُلُ إِلَّا مِثْلَ مَا يَأْكُلُ أَوْسَاطُهُمْ. فَلَمَّا هُزِمَ الْجَالِينُوسُ أَتَوْهُ بِالْأَطْعِمَةِ أَيْضًا، فَقَالَ: مَا آكُلُ هَذَا دُونَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالُوا لَهُ: لَيْسَ مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ أَتَى بِمِثْلِ هَذَا، فَأَكَلَ حِينَئِذٍ.
التاريخ 1861لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خَبَرِ أُلَّيْسَ الصُّغْرَى لَمَّا عَادَ ذُو الْحَاجِبِ لَمْ يَشْعُرْ جَابَانُ وَمَرْدَانْشَاهْ بِمَا جَاءَهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَخَرَجَا حَتَّى أَخَذَا بِالطَّرِيقِ، وَبَلَغَ الْمُثَنَّى فِعْلُهُمَا، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، وَخَرَجَ فِي جَرِيدَةِ خَيْلٍ يُرِيدُهُمَا، فَظَنَّا أَنَّهُ هَارِبٌ فَاعْتَرَضَاهُ، فَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَخَرَجَ أَهْلُ أُلَّيْسَ عَلَى أَصْحَابِهِمَا فَأَتَوْهُ بِهِمْ أَسْرَى، وَعَقَدَ لَهُمْ بِهَا ذِمَّةً، وَقَتَلَهُمَا وَقَتَلَ الْأَسْرَى. وَهَرَبَ أَبُو مِحْجَنٍ مِنْ أُلَّيْسَ، وَلَمْ يَرْجِعْ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ.
التاريخ 1862لا حكم مسجّل
[ وَقْعَةُ الْقِرْقِسِ ] ويقال لها قُسِّ النَّاطِفِ، وَيُقَالُ: الْمَرْوَحَةُ أو وَقْعَةُ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ والَّتِي قُتِلَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَمَّا رَجَعَ الْجَالِنُوسُ هَارِبًا مِمَّا لَقِيَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَذَامَرَتِ الْفُرْسُ بَيْنَهُمْ وَاجْتَمَعُوا إِلَى رُسْتُمَ، فَأَرْسَلَ جَيْشًا كَثِيفًا عَلَيْهِمْ ذُو الْحَاجِبِ بَهْمَنُ جَاذَوَيْهِ، وَأَعْطَاهُ رَايَةَ أَفْرِيدُونَ، وَتُسَمَّى دِرَفْشَ كَابْيَانَ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ تَتَيَمَّنُ بِهَا، وَحَمَلُوا مَعَهُمْ رَايَةَ كِسْرَى، وَكَانَتْ مِنْ جُلُودِ النُّمُورِ، عَرْضُهَا ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ، فَنَزَلَ بِقُسِّ النَّاطِفِ. وَأَقْبَلَ أَبُو عُبَيْدٍ فَنَزَلَ بِالْمَرْوَحَةِ، فَرَأَتْ دَوْمَةُ - امْرَأَتُهُ أُمُّ الْمُخْتَارِ ابْنِهِ - أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَشَرِبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَمَعَهُ نَفَرٌ، فَأَخْبَرَتْ بِهَا أَبَا عُبَيْدٍ فَقَالَ: لِهَذِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ شَهَادَةٌ ! وَعَهِدَ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: إِنْ قُتِلْتُ فَعَلَى النَّاسِ فُلَانٌ، فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَيْهِمْ فُلَانٌ، حَتَّى أَمَّرَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنَ الْإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُتِلَ فَعَلَى النَّاسِ الْمُثَنَّى وَبَعَثَ إِلَيْهِ بَهْمَنْ جَاذَوَيْهِ إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا وَإِمَّا أَنْ نُعْبُرَ إِلَيْكُمْ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ لِأَمِيرِهِمْ أَبِي عُبَيْدٍ: مُرْهُمْ فَلْيَعْبُرُوا هُمْ إِلَيْنَا. فَقَالَ: مَا هُمْ بِأَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنَّا. ثُمَّ اقْتَحَمَ إِلَيْهِمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَكَانٍ ضَيِّقٍ فَالْتَقَوْا هُنَالِكَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي نَحْوٍ مِنْ عَشَرَةِ آلَافٍ، وَقَدْ جَاءَتِ الْفُرْسُ مَعَهُمْ بِأَفْيِلَةٍ كَثِيرَةٍ، عَلَيْهَا الْجَلَاجِلُ وَالنَّخْلُ قَائِمَةً لِتَذْعَرَ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا كُلَّمَا حَمَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَرَّتْ خُيُولُهُمْ مِنَ الْفِيَلَةِ، وَمِمَّا تَسْمَعُ مِنَ الْجَلَاجِلِ الَّتِي عَلَيْهَا، وَلَا يَثْبُتُ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ عَلَى قَسْرٍ، وَإِذَا حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ لَا تُقْدِمُ خُيُولُهُمْ عَلَى الْفِيَلَةِ، وَرَشَقَتْهُمُ الْفُرْسُ بِالنَّبْلِ، فَنَالُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ سِتَّةَ آلَافٍ، وَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدٍ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوا الْفِيَلَةَ أَوَّلًا، فَاحْتَوَشُوهَا فَقَتَلُوهَا عَنْ آخِرِهَا، وَقَدْ قَدَّمَتِ الْفُرْسُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فِيلًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ فَنَفَخَ مِشْفَرَ الْفِيلِ بِالسَّيْفِ، فَخَبَطَهُ الْفِيلُ. وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ لَمَّا رَأَى الْفِيلَ، قَالَ: مَا هَذَا؟ وَلَمْ يَكُنْ رَآهُ قَطُّ، فَقَالُوا: هَذَا الْفِيلُ، فَارْتَجَزَ وَقَالَ: يَا لَكَ مِنْ ذِي أَرْبَعٍ مَا أَكْبَرَكَ. يَا لَكَ مِنْ يَوْمِ وَغَى مَا أَمْكَنَكَ إِنِّي لَعَالٍ بِالْحُسَامِ مِشْفَرَكْ وَهَالِكٌ وَفِي الْهَلَاكِ لِي دَرَكْ ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلَى خُرْطُومِهِ فَقَطَعَهُ وَوَقَعَ عَلَيْهِ الْفِيلُ فَقَتَلَهُ. فَحَمَلَ عَلَى الْفِيلِ خَلِيفَةُ أَبِي عُبَيْدٍ الَّذِي كَانَ أَوْصَى أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا بَعْدَهُ فَقُتِلَ، ثُمَّ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، حَتَّى قُتِلَ سَبْعَةٌ مِنْ ثَقِيفٍ كَانَ قَدْ نَصَّ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَيْهِمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ بِمُقْتَضَى الْوَصِيَّةِ أَيْضًا، وَقَدْ كَانَتْ دَوْمَةُ امْرَأَةُ أَبِي عُبَيْدٍ رَأَتْ مَنَامًا يَدُلُّ عَلَى مَا وَقَعَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ، فَلَمَّا رَأَى الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَهَنُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ إِلَّا الظَّفَرُ بِالْفُرْسِ، وَضَعُفَ أَمْرُهُمْ، وَذَهَبَتْ رِيحُهُمْ، وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَسَاقَتِ الْفُرْسُ خَلْفَهُمْ يَقْتُلُونَ بَشَرًا كَثِيرًا، وَانْكَشَفَ النَّاسُ، فَكَانَ أَمْرًا بَلِيغًا، وَجَاءُوا إِلَى الْجِسْرِ، فَمَرَّ بَعْضُ النَّاسِ، ثُمَّ انْكَسَرَ الْجِسْرُ، فَتَحَكَّمَ فِيمَنْ وَرَاءَهُ الْفُرْسُ، فَقَتَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَغَرِقَ فِي الْفُرَاتِ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ. فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَسَارَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ، فَوَقَفَ عِنْدَ الْجِسْرِ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ، وَكَانَ النَّاسُ لَمَّا انْهَزَمُوا جَعَلَ بَعْضُهُمْ يُلْقِي بِنَفْسِهِ فِي الْفُرَاتِ فَيَغْرَقُ، فَنَادَى الْمُثَنَّى: أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَى هِينَتِكُمْ، فَإِنِّي وَاقِفٌ عَلَى فَمِ الْجِسْرِ لَا أَجُوزُهُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ هَا هُنَا. فَلَمَّا عَدَّى النَّاسُ إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى سَارَ الْمُثَنَّى فَنَزَلَ بِهِمْ أَوَّلَ مَنْزِلٍ، وَقَامَ يَحْرُسُهُمْ هُوَ وَشُجْعَانُ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ جُرِحَ أَكْثَرُهُمْ وَأُثْخِنُوا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ فِي الْبَرِّيَّةِ لَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ مَذْعُورًا، وَذَهَبَ بِالْخَبَرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَوَجَدَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا وَرَاءَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ ؟ فَقَالَ: أَتَاكَ الْخَبَرُ الْيَقِينُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ صَعِدَ إِلَيْهِ الْمِنْبَرُ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ سِرًّا، وَيُقَالُ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ بِخَبَرِ النَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ الْحُصَيْنِ الْخَطْمِيُّ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ - قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ فِي شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ بَعْدَ الْيَرْمُوكِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ - وَتَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ فَرَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَلَغَ، عُمْرَ الْخَبَرُ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: لَوْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدٍ انْحَازَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً. وَقَالَ لِلْمُنْهَزِمِينَ: أَنَا فِئَتُكُمْ. وَأَشْغَلَ اللَّهُ الْمَجُوسَ بِأَمْرِ مَلِكِهِمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدَائِنِ عَدَوْا عَلَى رُسْتُمَ فَخَلَعُوهُ، ثُمَّ وَلَّوْهُ، وَأَضَافُوا إِلَيْهِ الْفَيْرُزَانَ، وَاخْتَلَفُوا عَلَى فِرْقَتَيْنِ، فَرَكِبَ الْفُرْسُ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَلَحِقَهُمُ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَعَارَضَهُ أَمِيرَانِ مِنْ أُمَرَائِهِمْ فِي جَيْشِهِمْ، فَأَسَرُهُمَا وَأَسَرَ مَعَهُمَا بَشَرًا كَثِيرًا، فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ الْمُثَنَّى إِلَى مَنْ بِالْعِرَاقِ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَمِدُّهُمْ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ بِالْأَمْدَادِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِمَدَدٍ كَثِيرٍ، فِيهِمْ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي قَوْمِهِ بَجِيلَةَ بِكَمَالِهَا، وَغَيْرُهُ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى كَثُرَ جَيْشُهُ. وكَانَ فِيمَنْ قُتِلَ بِالْجِسْرِ عُقْبَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا قَيْظَى بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَا شَهِدَا أُحُدًا، وَقُتِلَ مَعَهُمَا أَخُوهُمَا عَبَّادٌ، وَلَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا أُحُدًا، وَقُتِلَ أَيْضًا قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسٍ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ لَا عَقِبَ لَهُ، وَقُتِلَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الْحُطَيْمِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا، وَفِيهَا قُتِلَ أَبُو أُمَيَّةَ الْفَزَارِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَالْحَكَمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَخُو أَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنُهُ جَبْرُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ مَسْعُودٍ.
التاريخ 1863لا حكم مسجّل
اجْتِمَاعِ الْفُرْسِ عَلَى يَزْدَجِرْدَ بَعْدَ اخْتِلَافِهِمْ وَاضْطِرَابِهِمْ لَمَّا رَأَى أَهْلُ فَارِسَ مَا يَفْعَلُ الْمُسْلِمُونَ بِالسَّوَادِ قَالُوا لِرُسْتُمَ وَالْفَيْرُزَانَ، وَهُمَا عَلَى أَهْلِ فَارِسَ: لَمْ يَبْرَحْ بِكُمَا الِاخْتِلَافُ حَتَّى وَهَّنْتُمَا أَهْلَ فَارِسَ، وَأَطْمَعْتُمَا فِيهِمْ عَدُوَّهُمْ، وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْ أَمْرِكُمَا أَنَّ نُقِرَّكُمَا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، وَأَنْ تُعَرِّضَاهَا لِلْهَلَكَةِ، مَا بَعْدَ بَغْدَادَ وَسَابَاطَ وَتَكْرِيتَ إِلَّا الْمَدَائِنَ، وَاللَّهِ لَتَجْتَمِعَانِ أَوْ لَنَبْدَأَنَّ بِكُمَا، ثُمَّ نَهْلِكُ وَقَدِ اشْتَفَيْنَا مِنْكُمَا. فَقَالَ الْفَيْرُزَانُ وَرُسْتُمُ لِبُورَانَ ابْنَةِ كِسْرَى: اكْتُبِي لَنَا نِسَاءَ كِسْرَى وَسَرَارِيَّهُ وَنِسَاءَ آلِ كِسْرَى وَسَرَارِيَّهُمْ، فَفَعَلَتْ، فَأَحْضَرُوهُنَّ جَمِيعَهُنَّ، وَأَخَذُوهُنَّ بِالْعَذَابِ يَسْتَدِلُّونَهُنَّ عَلَى ذَكَرٍ مِنْ أَبْنَاءِ كِسْرَى، فَلَمْ يُوجَدْ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ أَحَدٌ، وَقَالَ بِعَضُهُنَّ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا غُلَامٌ يُدْعَى يَزْدَجِرْدَ مِنْ وَلَدِ شَهْرَيَارَ بْنِ كِسْرَى، وَأُمُّهُ مِنْ أَهْلِ بَادُورَيَا. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهَا وَطَلَبُوهُ مِنْهَا، وَكَانَتْ قَدْ أَنْزَلَتْهُ أَيَّامَ شِيرَى حِينَ جَمَعَهُنَّ فَقَتَلَ الذُّكُورَ، وَأَرْسَلَتْهُ إِلَى أَخْوَالِهِ، فَلَمَّا سَأَلُوهَا عَنْهُ دَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ، فَجَاءُوا بِهِ فَمَلَّكُوهُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَهْرِيَارَ بْنِ كِسْرَى، وَعَزَلُوا بُورَانَ، وَاسْتَوْسَقَتِ الْمَمَالِكُ لَهُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَفَرِحُوا بِهِ، وَقَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ بِالنَّصْرِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُ فِيهِمْ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ بِهِ، وَبَعَثُوا إِلَى الْأَقَالِيمِ وَالرَّسَاتِيقِ، فَخَلَعُوا الطَّاعَةَ لِلصَّحَابَةِ وَنَقَضُوا عُهُودَهُمْ وَذِمَمَهُمْ، وَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمُ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمِينَ، فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِمَا يَنْتَظِرُونَ مِنْ أَهْلِ السَّوَادِ، فَلَمْ يَصِلِ الْكِتَابُ إِلَى عُمَرَ حَتَّى كَفَرَ أَهْلُ السَّوَادِ مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى حَتَّى نَزَلَ بِذِي قَارٍ، وَنَزَلَ النَّاسُ بِالطَّفِّ فِي عَسْكَرٍ وَاحِدٍ. وَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الْمُثَنَّى إِلَى عُمَرَ قَالَ: وَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ مُلُوكَ الْعَجَمِ بِمُلُوكِ الْعَرَبِ ! فَلَمْ يَدَعْ رَئِيسًا وَلَا ذَا رَأْيٍ وَذَا شَرَفٍ وَبَسْطَةٍ وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا إِلَّا رَمَاهُمْ بِهِ، فَرَمَاهُمْ بِوُجُوهِ النَّاسِ وَغُرَرِهِمْ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْمُثَنَّى وَمَنْ مَعَهُ يَأْمُرُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ بَيْنِ الْعَجَمِ وَالتَّفَرُّقِ فِي الْمِيَاهِ الَّتِي تَلِي الْعَجَمِ، وَأَنْ لَا يَدَعُوا فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ وَحُلَفَائِهِمْ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ النَّجْدَاتِ وَلَا فَارِسًا إِلَّا أَحْضَرُوهُ إِمَّا طَوْعًا أَوْ كُرْهًا. وَنَزَلَ النَّاسُ بِالْجُلِّ وَشَرَافَ إِلَى غُضَيٍّ، وَهُوَ جَبَلُ الْبَصْرَةِ، وَبِسَلْمَانَ، بَعْضُهُمْ يَنْظُرُ إِلَى بَعْضٍ، وَيُغِيثُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَأَرْسَلَ عُمَرُ فِي ذِي الْحَجَّةِ مِنَ السَّنَةِ مُخْرَجَهُ إِلَى الْحَجِّ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى الْعَرَبِ أَنْ لَا يَدَعُوا مَنْ لَهُ نَجْدَةٌ أَوْ فَرَسٌ أَوْ سِلَاحٌ أَوْ رَأْيٌ إِلَّا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى النِّصْفِ مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ فَجَاءَ إِلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ لَمَّا عَادَ مِنَ الْحَجِّ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْعِرَاقِ فَانْضَمَّ إِلَى الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَجَاءَتْ أَمْدَادُ الْعَرَبِ إِلَى عُمَرَ.
التاريخ 1864لا حكم مسجّل
بَعْثُ عُمَرَ بْنِ الْخِطَابِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى الْعِرَاقِ . ثُمَّ بَعَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيَّ أَحَدَ الْعَشَرَةِ، فِي سِتَّةِ آلَافٍ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، وَكَتَبَ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ أَنْ يَكُونَا تَبَعًا لَهُ، وَأَنْ يَسْمَعَا لَهُ وَيُطِيعَا، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْعِرَاقِ كَانَا مَعَهُ، وَكَانَا قَدْ تَنَازَعَا الْإِمْرَةَ، فَالْمُثَنَّى يَقُولُ لِجَرِيرٍ: إِنَّمَا بَعَثَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَدَدًا لِي. وَيَقُولُ جَرِيرٌ: إِنَّمَا بَعَثَنِي أَمِيرًا عَلَيْكَ. فَلَمَّا قَدِمَ سَعْدٌ عَلَى إِمْرَةِ الْعِرَاقِ انْقَطَعَ نِزَاعُهُمَا.
التاريخ 1865لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ الْبُوَيْبِ الَّتِي اقْتَصَّ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفُرْسِ ثُمَّ إِنَّ الْمُثَنَّى خَرَجَ فِي آثَارِ الْقَوْمِ، فَأَسَرَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ، وَبَعَثَ إِلَى مَنْ يَلِيهِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَلَمَّا سَمِعَ أُمَرَاءُ الْفُرْسِ بِكَثْرَةِ جُيُوشِ الْمُثَنَّى، بَعَثُوا إِلَيْهِ جَيْشًا آخَرَ مَعَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: مِهْرَانُ. فَتَوَافَوْا هُمْ وَإِيَّاهُمْ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْبُوَيْبُ. قَرِيبٌ مِنْ مَكَانِ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ، وَبَيْنَهُمَا الْفُرَاتُ، فَقَالُوا: إِمَّا أَنْ تَعْبُرُوا إِلَيْنَا أَوْ نُعْبَرَ إِلَيْكُمْ. فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: بَلِ اعْبُرُوا إِلَيْنَا. فَعَبَرَتِ الْفُرْسُ إِلَيْهِمْ فَتَوَاقَفُوا، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَعَزَمَ الْمُثَنَّى عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْفِطْرِ، فَأَفْطَرُوا عَنْ آخِرِهِمْ لِيَكُونَ أَقْوَى لَهُمْ، وَعَبَّى الْجَيْشَ، وَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى كُلِّ رَايَةٍ مِنْ رَايَاتِ الْأُمَرَاءِ عَلَى الْقَبَائِلِ وَيَعِظُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ وَالصَّمْتِ وَالثَّبَاتِ، وَفِي الْقَوْمِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ فِي بَجِيلَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْمُثَنَّى بَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَّةِ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَعَلَى مُجَرَّدَتِهِ الْمُعَنَّى أَخُوهُ، وَعَلَى الرَّجُلِ مَسْعُودٌ أَخُوهُ، وَعَلَى الرِّدْءِ مَذْعُورٌ، وَكَانَ عَلَى مُجَنِّبَتَيْ مِهْرَانَ بْنِ الْأَزَاذَبَهْ مَرْزُبَانُ الْحِيرَةِ وَمَرْدَانْشَاهْ. وَأَقْبَلَ الْفُرْسُ فِي ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ، مَعَ كُلِّ صَفٍّ فِيلٌ، وَرَجْلُهُمْ أَمَامَ فِيلِهِمْ وَلَهُمْ زُجَّلٌ، فَقَالَ الْمُثَنَّى لِلْمُسْلِمِينَ: إِنَّ الَّذِي تَسْمَعُونَ فَشَلٌ، فَالْزَمُوا الصَّمْتَ. وَدَنَوْا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَطَافَ الْمُثَنَّى فِي صُفُوفِهِ يَعْهَدُ إِلَيْهِمْ وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ الشَّمُوسِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ لِلِينِهِ، وَكَانَ لَا يَرْكَبُهُ إِلَّا إِذَا قَاتَلَ، فَوَقَفَ عَلَى الرَّايَاتِ يُحَرِّضُهُمْ وَيَهُزُّهُمْ، وَلِكُلِّهِمْ يَقُولُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِكُمُ الْيَوْمَ، وَاللَّهِ مَا يَسُرُّنِي الْيَوْمَ لِنَفْسِي شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَسُرُّنِي لِعَامَّتِكُمْ، فَيُجِيبُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَأَنْصَفَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَخَلَطَ النَّاسَ فِي الْمَحْبُوبِ وَالْمَكْرُوهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَحَدٌ أَنْ يَعِيبَ لَهُ قَوْلًا وَلَا فِعْلًا وَقَالَ الْمُثَنَّى لَهُمْ: إِنِّي مُكَبِّرٌ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ فَتَهَيَّئُوا، فَإِذَا كَبَّرْتُ الرَّابِعَةَ فَاحْمِلُوا. فَقَابَلُوا قَوْلَهُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْقَبُولِ. فَلَمَّا كَبَّرَ أَوَّلَ تَكْبِيرَةٍ عَاجَلَتْهُمُ الْفُرْسُ فَحَمَلُوا حَتَّى غَالَقُوهُمْ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَكَدَتِ الْحَرْبُ، وَرَأَى الْمُثَنَّى فِي بَعْضِ صُفُوفِهِ خَلَلًا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا يَقُولُ: الْأَمِيرُ يَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكُمْ: لَا تَفْضَحُوا الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ. فَاعْتَدَلُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ - وَهُمْ بَنُو عِجْلٍ - أَعْجَبَهُ وَضَحِكَ، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، عَادَاتِكُمْ، انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ. وَجَعَلَ الْمُثَنَّى وَالْمُسْلِمُونَ يَدْعُونَ اللَّهَ بِالظَّفَرِ وَالنَّصْرِ، فَلَمَّا طَالَتْ مُدَّةُ الْحَرْبِ جَمَعَ الْمُثَنَّى جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ الْأَبْطَالِ يَحْمُونَ ظَهْرَهُ، وَحَمَلَ عَلَى مِهْرَانَ فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَيْمَنَةَ، وَحَمَلَ غُلَامٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ نَصْرَانِيٌّ فَقَتَلَ مِهْرَانَ وَرَكِبَ فَرَسَهُ. كَذَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: بَلْ حَمَلَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرُ بْنُ حَسَّانَ بْنِ ضِرَارٍ الضَّبِّيُّ فَطَعَنَهُ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَاخْتَصَمَا فِي سَلْبِهِ، فَأَخَذَ جَرِيرٌ السِّلَاحَ، وَأَخَذَ الْمُنْذِرُ مِنْطَقَتَهُ، وَهَرَبَتِ الْمَجُوسُ وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ يَقْصِلُونَهُمْ قَصْلًا، وَسَبَقَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ إِلَى الْجِسْرِ فَوَقَفَ عَلَيْهِ لِيَمْنَعَ الْفُرْسَ مِنَ الْجَوَازِ عَلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَرَكِبُوا أَكْتَافَهُمْ بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمِنَ الْغَدِ إِلَى اللَّيْلِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَغَرِقَ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَالًا جَزِيلًا وَطَعَامًا كَثِيرًا، وَبَعَثُوا بِالْبِشَارَةِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ، ؓ. وَقَدْ قُتِلَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ بَشْرٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَذَلَّتْ لِهَذِهِ الْوَقْعَةِ رِقَابُ الْفُرْسِ، وَتَمَكَّنَ الصَّحَابَةُ مِنَ الْغَارَاتِ فِي بِلَادِهِمْ فِيمَا بَيْنَ الْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، فَغَنِمُوا شَيْئًا عَظِيمًا لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ، وَجَرَتْ أُمُورٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا بَعْدَ يَوْمِ الْبُوَيْبِ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ بِالْعِرَاقِ نَظِيرَ الْيَرْمُوكِ بِالشَّامِ. وَقَدْ قَالَ الْأَعْوَرُ الشَّنِّيُّ الْعَبْدِيُّ فِي ذَلِكَ: هَاجَتْ لِأَعْوَرَ دَارُ الْحَيِّ أَحْزَانَا وَاسْتَبْدَلَتْ بَعْدَ عَبَدِ الْقَيْسِ خَفَّانَا وَقَدْ أَرَانَا بِهَا وَالشَّمْلُ مُجْتَمِعٌ إِذْ بِالنُّخَيْلَةِ قَتْلَى جُنْدِ مِهْرَانَا إِذْ كَانَ سَارَ الْمُثَنَّى بِالْخُيُولِ لَهُمْ فَقَتَّلَ الزَّحْفَ مِنْ فُرْسٍ وَجِيلَانَا سَمَا لِمِهْرَانَ وَالْجَيْشِ الَّذِي مَعَهُ حَتَّى أَبَادَهُمُ مَثْنَى وَوُحْدَانَا
التاريخ 1866لا حكم مسجّل
خَبَرِ الْخَنَافِسِ وَسُوقِ بَغْدَادَ ثُمَّ خَلَّفَ الْمُثَنَّى بِالْحِيرَةِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ، وَسَارَ يَمْخُرُ السَّوَادَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَيْسَانَ وَدَسْتُمَيْسَانَ، وَأَذْكَى الْمَسَالِحَ، وَنَزَلَ أُلَّيْسَ، قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْبَارِ، وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ تُدْعَى غَزْوَةَ الْأَنْبَارِ الْآخِرَةِ ، وَغَزْوَةَ أُلَّيْسَ الْآخِرَةِ. وَجَاءَ الْمُثَنَّى رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْبَارِيٌّ فَدَلَّهُ عَلَى سُوقِ الْخَنَافِسِ، وَالثَّانِي حِيرِيٌّ دَلَّهُ عَلَى بَغْدَادَ، فَقَالَ الْمُثَنَّى: أَيَّتُهُمَا قَبْلَ صَاحِبَتِهَا ؟ فَقَالَا: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ. قَالَ: أَيُّهُمَا أَعْجَلُ ؟ قَالَا: سُوقُ الْخَنَافِسِ يَجْتَمِعُ بِهَا تُجَّارُ مَدَائِنِ كِسْرَى، وَالسَّوَادُ وَرَبِيعَةُ وَقُضَاعَةُ يَخْفِرُونَهُمْ. فَرَكِبَ الْمُثَنَّى وَأَغَارَ عَلَى الْخَنَافِسِ يَوْمَ سُوقِهَا، وَبِهَا خَيْلَانِ مِنْ رَبِيعَةَ وَقُضَاعَةَ، وَعَلَى قُضَاعَةَ رُومَانِسُ بْنُ وَبَرَةَ، وَعَلَى رَبِيعَةَ السَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ وَهُمُ الْخُفَرَاءُ، فَانْتَسَفَ السُّوقَ وَمَا فِيهَا، وَسَلَبَ الْخُفَرَاءَ. ثُمَّ رَجَعَ فَأَتَى الْأَنْبَارَ فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا مِنْهُ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ نَزَلُوا إِلَيْهِ وَأَتَوْهُ بِالْأَعْلَافِ وَالزَّادِ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ الْأَدِلَّاءَ عَلَى سُوقِ بَغْدَادَ، وَأَظْهَرَ لِدِهْقَانِ الْأَنْبَارِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْمَدَائِنَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى بَغْدَادَ لَيْلًا، وَعَبَرَ إِلَيْهِمْ وَصَبَّحَهُمْ فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ وَأَخَذَ مَا شَاءَ. وَقَالَ الْمُثَنَّى: لَا تَأْخُذُوا إِلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَالْحُرَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. ثُمَّ عَادَ رَاجِعًا حَتَّى نَزَلَ بِنَهْرِ السَّالِحِينَ بِالْأَنْبَارِ، فَسَمِعَ أَصْحَابَهُ يَقُولُونَ: مَا أَسْرَعَ الْقَوْمَ فِي طَلَبِنَا، فَخَطَبَهُمْ وَقَالَ: احْمَدُوا اللَّهَ وَسَلُوهُ الْعَافِيَةَ، وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَانْظُرُوا فِي الْأُمُورِ وَقَدِّرُوهَا ثُمَّ تَكَلَّمُوا، إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ النَّذِيرُ مَدِينَتَهُمْ بَعْدُ، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لَحَالَ الرُّعْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ طَلَبِكُمْ، إِنَّ لِلْغَارَاتِ رَوْعَاتٍ تُضْعِفُ الْقُلُوبَ يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ، وَلَوْ طَلَبَكُمُ الْمُحَامُونَ مِنْ رَأْيِ الْعَيْنِ مَا أَدْرَكُوكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى الْعِرَابِ حَتَّى تَنْتَهُوا إِلَى عَسْكَرِكُمْ، وَلَوْ أَدْرَكُوكُمْ لَقَاتَلْتُهُمُ الْتِمَاسَ الْأَجْرِ وَرَجَاءَ النَّصْرِ، فَثِقُوا بِاللَّهِ وَأَحْسِنُوا بِهِ الظَّنَّ، فَقَدْ نَصَرَكُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. ثُمَّ سَارَ بِهِمْ إِلَى الْأَنْبَارِ، وَكَانَ مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمْخَرُونَ السَّوَادَ وَيَشُنُّونَ الْغَارَاتِ مَا بَيْنَ أَسْفَلَ كَسْكَرَ وَأَسْفَلَ الْفُرَاتِ، وَجَسُّوا مِثْقَبًا إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ وَفِي أَرْضِ الْفَلَالِيجِ، وَالْمُثَنَّى بِالْأَنْبَارِ. وَلَمَّا رَجَعَ الْمُثَنَّى مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ بَعَثَ الْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى الْكَبَاثِ وَعَلَيْهِ فَارِسُ الْعُنَابِ التَّغْلِبِيُّ، ثُمَّ لَحِقَهُمُ الْمُثَنَّى فَسَارَ مَعَهُمْ، فَوَجَدُوا الْكَبَاثَ قَدْ سَارَ مَنْ كَانَ بِهِ، وَمَعَهُمْ فَارِسُ الْعُنَابِ، فَسَارَ الْمُسْلِمُونَ خَلْفَهُ فَلَحِقُوهُ وَقَدْ رَحَلَ مِنَ الْكَبَاثِ، فَقَتَلُوا فِي أُخْرَيَاتِ أَصْحَابِهِ وَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْأَنْبَارِ سَرَّحَ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ التَّغْلِبِيَّ وَعُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ وَأَمَرَهُمَا بِالْغَارَةِ عَلَى أَحْيَاءَ مِنْ تَغْلِبَ بِصِفِّينَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُمَا الْمُثَنَّى وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُلْمَى الْهُجَيْمِيَّ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ صِفِّينَ فَرَّ مَنْ بِهَا وَعَبَرُوا الْفُرَاتَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَفَنِيَ الزَّادُ الَّذِي مَعَ الْمُثَنَّى وَأَصْحَابِهِ، فَأَكَلُوا رَوَاحِلَهُمْ إِلَّا مَا لَابُدَّ مِنْهُ حَتَّى جُلُودِهَا، ثُمَّ أَدْرَكُوا عِيرًا مِنْ أَهْلِ دَبَا وَحَوْرَانَ، فَقَتَلُوا مَنْ بِهَا، وَأَخَذُوا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنْ تَغْلِبَ كَانُوا خُفَرَاءَ، وَأَخَذُوا الْعِيرَ، فَقَالَ لَهُمْ: دُلُّونِي. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: آمِنُونِي عَلَى أَهْلِي وَمَالِي، وَأَدُلُّكُمْ عَلَى حَيٍّ مِنْ تَغْلِبَ. فَآمَنَهُ الْمُثَنَّى وَسَارَ مَعَهُمْ يَوْمَهُ، فَهَجَمَ الْعَشِيُّ عَلَى الْقَوْمِ، وَالنَّعَمُ صَادِرَةٌ عَنِ الْمَاءِ، وَأَصْحَابُهَا جُلُوسٌ بِأَفْنِيَةِ الْبُيُوتِ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَاسْتَاقَ الْأَمْوَالَ، وَكَانَ التَّغْلِبِيُّونَ بَنِي ذِي الرُّوَيْحِلَةِ، فَاشْتَرَى مَنْ كَانَ مَعَ الْمُثَنَّى مِنْ رَبِيعَةَ السَّبَايَا بِنَصِيبِهِ مِنَ الْفَيْءِ وَأَعْتَقُوهُمْ، وَكَانَتْ رَبِيعَةُ لَا تُسَابِي، إِذِ الْعَرَبُ يَتَسَابَوْنَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ. وَأُخْبِرَ الْمُثَنَّى أَنَّ جُمْهُورَ مَنْ سَلَكَ الْبِلَادَ قَدِ انْتَجَعَ شَاطِئَ دِجْلَةَ، فَخَرَجَ الْمُثَنَّى وَعَلَى مُجَنِّبَتَيْهِ النُّعْمَانُ بْنُ عَوْفٍ وَمَطَرُ الشَّيْبَانِيَّانِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْغَلْفَانِيُّ، فَسَارُوا فِي طَلَبِهِمْ فَأَدْرَكُوهُمْ بِتَكْرِيتَ، فَأَصَابُوا مَا شَاءُوا مِنَ النَّعَمِ، وَعَادَ إِلَى الْأَنْبَارِ. وَمَضَى عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ وَمَنْ مَعَهُمَا حَتَّى أَغَارُوا عَلَى صِفِّينَ وَبِهَا النَّمِرُ وَتَغْلِبُ مُتَسَانِدِينَ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى رَمَوْا طَائِفَةً مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ، فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُمْ: الْغَرَقَ الْغَرَقَ ! وَجَعَلَ عُتَيْبَةُ وَفُرَاتُ يَذْمُرَانِ النَّاسَ وَيُنَادِيَانِهِمْ: تَغْرِيقٌ بِتَحْرِيقٍ ! يُذَكِّرَانِهِمْ يَوْمًا مِنْ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ أَحْرَقُوا فِيهِ قَوْمًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فِي غَيْضَةٍ مِنَ الْغِيَاضِ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمُثَنَّى وَقَدْ غَرَّقُوهُمْ، وَقَدْ بَلَغَ الْخَبَرُ عُمَرَ فَبَعَثَ إِلَى عُتَيْبَةَ وَفُرَاتَ فَاسْتَدْعَاهُمَا، فَسَأَلَهُمَا عَنْ قَوْلِهِمَا، فَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ طَلَبِ ذَحْلٍ، إِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ فَاسْتَحْلَفَهُمَا وَرَدَّهُمَا إِلَى الْمُثَنَّى.
التاريخ 1867لا حكم مسجّل
فَتْحِ بِلَادِ سَاحِلِ دِمَشْقَ لَمَّا اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى دِمَشْقَ، وَسَارَ إِلَى فِحْلٍ - سَارَ يَزِيدُ إِلَى مَدِينَةِ صَيْدَا وَعِرْقَةَ وَجُبَيْلٍ وَبَيْرُوتَ، وَهِيَ سَوَاحِلُ دِمَشْقَ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ أَخُوهُ مُعَاوِيَةَ، فَفَتَحَهَا فَتْحًا يَسِيرًا، وَجَلَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا، وَتَوَلَّى فَتْحَ عِرْقَةَ مُعَاوِيَةُ بِنَفْسِهِ فِي وِلَايَةِ يَزِيدَ. ثُمَّ إِنَّ الرُّومَ غَلَبُوا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ السَّوَاحِلِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَقَصَدَهُمْ مُعَاوِيَةُ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ رَمَّهَا وَشَحَنَهَا بِالْمُقَاتِلَةِ وَأَعْطَاهُمُ الْقَطَائِعَ. وَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ الْخِلَافَةَ وَجَمَعَ لِمُعَاوِيَةَ الشَّامَ وَجَّهَ مُعَاوِيَةُ سُفْيَانَ بْنَ مُجِيبٍ الْأَزْدِيَّ إِلَى طَرَابُلُسَ، وَهِيَ ثَلَاثُ مُدُنٍ مُجْتَمِعَةٌ، ثُمَّ بَنَى فِي مَرْجٍ عَلَى أَمْيَالٍ مِنْهَا حِصْنًا سُمِّيَ حِصْنَ سُفْيَانَ، وَقَطَعَ الْمَادَّةَ عَنْ أَهْلِهَا مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَحَاصَرَهُمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحِصَارُ اجْتَمَعُوا فِي أَحَدِ الْحُصُونِ الثَّلَاثَةِ وَكَتَبُوا إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يُمِدَّهُمْ أَوْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ يَهْرُبُونَ فِيهَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ بِمَرَاكِبَ كَثِيرَةٍ رَكِبُوا فِيهَا لَيْلًا وَهَرَبُوا. فَلَمَّا أَصْبَحَ سُفْيَانُ، وَكَانَ يَبِيتُ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ فِي حِصْنِهِ ثُمَّ يَغْدُو عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَدَ الْحِصْنَ خَالِيًا فَدَخَلَهُ، وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَسْكَنَهُ مُعَاوِيَةُ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْمِينَا الْيَوْمَ، ثُمَّ بَنَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَحَصَّنَهُ، ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهُ أَيَّامَ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَفَتَحَهُ ابْنُهُ الْوَلِيدُ فِي زَمَانِهِ.
التاريخ 1868لا حكم مسجّل
فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ دِمَشْقُ وقيل أَنَّ فَتْحَ دِمَشْقَ وَقَعَ فِي سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَلَكِنْ نَصَّ سَيْفٌ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَنَّهَا فُتِحَتْ فِي نِصْفِ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَكَذَا حَكَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عُبَيْدَةَ، قَالَ: فُتِحَتْ دِمَشْقُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَرَوَاهُ دُحَيْمٌ، عَنِ الْوَلِيدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخًا يَقُولُونَ: إِنَّ دِمَشْقَ فُتِحَتْ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ كَانَ فَتْحُهَا فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ: حَاصَرَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَتَمَّ الصُّلْحُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ. وَقَالَ الْأُمَوِيُّ فِي " مُغَازِيهِ ": كَانَتْ وَقْعَةُ أَجْنَادِينَ فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَوَقْعَةُ فِحْلٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. يَعْنِي: وَوَقْعَةُ دِمَشْقَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ دُحَيْمٌ عَنِ الْوَلِيدِ: حَدَّثَنِي الْأُمَوِيُّ أَنَّ وَقْعَةَ فِحْلٍ وَأَجْنَادِينَ كَانَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ مَضَى الْمُسْلِمُونَ إِلَى دِمَشْقَ، فَنَزَلُوا عَلَيْهَا فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. يَعْنِي فَفَتَحُوهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَكَانَتِ الْيَرْمُوكُ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقَدِمَ عُمَرُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ.
التاريخ 1869لا حكم مسجّل
فَتَحِ دِمَشْقَ . وَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ أَهْلَ الْيَرْمُوكِ اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْيَرْمُوكِ بَشِيرَ بْنَ كَعْبٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِالصُّفَّرِ وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى حِصَارِ دِمَشْقَ إِذْ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِقُدُومِ مَدَدٍ لَهُمْ مِنْ حِمْصَ، وَجَاءَهُ الْخَبَرُ بِأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ طَائِفَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الرُّومِ بِفِحْلٍ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَهُوَ لَا يَدْرِي بِأَيِّ الْأَمْرَيْنِ يَبْدَأُ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَجَاءَ الْجَوَابُ أَنِ ابْدَأْ بِدِمَشْقَ فَإِنَّهَا حِصْنُ الشَّامِ وَبَيْتُ مَمْلَكَتِهِمْ، فَانْهَدْ لَهَا وَاشْغَلُوا عَنْكُمْ أَهْلَ فِحْلٍ بِخُيُولٍ تَكُونُ تِلْقَاءَهُمْ، فَإِنْ فَتَحَهَا اللَّهُ قَبْلَ دِمَشْقَ فَذَلِكَ الَّذِي نُحِبُّ، وَإِنْ فُتِحَتْ دِمَشْقُ قَبْلَهَا فَسِرْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ وَاسْتَخْلِفْ عَلَى دِمَشْقَ، فَإِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِحْلًا فَسِرْ أَنْتَ وَخَالِدٌ إِلَى حِمْصَ وَاتْرُكْ عَمْرًا وَشُرَحْبِيلَ عَلَى الْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ. قَالَ: فَسَرَّحَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِحْلٍ عَشَرَةَ أُمَرَاءَ، مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ خَمْسَةُ أُمَرَاءَ، وَعَلَى الْجَمِيعِ عُمَارَةُ بْنُ مَخْشِيٍّ، صَحَابِيٌّ، فَسَارُوا مِنْ مَرْجِ الصُّفَّرِ إِلَى فِحْلٍ، فَوَجَدُوا الرُّومَ هُنَالِكَ قَرِيبًا مِنْ ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَقَدْ أَرْسَلُوا الْمِيَاهَ حَوْلَهُمْ حَتَّى أَرْدَغَتِ الْأَرْضُ، فَسَمَّوْا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ الرَّدْغَةَ، وَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ أَوَّلَ حِصْنٍ فُتِحَ قَبِلَ دِمَشْقَ، وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ جَيْشًا يَكُونُ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْنَ فِلَسْطِينَ، وَبَعَثَ ذَا الْكَلَاعِ فِي جَيْشٍ يَكُونُ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْنَ حِمْصَ ; لِيَرُدَّ مَنْ يَرِدُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْمَدَدِ مِنْ جِهَةِ هِرَقْلَ، ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ مَرْجِ الصُّفَّرِ قَاصِدًا دِمَشْقَ، وَقَدْ جَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي الْقَلْبِ، وَرَكِبَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ، وَعَلَى الْخَيْلِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ،، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، فَقَدِمُوا دِمَشْقَ وَعَلَيْهَا نِسْطَاسُ بْنُ نَسْطُورَسَ، فَنَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَإِلَيْهِ بَابُ كَيْسَانَ أَيْضًا، وَنَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ الْكَبِيرِ، وَنَزَلَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ، وَنَزَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ عَلَى بَقِيَّةِ أَبْوَابِ الْبَلَدِ، وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ وَالدَّبَّابَاتِ وَقَدْ أَرْصَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَبَا الدَّرْدَاءِ عَلَى جَيْشٍ بِبَرْزَةَ يَكُونُونَ رِدْءًا لَهُ، وَكَذَا الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ حِمْصَ، وَحَاصَرُوهَا حِصَارًا شَدِيدًا سَبْعِينَ لَيْلَةً، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَهْلُ دِمَشْقَ مُمْتَنِعُونَ مِنْهُمْ غَايَةَ الِامْتِنَاعِ، وَيُرْسِلُونَ إِلَى مَلِكِهِمْ هِرَقْلَ وَهُوَ مُقِيمٌ بِحِمْصَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ الْمَدَدَ، فَلَا يُمْكِنُ وُصُولُ الْمَدَدِ إِلَيْهِمْ مِنْ ذِي الْكَلَاعِ الَّذِي قَدْ أَرْصَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، ؓ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْنَ حِمْصَ - عَنْ دِمَشْقَ لَيْلَةً - فَلَمَّا أَيْقَنَ أَهْلُ دِمَشْقَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمْ مَدَدٌ أَبْلَسُوا وَفَشِلُوا وَضَعُفُوا، وَقَوِيَ الْمُسْلِمُونَ وَاشْتَدَّ حِصَارُهُمْ، وَجَاءَ فَصْلُ الشِّتَاءِ وَاشْتَدَّ الْبَرْدُ وَعَسُرَ الْحَالُ وَعَسُرَ الْقِتَالُ، فَقَدَّرَ اللَّهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي، ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، أَنْ وُلِدَ لِبِطْرِيقِ دِمَشْقَ مَوْلُودٌ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَسَقَاهُمْ بَعْدَهُ شَرَابًا، وَبَاتُوا عِنْدَهُ فِي وَلِيمَتِهِ قَدْ أَكَلُوا وَشَرِبُوا وَتَعِبُوا، فَنَامُوا عَنْ مَوَاقِفِهِمْ، وَاشْتَغَلُوا عَنْ أَمَاكِنِهِمْ، وَفَطِنَ لِذَلِكَ أَمِيرُ الْحَرْبِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَنَامُ، وَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا يَنَامُ، بَلْ مُرَاصِدٌ لَهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَهُ عُيُونٌ وَقُصَّادٌ يَرْفَعُونَ إِلَيْهِ أَحْوَالَ الْمُقَاتِلَةِ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَلَمَّا رَأَى خَمْدَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُقَاتِلُ عَلَى السُّورِ أَحَدٌ، كَانَ قَدْ أَعَدَّ سَلَالِيمَ مِنْ حِبَالٍ، فَجَاءَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الصَّنَادِيدِ الْأَبْطَالِ، مِثْلَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَمَذْعُورِ بْنِ عَدِيٍّ، وَقَدْ أَحْضَرَ جَيْشَهُ عِنْدَ الْبَابِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا سَمِعْتُمْ تَكْبِيرَنَا فَوْقَ السُّورِ فَارْقَوْا إِلَيْنَا. ثُمَّ نَهَدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَقَطَعُوا الْخَنْدَقَ سِبَاحَةً بِقِرَبٍ فِي أَعْنَاقِهِمْ، ثُمَّ نَصَبُوا تِلْكَ السَّلَالِمَ وَأَثْبَتُوا أَعَالِيهَا بِالشُّرُفَاتِ، وَأَكَّدُوا أَسَافِلَهَا خَارِجَ الْخَنْدَقِ، وَصَعِدُوا فِيهَا، فَلَمَّا اسْتَوَوْا عَلَى السُّورِ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ، وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ فَصَعِدُوا فِي تِلْكَ السَّلَالِمِ وَانْحَدَرَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ الشُّجْعَانُ مِنَ السُّورِ إِلَى الْبَوَّابِينَ فَقَتَلُوهُمْ، وَقَطَعَ خَالِدٌ وَأَصْحَابُهُ أَغَالِيقَ الْبَابِ بِالسُّيُوفِ وَفَتَحُوا الْبَابَ، فَدَخَلَ الْجَيْشُ الْخَالِدِيُّ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ، وَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ الْبَلَدِ التَّكْبِيرَ ثَارُوا، وَذَهَبَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى أَمَاكِنِهِمْ مِنَ السُّورِ، لَا يَدْرُونَ مَا الْخَبَرُ، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَدِمَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ قَتَلَهُ أَصْحَابُ خَالِدٍ
التاريخ 1870لا حكم مسجّل
وَدَخَلَ خَالِدٌ الْبَلْدَةَ عَنْوَةً، فَالْتَقَى خَالِدٌ وَالْقُوَّادُ فِي وَسَطِهَا، هَذَا قَتْلًا وَنَهْبًا، وَهَذَا صَفْحًا وَتَسْكِينًا، فَأَجْرَوْا نَاحِيَةَ خَالِدٍ مَجْرَى الصُّلْحِ وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ دَعَوْهُمْ إِلَى الْمُشَاطَرَةِ فَيَأْبَوْنَ عَلَيْهِمْ - فَلَمَّا دَعَوْهُمْ إِلَى ذَلِكَ أَجَابُوهُمْ، وَلَمْ يَعْلَمْ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ مَا صَنَعَ خَالِدٌ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَبَابٍ، فَوَجَدُوا خَالِدًا وَهُوَ يَقْتُلُ مَنْ وَجَدَهُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا قَدْ أَمَّنَّاهُمْ. فَقَالَ: إِنِّي فَتَحْتُهَا عَنْوَةً. وَالْتَقَتَ الْأُمَرَاءُ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ عِنْدَ كَنِيسَةِ الْمِقْسِلَّاطِ بِالْقُرْبِ مِنْ دَرْبِ الرَّيْحَانِ الْيَوْمَ. هَكَذَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ خَالِدًا فَتَحَ الْبَابَ قَسْرًا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي فَتَحَهَا عَنْوَةً أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقِيلَ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَخَالِدٌ صَالَحَ أَهْلَ الْبَلَدِ. فَعَكَسُوا الْمَشْهُورَ الْمَعْرُوفَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ، فَقَالَ قَائِلُونَ: هِيَ صُلْحٌ. يَعْنِي عَلَى مَا صَالَحَهُمُ الْأَمِيرُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ عَنْوَةٌ. لِأَنَّ خَالِدًا افْتَتَحَهَا بِالسَّيْفِ أَوَّلًا كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ ذَهَبُوا إِلَى بَقِيَّةِ الْأُمَرَاءِ، وَمِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فَصَالَحُوهُمْ، فَاتَّفَقُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ جَعَلُوا نِصْفَهَا صُلْحًا وَنِصْفَهَا عَنْوَةً، فَمَلَكَ أَهْلُهَا نِصْفَ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ وَأُقِرُّوا عَلَيْهِ، وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ الصَّحَابَةِ عَلَى النِّصْفِ. وَيُقَوِّي هَذَا مَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُصَالِحُوهُمْ عَلَى الْمُشَاطَرَةِ فَيَأْبَوْنَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِالْيَأْسِ أَنَابُوا إِلَى مَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ دَعَوْهُمْ إِلَيْهِ فَبَادَرُوا إِلَى إِجَابَتِهِمْ. وَلَمْ يَعْلَمِ الصَّحَابَةُ بِمَا كَانَ مِنْ خَالِدٍ إِلَيْهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا أَخَذَ الصَّحَابَةُ نِصْفَ الْكَنِيسَةِ الْعُظْمَى الَّتِي كَانَتْ بِدِمَشْقَ، وَتُعْرَفُ بِكَنِيسَةِ يُوحَنَّا، فَاتَّخَذُوا الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا مَسْجِدًا، وَأَبْقَوْا لَهُمُ النِّصْفَ الْغَرْبِيَّ كَنِيسَةً، وَقَدْ أَبْقَوْا لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ كَنِيسَةً أُخْرَى مَعَ نِصْفِ الْكَنِيسَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِيُوحَنَّا، وَالَّتِي هِيَ جَامِعُ دِمَشْقَ الْيَوْمَ، وَقَدْ كَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ كِتَابًا، وَكَتَبَ فِيهِ شَهَادَتَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَيَزِيدُ وَشُرَحْبِيلُ ; إِحْدَاهَا كَنِيسَةُ الْمِقْسِلَّاطِ الَّتِي اجْتَمَعَ عِنْدَهَا أُمَرَاءُ الصَّحَابَةِ، وَكَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى ظَهْرِ السُّوقِ الْكَبِيرِ، وَهَذِهِ الْقَنَاطِرُ الْمُشَاهَدَةُ فِي سُوقِ الصَّابُونِيِّينَ مِنْ بَقِيَّةِ الْقَنَاطِرِ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَهَا، ثُمَّ بَادَتْ فِيمَا بَعْدُ، وَأُخِذَتْ حِجَارَتُهَا فِي الْعِمَارَاتِ. الثَّانِيَةُ: كَنِيسَةٌ كَانَتْ فِي رَأْسِ دَرْبِ الْقُرَشِيِّينَ، وَكَانَتْ صَغِيرَةً. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَبَعْضُهَا بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ، وَقَدْ تَشَعَّثَتْ. الثَّالِثَةُ: كَانَتْ بِدَارِ الْبِطِّيخِ الْعَتِيقَةِ. قُلْتُ: وَهِيَ دَاخِلُ الْبَلَدِ بِقُرْبِ الْكُوشَكِ، وَأَظُنُّهَا هِيَ الْمَسْجِدُ الَّذِي قِبَلَ هَذَا الْمَكَانِ الْمَذْكُورِ، فَإِنَّهَا خَرِبَتْ مِنْ دَهْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الرَّابِعَةُ: كَانَتْ بِدَرْبِ بَنِي نَصْرٍ بَيْنَ دَرْبِ الْحَبَّالِينَ وَدَرْبِ التَّمِيمِيِّ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ أَدْرَكْتُ بَعْضَ بُنْيَانِهَا، وَقَدْ خَرِبَ أَكْثَرُهَا. الْخَامِسَةُ: كَنِيسَةُ بُولِصَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَكَانَتْ غَرْبِيَّ الْقَيْسَارِيَّةِ الْفَخْرِيَّةِ، وَقَدْ أَدْرَكْتُ مِنْ بُنْيَانِهَا بَعْضَ أَسَاسِ الْحَنْيَةِ. السَّادِسَةُ: كَانَتْ فِي مَوْضِعِ دَارِ الْوَكَالَةِ، وَتُعَرَفُ الْيَوْمَ بِكَنِيسَةِ الْقَلَانِسِيِّينَ. قُلْتُ: وَالْقَلَانِسِيِّينَ هِيَ الْخَوَّاصِينَ الْيَوْمَ. السَّابِعَةُ: الَّتِي بِدَرْبِ السَّقِيلِ الْيَوْمَ، وَتُعْرَفُ بِكَنِيسَةِ حُمَيْدِ بْنِ دُرَّةَ سَابِقًا ; لِأَنَّ هَذَا الدَّرْبَ كَانَ إِقْطَاعًا لَهُ، وَهُوَ حُمَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُسَاحِقٍ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ، وَدُرَّةُ أُمُّهُ، وَهِيَ دُرَّةُ بِنْتُ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَأَبُوهَا خَالُ مُعَاوِيَةَ. وَكَانَ قَدْ أُقْطِعُ هَذَا الدَّرْبَ فَنُسِبَتْ هَذِهِ الْكَنِيسَةُ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُسَلِمًا، وَلَمْ يَبْقَ لَهُمُ الْيَوْمَ سِوَاهَا، وَقَدْ خَرِبَ أَكْثَرُهَا. وَلِلْيَعْقُوبِيَّةِ مِنْهُمْ كَنِيسَةٌ دَاخِلَ بَابِ تُومَا بَيْنَ رَحْبَةِ خَالِدٍ - وَهُوَ خَالِدُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ - وَبَيْنَ دَرْبِ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ، وَهِيَ الْكَنِيسَةُ الثَّامِنَةُ، وَكَانَتْ لِلْيَعْقُوبِيِّينِ كَنِيسَةٌ أُخْرَى فِيمَا بَيْنَ السُّوسِيِّ وَسُوقِ عَلِيٍّ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: قَدْ بَقِيَ مِنْ بِنَائِهَا بَعْضُهُ، وَقَدْ خَرِبَتْ مُنْذُ دَهْرٍ. وَهَى الْكَنِيسَةُ التَّاسِعَةُ. وَأَمَّا الْعَاشِرَةُ فَهِيَ الْكَنِيسَةُ الْمُصَلَّبَةُ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ بَيْنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ وَبَابِ تُومَا بِقُرْبِ النَّيْبَطُنِ عِنْدَ السُّورِ. وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ: النَّيْبَطُونُ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ خَرِبَ أَكْثَرُهَا. هَكَذَا قَالَ، وَقَدْ خَرِبَتْ هَذِهِ الْكَنِيسَةُ وَهُدِمَتْ فِي أَيَّامِ صَلَاحِ الدِّينِ فَاتِحِ الْقُدْسِ بَعْدَ الثَّمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بَعْدِ مَوْتِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: كَنِيسَةُ مَرْيَمَ دَاخِلَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَى مِنْ أَكْبَرِ مَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ. قُلْتُ: ثُمَّ خَرِبَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ بِدَهْرٍ فِي أَيَّامِ الْمَلِكِ الظَّاهِرِ رُكْنِ الدِّينِ بِيبَرْسَ الْبُنْدِقْدَارِيِّ، عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كَنِيسَةُ الْيَهُودِ الَّتِي بِأَيْدِيهِمِ الْيَوْمَ فِي حَارَتِهِمْ، وَمَحَلُّهَا مَعْرُوفٌ بِالْقُرْبِ مِنَ الْحَيْرِ وَتُسَمِّيهِ النَّاسُ الْيَوْمَ بُسْتَانَ الْقِطِّ، وَكَانَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ فِي دَرْبِ الْبَلَاغَةِ، لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً فِي الْعَهْدِ، فَهُدِمَتْ فِيمَا بَعْدُ، وَجُعِلَ مَكَانَهَا الْمَسْجِدُ الْمَعْرُوفُ بِمَسْجِدِ ابْنَ الشَّهْرُزُورِيِّ، وَالنَّاسُ الْيَوْمَ يَقُولُونَ: دَرْبُ الشَّاذُورِيِّ. قُلْتُ: وَقَدْ أُخْرِبَتْ لَهُمْ كَنِيسَةٌ كَانُوا قَدْ أَحْدَثُوهَا لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ، لَا ابْنُ عَسَاكِرَ وَلَا غَيْرُهُ، وَكَانَ إِخْرَابُهَا فِي حُدُودِ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسَبْعِمِائَةٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ لِذِكْرِ كَنِيسَةِ السَّامِرَةِ بِمَرَّةٍ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَمِمَّا أَحْدَثَ - يَعْنِي النَّصَارَى - كَنِيسَةً بَنَاهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ لِبَنِي قُطَيْطَا فِي الْفَوْرَنْقِ عِنْدَ قَنَاةِ صَالِحٍ قَرِيبًا مِنْ دَارِ بَهَادُرْآصَ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُخْرِبَتْ فِيمَا بَعْدُ، وَجُعِلَتْ مَسْجِدًا يُعَرَفُ بِمَسْجِدِ الْجَيْنِيقِ، وَهُوَ مَسْجِدُ أَبِي الْيَمَنِ. قَالَ: وَمِمَّا أُحْدِثَ كَنِيسَتَا الْعُبَّادِ ; إِحْدَاهُمَا عِنْدَ دَارِ ابْنِ الْمَاشَكِيِّ، وَقَدْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا، وَالْأُخْرَى الَّتِي فِي رَأْسِ دَرْبِ النَّقَّاشِينَ، وَقَدْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا. انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
التاريخ 1871لا حكم مسجّل
دِمَشْقُ ; هَلْ فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دِمَشْقَ ; هَلْ فُتِحَتْ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً ؟ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ اسْتَقَرَّ أَمْرُهَا عَلَى الصُّلْحِ ; لِأَنَّهُمْ شَكُّوا فِي الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْآخَرِ ; أَفُتِحَتْ عَنْوَةً ثُمَّ عَدَلَ الرُّومُ إِلَى الْمُصَالَحَةِ، أَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا وَاتَّفَقَ الِاسْتِيلَاءُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ قَسْرًا ؟ فَلَمَّا شَكُّوا فِي ذَلِكَ جَعَلُوهَا صُلْحًا احْتِيَاطًا. وَقِيلَ: بَلْ جُعِلَ نِصْفُهَا صُلْحًا وَنِصْفُهَا عَنْوَةً. وَهَذَا الْقَوْلُ قَدْ يَظْهَرُ مِنْ صُنْعِ الصَّحَابَةِ فِي الْكَنِيسَةِ الْعُظْمَى الَّتِي كَانَتْ أَكْبَرَ مَعَابِدِهِمْ، حِينَ أَخَذُوا نِصْفَهَا وَتَرَكُوا لَهُمْ نَصْفَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الخلاف فيمن كتب كتاب الصلح ثُمَّ قِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ هُوَ الَّذِي كَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ الصُّلْحِ، وَهَذَا هُوَ الْأَنْسَبُ وَالْأَشْهَرُ، فَإِنَّ خَالِدًا كَانَ قَدْ عُزِلَ عَنِ الْإِمْرَةِ. وَقِيلَ: بَلِ الَّذِي كَتَبَ لَهُمُ الصُّلْحَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَكِنْ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ أَبُو حُذَيْفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ أَنَّ الصِّدِّيقَ تُوُفِّيَ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يُعَزِّيهِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي الصِّدِّيقِ، وَأَنَّهُ قَدِ اسْتَنَابَهُ عَلَى مَنْ بِالشَّامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشِيرَ خَالِدًا فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ كَتَمَهُ مِنْ خَالِدٍ حَتَّى فُتِحَتْ دِمَشْقُ بِنَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُعْلِمَنِي حِينَ جَاءَكَ ؟ فَقَالَ: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَكْسِرَ عَلَيْكَ حَرْبَكَ، وَمَا سُلْطَانُ الدُّنْيَا أُرِيدُ، وَلَا لِلدُّنْيَا أَعْمَلُ، وَمَا تَرَى سَيَصِيرُ إِلَى زَوَالٍ وَانْقِطَاعٍ، وَإِنَّمَا نَحْنُ إِخْوَانٌ، وَمَا يَضُرُّ الرَّجُلَ أَنْ يَلِيَهُ أَخُوهُ فِي دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ. وَمِنْ أَعْجَبِ مَا يُذْكَرُ هَا هُنَا مَا رَوَاهُ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ، بسنده عن أَبي عُثْمَانَ الصَّنْعَانِيُّ شَرَاحِيلُ بْنُ مَرْثَدٍ، قَالَ: بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ، وَبَعَثَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى الشَّامِ. فَذَكَرَ الرَّاوِي قِتَالَ خَالِدٍ لِأَهْلِ الْيَمَامَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ وَاسْتَخْلَفَ عُمَرَ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ إِلَى الشَّامِ فَقَدِمَ دِمَشْقَ فَاسْتَمَدَّ أَبُو عُبَيْدَةَ عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ فَذَكَرَ مَسِيرَ خَالِدٍ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، فَإِنَّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّ الصِّدِّيقَ هُوَ الَّذِي بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ إِلَى الشَّامِ، وَهُوَ الَّذِي كَتَبَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَقَدَمَ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى الشَّامِ لِيَكُونَ مَدَدًا لِمَنْ بِهِ وَأَمِيرًا عَلَيْهِمْ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى يَدَيْهِ جَمِيعَ الشَّامِ. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا افْتَتَحُوا مَدِينَةَ دِمَشْقَ بَعَثُوا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَافِدًا إِلَى أَبِي بَكْرٍ بَشِيرًا بِالْفَتْحِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ قَدْ تُوُفِّيَ، وَاسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الْخِطَابِ، فَأَعْظَمَ أَنْ يَتَأَمَّرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، فَوَلَّاهُ جَمَاعَةَ النَّاسِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: مَرْحَبًا بِمَنْ بَعَثْنَاهُ بَرِيدًا فَقَدِمَ عَلَيْنَا أَمِيرًا. فائدة فقهية عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ بَعَثَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بَرِيدًا بِفَتْحِ دِمَشْقَ. قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لِي: مُنْذُ كَمْ لَمْ تَنْزِعْ خُفَّيْكَ ؟ فَقُلْتُ: مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهَذَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ. فَقَالَ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ. قَالَ اللَّيْثُ: وَبِهِ نَأْخُذُ. يَعْنِي أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ لَا يَتَأَقَّتْ، بَلْ لَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا مَا شَاءَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ عُمَارَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَ هَذَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ فِي تَأْقِيتِ الْمَسْحِ ; لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ الْبَرِيدِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ وَغَيْرِهِ، فَقَالَ فِي الْأَوَّلِ: لَا يَتَأَقَّتُ. وَفِيمَا عَدَاهُ: يَتَأَقَّتُ ; لِحَدِيثِ عُقْبَةَ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 1872لا حكم مسجّل
ابْتِدَاءِ أَمْرِ الْقَادِسِيَّةِ وَالْقَادِسِيَّةُ بَابُ فَارِسَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَهُوَ مَنْزِلٌ حَصِينٌ دُونَهُ قَنَاطِرُ وَأَنْهَارٌ مُمْتَنِعَةٌ لِمَا بَلَغَ عمر بن الخطاب قَتْلِ أَبِي عُبَيْدٍ يَوْمَ الْجِسْرِ، وَانْتِظَامِ شَمْلِ الْفُرْسِ، وَاجْتِمَاعِ أَمْرِهِمْ عَلَى يَزْدَجِرْدَ الَّذِي أَقَامُوهُ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ، وَنَقْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالْعِرَاقِ عُهُودَهُمْ، وَنَبْذِهِمُ الْمَوَاثِيقَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ، وَآذَوُا الْمُسْلِمِينَ وَأَخْرَجُوا الْعُمَّالَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، أخذ يحث الناس ويحرضهم على جهاد أهل العراق وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى مَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْجَيْشِ أَنْ يَتَبَرَّزُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: وَرَكِبَ عُمَرُ، ؓ وخَرَجَ فِي أَوَّلِ [يَوْمٍ مِنْ]] الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُدْعَى صِرَارًا، فَعَسْكَرَ بِهِ، وَلَا يَدْرِي النَّاسُ مَا يُرِيدُ أَيَسِيرُ أَمْ يُقِيمُ، وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ رَمَوْهُ بِعُثْمَانَ أَوْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ هَذَانِ عَلَى عَمَلِ شَيْءٍ مِمَّا يُرِيدُ ثَلَّثُوا بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَسَأَلَهُ عُثْمَانُ عَنْ سَبَبِ حَرَكَتِهِ، فَأَحْضَرَ النَّاسَ فَأَعْلَمَهُمُ الْخَبَرَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ، فَقَالَ الْعَامَّةُ: سِرْ وَسِرْ بِنَا مَعَكَ. فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي رَأْيِهِمْ وَقَالَ: اغْدُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَإِنِّي سَائِرٌ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ رَأْيٌ هُوَ أَمْثَلُ مِنْ هَذَا. ثُمَّ جَمَعَ وُجُوهَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ، وَكَانَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَاهُ، وَإِلَى طَلْحَةَ، وَكَانَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَإِلَى الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَا عَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ، فَحَضَرَا، ثُمَّ اسْتَشَارَهُمْ فَاجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَرْمِيهِ بِالْجُنُودِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَشْتَهِي فَهُوَ الْفَتْحُ، وَإِلَّا أَعَادَ رَجُلًا وَبَعَثَ آخَرَ، فَفِي ذَلِكَ غَيْظُ الْعَدُوِّ فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ عَزَمْتُ عَلَى الْمَسِيرِ حَتَّى صَرَفَنِي ذَوُو الرَّأْيِ مِنْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُقِيمَ وَأَبْعَثَ رَجُلًا، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ بِرَجُلٍ. وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى صَدَقَاتِ هَوَازِنَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بِانْتِخَابِ ذَوِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ وَالسِّلَاحِ، فَجَاءَهُ كِتَابُ سَعْدٍ، وَعُمَرُ يَسْتَشِيرُ فِيمَنْ يَبْعَثُهُ، يَقُولُ: قَدِ انْتَخَبْتُ لَكَ أَلْفَ فَارِسٍ كُلُّهُمْ لَهُ نَجْدَةٌ وَرَأْيٌ وَصَاحِبُ حَيْطَةٍ يَحُوطُ حَرِيمَ قَوْمِهِ، إِلَيْهِمُ انْتَهَتْ أَحْسَابُهُمْ وَرَأْيُهُمْ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ قَالُوا لِعُمَرَ: قَدْ وَجَدْتَهُ قَالَ: مَنْ هُوَ ؟ قَالُوا: الْأَسَدُ عَادِيًا سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، فَانْتَهَى إِلَى قَوْلِهِمْ وَأَحْضَرَهُ، وَأَمَّرَهُ عَلَى حَرْبِ الْعِرَاقِ وصية عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص وَأَوْصَاهُ فَقَالَ: يَا سَعْدَ بَنِي وُهَيْبٍ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنَ اللَّهِ أَنْ قِيلَ: خَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبُهُ. فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحَدٍ نَسَبٌ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، فَالنَّاسُ شَرِيفُهُمْ وَوَضِيعُهُمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ سَوَاءٌ ; اللَّهُ رَبُّهُمْ، وَهُمْ عِبَادُهُ، يَتَفَاضَلُونَ بِالْعَافِيَةِ وَيُدْرِكُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِالطَّاعَةِ، فَانْظُرِ الْأَمْرَ الَّذِي رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُنْذُ بُعِثَ إِلَى أَنْ فَارَقَنَا فَالْزَمْهُ ; فَإِنَّهُ الْأَمْرُ، هَذِهِ عِظَتِي إِيَّاكَ، إِنْ تَرَكْتَهَا وَرَغِبْتَ عَنْهَا حَبِطَ عَمَلُكَ وَكُنْتَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وَلَمَّا أَرَادَ فِرَاقَهُ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ سَتُقْدِمُ عَلَى أَمْرٍ شَدِيدٍ، فَالصَّبْرَ الصَّبْرَ عَلَى مَا أَصَابَكَ وَنَابَكَ تُجْمَعْ لَكَ خَشْيَةُ اللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ خَشْيَةَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ فِي أَمْرَيْنِ ; فِي طَاعَتِهِ وَاجْتِنَابِ مَعْصِيَتِهِ، وَإِنَّمَا طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ بِبُغْضِ الدُّنْيَا وَحُبِّ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا عِصْيَانُ مَنْ عَصَاهُ بِحُبِّ الدُّنْيَا وَبُغْضِ الْآخِرَةِ، وَلِلْقُلُوبِ حَقَائِقُ يُنْشِئُهَا اللَّهُ إِنْشَاءً، مِنْهَا السِّرُّ وَمِنْهَا الْعَلَانِيَةُ ; فَأَمَّا الْعَلَانِيَةُ فَأَنْ يَكُونَ حَامِدُهُ وَذَامُّهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً، وَأَمَّا السِّرُّ فَيُعْرَفُ بِظُهُورِ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ، وَبِمَحِبَّةِ النَّاسِ، فَلَا تَزْهَدْ فِي التَّحَبُّبِ، فَإِنَّ النَّبِيِّينَ قَدْ سَأَلُوا مَحَبَّتَهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا حَبَّبَهُ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا بَغَّضَهُ، فَاعْتَبِرْ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْزِلَتِكَ عِنْدَ النَّاسِ. وَسَرَّحَهُ فِيمَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مِنْ نَفَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فِيهِمْ حُمَيْضَةُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ حُمَيْضَةَ عَلَى بَارِقٍ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ ذُؤَيْبٍ عَلَى مَذْحِجٍ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ عَلَى صُدَاءَ، وَحَبِيبُ وَمُسْلِيَةُ وَبِشْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهِلَالِيُّ فِي قَيْسِ عَيْلَانَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ، فَمَرَّ بِفِتْيَةٍ مِنَ السَّكُونِ مَعَ حُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ دُلَمٍ سِبَاطٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ وَهَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ: مَا مَرَّ بِي قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ أَكْرَهُ إِلَيَّ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَمْضَاهُمْ فَكَانَ بَعْدُ يُذَكِّرُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ، فَكَانَ مِنْهُمْ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ قَتَلَ عُثْمَانَ، وَابْنُ مُلْجِمٍ قَتَلَ عَلِيًّا، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ جَرَّدَ السَّيْفَ فِي الْمُسْلِمِينَ، يُظْهِرُ الْأَخْذَ بِثَأْرِ عُثْمَانَ، وَحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ فِي قِتَالِ عَلِيٍّ. وَشَيَّعَهُمْ عُمَرُ مِنْ صِرَارٍ إِلَى الْأَعْوَصِ، وَقَامَ عُمَرُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا هُنَالِكَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا ضَرَبَ لَكُمُ الْأَمْثَالَ، وَصَرَفَ لَكُمُ الْقَوْلَ لِيُحْيِيَ بِهِ الْقُلُوبَ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ مَيِّتَةٌ فِي صُدُورِهَا حَتَّى يُحْيِيَهَا اللَّهُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَنْتَفِعْ بِهِ، فَإِنَّ لِلْعَدْلِ أَمَارَاتٌ وَتَبَاشِيرُ ; فَأَمَّا الْأَمَارَاتُ فَالْحَيَاءُ وَالسَّخَاءُ وَالْهَيْنُ وَاللَّيْنُ، وَأَمَّا التَّبَاشِيرُ فَالرَّحْمَةُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ أَمَرٍ بَابًا، وَيَسَّرَ لِكُلِّ بَابٍ مِفْتَاحًا ; فَبَابُ الْعَدْلِ الِاعْتِبَارُ، وَمِفْتَاحُهُ الزُّهْدُ، وَالِاعْتِبَارُ ذِكْرُ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادُ بِتَقْدِيمِ الْأَعْمَالِ، وَالزُّهْدُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ قِبَلَهُ حَقٌّ وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا يَكْفِيهِ مِنَ الْكَفَافِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكْفِهِ الْكَفَافُ لَمْ يُغْنِهِ شَيْءٌ، إِنِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَلْزَمَنِي دَفْعَ الدُّعَاءِ عَنْهُ، فَأَنْهُوا شَكَاتَكُمْ إِلَيْنَا، فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِلَى مَنْ يُبَلِّغُنَاهَا نَأْخُذْ لَهُ الْحَقَّ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ إمداد عمر سعد بعد خروجه بالجنود وَأَمَدَّ عُمَرُ سَعْدًا بَعْدَ خُرُوجِهِ بِأَلْفَيْ يَمَانِيٍّ نَجْدِيٍّ، وَكَانَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، وَسَارَ سَعْدٌ وَالْمُثَنَّى يَنْتَظِرُ قُدُومَهُ. وفاة المثنى ؓ وَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إِلَى نَهْرِ زَرُودَ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَجْتَمِعَ بِالْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ إِلَّا الْيَسِيرُ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُشْتَاقٌ إِلَى صَاحِبِهِ، انْتَقَضَ جُرْحُ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الَّذِي كَانَ جُرِحَهُ يَوْمَ الْجِسْرِ، فَمَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَ ؓ. وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ بَشِيرَ بْنَ الْخَصَاصِيَّةِ وَسَعْدٌ يَوْمَئِذٍ بِزَرُودَ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، وَأَمَرَ عُمَرُ بَنِي أَسَدٍ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حَدِّ أَرْضِهِمْ بَيْنَ الْحَزْنِ وَالْبَسِيطَةِ، فَنَزَلُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَسَارَ سَعْدٌ إِلَى شَرَافَ فَنَزَلَهَا، وَلَحِقَهُ بِهَا الْأَشْعَبُ بْنُ قَيْسٍ فِي أَلْفٍ وَسَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَجَمِيعُ مَنْ قُسِمَ عَلَيْهِ فَيْئُهَا نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَجْرَأَ عَلَى أَهْلِ فَارِسَ مِنْ رَبِيعَةَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَهُمْ رَبِيعَةَ الْأَسَدِ إِلَى رَبِيعَةِ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَدَعْ عُمَرُ ذَا رَأْيٍ وَلَا شَرَفٍ وَلَا خَطِيبًا وَلَا شَاعِرًا وَلَا وَجِيهًا مِنْ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَّا سَيَّرَهُ إِلَى سَعْدٍ. وَجَمَعَ سَعْدٌ مَنْ كَانَ بِالْعِرَاقِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَسْكَرِ الْمُثَنَّى، فَاجْتَمَعَ بِشَرَافَ، فَعَبَّأَهُمْ وَأَمَّرَ الْأُمَرَاءَ، وَعَرَّفَ عَلَى كُلِّ عَشَرَةٍ عَرِيفًا، وَجَعَلَ عَلَى الرَّايَاتِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ السَّابِقَةِ، وَوَلَّى الْحُرُوبَ رِجَالًا عَلَى سَاقَتِهَا وَمُقَدِّمَتِهَا وَرَجْلِهَا وَطَلَائِعِهَا وَمُجَنِّبَاتِهَا، وَلَمْ يَفْصِلْ إِلَّا بِكِتَابِ عُمَرَ، فَجَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ زُهْرَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ الْحَوِيَّةِ، فَانْتَهَى إِلَى الْعُذَيْبِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ شُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ الْكِنْدِيَّ، وَجَعَلَ خَلِيفَتَهُ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ حَلِيفَ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، وَجَعَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو التَّمِيمِيَّ عَلَى السَّاقَةِ، وَسَوَادَ بْنَ مَالِكٍ التَّمِيمِيَّ عَلَى الطَّلَائِعِ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ حَمَّالَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسَدِيَّ، وَعَلَى الرُّكْبَانِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ ذِي السَّهْمَيْنِ الْخَثْعَمِيَّ، وَجَعَلَ عُمَرُ عَلَى الْقَضَاءِ بَيْنَهُمْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيَّ، وَعَلَى قِسْمَةِ الْفَيْءِ أَيْضًا، وَجَعَلَ رَائِدَهُمْ وَدَاعِيَتَهُمْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، وَالْكَاتِبَ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ. وَقَدِمَ الْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ وَسَلْمَى بِنْتُ خَصَفَةَ زَوْجُ الْمُثَنَّى بِشَرَافَ، وَكَانَ الْمُعَنَّى بَعْدَ مَوْتِ أَخِيهِ قَدْ سَارَ إِلَى قَابُوسَ بْنِ قَابُوسَ بْنِ الْمُنْذِرِ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهَا الْفُرْسُ يَسْتَنْفِرُ الْعَرَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِ الْمُعَنَّى فَقَفَلَهُ فَأَنَامَهُ وَمَنْ مَعَهُ، وَرَجَعَ إِلَى ذِي قَارٍ، وَسَارَ إِلَى سَعْدٍ يُعْلِمُهُ بِرَأْيِ الْمُثَنَّى لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا الْفُرْسَ عَلَى حُدُودِ أَرْضِهِمْ عَلَى أَدْنَى حَجَرٍ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، وَلَا يُقَاتِلُوهُمْ بِعُقْرِ دَارِهِمْ، فَإِنْ يُظْهِرِ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ فَلَهُمْ مَا وَرَاءَهُمْ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى رَجَعُوا إِلَى فِئَةٍ ثُمَّ يَكُونُوا أَعْلَمَ بِسَبِيلِهِمْ، وَأَجْرَأَ عَلَى أَرْضِهِمْ، إِلَى أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ. فَتَرَحَّمَ سَعْدٌ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الْمُثَنَّى، وَجَعَلَ الْمُعَنَّى عَلَى عَمَلِهِ وَأَوْصَى بِأَهْلِ بَيْتِهِ خَيْرًا، زواج سعد سلمى زوج المثنى ثُمَّ تَزَوَّجَ سَعْدٌ سَلْمَى زَوْجَ الْمُثَنَّى، وَكَانَ مَعَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ بَدْرِيًّا، وَثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ مِمَّنْ كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ فِيمَا بَيْنَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ إِلَى مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَثَلَاثُمِائَةٍ مِمَّنْ شَهِدَ الْفَتْحَ، وَسَبْعُمِائَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ. وَقَدِمَ عَلَى سَعْدٍ كِتَابُ عُمَرَ بِمِثْلِ رَأْيِ الْمُثَنَّى، وَكَتَبَ عُمَرُ أَيْضًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيَصْرِفَ أَهْلَ الْعِرَاقِ وَمَنِ اخْتَارَ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ إِلَى الْعِرَاقِ. وَكَانَ لِلْفُرْسِ رَابِطَةٌ بِقَصْرِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، عَلَيْهَا النُّعْمَانُ بْنُ قَبِيصَةَ الطَّائِيُّ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ قَبِيصَةَ بْنِ إِيَاسٍ صَاحِبِ الْحِيرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِمَجِيءِ سَعْدٍ سَأَلَ عَنْهُ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانِ بْنِ خُزَيْمٍ الْأَسَدِيُّ، فَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأُحَادَّنَّهُ الْقِتَالَ، فَإِنَّ قُرَيْشًا عَبِيدُ مَنْ غَلَبَ، وَاللَّهِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ إِلَّا بِخُفَّيْنِ ! فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ مِنْ قَوْلِهِ وَأَمْهَلَهُ حَتَّى دَخَلَ قُبَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وَلَحِقَ بِسَعْدٍ وَأَسْلَمَ. وَسَارَ سَعْدٌ مِنْ شَرَافَ فَنَزَلَ الْعُذَيْبَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ بَيْنَ الْعَتِيقِ وَالْخَنْدَقِ بِحِيَالِ الْقَنْطَرَةِ، وَقُدَيْسٍ أَسْفَلَ مِنْهَا بِمِيلٍ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: إِنِّي أُلْقِيَ فِي رُوعِي أَنَّكُمْ إِذَا لَقِيتُمُ الْعَدُوَّ هَزَمْتُمُوهُمْ، فَمَتَى لَاعَبَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنَ الْعَجَمِ بِأَمَانٍ أَوْ بِإِشَارَةٍ أَوْ بِلِسَانٍ كَانَ عِنْدَهُمْ أَمَانًا - فَأَجْرُوا لَهُ ذَلِكَ مَجْرَى الْأَمَانِ وَالْوَفَاءِ؛ فَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْوَفَاءِ بَقِيَّةٌ، وَإِنَّ الْخَطَأَ بِالْغَدْرِ هَلَكَةٌ، وَفِيهَا وَهْنُكُمْ وَقُوَّةُ عَدُوِّكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَ زُهْرَةُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَأَمْسَى بَعَثَ سَرِيَّةً فِي ثَلَاثِينَ مَعْرُوفِينَ بِالنَّجْدَةِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ عَلَى الْحِيرَةِ، فَلَمَّا جَازُوا السَّيْلَحِينَ سَمِعُوا جَلَبَةً، فَمَكَثُوا حَتَّى حَاذُوهُمْ، وَإِذَا أُخْتُ آزَادُمَرْدَ بْنِ آزَاذَبَهْ مَرْزُبَانِ الْحِيرَةِ تُزَفُّ إِلَى صَاحِبِ الصِّنَّيْنِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَافِ الْعَجَمِ، فَحَمَلَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيُّ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ عَلَى شِيرَزَادَ بْنِ آزَاذَبَهْ فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَطَارَتِ الْخَيْلُ عَلَى وُجُوهِهَا، وَأَخَذُوا الْأَثْقَالَ وَابْنَةَ آزَاذَبَهْ فِي ثَلَاثِينَ امْرَأً مِنْ الدَّهَاقِينِ وَمِائَةٍ مِنَ التَّوَابِعِ، وَمَعَهُمْ مَا لَا يُدْرَى قِيمَتُهُ، فَاسْتَاقَ ذَلِكَ وَرَجَعَ فَصَبَّحَ سَعْدًا بِعُذَيْبِ الْهِجَانَاتِ، فَقَسَّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَكَ الْحَرِيمَ بِالْعُذَيْبِ وَمَعَهَا خَيْلٌ تَحُوطُهَا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ. نزول سعد بالقادسية وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَادِسِيَّةَ وَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا لَمْ يَأْتِهِ مِنَ الْفُرْسِ أَحَدٌ، فَأَرْسَلَ سَعْدٌ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى مَيْسَانَ، فَطَلَبَ غَنَمًا أَوْ بَقَرًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، وَتَحَصَّنَ مِنْهُ مَنْ هُنَاكَ، فَأَصَابَ عَاصِمٌ رَجُلًا بِجَانِبِ أَجَمَةٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، فَقَالَ: مَا أَعْلَمُ. فَصَاحَ ثَوْرٌ مِنَ الْأَجَمَةِ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، هَا نَحْنُ ! فَدَخَلَ فَاسْتَاقَ الْبَقَرَ فَأَتَى بِهَا الْعَسْكَرَ، فَقَسَّمَهُ سَعْدٌ عَلَى النَّاسِ، فَأَخْصَبُوا أَيَّامًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْحَجَّاجَ فِي زَمَانِهِ فَأَرْسَلَ إِلَى جَمَاعَةٍ فَسَأَلَهُمْ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ وَشَاهَدُوهُ، فَقَالَ: كَذَبْتُمْ. قَالُوا: ذَلِكَ إِنْ كُنْتَ شَهِدْتَهَا وَغِبْنَا عَنْهَا. قَالَ: صَدَقْتُمْ، فَمَا كَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ فِي ذَلِكَ ؟ قَالُوا: وَإِنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى رِضَى اللَّهِ وَفَتْحِ عَدُوِّنَا، فَقَالَ: مَا يَكُونُ هَذَا إِلَّا وَالْجَمْعُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ. قَالُوا: مَا نَدْرِي مَا أَجَنَّتْ قُلُوبُهُمْ، فَأَمَّا مَا رَأَيْنَا فَمَا رَأَيْنَا قَطُّ أَزْهَدَ فِي دُنْيَا مِنْهُمْ، وَلَا أَشَدَّ بُغْضًا لَهَا، لَيْسَ فِيهِمْ جَبَانٌ وَلَا غَارٌّ وَلَا غَدَّارٌ. وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَبَاقِرِ. بث سعد الغارات بين كسكر والأنبار وَبَثَّ سَعْدٌ الْغَارَاتِ وَالنَّهْبَ بَيْنَ كَسْكَرَ وَالْأَنْبَارِ، فَحَوَوْا مِنَ الْأَطْعِمَةِ مَا اسْتَكْفَوْا بِهِ زَمَانًا، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْعِرَاقَ وَبَيْنَ نُزُولِ سَعْدٍ الْقَادِسِيَّةَ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا سَنَتَانِ وَشَيْءٌ، وَكَانَ مُقَامُ سَعْدٍ بِالْقَادِسِيَّةِ شَهْرَيْنِ وَشَيْئًا حَتَّى ظَفِرَ. فَاسْتَغَاثَ أَهْلُ السَّوَادِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ، وَأَعْلَمُوهُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ نَزَلُوا الْقَادِسِيَّةَ وَلَا يَبْقَى عَلَى فِعْلِهِمْ شَيْءٌ، وَقَدْ أَخْرَبُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْفُرَاتِ، وَنَهَبُوا الدَّوَابَّ وَالْأَطْعِمَةَ، وَإِنْ أَبْطَأَ الْغِيَاثُ أَعْطَيْنَاهُمْ بِأَيْدِينَا، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الَّذِينَ لَهُمُ الضِّيَاعُ بِالطَّفِّ، وَهَيَّجُوهُ عَلَى إِرْسَالِ الْجُنُودِ، فَأَرْسَلَ يَزْدَجِرْدُ إِلَى رُسْتُمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ أُوَجِّهَكَ فِي هَذَا الْوَجْهِ، فَأَنْتَ رَجُلُ فَارِسَ الْيَوْمَ، وَقَدْ تَرَى مَا حَلَّ بِالْفُرْسِ مِمَّا لَمْ يَأْتِهِمْ مِثْلُهُ. فَأَظْهَرَ لَهُ الْإِجَابَةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ: دَعْنِي، فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَزَالُ تَهَابُ الْعَجَمَ مَا لَمْ تَضْرِبْهُمْ بِي، وَلَعَلَّ الدَّوْلَةَ أَنْ تَثْبُتَ بِي إِذَا لَمْ أَحْضُرِ الْحَرْبَ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ كَفَى، وَنَكُونُ قَدْ أَصَبْنَا الْمَكِيدَةَ، وَالرَّأْيُ فِي الْحَرْبِ أَنْفَعُ مِنْ بَعْضِ الظَّفَرِ، وَالْأَنَاةُ خَيْرٌ مِنَ الْعَجَلَةِ، وَقِتَالُ جَيْشٍ بَعْدَ جَيْشٍ أَمْثَلُ مِنْ هَزِيمَةٍ بِمَرَّةٍ وَأَشَدُّ عَلَى عَدُوِّنَا. فَأَبَى عَلَيْهِ، وَأَعَادَ رُسْتُمُ كَلَامَهُ وَقَالَ: قَدِ اضْطَرَّنِي تَضْيِيعُ الرَّأْيِ إِلَى إِعْظَامِ نَفْسِي وَتَزْكِيَتِهَا، وَلَوْ أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ وَمُلْكِكَ دَعْنِي أَقِمْ بِعَسْكَرِي وَأُسَرِّحِ الْجَالِينُوسَ، فَإِنْ تَكُنْ لَنَا فَذَلِكَ، وَإِلَّا بَعَثْنَا غَيْرَهُ، حَتَّى إِذَا لَمْ نَجِدْ بُدًّا صَبَرْنَا لَهُمْ وَقَدْ وَهَّنَّاهُمْ وَنَحْنُ جَامُّونَ، فَإِنِّي لَا أَزَالُ مَرْجُوًّا فِي أَهْلِ فَارِسَ مَا لَمْ أُهْزَمْ. فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَسِيرَ، فَخَرَجَ حَتَّى ضَرَبَ عَسْكَرَهُ بِسَابَاطَ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ لِيُعْفِيَهُ فَأَبَى. وَجَاءَتِ الْأَخْبَارُ إِلَى سَعْدٍ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: لَا يَكْرُبَنَّكَ مَا يَأْتِيكَ عَنْهُمْ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ، وَابْعَثْ إِلَيْهِ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْمُنَاظَرَةِ وَالرَّأْيِ وَالْجَلَدِ يَدْعُونَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ دُعَاءَهُمْ تَوْهِينًا لَهُمْ. بعث سعد رسلا إلى يزدجرد فَأَرْسَلَ سَعْدٌ نَفَرًا، مِنْهُمْ: النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَبُسْرُ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَحَمَلَةُ بْنُ حَوِيَّةَ، وَحَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَفُرَاتُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَدِيُّ بْنُ سُهَيْلٍ، وَعُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ النَّبَّاشِ الْأَسَدِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَسَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَالْمُعَنَّى بْنُ حَارِثَةَ - إِلَى يَزْدَجِرْدَ دُعَاةً، فَخَرَجُوا مِنَ الْعَسْكَرِ فَقَدِمُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ، وَطَوَوْا رُسْتُمَ وَاسْتَأْذَنُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ فَحُبِسُوا، وَأَحْضَرَ وُزَرَاءَهُ وَرُسْتُمَ مَعَهُمْ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَا يَصْنَعُ وَيَقُولُهُ لَهُمْ. وَاجْتَمَعَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَتَحْتَهُمْ خُيُولٌ كُلُّهَا صُهَّالٌ، وَعَلَيْهِمُ الْبُرُودُ وَبِأَيْدِيهِمُ السِّيَاطُ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَحْضَرَ التُّرْجُمَانَ وَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَا دَعَاكُمْ إِلَى غَزْوِنَا وَالْوَلُوعِ بِبِلَادِنَا ؟ أَمِنْ أَجْلِ أَنَّنَا تَشَاغَلْنَا عَنْكُمُ اجْتَرَأْتُمْ عَلَيْنَا ؟ فَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ لِأَصْحَابِهِ: إِنْ شِئْتُمْ تَكَلَّمْتُ عَنْكُمْ، وَمَنْ شَاءَ آثَرْتُهُ. فَقَالُوا: بَلْ تَكَلَّمْ. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَحِمَنَا فَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا يَأْمُرُنَا بِالْخَيْرِ وَيَنْهَانَا عَنِ الشَّرِّ، وَوَعَدَنَا عَلَى إِجَابَتِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَمْ يَدْعُ قَبِيلَةً إِلَّا وَقَارَبَهُ مِنْهَا فِرْقَةٌ وَتَبَاعَدَ عَنْهُ بِهَا فِرْقَةٌ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يَنْبِذَ إِلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْعَرَبِ، فَبَدَأَ بِهِمْ، فَدَخَلُوا مَعَهُ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُكْرَهٌ عَلَيْهِ فَاغْتَبَطَ، وَطَائِعٌ أَتَاهُ فَازْدَادَ، فَعَرَفْنَا جَمِيعًا فَضْلَ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالضِّيقِ، ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ نَبْدَأَ بِمَنْ يَلِينَا مِنَ الْأُمَمِ فَنَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِنْصَافِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى دِينِنَا، وَهُوَ دِينٌ حَسَّنَ الْحَسَنَ وَقَبَّحَ الْقَبِيحَ كُلَّهُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَمْرٌ مِنَ الشَّرِّ هُوَ أَهْوَنُ مِنْ آخَرَ شَرٌّ مِنْهُ: الْجِزْيَةُ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْمُنَاجَزَةُ، فَإِنْ أَجَبْتُمْ إِلَى دِينِنَا خَلَّفْنَا فِيكُمْ كِتَابَ اللَّهِ، وَأَقَمْنَا عَلَى أَنْ تَحْكُمُوا بِأَحْكَامِهِ، وَنَرْجِعُ عَنْكُمْ وَشَأْنُكُمْ وَبِلَادَكُمْ، وَإِنْ بَذَلْتُمُ الْجَزَاءَ قَبِلْنَا وَمَنَعْنَاكُمْ، وَإِلَّا قَاتَلْنَاكُمْ. فَتَكَلَّمَ يَزْدَجِرْدُ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أُمَّةً أَشْقَى وَلَا أَقَلَّ عَدَدًا وَلَا أَسْوَأَ ذَاتَ بَيْنٍ مِنْكُمْ، قَدْ كُنَّا نُوكِلُ بِكُمْ قُرَى الضَّوَاحِي فَيَكْفُونَنَا أَمْرَكُمْ، وَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَقُومُوا لِفَارِسٍ، فَإِنْ كَانَ غَرَرٌ لَحِقَكُمْ فَلَا يَغُرَنَّكُمْ مِنَّا، وَإِنْ كَانَ الْجُهْدُ فَرَضْنَا لَكُمْ قُوتًا إِلَى خِصْبِكُمْ، وَأَكْرَمْنَا وُجُوهَكُمْ وَكَسَوْنَاكُمْ، وَمَلَّكْنَا عَلَيْكُمْ مَلِكًا يَرْفُقُ بِكُمْ. فَأَسْكَتَ الْقَوْمَ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ زُرَارَةَ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَؤُلَاءِ رُءُوسُ الْعَرَبِ وَوُجُوهُهُمْ، وَهُمْ أَشْرَافٌ يَسْتَحْيُونَ مِنَ الْأَشْرَافِ، وَإِنَّمَا يُكْرِمُ الْأَشْرَافَ وَيُعَظِّمُ حَقَّهُمُ الْأَشْرَافُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا أُرْسِلُوا بِهِ قَالُوهُ، وَلَا كُلُّ مَا تَكَلَّمْتَ بِهِ أَجَابُوكَ عَلَيْهِ، فَجَاوِبْنِي لِأَكُونَ الَّذِي أُبْلِغُكَ وَهُمْ يَشْهَدُونَ عَلَى ذَلِكَ لِي، فَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ سُوءِ الْحَالِ فَهِيَ عَلَى مَا وَصَفْتَ وَأَشَدُّ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ سُوءِ عَيْشِ الْعَرَبِ وَإِرْسَالِ اللَّهِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَيْهِمْ نَحْوَ قَوْلِ النُّعْمَانِ، وَقِتَالِ مَنْ خَالَفَهُمْ أَوِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اخْتَرْ إِنْ شِئْتَ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتَ صَاغِرٌ، وَإِنْ شِئْتَ فَالسَّيْفُ، أَوْ تُسْلِمُ فَتُنْجِي نَفْسَكَ. فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمْ ! لَا شَيْءَ لَكُمْ عِنْدِي. ثُمَّ اسْتَدْعَى بِوِقْرٍ مِنْ تُرَابٍ فَقَالَ: احْمِلُوهُ عَلَى أَشْرَافِ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ سُوقُوهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ بَابِ الْمَدَائِنِ، ارْجِعُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَأَعْلِمُوهُ أَنِّي مُرْسِلٌ إِلَيْهِ رُسْتُمَ حَتَّى يَدْفِنَهُ وَيَدْفِنَكُمْ مَعَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ أُورِدُهُ بِلَادَكُمْ حَتَّى أُشْغِلَكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ بِأَشَدَّ مِمَّا نَالَكُمْ مِنْ سَابُورَ. فَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو لِيَأْخُذَ التُّرَابَ وَقَالَ: أَنَا أَشْرَفُهُمْ، أَنَا سَيِّدُ هَؤُلَاءِ. فَحَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَخَرَجَ إِلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا، وَأَخَذَ التُّرَابَ وَقَالَ لِسَعْدٍ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ أَقَالِيدَ مُلْكِهِمْ. وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى جُلَسَاءِ الْمَلِكِ، وَقَالَ الْمَلِكُ لِرُسْتُمَ، وَقَدْ حَضَرَ عِنْدَهُ مِنْ سَابَاطَ: مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي الْعَرَبِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ، مَا أَنْتُمْ بِأَحْسَنَ جَوَابًا مِنْهُمْ، وَلَقَدْ صَدَقَنِي الْقَوْمُ، لَقَدْ وُعِدُوا أَمْرًا لَيُدْرِكُنَّهُ أَوْ لَيَمُوتُنَّ عَلَيْهِ، عَلَى أَنِّي وَجَدْتُ أَفْضَلَهُمْ أَحْمَقَهُمْ حَيْثُ حَمَلَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ أَعْقَلُهُمْ. وَتَطَيَّرَ إِلَى ذَلِكَ وَأَبْصَرَهَا دُونَ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ رُسْتُمُ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ غَضْبَانَ كَئِيبًا، وَبَعَثَ فِي أَثَرِ الْوَفْدِ وَقَالَ لِثِقَتِهِ: إِنْ أَدْرَكَهُمُ الرَّسُولُ تَلَافَيْنَا أَرْضَنَا، وَإِنْ أَعْجَزَهُ سَلَبَكُمُ اللَّهُ أَرْضَكُمْ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ مِنَ الْحِيرَةِ بِفَوَاتِهِمْ، فَقَالَ: ذَهَبَ الْقَوْمُ بِأَرْضِكُمْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ. وَكَانَ مُنَجِّمًا كَاهِنًا. إغارة سواد بن مالك التميمي على النجاف والفراض وَأَغَارَ سَوَادُ بْنُ مَالِكٍ التَّمِيمِيُّ بَعْدَ مَسِيرِ الْوَفْدِ إِلَى يَزْدَجِرْدَ عَلَى النِّجَافِ وَالْفِرَاضِ، فَاسْتَاقَ دَابَّةً مِنْ بَيْنِ بَغْلٍ وَحِمَارٍ وَثَوْرٍ وَأَوْقَرَهَا سُمْكًا، وَصَبَّحَ الْعَسْكَرَ، فَقَسَمَهُ سَعْدٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا يَوْمُ الْحِيتَانِ ، وَكَانَتِ السَّرَايَا تَسْرِي لِطَلَبِ اللُّحُومِ، فَإِنَّ الطَّعَامَ كَانَ كَثِيرًا عِنْدَهُمْ، فَكَانُوا يُسَمُّونَ الْأَيَّامَ بِهَا: يَوْمُ الْأَبَاقِرِ وَيَوْمُ الْحِيتَانِ. وَبَعَثَ سَعْدٌ سَرِيَّةً أُخْرَى فَأَغَارُوا فَأَصَابُوا إِبِلًا لِبَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ وَاسْتَاقُوهَا وَمَنْ فِيهَا، فَنَحَرَ سَعْدٌ الْإِبِلَ وَقَسَمَهَا فِي النَّاسِ فَأَخْصَبُوا، وَأَغَارَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَلَى النَّهْرَيْنِ فَاسْتَاقَ مَوَاشِيَ كَثِيرَةً وَعَادَ. وَسَارَ رُسْتُمُ مِنْ سَابَاطَ، وَجَمَعَ آلَةَ الْحَرْبِ وَبَعَثَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ الْجَالِينُوسَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَخَرَجَ هُوَ فِي سِتِّينَ أَلْفًا، وَفِي سَاقَتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَجَعَلَ فِي مَيْمَنَتِهِ الْهُرْمُزَانَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ مِهْرَانَ بْنَ بَهْرَامَ الرَّازِيَّ، وَقَالَ رُسْتُمُ لِلْمَلِكِ يُشَجِّعُهُ بِذَلِكَ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا الْقَوْمَ فَتَوَجَّهْنَا إِلَى مِلْكِهِمْ فِي دَارِهِمْ حَتَّى نُشْغِلَهُمْ فِي أَصْلِهِمْ وَبِلَادِهِمْ إِلَى أَنْ يَقْبَلُوا الْمُسَالَمَةَ.
التاريخ 1873لا حكم مسجّل
وَكَانَ خُرُوجُ رُسْتُمَ مِنَ الْمَدَائِنِ فِي سِتِّينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَمَسِيرُهُ عَنْ سَابَاطَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ مَتْبُوعٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَمَّا فَصَلَ رُسْتُمُ عَنْ سَابَاطَ كَتَبَ إِلَى أَخِيهِ الْبِنْذَوَانِ: أَمَّا بَعْدُ فَرُمُّوا حُصُونَكُمْ وَأَعِدُّوا وَاسْتَعِدُّوا، فَكَأَنَّكُمْ بِالْعَرَبِ قَدْ قَارَعُوكُمْ عَنْ أَرْضِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْ رَأْيِي مُدَافَعَتُهُمْ وَمُطَاوَلَتُهُمْ حَتَّى تَعُودَ سُعُودُهُمْ نُحُوسًا، فَإِنَّ السَّمَكَةَ قَدْ كَدَّرَتِ الْمَاءَ، وَإِنَّ النَّعَائِمَ قَدْ حَسُنَتْ، وَالزُّهْرَةُ قَدْ حَسُنَتْ، وَاعْتَدَلَ الْمِيزَانُ، وَذَهَبَ بَهْرَامُ، وَلَا أَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ إِلَّا سَيَظْهَرُونَ عَلَيْنَا، وَيَسْتَوْلُونَ عَلَى مَا يَلِينَا، وَإِنَّ أَشَدَّ مَا رَأَيْتُ أَنَّ الْمَلِكَ قَالَ: لَتَسِيرُنَّ أَوْ لَأَسِيرَنَّ بِنَفْسِي. وَلَقِيَ جَابَانُ رُسْتُمَ عَلَى قَنْطَرَةِ سَابَاطَ، وَكَانَا مُنَجِّمَيْنِ، فَشَكَا إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: أَلَا تَرَى مَا أَرَى ؟ فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: أَمَّا أَنَا فَأُقَادُ بِخِشَاشٍ وَزِمَامٍ، وَلَا أَجِدُ بُدًّا مِنَ الِانْقِيَادِ. ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ بِكُوثَى، فَأُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكُمْ وَمَاذَا تَطْلُبُونَ ؟ فَقَالَ: جِئْنَا نَطْلُبُ مَوْعُودَ اللَّهِ بِمِلْكِ أَرْضِكُمْ وَأَبْنَائِكُمْ إِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تُسْلِمُوا. قَالَ رُسْتُمُ: فَإِنْ قُتِلْتُمْ قَبْلَ ذَلِكَ ! قَالَ: مَنْ قُتِلَ مِنَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا أَنْجَزَهُ اللَّهُ مَا وَعَدَهُ، فَنَحْنُ عَلَى يَقِينٍ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ وَضَعَنَا إِذَنْ فِي أَيْدِيكُمْ ! فَقَالَ: أَعْمَالُكُمْ وَضَعَتْكُمْ فَأَسْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهَا، فَلَا يَغُرَنَّكَ مَنْ تَرَى حَوْلَكَ، فَإِنَّكَ لَسْتَ تُجَاوِلُ الْإِنْسَ إِنَّمَا تُجَاوِلُ الْقَدَرَ. فَضَرَبَ عُنُقَهُ، ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ الْبُرْسَ، فَغَصَبَ أَصْحَابُهُ النَّاسَ أَبْنَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَوَقَعُوا عَلَى النِّسَاءِ وَشَرِبُوا الْخُمُورَ، فَضَجَّ أَهْلُهَا إِلَى رُسْتُمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ فَارِسَ، وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَ الْعَرَبِيُّ، وَاللَّهِ مَا أَسْلَمَنَا إِلَّا أَعْمَالُنَا، وَاللَّهِ إِنَّ الْعَرَبَ مَعَ هَؤُلَاءِ وَهُمْ لَهُمْ حَرْبٌ أَحْسَنُ سِيرَةً مِنْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ يَنْصُرُكُمْ عَلَى الْعَدُوِّ وَيُمَكِّنُ لَكْمُ فِي الْبِلَادِ بِحُسْنِ السِّيرَةِ، وَكَفِّ الظُّلْمِ وَالْوَفَاءِ وَالْإِحْسَانِ، فَإِذَا تَغَيَّرْتُمْ فَلَا يُرَى اللَّهُ إِلَّا مُغَيِّرًا مَا بِكُمْ، وَمَا أَنَا بِآمِنٍ مِنْ أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ سُلْطَانَهُ مِنْكُمْ. وَأُتِيَ بِبَعْضِ مَنْ يُشْكَى مِنْهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وصول رستم إلى الحيرة ثُمَّ سَارَ حَتَّى نَزَلَ الْحِيرَةَ، وَدَعَا أَهْلَهَا وَتَهَدَّدَهُمْ وَهَمَّ بِهِمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ بُقَيْلَةَ: لَا تَجْمَعْ عَلَيْنَا أَنْ تَعْجِزَ عَنْ نُصْرَتِنَا، وَتَلُومَنَا عَلَى الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِنَا. وَلَمَّا نَزَلَ رُسْتُمُ بِالنَّجَفِ رَأَى كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ وَمَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَعُمَرُ، فَأَخَذَ الْمَلِكُ سِلَاحَ أَهْلِ فَارِسَ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عُمَرَ، فَأَصْبَحَ رُسْتُمُ حَزِينًا. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ السَّرَايَا وَرُسْتُمُ بِالنَّجَفِ، وَالْجَالِينُوسُ بَيْنَ النَّجَفِ وَالسَّيْلَحِينِ، فَطَافَتْ فِي السَّوَادِ، فَبَعَثَ سَوَادًا وَحُمَيْضَةَ فِي مِائَةِ مِائَةٍ، فَأَغَارُوا عَلَى النَّهْرَيْنِ، وَبَلَغَ رُسْتُمَ الْخَبَرُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ خَيْلًا، وَسَمِعَ سَعْدٌ أَنَّ خَيْلَهُ قَدْ وَغَلَتْ فَأَرْسَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَجَابِرًا الْأَسَدِيَّ فِي آثَارِهِمْ، فَلَقِيَهُمْ عَاصِمٌ وَخَيْلُ فَارِسَ تَحُوشُهُمْ لِيُخَلِّصُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْفُرْسُ هَرَبُوا وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْغَنَائِمِ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ وَطُلَيْحَةَ الْأَسَدِيَّ طَلِيعَةً، فَسَارَا فِي عَشَرَةٍ، فَلَمْ يَسِيرُوا إِلَّا فَرْسَخًا وَبَعْضَ آخَرَ حَتَّى رَأَوْا مَسَالِحَهُمْ وَسَرْحَهُمْ عَلَى الطُّفُوفِ قَدْ مَلَئُوهَا، فَرَجَعَ عَمْرٌو وَمَنْ مَعَهُ، وَأَبَى طُلَيْحَةُ إِلَّا التَّقَدُّمَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ رَجُلٌ فِي نَفْسِكَ غَدْرٌ، وَلَنْ تُفْلِحَ بَعْدَ قَتْلِ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، فَارْجِعْ مَعَنَا. فَأَبَى، فَرَجَعُوا إِلَى سَعْدٍ فَأَخْبَرُوهُ بِقُرْبِ الْقَوْمِ. وَمَضَى طُلَيْحَةُ حَتَّى دَخَلَ عَسْكَرَ رُسْتُمَ، وَبَاتَ فِيهِ يَجُوسُهُ وَيَتَوَسَّمُ، فَهَتَكَ أَطْنَابَ بَيْتِ رَجُلٍ عَلَيْهِ وَاقْتَادَ فَرَسَهُ، ثُمَّ هَتَكَ عَلَى آخَرَ بَيْتَهُ وَحَلَّ فَرَسَهُ، ثُمَّ فَعَلَ بِآخَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ يَعْدُو بِهِ فَرَسُهُ، وَنَذَرَ بِهِ النَّاسُ فَرَكِبُوا فِي طَلَبِهِ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَحِقَهُ فَارِسٌ مِنَ الْجُنْدِ فَقَتَلَهُ طُلَيْحَةُ، ثُمَّ آخَرُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ ثَالِثٌ فَرَأَى مَصْرَعَ صَاحِبَيْهِ، وَهُمَا ابْنَا عَمِّهِ، فَازْدَادَ حَنَقًا، فَلَحِقَ طُلَيْحَةَ، فَكَرَّ عَلَيْهِ طُلَيْحَةُ وَأَسَرَهُ، وَلَحِقَهُ النَّاسُ، فَرَأَوْا فَارِسَيِ الْجُنْدِ قَدْ قُتِلَا وَأُسِرَ الثَّالِثُ وَقَدْ شَارَفَ طُلَيْحَةُ عَسْكَرَهُ، فَأَحْجَمُوا عَنْهُ، وَدَخَلَ طُلَيْحَةُ عَلَى سَعْدٍ وَمَعَهُ الْفَارِسِيُّ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَسَأَلَ التُّرْجُمَانُ الْفَارِسِيَّ، فَطَلَبَ الْأَمَانَ، فَآمَنَهُ سَعْدٌ، قَالَ: أُخْبِرُكُمْ عَنْ صَاحِبِكُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَمَّنْ قِبَلِي، بَاشَرْتُ الْحُرُوبَ مُنْذُ أَنَا غُلَامٌ إِلَى الْآنِ، وَسَمِعْتُ بِالْأَبْطَالِ، وَلَمْ أَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا، أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ فَرْسَخَيْنِ إِلَى عَسْكَرٍ فِيهِ سَبْعُونَ أَلْفًا، يَخْدِمُ الرَّجُلَ مِنْهُمُ الْخَمْسَةُ وَالْعَشَرَةُ، فَلَمْ يَرْضَ أَنْ يَخْرُجَ كَمَا دَخَلَ حَتَّى سَلَبَ فُرْسَانَ الْجُنْدِ، وَهَتَكَ عَلَيْهِمُ الْبُيُوتَ، فَلَمَّا أَدْرَكْنَاهُ قَتَلَ الْأَوَّلَ وَهُوَ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ، ثُمَّ الثَّانِي وَهُوَ نَظِيرُهُ، ثُمَّ أَدْرَكْتُهُ أَنَا وَلَا أَظُنُّ أَنَّنِي خَلَّفْتُ مِنْ بَعْدِي مَنْ يَعْدِلُنِي وَأَنَا الثَّائِرُ بِالْقَتِيلَيْنِ، فَرَأَيْتُ الْمَوْتَ وَاسْتُؤْسِرْتُ. ثُمَّ أَخْبَرَهُ عَنِ الْفُرْسِ، وَأَسْلَمَ وَلَزِمَ طُلَيْحَةَ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَاءِ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَسَمَّاهُ سَعْدٌ مُسْلِمًا. وصول رستم القادسية ثُمَّ سَارَ رُسْتُمُ وَقَدِمَ الْجَالِينُوسُ وَذَا الْحَاجِبِ، فَنَزَلَ الْجَالِينُوسُ بِحِيَالِ زُهْرَةَ مِنْ دُونِ الْقَنْطَرَةِ، وَنَزَلَ ذُو الْحَاجِبِ بِطِيزَنَابَاذَ، وَنَزَلَ رُسْتُمُ بِالْخَرَّارَةِ، ثُمَّ سَارَ رُسْتُمُ فَنَزَلَ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَكَانَ بَيْنَ مَسِيرِهِ مِنَ الْمَدَائِنِ وَوُصُولِهِ الْقَادِسِيَّةَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، لَا يَقْدَمُ رَجَاءَ أَنْ يَضْجَرُوا بِمَكَانِهِمْ فَيَنْصَرِفُوا، وَخَافَ أَنْ يَلْقَى مَا لَقِيَ مَنْ قَبْلَهُ، وَطَاوَلَهُمْ لَوْلَا مَا جَعَلَ الْمَلِكُ يَسْتَعْجِلُهُ وَيُنْهِضُهُ وَيُقَدِّمُهُ، حَتَّى أَقْحَمَهُ. وَكَانَ عُمَرُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ يَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ وَالْمُطَاوَلَةِ أَيْضًا، فَأَعَدَّ لِلْمُطَاوَلَةِ. فَلَمَّا وَصَلَ رُسْتُمُ الْقَادِسِيَّةَ وَقَفَ عَلَى الْعَتِيقِ بِحِيَالِ عَسْكَرِ سَعْدٍ وَنَزَلَ النَّاسُ، فَمَا زَالُوا يَتَلَاحَقُونَ حَتَّى أَعْتَمُوا مِنْ كَثْرَتِهِمْ، وَالْمُسْلِمُونَ مُمْسِكُونَ عَنْهُمْ. وَكَانَ مَعَ رُسْتُمَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ فِيلًا، مِنْهَا فِيلُ سَابُورَ الْأَبْيَضُ، وَكَانَتِ الْفِيَلَةُ تَأْلَفُهُ، فَجَعَلَ فِي الْقَلْبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا، وَفِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ فِيلًا. فَلَمَّا أَصْبَحَ رُسْتُمُ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ رَكِبَ وَسَايَرَ الْعَتِيقَ نَحْوَ خُفَّانَ، حَتَّى أَتَى عَلَى مُنْقَطَعِ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْقَنْطَرَةِ، فَتَأَمَّلَ الْمُسْلِمِينَ وَوَقَفَ عَلَى مَوْضِعٍ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفَ عَلَى الْقَنْطَرَةِ، وَأَرْسَلَ إِلَى زُهْرَةَ فَوَاقَفَهُ، فَأَرَادَهُ عَلَى أَنْ يُصَالِحَهُ وَيَجْعَلَ لَهُ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَنْصَرِفُوا عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُصَرِّحَ لَهُ بِذَلِكَ، بَلْ يَقُولُ لَهُ: كُنْتُمْ جِيرَانَنَا، وَكُنَّا نُحْسِنُ إِلَيْكُمْ وَنَحْفَظُكُمْ. وَيُخْبِرُهُ عَنْ صَنِيعِهِمْ مَعَ الْعَرَبِ. فَقَالَ لَهُ زُهْرَةُ: لَيْسَ أَمْرُنَا أَمْرَ أُولَئِكَ، إِنَّنَا لَمْ نَأْتِكُمْ لِطَلَبِ الدُّنْيَا، إِنَّمَا طَلِبَتُنَا وَهِمَّتُنَا الْآخِرَةُ، وَقَدْ كُنَّا كَمَا ذَكَرْتَ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ فِينَا رَسُولًا، فَدَعَانَا إِلَى رَبِّهِ، فَأَجَبْنَاهُ، فَقَالَ لِرَسُولِهِ: إِنِّي سَلَّطْتُ هَذِهِ الطَّائِفَةَ عَلَى مَنْ لَمْ يَدِنْ بِدِينِي، فَأَنَا مُنْتَقِمٌ بِهِ مِنْهُمْ، وَأَجْعَلُ لَهُمُ الْغَلَبَةَ مَا دَامُوا مُقِرِّينَ بِهِ، وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ لَا يَرْغَبُ عَنْهُ أَحَدٌ إِلَّا ذَلَّ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِهِ أَحَدٌ إِلَّا عَزَّ. فَقَالَ لَهُ رُسْتُمُ: مَا هُوَ ؟ قَالَ: أَمَّا عَمُودُهُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِهِ فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَيْضًا ؟ قَالَ: وَإِخْرَاجُ الْعِبَادِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَحَوَّاءَ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍّ. قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا ! ثُمَّ قَالَ رُسْتُمُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَجَبْتُ إِلَى هَذَا وَمَعِي قَوْمِي، كَيْفَ يَكُونُ أَمْرُكُمْ، أَتَرْجِعُونَ ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ. قَالَ: صَدَقْتَنِي، أَمَّا إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ مُنْذُ وَلِيَ أَرْدَشِيرُ لَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يَخْرُجُ مِنْ عَمَلِهِ مِنَ السِّفْلَةِ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِذَا خَرَجُوا مِنْ أَعْمَالِهِمْ تَعَدُّوا طَوْرَهُمْ وَعَادُوا أَشْرَافَهُمْ. فَقَالَ زُهْرَةُ: نَحْنُ خَيْرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، فَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكُونَ كَمَا تَقُولُونَ، بَلْ نُطِيعُ اللَّهَ فِي السِّفْلَةِ، وَلَا يَضُرُّنَا مَنْ عَصَى اللَّهَ فِينَا. فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَدَعَا رِجَالَ فَارِسَ فَذَاكَرَهُمْ هَذَا فَأَنِفُوا. لقاء ربعي بن عامر ؓ برستم فَأَرْسَلَ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا نُكَلِّمُهُ وَيُكَلِّمُنَا. فَدَعَا سَعْدٌ جَمَاعَةً لِيُرْسِلَهُمْ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ: مَتَى نَأْتِهِمْ جَمِيعًا يَرَوْا أَنَا قَدِ احْتَفَلْنَا بِهِمْ، فَلَا تَزِدْهُمْ عَلَى رَجُلٍ. فَأَرْسَلَهُ وَحْدَهُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَحَبَسُوهُ عَلَى الْقَنْطَرَةِ. وَأُعْلِمَ رُسْتُمُ بِمَجِيئِهِ فَأَظْهَرَ زِينَتَهُ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَبَسَطَ الْبُسُطَ وَالنَّمَارِقَ وَالْوَسَائِدَ الْمَنْسُوجَةَ بِالذَّهَبِ، وَأَقْبَلَ رِبْعِيٌّ عَلَى فَرَسِهِ وَسَيْفُهُ فِي خِرْقَةٍ، وَرُمْحُهُ مَشْدُودٌ بِعَصَبٍ وَقَدٍّ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبُسُطِ قِيلَ لَهُ: انْزِلْ، فَحَمَلَ فَرَسَهُ عَلَيْهَا وَنَزَلَ، وَرَبَطَهَا بِوِسَادَتَيْنِ شَقَّهُمَا، وَأَدْخَلَ الْحَبْلَ فِيهِمَا، فَلَمْ يَنْهَوْهُ وَأَرَوْهُ التَّهَاوُنَ، وَعَلَيْهِ دِرْعٌ، وَأَخَذَ عَبَاءَةَ بِعِيرِهِ فَتَدَرَّعَهَا وَشَدَّهَا عَلَى وَسَطِهِ. فَقَالُوا: ضَعْ سِلَاحَكَ. فَقَالَ: لَمْ آتِكُمْ فَأَضَعَ سِلَاحِي بِأَمْرِكُمْ، أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونِي. فَأَخْبَرُوا رُسْتُمَ، فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ. فَأَقْبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمْحِهِ وَيُقَارِبُ خَطْوَهُ، فَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ نُمْرُقًا وَلَا بِسَاطًا إِلَّا أَفْسَدَهُ وَهَتَكَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ رُسْتُمَ جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ، وَرَكَّزَ رُمْحَهُ عَلَى الْبُسُطِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَحِبُّ الْقُعُودَ عَلَى زِينَتِكُمْ. فَقَالَ لَهُ تُرْجُمَانُ رُسْتُمَ، وَاسْمُهُ عَبُودٌ مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: مَا جَاءَ بِكُمْ ؟ قَالَ: اللَّهُ جَاءَ بِنَا، وَهُوَ بَعَثَنَا لِنُخْرِجَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الْأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الْإِسْلَامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ، فَمَنْ قَبِلَهُ قَبِلْنَا مِنْهُ، وَرَجَعْنَا عَنْهُ وَتَرَكْنَاهُ وَأَرْضَهُ دُونَنَا، وَمَنْ أَبَى قَاتَلْنَاهُ حَتَّى نُفْضِيَ إِلَى مَوْعُودِ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا [هُوَ] مَوْعُودُ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ لِمَنْ مَاتَ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَبَى، وَالظَّفَرُ لِمَنْ بَقِيَ. فَقَالَ رُسْتُمُ: قَدْ سَمِعْنَا قَوْلَكُمْ، فَهَلْ لَكُمْ أَنْ تُؤَخِّرُوا هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى نَنْظُرَ فِيهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّ مِمَّا سَنَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا نُمَكِّنَ الْأَعْدَاءَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَنَحْنُ مُتَرَدِّدُونَ عَنْكُمْ ثَلَاثًا، فَانْظُرْ فِي أَمْرِكَ، وَاخْتَرْ وَاحِدَةً مِنْ ثَلَاثٍ بَعْدَ الْأَجَلِ: إِمَّا الْإِسْلَامُ وَنَدَعَكَ وَأَرْضَكَ، أَوِ الْجَزَاءُ فَنَقْبَلُ وَنَكُفُّ عَنْكَ، وَإِنِ احْتَجْتَ إِلَيْنَا نَصَرْنَاكَ، أَوِ الْمُنَابَذَةُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، إِلَّا أَنْ تَبْدَأَ بِنَا، أَنَا كَفِيلٌ بِذَلِكَ عَنْ أَصْحَابِي. قَالَ أَسَيِّدُهُمْ أَنْتَ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَالْجَسَدِ الْوَاحِدِ، بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يُجِيرُ أَدْنَاهُمْ عَلَى أَعْلَاهُمْ. فَخَلَا رَسْتُمُ بِرُؤَسَاءِ قَوْمِهِ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ كَلَامًا قَطُّ أَعَزَّ وَأَوْضَحَ مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَقَالُوا: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَمِيلَ إِلَى دِينِ هَذَا الْكَلْبِ ! أَمَا تَرَى إِلَى ثِيَابِهِ ؟ فَقَالَ: وَيْحَكُمْ ! لَا تَنْظُرُوا إِلَى الثِّيَابِ، وَلَكِنِ انْظُرُوا إِلَى الرَّأْيِ وَالْكَلَامِ وَالسِّيرَةِ، إِنَّ الْعَرَبَ تَسْتَخِفُّ بِاللِّبَاسِ وَتَصُونُ الْأَحْسَابَ، لَيْسُوا مِثْلَكُمْ. لقاء حذيفة بن محصن ؓ برستم فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَرْسَلَ رُسْتُمُ إِلَى سَعْدٍ: أَنِ ابْعَثْ إِلَيْنَا ذَلِكَ الرَّجُلَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ حَذِيفَةَ بْنَ مِحْصَنٍ، فَأَقْبَلَ فِي نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ الزِّيِّ، وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ فَرَسِهِ، وَوَقَفَ عَلَى رُسْتُمَ رَاكِبًا. قَالَ لَهُ: انْزِلْ. قَالَ: لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ لَهُ: مَا جَاءَ بِكَ وَلَمْ يَجِئِ الْأَوَّلُ ؟ قَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا يُحِبُّ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَنَا فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ، وَهَذِهِ نَوْبَتِي. فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ ؟ فَأَجَابَهُ مِثْلَ الْأَوَّلِ. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَوِ الْمُوَادَعَةُ إِلَى يَوْمٍ مَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثَلَاثًا مِنْ أَمْسِ. فَرَدَّهُ وَأَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: وَيْحَكُمْ ! أَمَا تَرَوْنَ مَا أَرَى ؟ جَاءَنَا الْأَوَّلُ بِالْأَمْسِ فَغَلَبَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَحَقَّرَ مَا نُعَظِّمُ وَأَقَامَ فَرَسَهُ عَلَى زِبْرِجِنَا، وَجَاءَ هَذَا الْيَوْمَ فَوَقَفَ عَلَيْنَا وَهُوَ فِي يُمْنِ الطَّائِرِ، يَقُومُ عَلَى أَرْضِنَا دُونَنَا. لقاء المغيرة بن شعبة ؓ برستم فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أَرْسَلَ: ابْعَثُوا إِلَيْنَا رَجُلًا. فَبَعَثَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ وَعَلَيْهِمُ التِّيجَانُ وَالثِّيَابُ الْمَنْسُوجَةُ بِالذَّهَبِ، وَبُسُطُهُمْ عَلَى غُلْوَةٍ، لَا يُوصَلُ إِلَى صَاحِبِهِمْ حَتَّى يُمْشَى عَلَيْهَا، فَأَقْبَلَ الْمُغِيرَةُ حَتَّى جَلَسَ مَعَ رُسْتُمَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَأَنْزَلُوهُ وَمَعَكُوهُ، وَقَالَ: قَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنَا عَنْكُمُ الْأَحْلَامُ، وَلَا أَرَى قَوْمًا أَسْفَهَ مِنْكُمْ، إِنَّا مَعْشَرَ الْعَرَبِ لَا نَسْتَعْبِدُ بَعْضَنَا بَعْضًا، فَظَنَنْتُ أَنَّكُمْ تُوَاسُونَ قَوْمَكُمْ كَمَا نَتَوَاسَى، فَكَانَ أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي صَنَعْتُمْ أَنْ تُخْبِرُونِي أَنَّ بَعْضَكُمْ أَرْبَابُ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَسْتَقِيمُ فِيكُمْ وَلَا يَصْنَعُهُ أَحَدٌ، وَإِنِّي لَمْ آتِكُمْ وَلَكِنْ دَعَوْتُمُونِي، الْيَوْمَ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ مُغَلَّبُونَ، وَأَنَّ مُلْكًا لَا يَقُومُ عَلَى هَذِهِ السِّيرَةِ وَلَا عَلَى هَذِهِ الْعُقُولِ. فَقَالَتِ السِّفْلَةُ: صَدَقَ وَاللَّهِ الْعَرَبِيُّ. وَقَالَتِ الدَّهَاقِينُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَى بِكَلَامٍ لَا تَزَالُ عَبِيدُنَا يَنْزِعُونَ إِلَيْهِ، قَاتَلَ اللَّهُ أَوَّلِينَا حِينَ كَانُوا يُصَغِّرُونَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ ! ثُمَّ تَكَلَّمَ رُسْتُمُ فَحَمِدَ قَوْمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُمْ وَقَالَ: لَمْ نَزَلْ مُتَمَكِّنِينَ فِي الْبِلَادِ، ظَاهِرِينَ عَلَى الْأَعْدَاءِ، أَشْرَافًا فِي الْأُمَمِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِثْلُ عِزِّنَا وَسُلْطَانِنَا، نُنْصَرُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُنْصَرُونَ عَلَيْنَا، إِلَّا الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالشَّهْرَ لِلذُّنُوبِ، فَإِذَا انْتَقَمَ اللَّهُ مِنَّا وَرَضِيَ عَلَيْنَا رَدَّ لَنَا الْكَرَّةَ عَلَى عَدُوِّنَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأُمَمِ أُمَّةٌ أَصْغَرَ عِنْدَنَا أَمْرًا مِنْكُمْ، كُنْتُمْ أَهْلَ قَشَفٍ وَمَعِيشَةٍ سَيِّئَةٍ لَا نَرَاكُمْ شَيْئًا، وَكُنْتُمْ تَقْصِدُونَنَا إِذَا قَحَطَتْ بِلَادُكُمْ، فَنَأْمُرُ لَكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ثُمَّ نَرُدُّكُمْ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُمْ إِلَّا الْجُهْدُ فِي بِلَادِكُمْ، فَأَنَا آمِرٌ لِأَمِيرِكُمْ بِكُسْوَةٍ وَبَغْلٍ وَأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَآمِرٌ لِكُلٍّ مِنْكُمْ بِوِقْرِ تَمْرٍ وَتَنْصَرِفُونَ عَنَّا، فَإِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ. فَتَكَلَّمَ الْمُغِيرَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَازِقُهُ، فَمَنْ صَنَعَ شَيْئًا فَإِنَّمَا هُوَ يَصْنَعُهُ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَأَهْلَ بِلَادِكَ فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ، فَاللَّهُ صَنَعَهُ بِكُمْ وَوَضَعَهُ فِيكُمْ، وَهُوَ لَهُ دُونَكُمْ، وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْتَ فِينَا مِنْ سُوءِ الْحَالِ وَالضِّيقِ وَالِاخْتِلَافِ فَنَحْنُ نَعْرِفُهُ وَلَسْنَا نُنْكِرُهُ، وَاللَّهُ ابْتَلَانَا بِهِ وَالدُّنْيَا دُوَلٌ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الشَّدَائِدِ يَتَوَقَّعُونَ الرَّخَاءَ حَتَّى يَصِيرُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الرَّخَاءِ يَتَوَقَّعُونَ الشَّدَائِدَ حَتَّى تَنْزِلَ بِهِمْ، وَلَوْ شَكَرْتُمْ مَا آتَاكُمُ اللَّهُ لَكَانَ شُكْرُكُمْ يُقَصِّرُ عَمَّا أُوتِيتُمْ، وَأَسْلَمَكُمْ ضُعْفُ الشُّكْرِ إِلَى تَغَيُّرِ الْحَالِ، وَلَوْ كُنَّا فِيمَا ابْتُلِينَا بِهِ أَهْلَ كُفْرٍ لَكَانَ عَظِيمُ مَا ابْتُلِينَا بِهِ مُسْتَجْلِبًا مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً يُرَفِّهُ بِهَا عَنَّا، إِنَّ اللَّهَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بَعَثَ فِينَا رَسُولًا. ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ وَالْقِتَالِ، وَقَالَ لَهُ: وَإِنَّ عِيَالَنَا قَدْ ذَاقُوا طَعَامَ بِلَادِكُمْ، فَقَالُوا: لَا صَبْرَ لَنَا عَنْهُ. فَقَالَ رُسْتُمُ: إِذًا تَمُوتُونَ دُونَهَا. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: يَدْخُلُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا الْجَنَّةَ وَمَنْ قُتِلَ مِنْكُمُ النَّارَ، وَيَظْفَرُ مَنْ بَقِيَ مِنَّا بِمَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ. فَاسْتَشَاطَ رُسْتُمُ غَضَبًا ثُمَّ حَلَفَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ الصُّبْحُ غَدًا حَتَّى نَقْتُلَكُمْ أَجْمَعِينَ. وَانْصَرَفَ الْمُغِيرَةُ وَخَلَصَ رُسْتُمُ بِأَهْلِ فَارِسَ وَقَالَ: أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْكُمْ ! هَؤُلَاءِ وَاللَّهِ الرِّجَالُ، صَادِقِينَ كَانُوا أَمْ كَاذِبِينَ، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ بَلَغَ مِنْ عَقْلِهِمْ وَصَوْنِهِمْ لِسِرِّهِمْ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا، فَمَا قَوْمٌ أَبْلَغَ لِمَا أَرَادُوا مِنْهُمْ، وَلَئِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَمَا يَقُومُ لِهَؤُلَاءِ شَيْءٌ ! فَلُجُّوا وَتَجَلَّدُوا. فَأَرْسَلَ رُسْتُمُ مَعَ الْمُغِيرَةِ وَقَالَ لَهُ: إِذَا قَطَعَ الْقَنْطَرَةَ فَأَعْلِمْهُ أَنَّ عَيْنَهُ تُفْقَأُ غَدًا، فَأَعْلَمَهُ الرَّسُولُ ذَلِكَ: فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: بَشَّرْتَنِي بِخَيْرٍ وَأَجْرٍ، وَلَوْلَا أَنْ أُجَاهِدَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَشْبَاهَكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَتَمَنَّيْتُ أَنَّ الْأُخْرَى ذَهَبَتْ. فَرَجَعَ إِلَى رُسْتُمَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: أَطِيعُونِي يَا أَهْلَ فَارِسَ، إِنِّي لَأَرَى لِلَّهِ فِيكُمْ نِقْمَةً لَا تَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ سَعْدٌ بَقِيَّةَ ذَوِي الرَّأْيِ فَسَارُوا، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، إِلَى رُسْتُمَ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ أَمِيرَنَا يَدْعُوكَ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَنَا وَلَكَ، الْعَافِيَةُ أَنْ تَقْبَلَ مَا دَعَاكَ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَنَرْجِعُ إِلَى أَرْضِنَا، وَتَرْجِعُ إِلَى أَرْضِكَ، وَدَارُكُمْ لَكُمْ وَأَمْرُكُمْ فِيكُمْ، وَمَا أَصَبْتُمْ كَانَ زِيَادَةً لَكُمْ دُونَنَا، وَكُنَّا عَوْنًا لَكُمْ عَلَى أَحَدٍ إِنْ أَرَادَكُمْ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا يَكُونَنَّ هَلَاكُ قَوْمِكَ عَلَى يَدِكَ، وَلَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ تُغْبَطَ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ، وَتَطْرُدَ بِهِ الشَّيْطَانَ عَنْكَ. فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْأَمْثَالَ أَوْضَحُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ، إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْلَ جَهْدٍ وَقَشَفٍ لَا تَنْتَصِفُونَ وَلَا تَمْتَنِعُونَ فَلَمْ نُسِئْ جِوَارَكُمْ، وَكُنَّا نَمِيرُكُمْ وَنُحْسِنُ إِلَيْكُمْ، فَلَمَّا طَعِمْتُمْ طَعَامَنَا وَشَرِبْتُمْ شَرَابَنَا وَصَفْتُمْ لِقَوْمِكُمْ ذَلِكَ، وَدَعَوْتُمُوهُمْ ثُمَّ أَتَيْتُمُونَا، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُنَا كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ لَهُ كَرْمٌ فَرَأَى فِيهِ ثَعْلَبًا، فَقَالَ: وَمَا ثَعْلَبٌ ! فَانْطَلَقَ الثَّعْلَبُ، فَدَعَا الثَّعَالِبَ إِلَى ذَلِكَ الْكَرْمِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ سَدَّ صَاحِبُ الْكَرْمِ النَّقْبَ الَّذِي كُنَّ يَدْخُلْنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُنَّ ; فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي حَمَلَكُمْ عَلَى هَذَا: الْحِرْصُ وَالْجَهْدُ، فَارْجِعُوا وَنَحْنُ نَمِيرُكُمْ، فَإِنِّي لَا أَشْتَهِي أَنْ أَقْتُلَكُمْ، وَمَثَلُكُمْ أَيْضًا كَالذُّبَابِ يَرَى الْعَسَلَ فَيَقُولُ: مَنْ يُوصِلُنِي إِلَيْهِ وَلَهُ دِرْهَمَانِ ؟ فَإِذَا دَخَلَهُ غَرِقَ وَنَشِبَ، فَيَقُولُ: مَنْ يُخْرِجُنِي وَلَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ؟ وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّ رَجُلًا وَضَعَ سَلَّةً وَجَعَلَ طَعَامًا فِيهَا، فَأَتَى الْجُرْذَانُ فَخَرَقْنَ السَّلَّةَ، فَدَخَلْنَ فِيهَا، فَأَرَادَ سَدَّهَا فَقِيلَ لَهُ: لَا تَفْعَلْ إِذَنْ يَخْرِقْنَهُ، لَكِنِ انْقُبْ بِحِيَالِهِ، ثُمَّ اجْعَلْ ( فِيهَا ) قَصَبَةً مُجَوَّفَةً، فَإِذَا دَخَلَهَا الْجُرْذَانُ وَخَرَجْنَ مِنْهَا فَاقْتُلْ كُلَّ مَا خَرَجَ مِنْهَا، وَقَدْ سَدَدْتُ عَلَيْكُمْ ( فَإِيَّاكُمْ ) أَنْ تَقْتَحِمُوا الْقَصَبَةَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ، فَمَا دَعَاكُمْ إِلَى مَا صَنَعْتُمْ وَلَا أَرَى عَدَدًا وَلَا عُدَّةً !. قَالَ: فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ، وَذَكَرُوا سُوءَ حَالِهِمْ، وَمَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِرْسَالِ رَسُولِهِ، وَاخْتِلَافِهِمْ أَوَّلًا، ثُمَّ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْجِهَادِ، وَقَالُوا: وَأَمَّا مَا ضَرَبْتَ لَنَا مِنَ الْأَمْثَالِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنْ إِنَّمَا مَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ غَرَسَ أَرْضًا وَاخْتَارَ لَهَا الشَّجَرَ، وَأَجْرَى إِلَيْهَا الْأَنْهَارَ، وَزَيَّنَهَا بِالْقُصُورِ، وَأَقَامَ فِيهَا فَلَّاحِينَ يَسْكُنُونَ قُصُورَهَا وَيَقُومُونَ عَلَى جِنَانِهَا، فَخَلَا الْفَلَّاحُونَ فِي الْقُصُورِ عَلَى مَا لَا يُحِبُّ، فَأَطَالَ إِمْهَالَهُمْ فَلَمْ يَسْتَحْيُوا، فَدَعَا إِلَيْهَا غَيْرَهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا، فَإِنْ ذَهَبُوا عَنْهَا تَخَطَّفَهُمُ النَّاسُ وَإِنْ أَقَامُوا فِيهَا صَارُوا خَوَلًا لِهَؤُلَاءِ فَيَسُومُونَهُمُ الْخَسْفَ أَبَدًا ; وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا نَقُولُ حَقًّا، وَلَمْ يَكُنْ إِلَّا الدُّنْيَا، لَمَا صَبَرْنَا عَنِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مِنْ لَذِيذِ عَيْشِكُمْ، وَرَأَيْنَا مَنْ بُزُرْجُكُمْ، وَلَقَارَعْنَاكُمْ عَلَيْهِ !. فَقَالَ رُسْتُمُ: أَتَعْبُرُونَ إِلَيْنَا أَمْ نَعْبُرُ إِلَيْكُمْ ؟ فَقَالُوا: بَلِ اعْبُرُوا إِلَيْنَا. وَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهِ عَشِيًّا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّاسِ أَنْ يَقِفُوا مَوَاقِفَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: شَأْنُكَمْ وَالْعُبُورَ، فَأَرَادُوا الْقَنْطَرَةَ فَقَالَ: لَا وَلَا كَرَامَةَ ! أَمَّا شَيْءٌ غَلَبْنَاكُمْ عَلَيْهِ فَلَنْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ. فَبَاتُوا يُسَكِّرُونَ الْعَتِيقَ حَتَّى الصَّبَاحِ بِالتُّرَابِ وَالْقَصَبِ وَالْبَرَاذِعِ حَتَّى جَعَلُوهُ طَرِيقًا، وَاسْتَتَمَّ بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ. وَرَأَى رُسْتُمُ مِنَ اللَّيْلِ كَأَنَّ مَلَكًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذَ قِسِيَّ أَصْحَابِهِ، فَخَتَمَ عَلَيْهَا، ثُمَّ صَعِدَ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَيْقَظَ مَهْمُومًا وَاسْتَدْعَى خَاصَّتَهُ، فَقَصَّهَا عَلَيْهِمْ وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيَعِظُنَا لَوِ اتَّعَظْنَا. وَلَمَّا رَكِبَ رُسْتُمُ لِيَعْبُرَ كَانَ عَلَيْهِ دِرْعَانِ وَمِغْفَرٌ، وَأَخَذَ سِلَاحَهُ وَوَثَبَ، فَإِذَا هُوَ عَلَى فَرَسِهِ لَمْ يَضَعْ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، وَقَالَ: غَدًا نَدُقُّهُمْ دَقًّا ! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَشَأْ ! ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا ضَغَا الثَّعْلَبُ حِينَ مَاتَ الْأَسَدُ - يَعْنِي كِسْرَى - وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ سُنَّةَ الْقُرُودِ ! فَإِنَّمَا قَالَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَوْهِينًا لِلْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْفُرْسِ، وَإِلَّا فَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْخَوْفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَظْهَرَ ذَلِكَ إِلَى مَنْ يَثِقُ بِهِ.
التاريخ 1874لا حكم مسجّل
يَوْمِ أَرْمَاثَ ولَمَّا عَبَرَ الْفُرْسُ الْعَتِيقَ، جَلَسَ رُسْتُمُ عَلَى سَرِيرِهِ وَضُرِبَ عَلَيْهِ طَيَّارَةٌ، وَعَبَّى فِي الْقَلْبِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِيلًا، عَلَيْهَا صَنَادِيقُ وَرِجَالٌ، وَفِي الْمُجَنِّبَتَيْنِ ثَمَانِيَةً وَسَبْعَةً، وَأَقَامَ الْجَالِينُوسُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُسْتُمَ رِجَالًا عَلَى كُلِّ دَعْوَةٍ رَجُلًا، أَوَّلُهُمْ عَلَى بَابِ إِيوَانِهِ وَآخِرُهُمْ مَعَ رُسْتُمَ، فَكُلَّمَا فَعَلَ رُسْتُمُ شَيْئًا قَالَ الَّذِي مَعَهُ لِلَّذِي يَلِيهِ: كَانَ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ يَقُولُ الثَّانِي لِلَّذِي يَلِيهِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى يَزْدَجِرْدَ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ. وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مَصَافَّهُمْ. مرض سعد بالقادسية سَعْدٌ يَمْرَضُ فِي الْقَادِسِيَّةِ. كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَكُنْ بِالْعِرَاقِ أَعْجَبُ مِنْهَا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا تَوَاجَهَ الصَّفَّانِ كَانَ سَعْدٌ، ؓ، قَدْ أَصَابَهُ عِرْقُ النَّسَا، وَدَمَامِلُ فِي جَسَدِهِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ، إِنَّمَا هُوَ مُكِبٌّ عَلَى وَجْهِهِ، فِي صَدْرِهِ وِسَادَةٌ عَلَى سَطْحِ الْقَصْرِ يُشْرِفُ عَلَى النَّاسِ، وَالصَّفُّ فِي أَصْلِ حَائِطِهِ، لَوْ أَعْرَاهُ الصَّفُّ فَوَاقَ نَاقَةٍ لَأُخِذَ بِرُمَّتِهِ، فَمَا كَرَثَهُ هَوْلُ تِلْكَ الْأَيَّامِ شَجَاعَةً، وَذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ، وَعَابَهُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ فَقَالَ: نُقَاتِلُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ وَسَعْدٌ بِبَابِ الْقَادِسِيَّةِ مُعْصَمُ فَأُبْنَا وَقَدْ آمَتْ نِسَاءٌ كَثِيرَةٌ وَنِسْوَةُ سَعْدٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أَيِّمُ فَبَلَغَتْ أَبْيَاتُهُ سَعْدًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا كَاذِبًا وَقَالَ الَّذِي قَالَهُ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَاقْطَعْ عَنِّي لِسَانَهُ ! فَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَئِذٍ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَأَصَابَ لِسَانَهُ، فَمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ، وَنَزَلَ سَعْدٌ إِلَى النَّاسِ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ وَأَرَاهُمْ مَا بِهِ مِنَ الْقُرُوحِ فِي فَخِذَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ، فَعَذَرَهُ النَّاسُ وَعَلِمُوا حَالَهُ، وَلَمَّا عَجَزَ عَنِ الرُّكُوبِ اسْتَخْلَفَ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ عَلَى النَّاسِ، فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ نَفَرًا مِمَّنْ شَغَبَ عَلَيْهِ فَحَبَسَهُمْ فِي الْقَصْرِ، مِنْهُمْ: أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ، وَقَيَّدَهُمْ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ حَبْسُ أَبِي مِحْجَنٍ بِسَبَبِ الْخَمْرِ، وَأَعْلَمَ النَّاسَ أَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَ خَالِدًا وَإِنَّمَا يَأْمُرُهُمْ خَالِدٌ، فَسَمِعُوا وَأَطَاعُوا، وَخَطَبَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَذَكَّرَهُمْ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَتْحِ الْبِلَادِ، وَمَا نَالَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفُرْسِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. هَذَا مِيرَاثُكُمْ وَمَوْعُودُ رَبِّكُمْ، فَأَنْتُمْ مُنْذُ ثَلَاثِ حِجَجٍ تَطْعَمُونَ مِنْهُ، وَتَقْتُلُونَ أَهْلَهُ، فَإِنْ تَزْهَدُوا فِي الدُّنْيَا وَتَرْغَبُوا فِي الْآخِرَةِ يَجْمَعِ اللَّهُ لَكُمُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، وَلَا يُقَرِّبُ ذَلِكَ أَحَدًا إِلَى أَجَلِهِ، وَإِنْ تَفْشَلُوا وَتَضْعُفُوا تَذْهَبْ رِيحُكُمْ، وَتُوبِقُوا آخِرَتَكُمْ. وَقَامَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو فِي الْمُجَرَّدَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ بِلَادٌ قَدْ أَحَلَّ اللَّهُ [لَكُمْ] أَهْلَهَا، وَأَنْتُمْ تَنَالُونَ مِنْهُمْ مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِينَ مَا لَا يَنَالُونَ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ، إِنْ صَبَرْتُمْ فَالضَّرْبَ وَالطَّعْنَ، وَلَكُمْ أَمْوَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَبِلَادُهُمْ، وَلَئِنْ فَشِلْتُمْ لَمْ يُبْقِ هَذَا الْجَمْعُ مِنْكُمْ بَاقِيَةً، مَخَافَةَ أَنْ تَعُودُوا عَلَيْهِمْ [بِعَائِدَةِ هَلَاكٍ]، اللَّهَ اللَّهَ، اجْعَلُوا هَمَّكُمُ الْآخِرَةَ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَمِيرُ كُلِّ قَوْمٍ، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ نَفَرًا مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَالنَّجْدَةِ، مِنْهُمُ: الْمُغِيرَةُ، وَحُذَيْفَةُ، وَعَاصِمٌ، وَطُلَيْحَةُ، وَقَيْسٌ الْأَسَدِيُّ، وَغَالِبٌ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ وَأَمْثَالُهُمْ، وَمِنَ الشُّعَرَاءِ: الشَّمَّاخُ، وَالْحُطَيْئَةُ، وَأَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ وَغَيْرُهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَحْرِيضِ النَّاسِ عَلَى الْقِتَالِ، فَفَعَلُوا. وَكَانَ صَفُّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى شَفِيرِ الْعَتِيقِ، وَكَانَ صَفُّ الْمُسْلِمِينَ مَعَ حَائِطِ قُدَيْسٍ وَالْخَنْدَقِ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَالْعَتِيقِ، وَمَعَ الْفُرْسِ ثَلَاثُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ، وَأَمَرَ سَعْدٌ النَّاسَ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْجِهَادِ - وَهِيَ الْأَنْفَالُ - فَلَمَّا قُرِئَتْ هَشَّتْ قُلُوبُ النَّاسِ وَعُيُونُهُمْ وَعَرَفُوا السَّكِينَةَ مَعَ قِرَاءَتِهَا. فَلَمَّا فَرَغَ الْقُرَّاءُ مِنْهَا قَالَ سَعْدٌ: الْزَمُوا مَوَاقِفَكُمْ حَتَّى تُصَلُّوا الظُّهْرَ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَإِنِّي مُكَبِّرٌ تَكْبِيرَةً، فَكَبِّرُوا وَاسْتَعِدُّوا، فَإِذَا سَمِعْتُمُ الثَّانِيَةَ فَكَبِّرُوا وَالْبَسُوا عُدَّتَكُمْ، ثُمَّ إِذَا كَبَّرْتُ الثَّالِثَةَ فَكَبِّرُوا، وَلْيُنَشِّطْ فُرْسَانُكُمُ النَّاسَ، فَإِذَا كَبَّرْتُ الرَّابِعَةَ فَازْحَفُوا جَمِيعًا حَتَّى تُخَالِطُوا عَدُوَّكُمْ، وَقُولُوا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَلَمَّا كَبَّرَ سَعْدٌ الثَّالِثَةَ بَرَزَ أَهْلُ النَّجَدَاتِ فَأَنْشَبُوا الْقِتَالَ، وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْفُرْسِ أَمْثَالُهُمْ، فَاعْتَوَرُوا الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ، وَقَالَ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ: قَدْ عَلِمَتْ وَارِدَةُ الْمَشَائِحِ ذَاتُ اللَّبَانِ وَالْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنِّي سِمَامٌ بَطَلُ الْمَسَالِحِ وَفَارِجُ الْأَمْرِ الْمُهِمِّ الْفَادِحِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ هُرْمُزُ، وَكَانَ مِنْ مُلُوكِ الْبَابِ، وَكَانَ مُتَوَّجًا، فَأَسَرَهُ غَالِبٌ، فَجَاءَ بِهِ سَعْدًا وَرَجَعَ، وَخَرَجَ عَاصِمٌ وَهُوَ يَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ صَفْرَاءُ اللَّبَبْ مِثْلُ اللُّجَيْنِ إِذْ تَغَشَّاهُ الذَّهَبْ أَنِّي امْرُؤٌ لَا مَنْ يَعِيبُهُ السَّبَبْ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ يُغْرِيهِ الْعَتَبْ فَطَارَدَ فَارِسِيًّا فَانْهَزَمَ، فَاتَّبَعَهُ عَاصِمٌ حَتَّى خَالَطَ صَفَّهُمْ، فَحَمَوْهُ، فَأَخَذَ عَاصِمٌ رَجُلًا عَلَى بَغْلٍ وَعَادَ بِهِ، وَإِذَا هُوَ خَبَّازُ الْمَلِكِ مَعَهُ مِنْ طَعَامِ الْمَلِكِ وَخَبِيصٌ، فَأَتَى بِهِ سَعْدًا فَنَفَّلَهُ أَهْلَ مَوْقِفِهِ. وَخَرَجَ فَارِسِيٌّ فَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيِ كَرِبَ، فَأَخَذَهُ وَجَلَدَ بِهِ الْأَرْضَ، فَذَبَحَهُ وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَمِنْطَقَتَهُ. وَحَمَلَتِ الْفِيَلَةُ عَلَيْهِمْ فَفَرَّقَتْ بَيْنَ الْكَتَائِبِ، فَنَفَرَتِ الْخَيْلُ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ قَدْ قَصَدَتْ بَجِيلَةَ بِسَبْعَةَ عَشَرَ فِيلًا، فَنَفَرَتْ خَيْلُ بَجِيلَةَ، فَكَادَتْ بَجِيلَةُ تَهْلِكُ لِنِفَارِ خَيْلِهَا عَنْهَا وَعَمَّنْ مَعَهَا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى بَنِي أَسَدٍ أَنْ دَافِعُوا عَنْ بَجِيلَةَ وَعَمَّنْ مَعَهَا مِنَ النَّاسِ. فَخَرَجَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَحَمَّالُ بْنُ مَالِكٍ فِي كَتَائِبِهِمَا، فَبَاشَرُوا الْفِيَلَةَ حَتَّى عَدَلَهَا رُكْبَانُهَا. وَخَرَجَ إِلَى طُلَيْحَةَ عَظِيمٌ مِنْهُمْ، فَقَتَلَهُ طُلَيْحَةُ، وَقَامَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ فِي كِنْدَةَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ كِنْدَةَ لِلَّهِ دَرُّ بَنِي أَسَدٍ ! أَيُّ فَرْيٍّ يَفْرُونَ، وَأَيُّ هَذٍّ يَهُذُّونَ عَنْ مَوْقِفِهِمْ، أَغْنَى كُلُّ قَوْمٍ مَا يَلِيهِمْ، وَأَنْتُمْ تَنْتَظِرُونَ مَنْ يَكْفِيكُمْ، أَشْهَدُ مَا أَحْسَنْتُمْ أُسْوَةَ قَوْمِكُمْ مِنَ الْعَرَبِ. فَنَهَدَ وَنَهَدُوا، فَأَزَالُوا الَّذِينَ بِإِزَائِهِمْ. فَلَمَّا رَأَى الْفُرْسُ مَا يَلْقَى النَّاسُ وَالْفِيَلَةُ مِنْ أَسَدٍ رَمَوْهُمْ بِحَدِّهِمْ وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ ذُو الْحَاجِبِ، وَالْجَالِينُوسُ. وَالْمُسْلِمُونَ يَنْتَظِرُونَ التَّكْبِيرَةَ الرَّابِعَةَ مِنْ سَعْدٍ، فَاجْتَمَعَتْ حَلْبَةُ فَارِسَ عَلَى أَسَدٍ وَمَعَهُمْ تِلْكَ الْفِيَلَةُ، فَثَبَتُوا لَهُمْ، وَكَبَّرَ سَعْدٌ الرَّابِعَةَ، وَزَحَفَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَحَمَلَتِ الْفُيُولُ عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ فَكَانَتِ الْخُيُولُ تَحِيدُ عَنْهَا. فَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو التَّمِيمِيِّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي تَمِيمٍ، أَمَا عِنْدَكُمْ لِهَذِهِ الْفِيَلَةِ مِنْ حِيلَةٍ ؟ قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ ! ثُمَّ نَادَى فِي رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ رُمَاةٍ، وَآخَرِينَ لَهُمْ ثَقَافَةٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّمَاةِ، ذُبُّوا رُكْبَانَ الْفِيَلَةِ عَنْهُمْ بِالنَّبْلِ. وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الثَّقَافَةِ، اسْتَدْبِرُوا الْفِيَلَةَ فَقَطِّعُوا وُضُنَهَا، وَخَرَجَ يَحْمِيهِمْ، وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى أَسَدٍ، وَقَدْ جَالَتِ الْمَيْمَنَةُ وَالْمَيْسَرَةُ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَأَقْبَلَ أَصْحَابُ عَاصِمٍ عَلَى الْفِيَلَةِ فَأَخَذُوا بِأَذْنَابِ تَوَابِيتِهَا، فَقَطَعُوا وُضُنَهَا، وَارْتَفَعَ عُوَاؤُهُمْ، فَمَا بَقِيَ لَهُمْ فِيلٌ إِلَّا أَوَى، وَقُتِلَ أَصْحَابُهَا، وَنُفِّسَ عَنْ أَسَدٍ، وَرَدُّوا فَارِسَ عَنْهُمْ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَاقْتَتَلُوا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ حَتَّى ذَهَبَتْ هَدْأَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ رَجَعَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَأُصِيبَ مِنْ أَسَدٍ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ خَمْسُمِائَةٍ، وَكَانُوا رِدْءًا لِلنَّاسِ، وَكَانَ عَاصِمٌ حَامِيَةً لِلنَّاسِ، وَهَذَا الْيَوْمُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ يَوْمُ أَرْمَاثَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ شَأْسٍ الْأَسَدِيُّ: جَلَبْنَا الْخَيْلَ مِنْ أَكْنَافِ نِيقٍ إِلَى كِسْرَى فَوَافَقَهَا رِعَالَا تَرَكْنَ لَهُمْ عَلَى الْأَقْسَامِ شَجْوًا وَبِالْحَقْوَيْنِ أَيَّامًا طِوَالَا قَتَلْنَا رُسْتُمًا وَبَنِيهِ قَسْرًا تُشِيرُ الْخَيْلُ فَوْقَهُمُ الْهَيَالَا الْأَبْيَاتِ. وَكَانَ سَعْدٌ قَدْ تَزَوَّجَ سَلْمَى امْرَأَةَ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيِّ بَعْدَهُ بِشَرَافَ، فَلَمَّا جَالَ النَّاسُ يَوْمَ أَرْمَاثَ، وَكَانَ سَعْدٌ لَا يُطِيقُ الْجُلُوسَ، جَعَلَ سَعْدٌ يَتَمَلْمَلُ جَزَعًا فَوْقَ الْقَصْرِ، فَلَمَّا رَأَتْ سَلْمَى مَا يَصْنَعُ الْفُرْسُ قَالَتْ: وَامُثَنَّيَاهْ ! وَلَا مُثَنَّى لِلْخَيْلِ الْيَوْمَ ! قَالَتْ ذَلِكَ عِنْدَ رَجُلٍ ضَجِرٍ مِمَّا يَرَى فِي أَصْحَابِهِ وَنَفْسِهِ، فَلَطَمَ وَجْهَهَا وَقَالَ: أَيْنَ الْمُثَنَّى عَنْ هَذِهِ الْكَتِيبَةِ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا الرَّحَا ! يَعْنِي أَسَدًا وَعَاصِمًا. فَقَالَتْ: أَغَيْرَةً وَجُبْنًا ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَعْذِرُنِي الْيَوْمَ أَحَدٌ إِنْ لَمْ تَعْذِرِينِي وَأَنْتِ تَرَيْنَ مَا بِي ! فَتَعَلَّقَهَا النَّاسُ لَمْ يَبْقَ شَاعِرٌ إِلَّا اعْتَدَّ بِهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ غَيْرَ جَبَانٍ وَلَا مَلُومٍ.
التاريخ 1875لا حكم مسجّل
يَوْمِ أَغْوَاثٍ ثُمَّ أَصْبَحَ الْقَوْمُ مِنَ الْغَدِ عَلَى تَعْبِيَةٍ وَقَدْ وَكَّلَ سَعْدٌ بِالْقَتْلَى وَالْجَرْحَى مَنْ يَنْقُلُهُمْ، فَسُلِّمَ الْجَرْحَى إِلَى النِّسَاءِ لِيَقُمْنَ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْقَتْلَى فَدُفِنُوا هُنَالِكَ عَلَى مُشَرِّقٍ، وَهُوَ وَادٍ بَيْنَ الْعُذَيْبِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ. فَلَمَّا نَقَلَ سَعْدٌ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى طَلَعَتْ نَوَاصِي الْخَيْلِ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بِإِرْسَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، سَيَّرَهُمْ وَعَلَيْهِمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ، فَتَعَجَّلَ الْقَعْقَاعُ، فَقَدِمَ عَلَى النَّاسِ صَبِيحَةَ هَذَا الْيَوْمِ، وَهُوَ يَوْمُ أَغْوَاثٍ، وَقَدْ عَهِدَ إِلَى أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَقَطَّعُوا أَعْشَارًا، وَهُمْ أَلْفٌ، كُلَّمَا بَلَغَ عَشَرَةٌ مَدَى الْبَصَرِ سَرَّحُوا عَشَرَةً، فَقَدِمَ أَصْحَابُهُ فِي عَشَرَةٍ، فَأَتَى النَّاسَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَبَشَّرَهُمْ بِالْجُنُودِ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَقَالَ: اصْنَعُوا كَمَا أَصْنَعُ، وَطَلَبَ الْبِرَازَ، فَقَالُوا فِيهِ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِمْ مِثْلُ هَذَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِ ذُو الْحَاجِبِ، فَعَرَفَهُ الْقَعْقَاعُ فَنَادَى: يَا لِثَارَاتِ أَبِي عُبَيْدٍ، وَسَلِيطٍ، وَأَصْحَابِ الْجِسْرِ ! وَتَضَارَبَا، فَقَتَلَهُ الْقَعْقَاعُ، وَجَعَلَتْ خَيْلُهُ تَرِدُ إِلَى اللَّيْلِ وَتُنَشِّطُ النَّاسَ، وَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْأَمْسِ مُصِيبَةٌ، وَفَرِحُوا بِقَتْلِ ذِي الْحَاجِبِ، وَانْكَسَرَتِ الْأَعَاجِمُ بِذَلِكَ. وَطَلَبَ الْقَعْقَاعُ الْبِرَازَ فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْفَيْرُزَانُ وَالْبَنْذَوَانُ، فَانْضَمَّ إِلَى الْقَعْقَاعِ الْحَارِثُ بْنُ ظَبْيَانِ بْنِ الْحَارِثِ - أَحَدُ بَنِي تَيْمِ اللَّاتِ - فَتَبَارَزُوا، فَقَتَلَ الْقَعْقَاعُ الْفَيْرُزَانَ، وَقَتَلَ الْحَارِثُ الْبِنْذَوَانَ، وَنَادَى الْقَعْقَاعُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، بَاشِرُوهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَإِنَّمَا يُحْصَدُ النَّاسُ بِهَا ! فَاقْتَتَلُوا حَتَّى الْمَسَاءِ، فَلَمْ يَرَ أَهْلُ فَارِسَ فِي هَذَا الْيَوْمِ ( شَيْئًا ) مِمَّا يُعْجِبُهُمْ، وَأَكْثَرَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، وَلَمْ يُقَاتِلُوا فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى فِيَلٍ، كَانَتْ تَوَابِيتُهَا تَكَسَّرَتْ بِالْأَمْسِ، فَاسْتَأْنَفُوا عَمَلَهَا فَلَمْ يَفْرَغُوا مِنْهَا حَتَّى كَانَ الْغَدُ. وَجَعَلَ الْقَعْقَاعُ كُلَّمَا طَلَعَتْ قِطْعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ، وَيَحْمِلُ وَيَحْمِلُونَ، وَحَمَلَ بَنُو عَمٍّ لِلْقَعْقَاعِ عَشَرَةً عَشَرَةً عَلَى إِبِلٍ قَدْ أَلْبَسُوهَا وَهِيَ مُجَلَّلَةٌ مُبَرْقَعَةٌ، وَأَطَافَتْ بِهِمْ خُيُولُهُمْ تَحْمِيهِمْ، وَأَمَرَهُمُ الْقَعْقَاعُ أَنْ يَحْمِلُوهَا عَلَى خَيْلِ الْفُرْسِ يَتَشَبَّهُونَ بِالْفِيَلَةِ، فَفَعَلُوا بِهِمْ هَذَا الْيَوْمَ، وَهُوَ يَوْمُ أَغْوَاثٍ، كَمَا فَعَلَتْ فَارِسُ يَوْمَ أَرْمَاثَ، فَجَعَلَتْ خَيْلُ الْفُرْسِ تَفِرُّ مِنْهَا، وَرَكِبَتْهَا خُيُولُ الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ اسْتَنُّوا بِهِمْ، فَلَقِيَ الْفُرْسُ مِنَ الْإِبِلِ أَعْظَمَ مِمَّا لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْفِيَلَةِ. وَحَمَلَ رَجُلٌ مِنْ تَمِيمٍ عَلَى رُسْتُمَ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَقُتِلَ دُونَهُ. وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ يُبَارِزُ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْأَعْرَفُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعَقِيلِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ آخَرُ فَقَتَلَهُ، وَأَحَاطَتْ بِهِ فَوَارِسُ مِنْهُمْ فَصَرَعُوهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَهُ، فَغَبَّرَ فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ حَتَّى رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ. وَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو يَوْمَئِذٍ ثَلَاثِينَ حَمْلَةً، كُلَّمَا طَلَعَتْ قِطْعَةٌ حَمَلَ حَمْلَةً وَأَصَابَ فِيهَا وَقَتَلَ، كَانَ آخِرُهُمْ بُزُرْجُمِهْرَ الْهَمَذَانِيَّ. وَبَارَزَ الْأَعْوَرُ بْنُ قُطْبَةَ شَهْرَيَارَ سِجِسْتَانَ فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَقَاتَلَتِ الْفُرْسَانُ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ. فَلَمَّا اعْتَدَلَ النَّهَارُ تَزَاحَفَ النَّاسُ، فاَقْتَتَلُوا حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ، فَكَانَتْ لَيْلَةُ أَرْمَاثَ تُدْعَى الْهَدْأَةَ، وَلَيْلَةُ أَغَوَاثٍ تُدْعَى السَّوَادَ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ ( فِي ) يَوْمِ أَغْوَاثٍ الظَّفَرَ، وَقَتَلُوا فِيهِ عَامَّةَ أَعْلَامِهِمْ، وَحَالَتْ فِيهِ خَيْلُ الْقَلْبِ وَثَبَتَ رَجْلُهُمْ، فَلَوْلَا أَنَّ خَيْلَهُمْ عَادَتْ أُخِذَ رُسْتُمُ أَخْذًا. وَبَاتَ النَّاسُ عَلَى مَا بَاتَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ لَيْلَةَ أَرْمَاثَ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ يَنْتَمُونَ. فَلَمَّا سَمِعَ سَعْدٌ ذَلِكَ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ عِنْدَهُ: إِنْ تَمَّ النَّاسُ عَلَى الِانْتِمَاءِ فَلَا تُوقِظْنِي فَإِنَّهُمْ أَقْوِيَاءُ، وَإِنْ سَكَتُوا وَلَمْ يَنْتَمِ الْآخَرُونَ فَلَا تُوقِظْنِي، فَإِنَّهُمْ عَلَى السَّوَاءِ، فَإِنْ سَمِعْتَهُمْ يَنْتَمُونَ فَأَيْقِظْنِي فَإِنَّ انْتِمَائَهُمْ عَنِ السَّوْءِ. وَلَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَانَ أَبُو مِحْجَنٍ قَدْ حُبِسَ وَقُيِّدَ فَهُوَ فِي الْقَصْرِ، قَالَ لِسَلْمَى زَوْجِ سَعْدٍ: هَلْ لَكِ أَنْ تُخَلِّي عَنِّي وَتُعِيرِينِي الْبَلْقَاءَ ؟ فَلِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ سَلَّمَنِي اللَّهُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَيْكِ حَتَّى أَضَعَ رِجْلِي فِي قَيْدِي. فَأَبَتْ، فَقَالَ: كَفَى حَزَنًا أَنْ تَرْدَى الْخَيْلُ بِالْقَنَا وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ مَصَارِيعُ دُونِي قَدْ تُصِمُّ الْمُنَادِيَا وَقَدْ كُنْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَإِخْوَةٍ فَقَدْ تَرَكُونِي وَاحِدًا لَا أَخَا لِيَا وَلِلَّهِ عَهْدٌ لَا أَخِيسُ بِعَهْدِهِ لَئِنْ فُرِّجَتْ أَنْ لَا أَزُورَ الْحَوَانِيَا فَرَقَّتْ لَهُ سَلْمَى وَأَطْلَقَتْهُ، وَأَعْطَتْهُ الْبَلْقَاءَ فَرَسَ سَعْدٍ، فَرَكِبَهَا حَتَّى إِذَا كَانَ بِحِيَالِ الْمَيْمَنَةِ كَبَّرَ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى مَيْسَرَةِ الْفُرْسِ، ثُمَّ رَجَعَ خَلْفَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَمَلَ عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ، وَكَانَ يَقْصِفُ النَّاسَ قَصْفًا مُنْكَرًا، وَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْهُ وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مِنْ أَصْحَابِ هَاشِمٍ أَوْ هَاشِمٌ نَفْسُهُ، وَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ: لَوْلَا مَحْبَسُ أَبِي مِحْجَنٍ لَقُلْتُ هَذَا أَبُو مِحْجَنٍ وَهَذِهِ الْبَلْقَاءُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا الْخَضِرُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْلَا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تُبَاشِرُ الْحَرْبَ لَقُلْنَا إِنَّهُ مَلَكٌ. فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ وَتَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ وَالْفُرْسُ عَنِ الْقِتَالِ أَقْبَلَ أَبُو مِحْجَنٍ فَدَخَلَ الْقَصْرَ وَأَعَادَ رِجْلَيْهِ فِي الْقَيْدِ وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَتْ ثَقِيفٌ غَيْرَ فَخْرٍ بِأَنَّا نَحْنُ أَكْرَمُهُمْ سُيُوفَا وَأَكْثَرُهُمْ دُرُوعًا سَابِغَاتٍ وَأَصْبَرُهُمْ إِذَا كَرِهُوا الْوُقُوفَا وَأَنَا وَفْدُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَإِنْ عُمُّوا فَسَلْ بِهِمْ عَرِيفَا وَلَيْلَةَ قَادِسٍ لَمْ يَشْعُرُوا بِي وَلَمْ أُشْعِرْ بِمَخْرَجِي الزُّحُوفَا فَإِنْ أُحْبَسْ فَذَلِكُمْ بَلَائِي وَإِنْ أُتْرَكْ أُذِيقُهُمُ الْحُتُوفَا فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى: فِي أَيِّ شَيْءٍ حَبَسَكَ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا حَبَسَنِي بِحَرَامٍ أَكَلْتُهُ وَلَا شَرِبْتُهُ، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ صَاحِبَ شَرَابٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا امْرُؤٌ شَاعِرٌ يَدِبُّ الشِّعْرُ عَلَى لِسَانِي، فَقُلْتُ: إِذَا مِتُّ فَادْفِنِّي إِلَى أَصْلِ كَرْمَةٍ تُرّوِّي عِظَامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُهَا وَلَا تَدْفِنَنِّي بِالْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوقَهَا فَلِذَلِكَ حَبَسَنِي. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَتَتْ سَعْدًا فَصَالَحَتْهُ، وَكَانَتْ مُغَاضِبَةً لَهُ، وَأَخْبَرَتْهُ بِخَبَرِ أَبِي مِحْجَنٍ، فَأَطْلَقَهُ فَقَالَ: اذْهَبْ فَمَا أَنَا مُؤَاخِذُكَ بِشَيْءٍ تَقُولُهُ حَتَّى تَفْعَلَهُ. قَالَ: لَا جَرَمَ، [ وَاللَّهِ ] لَا أُجِيبُ لِسَانِي إِلَى [ صِفَةِ ] قَبِيحٍ أَبَدًا !وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَغْرَاءَ الدَّوْسِيِّ ]، عَنْ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ، قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ بِالْقَادِسِيَّةِ دَعَتْ خَنْسَاءُ بِنْتُ عَمْرٍو النَّخَعِيَّةُ بَنِيهَا الْأَرْبَعَةَ، فَقَالَتْ: يَا بَنِيَّ، إِنَّكُمْ أَسْلَمْتُمْ طَائِعِينَ، وَهَاجَرْتُمْ، وَاللَّهِ مَا نَبَتَ بِكُمُ الدَّارُ وَلَا أَقْحَمَتْكُمُ السَّنَةُ، وَلَا أَرْدَاكُمُ الطَّمَعُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَبَنُو رَجُلٍ وَاحِدٍ، كَمَا أَنَّكُمْ بَنُو امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مَا خُنْتُ أَبَاكُمْ وَلَا فَضَحْتُ خَالَكُمْ، وَلَا عَمَوْتُ نَسَبَكُمْ، وَلَا أَوْطَأْتُ حَرِيمَكُمْ، وَلَا أَبَحْتُ حِمَاكُمْ، فَإِذَا كَانَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَاغْدُوَا لِقِتَالِ عَدُوِّكُمْ مُسْتَنْصِرِينَ اللَّهَ مُسْتَبْصِرِينَ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْحَرْبَ قَدْ أَبْدَتْ سَاقَهَا، وَقَدْ ضَرَبَتْ رِوَاقَهَا فَتَيَمَّمُوا وَطِيسَهَا، وَجَالِدُوا خَمِيسَهَا، تَظْفَرُوا بِالْمَغْنَمِ وَالسَّلَامَةِ وَالْفَوْزِ وَالْكَرَامَةِ فِي دَارِ الْخُلْدِ وَالْمَقَامَةِ. فَانْصَرَفَ الْفِتْيَةُ مِنْ عِنْدِهَا وَهُمْ لِأَمْرِهَا طَائِعُونَ، وَبِنُصْحِهَا عَارِفُونَ، فَلَمَّا لَقُوا الْعَدُوَّ شَدَّ أَوَّلُهُمْ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ يَقُولُ: يَا إِخْوَتَا إِنَّ الْعَجُوزَ النَّاصِحِهْ قَدْ أَشْرَبَتْنَا إِذْ دَعَتْنَا الْبَارِحَهْ نَصِيحَةَ ذَاتِ بَيَانٍ وَاضِحَهْ فَبَاكِرُوا الْحَرْبَ الضَّرُوسَ الْكَالِحَهْ فَإِنَّمَا تَلْقَوْنَ عِنْدَ الصَّائِحَةْ [مِنْ آلِ سَاسَانَ كِلَابًا نَابِحَةْ] قَدْ أَيْقَنُوا مِنْكُمْ بِوَقْعِ الْجَائِحَةْ فَأَنْتُمْ بَيْنُ حَيَاةٍ صَالِحَةْ أَوْ مُنْيَةٍ تُورِثُ غُنْمًا رَابِحًا ثُمَّ شَدَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا نَعْصِي الْعَجُوزَ حَرْفَا قَدْ أَمَرَتْنَا حَدْبًا وَعَطْفَا مِنْهَا وَبِرًّا صَادِقًا وَلُطْفَا فَبَاكِرُوا الْحَرْبَ الضَّرُوسَ زَحْفَا حَتَّى تَلُفُّوا آلَ كِسْرَى لَفَّا وَتَكْشِفُوهُمْ عَنْ حِمَاكُمْ كَشْفَا إِنَّا نَرَى التَّقْصِيرَ عَنْهُمْ ضَعْفَا وَالْقَتْلَ فِيهِمْ نَجْدَةً وَعُرْفَا ثُمَّ شَدَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ يَقُولُ: لِسْتُ لِخَنْسَاءَ وَلَا لِلْأَخْرَمِ وَلَا لِعَمْرٍو ذِي السَّنَاءِ الْأَقْدَمِ إِنْ لَمْ نَذَرْ فِي آلِ جَمْعِ الْأَعْجَمِ جَمْعِ أَبِي سَاسَانَ جَمْعِ رُسْتُمِ بِكُلِّ مَحْمُودِ اللِّقَاءِ ضَيْغَمٍ مَاضٍ عَلَى الْهَوْلِ خَصِيمٍ خَضْرَمِ إِمَّا لِقَهْرٍ عَاجِلٍ أَوْ مَغْنَمٍ أَوْ لِحَيَاةٍ فِي السَّبِيلِ الْأَكْرَمِ نَفُوزُ فِيهَا بِالنَّصِيبِ الْأَعْظَمِ ثُمَّ شَدَّ الَّذِي يَلِيهِ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّ الْعَجُوزَ ذَاتَ حَزْمٍ وَجَلَدْ وَالنَّظَرِ الْأَوْفَقِ وَالرَّأْيِ السَّدَدْ قَدْ أَمَرَتْنَا بِالصَّوَابِ وَالرَّشَدْ نَصِيحَةً مِنْهَا وَبِرًّا بِالْوَلَدْ فَبَاكِرُوا الْحَرْبَ نَمَاءً فِي الْعَدَدْ إِمَّا لِقَهْرٍ وَاخْتِيَارٍ لِلْبَلَدْ أَوْ مُنْيَةٍ تُورِثُ خُلْدًا لِلْأَبَدْ فِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ فِي عَيْشٍ رَغِدْ فَقَاتَلُوا جَمِيعًا حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا يَأْخُذُونَ أُعْطِيَّتَهُمْ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، فَيَجِيئُونَ بِهَا فَيَصُبُّونَ فِي حِجْرِهَا، فَتَقْسِمُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حَفْنَةً بِحَفْنَةٍ، فَمَا يُغَادِرُ وَاحِدٌ عَنْ عَطَائِهِ دِرْهَمًا. وَرَوَى مُجَالِدٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ هذه الحكاية باختصار.
التاريخ 1876لا حكم مسجّل
يَوْمِ عِمَاسَ وَأَصْبَحَ الْقَوْمُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ -وَيُسَمَّى يَوْمَ عَمَاسٍ- وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَلْفَانِ مِنْ مَيِّتٍ وَرَثِيثٍ، وَمِنَ الْمُشْرِكِينَ عَشَرَةُ آلَافٍ مِنْ مَيِّتٍ وَرَثِيثٍ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَنْقُلُونَ قَتْلَاهُمْ إِلَى الْمَقَابِرِ وَالْجَرْحَى إِلَى النِّسَاءِ، وَكَانَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَحْفِرُونَ الْقُبُورَ، وَكَانَ عَلَى الشُّهَدَاءِ حَاجِبُ بْنُ زَيْدٍ. وَأَمَّا قَتْلَى الْمُشْرِكِينَ فَبَيْنَ الصَّفَّيْنِ لَمْ يُنْقَلُوا، وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا قَوَّى الْمُسْلِمِينَ، وَبَاتَ الْقَعْقَاعُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ يُسَرِّبُ أَصْحَابَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي فَارَقَهُمْ فِيهِ وَقَالَ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَقْبِلُوا مِائَةً مِائَةً، فَإِنْ جَاءَ هَاشِمٌ فَذَاكَ وَإِلَّا جَدَّدْتُمْ لِلنَّاسِ رَجَاءً وَجِدًّا وَلَا يَشْعُرُ بِهِ أَحَدٌ. وَأَصْبَحَ النَّاسُ عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، فَلَمَّا ذَرَّ قَرْنُ الشَّمْسِ أَقْبَلَ أَصْحَابُ الْقَعْقَاعِ، فَحِينَ رَآهُمْ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَتَقَدَّمُوا وَتَكَتَّبَتِ الْكَتَائِبُ وَاخْتَلَفُوا الضَّرْبَ وَالطَّعْنَ وَالْمَدَدُ مُتَتَابِعٌ، فَمَا جَاءَ آخِرُ أَصْحَابِ الْقَعْقَاعِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ هَاشِمٌ، فَأُخْبِرَ بِمَا صَنَعَ الْقَعْقَاعُ، فَعَبَّى أَصْحَابَهُ سَبْعِينَ سَبْعِينَ، وَكَانَ فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الْمَعْرُوفُ بِقَيْسِ بْنِ الْمَكْشُوفِ الْمُرَادِيِّ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْأَيَّامِ إِنَّمَا كَانَ بِالْيَرْمُوكِ، فَانْتُدِبَ مَعَ هَاشِمٍ حَتَّى إِذَا خَالَطَ الْقَلْبَ كَبَّرَ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالَ: أَوَّلُ قِتَالٍ الْمُطَارَدَةُ ثُمَّ الْمُرَامَاةُ ; ثُمَّ حَمَلَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يُقَاتِلُهُمْ حَتَّى خَرَقَ صَفَّهُمْ إِلَى الْعَتِيقِ ثُمَّ عَادَ. وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ بَاتُوا يَعْمَلُونَ تَوَابِيتَهُمْ، حَتَّى أَعَادُوا وَأَصْبَحُوا عَلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَأَقْبَلَتِ الرَّجَّالَةُ مَعَ الْفِيَلَةِ يَحْمُونَهَا أَنْ تُقْطَعَ وُضُنُهَا، وَمَعَ الرَّجَّالَةِ فُرْسَانٌ يَحْمُونَهُمْ، فَلَمْ تَنْفِرِ الْخَيْلُ مِنْهُمْ كَمَا كَانَتْ بِالْأَمْسِ، لِأَنَّ الْفِيلَ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ كَانَ أَوْحَشَ، وَإِذَا طَافُوا بِهِ كَانَ آنَسَ، وَكَانَ يَوْمُ عِمَاسَ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ شَدِيدًا، الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَا تَكُونُ بَيْنَهُمْ نُقْطَةٌ إِلَّا أَبْلَغُوهَا يَزْدَجِرْدَ بِالْأَصْوَاتِ، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ أَهْلَ النَّجَدَاتِ مِمَّنْ عِنْدَهُ، فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَ الْقَعْقَاعَ مَا فَعَلَ فِي الْيَوْمَيْنِ وَإِلَّا كَسَرَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَاتَلَ قَيْسُ بْنُ الْمَكْشُوحِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مَعَ هَاشِمٍ، قِتَالًا شَدِيدًا وَحَرَّضَ أَصْحَابَهُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: إِنِّي حَامِلٌ عَلَى الْفِيلِ وَمَنْ حَوْلَهُ، لِفِيلٍ بِإِزَائِهِ، فَلَا تَدَعُونِي أَكْثَرَ مِنْ جَزْرِ جَزُورٍ، فَإِنْ تَأَخَّرْتُمْ عَنِّي فَقَدْتُمْ أَبَا ثَوْرٍ، يَعْنِي نَفْسَهُ، وَأَيْنَ لَكُمْ مِثْلُ أَبِي ثَوْرٍ ! فَحَمَلَ وَضَرَبَ فِيهِمْ حَتَّى سَتَرَهُ الْغُبَارُ وَحَمَلَ بِأَصْحَابِهِ فَأَفْرَجَ الْمُشْرِكُونَ عَنْهُ بَعْدَمَا صَرَعُوهُ، وَإِنَّ سَيْفَهُ لَفِي يَدِهِ يُصَارِمُهُمْ، وَقَدْ طُعِنَ فَرَسُهُ، فَأَخَذَ بِرِجْلِ فَرَسٍ أَعْجَمِيٍّ فَلَمْ يُطِقِ الْجَرْيَ، فَنَزَلَ عَنْهُ صَاحِبُهُ إِلَى أَصْحَابِهِ وَرَكِبَ عَمْرٌو. وَبَرَزَ فَارِسِيٌّ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ شَبْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَكَانَ قَصِيرًا، فَتَرَجَّلَ الْفَارِسِيُّ إِلَيْهِ فَاحْتَمَلَهُ وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ لِيَذْبَحَهُ، وَمِقْوَدُ فَرَسِهِ مَشْدُودٌ فِي مِنْطَقَتِهِ، فَلَمَّا سَلَّ سَيْفَهُ نَفَرَ الْفَرَسُ، فَجَذَبَهُ الْمِقْوَدُ فَقَلَبَهُ عَنْهُ، وَتَبِعَهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَبَاعَهُ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. فَلَمَّا رَأَى سَعْدٌ الْفُيُولَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الْكَتَائِبِ وَعَادَتْ لِفِعْلِهَا، أَرْسَلَ إِلَى الْقَعْقَاعِ وَعَاصِمِ ابْنَيْ عَمْرٍو: اكْفِيَانِي الْأَبْيَضَ، وَكَانَتْ كُلُّهَا آلِفَةً لَهُ، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا، وَقَالَ لِحَمَّالٍ وَالرِّبِّيلِ: اكْفِيَانِي الْأَجْرَبَ، وَكَانَ بِإِزَائِهِمَا، فَأَخَذَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ رُمْحَيْنِ، وَتَقَدَّمَا فِي خَيْلٍ وَرَجْلٍ، وَفَعَلَ حَمَّالٌ وَالرِّبِّيلُ مِثْلَ فِعْلِهِمَا، فَحَمَلَ الْقَعْقَاعُ وَعَاصِمٌ فَوَضَعَا رُمْحَيْهِمَا فِي عَيْنِ الْفِيلِ الْأَبْيَضِ فَنَفَضَ رَأْسَهُ فَطَرَحَ سَائِسَهُ وَدَلَّى مِشْفَرَهُ، فَضَرَبَهُ الْقَعْقَاعُ فَرَمَى بِهِ، وَوَقَعَ لِجَنْبِهِ، وَقَتَلُوا مَنْ كَانَ عَلَيْهِ، وَحَمَلَ حَمَّالٌ وَالرِّبِّيلُ الْأَسَدِيَّانِ عَلَى الْفِيلِ الْآخَرِ فَطَعَنَهُ حَمَّالٌ فِي عَيْنِهِ، فَأَقْعَى ثُمَّ اسْتَوَى، وَضَرَبَهُ الرِّبِّيلُ فَأَبَانَ مِشْفَرَهُ، وَبَصُرَ بِهِ سَائِسُهُ فَبَقَرَ أَنْفَهَ وَجَبِينَهُ بِالطَّبْرَزِينَ، فَأَفْلَتَ الرِّبِّيلُ جَرِيحًا، فَبَقِيَ الْفِيلُ جَرِيحًا مُتَحَيِّرًا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، كُلَّمَا جَاءَ صَفَّ الْمُسْلِمِينَ وَخَزُوهُ، وَإِذَا أَتَى صَفَّ الْمُشْرِكِينَ نَخَسُوهُ. وَوَلَّى الْفِيلُ، وَكَانَ يُدْعَى الْأَجْرَبَ، وَقَدْ عَوَّرَ حَمَّالٌ عَيْنَيْهِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْعَتِيقِ، فَاتَّبَعَتْهُ الْفِيَلَةُ فَخَرَقَتْ صَفَّ الْأَعَاجِمِ، فَعَبَرَتْ فِي أَثَرِهِ، فَأَتَتِ الْمَدَائِنَ فِي تَوَابِيتِهَا، وَهَلَكَ مَنْ فِيهَا. فَلَمَّا ذَهَبَتِ الْفِيَلَةُ وَخَلَصَ الْمُسْلِمُونَ وَالْفُرْسُ، وَمَالَ الظِّلُّ، تَزَاحَفَ الْمُسْلِمُونَ، فَاجْتَلَدُوا حَتَّى أَمْسَوْا وَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ. فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ اشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ فَخَرَجَا عَلَى السَّوَاءِ.
التاريخ 1877لا حكم مسجّل
لَيْلَةِ الْهَرِيرِ فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ فِي يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، وهو اليوم الثالث وَطَعَنُوا فِي اللَّيْلِ، اشْتَدَّ الْقِتَالُ وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، وَقَامَتْ فِيهَا الْحَرْبُ إِلَى الصَّبَاحِ لَا يَنْطِقُونَ، كَلَامُهُمُ الْهَرِيرُ، فَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ. وقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَرْكِهِمُ الْكَلَامَ إِنَّمَا كَانُوا يَهِرُّونَ هَرِيرًا، وَأَرْسَلَ سَعْدٌ طُلَيْحَةَ وَعَمْرًا لَيْلَةَ الْهَرِيرِ إِلَى مَخَاضَةٍ أَسْفَلَ الْعَسْكَرِ، لِيَقُومُوا عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْقَوْمُ مِنْهَا. فَلَمَّا أَتَيَاهَا قَالَ طُلَيْحَةُ: لَوْ خُضْنَا وَأَتَيْنَا الْأَعَاجِمَ مِنْ خَلْفِهِمْ. قَالَ عَمْرٌو: بَلْ نَعْبُرُ أَسْفَلَ. فَافْتَرَقَا، وَأَخَذَ طُلَيْحَةُ وَرَاءَ الْعَسْكَرِ وَكَبَّرَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ ذَهَبَ وَقَدِ ارْتَاعَ أَهْلُ فَارِسَ وَتَعَجَّبَ الْمُسْلِمُونَ، وَطَلَبَهُ الْأَعَاجِمُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ. وَأَمَّا عَمْرٌو فَإِنَّهُ أَغَارَ أَسْفَلَ الْمَخَاضَةِ وَرَجَعَ، وَخَرَجَ مَسْعُودُ بْنُ مَالِكٍ الْأَسَدِيُّ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَابْنُ ذِي الْبُرْدَيْنِ الْهِلَالِيُّ، وَابْنُ ذِي السَّهْمَيْنِ، وَقَيْسُ بْنُ هُبَيْرَةَ الْأَسَدِيُّ وَأَشْبَاهُهُمْ فَطَارَدُوا الْقَوْمَ، فَإِذَا هُمْ لَا يَشُدُّونَ وَلَا يُرِيدُونَ غَيْرَ الزَّحْفِ، فَقَدَّمُوا صُفُوفَهُمْ وَزَاحَفَهُمُ النَّاسُ بِغَيْرِ إِذَنْ سَعْدٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ زَاحَفَهُمُ الْقَعْقَاعُ، وَقَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُ وَانْصُرْهُ، فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ إِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِّي. ثُمَّ قَالَ: أَرَى الْأَمْرَ مَا فِيهِ هَذَا، فَإِذَا كَبَّرْتُ ثَلَاثًا فَاحْمِلُوا، وَكَبَّرَ وَاحِدَةً فَلَحِقَهُمْ أَسَدٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتِ النَّخَعُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتْ بَجِيلَةُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ حَمَلَتْ كِنْدَةُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْهَا لَهُمْ وَانْصُرْهُمْ. ثُمَّ زَحَفَ الرُّؤَسَاءُ وَرَحَا الْحَرْبِ تَدُورُ عَلَى الْقَعْقَاعِ، وَتَقَدَّمَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَأُمَرَاءُ الْأَعْشَارِ، وَطُلَيْحَةُ، وَغَالِبٌ، وَحَمَّالٌ، وَأَهْلُ النَّجَدَاتِ، وَلَمَّا كَبَّرَ الثَّالِثَةَ لَحِقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَخَالَطُوا الْقَوْمَ، وَاسْتَقَبَلُوا اللَّيْلَ اسْتِقْبَالًا بَعْدَمَا صَلَّوُا الْعِشَاءَ، وَكَانَ صَلِيلُ الْحَدِيدِ فِيهَا كَصَوْتِ الْقُيُونِ لَيْلَتَهُمْ إِلَى الصَّبَاحِ، وَأَفْرَغَ اللَّهُ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ إِفْرَاغًا، وَبَاتَ سَعْدٌ بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ بِمِثْلِهَا، وَرَأَى الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ أَمْرًا لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ، وَانْقَطَعَتِ الْأَخْبَارُ وَالْأَصْوَاتُ عَنْ سَعْدٍ وَرُسْتُمَ، وَأَقْبَلَ سَعْدٌ عَلَى الدُّعَاءِ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ انْتَمَى النَّاسُ، فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمُ الْأَعْلَوْنَ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعَهُ نِصْفَ اللَّيْلِ الْبَاقِي صَوْتَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا مَعْشَرًا وَزَائِدًا أَرْبَعَةً وَخَمْسَةً وَوَاحِدَا نُحْسَبُ فَوْقَ اللِّبَدِ وَالْأَسَاوِدَا حَتَّى إِذَا مَاتُوا دَعَوْتُ جَاهِدَا اللَّهُ رَبِّي وَاحْتَرَزْتُ عَامِدَا وَقَتَلَتْ كِنْدَةُ تُرْكًا الطَّبَرِيَّ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِيهِمْ.
التاريخ 1878لا حكم مسجّل
[لَيْلَةُ الْقَادِسِيَّةِ ] وَأَصْبَحَ النَّاسُ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ وَتُسَمَّى لَيْلَةَ الْقَادِسِيَّةِ مِنْ بَيْنِ تِلْكَ اللَّيَالِي وَهُمْ حَسْرَى، لَمْ يُغْمِضُوا لَيْلَتَهُمْ كُلَّهَا. فَسَارَ الْقَعْقَاعُ فِي النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ الدَّائِرَةَ بَعْدَ سَاعَةٍ لِمَنْ بَدَأَ الْقَوْمَ، فَاصْبِرُوا سَاعَةً وَاحْمِلُوا، فَإِنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ. فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَصَمَدُوا لِرُسْتُمَ حَتَّى خَالَطُوا الَّذِينَ دُونَهُ مَعَ الصُّبْحِ. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ الْقَبَائِلُ قَامَ فِيهَا رُؤَسَاؤُهُمْ وَقَالُوا: لَا يَكُونَنَّ هَؤُلَاءِ أَجَدَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ مِنْكُمْ، وَلَا هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الْفُرْسَ، أَجْرَأَ عَلَى الْمَوْتِ مِنْكُمْ. فَحَمَلُوا فِيمَا يَلِيهِمْ، وَخَالَطُوا مَنْ بِإِزَائِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ زَالَ الْفَيْرُزَانُ وَالْهُرْمُزَانُ، فَتَأَخَّرَا وَثَبَتَا حَيْثُ انْتَهَيَا، وَانْفَرَجَ الْقَلْبُ، وَرَكَدَ عَلَيْهِمُ النَّقْعُ وَهَبَّتْ رِيحٌ عَاصِفٌ فَقَلَعَتْ طَيَّارَةَ رُسْتُمَ عَنْ سَرِيرِهِ، فَهَوَتْ فِي الْعَتِيقِ، وَهِيَ دَبُورُ، وَمَالَ الْغُبَارُ عَلَيْهِمْ، وَانْتَهَى الْقَعْقَاعُ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى السَّرِيرِ فَعَثَرُوا بِهِ، وَقَدْ قَامَ رُسْتُمُ عَنْهُ حِينَ أَطَارَتِ الرِّيحُ الطَّيَّارَةَ إِلَى بِغَالٍ قَدْ قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِمَالٍ، فَهِيَ وَاقِفَةٌ، فَاسْتَظَلَّ فِي ظِلِّ بَغْلٍ وَحِمْلِهِ، وَضَرَبَ هِلَالُ بْنُ عُلَّفَةَ الْحِمْلَ الَّذِي تَحْتَهُ رُسْتُمُ، فَقَطَعَ حِبَالَهُ، وَوَقَعَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْعِدْلَيْنِ، وَلَا يَرَاهُ هِلَالٌ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ، فَأَزَالَ عَنْ ظَهْرِهِ فَقَارًا، وَضَرَبَهُ هِلَالٌ ضَرْبَةً فَنَفَحَتْ مِسْكًا. وَمَضَى رُسْتُمُ نَحْوَ الْعَتِيقِ فَرَمَى بِنَفْسِهِ فِيهِ، وَاقْتَحَمَهُ هِلَالٌ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِرِجْلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ فَضَرَبَ جَبِينَهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ بَيْنَ أَرْجُلِ الْبِغَالِ، ثُمَّ صَعِدَ السَّرِيرَ وَقَالَ: قَتَلْتُ رُسْتُمَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ! إِلَيَّ إِلَيَّ ! فَأَطَافُوا بِهِ وَكَبَّرُوا، فَنَفَّلَهُ سَعْدٌ سَلَبَهُ، وَكَانَ قَدْ أَصَابَهُ الْمَاءُ وَلَمْ يَظْفَرْ بِقَلَنْسُوَتِهِ، وَلَوْ ظَفِرَ بِهَا لَكَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةَ أَلْفٍ. وَقِيلَ: إِنَّ هِلَالًا لَمَّا قَصَدَ رُسْتُمَ رَمَاهُ رُسْتُمُ بِنَشَّابَةٍ أَثْبَتْ قَدَمَهُ بِالرِّكَابِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ هِلَالٌ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ احْتَزَّ رَأْسَهُ وَعَلَّقَهُ وَنَادَى: قَتَلْتُ رُسْتُمَ ! فَانْهَزَمَ قَلْبُ الْمُشْرِكِينَ. وَقَامَ الْجَالِينُوسُ عَلَى الرَّدْمِ، وَنَادَى الْفُرْسَ إِلَى الْعُبُورِ، وَأَمَّا الْمُقْتَرِنُونَ فَإِنَّهُمْ جَشِعُوا فَتَهَافَتُوا فِي الْعَتِيقِ، فَوَخَزَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِرِمَاحِهِمْ، فَمَا أَفْلَتَ مُخْبِرٌ، وَهُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا. وَأَخَذَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ " دِرَقْشَ كَابِيَانَ "، وَهُوَ الْعَلَمُ الْأَكْبَرُ الَّذِي كَانَ لِلْفُرْسِ، فَعُوِّضَ مِنْهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ. وَقَتَلُوا فِي الْمَعْرَكَةِ عَشَرَةَ آلَافٍ سِوَى مَنْ قَتَلُوا فِي الْأَيَّامِ قَبْلَهُ، وَقُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْهِرِيرِ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَقُتِلَ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ وَيَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ سِتَّةُ آلَافٍ، فَدُفِنُوا فِي الْخَنْدَقِ حِيَالَ مُشَرِّقٍ، وَدُفِنَ مَا كَانَ قَبْلَ لَيْلَةِ الْهَرِيرِ عَلَى مُشَرِّقٍ، وَجُمِعَتِ الأَسْلَابُ وَالْأَمْوَالُ فَجُمِعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ يُجْمَعْ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلُهُ. وَأَرْسَلَ سَعْدٌ إِلَى هِلَالٍ فَسَأَلَهُ عَنْ رُسْتُمَ، فَأَحْضَرَهُ، فَقَالَ: جَرِّدْهُ إِلَّا مَا شِئْتَ. فَأَخَذَ سَلَبَهُ فَلَمْ يَدَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا. اتباع المسلمين للفرس وَأَمَرَ الْقَعْقَاعَ، وَشُرَحْبِيلَ بِاتِّبَاعِهِمْ، حَتَّى بَلَغَا مِقْدَارَ الْخَرَّارَةِ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَخَرَجَ زُهْرَةُ بْنُ الْحَوِيَّةِ التَّمِيمِيُّ فِي أَثَارِهِمْ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ فَارِسٍ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ النَّاسُ فَلَحِقَ الْمُنْهَزِمِينَ وَالْجَالِينُوسُ يَجْمَعُهُمْ، فَقَتَلَهُ زُهْرَةُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ، وَقَتَلُوا مَا بَيْنَ الْخَرَّارَةِ إِلَى السَّيْلَحِينِ إِلَى النَّجَفِ، وَعَادُوا مِنْ أَثَرِ الْمُنْهَزِمِينَ وَمَعَهُمُ الْأَسْرَى، فَرُئِيَ شَبَابٌ مِنَ النَّخَعِ وَهُوَ يَسُوقُ ثَمَانِينَ رَجُلًا أَسْرَى مِنَ الْفُرْسِ. وَاسْتَكْثَرَ سَعْدٌ سَلَبَ الْجَالِينُوسِ، فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ. فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: تَعْمَدُ إِلَى مِثْلِ زُهْرَةَ وَقَدْ صَلِيَ بِمِثْلِ مَا صَلِيَ بِهِ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ حَرْبِكَ مَا بَقِيَ، تُفْسِدُ قَلْبَهُ، أَمْضِ لَهُ سَلَبَهُ وَفَضِّلْهُ عَلَى أَصْحَابِهِ عِنْدَ عَطَائِهِ بِخَمْسِمِائَةٍ. وَلَمَّا اتَّبَعَ الْمُسْلِمُونَ الْفُرْسَ كَانَ الرَّجُلُ يُشِيرُ إِلَى الْفَارِسِيِّ فَيَأْتِيهِ فَيَقْتُلُهُ، وَرُبَّمَا أَخَذَ سِلَاحَهُ فَقَتَلَهُ بِهِ، وَرُبَّمَا أَمَرَ رَجُلَيْنِ فَيَقْتُلُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ. وَلَحِقَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بِطَائِفَةٍ مِنْهُمْ قَدْ نَصَبُوا رَايَةً وَقَالُوا: لَا نَبْرَحُ حَتَّى نَمُوتَ، فَقَتَلَهُمْ سَلْمَانُ وَمَنْ مَعَهُ. وَكَانَ قَدْ ثَبَتَ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ كَتِيبَةً اسْتَحْيَوْا مِنَ الْفِرَارِ، وَقَصَدَهُمْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنْ رُؤَسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، لِكُلِّ كَتِيبَةٍ مِنْهَا رَئِيسٌ. وَكَانَ قِتَالُ أَهْلِ الْكَتَائِبِ مِنَ الْفُرْسِ عَلَى وَجْهَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ هَرَبَ، وَمِنْهُمْ مَنْ ثَبَتَ حَتَّى قُتِلَ، وَكَانَ مِمَّنْ هَرَبَ مِنْ أُمَرَاءِ الْكَتَائِبِ الْهُرْمُزَانُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عُطَارِدٍ، وَمِنْهُمْ أَهْوَذُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهُوَ كَاتِبُ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْهُمْ زَادُ بْنُ بُهَيْشْ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَمِنْهُمْ قَارَنُ، وَكَانَ بِإِزَاءِ الْقَعْقَاعِ ; وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ وَقُتِلَ شَهْرَيَارُ بْنُ كُنَارَا، وَكَانَ بِإِزَاءِ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَابْنُ الْهِرْبِذِ، وَكَانَ بِإِزَاءِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْفُرُّخَانُ الْأَهْوَازِيُّ، وَكَانَ بِإِزَاءِ بُسْرِ بْنِ أَبِي رُهْمٍ الْجُهَنِيِّ، وَمِنْهُمْ خُشْدَسُومُ الْهَمَذَانِيُّ، وَكَانَ بِإِزَاءِ ابْنِ الْهُذَيْلِ الْكَاهِلِيِّ. وَتَرَاجَعَ النَّاسُ مِنْ طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ، وَقَدْ قُتِلَ مُؤَذِّنُهُمْ، فَتَشَاجَّ الْمُسْلِمُونَ فِي الْأَذَانِ حَتَّى كَادُوا يَقْتَتِلُونَ، وَأَقْرَعَ سَعْدٌ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَ سَهْمُ رَجُلٍ، فَأَذَّنَ. تفضيل أهل البلاء من أهل القادسية في العطاء وَفُضِّلَ أَهْلُ الْبَلَاءِ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ عِنْدَ الْعَطَاءِ بِخَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وَهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: زُهْرَةُ وَعِصْمَةُ الضَّبِّيُّ وَالْكَلَجُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْأَيَّامِ قَبْلَهَا فَإِنَّهُمْ فُرِضَ لَهُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فُضِّلُوا عَلَى أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: لَوْ أَلْحَقْتَ بِهِمْ أَهْلَ الْقَادِسِيَّةِ. فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُلْحِقَ بِهِمْ مَنْ لَمْ يُدْرِكْهُمْ. وَقِيلَ لَهُ: لَوْ فَضَّلْتَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ عَلَى مَنْ قَاتَلَهُمْ بِفِنَائِهِ. قَالَ: كَيْفَ أُفَضِّلُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ شَجَنُ الْعَدُوِّ ! فَهَلَّا فَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ بِالْأَنْصَارِ هَذَا ! وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَوَقَّعُ وَقْعَةَ الْعَرَبِ وَأَهْلِ فَارِسَ بِالْقَادِسِيَّةِ، فِيمَا بَيْنَ الْعُذَيْبِ إِلَى عَدَنَ أَبْيَنَ، وَفِيمَا بَيْنَ الْأُبُلَّةِ وَأَيْلَةَ، يَرَوْنَ أَنَّ ثَبَاتَ مُلْكِهِمْ وَزَاوَلَهُ بِهَا ; وَكَانَتْ فِي كُلِّ بَلَدٍ مُصِيخَةٌ إِلَيْهَا، تَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهَا. فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ سَارَتْ بِهَا الْجِنُّ، فَأَتَتْ بِهَا أُنَاسًا مِنَ الْإِنْسِ، فَسَبَقَتْ أَخْبَارُ الْإِنْسِ [ إِلَيْهِمْ ]. كتاب سعد إلى عمر بن الخطاب بنصر القادسية كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عمر بِالْفَتْحِ، وَبِعِدَّةِ مَنْ قُتِلُوا، وَبِعِدَّةِ مَنْ أُصِيبَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - وَسَمَّى مَنْ يَعْرِفُ - مَعَ سَعْدِ بْنِ عُمَيْلَةَ الْفَزَارِيِّ. وَكَانَ عُمَرُ يَسْأَلُ الرُّكْبَانَ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ إِلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ عَنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ وَمَنْزِلِهِ، قَالَ: فَلَمَّا لَقِيَ الْبَشِيرَ سَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ ؟ فَأَخْبَرَهُ، قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ حَدِّثْنِي. قَالَ: هَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ. وَعُمَرُ يَخِبُّ مَعَهُ يَسْأَلُهُ، وَالْآخَرُ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ، لَا يَعْرِفُهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَإِذَا النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ الْبَشِيرُ: هَلَّا أَخْبَرْتَنِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ! فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ يَا أَخِي. وَأَقَامَ الْمُسْلِمُونَ بِالْقَادِسِيَّةِ فِي انْتِظَارِ قُدُومِ الْبَشِيرِ، وَأَمَرَ عُمَرُ النَّاسَ أَنْ يَقُومُوا عَلَى أَقْبَاضِهِمْ، وَيُصْلِحُوا أَحْوَالَهُمْ، وَيُتَابِعَ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الشَّامِ مِمَّنْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَدِمَشْقَ مُمِدِّينَ لَهُمْ، وَجَاءَ أَوَّلُهُمْ يَوْمَ أَغْوَاثٍ، وَآخِرُهُمْ بَعْدَ الْغَدِ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَكَتَبُوا فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ يَسْأَلُونَهُ عَمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُشَارَ فِيهِ مَعَ نَذِيرِ بْنِ عَمْرٍو. وَهَذِهِ وَقْعَةُ الْقَادِسِيَّةِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. [وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ]. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهُوَ الثَّبْتُ عِنْدَنَا
التاريخ 1879لا حكم مسجّل
وِلَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ الْبَصْرَةَ قِيلَ: فِي سَّنَةِ أربع عشرة من الهجرة بَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَكَانَ بِهَا قُطْبَةُ بْنُ قَتَادَةَ السَّدُوسِيُّ يُغِيرُ بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ، كَمَا كَانَ يُغِيرُ الْمُثَنَّى بِنَاحِيَةِ الْحِيرَةِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ مَكَانَهُ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ عَدَدٌ يَسِيرٌ ظَفِرَ بِمَنْ كَانَ قِبَلَهُ مِنَ الْعَجَمِ، فَنَفَاهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِالْمُقَامِ وَالْحَذَرِ، وَوَجَّهَ إِلَيْهِ شُرَيْحَ بْنَ عَامِرٍ أَحَدَ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَتَرَكَ بِهَا قُطْبَةَ، وَمَضَى إِلَى الْأَهْوَازِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِسَ، وَفِيهَا مَسْلَحَةُ الْأَعَاجِمِ، فَقَتَلُوهُ، فَبَعَثَ عُمَرُ عُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ، [ وَ ] قَالَ لَهُ حِينَ وَجَّهَهُ: يَا عُتْبَةُ، إِنِّي قَدِ اسْتَعْمَلْتُكَ عَلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، وَهِيَ حَوْمَةٌ مِنْ حَوْمَةِ الْعَدُوِّ، وَأَرْجُو أَنْ يَكْفِيَكَ اللَّهُ مَا حَوْلَهَا، وَيُعِينَكَ عَلَيْهَا، -وَكَانَتِ الْبَصْرَةُ تُدْعَى أَرْضَ الْهِنْدِ، فِيهَا حِجَارَةٌ بِيضٌ خَشِنَةٌ- وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَنْ يُمِدَّكَ بِعَرْفَجَةَ بْنِ هَرْثَمَةَ، وَهُوَ ذُو مُجَاهَدَةٍ وَمُكَايَدَةٍ لِلْعَدُوِّ، فَإِذَا قَدِمَ عَلَيْكَ فَاسْتَشِرْهُ، وَادْعُ إِلَى اللَّهِ، فَمَنْ أَجَابَكَ فَاقْبَلْ مِنْهُ، وَمَنْ أَبَى فَالْجِزْيَةُ وَإِلَّا فَالسَّيْفُ، وَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا وُلِّيتَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُنَازِعَكَ نَفْسُكَ إِلَى كِبْرٍ مِمَّا يُفْسِدُ عَلَيْكَ إِخْوَتَكَ، وَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعُزِّزْتَ بِهِ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَقُوِّيتَ بِهِ بَعْدَ الضَّعْفِ، حَتَّى صِرْتَ أَمِيرًا مُسَلَّطًا وَمَلِكًا مُطَاعًا، تَقُولُ فَيُسْمَعُ مِنْكَ، وَتَأْمُرُ فَيُطَاعُ أَمْرُكَ، فَيَا لَهَا نِعْمَةٌ ! إِنْ لَمْ تَرْفَعْكَ فَوْقَ قَدْرِكَ وَتَبْطَرْكَ عَلَى مَنْ دُونَكَ، وَاحْتَفِظْ مِنَ النِّعْمَةِ احْتِفَاظَكَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَهِيَ أَخْوَفُهُمَا عِنْدِي عَلَيْكَ أَنْ تَسْتَدْرِجَكَ وَتَخْدَعَكَ، فَتَسْقُطَ سَقْطَةً تَصِيرُ بِهَا إِلَى جَهَنَّمَ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ وَنَفْسِي مِنْ ذَلِكَ. إِنَّ النَّاسَ أَسْرَعُوا إِلَى اللَّهِ حِينَ رُفِعَتْ لَهُمُ الدُّنْيَا فَأَرَادُوهَا، فَأَرِدِ اللَّهَ وَلَا تُرِدِ الدُّنْيَا، وَاتَّقِ مَصَارِعَ الظَّالِمِينَ. انْطَلِقْ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي أَقْصَى الْعَرَبِ وَأَدْنَى أَرْضِ الْعَجَمِ فَأَقِيمُوا. فَسَارَ عُتْبَةُ وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْمِرْبَدِ تَقَدَّمُوا حَتَّى بَلَغُوا حِيَالَ الْجِسْرِ الصَّغِيرِ فَنَزَلُوا. فَبَلَغَ صَاحِبَ الْفُرَاتِ خَبَرُهُمْ، فَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَالْتَقَوْا، فَقَاتَلَهُمْ عُتْبَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَانَ فِي خَمْسِمِائَةٍ، فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُبْقِ إِلَّا صَاحِبَ الْفُرَاتِ فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، ثُمَّ خَطَبَ عُتْبَةُ أَصْحَابَهُ وَقَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَصَرَّمَتْ وَوَلَّتْ حَذَّاءَ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ، أَلَا وَإِنَّكُمْ مُنْتَقِلُونَ مِنْهَا إِلَى دَارِ الْقَرَارِ، فَانْتَقِلُوا بِخَيْرِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ، وَقَدْ ذُكِرَ لِي: لَوْ أَنَّ صَخْرَةً أُلْقِيَتْ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ لَهَوَتْ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَلَتُمْلَأَنَّهُ ; أَوَعَجِبْتُمْ ! وَلَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ، [ بِزِحَامٍ ]، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَأَنَا سَابِعُ سَبْعَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، مَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ السَّمُرِ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَالْتَقَطْتُ بُرْدَةً فَشَقَقْتُهَا بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ، فَمَا مِنَّا [ مِنْ ] أُولَئِكَ السَّبْعَةِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ، وَسَيُجَرِّبُونَ النَّاسَ بَعْدَنَا. وَكَانَ نُزُولُهُ الْبَصْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَوِ الْآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْبَصْرَةَ مُصِّرَتْ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ بَعْدَ جَلُولَاءَ وَتَكْرِيتَ، أَرْسَلَهُ سَعْدٌ إِلَيْهَا بِأَمْرِ عُمَرَ. وَإِنَّ عُتْبَةَ لَمَّا نَزَلَ الْبَصْرَةَ أَقَامَ نَحْوَ شَهْرٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْأُبُلَّةِ، وَكَانَ بِهَا خَمْسُمِائَةِ أُسْوَارٍ يَحْمُونَهَا، وَكَانَتْ مَرْفَأَ السُّفُنِ مِنَ الصِّينِ، فَقَاتَلَهُمْ عُتْبَةُ فَهَزَمَهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ، وَرَجَعَ عُتْبَةُ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَأَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الْفُرْسِ، فَخَرَجُوا عَنِ الْمَدِينَةِ وَحَمَلُوا مَا خَفَّ وَعَبَرُوا الْمَاءَ، وَأَخْلَوُا الْمَدِينَةَ، وَدَخَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابُوا مَتَاعًا وَسِلَاحًا وَسَبْيًا فَاقْتَسَمُوهُ، وَأَخْرَجَ الْخُمُسَ مِنْهُ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَمِائَةٍ. وَكَانَ فَتْحُهَا فِي رَجَبٍ أَوْ فِي شَعْبَانَ. ثُمَّ نَزَلَ مَوْضِعَ الرِّزْقِ، وَخَطَّ مَوْضِعَ الْمَسْجِدِ وَبَنَاهُ بِالْقَصَبِ. وَكَانَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ بِهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ، فَلَمَّا وُلِدَ ذَبَحَ أَبُوهُ جَزُورًا، فَكَفَتْهُمْ لِقِلَّةِ النَّاسِ. وَجَمَعَ لَهُمْ أَهْلُ دَسْتُمِيسَانَ، فَلَقِيَهُمْ عُتْبَةُ فَهَزَمَهُمْ وَأَخَذَ مَرْزُبَانَهَا أَسِيرًا، وَأَخَذَ قَتَادَةُ مِنْطَقَتَهُ، فَبَعَثَ بِهَا مَعَ أَنَسِ بْنِ حَجْنَةَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ النَّاسُ ؟ فَقَالَ: انْثَالَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا، فَهُمْ يَهِيلُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ. فَرَغِبَ النَّاسُ فِي الْبَصْرَةِ فَأَتَوْهَا. وَاسْتَعْمَلَ عُتْبَةُ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى جَمَاعَةٍ وَسَيَّرَهُمْ إِلَى الْفُرَاتِ، وَاسْتَخْلَفَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ إِلَى أَنْ يَقْدَمَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ، فَإِذَا قَدِمَ فَهُوَ الْأَمِيرُ، وَسَارَ عُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ. فَظَفِرَ مُجَاشِعٌ بِأَهْلِ الْفُرَاتِ وَجَمَعَ الْفَلِيكَانُ، عَظِيمٌ مِنَ الْفُرْسِ، لِلْمُسْلِمِينَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَلَقِيَهُمْ بِالْمَرْغَابِ فَاقْتَتَلُوا. فَقَالَ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ: لَوْ لَحِقْنَا بِهِمْ فَكُنَّا مَعَهُمْ، فَاتَّخَذْنَ مِنْ خُمُرِهِنَّ رَايَاتٍ وَسِرْنَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ الرَّايَاتِ ظَنُّوا أَنَّ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ أَقْبَلَ، فَانْهَزَمُوا وَظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ. وَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، فَقَالَ عُمَرُ لِعُتْبَةَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ ؟ فَقَالَ: مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ. قَالَ: أَتَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ عَلَى أَهْلِ الْمَدَرِ ؟ وَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْمُغِيرَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى عَمَلِهِ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ، وَقِيلَ فِي مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ سَبْيِ مَيْسَانَ يَسَارُ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، وَأَرْطَبَانُ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنِ بْنِ أَرْطَبَانَ. وَقِيلَ: إِنَّ إِمَارَةَ عُتْبَةَ الْبَصْرَةَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَكَانَتْ إِمَارَتُهُ عَلَيْهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَبَقِيَ سَنَتَيْنِ ثُمَّ رُمِيَ بِمَا رُمِيَ، وَاسْتَعْمَلَ أَبَا مُوسَى، وَقِيلَ: اسْتَعْمَلَ بَعْدَ عُتْبَةَ أَبَا مُوسَى وَبَعْدَهُ الْمُغِيرَةَ.
التاريخ 1880لا حكم مسجّل
جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ بِالْقِيَامِ فِي الْمَسَاجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ يَأْمُرُ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ. فعن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، حَدَّثَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدٍ الْقَارِيِّ، أَخْبَرَهُ]: أَنَّ عُمَرَ [بْنَ الْخَطَّابِ ؓ ] خَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ وَمَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ الْقَارِيُّ، فَرَأَى النَّاسَ يُصَلُّونَ مُتَفَرِّقِينَ أَوْزَاعًا فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ جَمَعْنَاهُمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ كَانَ أَمْثَلَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، [ثُمَّ خَرَجَ وَهُمْ يُصَلُّونَ خَلْفَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ جَمِيعًا]، فَقَالَ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ، وَهِيَ آخِرُ اللَّيْلِ، وَكَتَبَ بِهَا إِلَى الْأَمْصَارِ. عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ ]، قَالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَسَمِعَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَأَى الْقَنَادِيلَ تَزْهَرُ، فَقَالَ: نَوَّرَ اللَّهُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْرَهُ كَمَا نَوَّرَ مَسَاجِدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقُرْآنِ.
التاريخ 1881لا حكم مسجّل
ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ فِي الشَّرَابِ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ وَفِي سَّنَةِ أربع عشرة من الهجرة ضَرَبَ عُمَرُ أَبَا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْخَمْرِ، وَضَرَبَ مَعَهُ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، فِي شَرَابٍ شَرِبُوهُ فِي ذَلِكَ، وَضَرَبَ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فِي ذَلِكَ. فَعن سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ]، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: شَرِبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ، وَشَرِبَ مَعَهُ أَبُو سِرْوَعَةَ عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنَحْنُ بِمِصْرَ فِي خَلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَسَكِرَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا انْطَلَقَا إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ أَمِيرُ مِصْرَ، فَقَالَا: أَطْهِرْنَا فَإِنَّا قَدْ سَكِرْنَا مِنْ شَرَابٍ شَرِبْنَاهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَلَمْ أَشْعُرْ أَنَّهُمَا أَتَيَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ. قَالَ: فَذَكَرُوا أَخِي أَنَّهُ قَدْ سَكِرَ، فَقُلْتُ لَهُ: ادْخُلِ الَّدَارَ أُطَهِّرْكَ، فَآذَنَنِي أَنَّهُ حَدَّثَ الْأَمِيرَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا يُحْلَقُ الْيَوْمَ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ، ادْخُلْ أَحْلِقْكَ -وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ يَحْلِقُونَ مَعَ الْحَدِّ، فَدَخَلَ مَعِي الدَّارَ، فَحَلَقْتُ أَخِي بِيَدِي، ثُمَّ جَلَدَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَسَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى عَمْرٍو: أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ عَلَى قَتَبٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ عَمْرٌو، فَلَمَّا قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى عُمَرَ جَلَدَهُ وَعَاقَبَهُ مِنْ أَجْلِ مَكَانِهِ مِنْهُ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ، فَلَبِثَ شَهْرًا صَحِيحًا ثُمَّ أَصَابَهُ قَدَرُهُ، فَتَحْسِبُ عَامَّةُ النَّاسِ أَنَّهُ مَاتَ مِنْ جَلْدِ عُمَرَ، وَلَمْ يَمُتْ مِنْ جَلْدِهِ. قَالَ ابن الجوزي: وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، إِنَّمَا شَرِبَ النَّبِيذَ مُتَأَوِّلًا، فَظَنَّ أَنَّ مَا شَرِبَ مِنْهُ لَا يُسْكِرُ، وَكَذَلِكَ أَبُو سِرْوَعَةَ، فَلَمَّا خَرَجَ الْأَمْرُ بِهِمَا إِلَى السُّكْرِ طَلَبَا التَّطْهِيرَ بِالْحَدِّ، وَقَدْ كَانَ يَكْفِيهِمَا مُجَرَّدُ النَّدَمِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا غَضِبَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنْفُسِهِمَا الْمُفَرِّطَةِ، فَأَسْلَمَاهَا إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ. وَأَمَّا إِعَادَةُ عُمَرَ الضَّرْبَ فَإِنَّمَا ضَرَبَهُ تَأْدِيبًا لَا حَدًّا.
التاريخ 1882لا حكم مسجّل
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ، وَكَانَ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أُسَيْدٍ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ مُنَبِّهٍ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سَعْدٌ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَقِيلَ: بَلِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ.
التاريخ 1883لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ مَرْجِ الرُّومِ أو وَقْعَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ خَرَجَ بِجُنُودِهِ وَمَعَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَنَزَلَ بِمَرْجِ الرُّومِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ هِرَقْلَ، فَبَعَثَ تُوذَرَا الْبِطْرِيقَ، ثُمَّ أَمَدَّهُ بَشَنْسَ مَدَدًا لَهُ، فَنَزَلَ فِي جَبَلٍ عَلَى جُدَّةَ، ثُمَّ رَحَلَ فَتَبِعَهُ خَالِدٌ، فَاسْتَقْبَلَهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَاقْتَتَلُوا، وَلَحِقَ بِهِمْ خَالِدٌ فَأَخَذَهُمْ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَأَبَادَهُمْ فَلَمْ يُفْلِتْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَقَسَّمُوا غَنَائِمَهُمْ بَيْنَ أَصْحَابِ يَزِيدَ وَخَالِدٍ، وَقَتَلَ تُوذَرَا، وَانْصَرَفَ يَزِيدُ إِلَى دِمَشْقَ، وَخَالِدٌ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بَعْدَ خُرُوجِ خَالِدٍ فِي أَثَرِ تُوذَرَا وَشَنْسَ، فَاقْتَتَلُوا بِمَرْجِ الرُّومِ، فَقُتِلَ شَنْسُ وَخَلْقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى امْتَلَأَ الْمَرْجُ مِنْ قَتْلَاهُمْ، فَأَنْتَنَتِ الْأَرْضُ، وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، فَرَكِبَ أَكْتَافَهُمْ إِلَى حِمْصَ.
التاريخ 1884لا حكم مسجّل
فَتْحِ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ وَغَيْرِهِمَا لَمَّا وَصَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي اتِّبَاعِهِ الرُّومَ الْمُنْهَزِمِينَ إِلَى حِمْصَ، نَزَلَ حَوْلَهَا يُحَاصِرُهَا، وَلَحِقَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، فَحَاصَرُوهَا حِصَارًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ الْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَصَابَرَ أَهْلُ الْبَلَدِ ; رَجَاءَ أَنْ يَصْرِفَهُمْ عَنْهُمْ شِدَّةُ الْبَرْدِ، وَصَبَرَ الصَّحَابَةُ صَبْرًا عَظِيمًا، وَكَانَ هِرَقْلُ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ حِمْصَ يَعِدُهُمُ الْمَدَدَ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ جَمِيعِهَا بِالتَّجْهِيزِ إِلَى حِمْصَ فَسَارُوا نَحْوَ الشَّامِ لِيَمْنَعُوا حِمْصَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. فَسَيَّرَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ السَّرَايَا مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى هِيتَ وَحَصَرُوهَا، وَسَارَ بَعْضُهُمْ إِلَى قَرْقِيسِيَا، فَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَعَادُوا عَنْ نَجْدَةِ أَهْلِ حِمْصَ، فَكَانَ أَهْلُهَا يَقُولُونَ: تَمَسَّكُوا بِمَدِينَتِكُمْ فَإِنَّهُمْ حُفَاةٌ، فَإِذَا أَصَابَهُمُ الْبَرْدُ تَقَطَّعَتْ أَقْدَامُهُمْ. فَكَانَتْ أَقْدَامُ الرُّومِ تَسْقُطُ وَلَا يَسْقُطُ لِلْمُسْلِمِينَ إِصْبَعٌ. وقد ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ مِنَ الرُّومِ مَنْ كَانَ يَرْجِعُ وَقَدْ سَقَطَتْ رِجْلُهُ وَهِيَ فِي الْخُفِّ، وَالصَّحَابَةُ لَيْسَ فِي أَرْجُلِهِمْ شَيْءٌ سِوَى النِّعَالِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُصَبْ مِنْهُمْ قَدَمٌ وَلَا أُصْبُعٌ أَيْضًا، وَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى انْسَلَخَ فَصْلُ الشِّتَاءِ فَاشْتَدَّ الْحِصَارُ، وَأَشَارَ بَعْضُ كِبَارِ أَهْلِ حِمْصَ عَلَيْهِمْ بِالْمُصَالَحَةِ ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ وَقَالُوا: أَنُصَالِحُ وَالْمَلِكُ مِنَّا قَرِيبٌ ؟ فَيُقَالُ: إِنَّ الصَّحَابَةَ كَبَّرُوا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ تَكْبِيرَةً ارْتَجَّتْ مِنْهَا الْمَدِينَةُ حَتَّى تَفَطَّرَتْ مِنْهَا بَعْضُ الْجُدْرَانِ، ثُمَّ تَكْبِيرَةً أُخْرَى فَسَقَطَتْ بَعْضُ الدُّورِ، فَجَاءَتْ عَامَّتُهُمْ إِلَى خَاصَّتِهِمْ فَقَالُوا: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَا نَزَلْ بِنَا، وَمَا نَحْنُ فِيهِ ؟ أَلَا تُصَالِحُونَ الْقَوْمَ عَنَّا ؟ قَالَ: فَصَالَحُوهُمْ عَلَى مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ أَهْلَ دِمَشْقَ ; عَلَى نِصْفِ الْمَنَازِلِ، وَضَرْبِ الْخَرَاجِ عَلَى الْأَرَاضِي، وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ عَلَى الرِّقَابِ بِحَسَبِ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالْأَخْمَاسِ وَالْبِشَارَةِ إِلَى عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَأَنْزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِحِمْصَ جَيْشًا كَثِيفًا يَكُونُ بِهَا، مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ بِلَالٌ وَالْمِقْدَادُ، وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُهُ بِأَنَّ هِرَقْلَ قَدْ قَطَعَ الْمَاءَ إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَأَنَّهُ يَظْهَرُ تَارَةً وَيَخْفَى أُخْرَى. فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ أَقِمْ بِمَدِينَتِكَ وَارْعَ أَهْلَ الْقُوَّةَ مِنْ عَرَبِ الشَّامِ، فَإِنِّي غَيْرُ تَارِكٍ الْبَعْثَةَ إِلَيْكَ. ثُمَّ اسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى حِمْصَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، وَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ اللَّاذِقِيَّةَ جَلَا أَهْلُ جَبَلَةَ مِنَ الرُّومِ عَنْهَا، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ بَنَى حِصْنًا خَارِجَ الْحِصْنِ الرُّومِيِّ وَشَحَنَهُ بِالرِّجَالِ. وَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنْطَرْطُوسَ، وَكَانَ حَصِينًا، فَجَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ، فَبَنَى مُعَاوِيَةُ مَدِينَةَ أَنْطَرْطُوسَ، وَمَصَّرَهَا، وَأَقْطَعَ بِهَا الْقَطَائِعَ لِلْمُقَاتِلَةِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِبَانْيَاسَ وَفُتِحَتْ سَلَمْيَةُ أَيْضًا، وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ سَلَمْيَةَ لِأَنَّهُ كَانَ بِقُرْبِهَا مَدِينَةٌ تُدْعَى الْمُؤْتَفِكَةَ انْقَلَبَتْ بِأَهْلِهَا وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ غَيْرُ مِائَةِ نَفْسٍ، فَبَنَوْا لَهُمْ مِائَةَ مَنْزِلٍ، وَسُمِّيَتْ سَلِمَ مِائَةٌ، ثُمَّ حَرَّفَ النَّاسُ فَقَالُوا: سَلَمْيَةُ، وَهَذَا يَتَمَشَّى لِقَائِلِهِ لَوْ كَانَ أَهْلُهَا عَرَبًا وَلِسَانُهُمْ عَرَبِيًّا، وَأَمَّا إِذْ كَانَ لِسَانُهُمْ أَعْجَمِيًّا فَلَا يَسُوغُ هَذَا الْقَوْلُ. ثُمَّ إِنَّ صَالِحَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ اتَّخَذَهَا دَارًا وَبَنَى [ وَ ] وَلَدُهُ فِيهَا وَمَصَّرُوهَا، وَنَزَلَهَا مَنْ نَزَلَهَا مِنْ وَلَدِهُ، فَهِيَ وَأَرَضُوهَا لَهُمْ.
التاريخ 1885لا حكم مسجّل
فَتْحِ قِنَّسْرِينَ وَدُخُولِ هِرَقْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ لَمَّا فَتَحَ أَبُو عُبَيْدَةَ حِمْصَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى قِنَّسْرِينَ، فَلَمَّا جَاءَهَا ثَارَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا وَمَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ فِيهَا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، فَأَمَّا مَنْ هُنَاكَ مِنَ الرُّومِ فَأَبَادَهُمْ، وَقَتَلَ أَمِيرَهُمْ مِينَاسَ، وَمَنْ مَعَهُ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لَمْ يُقْتَلُوا مِثْلَهَا، فَمَاتُوا عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ. وَأَمَّا الْأَعْرَابُ فَإِنَّهُمُ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا الْقِتَالَ لَمْ يَكُنْ عَنْ رَأْيِنَا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ خَالِدٌ وَكَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ خَلَصَ إِلَى الْبَلَدِ فَتَحَصَّنُوا فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: إِنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي السَّحَابِ لَحَمَلَنَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَوْ لَأَنْزَلَكُمْ إِلَيْنَا. فَنَظَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَرَأَوْا مَا لَقِيَ أَهْلُ حِمْصَ فَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحِ حِمْصَ دخول هرقل القسطنطينية فَعِنْدَ ذَلِكَ دَخَلَ هِرَقْلُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ ; وَسَبَبُهُ: أَنَّ خَالِدًا وَعِيَاضًا أَدْرَبَا إِلَى هِرَقْلَ مِنَ الشَّامِ، وَأَدْرَبَ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ مِنَ الْكُوفَةِ، فَخَرَجَ مِنْ نَاحِيَةِ قَرْقِيسِيَا، وَأَدْرَبَ عَ?ْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ، ثُمَّ رَجَعُوا، فَعِنْدَهَا دَخَلَ هِرَقْلُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مُدْرِبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ. فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ صَنِيعُ خَالِدٍ قَالَ: أَمَّرَ خَالِدٌ نَفْسَهُ، يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ هُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِالرِّجَالِ مِنِّي ! وَقَدْ كَانَ عَزَلَهُ وَالْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُمَا عَنْ رِيبَةٍ وَلَكِنَّ النَّاسَ عَظَّمُوهُمَا فَخَشِيتُ أَنْ يُوكَلُوا إِلَيْهِمَا. فَأَمَّا الْمُثَنَّى فَإِنَّهُ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِ لَمَّا قَامَ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَرَجَعَ عَنْ خَالِدٍ بَعْدَ قِنَّسْرِينَ. وَأَمَّا هِرَقْلُ فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الرُّهَاءِ ; وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَنَبَحَ كِلَابَهَا وَنَفَّرَ دَجَاجَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ زِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ - وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ -، وَسَارَ هِرَقْلُ فَنَزَلَ بِشِمْشَاطَ، ثُمَّ أَدْرَبَ مِنْهَا نَحْوَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ مِنْهَا عَلَا عَلَى نَشَزٍ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى الشَّامِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا سُورِيَةُ، سَلَامٌ لَا اجْتِمَاعَ بَعْدَهُ، وَلَا يَعُودُ إِلَيْكِ رُومِيٌّ أَبَدًا إِلَّا خَائِفًا، حَتَّى يُولَدَ الْمَوْلُودُ الْمَشْئُومُ، يَا لَيْتَهُ لَا يُولَدُ ! فَمَا أَحْلَى فِعْلَهُ وَأَمَرَّ فِتْنَتَهُ عَلَى الرُّومِ !. ثُمَّ سَارَ هِرَقْلُ حَتَّى نَزَلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا مُلْكُهُ، وَقَدْ سَأَلَ رَجُلًا مِمَّنِ اتَّبَعَهُ كَانَ قَدْ أُسِرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ. فَقَالَ: أُخْبِرُكَ كَأَنَّكَ تَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ; هُمْ فُرْسَانٌ بِالنَّهَارِ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، لَا يَأْكُلُونَ فِي ذِمَّتِهِمْ إِلَّا بِثَمَنٍ، وَلَا يَدْخُلُونَ إِلَّا بِسَلَامٍ، يَقِفُونَ عَلَى مَنْ حَارَبُوهُ حَتَّى يَأْتُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ صَدَقْتَنِي لَيَمْلِكُنَّ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ. قُلْتُ: وَقَدْ حَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي زَمَانِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَلَمْ يَمْلِكُوهَا وَلَكِنْ سَيَمْلِكُهَا الْمُسْلِمُونَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فِي كِتَابِ الْمَلَاحِمِ، وَذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ بِقَلِيلٍ عَلَى مَا صِحَّتِ بِهِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الرُّومِ أَنْ يَمْلِكُوا بِلَادَ الشَّامِ بِرُمَّتِهَا إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ وَقَعَ مَا أَخْبَرَ بِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَمَا رَأَيْتَ، وَسَيَكُونُ مَا أَخْبَرَ بِهِ جَزْمًا، لَا يَعُودُ مُلْكُ الْقَيَاصِرَةِ إِلَى الشَّامِ أَبَدًا ; لِأَنَّ قَيْصَرَ عَلَمُ جِنْسٍ عِنْدَ الْعَرَبِ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ الشَّامَ مَعَ بِلَادِ الرُّومِ. فَهَذَا لَا يَعُودُ لَهُمْ أَبَدًا.
التاريخ 1886لا حكم مسجّل
فَتْحِ حَلَبَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَوَاصِمِ لَمَّا فَرَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ قِنَّسْرِينَ سَارَ إِلَى حَلَبَ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ نَقَضُوا وَغَدَرُوا، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ السِّمْطَ الْكِنْدِيَّ فَحَصَرَهُمْ وَفَتَحَهَا، وَأَصَابَ فِيهَا بَقَرًا وَغَنَمًا، فَقَسَّمَ بَعْضَهُ فِي جَيْشِهِ، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهُ فِي الْمَغْنَمِ. وَوَصَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حَاضِرِ حَلَبَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا فَجَمَعَ أَصْنَافًا مِنَ الْعَرَبِ، فَصَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَتَى حَلَبَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْفِهْرِيُّ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَبُوا الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَحِصْنِهِمْ، فَأُعْطُوا ذَلِكَ، وَاسْتُثْنِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُمْ عِيَاضٌ، فَأَجَازَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: صُولِحُوا عَلَى أَنْ يُقَاسَمُوا مَنَازِلَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يُصَادِفْ بِحَلَبَ أَحَدًا لِأَنَّ أَهْلَهَا انْتَقَلُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ، فَلَمَّا تَمَّ ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَيْهَا. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَلَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ قِنَّسْرِينَ وَغَيْرِهَا. فَلَمَّا فَارَقَهَا لَقِيَهُ جَمْعُ الْعَدُوِّ، فَهَزَمَهُمْ فَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَاصَرَهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ صَالَحُوهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَجَلَا بَعْضٌ وَأَقَامَ بَعْضٌ فَآمَنَهُمْ، ثُمَّ نَقَضُوا، فَوَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِمْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، فَفَتَحَاهَا عَلَى الصُّلْحِ الْأَوَّلِ. وَكَانَتْ أَنْطَاكِيَةُ عَظِيمَةَ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا فُتِحَتْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ رَتِّبْ بِأَنْطَاكِيَةَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاجْعَلْهُمْ بِهَا مُرَابِطَةً، وَلَا تَحْبِسْ عَنْهُمُ الْعَطَاءَ. وَبَلَغَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ بَيْنَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ وَحَلَبَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ عِدَّةَ بَطَارِقَةٍ، وَسَبَى وَغَنِمَ، وَفَتَحَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حَلَبَ، وَجَالَتْ خُيُولُهُ فَبَلَغَتْ بُوقَا، وَفُتِحَتْ قُرَى الْجُومَةَ وَسَرْمِينَ وَتِيزِينَ، وَغَلَبُوا عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ وَأَنْطَاكِيَةَ. ثُمَّ أَتَى أَبُو عُبَيْدَةَ حَلَبَ وَقَدِ الْتَاثَ أَهْلُهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَذْعَنُوا وَفَتَحُوا الْمَدِينَةَ. وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرِيدُ قُورُسَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَقِيَهُ رَاهِبٌ مِنْ رُهْبَانِهَا يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَبَثَّ خَيْلَهُ فَغَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قُورُسَ وَفَتَحَ تَلَّ عَزَازَ، وَكَانَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ فِي جَيْشِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَنَزَلَ فِي حِصْنٍ بِقُورُسَ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ، فَهُوَ يُعْرَفُ بِحِصْنِ سَلْمَانَ. ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى مَنْبِجَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ، فَلَحِقَهُ وَقَدْ صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ، وَسَيَّرَ عِيَاضًا إِلَى نَاحِيَةِ دُلُوكَ وَرَعْبَانَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ مَنْبِجَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِخَبَرِ الرُّومِ. وَوَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ كُلَّ كُورَةٍ فَتَحَهَا عَامِلًا، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً، وَشَحَنَ النَّوَاحِيَ الْمَخُوفَةَ. وَسَارَ إِلَى بَالِسَ، وَبَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى قَاصِرِينَ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلَاءِ، فَجَلَا أَكْثَرُهُمْ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ وَأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَقَرْيَةِ جِسْرِ مَنْبِجَ، وَلَمْ يَكُنِ الْجِسْرُ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّمَا اتُّخِذَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ لِلصَّوَائِفِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ لَهُ رَسْمٌ قَدِيمٌ. وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّامِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ إِلَى الْفُرَاتِ، وَعَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِلَسْطِينَ. وَكَانَ بِجَبَلِ اللُّكَّامِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا جُرْجُومَةُ، وَأَهْلُهَا يُقَالُ لَهُمُ الْجَرَاجِمَةُ، فَسَارَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَةَ، فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا، عَلَى أَنْ يَكُونُوا أَعْوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ. وَفِيهَا سَيَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ جَيْشًا مَعَ مَيْسَرَةَ بْنِ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيِّ، فَسَلَكُوا دَرْبَ بَغْرَاسَ مِنْ أَعْمَالِ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَكَ ذَلِكَ الدَّرْبَ، فَلَقِيَ جَمْعًا لِلرُّومِ مَعَهُمْ عَرَبٌ مِنْ غَسَّانَ وَتَنُوخَ وَإِيَادٍ يُرِيدُونَ اللَّحَاقَ بِهِرَقْلَ، فَأَوْقَعَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ مَدَدًا مِنْ قِبَلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُوَ بِأَنْطَاكِيَةَ، فَسَلِمُوا وَعَادُوا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى مَرْعَشَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَفَتَحَهَا عَلَى إِجْلَاءِ أَهْلِهَا بِالْأَمَانِ وَأَخْرَبَهَا. وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى حِصْنِ الْحَدَثِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحَدَثَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا عَلَيْهِ غُلَامًا حَدَثًا فَقَاتَلَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ، فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُصِيبُوا بِهِ فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُسَمُّونَهُ دَرْبَ السَّلَامَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى.
التاريخ 1887لا حكم مسجّل
فَتْحِ قَيْسَارِيَّةَ وَحَصْرِ غَزَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَكَانَ سَبَبُهَا: أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنْ يُرْسِلَ مُعَاوِيَةَ إِلَى قَيْسَارِيَّةَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ يأمره بذلك، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ قَيْسَارِيَّةَ، فَسِرْ إِلَيْهَا وَاسْتَنْصِرِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، وَأَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، اللَّهُ رَبُّنَا وَثِقَتُنَا، وَرَجَاؤُنَا وَمَوْلَانَا، فَنِعَمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ. فَسَارَ إِلَيْهَا فَحَاصَرَهَا، وَزَاحَفَهُ أَهْلُهَا مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، وَكَانَ آخِرَهَا وَقْعَةً أَنْ قَاتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا، وَصَمَّمَ عَلَيْهِمْ مُعَاوِيَةُ، وَاجْتَهَدَ فِي الْقِتَالِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَمَا انْفَصَلَ الْحَالُ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَكَمَّلَ الْمِائَةَ الْأَلْفِ مِنَ الَّذِينَ انْهَزَمُوا عَنِ الْمَعْرَكَةِ، وَبَعَثَ بِالْفَتْحِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، ؓ. وَكَانَ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزٍ قَدْ حَصَرَ الْقِيقَارَ بِغَزَّةَ وَجَعَلَ يُرَاسِلُهُ، فَلَمْ يُشْفِهُ أَحَدٌ بِمَا يُرِيدُ، فَأَتَاهُ كَأَنَّهُ رَسُولُ عَلْقَمَةَ، فَأَمَرَ الْقِيقَارُ رَجُلًا أَنْ يَقْعُدَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ قَتَلَهُ، فَفَطِنَ عَلْقَمَةُ فَقَالَ: إِنَّ مَعِيَ نَفَرًا يُشْرِكُونَنِي فِي الرَّأْيِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِيكَ بِهِمْ، فَبَعَثَ الْقِيقَارُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ أَنْ لَا يَعْرِضَ لَهُ، فَخَرَجَ عَلْقَمَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ يَعُدْ، وَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ عَمْرٌو بِالْأَرْطَبُونِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِالْمَسِيرِ إِلَى إِيلِيَاءَ، وَمُنَاجَزَةِ صَاحِبِهَا، فَاجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ عِنْدَ الرَّمْلَةِ بِطَائِفَةٍ مِنَ الرُّومِ، فَكَانَتْ.
التاريخ 1888لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ أَجْنَادِينَ . سَارَ عمرو بن العاص بِجَيْشِهِ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ جُنَادَةُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَالِكِيُّ ; مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، وَمَعَهُ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْأُرْدُنِّ أَبَا الْأَعْوَرِ السَّلَمِيَّ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الرَّمْلَةِ وَجَدَ عِنْدَهَا جَمْعًا مِنَ الرُّومِ عَلَيْهِمُ الْأَرْطَبُونُ، وَكَانَ أَدْهَى الرُّومِ وَأَبْعَدَهَا غَوْرًا، وَأَنْكَاهَا فِعْلًا، وَقَدْ كَانَ وَضَعَ بِالرَّمْلَةِ جُنْدًا عَظِيمًا وَبِإِيلِيَاءَ جُنْدًا عَظِيمًا، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ بِالْخَبَرِ، فَلَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ عَمْرٍو قَالَ: قَدْ رَمَيْنَا أَرْطَبُونَ الرُّومِ بِأَرْطَبُونِ الْعَرَبِ، فَانْظُرُوا عَمَّا تَنْفَرِجُ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ شَغَلَ أَهْلَ قَيْسَارِيَّةَ عَنْ عَمْرٍو وَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ الْفَرَّاسِيَّ، وَمَسْرُوقَ بْنَ فُلَانٍ الْعَكِّيَّ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ إِيلِيَاءَ، وَأَبَا أَيُّوبٍ الْمَالِكِيَّ إِلَى الرَّمْلَةِ وَعَلَيْهَا التَّذَارِقُ، فَكَانُوا بِإِزَائِهِمْ ; لِيَشْغَلُوهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَجَيْشِهِ، وَجَعَلَ عَمْرٌو كُلَّمَا قَدِمَ عَلَيْهِ أَمْدَادٌ مِنْ جِهَةِ عُمَرَ يَبْعَثُ مِنْهُمْ طَائِفَةً إِلَى هَؤُلَاءِ وَطَائِفَةً إِلَى هَؤُلَاءِ، وَأَقَامَ عَمْرٌو عَلَى أَجْنَادِينَ لَا يَقْدِرُ مِنَ الْأَرْطَبُونِ عَلَى سَقْطَةٍ وَلَا تَشْفِيهِ الرُّسُلُ، فَوَلِيَهُ بِنَفْسِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ رَسُولٌ، فَأَبْلَغَهُ مَا يُرِيدُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ وَتَأَمَّلَ حُصُونَهُ حَتَّى عَرَفَ مَا أَرَادَ، وَقَالَ الْأَرْطَبُونُ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَعَمْرٌو، أَوْ إِنَّهُ الَّذِي يَأْخُذُ عَمْرٌو بِرَأْيِهِ، وَمَا كُنْتُ لِأُصِيبَ الْقَوْمَ بِأَمْرٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ قَتْلِهِ. فَدَعَا حَرَسِيًّا فَسَارَّهُ فَأَمَرَهُ بِقَتْلِهِ. فَقَالَ: اذْهَبْ فَقُمْ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا مَرَّ بِكَ فَاقْتُلْهُ. فَفَطِنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ لِلْأَرْطَبُونِ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكَ وَسَمِعْتَ كَلَامِي، وَإِنِّي وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ بَعَثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ; لِنَكُونَ مَعَ هَذَا الْوَالِي؛ لِنَشْهَدَ أُمُورَهُ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِمْ ; لِيَسْمَعُوا كَلَامَكَ، وَيَرَوْا مَا رَأَيْتُ. فَقَالَ الْأَرْطَبُونُ: نَعَمْ، فَاذْهَبْ فَائْتِنِي بِهِمْ. وَدَعَا رَجُلًا فَسَارَّهُ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى فُلَانٍ فَرُدَّهُ. وَقَامَ عَمْرٌو فَذَهَبَ إِلَى جَيْشِهِ، ثُمَّ تَحَقَّقَ الْأَرْطَبُونُ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. فَقَالَ: خَدَعَنِي الرَّجُلُ، هَذَا وَاللَّهِ أَدْهَى الْعَرَبِ. وَبَلَغَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَ: غَلَبَهُ عَمْرٌو، لِلَّهِ دَرُّ عَمْرٍو. ثُمَّ نَاهَضَهُ عَمْرٌو، فَاقْتَتَلُوا بِأَجْنَادِينَ قِتَالًا عَظِيمًا كَقِتَالِ الْيَرْمُوكِ حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ، ثُمَّ اجْتَمَعَتْ بَقِيَّةُ الْجُيُوشِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَذَلِكَ حِينَ أَعْيَاهُمْ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَتَحَصَّنَ مِنْهُمْ بِالْبَلَدِ، وَكَثُرَ جَيْشُهُ، فَكَتَبَ أَرْطَبُونُ إِلَى عَمْرٍو بِأَنَّكَ صَدِيقِي وَنَظِيرِي، أَنْتَ فِي قَوْمِكَ مِثْلِي فِي قَوْمِي، وَاللَّهِ لَا تَفْتَحُ مِنْ فِلَسْطِينَ شَيْئًا بَعْدَ أَجْنَادِينَ، فَارْجِعْ وَلَا تُغَرَّ ; فَتَلْقَى مِثْلَ مَا لَقِيَ الَّذِي قَبْلَكَ مِنَ الْهَزِيمَةِ. فَدَعَا عَمْرٌو رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ فَبَعَثَهُ إِلَى أَرْطَبُونَ وَقَالَ: اسْمَعْ مَا يَقُولُ لَكَ، ثُمَّ ارْجِعْ فَأَخْبِرْنِي. وَكَتَبَ إِلَيْهِ مَعَهُ: جَاءَنِي كِتَابُكَ وَأَنْتَ نَظِيرِي وَمِثْلِي فِي قَوْمِكَ، لَوْ أَخْطَأَتْكَ خَصْلَةٌ تَجَاهَلْتَ فَضِيلَتِي، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنِّي صَاحِبُ فَتْحِ هَذِهِ الْبِلَادِ، وَاقْرَأْ كِتَابِي هَذَا بِمَحْضَرٍ مِنْ أَصْحَابِكَ وَوُزَرَائِكَ. فَلَمَّا وَصَلَهُ الْكِتَابُ جَمَعَ وُزَرَاءَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَقَالُوا لِلْأَرْطَبُونِ: مِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَاحِبِ فَتْحِ هَذِهِ الْبِلَادِ ؟ فَقَالَ: صَاحِبُهَا رَجُلٌ اسْمُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ. فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ يَسْتَمِدُّهُ وَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي أُعَالِجُ حَرْبًا كَئُودًا صَدُومًا، وَبِلَادًا ادُّخِرَتْ لَكَ، فَرَأْيَكَ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى عُمَرَ عِلْمَ أَنَّ عَمْرًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا لِأَمْرٍ عَلِمَهُ، فَعَزَمَ عُمَرُ عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الشَّامِ لِفَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ شُيُوخِهِ: وَقَدْ دَخَلَ عُمَرُ الشَّامَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ; الْأُولَى كَانَ رَاكِبًا فَرَسًا حِينَ فَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَالثَّانِيَةَ عَلَى بَعِيرٍ، وَالثَّالِثَةَ وَصَلَ إِلَى سَرْعٍ، ثُمَّ رَجَعَ لِأَجْلِ مَا وَقَعَ بِالشَّامِ مِنَ الْوَبَاءِ، وَالرَّابِعَةَ دَخَلَهَا عَلَى حِمَارٍ. هَكَذَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ.
التاريخ 1889لا حكم مسجّل
فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ إِيلِيَاءُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. عَلَى يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي سَّنَةِ خمس عشرة عَنْ رِوَايَةِ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، وَمُلَخَّصُ مَا ذَكَرَهُ، هُوَ وَغَيْرُهُ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ دِمَشْقَ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ إِيلِيَاءَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ يَبْذُلُونَ الْجِزْيَةَ أَوْ يُؤْذَنُونَ بِحَرْبٍ. فَأَبَوْا أَنْ يُجِيبُوا إِلَى مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ. فَرَكِبَ إِلَيْهِمْ فِي جُنُودِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى دِمَشْقَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، ثُمَّ حَاصَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِمْ حَتَّى أَجَابُوا إِلَى الصُّلْحِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْدَمَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَةَ بِذَلِكَ فَاسْتَشَارَ عُمَرُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِأَنْ لَا يَرْكَبَ إِلَيْهِمْ ; لِيَكُونَ أَحْقَرَ لَهُمْ وَأَرْغَمَ لِأُنُوفِهِمْ، وَأَشَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ ; لِيَكُونَ أَخَفَّ وَطْأَةً عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي حِصَارِهِمْ بَيْنَهُمْ، فَهَوِيَ مَا قَالَ عَلِيٌّ وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عُثْمَانُ. وَسَارَ بِالْجُيُوشِ نَحْوَهُمْ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَسَارَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الشَّامِ تَلَقَّاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَرُءُوسُ الْأُمَرَاءِ كَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَتَرَجَّلَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَتَرَجَّلَ عُمَرُ، فَأَشَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِيُقَبِّلَ يَدَ عُمَرَ، فَهَمَّ عُمَرُ بِتَقْبِيلِ رِجْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَكَفَّ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَكَفَّ عُمَرُ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى صَالَحَ نَصَارَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ إِجْلَاءَ الرُّومِ إِلَى ثَلَاثٍ، دخول عمر بن الخطاب ؓ بيت المقدس ثُمَّ دَخَلَهَا إِذْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَبَّى حِينَ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّى فِيهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بِمِحْرَابِ دَاوُدَ، وَصَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ فِيهِ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مِنَ الْغَدِ، فَقَرَأَ فِي الْأَوْلَى بِسُورَةِ " ص " وَسَجَدَ فِيهَا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ " بَنِي إِسْرَائِيلَ " ثُمَّ جَاءَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَاسْتَدَلَّ عَلَى مَكَانِهَا مِنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ كَعْبٌ أَنْ يَجْعَلَ الْمَسْجِدَ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ. ثُمَّ جَعَلَ الْمَسْجِدَ فِي قِبْلِيِّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ الْعُمَرِيُّ الْيَوْمَ، ثُمَّ نَقَلَ التُّرَابَ عَنِ الصَّخْرَةِ فِي طَرَفِ رِدَائِهِ وَقَبَائِهِ، وَنَقَلَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ. وَسَخَّرَ أَهْلَ الْأُرْدُنِّ فِي نَقْلِ بَقِيَّتِهَا، وَقَدْ كَانَتِ الرُّومُ جَعَلُوا الصَّخْرَةَ مَزْبَلَةً ; لِأَنَّهَا قِبْلَةَ الْيَهُودِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ تُرْسِلُ خِرْقَةَ حَيْضَتِهَا مِنْ دَاخِلِ الْحَوْزِ لِتُلْقَى فِي الصَّخْرَةِ، وَذَلِكَ مُكَافَأَةً لِمَا كَانَتِ الْيَهُودُ عَامَلَتْ بِهِ الْقُمَامَةَ، وَهِيَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَتِ الْيَهُودُ صَلَبُوا فِيهِ الْمَصْلُوبَ، فَجَعَلُوا يُلْقُونَ عَلَى قَبْرِهِ الْقُمَامَةَ، فَلِأَجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ الْقُمَامَةَ، وَانْسَحَبَ الِاسْمُ عَلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي بَنَاهَا النَّصَارَى هُنَالِكَ. وَقَدْ كَانَ هِرَقْلُ حِينَ جَاءَهُ الْكِتَابُ النَّبَوِيُّ وَهُوَ بِإِيلِيَاءَ، وَعَظَ النَّصَارَى فِيمَا كَانُوا قَدْ بَالَغُوا فِي إِلْقَاءِ الْكُنَاسَةِ عَلَى الصَّخْرَةِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مِحْرَابِ دَاوُدَ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ لَخَلِيقٌ أَنْ تُقْتَلُوا عَلَى هَذِهِ الْكُنَاسَةِ مِمَّا امْتَهَنْتُمْ هَذَا الْمَسْجِدَ، كَمَا قُتِلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى دَمِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا. ثُمَّ أُمِرُوا بِإِزَالَتِهَا، فَشَرَعُوا فِي ذَلِكَ، فَمَا أَزَالُوا ثُلُثَهَا حَتَّى فَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ فَأَزَالَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَقَدِ اسْتَقْصَى هَذَا كُلَّهُ بِأَسَانِيدِهِ وَمُتُونِهِ الْحَافِظُ بَهَاءُ الدِّينِ ابْنُ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ " الْمُسْتَقْصَى فِي فَضَائِلِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ". وَذَكَرَ سَيْفٌ فِي سِيَاقِهِ أَنَّ عُمَرَ ؓ، رَكِبَ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى فَرَسٍ ; لِيُسْرِعَ السَّيْرَ بَعْدَمَا اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْجَابِيَةَ، فَنَزَلَ بِهَا خطبة عمر بالجابية ومصالحة أهلها وَخَطَبَ بِالْجَابِيَةِ خُطْبَةً طَوِيلَةً بَلِيغَةً، مِنْهَا: أَيُّهَا النَّاسُ، أَصْلِحُوا سَرَائِرَكُمْ تَصْلُحْ عَلَانِيَتُكُمْ، وَاعْمَلُوا لِآخِرَتِكُمْ تُكْفَوْا أَمْرَ دُنْيَاكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ رَجُلًا لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ أَبٌ حَيٌّ وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ هَوَادَةٌ، فَمَنْ أَرَادَ لَحْبَ وَجْهِ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مَعَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَلَا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ. وَهِيَ خُطْبَةٌ طَوِيلَةٌ اخْتَصَرْنَاهَا. ثُمَّ صَالَحَ عُمَرُ أَهْلَ الْجَابِيَةِ وَرَحَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَدْ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يُوَافُوهُ فِي الْيَوْمِ الْفُلَانِيِّ إِلَى الْجَابِيَةِ، فَتَوَافَوْا أَجْمَعُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى الْجَابِيَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَلَقَّاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ، ثُمَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي خُيُولِ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ يَلَامِقُ الدِّيبَاجِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عُمَرُ لِيَحْصِبَهُمْ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ عَلَيْهِمُ السِّلَاحَ، وَأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي حُرُوبِهِمْ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ وَاجْتَمَعَ الْأُمَرَاءُ كُلُّهُمْ بَعْدَمَا اسْتَخْلَفُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ سِوَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلَ فَإِنَّهُمَا مُوَافِقَانِ الْأَرْطَبُونَ بِأَجْنَادِينَ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ فِي الْجَابِيَةِ إِذَا بِكُرْدُوسٍ مِنَ الرُّومِ بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ مُسَلَّلَةٌ، فَسَارَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ بِالسِّلَاحِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَسْتَأْمِنُونَ. فَسَارُوا نَحْوَهُمْ، فَإِذَا هُمْ جُنْدٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ سَمِعُوا بِقُدُومِهِ، فَأَجَابَهُمْ عُمَرُ، ؓ، إِلَى مَا سَأَلُوا، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ أَمَانٍ وَمُصَالَحَةٍ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا ذَكَرَهَا ابْنُ جَرِيرٍ، وَشَهِدَ فِي الْكِتَابِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَهُوَ كَاتِبُ الْكِتَابِ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ. ثُمَّ كَتَبَ لِأَهْلِ لُدٍّ وَمَنْ هُنَالِكَ مِنَ النَّاسِ كِتَابًا آخَرَ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَدَخَلُوا فِيمَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلَ إِيلِيَاءَ. وَفَرَّ الْأَرْطَبُونُ إِلَى بِلَادِ مِصْرَ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى فَتَحَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، ثُمَّ فَرَّ إِلَى الْبَحْرِ، فَكَانَ يَلِي بَعْضَ السَّرَايَا الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ الْمُسْلِمِينَ، فَظَفِرَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ، فَقَطَعَ يَدَ الْقَيْسِيِّ، وَقَتَلَهُ الْقَيْسِيُّ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: فَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ أَفْسَدَهَا فَإِنَّ فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَفَعَا وَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ قَطَّعَهَا فَقَدْ تَرَكْتُ بِهَا أَوْصَالَهُ قِطَعَا. وَلَمَّا صَالَحَ أَهْلَ الرَّمْلَةِ وَتِلْكَ الْبِلَادَ، أَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَشُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ حَتَّى قَدِمَا الْجَابِيَةَ، فَوَجَدَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَاكِبًا، فَلَمَّا اقْتَرَبَا مِنْهُ أَكَبَّا عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَبَّلَاهَا وَاعْتَنَقَهُمَا عُمَرُ مَعًا، ؓ. قَالَ سَيْفٌ: ثُمَّ سَارَ عُمَرُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنَ الْجَابِيَةِ، وَقَدْ تَوَجَّى فَرَسُهُ، فَأَتَوْهُ بِبِرْذَوْنٍ، فَرَكِبَهُ فَجَعَلَ يُهَمْلِجُ بِهِ، فَنَزَلَ عَنْهُ وَضَرَبَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: لَا عَلَّمَ اللَّهُ مَنْ عَلَّمَكَ، هَذَا مِنَ الْخُيَلَاءِ. ثُمَّ لَمْ يَرْكَبْ بِرْذَوْنًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَفُتِحَتْ إِيلِيَاءُ وَأَرْضُهَا عَلَى يَدَيْهِ مَا خَلَا أَجْنَادِينَ فَعَلَى يَدَيْ عَمْرٍو، وَقَيْسَارِيَّةَ فَعَلَى يَدَيْ مُعَاوِيَةَ. هَذَا سِيَاقُ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، وَقَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السِّيَرِ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ فَتْحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ. القول بأن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة قَالَ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدَةَ: فُتِحَتْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَفِيهَا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجَابِيَةَ.. وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ دُحَيْمٍ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: ثُمَّ عَادَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَرَجَعَ مِنْ سَرْعٍ، ثُمَّ قَدِمَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْأُمَرَاءُ، وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَمْوَالِ فَقَسَمَهَا وَجَنَّدَ الْأَجْنَادَ وَمَصَّرَ الْأَمْصَارَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: ثُمَّ كَانَ فَتْحُ الْجَابِيَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: ثُمَّ كَانَ عَمَوَاسُ وَالْجَابِيَةُ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ ثُمَّ كَانَتْ سَرْعٌ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، ثُمَّ كَانَ عَامُ الرَّمَادَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. قَالَ: وَكَانَ فِيهَا طَاعُونُ عَمَوَاسَ . يَعْنِي فَتْحَ الْبَلْدَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِعَمَوَاسَ، فَأَمَّا الطَّاعُونُ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهَا، فَكَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ فَرَأَى غُوطَةَ دِمَشْقَ، وَنَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَالْقُصُورِ وَالْبَسَاتِينِ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ [ الدُّخَانِ: 25 - 28 ]. ثُمَّ أَنْشَدَ قَوْلَ النَّابِغَةِ:. هُمَا فَتَيَا دَهْرٍ يَكُرُّ عَلَيْهِمَا نَهَارٌ وَلَيْلٌ يَلْحَقَانِ التَّوَالِيَا إِذَا مَا هُمَا مَرَّا بِحَيٍّ بِغِبْطَةٍ أَنَاخَا بِهِمْ حَتَّى يُلَاقُوا الدَّوَاهِيَا وَهَذَا يَقْتَضِي بَادِيَ الرَّأْيِ أَنَّهُ دَخَلَ دِمَشْقَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ قَدَمَاتِهِ الثَّلَاثِ إِلَى الشَّامِ ; أَمَّا الْأُولَى، وَهِيَ هَذِهِ، فَإِنَّهُ سَارَ مِنَ الْجَابِيَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا ذَكَرَ سَيْفٌ وَغَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: رواية أهل الشام بأن عمر دخل الشام مرتين أَمَّا رِوَايَةُ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ عُمَرَ دَخَلَ الشَّامَ مَرَّتَيْنِ، وَرَجَعَ الثَّالِثَةَ مِنْ سَرْعٍ، فَلَيْسَ بِمَعْرُوفٍ، وَإِنَّمَا قَدِمَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْجَابِيَةِ حِينَ صَالَحَ أَهْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَرَجَعَ مِنْ سَرْعٍ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: دَخَلَ فِي الثَّالِثَةِ دِمَشْقَ وَحِمْصَ، وَأَنْكَرَ الْوَاقِدِيُّ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ دَخَلَ دِمَشْقَ إِلَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ. وقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ وَأَبِي مَرْيَمَ وَأَبِي شُعَيْبٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ بِالْجَابِيَةِ، فَذَكَرَ فَتَحَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ: فَحَدَّثَنِي أَبُو سِنَانٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ آدَمَ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لِكَعْبٍ: أَيْنَ تُرَى أَنْ أَصَلِّيَ ؟ قَالَ: إِنْ أَخَذْتَ عَنِّي صَلَّيْتَ خَلْفَ الصَّخْرَةِ، فَكَانَتِ الْقُدْسُ كُلُّهَا بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقَالَ عُمَرُ: ضَاهَيْتَ الْيَهُودِيَّةَ، لَا وَلَكِنْ أُصَلِّي حَيْثُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَتَقَدَّمَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَبَسَطَ رِدَاءَهُ وَكَنَسَ الْكُنَاسَةَ فِي رِدَائِهِ وَكَنَسَ النَّاسُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ اخْتَارَهُ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ " الْمُسْتَخْرَجِ ". وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى رِجَالِهِ فِي كِتَابِنَا الَّذِي أَفْرَدْنَاهُ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ، مَا رَوَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مِنَ الْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ مُبَوَّبًا عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ رَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ شُيُوخِهِ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ عُمَرُ الشَّامَ تَلَقَّاهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودِ دِمَشْقَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا فَارُوقُ، أَنْتَ صَاحِبُ إِيلِيَاءَ، لَا هَا اللَّهِ لَا تَرْجِعْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِيلِيَاءَ. وعن أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَنَّهُ قَدِمَ دِمَشْقَ فِي تُجَّارٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمَّا خَرَجُوا تَخَلَّفَ عُمَرُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الْبَلَدِ إِذَا هُوَ بِبِطْرِيقٍ يَأْخُذُ بِعُنُقِهِ، فَذَهَبَ يُنَازِعُهُ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأَدْخَلَهُ دَارًا فِيهَا تُرَابٌ وَفَأْسٌ وَمِجْرَفَةٌ وَزِنْبِيلٌ، وَقَالَ لَهُ: حَوِّلْ هَذَا مِنْ هَا هُنَا إِلَى هَا هُنَا. وَغَلَّقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَانْصَرَفَ، فَلَمْ يَجِئْ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ. قَالَ: وَجَلَسْتُ مُفَكِّرًا، وَلَمْ أَفْعَلْ مِمَّا قَالَ لِي شَيْئًا. فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: مَا لَكَ لَمْ تَفْعَلْ ؟ وَلَكَمَنِي فِي رَأْسِي بِيَدِهِ، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْفَأْسَ فَضَرَبْتُهُ بِهَا فَقَتَلْتُهُ، وَخَرَجْتُ عَلَى وَجْهِي فَجِئْتُ دَيْرًا لِرَاهِبٍ، فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ مِنَ الْعَشِيِّ، فَأَشْرَفَ عَلَيَّ، فَنَزَلَ وَأَدْخَلَنِي الدَّيْرَ فَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَأَتْحَفَنِي، وَجَعَلَ يُحَقِّقُ النَّظَرَ فِيَّ، وَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرِي، فَقُلْتُ: إِنِّي أَضْلَلْتُ عَنْ أَصْحَابِي. فَقَالَ: إِنَّكَ لَتَنْظُرُ بِعَيْنِ خَائِفٍ. وَجَعَلَ يَتَوَسَّمُنِي، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ أَنِّي أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِهِمْ، وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي تُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِنَا هَذِهِ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمَانٍ عَلَى دَيْرِي هَذَا ؟ فَقُلْتُ: يَا هَذَا، لَقَدْ ذَهَبْتَ غَيْرَ مَذْهَبٍ. فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى كَتَبْتُ لَهُ صَحِيفَةً بِمَا طَلَبَ مِنِّي، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الِانْصِرَافِ أَعْطَانِي أَتَانًا، فَقَالَ لِيَ: ارْكَبْهَا، فَإِذَا وَصَلْتَ إِلَى أَصْحَابِكَ فَابْعَثْ إِلَيَّ بِهَا وَحْدَهَا فَإِنَّهَا لَا تَمُرُّ بِدَيْرٍ إِلَّا أَكْرَمُوهَا. فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ لِفَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَتَاهُ ذَلِكَ الرَّاهِبُ وَهُوَ بِالْجَابِيَةِ بِتِلْكَ الصَّحِيفَةِ، فَأَمْضَاهَا لَهُ عُمَرُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُرْشِدَهُمْ إِلَى الطَّرِيقِ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَغَيْرُهُ. وَقَدْ سَاقَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي تَرْجَمَةِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ الْقُرَشِيِّ الْبَلْقَاوِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا عَجِيبًا، هَذَا بَعْضُهُ. تواضع عمر في دخوله الشام وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا: سنده عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الشَّامِيِّ قَالَ: قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْجَابِيَةَ عَلَى طَرِيقِ إِيلِيَاءَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ تَلُوحُ صَلْعَتُهُ لِلشَّمْسِ، لَيْسَ عَلَيْهِ قَلَنْسُوَةٌ وَلَا عِمَامَةٌ، تَصْطَفِقُ رِجْلَاهُ بَيْنَ شُعْبَتِي الرَّحْلِ بِلَا رِكَابٍ، وِطَاؤُهُ كِسَاءٌ أَنْبِجَانِيٌّ ذُو صُوفٍ، هُوَ وِطَاؤُهُ إِذَا رَكِبَ، وَفِرَاشُهُ إِذَا نَزَلَ، حَقِيبَتُهُ نَمِرَةٌ أَوْ شَمْلَةٌ مَحْشُوَّةٌ لِيفًا، هِيَ حَقِيبَتُهُ إِذَا رَكِبَ، وَوِسَادَتُهُ إِذَا نَزَلَ، وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ مِنْ كَرَابِيسَ قَدْ دَسِمَ وَتَخَرَّقَ جَيْبُهُ. فَقَالَ: ادْعُوا لِي رَأْسَ الْقَوْمِ. فَدَعَوْا لَهُ الْجَلَوْمَسَ، فَقَالَ: اغْسِلُوا قَمِيصِي وَخَيِّطُوهُ، وَأَعِيرُونِي قَمِيصًا أَوْ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِقَمِيصِ كَتَّانٍ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: كَتَّانٌ. قَالَ: وَمَا الْكَتَّانُ ؟ فَأَخْبَرُوهُ، فَنَزَعَ قَمِيصَهُ فَغُسِلَ وَرُقِّعَ، وَأُتِيَ بِهِ، فَنَزْعَ قَمِيصَهُمْ وَلَبِسَ قَمِيصَهُ. فَقَالَ لَهُ الْجَلَوْمَسُ: أَنْتَ مِلْكُ الْعَرَبِ، وَهَذِهِ بِلَادٌ لَا تَصْلُحُ بِهَا الْإِبِلُ. فَأُتِيَ بِبِرْذَوْنٍ فَطُرِحَ عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ بِلَا سَرْجٍ وَلَا رَحْلٍ، فَرَكِبَهُ فَقَالَ: احْبِسُوا احْبِسُوا، مَا كُنْتُ أَظُنُّ النَّاسَ يَرْكَبُونَ الشَّيْطَانَ قَبْلَ هَذَا، هَاتُوا جَمَلِي. فَأُتِيَ بِجَمَلِهِ فَرَكِبَهُ. وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الشَّامَ عَرَضَتْ لَهُ مَخَاضَةٌ، فَنَزَلَ عَنْ بَعِيرِهِ وَنَزَعَ مُوقَيْهِ، فَأَمْسَكَهُمَا بِيَدِهِ وَخَاضَ الْمَاءَ وَمَعَهُ بَعِيرُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ صَنِيعًا عَظِيمًا عِنْدَ أَهْلِ الْأَرْضِ ; صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَصَكَّ فِي صَدْرِهِ، وَقَالَ: أَوْهِ، لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَذَلَّ النَّاسِ وَأَحْقَرَ النَّاسِ وَأَقَلَّ النَّاسِ، فَأَعَزَّكُمُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، فَمَهْمَا تَطْلُبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلَّكُمُ اللَّهُ.
التاريخ 1890لا حكم مسجّل
فَرْضِ الْعَطَاءِ وَعَمَلِ الدِّيوَانِ وَفِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرَضَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفُرُوضَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَأَعْطَى الْعَطَايَا عَلَى السَّابِقَةِ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فِي أَهْلِ الْفَتْحِ أَقَلَّ مَا أَخَذَ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهِ وَقَالُوا: لَا نَعْتَرِفُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنَّا. فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ عَلَى السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ لَا عَلَى الْأَحْسَابِ. قَالُوا: فَنَعَمْ إِذًا، وَأَخَذُوا، وَخَرَجَ الْحَارِثُ وَسُهَيْلٌ بِأَهْلَيْهِمَا نَحْوَ الشَّامِ، فَلَمْ يَزَالَا مُجَاهِدَيْنِ حَتَّى أُصِيبَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الدُّرُوبِ، وَقِيلَ: مَاتَا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ. وَلَمَّا أَرَادَ عُمَرُ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. قَالَ: لَا بَلْ أَبْدَأُ بِعَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ; فَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ وَبَدَأَ بِهِ، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ بَدْرٍ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى أَنْ أَقْلَعَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ( فِي ذَلِكَ مَنْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَقَاتَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ وَلِيَ الْأَيَّامَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ )، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَهْلِ الشَّامِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْبَلَاءِ النَّازِعِ مِنْهُمْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَلْحَقْتَ الْقَادِسِيَّةَ بِأَهْلِ الْأَيَّامِ، فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُلْحِقَهُمْ بِدَرَجَةِ مَنْ لَمْ يُدْرِكُوا. وَقِيلَ لَهُ: قَدْ سَوَّيْتَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ بِمَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ وَقَاتَلَهُمْ عَنْ فِنَائِهِ. فَقَالَ: مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَحَقُّ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدْءًا لِلْحُتُوفِ وَشَجًى لِلْعَدُوِّ، فَهَلَّا قَالَ الْمُهَاجِرُونَ مِثْلَ قَوْلِكُمْ حِينَ سَوَّيْنَا بَيْنَ السَّابِقِينَ مِنْهُمْ وَالْأَنْصَارَ ! فَقَدْ كَانَتْ نُصْرَةُ الْأَنْصَارِ بِفِنَائِهِمْ وَهَاجَرَ إِلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَعْدُ. وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْيَرْمُوكِ أَلْفًا أَلْفًا، ثُمَّ فَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الْمُثَنَّى خَمْسَمِائَةٍ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ لِلرَّوَادِفِ الثَّلِيثِ بَعْدَهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ، سَوَّى كُلَّ طَبَقَةٍ فِي الْعَطَاءِ قَوِيَّهُمْ وَضَعِيفَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، وَفَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الرَّبِيعِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ - وَهُمْ أَهْلُ هَجَرَ وَالْعِبَادِ - عَلَى مِائَتَيْنِ، وَأَلْحَقَ بِأَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَأَبَا ذَرٍّ وَسَلْمَانَ. وَكَانَ فَرَضَ لِلْعَبَّاسِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَعْطَى نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، عَشَرَةَ آلَافٍ عَشَرَةَ آلَافٍ، إِلَّا مَنْ جَرَى عَلَيْهَا الْمِلْكُ. فَقَالَ نِسْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفَضِّلُنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ، فَسَوِّ بَيْنَنَا ; فَفَعَلَ وَفَضَّلَ عَائِشَةَ بِأَلْفَيْنِ لِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِيَّاهَا، فَلَمْ تَأْخُذْ. وَجَعَلَ نِسَاءَ أَهْلِ بَدْرٍ فِي خَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْأَيَّامِ ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ النِّسَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الصِّبْيَانَ سَوَاءً عَلَى مِائَةٍ مِائَةٍ، ثُمَّ جَمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَأَطْعَمَهُمُ الْخُبْزَ، فَأَحْصَوْا مَا أَكَلُوا فَوَجَدُوهُ يَخْرُجُ مِنْ جَرِيبَتَيْنِ، فَفَرَضَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَلِعِيَالِهِ جَرِيبَتَيْنِ فِي الشَّهْرِ. وَقَالَ عُمَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَجْعَلَ الْعَطَاءَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، أَلْفًا يَجْعَلُهَا الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ، وَأَلْفًا يُزَوَّدُهَا مَعَهُ، وَأَلْفًا يَتَجَهَّزُ بِهَا، وَأَلْفًا يَتَرَفَّقُ بِهَا. فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ. وَقَالَ لَهُ قَائِلٌ عِنْدَ فَرْضِ الْعَطَاءِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ تَرَكْتَ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ عِدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ. فَقَالَ: كَلِمَةٌ أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى فِيكَ وَقَانِي اللَّهُ شَرَّهَا، وَهِيَ فِتْنَةٌ لِمَنْ بَعْدِي، بَلْ أُعِدُّ لَهُمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، هُمَا عُدَّتُنَا الَّتِي بِهَا أَفْضَيْنَا إِلَى مَا تَرَوْنَ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ ثَمَنَ دِينِ أَحَدِكُمْ هَلَكْتُمْ. وَقَالَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا يُغْنِي اللَّهُ عِيَالِي بِتِجَارَتِي، وَقَدْ شَغَلْتُمُونِي بِأَمْرِكُمْ هَذَا، فَمَا تَرَوْنَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِي فِي هَذَا الْمَالِ ؟ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ. فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَلِيُّ ؟ فَقَالَ: مَا أَصْلَحَكَ وَعِيَالَكَ بِالْمَعْرُوفِ لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ. فَقَالَ الْقَوْمُ: الْقَوْلُ مَا قَالَ عَلِيٌّ. فَأَخَذَ قُوتَهُ وَاشْتَدَّتْ حَاجَةُ عُمَرَ، فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَالُوا: لَوْ قُلْنَا لِعُمَرَ فِي زِيَادَةٍ نَزِيدُهُ إِيَّاهَا فِي رِزْقِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلُمُّوا فَلْنَسْتَبْرِئْ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، فَأَتَوْا حَفْصَةَ ابْنَتَهُ فَأَعْلَمُوهَا الْحَالَ وَاسْتَكْتَمُوهَا أَنْ لَا تُخْبِرَ بِهِمْ عُمَرَ. فَلَقِيَتْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ لِأَسَوءَهُمْ ؟ قَالَتْ: لَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِمْ. قَالَ: أَنْتِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، مَا أَفْضَلُ مَا اقْتَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِكِ مِنَ الْمَلْبَسِ ؟ قَالَتْ: ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ كَانَ يَلْبَسُهُمَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمَعِ. قَالَ: فَأَيُّ الطَّعَامِ نَالَهُ عِنْدَكِ أَرْفَعُ ؟ قَالَتْ: حَرْفًا مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ حَارٌّ أَسْفَلَ عُكَّةٍ لَنَا، فَجَعَلْتُهَا دَسِمَةً حُلْوَةً فَأَكَلَ مِنْهَا. وَقَالَ: وَأَيُّ مُبْسَطٍ كَانَ يُبْسَطُ عِنْدَكِ كَانَ أَوْطَأَ ؟ قَالَتْ: كِسَاءٌ ثَخِينٌ كُنَّا نُرَبِّعُهُ فِي الصَّيْفِ، فَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَسَطْنَا نِصْفَهُ وَتَدَثَّرْنَا بِنِصْفِهِ. قَالَ: يَا حَفْصَةُ فَأَبْلِغِيهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّرَ فَوَضَعَ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَتَبَلَّغَ بِالتَّزْجِيَةِ، فَوَاللَّهِ لَأَضَعَنَّ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَلَأَتَبَلَّغَنَّ بِالتَّزْجِيَةِ، وَإِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ صَاحِبَيَّ كَثَلَاثَةٍ سَلَكُوا طَرِيقًا، فَمَضَى الْأَوَّلُ وَقَدْ تَزَوَّدَ فَبَلَغَ الْمَنْزِلَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الْآخَرُ فَسَلَكَ طَرِيقَهُ فَأَفْضَى إِلَيْهِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الثَّالِثُ فَإِنْ لَزِمَ طَرِيقَهُمَا وَرَضِيَ بِزَادِهِمَا أُلْحِقَ بِهِمَا، وَإِنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِهِمَا لَمْ يُجَامِعْهُمَا.
التاريخ 1891لا حكم مسجّل
حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ، وَكَانَ عَامِلَهُ فِيهَا عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ أَسِيدٍ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَعَلَى الْكُوفَةِ وَالْعِرَاقِ سَعْدٌ، وَعَلَى الطَّائِفِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَلَى الْبَحْرَيْنِ وَالْيَمَامَةِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ.
التاريخ 1892لا حكم مسجّل
فَتْحُ مَدِينَةِ بَهُرَسِيرَ والْمَدَائِنِ الَّتِي هِيَ مُسْتَقَرُّ مُلْكِ كِسْرَى وَالْمَدَائِنُ عَلَى جَانِبَيْ دِجْلَةَ شَرْقًا وَغَرْبًا، وَدِجْلَةُ تَشُقُّ بَيْنَهُمَا، وَتُسَمَّى الْمَدِينَةَ الشَّرْقِيَّةَ الْعَتِيقَةَ، وَفِيهَا الْقَصْرُ الْأَبْيَضُ الْقَدِيمُ الَّذِي لَا يُدْرَى مَنْ بَنَاهُ، وَيَتَّصَلُ بِهَا الْمَدِينَةُ الَّتِي كَانَتِ الْمُلُوكُ تَنْزِلُهَا، وَفِيهَا الْإِيوَانُ وَتُعْرَفُ بِأَسْبَانِيرَ. وَأَمَّا الْمَدِينَةُ الْغَرْبِيَّةُ فَتُسَمَّى بَهُرَسِيرَ، وَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ قَدْ بَنَى بِالْمَغْرِبِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَبِخُرَاسَانَ الْعُلْيَا سَمَرْقَنْدَ وَمَدِينَةَ الصَّغْدِ، وَبِخُرَاسَانَ السُّفْلَى مَرْوَ، وَهُرَاةَ، وَجَالَ فِي الْأَرْضِ، فَلَمْ يَخْتَرْ مَنْزِلًا سِوَى الْمَدَائِنِ فَنَزَلَهَا. وَبَنَى بِهَا مَدِينَةً عَظِيمَةً، وَجَعَلَ عَلَيْهَا سُورًا أَثَرُهُ بَاقٍ إِلَى الْآنِ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي تُسَمَّى الرُّومِيَّةَ فِي جَانِبِ دِجْلَةَ الشَّرْقِيِّ، وَأَقَامَ الْإِسْكَنْدَرُ بِهَا وَمَاتَ، فَحُمِلَ مِنْهَا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لِمَكَانِ أُمِّهِ. وَكُلُّ الْمُلُوكِ اخْتَارُوا الْمَدَائِنَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الْمَدَائِنَ لِكَثْرَةِ مَنْ بَنَى بِهَا مِنَ الْمُلُوكِ الْأَكَاسِرَةِ. وَالَّذِي بَنَى الْإِيوَانَ هُوَ شَابُورُ بْنُ هُرْمُزَ الْمَعْرُوفُ بِذِي الْأَكْتَافِ، وَكَانَ مُلْكُهُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَكَانَ قُدُومُ سَعْدٍ إِلَيْهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَاسْتَهَلَّتْ سنة ست عشرة وَهُوَ نَازِلٌ عِنْدَهَا، وَقَدْ بَعَثَ السَّرَايَا وَالْخُيُولَ فِي كُلِّ وَجْهٍ أمر عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص بالمسير إلى المدائن قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَ الْقَادِسِيَّةِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدَائِنِ، وَعَهِدَ إِلَيْهِ أَنْ يُخَلِّفَ النِّسَاءَ وَالْعِيَالَ بِالْعَتِيقِ، وَيَجْعَلَ مَعَهُمْ مَنْ يَحْرُسُهُمْ مِنَ الْجُنْدِ وَيُسْهِمَ لِأُولَئِكَ الْجُنْدِ مِنَ الْمَغْنَمِ مَا دَامُوا يَحْفَظُونَ عِيَالَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَقَامَ سَعْدٌ بَعْدَ الْفَتْحِ شَهْرَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ أَمْرِهَا لِأَيَّامٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ، وَلَقِيَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جُمُوعًا مِنْ فَارِسَ يَوْمَ بُرْسَ فَهَزَمُوهُمْ إِلَى بَابِلَ، فَلَحِقُوهُمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ. وَأَقَامَ سَعْدٌ بِبَابِلَ أَيَّامًا ثُمَّ جَاءَ إِلَى كُوثَى، وَأَتَى الْمَكَانَ الَّذِي حُبِسَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدَّمَ سَعْدٌ زُهْرَةَ بْنَ الْحَوِيَّةِ إِلَى بَهُرَسِيرَ، فَتَلَقَّاهُ شِيرْزَادُ بِسَابَاطَ بِالصُّلْحِ وَتَأْدِيَةِ الْجِزْيَةِ، فَبَعَثَهُ إِلَى سَعْدٍ، فَأَمْضَاهُ، وَوَصَلَ سَعْدٌ بِالْجُنُودِ إِلَى مَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: مُظْلِمُ سَابَاطَ، فَوَجَدُوا هُنَالِكَ كَتَائِبَ كَثِيرَةً لِكِسْرَى يُسَمُّونَهَا بُورَانَ، وَهُمْ يُقْسِمُونَ كُلَّ يَوْمٍ: لَا يَزُولُ مُلْكُ فَارِسَ مَا عِشْنَا. وَمَعَهُمْ أَسَدٌ كَبِيرٌ لِكِسْرَى يُقَالُ لَهُ: الْمُقَرَّطُ. قَدْ أَرْصَدُوهُ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ابْنُ أَخِي سَعْدٍ، وَهُوَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، فَقَتَلَ الْأَسَدَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ، وَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ سَيْفُهُ الْمَتِينَ، وَقَبَّلَ سَعْدٌ يَوْمَئِذٍ رَأَسَ هَاشِمٍ، وَقَبَّلَ هَاشِمٌ قَدَمَ سَعْدٍ، وَحَمَلَ هَاشِمٌ عَلَى الْفُرْسِ، فَأَزَالَهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ وَهَزَمَهُمْ وَهُوَ يَتْلُو قَوْلَهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ [ إِبْرَاهِيمَ: 44 ] وَتَحَصَّنَتِ الْعَجَمُ بِيَهْرَسِيرَ، وَامْتَنَعَتْ مِنْ سَعْدٍ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ سَعْدٌ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، أَوِ الْجِزْيَةِ أَوِ الْمُقَاتَلَةِ، فَأَبَوْا إِلَّا الْمُقَاتَلَةَ وَالْعِصْيَانَ، وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ وَالدَّبَّابَاتِ، وَأَمَرَ سَعْدٌ بِعَمَلِ الْمَجَانِيقِ، فَعُمِلَتْ عِشْرُونَ مَنْجَنِيقًا، وَنُصِبَتْ عَلَى بَهُرَسِيرَ، وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ وَحَصَرُوهُمْ شَهْرَيْنِ حَتَّى أَكَلُوا الْكِلَابَ وَالسَّنَانِيرَ، وَرُبَّمَا خَرَجَ الْأَعَاجِمُ يَمْشُونَ عَلَى الْمُسْنَيَاتِ الْمُشْرِفَةِ عَلَى دِجْلَةَ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَقُومُونَ لَهُمْ، [ثُمَّ تَجَرَّدُوا يَوْمًا لِلْحَرْبِ، فَقَاتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَلَمْ يَثْبُتُوا لَهُمْ]، فَنَزَلُوا، وَوَقَعَ سَهْمٌ فِي زُهَيْرِ بْنِ الْحَيَاةِ، فَقَالَ زُهْرَةُ: أَخْرِجُوهُ، فَقَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ نَفْسِي مَعِي مَا دَامَ فِي لَعَلِّي أُصِيبُ مِنْهُمْ بِطَعْنَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ أَوْ خَطْوَةٍ، فَمَضَى نَحْوَ الْعَدْوِ، فَضَرَبَ بِسَيْفِهِ شَهَرْبَرَازَ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أُحِيطَ بِهِ فَقُتِلَ. كُلُّ هَذَا وَمَلِكُهُمْ مُتَحَصِّنٌ فِي مَدِينَةٍ، فَبَعَثَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ رَسُولًا يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي الْمُصَالَحَةِ عَلَى أَنَّ لَنَا مَا يَلِينَا مِنْ دِجْلَةَ وَجَبَلِنَا، وَلَكُمْ مَا يَلِيكُمْ مِنْ دِجْلَةَ إِلَى جَبَلِكُمْ؟ أَمَا شَبِعْتُمْ لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بُطُونَكُمْ. فَكَلَّمَهُ الْأَسْوَدُ بْنُ قُطْبَةَ بِكَلِمَاتٍ فَوَلَّى فَقِيلَ لَهُ: مَا قُلْتَ لَهُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَاتٌ جَرَتْ عَلَى لِسَانِي. فَخَرَجَ مِنَ الْقَوْمِ رَجُلٌ يَسْتَأْمِنُ، فَأَمَّنُوهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ أَحَدٌ فَمَا يَمْنَعُكُمْ، فَتَسَوَّرَهَا الرِّجَالُ وَقَالُوا لَهُ: لِأَيِّ شَيْءٍ هَرَبُوا؟ فَقَالَ: بَعَثَ الْمَلِكُ يَعْرِضُ عَلَيْكُمُ الصُّلْحَ فَأَجَبْتُمُوهُ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ صُلْحٌ حَتَّى نَأْكُلَ مِنْ عَسَلِ أَفَرِيذِينَ بِأُتْرُجِّ كُوثَى. فَلَمَّا دَخَلَ سَعْدٌ وَالْمُسْلِمُونَ بَهُرَسِيرَ -وَهِيَ الْمَدِينَةُ الدُّنْيَا- طَلَبُوا السُّفُنَ لِيَعْبُرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ الْقُصْوَى، وَهِيَ الْمَدَائِنُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى شَيْءٍ وَوَجَدُوا الْقَوْمَ قَدْ ضَمُّوا السُّفُنَ وَلَاحَ لِلْمُسْلِمِينَ الْأَبْيَضُ، فَكَبَّرُوا وَقَالُوا: هَذَا أَبْيَضُ كِسْرَى، هَذَا مَا وَعَدَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَأَقَامُوا بِبَهْرَسِيرَ أَيَّامًا مِنْ صَفَرٍ، ثُمَّ جَاءَ أَعْلَاجٌ، فَدَلُّوهُمْ عَلَى مَخَاضَةٍ، فَتَرَدَّدَ سَعْدٌ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ فَاجَأَهُمُ الْمَدُّ، فَرَأَى رُؤْيَا، أَنَّ خُيُولَ الْمُسْلِمِينَ قَدِ اقْتَحَمَتْ، فَعَبَرَتْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى قَطْعِ هَذَا الْبَحْرِ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: عَزَمَ اللَّهُ لَنَا وَلَكَ عَلَى الرُّشْدِ، فَافْعَلْ. وَأَتَى بَعْضُ الْعُلُوجِ فَقَالَ لِسَعْدٍ: إِنْ أَقَمْتَ ثَلَاثًا ذَهَبَ يَزْدَجِرْدُ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْمَدَائِنِ، فَهَيَّجَهُ عَلَى الْعُبُورِ. العبور إلى المدائن فَخَطَبَ سَعْدٌ الْمُسْلِمِينَ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدِ اعْتَصَمَ مِنْكُمْ بِهَذَا الْبَحْرِ ; فَلَا تَخْلُصُونَ إِلَيْهِ مَعَهُ، وَهُمْ يَخْلُصُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا شَاءُوا فَيُنَاوِشُونَكُمْ فِي سُفُنِهِمْ، وَلَيْسَ وَرَاءَكُمْ شَيْءٌ تَخَافُونَ أَنْ تُؤْتَوْا مِنْهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ تُبَادِرُوا جِهَادَ الْعَدُوِّ بِنِيَّاتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَحْصُرَكُمُ الدُّنْيَا، أَلَا إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى قَطْعِ هَذَا الْبَحْرِ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا جَمِيعًا: عَزَمَ اللَّهُ لَنَا وَلَكَ عَلَى الرُّشْدِ، فَافْعَلْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدَبَ سَعْدٌ النَّاسَ إِلَى الْعُبُورِ فَأَمَّرَ سَعْدٌ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، فَوَقَفُوا عَلَى حَافَّةِ دِجْلَةَ، فَقَالَ عَاصِمٌ: مَنْ يُنْتَدَبُ مَعِي لِنَكُونَ قَبْلَ النَّاسِ دُخُولًا فِي هَذَا الْبَحْرِ، فَنَحْمِيَ الْفِرَاضَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ سِتُّونَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ ; وَالْأَعَاجِمُ وُقُوفٌ صُفُوفًا مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ ؟ فَتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَحْجَمَ النَّاسُ عَنِ الْخَوْضِ فِي دِجْلَةَ، فَقَالَ: أَتَخَافُونَ مِنْ هَذِهِ النُّطْفَةِ ؟ ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا [ آلِ عِمْرَانَ 145 ]. ثُمَّ أَقْحَمَ فَرَسَهُ فِيهَا وَاقْتَحَمَ النَّاسُ، وَقَدِ افْتَرَقَ السِّتُّونَ فِرْقَتَيْنِ: أَصْحَابُ الْخَيْلِ الذُّكُورِ، وَأَصْحَابُ الْخَيْلِ الْإِنَاثِ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْفُرْسُ يَطْفُونَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ قَالُوا: دِيوَانَا دِيوَانَا. يَقُولُونَ: مَجَانِينُ مَجَانِينُ. ثُمَّ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا تُقَاتِلُونَ إِنْسًا بَلْ تُقَاتِلُونَ جِنًّا. ثُمَّ أَرْسَلُوا فُرْسَانًا مِنْهُمْ فِي الْمَاءِ يَلْتَقُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ لِيَمْنَعُوهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَاءِ، فَأَمَرَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو أَصْحَابَهُ أَنْ يَشْرَعُوا لَهُمُ الرِّمَاحَ وَيَتَوَخَّوُا الْأَعْيُنَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِالْفُرْسِ فَقَلَعُوا عُيُونَ خُيُولِهِمْ، فَرَجَعُوا أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَمْلِكُونَ كَفَّ خُيُولِهِمْ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الْمَاءِ، وَاتَّبَعَهُمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ فَسَاقُوا وَرَاءَهُمْ حَتَّى طَرَدُوهُمْ عَنِ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَوَقَفُوا عَلَى حَافَّةِ الدِّجْلَةِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَنَزَلَ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ عَاصِمٍ مِنِ السِّتِّمِائَةِ فِي دِجْلَةَ، فَخَاضُوهَا، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقَاتَلُوا مَعَ أَصْحَابِهِمْ حَتَّى نَفَوُا الْفُرْسَ عَنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ. وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْكَتِيبَةَ الْأُولَى كَتِيبَةَ الْأَهْوَالِ، وَأَمِيرُهَا عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْكَتِيبَةَ الثَّانِيَةَ الْكَتِيبَةَ الْخَرْسَاءَ، وَأَمِيرُهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو. وَهَذَا كُلُّهُ وَسَعْدٌ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ الْفُرْسَانُ بِالْفُرْسِ، وَسَعْدٌ وَاقِفٌ عَلَى شَاطِئِ دِجْلَةَ. ثُمَّ نَزَلَ سَعْدٌ بِبَقِيَّةِ الْجَيْشِ، وَذَلِكَ حِينَ نَظَرُوا إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ وَقَدْ تَحَصَّنَ بِمَنْ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْفُرْسَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ أَمَرَ سَعْدٌ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَاءِ أَنْ يَقُولُوا: نَسْتَعِينُ بِاللَّهِ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. ثُمَّ اقْتَحَمَ بِفَرَسِهِ دِجْلَةَ، وَاقْتَحَمَ النَّاسُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ فَسَارُوا فِيهَا كَأَنَّمَا يَسِيرُونَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، حَتَّى مَلَأُوا مَا بَيْنَ الْجَانِبَيْنِ، فَلَا يُرَى وَجْهُ الْمَاءِ مِنَ الْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ، وَجَعَلَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ كَمَا يَتَحَدَّثُونَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ; وَذَلِكَ لِمَا حَصَلَ لَهُمْ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وَالْأَمْنِ، وَالْوُثُوقِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَوَعْدِهِ وَنَصْرِهِ، وَتَأْيِيدِهِ، وَلِأَنَّ أَمِيرَهُمْ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ، وَدَعَا لَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَجِبْ دَعْوَتَهُ وَسَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَالْمَقْطُوعُ بِهِ أَنَّ سَعْدًا دَعَا لِجَيْشِهِ هَذَا فِي هَذَا الْيَوْمِ بِالسَّلَامَةِ وَالنَّصْرِ، وَقَدْ رَمَى بِهِمْ فِي هَذَا الْيَمِّ، فَسَدَّدَهُمُ اللَّهُ وَسَلَّمَهُمْ، فَلَمْ يُفْقَدْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ وَاحِدٌ، غَيْرَ أَنَّ رَجُلًا وَاحِدًا يُقَالُ لَهُ: غَرْقَدَةُ الْبَارِقِيُّ، ذَلَّ عَنْ فَرَسٍ لَهُ شَقْرَاءَ، فَأَخَذَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو بِلِجَامِهَا، وَأَخْذَ بِيَدِ الرَّجُلِ حَتَّى عَدَلَهُ عَلَى فَرَسِهِ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ، فَقَالَ: عَجَزَ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو. وَلَمْ يُعْدَمْ لِلْمُسْلِمِينَ شَيْءٌ مِنْ أَمْتِعَتِهِمْ غَيْرَ قَدَحٍ مِنْ خَشَبٍ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: مَالِكُ بْنُ عَامِرٍ. كَانَتْ عَلَاقَتُهُ رَثَّةً، فَأَخَذَهُ الْمَوْجُ، فَدَعَا صَاحِبُهُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِنْ بَيْنِهِمْ يَذْهَبُ مَتَاعِي. فَرَدَّهُ الْمَوْجُ إِلَى الْجَانِبِ الَّذِي يَقْصِدُونَهُ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ ثُمَّ رَدُّوهُ عَلَى صَاحِبِهِ بِعَيْنِهِ. وَكَانَ الْفَرَسُ إِذَا أَعْيَا وَهُوَ فِي الْمَاءِ، يُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ النَّشْزِ الْمُرْتَفِعِ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ فَيَسْتَرِيحُ، وَحَتَّى إِنَّ بَعْضَ الْخَيْلِ لَيَسِيرُ وَمَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى حِزَامِهَا، وَكَانَ يَوْمًا عَظِيمًا، وَأَمْرًا هَائِلًا، وَخَطْبًا جَلِيلًا، وَخَارِقًا بَاهِرًا، وَمُعْجِزَةً لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، خَلَقَهَا اللَّهُ لِأَصْحَابِهِ، لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ، وَلَا فِي بُقْعَةٍ مِنَ الْبِقَاعِ سِوَى قَضِيَّةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ الْمُتَقَدِّمَةِ، بَلْ هَذَا أَجَلُّ وَأَعْظَمُ ; فَإِنَّ هَذَا الْجَيْشَ كَانَ أَضْعَافَ ذَلِكَ. قَالُوا: وَكَانَ الَّذِي يُسَايِرُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْمَاءِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فَجَعَلَ سَعْدٌ يَقُولُ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ وَلِيَّهُ، وَلَيُظْهِرَنَّ اللَّهُ دِينَهُ، وَلَيَهْزِمَنَ اللَّهُ عَدُوَّهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْجَيْشِ بَغْيٌ أَوْ ذُنُوبٌ تَغْلِبُ الْحَسَنَاتِ. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ الْإِسْلَامَ جَدِيدٌ، ذُلِّلَتْ لَهُمْ وَاللَّهِ الْبُحُورُ، كَمَا ذُلِّلَ لَهُمُ الْبَرُّ، أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ لَيَخْرُجُنَّ مِنْهُ أَفْوَاجًا كَمَا دَخَلُوا أَفْوَاجًا. فَخَرَجُوا مِنْهُ كَمَا قَالَ سَلْمَانُ، لَمْ يَغْرَقْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَمْ يَفْقِدُوا شَيْئًا. فَلَمَّا رَأَى الْعَدُوُّ ذَلِكَ هَرَبُوا لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ الْجِنَّ لَا الْإِنْسَ، وَتَرَكُوا جُمْهُورَ أَمْوَالِهِمْ، وَكَانَ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ ثَلَاثَةُ أَلْفِ أَلْفٍ، فَأَخَذُوا نِصْفَ ذَلِكَ وَهَرَبُوا وَتَرَكُوا [الْبَاقِيَ، وَخَرَجُوا مِنَ الْمَتَاعِ بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، وَتَرَكُوا] مِنَ الثِّيَابِ وَالْمَتَاعِ وَالْأَوَانِي، وَمَا أَعَدُّوا لِلْحِصَارِ مِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالطَّعَامِ مَا لَا يُحْصَى قِيمَتُهُ. وَكَانَ يَزْدَجِرْدُ قَدْ أَخْرَجَ عِيَالَهُ إِلَى حُلْوَانَ، فَلَحِقَ بِعِيَالِهِ، فَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدَائِنَ وَلَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا أَنَّهُ قَدْ بَقِيَ فِي الْقَصْرِ الْأَبْيَضِ قَوْمٌ قَدْ تَحَصَّنُوا بِهِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ الْإِسْلَامَ أَوِ الْجِزْيَةَ أَوِ الْقَتْلَ، فَاخْتَارُوا الْجِزْيَةَ. وَنَزَلَ سَعْدٌ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ، وَاتَّخَذَ الْإِيوَانَ مُصَلًّى، وَجَعَلَ يَقْرَأُ: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، ثُمَّ دَخَلَهَا لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى نِيَّةِ الْإِقَامَةِ، وَصَلَّى الْجُمْعَةَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمْعَةٍ جُمِعَتْ بِالْعِرَاقِ جُمْعَةَ الْمَدَائِنِ. عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "لَيَفْتَتِحَنَّ رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَنْزَ كِسْرَى الَّذِي فِي الْأَبْيَضِ". فَكُنْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْهُمْ، فَأَصَبْنَا مِنْ ذَلِكَ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ. وعن أَيُّوبُ بْنُ طَهْمَانَ ]: أَنَّهُ رَأَى عَلِيَّ] بْنَ أَبِي طَالِبٍ ؓ حِينَ دَخَلَ الْإِيوَانَ بِالْمَدَائِنِ أَمَرَ بِالتَّمَاثِيلِ الَّتِي فِي الْقِبْلَةِ فَقُطِعَ رُؤُوسُهَا ثُمَّ صَلَّى فِيهَا. وَقيل أنه لَمَّا سَارَ الْمُسْلِمُونَ وَرَاءَهُمْ أَدْرَكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَارِسِيًّا يَحْمِي أَصْحَابَهُ، فَضَرَبَ فَرَسَهُ لِيَقْدُمَ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَأَحْجَمَ وَأَرَادَ الْفِرَارَ فَتَقَاعَسَ، فَأَدْرَكَهُ الْمُسْلِمُ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ. وَأَدْرَكَ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَمَاعَةً مِنَ الْفُرْسِ يَتَلَاوَمُونَ، وَقَدْ نَصَبُوا لِأَحَدِهِمْ كُرَةً، وَهُوَ يَرْمِيهَا لَا يُخْطِئُهَا، فَرَجَعُوا فَلَقِيَهُمُ الْمُسْلِمُ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفَارِسِيُّ فَرَمَاهُ بِأَقْرَبَ مِمَّا كَانَتِ الْكُرَةُ فَلَمْ يُصِبْهُ، فَوَصَلَ الْمُسْلِمُ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَهَرَبَ أَصْحَابُهُ. مَا جُمِعَ مِنْ غَنَائِمِ أَهْلِ الْمَدَائِنِ وَقِسْمَتِهَا قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: وَقَسَّمَ سَعْدٌ الْفَيْءَ بَعْدَ مَا خَمَّسَهُ، فَأَصَابَ الْفَارِسَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَقَسَّمَ دُورَ الْمَدَائِنِ بَيْنَ النَّاسِ، وَبَعَثَ إِلَى الْعِيَالَاتِ فَأَنْزَلُوهُمْ إِيَّاهَا، وَأَقَامُوا بِالْمَدَائِنِ حِينَ فَرَغُوا مِنْ جَلُولَاءَ وَحُلْوَانَ وَتَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ، ثُمَّ تَحَوَّلُوا إِلَى الْكُوفَةِ بَعْدُ. وَبَعَثَ سَعْدٌ فِي آثَارِ الْقَوْمِ زُهْرَةَ فِي جَمَاعَةٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَبْلُغَ جِسْرَ النَّهْرَوَانِ، فَبَلَغُوا هُنَاكَ ثُمَّ رَجَعُوا، وَمَضَى الْمُشْرِكُونَ نَحْوَ حُلْوَانَ. فعَنِ ابْنِ الرُّفَيْلِ ]، عَنْ أَبِيهِ الرُّفَيْلِ، قَالَ: خَرَجَ زُهْرَةُ يَتْبَعُهُمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى جِسْرِ النَّهْرَوَانِ وَهُمْ عَلَيْهِ، فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ، فَوَقَعَ بَغْلٌ فِي الْمَاءِ، فَكَلِبُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ زُهْرَةُ: إِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ أَنَّ لِهَذَا الْبَغْلِ لَشَأْنًا، وَإِلَّا مَا كَانَ الْقَوْمُ كَلِبُوا عَلَيْهِ وَلَا صَبَرُوا لِلسُّيُوفِ بِهَذَا الْمَوْقِفِ الضَّنْكِ [إِلَّا لِشَيْءٍ بَعْدَ مَا أَرَادُوا تَرْكَهُ]، وَإِذَا الَّذِي عَلَيْهِ حِلْيَةُ كِسْرَى وَثِيَابُهُ وَخَرَزَاتُهُ وَوِشَاحُهُ، وَدِرْعُهُ الَّتِي كَانَ فِيهِ الْجَوْهَرُ، وَكَانَ يَجْلِسُ فِيهَا لِلْمُبَاهَاةِ، وَتَرَجَّلَ زُهْرَةُ يَوْمَئِذٍ حَتَّى إِذَا أَزَاحَهُمْ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْبَغْلِ فَاحْتَمَلُوهُ، فَأَخْرَجُوهُ فَجَاءُوا بِمَا عَلَيْهِ حَتَّى رَدُّوهُ إِلَى الْأَقْبَاضِ، مَا يَدْرُونَ مَا عَلَيْهِ. وعَنْ حَبِيبِ بْنِ صُهْبَانَ، قَالَ: دَخَلْنَا الْمَدَائِنَ فَأَتَيْنَا عَلَى قِبَابٍ تُرْكِيَّةٍ مَمْلُوءَةٍ سِلَالًا مُخَتَّمَةٍ بِالرَّصَاصِ، فَمَا حَسِبْنَاهَا إِلَّا طَعَامًا، فَإِذَا هِيَ آنِيَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَقُسِّمَتْ بَعْدُ فِي النَّاسِ. [وَقَالَ حَبِيبٌ ]: وَقَدْ رَأَيْتُ الرَّجُلَ يَطُوفُ وَيَقُولُ: مَنْ مَعَهُ بَيْضَاءُ بِصَفْرَاءَ؟ وَأَتَيْنَا عَلَى كَافُورٍ كَثِيرٍ، فَمَا حَسِبْنَاهُ إِلَّا مِلْحًا، فَجَعَلْنَا نَعْجِنُ بِهِ حَتَّى وَجَدْنَا مَرَارَتَهُ فِي الْخُبْزِ. وعَنْ عِصْمَةَ بْنِ الْحَارِثِ الضَّبِّيِّ، قَالَ: خَرَجْتُ فِيمَنْ خَرَجَ يَطْلُبُ، فَإِذَا حِمَارٌ مَعَهُ حِمَارٌ، فَلَمَّا رَآنِي حَثَّهُ حَتَّى لَحِقَ بِآخَرَ قُدَّامَهُ، فَحَثَّا حِمَارَيْهِمَا، فَانْتَهَيَا إِلَى جَدْوَلٍ قَدْ كُسِرَ جِسْرُهُ، فَأَتَيْتُهُمَا فَقَتَلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَأَفْلَتَ الْآخَرُ، فَرَجَعْتُ إِلَى الْحِمَارَيْنِ، فَأَتَيْتُ بِهِمَا صَاحِبَ الْأَقْبَاضِ، فَنَظَرَ مَا عَلَيْهِمَا فَإِذَا عَلَى أَحَدِهِمَا سَفَطَانِ فِي أَحَدِهِمَا فَرَسٌ مِنْ ذَهَبٍ مُسْرَجٌ بِسَرْجٍ فِضَّةٍ، عَلَى ثَغْرِهِ وَلَبَبِهِ الْيَاقُوتُ وَالزُّمُرُّدُ مَنْظُومٌ عَلَى الْفِضَّةِ، وَلِجَامٌ كَذَلِكَ، وَفَارِسٌ مِنْ فِضَّةٍ مُكَلَّلٌ بِالْجَوْهَرِ، وَإِذَا فِي الْآخَرِ نَاقَةٌ مِنْ فِضَّةٍ عَلَيْهَا شَلِيلٌ مِنْ ذَهَبٍ وَبِطَانٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَهَا زِمَامٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَنْظُومٌ بِالْيَاقُوتِ، وَإِذَا عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالْجَوْهَرِ كَانَ كِسْرَى يَضَعُهُمَا عَلَى أُسْطُوَانَةِ التَّاجِ. وعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَ: لَمَّا هَبَطَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدَائِنَ، وَجَمَعُوا الْأَقْبَاضَ، أَقْبَلَ رَجُلٌ بِحُقٍّ مَعَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى صَاحِبِ الْأَقْبَاضِ، فَقَالَ الَّذِي مَعَهُ: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطُّ، مَا يَعْدِلُهُ مَا عِنْدَنَا وَلَا يُقَارِبُهُ، فَقَالُوا لَهُ: هَلْ أَخَذْتَ مِنْهُ شَيْئًا، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، لَوْلَا اللَّهُ مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ، فَعَرَفُوا أَنَّ لِلرَّجُلِ شَأْنًا، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُخْبِرُكُمْ لِتَحْمَدُونِي، وَلَا غَيْرَكُمْ لِيُقْرِظُونِي، وَلَكِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ وَأَرْضَى بِثَوَابِهِ. فَأَتْبَعُوهُ رَجُلًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَإِذَا هُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ. وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا أُطْلِعْنَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ، أَنَّهُ يُرِيدُ الدُّنْيَا مَعَ الْآخِرَةِ، وَلَقَدِ اتَّهَمْنَا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، فَمَا رَأَيْنَا كَمَا هَجَمْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمَانَتِهِمْ وَزُهْدِهِمْ: طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ، وَعَمْرَو بْنَ مَعْدِيكَرِبَ، وَقَيْسَ بْنَ الْمَكْشُوحِ. وعَنْ مَخْلَدِ بْنِ قَيْسٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، ] قَالَ: لَمَّا قُدِمَ بِسَيْفِ كِسْرَى وَمِنْطَقَتِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ، قَالَ: إِنَّ أَقْوَامًا أَدَّوْا هَذَا لَذَوُو أَمَانَةٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ ؓ: إِنَّكَ عَفَفْتَ فَعَفَّتِ الرَّعِيَّةُ. [وَقَالَ: وَحَدَّثَنَا سَيْفٌ]، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَزِيَادٍ وَالْمُهَلَّبِ، قَالُوا: جَمَعَ سَعْدٌ الْخُمْسَ، وَأَدْخَلَ فِيهِ كُلَّ شَيْءٍ أَرَادَ أَنْ يُعْجَبَ بِهِ عُمَرُ، مِنْ ثِيَابِ كِسْرَى وَحُلِيِّهِ وَسَيْفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَفَضَلَ بَعْدَ الْقَسْمِ بَيْنَ النَّاسِ. وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ الْمَدَائِنِ بُهَارَ كِسْرَى، وَكَانُوا يُعِدُّونَهُ لِلشِّتَاءِ إِذَا ذَهَبَتِ الرَّيَاحِينُ، فَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا الشُّرْبَ شَرِبُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُمْ فِي رِيَاضٍ وَكَانَ بِسَاطٌ وَاحِدٌ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ، أَرْضُهُ مُذَهَّبٌ، وَوَشْيُهُ بِفُصُوصٍ، وَمُمَوَّهٌ بِجَوْهَرٍ، وَوَرَقُهُ بِحَرِيرٍ، وَمَاؤُهُ ذَهَبٌ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِ الْقَطْفَ، فَلَمَّا قَسَّمَ سَعْدٌ فِيهِمْ فَضَلَ عَنْهُمْ وَلَمْ يَتَّفِقْ قَسْمُهُ، فَجَمَعَ سَعْدٌ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَلَأَ أَيْدِيَكُمْ وَقَدْ عَسُرَ قَسْمُ هَذَا الْبِسَاطِ، وَلَا يَقْوَى عَلَى شِرَائِهِ أَحَدٌ، فَأَرَى أَنْ تَطِيبُوا بِهِ أَنْفُسَنَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا قُدِمَ عَلَى عُمَرَ الْمَدِينَةَ جَمَعَ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْبِسَاطِ، فَمِنْ بَيْنَ مُشِيرٍ بِقَبْضِهِ، وَآخَرَ مُفَوِّضٍ إِلَيْهِ، وَآخَرَ مُرَقِّقٍ، فَقَامَ عَلِيٌّ ؓ، فَقَالَ: لِمَ تَجْعَلُ عِلْمَكَ جَهْلًا، وَيَقِينَكَ شَكًّا، إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، فَقَالَ: صَدَقْتَنِي، فَقَطَعَهُ فَقَسَّمَهُ بَيْنَ النَّاسِ، فَأَصَابَ عَلِيًّا ؓ قِطْعَةٌ مِنْهُ فَبَاعَهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَمَا هِيَ بِأَجْوَدِ تِلْكَ الْقِطَعِ. وعن الْقَاسِمُ بْنُ سَهْلٍ النَّوْشَجَانِيُّ: إِنَّ سِتْرَ بَابِ الْإِيوَانِ أَخْرَقَهُ الْمُسْلِمُونَ لَمَّا افْتَتَحُوا الْمَدَائِنَ، فَأَخْرَجُوا مِنْهُ أَلْفَ أَلْفِ مِثْقَالٍ ذَهَبًا، فَبِيعَ الْمِثْقَالُ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، فَبَلَغَ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ [أَلْفِ] دِرْهَمٍ. قَالَ]: أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: لَمَّا خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى صِفِّينَ، مَرَّ بِخَرَابٍ، فَتَمَثَّلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: جَرَتِ الرِّيَاحُ عَلَى مَحِلِّ دِيَارِهِمْ فَكَأَنَّمَا كَانُوا عَلَى مِيعَادِ وَإِذَا النَّعِيمُ وَكُلُّ مَا يُلْهَى بِهِ يَوْمًا يَصِيرُ إِلَى بِلًى وَنَفَاذِ فَقَالَ عَلِيٌّ ؓ: لَا تَقُلْ هَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ [كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ]: كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ [ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا ] قَوْمًا آخَرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ [الْقَوْمَ] كَانُوا وَارِثِينَ فَأَصْبَحُوا مَوْرُوثِينَ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ [الْقَوْمَ] اسْتَحَلُّوا الْحَرَامَ فَحَلَّتْ بِهُمُ النِّقَمُ [فَلَا تَسْتَحِلُّوا الْحَرَامَ فَتَحِلَّ بِكُمُ النِّقَمُ]. وعَنِ السَّائِبِ بْنِ الْأَقْرَعِ: أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي إِيوَانِ كِسْرَى، فَنَظَرَ إِلَى تِمْثَالٍ يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِلَى مَوْضِعٍ قَالَ: فَوَقَعَ فِي رَوْعِي أَنَّهُ يُشِيرُ إِلَى كَنْزٍ، قَالَ: فَاحْتَفَرْتُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ، فَاسْتَخْرَجْتُ كَنْزًا عَظِيمًا، فَكَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ أُخْبِرُهُ، فَكَتَبَ إِنَّ هَذَا شَيْءٌ أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ دُونَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّكَ أَمِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَاقْسِمْهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وعن أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: لَمَّا صَارَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْمَنْصُورِ هَمَّ بِنَقْضِ [إِيوَانِ الْمَدَائِنِ]، فَاسْتَشَارَ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، فَكُلُّهُمْ أَشَارَ بِمِثْلِ مَا هَمَّ بِهِ، وَكَانَ مَعَهُ كَاتِبٌ مِنَ الْفُرْسِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ لَهُ بِهَا مِثْلُ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ وَلِأَصْحَابِهِ مِثْلُ تِلْكَ الْحُجَرِ، فَخَرَجَ أَصْحَابُ ذَلِكَ الرَّسُولِ حَتَّى جَاءُوا مَعَ ضَعْفِهِمْ إِلَى صَاحِبِ هَذَا الْإِيوَانِ مَعَ عِزَّتِهِ وَصُعُوبَةِ أَمْرِهِ، فَغَلَبُوهُ وَأَخَذُوهُ مِنْ يَدِهِ قَسْرًا، ثُمَّ قَتَلُوهُ فَيَجِيءُ الْجَائِي مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ، فَيَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَإِلَى هَذَا الْإِيوَانِ، [وَيَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا قَهَرَ صَاحِبَ هَذَا الْإِيوَانِ]، فَلَا يَشُكُّ أَنَّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ وَكَانَ مَعَهُ وَمَعَ أَصْحَابِهِ، وَفِي تَرْكِهِ فَخْرٌ لَكُمْ. فَاسْتَغَشَّهُ الْمَنْصُورُ وَاتَّهَمَهُ لِقَرَابَتِهِ مِنَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ فِي نَقْضِ الْإِيوَانِ، فَنُقِضَ مِنْهُ الشَّيْءُ الْيَسِيرُ، ثُمَّ كُتِبَ إِلَيْهِ: إِنَّنَا نُغَرِّمُ فِي نَقْضِهِ أَكْثَرَ مِمَّا نَسْتَرْجِعُ مِنْهُ، إِنَّ هَذَا تَلَفُ الْأَمْوَالِ وَذَهَابُهَا. فَدَعَا الْكَاتِبَ فَاسْتَشَارَهُ فِيمَا كُتِبَ إِلَيْهِ بِهِ، فَقَالَ: لَقَدْ كُنْتُ أَشَرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ تَقْبَلْ مِنِّي، فَأَمَّا الْآنَ فَإِنِّي آنَفُ لَكُمْ أَنْ يَكُونُوا أُولَئِكَ يَبْنُونَ بِنَاءً تَعْجِزُونَ أَنْتُمْ عَنْ هَدْمِهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ تَبْلُغَ بِهِ الْمَاءَ، فَفَكَّرَ الْمَنْصُورُ فَعَلِمَ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ، فَإِذَا هَدْمُهُ يُتْلِفُ الْأَمْوَالَ، فَأَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُ. إعطاء عمر بن الخطاب سراقة بن مالك ثياب وأساور كسرى قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أُتِيَ بِفَرْوَةِ كِسْرَى فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَفِي الْقَوْمِ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: فَأَلْقَى إِلَيْهِ سِوَارَيْ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ فَجَعَلَهُمَا فِي يَدَيْهِ، فَبَلَغَا مَنْكِبَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمَا فِي يَدَيْ سُرَاقَةَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، سِوَارَيْ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ فِي يَدَيْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، أَعْرَابِيٍّ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ. ثُمَّ حَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَإِنَّمَا أَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لِسُرَاقَةَ وَنَظَرَ إِلَى ذِرَاعَيْهِ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى وعن الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: بَعَثَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَيَّامَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى عُمَرَ بِقَبَاءِ كِسْرَى وَسَيْفِهِ وَمِنْطَقَتِهِ وَسِوَارَيْهِ وَسَرَاوِيلِهِ وَقَمِيصِهِ وَتَاجِهِ وَخُفَّيْهِ، قَالَ: فَنَظَرَ عُمَرُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، فَكَانَ أَجْسَمَهُمْ وَأَبَدْنَهُمْ قَامَةً سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا سُرَاقُ قُمْ فَالْبَسْ. قَالَ سُرَاقَةُ: فَطَمِعْتُ فِيهِ فَقُمْتُ فَلَبِسْتُ. فَقَالَ: أُدَبِرْ. فَأَدْبَرْتُ، ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلْ. فَأَقْبَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَخٍ بَخٍ، أُعَيْرَابِيٌّ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ عَلَيْهِ قَبَاءُ كِسْرَى وَسَرَاوِيلُهُ وَسَيْفُهُ وَمِنْطَقَتُهُ وَتَاجُهُ وَخُفَّاهُ، رُبَّ يَوْمٍ يَا سُرَاقُ بْنَ مَالِكٍ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ فِيهِ هَذَا مِنْ مَتَاعِ كِسْرَى وَآلِ كِسْرَى، كَانَ شَرَفًا لَكَ وَلِقَوْمِكَ، انْزِعْ. فَنَزَعْتُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ مَنَعْتَ هَذَا رَسُولَكَ وَنَبِيَّكَ، وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنِّي، وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي، وَمَنَعْتَهُ أَبَا بَكْرٍ، وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنِّي، وَأَكْرَمَ عَلَيْكَ مِنِّي، وَأَعْطَيْتَنِيهِ، فَأَعُوذُ بِكَ أَنْ تَكُونَ أَعْطَيْتَنِيهِ لِتَمْكُرَ بِي. ثُمَّ بَكَى حَتَّى رَحِمَهُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ. ثُمَّ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا بِعْتَهُ ثُمَّ قَسَّمْتَهُ قَبْلَ أَنْ تُمْسِيَ. وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ عُمَرَ حِينَ مَلَكَ تِلْكَ الْمَلَابِسَ وَالْجَوَاهِرَ، جِيءَ بِسَيْفِ كِسْرَى وَمَعَهُ عِدَّةُ سُيُوفٍ ; مِنْهَا سَيْفُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ نَائِبِ كِسْرَى عَلَى الْحِيرَةِ وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ سَيْفَ كِسْرَى فِيمَا يَضُرُّهُ وَلَا يَنْفَعُهُ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ قَوْمًا أَدَّوْا هَذَا لَذَوُوا أَمَانَةٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ كِسْرَى لَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ تَشَاغَلَ بِمَا أَوُتِيَ عَنْ آخِرَتِهِ، فَجَمَعَ لِزَوْجِ امْرَأَتِهِ أَوْ زَوْجِ ابْنَتِهِ، وَلَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ قَدَّمَ لِنَفْسِهِ وَوَضَعَ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا لَحَصَلَ لَهُ. شعر في فتح المدائن وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ أَبُو بُجَيْدٍ نَافِعُ بْنُ الْأَسْوَدِ، فِي ذَلِكَ: وَأَمَلْنَا عَلَى الْمَدَائِنِ خَيْلًا بَحْرُهَا مِثْلُ بَرِّهِنَّ أَرِيضَا فَانْتَثَلْنَا خَزَائِنَ الْمَرْءِ كِسْرَى يَوْمَ وَلَّوْا وَحَاصَ مِنَّا جَرِيضَا
التاريخ 1893لا حكم مسجّل
وَقْعَةُ جَلُولَاءَ لَمَّا سَارَ كِسْرَى وَهُوَ يَزْدَجِرْدُ بْنُ شَهْرِيَارَ مِنَ الْمَدَائِنِ هَارِبًا إِلَى حُلْوَانَ شَرَعَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فِي جَمْعِ رِجَالٍ وَأَعْوَانٍ وَجُنُودٍ، مِنَ الْبُلْدَانِ الَّتِي هُنَاكَ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ الْفُرْسِ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجَمِيعِ مِهْرَانَ، وَسَارَ كِسْرَى إِلَى حُلْوَانَ، وَأَقَامَ الْجَمْعُ الَّذِي جَمَعَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَلُولَاءَ، وَاحْتَفَرُوا خَنْدَقًا عَظِيمًا حَوْلَهَا، وَأَقَامُوا بِهَا فِي الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ وَآلَاتِ الْحِصَارِ، فَكَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ، أَنْ يُقِيمَ هُوَ بِالْمَدَائِنِ، وَيَبْعَثَ ابْنَ أَخِيهِ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ أَمِيرًا عَلَى الْجَيْشِ الَّذِي يَبْعَثُهُ إِلَى كِسْرَى، وَيَكُونَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ سِعْرُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ أَخُوهُ عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلَى السَّاقَةِ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ. فَفَعَلَ سَعْدٌ ذَلِكَ، وَبَعَثَ مَعَ ابْنِ أَخِيهِ جَيْشًا كَثِيفًا يُقَارِبُ اثْنَيْ عَشَرَ الْفًا، مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَوُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَرُءُوسِ الْعَرَبِ. وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ سنة ست عشرة بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ أَمْرِ الْمَدَائِنِ فَسَارَ مِنَ الْمَدَائِنِ فَمَرَّ بِبَابِلَ مَهْرُوذَ، فَصَالَحَهُ دِهْقَانُهَا عَلَى أَنْ يَفْرِشَ لَهُ جَرِيبَ الْأَرْضِ دَرَاهِمَ فَفَعَلَ وَصَالَحَهُ، ثُمَّ مَضَى فَسَارُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْمَجُوسِ وَهُمْ بِجَلُولَاءَ قَدْ خَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ. حصار المسلمين للفرس بجلولاء فَحَاصَرَهُمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ مِنْ بَلَدِهِمْ لِلْقِتَالِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيُقَاتِلُونَ قِتَالًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ. وَجَعَلَ كِسْرَى يَبْعَثُ إِلَيْهِمُ الْأَمْدَادَ، وَكَذَلِكَ سَعْدٌ يَبْعَثُ الْمَدَدَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ، مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. وَحَمِيَ الْقِتَالُ، وَاشْتَدَّ النِّزَالُ، وَاضْطَرَمَتْ نَارُ الْحَرْبِ، وَقَامَ فِي النَّاسِ هَاشِمٌ فَخَطَبَهُمْ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ. وَقَدْ تَعَاقَدَتِ الْفُرْسُ وَتَعَاهَدَتْ، وَحَلَفُوا بِالنَّارِ أَنْ لَا يَفِرُّوا أَبَدًا حَتَّى يُفْنُوا الْعَرَبَ. فَلَمَّا كَانَ الْمَوْقِفُ الْأَخِيرُ، وَهُوَ يَوْمُ الْفَيْصَلِ وَالْفُرْقَانِ، تَوَاقَفُوا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ، حَتَّى فَنِيَ النُّشَّابُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وَتَقَصَّفَتِ الرِّمَاحُ مِنْ هَؤُلَاءِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ، وَصَارُوا إِلَى السُّيُوفِ وَالطَّبَرْزِينَاتِ، وَحَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ فَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ إِيمَاءً، وَذَهَبَتْ فِرْقَةُ الْمَجُوسِ وَجَاءَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى، فَقَامَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فِي الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: أَهَالَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ إِنَّا كَالُّونَ وَهُمْ مُرِيحُونَ. فَقَالَ: بَلْ إِنَّا حَامِلُونَ عَلَيْهِمْ، وَمُجِدُّونَ فِي طَلَبِهِمْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا، فَاحْمِلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ حَتَّى نُخَالِطَهُمْ. فَحَمَلَ وَحَمَلَ النَّاسُ، فَأَمَّا الْقَعْقَاعُ فَإِنَّهُ صَمَّمَ الْحَمَلَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُرْسَانِ وَالْأَبْطَالِ وَالشُّجْعَانِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ الْخَنْدَقِ، وَأَقْبَلَ اللَّيْلُ بِظَلَامِهِ، وَجَالَتْ بَقِيَّةُ الْأَبْطَالِ بِمَنْ مَعَهُمْ فِي النَّاسِ، وَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ فِي التَّحَاجُزِ مِنْ أَجْلِ إِقْبَالِ اللَّيْلِ، وَفِي الْأَبْطَالِ يَوْمَئِذٍ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَا صَنَعَهُ الْقَعْقَاعُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِذَلِكَ، لَوْلَا مُنَادِيهِ يُنَادِي: أَيْنَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ ! هَذَا أَمِيرُكُمْ عَلَى بَابِ خَنْدَقِهِمْ. فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمَجُوسُ فَرُّوا، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ نَحْوَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِذَا هُوَ عَلَى بَابِ الْخَنْدَقِ قَدْ مَلَكَهُ عَلَيْهِمْ، وَهَرَبَتِ الْفُرْسُ كُلَّ مَهْرَبٍ، وَأَخَذَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَعَدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ مِائَةُ أَلْفٍ، حَتَّى جَلَّلُوا وَجْهَ الْأَرْضِ بِالْقَتْلَى، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَلُولَاءَ. وَغَنِمُوا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسِّلَاحِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَرِيبًا مِمَّا غَنِمُوا مِنَ الْمَدَائِنِ قَبْلَهَا تتبع المسلمين للفارين من الفرس وَبَعَثَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فِي إِثْرِ مَنِ انْهَزَمَ مِنْهُمْ وَرَاءَ كِسْرَى، فَسَاقَ خَلْفَهُمْ حَتَّى أَدْرَكَ مِهْرَانَ مُنْهَزِمًا، فَقَتَلَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَفْلَتَهُمُ الْفَيْرُزَانُ فَاسْتَمَرَّ مُنْهَزِمًا، وَأَسَرَ سَبَايَا كَثِيرَةً بَعَثَ بِهَا إِلَى هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَغَنِمُوا دَوَابَّ كَثِيرَةً جِدًّا. ثُمَّ بَعَثَ هَاشِمٌ بِالْغَنَائِمِ وَالْأَمْوَالِ إِلَى عَمِّهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَنَفَلَ سَعْدٌ ذَوِي النَّجْدَةِ، ثُمَّ أَمَرَ بِقَسْمِ ذَلِكَ عَلَى الْغَانِمِينَ. غنائم جلولاء وتوزيعها قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ الْمَالُ الْمُتَحَصَّلُ مِنْ وَقْعَةِ جَلُولَاءَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَكَانَ خُمُسُهُ سِتَّةَ آلَافِ أَلْفٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الَّذِي أَصَابَ كُلُّ فَارِسٍ يَوْمَ جَلُولَاءَ نَظِيرَ مَا حَصَلَ لَهُ يَوْمَ الْمَدَائِنِ. يَعْنِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا لِكُلِّ فَارِسٍ. وَقِيلَ: أَصَابَ كُلُّ فَارِسٍ تِسْعَةَ آلَافٍ وَتِسْعَ دَوَابٍّ. وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ قَسْمَ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْصِيلَهُ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ، ؓ. ثُمَّ بَعَثَ سَعْدٌ بِالْأَخْمَاسِ مِنَ الْمَالِ وَالرَّقِيقِ وَالدَّوَابِّ مَعَ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَقُضَاعِيِّ بْنِ عَمْرٍو، وَأَبِي مُفَزِّرٍ الْأَسْوَدِ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ سَأَلَ عُمَرُ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ كَيْفِيَّةِ الْوَقْعَةِ، فَذَكَرَهَا لَهُ، وَكَانَ زِيَادٌ فَصِيحًا، فَأَعْجَبَ إِيرَادُهُ لَهَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، ؓ، وَأَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْطُبَ النَّاسَ بِمَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهِيبَ عِنْدِي مِنْكَ، فَكَيْفَ لَا أَقْوَى عَلَى هَذَا مَعَ غَيْرِكَ ؟ فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ خَبَرَ الْوَقْعَةِ، وَكَمْ قَتَلُوا، وَكَمْ غَنِمُوا، بِعِبَارَةٍ عَظِيمَةٍ بَلِيغَةٍ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْخَطِيبُ الْمِصْقَعُ. يَعْنِي الْفَصِيحَ. فَقَالَ زِيَادٌ: إِنَّ جُنْدَنَا أَطْلَقُوا بِالْفِعَالِ لِسَانَنَا. ثُمَّ حَلَفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ لَا يُجِنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي جَاءُوا بِهِ سَقْفٌ حَتَّى يَقْسِمَهُ، فَبَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَمَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَحْرُسَانِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ عُمَرُ فِي النَّاسِ، بَعْدَ مَا صَلَّى الْغَدَاةَ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأَمَرَ فَكَشَفَ عَنْهُ جَلَابِيبَهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى يَاقُوتِهِ وَزَبَرْجَدِهِ وَذَهَبِهِ الْأَصْفَرِ وَفِضَّتِهِ الْبَيْضَاءِ بَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لِمَوْطِنُ شُكْرٍ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا ذَاكَ يُبْكِينِي، وَتَاللَّهَ مَا أَعْطَى اللَّهُ هَذَا قَوْمًا إِلَّا تَحَاسَدُوا وَتَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا إِلَّا أُلْقِيَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ قَسَمَهُ كَمَا قَسَمَ أَمْوَالَ الْقَادِسِيَّةِ. وعن جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ] عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: شَهِدْتُ جَلُولَاءَ وَابْتَعْتُ مِنَ الْغَنَائِمِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَدِمْتُ بِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْتُ: ابْتَعْتُ مِنَ الْغَنَائِمِ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لَوِ انْطُلِقَ بِي إِلَى النَّاسِ كُنْتَ مُفْتَدِيَّ، قُلْتُ: نَعَمْ بِكُلِّ شَيْءٍ أَمْلِكُ، قَالَ: فَإِنِّي مُخَاصِمٌ وَكَأَنِّي بِكَ بِتَابِعٍ وَالنَّاسُ بِجَلُولَاءَ يَقُولُونَ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَابْنُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَكْرَمُ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُرَخِّصُوا عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَنْ يُغْلُوا عَلَيْكَ بِدِرْهَمٍ، وَسَأُعْطِيكَ مِنَ الرِّبْحِ أَفْضَلَ مَا رَبِحَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ. ثُمَّ أَتَى بَابَ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، فَقَالَ: يَا بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ، أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَنْ تُخْرِجِي مِنْ بَيْتِكِ شَيْئًا أَوْ تَخْرُجِنَّ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ عُنُقَ ظَبْيَةٍ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَكَ ذَلِكَ. ثُمَّ تَرَكَنِي سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ دَعَا التُّجَّارَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، إِنِّي مَسْئُولٌ، قَالَ: فَبَاعَ مِنَ التُّجَّارِ مَتَاعًا بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، فَأَعْطَانِي ثَمَانِينَ أَلْفًا، وَأَرْسَلَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا إِلَى سَعْدٍ، فَقَالَ: اقْسِمْ هَذَا الْمَالَ فِي مَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ مَاتَ فَابْعَثْ نَصِيبَهُ إِلَى وَرَثَتِهِ. وَكَانَ فَتْحُ جَلُولَاءَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ تَسْعَةُ أَشْهُرٍ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ: كَانَ فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَجَلُولَاءَ فِيهَا. وَالْمَشْهُورُ خِلَافُ مَا قَالَ، كَمَا تَقَدَّمَ. شعر هاشم بن عتبة في يوم جلولاء وَقَدْ قَالَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ فِي يَوْمِ جَلُولَاءَ: يَوْمُ جَلُولَاءَ وَيَوْمُ رُسْتُمْ وَيَوْمُ زَحْفِ الْكُوفَةِ الْمُقَدَّمْ وَيَوْمُ عَرْضِ النَّهْرِ الْمُحَرَّمْ وَأَيَّامٌ خَلَتْ مِنْ شَهْرٍ صُرَّمْ شَيَّبْنَ أَصْدُغِي فَهُنَّ هُرَّمْ مِثْلُ ثُغَامِ الْبَلَدِ الْمُحَرَّمْ وَقَالَ أَبُو بُجَيْدٍ فِي ذَلِكَ: وَيَوْمُ جَلُولَاءَ الْوَقِيعَةِ أَصْبَحَتْ كَتَائِبُنَا تَرْدِي بِأُسْدٍ عَوَابِسِ فَضَضْتُ جُمُوعَ الْفُرْسِ ثُمَّ أَنَمْتُهُمْ فَتَبًّا لِأَجْسَادِ الْمَجُوسِ النَّجَائِسِ وَأَفْلَتَهُنَّ الْفَيْرُزَانُ بِجَرْعَةٍ وَمِهْرَانُ أَرْدَتْ يَوْمَ حَزِّ الْقَوَانِسِ أَقَامُوا بِدَارٍ لِلْمَنِيَّةِ مَوْعِدُ وَلِلتُّرْبِ تَحْثُوهَا خَجُوجُ الرَّوَامِسِ
التاريخ 1894لا حكم مسجّل
فَتْحُ حُلْوَانَ وَلَمَّا انْقَضَتِ الْوَقْعَةُ، أَقَامَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بِجَلُولَاءَ عَنْ أَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - فِي كِتَابِهِ إِلَى سَعْدٍ وكَانَ عُمَرُ ؓ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ: إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ جَلُولَاءَ فَسَرِّحِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فِي آثَارِ الْقَوْمِ حَتَّى يَنْزِلَ بِحُلْوَانَ، فَيَكُونَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَيُحْرِزَ اللَّهُ لَكُمْ سَوَادَكُمْ. وَتَقَدَّمَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى حُلْوَانَ عَنْ أَمْرِ عُمَرَ لِيَكُونَ رِدْءًا لِلْمُسْلِمِينَ هُنَالِكَ، وَمُرَابِطًا لِكِسْرَى حَيْثُ هَرَبَ. فَسَارَ وَأَدْرَكَ أَمِيرَ الْوَقْعَةِ، وَهُوَ مِهْرَانُ الرَّازِيُّ، فَقَتَلَهُ وَهَرَبَ مِنْهُ الْفَيْرُزَانُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى كِسْرَى وَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ جَلُولَاءَ وَمَا جَرَى عَلَى الْفُرْسِ بَعْدَهُ، وَكَيْفَ قُتِلَ مِنْهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ، وَأُدْرِكَ مِهْرَانُ فَقُتِلَ، هَرَبَ عِنْدَ ذَلِكَ كِسْرَى مِنْ حُلْوَانَ إِلَى الرَّيِّ وَلَمَّا سَارَ يَزْدَجِرْدُ عَنْ حُلْوَانَ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا خَشْرَشْنُومَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْقَعْقَاعُ قَصْرَ شِيرِينَ خَرَجَ عَلَيْهِ خَشْرَشْنُومُ وَقَدِمَ إِلَيْهِ الزَّيْنَبِيُّ دِهْقَانُ حُلْوَانَ، فَلَقِيَهُ الْقَعْقَاعُ، فَقَتَلَ الزَّيْنَبِيَّ، وَهَرَبَ خَشْرَشْنُومُ، وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى حُلْوَانَ، وَبَقِيَ الْقَعْقَاعُ بِهَا إِلَى أَنْ تَحَوَّلَ سَعْدٌ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَحِقَهُ الْقَعْقَاعُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى حُلْوَانَ قُبَاذَ، وَكَانَ أَصْلُهُ خُرَسَانِيًّا. وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَبِنُزُولِ الْقَعْقَاعِ حُلْوَانَ، وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي اتِّبَاعِهِمْ، فَأَبَى وَقَالَ: لَوَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَ السَّوَادِ وَبَيْنَ الْجَبَلِ سَدًّا لَا يَخْلُصُونَ إِلَيْنَا وَلَا نَخْلُصُ إِلَيْهِمْ، حَسْبُنَا مِنَ الرِّيفِ السَّوَادَ، إِنِّي آثَرْتُ سَلَامَةَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْأَنْفَالِ.
التاريخ 1895لا حكم مسجّل
فَتْحُ تَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ فِي سنة ست عشرة فِي جُمَادَى. لَمَّا افْتَتَحَ سَعْدٌ الْمَدَائِنَ بَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ الْمَوْصِلِ قَدِ اجْتَمَعُوا بِتَكْرِيتَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْكَفَرَةِ، يُقَالُ لَهُ: الْأَنْطَاقُ. فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِأَمْرِ جَلُولَاءَ وَاجْتِمَاعِ الْفُرْسِ بِهَا، وَبِأَمْرِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ فَتَقَدَّمَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ كِتَابِ عُمَرَ فِي أَهْلِ جَلُولَاءَ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا. وَكَتَبَ عُمَرُ فِي قَضِيَّةِ أَهْلِ الْمَوْصِلِ الَّذِينَ قَدِ اجْتَمَعُوا بِتَكْرِيتَ عَلَى الْأَنْطَاقِ أَنْ يُعَيِّنَ جَيْشًا لِحَرْبِهِمْ، وَيُؤَمِّرَ عَلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعْتَمِّ، وَأَنْ يَجْعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ الْعَنَزِيَّ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ الْحَارِثَ بْنَ حَسَّانَ الذُّهْلِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ الْعِجْلِيَّ، وَعَلَى السَّاقَةِ هَانِئَ بْنَ قَيْسٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ عَرْفَجَةَ بْنَ هَرْثَمَةَ. فَفَصَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَدَائِنِ فَسَارَ فِي أَرْبَعٍ حَتَّى نَزَلَ بِتَكْرِيتَ عَلَى الْأَنْطَاقِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّومِ، وَمِنَ الشَّهَارِجَةِ، وَمِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، مِنْ إِيَادٍ وَتَغْلِبَ وَالنَّمِرِ، وَقَدْ خَنْدَقُوا بِتَكْرِيتَ، فَحَاصَرَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَزَاحَفُوهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، مَا مِنْ مَرَّةٍ إِلَّا وَيَنْتَصِرُ عَلَيْهِمْ، وَيَفُلُّ جُمُوعَهُمْ، فَضَعُفَ جَأْشُهُمْ، وَعَزَمَتِ الرُّومُ عَلَى الذَّهَابِ فِي السُّفُنِ بِأَمْوَالِهِمْ، وَرَاسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ مَنْ هُنَالِكَ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُ فِي النُّصْرَةِ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ، فَجَاءَتِ الْقُصَّادُ إِلَيْهِ عَنْهُمْ بِالْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا قُلْتُمْ، فَاشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَقِرُّوا بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. فَرَجَعَتِ الْقُصَّادُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِذَا كَبَّرْنَا وَحَمَلْنَا عَلَى الْبَلَدِ اللَّيْلَةَ، فَأَمْسِكُوا عَلَيْنَا أَبْوَابَ السُّفُنِ، وَامْنَعُوهُمْ أَنْ يَرْكَبُوا فِيهَا، وَاقْتُلُوا مِنْهُمْ مَنْ قَدَرْتُمْ عَلَى قَتْلِهِ. ثُمَّ شَدَّ عَبْدُ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ، وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَحَمَلُوا عَلَى الْبَلَدِ، فَكَبَّرَتِ الْأَعْرَابُ مِنَ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، فَحَارَ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَأَخَذُوا فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْأَبْوَابِ الَّتِي تَلِي دِجْلَةَ، فَتَلَقَّتْهُمْ إِيَادٌ وَالنَّمِرُ وَتَغْلِبُ، فَقَتَلُوهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا، وَجَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْأَبْوَابِ الْأُخَرِ، فَقَتَلَ جَمِيعَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، وَلَمْ يَسْلَمْ إِلَّا مَنْ أَسْلَمِ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ إِيَادٍ وَتَغْلِبَ وَالنَّمِرِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ عَهِدَ فِي كِتَابِهِ أَنْ إِذَا نُصِرُوا عَلَى أَهْلِ تَكْرِيتَ أَنْ يَبْعَثُوا رِبْعِيَّ بْنَ الْأَفْكَلِ إِلَى الْحِصْنَيْنِ، وَهِيَ الْمَوْصِلُ سَرِيعًا فَسَارَ إِلَيْهَا - كَمَا أَمَرَ عُمَرُ - وَمَعَهُ سَرِيَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَبْطَالِ، فَسَارَ إِلَيْهَا حَتَّى فَجَأَهَا قَبْلَ وُصُولِ الْأَخْبَارِ إِلَيْهَا، فَمَا كَانَ إِلَّا أَنْ وَاقَفَهَا حَتَّى أَجَابُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ، فَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّمَّةُ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. ثُمَّ اقْتُسِمَتِ الْأَمْوَالُ الَّتِي تَحَصَّلَتْ مِنْ تَكْرِيتَ فَبَلَغَ سَهْمُ الْفَارِسِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ، وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفَ دِرْهَمٍ. وَبَعَثُوا بِالْأَخْمَاسِ مَعَ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ، وَبِالْفَتْحِ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ وَوَلِيَ إِمْرَةَ حَرْبِ الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الْأَفْكَلِ، وَوَلِيَ الْخَرَاجَ بِهَا عَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ. وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ عَلَى قَصْدِ الْمَوْصِلِ، وَفَتْحِهَا سَنَةَ عِشْرِينَ، فَأَتَاهَا فَقَاتَلَهُ أَهْلُ نِيْنَوَى، فَأَخَذَ حِصْنَهَا، وَهُوَ الشَّرْقِيُّ، عَنْوَةً، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ الْحِصْنِ الْغَرْبِيِّ، وَهُوَ الْمَوْصِلُ، عَلَى الْجِزْيَةِ، ثُمَّ فَتَحَ الْمَرْجَ وَبَانْهَذْرَا، وَبَاعَذْرَا وَدَاسِنْ وَجَمِيعَ مَعَاقِلِ الْأَكْرَادِ وَقَرْدَى وَبَازَبْدَى وَجَمِيعَ أَعْمَالِ الْمَوْصِلِ فَصَارَتْ لِلْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ لَمَّا فَتَحَ بَلَدًا، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، أَتَى الْمَوْصِلَ فَفَتَحَ أَحَدَ الْحِصْنَيْنِ وَبَعَثَ عُتْبَةَ بْنَ فَرْقَدٍ إِلَى الْحِصْنِ الْآخَرِ فَفَتَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 1896لا حكم مسجّل
فَتْحُ مَاسَبَذَانَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ لَمَّا رَجَعَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ مِنْ جَلُولَاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ بَلَغَ سَعْدًا أَنَّ آذِينَ بْنَ الْهُرْمُزَانِ قَدْ حَمَلَ طَائِفَةً مِنَ الْفُرْسِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنِ ابْعَثْ جَيْشًا، وَأَمِّرْ عَلَيْهِمْ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ فَخَرَجَ ضِرَارٌ فِي جَيْشٍ مَنَ الْمَدَائِنِ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ ابْنُ الْهُذَيْلِ الْأَسَدِيُّ، فَتَقَدَّمَ ابْنُ الْهُذَيْلِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ، فَالْتَقَى مَعَ آذِينَ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ وُصُولِ ضِرَارٍ إِلَيْهِ، فَكَسَرَ ابْنُ الْهُذَيْلِ طَائِفَةَ الْفُرْسِ، وَأُسِرَ آذينُ بْنُ الْهُرْمُزَانِ، وَفَرَّ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَأَمَرَ ابْنُ الْهُذَيْلِ فَضُرِبَ عُنُقُ آذِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَاقَ وَرَاءَ الْمُنْهَزِمِينَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَاسَبَذَانَ - وَهِيَ مَدِينَةٌ كَبِيرَةٌ - فَأَخَذَهَا عَنْوَةً، وَهَرَبَ أَهْلُهَا فِي رُءُوسِ الشِّعَابِ وَالْجِبَالِ، فَدَعَاهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَضَرَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يُسْلِمِ الْجِزْيَةَ، وَأَقَامَ نَائِبًا عَلَيْهَا حَتَّى تَحَوَّلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ إِلَى الْكُوفَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ بَعْدَ وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ.
التاريخ 1897لا حكم مسجّل
فَتْحُ قِرْقِيسِيَاءَ وَهِيتَ فِي سنة ست عشرة قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: لَمَّا رَجَعَ هَاشِمٌ مِنْ جَلُولَاءَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَكَانَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ قَدْ أَمَدُّوا أَهْلَ حِمْصَ عَلَى قِتَالِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَخَالِدٍ - لَمَّا كَانَ هِرَقْلُ بِقِنَّسْرِينَ - وَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ فِي مَدِينَةِ هِيتَ كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، وَأَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ عُمَرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَسَارَ فِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى هِيتَ فَوَجَدَهُمْ قَدْ خَنْدَقُوا عَلَيْهِمْ، فَحَاصَرَهُمْ حِينًا فَلَمْ يَظْفَرْ بِهِمْ، فَسَارَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى مُحَاصَرَةِ هِيتَ الْحَارِثَ بْنَ يَزِيدَ، فَرَاغَ عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى قِرْقِيسِيَاءَ، فَأَخَذَهَا عَنْوَةً، وَأَنَابُوا إِلَى بَذْلِ الْجِزْيَةِ، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ عَلَى هِيتَ إِنْ لَمْ يُصَالِحُوا، أَنْ يَحْفِرَ مِنْ وَرَاءِ خَنْدَقِهِمْ خَنْدَقًا، وَيَجْعَلَ لَهُ أَبْوَابًا مِنْ نَاحِيَتِهِ. فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ أَنَابُوا إِلَى الْمُصَالَحَةِ.
التاريخ 1898لا حكم مسجّل
حَجَّ عُمَرُ بِالنَّاسِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. قَالَ: وَكَانَ نَائِبَهُ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابٌ، وَعَلَى الشَّامِ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَعَلَى الْعِرَاقِ سَعْدٌ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرَيْنِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَلَى الْمَوْصِلِ رِبْعِيُّ بْنُ الْأَفْكَلِ، وَعَلَى الْجَزِيرَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيُّ.
التاريخ 1899لا حكم مسجّل
كُتِبَ التَّارِيخُ مِنَ الْهِجْرَةِ بِمَشُورَةِ عَلِيٍّ . وَفِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ التَّأْرِيخَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَهُ وسَبَبَهُ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى عُمَرَ صَكٌّ مَكْتُوبٌ لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ بِدَيْنٍ يَحِلُّ عَلَيْهِ فِي شَعْبَانَ، فَقَالَ: أَيُّ شَعْبَانَ ؟ أَمِنْ هَذِهِ السَّنَةِ أَمِ الَّتِي قَبْلَهَا، أَمِ الَّتِي بَعْدَهَا ؟ ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: ضَعُوا لِلنَّاسِ شَيْئًا يَعْرِفُونَ بِهِ حُلُولَ دُيُونِهِمْ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ أَرَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يُؤَرِّخُوا كَمَا تُؤَرِّخُ الْفُرْسُ بِمُلُوكِهِمْ، كُلَّمَا هَلَكَ مَلِكٌ أَرَّخُوا مِنْ تَارِيخِ وِلَايَةِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَرِّخُوا بِتَارِيخِ الرُّومِ مِنْ زَمَانِ إِسْكَنْدَرَ. فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَلِطُولِهِ أَيْضًا. وَقَالَ قَائِلُونَ: أَرِّخُوا مِنْ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَقَالَ آخَرُونَ: مِنْ مَبْعَثِهِ، ﷺ. وَأَشَارَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَآخَرُونَ أَنْ يُؤَرَّخَ مِنْ هِجْرَتِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ; لِظُهُورِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَإِنَّهُ أَظْهَرُ مِنَ الْمَوْلِدِ وَالْمَبْعَثِ. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ، فَأَمَرَ عُمَرُ أَنْ يُؤَرَّخَ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَأَرَّخُوا مِنْ أَوَّلِ تِلْكَ السَّنَةِ مِنْ مُحَرَّمِهَا. وَعِنْدَ مَالِكٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَوَّلَ السَّنَةِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِقُدُومِهِ، ﷺ، إِلَى الْمَدِينَةَ فِيهِ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السَّنَةِ مِنَ الْمُحَرَّمِ ; لِأَنَّهُ أَضْبَطُ، لِئَلَّا تَخْتَلِفَ الشُّهُورُ، فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ أَوَّلُ السَّنَةِ الْهِلَالِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ. وَكَانَتْ لِلْعَرَبِ أَيَّامٌ وَأَعْلَامٌ يَعُدُّونَهَا، ثُمَّ أَرَّخُوا مِنْ مَوْتِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ إِلَى الْفِيلِ، وَكَانَ التَّأْرِيخُ مِنَ الْفِيلِ حَتَّى أَرَّخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَإِنَّمَا أَرَّخَ عُمَرُ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ مُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّهُ يَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَارِيخٌ. قَالَ: فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ لِلْمَشُورَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ لِمَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرِّخْ لِمُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَلْ نُؤَرِّخُ لِمُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّ مُهَاجَرَهُ فَرَقَّ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَرِّخُوا، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرِّخُوا؟ قَالَ: شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ، يَكْتُبُونَ فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا، قَالَ عُمَرُ: حَسَنٌ فَأَرِّخُوا، فَقَالَ: مِنْ أَيِّ السِّنِينَ نَبْدَأُ؟ فَقَالُوا: مِنْ مَبْعَثِهِ، وَقَالُوا: مِنْ وَفَاتِهِ، ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى الْهِجْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَبِأَيِّ الشُّهُورِ نَبْدَأُ، فَقَالُوا: مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالُوا: الْمُحَرَّمُ؛ فَإِنَّهُ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ، فَأَجْمَعُوا عَلَى الْمُحَرَّمِ. قَالَ ابن الجوزي: فَقَدْ قَدَّمُوا التَّأْرِيخَ شَهْرَيْنِ وَبَعْضَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا كَتَبَ عُمَرُ التَّارِيخَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ. وَقَالَ قُدَامَةَ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَاتِبُ: تَارِيخُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ، وَهُوَ فِي الْوَقْتِ غَايَتُهُ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ، يُقَالُ: فُلَانٌ تَارِيخُ قَوْمِهِ؛ أَيْ: إِلَيْهِ انْتَهَى شَرَفُهُمْ. وَيُقَالُ: وَرَّخْتُ الْكِتَابَ تَوْرِيخًا، وَأَرَّخْتُهُ تَأْرِيخًا، اللُّغَةُ الْأُولَى لِتَمِيمٍ، وَالْأُخْرَى لِقَيْسٍ، وَلِكُلِّ مَمْلَكَةٍ وَأَهْلِ مِلَّةٍ تَأْرِيخٌ، وَقَدْ كَانَ الرُّومُ أَرَّخُوا عَلَى حَسَبِ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَحْدَاثِ إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ تَأْرِيخُهُمْ عَلَى وَفَاةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ تُؤَرِّخُ بِأَعْدَلِ مَلِكٍ لَهَا إِلَى أَنِ اسْتَقَرَّ تَأْرِيخُهَا عَلَى هَلَاكِ يَزْدَجِرْدَ الَّذِي كَانَ آخِرَ مُلُوكِهِمْ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُؤَرِّخُ بِتَفَرُّقِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ مَكَّةَ، ثُمَّ أَرَّخُوا بِعَامِ الْغَدْرَةِ، وَقَالَ: إِنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ حَمِيرَ وَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ بِكُسْوَةٍ وَطِيبٍ، فَاعْتَرَضَ قَوْمٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعَ بْنِ حَنْظَلَةَ الرُّسُلَ فَقَتَلُوهُمْ، فَانْتَهَبُوا ذَلِكَ، وَكَانُوا لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَسُمِّيَ عَامَ الْغَدْرَةِ. ثُمَّ أَرَّخُوا بِعَامِ الْفِيلِ، وَكَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شُبَاطَ سَنَةَ ثَمَانِمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ لِذِي الْقَرْنَيْنِ، ثُمَّ أُرِّخَ بِسِنِي الْهِجْرَةِ، ابْتَدَأَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَالتَّوَارِيخُ الْعَرَبِيَّةُ إِنَّمَا هِيَ عَلَى اللَّيَالِي، وَسَائِرُ تَوَارِيخِ الْأُمَمِ عَلَى الْأَيَّامِ؛ لِأَنَّ سِنِيهِمْ تَجْرِي عَلَى أَمْرِ الشَّمْسِ، وَهِيَ نَهَارِيَّةٌ، وَسِنُو الْعَرَبِ يُعْمَلُ فِيهَا عَلَى الْقَمَرِ، وَابْتِدَاءُ رُؤْيَتِنَا لَهُ اللَّيْلُ، فَيُقَالُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ مُسْتَهَلٍّ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي النَّهَارِ، وَيُقَالُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ يَوْمَ كَذَا: انْسِلَاخُ شَهْرِ كَذَا؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ يَبْتَدِئُ بِابْتِدَاءِ اللَّيْلِ وَيَنْقَضِي بِانْقِضَاءِ النَّهَارِ، وَمَا قَبْلَ الْخَامِسَ عَشَرَ يُعْرَفُ بِاللَّيَالِي الْمَوَاضِي، وَإِذَا كَانَ بَعْدَهُ عُرِفَ بِاللَّيَالِي الْبَوَاقِي.
التاريخ 1900لا حكم مسجّل
بِنَاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَتَحَوُّلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَيْهَا وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ سَعْدًا أَرْسَلَ وَفْدًا إِلَى عُمَرَ بِهَذِهِ الْفُتُوحِ الْمَذْكُورَةِ، فَلَمَّا رَآهُمْ عُمَرُ سَأَلَهُمْ عَنْ تَغَيُّرِ أَلْوَانِهِمْ وَحَالِهِمْ، فَقَالُوا: وُخُومَةُ الْبِلَادِ غَيَّرَتْنَا فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَرْتَادُوا مَنْزِلًا يَنْزِلَهُ النَّاسُ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ مَعَ الْوَفْدِ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ لِيُعَاقِدُوا عُمَرَ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: أُعَاقِدُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْكُمْ كَانَ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. فَقَالُوا: إِذَنْ يَهْرُبُونَ وَيَصِيرُونَ عَجَمًا، وَبَذَلُوا لَهُ الصَّدَقَةَ، فَأَبَى، فَجَعَلُوا جِزْيَتَهُمْ مِثْلَ صَدَقَةِ الْمُسْلِمِ، فَأَجَابَهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا، فَهَاجَرَ هَؤُلَاءِ التَّغْلِبِيُّونَ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ مِنَ النَّمِرِ وَإِيَادٍ إِلَى سَعْدٍ بِالْمَدَائِنِ، وَنَزَلُوا بِالْمَدَائِنِ وَنَزَلُوا مَعَهُ بَعْدُ بِالْكُوفَةَ. وَقِيلَ: بَلْ كَتَبَ حُذَيْفَةُ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَقَّتْ بُطُونُهَا، وَجَفَّتْ أَعْضَادُهَا وَتَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهَا. وَكَانَ مَعَ سَعْدٍ فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ: أَخْبِرْنِي مَا الَّذِي غَيَّرَ أَلْوَانَ الْعَرَبِ وَلُحُومَهُمْ ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَعْدٌ: إِنَّ الَّذِي غَيَّرَهُمْ وُخُومَةُ الْبِلَادِ، وَإِنَّ الْعَرَبَ لَا يُوَافِقُهَا إِلَّا مَا وَافَقَ إِبِلَهَا مِنَ الْبُلْدَانِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنِ ابْعَثْ سَلْمَانَ وَحُذَيْفَةَ رَائِدَيْنِ فَلْيَرْتَادَا مَنْزِلًا بَرِّيًّا بَحْرِيًّا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِيهِ بَحْرٌ وَلَا جِسْرٌ. فَأَرْسَلَهُمَا سَعْدٌ، فَخَرَجَ سَلْمَانُ حَتَّى يَأْتِيَ الْأَنْبَارَ فَسَارَ فِي غَرْبَيِّ الْفُرَاتِ لَا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَسَارَ حُذَيْفَةُ فِي شَرْقَيِّ الْفُرَاتِ لَا يَرْضَى شَيْئًا حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ، وَكُلُّ رَمْلٍ وَحَصْبَاءَ مُخْتَلِطَيْنِ فَهُوَ كُوفَةٌ، فَأَتَيَا عَلَيْهَا وَفِيهَا دِيرَاتٌ ثَلَاثَةٌ: دَيْرُ حُرْمَةَ، وَدَيْرُ أُمِّ عَمْرٍو، وَدَيْرُ سِلْسِلَةَ، وَبَيْنَ ذَلِكَ خِصَاصٌ خِلَالَ هَذِهِ الْكُوفَةِ. فَنَزَلًا فَصَلَّيَا هُنَالِكَ، وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاءِ وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الْأَرْضِ وَمَا أَقَلَّتْ، وَالرِّيحِ وَمَا ذَرَتْ، وَالنُّجُومِ وَمَا هَوَتْ، وَالْبِحَارِ وَمَا جَرَتْ، وَالشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ، وَالْخِصَاصِ وَمَا أَجَنَّتْ، بَارِكْ لَنَا فِي هَذِهِ الْكُوفَةِ وَاجْعَلْهَا مَنْزِلَ ثَبَاتٍ فَلَمَّا رَجَعَا إِلَى سَعْدٍ بِالْخَبَرِ وَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَيْهِ أَيْضًا كَتَبَ سَعْدٌ إِلَى الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَمِّ أَنْ يَسْتَخْلِفَا عَلَى جُنْدِهِمَا وَيَحْضُرَا عِنْدَهُ، فَفَعَلَا. فَارْتَحَلَ سَعْدٌ مِنَ الْمَدَائِنِ حَتَّى نَزَلَ الْكُوفَةَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ الْكُوفَةِ وَوَقْعَةِ الْقَادِسِيَّةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ، وَكَانَ فِيمَا بَيْنَ قِيَامِ عُمَرَ وَاخْتِطَاطِ الْكُوفَةِ ثَلَاثُ سِنِينَ وَثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. وَلَمَّا نَزَلَهَا سَعْدٌ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي قَدْ نَزَلْتُ بِالْكُوفَةِ مَنْزِلًا فِيمَا بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ بَرِّيًّا وَبَحْرِيًّا يُنْبِتُ الْحَلْفَاءَ وَالنَّصِّيَّ، وَخَيَّرْتُ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدَائِنِ فَمَنْ أَعْجَبَهُ الْمُقَامُ بِالْمَدَائِنِ تَرَكْتُهُ فِيهَا كَالْمَسْلَحَةِ. وَلَمَّا اسْتَقَرُّوا بِهَا عَرَفُوا أَنْفُسَهُمْ وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ مَا كَانُوا فَقَدُوا مِنْ قُوَّتِهِمْ، وَاسْتَأْذَنَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي بُنْيَانِ الْقَصَبِ، وَاسْتَأْذَنَ فِيهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَيْضًا، وَاسْتَقَرَّ مَنْزِلُهُمْ فِيهَا فِي الشَّهْرِ الَّذِي نَزَلَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بَعْدَ ثَلَاثِ نَزَلَاتٍ قَبْلَهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنَّ الْعَسْكَرَ أَشَدُّ لِحَرْبِكُمْ وَأَذْكَرُ لَكُمْ، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَكُمْ. فَابْتَنَى أَهْلُ الْمِصْرَيْنِ بِالْقَصَبِ. حريق الكوفة ثُمَّ إِنَّ الْحَرِيقَ وَقَعَ فِي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، وَكَانَتِ الْكُوفَةُ أَشَدَّ حَرِيقًا فِي شَوَّالٍ، فَبَعَثَ سَعْدٌ نَفَرًا مِنْهُمْ إِلَى عُمَرَ يَسْتَأْذِنُونَهُ فِي الْبُنْيَانِ بِاللَّبِنِ، فَقَدِمُوا عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْحَرِيقِ وَاسْتِئْذَانِهِ أَيْضًا، فَقَالَ: افْعَلُوا وَلَا يَزِيدَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى ثَلَاثَةِ أَبْيَاتٍ، وَلَا تَطَاوَلُوا فِي الْبُنْيَانِ، وَالْزَمُوا السُّنَّةَ تَلْزَمْكُمُ الدَّوْلَةُ. فَرَجَعَ الْقَوْمُ إِلَى الْكُوفَةِ بِذَلِكَ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْبَصْرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَكَانَ عَلَى تَنْزِيلِ الْكُوفَةِ أَبُو هَيَّاجِ بْنُ مَالِكٍ، وَعَلَى تَنْزِيلِ الْبَصْرَةِ عَاصِمُ بْنُ دُلَفٍ أَبُو الْجَرْبَاءِ، وَقَدَّرَ الْمَنَاهِجَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ عِشْرِينَ ذِرَاعًا، وَالْأَزِقَّةَ سَبْعَ أَذْرُعٍ، وَالْقَطَائِعَ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَأَوَّلُ شَيْءٍ خُطَّ فِيهِمَا وَبُنِيَ مَسْجِدَاهُمَا، وَقَامَ فِي وَسَطِهِمَا رَجُلٌ شَدِيدُ النَّزْعِ، فَرَمَى فِي كُلِّ جِهَةٍ بِسَهْمٍ، وَأَمَرَ أَنْ يُبْنَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، وَبَنَى ظُلَّةً فِي مُقَدِّمَةِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ عَلَى أَسَاطِينَ رُخَامٍ مِنْ بِنَاءِ الْأَكَاسِرَةِ فِي الْحِيرَةِ، وَجَعَلُوا عَلَى الصَّحْنِ خَنْدَقًا لِئَلَّا يَقْتَحِمَهُ أَحَدٌ بِبُنْيَانٍ، وَبَنَوْا لِسَعْدٍ دَارًا بِحِيَالِهِ، وَهِيَ قَصْرُ الْكُوفَةِ الْيَوْمَ، بَنَاهُ رَوْزَبَهْ مِنْ آجُرِّ بُنْيَانِ الْأَكَاسِرَةِ بِالْحِيرَةِ، وَجَعَلَ الْأَسْوَاقَ عَلَى شِبْهِ الْمَسَاجِدِ مَنْ سَبَقَ إِلَى مَقْعَدٍ فَهُوَ لَهُ، حَتَّى يَقُومَ مِنْهُ إِلَى بَيْتِهِ أَوْ يَفْرَغَ مِنْ بَيْعِهِ. وَبَلَغَ عُمَرُ أَنَّ سَعْدًا قَالَ وَقَدْ سَمِعَ أَصْوَاتَ النَّاسِ مِنَ الْأَسْوَاقِ: سَكِّنُوا عَنِّي الصُّوَيْتَ، وَأَنَّ النَّاسَ يُسَمُّونَهُ قَصْرَ سَعْدٍ، فَبَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرِقَ بَابَ الْقَصْرِ ثُمَّ يَرْجِعَ، فَفَعَلَ، فَبَلَغَ سَعْدًا ذَلِكَ فَقَالَ: هَذَا رَسُولٌ أُرْسِلَ لِهَذَا، فَاسْتَدْعَاهُ سَعْدٌ، فَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ إِلَيْهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ سَعْدٌ وَعَرَضَ عَلَيْهِ نَفَقَتَهُ، فَلَمْ يَأْخُذْ، وَأَبْلَغَهُ كِتَابَ عُمَرَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ اتَّخَذْتَ قَصْرًا جَعَلْتَهُ حِصْنًا، وَيُسَمَّى قَصْرَ سَعْدٍ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ بَابٌ فَلَيْسَ بِقَصْرِكَ وَلَكِنَّهُ قَصْرُ الْخَبَالِ، انْزِلْ مِنْهُ [ مَنْزِلًا ] مِمَّا يَلِي بُيُوتَ الْأَمْوَالِ، وَأَغْلِقْهُ وَلَا تَجْعَلْ عَلَى الْقَصْرِ بَابًا يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ دُخُولِهِ. فَحَلَفَ لَهُ سَعْدٌ مَا قَالَ الَّذِي قَالُوا، فَرَجَعَ مُحَمَّدٌ فَأَبْلَغَ عُمَرَ قَوْلَ سَعْدٍ، فَصَدَّقَهُ. وَكَانَتْ ثُغُورُ الْكُوفَةِ أَرْبَعَةً: حُلْوَانَ وَعَلَيْهَا الْقَعْقَاعُ، وَمَاسَبَذَانَ وَعَلَيْهَا ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَقَرْقِيسِيَا وَعَلَيْهَا عُمَرُ بْنُ مَالِكٍ، أَوْ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَالْمَوْصِلَ وَعَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَمِّ، وَكَانَ بِهَا خُلَفَاؤُهُمْ إِذَا غَابُوا عَنْهَا. وَوَلِيَ سَعْدٌ الْكُوفَةَ بَعْدَمَا اخْتُطَّتْ ثَلَاثَ سِنِينَ وَنِصْفًا سِوَى مَا كَانَ بِالْمَدَائِنِ قَبْلَهَا. حَتَّى عَزَلَهُ عَنْهَا عُمَرُ، مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ. تاريخ الكوفة وفضلها وقَدْ كَانَ مَكَانُ الْكُوفَةِ مَعْرُوفًا فعَنْ صَدَقَةَ] بْنِ الْمُثَنَّى النَّخَعِيِّ، قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ خَرَجَ مِنْ كُوثَى مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى حِمَارٍ، وَمَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ لُوطٌ يَسُوقُ غَنَمًا وَيَحْمِلُ دَلْوًا عَلَى عُنُقِهِ حَتَّى نَزَلَ بَانْقِيَا، وَكَانَ بِهَا قَرْيَةٌ طُولُهَا اثْنَا عَشَرَ فَرْسَخًا، وَكَانُوا يُزَلْزَلُونَ كُلَّ لَيْلَةٍ، فَلَمَّا بَاتَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ لَمْ يُزَلْزَلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَمَشَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: بِتُّمْ بِمِثْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَطُّ؟ فَقَالُوا: لَا، فَقَالَ صَاحِبُ مَنْزِلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنْ كَانَ دُفِعَ عَنْكُمْ بِشَيْءٍ فَبِشَيْخٍ بَاتَ عِنْدِي الْبَارِحَةَ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى أَصْبَحَ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: إِنَّمَا خَرَجَتْ لِطَلَبِ الْمَعِيشَةِ، فَأَقِمْ فِينَا وَنُقَاسِمْكَ شَطْرَ أَمْوَالِنَا فَتَكُونَ أَكْثَرَ النَّاسِ مَالًا، قَالَ: لَيْسَ لِذَلِكَ خَرَجْتُ، إِنَّمَا خَرَجْتُ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ، فَخَرَجَ حَتَّى نَزَلَ الْقَادِسِيَّةَ، فَأَتَتْهُ عَجُوزٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَرَاكَ شَيْخًا حَسَنَ الْهَيْئَةِ وَأَرَاكَ شَعِثًا، فَهَلْ لَكَ أَنْ آتِيَكَ بِغَسُولٍ تَغْسِلُ بِهِ رَأْسَكَ وَلِحْيَتَكَ؟ قَالَ: مَا شِئْتِ، فَأَتَتْهُ بِغَسُولٍ، فَغَسَلَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، فَأَفَاضَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَاءِ وَأَخَذَ فَضْلَ مَا بَقِيَ مِنَ الْإِنَاءِ فَأَبْعَدَ وَقَالَ: كُونِي مُقَدَّسَةً -لِلْقَادِسِيَّةِ- مِنْكِ يَخْرُجُ وَفْدُ اللَّهِ، وَفِيكِ مَوْضِعُ رِحَالِهِمْ، فَسُمِّيَتْ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ الْقَادِسِيَّةَ. ثُمَّ خَرَجَ نَحْوَ الشَّامِ فَمَرَّ بِالنَّجَفِ فَرَأَى فِيهِ عَلَامَاتٍ وَكَانَ يَقْرَأُهَا فِي الْكُتُبِ، فَقَالَ: لِمَنْ هَذَا الْجَبَلُ؟ فَقَالُوا: لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّتِي بِتَّ فِيهَا -يَعْنُونَ بَانِقْيَا- فَأَتَاهُمْ إِبْرَاهِيمُ فَظَنُّوا أَنَّهُ أَتَاهُمْ لِلَّذِي عَرَضُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: بِيعُونِي أَرْضَكُمْ هَذِهِ -يَعْنِي ظَهْرَ الْكُوفَةِ - فَقَالُوا: هِيَ لَكَ، مَا مَلَكْنَا أَرْضًا هِيَ أَقَلُّ خَيْرًا مِنْهَا، مَا تَنْبُتُ رَعْيًا، وَلَا لَنَا فِيهَا مَنْفَعَةٌ، فَاشْتَرَاهَا مِنْهُمْ بِغَنَمِهِ. وعَنْ عَلِيٍّ ؓ، قَالَ: مِنْ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَارَ التَّنُّورُ، وَكَانَ بَيْتَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَسْجِدَهُ، ثُمَّ جَاءَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِلَى كُوثَى وَبِهَا ابْنُ أَخِيهِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ غَيْرَ كَثِيرٍ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى جَاءَ إِلَى مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَكَلَّمَ مَلِكًا كَانَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَبِيعَنِي هَذَا الْمَكَانَ -لِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ - وَكَانَ ذَلِكَ الْمَلِكُ تُزَلْزَلُ بِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ [الْأَرْضُ]، فَلَمَّا صَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَيْهِ كَفَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تِلْكَ الزَّلْزَلَةَ، فَقَالَ الْمَلِكُ: يَدْعُو لَكَ، فَقَالَ: مَا أُرِيدَ أَخْذَهُ إِلَّا بِثَمَنٍ، قَالَ: فَاشْتَرِهِ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَإِنِّي آخُذُهُ بِأَتَانِي هَذِهِ وَشَاتِي، قَالَ: أَمَّا الشَّاةُ فَلَيْسَ مَعَكَ زَادٌ إِلَّا لَبَنُهَا تَشْرَبُهُ، وَأَمَّا الْأَتَانُ فَهَلُمَّهَا نَحْنُ نَأْخُذُهَا، فَاشْتَرَاهَا بِالْأَتَانِ. فَبَدَأَ أَسَاسَ نُوحٍ، وَبَنَاهُ بِنَاءً لَاطِيًا عَلَى نَحْوٍ مِنْ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ، ثُمَّ سَارَ هُوَ وَلُوطٌ إِلَى الشَّامِ. وعَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَنَى الْكُوفَةَ بِالْآجُرِّ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. وعن بِشْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَنَّهُ قَدَّرَ الْكُوفَةَ فَكَانَتْ سِتَّةَ عَشَرَ مِيلًا، وَثُلْثَيْ مِيلٍ، وَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا خَمْسَةَ آلَافِ دَارٍ لِلْعَرَبِ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ دَارٍ لِسَائِرِ الْعَرَبِ، وَسِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دَارٍ لِلْيَمَنِيِّينَ. وعن إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّلْحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي]، قَالَ: رَأَيْتُ بِالْكُوفَةِ فِي مَسْجِدِ الْجَامِعِ مِائَةَ حَلْقَةِ فِقْهٍ. وعَنْ أَبِي مَاجِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ؓ: الْكُوفَةُ رُمْحُ الْإِسْلَامِ، وَقُبَّةُ الْإِسْلَامِ، وَحُجَّةُ الْعَرَبِ، يُكْفُونَ ثُغُورَهُمْ وَيَمُدُّونَ الْأَمْصَارَ. وعَنْ عَلِيٍّ ؓ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْكُوفَةَ لَقُبَّةُ الْإِسْلَامِ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا زَمَانٌ لَا يَبْقَى مُؤْمِنٌ إِلَّا أَتَاهَا أَوْ حَنَّ إِلَيْهَا، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ بِأَهْلِهَا كَمَا انْتَصَرَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ.
التاريخ 1901لا حكم مسجّل
قِصَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَحَصْرِ الرُّومِ لَهُ بِحِمْصَ فِي الْمُحَرَّمِ وَقُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ أَيْضًا لِيَنْصُرَهُ وَذَلِكَ أَنَّ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ عَزَمُوا عَلَى حِصَارِ أَبِي عُبَيْدَةَ بِحِمْصَ، وَاسْتَجَاشُوا بِأَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَخَلْقٍ مِمَّنْ هُنَالِكَ، وَقَصَدُوا أَبَا عُبَيْدَةَ، فَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى خَالِدٍ ; فَقَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ قِنَّسْرِينَ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ وَكَانَ عُمَرُ قَدِ اتَّخَذَ فِي كُلِّ مِصْرٍ خُيُولًا عَلَى قَدْرِهِ مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عُدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ، فَكَانَ بِالْكُوفَةِ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَرَسٍ، وَكَانَ الْقَيِّمَ عَلَيْهَا سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ وَنَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَفِي كُلِّ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ الثَّمَانِيَةِ عَلَى قَدْرِهِ، فَإِنْ تَأْتِهِمْ آتِيَةٌ رَكِبَهَا النَّاسُ وَسَارُوا إِلَى أَنْ يَتَجَهَّزَ النَّاسُ. وَاسْتَشَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنْ يُنَاجِزَ الرُّومَ، أَوْ يَتَحَصَّنَ بِالْبَلَدِ حَتَّى يَجِيءَ أَمْرُ عُمَرَ ؟ فَكُلُّهُمْ أَشَارَ بِالتَّحَصُّنِ إِلَّا خَالِدًا فَإِنَّهُ أَشَارَ بِمُنَاجَزَتِهِمْ، فَعَصَاهُ وَأَطَاعَهُمْ. وَتَحَصَّنَ بِحِمْصَ وَأَحَاطَ بِهِ الرُّومُ، وَكُلُّ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الشَّامِ مَشْغُولٌ أَهْلُهُ عَنْهُ بِأَمْرِهِمْ، وَلَوْ تَرَكُوا مَا هُمْ فِيهِ وَأَقْبَلُوا إِلَى حِمْصَ لَانَخْرَمَ النِّظَامُ فِي الشَّامِ كُلِّهِ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى سَعْدٍ أَنْ يَنْدُبَ النَّاسَ مَعَ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو، وَيُسَيِّرَهُمْ إِلَى حِمْصَ مِنْ يَوْمِ يَقْدَمُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ نَجْدَةً لِأَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ مَحْصُورٌ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا إِلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ الَّذِينَ مَالَئُوا الرُّومَ عَلَى حِصَارِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَيَكُونَ أَمِيرَ الْجَيْشِ إِلَى الْجَزِيرَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ فَخَرَجَ الْجَيْشَانِ مَعًا مِنَ الْكُوفَةِ ; الْقَعْقَاعُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ نَحْوَ حِمْصَ لِنَجْدَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَخَرَجَ عُمَرُ بِنَفْسِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ لِيَنْصُرَ أَبَا عُبَيْدَةَ، فَبَلَغَ الْجَابِيَةَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا بَلَغَ سَرْغَ. قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ أَشْبَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَ الْجَزِيرَةِ الَّذِينَ مَعَ الرُّومِ عَلَى حِمْصَ أَنَّ الْجَيْشَ قَدْ طَرَقَ بِلَادَهُمْ، انْشَمَرُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَفَارَقُوا الرُّومَ، وَسَمِعَتِ الرُّومُ بِقُدُومِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ لِنُصْرَةِ نَائِبِهِ عَلَيْهِمْ، فَضَعُفَ جَانِبُهُمْ جِدًّا. وَأَشَارَ خَالِدٌ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بِأَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِمْ لِيُقَاتِلَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَنَصَرَهُ، وَهُزِمَتِ الرُّومُ هَزِيمَةً فَظِيعَةً، وَذَلِكَ قَبْلَ وُرُودِ عُمَرَ عَلَيْهِمْ، وَقَبْلَ وُصُولِ الْأَمْدَادِ إِلَيْهِمْ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ وَهُوَ بِالْجَابِيَةِ يُخْبِرُهُ بِالْفَتْحِ، وَأَنَّ الْمَدَدَ وَصَلَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَأَلَهُ هَلْ يُدْخِلُهُمْ فِي الْقَسْمِ مَعَهُمْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ فَجَاءَ الْجَوَابُ بِأَنْ يُدْخِلَهُمْ مَعَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ إِنَّمَا ضَعُفَ وَإِنَّمَا انْشَمَرَ عَنْهُ الْمَدَدُ مِنْ خَوْفِهِمْ مِنْهُمْ، فَأَشْرَكَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْغَنِيمَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: جَزَى اللَّهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ خَيْرًا، يَحْمُونَ حَوْزَتَهُمْ وَيَمُدُّونَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ.
التاريخ 1902لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي هَذِهِ سبع عشرة قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ؓ، إِلَى الشَّامِ فَوَصَلَ إِلَى سَرْغَ، فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ. وَقَالَ سَيْفٌ: وَصَلَ إِلَى الْجَابِيَةِ. قُلْتُ: وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ وَصَلَ سَرْغَ. خطبة عمر بالجابية وَخَطَبَ عُمَرُ خُطْبَةً بَلِيغَةً بِالْجَابِيَةِ على قول من قال بنزوله بها فعن مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: هَذِهِ خُطْبَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ النَّاسَ يَوْمَ الْجَابِيَةِ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ الَّذِي يَبْقَى وَيَفْنَى مَا سِوَاهُ، الَّذِي بِطَاعَتِهِ يُكْرَمُ أَوْلِيَاؤُهُ، وَبِمَعْصِيَتِهِ يُضَلُّ أَعْدَاؤُهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لِهَالِكٍ هَلَكَ مَعْذِرَةٌ فِي تَعَمُّدِ ضَلَالَةٍ حَسِبَهَا هُدًى، وَلَا فِي تَرْكِ حَقٍّ حَسِبَهُ ضَلَالَةً، وَإِنَّ أَحَقَّ مَا تَعَاهَدَ الرَّاعِي مِنْ رَعِيَّتِهِ أَنْ يَتَعَاهَدَهُمْ بِالَّذِي لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِنْ وَظَائِفِ دِينِهِمُ الَّذِي هَدَاهُمُ اللَّهُ لَهُ، وَإِنَّمَا عَلَيْنَا أَنْ نَأْمُرَكُمْ بِمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَنَنْهَاكُمْ عَمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، وَأَنْ نُقِيمَ فِيكُمْ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَرِيبِ النَّاسِ وَبَعِيدِهِمْ، ثُمَّ وَلَا نُبَالِي عَلَى مَنْ مَالَ الْحَقُّ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَتَمَنَّوْنَ فِي دِينِهِمْ فَيَقُولُونَ: نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ الْمُصَلِّينَ وَنُجَاهِدُ مَعَ الْمُجَاهِدِينَ، وَنَنْتَحِلُ الْهِجْرَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَفْعَلُهُ أَقْوَامٌ لَا يَحْمِلُونَهُ بِحَقِّهِ، وَإِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي، وَإِنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا اشْتَرَطَهُ اللَّهُ فَلَا مُصْلِحَ إِلَّا بِهِ، فَوَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حِينَ يُزَايِلُ الْمَرْءَ لَيْلُهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ... فَذَكَرَ أَوْقَاتَ الصَّلَوَاتِ، قَالَ: وَيَقُولُ الرَّجُلُ: قَدْ هَاجَرْتُ [وَلَمْ يُهَاجِرْ]، وَإِنَّ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا السَّيِّئَاتِ، وَيَقُولُ أَقْوَامٌ: جَاهَدْنَا، وَإِنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُجَاهَدَةُ الْعَدُوِّ وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُقَاتِلُ بِطَبِيعَتِهِ مِنَ الشَّجَاعَةِ فَيَحْمِي، فَافْهَمُوا مَا تُوعَظُونَ بِهِ، فَإِنَّ الْجَرِبَ مَنْ جَرِبَ دِينُهُ، وَإِنَّ السَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُبْتَدَعَاتُهَا، وَإِنَّ الِاقْتِصَادَ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي بِدْعَةٍ، وَإِنَّ لِلنَّاسِ نَفْرَةً مِنْ سُلْطَانِهِمْ، فَعَائِذٌ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكَنِي، فَإِيَّاكُمْ وَضَغَائِنَ مَجْبُولَةً وَأَهْوَاءً مُتَّبَعَةً وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَإِنَّ فِيهِ نُورًا وَشِفَاءً، فَقَدْ قَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ فِيمَا وَلَّانِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ أُمُورِكُمْ وَوَعَظْتُكُمْ نُصْحًا لَكُمْ، وَقَدْ أَمَرْنَا لَكُمْ بِأَرْزَاقِكُمْ، فَلَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، بَلِ الْحُجَّةُ لَهُ عَلَيْكُمْ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتِغْفُرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. وَقَدْ تَلَقَّاهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ: أَبُو عُبَيْدَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، إِلَى سَرْغَ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ، فَاسْتَشَارَ عُمَرُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ، فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: أَنْتَ قَدْ جِئْتَ لِأَمْرٍ فَلَا تَرْجِعْ عَنْهُ. وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: لَا نَرَى أَنْ تَقْدَمَ بِوُجُوهِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ. فَيُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ أَمَرَ النَّاسِ بِالرُّجُوعِ مِنَ الْغَدِ. فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَفِرَارًا مَنْ قَدَرِ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، نَفِرُّ مَنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَوْ هَبَطْتَ وَادِيًا ذَا عُدْوَتَيْنِ ; إِحْدَاهُمَا مُخْصِبَةٌ وَالْأُخْرَى مُجْدِبَةٌ، فَإِنْ رَعَيْتَ الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ، وَإِنْ أَنْتَ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: لَوْ غَيْرُكَ يَقُولُهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ - وَهُوَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ شَأْنِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ فِيهَا لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ - يَعْنِي لِكَوْنِهِ وَافَقَ رَأْيَهُ - وَرَجَعَ بِالنَّاسِ. وعَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ وَبَقِيَّةُ عَذَابٍ عُذِّبَ بِهِ قَوْمٌ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ أَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: كَانَ الْوَبَاءُ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سنة سبع عشرة وَصَفَرٍ ثُمَّ ارْتَفَعَ. وَكَأَنَّ سَيْفًا يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْوَبَاءَ هُوَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ خَلْقٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَوُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ، بَلْ طَاعُونُ عَمَوَاسَ مِنَ السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ بَعْدَ هَذِهِ وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ كَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى أَنْ يَطُوفَ الْبُلْدَانَ، وَيَزُورَ الْأُمَرَاءَ، وَيَنْظُرَ فِيمَا اعْتَمَدُوهُ وَمَا آثَرُوا مِنَ الْخَيْرِ، فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ; فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: ابْدَأْ بِالْعِرَاقِ. وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ: بِالشَّامِ. فَعَزَمَ عُمَرُ عَلَى قُدُومِ الشَّامِ لِأَجْلِ قَسْمِ مَوَارِيثِ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ فَإِنَّهُ أَشْكَلَ قَسْمُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالشَّامِ، فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ عَزَمَ عَلَى قُدُومِ الشَّامِ بَعْدَ طَاعُونِ عَمَوَاسَ وَقَدْ كَانَ الطَّاعُونُ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ، فَهُوَ قُدُومٌ آخَرُ غَيْرُ قُدُومِ سَرْغَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ سَيْفٌ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالُوا: قَالَ عُمَرُ: ضَاعَتْ مَوَارِيثُ النَّاسِ بِالشَّامِ، أَبْدَأُ بِهَا فَأُقَسِّمُ الْمَوَارِيثَ، وَأُقِيمُ لَهُمْ مَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَتَقَلَّبُ فِي الْبِلَادِ وَأَنْبِذُ إِلَيْهِمْ أَمْرِي. قَالُوا: فَأَتَى عُمَرُ الشَّامَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ ; مَرَّتَيْنِ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَمَرَّتَيْنِ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَلَمْ يَدْخُلْهَا فِي الْأُولَى مِنَ الْأُخْرَيَيْنِ. وأَمَّا هَذِهِ الْمَرَّةُ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْهَا لِأَجْلِ الطَّاعُونِ، وَالْخَرْجَةُ الرَّابِعَةُ أَذِنَ لَهُ بِلَالٌ حِينَ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَبَكَى النَّاسُ عِنْدَ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ أَشَدُّهُمْ بُكَاءً عُمَرُ ؓ. وَهَذَا يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ سَيْفٍ، أَنَّهُ يَقُولُ بِكَوْنِ طَاعُونِ عَمَوَاسَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَقَدْ خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَأَبُو مَعْشَرٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ، فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ.
التاريخ 1903لا حكم مسجّل
فَتْحِ الْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي سنة سبع عشرة فُتِحَتِ الْجَزِيرَةُ، فِيمَا قَالَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ. فَوَافَقَ سَيْفَ بْنَ عُمَرَ فِي كَوْنِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ. أحداث الفتح سَارَ إِلَيْهَا عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، وَفِي صُحْبَتِهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَهُوَ غُلَامٌ صَغِيرُ السِّنِّ لَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وأَرْسَلَ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ إِلَى الرَّقَّةِ وَقَدِ ارْفَضَّ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ عَنْ حِمْصَ إِلَى كُوَرِهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَهْلِ الْكُوفَةِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ فَأَقَامَ يُحَاصِرُهُمْ حَتَّى صَالَحُوهُ، فَبَعَثُوا فِي ذَلِكَ إِلَى عِيَاضٍ وَهُوَ فِي مَنْزِلٍ وَسَطٍ بَيْنَ الْجَزِيرَةِ، فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَصَالَحَهُمْ، وَصَارُوا ذِمَّةً، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِتْبَانَ عَلَى الْمَوْصِلِ إِلَى نَصِيبِينَ، فَلَقُوهُ بِالصُّلْحِ، وَصَنَعُوا كَصُنْعِ أَهْلِ الرَّقَّةِ، فَكَتَبُوا إِلَى عِيَاضٍ فَقَبِلَ مِنْهُمْ وَعَقَدَ لَهُمْ. وَخَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ فَقَدِمَ عَلَى عَرَبِ الْجَزِيرَةِ، فَنَهَضَ مَعَهُ مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، إِلَّا إِيَادَ بْنَ نِزَارٍ، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا أَرْضَ الرُّومِ، فَكَتَبَ الْوَلِيدُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ. وَلَمَّا أَخَذُوا الرَّقَّةَ وَنَصِيبِينَ ضَمَّ عِيَاضٌ إِلَيْهِ سُهَيْلًا وَعَبْدَ اللَّهِ، وَسَارَ بِالنَّاسِ إِلَى حَرَّانَ، فَلَمَّا وَصَلَ أَجَابَهُ أَهْلُهَا إِلَى الْجِزْيَةِ فَقَبِلَ مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عِيَاضًا سَرَّحَ سُهَيْلًا وَعَبْدَ اللَّهِ إِلَى الرُّهَاءِ فَأَجَابُوهُمَا إِلَى الْجِزْيَةِ، وَأَجْرَوْا كُلَّ مَا أَخَذُوهُ مِنَ الْجَزِيرَةِ عَنْوَةً مَجْرَى الذِّمَّةِ، فَكَانَتِ الْجَزِيرَةُ أَسْهَلَ الْبُلْدَانِ فَتْحًا. وَرَجَعَ سُهَيْلٌ وَعَبْدُ اللَّهِ إِلَى الْكُوفَةِ. وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ الْجَابِيَةِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِذَا أَخَذَ خَالِدًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَصَرَفَهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَعْمَلَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى عَجَمِ الْجَزِيرَةِ وَحَرْبِهَا، وَالْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى عَرَبِهَا. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ الْوَلِيدِ عَلَى عُمَرَ بِمَنْ دَخَلَ الرُّومَ مِنَ الْعَرَبِ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ: بَلَغَنِي أَنَّ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ تَرَكَ دَارَنَا وَأَتَى دَارَكَ، فَوَاللَّهِ لَتُخْرِجَنَّهُ إِلَيْنَا أَوْ لَنُخْرِجَنَّ النَّصَارَى إِلَيْكَ. فَأَخْرَجَهُمْ مَلِكُ الرُّومِ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَتَفَرَّقَ بَقِيَّتُهُمْ فِي مَا يَلِي الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَكُلُّ إِيَادِيٍّ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ مِنْ أُولَئِكَ الْأَرْبَعَةِ آلَافٍ. وَأَبَى الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ تَغْلِبَ إِلَّا الْإِسْلَامَ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّمَا ذَلِكَ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ [ فِيهَا ] إِلَّا الْإِسْلَامُ، فَدَعْهُمْ عَلَى أَنْ لَا يُنَصِّرُوا وَلِيدًا وَلَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَكَانَ فِي تَغْلِبَ عِزٌّ وَامْتِنَاعٌ، فَهَمَّ بِهِمُ الْوَلِيدُ فَخَافَ عُمَرُ أَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِمْ فَعَزَلَهُ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ فُرَاتَ بْنَ حَيَّانَ وَهِنْدَ بْنَ عَمْرٍو الْجَمَلِيَّ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: إِذَا فَتَحَ اللَّهُ الشَّامَ وَالْعِرَاقَ فَابْعَثْ جُنْدًا إِلَى الْجَزِيرَةِ وَأَمِّرْ عَلَيْهِ خَالِدَ بْنَ عُرْفُطَةَ أَوْ هَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ أَوْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ. قَالَ سَعْدٌ: مَا أَخَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عِيَاضًا إِلَّا لِأَنَّ لَهُ فِيهِ هَوًى وَأَنَا مُوَلِّيهِ، فَبَعَثَهُ وَبَعَثَ مَعَهُ جَيْشًا فِيهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَابْنُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَسَارَ عِيَاضٌ وَنَزَلَ بِجُنْدِهِ عَلَى الرُّهَاءِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهُ مُصَالَحَةَ حَرَّانَ، وَبَعَثَ أَبَا مُوسَى إِلَى نَصِيبِينَ فَافْتَتَحَهَا، وَسَارَ عِيَاضٌ بِنَفْسِهِ إِلَى دَارَا فَافْتَتَحَهَا، وَوَجَّهَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ إِلَى أَرْمِينِيَّةَ الرَّابِعَةِ فَقَاتَلَ أَهْلَهَا، فَاسْتَشْهَدَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ، وَصَالَحَ أَهْلُهَا عُثْمَانَ عَلَى الْجِزْيَةِ. ثُمَّ كَانَ فَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ مِنْ فِلَسْطِينَ وَهَرَبَ هِرَقْلُ. فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَكُونُ الْجَزِيرَةُ مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الشَّامِ، فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ سَيَّرَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ إِلَى الْجَزِيرَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا تُوُفِّيَّ اسْتَخْلَفَ عِيَاضًا فَوَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ عُمَرَ بِوِلَايَتِهِ حِمْصَ وَقِنَّسْرِينَ وَالْجَزِيرَةِ، فَسَارَ إِلَى الْجَزِيرَةِ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ لِلنِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ الْجُمَحِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ هُبَيْرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ، فَانْتَهَتْ طَلِيعَةُ عِيَاضٍ إِلَى الرَّقَّةِ، فَأَغَارُوا عَلَى الْفَلَّاحِينَ وَحَصَرُوا الْمَدِينَةَ، وَبَثَّ عِيَاضٌ السَّرَايَا فَأَتَوْهُ بِالْأَسْرَى وَالْأَطْعِمَةِ، وَكَانَ حَصْرُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ، وَقَالَ عِيَاضٌ: الْأَرْضُ لَنَا قَدْ وَطِئْنَاهَا وَمَلَكْنَاهَا، فَأَقَرَّهَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى الْخَرَاجِ وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ. ثُمَّ سَارَ إِلَى حَرَّانَ فَجَعَلَ عَلَيْهَا عَسْكَرًا يَحْصُرُهَا، عَلَيْهِمْ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَسَارَ هُوَ إِلَى الرُّهَاءِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ انْهَزَمُوا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي مَدِينَتِهِمْ، فَطَلَبَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ فَصَالَحَهُمْ، وَعَادَ إِلَى حَرَّانَ فَوَجَدَ صَفْوَانَ وَحَبِيبًا وَقَدْ غَلَبَا عَلَى حُصُونٍ وَقُرًى مِنْ أَعْمَالِ حَرَّانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الْرُّهَاءِ. وَكَانَ عِيَاضٌ يَغْزُو وَيَعُودُ إِلَى الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ سُمَيْسَاطَ، وَأَتَى سَرُوجَ وَرَأْسَ كَيْفَا وَالْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ. ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ سُمَيْسَاطَ غَدَرُوا، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ عِيَاضٌ فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى فَتَحَهَا، ثُمَّ أَتَى قُرَيَّاتٍ عَلَى الْفُرَاتِ، وَهِيَ جِسْرُ مَنْبِجَ وَمَا يَلِيهَا، فَفَتَحَهَا وَسَارَ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ، وَهِيَ عَيْنُ الْوَرْدَةِ، فَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ وَتَرَكَهَا وَسَارَ إِلَى تَلِّ مَوْزَنَ، فَفَتَحَهَا عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَسَارَ إِلَى آمِدٍ فَحَصَرَهَا، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى صُلْحِ الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ مَيَّافَارِقِينَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَكَفْرَتُوثَا، فَسَارَ إِلَى نَصِيبِينَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الرُّهَاءِ، وَفَتَحَ طُورَ عَبْدَيْنِ وَحِصْنَ مَارِدِينَ، وَقَصَدَ الْمَوْصِلَ فَفَتَحَ أَحَدَ الْحِصْنَيْنِ، وَقِيلَ: لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا، وَأَتَاهُ بِطْرِيقُ الزَّوْزَانِ فَصَالَحَهُ، ثُمَّ سَارَ إِلَى أَرْزَنَ فَفَتَحَهَا، وَدَخَلَ الدَّرْبَ فَأَجَازَهُ بَدْلِيسُ وَبَلَغَ خِلَاطَ فَصَالَحَهُ بِطْرِيقُهَا، وَانْتَهَى إِلَى الْعَيْنِ الْحَامِضَةِ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الرَّقَّةِ وَمَضَى إِلَى حِمْصَ فَمَاتَ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَاسْتَعْمَلَ عُمَرُ سَعِيدَ بْنَ حِذْيَمٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ، فَاسْتَعْمَلَ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، فَفَتَحَ رَأْسَ عَيْنٍ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ. وَقِيلَ: إِنَّ عِيَاضًا أَرْسَلَ عُمَيْرَ بْنَ سَعْدٍ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ فَفَتَحَهَا بَعْدَ أَنِ اشْتَدَّ قِتَالُهُ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ إِلَى رَأْسِ عَيْنٍ بَعْدَ وَفَاةِ عِيَاضٍ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ حَضَرَ فَتْحَ الْجَزِيرَةِ مَعَ عِيَاضٍ وَدَخَلَ حَمَّامًا بِآمِدٍ فَاطَّلَى بِشَيْءٍ فِيهِ خَمْرٌ فَعَزَلَهُ عُمَرُ. وَقِيلَ: إِنَّ خَالِدًا لَمْ يَسِرْ تَحْتَ لِوَاءِ أَحَدٍ غَيْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا فَتَحَ عِيَاضٌ سُمَيْسَاطَ بَعَثَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ إِلَى مَلَطْيَةَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً، ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُهَا الصُّلْحَ، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الشَّامَ وَالْجَزِيرَةَ وَجَّهَ إِلَيْهَا حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ أَيْضًا فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَرَتَّبَ فِيهَا جُنْدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَعَ عَامِلِهَا.
التاريخ 1904لا حكم مسجّل
عَزْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَدْرَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، أَيْ سَلَكَا دَرْبَ الرُّومِ وَأَغَارَا عَلَيْهِمْ، فَغَنِمُوا أَمْوَالًا عَظِيمَةً وَسَبَيَا كَثِيرًا. ثُمَّ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ سَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ وَأَبِي حَارِثَةَ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي الْمُجَالِدِ، قَالُوا: لَمَّا رَجَعَ خَالِدٌ وَمَعَهُ أَمْوَالٌ جَزِيلَةٌ مِنَ الصَّائِفَةِ، انْتَجَعَهُ النَّاسُ يَبْتَغُونَ رِفْدَهُ وَنَائِلَهُ، فَكَانَ مِمَّنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَأَجَازَهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ. وَدَخَلَ خَالِدٌ الْحَمَّامَ، فَتَدَلَّكَ بِغُسْلٍ فِيهِ خَمْرٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَدَلَّكْتَ بِخَمْرٍ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ وَبَاطِنَهُ وَمَسَّهُ، فَلَا تُمِسُّوهَا أَجْسَادَكُمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدٌ: إِنَّا قَتَلْنَاهَا فَعَادَتْ غَسُولًا غَيْرَ خَمْرٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّ آلَ الْمُغِيرَةِ ابْتُلُوا بِالْجَفَاءِ فَلَا أَمَاتَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا فَرَّقَ خَالِدٌ فِي الَّذِينَ انْتَجَعُوهُ الْأَمْوَالَ سَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عَمَلِهِ، فَدَعَا عُمَرُ الْبَرِيدَ، فَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يُقِيمَ خَالِدًا، وَيَكْشِفَ عِمَامَتَهُ، وَيَنْزِعَ عَنْهُ قَلَنْسُوَتَهُ، وَيُقَيِّدَهُ بِعِمَامَتِهِ، وَيَسْأَلَهُ عَنْ هَذِهِ الْعَشْرَةِ آلَافٍ، إِنْ كَانَ أَجَازَهَا الْأَشْعَثَ مِنْ مَالِهِ فَهُوَ سَرَفٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِ الصَّائِفَةِ فَهِيَ خِيَانَةٌ، ثُمَّ اعْزِلْهُ عَنْ عَمَلِهِ. فَطَلَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدًا، وَصَعِدَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمِنْبَرَ، وَأُقِيمَ خَالِدٌ بَيْنَ يَدَيِ الْمِنْبَرِ، وَقَامَ إِلَيْهِ بِلَالٌ فَفَعَلَ بِهِ مَا أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هُوَ وَالْبَرِيدِيُّ الَّذِي قَدِمَ بِالْكِتَابِ. هَذَا وَأَبُو عُبَيْدَةَ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ نَزَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَاعْتَذَرَ إِلَى خَالِدٍ مِمَّا كَانَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ فَعَذَرَهُ خَالِدٌ، وَعَرَفَ أَنَّهُ لَا قَصْدَ لَهُ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ إِلَى قِنَّسْرِينَ فَخَطَبَ أَهْلَ الْبَلَدِ وَوَدَّعَهُمْ، وَسَارَ بِأَهْلِهِ إِلَى حِمْصَ فَخَطَبَهُمْ أَيْضًا وَوَدَّعَهُمْ وصول خالد بن الوليد إلى المدينة وَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمَّا دَخَلَ خَالِدٌ عَلَى عُمَرَ أَنْشَدَ عُمَرُ قَوْلَ الشَّاعِرِ صَنَعْتَ فَلَمْ يَصْنَعْ كَصُنْعِكَ صَانِعُ وَمَا يَصْنَعُ الْأَقْوَامُ فَاللَّهُ صَانِعُ ثُمَّ سَأَلَهُ: مَنْ أَيْنَ هَذَا الْيَسَارُ الَّذِي تُجِيزُ مِنْهُ بِعَشَرَةِ آلَافٍ ؟ فَقَالَ: مِنَ الْأَنْفَالِ وَالسُّهْمَانِ. قَالَ: فَمَا زَادَ عَلَى السِّتِّينَ أَلْفًا فَلَكَ. ثُمَّ قَوَّمَ أَمْوَالَهُ وَعُرُوضَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ عِشْرِينَ أَلْفًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ عَلَيَّ لَكَرِيمٌ، وَإِنَّكَ إِلَيَّ لَحَبِيبٌ، وَلَنْ تَعْمَلَ لِي بَعْدَ الْيَوْمِ عَلَى شَيْءٍ. وَقَالَ سَيْفٌ بسنده عَنْ عَدِيِّ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْأَمْصَارِ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سُخْطَةٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَلَكِنَّ النَّاسَ فُتِنُوا بِهِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الصَّانِعُ. وَأَنْ لَا يَكُونُوا بِعَرَضِ فِتْنَةٍ. وَعَوَّضَهُ عَمَّا أُخِذَ مِنْهُ.
التاريخ 1905لا حكم مسجّل
بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالتَّوْسِعَةِ فِيهِ وفي سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، اعْتَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَوَسَّعَ فِيهِ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَتَزَوَّجَ فِي مَكَّةَ ابْنَةَ حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَأُخْبِرَ أَنَّهَا عَاقِرٌ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، فَرَجَعَتْ إِلَى زَوْجِهَا الْأَوَّلِ. وَهَدَمَ عَلَى قَوْمٍ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا، وَوَضَعَ أَثْمَانَ دُورِهِمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى أَخَذُوهَا، وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ فِي رَجَبٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَالْأَزْهَرَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى وَسَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ، وقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَحَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ عُمَرَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةٍ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ، فَمَرَّ بِالطَّرِيقِ فَكَلَّمَهُ أَهْلُ الْمِيَاهِ أَنْ يَبْنُوا مَنَازِلَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ - وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ بِنَاءٌ - فَأَذِنَ لَهُمْ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ ابْنَ السَّبِيلِ أَحَقُّ بِالظِّلِّ وَالْمَاءِ.
التاريخ 1906لا حكم مسجّل
تَزَوَّجَ عُمَرُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَهِيَ ابْنَةُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَكَانَ قَدْ خَطَبَهَا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهَا صَبِيَّةٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ وَاللَّهِ مَا بِكَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَدْ عَلِمْنَا مَا بِكَ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ بِهَا فَصُنِعَتْ، ثُمَّ أَمَرَ بِبُرْدٍ فَطَوَاهُ، ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقِي بِهَذَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُولِي: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَيْكَ وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ إِنْ رَضِيتَ الْبُرْدَ فَأَمْسِكْهُ، وَإِنْ سَخِطْتَهُ فَرُدَّهُ، فَلَمَّا أَتَتْ عُمَرَ قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ فِيكِ وَفِي أَبِيكِ قَدْ رَضِينَا. قَالَتْ: فَرَجَعَتْ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَتْ: مَا نَشَرَ الْبُرْدَ وَمَا نَظَرَ إِلَّا إِلَيَّ، فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، وَلَمْ تَكُنْ قَدْ بَلَغَتْ، فَدَخَلَ بِهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ، ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا. وأَمْهَرَهَا أَرْبَعِينَ الْفًا. عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ خَطَبَ أُمَّ كُلْثُومٍ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ [عَلِيٌّ]: إِنَّهَا صَغِيرَةٌ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: زَوِّجْنِيهَا يَا أَبَا الْحَسَنِ، فَإِنِّي أَرْصُدُ مِنْ كَرَامَتِهَا مَا لَا يَرْصُدُ أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَنَا أَبْعَثُهَا إِلَيْكَ، فَإِنْ رَضِيتَهَا زَوَّجْتُكَهَا، فَبَعَثَهَا إِلَيْهِ بِبُرْدٍ، وَقَالَ لَهَا: قُولِي لَهُ: هَذَا الْبُرْدُ الَّذِي قُلْتُ لَكَ، فَقَالَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ، فَقَالَ: قُولِي: قَدْ رَضِيتُهُ ؓ، وَضَعَ يَدَهُ عَلَى سَاقِهَا وَكَشَفَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا، لَوْلَا أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَكَسَرْتُ أَنْفَكَ، ثُمَّ خَرَجَتْ حَتَّى جَاءَتْ أَبَاهَا، فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ وَقَالَتْ: بَعَثْتَنِي إِلَى شَيْخِ سُوءٍ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّهُ زَوْجُكِ، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مَجْلِسِ الْمُهَاجِرِينَ فِي الرَّوْضَةِ، وَكَانَ يَجْلِسُ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: رَفِّئُونِي، فَقَالُوا: لِمَاذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ نَسَبٍ وَسَبَبٍ وَصِهْرٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا نَسَبِي وَسَبَبِي وَصِهْرِي، فَكَانَ لِي بِهِ السَّبَبُ وَالنَّسَبُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ إِلَيْهِ الصِّهْرَ، فَرَفَّئُوهُ ؓ.
التاريخ 1907لا حكم مسجّل
فَتْحُ الْأَهْوَازِ وَمَنَاذِرَ وَنَهْرِ تِيرَى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ كَانَ فِي سنة سبع عشرة. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي هَذَا الْفَتْحِ أَنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ الْهُرْمُزَانُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْبُيُوتَاتِ السَّبْعَةِ فِي أَهْلِ فَارِسَ، وَكَانَتْ أُمَّتَهُ مِنْهُمْ مِهْرَجَانْقَذَقَ وَكُوَرَ الْأَهْوَازِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ قَصَدَ خُوزِسْتَانَ فَمَلَكَهَا وَقَاتَلَ بِهَا مَنْ أَرَادَهُمْ، فَكَانَ الْهُرْمُزَانُ يُغِيرُ عَلَى أَهْلِ مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ مِنْ مَنَاذِرَ وَنَهْرِ تِيرَى. فَاسْتَمَدَّ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ سَعْدًا فَأَمَدَّهُ بِنُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ وَنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَأْتِيَا أَعْلَى مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ حَتَّى يَكُونَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَهْرِ تِيرَى، وَوَجَّهَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ سُلْمَى بْنَ الْقَيْنِ وَحَرْمَلَةَ بْنَ مُرَيْطَةَ، وَكَانَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُمَا مِنْ بَنِي الْعَدَوِيَّةِ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ، فَنَزَلَا عَلَى حُدُودِ مَيْسَانَ وَدَسْتِمَيْسَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنَاذِرَ، وَدَعَوْا بَنِي الْعَمِّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ غَالِبٌ الْوَائِلِيُّ وَكُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ الْكُلَيْبِيُّ، فَتَرَكَا نُعَيْمًا وَنُعَيْمًا وَأَتَيَا سُلْمَى وَحَرْمَلَةَ وَقَالَا: أَنْتُمَا مِنَ الْعَشِيرَةِ وَلَيْسَ لَكُمَا مَنْزِلٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا فَانْهَدَا لِلْهُرْمُزَانِ، فَإِنَّ أَحَدَنَا يَثُورُ بِمَنَاذِرَ، وَالْآخَرَ بِنَهْرِ تِيرَى، فَنَقْتُلُ الْمُقَاتِلَةَ، ثُمَّ يَكُونُ وَجْهُنَا إِلَيْكُمْ، فَلَيْسَ دُونَ الْهُرْمُزَانِ شَيْءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَرَجَعَا وَقَدِ اسْتَجَابَا، وَاسْتَجَابَ قَوْمُهُمَا بَنُو الْعَمِّ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانُوا يَنْزِلُونَ خُوزِسْتَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَأَهْلُ الْبِلَادِ يَأْمَنُونَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْمَوْعِدِ بَيْنَ سُلْمَى وَحَرْمَلَةَ وَغَالِبٍ وَكُلَيْبٍ، وَكَانَ الْهُرْمُزَانُ يَوْمَئِذٍ بَيْنَ نَهْرِ تِيرَى وَبَيْنَ دُلُثَ، وَخَرَجَ سُلْمَى وَحَرْمَلَةُ صَبِيحَتَهُمَا فِي تَعْبِئَةٍ وَأَنْهَضَا نُعَيْمًا وَمَنْ مَعَهُ، فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْهُرْمُزَانُ بَيْنَ دُلُثَ وَنَهْرِ تِيرَى، وَسُلْمَى بْنُ الْقَيْنِ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَنُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَاقْتَتَلُوا. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَقْبَلَ مَدَدٌ مِنْ قِبَلِ غَالِبٍ وَكُلَيْبٍ، وَأَتَى الْهُرْمُزَانَ الْخَبَرُ بِأَنَّ مَنَاذِرَ نَهْرِ تِيرَى قَدْ أُخِذُوا، فَكَسَرَ ذَلِكَ قَلْبَ الْهُرْمُزَانِ وَمَنْ مَعَهُ، وَهَزَمَهُ اللَّهُ وَإِيَّاهُمْ، فَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ مَا شَاءُوا وَأَصَابُوا مَا شَاءُوا، وَاتَّبَعُوهُمْ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى شَاطِئِ دُجَيْلٍ، وَأَخَذُوا مَا دُونَهُ وَعَسْكَرُوا بِحِيَالِ سُوقِ الْأَهْوَازِ، وَعَبَرَ الْهُرْمُزَانُ جِسْرَ سُوقِ الْأَهْوَازِ وَأَقَامَ، وَصَارَ دُجَيْلٌ بَيْنَ الْهُرْمُزَانِ وَالْمُسْلِمِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْهُرْمُزَانُ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ طَلَبَ الصُّلْحَ، فَاسْتَأْمَرُوا عُتْبَةَ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ عَلَى الْأَهْوَازِ كُلِّهَا وَمِهْرَجَانَقَذَقَ، مَا خَلَا نَهْرَ تِيرَى وَمَنَاذِرَ، وَمَا غَلَبُوا عَلَيْهِ مِنْ سُوقِ الْأَهْوَازِ فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، وَجَعَلَ سُلْمَى عَلَى مَنَاذِرَ مَسْلَحَةً وَأَمْرُهَا إِلَى غَالِبٍ، وَحَرْمَلَةَ عَلَى نَهْرِ تِيرَى وَأَمْرُهَا إِلَى كُلَيْبٍ، فَكَانَا عَلَى مَسَالِحِ الْبَصْرَةِ. وَهَاجَرَتْ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي الْعَمِّ فَنَزَلُوا الْبَصْرَةَ. وَوَفَّدَ عُتْبَةُ وَفْدًا إِلَى عُمَرَ، مِنْهُمْ: سُلْمَى وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَأَمَرَهُمْ عُمَرُ أَنْ يَرْفَعُوا حَوَائِجَهُمْ، فَكَلَّمَهُمْ قَالَ: أَمَّا الْعَامَّةُ فَأَنْتَ صَاحَبُهَا، وَطَلَبُوا لِأَنْفُسِهِمْ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ كَمَا ذَكَرُوا، وَلَقَدْ يَعْزُبُ عَنْكَ مَا يَحِقُّ عَلَيْنَا إِنْهَاؤُهُ إِلَيْكَ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ الْعَامَّةِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ الْوَالِي فِيمَا غَابَ عَنْهُ بِأَعْيُنِ أَهْلِ الْخَبَرِ وَيَسْمَعُ بِآذَانِهِمْ، فَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ نَزَلُوا فِي مِثْلِ حَدَقَةِ الْبَعِيرِ الْغَاسِقَةِ مِنَ الْعُيُونِ الْعِذَابِ وَالْجِنَانِ الْخِصَابِ فَتَأْتِيهِمْ ثِمَارُهُمْ وَلَمْ يَحْصُدُوا، وَإِنَّا مَعْشَرَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ نَزَلْنَا سَبَخَةً وَزَعَقَّةً نَشَّاشَةً، طَرَفٌ لَهَا فِي الْفَلَاةِ وَطَرَفٌ لَهَا فِي الْبَحْرِ الْأُجَاجِ، يَجْرِي إِلَيْهَا مَا جَرَى فِي مِثْلِ مَرِيءِ النَّعَامَةِ، دَارُنَا فَعْمَةٌ، وَوَظِيفَتُنَا ضَيِّقَةٌ، وَعَدَدُنَا كَثِيرٌ، وَأَشْرَافُنَا قَلِيلٌ، وَأَهْلُ الْبَلَاءِ فِينَا كَثِيرٌ، وَدِرْهَمُنَا كَبِيرٌ، وَقَفِيزُنَا صَغِيرٌ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَزَادَنَا فِي أَرْضِنَا، فَوَسِّعْ عَلَيْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَزِدْنَا وَظِيفَةً تُوَظَّفُ عَلَيْنَا وَنَعِيشُ بِهَا. فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ قَوْلَهُ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَأَقْطَعَهُمْ مِمَّا كَانَ فَيْئًا لِأَهْلِ كِسْرَى وَزَادَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا الْفَتَى سَيِّدُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. وَكَتَبَ إِلَى عُتْبَةَ فِيهِ بِأَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ وَيَرْجِعَ إِلَى رَأْيِهِ، وَرَدَّهُمْ إِلَى بَلَدِهِمْ. وَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ ذِمَّتِهِمْ مَعَ الْهُرْمُزَانِ، وَقَعَ بَيْنَ الْهُرْمُزَانِ وَغَالِبٍ وَكُلَيْبٍ فِي حُدُودِ الْأَرَضِينَ اخْتِلَافٌ، فَحَضَرَ سُلْمَى وَحَرْمَلَةُ لِيَنْظُرَا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَوَجَدَا غَالِبًا وَكُلَيْبًا مُحِقَّيْنِ وَالْهُرْمُزَانَ مُبْطِلًا، فَحَالَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهُ، فَكَفَرَ الْهُرْمُزَانُ وَمَنَعَ مَا قِبَلَهُ، وَاسْتَعَانَ بِالْأَكْرَادِ وَكَفَّ جُنْدَهُ، وَكَتَبَ سُلْمَى وَمَنْ مَعَهُ إِلَى عُتْبَةَ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ عُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِقَصْدِهِ، وَأَمَدَّ الْمُسْلِمِينَ بِحُرْقُوصِ بْنِ زُهَيْرٍ السَّعْدِيِّ، كَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّرَهُ عَلَى الْقِتَالِ وَعَلَى مَا غَلَبَ عَلَيْهِ. وَسَارَ الْهُرْمُزَانُ وَمَنْ مَعَهُ، وَسَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى جِسْرِ سُوقِ الْأَهْوَازِ وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ: إِمَّا أَنْ تَعْبُرَ إِلَيْنَا أَوْ نَعْبُرَ إِلَيْكُمْ. فَقَالَ: اعْبُرُوا إِلَيْنَا، فَعَبَرُوا فَوْقَ الْجِسْرِ فَاقْتَتَلُوا مِمَّا يَلِي سُوقَ الْأَهْوَازِ، فَانْهَزَمَ الْهُرْمُزَانُ وَسَارَ إِلَى رَامَهُرْمُزَ، وَفَتَحَ حُرْقُوصٌ سُوقَ الْأَهْوَازِ، وَنَزَلَ بِهَا وَاتَّسَعَتْ لَهُ بِلَادُهَا إِلَى تُسْتَرَ، وَوَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْأَخْمَاسَ. شعر الأسود بن سريع في ذلك وَقَدْ قَالَ الْأُسُودُ بْنُ سَرِيعٍ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ صَحَابِيًّا، ؓ: لَعَمْرُكَ مَا أَضَاعَ بَنُو أَبِينَا وَلَكِنْ حَافَظُوا فِي مَنْ يُطِيعُ أَطَاعُوا رَبَّهُمْ وَعَصَاهُ قَوْمٌ أَضَاعُوا أَمْرَهُ فِي مَنْ يُضِيعُ مَجُوسٌ لَا يُنَهْنِهُهَا كِتَابٌ فَلَاقَوْا كَبَّةً فِيهَا قُبُوعُ وَوَلَّى الْهُرْمُزَانُ عَلَى جَوَادٍ سَرِيعِ الشَّدِّ يَثْفِنُهُ الْجَمِيعُ وَخَلَّى سُرَّةَ الْأَهْوَازِ كَرْهًا غَدَاةَ الْجِسْرِ إِذْ نَجَمَ الرَّبِيعُ وَقَالَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ، وَكَانَ صَحَابِيًّا أَيْضًا: غَلَبْنَا الْهُرْمُزَانَ عَلَى بِلَادٍ لَهَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ ذَخَائِرْ سَوَاءٌ بَرُّهُمْ وَالْبَحْرُ فِيهَا إِذَا صَارَتْ نَوَاحِيهَا بَوَاكِرْ لَهَا بَحْرٌ يَعُجُّ بِجَانِبَيْهِ جَعَافِرُ لَا يَزَالُ لَهَا زَوَاخِرْ
التاريخ 1908لا حكم مسجّل
صُلْحِ الْهُرْمُزَانِ وَأَهْلِ تُسْتَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ كَانَ ذَلِكَ فِي سنة سبع عشرة فِي قَوْلِ سَيْفٍ وَرِوَايَتِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ. قِيلَ: وَلَمَّا انْهَزَمَ الْهُرْمُزَانُ يَوْمَ سُوقِ الْأَهْوَازِ وَافْتَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ بَعَثَ حُرْقُوصٌ جَزَءَ بْنَ مُعَاوِيَةَ فِي أَثَرِهِ بِأَمْرِ عُمَرَ إِلَى سُوقِ الْأَهْوَازِ، فَمَا زَالَ يَقْتُلُهُمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَرْيَةِ الشَّغَرِ وَيُعْجِزُهُ الْهُرْمُزَانُ، فَمَالَ جَزَءٌ إِلَى دَوْرَقَ، وَهِيَ مَدِينَةُ سُرَّقَ، فَأَخَذَهَا صَافِيَةً، وَدَعَا مَنْ هَرَبَ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَأَجَابُوهُ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ وَعُتْبَةَ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى حُرْقُوصٍ وَإِلَيْهِ بِالْمُقَامِ فِيمَا غَلَبَا عَلَيْهِ، حَتَّى يَأْمُرَهُمَا بِأَمْرِهِ، فَعَمَرَ جَزَءٌ الْبِلَادَ، وَشَقَّ الْأَنْهَارَ وَأَحْيَا الْمَوَاتَ. وَرَاسَلَهُمُ الْهُرْمُزَانُ يَطْلُبُ الصُّلْحَ، فَأَجَابَ عُمَرُ إِلَى ذَلِكَ وَأَنْ يَكُونَ مَا أَخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ، وَأَقَامَ الْهُرْمُزَانُ وَالْمُسْلِمُونَ يَمْنَعُونَهُ إِذَا قَصَدَهُ الْأَكْرَادُ وَيَجِيءُ إِلَيْهِمْ. وَنَزَلَ حُرْقُوصٌ جَبَلَ الْأَهْوَازِ، وَكَانَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الِاخْتِلَافُ إِلَيْهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِنُزُولِ السَّهْلِ، وَأَنْ لَا يَشُقَّ عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا مُعَاهَدٍ وَلَا تُدْرِكْكَ فَتْرَةٌ وَلَا عَجَلَةٌ، فَتُكَدِّرَ دُنْيَاكَ وَتُذْهِبَ آخِرَتَكَ. وَبَقِيَ حُرْقُوصٌ إِلَى يَوْمِ صِفِّينَ، وَصَارَ حَرُورِيًّا وَشَهِدَ النَّهْرَوَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ.
التاريخ 1909لا حكم مسجّل
غَزْوَةِ فَارِسَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ قِيلَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَمَّا أُخِذَتِ الْأَهْوَازُ وَمَا يَلِيهَا: وَدِدْتُ أَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ فَارِسٍ حَبْلًا مِنْ نَارٍ لَا نَصِلُ إِلَيْهِمْ مِنْهُ وَلَا يَصِلُونَ إِلَيْنَا. وَقَدْ كَانَ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ أَيَّامَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ وَجَعَلَ مَوْضِعَهُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، ثُمَّ عَزَلَ قُدَامَةَ وَأَعَادَ الْعَلَاءَ يُنَاوِئُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَفَازَ الْعَلَاءُ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْفَضْلِ، فَلَمَّا ظَفِرَ سَعْدٌ بِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَزَاحَ الْأَكَاسِرَةَ جَاءَ بِأَعْظَمَ مِمَّا فَعَلَهُ الْعَلَاءُ، فَأَرَادَ الْعَلَاءُ أَنْ يَصْنَعَ فِي الْفُرْسِ شَيْئًا، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ نَهَاهُ عَنِ الْغَزْوِ فِي الْبَحْرِ، وَنَهَى غَيْرَهُ أَيْضًا اتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَخَوْفَ الْغَرَرِ. فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى حَرْبِهِمْ؛ فَاسْتَجَابَ لَهُ أَهْلُ بِلَادِهِ، فَجَزَّأَهُمْ أَجْزَاءً، فَعَلَى فِرْقَةٍ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى، وَعَلَى الْأُخْرَى السَّوَّارُ بْنُ هَمَّامٍ، وَعَلَى الْأُخْرَى خُلَيْدُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى، وَخُلَيْدٌ هُوَ أَمِيرُ الْجَمَاعَةِ. فَحَمَلَهُمْ فِي الْبَحْرِ إِلَى فَارِسَ وَذَلِكَ بِغَيْرِ إِذْنِ عُمَرَ لَهُ فِي ذَلِكَ - وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، وَلَا أَبَا بَكْرٍ أَغْزَيَا فِيهِ الْمُسْلِمِينَ - فَعَبَرَتْ تِلْكَ الْجُنُودُ مِنَ الْبَحْرَيْنِ إِلَى فَارِسَ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِ إِصْطَخْرَ، فَحَالَتْ فَارِسُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ سُفُنِهِمْ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خُلَيْدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا مُحَارَبَتَكُمْ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا جِئْتُمْ لِمُحَارَبَتِهِمْ، فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَقَاتِلُوهُمْ، فَإِنَّمَا الْأَرْضُ وَالسُّفُنُ لِمَنْ غَلَبَ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [ الْبَقَرَةِ: 45 ]. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ فَصَلُّوا الظُّهْرَ ثُمَّ نَاهَدُوهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فِي مَكَانٍ مِنَ الْأَرْضِ يُدْعَى طَاوُسَ، ثُمَّ أَمَرَ خُلَيْدٌ الْمُسْلِمِينَ فَتَرَجَّلُوا، وَقَاتَلُوا فَصَبَرُوا، ثُمَّ ظَفِرُوا، فَقَتَلُوا فَارِسَ مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتَلُوا قَبْلَهَا مِثْلَهَا، ثُمَّ خَرَجُوا يُرِيدُونَ الْبَصْرَةَ فَغَرِقَتْ بِهِمْ سُفُنُهُمْ، وَلَمْ يَجِدُوا إِلَى الرُّجُوعِ فِي الْبَحْرِ سَبِيلًا، وَوَجَدُوا شَهْرَكَ فِي أَهْلِ إِصْطَخْرَ قَدْ أَخَذُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالطُّرُقِ، فَعَسْكَرُوا وَامْتَنَعُوا مِنَ الْعَدُوِّ. بلوغ عمر صنيع العلاء بن الحضرمي وَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ صُنْعُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَعَزَلَهُ وَتَوَعَّدَهُ، وَأَمَرَهُ بِأَثْقَلِ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ، وَأَبْغَضِ الْوُجُوهِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: الْحَقْ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي مَنْ قِبَلَكَ، فَخَرَجَ الْعَلَاءُ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مُضَافًا إِلَيْهِ، وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ: إِنَّ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ خَرَجَ بِجَيْشٍ فَأَقْطَعَهُمْ أَهْلُ فَارِسَ، وَعَصَانِي، وَأَظُنُّهُ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِذَلِكَ، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُنْصَرُوا، أَنْ يُغْلَبُوا وَيُنْشَبُوا، فَانْدُبْ إِلَيْهِمُ النَّاسَ، وَاضْمُمْهُمْ إِلَيْكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجْتَاحُوا. فَنَدَبَ عُتْبَةُ الْمُسْلِمِينَ وَأَخْبَرَهُمْ بِكِتَابِ عُمَرَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَانْتَدَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأَبْطَالِ، مِنْهُمْ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةُ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَغَيْرُهُمْ، فِي اثْنَيْ عَشَرَ الْفًا، وَعَلَى الْجَمِيعِ أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ. فَخَرَجُوا عَلَى الْبِغَالِ يَجْنُبُونَ الْخَيْلَ سِرَاعًا، فَسَارُوا عَلَى السَّاحِلِ لَا يَلْقَوْنَ أَحَدًا، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الْعَلَاءِ وَبَيْنَ أَهْلِ فَارِسَ بِالْمَكَانِ الْمُسَمَّى بِطَاوُسَ، وَإِذَا خُلَيْدُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَحْصُورُونَ، قَدْ أَحَاطَ بِهِمُ الْعَدُوُّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَقَدْ تَدَاعَتْ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ تَكَامَلَتْ أَمْدَادُ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقِتَالُ، فَقَدِمَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فِي أَحْوَجِ مَا هُمْ فِيهِ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمُشْرِكِينَ رَأْسًا، فَكَسَرَ أَبُو سَبْرَةَ الْمُشْرِكِينَ كَسْرَةً عَظِيمَةً، وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً جِدًّا، وَأَخَذَ مِنْهُمْ أَمْوَالًا جَزِيلَةً بَاهِرَةً، وَاسْتَنْقَذَ خُلَيْدًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَدَمَغَ الشِّرْكَ وَذَلَّهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَلَمَّا اسْتَكْمَلَ عُتْبَةُ فَتْحَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ، اسْتَأْذَنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ إِلَى الْحَجِّ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ أَبَا سَبْرَةَ بْنَ أَبِي رُهْمٍ، وَاجْتَمَعَ بِعُمَرَ فِي الْمَوْسِمِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُقِيلَهُ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ عُمَرُ لَيَرْجِعَنَّ إِلَى عَمَلِهِ. فَدَعَا عُتْبَةُ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ فَمَاتَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، وَهُوَ مُنْصَرِفٌ مِنَ الْحَجِّ، فَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ عُمَرُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، وَوَلَّى بَعْدَهُ بِالْبَصْرَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَوَلِيَهَا بَقِيَّةَ تِلْكَ السَّنَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا، لَمْ يَقَعْ فِي زَمَانِهِ حَدَثٌ، وَكَانَ مَرْزُوقَ السَّلَامَةِ فِي عَمَلِهِ.
التاريخ 1910لا حكم مسجّل
سَّنَةِ سبع عشرة عُمَرَ عَزَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ الْكُوفَةِ لِأَنَّ قَوْمًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ تَكَلَّمُوا عَلَى سَعْدٍ وَقَالُوا: اعْفِنَا مِنْهُ، فَبَعَثَ عُمَرُ مَنْ يَسْأَلُ أَهْلَ الْكُوفَةِ عَنْهُ، فَقَالُوا: لَا نَعْلَمُ عَنْهُ إِلَّا خَيْرًا، وَسَكَتَ قَوْمٌ فَلَمْ يَنْطِقُوا بِشَيْءٍ. وَقَالَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ: إِنَّهُ لَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا عَزَلَهُ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ، وَقِيلَ: بَلْ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ، فَعَزَلَهُ وَأَمَرَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، فَشَكَوْا مِنْهُ، فَصَرَفَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْمُغِيرَةَ. فعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، [عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ]، قَالَ: شَكَى أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ فَقَالُوا: لَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ، فَذَكَرَ عُمَرُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَمَّا صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ أَرْكُدُ فِي الْأَوَّلَتَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الْآخِرَتَيْنِ، فَقَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا -أَوْ رِجَالًا- يَسْأَلُ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيَقْنُونَ عَنْهُ مَعْرُوفًا حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ، فَقَالَ: "أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، فَقَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ لِلْفِتَنِ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أُسَامَةُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ". قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ]، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطَّرِيقِ يَغْمِزُهُنَّ. وقيل عَزَلَهُ عَنْهَا وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَكَانَ نَائِبَ سَعْدٍ. وَقِيلَ: بَلْ وَلَّاهَا عَمْرَو بْنَ يَاسِرٍ. وَقَالَ سَعْدٌ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ: لَقَدْ أَسْلَمْتُ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَلَقَدْ كُنَّا وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُنَا، وَإِنِّي لَأَوَّلُ رَجُلٍ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمَ أُحُدٍ أَبَوَيْهِ وَمَا جَمَعَهُمَا لِأَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ يَقُولُونَ: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي. وَفِي رِوَايَةٍ: تُعَزِّرُنِي عَلَى الْإِسْلَامِ، لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ لِسَعْدٍ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى الْكُوفَةِ ؟ فَقَالَ: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ. فَأَقَرَّهُ عُمَرُ عَلَى نِيَابَتِهِ الْكُوفَةَ - وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا مِنْ أَشْرَافِ الصَّحَابَةِ، حَلِيفًا لِبَنِي الْحُبْلَى مِنَ الْأَنْصَارِ - وَاسْتَمَرَّ سَعْدٌ مَعْزُولًا مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَتَهَدَّدَ أُولَئِكَ النَّفَرَ، وَكَادَ يُوقِعُ بِهِمْ بَأْسًا، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ أَنْ لَا يَشْكُوَ أَحَدٌ أَمِيرًا.
التاريخ 1911لا حكم مسجّل
عَزْلِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْبَصْرَةِ وَوِلَايَةِ أَبِي مُوسَى فِي سنة سبع عشرة عَزَلَ عُمَرُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا أَبَا مُوسَى، وَأَمَرَهُ أَنْ يُشْخِصَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ; قَالَهُ الْوَاقِدِيٌّ. ثُمَّ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ الْأَفْقَمِ، مِنْ نِسَاءِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَيُقَالُ: مِنْ نِسَاءِ بَنِي هِلَالٍ. وَكَانَ زَوْجُهَا مِنْ ثَقِيفٍ قَدْ تُوُفِّيَ عَنْهَا، وَكَانَتْ تَغْشَى نِسَاءَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَشْرَافِ، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى بَيْتِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ وَكَانَتْ دَارُ الْمُغِيرَةِ تُجَاهَ دَارِ أَبِي بَكْرَةَ وَكَانَ بَيْنَهُمَا الطَّرِيقُ، وَفِي دَارِ أَبِي بَكْرَةَ كُوَّةٌ تُشْرِفُ عَلَى كُوَّةٍ فِي دَارِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَ لَا يَزَالُ بَيْنَ الْمُغِيرَةِ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرَةَ شَنَآنٌ، فَبَيْنَمَا أَبُو بَكْرَةَ فِي دَارِهِ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْعُلِّيَّةِ، إِذْ فَتَحَتِ الرِّيحُ بَابَ الْكُوَّةِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرَةَ لِيُغْلِقَهَا، فَإِذَا كُوَّةُ الْمُغِيرَةِ مَفْتُوحَةٌ، وَإِذَا هُوَ عَلَى صَدْرِ امْرَأَةٍ وَبَيْنَ رِجْلَيْهَا، وَهُوَ يُجَامِعُهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ لِأَصْحَابِهِ: تَعَالَوْا فَانْظُرُوا إِلَى أَمِيرِكُمْ يَزْنِي بِأُمِّ جَمِيلٍ. فَقَامُوا فَنَظَرُوا إِلَيْهِ وَهُوَ يُجَامِعُ تِلْكَ الْمَرْأَةَ، فَقَالُوا لِأَبِي بَكْرَةَ: وَمَنْ أَيْنَ قُلْتَ إِنَّهَا أُمُّ جَمِيلٍ ؟ وَكَانَ رَأْسَاهُمَا مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، فَقَالَ: انْتَظِرُوا. فَلَمَّا فَرَغَا قَامَتِ الْمَرْأَةُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: هَذِهِ أُمُّ جَمِيلٍ. فَعَرَفُوهَا فِيمَا يَظُنُّونَ، فَلَمَّا خَرَجَ الْمُغِيرَةُ - وَقَدِ اغْتَسَلَ - لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ مَنَعَهُ أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ. وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَوَلَّى عُمَرُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ وَعَزَلَ الْمُغِيرَةَ، فَسَارَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَزَلَ بِالْمِرْبَدِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: وَاللَّهِ مَا جَاءَ أَبُو مُوسَى تَاجِرًا وَلَا زَائِرًا وَلَا جَاءَ إِلَّا أَمِيرًا. ثُمَّ قَدِمَ أَبُو مُوسَى عَلَى النَّاسِ، وَنَاوَلَ الْمُغِيرَةَ كِتَابًا مِنْ عُمَرَ، هُوَ أَوْجَزُ كِتَابٍ، فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَبَعَثْتُ أَبَا مُوسَى أَمِيرًا، فَسَلِّمْ مَا فِي يَدَيْكَ، وَالْعَجَلَ. وَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِنِّي قَدْ وَلَّيْتُ عَلَيْكُمْ أَبَا مُوسَى لِيَأْخُذَ مِنْ قَوِيِّكُمْ لِضَعِيفِكُمْ، وَلِيُقَاتِلَ بِكُمْ عَدُوَّكُمْ، وَلِيَدْفَعَ عَنْ دِينِكُمْ، وَلِيَجْبِيَ لَكُمْ فَيْئَكُمْ، ثُمَّ يَقْسِمَهُ فِيكُمْ. وَأَهْدَى الْمُغِيرَةُ لِأَبِي مُوسَى جَارِيَةً مِنْ مُوَلَّدَاتِ الطَّائِفِ تُسَمَّى عَقِيلَةَ، وَقَالَ: إِنِّي رَضِيتُهَا لَكَ. وَكَانَتْ فَارِهَةً. وَارْتَحَلَ الْمُغِيرَةُ وَالَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ إِلَى عُمَرَ، وَهُمْ أَبُو بَكْرَةَ، وَنَافِعُ بْنُ كَلَدَةَ، وَزِيَادُ بْنُ أَبِيهِ، وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الْبَجَلِيُّ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ جَمَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: سَلْ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُدَ كَيْفَ رَأَوْنِي ; مُسْتَقْبِلَهُمْ أَوْ مُسْتَدْبِرَهُمْ ؟ وَكَيْفَ رَأَوُا الْمَرْأَةَ أَوْ عَرَفُوهَا ؟ فَإِنْ كَانُوا مُسْتَقْبِلِيَّ، فَكَيْفَ لَمْ يَسْتَتِرُوا ! أَوْ مُسْتَدْبِرِيَّ، فَكَيْفَ اسْتَحَلُّوا النَّظَرَ فِي مَنْزِلِي عَلَى امْرَأَتِي ! وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُ إِلَّا امْرَأَتِي. وَكَانَتْ شَبَهَهَا. فَبَدَأَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرَةَ، فَشَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهُ بَيْنَ رِجْلَيْ أُمِّ جَمِيلٍ، وَهُوَ يُدْخِلُهُ وَيُخْرِجُهُ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ. قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَهُمَا ؟ قَالَ: مُسْتَدْبِرَهُمَا. قَالَ: فَكَيْفَ اسْتَثْبَتَّ رَأْسَهَا ؟ قَالَ: تَحَامَلْتُ. ثُمَّ دَعَا شِبْلَ بْنَ مَعْبَدٍ فَشَهِدَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ: اسْتَقْبَلْتَهُمَا أَمِ اسْتَدْبَرْتَهُمَا ؟ قَالَ: اسْتَقْبَلْتُهُمَا. وَشَهِدَ نَافِعٌ بِمِثْلِ شَهَادَةِ أَبِي بَكْرَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ زِيَادٌ بِمِثْلِ شَهَادَتِهِمْ، قَالَ: رَأَيْتُهُ جَالِسًا بَيْنَ رِجْلَيِ امْرَأَةٍ، فَرَأَيْتُ قَدَمَيْنِ مَخْضُوبَتَيْنِ يَخْفِقَانِ، وَاسْتَيْنِ مَكْشُوفَتَيْنِ، وَسَمِعْتُ حَفَزَانًا شَدِيدًا. قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ الْمَرْأَةَ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُشَبِّهُهَا. قَالَ: فَتَنَحَّ. وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ، ؓ، كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَرَ بِالثَّلَاثَةِ فَجُلِدُوا الْحَدَّ، وَهُوَ يَقْرَأُ قَوْلَهُ تَعَالَى: فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ [ النُّورِ: 13 ]. فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: اشْفِنِي مِنَ الْأَعْبُدِ. قَالَ: اسْكُتْ أَسْكَتَ اللَّهُ نَأْمَتَكَ، وَاللَّهِ لَوْ تَمَّتِ الشَّهَادَةُ لَرَجَمْتُكَ بِأَحْجَارِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ ابن الجوزي: مِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ أَحَدًا، وَقَدْ كَانَتْ تُشْبِهُ زَوْجَتَهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِلْفُقَهَاءِ تَأْوِيلَاتٌ، فَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ عَقْدًا فِي الشَّرْعِ، وَكَانَ نِكَاحُ السِّرِّ عِنْدَ قَوْمٍ زِنًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الصَّحَابِيِّ مَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ بِمِقْدَارِ الضَّرَرِ فِي ذَلِكَ.
التاريخ 1912لا حكم مسجّل
فَتْحِ رَامَهُرْمُزَ وَتُسْتَرَ وَأَسْرِ الْهُرْمُزَانِ قِيلَ: كَانَ فَتْحُ رَامَهُرْمُزَ وَتُسْتَرَ وَالسُّوسَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. وَكَانَ سَبَبُ فَتْحِهَا أَنْ يَزْدَجِرْدَ كَانَ يُحَرِّضُ أَهْلَ فَارِسَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيُؤَنِّبُهُمْ بِمَلْكِ الْعَرَبِ بِلَادَهُمْ وَقَصْدِهِمْ إِيَّاهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَازِ وَأَهْلِ فَارِسَ ; فَتَحَرَّكُوا وَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَقْصِدُوا الْبَصْرَةَ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عُمَرَ؛ فَكَتَبَ إِلَى سَعْدٍ وَهُوَ بِالْكُوفَةِ: أَنِ ابْعَثْ جُنْدًا كَثِيفًا إِلَى الْأَهْوَازِ مَعَ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، وَعَجِّلْ، وَلْيَكُونُوا بِإِزَاءِ الْهُرْمُزَانِ وَسَمَّى رِجَالًا مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ، يَكُونُونَ فِي هَذَا الْجَيْشِ؛ مِنْهُمْ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذِي السَّهْمَيْنِ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ بِالْبَصْرَةِ: أَنِ ابْعَثْ إِلَى الْأَهْوَازِ جُنْدًا كَثِيفًا، وَأَمِّرْ عَلَيْهِمْ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ، وَلْيَكُنْ مَعَهُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ، وَكَعْبُ بْنُ سُورٍ، وَعَرْفَجَةُ بْنُ هَرْثَمَةَ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَلْيَكُنْ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَأَهْلِ الْبَصْرَةِ جَمِيعًا أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ، وَعَلَى كُلِّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمَدَدِ. قَالُوا: فَسَارَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ بِجَيْشِ الْكُوفَةِ فَسَبَقَ الْبَصْرِيِّينَ، فَانْتَهَى إِلَى رَامَهُرْمُزَ وَبِهَا الْهُرْمُزَانُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْهُرْمُزَانُ فِي جُنْدِهِ، وَنَقَضَ الْعَهْدَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَادَرَهُ طَمَعًا أَنْ يَقْتَطِعَهُ قَبْلَ مَجِيءِ أَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ رَجَاءَ أَنْ يَنْصُرَ أَهْلَ فَارِسَ فَالْتَقَى مَعَهُ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ بِأَرْبُكَ، فَاقْتَتَلَا قِتَالًا شَدِيدًا، فَهُزِمَ الْهُرْمُزَانُ وَفَرَّ إِلَى تَسْتُرَ وَتَرَكَ رَامَهُرْمُزَ فَتَسَلَّمَهَا النُّعْمَانُ عَنْوَةً وَأَخَذَ مَا فِيهَا مِنَ الْحَوَاصِلِ وَالذَّخَائِرِ وَالسِّلَاحِ وَالْعُدَدِ. وَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِمَا صَنَعَ الْكُوفِيُّونَ بِالْهُرْمُزَانِ، وَأَنَّهُ قَدْ فَرَّ فَلَجَأَ إِلَى تَسْتُرَ سَارُوا إِلَيْهَا، وَلَحِقَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ حَتَّى أَحَاطُوا بِهَا فَحَاصَرُوهَا جَمِيعًا، وَعَلَى الْجَمِيعِ أَبُو سَبْرَةَ، فَوَجَدُوا الْهُرْمُزَانَ قَدْ حَشَدَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا، وَجَمًّا غَفِيرًا. وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يُمِدَّهُمْ، فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ؛ فَسَارَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ أَمِيرَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَاسْتَمَرَّ أَبُو سَبْرَةَ عَلَى الْإِمْرَةِ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، فَحَاصَرَهُمْ أَشْهُرًا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَتَلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ أَخُو أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمَئِذٍ مِائَةً مُبَارَزَةً سِوَى مَنْ قَتَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ، وَمَجْزَأَةُ بْنُ ثَوْرٍ، وَأَبُو تَمِيمَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْكُوفَةِ قَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِائَةً مُبَارَزَةً، كَحَبِيبِ بْنِ قُرَّةَ، وَرِبْعِيِّ بْنِ عَامِرٍ، وَعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْأَسْوَدِ، وَقَدْ تَزَاحَفُوا أَيَّامًا مُتَعَدِّدَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آخِرِ زَحْفٍ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ -: يَا بَرَاءُ، أَقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ لَيَهْزِمَنَّهُمْ لَنَا. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ لَنَا، وَاسْتَشْهِدْنِي. قَالَ: فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى أَدْخَلُوهُمْ خَنَادِقَهُمْ وَاقْتَحَمُوهَا عَلَيْهِمْ، وَلَجَأَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى الْبَلَدِ فَتَحَصَّنُوا بِهِ، وَقَدْ ضَاقَتْ بِهِمُ الْبَلَدُ، وَطَلَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ الْأَمَانَ مِنْ أَبِي مُوسَى فَأَمَّنَهُ، فَبَعَثَ يَدُلُّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَكَانٍ يَدْخُلُونَ مِنْهُ إِلَى الْبَلَدِ، وَهُوَ مِنْ مَدْخَلِ الْمَاءِ إِلَيْهَا، فَنَدَبَ الْأُمَرَاءُ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، فَانْتَدَبَ لِذَلِكَ رِجَالٌ مِنَ الشُّجْعَانِ وَالْأَبْطَالِ، وَجَاءُوا فَدَخَلُوا مَعَ الْمَاءِ - كَالْبَطِّ - إِلَى الْبَلَدِ، وَذَلِكَ فِي اللَّيْلِ، فَيُقَالُ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيُّ، وَجَاءُوا إِلَى الْبَوَّابِينَ فَأَنَامُوهُمْ وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ فَدَخَلُوا الْبَلَدَ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ الْفَجْرِ إِلَى أَنْ تَعَالَى النَّهَارُ، وَلَمْ يُصَلُّوا الصُّبْحَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، كَمَا حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ وَذَلِكَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ، فَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالْفَتْحِ، فَمَا صَلَّوُا الصُّبْحَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ حُمْرَ النَّعَمِ. فائدة فقهية احْتَجَّ بِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ لِمَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَهَابِهِمَا إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِعُذْرِ الْقِتَالِ . وَجَنَحَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ، وَاسْتَدَلَّ بِقِصَّةِ الْخَنْدَقِ فِي قَوْلِهِ، ﷺ: شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى، مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا وَبِقَوْلِهِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ: لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَخَّرَهَا فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى بَعْدِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَمْ يُعَنِّفْهُمْ. أسر الهرمزان وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْهُرْمُزَانَ لَمَّا فُتِحَ الْبَلَدُ لَجَأَ إِلَى الْقَلْعَةِ فَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَبْطَالِ مِمَّنْ ذَكَرْنَا وَغَيْرُهُمْ، فَلَمَّا حَصَرُوهُ فِي مَكَانٍ مِنَ الْقَلْعَةِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا تَلَفُهُ أَوْ تَلَفُهُمْ، قَالَ لَهُمْ بَعْدَ مَا قَتَلَ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ وَمَجْزَأَةَ بْنَ ثَوْرٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إِنَّ مَعِيَ جَعْبَةً فِيهَا مِائَةُ سَهْمٍ، وَإِنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ إِلَيَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا رَمَيْتُهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلْتُهُ، وَلَا يَسْقُطُ لِي سَهْمٌ إِلَّا فِي رَجُلٍ مِنْكُمْ، فَمَاذَا يَنْفَعُكُمْ إِنْ أَسَرْتُمُونِي بَعْدَمَا قَتَلْتُ مِنْكُمْ مِائَةَ رَجُلٍ ؟ قَالُوا: فَمَاذَا تُرِيدُ ؟ قَالَ: تُؤَمِّنُونِي حَتَّى أُسَلِّمَكُمْ يَدِي فَتَذْهَبُوا بِي إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَيَحْكُمَ فِيَّ بِمَا يَشَاءُ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَأَلْقَى قَوْسَهُ وَنُشَّابَهُ وَأَسَرُوهُ، فَشُدُّوهُ وِثَاقًا وَأَرْصَدُوهُ لِيَبْعَثُوهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، ثُمَّ تَسَلَّمُوا مَا فِي الْبَلَدِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْحَوَاصِلِ، فَاقْتَسَمُوا أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ، فَنَالَ كُلُّ فَارِسٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَكُلُّ رَاجِلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
التاريخ 1913لا حكم مسجّل
فَتْحِ السُّوسِ ثُمَّ رَكِبَ أَبُو سَبْرَةَ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ وَمَعَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَاسْتَصْحَبُوا مَعَهُمُ الْهُرْمُزَانَ، وَسَارُوا فِي طَلَبِ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْفُرْسِ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى السُّوسِ. وَبِهَا شَهْرَيَارُ أَخُو الْهُرْمُزَانِ أَحَاطَ الْمُسْلِمُونَ بِهَا وَنَاوَشُوهُمُ الْقِتَالَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يُصِيبُ أَهْلُ السُّوسِ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمُ الرُّهْبَانُ وَالْقِسِّيسُونَ فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ إِنْ مِمَّا عَهِدَ إِلَيْنَا عُلَمَاؤُنَا أَنَّهُ لَا يَفْتَحُ السُّوسَ إِلَّا الدَّجَّالُ أَوْ قَوْمٌ فِيهِمُ الدَّجَّالُ، فَإِنْ كَانَ فِيكُمْ فَسَتَفْتَحُونَهَا. وَسَارَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ مِنَ السُّوسِ، وَصَارَ مَكَانَهُ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ بِالسُّوسِ الْمُقْتَرِبُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَاجْتَمَعَ الْأَعَاجِمُ بِنَهَاوَنْدَ، وَالنُّعْمَانُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مُحَاصِرًا أَهْلَ السُّوسِ مَعَ أَبِي سَبْرَةَ، وَزِرٌّ مُحَاصِرًا أَهْلَ جُنْدَيْسَابُورَ. فَجَاءَ كِتَابُ عُمَرَ بِصَرْفِ النُّعْمَانِ إِلَى أَهْلِ نَهَاوَنْدَ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ، فَنَاوَشَهُمُ الْقِتَالَ قَبْلَ مَسِيرِهِ، فَصَاحَ أَهْلُهَا بِالْمُسْلِمِينَ وَنَاوَشُوهُمْ وَغَاظُوهُمْ، وَكَانَ صَافِي بْنُ صَيَّادٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي خَيْلِ النُّعْمَانِ، فَأَتَى صَافِي بَابَ السُّوسِ فَدَقَّهُ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: انْفَتِحْ بَظَارَ ! وَهُوَ غَضْبَانُ، فَتَقَطَّعَتِ السَّلَاسِلُ وَتَكَسَّرَتِ الْأَغْلَاقُ وَتَفَتَّحَتِ الْأَبْوَابُ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَلْقَى الْمُشْرِكُونَ بِأَيْدِيهِمْ وَنَادَوْا: الصُّلْحَ الصُّلْحَ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَمَا دَخَلُوهَا عَنْوَةً، وَاقْتَسَمُوا مَا أَصَابُوا. ثُمَّ افْتَرَقُوا فَسَارَ النُّعْمَانُ حَتَّى أَتَى نَهَاوَنْدَ، وَسَارَ الْمُقْتَرِبُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى جُنْدَيْسَابُورَ مَعَ زِرٍّ. وَقِيلَ لِأَبِي سَبْرَةَ: هَذَا جَسَدُ دَانْيَالَ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَمَا عَلَيَّ بِذَلِكَ ! فَأَقَرَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ. وَكَانَ دَانْيَالُ قَدْ لَزِمَ نَوَاحِيَ فَارِسَ بَعْدَ بُخْتِ نَصَّرَ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَمْ يَرَ أَحَدًا عَلَى الْإِسْلَامِ أَكْرَمَ كِتَابَ اللَّهِ عَمَّنْ لَمْ يُجِبْهُ، فَقَالَ لِابْنِهِ: ائْتِ سَاحِلَ الْبَحْرِ فَاقْذِفْ بِهَذَا الْكِتَابِ فِيهِ، فَأَخَذَهُ الْغُلَامُ وَغَابَ عَنْهُ وَعَادَ وَقَالَ لَهُ: قَدْ فَعَلْتُ. قَالَ: مَا صَنَعَ الْبَحْرُ ؟ قَالَ: مَا صَنَعَ شَيْئًا. فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتَ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ ! فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَفَعَلَ فِعْلَتَهُ الْأُولَى. فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ الْبَحْرَ صَنَعَ ؟ قَالَ: مَاجَ وَاصْطَفَقَ. فَغَضِبَ أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا فَعَلْتَ الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ. فَعَادَ إِلَى الْبَحْرِ وَأَلْقَاهُ فِيهِ، فَانْفَلَقَ الْبَحْرُ عَنِ الْأَرْضِ وَانْفَجَرَتْ لَهُ الْأَرْضُ عَنْ مِثْلِ التَّنُّورِ، فَهَوَى فِيهَا ثُمَّ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَاخْتَلَطَ الْمَاءُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ بِمَا رَأَى قَالَ: الْآنَ صَدَقْتَ. وَمَاتَ دَانْيَالُ بِالسُّوسِ، وَكَانَ هُنَاكَ يُسْتَسْقَى بِجَسَدِهِ، فَاسْتَأْذَنُوا عُمَرَ فِيهِ فَأَمَرَ بِدَفْنِهِ. وَقِيلَ فِي أَمْرِ السُّوسِ: إِنَّ يَزْدَجِرْدَ سَارَ بَعْدَ وَقْعَةِ جَلُولَاءَ فَنَزَلَ إِصْطَخْرَ وَمَعَهُ سَيَاهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ، فَوَجَّهَهُ إِلَى السُّوسِ وَالْهُرْمُزَانَ إِلَى تُسْتَرَ، فَنَزَلَ سِيَاهُ الْكَلْتَانِيَّةَ، وَبَلَغَ أَهْلَ السُّوسِ أَمْرُ جَلُولَاءَ وَنُزُولُ يَزْدَجِرْدَ إِصْطَخْرَ، فَسَأَلُوا أَبَا مُوسَى الصُّلْحَ، وَكَانَ مُحَاصِرًا لَهُمْ، فَصَالَحَهُمْ وَسَارَ إِلَى رَامَهُرْمُزَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى تُسْتَرَ، وَنَزَلَ سِيَاهُ بَيْنَ رَامَهُرْمُزَ وَتُسْتَرَ، وَدَعَا مَنْ مَعَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الْفُرْسِ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيَغْلِبُونَ عَلَى هَذِهِ الْمَمْلَكَةِ وَتَرُوثُ دَوَابُّهُمْ فِي إِيوَانَاتِ إِصْطَخْرَ، وَيَشُدُّونَ خُيُولَهُمْ فِي شَجَرِهَا، وَقَدْ غَلَبُوا عَلَى مَا رَأَيْتُمْ، فَانْظُرُوا لِأَنْفُسِكُمْ. قَالُوا: رَأْيُنَا رَأْيُكَ. قَالَ: أَرَى أَنْ تَدْخُلُوا فِي دِينِهِمْ. وَوَجَّهُوا شِيرَوَيْهِ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْأَسَاوِرَةِ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ الْعَجَمَ وَلَا يُقَاتِلُوا الْعَرَبَ، وَإِنْ قَاتَلَهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ مَنَعَهُمْ مِنْهُمْ، وَيَنْزِلُوا حَيْثُ شَاءُوا، وَيَلْحَقُوا بِأَشْرَفِ الْعَطَاءِ، وَيَعْقِدَ لَهُمْ ذَلِكَ عُمَرُ عَلَى أَنْ يُسْلِمُوا، فَأَعْطَاهُمْ عُمَرُ مَا سَأَلُوا، فَأَسْلَمُوا وَشَهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ حِصَارَ تُسْتَرَ. وَمَضَى سِيَاهُ إِلَى حِصْنٍ قَدْ حَاصَرَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي زِيِّ الْعَجَمِ، فَأَلْقَى نَفْسَهُ إِلَى جَانِبِ الْحِصْنِ وَنَضَحَ ثِيَابَهُ بِالدَّمِ، فَرَآهُ أَهْلُ الْحِصْنِ صَرِيعًا فَظَنُّوهُ رَجُلًا مِنْهُمْ فَفَتَحُوا بَابَ الْحِصْنِ لِيُدْخِلُوهُ إِلَيْهِمْ، فَوَثَبَ وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى خَلَّوْا عَنِ الْحِصْنِ وَهَرَبُوا، فَمَلَكَهُ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْفِعْلَ كَانَ مِنْهُ بِتُسْتَرَ. إرسال الخمس والهرمزان إلى عمر بن الخطاب بالمدينة وبَعَثَ أَبُو سَبْرَةَ بِالْخُمْسِ وَبِالْهُرْمُزَانِ مَعَ وَفْدٍ فِيهِمْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ هَيَّئُوا الْهُرْمُزَانَ بِلُبْسِهِ الَّذِي كَانَ يَلْبَسُهُ مِنَ الدِّيبَاجِ وَالذَّهَبِ الْمُكَلَّلِ بِالْيَاقُوتِ وَاللَّآلِئِ، ثُمَّ دَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَتَيَمَّمُوا بِهِ مَنْزِلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقَالُوا: إِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْمَسْجِدِ بِسَبَبِ وَفْدٍ مِنَ الْكُوفَةِ. فَجَاءُوا الْمَسْجِدَ فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا فَرَجَعُوا، فَإِذَا غِلْمَانٌ يَلْعَبُونَ فَسَأَلُوهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ مُتَوَسِّدًا بُرْنُسًا لَهُ. فَرَجَعُوا إِلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا هُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْنُسًا لَهُ كَانَ قَدْ لَبِسَهُ لِلْوَفْدِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا عَنْهُ تَوَسَّدَ الْبُرْنُسَ وَنَامَ وَلَيْسَ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُهُ، وَالدِّرَّةُ مُعَلَّقَةٌ فِي يَدِهِ. فَقَالَ الْهُرْمُزَانُ أَيْنَ عُمَرُ ؟ فَقَالُوا: هُوَ ذَا. وَجَعَلَ النَّاسُ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ لِئَلَّا يُنَبِّهُوهُ، وَجَعَلَ الْهُرْمُزَانُ يَقُولُ: وَأَيْنَ حُجَّابُهُ، أَيْنَ حَرَسُهُ ؟ فَقَالُوا: لَيْسَ لَهُ حُجَّابٌ وَلَا حَرَسٌ، وَلَا كَاتِبٌ وَلَا دِيوَانٌ. فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا. فَقَالُوا: بَلْ يَعْمَلُ عَمَلَ الْأَنْبِيَاءِ. وَكَبَّرَ النَّاسُ، فَاسْتَيْقَظَ عُمَرُ بِالْجَلَبَةِ فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْهُرْمُزَانِ، فَقَالَ: الْهُرْمُزَانُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَتَأَمَّلَهُ وَتَأَمَّلَ مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، وَأَسْتَعِينُ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَلَّ بِالْإِسْلَامِ هَذَا وَأَشْيَاعَهُ، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ تَمَسَّكُوا بِهَذَا الدِّينِ، وَاهْتَدَوْا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ، وَلَا تُبْطِرَنَّكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا غَرَّارَةٌ. فَقَالَ لَهُ الْوَفْدُ: هَذَا مَلِكُ الْأَهْوَازِ فَكَلِّمْهُ. فَقَالَ: لَا؛ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِ مِنْ حِلْيَتِهِ شَيْءٌ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَلْبَسُوهُ ثَوْبًا صَفِيقًا، فَقَالَ عُمَرُ: هَيَّ يَا هُرْمُزَانُ ! كَيْفَ رَأَيْتَ وَبَالَ الْغَدْرِ وَعَاقِبَةَ أَمْرِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: يَا عُمَرُ، إِنَّا وَإِيَّاكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ اللَّهُ قَدْ خَلَّى بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَغَلَبْنَاكُمْ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا وَلَا مَعَكُمْ، فَلَمَّا كَانَ مَعَكُمْ غَلَبْتُمُونَا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا غَلَبْتُمُونَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِاجْتِمَاعِكُمْ وَتَفَرُّقِنَا. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: مَا عُذْرُكَ وَمَا حُجَّتُكَ فِي انْتِقَاضِكَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنِي قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَكَ. قَالَ: لَا تَخَفْ ذَلِكَ. وَاسْتَسْقَى الْهُرْمُزَانُ مَاءً، فَأُتِيَ بِهِ فِي قَدَحٍ غَلِيظٍ، فَقَالَ: لَوْ مُتُّ عَطَشًا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَشْرَبَ فِي هَذَا. فَأُتِيَ بِهِ فِي قَدَحٍ آخَرَ يَرْضَاهُ، فَلَمَّا أَخَذَهُ جَعَلَتْ يَدُهُ تَرْعَدُ، وَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُقْتَلَ وَأَنَا أَشْرَبُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ حَتَّى تَشْرَبَهُ. فَأَكْفَأَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعِيدُوهُ عَلَيْهِ، وَلَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِ الْقَتْلَ وَالْعَطَشَ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي الْمَاءِ، إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَأْنِسَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنِّي قَاتِلُكَ. فَقَالَ: إِنَّكَ أَمَّنْتَنِي. قَالَ: كَذَبْتَ. فَقَالَ أَنَسٌ: صَدَقَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ: وَيْحَكَ يَا أَنَسُ، أَنَا أُؤَمِّنُ قَاتِلَ مَجْزَأَةَ وَالْبَرَاءِ لَتَأْتِيَنِّي بِمَخْرَجٍ أَوْ لَأُعَاقِبَنَّكَ. قَالَ: قُلْتَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ حَتَّى تُخْبِرَنِي. وَقُلْتَ: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ حَتَّى تَشْرَبَهُ. وَقَالَ لَهُ مَنْ حَوْلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَقْبَلَ عَلَى الْهُرْمُزَانِ، فَقَالَ: خَدَعْتَنِي، وَاللَّهِ لَا أَنْخَدِعُ إِلَّا أَنْ تُسْلِمَ، فَأَسْلَمَ، فَفَرَضَ لَهُ فِي أَلْفَيْنِ وَأَنْزَلَهُ الْمَدِينَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ التَّرْجُمَانَ بَيْنَ عُمَرَ وَبَيْنَ الْهُرْمُزَانِ كَانَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قُلْ لَهُ: مِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: مِهْرِجَانِيٌّ. قَالَ: تَكَلَّمْ بِحُجَّتِكَ. فَقَالَ: أَكَلَامُ حَيٍّ أَمْ مَيِّتٍ ؟ قَالَ: بَلْ كَلَامُ حَيٍّ. فَقَالَ: قَدْ أَمَّنْتَنِي. فَقَالَ: خَدَعْتَنِي وَلَا أَقْبَلُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تُسْلِمَ. فَأَسْلَمَ فَفَرَضَ لَهُ أَلْفَيْنِ وَأَنْزَلَهُ الْمَدِينَةَ. ثُمَّ جَاءَ زَيْدٌ فَتَرْجَمَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا. قُلْتُ: وَقَدْ حَسُنَ إِسْلَامُ الْهُرْمُزَانِ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ عُمَرَ حَتَّى قُتِلَ عُمَرُ. اتهام الهرمزان بممالأة أبي لؤلؤة قاتل عمر وقتل عبيد الله بن عمر له فَاتَّهَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ بِمُمَالَأَةِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ هُوَ وَجُفَيْنَةُ، فَقَتَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْهُرْمُزَانَ وَجُفَيْنَةَ، عَ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ الْهُرْمُزَانَ لَمَّا عَلَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بِالسَّيْفِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَمَّا جُفَيْنَةُ فَصَلَّبَ عَلَى وَجْهِهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَحْجُرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَوَسَّعُوا فِي بِلَادِ الْعَجَمِ؛ خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَجَمِ، حَتَّى أَشَارَ عَلَيْهِ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ بِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي تَوَسُّعَهُمْ فِي الْفُتُوحَاتِ، فَإِنَّ الْمَلِكَ يَزْدَجِرْدَ لَا يَزَالُ يَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ لَمْ يُسْتَأْصَلْ سَاقُ الْعَجَمِ وَإِلَّا طَمِعُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، فَاسْتَحْسَنَ عُمَرُ ذَلِكَ مِنْهُ وَصَوَّبَهُ، وَأَذِنَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي التَّوَسُّعِ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ، فَفَتَحُوا بِسَبَبِ ذَلِكَ شَيْئًا كَثِيرًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
التاريخ 1914لا حكم مسجّل
مُصَالَحَةِ جُنْدَيْسَابُورَ بعد ما سَارَ الْمُسْلِمُونَ عَنِ السُّوسِ نَزَلُوا بِجُنْدَيْسَابُورَ، وَزِرُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُحَاصِرُهُمْ، فَأَقَامُوا عَلَيْهَا يُقَاتِلُونَهُمْ، فَرُمِيَ إِلَى مَنْ بِهَا مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَمَانِ، فَلَمْ يَفْجَأِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَأَخْرَجُوا أَسْوَاقَهُمْ وَخَرَجَ أَهْلُهَا، فَسَأَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: رَمَيْتُمْ بِالْأَمَانِ فَقَبِلْنَاهُ وَأَقْرَرْنَا بِالْجِزْيَةِ. فَقَالُوا: مَا فَعَلْنَا ! وَسَأَلَ الْمُسْلِمُونَ فَإِذَا عَبْدٌ يُدْعَى مَكْثَفًا كَانَ أَصْلُهُ مِنْهَا فَعَلَ هَذَا، فَقَالُوا: هُوَ عَبْدٌ. فَقَالَ أَهْلُهَا: لَا نَعْرِفُ الْعَبْدَ مِنَ الْحُرِّ، وَقَدْ قَبِلْنَا الْجِزْيَةَ وَمَا بَدَّلْنَا، فَإِنْ شِئْتُمْ فَاغْدِرُوا. فَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ فَأَجَازَ أَمَانَهُمْ، فَآمَنُوهُمْ وَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ.
التاريخ 1915لا حكم مسجّل
قيل فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ أَذِنَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِانْسِيَاحِ فِي بِلَادِ فَارِسَ، وَانْتَهَى فِي ذَلِكَ إِلَى رَأْيِ الْأَحْنَفِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ. فقَالَ الْأَحْنَفُ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ نَهَيْتَنَا عَنِ الِانْسِيَاحِ فِي الْبِلَادِ، وَأَمَرْتَنَا بِالِاقْتِصَارِ عَلَى مَا فِي أَيْدِينَا، وَإِنَّ مَلِكَ فَارِسَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ يُسَاجِلُونَنَا مَا دَامَ مَلِكُهُمْ فِيهِمْ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ مَلِكَانِ فَاتَّفَقَا حَتَّى يُخْرِجَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، وَإِنَّ مَلَكَهُمْ هُوَ الَّذِي يَبْعَثُهُمْ، فَلَا يَزَالُ هَذَا دَأْبَهُمْ حَتَّى تَأْذَنَ لَنَا فَنَسِيحَ فِي بِلَادِهِمْ حَتَّى نُزِيلَهُ عَنْ فَارِسَ، وَنُخْرِجَهُ مِنْ مَمْلَكَتِهِ، وَنَقْتُلَهُ أَوْ نُلْجِئَهُ إِلَى غَيْرِ مَمْلَكَتِهِ، وَغَيْرِ أُمَّتِهِ، فَهُنَالِكَ يَنْقَطِعُ رَجَاءُ أَهْلِ فَارِسَ، فَقَالَ: صَدَقْتَنِي وَاللَّهِ وَشَرَحْتَ لِي الْأَمْرَ. ثُمَّ نَظَرَ فِي حَوَائِجِهِمْ وَسَرَّحَهُمْ. فَأَمَرَ أَبَا مُوسَى أَنْ يَسِيرَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مُنْقَطَعِ ذِمَّةِ الْبَصْرَةِ فَيَكُونَ هُنَاكَ حَتَّى يَأْتِيَهُ أَمْرُهُ، وَبَعَثَ بِأَلْوِيَةِ مَنْ وَلَّى مَعَ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، فَدَفَعَ لِوَاءَ خُرَاسَانَ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَلِوَاءَ أَرْدَشِيرَ خُرَّهْ وَسَابُورَ إِلَى مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيِّ، وَلِوَاءَ إِصْطَخْرَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ، وَلِوَاءَ فَسَا وَدَارَابَجِرْدَ إِلَى سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ الْكِنَانِيِّ، وَلِوَاءَ كَرْمَانَ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، وَلِوَاءَ سِجِسْتَانَ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلِوَاءَ مُكْرَانَ إِلَى الْحَكَمِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّغْلِبِيِّ، فَخَرَجُوا وَلَمْ يَتَهَيَّأْ مِسِيرُهُمْ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَأَمَدَّهُمْ عُمَرُ بِنَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَأَمَدَّ سُهَيْلَ بْنَ عَدِيٍّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَأَمَدَّ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَأَمَدَّ الْحَكَمَ بْنَ عُمَيْرٍ بِشِهَابِ بْنِ الْمُخَارِقِ فِي جُمُوعٍ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ.
التاريخ 1916لا حكم مسجّل
حَجَّ بِالنَّاسِ عُمَرُ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، وَكَانَ عَامِلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَكَّةَ عَتَّابُ بْنُ السَّائِبِ، وَعَلَى الطَّائِفِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعَلَى الْيَمَنِ يَعْلَى بْنُ مُنَبِّهٍ، وَعَلَى الْيَمَامَةِ وَالْبَحْرِينِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى عُمَانَ حُذَيْفَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَعَلَى الشَّامِ كُلِّهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَعَلَى الْكُوفَةِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَلَمَّا عَزَلَهُ عُمَرُ قِيلَ لَهُ: مَنْ خَلِيفَتُكَ يَا سَعْدُ عَلَى الْكُوفَةِ؟ فَقَالَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ.
التاريخ 1917لا حكم مسجّل
طَاعُونَ عَمَوَاسَ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَمُعَاذٌ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَشْرَافِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَمَاتَ فِيهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. وأَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي سنة ثماني عشرة. وقَالَ سَيْفٌ بن عمر: إِنَّمَا كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ. ( وعَمَوَاسُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمِيمِ وَالْوَاوِ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ سِينٌ مُهْمَلَةٌ. وَسَرْغٌ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَآخِرُهُ غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ ). وهَذَا الطَّاعُونُ مَنْسُوبٌ إِلَى بُلَيْدَةٍ صَغِيرَةٍ يُقَالُ لَهَا: عَمَوَاسُ. وَهِيَ بَيْنَ الْقُدْسِ وَالرَّمْلَةِ، لِأَنَّهَا كَانَ أَوَّلَ مَا نَجَمَ هَذَا الدَّاءُ بِهَا، ثُمَّ انْتَشَرَ فِي الشَّامِ مِنْهَا فَنُسِبَ إِلَيْهَا وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ الْبَجَلِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا أَبَا مُوسَى وَهُوَ فِي دَارِهِ بِالْكُوفَةِ لِنَتَحَدَّثَ عِنْدَهُ، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَالَ: لَا تَحِفُّوا، فَقَدْ أُصِيبَ فِي الدَّارِ إِنْسَانٌ بِهَذَا السَّقَمِ، وَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَزَّهُوا عَنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَتَخْرُجُوا فِي فَسِيحِ بِلَادِكُمْ وَنُزَهِهَا حَتَّى يَرْتَفِعَ هَذَا الْبَلَاءُ، فَإِنِّي سَأُخْبِرُكُمْ بِمَا يُكْرَهُ مِمَّا يُتَّقَى، مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَظُنَّ مَنْ خَرَجَ أَنَّهُ لَوْ أَقَامَ مَاتَ، وَيَظُنُّ مَنْ أَقَامَ فَأَصَابَهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ لَمْ يُصِبْهُ، فَإِذَا لَمْ يَظُنَّ ذَلِكَ هَذَا الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ وَأَنْ يَتَنَزَّهَ عَنْهُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ بِالشَّامِ عَامَ طَاعُونِ عَمَوَاسَ كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح فَلَمَّا اشْتَعَلَ الْوَجَعُ وَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، كَتَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيَسْتَخْرِجَهُ مِنْهُ. أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَتْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ أُرِيدُ أَنْ أَشَافِهَكَ بِهَا، فَعَزَمْتُ عَلَيْكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا أَنْ لَا تَضَعَهُ مِنْ يَدِكَ حَتَّى تُقْبِلَ إِلَيَّ. قَالَ: فَعَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَخْرِجَهُ مِنَ الْوَبَاءِ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ! ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي قَدْ عَرَفْتُ حَاجَتَكَ إِلَيَّ، وَإِنِّي فِي جُنْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَا أَجِدُ بِنَفْسَيْ رَغْبَةً عَنْهُمْ، فَلَسْتُ أُرِيدُ فِرَاقَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيَّ وَفِيهِمْ أَمْرَهُ وَقَضَاءَهُ، فَخَلِّنِي مِنْ عَزِيمَتِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَدَعْنِي فِي جُنْدِي. فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ الْكِتَابَ بَكَى، فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ ؟ قَالَ: لَا، وَكَأَنْ قَدْ. قَالَ: ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ أَنْزَلْتَ النَّاسَ أَرْضًا غَمِقَةً، فَارْفَعْهُمْ إِلَى أَرْضٍ مُرْتَفِعَةٍ نَزِهَةٍ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَلَمَّا أَتَاهُ كِتَابُهُ دَعَانِي فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، إِنَّ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ جَاءَنِي بِمَا تَرَى، فَاخْرُجْ فَارْتَدْ لِلنَّاسِ مَنْزِلًا حَتَّى أَتْبَعَكَ بِهِمْ، فَرَجَعْتُ إِلَى مَنْزِلِي لِأَرْتَحِلَ، فَوَجَدْتُ صَاحِبَتِي قَدْ أُصِيبَتْ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ فِي أَهْلِي حَدَثٌ. فَقَالَ لَعَلَّ صَاحِبَتَكَ قَدْ أُصِيبَتْ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِبَعِيرِهِ فَرُحِّلَ لَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي غَرْزِهِ طُعِنَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أُصِبْتُ. ثُمَّ سَارَ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ الْجَابِيَةَ، وَرُفِعَ عَنِ النَّاسِ الْوَبَاءُ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ رَابَةَ - رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ قَدْ خَلَفَ عَلَى أُمِّهِ بَعْدَ أَبِيهِ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ طَاعُونَ عَمَوَاسَ - قَالَ: لَمَّا اشْتَغَلَ الْوَجَعُ، قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةٌ بِكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ حَظَّهُ. فَطُعِنَ فَمَاتَ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى النَّاسِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَقَامَ خَطِيبًا بَعْدَهُ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ رَحْمَةٌ بِكُمْ، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُمْ، وَمَوْتُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإِنَّ مُعَاذًا يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَقْسِمَ لِآلِ مُعَاذٍ حَقَّهُمْ. فَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَمَاتَ، ثُمَّ قَامَ فَدَعَا لِنَفْسِهِ، فَطُعِنَ فِي رَاحَتِهِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا ثُمَّ يَقْلِبُ ظَهْرَ كَفِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِمَا فِيكِ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا. توجيه عمرو بن العاص الناس بالتحصن في الجبال من الطاعون فَلَمَّا مَاتَ اسْتُخْلِفَ عَلَى النَّاسِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ إِذَا وَقَعَ فَإِنَّمَا يَشْتَعِلُ اشْتِعَالَ النَّارِ، فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ فِي الْجِبَالِ. فَقَالَ أَبُو وَائِلَةَ الْهُذَلِيُّ: كَذَبْتَ، وَاللَّهِ لَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، وَأَنْتَ شَرٌّ مِنْ حِمَارِي هَذَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرُدُّ عَلَيْكَ مَا تَقُولُ، وَايْمُ اللَّهِ لَا نُقِيمُ عَلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ وَخَرَجَ النَّاسُ فَتَفَرَّقُوا وَدَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْ رَأَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَوَاللَّهِ مَا كَرِهَهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَلَمَّا انْتَهَى إِلَى عُمَرَ مُصَابُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَمَّرَ مُعَاوِيَةَ عَلَى جُنْدِ دِمَشْقَ وَخَرَاجِهَا، وَأَمَّرَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ عَلَى جُنْدِ الْأُرْدُنِّ وَخَرَاجِهَا. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ شُيُوخِهِ قَالُوا: لَمَّا كَانَ طَاعُونُ عَمَوَاسَ وَوَقَعَ مَرَّتَيْنِ لَمْ يُرَ مِثْلُهُمَا، وَطَالَ مُكْثُهُ، وَفَنِيَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى طَمِعَ الْعَدُوُّ، وَتَخَوَّفَتْ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ لِذَلِكَ. قُلْتُ: وَلِهَذَا قَدِمَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الشَّامِ فَقَسَّمَ مَوَارِيثَ الَّذِينَ مَاتُوا لَمَّا أَشْكَلَ أَمْرُهَا عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَطَابَتْ قُلُوبُ النَّاسِ بِقُدُومِهِ، وَانْقَمَعَتِ الْأَعْدَاءُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ لِمَجِيئِهِ إِلَى الشَّامِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. قُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ الطَّاعُونِ لَمَّا هَلَكَ النَّاسُ فِي الطَّاعُونِ كَتَبَ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ إِلَى عُمَرَ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمَوَارِيثِ، فَجَمَعَ النَّاسَ وَاسْتَشَارَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَطُوفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي بُلْدَانِهِمْ لِأَنْظُرَ فِي آثَارِهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ، وَفِي الْقَوْمِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَفِي تِلْكَ السَّنَةِ أَسْلَمَ، فَقَالَ كَعْبٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، بِأَيِّهَا تُرِيدُ أَنْ تَبْدَأَ ؟ قَالَ: بِالْعِرَاقِ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الشَّرَّ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا بِالْمَشْرِقِ وَجُزْءٌ بِالْمَغْرِبِ، وَالْخَيْرَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةٌ بِالْمَغْرِبِ وَجُزْءٌ بِالْمَشْرِقِ، وَبِهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَكُلُّ دَاءٍ عُضَالٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْكُوفَةَ لَلْهِجْرَةُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَإِنَّهَا لَقُبَّةُ الْإِسْلَامِ، لَيَأْتِيَنَّهَا يَوْمٌ لَا يَبْقَى مُسْلِمٌ إِلَّا وَحَنَّ إِلَيْهَا، لَيُنْتَصَرَنَّ بِأَهْلِهَا كَمَا انْتُصِرَ بِالْحِجَارَةِ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ مَوَارِيثَ أَهْلِ عَمَوَاسَ قَدْ ضَاعَتْ، أَبْدَأُ بِالشَّامِ فَأُقَسِّمُ الْمَوَارِيثَ وَأُقِيمُ لَهُمْ مَا فِي نَفْسِي، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَتَقَلَّبُ فِي الْبِلَادِ وَأُبْدِي إِلَيْهِمْ أَمْرِي. فَسَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَاتَّخَذَ أَيْلَةَ طَرِيقًا، فَلَمَّا دَنَا مِنْهَا رَكِبَ بَعِيرَهُ وَعَلَى رَحْلِهِ فَرْوٌ مَقْلُوبٌ، وَأَعْطَى غُلَامَهُ مَرْكَبَهُ، فَلَمَّا تَلَقَّاهُ النَّاسُ قَالُوا: أَيْنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: أَمَامَكُمْ، يَعْنِي نَفْسَهُ، فَسَارُوا أَمَامَهُمْ، وَانْتَهَى هُوَ إِلَى أَيْلَةَ فَنَزَلَهَا، وَقِيلَ لِلْمُتَلَقِّينَ: قَدْ دَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهَا وَنَزَلَهَا، فَرَجَعُوا [ إِلَيْهِ ]. وَأَعْطَى عُمَرُ الْأُسْقُفَّ بِهَا قَمِيصَهُ، وَقَدْ تَخَرَّقَ ظَهْرُهُ، لِيَغْسِلَهُ وَيُرَقِّعَهُ، فَفَعَلَ، وَأَخَذَهُ وَلَبِسَهُ، وَخَاطَ لَهُ الْأُسْقُفُّ قَمِيصًا غَيْرَهُ فَلَمْ يَأْخُذْهُ. فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ قَسَّمَ الْأَرْزَاقَ، وَسَمَّى الشَّوَاتِيَ وَالصَّوَائِفَ، وَسَدَّ فُرُوجَ الشَّامِ وَمَسَالِحَهَا، وَأَخَذَ يُدَوِّرُهَا، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ عَلَى السَّوَاحِلِ مِنْ كُلِّ كُورَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةَ، وَعَزَلَ شُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ وَقَامَ بِعُذْرِهِ فِي النَّاسِ وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ سُخْطَةٍ، وَلَكِنِّي أُرِيدُ رَجُلًا أَقْوَى مِنْ رَجُلٍ. وَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ عَلَى الْأَهْرَاءِ. وَقَسَّمَ مَوَارِيثَ أَهْلِ عَمَوَاسَ، فَوَرَّثَ بَعْضَ الْوَرَثَةِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَخْرَجَهَا إِلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ وَرَثَةِ كُلٍّ مِنْهُمْ. وَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ. وَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ.
التاريخ 1918لا حكم مسجّل
الْقَحْطِ وَعَامِ الرَّمَادَةِ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ وذلك أَنَّ نَفَرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا الشَّرَابَ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ، كِتَابًا وَذَكَرَ فِيهِ: إِنَّا سَأَلْنَاهُمْ فَتَأَوَّلُوا، وَقَالُوا: خُيِّرْنَا فَاخْتَرْنَا، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ ؓ إِنَّ الْمُرَادَ "فَانْتَهُوا". فَادْعُهُمْ، فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَلَالٌ فَاقْتُلْهُمْ، وَإِنْ زَعَمُوا أَنَّهَا حَرَامٌ فَاجْلِدْهُمْ ثَمَانِينَ [جَلْدَةً]، فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا: حَرَامٌ، فَجَلَدَهُمْ ثَمَانِينَ [ثَمَانِينَ]، فَنَدِمُوا عَلَى لُجَاجَتِهِمْ، حَتَّى وُسْوِسَ أَبُو جَنْدَلٍ فِي نَفْسِهِ، فَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى عُمَرَ فِي ذَلِكَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ وَيُذَكِّرَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ: مِنْ عُمَرَ إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [ النِّسَاءِ: 48 ]. فَتُبْ وَارْفَعْ رَأْسَكَ وَابْرُزْ وَلَا تَقْنَطْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزُّمَرِ: 53 ]. وَقَالَ: عمر لَيَحْدُثَنَّ فِيكُمْ يَا أَهْلَ الشَّامِ حَادِثٌ، فَحَدَثَتِ الرَّمَادَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ أَصَابَهُمْ جَدْبٌ وَقَحْطٌ وَجُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى جَعَلَتِ الْوَحْشُ تَأْوِي إِلَى الْإِنْسِ، وَكَانَتِ الرِّيحُ تُسْفِي تُرَابًا كَالرَّمَادِ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَامُ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَقَدْ أَجْدَبَ النَّاسُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِأَرْضِ الْحِجَازِ، وَجَفَلَتِ الْأَحْيَاءُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ زَادٌ، فَلَجَئُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْفَقَ فِيهِمْ مِنْ حَوَاصِلِ بَيْتِ الْمَالِ مِمَّا فِيهِ مِنَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَمْوَالِ حَتَّى أَنْفَدَهُ، وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ سَمْنًا وَلَا سَمِينًا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِالنَّاسِ، فَكَانَ فِي زَمَنِ الْخِصْبِ يُبَسُّ لَهُ الْخُبْزُ بِاللَّبَنِ وَالسَّمْنِ، ثُمَّ كَانَ عَامَ الرَّمَادَةِ يُبَسُّ لَهُ بِالزَّيْتِ وَالْخَلِّ، وَكَانَ يَسْتَمْرِئُ الزَّيْتَ، وَكَانَ لَا يَشْبَعُ مَعَ ذَلِكَ، فَاسْوَدَّ لَوْنُ عُمَرَ، ؓ، وَتَغَيَّرَ جِسْمُهُ حَتَّى كَادَ يُخْشَى عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ. وَاسْتَمَرَّ هَذَا الْحَالُ فِي النَّاسِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ تَحَوَّلَ الْحَالُ إِلَى الْخِصْبِ وَالدَّعَةِ، وَانْشَمَرَ النَّاسُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى أَمَاكِنِهِمْ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ قَالَ لِعُمَرَ حِينَ تَرَحَّلَ الْأَحْيَاءُ عَنِ الْمَدِينَةِ: لَقَدِ انْجَلَتْ عَنْكَ وَإِنَّكَ لَابْنُ حُرَّةٍ. أَيْ: وَاسَيْتَ النَّاسَ وَأَنْصَفْتَهُمْ وَأَحْسَنْتَ إِلَيْهِمْ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ عُمَرَ عَسَّ الْمَدِينَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَضْحَكُ، وَلَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ فِي مَنَازِلِهِمْ عَلَى الْعَادَةِ، وَلَمْ يَجِدْ سَائِلًا يَسْأَلُ، فَسَأَلَ عَنْ سَبَبٍ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ السُّؤَّالَ سَأَلُوا فَلَمْ يُعْطَوْا فَقَطَعُوا السُّؤَالَ، وَالنَّاسُ فِي هَمٍّ وَضِيقٍ، فَهُمْ لَا يَتَحَدَّثُونَ وَلَا يَضْحَكُونَ. كتب عمر إلى أمراء الأمصار يستمدهم فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى بِالْبَصْرَةِ: أَنْ يَا غَوْثَاهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ. وَكَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِمِصْرَ: أَنْ يَا غَوْثَاهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَافِلَةٍ عَظِيمَةٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَسَائِرَ الْأَطْعِمَاتِ، وَوَصَلَتْ مِيرَةُ عَمْرٍو فِي الْبَحْرِ إِلَى جُدَّةَ وَمِنْ جُدَّةَ إِلَى مَكَّةَ. لَكِنَّ ذِكْرَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ مُشْكِلٌ؛ فَإِنَّ مِصْرَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامُ الرَّمَادَةِ بَعْدَ سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، أَوْ يَكُونَ ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي عَامِ الرَّمَادَةِ وَهْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ سَيْفٌ عَنْ شُيُوخِهِ، أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ رَاحِلَةٍ تَحْمِلُ طَعَامًا، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بِتَفْرِقَتِهَا فِي الْأَحْيَاءِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ أَمَرَ لَهُ عُمَرُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ عُمَرُ حَتَّى قَبِلَهَا. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى النَّاسِ أَنْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَمَنْ غَيَّرَ فَغَيِّرُوا عَلَيْهِ، وَلَا تُعَيِّرُوا أَحَدًا فَيَفْشُوَ فِيكُمُ الْبَلَاءُ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الزَّهْرَاءِ الْقُشَيْرِيُّ فِي ذَلِكَ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الدَّهْرَ يَعْثُرُ بِالْفَتَى وَلَيْسَ عَلَى صَرْفِ الْمَنُونِ بِقَادِرِ صَبَرْتُ وَلَمْ أَجْزَعْ وَقَدْ مَاتَ إِخْوَتِي وَلَسْتُ عَنِ الصَّهْبَاءِ يَوْمًا بِصَابِرِ رَمَاهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِحَتْفِهَا فَخُلَّانُهَا يَبْكُونَ حَوْلَ الْمَعَاصِرِ استسقاء عمر للناس وتوسله بالعباس قَالَ سَيْفُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَهْلِ بْنِ يُوسُفَ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ عَامُ الرَّمَادَةِ فِي آخِرِ سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَأَوَّلِ سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ، أَصَابَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَمَا حَوْلَهَا جُوعٌ فَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى جَعَلَتِ الْوَحْشُ تَأْوِي إِلَى الْإِنْسِ. فَكَانَ النَّاسُ كَذَلِكَ وَعُمَرُ كَالْمَحْصُورِ عَنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، حَتَّى أَقْبَلَ بِلَالُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِيُّ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى عُمَرَ، فَقَالَ: أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكَ، يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ،: " لَقَدْ عَهِدْتُكَ كَيِّسًا، وَمَا زِلْتَ عَلَى ذَلِكَ، فَمَا شَأْنُكَ ؟ ". قَالَ: مَتَى رَأَيْتَ هَذَا ؟ قَالَ: الْبَارِحَةَ. فَخَرَجَ فَنَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً. فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ هَلْ تَعْلَمُونَ مِنِّي أَمْرًا غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ لَا. فَقَالَ: إِنَّ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ يَزْعُمُ ذَيْتَ وَذَيْتَ. فَقَالُوا: صَدَقَ بِلَالٌ، فَاسْتَغِثْ بِاللَّهِ ثُمَّ بِالْمُسْلِمِينَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ - وَكَانَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ مَحْصُورًا - فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، بَلَغَ الْبَلَاءُ مُدَّتَهُ فَانْكَشَفَ، مَا أُذِنَ لِقَوْمٍ فِي الطَّلَبِ إِلَّا وَقَدْ رُفِعَ عَنْهُمُ الْبَلَاءُ. وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ أَنْ أَعِينُوا أَهْلَ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَ جَهْدُهُمْ. وَأَخْرَجَ النَّاسَ إِلَى الِاسْتِسْقَاءِ، فَخَرَجَ وَخَرَجَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَاشِيًا، فَخَطَبَ وَأَوْجَزَ وَصَلَّى، ثُمَّ جَثَى لِرُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَارْضَ عَنَّا. ثُمَّ انْصَرَفَ فَمَا بَلَغُوا الْمَنَازِلَ رَاجِعِينَ حَتَّى خَاضُوا الْغُدْرَانَ. وَكَانَ الْعَبَّاسُ قَدْ طَالَ عُمُرُهُ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ وَلِحْيَتُهُ تَجُولُ عَلَى صَدْرِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّاعِي فَلَا تُهْمِلِ الضَّالَّةَ، وَلَا تَدَعِ الْكَسِيرَ بِدَارِ مَضْيَعَةٍ، فَقَدْ صَرَخَ الصَّغِيرُ وَرَقَّ الْكَبِيرُ وَارْتَفَعَتِ الشَّكْوَى، وَأَنْتَ تَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُمَّ فَأَغْنِهِمْ بِغِنَاكَ قَبْلَ أَنْ يَقْنَطُوا فَيَهْلِكُوا، فَإِنَّهُ لَا يَيْأَسُ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ. فَنَشَأَتْ طَرِيرَةٌ مِنْ سَحَابٍ، فَقَالَ النَّاسُ: تَرَوْنَ تَرَوْنَ ! ثُمَّ الْتَأَمَتْ وَمَشَتْ فِيهَا رِيحٌ ثُمَّ هَدَأَتْ وَدَرَّتْ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَوَّحُوا حَتَّى اعْتَنَقُوا الْجِدَارَ وَقَلَّصُوا الْمَآزِرَ، فَطَفِقَ النَّاسُ بِالْعَبَّاسِ يَمْسَحُونَ أَرْكَانَهُ وَيَقُولُونَ: هَنِيئًا لَكَ سَاقِيَ الْحَرَمَيْنِ ! فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ: بِعَمِّي سَقَى اللَّهُ الْحِجَازَ وَأَهْلَهُ عَشِيَّةَ يَسْتَسْقِي بِشَيْبَتِهِ عُمَرْ تَوَجَّهَ بِالْعَبَّاسِ فِي الْجَدْبِ رَاغِبًا إِلَيْهِ فَمَا إِنْ رَامَ حَتَّى أَتَى الْمَطَرْ وَمِنَّا رَسُولُ اللَّهِ فِينَا تُرَاثُهُ فَهَلْ فَوْقَ هَذَا لِلْمُفَاخِرِ مُفْتَخَرْ وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ، ؓ، خَرَجَ يَسْتَسْقِي وَخَرَجَ بِالْعَبَّاسِ مَعَهُ يَسْتَسْقِي، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا قَحَطْنَا عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا، ﷺ،. وعَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ يَسْتَسْقِي بِهِمْ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكُ وَنَسْتَسْقِيكَ. فَمَا بَرِحَ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى مُطِرُوا، فَقَدِمَ أَعْرَابٌ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَا نَحْنُ بِوَادِينَا فِي سَاعَةِ كَذَا إِذْ أَظَلَّتْنَا غَمَامَةٌ فَسَمِعْنَا مِنْهَا صَوْتًا: أَتَاكَ الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ، أَتَاكَ الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ فَمَا زَادَ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ حَتَّى رَجَعَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا نَرَاكَ اسْتَسْقَيْتَ. فَقَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْمَطَرَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي يُسْتَنْزَلُ بِهَا الْمَطَرُ، ثُمَّ قَرَأَ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ [ هُودٍ: 3 ].
التاريخ 1919لا حكم مسجّل
تُوُفِّيَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَنَذْكُرُ مِنْ كِبَارِهِمْ مَنْ لَهُ خَبَرٌ. 199 - أُوَيْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ جَرِيرِ بْنِ مَالِكٍ الْقَرَنِيُّ : وَقِيلَ: هُوَ أُوَيْسُ بْنُ أَنَسٍ، وَقِيلَ: أُوَيْسُ بْنُ الْخَلِيصِ. كَانَ مِنَ الزُّهْدِ عَلَى غَايَةٍ، كَانَ يَلْتَقِطُ الْكِسَرَ مِنَ الْمَزَابِلِ فَيَغْسِلُهَا وَيَأْكُلُ بَعْضَهَا وَيَتَصَدَّقُ بِبَعْضِهَا، وَعَرِيَ حَتَّى جَلَسَ فِي قَوْصَرِهِ. فعَنْ أَسِيرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ سَأَلَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مُرَادٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَى أُوَيْسٍ، فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مُرَادٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرَأْتَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ، فَاسْتَغْفِرْ لِي. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ ؓ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ. فَقَالَ: أَلَا أَكْتُبُ لَكَ إِلَى عَامِلِهَا فَيَسْتَوْصِي بِكَ، فَقَالَ: لَأَنْ أَكُونَ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَوَافَقَ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسٍ كَيْفَ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ، قَلِيلَ الْمَتَاعِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ". فَلَمَّا قَدِمَ الْكُوفَةَ أَتَى أُوَيْسًا، فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي، فَقَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْدًا بِسَفْرٍ صَالِحٍ فَاسْتَغْفِرْ، لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ فَانْطَلَقَ عَلَى وَجْهِهِ، قَالَ أَسِيرٌ: وَكُسَوْتُهُ بُرْدًا، فَكَانَ إِذَا رَآهُ إِنْسَانٌ عَلَيْهِ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لِأُوَيْسٍ هَذَا الْبُرْدُ. وعَنْ أَسِيرِ بْنِ جَابِرٍ: إِنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ كَانَ إِذَا حَدَّثَ يَقَعُ حَدِيثُهُ فِي قُلُوبِنَا مَوْقِعًا لَا يَقَعُ حَدِيثُ غَيْرِهِ. وعَنْ أَصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ: كَانَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ إِذَا أَمْسَى يَقُولُ: هَذِهِ لَيْلَةُ الرُّكُوعِ، فَيَرْكَعُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى: هَذِهِ لَيْلَةُ السُّجُودِ، فَيَسْجُدُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ إِذَا أَمْسَى تَصَدَّقَ بِمَا فِي بَيْتِهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالثِّيَابِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ مَنْ مَاتَ جُوعًا فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِهِ، وَمَنْ مَاتَ عُرْيَانًا فَلَا تُؤَاخِذْنِي بِهِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: غَزْوْنَا أَذْرَبِيجَانَ زَمَانَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ وَمَعَنَا أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ، فَلَمَّا رَجَعْنَا مَرِضَ عَلَيْنَا فَحَمَلْنَا فَلَمْ يَسْتَمْسِكْ فَمَاتَ، فَنَزَلْتُ فَإِذَا قَبْرٌ مَحْفُورٌ، وَمَاءٌ مَسْكُوبٌ، وَكَفَنٌ وَحَنُوطٌ، فَغَسَّلْنَاهُ، وَكَفَّنَّاهُ، وَصَلَّيْنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: لَوْ رَجَعْنَا فَعَلَّمْنَا قَبْرَهُ، فَرَجَعْنَا فَإِذَا لَا قَبْرَ وَلَا أَثَرَ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ طَوِيلًا حَتَّى قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ ؓ يَوْمَ صِفِّينَ. [وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ]. 200 - الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ الْقُرَشِيُّ: أُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ مَخْرَمَةَ. لَمْ يَزَلْ مُقِيمًا عَلَى كُفْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْفَتْحِ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّ هَانِئٍ فَأَجَارَتْهُ، ثُمَّ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَهُ حُنَيْنًا، فَأَعْطَاهُ مِنْ غَنَائِمِهَا مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ مُقِيمًا بِمَكَّةَ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا جَاءَ كِتَابُ أَبِي بَكْرٍ يَسْتَنْفِرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى غَزْوِ الرُّومِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًّا إِلَى الشَّامِ، فَشَهِدَ قَحْلَ وَأَجْنَادِينَ. وَقَدْ رَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ أَبِي عَقْرَبٍ، قَالَ: خَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ مِنْ مَكَّةَ فَجَزِعَ أَهْلُ مَكَّةَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَطْعَمُ إِلَّا خَرَجَ يُشَيِّعُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَعْلَى الْبَطْحَاءِ أَوْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَوَقَفَ وَوَقَفَ النَّاسُ حَوْلَهُ يَبْكُونَ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعَ النَّاسِ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، [إِنِّي] وَاللَّهِ مَا خَرَجْتُ رَغْبَةً بِنَفْسِي عَنْ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا اخْتِيَارَ بَلَدٍ عَلَى بَلَدِكُمْ، وَلَكِنْ كَانَ الْأَمْرُ فَخَرَجَتْ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا كَانُوا مِنْ ذَوِي أَنْسَابِهَا وَلَا فِي بُيُوتَاتِهَا، فَأَصْبَحْنَا وَلَوْ أَنَّ جِبَالَ مَكَّةَ ذَهَبٌ فَأَنْفَقْنَاهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا أَدْرَكْنَا يَوْمًا مِنْ أَيَّامِهِمْ، وَاللَّهِ لَئِنْ فَاتُونَا بِهِ فِي الدُّنْيَا لَنَلْتَمِسَنَّ أَنْ نُشَارِكَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَاتَّقَى اللَّهَ امْرُؤٌ فَتَوَجَّهَ غَازِيًا إِلَى الشَّامِ، وَاتَّبَعَهُ ثِقَلُهُ، فَأُصِيبَ شَهِيدًا. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. 201 - سُهَيْلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَضْرِ بْنِ مَالِكِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَضْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَسَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَبُو زَيْدٍ: كَانَ مِنْ أَشْرَافِ قَوْمِهِ، وَالْمَنْظُورِ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، شَهِدَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدْرًا، فَأَسَرَهُ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْلَتَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهِ، وَقَالَ: "مَنْ وَجَدَهُ فَلْيَقْتُلْهُ"، فَوَجَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ فَرُبِطَتْ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ قَرَنَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَرْكَبْ حَتَّى وَرَدَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ قَدِمَ فِي فِدَائِهِ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ، فَبَذَلَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، فَقَالُوا: هَاتِ الْمَالَ، قَالَ: نَعَمْ، اجْعَلُونِي فِي مَكَانِهِ رَهْنًا حَتَّى يُرْسَلَ إِلَيْكُمْ، فَخُلِّيَ سَبِيلُ سُهَيْلٍ، وَحَبَسُوا مِكْرَزًا، فَبَعَثَ سُهَيْلٌ بِالْمَالِ. وَسُهَيْلٌ هُوَ الَّذِي خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَكَتَبَ الْقَضِيَّةَ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْعَامِ، وَيَعُودَ مِنْ قَابِلٍ، فَأَقَامَ عَلَى دِينِهِ إِلَى زَمَانِ الْفَتْحِ. عن مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ ]، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ اقْتَحَمْتُ بَيْتِي وَغَلَّقْتُ عَلَيَّ بَابِي، وَأَرْسَلْتُ إِلَى ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ -وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ بَدْرًا-: اطْلُبْ لِي جِوَارًا مِنْ مُحَمَّدٍ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ أُقْتَلَ، فَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبِي تُؤَمِّنُهُ، فَقَالَ: "نَعَمْ هُوَ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَظْهَرْ". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ حَوْلَهُ: "مَنْ لَقِيَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَلَا يَشُدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَلَعَمْرِي أَنَّ سُهَيْلًا لَهُ عَقْلٌ وَشَرَفٌ، وَمَا مِثْلُ سُهَيْلٍ جَهِلَ الْإِسْلَامَ"، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلٍ إِلَى أَبِيهِ فَخَبَّرَهُ بِمَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ سُهَيْلٌ: كَانَ -وَاللَّهِ- بَرًّا صَغِيرًا وَكَبِيرًا، فَكَانَ سُهَيْلٌ يُقْبِلُ وَيُدْبِرُ آمِنًا، وَخَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ حَتَّى أَسْلَمَ بِالْجِعْرَانَةَ، فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ. [قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنِي] ابْنُ قَمَاذِينَ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ كُبَرَاءِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُمْ فَأَسْلَمُوا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَكْثَرَ صَلَاةً وَلَا صَوْمًا وَلَا صَدَقَةً وَلَا أَقْبَلَ عَلَى مَا يُعِينُهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ مِنْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، حَتَّى إِنْ كَانَ لَقَدْ شَحَبَ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ الْبُكَاءَ رَقِيقًا عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ. وَلَقَدْ رُئِيَ يَخْتَلِفُ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ يُقْرِئُهُ [الْقُرْآنَ] وَهُوَ بِمَكَّةَ حَتَّى خَرَجَ مُعَاذٌ مِنْ مَكَّةَ، وَحَتَّى قَالَ لَهُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا أَبَا يَزِيدَ، يَخْتَلِفُ إِلَيَّ هَذَا الْخَزْرَجِيُّ يُقْرِئُكَ الْقُرْآنَ، أَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُكَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَوْمِكَ، فَقَالَ: يَا ضِرَارُ، إِنَّ هَذَا الَّذِي صَنَعَ بِنَا مَا صَنَعَ حَتَّى سَبَقَنَا كُلَّ السَّبْقِ، إِنِّي لَعَمْرِي أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، فَقَدْ وَضَعَ الْإِسْلَامُ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَرَفَعَ أَقْوَامًا بِالْإِسْلَامِ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا لَا يُذْكَرُونَ، فَلَيْتَنَا [كُنَّا] مَعَ أُولَئِكَ فَتَقَدَّمْنَا وَإِنِّي لَأَذْكُرُ مَا قَسَمَ اللَّهُ لِي فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أَهْلِ بَيْتِي الرَّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَمَوْلَايَ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ فَأُسَرُّ بِهِ وَأَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يَنْفَعُنِي بِدُعَائِهِمْ أَنْ لَا أَكُونَ مِتُّ أَوْ قُتِلْتُ عَلَى مَا مَاتَ نُظَرَائِي أَوْ قُتِلُوا، قَدْ شَهِدْتُ مَوَاطِنَ كُلُّهَا أَنَا فِيهَا مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ: يَوْمَ بَدْرٍ، وَيَوْمَ أُحُدٍ، وَالْخَنْدَقَ. وَأَنَا وُلِّيتُ أَمْرَ الْكِتَابِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، يَا ضِرَارُ إِنِّي لَأَذْكُرُ مُرَاجَعَتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنْتُ أَلَظُّ بِهِ مِنَ الْبَاطِلِ، فَأَسْتَحِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَكِنْ مَا كَانَ فِينَا مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ وَأَنَا فِي حَيِّزِ الْمُشْرِكِينَ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ وَمَوْلَايَ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ قَدْ فَرَّا مِنِّي فَصَارَا فِي حَيِّزِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَا عُمِّيَ عَلَيَّ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْحَقِّ لِمَا أَنَا فِيهِ مِنَ الْجَهَالَةِ، وَمَا أَرَادَهُمَا اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ، ثُمَّ قُتِلَ ابْنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلٍ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، فَعَزَّانِي أَبُو بَكْرٍ ؓ وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الشَّهِيدَ لَيَشْفَعُ [لِسَبْعِينَ] مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ"، فَأَنَا أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَشْفَعُ لَهُ. عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيِّ ]، قَالَ: اصْطَحَبْتُ أَنَا وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى الشَّامِ لَيَالِيَ أَغْزَانَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَسَمِعْتُ سُهَيْلًا يَقُولُ: [سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ]: "مُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَاعَةً خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ [عُمْرَهَ] فِي أَهْلِهِ"، قَالَ سُهَيْلٌ: وَأَنَا أُرَابِطُ حَتَّى أَمُوتَ وَلَا أَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ أَبَدًا. فَلَمْ يَزَلْ بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشَرَةَ. وعن جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ] الْحَسَنَ قَالَ: حَضَرَ بَابَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَنَفَرٌ مِنَ تِلْكَ الرُّءُوسِ، وَصُهَيْبٌ، وَبِلَالٌ، وَتِلْكَ الْمَوَالِي الَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا، فَخَرَجَ إِذْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ فَأَذِنَ لَهُمْ وَتَرَكَ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ، يَأْذَنُ لِهَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ وَيَتْرُكُنَا عَلَى بَابِهِ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْنَا، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو -وَكَانَ رَجُلًا عَاقِلًا: أَيُّهَا الْقَوْمُ، إِنِّي -وَاللَّهِ- قَدْ أَرَى الَّذِي فِي وُجُوهِكُمْ، إِنْ كُنْتُمْ غِضَابًا فَاغْضَبُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، دُعِيَ الْقَوْمُ وَدُعِيتُمْ فَأَسْرَعُوا وَأَبْطَأْتُمْ فَكَيْفَ بِكُمْ إِذَا دُعُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتُرِكْتُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَمَا سَبَقُوكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْفَضْلِ مِمَّا لَا تَرَوْنَ أَشَدُّ عَلَيْكُمْ قُوةً مِنْ بَابِكُمْ هَذَا الَّذِي تُنَافِسُونَهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ: وَنَفَضَ ثَوْبَهُ وَانْطَلَقَ. قَالَ الْحَسَنُ: [وَ] صَدَقَ -وَاللَّهِ- سُهَيْلٌ، لَا يَجْعَلُ اللَّهُ عَبْدًا أَسْرَعَ إِلَيْهِ كَعَبْدٍ أَبْطَأَ عَنْهُ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ ، أَحَدُ أُمَرَاءِ الْأَرْبَاعِ، وَهُوَ أَمِيرُ فِلَسْطِينَ، وَهُوَ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُطَاعِ بْنِ قَطَنٍ الْكِنْدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ. وَحَسَنَةُ أُمُّهُ، نُسِبَ إِلَيْهَا وَغَلَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ. أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَجَهَّزَهُ الصِّدِّيقُ إِلَى الشَّامِ فَكَانَ أَمِيرًا عَلَى رُبُعِ الْجَيْشِ، وَكَذَلِكَ فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ، وَطُعِنَ هُوَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ ابْنُ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ الْقُرَشِيُّ، أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، الْفِهْرِيُّ، أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُمْ ; عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. أَسْلَمُوا عَلَى يَدَيِ الصِّدِّيقِ. وَلَمَّا هَاجَرُوا آخَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَقِيلَ: بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَقَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ،: إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا أَنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ فَبَايِعُوهُ. يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَأَبَا عُبَيْدَةَ. وَبَعَثَهُ الصِّدِّيقُ أَمِيرًا عَلَى رُبُعِ الْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ لَمَّا انْتَدَبَ خَالِدًا مِنَ الْعِرَاقِ كَانَ أَمِيرًا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ، لِعِلْمِهِ بِالْحُرُوبِ. فَلَمَّا انْتَهَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى عُمَرَ عَزَلَ خَالِدًا وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَشِيرَ خَالِدًا، فَجَمَعَ لِلْأُمَّةِ بَيْنَ أَمَانَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَشَجَاعَةِ خَالِدٍ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْأُمَرَاءِ بِالشَّامِ . قَالُوا: وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ طِوَالًا نَحِيفًا، أَجْنَأَ مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، أَهْتَمَ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَزَعَ الْحَلْقَتَيْنِ مِنْ وَجْنَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمَ أُحُدٍ خَافَ أَنْ يُؤْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ،، فَتَحَامَلَ عَلَى ثَنَيَّتَيْهِ فَسَقَطَتَا، فَمَا رُئِيَ أَحْسَنُ هَتْمًا مِنْهُ. تُوُفِّيَ بِالطَّاعُونِ عَامَ عَمَوَاسَ، كَمَا تَقَدَّمَ سِيَاقُهُ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ، عَنْ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ - وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَمَوَاسَ كَانَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ - بِقَرْيَةِ فِحْلَ. وَقِيلَ: بِالْجَابِيَةِ. وَقَدِ اشْتُهِرَ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ قَبْرٌ بِالْقُرْبِ مِنْ عَقَبَةِ عُمَيَّاءَ بِالْغُورِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعُمُرُهُ يَوْمَ مَاتَ ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً. الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ حَسَنًا وَسِيمًا جَمِيلًا، أَرْدَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَرَاءَهُ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ شَابٌّ حَسَنٌ. وَقَدْ شَهِدَ فَتْحَ الشَّامِ وَاسْتُشْهِدَ بِطَاعُونِ عَمَوَاسَ فِي قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، وَأَبِي حَاتِمٍ، وَابْنِ الْبَرْقِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: يَوْمَ مَرْجِ الصُّفَّرِ. وَقِيلَ: بِأَجْنَادِينَ. وَيُقَالُ: بِالْيَرْمُوكِ. وَيُقَالُ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ابْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُدَيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَدَنِيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ كَبِيرُ الْقَدْرِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ طِوَالًا حَسَنَ الشَّعْرِ وَالثَّغْرِ بَرَّاقَ الثَّنَايَا، لَمْ يُولَدْ لَهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. شَهِدَ مَعَهُ الْيَرْمُوكَ. وَقَدْ شَهِدَ مُعَاذٌ الْعَقَبَةَ. وَلَمَّا هَاجَرَ النَّاسُ آخَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَكَى الْوَاقِدِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. وَكَانَ أَحَدَ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْخَزْرَجِ، الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ، ﷺ، وَهُمْ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ حَدِيثِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لَهُ: يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَلَا تَدَعَنَّ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ وَفِي الْمُسْنَدِ وَالنَّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ". وَقَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى الْيَمَنِ، وَقَالَ لَهُ: " بِمَ تَحْكُمُ ؟ ". فَقَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. الْحَدِيثَ. وَكَذَلِكَ أَقَرَّهُ الصِّدِّيقُ عَلَى ذَلِكَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ بِالْيَمَنِ. ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الشَّامِ فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ بَعْدَ مَا اسْتَخْلَفَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ حِينَ طُعِنَ، ثُمَّ طُعِنَ بَعْدَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ مُعَاذًا يُبْعَثُ أَمَامَ الْعُلَمَاءِ بِرَبْوَةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نُشَبِّهُهُ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ شَرْقِيَّ غَوْرِ بَيْسَانَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: سَبْعَ عَشْرَةَ، عَنْ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، أَبُو خَالِدٍ، صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، أَخُو مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ يَزِيدُ أَكْبَرَ وَأَفْضَلَ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ الْخَيْرِ. أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَحَضَرَ حُنَيْنًا، وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَاسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى رُبُعِ الْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ وَهُوَ أَوَّلُ أَمِيرٍ وَصَلَ إِلَيْهَا، وَمَشَى الصِّدِّيقُ فِي رِكَابِهِ يُوصِيهِ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ حَسَنَةَ؛ فَهَؤُلَاءِ أُمَرَاءُ الْأَرْبَاعِ. وَلَمَّا افْتَتَحُوا دِمَشْقَ دَخَلَ هُوَ مِنْ بَابِ الْجَابِيَةِ الصَّغِيرِ عَنْوَةً كَخَالِدٍ فِي دُخُولِهِ مِنَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ عَنْوَةً، وَكَانَ الصِّدِّيقُ قَدْ وَعَدَهُ بِإِمْرَتِهَا، فَوَلِيَهَا عَنْ أَمْرِ عُمَرَ وَأَنْفَذَ لَهُ مَا وَعَدَهُ الصِّدِّيقُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلِيَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَاتَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ كَمَا تَقَدَّمَ. وَزَعَمَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ بَعْدَمَا فَتَحَ قَيْسَارِيَّةَ. وَلَمَّا مَاتَ كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ عَلَى دِمَشْقَ فَأَمْضَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَهُ ذَلِكَ، ؓ. وَلَيْسَ فِي الْكُتُبِ شَيْءٌ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، مَثَلُ الْجَائِعِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ إِلَّا التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَيْنِ، لَا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقِيلَ: اسْمُهُ الْعَاصُ. أَسْلَمُ قَدِيمًا، وَقَدْ جَاءَ يَوْمَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ مُسْلِمًا يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتُضْعِفَ فَرَدَّهُ أَبَوْهُ، وَأَبَى أَنْ يُصَالِحَ حَتَّى يُرَدَّ، ثُمَّ لَحِقَ أَبُو جَنْدَلٍ بِأَبِي بَصِيرٍ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ فَتْحَ الشَّامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ تَأَوَّلَ آيَةَ الْخَمْرِ ثُمَّ رَجَعَ. وَمَاتَ بِطَاعُونِ عَمَوَاسَ. رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ ، قِيلَ: اسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَاصِمٍ. قَدِمَ مُهَاجِرًا سَنَةَ خَيْبَرَ مَعَ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ، وَشَهِدَ مَا بَعْدَهَا. وَاسْتُشْهِدَ بِالطَّاعُونِ عَامَ عَمَوَاسَ هُوَ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٌ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، ؓ أَجْمَعِينَ.
التاريخ 1920لا حكم مسجّل
تحَوَّيلَ عُمَرُ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ، وَغَيْرُهُ: وَفِي سَّنَةِ ثماني عشرة فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْهَا حَوَّلَ عُمَرُ الْمَقَامَ، وَكَانَ مُلْصَقًا بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ، فَأَخَّرَهُ إِلَى حَيْثُ هُوَ الْآنَ؛ لِئَلَّا يُشَوِّشَ الْمُصَلُّونَ عِنْدَهُ عَلَى الطَّائِفِينَ.
التاريخ 1921لا حكم مسجّل
وَفِي سَّنَةِ تسع عشرة ظَهَرَتْ نَارٌ مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى، وَهِيَ قَرِيبُ الْمَدِينَةِ فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَخْرُجُ بِالرِّجَالِ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالصَّدَقَةِ فَجَاءَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُمَا بِأَمْوَالٍ، فَقَامَ عُمَرُ يُقَسِّمُهَا فَانْطَفَأَتْ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: هَذِهِ النَّارُ خَرَجَتْ بِخَيْبَرَ
التاريخ 1922لا حكم مسجّل
وَفِي سنة تسع عشرة بَنَى عُمَرُ ؓ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَزَادَ فِي مُقَدَّمِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْمَقْصُورَةِ، وَزَادَ فِي نَاحِيَةِ دَارِ مَرْوَانَ، وَعَمِلَ بِالْجَرِيدِ سَقْفَهُ، وَجَعَلَ عَمَدَهُ الْخَشَبَ، وَقَالَ: هَذَا بَابٌ لِلنِّسَاءِ.
التاريخ 1923لا حكم مسجّل
فَتْحِ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَفِي سَنَةُ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ كَانَ فَتْحُ مِصْرَ . وَكَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّهَا فُتِحَتْ هِيَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: فُتِحَتْ مِصْرُ سَنَةَ عِشْرِينَ، وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ سَيْفٌ: فُتِحَتْ مِصْرُ وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْهَا. وَرَجَّحَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " الْكَامِلِ "؛ لِقِصَّةِ بَعْثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمِيرَةَ مِنْ مِصْرَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَهُوَ مَعْذُورٌ فِيمَا رَجَّحَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. صِفَةُ فَتْحِ مِصْرَ مَجْمُوعًا مِنْ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَسَيْفٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: لَمَّا اسْتَكْمَلَ عُمَرُ وَالْمُسْلِمُونَ فَتْحَ الشَّامَ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى مِصْرَ - وَزَعَمَ سَيْفٌ أَنَّهُ بَعَثَهُ بَعْدَ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ - وَأَرْدَفَهُ بِالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَفِي صُحْبَتِهِ بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ، فَاجْتَمَعَا عَلَى بَابِ مِصْرَ، فَلَقِيَهُمْ أَبُو مَرْيَمَ جَاثَلِيقُ مِصْرَ، وَمَعَهُ الْأُسْقُفُ أَبُو مَرْيَامَ فِي أَهْلِ الثَّبَاتِ، بَعَثَهُ الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ إِسْكَنْدَرِيَّةَ لِمَنْعِ بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا تَصَافُّوا قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لَا تَعْجَلُوا حَتَّى نُعْذِرَ إِلَيْكُمْ، لِيَبْرُزْ إِلَيَّ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ رَاهِبَا هَذِهِ الْبِلَادِ. فَبَرَزَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنْتُمَا رَاهِبَا هَذِهِ الْبِلَادِ فَاسْمَعَا: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا، ﷺ، بِالْحَقِّ، وَأَمَرَهُ بِهِ، وَأَمَرَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ، ﷺ، وَأَدَّى إِلَيْنَا كُلَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ مَضَى وَتَرَكَنَا عَلَى الْوَاضِحَةِ، وَكَانَ مِمَّا أَمَرَنَا بِهِ الْإِعْذَارُ إِلَى النَّاسِ، فَنَحْنُ نَدْعُوكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَجَابَنَا إِلَيْهِ فَمِثْلُنَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْنَا عَرَضْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ وَبَذَلْنَا لَهُ الْمَنَعَةَ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا أَنَّا مُفْتَتِحُوكُمْ، وَأَوْصَانَا بِكُمْ؛ حِفْظًا لِرَحِمِنَا مِنْكُمْ، وَأَنَّ لَكُمْ إِنْ أَجَبْتُمُونَا بِذَلِكَ ذِمَّةً إِلَى ذِمَّةٍ، وَمِمَّا عَهِدَ إِلَيْنَا أَمِيرُنَا: اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِيِّينَ خَيْرًا؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، أَوْصَانَا بِالْقِبْطِيِّينَ خَيْرًا؛ لِأَنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَذِمَّةً. فَقَالُوا: قَرَابَةٌ بَعِيدَةٌ لَا يَصِلُ مِثْلَهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ، مَعْرُوفَةٌ شَرِيفَةٌ، كَانَتِ ابْنَةَ مَلِكِنَا، وَكَانَتْ مَنْ أَهْلِ مَنْفَ وَالْمُلْكُ فِيهِمْ، فَأُدِيلَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ عَيْنِ شَمْسٍ فَقَتَلُوهُمْ وَسَلَبُوهُمْ مُلْكَهُمْ وَاغْتَرَبُوا، فَلِذَلِكَ صَارَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَرْحَبًا بِهِ وَأَهْلًا، أَمِّنَّا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكَ. فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّ مِثْلِي لَا يُخْدَعُ، وَلَكِنِّي أُؤَجِّلُكُمَا ثَلَاثًا لِتَنْظُرُوا وَلِتُنَاظِرَا قَوْمَكُمَا، وَإِلَّا نَاجَزْتُكُمْ. قَالَا: زِدْنَا. فَزَادَهُمْ يَوْمًا، فَقَالَا: زِدْنَا. فَزَادَهُمْ يَوْمًا، فَرَجَعَا إِلَى الْمُقَوْقِسِ فَأَبَى أَرْطَبُونُ أَنْ يُجِيبَهُمَا وَأَمَرَ بِمُنَاهَدَتِهِمْ، وَقَالَ لِأَهْلِ مِصْرَ: أَمَّا نَحْنُ فَسَنَجْتَهِدُ أَنْ نَدْفَعَ عَنْكُمْ وَلَا نَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ بَقِيَتْ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ. وَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُبَيِّتُوا الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ: مَا تُقَاتِلُونَ مِنْ قَوْمٍ قَتَلُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَلَبُوهُمْ عَلَى بِلَادِهِمْ ؟ ! فَأَلَحَّ الْأَرْطَبُونُ فِي أَنْ يُبَيِّتُوا الْمُسْلِمِينَ، فَفَعَلُوا فَلَمْ يَظْفَرُوا بِشَيْءٍ بَلْ قُتِلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْأَرْطَبُونُ. حصار عين شمس وَحَاصَرَ الْمُسْلِمُونَ عَيْنَ شَمْسٍ مِنْ مِصْرَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ، وَارْتَقَى الزُّبَيْرُ عَلَيْهِمْ سُورَ الْبَلَدِ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِذَلِكَ خَرَجُوا إِلَى عَمْرٍو مِنَ الْبَابِ الْآخَرِ فَصَالَحُوهُ، وَاخْتَرَقَ الزُّبَيْرُ الْبَلَدَ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي عَلَيْهِ عَمْرٌو، فَأَمْضَوُا الصُّلْحَ. وَكَتَبَ لَهُمْ عَمْرٌو كِتَابَ أَمَانٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَعْطَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَهْلَ مِصْرَ مِنَ الْأَمَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَصُلُبِهِمْ، وَبَرِّهِمْ وَبَحْرِهِمْ، لَا يُدْخَلُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُنْتَقَصُ، وَلَا يُسَاكِنُهُمُ النُّوبَةُ وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ إِذَا اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الصُّلْحِ، وَانْتَهَتْ زِيَادَةُ نَهْرِهِمْ، خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَعَلَيْهِمْ مَا جَنَى لُصُوتُهُمْ، فَإِنْ أَبَى أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُجِيبَ، رُفِعَ عَنْهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ بِقَدْرِهِمْ، وَذِمَّتُنَا مِمَّنْ أَبَى بَرِيئَةٌ، وَإِنْ نَقَصَ نَهْرُهُمْ مِنْ غَايَتِهِ إِذَا انْتَهَى، رُفِعَ عَنْهُمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ دَخَلَ فِي صُلْحِهِمْ مِنَ الرُّومِ وَالنُّوبَةِ، فَلَهُ مِثْلُ مَا لَهُمْ وَعَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَبَى وَاخْتَارَ الذَّهَابَ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ سُلْطَانِنَا، عَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا، فِي كُلِّ ثُلُثِ جِبَايَةُ ثُلُثِ مَا عَلَيْهِمْ، عَلَى مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ عَهْدُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ وَذِمَّةُ الْخَلِيفَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذِمَمُ الْمُؤْمِنِينَ. وَعَلَى النُّوبَةِ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا أَنْ يُعِينُوا بِكَذَا وَكَذَا رَأْسًا، وَكَذَا وَكَذَا فَرَسًا، عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوا، وَلَا يَمْنَعُوا مِنْ تِجَارَةٍ صَادِرَةٍ وَلَا وَارِدَةٍ. شَهِدَ الزُّبَيْرُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ ابْنَاهُ، وَكَتَبَ وَرْدَانُ وَحَضَرَ. فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ مِصْرَ كُلُّهُمْ، وَقَبِلُوا الصُّلْحَ، وَاجْتَمَعَتِ الْخُيُولُ بِمِصْرَ، وَعَمَّرُوا الْفُسْطَاطَ، وَظَهَرَ أَبُو مَرْيَمَ وَأَبُو مَرْيَامَ فَكَلَّمَا عَمْرًا فِي السَّبَايَا الَّتِي أُصِيبَتْ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ، فَأَبَى عَمْرٌو أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمَا، وَأَمَرَ بِطَرْدِهِمَا وَإِخْرَاجِهِمَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَمَرَ أَنَّ كُلَّ سَبْيٍ أُخِذَ فِي الْخَمْسَةِ أَيَّامٍ الَّتِي أَمَّنُوهُمْ فِيهَا أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ، وَكُلَّ سَبْيٍ أُخِذَ مِمَّنْ لَمْ يُقَاتِلْ وَكَذَلِكَ مَنْ قَاتَلَ، فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ سَبَايَاهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يُخَيِّرُوا مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْيِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَمَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ فَلَا يَرُدُّوهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنِ اخْتَارَهُمْ رَدُّوهُ عَلَيْهِمْ وَأَخَذُوا مِنْهُ الْجِزْيَةَ، وَأَمَّا مَا تَفَرَّقَ مِنْ سَبْيِهِمْ فِي الْبِلَادِ وَوَصَلَ إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى رَدِّهِمْ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى مَا يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ. فَفَعَلَ عَمْرٌو مَا أَمَرَ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَمَعَ السَّبَايَا وَعَرَضُوهُمْ وَخَيَّرُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَادَ إِلَى دِينِهِ، وَانْعَقَدَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ. وَحَضَرَتِ الْقِبْطُ بَابَ عَمْرٍو، وَبَلَغَ عَمْرًا أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: مَا أَرَثَّ الْعَرَبَ ! مَا رَأَيْنَا مِثْلَنَا دَانَ لَهُمْ. فَخَافَ أَنْ يُطْمِعَهُمْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ بِجُزُرٍ فَطُبِخَتْ وَدَعَا أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ فَأَعْلَمُوا أَصْحَابَهُمْ، فَحَضَرُوا عِنْدَهُ وَأَكَلُوا أَكْلًا عَرَبِيًّا، انْتَشَلُوا وَحَسَوْا وَهُمْ فِي الْعَبَاءِ بِغَيْرِ سِلَاحٍ، فَازْدَادَ طَمَعُهُمْ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ [ أَنْ ] يَحْضُرُوا الْغَدَ فِي ثِيَابِ [ أَهْلِ ] مِصْرَ وَأَحْذِيَتِهِمْ، فَفَعَلُوا، وَأَذِنَ لِأَهْلِ مِصْرَ، فَرَأَوْا شَيْئًا غَيْرَ مَا رَأَوْا بِالْأَمْسِ، وَقَامَ عَلَيْهِمُ الْقُوَّامُ بِأَلْوَانِ مِصْرَ، فَأَكَلُوا أَكْلَ أَهْلِ مِصْرَ، فَارْتَابَ الْقِبْطُ، وَبَعَثَ أَيْضًا إِلَى الْمُسْلِمِينَ: تَسَلَّحُوا لِلْعَرْضِ غَدًا، وَغَدَا عَلَى الْعَرْضِ، وَأَذِنَ لَهُمْ فَعَرَضَهُمْ عَلَيْهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: عَلِمْتُ حَالَكُمْ حِينَ رَأَيْتُمُ اقْتِصَادَ الْعَرَبِ، فَخَشِيتُ أَنْ تَهْلِكُوا، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ حَالَهُمْ فِي أَرْضِهِمْ كَيْفَ كَانَتْ، ثُمَّ حَالَهُمْ فِي أَرْضِكُمْ، ثُمَّ حَالَهُمْ فِي الْحَرْبِ، فَقَدْ رَأَيْتُمْ ظَفَرَهُمْ بِكُمْ وَذَلِكَ عَيْشُهُمْ، وَقَدْ كَلِبُوا عَلَى بِلَادِكُمْ بِمَا نَالُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَأَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ مَا رَأَيْتُمْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ غَيْرُ تَارِكٍ عَيْشَ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَرَاجِعٌ إِلَى عَيْشِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ. فَتَفَرَّقُوا وَهُمْ يَقُولُونَ: لَقَدْ رَمَتْكُمُ الْعَرَبُ بِرَجُلِهِمْ. وَبَلَغَ عُمَرَ ذَلِكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ حَرْبَهُ لَلَيِّنَةٌ مَا لَهَا سَطْوَةٌ وَلَا سَوْرَةٌ كَسَوْرَاتِ الْحُرُوبِ مِنْ غَيْرِهِ. فتح الإسكندرية ثُمَّ أَرْسَلَ عَمْرٌو جَيْشًا إِلَى إِسْكَنْدَرِيَّةَ - وَكَانَ الْمُقَوْقِسُ صَاحِبُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَبْلَ ذَلِكَ يُؤَدِّي خَرَاجَ بَلَدِهِ وَبَلَدِ مِصْرَ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ - فَلَمَّا حَاصَرَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ جَمَعَ أَسَاقِفَتَهُ وَأَكَابِرَ دَوْلَتِهِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَرَبَ غَلَبُوا كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَأَزَالُوهُمْ عَنْ مُلْكِهِمْ، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، وَالرَّأْيُ عِنْدِي أَنْ نُؤَدِّيَ الْجِزْيَةَ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ بَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ أُؤَدِّي الْخَرَاجَ إِلَى مَنْ هُوَ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْكُمْ؛ فَارِسَ وَالرُّومِ. ثُمَّ صَالَحَهُ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ، وَبَعَثَ عَمْرٌو بِالْفَتْحِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ؓ. وَذَكَرَ سَيْفٌ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ لَمَّا الْتَقَى مَعَ الْمُقَوْقِسِ جَعَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ، فَجَعَلَ عَمْرٌو يُذَمِّرُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الثَّبَاتِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ مِنْ حِجَارَةٍ وَلَا حَدِيدٍ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: اسْكُتْ فَإِنَّمَا أَنْتَ كَلْبٌ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: فَأَنْتَ إِذًا أَمِيرُ الْكِلَابِ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ عَمْرٌو وَنَادَى يَطْلُبُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: تَقَدَّمُوا فَبِكُمْ يَنْصُرُ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ. فَنَهَدُوا إِلَى الْقَوْمِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَظَفِرُوا أَتَمَّ الظَّفَرِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْمُقَوْقِسَ سَأَلَ مِنْ عَمْرٍو أَنْ يُهَادِنَهُ أَوَّلًا، فَلَمْ يَقْبَلْ عَمْرٌو، وَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْنَا بِمَلِكِكُمُ الْأَكْبَرِ هِرَقْلَ. فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ لِأَصْحَابِهِ: صَدَقَ، فَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْإِذْعَانِ. ثُمَّ صَالَحَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ عَمْرًا وَالزُّبَيْرَ سَارَا إِلَى عَيْنِ شَمْسٍ فَحَاصَرَاهَا، وَأَنَّ عَمْرًا بَعَثَ إِلَى الْفَرَمَا أَبَرْهَةَ بْنَ الصَّبَّاحِ، وَبَعَثَ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِأَهْلِ بَلَدِهِ: إِنْ نَزَلْتُمْ فَلَكُمُ الْأَمَانُ. فَتَرَبَّصُوا مَاذَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ عَيْنِ شَمْسٍ، فَلَمَّا صَالَحُوا، صَالَحَ الْبَاقُونَ. وَقَدْ قَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ لِأَهْلِ إِسْكَنْدَرِيَّةَ: مَا أَحْسَنَ بَلَدَكُمْ ! فَقَالُوا: إِنَّ إِسْكَنْدَرَ لَمَّا بَنَاهَا قَالَ: لَأَبْنِيَنَّ مَدِينَةً فَقِيرَةً إِلَى اللَّهِ غَنِيَّةً عَنِ النَّاسِ. فَبَقِيَتْ بَهْجَتُهَا. وَقَالَ أَبَرْهَةُ لِأَهْلِ الْفَرَمَا: مَا أَقْبَحَ مَدِينَتَكُمْ ! فَقَالُوا: إِنَّ الْفَرَمَا - وَهُوَ أَخُو الْإِسْكَنْدَرِ - لَمَّا بَنَاهَا قَالَ: لَأَبْنِيَنَّ مَدِينَةً غَنِيَّةً عَنِ اللَّهِ فَقِيرَةً إِلَى النَّاسِ. فَهِيَ لَا يَزَالُ سَاقِطًا بِنَاؤُهَا، فَشُوِّهَتْ بِذَلِكَ. وَذَكَرَ سَيْفٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ لَمَّا وَلِيَ مِصْرَ بَعْدَ ذَلِكَ زَادَ فِي الْخَرَاجِ عَلَيْهِمْ رُءُوسًا مِنَ الرَّقِيقِ يُهْدُونَهَا إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَيُعَوِّضُهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِطَعَامٍ مُسَمًّى وَكُسْوَةٍ. وَأَقَرَّ ذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَوُلَاةُ الْأُمُورِ بَعْدَهُ، حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَمْضَاهُ أَيْضًا؛ نَظَرًا لَهُمْ، وَإِبْقَاءً لِعَهْدِهِمْ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ دِيَارُ مِصْرَ بِالْفُسْطَاطِ نِسْبَةً إِلَى فُسْطَاطِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَصَبَ خَيْمَتَهُ - وَهِيَ الْفُسْطَاطُ - مَوْضِعَ مِصْرَ الْيَوْمَ، وَبَنَى النَّاسُ حَوْلَهُ، وَتُرِكَتْ مِصْرُ الْقَدِيمَةُ مِنْ زَمَانِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ رَفَعَ الْفُسْطَاطَ وَبَنَى مَوْضِعَهُ جَامِعًا وَهُوَ الْمَنْسُوبُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ. غزو النوبة وَقَدْ غَزَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ فَتْحِ مِصْرَ النُّوبَةَ ؛ فَنَالَهُمْ جِرَاحَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَأُصِيبَتْ أَعْيُنٌ كَثِيرَةٌ؛ لِجَوْدَةِ رَمْيِ النُّوبَةِ، فَسَمَّوْهُمْ جُنْدَ الْحِدَقِ. ثُمَّ فَتَحَهَا اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي بِلَادِ مِصْرَ، فَقِيلَ: فُتِحَتْ صُلْحًا إِلَّا الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ. وَهُوَ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ. وَقِيلَ: كُلُّهَا عَنْوَةٌ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَجَمَاعَةٍ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: مَا قَعَدْتُ مَقْعَدِي هَذَا وَلِأَحَدٍ مِنَ الْقِبْطِ عِنْدِي عَهْدٌ؛ إِنْ شِئْتُ قَتَلْتُ، وَإِنْ شِئْتُ بِعْتُ، وَإِنْ شِئْتُ خَمَّسْتُ، إِلَّا لِأَهْلِ أَنْطَابُلُسَ، فَإِنَّ لَهُمْ عَهْدًا نَفِي بِهِ.
التاريخ 1924لا حكم مسجّل
زَوَالِ السَّنَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي نِيلِ مِصْرَ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا افْتُتِحَتْ مِصْرُ أَتَى أَهْلُهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - حِينَ دَخَلَ بُؤْنَةُ مِنْ أَشْهُرِ الْعَجَمِ - فَقَالُوا: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، لِنِيلِنَا هَذَا سُنَّةٌ لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا. قَالَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالُوا: إِذَا كَانَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ، عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ مِنْ أَبَوَيْهَا، فَأَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَجَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، إِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ. قَالَ: فَأَقَامُوا بُؤْنَةَ وَأَبِيبَ وَمِسْرَى وَالنِّيلُ لَا يَجْرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، حَتَّى هَمُّوا بِالْجَلَاءِ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ دَاخِلَ كِتَابِي، فَأَلْقِهَا فِي النِّيلِ. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُهُ أَخَذَ عَمْرٌو الْبِطَاقَةَ فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ أَهْلِ مِصْرَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُجْرِيَكَ. قَالَ: فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ فَأَصْبَحُوا يَوْمَ السَّبْتِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ النِّيلَ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السُّنَّةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْيَوْمِ.
التاريخ 1925لا حكم مسجّل
فِي سنة عشرين زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ. فعَنْ صَفِيَّةَ قَالَتْ: زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ؓ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا.
التاريخ 1926لا حكم مسجّل
وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَقِيلَ: كَانَتْ سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. هِيَ وَقْعَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا لَهَا شَأْنٌ رَفِيعٌ وَنَبَأٌ عَجِيبٌ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُسَمُّونَهَا فَتْحَ الْفُتُوحِ. قَالَ سَيْفٌ وَغَيْرُهُ: وَكَانَ الَّذِي هَاجَ هَذِهِ الْوَقْعَةَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمَّا افْتَتَحُوا الْأَهْوَازَ، وَمَنَعُوا جَيْشَ الْعَلَاءِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى دَارِ الْمَلِكِ الْقَدِيمِ مِنْ إِصْطَخْرَ مَعَ مَا حَازُوا مِنْ دَارِ مَمْلَكَتِهِمْ حَدِيثًا، وَهِيَ الْمَدَائِنُ وَأَخَذُوا تِلْكَ الْمَدَائِنَ وَالْأَقَالِيمَ وَالْكُوَرَ وَالْبُلْدَانَ الْكَثِيرَةَ، فَحَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وَاسْتَجَاشَهُمْ يَزْدَجِرْدُ الَّذِي تَقَهْقَرَ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، حَتَّى صَارَ إِلَى أَصْبَهَانَ مُبْعَدًا طَرِيدًا، لَكِنَّهُ فِي أُسْرَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَكَتَبَ إِلَى نَاحِيَةِ نَهَاوَنْدَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْجِبَالِ وَالْبُلْدَانِ، فَتَجَمَّعُوا وَتَرَاسَلُوا حَتَّى كَمُلَ لَهُمْ مِنَ الْجُنُودِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ. فَبَعَثَ سَعْدٌ إِلَى عُمَرَ يُعْلِمُهُ بِذَلِكَ. وَثَارَ أَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَى سَعْدٍ فِي غُبُونِ هَذَا الْحَالِ. فَشَكَوْهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى قَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي. وَكَانَ الَّذِي نَهَضَ بِهَذِهِ الشَّكْوَى رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَرَّاحُ بْنُ سِنَانٍ الْأَسَدِيُّ. فِي نَفَرٍ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَهَبُوا إِلَى عُمَرَ فَشَكَوْهُ إِلَيْهِ. قَالَ لَهُمْ عُمَرُ: مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى شَرِّكُمْ نُهُوضُكُمْ فِي هَذَا الْحَالِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُسْتَعِدٌّ لِقِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا لَكُمْ، وَمَعَ هَذَا لَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ. ثُمَّ بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ - وَكَانَ رَسُولَ الْعُمَّالِ - فَلَمَّا قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْكُوفَةَ طَافَ عَلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ وَالْمَسَاجِدِ بِالْكُوفَةِ، فَكُلٌّ يُثْنِي عَلَى سَعْدٍ خَيْرًا إِلَّا نَاحِيَةَ الْجَرَّاحِ بْنِ سِنَانَ، فَإِنَّهُمْ سَكَتُوا، فَلَمْ يَذُمُّوا وَلَمْ يَشْكُرُوا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَعْدَةَ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ. فَقَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا، فَإِنَّ سَعْدًا لَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الرَّعِيَّةِ، وَلَا يَغْزُو فِي السَّرِيَّةِ. فَدَعَا عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ قَالَهَا كَذِبًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَعْمِ بَصَرَهُ، وَأَكْثِرْ عِيَالَهُ، وَعَرِّضْهُ لِمُضِلَّاتِ الْفِتَنِ. فَعَمِيَ وَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ عَشْرُ بَنَاتٍ، وَكَانَ يَسْمَعُ بِالْمَرْأَةِ فَلَا يَزَالُ حَتَّى يَأْتِيَهَا فَيَجُسَّهَا، فَإِذَا عُثِرَ عَلَيْهِ قَالَ: دَعْوَةُ سَعْدٍ الرَّجُلِ الْمُبَارَكِ. ثُمَّ دَعَا سَعْدٌ عَلَى الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابِهِ، فَكُلٌّ أَصَابَتْهُ قَارِعَةٌ فِي جَسَدِهِ، وَمُصِيبَةٌ فِي مَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. استنفار محمد بن مسلمة أهل الكوفة لغزو نهاوند وَاسْتَنْفَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِغَزْوِ أَهْلِ نَهَاوَنْدَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. ثُمَّ سَارَ سَعْدٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَالْجَرَّاحُ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى جَاءُوا عُمَرَ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ اجْتَمَعُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ بِأَرْضِ نَهَاوَنْدَ حَتَّى اجْتَمَعَ مِنْهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، وَعَلَيْهِمُ الْفَيْرُزَانُ، وَيُقَالُ: بُنْدَارٌ. وَيُقَالُ: ذُو الْحَاجِبِ. وَتَذَامَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي جَاءَ الْعَرَبَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِبِلَادِنَا، وَلَا أَبُو بَكْرٍ الَّذِي قَامَ بَعْدَهُ تَعَرَّضُ لَنَا فِي دَارِ مُلْكِنَا، وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ هَذَا لَمَّا طَالَ مُلْكُهُ انْتَهَكَ حُرْمَتَنَا وَأَخَذَ بِلَادَنَا، وَلَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ حَتَّى أَغْزَانَا فِي عُقْرِ دَارِنَا، وَأَخَذَ بَيْتَ الْمَمْلَكَةِ، وَلَيْسَ بِمُنْتَهٍ حَتَّى يُخْرِجَكُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ. فَتَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى أَنْ يَقْصِدُوا الْبَصْرَةَ وَالْكُوفَةَ ثُمَّ يَشْغَلُوا عُمَرَ عَنْ بِلَادِهِ، وَتَوَاثَقُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا. فَلَمَّا كَتَبَ سَعْدٌ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ - وَكَانَ عَزَلَ سَعْدًا فِي غُبُونِ ذَلِكَ - شَافَهَ سَعْدٌ عُمَرَ بِمَا تَمَالَئُوا عَلَيْهِ وَقَصَدُوا إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ قَدِ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا. وَجَاءَ كِتَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ مَعَ قَرِيبِ بْنِ ظَفَرٍ الْعَبْدِيِّ، بِأَنَّهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا، وَهُمْ مُتَحَرِّقُونَ مُتَذَامِرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَأَنَّ الْمَصْلَحَةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ نَقْصِدَهُمْ فَنُعَالِجَهُمْ عَمَّا هَمُّوا بِهِ وَعَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَسِيرِ إِلَى بِلَادِنَا. فَقَالَ عُمَرُ لِحَامِلِ الْكِتَابِ: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: قَرِيبٌ. قَالَ: ابْنُ مَنْ ؟ قَالَ: ابْنُ ظَفَرٍ. فَتَفَاءَلَ عُمَرُ بِذَلِكَ، وَقَالَ: ظَفَرٌ قَرِيبٌ. ثُمَّ أَمَرَ فَنُودِيَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لِذَلِكَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَتَفَاءَلَ عُمَرُ أَيْضًا بِسَعْدٍ، فَصَعِدَ عُمَرُ الْمِنْبَرَ حَتَّى اجْتَمَعَ النَّاسُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَيَّامِ، أَلَا وَإِنِّي قَدْ هَمَمْتُ بِأَمْرٍ فَاسْمَعُوا وَأَجِيبُوا وَأَوْجِزُوا، وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَسِيرَ بِمَنْ قِبَلِي حَتَّى أَنْزِلَ مَنْزِلًا وَسَطًا بَيْنَ هَذَيْنَ الْمِصْرَيْنِ فَأَسْتَنْفِرَ النَّاسَ، ثُمَّ أَكُونَ لَهُمْ رِدْءًا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. فَقَامَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ، فَتَكَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِانْفِرَادِهِ فَأَحْسَنَ وَأَجَادَ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَسِيرَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَلَكِنْ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ وَيَحْضُرُهُمْ بِرَأْيِهِ وَدُعَائِهِ. وَكَانَ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ، ؓ، أَنْ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَكُنْ نَصْرُهُ وَلَا خِذْلَانُهُ بِكَثْرَةٍ وَلَا قِلَّةٍ، هُوَ دِينُهُ الَّذِي أَظْهَرَ، وَجُنْدُهُ الَّذِي أَعَزَّ، وَأَمَدَّهُ بِالْمَلَائِكَةِ، حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ، فَنَحْنُ عَلَى مَوْعُودٍ مِنَ اللَّهِ، وَاللَّهُ مُنْجِزٌ وَعْدَهِ، وَنَاصِرٌ جُنْدَهُ، وَمَكَانُكَ مِنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَكَانُ النِّظَامِ مِنَ الْخَرَزِ يَجْمَعُهُ وَيُمْسِكُهُ، فَإِذَا انْحَلَّ تَفَرَّقَ مَا فِيهِ وَذَهَبَ، ثُمَّ لَمْ يَجْتَمِعْ بِحَذَافِيرِهِ أَبَدًا، وَالْعَرَبُ الْيَوْمَ وَإِنْ كَانُوا قَلِيلًا فَهُمْ كَثِيرٌ عَزِيزٌ بِالْإِسْلَامِ، فَأَقِمْ مَكَانَكَ وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَهُمْ أَعْلَامُ الْعَرَبِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ، فَلْيَذْهَبْ مِنْهُمُ الثُّلُثَانِ وَيُقِيمُ الثُّلُثُ، وَاكْتُبْ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَمُدُّونَهُمْ أَيْضًا. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ أَشَارَ فِي كَلَامِهِ بِأَنْ يَمُدَّهُمْ فِي جُيُوشٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ. وَوَافَقَ عُمَرُ عَلَى الذَّهَابِ بِنَفْسِهِ إِلَى مَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. فَرَدَّ عَلِيٌّ عَلَى عُثْمَانَ فِي مُوَافَقَتِهِ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى مَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَرَدَّ رَأْيَ عُثْمَانَ فِيمَا أَشَارَ بِهِ مِنِ اسْتِمْدَادِ أَهْلِ الشَّامِ خَوْفًا عَلَى بِلَادِهِمْ - إِذَا قَلَّ جُيُوشُهَا - مِنَ الرُّومِ، وَمِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ خَوْفًا عَلَى بِلَادِهِمْ مِنَ الْحَبَشَةِ. فَأَعْجَبَ عُمَرَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَسُرَّ بِهِ - وَكَانَ عُمَرُ إِذَا اسْتَشَارَ أَحَدًا لَا يُبْرِمُ أَمْرًا حَتَّى يُشَاوِرَ الْعَبَّاسَ - فَلَمَّا أَعْجَبَهُ كَلَامُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، عَرَضَهُ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ خَفِّضْ عَلَيْكَ، فَإِنَّمَا اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الْفُرْسُ لِنِقْمَةٍ. يَعْنِي: تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. تولية النعمان بن مقرن إمارة الجيش ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ بِمَنْ أُوَلِّيهِ أَمْرَ الْحَرْبِ، وَلْيَكُنْ عِرَاقِيًّا. فَقَالُوا: أَنْتَ أَبْصَرُ بِجُنْدِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأُوَلِّيَنَّ رَجُلًا يَكُونُ أَوَّلَ الْأَسِنَّةِ إِذَا لَقِيَهَا غَدًا. قَالُوا: مَنْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ. فَقَالُوا: هُوَ لَهَا. وَكَانَ النُّعْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ وَهُوَ نَائِبٌ عَلَى كَسْكَرَ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ عَنْهَا وَيُوَلِّيَهُ قِتَالَ أَهْلِ نَهَاوَنْدَ، فَلِهَذَا أَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ وَعَيَّنَهُ لَهُ. ثُمَّ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى حُذَيْفَةَ أَنْ يَسِيرَ مِنَ الْكُوفَةِ بِجُنُودٍ مِنْهَا، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى أَنْ يَسِيرَ بِجُنُودِ الْبَصْرَةِ، وَكَتَبَ إِلَى النُّعْمَانِ - وَكَانَ بِالْبَصْرَةِ - أَنْ يَسِيرَ بِمَنْ هُنَاكَ مِنَ الْجُنُودِ إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ فَكُلُّ أَمِيرٍ عَلَى جَيْشِهِ، وَالْأَمِيرُ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ، فَإِذَا قُتِلَ فَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، فَإِذَا قُتِلَ فَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِذَا قُتِلَ فَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ، فَإِنْ قُتِلَ قَيْسٌ فَفُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ. حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً، أَحَدُهُمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَقِيلَ: لَمْ يُسَمَّ فِيهِمْ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَصُورَةُ الْكِتَابِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلّ?ا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ جُمُوعًا مِنَ الْأَعَاجِمِ كَثِيرَةً قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ بِمَدِينَةِ نَهَاوَنْدَ، فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَسِرْ بِأَمْرِ اللَّهِ وَبِعَوْنِ اللَّهِ وَبِنَصْرِ اللَّهِ، وَبِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُوطِئْهُمْ وَعْرًا فَتُؤْذِيَهُمْ، وَلَا تَمْنَعْهُمْ حَقَّهُمْ فَتُكَفِّرَهُمْ، وَلَا تُدْخِلْهُمْ غَيْضَةً، فَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ، فَسِرْ فِي وَجْهِكَ ذَلِكَ حَتَّى تَأْتِيَ مَاهَ، فَإِنِّي قَدْ كَتَبْتُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ أَنْ يُوَافُوكَ بِهَا، فَإِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْكَ جُنُودُكَ فَسِرْ إِلَى الْفَيْرُزَانِ وَمَنْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ مِنَ الْأَعَاجِمِ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، وَأَكْثِرُوا مِنْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى نَائِبِ الْكُوفَةِ - عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - أَنْ يُعَيِّنَ جَيْشًا وَيَبْعَثَهُمْ إِلَى نَهَاوَنْدَ، وَلْيَكُنِ الْأَمِيرَ عَلَيْهِمْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ، فَإِنْ قُتِلَ النُّعْمَانُ فَحُذَيْفَةُ، فَإِنْ قُتِلَ فَنُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَوَلِّ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ قَسْمَ الْغَنَائِمِ. فَسَارَ حُذَيْفَةُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ نَحْوَ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ لِيُوَافُوهُ بِمَاهَ، وَسَارَ مَعَ حُذَيْفَةَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أُمَرَاءِ الْعِرَاقِ، وَقَدْ أَرْصَدَ فِي كُلِّ كُورَةٍ مَا يَكْفِيهَا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَجَعَلَ الْحَرَسَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَاحْتَاطُوا احْتِيَاطًا عَظِيمًا، ثُمَّ انْتَهَوْا إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ حَيْثُ اتَّعَدُوا، فَدَفَعَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ إِلَى النُّعْمَانِ كِتَابَ عُمَرَ، وَفِيهِ الْأَمْرُ لَهُ بِمَا يَعْتَمِدُهُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ. فَكَمُلَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ. فِيمَا رَوَاهُ سَيْفٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِيهِمْ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ وَرُءُوسِ الْعَرَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ؛ مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ، وَطُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ الْمُرَادِيُّ. فَسَارَ النَّاسُ نَحْوَ نَهَاوَنْدَ، وَبَعَثَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ الْأَمِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ طَلِيعَةً ثَلَاثَةً؛ وَهُمْ: طُلَيْحَةُ، وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبَيْدِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَلْمَى، وَيُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ ثُبَيٍّ أَيْضًا، لِيَكْشِفُوا لَهُ خَبَرَ الْقَوْمِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ. فَسَارَتِ الطَّلِيعَةُ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ ثُبَيٍّ، فَقِيلَ لَهُ: مَا رَجَعَكَ ؟ فَقَالَ: كُنْتُ فِي أَرْضِ الْعَجَمِ، وَقَتَلَتْ أَرْضٌ جَاهِلَهَا، وَقَتَلَ أَرْضًا عَالِمُهَا. ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَهُ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، وَقَالَ: لَمْ نَرَ أَحَدًا، وَخِفْتُ أَنْ يُؤْخَذَ عَلَيْنَا بِالطَّرِيقِ. وَنَفَذَ طُلَيْحَةُ وَلَمْ يَحْفِلْ بِرُجُوعِهِمَا، فَسَارَ بَعْدَ ذَلِكَ نَحْوًا مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَهَاوَنْدَ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي هُمْ بِهِ وَنَهَاوَنْدَ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا. فَقَالَ النَّاسُ: ارْتَدَّ طُلَيْحَةُ الثَّانِيَةَ. فَعَلِمَ كَلَامَ الْقَوْمِ وَرَجَعَ. فَلَمَّا رَأَوْهُ كَبَّرُوا. فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ ؟ فَأَعْلَمُوهُ بِالَّذِي خَافُوا عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ دِينٌ إِلَّا الْعَرَبِيُّ مَا كُنْتُ لِأُجْزِرَ الْعُجْمَ الطَّمَاطِمَ هَذِهِ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ. وَدَخَلَ فِي الْعَجَمِ وَعَلِمَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ مَا أَحَبَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النُّعْمَانِ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَهَاوَنْدَ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ. فَسَارَ النُّعْمَانُ عَلَى تَعْبِئَتِهِ وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ حُذَيْفَةُ وَسُوَيْدُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَعَلَى الْمُجَرَّدَةِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى السَّاقَةِ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْفُرْسِ وَعَلَيْهِمُ الْفَيْرُزَانُ، وَمَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ كُلُّ مَنْ غَابَ عَنِ الْقَادِسِيَّةِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا. فَلَمَّا تَرَاءَا الْجَمْعَانِ كَبَّرَ النُّعْمَانُ وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، فَزُلْزِلَتِ الْأَعَاجِمُ وَرُعِبُوا مِنْ ذَلِكَ رُعْبًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَمَرَ النُّعْمَانُ بِحَطِّ الْأَثْقَالِ وَهُوَ وَاقِفٌ، فَحَطَّ النَّاسُ أَثْقَالَهُمْ، وَتَرَكُوا رِحَالَهُمْ، وَضَرَبُوا خِيَامَهُمْ وَقُبَابَهُمْ، وَضُرِبَتْ خَيْمَةٌ لِلنُّعْمَانِ عَظِيمَةٌ، وَكَانَ الَّذِينَ ضَرَبُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْ أَشْرَافِ الْجَيْشِ؛ وَهُمْ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَعُتْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَبَشِيرُ بْنُ الْخَصَاصِيَةِ، وَحَنْظَلَةُ الْكَاتِبُ، وَابْنُ الْهَوْبَرِ، وَرِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ، وَعَامِرُ بْنُ مَطَرٍ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحِمْيَرِيُّ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَوَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَلَمْ يُرَ بِالْعِرَاقِ خَيْمَةٌ عَظِيمَةٌ أَعْظَمَ مِنْ بِنَاءِ هَذِهِ الْخَيْمَةِ. وَحِينَ حَطُّوا الْأَثْقَالَ أَمَرَ النُّعْمَانُ بِالْقِتَالِ، وَكَانَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ، فَاقْتَتَلُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالَّذِي بَعْدَهُ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ انْحَجَزُوا فِي حِصْنِهِمْ، وَحَاصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَقَامُوا عَلَيْهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَالْأَعَاجِمُ يَخْرُجُونَ إِذَا أَرَادُوا وَيَرْجِعُونَ إِلَى حُصُونِهِمْ إِذَا أَرَادُوا. بعث المغيرة بن شعبة إلى أمير الفرس وَقَدْ بَعَثَ أَمِيرُ الْفُرْسِ يَطْلُبُ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِيُكَلِّمَهُ، فَذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَذَكَرَ مِنْ عَظَمَةِ مَا رَآهُ عَلَيْهِ مِنْ لُبْسِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَفِيمَا خَاطَبَهُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ فِي احْتِقَارِ الْعَرَبِ وَاسْتِهَانَتِهِ بِهِمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا، وَأَقَلَّهُمْ دَارًا وَقَدْرًا، وَقَالَ: مَا يَمْنَعُ هَؤُلَاءِ الْأَسَاوِرَةِ حَوْلِي أَنْ يَنْتَظِمُوكُمْ بِالنُّشَّابِ إِلَّا تَنَجُّسًا مِنْ جِيَفِكُمْ، فَإِنْ تَذْهَبُوا نُخَلِّ عَنْكُمْ، وَإِنْ تَأْبَوْا نُزِرْكُمْ مُصَارِعَكُمْ. قَالَ: فَتَشَهَّدْتُ وَحَمِدْتُ اللَّهَ، وَقُلْتُ: لَقَدْ كُنَّا أَسْوَأَ حَالًا مِمَّا ذَكَرْتَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَوَعَدَنَا النَّصْرَ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ، وَمَا زِلْنَا نَتَعَرَّفُ مِنْ رَبِّنَا النَّصْرَ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ إِلَيْنَا، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ فِي بِلَادِكُمْ، وَإِنَّا لَنْ نَرْجِعَ إِلَى ذَلِكَ الشَّقَاءِ أَبَدًا حَتَّى نَغْلِبَكُمْ عَلَى بِلَادِكُمْ وَمَا فِي أَيْدِيكُمْ، أَوْ نُقْتَلَ بِأَرْضِكُمْ. فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ، إِنَّ الْأَعْوَرَ لَقَدْ صَدَقَكُمْ مَا فِي نَفْسِهِ. فَلَمَّا طَالَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ هَذَا الْحَالُ وَاسْتَمَرَّ، جَمَعَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ أَهْلَ الرَّأْيِ مِنَ الْجَيْشِ، وَاشْتَوَرُوا فِي ذَلِكَ، وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِمْ حَتَّى يَتَوَاجَهُوا هُمْ وَالْمُشْرِكُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ. فَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُلْمَى أَوَّلًا - وَهُوَ أَسُنُّ مَنْ كَانَ هُنَاكَ - فَقَالَ: إِنَّ بَقَاءَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ أَضَرُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الَّذِي يَطْلُبُهُ مِنْهُمْ وَأَبْقَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَرَدَّ الْجَمِيعُ عَلَيْهِ وَقَالُوا: إِنَّا لَعَلَى يَقِينٍ مِنْ إِظْهَارِ دِينِنَا، وَإِنْجَازِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَنَا. وَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ فَقَالَ: نَاهِدْهُمْ وَكَاثِرْهُمْ وَلَا تَخَفْهُمْ. فَرَدُّوا جَمِيعًا عَلَيْهِ وَقَالُوا: إِنَّمَا يُنَاطِحُ بِنَا الْجُدْرَانَ، وَالْجُدْرَانُ أَعْوَانٌ لَهُمْ عَلَيْنَا. وَتَكَلَّمَ طُلَيْحَةُ الْأَسَدِيُّ فَقَالَ: إِنَّهُمَا لَمْ يُصِيبَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَبْعَثَ سَرِيَّةً فَتَحْدِقَ بِهِمْ وَيُنَاوِشُوهُمْ بِالْقِتَالِ وَيُحْمِشُوهُمْ، فَإِذَا بَرَزُوا إِلَيْهِمْ فَلْيَفِرُّوا إِلَيْنَا هِرَابًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِذَا اسْتَطْرَدُوا وَرَاءَهُمْ وَانْتَهَوْا إِلَيْنَا، عَزَمْنَا أَيْضًا عَلَى الْفِرَارِ كُلُّنَا، فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ لَا يَشُكُّونَ فِي الْهَزِيمَةِ فَيَخْرُجُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ، فَإِذَا تَكَامَلَ خُرُوجُهُمْ رَجَعْنَا إِلَيْهِمْ فَجَالَدْنَاهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ بَيْنَنَا. فَاسْتَجَادَ النَّاسُ هَذَا الرَّأْيَ. وَأَمَّرَ النُّعْمَانُ عَلَى الْمُجَرَّدَةِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْبَلَدِ فَيُحَاصِرُوهُمْ وَحْدَهُمْ وَيَهْرُبُوا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ إِذَا بَرَزُوا إِلَيْهِمْ. فَفَعَلَ الْقَعْقَاعُ ذَلِكَ، فَلَمَّا بَرَزُوا مِنْ حُصُونِهِمْ نَكَصَ الْقَعْقَاعُ بِمَنْ مَعَهُ، ثُمَّ نَكَصَ، ثُمَّ نَكَصَ، فَاغْتَنَمَهَا الْأَعَاجِمُ، فَفَعَلُوا مَا ظَنَّ طُلَيْحَةُ، وَقَالُوا: هِيَ هِيَ. فَخَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ وَلَمْ يَبْقَ بِالْبَلَدِ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ إِلَّا مَنْ يَحْفَظُ لَهُمُ الْأَبْوَابَ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْجَيْشِ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَلَى تَعْبِئَتِهِ، وَذَلِكَ فِي صَدْرِ نَهَارِ جُمُعَةٍ، فَعَزَمَ النَّاسُ عَلَى مُصَادَمَتِهِمْ، فَنَهَاهُمُ النُّعْمَانُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الْأَرْوَاحُ، وَيَنْزِلَ النَّصْرُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَفْعَلُ. وَأَلَحَّ النَّاسُ عَلَى النُّعْمَانِ فِي الْحَمْلَةِ، فَلَمْ يَفْعَلْ - وَكَانَ رَجُلًا ثَابِتًا - فَلَمَّا كَانَ الزَّوَالُ، صَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ رَكِبَ بِرْذَوْنًا لَهُ أَحَوَى قَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ، فَجَعَلَ يَقِفُ عَلَى كُلِّ رَايَةٍ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَيَأْمُرُهُمْ بِالثَّبَاتِ، وَيُقَدِّمُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يُكَبِّرُ الْأُولَى فَيَتَأَهَّبُ النَّاسُ لِلْحَمْلَةِ، وَيُكَبِّرُ الثَّانِيَةَ فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ أُهْبَةٌ، ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَمَعَهَا الْحَمْلَةُ الصَّادِقَةُ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْزِزْ دِينَكَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ، وَاجْعَلِ النُّعْمَانَ أَوَّلَ شَهِيدٍ الْيَوْمَ عَلَى إِعْزَازِ دِينِكَ وَنَصْرِ عِبَادِكَ. وَقِيلَ: بَلْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ تُقِرَّ عَيْنِي الْيَوْمَ بِفَتْحٍ يَكُونُ فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَاقْبِضْنِي شَهِيدًا. فَبَكَى النَّاسُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ، وَتَعَبَّتِ الْفُرْسُ تَعْبِئَةً عَظِيمَةً، وَاصْطَفُّوا صُفُوفًا هَائِلَةً، فِي عَدَدٍ وَعُدَدٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ، وَقَدْ تَغَلْغَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، وَأَلْقَوْا حَسَكَ الْحَدِيدِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ حَتَّى لَا يُمْكِنَهُمُ الْهَرَبُ وَلَا الْفِرَارُ وَلَا التَّحَيُّزُ. استشهاد النعمان بن مقرن ثُمَّ إِنَّ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ، ؓ، كَبَّرَ الْأُولَى وَهَزَّ الرَّايَةَ فَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِلْحَمْلَةِ، ثُمَّ كَبَّرَ الثَّانِيَةَ وَهَزَّ الرَّايَةَ فَتَأَهَّبُوا أَيْضًا، ثُمَّ كَبَّرَ الثَّالِثَةَ وَحَمَلَ وَحَمَلَ النَّاسُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، وَجَعَلَتْ رَايَةُ النُّعْمَانِ تَنْقَضُّ نَحْوَ الْفُرْسِ كَانْقِضَاضِ الْعُقَابِ عَلَى الْفَرِيسَةِ حَتَّى تُصَافَحُوا بِالسُّيُوفِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فِي مَوْقِفٍ مِنَ الْمَوَاقِفِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَا سَمِعَ السَّامِعُونَ بِوَقْعَةٍ مِثْلِهَا، قُتِلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَا بَيْنَ الزَّوَالِ إِلَى الظَّلَامِ مِنَ الْقَتْلَى مَا طَبَّقَ وَجْهَ الْأَرْضِ دَمًا، بِحَيْثُ إِنَّ الدَّوَابَّ كَانَتْ تَطْبَعُ فِيهِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ الْأَمِيرَ النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ زَلَقَ بِهِ حِصَانُهُ فِي ذَلِكَ الدَّمِ، فَوَقَعَ وَجَاءَهُ سَهْمٌ فِي خَاصِرَتِهِ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحَدٌ سِوَى أَخِيهِ سُوَيْدٍ، وَقِيلَ: نُعَيْمٍ. وَقِيلَ: غَطَّاهُ بِثَوْبِهِ، وَأَخْفَى مَوْتَهُ، وَدَفَعَ الرَّايَةَ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ. فَأَقَامَ حُذَيْفَةُ أَخَاهُ نُعَيْمًا مَكَانَهُ، وَأَمَرَ بِكَتْمِ مَوْتِهِ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْحَالُ، لِئَلَّا يَنْهَزِمَ النَّاسُ. فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ - وَكَانَ الْكُفَّارُ قَدْ قَرَنُوا مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا بِالسَّلَاسِلِ وَحَفَرُوا حَوْلَهُمْ خَنْدَقًا، فَلَمَّا انْهَزَمُوا وَقَعُوا فِي الْخَنْدَقِ وَفِي تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ نَحْوَ مِائَةِ أَلْفٍ - وَجَعَلُوا يَتَسَاقَطُونَ فِي أَوْدِيَةِ بِلَادِهِمْ، فَهَلَكَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ نَحْوَ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ. وَكَانَ الْفَيْرُزَانُ أَمِيرُهُمْ قَدْ صُرِعَ فِي الْمَعْرَكَةِ فَانْفَلَتَ وَانْهَزَمَ، وَاتَّبَعَهُ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ، وَقَدَّمَ الْقَعْقَاعَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَصَدَ الْفَيْرُزَانُ هَمَذَانَ، فَلَحِقَهُ الْقَعْقَاعُ وَأَدْرَكَهُ عِنْدَ ثَنِيَّةِ هَمَذَانَ، وَقَدْ أَقْبَلُ مِنْهَا بِغَالٌ كَثِيرٌ وَحُمُرٌ تَحْمِلُ عَسَلًا، فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْفَيْرُزَانُ صُعُودَهَا مِنْهُمْ، وَذَلِكَ لِحِينِهِ فَتَرَجَّلَ وَتَوَقَّلَ فِي الْجَبَلِ فَأَتْبَعَهُ الْقَعْقَاعُ حَتَّى قَتَلَهُ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ: إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا مِنْ عَسَلٍ. ثُمَّ غَنِمُوا ذَلِكَ الْعَسَلَ وَمَا خَالَطَهُ مِنَ الْأَحْمَالِ. وَسُمِّيَتْ تِلْكَ الثَّنِيَّةُ ثَنِيَّةَ الْعَسَلِ. فَتْحِ هَمَذَانَ وَالْمَاهَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ عُثْمَانَ: كَانَ فَتْحُ هَمَذَانَ فِي جُمَادَى الْأُولَى عَلَى رَأْسِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَقْتَلِ عُمَرَ، وَجُيُوشُهُ عَلَيْهَا. ثُمَّ لَحِقَ الْقَعْقَاعُ بَقِيَّةَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنْهُمْ إِلَى هَمَذَانَ، وَحَاصَرَهَا وَحَوَى مَا حَوْلَهَا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ صَاحِبُهَا - وَهُوَ خُسْرَوْ شُنُومُ - فَصَالَحَهُ عَلَيْهَا. ثُمَّ رَجَعَ الْقَعْقَاعُ إِلَى حُذَيْفَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ دَخَلُوا بَعْدَ الْوَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ عَنْوَةً، وَقَدْ جَمَعُوا الْأَسْلَابَ وَالْمَغَانِمَ إِلَى صَاحِبِ الْأَقْبَاضِ وَهُوَ السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ. وَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ مَاهَ بِخَبَرِ أَهْلِ هَمَذَانَ، بَعَثُوا إِلَى حُذَيْفَةَ وَأَخَذُوا لَهُمْ مِنْهُ الْأَمَانَ. وَجَاءَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْهِرْبَذُ - وَهُوَ صَاحِبُ نَارِهِمْ - فَسَأَلَ مِنْ حُذَيْفَةَ الْأَمَانَ وَيَدْفَعُ إِلَيْهِمْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ لِكِسْرَى ادَّخَرَهَا لِنَوَائِبِ الزَّمَانِ، فَأَمَّنَهُ حُذَيْفَةُ، وَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِسَفَطَيْنِ مَمْلُوءَتَيْنِ جَوْهَرًا ثَمِينًا لَا يُقَوَّمُ، غَيْرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَعْبَئُوا بِهِ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى بَعْثِهِ لِعُمَرَ خَاصَّةً، وَأَرْسَلُوهُ صُحْبَةَ الْأَخْمَاسِ وَالسَّبْيِ، صُحْبَةَ السَّائِبِ بْنِ الْأَقْرَعِ، وَأَرْسَلَ قَبْلَهُ بِالْفَتْحِ مَعَ طَرِيفِ بْنِ سَهْمٍ، ثُمَّ قَسَمَ حُذَيْفَةُ بَقِيَّةَ الْغَنِيمَةِ فِي الْغَانِمِينَ، وَرَضَخَ وَنَفَلَ لِذَوِي النَّجَدَاتِ، وَقَسَمَ لِمَنْ كَانَ قَدْ أَرْصَدَ مِنَ الْجُيُوشِ لِحِفْظِ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَمَنْ كَانَ رِدْءًا لَهُمْ، وَمَنْسُوبًا إِلَيْهِمْ. وَأَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهَ لَيْلًا وَنَهَارًا لَهُمْ، دُعَاءَ الْحَوَامِلِ الْمُقْرِبَاتِ، وَابْتِهَالَ ذَوِي الضَّرُورَاتِ، وَقَدِ اسْتَبْطَأَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ، فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرَ الْمَدِينَةِ إِذَا هُوَ بِرَاكِبٍ، فَسَأَلَهُ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ ؟ فَقَالَ: مِنْ نَهَاوَنْدَ. فَقَالَ: مَا فَعَلَ النَّاسُ ؟ قَالَ: فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَقُتِلَ الْأَمِيرُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، أَصَابَ الْفَارِسُ سِتَّةَ آلَافٍ، وَالرَّاجِلُ أَلْفَانِ. ثُمَّ فَاتَهُ وَقَدِمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَدِينَةَ، فَأَخْبَرَهُ النَّاسُ وَشَاعَ الْخَبَرُ حَتَّى بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَطَلَبَهُ فَسَأَلَهُ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، فَقَالَ: رَاكِبٌ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَجِئْنِي، وَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْجِنِّ، وَهُوَ بَرِيدُهُمْ، وَاسْمُهُ عُثَيْمٌ. ثُمَّ قَدِمَ طَرِيفٌ بِالْفَتْحِ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَلَيْسَ مَعَهُ سِوَى الْفَتْحِ، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَمَّنْ قَتَلَ النُّعْمَانَ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ عِلْمٌ، حَتَّى قَدِمَ الَّذِينَ مَعَهُمُ الْأَخْمَاسُ فَأَخْبَرُوا بِالْأَمْرِ عَلَى جَلِيَّتِهِ، فَإِذَا ذَلِكَ الْجِنِّيُّ قَدْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ وَرَجَعَ سَرِيعًا إِلَى قَوْمِهِ نَذِيرًا. إخبار عمر بمقتل النعمان وتقسيم الغنائم وَلَمَّا أُخْبِرَ عُمَرَ بِمَقْتَلِ النُّعْمَانِ بَكَى وَسَأَلَ السَّائِبَ عَمَّنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ. لِأَعْيَانِ النَّاسِ وَأَشْرَافِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: وَآخَرُونَ مِنْ أَفْنَادِ النَّاسِ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَجَعَلَ عُمَرُ يَبْكِي وَيَقُولُ: وَمَا ضَرَّهُمْ أَنْ لَا يَعْرِفَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ! لَكِنَّ اللَّهَ يَعْرِفُهُمْ وَقَدْ أَكْرَمَهُمْ بِالشَّهَادَةِ، وَمَا يَصْنَعُونَ بِمَعْرِفَةِ عُمَرَ. ثُمَّ أَمَرَ بِقِسْمَةِ الْخُمْسِ عَلَى عَادَتِهِ، وَحُمِلَتْ ذَانِكَ السَّفَطَانِ إِلَى مَنْزِلِ عُمَرَ، وَرَجَعَتِ الرُّسُلُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ طَلَبَهُمْ فَلَمْ يَجِدْهُمْ، فَأَرْسَلَ فِي إِثْرِهِمُ الْبُرُدَ فَمَا لَحِقَهُمُ الْبَرِيدُ إِلَّا بِالْكُوفَةِ. قَالَ السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ: فَلَمَّا أَنَخْتُ بَعِيرِي بِالْكُوفَةِ، أَنَاخَ الْبَرِيدُ بَعِيرَهُ عَلَى عُرْقُوبِ بَعِيرِي، وَقَالَ: أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقُلْتُ: لِمَاذَا ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَرَجَعْنَا عَلَى إِثْرِنَا حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ. قَالَ: مَالِي وَلَكَ يَا ابْنَ أُمِّ السَّائِبِ، بَلْ مَا لِابْنِ أُمِّ السَّائِبِ وَمَالِي. قَالَ: فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ، وَاللَّهِ إِنْ هُوَ إِلَّا أَنْ نِمْتُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي خَرَجْتَ فِيهَا، فَبَاتَتْ مَلَائِكَةُ اللَّهِ تَسْحَبُنِي إِلَى ذَيْنِكَ السَّفَطَيْنِ وَهُمَا يَشْتَعِلَانِ نَارًا، يَقُولُونَ: لَنَكْوِيَنَّكَ بِهِمَا. فَأَقُولُ: إِنِّي سَأَقْسِمُهُمَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَاذْهَبْ بِهِمَا لَا أَبَا لَكَ فَبِعْهُمَا فَاقْسِمْهُمَا فِي أُعْطِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرْزَاقِهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا وُهِبُوا وَلَمْ تَدْرِ أَنْتَ مَعَهُمْ. قَالَ السَّائِبُ: فَأَخَذَتْهُمَا حَتَّى جِئْتُ بِهِمَا مَسْجِدَ الْكُوفَةِ وَغَشِيَتْنِي التُّجَّارُ، فَابْتَاعَهُمَا مِنِّي عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ الْمَخْزُومِيُّ بِأَلْفَيْ أَلْفٍ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا إِلَى أَرْضِ الْأَعَاجِمِ فَبَاعَهُمَا بِأَرْبَعَةِ آلَافِ أَلْفٍ، فَمَا زَالَ أَكْثَرَ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَالًا بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ سَيْفٌ: ثُمَّ قَسَمَ ثَمَنَهُمَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَنَالَ كُلُّ فَارِسٍ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ مِنْ ثَمَنِ السَّفَطَيْنِ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَحَصَلَ لِلْفَارِسِ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ سِتَّةُ آلَافٍ، وَلِلرَّاجِلِ أَلْفَانِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا موقف أبو لؤلؤة المجوسي من سبي نهاوند وعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا قُدِمَ بِسَبْيِ نَهَاوَنْدَ إِلَى الْمَدِينَةِ جَعَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ - فَيْرُوزُ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - لَا يَلْقَى مِنْهُمْ صَغِيرًا إِلَّا مَسَحَ رَأَسَهُ وَبَكَى، وَقَالَ: أَكَلَ عُمَرُ كَبِدِي. وَكَانَ أَصْلُ أَبِي لُؤْلُؤَةَ مِنْ نَهَاوَنْدَ فَأَسَرَتْهُ الرُّومُ أَيَّامَ فَارِسَ، وَأَسَرَتْهُ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ، فَنُسِبَ إِلَى حَيْثُ سُبِيَ. قَالُوا: وَلَمْ تَقُمْ لِلْأَعَاجِمِ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ قَائِمَةٌ. وَأَلْحَقَ عُمَرُ الَّذِينَ أَبْلَوْا فِيهَا فِي أَلْفَيْنِ تَشْرِيفًا لَهُمْ وَإِظْهَارًا لِشَأْنِهِمْ.
التاريخ 1927لا حكم مسجّل
فَتْحِ أَصْبَهَانَ وَفِي سنة إحدى وعشرين افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ أَيْضًا بَعْدَ نَهَاوَنْدَ مَدِينَةَ جَيٍّ - وَهِيَ مَدِينَةُ أَصْبَهَانَ - بَعْدَ قِتَالٍ كَثِيرٍ وَأُمُورٍ طَوِيلَةٍ، فَصَالَحُوا الْمُسْلِمِينَ، وَكَتَبَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كِتَابَ أَمَانٍ وَصُلْحٍ، وَفَرَّ مِنْهُمْ ثَلَاثُونَ نَفَرًا إِلَى كِرْمَانَ لَمْ يُصَالِحُوا الْمُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي فَتَحَ أَصْبَهَانَ هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ مُقَرِّنٍ وَأَنَّهُ قُتِلَ بِهَا، وَوَقَعَ أَمِيرُ الْمَجُوسِ وَهُوَ ذُو الْحَاجِبَيْنِ عَنْ فَرَسِهِ فَانْشَقَّ بَطْنُهُ وَمَاتَ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي فَتَحَ أَصْبَهَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، الَّذِي كَانَ نَائِبَ الْكُوفَةِ. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ فِيمَنْ كَانَ مَعَهُ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ جُنْدِ النُّعْمَانِ بِنَهَاوَنْدَ نَحْوَ أَصْبَهَانَ، وَعَلَى جُنْدِهَا الْأَسْبِيدَانُ، وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ شَهْرَيَارُ بْنُ جَاذَوَيْهِ، شَيْخٌ كَبِيرٌ، فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ، وَمُقَدَّمَةُ الْمُشْرِكِينَ بِرُسْتَاقٍ لِأَصْبَهَانَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَدَعَا الشَّيْخُ إِلَى الْبِرَازِ، فَبَرَزَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَ أَهْلُ أَصْبَهَانَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الرُّسْتَاقُ رُسْتَاقَ الشَّيْخِ إِلَى الْيَوْمِ، وَصَالَحَهُمُ الْأَسْبِيدَانُ عَلَى رُسْتَاقِ الشَّيْخِ، وَهُوَ أَوَّلُ رُسْتَاقٍ أُخِذَ مِنْ أَصْبَهَانَ. ثُمَّ سَارَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى مَدِينَةِ جَيٍّ وَهِيَ مَدِينَةُ أَصْبَهَانَ، فَانْتَهَى إِلَيْهَا وَالْمَلِكُ بِأَصْبَهَانَ الْفَاذُوسْفَانُ، فَنَزَلَ بِالنَّاسِ عَلَى جَيٍّ وَحَاصَرَهَا وَقَاتَلَهَا، ثُمَّ صَالَحَهُ الْفَاذُوسْفَانُ عَلَى أَصْبَهَانَ وَأَنَّ عَلَى مَنْ أَقَامَ الْجِزْيَةَ وَأَقَامَ عَلَى مَالِهِ وَأَنْ يَجْرِيَ مَنْ أُخِذَتْ أَرْضُهُ عَنْوَةً مَجْرَاهُمْ وَمَنْ أَبَى وَذَهَبَ كَانَ لَكُمْ أَرْضُهُ، وَقَدِمَ أَبُو مُوسَى عَلَى عَبْدِ اللَّهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْأَهْوَازِ وَقَدْ صَالَحَ، فَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ جَيٍّ وَدَخَلُوا فِي الذِّمَّةِ إِلَّا ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ لَحِقُوا بِكَرْمَانَ. وَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو مُوسَى جَيًّا، وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ: أَنْ سِرْ حَتَّى تَقْدُمَ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ فَتَكُونَ مَعَهُ عَلَى قِتَالِ مَنْ بِكَرْمَانَ، فَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى أَصْبَهَانَ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ، وَلَحِقَ بِسُهَيْلٍ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى كَرْمَانَ.
التاريخ 1928لا حكم مسجّل
وفي سنة إحدى وعشرين أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ سَارَ فِي جَيْشٍ مَعَهُ إِلَى أَنْطَابُلُسَ - قَالَ: وَهِيَ بَرْقَةُ - فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفِ دِينَارٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ. وَأَنْ يَبِيعُوا مِنْ أَبْنَائِهِمْ مَنْ أَرَادُوا بَيْعَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَرْقَةَ سَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ فَحَاصَرَهَا شَهْرًا فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، وَكَانَ قَدْ نَزَلَ شَرْقِيَّهَا، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يَتَصَيَّدُ فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، وَسَلَكُوا غَرْبَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا رَجَعُوا اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْحَرُّ فَأَخَذُوا عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ، وَلَمْ يَكُنِ السُّورُ مُتَّصِلًا بِالْبَحْرِ، وَكَانَتْ سُفُنُ الرُّومِ فِي مَرْسَاهَا مُقَابِلَ بُيُوتِهِمْ، فَرَأَى الْمُدْلِجِيُّ وَأَصْحَابُهُ مَسْلَكًا بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْبَلَدِ فَدَخَلُوا مِنْهُ وَكَبَّرُوا، فَلَمْ يَكُنْ لِلرُّومِ مَلْجَأٌ إِلَّا سُفُنُهُمْ، لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ دَخَلُوا الْبَلَدَ، وَنَظَرَ عَمْرٌو وَمَنْ مَعَهُ فَرَأَى السُّيُوفَ فِي الْمَدِينَةِ وَسَمِعُوا الصِّيَاحَ، فَأَقْبَلَ بِجَيْشِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْبَلَدَ، فَلَمْ يُفْلِتِ الرُّومُ إِلَّا بِمَا خَفَّ مَعَهُمْ فِي مَرَاكِبِهِمْ. وَكَانَ أَهْلُ حِصْنِ سَبْرَةَ قَدْ تَحَصَّنُوا لَمَّا نَزَلَ عَمْرٌو عَلَى طَرَابُلُسَ، فَلَمَّا امْتَنَعُوا عَلَيْهِ بِطَرَابُلُسَ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا، فَلَمَّا فُتِحَتْ طَرَابُلُسُ جَنَّدَ عَمْرٌو عَسْكَرًا كَثِيفًا وَسَيَّرَهُ إِلَى سَبْرَةَ، فَصَبَّحُوهَا وَقَدْ فَتَحَ أَهْلُهَا الْبَابَ وَأَخْرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ لِتَسْرَحَ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ بَلَغَهُمْ خَبَرُ طَرَابُلُسَ، فَوَقَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ وَدَخَلُوا الْبَلَدَ مُكَابَرَةً وَغَنِمُوا مَا فِيهِ وَعَادُوا إِلَى عَمْرٍو. ثُمَّ سَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى بَرْقَةَ وَبِهَا لُوَاتَةُ، وَهُمْ مِنَ الْبَرْبَرِ. وَكَانَ سَبَبُ مَسِيرِ الْبَرْبَرِ إِلَيْهَا وَإِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْغَرْبِ أَنَّهُمْ كَانُوا بِنَوَاحِي فِلَسْطِينَ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَ مَلِكُهُمْ جَالُوتَ، فَلَمَّا قُتِلَ سَارَتِ الْبَرَابِرُ وَطَلَبُوا الْغَرْبَ، حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى لُوبِيَّةَ وَمَرَاقِيَّةَ، وَهُمَا كُورَتَانِ مِنْ كُوَرِ مِصْرَ الْغَرْبِيَّةِ، تَفَرَّقُوا فَسَارَتْ زَنَاتَةُ وَمُغِيلَةُ، وَهُمَا قَبِيلَتَانِ مِنَ الْبَرْبَرِ إِلَى الْغَرْبِ فَسَكَنُوا الْجِبَالَ، وَسَكَنَتْ لُوَاتَةُ أَرْضَ بَرْقَةَ، وَتُعْرَفُ قَدِيمًا بِأَنْطَابُلُسَ، وَانْتَشَرُوا فِيهَا حَتَّى بَلَغُوا السُّوسَ، وَنَزَلَتْ هَوَّارَةُ مَدِينَةَ لَبْدَةَ، وَنَزَلَتْ نَفُوسَةُ إِلَى مَدِينَةِ سَبْرَةَ وَجَلَا مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الرُّومِ لِذَلِكَ، وَقَامَ الْأَفَارِقُ، وَهُمْ خَدَمُ الرُّومِ، عَلَى صُلْحٍ يُؤَدُّونَهُ إِلَى مَنْ غَلَبَ عَلَى بِلَادِهِمْ. قَالَ: وفي سنة إحدى وعشرين بَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عُقْبَةَ بْنَ نَافِعٍ الْفِهْرِيَّ إِلَى زَوِيلَةَ فَفَتَحَهَا بِصُلْحٍ، وَصَارَ مَا بَيْنَ بَرْقَةَ إِلَى زَوِيلَةَ سِلْمًا لِلْمُسْلِمِينَ.
التاريخ 1929لا حكم مسجّل
وفي سنة إحدى وعشرين وَلَّى عُمَرُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ عَلَى الْكُوفَةِ بَدَلَ زِيَادِ بْنِ حَنْظَلَةَ الَّذِي وَلَّاهُ بَعْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَجَعَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ. وَعُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِسَاحَةَ الْأَرْضِ. فعَنْ حَارِثَةَ بْنَ مُصَرِّفٍ قَالَ: قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ أَمِيرًا، وَابْنَ مَسْعُودٍ مُعَلِّمًا وَوَزِيرًا، وَجَعَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ مَالِكُمْ، وَإِنَّهُمَا لَمِنَ النُّجَبَاءِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَاسْمَعُوا لَهُمَا، وَأَطِيعُوا، وَاقْتَدُوا بِهِمَا، وَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِابْنِ أُمِّ عَبْدٍ عَلَى نَفْسِي، وَبَعَثْتُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى السَّوَادِ، وَرَزَقْتُهُمَا كُلَّ يَوْمٍ شَاةً، فَاجْعَلُوا شِطْرَهَا وَبَطْنَهَا لِعَمَّارٍ -وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَوَلَّيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ مَا سَقَتْ دِجْلَةُ، وَوَلَّيْتُ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ الْفُرَاتَ وَمَا سَقَى أَذْرَبَيْجَانَ، فَاجْعَلُوا الشِّطْرَ الثَّانِي بَيْنَ هُؤَلَاءِ الثَّلَاثَةِ-. وعن أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ] قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إِلَى الْعِرَاقِ عَامِلًا، وَأَمَرَهُ بِمِسَاحَةِ سَقْيِ الْفُرَاتِ، فَمَسَحَ الْكُوَرَ وَالطَّسَاسِيجَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ دِجْلَةَ، وَكَانَ كُوَرَ فَيْرُوزَ -وَهِيَ طَسُّوجُ الْأَنْبَارِ- وَكَانَ أَوَّلُ السَّوَادِ شُرْبًا مِنَ الْفُرَاتِ، ثُمَّ طَسُّوجُ مَسْكَنٍ، وَهُوَ أَوَّلُ حُدُودِ السَّوَادِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ دِجْلَةَ وَشُرْبُهُ مِنْ دُجَيْلٍ، وَيَتْلُوهُ طَسُّوجُ قُطْرُبُّلُ، وَشُرْبُهُ أَيْضًا مِنْ دُجَيْلٍ، ثُمَّ طَسُّوجُ بَادَرْوِيَا، وَهُوَ طَسُّوجُ مَدِينَةِ السَّلَامِ، وَكَانَ أَجَلَّ طَسَاسِيجِ السَّوَادِ جَمِيعًا، وَكَانَ كُلُّ طَسُّوجٍ يَتَقَلَّدَهُ فِيمَا يَقْدَمُ عَامِلٌ وَاحِدٌ سِوَى طَسُّوجِ بَادَرْوِيَا، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَقَلَّدَهُ عَامِلَانِ لِجَلَالَتِهِ وَكَثْرَةِ ارْتِفَاعِهِ، وَلَمْ يَزَلْ خَطِيرًا عِنْدَ الْفُرْسِ وَمُقَدَّمًا عَلَى مَا سِوَاهُ، وَوَرَدَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ الْمَدَائِنَ فِي حَالِ وِلَايَتِهِ. وعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ بَعَثَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَجُيُوشِهِمْ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَلَى قَضَائِهِمْ وَبَيْتِ مَالِهِمْ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى مِسَاحَةِ الْأَرْضِ، ثُمَّ فَرَضَ لَهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ شَاةً، شِطْرُهَا وَسَوَاقِطُهَا لِعَمَّارٍ، وَالشِّطْرُ الْآخَرُ بَيْنَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَرَى قَرْيَةً يُؤْخَذُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ شَاةٌ إِلَّا سَرِيعًا فِي خَرَابِهَا. قَالَ: وَمَسَحَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ الْأَرْضَ فَجَعَلَ عَلَى جَرِيبِ الْكَرْمِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ النَّخْلِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْقَصَبِ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الْبُرِّ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى جَرِيبِ الشَّعِيرِ دِرْهَمَيْنِ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ عُمَرَ ؓ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَمَسَحَ السَّوَادَ، فَوَجَدَهُ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَرَى هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الْمَحْفُوظُ. حد السواد وَيُقَالُ: إِنَّ حَدَّ السَّوَادِ الَّذِي وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْمَسَّاحَةُ مِنْ لَدُنْ تُخُومِ الْمَوْصِلِ مَادًّا مِنَ الْمَاءِ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرَيْنِ مِنْ بِلَادِ عَبَّادَانَ وَشَرْقِيِّ دِجْلَةَ، هَذَا طُولُهُ. وَأَمَّا عَرْضُهُ: فَحَدَّهُ مُنْقَطِعُ الْجَبَلِ مِنْ أَرْضِ حُلْوَانَ إِلَى مُنْتَهَى طَرَفِ الْقَادِسِيَّةِ الْمُتَّصِلِ بِالْعُذَيْبِ مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ، فَهَذَا حُدُودُ السَّوَادِ، وَعَلَيْهَا الْخَرَاجُ وَقَعَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: بَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ عَلَى خَرَاجِ السَّوَادِ، وَرَزَقَهُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعَ شَاةٍ وَخَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَمْسَحَ السَّوَادَ عَامِرَهُ وَغَامِرَهُ، وَلَا يَمْسَحَ سَبَخَهُ وَلَا تِلَالَهُ وَلَا أُجُمَهُ، وَلَا مُسْتَنْقَعَ مَاءٍ، وَمَا لَا يَبْلُغُهُ الْمَاءُ، فَمَسَحَ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ الْجَبَلِ -يَعْنِي جَبَلَ حُلْوَانَ- إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَهُوَ أَسْفَلُ الْفُرَاتِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنِّي وَجَدْتُ كُلَّ شَيْءٍ بَلَغَهُ الْمَاءُ مِنْ عَامِرٍ وَغَامِرٍ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفِ جَرِيبٍ، وَكَانَ ذِرَاعُ عُمَرَ الَّذِي مُسِحَ بِهِ السَّوَادُ ذِرَاعًا وَقَبْضَةً، وَالْإِبْهَامُ مَضْجَعَةً. وَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَنْ أَفْرِضْ عَلَى كُلِّ جَرِيبٍ عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ، عَمِلَهُ صَاحِبُهُ أَوْ لَمْ يَعْمَلْهُ دِرْهَمًا وَقَفِيزًا، وَفَرَضَ عَلَى الْكُرُومِ كُلَّ جَرِيبٍ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الرِّطَابِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ، وَأَطْعَمَهُمُ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ، فَقَالَ: هَذَا قُوَّةٌ لَهُمْ عَلَى عِمَارَةِ بِلَادِهِمْ، وَفَرَضَ عَلَى رِقَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُوسِرِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى مَنْ دُونَ ذَلِكَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى مَنْ لَا يَجِدُ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَحُمِلَ مِنْ خَرَاجِ سَوَادِ الْكُوفَةِ إِلَى عُمَرَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ سِتَّةٌ وَثَمَانُونَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَحُمِلَ مَنْ قَابِلٍ عِشْرُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ ابن الجوزي: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مِقْدَارَ هَذَا الطُّولِ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَرْسَخًا، وَقَدْرُ الْعَرْضِ ثَمَانُونَ فَرْسَخًا، فَجَبَى السَّوَادُ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفٍ، وَجَبَاهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ بَعْدَ أَنْ جَبَاهَ الْحَجَّاجُ بِظُلْمِهِ وَعَسْفِهِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ الْحَجَّاجُ قَدْ مَنَعَ ذَبْحَ الْبَقَرِ لِيَكْثُرَ الْحَرْثُ. فَقَالَ الشَّاعِرُ: شَكَوْنَا إِلَيْهِ خَرَابَ السَّوَادِ فَحَرَّمَ فِينَا لُحُومَ الْبَقَرْ وَقَدْ كَانَ هَذَا السَّوَادُ يَجْبِي فِي زَمَانِ الْأَكَاسِرَةِ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. خراج مصر أيام فرعون وَكَانَ خَرَاجُ مِصْرَ فِي أَيَّامِ فِرْعَوْنَ سِتَّةً وَتِسْعِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ، فَجَبَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَبْحَابِ فِي أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَسَبْعَ مِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا وَثَمَانَمِائَةٍ وَسَبْعَ دَنَانِيرَ، وَحَمَلَ مِنْهَا عِيسَى بْنُ مُوسَى فِي أَيَّامِ بَنِي الْعَبَّاسِ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَةَ أَلْفٍ وَثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ سَوَادًا لِأَنَّ الْعَرَبَ حِينَ جَاءُوا نَظَرُوا إِلَى مِثْلِ اللَّيْلِ مِنَ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْمَاءِ فَسَمَّوْهُ سَوَادًا. خراج فارس وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْفُرْسَ كَانَتْ تَجْبِي خَرَاجَ فَارِسَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ أَلْفِ مِثْقَالٍ، لِأَنَّهَا بِلَادٌ ضَيِّقَةٌ، وَتَجْبِي كَرْمَانَ -لِكَثْرَةِ عُيُونِهَا وَقُنُبِهَا- سِتِّينَ أَلْفَ أَلْفِ مِثْقَالٍ، لِأَنَّهَا كَثِيرَةُ الْعُيُونِ، وَتَجْبِي خُوزَسْتَانَ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالسَّوَادَ مِائَةَ أَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَالْجَبَلَ وَالرَّيَّ إِلَى حُلْوَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ أَلْفٍ سِوَى خُرَاسَانَ، وَيُخَفِّفُونَ الْخَرَاجَ عَلَى الْأَطْرَافِ. خراج مصر وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ خَرَاجُ مِصْرَ أَلْفَ أَلْفٍ وَسَبْعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخَرَاجُ قِنَّسْرِينَ وَالْعَوَاصِمِ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَخَرَاجُ الْمَوْصِلِ أَرْبَعَةَ آلَافِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. عَزْلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ أَبِي مُوسَى وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وقد اشْتَكَى أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ عَمَّارٍ، وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ مَا هُوَ فِيهِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَمِينٍ، وَنَزَا بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ. فَدَعَاهُ عُمَرُ، فَخَرَجَ مَعَهُ وَفْدٌ يُرِيدُ أَنَّهُمْ مَعَهُ، فَكَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، وَقَالُوا: إِنَّهُ غَيْرُ كَافٍ وَعَالِمٍ بِالسِّيَاسَةِ، وَلَا يَدْرِي عَلَى مَا اسْتَعْمَلْتَهُ. وَكَانَ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ - عَمُّ الْمُخْتَارِ -، وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَسَعَيَا بِهِ، فَعَزَلَهُ عُمَرُ. وَقَالَ عُمَرُ لِعَمَّارٍ: أَسَاءَكَ الْعَزْلُ ؟ قَالَ: مَا سَرَّنِي حِينَ اسْتُعْمِلْتُ وَلَقَدْ سَاءَنِي حِينَ عُزِلْتُ. فَقَالَ لَهُ: قَدْ عَلِمْتُ مَا أَنْتَ بِصَاحِبِ عَمَلٍ، وَلَكِنِّي تَأَوَّلْتُ: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ فَقَالَ: مَنْ تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا: أَبَا مُوسَى. فَأَمَّرَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ عَمَّارٍ. فَأَقَامَ عَلَيْهِمْ سَنَةً فَبَاعَ غُلَامُهُ الْعَلَفَ، فَشَكَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ وَقَالُوا: إِنَّ غُلَامَهُ يَتَّجِرُ فِي جِسْرِنَا، فَعَزَلَهُ عَنْهُمْ وَصَرَفَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ. وَصَرَفَ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى الْجَزِيرَةِ. وَخَلَا عُمَرُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَنَامَ، فَأَتَاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَحَرَسَهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مِنْ عَظِيمٍ. فَقَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ لَا يَرْضَوْنَ عَنْ أَمِيرٍ وَلَا يَرْضَى عَنْهُمْ أَمِيرٌ ؟ وَأُحِيطَتِ الْكُوفَةُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ. وَأَتَاهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ عَضَّلُونِي. وَاسْتَشَارَهُمْ فِيمَنْ يُوَلِّيهِ. وَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي تَوْلِيَةِ رَجُلٍ ضَعِيفٍ مُسْلِمٍ أَوْ رَجُلٍ قَوِيٍّ مُسَدِّدٍ ؟ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: أَمَّا الضَّعِيفُ الْمُسْلِمُ فَإِنَّ إِسْلَامَهُ لِنَفْسِهِ وَضَعْفَهُ عَلَيْكَ، وَأَمَّا الْقَوِيُّ الْمُسَدِّدُ فَإِنَّ سَدَادَهُ لِنَفْسِهِ وَقُوَّتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَوَلَّى الْمُغِيرَةَ الْكُوفَةَ، فَبَقِيَ عَلَيْهَا حَتَّى مَاتَ عُمَرُ، وَذَلِكَ نَحْوَ سَنَتَيْنِ وَزِيَادَةٍ. وَقَالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ: يَا مُغِيرَةُ لِيَأْمَنْكَ الْأَبْرَارُ، وَلْيَخَفْكَ الْفُجَّارُ. ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَبْعَثَ سَعْدًا عَلَى عَمَلِ الْمُغِيرَةِ، فَقُتِلَ عُمَرُ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَوْصَى بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَمَّارًا عُزِلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ أَبُو مُوسَى.
التاريخ 1930لا حكم مسجّل
فَتْحِ الدِّينَوَرِ وَالصَّيْمَرَةِ وَغَيْرِهِمَا لَمَّا انْصَرَفَ أَبُو مُوسَى مِنْ نَهَاوَنْدَ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ مَدَدًا عَلَى بَعْثِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَمَرَّ بِالدِّينَوَرِ فَأَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ وَمَضَى، فَصَالَحَهُ أَهْلُ سِيرَوَانَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِهِمْ، وَبَعَثَ السَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ الثَّقَفِيَّ إِلَى الصَّيْمَرَةِ مَدِينَةِ مِهْرِجَانَ قَذَقَ فَفَتَحَهَا صُلْحًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ وَجَّهَ السَّائِبَ مِنَ الْأَهْوَازِ فَفَتَحَ وِلَايَةَ مِهْرِجَانَ قَذَقَ.
التاريخ 1931لا حكم مسجّل
وَفِي سنة إحدى وعشرين ضُرِبَتِ الدَّرَاهِمُ عَلَى نَقْشِ الْكِسْرَوِيَّةِ، وَعَلَى تِلْكَ السِّكَكِ بِأَعْيَانِهَا، إِلَّا أَنَّهُ جُعِلَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، فَبَعْضُهَا كُتِبَ فِيهِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ"، وَبَعْضُهَا: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، وَبَعْضُهَا: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَبَعْضُهَا "عُمَرُ".
التاريخ 1932لا حكم مسجّل
فَتْحُ الرَّيِّ اسْتَخْلَفَ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ عَلَى هَمَذَانَ يَزِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَسَارَ بِالْجُيُوشِ حَتَّى لَحِقَ بِالرَّيِّ فَلَقِيَ هُنَاكَ جَمْعًا كَثِيرًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَظِيمًا، فَاقْتَتَلُوا عِنْدَ سَفْحِ جَبَلِ الرَّيِّ، كَانَ الزَّيْنَبِيُّ قَالَ لِنُعَيْمٍ: إِنَّ الْقَوْمَ كَثِيرٌ وَأَنْتَ فِي قِلَّةٍ، فَابْعَثْ مَعِي خَيْلًا أَدْخُلْ بِهِمْ مَدِينَتَهُمْ مِنْ مَدْخَلٍ لَا يَشْعُرُونَ بِهِ، وَنَاهِدْهُمْ أَنْتَ، فَإِنَّهُمْ إِذَا خَرَجْنَا عَلَيْهِمْ لَمْ يَثْبُتُوا لَكَ. فَبَعَثَ مَعَهُ نُعَيْمٌ خَيْلًا مِنَ اللَّيْلِ، عَلَيْهِمُ ابْنُ أَخِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، فَأَدْخَلَهُمُ الزَّيْنَبِيُّ الْمَدِينَةَ، وَلَا يَشْعُرُ الْقَوْمُ، وَبَيَّتَهُمْ نُعَيْمٌ بَيَاتًا فَشَغَلَهُمْ عَنْ مَدِينَتِهِمْ، فَاقْتَتَلُوا وَصَبَرُوا لَهُ حَتَّى سَمِعُوا التَّكْبِيرَ مِنْ وَرَائِهِمْ فَانْهَزَمُوا، فَقُتِلُوا مَقْتَلَةً عُدُّوا بِالْقَصَبِ فِيهَا، وَأَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالرَّيِّ نَحْوًا مِمَّا فِي الْمَدَائِنِ، وَصَالَحَهُ الزَّيْنَبِيُّ عَلَى الرَّيِّ، وَمَرْزَبَهُ عَلَيْهِمْ نُعَيْمٌ، فَلَمْ يَزَلْ شَرَفُ الرَّيِّ فِي أَهْلِ الزَّيْنَبِيِّ، وَأَخْرَبَ نُعَيْمٌ مَدِينَتَهُمْ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْعَتِيقَةُ، وَأَمَرَ الزَّيْنَبِيَّ فَبَنَى مَدِينَةَ الرَّيِّ الْحُدْثَى. وَكَتَبَ نُعَيْمٌ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ وَأَنْفَذَ الْأَخْمَاسَ، وَكَانَ الْبَشِيرُ الْمُضَارِبَ الْعِجْلِيَّ. وَرَاسَلَهُ الْمُصْمُغَانُ فِي الصُّلْحِ عَلَى شَيْءٍ يَفْتَدِي بِهِ مِنْهُ عَلَى دُنْبَاوَنْدَ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ فَتْحَ الرَّيِّ كَانَ عَلَى يَدِ قَرَظَةَ بْنَ كَعْبٍ، وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقَالَ الْوَاقِدِيُّ: إِنَّمَا فَتْحُ هَمْدَانَ وَالرَّيِّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ.
التاريخ 1933لا حكم مسجّل
فَتْحُ قَوْمِسَ وَلَمَّا وَرَدَ الْبَشِيرُ بِفَتْحِ الرَّيِّ وَأَخْمَاسِهَا، كَتَبَ عُمَرُ إِلَى نُعَيْمِ بْنِ مُقَرِّنٍ أَنْ يَبْعَثَ أَخَاهُ سُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ إِلَى قَوْمِسَ، فَسَارَ إِلَيْهَا سُوَيْدٌ، فَلَمْ يَقُمْ لَهُ شَيْءٌ حَتَّى أَخَذَهَا سِلْمًا، وَعَسْكَرَ بِهَا وَكَتَبَ لِأَهْلِهَا كِتَابَ أَمَانٍ وَصُلْحٍ.
التاريخ 1934لا حكم مسجّل
فَتْحُ جُرْجَانَ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ جُرْجَانَ لِأَنَّهُ بَنَاهَا جُرْجَانُ بْنُ لَاوِذَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ. لَمَّا عَسْكَرَ سُوَيْدٌ بِقُومِسَ بَعَثَ إِلَيْهِ أَهْلُ بُلْدَانٍ شَتَّى؛ مِنْهَا جُرْجَانُ وَطَبَرِسْتَانُ وَغَيْرُهَا يَسْأَلُونَهُ الصُّلْحَ عَلَى الْجِزْيَةِ، فَصَالَحَ الْجَمِيعَ وَكَتَبَ لِأَهْلِ كُلِّ بَلْدَةٍ كِتَابَ أَمَانٍ وَصُلْحٍ. حيث سَارَ سُوَيْدٌ إِلَى جُرْجَانَ فَعَسْكَرَ بِهَا بِبَسْطَامَ وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ جُرْجَانَ، وَهُوَ زُرْنَانُ صُولُ، وَكَاتَبَهُ زُرْنَانُ صُولُ وَصَالَحَهُ عَلَى جُرْجَانَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَكِفَايَةِ حَرْبِ جُرْجَانَ وَأَنْ يُعِينَهُ سُوَيْدٌ إِنْ غَلَبَ، فَأَجَابَهُ سُوَيْدٌ إِلَى ذَلِكَ، وَتَلَقَّاهُ زُرْنَانُ صُولُ قَبْلَ دُخُولِهِ جُرْجَانَ فَدَخَلَ مَعَهُ وَعَسْكَرَ بِهَا حَتَّى جَبَى الْخَرَاجَ وَسَمَّى فُرُوجَهَا، فَسَدَّهَا بِتُرْكِ دِهِسْتَانَ، وَرَفَعَ الْجِزْيَةَ عَمَّنْ قَامَ بِمَنْعِهَا وَأَخَذَهَا مِنَ الْبَاقِينَ. وَقِيلَ: كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ. وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ زَمَنَ عُثْمَانَ.
التاريخ 1935لا حكم مسجّل
فَتْحُ أَذْرَبِيجَانَ عَلَى يَدَيْ عُتْبَةَ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ أَمَانٍ قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ: كَانَتْ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ سَيْفٌ: كَانَتْ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ هَمَذَانَ وَالرَّيِّ وَجُرْجَانَ. وَأَبُو مَعْشَرٍ يَقُولُ بِأَنَّ أَذْرَبِيجَانَ كَانَتْ بَعْدَ هَذِهِ الْبُلْدَانِ، وَلَكِنْ عِنْدَهُ أَنَّ الْجَمِيعَ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَعِنْدَ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ فَتْحَ هَمَذَانَ وَالرَّيِّ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ؛ فَهَمَذَانُ افْتَتَحَهَا الْمُغِيرَةُ بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، قَالَ: وَيُقَالُ: كَانَ فَتْحُ الرَّيِّ قَبْلَ وَفَاةِ عُمَرَ بِسَنَتَيْنِ. إِلَّا أَنَّ الْوَاقِدِيَّ وَأَبَا مَعْشَرٍ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ أَذْرَبِيجَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَتَبِعَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. لَمَّا افْتَتَحَ نُعَيْمُ بْنُ مُقَرِّنٍ هَمَذَانَ ثُمَّ الرَّيَّ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ هَمَذَانَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ، وَأَرْدَفَهُ بِسِمَاكِ بْنِ خَرَشَةَ، فَلَقِيَ إِسْفَنْدِيَاذُ بْنُ الْفَرُّخْزَاذِ بُكَيْرًا وَأَصْحَابَهُ، قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِمْ سِمَاكٌ، فَاقْتَتَلُوا فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ، وَأَسَرَ بُكَيْرٌ إِسْفَنْدِيَاذَ، فَقَالَ لَهُ إِسْفَنْدِيَاذُ: الصُّلْحُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ الْحَرْبُ ؟ فَقَالَ: بَلِ الصُّلْحُ. قَالَ: فَأَمْسِكْنِي عِنْدَكَ. فَأَمْسَكَهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَفْتَحُ بَلَدًا بَلَدًا، وَعُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ أَيْضًا يَفْتَحُ مَعَهُ بَلَدًا بَلَدًا فِي مُقَابَلَتِهِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ. ثُمَّ جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ، بِأَنْ يَتَقَدَّمَ بُكَيْرٌ إِلَى الْبَابِ، وَجَعْلِ سِمَاكٍ مَوْضِعَهُ نَائِبًا لِعُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ. وَجَمَعَ عُمَرُ أَذْرَبِيجَانَ كُلَّهَا لِعُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، وَسَلَّمَ إِلَيْهِ بُكَيْرٌ إِسْفَنْدِيَاذَ، وَصَارَ كَمَا أَمَرَهُ عُمَرُ إِلَى الْبَابِ. قَالُوا: وَقَدْ كَانَ اعْتَرَضَ بَهْرَامُ بْنُ فَرُّخْزَاذَ لِعُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، فَهَزَمَهُ عُتْبَةُ وَهَرَبَ بَهْرَامُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ إِسْفَنْدِيَاذَ وَهُوَ فِي الْأَسْرِ عِنْدَ بُكَيْرٍ قَالَ: الْآنَ تَمَّ الصُّلْحُ وَطَفِئَتِ الْحَرْبُ. فَصَالَحَهُ فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ كُلُّهُمْ، وَعَادَتْ أَذْرَبِيجَانُ سِلْمًا، وَكَتَبَ بِذَلِكَ عُتْبَةُ وَبُكَيْرٌ إِلَى عُمَرَ، وَبَعَثُوا بِالْأَخْمَاسِ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ عُتْبَةُ - حِينَ انْتَهَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ أَذْرَبِيجَانَ - لِأَهْلِهَا كِتَابَ أَمَانٍ وَصُلْحٍ. وقيل فُتِحَتْ أَذْرَبِيجَانُ عَلَى يَدَيِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ . قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. فَيُقَالُ: إِنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَى ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَتَحَهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ بِأَهْلِ الشَّامِ عَنْوَةً، وَمَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ؛ فِيهِمْ حُذَيْفَةُ فَافْتَتَحَهَا بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي هَذِهِ الْغُزَاةِ: بَعَثَ عُتْبَةُ إِلَى عُمَرَ ؓ بِخَبِيصٍ أَهْدَاهُ إِلَيْهِ. فعَنْ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ ؓ بِسِلَالٍ مِنْ خَبِيصٍ، فَشَهِدْتُ غَدَاهُ، فَأَتَى بِجَفْنَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ، فَأَخَذَ وَأَخَذْنَا، فَجَعَلْتُ أَرَى عَلَيْهِ الشَّيْءَ أَحْبِسُهُ سَنَامًا، فَإِذَا لُكْتُهُ وَجَدْتُهُ عَلِيًّا، فَأَتَطَلَّبُ غَفْلَتَهُ حَتَّى أَجْعَلَهُ بَيْنَ الْخِوَانِ وَالْقَصْعَةِ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَكَفَفْتُ. ثُمَّ دُعِيَ بِعُسٍّ مِنْ عِسَاسِ الْعَرَبِ فِيهِ نَبِيذٌ شَدِيدٌ، فَشَرِبَ ثُمَّ نَاوَلَنِي فَلَمْ أُطِقْهُ، ثُمَّ قَالَ: نَأْكُلُ مِنْ هَذَا اللَّحْمِ، وَنَشْرَبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا النَّبِيذِ الشَّدِيدِ فَيُقَطِّعُهُ فِي بُطُونِنَا، إِنَّا لَنَنْحَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْجَزُورَ فَنُطْعِمُ الْمُسْلِمِينَ أَطَائِبَهَا، وَيَأْكُلُ عُمَرُ وَآلُ عُمَرَ عُنُقَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ مَشْغُولٌ بِحَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ أَهَدَيْتُ لَكَ طَعَامًا يَعْصِمُكَ وَيُقَوِّيكَ، قَالَ: فَاعْرِضْهُ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَدَّيْتُ لَهُ تِلْكَ السِّلَالَ وَكَشَفْتُ لَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ، لَمَا لَمْ تَدَعْ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَهْدَيْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَوْ جُمِعَ مَالُ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ مَا وَسِعَ لِذَاكَ، فَقَالَ: ضُمَّ هَدِيَّتَكَ إِلَيْكَ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي فِي شَيْءٍ لَا يُشْبِعُ الْمُسْلِمِينَ.
التاريخ 1936لا حكم مسجّل
فَتْحُ الْبَابِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَزَعَمَ سَيْفٌ أَنَّهُ فِي سنة ثنتين وعشرين؛ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كِتَابًا بِالْإِمْرَةِ عَلَى هَذِهِ الْغَزْوَةِ لِسُرَاقَةَ بْنِ عَمْرٍو - الْمُلَقَّبِ بِذِي النُّورِ - وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيُقَالُ لَهُ: ذُو النُّورِ أَيْضًا. وَجَعَلَ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنَّبَتَيْنِ حُذَيْفَةَ بْنَ أُسَيْدٍ، وَعَلَى الْأُخْرَى بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللِّيثِيَّ - وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُمْ إِلَى الْبَابِ - وَعَلَى الْمَقَاسِمِ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ. فَسَارُوا كَمَا أَمَرَهُمْ عُمَرُ، وَعَلَى تَعْبِئَتِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى مُقَدَّمُ الْعَسَاكِرِ - وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ - إِلَى الْمَلِكِ الَّذِي هُنَاكَ عِنْدَ الْبَابِ وَهُوَ شَهْرَبْرَازُ مَلِكُ أَرْمِينِيَّةَ وَهُوَ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ الَّذِي قَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَزَا الشَّامَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، فَكَتَبَ شَهْرَبْرَازُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاسْتَأْمَنَهُ، فَأَمَّنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ الْمَلِكُ. فَقَالَ: إِنِّي بِإِزَاءِ عَدُوٍّ كَلِبٍ وَأُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ لَيْسَتْ لَهُمْ أَحْسَابٌ وَلَا يَنْبَغِي لِذِي الْحَسَبِ وَالْعَقْلِ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَى ذِي الْحَسَبِ، وَلَسْتُ مِنَ الْقَبْجِ وَلَا الْأَرْمَنِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمْ عَلَى بِلَادِي وَأُمَّتِي، فَأَنَا مِنْكُمْ وَيَدِي مَعَ أَيْدِيكُمْ، وَجِزْيَتِي إِلَيْكُمْ وَالنَّصْرُ لَكُمْ، وَالْقِيَامُ بِمَا تُحِبُّونَ، فَلَا تَسُومُونَنَا الْجِزْيَةَ فَتُوَهِّنُونَا بِعَدُوِّكُمْ. فَقَالَ لَهُ: إِنَّ فَوْقِيَ رَجُلًا فَاذْهَبْ إِلَيْهِ. فَبَعَثَهُ إِلَى سُرَاقَةَ بْنِ عَمْرٍو أَمِيرِ الْجَيْشِ، فَسَأَلَ مِنْ سُرَاقَةَ الْأَمَانَ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ، فَأَجَازَ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْأَمَانِ، وَاسْتَحْسَنَهُ، فَكَتَبَ لَهُ سُرَاقَةُ كِتَابًا بِذَلِكَ. فَتْحِ مُوقَانَ ولَمَّا فَرَغَ سُرَاقَةُ مِنَ الْبَابِ أَرْسَلَ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَحُذَيْفَةَ بْنَ أَسِيدٍ، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ إِلَى أَهْلِ تِلْكَ الْجِبَالِ الْمُحِيطَةِ بِأَرْمِينِيَّةَ، فَوَجَّهَ بُكَيْرًا إِلَى مُوقَانَ، وَحَبِيبًا إِلَى تَفْلِيسَ، وَحُذَيْفَةَ إِلَى جِبَالِ اللَّانِ، وَسَلْمَانَ إِلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ. وَكَتَبَ سُرَاقَةُ بِالْفَتْحِ إِلَى عُمَرَ، وَبِإِرْسَالِ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ إِلَى الْجِهَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَأَتَى عُمَرَ أَمْرٌ لَمْ يَظُنَّ أَنْ يَتِمَّ لَهُ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ ; لِأَنَّهُ فَرْجٌ عَظِيمٌ وَجُنْدٌ عَظِيمٌ، فَلَمَّا اسْتَوْسَقُوا وَاسْتَحْلَوُا الْإِسْلَامَ وَعَدْلَهُ مَاتَ سُرَاقَةُ، وَاسْتَخْلَفَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ. وَلَمْ يَفْتَتِحْ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْقُوَّادِ إِلَّا بُكَيْرٌ، فَإِنَّهُ فَضَّ أَهْلَ مُوقَانَ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا عَلَى الْجِزْيَةِ، عَنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارٌ. وَكَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَلَمَّا بَلَّغَ عُمَرَ مَوْتُ سُرَاقَةَ وَاسْتِخْلَافُهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ أَقَرَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرْجِ الْبَابِ وَأَمَرَهُ بِغَزْوِ التُّرْكِ.
التاريخ 1937لا حكم مسجّل
أَوَّلُ غَزْوِ التُّرْكِ وَهُوَ تَصْدِيقُ الْحَدِيثِ الثَّابِتِ فِي " الصَّحِيحِ "، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ بْنِ تَغْلِبَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِرَاضَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الْأُنُوفِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ وَفِي رِوَايَةٍ يَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ. لَمَّا جَاءَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَغْزُوَ التُّرْكَ، سَارَ حَتَّى قَطَعَ الْبَابَ قَاصِدًا لِمَا أَمَرَهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ شَهْرَبْرَازُ: أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ: أُرِيدُ مَلِكَ التُّرْكِ بَلَنْجَرَ. فَقَالَ لَهُ شَهْرَبْرَازُ: إِنَّا لَنَرْضَى مِنْهُمْ بِالْمُوَادَعَةِ، وَنَحْنُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَوَعَدَنَا عَلَى لِسَانِهِ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، وَنَحْنُ لَا نَزَالُ مَنْصُورِينَ. فَقَاتَلَ التُّرْكَ وَسَارَ فِي بِلَادِ بَلَنْجَرَ مِائَتَيْ فَرْسَخٍ، وَغَزَا مَرَّاتٍ مُتَعَدِّدَةً. ثُمَّ كَانَتْ لَهُ وَقَائِعُ هَائِلَةٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، كَمَا سَنُورِدُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ بِلَادَهُمْ حَالَ اللَّهُ بَيْنَ التُّرْكِ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَقَالُوا: مَا اجْتَرَأَ عَلَيْنَا هَذَا الرَّجُلُ إِلَّا وَمَعَهُمُ الْمَلَائِكَةُ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الْمَوْتِ. فَتَحَصَّنُوا مِنْهُ وَهَرَبُوا بِالْغُنْمِ وَالظَّفَرِ. ثُمَّ إِنَّهُ غَزَاهُمْ غَزَوَاتٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ فَظَفِرَ بِهِمْ، كَمَا كَانَ يَظْفَرُ بِغَيْرِهِمْ. فَلَمَّا وَلَّى عُثْمَانُ عَلَى الْكُوفَةِ بَعْضَ مَنْ كَانَ ارْتَدَّ، غَزَاهُمْ فَتَذَامَرَتِ التُّرْكُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ. وَقَالَ: انْظُرُوا. وَفَعَلُوا فَاخْتَفَوْا لَهُمْ فِي الْغِيَاضِ، فَرَمَى رَجُلٌ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ، فَقَتَلَهُ وَهَرَبَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَخَرَجُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى عَرَفُوا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُونَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَنَادَى مُنَادٍ مِنَ الْجَوِّ: صَبْرًا آلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمَوْعِدُكُمُ الْجَنَّةُ. فَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَتَّى قُتِلَ وَانْكَشَفَ النَّاسُ، وَأَخَذَ الرَّايَةَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَاتَلَ بِهَا، وَنَادَى الْمُنَادِي مِنَ الْجَوِّ: صَبْرًا آلَ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ. فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَحَيَّزَ سَلْمَانُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ بِالْمُسْلِمِينَ، وَفَرُّوا مِنْ كَثْرَةِ التُّرْكِ وَرَمْيِهِمُ الشَّدِيدِ السَّدِيدِ عَلَى جِيلَانَ فَقَطَعُوهَا إِلَى جُرْجَانَ وَاجْتَرَأَتِ التُّرْكُ بَعْدَهَا، وَمَعَ هَذَا أَخَذَتِ التُّرْكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ فَدَفَنُوهُ فِي بِلَادِهِمْ، فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِقَبْرِهِ إِلَى الْيَوْمِ.
التاريخ 1938لا حكم مسجّل
قِصَّةُ السَّدِّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ أَنَّ شَهْرَبْرَازَ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ حِينَ وَصَلَ إِلَى الْبَابِ، وَأَرَاهُ رَجُلًا فَقَالَ شَهْرَبْرَازُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ كُنْتُ بَعَثْتُهُ نَحْوَ السَّدِّ، وَزَوَّدْتُهُ مَالًا جَزِيلًا، وَكَتَبْتُ لَهُ إِلَى الْمُلُوكِ الَّذِينَ يَلُونِي، وَبَعَثْتُ لَهُمْ هَدَايَا، وَسَأَلْتُ مِنْهُمْ أَنْ يَكْتُبُوا لَهُ إِلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنَ الْمُلُوكِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى سَدِّ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَيَنْظُرَ إِلَيْهِ وَيَأْتِيَنَا بِخَبَرِهِ. فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَلِكِ الَّذِي السَّدُّ فِي أَرْضِهِ، فَبَعَثَهُ إِلَى عَامِلِهِ مِمَّا يَلِي السَّدَّ، فَبَعَثَ مَعَهُ بَازْيَارِهْ وَمَعَهُ عُقَابُهُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى السَّدِّ إِذَا جَبَلَانِ بَيْنَهُمَا سَدٌّ مَسْدُودٌ، حَتَّى ارْتَفَعَ عَلَى الْجَبَلَيْنِ، وَإِذَا دُونَ السَّدِّ خَنْدَقٌ أَشَدُّ سَوَادًا مِنَ اللَّيْلِ لِبُعْدِهِ، فَنَظَرَ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَتَفَرَّسَ فِيهِ، ثُمَّ لَمَّا هَمَّ بِالِانْصِرَافِ قَالَ لَهُ الْبَازْيَارِ: عَلَى رِسْلِكَ. ثُمَّ شَرَحَ بَضْعَةَ لَحْمٍ مَعَهُ فَأَلْقَاهَا فِي ذَلِكَ الْوَادِي، وَانْقَضَّ عَلَيْهَا الْعُقَابُ. فَقَالَ: إِنْ أَدْرَكَهَا فِي الْهَوَاءِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فَلَا شَيْءَ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهَا حَتَّى تَقَعَ، فَذَلِكَ شَيْءٌ. قَالَ: فَلَمْ يُدْرِكْهَا حَتَّى وَقَعَتْ فِي أَسْفَلِهِ وَأَتْبَعَهَا الْعُقَابُ فَأَخْرَجَهَا، فَإِذَا فِيهَا يَاقُوتَةٌ، وَهِيَ هَذِهِ. ثُمَّ نَاوَلَهَا الْمَلِكُ شَهْرَبْرَازُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ رَدَّهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَدَّهَا إِلَيْهِ فَرِحَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَهَذِهِ خَيْرٌ مِنْ مَمْلَكَةِ هَذِهِ الْمَدِينَةِ - يَعْنِي مَدِينَةَ بَابِ الْأَبْوَابِ الَّتِي هُوَ فِيهَا - وَوَاللَّهِ لَأَنْتُمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِلْكَةً مِنْ آلِ كِسْرَى، وَلَوْ كُنْتُ فِي سُلْطَانِهِمْ ثُمَّ بَلَغَهُمْ خَبَرُهَا لَانْتَزَعُوهَا مِنِّي، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَقُومُ لَكُمْ شَيْءٌ مَا وَفَّيْتُمْ وَوَفَّى مَلِكُكُمُ الْأَكْبَرُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ عَلَى الرَّسُولِ الَّذِي ذَهَبَ عَلَى السَّدِّ فَقَالَ: مَا حَالُ هَذَا الرَّدْمِ ؟ يَعْنِي: مَا صِفَتُهُ ؟ - فَأَشَارَ إِلَى ثَوْبٍ فِي زُرْقَةٍ وَحُمْرَةٍ؛ فَقَالَ: مِثْلُ هَذَا. فَقَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: صَدَقَ وَاللَّهِ؛ لَقَدْ نَفَذَ وَرَأَى. فَقَالَ: أَجَلْ، وَصَفَ صِفَةَ الْحَدِيدِ وَالصُّفْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا. [ الْكَهْفِ: 96 ] وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " تَعْلِيقًا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ، ﷺ، رَأَيْتُ السَّدَّ. فَقَالَ: " كَيْفَ رَأَيْتَهُ ؟ " قَالَ: مِثْلَ الْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ. فَقَالَ: " رَأَيْتَهُ ". قَالُوا: ثُمَّ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ لِشَهْرَبْرَازَ: كَمْ كَانَتْ هَدِيَّتُكَ ؟ قَالَ: قِيمَةَ مِائَةِ أَلْفٍ فِي بِلَادِي، وَثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفٍ فِي تِلْكَ الْبُلْدَانِ.
التاريخ 1939لا حكم مسجّل
قِصَّةُ يَزْدَجِرْدَ بْنِ شَهْرِيَارَ بْنِ كِسْرَى الَّذِي كَانَ مَلِكَ الْفُرْسِ لَمَّا اسْتَلَبَ سَعْدٌ مِنْ يَدَيْهِ مَدِينَةَ مُلْكِهِ، وَدَارَ مَقَرِّهِ، وَإِيوَانَ سُلْطَانِهِ، وَبِسَاطَ مَشُورَتِهِ وَحَوَاصِلِهِ، تَحَوَّلَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى حُلْوَانَ ثُمَّ جَاءَ الْمُسْلِمُونَ لِيُحَاصِرُوا حُلْوَانَ فَتَحَوَّلَ إِلَى الرَّيِّ وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ حُلْوَانَ، ثُمَّ أُخِذَتِ الرَّيُّ، فَتَحَوَّلَ مِنْهَا إِلَى أَصْبَهَانَ، فَأُخِذَتْ أَصْبَهَانُ، فَسَارَ إِلَى كِرْمَانَ، فَقَصَدَ الْمُسْلِمُونَ كِرْمَانَ فَافْتَتَحُوهَا، فَانْتَقَلَ إِلَى خُرَاسَانَ فَنَزَلَهَا. هَذَا كُلُّهُ، وَالنَّارُ الَّتِي يَعْبُدُهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ يَسِيرُ بِهَا مَعَهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَيُبْنَى لَهَا فِي كُلِّ بَلَدٍ بَيْتٌ تُوقَدُ فِيهِ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَهُوَ يُحْمَلُ فِي اللَّيْلِ فِي مَسِيرِهِ إِلَى هَذِهِ الْبُلْدَانُ عَلَى بَعِيرٍ عَلَيْهِ هَوْدَجٌ يَنَامُ فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي هَوْدَجِهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِيهِ، إِذْ مَرُّوا بِهِ عَلَى مَخَاضَةٍ فَأَرَادُوا أَنْ يُنَبِّهُوهُ قَبْلَهَا؛ لِئَلَّا يَنْزَعِجُ إِذَا اسْتَيْقَظَ فِي الْمَخَاضَةِ، فَلَمَّا أَيْقَظُوهُ تَغَضَّبَ عَلَيْهِمْ شَدِيدًا وَشَتَمَهُمْ، وَقَالَ: حَرَمْتُمُونِي أَنْ أَعْلَمَ مُدَّةَ بَقَاءِ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ وَغَيْرِهَا، إِنِّي رَأَيْتُ فِي مَنَامِي هَذَا أَنِّي وَمُحَمَّدًا تَنَاجَيْنَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: مُلْكُكُمْ مِائَةُ سَنَةٍ. فَقَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: عَشْرًا وَمِائَةً. فَقَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ. فَقَالَ: زِدْنِي. فَقَالَ: لَكَ. وَأَنْبَهْتُمُونِي، فَلَوْ تَرَكْتُمُونِي لَعَلِمْتُ مُدَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ.
التاريخ 1940لا حكم مسجّل
فَتْحِ خُرَاسَانَ وَفِي سنة اثنتين وعشرين غَزَا الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ خُرَاسَانَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ. وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ هُوَ الَّذِي أَشَارَ عَلَى عُمَرَ بِأَنْ يَتَوَسَّعَ الْمُسْلِمُونَ بِالْفُتُوحَاتِ فِي بِلَادِ الْعَجَمِ، وَيُضَيِّقُوا عَلَى كِسْرَى يَزْدَجِرْدَ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِثُّ الْفُرْسَ وَالْجُنُودَ عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَذِنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ عَنْ رَأْيِهِ، وَأَمَّرَ الْأَحْنَفَ، وَأَمَرَهُ بِغَزْوِ بِلَادِ خُرَاسَانَ. فَرَكِبَ الْأَحْنَفُ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ إِلَى خُرَاسَانَ قَاصِدًا حَرْبَ يَزْدَجِرْدَ، فَدَخَلَ خُرَاسَانَ فَافْتَتَحَ هَرَاةَ عَنْوَةً وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا صُحَارَ بْنَ فُلَانٍ الْعَبْدِيَّ. ثُمَّ سَارَ إِلَى مَرْوِ الشَّاهِجَانِ وَفِيهَا يَزْدَجِرْدُ، وَبَعَثَ الْأَحْنَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَالْحَارِثَ بْنَ حَسَّانَ إِلَى سَرْخَسَ، وَلَمَّا اقْتَرَبَ الْأَحْنَفُ مِنْ مَرْوِ الشَّاهِجَانِ، تَرَحَّلَ مِنْهَا يَزْدَجِرْدُ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، فَافْتَتَحَ الْأَحْنَفُ مَرْوَ الشَّاهِجَانِ فَنَزَلَهَا، وَكَتَبَ يَزْدَجِرْدُ حِينَ نَزَلَ مَرْوَ الرُّوذِ إِلَى خَاقَانَ مَلِكِ التُّرْكِ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ الصُّغْدِ يَسْتَمِدُّهُ، وَكَتَبَ إِلَى مَلِكِ الصِّينِ يَسْتَعِينُهُ. وَقَصَدَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ عَلَى مَرْوِ الشَّاهِجَانِ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ، وَقَدْ وَفَدَتْ إِلَى الْأَحْنَفِ أَمْدَادٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ أَرْبَعَةِ أُمَرَاءَ. فَلَمَّا بَلَغَ مَسِيرَهُ إِلَى يَزْدَجِرْدَ، تَرَحَّلَ إِلَى بَلْخَ وَجَاءَ الْأَحْنَفُ، فَافْتَتَحَ مَرْوَ الرُّوذِ، ثُمَّ سَارَ وَرَاءَ يَزْدَجِرْدَ إِلَى بَلْخَ فَالْتَقَى مَعَهُ بِبَلْخَ يَزْدَجِرْدُ، فَهَزَمَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَهَرَبَ هُوَ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنْ جَيْشِهِ، فَعَبَرَ النَّهْرَ. وَاسْتَوْثَقَ مُلْكُ خُرَاسَانَ عَلَى يَدَيِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، وَاسْتَخْلَفَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ أَمِيرًا، وَرَجَعَ الْأَحْنَفُ فَنَزَلَ مَرْوَ الرُّوذِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ بِكَمَالِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: وَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خُرَاسَانَ بَحْرٌ مِنْ نَارٍ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَهْلَهَا سَيَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَجْتَاحُونَ فِي الثَّالِثَةِ. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَأَنْ يَكُونُ ذَلِكَ بِأَهْلِهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِينَ. كتاب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى الْأَحْنَفِ يَنْهَاهُ عَنِ الْعُبُورِ إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ وَقَالَ: احْفَظْ مَا بِيَدِكَ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ. وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولَا يَزْدَجِرْدَ إِلَى اللَّذَيْنِ اسْتَنْجَدَ بِهِمَا لَمْ يَحْتَفِلَا بِأَمْرِهِ، فَلَمَّا عَبَرَ يَزْدَجِرْدُ النَّهْرَ، وَدَخَلَ فِي بِلَادِهِمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِمَا إِنْجَادُهُ فِي شَرْعِ الْمُلُوكِ، فَسَارَ مَعَهُ خَاقَانُ الْأَعْظَمُ مَلِكُ التُّرْكِ، وَرَجَعَ يَزْدَجِرْدُ بِجُنُودٍ عَظِيمَةٍ فِيهِمْ مَلِكُ التَّتَارِ خَاقَانُ، فَوَصَلَ إِلَى بَلْخَ وَاسْتَرْجَعَهَا، وَفَرَّ عُمَّالُ الْأَحْنَفِ إِلَيْهِ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَخَرَجَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ بَلْخَ حَتَّى نَزَلُوا عَلَى الْأَحْنَفِ بِمَرْوِ الرُّوذِ، فَبَرَزَ الْأَحْنَفُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَهْلِ الْكُوفَةِ، وَالْجَمِيعُ عِشْرُونَ أَلْفًا، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ: إِنْ كَانَ الْأَمِيرُ ذَا رَأْيٍ، فَإِنَّهُ يَقِفُ دُونَ هَذَا الْجَبَلِ، فَيَجْعَلُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَيُبْقِي هَذَا النَّهْرَ خَنْدَقًا حَوْلَهُ ; فَلَا يَأْتِيهِ الْعَدُوُّ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَحْنَفُ، أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ فَوَقَفُوا فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ بِعَيْنِهِ، وَكَانَ أَمَارَةَ النَّصْرِ وَالرُّشْدِ، وَجَاءَتِ الْأَتْرَاكُ وَالْفُرْسُ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ هَائِلٍ مُزْعِجٍ، فَقَامَ الْأَحْنَفُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّكُمْ قَلِيلٌ وَعَدُّوكُمْ كَثِيرٌ، فَلَا يَهُولَنَّكُمْ، فَ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [ الْبَقَرَةِ: 249 ]. فَكَانَتِ التُّرْكُ يُقَاتِلُونَ بِالنَّهَارِ، وَلَا يَدْرِي الْأَحْنَفُ أَيْنَ يَذْهَبُونَ فِي اللَّيْلِ. فَسَارَ لَيْلَةً مَعَ طَلِيعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوَ جَيْشِ خَاقَانَ، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبَ الصُّبْحِ، خَرَجَ فَارِسٌ مِنَ التُّرْكِ طَلِيعَةً، وَعَلَيْهِ طَوْقٌ، وَضَرَبَ بِطَبْلِهِ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ فَطَعَنَهُ الْأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ: إِنَّ عَلَى كُلِّ رَئِيسٍ حَقًّا أَنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أَوْ يَنْدَقَّا إِنَّ لَنَا شَيْخًا بِهَا مُلَقَّى سَيْفَ أَبِي حَفْصِ الَّذِي تَبَقَّى قَالَ: ثُمَّ اسْتَلَبَ التُّرْكِيَّ طَوْقَهُ وَوَقَفَ مَوْضِعَهُ، فَخَرَجَ آخَرُ عَلَيْهِ طَوْقٌ وَمَعَهُ طَبْلٌ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِطَبْلِهِ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْأَحْنَفُ فَقَتَلَهُ أَيْضًا، وَاسْتَلَبَهُ طَوْقَهُ وَوَقَفَ مَوْضِعَهُ، فَخَرَجَ ثَالِثٌ فَقَتَلَهُ، وَأَخَذَ طَوْقَهُ ثُمَّ أَسْرَعَ الْأَحْنَفُ الرُّجُوعَ إِلَى جَيْشِهِ وَلَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ التُّرْكِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَكَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ مَبِيتِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ ثَلَاثَةٌ مِنْ كَهَوْلِهِمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛ يَضْرِبُ الْأَوَّلُ بِطَبْلِهِ، ثُمَّ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّالِثُ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بَعْدَ الثَّالِثِ، فَلَمَّا خَرَجَتِ التُّرْكُ لَيْلَتَئِذٍ بَعْدَ الثَّالِثِ، فَأَتَوْا عَلَى فُرْسَانِهِمْ مُقَتَّلِينَ، تَشَاءَمَ بِذَلِكَ الْمَلِكُ خَاقَانُ وَتَطَيَّرَ، وَقَالَ لِعَسْكَرِهِ: قَدْ طَالَ مَقَامُنَا، وَقَدْ أُصِيبَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ بِمَكَانٍ لَمْ نُصَبْ بِمِثْلِهِ، مَا لَنَا فِي قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ خَيْرٍ، فَانْصَرِفُوا بِنَا. فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَانْتَظَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ؛ لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِمْ مِنْ شِعْبِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أَحَدًا مِنْهُمْ، ثُمَّ بَلَغَهُمُ انْصِرَافُهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ عَنْهُمْ. وَقَدْ كَانَ يَزْدَجِرْدُ - وَخَاقَانُ فِي مُقَابَلَةِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَمُقَاتِلَتِهِ - ذَهَبَ إِلَى مَرْوِ الشَّاهِجَانِ فَحَاصَرَ حَارِثَةَ بْنَ النُّعْمَانِ بِهَا وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا خِزَانَتَهُ الَّتِي كَانَ دَفَنَهَا بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ وَانْتَظَرَهُ خَاقَانُ بِبَلْخَ حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلْأَحْنَفِ: مَا تَرَى فِي اتِّبَاعِهِمْ ؟ فَقَالَ: أَقِيمُوا بِمَكَانِكُمْ وَدَعُوهُمْ. وَقَدْ أَصَابَ الْأَحْنَفُ فِي ذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: اتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [ الْأَحْزَابِ: 25 ]. وَرَجَعَ كِسْرَى خَاسِرًا الصَّفْقَةَ لَمْ يُشْفَ لَهُ غَلِيلٌ، وَلَا حَصَلَ عَلَى خَيْرٍ، وَلَا انْتَصَرَ كَمَا كَانَ فِي زَعْمِهِ، بَلْ تَخَلَّى عَنْهُ مَنْ كَانَ يَرْجُو النَّصْرَ مِنْهُ، وَتَنَحَّى عَنْهُ وَتَبَرَّأَ مِنْهُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهِ، وَبَقِيَ مُذَبْذَبًا لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا. وَتَحَيَّرَ فِي أَمْرِهِ مَاذَا يَصْنَعُ ؟ وَإِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ ؟ وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُ أُولِي النُّهَى مِنْ قَوْمِهِ حِينَ قَالَ: قَدْ عَزَمْتُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى بِلَادِ الصِّينِ أَوْ أَكُونَ مَعَ خَاقَانَ فِي بِلَادِهِ. فَقَالُوا: إِنَّا نَرَى أَنْ نُصَانِعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَدِينًا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، فَنَكُونَ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْبِلَادِ وَهُمْ مُجَاوَرِينَا، فَهُمْ خَيْرٌ لَنَا مِنْ غَيْرِهِمْ. فَأَبَى عَلَيْهِمْ كِسْرَى ذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى مَلِكِ الصِّينِ يَسْتَغِيثُ بِهِ وَيَسْتَنْجِدُهُ، فَجَعَلَ مَلِكُ الصِّينِ يَسْأَلُ عَنْ صِفَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَدْ فَتَحُوا الْبِلَادَ وَقَهَرُوا رِقَابَ الْعِبَادِ فقال لرسول يزدجرد: صِفْ لِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَخْرَجُوكُمْ مِنْ بِلَادِكُمْ، فَإِنِّي أَرَاكَ تَذْكُرُ قِلَّةً مِنْهُمْ وَكَثْرَةً مِنْكُمْ، وَلَا يَبْلُغُ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الْقَلِيلِ مِنْكُمْ مَعَ كَثْرَتِكُمْ، إِلَّا بِخَيْرٍ عِنْدَهُمْ وَشَرٍّ فِيكُمْ. فَقُلْتُ: سَلْنِي عَمَّا أَحْبَبْتَ. فَقَالَ: أَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَمَا يَقُولُونَ لَكُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ ؟ قَالَ قُلْتُ: يَدْعُونَنَا إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا دِينِهِمْ، فَإِنْ أَجَبْنَا أَجْرَوْنَا مَجْرَاهُمْ، أَوِ الْجِزْيَةِ وَالْمَنَعَةِ، أَوِ الْمُنَابَذَةِ. قَالَ: فَكَيْفَ طَاعَتُهُمْ أُمَرَاءَهُمْ ؟ قُلْتُ: أَطْوَعُ قَوْمٍ وَأَرْشَدُهُمْ. قَالَ: فَمَا يُحِلُّونَ وَمَا يُحَرِّمُونَ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ. قَالَ: هَلْ يُحِلُّونَ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُحَرِّمُونَ مَا حُلِّلَ لَهُمْ ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ عَلَى ظَفَرٍ حَتَّى يُحِلُّوا حَرَامَهُمْ أَوْ يُحَرِّمُوا حَلَالَهُمْ. ثُمَّ قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ لِبَاسِهِمْ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، وَعَنْ مَطَايَاهُمْ ؟ فَقُلْتُ: الْخَيْلُ الْعِرَابُ، وَوَصَفْتُهَا لَهُ. فَقَالَ: نِعْمَتِ الْحُصُونُ ! وَوَصَفْتُ لَهُ الْإِبِلَ وَبُرُوكَهَا وَقِيَامَهَا بِحِمْلِهَا. فَقَالَ: هَذِهِ صِفَةُ دَوَابٍّ طِوَالِ الْأَعْنَاقِ. فَكَتَبَ مَعَهُ إِلَى يَزْدَجِرْدَ، إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْكَ بِجَيْشٍ أَوَّلُهُ بِمَرْوَ وَآخِرُهُ بِالصِّينِ الْجَهَالَةُ بِمَا يَحِقُّ عَلَيَّ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ وَصَفَ لِي رَسُولُكَ صِفَتَهُمْ ; لَوْ يُحَاوِلُونَ الْجِبَالَ لَهَدُّوهَا، وَلَوْ جِئْتُ لِنَصْرِكَ، أَزَالُونِي مَا دَامُوا عَلَى مَا وَصَفَ لِي رَسُولُكَ، فَسَالِمْهُمْ وَارْضَ مِنْهُمْ بِالْمُسَالَمَةِ. فَأَقَامَ كِسْرَى وَآلُ كِسْرَى فِي بَعْضِ الْبِلَادِ مَقْهُورِينَ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ حَتَّى قُتِلَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَةِ عُثْمَانَ. بعث الأحنف بكتاب الفتح إلى عمر بن الخطاب وَلَمَّا بَعَثَ الْأَحْنَفُ بِكِتَابِ الْفَتْحِ، وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِ التُّرْكِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُمْ قَتَلُوا مِنْهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ رَدَّهُمُ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا. فَقَامَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقُرِئَ الْكِتَابُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى، وَوَعَدَ عَلَى اتِّبَاعِهِ مَنْ عَاجِلِ الثَّوَابِ وَآجِلِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ التَّوْبَةِ: 33 ]. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ جُنْدَهُ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مَلِكَ الْمَجُوسِيَّةِ وَفَرَّقَ شَمْلَهُمْ، فَلَيْسُوا يَمْلِكُونَ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا يَضُرُّ بِمُسْلِمٍ، أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ؛ لِيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَقُومُوا فِي أَمْرِهِ عَلَى وَجَلٍ، يُوفِ لَكُمْ بِعَهْدِهِ، وَيُؤْتِكُمْ وَعْدَهُ، وَلَا تُغِيرُوا فَيَسْتَبْدِلَ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ تُؤْتَى إِلَّا مِنْ قِبَلِكُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ فَتْحَ خُرَاسَانَ كَانَ زَمَنَ عُثْمَانَ
التاريخ 1941لا حكم مسجّل
فَتْحِ قَزْوِينَ وَزَنْجَانَ في سنة اثنتين وعشرين لَمَّا سَيَّرَ الْمُغِيرَةُ جَرِيرًا إِلَى هَمَذَانَ فَفَتَحَهَا سَيَّرَ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ فِي جَيْشٍ إِلَى قَزْوِينَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهَا، فَإِنْ فَتَحَهَا غَزَا الدَّيْلَمَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا كَانَ مَغْزَاهُمْ قَبْلُ مِنْ دَسْتَبَى. فَسَارَ الْبَرَاءُ حَتَّى أَتَى أَبْهَرَ، وَهُوَ حِصْنٌ، فَقَاتَلُوهُ، ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ فَآمَنَهُمْ وَصَالَحَهُمْ، ثُمَّ غَزَا قَزْوِينَ، فَلَمَّا بَلَغَ أَهْلَهَا الْخَبَرُ أَرْسَلُوا إِلَى الدَّيْلَمِ يَطْلُبُونَ النُّصْرَةَ فَوَعَدُوهُمْ، وَوَصَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فَخَرَجُوا لِقِتَالِهِمْ، وَالدَّيْلَمُ وُقُوفٌ عَلَى الْجَبَلِ لَا يَمُدُّونَ يَدًا، فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ قَزْوِينَ ذَلِكَ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى صُلْحِ أَبْهَرَ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: قَدْ عَلِمَ الدَّيْلَمُ إِذْ تُحَارِبْ حِينَ أَتَى فِي جَيْشِهِ ابْنُ عَازِبْ بِأَنَّ ظَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَاذِبْ فَكَمْ قَطَعْنَا فِي دُجَى الْغَيَاهِبْ مِنْ جَبَلٍ وَعْرٍ وَمِنْ سَبَاسِبْ وَغَزَا الْبَرَاءُ الدَّيْلَمَ حَتَّى أَدَّوْا إِلَيْهِ الْإِتَاوَةَ، وَغَزَا جِيلَانَ وَالطَّيْلَسَانَ، وَفَتَحَ زَنْجَانَ عَنْوَةً. وَلَمَّا وَلِيَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ الْكُوفَةَ غَزَا الدَّيْلَمَ، وَجِيلَانَ، وَمُوقَانَ، وَالْبَبَرَ، وَالطَّيْلَسَانَ ثُمَّ انْصَرَفَ.
التاريخ 1942لا حكم مسجّل
وَفِي سنة ثمان عشرة فَتْحُ طَبَرِسْتَانَ وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَرَاسَلَ الْإِصْبَهْبَذُ صَاحِبُ طَبَرِسْتَانَ سُوَيْدًا فِي الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَتَوَادَعَا وَيَجْعَلَ لَهُ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ نَصْرٍ وَلَا مَعُونَةٍ عَلَى أَحَدٍ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا.
التاريخ 1943لا حكم مسجّل
تَعْدِيلِ الْفُتُوحِ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَدَّلَ عُمَرُ فُتُوحَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بَيْنَهُمْ . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ سُرَاقَةَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَذْكُرُ لَهُ كَثْرَةَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَعَجْزَ خَرَاجِهِمْ عَنْهُمْ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَزِيدَهُمْ أَحَدَ الْمَاهَيْنِ أَوْ مَاسَبَذَانَ، وَبَلَغَ أَهْلَ الْكُوفَةِ ذَلِكَ، وَقَالُوا لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ أَمِيرًا سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى: اكْتُبْ إِلَى عُمَرَ أَنَّ رَامَهُرْمُزَ وَإِيذَجَ لَنَا دُونَهُمْ لَمْ يُعِينُونَا عَلَيْهِمَا وَلَمْ يَلْحَقُونَا حَتَّى افْتَتَحْنَاهُمَا، فَلَمْ يَفْعَلْ عَمَّارٌ، فَقَالَ لَهُ عُطَارِدٌ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْأَجْدَعُ فَعَلَامَ تَدَعُ فَيْئَنَا ؟ فَقَالَ: لَقَدْ سَبَبْتَ أَحَبَّ أُذُنَيَّ إِلَيَّ ! فَأَبْغَضُوهُ لِذَلِكَ. وَاخْتَصَمَ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ، وَادَّعَى أَهْلُ الْبَصْرَةِ قُرًى افْتَتَحَهَا أَبُو مُوسَى دُونَ أَصْبَهَانَ، أَيَّامَ أَمَدَّ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَهْلَ الْكُوفَةِ. فَقَالَ لَهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ: أَتَيْتُمُونَا مَدَدًا، وَقَدِ افْتَتَحْنَا الْبِلَادَ فَأَنْشَبْنَاكُمْ فِي الْمَغَانِمِ، وَالذِّمَّةُ ذِمَّتُنَا وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا. فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقُوا. فَقَالَ أَهْلُ الْأَيَّامِ وَالْقَادِسِيَّةِ مِمَّنْ سَكَنَ الْبَصْرَةَ: فَلْتُعْطُونَا نَصِيبَنَا مِمَّا نَحْنُ شُرَكَاؤُكُمْ فِيهِ مِنْ سَوَادِهِمْ وَحَوَاشِيهِمْ. فَأَعْطَاهُمْ عُمَرُ مِائَةَ دِينَارٍ بِرِضَا أَهْلِ الْكُوفَةِ، أَخَذَهَا مَنْ شَهِدَ الْأَيَّامَ وَالْقَادِسِيَّةَ. وَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي جَنَّدَ قِنَّسْرِينَ مِمَّنْ أَتَاهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ أَيَّامَ عَلِيٍّ، وَإِنَّمَا كَانَ قِنَّسْرِينُ رُسْتَاقًا مِنْ رَسَاتِيقِ حِمْصَ، فَأَخَذَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ حِينَ وَلِيَ نَصِيبَهُمْ مِنْ فُتُوحِ الْعِرَاقِ وَأَذْرَبِيجَانَ وَالْمَوْصِلِ وَالْبَابِ، لِأَنَّهُ مِنْ فُتُوحِ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَكَانَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ وَالْمَوْصِلِ يَوْمَئِذٍ نَاقِلَةً، انْتَقَلَ إِلَيْهَا كُلُّ مَنْ نَزَلَ بِهِجْرَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ أَيَّامَ عَلِيٍّ، فَأَعْطَاهُمْ مُعَاوِيَةُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيبًا. وَكَفَرَ أَهْلُ أَرْمِينِيَّةَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ، وَقَدْ أَمَّرَ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ عَلَى الْبَابِ، وَحَبِيبٌ يَوْمَئِذٍ بِجُرْزَانَ، وَكَاتَبَ أَهْلَ تَفْلِيسَ وَتِلْكَ الْجِبَالِ مَنْ جُرْزَانَ فَاسْتَجَابُوا لَهُ.
التاريخ 1944لا حكم مسجّل
فَتْحِ شَهْرَزُورَ وَالصَّامَغَانَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ عُمَرُ عَزْرَةَ بْنَ قَيْسٍ عَلَى حُلْوَانَ حَاوَلَ فَتْحَ شَهْرَزُورَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَغَزَاهَا عُتْبَةُ بْنُ فَرْقَدٍ، فَفَتَحَهَا بَعْدَ قِتَالٍ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حُلْوَانَ، فَكَانَتِ الْعَقَارِبُ تُصِيبُ الرَّجُلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَمُوتُ. وَصَالَحَ أَهْلَ الصَّامَغَانَ وَدَارَابَاذَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ، وَقَتَلَ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَكْرَادِ. وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ: إِنَّ فُتُوحِي قَدْ بَلَغَتْ أَذْرَبِيجَانَ. فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا وَوَلَّى هَرْثَمَةَ بْنَ عَرْفَجَةَ الْمَوْصِلَ. وَلَمْ تَزَلْ شَهْرَزُورُ وَأَعْمَالُهَا مَضْمُومَةً إِلَى الْمَوْصِلِ حَتَّى أُفْرِدَتْ عَنْهَا آخِرَ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ.
التاريخ 1945لا حكم مسجّل
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ] قَالَ: أَسَرَتِ الرُّومُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ الطَّاغِيَةُ: تَنَصَّرْ، وَإِلَّا قَتَلْتُكَ أَوْ أَلْقَيْتُكَ فِي النُّقْرَةِ النُّحَاسِ. قَالَ: مَا أَفْعَلُ. فَدَعَا بِنُقْرَةٍ نُحَاسٍ فَمُلِئَتْ زَيْتًا وَأُغْلِيَتْ، وَدَعَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّصْرَانِيَّةَ فَأَبَى، فَأَلْقَاهُ فِي النُّقْرَةِ، فَإِذَا بِعِظَامِهِ تَلُوحُ. فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: تَنَصَّرْ وَإِلَّا أَلَقَيْتُكَ. قَالَ: مَا أَفْعَلُ. فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُلْقَى فِي النُّقْرَةِ، فَكَتَّفُوهُ فَبَكَى، فَقَالُوا: قَدْ جَزِعَ وَبَكَى. قَالَ: رُدُّوهُ. قَالَ: فَقَالَ: لَا تَظُنُّ أَنِّي بَكَيْتُ جَزَعًا، وَلَكِنْ بَكَيْتُ إِذْ لَيْسَ بِي إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ يُفْعَلُ بِهَا هَذَا فِي [سَبِيلِ] اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ الْأَنْفُسِ عَدَدُ كُلِّ شَعْرَةٍ فِيَّ، ثُمَّ تُسَلَّطَ عَلَيَّ فَتَفْعَلَ بِي هَذَا. قَالَ: فَأُعْجِبَ بِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ يُطْلِقَهُ، فَقَالَ: قَبِّلْ رَأْسِي وَأُطْلِقُكَ. قَالَ: مَا أَفْعَلُ. قَالَ: تَنَصَّرْ وَأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي وَأُقَاسِمُكَ مُلْكِي. قَالَ: مَا أَفْعَلُ. قَالَ: قَبِّلْ رَأْسِي وَأُطْلِقْ مَعَكَ ثَمَانِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ. فَقَبَّلَ رَأْسَهُ فَأَطْلَقَهُ وَثَمَانِينَ مَعَهُ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ قَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُمَازِحُونَ عَبْدَ اللَّهِ فَيَقُولُونَ: قَبَّلَ رَأْسَ الْعِلْجِ.
التاريخ 1946لا حكم مسجّل
فَتْحِ إِصْطَخْرَ وَجُورَ وَغَيْرِهِمَا قَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: كَانَتْ فَارِسُ الْأُولَى، وَإِصْطَخْرُ الْآخِرَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَقَصَدَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ لِإِصْطَخْرَ، فَالْتَقَى هُوَ وَأَهْلُ إِصْطَخْرَ بِجُورَ، فَاقْتَتَلُوا وَانْهَزَمَ الْفُرْسُ، وَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ جُورَ ثُمَّ إِصْطَخْرَ، وَقَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ فَرَّ مَنْ فَرَّ، فَدَعَاهُمْ عُثْمَانُ إِلَى الْجِزْيَةِ وَالذِّمَّةِ، فَأَجَابَهُ الْهِرْبِذُ إِلَيْهَا، فَتَرَاجَعُوا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ جَمَعَ الْغَنَائِمَ لَمَّا هَزَمَهُمْ، فَبَعَثَ بِخُمُسِهَا إِلَى عُمَرَ وَقَسَّمَ الْبَاقِيَ فِي النَّاسِ. وَفَتَحَ عُثْمَانُ كَازَرُونَ وَالنُّوبَنْدَجَانَ وَغَلَبَ عَلَى أَرْضِهَا، وَفَتَحَ هُوَ وَأَبُو مُوسَى مَدِينَةَ شِيرَازَ وَأَرَّجَانَ، وَفَتَحَا سِينِيزَ عَلَى الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ. وَقَصَدَ عُثْمَانُ أَيْضًا جَنَّابَا فَفَتَحَهَا، وَلَقِيَهُ جَمْعُ الْفُرْسِ بِنَاحِيَةِ جَهْرَمَ فَهَزَمَهُمْ وَفَتَحَهَا. ثُمَّ إِنَّ شَهْرَكَ خَلَعَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَأَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. فَوُجِّهَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ ثَانِيَةً وَأَتَتْهُ الْأَمْدَادُ مِنَ الْبَصْرَةِ وَأَمِيرُهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، فَالْتَقَوْا بِأَرْضِ فَارِسَ. فَقَالَ شَهْرَكُ لِابْنِهِ وَهُمَا فِي الْمَعْرَكَةِ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ قَرْيَةٍ لَهُمَا تُدْعَى رِيشَهْرَ ثَلَاثَةُ فَرَاسِخَ: يَا بُنَيَّ أَيْنَ يَكُونُ غَدَاؤُنَا هَاهُنَا أَمْ بِرِيشَهْرَ ؟ قَالَ لَهُ: يَا أَبَهْ، إِنْ تَرَكُونَا فَلَا يَكُونُ غَدَاؤُنَا هَاهُنَا وَلَا بِرِيشَهْرَ وَلَا نَكُونَنَّ إِلَّا فِي الْمَنْزِلِ، [ وَلَكِنْ وَاللَّهِ ] مَا أَرَاهُمْ يَتْرُكُونَنَا. فَمَا فَرَغَا مِنْ كَلَامِهِمَا حَتَّى أَنْشَبَ الْمُسْلِمُونَ الْحَرْبَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ شَهْرَكُ وَابْنُهُ وَخَلْقٌ عَظِيمٌ. وَالَّذِي قَتَلَ شَهْرَكَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ أَخُو عُثْمَانَ. وَقِيلَ: قَتَلَهُ سَوَّارُ بْنُ هَمَّامٍ الْعَبْدِيُّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. وَحَمَلَ ابْنُ شَهْرَكَ عَلَى سَوَّارٍ فَقَتَلَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ إِصْطَخْرَ كَانَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، وَكَانَتْ فَارِسُ الْآخِرَةُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَرْسَلَ أَخَاهُ الْحَكَمَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فِي أَلْفَيْنِ إِلَى فَارِسَ، فَفَتَحَ جَزِيرَةَ بَرْكَاوَانَ فِي طَرِيقِهِ ثُمَّ سَارَ إِلَى تَوَّجَ، وَكَانَ كِسْرَى أَرْسَلَ شَهْرَكَ فَالْتَقَوْا مَعَ شَهْرَكَ، وَكَانَ الْجَارُودُ وَأَبُو صُفْرَةَ عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبُو صُفْرَةَ هَذَا هُوَ وَالِدُ الْمُهَلَّبِ، فَحَمَلَ الْفُرْسُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهَزَمُوهُمْ. فَقَالَ الْجَارُودُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ ذَهَبَ الْجُنْدُ. فَقَالَ: سَتَرَى أَمْرَكَ. قَالَ: فَمَا لَبِثُوا حَتَّى رَجَعَتْ خَيْلٌ لَهُمْ لَيْسَ عَلَيْهَا فُرْسَانُهَا وَالْمُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ، فَنُثِرَتِ الرُّءُوسُ فَرَأَى الْمُكَعْبِرُ رَأْسًا ضَخْمًا فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ هَذَا رَأْسُ الِازْدِهَاقَ - يَعْنِي شَهْرَكَ -. وَحُوصِرَ الْفُرْسُ بِمَدِينَةِ سَابُورَ، فَصَالَحَ عَلَيْهَا مَلِكُهَا أَرْزَنْبَانُ، فَاسْتَعَانَ بِهِ الْحَكَمُ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ إِصْطَخْرَ. وَمَاتَ عُمَرُ. وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ مَكَانَهُ، فَبَلَغَ عُبَيْدَ اللَّهِ أَنَّ أَرْزَنْبَانَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: أُحِبُّ أَنْ تَتَّخِذَ لِأَصْحَابِي طَعَامًا وَتَذْبَحَ لَهُمْ بَقَرَةً وَتَجْعَلَ عِظَامَهَا فِي الْجَفْنَةِ الَّتِي تَلِينِي فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَمَشَّشَ الْعِظَامَ، فَفَعَلَ وَجَعَلَ يَأْخُذُ الْعَظْمَ الَّذِي لَا يُكْسَرُ إِلَّا بِالْفُؤُوسِ فَيَكْسِرُهُ بِيَدِهِ وَيَأْخُذُ مُخَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ، فَقَامَ أَرْزَنْبَانُ فَأَخَذَ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ ! فَأَعْطَاهُ عَهْدًا. وَأَصَابَ عُبَيْدَ اللَّهِ مَنْجَنِيقٌ فَأَوْصَاهُمْ وَقَالَ: إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ هَذِهِ الْمَدِينَةَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - فَاقْتُلُوهُمْ بِي سَاعَةً فِيهَا، فَفَعَلُوا، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ بَشَرًا كَثِيرًا، وَمَاتَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْمَرٍ. وَقِيلَ: إِنَّ قَتْلَهُ كَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ.
التاريخ 1947لا حكم مسجّل
فَتْحِ تَوَّجَ لَمَّا خَرَجَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا إِلَى فَارِسَ أُمَرَاءَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَعَهُمْ سَارِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ الْكِنَانِيُّ، فَسَارُوا وَأَهْلُ فَارِسَ مُجْتَمِعُونَ بِتَوَّجَ فَلَمْ يَقْصِدْهُمُ الْمُسْلِمُونَ، بَلْ تَوَجَّهَ كُلُّ أَمِيرٍ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ فَارِسَ، فَافْتَرَقُوا إِلَى بُلْدَانِهِمْ كَمَا افْتَرَقَ الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَتْ تِلْكَ هَزِيمَتَهُمْ وَتَشَتُّتَ أُمُورِهِمْ. فَقَصَدَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ لِسَابُورَ وَأَرْدِشِيرَ خُرَّهَ، فَالْتَقَى هُوَ وَالْفُرْسُ بِتَوَّجَ، فَاقْتَتَلُوا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْفُرْسُ، وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ كَيْفَ شَاءُوا كُلَّ قِتْلَةٍ، وَغَنِمُوا مَا فِي عَسْكَرِهِمْ، وَحَصَرُوا تَوَّجَ فَافْتَتَحُوهَا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا وَغَنِمُوا مَا فِيهَا، وَهَذِهِ تَوَّجَ الْآخِرَةِ، وَالْأُولَى هِيَ الَّتِي اسْتَقْدَمَتْهَا جُنُودُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ أَيَّامَ طَاوُسٍ. ثُمَّ دُعُوا إِلَى الْجِزْيَةِ، فَرَجَعُوا وَأَقَرُّوا بِهَا. وَأَرْسَلَ مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ بِالْبِشَارَةِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
التاريخ 1948لا حكم مسجّل
فَتْحُ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ وَقِصَّةُ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ وَذلك سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ قال سَيْفٌ عَنْ مَشَايِخِهِ أَنَّ سَارِيَةَ بْنَ زُنَيْمٍ قَصَدَ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ جُمُوعٌ مِنَ الْفُرْسِ وَالْأَكْرَادِ عَظِيمَةٌ، وَدَهَمَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ، فَرَأَى عُمَرُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ مَعْرَكَتَهُمْ وَعَدَدَهُمْ فِي وَقْتٍ مِنَ النَّهَارِ، وَأَنَّهُمْ فِي صَحْرَاءَ، وَهُنَاكَ جَبَلٌ إِنِ اسْتَنَدُوا إِلَيْهِ لَمْ يُؤْتَوْا إِلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، فَنَادَى مِنَ الْغَدِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي رَأَى أَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِيهَا، خَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِصِفَةِ مَا رَأَى، ثُمَّ قَالَ: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ ! ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ جُنُودًا، وَلَعَلَّ بَعْضَهَا أَنْ يُبَلِّغَهُمْ. قَالَ: فَفَعَلُوا مَا قَالَ عُمَرُ، فَنَصَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَفَتَحُوا الْبَلَدَ. رواية أخرى للقصة وَذَكَرَ سَيْفٌ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ شُيُوخِهِ، أَنَّ عُمَرَ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِذْ قَالَ: يَا سَارِيَةُ بْنَ زُنَيْمٍ، الْجَبَلَ الْجَبَلَ ! فَلَجَأَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى جَبَلٍ هُنَاكَ، فَلَمْ يَقْدِرِ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ إِلَّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَظْفَرَهُمُ اللَّهُ بِهِمْ، وَفَتَحُوا الْبَلَدَ، وَغَنِمُوا شَيْئًا كَثِيرًا، فَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ سَفَطٌ مِنْ جَوْهَرٍ، فَاسْتَوْهَبَهُ سَارِيَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِعُمَرَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ مَعَ الْأَخْمَاسِ، قَدِمَ الرَّسُولُ بِالْخُمْسِ فَوَجَدَ عُمَرَ قَائِمًا فِي يَدِهِ عَصَا، وَهُوَ يُطْعِمُ الْمُسْلِمِينَ سِمَاطَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ لَهُ: اجْلِسْ. وَلَمْ يَعْرِفْهُ. فَجَلَسَ الرَّجُلُ فَأَكَلَ مَعَ النَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغُوا انْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَأَتْبَعَهُ الرَّجُلُ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ، وَإِذَا هُوَ قَدْ وُضِعَ لَهُ خُبْزٌ وَزَيْتٌ وَمِلْحٌ، فَقَالَ: ادْنُ فَكُلْ. قَالَ: فَجَلَسْتُ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: أَلَا تَخْرُجِينَ يَا هَذِهِ فَتَأْكُلِينَ ؟ فَقَالَتْ: إِنِّي أَسْمَعُ حِسَّ رَجُلٍ عِنْدَكَ. فَقَالَ: أَوَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ يُقَالَ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ وَامْرَأَةُ عُمَرَ ! فَقَالَتْ: مَا أَقَلَّ غَنَاءَ ذَلِكَ عَنِّي. ثُمَّ قَالَ لِلرَّجُلِ: ادْنُ فَكُلْ، فَلَوْ كَانَتْ رَاضِيَةً لَكَانَ أَطْيَبَ مِمَّا تَرَى. فَأَكَلَا، فَلَمَّا فَرَغَا، قَالَ: أَنَا رَسُولُ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. ثُمَّ أَدْنَاهُ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتُهُ رُكْبَتَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ، فَأَخْبَرَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ شَأْنَ السَّفَطِ مِنَ الْجَوْهَرِ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ وَأَمَرَ بِرَدِّهِ إِلَى الْجُنْدِ. وَقَدْ سَأَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ رَسُولَ سَارِيَةَ عَنِ الْفَتْحِ فَأَخْبَرَهُمْ، فَسَأَلُوهُ: هَلْ سَمِعُوا صَوْتًا يَوْمَ الْوَقْعَةِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْنَا قَائِلًا يَقُولُ: يَا سَارِيَةُ، الْجَبَلَ ! وَقَدْ كِدْنَا نَهْلِكُ فَلَجَأْنَا إِلَيْهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا.
التاريخ 1949لا حكم مسجّل
فَتْحِ كَرْمَانَ عَلَى يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، ثُمَّ قَصَدَ سُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ كَرْمَانَ، وَلَحِقَهُ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، وَحَشَدَ لَهُمْ أَهْلُ كَرْمَانَ وَاسْتَعَانُوا عَلَيْهِمْ بِالْقُفْصِ، فَاقْتَتَلُوا فِي أَدَانِي أَرْضِهِمْ، فَفَضَّ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمُشْرِكِينَ وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ. وَقَتَلَ النُّسَيْرُ بْنُ عَمْرٍو الْعِجْلِيُّ مَرْزُبَانَهَا، فَدَخَلَ سُهَيْلٌ مِنْ قِبَلِ طَرِيقِ الْقُرَى الْيَوْمَ إِلَى جِيرَفْتَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ مَفَازَةِ سِيرَ، فَأَصَابُوا مَا أَرَادُوا مِنْ بَعِيرٍ أَوْ شَاءٍ، فَقَوَّمُوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ فَتَحَاصُّوهَا بِالْأَثْمَانِ لِعِظَمِ الْبُخْتِ عَلَى الْعِرَابِ، وَكَرِهُوا أَنْ يَزِيدُوا، وَكَتَبُوا إِلَى عُمَرَ بِذَلِكَ، فَأَجَابَهُمْ: إِذَا رَأَيْتُمْ أَنَّ فِي الْبُخْتِ فَضْلًا فَزِيدُوا. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي فَتَحَ كَرْمَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ أَتَى الطَّبَسَيْنِ مِنْ كَرْمَانَ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَقْطِعْنِي الطَّبَسَيْنِ، فَأَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ، فَقِيلَ: إِنَّهُمَا رُسْتَاقَانِ، فَامْتَنَعَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ.
التاريخ 1950لا حكم مسجّل
فَتْحِ سِجِسْتَانَ عَلَى يَدَيْ عَاصِمِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَصَدَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو سِجِسْتَانَ، وَلَحِقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَيْرٍ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ أَهْلُهَا، فَالْتَقَوْا هُمْ وَأَهْلُ سِجِسْتَانَ فِي أَدَانِي أَرَضِيهِمْ، فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ اتَّبَعُوهُمْ حَتَّى حَصَرُوهُمْ بِزَرَنْجَ، وَمَخَرُوا أَرْضَ سِجِسْتَانَ مَاهْ، ثُمَّ إِنَّهُمْ طَلَبُوا الصُّلْحَ عَلَى زَرَنْجَ وَمَا احْتَازُوا مِنَ الْأَرَضِينَ فَأُعْطُوا، وَكَانُوا قَدِ اشْتَرَطُوا فِي صُلْحِهِمْ أَنَّ فَدَافِدَهَا حِمًى، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَجَنَّبُونَهَا خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبُوا مِنْهَا شَيْئًا فَيُخْفِرُوا، وَأُقِيمَ أَهْلُ سِجِسْتَانَ عَلَى الْخَرَاجِ، وَكَانَتْ سِجِسْتَانُ أَعْظَمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَأَبْعَدَ فُرُوجًا، يُقَاتِلُونَ الْقُنْدُهَارَ وَالتُّرْكَ وَأُمَمًا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ زَمَنُ مُعَاوِيَةَ، فَهَرَبَ الشَّاهُ مِنْ أَخِيهِ رُتْبِيلَ إِلَى بَلَدٍ فِيهَا يُدْعَى آمُلَ، وَدَانَ لِسَلْمِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ وَعَقَدَ لَهُمْ وَأَنْزَلَهُمُ الْبِلَادَ وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِذَلِكَ يُرِي أَنَّهُ فُتِحَ عَلَيْهِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّ ابْنَ أَخِي لَيَفْرَحُ بِأَمْرٍ إِنَّهُ لَيُحْزِنُنِي وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْزِنَهُ. قَالَ: وَلِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: إِنَّ آمُلَ بَلْدَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَرَنْجَ صُعُوبَةٌ وَتَضَايُقٌ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ غُدُرٌ، فَإِذَا اضْطَرَبَ الْحَبْلُ غَدًا فَأَهْوَنُ مَا يَجِيءُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ عَلَى بِلَادِ آمُلَ بِأَسْرِهَا. وَأَقَرَّهُمْ عَلَى عَهْدِ سَلْمِ بْنِ زِيَادٍ. فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ كَفَرَ الشَّاهُ وَغَلَبَ عَلَى آمُلَ وَاعْتَصَمَ مِنْهُ رُتْبِيلُ بِمَكَانِهِ، وَلَمْ يُرْضِهِ ذَلِكَ حِينَ تَشَاغَلَ عَنْهُ النَّاسُ حَتَّى طَمِعَ فِي زَرَنْجَ فَغَزَاهَا وَحَصَرَ مَنْ بِهَا حَتَّى أَتَتْهُمُ الْأَمْدَادُ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَصَارَ رُتْبِيلُ وَالَّذِينَ مَعَهُ عُصْبَةً، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ مُذَلَّلَةً إِلَى أَنْ مَاتَ مُعَاوِيَةُ. وَقِيلَ فِي فَتْحِ سِجِسْتَانَ غَيْرُ هَذَا.
التاريخ 1951لا حكم مسجّل
فَتْحِ مُكْرَانَ عَلَى يَدَيِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَصَدَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو التَّغْلِبِيُّ مُكْرَانَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا، وَلَحِقَ بِهِ شِهَابُ بْنُ الْمُخَارِقِ وَسُهَيْلُ بْنُ عَدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِتْبَانَ، فَانْتَهَوْا إِلَى دُوَيْنِ النَّهْرِ، وَأَهْلُ مُكْرَانَ عَلَى شَاطِئِهِ، فَاسْتَمَدَّ مَلِكُهُمْ مَلِكَ السِّنْدِ، فَأَمَدَّهُ بِجَيْشٍ كَثِيفٍ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَانْهَزَمُوا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي الْمَعْرَكَةِ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَهُمْ أَيَّامًا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى النَّهْرِ، وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى مُكْرَانَ فَأَقَامُوا بِهَا. وَكَتَبَ الْحَكَمُ إِلَى عُمَرَ بِالْفَتْحِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِالْأَخْمَاسِ مَعَ صُحَارٍ الْعَبْدِيِّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ مُكْرَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هِيَ أَرْضٌ سَهْلُهَا جَبَلٌ، وَمَاؤُهَا وَشَلٌ، وَتَمْرُهَا دَقَلٌ، وَعَدُوُّهَا بَطَلٌ، وَخَيْرُهَا قَلِيلٌ، وَشَرُّهَا طَوِيلٌ، وَالْكَثِيرُ فِيهَا قَلِيلٌ، وَالْقَلِيلُ فِيهَا ضَائِعٌ، وَمَا وَرَاءَهَا شَرٌّ مِنْهَا. فَقَالَ: أَسَجَّاعٌ أَنْتَ أَمْ مُخْبِرٌ ؟ لَا وَاللَّهِ لَا يَغْزُوهَا جَيْشٌ لِي أَبَدًا. وَكَتَبَ إِلَى سُهَيْلٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو: أَنْ لَا يَجُوزَنَّ مُكْرَانَ أَحَدٌ مِنْ جُنُودِكُمَا. وَأَمَرَهُمَا بِبَيْعِ الْفِيَلَةِ الَّتِي غَنِمَهَا الْمُسْلِمُونَ بِبِلَادِ الْإِسْلَامِ. ( وَقَسْمِ أَثْمَانِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ ). . وَقَدْ قَالَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو فِي ذَلِكَ لَقَدْ شَبِعَ الْأَرَامِلُ غَيْرَ فَخْرٍ بِفَيْءٍ جَاءَهُمُ مِنْ مُكَّرَانِ أَتَاهُمْ بَعْدَ مَسْغَبَةٍ وَجَهْدٍ وَقَدْ صَفِرَ الشِّتَاءُ مِنَ الدُّخَانِ فَإِنِّي لَا يَذُمُّ الْجَيْشُ فِعْلِي وَلَا سَيْفِي يُذَمُّ وَلَا سِنَانِي غَدَاةَ أُدَفِّعُ الْأَوْبَاشَ دَفْعَا إِلَى السِّنْدِ الْعَرِيضَةِ وَالْمَدَانِي وَمِهْرَانٌ لَنَا فِيمَا أَرَدْنَا مُطِيعٌ غَيْرَ مُسْتَرْخِي الْعِنَانِ فَلَوْلَا مَا نَهَى عَنْهُ أَمِيرِي قَطَعْنَاهُ إِلَى الْبُدُدِ الزَّوَانِي
التاريخ 1952لا حكم مسجّل
غَزْوَةُ الْأَكْرَادِ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ عَنْ سَيْفٍ، عَنْ شُيُوخِهِ، أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْأَكْرَادِ وَالْتَفَّ إِلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُرْسِ اجْتَمَعُوا، فَلَقِيَهُمْ أَبُو مُوسَى بِمَكَانٍ مِنْ أَرْضٍ بَيْرُوذَ قَرِيبٍ مِنْ نَهْرِ تِيرَى. ثُمَّ سَارَ فَنَزَلَ بِهِمْ بِبَيْرُوذَ، فَالْتَقَوْا فِي رَمَضَانَ بَيْنَ نَهْرِ تِيرَى وَمَنَاذِرَ، فَقَامَ الْمُهَاجِرُ بْنُ زِيَادٍ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَاسْتَقْتَلَ، وَعَزَمَ أَبُو مُوسَى عَلَى النَّاسِ فَأَفْطَرُوا، وَتَقَدَّمَ الْمُهَاجِرُ فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ. وَوَهَّنَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى تَحَصَّنُوا فِي قِلَّةٍ وَذِلَّةٍ، وَاشْتَدَّ جَزَعُ الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ عَلَى أَخِيهِ الْمُهَاجِرِ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ فَقْدُهُ، فَرَقَّ لَهُ أَبُو مُوسَى فَاسْتَخْلَفَهُ عَلَيْهِمْ فِي جُنْدٍ، وَخَرَجَ أَبُو مُوسَى حَتَّى بَلَغَ أَصْبَهَانَ، وَاجْتَمَعَ بِهَا بِالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُحَاصِرُونَ جَيًّا، فَلَمَّا فُتِحَتْ رَجَعَ أَبُو مُوسَى إِلَى الْبَصْرَةِ، وَفَتَحَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْحَارِثِيُّ بَيْرُوذَ مِنْ نَهْرِ تِيرَى وَغَنِمَ مَا مَعَهُمْ. وَوَفَّدَ أَبُو مُوسَى وَفْدًا مَعَهُمُ الْأَخْمَاسُ، فَطَلَبَ ضَبَّةُ بْنُ مِحْصَنٍ الْعَنَزِيُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْوَفْدِ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَبُو مُوسَى، وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَدِ اخْتَارَ مِنْ سَبْيِ بَيْرُوذَ سِتِّينَ غُلَامًا، فَانْطَلَقَ ضَبَّةُ إِلَى عُمَرَ شَاكِيًا، وَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ ضَبَّةُ عَلَى عُمَرَ سَلَّمَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا ! فَقَالَ: أَمَّا الْمَرْحَبُ فَمِنَ اللَّهِ، وَأَمَّا الْأَهْلُ فَلَا أَهْلَ. ثُمَّ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ حَالِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُوسَى انْتَقَى سِتِّينَ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ الدَّهَاقِينِ لِنَفْسِهِ، وَلَهُ جَارِيَةٌ تُغَدَّى جَفْنَةً وَتُعَشَّى جَفْنَةً تُدْعَى عَقِيلَةَ، وَلَهُ قَفِيزَانِ وَلَهُ خَاتَمَانِ، وَفَوَّضَ إِلَى زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أُمُورَ الْبَصْرَةِ، وَأَجَازَ الْحُطَيْئَةَ بِأَلْفٍ. فَاسْتَدْعَى عُمَرُ أَبَا مُوسَى. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ حَجَبَهُ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ فَسَأَلَ عُمَرُ ضَبَّةَ عَمَّا قَالَ فَقَالَ: أَخَذَ سِتِّينَ غُلَامًا لِنَفْسِهِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: دُلِلْتُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ لَهُمْ فِدَاءٌ فَفَدَيْتُهُمْ وَقَسَّمْتُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ ضَبَّةُ: مَا كَذَبَ وَلَا كَذَبْتُ. فَقَالَ: لَهُ قَفِيزَانِ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَفِيزٌ لِأَهْلِي أَقُوتُهُمْ بِهِ، وَقَفِيزٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَيْدِيهِمْ يَأْخُذُونَ بِهِ أَرْزَاقَهُمْ. فَقَالَ ضَبَّةُ: مَا كَذَبَ وَلَا كَذَبْتُ. فَلَمَّا ذَكَرَ عَقِيلَةَ سَكَتَ أَبُو مُوسَى وَلَمْ يَعْتَذِرْ. فَعَلِمَ أَنَّ ضَبَّةَ قَدْ صَدَقَهُ، قَالَ: وَوَلَّى زِيَادًا. قَالَ: رَأَيْتُ لَهُ رَأْيًا وَنُبْلًا فَأَسْنَدْتُ إِلَيْهِ عَمَلِي. قَالَ: وَأَجَازَ الْحُطَيْئَةَ بِأَلْفٍ. قَالَ: سَدَدْتُ فَمَهُ بِمَالِي أَنْ يَشْتُمَنِي. فَرَدَّهُ عُمَرُ وَأَمَرَهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ زِيَادًا وَعَقِيلَةَ، فَفَعَلَ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ زِيَادٌ سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَعَطَائِهِ وَالْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ وَالْقُرْآنِ، فَرَآهُ فَقِيهًا، فَرَدَّهُ وَأَمَرَ أُمَرَاءَ الْبَصْرَةِ أَنْ يَسِيرُوا بِرَأْيِهِ، وَحَبَسَ عَقِيلَةَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ عُمَرُ: أَلَا إِنَّ ضَبَّةَ غَضِبَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَفَارَقَهُ مُرَاغِمًا أَنْ فَاتَهُ أَمْرٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، فَصَدَقَ عَلَيْهِ وَكَذَبَ، فَأَفْسَدَ كَذِبُهُ صِدْقَهُ، فَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ يَهْدِي إِلَى النَّارِ.
التاريخ 1953لا حكم مسجّل
خَبَرِ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ وَالْأَكْرَادِ كَانَ عُمَرُ إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ سَلَمَةَ بْنَ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيَّ. فَقَالَ: سِرْ بَاسْمِ اللَّهِ، قَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ عَدُوَّكُمْ فَادْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَأَقَامُوا بِدَارِهِمْ فَعَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ، وَلَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْفَيْءِ نَصِيبٌ، وَإِنْ سَارُوا مَعَكُمْ فَلَهُمْ مِثْلُ الَّذِي لَكُمْ وَعَلَيْهِمْ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَادْعُوهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلُوا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا فَقَاتِلُوهُمْ، وَإِنْ تَحَصَّنُوا مِنْكُمْ وَسَأَلُوكُمْ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. أَوْ ( ذِمَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) فَلَا تُجِيبُوهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ أَتُصِيبُونَ حُكْمَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَذِمَّتَهُمَا أَمْ لَا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَلَا تُمَثِّلُوا. قَالَ: فَسَارُوا حَتَّى لَقُوا عَدُوًّا مِنَ الْأَكْرَادِ الْمُشْرِكِينَ فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ يُجِيبُوا، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَوُا الذُّرِّيَّةَ، فَقَسَّمَهُ بَيْنَهُمْ، وَرَأَى سَلَمَةُ جَوْهَرًا فِي سَفَطٍ، فَاسْتَرْضَى عَنْهُ الْمُسْلِمِينَ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى عُمَرَ. فَقَدِمَ الرَّسُولُ بِالْبِشَارَةِ وَالسَّفَطِ عَلَى عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أُمُورِ النَّاسِ وَهُوَ يُخْبِرُهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ بِالسَّفَطِ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَأَمَرَ بِهِ فَوُجِئَ بِهِ فِي عُنُقِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ قَالَ: إِنْ تَفَرَّقَ النَّاسُ قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ عَلَيْهِمْ وَيُقَسِّمَهُ سَلَمَةُ فِيهِمْ لَأَسُوءَنَّكَ. فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَلَمَةَ فَبَاعَهُ وَقَسَّمَهُ فِي النَّاسِ. وَكَانَ الْفَصُّ يُبَاعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَقِيمَتُهُ عِشْرُونَ أَلْفًا.
التاريخ 1954لا حكم مسجّل
وَفِي سنة ثلاث وعشرين حَجَّ عُمَرُ بِأَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بِالنَّاسِ. فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ، وَأَبِي حَارِثَةَ، وَالرَّبِيعِ، بِإِسْنَادِهِمْ قَالُوا: حَجَّ عُمَرُ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُنَّ أَوْلِيَاؤُهُنَّ [مِمَّنْ] لَا تَحْتَجِبْنَ مِنْهُ، وَجَعَلَ فِي مُقَدَّمِ قِطَارِهِنِّ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وَفِي مُؤَخَّرِهِ: عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَلَمَّا رَدَّهُنَّ شَخَصَ بِهِمَا وَبِالْعَبَّاسِ، وَخَلَّفْنَا عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ أَسْرَعَ حَتَّى قَدِمَ الْجَابِيَةَ يَوْمَ الْوَقْعَةِ، فَأَتَاهُ الْفَتْحُ بِهَا، وَرَكِبَ عُمَرُ ؓ مَعَ الْجَابِيَةِ يُرِيدُ الْأُرْدُنَّ، وَوَقَفَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ عَلَى حِمَارٍ وَأَمَامَهُ الْعَبَّاسُ عَلَى فَرَسٍ، فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ الْكِتَابِ سَجَدُوا، فَقَالَ: لَا تَسْجُدُوا لِلْبَشَرِ، وَاسْجُدُوا لِلَّهِ. وَمَضَى، فَقَالَ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا أَشْبَهَ بِمَا يُوصَفُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ. ثُمَّ دَخَلَ الْأُرْدُنَّ عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْأُرْدُنِّ أَتَى عَلَى فَيْضِ مَاءٍ، فَأَخَذَتِ الْخُيُولُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَنَزَلَ عَنْ بَعِيرِهِ فَأَخَاضَهُ وَأَخَاضَ، فَدَنَا مِنْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ فِي بِلَادِ الْأَعَاجِمِ، وَقَدْ سَاءَنِي مَا رَأَيْتُ مِنَ ابْتِذَالِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُجْرِيَ ذَلِكَ الْبَطَارِقَةَ عَلَيْنَا، فَسَكَتَ حَتَّى دَخَلَ، فَعَمِدَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَأَطَافَ بِهِ النَّاسُ، فَدَعَا أَبَا عُبَيْدَةَ، فَأَقَامَهُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ رَفَعَكُمْ وَأَعَزَّكُمْ بِدِينِهِ، فَاطْلُبُوا الْعِزَّ بِالدِّينِ وَالْكَرَمِ تَعِزُّوا وَتَتْبَعْكُمُ الدُّنْيَا، وَلَا تَطْلُبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِ الدِّينِ فَتَذِلُّوا، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ مِنْ قَبْلِ الْآنَ لَنَكَّلْتُ بِكَ. وَرَجَعَ عُمَرُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ - هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ سَيْفٍ. وَغَيْرُهُ يَقُولُ: كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، ] عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: صَنَعَ أَرْخَنُ الْجَابِيَةِ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ طَعَامًا فِي الْكَنِيسَةِ، فَطَعِمَ عُمَرُ، ثُمَّ حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى عُمَرُ بِأَصْحَابِهِ فِي الْكَنِيسَةِ.
التاريخ 1955لا حكم مسجّل
وَفَاةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ؓ قَالَ الزُّهْرِيُّ: (كَانَ عُمَرُ ؓ لَا يَأْذَنُ لِصَبِيٍّ قَدِ احْتَلَمَ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ يَذْكُرُ لَهُ غُلَامًا عِنْدَهُ صَنَعًا، وَيَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْمَدِينَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ عِنْدَهُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً فِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ ; إِنَّهُ حَدَّادٌ نَقَّاشٌ نَجَّارٌ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِ وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَطُوفُ يَوْمًا فِي السُّوقِ، فَلَقِيَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَاسْمُهُ: فَيْرُوزُ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعِدْنِي عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَإِنَّ عَلَيَّ خَرَاجًا كَثِيرًا. قَالَ: وَكَمْ خَرَاجُكَ ؟ قَالَ: دِرْهَمَانِ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: وَأَيْشٍ صِنَاعَتُكَ ؟ قَالَ: نَجَّارٌ، نَقَّاشٌ، حَدَّادٌ. قَالَ: فَمَا أَرَى خَرَاجَكَ كَثِيرًا عَلَى مَا تَصْنَعُ مِنَ الْأَعْمَالِ، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ لَفَعَلْتُ ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ لِي رَحًى. قَالَ: لَئِنْ سَلِمْتَ لَأَعْمَلَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ بِهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ! ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَوْعَدَنِي الْعَبْدُ الْآنَ. ثُمَّ انْصَرَفَ عُمَرُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْهَدْ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ ؟ قَالَ: أَجِدُهُ فِي كِتَابِ التَّوْرَاةِ. قَالَ عُمَرُ: [ آللَّهَ ! إِنَّكَ ] لَتَجِدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي التَّوْرَاةِ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا وَلَكِنِّي أَجِدُ حِلْيَتَكَ وَصِفَتَكَ وَأَنَّكَ قَدْ فَنِيَ أَجْلُكَ. قَالَ: وَعُمَرُ لَا يُحِسُّ وَجَعًا ! فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبٌ فَقَالَ: بَقِيَ يَوْمَانِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَاءَهُ كَعْبٌ فَقَالَ: مَضَى يَوْمَانِ وَبَقِيَ يَوْمٌ. فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ يُوَكِّلُ بِالصُّفُوفِ رِجَالًا فَإِذَا اسْتَوَتْ كَبَّرَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ ظِلًّا تَقَدَّمَ، فَكَبَّرُوا، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ أَوِ النَّحْلَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ وَدَخَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي النَّاسِ وَبِيَدِهِ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَضَرَبَ عُمَرَ سِتَّ ضَرَبَاتِ إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ وَهِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ، وَقَتَلَ مَعَهُ كُلَيْبَ بْنَ أَبِي الْبُكَيْرِ اللَّيْثِيَّ وَكَانَ خَلْفَهُ، وَقَتَلَ جَمَاعَةً غَيْرَهُ. فَلَمَّا وَجَدَ عُمَرُ حَرَّ السِّلَاحِ سَقَطَ، وَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، وَعُمَرُ طَرِيحٌ، فَاحْتُمِلَ فَأُدْخِلَ بَيْتَهُ، وَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْهَدَ إِلَيْكَ. قَالَ: أَتُشِيرُ عَلَيَّ بِذَلِكَ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ فِيهِ أَبَدًا. قَالَ: فَهَبْنِي صَمْتًا حَتَّى أَعْهَدَ إِلَى النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا فَقَالَ: انْتَظِرُوا أَخَاكُمْ طَلْحَةَ ثَلَاثًا، فَإِنْ جَاءَ وَإِلَّا فَاقْضُوا أَمْرَكُمْ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عُثْمَانُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا سَعْدُ إِنْ وَلِيتَ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شَيْئًا أَنْ تَحْمِلَ أَقَارِبَكَ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، قُومُوا فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ اقْضُوا أَمْرَكُمْ وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ. ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، فَقَالَ: قُمْ عَلَى بَابِهِمْ فَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ إِلَيْهِمْ. وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْأَنْصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، أَنْ يُحْسِنَ إِلَى مُحْسِنِهِمْ وَيَعْفُوَ عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِالْعَرَبِ، فَإِنَّهُمْ مَادَّةُ الْإِسْلَامِ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ صَدَقَاتِهِمْ حَقَّهَا فَتُوضَعَ فِي فُقَرَائِهِمْ، وَأُوصِي الْخَلِيفَةَ بِذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ لَقَدْ تَرَكْتُ الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أَنْقَى مِنَ الرَّاحَةِ، يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اخْرُجْ فَانْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي. قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَتَلَكَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً وَاحِدَةً ! وَجَاءَ النَّاسُ [فَجَعَلُوا] يُثْنُونَ عَلَيْهِ. وَجَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ لَكَ، مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَدَمٍ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وُلِّيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهَادَةٍ. قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ كِفَافٌ لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَ. فَلَمَّا أَدْبَرَ إِذَا إِزَارُهُ يَمَسُّ الْأَرْضَ، قَالَ: رُدُّوا عَلَيَّ الْغُلَامَ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِرَبِّكَ. يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ. فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ سِتَّةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهُ. قَالَ: إِنْ وَفَّى لَهُ مَالُ آلِ عُمَرَ فَأَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلَّا فَسَلْ فِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَسَلْ فِي قَرَيْشٍ، وَلَا تَعْدُهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، فَأَدِّ عَنِّي هَذَا الْمَالَ. يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، اذْهَبْ إِلَى عَائِشَةَ فَسَلْهَا أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُدْفَنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ. فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَأَدْخِلُونِي، وَإِنْ رَدَّتْنِي رُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَجَاءَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ وَالنِّسَاءُ تَسِيرُ مَعَهَا، فَلَمَّا رَأَيْنَاهَا قُمْنَا، فَوَلَجَتْ عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَالُ، فَوَلَجَتْ دَاخِلًا لَهُمْ، فَسَمِعْنَا بُكَاءَهَا مِنَ الدَّاخِلِ وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي رَاشِدٍ الْبَصْرِيِّ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِابْنِهِ: (اقْصِدُوا فِي كَفَنِي؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ.. أَبْدَلَنِي مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَإِنْ كُنْتُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ سَلَبَنِي فَأَسْرَعَ سَلَبِي، وَاقْصِدُوا فِي حُفْرَتِي، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ.. أَوْسَعَ لِي فِيهَا مَدَّ بَصَرِي، وَإِنْ كُنْتُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.. ضَيَّقَهَا عَلَيَّ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعِي، وَلَا تَخْرُجَ مَعِي امْرَأَةٌ، وَلَا تُزَكُّونِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ أَعْلَمُ بِي، فَإِذَا خَرَجْتُمْ.. فَأَسْرِعُوا بِيَ الْمَشْيَ؛ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ لِي عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ.. قَدَّمْتُمُونِي إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لِي، وَإِنْ كُنْتُ غَيْرَ ذَلِكَ.. أَلْقَيْتُمْ عَنْ رِقَابِكُمْ شَرًّا تَحْمِلُونَهُ). وقال يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنِ اخْتَلَفَ الْقَوْمُ فَكُنْ مَعَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ تَشَاوَرُوا فَكُنْ مَعَ الْحِزْبِ الَّذِي فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِلنَّاسِ. فَجَعَلَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُ لَهُمْ: أَهَذَا عَنْ مَلَإٍ مِنْكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: مَعَاذَ اللَّهِ ! قَالَ: وَدَخَلَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ مَعَ النَّاسِ فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ: تَوَعَّدَنِي كَعْبٌ ثَلَاثًا أَعُدُّهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَ لِي كَعْبُ وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ، إِنِّي لَمَيِّتٌ ، وَلَكِنْ حِذَارُ الذَّنْبِ يَتْبَعُهُ الذَّنْبُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، وَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ لِي بِهَذَا يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ أَنْ قُلْ نَعَمْ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ. فَقَالَ عُمَرُ: لَا تَغُرَّنِي أَنْتَ وَأَصْحَابُكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، خُذْ رَأْسِي عَنِ الْوِسَادَةِ فَضَعْهُ فِي التُّرَابِ لَعَلَّ اللَّهَ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَنْظُرُ إِلَيَّ فَيَرْحَمُنِي، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ. وَدُعِيَ لَهُ طَبِيبٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَسَقَاهُ نَبِيذًا فَخَرَجَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ، فَسَقَاهُ لَبَنًا فَخَرَجَ كَذَلِكَ أَيْضًا، فَقَالَ لَهُ: اعْهَدْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: قَدْ فَرَغْتُ. وَلَمَّا احْتُضِرَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ وَلَدِهِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ظَلُومٌ لِنَفْسِي غَيْرَ أَنِّيَ مُسْلِمٌ أُصَلِّي الصَّلَاةَ كُلَّهَا وَأَصُومُ وَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُدِيمُ الشَّهَادَةَ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَّ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: طُعِنَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ هِلَالَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ عَشْرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ، وَبُويِعَ عُثْمَانُ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَقِيلَ: كَانَتْ وَفَاتُهُ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَاسْتَقْبَلَ بِخِلَافَتِهِ هِلَالَ مُحَرَّمٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَكَانَتْ خِلَافَةُ عُمَرَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ عَشْرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. وَصَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ، وَحُمِلَ إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ، وَدُفِنَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ عُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. وَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ قُدِّمَ الطَّعَامُ بَيْنَ أَيْدِي النَّاسِ عَلَى عَادَتِهِمْ فَامْتَنَعُوا لِمَوْضِعِ حُزْنِهِمْ، فَابْتَدَأَ الْعَبَّاسُ. عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: إِنَّ قُرَيْشًا رُؤَسَاءَ النَّاسِ، لَا يَدْخُلُونَ بَابًا إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ خَيْرًا. فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ وَاسْتُخْلِفَ صُهَيْبٌ عَلَى إِطْعَامِ النَّاسِ، وَحَضَرَ النَّاسُ وَفِيهِمُ الْعَبَّاسُ، فَأَمْسَكَ النَّاسُ بِأَيْدِيهِمْ عَنِ الْأَكْلِ، فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَاتَ فَأَكَلْنَا، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ مَاتَ فَأَكَلْنَا، وَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْأَكْلِ. فَضَرَبَ بِيَدِهِ، وَضَرَبَ الْقَوْمُ بِأَيْدِيهِمْ. فَعَرَفَ قَوْلَ عُمَرَ: إِنَّ قُرَيْشًا رُؤَسَاءُ [النَّاسِ]. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: تُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَسِتِّينَ سَنَةً. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّهْرِيِّ: خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سِتٌّ وَسِتُّونَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهَذَا أَثْبَتُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدَنَا. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: تُوُفِّيَ عُمَرُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَفِي «تَهْذِيبِ الْمِزِّيِّ»: (كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عُمَرَ: كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ يَوْمَ قَتْلِ عُمَرَ: (الْيَوْمَ وَهِيَ الْإِسْلَامُ). وَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: (شَهِدْتُ مَوْتَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ)، وَوُلِدَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لَيْلَةَ مَاتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ وَلَدٌ فَسَمَّاهُ عُمَرَ. وَوُلِدَ لِعُثْمَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ فَسَمَّاهُ عُمَرَ. وَوُلِدَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ التَّيْمِيِّ وَلَدٌ فَسَمَّاهُ عُمَرَ.
التاريخ 1956لا حكم مسجّل
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ [13 23 هـ] هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو حَفْصٍ، الْقُرَشِيُّ، الْعَدَوِيُّ، الْفَارُوقُ. وَأَمُّهُ حَنْتَمَةُ بِنْتُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّ أَبِي جَهْلٍ، وَقَدْ زَعَمَ مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ أَنَّهَا أُخْتُ أَبِي جَهْلٍ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. مولد عمر بن الخطاب ؓ أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَلَهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، قَالَهُ الذَّهَبِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: (وُلِدَ عُمَرُ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَإِلَيْهِ كَانَتِ السِّفَارَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ; فَكَانَتْ قُرَيْشٌ إِذَا وَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَوْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ.. بَعَثُوهُ سَفِيرًا - أَيْ: رَسُولًا - وَإِذَا نَافَرَهُمْ مُنَافِرٌ، أَوْ فَاخَرَهُمْ مُفَاخِرٌ.. بَعَثُوهُ مُنَافِرًا أَوْ مُفَاخِرًا. صفة عمر بن الخطاب ؓ ذِكْرُ صِفَتِهِ كَانَ أَبْيَضَ طِوَالًا، تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ، أَصْلَعَ أَشَبَّ يُخَضِّبُ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَكَانَ نَقْشُ خَاتَمِهِ: "كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا يَا عُمَرُ" وأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ عَنْ زِرٍّ قَالَ: ( خَرَجْتُ مَعَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَرَأَيْتُ عُمَرَ يَمْشِي حَافِيًا، شَيْخًا أَصْلَعَ آدَمَ، أَعْسَرَ يَسَرٌ، طِوَالًا مُشْرِفًا عَلَى النَّاسِ كَأَنَّهُ عَلَى دَابَّةٍ ). قَالَ الْوَاقِدِيُّ: ( لَا يُعْرَفُ عِنْدَنَا: أَنَّ عُمَرَ كَانَ آدَمَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَآهُ عَامَ الرَّمَادَةِ ; فَإِنَّهُ كَانَ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ حِينَ أَكَلَ الزَّيْتَ ). وَأَخْرَجَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: ( كَانَ عُمَرُ يَفُوقُ النَّاسَ طُولًا ). وَأَخْرَجَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: ( كَانَ عُمَرُ رَجُلًا أَيْسَرَ ) يَعْنِي: يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: ( كَانَ عُمَرُ رَجُلًا طَوِيلًا، جَسِيمًا، أَصْلَعَ شَدِيدَ الصَّلَعِ، أَبْيَضَ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، فِي عَارِضَيْهِ خِفَّةٌ، سَبَلَتُهُ كَبِيرَةٌ، وَفِي أَطْرَافِهَا صُهْبَةٌ ). زوجات وأبناء عمر بن الخطاب ؓ زَوْجَاتِهِ وَأَبْنَائِهِ وَبَنَاتِهِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ الْكَلْبِيِّ وَغَيْرُهُمَا: تَزَوَّجَ عُمَرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ زَيْنَبَ بِنْتَ مَظْعُونٍ أُخْتَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ اللَّهِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَكْبَرَ وَحَفْصَةَ، ؓ. وَتَزَوَّجَ مُلَيْكَةَ بِنْتَ جَرْوَلٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ، فَطَلَّقَهَا فِي الْهُدْنَةِ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا أَبُو الْجَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ. قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: هِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ جَرْوَلٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ وَزَيْدًا الْأَصْغَرَ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَتَزَوَّجَ قُرَيْبَةَ بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ فَفَارَقَهَا فِي الْهُدْنَةِ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. قَالُوا: وَتَزَوَّجَ أُمَّ حَكِيمِ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ بَعْدَ زَوْجِهَا - حِينَ قُتِلَ فِي الشَّامِ - فَوَلَدَتْ لَهُ فَاطِمَةَ ثُمَّ طَلَّقَهَا. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَقِيلَ: لَمْ يُطَلِّقْهَا. قَالُوا: تَزَوَّجَ جَمِيلَةَ أُخْتَ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَفْلَحِ مِنَ الْأَوْسِ. وَتَزَوَّجَ عَاتِكَةَ بِنْتَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، ؓ. وَيُقَالُ: هِيَ أُمُّ ابْنِهِ عِيَاضٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْمَدَائِنِيُّ: وَكَانَ قَدْ خَطَبَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ وَرَاسَلٌ فِيهَا عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَتَرْغَبِينَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ إِنَّهُ خَشِنُ الْعَيْشِ. فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَصَدَّهُ عَنْهَا، وَدَلَّهُ عَلَى أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَقَالَ: تَعْلَقُ مِنْهَا بِسَبَبٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. فَخَطَبَهَا مِنْ عَلِيٍّ فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، فَأَصْدَقَهَا عُمَرُ، ؓ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا وَرُقَيَّةَ. قَالُوا: وَتَزَوَّجَ لُهَيَّةَ - امْرَأَةً مِنَ الْيَمَنِ - فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَصْغَرَ. وَقِيلَ: الْأَوْسَطَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: هِيَ أُمُّ وَلَدٍ وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ. قَالُوا وَكَانَتْ عِنْدَهُ فُكَيْهَةُ أُمُّ وَلَدٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهِيَ أَصْغَرُ وَلَدِهِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَخَطَبَ أُمَّ أَبَانَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَكَرِهَتْهُ، وَقَالَتْ: يُغْلِقُ بَابَهُ، وَيَمْنَعُ خَيْرَهُ، وَيَدْخُلُ عَابِسًا، وَيَخْرُجُ عَابِسًا. قُلْتُ: فَجُمْلَةُ أَوْلَادِهِ، ؓ وَأَرْضَاهُ، ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَلَدًا ; وَهُمْ زَيْدٌ الْأَكْبَرُ وَزَيْدٌ الْأَصْغَرُ، وَعَاصِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَكْبَرُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَوْسَطُ - قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: وَهُوَ أَبُو شَحْمَةَ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَصْغَرُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَعِيَاضٌ، وَحَفْصَةُ، وَرُقَيَّةُ، وَزَيْنَبُ، وَفَاطِمَةُ، ؓ. وَمَجْمُوعُ نِسَائِهِ اللَّاتِي تَزَوَّجَهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ مِمَّنْ طَلَّقَهُنَّ أَوْ مَاتَ عَنْهُنَّ سَبْعٌ، وَهُنَّ جَمِيلَةُ أُخْتُ عَاصِمِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْأَفْلَحِ، وَزَيْنَبُ بِنْتُ مَظْعُونٍ، وَعَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَقُرَيْبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَمُلَيْكَةُ بِنْتُ جَرْوَلٍ، وَأُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأُمُّ كُلْثُومٍ أُخْرَى وَهِيَ مُلَيْكَةُ بِنْتُ جَرْوَلٍ. وَكَانَتْ لَهُ أَمَتَانِ لَهُ مِنْهُمَا أَوْلَادٌ؛ وَهُمَا فُكَيْهَةُ وَلُهَيَّةُ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي لُهَيَّةَ هَذِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ أَصْلُهَا مِنَ الْيَمَنِ وَتَزَوَّجَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 1957لا حكم مسجّل
إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ أَسْلَمَ عُمَرُ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ امْرَأَةً، وَقِيلَ: أَسْلَمَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، وَقِيلَ: أَسْلَمَ بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً. وَكَانَ رَجُلًا جَلْدًا مَنِيعًا، وَأَسْلَمَ بَعْدَ هِجْرَةِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ. الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي إِسْلَامِهِ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: « اللَّهُمَّ ; أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ: بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بِأَبِي جَهْلٍ ابْنِ هِشَامٍ »، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ قَالَ: (خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ»، فَجَعَلْتُ أَتَعَجَّبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، فَقَرَأَ: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ الْآيَاتِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ كُلَّ مَوْقِعٍ). قصة عمر مع ختنه وأخته وسبب تسميته بالفاروق [قِصَّةُ عُمَرَ مَعَ خَتَنِهِ وَأُخْتِهِ ؓ ] وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الدَّلَائِلِ»، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: (سَأَلْتُ عُمَرَ ؓ: لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ الْفَارُوقَ؟ فَقَالَ: أَسْلَمَ حَمْزَةُ قَبْلِي بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ أَبُو جَهْلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسُبُّهُ، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ، فَأَخَذَ قَوْسَهُ وَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلَى حَلْقَةِ قُرَيْشٍ الَّتِي فِيهَا أَبُو جَهْلٍ، فَاتَّكَأَ عَلَى قَوْسِهِ مُقَابِلَ أَبِي جَهْلٍ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَعَرَفَ أَبُو جَهْلِ الشَّرِّ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عِمَارَةَ؟ فَرَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَ بِهَا أَخْدَعَيْهِ فَقَطَعَهُ، فَسَالَتِ الدِّمَاءُ، فَأَصْلَحَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَخَافَةَ الشَّرِّ، قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفٍ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ الْمَخْزُومِيِّ، فَانْطَلَقَ حَمْزَةُ فَأَسْلَمَ. وَخَرَجْتُ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ; فَإِذَا فُلَانٌ الْمَخْزُومِيُّ، فَقُلْتُ: أَرَغِبْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ.. فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْكَ حَقًّا مِنِّي. قُلْتُ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: أُخْتُكَ وَخَتَنُكَ، فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ هَمْهَمَةً، فَدَخَلْتُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَمَا زَالَ الْكَلَامُ بَيْنَنَا حَتَّى أَخَذْتُ بِرَأْسِ خَتَنِي فَضَرَبْتُهُ وَأَدْمَيْتُهُ، فَقَامَتْ إِلَيَّ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي وَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ. فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ، فَجَلَسْتُ وَقُلْتُ: أَرُونِي هَذَا الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقُمْتُ فَاغْتَسَلْتُ، فَأَخْرَجُوا إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) فَقُلْتُ: أَسْمَاءٌ طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ: طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَى قَوْلِهِ: لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى قَالَ: فَتَعَظَّمَتْ فِي صَدْرِي وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا فَرَّتْ قُرَيْشٌ؟ ! فَأَسْلَمْتُ، وَقُلْتُ: أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: فَإِنَّهُ فِي دَارِ الْأَرْقَمِ. فَأَتَيْتُ فَضَرَبْتُ الْبَابَ، فَاسْتَجْمَعَ الْقَوْمُ، فَقَالَ لَهُمْ حَمْزَةُ: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: عُمَرُ، قَالَ: عُمَرُ ؟ افْتَحُوا لَهُ الْبَابَ، فَإِنْ أَقْبَلَ.. قَبِلْنَا مِنْهُ، وَإِنْ أَدْبَرَ.. قَتَلْنَاهُ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ، فَتَشَهَّدَ عُمَرُ، فَكَبَّرَ أَهْلُ الدَّارِ تَكْبِيرَةً سَمِعَهَا أَهْلُ مَكَّةَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ; أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ قَالَ: «بَلَى»، قُلْتُ: فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ فَخَرَجْنَا صَفَّيْنِ: أَنَا فِي أَحَدِهِمَا، وَحَمْزَةُ فِي الْآخَرِ ; حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَنَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَيَّ وَإِلَى حَمْزَةَ فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ شَدِيدَةٌ فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَارُوقَ يَوْمَئِذٍ ; وَفَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ ذَكْوَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَنْ سَمَّى عُمَرَ الْفَارُوقَ؟ قَالَتِ: (النَّبِيُّ ﷺ ). وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: (لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ.. نَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ; لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلَامِ عُمَرَ). وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: (لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ.. قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ الْقَوْمُ الْيَوْمَ مِنَّا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ قَالَ: (مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ قَالَ: (كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَامَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُصَلِّيَ فِي الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا فَصَلَّيْنَا). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ عَنْ حُذَيْفَةَ: قَالَ: (لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ.. كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُقْبِلِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا قُرْبًا، فَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ.. كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُدْبِرِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُعْدًا). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْإِسْلَامِ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ). إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: (لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ ؓ.. ظَهَرَ الْإِسْلَامُ، وَدَعَا إِلَيْهِ عَلَانِيَةً، وَجَلَسْنَا حَوْلَ الْبَيْتِ حِلَقًا، وَطُفْنَا بِالْبَيْتِ، وَانْتَصَفْنَا مِمَّنْ غَلُظَ عَلَيْنَا، وَرَدَدْنَا عَلَيْهِ بَعْضَ مَا يَأْتِي بِهِ). قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَسْلَمَ عُمَرُ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ.
التاريخ 1958لا حكم مسجّل
هِجْرَة عمر ؓ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (مَا عَلِمْتُ أَحَدًا هَاجَرَ إِلَّا مُخْتَفِيًا إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالْهِجْرَةِ.. تَقَلَّدَ سَيْفَهُ، وَتَنَكَّبَ قَوْسَهُ وَانْتَضَى فِي يَدِهِ أَسْهُمًا، وَأَتَى الْكَعْبَةَ وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ بِفَنَائِهَا، فَطَافَ سَبْعًا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَتَى حِلَقَهُمْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكَلَهُ أُمُّهُ وَيُيَتَّمَ وَلَدُهُ، وَتُرَمَّلَ زَوْجَتُهُ.. فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي، فَمَا تَبِعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ). وَأَخْرَجَ عَنِ الْبَرَاءِ ؓ (قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، ثُمَّ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا، فَقُلْنَا: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ عَلَى أَثَرِي، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ؓ مَعَهُ).
التاريخ 1959لا حكم مسجّل
فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِ عمر أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ.. رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ ; فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ؟ قَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا». فَبَكَى وَقَالَ: عَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ !. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ.. شَرِبْتُ - يَعْنِي اللَّبَنَ - حَتَّى أَنْظُرَ إِلَى الرِّيَّ يَجْرِي فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ نَاوَلْتُهُ عُمَرَ» قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْعِلْمَ». وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؓ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ.. رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ ; فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ». وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ; وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ; مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ.. إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ نَاسٌ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ.. فَإِنَّهُ عُمَرُ » أَيْ مُلْهَمُونَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا وَقَالَ.. إِلَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ.. لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ». [وُضِعَ الْحَقُّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ؓ ] وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُهُ الْحَقُّ عُمَرُ، وَأَوَّلُ مَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ». وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ فِي «مُسْنَدِهِ» عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: (كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ لَا نَشُكُّ أَنَّ السَّكِينَةَ تُنْطَقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ). وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: عُمَرُ سِرَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ». وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَنْ عَمِّهِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذَا غَلَقُ الْفِتْنَةِ» - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ - «لَا يَزَالُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْفِتَنِ بَابٌ شَدِيدُ الْغَلْقِ مَا عَاشَ هَذَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «أَقْرِئْ عُمَرَ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّ غَضَبَهُ عِزٌّ، وَرِضَاهُ حُكْمٌ».
التاريخ 1960لا حكم مسجّل
[فِرَارُ الشَّيَاطِينِ مِنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ؓ ] وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا فِي السَّمَاءِ مَلَكٌ.. إِلَّا وَهُوَ يُوَقِّرُ عُمَرَ، وَلَا فِي الْأَرْضِ شَيْطَانٌ.. إِلَّا وَهُوَ يَفْرَقُ عُمَرَ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « إِنَّ اللَّهَ بَاهَى بِأَهْلِ عَرَفَةَ عَامَّةً، وَبَاهَى بِعُمَرَ خَاصَّةً ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « الْحَقُّ بَعْدِي مَعَ عُمَرَ حَيْثُ كَانَ ». وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ.. رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنٍ، وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَقَى فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ ». قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «تَهْذِيبِهِ»: (قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَكَثْرَةِ الْفُتُوحِ، وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ فِي زَمَنِ عُمَرَ). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَدِيسَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « إِنَّ الشَّيْطَانَ لَمْ يَلْقَ عُمَرَ مُنْذُ أَسْلَمَ.. إِلَّا خَرَّ لِوَجْهِهِ ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « قَالَ لِي جِبْرِيلُ: لِيَبْكِ الْإِسْلَامُ عَلَى مَوْتِ عُمَرَ ».
التاريخ 1961لا حكم مسجّل
أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فِيهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ: ( مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ: مَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ وَقَدْ وَلَّيْتَ عُمَرَ؟ قَالَ: (أَقُولُ لَهُ: وَلَيَّتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ) أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ ؓ: (إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ.. فَحَيْهَلَا بِعُمَرَ، مَا كُنَّا نَبْعُدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تُنْطَقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ». وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ؓ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ حِينِ قُبِضَ أَجَدَّ وَلَا أَجْوَدَ مِنْ عُمَرَ ) أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ؓ: (لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ، وَوُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةِ لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ بِعِلْمِهِمْ، وَلَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ). أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ» وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ ؓ: ( كَأَنَّ عِلْمَ النَّاسِ كَانَ مَدْسُوسًا فِي جُحْرٍ مَعَ عُمَرَ ). وَقَالَ حُذَيْفَةُ: ( وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ إِلَّا عُمَرَ ؓ ). وَقَالَتْ عَائِشَةُ ؓ - وَذَكَرْتُ عُمَرَ -: (كَانَ وَاللَّهِ أَحْوَذِيًّا نَسِيجًا وَحْدَهُ). وَقَالَ مُعَاوِيَةُ ؓ: (أَمَّا أَبُو بَكْرٍ.. فَلَمْ يُرِدِ الدُّنْيَا وَلَمْ تُرِدْهُ، وَأَمَّا عُمَرُ.. فَأَرَادَتْهُ الدُّنْيَا وَلَمْ يُرِدْهَا، وَأَمَّا نَحْنُ.. فَتَمَرَّغْنَا فِيهَا ظَهْرًا لِبَطْنٍ) أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي «الْمُوَفَّقِيَّاتِ». وَقَالَ جَابِرٌ ؓ: (دَخَلَ عَلِيٌّ عَلَى عُمَرَ - وَهُوَ مُسَجًّى -، فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، مَا مِنْ أَحَدٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهُ بِمَا فِي صَحِيفَتِهِ بَعْدَ صُحْبَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ هَذَا الْمُسَجَّى ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: (كَانَ كَالْخَيْرِ كُلِّهِ)، وَسُئِلَ عَنْ عُمَرَ، فَقَالَ: (كَانَ كَالطَّيْرِ الْحَذِرِ الَّذِي يَرَى أَنَّ لَهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ شَوْكًا يَأْخُذُهُ)، وَسُئِلَ عَنْ عَلِيٍّ، فَقَالَ: (مَلِيءٌ عَزْمًا وَحَزْمًا وَعِلْمًا وَنَجْدَةً) أَخْرَجَهُ فِي «الطُّيُورِيَّاتِ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: (كَيْفَ تَجِدُ نَعْتِي؟ قَالَ: أَجِدُ نَعْتَكَ قَرْنًا مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ: وَمَا قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ؟ قَالَ: أَمِيرٌ شَدِيدٌ، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِكَ خَلِيفَةٌ تَقْتُلُهُ فِئَةٌ ظَالِمَةٌ، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ يَكُونُ الْبَلَاءُ). وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ قَالَ: فَضَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ بِأَرْبَعٍ: بِذِكْرِالْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ ; أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الْآيَةَ. وَبِذِكْرِ الْحِجَابِ، أَمَرَ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَقَالَتْ لَهُ زَيْنَبُ: وَإِنَّكَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا الْآيَةَ. وَبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ ; أَيِّدِ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ»، وَبِرَأْيِهِ فِي أَبِي بَكْرٍ ; كَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ( كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ مُصَفَّدَةً فِي إِمَارَةِ عُمَرَ، فَلَمَّا أُصِيبَ.. بُثَّتْ ). وَأَخْرَجَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ( أَبْطَأَ خَبَرُ عُمَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَأَتَى امْرَأَةً فِي بَطْنِهَا شَيْطَانٌ، فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ: حَتَّى يَجِيءَ شَيْطَانِي، فَجَاءَ فَسَأَلْتُهُ عَنْهُ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ، مُؤْتَزِرًا بِكِسَاءٍ يَهْنَأُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، وَذَاكَ رَجُلٌ لَا يَرَاهُ شَيْطَانٌ.. إِلَّا خَرَّ لِمِنْخَرَيْهِ، الْمَلَكُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَرُوحُ الْقُدُسِ يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ.
التاريخ 1962لا حكم مسجّل
مُوَافَقَاتِ عُمَرَ ؓ قَدْ وَصَّلَهَا بَعْضُهُمْ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ. أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (إِنَّ فِي الْقُرْآنِ لَرَأْيًا مِنْ رَأْيِ عُمَرَ ). وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: « مَا قَالَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ وَقَالَ فِيهِ عُمَرُ.. إِلَّا جَاءَ الْقُرْآنُ بِنَحْوِ مَا يَقُولُ عُمَرُ ». [وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ] 1 - 3 - وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: (وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ; لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، فَنَزَلَتْ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ; يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ). 5 - وَفِي «التَّهْذِيبِ» لِلْمِزِّيِّ: (نَزَلَ الْقُرْآنُ بِمُوَافَقَتِهِ: فِي أَسْرَى بَدْرٍ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ). فَزَادَ خَصْلَةً خَامِسَةً، وَحَدِيثُهَا فِي «السُّنَنِ» وَ «مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ » أَنَّهُ قَالَ: (اللَّهُمَّ ; بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا). [وَافَقْتُ رَبِّي فِي أَرْبَعٍ] 6 - وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (وَافَقْتُ رَبِّي فِي أَرْبَعٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الْآيَةَ. فَلَمَّا نَزَلَتْ قُلْتُ أَنَا: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، فَنَزَلَتْ: فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. موافقة عمر في قصة عبد الله بن أبي [مُوَافَقَتُهُ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ] ثُمَّ رَأَيْتُ فِي كِتَابِ «فَضَائِلِ الْإِمَامَيْنِ» لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: وَافَقَ عُمَرُ رَبَّهُ فِي أَحَدٍ وَعِشْرِينَ مَوْضِعًا، فَذَكَرَ هَذِهِ السِّتَّةَ وَزَادَ: 7 - قِصَّةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، قُلْتُ: حَدِيثُهَا فِي «الصَّحِيحِ» عَنْهُ قَالَ: (لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ.. دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ، فَقُمْتُ حَتَّى وَقَفْتُ فِي صَدْرِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ; أَوَعَلَى عَدُوِّ اللَّهِ ابْنِ أُبَيٍّ الْقَائِلِ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا؟ ! فَوَاللَّهِ ; مَا كَانَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَزَلَتْ: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا الْآيَةَ.. - لَمَّا اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ.. قَالَ عُمَرُ: مَنْ زَوَّجَكَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «اللَّهُ» قَالَ: أَفَتَظُنُّ أَنَّ رَبَّكَ دَلَّسَ عَلَيْكَ فِيهَا؟ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ. قصة عمر في الصيام لما جامع زوجته بعد الانتباه 13 - قِصَّتُهُ فِي الصِّيَامِ لَمَّا جَامَعَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَنَزَلَ: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الْآيَةَ.. 14 - قَوْلُهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الْآيَةَ.. أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ يَهُودِيًّا لَقِيَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ الَّذِي يَذْكُرُ صَاحِبُكُمْ عَدُوٌّ لَنَا، فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، فَنَزَلَتْ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ. 15 - قَوْلُهُ تَعَالَى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الْآيَةَ. قُلْتُ: أَخْرَجَ قِصَّتَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَتَيَا إِلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: قَضَى لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: أَكَذَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: مَكَانَكُمَا حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكُمَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا مُشْتَمِلًا عَلَى سَيْفِهِ فَضَرَبَ الَّذِي قَالَ: رُدَّنَا إِلَى عُمَرَ، فَقَتَلَهُ، وَأَدْبَرَ الْآخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ; قَتَلَ عُمَرُ وَاللَّهِ صَاحِبِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يَجْتَرِئَ عُمَرُ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الْآيَةَ. فَأَهْدَرَ دَمَ الرَّجُلِ، وَبُرِّئَ عُمَرُ مِنْ قَتْلِهِ. وَلَهُ شَاهِدٌ مَوْصُولٌ أَوْرَدْتُهُ فِي «التَّفْسِيرِ الْمُسْنَدِ». 16 - الِاسْتِئْذَانُ فِي الدُّخُولِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ غُلَامُهُ وَكَانَ نَائِمًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ حَرِّمِ الدُّخُولَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الِاسْتِئْذَانِ. 17 - قَوْلُهُ فِي الْيَهُودِ: (إِنَّهُمْ قَوْمٌ بُهُتٌ). 18 - قَوْلُهُ تَعَالَى: ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ. 19 - رَفْعُ تِلَاوَةِ (الشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا...) الْآيَةَ. 20 - قَوْلُهُ يَوْمَ أُحُدٍ لَمَّا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَفِي الْقَوْمِ فُلَانٌ؟: (أَلَا نُجِيبُهُ؟) فَوَافَقَهُ ﷺ ﷺ. قُلْتُ: أَخْرَجَ قِصَّتَهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ». قَالَ: وَيَضُمُّ إِلَى هَذَا مَا أَخْرَجَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِ: «الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ» مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: (وَيْلٌ لِمَلِكِ الْأَرْضِ مِنْ مَلِكِ السَّمَاءِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِلَّا مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ، فَقَالَ كَعْبٌ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ; إِنَّهَا فِي التَّوْرَاةِ لَتَابَعْتُهَا، فَخَرَّ عُمَرُ سَاجِدًا). ثُمَّ رَأَيْتُ فِي «الْكَامِلِ» لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَقُولُ - إِذَا أَذَّنَ -: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قُلْ فِي أَثَرِهَا: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قُلْ كَمَا قَالَ عُمَرُ ».
التاريخ 1963لا حكم مسجّل
كَرَامَاتِ عُمَرَ [يَا سَارِيَةَ الْجَبَلَ] وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (كَانَ عُمَرُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَعَرَضَ فِي خُطْبَتِهِ أَنْ قَالَ: يَا سَارِيَةُ ; الْجَبَلَ، مَنِ اسْتَرْعَى الذِّئْبَ... ظَلَمَ، فَالْتَفَتَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ: لَيَخْرُجَنَّ مِمَّا قَالَ، فَلَمَّا فَرَغَ... سَأَلُوهُ، فَقَالَ: وَقَعَ فِي خَلَدِي أَنَّ الْمُشْرِكِينَ هَزَمُوا إِخْوَانَنَا، وَإِنَّهُمْ يَمُرُّونَ بِجَبَلٍ، فَإِنْ عَدَلُوا إِلَيْهِ.. قَاتَلُوا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ جَازُوا.. هَلَكُوا، فَخَرَجَ مِنِّي مَا تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ سَمِعْتُمُوهُ، قَالَ: فَجَاءَ الْبَشِيرُ بَعْدَ شَهْرٍ، فَذَكَرَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا صَوْتَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَ: فَعَدَلْنَا إِلَى الْجَبَلِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا). أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا [أَدْرِكْ أَهْلَكَ فَقَدِ احْتَرَقُوا] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَجُلٍ: مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: جَمْرَةُ، قَالَ: ابْنُ مَنْ؟ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنَ الْحُرَقَةِ، قَالَ: أَيْنَ مَسْكَنُكَ؟ قَالَ الْحَرَّةُ، قَالَ بِأَيِّهَا؟ قَالَ: بِذَاتِ لَظَى، فَقَالَ عُمَرُ: أَدْرِكْ أَهْلَكَ ; فَقَدِ احْتَرَقُوا، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَوَجَدَ أَهْلَهُ قَدِ احْتَرَقُوا). رِسَالَةُ سَيِّدِنَا عُمَرَ ؓ إِلَى نِيلِ مِصْرَ [رِسَالَةُ سَيِّدِنَا عُمَرَ ؓ إِلَى نِيلِ مِصْرَ] عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: (لَمَّا فُتِحَتْ مِصْرُ... أُتِيَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي حِينَ دَخَلَ يَوْمٌ مِنْ أَشْهُرِ الْعَجَمِ، فَقَالُوا: أَيُّهَا الْأَمِيرُ ; إِنَّ لِنِيلِنَا هَذَا سُنَّةً لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا، قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ إِحْدَى عَشْرَةَ لَيْلَةً تَخْلُو مِنْ هَذَا الشَّهْرِ.. عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ بَيْنَ أَبَوَيْهَا، فَأَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَجَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَبَدًا فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، فَأَقَامُوا وَالنِّيلُ لَا يَجْرِي قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا حَتَّى هَمُّوا بِالْجَلَاءِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمْرٌو.. كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ. فَكَتَبَ لَهُ: أَنْ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَبَعَثَ بِطَاقَةً فِي دَاخِلِ كِتَابِهِ، وَكَتَبَ إِلَى عَمْرٍو: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِبِطَاقَةٍ فِي دَاخِلِ كِتَابِي فَأَلْقِهَا فِي النِّيلِ، فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُ عُمَرَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي.. أَخَذَ الْبِطَاقَةَ، فَفَتَحَهَا ; فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ أَهْلِ مِصْرَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنْ كُنْتَ تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ.. فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ يُجْرِيكَ.. فَأَسْأَلُ اللَّهَ الْوَاحِدَ الْقَهَّارَ أَنْ يُجْرِيَكَ. فَأَلْقَى الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ قَبْلَ الصَّلِيبِ بِيَوْمٍ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السُّنَّةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْيَوْمِ). كَشْفُ عمر الْكَذِبَ، وَدُعَاؤُهُ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ [كَشْفُهُ الْكَذِبَ، وَدُعَاؤُهُ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ] وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: (إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُحَدِّثُ عُمَرَ الْحَدِيثَ فَيَكْذِبُهُ الْكِذْبَةَ فَيَقُولُ: احْبِسْ هَذِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ: احْبِسْ هَذِهِ، فَيَقُولُ لَهُ: كُلُّ مَا حَدَّثْتُكَ حَقٌّ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي أَنْ أَحْبِسَهُ). وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنْ أَبِي عَذَبَةَ الْحِمْصِيِّ قَالَ: أَخْبَرَ عُمَرُ: (أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ حَصَبُوا أَمِيرَهُمْ، فَخَرَجَ غَضْبَانَ، فَصَلَّى فَسَهَا فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ ; إِنَّهُمْ قَدْ لَبَّسُوا عَلَيَّ فَالْبِسْ عَلَيْهِمْ، وَعَجِّلْ عَلَيْهِمْ بِالْغُلَامِ الثَّقَفِيِّ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْجَاهِلِيَّةِ: لَا يَقْبَلُ مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْ مُسِيئِهِمْ). قُلْتُ: أَشَارَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ، قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: (وَمَا وُلِدَ الْحَجَّاجُ يَوْمَئِذٍ).
التاريخ 1964لا حكم مسجّل
أَوَّلِيَّاتِ عُمَرَ قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: (هُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَتَبَ التَّارِيخَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَسَّ بِاللَّيْلِ، وَأَوَّلُ مَنْ عَاقَبَ عَلَى الْهِجَاءِ، وَأَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ حَرَّمَ الْمُتْعَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْ بَيْعِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ، وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ فِي صَلَاةِ الْجَنَائِزِ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الدِّيوَانَ، وَأَوَّلُ مَنْ فَتَحَ الْفُتُوحَ وَمَسَحَ السَّوَادَ، وَأَوَّلُ مَنْ حَمَلَ الطَّعَامَ مِنْ مِصْرَ فِي بَحْرِ أَيْلَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَوَّلُ مَنِ احْتَبَسَ صَدَقَةً فِي الْإِسْلَامِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَعَالَ الْفَرَائِضَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَخَذَ زَكَاةَ الْخَيْلِ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ: «أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ»، قَالَهُ لَعَلِيٍّ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ: «أَيَّدَكَ اللَّهُ» قَالَهُ لِعَلِيٍّ). هَذَا آخِرُ مَا ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيُّ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «تَهْذِيبِهِ»: (هُوَ أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الدَّرَّةَ)، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ» قَالَ: وَلَقَدْ قِيلَ بَعْدَهُ: لَدَرَّةُ عُمَرَ أَهْيَبُ مِنْ سَيْفِكُمْ. قَالَ: (وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اسْتَقْضَى الْقَضَاةَ فِي الْأَمْصَارِ، وَأَوَّلُ مَنْ مَصَّرَ الْأَمْصَارَ: الْكُوفَةُ، وَالْبَصْرَةُ، وَالْجَزِيرَةُ، وَالشَّامُ، وَمِصْرُ، وَالْمَوْصِلُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْمَسَاجِدِ فِي رَمَضَانَ وَفِيهَا الْقَنَادِيلُ فَقَالَ: (نَوَّرَ اللَّهُ عَلَى عُمَرَ فِي قَبْرِهِ كَمَا نَوَّرَ عَلَيْنَا مَسَاجِدِنَا). قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى إِمَامٍ يُصَلِّي بِهِمُ التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَكَتَبَ بِهِ إِلَى الْبُلْدَانِ وَأَمَرَهُمْ بِهِ
التاريخ 1965لا حكم مسجّل
[ أَعْمَالِهِ ؓ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: (اتَّخَذَ عُمَرُ دَارَ الدَّقِيقِ، فَجَعَلَ فِيهَا الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ، وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ، وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ؛ يُعِينُ بِهِ الْمُنْقَطِعَ، وَوَضَعَ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بِالطَّرِيقِ مَا يُصْلِحُ مَنْ يَنْقَطِعُ بِهِ، وَهَدَمَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ وَزَادَ فِيهِ، وَوَسَّعَهُ وَفَرَشَهُ بِالْحَصْبَاءِ، وَهُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الْيَهُودَ مِنَ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ، وَأَخْرَجَ أَهْلَ نَجْرَانَ إِلَى الْكُوفَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَخَّرَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ).
التاريخ 1966لا حكم مسجّل
[إِنْشَاؤُهُ لِلدِّيوَانِ ؓ وَأُخْرِجَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ اسْتَشَارَ الْمُسْلِمِينَ فِي تَدْوِينِ الدِّيوَانِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: تُقَسِّمُ كُلَّ سَنَةٍ مَا اجْتَمَعَ إِلَيْكَ مِنْ مَالٍ وَلَا تُمْسِكْ مِنْهُ شَيْئًا. وَقَالَ عُثْمَانُ: أَرَى مَالًا كَثِيرًا يَسَعُ النَّاسَ، وَإِنْ لَمْ يُحْصُوا حَتَّى تَعْرِفَ مَنْ أَخَذَ مِمَّنْ لَمْ يَأْخُذْ.. خَشِيتُ أَنْ يَنْتَشِرَ الْأَمْرُ. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ قَدْ جِئْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُ مُلُوكَهَا قَدْ دَوَّنُوا دِيوَانًا، وَجَنَّدُوا جُنُودًا فَدَوِّنْ دِيوَانًا، وَجَنِّدْ جُنُودًا. فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ، فَدَعَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَمَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، وَجُبَيْرَ بْنَ مَطْعَمٍ، - وَكَانُوا مِنْ نُسَّابِ قُرَيْشٍ - فَقَالَ: اكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِمْ، فَكَتَبُوا فَبَدَؤُوا بِبَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ أَتْبَعُوهُمْ أَبَا بَكْرٍ وَقَوْمَهُ، ثُمَّ عُمَرَ وَقَوْمَهُ عَلَى الْخِلَافَةِ، فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِ عُمَرُ.. قَالَ: ابْدَؤُوا بِقَرَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ، حَتَّى تَضَعُوا عُمَرَ حَيْثُ وَضَعَهُ اللَّهُ). وَأُخْرِجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: (دُونَ عُمَرَ الدِّيوَانُ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عِشْرِينَ). وَأُخْرِجَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: (كَتَبَ عُمَرُ إِلَى حُذَيْفَةَ: أَنْ أَعْطِ النَّاسَ أُعْطِيَتِهِمْ وَأَرْزَاقَهُمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّا قَدْ فَعَلْنَا وَبَقِيَ شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: إِنَّهُ فَيْئُهُمُ الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لَيْسَ هُوَ لِعُمَرَ وَلَا لِآلِ عُمَرَ، اقْسِمْهُ بَيْنَهُمْ).
التاريخ 1967لا حكم مسجّل
[سِيَاسَتُهُ ؓ مَعَ عُمَّالِهِ وَأُمَرَائِهِ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّ عُمَرَ أَمَرَ عُمَّالَهُ فَكَتَبُوا أَمْوَالَهُمْ؛ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَشَاطَرَهُمْ عُمَرُ أَمْوَالَهُمْ؛ فَأَخَذَ نِصْفًا، وَأَعْطَاهُمْ نِصْفًا). وَأُخْرِجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: (أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ عَامِلًا.. كَتَبَ مَالَهُ). وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ قَالَ: (مَكَثَ عُمَرُ زَمَانًا لَا يَأْكُلُ مِنَ الْمَالِ شَيْئًا حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ خَصَاصَةٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاسْتَشَارَهُمْ فَقَالَ: قَدْ شُغِلَتْ نَفْسِي فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي مِنْهُ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ، فَأَخَذَ بِذَلِكَ عُمَرُ). وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: (أَنَّ عُمَرَ أَنْفَقَ فِي حَجَّتِهِ سِتَّةَ عَشَرَ دِينَارًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ؛ أَسْرَفْنَا فِي هَذَا الْمَالِ).
التاريخ 1968لا حكم مسجّل
[امْرَأَةٌ تَشْكُو زَوْجَهَا وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «مُصَنَّفِهِ» عَنْ قَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ قَالَ: (جَاءَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَحْسَنْتِ الثَّنَاءَ عَلَى زَوْجِكِ، فَقَالَ كَعْبُ بْنُ سَوْرٍ: لَقَدْ شَكَتْ، فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ؟ قَالَ: تَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا مَنْ زَوْجِهَا نَصِيبٌ، قَالَ: فَإِذْ قَدْ فَهِمْتَ ذَلِكَ.. فَاقْضِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعًا؛ فَلَهَا مِنْ كُلِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يَوْمٌ، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِ لَيَالٍ لَيْلَةٌ). قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَأَخَّرَ عَنْهَا زَوْجُهَا [قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَأَخَّرَ عَنْهَا زَوْجُهَا] وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: (أَخْبَرَنِي مَنْ أُصَدِّقُ: أَنَّ عُمَرَ بَيْنَا هُوَ يَطُوفُ سَمِعَ امْرَأَةً تَقُولُ: تَطَاوَلَ هَذَا اللَّيْلُ وَاسْوَدَّ جَانِبُهْ وَأَرَّقَنِي أَنْ لَا حَبِيبَ أُلَاعِبُهْ فَلَوْلَا حَذَارُ اللَّهِ لَا شَيْءَ مِثْلُهُ لَزُعْزِعَ مِنْ هَذَا السَّرِيرِ جَوَانِبُهْ فَقَالَ عُمَرُ: وَمَا لَكِ؟ قَالَتْ: أَغْرَبْتَ زَوْجِي مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَرَدْتِ سُوءًا؟ قَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ! فَقَالَ: فَامْلُكِي عَلَيْكِ نَفْسَكِ، فَإِنَّمَا هُوَ الْبَرِيدُ إِلَيْهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَهَمَّنِي فَأَفْرِجِيهِ عَنِّي؛ فِي كَمْ تَشْتَاقُ الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا؟ فَخَفَضَتْ رَأْسَهَا وَاسْتَحْيَتْ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ؛ وَإِلَّا.. فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَكَتَبَ عُمَرُ: أَلَّا تُحْبَسَ الْجُيُوشُ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ). [رَجُلٌ يَشْكُو لِسَيِّدِنَا عُمَرَ ؓ مَا يَلْقَى مِنَ النِّسَاءِ] وَأُخْرِجَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عُمَرَ يَشْكُو إِلَيْهِ مَا يَلْقَى مِنَ النِّسَاءِ، فَقَالَ عُمَرُ: (إِنَّا لَنَجِدُ ذَلِكَ، حَتَّى إِنِّي لَأُرِيدُ الْحَاجَةَ فَتَقُولُ لِي: مَا تَذْهَبُ إِلَّا إِلَى فَتَيَاتِ بَنِي فُلَانٍ تَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَمَا بَلَغَكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - شَكَا إِلَى اللَّهِ خُلُقَ سَارَّةَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ، فَالْبَسْهَا عَلَى مَا كَانَ فِيهَا، مَا لَمْ تَرَ عَلَيْهَا خَرِبَةً فِي دِينِهَا؟! وَأُخْرِجَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: (دَخَلَ ابْنٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَلَيْهِ وَقَدْ تَرَجَّلَ وَلَبِسَ ثِيَابًا حِسَانًا، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدَّرَّةِ حَتَّى أَبْكَاهُ، فَقَالَتْ لَهُ حَفْصَةُ: لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ قَالَ: رَأَيْتُهُ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُصَغِّرَهَا إِلَيْهِ). وَأُخْرِجَ عَنْ مُعْمَرٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: (لَا تُسَمُّوا الْحَكَمَ وَلَا أَبَا الْحَكَمِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَلَا تُسَمُّوا الطَّرِيقَ السِّكَّةَ). وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الْإِيمَانِ» عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ كَبْشَ أَهْلِي، سَمَّنُونِي مَا بَدَا لَهُمْ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ كَأَسْمَنِ مَا يَكُونُ.. زَارَهُمْ بَعْضُ مَنْ يُحِبُّونَ، فَذَبَحُونِي لَهُمْ، فَجَعَلُوا بَعْضِي شِوَاءً، وَبَعْضِي قَدِيدًا، ثُمَّ أَكَلُونِي، وَلَمْ أَكُنْ بَشَرًا). انزل عن منبر أبي [انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي] وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ: انْزِلْ عَنْ مِنْبَرِ أَبِي، فَقَالَ عُمَرُ: مِنْبَرُ أَبِيكَ لَا مِنْبَرُ أَبِي، مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ فَقَامَ عَلِيٌّ، فَقَالَ: مَا أَمَرَهُ بِهَذَا أَحَدٌ، أَمَا لَأُوجِعَنَّكَ يَا غُدَرُ، فَقَالَ: لَا تُوجِعِ ابْنَ أَخِي، فَقَدْ صَدَقَ، مِنْبَرُ أَبِيهِ). إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ فِي «الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ» مِنْ طَرِيقِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا يَتَنَازَعَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَقُولَ النَّاظِرُ إِلَيْهِمَا: لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا، فَمَا يَفْتَرِقَانِ إِلَّا عَلَى أَحْسَنِهِ وَأَجْمَلِهِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عُمَرُ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَمَّا بَعْدُ: فَقَدِ ابْتُلِيتُ بِكُمْ وَابْتُلِيتُمْ بِي، وَخُلِّفْتُ فِيكُمْ بَعْدَ صَاحِبِي، فَمَنْ كَانَ بِحَضْرَتِنَا.. بَاشَرْنَاهُ بِأَنْفُسِنَا، وَمَنْ غَابَ عَنَّا.. وَلَّيْنَاهُ أَهْلَ الْقُوَّةِ وَالْأَمَانَةِ، فَمَنْ يُحْسِنْ نَزِدْهُ حُسْنًا، وَمَنْ يُسِئْ.. نُعَاقِبْهُ، وَيَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ).
التاريخ 1969لا حكم مسجّل
بَعْضِ سِيرَتِهِ ووَرَعِهِ وَزُهْدِهِ وَخَوْفِهِ - قَالَ عُمَرُ: إِنَّمَا مَثَلُ الْعَرَبِ مَثَلُ جَمَلٍ أَنِفٍ اتَّبَعَ قَائِدَهُ، فَلْيَنْظُرْ قَائِدُهُ حَيْثُ يَقُودُهُ، فَأَمَّا أَنَا فَوَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَأَحْمِلَنَّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ ! قَالَ نَافِعٌ الْعَيْشِيُّ: دَخَلْتُ حَيْرَ الصَّدَقَةِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: فَجَلَسَ عُثْمَانُ فِي الظِّلِّ يَكْتُبُ، وَقَامَ عَلِيٌّ عَلَى رَأْسِهِ يُمْلِي عَلَيْهِ مَا يَقُولُ عُمَرُ، وَعُمَرُ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الْحَرِّ عَلَيْهِ بُرْدَانِ أَسْوَدَانِ اتَّزَرَ بِأَحَدِهِمَا وَلَفَّ الْآخَرَ عَلَى رَأْسِهِ، يَعُدُّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ، يَكْتُبُ أَلْوَانَهَا وَأَسْنَانَهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ: فِي كِتَابِ اللَّهِ ( يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ). ثُمَّ أَشَارَ عَلِيٌّ بِيَدِهِ إِلَى عُمَرَ وَقَالَ: هَذَا الْقَوِيُّ الْأَمِينُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: رَأَيْتُ عُمَرَ أَخَذَ بِتِبْنَةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي هَذِهِ التِّبْنَةُ، يَا لَيْتَنِي لَمْ أَكُ شَيْئًا، يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. وَقَالَ الْحَسَنُ: قَالَ عُمَرُ: لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَسِيرَنَّ فِي الرَّعِيَّةِ حَوْلًا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ لِلنَّاسِ حَوَائِجَ تُقْطَعُ دُونِي، أَمَّا عُمَّالُهُمْ فَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَيَّ، وَأَمَّا هُمْ فَلَا يَصِلُونَ إِلَيَّ، فَأَسِيرُ إِلَى الشَّامِ فَأُقِيمُ شَهْرَيْنِ، وَبِالْجَزِيرَةِ شَهْرَيْنِ، وَبِمِصْرَ شَهْرَيْنِ، وَبِالْبَحْرَيْنِ شَهْرَيْنِ، وَبِالْكُوفَةِ شَهْرَيْنِ، وَبِالْبَصْرَةِ شَهْرَيْنِ، وَاللَّهِ لَنِعْمَ الْحَوْلُ هَذَا ! وَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْبَارِ لَهُ بَصَرٌ بِالدِّيوَانِ لَوِ اتَّخَذْتَهُ كَاتِبًا. فَقَالَ: لَقَدِ اتَّخَذْتُ إِذَنْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ. قِيلَ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالْحَقِّ لَوْ أَنَّ جَمَلًا هَلَكَ ضَيَاعًا بِشَطِّ الْفُرَاتِ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ. وَقَالَ أَبُو فِرَاسٍ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي مَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ عُمَّالًا لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، وَإِنَّمَا أُرْسِلُهُمْ إِلَيْكُمْ لِيُعَلِّمُوكُمْ دِينَكُمْ وَسُنَّتَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ شَيْءٌ سِوَى ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ، فَوَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ. فَوَثَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَرَأَيْتَكَ إِنْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ [ أُمَرَاءِ ] الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَعِيَّةٍ، فَأَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ إِنَّكَ لَتُقِصُّهُ مِنْهُ ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ إِذَنْ لَأُقِصَّنَّهُ مِنْهُ، وَكَيْفَ لَا أُقِصُّهُ مِنْهُ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقِصُّ مِنْ نَفْسِهِ ! أَلَا لَا تَضْرِبُوا الْمُسْلِمِينَ فَتُذِلُّوهُمْ، وَلَا تَحْمَدُوهُمْ فَتَفْتِنُوهُمْ، وَلَا تَمْنَعُوهُمْ حُقُوقَهُمْ فَتُكَفِّرُوهُمْ، وَلَا تُنْزِلُوهُمُ الْغِيَاضَ فَتُضَيِّعُوهُمْ. قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَهُوَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ لَيْلًا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ ؟ قَالَ: رُفْقَةٌ نَزَلَتْ فِي نَاحِيَةِ السُّوقِ خَشِيتُ عَلَيْهِمْ سُرَّاقَ الْمَدِينَةِ، فَانْطَلِقْ فَلْنَحْرُسْهُمْ. فَأَتَيَا السُّوقَ فَقَعَدَا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ يَتَحَدَّثَانِ، فَرُفِعَ لَهُمَا مِصْبَاحٌ فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ أَنْهَ عَنِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ النَّوْمِ ؟ فَانْطَلَقَا فَإِذَا قَوْمٌ عَلَى شَرَابٍ لَهُمْ. قَالَ: انْطَلِقْ فَقَدْ عَرَفْتُهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَالَ: يَا فُلَانُ كُنْتَ وَأَصْحَابُكَ الْبَارِحَةَ عَلَى شَرَابٍ ! قَالَ: وَمَا أَعْلَمَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: شَيْءٌ شَهِدْتُهُ. قَالَ: أَوَلَمْ يَنْهَكَ اللَّهُ عَنِ التَّجَسُّسِ ؟ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ. وَإِنَّمَا نَهَى عُمَرُ عَنِ الْمَصَابِيحِ لِأَنَّ الْفَأْرَةَ تَأْخُذُ الْفَتِيلَةَ فَتَرْمِي بِهَا فِي سَقْفِ الْبَيْتِ فَتُحْرِقُهُ، وَكَانَتِ السُّقُوفُ مِنْ جَرِيدٍ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ قَبْلَهُ. قصة عمر والأطفال الجياع وَقَالَ أَسْلَمُ: وَخَرَجَ عُمَرُ إِلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ وَأَنَا مَعَهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِصِرَارٍ إِذَا نَارٌ تَسَعَّرُ. فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِمْ. فَهَرْوَلْنَا حَتَّى دَنَوْنَا مِنْهُمْ، فَإِذَا بِامْرَأَةٍ مَعَهَا صِبْيَانٌ لَهَا وَقِدْرٌ مَنْصُوبَةٌ عَلَى نَارٍ وَصِبْيَانُهَا يَتَضَاغَوْنَ. فَقَالَ عُمَرُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَصْحَابَ الضَّوْءِ. وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ: يَا أَصْحَابَ النَّارِ. قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ. قَالَ: أَدْنُوا ؟ قَالَتْ: ادْنُ بِخَيْرٍ أَوْ دَعْ. فَدَنَا فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ ؟ قَالَتْ: قَصَّرَ بِنَا اللَّيْلُ وَالْبَرْدُ. قَالَ: فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَةِ يَتَضَاغَوْنَ ؟ قَالَتْ: [ مِنْ ] الْجُوعِ. قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْقِدْرِ ؟ قَالَتْ: مَا لِي مَا أُسْكِتُهُمْ حَتَّى يَنَامُوا، فَأَنَا أُعَلِّلُهُمْ وَأُوهِمُهُمْ أَنِّي أُصْلِحُ لَهُمْ شَيْئًا حَتَّى يَنَامُوا، اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عُمَرَ ! قَالَ: أَيْ رَحِمَكِ اللَّهُ، مَا يُدْرِي بِكُمْ عُمَرَ ؟ قَالَتْ: يَتَوَلَّى أَمْرَنَا وَيَغْفُلُ عَنَّا. فَأَقْبَلَ عَلَيَّ وَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا. فَخَرَجْنَا نُهَرْوِلُ حَتَّى أَتَيْنَا دَارَ الدَّقِيقِ، فَأَخْرَجَ عِدْلًا فِيهِ كُبَّةُ شَحْمٍ فَقَالَ: احْمِلْهُ عَلَى ظَهْرِي. قَالَ أَسْلَمُ: فَقُلْتُ: أَنَا أَحْمِلُهُ عَنْكَ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. فَقَالَ آخِرَ ذَلِكَ: أَنْتَ تَحْمِلُ عَنِّي وِزْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا أُمَّ لَكَ ! فَحَمَلْتُهُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ نُهَرْوِلُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا، فَأَلْقَى ذَلِكَ عِنْدَهَا وَأَخْرَجَ مِنَ الدَّقِيقِ شَيْئًا فَجَعَلَ يَقُولُ لَهَا: ذُرِّي عَلَيَّ وَأَنَا أُحَرِّكُ لَكِ، وَجَعَلَ يَنْفُخُ تَحْتَ الْقِدْرِ، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى الدُّخَانِ مِنْ خَلَلِ لِحْيَتِهِ حَتَّى أَنْضَجَ ثُمَّ أَنْزَلَ الْقِدْرَ، فَأَتَتْهُ بِصَحْفَةٍ فَأَفْرَغَهَا فِيهَا ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمِيهِمْ وَأَنَا أُسَطِّحُ لَكِ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَلَّى عِنْدَهَا فَضْلَ ذَلِكَ، وَقَامَ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَتْ تَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، أَنْتَ أَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ! فَيَقُولُ: قُولِي خَيْرًا، فَإِنَّكِ إِذَا جِئْتِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَجَدْتِنِي هُنَاكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - ! ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا وَرَبَضَ لَا يُكَلِّمُنِي حَتَّى رَأَى الصِّبْيَةَ يَضْحَكُونَ وَيَصْطَرِعُونَ، ثُمَّ نَامُوا وَهَدَأُوا، فَقَامَ وَهُوَ يَحْمَدُ اللَّهَ، فَقَالَ: يَا أَسْلَمُ، الْجُوعُ أَسْهَرَهُمْ وَأَبْكَاهُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَنْصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيْتُ مِنْهُمْ. قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: كَانَ عُمَرُ إِذَا نَهَى النَّاسَ عَنْ شَيْءٍ جَمَعَ أَهْلَهُ فَقَالَ: إِنِّي نَهَيْتُ النَّاسَ عَنْ كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَيْكُمْ نَظَرَ الطَّيْرِ إِلَى اللَّحْمِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أَجِدُ أَحَدًا [ مِنْكُمْ ] فَعَلَهُ إِلَّا أَضْعَفْتُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ. قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ: وَكَانَ عُمَرُ إِذَا احْتَاجَ أَتَى صَاحِبَ بَيْتِ الْمَالِ فَاسْتَقْرَضَهُ، فَرُبَّمَا أَعْسَرَ فَيَأْتِيهِ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ يَتَقَاضَاهُ، فَيَلْزَمُهُ فَيَحْتَالُ لَهُ عُمَرُ، وَرُبَّمَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ فَقَضَاهُ. الفرق بين الخليفة والملك [الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالْمَلِكِ] وَأُخْرِجَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (وَاللَّهِ؛ مَا أَدْرِي أَخَلِيفَةٌ أَنَا أَمْ مَلِكٌ؛ فَإِنْ كُنْتُ مَلِكًا.. فَهَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ). فَقَالَ قَائِلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، قَالَ: (مَا هُوَ؟)، قَالَ: الْخَلِيفَةُ لَا يَأْخُذُ إِلَّا حَقًّا، وَلَا يَضَعُهُ إِلَّا فِي حَقٍّ، وَأَنْتَ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَالْمَلِكُ يَعْسِفُ النَّاسَ؛ فَيَأْخُذُ مِنْ هَذَا وَيُعْطِي هَذَا. فَسَكَتَ عُمَرُ. وَأُخْرِجَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ قَالَ: (رَكِبَ عُمَرُ فَرَسًا، فَانْكَشَفَ ثَوْبُهُ عَنْ فَخْذِهِ، فَرَأَى أَهْلُ نَجْرَانَ بِفَخْذِهِ شَامَةً سَوْدَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا الَّذِي نَجِدُ فِي كِتَابِنَا أَنَّهُ يُخْرِجُنَا مِنْ أَرْضِنَا). وَأُخْرِجَ عَنْ سَعْدٍ الْجَارِي: أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ لِعُمَرَ: (إِنَّا لَنَجِدُكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ تَمْنَعُ النَّاسَ أَنْ يَقَعُوا فِيهَا، فَإِذَا مُتَّ.. لَمْ يَزَالُوا يُقْتَحَمُونَ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْيَاخُنَا: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: (إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِالشِّدَّةِ الَّتِي لَا جَبْرِيَّةَ فِيهَا، وَبِاللِّينِ الَّذِي لَا وَهَنَ فِيهِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «الْمُصَنَّفِ» عَنْ حَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (أَلَا لَا يَجْلِدَنَّ أَمِيرُ جَيْشٍ وَلَا سَرِيَّةٍ أَحَدًا الْحَدَّ حَتَّى يَطَّلِعَ الدَّرْبَ؛ لِئَلَّا تَحْمِلَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ أَنْ يَلْحَقَ بِالْكُفَّارِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (كَتَبَ قَيْصَرُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ رُسُلِي أَتَتْنِي مِنْ قِبَلِكَ، فَزَعَمَتْ أَنَّ قِبَلَكُمْ شَجَرَةً لَيْسَتْ بِخَلِيقَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ، تُخْرِجُ مِثْلَ آذَانِ الْحَمِيرِ، ثُمَّ تَشَقَّقُ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ، ثُمَّ تَخْضَرُّ فَتَكُونُ مِثْلَ الزُّمُرُّدِ الْأَخْضَرِ، ثُمَّ تَحْمَرُّ فَتَكُونُ كَالْيَاقُوتِ الْأَحْمَرِ، ثُمَّ تَيْنَعُ فَتَنْضَجُ فَتَكُونُ كَأَطْيَبِ فَالَوْذَجٍ أُكِلَ، ثُمَّ تَيْبَسُ فَتَكُونُ عِصْمَةً لِلْمُقِيمِ، وَزَادًا لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ تَكُنْ رُسُلِي صَدَقَتْنِي.. فَلَا أَدْرِي هَذِهِ الشَّجَرَةُ إِلَّا مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ: إِنَّ رُسُلَكَ قَدْ صَدَقُوكَ، هَذِهِ الشَّجَرَةُ عِنْدَنَا هِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي أَنْبَتَهَا اللَّهُ عَلَى مَرْيَمَ حِينَ نَفَسَتْ بِعِيسَى ابْنِهَا، فَاتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَتَّخِذْ عِيسَى إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَـ { إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ } الْآيَةَ.. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةُ: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ حَنْتَمَةَ ! لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَامَ الرَّمَادَةِ وَإِنَّهُ لَيَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ جِرَابَيْنِ وَعُكَّةَ زَيْتٍ فِي يَدِهِ، وَإِنَّهُ لَيَعْتَقِبُ هُوَ وَأَسْلَمُ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: مِنْ أَيْنَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قُلْتُ: قَرِيبًا، فَأَخَذْتُ أَعْقُبُهُ فَحَمَلْنَاهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى صِرَارٍ، فَإِذَا نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ بَيْتًا مِنْ مُحَارِبٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا أَقْدَمَكُمْ ؟ قَالُوا: الْجَهْدُ، وَأَخْرَجُوا لَنَا جِلْدَ الْمَيْتَةِ مَشْوِيًّا كَانُوا يَأْكُلُونَهُ، وَرِمَّةَ الْعِظَامِ مَسْحُوقَةً كَانُوا يَسْتَفُّونَهَا، فَرَأَيْتُ عُمَرَ طَرَحَ رِدَاءَهُ ثُمَّ اتَّزَرَ، فَمَا زَالَ يَطْبُخُ حَتَّى أَشْبَعَهُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ أَسْلَمَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَاءَنَا بِأَبْعِرَةٍ، فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهَا حَتَّى أَنْزَلَهُمُ الْجَبَّانَةَ، ثُمَّ كَسَاهُمْ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى غَيْرِهِمْ حَتَّى رَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ: رَأَتِ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ فِتْيَانًا يَقْصِدُونَ فِي الْمَشْيِ وَيَتَكَلَّمُونَ رُوَيْدًا فَقَالَتْ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: نُسَّاكٌ، فَقَالَتْ: كَانَ وَاللَّهِ عُمَرُ إِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ، وَإِذَا مَشَى أَسْرَعَ، وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ، وَهُوَ وَاللَّهِ نَاسِكٌ حَقًا. قَالَ الْحَسَنُ: خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً مِنْهَا أَدَمٌ وَقَالَ عَلِيٌّ: رَأَيْتُ عُمَرَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَعَلَيْهِ إِزَارٌ فِيهِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ رُقْعَةً فِيهَا مِنْ أَدَمٍ. خشية عمر ؓ وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ عُمَرُ يَمُرُّ بِالْآيَةِ مِنْ وِرْدِهِ فَيَسْقُطُ حَتَّى يُعَادَ كَمَا يُعَادُ الْمَرِيضُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ سَمِعَ قَارِئًا يَقْرَأُ ( وَالطَّوْرِ )، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ )، سَقَطَ ثُمَّ تَحَامَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَمَرِضَ شَهْرًا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ عُمَرُ يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ حَيْثُ أَدْرَكَهُ الْخُصُومُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: أَتَى رَهْطٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالُوا لَهُ: كَثُرَ الْعِيَالُ وَاشْتَدَّتِ الْمَؤُونَةُ فَزِدْنَا فِي عَطَائِنَا. قَالَ: فَعَلْتُمُوهَا، جَمَعْتُمْ بَيْنَ الضَّرَائِرِ وَاتَّخَذْتُمُ الْخَدَمَ مِنْ مَالِ اللَّهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي وَإِيَّاكُمْ فِي سَفِينَةٍ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ تَذْهَبُ بِنَا شَرْقًا وَغَرْبًا، فَلَنْيَعْجِزَ النَّاسُ أَنْ يُوَلُّوا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَإِنِ اسْتَقَامَ اتَّبَعُوهُ، وَإِنْ جَنَفَ قَتَلُوهُ. فَقَالَ طَلْحَةُ: وَمَا عَلَيْكَ لَوْ قُلْتَ: وَإِنْ تَعَوَّجَ عَزَلُوهُ ؟ قَالَ: لَا، الْقَتْلُ أَنْكَلُ لِمَنْ بَعْدَهُ، احْذَرُوا فَتَى ابْنِ قُرَيْشٍ وَابْنِ كَرِيمِهَا الَّذِي لَا يَنَامُ إِلَّا عَلَى الرِّضَا، وَيَضْحَكُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ مَنْ فَوْقَهُ وَمَنْ تَحْتَهُ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: وَحَجَّ عُمَرُ فَلَمَّا كَانَ بِضَجْنَانَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْعَلِيُّ الْمُعْطِي مَا شَاءَ مَنْ شَاءَ، كُنْتُ أَرْعَى إِبِلَ الْخَطَّابِ فِي هَذَا الْوَادِي فِي مِدْرَعَةِ صُوفٍ، وَكَانَ فَظًّا يُتْعِبُنِي إِذَا عَمِلْتُ، وَيَضْرِبُنِي إِذَا قَصَّرْتُ، وَقَدْ أَمْسَيْتُ وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ أَحَدٌ، ثُمَّ تَمَثَّلَ: لَا شَيْءَ فِيمَا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ يَبْقَى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ وَالْخُلْدَ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا وَلَا سُلَيْمَانَ إِذْ تَجْرِي الرِّيَاحُ بِهِ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ فِيمَا بَيْنَهَا يَرِدُ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتِي كَانَتْ نَوَافِلُهَا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْهَا رَاكِبٌ يَفِدُ حَوْضًا هُنَالِكَ مَوْرُودًا بِلَا كَذِبٍ لَا بُدَّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا قَالَ أَسْلَمُ: إِنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ اسْتَقْرَضَتْ عُمَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ تَتَّجِرُ فِيهَا وَتَضْمَنُهَا، فَأَقْرَضَهَا، فَخَرَجَتْ فِيهَا إِلَى بِلَادِ كَلْبٍ فَاشْتَرَتْ وَبَاعَتْ، فَبَلَغَهَا أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ وَابْنَهُ عَمْرًا أَتَيَا مُعَاوِيَةَ، فَعَدَلَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ قَدْ طَلَّقَهَا، فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَةُ: مَا أَقْدَمَكِ أَيْ أُمَّهْ ؟ قَالَتْ: النَّظَرُ إِلَيْكَ أَيْ بُنَيَّ، إِنَّهُ عُمَرُ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُ لِلَّهِ وَقَدْ أَتَاكَ أَبُوكَ فَخَشِيتُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَهْلُ ذَلِكَ هُوَ، وَلَا يَعْلَمُ النَّاسُ مِنْ أَيْنَ أَعْطَيْتَهُ فَيُؤَنِّبُوكَ وَيُؤَنِّبُكَ عُمَرُ فَلَا يَسْتَقِيلُهَا أَبَدًا. فَبَعَثَ إِلَى أَبِيهِ وَإِلَى أَخِيهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَكَسَاهُمَا وَحَمَلَهُمَا، فَتَسَخَّطَهَا عَمْرٌو، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا تَسَخَّطْهَا فَإِنَّ هَذَا عَطَاءٌ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ هِنْدٌ، وَرَجَعُوا جَمِيعًا، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِهِنْدٍ: أَرَبِحْتِ ؟ قَالَتْ: اللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا أَتَتِ الْمَدِينَةَ وَبَاعَتْ شَكَتِ الْوَضِيعَةَ، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: لَوْ كَانَ مَالِي لَتَرَكْتُهُ لَكِ، وَلَكِنَّهُ مَالُ الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: بِكَمْ أَجَازَكَ مُعَاوِيَةُ ؟ قَالَ: بِمِائَةِ دِينَارٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فُلَانٌ أَشْعَرُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ فُلَانٌ أَشْعَرُ، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَاءَكُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا، مَنْ أَشْعَرُ الشُّعَرَاءِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى. فَقَالَ: هَلُمَّ مِنْ شِعْرِهِ مَا نَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ. فَقُلْتُ: امْتَدَحَ قَوْمًا مِنْ غَطَفَانَ فَقَالَ: لَوْ كَانَ يَقْعُدُ فَوْقَ الشَّمْسِ مِنْ كَرَمٍ قَوْمٌ لِأَوَّلِهِمْ يَوْمًا إِذَا قَعَدُوا قَوْمٌ أَبُوهُمْ سِنَانٌ حِينَ تَنْسُبُهُمْ طَابُوا وَطَابَ مِنَ الْأَوْلَادِ مَا وَلَدُوا جِنٌّ إِذَا فَزِعُوا إِنْسٌ إِذَا أَمِنُوا مُمَرَّدُونَ بَهَالِيلُ إِذَا جَهِدُوا مُحَسَّدُونَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ نِعَمٍ لَا يَنْزِعُ اللَّهُ مِنْهُمْ مَا لَهُ حُسِدُوا فَقَالَ عُمَرُ: أَحْسَنَ وَاللَّهِ، وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْلَى بِهَذَا الشِّعْرِ مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ; لِفَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَرَابَتِهِمْ مِنْهُ. فَقُلْتُ: وُفِّقْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ تَزَلْ مُوَفَّقًا ! فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَتَدْرِي مَا مَنَعَ قَوْمَكُمْ مِنْهُمْ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجِيبَهُ فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ أَكُنْ أَدْرِي فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْرِينِي ! فَقَالَ عُمَرُ: كَرِهُوا أَنْ يَجْمَعُوا لَكُمُ النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ، فَتَبَجَّحُوا عَلَى قَوْمِكُمْ بَجَحًا بَجَحًا، فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابَتْ وَوُفِّقَتْ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ تَأْذَنْ لِي فِي الْكَلَامِ وَتُمِطْ عَنِّي الْغَضَبَ تَكَلَّمْتُ. قَالَ: تَكَلَّمْ. قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: اخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لِأَنْفُسِهَا فَأَصَابْتَ وَوَفِّقْتَ، فَلَوْ أَنَّ قُرَيْشًا اخْتَارَتْ لِأَنْفُسِهَا حِينَ اخْتَارَ اللَّهُ لَهَا لَكَانَ الصَّوَابُ بِيَدِهَا غَيْرَ مَرْدُودٍ وَلَا مَحْسُودٍ. وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنَّهُمْ أَبَوْا أَنْ تَكُونَ لَنَا النُّبُوَّةُ وَالْخِلَافَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - وَصَفَ قَوْمًا بِالْكَرَاهَةِ فَقَالَ: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ). فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ وَاللَّهِ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، قَدْ كَانَتْ تَبْلُغُنِي عَنْكَ أَشْيَاءُ كُنْتُ أَكْرَهُ أَنْ أُقِرَّكَ عَلَيْهَا فَتُزِيلَ مَنْزِلَتَكَ مِنِّي. فَقُلْتُ: مَا هِيَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَإِنْ كَانَتْ حَقًّا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَ مَنْزِلَتِي مِنْكَ، وَإِنْ كَانَتْ بَاطِلًا فَمِثْلِي أَمَاطَ الْبَاطِلَ عَنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّمَا صَرَفُوهَا عَنْكَ حَسَدًا وَبَغْيًا وَظُلْمًا. فَقُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: ظُلْمًا، فَقَدْ تَبَيَّنَ لِلْجَاهِلِ وَالْحَلِيمِ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: حَسَدًا، فَإِنَّ آدَمَ حُسِدَ وَنَحْنُ وَلَدُهُ الْمُحَسَّدُونَ. فَقَالَ عُمَرُ: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ! أَبَتْ وَاللَّهِ قُلُوبُكُمْ يَا بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا حَسَدًا لَا يَزُولُ. فَقُلْتُ: مَهْلًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَصِفْ قُلُوبَ قَوْمٍ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا بِالْحَسَدِ وَالْغِشِّ، فَإِنَّ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُلُوبِ بَنِي هَاشِمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا ابْنَ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: أَفْعَلُ. فَلَمَّا ذَهَبْتُ لِأَقُومَ اسْتَحْيَا مِنِّي فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَكَانَكَ ! فَوَاللَّهِ إِنِّي لَرَاعٍ لِحَقِّكَ مُحِبٌّ لِمَا سَرَّكَ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ لِي عَلَيْكَ حَقًّا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ حَفِظَهُ فَحَظَّهُ أَصَابَ، وَمَنْ أَضَاعَهُ فَحَظَّهُ أَخْطَأَ. ثُمَّ قَامَ فَمَضَى. وعن سَيْفٌ عَنْ أَشْيَاخِهِ]، قَالُوا: نَزَلَ مَلِكُ الرُّومِ الْقَرْوَ، وَكَاتَبَ عُمَرَ ؓ وَقَارَبَهُ وَسَأَلَهُ عَنْ كَلِمَةٍ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْعِلْمُ كُلُّهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، [وَاكْرَهْ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لَهَا تُجْمَعُ لَكَ الْحِكْمَةُ كُلُّهَا] وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِقَارُورَةٍ: أَنِ امْلَأْ لِي هَذِهِ الْقَارُورَةَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَمَلَأَهَا مَاءً. وَبَعَثَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ إِلَى مَلِكَةِ الرُّومِ بِطِيبٍ وَأَحْفَاشٍ مِنْ أَحْفَاشِ النِّسَاءِ، وَدَسَّتْهُ إِلَى الْبَرِيدِ فَأَبْلَغَهُ لَهَا، فَجَمَعَتِ امْرَأَةُ هِرَقْلَ نِسَاءَهَا وَقَالَتْ: هَذِهِ هَدِيَّةُ امْرَأَةِ مَلِكِ الْعَرَبِ، وَبِنْتِ نَبِيِّهِمْ، فَكَاتِبِيهَا وَكَافِئِيهَا، وَأَهْدَتْ لَهَا فِيمَا أَهْدَتْ عِقْدًا فَاخِرًا، فَلَمَّا جَاءَ بِهِ الْبَرِيدُ أَمَرَهُ عُمَرُ بِإِمْسَاكِهِ، وَدَعَا بِالصَّلَاةِ جَامِعَةً، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي أَمْرٍ أُبْرِمَ مِنْ غَيْرِ شُورَى، فَقُولُوا لِي فِي هَدِيَّةٍ أَهْدَتْهَا أُمُّ كُلْثُومٍ لِامْرَأَةِ مَلِكِ الرُّومِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: هُوَ لَهَا، وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كُنَّا نُهْدِي لِنَسْتَثِيبَ، فَقَالَ: وَلَكِنَّ الرَّسُولَ رَسُولُ الْمُسْلِمِينَ وَالْبَرِيدَ بَرِيدُهُمْ، وَالْمُسْلِمُونَ عَظَّمُوهَا فِي صَدْرِهَا، فَأَمَرَ بِرَدِّهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَرَدَّ عَلَيْهَا بِقَدْرِ نَفَقَتِهَا. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، ] قَالَ: صَحِبْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فِي الْحَجِّ ثُمَّ رَجَعْنَا فَمَا ضَرَبَ فُسْطَاطًا، وَلَا كَانَ لَهُ بِنَاءٌ يَسْتَظِلُّ بِهِ، إِنَّمَا كَانَ يُلْقِي نَطْعًا أَوْ كِسَاءً عَلَى سَحْرِهِ فَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهُ. وعَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، عَنْ أَبِيهِ]، قَالَ: مَكَثَ عُمَرُ زَمَانًا لَا يَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ خَصَاصَةٌ، وَأَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَقَالَ: قَدْ شَغَلْتُ نَفْسِي فِي هَذَا الْأَمْرِ، فَمَا يَصْلُحُ لِي مِنْهُ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ: كُلْ وَأَطْعِمْ، قَالَ: وَقَالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ [بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ]، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: مَا تَقُولُ أَنْتَ فِي ذَلِكَ؟ قَالَ: غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ، قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ بِذَلِكَ. وعَنْ عِيسَى] بْنِ مَعْمَرٍ قَالَ: نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَامَ الرَّمَادَةِ إِلَى بِطِّيخَةٍ فِي يَدِ بَعْضِ وَلَدِهِ، فَقَالَ: بَخٍ بَخٍ يَا ابْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، تَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ هَزْلَى؟ فَخَرَجَ الصَّبِيُّ هَارِبًا وَبَكَى فَأُسْكِتَ عُمَرُ بَعْدَ مَا سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: اشْتَرَاهَا بِكَفٍّ مِنْ نَوًى. وعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي دَبَرَةِ الْبَعِيرِ وَيَقُولُ: إِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ أُسْأَلَ عَمَّا بِكْ. وعن زُهَيْرُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ] ابْنُ عَبَّاسٍ: دَعَانِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ [ ؓ ] فَأَتَيْتُهُ، فَإِذَا بَيْنَ يَدَيْهِ نَطْعٌ عَلَيْهِ الذَّهَبُ مَنْثُورٌ، فَقَالَ: هَلُمَّ فَاقْسِمْ هَذَا بَيْنَ قَوْمِكَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ زَوَى هَذَا عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَأَعْطَانِيهِ لِخَيْرٍ أَعْطَانِيهِ أَمْ لِشَرٍّ. قَالَ: فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَسِّمُهُ، فَسَمِعْتُ الْبُكَاءَ فَإِذَا صَوْتُ عُمَرَ يَبْكِي وَيَقُولُ فِي بُكَائِهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَبَسَهُ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ [ ؓ ] إِرَادَةَ الشَّرِّ بِهِمَا، وَأَعْطَاهُ عُمَرَ إِرَادَةَ الْخَيْرِ. اسْتِسْقَاءُ سَيِّدِنَا عُمَرَ بِالْعَبَّاسِ [اسْتِسْقَاءُ سَيِّدِنَا عُمَرَ بِالْعَبَّاسِ ؓ ] وَفِيهَا: كَانَ الْقَحْطُ بِالْحِجَازِ، وَسُمِّيَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ لِلنَّاسِ بِالْعَبَّاسِ. أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ نِيَارٍ الْأَسْلَمِيِّ: (أَنَّ عُمَرَ لَمَّا خَرَجَ يَسْتَسْقِي.. خَرَجَ وَعَلَيْهِ بُرْدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ). وَأَخْرَجَ عَنِ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ بِيَدِ الْعَبَّاسِ ثُمَّ رَفَعَهَا وَقَالَ: (اللَّهُمَّ ; إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ أَنْ تُذْهِبَ عَنَّا الْمَحْلَ، وَأَنْ تَسْقِيَنَا الْغَيْثَ) فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى سُقُوا، وَأَطْبَقَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا.
التاريخ 1970لا حكم مسجّل
بَعْضِ مَا رُثِيَ بِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ، بإسناده عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُمَرُ بَكَتْهُ ابْنَةُ أَبِي حَثْمَةَ فَقَالَتْ: وَاعُمَرَاهُ ! أَقَامَ الْأَوْدَ، وَأَبْرَأَ الْعَمَدَ، أَمَاتَ الْفِتَنَ، وَأَحْيَا السُّنَنَ، خَرَجَ نَقِيَّ الثَّوْبِ، بَرِيئًا مِنَ الْعَيْبِ. قَالَ: فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَتْ، ذَهَبَ بِخَيْرِهَا، وَنَجَا مِنْ شَرِّهَا، أَمَا وَاللَّهِ مَا قَالَتْ وَلَكِنْ قُوِّلَتْ. قَالَ: وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي زَوْجِهَا عُمَرَ: فَجَعَنِي فَيْرُوزُ لَا دَرَّ دَرُّهُ بِأَبْيَضَ تَالٍ لِلْكِتَابِ مُنِيبِ رَءُوفٍ عَلَى الْأَدْنَى غَلِيظٍ عَلَى الْعِدَى أَخِي ثِقَةٍ فِي النَّائِبَاتِ مُجِيبِ مَتَى مَا يَقُلْ لَا يُكْذِبِ الْقَوْلَ فِعْلُهُ سَرِيعٍ إِلَى الْخَيْرَاتِ غَيْرِ قَطُوبِ وَقَالَتْ أَيْضًا: عَيْنُ جُودِي بِعَبْرَةٍ وَنَحِيبِ لَا تَمَلِّي عَلَى الْإِمَامِ النَّجِيبِ فَجَعَتْنَا الْمَنُونُ بِالْفَارِسِ الْمُعْ لِمِ يَوْمَ الْهِيَاجِ وَالتَّلْبِيبِ عِصْمَةِ النَّاسِ وَالْمُعِينِ عَلَى الدَّهْ رِ وَغَيْثِ الْمُنْتَابِ وَالْمَحْرُوبِ قُلْ لِأَهْلِ السَّرَّاءِ وَالْبُؤْسِ مُوتُوا قَدْ سَقَتْهُ الْمَنُونُ كَأْسَ شَعُوبِ وَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَبْكِيهِ: سَيَبْكِيكَ نِسَاءُ الْحَ يِّ يَبْكِينَ شَجِيَّاتِ وَيَخْمِشْنَ وُجُوهًا كَالدَّنَا نِيرِ نَقِيَّاتِ وَيَلْبَسْنَ ثِيَابَ الْحُزْ نِ بَعْدَ الْقَصَبِيَّاتِ
التاريخ 1971لا حكم مسجّل
[نَعْيُ الْجِنِّ لِسَيِّدِنَا عُمَرَ ؓ ] وَأُخْرِجَ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: (لَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ صَدَرْنَا عَنْ عَرَفَةَ.. مَرَرْتُ بِالْمُحَصَّبِ، فَسَمِعْتُ رَجُلًا عَلَى رَاحِلَتِهِ يَقُولُ: أَيْنَ كَانَ عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَسَمِعْتُ رَجُلًا آخَرَ يَقُولُ: هَهُنَا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ: عَلَيْكَ سَلَامٌ مِنْ إِمَامٍ وَبَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُمَزَّقِ فَمَنْ يَسْعَ أَوْ يَرْكَبْ جَنَاحَيْ نَعَامَةٍ لِيُدْرِكَ مَا قَدَّمْتَ بِالْأَمْسِ يَسْبِقِ قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا بَوَائِقَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفَتَّقِ فَلَمْ يُحَرِّكْ ذَاكَ الرَّاكِبُ وَلَمْ يَدْرِ مَنْ هُوَ، فَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ، فَقَدِمَ عُمَرُ مِنْ تِلْكَ الْحَجَّةِ، فَطُعِنَ فَمَاتَ). وَأُخْرِجَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: (أَنَّ الْجِنَّ نَاحَتْ عَلَى عُمَرَ). وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سُمِعَ صَوْتٌ بِجَبَلِ تَبَالَةَ حِينَ قُتِلَ عُمَرُ ؓ: لِيَبْكِ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ كَانَ بَاكِيًا فَقَدْ أَوْشَكُوا صَرْعَى وَمَا قَدُمَ الْعَهْدُ وَأَدْبَرَتِ الدُّنْيَا وَأَدْبَرَ خَيْرُهَا وَقَدْ مَلَّهَا مَنْ كَانَ يُوقِنُ بِالْوَعْدِ
التاريخ 1972لا حكم مسجّل
فَصْلٌ [ رُؤْيَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ ؓ فِي الْمَنَامِ] أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ: (سَأَلْتُ اللَّهَ حَوْلًا بَعْدَمَا مَاتَ عُمَرُ أَنْ يُرِيَنِّيهِ فِي الْمَنَامِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ حَوْلٍ وَهُوَ يَسْلِتُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: هَذَا أَوَانُ فَرَغْتُ، وَإِنْ كَادَ عَرْشُ عُمَرَ لَيُهَدُّ لَوْلَا أَنِّي لَقِيتُ رَءُوفًا رَحِيمًا). وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ:) أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَأَى عُمَرَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ صَنَعْتَ؟ قَالَ: مَتَى فَارَقْتُكُمْ؟ قَالَ: مُنْذُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، قَالَ: إِنَّمَا انْفَلَتُّ الْآنَ مِنَ الْحِسَابِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ يَقُولُ: (دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَنِي عُمَرَ فِي النَّوْمِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ وَهُوَ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: الْآنَ فَرَغْتُ، وَلَوْلَا رَحْمَةُ رَبِّي.. لَهَلَكْتُ).
التاريخ 1973لا حكم مسجّل
[ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؓ مُقَدَّمَانِ فِي الْخِلَافَةِ عَلَى غَيْرِهِمَا] قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: (مَنْ زَعَمَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَحَقَّ بِالْوِلَايَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.. فَقَدْ خَطَّأَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ). وَقَالَ شَرِيكٌ: (لَيْسَ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ). وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ: (تَدْرُونَ مَنْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ هُمَا أَبَوَا الْإِسْلَامِ وَأُمُّهُ). وَقَالَ جَعْفَرُ الصَّادِقُ: (أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ ذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا بِخَيْرٍ).
التاريخ 1974لا حكم مسجّل
قِصَّةِ الشُّورَى قَالَ عُمَرُو بْنُ مَيْمُونَ الْأَوْدِيُّ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ لَمَّا طُعِنَ قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوِ اسْتَخْلَفْتَ. فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ وَقُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: " إِنَّهُ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ". وَلَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا لَاسْتَخْلَفْتُهُ وَقُلْتُ لِرَبِّي إِنْ سَأَلَنِي: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ يَقُولُ: " إِنَّ سَالِمًا شَدِيدُ الْحُبِّ لِلَّهِ تَعَالَى ". فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدُلُّكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقَالَ: قَاتَلَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ اللَّهَ بِهَذَا ! وَيْحَكَ ! كَيْفَ أَسْتَخْلِفُ رَجُلًا عَجَزَ عَنْ طَلَاقِ امْرَأَتِهِ ؟ لَا أَرَبَ لَنَا فِي أُمُورِكُمْ، فَمَا حَمِدْتُهَا فَأَرْغَبَ فِيهَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، إِنْ كَانَ خَيْرًا فَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَقَدْ صُرِفَ عَنَّا، بِحَسْبِ آلِ عُمَرَ أَنْ يُحَاسَبَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَيُسْأَلَ عَنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، أَمَا لَقَدْ جَهَدْتُ نَفْسِي وَحَرَمْتُ أَهْلِي، وَإِنْ نَجَوْتُ كِفَافًا لَا وِزْرَ وَلَا أَجْرَ إِنِّي لَسَعِيدٌ، وَأَنْظُرُ فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَإِنْ أَتْرُكْ فَقَدْ تَرَكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، وَلَنْ يُضَيِّعَ اللَّهُ دِينَهُ. فَخَرَجُوا ثُمَّ رَاحُوا فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ عَهِدْتَ عَهْدًا. فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَجْمَعْتُ بَعْدَ مَقَالَتِي أَنْ أَنْظُرَ، فَأُوَلِّيَ رَجُلًا أَمْرَكُمْ هُوَ أَحْرَاكُمْ أَنْ يَحْمِلَكُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَشَارَ إِلَى عَلِيٍّ، فَرَهِقَتْنِي غَشْيَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا دَخَلَ جَنَّةً فَجَعَلَ يَقْطِفُ كُلَّ غَضَّةٍ وَيَانِعَةٍ فَيَضُمُّهُ إِلَيْهِ وَيُصَيِّرُهُ تَحْتَهُ، فَعَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَمَا أَرَدْتُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا، عَلَيْكُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ "، وَهُمْ عَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَسَعْدٌ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَلْيَخْتَارُوا مِنْهُمْ رَجُلًا، فَإِذَا وَلَّوْا وَالِيًا فَأَحْسِنُوا مُوَازَرَتَهُ وَأَعِينُوهُ. فَخَرَجُوا، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعَلِيٍّ: لَا تَدْخُلْ مَعَهُمْ، قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ. قَالَ: إِذَنْ تَرَى مَا تَكْرَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ عُمَرُ دَعَا عَلِيًّا، وَعُثْمَانَ، وَسَعْدًا، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي نَظَرْتُ فَوَجَدْتُكُمْ رُؤَسَاءَ النَّاسِ وَقَادَتَهُمْ، وَلَا يَكُونُ هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا فِيكُمْ، وَقَدْ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ، وَإِنِّي لَا أَخَافُ النَّاسَ عَلَيْكُمْ إِنِ اسْتَقَمْتُمْ وَلَكِنِّي أَخَافُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَيَخْتَلِفُ النَّاسُ، فَانْهَضُوا إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ بِإِذْنِهَا فَتَشَاوَرُوا فِيهَا. وَوَضَعَ رَأْسَهُ وَقَدْ نَزَفَهُ الدَّمُ. فَدَخَلُوا فَتَنَاجَوْا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ. فَسَمِعَهُ عُمَرُ فَانْتَبَهَ وَقَالَ: [ أَلَا ] أَعْرِضُوا عَنْ هَذَا، فَإِذَا مِتُّ فَتَشَاوَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ صُهَيْبٌ، وَلَا يَأْتِينَّ الْيَوْمُ الرَّابِعُ إِلَّا وَعَلَيْكُمْ أَمِيرٌ مِنْكُمْ، وَيَحْضُرُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مُشِيرًا، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ، -كَهَيْئَةِ التَّعْزِيَةِ [لَهُ]- وَطَلْحَةُ شَرِيكُكُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِنْ قَدِمَ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فَأَحْضِرُوهُ أَمْرَكُمْ، وَإِنْ مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ قَبْلَ قُدُومِهِ فَأَمْضُوا أَمْرَكُمْ، وَمَنْ لِي بِطَلْحَةَ ؟ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَا لَكَ بِهِ وَلَا يُخَالِفُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. فَقَالَ عُمَرُ: أَرْجُو أَنْ لَا يُخَالِفَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ -، وَمَا أَظُنُّ يَلِي إِلَّا أَحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عَلِيٍّ أَوْ عُثْمَانَ، فَإِنْ وَلِيَ عُثْمَانُ فَرَجُلٌ فِيهِ لِينٌ، وَإِنْ وَلِيَ عَلِيٌّ فَفِيهِ دُعَابَةٌ، وَأَحْرَى بِهِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَإِنْ تُوَلُّوا سَعْدًا فَأَهْلُهُ هُوَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ الْوَالِي، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ ضَعْفٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَنِعْمَ ذُو الرَّأْيِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَاسْمَعُوا مِنْهُ وَأَطِيعُوا. وَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيِّ: يَا أَبَا طَلْحَةَ، إِنَّ اللَّهَ طَالَمَا أَعَزَّ بِكُمُ الْإِسْلَامَ فَاخْتَرْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَاسْتَحِثَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْهُمْ. وَقَالَ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ: إِذَا وَضَعْتُمُونِي فِي حُفْرَتِي فَاجْمَعْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ فِي بَيْتٍ حَتَّى يَخْتَارُوا رَجُلًا. وَقَالَ لِصُهَيْبٍ: صَلِّ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَدْخِلْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ بَيْتًا وَقُمْ عَلَى رُءُوسِهِمْ، فَإِنِ اجْتَمَعَ خَمْسَةٌ وَأَبَى وَاحِدٌ فَاشْدَخْ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَرْبَعَةٌ وَأَبَى اثْنَانِ فَاضْرِبْ رُءُوسَهُمَا، وَإِنْ رَضِيَ ثَلَاثَةٌ رَجُلًا وَثَلَاثَةٌ رَجُلًا فَحَكِّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا بِحُكْمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَاقْتُلُوا الْبَاقِينَ إِنْ رَغِبُوا عَمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ النَّاسُ. فَخَرَجُوا، فَقَالَ عَلِيٌّ لِقَوْمٍ مَعَهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ: إِنْ أُطِيعَ فِيكُمْ قَوْمُكُمْ لَمْ تُؤَمَّرُوا أَبَدًا، وَتَلَقَّاهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: عَدَلْتَ عَنَّا ! فَقَالَ: وَمَا عِلْمُكَ ؟ قَالَ: قُرُّنَّ بَنِي عُثْمَانَ، وَقَالَ: كُونُوا مَعَ الْأَكْثَرِ، فَإِنْ رَضِيَ رَجُلَانِ رَجُلًا وَرَجُلَانِ رَجُلًا فَكُونُوا مَعَ الَّذِينَ فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَسَعْدٌ لَا يُخَالِفُ ابْنَ عَمِّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ صِهْرُ عُثْمَانَ لَا يَخْتَلِفُونَ فَيُوَلِّيهَا أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَلَوْ كَانَ الْآخَرَانِ مَعِي لَمْ يَنْفَعَانِي. فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: لَمْ أَرْفَعْكَ فِي شَيْءٍ إِلَّا رَجَعْتَ إِلَيَّ مُسْتَأْخِرًا لِمَا أَكْرَهُ، أَشَرْتُ عَلَيْكَ عِنْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ تَسْأَلَهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ فَأَبَيْتَ، فَأَشَرْتُ عَلَيْكَ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَنْ تُعَاجِلَ الْأَمْرَ فَأَبَيْتَ، وَأَشَرْتُ عَلَيْكَ حِينَ سَمَّاكَ عُمَرُ فِي الشُّورَى أَنْ لَا تَدْخُلَ مَعَهُمْ فَأَبَيْتَ، احْفَظْ عَنِّي وَاحِدَةً: كُلَّمَا عَرَضَ عَلَيْكَ الْقَوْمُ فَقُلْ: لَا، إِلَّا أَنْ يُوَلُّوكَ، وَاحْذَرْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ فَإِنَّهُمْ لَا يَبْرَحُونَ يَدْفَعُونَنَا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَقُومَ بِهِ لَنَا غَيْرُنَا، وَايْمُ اللَّهِ لَا يَنَالُهُ إِلَّا بَشَرٌ لَا يَنْفَعُ مَعَهُ خَيْرٌ ! فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَا لَئِنْ بَقِيَ عُثْمَانُ لَأُذَكِّرَنَّهُ مَا أَتَى، وَلَئِنْ مَاتَ لَيَتَدَاوَلُنَّهَا بَيْنَهُمْ، وَلَئِنْ فَعَلُوا لَتَجِدَنِّي حَيْثُ يَكْرَهُونَ، ثُمَّ تَمَثَّلَ: حَلَفْتُ بِرَبِّ الرَّاقِصَاتِ عَشِيَّةً غَدَوْنَ خِفَافًا فَابْتَدَرْنَ الْمُحَصَّبَا لَيَخْتَلِيَنْ رَهْطُ ابْنِ يَعْمَرَ قَارِنًا نَجِيعًا بَنُو الشُّدَّاخِ وِرْدًا مُصَلَّبًا وَالْتَفَتَ فَرَأَى أَبَا طَلْحَةَ فَكَرِهَ مَكَانَهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: لَنْ تُرَاعَ أَبَا الْحَسَنِ. اجتماع أهل الشورى بعد وفاة عمر فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ وَأُخْرِجَتْ جِنَازَتُهُ صَلَّى عَلَيْهِ صُهيْبٌ، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ جَمَعَ الْمِقْدَادُ أَهْلَ الشُّورَى فِي بَيْتِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَقِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَقِيلَ: فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ بِإِذْنِهَا، وَطَلْحَةُ غَائِبٌ، وَأَمَرُوا أَبَا طَلْحَةَ أَنْ يَحْجُبَهُمْ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَجَلَسَا بِالْبَابِ، فَحَصَبَهُمَا سَعْدٌ وَأَقَامَهُمَا وَقَالَ: تُرِيدَانِ أَنْ تَقُولَا: حَضَرْنَا وَكُنَّا فِي أَهْلِ الشُّورَى ! فَتَنَافَسَ الْقَوْمُ فِي الْأَمْرِ، وَكَثُرَ فِيهِمُ الْكَلَامُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا كُنْتُ لَأَنْ تَدْفَعُوهَا أَخْوَفَ مِنِّي لَأَنْ تَتَنَافَسُوهَا، وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِ عُمَرَ لَا أَزِيدُكُمْ عَلَى الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أَمَرَ، ثُمَّ أَجْلِسُ فِي بَيْتِي فَأَنْظُرُ مَا تَصْنَعُونَ ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمْ يُخْرِجُ مِنْهَا نَفْسَهُ وَيَتَقَلَّدُهَا عَلَى أَنْ يُوَلِّيَهَا أَفْضَلَكُمْ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ. فَقَالَ: فَأَنَا أَنْخَلِعُ مِنْهَا. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ رَضِيَ. فَقَالَ الْقَوْمُ: قَدْ رَضِينَا. وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ. فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ قَالَ: أَعْطِنِي مَوْثِقًا لَتُؤْثِرَنَّ الْحَقَّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى وَلَا تَخُصَّ ذَا رَحِمٍ وَلَا تَأْلُو الْأُمَّةَ نُصْحًا. فَقَالَ: أَعْطُونِي مَوَاثِيقَكُمْ عَلَى أَنْ تَكُونُوا مَعِيَ عَلَى مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ وَأَنْ تَرْضَوْا مَنِ اخْتَرْتُ لَكُمْ، وَعَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ أَنْ لَا أَخُصَّ ذَا رَحِمٍ لِرَحِمِهِ وَلَا آلُو الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا وَأَعْطَاهُمْ مِثْلَهُ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: تَقُولُ إِنِّي أَحَقُّ مَنْ حَضَرَ بِهَذَا الْأَمْرِ ; لِقَرَابَتِكَ وَسَابِقَتِكَ وَحُسْنِ أَثَرِكَ فِي الدِّينِ وَلَمْ تُبْعِدْ، وَلَكِنْ أَرَأَيْتَ لَوْ صُرِفَ هَذَا الْأَمْرُ عَنْكَ، فَلَمْ تَحْضُرْ، مَنْ كُنْتَ تَرَى مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ أَحَقَّ بِهِ ؟ قَالَ: عُثْمَانُ. وَخَلَا بِعُثْمَانَ فَقَالَ: تَقُولُ شَيْخٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَصِهْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَابْنُ عَمِّهِ، وَلِي سَابِقَةٌ وَفَضْلٌ، فَأَيْنَ يُصْرَفُ هَذَا الْأَمْرُ عَنِّي ؟ وَلَكِنْ لَوْ لَمْ تَحْضُرْ؛ أَيَّ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ تَرَاهُ أَحَقَّ بِهِ ؟ قَالَ: عَلِيٌّ. وَلَقِيَ عَلِيٌّ سَعْدًا فَقَالَ لَهُ: ( اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ )، أَسْأَلُكَ بِرَحِمِ ابْنِي هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِرَحِمِ عَمِّي حَمْزَةَ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِعُثْمَانَ ظَهِيرًا. وَدَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَيَالِيَهُ يَلْقَى أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ وَافَى الْمَدِينَةَ مِنْ أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ يُشَاوِرُهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلَةُ الَّتِي صَبِيحَتُهَا تَسْتَكْمِلُ الْأَجَلَ، أَتَى مَنْزِلَ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، فَأَيْقَظَهُ وَقَالَ لَهُ: لَمْ أَذُقْ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ كَبِيرَ غَمْضٍ، انْطَلِقْ فَادْعُ الزُّبَيْرَ وَسَعْدًا. فَدَعَاهُمَا. فَبَدَأَ بِالزُّبَيْرِ فَقَالَ لَهُ: خَلِّ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَهَذَا الْأَمْرَ. قَالَ: نَصِيبِي لِعَلِيٍّ. وَقَالَ لِسَعْدٍ: اجْعَلْ نَصِيبَكَ لِي. فَقَالَ: إِنِ اخْتَرْتَ نَفْسَكَ فَنَعَمْ، وَإِنِ اخْتَرْتَ عُثْمَانَ فَعَلِيٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ، أَيُّهَا الرَّجُلُ، بَايِعْ لِنَفْسِكَ وَأَرِحْنَا وَارْفَعْ رُءُوسَنَا. فَقَالَ لَهُ: قَدْ خَلَعْتُ نَفْسِي عَلَى أَنْ أَخْتَارَ، وَلَوْ لَمْ أَفْعَلْ لَمْ أَرُدَّهَا، إِنِّي رَأَيْتُ رَوْضَةً خَضْرَاءَ كَثِيرَةَ الْعُشْبِ، فَدَخَلَ فَحْلٌ مَا رَأَيْتُ أَكْرَمَ مِنْهُ فَمَرَّ كَأَنَّهُ سَهْمٌ، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى قَطَعَهَا لَمْ يُعَرِّجْ، وَدَخَلَ بَعِيرٌ يَتْلُوهُ فَاتَّبَعَ أَثَرَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا، ثُمَّ دَخَلَ فَحْلٌ عَبْقَرِيٌّ يَجُرُّ خِطَامَهُ، وَمَضَى قَصْدَ الْأَوَّلَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ بَعِيرٌ رَابِعٌ فَرَتَعَ فِي الرَّوْضَةِ، وَلَا وَاللَّهِ لَا أَكُونُ الرَّابِعَ وَلَا يَقُومُ مَقَامَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بَعْدَهُمَا أَحَدٌ فَيَرْضَى النَّاسُ عَنْهُ. قَالَ: وَأَرْسَلَ الْمِسْوَرَ فَاسْتَدْعَى عَلِيًّا، فَنَاجَاهُ طَوِيلًا وَهُوَ لَا يَشُكُّ أَنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ، ثُمَّ نَهَضَ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ فَتَنَاجَيَا حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الصُّبْحُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا كَلَّمَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ، فَقَدْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَوَقَعَ قَضَاءُ رَبِّكَ عَلَى عُثْمَانَ. فَلَمَّا صَلَّوُا الصُّبْحَ جَمَعَ الرَّهْطَ، وَبَعَثَ إِلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَهْلِ السَّابِقَةِ وَالْفَضْلِ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَإِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فَاجْتَمَعُوا حَتَّى الْتَجَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَجْمَعُوا أَنْ يَرْجِعَ أَهْلُ الْأَمْصَارِ إِلَى أَمْصَارِهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيَّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ الْمُسْلِمُونَ فَبَايِعْ عَلِيًّا. فَقَالَ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ: صَدَقَ عَمَّارٌ، إِنْ بَايَعْتَ عَلِيًّا قُلْنَا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. قَالَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ قُرَيْشٌ فَبَايِعْ عُثْمَانَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ: صَدَقْتَ إِنْ بَايَعْتَ عُثْمَانَ قُلْنَا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. فَشَتَمَ عَمَّارٌ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ وَقَالَ: مَتَى كُنْتَ تَنْصَحُ الْمُسْلِمِينَ ؟ فَتَكَلَّمَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو أُمَيَّةَ فَقَالَ عَمَّارٌ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَنَا بِنَبِيِّهِ وَأَعَزَّنَا بِدِينِهِ فَأَنَّى تَصْرِفُونَ هَذَا الْأَمْرَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: لَقَدْ عَدَوْتَ طَوْرَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، وَمَا أَنْتَ وَتَأْمِيرُ قُرَيْشٍ لِأَنْفُسِهَا ! فَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، افْرُغْ قَبْلَ أَنْ يُفْتَنَ النَّاسُ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ وَشَاوَرْتُ، فَلَا تَجْعَلُنَّ أَيُّهَا الرَّهْطُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ سَبِيلًا، وَدَعَا عَلِيًّا وَقَالَ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ. قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ فَأَعْمَلَ بِمَبْلَغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي، وَدَعَا عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: نَعَمْ نَعْمَلُ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى سَقْفِ الْمَسْجِدِ وَيَدُهُ فِي يَدِ عُثْمَانَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاشْهَدْ. اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ مَا فِي رَقَبَتِي مِنْ ذَلِكَ فِي رَقَبَةِ عُثْمَانَ، فَبَايَعَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ هَذَا أَوَّلَ يَوْمٍ تَظَاهَرْتُمْ فِيهِ عَلَيْنَا، ( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ )، وَاللَّهِ مَا وَلَّيْتَ عُثْمَانَ إِلَّا لِيُرَدَّ الْأَمْرُ إِلَيْكَ، وَاللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا عَلِيُّ، لَا تَجْعَلْ عَلَى نَفْسِكَ حُجَّةً وَسَبِيلًا. فَخَرَجَ عَلِيٌّ وَهُوَ يَقُولُ: سَيَبْلُغُ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. فَقَالَ الْمِقْدَادُ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتَهُ وَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ يَقْضُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ. فَقَالَ: يَا مِقْدَادُ، وَاللَّهِ لَقَدِ اجْتَهَدْتُ لِلْمُسْلِمِينَ. قَالَ: إِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ اللَّهَ فَأَثَابَكَ اللَّهُ ثَوَابَ الْمُحْسِنِينَ. فَقَالَ الْمِقْدَادُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أَتَى إِلَى أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، إِنِّي لَأَعْجَبُ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ تَرَكُوا رَجُلًا مَا أَقُولُ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّ رَجُلًا أَقْضَى بِالْعَدْلِ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَجِدُ أَعْوَانًا عَلَيْهِ ! فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا مِقْدَادُ اتَّقِ اللَّهَ فَإِنِّي خَائِفٌ عَلَيْكَ الْفِتْنَةَ. فَقَالَ رَجُلٌ لِلْمِقْدَادِ: رَحِمَكَ اللَّهُ، مَنْ أَهْلُ هَذَا الْبَيْتِ وَمَنْ هَذَا الرَّجُلُ ؟ قَالَ: أَهْلُ الْبَيْتِ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالرَّجُلُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ إِلَى قُرَيْشٍ وَقُرَيْشٌ تَنْظُرُ بَيْنَهَا فَتَقُولُ: إِنْ وَلِيَ عَلَيْكُمْ بَنُو هَاشِمٍ لَمْ تَخْرُجْ مِنْهُمْ أَبَدًا، وَمَا كَانَتْ فِي غَيْرِهِمْ تَدَاوَلْتُمُوهَا بَيْنَكُمْ. وَقَدِمَ طَلْحَةُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ لِعُثْمَانَ فَقِيلَ لَهُ: بَايَعُوا لِعُثْمَانَ. فَقَالَ: كُلُّ قُرَيْشٍ رَاضٍ بِهِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَتَى عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ وَإِنْ أَبَيْتَ رَدَدْتُهَا. قَالَ: أَتَرُدُّهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَكُلُّ النَّاسِ بَايَعُوكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ رَضِيتُ لَا أَرْغَبُ عَمَّا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ. وَبَايَعَهُ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَدْ أَصَبْتَ أَنْ بَايَعْتَ عُثْمَانَ. وَقَالَ لِعُثْمَانَ: وَلَوْ بَايَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ غَيْرَكَ مَا رَضِينَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: كَذَبْتَ يَا أَعْوَرُ، لَوْ بَايَعْتُ غَيْرَهُ لَبَايَعْتَهُ، وَلَقُلْتَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. قَالَ: وَكَانَ الْمِسْوَرُ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا بَذَّ قَوْمًا فِيمَا دَخَلُوا فِيهِ بِمِثْلِ مَا بَذَّهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قُلْتُ: قَوْلُهُ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ صِهْرُ عُثْمَانَ، يَعْنِي: عَبْدُ الرَّحْمَنِ تَزَوَّجَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهِيَ أُخْتُ عُثْمَانَ لِأُمِّهِ، خَلَفَ عَلَيْهَا عُقْبَةُ بَعْدَ عُثْمَانَ. رواية أخرى في الشورى بعد وفاة عمر بن الخطاب ؓ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ رِوَايَةً أُخْرَى فِي الشُّورَى عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَهِيَ تَمَامُ حَدِيثِ مَقْتَلِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ هَاهُنَا قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي تَقَدَّمَ آنِفَا، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا دُفِنَ عُمَرُ جَمَعَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَخَطَبَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَتَرْكِ التَّفَرُّقِ، فَتَكَلَّمَ عُثْمَانُ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي اتَّخَذَ مُحَمَّدًا نَبِيًّا، وَبَعَثَهُ رَسُولًا، وَصَدَقَهُ وَعْدَهُ، وَوَهَبَ لَهُ نَصْرَهُ عَلَى كُلِّ مَنْ بَعُدَ نَسَبًا أَوْ قَرُبَ رَحِمًا، ﷺ، جَعَلَنَا اللَّهُ لَهُ تَابِعِينَ، وَبِأَمْرِهِ مُهْتَدِينَ، فَهُوَ لَنَا نُورٌ، وَنَحْنُ بِأَمْرِهِ نَقُومُ عِنْدَ تَفَرُّقِ الْأَهْوَاءِ وَمُجَادَلَةِ الْأَعْدَاءِ، جَعَلَنَا اللَّهُ بِفَضْلِهِ أَئِمَّةً، وَبِطَاعَتِهِ أُمَرَاءَ، لَا يَخْرُجُ أَمْرُنَا مِنَّا، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْنَا غَيْرُنَا، إِلَّا مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ، وَنَكَلَ عَنِ الْقَصْدِ، وَأَحْرِ بِهَا يَا ابْنَ عَوْفٍ أَنْ تُتْرَكَ، وَأَجْدِرِ بِهَا أَنْ تَكُونَ إِنْ خُولِفَ أَمْرُكَ وَتُرِكَ دُعَاؤُكَ، فَأَنَا أَوَّلُ مُجِيبٍ لَكَ وَدَاعٍ إِلَيْكَ وَكَفِيلٌ بِمَا أَقُولُ زَعِيمٌ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. ثُمَّ تَكَلَّمَ الزُّبَيْرُ بَعْدَهُ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ دَاعِيَ اللَّهِ لَا يُجْهَلُ، وَمُجِيبَهُ لَا يُخْذَلُ عِنْدَ تَفَرُّقِ الْأَهْوَاءِ وَلَيِّ الْأَعْنَاقِ، وَلَنْ يُقَصِّرَ عَمَّا قُلْتُ إِلَّا غَوِيٌّ، وَلَنْ يَتْرُكَ مَا دَعَوْتُ إِلَيْهِ إِلَّا شَقِيٌّ، وَلَوْلَا حُدُودٌ لِلَّهِ فُرِضَتْ، وَفَرَائِضُ لِلَّهِ حُدَّتْ، تُرَاحُ عَلَى أَهْلِهَا وَتَحْيَا وَلَا تَمُوتُ، لَكَانَ الْمَوْتُ مِنَ الْإِمَارَةِ نَجَاةً، وَالْفِرَارُ مِنَ الْوِلَايَةِ عِصْمَةً، وَلَكِنْ لِلَّهِ عَلَيْنَا إِجَابَةُ الدَّعْوَةِ وَإِظْهَارُ السُّنَّةِ، لِئَلَّا نَمُوتَ مَوْتَةً عِمِّيَّةً، وَلَا نَعْمَى عَمَى الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنَا مُجِيبُكَ إِلَى مَا دَعَوْتَ، وَمُعِينُكَ عَلَى مَا أَمَرْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ. ثُمَّ تَكَلَّمَ سَعْدٌ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ: وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ، أَنَارَتِ الطُّرُقُ وَاسْتَقَامَتِ السُّبُلُ، وَظَهَرَ كُلُّ حَقٍّ، وَمَاتَ كُلُّ بَاطِلٍ، إِيَّاكُمْ أَيُّهَا النَّفَرُ وَقَوْلَ الزُّورِ، وَأُمْنِيَةَ أَهْلِ الْغُرُورِ، وَقَدْ سَلَبَتِ الْأَمَانِيُّ قَوْمًا قَبْلَكُمْ، وَرِثُوا مَا وَرِثْتُمْ وَنَالُوا مَا نِلْتُمْ فَاتَّخَذَهُمُ اللَّهُ عَدُوًّا، وَلَعَنَهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ) إِلَى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ )، إِنِّي نَكَبْتُ قَرْنِي وَأَخَذْتُ سَهْمِي الْفَالِجَ وَأَخَذْتُ لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَا ارْتَضَيْتُ لِنَفْسِي، فَأَنَا بِهِ كَفِيلٌ وَبِمَا أَعْطَيْتُ عَنْهُ زَعِيمٌ، وَالْأَمْرُ إِلَيْكَ يَا ابْنَ عَوْفٍ بِجُهْدِ النَّفْسِ وَقَصْدِ النُّصْحِ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، وَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مُخَالَفَتِكُمْ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا مِنَّا نَبِيًّا، وَبَعَثَهُ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَنَحْنُ بَيْتُ النُّبُوَّةِ، وَمَعْدِنُ الْحِكْمَةِ، وَأَمَانُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَنَجَاةٌ لِمَنْ طَلَبَ، لَنَا حَقٌّ إِنْ نُعْطَهُ نَأْخُذْهُ، وَإِنْ نُمْنَعْهُ نَرْكَبْ أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَلَوْ طَالَ السُّرَى، لَوْ عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَهْدًا لَأَنْفَذْنَا عَهْدَهُ، وَلَوْ قَالَ لَنَا قَوْلًا لَجَادَلْنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَمُوتَ، لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ وَصِلَةِ رَحِمٍ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، اسْمَعُوا كَلَامِي وَعُوا مَنْطِقِي، عَسَى أَنْ تَرَوْا ( هَذَا الْأَمْرَ ) بَعْدَ هَذَا الْمَجْمَعِ تُنْتَضَى فِيهِ السُّيُوفُ، وَتُخَانُ فِيهِ الْعُهُودُ، حَتَّى تَكُونُوا جَمَاعَةً، وَيَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ الضَّلَالَةِ وَشِيعَةً لِأَهْلِ الْجَهَالَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ تَكُ جَاسِمٌ هَلَكَتْ فَإِنِّي بِمَا فَعَلَتْ بَنُو عَبْدِ بْنِ ضَجْمِ مُطِيعٌ فِي الْهَوَاجِرِ كُلَّ غَيٍّ بَصِيرٌ بِالنَّوَى مِنْ كُلِّ نَجْمِ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَيُّكُمْ يَطِيبُ نَفْسًا أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ ؟ وَذَكَرَ قَرِيبًا مِمَّا تَقَدَّمَ. ثُمَّ جَلَسَ عُثْمَانُ فِي جَانِبِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ بَيْعَتِهِ، وَدَعَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَكَانَ قَتَلَ [ قَاتِلَ ] أَبِيهِ أَبَا لُؤْلُؤَةَ، وَقَتَلَ جُفَيْنَةَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا مِنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ، كَانَ ظَهِيرًا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، وَقَتَلَ الْهُرْمُزَانَ، فَلَمَّا ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ! فَلَمَّا قَتَلَ هَؤُلَاءِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَحَبَسَهُ فِي دَارِهِ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَأَحْضَرَهُ عِنْدَ عُثْمَانَ، وَكَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ رِجَالًا مِمَّنْ شَرَكَ فِي دَمِ أَبِي، يُعَرِّضُ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَإِنَّمَا قَتَلَ هَؤُلَاءِ النَّفَرَ لِأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ قَالَ غَدَاةَ قُتِلَ عُمَرُ: رَأَيْتُ عَشِيَّةَ أَمْسِ الْهُرْمُزَانَ وَأَبَا لُؤْلُؤَةَ وَجُفَيْنَةَ وَهُمْ يَتَنَاجَوْنَ، فَلَمَّا رَأَوْنِي ثَارُوا وَسَقَطَ مِنْهُمْ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، وَهُوَ الْخِنْجَرُ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ عُمَرُ، فَقَتَلَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ. فَلَمَّا أَحْضَرَهُ عُثْمَانُ قَالَ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي فَتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مَا فَتَقَ ! فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَى أَنْ تَقْتُلَهُ. فَقَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ: قُتِلَ عُمَرُ أَمْسِ وَيُقْتَلُ ابْنُهُ الْيَوْمَ ! فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْفَاكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدَثُ وَلَكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سُلْطَانٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَنَا وَلِيُّهُ، وَقَدْ جَعَلْتُهَا دِيَةً وَأَحْتَمِلُهَا فِي مَالِي. وَكَانَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيُّ الْأَنْصَارِيُّ إِذَا رَأَى عُبَيْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَلَا يَا عُبَيْدَ اللَّهِ مَا لَكَ مَهْرَبٌ وَلَا مَلْجَأٌ مِنِ ابْنِ أَرْوَى وَلَا خَفَرْ أَصَبْتَ دَمًا وَاللَّهِ فِي غَيْرِ حِلِّهِ حَرَامًا وَقَتْلُ الْهُرْمُزَانِ لَهُ خَطَرْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ قَالَ قَائِلٌ أَتَتَّهِمُونَ الْهُرْمُزَانَ عَلَى عُمَرْ فَقَالَ سَفِيهٌ، وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ: نَعَمِ اتَّهِمْهُ قَدْ أَشَارَ وَقَدْ أَمَرْ وَكَانَ سِلَاحُ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ يُقَلِّبُهَا وَالْأَمْرُ بِالْأَمْرِ يُعْتَبَرْ فَشَكَا عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، فَنَهَى عُثْمَانُ زِيَادًا، فَقَالَ فِي عُثْمَانَ: أَبَا عَمْرٍو عُبَيْدُ اللَّهِ رَهْنٌ فَلَا تَشْكُكْ بِقَتْلِ الْهُرْمُزَانِ فَإِنَّكَ إِنْ غَفَرْتَ الْجُرْمَ عَنْهُ وَأَسْبَابُ الْخَطَا فَرَسَا رِهَانِ أَتَعْفُو إِذْ عَفَوْتَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَمَا لَكَ بِالَّذِي تَحْكِي يَدَانِ فَدَعَا عُثْمَانُ زِيَادًا فَنَهَاهُ وَشَذَّبَهُ وَقِيلَ فِي فِدَاءِ عُبَيْدِ اللَّهِ غَيْرُ ذَلِكَ، قَالَ الْغَمَاذَيَانُ بْنُ الْهُرْمُزَانِ: كَانَتِ الْعَجَمُ بِالْمَدِينَةِ يَسْتَرْوِحُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ( فَمَرَّ فَيْرُوزُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ بِالْهُرْمُزَانِ وَمَعَهُ خِنْجَرٌ ) لَهُ رَأْسَانِ فَتَنَاوَلَهُ مِنْهُ وَقَالَ: مَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ: أَسِنُّ بِهِ. فَرَآهُ رَجُلٌ، فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ قَالَ: رَأَيْتُ الْهُرْمُزَانَ دَفَعَهُ إِلَى فَيْرُوزَ، فَأَقْبَلَ عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَمْكَنَنِي مِنْهُ، فَخَرَجْتُ بِهِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا مَعِي، إِلَّا أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ إِلَيَّ فِيهِ، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَلِي قَتْلَهُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَسَبُّوا عُبَيْدَ اللَّهِ، قَلْتُ لَهُمْ: أَفَلَكُمْ مَنَعَةٌ ؟ قَالُوا: لَا، وَسَبُّوهُ، فَتَرَكْتُهُ لِلَّهِ وَلَهُمْ، فَحَمَلُونِي، فَوَاللَّهِ مَا بَلَغْتُ الْمَنْزِلَ إِلَّا عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فِي إِطْلَاقِ عُبَيْدِ اللَّهِ لِأَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَلَوْ كَانَ إِطْلَاقُهُ بِأَمْرِ وَلِيِّ الدَّمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ عَلِيٌّ.
التاريخ 1975لا حكم مسجّل
مَنْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ؓ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ التَّمِيمِيُّ الْمُجَاشِعِيُّ. قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: وَاسْمُهُ فِرَاسُ بْنُ حَابِسٍ، وَلُقِّبَ بِالْأَقْرَعِ لِقَرْعٍ فِي رَأْسِهِ. وَكَانَ أَحَدَ الرُّؤَسَاءِ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، مَعَ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي نَادَى مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ مَدْحِي زَيْنٌ، وَذَمِّي شَيْنٌ. وَهُوَ الْقَائِلُ - وَقَدْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يُقَبِّلُ الْحَسَنَ - أَتُقَبِّلُهُ ؟ ! وَاللَّهِ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ. فَقَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَا أَمْلِكُ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ. وَكَانَ مِمَّنْ تَأَلَّفَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَأَعْطَاهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَكَذَلِكَ لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ، وَأَعْطَى عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ خَمْسِينَ مِنَ الْإِبِلِ فَقَالَ: أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْ دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ فَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا وَمَنْ تَخْفِضِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، " أَنْتَ الْقَائِلُ: أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ الْعُبَيْ دِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: إِنَّمَا قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، ذِكْرَ الْأَقْرَعِ قَبْلَ عُيَيْنَةَ؛ لِأَنَّ الْأَقْرَعَ كَانَ خَيْرًا مِنْ عُيَيْنَةَ، وَلِهَذَا لَمْ يَرْتَدَّ بَعْدَ النَّبِيِّ، ﷺ، كَمَا ارْتَدَّ عُيَيْنَةُ، فَبَايَعَ طُلَيْحَةَ وَصَدَّقَهُ، ثُمَّ عَادَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَقْرَعَ كَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا، وَشَهِدَ مَعَ خَالِدٍ وَقَائِعَهُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ يَوْمَ الْأَنْبَارِ. ذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي مَنْ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " الْغَابَةِ " أَنَّهُ اسْتَعْمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْجُوزَجَانِ فَقُتِلَ وَقُتِلُوا جَمِيعًا، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ،. حباب بن المنذر بن الجموح حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ. أَبُو عُمَرَ، وَيُقَالُ أَبُو عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ السُّلَمِيُّ. وَيُقَالُ لَهُ: ذُو الرَّأْيِ. لِأَنَّهُ أَشَارَ يَوْمَ بَدْرٍ أَنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَلَى أَدْنَى مَاءٍ يَكُونُ إِلَى الْقَوْمِ، وَأَنْ يُغَوِّرَ مَا وَرَاءَهُمْ مِنَ الْقُلُبِ، فَأَصَابَ فِي هَذَا الرَّأْيِ، وَنَزَلَ الْمَلَكُ بِتَصْدِيقِهِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ أَنَا جَذِيلُهَا الْمُحَكَّكُ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ. فَقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ وَالصَّحَابَةُ. رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ الْهَاشِمِيُّ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطِّلِبِ الْهَاشِمِيُّ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ، هَاجَرَ مَعَ أَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِأَفْقَهَ مِنْهُ، وَلَكِنْ مَاتَ عُتْبَةُ قَبْلَهُ. وَتُوُفِّيَ زَمَنَ عُمَرَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُقَالُ: فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ. عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْعَامِرِيُّ الْكِلَابِيُّ عَلْقَمَةُ بْنُ عُلَاثَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ الْعَامِرِيُّ الْكِلَابِيُّ، أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ حُنَيْنًا، وَأُعْطِيَ يَوْمَئِذٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ تَأْلِيفًا لِقَلْبِهِ، وَكَانَ يَكُونُ بِتِهَامَةَ، وَكَانَ شَرِيفًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وَقَدِ ارْتَدَّ أَيَّامَ الصِّدِّيقِ؛ فَبَعَثَ إِلَيْهِ سَرِيَّةً؛ فَانْهَزَمَ ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَوَفَدَ عَلَى عُمَرَ فِي خِلَافَتِهِ وَقَدِمَ دِمَشْقَ فِي طَلَبِ مِيرَاثٍ لَهُ، وَيُقَالُ: اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى حَوْرَانَ فَمَاتَ بِهَا. وَقَدْ كَانَ الْحُطَيْئَةُ قَصَدَهُ لِيَمْتَدِحَهُ فَمَاتَ قَبْلَ مَقْدَمِهِ بِلَيَالٍ فَقَالَ: فَمَا كَانَ بَيْنِي لَوْ لَقِيتُكَ سَالِمًا وَبَيْنَ الْغِنَى إِلَّا لَيَالٍ قَلَائِلُ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزِ بْنِ الْأَعْوَرِ بْنِ جَعْدَةَ بْنِ مُعَاذِ بْنِ عُتْوَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُدْلِجٍ الْكِنَانِيُّ الْمُدْلِجِيُّ عَلْقَمَةُ بْنُ مُجَزِّزِ بْنِ الْأَعْوَرِ بْنِ جَعْدَةَ بْنِ مُعَاذِ بْنِ عُتْوَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُدْلِجٍ الْكِنَانِيُّ الْمُدْلِجِيُّ، أَحَدُ أُمَرَاءِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عَلَى بَعْضِ السَّرَايَا، فَأَجَّجَ نَارًا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَدْخُلُوا فِيهَا فَامْتَنَعُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ: لَوْ دَخَلُوا فِيهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا. وَقَالَ: إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ. وَقَدْ كَانَ عَلْقَمَةُ جَوَادًا مُمَدَّحًا، رَثَاهُ جَوَّاسٌ الْعُذْرِيُّ فَقَالَ: إِنَّ السَّلَامَ وَحُسْنَ كُلِّ تَحِيَّةٍ تَغْدُو عَلَى ابْنِ مُجَزِّزٍ وَتَرُوحُ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَائِشٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَائِشٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، لَهُ حَدِيثٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ، ﷺ، وَقِيلَ: فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. وَقَالَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى قَبْرِهِ: لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، مَا نُصِبَتْ رَايَةٌ لِلنَّبِيِّ، ﷺ، إِلَّا وَهُوَ وَاقِفٌ تَحْتَهَا. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، كَمَا أَوْرَدَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ مِنْ طَرِيقِهِ. غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثَّقَفِيُّ، أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا. وَقَدْ وَفَدَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى كِسْرَى فَأَمَرَهُ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ قَصْرًا بِالطَّائِفِ. وَقَدْ سَأَلَهُ كِسْرَى: أَيُّ وَلَدِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: الصَّغِيرُ حَتَّى يَكْبُرَ، وَالْمَرِيضُ حَتَّى يَبْرَأَ، وَالْغَائِبُ حَتَّى يَقْدَمَ. فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: أَنَّى لَكَ هَذَا ! هَذَا كَلَامُ الْحُكَمَاءِ ! قَالَ: فَمَا غِذَاؤُكَ ؟ قَالَ: الْبُرُّ. قَالَ: نَعَمْ هَذَا مِنَ الْبُرِّ لَا مِنَ التَّمْرِ وَاللَّبَنِ. معمر بن الحارث بن حبيب مَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ الْقُرَشِيُّ الْجُمَحِيُّ، أَخُو حَاطِبٍ وَحَطَّابٍ، أُمُّهُمْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ مَظْعُونٍ، أُخْتُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. أَسْلَمَ مَعْمَرٌ قَبْلَ دُخُولِ دَارِ الْأَرْقَمِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ. مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ مَيْسَرَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيُّ شَيْخٌ صَالِحٌ، قِيلَ: إِنَّهُ صَحَابِيٌّ. شَهِدَ الْيَرْمُوكَ وَدَخَلَ الرُّومَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ سِتَّةِ آلَافٍ، وَكَانَتْ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، فَقَتَلَ وَسَبَى وَغَنِمَ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ. وَرَوَى عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَعَنْهُ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ. لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " الْغَابَةِ ". وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِينٍ الْحَنْظَلِيُّ الْيَرْبُوعِيُّ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِينٍ الْحَنْظَلِيُّ الْيَرْبُوعِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَسْلَمَ قَبْلَ دَارِ الْأَرْقَمِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِبَطْنِ نَخْلَةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ حِينَ قَتَلَ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ. تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، ؓ. أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ مُرَّةَ، كَانَ يَسْبِقُ الْخَيْلَ عَلَى قَدَمَيْهِ، وَكَانَ فَتَّاكًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَتُوُفِّيَ فِي زَمَنِ عُمَرَ. أَتَاهُ حُجَّاجٌ، فَذَهَبَ يَأْتِيهِمْ بِمَاءٍ فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ بِالْمَاءِ، وَأَعْطَاهُمْ شَاةً وَقِدَرًا وَلَمْ يُعْلِمْهُمْ بِمَا جَرَى لَهُ، فَأَصْبَحَ فَمَاتَ فَدَفَنُوهُ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ وِفَادَةٌ، وَإِنَّمَا أَسْلَمُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ، ﷺ، فَهُوَ مُخَضْرَمٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ أَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا إِلَّا تَبُوكَ فَإِنَّهُ تَخَلَّفَ لِعُذْرِ الْفَقْرِ، وَهُوَ أَحَدُ الْبَكَّائِينَ الْمَذْكُورِينَ. سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَعْدَ خَدِيجَةَ، ؓ، وَكَانَتْ صَوَّامَةً قَوَّامَةً. وَيُقَالُ: كَانَ فِي خُلُقِهَا حِدَّةٌ. وَقَدْ كَبِرَتْ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أَنْ يُفَارِقَهَا - وَيُقَالُ: بَلْ فَارَقَهَا - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تُفَارِقُنِي وَأَنَا أَجْعَلُ يَوْمِي لِعَائِشَةَ. فَتَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَصَالَحَهَا عَلَى ذَلِكَ. وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ الْآيَةَ [ النِّسَاءِ: 128 ]. قَالَتْ عَائِشَةُ: نَزَلَتْ فِي سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ هِنْدُ بْنُ عُتْبَةَ، يُقَالُ: مَاتَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَتْ قَبْلَ ذَلِكَ. كَمَا تَقَدَّمَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ الَّذِي رَدَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عَيْنَهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ: تُوُفِّيَّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ: وَاسْمُهُ أُبَيُّ [بْنُ] شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ، [وَكَانَ اسْمُهُ أُبَيٌّ] فَلَمَّا أَشَارَ عَلَى بَنِي زُهْرَةَ بِالرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ حِينَ تَوَجَّهُوا فِي النَّفِيرِ إِلَى بَدْرٍ يَمْنَعُوا الْعِيرَ فَقَبِلُوا مِنْهُ، قِيلَ: خَنَسَ بِهِمْ، فَسُمِّيَ الْأَخْنَسَ يَوْمَئِذٍ. أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حُنَيْنًا، فَأَعْطَاهُ مَعَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ. وَتُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ ؓ سُلَيْمٌ، أَبُو كَبْشَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مِنْ مُوَلَّدِي أَرْضِ دَوْسٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ اسْتَخْلَفَ عُمَرُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ] عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سُلَيْمٍ: كَانَ أَبُوهُ وَرَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ. فَلَمَّا ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَجَاهَدَ، ثُمَّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْيَمَامَةِ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو، فَقُتِلَ الطُّفَيْلُ بِالْيَمَامَةِ، وَقُطِعَتْ يَدُ ابْنِهِ، ثُمَّ اسْتَبَلَّ وَصَحَّتْ يَدُهُ. فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ إِذْ أُتِيَ بِطَعَامٍ فَتَنَحَّى عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا لَكَ لَعَلَّكَ تَنَحَّيْتَ لِمَكَانِ يَدِكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: وَاللَّهِ لَا أَذُوقُهُ حَتَّى تَسُوطَهُ بِيَدِكَ، فَوَاللَّهِ مَا فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ بَعْضُهُ فِي الْجَنَّةِ غَيْرُكَ. ثُمَّ خَرَجَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ فَقُتِلَ شَهِيدًا. الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ عَامِرٍ، أَبُو خَالِدٍ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَبَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَشَهِدَ الْيَمَامَةَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ وَانْدَمَلَ، ثُمَّ انْتَقَضَ بِهِ فَمَاتَ، فَهُوَ يُعَدُّ مِنْ شُهَدَاءِ الْيَمَامَةِ. زِيَادُ بْنُ لَبِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيٍّ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَكَانَ لَمَّا أَسْلَمَ يَكْسِرُ أَصْنَامَ بَنِي بَيَاضَةَ. وَخَرَجَ زِيَادٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَقَامَ مَعَهُ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَهُوَ مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ عَامِلُهُ عَلَى حَضْرَمَوْتَ، وَوَلِيَ قِتَالَ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْيَمَنِ حِينَ ارْتَدَّ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ مَعَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَظَفِرَ بِهِمْ فَقَتَلَ مَنْ قَتَلَ وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ، وَبَعَثَ بِالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فِي وَثَاقٍ. [ سَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ: شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقُتِلَ بِالْعِرَاقِ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيِّ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَسْلَمَ بِمَكَّةَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ فَحَبَسَهُ أَبُو جَهْلٍ وَضَرَبَهُ وَأَجَاعَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو لَهُ فِي صَلَاتِهِ، يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَضَعَفَةَ الْمُسْلِمِينَ؟". أَفْلَتَ سَلَمَةُ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، فَلَمَّا بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ ؓ الْجُنُودَ لِجِهَادِ الرُّومِ قُتِلَ سَلَمَةُ بِمَرْجِ الصِّفْرِ شَهِيدًا فِي مَحْرَمِ هَذِهِ السَّنَةِ. سليط بن قيس بن عمرو بن عبيد سَلِيطُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ: شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ ] عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، أَبُو قُحَافَةَ: أَبُو أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، ] عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ وَاطْمَأَنَّ وَجَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ أَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي قُحَافَةَ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَا تَرَكْتَ الشَّيْخَ حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَمْشِي إِلَيْهِ؟". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَلْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا قُحَافَةَ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ". قَالَ: فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ. قَالَ: وَأُدْخِلَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَأَنَّهَا ثُغَامَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ، وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ". وعن أَبُو مُوسَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ]، قَالَ: مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ بِمَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: تُوُفِّيَ أَبُو قُحَافَةَ بِمَكَّةَ فِي مَحْرَمٍ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ ؓ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَيَّامٍ. عَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَزَقَهَا اللَّهُ سَبْعَ بَنِينَ، شَهِدُوا كُلُّهُمْ بَدْرًا مُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَزَوَّجَتِ الْحَارِثَ بْنَ رِفَاعَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُعَاذًا وَمُعَوِّذًا، ثُمَّ طَلَّقَهَا فَقَدِمَتْ مَكَّةَ فَتَزَوَّجَهَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ يَالِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ خَالِدًا، وَإِيَاسًا، وَعَاقِلًا، وَعَامِرًا، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَرَاجَعَهَا الْحَارِثُ بْنُ رِفَاعَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ عَوْفًا، فَشَهِدُوا كُلُّهُمْ بَدْرًا مُسْلِمِينَ. وَاسْتُشْهِدَ مُعَاذٌ وَمُعَوِّذٌ وَعَاقِلٌ بِبَدْرٍ، وَخَالِدٌ يَوْمَ الرَّجِيعِ، وَعَامِرٌ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، وَإِيَاسٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَالْبَقِيَّةُ مِنْهُمْ لِعَوْفٍ. [ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذْفَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَغَانِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَكَانَ يَبْعَثُهُ خَارِصًا بِالْمَدِينَةِ، نَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ: وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ يُشَبَّهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ، وَوَلَدٌ آخَرُ اسْمُهُ سَعْدٌ، وَكَانَ فَقِيهًا. وعن هِشَامُ [بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ ] عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا أَخْرَجَ الْمُشْرِكُونَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى بَدْرٍ كَرْهًا كَانَ فِيهِمْ نَوْفَلٌ، فَأْنَشَأَ يَقُولُ: حَرَامٌ عَلَيَّ حَرْبُ أَحْمَدَ إِنَّنِي أَرَى أَحْمَدًا مِنِّي قَرِيبًا أَوَاصِرُهْ فَإِنْ تَكُ فِهْرٌ أَلَّبَتْ وَتَجَمَّعَتْ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا شَكَ نَاصِرُهْ قَالَ الْمُصَنِّفُ: ثُمَّ أُسِرَ نَوْفَلٌ بِبَدْرٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "افْدِ نَفْسَكَ بِرِمَاحِكَ الَّتِي بِجُدَّةَ"، قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَفَدَى نَفْسَهُ بِهَا، وَكَانَتْ أَلْفَ رُمْحٍ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ حَمْزَةَ وَالْعَبَّاسِ. وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ هُوَ وَالْعَبَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَّامَ الْخَنْدَقِ، وَشَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَأَعَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ بِثَلَاثَةِ آلَافِ رُمْحٍ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ أَنِ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بِسَنَةٍ وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ، وَتَبِعَهُ إِلَى الْبَقِيعِ حَتَّى دُفِنَ هُنَاكَ. أُمُّ عِمَارَةَ، وَاسْمُهَا نَسِيبَةُ، بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ، بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيَّةُ: أَسْلَمَتْ وَحَضَرَتِ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَتْ وَشَهِدَتْ أُحُدًا وَالْحُدَيْبِيَةَ وَخَيْبَرَ وَحُنَيْنًا وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ. وَرَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "مَا الْتَفَتُّ يَوْمَ أُحُدٍ يَمِينًا وَشِمَالًا إِلَّا وَأَرَاهَا تُقَاتِلُ دُونِي". قَالَ الْوَاقِدِيُّ: قَاتَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، وَجُرِحَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ جِرَاحَةً، وَدَاوَتْ جُرْحًا فِي عُنُقِهَا سَنَةً، ثُمَّ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ، فَشَدَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابَهَا فَمَا اسْتَطَاعَتْ مِنْ نَزْفِ الدَّمِ، وَخَرَجَتْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَبَاشَرَتِ الْحَرْبَ بِنَفْسِهَا حَتَّى قَتَلَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ، وَرَجَعَتْ وَبِهَا عَشْرُ جِرَاحَاتٍ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ. أُمُّ سُلَيْطٍ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ زِيَادٍ الْأَنْصَارِيَّةُ: أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ وَشَهِدَتْ أُحُدًا وَخَيْبَرَ وَحُنَيْنًا، وَتُوُفِّيَتْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ] ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ قَسَّمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِنْهَا مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ -يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ-، فَقَالَ: أُمُّ سُلَيْطٍ أَحَقُّ بِهِ، فَإِنِّهَا مِمَّنْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَبُو ثَابِتٍ الْخَزْرَجِيُّ : كَانَ يَكْتُبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتِ الْكِتَابَةُ فِي الْعَرَبِ قَلِيلًا، وَكَانَ يُحْسِنُ الْعَوْمَ وَالرَّمْيَ، وَكَانَ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ ذَلِكَ يُسَمَّى الْكَامِلَ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعِدَّةٌ مِنْ آبَاءٍ لَهُ قَبْلَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُنَادَى عَلَى أُطُمِهِمْ: مَنْ أَحَبَّ الشَّحْمَ وَاللَّحْمَ فَلْيَأْتِ أُطُمَ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ، وَكَانَ يُنَادَى عَلَى أُطُمِ أَبِيهِ أَيْضًا. [أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقْرِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ] بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ إِذَا أَمْسَوْا يَنْطَلِقُ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ بِالرَّجُلَيْنِ، وَالرَّجُلُ بِالْخَمْسَةِ، فَأَمَّا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَكَانَ يَنْطَلِقُ بِثَمَانِينَ كُلَّ لَيْلَةٍ. عَنِ ابْنِ سِيرِينَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ كَانَ يَبْسُطُ ثَوْبَهُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ وَسِّعْ عَلَيَّ، فَإِنَّهُ لَا يَسَعُنِي إِلَّا الْكَثِيرُ. عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ]: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ كَانَ يَدْعُو: اللَّهُمَّ هَبْ لِي حَمْدًا وَمَجْدًا، لَا مَجْدَ إِلَّا بِفِعَالٍ، وَلَا فِعَالَ إِلَّا بِمَالٍ، اللَّهُمَّ لَا يُصْلِحُنِي الْقَلِيلُ، وَلَا أَصْلُحُ عَلَيْهِ. يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ ] قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنْ سَعْدٍ كُلَّ يَوْمٍ جَفْنَةٌ تَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ، وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مَالًا فَلَا يَصْلُحُ الْفِعَالُ إِلَّا بِمَالٍ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَسْلَمَ سَعْدٌ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَتَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إِلَى بَدْرٍ فَنُهِشَ فَأَقَامَ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ فَأَمَّرُوهُ، فَلَمَّا بُويِعَ لِأَبِي بَكْرٍ لَمْ يُبَايِعْهُ سَعْدٌ، وَلَا بَايَعَ عُمَرَ، وَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ، وَمَاتَ بِحُورَانَ. وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنَّهُ جَلَسَ يَبُولُ فِي نَفَقٍ، فَاقْتُتِلَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَوَجَدُوهُ قَدِ اخْضَرَّ جِلْدُهُ، وَسَمِعَ غِلْمَانٌ بِالْمَدِينَةِ قَائِلًا يَقُولُ مِنْ بِئْرٍ فَقَالَ: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَهْ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ تُخْطِ فُؤَادَهْ فَذُعِرَ الْغِلْمَانُ فَحَفِظُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدُوهُ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدٌ بِحُورَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ السَّاعِدِيُّ: كَانَ يَهْجُو أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُحَرِّضُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي شِعْرِهِ، وَيُهَاجِي حَسَّانَ بْنَ ثَابِتَ وَغَيْرَهُ مِنْ شُعَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسِيرُ مَعَ قُرَيْشٍ حَيْثُ سَارَتْ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ هَرَبَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى نَجْرَانَ، فَدَخَلَ حِصْنَهَا، وَقَالَ لِأَهْلِهَا: أَمَّا قُرَيْشٌ فَقَدْ قُتِلَتْ وَدَخَلَ مُحَمَّدٌ مَكَّةَ، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ مُحَمَّدًا سَائِرٌ إِلَى حِصْنِكُمْ، فَجَعَلُوا يُصْلِحُونَ مَا رَثَّ مِنْ حِصْنِهِمْ، وَيَجْمَعُونَ مَاشِيَتَهُ، ثُمَّ انْحَدَرَ ابْنُ الزِّبَعْرَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ يَعْتَذِرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ الْمَلِيكِ إِنَّ لِسَانِي رَاتِقٌ مَا فَتَقْتُ إِذْ أَنَا بُورُ إِذْ أُجَارِي الشَّيْطَانَ فِي سَنَنِ الْغَيِّ وَمَنْ مَالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ يَشْهَدُ السَّمْعُ وَالْفُؤَادُ بِمَا قُلْتُ وَنَفَسِي الشَّهِيدُ وَهْيَ الْخَبِيرُ إِنَّ مَا جِئْتَنَا بِهِ حَقُّ صِدْقٍ سَاطِعٌ نُورُهُ مُضِيءٌ مُنِيرُ جِئْتَنَا بِالْيَقِينِ وَالصِّدْقِ وَالْبِرِّ وَفِي الصِّدْقِ وَالسُّرُورِ السُّرُورُ أَذْهَبَ اللَّهُ ظُلْمَةَ الْجَهْلِ عَنَّا وَأَتَانَا الرَّخَاءُ وَالْمَيْسُورُ وَقَالَ أَيْضًا يَعْتَذِرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنَعَ الرُّقَادَ بَلَابِلٌ وَهُمُومُ وَاللَّيْلُ مُعْتَلِجُ الرِّوَاقِ بَهِيمُ مِمَّا أَتَانِي أَنَّ أَحْمَدَ لَامَنِي فِيهِ فَبِتُّ كَأَنَّنِي مَحْمُومُ يَا خَيْرَ مَنْ حَمَلَتْ عَلَى أَوْصَالِهَا عَيْرَانَةٌ سُرُحُ الْيَدَيْنِ غَشُومُ إِنِّي لَمُعْتَذِرٌ إِلَيْكَ مِنَ الَّذِي أَسْدَيْتُ إِذْ أَنَا فِي الضَّلَالِ أَهِيمُ أَيَّامَ تَأْمُرُنِي بِأَسْوَأِ خُطَّةٍ سَهْمٌ وَتَأْمُرُنِي بِهَا مَخْزُومُ وَأَمُدُّ أَسْبَابَ الرَّدَى وَيَقُودُنِي أَمْرُ الْغُوَاةِ وَأَمْرُهُمْ مَشْئُومُ مَضَتِ الْعَدَاوَةُ وَانْقَضَتْ أَسْبَابُهَا وَأَتَتْ أَوَاصِرُ بَيْنَنَا وَحُلُومُ فَاغْفِرْ فِدًى لَكَ وَالِدَايَ كِلَاهُمَا وَارْحَمْ فَإِنَّكَ رَاحِمٌ مَرْحُومُ وَعَلَيْكَ مِنْ سِمَةِ الْمَلِيكِ عَلَامَةٌ فَوْزٌ أَعَزُّ وَخَاتَمٌ مَخْتُومُ أَعْطَاكَ بَعْدَ مَحَبَّةٍ بُرْهَانَهُ شَرَفًا، وَبُرْهَانُ الْإِلَهِ عَظِيمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو سُفْيَانَ: كَانَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ أَيَّامًا، وَكَانَ يَأْلَفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُشَبَّهُ بِهِ، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَادَاهُ وَهَجَاهُ وَهَجَا أَصْحَابَهُ. وَكَانَ شَاعِرًا، فَمَكَثَ عِشْرِينَ سَنَةً عَدُوًّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْ مَوْضِعٍ تَسِيرُ فِيهِ قُرَيْشٌ لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا تَحَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْخُرُوجِ إِلَى غُزَاةِ الْفَتْحِ أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الْإِسْلَامَ، فَجَاءَ إِلَى زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ فَقَالَ: تَهَيَّؤُوا لِلْخُرُوجِ فَقَدْ أَظَلَّ قُدُومُ مُحَمَّدٍ، فَقَالُوا لَهُ: آنَ لَكَ أَنْ تَنْصُرَ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ، قَدْ تَبِعْتَ مُحَمَّدًا وَأَنْتَ مُوضِعٌ فِي عَدَاوَتِهِ، وَكُنْتَ أَوْلَى النَّاسِ بِنُصْرَتِهِ، فَخَرَجَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَذَرَ دَمَهُ، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَحَوَّلَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ: أَنَا مَقْتُولٌ لَا مَحَالَةَ، فَأَسْلَمَ وَخَرَجَ مَعَهُ حَتَّى شَهِدَ فَتْحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا. قَالَ: فَلَمَّا لَقِينَا الْعَدُوَّ بِحُنَيْنٍ اقْتَحَمْتُ عَنْ فَرَسِي وَبِيَدَيِ السَّيْفُ صَلْتًا، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي أُرِيدُ الْمَوْتَ دُونَهُ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيَّ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ أَخُوكَ وَابْنُ عَمِّكَ، أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ فَارْضَ عَنْهُ، قَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ"، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ عَدَاوَةٍ عَادَانِيهَا، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَخِي، لَعَمْرِي، فَقَبَّلْتُ رِجْلَهُ فِي الرِّكَابِ، وَقُلْتُ: لَا تَثْرِيبَ، قَالَ: لَا تَثْرِيبَ. حَجَّ أَبُو سُفْيَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَحَلَقَهُ الْحَلَّاقُ بِمِنًى وَفِي رَأْسِهِ ثُؤْلُولٌ فَقَطَعَهُ، فَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ. قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ الْوَفَاةُ قَالَ لِأَهْلِهِ: لَا تَبْكُوا عَلَيَّ؛ فَإِنِّي لَمْ أَتَنَطَّفْ بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: مَاتَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ، وَحَفَرَ قَبْرَ نَفْسِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ. أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ بْنِ خَالِدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ، وَهِيَ الرُّمَيْصَاءُ: وَاخْتَلَفُوا فِي اسْمِهَا، فَرَوَى الْبَغَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: اسْمُهَا مُلَيْكَةُ، وَلَقَبُهَا الرُّمَيْصَاءُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: اسْمُهَا سُهَيْلَةُ، وَقِيلَ: رُمَيْلَةُ، وَقِيلَ: رُمَيْثَةُ، وَقِيلَ: أَنِيفَةُ. تَزَوَّجَهَا مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ، فَوَلَدَتْ لَهُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ عَدُوٌّ فَقَتَلَهُ، فَخَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ. عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنِّي فِيكَ لَرَاغِبَةٌ، وَمَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي، وَلَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ أَبُو طَلْحَةَ فَتَزَوَّجَهَا. عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ يَضْحَكُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَمْ تَرَ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ"؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْهُمْ طَعَنْتُهُ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]، قَالَ: زَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سُلَيْمٍ فَصَلَّى فِي بَيْتِهَا تَطَوُّعًا، وَقَالَ: "يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، إِذَا صَلَّيْتِ الْمَكْتُوبَةَ فَقُولِي: سُبْحَانَ اللَّهِ عَشْرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَشْرًا، وَاللَّهُ أَكْبَرُ عَشْرًا، ثُمَّ سَلِي اللَّهَ مَا شِئْتِ، فَإِنَّهُ يُقَالُ لَكِ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ". عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ ]، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ ابْنٌ لِي وَزَوْجِي غَائِبٌ، فَقُمْتُ فَسَجَّيْتُهُ فِي نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَدِمَ زَوْجِي، فَتَطَيَّبْتُ لَهُ، فَوَقَعَ عَلَيَّ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِطَعَامٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فَقُلْتُ: أَلَا أُعْجِبُكَ مِنْ جِيرَانِنَا، قَالَ: وَمَا لَهُمْ؟ قُلْتُ: أُعِيرُوا عَارِيَةً فَلَمَّا طُلِبَتْ مِنْهُمْ جَزِعُوا، قَالَ: بِئْسَ مَا صَنَعُوا، فَقُلْتُ: هُوَ ابْنُكَ، فَقَالَ: لَا جَرَمَ، لَا تَغْلِبِينِي عَلَى الصَّبْرِ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "بِتُّمَا عَرُوسَيْنِ وَهُوَ إِلَى جَانِبِكُمَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي لَيْلَتِهِمْ"، فَلَقَدْ رَأَيْتُ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ سَبْعَةً كُلُّهُمْ قَدْ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. سَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ -وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ الْقَارِئُ -، وَيُكَنَّى أَبَا زَيْدٍ. وَيَرْوِي الْكُوفِيُّونَ أَنَّهُ مِمَّنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَابْنُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، وَلَّاهُ عُمَرُ عَلَى بَعْضِ الشَّامِ. وَقُتِلَ سَعْدٌ شَهِيدًا يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ أَهْدَاهَا الْمُقَوْقِسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَوَلَدَتْ مِنْهُ إِبْرَاهِيمَ، وَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ؓ يُنْفِقُ عَلَيْهَا حَتَّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ أَنْفَقَ عَلَيْهَا عُمَرُ ؓ، فَتُوُفِّيَتْ فِي مَحْرَمٍ هَذِهِ السَّنَةَ، فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ لِشُهُودِ جِنَازَتِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا، وَقَبَرَهَا بِالْبَقِيعِ. الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضِرِ بْنِ ضَمْضَمَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ: أُمُّهُ أُمُّ سُلَيْمٍ بِنْتُ مِلْحَانَ، وَهُوَ أَخُو أَنَسٍ لِأَبَوَيْهِ، شَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ شُجَاعًا ذَا نِكَايَةٍ فِي الْحُرُوبِ، وَكَانَ عُمَرُ يَكْتُبُ: لَا تَسْتَعْمِلُوا الْبَرَاءَ عَلَى جَيْشٍ مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّهُ مُهْلِكُهُ، يُقْدِمُ بِهِمْ، وَإِنَّهُ رَكِبَ فَرَسَهُ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهَا -وَاللَّهِ- الْجَنَّةُ، وَمَا إِلَى الْمَدِينَةِ [مِنْ] سَبِيلٍ، فَمَضَغَ فَرَسَهُ مُضُغَاتٍ، ثُمَّ كَبَسَ وَكَبَسَ النَّاسُ مَعَهُ، فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِي مَدِينَتِهِمْ ثُلْمَةٌ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ: أَنَّ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَوْا إِلَى حَائِطٍ قَدْ أُغْلِقَ بَابُهُ فِيهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَعَدَ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى تُرْسٍ وَقَالَ: ارْفَعُونِي بِرِمَاحِكُمْ فَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا فَأَدْرَكُوهُ وَقَدْ قَتَلَ مِنْهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "كَمْ مِنْ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ ذِي طِمْرَيْنِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ". وَأَنَّ الْبَرَاءَ لَقِيَ زَحْفًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ أَوْجَفَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا بَرَاءُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِنَّكَ لَوْ أَقْسَمْتَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّكَ، فَاقْسِمْ عَلَى رَبِّكَ، فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّ لَمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ، فَمُنِحُوا أَكْتَافَهُمْ. ثُمَّ الْتَقَوْا عَلَى قَنْطَرَةِ السُّوسِ فَأَوْجَفُوا فِي الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: اقْسِمْ يَا بَرَاءُ عَلَى رَبِّكَ، [فَقَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَبِّي] لَمَا مَنَحْتَنَا أَكْتَافَهُمْ وَأَلْحَقَتْنِي بِنَبِيِّي ﷺ، فَمُنِحُوا أَكْتَافَهُمْ، وَقُتِلَ شَهِيدًا. قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ تُسْتَرَ [ حُدَيْرٌ: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَّمَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ قَسْمًا وَنَسِيَ حُدَيْرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، نَسِيتَ حُدَيْرًا، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهِ، قَالَ الَّذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِهِ: فَأَدْرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَقُلْتُ: يَا هَذَا، ارْجِعْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ عُوتِبَ فِيكَ، فَقَالَ: يَا مَنْ لَمْ تَنْسَ حُدَيْرًا اجْعَلْ حُدَيْرًا لَا يَنْسَاكَ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: حُدْيَرٌ، وَكَانَتْ تِلْكَ السَّنَةُ قَدْ أَصَابَتْهُمْ شِدَّةٌ مِنْ قِلَّةِ الطَّعَامِ، فَزَوَّدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَسِيَ أَنْ يُزَوِّدَ حُدَيْرًا، فَخَرَجَ حُدَيْرٌ صَابِرًا مُحْتَسِبًا وَهُوَ فِي آخِرِ الرَّكْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَيَقُولُ: نِعْمَ الزَّادُ هُوَ يَا رَبِّ، فَهُوَ يُرَدِّدُهَا وَهُوَ فِي آخِرِ الرَّكْبِ. قَالَ: فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ رِبِّي أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ يُخْبِرُكَ أَنَّكَ زَوَّدْتَ أَصْحَابَكَ وَنَسِيتَ أَنْ تُزَوِّدَ حُدَيْرًا، وَهُوَ فِي آخِرِ الرَّكْبِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَيَقُولُ: نِعْمَ الزَّادُ هُوَ يَا رَبِّ. قَالَ: وَكَلَامُهُ ذَلِكَ لَهُ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَابْعَثْ إِلَيْهِ بِزَادٍ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا فَدَفَعَ إِلَيْهِ الزَّادَ، حَفِظَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، وَيُخْبِرُكَ أَنَّهُ كَانَ نَسِيَ أَنْ يُزَوِّدَكَ، وَإِنَّ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرْسَلَ إِلَيَّ جِبْرِيلَ يُذَكِّرُنِي بِكَ، فَذَكَّرَهُ جِبْرِيلُ وَأَعْلَمَهُ مَكَانَكَ. قَالَ: فَانْتَهَى إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَيَقُولُ: نِعْمَ الزَّادُ هَذَا يَا رَبِّ. قَالَ: فَدَنَا مِنْهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ، وَقَدْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ بِزَادٍ وَيَقُولُ: إِنَّمَا نَسِيتُكَ فَأُرْسِلَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ مِنَ السَّمَاءِ يُذَكِّرُنِي بِكَ. قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ذَكَرَنِي رَبِّي مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَفَوْقَ عَرْشِهِ وَرَحِمَ جُوعِي وَضَعْفِي، يَا رَبِّ كَمَا لَمْ تَنْسَ حُدَيْرًا فَاجْعَلْ حُدَيْرًا لَا يَنْسَاكَ. قَالَ: فَحَفِظَ مَا قَالَ فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بِمَا سَمِعَ مِنْهُ حِينَ أَتَاهُ، وَبِمَا قَالَ حِينَ أَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَمَا إِنَّكَ لَوْ رَفَعْتَ رَأْسَكَ إِلَى السَّمَاءِ لَرَأَيْتَ لِكَلَامِهِ نُورًا سَاطِعًا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" [ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ حَبِيبٍ، أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: وَكَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَدِمَ فَشَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ] وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ]. 206 - عُمَيْرُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ حَطْمَةَ، وَهُوَ عُمَيْرٌ الْقَارِيُّ: وَكَانَ قَدِيمَ الْإِسْلَامِ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَتْ عَصْمَاءُ بِنْتُ مَرْوَانَ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتُحَرِّضُ عَلَيْهِ وَتَعِيبُ الْإِسْلَامَ وَتَقُولُ فِي ذَلِكَ الشِّعْرَ، فَلَمَّا غَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَدْرٍ نَذَرَ عُمَيْرٌ إِنِ اللَّهُ رَدَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَالِمًا أَنْ يَقْتُلَ عَصْمَاءَ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَدْرٍ أَتَاهَا عُمَيْرٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَتَلَهَا، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ". وَكَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ أَوَّلَ مَا سُمِعَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إِلَى رَجُلٍ نَصَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ بِالْغَيْبِ فَانْظُرُوا إِلَى عُمَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ". وَكَانَ عُمَيْرٌ يُؤَذِّنُ لِقَوْمِهِ [ عَدِيُّ بْنُ أَبِي الزَّغْبَاءِ، وَاسْمُ أَبِي الزَّغْبَاءِ سِنَانُ بْنُ سُبَيْعٍ: بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ بَسْبَسَ بْنِ عَمْرٍو الْجُهَنِيِّ طَلِيعَةً يَتَجَسَّسَانِ خَبَرَ الْعِيرِ، فَوَرَدَا بَدْرًا فَوَجَدَا الْعِيرَ قَدْ مَرَّتْ وَفَاتَتْهُمَا - فَرَجَعَا فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ. وَشَهِدَ عَدِيٌّ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ، وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ. الْأَغْلَبُ بْنُ جُشَمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عِجْلِ بْنِ جُشَمَ : عُمِّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ طَوِيلًا، وَأَدْرَكَ الْإِسْلَامَ، فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَهَاجَرَ، ثُمَّ كَانَ مِمَّنْ تَوَجَّهَ إِلَى الْكُوفَةِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَاسْتُشْهِدَ فِي وَقْعَةِ نَهَاوَنْدَ، فَقَبْرُهُ هُنَاكَ مَعَ قُبُورِ الشُّهَدَاءِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَجَزَ الْأَرَاجِيزَ، وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ قَدْ كَتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ: أَنِ اسْتَنْشِدْ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الشُّعَرَاءِ مَا قَالُوهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَبِيَدٌ: أَبْدَلَنِي اللَّهُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ مَكَانَ الشِّعْرِ، وَجَاءَ الْأَغْلَبُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: أَرَجْزًا تُرِيدُ أَمْ قَصِيدَا لَقَدْ سَأَلَتْ هَيِّنًا مَوْجُودَا فَكَتَبَ الْمُغِيرَةُ بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَنَقَصَ مِنْ عَطَاءِ الْأَغْلَبِ خَمْسَمِائَةٍ وَجَعَلَهَا فِي عَطَاءِ لَبِيَدٍ، [فَكَتَبَ الْأَغْلَبُ إِلَى عُمَرَ: أَتُنْقِصُ عَطَائِي أَنْ أَطَعْتُكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ خَمْسَمِائَةٍ وَأَقَرَّهَا فِي عَطَاءِ لَبِيَدٍ] صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ بْنِ رَخِيصَةَ أَبُو عَمْرٍو الذَّكْوَانِيُّ السُّلَمِيُّ: أَسْلَمَ قَبْلَ غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَشَهِدَهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، قُتِلَ يَوْمَ أَرْمِينِيَّةَ، وَقِيلَ: مَاتَ بِشَمِيشَاطَ سَنَةَ سِتِّينَ. طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ الْأَشْتَرِ بْنِ جَحْوَانَ: وَكَانَ طُلَيْحَةُ يُعَدُّ بِأَلْفِ فَارِسٍ؛ لِشِدَّتِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَبَصَرِهِ بِالْحَرْبِ. وَفَدَ طُلَيْحَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَنَةِ تِسْعٍ فِي جَمَاعَةٍ فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ ارْتَدُّوا، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ -عَلَى مَا سَبَقَ شَرْحُهُ- فَلَمَّا أَوْقَعَ بِهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِبَزَاخَةَ هَرَبَ طُلَيْحَةُ حَتَّى قَدِمَ الشَّامَ، فَأَقَامَ حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ ؓ، ثُمَّ خَرَجَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ، وَقَدِمَ مَكَّةَ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ: يَا طُلَيْحَةُ، لَا أُحِبُّكَ بَعْدَ قَتْلِ الرَّجُلَيْنِ الصَّالِحَيْنِ: عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ، وَثَابِتِ بْنِ أَقْرَمَ -وَكَانَا طَلِيعَتَيْنِ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَلَقِيَهُمَا طُلَيْحَةُ وَأَخُوهُ سَلَمَةُ فَقَتَلَاهُمَا- فَقَالَ طُلَيْحَةُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ أَكْرَمَهُمَا اللَّهُ بِيَدِي وَلَمْ يُهِنِّي بِأَيْدِيهِمَا. فَأَسْلَمَ إِسْلَامًا صَحِيحًا، وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ وَنَهَاوَنْدَ، وَكَتَبَ عُمَرُ ؓ: شَاوِرُوا طُلَيْحَةَ فِي حَرْبِكُمْ وَلَا تُوَلُّوهُ شَيْئًا، وَقُتِلَ بِنَهَاوَنْدَ. عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُصْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُبَيْدٍ، أَبُو ثَوْرٍ الزُّبَيْدِيُّ: كَانَ فَارِسًا شُجَاعًا شَاعِرًا، لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْغَارَاتُ الْعَظِيمَةُ وَالْوَقَائِعُ الْعَجِيبَةُ، وَكَانَ عَلَى سَيْفِهِ مَكْتُوبٌ: ذَكَرٌ عَلَى ذَكَرٍ يَصُولُ بِصَارِمٍ ذَكَرٌ يَمَانٍ فِي يَمِينِ يَمَانِي كَانَ عَمْرٌو لَقِيَ حَيِّي الْكِنْدِيَّةَ بِذِي الْمَجَازِ -وَهِيَ سُوقُ عَرَفَاتٍ- فَأَعْجَبَهُ جَمَالُهَا وَعَقْلُهَا، فَعَرَضَ عَلَيْهَا نَفْسَهُ وَقَالَ: هَلْ لَكِ فِي كُفْؤٍ كَرِيمٍ ضَرُوبٍ لِهَامِ الرِّجَالِ غَشُومٍ مَوَاتٍ، لَكِ طَيِّبُ الْجِسْمِ مِنْ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ فِي الصَّمِيمِ، قَالَتْ: أَمِنْ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ؟ قَالَ: مِنْ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ فِي أَرُومَةِ مَحْتِدِهَا وَعِزَّتِهَا الْمُنِيرَةِ، إِنْ كُنْتِ بِالْفُرْصَةِ بَصِيرَةً، قَالَتْ: إِنَّ لِي بَعْلًا يَصْدُقُ اللِّقَاءَ، وَيُخِيفُ الْأَعْدَاءَ، وَيُجْزِلُ الْعَطَاءَ، قَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لَكِ بَعْلًا مَا سُمْتُكِ نَفْسَكِ وَلَا عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَيْكِ، فَكَيْفَ أَنْتِ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَتْ: لَا أَصِيفُ عَنْكَ وَلَا أَعْدِلُ بِكَ وَلَا أُقَصِّرُ دُونَكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ يَغُرَّكَ قَوْلِي فَتُعَرِّضَ نَفْسَكَ لِلْقَتْلِ، فَإِنِّي أَرَاكَ مُفْرَدًا مِنَ النَّاصِرِ وَالْأَهْلِ، وَصَاحِبِي فِي عِزَّةٍ مِنَ الْأَهْلِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ، فَانْصَرَفَ عَنْهَا عَمْرٌو، وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا وَهِيَ لَا تَعْلَمُ، فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى زَوْجِهَا سَأَلَهَا عَمَّا رَأَتْ فِي طَرِيقِهَا، فَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا مَخِيلًا لِلنَّاسِ يَتَعَرَّضُ لِلْقِتَالِ، وَيَخْطُبُ حَلَائِلَ الرِّجَالِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيَّ فَوَصَفْتُكَ لَهُ. فَقَالَ زَوْجُهَا: ذَاكَ عَمْرٌو، وَلَدَتْنِي أُمُّهُ إِنْ لَمْ أَتَكِّ بِهِ مَقْرُونًا مَجْنُونًا إِلَى حَمْلٍ صَعْبِ الْمِرَاسِ غَيْرِ ذَلُولٍ. فَلَمَّا سَمِعَ عَمْرٌو كَلَامَهُ دَخَلَ عَلَيْهِ بَغْتَةً فَقَتَلَهُ، وَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا قَضَى وَطَرَهُ مِنْهَا قَالَ لَهَا: إِنِّي لَمْ أَقَعْ عَلَى امْرَأَةٍ قَطُّ -فِي جِمَاعِي إِلَّا حَمَلَتْ، وَلَا أَرَاكِ إِلَّا قَدْ فَعَلْتِ، فَإِنْ رُزِقْتِ غُلَامًا فَسَمِّيهِ الْخَزْرَ، وَإِنْ رُزِقْتِ جَارِيَةً فَسَمِّيهَا عِكْرِشَةَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا أَمَارَةً، ثُمَّ مَضَى لِطَيِّبِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا يَتَعَرَّضُ لِلْقِتَالِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ عَلَى فَرَسٍ شَاكِي السِّلَاحِ، فَدَعَاهُ عَمْرٌو لِلْمُبَارَزَةِ، فَلَمَّا اتَّحَدَا صَرَعَ الْفَتَى عَمْرًا وَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ يُرِيدُ ذَبْحَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عَمْرٌو، فَقَامَ الْفَتَى عَنْ صَدْرِهِ وَقَالَ: أَنَا ابْنُكَ الْخَزْرُ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: سِرْ إِلَى صَنْعَاءَ وَلَا تُنَافِنِي فِي بَلَدٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ سَادَ مَنْ هُوَ بَيْنَ ظَهْرَيْهِ، فَاسْتَنْفَرُوهُ وَأَمَرُوهُ بِقِتَالِ أَبِيهِ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ غَارَاتِ عَمْرٍو عَلَيْهِمْ، فَالْتَقَيَا فَقَتَلَهُ عَمْرٌو. [وَرَوَى عَبَّاسُ بْنُ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي] أَبُو الْمُنْذِرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى خَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ قَالَ لِقَيْسِ بْنِ مَكْشُوحٍ: يَا قَيْسُ، إِنَّكَ سَيِّدُ قَوْمِكَ، وَقَدْ ذُكِرَ لِي أَمْرُ هَذَا الْقُرَشِيِّ الظَّاهِرِ بِالْحِجَازِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ فَلْنَعْلَمْ عِلْمَهُ، فَإِنْ كَانَ نَبِيًّا كَمَا يَقُولُ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ، فَأَبَى قَيْسٌ وَسَفَّهَ رَأْيَهُ، فَرَكِبَ عَمْرٌو رَاحِلَتَهُ مَعَ وَفْدٍ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَ عَمْرٌو: فَوَافَيْتُهُ قَافِلًا مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَذَهَبْتُ أَتَقَدَّمُ إِلَيْهِ فَمُنِعْتُ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: خَلُّوا سَبِيلَ الرَّجُلِ، فَأَقْبَلْتُ حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْعِمْ صَبَاحًا أَبَيْتَ اللَّعْنَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا عَمْرُو، إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، فَآمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يُؤَمِّنْكَ اللَّهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ". قَالَ عَمْرٌو: مَا الْفَزَعُ؟ فَإِنِّي لَا أَفْزَعُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِمَا تَرَى وَتَحْسَبُ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ صِيحَ بِالنَّاسِ صَيْحَةً لَا يَبْقَى ذُو رُوحٍ إِلَّا مَاتَ، وَلَا مَيِّتٌ إِلَّا نُشِرَ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَتَلِجُّ تِلْكَ الصَّيْحَةُ حَتَّى تَدُورَ مِنْهَا الْأَرْضُ، وَتَخِرَّ مِنْهَا الْجِبَالُ، وَتَنْشَقَّ مِنْهَا السَّمَاءُ، وَتَبْرُزَ النَّارُ، لَهَا لِسَانَانِ تَرْمِي بِشَرَرٍ مِثْلَ أَفْلَاقِ الْجِبَالِ، فَلَا يَبْقَى ذُو رُوحٍ إِلَّا انْخَلَعَ قَلْبُهُ، وَذَكَرَ ذَنْبَهُ، فَأَيْنَ أَنْتَ مِنَ الْفَزَعِ يَا عَمْرُو؟ ". قَالَ عَمْرٌو: لَا أَيْنَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "فَأَسْلِمْ إِذَنْ" قَالَ عَمْرٌو: فَأَسْلَمْتُ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَسْلَمَ عَمْرٌو، وَسَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَى عَنْهُ، ثُمَّ ارْتَدَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَهُ عُمَرُ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِالْقَادِسِيَّةِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ أَمْدَدْتُكَ بِأَلْفَيْ رَجُلٍ: عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، وَطُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، فَشَاوِرْهُمَا فِي الْحَرْبِ وَلَا تُوَلِّهِمَا شَيْئًا، فَأَبْلَى عَمْرٌو يَوْمَئِذٍ بَلَاءً حَسَنًا. قَالَ عَمْرٌو: وَكَانَتْ خَيْلُ الْمُسْلِمِينَ تَنْفِرُ مِنَ الْفِيَلَةِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، وَخَيْلُ الْفُرْسِ لَا تَنْفِرُ، فَأَمَرْتُ رَجُلًا فَتَرَّسَ عَنِّي ثُمَّ دَنَوْتُ مِنَ الْفِيلِ وَضَرَبْتُ خَطْمَهُ فَقَطَعْتُهُ، [فَنَفَرَ] وَنَفَرَتِ الْفِيَلَةُ فَحَطَّمَتِ الْعَسْكَرَ، وَأَلَحَّ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْهَزَمُوا، وَكَانَ لِعَمْرٍو يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ ثَلَاثُونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ يَسْأَلُ عَمْرَو بْنَ مَعْدِيكَرِبَ عَنْ أَشْيَاءَ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَرْبِ، فَقَالَ: مُرَّةُ الْمَذَاقِ إِذَا كَشَفَتْ عَنْ سَاقٍ، مَنْ صَبَرَ فِيهَا عَرَفَ، وَمَنْ ضَعُفَ فِيهَا تَلِفَ. وَسَأَلَهُ عَنِ السِّلَاحِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي الرُّمْحِ؟ فَقَالَ: أَخُوكَ وَرُبَّمَا خَانَكَ، قَالَ: فَالنَّبْلُ؟ قَالَ: مَنَايَا تُخْطِئُ وَتُصِيبُ، قَالَ: فَالدِّرْعُ؟ قَالَ: مَشَغَلَةٌ لِلْفَارِسِ مَتْعَبَةٌ لِلرَّاجِلِ، وَإِنَّهُ لَحِصْنٌ حَصِينٌ، قَالَ: فَالتُّرْسُ؟ قَالَ: هُوَ الْمِجَنُّ عَلَيْهِ تَدُورُ الدَّوَائِرُ، قَالَ: فَالسَّيْفُ؟ قَالَ: عِنْدَهَا فَارْتَقَتْكَ أُمُّكَ عَنِ الثُّكْلِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: بَلْ أُمُّكَ، قَالَ: بَلْ أُمِّي وَالْحُمَّى أَضْرَعَتْنِي لَكَ، وَهَذَا مَثَلٌ مَعْنَاهُ: أَنَّ الْإِسْلَامَ أَذَلَّنِي وَلَوْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَجْسُرْ أَنْ تَرُدَّ عَلَيَّ. وَقَالَ لَهُ يَوْمًا: حَدَّثَنِي عَنْ أَشْجَعِ مَنْ لَقِيتَ، وَأَجَبْنِ مَنْ لَقِيتَ. فَقَالَ: مَا عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: دَخَلَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ يَوْمًا عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَمْرُو، أَخْبِرْنِي عَنْ أَشْجَعِ مَنْ لَقِيتَ، وَأَحْيَلِ مَنْ لَقِيتَ، وَأَجَبْنِ مَنْ لَقِيتَ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. خَرَجْتُ مَرَّةً أُرِيدُ الْغَارَةَ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ إِذَا أَنَا بِفَرَسٍ مَشْدُودٍ وَرُمْحٍ مَرْكُوزٍ، وَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَ [إِذَا] هُوَ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ خِلْقَةً، وَهُوَ مُجْتَبٍ بِسَيْفٍ، فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ حَذَرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، فَشَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ، فَهَذَا أَجْبَنُ مَنْ رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَخَرَجْتُ يَوْمًا آخَرَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى حَيٍّ، فَإِذَا أَنَا بِفَرَسٍ مَشْدُودٍ وَرُمْحٍ مَرْكُوزٍ، وَإِذَا صَاحِبُهُ فِي وَهْدَةٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ حَذَرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، فَقَالَ: يَا أَبَا ثَوْرٍ، مَا أَنْصَفْتَنِي، أَنْتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِكَ، وَأَنَا فِي بِئْرٍ، فَأَعْطِنِي عَهْدًا أَنَّكَ لَا تَقْتُلُنِي حَتَّى أَرْكَبَ فَرَسِي وَآخُذَ حَذَرِي، فَأَعْطَيْتُهُ عَهْدًا أَلَّا أَقْتُلَهُ حَتَّى يَرْكَبَ فَرَسَهُ وَيَأْخُذَ حَذَرَهُ، فَخَرَجَ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، ثُمَّ اجْتَبَى بِسَيْفِهِ وَجَلَسَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: مَا أَنَا بِرَاكِبٍ فَرَسِي وَلَا بِمُقَاتِلِكَ، فَهَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَلُ مَنْ رَأَيْتُ. ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ يَوْمًا آخَرَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مَوْضِعٍ كُنْتُ أَقْطَعُ فِيهِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَأَجْرَيْتُ فَرَسِي يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا أَنَا بِفَارِسٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ غُلَامٌ وَجْهُهُ مِنْ أَجْمَلِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ الْفِتْيَانِ وَأَحْسَنِهِمْ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ نَحْوِ الْيَمَامَةِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنِّي سَلَّمَ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: مَنِ الْفَتَى؟ فَقَالَ: الْحَارِثُ بْنُ سَعْدٍ فَارِسُ الشَّهْبَاءِ، فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ حَذَرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ، فَمَضَى وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيَّ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فَتَى خُذْ حَذَرَكَ فَإِنِّي قَاتِلُكَ. قَالَ: الْوَيْلُ لَكَ، مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ، قَالَ: الْحَقِيرُ الذَّلِيلُ، وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُنِي مِنْ قَتْلِكَ إِلَّا اسْتِصْغَارُكَ، قَالَ: فَتَصَاغَرَتْ نَفْسِي إِلَيَّ وَعَظُمَ عِنْدِي مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ حَذَرَكَ، فَوَاللَّهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلَّا أَحَدُنَا، قَالَ: اغْرُبْ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ فَإِنِّي مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مَا نَكَلْنَا عَنْ فَارِسٍ قَطُّ، فَقُلْتُ: هُوَ الَّذِي نَسْمَعُ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ، فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تَطْرُدَ لِي أَوْ أَطْرُدَ لَكَ، فَاغْتَمَمْتُهَا مِنْهُ فَقُلْتُ: اطَّرِدْ لِي، فَاطَّرَدَ وَحَمَلْتُ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا قُلْتُ إِنِّي قَدْ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إِذَا هُوَ قَدْ صَارَ حِزَامًا لِفَرَسِهِ ثُمَّ اتَّبَعَنِي فَقَرَعَ بِالْقَنَاةِ رَأْسِي وَقَالَ: يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ وَاحِدَةً، فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ قَتْلَ مِثْلِكَ لَقَتَلْتُكَ، فَتَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي وَكَانَ الْمَوْتُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا رَأَيْتُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلَّا أَحَدُنَا، فَقَالَ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ، فَقُلْتُ: اطَّرِدْ لِي فَاطَّرَدَ، فَظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ تَمَكَّنْتُ مِنْهُ، فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى إِذَا ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ صَارَ لَبَبًا لِفَرَسِهِ، ثُمَّ اتَّبَعَنِي فَقَرَعَ رَأْسِي بِالْقَنَاةِ وَقَالَ: يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ اثْنَتَيْنِ فَتَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا يَنْصَرِفُ إِلَّا أَحَدُنَا، فَقَالَ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ، فَقُلْتُ: اطَّرِدْ لِي، فَاطَّرَدَ حَتَّى إِذَا قُلْتُ وَضَعْتُ الرُّمْحَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبْتُ عَنْ فَرَسِهِ، فَإِذَا هُوَ عَلَى الْأَرْضِ فَأَخْطَأْتُهُ وَمَضَيْتُ فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ فَاتَّبَعَنِي فَقَرَعَ رَأْسِي بِالْقَنَاةِ، وَقَالَ: يَا عَمْرُو خُذْهَا إِلَيْكَ ثَلَاثًا، وَلَوْلَا أَنِّي أَكْرَهُ قَتْلَ مِثْلِكَ لَقَتَلْتُكَ، فَقُلْتُ لَهُ: اقْتُلْنِي أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا أَرَى بِنَفْسِي وَأَنْ يَسْمَعَ فِتْيَانُ الْعَرَبِ هَذَا، فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو، إِنَّمَا الْعَفْوُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ إِنِّي إِنِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْكَ الرَّابِعَةَ قَتَلْتُكَ، وَأَنْشَأَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: وَكَّدْتُ أَغُلَاظًا مِنَ الْإِيمَانِ إِنْ عُدْتَ يَا عَمْرُو إِلَى الطُّغْيَانِ لَتُوجَزَنَّ لَهَبَ الشُّبَّانِ وَإِلَّا فَلَسْتُ مِنْ بَنِي شَيْبَانِ فَلَمَّا قَالَ هَذَا هِبْتُهُ هَيْبَةً شَدِيدَةً، وَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ بِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قُلْتُ: أَكُونُ لَكَ صَاحِبًا، وَرَضِيتُ بِذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لَسْتَ مِنْ أَصْحَابِي، وَكَانَ ذَلِكَ وَاللَّهِ أَشَدَّ وَأَعْظَمَ مِمَّا صَنَعَ، فَلَمْ أَزَلْ أَطْلُبُ إِلَيْهِ حَتَّى قَالَ: وَيْحَكَ وَهَلْ تَدْرِي أَيْنَ أُرِيدُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: أُرِيدُ الْمَوْتَ عِيَانًا، فَقُلْتُ: رَضِيتُ بِالْمَوْتِ مَعَكَ، قَالَ: امْضِ بِنَا فَسِرْنَا جَمِيعًا يَوْمًا حَتَّى جَنَّنَا اللَّيْلُ وَذَهَبَ شَطْرُهُ، فَوَرَدْنَا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو، فِي هَذَا الْحَيِّ الْمَوْتُ، وَأَوْمَأَ إِلَى قُبَّةٍ فِي الْحَيِّ، فَقَالَ: وَفِي تِلْكَ الْقُبَّةِ الْمَوْتُ الْأَحْمَرُ، فَإِمَّا أَنْ تُمْسِكَ عَلَيَّ فَرَسِي فَأَنْزِلَ فَآتِيَ بِحَاجَتِي، وَإِمَّا أَنْ أُمْسِكَ عَلَيْكَ فَرَسَكَ وَتَأْتِينِي بِحَاجَتِي، فَقُلْتُ: لَا بَلِ انْزِلْ، فَأَنْتَ أَعْرَفُ بِمَوْضِعِ حَاجَتِكَ، فَرَمَى إِلَيَّ بِعِنَانِ فَرَسِهِ وَنَزَلَ، وَرَضِيتُ وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ أَكُونَ لَهُ سَائِسًا، ثُمَّ مَضَى حَتَّى دَخَلَ الْقُبَّةَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا جَارِيَةً لَمْ تَرَ عَيْنَايَ قَطُّ مِثْلَهَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَحَمَلَهَا عَلَى نَاقَةٍ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَمْرُو، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: إِمَّا أَنْ تَحْمِيَنِي وَأَقُودُ أَنَا، وَإِمَّا أَنْ أَحْمِيَكَ وَتَقُودُ أَنْتَ، قُلْتُ: لَا بَلْ تَحْمِينِي وَأَقُودُ أَنَا، فَرَمَى إِلَيَّ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ ثُمَّ سِرْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ خَلْفَنَا، حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا قَالَ لِي: يَا عَمْرُو، قُلْتُ: لَبَّيْكَ مَا تَشَاءُ، قَالَ: الْتَفِتْ فَانْظُرْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ فَالْتَفَتُّ فَقُلْتُ: أَرَى جِمَالًا، قَالَ: اغْذُذِ السَّيْرَ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَمْرُو، قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: انْظُرْ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ قَلِيلًا فَالْجَلَدُ وَالْقُوَّةُ وَهُوَ الْمَوْتُ، وَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا فَلَيْسُوا بِشَيْءٍ، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَقُلْتُ: هُمْ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ، قَالَ: أَغِذَّ السَّيْرَ، فَفَعَلْتُ وَسَمِعَ وَقْعَ الْخَيْلِ عَنْ قُرْبٍ، فَقَالَ لِي: يَا عَمْرُو، كُنْ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ وَقِفْ وَحَوِّلْ وُجُوهَ دَوَابِّنَا [إِلَى الطَّرِيقِ] فَفَعَلْتُ وَوَقَفْتُ عَنْ يَمِينِ الرَّاحِلَةِ، وَوَقَفَ هُوَ عَنْ يَسَارِهَا، وَدَنَا الْقَوْمُ مِنَّا فَإِذَا هُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فِيهِمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَهُوَ أَبُو الْجَارِيَةِ، وَأَخَوَاهَا غُلَامَانِ شَابَّانِ، فَسَلَّمُوا فَرَدَدْنَا السَّلَامَ وَوَقَفُوا عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: خَلِّ عَنِ الْجَارِيَةِ يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأُخَلِّيَهَا وَلَا لِهَذَا أَخَذْتُهَا، فَقَالَ لِأَصْغَرِ ابْنَيْهِ: اخْرُجْ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَجُرُّ رُمْحَهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ الْحَارِثُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: مِنْ دُونِ مَا تَرْجُوه? خَضْبُ الذَّابِلِ مِنْ فَارِسٍ مُسْتَكْتِمٍ مُقَاتِلِ يَنْمِي إِلَى شَيْبَانَ خَيْرِ وَابِلٍ مَا كَانَ سَيْرِي نَحْوَهَا بِبَاطِلِ ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً دَقَّ مِنْهَا صُلْبَهُ فَسَقَطَ مَيِّتًا. فَقَالَ الشَّيْخُ لِابْنِهِ الْآخَرِ: اخْرُجْ إِلَيْهِ يَا بُنَيَّ فَلَا خَيْرَ فِي الْحَيَاةِ عَلَى الذُّلِّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتَ كَيْفَ كَانَتْ طَعْنَتِي [وَالطَّعْنُ] لِلْقِرْنِ شَدِيدٌ بِهِمَّتِي وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ فِرَاقِ خِلَّتِي فَقَتْلِي الْيَوْمَ وَلَا مَذَلَّتِي ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً سَقَطَ مِنْهَا مَيِّتًا، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: خَلِّ عَنِ الظَّعِينَةِ يَا ابْنَ أَخِي، فَإِنِّي لَسْتُ كَمَنْ رَأَيْتَ، قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُخَلِّيَهَا وَلَا لِهَذَا قَصَدْتُ، فَقَالَ الشَّيْخُ: اخْتَرْ يَا ابْنَ أَخِي، فَإِنْ شِئْتَ طَارَدْتُكَ، وَإِنْ شِئْتَ نَازَلْتُكَ، قَالَ: فَاغْتَنَمَهَا الْفَتَى فَقَالَ: نَازِلْنِي، ثُمَّ نَزَلَ وَنَزَلَ الشَّيْخُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: مَا أَرْتَجِي عِنْدَ فَنَاءِ عُمْرِي سَأَجْعَلُ السِّنِينَ مِثْلَ الشَّهْرِ شَيْخٌ يُحَامِي دُونَ بِيضِ الْخِدْرِ إِنِ اسْتَبَاحَ الْبِيضَ قَصْمُ الظَّهْرِ سَوْفَ تَرَى كَيْفَ يَكُونُ صَبْرِي فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: بَعْدَ ارْتِحَالِي وَطَوِيلِ سَفَرِي وَقَدْ ظَفِرْتُ وَشَفَيْتُ صَدْرِي وَالْمَوْتُ خَيْرٌ مِنْ لِبَاسِ الْغَدْرِ وَالْعَارُ أُهْدِيهِ لِحَيِّ بَكْرِ ثُمَّ دَنَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: يَا ابْنَ أَخِي إِنْ شِئْتَ ضَرَبْتُكَ، فَإِنْ بَقِيَتْ فِيكَ قُوَّةٌ ضَرَبْتَنِي، وَإِنْ شِئْتَ فَاضْرِبْنِي فَإِنْ بَقِيَتْ فِيَّ قُوَّةٌ ضَرَبْتُكَ، فَاغْتَنَمَهَا الْفَتَى فَقَالَ: أَنَا أَبْدَأُ أَوَّلَ، قَالَ: هَاتِ، فَرَفَعَ الْحَارِثُ السَّيْفَ، فَلَمَّا نَظَرَ الشَّيْخُ أَنَّهُ قَدْ أَهْوَى بِهِ إِلَى رَأْسِهِ ضَرَبَ بَطْنَهُ ضَرْبَةً قَدَّ مِنْهَا أَمْعَاءَهُ، وَوَقَعَتْ ضَرْبَةُ الْحَارِثِ فِي رَأْسِهِ فَسَقَطَا مَيِّتَيْنِ، فَأَخَذْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْبَعَةَ أَفْرَاسٍ وَأَرْبَعَةَ أَسْيَافٍ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ إِلَى النَّاقَةِ، فَقُدْتُ أَعِنَّةَ الْأَفْرَاسِ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ وَجَعَلْتُ أَقُودُهَا، فَقَالَتْ لِي الْجَارِيَةُ: يَا عَمْرُو، إِلَى أَيْنَ وَلَسْتَ لِي بِصَاحِبٍ وَلَسْتَ كَمَنْ رَأَيْتَ، وَلَوْ كُنْتَ صَاحِبِي لَسَلَكْتَ سَبِيلَهُمْ، فَقُلْتُ: اسْكُتِي، قَالَتْ: فَإِنْ كُنْتُ صَادِقًا فَأَعْطِنِي رُمْحًا أَوْ سَيْفًا فَإِنْ غَلَبْتَنِي فَأَنَا لَكَ وَإِنْ غَلَبْتُكَ قَتَلْتُكَ، فَقُلْتُ لَهَا: مَا [أَنَا] بِمُعْطِيكِ ذَلِكَ وَقَدْ عَرَفْتُ أَصْلَكِ وَجُرْأَةَ قَوْمِكَ وَشَجَاعَتَهُمْ، فَرَمَتْ بِنَفْسِهَا عَنِ الْبَعِيرِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ إِلَيَّ وَهِيَ تَرْتَجِزُ وَتَقُولُ: أَبْعَدَ شَيْخِي وَبَعْدَ أُخُوَّتِي أَطْلُبُ عَيْشًا بَعْدَهُمْ فِي لَذَّتِي هَلَّا يَكُونُ قَبْلَ ذَا مَنِيَّتِي ثُمَّ أَهْوَتْ إِلَى الرُّمْحِ وَكَادَتْ تَنْتَزِعُهُ مِنْ يَدِي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهَا خِفْتُ إِنَّ هِيَ ظَفِرَتْ بِي أَنْ تَقْتُلَنِي فَقَتَلْتُهَا. فَهَذَا أَشَدُّ مَا رَأَيْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقْتَ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: قُتِلَ النُّعْمَانُ وَطُلَيْحَةُ وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ يَوْمَ نَهَاوَنْدَ وَقُبُورُهُمْ هُنَاكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: دُفِنَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ بِرُوذَةَ وَهِيَ بَيْنَ قُمَّ وَالرَّيِّ، وَهُنَاكَ مَاتَ. وَرَثَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: لَقَدْ غَادَرَ الرَّكْبُ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا بِرُوذَةَ شَخْصًا لَا ضَعِيفًا وَلَا غَمْرَا فَقُلْ لِزُبَيْدٍ بَلْ لِمَذْحِجَ كُلِّهَا فَقَدْتُمْ أَبَا ثَوْرٍ سِنَانَكُمُ عَمْرَا وَإِنْ تَجْزَعُوا لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْكُمُ وَلَكِنْ سَلُوا الرَّحْمَنَ يَعْقُبُكُمْ صَبْرَا وَقِيلَ: إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَقِيلَ: أَدْرَكَ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عَيَّاشُ بْنُ [أَبِي] رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ: أُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ مَخْرَمَةَ، أُمُّ أَبِي جَهْلٍ، فَهُوَ أَخُو أَبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ. أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَصَاحَبَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا نَزَلَ قُبَاءَ قَدِمَ عَلَيْهِ أَخَوَاهُ لِأُمِّهِ، أَبُو جَهْلٍ وَالْحَارِثُ ابْنَا هِشَامٍ، فَلَمْ يَزَالَا بِهِ حَتَّى رَدَّاهُ إِلَى مَكَّةَ فَأَوْثَقَاهُ وَحَبَسَاهُ، ثُمَّ أَفْلَتَ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا. فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ، فَتُوُفِّيَ بِهَا. رَحِمَهُ اللَّهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُقَرِّنِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو: شَهِدَ الْخَنْدَقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سِتَّةِ إِخْوَةٍ لَهُ، النُّعْمَانِ، وَسُوَيْدٍ، وَسِنَانٍ، وَمَعْقِلٍ، وَعَقِيلٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَكَانَ النُّعْمَانُ يَحْمِلُ أَحَدَ أَلْوِيَةِ مُزَيْنَةَ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَكَانَ أَمِيرَ النَّاسِ يَوْمَ نَهَاوَنْدَ، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. وَكَانَ النُّعْمَانُ أَوَّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ. أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ. كَانَ أَبُوهُ شَرِيفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، رَئِيسَ الْأَوْسِ يَوْمَ بُعَاثٍ، وَكَانَ أُسَيْدُ بَعْدَ أَبِيهِ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ، يُعَدُّ مِنْ ذَوِي الْعُقُولِ وَالْآرَاءِ، وَكَانَ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَيُحْسِنُ الْعَوْمَ وَالرَّمْيَ، وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمُّونَ مَنْ جَمَعَ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالَ: "الْكَامِلَ". وَأَسْلَمَ هُوَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَشَهِدَ أُسَيْدٌ الْعَقَبَةَ الْأَخِيرَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِأَنَّهُ لَمْ يَظُنَّ أَنَّهُ يَجْرِي قِتَالٌ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجُرِحَ بِسَبْعِ جِرَاحَاتٍ، وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهُ. عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ حِنْدِسٍ، فَتَحَدَّثَا عِنْدَهُ حَتَّى إِذَا خَرَجَا أَضَاءَتْ لَهُمَا عَصًا، فَمَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، فَلَمَّا تَفَرَّقَ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِكُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَصَاهُ، فَمَشَى فِي ضَوْئِهَا. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. تُوُفِّيَ أُسَيْدُ [بْنُ حُضَيْرٍ] فِي شَعْبَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بِالْبَقِيعِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ . مِنْ مُوَلَّدِي السَّرَاةِ، وَاسْمُ أُمِّهِ حَمَامَةُ، وَكَانَ أَدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ، نَحِيفًا، طِوَالًا، أَحْنَى، أَشْفَرَ، [لَهُ شَعَرٌ كَثِيرٌ]، خَفِيفَ الْعَارِضِينَ، بِهِ سِمْطٌ كَثِيرٌ لَا يُغَيَّرُ. وقَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: شَهِدَ بِلَالٌ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَذَّنَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ قَاعِدَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الْحَبَشِيِّ، فَقَالَ الْآخَرُ: إِنْ يَكْرَهْهُ اللَّهُ يُغَيِّرْهُ. وَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ، فَإِذَا قَالَ: "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" انْتَحَبَ النَّاسُ، فَلَمَّا دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَذِّنْ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَعْتَقْتَنِي لِأَنْ أَكُونَ مَعَكَ، فَسَبِيلُ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِلَّهِ فَخَلِّنِي وَمَنْ أَعْتَقْتَنِي لَهُ. فَقَالَ: مَا أَعْتَقْتُكَ إِلَّا لِلَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي لَا أُؤَذِّنُ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَذَاكَ إِلَيْكَ. قَالَ: فَأَقَامَ حَتَّى خَرَجَتْ بُعُوثُ الشَّامِ، فَسَارَ مَعَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّمَا أَقَامَ حَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ رَحَلَ [إِلَى] الشَّامِ، فَمَاتَ هُنَاكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. خويلد بن مرة - خُوَيْلِدُ بْنُ مُرَّةَ، أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ. شَاعِرٌ مَجِيدٌ مِنْ شُعَرَاءِ هُذَيْلٍ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ، وَعَاشَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، نَهَشَتْهُ أَفْعَى فَمَاتَ، وَكَانَ إِذَا عَدَا سَبَقَ الْخَيْلَ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ مَكَّةَ وَلِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فُرْسَانٌ يُرِيدُ أَنْ يُرْسِلَهُمَا فِي الْحَلْبَةِ، فَقَالَ لِلْوَلِيدِ: مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ سَبَقْتُهُمَا؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ فَهُمَا لَكَ. فَأُرْسِلَا وَعَدَا بَيْنَهُمَا فَسَبَقَهُمَا وَأَخَذَهُمَا. زينب بنت جحش زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ تَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ثُمَّ طَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ، وَبِسَبَبِهَا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ، وَكَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى النِّسَاءِ فَتَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: زَوَّجْنَاكَهَا دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلَا إِذْنٍ، وَكَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ. عَنْ بَرْزَةَ بِنْتِ رَافِعٍ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ الْعَطَاءُ بَعَثَ عُمَرُ ؓ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِالَّذِي لَهَا، فَلَمَّا دُخِلَ عَلَيْهَا قَالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لِعُمَرَ، لَغَيْرِي مِنْ أَخَوَاتِي كَانَ أَقْوَى عَلَى قَسْمِ هَذَا مِنِّي. قَالُوا: هَذَا كُلُّهُ لَكِ. فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَاسْتَتَرَتْ دُونَهُ بِثَوْبٍ وَقَالَتْ: صُبُّوهُ وَاطْرَحُوا عَلَيْهِ ثَوْبًا. وَقَالَتْ لِي: أَدْخِلِي يَدَكِ فَاقْبِضِي مِنْهُ قَبْضَةً، فَاذْهَبِي بِهَا إِلَى فُلَانٍ وَإِلَى فُلَانٍ مِنْ أَيْتَامِهَا وَذَوِي رَحِمِهَا، فَقَسَّمَتْهُ حَتَّى بَقِيَتْ مِنْهُ بَقِيَّةٌ فَقَالَتْ لَهَا بَرْزَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ لَنَا فِي هَذَا حَظٌّ، قَالَتْ: فَلَكُمْ مَا تَحْتَ الثَّوْبِ. قَالَتْ: فَرَفَعْنَا الثَّوْبَ فَوَجَدْنَا خَمْسَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَيْهَا فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكْنِي عَطَاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا، فَمَاتَتْ [قَبْلَ الْحَوْلِ]. عَنِ الزُّهْرِيِّ ]، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ نِسَائِهِ: "أَطْوَلُكُنَّ [بَاعًا] أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي"، فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ إِلَى الشَّيْءِ، إِنَّمَا عَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ الصَّدَقَةَ. وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةً صَنَاعًا، وَكَانَتْ تَتَصَدَّقُ بِهِ، وَكَانَتْ أَسْرَعَ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ صَلَّى عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ سَنَةَ عِشْرِينَ، فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، وَرَأَيْتُ ثَوْبًا مُدَّ عَلَى قَبْرِهَا وَعُمَرُ قَائِمٌ، وَالْأَكَابِرُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيَامٌ، فَأَمَرَ عُمَرُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ -وَهُوَ ابْنُ أُخْتِهَا- فَنَزَلُوا مِنْ قَبْرِهَا. قَالُوا: وَتُوُفِّيَتْ بِنْتَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً 222 - سعيد بن عامر سَعِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمِ بْنِ سَلَامَانَ. أَسْلَمَ قَبْلَ خَيْبَرَ، وَشَهِدَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا بَعْدَهَا. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ قَالَ: أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ فَقَالَ: إِنَّا مُسْتَعْمِلُوكَ عَلَى هَؤُلَاءِ تَسِيرُ بِهِمْ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَتُجَاهِدُ بِهِمْ. فَقَالَ: يَا عُمَرُ، لَا تَفْتِنِّي، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ، جَعَلْتُمُوهَا فِي عُنُقِي ثُمَّ تَخَلَّيْتُمْ مِنِّي، إِنَّمَا أَبْعَثُكَ عَلَى قَوْمٍ لَسْتَ بِأَفْضَلِهِمْ، وَلَسْتَ أَبْعَثُكَ لِتَضْرِبَ أَبْشَارَهُمْ وَلَا تَنْتَهِكَ أَعْرَاضَهُمْ، وَلَكِنْ تُجَاهِدُ بِهِمْ عَدُوَّهُمْ وَتَقْسِمُ بَيْنَهُمْ فِيهِمْ. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ، أَحِبَّ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَحُضَّ الْعَمَرَاتِ إِلَى الْحَقِّ حَيْثُ عَلِمْتَهُ، وَلَا تَخْشَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ. فَقَالَ عُمَرُ: وَيْحَكَ يَا سَعِيدُ، وَمَنْ يُطِقْ هَذَا؟ فَقَالَ: مَنْ وَضَعَ اللَّهُ فِي عُنُقِهِ مِثْلَ الَّذِي وَضَعَ فِي عُنُقِكَ، إِنَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَأْمُرَ فَيُطَاعَ أَمْرُكَ، أَوْ تَتْرُكَ فَيَكُونَ لَكَ الْحُجَّةُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّا سَنَجْعَلُ لَكَ رِزْقًا. قَالَ: لَقَدْ أُعْطِيتُ مَا يَكْفِينِي دُونَهُ -يَعْنِي عَطَاءَهُ- وَمَا أَنَا بِمُزْدَادٍ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا. قَالَ: وَكَانَ إِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ نَظَرَ إِلَى قُوتِ أَهْلِهِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَمَا يُصْلِحُهُمْ فَيَعْزِلُهُ، وَيَنْظُرُ إِلَى بَقِيَّتِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَيَقُولُ أَهْلُهُ: أَيْنَ بَقِيَّةُ الْمَالِ؟ فَيَقُولُ: أَقْرَضْتُهُ. قَالَ: فَأَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالُوا: لَوْلَا أَنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لِأَصْهَارِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِقَوْمِكَ عَلَيْكَ حَقًّا. فَقَالَ: مَا اسْتَأْثَرَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرَى لَمْعَ أَيْدِيهِمْ، وَمَا أَنَا بِطَالِبٍ أَوْ مُلْتَمِسٍ رِضَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِطَلَبِي الْحُورَ الْعِينَ، الَّذِي لَوِ اطَّلَعَتْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَأَشْرَقَتْ لَهَا الْأَرْضُ كَمَا تُشْرِقُ الشَّمْسُ، وَمَا أَنَا بِمُسْتَخْلِفٍ عَنِ الْعِتْقِ الْأَوَّلِ بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَجِيءُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ يُزَفُّونَ كَمَا يُزَفُّ الْحَمَامُ، قَالَ: فَيُقَالُ لَهُمْ: قِفُوا لِلْحِسَابِ. فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْنَا شَيْئًا يُحَاسَبُ بِهِ. فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عِبَادِي. فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [قَبْلَ النَّاسِ] بِسَبْعِينَ عَامًا". عن خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ] قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِحِمْصَ سَعِيدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ حِذْيَمٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ حِمْصَ قَالَ: يَا أَهْلَ حِمْصَ، كَيْفَ وَجَدْتُمْ عَامِلَكُمْ؟ فَشَكَوْهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُقَالُ لِحِمْصَ "الْكُوَيْفَةُ" الصُّغْرَى لِشِكَايَتِهِمُ الْعُمَّالَ، قَالُوا: فَشَكَوْا أَرْبَعًا: لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا حَتَّى يَتَعَالَى النَّهَارُ. قَالَ: أَعْظِمْ بِهَا. قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: لَا يُجِيبُ أَحَدًا بِاللَّيْلِ. قَالَ: وَعَظِيمَةٌ. قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: وَلَهُ يَوْمٌ فِي الشَّهْرِ لَا يَخْرُجُ فِيهِ إِلَيْنَا، قَالَ: وَعَظِيمَةٌ. قَالَ: وَمَاذَا؟ قَالُوا: يُغْبَطُ الْغِبْطَةَ بَيْنَ الْأَيَّامِ -أَيْ: تَأْخُذُهُ مَوْتَةٌ- قَالَ: فَجَمَعَ عُمَرُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا يُقْبَلُ رَأْيٌ فِيهِ الْيَوْمَ، مَا تَشْكُونَ مِنْهُ. قَالَ: وَلَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا حَتَّى يَتَعَالَى النَّهَارُ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ؛ لَيْسَ لِي وَلِأَهْلِي خَادِمٌ فَأَعْجِنُ عَجِينِي، ثُمَّ أَجْلِسُ حَتَّى يَخْتَمِرَ، ثُمَّ أَخْبِزُ خُبْزِي، ثُمَّ أَتَوَضَّأُ، ثُمَّ أَخْرَجُ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ: مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ فَقَالُوا: لَا يُجِيبُ أَحَدًا بِاللَّيْلِ. قَالَ: مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَأَكْرَهُ ذِكْرَهُ؛ إِنِّي جَعَلْتُ النَّهَارَ لَهُمْ وَاللَّيْلَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَمَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: إِنَّ لَهُ يَوْمًا فِي الشَّهْرِ لَا يَخْرُجُ إِلَيْنَا فِيهِ. قَالَ: مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: لَيْسَ لِي خَادِمٌ يَغْسِلُ ثِيَابِي وَلَا لِي ثِيَابٌ أُبَدِّلُهَا، فَأَجْلِسُ حَتَّى تَجِفَّ، ثُمَّ أُدَلِّكَهَا، ثُمَّ أَخْرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ. قَالَ: مَا تَشْكُونَ مِنْهُ؟ قَالُوا: يُغْبَطُ الْغِبْطَةَ بَيْنَ الْأَيَّامِ. قَالَ: مَا يَقُولُونَ؟ قَالَ: شَهِدْتُ مَصْرَعَ خُبَيْبٍ الْأَنْصَارِيِّ بِمَكَّةَ، وَقَدْ بَضَّعَتْ قُرَيْشٌ لَحْمَهُ، ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَى جَدْعِهِ، فَقَالُوا: أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا مَكَانَكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي فِي أَهْلِي وَوَلَدِي، وَأَنَّ مُحَمَّدًا أُشِيكَ بِشَوْكَةٍ. ثُمَّ نَادَى: يَا مُحَمَّدُ. مَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَتَرْكِي نُصْرَتَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَأَنَا مُشْرِكٌ لَا أُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ إِلَّا ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِي ذَلِكَ الذَّنْبَ أَبَدًا، فَتُصِيبُنِي تِلْكَ الْغِبْطَةُ. فَقَالَ عُمَرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَقْبَلْ فِرَاسَتِي. فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ بِهَا عَلَى أَمْرِكَ. فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَغْنَانَا عَنْ خِدْمَتِكَ. فَقَالَ لَهَا: فَهَلْ لَكِ فِي خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟ نَدْفَعُهَا إِلَى مَنْ يَأْتِينَا بِهَا أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهَا. قَالَتْ: نَعَمْ. فَدَعَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِهِ يَثِقُ بِهِ، فَصَرَّرَهَا صُرَرًا، ثُمَّ قَالَ: انْطَلِقْ بِهَذِهِ إِلَى أَرْمَلَةِ آلِ فُلَانٍ، وَإِلَى يَتِيمِ آلِ فُلَانٍ، وَإِلَى مِسْكِينِ آلِ فُلَانٍ، وَإِلَى مُبْتَلَى آلِ فُلَانٍ، فَبَقِيَتْ مِنْهَا ذَهَبِيَّةٌ، فَقَالَ: أَنْفِقِي هَذِهِ. ثُمَّ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ. فَقَالَتْ: أَلَا تَشْتَرِيَ لَنَا خَادِمًا، مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْمَالُ؟! قَالَ: سَيَأْتِيكِ أَحْوَجَ مَا تَكُونِينَ. . عياض بن غنم عِيَاضُ بْنُ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرٍ الْفِهْرِيُّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَحَضَرَ فَتْحَ الْمَدَائِنِ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَفَتَحَ فُتُوحًا كَثِيرَةً بِبِلَادِ الشَّامِ، وَنَوَاحِي الْجَزِيرَةِ، وَلَمَّا احْتُضِرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ وَلَّى عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ عَمَلَهُ، فَأَقَرَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ وَبَعَثَهُ سَعْدٌ إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَنَزَلَ بِجُنْدِهِ عَلَى الرَّهَا، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ، وَصَالَحَتْ حَرَّانُ حَيْثُ صَالَحَتِ الرَّهَا، فَكَانَ فَتْحُ الْجَزِيرَةِ، وَالرَّهَا، وَحَرَّانَ، وَالرِّقَّةِ عَلَى يَدِهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِ عِشْرَةَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، وَكَانَ جَوَادًا، فَقِيلَ لِعُمَرَ: إِنَّهُ يُبَذِّرُ الْمَالَ. فَقَالَ: إِنَّ سَمَاحَهُ فِي ذَاتِ يَدِهِ، فَإِذَا بَلَغَ مَالَ اللَّهِ لَمْ يُعْطِ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَا أَعْزِلُ مَنْ وَلَّاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. عن الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: كَانَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ شَرِيفًا، وَلَهُ فُتُوحٌ بِنَوَاحِي الْجَزِيرَةِ. فِي زَمَانِ عُمَرَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَجَازَ الدَّرْبَ إِلَى أَرْضِ الرُّومِ]. عَنْ مُوسَى ?ْنِ عُقْبَةَ قَالَ: لَمَّا وَلِيَ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ قَدِمَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ يَطْلُبُونَ صِلَتَهُ، فَلَقِيَهُمْ بِالْبِشْرِ وَأَنْزَلَهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا، ثُمَّ كَلَّمُوهُ فِي الصِّلَةِ، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا لَقَوْهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي السَّفَرِ رَجَاءَ صِلَتِهِ، فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَكَانُوا خَمْسَةً، فَرَدُّوهَا وَتَسَخَّطُوا وَنَالُوا مِنْهُ فَقَالَ: أَيْ بَنِي عَمِّ، وَاللَّهِ مَا أُنْكِرُ قَرَابَتَكُمْ وَلَا حَقَّكُمْ وَلَا بُعْدَ شُقَّتِكُمْ، وَلَكِنْ -وَاللَّهِ- مَا خَلُصْتُ إِلَى مَا وَصَلْتُكُمْ بِهِ إِلَّا بِبَيْعِ خَادِمِي وَبَيْعِ مَا لَا غِنَى لِي عَنْهُ، فَاعْذُرُوا. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَذَرَكَ اللَّهُ؛ فَإِنَّكَ وَالِي نِصْفِ الشَّامِ، وَتُعْطِي الرَّجُلَ مِنَّا مَا جُهْدُهُ يُبَلِّغُهُ إِلَى أَهْلِهِ. قَالَ: فَتَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْرِقَ مَالَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ لَئَنْ أُشَقَّ بِالْمِنْشَارِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَخُونَ فِلْسًا أَوْ أَتَعَدَّى. قَالُوا: عَذَرْنَاكَ فِي ذَاتِ يَدِكَ، فَوَلِّنَا أَعْمَالًا مِنْ أَعْمَالِكَ نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي النَّاسُ إِلَيْكَ، وَنُصِيبُ مِنَ الْمَنْفَعَةِ مَا يُصِيبُونَ، فَأَنْتَ تَعْرِفُ حَالَنَا، وَأَنَّا لَيْسَ نَعْدُو مَا جَعَلْتَ لَنَا. قَالَ: وَاللَّهِ لِأَنِّي أَعْرِفُكُمْ بِالْفَضْلِ وَالْخَيْرِ، وَلَكِنْ يَبْلُغُ عُمَرَ أَنِّي وَلَّيْتُ نَفَرًا مِنْ قَوْمِي فَيَلُومُنِي. قَالُوا: فَقَدْ وَلَّاكَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَنْتَ مِنْهُ فِي الْقَرَابَةِ بِحَيْثُ أَنْتَ، فَأَنْفَذَ ذَلِكَ عُمَرُ، فَلَوْ وَلَّيْتَنَا أَنْفَذَهُ. قَالَ: إِنِّي لَسْتُ عِنْدَ عُمَرَ كَأَبِي عُبَيْدَةَ. فَمَضَوْا لَائِمِينَ لَهُ. وَمَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ، وَلَا عَلَيْهِ دَيْنٌ لِأَحَدٍ، سَنَةَ [عِشْرِينَ] وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً مالك بن التيهان مَالِكُ بْنُ التَّيِّهَانِ، أَبُو الْهَيْثَمِ كَانَ يَكْرَهُ الْأَصْنَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَقُولُ بِالتَّوْحِيدِ هُوَ وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ الَّذِينَ لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، ثُمَّ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ خَارِصًا. هرقل ملك الروم وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ 225 - هِرَقْلُ مِلْكُ الرُّومِ وَقَدْ سَبَقَتْ أَخْبَارُهُ وَمُكَاتَبَةُ الرَّسُولِ ﷺ إِيَّاهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَوَلِيَ مَكَانَهُ ابْنُهُ قُسْطَنْطِينُ. أم ورقة بنت الحارث 226 - أُمُّ وَرَقَةَ بِنْتُ الْحَارِثِ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ، وَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا، فَكَانَتْ تَؤُمُّهُمْ. وعن الْوَلِيدُ بْنُ جَمِيعٍ قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي عَنْ أُمِّهَا أُمِّ وَرَقَةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَنْصَارِيَّةِ -وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا وَيُسَمِّيهَا الشَّهِيدَةَ، وَكَانَتْ قَدْ جَمَعَتِ الْقُرْآنَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ غَزَا بَدْرًا قَالَتْ لَهُ: ائْذَنْ لِي فَأَخْرُجُ مَعَكَ وَأُدَاوِي جَرْحَاكُمْ وَأُمَرِّضُ مَرْضَاكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ يُهْدِي لِي الشَّهَادَةَ. قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَهَّدَ لَكِ الشَّهَادَةَ" حَتَّى عَدَا عَلَيْهَا جَارِيَةٌ وَغُلَامٌ لَهَا كَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهُمَا فَقَتَلَاهَا فِي إِمَارَةِ عُمَرَ ؓ، فَقَالَ عُمَرُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "انْطَلِقُوا بِنَا نَزُورُ الشَّهِيدَةَ". جِعَالُ بْنُ سُرَاقَةَ الضَّمْرِيُّ وَيُقَالُ: جُعَيْلٌ، وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَهُ فَسَمَّاهُ عُمَرَ، وَكَانَ دَمِيمًا قَبِيحَ الْخَلْقِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشِيرًا إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَلَامَتِهِمْ فِي غُزَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَلَمَّا قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطَيْتَ الْأَقْرَعَ، وَعُيَيْنَةَ وَتَرَكْتُ جُعَيْلًا؟! فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَجُعَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ كُلِّهَا مِثْلَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ، وَلَكِنِّي تَأَلَّفْتُهُمَا لِيُسْلِمَا، وَوَكَلْتُ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إِلَى إِسْلَامِهِ" حُمَمَةُ وعن مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ] كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حُمَمَةُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَصْبَهَانَ غَازِيًا، وَفُتِحَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ حُمَمَةَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُحِبُّ لِقَاءَكَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَاعْزِمْ عَلَيْهِ بِصِدْقِهِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَاعْزِمْ لَهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَرِهَ، اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّ حُمَمَةَ فِي سَفَرِهِ هَذَا. فَمَاتَ بِأَصْبَهَانَ، فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: أَلَا إِنَّا وَاللَّهِ مَا سَمِعْنَا مِنْ نَبِيِّكُمْ، وَمَا بَلَغَ عِلْمَنَا إِلَّا أَنَّ حُمَمَةَ شَهِيدٌ. رَحِمَهُ اللَّهُ. خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، أَبُو سُلَيْمَانَ، ؓ وَأُمُّهُ عَصْمَاءُ، وَهِيَ لُبَابَةُ الصُّغْرَى بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَرْبٍ، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُمِّ بَنِي الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ [ ؓ ]. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: دَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ] يَوْمَ الْفَتْحِ مِنَ اللَّيْطِ، فَوَجَدَ جَمِيعًا مِنْ قُرَيْشٍ يَمْنَعُونَهُ الدُّخُولَ، فَقَاتَلَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَمْ أَنْهَ عَنِ الْقِتَالِ؟" فَقِيلَ: خَالِدٌ قُوتِلَ فَقَاتَلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ". وَخَرَجَ خَالِدٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ، وَإِلَى تَبُوكَ، ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَلَمَّا حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ أَعْطَاهُ نَاصِيَتَهُ، فَكَانَتْ فِي مُقَدِّمَةِ قَلَنْسُوَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا هَزَمَهُ. وَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "سَيْفَ اللَّهِ". ، وَكَانَ شُجَاعًا، فَكَانَ يَقُولُ: لَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ يَوْمَيَّ أَفِرُّ، مِنْ يَوْمٍ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْدِيَ لِي فِيهِ شَهَادَةً، أَوْ مِنْ يَوْمٍ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ لِي فِيهِ كَرَامَةً. عَنْ سَالِمٍ قَالَ: حَجَّ عُمَرُ، وَاشْتَكَى خَالِدٌ بَعْدَهُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَدِينَةِ زَائِرًا لِأُمِّهِ، فَقَالَ لَهَا: أَحْدِرُونِي إِلَى مُهَاجِرِي، فَقَدِمَتْ بِهِ الْمَدِينَةَ وَمَرَّضَتْهُ، فَلَمَّا ثَقُلَ وَأَظَلَّ قُدُومُ عُمَرَ لَقِيَهُ لَاقٍ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، صَادِرًا عَنْ حَجِّهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَهْيَمْ. فَقَالَ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ثَقِيلٌ لِمَا بِهِ. فَطَوَى ثَلَاثًا فِي لَيْلَةٍ، فَأَدْرَكَهُ حِينَ قَضَى، فَرَقَّ عَلَيْهِ وَاسْتَرْجَعَ، وَجَلَسَ بِبَابِهِ حَتَّى جُهِّزَ، وَبَكَتْهُ الْبَوَاكِي، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَلَا تَسْمَعُ؟! أَلَا تَنْهَاهُنَّ؟ فَقَالَ: وَمَا عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يَبْكِينَ أَبَا سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ -النَّقْعُ: الشَّقُّ. وَاللَّقْلَقَةُ: الصَّوْتُ]- فَلَمَّا أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ رَأَى عُمَرُ امْرَأَةً مُحْتَزِمَةً تَبْكِيهِ وَتَقُولُ: أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ النَّا سِ إِذَا مَا كَبَتْ وُجُوهُ الرِّجَالِ أَشُجَاعٌ فَأَنْتَ أَشْجَعُ مِنْ لَيْـ ـثِ عَرِينٍ جَهْمٍ أَبِي أَشْبَالِ أَجَوَّادٌ فَأَنْتَ أَجْوَدُ مِنْ سَيْـ ـلِ دِيَاسٍ يَسِيلُ بَيْنَ الْجِبَالِ فَقَالَ عُمَرُ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقِيلَ: أُمُّهُ. فَقَالَ: أُمُّهُ وَالْإِلَهِ -ثَلَاثًا- هَلْ قَامَتِ النِّسَاءُ عَنْ مِثْلِ خَالِدٍ. وَكَانَ عُمَرُ يَتَمَثَّلُ فِي طَيِّهِ تِلْكَ الثَّلَاثَ فِي لَيْلَةٍ وَبَعْدَ مَا قَدِمَ: تُبَكِّي مَا وَصَلْتَ بِهِ النَّدَامَى وَلَا تَبْكِي فَوَارِسَ كَالْجِبَالِ أُولَئِكَ إِنْ بَكَيْتَ أَشَدُّ فَقْدًا مِنَ الْأَذْهَابِ وَالْعَكَرِ الْجَلَالِ تَمَنَّى بَعْدَهُمْ قَوْمٌ مَدَاهُمْ فَلَمْ يَدْنُوا لِأَسْبَابِ الْكَمَالِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: مَاتَ بِحِمْصَ، وَدُفِنَ فِي قَرْيَةٍ عَلَى مِيلٍ مِنْ حِمْصَ. قَالُوا: وَوَصَّى إِلَى عُمَرَ، فَقُدِمَ عَلَيْهِ بِالْوَصِيَّةِ فَقَبَّلَهَا. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ] أَبِي الزِّنَادِ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَكَى وَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ كَذَا وَكَذَا زَحْفًا، وَمَا فِي جَسَدِي شِبْرٌ إِلَّا وَفِيهِ ضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ، أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ، أَوْ طَعْنَةٌ بِرُمْحٍ، وَهَا أَنَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي، كَمَا يَمُوتُ الْعِيرُ، فَلَا نَامَتْ عَيْنُ الْجُبُنَاءِ. عُوَيْمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ شَهِدَ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمَّا قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ رَمَى امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمَا فِي مَسْجِدِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ، قَائِمَيْنِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَذَلِكَ مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ، فَلَمَّا وَلَدَتْ جَاءَتْ بِهِ أَشْبَهَ النَّاسِ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، وَكَانَ قَوْمُ عُوَيْمٍ قَدْ لَامُوهُ فِيمَا قَالَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ يُشْبِهُ شَرِيكًا عَذَرُوهُ فِيمَا قَالَ. وَعَاشَ الْمَوْلُودُ سَنَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ، وَعَاشَتْ أُمُّهُ بَعْدَهُ يَسِيرًا، وَكَانَ شَرِيكٌ عِنْدَ النَّاسِ بِحَالِ سُوءٍ بَعْدُ، وَقَدْ شَهِدَ شَرِيكٌ أُحُدًا أَيْضًا. أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ أَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَهُوَ الَّذِي أَجَارَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ لِأَدَاءِ رِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَسْلَمَ بَعْدَ مَرْجِعِ أَخَوَيْهِ مَنِ الْحَبَشَةِ ; خَالِدٌ وَعَمْرٌو، فَدَعَوَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابَهُمَا، وَسَارُوا فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةَ تِسْعٍ عَلَى الْبَحْرِينِ وَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ. أنسة مولى رسول الله أَنَسَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : الْمَشْهُورُ أَنَّهُ قُتِلَ بِبَدْرٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ. وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا، وَأَنَّهُ بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا قَالَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أَنَّ أَنَسَةَ مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا مَسْرُوحٍ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ يَأْذَنُ لِلنَّاسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ. تميم بن الحارث بن قيس تَمِيمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيُّ وَأَخُوهُ سَعِيدٌ ; صَحَابِيَّانِ جَلِيلَانِ هَاجَرَا إِلَى الْحَبَشَةِ، وَقُتِلَا بِأَجْنَادِينَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسِ بْنِ عَتِيكٍ، مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ. خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ ، مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، مِمَّنْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَأَقَامَ بِهَا بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ عَلَى صَنْعَاءَ مِنْ جِهَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَّرَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى بَعْضِ الْفُتُوحَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، قُتِلَ يَوْمَ مَرْجِ الصُّفَّرِ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ: بَلْ هَرَبَ فَلَمْ يُمَكِّنْهُ الصِّدِّيقُ مِنْ دُخُولِ الْمَدِينَةِ تَعْزِيرًا لَهُ، فَأَقَامَ شَهْرًا فِي بَعْضِ ظَوَاهِرِهَا حَتَّى أَذِنَ لَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي قَتَلَهُ أَسْلَمَ، وَقَالَ: رَأَيْتُ لَهُ حِينَ قَتَلْتُهُ نُورًا سَاطِعًا إِلَى السَّمَاءِ، ؓ. ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ الْأَسَدِيُّ ، كَانَ مِنَ الْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَالْأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ، لَهُ مَوَاقِفٌ مَشْهُودَةٌ، وَأَحْوَالٌ مَحْمُودَةٌ. ذَكَرَ عُرْوَةُ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّهُ قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ. لَهُ حَدِيثٌ فِي اسْتِحْبَابِ إِبْقَاءِ شَيْءٍ مِنَ اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ عِنْدَ الْحَلْبِ. طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيِّ الْعَبْدِيِّ، أُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَشَهِدَ بَدْرًا. قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ وَالزَّبِيرُ بْنُ بَكَّارٍ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ مُشْرِكًا . وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ فَضَرَبَهُ طُلَيْبٌ بَلَحْيِ جَمَلٍ فَشَجَّهُ. اسْتُشْهِدَ طُلَيْبٌ بِأَجْنَادِينَ وَقَدْ شَاخَ، ؓ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ ، ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، كَانَ مِنَ الْأَبْطَالِ الْمَذْكُورِينَ وَالشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، قُتِلَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ بَعْدَمَا قَتَلَ عَشَرَةً مِنَ الرُّومِ مُبَارَزَةً، كُلُّهُمْ بِطَارِقَةٌ أَبْطَالٌ. وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ يَوْمَئِذٍ بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. عبد الله بن عمرو الدوسي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ، قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ. وَلَيْسَ هَذَا الرَّجُلُ مَعْرُوفًا. عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ، قِيلَ: إِنَّهُ قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ تَأَخَّرَ إِلَى مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ. عتاب بن أسيد بن أبي العيص عَتَّابُ بْنُ أَسِيدِ بْنِ أَبِي الْعِيصِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيُّ . أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمِيرُ مَكَّةَ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهَا عَامَ الْفَتْحِ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ عِشْرُونَ سَنَةً، فَحَجَّ بِالنَّاسِ عَامَئِذٍ، وَاسْتَنَابَهُ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِمَكَّةَ، قِيلَ: يَوْمَ تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ. ؓ. لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ. رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ. عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ عَمْرِو بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، أَبُو عُثْمَانَ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَبِيهِ، ثُمَّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ بَعْدَمَا فَرَّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْحَقِّ، وَاسْتَعْمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى عُمَانَ حِينَ ارْتَدُّوا، فَظَفِرَ بِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَدِمَ الشَّامَ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى بَعْضِ الْكَرَادِيسِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ لَهُ ذَنْبٌ بَعْدَمَا أَسْلَمَ. وَكَانَ يُقَبِّلُ الْمُصْحَفَ وَيَبْكِي وَيَقُولُ: كَلَامُ رَبِّي كَلَامُ رَبِّي. احْتَجَّ بِهَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ تَقْبِيلِ الْمُصْحَفِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ عِكْرِمَةُ مَحْمُودَ الْبَلَاءِ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ عُرْوَةُ: قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالْيَرْمُوكِ بَعْدَمَا وُجِدَ بِهِ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ. ؓ. نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ ، أَحَدُ بَنِي عَدِيٍّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ، وَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ هِجْرَةٌ إِلَى مَا بَعْدِ الْحُدَيْبِيَةِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ فِيهِ بِرٌّ بِأَقَارِبِهِ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: أَقِمْ عِنْدَنَا عَلَى أَيِّ دِينٍ شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا يَتَعَرَّضُكَ أَحَدٌ إِلَّا ذَهَبَتْ أَنْفُسُنَا دُونَكَ. اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْيَرْمُوكِ. ؓ. هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ أَسَدٍ. أَبُو الْأَسْوَدِ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ ، هَذَا الرَّجُلُ كَانَ قَدْ طَعَنَ رَاحِلَةَ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَسْقَطَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ، ؓ. هَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ . ابْنُ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ. أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ أَجْنَادِينَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ ، أَخُو عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ابْنَا الْعَاصِ مُؤْمِنَانِ. وَقَدْ أَسْلَمَ هِشَامٌ قَبْلَ عَمْرٍو.، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ مِنْهَا احْتَبَسَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَقَدْ أَرْسَلَهُ الصِّدِّيقُ إِلَى مَلِكِ الرُّومِ، وَكَانَ مِنَ الْفُرْسَانِ. وَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ، وَقِيلَ: بِالْيَرْمُوكِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ وُهَيْبٍ الْمَازِنِيُّ ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، صَحَابِيٌّ بَدْرِيٌّ، وَأَسْلَمَ قَدِيمًا بَعْدَ سَنَةٍ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنِ اخْتَطَّ الْبَصْرَةَ عَنْ أَمْرِ عُمَرَ، وَإِمْرَتُهُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَهُ فَضَائِلُ وَمَآثِرُ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ: سَنَةَ عِشْرِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ جَاوَزَ الْخَمْسِينَ. وَقِيلَ: بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، ؓ. عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ. صَحَابِيٌّ مُهَاجِرٌ، هَاجَرَ بَعْدَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَانَ يُقْرِئُ النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَيُقَالُ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً. وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ مَعَ سَعْدٍ زَمَنَ عُمَرَ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ قُتِلَ بِهَا شَهِيدًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَتُوفِي بِهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ الشَّيْبَانِيُّ، نَائِبُ خَالِدٍ عَلَى الْعِرَاقِ، وَهُوَ الَّذِي صَارَتْ إِلَيْهِ الْإِمْرَةُ بَعْدَ أَبِي عُبَيْدٍ يَوْمَ الْجِسْرِ، فَدَارَى بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى خَلَّصَهُمْ مِنَ الْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُرْسَانِ الْأَبْطَالِ، وَهُوَ الَّذِي رَكِبَ إِلَى الصِّدِّيقِ فَحَرَّضَهُ عَلَى غَزْوِ الْعِرَاقِ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ تَزَوَّجَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِامْرَأَتِهِ سَلْمَى بِنْتِ حَفْصٍ، ؓ وَأَرْضَاهُمَا وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ " الْغَابَةِ فِي أَسْمَاءِ الصَّحَابَةِ ". أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ ، أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ حَفِظُوا الْقُرْآنَ مَنِ الْأَنْصَارِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهُمْ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ أَنَسٌ: أَحَدُ عُمُومَتِي. قَالَ الْكَلْبِيُّ: وَاسْمُ أَبِي زَيْدٍ هَذَا قَيْسُ بْنُ السَّكَنِ بْنِ قَيْسِ بْنِ زَعُورَاءَ بْنِ حَرَامِ بْنِ جُنْدُبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ. وَهِيَ عِنْدَهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: أَبُو زَيْدٍ الَّذِي جَمَعَ الْقُرْآنَ سَعْدُ بْنُ عُبَيْدٍ. وَرَدُّوا هَذَا بِرِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: افْتَخَرَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ. فَقَالَتِ الْأَوْسُ: مِنَّا غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، وَمِنَّا الَّذِي حَمَتْهُ الدَّبْرُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ، وَمِنَّا الَّذِي اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَمِنَّا الَّذِي جُعِلَتْ شَهَادَتُهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ. فَقَالَتِ الْخَزْرَجُ: مِنَّا أَرْبَعَةٌ جَمَعُوا الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; أُبَيٌّ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمُعَاذٌ، وَأَبُو زَيْدٍ. ؓ أَجْمَعِينَ. أَبُو عُبَيْدِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيُّ ، وَالِدُ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ أَمِيرِ الْعِرَاقِ، وَوَالِدُ صَفِيَّةَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَسْلَمَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ. قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لَهُ رِوَايَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ أُمَيَّةَ الْأُمَوِيَّةُ، وَالِدَةُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ مِنْ سَيِّدَاتِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، ذَاتَ رَأْيٍ وَدَهَاءٍ وَرِيَاسَةٍ فِي قَوْمِهَا، وَقَدْ شَهِدَتْ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ زَوْجِهَا، وَكَانَ لَهَا تَحْرِيضٌ عَلَى قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ، وَلَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ مَثَّلَتْ بِهِ، وَأَخَذَتْ مِنْ كَبِدِهِ فَلَاكَتْهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ إِسَاغَتَهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ قَتَلَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ أَسَلَمَتْ - وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا - عَامَ الْفَتْحِ بَعْدَ زَوْجِهَا بِلَيْلَةٍ، وَلَمَّا أَرَادَتِ الذَّهَابَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِتُبَايِعَهُ اسْتَأْذَنَتْ أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ لَهَا: قَدْ كُنْتِ بِالْأَمْسِ مُكَذِّبَةً بِهَذَا الْأَمْرِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ اللَّهَ عُبِدَ حَقَّ عِبَادَتِهِ بِهَذَا الْمَسْجِدِ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَاللَّهِ لَقَدْ بَاتُوا لَيْلَهُمْ كُلُّهُمْ يُصَلُّونَ فِيهِ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّكِ قَدْ فَعَلْتِ مَا فَعَلْتِ فَلَا تَذْهَبِي وَحْدَكِ. فَذَهَبَتْ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - وَيُقَالُ: إِلَى أَخِيهَا أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ - فَذَهَبَ مَعَهَا، فَدَخَلَتْ وَهِيَ مُتَنَقِّبَةً، فَلَمَّا بَايَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ قَالَ: " عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقْنَ وَلَا تَزْنِينَ " فَقَالَتْ: أَوَتَزْنِي الْحُرَّةُ ؟ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ قَالَتْ: قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا فَقَتَلْتَهُمْ كِبَارًا. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فَبَادَرَتْ وَقَالَتْ: فِي مَعْرُوفٍ. فَقَالَ: فِي مَعْرُوفٍ. وَهَذَا مِنْ فَصَاحَتِهَا وَحَزْمِهَا، وَقَدْ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَاءِكَ، فَقَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحَ الْيَوْمَ وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَاءِكَ. فَقَالَ: وَكَذَلِكَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. وَشَكَتْ مِنْ شُحِّ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَأْخُذَ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِي بَنِيهَا بِالْمَعْرُوفِ. وَقِصَّتُهَا مَعَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَشْهُورَةٌ، وَقَدْ شَهِدَتِ الْيَرْمُوكَ مَعَ زَوْجِهَا، وَمَاتَتْ يَوْمَ مَاتَ أَبُو قُحَافَةَ فِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ. أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، سَيِّدُ الْقُرَّاءِ، وَهُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، أَبُو الْمُنْذِرِ وَأَبُو الطُّفَيْلِ، الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، سَيِّدُ الْقُرَّاءِ، شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَدْرًا وَمَا بَعْدَهُمَا، وَكَانَ سَيِّدًا جَلِيلَ الْقَدْرِ. وَهُوَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الْأَرْبَعَةِ الْخَزْرَجِيِّينَ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ،، وَقَدْ قَالَ لِعُمَرَ يَوْمًا: إِنِّي تَلَقَّيْتُ الْقُرْآنَ مِمَّنْ تَلَقَّاهُ مِنْ جِبْرِيلَ وَهُوَ رَطْبٌ. وَفِي " الْمُسْنَدِ "، وَ " النَّسَائِيِّ "، وَ " ابْنِ مَاجَهْ "، مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: أَقْرَأُ أُمَّتِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لَهُ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ". قَالَ: وَسَمَّانِي لَكَ ؟ قَالَ: " نَعَمْ " فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ. وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ عِنْدَ سُورَةِ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ [ الْبَيِّنَةِ: 1 ]. قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ تُوُفِّيَ أُبَيٌّ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ عِشْرِينَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ. وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَجَمَاعَةٌ. وَقَالَ الْفَلَّاسُ، وَخَلِيفَةُ: تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ. خَبَّابٌ مَوْلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ ، مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ صَحَابِيٌّ مِنَ السَّابِقِينَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ. صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَمَّةُ الرَّسُولِ، ﷺ، وَهِيَ أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، وَهِيَ شَقِيقَةُ حَمْزَةَ وَالْمُقَوَّمِ وَحَجْلَ، أُمُّهُمْ هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ. لَا خِلَافَ فِي إِسْلَامِهَا، وَقَدْ حَضَرَتْ يَوْمَ أُحُدٍ وَوَجَدَتْ عَلَى أَخِيهَا حَمْزَةَ وَجْدًا كَثِيرًا، وَقَتَلَتْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ جَاءَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالْحِصْنِ الَّتِي هِيَ فِيهِ، وَهُوَ فَارِعٌ؛ حِصْنِ حَسَّانَ، فَقَالَتْ لِحَسَّانَ: انْزِلْ فَاقْتُلْهُ. فَأَبَى، فَنَزَلَتْ إِلَيْهِ فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: انْزِلْ فَاسْلُبْهُ فَلَوْلَا أَنَّهُ رَجُلٌ لَاسْتَلَبْتُهُ. فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ قَتَلَتْ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِ مَنْ عَدَاهَا مِنْ عَمَّاتِ النَّبِيِّ، ﷺ. فَقِيلَ: أَسْلَمَتْ أَرَوَى وَعَاتِكَةُ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ وَشَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ الْحَافِظُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُنَّ غَيْرُهَا. وَقَدْ تَزَوَّجَتْ أَوَّلًا بِالْحَارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، ثُمَّ خَلَفَ عَلَيْهَا الْعَوَّامَ بْنَ خُوَيْلِدٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ الزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الْكَعْبَةِ. وَقِيلَ: تَزَوَّجَهَا الْعَوَّامُ بِكْرًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. تُوُفِّيَتْ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ، عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، ؓ.
التاريخ 1854لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ. تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَوْصَى بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ ؓ، وَقَدْ رَضِيَ الصَّحَابَةُ بَيْعَتَهُ، فَلَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ ؓ كَانَ أَوَّلَ مَا قَامَ بِهِ أَنَّهُ عَزَلَ خَالِدًا عَنْ قِيَادَةِ الْجَيْشِ وَوَلَّى أَبَا عُبَيْدَةَ ؓ وَذَلِكَ عَنْ غَيْرِ خِيَانَةٍ وَلَا عَجْزٍ وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنْ يُفْتَنَ النَّاسُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَقَمَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ أَثْنَاءَ جِهَادِهِ هِيَ أَخْطَاءٌ لَهَا ظُرُوفُهَا التَّارِيخِيَّةُ. وَفِي هَذَا الْعَامِ بَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ خَالِدًا فَافْتَتَحَ الْبِقَاعَ بِالسَّيْفِ. كَمَا كَانَتْ مَعْرَكَةُ فِحْلٍ وَفَتْحُ بَيْسَانَ وَطَبَرِيَّةَ، وَفِيهِ جَاءَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ إِلَى الصِّدِّيقِ يَسْتَمِدُّهُ خَشْيَةً عَلَى الْعِرَاقِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَ خَالِدٌ بِعَدَدٍ مِنَ الْجَيْشِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فِي الشَّامِ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ وَقَدْ أَوْصَى عُمَرَ بِأَنْ يَنْدُبَ النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَ الْمُثَنَّى إِلَى الْعِرَاقِ فَقَامَ عُمَرُ فَنَدَبَ النَّاسَ أَيَّامًا فَلَمْ يَنْهَضْ أَحَدٌ حَتَّى قَامَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ فَأَمَّرَهُ عُمَرُ عَلَى الْجَيْشِ. وَفِيهِ كَانَ اضْطِرَابُ مِلْكِ الْفُرْسِ وَكَانَ مِنْ آخِرِ أَمْرِهِمْ أَنِ اجْتَمَعُوا عَلَى يَزْدَجِرْدَ وَنَقَضَ أَهْلُ السَّوَادِ عَهْدَهُمْ وَخَفَرُوا ذِمَمَهُمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ مَعْرَكَةُ النَّمَارِقِ وَالسَّقَاطِيَّةِ بِكَسْكَرَ، وَوَقْعَةُ الْجِسْرِ وَالَّتِي انْحَازَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَمَا قُتِلَ مِنْهُمْ عَدَدٌ أَكْثَرُهُمْ غَرَقًا وَقُتِلَ فِيهَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ الْأَمِيرُ، وَقَدِ اقْتَصَّ الْمُسْلِمُونَ فِي مَعْرَكَةِ الْبُوَيْبِ، وَفِيهَا كَانَتْ أُلْيَسُ الصُّغْرَى، وَفِيهَا أَرْسَلَ عُمَرُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَاصٍّ ؓ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ سُوقِ الْخَنَافِسِ وَسُوقِ بَغْدَادَ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ عَلَى الرَّاجِحِ وَذَلِكَ بَعْدَ حِصَارِهَا وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي فَتْحِهَا هَلْ كَانَ صُلْحًا أَمْ عَنْوَةً وَرَجَّحَ الْكَثِيرُونَ أَنَّ نِصْفَهَا صُلْحًا وَنِصْفَهَا عَنْوَةً. وَفِي هَذَا الْعَامِ كَانَتْ مَعْرَكَةُ الْقَادِسِيَّةِ وَأَيَّامُهَا يَوْمَ أَرْمَاثَ، وَيَوْمَ أَغَوَاثٍ، وَيَوْمَ عِمَاسَ وَلَيْلَةَ الْهَرِيرِ وَيَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ وَالَّذِي كَانَ فِيهِ الْفَتْحُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُوَحِّدِينَ. وَفِيهَا كَانَتْ وِلَايَةُ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَجَمَعَ عُمْرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي رَمَضَانَ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِيهَا كَانَتْ مَعْرَكَةُ مَرْجِ رَاهِطٍ، وَفَتْحُ حِمْصٍ وَحَمَاةَ وَبَعْلَبَكَّ وَاللَّاذِقِيَّةِ وَالْعَدِيدِ مِنَ الْبُلْدَانِ وَالْقُرَى، وَفَتْحُ قِنَّسْرِينَ وَدُخُولُ هِرَقْلَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ حَلَبٍ وَأَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرِهَا، وَفَتْحُ قَيْسَارِيَّةَ وَحَصْرُ غَزَّةَ، وَمَسِيرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِلَى إِيلِيَاءَ، وَمَعْرَكَةُ أَجْنَادِينَ، وَفَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى يَدِ عُمَرَ ؓ، وَفَرْضُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْعَطَاءَ وَالْفُرُوضَ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّةَ عَشَرَ، وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ مَدِينَتَيْ بَهُرَسِيرَ وَالْمَدَائِنِ، وَمَعْرَكَةُ جَلُولَاءَ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ فِيهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَفَتْحُ حُلْوَانَ عَلَى يَدِ الْقَعْقَاعِ، وَفَتْحُ تَكْرِيتَ وَالْمَوْصِلِ، وَفَتْحُ مَاسَبَذَانَ، وَفَتْحُ قَرْقِيسِيَاءَ وَهِيتَ، وَفِيهَا كَانَ اعْتِمَادُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ التَّقْوِيمَ الْهِجْرِيَّ، وَكَانَتْ بِدَايَتُهُ مِنْ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِيهَا كَانَ بِنَاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَذَلِكَ بَعْدَمَا رَأَى عُمَرُ مِنْ تَغَيُّرِ أَلْوَانِ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْجَيْشِ، فَأَمَرَ سَعْدًا أَنْ يُرْسِلَ سَلْمَانَ وَحُذَيْفَةَ رَائِدَيْنِ فَلْيَرْتَادَا مَنْزِلًا بَرِّيًّا بَحْرِيًّا لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فِيهِ بَحْرٌ وَلَا جِسْرٌ. وَقَدْ نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمَا وَسَكَنَ سَعْدًا الْكُوفَةَ. وَفِيهَا كَانَ إِعَانَةُ عُمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ ؓ وَأَهْلَ حِمْصٍ بَعْدَ حِصَارِ الرُّومِ لَهُمْ، وَقُدُومُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ إِلَى الشَّامِ، وَفَتْحُ الْجَزِيرَةِ وَأَرْمِينِيَّةَ، وَفِيهَا كَانَتْ تَوْسِعَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتَجْدِيدُ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، وَفَتْحُ الْأَهْوَازِ وَمَنَاذِرَ وَنَهَرَ تِيرَى، وَصُلْحُ الْهُرْمُزَانِ وَأَهْلِ تُسْتَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَغَزْوُ بِلَادِ فَارِسَ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَحْرَيْنِ، وَعَزْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ؓ عَنْ وِلَايَةِ الْكُوفَةِ، عَنْ غَيْرِ عَجْزٍ أَوْ خِيَانَةٍ وَذَلِكَ لَمَّا شَكَوْهُ أَهْلُهَا، وَعَزْلُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ وِلَايَةِ الْبَصْرَةِ بَعْدَمَا اتُّهِمَ خَطَأً عَلَى أُمِّ جَمِيلٍ، وَتَوْلِيَةُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَفَتْحُ رَامَهُرْمُزَ وَتُسْتَرَ وَأَسْرُ الْهُرْمُزَانِ، وَفَتْحُ السُّوسِ وَالْقُدُومُ بِالْهُرْمُزَانِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ بِالْمَدِينَةِ، وَفَتْحُ وَمُصَالَحَةُ أَهْلِ جُنْدِيْسَابُورَ، وَإِذْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الِانْسِيَاحِ فِي بِلَادِ فَارِسَ، وَوُقُوعُ طَاعُونِ عَمْوَاسَ، وَعَزْلُ خَالِدٍ ؓ عَنَ الْجَيْشِ وَقُدُومُهُ الْمَدِينَةَ، وَفِيهَا كَانَ زَوَاجُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِأُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِيهَا كَانَ عَامُ الرَّمَادَةِ، حَيْثُ وَقَعَ الْقَحْطُ فِي الشَّامِ وَالْحِجَازِ حَتَّى أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَمْصَارِ يَسْتَمِدُّهُمْ مِنَ الْبَصْرَةِ وَمِصْرَ وَاسْتَسْقَى عُمَرُ النَّاسَ وَتَوَسَّلَ بِدُعَاءِ الْعَبَّاسِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالنَّاسِ فِي طَاعُونِ عَمْوَاسَ بَلَغُوا قُرَابَةَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَفِيهَا كَانَ تَحْوِيلُ عُمَرَ الْمَقَامِ إِلَى مَوْضِعِهِ الْيَوْمَ وَكَانَ مُلْصَقًا بِالْبَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفِيهَا كَانَ ظُهُورُ نَارٍ مِنْ حَرَّةِ لَيْلَى فَأَمَرَ عُمَرُ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فَفَعَلُوا فَأَطْفَأَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَفِيهَا كَانَتُ تَوْسِعَةُ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ فَزَادَ فِي مُقَدَّمِهِ وَزَادَ فِي نَاحِيَةِ دَارِ مَرْوَانَ، وَعُمِلَ سَقْفُهُ بِالْجَرِيدِ، وَجُعِلَ عُمُدَهُ الْخَشَبُ، وَقِيلَ: هَذَا بَابٌ لِلنِّسَاءِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عِشْرِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَغَزْوُ النُّوبَةِ عَلَى خِلَافٍ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَنِ فَتْحِهَا فَقَدْ جَعَلَهَا بَعْضُهُمْ عَامَ سِتَّةَ عَشَرَ نَظَرًا لِقِصَّةٍ بَعْثِ عَمْرٍو الْمِيرَةَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَبِفَتْحِهَا أَزَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ عَادَتَهُمُ السَّيِّئَةَ مِنْ إِلْقَاءِ جَارِيَةٍ فِي النِّيلِ كُلَّ عَامٍ فِي الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ بَؤُنَةَ حَتَّى يَفِيضَ النِّيلُ لَهُمْ فَمَنَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَأَفَاضَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ، وَيُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ بِطَاقَةً فَأُلْقِيَتْ فِي النِّيلِ فَأَفَاضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ زُلْزِلَتِ الْمَدِينَةُ فَقَالَ عُمَرُ ؓ: أَيُّهَا النَّاسُ، مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَفِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ: مَعْرَكَةُ نَهَاوَنْدَ، وَفَتْحُ أَصْبَهَانَ، وَفَتْحُ قُمَّ وَقَاشَانَ وَكَرْمَانَ وَبَرْقَةَ وَزُوَيْلَةَ، وَالدِّينَوَرُ وَالصَّيْمَرَةَ، وَفِيهَا كَانَ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ عَلَى نَقْشِ الْكِسْرَوِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهُ جُعِلَ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ، فَبَعْضُهَا كُتِبَ فِيهِ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ"، وَبَعْضُهَا: "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، وَبَعْضُهَا: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَبَعْضُهَا "عُمَرُ" وَتَوْلِيَةُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الْكُوفَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَلَى بَيْتِ مَالِهَا، وَعُثْمَانَ بْنِ حَنِيفٍ مِسَاحَةَ الْأَرْضِ وَتَكْرَارُ شَكْوَى أَهْلِهَا لِوُلَاتِهِمْ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ، وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ الرَّيِّ، وَقُومِسَ، وَجُرْجَانَ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَالْبَابِ وَمُوقَانَ، وَبِلَادِ خُرَاسَانَ، وَقَزْوِينَ وَزَنْجَانَ، وَطَبَرِسْتَانَ، وَشَهْرُزُورَ وَالصَّامِغَانِ، وَفِيهَا كَانَ غَزْوُ التُّرْكِ. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ أَسْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ ؓ مِنْ قِبَلِ الرُّومِ وَقِصَّتُهُ مَعَ مِلْكِ الرُّومِ وَاسْتِنْقَاذِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ تَقْبِيلِ رَأْسِ مَلِكِ الرُّومِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٌ وَعِشْرِينَ، وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ إِصْطَخْرَ وَجَوْرَ وَعَدَدٌ مِنَ الْقُرَى وَالْمُدُنِ، وَفَتْحُ تَوَّجَ، وَفَتْحُ فَسَا وَدَارَابْجِرْدَ، وَفِيهَا كَانَتْ قِصَّةُ سَارِيَةَ بْنِ زُنَيْمٍ، حِينَمَا نَادَاهُ عُمَرُ وَهُوَ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَا سَارِيَةَ الْجَبَلَ الْجَبَلَ، وَهِيَ مِنْ كَرَامَاتِ عُمَرَ ؓ. وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ كَرْمَانَ، وَسِجِسْتَانَ، وَمُكْرَانَ، وَغَزْوَةُ الْأَكْرَادِ، وَفِيهَا حَجَّ عُمَرُ ؓ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا بِالنَّاسِ. وَفَاةُ عُمَرَ ؓ وَشَيْءٌ مِنْ تَرْجَمَتِهِ: وَفِيهَا تُوُفِّيَ عُمَرُ ؓ عَلَى يَدِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيِّ غُلَامِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ عُمَرُ لَا يَأْذَنُ لِصَبِيٍّ قَدِ احْتَلَمَ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَةُ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ يَذْكُرُ لَهُ غُلَامًا عِنْدَهُ صَنَعًا، وَيَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْمَدِينَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ عِنْدَهُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً فِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ; إِنَّهُ حَدَّادٌ نَقَّاشٌ نَجَّارٌ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَ بِهِ إِلَيْهِ. فَخَرَجَ عُمَرُ يَطُوفُ يَوْمًا فِي السُّوقِ، فَلَقِيَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَاسْمُهُ: فَيْرُوزُ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَشَكَى الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي مَا وَضَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَرَاجٍ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ؓ: فَمَا أَرَى خَرَاجَكَ كَثِيرًا عَلَى مَا تَصْنَعُ مِنَ الْأَعْمَالِ، قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ لَفَعَلْتُ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاعْمَلْ لِي رَحًى. قَالَ: لَئِنْ سَلِمْتَ لَأَعْمَلَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ بِهَا مَنْ بِالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ! ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ. فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَوْعَدَنِي الْعَبْدُ الْآنَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَ عُمَرُ إِلَى الصَّلَاةِ وَكَانَ يُوَكِّلُ بِالصُّفُوفِ رِجَالًا فَإِذَا اسْتَوَتْ كَبَّرَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَرَ فِيهِنَّ ظِلًّا تَقَدَّمَ، فَكَبَّرُوا، وَرُبَّمَا قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ أَوِ النَّحْلَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ وَدَخَلَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فِي النَّاسِ وَبِيَدِهِ خِنْجَرٌ لَهُ رَأْسَانِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَضَرَبَ عُمَرَ سِتَّ ضَرَبَاتٍ إِحْدَاهُنَّ تَحْتَ سُرَّتِهِ وَهِيَ الَّتِي قَتَلَتْهُ ؓ. التَّعْرِيفُ بِعُمَرَ ؓ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَبُو حَفْصٍ، الْقُرَشِيُّ، الْعَدَوِيُّ، الْفَارُوقُ. وُلِدَ بَعْدَ حَادِثَةِ الْفِيلِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَأَسْلَمَ وَعُمْرُهُ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ فَكَانَتِ السِّفَارَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُعَزَّ الْإِسْلَامُ بِأَحَبِّ الْعُمَرَيْنِ إِلَيْهِ، فَأَصَابَتْهُ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ عِدَّةَ رِوَايَاتٍ فِي قِصَّةِ إِسْلَامِهِ. وَهَاجَرَ جَهْرًا عَلَى عِلْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَهَاجَرَ مَعَهُ بَعْضُ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَلَمْ يَجْرُؤْ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ. وَفَضَائِلُهُ فِي الْوَرَى مَشْهُورَةٌ، وَفِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ مَنْثُورَةٌ، وَعَلَى أَلْسِنَةِ الْبُلَغَاءِ مَنْشُورَةٌ، فَهُوَ الَّذِي يَفِرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ فَمَا سَلَكَ وَادِيًا أَوْ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ آخَرَ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ مُوَافِقًا لَهُ فِي غَيْرِ مَا حَادِثَةٍ وَمَوْضِعٍ، وَلَهُ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَالْأَوَّلِيَّاتِ الْكَثِيرُ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ وَأَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ لُقِّبَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوَّلُ مَنْ عَسَّ بِاللَّيْلِ لِلْمُسْلِمِينَ..إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَوَّلِيَّاتِ. وَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ؓ جَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ شُورَى فِي سِتَّةٍ مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَمَنْ مَاتَ عَنْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ رَاضٍ، فَجَعَلَهَا فِي عُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَسَعْدٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَطَلْحَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ؓ جَمِيعًا.
التاريخ 1977لا حكم مسجّل
ثُمَّ اسْتَهَلَّتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا دُفِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، ؓ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْأَحَدِ فِي قَوْلٍ. وَبَعْدَ ثَلَاثِ أَيَّامٍ بُويِعَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ. خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ وصية عمر ؓ في جعل الأمر من بعده في ستة نفر كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ؓ، قَدْ جَعَلَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ شُورَى بَيْنَ سِتَّةِ نَفَرٍ، وَهُمْ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، ؓ. وَتَحَرَّجَ أَنْ يَجْعَلَهَا إِلَى وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَقَالَ: لَا أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِكُمْ خَيْرًا يَجْمَعْكُمْ عَلَى خَيْرِ هَؤُلَاءِ، كَمَا جَمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، ﷺ. وَمِنْ تَمَامِ وَرَعِهِ لَمْ يَذْكُرْ فِي أَهْلِ الشُّورَى سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ خَشِيَ أَنْ يُرَاعَى فَيُوَلَّى لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمِّهِ، فَلِذَلِكَ تَرَكَهُ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ بَلْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْمَدَائِنِيِّ، عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ بَيْنِهِمْ وَقَالَ: لَسْتُ مُدْخِلَهُ فِيهِمْ. وَقَالَ لِأَهْلِ الشُّورَى: يَحْضُرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَهُ - وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ؛ بَلْ يَحْضُرُ الشُّورَى وَيُشِيرُ بِالنُّصْحِ وَلَا يُوَلَّى شَيْئًا. وصية عمر بمن يصلي بالناس حتى انقضاء الشورى وَأَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ الشُّورَى، وَأَنْ يَجْتَمِعَ أَهْلُ الشُّورَى وَيُوَكَّلَ بِهِمْ أُنَاسٌ حَتَّى يَنْبَرِمَ الْأَمْرُ وَوَكَّلَ بِهِمْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَجَعَلَ عَلَيْهِمْ مُسْتَحِثًّا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأُسُودِ الْكِنْدِيَّ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَظُنُّ النَّاسَ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ أَحَدًا؛ إِنَّهُمَا كَانَا يَكْتُبَانِ الْوَحْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، مِمَّا يَنْزِلُ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ. قَالُوا: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ، ؓ، وَأُحْضِرَتْ جِنَازَتُهُ تَبَادَرَ إِلَيْهَا عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ أَيُّهُمَا يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لَسْتُمَا مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا هَذَا إِلَى صُهَيْبٍ الَّذِي أَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. فَتَقَدَّمَ صُهَيْبٌ وَصَلَّى عَلَيْهِ. وَنَزَلَ فِي قَبْرِهِ مَعَ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ أَهْلُ الشُّورَى سِوَى طَلْحَةَ فَإِنَّهُ كَانَ غَائِبًا. اجتماع الصحابة لأخذ المشورة فَلَمَّا فُرِغَ مِنْ شَأْنِ عُمَرَ جَمَعَهُمُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فِي بَيْتِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَقِيلَ: فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ. وَقِيلَ: فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَقِيلَ: فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أُخْتِ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَجَلَسُوا فِي الْبَيْتِ، وَقَامَ أَبُو طَلْحَةَ يَحْجُبُهُمْ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَجَلَسَا مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَحَصَبَهُمَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَطَرَدَهُمَا، وَقَالَ: جِئْتُمَا لِتَقُولَا: حَضَرْنَا أَمْرَ الشُّورَى ! رَوَاهُ الْمَدَائِنِيُّ عَنْ مَشَايِخِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْقَوْمَ خَلَصُوا مِنَ النَّاسِ فِي بَيْتٍ يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرِهِمْ فَكَثُرَ الْقَوْلُ، وَعَلَتِ الْأَصْوَاتُ، وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: إِنِّي كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ تَدَافَعُوهَا، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنْ تَنَافَسُوهَا. ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ بَعْدَ حُضُورِ طَلْحَةَ إِلَى أَنْ فَوَّضَ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى ثَلَاثَةٍ؛ فَفَوَّضَ الزُّبَيْرُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْإِمَارَةِ إِلَى عَلِيٍّ، وَفَوَّضَ سَعْدٌ مَا لَهُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَتَرَكَ طَلْحَةُ حَقَّهُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِعَلِيٍّ وَعُثْمَانَ: أَيُّكُمَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَنُفَوِّضَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ، لَيُوَلِّيَنَّ أَفْضَلَ الرَّجُلَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ. فَأُسْكِتَ الشَّيْخَانِ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَإِنِّي أَتْرُكُ حَقِّي مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ عَلَيَّ وَالْإِسْلَامُ أَنْ أَجْتَهِدَ فَأُوَلِّيَ أَوْلَاكُمَا بِالْحَقِّ. فَقَالَا: نَعَمْ. ثُمَّ خَاطَبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا فِيهِ مِنَ الْفَضْلِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ لَئِنْ وَلَّاهُ لَيَعْدِلَنَّ وَلَئِنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ لَيَسْمَعَنَّ وَلَيُطِيعَنَّ، فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: نَعَمَ. ثُمَّ تَفَرَّقُوا. استشارة عبد الرحمن بن عوف أهل الشورى وغيرهم فيمن هو أفضل للخلافة وَيُرْوَى أَنَّ أَهْلَ الشُّورَى جَعَلُوا الْأَمْرَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ؛ لِيَجْتَهِدَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَفْضَلِهِمْ فَيُوَلِّيَهُ. فَيُذْكَرُ أَنَّهُ سَأَلَ كُلَّ مَنْ يُمْكِنُهُ سُؤَالُهُ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى وَغَيْرِهِمْ، فَلَا يُشِيرُ إِلَّا بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ حَتَّى أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أُوَلِّكَ، فَمَنْ تُشِيرُ بِهِ ؟ قَالَ: بِعُثْمَانَ. وَقَالَ لِعُثْمَانَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أُوَلِّكَ، فَمَنْ تُشِيرُ بِهِ ؟ قَالَ: بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْحَصِرَ الْأَمْرُ فِي ثَلَاثَةٍ، وَيَنْخَلِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْهَا لِيَنْظُرَ الْأَفْضَلَ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لَيَجْتَهِدَنَّ فِي أَفْضَلِ الرَّجُلَيْنِ فَيُوَلِّيهِ. ثُمَّ نَهَضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، ؓ، يَسْتَشِيرُ النَّاسَ فِيهِمَا وَيَجْتَمِعُ بِرُءُوسِ النَّاسِ وَأَجْنَادِهِمْ؛ جَمِيعًا وَأَشْتَاتًا، مَثْنَى وَفُرَادَى وَمُجْتَمِعِينَ، سِرًّا وَجَهْرًا، حَتَّى خَلَصَ إِلَى النِّسَاءِ الْمُخَدَّرَاتِ فِي حِجَابِهِنَّ، وَحَتَّى سَأَلَ الْوِلْدَانَ فِي الْمَكَاتِبِ، وَحَتَّى سَأَلَ مَنْ يَرِدُ مِنَ الرُّكْبَانِ وَالْأَعْرَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، فَلَمْ يَجِدِ اثْنَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ؛ إِلَّا مَا يُنْقَلُ عَنْ عَمَّارٍ وَالْمِقْدَادِ أَنَّهُمَا أَشَارَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ بَايَعَا مَعَ النَّاسِ عَلَى مَا سَيُذْكَرُ. فَسَعَى فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا لَا يَغْتَمِضُ بِكَثِيرِ نَوْمٍ إِلَّا صَلَاةً وَدُعَاءً وَاسْتِخَارَةً، وَسُؤَالًا مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَعْدِلُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ. تولية عثمان ؓ ومبايعة الناس له في المسجد فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي يُسْفِرُ صَبَاحُهَا عَنِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ مِنْ مَوْتِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، جَاءَ إِلَى مَنْزِلِ ابْنِ أُخْتِهِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، فَقَالَ: أَنَائِمٌ يَا مِسْوَرُ ! وَاللَّهِ لَمْ أَغْتَمِضْ بِكَثِيرِ نَوْمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ، اذْهَبْ فَادْعُ لِي عَلِيًّا وَعُثْمَانَ. قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقُلْتُ: بِأَيِّهِمَا أَبْدَأُ ؟ فَقَالَ: بِأَيِّهِمَا شِئْتَ. قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى عَلِيٍّ، فَقُلْتُ: أَجِبْ خَالِي. فَقَالَ: أَمَرَكَ أَنْ تَدْعُوَ مَعِيَ أَحَدًا ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ ؟ قُلْتُ: عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ. قَالَ: بِأَيِّنَا بَدَأَ ؟ قُلْتُ: لَمْ يَأْمُرْنِي بِذَلِكَ، بَلْ قَالَ: ادْعُ أَيَّهُمَا شِئْتَ أَوَّلًا. فَجِئْتُ إِلَيْكَ. قَالَ: فَخَرَجَ مَعِي، فَلَمَّا مَرَرْنَا بِدَارِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، جَلَسَ عَلِيٌّ حَتَّى دَخَلْتُ فَوَجَدْتُهُ يُوتِرُ مَعَ الْفَجْرِ، فَدَعَوْتُهُ، فَقَالَ لِي كَمَا قَالَ لِي عَلِيٌّ سَوَاءً، ثُمَّ خَرَجَ، فَدَخَلْتُ بِهِمَا عَلَى خَالِي وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ سَأَلْتُ النَّاسَ عَنْكُمَا، فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَعْدِلُ بِكُمَا أَحَدًا. ثُمَّ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا أَيْضًا لَئِنْ وَلَّاهُ لَيَعْدِلَنَّ، وَلَئِنْ وَلَّى عَلَيْهِ لَيَسْمَعَنَّ وَلِيُطِيعَنَّ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدْ لَبِسَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْعِمَامَةَ الَّتِي عَمَّمَهُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَتَقَلَّدَ سَيْفًا، وَبَعَثَ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَنُودِيَ فِي النَّاسِ عَامَّةً: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ حَتَّى غَصَّ بِالنَّاسِ، وَتَرَاصَّ النَّاسُ، وَتَرَاصُّوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ لِعُثْمَانَ مَوْضِعٌ يَجْلِسُ فِيهِ إِلَّا فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسُ - وَكَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، ؓ - ثُمَّ صَعِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَوَقَفَ وُقُوفًا طَوِيلًا، وَدَعَا دُعَاءً طَوِيلًا، لَمْ يَسْمَعْهُ النَّاسُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ سَأَلْتُكُمْ سِرًّا وَجَهْرًا، مَثْنَى وَفُرَادَى، فَلَمْ أَجِدْكُمْ تَعْدِلُونَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؛ إِمَّا عَلِيٌّ وَإِمَّا عُثْمَانُ، فَقُمْ إِلَيَّ يَا عَلِيُّ، فَقَامَ إِلَيْهِ فَوَقَفَ تَحْتَ الْمِنْبَرِ، فَأَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَايِعِي عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ﷺ، وَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا، وَلَكِنْ عَلَى جُهْدِي مِنْ ذَلِكَ وَطَاقَتِي. قَالَ: فَأَرْسَلَ يَدَهُ وَقَالَ: قُمْ يَا عُثْمَانُ. فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَايِعِي عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، ﷺ، وَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى سَقْفِ الْمَسْجِدِ وَيَدَهُ فِي يَدِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاشْهَدْ، اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاشْهَدْ، اللَّهُمَّ اسْمَعْ وَاشْهَدْ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ مَا فِي رَقَبَتِي مِنْ ذَاكَ فِي رَقَبَةِ عُثْمَانَ. قَالَ: وَازْدَحَمَ النَّاسُ يُبَايِعُونَ عُثْمَانَ حَتَّى غَشَوْهُ تَحْتَ الْمِنْبَرِ قَالَ: فَقَعَدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ مَقْعَدَ النَّبِيِّ، ﷺ، وَأَجْلَسَ عُثْمَانَ تَحْتَهُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ النَّاسُ يُبَايِعُونَهُ، وَبَايَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلًا، وَيُقَالُ آخِرًا. وَمَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُؤَرِّخِينَ - كَابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ - عَنْ رِجَالٍ لَا يُعْرَفُونَ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: خَدَعْتَنِي، وَإِنَّكَ إِنَّمَا وَلَّيْتَهُ؛ لِأَنَّهُ صِهْرُكَ وَلِيُشَاوِرَكَ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ. وَأَنَّهُ تَلَكَّأَ حَتَّى قَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [ سُورَةُ الْفَتْحِ: 10 ]. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الْمُخَالِفَةِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ، فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى قَائِلِيهَا وَنَاقِلِيهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَظْنُونُ بِالصَّحَابَةِ خِلَافُ مَا يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الرَّافِضَةِ وَأَغْبِيَاءِ الْقُصَّاصِ الَّذِينَ لَا تَمْيِيزَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ وَضَعِيفِهَا، وَمُسْتَقِيمِهَا وَسَقِيمِهَا، وَشَاذِّهَا وَقَوِيمِهَا، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. اليوم الذي بويع فيه لعثمان ؓ وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بُويِعَ فِيهِ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ؛ فَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّهُ بُويِعَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَاسْتَقْبَلَ بِخِلَافَتِهِ الْمُحَرَّمَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: بُويِعَ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ مَقْتَلِ عُمَرَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. وَهَذَا أَغْرَبُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَالَ سَيْفٌ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ ذَفَرَةَ، وَمُجَالِدٍ قَالَا: اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. وَكَذَا رَوَى سَيْفٌ عَنْ عُمَرَ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: اجْتَمَعَ أَهْلُ الشُّورَى عَلَى عُثْمَانَ لِثَلَاثٍ خَلَوْنَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَقَدْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ صُهَيْبٍ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّى بِهِمُ الْعَصْرَ وَزَادَ النَّاسَ - يَعْنِي فِي أُعْطِيَّاتِهِمْ - مِائَةً، وَوَفَّدَ أَهْلَ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ. قُلْتُ: ظَاهِرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سِيَاقِ بَيْعَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ، لَكِنَّهُ لَمَّا بَايَعَهُ النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ، ذُهِبَ بِهِ إِلَى دَارِ الشُّورَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ، فَبَايَعَهُ بَقِيَّةُ النَّاسِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الْبَيْعَةَ إِلَّا بَعْدَ الظُّهْرِ. وَصَلَّى صُهَيْبٌ يَوْمَئِذٍ الظَّهْرَ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَكَانَ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا الْخَلِيفَةُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بِالْمُسْلِمِينَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُ. أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْمُسْلِمِينَ فَرَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ الشُّورَى عُثْمَانَ، خَرَجَ وَهُوَ أَشَدُّهُمْ كَآبَةً فَأَتَى مِنْبَرَ النَّبِيِّ، ﷺ، فَخَطَبَ النَّاسَ؛ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ فِي دَارِ قَلْعَةٍ، وَفِي بَقِيَّةِ أَعْمَارٍ، فَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِخَيْرِ مَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ أُتِيتُمْ؛ صُبِّحْتُمْ أَوْ مُسِّيتُمْ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا طُوِيَتْ عَلَى الْغُرُورِ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ لُقْمَانَ: 33 ]. وَاعْتَبِرُوا بِمَنْ مَضَى ثُمَّ جِدُّوا وَلَا تَغْفُلُوا؛ أَيْنَ أَبْنَاءُ الدُّنْيَا وَإِخْوَانُهَا الَّذِينَ أَثَارُوهَا وَعَمَرُوهَا وَمُتِّعُوا بِهَا طَوِيلًا؛ أَلَمْ تَلْفِظْهُمْ ! ارْمُوا بِالدُّنْيَا حَيْثُ رَمَى اللَّهُ بِهَا، وَاطْلُبُوا الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ ضَرَبَ لَهَا مَثَلًا، وَالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَقَالَ تَعَالَى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [ سُورَةُ الْكَهْفِ: 45، 46 ]. قَالَ: وَأَقْبَلَ النَّاسُ يُبَايِعُونَهُ. قُلْتُ: وَهَذِهِ الْخُطْبَةُ إِمَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ يَوْمَئِذٍ، أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ جَالِسٌ فِي رَأْسِ الْمِنْبَرِ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا خَطَبَ أَوَّلَ خُطْبَةٍ أُرْتِجَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ حَتَّى قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَوَّلَ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَتَأْتِكُمُ الْخُطْبَةُ عَلَى وَجْهِهَا. فَهُوَ شَيْءٌ يَذْكُرُهُ صَاحِبُ الْعِقْدِ وَغَيْرُهُ، مِمَّنْ يَذْكُرُ طَرَفَ الْفَوَائِدِ، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ هَذَا بِإِسْنَادٍ تَسْكُنُ النَّفْسُ إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ما فعله عثمان ؓ بعد توليه الخلافة وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ زَادَ النَّاسَ مِائَةً، يَعْنِي فِي عَطَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ؛ زَادَهُ عَلَى مَا فَرَضَ لَهُ عُمَرُ مِائَةَ دِرْهَمٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَعَلَ لِكُلِّ نَفْسٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ دِرْهَمًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ يُفْطِرُ عَلَيْهِ، وَلِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ، أَقَرَّ ذَلِكَ وَزَادَهُ، وَاتَّخَذَ سِمَاطًا فِي الْمَسْجِدِ أَيْضًا لِلْمُتَعَبِّدِينَ، وَالْمُعْتَكِفِينَ، وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَالْفُقَرَاءِ، وَالْمَسَاكِينِ، ؓ. وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ عَلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَحْتَ الدَّرَجَةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَقِفُ عَلَيْهَا فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ نَزَلَ دَرَجَةً أُخْرَى عَنْ دَرَجَةِ أَبِي بَكْرٍ، ؓ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ قَالَ: إِنَّ هَذَا يَطُولُ: فَصَعِدَ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ. وَزَادَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةَ قَبْلَ الْأَذَانِ الَّذِي كَانَ يُؤُذَّنُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، إِذَا جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ. أَوَّلُ حُكُومَةٍ حَكَمَ فِيهَا وَأَمَّا أَوَّلُ حُكُومَةٍ حَكَمَ فِيهَا فَقَضِيَّةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَدَا عَلَى ابْنَةِ أَبِي لُؤْلُؤَةَ قَاتِلِ عُمَرَ فَقَتَلَهَا، وَضَرَبَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا يُقَالُ لَهُ: جُفَيْنَةُ. بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَضَرَبَ الْهُرْمُزَانَ الَّذِي كَانَ صَاحِبَ تَسْتُرَ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُمَا مَالَئَا أَبَا لُؤْلُؤَةَ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَ بِسَجْنِهِ لِيَحْكُمَ فِيهِ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ، وَجَلَسَ لِلنَّاسِ، كَانَ أَوَّلَ مَا تُحُوكِمَ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا مِنَ الْعَدْلِ تَرْكُهُ. وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ: أَيُقْتَلُ أَبُوهُ بِالْأَمْسِ وَيُقْتَلُ هُوَ الْيَوْمَ ! فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَدْ بَرَّأَكَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ قَضِيَّةٌ لَمْ تَكُنْ فِي أَيَّامِكَ فَدَعْهَا عَنْكَ. فَوَدَى عُثْمَانُ، ؓ، أُولَئِكَ الْقَتْلَى مِنْ مَالِهِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ لَا وَارِثَ لَهُمْ إِلَّا بَيْتُ الْمَالِ، وَالْإِمَامُ يَرَى الْأَصْلَحَ فِي ذَلِكَ، وَخَلَّى سَبِيلَ عُبَيْدِ اللَّهِ. قَالُوا: فَكَانَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيُّ إِذَا رَأَى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: أَلَا يَا عُبَيْدَ اللَّهِ مَالَكَ مَهْرَبٌ وَلَا مَلْجَأٌ مِنِ ابْنِ أَرْوَى وَلَا خَفَرْ أَصَبْتَ دَمًا وَاللَّهِ فِي غَيْرِ حِلِّهِ حَرَامًا وَقَتْلُ الْهُرْمُزَانِ لَهُ خَطَرْ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ قَالَ قَائِلٌ أَتَتَّهِمُونَ الْهُرْمُزَانَ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ سَفِيهٌ وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ نَعَمْ أَتَّهِمْهُ قَدْ أَشَارَ وَقَدْ أَمَرَ وَكَانَ سِلَاحُ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ يُقَلِّبُهَا وَالْأَمْرُ بِالْأَمْرِ يُعْتَبَرْ قَالَ: فَشَكَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ زِيَادًا إِلَى عُثْمَانَ، فَاسْتَدْعَى عُثْمَانُ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ، فَأَنْشَأَ زِيَادٌ يَقُولُ فِي عُثْمَانَ: أَبَا عَمْرٍو عُبَيْدُ اللَّهِ رَهْنٌ فَلَا تَشْكُكْ بِقَتْلِ الْهُرْمُزَانِ فَإِنَّكَ إِنْ غَفَرْتَ الْجُرْمَ عَنْهُ وَأَسْبَابُ الْخُطَا فَرَسَا رِهَانِ أَتَعْفُو إِذْ عَفَوْتَ بِغَيْرِ حَقٍّ فَمَا لَكَ بِالَّذِي يُخْلَى يَدَانِ قَالَ: فَنَهَاهُ عُثْمَانُ عَنْ ذَلِكَ، وَزَبَرَهُ، فَسَكَتَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ عَمَّا يَقُولُ. ثُمَّ كَتَبَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى الْأَمْصَارِ؛ أُمَرَاءِ الْحَرْبِ وَالْأَئِمَّةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالْأُمَنَاءِ عَلَى بُيُوتِ الْمَالِ؛ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ.
التاريخ 1978لا حكم مسجّل
عَزَلَ عُثْمَانُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَنِ الْكُوفَةِ وَوَلَّى عَلَيْهَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَنِ الْكُوفَةِ، وَوَلَّى عَلَيْهَا سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ، فَكَانَ أَوَّلَ عَامِلٍ وَلَّاهُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ قَالَ: فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ وَلِيَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ عَنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ. فَاسْتَعْمَلَ سَعْدًا عَلَيْهَا سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ أَوْصَى أَنْ تُقَرَّ عُمَّالُهُ سَنَةً، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَقَرَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ عَلَى الْكُوفَةِ سَنَةً، ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ سَعْدًا، ثُمَّ عَزَلَهُ وَوَلَّى الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ تَكُونُ وِلَايَةُ سَعْدٍ عَلَى الْكُوفَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ -يعني عزل سعد - أَنَّ سَعْدًا اقْتَرَضَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَرْضًا، فَلَمَّا تَقَاضَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ قَضَاؤُهُ فَارْتَفَعَ بَيْنَهُمَا الْكَلَامُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا أَرَاكَ إِلَّا سَتَلْقَى شَرًّا، هَلْ أَنْتَ إِلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ عَبْدٌ مِنْ هُذَيْلٍ ؟ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنِّي لَابْنُ مَسْعُودٍ وَإِنَّكَ لَابْنُ حُمَيْنَةَ. وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ حَاضِرًا فَقَالَ: إِنَّكُمَا لَصَاحِبَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يَنْظُرُ إِلَيْكُمَا. فَرَفَعَ سَعْدٌ يَدَهُ لِيَدْعُوَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ فِيهِ حِدَّةٌ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَيْلَكَ قُلْ خَيْرًا وَلَا تَلْعَنْ. فَقَالَ سَعْدٌ عِنْدَ ذَلِكَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا اتِّقَاءُ اللَّهِ لَدَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً لَا تُخْطِئُكَ. فَوَلَّى عَبْدُ اللَّهِ سَرِيعًا حَتَّى خَرَجَ، ثُمَّ اسْتَعَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِأُنَاسٍ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْمَالِ، وَاسْتَعَانَ سَعْدٌ بِأُنَاسٍ عَلَى إِنْظَارِهِ، فَافْتَرَقُوا وَبَعْضُهُمْ يَلُومُ بَعْضًا، يَلُومُ هَؤُلَاءِ سَعْدًا وَهَؤُلَاءِ عَبْدَ اللَّهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا نُزِغَ بِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَأَوَّلَ مِصْرٍ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنَ أَهْلِهِ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عُثْمَانَ فَغَضِبَ عَلَيْهِمَا فَعَزَلَ سَعْدًا وَأَقَرَّ عَبْدَ اللَّهِ، وَاسْتَعْمَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مَكَانَ سَعْدٍ، وَكَانَ عَلَى عَرَبِ الْجَزِيرَةِ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بَعْدَهُ، فَقَدِمَ الْكُوفَةَ وَالِيًا عَلَيْهَا، ( وَأَقَامَ عَلَيْهَا خَمْسَ سِنِينَ، وَهُوَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَى أَهْلِهَا ). فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ لَهُ سَعْدٌ: أَكِسْتَ بَعْدَنَا أَمْ حَمُقْنَا بَعْدَكَ ؟ فَقَالَ: لَا تَجْزَعَنَّ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَإِنَّمَا هُوَ الْمُلْكُ يَتَغَدَّاهُ قَوْمٌ وَيَتَعَشَّاهُ آخَرُونَ. فَقَالَ سَعْدٌ: أَرَاكُمْ جَعَلْتُمُوهَا مُلْكًا ! وَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا أَدْرِي أَصَلُحَتْ بَعْدَنَا أَمْ فَسَدَ النَّاسُ ! غزو الوليد بن عقبة أذربيجان وأرمينية قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ - غَزَا الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ حِينَ مَنَعَ أَهْلُهَا مَا كَانُوا صَالَحُوا عَلَيْهِ فِي أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي مِخْنَفٍ. وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا هَذِهِ الْوَقْعَةَ، وَمُلَخَّصُهَا أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ سَارَ بِجَيْشِ الْكُوفَةِ نَحْوَ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَةَ حِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَوَطِئَ بِلَادَهُمْ، وَأَغَارَ بِأَرَاضِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَغَنِمَ وَسَبَى، وَأَخَذَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً، فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالْهِلْكَةِ صَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مَا كَانُوا صَالَحُوا عَلَيْهِ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ؛ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَقَبَضَ مِنْهُمْ جِزْيَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ رَجَعَ سَالِمًا غَانِمًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَمَرَّ بِالْمَوْصِلِ، وَجَاءَهُ كِتَابُ عُثْمَانَ وَهُوَ بِهَا يَأْمُرُهُ أَنْ يُمِدَّ أَهْلَ الشَّامِ عَلَى حَرْبِ أَهْلِ الرُّومِ. بعث عثمان إلى الشام لمحاربة الروم قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَاشَتِ الرُّومُ حَتَّى خَافَ أَهْلُ الشَّامِ وَبَعَثُوا إِلَى عُثْمَانَ، ؓ، يَسْتَمِدُّونَهُ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ؛ أَنْ إِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَابْعَثْ رَجُلًا أَمِينًا كَرِيمًا شُجَاعًا قِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ أَوْ تِسْعَةِ آلَافٍ أَوْ عَشَرَةِ آلَافٍ إِلَى إِخْوَانِكُمْ بِالشَّامِ. فَقَامَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا حِينَ وَصَلَ إِلَيْهِ كِتَابُ عُثْمَانَ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَدَبَ النَّاسَ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَمُعَاوَنَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَأَمَّرَ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى النَّاسِ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ إِلَى الشَّامِ، فَانْتَدَبَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ، فَبَعَثَهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَعَلَى جُنْدِ الْمُسْلِمِينَ حَبِيبُ بْنُ مُسْلِمٍ الْفِهْرِيُّ. فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْجَيْشَانِ شَنُّوا الْغَارَاتِ عَلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَغَنِمُوا وَسَبَوْا سَبْيًا كَثِيرًا، وَفَتَحُوا حُصُونًا كَثِيرَةً. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الَّذِي أَمَدَّ أَهْلَ الشَّامِ بِسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ إِنَّمَا هُوَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ؛ عَنْ كِتَابِ عُثْمَانَ، ؓ، فَبَعَثَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ بِسِتَّةِ آلَافِ فَارِسٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَقَدْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ الْمَوْرِيَانُ الرُّومِيُّ فِي ثَمَانِينَ أَلْفًا مِنَ الرُّومِ وَالتُّرْكِ، وَكَانَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ شُجَاعًا شَهْمًا، فَعَزَمَ عَلَى أَنْ يُبَيِّتَ جَيْشَ الرُّومِ، فَسَمِعَتْهُ امْرَأَتُهُ يَقُولُ لِلْأُمَرَاءِ ذَلِكَ، فَقَالَتْ لَهُ: فَأَيْنَ مَوْعِدِي مَعَكَ. تَعْنِي أَيْنَ أَجْتَمِعُ بِكَ غَدًا ؟ فَقَالَ لَهَا: مَوْعِدُكِ سُرَادِقُ مَوْرِيَانَ أَوِ الْجَنَّةُ. ثُمَّ نَهَضَ إِلَيْهِمْ فِي اللَّيْلِ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَتَلَ مَنْ أَشْرَفَ لَهُ، وَسَبَقَتْهُ امْرَأَتُهُ إِلَى سُرَادِقِ مَوْرِيَانَ، فَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنَ الْعَرَبِ ضُرِبَ عَلَيْهَا سُرَادِقُ، وَقَدْ مَاتَ عَنْهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ الْفِهْرِيُّ؛ فَهِيَ أُمُّ وَلَدِهِ. من حج في هذه السنة قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَاخْتُلِفَ فِي مَنْ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؛ فَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ: حَجَّ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَمْرِ عُثْمَانَ. وَقَالَ آخَرُونَ: حَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ؓ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ؛ فَإِنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْحَجِّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِأَجْلِ رُعَافٍ أَصَابَهُ مَعَ النَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَتَّى خُشِيَ عَلَيْهِ. وَكَانَ يُقَالُ لِهَذِهِ السَّنَةِ: سَنَةُ الرُّعَافِ. فتح أبو موسى الأشعري الري وَفِيهَا افْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الرَّيَّ بَعْدَ مَا نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، ؓ.
التاريخ 1979لا حكم مسجّل
بَرَكَةُ أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَرَكَةُ، أُمُّ أَيْمَنَ. مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [وَحَاضِنَتُهُ]. وَرَثَهَا مِنْ أَبِيهِ، وَكَانَتْ سَوْدَاءَ، فَأَعْتَقَهَا حِينَ تَزَوَّجَ [خَدِيجَةَ ؓ ] فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ: أَيْمَنَ، وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ؓ. عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ] عُثْمَانَ بْنَ الْقَاسِمِ يُحَدِّثُ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَتْ أُمُّ أَيْمَنَ أَمْسَتْ بِالْمُنْصَرَفِ دُونَ الرَّوْحَاءِ، فَعَطِشَتْ، فَدُلِّيَ عَلَيْهَا مِنَ السَّمَاءِ دَلْوُ مَاءٍ بِرِشَاءٍ أَبْيَضَ، فَأَخَذَتْهُ فَشَرِبَتْهُ حَتَّى رَوِيَتْ، فَكَانَتْ تَقُولُ: مَا أَصَابَنِي بَعْدَ ذَلِكَ عَطَشٌ، وَلَقَدْ تَعَرَّضْتُ لِلْعَطَشِ بِالصَّوْمِ فِي الْهَوَاجِرِ فَمَا عَطِشْتُ بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ، وَإِنِّي كُنْتُ لَأَصُومُ فِي الْيَوْمِ الْحَارِّ فَمَا أَعْطَشُ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَاءَتْ أُمُّ أَيْمَنَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتِ: احْمِلْنِي فَقَالَ: "أَحْمِلُكِ عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَا يُطِيقُنِي وَلَا أُرِيدُهُ. قَالَ: "لَا أَحْمِلُكِ إِلَّا عَلَى وَلَدِ النَّاقَةِ". يَعْنِي: كَانَ يُمَازِحُهَا، وَكَانَ يَمْزَحُ وَلَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وَالْإِبِلُ كُلُّهَا وَلَدُ النُّوقِ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: حَضَرَتْ أُمُّ أَيْمَنَ أُحُدًا، وَكَانَتْ تَسْقِي الْمَاءَ، وَتُدَاوِي الْجَرْحَى، وَشَهِدَتْ خَيْبَرَ، وَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَكَتْ وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَبْكِي عَلَى خَبَرِ السَّمَاءِ، كَيْفَ انْقَطَعَ، وَلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بَكَتْ وَقَالَتِ: الْيَوْمَ وَهِيَ الْإِسْلَامُ. وَتُوُفِّيَتْ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَقِيلَ: فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. عُثْمَانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَهْمٍ وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عُثْمَانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَهْمٍ ذُكِرَ فِي الصَّحَابَةِ، وَشَهِدَ الْفَتْحَ بِمِصْرَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِمِصْرَ، وَكَانَ صَاحِبَ ضِيَافَةٍ، فَقَالَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنْ أَفْرِضْ لِكُلِّ مَنْ قِبَلَكَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فِي مِائَتَيْنِ [مِنَ] الْعَطَاءِ، وَابْلُغْ ذَلِكَ بِنَفْسِكَ بِإِمَارَتِكَ، وَافْرِضْ لِخَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ فِي الشَّرَفِ لِشَجَاعَتِهِ، وَافْرِضْ لِعُثْمَانَ بْنِ قَيْسٍ فِي الشَّرَفِ لِضِيَافَتِهِ. لُبَابَةُ الْكُبْرَى بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ 237 - لُبَابَةُ الْكُبْرَى بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ، تَزَوَّجَهَا الْعَبَّاسُ، فَوَلَدَتْ لَهُ: الْفَضْلَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ، وَمَعْبَدًا، وَقُثَمَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأُمَّ حَبِيبٍ. وَفِيهَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ ارْتِجَالًا: مَا وَلَدَتْ نَجِيبَةٌ مِنْ فَحْلِ كَسِتَّةٍ مِنْ بَطْنِ أُمِّ الْفَضْلِ أَكْرِمْ بِهَا مَنْ كَهْلَةٍ وَكَهْلِ وَهَاجَرَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْدَ إِسْلَامِ الْعَبَّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزُورُهَا وَيَقِيلُ فِي بَيْتِهَا، وَكَانَتْ تَصُومُ [يَوْمَ] الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ رَحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى. سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ وَفِيهَا تُوُفِّيَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنُ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ، وَيُكَنَّى بِأَبِي سُفْيَانَ، كَانَ يَنْزِلُ قُدَيْدًا، وَهُوَ الَّذِي اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ الدِّيَلِيَّ، حِينَ خَرَجُوا مِنْ غَارِ ثَوْرٍ قَاصِدِينَ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ لَمَّا جَعَلُوا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ النَّبِيِّ، ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَطَمِعَ أَنْ يَفُوزَ بِهَذَا الْجُعْلِ، فَلَمْ يُسَلِّطْهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، بَلْ لَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُمْ وَسَمِعَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، سَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى نَادَاهُمْ بِالْأَمَانِ، فَأَعْطَوْهُ الْأَمَانَ، وَكَتَبَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ كِتَابَ أَمَانٍ عَنْ إِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ثُمَّ قُدِمَ بِهِ بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ، فَأَسْلَمَ وَأَكْرَمَهُ النَّبِيُّ، ﷺ، وَهُوَ الْقَائِلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعُمْرَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ ؟ فَقَالَ لَهُ: بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
التاريخ 1980لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ ذكر خِلَافِ أَهْلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَقَضُوا صُلْحَهُمْ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الرُّومَ عَظُمَ عَلَيْهِمْ فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يُمْكِنُهُمُ الْمُقَامُ بِبِلَادِهِمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ عَنْ مُلْكِهِمْ، فَكَاتَبُوا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الرُّومِ وَدَعَوْهُمْ إِلَى نَقْضِ الصُّلْحِ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ. فَسَارَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ جَيْشٌ كَثِيرٌ، وَعَلَيْهِمْ مَنَوِيلُ الْخَصِيُّ، فَأَرْسَوْا بِهَا، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ مَنْ بِهَا مِنَ الرُّومِ، وَلَمْ يُوَافِقْهُمُ الْمُقَوْقِسُ بَلْ ثَبَتَ عَلَى صُلْحِهِ. فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَسَارَ الرُّومُ إِلَيْهِ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الرُّومُ وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَنْ أَدْخَلُوهُمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ فِي الْبَلَدِ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، مِنْهُمْ مَنَوِيلُ الْخَصِيُّ. وَكَانَ الرُّومُ لَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَدْ أَخَذُوا أَمْوَالَ أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى مَنْ وَافَقَهُمْ وَمَنْ خَالَفَهُمْ. فَلَمَّا ظَفِرَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ جَاءَ أَهْلُ الْقُرَى الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ فَقَالُوا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ الرُّومَ أَخَذُوا دَوَابَّنَا وَأَمْوَالَنَا، وَلَمْ نُخَالِفْ نَحْنُ عَلَيْكُمْ وَكُنَّا عَلَى الطَّاعَةِ. فَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا عَرَفُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بَعْدَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ. وَهَدَمَ عَمْرٌو سُورَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَتَرَكَهَا بِغَيْرِ سُورٍ. صلح سعد بن أبي وقاص عن أهل الري وَفِيهَا بَلَغَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَهْلِ الرَّيِّ عَزْمٌ عَلَى نَقْضِ الْهُدْنَةِ وَالْغَدْرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ وَأَصْلَحَهُمْ وَغَزَا الدَّيْلَمَ ثُمَّ انْصَرَفَ. فتح البيلقان وبرذعة وَسَارَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ إِلَى أَرَّانَ، فَفَتَحَ الْبَيْلَقَانَ صُلْحًا عَلَى أَنْ آمَنَهُمْ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَحِيطَانِ مَدِينَتِهِمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَالْخَرَاجَ. ثُمَّ أَتَى سَلْمَانُ مَدِينَةَ بَرْذَعَةَ فَعَسْكَرَ عَلَى الثُّرْثَوْرِ، نَهْرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَحْوُ فَرْسَخٍ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا أَيَّامًا، وَشَنَّ الْغَارَاتِ فِي قُرَاهَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ الْبَيْلَقَانِ وَدَخَلَهَا، وَوَجَّهَ خَيْلَهُ فَفَتَحَتْ رَسَاتِيقَ الْوِلَايَةِ، وَدَعَا أَكْرَادَ الْبَلَاشِجَانِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَاتَلُوهُ فَظَفِرَ بِهِمْ، فَأَقَرَّ بَعْضَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَأَدَّى بَعْضُهُمُ الصَّدَقَةَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، وَوَجَّهَ سَرِيَّةً إِلَى شَمْكُورَ فَفَتَحُوهَا، وَهِيَ مَدِينَةٌ قَدِيمَةٌ، وَلَمْ تَزَلْ مَعْمُورَةً حَتَّى أَخْرَبَهَا السَّنَاوِرْدِيَّةُ، وَهُمْ قَوْمٌ تَجَمَّعُوا لَمَّا انْصَرَفَ يَزِيدُ بْنُ أُسَيْدٍ عَنْ أَرْمِينِيَّةَ فَعَظُمَ أَمْرُهُمْ، فَعَمَّرَهَا بُغَا سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَسَمَّاهَا الْمُتَوَكِّلِيَّةَ نِسْبَةً إِلَى الْمُتَوَكِّلِ. فتح مجمع أرس والكر وَسَارَ سَلْمَانُ إِلَى مَجْمَعِ أَرَسَ وَالْكُرِّ فَفَتَحَ قَبَلَةَ، وَصَالَحَهُ صَاحِبُ سُكَرَ وَغَيْرِهَا عَلَى الْإِتَاوَةِ، وَصَالَحَهُ مَلِكُ شَرْوَانَ وَسَائِرُ مُلُوكِ الْجِبَالِ وَأَهْلُ مَسْقَطٍ وَالشَّابَرَانِ وَمَدِينَةُ الْبَابِ ثُمَّ امْتَنَعَتْ بَعْدَهُ. ذكر غَزْوَةِ مُعَاوِيَةَ الرُّومَ وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الرُّومَ فَبَلَغَ عَمُّورِيَّةَ، فَوَجَدَ الْحُصُونَ الَّتِي بَيْنَ أَنْطَاكِيَةَ وَطَرَسُوسَ خَالِيَةً، فَجَعَلَ عِنْدَهَا جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ غَزَاتِهِ، ثُمَّ أَغْزَى بَعْدَ ذَلِكَ يَزِيدَ بْنَ الْحُرِّ الْعَبْسِيَّ الصَّائِفَةَ وَأَمَرَهُ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمَّا خَرَجَ هَدَمَ الْحُصُونَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. ذكر غَزْوَةِ إِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى أَطْرَافِ إِفْرِيقِيَّةَ غَازِيًا بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ جُنْدِ مِصْرَ، فَلَمَّا سَارَ إِلَيْهَا أَمَدَّهُ عَمْرٌو بِالْجُنُودِ فَغَنِمَ هُوَ وَجُنْدُهُ، فَلَمَّا عَادَ عَبْدُ اللَّهِ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ يَسْتَأْذِنُهُ فِي غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ. ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِيهَا أَرْسَلَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ إِلَى كَابُلَ ، وَهِيَ عِمَالَةُ سِجِسْتَانَ، فَبَلَغَهَا فِي قَوْلٍ، فَكَانَتْ أَعْظَمَ مِنْ خُرَاسَانَ، حَتَّى مَاتَ مُعَاوِيَةُ وَامْتَنَعَ أَهْلُهَا. وَفِيهَا وُلِدَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَفِيهَا كَانَتْ [ غَزْوَةُ ] سَابُورَ الْأُولَى، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ.
التاريخ 1981لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ، أَبُو ذَرٍّ وَفِي اسْمِهِ وَنَسَبِهِ خِلَافٌ قَدْ ذَكَرْتُهُ فِي كِتَابِ "التَّلْقِيحِ". كَانَ طَوِيلًا أَدَمَ، وَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ يَتَعَبَّدُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: لَهُ: أَيْنَ كُنْتُ تَتَوَجَّهُ؟ قَالَ: أَيْنَ وَجَّهَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ فَأَسْلَمَ، وَخَرَجَ يَصْرُخُ بِالشَّهَادَةِ فَضَرَبُوهُ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْعَبَّاسُ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ: أَنْتُمْ تَجْتَازُونَ [بِهِمْ وَطَرِيقُكُمْ] عَلَى غِفَارٍ. فَتَرَكُوهُ وَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ. وَكَانَ يَعْرِضُ لِعِيرَاتِ قُرَيْشِ فَيَقْتَطِعُهَا وَيَقُولُ: لَا أَرُدُّ لَكُمْ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَإِنْ فَعَلُوا رَدَّ مَا أَخَذَ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَبَوْا لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَضَتْ بَدْرٌ وَأُحُدٌ، ثُمَّ قَدِمَ فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ ثُمَّ مَضَى إِلَى الشَّامِ، فَاخْتَلَفَ هُوَ وَمُعَاوِيَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: نَزَلَتْ فِينَا وَفِيهِمْ. فَدَارَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ يَشْكُوهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ أَقْدِمْ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ تَنَحَّيْتَ قَرِيبًا، فَخَرَجَ إِلَى الرَّبَذَةِ، فَمَاتَ بِهَا. ذِكْرُ وَفَاتِهِ: عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ، عَنْ أَبِيهِ]، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَ أَبَا ذَرٍّ الْمَوْتُ بَكَتِ امْرَأَتُهُ فَقَالَ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: أَبْكِي لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّ لِي بِنَعْشِكَ وَلَيْسَ لِي ثَوْبٌ مِنْ ثِيَابِي يَسَعُكَ كَفَنًا، وَلَيْسَ لَكَ ثَوْبٌ يَسَعُكَ. قَالَ: لَا تَبْكِي، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: "لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ تَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ رَجُلٌ إِلَّا قَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَا الَّذِي أَمُوتُ بِفَلَاةٍ، وَاللَّهِ، مَا كَذَبَ وَلَا كَذَبْتُ، فَأَبْصِرِي الطَّرِيقَ، فَقَالَتْ: أَنَّى وَقَدِ انْقَطَعَ الْحَاجُّ، وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ. وَكَانَتْ تَشْتَدُّ إِلَى كَثِيبٍ تَقُومُ عَلَيْهِ تَنْظُرُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَيْهِ فَتُمَرِّضُهُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى الْكَثِيبِ. فَبَيْنَا هِيَ كَذَلِكَ إِذَا هِيَ بِنَفَرٍ تَخُبُّ بِهِمْ رَوَاحِلُهُمْ كَأَنَّهُمُ الرَّخَمُ، فَلَاحَتْ بِثَوْبِهَا، فَأَقْبَلُوا حَتَّى وَقَفُوا عَلَيْهَا. قَالُوا: مَا لَكِ؟ قَالَتِ: امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تُكَفِّنُونَهُ -أَوْ قَالَتْ: امْرُؤٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ فَتُكَفِّنُونَهُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ- قَالُوا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَتْ: أَبُو ذَرٍّ. فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَوَضَعُوا السِّيَاطَ فِي نُحُورِهَا يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى جَاءُوا فَقَالَ: أَبْشِرُوا، فَحَدَّثَهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَمُوتُ بَيْنَ امْرَأَيْنِ مُسْلِمَيْنِ وَلَدَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، فَيَحْتَسِبَانِ وَيَصْبِرَانِ فَيَرَيَانِ النَّارَ، أَتَسْمَعُونَ لَوْ كَانَ لِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا لَمْ أُكَفَّنْ بِهِ إِلَّا فِي ثَوْبٍ هُوَ لِي أَوْ لِامْرَأَتِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا إِلَّا فِي ثَوْبِهَا، فَأَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ أَنْ لَا يُكَفِّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ عَرِيفًا أَوْ نَقِيبًا أَوْ بَرِيدًا، فَكُلُّ الْقَوْمِ قَدْ كَانَ قَارَفَ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَّا فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ قَالَ: أَنَا أُكَفِّنُكَ، فَإِنِّي لَمْ أُصِبْ مِمَّا ذَكَرْتَ شَيْئًا، أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا الَّذِي عَلَيَّ، وَفِي ثَوْبَيْنِ فِي عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمِّي حَاكَتْهُمَا لِي. قَالَ: أَنْتَ، فَكَفِّنِّي. قَالَ فَكَفَّنَهُ الْأَنْصَارِيُّ وَالنَّفَرُ الَّذِينَ شَهِدُوهُ، فِيهِمْ جَحْشُ بْنُ الْأَدْبَرِ، وَمَالِكُ بْنُ الْأَشْتَرِ فِي نَفَرٍ كُلُّهُمْ يَمَانٍ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى عَلَيْهِ مُنْصَرَفَهُ مِنَ الْكُوفَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ زِيَادَةَ بْنِ الْأَصَمِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ زِيَادَةَ بْنِ الْأَصَمِّ وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ، وَهِيَ: أُمُّ مَكْتُومٍ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكَةَ بْنِ عَامِرٍ أَسْلَمَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ بِمَكَّةَ قَدِيمًا، وَكَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ، ذَهَبَتْ عَيْنَاهُ وَهُوَ غُلَامٌ، وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا. قَالَ الْبَرَاءُ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبٌ، ثُمَّ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَكَانَ يُؤَذِّنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مَعَ بِلَالٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَخْلِفُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ. عَنْ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَنَاسٌ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ: أَلَيْسَ حَسَنًا إِنْ جِئْتُ بِكَذَا فَيَقُولُونَ: بَلَى. فَجَاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَهُوَ مُشْتَغِلٌ بِهِمْ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَأَعْرَضَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى يَعْنِي: ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى يَعْنِي: عُتْبَةَ وَأَصْحَابَهُ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى يَعْنِي ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: نَزَلَتْ: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: أَيْ رَبِّ، أَنْزِلْ عُذْرِي، أَيْنَ عُذْرِي؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَجُعِلَتْ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَغْزُو فَيَقُولُ: ادْفَعُوا إِلَيَّ اللِّوَاءَ، فَإِنِّي أَعْمَى لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفِرَّ، وَأَقِيمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ كَانَتْ مَعَهُ رَايَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ. عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدِ بْنِ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدِ بْنِ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ [كَانَ] أَبُوهُ عُتْبَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَانَ يَتَوَلَّى الْوِلَايَاتِ وَيَجْتَهِدُ بِابْنِهِ عَمْرٍو أَنْ يُعِينَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَفْعَلُ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الرَّبِيعَةِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ وَمِعْضَدٍ الْعِجْلِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الرَّبِيعَةَ، أَلَا تُعِينُنِي عَلَى ابْنِ أُخْتِكَ يُعِينُنِي عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنْ عَمَلِي؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا عَمْرُو، أَطِعْ أَبَاكَ. قَالَ: فَنَظَرَ عَمْرٌو إِلَى مِعْضَدٍ فَقَالَ لَهُ: لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبِي، إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ أَعْمَلُ فِي فَكَاكِ رَقَبَتِي. فَبَكَى عُتْبَةُ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ، أُحِبُّكَ حُبَّيْنِ: حُبًّا لِلَّهِ، وَحُبَّ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ]. فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَتِ، إِنَّكَ قَدْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي بِمَالٍ بَلَغَ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَإِنْ كُنْتَ سَائِلِي عَنْهُ فَهُوَ هَذَا، فَخُذْهُ وَإِلَّا فَدَعْنِي أُمْضِهِ. قَالَ: يَا بُنَيَّ، أَمْضِهِ. فَأَمْضَاهُ حَتَّى مَا بَقِيَ عِنْدَهُ دِرْهَمٌ. وَعَنْ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: قَالَ مَوْلًى لِعَمْرِو] بْنِ عُتْبَةَ وَأَنَا مَعَ رَجُلٍ وَهُوَ يَقَعُ فِي آخَرَ، فَقَالَ لِي: وَيْلَكَ -وَلَمْ يَقُلْهَا لِي قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا- نَزِّهْ سَمْعَكَ عَنِ اسْتِمَاعِ الْخَنَا كَمَا تُنَزِّهُ لِسَانَكَ عَنِ الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْمُسْتَمِعَ شَرِيكُ الْقَائِلِ، وَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى مَا سَدَّ فِي وِعَائِهِ فَأَفْرَغَهُ فِي وِعَائِكَ، وَلَوْ رُدَّتْ كَلِمَةُ سَفِيهٍ فِي فِيهِ لَسَعِدَ بِهَا رَادُّهَا كَمَا شَقِيَ بِهَا قَائِلُهَا. وَعَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ يَخْرُجُ عَلَى فَرَسِهِ لَيْلًا فَيَقِفُ عَلَى الْقُبُورِ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، قَدْ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، وَرُفِعَتِ الْأَعْمَالُ. ثُمَّ يَبْكِي، ثُمَّ يَصُفُّ قَدَمَيْهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَيَرْجِعُ فَيَشْهَدُ صَلَاةَ الصُّبْحِ. وَعَنْ مَوْلًى لِعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: اسْتَيْقَظْنَا يَوْمًا حَارًّا فِي سَاعَةٍ حَارَّةٍ، فَطَلَبْنَا عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ، فَوَجَدْنَاهُ فِي جَبَلٍ وَهُوَ سَاجِدٌ وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، وَكُنَّا نَخْرُجُ إِلَى الْعَدُوِّ فَلَا نَتَحَارَسُ لِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ، فَرَأَيْتُهُ لَيْلَةً يُصَلِّي، فَسَمِعْنَا زَئِيرَ الْأَسَدِ فَهَرَبْنَا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي لَمْ يَنْصَرِفْ، فَقُلْنَا لَهُ: أَمَا خِفْتَ الْأَسَدَ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَخَافَ شَيْئًا سِوَاهُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: خَرَجْنَا فِي جَيْشٍ فِيهِمْ عَلْقَمَةُ وَيَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ، وَمِعْضَدٌ، قَالَ: فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ عَلَيْهِ جُبَّةٌ جَدِيدَةٌ بَيْضَاءُ، فَقَالَ: مَا أَحْسَنَ الدَّمَ يَنْحَدِرُ عَلَى هَذِهِ. فَخَرَجَ فَتَعَرَّضَ لِلْقَوْمِ، فَأَصَابَهُ حَجَرٌ فَشَجَّهُ فَتَحَدَّرَ عَلَيْهَا الدَّمُ، ثُمَّ مَاتَ مِنْهَا فَدَفَنَّاهُ، وَلَمَّا أَصَابَهُ الْحَجَرُ فَشَجَّهُ جَعَلَ يَلْمِسُهَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: إِنَّهَا لَصَغِيرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبَارِكُ فِي الصَّغِيرِ. وَعَنِ السُّدِّيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَمٍّ لِعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: نَزَلْنَا فِي مَرْجٍ حَسَنٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْمَرْجَ، مَا أَحْسَنَ الْآنَ لَوْ أَنَّ مُنَادِيًا يُنَادِي: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي. فَخَرَجَ رَجُلٌ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ فَدُفِنَ فِي هَذَا الْمَرْجِ. قَالَ: فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ نَادَى مُنَادٍ: يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي. فَخَرَجَ عَمْرٌو فِي سُرْعَانِ النَّاسِ فِي أَوَّلِ مَنْ خَرَجَ، فَأَتَى عُتْبَةَ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: عَلَيَّ عَمْرًا. فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ، فَمَا أُدْرِكَ حَتَّى أُصِيبَ. قَالَ: فَمَا أُرَاهُ دُفِنَ إِلَّا فِي مَرْكَزِ رُمْحِهِ، وَعُتْبَةُ يَوْمَئِذٍ عَلَى النَّاسِ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: [وَهَذِهِ] الْغَزَاةُ الَّتِي اسْتُشْهِدَ فِيهَا عَمْرٌو، [وَلَمْ تُذْكَرْ] هِيَ غَزَاةُ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ [ ؓ ] عُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ كَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَبَعَثُوهُ طَلِيعَةً لِيُحْرِزَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَفَعَلَ، وَكَانَ حَرِيصًا عَلَى رَدِّ قُرَيْشٍ عَنْ [لِقَاءِ] رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَدْرٍ، فَلَمَّا الْتَقَوْا أُسِرَ أَبُوهُ وَهْبٌ، أَسَرَهُ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ، فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ: دَيْنُكَ عَلَيَّ، وَعِيَالُكَ أُمَوِّنُهُمْ مَا عِشْتُ، وَاجْعَلْ كَذَا وَكَذَا إِنْ أَنْتَ خَرَجْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى تَغْتَالَهُ. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا جَاءَ بِهِ وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ صَفْوَانَ [بْنِ أُمَيَّةَ]، فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ أُحُدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَقِيَ [إِلَى] خِلَافَةِ عُثْمَانَ ؓ. عُرْوَةُ بْنُ حِزَامِ بْنِ مُهَاجِرٍ شَاعِرٌ إِسْلَامِيٌّ، أَحَدُ الْمُتَيَّمِينَ الَّذِينَ قَتَلَهُمُ الْهَوَى. عَنْ لَقِيطُ بْنُ بُكَيْرٍ الْمُحَارِبِيُّ: أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ حِزَامٍ، وَعَفْرَاءَ ابْنَةَ مَالِكٍ الْعُذْرِيَّيْنِ - وَهُمَا بَطْنٌ مِنْ عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدِ بْنِ حِزَامِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ عُذْرَةَ - : وذلك أَنَّ حِزَامًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَهُ عُرْوَةَ صَغِيرًا فِي حِجْرِ عَمِّهِ عِقَالِ بْنِ مُهَاصِرٍ، وَكَانَتْ عَفْرَاءُ تِرْبًا لِعُرْوَةَ يَلْعَبَانِ جَمِيعًا وَيَكُونَانِ مَعًا حَتَّى [أَلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا] إِلْفًا شَدِيدًا، وَكَانَ عِقَالٌ يَقُولُ لِعُرْوَةَ لِمَا يَرَى مِنْ إِلْفِهِمَا: أَبْشِرْ، فَإِنَّ عَفْرَاءَ امْرَأَتُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَانَا كَذَلِكَ حَتَّى بَلَغَا، فَأَتَى عُرْوَةُ عَمَّةً لَهُ يُقَالُ لَهَا: هِنْدُ بِنْتُ مُهَاصِرٍ، فَشَكَى إِلَيْهَا مَا بِهِ مِنْ حَبِّ عَفْرَاءَ، وَقَالَ لَهَا: يَا عَمَّةُ، إِنِّي لَأُكَلِّمُكِ وَأَنَا مُسْتَحْيٍ مِنْكِ، وَلَمْ أَفْعَلْ هَذَا حَتَّى ضِقْتُ ذَرْعًا بِمَا أَنَا فِيهِ، فَذَهَبَتْ عَمَّتُهُ إِلَى أَخِيهَا، فَقَالَتْ: يَا أَخِي، قَدْ أَتَيْتُكَ فِي حَاجَةٍ أُحِبُّ أَنْ تُحْسِنَ قَضَاءَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ يَأْجُرُكَ بِصِلَةِ رَحِمِكَ، قَالَ: إِنْ تَسْأَلِينِي لَا أَرُدُّكِ فِيهَا، قَالَتْ: تُزَوِّجُ عُرْوَةَ ابْنَ أَخِيكَ بِابْنَتِكِ عَفْرَاءَ، فَقَالَ: مَا عَنْهُ مَذْهَبٌ، وَلَا بِنَا عَنْهُ رَغْبَةٌ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِذِي مَالٍ، وَلَيْسَتْ عَلَيْهِ عَجَلَةٌ، فَسَكَتَ عُرْوَةُ بَعْضَ السُّكُوتِ، وَكَانَتْ أُمُّهَا لَا تُرِيدُ إِلَّا ذَا مَالٍ، فَعَرَفَ عُرْوَةُ أَنَّ رَجُلًا ذَا مَالٍ قَدْ خَطَبَهَا، فَأَتَى عَمَّهُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، قَدْ عَرَفْتَ حَقِّي وَقَرَابَتِي، وَإِنِّي رُبِّيتُ فِي حِجْرِكَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا يَخْطُبُ عَفْرَاءَ فَإِنْ أَسْعَفْتَهُ بِطَلِبَتِي قَتَلْتَنِي وَسَفَكْتَ دَمِي، فَأَنْشُدُكَ اللَّهَ وَرَحِمِي وَحَقِّي، فَرَقَّ لَهُ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَنْتَ مُعْدَمٌ، وَأُمُّهَا قَدْ أَبَتْ أَنْ تُخْرِجَهَا إِلَّا بِمَهْرٍ غَالٍ، فَاضْطَرِبْ وَاسْتَرْزِقِ اللَّهَ. فَجَاءَ إِلَى أُمِّهَا وَلَاطَفَهَا وَدَارَاهَا فَأَبَتْ إِلَّا بِمَا تَحْتَكِمُ مِنَ الْمَهْرِ، فَعَمِلَ عَلَى قَصْدِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مُوسِرٍ بِالْيَمَنِ، فَجَاءَ إِلَى عَمِّهِ وَامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرَهُمَا بِقَصْدِهِ وَعَزْمِهِ، فَصَوَّبَاهُ وَوَعَدَاهُ أَلَّا يُحْدِثَا حَدَثًا حَتَّى يَعُودَ. وَوَدَّعَ عَفْرَاءَ وَالْحَيَّ، وَصَحِبَهُ فَتَيَانِ كَانَا يَأْلَفَانِهِ، وَكَانَ طُولَ سِفْرِهِ سَاهِيًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ فَعَرَّفَهُ حَالَهُ، فَوَصَلَهُ وَكَسَاهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَانْصَرَفَ بِهَا، وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ نَزَلَ فِي حَيِّ عَفْرَاءَ، فَنَحَرَ وَأَطْعَمَ وَرَأَى عَفْرَاءَ فَأَعْجَبَتْهُ، فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ سَمَّيْتُهَا بِاسْمِ ابْنِ أَخِي، فَمَا لِغَيْرِهِ إِلَيْهَا سَبِيلٌ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُرَغِّبُكَ فِي الْمَهْرِ، فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، فَعَدَلَ إِلَى أُمِّهَا فَوَافَقَ عِنْدَهَا قَبُولًا وَرَغْبَةً فِي الْمَالِ، فَجَاءَتْ إِلَى زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: وَأَيُّ خَيْرٍ فِي عُرْوَةَ حَتَّى تَحْبِسَ ابْنَتِي عَلَيْهِ، وَاللَّهِ مَا تَدْرِي أَعُرْوَةُ حَيٌّ أَمْ مَيِّتٌ، وَهَلْ يَنْقَلِبُ إِلَيْكَ بِخَيْرٍ أَمْ لَا، فَتَكُونُ قَدْ حَرَمْتَ ابْنَتَكَ خَيْرًا حَاضِرًا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: إِنْ عَاوَدَنِي خَاطِبُهَا أَجَبْتُهُ، فَوَجَّهَتْ إِلَيْهِ: أَعِدْ غَدًا خَاطِبًا، فَنَحَرَ جَزُورًا وَأَطْعَمَ وَوَهَبَ وَجَمَعَ الْحَيَّ عَلَى طَعَامِهِ وَفِيهِمْ أَبُو عَفْرَاءَ، وَأَعَادَ الْخُطْبَةَ فَزَوَّجَهُ وَحُوِّلَتْ عَفْرَاءُ إِلَيْهِ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا: يَا عُرْوَةُ إِنَّ الْحَيَّ قَدْ نَقَضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَحَاوَلُوا الْغُدْرَانَ. ثُمَّ دَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا وَأَقَامَ فِيهِمْ ثَلَاثًا ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى الشَّامِ، وَعَمَدَ أَبُوهَا إِلَى قَبْرٍ عَتِيقٍ، فَجَدَّدَهُ وَسَوَّاهُ، وَسَأَلَ أَهْلَ الْحَيِّ كِتْمَانَ أَمْرِهَا، وَقَدِمَ عُرْوَةُ بَعْدَ أَيَّامٍ، فَنَعَاهَا أَبُوهَا إِلَيْهِ وَذَهَبَ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْقَبْرِ، وَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا أَيَّامًا حَتَّى أَخْبَرَتْهُ جَارِيَةٌ مِنَ الْحَيِّ الْخَبَرَ، فَرَكِبَ بَعْضَ إِبِلِهِ فَدَخَلَ الشَّامَ فَنَزَلَ عَلَى الرَّجُلِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ لِجَارِيَةٍ لَهُمْ: هَلْ لَكِ فِي يَدٍ تُولِينِيهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: تَدْفَعِينَ خَاتَمِي هَذَا إِلَى مَوْلَاتِكِ، فَقَالَتْ: سَوْءَةٌ لَكَ، أَمَا تَسْتَحِي مِنْ هَذَا الْقَوْلِ، فَأَمْسَكَ ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: وَيْحَكِ هِيَ وَاللَّهِ بِنْتُ عَمِّي، فَاطْرَحِي هَذَا الْخَاتَمَ فِي صَبُوحِهَا فَإِنْ أَنْكَرَتْ عَلَيْكِ فَقُولِي: اصْطَبَحَ ضَيْفُنَا قَبْلَكِ وَلَعَلَّهُ سَقَطَ مِنْهُ، فَرَّقَتِ الْأَمَةُ وَفَعَلَتْ، فَلَمَّا رَأَتْ عَفْرَاءُ الْخَاتَمَ قَالَتْ: اصْدُقِينِي فَأَصْدَقَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا قَالَتْ: أَتَدْرِي مَنْ ضَيْفُكَ؟ إِنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ حِزَامٍ، وَقَدْ كَتَمَ نَفْسَهُ حَيَاءً مِنْكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ وَعَاتَبَهُ عَلَى كِتْمَانِهِ نَفْسَهُ، وَقَالَ لَهُ: بِالرُّحْبِ وَالسِّعَةِ نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِنْ رُمْتَ هَذَا الْمَكَانَ أَبَدًا، وَخَرَجَ وَتَرَكَهُ مَعَ عَفْرَاءَ يَتَحَدَّثَانِ، وَأَوْصَى خَادِمًا لَهُ بِالِاسْتِمَاعِ عَلَيْهِمَا وَإِعَادَةِ مَا يَسْمَعُهُ مِنْهُمَا. فَلَمَّا خُلِّيَا تَشَاكَيَا مَا وَجَدَا مِنَ الْفِرَاقِ وَطَالَتِ الشَّكْوَى وَهُوَ يَبْكِي أَحَرَّ بُكَاءٍ، ثُمَّ أَتَتْهُ بِشَرَابٍ وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَشْرَبَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا دَخَلَ جَوْفِي حَرَامٌ قَطُّ، وَلَا ارْتَكَبْتُهُ مُنْذُ كُنْتُ، وَلَوِ اسْتَحْلَلْتُ حَرَامًا كُنْتُ قَدِ اسْتَحْلَلْتُهُ مِنْكِ وَأَنْتِ حَظِّي مِنَ الدُّنْيَا وَقَدْ ذَهَبْتِ مِنِّي وَذَهَبْتُ مِنْكِ، فَمَا أَعِيشُ بَعْدَكِ، وَقَدْ أَجْمَلَ هَذَا الرَّجُلُ الْكَرَمَ وَأَحْسَنَ، وَأَنَا أَسْتَحِي مِنْهُ، وَوَاللَّهِ لَا أُقِيمُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِمَكَانِي، وَإِنِّي لَعَالِمٌ أَنِّي أَرْحَلُ إِلَى مَنِيَّتِي. فَبَكَتْ وَبَكَى وَانْصَرَفَ. فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا أَخْبَرَهُ الْخَادِمُ بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: يَا عَفْرَاءُ، امْنَعِي ابْنَ عَمِّكَ مِنَ الْخُرُوجِ، فَقَالَتْ: لَا يَمْتَنِعُ، وَهُوَ وَاللَّهِ أَكْرَمُ وَأَشَدُّ حَيَاءً أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ مَا جَرَى بَيْنَكُمَا، فَدَعَاهُ وَقَالَ: يَا أَخِي: اتَّقِ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ فَقَدْ عَرَفْتُ خَبَرَكَ وَأَنَّكَ إِنْ رَحَلْتَ تَلْفِتَ، وَوَاللَّهِ مَا أَمْنَعُكَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ مَعَهَا أَبَدًا، وَإِنْ شِئْتَ لَأَنْزِلَنَّ لَكَ عَنْهَا. فَجَزَاهُ خَيْرًا وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا كَانَ الطَّمَعُ فِيهَا، وَالْآنَ فَقَدْ يَئِسْتُ وَحَمَلْتُ نَفْسِي عَلَى الصَّبْرِ، وَلِي أُمُورٌ لَا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَيْهَا، وَإِنْ وَجَدْتُ بِي قُوَّةً، وَإِلَّا عُدْتُ إِلَيْكُمْ وَزُرْتُكُمْ. فَزَوَّدُوهُ وَشَيَّعُوهُ، وَانْصَرَفَ، فَأَصَابَهُ غَشْيٌ وَخَفَقَانٌ. فَكَانَ كُلَّمَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَلْقَى عَلَى وَجْهِهِ خِمَارًا كَانَتْ عَفْرَاءُ قَدْ زَوَّدَتْهُ إِيَّاهُ فَيُفِيقُ، فَلَقِيَهُ فِي طَرِيقِهِ عَرَّافُ الْيَمَامَةِ ابْنُ مَكْحُولٍ، فَسَأَلَهُ عَمَّا بِهِ وَهَلْ بِهِ خَبَلٌ، فَقَالَ: وَمَا بِي مِنْ خَبَلٍ وَمَا بِي جِنَّةٌ وَلَكِنَّ عَمِّي يَا أُخَيَّ كَذُوبُ أَقُولُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ دَاوِنِي فَإِنَّكَ إِنْ دَاوَيْتَنِي لَطَبِيبُ فَوَا كَبِدِي أَمْسَتْ رُفَاتًا كَأَنَّمَا يَلْذَعُهَا بِالْمَوْقِدَاتِ لَهِيبُ عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءَ مِنْكَ بَعِيدَةٌ فَتَسْلُو وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبُ فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَاكِ مَا هَبَّتِ الصَّبَا وَمَا عَقِبَتْهَا فِي الرِّيَاحِ جَنُوبُ وَإِنِّي لَيَغْشَانِي لِذِكْرَاكِ رَوْعَةٌ لَهَا بَيْنَ جِلْدِيَ وَالْعِظَامِ دَبِيبُ وَقَالَ يُخَاطِبُ رَفِيقَيْهِ: خَلِيلِيَ مِنْ عُلْيَا هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ بِصَنْعَاءَ عُوجَا الْيَوْمَ فَانْتَظَرَانِي فَلَا تَزْهَدَا فِي الذُّخْرِ عِنْدِي وَأَجْمِلَا فَإِنَّكُمَا بِي الْيَوْمَ مُبْتَلَيَانِ أَلِمَّا عَلَى عَفْرَاءَ إِنَّكُمَا غَدًا بِوَشْكِ النَّوَى وَالْبَيْنِ مُفْتَرِقَانِ فَيَا وَاشِيَيْ عَفْرَاءَ وَيَحْكُمَا بِمَنْ وَمِنْ وَإِلَى مَنْ حَيْثُمَا تَشِيَانِي بِمَنْ لَوْ رَآهُ غَائِبًا لَفَدَيْتُهُ وَمَنْ لَوْ رَآنِي غَائِبًا لَفَدَانِي مَتَى تَكْشِفَا عَنِّي الْقَمِيصَ تَبَيَّنَا بِي الضُّرَّ مِنْ عَفْرَاءَ يَا فِتْيَانِ فَقَدْ تَرَكَتْنِي لَا أَعِي لِمُحَدِّثٍ حَدِيثًا وَإِنْ نَاجَيْتُهُ وَنَجَانِي جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَهُ وَعَرَّافِ نَجْدٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي فَمَا تَرَكَا مِنْ حِيلَةٍ يَعْلَمَانِهَا وَلَا شَرْبَةً إِلَّا بِهَا سَقَيَانِي وَرَشَّا عَلَى وَجْهِي مِنَ الْمَاءِ سَاعَةً وَقَامَا مَعَ الْعُوَّادِ يَبْتَدِرَانِ وَقَالَا شَفَاكَ اللَّهُ -وَاللَّهِ- مَا لَنَا بِمَا ضَمِنَتْ مِنْكَ الضُّلُوعُ يَدَانِ فَوَيْلِي عَلَى عَفْرَاءَ وَيْلٌ كَأَنَّهُ عَلَى الصَّدْرِ وَالْأَحْشَاءِ وَخْزُ سِنَانِ إِذَا رَامَ قَلْبِي هَجْرَهَا حَالَ دُونَهُ شَفِيعَانِ مِنْ قَلْبِي لَهَا خَذَلَانِي إِذَا قُلْتُ: لَا، قَالَا: بَلَى، ثُمَّ أَصْبَحَا جَمِيعًا عَلَى الرَّأْيِ الَّذِي تَرَيَانِي تَحَمَّلْتُ مِنْ عَفْرَاءَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ وَلَا لِلْجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ يَدَانِ فَيَا رَبِّ أَنْتَ الْمُسْتَعَانُ عَلَى الَّذِي تَحَمَّلْتُ مِنْ عَفْرَاءَ مُنْذُ زَمَانِي كَأَنَّ قَطَاةً عَلِقَتْ بِجَنَاحِهَا عَلَى كَبِدِي مِنْ شِدَّةِ الْخَفَقَانِ وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَمْ يُعْلِمْهُ بِتَزْوِيجِهَا حَتَّى لَقِيَ الرُّفْقَةَ الَّتِي هِيَ فِيهَا، وَأَنَّهُ كَانَ تَوَجَّهَ إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَهُ بِالشَّامِ لَا بِالْيَمَنِ، فَلَمَّا رَآهَا وَقَفَ دَهِشًا، ثُمَّ قَالَ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً فَأَبْهَتُ حَتَّى لَا أَكَادَ أُجِيبُ وَأَصْدِفُ عَنْ رَأْيَيِ الَّذِي كُنْتُ أَرْتَئِي وَأَنْسَى الَّذِي أَزْمَعْتُ حِينَ تَغِيبُ وَيُظْهِرُ قَلْبِي عُذْرَهَا وَيُعِينُهَا عَلَيَّ فَمَا لِي فِي الْفُؤَادِ نَصِيبُ وَقَدْ عَلِمْتَ نَفْسِي مَكَانَ شِفَائِهَا وَهَلْ مَا لَا يُنَالُ قَرِيبُ حَلَفْتُ بِرَبِّ السَّاجِدِينَ لِرَبِّهِمْ خُشُوعًا وَفَوْقَ السَّاجِدِينَ رَقِيبُ لَئِنْ كَانَ بَرْدُ الْمَاءِ حَرَّانَ صَادِيًّا إِلَيَّ حَبِيبًا إِنَّهَا لَحَبِيبُ ثُمَّ عَادَ إِلَى أَهْلِهِ وَقَدْ نَحِلَ وَضَنَى، وَكَانَ لَهُ أَخَوَانِ وَخَالَةٌ وَجَدَّةٌ، فَجَعَلْنَ يُعَالِجْنَ أَمْرَهُ فَلَا يَنْفَعُ، وَكَانَ يَأْتِي حِيَاضَ الْمَاءِ الَّتِي كَانَتْ عَفْرَاءُ تَرِدُهَا، فَيُلْصِقُ صَدْرَهُ بِهَا وَيَقُولُ: بِي الْبَأْسُ أَوْ دَاءُ الْهُيَامِ سُقِيتُهُ فَإِيَّاكَ عَنِّي لَا يَكُنْ بِكَ مَا بِيَا وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى حَيِّهِ، وَإِنَّمَا مَاتَ قَبْلَ مَنْزِلِهِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَبَلَغَ عَفْرَاءَ وَفَاتُهُ فَجَزِعَتْ جَزَعًا شَدِيدًا. وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -أَوْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، شَكَّ الْهَيْثَمُ- عَلَى صَدَقَاتِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ، وَهُمْ عُذْرَةُ، وَسَلَامَانُ، وَالْحَارِثُ، وَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ، فَلَمَّا قَبَضْتُ الصَّدَقَةَ وَقَسَّمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا، وَأَقْبَلْتُ بِالسَّهْمَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ إِلَى عُمَرَ -أَوْ إِلَى عُثْمَانَ- فَلَمَّا كُنْتُ فِي بِلَادِ عَدِيٍّ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو هِنْدٍ، إِذَا أَنَا بِبَيْتِ جَرِيرٍ، فَمِلْتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَجُوزٌ جَالِسَةٌ عِنْدَ كَسْرِ الْبَيْتِ، وَإِذَا شَابٌّ نَائِمٌ فِي ظِلِّ الْبَيْتِ، فَلَمَّا دَنَوْتُ سَلَّمْتُ، فَتَرَنَّمَ بِصَوْتٍ لَهُ ضَعِيفٍ: جَعَلْتُ لِعَرَّافِ الْيَمَامَةِ حُكْمَهُ وَعَرَّافِ نَجْدٍ إِنْ هُمَا شَفَيَانِي فَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ، فَشَهِقَ شَهْقَةً خَفِيفَةً، فَنَظَرْتُهُ فَإِذَا هُوَ قَدْ مَاتَ، فَقُلْتُ: أَيُّهَا الْعَجُوزُ، مَا أَظُنُّ هَذَا النَّائِمَ بِفِنَاءِ بَيْتِكَ إِلَّا قَدْ مَاتَ، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَظُنُّ ذَلِكَ، فَقَامَتْ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: فَاضَ وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: يَا أَمَةَ اللَّهِ، مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: عُرْوَةُ بْنُ حِزَامٍ وَأَنَا أُمُّهُ، قُلْتُ: فَمَا صَيَّرَهُ إِلَى هَذَا؟ قَالَتِ: الْعِشْقُ، وَلَا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ لَهُ أَنَّةً مُنْذُ سَنَةٍ إِلَّا فِي صَدْرِهِ وَفِي يَوْمِنَا هَذَا، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ كَانَ مِنْ أُمَّهَاتِي بَاكِيًا أَبَدًا فَالْيَوْمَ إِنِّي أَرَانِي الْيَوْمَ مَقْبُوضَا يُسْمِعْنِنِيهِ فَإِنِّي غَيْرُ سَامِعَةٍ إِذَا عَلَوْتُ رِقَابَ الْقَوْمِ مَعْرُوضَا قَالَ النُّعْمَانُ: فَأَقَمْتُ وَاللَّهِ عَلَيْهِ حَتَّى غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ، وَصُلِّي عَلَيْهِ، وَدُفِنَ. قَالَ: قُلْتُ لِلنُّعْمَانِ: فَمَا دَعَاكَ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: احْتِسَابُ الْأَجْرِ فِيهِ وَاللَّهِ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ "الزَّهْرَةِ": أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ حِزَامٍ لَمَّا مَاتَ مَرَّ بِهِ رَكْبٌ فَعَرَفُوهُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى مَنْزِلِ عَفْرَاءَ صَاحَ بَعْضُهُمْ، فَقَالَ: أَلَا أَيُّهَا الْقَصْرُ الْمُغَفَّلُ أَهْلُهُ بِحَقٍّ نَعَيْنَا عُرْوَةَ بْنَ حِزَامِ فَأَجَابَتْهُ فَقَالَتْ: أَلَّا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمُخِبُّونُ وَيَحْكُمُ بِحَقٍّ نَعَيْتُمْ عُرْوَةَ بْنَ حِزَامِ فَأَجَابُوهَا: نَعَمْ قَدْ تَرَكْنَاهُ بِأَرْضٍ بَعِيدَةٍ مُقِيمًا بِهَا فِي دَكْدَكٍ وَأَكَامِ فَقَالَتْ لَهُمْ: فَإِنْ كَانَ حَقًّا مَا تَقُولُونَ فَاعْلَمُوا بِأَنْ قَدْ نَعَيْتُمْ بَدْرَ كُلِّ ظَلَامِ فَلَا لَقِيَ الْفِتْيَانُ بَعْدَكَ لَذَّةً وَلَا رَجَعُوا مِنْ غَيْبَةٍ بِسَلَامِ وَلَا وَضَعَتْ أُنْثَى تَمَامًا بِمِثْلِهِ وَلَا فَرِحَتْ مِنْ بَعْدِهِ بِغُلَامِ وَلَا لَا بَلَغْتُمْ حَيْثُ وُجِّهْتُمْ لَهُ وَنُغِّصْتُمُ لَذَّاتِ كُلِّ طَعَامِ ثُمَّ سَأَلَتْهُمْ: أَيْنَ دَفَنُوهُ؟ فَأَخْبَرُوهَا، فَسَارَتْ إِلَى قَبْرِهِ، فَلَمَّا قَرَّبُوا مِنْ مَوْضِعِ قَبْرِهِ، قَالَتْ: إِنِّي أُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَةٍ، فَأَنْزَلُوهَا فَانْسَلَّتْ إِلَى قَبْرِهِ فَانْكَبَّتْ عَلَيْهِ، فَمَا رَاعَهُمْ إِلَّا صَوْتُهَا، فَلَمَّا سَمِعُوهَا بَادَرُوا إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ مَمْدُودَةٌ عَلَى الْقَبْرِ قَدْ خَرَجَتْ نَفْسُهَا، فَدَفَنُوهَا إِلَى جَانِبِهِ. وَعَنْ مُعَاذُ بْنُ يَحْيَى الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: خَرَجْتُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى صَنْعَاءَ، فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ صَنْعَاءَ خَمْسٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يَنْزِلُونَ عَنْ مَحَامِلِهِمْ وَيَرْكَبُونَ دَوَابَّهُمْ، قُلْتُ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ نَنْظُرَ قَبْرَ عُرْوَةَ وَعَفْرَاءَ، فَنَزَلْتُ عَنْ مَحْمَلِي وَرَكِبْتُ حِمَارِي وَاتَّصَلْتُ بِهِمْ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى قَبْرَيْنِ مُتَلَاصِقَيْنِ قَدْ خَرَجَ مِنْ هَذَا الْقَبْرِ سَاقُ شَجَرَةٍ، وَمِنْ هَذَا سَاقُ شَجَرَةٍ، حَتَّى إِذَا صَارَا عَلَى قَامَةٍ الْتَفَّا، وَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ: تَآلَفَا فِي الْحَيَاةِ وَفِي الْمَوْتِ. وَقَدْ رُوِيَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ قَالَ: لَوْ أَدْرَكْتُ عُرْوَةَ وَعَفْرَاءَ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا. وَرُوِّينَا عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ عَلِمْتُ بِهَذَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ لَجَمَعْتُ بَيْنَهُمَا".
التاريخ 1982لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ تَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ وَزَادَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا: أَنَّ عُثْمَانَ أَمَرَ بِتَجْدِيدِ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، وَزَادَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، [وَوَسَّعَهُ] وَابْتَاعَ مِنْ قَوْمٍ، وَأَبَى آخَرُونَ فَهَدَمَ عَلَيْهِمْ، وَوَضَعَ الْأَثْمَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، فَصَاحُوا عَلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ بِهِمْ إِلَى الْحَبْسِ، وَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيَّ؟ مَا جَرَّأَكُمْ عَلَيَّ إِلَّا حِلْمِي، قَدْ فَعَلَ هَذَا بِكُمْ عُمَرُ، فَلَمْ تَصِيحُوا بِهِ. ثُمَّ كَلَّمَهُ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَأَخْرَجُوا. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: حَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ ؓ. فتح سابور وَفِيهَا افْتَتَحَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ سَابُورَ صُلْحًا عَلَى ثَلَاثَةِ آلَافِ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ.
التاريخ 1983لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ حَبِيبُ بْنُ يَسَافِ بْنِ عُتْبَةَ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ حَتَّى خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَدْرٍ، فَلَحِقَهُ فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ. وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ؓ.
التاريخ 1984لا حكم مسجّل
[ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ] وِلَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مِصْرَ وَفَتْحِ إِفْرِيقِيَّةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَنْ خَرَاجِ مِصْرَ ، وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَكَانَ أَخَا عُثْمَانَ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَتَبَاغَيَا، فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ يَقُولُ: إِنَّ عَمْرًا كَسَرَ عَلَى الْخَرَاجِ. وَكَتَبَ عَمْرٌو يَقُولُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَدْ كَسَرَ عَلَى مَكِيدَةِ الْحَرْبِ. فَعَزَلَ عُثْمَانُ عَمْرًا وَاسْتَقْدَمَهُ، وَاسْتَعْمَلَ بَدَلَهُ عَبْدَ اللَّهِ عَلَى حَرْبِ مِصْرَ وَخَرَاجِهَا، فَقَدِمَ عَمْرٌو مُغْضَبًا، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مَحْشُوَّةٌ [ قُطْنًا ]، فَقَالَ لَهُ: مَا حَشْوُ جُبَّتِكَ ؟ قَالَ: عَمْرٌو. قَالَ: قَدْ عَلِمْتَ [ أَنَّ حَشْوَهَا عَمْرٌو ] وَلَمْ أُرِدْ هَذَا، [ إِنَّمَا سَأَلْتُ أَقُطْنٌ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ ؟ ].
التاريخ 1985لا حكم مسجّل
غَزْوَةُ إِفْرِيقِيَّةَ أَمَرَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنْ يَغْزُوَ بِلَادَ إِفْرِيقِيَّةَ، فَإِذَا فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَهُ خُمْسُ الْخُمْسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ نَفْلًا. فَسَارَ إِلَيْهَا فِي عَشَرَةِ آلَافٍ فَافْتَتَحَهَا؛ سَهْلَهَا وَجَبَلَهَا، وَقَتَلَ خَلْقَا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِهَا، ثُمَّ اجْتَمَعُوا عَلَى الطَّاعَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ خُمْسَ الْخُمْسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَبَعَثَ بِأَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهِ إِلَى عُثْمَانَ، وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ بَيْنَ الْجَيْشِ فَأَصَابَ الْفَارِسُ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَالرَّاجِلُ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَصَالَحَهُ بِطْرِيقُهَا عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِينَارٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَعِشْرِينَ أَلْفِ دِينَارٍ فَأَطْلَقَهَا كُلَّهَا عُثْمَانُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِآلِ الْحَكَمِ. وَيُقَالُ: لِآلِ مَرْوَانَ.
التاريخ 1986لا حكم مسجّل
غَزْوَةُ الْأَنْدَلُسِ لَمَّا افْتُتِحَتْ إِفْرِيقِيَّةُ بَعَثَ عُثْمَانُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ مِنْ فَوْرِهِمَا إِلَى الْأَنْدَلُسِ، فَأَتَيَاهَا مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، وَكَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا إِلَيْهَا يَقُولُ: إِنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ إِنَّمَا تُفْتَحُ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، وَأَنْتُمْ إِذَا فَتَحْتُمُ الْأَنْدَلُسَ فَأَنْتُمْ شُرَكَاءُ لِمَنْ يَفْتَتِحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ فِي الْأَجْرِ آخِرَ الزَّمَانِ، وَالسَّلَامُ. قَالَ: فَسَارُوا إِلَيْهَا فَافْتَتَحُوهَا. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
التاريخ 1987لا حكم مسجّل
ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ لَمَّا وُلِّيَ أَرْسَلَ إِلَى عُثْمَانَ فِي غَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَالِاسْتِكْثَارِ مِنَ الْجُمُوعِ عَلَيْهَا وَفَتْحِهَا، فَاسْتَشَارَ عُثْمَانُ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَأَشَارَ أَكْثَرُهُمْ بِذَلِكَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِ الْعَسَاكِرَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَفِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ، فَسَارَ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى بَرْقَةَ لَقِيَهُمْ عُقْبَةُ بْنُ نَافِعٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانُوا بِهَا، وَسَارُوا إِلَى طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ فَنَهَبُوا مَنْ عِنْدَهَا مِنَ الرُّومِ. وَسَارَ نَحْوَ إِفْرِيقِيَّةَ وَبَثَّ السَّرَايَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ، وَكَانَ مَلِكُهُمُ اسْمُهُ جُرْجِيرُ، وَمُلْكُهُ مِنْ طَرَابُلُسَ إِلَى طَنْجَةَ، وَكَانَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ قَدْ وَلَّاهُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَهُوَ يَحْمِلُ إِلَيْهِ الْخَرَاجَ كُلَّ سَنَةٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الْمُسْلِمِينَ تَجَهَّزَ وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ وَأَهْلَ الْبِلَادِ، فَبَلَغَ عَسْكَرُهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَالْتَقَى هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ بِمَكَانٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَدِينَةِ سُبَيْطِلَةَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَهَذِهِ الْمَدِينَةُ كَانَتْ ذَلِكَ الْوَقْتَ دَارَ الْمُلْكِ، فَأَقَامُوا هُنَاكَ يَقْتَتِلُونَ كُلَّ يَوْمٍ، وَرَاسَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْإِسْلَامِ أَوِ الْجِزْيَةِ، فَامْتَنَعَ مِنْهُمَا وَتَكَبَّرَ عَنْ قَبُولِ أَحَدِهِمَا. وَانْقَطَعَ خَبَرُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ عُثْمَانَ، فَسَيَّرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ فِي جَمَاعَةٍ إِلَيْهِمْ لِيَأْتِيَهُ بِأَخْبَارِهِمْ، فَسَارَ مُجِدًّا وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ وَأَقَامَ مَعَهُمْ، وَلَمَّا وَصَلَ كَثُرَ الصِّيَاحُ وَالتَّكْبِيرُ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ جُرْجِيرُ عَنِ الْخَبَرِ فَقِيلَ قَدْ أَتَاهُمْ عَسْكَرٌ، فَفَتَّ ذَلِكَ فِي عَضُدِهِ. وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ قِتَالَ الْمُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ بَكْرَةٍ إِلَى الظُّهْرِ، فَإِذَا أَذَّنَ الظُّهْرُ عَادَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى خِيَامِهِ، وَشَهِدَ الْقِتَالَ مِنَ الْغَدِ فَلَمْ يَرَ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ مَعَهُمْ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ إِنَّهُ سَمِعَ مُنَادِيَ جُرْجِيرَ يَقُولُ: مَنْ قَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ فَلَهُ مِائَةُ أَلْفِ دِينَارٍ وَأُزَوِّجُهُ ابْنَتِي، وَهُوَ يَخَافُ، فَحَضَرَ عِنْدَهُ وَقَالَ لَهُ: تَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ جُرْجِيرَ نَفَّلْتُهُ مِائَةَ أَلْفٍ وَزَوَّجْتُهُ ابْنَتَهُ وَاسْتَعْمَلْتُهُ عَلَى بِلَادِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَصَارَ جُرْجِيرُ يَخَافُ أَشَدَّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ: إِنْ أَمْرَنَا يَطُولُ مَعَ هَؤُلَاءِ، وَهُمْ فِي أَمْدَادٍ مُتَّصِلَةٍ وَبِلَادٍ هِيَ لَهُمْ، وَنَحْنُ مُنْقَطِعُونَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَبِلَادِهِمْ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ نَتْرُكَ غَدًا جَمَاعَةً صَالِحَةً مِنْ أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي خِيَامِهِمْ مُتَأَهِّبِينَ، وَنُقَاتِلُ نَحْنُ الرُّومَ فِي بَاقِي الْعَسْكَرِ إِلَى أَنْ يَضْجَرُوا وَيَمَلُّوا ، فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى خِيَامِهِمْ وَرَجَعَ الْمُسْلِمُونَ رَكِبَ مَنْ كَانَ فِي الْخِيَامِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَشْهَدُوا الْقِتَالَ وَهُمْ مُسْتَرِيحُونَ، وَنَقْصِدُهُمْ عَلَى غِرَّةٍ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يَنْصُرُنَا عَلَيْهِمْ، فَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَاسْتَشَارَهُمْ فَوَافَقُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَأَقَامَ جَمِيعُ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ فِي خِيَامِهِمْ، وَخُيُولُهُمْ عِنْدَهُمْ مُسْرَجَةٌ، وَمَضَى الْبَاقُونَ فَقَاتَلُوا الرُّومَ إِلَى الظُّهْرِ قِتَالًا شَدِيدًا. فَلَمَّا أُذِّنَ بِالظُّهْرِ هَمَّ الرُّومُ بِالِانْصِرَافِ عَلَى الْعَادَةِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُمُ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَلَحَّ عَلَيْهِمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى أَتْعَبَهُمْ، ثُمَّ عَادَ عَنْهُمْ هُوَ وَالْمُسْلِمُونَ، فَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَوَقَعَ تَعِبًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مَنْ كَانَ مُسْتَرِيحًا مِنْ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَصَدَ الرُّومَ، فَلَمْ يَشْعُرُوا بِهِمْ حَتَّى خَالَطُوهُمْ، وَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَكَبَّرُوا، فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الرُّومُ مِنْ لُبْسِ سِلَاحِهِمْ، حَتَّى غَشِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ جُرْجِيرُ، قَتَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَانْهَزَمَ الرُّومُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأُخِذَتِ ابْنَةُ الْمَلِكِ جُرْجِيرَ سَبِيَّةً. وَنَازَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ الْمَدِينَةَ، فَحَصَرَهَا حَتَّى فَتَحَهَا، وَرَأَى فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِهَا، فَكَانَ سَهْمُ الْفَارِسِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَسَهْمُ الرَّاجِلِ أَلْفَ دِينَارٍ. وَلَمَّا فَتَحَ عَبْدُ اللَّهِ مَدِينَةَ سُبَيْطِلَةَ بَثَّ جُيُوشَهُ فِي الْبِلَادِ فَبَلَغَتْ قَفْصَةَ، فَسَبَوْا وَغَنِمُوا، وَسَيَّرَ عَسْكَرًا إِلَى حِصْنِ الْأَجَمِ، وَقَدِ احْتَمَى بِهِ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَحَصَرَهُ وَفَتَحَهُ بِالْأَمَانِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، وَنَفَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ابْنَةَ الْمَلِكِ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى عُثْمَانَ بِالْبِشَارَةِ بِفَتْحِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَةَ الْمَلِكِ وَقَعَتْ لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَأَرْكَبَهَا بَعِيرًا وَارْتَجَزَ بِهَا يَقُولُ: يَا ابْنَةَ جُرْجِيرَ تَمَشَّيْ عُقْبَتِكْ إِنَّ عَلَيْكِ بِالْحِجَازِ رَبَّتِكْ لَتَحْمِلِنَّ مِنْ قَبَاءَ قِرْبَتِكْ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ عَادَ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ مُقَامُهُ بِإِفْرِيقِيَّةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَلَمْ يَفْقِدْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، قُتِلَ مِنْهُمْ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ فَدُفِنَ هُنَاكَ، وَحُمِلَ خُمُسُ إِفْرِيقِيَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاشْتَرَاهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ، فَوَضَعَهَا عَنْهُ عُثْمَانُ، وَكَانَ هَذَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْهِ. وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي خُمُسِ إِفْرِيقِيَّةَ، فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: أَعْطَى عُثْمَانُ خُمُسَ إِفْرِيقِيَّةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: أَعْطَاهُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ. وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّهُ أَعْطَى عَبْدَ اللَّهِ خُمُسَ الْغَزْوَةِ الْأُولَى، وَأَعْطَى مَرْوَانَ خُمُسَ الْغَزْوَةِ الثَّانِيَةِ الَّتِي افْتُتِحَتْ فِيهَا جَمِيعُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذكر انْتِقَاضِ إِفْرِيقِيَّةَ وَفَتْحِهَا ثَانِيَةً كَانَ هِرَقْلُ مَلِكُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ يُؤَدِّي إِلَيْهِ كُلُّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ النَّصَارَى الْخَرَاجَ، فَهُمْ مِنْ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَالَحَ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ أَرْسَلَ هِرَقْلُ إِلَى أَهْلِهَا بِطْرِيقًا لَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا أَخَذَ الْمُسْلِمُونَ، فَنَزَلَ الْبِطْرِيقُ فِي قَرْطَاجَنَّةَ، وَجَمَعَ أَهْلَ إِفْرِيقِيَّةَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَمَرَهُ الْمَلِكُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُؤَدِّي مَا كَانَ يُؤْخَذُ مِنَّا، وَقَدْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَامِحَنَا لِمَا نَالَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَّا. وَكَانَ قَدْ قَامَ بِأَمْرِ إِفْرِيقِيَّةَ بَعْدَ قَتْلِ جُرْجِيرَ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الرُّومِ، فَطَرَدَهُ الْبِطْرِيقُ. بَعْدَ فِتَنٍ كَثِيرَةٍ، فَسَارَ إِلَى الشَّامِ وَبِهِ مُعَاوِيَةُ وَقَدِ اسْتَقَرَّ لَهُ الْأَمْرُ بَعْدَ قَتْلِ عَلِيٍّ، فَوَصَفَ لَهُ إِفْرِيقِيَّةَ وَطَلَبَ أَنْ يُرْسِلَ مَعَهُ جَيْشًا، فَسَيَّرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيَّ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ هَلَكَ الرُّومِيُّ، وَمَضَى ابْنُ حُدَيْجٍ فَوَصَلَ إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ وَهِيَ نَارٌ تَضْطَرِمُ، وَكَانَ مَعَهُ عَسْكَرٌ عَظِيمٌ، فَنَزَلَ عِنْدَ قَمُونِيَّةَ، وَأَرْسَلَ الْبِطْرِيقُ إِلَيْهِ ثَلَاثِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ. فَلَمَّا سَمِعَ بِهِمْ مُعَاوِيَةُ سَيَّرَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَحَصَرَ حِصْنَ جَلُولَاءَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَانْهَدَمَ سُورُ الْحِصْنِ، فَمَلَكَهُ الْمُسْلِمُونَ وَغَنِمُوا مَا فِيهِ، وَبَثَّ السَّرَايَا، فَسَكَنَ النَّاسُ وَأَطَاعُوا، وَعَادَ إِلَى مِصْرَ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ مِنْ أَطْوَعِ أَهْلِ الْبُلْدَانِ وَأَسْمَعِهِمْ، إِلَى زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَتَّى دَبَّ إِلَيْهِمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَاسْتَثَارُوهُمْ، فَشَقُّوا الْعَصَا، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: لَا نُخَالِفُ الْأَئِمَّةَ بِمَا تَجْنِي الْعُمَّالُ. فَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ بِأَمْرِ أُولَئِكَ. فَقَالُوا: حَتَّى نُخْبِرَهُمْ، فَخَرَجَ مَيْسَرَةُ فِي بِضْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا، فَقَدِمُوا عَلَى هِشَامٍ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ، فَدَخَلُوا عَلَى الْأَبْرَشِ فَقَالُوا: أَبْلِغْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ أَمِيرَنَا يَغْزُو بِنَا وَبِجُنْدِهِ، فَإِذَا غَنِمْنَا نَفَّلَهُمْ، وَيَقُولُ: هَذَا أَخْلَصُ لِجِهَادِنَا، وَإِذَا حَاصَرْنَا مَدِينَةً قَدَّمَنَا وَأَخَّرَهُمْ، وَيَقُولُ: هَذَا ازْدِيَادٌ فِي الْأَجْرِ، وَمِثْلُنَا كَفَى إِخْوَانَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى مَاشِيتِنَا، فَجَعَلُونَا يَبْقُرُونَ بُطُونَهَا عَنْ سِخَالِهَا، يَطْلُبُونَ الْفِرَاءَ الْبِيضَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَقْتُلُونَ أَلْفَ شَاةٍ فِي جِلْدٍ، فَاحْتَمَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ سَامُونَا أَنْ يَأْخُذُوا كُلَّ جَمِيلَةٍ مِنْ بَنَاتِنَا، فَقُلْنَا: لَمْ نَجِدْ هَذَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَنَحْنُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَعَنْ رَأْيِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَمْ لَا ؟ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامُ وَنَفِدَتْ نَفَقَاتُهُمْ، فَكَتَبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَدَفَعُوهَا إِلَى وُزَرَائِهِ وَقَالُوا: إِنْ سَأَلَ عَنَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْبِرُوهُ. ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ فَخَرَجُوا عَلَى عَامِلِ هِشَامٍ، فَقَتَلُوهُ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى إِفْرِيقِيَّةَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ هِشَامًا، فَسَأَلَ عَنِ النَّفَرِ فَعَرَفَ أَسْمَاءَهُمْ، فَإِذَا هُمُ الَّذِينَ صَنَعُوا ذَلِكَ. وَقْعَةُ جُرْجِيرَ وَالْبَرْبَرِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وقتل ابن الزير له لَمَّا قَصَدَ الْمُسْلِمُونَ - وَهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا - إِفْرِيقِيَّةَ وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَفِي جَيْشِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، صَمَدَ إِلَيْهِمْ مَلِكُ الْبَرْبَرِ جُرْجِيرُ فِي عِشْرِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ. وَقِيلَ: فِي مِائَتَيْ أَلْفٍ. فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ أَمَرَ جَيْشَهُ فَأَحَاطُوا بِالْمُسْلِمِينَ هَالَةً، فَوَقَفَ الْمُسْلِمُونَ فِي مَوْقِفٍ لَمْ يُرَ أَشْنَعَ مِنْهُ وَلَا أَخْوَفَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَنَظَرْتُ إِلَى الْمَلِكِ جُرْجِيرَ مِنْ وَرَاءِ الصُّفُوفِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى بِرْذَوْنٍ وَجَارِيَتَانِ تُظِلَّانِهِ بِرِيشِ الطَّوَاوِيسِ، فَذَهَبْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعِيَ مَنْ يَحْمِي ظَهْرِي وَأَقْصِدُ الْمَلِكَ، فَجَهَّزَ مَعِي جَمَاعَةً مِنَ الشُّجْعَانِ. قَالَ: فَأَمَرَ بِهِمْ فَحَمَوْا ظَهْرِي، وَذَهَبْتُ حَتَّى اخْتَرَقْتُ الصُّفُوفَ إِلَيْهِ - وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنِّي فِي رِسَالَةٍ إِلَى الْمَلِكِ - فَلَمَّا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ أَحَسَّ مِنِّي الشَّرَّ فَفَرَّ عَلَى بِرْذَوْنِهِ، فَلَحِقْتُهُ فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي، وَذَفَفْتُ عَلَيْهِ بِسَيْفِي، وَأَخَذْتُ رَأْسَهُ فَنَصَبْتُهُ عَلَى رَأْسِ الرُّمْحِ، وَكَبَّرْتُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْبَرْبَرُ فَرِقُوا وَفَرُّوا كَفِرَارِ الْقَطَا، وَأَتْبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ جَمَّةً، وَأَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَسَبْيًا عَظِيمًا، وَذَلِكَ بِبَلَدٍ يُقَالُ لَهُ: سُبَيْطِلَةُ. عَلَى يَوْمَيْنِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ. فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ مَوْقِفٍ اشْتَهَرَ فِيهِ أَمْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ؓ وَعَنْ أَبِيهِ وَأَصْحَابِهِمَا أَجْمَعِينَ.
التاريخ 1988لا حكم مسجّل
ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ حَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عُثْمَانُ. وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ إِصْطَخْرَ الثَّانِي عَلَى يَدِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ. وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ قِنَّسْرِينَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ قُبْرُسَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: كَانَ ذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: غَزَاهَا مُعَاوِيَةُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 1989لا حكم مسجّل
[ الْوَفَيَاتُ ] وَفِيهَا مَاتَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ بِمِصْرَ مُنْصَرِفًا مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فِي الْبَادِيَةِ، وَقِيلَ: مَاتَ بِبِلَادِ الرُّومِ، وَكُلُّهُمْ قَالُوا: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو رِمْثَةَ الْبَلَوِيُّ بِإِفْرِيقِيَّةَ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا مَاتَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ، وَقِيلَ: مَاتَتْ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ، أَبُو الْحَارِثِ . شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمَغَانِمِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ.
التاريخ 1990لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ تهيب عمر ؓ الغزو في البحر قِيلَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ كَانَ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْأَنْصَارِيَّةُ، أَلْقَتْهَا بِغْلَتُهَا بِجَزِيرَةِ قُبْرُسَ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا فَمَاتَتْ، تَصْدِيقًا لِلنَّبِيِّ ﷺ، حَيْثُ أَخْبَرَهَا أَنَّهَا فِي أَوَّلِ مَنْ يَغْزُو فِي الْبَحْرِ. عبد الله بن قيس الجاسي والمرفأ وَبَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْجَاسِيُّ عَلَى الْبَحْرِ، فَغَزَا خَمْسِينَ غَزَاةً مِنْ بَيْنِ شَاتِيَةٍ وَصَائِفَةٍ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، لَمْ يَغْرَقْ أَحَدٌ وَلَمْ يُنْكَبْ، فَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَهُ فِي جُنْدِهِ، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ فِي جَسَدِهِ خَرَجَ فِي قَارِبٍ طَلِيعَةً، فَانْتَهَى إِلَى الْمَرْفَإِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ وَعَلَيْهِ مَسَاكِينُ يَسْأَلُونَ، فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ إِلَى قَرْيَتِهَا فَقَالَتْ لِلرِّجَالِ: هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ فِي الْمَرْفَإِ، فَثَارُوا إِلَيْهِ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُ بَعْدَ أَنْ قَاتَلَهُمْ، فَأُصِيبَ وَحْدَهُ، وَنَجَا الْمَلَّاحُ حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ، فَأَعْلَمَهُمْ فَجَاءُوا حَتَّى أَرْسَوْا بِالْمَرْفَإِ، وَالْخَلِيفَةُ عَلَيْهِمْ سُفْيَانُ بْنُ عَوْفٍ الْأَزْدِيُّ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَضَجِرَ، فَجَعَلَ يَشْتُمُ أَصْحَابَهُ. فَقَالَتْ جَارِيَةُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا هَكَذَا كَانَ يَقُولُ حِينَ يُقَاتِلُ ! فَقَالَ سُفْيَانُ: فَكَيْفَ كَانَ يَقُولُ ؟ قَالَتْ: " الْغَمَرَاتُ ثُمَّ يَنْجَلِينَا " فَلَزِمَهَا بِقَوْلِهَا، وَأُصِيبَ فِي الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ. وَقِيلَ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ بَعْدُ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَرَفْتِهِ ؟ قَالَتْ: كَانَ كَالتَّاجِرِ فَلَمَّا سَأَلْتُهُ أَعْطَانِي كَالْمَلِكِ فَعَرَفْتُهُ بِهَذَا.
التاريخ 1991لا حكم مسجّل
وَفِيهَا تَزَوَّجَ عُثْمَانُ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، وَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً فَأَسْلَمَتْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كُلُّ اسْمٍ فِي الْمَغْرِبِ فُرَافِصَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ، إِلَّا نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، فَإِنَّهَا بِفَتْحِ الْفَاءِ. عَنْ أَبُو عُبَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ اهْتَدَاهَا فَبَعَثَ بِهَا أَبُوهَا إِلَيْهِ مَعَ أَخِيهَا ضَبٍّ، فَلَمَّا فَصَلَتْ مِنَ السَّمَاوَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَتْ مِنْ فِرَاقِ أَهْلِهَا وَبِلَادِهَا فَقَالَتْ: أَحَقًّا تُرَاهُ الْيَوْمَ يَا ضَبُّ إِنَّنِي مُصَاحَبَةٌ نَحْوَ الْمَدِينَةِ أَرْكَبَا أَمَا كَانَ فِي فِتْيَانِ حِصْنِ بْنِ ضَمْضَمٍ لَكَ الْوَيْلُ مَا يُغْنِي الْخِبَاءَ الْمُحَجَّبَا [قَضَى اللَّهُ حَقًّا أَنْ تَمُوتِي غَرِيبَةً بِيَثْرِبَ لَا تَلْقَيْنَ أُمَّا وَلَا أَبَا. وَعَنْ مَوْلًى لِطَلْحَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ ؓ اسْتَعَمَلَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَلَى صَدَقَاتِ كُلَيْبٍ، فَزَوَّجَهُ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: إِنِّي زَوَّجْتُكَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ. فَقَالَ: زَوَّجْتَنِي نَصْرَانِيَّةً؟ قَالَ: إِنَّهَا إِذَا قَدِمَتْ إِلَيْكَ أَسْلَمَتْ. فَلَمَّا قَدِمَ دَخَلَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا هَذِهِ، تَأْتِينَا أَوْ نَأْتِيكِ؟ قَالَتْ: بَلْ نَأْتِيكَ وَنُعْمَةُ الْعَيْنِ، فَقَدْ تَجَشَّمْتُ الْمَسِيرَ إِلَيْكَ مِنْ أَبْعَدِ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَتْ حَتَّى جَلَسَتْ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَقَالَ لَهَا عُثْمَانُ: إِنَّكِ لَعَلَّكِ تَرَيْنَ شَيْبًا وَتَقَلُّبًا فِي السِّنِّ، فَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ غِلَالَةً مِنْ شَبَابٍ. فَقَالَتْ: إِنَّ أَحَبَّ الْخُلَطَاءِ إِلَيَّ لَمَنْ ذَهَبَتْ عَنْهُ مَيْعَةُ الشَّبَابِ، وَاجْتَمَعَ حِلْمُهُ، وَوُثِقَ بِرَأْيِهِ. فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، كَيْفَ رَأَيْتَ أَهْلَكَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أَوْفَى عَقْلًا مِنَ الدَّاخِلَةِ عَلَيَّ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ كَانَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَتَزَوَّجَ هِنْدَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَزَوَّجْتَ امْرَأَةً، فَاكْتُبْ إِلَيَّ بِنَسَبِهَا وَجَمَالِهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنْ كَانَتْ لَهَا أُخْتٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَبَعَثَ سَعِيدٌ إِلَى الْفَرَافِصَةِ يَخْطُبُ إِحْدَى بَنَاتِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ الْفَرَافِصَةُ ابْنَهُ ضَبًّا فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ، وَكَانَ ضَبٌّ مُسْلِمًا، وَالْفَرَافِصَةُ نَصْرَانِيًّا، فَلَمَّا أَرَادُوا نَقْلَهَا قَالَ لَهَا أَبُوهَا: إِنَّكِ تَقْدَمِينَ عَلَى نِسَاءٍ مِنْ نَسَاءِ قُرَيْشٍ، مِنْ أَقْدَرَ عَلَى الطِّيبِ مِنْكِ، فَاحْفَظِي عَنِّي خَصْلَتَيْنِ: تَكَحَّلِي وَتَطَيَّبِي بِالْمَاءِ حَتَّى تَكُونَ رِيحُكَ رِيحَ شَنٍّ أَصَابَهُ مَطَرٌ. فَلَمَّا جُمِّلَتْ كَرَبَتْ لِكَرْبِهِ، وَحَزِنَتْ لِفِرَاقِ أَهْلِهَا، وَأَنْشَدَتْ: أَلَسْتَ تَرَى بِاللَّهِ يَا ضَبُّ أَنَّنِي مُصَاحَبَةٌ نَحْوَ الْمَدِينَةِ أَرْكَبَا لَقَدْ كَانَ فِي أَبْنَاءِ حِصْنِ بْنِ ضَمْضَمٍ لَكَ الْوَيْلُ مَا يُغْنِي الْخِبَاءَ الْمُطَنَّبَا فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى عُثْمَانَ وَضَعَ عِمَامَتَهُ فَبَدَا الصَّلَعُ، فَقَالَ: لَا يَهُولَنَّكِ مَا تَرَيْنَ مِنْ صَلَعِي، فَإِنَّ وَرَاءَهُ مَا تُحِبِّينَ. فَسَكَتَتْ. فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تَقُومِي إِلَيَّ وَإِمَّا أَنْ أَقُومَ إِلَيْكِ. فَقَالَتْ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الصَّلَعِ فَإِنِّي مِنْ نِسَاءٍ أَحَبُّ بُعُولَتِهِنَّ السَّادَةُ الصُّلْعُ، وَأَمَّا قَوْلُكَ: إِنْ تَقُومِي أَوْ أَقُومَ، فَوَاللَّهِ لَمَا تَجَشَّمْتُ مِنْ حِسْبَاتِ السَّمَاوَةِ أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنِي وَبَيْنَكَ، بَلْ أَقُومُ إِلَيْكَ. فَقَامَتْ، فَجَلَسَتْ إِلَى جَنْبَهُ، فَمَسَحَ رَأْسَهَا وَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: اطْرَحِي عَنْكِ رِدَاءَكَ. فَطَرَحَتْهُ، ثُمَّ قَالَ: حُلِّيَ إِزَارَكِ. فَقَالَتْ: ذَاكَ إِلَيْكَ. فَحَلَّ إِزَارَهَا، وَكَانَتْ مِنْ أَحْظَى نِسَائِهِ عِنْدَهُ. وَعَنْ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَوْبَانَ قَالَ: نَظَرَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ، امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؓ، فِي الْمِرْآةِ، فَأَعْجَبَهَا ثَغْرُهَا، فَأَخَذَتْ فِهْرًا فَكَسَرَتْ ثَنَايَاهَا، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَا يَجِبُ لَكَ أَحَدٌ بَعْدَ عُثْمَانَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: غَزَا حَبِيبُ بْنُ سَلَمَةَ سُورِيَّةَ [مِنْ أَرْضِ] الرُّومِ . وَفِيهَا بَنَى عُثْمَانُ الزَّوْرَاءَ. وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ هَذِهِ السَّنَةَ.
التاريخ 1992لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَمْرُو بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ أَنَسِ بْنِ أَدَاةَ بْنِ رَبَاحٍ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؓ وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مَاتَتْ أُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْأَنْصَارِيَّةُ، أَلْقَتْهَا بِغْلَتُهَا بِجَزِيرَةِ قُبْرُسَ
التاريخ 1993لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ عَزْلِ أَبِي مُوسَى عَنِ الْبَصْرَةِ وَاسْتِعْمَالِ ابْنِ عَامِرٍ عَلَيْهَا قِيلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ عَنِ الْبَصْرَةِ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كَرِيزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ( وَهُوَ ابْنُ خَالِ عُثْمَانَ )، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِثَلَاثِ سِنِينَ مَضَتْ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَكَانَ سَبَبُ عَزْلِهِ أَنَّ أَهْلَ إِيذَجَ وَالْأَكْرَادِ كَفَرُوا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَنَادَى أَبُو مُوسَى فِي النَّاسِ وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَذَكَرَ مَنْ فَضَّلَ الْجِهَادَ مَاشِيًا، فَحَمَلَ نَفَرٌ عَلَى دَوَابِّهِمْ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا رَجَّالَةً. وَقَالَ آخَرُونَ: لَا نُعَجِّلُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ، فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ فَعَلْنَا كَمَا يَفْعَلُ. فَلَمَّا خَرَجَ أَخْرَجَ ثَقَلَهُ مِنْ قَصْرِهِ عَلَى أَرْبَعِينَ بَغْلًا، فَتَعَلَّقُوا بِعِنَانِهِ وَقَالُوا: احْمِلْنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الْفُضُولِ، وَارْغَبْ فِي الْمَشْيِ كَمَا رَغَّبْتَنَا. فَضَرَبَ الْقَوْمَ بِسَوْطِهِ، فَتَرَكُوا دَابَّتَهُ، فَمَضَى. وَأَتَوْا عُثْمَانَ فَاسْتَعْفَوْهُ مِنْهُ وَقَالُوا: مَا كُلُّ مَا نَعْلَمُ نُحِبُّ أَنْ تَسْأَلَنَا عَنْهُ، فَأَبْدِلْنَا بِهِ. فَقَالَ: مَنْ تُحِبُّونَ ؟ فَقَالَ غَيْلَانُ بْنُ خَرَشَةَ: فِي كُلِّ أَحَدٍ عِوَضٌ مِنْ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِي قَدْ أَكَلَ أَرْضَنَا ! أَمَا مِنْكُمْ خَسِيسٌ فَتَرْفَعُوهُ ؟ أَمَا مِنْكُمْ فَقِيرٌ فَتُجِيرُوهُ ؟ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى مَتَى يَأْكُلُ هَذَا الشَّيْخُ الْأَشْعَرِيُّ هَذِهِ الْبِلَادَ ؟ فَانْتَبَهَ لَهَا عُثْمَانُ، فَعَزَلَ أَبَا مُوسَى وَوَلَّى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو مُوسَى قَالَ: يَأْتِيكُمْ غُلَامٌ خَرَّاجٌ وَلَّاجٌ، كَرِيمُ الْجَدَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ، يُجْمَعُ لَهُ الْجُنْدَانُ. ( وَكَانَ عُمْرُ ابْنِ عَامِرٍ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً )، وَجُمِعَ لَهُ جُنْدُ أَبِي مُوسَى وَجُنْدُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ مِنْ عُمَانَ وَالْبَحْرَيْنِ. عماله في هذه السنة وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ، وَعَلَى سِجِسْتَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيَّ، وَهُوَ مِنْ ثَعْلَبَةَ، فَأَثْخَنَ فِيهَا إِلَى كَابُلَ، وَأَثْخَنَ عُمَيْرٌ فِي خُرَاسَانَ، حَتَّى بَلَغَ فَرْغَانَةَ، لَمْ يَدَعْ دُونَهَا كُورَةً إِلَّا أَصْلَحَهَا، وَبَعَثَ إِلَى مُكْرَانَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ، فَأَثْخَنَ فِيهَا حَتَّى بَلَغَ النَّهْرَ، وَبَعَثَ عَلَى كَرْمَانَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُبَيْسٍ، وَبَعَثَ إِلَى الْأَهْوَازِ وَفَارِسَ نَفَرًا، ثُمَّ عَزَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا سَنَةً ثُمَّ عَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو وَعَزَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُبَيْسٍ، وَأَعَادَ عَدِيَّ بْنَ سُهَيْلِ بْنِ عَدِيٍّ، وَصَرَفَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مَعْمَرٍ إِلَى فَارِسَ، وَاسْتَعْمَلَ مَكَانَهُ عُمَيْرَ بْنَ عُثْمَانَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى خُرَاسَانَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيَّ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى سِجِسْتَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عِمْرَانَ بْنَ الْفُضَيْلِ الْبَرْجَمِيَّ. وَمَاتَ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو بِكَرْمَانَ. انْتِقَاضِ أَهْلِ فَارِسَ وفتح اصطخر وجور ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ فَارِسَ انْتَفَضُوا وَنَكَثُوا بِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ، فَالْتَقَوْا عَلَى بَابِ إِصْطَخْرَ، فَقُتِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، فَاسْتَنْفَرَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ وَسَارَ بِالنَّاسِ إِلَى فَارِسَ فَالْتَقَوْا بِإِصْطَخْرَ، وَكَانَ عَلَى مَيْمَنَتِهِ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، وَعَلَى الْخَيْلِ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ، وَلِكُلِّهِمْ صُحْبَةٌ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَانْهَزَمَ الْفُرْسُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفُتِحَتْ إِصْطَخْرُ عَنْوَةً، وَأَتَى دَارَابْجِرْدَ وَقَدْ غَدَرَ أَهْلُهَا فَفَتَحَهَا، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ جُورَ، وَهِيَ أَرْدَشِيرُ خُرَّهْ، فَانْتَقَضَتْ إِصْطَخْرُ فَلَمْ يَرْجِعْ، وَتَمَّمَ السَّيَرَ إِلَى جُورَ وَحَاصَرَهَا، وَكَانَ هَرِمُ بْنُ حَيَّانَ مُحَاصِرًا لَهَا، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُحَاصِرُونَهَا وَيَنْصَرِفُونَ عَنْهَا فَيَأْتُونَ إِصْطَخْرَ وَيَغْزُونَ نَوَاحِيَ كَانَتْ تَنْتَقِضُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا نَزَلَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَيْهَا فَتَحَهَا. وَكَانَ سَبَبُ فَتْحِهَا أَنَّ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ قَامَ يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَإِلَى جَانِبِهِ جِرَابٌ لَهُ فِيهِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ، فَجَاءَ كَلْبٌ فَجَرَّهُ وَعَدَا بِهِ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ مِنْ مَدْخَلٍ لَهَا خَفِيٍّ، فَلَزِمَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ الْمَدْخَلَ حَتَّى دَخَلُوهَا مِنْهُ وَفَتَحُوهَا عَنْوَةً. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ابْنُ عَامِرٍ عَادَ إِلَى إِصْطَخْرَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً بَعْدَ أَنْ حَاصَرَهَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهَا، وَرُمِيَتْ بِالْمَجَانِيقِ، وَقَتَلَ بِهَا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْأَعَاجِمِ، وَأُفْنِيَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ وَوُجُوهُ الْأَسَاوِرَةِ، وَكَانُوا قَدْ لَجَئُوا إِلَيْهَا. وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ إِصْطَخْرَ لَمَّا نَكَثُوا عَادَ إِلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ قَبْلَ وُصُولِهِ إِلَى جُورَ، فَمَلَكَهَا عَنْوَةً، وَعَادَ إِلَى جُورَ فَأَتَى دَارَابْجِرْدَ فَمَلَكَهَا، وَكَانَتْ مُنْتَقِضَةً أَيْضًا، وَوَطِئَ أَهْلَ فَارِسَ وَطْأَةً لَمْ يَزَالُوا مِنْهَا فِي ذُلٍّ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بِالْخَبَرِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ عَلَى بِلَادِ فَارِسَ هَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْيَشْكُرِيَّ، وَهَرِمَ بْنَ حَيَّانَ الْعَبْدِيَّ، وَالْخِرِّيتَ بْنَ رَاشِدٍ، وَالْمِنْجَابَ بْنَ رَاشِدٍ، وَالتُّرْجُمَانَ الْهُجَيْمِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُفَرِّقَ كُوَرَ خُرَاسَانَ عَلَى جَمَاعَةٍ، فَيَجْعَلَ الْأَحْنَفَ عَلَى الْمَرْوَيْنِ، وَحَبِيبَ بْنَ قُرَّةَ الْيَرْبُوعِيَّ عَلَى بَلْخَ، وَخَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُهَيْرٍ عَلَى هَرَاةَ، وَأُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ عَلَى طُوسَ، وَقَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ السُّلَمِيَّ عَلَى نَيْسَابُورَ، وَبِهِ تَخَرَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، ثُمَّ جَمَعَهَا عُثْمَانُ قَبْلَ مَوْتِهِ لِقَيْسٍ، وَاسْتَعْمَلَ أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ عَلَى سِجِسْتَانَ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَيْهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، وَهُوَ مِنْ آلِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَمَاتَ عُثْمَانُ وَهُوَ عَلَيْهَا، وَمَاتَ وَعِمْرَانُ عَلَى مُكْرَانَ، وَعُمَيْرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعْدٍ عَلَى فَارِسَ، وَابْنُ كِنْدِيرَ الْقُشَيْرِيُّ عَلَى كَرْمَانَ. ثُمَّ وَفَّدَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ يُكْرِمُهُ، فَقَالَ لِابْنِ عَامِرٍ: اكْتُبْ لِي عَلَى خُرَاسَانَ عَهْدًا إِنْ خَرَجَ عَنْهَا قَيْسٌ. فَفَعَلَ، فَرَجَعَ إِلَى خُرَاسَانَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَجَاشَ الْعَدُوُّ قَالَ ابْنُ خَازِمٍ لِقَيْسٍ: الرَّأْيُ أَنْ تَخْلُفَنِي وَتَمْضِيَ حَتَّى تَنْظُرَ فِيمَا يَنْظُرُونَ فِيهِ، فَفَعَلَ، فَأَخْرَجَ ابْنُ خَازِمٍ بَعْدَهُ عَهْدًا بِخِلَافَتِهِ وَثَبَتَ عَلَى خُرَاسَانَ إِلَى أَنْ قَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَغَضِبَ قَيْسٌ مِنْ صَنِيعِ ابْنِ خَازِمٍ. الزِّيَادَةِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ السَّنَةِ زَادَ عُثْمَانُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَكَانَ يَنْقُلُ الْجِصَّ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ، وَبَنَاهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهَا رَصَاصٌ، وَجَعَلَ طُولَهُ سِتِّينَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَعَرْضَهُ خَمْسِينَ وَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ عَلَى مَا كَانَتْ أَيَّامَ عُمَرَ سِتَّةَ أَبْوَابٍ. إِتْمَامِ عُثْمَانَ الصَّلَاةَ بِجَمْعٍ وَأَوَّلِ مَا تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ حَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُثْمَانُ، وَضَرَبَ فُسْطَاطَهُ بِمِنًى، وَكَانَ أَوَّلَ فُسْطَاطٍ ضَرَبَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى، وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهَا وَبِعَرَفَةَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّاسُ فِي عُثْمَانَ ظَاهِرًا حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى، فَعَابَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا حَدَثَ أَمْرٌ وَلَا قَدُمَ عَهْدٌ، وَلَقَدْ عَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ وَأَنْتَ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِكَ، فَمَا أَدْرِي مَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ. فَقَالَ: رَأْيٌ رَأَيْتُهُ. وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَ مَعَهُ، فَجَاءَهُ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تُصَلِّ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْتَ أَنْتَ رَكْعَتَيْنِ ؟ قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ حَجَّ مِنَ الْيَمَنِ وَجُفَاةِ النَّاسِ قَالُوا: إِنَّ الصَّلَاةَ لِلْمُقِيمِ رَكْعَتَانِ، وَاحْتَجُّوا بِصَلَاتِي، وَقَدِ اتَّخَذْتُ بِمَكَّةَ أَهْلًا وَلِي بِالطَّائِفِ مَالٌ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا فِي هَذَا عُذْرٌ، أَمَّا قَوْلُكَ: اتَّخَذْتُ بِهَا أَهْلًا، فَإِنَّ زَوْجَكَ بِالْمَدِينَةِ تَخْرُجُ بِهَا إِذَا شِئْتَ، وَإِنَّمَا تَسْكُنُ بِسُكْنَاكَ، وَأَمَّا مَالُكَ بِالطَّائِفِ فَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَأَمَّا قَوْلُكَ عَنْ حَاجِّ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَالْإِسْلَامُ قَلِيلٌ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ ضَرَبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: هَذَا رَأْيٌ رَأَيْتُهُ. فَخَرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَلَقِيَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَبَا مُحَمَّدٍ، غُيِّرَ مَا تَعْلَمُ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ ؟ قَالَ: اعْمَلْ بِمَا تَرَى وَتَعْلَمُ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْخِلَافُ شَرٌّ وَقَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي أَرْبَعًا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي رَكْعَتَيْنِ وَأَمَّا الْآنُ فَسَوْفَ أُصَلِّي أَرْبَعًا. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ. رجم عثمان ؓ امرأة من جهينة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَجَمَ عُثْمَانُ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ دَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا. فَأَرْسَلَ فِي أَثَرِهَا فَإِذَا قَدْ رُجِمَتْ. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ.
التاريخ 1994لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ: شَهِدَ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، وَحَدَّثَ عَنْ عُمَرَ ؓ، وَوَلَّاهُ قَضَاءَ الْمَدَائِنِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءَ الْكُوفَةِ ثُمَّ عَزَلَهُ عُمَرُ، فَخَرَجَ غَازِيًا لِلتُّرْكِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَاسْتُشْهِدَ بِالْجَرِّ مِنْ بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ؓ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ، وَقِيلَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ. وَعَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: رَأَيْتُ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ جَالِسًا بِالْمَدَائِنِ عَلَى قَضَائِهَا، وَاسْتَقْضَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَمَا رَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ، فَقُلْنَا لِأَبِي وَائِلٍ: فَمِمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: مِنِ انْتِصَافِ النَّاسِ مِنْهُمْ.
التاريخ 1995لا حكم مسجّل
( 30 ) ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ ذكر عَزْلِ الْوَلِيدِ عَنِ الْكُوفَةِ وَوِلَايَةِ سَعِيدٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَنِ الْكُوفَةِ وَوَلَّاهَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ سَبَبُ وِلَايَةِ الْوَلِيدِ عَلَى الْكُوفَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ كَانَ مَحْبُوبًا إِلَى النَّاسِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ خَمْسَ سِنِينَ وَلَيْسَ لِدَارِهِ بَابٌ، ثُمَّ إِنَّ شَبَابًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ نَقَبُوا عَلَى ابْنِ الْحَيْسُمَانِ الْخُزَاعِيِّ وَكَاثَرُوهُ، فَنَذِرَ بِهِمْ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ وَصَرَخَ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيُّ، وَكَانَ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكُوفَةِ لِلْقُرْبِ مِنَ الْجِهَادِ، فَصَاحَ بِهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا وَقَتَلُوا ابْنَ الْحَيْسُمَانِ، وَأَخَذَهُمُ النَّاسُ وَفِيهِمْ زُهَيْرُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيُّ وَمُوَرِّعُ بْنُ أَبِي مُوَرِّعٍ الْأَسَدِيُّ، وَشُبَيْلُ بْنُ أُبَيٍّ الْأَزْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ، فَشَهِدَ عَلَيْهِمْ أَبُو شُرَيْحٍ وَابْنُهُ، فَكَتَبَ فِيهِمُ الْوَلِيدُ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ بِقَتْلِهِمْ، فَقَتَلَهُمْ عَلَى بَابِ الْقَصْرِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ أَخَذَ فِي الْقَسَامَةِ بِقَوْلِ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَنْ مَلَإٍ مِنَ النَّاسِ لِيَفْطِمَ النَّاسَ عَنِ الْقَتْلِ. وَكَانَ أَبُو زُبَيْدٍ الشَّاعِرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ فِي بَنِي تَغْلِبٍ، وَكَانُوا أَخْوَالَهُ، فَظَلَمُوهُ دَيْنًا لَهُ، فَأَخَذَ لَهُ الْوَلِيدُ حَقَّهُ إِذْ كَانَ عَامِلًا عَلَيْهِمْ، فَشَكَرَ أَبُو زُبَيْدٍ ذَلِكَ لَهُ، وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ وَغَشِيَهُ بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَأَسْلَمَ عِنْدَ الْوَلِيدِ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَهُ أَتَى آتٍ أَبَا زَيْنَبَ وَأَبَا مُوَرِّعٍ وَجُنْدُبًا، وَكَانُوا يَحْفِرُونَ لِلْوَلِيدِ مُنْذُ قَتَلَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَضَعُونَ لَهُ الْعُيُونَ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْوَلِيدَ وَأَبَا زُبَيْدٍ يَشْرَبَانِ الْخَمْرَ، فَثَارُوا وَأَخَذُوا مَعَهُمْ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَاقْتَحَمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرَوْا، فَأَقْبَلُوا يَتَلَاوَمُونَ وَسَبَّهُمُ النَّاسُ، وَكَتَمَ الْوَلِيدُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ. وَجَاءَ جُنْدُبٌ وَرَهْطٌ مَعَهُ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ الْوَلِيدَ يَعْتَكِفُ عَلَى الْخَمْرِ، وَأَذَاعُوا ذَلِكَ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنِ اسْتَتَرَ عَنَّا لَمْ نَتَّبِعْ عَوْرَتَهُ. فَعَاتَبَهُ الْوَلِيدُ عَلَى قَوْلِهِ حَتَّى تَغَاضَبَا. ثُمَّ أُتِيَ الْوَلِيدُ بِسَاحِرٍ، فَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِّهِ، وَاعْتَرَفَ السَّاحِرُ عِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَكَانَ يُخَيِّلُ إِلَى النَّاسِ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي دُبُرِ الْحِمَارِ وَيَخْرُجُ مِنْ فِيهِ، فَأَمَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ بِقَتْلِهِ. فَلَمَّا أَرَادَ الْوَلِيدُ قَتْلَهُ أَقْبَلَ النَّاسُ وَمَعَهُمْ جُنْدُبٌ فَضَرَبَ السَّاحِرَ فَقَتَلَهُ، فَحَبَسَهُ الْوَلِيدُ وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ فِيهِ، وَأَمَرَهُ بِإِطْلَاقِهِ وَتَأْدِيبِهِ، فَغَضِبَ لِجُنْدُبٍ أَصْحَابُهُ، وَخَرَجُوا إِلَى عُثْمَانَ يَسْتَعْفُونَ مِنَ الْوَلِيدِ، فَرَدَّهُمْ خَائِبِينَ. فَلَمَّا رَجَعُوا أَتَاهُمْ كُلُّ مَوْتُورٍ فَاجْتَمَعُوا مَعَهُمْ عَلَى رَأْيِهِمْ، وَدَخَلَ أَبُو زَيْنَبَ وَأَبُو مُوَرِّعٍ وَغَيْرُهُمَا عَلَى الْوَلِيدِ فَتَحَدَّثُوا عِنْدَهُ، فَنَامَ فَأَخَذَا خَاتَمَهُ وَسَارَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَاسْتَيْقَظَ الْوَلِيدُ فَلَمْ يَرَ خَاتَمَهُ، فَسَأَلَ نِسَاءَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْنَهُ أَنَّ آخِرَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ صِفَتُهُمَا كَذَا وَكَذَا. فَاتَّهَمَهُمَا وَقَالَ: هُمَا أَبُو زَيْنَبَ وَأَبُو مُوَرِّعٍ، وَأَرْسَلَ يَطْلُبُهُمَا، فَلَمْ يُوجَدَا. فَقَدِمَا عَلَى عُثْمَانَ وَمَعَهُمَا غَيْرُهُمَا، وَأَخْبَرَاهُ أَنَّهُ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْوَلِيدِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَدَعَا بِهِمَا عُثْمَانَ فَقَالَ: أَتَشْهَدَانِ أَنَّكُمَا رَأَيْتُمَاهُ يَشْرَبُ ؟ فَقَالَا: لَا. قَالَ: فَكَيْفَ ؟ قَالَا: اعْتَصَرْنَاهَا مِنْ لِحْيَتِهِ وَهُوَ يَقِيءُ الْخَمْرَ. فَأَمَرَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ فَجَلَدَهُ، فَأَوْرَثَ ذَلِكَ عَدَاوَةً بَيْنَ أَهْلَيْهِمَا، فَكَانَ عَلَى الْوَلِيدِ خَمِيصَةٌ فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِنَزْعِهَا لَمَّا جُلِدَ. هَكَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي جَلَدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ ابْنَهُ الْحَسَنَ أَنْ يَجْلِدَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قَارَّهَا ! فَأَمَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ أَرْبَعِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمْسِكْ، جَلَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَجَلَدَ عُثْمَانُ ثَمَانِينَ وَكُلٌّ سُنَّةٌ وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ. وَقِيلَ: إِنَّ الْوَلِيدَ سَكِرَ وَصَلَّى الصُّبْحَ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ أَرْبَعًا ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: أَزِيدُكُمْ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَا زِلْنَا مَعَكَ فِي زِيَادَةٍ مُنْذُ الْيَوْمِ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ عُثْمَانَ، فَأَمَرَ عَلِيًّا بِجَلْدِهِ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ فَجَلَدَهُ، وَقَالَ الْحُطَيْئَةُ: شَهِدَ الْحُطَيْئَةُ يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ أَنَّ الْوَلِيدَ أَحَقُّ بِالْعُذْرِ نَادَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُمْ: أَأَزِيدُكُمْ ؟ سُكْرًا وَمَا يَدْرِي فَأَبَوْا أَبَا وَهْبٍ وَلَوْ أَذِنُوا لَقَرَنْتَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ كَفُّوا عِنَانَكَ إِذْ جَرَيْتَ وَلَوْ تَرَكُوا عِنَانَكَ لَمْ تَزَلْ تَجْرِي فَلَمَّا عَلِمَ عُثْمَانُ مِنَ الْوَلِيدِ شُرْبَ الْخَمْرِ عَزَلَهُ، وَوَلَّى سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ سَعِيدٌ قَدْ رُبِّيَ فِي حِجْرِ عُمَرَ، فَلَمَّا فُتِحَ الشَّامُ قَدِمَهُ، فَأَقَامَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَذَكَرَ عُمَرُ يَوْمًا قُرَيْشًا، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ بِالشَّامِ، فَاسْتَقْدَمَهُ، فَقَدِمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ بَلَاءٌ وَصَلَاحٌ فَازْدَدْ يَزِدْكَ اللَّهُ خَيْرًا. وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ ؟ قَالَ: لَا. وَجَاءَ عُمَرَ بَنَاتُ سُفْيَانَ بْنِ عُوَيْفٍ وَمَعَهُنَّ أُمُّهُنَّ، فَقَالَتْ أُمُّهُنَّ: هَلَكَ رِجَالُنَا وَإِذَا هَلَكَ الرِّجَالُ ضَاعَ النِّسَاءُ، فَضَعْهُنَّ فِي أَكْفَائِهِنَّ. فَزَوَّجَ سَعِيدًا إِحْدَاهُنَّ، وَزَوَّجَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُخْرَى. وَأَتَاهُ بَنَاتُ مَسْعُودِ بْنِ نُعَيْمٍ النَّهْشَلِيُّ فَقُلْنَ لَهُ: قَدْ هَلَكَ رِجَالُنَا وَبَقِيَ الصِّبْيَانُ، فَضَعْنَا فِي أَكْفَائِنَا، فَزَوَّجَ سَعِيدًا إِحْدَاهُنَّ، وَجُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ الْأُخْرَى. وَكَانَ عُمُومَتُهُ ذَوِي بَلَاءٍ فِي الْإِسْلَامِ وَسَابِقَةٍ، فَلَمْ يَمُتْ عُمَرُ حَتَّى كَانَ سَعِيدٌ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا اسْتَعْمَلَهُ عُثْمَانُ سَارَ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ أَمِيرًا، وَرَجَعَ مَعَهُ الْأَشْتَرُ، وَأَبُو خَشَّةَ الْغِفَارِيُّ وَجُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَجَثَّامَةُ بْنُ صَعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ، وَكَانُوا مِمَّنْ شَخَصَ مَعَ الْوَلِيدِ يُعِينُونَهُ فَصَارُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُ شُعَرَاءِ الْكُوفَةِ: فَرَرْتُ مِنَ الْوَلِيدِ إِلَى سَعِيدٍ كَأَهْلِ الْحِجْرِ إِذْ جَزِعُوا فَبَارُوا يَلِينَا مِنْ قُرَيْشٍ كُلَّ عَامٍ أَمِيرٌ مُحْدَثٌ أَوْ مُسْتَشَارٌ لَنَا نَارٌ نُخَوَّفُهَا فَنَخْشَى وَلَيْسَ لَهُمْ، فَلَا يَخْشَوْنَ، نَارُ فَلَمَّا وَصَلَ سَعِيدٌ الْكُوفَةَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ وَإِنِّي لَكَارِهٌ، وَلَكِنِّي لَمْ أَجِدْ بُدًّا إِذَا أُمِّرْتُ أَنْ أَتَّمِرَ، أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ أَطْلَعَتْ خَطْمَهَا وَعَيْنَيْهَا، وَوَاللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ وَجْهَهَا حَتَّى أَقْمَعَهَا أَوْ تُعْيِينِي، وَإِنِّي لَرَائِدٌ نَفْسِيَ الْيَوْمَ. ثُمَّ نَزَلَ وَسَأَلَ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَعَرَفَ حَالَ أَهْلِهَا، فَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدِ اضْطَرَبَ أَمْرُهُمْ، وَغُلِبَ أَهْلُ الشَّرَفِ مِنْهُمْ وَالْبُيُوتَاتِ وَالسَّابِقَةِ، وَالْغَالِبُ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ رَوَادِفُ قَدِمَتْ، وَأَعْرَابٌ لَحِقَتْ، حَتَّى لَا يُنْظَرَ إِلَى ذِي شَرَفٍ وَبَلَاءٍ مِنْ نَابِتَتِهَا وَلَا نَازِلَتِهَا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: أَمَّا بَعْدُ فَفَضْلُ أَهْلِ السَّابِقَةِ وَالْقُدْمَةِ وَمَنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْبِلَادَ، وَلْيَكُنْ مَنْ نَزَلَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا تَثَاقَلُوا عَنِ الْحَقِّ وَتَرَكُوا الْقِيَامَ بِهِ وَقَامَ بِهِ هَؤُلَاءِ، وَاحْفَظْ لِكُلٍّ مَنْزِلَتَهُ، وَأَعْطِهِمْ جَمِيعًا بِقِسْطِهِمْ مِنَ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِالنَّاسِ بِهَا يُصَابُ الْعَدْلُ. فَأَرْسَلَ سَعِيدٌ إِلَى أَهْلِ الْأَيَّامِ وَالْقَادِسِيَّةِ فَقَالَ: أَنْتُمْ وُجُوهُ النَّاسِ، وَالْوَجْهُ يُنْبِئُ عَنِ الْجَسَدِ، فَأَبْلِغُونَا حَاجَةَ ذِي الْحَاجَةِ. وَأَدْخَلَ مَعَهُمْ مَنْ يَحْتَمِلُ مِنَ اللَّوَاحِقِ وَالرَّوَادِفِ. وَجَعَلَ الْقُرَّاءَ فِي سَمَرِهِ، فَفَشَتِ الْقَالَةُ فِي أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَتَبَ سَعِيدٌ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ، فَجَمَعَ النَّاسَ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا كَتَبَ إِلَيْهِ. فَقَالُوا لَهُ: أَصَبْتَ، لَا تُطِعْهُمْ فِيمَا لَيْسُوا لَهُ بِأَهْلٍ، فَإِنَّهُ إِذَا نَهَضَ فِي الْأُمُورِ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ لَهَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا وَأَفْسَدَهَا. فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ اسْتَعِدُّوا وَاسْتَمْسِكُوا فَقَدْ دَبَّتْ إِلَيْكُمُ الْفِتَنُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَتَخَلَّصَنَّ لَكُمُ الَّذِي لَكُمْ حَتَّى أَنْقُلَهُ إِلَيْكُمْ إِنْ رَأَيْتُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ شَهِدَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَهْمَهُ، فَيُقِيمَ مَعَهُ فِي بِلَادِهِ. فَقَالُوا: كَيْفَ تَنْقُلُ إِلَيْنَا سَهْمَنَا مِنَ الْأَرَضِينَ ؟ فَقَالَ: يَبِيعُهَا مَنْ شَاءَ بِمَا كَانَ لَهُ بِالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْبِلَادِ. فَفَرِحُوا وَفَتَحَ اللَّهُ لَهُمْ أَمْرًا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِمْ، وَفَعَلُوا ذَلِكَ وَاشْتَرَاهُ رِجَالٌ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، وَجَازَ لَهُمْ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمْ وَمِنَ النَّاسِ وَإِقْرَارٍ بِالْحُقُوقِ.
التاريخ 1996لا حكم مسجّل
سَنَةُ ثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِيهَا افْتَتَحَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ طَبَرِسْتَانَ فِي قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ وَأَبِي مَعْشَرٍ وَالْمَدَائِنِيِّ، وَقَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ غَزَاهَا. وَزَعَمَ سَيْفٌ أَنَّهُمْ كَانُوا صَالَحُوا سُوَيْدَ بْنَ مُقَرِّنٍ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا يَغْزُوَهَا عَلَى مَالٍ بَذَلَهُ لَهُ إِصْبَهْبَذُهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَذَكَرَ الْمَدَائِنِيُّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ رَكِبَ فِي جَيْشٍ فِيهِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَالْعَبَادِلَةُ الْأَرْبَعَةُ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، فِي خَلْقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَسَارَ بِهِمْ فَمَرَّ عَلَى بُلْدَانٍ شَتَّى، فَصَالَحُوهُ عَلَى أَمْوَالٍ جَزِيلَةٍ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَلَدٍ بِمُعَامَلَةِ جُرْجَانَ تُسَمَّى طَمِيسَةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى احْتَاجُوا إِلَى صَلَاةِ الْخَوْفِ، فَسَأَلَ حُذَيْفَةَ: كَيْفَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ؟ فَأَخْبَرَهُ، فَصَلَّى كَمَا أَخْبَرَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْحِصْنِ الْأَمَانَ، فَأَعْطَاهُمْ عَلَى أَنْ لَا يَقْتُلَ مِنْهُمْ رَجُلًا وَاحِدًا، فَفَتَحُوا الْحِصْنَ فَقَتَلَهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا، وَاحْتَوَى عَلَى مَا كَانَ فِي الْحِصْنِ، فَأَصَابَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي نَهْدٍ سَفَطًا مَقْفُولًا فَاسْتَدْعَى بِهِ سَعِيدٌ، فَفَتَحُوهُ فَإِذَا فِيهِ خِرْقَةٌ سَوْدَاءُ مُدْرَجَةٌ، فَنَشَرُوهَا فَإِذَا فِيهَا خِرْقَةٌ حَمْرَاءُ، فَنَشَرُوهَا، وَإِذَا دَاخَلَهَا خِرْقَةٌ صَفْرَاءُ، وَفِيهَا أَيْرَانِ كُمَيْتٍ وَوَرْدٌ. فَقَالَ شَاعِرٌ يَهْجُو بِهِمَا بَنِي نَهْدٍ: آبَ الْكِرَامُ بِالسَّبَايَا غَنِيمَةً وَفَازَ بَنُو نَهْدٍ بِأَيْرَيْنِ فِي سَفَطْ كُمَيْتٍ وَوَرْدٍ وَافِرَيْنِ كِلَاهُمَا فَظَنُّوهُمَا غُنْمًا فَنَاهِيكَ مِنْ غَلَطْ قَالُوا: ثُمَّ نَقَضَ أَهْلُ جُرْجَانَ مَا كَانَ صَالَحَهُمْ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، وَامْتَنَعُوا عَنْ أَدَاءِ الْمَالِ الَّذِي ضَرَبَهُ عَلَيْهِمْ - وَكَانَ مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ. وَقِيلَ: مِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ - ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
التاريخ 1997لا حكم مسجّل
ذكر غَزْوِ حُذَيْفَةَ الْبَابَ وَأَمْرِ الْمَصَاحِفِ وَفِيهَا صُرِفُ حُذَيْفَةُ عَنْ غَزْوِ الرَّيِّ إِلَى غَزْوِ الْبَابِ مَدَدًا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَبَلَغَ مَعَهُ أَذْرَبِيجَانَ، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ النَّاسَ رِدْءًا، فَأَقَامَ حَتَّى عَادَ حُذَيْفَةُ ثُمَّ رَجَعَا. فَلَمَّا عَادَ حُذَيْفَةُ قَالَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَقَدْ رَأَيْتُ فِي سَفْرَتِي هَذِهِ أَمْرًا، لَئِنْ تُرِكَ النَّاسُ لَيَخْتَلِفُنَّ فِي الْقُرْآنِ، ثُمَّ لَا يَقُومُونَ عَلَيْهِ أَبَدًا. قَالَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: رَأَيْتُ أُنَاسًا مِنْ أَهْلِ حِمْصَ يَزْعُمُونَ أَنَّ قِرَاءَتَهُمْ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَخَذُوا الْقُرْآنَ عَنِ الْمِقْدَادِ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ دِمَشْقَ يَقُولُونَ: إِنَّ قِرَاءَتَهُمْ خَيْرٌ مِنْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِمْ، وَرَأَيْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَهْلَ الْبَصْرَةِ يَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِنَّهُمْ قَرَءُوا عَلَى أَبِي مُوسَى، وَيُسَمُّونَ مُصْحَفَهُ لُبَابَ الْقُلُوبِ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْكُوفَةِ أَخْبَرَ حُذَيْفَةُ النَّاسَ بِذَلِكَ وَحَذَّرَهُمْ مَا يَخَافُ، فَوَافَقَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَثِيرٌ مِنَ التَّابِعِينَ. وَقَالَ لَهُ أَصْحَابُ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا تُنْكِرُ ؟ أَلَسْنَا نَقْرَأُهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؟ فَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَمَنْ وَافَقَهُ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أَنْتُمْ أَعْرَابٌ فَاسْكُتُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى خَطَأٍ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَئِنْ عِشْتُ لَآتِيَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَأُشِيرَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحُولَ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ ذَلِكَ. فَأَغْلَظَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَغَضِبَ سَعِيدٌ وَقَامَ وَتَفَرَّقَ النَّاسُ، وَغَضِبَ حُذَيْفَةُ وَسَارَ إِلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي رَأَى، وَقَالَ: أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ فَأَدْرِكُوا الْأُمَّةَ. فَجَمَعَ عُثْمَانُ الصَّحَابَةَ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَأَعْظَمُوهُ وَرَأَوْا جَمِيعًا مَا رَأَى حُذَيْفَةُ. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخْهَا. وَكَانَتْ هَذِهِ الصُّحُفُ هِيَ الَّتِي كُتِبَتْ فِي أَيَّامِ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَثُرَ فِي الصَّحَابَةِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ كَثُرَ وَاسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فَيَذْهَبَ مِنَ الْقُرْآنِ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَجَمَعَهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَّ عُمَرُ أَخَذَتْهَا حَفْصَةُ فَكَانَتْ عِنْدَهَا. فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَيْهَا [ مَنْ ] أَخَذَهَا مِنْهَا، وَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَاكْتُبُوهَا بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا. فَلَمَّا نَسَخُوا الصُّحُفَ رَدَّهَا عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ، وَحَرَقَ مَا سِوَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا عَلَيْهَا وَيَدَعُوا مَا سِوَى ذَلِكَ. فَكُلُّ النَّاسِ عَرَفَ فَضْلَ هَذَا الْفِعْلِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَإِنَّ الْمُصْحَفَ لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَرِحَ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ وَمَنْ وَافَقَهُمُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَعَابُوا النَّاسَ، فَقَامَ فِيهِمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ: وَلَا كُلُّ ذَلِكَ، فَإِنَّكُمْ وَاللَّهِ قَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقًا بَيِّنًا، فَارْبِعُوا عَلَى ظَلْعِكُمْ. وَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَعَابَ عُثْمَانَ بِجَمْعِ النَّاسِ عَلَى الْمُصْحَفِ، فَصَاحَ بِهِ وَقَالَ: اسْكُتْ فَعَنْ مَلَأٍ مِنَّا فَعَلَ ذَلِكَ، فَلَوْ وُلِّيتُ مِنْهُ مَا وُلِّيَ عُثْمَانُ لَسَلَكْتُ سَبِيلَهُ.
التاريخ 1998لا حكم مسجّل
ذكر سُقُوطِ خَاتَمِ النَّبِيِّ ﷺ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ وَفِيهَا وَقَعَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ فِي بِئْرِ أَرِيسٍ، وَهِيَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ قَلِيلَةَ الْمَاءِ، فَمَا أُدْرِكَ قَعْرُهَا بَعْدُ. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُكَاتِبَ الْأَعَاجِمَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَلَمَّا عُمِلَ جَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَنَبَذَهُ، وَأَمَرَ فَعُمِلَ لَهُ خَاتَمٌ مِنْ نُحَاسٍ وَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرَائِيلُ: انْبِذْهُ، فَنَبَذَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَاتَمٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَصُنِعَ لَهُ، فَجَعَلَهُ فِي إِصْبَعِهِ، فَأَمَرَهُ جِبْرَائِيلُ أَنْ يُقِرَّهُ، فَأَقَرَّهُ. وَكَانَ نَقْشُهُ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرٌ، فَتَخَتَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تُوُفِّيَّ، ثُمَّ تَخَتَّمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى تُوُفِّيَّ، ثُمَّ عُمَرُ حَتَّى تُوُفِّيَّ، ثُمَّ تَخَتَّمَ بِهِ عُثْمَانُ سِتَّ سِنِينَ. فَحَفَرُوا بِئْرًا بِالْمَدِينَةِ شِرْبًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِالْخَاتَمِ فَسَقَطَ مِنْ يَدِهِ فِي الْبِئْرِ، فَطَلَبُوهُ فِيهَا وَنَزَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَجَعَلَ فِيهِ مَالًا عَظِيمًا لِمَنْ جَاءَ بِهِ، وَاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ صَنَعَ خَاتَمًا آخَرَ عَلَى مِثَالِهِ وَنَقْشِهِ فَبَقِيَ فِي إِصْبَعِهِ حَتَّى هَلَكَ، فَلَمَّا قُتِلَ ذَهَبَ الْخَاتَمُ فَلَمْ يُدْرَ مَنْ أَخَذَهُ.
التاريخ 1999لا حكم مسجّل
ذكر تَسْيِيرِ أَبِي ذَرٍّ إِلَى الرَّبَذَةِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ مَا ذُكِرَ فِي أَمْرِ أَبِي ذَرٍّ، وَإِشْخَاصِ مُعَاوِيَةَ إِيَّاهُ مِنَ الشَّامِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، مِنْ سَبِّ مُعَاوِيَةَ إِيَّاهُ وَتَهْدِيدِهِ بِالْقَتْلِ، وَحَمْلِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنَ الشَّامِ بِغَيْرِ وِطَاءٍ، وَنَفْيِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّنِيعِ، لَا يَصِحُّ النَّقْلُ بِهِ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْ عُثْمَانَ، فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُؤَدِّبَ رَعِيَّتَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ، لَا أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ عَلَيْهِ، كَرِهْتُ ذِكْرَهَا. وَأَمَّا الْعَاذِرُونَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَمَّا وَرَدَ ابْنُ السَّوْدَاءِ إِلَى الشَّامِ لَقِيَ أَبَا ذَرٍّ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ! أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لِلَّهِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجِبَهُ دُونَ النَّاسِ، وَيَمْحُوَ اسْمَ الْمُسْلِمِينَ. فَأَتَاهُ أَبُو ذَرٍّ فَقَالَ: مَا يَدْعُوكَ إِلَى أَنْ تُسَمِّيَ مَالَ الْمُسْلِمِينَ مَالَ اللَّهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا أَبَا ذَرٍّ ! أَلَسْنَا عِبَادَ اللَّهِ وَالْمَالُ مَالُهُ ؟ قَالَ: فَلَا تَقُلْهُ. قَالَ: سَأَقُولُ مَالَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَتَى ابْنُ السَّوْدَاءِ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: أَظُنُّكَ [ وَاللَّهِ ] يَهُودِيًّا ! فَأَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ عُبَادَةُ وَأَتَى بِهِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَ عَلَيْكَ أَبَا ذَرٍّ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ أَكْثَرُ مِنْ قُوتِ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ، أَوْ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُعِدُّهُ لِكَرِيمٍ، وَيَأْخُذُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ ( الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ). فَكَانَ يَقُومُ بِالشَّامِ وَيَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْأَغْنِيَاءِ وَاسُوا الْفُقَرَاءَ، بَشِّرِ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَكَاوٍ مِنْ نَارٍ تُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ، فَمَا زَالَ حَتَّى وَلِعَ الْفُقَرَاءُ بِمِثْلِ ذَلِكَ وَأَوْجَبُوهُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَشَكَا الْأَغْنِيَاءُ مَا يَلْقَوْنَ مِنْهُمْ. فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ فَأَنْفَقَهَا. فَلَمَّا صَلَّى مُعَاوِيَةُ الصُّبْحَ دَعَا رَسُولَهُ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ فَقُلْ لَهُ: أَنْقِذْ جَسَدِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَى غَيْرِكَ وَإِنِّي أَخْطَأْتُ بِكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ أَبُو ذَرٍّ: يَا بُنَيَّ قُلْ لَهُ: وَاللَّهِ مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْ دَنَانِيرِكَ دِينَارٌ وَلَكِنْ أَخِّرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى نَجْمَعَهَا. فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةُ أَنَّ فِعْلَهُ يَصْدُقُ قَوْلَهُ كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ قَدْ ضَيَّقَ عَلَيَّ، وَقَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي يَقُولُهُ الْفُقَرَاءُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: إِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ أَخْرَجَتْ خَطْمَهَا وَعَيْنَيْهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَثِبَ، فَلَا تَنْكَأِ الْقَرْحَ، وَجَهِّزْ أَبَا ذَرٍّ إِلَيَّ، وَابْعَثْ مَعَهُ دَلِيلًا وَكَفْكِفِ النَّاسَ وَنَفْسَكَ مَا اسْتَطَعْتَ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَبِي ذَرٍّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَرَأَى الْمَجَالِسَ فِي أَصْلِ جَبَلِ سَلْعٍ قَالَ: بِشِّرْ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِغَارَةٍ شَعْوَاءَ وَحَرْبٍ مِذْكَارٍ. وَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: مَا لِأَهْلِ الشَّامِ يَشْكُونَ ذَرَبَ لِسَانِكَ ؟ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ عَلَيَّ أَنْ أَقْضِيَ مَا عَلَيَّ، وَأَنْ أَدْعُوَ الرَّعِيَّةَ إِلَى الِاجْتِهَادِ وَالِاقْتِصَادِ، وَمَا عَلَيَّ أَنْ أُجْبِرَهُمْ عَلَى الزُّهْدِ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَا تَرْضَوْا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ حَتَّى يَبْذُلُوا الْمَعْرُوفَ، وَيُحْسِنُوا إِلَى الْجِيرَانِ وَالْإِخْوَانِ، وَيَصِلُوا الْقَرَابَاتِ. فَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَكَانَ حَاضِرًا: مَنْ أَدَّى الْفَرِيضَةَ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ. فَضَرَبَهُ أَبُو ذَرٍّ فَشَجَّهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيَّةِ مَا أَنْتَ وَمَا هَاهُنَا ؟ فَاسْتَوْهَبَ عُثْمَانُ كَعْبًا شَجَّتَهُ، فَوَهَبَهُ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِعُثْمَانَ: تَأْذَنُ لِي فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي بِالْخُرُوجِ مِنْهَا إِذَا بَلَغَ الْبِنَاءُ سَلْعًا. فَأَذِنَ لَهُ، فَنَزَلَ الرَّبَذَةَ وَبَنَى بِهَا مَسْجِدًا، وَأَقْطَعَهُ عُثْمَانُ صِرْمَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَأَعْطَاهُ مَمْلُوكَيْنِ وَأَجْرَى عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ عَطَاءً، وَكَذَلِكَ عَلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَكَانَ قَدْ خَرَجَ أَيْضًا عَنِ الْمَدِينَةِ لِشَيْءٍ سَمِعَهُ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ يَتَعَاهَدُ الْمَدِينَةَ مَخَافَةَ أَنْ يَعُودَ أَعْرَابِيًّا، أَخْرَجَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ أَهْلَهُ، فَخَرَجُوا وَمَعَهُمْ جِرَابٌ مُثْقِلٌ يَدَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الَّذِي يَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا مَا عِنْدَهُ ؟ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ مَا هُوَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَلَكِنَّهَا فَلُوسٌ، كَانَ إِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ ابْتَاعَ مِنْهُ فُلُوسًا لِحَوَائِجِنَا. وَلَمَّا نَزَلَ الرَّبَذَةَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ يَلِي الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: تَقَدَّمْ يَا أَبَا ذَرٍّ. فَقَالَ: لَا، تَقَدَّمْ أَنْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ، فَأَنْتَ عَبْدٌ وَلَسْتَ بِأَجْدَعَ، وَكَانَ مِنْ رَقِيقِ الصَّدَقَةِ اسْمُهُ مُجَاشِعٌ.
التاريخ 2000لا حكم مسجّل
فِي هَذِهِ السَّنَةِ: زَادَ عُثْمَانُ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ ، وَهِيَ دَارٌ لَهُ بَنَاهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؓ، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَتِهِ وَكَثُرَ النَّاسُ أَمَرَ عُثْمَانُ ؓ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ صَارَ ثَلَاثًا؟ قُلْنَا: بِالْإِقَامَةِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: هَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ فَارِسَ إِلَى خُرَاسَانَ فِي قَوْلِ بَعْضِ الرُّوَاةِ. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عَامِرٍ خَرَجَ إِلَى فَارِسَ، فَهَرَبَ يَزْدَجِرْدُ، فَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ فِي أَثَرِهِ مَنْ تَبِعَهُ إِلَى كِرْمَانَ، فَهَرَبَ إِلَى خُرَاسَانَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: حَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ ؓ.
التاريخ 2001لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( فِيمَنْ تُوَفِّي فِي هَذِهِ السَّنَةِ ) وَمِمَّنْ ذَكَرَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثِينَ - أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فِيمَا صَحَّحَهُ الْوَاقِدِيُّ. جَبَّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ، وَقَدْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى خَيْبَرَ خَارِصًا، وَقَدْ تُوُفِّيَ عَنْ سِتِّينَ سَنَةً. حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ اللَّخْمِيُّ . حَلِيفُ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ الَّذِي كَانَ كَتَبَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يُعْلِمُهُمْ بِعَزْمِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ، فَعَذَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ، ثُمَّ بَعَثَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِرِسَالَةٍ إِلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. الطُّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطِّلِبِ، أَخُو عُبَيْدَةَ وَحُصَيْنٍ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ: سَعِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عُمَرَ الْمَازِنِيُّ، أَبُو الْحَارِثِ - وَقِيلَ: أَبُو يَحْيَى - الْأَنْصَارِيُّ. شَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ، أَخُو عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ. هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا. عِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ، أَبُو سَعْدٍ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ. شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ وَقِيلَ: ابْنُ الرَّبِيعِ. أَبُو عَمْرٍو الْقَارِي. شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، تُوُفِّيَ عَنْ نَيِّفٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. مَعْمَرُ بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ الْقُرَشِيُّ، أَبُو سَعْدٍ الْفِهْرِيُّ. وَقِيلَ: اسْمُهُ عَمْرٌو. بَدْرِيٌّ قَدِيمُ الصُّحْبَةِ. أَبُو أُسَيْدٍ مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ. قَالَ الْفَلَّاسُ: مَاتَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ سِتِّينَ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ . أَخُو حَسَّانَ، وَهُوَ أَبُو شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: شَهِدَ أَوْسٌ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أَوْسُ بْنُ خَوْلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَحَضَرَ وَقْتَ غُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ؓ.
التاريخ 2002لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ الصَّوَارِي، وَغَزْوَةُ الْأَسَاوِدَةِ فِي الْبَحْرِ فِيمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ. وَقَالَ أَبُو مَعْشَرٍ: كَانَتْ غَزْوَةُ الصَّوَارِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ. وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَسَيْفٌ وَغَيْرُهُمَا، أَنَّ الشَّامَ كَانَ قَدْ جُمِعَ نِيَابَتُهُ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لِسَنَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ، وَقَدْ أَحْرَزَهُ غَايَةَ الْحِفْظِ وَحَمَى حَوْزَتَهُ، وَمَعَ هَذَا لَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ غَزْوَةٌ فِي بِلَادِ الرُّومِ فِي زَمَنِ الصَّيْفِ - وَلِهَذَا يُسَمُّونَ هَذِهِ الْغَزْوَةَ الصَّائِفَةَ - فَيَقْتُلُونَ خَلْقًا وَيَأْسِرُونَ آخَرِينَ، وَيَفْتَحُونَ حُصُونًا، وَيَغْنَمُونَ أَمْوَالًا، وَيُرْعِبُونَ الْأَعْدَاءَ، فَلَمَّا أَصَابَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ مَنْ أَصَابَ مِنَ الْفِرِنْجِ وَالْبَرْبَرِ بِبِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ وَالْأَنْدَلُسِ، حَمِيَتِ الرُّومُ وَاجْتَمَعَتْ عَلَى قُسْطَنْطِينَ بْنِ هِرَقْلَ، وَسَارُوا إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي جَمْعٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ مُنْذُ كَانَ الْإِسْلَامُ خَرَجُوا فِي خَمْسِمِائَةِ مَرْكَبٍ، وَقَصَدُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ فِي أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِبِلَادِ الْمَغْرِبِ. فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ بَاتَ الرُّومُ يُقَسْقِسُونَ وَيُصَلِّبُونَ، وَبَاتَ الْمُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ وَيُصَلُّونَ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا صَفَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ أَصْحَابَهُ صُفُوفًا فِي الْمَرَاكِبِ، وَأَمَرَهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. قَالَ بَعْضُ مَنْ حَضَرَ ذَلِكَ: فَأَقْبَلُوا إِلَيْنَا فِي أَمْرٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَرَاكِبِ، وَتَعْدَادِ صَوَارِيهَا، وَكَانَتِ الرِّيحُ لَهُمْ وَعَلَيْنَا فَأَرْسَيْنَا ثُمَّ سَكَنَتِ الرِّيحُ عَنَّا، فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنْ شِئْتُمْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمَاتَ الْأَعْجَلُ مِنَّا وَمِنْكُمْ. قَالَ: فَنَخِرُوا نَخِرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَقَالُوا: الْمَاءَ الْمَاءَ. قَالَ: فَدَنَوْنَا مِنْهُمْ وَرَبَطْنَا سُفُنَنَا بِسُفُنِهِمْ. ثُمَّ اجْتَلَدْنَا وَإِيَّاهُمْ بِالسُّيُوفِ يَثِبُ الرِّجَالُ عَلَى الرِّجَالِ بِالسُّيُوفِ وَالْخَنَاجِرِ، وَضَرَبَتِ الْأَمْوَاجُ فِي عُيُونِ تِلْكَ السُّفُنِ حَتَّى أَلْجَأَتْهَا إِلَى السَّاحِلِ، وَأَلْقَتِ الْأَمْوَاجُ جُثَثَ الرِّجَالِ إِلَى السَّاحِلِ حَتَّى صَارَتْ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ، وَغَلَبَ الدَّمُ عَلَى لَوْنِ الْمَاءِ، وَصَبَرَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ صَبْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ قَطُّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَمِنَ الرُّومِ أَضْعَافُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَهَرَبَ قُسْطَنْطِينُ وَجَيْشُهُ - وَقَدْ قَلُّوا جِدًّا - وَبِهِ جِرَاحَاتٌ شَدِيدَةٌ كَثِيرَةٌ مَكَثَ حِينًا يُدَاوَى مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَأَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ بِذَاتِ الصَّوَارِي أَيَّامًا، ثُمَّ رَجَعَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا مُظَفَّرًا.
التاريخ 2003لا حكم مسجّل
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَأَظْهَرَا عَيْبَ عُثْمَانَ، وَمَا غَيَّرَ وَمَا خَالَفَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَيَقُولَانِ: دَمُهُ حَلَالٌ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ سَعْدٍ - وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ وَكَفَرَ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، دَمَهُ - وَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أَقْوَامًا وَاسْتَعْمَلَهُمْ عُثْمَانُ وَنَزَعَ الصَّحَابَةَ وَاسْتَعْمَلَ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ فَقَالَ: لَا تَرْكَبَا مَعَنَا. فَرَكِبَا فِي مَرْكَبٍ مَا فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَقُوُا الْعَدُوَّ فَكَانَا أَنْكَلَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا، فَقِيلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ فَقَالَا: كَيْفَ نُقَاتِلُ مَعَ رَجُلٍ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُحَكِّمَهُ ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ فَنَهَاهُمَا أَشَدَّ النَّهْيِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي لَا أَدْرِي مَا يُوَافِقُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِعَاقَبْتُكُمَا وَحَبَسْتُكُمَا.
التاريخ 2004لا حكم مسجّل
كَيْفِيَّةُ قَتْلِ كِسْرَى مِلِكِ الْفُرْسِ وَهُوَ يَزْدَجِرْدُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هَرَبَ يَزْدَجِرْدُ مِنْ كِرْمَانَ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ إِلَى مَرْوَ، فَسَأَلَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِهَا مَالًا فَمَنَعُوهُ وَخَافُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَبَعَثُوا إِلَى التُّرْكِ يَسْتَنْصِرُونَهُمْ عَلَيْهِ، فَأَتَوْهُ فَقَتَلُوا أَصْحَابَهُ وَهَرَبَ هُوَ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَ رَجُلٍ يَنْقُرُ الْأَرْحِيَةَ عَلَى شَطٍّ، فَأَوَى إِلَيْهِ لَيْلًا فَلَمَّا نَامَ قَتَلَهُ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: لَمَّا هَرَبَ بَعْدَ قَتْلِ أَصْحَابِهِ انْطَلَقَ مَاشِيًا وَعَلَيْهِ تَاجُهُ وَمِنْطَقَتُهُ وَسَيْفُهُ، فَانْتَهَى إِلَى مَنْزِلِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَنْقُرُ الْأَرْحِيَةَ فَجَلَسَ عِنْدَهُ، فَاسْتَغْفَلَهُ وَقَتَلَهُ وَأَخَذَ مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَجَاءَتِ التُّرْكُ فِي طَلَبِهِ فَوَجَدُوهُ قَدْ قَتَلَهُ وَأَخَذَ حَاصِلَهُ، فَقَتَلُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَ كِسْرَى، وَوَضَعُوا كِسْرَى فِي تَابُوتٍ وَحَمَلُوهُ إِلَى إِصْطَخْرَ، وَقَدْ كَانَ يَزْدَجِرْدُ وَطِئَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ مَرْوَ قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ، وَوَضَعَتْ بَعْدَ قَتْلِهِ غُلَامًا ذَاهِبَ الشِّقِّ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْغُلَامُ الْمُخَدَّجُ، وَكَانَ لَهُ نَسْلٌ وَعَقِبٌ فِي خُرَاسَانَ، وَقَدْ سَبَى قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ جَارِيَتَيْنِ مَنْ نَسْلِهِ، فَبَعَثَ بِإِحْدَاهُمَا إِلَى الْحَجَّاجِ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنَهُ يَزِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، الْمُلَقَّبَ بِالنَّاقِصِ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ: إِنَّ يَزْدَجِرْدَ لَمَّا انْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ عَقَرَ جَوَادَهُ، وَذَهَبَ مَاشِيًا حَتَّى دَخَلَ رَحًى عَلَى شَطِّ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: الْمَرْغَابُ، فَمَكَثَ فِيهِ لَيْلَتَيْنِ وَالْعَدُوُّ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرَ أَيْنَ هُوَ، ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُ الرَّحَى فَرَأَى كِسْرَى وَعَلَيْهِ أُبَّهَتُهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْتَ ؟ إِنْسِيٌّ أَمْ جِنِّيٌّ ؟ قَالَ: إِنْسِيٌّ، فَهَلْ عِنْدَكَ طَعَامٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَتَاهُ بِطَعَامٍ فَقَالَ: إِنِّي مُزَمْزِمٌ فَأْتِنِي بِمَا أُزَمْزِمُ بِهِ. قَالَ: فَذَهَبَ الطَّحَّانُ إِلَى أُسْوَارٍ مِنَ الْأَسَاوِرَةِ فَطَلَبَ مِنْهُ مَا يُزَمْزِمُ بِهِ. قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ لَمْ أَرَ مَثَلَهُ قَطُّ وَقَدْ طَلَبَ مِنِّي هَذَا. فَذَهَبَ بِهِ الْأُسْوَارُ إِلَى مَلِكِ الْبَلَدِ - مَرْوَ - وَاسْمُهُ مَاهَوَيْهِ بْنُ بَابَاهُ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَقَالَ: هُوَ يَزْدَجِرْدُ، اذْهَبُوا فَجِيئُونِي بِرَأْسِهِ. فَذَهَبُوا مَعَ الطَّحَّانِ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ دَارِ الرَّحَى هَابُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ وَتَدَافَعُوا، وَقَالُوا لِلطَّحَّانِ: ادْخُلْ أَنْتَ فَاقْتُلْهُ، فَدَخَلَ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَأَخَذَ حَجَرًا فَشَدَخَ بِهِ رَأْسَهُ، ثُمَّ احْتَزَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَلْقَى جَسَدَهُ فِي النَّهْرِ، فَخَرَجَتِ الْعَامَّةُ إِلَى الطَّحَّانِ فَقَتَلُوهُ، وَخَرَجَ أُسْقُفٌ فَأَخَذَ جَسَدَهُ مِنَ النَّهْرِ وَجَعَلَهُ فِي تَابُوتٍ وَحَمَلَهُ إِلَى إِصْطَخْرَ فَوَضَعَهُ فِي نَاوُوسٍ. وَيُرْوَى أَنَّهُ مَكَثَ فِي مَنْزِلِ ذَلِكَ الطَّحَّانِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يَأْكُلُ حَتَّى رَقَّ لَهُ وَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا مِسْكِينُ أَلَا تَأْكُلُ ؟ وَأَتَاهُ بِطَعَامٍ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آكُلَ إِلَّا بِزَمْزَمَةٍ. فَقَالَ لَهُ: كُلْ وَأَنَا أُزَمْزِمُ لَكَ. فَسَأَلَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمُزَمْزِمٍ، فَلَمَّا ذَهَبَ يَطْلُبُ لَهُ مِنْ بَعْضِ الْأَسَاوِرَةِ شَمُّوا رَائِحَةَ الْمِسْكِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَأَنْكَرُوا رَائِحَةَ الْمِسْكِ مِنْهُ، فَسَأَلُوهُ، فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي رَجُلًا مِنْ صِفَتِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ. فَعَرَفُوهُ وَقَصَدُوهُ مَعَ الطَّحَّانِ، وَتَقَدَّمَ الطَّحَّانُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، وَهَمَّ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ، فَعَرَفَ يَزْدَجِرْدُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ خُذْ خَاتَمِي وَسِوَارِي وَمِنْطَقَتِي وَدَعْنِي أَذْهَبُ مِنْ هَاهُنَا. فَقَالَ: لَا، أَعْطِنِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ وَأَنَا أُطْلِقُكَ. فَزَادَهُ إِحْدَى قُرْطَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى يُعْطِيَهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ دَهَمَهُمُ الْجُنْدُ، فَلَمَّا أَحَاطُوا بِهِ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ قَالَ: وَيْحَكُمْ لَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى قَتْلِ الْمُلُوكِ عَاقَبَهُ اللَّهُ بِالْحَرِيقِ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا هُوَ قَادِمٌ عَلَيْهِ، فَلَا تَقْتُلُونِي وَاذْهَبُوا بِي إِلَى الْمَلِكِ أَوْ إِلَى الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ يَسْتَحْيُونَ مِنْ قَتْلِ الْمُلُوكِ. فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَسَلَبُوهُ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُلِيِّ، فَجَعَلُوهُ فِي جِرَابٍ وَخَنَقُوهُ بِوَتَرٍ وَأَلْقَوْهُ فِي النَّهْرِ، فَتَعَلَّقَ بِعُودٍ فَأَخَذَهُ أُسْقُفٌ - وَاسْمُهُ إِيلِيَا - فَحَنَّ عَلَيْهِ؛ لِمَا كَانَ مِنْ أَسْلَافِهِ مِنَ الْإِحْسَانِ إِلَى النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا بِبِلَادِهِمْ، فَوَضَعَهُ فِي تَابُوتٍ وَدَفَنَهُ فِي نَاوُوسٍ. ثُمَّ حَمَلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُلِيِّ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَفُقِدَ قُرْطٌ مِنْ حُلِيِّهِ، فَبَعَثَ إِلَى دِهْقَانِ تِلْكَ الْبِلَادِ فَأَغْرَمَهُ ذَلِكَ. وَكَانَ مُلْكُ يَزْدَجِرْدَ عِشْرِينَ سَنَةً؛ مِنْهَا أَرْبَعُ سِنِينَ فِي دَعَةٍ وَبَاقِي ذَلِكَ هَارِبًا مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ خَوْفًا مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَهُوَ آخِرُ مُلُوكِ الْفُرْسِ فِي الدُّنْيَا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ كِتَابُ النَّبِيِّ، ﷺ، مَزَّقَهُ فَدَعَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ، ﷺ، أَنْ يُمَزَّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَوَقَعَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ.
التاريخ 2005لا حكم مسجّل
ذكر مَسِيرِ ابْنِ عَامِرٍ إِلَى خُرَاسَانَ وَفَتْحِهَا لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَقَضَ أَهْلُ خُرَاسَانَ وَغَدَرُوا. فَلَمَّا افْتَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ فَارِسَ قَامَ إِلَيْهِ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ التَّمِيمِيُّ فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا إِلَّا الْقَلِيلُ، فَسِرْ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ. قَالَ: أَوَلَمْ نُأْمَرْ بِالْمَسِيرِ ؟ وَكَرِهَ أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ قَبِلَ رَأْيَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَ عَامِرٍ لَمَّا فَتَحَ فَارِسَ عَادَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى إِصْطَخْرَ شَرِيكَ بْنَ الْأَعْوَرِ الْحَارِثِيَّ، فَبَنَى شَرِيكٌ مَسْجِدَ إِصْطَخْرَ. فَلَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ أَتَاهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ عَدُوَّكَ مِنْكَ هَارِبٌ، وَلَكَ هَائِبٌ، وَالْبِلَادُ وَاسِعَةٌ، فَسِرْ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكَ وَمُعِزٌّ دِينَهُ. فَتَجَهَّزَ وَسَارَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ زِيَادًا، وَسَارَ إِلَى كَرْمَانَ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّ، وَلَهُ صُحْبَةٌ، وَأَمَرَهُ بِمُحَارَبَةِ أَهْلِهَا، وَكَانُوا قَدْ نَكَثُوا أَيْضًا، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى سِجِسْتَانَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ، وَكَانُوا أَيْضًا قَدْ غَدَرُوا وَنَقَضُوا الصُّلْحَ. وَسَارَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَجَعَلَ عَلَى مُقَدَّمَتِهِ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ، فَأَتَى الطَّبَسَيْنِ، وَهُمَا حِصْنَانِ، وَهُمَا بَابَا خُرَاسَانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهُمَا، وَسَارَ إِلَى قُوهِسْتَانَ فَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلَهُمْ حَتَّى أَلْجَأَهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ، وَقَدِمَ عَلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقِيلَ: كَانَ الْمُتَوَجِّهَ إِلَى قُوهِسْتَانَ أُمَيْرُ بْنُ أَحْمَرُ الْيَشْكُرِيُّ - وَهِيَ بِلَادُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ - وَبَعَثَ ابْنُ عَامِرٍ سَرِيَّةً إِلَى رُسْتَاقِ زَامَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ، فَفَتَحَهُ عَنْوَةً، وَفَتَحَ بَاخَرْزَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ أَيْضًا، وَفَتَحَ جُوَيْنَ مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُورَ أَيْضًا. وَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ الْأَسْوَدَ بْنَ كُلْثُومٍ الْعَدَوِيَّ مِنْ عَدِيِّ الرَّبَابِ، وَكَانَ نَاسِكًا، إِلَى بَيْهَقَ، مِنْ أَعْمَالِهِمَا أَيْضًا، فَقَصَدَ قَصَبَتَهُ وَدَخَلَ حِيطَانَ الْبَلَدِ مِنْ ثُلْمَةٍ كَانَتْ فِيهِ، وَدَخَلَتْ مَعَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذَ الْعَدُوُّ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الثُّلْمَةَ، فَقَاتَلَ الْأَسْوَدُ حَتَّى قُتِلَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَهُ، وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ بَعْدَهُ أَخُوهُ أَدْهَمُ بْنُ كُلْثُومٍ، فَظَفِرَ وَفَتَحَ بَيْهَقَ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَحْشُرَهُ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ، فَلَمْ يُوَارِهِ أَخُوهُ، وَدَفَنَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنْ أَصْحَابِهِ. وَفَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ بُشْتَ مِنْ نَيْسَابُورَ. وَافْتَتَحَ خَوَافَ وَأَسْفَرَايِينَ وَأَرْغِيَانَ، ثُمَّ قَصَدَ نَيْسَابُورَ بَعْدَمَا اسْتَوْلَى عَلَى أَعْمَالِهَا وَافْتَتَحَهَا، فَحَصَرَ أَهْلَهَا أَشْهُرًا، وَكَانَ عَلَى كُلِّ رُبْعٍ مِنْهَا مَرْزُبَانٌ لِلْفُرْسِ يَحْفَظُهُ، فَطَلَبَ صَاحِبُ رُبْعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ الْأَمَانَ عَلَى أَنْ يُدْخِلَ الْمُسْلِمِينَ الْمَدِينَةَ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَأَدْخَلَهُمْ لَيْلًا فَفَتَحُوا الْبَابَ وَتَحَصَّنَ مَرْزُبَانُهَا الْأَكْبَرُ فِي حِصْنِهَا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ عَلَى جَمِيعِ نَيْسَابُورَ، فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَلَّى نَيْسَابُورَ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ السُّلَمِيَّ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى نَسَا وَأَبِيوَرْدَ فَافْتَتَحُوهَا صُلْحًا، وَسَيَّرَ سَرِيَّةً أُخْرَى إِلَى سَرْخَسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَازِمٍ السُّلَمِيِّ، فَقَاتَلُوا أَهْلَهَا ثُمَّ طَلَبُوا الْأَمَانَ وَالصُّلْحَ عَلَى أَمَانِ مِائَةِ رَجُلٍ، فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَصَالَحَهُمْ مَرْزُبَانُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَسَمَّى مِائَةَ رَجُلٍ وَلَمْ يَذْكُرْ نَفْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَدَخَلَ سَرْخَسَ عَنْوَةً. وَأَتَى مَرْزُبَانُ طُوسَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَصَالَحَهُ عَنْ طُوسَ عَلَى سِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى هَرَاةَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَازِمٍ ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ مَرْزُبَانَ هَرَاةَ ذَلِكَ، فَسَارَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَصَالَحَهُ عَنْ هَرَاةَ وَبَاذَغِيسَ وَبُوشَنْجَ. وَقِيلَ: بَلْ سَارَ ابْنُ عَامِرٍ فِي الْجَيْشِ إِلَى هَرَاةَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا ثُمَّ صَالَحَهُ مَرْزُبَانُهَا عَلَى أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَمَّا غَلَبَ ابْنُ عَامِرٍ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْزُبَانُ مَرْوَ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَ ابْنُ عَامِرٍ حَاتِمَ بْنَ النُّعْمَانِ الْبَاهِلِيَّ إِلَى مَرْزُبَانِهَا، وَكَانَتْ مَرْوُ كُلُّهَا صُلْحًا إِلَّا قَرْيَةً مِنْهَا يُقَالُ لَهَا سِنْجُ، فَإِنَّهَا أُخِذَتْ عَنْوَةً ( وَهِيَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ السَّاكِنَةِ وَآخِرُهَا جِيمٌ ). توجيه الأحنف بن قيس إلى طخارستان ومرو الروذ وَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ إِلَى طُخَارِسْتَانَ، فَمَرَّ بِرُسْتَاقٍ يُعْرَفُ بِرُسْتَاقِ الْأَحْنَفِ، وَيُدْعَى سِوَانْجَرْدَ، فَحَصَرَ أَهْلَهَا، فَصَالَحُوهُ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ الْأَحْنَفُ: أُصَالِحُكُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ رَجُلٌ مِنَّا الْقَصْرَ فَيُؤَذِّنَ فِيهِ، وَيُقِيمَ فِيكُمْ حَتَّى يَنْصَرِفَ. فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَمَضَى الْأَحْنَفُ إِلَى مَرْوِ الرُّوَذِ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَقَتَلَهُمْ وَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، وَكَانَ مَرْزُبَانُهَا مِنْ أَقَارِبِ بَاذَانَ صَاحِبِ الْيَمَنِ، فَكَتَبَ إِلَى الْأَحْنَفِ: إِنَّهُ دَعَانِي إِلَى الصُّلْحِ إِسْلَامُ بَاذَانَ، فَصَالَحَهُ عَلَى سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، وَسَيَّرَ الْأَحْنَفَ سَرِيَّةً، فَاسْتَوْلَتْ عَلَى رُسْتَاقِ بَغَ وَاسْتَاقَتْ مِنْهُ مَوَاشِيَ، ثُمَّ صَالَحُوا أَهْلَهُ. وَجُمِعَ لَهُ أَهْلُ طُخَارِسْتَانَ، فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْجُوزَجَانِ وَالطَّالَقَانِ وَالْفَارِيَابِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، وَحَمَلَ مَلِكُ الصَّغَانِيَانِ عَلَى الْأَحْنَفِ، فَانْتَزَعَ الْأَحْنَفُ الرُّمْحَ مِنْ يَدِهِ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقَتَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَتْلًا ذَرِيعًا كَيْفَ شَاءُوا، وَعَادَ إِلَى مَرْوِ الرُّوَذِ، وَلَحِقَ بَعْضُ الْعَدُوِّ بِالْجُوزَجَانِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ الْأَحْنَفُ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ فِي خَيْلٍ وَقَالَ: يَا بَنِي تَمِيمٍ تَحَابُّوا وَتَبَاذَلُوا تُعْدَلْ أُمُورُكُمْ، وَابْدَءُوا بِجِهَادِ بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ يَصْلُحْ لَكُمْ دِينُكُمْ، وَلَا تَغْلُوا يَسْلَمْ لَكُمْ جِهَادُكُمْ. فَسَارَ الْأَقْرَعُ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ بِالْجُوزَجَانِ فَكَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، ثُمَّ عَادُوا فَهَزَمُوا الْمُشْرِكِينَ وَفَتَحُوا الْجُوزَجَانَ عَنْوَةً، فَقَالَ ابْنُ الْغَرِيزَةِ النَّهْشَلِيُّ: سَقَى صَوْبُ السَّحَابِ إِذَا اسْتَهَلَّتْ مَصَارِعَ فِتْيَةٍ بِالْجُوزَجَانِ إِلَى الْقَصْرَيْنِ مِنْ رُسْتَاقِ خُوتٍ أَقَادَهُمْ هُنَاكَ الْأَقْرَعَانِ وَفَتَحَ الْأَحْنَفُ الطَّالَقَانَ صُلْحًا، وَفَتَحَ الْفَارِيَابَ ، وَقِيلَ: بَلْ فَتَحَهَا أُمَيْرُ بْنُ أَحْمَرَ، ثُمَّ سَارَ الْأَحْنَفُ إِلَى بَلْخَ، وَهِيَ مَدِينَةُ طُخَارِسْتَانَ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقِيلَ: سَبْعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى بَلْخَ أَسِيدَ بْنَ الْمُتَشَمِّسِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى خَوَارِزْمَ، وَهِيَ عَلَى نَهْرِ جَيْحُونَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا، فَاسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُ حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ: قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِ يكَرِبَ: إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَمْرًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ فَعَادَ إِلَى بَلْخَ وَقَدْ قَبَضَ أَسِيدٌ صُلْحَهَا، وَوَافَقَ وَهُوَ يُجِيبُهُمُ الْمَهْرَجَانَ، فَأَهْدَوْا لَهُ هَدَايَا كَثِيرَةً مِنْ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَدَوَابَّ وَأَوَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا صَالَحْنَاهُمْ عَلَى هَذَا !: فَقَالُوا لَا، وَلَكِنْ هَذَا شَيْءٌ نَفْعَلُهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ بِأُمَرَائِنَا. فَقَالَ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا وَلَعَلَّهُ مِنْ حَقِّي، وَلَكِنْ أَقْبِضُهُ حَتَّى أَنْظُرَ، فَقَبَضَهُ حَتَّى قَدِمَ الْأَحْنَفُ فَأَخْبَرَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ، فَقَالُوا مَا قَالُوا لِأَسِيدٍ، فَحَمَلَهُ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ وَأَخْبَرَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: خُذْهُ يَا أَبَا بَحْرٍ. قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. فَأَخَذَهُ ابْنُ عَامِرٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَضَمَّهُ الْقُرَشِيُّ ، وَكَانَ مُضِمًّا . وَلَمَّا تَمَّ لَابْنِ عَامِرٍ هَذَا الْفَتْحُ قَالَ لَهُ النَّاسُ: مَا فُتِحَ لِأَحَدٍ مَا فُتِحَ عَلَيْكَ، فَارِسُ وَكَرْمَانُ وَسِجِسْتَانُ وَخُرَاسَانُ. فَقَالَ: لَا جَرَمَ لَأَجْعَلَنَّ شُكْرِي لِلَّهِ عَلَى ذَلِكَ أَنْ أَخْرُجَ مُحْرِمًا مِنْ مَوْقِفِي هَذَا. فَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ نَيْسَابُورَ وَقَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى خُرَاسَانَ قَيْسَ بْنَ الْهَيْثَمِ، فَسَارَ قَيْسٌ بَعْدَ شُخُوصِهِ فِي أَرْضِ طَخَارِسْتَانَ، فَلَمْ يَأْتِ بَلَدًا مِنْهَا إِلَّا صَالَحَهُ أَهْلُهُ وَأَذْعَنُوا لَهُ، حَتَّى أَتَى سِمِنْجَانَ فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ، فَحَصَرَهُمْ حَتَّى فَتَحَهَا عَنْوَةً.
التاريخ 2006لا حكم مسجّل
ذكر فَتْحِ كَرْمَانَ لَمَّا سَارَ ابْنُ عَامِرٍ عَنْ كَرْمَانَ إِلَى خُرَاسَانَ وَاسْتَعْمَلَ مُجَاشِعَ بْنَ مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّ عَلَى كَرْمَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، أَمَرَهُ أَنْ يَفْتَحَهَا، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدْ نَكَثُوا وَغَدَرُوا، فَفَتَحَ هَمِيدَ عَنْوَةً وَاسْتَبْقَى أَهْلَهَا وَأَعْطَاهُمْ أَمَانًا، وَبَنَى بِهَا قَصْرًا يُعْرَفُ بِقَصْرِ مُجَاشِعٍ، وَأَتَى السِّيرَجَانَ، وَهِيَ مَدِينَةُ كَرْمَانَ، فَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا يَسِيرَةً وَأَهْلُهَا مُتَحَصِّنُونَ، فَقَاتَلَهُمْ وَفَتَحَهَا عَنْوَةً، فَجَلَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا عَنْهَا، وَفَتَحَ جِيرَفْتَ عَنْوَةً، وَسَارَ فِي كَرْمَانَ فَدَوَّخَ أَهْلَهَا، وَأَتَى الْقَفَصَ وَقَدْ تَجَمَّعَ لَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعَاجِمِ الَّذِينَ جَلَوْا، فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ، وَهَرَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ كَرْمَانَ فَرَكِبُوا الْبَحْرَ، وَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِمُكْرَانَ وَبَعْضُهُمْ بِسِجِسْتَانَ، فَأُقْطِعَتِ الْعَرَبُ مَنَازِلَهُمْ وَأَرَاضِيَهُمْ فَعَمَّرُوهَا، وَاحْتَفَرُوا لَهَا الْقُنِيَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا، وَأَدَّوُا الْعُشْرَ مِنْهَا.
التاريخ 2007لا حكم مسجّل
ذكر فَتْحِ سِجِسْتَانَ وَكَابُلَ وَغَيْرِهِمَا قَدْ تَقَدَّمَ فَتْحُ سِجِسْتَانَ أَيَّامَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَهَا نَقَضُوا بَعْدَهُ. فَلَمَّا تَوَجَّهَ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى خُرَاسَانَ سَيَّرَ إِلَيْهَا مِنْ كَرْمَانَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْحَارِثِيَّ ، فَقَطَعَ الْمَفَازَةَ حَتَّى أَتَى حِصْنَ زَالِقٍ، فَأَغَارَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ مَهْرَجَانٍ وَأَخَذَ الدِّهْقَانَ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِأَنْ غَرَزَ عَنَزَةً وَغَمَرَهَا ذَهَبًا وَفِضَّةً، وَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ فَارِسَ. ثُمَّ أَتَى بَلْدَةً يُقَالُ لَهَا كَرْكُوَيْهِ، فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا، وَسَارَ إِلَى زَرَنْجَ فَنَزَلَ عَلَى مَدِينَةِ رُوَشْتَ بِقُرْبِ زَرَنْجَ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا وَأُصِيبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَتَى الرَّبِيعُ نَاشِرُوذَ فَفَتَحَهَا، ثُمَّ أَتَى شَرْوَاذَ فَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى زَرَنْجَ فَنَازَلَهَا وَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا فَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَرْزُبَانُهَا لِيُصَالِحَهُ وَاسْتَأْمَنَهُ عَلَى نَفْسِهِ لِيَحْضُرَ عِنْدَهُ فَأَمَّنَهُ، وَجَلَسَ لَهُ الرَّبِيعُ عَلَى جَسَدٍ مِنْ أَجْسَادِ الْقَتْلَى وَاتَّكَأَ عَلَى آخَرَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمَرْزُبَانُ هَالَهُ ذَلِكَ فَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفِ وَصِيفٍ مَعَ كُلِّ وَصِيفٍ جَامٌ مَنْ ذَهَبٍ، وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمَدِينَةَ. ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى سَنَارُوذَ، وَهِيَ وَادٍ، فَعَبَرَهُ وَأَتَى الْقَرْيَةَ الَّتِي بِهَا مَرْبِطُ فَرَسِ رُسْتُمَ الشَّدِيدِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، فَظَفِرَ بِهِمْ ثُمَّ عَادَ إِلَى زَرَنْجَ وَأَقَامَ بِهَا نَحْوَ سَنَةً، وَعَادَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَامِلًا، فَأَخْرَجَ أَهْلُهَا الْعَامِلَ وَامْتَنَعُوا. فَكَانَتْ وِلَايَةُ الرَّبِيعِ سَنَةً وَنِصْفًا. وَسَبَى فِيهَا أَرْبَعِينَ أَلْفَ رَأْسٍ. وَكَانَ كَاتِبُهُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ. فَاسْتَعْمَلَ ابْنُ عَامِرٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى سِجِسْتَانَ، فَسَارَ إِلَيْهَا فَحَصَرَ زَرَنْجَ، فَصَالَحَهُ مَرْزُبَانُهَا عَلَى أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَأَلْفَيْ وَصِيفٍ. وَغَلَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى مَا بَيْنَ زَرَنْجَ وَالْكَشِّ مِنْ نَاحِيَةِ الْهِنْدِ، وَغَلَبَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّخَّجِ عَلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّاوَرِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَلَدِ الدَّاوَرِ حَصَرَهُمْ فِي جَبَلِ الزَّوْرِ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ وَدَخَلَ عَلَى الزُّورِ، وَهُوَ صَنَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، عَيْنَاهُ يَاقُوتَتَانِ، فَقَطَعَ يَدَهُ وَأَخَذَ الْيَاقُوتَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْزُبَانِ: دُونَكَ الذَّهَبُ وَالْجَوْهَرُ، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ. وَفَتَحَ كَابُلَ وَزَابُلِسْتَانَ، وَهِيَ وِلَايَةُ غَزْنَةَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى زَرَنْجَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اضْطَرَبَ أَمْرُ عُثْمَانَ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيَّ وَانْصَرَفَ، فَأَخْرَجَ أَهْلُهَا أُمَيْرَ بْنَ أَحْمَرَ وَامْتَنَعُوا، وَلِأُمَيْرٍ يَقُولُ زِيَادُ بْنُ الْأَعْجَمِ: لَوْلَا أُمَيْرٌ هَلَكَتْ يَشْكُرُ وَيَشْكُرُ هَلْكَى عَلَى كُلِّ حَالٍ
التاريخ 2008لا حكم مسجّل
فتوحات ابن عامر وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ فُتُوحَاتٍ كَثِيرَةً كَانَ قَدْ نَقَضَ أَهْلُهَا مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الصُّلْحِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا فَتَحَ عَنْوَةً، وَمِنْ ذَلِكَ مَا فَتَحَ صُلْحًا، فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمَدَائِنِ - وَهِيَ مَرْوُ - عَلَى أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَقِيلَ: عَلَى سِتَّةِ آلَافِ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ حَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ؓ. فتح أرمينية وقتل كسرى وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَتْ أَرْمِينِيَةُ عَلَى يَدَيْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ.
التاريخ 2009لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَائِشَةَ بْنِ أُمَيَّةَ عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَائِشَةَ بْنِ أُمَيَّةَ، أَبُو الدَّرْدَاءِ: كَانَ آخِرَ أَهْلِ دَارِهِ إِسْلَامًا، وَكَانَ مُتَمَسِّكًا بِصَنَمٍ لَهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ مُؤَاخِيًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَسْلَمَ ابْنُ رَوَاحَةَ وَدَعَاهُ فَأَبَى وَتَجَنَّبَهُ. وَجَاءَهُ يَوْمًا فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ دَخَلَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَضَرَبَ الصَّنَمَ بِقُدُومِهِ فَقَطَعَهُ، فَقَالَتْ زَوْجَتُهُ: أَهْلَكْتَنِي يَا ابْنَ رَوَاحَةَ. فَخَرَجَ، وَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَوَجَدَ الْمَرْأَةَ تَبْكِي خَوْفًا مِنْهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ ابْنُ رَوَاحَةَ دَخَلَ إِلَى الصَّنَمِ فَصَنَعَ بِهِ مَا تَرَى، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، ثُمَّ فَكَّرَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَيْرٌ لَدَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ. فَانْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ شَهِدَ أُحُدًا أَمْ لَا؟ وَقَدْ شَهِدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَشَاهِدَ كَثِيرَةً. وَعَنْ خُثَيْمَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: كُنْتُ تَاجِرًا قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ زَاوَلْتُ التِّجَارَةَ وَالْعِبَادَةَ فَلَمْ تَجْتَمِعَا، فَاخْتَرْتُ الْعِبَادَةَ وَتَرَكْتُ التِّجَارَةَ. وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ خَلِيلٍ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَدْعُو لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ يَدْعُو لِأَخِيهِ الْغَيْبَ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَقُولَانِ: فَلَكَ مِثْلُ ذَلِكَ، أَفَلَا أَرْغَبُ أَنْ تَدْعُوَ لِي الْمَلَائِكَةُ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: اسْتُعْمِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَصْبَحَ النَّاسُ يُهَنُّونَهُ، فَقَالَ: أَتُهَنُّونِي بِالْقَضَاءِ وَقَدْ جُعِلْتُ عَلَى رَأْسٍ مُهْوَاةٍ مَنْزِلَتُهَا أَبْعَدُ مِنْ عَدَنَ، وَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ مَا فِي الْقَضَاءِ لَأَخَذُوهُ بِالدُّوَلِ رَغْبَةً عَنْهُ وَكَرَاهِيَةً لَهُ، وَلَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْأَذَانِ لَأَخَذُوهُ بِالدُّوَلِ رَغْبَةً فِيهِ وَحِرْصًا عَلَيْهِ. وَعَنْ لُقْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي الْعَصَافِيرَ مِنَ الصِّبْيَانِ وَيُرْسِلُهُنَّ، وَيَقُولُ: اذْهَبْنَ فَعِشْنَ. وعن عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: إِنِ احْتَجْتُ بَعْدَكَ آكُلُ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: لَا، اعْمَلِي وَكُلِي، قَالَتْ: فَإِنْ ضَعُفْتُ عَنِ الْعَمَلِ؟ قَالَ: الْتَقِطِي السُّنْبُلَ وَلَا تَأْكُلِي الصَّدَقَةَ. قَالَ: وعن أَبي عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَانَ يَقُولُ: لَوْلَا ثَلَاثٌ لَمْ أُبَالِ مَتَى مِتُّ: لَوْلَا أَنْ أَظْمَأَ بِالْهَوَاجِرِ، وَلَوْلَا أَنْ أُعَفِّرَ وَجْهِي بِالتُّرَابِ، وَلَوْلَا أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ. قَالَ: وعن مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ اشْتَكَى، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، مَا تَشْتَكِي؟ قَالَ: أَشْتَكِي ذُنُوبِي، قَالُوا: وَمَا تَشْتَهِي؟ قَالَ: أَشْتَهِي الْجَنَّةَ، قَالُوا: أَفَلَا نَدْعُو لَكَ طَبِيبًا؟ قَالَ: هُوَ الَّذِي أَضْجَعَنِي. تُوُفِّيَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقِيلَ: فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ. نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أَنِيفٍ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أَنِيفٍ مِنْ أَشْجَعَ: وَهُوَ الَّذِي خَذَّلَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ حَتَّى تَفَرَّقُوا، وَهَاجَرَ وَسَكَنَ الْمَدِينَةَ، وَكَانَ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَزَا، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [لَمَّا أَرَادَ تَبُوكًا لِيَتَنَصَّرَ النَّاسُ]، وَتُوُفِّيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ. يَزْدَجِرْدُ [ يَزْدَجِرْدُ: وَتُوُفِّيَ يَزْدَجِرْدُ الْمَلِكُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَا سَبَقَ شَرْحُهُ]. أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، وَقِيلَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ. أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَقِيلَ: مَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ. ( أُسَيْدٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ). أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَالطُّفَيْلُ وَفِيهَا مَاتَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، ( وَأَخُوهُ الطُّفَيْلُ ). أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ ( وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً ).
التاريخ 2010لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ( قِيلَ: فِي هَذِهِ السَّنَةِ غَزَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مَضِيقَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ قَرَظَةَ، وَقِيلَ فَاخِتَةُ ).
التاريخ 2011لا حكم مسجّل
ذكر ظَفَرِ التُّرْكِ وَقَتْلِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ انْتَصَرَتِ الْخَزَرُ وَالتُّرْكُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَسَبَبُهُ أَنَّ الْغَزَوَاتِ لَمَّا تَتَابَعَتْ عَلَيْهِمْ تَذَامَرُوا وَقَالُوا: كُنَّا [ أُمَّةً ] لَا يُقْرَنُ بِنَا أَحَدٌ، حَتَّى جَاءَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْقَلِيلَةُ فَصِرْنَا لَا نَقُومُ لَهَا. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَمُوتُونَ وَمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِي غَزْوِهِمْ. وَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ غَزُوهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يُقْتَلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلِهَذَا ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَفَلَا تُجَرِّبُونَ ؟ فَكَمَنُوا لَهُمْ فِي الْغِيَاضِ، فَمَرَّ بِالْكَمِينِ نَفَرٌ مِنَ الْجُنْدِ فَرَمَوْهُمْ مِنْهَا فَقَتَلُوهُمْ، فَتَوَاعَدَ رُءُوسُهُمْ إِلَى حَرْبِهِمْ ثُمَّ اتَّعَدُوا يَوْمًا. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ وَهُوَ عَلَى الْبَابِ: إِنَّ الرَّعِيَّةَ قَدْ أَبْطَرَهَا الْبِطْنَةُ، فَلَا تَقْتَحِمْ بِالْمُسْلِمِينَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُقْتَلُوا. فَلَمْ يَرْجِعْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ مَقْصِدِهِ، فَغَزَا نَحْوَ بَلَنْجَرَ، وَكَانَ التُّرْكُ قَدِ اجْتَمَعَتْ مَعَ الْخَزَرِ، فَقَاتَلُوا الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا شَدِيدًا وَقُتِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو النُّورِ، وَهُوَ اسْمُ سَيْفِهِ، فَأَخَذَ أَهْلُ بَلَنْجَرَ جَسَدَهُ وَجَعَلُوهُ فِي تَابُوتٍ فَهُمْ يَسْتَسْقُونَ بِهِ، فَلَمَّا قُتِلَ انْهَزَمَ النَّاسُ وَافْتَرَقُوا فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً نَحْوَ الْبَابِ، فَلَقُوا سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ أَخَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَانَ قَدْ سَيَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ مَدَدًا لِلْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا لَقُوهُ نَجَوْا مَعَهُ، وَفِرْقَةً نَحْوَ جِيلَانَ وَجُرْجَانَ، فِيهِمْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النَّخَعِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَمِعْضَدٌ الشَّيْبَانِيُّ، وَأَبُو مُفْرَزٍ التَّمِيمِيُّ فِي خِبَاءٍ وَاحِدٍ، وَعَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ، وَخَالِدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْحِلْحَالُ بْنُ ذَرِيٍّ، وَالْقَرْثَعُ فِي خِبَاءٍ، فَكَانُوا مُتَجَاوِرِينَ فِي ذَلِكَ الْعَسْكَرِ، وَكَانَ الْقَرْثَعُ يَقُولُ: مَا أَحْسَنَ لَمْعَ الدِّمَاءِ عَلَى الثِّيَابِ ! وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ يَقُولُ لِقَبَاءٍ عَلَيْهِ: مَا أَحْسَنَ حُمْرَةَ الدِّمَاءِ عَلَى بَيَاضِكَ ! وَرَأَى يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَّ غَزَالًا جِيءَ بِهِ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ فَلُفَّ فِي مِلْحَفَةٍ، ثُمَّ دُفِنَ فِي قَبْرٍ لَمْ يُرَ أَحْسَنَ مِنْهُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قُعُودٌ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ وَاقْتَتَلَ النَّاسُ رُمِيَ بِحَجَرٍ فَهَشَّمَ رَأْسَهُ فَمَاتَ، فَكَأَنَّمَا زُيِّنَ ثَوْبُهُ بِالدِّمَاءِ وَلَيْسَ بِتَلْطِيخٍ، فَدُفِنَ فِي قَبْرٍ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي رَأَى. وَقَالَ مِعْضَدٌ لِعَلْقَمَةَ: أَعِرْنِي بُرْدَكَ أَعْصِبُ بِهِ رَأْسِي، فَفَعَلَ، فَأَتَى بُرْجَ بَلَنْجَرَ الَّذِي أُصِيبَ فِيهِ يَزِيدُ فَرَمَاهُمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَتَاهُ حَجَرُ عَرَّادَةٍ فَفَضَخَ هَامَتَهُ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ فَدَفَنُوهُ إِلَى جَنْبِ يَزِيدَ، وَأَخَذَ عَلْقَمَةُ الْبُرْدَ، فَكَانَ يَغْسِلُهُ فَلَا يَخْرُجُ أَثَرُ الدَّمِ مِنْهُ، وَكَانَ يَشْهَدُ فِيهِ الْجُمُعَةَ وَيَقُولُ: يَحْمِلُنِي عَلَى هَذَا أَنَّ دَمَ مِعْضَدٍ فِيهِ. وَأَصَابَ عَمْرَو بْنَ عُتْبَةَ جِرَاحَةٌ فَرَأَى قِبَاءَهُ كَمَا اشْتَهَى ثُمَّ قُتِلَ. وَأَمَّا الْقَرْثَعُ فَإِنَّهُ قَاتَلَ حَتَّى خُرِقَ بِالْحِرَابِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ عُثْمَانَ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، انْتَكَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِمْ وَأَقْبِلْ بِهِمْ ! وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ كَتَبَ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنْ يُنْفِذَ سَلْمَانَ إِلَى الْبَابِ لِلْغَزْوِ، فَسَيَّرَهُ فَلَقِيَ الْمَهْزُومِينَ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَنَجَّاهُمُ اللَّهُ بِهِ. فَلَمَّا أُصِيبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ اسْتَعْمَلَ سَعِيدٌ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ عَلَى الْبَابِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْغَزْوِ بِأَهْلِ الْكُوفَةِ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَمَدَّهُمْ عُثْمَانُ بِأَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَتَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَلْمَانُ وَأَبُو حَبِيبٍ حَتَّى قَالَ أَهْلُ الشَّامِ: لَقَدْ هَمَمْنَا بِضَرْبِ سَلْمَانَ. فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذَنْ وَاللَّهِ نَضْرِبُ حَبِيبًا وَنَحْبِسُهُ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ كَثُرَتِ الْقَتْلَى فِينَا وَفِيكُمْ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ مَغْرَاءَ فِي ذَلِكَ: إِنْ تَضْرِبُوا سَلْمَانَ نَضْرِبْ حَبِيبَكُمْ وَإِنْ تَرْحَلُوا نَحْوَ ابْنِ عَفَّانَ نَرْحَلُ وَإِنْ تُقْسِطُوا فَالثَّغْرُ ثَغْرُ أَمِيرِنَا وَهَذَا أَمِيرٌ فِي الْكَتَائِبِ مُقْبِلُ وَنَحْنُ وُلَاةُ الْأَمْرِ كُنَّا حُمَاتَهُ لَيَالِيَ نَرْمِي كُلَّ ثَغْرٍ وَنَعْكِلُ وَأَرَادَ حَبِيبٌ أَنْ يَتَأَمَّرَ عَلَى صَاحِبِ الْبَابِ كَمَا يَتَأَمَّرُ أَمِيرُ الْجَيْشِ إِذَا جَاءَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ. وَغَزَا حُذَيْفَةُ ثَلَاثَ غَزَوَاتٍ، فَقُتِلَ عُثْمَانُ فِي الثَّالِثَةِ، وَلَقِيَهُمْ مَقْتَلُ عُثْمَانَ فَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَتَهُ وَشُتَّامَهُ ! اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نُعَاتِبُهُ وَيُعَاتِبُنَا فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ سُلَّمًا إِلَى الْفِتْنَةِ ! اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُمْ إِلَّا بِالسُّيُوفِ !
التاريخ 2012لا حكم مسجّل
فتح ابن عامر مرو الروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان وَفِيهَا فَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ مَرْوَ الرُّوذِ وَالطَّالِقَانَ وَالْفَارِيَابَ وَالْجُوزَجَانَ وَطَخَارِسْتَانَ . فَأَمَّا مَرْوُ الرُّوذِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا ابْنُ عَامِرٍ الْأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ فَحَصَرَهَا، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى كَسَرَهُمْ فَاضْطَرَّهُمْ إِلَى حِصْنِهِمْ، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مَالٍ جَزِيلٍ، وَعَلَى أَنْ يَضْرِبَ عَلَى أَرَاضِي الرَّعِيَّةِ الْخَرَاجَ، وَيَدَعَ الْأَرْضَ الَّتِي كَانَ أَقْطَعُهَا كِسْرَى لِوَالِدِ الْمَرْزُبَانِ، صَاحِبِ مَرْوَ، حِينَ قَتَلَ الْحَيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى النَّاسِ وَتَأْكُلُهُمْ، فَصَالَحَهُمُ الْأَحْنَفُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ صُلْحٍ بِذَلِكَ، ثُمَّ بَعَثَ الْأَحْنَفُ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ إِلَى الْجُوزَجَانِ فَفَتَحَهَا بَعْدَ قِتَالٍ وَقَعَ بَيْنَهُمْ، قُتِلَ فِيهِ خَلْقٌ مِنْ شُجْعَانِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ نُصِرُوا، فَقَالَ فِي ذَلِكَ كُثَيِّرٌ النَّهْشَلِيُّ قَصِيدَةً طَوِيلَةً فِيهَا: سَقَى مُزْنَ السَّحَابِ إِذَا اسْتَهَلَّتْ مَصَارِعَ فِتْيَةٍ بِالْجُوزَجَانِ إِلَى الْقَصْرَيْنِ مِنْ رُسْتَاقِ خُوطٍ أَبَادَهُمُ هُنَاكَ الْأَقْرَعَانِ ثُمَّ سَارَ الْأَحْنَفُ مِنْ مَرْوِ الرُّوذِ إِلَى بَلْخَ فَحَاصَرَهُمْ حَتَّى صَالَحُوهُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَاسْتَنَابَ ابْنَ عَمِّهِ أُسَيْدَ بْنَ الْمُتَشَمِّسِ عَلَى قَبْضِ الْمَالِ، ثُمَّ ارْتَحَلَ يُرِيدُ الْجِهَادَ، وَدَهَمَهُ الشِّتَاءُ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: مَا تَشَاءُونَ ؟ فَقَالُوا: قَدْ قَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبَ: إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ فَأَمَرَ الْأَحْنَفُ بِالرَّحِيلِ إِلَى بَلْخَ، فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةَ الشِّتَاءِ.
التاريخ 2013لا حكم مسجّل
ذكر خُرُوجِ قَارِنَ ثُمَّ جَمَعَ قَارِنُ جَمْعًا كَثِيرًا مِنْ نَاحِيَةِ الطَّبَسَيْنِ وَأَهْلِ بَاذَغِيسَ وَهَرَاةَ وَقُوهِسْتَانَ وَأَقْبَلَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَقَالَ قَيْسٌ لِابْنِ خَازِمٍ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُخَلِّيَ الْبِلَادَ، فَإِنِّي أَمِيرُهَا وَمَعِي عَهْدٌ مِنِ ابْنِ عَامِرٍ إِذَا كَانَتْ حَرْبٌ بِخُرَاسَانَ فَأَنَا أَمِيرُهَا، وَأَخْرَجَ كِتَابًا كَانَ قَدِ افْتَعَلَهُ عَمْدًا، فَكَرِهَ قَيْسٌ مُنَازَعَتَهُ وَخَلَّاهُ وَالْبِلَادَ، وَأَقْبَلَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، فَلَامَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَقَالَ: قَدْ تَرَكْتَ الْبِلَادَ خَرَابًا وَأَقْبَلْتَ ! قَالَ: جَاءَنِي بِعَهْدٍ مِنْكَ. قَالَ: فَسَارَ ابْنُ خَازِمٍ إِلَى قَارِنَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَحَمَلُوا الْوَدَكَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ قَارِنَ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُدْرِجَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ عَلَى زُجِّ رُمْحِهِ خِرْقَةً أَوْ قُطْنًا، ثُمَّ يُكْثِرُوا دُهْنَهُ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَمْسَى، فَقَدَّمَ مُقَدَّمَتَهُ سِتَّمِائَةٍ ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَأَشْعَلُوا النِّيرَانَ فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَانْتَهَتْ مُقَدَّمَتُهُ إِلَى مُعَسْكَرِ قَارِنَ نِصْفَ اللَّيْلِ فَنَاوَشُوهُمْ، وَهَاجَ النَّاسُ عَلَى دَهَشٍ وَكَانُوا آمِنِينَ مِنَ الْبَيَاتِ، وَدَنَا ابْنُ خَازِمٍ مِنْهُمْ فَرَأَوُا النِّيرَانَ يَمْنَةً وَيَسْرَةً تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ وَتَنْخَفِضُ وَتَرْتَفِعُ، فَهَالَهُمْ ذَلِكَ، وَمُقَدَّمَةُ ابْنِ خَازِمٍ يُقَاتِلُونَهُمْ، ثُمَّ غَشِيَهُمُ ابْنُ خَازِمٍ بِالْمُسْلِمِينَ فَقَتَلَ قَارِنَ، فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَاتَّبَعُوهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَأَصَابُوا سَبْيًا كَثِيرًا. وَكَتَبَ ابْنُ خَازِمٍ بِالْفَتْحِ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ، فَرَضِيَ وَأَقَرَّهُ عَلَى خُرَاسَانَ، فَلَبِثَ عَلَيْهَا حَتَّى انْقَضَى أَمْرُ الْجَمَلِ، وَأَقْبَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ فَشَهِدَ وَقْعَةَ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ، وَكَانَ مَعَهُ فِي دَارِ سَنْبِيلٍ. وَقِيلَ: لَمَّا جَمَعَ قَارِنُ اسْتَشَارَ قَيْسُ بْنُ الْهَيْثَمِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَازِمٍ فِيمَا يَصْنَعُ، فَقَالَ: أَرَى أَنَّكَ لَا تُطِيقُ كَثْرَةَ مَنْ قَدْ أَتَانَا، فَاخْرُجْ بِنَفْسِكَ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَتُخْبِرَهُ بِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ، وَنُقِيمُ نَحْنُ فِي الْحُصُونِ وَنُطَاوِلُهُمْ وَيَأْتِينَا مَدَدُكُمْ. فَخَرَجَ قَيْسٌ، فَلَمَّا أَمْعَنَ أَظْهَرَ ابْنُ خَازِمٍ عَهْدًا وَقَالَ: قَدْ وَلَّانِي ابْنُ عَامِرٍ خُرَاسَانَ، فَسَارَ إِلَى قَارِنَ فَظَفِرَ بِهِ وَكَتَبَ بِالْفَتْحِ إِلَى ابْنِ عَامِرٍ فَأَقَرَّهُ عَلَى خُرَاسَانَ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْبَصْرَةِ يَغْزُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ صَالَحَ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، فَإِذَا عَادُوا تَرَكُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ نَجْدَةً.
التاريخ 2014لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مِنْ تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ أَبُو الْفَضْلِ الْمَكِّيُّ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَوَالِدُ الْخُلَفَاءِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَكَانَ أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِمَالٍ ، وَافْتَدَى ابْنَيْ أَخَوَيْهِ؛ عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَمَّا أُسِرَ وَشُدَّ فِي الْوَثَاقِ وَأَمْسَى النَّاسُ أُرِّقَ رَسُولُ، ﷺ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالَكَ ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَسْمَعُ أَنِينَ الْعَبَّاسِ فِي وَثَاقِهِ فَلَا أَنَامُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَحَلَّ مِنْ وَثَاقِ الْعَبَّاسِ حَتَّى سَكَنَ أَنِينُهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ. ثُمَّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ وَتَلَقَّى رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى الْجُحْفَةِ، فَرَجَعَ مَعَهُ، وَشَهِدَ الْفَتْحَ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ أَقَامَ بِمَكَّةَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ، ﷺ، لَهُ فِي ذَلِكَ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يُجِلُّهُ وَيُعَظِّمُهُ وَيُنْزِلُهُ مَنْزِلَةَ الْوَالِدِ مِنَ الْوَلَدِ، وَيَقُولُ: هَذَا بَقِيَّةُ آبَائِي. وَكَانَ مِنْ أَوْصَلِ النَّاسِ لِقُرَيْشٍ وَأَشْفَقِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ ذَا رَأْيٍ وَعَقْلٍ تَامٍّ وَافٍ، وَكَانَ طَوِيلًا جَمِيلًا أَبْيَضَ بَضًّا ذَا ضَفِيرَتَيْنِ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ عَشَرَةُ ذُكُورٍ سِوَى الْإِنَاثِ، وَهُمْ تَمَّامٌ - وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ - وَالْحَارِثُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَعَوْنٌ، وَالْفَضْلُ، وَقُثَمُ، وَكَثِيرٌ، وَمَعْبَدٌ. وَأَعْتَقَ سَبْعِينَ مَمْلُوكًا مِنْ غِلْمَانِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لِلْعَبَّاسِ: هَذَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَجْوَدُ قُرَيْشٍ كَفًّا وَأَوْصَلُهَا . تَفَرَّدَ بِهِ. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لِعُمَرَ حِينَ بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالْعَبَّاسُ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنْ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا؛ وَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا. ثُمَّ قَالَ يَا عُمَرُ أَمَا شَعُرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ؟ وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَنَسٍ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي وَخَرَجَ بِالْعَبَّاسِ مَعَهُ يَسْتَسْقِي بِهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا إِذَا قَحَطْنَا تَوَسَّلْنَا إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. وَيُقَالُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَا إِذَا مَرَّا بِالْعَبَّاسِ وَهُمَا رَاكِبَانِ تَرَجَّلَا إِكْرَامًا لَهُ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ - وَقِيلَ: مِنْ رَمَضَانَ - سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ. وَقِيلَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ. وَفَضَائِلُهُ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ابْنُ غَافِلِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ شَمْخِ بْنِ فَارِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهُذَلِيُّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ، وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِ حِينَ مَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، ؓ، وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا فَسَأَلَاهُ لَبَنًا، فَقَالَ: إِنِّي مُؤْتَمَنٌ. قَالَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَنَاقًا لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الْفَحْلُ فَاعْتَقَلَهَا ثُمَّ حَلَبَ وَشَرِبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ لِلضَّرْعِ: " اقْلِصْ ". فَقَلَصَ، فَقُلْتُ: عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ. فَقَالَ: " إِنَّكَ غُلَيْمٌ مُعَلَّمٌ " الْحَدِيثَ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بِمَكَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ، ﷺ، عِنْدَ الْبَيْتِ وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا؛ قَرَأَ سُورَةَ: الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ [ الرَّحْمَنِ: 1، 2 ]. فَقَامُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ. وَلَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، حِينَ أَسْلَمَ، وَكَانَ يَحْمِلُ نَعْلَيْهِ وَسِوَاكَهُ، وَقَالَ لَهُ: " إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي ". وَلِهَذَا كَانَ يُقَالُ لَهُ: صَاحِبُ السِّوَاكِ وَالسِّوَادِ. وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ بَعْدَ مَا أَثْبَتَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ وَشَهِدَ بَقِيَّةَ الْمَشَاهِدِ. وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمًا: " اقْرَأْ عَلَيَّ ". فَقُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ فَقَالَ: " إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ". فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى قَوْلِهِ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [ النِّسَاءِ: 41 ]. فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَقَالَ: " حَسْبُكَ " وَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ وَمَا كُنَّا نَظُنُّ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأُمَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ، ﷺ؛ لِكَثْرَةِ دُخُولِهِمْ بَيْتَ النَّبِيِّ، ﷺ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ وَسَمْتِهِ مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَقَدْ عَلِمَ الْمَحْفُوظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أَنَّ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ أَقْرَبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. وَفِي الْحَدِيثِ: وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أُمِّ مُوسَى، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَعِدَ شَجَرَةً يَجْتَنِي الْكَبَاثَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ؓ - وَقَدْ نَظَرَ إِلَى قِصَرِهِ وَكَانَ يُوَازِي بِقَامَتِهِ الْجُلُوسَ - فَجَعَلَ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ ثُمَّ قَالَ: هُوَ كُنَيْفٌ مُلِئَ عِلْمًا . وَقَدْ شَهِدَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ النَّبِيِّ، ﷺ، مَوَاقِفَ كَثِيرَةً؛ مِنْهَا الْيَرْمُوكُ وَغَيْرُهَا، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مِنَ الْعِرَاقِ حَاجًّا فَمَرَّ بِالرَّبَذَةِ فَشَهِدَ وَفَاةَ أَبِي ذَرٍّ وَدَفَنَهُ، ثُمَّ قَدِمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَرِضَ بِهَا، فَجَاءَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَائِدًا، فَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَا تَشْتَكِي ؟ قَالَ: ذُنُوبِي. قَالَ: فَمَا تَشْتَهِي ؟ قَالَ: رَحْمَةَ رَبِّي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِطَبِيبٍ ؟ فَقَالَ: الطَّبِيبُ أَمْرَضَنِي. قَالَ: أَلَا آمُرُ لَكَ بِعَطَائِكَ - وَكَانَ قَدْ تَرَكَهُ سَنَتَيْنِ ؟ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. فَقَالَ: يَكُونُ لِبَنَاتِكَ مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ: أَتَخْشَى عَلَى بَنَاتِي الْفَقْرَ ؟ إِنِّي أَمَرْتُ بَنَاتِي أَنْ يَقْرَأْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: مَنْ قَرَأَ الْوَاقِعَةَ كُلَّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا . وَأَوْصَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ إِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ لَيْلًا ثُمَّ عَاتَبَ عُثْمَانُ الزُّبَيْرَ عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: بَلْ صَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ. وَقِيلَ: عَمَّارٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ عَنْ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. عبد الرحمن بن عوف عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ ابْنُ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَإِلَى الْمَدِينَةِ، وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، حِينَ بَعَثَهُ إِلَى بَنِي كَلْبٍ، وَأَرْخَى لَهُ عَذَبَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ؛ لِتَكُونَ أَمَارَةً عَلَيْهِ لِلْإِمَارَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَأَحَدُ الثَّمَانِيَةِ السَّابِقَيْنَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى، ثُمَّ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْتَهَتْ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ، كَمَا ذَكَرْنَا. ثُمَّ كَانَ هُوَ الَّذِي اجْتَهَدَ فِي تَقْدِيمِ عُثْمَانَ، ؓ، وَقَدْ تَقَاوَلَ هُوَ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ فَأَغْلَظَ لَهُ خَالِدٌ فِي الْمَقَالِ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ. وَهُوَ فِي " الصَّحِيحِ ". وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: تَصَدَّقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ، ﷺ، بِشَطْرِ مَالِهِ؛ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى خَمْسِمِائَةِ رَاحِلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَانَ عَامَّةُ مَالِهِ مِنَ التِّجَارَةِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي " مُسْنَدِهِ ": عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لَمَّا هَاجَرَ آخَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ لِي حَائِطَيْنِ فَاخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي حَائِطَيْكَ، مَا لِهَذَا أَسْلَمْتُ دَلَّنِي عَلَى السُّوقِ. قَالَ: فَدَلَّهُ، فَكَانَ يَشْتَرِي السُّمَيْنَةَ وَالْأُقَيْطَةَ وَالْإِهَابَ، فَجَمَعَ فَتَزَوَّجَ، فَأَتَى النَّبِيَّ، ﷺ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ. أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ. قَالَ فَكَثُرَ مَالُهُ حَتَّى قَدِمَتْ لَهُ سَبْعُمِائَةُ رَاحِلَةٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَتَحْمِلُ الدَّقِيقَ وَالطَّعَامَ. قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ سُمِعَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ رَجَّةٌ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: مَا هَذِهِ الرَّجَّةُ ؟ فَقِيلَ لَهَا: عِيرٌ قَدِمَتْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَبْعُمِائَةٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَالدَّقِيقَ وَالطَّعَامَ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: يَدْخُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْجَنَّةَ حَبْوًا. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ: أُشْهِدُكِ يَا أُمَّهْ أَنَّهَا بِأَحْمَالِهَا وَأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانَ، ثَنَا عُمَارَةُ - هُوَ ابْنُ زَاذَانَ - عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا عَائِشَةُ فِي بَيْتِهَا إِذْ سَمِعَتْ صَوْتًا فِي الْمَدِينَةِ فَقَالَتْ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: عِيرٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَدِمَتْ مِنَ الشَّامِ تَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ - قَالَ: وَكَانَتْ سَبْعَمِائَةِ بَعِيرٍ - قَالَ: فَارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ مِنَ الصَّوْتِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَبْوًا. فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ: لَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأَدْخُلَنَّهَا قَائِمًا. فَجَعَلَهَا بِأَقْتَابِهَا وَأَحْمَالِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، صَلَّى وَرَاءَهُ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي بَعْضِ الْأَسْفَارِ. وَهَذِهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لَا تُبَارَى. وَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى لِكُلِّ رَجُلٍ مِمَّنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ بِدْرٍ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ - وَكَانُوا مِائَةً - فَأَخَذُوهَا حَتَّى عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ. وَقَالَ عَلِيٌّ: اذْهَبْ يَا ابْنَ عَوْفٍ فَقَدْ أَدْرَكْتَ صَفْوَهَا، وَسَبَقْتَ رَنْقَهَا. وَأَوْصَى لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِمَبْلَغٍ كَثِيرٍ حَتَّى كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ السَّلْسَبِيلِ. وَأَعْتَقَ خَلْقًا مِنْ مَمَالِيكِهِ، ثُمَّ تَرَكَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَالًا جَزِيلًا؛ مِنْ ذَلِكَ ذَهَبٌ قُطِعَ بِالْفُئُوسِ حَتَّى مَجَلَتْ أَيْدِي الرِّجَالِ، وَتَرَكَ أَلْفَ بَعِيرٍ وَمِائَةَ فَرَسٍ، وَثَلَاثَةَ آلَافِ شَاةٍ تَرْعَى بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ نِسَاؤُهُ أَرْبَعًا، فَصُولِحَتْ إِحْدَاهُنَّ مِنْ رُبْعِ الثَّمَنِ بِثَمَانِينَ أَلْفًا. وَلَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَحَمَلَ فِي جِنَازَتِهِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا حُمْرَةً، حَسَنَ الْوَجْهِ، رَقِيقَ الْبَشَرَةِ، أَعْيَنَ، أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ، أَقْنَى، لَهُ جَمَّةٌ، ضَخْمَ الْكَفَّيْنِ، غَلِيظَ الْأَصَابِعِ، لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ، ؓ. أبو ذر الغفاري أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ وَاسْمُهُ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ، عَلَى الْمَشْهُورِ. أَسْلَمَ قَدِيمًا بِمَكَّةَ فَكَانَ رَابِعَ أَرْبَعَةٍ أَوْ خَامِسَ خَمْسَةٍ، وَقِصَّةُ إِسْلَامِهِ تَقَدَّمَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَيَّا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ وَقَوْمِهِ، فَكَانَ هُنَاكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى الْمَدِينَةِ، فَهَاجَرَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، ثُمَّ لَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، حَضَرًا وَسَفَرًا، وَرَوَى عَنْهُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً. وَجَاءَ فِي فَضْلِهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ؛ مِنْ أَشْهَرِهَا مَا رَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: ( مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ، وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ. وَفِيهِ ضَعْفٌ. ثُمَّ لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَمَاتَ أَبُو بَكْرٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَكَانَ فِيهِ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ فَاسْتَقْدَمَهُ عُثْمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ نَزَلَ بِالرَّبَذَةِ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ سِوَى امْرَأَتِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى دَفْنِهِ إِذْ قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنْ الْعِرَاقَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَحَضَرُوا مَوْتَهُ وَأَوْصَاهُمْ كَيْفَ يَفْعَلُونَ بِهِ. وَقِيلَ: قَدِمُوا بَعْدَ مَوْتِهِ، فَوَلُوا غُسْلَهُ وَدَفْنَهُ. وَكَانَ قَدْ أَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يَطْبُخُوا لَهُمْ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ لِيَأْكُلُوهَا بَعْدَ الْمَوْتِ. قَدْ أَرْسَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى أَهْلِهِ فَضَمَّهُمْ إِلَى أَهْلِهِ الحصين بن الحارث بن المطلب الْحُصَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. سلمان الفارسي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: مِنْ أَهْلِ مَدِينَةِ أَصْبَهَانَ. وَيُقَالُ: مِنْ أَهْلِ رَامَهُرْمُزَ، أَسْلَمَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنَ الْهِجْرَةِ، وَأَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ حُضُورِ مَا قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَرَقًّا لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ فَكَاتَبُوهُ وَأَدَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابَتَهُ وَعُتِقَ، وَلَمْ يَزَلْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى غَزَا الْمُسْلِمُونَ الْعِرَاقَ فَخَرَجَ مَعَهُمْ وَحَضَرَ فَتْحَ الْمَدَائِنِ، وَوَلَّاهُ إِيَّاهَا عُمَرُ، فَنَزَلَهَا حَتَّى مَاتَ بِهَا، وَقَبْرُهُ الْآنَ ظَاهِرٌ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: تَدَاوَلَنِي بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَبٍّ إِلَى رَبٍّ لِي كُلُّهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. وَرَوَى أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " سَلْمَانُ سَابِقُ الْفُرْسِ ". وَلَمَّا خَطَّ الْخَنْدَقَ قَطَعَ لِكُلِ عَشَرَةٍ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا، فَاحْتَجَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فِي سَلْمَانَ ، وَكَانَ رَجُلًا قَوِيًّا، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ: سَلْمَانُ مِنَّا، وَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: لَا بَلْ مِنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ ". قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ عَطَاءُ سَلْمَانَ خَمْسَةَ آلَافٍ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى زُهَاءِ ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي عَبَاءَةٍ يَفْتَرِشُ بَعْضَهَا وَيَلْبَسُ بَعْضَهَا، فَإِذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ أَمْضَاهُ، وَيَأْكُلُ مِنْ سَفِيفِ يَدَيْهِ. وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ نُسَيٍّ: كَانَ لِسَلْمَانَ خِبَاءٌ مِنْ عَبَاءٍ وَهُوَ أَمِيرُ النَّاسِ. وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ: رَأَيْتُ سَلْمَانَ فِي سَرِيَّةٍ هُوَ أَمِيرُهَا، عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ سَرَاوِيلُ وَقَدَمَاهُ تُذَبْذِبَانِ، وَالْجُنْدُ يَقُولُونَ: قَدْ جَاءَ الْأَمِيرُ، فَقَالَ سَلْمَانُ: إِنَّمَا الْخَيْرُ وَالشَّرُّ بَعْدَ الْيَوْمِ. ذِكْرُ أَوْلَادِ سَلْمَانَ: تَزَوَّجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا بُقَيْرَةُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ: لِسَلْمَانَ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، بِنْتٌ بِأَصْبَهَانَ، وَابْنَتَانِ بِمِصْرَ. ذِكْرُ وَفَاتِهِ: عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: دَخَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى سَلْمَانَ يَعُودُهُ، فَبَكَى سَلْمَانُ فَقَالَ سَعْدٌ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؟ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَتَرِدُ عَلَيْهِ الْحَوْضَ، قَالَ: فَقَالَ سَلْمَانُ ؓ: أَمَا إِنِّي مَا أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ وَلَا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيْنَا فَقَالَ: "لِيَكُنْ بُلْغَةُ أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا مِثْلَ زَادِ الرَّاكِبِ" وَحَوْلِي هَذِهِ الْأَسَاوِرُ. قَالَ: وَإِنَّمَا حَوْلَهُ إِجَّانَةٌ وَجَفْنَةٌ وَمَطْهَرَةٌ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، اعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ نَأْخُذُهُ بَعْدَكَ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ، اذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ، وَعِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ، وَعِنْدَ يَدِكَ إِذَا قَسَمْتَ. وَلَمَّا اشْتَدَّ مَرَضُ سَلْمَانَ وَكَانَ قَدْ أَصَابَ صُرَّةَ مِسْكٍ يَوْمَ جَلُولَاءَ، فَقَالَ لَأَمْرَأَتِهِ هَاتِهَا، فَمَرَسَهَا فِي مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: انْضَحِيهَا حَوْلِي، فَإِنَّهُ يَأْتِينِي زُوَّارٌ الْآنَ يَجِدُونَ الرِّيحَ وَلَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى مَاتَ. عَاشَ سَلْمَانُ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً لَا يَشُكُّونَ فِي هَذَا وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ إِنَّهُ أَدْرَكَ وَحْيَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ قِيلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ وَفَاتُهُ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ ؓ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَّيَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَّيَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو سُفْيَانَ: لَمْ يَزَلْ عَلَى الشِّرْكِ يَقُودُ الْجُمُوعَ لِقِتَالِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَنَّ أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ مُتَزَلْزِلًا، فَعُدَّ فِي الْمُؤَلِّفَةِ [قُلُوبُهُمْ]، ثُمَّ اسْتَقَرَّ إِيمَانُهُ وَقَوِيَ يَقِينُهُ، وَكَانَ قَدْ كَفَّ عَنِ الْقِتَالِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَدِيَّةً مِنْ تَمْرِ عَجْوَةٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْتَهْدِيهِ أُدُمًا، فَقَبْلَ هَدِيَّتَهُ وَأَهْدَى إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَشَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ الطَّائِفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرُمِيَ يَوْمَئِذٍ فَذَهَبَتْ إِحْدَى عَيْنَيْهِ. وَشَهِدَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، وَأَعْطَى ابْنَيْهِ يَزِيدَ وَمُعَاوِيَةَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَكَرِيمٌ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي لَقَدْ حَارَبْتُكَ فَنِعْمَ الْمُحَارِبُ كُنْتَ، ثُمَّ سَالَمْتُكَ فَنَعِمَ الْمُسَالِمُ أَنْتَ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: ثُمَّ عَمِيَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعَنْ مُبَشِّرِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: حَضَرْتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ الْمَعْرَكَةَ فَلَا أَسْمَعُ لِلنَّاسِ كَلِمَةً وَلَا صَوْتًا إِلَّا نَقْفَ الْحَدِيدَ بَعْضُهُ بَعْضًا، إِلَّا أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ صَائِحًا يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ أَبْلُوا لِلَّهِ فِيهِ بَلَاءً حَسَنًا، وَإِذَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ تَحْتَ رَايَةِ ابْنِهِ يَزِيدَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: نَزَلَ أَبُو سُفْيَانَ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَهُوَ يَوْمَ مَاتَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. الطُّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الطُّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً.عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَهْمٍ السَّهْمِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَهْمٍ السَّهْمِيُّ، أَخُو خُنَيْسٍ: قَدِيمُ الْإِسْلَامِ بِمَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ، لِيَدْفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَقَرَأَهُ وَحَرَقَهُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ شَهِدَ بَدْرًا أَمْ لَا، وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَتُوُفِّيَ بِهَا، وَقَبْرُهُ فِي مَقْبَرَتِهَا. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَضْلَةَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَضْلَةَ، أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ: وَقَالَ قَوْمٌ: نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. أَسْلَمَ قَدِيمًا وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ، وَلَمْ يَزَلْ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قُبِضَ، فَتَحَوَّلَ فَنَزَلَ الْبَصْرَةَ حِينَ نَزَلَهَا الْمُسْلِمُونَ، ثُمَّ غَزَا خُرَاسَانَ فَمَاتَ بِهَا ؓ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ، أَبُو مُحَمَّدٍ: شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَبَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى الْأَذَانَ. تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ ؓ. قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادٍ أَبُو زَيْدٍ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادٍ، أَبُو زَيْدٍ : شَهِدَ الْعَقَبَتَيْنِ، وَذُكِرَ فِي السِّتَّةِ الَّذِينَ أَسْلَمُوا أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَانَ مِنَ الرُّمَاةِ الْمَذْكُورِينَ. وَشَهِدَ بَدْرًا، وَرَمَى حَجَرًا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَفِرُّ حَتَّى يَفِرَّ هَذَا الْحَجَرُ. وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ بَنِي سَلَمَةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، وَجُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ تِسْعَ جِرَاحَاتٍ، وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ خَثْعَمٍ، فَقَاتَلُوهُ وَغَنِمَ. تُوُفِّيَ قُطْبَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَمْ يُعَقِّبْ. كَعْبُ الْأَحْبَارِ بْنُ مَاتِعٍ أَبُو إِسْحَاقَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ بْنُ مَاتِعٍ، أَبُو إِسْحَاقَ : كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَسَكَنَ حِمْصَ، فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ أَسْنَدَ الْحَدِيثَ إِلَى عَمْرٍو، وَصُهَيْبٍ، وَعَائِشَةَ. مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ، مِنَ الْأَزْدِ : أَسْلَمَ بِمَكَّةَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِخَيْبَرَ فَشَهِدَهَا، وَكَانَ عُمَرُ ؓ يَأْكُلُ مَعَهُ وَيَقُولُ: لَوْ كَانَ غَيْرُكَ مَا آكَلَنِي فِي صَحْفَةٍ، وَلَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَدْرُ رُمْحٍ. وَكَانَ إِذَا شَرِبَ مِنَ الْإِنَاءِ وَضَعَ عُمَرُ فَمَهُ مَوْضِعَ فَمِهِ فَيَشْرَبُ، وَكَانَ قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ عُمَرُ يَطْلُبُ لَهُ الطِّبَّ، فَقَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ لَهُمَا: هَلْ عِنْدَكُمَا مِنْ طِبٍّ لِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ؟ فَقَالَا: مَا شَيْءٌ يُذْهِبُهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّا سَنُدَاوِيهِ دَوَاءً يُوقِفُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: عَافِيَةٌ عَظِيمَةٌ أَنْ يَقِفَ، قَالَا: هَلْ يَنْبُتُ بِأَرْضِكَ الْحَنْظَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَا: فَاجْمَعْ لَنَا مِنْهُ، فَجَمَعَ مِنْهُ مِكْتَلَانِ، فَعَمَدَا إِلَى كُلِّ حَنْظَلَةٍ فَشَقَّاهَا شِقَّيْنِ، ثُمَّ أَضْجَعَا مُعَيْقِيبًا، ثُمَّ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمَا بِإِحْدَى قَدَمَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَا يَدْلُكَانِ بُطُونَ قَدَمَيْهِ بِالْحَنْظَلَةِ حَتَّى إِذَا أَمَحَقَتْ أَخَذَا الْأُخْرَى، وَجَعَلَ مُعَيْقِيبٌ يَتَنَخَّمُ أَخْضَرَ مُرًّا، ثُمَّ أَرْسَلَاهُ، فَقَالَا لِعُمَرَ: لَا يَزِيدُ وَجَعُهُ. فَمَا زَالَ مُتَمَاسِكًا حَتَّى مَاتَ ؓ. مُعَضِّدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ مُعَضِّدُ بْنُ يَزِيدَ، أَبُو زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ : كَانَ كَثِيرَ التَّعَبُّدِ، وَاسْتُشْهِدَ فِي غَزَاةٍ بَلَنْجَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.
التاريخ 2015لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ غَزْوَةُ مُعَاوِيَةَ حِصْنَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ بِنَاحِيَةِ مَلَطْيَةَ . وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِفْرِيقِيَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ نَقَضَ أَهْلُهَا الْعَهْدَ، وَفِيهَا كَانَ مَسِيرُ الْأَحْنَفِ إِلَى خُرَاسَانَ وَفَتْحِ الْمَرْوَيْنِ، وَمَسِيرُ ابْنِ عَامِرٍ إِلَى نَيْسَابُورَ وَفَتْحِهَا، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ قُبْرُسَ، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مُسْتَوْفًى، وَقِيلَ إِنَّ فَتْحَهَا كَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ أَعَانَ أَهْلُهَا الرُّومَ عَلَى الْغُزَاةِ فِي الْبَحْرِ بِمَرَاكِبَ أَعْطُوهُمْ إِيَّاهَا، فَغَزَاهُمْ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ فَفَتَحَهَا عَنْوَةً فَقَتَلَ وَسَبَى، ثُمَّ أَقَرَّهُمْ عَلَى صُلْحِهِمْ وَبَعَثَ إِلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَبَنَوُا الْمَسَاجِدَ وَبَنَى مَدِينَةً. وَقِيلَ: كَانَتْ غَزْوَتُهُ الثَّانِيَةُ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: حَجَّ عُثْمَانُ بِالنَّاسِ، وَوُلِدَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ.
التاريخ 2016لا حكم مسجّل
ذكر تَسْيِيرِ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عُثْمَانُ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لَمَّا وَلَّاهُ عُثْمَانُ الْكُوفَةَ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْوَلِيدِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ، أَمَرَهُ أَنْ يُسَيِّرَ الْوَلِيدَ إِلَيْهِ، فَقَدِمَ سَعِيدٌ الْكُوفَةَ وَسَيَّرَ الْوَلِيدَ وَغَسَلَ الْمِنْبَرَ، فَنَهَاهُ رِجَالٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا مَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَاخْتَارَ سَعِيدٌ وُجُوهَ النَّاسِ وَأَهْلَ الْقَادِسِيَّةِ وَقُرَّاءَ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ دَخْلَتُهُ إِذَا خَلَا، وَأَمَّا إِذَا خَرَجَ فَكُلُّ النَّاسِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ يَوْمًا، فَبَيْنَا هُمْ يَتَحَدَّثُونَ قَالَ حُبَيْشُ بْنُ فُلَانٍ الْأَسَدِيُّ: مَا أَجْوَدَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ ! فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّ مَنْ لَهُ مِثْلُ النَّشَاسْتَجِ لَحَقِيقٌ أَنْ يَكُونَ جَوَادًا، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَهُ لَأَعَاشَكُمُ اللَّهُ بِهِ عَيْشًا رَغَدًا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُبَيْشٍ، وَهُوَ حَدَثٌ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا الْمِلْطَاطَ لَكَ، يَعْنِي لِسَعِيدٍ، وَهُوَ مَا كَانَ لِلْأَكَاسِرَةِ عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ الَّذِي يَلِي الْكُوفَةَ. قَالُوا: فَضَّ اللَّهُ فَاكَ ! وَاللَّهِ لَقَدْ هَمَمْنَا بِكَ ! فَقَالَ أَبُوهُ: غُلَامٌ فَلَا تَجَاوَزُهُ. فَقَالُوا: يَتَمَنَّى لَهُ سَوَادَنَا. قَالَ: وَيَتَمَنَّى لَكُمْ أَضْعَافَهُ، فَثَارَ بِهِ الْأَشْتَرُ، وَجُنْدَبٌ، وَابْنُ ذِي الْحِنْكَةِ، وَصَعْصَعَةُ، وَابْنُ الْكَوَّاءِ، وَكُمَيْلٌ، وَعُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَأَخَذُوهُ، فَثَارَ أَبُوهُ لِيَمْنَعَ عَنْهُ، فَضَرَبُوهُمَا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِمَا، وَجَعَلَ سَعِيدٌ يُنَاشِدُهُمْ وَيَأْبَوْنَ حَتَّى قَضَوْا مِنْهُمَا وَطَرًا. فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو أَسَدٍ فَجَاءُوا وَفِيهِمْ طُلَيْحَةُ، فَأَحَاطُوا بِالْقَصْرِ، وَرَكِبَتِ الْقَبَائِلُ فَعَاذُوا بِسَعِيدٍ، فَخَرَجَ سَعِيدٌ إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَوْمٌ تَنَازَعُوا وَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ الْعَافِيَةَ، فَرَدَّهُمْ فَتَرَاجَعُوا. وَأَفَاقَ الرَّجُلَانِ فَقَالَا: قَاتَلَنَا غَاشِيَتُكَ. فَقَالَ: لَا يَغْشَوْنِي أَبَدًا، فَكُفَّا أَلْسِنَتَكُمَا وَلَا تُحَزِّبَا النَّاسَ. فَفَعَلَا، وَقَعَدَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فِي بُيُوتِهِمْ وَأَقْبَلُوا يَقَعُونَ فِي عُثْمَانَ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَسْمُرُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وُجُوهُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْأَرْحَبِيُّ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيَّانِ، وَمَالِكٌ الْأَشْتَرُ، وَغَيْرُهُمْ، فَقَالَ سَعِيدٌ: إِنَّمَا هَذَا السَّوَادُ بُسْتَانُ قُرَيْشٍ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: أَتَزْعُمُ أَنَّ السَّوَادَ الَّذِي أَفَاءَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَسْيَافِنَا بُسْتَانٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ؟ وَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ مَعَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ سَعِيدٍ: أَتَرُدُّونَ عَلَى الْأَمِيرِ مَقَالَتَهُ ؟ وَأَغْلَظَ لَهُمْ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: مَنْ هَاهُنَا ؟ لَا يَفُوتَنَّكُمُ الرَّجُلُ ! فَوَثَبُوا عَلَيْهِ فَوَطِئُوهُ وَطْأً شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ جُرَّ بِرِجْلِهِ، فَنُضِحَ بِمَاءٍ فَأَفَاقَ فَقَالَ: قَتَلَنِي مَنِ انْتَخَبْتُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَسْمُرُ عِنْدِي أَحَدٌ أَبَدًا. فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ يَشْتُمُونَ عُثْمَانَ وَسَعِيدًا، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ حَتَّى كَثُرُوا، فَكَتَبَ سَعِيدٌ وَأَشْرَافُ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى عُثْمَانَ فِي إِخْرَاجِهِمْ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يُلْحِقُوهُمْ بِمُعَاوِيَةَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: إِنَّ نَفَرًا قَدْ خُلِقُوا لِلْفِتْنَةِ فَأَقِمْ عَلَيْهِمْ وَانْهَهُمْ، فَإِنْ آنَسْتَ مِنْهُمْ رُشْدًا فَاقْبَلْ، وَإِنْ أَعْيَوْكَ فَارْدُدْهُمْ عَلَيَّ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْزَلَهُمْ كَنِيسَةَ مَرْيَمَ، وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ بِالْعِرَاقِ بِأَمْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ يَوْمًا: إِنَّكُمْ قَوْمٌ مِنَ الْعَرَبِ لَكُمْ أَسْنَانٌ وَأَلْسِنَةٌ، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ بِالْإِسْلَامِ شَرَفًا، وَغَلَبْتُمُ الْأُمَمَ وَحَوَيْتُمْ مَوَارِيثَهُمْ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّكُمْ نَقِمْتُمْ قُرَيْشًا، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ كُنْتُمْ أَذِلَّةً، إِنَّ أَئِمَّتَكُمْ لَكُمْ جُنَّةٌ فَلَا تَفْتَرِقُوا عَنْ جُنَّتِكُمْ، وَإِنَّ أَئِمَّتَكُمْ يَصْبِرُونَ لَكُمْ عَلَى الْجَوْرِ وَيَحْتَمِلُونَ مِنْكُمُ الْمَؤُونَةَ، وَاللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ أَوْ لَيَبْتَلِيَنَّكُمُ اللَّهُ بِمَنْ يَسُومُكُمُ السُّوءَ وَلَا يَحْمَدُكُمْ عَلَى الصَّبْرِ، ثُمَّ تَكُونُونَ شُرَكَاءَهُمْ فِيمَا جَرَرْتُمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ فِي حَيَاتِكُمْ وَبَعْدَ وَفَاتِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ صَعْصَعَةُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَإِنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ الْعَرَبِ وَلَا أَمْنَعَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَتُخَوِّفَنَا، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ الْجُنَّةِ فَإِنَّ الْجُنَّةَ إِذَا اخْتُرِقَتْ خُلِصَ إِلَيْنَا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: عَرَفْتُكُمُ الْآنَ وَعَلِمْتُ أَنَّ الَّذِي أَغْرَاكُمْ عَلَى هَذَا قِلَّةُ الْعُقُولِ، وَأَنْتَ خَطِيبُهُمْ وَلَا أَرَى لَكَ عَقْلًا، أُعَظِّمُ عَلَيْكَ أَمْرَ الْإِسْلَامِ وَتُذَكِّرُنِي بِالْجَاهِلِيَّةِ ! أَخْزَى اللَّهُ قَوْمًا عَظَّمُوا أَمْرَكُمْ ! افْقَهُوا عَنِّي، وَلَا أَظُنُّكُمْ تَفْقَهُونَ أَنَّ قُرَيْشًا لَمْ تُعَزَّ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، لَمْ تَكُنْ بِأَكْثَرِ الْعَرَبِ وَلَا أَشَدِّهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا أَكْرَمَهُمْ أَحْسَابًا، وَأَمْحَضَهُمْ أَنْسَابًا، وَأَكْمَلَهُمْ مُرُوءَةً، وَلَمْ يَمْتَنِعُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَالنَّاسُ يَأْكُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، إِلَّا بِاللَّهِ، فَبَوَّأَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ! هَلْ تَعْرِفُونَ عَرَبِيًّا أَوْ عَجَمِيًّا أَوْ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ إِلَّا وَقَدْ أَصَابَهُ الدَّهْرُ فِي بَلَدِهِ وَحُرْمَتِهِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يُرِدْهُمْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِكَيْدٍ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ خَدَّهُ الْأَسْفَلَ، حَتَّى أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَسْتَنْقِذَ مَنْ أَكْرَمَ وَاتَّبَعَ دِينَهُ مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا وَسُوءِ مَرَدِّ الْآخِرَةِ، فَارْتَضَى لِذَلِكَ خَيْرَ خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ ارْتَضَى لَهُ أَصْحَابًا فَكَانَ خِيَارُهُمْ قُرَيْشًا، ثُمَّ بَنَى هَذَا الْمُلْكَ عَلَيْهِمْ، وَنَجْعَلُ هَذِهِ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، فَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إِلَّا عَلَيْهِمْ، فَكَانَ اللَّهُ يَحُوطُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، أَفَتَرَاهُ لَا يَحُوطُهُمْ وَهُمْ عَلَى دِينِهِ ؟ أُفٍّ لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ ! أَمَّا أَنْتَ يَا صَعْصَعَةُ فَإِنَّ قَرْيَتَكَ شَرُّ الْقُرَى ! أَنْتَنُهَا بَيْتًا، وَأَعْمَقُهَا وَادِيًا، وَأَعْرَفُهَا بِالشَّرِّ، وَأَلْأَمُهَا جِيرَانًا ! لَمْ يَسْكُنْهَا شَرِيفٌ قَطُّ وَلَا وَضِيعٌ إِلَّا سُبَّ بِهَا، ثُمَّ كَانُوا أَلْأَمَ الْعَرَبِ أَلْقَابًا وَأَصْهَارًا، نُزَّاعُ الْأُمَمِ، وَأَنْتُمْ جِيرَانُ الْخَطِّ، وَفَعَلَةُ فَارِسَ، حَتَّى أَصَابَتْكُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ تَسْكُنِ الْبَحْرَيْنِ فَتُشْرِكَهُمْ فِي دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْتَ شَرُّ قَوْمِكَ، حَتَّى إِذَا أَبْرَزَكَ الْإِسْلَامُ وَخَلَطَكَ بِالنَّاسِ أَقْبَلْتَ تَبْغِي دِينَ اللَّهِ عِوَجًا، وَتَنْزِعُ إِلَى الذِّلَّةِ، وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ قُرَيْشًا وَلَا يَضَعُهُمْ، وَلَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ تَأْدِيَةِ مَا عَلَيْهِمْ، إِنَّ الشَّيْطَانَ عَنْكُمْ غَيْرُ غَافِلٍ، قَدْ عَرَفَكُمْ بِالشَّرِّ فَأَغْرَى بِكُمُ النَّاسَ، وَهُوَ صَارِعُكُمْ، وَلَا تُدْرِكُونَ بِالشَّرِّ أَمْرًا أَبَدًا إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ شَرًّا مِنْهُ وَأَخْزَى. ثُمَّ قَامَ وَتَرَكَهُمْ فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَاهُمْ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ فَاذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ لَا يَنْفَعُ اللَّهُ بِكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَلَا يَضُرُّهُ، وَلَا أَنْتُمْ بِرِجَالِ مَنْفَعَةٍ وَلَا مَضَرَّةٍ، فَإِنْ أَرَدْتُمُ النَّجَاةَ فَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ وَلَا يُبْطِرَنَّكُمُ الْإِنْعَامُ، فَإِنَّ الْبَطَرَ لَا يَعْتَرِي الْخِيَارَ، اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ فَسَأَكْتُبُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِيكُمْ. فَلَمَّا خَرَجُوا دَعَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي مُعِيدٌ عَلَيْكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ مَعْصُومًا فَوَلَّانِي وَأَدْخَلَنِي فِي أَمْرِهِ، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ فَوَلَّانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فَوَلَّانِي، ثُمَّ اسْتُخْلِفَ عُثْمَانُ فَوَلَّانِي، وَلَمْ يُولِّنِي أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ عَنِّي رَاضٍ، وَإِنَّمَا طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْأَعْمَالِ أَهْلَ الْجَزَاءِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ وَالْغَنَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ ذُو سَطَوَاتٍ وَنَقَمَاتٍ يَمْكُرُ بِمَنْ مَكَرَ بِهِ، فَلَا تَعْرِضُوا لِأَمْرٍ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ غَيْرَ مَا تُظْهِرُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ غَيْرُ تَارِكِكُمْ حَتَّى يَخْتَبِرَكُمْ وَيُبْدِيَ لِلنَّاسِ سَرَائِرَكُمْ. وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّهُ قَدِمَ عَلَى أَقْوَامٍ لَيْسَتْ لَهُمْ عُقُولٌ وَلَا أَدْيَانٌ، أَضْجَرَهُمُ الْعَدْلُ، لَا يُرِيدُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ، وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِحُجَّةٍ، إِنَّمَا هَمُّهُمُ الْفِتْنَةُ وَأَمْوَالُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَاللَّهُ مُبْتَلِيهِمْ وَمُخْتَبِرُهُمْ ثُمَّ فَاضِحُهُمْ وَمُخْزِيهِمْ، وَلَيْسُوا بِالَّذِينَ يَنْكُونَ أَحَدًا إِلَّا مَعَ غَيْرِهِمْ، فَانْهَ سَعِيدًا وَمَنْ عِنْدَهُ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا لِأَكْثَرَ مِنْ شَغَبٍ وَنَكِيرٍ. فَخَرَجُوا مِنْ دِمَشْقَ فَقَالُوا: لَا تَرْجِعُوا بِنَا إِلَى الْكُوفَةِ، فَإِنَّهُمْ يَشْمَتُونَ بِنَا، وَلَكِنْ مَيِّلُوا إِلَى الْجَزِيرَةِ، فَسَمِعَ بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَكَانَ عَلَى حِمْصَ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: يَا آلَةَ الشَّيْطَانِ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ وَلَا أَهْلًا، قَدْ رَجَعَ الشَّيْطَانُ مَحْسُورًا وَأَنْتُمْ بَعْدُ نِشَاطٌ، خَسَّرَ اللَّهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّبْكُمْ، يَا مَعْشَرَ مَنْ لَا أَدْرِي أَعَرَبٌ هُمْ أَمْ عَجَمٌ، لَا تَقُولُوا لِي مَا بَلَغَنِي أَنَّكُمْ قُلْتُمْ لِمُعَاوِيَةَ، أَنَا ابْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَا ابْنُ مَنْ قَدْ عَجَمَتْهُ الْعَاجِمَاتُ، أَنَا ابْنُ فَاقِئِ الرِّدَّةِ ! وَاللَّهِ لَئِنْ بَلَغَنِي يَا صَعْصَعَةُ أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ مَعِي دَقَّ أَنْفَكَ ثُمَّ أَمَصَّكَ لَأَطِيرَنَّ بِكَ طَيْرَةً بَعِيدَةَ الْمَهْوَى ! فَأَقَامَهُمْ شَهْرًا كُلَّمَا رَكِبَ أَمْشَاهُمْ، فَإِذَا مَرَّ بِهِ صَعْصَعَةُ قَالَ: يَا ابْنَ الْحُطَيْئَةِ، أَعَلِمْتَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُصْلِحْهُ الْخَيْرُ أَصْلَحَهُ الشَّرُّ ؟ مَا لَكَ لَا تَقُولُ كَمَا بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ لِسَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ، أَقِلْنَا أَقَالَكَ اللَّهُ. فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. وَسَرَّحَ الْأَشْتَرَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَدِمَ إِلَيْهِ ثَانِيًا، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: احْلُلْ حَيْثُ شِئْتَ. فَقَالَ: مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ. فَقَالَ: ذَلِكَ إِلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ. قِيلَ: وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَزَادُوا فِيهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا عَادَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْقَابِلَةِ وَذَكَّرَهُمْ كَانَ مِمَّا قَالَ لَهُمْ: وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا آمُرُكُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ بَدَأْتُ فِيهِ بِنَفْسِي وَأَهْلِ بَيْتِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ أَكْرَمَهَا وَابْنَ أَكْرَمِهَا إِلَّا مَا جَعَلَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ فَإ?نَّهُ انْتَخَبَهُ وَأَكْرَمَهُ، وَإِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَوْ وَلَدَ النَّاسَ لَمْ يَلِدْ إِلَّا حَازِمًا. قَالَ صَعْصَعَةُ: قَدْ كَذَبْتَ ! قَدْ وَلَدَهُمْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ مَنْ خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَهُ، وَكَانَ فِيهِمُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْأَحْمَقُ وَالْكَيِّسُ. فَخَرَجَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ عِنْدِهِمْ ثُمَّ أَتَاهُمُ الْقَابِلَةَ فَتَحَدَّثَ عِنْدَهُمْ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا الْقَوْمُ رُدُّوا خَيْرًا أَوِ اسْكُتُوا وَتَفَكَّرُوا، وَانْظُرُوا فِيمَا يَنْفَعُكُمْ وَيَنْفَعُ أَهَالِيكُمْ وَالْمُسْلِمِينَ فَاطْلُبُوهُ. فَقَالَ صَعْصَعَةُ: لَسْتَ بِأَهْلِ ذَلِكَ وَلَا كَرَامَةَ لَكَ أَنْ تُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَلَيْسَ أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَأْتُكُمْ بِهِ أَنْ أَمَرْتُكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ؟ قَالُوا: بَلْ أَمَرْتَ بِالْفُرْقَةِ وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ. فَقَالَ: إِنِّي آمُرُكُمُ الْآنَ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ فَأَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَآمُرُكُمْ بِتَقْوَاهُ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَلُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَأَنْ تُوَقِّرُوا أَئِمَّتَكُمْ وَتَدُلُّوهُمْ عَلَى أَحْسَنِ مَا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ صَعْصَعَةُ: فَإِنَّا نَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ عَمَلَكَ فَإِنَّ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ، مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَحْسَنَ قَدَمًا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَبِيكَ وَهُوَ أَحْسَنُ فِي الْإِسْلَامِ قَدَمًا مِنْكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَدَمًا وَلَغَيْرِي كَانَ أَحْسَنَ قَدَمًا مِنِّي، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ فِي زَمَانِي أَحَدٌ أَقْوَى عَلَى مَا أَنَا فِيهِ مِنِّي، وَلَقَدْ رَأَى ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَلَوْ كَانَ غَيْرِي أَقْوَى مِنِّي لَمْ تَكُنْ عِنْدَ عُمَرَ هَوَادَةٌ لِي وَلَا لِغَيْرِي، وَلَمْ أُحْدِثْ مِنَ الْحَدَثِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْتَزِلَ عَمَلِي، وَلَوْ رَأَى ذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَكَتَبَ إِلَيَّ فَاعْتَزَلْتُ عَمَلَهُ، فَمَهْلًا فَإِنَّ فِي ذَلِكَ وَأَشْبَاهِهِ مَا يَتَمَنَّى الشَّيْطَانُ وَيَأْمُرُ، وَلَعَمْرِي لَوْ كَانَتِ الْأُمُورُ تُقْضَى عَلَى رَأْيِكُمْ وَأَمَانِيِّكُمْ مَا اسْتَقَامَتْ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، فَعَاوِدُوا الْخَيْرَ وَقُولُوهُ، وَإِنَّ لِلَّهِ لَسَطَوَاتٍ، وَإِنِّي لَخَائِفٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تُتَابِعُوا فِي مُطَاوَعَةِ الشَّيْطَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّحْمَنِ، فَيُحِلَّكُمْ ذَلِكَ دَارَ الْهَوَانِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ. فَوَثَبُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ، فَقَالَ: مَهْ إِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِأَرْضِ الْكُوفَةِ، وَاللَّهِ لَوْ رَأَى أَهْلُ الشَّامِ مَا صَنَعْتُمْ بِي مَا مَلَكْتُ أَنْ أَنْهَاهُمْ عَنْكُمْ حَتَّى يَقْتُلُوكُمْ، فَلَعَمْرِي إِنَّ صَنِيعَكُمْ لَيُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ! ثُمَّ قَامَ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ نَحْوَ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ يَأْمُرُهُ أَنْ يَرُدَّهُمْ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْكُوفَةِ، فَرَدَّهُمْ فَأَطْلَقُوا أَلْسِنَتَهُمْ، فَضَجَّ سَعِيدٌ مِنْهُمْ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ أَنْ يُسَيِّرَهُمْ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ بِحِمْصَ، فَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهَا، فَأَنْزَلَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَجْرَى عَلَيْهِمْ رِزْقًا، وَكَانُوا: الْأَشْتَرَ، وَثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَكُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ، وَزَيْدَ بْنَ صُوحَانَ، وَأَخَاهُ صَعْصَعَةَ، وَجُنْدَبَ بْنَ زُهَيْرٍ الْغَامِدِيَّ، وَجُنْدَبَ بْنَ كَعْبٍ الْأَزْدِيَّ، وَعُرْوَةَ بْنَ الْجَعْدِ، وَعَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ الْخُزَاعِيَّ، وَابْنَ الْكَوَّاءِ. قِيلَ: سَأَلَ مُعَاوِيَةُ ابْنَ الْكَوَّاءِ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ: أَنْتَ بَعِيدُ الثَّرَى كَثِيرُ الْمَرْعَى طَيِّبُ الْبَدِيهَةِ بَعِيدُ الْغَوْرِ، الْغَالِبُ عَلَيْكَ الْحِلْمُ، رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، سُدَّتْ بِكَ فُرْجَةٌ مَخُوفَةٌ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَهْلِ الْأَحْدَاثِ مِنَ الْأَمْصَارِ فَإِنَّكَ أَعْقَلُ أَصْحَابِكَ. قَالَ: أَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَهُمْ أَحْرَصُ الْأُمَّةِ عَلَى الشَّرِّ وَأَعْجَزُهُمْ عَنْهُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُمْ يَرِدُونَ جَمِيعًا وَيَصْدُرُونَ شَتَّى، وَأَمَّا أَهْلُ مِصْرَ فَهُمْ أَوْفَى النَّاسِ بِشَرٍّ وَأَسْرَعُهُمْ نَدَامَةً، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّامِ فَهُمْ أَطْوَعُ النَّاسِ لِمُرْشِدِهِمْ وَأَعْصَاهُمْ لِمُغْوِيهِمْ.
التاريخ 2017لا حكم مسجّل
ذكر تَسْيِيرِ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى الشَّامِ وَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ مِنْ إِمَارَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ بَلَغَهُ أَنَّ [ فِي عَبْدِ الْقَيْسِ ] رَجُلًا نَازِلًا عَلَى حَكِيمِ بْنِ جَبَلَةَ الْعَبْدِيِّ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّوْدَاءِ، هُوَ الرَّجُلُ النَّازِلُ عَلَيْهِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ فَطَرَحَ إِلَيْهِمُ ابْنَ السَّوْدَاءِ وَلَمْ يُصَرِّحْ، فَقَبِلُوا مِنْهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ابْنُ عَامِرٍ فَسَأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: رَغِبْتُ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي جِوَارِكَ. فَقَالَ: مَا يَبْلُغُنِي ذَلِكَ، اخْرُجْ عَنِّي. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْكُوفَةَ فَأُخْرِجَ مِنْهَا، فَقَصَدَ مِصْرَ فَاسْتَقَرَّ بِهَا وَجَعَلَ يُكَاتِبُهُمْ وَيُكَاتِبُونَهُ وَتَخْتَلِفُ الرِّجَالُ بَيْنَهُمْ. وَكَانَ حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ قَدْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فِي عِدَّتِهَا فَفَرَّقَ عُثْمَانُ بَيْنَهُمَا وَضَرَبَهُ وَسَيَّرَهُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَلَزِمَ ابْنَ عَامِرٍ، فَتَذَاكَرُوا يَوْمًا الْمُرُورَ بِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَقَالَ حُمْرَانُ: أَلَا أَسْبِقُكُمْ فَأُخْبِرُهُ ؟ فَخَرَجَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَقَالَ: الْأَمِيرُ يُرِيدُ الْمُرُورَ بِكَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ، فَلَمْ يَقْطَعْ قِرَاءَتَهُ، فَقَامَ مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ لَقِيَهُ ابْنُ عَامِرٍ فَقَالَ: [ جِئْتُكَ ] مِنْ عِنْدِ امْرِئٍ لَا يَرَى لِآلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ فَضْلًا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ عَامِرٍ فَأَطْبَقَ الْمُصْحَفَ وَحَدَّثَهُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: أَلَا تَغْشَانَا ؟ فَقَالَ: سَعْدُ بْنُ أَبِي الْقَرْحَاءِ يُحِبُّ الشَّرَفَ. فَقَالَ: أَلَا نَسْتَعْمِلُكَ ؟ فَقَالَ: حُصَيْنُ بْنُ الْحُرِّ يُحِبُّ الْعَمَلَ. فَقَالَ: أَلَا نُزَوِّجُكَ ؟ فَقَالَ: رَبِيعَةُ بْنُ عَسَلٍ يُعْجِبُهُ النِّسَاءُ. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تَرَى لِآلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْكَ فَضْلًا ! فَتَصَفَّحَ الْمُصْحَفَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ). فَسَعَى بِهِ حُمْرَانُ، وَأَقَامَ حُمْرَانُ بِالْبَصْرَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ، وَأَذِنَ لَهُ عُثْمَانُ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَعَهُ قَوْمٌ، فَسَعَوْا بِعَامِرِ بْنِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَنَّهُ لَا يَرَى التَّزْوِيجَ وَلَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَلَا يَشْهَدُ الْجُمُعَةَ، فَأَلْحَقَهُ بِمُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ رَأَى عِنْدَهُ ثَرِيدًا، فَأَكَلَ أَكْلًا عَرَبِيًّا، فَعَرَفَ أَنَّ الرَّجُلَ مَكْذُوبٌ عَلَيْهِ، فَعَرَّفَهُ مُعَاوِيَةُ سَبَبَ إِخْرَاجِهِ، فَقَالَ: أَمَّا الْجُمُعَةُ فَإِنِّي أَشْهَدُهَا فِي مُؤَخَّرِ الْمَجْلِسِ ثُمَّ أَرْجِعُ فِي أَوَائِلِ النَّاسِ، وَأَمَّا التَّزْوِيجُ فَإِنِّي خَرَجْتُ وَأَنَا يُخْطَبُ عَلَيَّ، وَأَمَّا اللَّحْمُ فَقَدْ رَأَيْتَ وَلَكِنِّي لَا آكُلُ ذَبَائِحَ الْقَصَّابِينَ مُنْذُ رَأَيْتُ قَصَّابًا يَجُرُّ شَاةً إِلَى مَذْبَحِهَا، ثُمَّ وَضَعَ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهَا فَمَا زَالَ يَقُولُ: النَّفَاقَ النَّفَاقَ، حَتَّى ذَبَحَهَا. قَالَ: فَارْجِعْ. قَالَ: لَا أَرْجِعُ إِلَى بَلَدٍ اسْتَحَلَّ أَهْلُهُ مِنِّي مَا اسْتَحَلُّوا، ( فَكَانَ يَكُونُ ) فِي السَّوَاحِلِ، فَكَانَ يَلْقَى مُعَاوِيَةَ فَيُكْثِرُ مُعَاوِيَةُ أَنْ يَقُولَ: مَا حَاجَتُكَ ؟ فَيَقُولُ: لَا حَاجَةَ لِي. فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ: تَرُدُّ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ الْبَصْرَةِ شَيْئًا لَعَلَّ الصَّوْمَ أَنْ يَشْتَدَّ عَلَيَّ فَإِنَّهُ يَخِفُّ عَلَيَّ فِي بِلَادِكُمْ.
التاريخ 2018لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْحَارِثُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْحَارِثُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ : أَسْلَمَ عِنْدَ إِسْلَامِ أَبِيهِ، وَصَحِبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَوَى عَنْهُ، وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَوَلَّاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ؓ مَكَّةَ، وَانْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَنَزَلَهَا وَتُوُفِّيَ بِهَا. الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَاسْمُ أَبِيهِ عَمْرُو بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ، أَبُو مَعْبَدٍ: كَانَ حَلِيفًا لِلْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيِّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَبَنَّاهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ إِلَى أَنْنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ [فَقِيلَ: الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو ]. وَكَانَ طَوِيلًا، آدَمَ، ذَا بَطْنٍ، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، [يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ، مَقْرُونَ الْحَوَاجِبِ أَقْنَأَ]. وَهَاجَرُ الْمِقْدَادُ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ فِي قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَلَا أَبُو مَعْشَرٍ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا. وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ عَدَا بِهِ فَرَسُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مِنَ الْمِقْدَادِ مَشْهَدًا لأَنْ أَكُونَ أَنَا صَاحِبَهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عُدِلَ بِهِ، إِنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا وَاللَّهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنَّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ يَسَارِكَ وَبَيْنَ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ ذَلِكَ. شَرِبَ الْمِقْدَادُ دُهْنَ الْخِرْوَعِ فَمَاتَ بِالْجَرْفِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ حَتَّى دُفِنَ بِالْبَقِيعِ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؓ، وَكَانَ ابْنَ سَبْعِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوِهَا.
التاريخ 2019لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ قِيلَ: فِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ الصَّوَارِي، فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا. وَفِيهَا تَكَاتَبَ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ لِلِاجْتِمَاعِ لِمُنَاظَرَتِهِ فِيمَا كَانُوا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ نَقِمُوا عَلَيْهِ. ذكر الْخَبَرِ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ يَوْمِ الْجَرَعَةِ قَدْ ذَكَرْنَا خَبَرَ الْمُسَيَّرِينَ مِنَ الْكُوفَةِ وَمُقَامَهُمْ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَوَفَدَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ إِلَى عُثْمَانَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَكَانَ سَعِيدٌ قَدْ وَلَّى قَبْلَ مَخْرَجِهِ إِلَى عُثْمَانَ بِسَنَةٍ وَبَعْضِ أُخْرَى الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ أَذْرَبِيجَانَ، وَسَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الرَّيَّ، وَالنُّسَيْرَ الْعِجْلِيَّ هَمَذَانَ، وَالسَّائِبَ بْنَ الْأَقْرَعِ أَصْبَهَانَ، وَمَالِكَ بْنَ حَبِيبٍ مَاهَ، وَحَكِيمَ بْنَ سَلَامٍ الْحِزَامِيَّ الْمَوْصِلَ، وَجَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَرْقِيسِيَا، وَسَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ الْبَابَ، وَجَعَلَ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو عَلَى الْحَرْبِ، وَعَلَى حُلْوَانَ عُتَيْبَةَ بْنَ النَّهَّاسِ، وَخَلَتِ الْكُوفَةُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ. فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ وَهُوَ يُرِيدُ خَلْعَ عُثْمَانَ، وَمَعَهُ الَّذِينَ كَانَ ابْنُ السَّوْدَاءِ يُكَاتِبُهُمْ، فَأَخَذَهُ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّمَا نَسْتَعْفِي مِنْ سَعِيدٍ. فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ، فَتَرَكَهُ وَكَاتَبَ يَزِيدُ الْمُسَيَّرِينَ فِي الْقُدُومِ عَلَيْهِ، فَسَارَ الْأَشْتَرُ وَالَّذِينَ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدٍ، فَسَبَقَهُمُ الْأَشْتَرُ، فَلَمْ يَفْجَأِ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَالْأَشْتَرُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَقُولُ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ وَتَرَكْتُ سَعِيدًا يُرِيدُهُ عَلَى نُقْصَانِ نِسَائِكُمْ عَلَى مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَرَدِّ أُولِي الْبَلَاءِ مِنْكُمْ إِلَى أَلْفَيْنِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ فَيْئَكُمْ بُسْتَانُ قُرَيْشٍ. فَاسْتَخَفَّ النَّاسُ وَجَعَلَ أَهْلُ الرَّأْيِ يَنْهَوْنَهُمْ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُمْ. فَخَرَجَ يَزِيدُ وَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ شَاءَ أَنْ يَلْحَقَ بِيَزِيدَ لِرَدِّ سَعِيدٍ فَلْيَفْعَلْ، فَبَقِيَ أَشْرَافُ النَّاسِ وَحُلَمَاؤُهُمْ فِي الْمَسْجِدِ. وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةُ سَعِيدٍ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَالطَّاعَةِ، فَقَالَ لَهُ الْقَعْقَاعُ: أَتَرُدُّ السَّيْلَ عَنْ أَدْرَاجِهِ ؟ هَيْهَاتَ لَا وَاللَّهِ لَا يُسْكِنُ الْغَوْغَاءَ إِلَّا الْمَشْرَفِيَّةُ، وَيُوشِكُ أَنْ تُنْتَضَى وَيَعُجُّونَ عَجِيجَ الْعَدَّانِ، وَيَتَمَنَّوْنَ مَا هُمْ فِيهِ الْيَوْمَ فَلَا يَرُدُّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، فَاصْبِرْ. قَالَ: أَصْبِرُ. وَتَحَوَّلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ فَنَزَلَ الْجَرَعَةَ، وَهِيَ قَرِيبٌ مِنَ الْقَادِسِيَّةِ، وَمَعَهُ الْأَشْتَرُ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمْ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِكَ. قَالَ: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكُمْ أَنْ تَبْعَثُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلًا وَإِلَيَّ رَجُلًا، وَهَلْ يَخْرُجُ الْأَلْفُ لَهُمْ عُقُولٌ إِلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ ؟ ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَتَحَسَّوْا بِمَوْلًى لَهُ عَلَى بَعِيرٍ قَدْ حُسِرَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَنْبَغِي لِسَعِيدٍ أَنْ يَرْجِعَ. فَقَتَلَهُ الْأَشْتَرُ. وَمَضَى سَعِيدٌ حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا فَعَلُوا وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْبَدَلَ وَأَنَّهُمْ يَخْتَارُونَ أَبَا مُوسَى، فَجَعَلَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ أَمِيرًا، وَكَتَبَ إِلَيْهِمْ: أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ أَمَّرْتُ عَلَيْكُمْ مَنِ اخْتَرْتُمْ وَأَعْفَيْتُكُمْ مِنْ سَعِيدٍ، وَاللَّهِ لَأُقْرِضَنَّكُمْ عِرْضِي وَلَأَبْذُلَنَّ لَكُمْ صَبْرِي وَلَأَسْتَصْلِحَنَّكُمْ بِجُهْدِي، فَلَا تَدَعُوا شَيْئًا أَحْبَبْتُمُوهُ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ إِلَّا سَأَلْتُمُوهُ، وَلَا شَيْئًا كَرِهْتُمُوهُ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ إِلَّا مَا اسْتَعْفَيْتُمْ مِنْهُ، أَنْزِلُ فِيهِ عِنْدَمَا أَحْبَبْتُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ لَكُمْ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ، وَلَنَصْبِرَنَّ كَمَا أُمِرْنَا حَتَّى تَبْلُغُوا مَا تُرِيدُونَ. وَرَجَعَ مِنَ الْأُمَرَاءِ مَنْ قَرُبَ مِنَ الْكُوفَةِ، فَرَجَعَ جَرِيرٌ مِنْ قَرْقِيسِيَا، وَعُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ مِنْ حُلْوَانَ، وَخَطَبَهُمْ أَبُو مُوسَى وَأَمَرَهُمْ بِلُزُومِ الْجَمَاعَةِ، ( وَطَاعَةِ عُثْمَانَ )، فَأَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ وَقَالُوا: صَلِّ بِنَا فَقَالَ: لَا إِلَّا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِعُثْمَانَ. قَالُوا: نَعَمْ. فَصَلَّى بِهِمْ وَأَتَاهُ وِلَايَتُهُ فَوَلِيَهُمْ. وَقِيلَ: سَبَبُ يَوْمِ الْجَرَعَةِ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَذَاكَرُوا أَعْمَالَ عُثْمَانَ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيَّ ثُمَّ الْعَنْبَرِيَّ، وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى عَامِرَ بْنَ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَأَتَاهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ اجْتَمَعُوا وَنَظَرُوا فِي أَعْمَالِكَ، فَوَجَدُوكَ قَدْ رَكِبْتَ أُمُورًا عِظَامًا، فَاتَّقِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا فَإِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قَارِئٌ، ثُمَّ هُوَ يَجِيءُ يُكَلِّمُنِي فِي الْمُحَقَّرَاتِ، وَوَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَيْنَ اللَّهُ ! فَقَالَ عَامِرٌ: بَلَى وَاللَّهِ إِنِّي لَأَدْرِي أَنَّ اللَّهَ لَبِالْمِرْصَادِ ! فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَإِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ فَجَمَعَهُمْ فَشَاوَرَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ وُزَرَاءٌ وَنُصَحَاءُ، وَإِنَّكُمْ وُزَرَائِي وَنُصَحَائِي وَأَهْلُ ثِقَتِي، وَقَدْ صَنَعَ النَّاسُ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ وَطَلَبُوا إِلَيَّ أَنْ أَعْزِلَ عُمَّالِي، وَأَنْ أَرْجِعَ عَنْ جَمِيعِ مَا يَكْرَهُونَ إِلَى مَا يُحِبُّونَ، فَاجْتَهِدُوا رَأْيَكُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَامِرٍ: أَرَى لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَشْغَلَهُمْ بِالْجِهَادِ عَنْكَ حَتَّى يَذِلُّوا لَكَ وَلَا يَكُونَ هِمَّةُ أَحَدِهِمْ إِلَّا فِي نَفْسِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ دُبُرِ دَابَّتِهِ وَقَمْلِ فَرْوَتِهُ. وَقَالَ سَعِيدٌ: احْسِمْ عَنْكَ الدَّاءَ فَاقْطَعْ عَنْكَ الَّذِي تَخَافُ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ قَاعِدَةً مَتَى تَهْلِكْ يَتَفَرَّقُوا وَلَا يَجْتَمِعْ لَهُمْ أَمْرٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ هَذَا هُوَ الرَّأْيُ لَوْلَا مَا فِيهِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَأْمُرَ أُمَرَاءَ الْأَجْنَادِ فَيَكْفِيَكَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَا قِبَلَهُ وَأَكْفِيَكَ أَنَا أَهْلَ الشَّامِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: إِنَّ النَّاسَ أَهْلُ طَمَعٍ، فَأَعْطِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ تَعْطِفْ عَلَيْكَ قُلُوبُهُمْ. ثُمَّ قَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ النَّاسَ بِمِثْلِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقُلْتَ وَقَالُوا وَزُغْتَ وَزَاغُوا، فَاعْتَدِلْ أَوِ اعْتَزِلْ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَاعْتَزِمْ عَزْمًا وَاقْدُمْ قُدُمًا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا لَكَ قَمِلَ فَرْوُكَ ؟ أَهَذَا الْجِدُّ مِنْكَ ؟ فَسَكَتَ عَمْرٌو حَتَّى تَفَرَّقُوا فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي عَلِمْتُ أَنَّ بِالْبَابِ مَنْ يُبَلِّغُ النَّاسَ قَوْلَ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فَأَرَدْتُ أَنْ يَبْلُغَهُمْ قَوْلِي فَيَثِقُوا بِي، فَأَقُودَ إِلَيْكَ خَيْرًا وَأَدْفَعَ عَنْكَ شَرًّا. فَرَدَّ عُثْمَانُ عُمَّالَهُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِتَجْهِيزِ النَّاسِ فِي الْبُعُوثِ، وَعَزَمَ عَلَى تَحْرِيمِ أُعْطِيَّاتِهِمْ لِيُطِيعُوهُ، وَرَدَّ سَعِيدًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَقِيَهُ النَّاسُ مِنَ الْجَرَعَةِ وَرَدُّوهُ، كَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ. قَالَ أَبُو ثَوْرٍ الْحَدَّانِيُّ: جَلَسْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ، وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ بِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ يَوْمَ الْجَرَعَةِ، فَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: مَا أَرَى أَنْ تُرَدَّ عَلَى عَقِبَيْهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا دِمَاءٌ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: وَاللَّهِ لَتُرَدَّنَّ عَلَى عَقِبَيْهَا وَلَا يَكُونُ فِيهَا مَحْجَمَةُ دَمٍ، وَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُهُ وَالنَّبِيُّ ﷺ حَيٌّ. فَرَجَعَ سَعِيدٌ إِلَى عُثْمَانَ وَلَمْ يُسْفَكْ دَمٌ، وَجَاءَ أَبُو مُوسَى أَمِيرًا، وَأَمَرَ عُثْمَانُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ أَنْ يَغْزُوَ الْبَابَ فَسَارَ نَحْوَهُ. سَبَبَ تَأَلُّبِ الْأَحْزَابِ عَلَى عُثْمَانَ وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُ?َرَ أَنَّ سَبَبَ تَأَلُّبِ الْأَحْزَابِ عَلَى عُثْمَانَ أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ. كَانَ يَهُودِيًّا فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَصَارَ إِلَى مِصْرَ، فَأَوْحَى إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ كَلَامًا اخْتَرَعَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ مَضْمُونُهُ أَنَّهُ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: أَلَيْسَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ سَيَعُودُ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا ؟ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: بَلَى ! فَيَقُولُ لَهُ: فَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أَفْضَلُ مِنْهُ فَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَعُودَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ! ثُمَّ يَقُولُ: وَقَدْ كَانَ أَوْصَى إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ فَمُحَمَّدٌ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَعَلِيٌّ خَاتَمُ الْأَوْصِيَاءِ. ثُمَّ يَقُولُ: فَهُوَ أَحَقُّ بِالْإِمْرَةِ مِنْ عُثْمَانَ، وَعُثْمَانُ مُعْتَدٍ فِي وِلَايَتِهِ مَا لَيْسَ لَهُ. فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ وَأَظْهَرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَافْتُتِنَ بِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَكَتَبُوا إِلَى جَمَاعَاتٍ مِنْ عَوَامِّ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ؛ فَتَمَالَئُوا عَلَى ذَلِكَ، وَتَكَاتَبُوا فِيهِ، وَتَوَاعَدُوا أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي الْإِنْكَارِ عَلَى عُثْمَانَ، وَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ مَنْ يُنَاظِرُهُ وَيَذْكُرُ لَهُ مَا يَنْقِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ تَوْلِيَتِهِ أَقْرِبَاءَهُ وَذَوِي رَحِمِهِ وَعَزْلِهِ كِبَارَ الصَّحَابَةِ. فَدَخَلَ هَذَا فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَجَمَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ نُوَّابَهُ مِنَ الْأَمْصَارِ، فَاسْتَشَارَهُمْ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 2020لا حكم مسجّل
ذكر ابْتِدَاءِ قَتْلِ عُثْمَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ تَكَاتَبَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَغَيْرُهُمْ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: أَنِ اقْدَمُوا فَإِنَّ الْجِهَادَ عِنْدَنَا، وَعَظُمَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ وَنَالُوا مِنْهُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَنْهَى وَلَا يَذُبُّ إِلَّا نَفَرٌ، مِنْهُمْ: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ فَكَلَّمُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: النَّاسُ وَرَائِي وَقَدْ كَلَّمُونِي فِيكَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ وَلَا أَعْرِفُ شَيْئًا تَجْهَلُهُ وَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَمْرٍ لَا تَعْرِفُهُ، إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا أَعْلَمُ، مَا سَبَقْنَاكَ إِلَى شَيْءٍ فَنُخْبِرَكَ عَنْهُ، وَلَا خَلَوْنَا بِشَيْءٍ فَنُبَلِّغَكَهُ، وَمَا خُصِصْنَا بِأَمْرٍ دُونَكَ، وَقَدْ رَأَيْتُ وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعْتُ مِنْهُ وَنِلْتُ صِهْرَهُ، وَمَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ بِأَوْلَى بِعَمَلِ الْحَقِّ مِنْكَ، وَلَا ابْنُ الْخَطَّابِ بِأَوْلَى بِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ مِنْكَ، وَأَنْتَ أَقْرَبُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَحِمًا، وَلَقَدْ نِلْتَ مِنْ صِهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَنَالَاهُ، وَمَا سَبَقَاكَ إِلَى شَيْءٍ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ وَاللَّهِ مَا تُبْصِرُ مِنْ عَمَى وَلَا تَعْلَمُ مِنْ جَهَالَةٍ، وَإِنَّ الطَّرِيقَ لَوَاضِحٌ بَيِّنٌ، وَإِنَّ أَعْلَامَ الدِّينِ لَقَائِمَةٌ. اعْلَمْ يَا عُثْمَانُ أَنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ إِمَامٌ عَادِلٌ هُدِيَ وَهَدَى، فَأَقَامَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَمَاتَ بِدْعَةً مَتْرُوكَةً، فَوَاللَّهِ إِنَّ كُلًّا لَبَيِّنٌ، وَإِنَّ السُّنَنَ لَقَائِمَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ الْبِدَعَ لَقَائِمَةٌ لَهَا أَعْلَامٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ إِمَامٌ جَائِرٌ ضَلَّ وَأَضَلَّ، فَأَمَاتَ سُنَّةً مَعْلُومَةً وَأَحْيَا بِدْعَةً مَتْرُوكَةً، وَإِنِّي أُحَذِّرُكَ اللَّهَ وَسَطَوَاتِهِ وَنَقَمَاتِهِ، فَإِنَّ عَذَابَهُ شَدِيدٌ أَلِيمٌ، وَأُحَذِّرُكَ أَنْ تَكُونَ إِمَامَ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّذِي يُقْتَلُ فَيَفْتَحُ عَلَيْهَا الْقَتْلَ وَالْقِتَالَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَلْبِسُ أُمُورَهَا عَلَيْهَا وَيَتْرُكُهَا شِيَعًا لَا يُبْصِرُونَ الْحَقَّ لِعُلُوِّ الْبَاطِلِ، يَمُوجُونَ فِيهَا مَوْجًا، وَيَمْرَجُونَ فِيهَا مَرْجًا. فَقَالَ عُثْمَانُ: قَدْ عَلِمْتُ وَاللَّهِ لَيَقُولُنَّ الَّذِي قُلْتَ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ مَكَانِي مَا عَنَّفْتُكَ وَلَا أَسْلَمْتُكَ وَلَا عِبْتُ عَلَيْكَ وَلَا جِئْتُ مُنْكِرًا، أَنْ وَصَلْتَ رَحِمًا وَسَدَدْتَ خَلَّةً وَآوَيْتَ ضَائِعًا، وَوَلَّيْتَ شَبِيهًا بِمَنْ كَانَ عُمَرُ يُوَلِّي. أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا عَلِيُّ هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ لَيْسَ هُنَاكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ وَلَّاهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَلِمَ تَلُمْنِي أَنْ وَلَّيْتُ ابْنَ عَامِرٍ فِي رَحِمِهِ وَقَرَابَتِهِ ؟ قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَطَأُ عَلَى صِمَاخِ مَنْ وَلَّى إِنْ بَلَغَهُ عَنْهُ حَرْفٌ جَلَبَهُ، ثُمَّ بَلَغَ بِهِ أَقْصَى الْعُقُوبَةِ وَأَنْتَ لَا تَفْعَلُ، ضَعُفْتَ وَرَقَقْتَ عَلَى أَقْرِبَائِكَ. قَالَ عُثْمَانُ: وَهُمْ أَقْرِبَاؤُكَ أَيْضًا ! قَالَ: أَجَلْ، إِنَّ رَحِمَهُمْ مِنِّي لَقَرِيبَةٌ، وَلَكِنَّ الْفَضْلَ فِي غَيْرِهِمْ. قَالَ عُثْمَانُ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُمَرَ وَلَّى مُعَاوِيَةَ ؟ فَقَدَ وَلَّيْتُهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ أَخْوَفَ لِعُمَرَ مِنْ يَرْفَأَ، غُلَامِ عُمَرَ، لَهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَقْتَطِعُ الْأُمُورَ دُونَكَ وَيَقُولُ لِلنَّاسِ هَذَا أَمْرُ عُثْمَانَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ ذَلِكَ فَلَا تُغَيِّرُ عَلَيْهِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلِيٌّ مِنْ عِنْدِهِ، وَخَرَجَ عُثْمَانُ عَلَى أَثَرِهِ فَجَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةً وَلِكُلِّ أَمْرٍ عَاهَةً، وَإِنَّ آفَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَاهَةَ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَيَّابُونَ طَعَّانُونَ يُرُونَكُمْ مَا تُحِبُّونَ وَيَسْتُرُونَ عَنْكُمْ مَا تَكْرَهُونَ، يَقُولُونَ لَكُمْ وَيَقُولُونَ، أَمْثَالَ النَّعَامِ يَتَّبِعُونَ أَوَّلَ نَاعِقٍ، أَحَبُّ مَوَارِدِهِمْ إِلَيْهِمُ الْبَعِيدُ، لَا يَشْرَبُونَ إِلَّا نَغَصًا وَلَا يَرِدُونَ إِلَّا عَكَرًا، [ لَا ] يَقُومُ لَهُمْ رَائِدٌ وَقَدْ أَعْيَتْهُمُ الْأُمُورُ، أَلَا فَقَدْ وَاللَّهِ عِبْتُمْ عَلَيَّ مَا أَقْرَرْتُمْ لِابْنِ الْخَطَّابِ بِمِثْلِهِ، وَلَكِنَّهُ وَطِئَكُمْ بِرِجْلِهِ وَضَرَبَكُمْ بِيَدِهِ وَقَمَعَكُمْ بِلِسَانِهِ، فَدِنْتُمْ لَهُ عَلَى مَا أَحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ، وَلِنْتُ لَكُمْ وَأَوْطَأْتُكُمْ كَتِفِي وَكَفَفْتُ يَدِي وَلِسَانِي عَنْكُمْ، فَاجْتَرَأْتُمْ عَلَيَّ. أَمَا وَاللَّهِ لَأَنَا أَعَزُّ نَفَرًا وَأَقْرَبُ نَاصِرًا وَأَكْثَرُ عَدَدًا وَأَحْرَى، إِنْ قُلْتُ هَلُمَّ أُتِيَ إِلَيَّ، وَلَقَدْ عَدَدْتُ لَكُمْ أَقْرَانًا، وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكُمْ فُضُولًا، وَكَشَّرْتُ لَكُمْ عَنْ نَابِي، وَأَخْرَجْتُمْ مِنِّي خُلُقًا لَمْ أَكُنْ أُحْسِنُهُ وَمَنْطِقًا لَمْ أَنْطِقْ بِهِ، فَكُفُّوا عَنِّي أَلْسِنَتَكُمْ وَعَيْبَكُمْ وَطَعْنَكُمْ عَلَى وُلَاتِكُمْ، فَإِنِّي كَفَفْتُ عَنْكُمْ مَنْ لَوْ كَانَ هُوَ الَّذِي يُكَلِّمُكُمْ لَرَضِيتُمْ مِنْهُ بِدُونِ مَنْطِقِي هَذَا. أَلَا فَمَا تَفْقِدُونَ مِنْ حَقِّكُمْ ؟ وَاللَّهِ مَا قَصَّرْتُ عَنْ بُلُوغِ مَا بَلَغَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَلَمْ تَكُونُوا تَخْتَلِفُونَ عَلَيْهِ. فَقَامَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ حَكَّمْنَا وَاللَّهِ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفَ، نَحْنُ وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَرَشْنَا لَكُمْ أَعْرَاضَنَا فَنَبَتْ بِكُمْ مَعَارِسُكُمْ تَبْنُونَ فِي دِمَنِ الثَّرَى فَقَالَ عُثْمَانُ: اسْكُتْ لَا سَكَتَّ، دَعْنِي وَأَصْحَابِي، مَا مَنْطِقُكَ فِي هَذَا ! أَلَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكَ أَنْ لَا تَنْطِقَ ؟ فَسَكَتَ مَرْوَانُ وَنَزَلَ عُثْمَانُ. ( عَنِ الْمِنْبَرِ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ عَلَى النَّاسِ وَعَظُمَ وَزَادَ تَأَلُّبُهُمْ عَلَيْهِ ).
التاريخ 2021لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ، أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ : شَهِدَ الْعَقَبَةَ مَعَ السَّبْعِينَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ. عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَرْمِي بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَالنَّبِيُّ ﷺ خَلْفَهُ يَتَتَرَّسُ بِهِ، وَكَانَ رَامِيًا، وَكَانَ إِذَا مَا رَفَعَ رَأْسَهُ يَنْظُرُ أَيْنَ يَقَعُ سَهْمُهُ فَيَرْفَعُ أَبُو طَلْحَةَ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: هَكَذَا بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا يُصِيبُكَ سَهْمٌ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. قَالَ: وَسَرَدَ الصَّوْمَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يُفْطِرُ إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى أَوْ فِي مَرَضٍ. وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا فَقَالَ: جَهِّزُونِي، فَقَالَ بَنُوهُ: قَدْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؓ وَنَحْنُ نَغْزُو عَنْكَ، فَقَالَ: جَهِّزُونِي. فَرَكِبَ الْبَحْرَ فَمَاتَ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ جَزِيرَةً إِلَّا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَدَفَنُوهُ بِهَا وَلَمْ يَتَغَيَّرْ. وَقِيلَ: مَاتَ بِالْمَدِينَةِ. وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً. سُوَيْدُ بْنُ شُعْبَةَ الْيَرْبُوعِيُّ سُوَيْدُ بْنُ شُعْبَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ : عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سُوَيْدِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْخُطَطِ الَّذِينَ خَطَّ لَهُمْ عُمَرُ بِالْكُوفَةِ، فَإِذْ هُوَ مُنْكَبٌّ عَلَى وَجْهِهِ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَلَوْلَا أَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ: أَهْلِي فِدَاؤُكَ، مَا نُطْعِمُكَ، مَا نَسْقِيكَ، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ تَحْتَ الثَّوْبِ شَيْئًا. فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَدْبَرَتِ الْحَرَاقِفُ وَالصُّلْبُ، فَمَا مِنْ ضَجْعَةٍ غَيْرَ مَا تَرَى، وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنِّي نَقَصْتُ مِنْهُ قُلَامَةَ ظُفْرٍ. قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْحُرْقُفَةُ، مُجْتَمَعُ رَأْسِ الْوَرِكِ وَرَأْسِ الْفَخِذَيْنِ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو عَبْسٍ [ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرِ بْنِ عَمْرٍو، أَبُو عَبْسٍ : كَانَ هُوَ وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نَيَّارٍ حِينَ أَسْلَمَا يَكْسِرَانِ أَصْنَامَ بَنِي حَارِثَةَ. وَشَهِدَ أَبُو عَبْسٍ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ، وَكَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَبْعَثَانِهِ يَصْدُقُ النَّاسَ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؓ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةً]. عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ : عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يُسَمِّي النُّقَبَاءَ، فَسَمَّى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ فِيهِمْ. قَالَ سُفْيَانُ: عُبَادَةُ عَقِبِيٌّ، أُحُدِيٌّ، بَدْرِيٌّ، شَجَرِيٌّ، وَهُوَ نَقِيبٌ، تُوُفِّيَ بِالرَّمْلَةِ بِالشَّامِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً. عَوْفُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَوْفُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبَّادٍ، وَيُلَقَّبُ مِسْطَحًا: شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَخَمْسِينَ سَنَةً. أَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيُّ كُلْثُومُ بْنُ الْحُصَيْنِ، أَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيُّ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَسْلَمَ أَبُو رُهْمٍ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَشَهِدَ مَعَهُ أُحُدًا، فَرُمِيَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي نَحْرِهِ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَصَقَ عَلَيْهِ فَبَرَأَ، وَكَانَ يُسَمَّى الْمَنْحُورَ. قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ مِنِ الطَّائِفِ إِلَى الْجِعْرَانَةِ وَأَبُو رُهْمٍ إِلَى جَنْبِهِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ غَلِيظَانِ إِذْ زَحَمَتْ نَاقَتُهُ نَاقَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو رُهْمٌ: فَوَقَعَ حَرْفُ نَعْلِي عَلَى سَاقِهِ فَأَوْجَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوْجَعْتَنِي أَخِّرْ رِجْلَكَ" وَقَرَعَ رِجْلِي بِالسَّوْطِ، فَأَخَذَنِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِي وَمَا تَأَخَّرَ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ عَظِيمٌ مِمَّا صَنَعْتُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا بِالْجِعْرَانَةِ خَرَجْتُ أَرْعَى الظَّهْرَ وَمَا هُوَ يَوْمِي فَرَقًا أَنْ يَأْتِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ [رَسُولٌ] يَطْلُبُنِي، فَلَمَّا رَوَّحْتُ الرِّكَابَ سَأَلْتُ، فَقَالُوا: طَلَبَكَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ: إِحْدَاهُنَّ وَاللَّهِ، فَجِئْتُهُ وَأَنَا أَتَرَقَّبُ، فَقَالَ: "إِنَّكَ أَوْجَعْتَنِي بِرِجْلِكَ فَقَرَعْتُكَ بِالسَّوْطِ وَأَوْجَعْتُكَ فَخُذْ هَذِهِ الْغَنَمَ عِوَضًا مِنْ ضَرْبَتِي" قَالَ: فَرِضَاهُ عَنِّي كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. قَالَ: وَبَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قَوْمِهِ يَسْتَنْفِرُهُمْ حِينَ أَرَادَ تَبُوكًا. ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: حَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ، وَحَجَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَهُ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ؓ.
التاريخ 2022لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا مَقْتَلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ تولية عبد الله بن سعد وعزل عمرو بن العاص وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ عَزَلَهُ عُثْمَانُ عَنْ مِصْرَ وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوَارِجَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ كَانُوا مَحْصُورِينَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَقْهُورِينَ مَعَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِسُوءٍ فِي خَلِيفَةٍ وَلَا أَمِيرٍ، فَمَا زَالُوا يَعْمَلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى شَكَوْهُ إِلَى عُثْمَانَ؛ لِيَنْزِعَهُ عَنْهُمْ وَيُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ أَلْيَنُ مِنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ حَتَّى عَزَلَ عَمْرًا عَنِ الْحَرْبِ وَتَرَكَهُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَوَلَّى عَلَى الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، ثُمَّ سَعَوْا فِيمَا بَيْنَهُمَا بِالنَّمِيمَةِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ قَبِيحٌ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ فَجَمَعَ لِابْنِ أَبِي سَرْحٍ جَمِيعَ عِمَالَةِ مِصْرَ؛ خَرَاجَهَا وَحَرْبَهَا وَصَلَاتَهَا، وَبَعَثَ إِلَى عَمْرٍو يَقُولُ لَهُ: لَا خَيْرَ لَكَ فِي الْمَقَامِ عِنْدَ مَنْ يَكْرَهُكَ، فَاقْدُمْ إِلَيَّ. فَانْتَقَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي نَفْسِهِ مِنْ عُثْمَانَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَشَرٌّ كَبِيرٌ، فَكَلَّمَهُ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ بِنَفْسٍ، وَتَقَاوَلَا فِي ذَلِكَ، وَافْتَخَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِأَبِيهِ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ كَانَ أَعَزَّ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: دَعْ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُؤَلِّبُ النَّاسَ عَلَى عُثْمَانَ. كره أهل مصر لعثمان ؓ ورد علي عليهم وَكَانَ بِمِصْرَ جَمَاعَةٌ يُبْغِضُونَ عُثْمَانَ وَيَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ - عَلَى مَا قَدَّمْنَا - وَيَنْقِمُونَ عَلَيْهِ فِي عَزْلِهِ جَمَاعَةً مِنْ عِلْيَةِ الصَّحَابَةِ، وَتَوْلِيَتِهِ مَنْ دُونِهِمْ أَوْ مَنْ لَا يَصْلُحُ عِنْدَهُمْ لِلْوِلَايَةِ. وَكَرِهَ أَهْلُ مِصْرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَاشْتَغَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ عَنْهُمْ بِقِتَالِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَفَتْحِهِ بِلَادَ الْبَرْبَرِ وَالْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَّةَ. وَنَشَأَ بِمِصْرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ يُؤَلِّبُونَ النَّاسَ عَلَى حَرْبِهِ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَكَانَ عُظْمُ ذَلِكَ مُسْنَدًا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ، حَتَّى اسْتَنْفَرَا نَحْوًا مِنْ سِتِّمِائَةِ رَاكِبٍ يَذْهَبُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي صِفَةِ مُعْتَمِرِينَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ؛ لِيُنْكِرُوا عَلَى عُثْمَانَ، فَسَارُوا إِلَيْهَا تَحْتَ أَرْبَعِ رِفَاقٍ، وَأَمْرُ الْجَمِيعِ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيِّ، وَكِنَانَةَ بْنِ بِشْرٍ التُّجِيبِيِّ، وَسَوْدَانَ بْنِ حُمْرَانَ السَّكُونِيِّ، وَأَقْبَلَ مَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَقَامَ بِمِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ يُؤَلِّبُ النَّاسَ وَيُدَافِعُ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى عُثْمَانَ يُعْلِمُهُ بِقُدُومِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ مُعْتَمِرِينَ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ أَمَرَ عُثْمَانُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ؛ لِيَرُدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ. وَيُقَالُ: بَلْ نَدَبَ النَّاسَ إِلَيْهِمْ فَانْتَدَبَ عَلِيٌّ، ؓ، لِذَلِكَ فَبَعَثَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ جَمَاعَةُ الْأَشْرَافِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَمَّارٍ فَأَبَى عَمَّارٌ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى عَمَّارٍ لِيُحَرِّضَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَ عَلِيٍّ إِلَيْهِمْ، فَأَبَى عَمَّارٌ كُلَّ الْإِبَاءِ، وَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَكَانَ مُتَغَضِّبًا عَلَى عُثْمَانَ بِسَبَبِ تَأْدِيبِهِ لَهُ عَلَى أَمْرٍ، وَضَرْبِهِ إِيَّاهُ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ شَتْمِهِ عَبَّاسَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَأَدَّبَهُمَا عُثْمَانُ، فَتَآمَرَ عَمَّارٌ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَجَعَلَ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ ذَلِكَ وَلَامَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَنْزِعْ، فَانْطَلَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيُبَالِغُونَ فِي أَمْرِهِ، فَرَدَّهُمْ وَأَنَّبَهُمْ وَشَتَمَهُمْ، فَرَجَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي تُحَارِبُونَ الْأَمِيرَ بِسَبَبِهِ، وَتَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَاظَرَهُمْ فِي عُثْمَانَ، وَسَأَلَهُمْ مَاذَا يَنْقِمُونَ عَلَيْهِ ؟ فَذَكَرُوا أَشْيَاءَ؛ مِنْهَا أَنَّهُ حَمَى الْحِمَى، وَأَنَّهُ حَرَقَ الْمَصَاحِفَ، وَأَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ وَلَّى الْأَحْدَاثَ الْوِلَايَاتِ، وَتَرَكَ الصَّحَابَةَ الْأَكَابِرَ، وَأَعْطَى بَنِي أُمَيَّةَ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ، فَأَجَابَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَّا الْحِمَى فَإِنَّمَا حَمَاهُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ لِتَسْمَنَ، وَلَمْ يَحْمِهِ لِإِبِلِهِ وَلَا لِغَنَمِهِ، وَقَدْ حَمَاهُ عُمَرُ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَمَّا الْمَصَاحِفُ فَإِنَّمَا حَرَقَ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَأَبْقَى لَهُمُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا إِتْمَامُهُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ تَأَهَّلَ بِهَا وَنَوَى الْإِقَامَةَ فَأَتَمَّهَا، وَأَمَّا تَوْلِيَتُهُ الْأَحْدَاثَ فَلَمْ يُوَلِّ إِلَّا رَجُلًا سَوِيًّا عَدْلًا، وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَتَّابَ بْنَ أُسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَوَلَّى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَطَعَنَ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ. وَأَمَّا إِيثَارُهُ قَوْمَهُ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يُؤْثِرُ قُرَيْشًا عَلَى النَّاسِ، وَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ بِيَدِي لَأَدْخَلْتُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَيْهَا. وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فِي عَمَّارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. فَذَكَرَ عُثْمَانُ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا. وَعَتَبُوا عَلَيْهِ فِي إِيوَائِهِ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَقَدْ نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى الطَّائِفِ فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كَانَ قَدْ نَفَاهُ إِلَى الطَّائِفِ ثُمَّ رَدَّهُ، ثُمَّ نَفَاهُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَقَدْ نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، ثُمَّ رَدَّهُ. رد عثمان على من أراد الخروج عليه وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ النَّاسَ بِهَذَا كُلِّهِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ فَيَشْهَدُونَ لَهُ فِيمَا فِيهِ شَهَادَةٌ لَهُ. وَيُرْوَى أَنَّهُمْ بَعَثُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ فَشَهِدُوا خُطْبَةَ عُثْمَانَ هَذِهِ، فَلَمَّا تَمَهَّدَتِ الْأَعْذَارُ وَانْزَاحَتْ عِلَلُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ شُبْهَةٌ أَشَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى عُثْمَانَ بِتَأْدِيبِهِمْ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ، ؓ، وَرَدَّهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَرَجَعُوا خَائِبِينَ مِنْ حَيْثُ أَتَوْا وَلَمْ يَنَالُوا شَيْئًا مِمَّا كَانُوا أَمَّلُوا وَرَامُوا، وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِرُجُوعِهِمْ عَنْهُ وَسَمَاعِهِمْ مِنْهُ، وَأَشَارَ عَلَى عُثْمَانَ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ خُطْبَةً يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ فِيهَا مِمَّا كَانَ وَقَعَ مِنَ الْأَثَرَةِ لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ، وَيُشْهِدُهُمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَابَ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سِيرَةِ الشَّيْخَيْنِ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَحِيدُ عَنْهَا كَمَا كَانَ الْأَمْرُ أَوَّلًا فِي مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ الْأُوَلِ، فَاسْتَمَعَ عُثْمَانُ هَذِهِ النَّصِيحَةَ، وَقَابَلَهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَخَطَبَ النَّاسَ، رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ تَائِبٍ مِمَّا كَانَ مِنِّي. وَأَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ فَبَكَى الْمُسْلِمُونَ أَجْمَعُونَ وَحَصَلَ لِلنَّاسِ رِقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَأَشْهَدَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ، ؓ، وَأَنَّهُ قَدْ سَبَّلَ بَابَهُ لِمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، لَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَجَعَلَ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أَوْ سُؤَالٍ، لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا جَاءَ عُثْمَانَ بَعْدَ انْصِرَافِ الْمِصْرِيِّينَ فَقَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ كَلَامًا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنْكَ وَيَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِكَ مِنَ النُّزُوعِ وَالْإِنَابَةِ، فَإِنَّ الْبِلَادَ قَدْ تَمَخَّضَتْ عَلَيْكَ، وَلَا آمَنُ رَكْبًا آخَرِينَ يَقْدَمُونَ مِنْ قِبَلِ الْكُوفَةِ فَتَقُولُ: يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ. وَيَقْدَمُ آخَرُونَ مِنَ الْبَصْرَةِ فَتَقُولُ: يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ. فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَطَعْتُ رَحِمَكَ وَاسْتَخْفَفْتُ بِحَقِّكَ ؟! قَالَ: فَخَرَجَ عُثْمَانُ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الَّتِي نَزَعَ فِيهَا، وَأَعْلَمَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ التَّوْبَةَ فَقَامَ ; فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَوَاللَّهِ مَا عَابَ مَنْ عَابَ شَيْئًا أَجْهَلُهُ، وَمَا جِئْتُ شَيْئًا إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ، وَلَكِنْ ضَلَّ رُشْدِي، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: مَنْ زَلَّ فَلْيَتُبْ، وَمَنْ أَخْطَأَ فَلْيَتُبْ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الْهَلَكَةِ، إِنَّ مَنْ تَمَادَى فِي الْجَوْرِ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الطَّرِيقِ. فَأَنَا أَوَّلُ مَنِ اتَّعَظَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا فَعَلْتُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَمِثْلِي نَزَعَ وَتَابَ، فَإِذَا نَزَلْتُ فَلْيَأْتِنِي أَشْرَافُكُمْ، فَوَاللَّهِ لَأَكُونَنَّ كَالْمَرْقُوقِ، إِنْ مَلَكَ صَبَرَ، وَإِنْ عُتِقَ شَكَرَ، وَمَا عَنِ اللَّهِ مَذْهَبٌ إِلَّا إِلَيْهِ. قَالَ: فَرَقَّ النَّاسُ لَهُ وَبَكَى مَنْ بَكَى، وَقَامَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ ! فَأَتْمِمْ عَلَى مَا قُلْتَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ عُثْمَانُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَجَدَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ النَّاسِ، وَجَاءَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: أَتَكَلَّمُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْ أَصْمُتُ ؟ فَقَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ - نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةُ - مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: بَلِ اصْمُتْ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَقَاتِلُوهُ، وَلَقَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا يَنْبَغِي لَهُ النُّزُوعُ عَنْهَا. فَقَالَ لَهَا: وَمَا أَنْتِ وَذَاكَ ! فَوَاللَّهِ لَقَدْ مَاتَ أَبُوكِ وَمَا يُحْسِنُ يَتَوَضَّأُ. فَقَالَتْ لَهُ: دَعْ ذِكْرَ الْآبَاءِ. وَنَالَتْ مِنْ أَبِيهِ الْحَكَمَ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا مَرْوَانُ، وَقَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ أَمْ أَصْمُتُ ؟ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: بَلْ تَكَلَّمْ. فَقَالَ مَرْوَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَوَدِدْتُ أَنَّ مَقَالَتَكَ هَذِهِ كَانَتْ وَأَنْتَ مُمْتَنِعٌ مَنِيعٌ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ رَضِيَ بِهَا وَأَعَانَ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ حِينَ بَلَغَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ، وَخَلَفَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَحِينَ أَعْطَى الْخُطَّةَ الذَّلِيلَةَ الذَّلِيلُ، وَاللَّهِ لَإِقَامَةٌ عَلَى خَطِيئَةٍ يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا، خَيْرٌ مِنْ تَوْبَةٍ تُخَوَّفُ عَلَيْهَا، وَإِنَّكَ لَوْ شِئْتَ لَعَزَمْتَ التَّوْبَةَ وَلَمْ تُقَرِّرْ لَنَا بِالْخَطِيئَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْكَ عَلَى الْبَابِ مِثْلُ الْجِبَالِ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَكَلِّمْهُمْ، فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أُكَلِّمَهُمْ. قَالَ: فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى الْبَابِ وَالنَّاسِ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ ؟ كَأَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ لِنَهْبٍ، شَاهَتِ الْوُجُوهُ ! كُلُّ إِنْسَانٍ آخِذٍ بِأُذُنِ صَاحِبِهِ، أَلَا مَنْ أُرِيدُ ؟ جِئْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِعُوا مُلْكَنَا مِنْ أَيْدِينَا، اخْرُجُوا عَنَّا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رُمْتُمُونَا لِيُمُرَّنَّ عَلَيْكُمْ أَمْرٌ يَسُوءُكُمْ وَلَا تَحْمَدُوا غِبَّهُ، ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا نَحْنُ مَغْلُوبِينَ عَلَى مَا بِأَيْدِينَا. معاتبة علي لعثمان في قول مروان ورد عثمان على ذلك قَالَ: فَرَجَعَ النَّاسُ، وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ حَتَّى أَتَى عَلِيًّا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ مُغْضَبًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: أَمَا رَضِيتَ مِنْ مَرْوَانَ وَلَا رَضِيَ مِنْكَ إِلَّا بِتَحْوِيلِكَ عَنْ دِينِكَ وَعَقْلِكَ، وَإِنَّ مَثَلَكَ مِثْلُ جَمَلِ الظَّعِينَةِ سَارَ حَيْثُ يَسَارُ بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَرْوَانُ بِذِي رَأْيٍ فِي دِينِهِ وَلَا نَفْسِهِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ سَيُورِدُكَ ثُمَّ لَا يُصْدِرُكَ، وَمَا أَنَا بِعَائِدٍ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا لِمُعَاتَبَتِكَ، أَذْهَبْتَ شَرَفَكَ، وَغُلِبْتَ عَلَى أَمْرِكَ. فَلَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ دَخَلَتْ نَائِلَةُ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَتْ: أَتَكَلَّمُ أَوْ أَسْكُتُ ؟ فَقَالَ: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: سَمِعْتُ قَوْلَ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَيْسَ يُعَاوِدُكَ، وَقَدْ أَطَعْتَ مَرْوَانَ حَيْثُ شَاءَ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ ؟ قَالَتْ: تَتَّقِي اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَتَّبِعُ سُنَّةَ صَاحِبَيْكَ مِنْ قَبْلِكَ، فَإِنَّكَ مَتَى أَطَعْتَ مَرْوَانَ قَتَلَكَ، وَمَرْوَانُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ وَلَا هَيْبَةٌ وَلَا مَحَبَّةٌ، فَأَرْسِلْ إِلَى عَلِيٍّ فَاسْتَصْلِحْهُ، فَإِنَّ لَهُ قَرَابَةً مِنْكَ وَهُوَ لَا يُعْصَى. قَالَ: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ أَعْلَمْتُهُ أَنِّي لَسْتُ بِعَائِدٍ. قَالَ: وَبَلَغَ مَرْوَانَ قَوْلُ نَائِلَةَ فِيهِ، فَجَاءَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: أَتَكَلَّمُ أَوْ أَسْكُتُ ؟ فَقَالَ: تَكَلَّمْ. فَقَالَ: إِنَّ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا تَذْكُرْهَا بِحَرْفٍ فَأَسُوءَ لَكَ وَجْهَكَ، فَهِيَ وَاللَّهِ أَنْصَحُ لِي مِنْكَ. قَالَ: فَكَفَّ مَرْوَانُ. وَأَتَى عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ بِمَنْزِلِهِ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: إِنِّي غَيْرُ عَائِدٍ، وَإِنِّي فَاعِلٌ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: بَعْدَمَا تَكَلَّمْتَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَعْطَيْتَ مِنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى النَّاسِ يَشْتُمُهُمْ عَلَى بَابِكَ وَيُؤْذِيهِمْ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: خَذَلْتَنِي وَجَرَّأْتَ النَّاسَ عَلَيَّ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَكْثَرُ النَّاسِ ذَبًّا عَنْكَ، وَلَكِنِّي كُلَّمَا جِئْتُ بِشَيْءٍ أَظُنُّهُ لَكَ رِضًا جَاءَ مَرْوَانُ بِأُخْرَى فَسَمِعْتَ قَوْلَهُ وَتَرَكْتَ قَوْلِي. منع الماء عن عثمان وتدخل علي وَلَمْ يَعُدْ عَلِيٌّ يَعْمَلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ إِلَى أَنْ مُنِعَ عُثْمَانُ الْمَاءَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِطَلْحَةَ ( أُرِيدُ أَنْ ) تُدْخَلَ عَلَيْهِ الرَّوَايَا، وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى دَخَلَتِ الرَّوَايَا عَلَى عُثْمَانَ. قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنْ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَ حَصْرِ عُثْمَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ طَلْحَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ أَثَرٌ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ أَتَاهُ عُثْمَانُ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِي حَقَّ الْإِسْلَامِ وَحَقَّ الْإِخَاءِ وَالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَكُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَكَانَ عَارًا عَلَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْ يَنْتَزِعَ أَخُو بَنِي تَيْمٍ، يَعْنِي طَلْحَةَ أَمْرَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: سَيَأْتِيكَ الْخَبَرُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَرَأَى أُسَامَةَ فَتَوَكَّأَ عَلَى يَدِهِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ طَلْحَةَ، وَهُوَ [ فِي ] خَلْوَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: يَا طَلْحَةُ مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي وَقَعْتَ فِيهِ ؟ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ بَعْدَمَا مَسَّ الْحِزَامُ الطِّبْيَيْنِ. فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَالِ فَقَالَ: افْتَحُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمَفَاتِيحَ، فَكَسَرَ الْبَابَ وَأَعْطَى النَّاسَ، فَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِ طَلْحَةَ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، وَسُرَّ بِذَلِكَ عُثْمَانُ، وَجَاءَ طَلْحَةُ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَدْتُ أَمْرًا فَحَالَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتَ تَائِبًا، وَلَكِنْ جِئْتَ مَغْلُوبًا، اللَّهُ حَسِيبُكَ يَا طَلْحَةُ !
التاريخ 2023لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَجِيءِ الْأَحْزَابِ إِلَى عُثْمَانَ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مِنْ مِصْرَ وَغَيْرِهَا فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْأَمْصَارِ لَمَّا بَلَغَهُمْ خَبَرُ مَرْوَانَ وَغَضَبُ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ بِسَبَبِهِ، وَوَجَدُوا الْأَمْرَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَتَكَاتَبَ أَهْلُ مِصْرَ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ وَتَرَاسَلُوا، وَزُوِّرَتْ كُتُبٌ عَلَى لِسَانِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ وَعَلَى لِسَانِ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى قِتَالِ عُثْمَانَ وَنَصْرِ الدِّينِ، وَأَنَّهُ أَكْبَرُ الْجِهَادِ الْيَوْمَ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ وَأَبِي حَارِثَةَ وَأَبِي عُثْمَانَ - وَقَالَهُ غَيْرُهُمْ أَيْضًا - قَالُوا: لَمَّا كَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، خَرَجَ أَهْلُ مِصْرَ فِي أَرْبَعِ رِفَاقٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمَرَاءَ؛ الْمُقَلِّلُ لَهُمْ يَقُولُ: سِتُّمِائَةٍ. وَالْمُكَثِّرُ يَقُولُ: أَلْفٌ. عَلَى الرِّفَاقِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيُّ، وَكِنَانَةُ بْنُ بِشْرٍ التُّجِيبِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ شُيَيْمٍ اللِّيثِيُّ، وَسَوْدَانُ بْنُ حُمْرَانَ السُّكُونِيُّ، وَقُتَيْرَةُ السُّكُونِيُّ، وَعَلَى الْقَوْمِ جَمِيعًا الْغَافِقِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْعَكِّيُّ، وَخَرَجُوا فِيمَا يُظْهِرُونَ لِلنَّاسِ حُجَّاجًا، وَمَعَهُمُ ابْنُ السَّوْدَاءِ، وَكَانَ أَصْلُهُ ذِمِّيًّا، فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَحْدَثَ بِدَعًا قَوْلِيَّةً وَفِعْلِيَّةً - قَبَّحَهُ اللَّهُ - وَخَرَجَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي أَرْبَعِ رِفَاقٍ، وَأُمَرَاؤُهُمْ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَالْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ، وَعَلَى الْجَمِيعِ عَمْرُو بْنُ الْأَصَمِّ، وَخَرَجَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ أَيْضًا فِي أَرْبَعِ رَايَاتٍ مَعَ حَكِيمِ بْنِ جَبَلَةَ الْعَبْدِيِّ، وَبِشْرِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْقَيْسِيِّ، وَذُرَيْحِ بْنِ عَبَّادٍ الْعَبْدِيِّ، وَابْنِ مُحَرِّشٍ الْحَنَفِيِّ، وَعَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ. وَأَهْلُ مِصْرَ مُصِرُّونَ عَلَى وِلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ عَازِمُونَ عَلَى تَأْمِيرِ الزُّبَيْرِ، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ مُصَمِّمُونَ عَلَى تَوْلِيَةِ طَلْحَةَ. لَا تَشُكُّ كُلُّ فِرْقَةٍ أَنَّ أَمْرَهَا سَيَتِمُّ، فَسَارَ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْ بَلَدِهِمْ حَتَّى تَوَافَوْا حَوْلَ الْمَدِينَةِ - كَمَا تَوَاعَدُوا فِي كُتُبِهِمْ - فِي شَهْرِ شَوَّالٍ فَنَزَلَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِذِي خُشُبٍ، وَطَائِفَةٌ بِالْأَعْوَصِ، وَالْجُمْهُورُ بِذِي الْمَرْوَةِ، وَهُمْ عَلَى وَجَلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَبَعَثُوا قُصَّادًا وَعُيُونًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ؛ لِيَخْتَبِرُوا النَّاسَ وَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ إِنَّمَا جَاءُوا لِلْحَجِّ لَا لِغَيْرِهِ، وَلِيَسْتَعْفُوا هَذَا الْوَالِي مِنْ بَعْضِ عُمَّالِهِ، مَا جِئْنَا إِلَّا لِذَلِكَ، وَاسْتَأْذَنُوا فِي الدُّخُولِ، فَكُلُّ النَّاسِ أَبَى دُخُولَهُمْ، وَنَهَى عَنْهُ، فَتَجَاسَرُوا وَاقْتَرَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَجَاءَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى عَلِيٍّ وَهُوَ فِي عَسْكَرٍ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ، عَلَيْهِ حُلَّةُ أَفْوَافٍ، مُعْتَمٌّ بِشَقِيقَةٍ حَمْرَاءَ يَمَانِيَةٍ، مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَمِيصٌ، وَقَدْ سَرَّحَ ابْنَهُ الْحَسَنَ إِلَى عُثْمَانَ فِي مَنِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْمِصْرِيُّونَ فَصَاحَ بِهِمْ وَأَطْرَدَهُمْ وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمَ الصَّالِحُونَ أَنَّ جَيْشَ ذِي الْمَرْوَةِ وَذِي خُشُبٍ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، فَارْجِعُوا لَا صَبَّحَكُمُ اللَّهُ. قَالُوا: نَعَمْ. وَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِهِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَتَى الْبَصْرِيُّونَ طَلْحَةَ وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى إِلَى جَنْبِ عَلِيٍّ - وَقَدْ أَرْسَلَ ابْنَيْهِ إِلَى عُثْمَانَ - فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَصَاحَ بِهِمْ وَأَطْرَدَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ لِأَهْلِ مِصْرَ، وَكَذَلِكَ كَانَ رَدُّ الزُّبَيْرِ عَلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ. فَرَجَعَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ وَأَظْهَرُوا لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى بُلْدَانِهِمْ، وَسَارُوا أَيَّامًا رَاجِعِينَ، ثُمَّ كَرُّوا عَائِدِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَا كَانَ غَيْرَ قَلِيلٍ حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ التَّكْبِيرَ، وَإِذَا الْقَوْمُ قَدْ زَحَفُوا عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَحَاطُوا بِهَا، وَجُمْهُورُهُمْ عِنْدَ دَارِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَقَالُوا لِلنَّاسِ: مَنْ كَفَّ يَدَهُ فَهُوَ آمِنٌ. فَكَفَّ النَّاسُ وَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ، وَأَقَامَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا. هَذَا كُلُّهُ وَلَا يَدْرِي النَّاسُ مَا الْقَوْمُ صَانِعُونَ وَلَا عَلَى مَا هُمْ عَازِمُونَ، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَيُصَلِّي وَرَاءَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَأُولَئِكَ الْآخَرُونَ، وَذَهَبَ الصَّحَابَةُ إِلَى هَؤُلَاءِ يُؤَنِّبُونَهُمْ وَيَعْذِلُونَهُمْ عَلَى رُجُوعِهِمْ، حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ لِأَهْلِ مِصْرَ: مَا رَدُّكُمْ بَعْدَ ذَهَابِكُمْ وَرُجُوعِكُمْ عَنْ رَأْيِكُمْ ؟ فَقَالُوا: وَجَدْنَا مَعَ بَرِيدٍ كِتَابًا بِقَتْلِنَا. وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَصْرِيُّونَ لِطَلْحَةَ، وَالْكُوفِيُّونَ لِلزُّبَيْرِ. وَقَالَ أَهْلُ كُلِّ مِصْرَ: إِنَّمَا جِئْنَا لِنَنْصُرَ أَصْحَابَنَا. فَقَالَ لَهُمُ الصَّحَابَةُ: كَيْفَ عَلِمْتُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِكُمْ وَقَدِ افْتَرَقْتُمْ وَصَارَ بَيْنَكُمْ مَرَاحِلُ ؟ إِنَّمَا هَذَا أَمْرٌ اتَّفَقْتُمْ عَلَيْهِ. فَقَالُوا: ضَعُوهُ عَلَى مَا أَرَدْتُمْ، لَا حَاجَةَ لَنَا فِي هَذَا الرَّجُلِ، لِيَعْتَزِلْنَا وَنَحْنُ نَعْتَزِلُهُ. يَعْنُونَ أَنَّهُ إِنْ نَزَلَ عَنِ الْخِلَافَةِ تَرَكُوهُ آمِنًا. وَكَانَ الْمِصْرِيُّونَ - فِيمَا ذُكِرَ - لَمَّا رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَجَدُوا فِي الطَّرِيقِ بَرِيدًا يَسِيرُ، فَأَخَذُوهُ، فَفَتَّشُوهُ، فَإِذَا مَعَهُ فِي إِدَوَاةٍ كِتَابٌ عَلَى لِسَانِ عُثْمَانَ فِيهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ، وَبِصَلْبِ آخَرِينَ، وَبِقَطْعِ أَيْدِي آخَرِينَ مِنْهُمْ وَأَرْجُلِهِمْ. وَكَانَ عَلَى الْكِتَابِ طَابَعٌ بِخَاتَمِ عُثْمَانَ وَالْبَرِيدُ أَحَدُ غِلْمَانِ عُثْمَانَ، وَعَلَى جَمَلِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَجَعُوا جَاءُوا بِالْكِتَابِ وَدَارُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ، فَكَلَّمَ النَّاسُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: بَيِّنَةٌ عَلَيَّ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَوَاللَّهِ لَا كَتَبْتُ وَلَا أَمْلَيْتُ، وَلَا دَرَيْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْخَاتَمُ قَدْ يُزَوَّرُ عَلَى الْخَاتَمِ. فَصَدَّقَهُ الصَّادِقُونَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَّبَهُ الْكَاذِبُونَ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ مِصْرَ كَانُوا قَدْ سَأَلُوا مِنْ عُثْمَانَ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهُمُ ابْنَ أَبِي سَرْحٍ وَيُوَلِّيَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ فَلَمَّا رَجَعُوا وَجَدُوا ذَلِكَ الْبَرِيدَ وَمَعَهُ الْكِتَابُ بِقَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَآخَرِينَ مَعَهُ، فَرَجَعُوا وَقَدْ حَنِقُوا عَلَيْهِ حَنَقًا شَدِيدًا، وَطَافُوا بِالْكِتَابِ عَلَى النَّاسِ فَدَخَلَ ذَلِكَ فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ الَّذِي كَانَ مَعَهُ هَذِهِ الرِّسَالَةُ مِنْ جِهَةِ عُثْمَانَ إِلَى مِصْرَ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ عَلَى جَمَلٍ لِعُثْمَانَ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَتَبُوا إِلَى الْآفَاقِ مِنَ الْمَدِينَةِ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْقُدُومِ عَلَى عُثْمَانَ لِيُقَاتِلُوهُ. وَهَذَا كَذِبٌ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا كُتِبَتْ كُتُبٌ مُزَوَّرَةٌ عَلَيْهِمْ، كَمَا كَتَبُوا مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ إِلَى الْخَوَارِجِ كُتُبًا مُزَوَّرَةً عَلَيْهِمْ أَنْكَرُوهَا، وَهَكَذَا زُوِّرَ هَذَا الْكُتَّابُ عَلَى عُثْمَانَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَيْضًا. وَاسْتَمَرَّ عُثْمَانُ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا، وَهُمْ أَحْقَرُ فِي عَيْنِهِ مِنَ التُّرَابِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْجُمُعَاتِ وَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفِي يَدِهِ الْعَصَا الَّتِي كَانَ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فِي خُطْبَتِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، ؓ، مِنْ بَعْدِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أُولَئِكَ فَسَبَّهُ وَنَالَ مِنْهُ، وَأَنْزَلَهُ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَطَمِعَ النَّاسِ فِيهِ مِنْ يَوْمَئِذٍ، كَمَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ: بسنده عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَنْظُرُ إِلَى عُثْمَانَ يَخْطُبُ عَلَى عَصَا النَّبِيِّ، ﷺ، الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَقَالَ لَهُ جَهْجَاهُ: قُمْ يَا نَعْثَلُ فَانْزِلْ عَنْ هَذَا الْمِنْبَرِ. وَأَخَذَ الْعَصَا فَكَسَرَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى فَدَخَلَتْ شَظِيَّةٌ مِنْهَا فِيهَا، فَبَقِيَ الْجُرْحُ حَتَّى أَصَابَتْهُ الْأَكِلَةُ فَرَأَيْتُهَا تُدَوِّدُ، فَنَزَلَ عُثْمَانُ وَحَمَلُوهُ وَأَمَرَ بِالْعَصَا فَشَدُّوهَا، فَكَانَتْ مُضَبَّبَةً، فَمَا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا خَرْجَةً أَوْ خَرْجَتَيْنِ، حَتَّى حُصِرَ فَقُتِلَ. وَعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ قَالَ: خَطَبَ عُثْمَانُ النَّاسَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّكَ قَدْ رَكِبْتَ نَهَابِيرَ وَرَكِبْنَاهَا مَعَكَ، فَتُبْ نَتُبْ. فَاسْتَقْبَلَ عُثْمَانُ الْقِبْلَةَ وَشَهَرَ يَدَيْهِ قَالَ أَبُو حَبِيبَةَ: فَلَمْ أَرَ يَوْمًا أَكْثَرَ بَاكِيًا وَلَا بَاكِيَةً مِنْ يَوْمِئِذٍ. ثُمَّ لَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَامَ إِلَيْهِ جَهْجَاهُ الْغِفَارِيُّ فَصَاحَ: يَا عُثْمَانُ أَلَا إِنَّ هَذِهِ شَارِفٌ قَدْ جِئْنَا بِهَا عَلَيْهَا عَبَاءَةٌ وَجَامِعَةٌ، فَانْزِلْ فَلْنُدْرِجْكَ فِي الْعَبَاءَةِ، وَلْنَطْرَحْكَ فِي الْجَامِعَةِ، وَلْنَحْمِلْكَ عَلَى الشَّارِفِ، ثُمَّ نَطْرَحْكَ فِي جَبَلِ الدُّخَانِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ. ثُمَّ نَزَلَ عُثْمَانُ. قَالَ أَبُو حَبِيبَةَ: وَكَانَ آخِرَ يَوْمٍ رَأَيْتُهُ فِيهِ. أَوَّلَ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى عُثْمَانَ بِالْمَنْطِقِ السَّيِّئِ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنِ اجْتَرَأَ عَلَى عُثْمَانَ بِالْمَنْطِقِ السَّيِّئِ جَبَلَةُ بْنُ عَمْرٍو السَّاعِدِيُّ، مَرَّ بِهِ عُثْمَانُ وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ، وَفِي يَدِ جَبَلَةَ جَامِعَةٌ، فَلَمَّا مَرَّ عُثْمَانُ سَلَّمَ فَرَدَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ جَبَلَةُ لِمَ تَرُدُّونَ عَلَيْهِ ؟ رَجُلٌ قَالَ كَذَا وَكَذَا. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَطْرَحَنَّ هَذِهِ الْجَامِعَةَ فِي عُنُقِكَ أَوْ لَتَتْرُكَنَّ بِطَانَتَكَ هَذِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَيُّ بِطَانَةٍ ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي لِأَتَخَيَّرُ النَّاسُ. فَقَالَ: مَرْوَانَ تَخَيَّرْتَهُ ؟! وَمُعَاوِيَةَ تَخَيَّرْتَهُ ؟! وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ تَخَيَّرْتَهُ ؟! وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ تَخَيَّرْتَهُ ؟! مِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِدَمِهِ، وَأَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، دَمَهُ. قَالَ: فَانْصَرَفَ عُثْمَانُ فَمَا زَالَ النَّاسُ مُجْتَرِئِينَ عَلَيْهِ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ. وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ عُثْمَانَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ أَيْضًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: يَا هَؤُلَاءِ الْعِدَا اللَّهَ اللَّهَ ! فَوَاللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَيَعْلَمُونِ أَنَّكُمْ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، فَامْحُوَا الْخَطَأَ بِالصَّوَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ إِلَّا بِالْحَسَنِ. فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: أَنَا أَشْهَدُ بِذَلِكَ. فَأَخَذَهُ حَكِيمُ بْنُ جَبَلَةَ فَأَقْعَدَهُ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ: إِنَّهُ فِي الْكِتَابِ. فَثَارَ إِلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي قُتَيْرَةَ فَأَقْعَدَهُ وَقَالَ فَأَفْظَعَ، وَثَارَ الْقَوْمُ بِأَجْمَعِهِمْ فَحَصَبُوا النَّاسَ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَحَصَبُوا عُثْمَانَ حَتَّى صُرِعَ مِنَ الْمِنْبَرِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَاحْتُمِلَ وَأُدْخِلَ دَارَهُ، وَكَانَ الْمِصْرِيُّونَ لَا يَطْمَعُونَ فِي أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُسَاعِدَهُمْ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ. وَأَقْبَلَ عَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ إِلَى عُثْمَانَ فِي أُنَاسٍ يَعُودُونَهُ وَيَشْكُونَ إِلَيْهِ بَثَّهُمْ وَمَا حَلَّ بِالنَّاسِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ، وَاسْتَقْتَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فِي الْمُحَارَبَةِ عَنْ عُثْمَانَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ يُقْسِمُ عَلَيْهِمْ لَمَا كَفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَسَكَنُوا حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ مَا يَشَاءُ.
التاريخ 2024لا حكم مسجّل
صِفَةُ حَصْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ لَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَشُجَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ وَهُوَ فِي رَأْسِ الْمِنْبَرِ، وَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، وَاحْتُمِلَ إِلَى دَارِهِ، تَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَطَمِعَ فِيهِ أُولَئِكَ الْأَجْلَافُ الْأَخْلَاطُ مِنَ النَّاسِ وَأَلْجَئُوهُ إِلَى دَارِهِ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ، وَأَحَاطُوا بِهَا مُحَاصِرِينَ لَهُ، وَلَزِمَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ بُيُوتَهُمْ، وَسَارَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ عَنْ أَمْرِ آبَائِهِمْ ; مِنْهُمُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ - وَكَانَ أَمِيرَ الدَّارِ - وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَصَارُوا يُجَاحِفُونَ عَنْهُ، وَيُنَاضِلُونَ دُونَهُ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَأَسْلَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ رَجَاءَ أَنْ يُجِيبَ أُولَئِكَ إِلَى وَاحِدَةٍ مِمَّا سَأَلُوا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ طَلَبُوا مِنْهُ إِمَّا أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ أَوْ يُسْلِمَ إِلَيْهِمْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، وَلَمْ يَقَعْ فِي خَلَدِ أَحَدٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ، إِلَّا مَا كَانَ فِي نَفْسِ أُولَئِكَ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ. وَانْقَطَعَ عُثْمَانُ عَنِ الْمَسْجِدِ، فَكَانِ لَا يَخْرُجُ إِلَيْهِ إِلَّا قَلِيلًا فِي أَوَائِلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ انْقَطَعَ بِالْكُلِّيَّةِ فِي آخِرِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْغَافِقِيُّ بْنُ حَرْبٍ. وَقَدِ اسْتَمَرَّ الْحَصْرُ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا. حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ أَنْ قُتِلَ شَهِيدًا، ؓ، عَلَى مَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى أَيْضًا، وَصَلَّى أَبُو أَيُّوبَ وَصَلَّى بِهِمْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَكَانَ يَجْمَعُ بِهِمْ عَلِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى بِهِمْ بَعْدُ. وَقَدْ خَاطَبَ النَّاسَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ، وَجَرَتْ أُمُورٌ سَنُورِدُ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ. وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عن: قَالَ الْأَحْنَفُ: انْطَلَقْنَا حُجَّاجًا فَمَرَرْنَا بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي مَنْزِلِنَا إِذْ جَاءَنَا آتٍ فَقَالَ: النَّاسُ فِي الْمَسْجِدِ. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَصَاحِبِي فَإِذَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَى نَفَرٍ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: فَتَخَلَّلْتُهُمْ حَتَّى قُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ جَاءَ عُثْمَانُ يَمْشِي، فَقَالَ: هَاهُنَا عَلِيٌّ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَهَاهُنَا الزُّبَيْرُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَهَاهُنَا سَعْدٌ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: مَنْ يَبْتَاعُ مِرْبَدَ بَنِي فُلَانٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ فَابْتَعْتُهُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُهُ. فَقَالَ: " اجْعَلْهُ فِي مَسْجِدِنَا وَأَجْرُهُ لَكَ " ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ، ﷺ، قَالَ: مَنْ يَبْتَاعُ بِئْرَ رُومَةَ ؟. فَابْتَعْتُهَا بِكَذَا وَكَذَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُهَا - يَعْنِي بِئْرَ رُومَةَ - فَقَالَ: اجْعَلْهَا سِقَايَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَلَكَ أَجْرُهَا " ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ يَوْمَ جَيْشِ الْعُسْرَةِ فَقَالَ: مَنْ يُجَهِّزْ هَؤُلَاءِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ فَجَهَّزْتُهُمْ حَتَّى مَا يَفْقِدُونَ خِطَامًا وَلَا عِقَالًا ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ. ثُمَّ انْصَرَفَ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ يَوْمَ حُصِرَ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ، وَلَوْ أُلْقِيَ حَجَرٌ لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ، فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ أَشْرَفَ مِنَ الْخَوْخَةِ الَّتِي تَلِي مَقَامَ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفِيكُمْ طَلْحَةُ ؟ فَسَكَتُوا. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفِيكُمْ طَلْحَةُ ؟ فَسَكَتُوا. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفِيكُمْ طَلْحَةُ ؟ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَلَا أَرَاكَ هَاهُنَا ؟ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّكَ تَكُونُ فِي جَمَاعَةِ قَوْمٍ تَسْمَعُ نِدَائِي آخِرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ثُمَّ لَا تُجِيبُنِي، أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا طَلْحَةُ، تَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ - فَقَالَ: نَعَمْ - فَقَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: يَا طَلْحَةُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ رَفِيقٌ مِنْ أُمَّتِهِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ هَذَا - يَعْنِينِي - رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ ؟. فَقَالَ طَلْحَةُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. ثُمَّ انْصَرَفَ. لَمْ يُخْرِجُوهُ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: بسنده عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ، قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ يَوْمَ أُصِيبَ عُثْمَانُ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمُ اطِّلَاعَةً، فَقَالَ: ادْعُوا لِي صَاحِبَيْكُمُ اللَّذَيْنِ أَلَّبَاكُمْ عَلَيَّ، فَدُعِيَا لَهُ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمَا اللَّهَ، أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ضَاقَ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذِهِ الْبُقْعَةَ مِنْ خَالِصِ مَالِهِ فَيَكُونَ فِيهَا كَالْمُسْلِمِينَ وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ ؟. فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ خَالِصِ مَالِي فَجَعَلْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْتُمْ تَمْنَعُونِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ! ثُمَّ قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده قَالَ: دَعَا عُثْمَانُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِيهِمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكُمْ وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُصْدُقُونِي، نَشَدْتُكُمُ اللَّهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كَانَ يُؤْثِرُ قُرَيْشًا عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَيُؤْثِرُ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: لَوْ أَنَّ بِيَدِي مَفَاتِيحَ الْجَنَّةِ لَأَعْطَيْتُهَا بَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى يَدْخُلُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ. فَبَعَثَ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمَا عَنْهُ - يَعْنِي عَمَّارًا - أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، آخِذًا بِيَدِي نَتَمَشَّى فِي الْبَطْحَاءِ حَتَّى أَتَى عَلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَعَلَيْهِ يُعَذَّبُونَ، فَقَالَ أَبُو عَمَّارٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الدَّهْرَ هَكَذَا ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﷺ: " اصْبِرْ ". ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِآلِ يَاسِرٍ وَقَدْ فَعَلْتَ ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُثْمَانَ أَشْرَفَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: عَلَامَ تَقْتُلُونِي ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ؛ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ فَعَلَيْهِ الرَّجْمُ، أَوْ قَتَلَ عَمْدًا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، أَوِ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَعَلَيْهِ الْقَتْلُ. فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا قَتَلْتُ أَحَدًا فَأُقِيدَ نَفْسِي مِنْهُ، وَلَا ارْتَدَدْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ؛ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. طَرِيقٌ أُخْرَى: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَشْرَفَ عُثْمَانُ مِنَ الْقَصْرِ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمَ حِرَاءَ، إِذِ اهْتَزَّ الْجَبَلُ فَرَكَلَهُ بِقَدَمِهِ، ثُمَّ قَالَ: اسْكُنْ حِرَاءُ لَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ، وَأَنَا مَعَهُ. فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. قَالَ: أَنْشُدُ بِاللَّهِ مَنْ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، إِذْ بَعَثَنِي إِلَى الْمُشْرِكِينَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: " هَذِهِ يَدِي وَهَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ " فَبَايَعَ لِي ؟ فَانْتَشَدَ لَهُ رِجَالٌ. إرسال عثمان ؓ وإلى معاوية وابن عامر لطرد الخوارج وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عُثْمَانَ، ؓ، لَمَّا رَأَى مَا فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، مِنْ مُحَاصَرَتِهِ فِي دَارِهِ، وَمَنْعِهِ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، وَإِلَى ابْنِ عَامِرٍ بِالْبَصْرَةِ، وَإِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ، يَسْتَنْجِدُهُمْ فِي بَعْثِ جَيْشٍ يَطْرُدُونَ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَانْتَدَبَ يَزِيدُ بْنُ أَسَدٍ الْقَسْرِيُّ فِي جَيْشٍ، وَبَعَثَ أَهْلُ الْكُوفَةِ جَيْشًا، وَأَهْلُ الْبَصْرَةِ جَيْشًا، فَلَمَّا سَمِعَ أُولَئِكَ بِخُرُوجِ الْجُيُوشِ إِلَيْهِمْ صَمَّمُوا فِي الْحِصَارِ، فَمَا اقْتَرَبَ الْجُيُوشُ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى جَاءَهُمْ قَتْلُ عُثْمَانَ، ؓ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عُثْمَانَ اسْتَدْعَى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، وَوُضِعَتْ لِعُثْمَانَ وِسَادَةٌ فِي كُوَّةٍ مِنْ دَارِهِ، فَأَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: يَا أَشْتَرُ مَاذَا يُرِيدُونَ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مِنْكَ إِمَّا أَنْ تَعْزِلَ نَفْسَكَ عَنِ الْإِمْرَةِ، وَإِمَّا أَنْ تُقِيدَ مِنْ نَفْسِكَ مَنْ قَدْ ضَرَبْتَهُ، أَوْ جَلَدْتَهُ، أَوْ حَبَسْتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلُوكَ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَعْزِلَ نُوَّابَهُ عَنِ الْأَمْصَارِ وَيُوَلِّيَ عَلَيْهَا مَنْ يُرِيدُونَ هُمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْزِلْ نَفْسَهُ، أَنْ يُسْلِمَ لَهُمْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فَيُعَاقِبُوهُ كَمَا زَوَّرَ عَلَى عُثْمَانَ كِتَابَهُ إِلَى مِصْرَ. فَخَشِيَ عُثْمَانُ إِنْ سَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَيَكُونَ سَبَبًا فِي قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَمَا فَعَلَ مِنَ الْأَمْرِ مَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبِهِ الْقَتْلَ، وَاعْتَذَرَ عَنِ الِاقْتِصَاصِ مِمَّا قَالُوا بِأَنَّهُ رَجُلٌ ضَعِيفُ الْبَدَنِ كَبِيرُ السِّنِّ. وَأَمَّا مَا سَأَلُوهُ مِنْ خَلْعِهِ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ وَلَا يَنْزِعُ قَمِيصًا قَمَّصَهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، وَيَتْرُكُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ يَعْدُو بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ إِلَيَّ مِنَ الْأَمْرِ إِنْ كُنْتُ كُلَّمَا كَرِهْتُمْ أَمِيرًا عَزَلْتُهُ، وَكُلَّمَا رَضِيتُمْ عَنْهُ وَلَّيْتُهُ ؟ وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَا تَتَحَابُّوا بَعْدِي أَبَدًا، وَلَا تُصَلُّوا جَمِيعًا أَبَدًا، وَلَا تُقَاتِلُوا بَعْدِي عَدُوًّا جَمِيعًا أَبَدًا. وَقَدْ صَدَقَ، ؓ فِيمَا قَالَ. وعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ: كَتَبَ مَعِي مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ كِتَابًا فَدَفَعَتْ إِلَيْهَا كِتَابَهُ، فَحَدَّثَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ لِعُثْمَانَ: إِنَّ اللَّهَ لَعَلَّهُ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادَكَ أَحَدٌ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ النُّعْمَانُ: فَقُلْتُ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَيْنَ كُنْتِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللَّهِ أُنْسِيتُهُ. وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " ادْعُوا لِي بَعْضَ أَصْحَابِي ". قُلْتُ: أَبُو بَكْرٍ ؟ قَالَ: " لَا ". قُلْتُ: عُمَرُ ؟ قَالَ: " لَا ". قُلْتُ: ابْنُ عَمِّكَ عَلِيٌّ ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَتْ: قُلْتُ: عُثْمَانُ ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: تَنَحَّيْ. فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ وَحُصِرَ فِيهَا قُلْنَا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تُقَاتِلُ ؟ قَالَ: لَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَإِنِّي صَابِرٌ نَفْسِي عَلَيْهِ. وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا ثَوْرٍ الْفَهْمِيَّ يَقُولُ: قَدِمْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ فَخَرَجْتُ فَإِذَا بِوَفْدِ أَهْلِ مِصْرَ قَدْ رَجَعُوا فَدَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَعْلَمْتُهُ، فَقَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَهُمْ ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْتُ فِي وُجُوهِهِمُ الشَّرَّ، وَعَلَيْهِمُ ابْنُ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيُّ، فَصَعِدَ ابْنُ عُدَيْسٍ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمُعَةَ وَتَنَقَّصَ عُثْمَانَ فِي خُطْبَتِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: كَذَبَ وَاللَّهِ ابْنُ عُدَيْسٍ، وَلَوْلَا مَا ذَكَرَ مَا ذَكَرْتُ ذَلِكَ، إِنِّي لَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَقَدْ أَنْكَحَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، ابْنَتَهُ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، فَأَنْكَحَنِي ابْنَتَهُ الْأُخْرَى، وَاللَّهِ وَلَا زَنَيْتُ وَلَا سَرَقْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا تَعَتَّيْتُ وَلَا تَمَنَّيْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا مَسَسْتُ فَرْجِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، وَلَقَدْ جَمَعْتُ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَلَا أَتَتْ عَلَيَّ جُمُعَةٌ إِلَّا وَأَنَا أُعْتِقُ فِيهَا رَقَبَةً مُنْذُ أَسْلَمْتُ، إِلَّا أَنْ لَا أَجِدَهَا فِي تِلْكَ الْجُمُعَةِ فَأَجْمَعَهَا فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ.
التاريخ 2025لا حكم مسجّل
فَصْلٌ كَانَ الْحِصَارُ مُسْتَمِرًّا مِنْ أَوَاخِرَ ذِي الْقِعْدَةِ إِلَى يَوْمِ الْجُمُعَةَ الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، قَالَ عُثْمَانُ لِلَّذِينِ عِنْدَهُ فِي الدَّارِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ - وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ سَبْعِمِائَةٍ؛ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ، وَمَرْوَانُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَخَلْقٌ مِنْ مَوَالِيهِ، وَلَوْ تَرَكَهُمْ لَمَنَعُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: أُقْسِمَ عَلَى مَنْ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ أَنْ يَكُفَّ يَدَهُ، وَأَنْ يَنْطَلِقَ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَعِنْدَهُ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَأَبْنَائِهِمْ جَمٌّ غَفِيرٌ. وَقَالَ لِرَقِيقِهِ: مَنْ أَغْمَدَ سَيْفَهُ فَهُوَ حُرٌّ. فَبَرُدَ الْقِتَالُ مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ، وَحَمِيَ مِنْ خَارِجٍ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ عُثْمَانَ رَأَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا دَلَّتْ عَلَى اقْتِرَابِ أَجَلِهِ، فَاسْتَسْلَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ رَجَاءَ مَوْعُودِهِ، وَشَوْقًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَلِيَكُونَ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ حَيْثُ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَخُوهُ قَتْلَهُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [ الْمَائِدَةِ: 29 ]. وَرُوِيَ أَنَّ آخِرَ مَنْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِ عُثْمَانَ مِنَ الدَّارِ بَعْدَ أَنْ عَزَمَ عَلَيْهِمْ فِي الْخُرُوجِ، الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَدْ جُرِحَ، وَكَانَ أَمِيرَ الْحَرْبِ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، ؓ. وعَنْ سَالِمٍ أَوْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَلْبَسْ سِلَاحَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، إِلَّا يَوْمَ الدَّارِ، وَيَوْمَ نَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ نَائِلَةَ بِنْتِ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةِ - امْرَأَةِ عُثْمَانَ - قَالَتْ: لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ ظَلَّ الْيَوْمَ الَّذِي كَانَ قَبْلَ قَتْلِهِ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ إِفْطَارِهِ سَأَلَهُمُ الْمَاءَ الْعَذْبَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَقَالُوا: دُونَكَ ذَلِكَ الرَّكِيَّ - وَرَكِيٌّ فِي الدَّارِ الَّذِي يُلْقَى فِيهِ النَّتِنُ - قَالَتْ: فَلَمْ يُفْطِرْ، فَأَتَيْتُ جَارَاتٍ لَنَا عَلَى أَجَاجِيرَ مُتَوَاصِلَةٍ - وَذَلِكَ فِي السَّحَرِ - فَسَأَلْتُهُمُ الْمَاءَ الْعَذْبَ فَأَعْطَوْنِي كُوزًا مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: هَذَا مَاءٌ عَذْبٌ أَتَيْتُكَ بِهِ. قَالَتْ: فَنَظَرَ فَإِذَا الْفَجْرُ قَدْ طَلَعَ فَقَالَ: إِنِّي أَصْبَحْتُ صَائِمًا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمِنْ أَيْنَ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَتَاكَ بِطَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ ؟ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، اطَّلَعَ عَلَيَّ مِنْ هَذَا السَّقْفِ وَمَعَهُ دَلْوٌ مِنْ مَاءٍ فَقَالَ: " اشْرَبْ يَا عُثْمَانُ ". فَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِيتُ ثُمَّ قَالَ: " ازْدَدْ ". فَشَرِبْتُ حَتَّى نَهِلْتُ ثُمَّ قَالَ: " أَمَا إِنَّ الْقَوْمَ سَيَبْكُرُونَ عَلَيْكَ، فَإِنْ قَاتَلْتَهُمْ ظَفِرْتَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ أَفْطَرْتَ عِنْدَنَا ". قَالَتْ: فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِهِ فَقَتَلُوهُ. وَقَالَ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُسْلِمٍ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّ عُثْمَانَ أَعْتَقَ عِشْرِينَ مَمْلُوكًا، وَدَعَا بِسَرَاوِيلَ فَشَدَّهَا وَلَمْ يَلْبَسْهَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فِي الْمَنَامِ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَإِنَّهُمْ قَالُوا لِي: " اصْبِرْ فَإِنَّكَ تُفْطِرُ عِنْدَنَا الْقَابِلَةَ ". ثُمَّ دَعَا بِمُصْحَفٍ فَنَشَرَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُتِلَ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ. قُلْتُ: إِنَّمَا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، ؓ، فِي هَذَا الْيَوْمِ لِئَلَّا تَبْدُوَ عَوْرَتَهُ إِذَا قُتِلَ ; فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْحَيَاءِ، كَانَتْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ، ﷺ. وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفَ يَتْلُو فِيهِ، وَاسْتَسْلَمَ لِقَضَاءِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَكَفَّ يَدَهُ عَنِ الْقِتَالِ، وَأَمَرَ النَّاسَ وَعَزَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا دُونَهُ، وَلَوْلَا عَزِيمَتُهُ عَلَيْهِمْ لَنَصَرُوهُ مِنْ أَعْدَائِهِ، وَلَكِنْ كَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: إِنَّ عُثْمَانَ، ؓ، أَوْصَى إِلَى الزُّبَيْرِ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ فَتَّشُوا خَزَائِنَهُ فَوَجَدُوا فِيهَا صُنْدُوقًا مُقْفَلًا، فَفَتَحُوهُ فَوَجَدُوا فِيهِ حُقَّةً فِيهَا وَرَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: هَذِهِ وَصِيَّةُ عُثْمَانَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، عَلَيْهَا يَحْيَا وَعَلَيْهَا يَمُوتُ، وَعَلَيْهَا يُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ، ؓ، قَالَ يَوْمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ: أَرَى الْمَوْتَ لَا يُبْقِي عَزِيزًا وَلَمْ يَدَعْ لِعَادٍ مَلَاذًا فِي الْبِلَادِ وَمُرْتَقَى وَقَالَ أَيْضًا: يُبَيِّتُ أَهْلَ الْحِصْنِ وَالْحِصْنُ مُغْلَقٌ وَيَأْتِي الْجِبَالَ فِي شَمَارِيخِهَا الْعُلَا
التاريخ 2026لا حكم مسجّل
صِفَةُ قَتْلِهِ، ؓ وعن وَثَّابٌ قَالَ: بَعَثَنِي عُثْمَانُ فَدَعَوْتُ لَهُ الْأَشْتَرَ فَقَالَ: مَا يُرِيدُ النَّاسُ ؟ قَالَ: ثَلَاثٌ لَيْسَ مِنْ إِحْدَاهُنَّ بُدٌّ. قَالَ: مَا هُنَّ ؟ قَالَ: يُخَيِّرُونَكَ بَيْنَ أَنْ تَخْلَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ فَتَقُولَ: هَذَا أَمْرُكُمْ فَاخْتَارُوا مَنْ شِئْتُمْ، وَبَيْنَ أَنْ تُقِصَّ مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَاتِلُوكَ. فَقَالَ: أَمَّا أَنْ أَخْلَعَ لَهُمْ أَمْرَهُمْ فَمَا كُنْتُ لِأَخْلَعَ سِرْبَالًا سَرْبَلَنِيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا أَنْ أُقِصَّ لَهُمْ مِنْ نَفْسِي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ صَاحِبَيَّ بَيْنَ يَدَيَّ قَدْ كَانَا يُعَاقِبَانِ، وَمَا يَقُومُ بَدَنِي بِالْقِصَاصِ، وَأَمَّا أَنْ يَقْتُلُونِي، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَا تَحَابُّونَ بَعْدِي أَبَدًا، وَلَا تُصَلُّونَ بَعْدِي جَمِيعًا أَبَدًا، وَلَا تُقَاتِلُونَ بَعْدِي عَدُوًّا جَمِيعًا أَبَدًا. قَالَ: وَجَاءَ رُوَيْجِلٌ كَأَنَّهُ ذِئْبٌ فَاطَّلَعَ مِنْ بَابٍ وَرَجَعَ، وَجَاءَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ بِهَا حَتَّى سَمِعْتُ وَقْعَ أَضْرَاسِهِ، فَقَالَ: مَا أَغْنَى عَنْكَ مُعَاوِيَةُ، وَمَا أَغْنَى عَنْكَ ابْنُ عَامِرٍ، وَمَا أَغْنَتْ عَنْكَ كُتُبُكَ. قَالَ: أَرْسِلْ لِحْيَتِي يَا ابْنَ أَخِي. قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ اسْتَعْدَى رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ بِعَيْنِهِ - يَعْنِي أَشَارَ إِلَيْهِ - فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ فَوَجَأَ بِهِ رَأْسَهُ. قُلْتُ: ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ: ثُمَّ تَعَاوَرُوا عَلَيْهِ وَاللَّهِ حَتَّى قَتَلُوهُ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَنِ الْغُصْنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ خَنْسَاءَ مَوْلَاةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ - وَكَانَتْ تَكُونُ مَعَ نَائِلَةَ بِنْتِ الْفَرَافِصَةِ امْرَأَةِ عُثْمَانَ - أَنَّهَا كَانَتْ فِي الدَّارِ، وَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَأَهْوَى بِمَشَاقِصَ مَعَهُ لِيَجَأَ بِهَا فِي حَلْقِهِ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا ابْنَ أَخِي، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتَ مَأْخَذًا مَا كَانَ أَبُوكَ لِيَأْخُذَ بِهِ. فَتَرَكَهُ وَانْصَرَفَ مُسْتَحْيِيًا نَادِمًا، فَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ عَلَى بَابِ الصُّفَّةِ، فَرَدَّهُمْ طَوِيلًا حَتَّى غَلَبُوهُ فَدَخَلُوا، وَخَرَجَ مُحَمَّدٌ رَاجِعًا، فَأَتَاهُ رَجُلٌ بِيَدِهِ جَرِيدَةٌ يُقَدِّمُهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَى عُثْمَانَ، فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَهُ فَشَجَّهُ، فَقَطَرَ دَمُهُ عَلَى الْمُصْحَفِ حَتَّى لَطَّخَهُ، ثُمَّ تَغَاوَوْا عَلَيْهِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَهُ عَلَى الثَّدْيِ بِالسَّيْفِ، وَوَثَبَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةُ فَصَاحَتْ وَأَلْقَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، وَقَالَتْ: يَا بِنْتَ شَيْبَةَ أَيُقْتَلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ! وَأَخَذَتِ السَّيْفَ فَقَطَعَ الرَّجُلُ يَدَهَا، وَانْتَهَبُوا مَتَاعَ الدَّارِ، وَمَرَّ رَجُلٌ عَلَى عُثْمَانَ وَرَأْسُهُ مَعَ الْمُصْحَفِ، فَضَرَبَ رَأَسَهُ بِرِجْلِهِ وَنَحَّاهُ عَنِ الْمُصْحَفِ وَقَالَ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَجْهَ كَافِرٍ أَحْسَنَ، وَلَا مَضْجَعَ كَافِرٍ أَكْرَمَ. فَلَا وَاللَّهِ مَا تَرَكُوا فِي دَارِهِ شَيْئًا حَتَّى الْأَقْدَاحَ إِلَّا ذَهَبُوا بِهِ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا عَزَمَ عَلَى أَهْلِ الدَّارِ فِي الِانْصِرَافِ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ سِوَى أَهْلِهِ تَسَوَّرُوا عَلَيْهِ الدَّارَ، وَأَحْرَقُوا الْبَابَ وَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا أَبْنَائِهِمْ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَسَبَقَهُ بَعْضُهُمْ فَضَرَبُوهُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ وَصَاحَ النِّسْوَةُ فَانْذَعَرُوا وَخَرَجُوا، وَدَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ قُتِلَ، فَلَمَّا رَآهُ قَدْ أَفَاقَ قَالَ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا نَعْثَلُ ؟ قَالَ: عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلَسْتُ بِنَعْثَلٍ، وَلَكِنِّي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: غَيَّرْتَ كِتَابَ اللَّهِ. فَقَالَ: كِتَابُ اللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَ: إِنَّا لَا يُقْبَلُ مِنَّا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ نَقُولَ: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا [ الْأَحْزَابِ: 67 ]. وَشَحَطَهُ بِيَدِهِ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى بَابِ الدَّارِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا ابْنَ أَخِي مَا كَانَ أَبُوكَ لِيَأْخُذَ بِلِحْيَتِي. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ - يُلَقَّبُ حِمَارًا وَيُكَنَّى، بِأَبِي رُومَانَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْمُهُ رُومَانُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَزْرَقَ أَشْقَرَ. وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ سُودَانَ بْنَ رُومَانَ الْمُرَادِيَّ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ اسْمُ الَّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ أَسْوَدُ بْنُ حُمْرَانَ ضَرَبَهُ بِحَرْبَةٍ - وَبِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا فَقَالَ: أَفْرِجُوا. ثُمَّ جَاءَ فَضَرَبَهُ بِهِ فِي صَدْرِهِ حَتَّى أَقْعَصَهُ، ثُمَّ وَضَعَ ذُبَابَ السَّيْفِ فِي بَطْنِهِ وَاتَّكَأَ عَلَيْهِ وَتَحَامَلَ حَتَّى قَتَلَهُ، وَقَامَتْ نَائِلَةُ دُونَهُ فَقَطَعَ السَّيْفُ أَصَابِعَهَا، ؓ. وَيُرْوَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ طَعْنَهُ بِمَشَاقِصَ فِي أُذُنِهِ حَتَّى دَخَلَتْ حَلْقَهُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ اسْتَحْيَى وَرَجَعَ حِينَ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَقَدْ أَخَذْتَ بِلِحْيَةٍ كَانَ أَبُوكَ يُكْرِمُهَا. فَتَذَمَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَغَطَّى وَجْهَهُ وَرَجَعَ وَجَاحَفَ دُونَهُ فَلَمْ يُفِدْ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، أَنَّ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ ضَرَبَ جَبِينَهُ وَمُقَدَّمَ رَأْسِهِ بِعَمُودٍ حَدِيدٍ، فَخَرَّ لِجَنْبِهِ، وَضَرَبَهُ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ الْمُرَادِيُّ بَعْدَ مَا خَرَّ لِجَنْبِهِ فَقَتَلَهُ، وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ الْحَمِقِ فَوَثَبَ عَلَى عُثْمَانَ فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ وَبِهِ رَمَقٌ، فَطَعَنَهُ تِسْعَ طَعَنَاتٍ وَقَالَ: أَمَّا ثَلَاثٌ مِنْهُنَّ فَلِلَّهِ، وَسِتٌّ لِمَا كَانَ فِي صَدْرِي عَلَيْهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَيَّافُ عُثْمَانَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: ارْجِعْ يَا ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلِي. قَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَ ذَاكَ ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ النَّبِيُّ، ﷺ، يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَّكَكَ وَدَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ. ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ سَوَاءً. ثُمَّ دَخَلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَنْتَ قَاتِلِي. قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ يَا نَعْثَلُ ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أُتِيَ بِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمَ سَابِعِكَ لِيُحَنِّكَكَ وَيَدْعُوَ لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَخَرِيتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. قَالَ: فَوَثَبَ عَلَى صَدْرِهِ وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَوَجَأَهُ بِمَشَاقِصَ كَانَتْ فِي يَدِهِ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَفِيهِ نَكَارَةٌ. وَثَبَتَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّ أَوَّلَ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ سَقَطَتْ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ الْبَقَرَةِ: 137 ]. وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا فِي التِّلَاوَةِ أَيْضًا حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ. وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ وَضَعَ الْمُصْحَفَ يَقْرَأُ فِيهِ الْقُرْآنَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّهُ لَمَّا طُعِنَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ فَلَمَّا قَطَرَ الدَّمُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي " تَارِيخِهِ " بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ لَمَّا وَجَدُوا ذَلِكَ الْكِتَابَ مَعَ الْبَرِيدِ إِلَى أَمِيرِ مِصْرَ، فِيهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ، وَصَلْبِ بَعْضِهِمْ، وَبِقَطْعِ أَيْدِي بَعْضِهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ عَلَى لِسَانِ عُثْمَانَ مُتَأَوِّلًا قَوْلَهُ تَعَالَى إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ الْمَائِدَةِ: 33 ]. وَعِنْدَهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، ؓ، مِنْ جُمْلَةِ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْتَاتَ عَلَى عُثْمَانَ وَيَكْتُبَ عَلَى لِسَانِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَيُزَوِّرَ عَلَى خَطِّهِ وَخَاتَمِهِ، وَيَبْعَثَ غُلَامَهُ عَلَى بَعِيرِهِ بَعْدَ مَا وَقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ عُثْمَانَ وَبَيْنَ الْمِصْرِيِّينَ عَلَى تَأْمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى مِصْرَ، بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَلِهَذَا لَمَّا وَجَدُوا هَذَا الْكِتَابَ عَلَى خِلَافِ مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ، وَظَنُّوا أَنَّهُ مِنْ عُثْمَانَ، أَعْظَمُوا ذَلِكَ، مَعَ مَا هُمْ مُشْتَمَلُونَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، فَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَطَافُوا بِهِ عَلَى رُءُوسِ الصَّحَابَةِ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَوْمٌ آخَرُونَ، حَتَّى ظَنَّ بَعْضُ الصَّحَابَةِ أَنَّ هَذَا عَنْ أَمْرِ عُثْمَانَ، ؓ، فَلَمَّا قِيلَ لِعُثْمَانَ، ؓ، فِي أَمْرِ هَذَا الْكِتَابِ بِحَضْرَةِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ وَجُمْهُورِ الْمِصْرِيِّينَ، حَلَفَ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ الرَّاشِدُ - أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ هَذَا الْكِتَابَ وَلَا أَمَلَاهُ عَلَى مَنْ كَتَبَهُ، وَلَا عِلْمَ بِهِ فَقَالُوا لَهُ: فَإِنَّ عَلَيْهِ خَاتَمَكَ. فَقَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ قَدْ يُزَوَّرُ عَلَى خَطِّهِ وَخَاتَمِهِ. قَالُوا: فَإِنَّهُ مَعَ غُلَامِكَ وَعَلَى جَمَلِكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَمْ أَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالُوا لَهُ بَعْدَ كُلِّ مَقَالِهِ: إِنْ كُنْتَ قَدْ كَتَبْتَهُ فَقَدْ خُنْتَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ كَتَبْتَهُ بَلْ كُتِبَ عَلَى لِسَانِكَ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ فَقَدْ عَجَزْتَ، وَمِثْلُكَ لَا يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ ; إِمَّا لِخِيَانَتِكَ، وَإِمَّا لِعَجْزِكَ. وَهَذَا الَّذِي قَالُوا بَاطِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ كَتَبَ الْكِتَابَ - وَهُوَ لَمْ يَكْتُبْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ - لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَأَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ فِي إِزَالَةِ شَوْكَةِ هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْخَارِجِينَ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ بِهِ فَأَيُّ عَجْزٍ يُنْسَبُ إِلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَزُوِّرَ عَلَى لِسَانِهِ ؟ ! وَلَيْسَ هُوَ بِمَعْصُومٍ بَلِ الْخَطَأُ وَالْغَفْلَةُ جَائِزَانِ عَلَيْهِ، ؓ، وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةُ الْبُغَاةُ مُتَعَنِّتُونَ خَوَنَةٌ ظَلَمَةٌ مُفْتَرُونَ، وَلِهَذَا صَمَّمُوا بَعْدَ هَذَا عَلَى حَصْرِهِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَيْهِ حَتَّى مَنَعُوهُ الْمِيرَةَ وَالْمَاءَ وَالْخُرُوجَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَتَهَدَّدُوهُ بِالْقَتْلِ، وَلِهَذَا خَاطَبَهُمْ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ مِنْ تَوْسِعَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مُنِعَ مِنْهُ، وَمِنْ وَقْفِهِ بِئْرَ رُومَةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مُنِعَ مَاءَهَا، وَمِنْ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ; النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ نَفَسًا، وَلَا ارْتَدَّ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَلَا زَنَى فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، بَلْ وَلَا مَسَّ فَرْجَهُ بِيَمِينِهِ بَعْدَ أَنْ بَايَعَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ. وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ بِهَا الْمُفَصَّلَ. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ مِنْ فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ مَا لَعَلَّهُ يَنْجَعُ فِيهِمْ بِالْكَفِّ عَنْهُ وَالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، فَأَبَوْا إِلَّا الِاسْتِمْرَارَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ. وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ وَالْخُرُوجِ مِنْ عِنْدِهِ، حَتَّى اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَالُ، وَضَاقَ الْمَجَالُ، وَنَفَدَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَاسْتَغَاثَ بِالْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ فَرَكِبَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ وَحَمَلَ مَعَهُ قِرَبًا مِنَ الْمَاءِ فَبِالْجَهْدِ حَتَّى أَوْصَلَهَا إِلَيْهِ بَعْدَ مَا نَالَهُ مِنْ جَهَلَةِ أُولَئِكَ كَلَامٌ غَلِيظٌ، وَتَنْفِيرٌ لِدَابَّتِهِ، وَإِخْرَاقٌ عَظِيمٌ بَلِيغٌ، وَكَانَ قَدْ زَجَرَهُمْ أَتَمَّ الزَّجْرِ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ لَا يَفْعَلُونَ كَفِعْلِكُمْ هَذَا بِهَذَا الرَّجُلِ، وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لِيَأْسِرُونِ فَيُطْعِمُونَ وَيَسْقُونَ. فَأَبَوْا أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ حَتَّى رَمَى بِعِمَامَتِهِ فِي وَسَطِ الدَّارِ، وَجَاءَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ رَاكِبَةً بَغْلَةً وَحَوْلَهَا حَشَمُهَا وَخَدَمُهَا، فَقَالُوا: مَا جَاءَ بِكِ ؟ فَقَالَتْ: إِنْ عِنْدَهُ وَصَايَا بَنِي أُمَيَّةَ لِأَيْتَامٍ وَأَرَامِلَ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُذَكِّرَهُ بِهَا. فَكَذَّبُوهَا فِي ذَلِكَ، وَنَالَهَا مِنْهُمْ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَقَطَعُوا حِزَامَ الْبَغْلَةِ وَنَدَّتْ بِهَا، وَكَادَتْ أَوْ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَكَادَتْ تُقْتَلُ لَوْلَا تَلَاحَقَ بِهَا النَّاسُ فَأَمْسَكُوا بِدَابَّتِهَا، وَوَقَعَ أَمْرٌ كَبِيرٌ جِدًّا، وَلَمْ يَبْقَ يَحْصُلُ لِعُثْمَانَ وَأَهْلِهِ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا مَا يُوصِلُهُ إِلَيْهِمْ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْخُفْيَةِ لَيْلًا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. استخلاف عثمان على الحج ابن عباس ؓ وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا أَعْظَمَهُ النَّاسُ جِدًّا، وَلَزِمَ أَكْثَرُ النَّاسِ بُيُوتَهُمْ، وَجَاءَ وَقْتُ الْحَجِّ فَخَرَجَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّكِ لَوْ أَقَمْتِ كَانَ أَصْلَحَ، لَعَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَهَابُونَكِ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ أُشِيرَ عَلَيْهِمْ بِرَأْيٍ فَيَنَالَنِي مِنْهُمْ مِنَ الْأَذِيَّةِ مَا نَالَ أُمَّ حَبِيبَةَ. فَعَزَمَتْ عَلَى الْخُرُوجِ. وَاسْتَخْلَفَ عُثْمَانُ، ؓ، فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى الْحَجِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ مُقَامِي عَلَى بَابِكَ أُجَاحِفُ عَنْكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ. فَعَزَمَ عَلَيْهِ فَخَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى الْحَجِّ. استمرار الحصار على عثمان وبدء قتاله وَاسْتَمَرَّ الْحِصَارُ بِالدَّارِ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَرَجَعَ الْبَشِيرُ مِنَ الْحَجِّ، فَأَخْبَرَ بِسَلَامَةِ النَّاسِ، وَأَخْبَرَ أُولَئِكَ بِأَنَّ أَهْلَ الْمَوْسِمِ عَازِمُونَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَكُفُّوكُمْ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. وَبَلَغَهُمْ أَيْضًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ بَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ قَدْ نَفَّذَ آخَرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ قَدْ بَعَثُوا الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فِي جَيْشٍ، وَأَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَعَثُوا مُجَاشِعًا فِي جَيْشٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ صَمَّمُوا عَلَى أَمْرِهِمْ وَبَالَغُوا فِيهِ وَانْتَهَزُوا الْفُرْصَةَ بِقِلَّةِ النَّاسِ وَغَيْبَتِهِمْ فِي الْحَجِّ، وَأَحَاطُوا بِالدَّارِ، وَجَدُّوا فِي الْحِصَارِ، وَأَحْرَقُوا الْبَابَ، وَتَسَوَّرُوا مِنَ الدَّارِ الْمُتَاخِمَةِ لِلدَّارِ ; كَدَارِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهَا، وَجَاحَفَ النَّاسُ عَنْ عُثْمَانَ أَشَدَّ الْمُجَاحَفَةِ، وَاقْتَتَلُوا عَلَى الْبَابِ قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَبَارَزُوا وَتَرَاجَزُوا بِالشِّعْرِ فِي مُبَارَزَتِهِمْ، وَجَعَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: هَذَا يَوْمٌ طَابَ امْضِرَابُ. وَقُتِلَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، وَآخَرُونَ مِنْ أُولَئِكَ الْفُجَّارِ، وَجُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ جِرَاحَاتٍ كَثِيرَةً، وَكَذَلِكَ جُرِحَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقُطِعَ إِحْدَى عِلْبَاوَيْهِ، فَعَاشَ أَوْقَصَ حَتَّى مَاتَ. وَمِنْ أَعْيَانِ مَنْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ عُثْمَانَ، زِيَادُ بْنُ نُعَيْمٍ الْفِهْرِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وَنِيَارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسْلَمِيُّ، فِي أُنَاسٍ وَقْتَ الْمَعْرَكَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ انْهَزَمَ أَصْحَابُ عُثْمَانَ ثُمَّ تَرَاجَعُوا. وَلَمَّا رَأَى عُثْمَانُ ذَلِكَ عَزَمَ عَلَى النَّاسِ لِيَنْصَرِفُوا إِلَى بُيُوتِهِمْ، فَانْصَرَفُوا - كَمَا تَقَدَّمَ - فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أَحَدٌ سِوَى أَهْلِهِ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبَابِ وَمِنَ الْجُدْرَانِ، وَفَزِعَ عُثْمَانُ إِلَى الصَّلَاةِ وَافْتَتَحَ سُورَةَ طه - وَكَانَ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ - فَقَرَأَهَا وَالنَّاسُ فِي غَلَبَةٍ عَظِيمَةٍ، قَدِ احْتَرَقَ الْبَابُ وَالسَّقِيفَةُ الَّتِي عِنْدَهُ، وَخَافُوا أَنْ يَصِلَ الْحَرِيقُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ. أول من دخل على عثمان ؓ ليقتله ثُمَّ فَرَغَ عُثْمَانُ مِنْ صِلَاتِهِ وَجَلَسَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفُ، وَجَعَلَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [ آلِ عِمْرَانَ: 173 ] فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْمَوْتُ الْأَسْوَدُ. فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَتْ نَفْسُهُ تَتَرَدَّدُ فِي حَلْقِهِ، فَتَرَكَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَمَسَكَ بِلِحْيَتِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَخَرَجَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ آخَرُ وَمَعَهُ سَيْفٌ فَضَرَبَهُ بِهِ فَاتَّقَاهُ بِيَدِهِ فَقَطَعَهَا. فَقِيلَ: إِنَّهُ أَبَانَهَا. وَقِيلَ: بَلْ قَطَعَهَا وَلَمْ يُبِنْهَا. إِلَّا أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهَا لَأَوَّلُ يَدٍ كَتَبَتِ الْمُفَصَّلَ. فَكَانَ أَوَّلُ قَطْرَةِ دَمٍ مِنْهَا سَقَطَتْ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ الْبَقَرَةِ: 137 ]. ثُمَّ جَاءَ آخَرُ شَاهِرًا سَيْفَهُ، فَاسْتَقْبَلَتْهُ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ لِتَمْنَعَهُ مِنْهُ، وَأَخَذَتِ السَّيْفَ فَانْتَزَعَهُ مِنْهَا فَقَطَعَ أَصَابِعَهَا، ثُمَّ إِنَّهُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ فَتَحَامَلَ عَلَيْهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْ عُثْمَانَ وَأَرْضَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ الْغَافِقِيَّ بْنَ حَرْبٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بَعْدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ فِي يَدِهِ، وَرَفَسَ الْمُصْحَفَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ بِرِجْلِهِ، فَاسْتَدَارَ الْمُصْحَفُ ثُمَّ اسْتَقَرَّ بَيْنَ يَدَيْ عُثْمَانَ، ؓ، وَسَالَتْ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، ثُمَّ تَقَدَّمَ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ بِالسَّيْفِ فَمَانَعَتْهُ نَائِلَةُ، فَقَطَعَ أَصَابِعَهَا، فَوَلَّتْ فَضَرَبَ عَجِيزَتَهَا بِيَدِهِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لِكَبِيرَةُ الْعَجِيزَةِ. وَضَرَبَ عُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ غُلَامُ عُثْمَانَ فَضَرَبَ سُودَانَ فَقَتَلَهُ، فَضَرَبَ الْغُلَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: قُتَيْرَةُ. فَقَتَلَهُ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُمْ أَرَادُوا حَزَّ رَأْسِهِ بَعْدَ قَتْلِهِ، فَصَاحَ النِّسَاءُ وَضَرَبْنَ وُجُوهَهُنَّ ; فِيهِنَّ امْرَأَتَاهُ نَائِلَةُ وَأُمُّ الْبَنِينَ وَبَنَاتُهُ، فَقَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ: اتْرُكُوهُ ! فَتَرَكُوهُ. ثُمَّ مَالَ هَؤُلَاءِ الْفَجَرَةُ عَلَى مَا فِي الْبَيْتِ فَنَهَبُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَادَى مُنَادِيهِمْ: أَيَحِلُّ لَنَا دَمُهُ وَلَا يَحِلُّ لَنَا مَالُهُ ! فَانْتَهَبُوهُ، ثُمَّ خَرَجُوا فَأَغْلَقُوا الْبَابَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَتِيلَيْنِ مَعَهُ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى صَحْنِ الدَّارِ وَثَبَ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ عَلَى قُتَيْرَةَ فَقَتَلَهُ، وَجَعَلُوا لَا يَمُرُّونَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَخَذُوهُ، حَتَّى اسْتَلَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: كُلْثُومٌ التُّجِيبِيُّ، مُلَاءَةَ نَائِلَةَ، فَضَرَبَهُ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ فَقَتَلَهُ، وَقُتِلَ الْغُلَامُ أَيْضًا، ثُمَّ تَنَادَى الْقَوْمُ: أَنْ أَدْرِكُوا بَيْتَ الْمَالِ لَا تَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ. فَسَمِعَهُمْ حَفَظَةُ بَيْتِ الْمَالِ فَقَالُوا: يَا قَوْمُ النَّجَاءَ النَّجَاءَ ! فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَمْ يَصْدُقُوا فِيمَا قَالُوا مِنْ أَنَّ قَصْدَهُمْ قِيَامُ الْحَقِّ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ادَّعَوْا أَنَّهُمْ إِنَّمَا قَامُوا لِأَجْلِهِ، وَكَذَبُوا إِنَّمَا قَصْدُهُمُ الدُّنْيَا. فَانْهَزَمُوا وَجَاءَ الْخَوَارِجُ فَأَخَذُوا مَالَ بَيْتِ الْمَالِ وَكَانَ فِيهِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا. وَلَمَّا ضُرِبَ عُثْمَانُ بِالسَّيْفِ اتَّقَتْ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ بِيَدِهَا ، فَقُطِعَتْ إِصْبَعَانِ مِنْ أَصَابِعِهَا، فَلَمَّا قُتِلَ كَتَبَتْ إِلَى مُعَاوِيَةَ: مِنْ نَائِلَةَ بِنْتِ الْفَرَافِصَةِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، أَمَّا بَعْدُ. فَإِنِّي أُذَكِّرُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ، وَعَلَّمَكُمُ الْإِسْلَامَ، وَهَدَاكُمْ مِنَ الضَّلَالَةِ، وَأَبْعَدَكُمْ عَنِ الْكُفْرِ، وَأَنْشُدُكُمُ اللَّهَ فَأُذَكِّرُكُمْ حَقَّهُ وَحَقَّ خَلِيفَتِهِ أَنْ تَنْصُرُوهُ، وَأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بُغِيَ عَلَيْهِ وَكُنْتُ مُشَاهِدَةً أَمْرَهُ، إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ حَصَرُوهُ يَحْرُسُونَهُ لَيْلَهُمْ وَنَهَارَهُمْ قِيَامًا عَلَى أَبْوَابِهِ بِسِلَاحِهِمْ حَتَّى مَنَعُوهُ الْمَاءَ، ثُمَّ إِنَّهُ رُمِيَ بِالنَّبْلِ وَالْحِجَارَةِ، ثُمَّ أَحْرَقُوا بَابَ الدَّارِ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَأَخَذُوا بِلِحْيَتِهِ وَضَرَبُوهُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ وَطَعَنُوهُ فِي صَدْرِهِ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكُمْ بِثَوْبِهِ، فَحَلَفَ رِجَالٌ مِنَ الشَّامِ أَلَّا يَطَئُوا النِّسَاءَ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتَلَتَهُ أَوْ تَذْهَبَ أَرْوَاحُهُمْ. وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الدَّلَجِ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ، وَاللَّهِ مَا قَتَلَتْ أُمَّةٌ نَبِيًّا إِلَّا قُتِلَ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفًا، وَلَا قَتَلَتْ أُمَّةٌ خَلِيفَةً إِلَّا قُتِلَ مِنْهَا مَكَانَهُ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، فَأَحْرَقُوا الْبَابَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: مَا عِنْدَهُمْ بَعْدَ هَذَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ.
التاريخ 2027لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ، فَرَوَى الْوَاقِدِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنَ رُومَانَ: أَنَّهُ لَمَّا حُصِرَ عُثْمَانُ جَاءَ الْمُؤَذِّنُ. سَعْدُ الْقُرَظِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، فَقَالَ: مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ؟ فَقَالَ: نَادِ خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَامَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، قَالَ: جَاءَ الْمُؤَذِّنُ إِلَى عُثْمَانَ فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: لَا انْزِلْ، اذْهَبْ إِلَى مَنْ يُصَلِّي، فَجَاءَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَ سَهَلَ بْنَ حَنِيفٍ فَصَلَّى الْيَوْمَ الَّذِي حُصِرَ فِيهِ الْحَصْرَ الْأَخِيرَ، وَهُوَ لَيْلَةً رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، فَصَلَّى بِهِمْ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الْعِيدِ صَلَّى عَلِيٌّ الْعِيدَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ حَتَّى قُتِلَ.
التاريخ 2028لا حكم مسجّل
ذكر أَسْمَاءِ عُمَّالِهِ ؓ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ عُمَّالُهُ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى مَكَّةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَعَلَى الطَّائِفِ الْقَاسِمُ بْنُ رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ، وَعَلَى صَنْعَاءَ يَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ، وَعَلَى الْجُنْدِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، خَرَجَ مِنْهَا وَلَمْ يُوَلِّ عُثْمَانُ عَلَيْهَا أَحَدًا، وَعَلَى الشَّامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَامِلُ مُعَاوِيَةَ عَلَى حِمْصَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، وَعَلَى قِنَّسْرِينَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيُّ، وَعَلَى الْأُرْدُنِّ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ عَلْقَمَةُ بْنُ حَكِيمٍ الْكِنَانِيُّ، وَعَلَى الْبَحْرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ، وَعَلَى الْقَضَاءِ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَكَانَ عَامِلَ عُثْمَانَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبُو مُوسَى عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى خَرَاجِ السَّوَادِ جَابِرُ بْنُ فُلَانٍ الْمُزَنِيُّ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمُسَنَّاةِ إِلَى جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَسِمَاكٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَعَلَى حَرْبِهَا الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى قَرْقِيسْيَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَلَى أَذْرَبَيْجَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَعَلَى حُلْوَانَ عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، وَعَلَى مَاهَ مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ، وَعَلَى هَمَذَانَ النُّسَيْرُ، وَعَلَى الرَّيِّ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَلَى أَصْبَهَانَ السَّائِبُ بْنُ الْأَقْرَعِ، وَعَلَى مَاسَبْذَانَ خُنَيْسٌ، وَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَكَانَ عَلَى قَضَاءِ عُثْمَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. ( عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ: بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ. وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ: بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَيَاءٌ ثَانِيَةٌ، وَآخِرُهُ نُونٌ، تَصْغِيرُ عَيْنٍ. وَالنُّسَيْرُ: بِالنُّونِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تَصْغِيرُ نَسْرٍ ).
التاريخ 2029لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( مُدَّةُ حِصَارِهِ ؓ ) كَانَتْ مُدَّةُ حَصْرِ عُثْمَانَ، ؓ، فِي دَارِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: كَانَتْ بِضْعًا وَأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَتْ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. اليوم الذي قتل فيه عثمان ؓ ثُمَّ كَانَ قَتْلُهُ، ؓ، فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِلَا خِلَافٍ. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَشَايِخِهِ: فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْهَا. وَنَصَّ عَلَيْهِ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَآخَرُونَ. وَقَالَ آخَرُونَ: ضَحْوَةً. وَهَذَا أَشْبَهُ. وَكَانَ ذَلِكَ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قُتِلَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَقِيلَ: قُتِلَ يَوْمَ النَّحْرِ. حَكَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَيُسْتَشْهَدُ لَهُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ: ضَحَّوْا بَأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا قُلْتُ: وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ. وَهُوَ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. قَالَهُ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَطَائِفَةٌ. وَهُوَ غَرِيبٌ. فَكَانَتْ خِلَافَتُهُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَّا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا ; لِأَنَّهُ بُويِعَ لَهُ فِي مُسْتَهَلِّ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. عمر عثمان ؓ فَأَمَّا عُمُرُهُ، ؓ، فَإِنَّهُ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ عَلَى الْمَشْهُورِ. فَقِيلَ: إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: تُوُفِّيَ عَنْ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: وَأَشْهُرٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وعَنْ قَتَادَةَ: تُوُفِّيَ عُثْمَانُ عَنْ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ أَوْ تِسْعِينَ سَنَةً. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: تُوُفِّيَ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَعَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ: تُوُفِّيَ عَنْ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَشَايِخِهِ ; وَهُمْ مُحَمَّدٌ وَطَلْحَةُ وَأَبُو عُثْمَانَ وَأَبُو حَارِثَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: قُتِلَ عُثْمَانُ، ؓ عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. موضع قبر عثمان ؓ وَأَمَّا مَوْضِعُ قَبْرِهِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ دُفِنَ بِحَشِّ كَوْكَبٍ - شَرْقِيَّ الْبَقِيعِ - وَقَدْ بُنِيَ عَلَيْهِ زَمَانَ بَنِي أُمَيَّةَ قُبَّةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّ عُثْمَانَ، ؓ، كَانَ يَمُرُّ بِمَكَانِ قَبْرِهِ مِنْ حَشِّ كَوْكَبٍ فَيَقُولُ: إِنَّهُ سَيُدْفَنُ هَاهُنَا رَجُلٌ صَالِحٌ . تغسيل وتكفين ودفن عثمان ؓ والصلاة عليه وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عُثْمَانَ، ؓ، بَقِيَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُدْفَنُ. قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ اشْتَغَلَ النَّاسُ عَنْهُ بِمُبَايَعَةِ عَلِيٍّ، ؓ حَتَّى تَمَّتْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَكَثَ لَيْلَتَيْنِ. وَقِيلَ: بَلْ دُفِنَ مِنْ لَيْلَتِهِ. ثُمَّ كَانَ دَفْنُهُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعَشَاءِ خِيفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ. وَقِيلَ: بَلِ اسْتُؤْذِنَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ رُؤَسَائِهِمْ. فَخَرَجُوا بِهِ فِي نَفَرٍ قَلِيلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ; مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، وَأَبُو الْجَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَنِيَارُ بْنُ مُكْرَمٍ الْأَسْلَمِيُّ، وَجَبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَنِسَائِهِ ; مِنْهُنَّ امْرَأَتَاهُ نَائِلَةُ وَأُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَصِبْيَانٌ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: صَلَّى الزُّبَيْرُ عَلَى عُثْمَانَ وَدَفَنَهُ وَكَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرُّوخَ، عَنْ أَبِيهِ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ دُفِنَ فِي ثِيَابِهِ بِدِمَائِهِ وَلَمْ يُغَسَّلْ. وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ خَدَمِهِ بَعْدَ مَا غَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُكَفَّنْ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَصَلَّى عَلَيْهِ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ. وَقِيلَ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ. وَقِيلَ: حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَقِيلَ: مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ. وَقِيلَ: الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ. وَقَدْ عَارَضَهُ بَعْضُ الْخَوَارِجِ وَأَرَادُوا رَجْمَهُ وَإِلْقَاءَهُ عَنْ سَرِيرِهِ، وَعَزَمُوا عَلَى أَنْ يُدْفَنَ بِمَقْبَرَةِ الْيَهُودِ بِدَيْرِ سَلْعٍ، حَتَّى بَلَغَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَحَمَلَ جِنَازَتَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ، وَنِيَارُ بْنُ مُكْرَمٍ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ لَمَّا وُضِعَ لِيُصَلَّى عَلَيْهِ - عِنْدَ مُصَلَّى الْجَنَائِزِ - أَرَادَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ: ادْفِنُوهُ فَقَدْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ. ثُمَّ قَالُوا: لَا يُدْفَنُ فِي الْبَقِيعِ، وَلَكِنِ ادْفِنُوهُ وَرَاءَ الْحَائِطِ. فَدَفَنُوهُ شَرْقِيَّ الْبَقِيعِ تَحْتَ نَخَلَاتٍ هُنَاكَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ نَزَا عَلَى سَرِيرِهِ وَهُوَ مَوْضُوعٌ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَكَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ، وَقَالَ: أَحَبَسْتَ ضَابِئًا حَتَّى مَاتَ فِي السِّجْنِ ؟ وَقَدْ قَتَلَ الْحَجَّاجُ فِيمَا بَعْدُ عُمَيْرَ بْنَ ضَابِئٍ هَذَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ ": بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَغْفِرَ لِي. فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ مَا تَقُولُ. قَالَ: كُنْتُ أَعْطَيْتُ اللَّهَ عَهْدًا إِنْ قَدَرْتُ أَنْ أَلْطِمَ وَجْهَ عُثْمَانَ إِلَّا لَطْمَتُهُ، فَلَمَّا قُتِلَ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ فِي الْبَيْتِ وَالنَّاسُ يَجِيئُونَ فَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ كَأَنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ خَلْوَةً فَرَفَعْتُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَلَطَمْتُهُ، وَسَجَّيْتُهُ، وَقَدْ يَبِسَتْ يَمِينِي. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: فَرَأَيْتُهَا يَابِسَةً كَأَنَّهَا عُودٌ. دفن عَبْدَي عثمان ؓ ثُمَّ خَرَجُوا بِعَبْدَيْ عُثْمَانَ اللَّذَيْنِ قُتِلَا فِي الدَّارِ ; وَهُمَا صُبَيْحٌ وَنُجَيْحٌ، ؓ، فَدُفِنَا إِلَى جَانِبِهِ بِحَشِّ كَوْكَبٍ. وَقِيلَ: إِنَّ الْخَوَارِجَ لَمْ يُمَكِّنُوا مِنْ دَفْنِهِمَا، بَلْ جَرُّوهُمَا بِأَرْجُلِهِمَا حَتَّى أَلْقَوْهُمَا بِالْبَلَاطِ فَأَكَلَتْهُمَا الْكِلَابُ. اعتناء معاوية بقبر عثمان ؓ وَقَدِ اعْتَنَى مُعَاوِيَةُ فِي أَيَّامِ إِمَارَتِهِ بِقَبْرِ عُثْمَانَ، وَرَفَعَ الْجِدَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَقِيعِ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَدْفِنُوا مَوْتَاهُمْ حَوْلَهُ حَتَّى اتَّصَلَتْ بِمَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. انتهاب دار عثمان ودار غيره ودار أبي هريرة ؓ وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ ؓ انْتُهِبَتْ دَارُهُ وَدَارُ غَيْرِهِ، وانْتُهِبَتْ دَارُ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُصِبْتُ بِثَلَاثٍ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ صُوَيْحِبَهُ وَذَا يَدٍ مِنْهُ، وَبِقَتْلِ عُثْمَانَ وَالْمِزْوَدِ. قَالُوا: وَمَا الْمِزْوَدُ؟ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصَابَتِ النَّاسَ مَخْمَصَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَلْ مِنْ شَيْءٍ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ، شَيْءٌ مِنْ تَمْرٍ فِي مِزْوَدٍ، قَالَ: "فَآتِنِي بِهِ"، فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَأَدْخَلَ يَدَهُ وَأَخْرَجَ قَبْضَةً، فَبَسَطَهَا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَشَرَةً، فَدَعَوْتُ لَهُ عَشَرَةً فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ قَبْضَةً فَبَسَطَهَا، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ لِي عَشَرَةً، فَدَعَوْتُ لَهُ عَشَرَةً، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَمَا زَالَ يَصْنَعُ ذَلِكَ حَتَّى أَطْعَمَ الْجَيْشَ كُلَّهُ وَشَبِعُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: "خُذْ مَا جِئْتَ بِهِ وَأَدْخِلْ يَدَكَ وَاقْبِضْ وَلَا تَكُبَّهُ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَبَضْتُ عَلَى أَكْثَرِ مِمَّا جِئْتُ بِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَمَّا أَكَلْتُ، أَكَلْتُ مِنْهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَيَاةَ أَبِي بَكْرٍ وَأَطْعَمْتُ، وَحَيَاةَ عُمَرَ وَأَطْعَمْتُ، وَحَيَاةَ عُثْمَانَ وَأَطْعَمْتُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ انْتُهِبَتْ بَيْتِي وَذَهَبَ الْمِزْوَدُ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَقَدْ جَهَّزْتُ مِنْهُ خَمْسِينَ وَسْقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
التاريخ 2030لا حكم مسجّل
وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الْأَمْرُ الْعَظِيمُ الْفَظِيعُ الشَّنِيعُ أُسْقِطَ فِي أَيْدِي النَّاسِ، فَأَعْظَمُوهُ جِدًّا، وَنَدِمَ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ الْخَوَارِجِ عَلَى مَا صَنَعُوا، وَأَشْبَهُوا مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِمَّنْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا خَبَرَهُمْ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، مِنَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الْأَعْرَافِ: 149 ] وَلَمَّا بَلَغَ الزُّبَيْرَ مَقْتَلُ عُثْمَانَ - وَكَانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ - قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ تَرَحَّمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ قَتَلُوهُ نَدِمُوا فَقَالَ: تَبًّا لَهُمْ. ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [ يس: 48، 49 ]. وَبَلَغَ عَلِيًّا قَتْلُهُ فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَسَمِعَ بِنَدَمِ الَّذِينَ قَتَلُوهُ فَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ الْآيَةَ [ الْحَشْرِ: 16 ]. وَلَمَّا بَلَغَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَتْلُ عُثْمَانَ اسْتَغْفَرَ لَهُ، وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَتَلَا فِي حَقِّ الَّذِينَ قَتَلُوهُ: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [ الْكَهْفِ: 103، 104 ]. ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ: اللَّهُمَّ أَنْدِمْهُمْ ثُمَّ خُذْهُمْ. وَقَدْ أَقْسَمَ بَعْضُ السَّلَفِ بِاللَّهِ أَنَّهُ مَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَّا مَقْتُولًا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَهَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؛ لِوُجُوهٍ مِنْهَا، دَعْوَةُ سَعْدٍ الْمُسْتَجَابَةُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا مَاتَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَتَّى جُنَّ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: الَّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ عَتَّابٍ التُّجِيبِيُّ، وَكَانَتِ امْرَأَةُ مَنْظُورِ بْنِ سَيَّارٍ الْفَزَارِيِّ تَقُولُ: خَرَجْنَا إِلَى الْحَجِّ وَمَا عَلِمْنَا لِعُثْمَانَ بِقَتْلٍ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ سَمِعْنَا رَجُلًا يُغَنِّي تَحْتَ اللَّيْلِ: أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ قَتِيلُ التُّجِيبِيِّ الَّذِي جَاءَ مِنْ مِصْرِ وَلَمَّا رَجَعَ الْحَجِيجُ وَجَدُوا عُثْمَانَ، ؓ، قَدْ قُتِلَ وَبَايَعَ النَّاسُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، ؓ. وَلَمَّا بَلَغَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، رَجَعْنَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَمْنَ بِهَا نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَمَا سَيَأْتِي. فَصْلٌ ( كَلَامُ الصَّحَابَةِ فِي مَقْتَلِ عُثْمَانَ ؓ ) رَوَى الْحَافِظُ بْنُ عَسَاكِرَ، بسنده عَنْ حُذَيْفَةَ. قَالَ: أَوَّلُ الْفِتَنِ قَتْلُ عُثْمَانَ، وَآخِرُ الْفِتَنِ خُرُوجُ الدَّجَّالِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَمُوتُ رَجُلٌ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ حُبِّ قَتْلِ عُثْمَانَ إِلَّا تَبِعَ الدَّجَّالَ إِنْ أَدْرَكَهُ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ آمَنَ بِهِ فِي قَبْرِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ". قَالَ عن أبي عَبْدِ اللَّهِ النَّجْرَانِيُّ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ، كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ وَهُوَ يُنَاجِي امْرَأَتَهُ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا: خَيْرٌ. فَقَالَ: إِنَّ شَيْئًا تُسِرَّانِهِ دُونِي مَا هُوَ بِخَيْرٍ. قَالَ: قُتِلَ الرَّجُلُ. يَعْنِي عُثْمَانَ. قَالَ: فَاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ بِمَعْزِلٍ، فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَهُوَ لِمَنْ حَضَرَهُ، وَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا فَهُوَ لِمَنْ حَضَرَهُ، وَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، الْيَوْمَ نَفَرَتِ الْقُلُوبُ بِأَنْفَارِهَا، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَبَقَ بِيَ الْفِتَنَ، قَادَتَهَا وَعُلُوجَهَا، الْحَظِيُّ مَنْ تَرَدَّى بَعِيرُهُ، فَشَبِعَ شَحْمَا وَقَلَّ عَمَلُهُ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: لَوْ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ هُدًى، لَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ لَبَنًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَلَالًا، فَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ دَمًا. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَعَنْ زَهْدَمٍ الْجَرْمِيِّ قَالَ: خَطَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ لَمْ يَطْلُبِ النَّاسُ بِدَمِ عُثْمَانَ لَرُمُوا بِالْحِجَارَةِ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ عَنْهُ. وعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ جِئْتُ عَلِيًّا وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ لَهُ: قُتِلَ عُثْمَانُ. فَقَالَ: تَبًّا لَهُمْ آخِرَ الدَّهْرِ. وَفِي رِوَايَةٍ: خَيْبَةً لَهُمْ. وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا وَهُوَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ، أَوْ عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ رَافِعًا صَوْتَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ. وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: قُتِلَ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ غَائِبٌ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَرْضَ وَلَمْ أُمَالِئْ. وعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَبْكِي حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ سَيَلْحَقُ بِهِ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ، وَلَا أَمَرْتُ، وَلَكِنِّي غُلِبْتُ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِنْ شَاءَ النَّاسُ حَلَفْتُ لَهُمْ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ بِاللَّهِ، مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ، وَلَا أَمَرْتُ بِقَتْلِهِ، وَلَقَدْ نَهَيْتُهُمْ فَعَصَوْنِي. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ. وعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَوْمَ الْجَمَلِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَلَقَدْ طَاشَ عَقْلِي يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَأَنْكَرْتُ نَفْسِي وَجَاءُونِي لِلْبَيْعَةِ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أُبَايِعَ قَوْمًا قَتَلُوا رَجُلًا قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: أَلَا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ. وَإِنِّي لِأَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أُبَايِعَ وَعُثْمَانُ قَتِيلٌ عَلَى الْأَرْضِ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ. فَانْصَرَفُوا، فَلَمَّا دُفِنَ رَجَعَ النَّاسُ يَسْأَلُونِي الْبَيْعَةَ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمُشْفِقٌ مِمَّا أُقْدِمُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَتْ عَزْمَةٌ فَبَايَعْتُ، فَلَمَّا قَالُوا: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَأَنَّمَا صُدِعَ قَلْبِي وَانْسَكَبْتُ بِعَبْرَةٍ. وَقَدِ اعْتَنَى الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ بِجَمْعِ الطُّرُقِ الْوَارِدَةِ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، وَكَانَ يُقْسِمُ عَلَى ذَلِكَ فِي خُطَبِهِ وَغَيْرِهَا أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ، وَلَا أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَلَا مَالَأَ، وَلَا رَضِيَ بِهِ، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُ فَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ. ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ تُفِيدُ الْقَطْعَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَنَا وَعُثْمَانُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ [ الْحِجْرِ: 47 ]. وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عُثْمَانُ، ؓ، خَيْرَنَا، وَأَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ، وَأَشَدَّنَا حَيَاءً، وَأَحْسَنَنَا طُهُورًا، وَأَتْقَانَا لِلرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ. وَعَنْ عُمَيْرِ بْنِ زَوْذِيٍّ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَطَعَ الْخَوَارِجُ عَلَيْهِ خُطْبَتَهُ، فَنَزَلَ فَقَالَ: إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ عُثْمَانَ كَمَثَلِ أَثْوَارٍ ثَلَاثَةٍ ; أَحْمَرَ وَأَبْيَضَ وَأَسْوَدَ، وَمَعَهُمْ فِي أَجَمَةٍ أَسَدٌ، فَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ قَتْلَ أَحَدِهِمْ مَنَعَهُ الْآخَرَانِ، فَقَالَ لِلْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ: إِنَّ هَذَا الْأَبْيَضَ قَدْ فَضَحَنَا فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ فَخَلِّيَا عَنْهُ حَتَّى آكُلَهُ. فَخَلَّيَا عَنْهُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ كَانَ كُلَّمَا أَرَادَ أَحَدَهُمَا مَنَعَهُ الْآخَرُ، فَقَالَ لِلْأَحْمَرِ: إِنَّ هَذَا الْأَسْوَدَ قَدْ فَضَحَنَا فِي هَذِهِ الْأَجَمَةِ، وَإِنَّ لَوْنِي عَلَى لَوْنِكَ، فَلَوْ خَلَّيْتَ عَنْهُ أَكَلْتُهُ. فَخَلَّى عَنْهُ الْأَحْمَرُ فَأَكَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلْأَحْمَرِ: إِنِّي آكِلُكَ. فَقَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَصِيحَ ثَلَاثَ صَيْحَاتٍ. فَقَالَ: دُونَكَ. فَقَالَ: أَلَا إِنِّي إِنَّمَا أُكِلْتُ يَوْمَ أُكِلَ الْأَبْيَضُ. ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: وَإِنَّمَا أَنَا وَهَنْتُ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ. قَالَهَا ثَلَاثًا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَجِيءُ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَتَحْمِلُ وِقْرَهَا وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ بَدِّلْ، اللَّهُمَّ غَيِّرْ. فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ، ؓ: قُلْتُمُ بَدِّلْ فَقَدْ بَدَّلَكُمْ سَنَةً حَرَّى وَحَرْبًا كَاللَّهَبْ مَا نَقِمْتُمْ مِنْ ثِيَابٍ خِلْفَةٍ وَعَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَذَهَبْ قَالَ: وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ - وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ فِي مَنْ جَانَبَ عُثْمَانَ - فَلَمَّا قُتِلَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا قَتْلَهُ، وَلَا كُنَّا نَرَى أَنْ يَبْلُغَ مِنْهُ الْقَتْلَ، اللَّهُمَّ إِنَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا، وَلَا أَضْحَكَ حَتَّى أَلْقَاكَ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنَّ عُمَرَ مُوثِقِي وَأُخْتَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَوِ ارْفَضَّ أُحُدٌ فِيمَا صَنَعْتُمْ بِابْنِ عَفَّانَ، لَكَانَ حَقِيقًا. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ". وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ: قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَلَمْ يَنْتَطِحُ فِيهِ عَنْزَانِ. فَقَالَ ابْنُ سَلَامٍ: أَجَلْ إِنَّ الْبَقَرَ وَالْمَعْزَ لَا تَنْتَطِحُ فِي قَتْلِ الْخَلِيفَةِ، وَلَكِنْ تَنْتَطِحُ فِيهِ الرِّجَالُ بِالسِّلَاحِ، وَاللَّهِ لَيُقْتَلَنَّ بِهِ أَقْوَامٌ، إِنَّهُمْ لَفِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ مَا وُلِدُوا بَعْدُ. وقَالَ ابْنُ سَلَامٍ: يُحَكَّمُ عُثْمَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْقَاتِلِ وَالْخَاذِلِ. وعن أَبِي الْأَسْوَدِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: لَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُشْرَكَ فِي دَمِ عُثْمَانَ. وعَنْ أَبِي مَرْيَمَ رَضِيعِ الْجَارُودِ قَالَ: كُنْتُ بِالْكُوفَةِ فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ خَطِيبًا فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ فِي مَنَامِي عَجَبًا ; رَأَيْتُ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، حَتَّى قَامَ عِنْدَ قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ النَّبِيِّ، ﷺ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مَنْكِبِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَكَانَ نُبْذَةً، فَقَالَ: رَبِّ سَلْ عِبَادَكَ فِيمَ قَتَلُونِي ؟ فَانْبَعَثَ مِنَ السَّمَاءِ مِيزَابَانِ مِنْ دَمٍ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: فَقِيلَ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَرَى مَا يُحَدِّثُ بِهِ الْحَسَنُ ؟ فَقَالَ: حَدَّثَ بِمَا رَأَى. وعَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ قُتِلَ عُثْمَانُ: نَفَرَتِ الْقُلُوبُ مَنَافِرَهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَتَآلَفُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: غَضِبْتُ لَكُمْ مِنَ السَّوْطِ وَلَا أَغْضَبُ لِعُثْمَانَ مِنَ السَّيْفِ ! اسْتَعْتَبْتُمُوهُ حَتَّى إِذَا تَرَكْتُمُوهُ كَالْقَلْبِ الْمُصَفَّى قَتَلْتُمُوهُ. وعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ: تَرَكْتُمُوهُ كَالثَّوْبِ النَّقِيِّ مِنَ الدَّنَسِ ثُمَّ قَتَلْتُمُوهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ قَرَّبْتُمُوهُ فَذَبَحْتُمُوهُ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ. فَقَالَ لَهَا مَسْرُوقٌ: هَذَا عَمَلُكِ، أَنْتِ كَتَبْتِ إِلَى النَّاسِ تَأْمُرِينَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: لَا وَالَّذِي آمَنَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَكَفَرَ بِهِ الْكَافِرُونَ، مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِمْ سَوْدَاءَ فِي بَيْضَاءَ حَتَّى جَلَسْتُ مَجْلِسِي هَذَا. قَالَ الْأَعْمَشُ: فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ كُتِبَ عَلَى لِسَانِهَا. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَيْهَا. وَفِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، زَوَّرُوا كُتُبًا عَلَى لِسَانِ الصَّحَابَةِ إِلَى الْآفَاقِ، يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى قِتَالِ عُثْمَانَ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ لَمَّا سَمِعَتْ بِقَتْلِ عُثْمَانَ: رَحِمَهُ اللَّهُ، أَمَا إِنَّهُمْ لَنْ يَحْتَلِبُوا بَعْدَهُ إِلَّا دَمًا. كلام أئمة التابعين في مقتل عثمان ؓ وَأَمَّا كَلَامُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَكَثِيرٌ جِدًّا يَطُولُ ذِكْرُنَا لَهُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ حِينَ رَأَى الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا مِنْ قَتْلِهِ: أَمَا مَرَرْتُمْ بِبِلَادِ ثَمُودَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكُمْ مِثْلُهُمْ، لَخَلِيفَةُ اللَّهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْ نَاقَتِهِ. وعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَوْ كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ هُدًى لَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ لَبَنًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَلَالًا فَاحْتَلَبَتْ بِهِ الْأُمَّةُ دَمًا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ: كَانَ قَتْلُ عُثْمَانَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْحَقِّ
التاريخ 2031لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( كَيْفِيَّةُ قَتْلِ عُثْمَانَ بِالْمَدِينَةِ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ ) إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ وَقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ، ؓ، بِالْمَدِينَةِ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، ؓ ؟ فَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا، أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ أَوْ كُلُّهُمْ، لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَبْلُغُ الْأَمْرُ إِلَى قَتْلِهِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَكُونُوا يُحَاوِلُونَ قَتْلَهُ عَيْنًا، بَلْ طَلَبُوا مِنْهُ أَحَدَ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ ; إِمَّا أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ، أَوْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ، أَوْ يَقْتُلُوهُ، فَكَانُوا يَرْجُونَ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَى النَّاسِ مَرْوَانَ، أَوْ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ هَذِهِ الضَّائِقَةِ الشَّدِيدَةِ. وَأَمَّا الْقَتْلُ فَمَا كَانَ يَظُنُّ أَحَدٌ أَنَّهُ يَقَعُ، وَلَا أَنَّ هَؤُلَاءِ يَجْتَرِئُونَ عَلَيْهِ إِلَى مَا هَذَا حَدُّهُ، حَتَّى وَقَعَ مَا وَقَعَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي، أَنَّ الصَّحَابَةَ مَانَعُوا دُونَهُ أَشَدَّ الْمُمَانَعَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ التَّضْيِيقُ الشَّدِيدُ عَزَمَ عُثْمَانُ عَلَى النَّاسِ أَنَّ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ وَيُغْمِدُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَفَعَلُوا، فَتَمَكَّنَ أُولَئِكَ مِمَّا أَرَادُوا، وَمَعَ هَذَا مَا ظَنَّ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالْكُلِّيَّةِ. الثَّالِثُ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ لَمَّا اغْتَنَمُوا غَيْبَةَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ، وَلَمْ تَقْدِمِ الْجُيُوشُ مِنَ الْآفَاقِ لِلنُّصْرَةِ، بَلْ لَمَّا اقْتَرَبَ مَجِيئُهُمْ، انْتَهَزُوا فُرْصَتَهُمْ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، وَصَنَعُوا مَا صَنَعُوا مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ. الرَّابِعُ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْ مُقَاتِلٍ مِنَ الْأَبْطَالِ، وَرُبَّمَا لَمْ يَكُنْ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَذِهِ الْعِدَّةُ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي الثُّغُورِ وَفِي الْأَقَالِيمِ فِي كُلِّ جِهَةٍ وَفِي الْحَجِّ. وَمَعَ هَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ قَدِ اعْتَزَلَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ وَلَزِمُوا بُيُوتَهُمْ، وَمَنْ كَانَ يَحْضُرُ مِنْهُمُ الْمَسْجِدَ لَا يَجِيءُ إِلَّا وَمَعَهُ السَّيْفُ يَضَعُهُ عَلَى حَبْوَتِهِ إِذَا احْتَبَى، وَالْخَوَارِجُ مُحْدِقُونَ بِدَارِ عُثْمَانَ، ؓ. وَرُبَّمَا لَوْ أَرَادُوا صَرْفَهُمْ عَنِ الدَّارِ لَمَا أَمْكَنَ ذَلِكَ. وَلَكِنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ قَدْ بَعَثُوا أَوْلَادَهُمْ إِلَى الدَّارِ يُجَاحِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ، ؓ، لِكَيْ تَقْدَمَ الْجُيُوشُ مِنَ الْأَمْصَارِ لِنُصْرَتِهِ، فَمَا فَجَأَ النَّاسَ إِلَّا وَقَدْ ظَفِرَ أُولَئِكَ بِالدَّارِ مِنْ خَارِجِهَا، وَأَحْرَقُوا بَابَهَا، وَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِ حَتَّى قَتَلُوهُ. وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ أَسْلَمَهُ وَرَضِيَ بِقَتْلِهِ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ رَضِيَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، ؓ، بَلْ كُلُّهُمْ كَرِهَهُ، وَمَقَتَهُ، وَسَبَّ مَنْ فَعَلَهُ، وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَوَدُّ لَوْ خَلَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْأَمْرِ ; كَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: دَفَنُوا عُثْمَانَ، ؓ بِحَشِّ كَوْكَبٍ، وَكَانَ قَدِ اشْتَرَاهُ وَزَادَهُ فِي الْبَقِيعِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ السَّلَفِ حَيْثُ يَقُولُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ عُثْمَانَ: هُوَ أَمِيرُ الْبَرَرَةِ، وَقَتِيلُ الْفَجَرَةِ، مَخْذُولٌ مَنْ خَذَلَهُ، مَنْصُورٌ مَنْ نَصَرَهُ. وَقَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ فِي آخِرِ تَرْجَمَةِ عُثْمَانَ وَفَضَائِلِهِ، بَعْدَ حِكَايَتِهِ هَذَا الْكَلَامَ: قُلْتُ: الَّذِينَ قَتَلُوهُ أَوْ أَلَّبُوا عَلَيْهِ قَتَلُوا إِلَى عَفْوِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالَّذِينَ خَذَلُوهُ خَذَلُوا وَتَنَغَّصَ عَيْشُهُمْ، وَكَانَ الْمُلْكُ بَعْدَهُ فِي نَائِبِهِ مُعَاوِيَةَ وَابْنَيْهِ، ثُمَّ فِي وَزِيرِهِ مَرْوَانَ وَثَمَانِيَةٍ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، اسْتَطَالُوا حَيَاتَهُ وَمَلُّوهُ مَعَ فَضْلِهِ وَسَوَابِقِهِ، فَتَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ مِنْ بَنِي عَمِّهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. وَهَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ.
التاريخ 2032لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَعْضِ مَا رُثِيَ بِهِ ، ؓ قَالَ مَجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَرَاثِي عُثْمَانَ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ لَا تَقْتُلُوهُمُ عَفَا اللَّهُ عَنْ كُلِّ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلِ فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ صَبَّ عَلَيْهِمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ عَنِ النَّاسِ إِدْبَارَ النَّعَامِ الْجَوَافِلِ وَقَدْ نَسَبَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: مَاذَا أَرَدْتُمْ مِنْ أَخِي الدِّينِ بَارَكَتْ يَدُ اللَّهِ فِي ذَاكَ الْأَدِيمِ الْمُقَدَّدِ قَتَلْتُمْ وَلِيَّ اللَّهِ فِي جَوْفِ دَارِهِ وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ جَائِرٍ غَيْرَ مُهْتَدِ فَهَلَّا رَعَيْتُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ بَيْنَكُمْ وَأَوْفَيْتُمُ بِالْعَهْدِ عَهْدِ مُحَمَّدِ أَلَمْ يَكُ فِيكُمْ ذَا بَلَاءٍ وَمَصْدَقٍ وَأَوْفَاكُمُ قِدْمًا لَدَى كُلِّ مَشْهَدِ فَلَا ظَفِرَتْ أَيْمَانُ قَوْمٍ تَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ الرَّشِيدِ الْمُسَدَّدِ وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، ؓ: مَنْ سَرَّهُ الْمَوْتُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً فِي دَارِ عُثْمَانَا مُسْتَشْعِرِي حَلَقَ الْمَاذِيِّ قَدْ شُفِعَتْ قَبْلَ الْمَخَاطِمِ بَيْضٌ زَانَ أَبْدَانَا ضَحَّوْا بَأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وُقُرْآنَا صَبْرًا فِدًى لَكُمُ أُمِّي وَمَا وَلَدَتْ قَدْ يَنْفَعُ الصَّبْرُ فِي الْمَكْرُوهِ أَحْيَانَا فَقَدْ رَضِينَا بَأَرْضِ الشَّامِ نَافِرَةً وَبِالْأَمِيرِ وَبِالْإِخْوَانِ إِخْوَانَا إِنِّي لَمِنْهُمْ وَإِنْ غَابُوا وَإِنْ شَهِدُوا مَا دُمْتُ حَيًّا وَمَا سُمِّيتُ حَسَّانَا لَتَسْمَعُنَ وَشِيكًا فِي دِيَارِهِمُ اللَّهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا يَا لَيْتَ شِعْرِي وَلَيْتَ الطَّيْرَ تُخْبِرُنِي مَا كَانَ شَأْنُ عَلِيٍّ وَابْنِ عَفَّانَا وَقَالَ رَاعِي الْإِبِلِ النُّمَيْرِيُّ فِي عُثْمَانَ: عَشِيَّةَ يَدْخُلُونَ بِغَيْرِ إِذْنٍ عَلَى مُتَوَكِّلٍ أَوْفَى وَطَابَا خَلِيلُ مُحَمِّدٍ وَوَزِيرُ صِدْقٍ وَرَابِعُ خَيْرِ مَنْ وَطِئِ التُّرَابَا وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ أَيْضًا: أَتَرَكْتُمُ غَزْوَ الدُّرُوبِ وَرَاءَكُمْ وَغَزَوْتُمُونَا عِنْدَ قَبْرِ مُحَمَّدِ فَلَبِئْسَ هَدْيُ الْمُسْلِمِينَ هَدَيْتُمُ وَلَبِئْسَ أَمْرُ الْفَاجِرِ الْمُتَعَمِّدِ إِنْ تَقْدَمُوا نَجْعَلْ قِرَى سَرَوَاتِكُمْ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّ لَيْنٍ مِذْوَدِ أَوْ تُدْبِرُوا فَلَبِئْسَ مَا سَافَرْتُمُ وَلِمِثْلِ أَمْرِ أَمِيرِكُمْ لَمْ يُرْشَدِ وَكَأَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ عَشِيَّةً بُدْنٌ تُذَبَّحُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ أَبْكِي أَبَا عَمْرٍو لِحُسْنِ بَلَائِهِ أَمْسَى ضَجِيعًا فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَقَالَ أَيْضًا: إِنْ تُمْسِ دَارُ ابْنِ أَرْوَى الْيَوْمَ خَاوِيَةً بَابٌ صَرِيعٌ وَبَابٌ مُحْرَقٌ خَرِبُ فَقَدْ يُصَادِفُ بَاغِي الْخَيْرِ حَاجَتَهُ فِيهَا وَيَهْوِي إِلَيْهَا الذِّكْرُ وَالْحَسَبُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَبْدُوا ذَاتَ أَنْفُسِكُمْ لَا يَسْتَوِي الصِّدْقُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْكَذِبُ قُومُوا بِحَقِّ مَلِيكِ النَّاسِ تَعْتَرِفُوا بِغَارَةٍ عُصَبٍ مِنْ خَلْفِهَا عُصَبُ فِيهِمْ حَبِيبٌ شِهَابُ الْمَوْتِ يَقْدُمُهُمْ مُسْتَلْئِمًا قَدْ بَدَا فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ يُحَرِّضُ أَخَاهُ عُمَارَةَ: أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ قَتِيلُ التُّجِيبِيِّ الَّذِي جَاءَ مِنْ مِصْرِ فَإِنْ يَكُ ظَنِّي بِابْنِ أُمِّي صَادِقًا عُمَارَةَ لَا يَطْلُبُ بِذَحْلٍ وَلَا وِتْرِ يَبِيتُ وَأَوْتَارُ ابْنِ عَفَّانَ عِنْدَهُ مُخَيِّمَةٌ بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالْقَصْرِ فَأَجَابَهُ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ: أَتَطَلُبُ ثَأْرًا لَسْتَ مِنْهُ وَلَا لَهُ وَأَيْنَ ابْنُ ذَكْوَانَ الصَّفُورِيُّ مِنْ عَمْرِو كَمَا اتَّصَلَتْ بِنْتُ الْحِمَارِ بِأُمِّهَا وَتَنْسَى أَبَاهَا إِذْ تُسَامِي أُولِي الْفَخْرِ أَلَا إِنَّ خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَصِيُّ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى عِنْدَ ذِي الذِّكْرِ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى وَصِنْوُ نَبِيِّهِ وَأَوَّلُ مَنْ أَرْدَى الْغُوَاةَ لَدَى بَدْرِ فَلَوْ رَأَتِ الْأَنْصَارُ ظُلْمَ ابْنِ أُمِّكُمْ بِزَعْمِكُمُ كَانُوا لَهُ حَاضِرِي النَّصْرِ كَفَى ذَاكَ عَيْبًا أَنْ يُشِيرُوا بِقَتْلِهِ وَأَنْ يُسْلِمُوهُ لِلْأَحَابِيشِ مِنْ مِصْرِ وَقَوْلُهُ: وَأَيْنَ ابْنُ ذَكْوَانَ، فَإِنَّ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرٍو اسْمُهُ ذَكْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَيَذْكُرُ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّسَّابِينَ أَنَّ ذَكْوَانَ مَوْلًى لِأُمَيَّةَ، فَتَبَنَّاهُ وَكَنَّاهُ أَبَا عَمْرٍو، وَيَعْنِي: إِنَّكَ مَوْلًى لَسْتَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى تَكُونَ مِمَّنْ يَطْلُبُ بِثَأْرِ عُثْمَانَ.
التاريخ 2033لا حكم مسجّل
نسب عثمان ؓ فَصْلٌ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضَائِلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، أَبُو عَمْرٍو، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ، الْقُرَشِيُّ، الْأُمَوِيُّ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ذُو النُّورَيْنِ، وَصَاحِبُ الْهِجْرَتَيْنِ، وَالْمُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، وَزَوْجُ الِابْنَتَيْنِ. وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ كُرَيْزِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَأُمُّهَا أُمُّ حَكِيمٍ ; وَهِيَ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَهُوَ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَصْحَابِ الشُّورَى، وَأَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خَلَصَتْ لَهُمُ الْخِلَافَةُ مِنَ السِّتَّةِ، ثُمَّ تَعَيَّنَتْ فِيهِ بِإِجْمَاعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، ؓ، فَكَانَ ثَالِثَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ، الْمَأْمُورِ بِاتِّبَاعِهِمْ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ. إسلام عثمان بن عفان رض الله عنه أَسْلَمَ عُثْمَانُ، ؓ، قَدِيمًا عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَكَانَ سَبَبُ إِسْلَامِهِ عَجِيبًا، فِيمَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَمُلَخَّصُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، زَوَّجَ ابْنَتَهُ رُقَيَّةَ - وَكَانَتْ ذَاتَ جَمَالٍ - مِنَ ابْنِ عَمِّهَا عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، تَأَسَّفَ إِذْ لَمْ يَكُنْ هُوَ تَزَوَّجَهَا، فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ مَهْمُومًا فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ خَالَتَهُ سُعْدَى بِنْتَ كُرَيْزٍ - وَكَانَتْ كَاهِنَةً - فَقَالَتْ لَهُ: أَبْشِرْ وَحُيِّيِتَ ثَلَاثًا تَتْرَا ثُمَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثًا أُخْرَى ثُمَّ بِأُخْرَى كَيْ تَتِمَّ عَشْرَا أَتَاكَ خَيْرٌ وَوُقِيتَ شَرَّا أُنْكِحْتِ وَاللَّهِ حَصَانًا زَهْرَا وَأَنْتَ بِكْرٌ وَلَقِيتَ بِكْرَا وَافَيْتَهَا بِنْتَ عَظِيمٍ قَدْرَا بَنَيْتَ أَمْرًا قَدْ أَشَادَ ذِكْرَا قَالَ عُثْمَانُ: فَعَجِبْتُ مِنْ قَوْلِهَا ; حَيْثُ تُبَشِّرُنِي بِامْرَأَةٍ قَدْ تَزَوَّجَتْ بِغَيْرِي، فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا تَقُولِينَ ! فَقَالَتْ: عُثْمَانُ لَكَ الْجَمَالُ وَلَكَ اللِّسَانُ هَذَا نَبِيٌّ مَعَهُ الْبُرْهَانُ أَرْسَلَهُ بِحَقِّهِ الدَّيَّانُ وَجَاءَهُ التَّنْزِيلُ وَالْفُرْقَانُ فَاتْبَعْهُ لَا تَغْتَالُكَ الْأَوْثَانُ قَالَ: فَقُلْتُ إِنَّكِ لَتَذْكُرِينَ أَمْرًا مَا وَقَعَ بِبَلَدِنَا. فَقَالَتْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، جَاءَ بِتَنْزِيلِ اللَّهِ، يَدْعُو بِهِ إِلَى اللَّهِ. ثُمَّ قَالَتْ: مِصْبَاحُهُ مِصْبَاحُ وَدِينُهُ فَلَاحُ وَأَمْرُهُ نَجَاحُ وَقَرْنُهُ نَطَاحُ ذَلَّتْ لَهُ الْبِطَاحُ مَا يَنْفَعُ الصِّيَاحُ لَوْ وَقَعَ الذِّبَاحُ وَسُلَّتِ الصِّفَاحُ وَمُدَّتِ الرِّمَاحُ قَالَ عُثْمَانُ: فَانْطَلَقْتُ مُفَكِّرًا فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عُثْمَانُ، إِنَّكَ لَرَجُلٌ حَازِمٌ، مَا يَخْفَى عَلَيْكَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ، مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُنَا ؟ أَلَيْسَتْ مِنْ حِجَارَةٍ صُمٍّ ; لَا تَسْمَعُ وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَكَذَلِكَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَتْكَ خَالَتُكَ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى خَلْقِهِ بِرِسَالَتِهِ، هَلْ لَكَ أَنْ تَأْتِيَهُ ؟ فَاجْتَمَعْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ أَجِبِ اللَّهَ إِلَى جَنَّتِهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ وَإِلَى خَلْقِهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَمَالَكْتُ حِينَ سَمِعْتُ قَوْلَهُ أَنْ أَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لَمْ أَلْبَثْ أَنْ تَزَوَّجْتُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَكَانَ يُقَالُ: أَحْسَنُ زَوْجٍ رَآهُ إِنْسَانٌ، رُقْيَةُ وَزَوْجُهَا عُثْمَانُ. فَقَالَتْ فِي ذَلِكَ سُعْدَى بِنْتُ كُرَيْزٍ: هَدَى اللَّهُ عُثْمَانَا بِقَوْلِي إِلَى الْهُدَى وَأَرْشَدَهُ وَاللَّهُ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ فَتَابَعَ بِالرَّأْيِ السَّدِيدِ مُحَمَّدًا وَكَانَ بِرَأْيٍ لَا يَصُدُّ عَنِ الصِّدْقِ وَأَنْكَحَهُ الْمَبْعُوثُ بِالْحَقِّ بِنْتَهُ فَكَانَا كَبَدْرٍ مَازَجَ الشَّمْسَ فِي الْأُفْقِ فِدَاؤُكَ يَا ابْنَ الْهَاشِمِيِّينَ مُهْجَتِي وَأَنْتَ أَمِينُ اللَّهِ أُرْسِلْتَ لِلْخَلْقِ قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْغَدِ بِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ، وَبِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَالْأَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ، فَأَسْلَمُوا وَكَانُوا مَعَ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ; ثَمَانِيَةً وَثَلَاثُونَ رَجُلًا. هجرة عثمان ؓ إلى الحبشة ثم إلى المدينة ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ أَوَّلَ النَّاسِ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مَكَّةَ وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ اشْتَغَلَ بِتَمْرِيضِ ابْنَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَأَقَامَ بِسَبَبِهَا فِي الْمَدِينَةِ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بِسَهْمِهِ مِنْهَا وَأَجْرِهِ فِيهَا، فَهُوَ مَعْدُودٌ فِيمَنْ شَهِدَهَا. فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ، فَتُوُفِّيَتْ أَيْضًا فِي صُحْبَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا أُخْرَى لَزَوَّجْنَاهَا بِعُثْمَانَ. شهوده الغزوات وتجهيزه جيش العسرة وَشَهِدَ أُحُدًا وَفَرَّ يَوْمَئِذٍ فِيمَنْ تَوَلَّى، وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ وَالْحُدَيْبِيَةَ، وَبَايَعَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يَوْمَئِذٍ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَشَهِدَ خَيْبَرَ وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ، وَحَضَرَ الْفَتْحَ وَهَوَازِنَ وَالطَّائِفَ وَغَزْوَةَ تَبُوكَ، وَجَهَّزَ فِيهَا جَيْشَ الْعُسْرَةِ. فَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ أَنَّهُ جَهَّزَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِثَلَاثِمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَقْتَابِهَا وَأَحْلَاسِهَا. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَئِذٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَصَبَّهَا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ: مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ. مَرَّتَيْنِ. وَحَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ. حسن صحبته مع الصحابة وَصَحِبَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ. وَصَحِبَ عُمَرَ فَأَحْسَنَ صُحْبَتَهُ، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ - وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي أَهْلِ الشُّورَى السِّتَّةِ، فَكَانَ خَيْرَهُمْ، كَمَا سَيَأْتِي - فَوَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ كَثِيرًا مِنَ الْأَقَالِيمِ وَالْأَمْصَارِ، وَتَوَسَّعَتِ الْمَمْلَكَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، وَامْتَدَّتِ الدَّوْلَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ، وَبُلِّغَتِ الرِّسَالَةُ الْمُصْطَفَوِيَّةُ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَظَهَرَ لِلنَّاسِ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [ النُّورِ: 55 ]. وَقَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ الصَّفِّ: 9 ]. وَقَوْلِهِ، ﷺ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زَوَى لِي مِنْهَا. وَقَوْلِهِ، ﷺ: إِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَهَذَا كُلُّهُ تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ وَتَأَكَّدَ وَتَوَطَّدَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ، ؓ. صفته ؓ وَقَدْ كَانَ، ؓ، حَسَنَ الشَّكْلِ، مَلِيحَ الْوَجْهِ، كَرِيمَ الْأَخْلَاقِ، ذَا حَيَاءٍ كَثِيرٍ، وَكَرَمٍ غَزِيرٍ، يُؤْثِرُ أَهْلَهُ وَأَقَارِبَهُ فِي اللَّهِ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ مِنْ مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْفَانِي ; لَعَلَّهُ يُرَغِّبُهُمْ فِي إِيثَارِ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ، ﷺ، يُعْطِي أَقْوَامًا وَيَدَعُ آخَرِينَ ; يُعْطِي أَقْوَامًا خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُمُ اللَّهُ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ، وَيَكِلُ آخَرِينَ إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْهُدَى وَالْإِيمَانِ، وَقَدْ عَابَهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الْخَصْلَةِ أَقْوَامٌ، كَمَا عَابَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي الْإِيثَارِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَهَا. بَعْضُ صِفَاتِهِ الْخَلْقِيَّةِ ؓ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طُرُقٍ: (أَنَّ عُثْمَانَ كَانَ رَجُلًا رَبْعَةً؛ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، أَبْيَضَ مُشْرَبًا صُفْرَةً، بِوَجْهِهِ نَكَتَاتُ جُدَرِيٍّ، كَبِيرَ اللِّحْيَةِ، عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، خَدْلَ السَّاقَيْنِ، طَوِيلَ الذِّرَاعَيْنِ، شَعْرُهُ قَدْ كَسَا ذِرَاعَيْهِ، جَعْدَ الرَّأْسِ، أَضْلَعَ، أَحْسَنَ النَّاسِ ثَغْرًا، جُمَّتُهُ أَسْفَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ، يُخَضِّبُ بِالصُّفْرَةِ، وَكَانَ قَدْ شَدَّ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَزْمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: (رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْهُ). وَأُخْرِجَ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: (كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَجْمَلَ النَّاسِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْزِلِ عُثْمَانَ بِصَحْفَةِ فِيهَا لَحْمٍ، فَدَخَلْتُ؛ فَإِذَا رُقَيَّةُ ؓ جَالِسَةٌ، فَجَعَلْتُ مَرَّةً أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ رُقَيَّةَ، وَمَرَّةً أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَجَعْتُ.. سَأَلَنِي النَّبِيُّ ﷺ قَالَ لِي: «دَخَلْتَ عَلَيْهِمَا؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَهَلْ رَأَيْتَ زَوْجًا أَحْسَنَ مِنْهُمَا» ؟ قُلْتُ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ قَالَ: (لَمَّا أَسْلَمَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ... أَخَذَهُ عَمُّهُ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِي بْنِ أُمَيَّةَ فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا، وَقَالَ: تَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ آبَائِكَ إِلَى دِينٍ مُحْدَثٍ؟! وَاللَّهِ؛ لَا أُحِلُّكَ أَبَدًا حَتَّى تَدَعَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ؛ لَا أَدَعُهُ أَبَدًا وَلَا أُفَارِقُهُ، فَلَمَّا رَأَى الْحَكَمُ صَلَابَتَهُ فِي دِينِهِ.. تَرَكَهُ). وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ بِأَهْلِهِ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَحِبَهُمَا اللَّهُ، إِنَّ عُثْمَانَ لَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى اللَّهِ بِأَهْلِهِ بَعْدَ لُوطٍ». وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: لَمَّا زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ لِعُثْمَانَ قَالَ لَهَا: «إِنَّ بَعْلَكِ أَشْبَهُ النَّاسِ بِجَدِّكِ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِيكِ مُحَمَّدٍ». وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّا نُشَبِّهُ عُثْمَانَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ». [سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِذِي النُّورَيْنِ ؓ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي «سُنَنِهِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: (قَالَ لِي خَالِي حُسَيْنٌ الْجُعْفِيُّ: تَدْرِي لِمَ سُمِّيَ عُثْمَانُ ذَا النُّورَيْنِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ ابْنَتَيْ نَبِيٍّ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةِ غَيْرُ عُثْمَانَ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَا النُّورَيْنِ). وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: (إِنَّمَا سُمِّيَ عُثْمَانُ ذَا النُّورَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَحَدٌ أَغْلَقَ بَابَهُ عَلَى ابْنَتَيْ نَبِيٍّ غَيْرَهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عُثْمَانَ فَقَالَ: (ذَاكَ امْرُؤٌ يُدْعَى فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى ذَا النُّورَيْنِ؛ كَانَ خِتْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى ابْنَتَيْهِ). وَأَخْرَجَ الْمَالِينِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: (قِيلَ لِعُثْمَانَ: ذُو النُّورَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ مَنْزِلٍ إِلَى مَنْزِلٍ فِي الْجَنَّةِ، فَتُبْرِقُ لَهُ بَرْقَتَيْنِ؛ لِذَلِكَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ).
التاريخ 2034لا حكم مسجّل
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي فَضْلِ عُثْمَانَ، ؓ، نَذْكُرُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ ; وَهِيَ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: فِيمَا وَرَدَ فِي فَضَائِلِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " بسنده عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ، ﷺ، أُحُدًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَفَ، فَقَالَ: " اسْكُنْ أُحُدُ - أَظُنُّهُ ضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ - فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ " تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ. حَدِيثٌ آخَرُ: وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي حَائِطٍ، فَأَمَرَنِي بِحِفْظِ الْبَابِ، فَجَاءَ رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ". ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ ". ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَقَالَ: " ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ ". فَدَخَلَ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَبْرًا. وَفِي رِوَايَةٍ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَزَادَ عَاصِمٌ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كَانَ قَاعِدًا فِي مَكَانٍ فِيهِ مَاءٌ قَدِ انْكَشَفَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ رُكْبَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عُثْمَانُ غَطَّاهَا. وَهُوَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي مُوسَى وَفِيهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ دَلَّيَا أَرْجُلَهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي بَابِ الْقُفِّ وَهُوَ فِي الْبِئْرِ، وَجَاءَ عُثْمَانُ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا فَجَلَسَ نَاحِيَةً. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ فَأَوَّلْتُ ذَلِكَ قُبُورَهُمُ ; اجْتَمَعَتْ وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ. حَدِيثٌ آخَرٌ: عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ، ﷺ، وَعُثْمَانَ حَدَّثَاهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ لَابِسٌ مِرْطَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ وَقَالَ: " اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ ". فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي ثُمَّ انْصَرَفْتُ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي لَا أَرَاكَ فَزِعْتَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَا يُبْلِغُ إِلَيَّ حَاجَتَهُ. قَالَ اللَّيْثُ: وَقَالَ جَمَاعَةُ النَّاسِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لِعَائِشَةَ: أَلَا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ !. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَشَدُّهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللَّهِ أُبَيٌّ، وَأَعْلَمُهَا بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: ( أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ. قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِنْ نَوْطِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ، ﷺ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، ذَاتَ غَدَاةٍ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَالَ: رَأَيْتُ قُبَيْلَ الْفَجْرِ كَأَنِّي أُعْطِيتُ الْمَقَالِيدَ وَالْمَوَازِينَ، فَأَمَّا الْمَقَالِيدُ فَهَذِهِ الْمَفَاتِيحُ، وَأَمَّا الْمَوَازِينُ فَهِيَ الَّتِي تَزِنُونَ بِهَا، فَوُضِعْتُ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ أُمَّتِي فِي كِفَّةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُ، ثُمَّ جِيءَ بِأَبِي بَكْرٍ فَوُزِنَ بِهِمْ فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُمَرَ فَوُزِنَ فَوَزَنَ، ثُمَّ جِيءَ بِعُثْمَانَ فَوَزَنَ بِهِمْ، ثُمَّ رُفِعَتْ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أَسَّسَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ جَاءَ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، وَجَاءَ عُمَرُ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، وَجَاءَ عُثْمَانُ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، قَالَتْ: فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذَا أَمْرُ الْخِلَافَةِ مِنْ بَعْدِي وعَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي تَسْبِيحِ الْحَصَا فِي يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ فِي كَفِّ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ فِي كَفِّ عُمَرَ، ثُمَّ فِي كَفِّ عُثْمَانَ، ؓ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: هَذِهِ خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ وَسَيَأْتِي حَدِيثُ سَفِينَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا فَكَانَتْ وِلَايَةُ عُثْمَانَ، وَمُدَّتُهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الثَّلَاثِينَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، كَمَا أَخْبَرَ بِهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ، ﷺ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. حَدِيثٌ آخَرُ: وَهُوَ مَا رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَنَّهُ شَهِدَ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ مِنْهُمْ بِنَصِّ النَّبِيِّ، ﷺ، عَلَى ذَلِكَ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ، ﷺ، لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ. طَرِيقٌ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ؓ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ وَرَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، حَيٌّ وَأَصْحَابُهُ مُتَوَافِرُونَ ; أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، ثُمَّ نَسْكُتُ.
التاريخ 2035لا حكم مسجّل
الْقِسْمُ الثَّانِي فِيمَا وَرَدَ مِنْ فَضَائِلِهِ وَحْدَهُ : قَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده عن عُثْمَانُ بْنُ مَوْهَبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ حَجَّ الْبَيْتَ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ: فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ ؟ قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي ; هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ ; أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ ; فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عُثْمَانَ - وَكَانَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ - إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ، بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ. فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ. تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلمٍ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده عن عُرْوَةُ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ قَالَا: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُكَلِّمَ عُثْمَانَ لِأَخِيهِ الْوَلِيدِ، فَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ ؟ فَقَصَدْتُ لِعُثْمَانَ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، وَهِيَ نَصِيحَةٌ لَكَ. قَالَ: يَا أَيُّهَا الْمَرْءُ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: قَالَ مَعْمَرٌ: أَرَاهُ قَالَ - أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ. فَانْصَرَفْتُ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ إِذْ جَاءَ رَسُولُ عُثْمَانَ، ؓ، فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: مَا نَصِيحَتُكَ ؟ فَقُلْتُ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا، ﷺ، بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكُنْتَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَهَاجَرْتَ الْهِجْرَتَيْنِ، وَصَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، وَرَأَيْتَ هَدْيَهُ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي شَأْنِ الْوَلِيدِ. فَقَالَ: أَدْرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ خَلَصَ إِلَيَّ مِنْ عِلْمِهِ مَا يَخْلُصُ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا. قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ وَكُنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَآمَنْتُ بِمَا بَعَثَ بِهِ، وَهَاجَرْتُ الْهِجْرَتَيْنِ كَمَا قُلْتَ، وَصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، وَبَايَعْتُهُ فَوَاللَّهِ مَا عَصَيْتُهُ وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُهُ، ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ، أَفَلَيَسَ لِي مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لَهُمْ ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَمَا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي تَبْلُغُنِي عَنْكُمْ ؟ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ شَأْنِ الْوَلِيدِ، فَسَنَأْخُذُ فِيهِ بِالْحَقِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ دَعَا عَلِيًّا فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِدَهُ فَجَلَدَهُ ثَمَانِينَ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَائِشَةَ، ؓ، قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَلَمَّا رَأَيْنَا إِقْبَالَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عَلَى عُثْمَانَ أَقْبَلَتْ إِحْدَانَا عَلَى الْأُخْرَى فَكَانَ مِنْ آخِرِ كَلَامٍ كَلَّمَهُ أَنْ ضَرَبَ مَنْكِبَهُ، وَقَالَ: " يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي " ثَلَاثًا. فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَأَيْنَ كَانَ هَذَا عَنْكِ ؟ قَالَتْ: نُسِّيتُهُ وَاللَّهِ فَمَا ذَكَرْتُهُ. قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فَلَمْ يَرْضَ بِالَّذِي أَخْبَرْتُهُ حَتَّى كَتَبَ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنِ اكْتُبِي إِلَيَّ بِهِ فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ بِهِ كِتَابًا حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عن فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ، وَأَرْسَلَهَا عَمُّهَا فَقَالَ: إِنَّ أَحَدَ بَنِيكِ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ وَيَسْأَلُكِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ شَتَمُوهُ ! فَقَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، لَمُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَيَّ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ لَيُوحِي إِلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَإِنَّهُ لَيَقُولُ لَهُ: اكْتُبْ يَا عُثَيْمُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُنْزِلَ تِلْكَ الْمَنْزِلَةَ إِلَّا كِرِيمًا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، ذَكَرَ فِتْنَةً، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، ؓ: أَنَا أُدْرِكُهَا ؟ قَالَ: " لَا ". فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أُدْرِكُهَا ؟ قَالَ: " لَا ". فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أُدْرِكُهَا ؟ قَالَ: " بِكَ يُبْتَلَوْنَ " حَدِيثٌ آخَرُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فِتْنَةً فَمَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ: " يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا الْمُقَنَّعُ يَوْمَئِذٍ مَظْلُومًا ". فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ؓ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عن مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أُمِّي أَبُو حَبِيْبَةَ، أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فِيهَا، وَأَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْتَأْذِنُ عُثْمَانَ فِي الْكَلَامِ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ( إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّكُمْ تَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً وَاخْتِلَافًا " - أَوْ قَالَ: " اخْتِلَافًا وَفِتْنَةً " - فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " عَلَيْكُمْ بِالْأَمِينِ وَأَصْحَابِهِ " وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ الْعَامَّةِ، وَقَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَإِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ خِصَالًا ثَلَاثًا اخْتَرْ إِحْدَاهُنَّ ; إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ فَتَقَاتِلَهُمْ، فَإِنَّ مَعَكَ عَدَدًا وَقُوَّةً وَأَنْتَ عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِمَّا أَنْ تَخْرِقَ بَابًا سِوَى الْبَابِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ فَتَقْعُدَ عَلَى رَوَاحِلِكَ فَتَلْحَقَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْتَحِلُّوكَ وَأَنْتَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَلْحَقَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَفِيهِمْ مُعَاوِيَةُ. فَقَالَ عُثْمَانُ: أَمَّا أَنْ أَخْرَجَ فَأُقَاتِلُ، فَلَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ خَلَفَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فِي أُمَّتِهِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَأَمَّا أَنْ أَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْتَحِلُّونِي بِهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: يُلْحِدُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ عَذَابِ الْعَالَمِ. فَلَنْ أَكُونَ أَنَا، وَأَمَّا أَنْ أَلْحَقَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَفِيهِمْ مُعَاوِيَةُ فَلَنْ أُفَارِقَ دَارَ هِجْرَتِي وَمُجَاوَرَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عن أَبُي عَوْنٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِابْنِ مَسْعُودٍ: " هَلْ أَنْتَ مُنْتَهٍ عَمَّا بَلَغَنِي عَنْكَ ؟ فَاعْتَذَرَ بَعْضَ الْعُذْرِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: وَيْحَكَ ! إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ وَحَفِظْتُ - وَلَيْسَ كَمَا سَمِعْتَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: سَيُقْتَلُ أَمِيرٌ وَيَنْتَزِي مُنْتَزٍ. وَإِنِّي أَنَا الْمَقْتُولُ، وَلَيْسَ عُمَرَ، إِنَّمَا قَتَلَ عُمَرَ وَاحِدٌ، وَإِنَّهُ يُجْتَمَعُ عَلَيَّ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ لِابْنِ مَسْعُودٍ قَبْلَ مَقْتَلِهِ بِنَحْوٍ مَنْ أَرْبَعِ سِنِينَ، فَإِنَّهُ مَاتَ قَبْلَهُ بِنَحْوِ ذَلِكَ. حَدِيثٌ آخَرُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ: بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ عُثْمَانَ يَوْمَ حُصِرَ فِي مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ وَلَوْ أُلْقِيَ حَجَرٌ لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَى رَأْسِ رَجُلٍ، فَرَأَيْتُ عُثْمَانَ أَشْرَفَ مِنَ الْخَوْخَةِ الَّتِي تَلِي بَابَ مَقَامِ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفِيكُمْ طَلْحَةُ ؟ فَسَكَتُوا ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، أَفِيكُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ ؟ فَسَكَتُوا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَفِيكُمْ طَلْحَةُ ؟ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَلَا أَرَاكَ هَاهُنَا ؟ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّكَ تَكُونُ فِي جَمَاعَةِ قَوْمٍ تَسْمَعُ نِدَائِي آخَرَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ لَا تُجِيبُنِي ؟ أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا طَلْحَةُ، تَذْكُرُ يَوْمَ كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: إِنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَمَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ رَفِيقٌ مِنْ أُمَّتِهِ مَعَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ هَذَا - يَعْنِينِي - رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ " ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ. تَفَرَّدَ بِهِ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ، وَرَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ عُثْمَانُ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بِجِنَازَةِ رَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَاكَ تَرَكْتَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَ هَذَا ؟ فَقَالَ: " إِنَّهُ كَانَ يُبْغِضُ عُثْمَانَ فَأَبْغَضَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، لَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ هَذَا جِبْرِيلُ يُخْبِرُنِي أَنَّ اللَّهَ قَدْ زَوَّجَكَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِمِثْلِ صَدَاقِ رُقَيَّةَ عَلَى مِثْلِ مُصَاحَبَتِهَا. وَرُوِيَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: لَوْ كَانَ لِي أَرْبَعُونَ ابْنَةً لَزَوَّجْتُهُنَّ بِعُثْمَانَ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ. وعَنِ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، لِمَ قُلْتُمْ فِي عُثْمَانَ: أَعْلَاهَا فُوقًا ؟ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ رَجُلٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ ابْنَتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، رَافِعًا يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ ضَبْعَيْهِ إِلَّا لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، إِذَا دَعَا لَهُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، بَعَثَ إِلَى عُثْمَانَ يَسْتَعِينُهُ فِي غَزَاةٍ غَزَاهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ: " غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْتَ وَمَا أَعْلَنْتَ وَمَا أَخْفَيْتَ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا يُبَالِي عُثْمَانُ مَا فَعَلَ بَعْدَ هَذَا ". حَدِيثٌ آخَرُ: وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ: أَوَّلُ مَنْ خَبَصَ الْخَبِيصَ عُثْمَانُ ; خَلَطَ بَيْنَ الْعَسَلِ وَالنَّقِيِّ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى مَنْزِلِ أُمِّ سَلَمَةَ فَلَمْ يُصَادِفْهُ، فَلَمَّا جَاءَ وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ بَعَثَ بِهَذَا ؟ قَالُوا: عُثْمَانُ. قَالَتْ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ يَتَرَضَّاكَ فَارْضَ عَنْهُ ". حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، اعْتَنَقَ عُثْمَانَ، وَقَالَ: أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَوَلِيِّي فِي الْآخِرَةِ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: تَهْجُمُونَ عَلَى رَجُلٍ مُعْتَجِرٍ بِبُرْدَةٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، يُبَايِعُ النَّاسَ. قَالَ: فَهَجَمْنَا عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ مُعْتَجِرًا يُبَايِعُ النَّاسَ. ما روي عنه من رسول الله ﷺ وما روى عنه من الصحابة والتابعين رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا. رَوَى عَنْهُ: زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، وَأَبُو قَتَادَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَآخَرُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ، ؓ، وَخَلَائِقُ مِنَ التَّابِعِينَ. أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: (مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - كَانَ إِذَا حَدَّثَ - أَتَمَّ حَدِيثًا وَلَا أَحْسَنَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يَهَابُ الْحَدِيثَ). وَأُخْرِجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: (كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالْمَنَاسِكِ: عُثْمَانُ، وَبَعْدَهُ ابْنُ عُمَرَ).
التاريخ 2036لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى فَضِيلَتِهِ، ؓ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ بَايَعْنَا خَيْرَنَا وَلَمْ نَأْلُ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَايَعُوا خَيْرَهُمْ وَلَمْ يَأْلُوا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ ": بسنده عن الْحَسَنَ يَقُولُ: أَدْرَكْتُ عُثْمَانَ عَلَى مَا نَقَمُوا عَلَيْهِ، قَلَّمَا يَأْتِي عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ إِلَّا وَهُمْ يَقْتَسِمُونَ فِيهِ خَيْرًا، يُقَالُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اغْدُوا عَلَى أَعْطِيَاتِكُمْ. فَيَأْخُذُونَهَا وَافِرَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمُ: اغْدُوا عَلَى أَرْزَاقِكُمْ. فَيَأْخُذُونَهَا وَافِرَةً، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمُ: اغْدُوا عَلَى السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، الْأَعْطِيَاتُ جَارِيَةٌ، وَالْأَرْزَاقُ دَارَّةٌ، وَالْعَدُوُّ مُتَّقًى، وَذَاتُ الْبَيْنِ حَسَنٌ، وَالْخَيْرُ كَثِيرٌ، وَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَخَافُ مُؤْمِنًا، مَنْ لَقِيَهُ فَهُوَ أَخُوهُ مَنْ كَانَ ; أُلْفَتُهُ وَنَصِيحَتُهُ وَمَوَدَّتُهُ، قَدْ عَهِدَ إِلَيْهِمْ أَنَّهَا سَتَكُونُ أَثَرَةً، فَإِذَا كَانَتْ فَاصْبِرُوا. قَالَ الْحَسَنُ: فَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حِينَ رَأَوْهَا لَوَسِعَهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْعَطَاءِ وَالرِّزْقِ وَالْخَيْرِ الْكَثِيرِ، قَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نُصَابِرُهَا. فَوَاللَّهِ مَا رُدُّوا وَمَا سَلِمُوا، وَالْأُخْرَى كَانَ السَّيْفُ مُغْمَدًا عَنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَسَلُّوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ مَسْلُولًا إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا، وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لِأُرَاهُ سَيْفًا مَسْلُولًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ يَأْمُرُ فِي خُطْبَتِهِ بِذَبْحِ وَقَتْلِ الْكِلَابِ. وَرَوَى سَيْفُ بْنُ عُمَرَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ اتَّخَذَ بَعْضُهُمُ الْحَمَامَ، وَرَمَى بَعْضُهُمْ بِالْجُلَاهِقَاتِ، فَوَكَّلَ عُثْمَانُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ يَتَتَبَّعُ ذَلِكَ، فَيَقُصُّ الْحَمَامَ وَيَكْسِرُ الْجُلَاهِقَاتِ، وَهِيَ قِسِيُّ الْبُنْدُقِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا الْقَعْنَبِيُّ، وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ هِلَالٍ، عَنْ جَدَّتِهِ - وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ - فَوَلَدَتْ هِلَالًا، فَفَقَدَهَا يَوْمًا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا قَدْ وَلَدَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ غُلَامًا. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَيَّ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا وَشُقَيْقَةً سُنْبُلَانِيَّةً، وَقَالَ: هَذَا عَطَاءُ ابْنِكِ وَكِسْوَتُهُ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِ سَنَةٌ رَفَعْنَاهُ إِلَى مِائَةٍ. وعَنِ ابْنِ دَابٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ عَنْكَثَةَ الْمَخْزُومِيُّ: انْطَلَقْتُ وَأَنَا غُلَامٌ فِي الظَّهِيرَةِ وَمَعِي طَيْرٌ أُرْسِلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، فَإِذَا شَيْخٌ جَمِيلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ نَائِمٌ، تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ أَوْ بَعْضُ لَبِنَةٍ، فَقُمْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ أَتَعَجَّبُ مِنْ جَمَالِهِ، فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَنَادَى غُلَامًا نَائِمًا، قَرِيبًا مِنْهُ، فَلَمْ يَجُبْهُ، فَقَالَ لِيَ: ادْعُهُ. فَدَعَوْتُهُ، فَأَمَرَهُ بِشَيْءٍ وَقَالَ لِيَ: اقْعُدْ. قَالَ: فَذَهَبَ الْغُلَامُ فَجَاءَ بِحُلَّةٍ، وَجَاءَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَنَزَعَ ثُوبِي وَأَلْبَسَنِي الْحُلَّةَ، وَجَعَلَ الْأَلْفَ دِرْهَمٍ فِيهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ ؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي إِلَّا أَنَّهُ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ نَائِمٌ لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. قَالَ: ذَاكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ التَّيْمِيَّ عَنْ صَلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ عَنْ صَلَاةِ عُثْمَانَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْتُ لَأَغْلِبَنَّ اللَّيْلَةَ النَّفَرَ عَلَى الْحَجَرِ - يَعْنِي الْمَقَامَ - فَلَمَّا قُمْتُ إِذَا رَجُلٌ يَزْحَمُنِي مُقَنَّعًا، قَالَ: فَالْتَفَتُّ فَإِذَا بِعُثْمَانَ فَتَأَخَّرْتُ عَنْهُ، فَصَلَّى فَإِذَا هُوَ يَسْجُدُ سُجُودَ الْقُرْآنِ حَتَّى إِذَا قُلْتُ: هَذَا هُوَ أَذَانُ الْفَجْرِ. أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهَا، ثُمَّ انْطَلَقَ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ صَلَّى بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، أَيَّامَ الْحَجِّ. وَقَدْ كَانَ هَذَا مِنْ دَأْبِهِ، ؓ. وَلِهَذَا رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ [ الزُّمَرِ: 9 ] قَالَ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ النَّحْلِ: 76 ]. قَالَ: هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. وعن الْحَسَنَ كان يَقُولُ: قَالَ عُثْمَانُ: لَوْ أَنَّ قُلُوبَنَا طَهُرَتْ مَا شَبِعْنَا مِنْ كَلَامِ رَبِّنَا، وَإِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَيَّ يَوْمٌ لَا أَنْظُرُ فِي الْمُصْحَفِ، وَمَا مَاتَ عُثْمَانُ حَتَّى خَرَقَ مُصْحَفَهُ مِنْ كَثْرَةِ مَا يُدِيمُ النَّظَرَ فِيهِ. وَقَالَ أَنَسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: قَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ يَوْمَ الدَّارِ: اقْتُلُوهُ أَوْ دَعُوهُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ بِالْقُرْآنِ فِي رَكْعَةٍ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: إِنَّهُ، ؓ، كَانَ لَا يُوقِظُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُعِينَهُ عَلَى وُضُوئِهِ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ يَقْظَانَ، وَكَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ، وَكَانَ يُعَاتَبُ فَيُقَالُ لَهُ: لَوْ أَيْقَظْتَ بَعْضَ الْخَدَمِ ؟ فَيَقُولُ: لَا، اللَّيْلُ لَهُمْ يَسْتَرِيحُونَ فِيهِ. وَكَانَ إِذَا اغْتَسَلَ لَا يَرْفَعُ الْمِئْزَرَ عَنْهُ، وَهُوَ فِي بَيْتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَرْفَعُ صُلْبَهُ جَيِّدًا مِنْ شِدَّةِ حَيَائِهِ، ؓ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَنَا بِعُثْمَانَ مُتَّكِئًا عَلَى رِدَائِهِ، فَأَتَاهُ سَقَّاءَانِ يَخْتَصِمَانِ إِلَيْهِ، فَقَضَى بَيْنَهُمَا. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يَمُتْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى مَلَّتْهُ قُرَيْشٌ وَقَدْ كَانَ حَصَرَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ انْتِشَارُكُمْ فِي الْبِلَادِ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَسْتَأْذِنُهُ فِي الْغَزْوِ فَيَقُولُ: قَدْ كَانَ لَكَ فِي غَزْوِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُبَلِّغُكَ، وَخَيْرٌ لَكَ مِنْ غَزْوِكَ الْيَوْمَ أَنْ لَا تَرَى الدُّنْيَا وَلَا تَرَاكَ. وَكَانَ يَفْعَلُ هَذَا بِالْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ. فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ خَلَّى عَنْهُمْ فَانْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ وَانْقَطَعَ إِلَيْهِمُ النَّاسُ، وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ عُمَرَ. وَقِيلَ: وَحَجَّ عُثْمَانُ بِالنَّاسِ سَنَوَاتِ خِلَافَتِهِ كُلَّهَا، وَحَجَّ بِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ عُمَرُ. وَكَتَبَ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ يُوَافِيَهُ الْعُمَّالُ فِي الْمَوْسِمِ وَمَنْ يَشْكُو مِنْهُمْ، وَأَنْ يَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَنَّهُ مَعَ الضَّعِيفِ عَلَى الْقَوِيِّ مَا دَامَ مَظْلُومًا. قِيلَ: وَسَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ مَا دَعَاهُ إِلَى الْخُرُوجِ عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: كَانَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ عُثْمَانَ، وَكَانَ وَالِيَ أَيْتَامِ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمُحْتَمِلًا كَلَّهُمْ، فَسَأَلَ عُثْمَانَ الْعَمَلَ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَوْ كُنْتَ رِضًا لَاسْتَعْمَلْتُكَ. قَالَ فَأْذَنْ لِي فَأَخْرُجَ فَأَطْلُبَ الرِّزْقَ. قَالَ: اذْهَبْ حَيْثُ شِئْتَ، وَجَهَّزَهُ مِنْ عِنْدِهِ وَحَمَلَهُ وَأَعْطَاهُ، فَلَمَّا وَقَعَ إِلَى مِصْرَ كَانَ فِيمَنْ أَعَانَ عَلَيْهِ حِينَ مَنَعَهُ الْإِمَارَةَ. قَالَ: وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ؟ قَالَ: كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ كَلَامٌ فَضَرَبَهُمَا عُثْمَانُ فَأَوْرَثَ ذَلِكَ تَعَادِيًا بَيْنَ أَهْلِ عَمَّارٍ وَأَهْلِ عَبَّاسٍ، وَكَانَا تَقَاذَفَا. قِيلَ: سُئِلَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ مَا دَعَاهُ إِلَى رُكُوبِ عُثْمَانَ. قَالَ: الْغَضَبُ وَالطَّمَعُ، كَانَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَكَانٍ فَغَرَّهُ أَقْوَامٌ فَطَمِعَ، وَكَانَتْ لَهُ دَالَّةٌ فَلَزِمَهُ حَقٌّ، فَأَخَذَهُ عُثْمَانُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَاجْتَمَعَ هَذَا إِلَى ذَلِكَ فَصَارَ مُذَمَّمًا بَعْدَ أَنْ كَانَ مُحَمَّدًا. قِيلَ: وَاسْتَخَفَّ رَجُلٌ بِالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَضَرَبَهُ عُثْمَانُ فَاسْتَحْسَنَ مِنْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيُفَخِّمُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّهُ وَأُرَخِّصُ فِي الِاسْتِخْفَافِ بِهِ ! لَقَدْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَرَضِيَ بِهِ. قِيلَ: وَكَانَ كَعْبُ بْنُ ذِي الْحَبَكَةِ النَّهْدَيُّ يَلْعَبُ بِالنَّارِنْجِيَّاتِ، فَبَلَغَ عُثْمَانَ، فَكَتَبَ إِلَى الْوَلِيدِ أَنْ يُوجِعَهُ ضَرْبًا، فَعَزَّرَهُ وَأَخْبَرَ النَّاسَ خَبَرَهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ عُثْمَانَ، وَفِيهِ: إِنَّهُ قَدْ جُدَّ بِكُمْ فَجِدُّوا وَإِيَّاكُمْ وَالْهَزْلَ. فَغَضِبَ كَعْبٌ وَكَانَ فِي الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ سَيْرُهُ إِلَى دُنْبَاوَنْدَ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ لِلْوَلِيدِ: لَعَمْرِي لَئِنْ طَرَدْتَنِي مَا إِلَى الَّتِي طَمِعْتَ بِهَا مِنْ سَقْطَتِي لَسَبِيلُ رَجَوْتُ رُجُوعِي يَا ابْنَ أَرْوَى وَرَجْعَتِي إِلَى الْحَقِّ دَهْرًا، غَالَ ذَلِكَ غُولُ فَإِنَّ اغْتِرَابِي فِي الْبِلَادِ وَجَفْوَتِي وَشَتْمِي فِي ذَاتِ الْإِلَهِ قَلِيلُ وَإِنَّ دُعَائِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَلَيْكَ بِدُنْبَاوَنْدِكُمْ لَطَوِيلُ قَالَ: وَأَمَّا ضَابِئُ بْنُ الْحَرْثِ الْبَرْجَمِيُّ فَإِنَّهُ اسْتَعَارَ فِي زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ مِنْ قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلْبًا يُدْعَى قَرْحَانَ يَصِيدُ الظِّبَاءَ فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ، فَانْتَزَعَهُ الْأَنْصَارِيُّونَ مِنْهُ قَهْرًا، فَهَجَاهُمْ وَقَالَ: تَجَشَّمَ دُونِي وَفْدُ قَرْحَانَ خُطَّةً تُضِلُّ لَهَا الْوَجْنَاءُ وَهِيَ حَسِيرُ فَبَاتُوا شِبَاعًا طَاعِمِينَ كَأَنَّمَا حَبَاهُمْ بِبَيْتِ الْمَرْزُبَانِ أَمِيرُ فَكَلْبُكُمُ لَا تَتْرُكُوا فَهُوَ أُمُّكُمْ فَإِنَّ عُقُوقَ الْأُمَّهَاتِ كَبِيرُ فَاسْتَعْدُوا عَلَيْهِ عُثْمَانَ، فَعَزَّرَهُ وَحَبَسَهُ، فَمَا زَالَ فِي السِّجْنِ حَتَّى مَاتَ فِيهِ. وَقَالَ فِي الْفَتْكِ مُعْتِذَرًا إِلَى أَصْحَابِهِ: هَمَمْتُ وَلَمْ أَفْعَلْ وَكِدْتُ وَلَيْتَنِي تَرَكْتُ عَلَى عُثْمَانَ تَبْكِي حَلَائِلُهْ وَقَائِلَةٍ قَدْ مَاتَ فِي السِّجْنِ ضَابِئٌ أَلَا مَنْ لِخَصْمٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُجَادِلُهْ فَلِذَلِكَ صَارَ ابْنُهُ عُمَيْرٌ سَبَئِيًّا. قَالَ: وَأَمَّا كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ وَعُمَيْرُ بْنُ ضَابِئٍ فَإِنَّهُمَا سَارَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَأَمَّا عُمَيْرٌ فَإِنَّهُ نَكَلَ عَنْهُ، وَأَمَّا كُمَيْلٌ فَإِنَّهُ جَسَرَ وَثَاوَرَهُ، فَوَجَأَ عُثْمَانُ وَجْهَهُ فَوَقَعَ عَلَى اسْتِهِ فَقَالَ: أَوْجَعْتَنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! فَقَالَ: أَوَلَسْتَ بِفَاتِكٍ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: فَاسْتَقِدْ مِنِّي، وَقَالَ: دُونَكَ. فَعَفَا عَنْهُ، وَبَقِيَا إِلَى أَيَّامِ الْحَجَّاجِ فَقَتَلَهُمَا، وَسَيَرِدُ ذِكْرُ ذَلِكَ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ زَيْدٍ: سَمِعْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَيَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تُكْثِرُونَ فِيَّ وَفِي عُثْمَانَ، فَإِنَّ مِثْلِي وَمِثْلَهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ). وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ - وَهُوَ بَدْرِيٌّ وَكَانَ مُجَانِبًا لِعُثْمَانَ - فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا قَتْلَهُ، اللَّهُمَّ لَكَ عَلَيَّ أَنْ لَا أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا وَلَا أَضْحَكَ حَتَّى أَلْقَاكَ.
التاريخ 2037لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ خُطَبِهِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُثْمَانَ لَمَّا بُويِعَ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَإِنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ أَيَّامًا، وَإِنْ أَعِشْ تَأْتِكُمُ الْخُطْبَةُ عَلَى وَجْهِهَا، وَمَا كُنَّا خُطَبَاءَ، وَسَيُعَلِّمُنَا اللَّهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: خَطَبَ عُثْمَانُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ غُنْمٌ، وَإِنَّ أَكْيَسَ النَّاسِ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَاكْتَسَبَ مِنْ نُورِ اللَّهِ نُورًا لِظُلْمَةِ الْقَبْرِ، وَلْيَخْشَ عَبْدٌ أَنْ يَحْشُرَهُ اللَّهُ أَعْمَى وَقَدْ كَانَ بَصِيرًا، وَقَدْ يَكْفِينِي الْحَكِيمُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَالْأَصَمُّ يُنَادَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَخَفْ شَيْئًا، وَمَنْ كَانَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَمَنْ يَرْجُو بَعْدَهُ ؟ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خَطَبَ عُثْمَانُ فَقَالَ: ابْنَ آدَمَ، اعْلَمْ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكَ لَمْ يَزَلْ يُخْلِفُكَ وَيَتَخَطَّى إِلَى غَيْرِكَ مُنْذُ أَنْتَ فِي الدُّنْيَا، وَكَأَنَّهُ قَدْ تَخَطَّى غَيْرَكَ إِلَيْكَ وَقَصَدَكَ، فَخُذْ حِذْرَكَ وَاسْتَعِدَّ لَهُ، وَلَا تَغْفُلْ فَإِنَّهُ لَا يَغْفُلُ عَنْكَ، وَاعْلَمْ ابْنَ آدَمَ، إِنْ غَفَلْتَ عَنْ نَفْسِكَ وَلَمْ تَسْتَعِدَّ لَهَا، لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهَا غَيْرُكَ، وَلَا بُدَّ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلَا تَكِلْهَا إِلَى غَيْرِكَ. وَالسَّلَامُ. وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بَدْرِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: آخَرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا عُثْمَانُ فِي جَمَاعَةٍ: إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَعْطَاكُمُ الدُّنْيَا لِتَطْلُبُوا بِهَا الْآخِرَةَ، وَلَمْ يُعْطِكُمُوهَا لِتَرْكَنُوا إِلَيْهَا، إِنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى وَإِنَّ الْآخِرَةَ تَبْقَى، لَا تُبْطِرَنَّكُمُ الْفَانِيَةُ وَلَا تَشْغَلَنَّكُمْ عَنِ الْبَاقِيَةِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، فَإِنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ، وَإِنَّ الْمَصِيرَ إِلَى اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ تَقْوَاهُ جُنَّةٌ مِنْ بَأْسِهِ، وَوَسِيلَةٌ عِنْدَهُ، وَاحْذَرُوا مِنَ اللَّهِ الْغِيَرَ، وَالْزَمُوا جَمَاعَتَكُمْ، لَا تَصِيرُوا أَحْزَابًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ [ آلِ عِمْرَانَ: 103، 104 ].
التاريخ 2038لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( مَنَاقِبُهُ ؓ ) عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَهُوَ يَسْتَخْبِرُ النَّاسَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَأَسْعَارِهِمْ. وعن عَطَاءَ بْنِ فَرُّوخَ مَوْلَى الْقُرَشِيِّينَ أَنَّ عُثْمَانَ اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ مِنْ قَبْضِ مَالِكَ ؟ قَالَ: إِنَّكَ غَبَنْتَنِي، فَمَا أَلْقَى مِنَ النَّاسِ أَحَدًا إِلَّا وَهُوَ يَلُومُنِي. قَالَ: أَوَذَلِكَ يَمْنَعُكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاخْتَرْ بَيْنَ أَرْضِكَ وَمَالِكَ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: أَدْخَلَ اللَّهُ الْجَنَّةَ رَجُلًا كَانَ سَهْلًا ; مُشْتَرِيًا، وَبَائِعًا، وَقَاضِيًا، وَمُقْتَضِيًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ طَلْحَةَ لَقِيَ عُثْمَانَ وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ: إِنَّ الْخَمْسِينَ أَلْفًا الَّتِي لَكَ عِنْدِي قَدْ حَصَلَتْ، فَأَرْسِلْ مَنْ يَقْبِضُهَا. فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: إِنَّا قَدْ وَهَبْنَاكَهَا لِمُرُوءَتِكَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اسْتَعْمَلَ ابْنُ عَامِرٍ قَطَنَ بْنَ عَوْفٍ الْهِلَالِيَّ عَلَى كَرْمَانَ، فَأَقْبَلَ جَيْشٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - أَرْبَعَةُ آلَافٍ - وَجَرَى الْوَادِي فَقَطَعَهُمْ عَنْ طَرِيقِهِمْ، وَخَشِيَ قَطَنٌ الْفَوْتَ فَقَالَ: مَنْ جَازَ الْوَادِي فَلَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ. فَحَمَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى الْعُظْمِ، فَكَانَ إِذَا جَازَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَالَ قَطَنٌ: أَعْطُوهُ جَائِزَتَهُ. حَتَّى جَازَوْا جَمِيعًا وَأَعْطَاهُمْ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَأَبَى ابْنُ عَامِرٍ أَنْ يَحْسِبَهَا لَهُ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَكَتَبَ عُثْمَانُ أَنِ احْسِبْهَا لَهُ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا أَعَانَ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمِّيَتِ الْجَوَائِزُ لِإِجَازَةِ الْوَادِي، فَقَالَ الْكِنَانِيُّ ذَلِكَ: فِدًى لِلْأَكْرَمِينَ بَنِي هِلَالٍ عَلَى عِلَّاتِهِمْ أَهْلِي وَمَالِي هُمُ سَنُّوا الْجَوَائِزَ فِي مَعَدٍّ فَعَادَتْ سُنَّةً أُخْرَى اللَّيَالِي رِمَاحُهُمُ تَزِيدُ عَلَى ثَمَانٍ وَعَشْرٍ قَبْلَ تَرْكِيبِ النِّصَالِ نقش خاتمه ؓ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: (كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عُثْمَانَ: آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى). وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عُثْمَانَ: آمَنَ عُثْمَانُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ.
التاريخ 2039لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( مَنَاقِبُهُ الْكِبَارُ وَحَسَنَاتُهُ الْعَظِيمَةُ ) وَمِنْ مَنَاقِبِهِ الْكِبَارِ وَحَسَنَاتِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّهُ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى قِرَاءَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَتَبَ الْمُصْحَفَ عَلَى الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ، الَّتِي دَرَّسَهَا جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فِي آخِرِ سِنِي حَيَاتِهِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَانَ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى، وَجَعَلَ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِسَوَغَانِ الْقِرَاءَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ يُفَضِّلُ قِرَاءَتَهُ عَلَى قِرَاءَةِ غَيْرِهِ، وَرُبَّمَا خَطَّأَ الْآخَرَ أَوْ كَفَّرَهُ، فَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَافٍ شَدِيدٍ وَانْتِشَارٍ فِي الْكَلَامِ السَّيِّئِ بَيْنَ النَّاسِ، فَرَكِبَ حُذَيْفَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَلِفَ فِي كِتَابِهَا كَاخْتِلَافِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي كُتُبِهِمْ. وَذَكَرَ لَهُ مَا شَاهَدَ مِنَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جَمَعَ عُثْمَانُ الصَّحَابَةَ وَشَاوَرَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَرَأَى أَنْ يَكْتُبَ الْمُصْحَفَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ ; لِمَا رَأَى فِي ذَلِكَ مِنْ مَصْلَحَةِ كَفِّ الْمُنَازَعَةِ وَدَفْعِ الِاخْتِلَافِ، فَاسْتَدْعَى بِالصُّحُفِ الَّتِي كَانَ الصِّدِّيقُ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِجَمْعِهَا، وَكَانَتْ عِنْدَ الصِّدِّيقِ أَيَّامَ حَيَاتِهِ، ثُمَّ كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ صَارَتْ إِلَى حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَاسْتَدْعَى بِهَا عُثْمَانُ وَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ أَنْ يَكْتُبَ، وَأَنْ يُمْلِيَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ الْأُمَوِيُّ، بِحَضْرَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْأَسَدِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَأَمَرَهُمْ إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَنْ يَكْتُبُوهُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، فَكَتَبَ لِأَهْلِ الشَّامِ مُصْحَفًا وَلِأَهْلِ مِصْرَ آخَرَ، وَبَعَثَ إِلَى الْبَصْرَةِ مُصْحَفًا وَإِلَى الْكُوفَةِ بِآخَرَ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَكَّةَ مُصْحَفًا وَإِلَى الْيَمَنِ مِثْلَهُ، وَأَقَرَّ بِالْمَدِينَةِ مُصْحَفًا، وَيُقَالُ لِهَذِهِ الْمَصَاحِفِ: الْأَئِمَّةُ. وَلَيْسَتْ كُلُّهَا بِخَطِّ عُثْمَانَ، بَلْ وَلَا وَاحِدٌ مِنْهَا، وَإِنَّمَا هِيَ بِخَطِّ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهَا: الْمَصَاحِفُ الْعُثْمَانِيَّةُ ; نِسْبَةً إِلَى أَمْرِهِ وَزَمَانِهِ وَإِمَارَتِهِ. كَمَا يُقَالُ: دِينَارٌ هِرَقْلِيُّ. أَيْ ضُرِبَ فِي زَمَانِهِ وَدَوْلَتِهِ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - قَالَ: لَمَّا نَسَخَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: أَصَبْتَ وَوُفِّقْتَ، أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّ أَشَدَّ أُمَّتِي حُبًّا لِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي يَعْمَلُونَ بِمَا فِي الْوَرَقِ الْمُعَلَّقِ " فَقُلْتُ: أَيُّ وَرَقٍ ؟ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَصَاحِفَ. قَالَ: فَأَعْجَبَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، وَأَمَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ بِعَشَرَةِ آلَافٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّكَ لَتَحْبِسُ عَلَيْنَا حَدِيثَ نَبِيِّنَا، ﷺ. ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بَقِيَّةِ الْمَصَاحِفِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّاسِ مِمَّا يُخَالِفُ مَا كَتَبَهُ فَحَرَقَهُ ; لِئَلَّا يَقَعَ بِسَبَبِهِ اخْتِلَافٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِ " الْمَصَاحِفِ ": بسنده عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ حِينَ حَرَقَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ: لَوْ لَمْ يَصْنَعْهُ هُوَ لَصَنَعْتُهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ تَعَتَّبَ لَمَّا أُخِذَ مِنْهُ مُصْحَفُهُ فَحُرِّقَ، وَتَكَلَّمَ فِي تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي كَتَبَ الْمَصَاحِفَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَغُلُّوا مَصَاحِفَهُمْ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ آلِ عِمْرَانَ: 161 ] فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ، ؓ، يَدْعُوهُ إِلَى اتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ فِيمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ، وَجَمْعِ الْكَلِمَةِ، وَعَدَمِ الِاخْتِلَافِ، فَأَنَابَ وَأَجَابَ إِلَى الْمُتَابَعَةِ وَتَرَكَ الْمُخَالَفَةَ، ؓ أَجْمَعِينَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ - بِوَاسِطٍ - عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالُوا: صَلَّى عُثْمَانُ الظُّهْرَ بِمِنًى أَرْبَعًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ، فَعَابَ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْعَصْرَ فِي رَحْلِهِ أَرْبَعًا، فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ وَصَلَّيْتَ أَرْبَعًا ؟ فَقَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ الْخِلَافَ. وَفِي رِوَايَةٍ: الْخِلَافُ شَرٌّ. فَإِذَا كَانَ هَذَا مُتَابَعَةً مِنَ ابْنِ مَسْعُودٍ عُثْمَانَ فِي هَذَا الْفَرْعِ، فَكَيْفَ بِمُتَابَعَتِهِ إِيَّاهُ فِي أَصْلِ الْقُرْآنِ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي التِّلَاوَةِ الَّتِي عَزَمَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَقْرَأُوا بِهَا لَا بِغَيْرِهَا ؟ وَقَدْ حَكَى الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُثْمَانَ إِنَّمَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ خَشْيَةً عَلَى الْأَعْرَابِ أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ فَرْضَ الصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ. وَقِيلَ: بَلْ قَدْ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ. فَرَوَى أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ، مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بِهِمْ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِبَلَدٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنِّي أَتْمَمْتُ لِأَنِّي تَزَوَّجْتُ بِهَا مُنْذُ قَدِمْتُهَا. وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَصِحُّ، وَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ بِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَلَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُثْمَانَ تَأَوَّلَ أَنَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ كَانَ. وَهَكَذَا تَأَوَّلَتْ عَائِشَةُ فَأَتَمَّتْ. وَفِي هَذَا التَّأْوِيلِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ حَيْثُ كَانَ، وَمَعَ هَذَا مَا أَتَمَّ الصَّلَاةَ فِي الْأَسْفَارِ. وَمِمَّا كَانَ يَعْتَمِدُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَنَّهُ كَانَ يُلْزِمُ عُمَّالَهُ بِحُضُورِ الْمَوْسِمِ كُلَّ عَامٍ، وَيَكْتُبُ إِلَى الرَّعَايَا: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَظْلِمَةٌ فَلْيُوَافِ إِلَى الْمَوْسِمِ، فَإِنِّي آخُذُ لَهُ حَقَّهُ مِنْ عَامِلِهِ. وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ سَمَحَ لِكَثِيرٍ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ فِي الْمَسِيرِ حَيْثُ شَاءُوا مِنَ الْبِلَادِ، وَكَانَ عُمَرُ يَحْجُرُ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَلَا فِي الْغَزْوِ وَيَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَرَوُا الدُّنْيَا أَوْ أَنْ يَرَاكُمْ أَبْنَاؤُهَا. فَلَمَّا خَرَجُوا فِي زَمَانِ عُثْمَانَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمُ النَّاسُ، وَصَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَصْحَابٌ، وَطَمِعَ كُلُّ قَوْمٍ فِي تَوْلِيَةِ صَاحِبِهِمُ الْإِمَارَةَ الْعَامَّةَ بَعْدَ عُثْمَانَ، فَاسْتَعْجَلُوا مَوْتَهُ، وَاسْتَطَالُوا حَيَاتَهُ، حَتَّى وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
التاريخ 2040لا حكم مسجّل
ذِكْرُ زَوْجَاتِهِ وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ، ؓ تَزَوَّجَ بِرُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا عَبْدُ اللَّهِ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، بَعْدَ مَا كَانَ يُكَنَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَبِي عَمْرٍو، ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَتْ، تَزَوَّجَ بِأُخْتِهَا أُمِّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ تُوُفِّيَتْ، فَتَزَوَّجَ بِفَاخِتَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ، فَوُلِدَ لَهُ مِنْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ الْأَصْغَرُ. وَتَزَوَّجَ بِأُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ جُنْدُبِ بْنِ عَمْرٍو الْأَزْدِيَّةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرًا، وَخَالِدًا، وَأَبَانَ وَعُمَرَ، وَمَرْيَمَ، وَتَزَوَّجَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْمَخْزُومِيَّةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْوَلِيدَ وَسَعِيدًا. وَتَزَوَّجَ أُمَّ الْبَنِينَ بِنْتَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفِزَارِيَّةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الْمَلِكِ، وَيُقَالُ: وَعُتْبَةَ. وَتَزَوَّجَ رَمْلَةَ بِنْتَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَائِشَةَ، وَأُمَّ أَبَانَ، وَأُمَّ عَمْرٍو ; بَنَاتِ عُثْمَانَ. وَتَزَوَّجَ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حِصْنِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ جَنَابِ بْنِ كَلْبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مَرْيَمَ وَيُقَالُ: وَعَنْبَسَةَ. وَقُتِلَ، ؓ، وَعِنْدَهُ أَرْبَعٌ ; نَائِلَةُ، وَرَمْلَةُ، وَأُمُّ الْبَنِينَ، وَفَاخِتَةُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ طَلَّقَ أُمَّ الْبَنِينَ وَهُوَ مَحْصُورٌ.
التاريخ 2041لا حكم مسجّل
أَوَّلِيَّاتِ عُثْمَانَ ؓ قَالَ الْعَسْكَرِيُّ فِي «الْأَوَائِلِ»: (هُوَ أَوَّلُ مَنْ أَقْطَعَ الْقَطَائِعَ، وَأَوَّلُ مَنْ حَمَى الْحِمَى، وَأَوَّلُ مَنْ خَفَضَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَأَوَّلُ مَنْ خَلَّقَ الْمَسْجِدَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ فِي الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ رَزَقَ الْمُؤَذِّنِينَ، وَأَوَّلُ مَنْ أُرْتِجَ عَلَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَوَّلُ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَإِنَّ بَعْدَ الْيَوْمِ أَيَّامًا، وَإِنْ أَعِشْ.. تَأْتِكُمُ الْخُطْبَةُ عَلَى وَجْهِهَا، وَمَا كُنَّا خُطَبَاءَ وَسَيُعَلِّمُنَا اللَّهُ». أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَأَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَةَ فِي الْعِيدِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَأَوَّلُ مَنْ فَوَّضَ إِلَى النَّاسِ إِخْرَاجَ زَكَاتِهِمْ، وَأَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ فِي حَيَاةِ أُمِّهِ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ صَاحِبَ شُرْطَةٍ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْمَقْصُورَةَ فِي الْمَسْجِدِ خَوْفًا أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَ عُمَرَ)، هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْعَسْكَرِيُّ. قَالَ: (وَأَوَّلُ مَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْأُمَّةِ فَخَطَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي زَمَانِهِ فِي أَشْيَاءَ نَقَمُوهَا عَلَيْهِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُونَ فِي الْفِقْهِ، وَلَا يُخَطِّئُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا). قُلْتُ: بَقِيَ مِنْ أَوَائِلِهِ: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى اللَّهِ بِأَهْلِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فِي الْقِرَاءَةِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حَنِيفٍ قَالَ: (أَوَّلُ مُنْكَرٍ ظَهَرَ بِالْمَدِينَةِ حِينَ فَاضَتِ الدُّنْيَا وَانْتَهَى سِمَنُ النَّاسِ: طَيَرَانُ الْحَمَامِ، وَالرَّمْيُ عَلَى الْجُلَاهِقَاتِ، فَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ خِلَافَتِهِ، فَقَصَّهَا وَكَسَرَ الْجُلَاهِقَاتِ).
التاريخ 2042لا حكم مسجّل
ذكر عِدَّةِ حَوَادِثَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ - سَارَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلٍ فِي أَلْفِ مَرْكَبٍ يُرِيدُ أَرْضَ الْمُسْلِمِينَ ( قَبْلَ قَتْلِ عُثْمَانَ )، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا عَاصِفًا فَغَرَّقَهُمْ، وَنَجَا قُسْطَنْطِينُ فَأَتَى صِقِلِّيَةَ، فَصَنَعُوا لَهُ حَمَّامًا، فَدَخَلَهُ فَقَتَلُوهُ فِيهِ وَقَالُوا: قَتَلْتَ رِجَالَنَا. هَكَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ. وَهَذَا قُسْطَنْطِينُ هُوَ الَّذِي هَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي غَزْوَةِ الصَّوَارِي سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقَتَلَهُ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ فِي الْحَمَّامِ، وَإِنْ كَانُوا قَدِ اخْتَلَفُوا فِي السَّنَةِ الَّتِي كَانَتِ الْوَقْعَةُ فِيهَا، فَلَوْلَا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمَرَاكِبَ غَرِقَتْ، لَكَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ هِيَ تِلْكَ، فَإِنَّهَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ.
التاريخ 2043لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؓ : وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مَقْتَلِهِ. عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ حَلِيفًا لِلْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، وَتَبَنَّاهُ الْخَطَّابُ، فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ رَجَعَ عَامِرٌ إِلَى نَسَبِهِ. وَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ الْعَدَوِيَّةُ، وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَقْدَمْهَا قَبْلَهُ إِلَّا أَبُو سَلَمَةَ، وَزَوْجَتُهُ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ . وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَامَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ حِينَ نَشَبَ النَّاسُ فِي الطَّعْنِ عَلَى عُثْمَانَ، فَصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ، فَأُتِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: قُمْ فَاسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكَ مِنَ الْفِتْنَةِ الَّتِي أَعَاذَ مِنْهَا صَالِحَ عِبَادِهِ. فَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ اشْتَكَى، فَمَا أُخْرِجَ إِلَّا جِنَازَةٌ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: كَانَ مَوْتُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَيَّامٍ، وَكَانَ قَدْ لَزِمَ بَيْتَهُ فَلَمْ يَشْعُرِ النَّاسُ إِلَّا بِجِنَازَتِهِ وَقَدْ أُخْرِجَتْ. مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ ، أُمُّهُ نُسِبَ إِلَيْهَا، وَأَبُوهُ الْحَارِثُ بْنُ رِفَاعَةَ: شَهِدَ مُعَاذٌ الْعَقَبَتَيْنِ، وَبَدْرًا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ يَبْعَثُ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ حُلَلًا، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ وَيَشْتَرِي بِهَا رِقَابًا فَيُعْتِقُهُمْ. وَعَنْ رُقَيَّةَ بْنِ مَصْقَلَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ لَا يَدَعُ شَيْئًا إِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، فَلَمَّا وُلِدَ لَهُ اسْتَشْفَعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ أَخْوَالَهُ، فَكَلَّمُوهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَعَلْتَ، فَلَوْ جَمَعْتَ لِوَلَدِكَ، قَالَ: أَبَتْ نَفْسِي إِلَّا أَنْ أَسْتَتِرَ بِكُلِّ شَيْءٍ أَجِدُهُ مِنَ النَّارِ، فَلَمَّا مَاتَ تَرَكَ أَرْضًا إِلَى جَنْبِ أَرْضٍ لِرَجُلٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَعَلَيْهِ مِلَاءَةٌ صَفْرَاءُ مَا تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، مَا تَسْتُرُنِي الْأَرْضُ بِمِلَاءَتِي هَذِهِ، فَامْتَنَعَ وَلِيُّ الصِّبْيَانِ وَاحْتَاجَ إِلَيْهَا جَارُ الْأَرْضِ، فَبَاعَهَا بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ. فَصْلٌ ( ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي زَمَانِ دَوْلَةِ عُثْمَانَ ) فِي ذِكْرِ مَنْ تُوُفِّيَ فِي زَمَانِ دَوْلَةِ عُثْمَانَ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ وَقْتُ وَفَاتِهِ عَلَى التَّعْيِينِ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ. أَنَسُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ أَنَسُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ - وَيُقَالُ لَهُ: أُنَيْسٌ أَيْضًا، شَهِدَ الْمُشَاهِدَ كُلَّهَا، ؓ. أَوْسُ بْنُ الصَّامِتِ ، أَخُو عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيِّانِ، شَهِدَ بَدْرًا، وَأَوْسٌ هُوَ زَوْجُ الْمُجَادِلَةِ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ الْمُجَادَلَةِ: 1 ]. وَأَمْرَأَتُهُ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ. أَوْسُ بْنُ خَوَلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، مِنْ بَنِي الْحُبَلَى، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ مِنْ بَيْنِ الْأَنْصَارِ بِحُضُورِ غُسْلِ النَّبِيِّ، ﷺ، وَالنُّزُولِ مَعَ أَهْلِهِ فِي قَبْرِهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ ، كَانَ سَيِّدًا فِي الْأَنْصَارِ، وَلَكِنْ كَانَ بَخِيلًا وَمُتَّهَمًا بِالنِّفَاقِ، يُقَالُ: إِنَّهُ شَهِدَ يَوْمَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يُبَايِعْ، وَاسْتَتَرَ بِبَعِيرٍ لَهُ. وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ: 49 ]. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَأَقْلَعَ عَنْهُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْحُطَيْئَةُ الشَّاعِرُ الْمَشْهُور الْحُطَيْئَةُ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، قِيلَ: اسْمُهُ جَرْوَلٌ. وَيُكَنَّى بِأَبِي مُلَيْكَةَ، مِنْ بَنِي عَبْسٍ، أَدْرَكَ أَيَّامَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَدْرَكَ صَدْرًا مِنَ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يَطُوفُ فِي الْآفَاقِ يَمْتَدِحُ الرُّؤَسَاءَ مِنَ النَّاسِ، وَيَسْتَجْدِيهِمْ، وَيُقَالُ: كَانَ بَخِيلًا مَعَ ذَلِكَ. سَافَرَ مَرَّةً فَوَدَّعَ امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا: عُدِّي السِّنِينَ إِذَا خَرَجْتُ لِغَيْبَةٍ وَدَعِي الشُّهُورَ فَإِنَّهُنَّ قِصَارُ وَكَانَ مَدَّاحًا هَجَّاءً، وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ، وَمِنْ شِعْرِهِ مَا قَالَهُ بَيْنَ يَدَيْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ؓ، فَاسْتَجَادَ مِنْهُ قَوْلَهُ: مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لَمْ يَعْدِمْ جَوَازِيَهُ لَا يَذْهَبُ الْعُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ وَالنَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ الْعَدَوِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ الْعَدَوِيُّ، صَحَابِيٌّ أُحُدِيٌّ، وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ، شَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: شَهِدَ بَدْرًا. اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ بَعْدَ مَوْتِ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، وَقَدْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فَرَقَاهُ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَهُوَ الْقَائِلُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ جَاءَتْهُ جَدَّتَانِ فَأَعْطَى السُّدُسَ أُمَّ الْأُمِّ وَتَرَكَ الْأُخْرَى وَهِيَ أُمُّ الْأَبِ - فَقَالَ لَهُ: أَعْطَيْتَ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَرِثْهَا، وَتَرَكْتَ الَّتِي لَوْ مَاتَتْ لَوَرِثَهَا. فَشَرَكَ بَيْنَهُمَا. عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، صَحَابِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ كَبِيرُ الْمَحَلِّ، كَانَ يُقَالُ لَهُ: نَسِيجُ وَحْدِهِ. لِكَثْرَةِ زَهَادَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، شَهِدَ فَتْحَ الشَّامِ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَنَابَ بِحِمْصَ وَبِدِمَشْقَ أَيْضًا فِي زَمَانِ عُمَرَ، فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ عُثْمَانَ عَزَلَهُ وَوَلَّى مُعَاوِيَةَ الشَّامَ بِكَمَالِهِ، وَلَهُ أَخْبَارٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. عُرْوَةُ بْنُ حِزَامٍ أَبُو سَعِيدٍ الْعُذْرِيُّ عُرْوَةُ بْنُ حِزَامٍ، أَبُو سَعِيدٍ الْعُذْرِيُّ، كَانَ شَاعِرًا مُغْرَمًا فِي ابْنَةِ عَمٍّ لَهُ، وَهِيَ عَفْرَاءُ بِنْتُ مُهَاجِرٍ، يَقُولُ فِيهَا الشِّعْرَ، وَاشْتُهِرَ بِحُبِّهَا فَارْتَحَلَ أَهْلُهَا مِنَ الْحِجَازِ إِلَى الشَّامِ، فَتَبِعَهُمْ عُرْوَةُ فَخَطَبَهَا إِلَى عَمِّهِ فَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهِ لِفَقْرِهِ، وَزَوَّجَهَا بِابْنِ عَمِّهَا الْآخَرِ، فَهَلَكَ عُرْوَةُ هَذَا فِي مَحَبَّتِهَا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي كِتَابِ " مُصَارِعِ الْعُشَّاقِ " وَمِنْ شِعْرِهِ فِيهَا قَوْلُهُ: وَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَرَاهَا فُجَاءَةً فَأُبْهَتُ حَتَّى مَا أَكَادُ أُجِيبُ وَأُصْرَفُ عَنْ رَأْيِي الَّذِي كُنْتُ أَرْتَئِي وَأَنْسَى الَّذِي أَعْدَدْتُ حِينَ تَغِيبُ قَيْسُ بْنُ قَهْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ قَيْسُ بْنُ قَهْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ، لَهُ حَدِيثٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ. وَزَعَمَ ابْنُ مَاكُولَا أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ جَدُّ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: بَلْ هُوَ جَدُّ أَبِي مَرْيَمَ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ الْكُوفِيِّ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو عَقِيلٍ الْعَامِرِيُّ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو عَقِيلٍ الْعَامِرِيُّ الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ. صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ ; أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهُ بَاطِلُ. وَتَمَامُ الْبَيْتِ: وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ إِلَّا نَعِيمَ الْجَنَّةِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمُسَيَّبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ الْمَخْزُومِيُّ ، شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَهُوَ وَالِدُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ سَيِّدِ التَّابِعِينَ. مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْأَنْصَارِيُّ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْأَنْصَارِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَضَرَبَ يَوْمَئِذٍ أَبَا جَهْلٍ بِسَيْفِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ، وَحَمَلَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهِلٍ عَلَى مُعَاذٍ هَذَا فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَحَلَّ يَدَهُ مِنْ كَتِفِهِ، فَقَاتَلَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ يَسْحَبُهَا خَلْفَهُ، قَالَ مُعَاذٌ: فَلَمَّا آذَتْنِي وَضَعْتُ قَدَمِي عَلَيْهَا ثُمَّ تَمَطَّأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى طَرَحْتُهَا، ؓ. وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ. مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، الْقُرَشِيُّ الْهَاشِمِيُّ ، وُلِدَ لِأَبِيهِ وَهُوَ بِالْحَبَشَةِ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ سَنَةَ خَيْبَرَ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى مَنْزِلِهِمْ، فَقَالَ لِأُمِّهِمْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ " ائْتِينِي بِبَنِي أَخِي ". فَجِيءَ بِهِمْ كَأَنَّهُمْ أَفْرُخٌ، فَجَعَلَ يُقَبِّلُهُمْ وَيَشُمُّهُمْ وَيَبْكِي، فَبَكَتْ أُمُّهُمْ فَقَالَ: " أَتَخَافِينَ عَلَيْهِمُ الْعَيْلَةَ وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؟ ". ثُمَّ أَمَرَ الْحَلَّاقَ فَحَلَقَ رُءُوسَهُمْ. وَقَدْ مَاتَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ شَابٌّ فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي تُسْتَرَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. مَعْبَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعْبَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. قُتِلَ شَابًّا بِإِفْرِيقِيَّةَ مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ. مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ ، أَحَدُ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، كَانَ قَدْ أَصَابَتْهُ آمَّةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ، وَضَعُفَ عَقْلُهُ، وَكَانَ يُكْثِرُ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَكَانَ يُغْبَنُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ، ﷺ: مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ. ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي كُلِّ مَا تَشْتَرِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: كَانَ مُخَصَّصًا بِإِثْبَاتِ الْخِيَارِ ثَلَاثَةً فِي كُلِّ بَيْعٍ، سَوَاءٌ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ أَمْ لَا. نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَبُو سَلَمَةَ الْغَطَفَانِيُّ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ أَبُو سَلَمَةَ الْغَطَفَانِيُّ، وَهُوَ الَّذِي خَذَّلَ بَيْنَ الْأَحْزَابِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ، فَلَهُ بِذَلِكَ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، وَالرَّايَةُ الْعُلْيَا. أَبُو ذُؤَيْبٍ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ الْهُذَلِيُّ أَبُو ذُؤَيْبٍ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ الْهُذَلِيُّ، الشَّاعِرُ الْمَشْهُورُ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ، ﷺ، وَشَهِدَ يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ، ﷺ، وَكَانَ أَشْعَرَ هُذَيْلٍ، وَهُذَيْلٌ أَشْعَرُ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْقَائِلُ: وَإِذَا الْمَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا أَلْفَيْتَ كُلَّ تَمِيمَةٍ لَا تَنْفَعُ وَتَجَلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهُمُ أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ تُوفِّيَ غَازِيًّا بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. أَبُو رُهْمٍ سَبْرَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى أَبُو رُهْمٍ سَبْرَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى، الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ. ذَكَرَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَحْدَهُ. أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ أَبُو زُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، الشَّاعِرُ، اسْمُهُ حَرْمَلَةُ بْنُ الْمُنْذِرِ، كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَكَانَ يُجَالِسُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَأَدْخَلَهُ عَلَى عُثْمَانَ، فَاسْتَنْشَدَهُ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ، فَأَنْشَدَهُ قَصِيدَةً لَهُ فِي الْأَسَدِ بَدِيعَةً، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: تَفْتَأُ تَذْكُرُ الْأَسَدَ مَا حَيِيتَ ؟ إِنِّي لَأَحْسَبُكَ جَبَانًا نَصْرَانِيًّا. أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ، أَخُو أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، أُمُّهُمَا بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكَّارٍ: لَا نَعْلَمُ بَدْرِيًّا سَكَنَ مَكَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ سِوَاهُ. قَالَ: وَأَهْلُهُ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ. أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَحَدُ نُقَبَاءِ لَيْلَةِ الْعَقَبَةِ وَقِيلَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَبُو هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ أَبُو هَاشِمِ بْنُ عُتْبَةَ، تَقَدَّمَ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. وَقِيلَ: فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 1976لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؓ اسْتُهِلَّتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ، وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْهَا دُفِنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ؓ وَأَرْضَاهُ وَبَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بُويِعَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ؓ، وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ ؓ كَانَ قَدْ جَعَلَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَسَعْدٌ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى أَنْ يَخْتَارُوا مِنْ بَيْنِهِمْ مَنْ يَلِي الْخِلَافَةَ فَاجْتَمَعُوا بَعْدَ دَفْنِ عُمَرَ ؓ فِي دَارِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَتَبَاحَثُوا فَجَعَلُوا الْأَمْرَ إِلَى ثَلَاثَةٍ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُمَّ خَلَعَ نَفْسَهُ مِنْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِيَارِ الْأَوْلَى بِالْخِلَافَةِ، فَاجْتَهَدَ وَسَأَلَ وَاسْتَشَارَ وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى تَوْلِيَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ؓ وَبَايَعَهُ عَلِيٌّ ؓ وَالنَّاسُ، وَقَدْ زَادَ فِي أُعْطِيَّةِ النَّاسِ وَخَطَبَ فِيهِمْ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَزَلَ عُثْمَانُ سَعْدًا عَنِ الْكُوفَةِ وَوَلَّاهَا الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، وَفِيهِ أَيْضًا غَزَا الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ حِينَ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَوَطِئَ بِلَادَهُمْ فَغَنِمَ وَسَبَى فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مَا كَانُوا صَالَحُوا عَلَيْهِ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ ؓ. وَفِيهَا أَرْسَلَ جَيْشُ الشَّامِ يَسْتَمِدُّ عُثْمَانَ ؓ عَلَى جَيْشِ الرُّومِ فَأَرْسَلَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ أَنْ أَرْسِلْ رَجُلًا شُجَاعًا مَعَ ثَمَانِيَةِ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ ؓ فِي الشَّامِ فَأَمِدَّهُ وَأَمَّرَ سَلْمَانَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأَمَّرَ عَلَى الْجُنْدِ حَبِيبَ بْنَ مُسْلِمٍ الْفِهْرِيِّ، فَنَصَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ عَلَى الرُّومِ، وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْعَامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِمَرَضِ عُثْمَانَ ؓ بِالرُّعَافِ. وَفِيهَا افْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ الرَّيَّ بَعْدَمَا نَقَضُوا الْعَهْدَ الَّذِي كَانَ وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ؓ. وَقَدْ تُوُفِّيَ فِيهَا بَرَكَةُ أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَلُبَابَةُ الْكُبْرَى بِنْتُ الْحَارِثِ ؓ، وَعُثْمَانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَسُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَفِيهَا: خَالَفَ أَهْلُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَنَقَضُوا صُلْحَهُمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَذَلِكَ أَنَّ الرُّومَ قَدْ كَاتَبُوا أَهْلَهَا وَحَثُّوهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَّا الْمُقَوْقِسَ فَقَدْ حَافَظَ عَلَى صُلْحِهِ، وَخَرَجَ الرُّومُ مِنَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ بِجَيْشٍ كَبِيرٍ عَلَيْهِمْ مَنْوِيلُ الْخَصِيُّ فَالْتَقَاهُمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُسْلِمُونَ فَهَزَمَهُمُ الْمُسْلِمُونَ وَقَتَلُوا مَنْوِيلَ الْخَصِيَّ وَهَدَمَ عَمْرٌو سُورَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَفِيهَا وُجِّهَ سُلَيْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ إِلَى أَرَّانَ فَفَتَحَ الْبَيْلَقَانَ، وَبَرْذَعَةَ، وَفِيهَا غَزَا مُعَاوِيَةُ الرُّومَ حَتَّى بَلَغَ عَمُّورِيَّةَ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ سَيَّرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى أَطْرَافِ إِفْرِيقِيَّةِ، وَفِيهَا وُلِدَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَحَجَّ بِالنَّاسِ عُثْمَانُ ؓ. وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَبُو ذَرٍّ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ زِيَادَةَ بْنِ الْأَصَمِّ، وَعَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدِ بْنِ حَبِيبٍ السُّلَمِيُّ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيُّ، وَعُرْوَةُ بْنُ حِزَامِ بْنِ مُهَاجِرٍ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ: وَفِيهَا تَمَّ تَوْسِعَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَتَمَُ تَجْدِيدُ أَنْصَابِ الْحَرَمِ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافِ بْنِ عُتْبَةَ ؓ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ: وَفِيهَا كَانَ عَزْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ وَتَوَلِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَفِيهَا غَزَا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ إِفْرِيقِيَّةَ، فَفَتَحَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ الْأَنْدَلُسِ، وَفِيهَا كَانَتْ هَزِيمَةُ جُرْجِيرَ وَقَتْلُهُ، وَفِيهَا مَاتَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ الشَّاعِرُ، وَأَبُو رِمْثَةَ الْبَلَوِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ، أَبُو الْحَارِثِ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ ؓ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ: وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ قُبْرُسَ، وَفِيهَا تَزَوَّجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ ؓ مِنْ نَائِلَةَ بِنْتِ الْفَرَافِصَةِ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ عَمْرُو بْنُ سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، وَأُمُّ حَرَامٍ بِنْتُ مِلْحَانَ الْأَنْصَارِيَّةُ بِقُبْرُسَ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ: وَفِيهَا عُزِلَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَنِ الْبَصْرَةِ وَاسْتُعْمِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعَدِيدَ مِنَ الْبُلْدَانِ وَقَدْ أَثْخَنَ فِي كَابُلَ وَخُرَسَانَ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهَا تُوُفِّيَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثِينَ: وَفِيهَا عَزَلَ عُثْمَانُ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ عَنِ الْكُوفَةِ وَجَلَدَهُ فِي الْخَمْرِ وَوَلَّاهَا سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ، وَفِيهَا كَانَ فَتْحُ طَبَرِسْتَانَ، وَفِيهَا غَزَا حُذَيْفَةُ الْبَابَ وَأَذْرَبِيجَانَ وَرَأَى اخْتِلَافَ أَهْلِ الْأَمْصَارِ فِي الْقُرْآنِ فَأَشَارَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ؓ بِجَمْعِهِ وَجَمْعِهِمْ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ مَنْعًا لِلْخِلَافِ. وَفِيهَا سَقَطَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ يَدِ عُثْمَانَ ؓ فِي بِئْرِ أَرِيسَ فَلَمْ يَعْثُرْ عَلَيْهِ. وَفِيهَا زَادَ عُثْمَانُ ؓ الْأَذَانَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ؓ، وَأَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ ؓ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ: وَفِيهَا كَانَتْ هَزِيمَةُ قُسْطَنْطِينَ بْنِ هِرَقْلَ فِي غَزْوَةِ الصَّوَارِي، وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ فَأَظْهَرَا السَّبَّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ؓ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ يَزْدَجِرْدُ مَلِكُ الْفُرْسِ، وَفِيهَا كَانَ مَسِيرُ ابْنُ عَامِرٍ إِلَى خُرَسَانَ وَفَتْحِ كِرْمَانَ، وَسِجِسْتَانَ وَكَابُلَ وَغَيْرِهِمَا، وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ؓ، وَنُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَأَخُوهُ الطُّفَيْلُ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، ؓ جَمِيعًا. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ: وَفِيهَا كَانَ غَزْوُ مُعَاوِيَةَ ؓ مَضِيقَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَقِتَالُ التُّرْكِ وَالْخَزْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَبَدْءُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالشَّامِ، وَفِيهَا فَتَحَ ابْنُ عَامِرٍ مَرْوَ الرُّوذِ وَالطَّالِقَانَ وَالْفَارِيَابَ وَالْجُوزَجَانَ وَطَخَارِسْتَانَ، وَفِيهَا كَانَ جَمْعُ قَارِنَ وَخُرُوجُ ابْنُ خَازِمٍ لَهُ وَهَزِيمَتُهُ وَقَتْلُهُ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؓ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؓ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ؓ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ؓ، وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ؓ، وَأَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ، وَأَبُو سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَقِيلَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَعَبْدُ اهَِّ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَضْلَةَ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَبُو مُحَمَّدٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ الدَّوْسِيُّ، وَمُعَضِّدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُو زِيَادٍ الْعِجْلِيُّ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ: وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ مُعَاوِيَةَ إِلَى حِصْنِ الْمَرْأَةِ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ، وَفِيهَا كَانَتْ غَزْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ إِفْرِيقِيَّةَ الثَّانِيَةَ حِينَ نَقَضَ أَهْلُهَا الْعَهْدَ، وَفِيهَا كَانَ تَسْيِيرُ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ إِلَى الشَّامِ، وَتَسْيِيرُ مَنْ سُيِّرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى الشَّامِ، وَفِيهَا تُوُفِّيَ الْحَارِثُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ: وَفِيهَا كَانَ أَنْ تَكَاتَبَ الْمُنْحَرِفُونَ عَنْ عُثْمَانَ ؓ لِلِاجْتِمَاعِ لِمُنَاظَرَتِهِ فِيمَا كَانُوا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ نَقِمُوا عَلَيْهِ، وَفِيهَا كَانَ ابْتِدَاءُ فِتْنَةِ السَّبَئِيِّينَ وَالَّتِي أَفْضَتْ إِلَى قَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ؓ. وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَسُوَيْدُ بْنُ شُعْبَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو عَبْسٍ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَعَوْفُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيُّ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ: وَفِيهَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ الْكُبْرَى الَّتِي قُتِلَ فِيهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ ؓ، وَجَاءَ أَحْزَابُ الْفِتْنَةِ مِنْ مِصْرَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَقَدْ زَوَّرُوا كُتُبًا عَلَى لِسَانِ الصَّحَابَةِ يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الْجِهَادِ ضِدَّ عُثْمَانَ ؓ، وَقَدْ خَرَجُوا مُتَظَاهِرِينَ بِالْحَجِّ، ثُمَّ تَظَاهَرُوا بِالْعَوْدَةِ مِنْ حَيْثُ أَتَوْا لَمَّا رَدَّهُمْ مَنْ قَصَدُوهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ ثُمَّ سُرَعَانَ مَا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَاصَرَ جُمْهُورُهُمْ دَارَ عُثْمَانَ ؓ، وَكَانَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ مَنَعُوهُ الْخُرُوجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَشَدُّوا فِي حِصَارِهِمْ حَتَّى مَنَعُوا عَنْهُ الْمَاءَ، وَكَانَ أَبْنَاءُ الصَّحَابَةِ يَحْرُسُونَهُ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا أَوْ أَلَّا يَرْفَعُوا سِلَاحًا فِي وَجْهِ أَحَدٍ وَكَانَ قَدْ رَأَى رُؤْيَا بِأَنَّهُ يُفْطِرُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ فَعَلِمَ أَنَّهُ مَقْتُولٌ مِنْ يَوْمِهِ فَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ وَحَرَّجَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُقَاتِلُوا دُونَهُ حَتَّى لَا يُرَاقَ بِسَبَبِهِ دَمُ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ دَخَلُوا عَلَيْهِ وَاقْتَحَمُوا دَارَهُ وَضَرَبُوهُ بِالسَّيْفِ وَطَعَنُوهُ ؓ وَسَالَ الدَّمُ مِنْ جَسَدِهِ ؓ وَأُصِيبَ فِي ذَلِكَ زَوْجَتُهُ نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ، وَعَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْضُ عَبِيدِهِ. وَكَانَتْ مُدَّةُ حِصَارِهِ فِيمَا ذُكِرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَهُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذُو النُّورَيْنِ وَصَاحِبُ الْهِجْرَتَيْنِ، وَالْمُصَلِّي إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ وَزَوْجُ بِنْتَيِ النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ مِنْ بَعْدِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ ثَالِثُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَقَدْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَوَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الثَّابِتَةُ فِي فَضْلِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ، فَهُوَ مُجَهِّزُ جَيْشِ الْعُسْرَةِ وَالَّذِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ مَا ضَرَّ عُثْمَانُ مَا فَعَلَ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَضَائِلِ الظَّاهِرَةِ الْبَاهِرَةِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَقْطَعَ الْقَطَائِعَ، وَأَوَّلُ مَنْ حَمَى الْحِمَى، وَأَوَّلُ مَنْ خَفَضَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، وَأَوَّلُ مَنْ خَلَّقَ الْمَسْجِدَ، وَأَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِالْأَذَانِ الْأَوَّلِ فِي الْجُمُعَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ رَزَقَ الْمُؤَذِّنِينَ. وَهُوَ الْمُبَشَّرُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ؓ وَأَرْضَاهُ.
التاريخ 2045لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ [35 - 40 هـ] اسمه ونسبه عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُهُ: شَيْبَةُ بْنُ هَاشِمٍ، وَاسْمُهُ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاسْمُهُ: الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ، وَاسْمُهُ: زَيْدُ بْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. أَبُو الْحَسَنِ، وَأَبُو تُرَابٍ، كَنَّاهُ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ. وَأُمُّهُ: فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هِشَامٍ، وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ هَاشِمِيًّا، وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ. وَعَلِيٌّ ؓ أَحَدُ الْعَشْرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَخُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمُؤَاخَاةِ، وَصِهْرُهُ عَلَى فَاطِمَةَ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ؓ، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، وَالشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ، وَالزُّهَّادِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْخُطَبَاءِ الْمَعْرُوفِينَ، وَأَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ؛ عَرَضَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَرَضَ عَلَيْهِ: أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى. وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَبُو السِّبْطَيْنِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، بَلْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَجَمَاعَةٌ: (إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ)، وَنَقَلَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: (بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَأَسْلَمْتُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ). وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَ أَسْلَمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيلَ: تِسْعٌ، وَقِيلَ: ثَمَانٌ، وَقِيلَ: دُونَ ذَلِكَ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ: (وَلَمْ يَعْبُدِ الْأَوْثَانَ قَطُّ؛ لِصِغَرِهِ) أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَلَمَّا هَاجَرَ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ.. أَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ أَيَّامًا؛ حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ أَمَانَتَهُ وَالْوَدَائِعَ وَالْوَصَايَا الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يُلْحِقَهُ بِأَهْلِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ إِلَّا تَبُوكَ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَلَهُ فِي جَمِيعِ الْمَشَاهِدِ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ، وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ اللِّوَاءَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: (أَصَابَتْ عَلِيًّا يَوْمَ أُحُدٍ سِتَّ عَشْرَةَ ضَرْبَةً). قِصَّةُ تَكْنِيَتِهِ بِأَبِي تُرَابٍ ؓ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي «الْأَدَبِ» عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَبَّ أَسْمَاءِ عَلِيٍّ ؓ إِلَيْهِ لَأَبُو تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ أَنْ يُدْعَى بِهَا، وَمَا سَمَّاهُ أَبَا تُرَابٍ إِلَّا النَّبِيُّ ﷺ، غَاضَبَ يَوْمًا فَاطِمَةَ، فَخَرَجَ فَاضْطَجَعَ إِلَى الْجِدَارِ فِي الْمَسْجِدِ، وَجَاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدِ امْتَلَأَ ظَهْرُهُ تُرَابًا، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ ظَهْرِهِ وَيَقُولُ: «اجْلِسْ أَبَا تُرَابٍ». رُوِيَ لَهُ عَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَمْسُمِائَةِ حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَثَمَانُونَ حَدِيثًا. رَوَى عَنْهُ: بَنُوهُ الثَّلَاثَةُ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو مُوسَى، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَخَلَائِقُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
التاريخ 2046لا حكم مسجّل
حَمْلُهُ بَابَ خَيْبَرَ مِنْ كَرَامَاتِهِ ؓ وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: (أَنَّهُ ﷺ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْفَتْحَ يَكُونَ عَلَى يَدَيْهِ) وَأَحْوَالُهُ فِي الشَّجَاعَةِ، وَآثَارُهُ فِي الْحُرُوبِ مَشْهُورَةٌ. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: (حَمَلَ عَلِيٌّ الْبَابَ عَلَى ظَهْرِهِ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتَّى صَعِدَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ فَفَتَحُوهَا، وَإِنَّهُمْ جَرُّوهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَحْمِلْهُ إِلَّا أَرْبَعُونَ رَجُلًا) عَنْ أَبِي رَافِعٍ،: (أَنَّ عَلِيًّا تَنَاوَلَ بَابًا عِنْدَ الْحِصْنِ حِصْنِ خَيْبَرَ، فَتَتَرَّسَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَلَمْ يَزَلْ فِي يَدِهِ وَهُوَ يُقَاتِلُ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا ثُمَّ أَلْقَاهُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا ثَمَانِيَةَ نَفَرٍ نَجْهَدُ أَنْ نَقْلِبَ ذَلِكَ الْبَابَ، فَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَقْلِبَهُ). وَمِنْ كَرَامَاتِهِ ؓ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (عَرَضَ لِعَلِيٍّ رَجُلَانِ فِي خُصُومَةٍ، فَجَلَسَ فِي أَصْلِ جِدَارٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: الْجِدَارُ يَقَعُ؟! فَقَالَ عَلِيٌّ: امْضِ، كَفَى بِاللَّهِ حَارِسًا، فَقَضَى بَيْنَهُمَا، فَقَامَ ثُمَّ سَقَطَ الْجِدَارُ). وَفِي «الطِّيُورِيَّاتِ» بِسَنَدِهِ إِلَى جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَسْمَعُكَ تَقُولُ فِي الْخُطْبَةِ: اللَّهُمَّ؛ أَصْلِحْنَا بِمَا أَصْلَحْتَ بِهِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَمَنْ هُمْ؟ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: (هُمْ حَبِيبَايَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، إِمَامَا الْهُدَى، وَشَيْخَا الْإِسْلَامِ، وَرَجُلَا قُرَيْشٍ، وَالْمُقْتَدَى بِهِمَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ مَنِ اقْتَدَى بِهِمَا... عُصِمَ، وَمَنِ اتَّبَعَ آثَارَهُمَا... هُدِيَ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِمَا... فَهُوَ مِنْ حِزْبِ اللَّهِ). وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ حُجْرٍ الْمَدَرِيِّ قَالَ: (قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: كَيْفَ بِكَ إِذَا أُمِرْتَ أَنْ تَلْعَنِّي؟ قُلْتُ: وَكَائِنٌ ذَلِكَ؟! قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: الْعَنِّي، وَلَا تَبْرَأْ مِنِّي، قَالَ: فَأَمَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَخُو الْحَجَّاجِ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْيَمَنِ، أَنْ أَلْعَنَ عَلِيًّا، فَقُلْتُ: إِنَّ الْأَمِيرَ أَمَرَنِي أَنْ أَلْعَنَ عَلِيًّا، فَالْعَنُوهُ لَعَنَهُ اللَّهُ، فَمَا فَطِنَ لَهَا إِلَّا رَجُلٌ). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي «الدَّلَائِلِ» عَنْ زَاذَانَ: (أَنَّ عَلِيًّا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَكَذَّبَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَدْعُو عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا؟ قَالَ: ادْعُ، فَدَعَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ).
التاريخ 2047لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي فَضْلِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: (مَا وَرَدَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا وَرَدَ لِعَلِيٍّ ؓ ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ. وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَلَفَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ تُخْلِفُنِي فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟! فَقَالَ: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؛ غَيْرَ أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟». وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ؛ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا؟ فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ.. غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: «أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟» فَقِيلَ: هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، قَالَ: «فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ» فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ، فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ. يَدُوكُونَ: أَيْ يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: { نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ }..دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، وَفَاطِمَةَ، وَحَسَنًا، وَحُسَيْنًا فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي». [دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ ؓ ] وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَرِيحَةَ أَوْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ.. فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ». [أَرْبَعَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ] وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ سَمِّهِمْ لَنَا، قَالَ: «عَلِيٌّ مِنْهُمْ - يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا - وَأَبُو ذَرٍّ، وَالْمِقْدَادُ، وَسَلْمَانُ». وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالنِّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلِيٌّ مِنِّي، وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ». وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ، وَلَمْ تُؤَاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ أَلَّا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ). وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: (كُنَّا نَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ بِبُغْضِهِمْ عَلِيًّا). وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا مَدِينَةُ الْعِلْمِ، وَعَلِيٌّ بَابُهَا». هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ عَلَى الصَّوَابِ، لَا صَحِيحٌ كَمَا قَالَ الْحَاكِمُ، وَلَا مَوْضُوعٌ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالنَّوَوِيُّ، وَقَدْ بَيَّنْتُ حَالَهُ فِي «التَّعَقُّبَاتِ عَلَى الْمَوْضُوعَاتِ». وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْتَنِي وَأَنَا شَابٌّ أَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَلَا أَدْرِي مَا الْقَضَاءُ، فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ». فَوَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ؛ مَا شَكَّكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ». وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا لَكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا؟ قَالَ: (إِنِّي كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُهُ.. أَنْبَأَنِي، وَإِذَا سَكَتُّ.. ابْتَدَأَنِي). [تَقَدَّمَهُ بِالْقَضَاءِ وَالْعِلْمِ عَلَى غَيْرِهِ ؓ وَأُخْرِجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: (عَلِيٌّ أَقْضَانَا). وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - ؓ قَالَ: (كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنْ أَقَضَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلِيٌّ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (إِذَا حَدَّثَنَا ثِقَةٌ عَنْ عَلِيٍّ بِفُتْيَا.. لَا نَعْدُوهَا). وَأُخْرِجَ عَنْ سَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: (كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ). وَأُخْرِجَ عَنْهُ قَالَ: (لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ يَقُولُ: سَلُونِي إِلَّا عَلِيٌّ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَائِشَةَ ؓ: أَنَّ عَلِيًّا ذُكِرَ عِنْدَهَا فَقَالَتْ: (أَمَا إِنَّهُ أَعْلَمُ مَنْ بَقِيَ بِالسُّنَّةِ). وَقَالَ مَسْرُوقٌ: (انْتَهَى عِلْمُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: (كَانَ لَعَلِيٍّ مَا شِئْتَ مِنْ ضِرْسٍ قَاطِعٍ فِي الْعِلْمِ، وَكَانَ لَهُ السِّطَةُ فِي الْعَشِيرَةِ، وَالْقَدَمُ فِي الْإِسْلَامِ وَالصِّهْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْفِقْهُ فِي السُّنَّةِ، وَالنَّجْدَةُ فِي الْحَرْبِ، وَالْجُودُ فِي الْمَالِ). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «النَّاسُ مِنْ شَجَرٍ شَتَّى، وَأَنَا وَعَلِيٌّ مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ». [مَا نَزَلَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَمَا خُصَّ بِهِ ؓ وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } إِلَّا وَعَلِيٌّ أَمِيرُهَا وَشَرِيفُهَا، وَلَقَدْ عَاتَبَ اللَّهُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ مَكَانٍ وَمَا ذَكَرَ عَلِيًّا إِلَّا بِخَيْرٍ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (مَا نَزَلَ فِي أَحَدٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا نَزَلَ فِي عَلِيٍّ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ ثَلَاثُمِائَةِ آيَةٍ). وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَعَلِّي: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجْنِبَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي وَغَيْرُكَ». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ؓ قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا غَضِبَ.. لَمْ يَجْتَرِئْ أَحَدٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ إِلَّا عَلِيٌّ). وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: قَالَ: «النَّظَرُ إِلَى عَلِيٍّ عِبَادَةٌ»، إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: (كَانَتْ لَعَلِيٍّ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ مَنْقَبَةً مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ). وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَقَدْ أُعْطِيَ عَلِيٌّ ثَلَاثَ خِصَالٍ؛ لَأَنْ تَكُونَ لِي خَصْلَةٌ مِنْهَا.. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْطَى حُمْرَ النَّعَمِ، قِيلَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: تَزْوِيجُهُ ابْنَتَهُ، وَسُكْنَاهُ الْمَسْجِدَ، لَا يَحِلُّ لِي فِيهِ مَا يَحِلُّ لَهُ، وَالرَّايَةُ يَوْمَ خَيْبَرَ)، وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (مَا رَمَدْتُ وَلَا صُدِعْتُ مُنْذُ مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجْهِي، وَتَفَلَ فِي عَيْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ حِينَ أَعْطَانِي الرَّايَةَ). وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى وَالْبَزَّارُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ آذَى عَلِيًّا.. فَقَدْ آذَانِي». وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا.. فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَلِيًّا... فَقَدْ أَبْغَضَنِي، وَمَنْ أَبْغَضَنِي.. فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ». وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ سَبَّ عَلِيًّا.. فَقَدْ سَبَّنِي». وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَعَلِيٍّ: «إِنَّكَ تُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتَ عَلَى تَنْزِيلِهِ». [يَهْلِكُ فِيكَ اثْنَانِ وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: « إِنَّ فِيكَ مَثَلًا مِنْ عِيسَى: أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي لَيْسَ بِهِ». أَلَا وَإِنَّهُ يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يُفْرِطُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي «الْأَوْسَطِ» وَ«الصَّغِيرِ» عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «عَلِيٌّ مَعَ الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ مَعَ عَلِيٍّ، لَا يَفْتَرِقَانِ حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ». وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَعَلِيٍّ: «أَشْقَى النَّاسِ رَجُلَانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ - يَعْنِي: قَرْنَهُ - حَتَّى تَبْتَلَّ مِنْهُ هَذِهِ» يَعْنِي: لِحْيَتَهُ.. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: اشْتَكَى النَّاسُ عَلِيًّا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ: «لَا تَشْكُوا عَلِيًّا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَخْشَنُ فِي ذَاتِ اللَّهِ، أَوْ سَبِيلِ اللَّهِ». حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، لَيْسَ لِي عِلْمٌ بِالْقَضَاءِ. قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ ". قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدُ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: عَلِيٌّ أَقْضَانَا، وَأُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا لِلْقُرْآنِ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ إِنْ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَأَقْرَبُ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; عُدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَدَاةً بَعْدَ غَدَاةٍ يَقُولُ: " جَاءَ عَلِيٌّ ؟ " مِرَارًا، وَأَظُنُّهُ كَانَ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ. قَالَتْ: فَجَاءَ بَعْدُ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ حَاجَةً، فَخَرَجْنَا مِنَ الْبَيْتِ فَقَعَدْنَا عِنْدَ الْبَابِ، فَكُنْتُ مِنْ أَدْنَاهُمْ إِلَى الْبَابِ، فَأَكَبَّ عَلَيْهِ عَلِيٌّ، فَجَعَلَ يُسَارُّهُ وَيُنَاجِيهِ، ثُمَّ قُبِضَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَكَانَ أَقْرَبَ النَّاسِ بِهِ عَهْدًا. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ نُؤَمِّرُ بَعْدَكَ ؟ قَالَ: " إِنْ تُؤَمِّرُوا أَبَا بَكْرٍ تَجِدُوهُ أَمِينًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عُمَرَ تَجِدُوهُ قَوِيًّا أَمِينًا لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا، وَلَا أُرَاكُمْ فَاعِلِينَ، تَجِدُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا يَأْخُذُ بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ ". حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ، وَحَمَلَنِي إِلَى دَارِ الْهِجْرَةِ، وَأَعْتَقَ بِلَالًا مِنْ مَالِهِ، رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ، يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، تَرَكَهُ الْحَقُّ وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ، رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ، تَسْتَحِيهِ الْمَلَائِكَةُ، رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا، اللَّهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ ". وَقَدْ وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ الْحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ، ؓ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " لَا ". فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " لَا، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ ". وَكَانَ قَدْ أَعْطَى عَلِيًّا نَعْلَهُ يَخْصِفُهُ. وَأَيْضًا حَدِيثَ عَلِيٍّ لِلزُّبَيْرِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَكَ إِنَّكَ تُقَاتِلُنِي وَأَنْتَ ظَالِمٌ. فَرَجَعَ الزُّبَيْرُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجَمَلِ، ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ مَرْجِعِهِ فِي وَادِي السِّبَاعِ. وَقَدَّمْنَا صَبْرَهُ وَصَرَامَتَهُ وَشَجَاعَتَهُ فِي يَوْمَيِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَبَسَالَتَهُ وَفَضْلَهُ فِي يَوْمِ النَّهْرَوَانِ، وَمَا وَرَدَ فِي فَضْلِ طَائِفَتِهِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْخَوَارِجَ، مِنَ الْأَحَادِيثِ. تَزْوِيجُ عَلِيٍّ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ، ؓ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعَ رَجُلٌ عَلِيًّا عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: أَرَدْتُ أَنْ أَخْطُبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنْ لَا شَيْءَ لِي، ثُمَّ ذَكَرْتُ عَائِدَتَهُ وَصِلَتَهُ، فَخَطَبْتُهَا، فَقَالَ: " هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ ؟ " قُلْتُ: لَا. قَالَ: " فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا ؟ " قُلْتُ: عِنْدِي. قَالَ: " فَأَعْطِهَا ". فَأَعْطَيْتُهَا فَزَوَّجَنِي، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةً دَخَلْتُ عَلَيْهَا قَالَ: " لَا تُحَدِّثَا شَيْئًا حَتَّى آتِيَكُمَا ". قَالَ: فَأَتَانَا وَعَلَيْنَا قَطِيفَةٌ أَوْ كِسَاءٌ فَتَحَشْحَشْنَا، فَقَالَ: " مَكَانَكُمَا ". ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَدَعَا فِيهِ، ثُمَّ رَشَّهُ عَلَيَّ وَعَلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمْ هِيَ ؟ قَالَ: " هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ، وَأَنْتَ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْهَا ". وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَفِيهِ أَنَّهُ أَوْلَمَ عَلَيْهَا بِكَبْشٍ مِنْ عِنْدِ سَعْدٍ، وَآصُعٍ مِنَ الذُّرَةِ مِنْ عِنْدِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ دَعَا لَهُمَا بَعْدَ مَا صَبَّ عَلَيْهِمَا الْمَاءَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمَا، وَبَارِكْ عَلَيْهِمَا، وَبَارِكْ لَهُمَا فِي شَمْلِهِمَا ". يَعْنِي الْجِمَاعَ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: مَا كَانَ لَنَا إِلَّا إِهَابُ كَبْشٍ نَنَامُ عَلَى نَاحِيَتِهِ وَتَعْجِنُ فَاطِمَةُ عَلَى نَاحِيَتِهِ. وَفِي رِوَايَةِ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: وَنَعْلِفُ عَلَيْهِ النَّاضِحَ بِالنَّهَارِ، وَمَا لِي خَادِمٌ عَلَيْهَا غَيْرَهَا. حَدِيثُ الطَّيْرِ : عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ طَيْرٌ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ ". فَجَاءَ عَلِيٌّ فَأَكَلَ مَعَهُ. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ السُّدِّيِّ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. حَدِيثٌ آخَرُ: فِي فَضْلِ عَلِيٍّ، ؓ : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي نَخْلٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ: الْأَسْوَافُ. فَفَرَشَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ صَوْرٍ لَهَا مَرْشُوشٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: " الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". فَجَاءَ عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: " الْآنَ يَأْتِيكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ". قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ مُطَأْطِئًا رَأْسَهُ مِنْ تَحْتِ الصَّوْرِ، ثُمَّ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ جَعَلَتْهُ عَلِيًّا ". فَجَاءَ عَلِيٌّ، ثُمَّ إِنَّ الْأَنْصَارِيَّةَ ذَبَحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَاةً وَصَنَعَتْهَا، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الظَّهْرُ قَامَ يُصَلِّي وَصَلَّيْنَا، مَا تَوَضَّأَ وَلَا تَوَضَّأْنَا، فَلَمَّا حَضَرَتِ الْعَصْرُ صَلَّى، وَمَا تَوَضَّأَ وَلَا تَوَضَّأْنَا. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ فَانْتَجَاهُ، فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَا انْتَجَيْتُهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْأَجْلَحِ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ صُبْحٍ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي أُمُّ شَرَاحِيلَ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ. قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، إِنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ظَالِمٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ مُعَاوِيَةُ مِنَ الْكُوفَةِ اسْتَعْمَلَ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ. قَالَ: فَأَقَامَ خُطَبَاءَ يَقَعُونَ فِي عَلِيٍّ. قَالَ: وَأَنَا إِلَى جَنْبِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ نُفَيْلٍ. قَالَ: فَغَضِبَ، فَقَامَ وَأَخَذَ بِيَدِي فَتَبِعْتُهُ، فَقَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الظَّالِمِ لِنَفَسِهِ الَّذِي يَأْمُرُ بِلَعْنِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ! وَأَشْهَدُ عَلَى التِّسْعَةِ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَلَوْ شَهِدْتُ عَلَى الْعَاشِرِ لَمْ آثَمْ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اثْبُتْ حِرَاءُ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ ". قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٍّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ: قُلْتُ: وَمَنِ الْعَاشِرُ ؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا. حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ السَّلُولِيِّ - وَكَانَ قَدْ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا أَوْ عَلِيٌّ ". حَدِيثٌ آخَرُ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ بِ " بَرَاءَةٌ " إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ: لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُدَّةٌ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَاللَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَسَارَ بِهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: " الْحَقْهُ وَرُدَّ عَلَيَّ أَبَا بَكْرٍ، وَبَلِّغْهَا أَنْتَ ". قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَكَى وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَثَ فِيَّ شَيْءٌ ؟ قَالَ: " مَا حَدَثَ فِيكَ إِلَّا خَيْرٌ، وَلَكِنْ أُمِرْتُ أَنْ لَا يُبَلِّغَهُ إِلَّا أَنَا أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي ". ذِكْرُ تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ عَنْ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَلِيُّ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. قَالَ ابنُ الجوزيّ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ كَانَ ابْنَ ثَمَانِ سِنِينَ. وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ عَلِيًّا حِينَ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ كَانَ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ: وَيُقَالُ: دُونَ تِسْعِ سِنِينَ، وَلَمْ يَعْبُدِ الْأَوْثَانَ قَطُّ لِصِغَرِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: وَأَصْحَابُنَا مُجْمِعُونَ أَنَّ أَوَّلَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ الَّذِي اسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، ثُمَّ اخْتُلِفَ عِنْدَنَا فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، أَيُّهُمْ أَسْلَمَ أَوَّلًا، فِي أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَمَا نَجِدُ إِسْلَامَ عَلِيٍّ صَحِيحًا إِلَّا وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةِ سَنَةً.
التاريخ 2048لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ الْعَادِلَةِ وَطَرِيقَتِهِ الْفَاضِلَةِ وَمَوَاعِظِهِ وَقَضَايَاهُ الْفَاصِلَةِ ، وَخُطَبِهِ الْكَامِلَةِ وَحِكَمِهِ الَّتِي هِيَ إِلَى الْقُلُوبِ وَاصِلَةٌ قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا رَزَأْتُ مِنْ مَالِكُمْ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا إِلَّا هَذِهِ. وَأَخْرَجَ قَارُورَةً مِنْ كُمِّ قَمِيصِهِ فِيهَا طِيبٌ. فَقَالَ: أَهْدَاهَا إِلَى الدِّهْقَانُ. ثُمَّ أَتَى بَيْتَ الْمَالِ فَقَالَ: خُذُوا. وَأَنْشَأَ يَقُولُ: أَفْلَحَ مَنْ كَانَتْ لَهُ قَوْصَرَّهْ يَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ يَوْمٍ تَمْرَهْ وَفِي رِوَايَةٍ: مَرَّهْ. وَفِي رِوَايَةٍ: طُوبَى لِمَنْ كَانَتْ لَهُ قَوْصَرَّهْ................................ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ الْغَافِقِيِّ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ الْأَضْحَى، فَقَرَّبَ إِلَيْنَا خَزِيرَةً، فَقُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، لَوْ قَدَّمْتَ إِلَيْنَا هَذَا الْبَطَّ وَالْإِوَزَّ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْثَرَ الْخَيْرَ. فَقَالَ: يَا ابْنَ زُرَيْرٍ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَا يَحِلُّ لِلْخَلِيفَةِ مِنْ مَالِ اللَّهِ إِلَّا قَصْعَتَانِ ; قَصْعَةٌ يَأْكُلُهَا هُوَ وَأَهْلُهُ، وَقَصْعَةٌ يُطْعِمُهَا النَّاسَ ". وَعَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْخَوَرْنَقِ وَعَلَيْهِ قَطِيفَةٌ وَهُوَ يُرْعِدُ مِنَ الْبَرْدِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ نَصِيبًا فِي هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ تَفْعَلُ بِنَفْسِكَ هَذَا ؟ ! فَقَالَ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرْزَأُ مِنْ مَالِكُمْ شَيْئًا، وَهَذِهِ الْقَطِيفَةُ هِيَ الَّتِي خَرَجْتُ بِهَا مِنْ بَيْتِي. أَوْ قَالَ: مِنَ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ يَقُولُ: مَا بَنَى عَلِيٌّ لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، وَإِنْ كَانَ لَيُؤْتَى بِجَبُوبِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي جِرَابٍ. وَعَنْ مُجِمِّعِ بْنِ سَمْعَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِسَيْفِهِ إِلَى السُّوقِ فَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي سَيْفِي هَذَا ؟ فَلَوْ كَانَ عِنْدِي أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ أَشْتَرِي بِهَا إِزَارًا مَا بِعْتُهُ. وَعَنْ جَعْفَرٍ - قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِيهِ - أَنَّ عَلِيًّا كَانَ إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا مَدَّ يَدَهُ فِي كُمِّهِ، فَمَا فَضَلَ مِنَ الْكُمِّ عَنِ الْأَصَابِعِ قَطَعَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ لِلْكُمِّ فَضْلٌ عَنِ الْأَصَابِعِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اشْتَرَى عَلِيٌّ قَمِيصًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، وَقَطَعَ كُمَّهُ مِنْ مَوْضِعِ الرُّسْغَيْنِ، وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَذَا مِنْ رِيَاشِهِ. وَعَنْ مَوْلًى لِأَبِي عُصَيْفِيرٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا خَرَجَ فَأَتَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الْكَرَابِيسِ، فَقَالَ لَهُ: عِنْدَكَ قَمِيصٌ سُنْبُلَانِيٌّ ؟ قَالَ: فَأَخْرُجُ إِلَيْهِ قَمِيصًا فَلَبِسَهُ، فَإِذَا هُوَ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، فَنَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَقَالَ: مَا أَرَى إِلَّا قَدْرًا حَسَنًا، بِكَمْ هُوَ ؟ قَالَ: بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَحَلَّهَا مِنْ إِزَارِهِ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، أَنَا الْحَسَنُ بْنُ جُرْمُوزٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا وَهُوَ يَخْرُجُ مِنَ الْقَصْرِ وَعَلَيْهِ قِطْرِيَّتَانِ ; إِزَارٌ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، وَرِدَاءٌ مُشَمَّرٌ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَمَعَهُ دِرَّةٌ لَهُ يَمْشِي بِهَا فِي الْأَسْوَاقِ، وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنِ الْبَيْعِ، وَيَقُولُ: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ. وَيَقُولُ: لَا تَنْفُخُوا اللَّحْمَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي " الزُّهْدِ ": أَنَا رَجُلٌ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ مِيثَمٍ، ثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ الْجُهَنِيُّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذَاتَ يَوْمٍ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ، مُتَّزِرٌ بِأَحَدِهِمَا مُرْتَدٍ بِالْآخَرِ، قَدْ أَرْخَى جَانِبَ إِزَارِهِ وَرَفَعَ جَانِبًا، وَقَدْ رَفَعَ رِدَاءَهُ بِخِرْقَةٍ، فَمَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: أَيُّهَا الْإِنْسَانُ، الْبَسْ مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ أَوْ مَقْتُولٌ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْأَعْرَابِيُّ، إِنَّمَا أَلْبَسُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ لِيَكُونَا أَبْعَدَ لِي مِنَ الزَّهْوِ، وَخَيْرًا لِي فِي صَلَاتِي، وَسُنَّةً لِلْمُؤْمِنِ. وَعَنْ أَبِي مَطَرٍ قَالَ: خَرَجْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ فَإِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ خَلْفِي: ارْفَعْ إِزَارَكَ ; فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لَكَ، وَخُذْ مِنْ رَأْسِكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا. فَمَشَيْتُ خَلْفَهُ وَهُوَ بَيْنَ يَدَيَّ مُؤْتَزِرٌ بِإِزَارٍ مُرْتَدٍ بِرِدَاءٍ وَمَعَهُ الدِّرَّةُ، كَأَنَّهُ أَعْرَابِيٌّ بَدَوِيٌّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ لِي رَجُلٌ: أَرَاكَ غَرِيبًا بِهَذَا الْبَلَدِ. فَقُلْتُ: أَجَلْ، أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. فَقَالَ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. حَتَّى انْتَهَى إِلَى دَارِ بَنَى أَبِي مُعَيْطٍ وَهِيَ سُوقُ الْإِبِلِ، فَقَالَ: بِيعُوا وَلَا تَحْلِفُوا ; فَإِنَّ الْيَمِينَ تُنْفِقُ السِّلْعَةَ وَتَمْحَقُ الْبَرَكَةَ. ثُمَّ أَتَى أَصْحَابَ التَّمْرِ، فَإِذَا خَادِمٌ تَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ ؟ فَقَالَتْ: بَاعَنِي هَذَا الرَّجُلُ تَمْرًا بِدِرْهَمٍ فَرَدَّهُ مَوَالِيَّ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: خُذْ تَمْرَكَ وَأَعْطِهَا دِرْهَمَهَا ; فَإِنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَمْرٌ. فَدَفَعَهُ، فَقُلْتُ: أَتَدْرِي مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْتُ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَصَبَّتْ تَمْرَهُ وَأَعْطَاهَا دِرْهَمَهَا، ثُمَّ قَالَ الرَّجُلُ: أُحِبُّ أَنْ تَرْضَى عَنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: مَا أَرْضَانِي عَنْكَ إِذَا أَوْفَيْتَ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ. ثُمَّ مَرَّ مُجْتَازًا بِأَصْحَابِ التَّمْرِ فَقَالَ: يَا أَصْحَابَ التَّمْرِ، أَطْعِمُوا الْمَسَاكِينَ يَرْبُ كَسْبُكُمْ. ثُمَّ مَرَّ مُجْتَازًا وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَصْحَابِ السَّمَكِ، فَقَالَ: لَا يُبَاعُ فِي سُوقِنَا طَافٍ. ثُمَّ أَتَى دَارَ فُرَاتٍ وَهِيَ سُوقُ الْكَرَابِيسِ، فَأَتَى شَيْخًا فَقَالَ: يَا شَيْخُ، أَحْسِنْ بَيْعِي فِي قَمِيصٍ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. فَلَمَّا عَرَفَهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا، ثُمَّ آخَرَ، فَلَمَّا عَرَفَهُ لَمْ يَشْتَرِ مِنْهُ شَيْئًا، فَأَتَى غُلَامًا حَدَثًا فَاشْتَرَى مِنْهُ قَمِيصًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، وَكُمُّهُ مَا بَيْنَ الرُّسْغَيْنِ إِلَى الْكَفَّيْنِ يَقُولُ فِي لُبْسِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّيَاشِ مَا أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ، وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا شَيْءٌ تَرْوِيهِ عَنْ نَفْسِكَ، أَوْ شَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُهُ عِنْدَ الْكِسْوَةِ. فَجَاءَ أَبُو الْغُلَامِ صَاحِبُ الثَّوْبِ فَقِيلَ لَهُ: يَا فُلَانُ، قَدْ بَاعَ ابْنُكَ الْيَوْمَ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَمِيصًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. قَالَ: أَفَلَا أَخَذْتَ مِنْهُ دِرْهَمَيْنِ ؟ فَأَخَذَ مِنْهُ أَبُوهُ دِرْهَمًا، ثُمَّ جَاءَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَابِ الرَّحْبَةِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ هَذَا الدِّرْهَمَ. فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا الدِّرْهَمِ ؟ فَقَالَ: كَانَ قَمِيصًا ثُمِّنَ دِرْهَمَيْنِ. فَقَالَ: بَاعَنِي رِضَايَ وَأَخَذَ رِضَاهُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: وَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ دِرْعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ نَصْرَانِيٍّ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى شُرَيْحٍ يُخَاصِمُهُ. قَالَ: فَجَاءَ عَلِيٌّ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِ شُرَيْحٍ وَقَالَ: يَا شُرَيْحُ، لَوْ كَانَ خَصْمِي مُسْلِمًا مَا جَلَسْتُ إِلَّا مَعَهُ، وَلَكِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِذَا كُنْتُمْ وَإِيَّاهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى مَضَايِقِهِ، وَصَغِّرُوا بِهِمْ كَمَا صَغَّرَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَطْغَوْا ". ثُمَّ قَالَ: هَذَا الدِّرْعُ دِرْعِي وَلَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ. فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلنَّصْرَانِيِّ: مَا تَقَولُ فِيمَا يَقُولُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: مَا الدِّرْعُ إِلَّا دِرْعِي، وَمَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدِي بِكَاذِبٍ. فَالْتَفَتَ شُرَيْحٌ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَلْ مِنْ بَيِّنَةٍ ؟ فَضَحِكَ عَلِيٌّ وَقَالَ: أَصَابَ شُرَيْحٌ، مَا لِي بَيِّنَةٌ. فَقَضَى بِهَا شُرَيْحٌ لِلنَّصْرَانِيِّ. قَالَ: فَأَخْذُهَا النَّصْرَانِيُّ، وَمَشَى خُطًى ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ أَحْكَامُ الْأَنْبِيَاءِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَدَّمَنِي إِلَى قَاضِيهِ، وَقَاضِيهِ يَقْضِي عَلَيْهِ ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدِّرْعُ وَاللَّهِ دِرْعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اتَّبَعْتُ الْجَيْشَ وَأَنْتَ مُنْطَلِقٌ إِلَى صِفِّينَ فَخَرَجَتْ مِنْ بَعِيرِكَ الْأَوْرَقِ. فَقَالَ: أَمَا إِذْ أَسْلَمْتَ فَهِيَ لَكَ. وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ رَآهُ يُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ مَعَ عَلِيٍّ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ: جَاءَ جَعْدَةُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، يَأْتِيكَ الرَّجُلَانِ أَنْتَ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِهِمَا مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَالْآخَرُ لَوْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَذْبَحَكَ لَذَبَحَكَ، فَتَقْضِي لِهَذَا عَلَى هَذَا ! قَالَ: فَلَهَزَهُ عَلِيٌّ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ لَوْ كَانَ لِي فَعَلْتُ، وَلَكِنْ إِنَّمَا ذَا شَيْءٌ لِلَّهِ. وَعَنْ صَالِحٍ بَيَّاعِ الْأَكْسِيَةِ، عَنْ جَدَّتِهِ قَالَتْ: رَأَيْتُ عَلِيًّا اشْتَرَى تَمْرًا بِدِرْهَمٍ، فَحَمَلَهُ فِي مِلْحَفَتِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا نَحْمِلُهُ عَنْكَ. فَقَالَ: أَبُو الْعِيَالِ أَحَقُّ بِحَمْلِهِ. وَعَنْ أَبِي هَاشِمٍ، عَنْ زَاذَانَ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَحْدَهُ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، يُرْشِدُ الضَّالَّ وَيُعِينُ الضَّعِيفَ، وَيَمُرُّ بِالْبَيَّاعِ وَالْبَقَّالِ فَيَفْتَحُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، وَيَقْرَأُ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا [ الْقَصَصِ: 83 ]. ثُمَّ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْعَدْلِ وَالتَّوَاضُعِ مِنَ الْوُلَاةِ وَأَهْلِ الْقُدْرَةِ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ. وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ رَأَى عَلِيًّا قَدْ رَكِبَ حِمَارًا وَدَلَّى رِجْلَيْهِ إِلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا الَّذِي أَهَنْتُ الدُّنْيَا. وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: تَذَاكَرُوا الزُّهَّادَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ قَائِلُونَ: فُلَانٌ. وَقَالَ قَائِلُونَ: فُلَانٌ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مَنِ الْأَزَارِقَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَا تَقُولُ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؟ قَالَ: فَاحْمَرَّتْ وَجْنَتَا الْحَسَنِ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا، إِنَّ عَلِيًّا كَانَ سَهْمًا لِلَّهِ صَائِبًا فِي أَعْدَائِهِ، وَكَانَ فِي مَحَلَّةِ الْعِلْمِ أَشْرَفَهَا وَأَقْرَبَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ رَبَّانِيَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، لَمْ يَكُنْ لَمِالِ اللَّهِ بِالسَّرُوقَةِ، وَلَا فِي أَمْرِ اللَّهِ بِالنَّئُومَةِ، أَعْطَى الْقُرْآنَ عَزَائِمَهُ وَعَمَلَهُ وَعِلْمَهُ، فَكَانَ مِنْهُ فِي رِيَاضٍ مُونِقَةٍ، وَأَعْلَامٍ بَيِّنَةٍ، ذَاكَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَا لُكَعُ. وَعَنْ أَبِي مَكِينٍ قَالَ: مَرَرْتُ أَنَا وَخَالِي أَبُو أُمَيَّةَ عَلَى دَارٍ فِي مَحَلِّ حَيٍّ مِنْ مُرَادٍ، فَقَالَ: تَرَى هَذِهِ الدَّارَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا مَرَّ عَلَيْهَا وَهُمْ يَبْنُونَهَا، فَسَقَطَتْ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ فَشَجَّتْهُ، فَدَعَا اللَّهَ أَنْ لَا يَكْمُلَ بِنَاؤُهَا. قَالَ: فَمَا وُضِعَتْ عَلَيْهَا لَبِنَةٌ. قَالَ: فَكُنْتُ أَمُرُّ عَلَيْهَا لَا تُشْبِهُ الدُّورَ. وَعَنْ أَبِي بَشِيرٍ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ الْجَمَلَ مَعَ مَوْلَايَ، فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَكْثَرَ سَاعِدًا نَادِرًا وَقَدَمًا نَادِرَةً مِنْ يَوْمَئِذٍ، وَلَا مَرَرْتُ بِدَارِ الْوَلِيدِ قَطُّ إِلَّا ذَكَرْتُ يَوْمَ الْجَمَلِ. قَالَ: فَحَدَّثَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ أَنَّ عَلِيًّا دَعَا يَوْمَ الْجُمَلَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذْ أَيْدِيَهُمْ وَأَقْدَامَهُمْ. مِنْ كَلَامِهِ الْحَسَنِ ؓ وَمِنْ كَلَامِهِ الْحَسَنِ، ؓ: عن أَبِي أَرَاكَةَ يَقُولُ: صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيٍّ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ عَنْ يَمِينِهِ مَكَثَ كَأَنَّ عَلَيْهِ كَآبَةً، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى حَائِطِ الْمَسْجِدِ قَيْدَ رُمْحٍ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَلَّبَ يَدَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا يُشْبِهُهُمْ، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ صُفْرًا شُعْثًا غُبْرًا، بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ كَأَمْثَالِ رُكَبِ الْمِعْزَى، قَدْ بَاتُوا لِلَّهِ سُجَّدًا وَقِيَامًا، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا أَصْبَحُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ فِي يَوْمِ الرِّيحِ، وَهَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ ثِيَابَهُمْ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ الْقَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ. ثُمَّ نَهَضَ، فَمَا رُئِيَ بَعْدَ ذَلِكَ مُفْتَرًّا يَضْحَكُ، حَتَّى قَتَلَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ عَدُوُّ اللَّهِ الْفَاسِقُ. وَقَالَ وَكِيعٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانٌ يُنْكَرُ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِ، وَإِنَّهُ لَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا كُلُّ نُوَمَةٍ مُنْبَتِّ الدَّاءِ، أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ، لَيْسُوا بِالْعُجُلِ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَتَتْ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، أَلَّا وَإِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًا، وَالتُّرَابَ فِرَاشًا، وَالْمَاءَ طِيبًا، أَلَا مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْآخِرَةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْحُرُمَاتِ، وَمَنْ طَلَبَ الْجَنَّةَ سَارَعَ إِلَى الطَّاعَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ، أَلَا إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ، وَأَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ مُعَذَّبِينَ، شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، وَحَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّامًا قَلِيلَةً لِعُقْبَى رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ، أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ: رَبَّنَا رَبَّنَا. يَطْلُبُونَ فِكَاكَ رِقَابِهِمْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَعُلَمَاءُ حُلَمَاءُ، بَرَرَةٌ أَتْقِيَاءُ، كَأَنَّهُمُ الْقِدَاحُ، يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَقُولُ: مَرْضَى. وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ، وَخُولِطُوا. وَلَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. وَعَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: صَعِدَ عَلِيٌّ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَرَ الْمَوْتَ، فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، الْمَوْتُ لَيْسَ مِنْهُ فَوْتٌ، إِنْ أَقَمْتُمْ لَهُ أَخَذَكُمْ، وَإِنْ فَرَرْتُمْ مِنْهُ أَدْرَكَكُمْ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، وَالْوَحَاءَ الْوَحَاءَ، وَرَاءَكُمْ طَالِبٌ حَثِيثٌ ; الْقَبْرُ، فَاحْذَرُوا ضَغْطَتَهُ وَظُلْمَتَهُ وَوَحْشَتَهُ، أَلَا وَإِنَّ الْقَبْرَ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ، أَوْ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَلَّا وَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الظُّلْمَةِ، أَنَا بَيْتُ الدُّودِ، أَنَا بَيْتُ الْوَحْشَةِ. أَلَا وَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ يَوْمًا يَشِيبُ فِيهِ الصَّغِيرُ، وَيَسْكَرُ فِيهِ الْكَبِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى، وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ، أَلَا وَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ ; نَارٌ حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَلْيُهَا حَدِيدٌ، وَمَاؤُهَا صَدِيدٌ، وَخَازِنُهَا مَلَكٌ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ رَحْمَةٌ. قَالَ: ثُمَّ بَكَى وَبَكَى الْمُسْلِمُونَ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ جَنَّةً، عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ. وَعَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ، وَإِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ، وَغَدًا السِّبَاقُ، أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجْلٌ، فَمَنْ قَصَّرَ فِي أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجْلِهِ فَقَدْ خُيِّبَ عَمَلُهُ، أَلَا فَاعْمَلُوا لِلَّهِ فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ لَهُ فِي الرَّهْبَةِ، أَلَا وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلَمْ أَرَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلَا وَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ الْحَقُّ ضَرَّهُ الْبَاطِلُ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَقِمْ بِهِ الْهُدَى حَارَ بِهِ الضَّلَالُ، أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَدُلْلِتُمْ عَلَى الزَّادِ، أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ، وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا، وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، أَيُّهَا النَّاسُ، أَحْسِنُوا فِي عُمْرِكُمْ تُحْفَظُوا فِي عَقِبِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَ جَنَّتَهُ مَنْ أَطَاعَهُ، وَأَوْعَدَ نَارَهُ مَنْ عَصَاهُ، إِنَّهَا نَارٌ لَا يَهْدَأُ زَفِيرُهَا، وَلَا يُفَكُّ أَسِيرُهَا، وَلَا يُجْبَرُ كَسِيرُهَا، حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَقَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَمَاؤُهَا صَدِيدٌ، وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الْأَمَلِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَطُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ. وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ قَالَ: ذَمَّ رَجُلٌ الدُّنْيَا عِنْدَ عَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ نَجَاةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، مَهْبِطُ وَحْيِ اللَّهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَتِهِ، وَمَسْجِدِ أَنْبِيَائِهِ، وَمَتْجَرُ أَوْلِيَائِهِ، رَبِحُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَاكْتَسَبُوا فِيهَا الْجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا، وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا، وَشَبَّهَتْ بِشُرُورِهَا السُّرُورَ، وَبِبَلَائِهَا إِلَيْهِ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، فَيَا أَيُّهَا الذَّامُّ لِلدُّنْيَا الْمُعَلِّلُ نَفْسَهُ، مَتَى خَدَعَتْكَ الدُّنْيَا، أَوْ مَتَى اسْتَذَمَّتْ إِلَيْكَ ؟ أَبِمَصَارِعِ آبَائِكَ فِي الْبِلَى ؟ أَمْ بِمَضَاجِعِ أُمَّهَاتِكَ تَحْتَ الثَّرَى ؟ ! كَمْ مَرِضْتَ بِيَدَيْكَ، وَعَلَّلَتْ بِكَفَّيْكَ، تَطْلُبُ لَهُ الشِّفَاءَ، وَتَسْتَوْصِفُ لَهُ الْأَطِبَّاءَ، لَا يُغْنِي عَنْكَ دَوَاؤُكَ، وَلَا يَنْفَعُكَ بُكَاؤُكَ. وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَأَطْرَاهُ، وَكَانَ يُبْغِضُ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ: لَسْتُ كَمَا تَقُولُ، وَأَنَا فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَلِيٍّ: ثَبَّتَكَ اللَّهُ. قَالَ: عَلَى صَدْرِكَ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: إِنَّ الْأَمْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ كَقَطْرِ الْمَطَرِ، لِكُلِّ نَفْسٍ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فِي نَفْسٍ أَوْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ، فَمَنْ رَأَى نَقَصَا فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ، وَرَأَى لِغَيْرِهِ غَفِيرَةً فَلَا يَكُونَنَّ ذَلِكَ لَهُ فِتْنَةً، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَنَاءَةً يُظْهِرُ تَخَشُّعًا لَهَا إِذَا ذُكِرَتْ، وَتُغْرِي بِهِ لِئَامَ النَّاسِ، كَالْيَاسِرِ الْفَالِجِ يَنْتَظِرُ أَوَّلَ فَوْزَةٍ مِنْ قِدَاحِهِ تُوجِبُ لَهُ الْمَغْنَمَ وَتَدْفَعُ عَنْهُ الْمَغْرَمَ، فَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الْبَرِيءُ مِنَ الْخِيَانَةِ بَيْنَ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِذَا مَا دَعَا اللَّهَ، فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ مَالًا فَإِذَا هُوَ ذُو أَهْلٍ وَمَالٍ، وَمَعَهُ حَسَبُهُ وَدِينُهُ، الْحَرْثُ حَرْثَانِ ; فَحَرْثُ الدُّنْيَا الْمَالُ وَالْبَنُونَ، وَحَرْثُ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وَقَدْ يَجْمَعُهُمَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَقْوَامٍ. قَالَ سُفْيَانُ: وَمَنْ يُحْسِنُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَذَا الْكَلَامِ إِلَّا عَلِيٌّ ؟ ! وَعَنْ مُهَاجِرٍ الْعَامِرِيِّ قَالَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَهْدًا لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ عَلَى بَلَدٍ، فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَلَا تُطَوِّلَنَّ حِجَابَكَ عَلَى رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةُ الضِّيقِ، وَقِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ، وَالِاحْتِجَابُ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتُجِبُوا دُونَهُ، فَيَضْعُفُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ، وَيَعْظُمُ الصَّغِيرُ، وَيَقْبُحُ الْحَسَنُ، وَيَحْسُنُ الْقَبِيحُ، وَيُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ، وَإِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ، وَلَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ سِمَاتٌ يُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ، فَتَحَصَّنْ مِنَ الْإِدْخَالِ فِي الْحُقُوقِ بِلِينِ الْحِجَابِ، فَإِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ ; إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ، فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ حَقٍّ وَاجِبٍ أَنْ تُعْطِيَهُ، أَوْ خُلُقٍ كَرِيمٍ تُسَدِّدُ بِهِ ؟ وَإِمَّا مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ وَالشُّحِّ، فَمَا أَسْرَعَ كَفَّ النَّاسِ عَنْ مَسْأَلَتِكَ إِذَا يَئِسُوا مِنْ خَيْرِكِ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ حَاجَاتِ النَّاسِ إِلَيْكَ مَا لَا مُؤْنَةَ فِيهِ عَلَيْكَ ; مِنْ شَكَاةِ مَظْلَمَةٍ، أَوْ طَلَبِ إِنْصَافٍ، فَانْتَفِعْ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَاقْتَصِرْ عَلَى حَظِّكَ وَرُشْدِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: كَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ: رُوَيْدًا، فَكَأَنْ قَدْ بَلَغْتَ الْمَدَى، وَعُرِضَتْ عَلَيْكَ أَعْمَالُكَ بِالْمَحَلِّ الَّذِي يُنَادِي الْمُغْتَرُّ بِالْحَسْرَةِ، وَيَتَمَنَّى الْمُضَيِّعُ التَّوْبَةَ، وَالظَّالِمُ الرَّجْعَةَ. شعر علي بن أبي طالب وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَشْعَرَ الثَّلَاثَةِ. وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّ لِي فَضَائِلَ كَثِيرَةً، وَكَانَ أَبِي سَيِّدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَصِرْتُ مَلِكًا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَا صِهْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَخَالُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكَاتِبُ الْوَحْيِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَبَالْفَضَائِلِ يَفْخَرُ عَلَيَّ ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ ؟ ! ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ يَا غُلَامُ: مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ أَخِي وَصِهْرِي وَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي وَجَعْفَرٌ الَّذِي يُمْسِي وَيُضْحِي يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ابْنُ أُمِّي وَبِنْتُ مُحَمَّدٍ سَكَنِي وَعِرْسِي مَسُوطٌ لَحْمُهَا بِدَمِي وَلَحْمِي وَسِبْطَا أَحْمَدَ وَلَدَايَ مِنْهَا فَأَيُّكُمُ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي سَبَقْتُكُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا صَغِيرًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حُلْمِي قَالَ: فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَخْفُوا هَذَا الْكِتَابَ لَا يَقْرَؤُهُ أَهْلُ الشَّامِ فَيَمِيلُوا إِلَى ابْنِ أَبِي طَالِبٍ. وَعَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَدْ رَفَعْتُهَا إِلَى اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أَرْفَعَهَا إِلَيْكَ، فَإِنْ أَنْتَ قَضَيْتَهَا حَمِدْتُ اللَّهَ وَشَكَرْتُكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَقْضِهَا حَمِدْتُ اللَّهَ وَعَذَرْتُكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: اكْتُبْ عَلَى الْأَرْضِ ; فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى ذُلَّ السُّؤَالِ فِي وَجْهِكَ. فَكَتَبَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ. فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلِيَّ بِحُلَّةٍ. فَأَتَى بِهَا، فَأَخَذَهَا الرَّجُلُ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: كَسَوْتَنِي حُلَّةً تَبْلَى مَحَاسِنُهَا فَسَوْفَ أَكْسُوكَ مِنْ حُسْنِ الثَّنَا حُلَلَا إِنْ نِلْتَ حَسَنَ ثَنَائِي نِلْتَ مَكْرُمَةً وَلَسْتَ تَبْغِي بِمَا قَدْ قُلْتُهُ بَدَلًا إِنَّ الثَّنَاءَ لَيُحْيِي ذِكْرَ صَاحِبِهِ كَالْغَيْثِ يُحْيِي نَدَاهُ السَّهْلَ وَالْجَبَلَا لَا تَزْهَدِ الدَّهْرَ فِي خَيْرٍ تُوَاقِعُهُ فَكُلُّ عَبْدٍ سَيُجْزَى بِالَّذِي عَمِلَا فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيَّ بِالدَّنَانِيرِ. فَأُتِيَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ. قَالَ الْأَصْبَغُ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، حُلَّةً وَمِائَةَ دِينَارٍ ؟ ! قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ ". وَهَذِهِ مَنْزِلَةُ هَذَا الرَّجُلِ عِنْدِي. وَمِمَّا أَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الصُّولِيُّ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَلَّا فَاصْبِرْ عَلَى الْحَدَثِ الْجَلِيلِ وَدَاوِ جَوَاكَ بِالصَّبْرِ الْجَمِيلِ وَلَا تَجْزَعْ فَإِنْ أَعْسَرْتَ يَوْمًا فَقَدْ أَيْسَرْتَ فِي الدَّهْرِ الطَّوِيلِ وَلَا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ فَإِنَّ الْعُسْرَ يَتْبَعُهُ يَسَارٌ وَقَوْلُ اللَّهِ أَصْدَقُ كُلِّ قِيلِ فَلَوْ أَنَّ الْعُقُولَ تَجُرُّ رِزْقًا لَكَانَ الرِّزْقُ عِنْدَ ذَوِي الْعُقُولِ فَكَمْ مِنْ م?ؤْمِنٍ قَدْ جَاعَ يَوْمًا سَيُرْوَى مِنْ رَحِيقِ السَّلْسَبِيلِ فَمِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يُجِيعُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَفَاسَتِهِ، وَيُشْبِعُ الْكَلْبَ مَعَ خَسَاسَتِهِ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، وَيَلْبَسُ وَيَتَمَتَّعُ، وَالْمُؤْمِنُ يَجُوعُ وَيَعْرَى، وَذَلِكَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ. وَمِمَّا أَنْشَدَهُ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَجِدِ الثِّيَابَ إِذَا اكْتَسَيْتَ فَإِنَّهَا زَيْنُ الرِّجَالِ بِهَا تُعَزُّ وَتُكْرَمُ وَدَعِ التَّوَاضُعَ فِي الثِّيَابِ تَخَوُّفًا فَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُجِنُّ وَتَكْتُمُ فَرَثَاثُ ثَوْبِكَ لَا يَزِيدُكَ زُلْفَةً عِنْدَ الْإِلَهِ وَأَنْتَ عَبْدٌ مُجْرِمٌ وَبَهَاءُ ثَوْبِكَ لَا يَضُرُّكَ بَعْدَ أَنْ تَخْشَى الْإِلَهَ وَتَتَّقِي مَا يَحْرُمُ وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى ثِيَابِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ". وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِلُبْسِ الْعَبَاءِ وَلَا بِأَكْلِ الْخَشِنِ، إِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قِصَرُ الْأَمَلِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: وَقَفَ عَلِيٌّ عَلَى قَبْرِ فَاطِمَةَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: ذَكَرْتُ أَبَا أَرْوَى فَبِتُّ كَأَنَّنِي بِرَدِّ الْهُمُومِ الْمَاضِيَاتِ وَكِيلُ لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مِنْ خَلِيلَيْنِ فُرْقَةٌ وَكُلِّ الَّذِي قَبْلَ الْمَمَاتِ قَلِيلُ وَإِنَّ افْتِقَادِي وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لَا يَدُومَ خَلِيلُ سَيُعْرَضُ عَنْ ذِكْرِي وَتُنْسَى مَوَدَّتِي وَيَحْدُثُ بَعْدِي لِلْخَلِيلِ خَلِيلُ إِذَا انْقَطَعَتْ يَومًا مِنَ الْعَيْشِ مُدَّتِي فَإِنَّ عَنَاءَ الْبَاكِيَاتِ قَلِيلُ وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِعَلِيٍّ ؓ: حَقِيقٌ بِالتَّوَاضُعِ مَنْ يَمُوتُ وَيَكْفِي الْمَرْءَ مِنْ دُنْيَاهُ قُوتُ فَمَا لِلْمَرِءِ يُصْبِحُ ذَا هُمُومٍ وَحِرْصٍ لَيْسَ تُدْرِكُهُ النُّعُوتِ صَنِيعُ مَلِيكِنَا حَسَنٌ جَمِيلٌ وَمَا أَرْزَاقُهُ عَنَّا تَفُوتُ فَيَا هَذَا سَتَرْحَلُ عَنْ قَلِيلٍ إِلَى قَومٍ كَلَامُهُمُ السُّكُوتُ وَهَذَا الْفَصْلُ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهُ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ لِمَنْ أَرَادَهُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وعَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَبَا بَكْرٍ فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُمَرَ فَقَدْ أَوْضَحَ السَّبِيلَ، وَمَنْ أَحَبَّ عُثْمَانَ فَقَدِ اسْتَنَارَ بِنُورِ اللَّهِ، وَمَنْ أَحَبَّ عَلِيًّا فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، وَمَنْ قَالَ الْحُسْنَى فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ. غَرِيبَةٌ مِنَ الْغَرَائِبِ وَآبِدَةٌ مِنَ الْأَوَابِدِ قَالَ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ مَعْمَرٌ مَرَّةً وَأَنَا مُسْتَقْبِلُهُ، وَتَبَسَّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا أَحَدٌ فَقُلْتُ لَهُ: مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ: عَجِبْتُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، كَأَنَّ الْكُوفَةَ إِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ، مَا كَلَّمْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا وَجَدْتُ الْمُقْتَصِدَ مِنْهُمُ الَّذِي يُفَضِّلُ عَلِيًّا عَلَى أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَعْمَرٍ: وَرَأَيْتَهُ ؟ - كَأَنِّي أَعْظَمْتُ ذَاكَ - فَقَالَ مَعْمَرٌ: وَمَا ذَاكَ ؟ ! لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ عِنْدِي مِنْهُمَا. مَا عَنَّفْتُهُ إِذَا ذَكَرَ فَضْلَهُمَا إِذَا قَالَ: عِنْدِي. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: عُمَرُ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ. مَا عَنَّفُتُهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَنَحْنُ خَالِيَانِ فَاشْتَهَاهَا أَبُو سُفْيَانَ وَضَحِكَ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ سُفْيَانُ يَبْلُغُ بِنَا هَذَا الْحَدَّ، وَلَكِنَّهُ أَفْضَى إِلَى مَعْمَرٍ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَيْنَا، وَكُنْتُ أَقُولُ لِسُفْيَانَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ فَضَّلْنَا عَلِيًّا عَلَى أَبَى بَكْرٍ وَعُمَرَ، مَا تَقُولُ فِي ذَلِكَ ؟ فَيَسْكُتُ سَاعَةً ثُمَّ يَقُولُ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ طَعْنًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَكِنَّا نَقِفُ. عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخَذَ الْمُصْحَفَ فَوَضَعَهُ عَلَى رَأْسِهِ، حَتَّى أَنِّي لَأَرَى وَرَقَهُ يَتَقَعْقَعُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ مَنَعُونِي مَا فِيهِ فَأَعْطِنِي مَا فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلَلْتُهُمْ وَمَلُّونِي وَأَبْغَضْتُهُمْ وَأَبْغَضُونِي، وَحَمَلُونِي عَلَى غَيْرِ طَبِيعَتِي وَخُلُقِي وَأَخْلَاقٍ لَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ لِي، اللَّهُمَّ فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْرًا مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي شَرًّا مِنِّي، اللَّهُمَّ أَمِثْ قُلُوبَهُمْ مَيْثَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَعْنِي أَهْلَ الْكُوفَةِ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ سَنَحَ لِيَ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَقِيتُ مِنْ أُمَّتِكَ مِنَ الْأَوَدِ وَاللَّدَدِ ؟ قَالَ: " ادْعُ عَلَيْهِمْ ". فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أَبْدِلْنِي بِهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَبْدِلْهُمْ بِي مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنِّي. فَخَرَجَ فَضَرَبَهُ الرَّجُلُ. الْأَوَدُ: الْعِوَجُ، وَاللَّدَدُ: الْخُصُومَةُ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " الْقَدَرِ " أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْخَوَارِجِ كَانَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ يَحْرُسُونَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَشَرَةٌ يَبِيتُونَ فِي الْمَسْجِدِ بِالسِّلَاحِ، فَرَآهُمْ عَلِيٌّ فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ ؟ فَقَالُوا: نَحْرُسُكَ. فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ حَتَّى يُقْضَى فِي السَّمَاءِ، وَإِنَّ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ جَنَّةً حَصِينَةً. وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنَّ الْأَجَلَّ جَنَّةٌ حَصِينَةٌ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ مَلَكٌ، فَلَا تُرِيدُهُ دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا قَالَ: اتَّقِهِ اتَّقِهِ. فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّى عَنْهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: مَلَكَانِ يَدْفَعَانِ عَنْهُ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا عَنْهُ - وَإِنَّهُ لَا يَجِدُ عَبْدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. وَكَانَ عَلِيٌّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ كُلَّ لَيْلَةٍ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي قُتِلَ فِي صَبِيحَتِهَا قَلِقَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَجَمَعَ أَهْلَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ صَرَخَ الْإِوَزُّ. فِي وَجْهِهِ، فَسَكَّتُوهُنَّ عَنْهُ، فَقَالَ: ذَرُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ نَوَائِحُ. فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ ضَرَبَهَ ابْنُ مُلْجَمٍ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ. فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا نَقْتُلُ مُرَادًا كُلَّهَا ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ احْبِسُوهُ وَأَحْسِنُوا إِسَارَهُ، فَإِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ عِشْتُ فَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ. وَجَعَلَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ تَقُولُ: مَا لِي وَلِصَلَاةِ الْغَدَاةِ، قُتِلَ زَوْجِي عُمَرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَقُتِلَ أَبِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ. ؓ. وَقِيلَ لِعَلِيٍّ: أَلَا تَسْتَخْلِفُ ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَتْرُكُكُمْ كَمَا تَرَكَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِكُمْ خَيْرًا يَجْمَعْكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ كَمَا جَمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُ فِي آخِرِ وَقْتٍ مِنَ الدُّنْيَا بِفَضْلِ الصِّدِّيقِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّهُ خَطَبَ بِالْكُوفَةِ فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ وَدَارِ إِمَارَتِهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أُسَمِّيَ الثَّالِثَ لَسَمَّيْتُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَهُوَ نَازِلٌ مِنَ الْمِنْبَرِ: ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عُثْمَانُ. [قِصَّةُ الْأَرْغِفَةِ الثَّمَانِيَةِ وَدِقَّةُ قَضَائِهِ ؓ وَأُخْرِجَ عَنْ زَرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: (جَلَسَ رَجُلَانِ يَتَغَدَّيَانِ: مَعَ أَحَدِهِمَا خَمْسَةَ أَرْغِفَةٍ، وَمَعَ الْآخَرِ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ، فَلَمَّا وَضَعَا الْغَدَاءَ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا.. مَرَّ بِهِمَا رَجُلٌ فَسَلَّمَ، فَقَالَا: اجْلِسْ لِلْغَدَاءِ، فَجَلَسَ وَأَكَلَ مَعَهُمَا، وَاسْتَوَوْا فِي أَكْلِهِمُ الْأَرْغِفَةَ الثَّمَانِيَةَ، فَقَامَ الرَّجُلُ، وَطَرَحَ إِلَيْهِمَا ثَمَانِيَةَ دَرَاهِمَ، وَقَالَ: خُذَاهَا عِوَضًا مِمَّا أَكَلْتُ لَكُمَا، وَنِلْتُهُ مِنْ طَعَامِكُمَا، فَتَنَازَعَا. فَقَالَ صَاحِبُ الْخَمْسَةِ الْأَرْغِفَةِ: لِي خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَلَكَ ثَلَاثَةٌ، وَقَالَ صَاحِبُ الْأَرْغِفَةِ الثَّلَاثَةِ: لَا أَرْضَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّرَاهِمُ بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ. فَارْتَفَعَا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، فَقَصَّا عَلَيْهِ قَصَّتَهُمَا، فَقَالَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ: قَدْ عَرَضَ عَلَيْكَ صَاحِبُكَ مَا عَرَضَ، وَخُبْزُهُ أَكْثَرُ مِنْ خُبْزِكَ فَارْضَ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ: وَاللَّهِ؛ لَا رَضِيتُ عَنْهُ إِلَّا بِمُرِّ الْحَقِّ، فَقَالَ عَلِيٌّ ؓ: لَيْسَ لَكَ فِي مُرِّ الْحَقِّ إِلَّا دِرْهَمٌ وَاحِدٌ، وَلَهُ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ!! قَالَ: هُوَ ذَلِكَ، قَالَ: فَعَرَّفَنِي الْوَجْهَ فِي مُرِّ الْحَقِّ حَتَّى أَقْبَلَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَيْسَ لِلثَّمَانِيَةِ أَرْغِفَةٍ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ ثُلْثًا أَكَلْتُمُوهَا وَأَنْتُمْ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ؟ وَلَا يُعْلَمُ الْأَكْثَرُ مِنْكُمْ أَكْلًا وَلَا الْأَقَلُّ؟ فَتُحْمَلُونَ فِي أَكْلِكُمْ عَلَى السَّوَاءِ، قَالَ: فَأَكَلْتَ أَنْتَ ثَمَانِيَةَ أَثْلَاثٍ، وَإِنَّمَا لَكَ تِسْعَةُ أَثْلَاثٍ، وَأَكَلَ صَاحِبُكَ ثَمَانِيَةَ أَثْلَاثٍ، وَلَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ ثُلْثًا، أَكَلَ مِنْهَا ثَمَانِيَةً وَبَقِيَ سَبْعَةٌ، وَأَكَلَ لَكَ وَاحِدَةً مِنْ تِسْعَةٍ، فَلَكَ وَاحِدٌ بِوَاحِدِكَ، وَلَهُ سَبْعَةٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: رَضِيتُ الْآنَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي «الْمُصَنَّفِ» عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: (أُتِيَ عَلِيٌّ بِرَجُلٍ وَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَنَّهُ سَرَقَ، فَأَخَذَ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ وَتَهَدَّدَ شُهُودَ الزُّورِ، وَقَالَ: (لَا أُوتِيَ بِشَاهِدِ زُورٍ... إِلَّا فَعَلْتُ بِهِ كَذَا وَكَذَا)، ثُمَّ طَلَبَ الشَّاهِدَيْنِ، فَلَمْ يَجِدْهُمَا، فَخَلَّى سَبِيلَهُ. [اضْرِبْ ظِلَّهُ] وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي «الْمُصَنَّفِ»: عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقِيلَ لَهُ: (زَعَمَ هَذَا أَنَّهُ احْتَلَمَ بِأُمِّي؟ فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَقِمْهُ فِي الشَّمْسِ فَاضْرِبْ ظِلَّهُ). [بَعْضُ حِكَمِهِ وَنُصْحِهِ ؓ لِحَمَلَةِ الْقُرْآنِ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: (كُونُوا فِي النَّاسِ كَالنَّحْلَةِ فِي الطَّيْرِ؛ إِنَّهُ لَيْسَ فِي الطَّيْرِ شَيْءٌ... إِلَّا وَهُوَ يَسْتَضْعِفُهَا، وَلَوْ يَعْلَمُ الطَّيْرُ مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْبَرَكَةِ... لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهَا، خَالِطُوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ، وَزَايَلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، فَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (كُونُوا بِقَبُولِ الْعَمَلِ أَشَدَّ اهْتِمَامًا مِنْكُمْ بِالْعَمَلِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَقِلَّ عَمَلٌ مَعَ التَّقْوَى، وَكَيْفَ يَقِلُّ عَمَلٌ يُتَقَبَّلُ؟!) وَأُخْرِجَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ: (يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ؛ اعْمَلُوا بِهِ، فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَلِمَ ثُمَّ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ، وَوَافَقَ عِلْمُهُ عَمَلَهُ، وَسَيَكُونُ أَقْوَامٌ يَحْمِلُونَ الْعِلْمَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، تُخَالِفُ سَرِيرَتُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ، وَيُخَالِفُ عَمَلُهُمْ عِلْمَهُمْ، يَجْلِسُونَ حِلَقًا، فَيُبَاهِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَغْضَبُ عَلَى جَلِيسِهِ أَنْ يَجْلِسَ إِلَى غَيْرِهِ وَيَدَعَهُ، أُولَئِكَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ تِلْكَ إِلَى اللَّهِ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (التَّوْفِيقُ خَيْرُ قَائِدٍ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ خَيْرُ قَرِينٍ، وَالْعَقْلُ خَيْرُ صَاحِبٍ، وَالْأَدَبُ خَيْرُ مِيرَاثٍ، وَلَا وَحْشَةَ أَشَدُّ مِنَ الْعُجْبِ). وَأُخْرِجَ عَنِ الْحَارِثِ قَالَ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ ؓ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ، فَقَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لَا تَسْلُكْهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَلِجْهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ، قَالَ: سِرُّ اللَّهِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تُفَتِّشْهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: يَا أَيُّهَا السَّائِلُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ لِمَا شَاءَ أَوْ لِمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلْ لِمَا شَاءَ، قَالَ: فَيَسْتَعْمِلُكَ فِيمَا شَاءَ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (إِنَّ لِلنَّكَبَاتِ نِهَايَاتٍ، وَلَابُدَّ لِأَحِدٍ إِذَا نُكِبَ.. مِنْ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَيْهَا، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ إِذَا أَصَابَتْهُ نَكْبَةٌ.. أَنْ يَنَامَ لَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ مُدَّتُهَا، فَإِنَّ فِي دَفْعِهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِهَا زِيَادَةً فِي مَكْرُوهِهَا). وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: (مَا السَّخَاءُ؟ قَالَ: مَا كَانَ مِنْهُ ابْتِدَاءً، فَأَمَّا مَا كَانَ عَنْ مَسْأَلَةٍ... فَحَيَاءٌ وَتَكَرَّمٌ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ: (أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَأَثْنَى عَلَيْهِ فَأَطْرَاهُ، وَكَانَ قَدْ بَلَغَهُ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنِّي لَسْتُ كَمَا تَقُولُ، وَأَنَا فَوْقَ مَا فِي نَفْسِكَ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (جَزَاءُ الْمَعْصِيَةِ الْوَهَنُ فِي الْعِبَادَةِ، وَالضِّيقُ فِي الْمَعِيشَةِ، وَالتَّعَسُ فِي اللَّذَّةِ، قِيلَ: وَمَا التَّعَسُ فِي اللَّذَّةِ؟ قَالَ: لَا يَنَالُ شَهْوَةً حَلَالًا إِلَّا جَاءَهُ مَا يُنَغِّصُهُ إِيَّاهَا). [احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعًا وَأَرْبَعًا] وَأُخْرِجَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي الصَّهْبَاءِ قَالَ: (لَمَّا ضَرَبَ ابْنُ مُلْجِمٍ عَلِيًّا.. دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ وَهُوَ بَاكٍ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا بُنَيَّ؛ احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعًا وَأَرْبَعًا، قَالَ: وَمَا هُنَّ يَا أَبَتِ؟ قَالَ: إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرُ الْفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوْحَشُ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ، وَأَكْرَمُ الْكَرَمِ حُسْنُ الْخُلُقِ. قَالَ: فَالْأَرْبَعُ الْأُخْرَى؟ قَالَ: إِيَّاكَ وَمُصَاحَبَةَ الْأَحْمَقِ؛ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ؛ فَإِنَّهُ يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ وَيُبَعِّدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ؛ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ؛ فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أَتَاهُ يَهُودِيٌّ فَقَالَ لَهُ: (مَتَى كَانَ رَبُّنَا؟) فَتَمَعَّرَ وَجْهُ عَلِيٍّ، فَقَالَ: (لَمْ يَكُنْ فَكَانَ، هُوَ كَانَ وَلَا كَيْنُونَةَ، كَانَ بِلَا كَيْفَ، كَانَ لَيْسَ لَهُ قَبْلٌ وَلَا غَايَةٌ، انْقَطَعَتِ الْغَايَاتُ دُونَهُ، فَهُوَ غَايَةُ كُلِّ غَايَةٍ). فَأَسْلَمَ الْيَهُودِيُّ. ذكر بَعْضِ سِيرَتِهِ كَانَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَازِنًا لَعَلِّي عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ يَوْمًا وَقَدْ زُيِّنَتِ ابْنَتُهُ، فَرَأَى عَلَيْهَا لُؤْلُؤَةً كَانَ عَرَفَهَا لِبَيْتِ الْمَالِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَهَا هَذِهِ ؟ لَأَقْطَعَنَّ يَدَهَا ! فَلَمَّا رَأَى أَبُو رَافِعٍ جِدَّهُ فِي ذَلِكَ قَالَ: أَنَا وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ زَيَّنْتُهَا بِهَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَقَدْ تَزَوَّجْتُ بِفَاطِمَةَ وَمَا لِي فِرَاشٌ إِلَّا جِلْدُ كَبْشٍ نَنَامُ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ وَنَعْلِفُ عَلَيْهِ نَاضِحَنَا بِالنَّهَارِ وَمَا لِي خَادِمٌ غَيْرَهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قُسِّمَ عِلْمُ النَّاسِ خَمْسَةَ أَجْزَاءٍ، فَكَانَ لَعَلِيٍّ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَجْزَاءَ، وَلِسَائِرِ النَّاسِ جُزْءٌ شَارَكَهُمْ عَلِيٌّ فِيهِ فَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا جَاءَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَا جَاءَ لَعَلِيٍّ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: لَمَّا ضُرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَجَعَلَ الْخِلَافَةَ فِي السِّتَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ: إِنْ يُوَلُّوهَا الْأَجْلَحَ يَسْلُكُ بِهِمُ الطَّرِيقَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: فَمَا يَمْنَعُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ( مِنْ تَوْلِيَتِهِ ) ؟ قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَتَحَمَّلَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا. وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ: قَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ مَالٌ مِنْ أَصْبَهَانَ، فَقَسَّمَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ، فَوَجَدَ فِيهِ رَغِيفًا فَقَسَّمَهُ عَلَى سَبْعَةٍ، وَدَعَا أُمَرَاءَ الْأَسْبَاعِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ لِيَنْظُرَ أَيُّهُمْ يُعْطَى أَوَّلًا. وَقَالَ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ عَنْ أَبِيهِ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ بِالْخَوَرْنَقِ - وَهُوَ فَصْلُ شِتَاءٍ - وَعَلَيْهِ خَلَقُ قَطِيفَةٍ، وَهُوَ يُرْعَدُ فِيهِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكَ وَلِأَهْلِكَ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبًا وَأَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا بِنَفْسِكَ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرْزَأَكُمْ شَيْئًا، وَمَا هِيَ إِلَّا قَطِيفَتِي الَّتِي أَخْرَجْتُهَا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَلَمَةَ: اسْتَعْمَلَ عَلِيٌّ عَمْرَو بْنَ سَلَمَةَ عَلَى أَصْبَهَانَ، فَقَدِمَ وَمَعَهُ مَالٌ وَزِقَاقٌ فِيهَا عَسَلٌ وَسَمْنٌ، فَأَرْسَلَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ إِلَى عَمْرٍو تَطْلُبُ مِنْهُ سَمْنًا وَعَسَلًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ظَرْفَ عَسَلٍ وَظَرْفَ سَمْنٍ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ عَلِيٌّ وَأَحْضَرَ الْمَالَ وَالْعَسَلَ وَالسَّمْنَ لِيُقْسَمَ، فَعَدَّ الزِّقَاقَ فَنَقَصَتْ زِقَّيْنِ، فَسَأَلَهُ عَنْهُمَا، فَكَتَمَهُ وَقَالَ: نَحْنُ نُحْضِرُهَا، فَعَزَمَ عَلَيْهِ إِلَّا ذَكَرَهَا لَهُ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى أُمِّ كُلْثُومٍ فَأَخَذَ الزِّقَّيْنِ مِنْهَا، فَرَآهُمَا قَدْ نَقَصَا، فَأَمْرَ التُّجَّارَ بِتَقْوِيمِ مَا نَقَصَ مِنْهُمَا، فَكَانَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَأَخَذَهَا مِنْهَا ثُمَّ قَسَّمَ الْجَمِيعَ. قِيلَ: وَخَرَجَ مِنْ هَمْدَانَ فَرَأَى رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ مَضَى، فَسَمِعَ صَوْتًا: يَا غَوْثَاهْ بِاللَّهِ ! فَخَرَجَ يَحْضُرُ نَحْوَهُ وَهُوَ يَقُولُ: أَتَاكَ الْغَوْثُ. فَإِذَا رَجُلٌ يُلَازِمُ رَجُلًا. فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِعْتُ هَذَا ثَوْبًا بِسَبْعَةِ دَرَاهِمَ، وَشَرَطْتُ أَنْ لَا يُعْطِيَنِي مَغْمُوزًا وَلَا مَقْطُوعًا، وَكَانَ شَرْطُهُمْ يَوْمَئِذٍ، فَأَتَانِي بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ، فَأَتَيْتُ وَلَزِمْتُهُ، فَلَطَمَنِي. فَقَالَ لِلَّاطِمِ: مَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ: صَدَقَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَعْطِهُ شَرْطَهُ. فَأَعْطَاهُ. وَقَالَ لِلْمَلْطُومِ: اقْتَصَّ. قَالَ: أَوْ أَعْفُو يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: ذَلِكَ إِلَيْكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ خُذُوهُ، فَأَخَذُوهُ، فَحُمِلَ عَلَى ظَهْرِ رَجُلٍ كَمَا يُحْمَلُ صِبْيَانُ الْكُتَّابِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ دِرَّةً وَقَالَ: هَذَا نَكَالٌ لِمَا انْتَهَكْتَ مِنْ حُرْمَتِهِ. وَلَمَّا قُتِلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَامَ ابْنُهُ الْحَسَنُ خَطِيبًا فَقَالَ: لَقَدْ قَتَلْتُمُ اللَّيْلَةَ رَجُلًا فِي لَيْلَةٍ نَزَلَ فِيهَا الْقُرْآنُ، وَفِيهَا رُفِعَ عِيسَى، وَفِيهَا قُتِلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَاللَّهِ مَا سَبَقَهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ، وَلَا يُدْرِكُهُ أَحَدٌ يَكُونُ بَعْدَهُ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْعَثُهُ فِي السَّرِيَّةِ وَجَبْرَائِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ ( صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ ) إِلَّا ثَمَانَمِائَةٍ أَوْ سَبْعَمِائَةٍ أَرْصَدَهَا لِجَارِيَةٍ. وَقَالَ سُفْيَانُ: إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَبْنِ آجُرَّةً عَلَى آجُرَّةٍ، وَلَا لَبِنَةً عَلَى لَبِنَةٍ، وَلَا قَصَبَةً عَلَى قَصَبَةٍ، وَإِنْ كَانَ لَيُؤْتَى بِحُبُوبِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي جِرَابٍ. ( وَقِيلَ: إِنَّهُ أَخْرَجَ سَيْفًا لَهُ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَهُ وَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدِي أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ ثَمَنُ إِزَارٍ لَمْ أَبِعْهُ. وَكَانَ لَا يَشْتَرِي مِمَّنْ يَعْرِفُهُ، وَإِذَا اشْتَرَى قَمِيصًا قَدَّرَ كُمَّهُ عَلَى طُولِ يَدِهِ وَقَطَعَ الْبَاقِي ). وَكَانَ يَخْتِمُ عَلَى الْجِرَابِ الَّذِي فِيهِ دَقِيقُ الشَّعِيرِ الَّذِي يَأْكُلُ مِنْهُ وَيَقُولُ: لَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنِي إِلَّا مَا أَعْلَمُ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ: تَذَاكَرُوا الزُّهَّادَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَزْهَدُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الْمَدَائِنِيُّ: نَظَرَ عَلِيٌّ إِلَى قَوْمٍ بِبَابِهِ، فَقَالَ لِقَنْبَرٍ مَوْلَاهُ: مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ: شِيعَتُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَمَا لِي لَا أَرَى فِيهِمْ سِيَمَا الشِّيعَةِ ؟ قَالَ: وَمَا سِيمَاهُمْ ؟ قَالَ: خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الطَّوْيِ، يُبْسُ الشِّفَاهِ مِنَ الظَّمَإِ، عُمْشُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ. ( وَمَنَاقِبُهُ لَا تُحْصَى، قَدْ جَمَعْتُ قَضَايَاهُ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ ).
التاريخ 2049لا حكم مسجّل
فَصْلٌ [فِي كَلَامِهِ ؓ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَأَمَّا كَلَامُهُ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ.. فَكَثِيرٌ، وَهُوَ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِنَا: «التَّفْسِيرُ الْمُسْنَدُ» بِأَسَانِيدِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (وَاللَّهِ؛ مَا نَزَلَتْ آيَةٌ... إِلَّا وَقَدْ عَلِمْتُ فِيمَ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ، وَعَلَى مَنْ نَزَلَتْ، إِنَّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْبًا عَقُولًا، وَلِسَانًا نَاطِقًا). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ ؓ: (سَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ آيَةٍ... إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ، أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ). وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: (لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.. أَبْطَأَ عَلِيٌّ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: أَكَرِهْتَ إِمَارَتِي؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ آلَيْتُ لَا أَرْتَدِيَ بِرِدَائِي إِلَّا إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى أَجْمَعَ الْقُرْآنَ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ كَتَبَهُ عَلَى تَنْزِيلِهِ، قَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ أُصِيبَ ذَلِكَ الْكِتَابُ... كَانَ فِيهِ الْعِلْمُ).
التاريخ 2050لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي نُبَذٍ مِنْ كَلِمَاتِهِ الْوَجِيزَةِ الْمُخْتَصَرَةِ الْبَدِيعَةِ قَالَ عَلِيٌّ ؓ: (الْحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ) أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ حَيَّانَ. وَقَالَ: (الْقَرِيبُ: مَنْ قَرَّبَتْهُ الْمَوَدَّةُ وَإِنْ بَعُدَ نَسَبُهُ، وَالْبَعِيدُ مَنْ بَعَّدَتْهُ الْعَدَاوَةُ وَإِنْ قَرُبَ نَسَبُهُ، وَلَا شَيْءَ أَقْرَبُ مِنْ يَدٍ إِلَى جَسَدٍ؛ وَإِنَّ الْيَدَ إِذَا فَسَدَتْ... قُطِعَتْ، وَإِذَا قُطِعَتْ... حُسِمَتْ) أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ. [خَمْسٌ خُذُوهُنَّ عَنِّي وَقَالَ: (خَمْسٌ خُذُوهُنَّ عَنِّي: لَا يَخَافَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَسْتَحْيِي مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَلَا يَسْتَحْيِي مَنْ لَا يَعْلَمُ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، إِذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ... ذَهَبَ الْإِيمَانُ، وَإِذَا ذَهَبَ الرَّأْسُ... ذَهَبَ الْجَسَدُ)، أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي «سُنَنِهِ». وَقَالَ: (الْفَقِيهُ كُلَّ الْفَقِيهِ: مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَمْ يُؤَمِّنْهُمْ عَذَابَ اللَّهِ، وَلَمْ يَدَعِ الْقُرْآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا عِلْمَ لَا فَهْمَ فِيهِ، وَلَا قِرَاءَةَ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا)، أَخْرَجَهُ ابْنُ الضُّرَيْسِ فِي «فَضَائِلِ الْقُرْآنِ». وَقَالَ: (وَأَبْرَدُهَا عَلَى الْكَبِدِ إِذَا سُئِلْتُ عَمَّا لَا أَعْلَمُ أَنْ أَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ). أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقَالَ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْصِفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ... فَلْيُحِبَّ لَهُمْ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ). أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. [سَبْعٌ مِنَ الشَّيْطَانِ وَقَالَ: (سَبْعٌ مِنَ الشَّيْطَانِ: شِدَّةُ الْغَضَبِ، وَشِدَّةُ الْعُطَاسِ، وَشِدَّةُ التَّثَاؤُبِ، وَالْقَيْءُ، وَالرُّعَافُ، وَالنَّجْوَى، وَالنَّوْمُ عِنْدَ الذِّكْرِ). وَقَالَ: (كُلُوا الرُّمَّانَ بِشَحْمِهِ؛ فَإِنَّهُ دِبَاغُ الْمَعِدَةِ). أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ. وَقَالَ: (قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَةُ الْعَالِمِ عَلَيْكَ سَوَاءٌ). أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي «التَّارِيخِ». وَقَالَ: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ؛ الْمُؤْمِنُ فِيهِ أَذَلُّ مِنَ الْأُمَّةِ). أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ.
التاريخ 2051لا حكم مسجّل
[نَقْشُ خَاتَمِهِ ؓ وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: (أَنَّ خَاتَمَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ مِنْ وَرِقٍ، نَقْشُهُ: نِعْمَ الْقَادِرُ اللَّهُ). وَأُخْرِجَ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: (كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ عَلِيٍّ: الْمُلْكُ لِلَّهِ). وَأُخْرِجَ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ: (لَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ... دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ حُكَمَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ لَقَدْ زِنْتَ الْخِلَافَةَ وَمَا زَانَتْكَ، وَرَفَعْتَهَا وَمَا رَفَعَتْكَ، وَهِيَ كَانَتْ أَحْوَجَ إِلَيْكَ مِنْكَ إِلَيْهَا). وَأُخْرِجَ عَنْ مَجْمَعٍ: (أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَكْنُسُ بَيْتَ الْمَالِ، ثُمَّ يُصَلِّي فِيهِ؛ رَجَاءَ أَنْ يَشْهَدَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَحْبِسْ فِيهِ الْمَالَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ).
التاريخ 2052لا حكم مسجّل
ذِكْرُ صِفَتِهِ كَانَ رَجُلًا آدَمَ شَدِيدَ الْأُدْمَةِ شَكِلَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَهُمَا، فِيهِمَا خَفَشٌ، ذُو بَطْنٍ، أَصْلَعَ، وَهُوَ إِلَى الْقِصَرِ أَقْرَبُ، وَكَانَ عَظِيمَ اللِّحْيَةِ، قَدْ مَلَأَتْ صَدْرَهُ وَمَنْكِبَيْهِ، أَبْيَضُهَا كَثِيرٌ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالْكَتِفَيْنِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، ضَحُوكَ السِّنِّ، خَفِيفَ الْمَشْيِ عَلَى الْأَرْضِ.
التاريخ 2053لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ زَوْجَاتِهِ وَبَنِيهِ وَبَنَاتِهِ ، ؓ أَجْمَعِينَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الْحَسَنُ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ ؟ " فَقُلْتُ: سَمَّيْتُهُ حَرْبًا. فَقَالَ: " بَلْ هُوَ حَسَنٌ ". فَلَمَّا وُلِدَ الْحُسَيْنُ قَالَ: " أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ ؟ " فَقُلْتُ: سَمَّيْتُهُ حَرْبًا. قَالَ: " بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ ". فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ ؟ " فَقُلْتُ: حَرْبًا. فَقَالَ: " بَلْ هُوَ مُحَسِّنٌ ". ثُمَّ قَالَ: " إِنِّي سَمَّيْتُهُمْ بِاسْمِ وَلَدِ هَارُونَ ; شَبَّرُ وَشَبِيرٌ وَمُشَبِّرٌ ". وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ عَلِيًّا سَمَّى الْحَسَنَ أَوَّلًا بِحَمْزَةَ وَحُسَيْنًا بِجَعْفَرٍ، فَغَيَّرَ اسْمَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَأَوَّلُ زَوْجَةٍ تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ، ؓ، فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، بَنَى بِهَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْحَسَنَ وَحُسَيْنًا، وَيُقَالُ: وَمُحَسِّنًا. وَمَاتَ وَهُوَ صَغِيرٌ، وَوَلَدَتْ لَهُ زَيْنَبَ الْكُبْرَى، وَأُمَّ كُلْثُومٍ الْكُبْرَى، وَهِيَ الَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلِيٌّ عَلَى فَاطِمَةَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا مَاتَتْ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا بِزَوْجَاتٍ كَثِيرَةٍ ; مِنْهُنَّ مَنْ تُوُفِّيَتْ فِي حَيَاتِهِ وَمِنْهُنَّ مَنْ طَلَّقَهَا وَتُوُفِّيَ عَنْ أَرْبَعٍ، كَمَا سَيَأْتِي. فَمِنْ زَوْجَاتِهِ أُمُّ الْبَنِينَ بِنْتُ حِزَامٍ وَهُوَ أَبُو الْمُحِلِّ بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْوَحِيدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كِلَابٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْعَبَّاسَ وَجَعْفَرًا وَعَبْدَ اللَّهِ وَعُثْمَانَ، وَقَدْ قُتِلَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَخِيهِمُ الْحُسَيْنِ بِكَرْبَلَاءَ، وَلَا عَقِبَ لَهُمْ سِوَى الْعَبَّاسِ. وَمِنْهُنَّ لَيْلَى بِنْتُ مَسْعُودِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مَالِكٍ، مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ وَأَبَا بَكْرٍ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ وَقَدْ قُتِلَا بِكَرْبَلَاءَ أَيْضًا. وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ قَتَلَهُ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ يَوْمَ الْمَذَارِ. وَمِنْهُنَّ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى وَمُحَمَّدًا الْأَصْغَرَ. قَالَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى وَعَوْنًا. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَأَمَّا مُحَمَّدٌ الْأَصْغَرُ فَمِنْ أُمِّ وَلَدٍ. وَمِنْهُنَّ أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الْعَبْدِ بْنِ عَلْقَمَةَ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ مِنَ السَّبْيِ الَّذِينَ سَبَاهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ حِينَ أَغَارَ عَلَى عَيْنِ التَّمْرِ فَوَلَدَتْ لَهُ عُمَرَ - وَقَدْ عُمِّرَ خَمْسًا وَثَمَانِينَ سَنَةً - وَرُقَيَّةَ. وَمِنْهُنَّ أُمُّ سَعِيدٍ بِنْتُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكٍ الثَّقَفِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ أُمَّ الْحَسَنِ وَرَمْلَةَ الْكُبْرَى. وَمِنْهُنَّ ابْنَةُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَوْسِ بْنِ جَابِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُلَيْمِ بْنِ كَلْبٍ الْكَلْبِيَّةُ، فَوَلَدَتْ لَهُ جَارِيَةً، فَكَانَتْ تَخْرُجُ مَعَ عَلِيٍّ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ، فَيُقَالُ لَهَا: مَنْ أَخْوَالُكِ ؟ فَتَقُولُ: وَهْ وَهْ تَعْنِي بَنِي كَلْبٍ. وَمِنْهُنَّ أُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - وَهِيَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَحْمِلُهَا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ; إِذَا قَامَ حَمَلَهَا، وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا - فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا الْأَوْسَطَ. وَأَمَّا ابْنُهُ مُحَمَّدٌ الْأَكْبَرُ فَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَهِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ جَعْفَرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَسْلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الدُّئِلِ بْنِ حَنِيفَةَ بْنِ لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، سَبَاهَا خَالِدٌ أَيَّامَ الصِّدِّيقِ أَيَّامَ الرِّدَّةِ، مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، فَصَارَتْ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدًا هَذَا، وَمِنَ الشِّيعَةِ مَنْ يَدَّعِي فِيهِ الْإِمَامَةَ وَالْعِصْمَةَ، وَقَدْ كَانَ مِنْ سَادَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِمَعْصُومٍ وَلَا أَبُوهُ مَعْصُومٌ، بَلْ وَلَا مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ أَبِيهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ قَبْلَهُ لَيْسُوا بِوَاجِبِي الْعِصْمَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذِكْرُ أَوْلَادِهِ كَانَ لِعَلَيٍّ مِنَ الْوَلَدِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذَكَرًا، وَتِسْعَ عَشْرَةَ أُنْثَى :
التاريخ 2054لا حكم مسجّل
[وَضْعُهُ ؓ لِأُسُسِ النَّحْوِ وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ فِي «أَمَالِيهِ»: عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ أَوْ قَالَ: عَنْ جَدِّي أَبِي الْأَسْوَدِ - عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، فَرَأَيْتُهُ مُطْرِقًا مُفَكِّرًا، فَقُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟! قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ بِبَلَدِكُمْ هَذَا لَحْنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَصْنَعَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ، فَقُلْتُ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا.. أَحْيَيْتَنَا وَبَقِيَتْ فِينَا هَذِهِ اللُّغَةُ. ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، فَأَلْقَى إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْكَلَامُ كُلُّهُ: اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالِاسْمُ: مَا أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ: مَا أَنْبَأَ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ: مَا أَنْبَأَ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ. ثُمَّ قَالَ لِي: تَتَبَّعْهُ وَزِدْ فِيهِ مَا وَقَعَ لَكَ، وَاعْلَمْ يَا أَبَا الْأَسْوَدِ: أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةٌ: ظَاهِرٌ، وَمُضْمَرٌ، وَشَيْءٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلَا مُضْمَرٌ، وَإِنَّمَا يَتَفَاضَلُ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْرِفَةِ مَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ، وَلَا مُضْمَرٍ. قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: فَجَمَعْتُ مِنْهُ أَشْيَاءَ وَعَرَضْتُهَا عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ حُرُوفُ النَّصْبِ، فَذَكَرْتُ مِنْهَا: إِنَّ وَأَنَّ وَلَيْتَ وَلَعَلَّ وَكَأَنَّ، وَلَمْ أَذْكُرْ لَكِنَّ، فَقَالَ لِي: لِمَ تَرَكْتَهَا؟ فَقُلْتُ: لَمْ أَحْسَبْهَا مِنْهَا، فَقَالَ: بَلْ هِيَ مِنْهَا، فَزِدْهَا فِيهَا).
التاريخ 2055لا حكم مسجّل
[ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ ؓ وَأُخْرِجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: (كَانَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ الشِّعْرَ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَشْعَرَ الثَّلَاثَةِ): وَأُخْرِجَ عَنْ نُبَيْطٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ: إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ وَضَاقَ لِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ وَأَوْطَنَتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الْخُطُوبُ وَلَمْ يُرَ لِانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهٌ وَلَا أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الْأَرِيبُ أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ يَجِيءُ بِهِ الْقَرِيبُ الْمُسْتَجِيبُ وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ فَمَوْصُولٌ بِهَا الْفَرَجُ الْقَرِيبُ وَأُخْرِجَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ لِرَجُلٍ وَكَرِهَ لَهُ صُحْبَةَ رَجُلٍ: فَلَا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ وَإِيَّاكَ وَإِيَّاهُ فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى حَلِيمًا حِينَ آخَاهُ يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ إِذْ [مَا] هُوَ مَاشَاهُ وَلِلشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ مَقَايِيسٌ وَأَشْبَاهُ وَلِلْقَلْبِ عَلَى الْقَلْبِ دَلِيلٌ حِينَ يَلْقَاهُ وَأُخْرِجَ عَنِ الْمُبَرِّدِ قَالَ: كَانَ مَكْتُوبًا عَلَى سَيْفِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ: لِلنَّاسِ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا بِتَدْبِيرِ وَصَفْوُهَا لَكَ مَمْزُوجٌ بِتَكْدِيرِ لَمْ يُرْزَقُوهَا بِعَقْلٍ بَعْدَمَا قُسِمَتْ لَكِنَّهُمْ رُزِقُوهَا بِالْمَقَادِيرِ كَمْ مِنْ أَدِيبٍ لَبِيبٍ لَا تُسَاعِدُهُ وَأَحْمَقٍ نَالَ دُنْيَاهُ بِتَقْصِيرِ لَوْ كَانَ عَنْ قُوَّةٍ أَوْ عَنْ مُغَالَبَةٍ طَارَ الْبُزَاةُ بِأَرْزَاقِ الْعَصَافِيرِ وَأُخْرِجَ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ الزَّيَّاتِ قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: وَلَا تُفْشِ سِرَّكَ إِلَّا إِلَيْكَ فَإِنَّ لِكُلِّ نَصِيحٍ نَصِيحَا فَإِنِّي رَأَيْتُ غُوَاةَ الرِّجَا لِ لَا يَدَعُونَ أَدِيمًا صَحِيحَا
التاريخ 2056لا حكم مسجّل
بَابُ خِلَافَةِ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ ؓ: كُنْتُ مَعَ أَبِي حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ ؓ، فَقَامَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَأَتَاهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ قُتِلَ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ، وَلَا نَجِدُ الْيَوْمَ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ، لَا أَقْدَمَ سَابِقَةً، وَلَا أَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي أَكُونُ وَزِيرًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ، قَالَ: فَفِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ بَيْعَتِي لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ رِضَا الْمُسْلِمِينَ. فَدَخَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ طَلْحَةُ . وَعَنْ قَيْسٍ، قَالَ: رَأَى أَعْرَابِيٌّ طَلْحَةَ يُبَايِعُ عَلِيًّا ؓ، قَالَ: يَدٌ شَلَّاءُ وَأَمْرٌ لَا يَتِمُّ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَرْسَلَ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فَدَعَاهُمَا إِلَى الْبَيْعَةِ فَتَلَكَّأَ طَلْحَةُ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ وَسَلَّ سَيْفَهُ: وَاللَّهِ لِتَبُايِعَنَّ أَوْ لَأَضْرِبَنَّ بِهِ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، فَقَالَ طَلْحَةُ: وَأَيْنَ الْمَذْهَبُ عَنْهُ، فَبَايَعَهُ وَبَايَعَهُ الزُّبَيْرُ. من لم يبايعه من الصحابة وَهَرَبَ قَوْمٌ إِلَى الشَّامِ فَلَمْ يُبَايِعُوهُ، وَلَمْ يُبَايِعْهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. قَالَ حَبِيبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ: تَرَبَّصَ سَبْعَةً فَلَمْ يُبَايِعُوهُ: سَعْدٌ، وَابْنُ عُمَرَ، وَصُهَيْبٌ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامِ بْنِ وَقْشٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوَادٍ، وَطَلْحَةُ بْنُ الْأَعْلَمِ، وَأَبُو حَارِثَةَ، وَأَبُو عُثْمَانَ، قَالُوا: بَقِيَتِ الْمَدِينَةُ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَأَمِيرُهَا الْغَافِقِيُّ يَلْتَمِسُونَ مَنْ يُجِيبُهُمْ إِلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ فَلَا يَجِدُونَهُ، يَأْتِي الْمِصْرِيُّونَ عَلِيًّا فَيَخْتَبِئُ مِنْهُمْ وَيَلُوذُ بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا لَقُوهُ بَاعَدَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ وَمِنْ مَقَالَتِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَيَطْلُبُ الْكُوفِيُّونَ الزُّبَيْرَ فَلَا يَجِدُونَهُ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ حَيْثُ هُوَ رُسُلًا فَبَاعَدَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، وَيَطْلُبُ الْبَصْرِيُّونَ طَلْحَةَ فَإِذَا لَقُوهُ بَاعَدَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْ مَقَالَتِهِمْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وَكَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ مُخْتَلِفِينَ فِيمَنْ يَهْوَوْنَ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا مُمَالِئًا وَلَا مُجِيبًا جَمَعَهُمُ الشَّرُّ عَلَى أَوَّلِ مَنْ أَجَابَهُمْ، وَقَالُوا: لَا نُوَلِّي أَحَدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، فَبَعَثُوا إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالُوا: إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى، وَرَأْيُنَا فِيكَ مُجْتَمِعٌ، فَأَقْدِمْ نُبَايِعْكَ ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي وَابْنُ عَمِّي خَرَجْنَا مِنْهَا فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا عَلَى حَالٍ، وَتَمَثَّلَ: لَا تَخْلِطَنَّ خَبِيثَاتٍ بِطَيِّبَةٍ وَاخْلَعْ ثِيَابَكَ مِنْهَا وَانْجُ عُرْيَانَا ثُمَّ وَجَدُوا سَعْدًا وَالزُّبَيْرَ خَارِجَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَطَلْحَةُ فِي حَائِطٍ لَهُ، وَبَنِي أُمَيَّةَ قَدْ هَرَبُوا إِلَّا مَنْ لَمْ يُطِقِ الْهَرَبَ، وَكَانَ الْوَلِيدُ وَسَعِيدٌ وَمَرْوَانُ قَدْ لَحِقُوا بِمَكَّةَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَقُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، فَقَالُوا: أَنْتَ ابْنَ عُمَرَ فَقُمْ بِهَذَا الْأَمْرِ، فَقَالَ: إِنَّ لِهَذَا الْأَمْرِ انْتِقَامًا، وَاللَّهِ لَا أَتَعَرَّضُ لَهُ، فَالْتَمِسُوا غَيْرِي. فَبَقُوا حَيَارَى لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالَا: قَالُوا: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ قَدْ أَجَّلْنَاكُمْ يَوْمَكُمْ، فَوَ اللَّهِ لَئِنْ لَمْ تَفْرُغُوا لَنَقْتُلَنَّ غَدًا عَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَأُنَاسًا كَثِيرًا، فَغَشِيَ النَّاسُ عَلِيًّا، فَقَالُوا: نُبَايِعُكَ فَقَدْ تَرَى مَا نَزَلَ بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ: دَعُونِي وَالْتَمِسُوا غَيْرِي، فَقَالُوا: نَنْشُدُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا فَعَلْتَ، فَقَالَ: قَدْ أَجَبْتُكُمْ لِمَا أَرَى، وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكَّبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَإِنَّمَا أَنَا كَأَحَدِكُمْ، إِلَّا أَنِّي أَسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ حَضَرَ النَّاسُ الْمَسْجِدَ، وَجَاءَ عَلِيٌّ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَجَاءُوا بِطَلْحَةَ فَقَالُوا: بَايِعْ، فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أُبَايِعُ كَرْهًا، فَبَايَعَ أَوَّلَ النَّاسِ، وَكَانَ بِهِ شَلَلٌ، فَقَالَ رَجُلٌ يَعْتَافُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أَوَّلُ يَدٍ بَايَعَتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَدٌ شَلَّاءُ، لَا يَتِمُّ هَذَا الْأَمْرُ. ثُمَّ جِيءَ بِالزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ بَايَعَ. ثُمَّ جِيءَ بِقَوْمٍ كَانُوا قَدْ تَخَلَّفُوا، فَقَالُوا: نُبَايِعُ عَلَى إِقَامَةِ كِتَابِ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَالْعَزِيزِ وَالذَّلِيلِ، فَبَايَعَهُمْ، ثُمَّ قَامَ الْعَامَّةُ فَبَايَعُوهُ. وقت مبايعة علي ؓ وَبُويِعَ عَلِيٌّ ؓ يَوْمَ الْجُمْعَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَعَنْ عَيَّاشُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: بُويِعَ عَلِيٌّ ؓ بِالْمَدِينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ قُتِلَ عُثْمَانُ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَاسْتَقَبَلَ الْمُحَرَّمَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ [قَالَ غَيْرُ عَيَّاشٍ ]: كَانَتْ بَيْعَتُهُ فِي دَارِ عَمْرِو بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيِّ، [ثُمَّ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ ] يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ بُويِعَ بَيْعَتَهُ الْعَامَّةَ مِنَ الْغَدِ يَوْمَ السَّبْتِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. أول خطبة بعد البيعة وَكَانَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كِتَابًا هَادِيًا بَيَّنَ فِيهِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، فَخُذُوا بِالْخَيْرِ وَدَعُوا الشَّرَّ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ حُرُمًا مُجْمَلَةً، وَفَضَّلَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْحُرُمِ كُلِّهَا، وَشَدَّ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ إِلَّا بِالْحَقِّ، لَا يَحِلُّ أَذَى مُسْلِمٍ إِلَّا بِمَا يَجِبُ، بَادِرُوا أَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخَاصَّةُ أَحَدِكُمُ الْمَوْتُ، فَإِنَّ النَّاسَ أَمَامَكُمْ وَإِنَّمَا خَلْفَكُمُ السَّاعَةُ تَحْدُوكُمْ فَتَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإِنَّمَا يَنْتَظِرُ النَّاسُ أُخْرَاهُمُ، اتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَهُ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ، إِنَّكُمْ مَسْئُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ، أَطِيعُوا اللَّهَ وَلَا تَعْصُوهُ، وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْخَيْرَ فَخُذُوا بِهِ وَإِذَا رَأَيْتُمُ الشَّرَّ فَدَعُوهُ: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ [ الْأَنْفَالِ: 26 ] فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خُطْبَتِهِ قَالَ الْمِصْرِيُّونَ: خُذْهَا إِلَيْكَ وَاحْذَرَنْ أَبَا الْحَسَنْ إِنَّا نُمِرُّ الْأَمْرَ إِمْرَارَ الرَّسَنْ صَوْلَةَ أَقْوَامٍ كَأَسْدَادِ السُّفُنْ بِمَشْرَفِيَّاتٍ كَغُدْرَانِ اللَّبَنْ وَنَطْعُنُ الْمُلْكَ بِلِينٍ كَالشَّطَنْ حَتَّى يُمَرَّنَّ عَلَى غَيْرِ عَنَنْ فَقَالَ عَلِيٌّ مُجِيبًا لَهُمْ: إِنِّي عَجَزْتُ عَجْزَةً لَا أَعْتَذِرْ سَوْفَ أَكِيسُ بَعْدَهَا وَأَسْتَمِرْ أَرْفَعُ مِنْ ذَيْلِيَ مَا كُنْتُ أَجُرْ وَأَجْمَعُ الْأَمْرَ الشَّتِيتَ الْمُنْتَشِرْ إِنْ لَمْ يُشَاغِبْنِي الْعَجُولُ الْمُنْتَصِرْ أَوْ يَتْرُكُونِي وَالسِّلَاحُ يُبْتَدَرْ نواب الأمصار الذين مات عنهم عثمان ؓ وَكَانَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَى الْحَرْبِ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى الْخَرَاجِ جَابِرُ بْنُ فُلَانٍ الْمُزَنِيُّ، وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى مِصْرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، وَقَدْ تَغَلَّبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَعَلَى الشَّامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَنُوَّابُهُ ; عَلَى حِمْصَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَعَلَى قِنَّسْرِينَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَلَى الْأُرْدُنِّ أَبُو الْأَعْوَرِ، وَعَلَى فِلَسْطِينَ عَلْقَمَةُ بْنُ حَكِيمٍ، وَعَلَى أَذْرَبِيجَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَلَى قَرْقِيسْيَاءَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ، وَعَلَى حُلْوَانَ عُتَيْبَةُ بْنُ النَّهَّاسِ، وَعَلَى مَاهَ مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ، وَعَلَى هَمَذَانَ النُّسَيْرُ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ نُوَّابِ عُثْمَانَ الَّذِينَ تُوَفِّيَ وَهُمْ نُوَّابُ الْأَمْصَارِ، وَكَانَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَلَى قَضَاءِ الْمَدِينَةِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ. المطالبة بأخذ ثأر عثمان ؓ وَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ خَرَجَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَمَعَهُ قَمِيصُ عُثْمَانَ مُضَمَّخٌ بِدَمِهِ، وَمَعَهُ أَصَابِعُ نَائِلَةَ الَّتِي أُصِيبَتْ حِينَ جَاحَفَتْ عَنْهُ بِيَدِهَا، فَقُطِعَتْ مَعَ بَعْضِ الْكَفِّ فَوَرَدَ بِهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، فَوَضَعَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمِنْبَرِ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَعَلَّقَ الْأَصَابِعَ فِي كُمِّ الْقَمِيصِ، وَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ هَذَا الدَّمِ وَصَاحِبِهِ، فَتَبَاكَى النَّاسُ حَوْلَ الْمِنْبَرِ، وَجَعَلَ الْقَمِيصُ يُرْفَعُ تَارَةً وَيُوضَعُ تَارَةً، وَالنَّاسُ يَتَبَاكَوْنَ حَوْلَهُ سَنَةً، وَحَثَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِ، وَاعْتَزَلَ أَكْثَرُ النَّاسِ النِّسَاءَ فِي هَذَا الْعَامِ، وَقَامَ فِي النَّاسِ مُعَاوِيَةُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ يُحَرِّضُونَ النَّاسَ عَلَى الْمُطَالَبَةِ بِدَمِ عُثْمَانَ مِمَّنْ قَتَلَهُ مِنْ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ ; مِنْهُمْ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَعَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمِنَ التَّابِعِينَ ; شَرِيكُ بْنُ خُبَاشَةَ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ. رفض علي المطالبة بأخذ دم عثمان ؓ وَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ بَيْعَةِ عَلِيٍّ دَخَلَ عَلَيْهِ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَرُءُوسُ الصَّحَابَةِ، ؓ، وَطَلَبُوا مِنْهُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ، وَالْأَخْذَ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَدَدٌ وَأَعْوَانٌ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ يَوْمَهُ هَذَا، فَطَلَبَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ أَنْ يُوَلِّيَهُ إِمْرَةَ الْكُوفَةِ لِيَأْتِيَهُ بِالْجُنُودِ، وَطَلَبَ مِنْهُ طَلْحَةُ أَنْ يُوَلِّيَهُ إِمْرَةَ الْبَصْرَةِ لِيَأْتِيَهُ مِنْهَا بِالْجُنُودِ، لِيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى شَوْكَةِ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجِ، وَجَهَلَةِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، ؓ، فَقَالَ لَهُمَا: حَتَّى أَنْظُرَ فِي هَذَا. وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَى أَنْ تُقِرَّ عُمَّالَكَ عَلَى الْبِلَادِ، فَإِذَا أَتَتْكَ طَاعَتُهُمُ اسْتَبْدَلْتَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتَ وَتَرَكْتَ مَنْ شِئْتَ. ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَى أَنْ تَعْزِلَهُمْ لِتَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُكَ مِمَّنْ يَعْصِيكَ. فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلِيٌّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَقَدْ نَصَحَكَ بِالْأَمْسِ وَغَشَّكَ الْيَوْمَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُغِيرَةَ فَقَالَ: نَعَمْ نَصَحْتُهُ فَلَمَّا لَمْ يَقْبَلْ غَشَشْتُهُ. ثُمَّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ، وَلَحِقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ بِمَكَّةَ، وَكَانُوا قَدِ اسْتَأْذَنُوا عَلِيًّا فِي الِاعْتِمَارِ فَأَذِنَ لَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَشَارَ عَلَى عَلِيٍّ بِاسْتِمْرَارِهِ بِنُوَّابِهِ فِي الْبِلَادِ إِلَى حِينِ يَتَمَكَّنُ الْأَمْرُ، وَأَنْ يُقِرَّ مُعَاوِيَةَ خُصُوصًا عَلَى الشَّامِ وَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَخْشَى إِنْ عَزَلْتَهُ عَنْهَا أَنْ يُطَالِبَكَ بِدَمِ عُثْمَانَ، وَلَا آمَنُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ أَنْ يَكِرَّا عَلَيْكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي لَا أَرَى هَذَا، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ إِلَى الشَّامِ فَقَدْ وَلَّيْتُكَهَا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَخْشَى مِنْ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَقْتُلَنِي بِعُثْمَانَ، أَوْ يَحْبِسَنِي لِقَرَابَتِي مِنْكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَمَنِّهِ وَعِدْهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَطَعْتَنِي لَأُورِدَنَّهُمْ بَعْدَ صَدْرِهِمْ. وَنَهَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَلِيًّا فِيمَا أَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَسِّنُونَ لَهُ الدُّخُولَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَمُفَارَقَةَ الْمَدِينَةِ، فَأَبَى عَلَيْهِ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَطَاوَعَ أَمْرَ أُولَئِكَ الْأُمَرَاءِ مِنْ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ.
التاريخ 2057لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قَصَدَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلَ بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَلْفِ مَرْكَبٍ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَغَرَّقَهُ اللَّهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَمَنْ مَعَهُ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا الْمَلِكُ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ صِقِلِّيَةَ عَمِلُوا لَهُ حَمَّامًا فَدَخَلَهُ فَقَتَلُوهُ فِيهِ وَقَالُوا: أَنْتَ قَتَلْتَ رِجَالَنَا.
التاريخ 2058لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؓ : وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ مَقْتَلِهِ. حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ، قَالَ: بَلَغَ عُثْمَانُ ؓ مِنَ الْعُمُرِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَتَرَكَ قِيمَةَ أَلْفِ أَلْفِ دِرْهَمٍ. عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَامِرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : كَانَ حَلِيفًا لِلْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، وَتَبَنَّاهُ الْخَطَّابُ، فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ رَجَعَ عَامِرٌ إِلَى نَسَبِهِ. وَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ الْعَدَوِيَّةُ، وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَقْدَمْهَا قَبْلَهُ إِلَّا أَبُو سَلَمَةَ، وَزَوْجَتُهُ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ . وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: قَامَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَذَلِكَ حِينَ نَشَبَ النَّاسُ فِي الطَّعْنِ عَلَى عُثْمَانَ، فَصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ نَامَ، فَأُتِيَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: قُمْ فَاسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكَ مِنَ الْفِتْنَةِ الَّتِي أَعَاذَ مِنْهَا صَالِحَ عِبَادِهِ. فَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ اشْتَكَى، فَمَا أُخْرِجَ إِلَّا جِنَازَةٌ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: كَانَ مَوْتُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بِأَيَّامٍ، وَكَانَ قَدْ لَزِمَ بَيْتَهُ فَلَمْ يَشْعُرِ النَّاسُ إِلَّا بِجِنَازَتِهِ وَقَدْ أُخْرِجَتْ. مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ ، أُمُّهُ نُسِبَ إِلَيْهَا، وَأَبُوهُ الْحَارِثُ بْنُ رِفَاعَةَ: شَهِدَ مُعَاذٌ الْعَقَبَتَيْنِ، وَبَدْرًا. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ يَبْعَثُ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ حُلَلًا، فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ وَيَشْتَرِي بِهَا رِقَابًا فَيُعْتِقُهُمْ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ لَا يَدَعُ شَيْئًا إِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ، فَلَمَّا وُلِدَ لَهُ اسْتَشْفَعَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ أَخْوَالَهُ، فَكَلَّمُوهُ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَعَلْتَ، فَلَوْ جَمَعْتَ لِوَلَدِكَ، قَالَ: أَبَتْ نَفْسِي إِلَّا أَنْ أَسْتَتِرَ بِكُلِّ شَيْءٍ أَجِدُهُ مِنَ النَّارِ، فَلَمَّا مَاتَ تَرَكَ أَرْضًا إِلَى جَنْبِ أَرْضٍ لِرَجُلٍ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَعَلَيْهِ مِلَاءَةٌ صَفْرَاءُ مَا تُسَاوِي ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، مَا تَسْتُرُنِي الْأَرْضُ بِمِلَاءَتِي هَذِهِ، فَامْتَنَعَ وَلِيُّ الصِّبْيَانِ وَاحْتَاجَ إِلَيْهَا جَارُ الْأَرْضِ، فَبَاعَهَا بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ. من مات في خلافة عثمان ؓ وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ مَاتَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ. وَفِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ أَيْضًا مَاتَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، وَفِيهَا مَاتَ الْحَرْثُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالِدُ الْمُلَقَّبِ بِبَبَّةَ. وَفِي آخِرِهَا مَاتَ الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَهُوَ وَالِدُ مَرْوَانَ وَعَمُّ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ حَبَّانُ بْنُ مُنْقِذٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ -، وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ -. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ زَيْدُ بْنُ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ الَّذِي تَكَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِهِ -. وَفِيهَا قُتِلَ مَعْبَدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِإِفْرِيقِيَّةَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ. وَفِيهَا مَاتَ مُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ، وَكَانَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ عَلَى خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَفِيهَا مَاتَ مُطِيعُ بْنُ الْأَسْوَدِ الْعَدَوِيُّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ. وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيُّ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ مَعَ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي خِلَافَتِهِ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ، وَهُوَ بَدْرِيُّ - وَكَانَ فِيهِ دُعَابَةٌ -. وَفِيهَا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ وَالِدُ عُمَرَ الشَّاعِرِ، وَكَانَ قَدْ جَاءَ مِنَ الْيَمَنِ لِيَنْصُرَ عُثْمَانَ لَمَّا حُصِرَ فَسَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ. وَأَبُو رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقِيلَ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَهُوَ أَصَحُّ وَفِي خِلَافَتِهِ تُوَفِّي أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ الْعَامِرِيُّ مِنْ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ - وَهُوَ بَدْرِيٌّ - وَفِيهَا مَاتَ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ خَالُ مُعَاوِيَةَ، أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَانَ صَالِحًا. وَفِيهَا مَاتَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَقِيلَ: عَاشَ بَعْدَهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
التاريخ 2059لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ تفريق علي ؓ عماله في الأمصار فَمِنَ الْحَوَادِثِ فِيهَا تَفْرِيقُ عَلِيٍّ ؓ عُمَّالَهُ فِي الْأَمْصَارِ عَنْ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةَ، قَالَا: بَعَثَ عَلِيٌّ ؓ عُمَّالَهُ عَلَى الْأَمْصَارِ، بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حَنِيفٍ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَعُمَارَةَ بْنَ حَسَّانَ بْنِ شِهَابٍ عَلَى الْكُوفَةِ، وَعُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْيَمَنِ، وَقَيْسَ بْنَ سَعْدٍ عَلَى مِصْرَ، وَسَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ عَلَى الشَّامِ. فَأَمَّا سَهْلٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِتَبُوكَ لَقِيَتْهُ خَيْلٌ قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمِيرٌ، قَالُوا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: عَلَى الشَّامِ، قَالُوا: إِنْ كَانَ عُثْمَانُ بَعَثَكُمْ فَحَيَّهَلَا بِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعَثَكَ غَيْرُهُ فَارْجِعْ، قَالَ: أَوَ مَا سَمِعْتُمْ بِالَّذِي كَانَ، قَالُوا: بَلَى، فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ. وَأَمَّا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، فَإِنَّهُ لَمَّا انْتَهَى إِلَى أَيْلَةَ لَقِيَتْهُ خَيْلٌ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ قَالَةِ عُثْمَانَ، فَأَنَا أَطْلُبُ مَنْ آوِي إِلَيْهِ وَأَنْتَصِرُ بِهِ، قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، قَالُوا: امْضِ، فَمَضَى حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ، فَافْتَرَقَ أَهْلُ مِصْرَ فِرَقًا، فِرْقَةٌ دَخَلَتْ فِي الْجَمَاعَةِ وَكَانُوا مَعَهُ، وَفِرْقَةٌ وَقَفَتْ وَاعْتَزَلَتْ، وَقَالُوا: إِنْ قَتْلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ فَنَحْنُ مَعَكُمْ، وَإِلَّا فَنَحْنُ عَلَى جَدِيلَتِنَا، وَفِرْقَةٌ قَالُوا: نَحْنُ مَعَ عَلِيٍّ مَا لَمْ يُقِدْ إِخْوَانَنَا، فَكَتَبَ قَيْسٌ إِلَى عَلِيٍّ بِذَلِكَ. وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ حَنِيفٍ، فَسَارَ فَلَمْ يَرُدَّهُ أَحَدٌ عَنْ دُخُولِ الْبَصْرَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي ذَلِكَ لِابْنِ عَامِرٍ رَأْيٌ وَلَا حَزْمٌ وَلَا اسْتِقْلَالٌ بِحَرْبٍ، فَافْتَرَقَ النَّاسُ فَاتَّبَعَتْ فِرْقَةٌ الْقَوْمَ، وَدَخَلَتْ فِرْقَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ، وَفِرْقَةٌ قَالَتْ: نَنْظُرُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَنَصْنَعُ كَمَا صَنَعُوا. وَأَمَّا عُمَارَةٌ فَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِزُبَالَةَ رُدَّ وَانْطَلَقَ عُبَيْدُ اللَّهِ إِلَى الْيَمَنِ، وَلَمَّا رَجَعَ سَهْلُ بْنُ حَنِيفٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّامِ دَعَا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ قَدْ وَقَعَ، وَسَأَمْسِكُ الْأَمْرَ مَا اسْتَمْسَكَ، فَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدًّا فَآخِرُ الدَّوَاءِ الْكَيُّ. وَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى أَبِي مُوسَى وَمُعَاوِيَةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى بِطَاعَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَيْعَتِهِمْ، وَبَيَّنَ الْكَارِهَ مِنْهُمْ وَالرَّاضِيَ، وَكَانَ الرَّسُولَ إِلَى أَبِي مُوسَى مَعْبَدٌ الْأَسْلَمِيُّ، وَكَانَ الرَّسُولَ إِلَى مُعَاوِيَةَ سَبْرَةُ الْجُهَنِيُّ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ لَمْ يُكْتَبْ مَعَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يُجِبْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنْ مَقْتَلِ عُثْمَانَ فِي صَفَرَ، دَعَا مُعَاوِيَةُ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ يُدْعَى قَبِيصَةَ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ طُومَارًا مَخْتُومًا، عُنْوَانُهُ: مِنْ مُعَاوِيَةَ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ فَاقْبِضْ عَلَى أَسْفَلِ الطُّومَارِ، ثُمَّ أَوْصَاهُ بِمَا يَقُولُ، وَسَرَّحَ رَسُولَ عَلِيٍّ مَعَهُ، فَخَرَجَا فَقَدِمَا الْمَدِينَةَ فِي غُرَّةِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَلَمَّا دَخَلَا الْمَدِينَةَ رَفَعَ الْعَبْسِيُّ الطُّومَارَ كَمَا أَمَرَهُ، وَخَرَجَ النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَتَفَرَّقُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ مُعَاوِيَةَ مُعْتَرِضٌ. وَمَضَى الرَّسُولُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَلِيٍّ ؓ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ الطُّومَارَ، فَفَضَّ خَاتَمَهُ فَلَمْ يَجِدْ فِي جَوْفِهِ كِتَابَةً، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: آمِنٌ أَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الرُّسُلَ آمِنَةٌ لَا تُقْتَلُ، قَالَ: وَرَائِي أَنِّي تَرَكْتُ قَوْمًا لَا يَرْضَوْنَ إِلَّا بِالْقَوَدِ، قَالَ: مِمَّنْ؟ قَالَ: مِنْ نَفْسِكَ، وَتَرَكْتُ سِتِّينَ أَلْفَ شَيْخٍ يَبْكِي تَحْتَ قَمِيصِ عُثْمَانَ وَهُوَ مَنْصُوبٌ لَهُمْ، قَدْ أَلْبَسُوهُ مِنْبَرَ دِمَشْقَ، فَقَالَ: أَمِنِّي يَطْلُبُونَ دَمَ عُثْمَانَ، أَلَسْتَ مَوْتُورًا أَكْرَهُ قَتْلَ عُثْمَانَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ، اخْرُجْ، قَالَ: وَأَنَا آمِنٌ؟ قَالَ: وَأَنْتَ آمِنٌ، فَخَرَجَ الْعَبْسِيُّ، فَصَاحَتِ السَّبَئِيَّةُ: هَذَا الْكَلْبُ وَافِدُ الْكِلَابِ، اقْتُلُوهُ، فَنَادَى: يَا آلَ مُضَرَ، إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَيَرُدَّنَّهَا عَلَيْكُمْ أَرَبَعَةُ آلَافِ خَصِيٍّ، فَانْظُرُوا كَمِ الْفُحُولَةُ وَالرِّكَابُ فَمَنَعَتْهُ مُضَرُ. وَعَنْ أَبِي حَارِثَةَ وَأَبِي عُثْمَانَ، قَالَا: أَتَى مُعَاوِيَةَ الْخَبَرُ بِحَصْرِ عُثْمَانَ، فَأَرْسَلَ إِلَى حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ عُثْمَانَ قَدْ حُصِرَ، فَأَشِرْ عَلَيَّ بِرَجُلٍ يُنْفِذُ لِأَمْرِي وَلَا يُقَصِّرُ، قَالَ: مَا أَعْرِفُ ذَلِكَ غَيْرِي، قَالَ: أَنْتَ لَهَا، فَأَشِرْ عَلَيَّ بِرَجُلٍ أَبْعَثُهُ عَلَى مُقَدِّمَتِكَ لَا تُتَّهَمُ نَصِيحَتُهُ، قَالَ: يَزِيدُ بْنُ شَجَعَةَ الْحِمْيَرِيُّ، فَدَعَا بِهِمَا فَقَالَ: النَّجَاءَ، سِيرَا فَأَعِينَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعَجَّلْ أَنْتَ يَا يَزِيدُ فَإِنْ قَدِمْتَ يَا حَبِيبُ وَعُثْمَانُ حَيٌّ فَالْأَمْرُ أَمْرُهُ، فَانْفِذْ لِمَا يَأْمُرُكَ بِهِ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُتِلَ فَلَا تَدَعْنَ أَحَدًا أَشَارَ إِلَيْهِ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ إِلَّا قَتَلْتَهُ. وَبَعَثَ مَعَ يَزِيدَ أَلْفَ فَارِسٍ، فَسَارَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، فَبَلَغَهُ الْخَبَرُ، ثُمَّ لَقِيَهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ وَمَعَهُ الْقَمِيصُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ عُثْمَانُ مُخَضَّبٌ بِالدِّمَاءِ وَأَصَابِعُ امْرَأَتِهِ ، فَأَمْضَى حَبِيبٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَقَامَ فَأَتَاهُ بِرَأْيِهِ فَرَجَعَ حَتَّى قَدِمَ دِمَشْقَ. وَلَمَّا قَدِمَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَخْرَجَ الْقَمِيصَ وَأَصَابِعَ نَائِلَةَ بِنْتِ الْفَرَافِصَةِ - أُصْبُعَانِ قَدْ قُطِعَتَا بِبَرَاجِمِهِمَا وَشَيْءٌ مِنَ الْكَفِّ، وَأُصْبُعَانِ مَقْطُوعَتَانِ مِنَ أَصْلِهِمَا مُفْتَرِقَتَانِ، وَنِصْفُ الْإِبْهَامِ - فَوَضَعَ مُعَاوِيَةُ الْقَمِيصَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَكَتَبَ بِالْخَبَرِ إِلَى الْأَجْنَادِ، وَثَابَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَبَكَوْا سَنَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْأَصَابِعُ مُعَلَّقَةٌ فِيهِ، وَالرِّجَالُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ، وَلَا يَمَسُّهُمُ الْغُسْلُ إِلَّا مِنَ الِاحْتِلَامِ، وَلَا يَنَامُونَ عَلَى الْفُرُشِ حَتَّى يَقْتُلُوا قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَمَنْ عَرَضَ دُونَهُمْ بِشَيْءٍ أَوْ يُفْنِي أَرْوَاحَهُمْ، فَمَكَثُوا يَبْكُونَ حَوْلَ الْقَمِيصِ سَنَةً، وَالْقَمِيصُ مَوْضُوعٌ كُلَّ يَوْمٍ، وَفِي أَرْدَافِهِ أَصَابِعُ نَائِلَةَ مُعَلَّقَةً.
التاريخ 2060لا حكم مسجّل
ابْتِدَاءُ وَقْعَةِ الْجَمَلِ سبب وقعة الجمل لَمَّا وَقَعَ قَتْلُ عُثْمَانَ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، كَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ، ﷺ، قَدْ خَرَجْنَ إِلَى الْحَجِّ فِي هَذَا الْعَامِ فِرَارًا مِنَ الْفِتْنَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ، أَقَمْنَ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَا خَرَجُوا مِنْهَا، رَجَعُوا إِلَيْهَا فَأَقَامُوا بِهَا، وَجَعَلُوا يَنْتَظِرُونَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَلَمَّا بُويِعَ لِعَلِيٍّ وَصَارَ أَحْظَى النَّاسِ عِنْدَهُ - بِحُكْمِ الْحَالِ وَغَلَبَةِ الرَّأْيِ لَا عَنِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ لِذَلِكَ - رُءُوسَ أُولَئِكَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّ عَلِيًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَكْرَهُهُمْ، وَلَكِنَّهُ تَرَبَّصَ بِهِمُ الدَّوَائِرَ، وَيَوَدُّ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُمْ لِيَأْخُذَ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ الْأَمْرُ هَكَذَا وَاسْتَحْوَذُوا عَلَيْهِ وَحَجَبُوا عَنْهُ عِلْيَةَ الصَّحَابَةِ، فَرَّ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ وَغَيْرِهِمْ إِلَى مَكَّةَ، وَاسْتَأْذَنَهُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فِي الِاعْتِمَارِ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَخَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَتَبِعَهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ. ندب علي ؓ أهل المدينة لقتال أهل الشام وَكَانَ عَلِيٌّ لَمَّا عَزَمَ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ نَدَبَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَطَلَبَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَحَرَّضَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ خَرَجُوا خَرَجْتُ، وَعَلَيَّ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، وَلَكِنْ لَا أَخْرُجُ لِلْقِتَالِ فِي هَذَا الْعَامِ. ثُمَّ تَجَهَّزَ ابْنُ عُمَرَ وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ. وَقَدِمَ إِلَى مَكَّةَ أَيْضًا فِي هَذَا الْعَامِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مِنَ الْيَمَنِ - وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا لِعُثْمَانَ - وَمَعَهُ سِتُّمِائَةِ بَعِيرٍ وَسِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَقَدِمَ إِلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ نَائِبَهَا لِعُثْمَانَ. تحريض عائشة ؓ على الخروج للمطالبة بدم عثمان ؓ فَاجْتَمَعَ فِيهَا خَلْقٌ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَامَتْ عَائِشَةُ، ؓ، فِي النَّاسِ تَخْطُبُهُمْ وَتَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وَذَكَرَتْ مَا افْتَاتَ بِهِ أُولَئِكَ مِنْ قَتْلِهِ فِي بَلَدٍ حَرَامٍ وَشَهْرٍ حَرَامٍ، وَلَمْ يُرَاقِبُوا جِوَارَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَقَدْ سَفَكُوا الدِّمَاءَ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ. فَاسْتَجَابَ النَّاسُ لَهَا، وَطَاوَعُوهَا عَلَى مَا تَرَاهُ مِنَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهَا: حَيْثُمَا سِرْتِ سِرْنَا مَعَكِ. فَقَالَ قَائِلٌ: نَذْهَبُ إِلَى الشَّامِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ كَفَاكُمْ أَمْرَهَا. وَلَوْ قَدِمُوهَا لَغَلَبُوا، وَاجْتَمَعَ الْأَمْرُ كُلُّهُ لَهُمْ ; لِأَنَّ أَكَابِرَ الصَّحَابَةِ مَعَهُمْ. وَقَالَ آخَرُونَ: نَذْهَبُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَطْلُبُ مِنْ عَلِيٍّ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ فَيُقْتَلُوا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَذْهَبُ إِلَى الْبَصْرَةِ فَنَتَقَوَّى بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ، وَنَبْدَأُ بِمَنْ هُنَاكَ مِنْ قَتَلَتِهِ. فَاتَّفَقَ الرَّأْيُ عَلَى ذَلِكَ، وَوَافَقَ بَقِيَّةُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ رَجَعْنَ عَنْ ذَلِكَ، وَقُلْنَ: لَا نَسِيرُ إِلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ. وَجَهَّزَ النَّاسَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ، فَأَنْفَقَ فِيهِمْ سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَسِتَّمِائَةِ بَعِيرٍ، وَجَهَّزَهُمُ ابْنُ عَامِرٍ أَيْضًا بِمَالٍ كَثِيرٍ: وَكَانَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ وَافَقَتْ عَائِشَةَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَمَنَعَهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ وَأَبَى هُوَ أَنْ يَسِيرَ مَعَهُمْ إِلَى غَيْرِ الْمَدِينَةِ، وَسَارَ النَّاسُ صُحْبَةَ عَائِشَةَ فِي أَلْفٍ. وَقِيلَ: تِسْعِمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. وَتَلَاحَقَ بِهِمْ آخَرُونَ، فَصَارُوا فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ تُحْمَلُ فِي هَوْدَجٍ عَلَى جَمَلٍ اسْمُهُ عَسْكَرٌ، اشْتَرَاهُ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ عُرَيْنَةَ بِمِائَتَيْ دِينَارٍ. وَقِيلَ: بِثَمَانِينَ دِينَارًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. يوم النحيب وَسَارَ مَعَهَا أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ فَفَارَقْنَهَا هُنَالِكَ وَبَكَيْنَ لِلْوَدَاعِ، وَتَبَاكَى النَّاسُ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى يَوْمَ النَّحِيبِ. موقف عائشة من ماء الحوأب وَسَارَ النَّاسُ قَاصِدِينَ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ عَنْ أَمْرِ عَائِشَةَ ابْنُ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ يُؤَذِّنُ لِلنَّاسِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ مَرُّوا فِي مَسِيرِهِمْ لَيْلًا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْحَوْأَبُ. فَنَبَحَتْهُمْ كِلَابٌ عِنْدَهُ، فَلَمَّا سَمِعَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ قَالَتْ: مَا اسْمُ هَذَا الْمَاءِ ؟ قَالُوا: الْحَوْأَبُ. فَضَرَبَتْ بِإِحْدَى يَدَيْهَا عَلَى الْأُخْرَى وَقَالَتْ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَا أَظُنُّنِي إِلَّا رَاجِعَةً. قَالُوا: وَلِمَ ؟ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ لِنِسَائِهِ: لَيْتَ شِعْرِي أَيَّتُكُنَّ الَّتِي تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ. ثُمَّ ضَرَبَتْ عَضُدَ بَعِيرِهَا فَأَنَاخَتْهُ، وَقَالَتْ: رُدُّونِي، أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبَةُ مَاءِ الْحَوْأَبِ. وَقَدْ أَوْرَدْنَا هَذَا الْحَدِيثَ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ كَمَا سَبَقَ. فَأَنَاخَ النَّاسُ حَوْلَهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً وَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَكِ أَنَّ هَذَا مَاءُ الْحَوْأَبِ قَدْ كَذَبَ. ثُمَّ قَالَ النَّاسُ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ ! هَذَا جَيْشُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَدْ أَقْبَلَ. فَارْتَحَلُوا نَحْوَ الْبَصْرَةِ. فَلَمَّا اقْتَرَبَتْ مِنَ الْبَصْرَةِ كَتَبَتْ إِلَى الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ أَنَّهَا قَدْ قَدِمَتْ. فَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَأَبَا الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ إِلَيْهَا لِيَعْلَمَا مَا جَاءَتْ لَهُ، فَلَمَّا قَدِمَا عَلَيْهَا، سَلَّمَا عَلَيْهَا، وَاسْتَعْلَمَا مِنْهَا مَا جَاءَتْ لَهُ، فَذَكَرَتْ لَهُمَا مَا الَّذِي جَاءَتْ لَهُ مِنَ الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ ; لِأَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَبَلَدٍ حَرَامٍ. وَتَلَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ الْآيَةَ [ النِّسَاءِ: 114 ] فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهَا فَجَاءَا إِلَى طَلْحَةَ فَقَالَا لَهُ: مَا أَقْدَمَكَ ؟ فَقَالَ: الطَّلَبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَا: أَمَا بَايَعْتَ عَلِيًّا ؟ قَالَ: بَلَى وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي، وَلَا أَسْتَقْبِلُهُ إِنْ هُوَ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ. فَذَهَبَا إِلَى الزُّبَيْرِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. قَالَ: فَرَجَعَ عِمْرَانُ وَأَبُو الْأَسْوَدِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: يَا ابْنَ حُنَيْفٍ قَدْ أَتَيْتَ فَانْفِرِ وَطَاعِنِ الْقَوْمَ وَجَالِدْ وَاصْبِرِ وَاخْرُجْ لَهُمْ مُسْتَلْثِمًا وَشَمِّرِ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، دَارَتْ رَحَا الْإِسْلَامُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَانْظُرُوا بِأَيِّ زَيَفَانٍ تَزِيفُ. فَقَالَ عِمْرَانُ: إِي وَاللَّهِ لَتَعْرُكَنَّكُمْ عَرْكًا طَوِيلًا. يُشِيرُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ إِلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: تَدُورُ رَحَا الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. الْحَدِيثَ كَمَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَشِرْ عَلَيَّ. فَقَالَ: اعْتَزِلْ فَإِنِّي قَاعِدٌ فِي مَنْزِلِي. أَوْ قَالَ: قَاعِدٌ عَلَى بَعِيرِي فَذَاهِبٌ. فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ أَمْنَعُهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَنَادَى فِي النَّاسِ يَأْمُرُهُمْ بِلُبْسِ السِّلَاحِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ، فَاجْتَمَعُوا فَأَمَرَهُمْ، بِالتَّجَهُّزِ، فَقَامَ رَجُلٌ وَعُثْمَانُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ جَاءُوا خَائِفِينَ فَقَدْ جَاءُوا مِنْ بَلَدٍ يَأْمَنُ فِيهَا الطَّيْرُ، وَإِنْ كَانُوا جَاءُوا يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ فَمَا نَحْنُ بِقَتَلَتِهِ، فَأَطِيعُونِي وَرُدُّوهُمْ مِنْ حَيْثُ جَاءُوا. فَقَامَ الْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: إِنَّمَا جَاءُوا يَسْتَعِينُونَ بِنَا عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنَّا وَمِنْ غَيْرِنَا. فَحَصَبَهُ النَّاسُ، فَعَلِمَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ أَنَّ لِقَتَلَةِ عُثْمَانَ بِالْبَصْرَةِ أَنْصَارًا فَكَسَرَهُ ذَلِكَ. نزول عائشة ؓ المربد وَقَدِمَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِمَنْ مَعَهَا مِنَ النَّاسِ، فَنَزَلُوا الْمِرْبَدَ مِنْ أَعْلَاهُ قَرِيبًا مِنَ الْبَصْرَةِ، وَخَرَجَ إِلَيْهَا مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَكَانَ مَعَهَا، وَخَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ بِالْجَيْشِ، فَاجْتَمَعُوا بِالْمِرْبَدِ، فَتَكَلَّمَ طَلْحَةُ - وَكَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ - فَنَدَبَ إِلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ عُثْمَانَ وَالطَّلَبِ بِدَمِهِ، وَتَابَعَهُ الزُّبَيْرُ فَتَكَلَّمَ بِمِثْلِ مَقَالَتِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمَا نَاسٌ مِنْ جَيْشِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، وَتَكَلَّمَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَحَرَّضَتْ وَحَثَّتْ عَلَى ذَلِكَ، فَتَثَاوَرَ طَوَائِفُ مِنْ أَطْرَافِ الْجَيْشَيْنِ، فَتَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ، ثُمَّ تَحَاجَزَ النَّاسُ وَرَجَعَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى حَوْزَتِهِ، وَقَدْ صَارَتْ طَائِفَةٌ مِنْ جَيْشِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ إِلَى جَيْشِ عَائِشَةَ، فَكَثُرُوا. وَجَاءَ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ السَّعْدِيُّ فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَاللَّهِ لَقَتْلُ عُثْمَانَ أَهْوَنُ مِنْ خُرُوجِكِ مِنْ بَيْتِكِ عَلَى هَذَا الْجَمَلِ عُرْضَةً لِلسِّلَاحِ، إِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا طَائِعَةً فَارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ إِلَى مَنْزِلِكِ، وَإِنْ كُنْتِ أَتَيْتِنَا مُكْرَهَةً فَاسْتَعِينِي بِالنَّاسِ فِي الرُّجُوعِ. بدء القتال ثم الصلح وَأَقْبَلَ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ - وَكَانَ عَلَى خَيْلِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ - فَأَنْشَبَ الْقِتَالَ وَجَعَلَ أَصْحَابُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَكُفُّونَ أَيْدِيَهُمْ وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ الْقِتَالِ، وَجَعَلَ حُكَيْمٌ يَقْتَحِمُ عَلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا عَلَى فَمِ السِّكَّةِ، وَأَمَرَتْ عَائِشَةُ أَصْحَابَهَا فَتَيَامَنُوا حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى مَقْبَرَةِ بَنِي مَازِنٍ، وَحَجَزَ اللَّيْلُ بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي قَصَدُوا الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، إِلَى أَنْ زَالَ النَّهَارُ، وَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ حُنَيْفٍ، وَكَثُرَتِ الْجِرَاحُ فِي الْفَرِيقَيْنِ، فَلَمَّا عَضَّتْهُمُ الْحَرْبُ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا وَيَبْعَثُوا رَسُولًا إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَسْأَلُ أَهْلَهَا ; إِنْ كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أُكْرِهَا عَلَى الْبَيْعَةِ، خَرَجَ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ عَنِ الْبَصْرَةِ وَأَخْلَاهَا لَهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا أُكْرِهَا عَلَى الْبَيْعَةِ، خَرَجَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَنْهَا وَأَخْلَوْهَا لَهُ. وَبَعَثُوا بِذَلِكَ كَعْبَ بْنَ سُورٍ الْقَاضِي، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَسَأَلَهُمْ: هَلْ بَايَعَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ طَائِعَيْنِ أَوْ مُكْرَهَيْنِ ؟ فَسَكَتَ النَّاسُ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَقَالَ: بَلْ كَانَا مُكْرَهَيْنِ. فَثَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فَأَرَادُوا ضَرْبَهُ، فَجَاحَفَ دُونَهُ صُهَيْبٌ، وَأَبُو أَيُّوبَ، وَجَمَاعَةٌ حَتَّى خَلَّصُوهُ وَقَالُوا لَهُ: مَا وَسِعَكَ مَا وَسِعَنَا مِنَ السُّكُوتِ ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ الْأَمْرَ يَنْتَهِي إِلَى هَذَا. كتاب علي ؓ إلى عثمان بن حنيف وَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ: إِنَّهُمَا لَمْ يُكْرَهَا عَلَى فُرْقَةٍ، وَلَقَدْ أُكْرِهَا عَلَى جَمَاعَةٍ وَفَضْلٍ، فَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ الْخَلْعَ فَلَا عُذْرَ لَهُمَا، وَإِنْ كَانَا يُرِيدَانِ غَيْرَ ذَلِكَ نَظَرَا وَنَظَرْنَا. وَقَدِمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ عَلَى عُثْمَانَ بِكِتَابِ عَلِيٍّ، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَذَا أَمْرٌ آخَرُ غَيْرُ مَا كُنَّا فِيهِ. وَبَعَثَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمَا فَأَبَى. فَجَمَعَا الرِّجَالَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَشَهِدَ بِهِمْ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، وَوَقَعَ مِنْ رِعَاعِ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَلَامٌ وَضَرْبٌ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ نَحْوٌ مَنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا، وَدَخَلَ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَصْرَهُ، فَأَخْرَجُوهُ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، وَلَمْ يَبْقَ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ إِلَّا نَتَفُوهَا، فَاسْتَعْظَمَا ذَلِكَ وَبَعَثَا إِلَى عَائِشَةَ فَأَعْلَمَاهَا الْخَبَرَ، فَأَمَرَتْ أَنْ تُخَلَّى سَبِيلُهُ، فَأَطْلَقُوهُ وَوَلَّوْا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَسَّمَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ فِي النَّاسِ، وَفَضَّلُوا أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِمُ النَّاسُ يَأْخُذُونَ أَرْزَاقَهُمْ، وَأَخَذُوا الْحَرَسَ، وَاسْتَبَدُّوا بِالْأَمْرِ فِي الْبَصْرَةِ. مقتل حكيم بن جبلة أحد قتلة عثمان فَحَمِيَ لِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَنْصَارِهِمْ، فَرَكِبُوا فِي جَيْشٍ قَرِيبٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَمُقَدَّمُهُمْ حُكَيْمُ بْنُ جَبَلَةَ، وَهُوَ أَحَدُ مَنْ بَاشَرَ قَتْلَ عُثْمَانَ، فَبَارَزُوا وَقَاتَلُوا، فَضَرَبَ رَجُلٌ رِجْلَ حُكَيْمِ بْنِ جَبَلَةَ فَقَطَعَهَا، فَزَحَفَ حَتَّى أَخَذَهَا وَضَرَبَ بِهَا ضَارِبَهُ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أَتَّكَأَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا سَاقُ لَنْ تُرَاعِى إِنَّ مَعِي ذِرَاعِي أَحْمِي بِهَا كُرَاعِي وَقَالَ أَيْضًا لَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أَمُوتَ عَارُ وَالْعَارُ فِي النَّاسِ هُوَ الْفِرَارُ وَالْمَجْدُ لَا يَفْضَحُهُ الدَّمَارُ فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ مُتَّكِئٌ بِرَأْسِهِ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ قَتَلَكَ ؟ فَقَالَ: وِسَادَتِي. ثُمَّ مَاتَ حُكَيْمٌ قَتِيلًا هُوَ وَنَحْوٌ مَنْ سَبْعِينَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَنْصَارِهِمْ، فَضَعُفَ جَأْشُ مَنْ خَالَفَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ.. وَيُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ بَايَعُوا طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ، وَنَدَبَ الزُّبَيْرُ أَلْفَ فَارِسٍ يَأْخُذُهَا مَعَهُ وَيَلْتَقِي عَلِيًّا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، وَكَتَبُوا بِذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ يُبَشِّرُونَهُمْ بِذَلِكَ. وقت وقعة الجمل وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْوَقْعَةُ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. وَقَدْ كَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ تَدْعُوهُ إِلَى نُصْرَتِهَا وَالْقِيَامِ مَعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِئْ فَلْيَكُفَّ يَدَهُ وَلْيَلْزَمْ مَنْزِلَهُ، أَيْ لَا يَكُونُ عَلَيْهَا وَلَا لَهَا، فَقَالَ: أَنَا فِي نُصْرَتِكِ مَا دُمْتِ فِي مَنْزِلِكِ. وَأَبَى أَنْ يُطِيعَهَا فِي ذَلِكَ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أُمِرَتْ أَنْ تَلْزَمَ بَيْتَهَا، وَأُمِرْنَا أَنْ نُقَاتِلَ، فَخَرَجَتْ مِنْ مَنْزِلِهَا وَأَمَرَتْنَا بِلُزُومِ بُيُوتِنَا الَّتِي كَانَتْ هِيَ أَحَقَّ بِذَلِكَ مِنَّا. وَكَتَبَتْ عَائِشَةُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَالْكُوفَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
التاريخ 2061لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَسِيرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ بَدَلًا عَنْ مَسِيرِهِ إِلَى الشَّامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ قَدْ تَجَهَّزَ قَاصِدًا الشَّامَ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَصْدُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ الْبَصْرَةَ، خَطَبَ النَّاسَ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَمْنَعَ أُولَئِكَ مِنْ دُخُولِهَا إِنْ أَمْكَنَ أَوْ يَطْرُدَهُمْ عَنْهَا إِنْ كَانُوا قَدْ دَخَلُوهَا، فَتَثَاقَلَ عَنْهُ أَكْثَرُ النَّاسِ، وَاسْتَجَابَ لَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: مَا نَهَضَ مَعَهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ غَيْرُ سِتَّةِ نَفَرٍ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ، لَيْسَ لَهُمْ سَابِعٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعَةٌ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ قَالَ: كَانَ مِمَّنِ اسْتَجَابَ لَهُ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَأَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، وَزِيَادُ بْنُ حَنْظَلَةَ، وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ. قَالُوا: وَلَيْسَ بِذِي الشَّهَادَتَيْنِ، ذَاكَ مَاتَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، ؓ. وَسَارَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ نَحْوَ الْبَصْرَةِ عَلَى تَعْبِئَتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الشَّامِ، غَيْرَ أَنَّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ تَمَّامَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَعَلَى مَكَّةَ قُثَمَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. لقاء عبد الله بن سلام والحسن بن علي مع علي ؓ وَخَرَجَ عَلِيٌّ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي نَحْوٍ مِنْ تِسْعِمِائَةِ مُقَاتِلٍ، وَقَدْ لَقِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، ؓ، عَلِيًّا وَهُوَ بِالرَّبَذَةِ، فَأَخَذَ بِلِجَامِ فَرَسِهِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تَخْرُجْ مِنْهَا فَوَاللَّهِ لَئِنْ خَرَجْتَ مِنْهَا لَا يَعُودُ إِلَيْهَا سُلْطَانُ الْمُسْلِمِينَ أَبَدًا. فَسَبَّهُ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ عَلِيٌّ: دَعُوهُ فَنِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى أَبِيهِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَقَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتَنِي، تُقْتَلُ غَدًا بِمَضْيَعَةٍ لَا نَاصِرَ لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَا تَزَالُ تَحِنُّ عَلَىَّ حَنِينَ الْجَارِيَةِ، وَمَا الَّذِي نَهَيْتَنِي عَنْهُ فَعَصَيْتُكَ ؟ فَقَالَ: أَلَمْ آمُرْكَ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا لِئَلَّا يُقْتَلَ وَأَنْتَ بِهَا، فَيَقُولُ قَائِلٌ أَوْ يَتَحَدَّثُ مُتَحَدِّثٌ ؟ أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ لَا تُبَايِعَ النَّاسَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْكَ أَهْلُ كُلِّ مِصْرٍ بَيْعَتَهُمْ ؟ وَأَمَرْتُكَ حِينَ خَرَجَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ وَهَذَانِ الرَّجُلَانِ أَنْ تَجْلِسَ فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، فَعَصَيْتَنِي فِي ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَمَّا قَوْلُكَ أَنِّي أَخْرُجُ قَبْلَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ، فَلَقَدْ أُحِيطَ بِنَا كَمَا أُحِيطَ بِهِ، وَأَمَّا مُبَايَعَتِي قَبْلَ مَجِيءِ بَيْعَةِ الْأَمْصَارِ، فَكَرِهْتُ أَنْ يَضِيعَ هَذَا الْأَمْرُ، وَأَمَّا أَنْ أَجْلِسَ وَقَدْ ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، فَتُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ كَالضَّبُعِ الَّتِي يُحَاطُ بِهَا وَيُقَالُ: لَيْسَتْ هَاهُنَا. حَتَّى يُحَلَّ عُرْقُوبُهَا فَتَخْرُجَ، فَإِذَا لَمْ أَنْظُرْ فِيمَا يَلْزَمُنِي مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَيَعْنِينِي، فَمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ ؟ فَكُفَّ عَنِّي يَا بُنَيَّ. كتاب علي ؓ إلى أهل الكوفة وَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ خَبَرُ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ بِالْبَصْرَةِ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ: إِنِّي قَدِ اخْتَرْتُكُمْ عَلَى الْأَمْصَارِ، وَفَزِعْتُ إِلَيْكُمْ لِمَا حَدَثَ، فَكُونُوا لِدِينِ اللَّهِ أَعْوَانًا وَأَنْصَارًا، وَانْهَضُوا إِلَيْنَا، فَالْإِصْلَاحَ نُرِيدُ لِتَعُودَ هَذِهِ الْأُمَّةُ إِخْوَانًا. فَمَضَيَا وَأَرْسَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَخَذَ مَا أَرَادَ مِنْ سِلَاحٍ وَدَوَابٍّ، وَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعَزَّنَا بِالْإِسْلَامِ وَرَفَعَنَا بِهِ، وَجَعَلَنَا بِهِ إِخْوَانًا بَعْدَ ذِلَّةٍ وَقِلَّةٍ وَتَبَاغُضٍ وَتَبَاعُدٍ، فَجَرَى النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ; الْإِسْلَامُ دِينُهُمْ، وَالْحَقُّ قَائِمٌ بَيْنَهُمْ، وَالْكِتَابُ إِمَامُهُمْ، حَتَّى أُصِيبَ هَذَا الرَّجُلُ بِأَيْدِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَذَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ لِيَنْزِغَ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ لَا بُدَّ مُفْتَرِقَةٌ كَمَا افْتَرَقَتِ الْأُمَمُ قَبْلَهَا، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ مَا هُوَ كَائِنٌ. ثُمَّ عَادَ ثَانِيَةً فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ أَنْ يَكُونَ، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ; شَرُّهَا فِرْقَةٌ تُحِبُّنِي وَلَا تَعْمَلُ بِعَمَلِي، وَقَدْ أَدْرَكْتُمْ وَرَأَيْتُمْ، فَالْزَمُوا دِينَكُمْ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ، وَاتَّبِعُوا سُنَّتَهُ، وَأَعْرِضُوا عَمَّا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ حَتَّى تَعْرِضُوهُ عَلَى الْكِتَابِ، فَمَا عَرَّفَهُ الْقُرْآنُ فَالْزَمُوهُ، وَمَا أَنْكَرَهُ فَرُدُّوهُ، وَارْضَوْا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَبِالْقُرْآنِ حَكَمًا وَإِمَامًا. خروج علي ؓ من الربذة يريد البصرة قَالَ: فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ مِنَ الرَّبَذَةِ قَامَ إِلَيْهِ ابْنٌ لِرِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ ؟ وَأَيْنَ تَذْهَبُ بِنَا ؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي نُرِيدُ وَنَنْوِي فَالْإِصْلَاحُ، إِنْ قَبِلُوا مِنَّا وَأَجَابُوا إِلَيْهِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوا إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ بِغَدْرِهِمْ وَنُعْطِيهِمُ الْحَقَّ وَنَصْبِرُ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَرْضَوْا ؟ قَالَ: نَدَعُهُمْ مَا تَرَكُونَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا ؟ قَالَ: امْتَنَعْنَا مِنْهُمْ. قَالَ: فَنَعَمْ إِذًا. فَقَامَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: لَأُرْضِيَنَّكَ بِالْفِعْلِ كَمَا أَرْضَيْتَنِي بِالْقَوْلِ، وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنِّي اللَّهُ كَمَا سَمَّانَا أَنْصَارًا. قَالَ: وَأَتَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ طَيِّئٍ وَعَلِيٌّ بِالرَّبَذَةِ، فَقِيلَ لَهُ: هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ جَاءُوا مِنْ طَيِّئٍ ; مِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مَعَكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْكَ. فَقَالَ: جَزَى اللَّهُ كُلًّا خَيْرًا وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [ النِّسَاءِ: 95 ] ثُمَّ سَارَ مِنَ الرَّبَذَةِ عَلَى تَعْبِئَتِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَةً حَمْرَاءَ يَقُودُ فَرَسًا كُمَيْتَا، فَلَمَّا كَانَ بِفَيْدٍ جَاءَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَسَدٍ وَطَيِّئٍ، فَعَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ: فِي مَنْ مَعِي كِفَايَةٌ. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يُقَالُ لَهُ: عَامِرُ بْنُ مَطَرٍ الشَيْبَانِيُّ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: مَا وَرَاءَكَ ؟ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى فَقَالَ: إِنْ أَرَدْتَ الصُّلْحَ فَأَبُو مُوسَى صَاحِبُهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْقِتَالَ فَلَيْسَ بِصَاحِبِهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ مَا أُرِيدُ إِلَّا الصُّلْحَ مِمَّنْ تَمَرَّدَ عَلَيْنَا. بلوغ علي خبر ما حدث في البصرة ومع عثمان بن حنيف وَسَارَ فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنَ الْكُوفَةِ وَجَاءَهُ الْخَبَرُ بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ عَلَى جَلِيَّتِهِ، مِنْ قَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنَ النَّاسِ، وَمِنْ إِخْرَاجِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَأَخْذِهِمْ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، جَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ عَافِنِي مِمَّا ابْتَلَيْتَ بِهِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى ذِي قَارٍ أَتَاهُ عُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ مُهَشَّمًا، وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ شَعْرَةٌ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعَثْتَنِي إِلَى الْبَصْرَةِ وَأَنَا ذُو لِحْيَةٍ، وَقَدْ جِئْتُكَ أَمْرَدَ. فَقَالَ: أَصَبْتَ أَجْرًا وَخَيْرًا. وَقَالَ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ: اللَّهُمَّ احْلُلْ مَا عَقَدَا، وَلَا تُبْرِمْ مَا أَحْكَمَا فِي أَنْفُسِهِمَا، وَأَرِهِمَا الْمَسَاءَةَ فِيمَا قَدْ عَمِلَا - يَعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ. إقامة علي ؓ بذي وقار وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِذِي قَارٍ يَنْتَظِرُ جَوَابَ مَا كَتَبَ بِهِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَصَاحِبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ - وَكَانَا قَدْ قَدِمَا بِكِتَابِهِ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَقَامَا فِي النَّاسِ بِأَمْرِهِ - فَلَمْ يُجَابَا فِي شَيْءٍ، فَلَمَّا أَمْسَوْا دَخَلَ نَاسٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا عَلَى أَبِي مُوسَى يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ الطَّاعَةَ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: كَانَ هَذَا بِالْأَمْسِ. فَغَضِبَ مُحَمَّدٌ وَمُحَمَّدٌ، فَقَالَا لَهُ قَوْلًا غَلِيظًا، فَقَالَ لَهُمَا: وَاللَّهِ إِنَّ بَيْعَةَ عُثْمَانَ لَفِي عُنُقِي وَعُنُقِ صَاحِبِكُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قِتَالٍ فَلَا نُقَاتِلُ أَحَدًا حَتَّى نَفْرَغَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ حَيْثُ كَانُوا وَمَنْ كَانُوا. فَانْطَلَقَا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، وَهُوَ بِذِي قَارٍ، فَقَالَ لِلْأَشْتَرِ: أَنْتَ صَاحِبُنَا فِي أَبِي مُوسَى وَالْمُعْتَرِضُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ! فَاذْهَبْ أَنْتَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فَأَصْلِحْ مَا أَفْسَدْتَ. فَخَرَجَا فَقَدِمَا الْكُوفَةَ، وَكَلَّمَا أَبَا مُوسَى، وَاسْتَعَانَا عَلَيْهِ بِنَفَرٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، فَقَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، ﷺ، الَّذِينَ صَحِبُوهُ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مِمَّنْ لَمْ يَصْحَبْهُ، وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا حَقًّا، وَأَنَا مُؤَدٍّ إِلَيْكُمْ نَصِيحَةً، كَانَ الرَّأْيُ أَنْ لَا تَسْتَخِفُّوا بِسُلْطَانِ اللَّهِ وَأَنْ لَا تَجْتَرِئُوا عَلَى أَمْرِهِ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقِظَانُ خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدُ خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ، وَالرَّاكِبُ خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَاغْمِدُوا السُّيُوفَ، وَأَنْصِلُوا الْأَسِنَّةَ، وَاقْطَعُوا الْأَوْتَارَ، وَآوُوا الْمُضْطَهَدَ وَالْمَظْلُومَ حَتَّى يَلْتَئِمَ هَذَا الْأَمْرُ، وَتَنْجَلِيَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ. فَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ، فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ الْحَسَنَ وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَقَالَ لِعَمَّارٍ: انْطَلِقْ فَأَصْلِحْ مَا أَفْسَدْتَ. فَانْطَلَقَا حَتَّى دَخَلَا الْمَسْجِدَ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمَا مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، فَقَالَ لِعَمَّارٍ: عَلَامَ قَتَلْتُمْ عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ: عَلَى شَتْمِ أَعْرَاضِنَا وَضَرْبِ أَبْشَارِنَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَاقَبْتُمْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَوْ صَبَرْتُمْ لَكَانَ خَيْرًا لِلصَّابِرِينَ. قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو مُوسَى فِلَقِيَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِعَمَّارٍ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ أَعَدَوْتَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ قَتَلْتَهُ ؟ فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْ وَلَمْ يَسُؤْنِي ذَلِكَ. فَقَطَعَ عَلَيْهِمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ لِأَبِي مُوسَى: لِمَ تُثَبِّطُ النَّاسَ عَنَّا ؟ فَوَاللَّهِ مَا أَرَدْنَا إِلَّا الْإِصْلَاحَ، وَلَا مِثْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُخَافُ عَلَى شَيْءٍ. فَقَالَ: صَدَقْتَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، وَلَكِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ، ﷺ، يَقُولُ: إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ الرَّاكِبِ، وَقَدْ جَعَلَنَا اللَّهُ إِخْوَانًا، وَحَرَّمَ عَلَيْنَا دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا. فَغَضِبَ عَمَّارٌ وَسَبَّهُ، وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَحْدَهُ: " أَنْتَ فِيهَا قَاعِدًا خَيْرٌ مِنْكَ قَائِمًا ". فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِأَبِي مُوسَى وَنَالَ مِنْ عَمَّارٍ، وَثَارَ آخَرُونَ، وَجَعَلَ أَبُو مُوسَى يُكَفْكِفُ النَّاسَ، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَيُّهَا النَّاسُ، أَطِيعُونِي وَكُونُوا خَيْرَ قَوْمٍ مِنْ خَيْرِ أُمَمِ الْعَرَبِ، يَأْوِي إِلَيْهِمُ الْمَظْلُومُ، وَيَأْمَنُ فِيهِمُ الْخَائِفُ، وَإِنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ بَيَّنَتْ. ثُمَّ أَمَرَ النَّاسَ بِكَفِّ أَيْدِيهِمْ وَلُزُومِ بُيُوتِهِمْ، فَقَامَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَيِّدِ الْمُسْلِمِينَ، سِيرُوا إِلَيْهِ أَجْمَعِينَ. فَقَامَ الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: إِنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ الْأَمِيرُ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ يَرْدَعُ الظَّالِمَ، وَيُعْدِي الْمَظْلُومَ، وَيَنْتَظِمُ بِهِ شَمْلُ النَّاسِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مَلِيءٌ بِمَا وَلِيَ، وَقَدْ أُنْصِفَ فِي الدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْإِصْلَاحَ فَانْفِرُوا إِلَيْهِ. وَقَامَ عَبْدُ خَيْرٍ فَقَالَ: النَّاسُ أَرْبَعُ فِرَقٍ ; عَلِيٌّ بِمَنْ مَعَهُ فِي ظَاهِرِ الْكُوفَةِ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ بِالْبَصْرَةِ، وَمُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ، وَفِرْقَةٌ بِالْحِجَازِ لَا تُقَاتِلُ وَلَا عَنَاءَ بِهَا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أُولَئِكَ خَيْرُ الْفِرَقِ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ. قيام عمار والحسن في الناس على المنبر للنفير إلى علي ؓ ثُمَّ تَرَاسَلَ النَّاسُ فِي الْكَلَامِ، ثُمَّ قَامَ عَمَّارٌ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي النَّاسِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَدْعُوَانِ النَّاسَ إِلَى النَفِيرِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ; فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُرِيدُ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَسَمِعَ عَمَّارٌ رَجُلًا يَسُبُّ عَائِشَةَ، فَقَالَ: اسْكُتْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُمْ بِهَا لِيَعْلَمَ أَتُطِيعُونَهُ أَوْ إِيَّاهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَامَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: انْفَرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [ التَّوْبَةِ: 41 ] وَجَعَلَ النَّاسُ كُلَّمَا قَامَ رَجُلٌ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى النَفِيرِ يُثَبِّطُهُمْ أَبُو مُوسَى مِنْ فَوْقِ الْمِنْبَرِ، وَعَمَّارٌ وَالْحَسَنُ مَعَهُ عَلَى الْمِنْبَرِ حَتَّى قَالَ لَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: وَيْحَكَ ! اعْتَزِلْنَا لَا أُمَّ لَكَ، وَدَعْ مِنْبَرَنَا. وَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا بَعَثَ الْأَشْتَرَ، فَعَزَلَ أَبَا مُوسَى عَنِ الْكُوفَةِ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ قَصْرِ الْإِمَارَةِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ. وَاسْتَجَابَ النَّاسُ لِلنَّفِيرِ فَخَرَجَ مَعَ الْحَسَنِ تِسْعَةُ آلَافٍ فِي الْبَرِّ وَفِي دِجْلَةَ، وَيُقَالُ: سَارَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَرَجُلٌ وَاحِدٌ، فَقَدِمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِذِي قَارٍ فَتَلَقَّاهُمْ إِلَى أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ فِي جَمَاعَةٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، أَنْتُمْ لَقِيتُمْ مُلُوكَ الْعَجَمِ فَفَضَضْتُمْ جُمُوعَهُمْ، وَقَدْ دَعَوْتُكُمْ لِتَشْهَدُوا مَعَنَا إِخْوَانَنَا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَإِنْ يَرْجِعُوا فَذَاكَ الَّذِي نُرِيدُ، وَإِنْ أَبَوْا دَاوَيْنَاهُمْ بِالرِّفْقِ حَتَّى يَبْدَأُونَا بِالظُّلْمِ، وَلَمْ نَدَعْ أَمْرًا فِيهِ صَلَاحٌ إِلَّا آثَرْنَاهُ عَلَى مَا فِيهِ الْفَسَادُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ بِذِي قَارٍ. مِنْ رُؤَسَاءِ مَنِ انْضَافَ إِلَى عَلِيٍّ وَكَانَ مِنَ الْمَشْهُورِينَ مِنْ رُؤَسَاءِ مَنِ انْضَافَ إِلَى عَلِيٍّ ; الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو، وَسِعْرُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِنْدُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْهَيْثَمُ بْنُ شِهَابٍ، وَزَيْدُ بْنُ صُوحَانَ، وَالْأَشْتَرُ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، وَالْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَمْثَالُهُمْ، وَكَانَتْ عَبْدُ الْقَيْسِ بِكَمَالِهَا بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ يَنْتَظِرُونَهُ وَهُمْ أُلُوفٌ. سبب ترك علي قتل من قتل عثمان ؓ فَبَعَثَ عَلِيٌّ الْقَعْقَاعَ رَسُولًا إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بِالْبَصْرَةِ يَدْعُوهُمَا إِلَى الْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَيُعَظِّمُ عَلَيْهِمَا الْفُرْقَةَ وَالِاخْتِلَافَ، فَذَهَبَ الْقَعْقَاعُ إِلَى الْبَصْرَةِ، فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَيْ أُمَّهْ، مَا أَقْدَمَكِ هَذِهِ الْبَلْدَةَ ؟ فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ. فَسَأَلَهَا أَنْ تَبْعَثَ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ لِيَحْضُرَا عِنْدَهَا، فَحَضَرَا فَقَالَ الْقَعْقَاعُ: إِنِّي سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَقْدَمَهَا ؟ فَقَالَتِ: الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ. فَقَالَا: وَنَحْنُ كَذَلِكَ. قَالَ: فَأَخْبِرَانِي مَا وَجْهُ هَذَا الْإِصْلَاحِ ؟ فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَرَفْنَاهُ لِنَصْطَلِحَنَّ، وَلَئِنْ أَنْكَرْنَاهُ لَا نَصْطَلِحَنَّ. قَالَا: قَتَلَةُ عُثْمَانَ، فَإِنَّ هَذَا إِنْ تُرِكَ كَانَ تَرْكًا لِلْقُرْآنِ. فَقَالَ: قَتَلْتُمَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَأَنْتُمْ قَبْلَ قَتْلِهِمْ أَقْرَبُ مِنْكُمْ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ مِنْكُمُ الْيَوْمَ، قَتَلْتُمْ سِتَّمِائَةِ رَجُلٍ، فَغَضِبَ لَهُمْ سِتَّةُ آلَافٍ فَاعْتَزَلُوكُمْ، وَخَرَجُوا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَطَلَبْتُمْ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ، فَمَنَعَهُ سِتَّةُ آلَافٍ، فَإِنْ تَرَكْتُمُوهُمْ وَقَعْتُمْ فِيمَا تَقُولُونَ، وَإِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ فَأُدِيلُوا عَلَيْكُمْ، فَالَّذِي حَذِرْتُمْ وَفَرِقْتُمْ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَعْظَمُ مِمَّا أَرَاكُمْ تَدْفَعُونَ وَتَجْمَعُونَ مِنْهُ. يَعْنِي أَنَّ الَّذِي تُرِيدُونَ مِنْ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ مَصْلَحَةٌ، وَلَكِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْهَا، وَكَمَا أَنَّكُمْ عَجَزْتُمْ عَنِ الْأَخْذِ بِثَأْرِ عُثْمَانَ مِنْ حُرْقُوصِ بْنِ زُهَيْرٍ، لِقِيَامِ سِتَّةِ آلَافٍ فِي مَنْعِهِ مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ، فَعَلِيٌّ أَعْذَرُ فِي تَرْكِهِ الْآنَ قَتْلَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَإِنَّمَا أَخَّرَ قَتْلَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَى أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْهُمْ بَعْدَ هَذَا، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ مُخْتَلِفَةٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ خَلْقًا مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ قَدْ أَجْمَعُوا لِحَرْبِهِمْ بِسَبَبِ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي وَقَعَ. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَقُولُ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي وَقَعَ دَوَاؤُهُ التَّسْكِينُ، فَإِذَا سَكَنَ اخْتَلَجُوا، فَإِنْ أَنْتُمْ بَايَعْتُمُونَا فَعَلَامَةُ خَيْرٍ، وَتَبَاشِيرُ رَحْمَةٍ، وَدَرَكٌ بِثَأْرٍ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ إِلَّا مُكَابَرَةَ هَذَا الْأَمْرِ وَائْتِنَافَهُ، كَانَتْ عَلَامَةَ شَرٍّ، وَذَهَابَ هَذَا الْمُلْكِ، فَآثِرُوا الْعَافِيَةَ تُرْزَقُوهَا، وَكُونُوا مَفَاتِيحَ خَيْرٍ كَمَا كُنْتُمْ أَوَّلَ، وَلَا تُعَرِّضُونَا لِلْبَلَاءِ فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَيَصْرَعَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ، وَايْمُ اللَّهِ، إِنِّي لَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، وَإِنِّي لَخَائِفٌ أَنْ لَا يُتِمَّ حَتَّى يَأْخُذَ اللَّهُ حَاجَتَهُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي قَلَّ مَتَاعُهَا، وَنَزَلَ بِهَا مَا نَزَلَ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَلَيْسَ كَقَتْلِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَلَا النَّفَرِ الرَّجُلَ، وَلَا الْقَبِيلَةِ الْقَبِيلَةَ. فَقَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ فَارْجِعْ، فَإِنْ قَدِمَ عَلِيٌّ وَهُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِكَ صَلُحَ الْأَمْرُ. نزول عائشة على رأي القعقاع والصلح مع علي ؓ قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَأَشْرَفَ الْقَوْمُ عَلَى الصُّلْحِ، كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ كَرِهَهُ، وَرَضِيَهُ مَنْ رَضِيَهُ. وَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ إِلَى عَلِيٍّ تُعْلِمُهُ أَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ لِلْإِصْلَاحِ، فَفَرِحَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَقَامَ عَلِيٌّ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَذَكَرَ الْجَاهِلِيَّةَ وَشَقَاءَهَا، وَذَكَرَ الْإِسْلَامَ وَسَعَادَةَ أَهْلِهِ بِالْأُلْفَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ، ﷺ، عَلَى الْخَلِيفَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ثُمَّ بَعْدَهُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ثُمَّ عَلَى عُثْمَانَ، ثُمَّ حَدَثَ هَذَا الْحَدَثُ الَّذِي جَرَّهُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَقْوَامٌ طَلَبُوا هَذِهِ الدُّنْيَا، وَحَسَدُوا مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا، وَعَلَى الْفَضِيلَةِ الَّتِي مَنَّ بِهَا، وَأَرَادُوا رَدَّ الْإِسْلَامِ وَالْأَشْيَاءِ عَلَى أَدْبَارِهَا، وَاللَّهُ بَالِغُ أَمْرِهِ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنِّي مُرْتَحِلٌ غَدًا فَارْتَحِلُوا، وَلَا يَرْتَحِلُ مَعِي أَحَدٌ أَعَانَ عَلَى عُثْمَانَ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ. اجتماع قتلة عثمان ؓ فَلَمَّا قَالَ هَذَا اجْتَمَعَ مِنْ رُءُوسِهِمْ جَمَاعَةٌ ; كَالْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ، وَشُرَيْحِ بْنِ أَوْفَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ، الْمَعْرُوفِ بِابْنِ السَّوْدَاءِ، وَسَالِمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَعِلْبَاءَ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَغَيْرِهِمْ فِي أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ وَلَيْسَ فِيهِمْ صَحَابِيٌّ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَقَالُوا: مَا هَذَا الرَّأْيُ ؟ وَعَلِيٌّ وَاللَّهِ أَبْصَرُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَهُوَ مِمَّنْ يَطْلُبُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَأَقْرَبُ إِلَى الْعَمَلِ بِذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ مَا سَمِعْتُمْ، غَدًا يَجْمَعُ عَلَيْكُمُ النَّاسَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ أَنْتُمْ، فَكَيْفَ بِكُمْ وَعَدَدُكُمْ قَلِيلٌ فِي كَثْرَتِهِمْ ؟ فَقَالَ الْأَشْتَرُ: قَدْ عَرَفْنَا رَأْيَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ فِينَا، وَأَمَّا رَأْيُ عَلِيٍّ فَلَمْ نَعْرِفُهُ إِلَى الْيَوْمِ، فَإِنْ كَانَ قَدِ اصْطَلَحَ مَعَهُمْ فَإِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَى دِمَائِنَا، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا أَلْحَقْنَا عَلِيًّا بِعُثْمَانَ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ مِنَّا بِالسُّكُوتِ. فَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ مَا رَأَيْتَ، لَوْ قَتَلْنَاهُ قُتِلْنَا، فَإِنَّا يَا مَعْشَرَ قَتَلَةِ عُثْمَانَ فِي أَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَأَصْحَابُهُمَا فِي خَمْسَةِ آلَافٍ، وَلَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِمْ، وَهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُونَكُمْ. فَقَالَ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ: دَعُوهُمْ وَارْجِعُوا بِنَا حَتَّى نَتَعَلَّقَ بِبَعْضِ الْبِلَادِ فَنَمْتَنِعَ بِهَا. فَقَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، إِذًا وَاللَّهِ كَانَ يَتَخَطَّفُكُمُ النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ السَّوْدَاءِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ: يَا قَوْمِ إِنَّ عِزَّكُمْ فِي خُلْطَةِ النَّاسِ، فَإِذَا الْتَقَى النَّاسُ فَأَنْشِبُوا الْقِتَالَ، وَلَا تُفَرِّغُوهُمْ لِلنَّظَرِ، فَمَنْ أَنْتُمْ مَعَهُ لَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَمْتَنِعَ، وَيَشْغَلُ اللَّهُ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا عَمَّا تَكْرَهُونَ. فَأَبْصَرُوا الرَّأْيَ وَتَفَرَّقُوا عَلَيْهِ، وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ مُرْتَحِلًا، وَمَرَّ بِعَبْدِ الْقَيْسِ، فَسَارُوا مَعَهُ حَتَّى نَزَلُوا بِالزَّاوِيَةِ، وَسَارَ مِنْهَا يُرِيدُ الْبَصْرَةَ، وَسَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا لِلِقَائِهِ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَ قَصْرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، وَنَزَلَ النَّاسُ كُلٌّ فِي نَاحِيَةٍ، وَقَدْ سَبَقَ عَلِيٌّ جَيْشَهُ، وَهُمْ يَتَلَاحَقُونَ بِهِ، فَمَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ لِلنِّصْفِ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ بِانْتِهَازِ الْفُرْصَةِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَقَالَا: إِنَّ عَلِيًّا قَدْ أَشَارَ بِتَسْكِينِ هَذَا الْأَمْرِ، وَقَدْ بَعَثْنَا إِلَيْهِ بِالْمُصَالَحَةِ عَلَى ذَلِكَ. وَقَامَ عَلِيٌّ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَعْوَرُ بْنُ بُنَانٍ الْمِنْقَرِيُّ، فَسَأَلَهُ عَنْ إِقْدَامِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ فَقَالَ: الْإِصْلَاحُ وَإِطْفَاءُ النَّائِرَةِ ; لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَلْتَئِمَ شَمْلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُجِيبُونَا ؟ قَالَ: تَرَكْنَاهُمْ مَا تَرَكُونَا. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَتْرُكُونَا ؟ قَالَ: دَفَعْنَاهُمْ عَنْ أَنْفُسِنَا. قَالَ: فَهَلْ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِثْلُ الَّذِي لَنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو سَلَامَةَ الدَّالَانِيُّ، فَقَالَ: هَلْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ حُجَّةٍ فِيمَا طَلَبُوا مِنْ هَذَا الدَّمِ، إِنْ كَانُوا أَرَادُوا اللَّهَ فِي ذَلِكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ لَكَ مِنْ حُجَّةٍ فِي تَأْخِيرِكَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَالُنَا وَحَالُهُمْ إِنِ ابْتُلِينَا غَدًا ؟ قَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُقْتَلَ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَحَدٌ نَقَّى قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ. وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: أَيُّهَا النَّاسُ أَمْسِكُوا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَيْدِيَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَسْبِقُونَا فَإِنَّ الْمَخْصُومَ غَدًا مَنْ خُصِمَ الْيَوْمَ. الأحنف بن قيس والانضمام إلى علي وَجَاءَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي جَمَاعَةٍ، فَانْضَافَ إِلَى عَلِيٍّ - وَكَانَ قَدْ مَنَعَ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ مِنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ - وَكَانَ قَدْ بَايَعَ عَلِيًّا بِالْمَدِينَةِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَسَأَلَ عَائِشَةَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ: إِنْ قُتِلَ عُثْمَانُ مَنْ أُبَايِعُ ؟ فَقَالُوا: بَايِعْ عَلِيًّا. فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ بَايَعَ عَلِيًّا، قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي، فَجَاءَنِي بَعْدَ ذَلِكَ مَا هُوَ أَفْظَعُ، حَتَّى قَالَ النَّاسُ: هَذِهِ عَائِشَةُ جَاءَتْ لِتَأْخُذَ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَحِرْتُ فِي أَمْرِي لِمَنْ أَتَّبِعْ، فَنَفَعَنِي اللَّهُ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَقَدْ بَلَغَهُ أَنَّ الْفُرْسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ ابْنَةَ كِسْرَى فَقَالَ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ". وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْأَحْنَفَ لَمَّا انْحَازَ إِلَى عَلِيٍّ وَمَعَهُ سِتَّةُ آلَافٍ فَقَالَ لِعَلِيٍّ: إِنْ شِئْتَ قَاتَلْتُ مَعَكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَفْتُ عَنْكَ عَشَرَةَ آلَافِ سَيْفٍ. فَقَالَ: اكْفُفْ عَنَّا عَشَرَةَ آلَافِ سَيْفٍ. ثُمَّ بَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَا فَارَقْتُمْ عَلَيْهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو فَكُفُّوا حَتَّى نَنْزِلَ فَنَنْظُرَ فِي هَذَا الْأَمْرِ. فَأَرْسَلَا إِلَيْهِ فِي جَوَابِ رِسَالَتِهِ: إِنَّا عَلَى مَا فَارَقْنَا عَلَيْهِ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو مِنَ الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ. فَاطْمَأَنَّتِ النُّفُوسُ وَسَكَنَتْ، وَاجْتَمَعَ كُلُّ فَرِيقٍ بِأَصْحَابِهِ مِنَ الْجَيْشَيْنِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا بَعَثَ عَلِيٌّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِلَيْهِمْ، وَبَعَثُوا إِلَيْهِ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ السَّجَّادَ. احتدام القتال بين جيش علي وجيش عائشة ؓ وَبَاتَ النَّاسُ بِخَيْرِ لَيْلَةٍ، وَبَاتَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ بِشَرِّ لَيْلَةٍ، وَبَاتُوا يَتَشَاوَرُونَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يُثِيرُوا الْحَرْبَ مِنَ الْغَلَسِ، فَنَهَضُوا مِنْ قَبْلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَهُمْ قَرِيبٌ مَنْ أَلْفَيْ رَجُلٍ فَانْصَرَفَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى قَرَابَاتِهِمْ، فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ، فَثَارَ كُلُّ طَائِفَةٍ إِلَى قَوْمِهِمْ لِيَمْنَعُوهُمْ، وَقَامَ النَّاسُ مِنْ مَنَامِهِمْ إِلَى السِّلَاحِ، فَقَالُوا: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: طَرَقَنَا أَهْلُ الْكُوفَةِ لَيْلًا، وَبَيَّتُونَا وَغَدَرُوا بِنَا. وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا عَنْ مَلَأٍ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ، فَبَلَغَ الْأَمْرُ عَلِيًّا فَقَالَ: مَا لِلنَّاسِ ؟ فَقَالُوا بَيَّتَنَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ. فَثَارَ كُلُّ فَرِيقٍ إِلَى سِلَاحِهِمْ، وَلَبِسُوا اللَّأْمَةَ، وَرَكِبُوا الْخُيُولَ، وَلَا يَشْعُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمَا وَقَعَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا. فَنَشِبَتِ الْحَرْبُ وَتَوَاقَفَ الْفَرِيقَانِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ مَعَ عَلِيٍّ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَالْتَفَّ عَلَى عَائِشَةَ وَمَنْ مَعَهَا نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ، وَتَبَارَزَ الْفُرْسَانُ، وَجَالَتِ الشُّجْعَانُ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَالسَّبَئِيَّةُ أَصْحَابُ ابْنُ السَّوْدَاءِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ لَا يَفْتَرُونَ عَنِ الْقَتْلِ، وَمُنَادِي عَلِيٍّ يُنَادِي: أَلَا كُفُّوا ! أَلَا كُفُّوا ! فَلَا يَسْمَعُ أَحَدٌ، وَجَاءَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ، فَقَالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَدْرِكِي النَّاسَ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِكِ بَيْنَ النَّاسِ. فَجَلَسَتْ فِي هَوْدَجِهَا فَوْقَ بَعِيرِهَا، وَسَتَرُوا الْهَوْدَجَ بِالدُّرُوعِ، وَجَاءَتْ فَوَقَفَتْ بِحَيْثُ تَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ فِي مَعْرَكَتِهِمْ، فَتَصَاوَلُوا وَتَجَاوَلُوا، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ تَبَارَزَ الزُّبَيْرُ وَعَمَّارٌ، فَجَعَلَ عَمَّارٌ يَحُوزُهُ بِالرُّمْحِ، وَالزُّبَيْرُ كَافٌ عَنْهُ، وَيَقُولُ لَهُ: أَتَقْتُلُنِي يَا أَبَا الْيَقْظَانِ ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَإِنَّمَا تَرَكَهُ الزُّبَيْرُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ وَإِلَّا فَالزُّبَيْرُ أَقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْهُ عَلَيْهِ، فَلِهَذَا كَفَّ عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ مِنْ سُنَّتِهِمْ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنَّهُ لَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَقَدْ قُتِلَ مَعَ هَذَا بَشَرٌ كَثِيرٌ جِدًّا، حَتَّى جَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ لِابْنِهِ الْحَسَنِ: يَا بُنَيَّ لَيْتَ أَبَاكَ مَاتَ قَبْلَ هَذَا الْيَوْمِ بِعِشْرِينَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَهْ قَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. وعن عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: لَمَّا اشْتَدَّ الْقِتَالُ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَرَأَى عَلِيٌّ الرُّءُوسَ تَنْدُرُ، أَخَذَ عَلِيٌّ ابْنَهُ الْحَسَنَ، فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لِلَّهِ يَا حَسَنُ ! أَيُّ خَيْرٍ يُرْجَى بَعْدَ هَذَا ! مقتل الزبير وطلحة فَلَمَّا رَكِبَ الْجَيْشَانِ، وَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ، طَلَبَ عَلِيٌّ الزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، لِيُكَلِّمَهُمَا، فَاجْتَمَعُوا حَتَّى الْتَفَّتْ أَعْنَاقُ خُيُولِهِمْ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ قَالَ لَهُمَا: إِنِّي أَرَاكُمَا قَدْ جَمَعْتُمَا خَيْلًا وَرِجَالًا وَعَدَدًا، فَهَلْ أَعْدَدْتُمَا عُذْرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ ؟ فَاتَّقِيَا اللَّهَ، وَلَا تَكُونَا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا، أَلَمْ أَكُنْ أَخَاكُمَا فِي دِينِكُمَا، تُحَرِّمَانِ دَمِي وَأُحَرِّمُ دَمَكُمَا، فَهَلْ مِنْ حَدَثٍ أَحَلَّ لَكُمَا دَمِي ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَلَّبْتَ عَلَىَّ عُثْمَانَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ [ النُّورِ: 25 ] ثُمَّ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ. ثُمَّ قَالَ: يَا طَلْحَةُ، أَجِئْتَ بِعِرْسِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، تَقَاتِلُ بِهَا، وَخَبَّأْتَ عِرْسَكَ فِي الْبَيْتِ ! أَمَا بَايَعْتَنِي ؟ قَالَ: بَايَعْتُكَ وَالسَّيْفُ عَلَى عُنُقِي. وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: مَا أَخْرَجَكَ ؟ قَالَ: أَنْتَ، وَلَا أَرَاكَ بِهَذَا الْأَمْرِ أَوْلَى بِهِ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَتَذْكُرُ يَوْمَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فِي بَنِي غَنْمٍ فَنَظَرَ إِلَيَّ وَضَحِكَ وَضَحِكْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتَ: لَا يَدَعُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ زَهْوَهُ. فَقَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِنَّهُ لَيْسَ بِمَزْهُوٍّ لَتُقَاتِلَنَّهُ، وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ " فَقَالَ الزُّبَيْرُ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَلَوْ ذَكَرْتُ مَا سِرْتُ مَسِيرِي هَذَا، وَوَاللَّهِ لَا أُقَاتِلُكَ. عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ إِيَاسِ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ لِطَلْحَةَ يَوْمَ الْجَمَلِ: أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ " ؟ قَالَ: بَلَى. وَانْصَرَفَ. وَقَدِ اسْتَغْرَبَهُ الْبَزَّارُ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِذَلِكَ. فَرَجَعَ الزُّبَيْرُ إِلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا أَنَّهُ قَدْ آلَى أَنْ لَا يُقَاتِلَ عَلِيًّا، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّكَ جَمَعْتَ النَّاسَ فَلَمَّا تَرَآى بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَاحْضُرْ. فَأَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ اسْمُهُ مَكْحُولٌ وَقِيلَ: سَرْجِسُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا رَجَعَ عَنِ الْقِتَالِ لَمَّا رَأَى عَمَّارًا مَعَ عَلِيٍّ، وَقَدْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. فَخَشِيَ أَنْ يُقْتَلَ عَمَّارٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ. وَعِنْدِي أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا عَنْهُ فَمَا رَجَعَهُ سِوَاهُ، وَيَبْعُدُ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ يَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ وَيُقَاتِلَ عَلِيًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الزُّبَيْرَ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْجَمَلِ سَارَ حَتَّى نَزَلَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: وَادِي السِّبَاعِ. فَاتَّبَعَهُ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ، فَجَاءَهُ وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ غِيلَةً، كَمَا سَنَذْكُرُ تَفْصِيلَهُ. وَأَمَّا طَلْحَةُ فَجَاءَهُ فِي الْمَعْرَكَةِ سَهْمٌ غَرْبٌ، يُقَالُ: رَمَاهُ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَانْتَظَمَ رِجْلَهُ مَعَ فَرَسِهِ فَجَمَحَتْ بِهِ الْفَرَسُ فَجَعَلَ يَقُولُ: إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ. فَاتَّبَعَهُ مَوْلًى لَهُ فَأَمْسَكَهَا فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ اعْدِلْ بِي إِلَى الْبُيُوتِ. وَامْتَلَأَ خُفُّهُ دَمًا فَقَالَ لِغُلَامِهِ: انْزِعْهُ وَارْدُفْنِي. وَذَلِكَ أَنَّهُ نَزَفَهُ الدَّمُ وَضَعُفَ، فَرَكِبَ الْغُلَامُ وَرَاءَهُ، وَجَاءَ بِهِ إِلَى بَيْتٍ فِي الْبَصْرَةِ فَمَاتَ فِيهِ، ؓ. طلب عائشة رفع المصحف عندما احتدم القتال وَتَقَدَّمَتْ عَائِشَةُ، ؓ، فِي هَوْدَجِهَا، وَنَاوَلَتْ كَعْبَ بْنَ سُورٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ مُصْحَفًا وَقَالَتِ: ادْعُهُمْ إِلَيْهِ. وَذَلِكَ حِينَ اشْتَدَّ الْحَرْبُ وَحَمِيَ الْقِتَالُ، وَرَجَعَ الزُّبَيْرُ وَقُتِلَ طَلْحَةُ، ؓ، فَلَمَّا تَقَدَّمَ كَعْبُ بْنُ سُورٍ بِالْمُصْحَفِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، اسْتَقْبَلَهُ مُقَدَّمَةُ جَيْشِ الْكُوفِيِّينَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبَأٍ - ابْنُ السَّوْدَاءِ - وَأَتْبَاعُهُ وَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ يَقْتُلُونَ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مَنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَا يَتَوَقَّفُونَ فِي أَحَدٍ، فَلَمَّا رَأَوْا كَعْبَ بْنَ سُورٍ رَافِعًا الْمُصْحَفَ رَشَقُوهُ بِنِبَالِهِمْ رَشْقَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ. الاعتداء على هودج أم المؤمنين عائشة ؓ وَوَصَلَتِ النِّبَالُ إِلَى هَوْدَجِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، ؓ، فَجَعَلَتْ تُنَادَى: اللَّهَ اللَّهَ ! يَا بَنِيَّ اذْكُرُوا يَوْمَ الْحِسَابِ. وَرَفَعَتْ يَدَيْهَا تَدْعُو عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَضَجَّ النَّاسُ مَعَهَا بِالدُّعَاءِ حَتَّى وَصَلَتِ الضَّجَّةُ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا: أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تَدْعُو عَلَى قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَأَشْيَاعِهِمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ. وَجَعَلَ أُولَئِكَ النَّفَرُ لَا يُقْلِعُونَ عَنْ رَشْقِ هَوْدَجِهَا بِالنِّبَالِ حَتَّى بَقِيَ مِثْلَ الْقُنْفُذِ، وَجَعَلَتْ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى مَنْعِهِمْ وَكَفِّهِمْ، فَحَمَلَتْ مُضَرُ حَمْلَةَ الْحَفِيظَةِ، فَطَرَدُوهُمْ حَتَّى وَصَلَتِ الْحَمْلَةُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ: وَيْحَكَ تَقَدَّمْ بِالرَّايَةِ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأَخَذَهَا عَلِيٌّ مِنْ يَدِهِ فَتَقَدَّمَ بِهَا وَجَعَلَتِ الْحَرْبُ تَأْخُذُ وَتُعْطِي ; فَتَارَةً لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَتَارَةً لِأَهْلِ الْكُوفَةِ، حَتَّى قُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَجَمٌّ غَفِيرٌ، وَلَمْ تُرَ وَقْعَةٌ أَكْثَرُ مِنْ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَجَعَلَتْ عَائِشَةُ تُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَنَظَرَتْ عَنْ يَمِينِهَا فَقَالَتْ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ. فَقَالَتْ: لَكُمْ يَقُولُ الْقَائِلُ: وَجَاءُوا إِلَيْنَا بِالْحَدِيدِ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْعِزَّةِ الْقَعْسَاءِ بَكْرُ بْنُ وَائِلِ ثُمَّ جَاءَ إِلَيْهَا بَنُو نَاجِيَةَ ثُمَّ بَنُو ضَبَّةَ، فَقُتِلَ عِنْدَهَا مِنْهُمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ قُطِعَتْ يَدُ سَبْعِينَ رَجُلًا وَهِيَ آخِذَةٌ بِخِطَامِ الْجَمَلِ. دفاع بنو عدي بن عبد مناف عن زمام جمل عائشة فَلَمَّا أُثْخِنُوا تَقَدَّمَ بَنُو عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَرَفَعُوا رَأْسَ الْجَمَلِ، وَجَعَلَ أُولَئِكَ يَقْصِدُونَ الْجَمَلَ، وَقَالُوا: لَا يَزَالُ الْحَرْبُ قَائِمًا مَا دَامَ هَذَا الْجَمَلُ وَاقِفًا. وَرَأَسُ الْجَمَلِ فِي يَدِ عَمِيرَةَ بْنِ يَثْرِبِيِّ، وَقُتِلَ أَخُوهُ عَمْرُو بْنُ يَثْرِبِيِّ، وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْفُرْسَانِ الْمَشْهُورِينَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ هِنْدُ بْنُ عَمْرٍو الْجَمَلِيُّ، فَقَتَلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ، ثُمَّ صَمَدَ إِلَيْهِ عِلْبَاءُ بْنُ الْهَيْثَمِ، فَقَتْلَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ أَيْضًا، وَقَتَلَ سَيَحَانَ بْنَ صُوحَانَ، وَارْتُثَّ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ، فَدَعَاهُ عَمَّارٌ إِلَى الْبِرَازِ فَبَرَزَ لَهُ، فَتَجَاوَلَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ - وَعَمَّارٌ يَوْمَئِذٍ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً، عَلَيْهِ فَرْوَةٌ قَدْ رَبَطَ وَسَطَهُ بِحَبْلِ لِيفٍ - فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، الْآنَ يُلْحِقُ عَمَّارًا بِأَصْحَابِهِ. فَضَرَبَهُ ابْنُ يَثْرِبِيٍّ بِالسَّيْفِ فَاتَّقَاهُ عَمَّارٌ بِدَرَقَتِهِ، فَعَضَّتِ السَّيْفَ وَنَشِبَ فِيهَا، وَضَرَبَهُ عَمَّارٌ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، وَأَخَذَهُ أَسِيرًا إِلَى بَيْنِ يَدَيْ عَلِيٍّ فَقَالَ: اسْتَبْقِنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: أَبَعْدَ ثَلَاثَةٍ تَقْتُلُهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. وَاسْتَمَرَّ زِمَامُ الْجَمَلِ بِيَدِ رَجُلٍ بَعْدَهُ كَانَ قَدِ اسْتَنَابَهُ فِيهِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ رَبِيعَةُ الْعَقِيلِيُّ، فَتَجَاوَلَا حَتَّى قَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، وَأَخَذَ الزِّمَامَ الْحَارِثُ الضَّبِّيُّ، فَمَا رُئِيَ أَشَدَّ مِنْهُ وَجَعَلَ يَقُولُ: نَحْنُ بَنُو ضَبَّةَ أَصْحَابُ الْجَمَلْ نُبَارِزُ الْقِرْنَ إِذَا الْقِرْنُ نَزَلْ نَنْعَى ابْنَ عَفَّانَ بَأَطْرَافِ الْأَسَلْ الْمَوْتُ أَحْلَى عِنْدَنَا مِنَ الْعَسَلْ رُدُّوا عَلَيْنَا شَيْخَنَا ثُمَّ بَجَلْ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِوَسِيمِ بْنِ عَمْرٍو الضَّبِّيِّ. وَكُلَّمَا قُتِلَ وَاحِدٌ مِمَّنْ يُمْسِكُ الْجَمَلَ تَقَدَّمَ غَيْرُهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا زَالَ جَمَلِي مُعْتَدِلًا حَتَّى فَقَدْتُ أَصْوَاتَ بَنِي ضَبَّةَ. ثُمَّ أَخَذَ الْخِطَامَ سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يُقْتَلُ بَعْدَ صَاحِبِهِ، فَكَانَ مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ الْمَعْرُوفُ بِالسَّجَّادِ، فَقَالَ لِعَائِشَةَ: مُرِينِي بِأَمْرِكِ يَا أُمَّاهُ. فَقَالَتْ: آمُرُكَ أَنْ تَكُونَ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ. فَامْتَنَعَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَثَبَتَ فِي مَكَانِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: حم لَا يُنْصَرُونَ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ نَفَرٌ فَحَمَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ يَدَّعِي قَتْلَهُ، وَقَدْ طَعَنَهُ بَعْضُهُمْ بِحَرْبَةٍ فَأَنْفَذَهُ وَقَالَ: وَأَشْعَثَ قَوَّامٍ بِآيَاتِ رَبِّهِ قَلِيلِ الْأَذَى فِيمَا تَرَى الْعَيْنُ مُسْلِمِ هَتَكْتُ لَهُ بِالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِهِ فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ يُنَاشِدُنِي حم وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ فَهَلَّا تَلَا حم قَبْلَ التَقَدُّمِ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ غَيْرَ أَنْ لَيْسَ تَابِعًا عَلِيًّا وَمَنْ لَا يَتْبَعِ الْحَقَّ يَنْدَمِ وَأَخَذَ الْخِطَامَ عَمْرُو بْنُ الْأَشْرَفِ، فَجَعَلَ لَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا خَطَمَهُ بِالسَّيْفِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أُمَّنَا يَا خَيْرَ أُمٍّ نَعْلَمُ أَمَا تَرَيْنَ كَمْ شُجَاعٍ يُكْلَمُ وَتُخْتَلَى هَامَتُهُ وَالْمِعْصَمُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَأَحْدَقَ أَهْلُ النَّجَدَاتِ وَالْمُرُوءَاتِ وَالشَّجَاعَةِ بِعَائِشَةَ، فَكَانَ لَا يَأْخُذُ الرَّايَةَ وَالْخِطَامَ إِلَّا شُجَاعٌ مَعْرُوفٌ، فَيَقْتُلُ مَنْ قَصَدَهُ، ثُمَّ يُقْتَلُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ فَقَأَ بَعْضُهُمْ عَيْنَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ذَلِكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْجَمَلِ وَهُوَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُ ابْنُكِ ابْنُ أُخْتِكِ. فَقَالَتْ: وَاثُكْلَ أَسْمَاءَ ! وَجَاءَ مَالِكُ بْنُ الْحَارِثِ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ فَاقْتَتَلَا، فَضَرَبَهُ الْأَشْتَرُ عَلَى رَأْسِهِ فَجَرَحَهُ جُرْحًا شَدِيدًا وَضَرَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ ضَرْبَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ اعْتَنَقَا وَسَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ يَعْتَرِكَانِ، فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: اقْتُلُونِي وَمَالِكًا وَاقْتُلُوا مَالِكًا مَعِي فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا. وَجَعَلَ النَّاسُ لَا يَعْرِفُونَ مَالِكًا مَنْ هُوَ، إِنَّمَا هُوَ يُعْرَفُ بِالْأَشْتَرِ، فَحَمَلَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ فَخَلَّصُوهُمَا، وَقَدْ جُرِحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَ الْجَمَلِ، بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ جِرَاحَةً، وَجُرِحَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَيْضًا. عقر جمل عائشة ؓ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَضَرَبَ الْجَمَلَ عَلَى قَوَائِمِهِ، فَعَقَرَهُ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَسُمِعَ لَهُ عَجِيجٌ مَا سُمِعَ أَشَدُّ وَلَا أَنْفَذُ مِنْهُ، وَآخِرُ مَنْ كَانَ الزِّمَامُ بِيَدِهِ زُفَرُ بْنُ الْحَارِثِ فَعُقِرَ الْجَمَلُ وَهُوَ فِي يَدِهِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ اتَّفَقَ هُوَ وَبُجَيْرُ بْنُ دُلْجَةَ عَلَى عَقْرِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي أَشَارَ بِعَقْرِهِ عَلِيٌّ. وَقِيلَ: الْقَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو ; لِئَلَّا تُصَابُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا صَارَتْ غَرَضًا لِلرُّمَاةِ، وَمَنْ يُمْسِكُ بِالزِّمَامِ بُرْجَاسًا لِلرِّمَاحِ، وَلِيَنْفَصِلَ هَذَا الْمَوْقِفُ الَّذِي قَدْ تَفَانَى فِيهِ النَّاسُ. وَلَمَّا سَقَطَ الْجَمَلُ إِلَى الْأَرْضِ انْهَزَمَ مَنْ حَوْلَهُ، وَحُمِلَ هَوْدَجُ عَائِشَةَ وَإِنَّهُ لَكَالْقُنْفُذِ مِنْ كَثْرَةِ النُّشَّابِ، وَنَادَى مُنَادِي عَلِيٍّ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يَذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يَدْخُلُوا الدُّورَ. وَأَمَرَ عَلِيٌّ نَفَرًا أَنْ يَحْمِلُوا الْهَوْدَجَ مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى، وَأَمَرَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَّارًا أَنْ يَضْرِبَا عَلَيْهَا قُبَّةً، وَجَاءَ إِلَيْهَا أَخُوهَا مُحَمَّدٌ فَسَأَلَهَا: هَلْ وَصَلَ إِلَيْكِ شَيْءٌ مِنَ الْجِرَاحِ ؟ فَقَالَتْ: وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ يَا ابْنَ الْخَثْعَمِيَّةِ. وَسَلَّمَ عَلَيْهَا عَمَّارٌ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّ ؟ فَقَالَتْ: لَسْتُ لَكَ بِأُمٍّ. قَالَ: بَلَى وَإِنْ كَرِهْتِ. وَجَاءَ إِلَيْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسَلِّمًا فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا أُمَّهْ ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ. فَقَالَ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكِ. وَجَاءَ وُجُوهُ النَّاسِ إِلَيْهَا، مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْأَعْيَانِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهَا. وَيُقَالُ: إِنَّ أَعْيَنَ بْنَ ضُبَيْعَةَ الْمُجَاشِعِيَّ اطَّلَعَ فِي الْهَوْدَجِ. فَقَالَتْ: إِلَيْكَ لَعَنَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى إِلَّا حُمَيْرَاءَ. فَقَالَتْ: هَتَكَ اللَّهُ سِتْرَكَ، وَقَطَعَ يَدَكَ، وَأَبْدَى عَوْرَتَكَ. فَقُتِلَ بِالْبَصْرَةِ وَسُلِبَ وَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرُمِيَ عُرْيَانًا فِي خَرِبَةٍ مِنْ خَرَابَاتِ الْأَزْدِ. دخول عائشة البصرة ومعها أخوها محمد بن أبي بكر فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ الْبَصْرَةَ، وَمَعَهَا أَخُوهَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَنَزَلَتْ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ الْخُزَاعِيِّ - وَهِيَ أَعْظَمُ دَارٍ بِالْبَصْرَةِ - عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، وَهِيَ أُمُّ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفٍ، وَتَسَلَّلَ الْجَرْحَى مِنْ بَيْنِ الْقَتْلَى فَدَخَلُوا الْبَصْرَةَ، وَأَقَامَ عَلِيٌّ بِظَاهِرِ الْبَصْرَةِ ثَلَاثًا. مرور علي على قتلى الجمل وصلاته عليهم وعدد القتلى وَقَدْ طَافَ عَلِيٌّ بَيْنَ الْقَتْلَى، فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِرَجُلٍ يَعْرِفُهُ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ: يَعِزُّ عَلَيَّ أَنْ أَرَى قُرَيْشًا صَرْعَى. وَقَدْ مَرَّ عَلِيٌّ - فِيمَا ذُكِرَ - عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَقْتُولٌ، فَقَالَ: لَهْفِي عَلَيْكَ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: فَتًى كَانَ يُدْنِيهِ الْغِنَى مِنْ صَدِيقِهِ إِذَا مَا هُوَ اسْتَغْنَى وَيُبْعِدُهُ الْفَقْرُ ثُمَّ صَلَّى عَلِيٌّ عَلَى الْقَتْلَى مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَخَصَّ قُرَيْشًا بِصَلَاةٍ مِنْ بَيْنِهِمْ، ثُمَّ جَمَعَ مَا وَجَدَ لِأَصْحَابِ عَائِشَةَ فِي الْعَسْكَرِ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ، فَمَنْ عَرَفَ شَيْئًا هُوَ لِأَهْلِهِمْ فَلْيَأْخُذْهُ، إِلَّا سِلَاحًا كَانَ فِي الْخَزَائِنِ عَلَيْهِ سِمَةُ السُّلْطَانِ. وَكَانَ مَجْمُوعُ مَنْ قُتِلِ يَوْمَ الْجَمَلِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَشَرَةَ آلَافٍ ; خَمْسَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَخَمْسَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ. السبئية وقسمة أموال أصحاب طلحة والزبير وَقَدْ سَأَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عَلِيًّا أَنْ يُقَسِّمَ فِيهِمْ أَمْوَالُ أَصْحَابِ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ فَطَعَنَ فِيهِ السَّبَئِيَّةُ وَقَالُوا: كَيْفَ يَحُلُّ لَنَا دِمَاؤُهُمْ وَلَا تَحُلُّ لَنَا أَمْوَالُهُمْ ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ: أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ تَصِيرَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَهْمِهِ ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، وَلِهَذَا لَمَّا دَخَلَ الْبَصْرَةَ فَرَّقَ فِي أَصْحَابِهِ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ، فَنَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَمِائَةٍ، وَقَالَ: لَكُمْ مِثْلُهَا مِنَ الشَّامِ فِي أَعْطِيَاتِكُمْ. فَتَكَلَّمَ فِيهِ السَّبَئِيَّةُ أَيْضًا، وَنَالُوا مِنْهُ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ.
التاريخ 2062لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ أَمْرِ الْجَمَلِ ) ذهاب الأحنف بن قيس على علي بعد رجوعه من الجمل وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ أَمْرِ الْجَمَلِ أَتَاهُ وُجُوهُ النَّاسِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَنْ جَاءَهُ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَنِي سَعْدٍ - وَكَانُوا قَدِ اعْتَزَلُوا الْقِتَالَ - فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: تَرَبَّصْتَ - يَعْنِي بِنَا - فَقَالَ: مَا كُنْتُ أُرَانِي إِلَّا قَدْ أَحْسَنْتُ، وَبِأَمْرِكَ كَانَ مَا كَانَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَارْفُقْ فَإِنَّ طَرِيقَكَ الَّذِي سَلَكْتَ بِعِيدٌ، وَأَنْتَ إِلَيَّ غَدًا أَحْوَجُ مِنْكَ أَمْسِ، فَاعْرِفْ إِحْسَانِي، وَاسْتَبْقِ مَوَدَّتِي لِغَدٍ، وَلَا تَقُلْ مِثْلَ هَذَا فَإِنِّي لَمْ أَزَلْ لَكَ نَاصِحًا. تأمير ابن عباس وتولية زياد الخراج قَالُوا: ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ الْبَصْرَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُهَا عَلَى رَايَاتِهِمْ، حَتَّى الْجَرْحَى وَالْمُسْتَأْمِنَةُ. وَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ، فَبَايَعَهُ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَيْنَ الْمَرِيضُ - يَعْنِي أَبَاهُ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَرِيضٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهُ عَلَى مَسَرَّتِكَ لَحَرِيصٌ. فَقَالَ: امْشِ أَمَامِي، فَمَضَى إِلَيْهِ فَعَادَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرَةَ فَعَذَرَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْبَصْرَةَ فَامْتَنَعَ وَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِكَ يَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّاسُ. وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِابْنِ عَبَّاسٍ فَوَلَّاهُ عَلَى الْبَصْرَةِ، وَجَعَلَ مَعَهُ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ عَلَى الْخَرَاجِ وَبَيْتِ الْمَالِ، وَأَمَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ أَنْ يَسْمَعَ مِنْ زِيَادٍ وَكَانَ زِيَادٌ مُعْتَزِلًا. دخول علي على عائشة في دار إقامتها ؓ ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ إِلَى الدَّارِ الَّتِي فِيهَا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، فَاسْتَأْذَنَ وَدَخَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَرَحَّبَتْ بِهِ، وَإِذَا النِّسَاءُ فِي دَارِ بَنِي خَلَفٍ يَبْكِينَ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ; عَبْدُ اللَّهِ وَعُثْمَانُ ابْنَا خَلَفٍ، فَعَبْدُ اللَّهِ قُتِلَ مَعَ عَائِشَةَ، وَعُثْمَانُ قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ قَالَتْ لَهُ صَفِيَّةُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ أُمُّ طَلْحَةَ الطَّلَحَاتِ: أَيْتَمَ اللَّهُ مِنْكَ أَوْلَادَكَ كَمَا أَيْتَمْتَ أَوْلَادِي. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهَا عَلِيٌّ شَيْئًا، فَلَمَّا خَرَجَ أَعَادَتْ عَلَيْهِ الْمَقَالَةَ أَيْضًا، فَسَكَتَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَسْكُتُ عَنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَهِيَ تَقُولُ مَا تَسْمَعُ ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ ! إِنَّا أُمِرْنَا أَنْ نَكُفَّ عَنِ النِّسَاءِ وَهُنَّ مُشْرِكَاتٌ، أَفَلَا نَكُفُّ عَنْهُنَّ وَهُنَّ مُسْلِمَاتٌ ؟ ! فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عَلَى الْبَابِ رَجُلَيْنِ يَنَالَانِ مِنْ عَائِشَةَ. فَأَمَرَ عَلِيٌّ الْقَعْقَاعَ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَجْلِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً، وَأَنْ يُخْرِجَهُمَا مِنْ ثِيَابِهِمَا. وَقَدْ سَأَلَتْ عَائِشَةُ عَمَّنْ قُتِلَ مَعَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ قُتِلَ مِنْ عَسْكَرِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا ذُكِرَ لَهَا وَاحِدٌ تَرَحَّمَتْ عَلَيْهِ وَدَعَتْ لَهُ. تجهيز علي عائشة ؓ من البصرة وَلَمَّا أَرَادَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ الْخُرُوجَ مِنَ الْبَصْرَةِ بَعَثَ إِلَيْهَا عَلِيٌّ، ؓ، بِكُلِّ مَا يَنْبَغِي مِنْ مَرْكَبٍ وَزَادٍ وَمَتَاعٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَذِنَ لِمَنْ نَجَا مِمَّنْ جَاءَ فِي جَيْشِهَا أَنْ يَرْجِعَ مَعَهَا، إِلَّا أَنْ يُحِبَّ الْمَقَامَ، وَاخْتَارَ لَهَا أَرْبَعِينَ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْمَعْرُوفَاتِ. وَسَيَّرَ مَعَهَا أَخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي ارْتَحَلَتْ فِيهِ، جَاءَ عَلِيٌّ فَوَقَفَ عَلَى الْبَابِ وَحَضَرَ النَّاسُ مَعَهُ وَخَرَجَتْ مِنَ الدَّارِ فِي الْهَوْدَجِ، فَوَدَّعَتِ النَّاسَ وَدَعَتْ لَهُمْ وَقَالَتْ: يَا بَنِيَّ لَا يَعْتِبْ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَلِيٍّ فِي الْقِدَمِ إِلَّا مَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا، وَإِنَّهُ عَلَى مَعْتَبَتِي لَمِنَ الْأَخْيَارِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: صَدَقَتْ وَاللَّهِ مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا إِلَّا ذَاكَ وَإِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ، ﷺ، فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَسَارَ عَلِيٌّ مَعَهَا مُوَدِّعًا وَمُشَيِّعًا أَمْيَالًا وَسَرَّحَ بَنِيهِ مَعَهَا بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ - وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ مُسْتَهَلَّ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ - وَقَصَدَتْ فِي مَسِيرِهَا ذَلِكَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَامَتْ بِهَا إِلَى أَنْ حَجَّتْ عَامَهَا ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ، ؓ وَأَمَّا مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَّ اسْتَجَارَ بِمَالِكِ بْنِ مِسْمَعٍ فَأَجَارَهُ وَوَفَّى لَهُ، وَلِهَذَا كَانَ بَنُو مَرْوَانَ يُكْرِمُونَ مَالِكًا وَيُشَرِّفُونَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَزَلَ دَارَ بَنِي خَلَفٍ فَلَمَّا خَرَجَتْ عَائِشَةُ، خَرَجَ مَعَهَا، فَلَمَّا سَارَتْ هِيَ إِلَى مَكَّةَ سَارَ هُوَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَلِمَ مَنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ بِوَقْعَةِ الْجَمَلِ يَوْمَ الْوَقْعَةِ قَالُوا: وَقَدْ عَلِمَ مَنْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ بِالْوَقْعَةِ يَوْمَ الْوَقْعَةِ، وَذَلِكَ مِمَّا كَانَتِ النُّسُورُ تَخْطَفُهُ مِنَ الْأَيْدِي وَالْأَقْدَامِ فَيَسْقُطُ مِنْهَا هُنَالِكَ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلِمُوا بِذَلِكَ يَوْمَ الْجَمَلِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَذَلِكَ أَنَّ نَسْرًا مَرَّ بِهِمْ وَمَعَهُ شَيْءٌ فَسَقَطَ مِنْهُ فَإِذَا هُوَ كَفٌّ فِيهِ خَاتَمٌ نَقْشُهُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَتَّابٍ. ذكر قَصْدِ الْخَوَارِجِ سِجِسْتَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ خَرَجَ حَسَكَةُ بْنُ عَتَّابٍ الْحَبَطِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ الْفُضَيْلِ الْبَرْجَمِيُّ فِي صَعَالِيكَ مِنَ الْعَرَبِ حَتَّى نَزَلُوا زَالِقَ مِنْ سِجِسْتَانَ، وَقَدْ نَكَثَ أَهْلُهَا، فَأَصَابُوا مِنْهَا مَالًا، ثُمَّ أَتَوْا زَرَنْجَ وَقَدْ خَافَهُمْ مَرْزُبَانُهَا فَصَالَحَهُمْ وَدَخَلُوهَا، فَقَالَ الرَّاجِزُ: بَشِّرْ سِجِسْتَانَ بِجُوعٍ وَحَرَبْ بِابْنِ الْفُضَيْلِ وَصَعَالِيكِ الْعَرَبْ لَا فِضَّةٌ تُغْنِيهِمُ وَلَا ذَهَبْ فَبَعَثَ عَلِيٌّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جَزْءٍ الطَّائِيَّ، فَقَتَلَهُ حَسَكَةُ، فَكَتَبَ عَلِيٌّ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُوَلِّيَ سِجِسْتَانَ رَجُلًا وَيُسَيِّرَهُ إِلَيْهَا فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَوَجَّهَ رِبْعِيَّ بْنَ كَاسٍ الْعَنْبَرِيَّ، وَمَعَهُ الْحُصَيْنُ بْنُ أَبِي الْحُرِّ الْعَنْبَرِيُّ، فَلَمَّا وَرَدَ سِجِسْتَانَ قَاتَلَهُمْ حَسَكَةُ وَقَتَلُوهُ، وَضَبَطَ رِبْعِيٌّ الْبِلَادَ، وَكَانَ فَيْرُوزُ حُصَيْنٍ يُنْسَبُ إِلَى الْحُصَيْنِ بْنِ أَبِي الْحُرِّ هَذَا، وَهُوَ مِنْ سِجِسْتَانَ. تولية علي قيس بن سعد نيابة الديار المصرية وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَعْنِي سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ نِيَابَةَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ لِقَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَكَانَ عَلَى نِيَابَتِهَا فِي أَيَّامِ عُثْمَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، فَلَمَّا تَوَجَّهَ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ مِنْ خَوَارِجِ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى عُثْمَانَ لِيَقْتُلُوهُ وَكَانَ الَّذِي جَهَّزَهُمْ إِلَيْهِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ - الْمَعْرُوفُ بِابْنِ السَّوْدَاءِ - مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، وَكَانَ لَمَّا قُتِلَ أَبُوهُ بِالْيَمَامَةِ قَدْ أَوْصَى بِهِ إِلَى عُثْمَانَ، فَكَفَلَهُ وَرَبَّاهُ فِي حِجْرِهِ وَمَنْزِلِهِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ إِحْسَانًا كَثِيرًا، وَنَشَأَ فِي عِبَادَةٍ وَزَهَادَةٍ، وَسَأَلَ مِنْ عُثْمَانَ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَمَلًا، فَقَالَ لَهُ: مَتَى مَا صِرْتَ أَهْلًا لِذَلِكَ وَلَّيْتُكَ. فَتَعَتَّبَ فِي نَفْسِهِ عَلَى عُثْمَانَ، فَسَأَلَ مِنْ عُثْمَانَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْغَزْوِ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَصَدَ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ وَحَضَرَ مَعَ أَمِيرِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ غَزْوَةَ الصَّوَارِي، كَمَا قَدَّمْنَا. وَشَرَعَ يَنْتَقِصُ عُثْمَانَ، ؓ، وَسَاعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَكَتَبَ بِذَلِكَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ إِلَى عُثْمَانَ يَشْكُوهُمَا إِلَيْهِ، فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِمَا عُثْمَانُ شَيْئًا، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ حَتَّى اسْتَنْفَرَ أُولَئِكَ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّهُمْ قَدْ حَصَرُوا عُثْمَانَ، تَغَلَّبَ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا ابْنَ أَبِي سَرْحٍ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ فِيهَا، فَلَمَّا كَانَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَبَلَغَهُ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ بَعَثَ عَلَى إِمْرَةِ مِصْرَ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَشَمِتَ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ إِذْ لَمْ يُمَتَّعْ بِمُلْكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ سَنَةً. وَسَارَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى الشَّامِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا، فَسَارَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَيْهِ لِيُخْرِجَاهُ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْأَعْوَانِ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ رَبَّاهُ وَكَفَلَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَعَالَجَا دُخُولَ مِصْرَ فَلَمْ يَقْدِرَا، فَلَمْ يَزَالَا يَخْدَعَانِهِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الْعَرِيشِ فِي أَلْفِ رَجُلٍ فَتَحَصَّنَ بِهَا، وَجَاءَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَنْجَنِيقَ حَتَّى نَزَلَ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُتِلُوا. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ دخول قيس إلى مصر ومبايعة أهل مصر لعلي ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ بِوِلَايَةٍ مِنْ عَلِيٍّ، فَدَخَلَهَا فِي سَبْعَةِ نَفَرٍ، فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي هَذَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ إِلَيْكُمْ كَثِيرًا الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ بِحُسْنِ صَنِيعِهِ وَتَقْدِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ اخْتَارَ الْإِسْلَامَ دِينًا لِنَفْسِهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ، وَبَعَثَ بِهِ الرُّسُلَ إِلَى عِبَادِهِ، وَخَصَّ بِهِ مَنِ انْتَخَبَ مِنْ خَلْقِهِ، فَكَانَ مِمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَخَصَّهُمْ بِهِ مِنَ الْفَضِيلَةِ أَنْ بَعَثَ مُحَمَّدًا، ﷺ، يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالْفَرَائِضَ وَالسَّنَةَ ; لِكَيْمَا يَهْتَدُوا، وَجَمَعَهُمْ لِكَيْلَا يَتَفَرَّقُوا، وَزَكَّاهُمْ لِكَيْ يَتَطَهَّرُوا، وَوَفَّقَهُمْ لِكَيْلَا يَجُورُوا، فَلَمَّا قَضَى مِنْ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَبَرَكَاتُهُ وَرَحْمَتُهُ، ثُمَّ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ اسْتَخْلَفُوا بَعْدَهُ أَمِيرَيْنِ صَالِحَيْنِ، عَمِلَا بِالْكِتَابِ، وَأَحْسَنَا السِّيرَةَ وَلَمْ يَعْدُوَا السُّنَّةَ، ثُمَّ تَوَفَّاهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، فَرَحِمَهُمَا اللَّهُ، ثُمَّ وَلَّى بَعْدَهُمَا وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثًا، فَوَجَدَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ مَقَالًا فَقَالُوا، ثُمَّ نَقَمُوا عَلَيْهِ فَغَيَّرُوا، ثُمَّ جَاءُونِي فَبَايَعُونِي، فَأَسْتَهْدِي اللَّهَ بِهُدَاهُ، وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى التَّقْوَى، أَلَا وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا الْعَمَلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالْقِيَامَ عَلَيْكُمْ بِحَقِّهِ، وَالنُّصْحَ لَكُمْ بِالْغَيْبِ - وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ - وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَوَازِرُوهُ وَكَانِفُوهُ وَأَعِينُوهُ عَلَى الْحَقِّ، وَقَدْ أَمَرْتُهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَى مُحْسِنِكُمْ، وَالشِّدَّةِ عَلَى مُرِيبِكُمْ، وَالرِّفْقِ بِعَوَامِّكُمْ وَخَوَاصِّكُمْ، وَهُوَ مِمَّنْ أَرْضَى هَدْيَهُ وَأَرْجُو صَلَاحَهُ وَنَصِيحَتَهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ عَمَلَا زَاكِيًا، وَثَوَابًا جَزِيلًا، وَرَحْمَةً وَاسِعَةً، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. وَكَتَبَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَخَطَبَ النَّاسَ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ لِعَلِيٍّ، فَقَامَ النَّاسُ فَبَايَعُوهُ، وَاسْتَقَامَتْ لَهُ طَاعَةُ بِلَادِ مِصْرَ سِوَى قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا: خِرِبْتَا. فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ أَعْظَمُوا قَتْلَ عُثْمَانَ، وَكَانُوا سَادَةَ النَّاسِ وَوُجُوهَهُمْ، وَكَانُوا فِي نَحْوٍ مِنْ عَشْرَةِ آلَافٍ - مِنْهُمْ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْأَكَابِرِ - وَعَلَيْهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمُدْلَجِيُّ. وَبَعَثُوا إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فَوَادَعَهُمْ، وَكَذَلِكَ مَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ تَأَخَّرَ عَنِ الْبَيْعَةِ فَتَرَكَهُ قَيْسٌ وَوَادَعَهُ. مطالبة معاوية قيس بأخذ دم عثمان ؓ ثُمَّ كَتَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ أَنِ اسْتَوْثَقَ لَهُ أَمْرُ الشَّامِ بِحَذَافِيرِهِ إِلَى أَقْصَى بِلَادِ الرُّومِ وَالسَّوَاحِلِ - وَجَزِيرَةُ قُبْرُسَ أَيْضًا تَحْتَ حُكْمِهِ يَأْتِيِهِ حِمْلُهَا - وَبَعْضِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ ; كَالرُّهَا وَحَرَّانَ وَقَرْقِيسِيَاءَ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ أَتَاهُ الَّذِينَ هَرَبُوا يَوْمَ الْجَمَلِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَقَدْ أَرَادَ الْأَشْتَرُ انْتِزَاعَ هَذِهِ الْبِلَادِ مِنْ نُوَّابِ مُعَاوِيَةَ، فَبَعْثَ إِلَيْهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَفَرَّ مِنْهُ الْأَشْتَرُ وَهَرَبَ، وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ مُعَاوِيَةَ عَلَى تِلْكَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا اسْتَوْسَقَتْ لَهُ الْبِلَادُ كَمَا ذَكَرْنَا، كَتَبَ إِلَى قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ يَدْعُوهُ إِلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ، وَأَنْ يَكُونَ مُؤَازِرًا لَهُ عَلَى مَا هُوَ بِصَدَدِهِ مِنَ الْقِيَامِ فِي ذَلِكَ، وَوَعَدَهُ أَنْ يَكُونَ نَائِبَهُ عَلَى الْعِرَاقَيْنِ إِذَا تَمَّ لَهُ الْأَمْرُ مَا دَامَ سُلْطَانًا. فَلَمَّا بَلَغَهُ الْكِتَابُ - وَكَانَ قَيْسُ رَجُلًا حَازِمًا - لَمْ يُخَالِفْهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ، بَلْ بَعَثَ يُلَاطِفُ مَعَهُ الْأَمْرَ ; وَذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنْ عَلِيٍّ وَقُرْبِهِ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَمَا مَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ الْجُنُودِ، فَسَالَمَهُ قَيْسٌ وَتَارَكَهُ وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ، وَلَا خَالَفَهُ عَلَيْهِ. فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَا يَسَعُكَ مَعِيَ تَسْوِيفُكَ بِي، وَخَدِيعَتُكَ لِي، وَلَا بُدَّ أَنْ أَعْلَمَ أَنَّكَ سَلْمٌ لِي أَوْ عَدُوٌّ - وَكَانَ مُعَاوِيَةُ حَازِمًا أَيْضًا. فَكَتَبَ إِلَيْهِ - قَيْسٌ لَمَّا صَمَّمَ عَلَيْهِ: إِنِّي مَعَ عَلِيٍّ ; إِذْ هُوَ أَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْكَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ، يَئِسَ مِنْهُ وَرَجَعَ عَنْهُ. مطالبة علي بغزو أهل خربتا ثُمَّ أَشَاعَ بَعْضُ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّ قَيْسًا يُكَاتِبُهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَيُمَالِئُهُمْ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّهُ جَاءَهُمْ مِنْ جِهَتِهِ كِتَابٌ مُزَوَّرٌ بِمُبَايَعَةِ قَيْسٍ مُعَاوِيَةَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. فَلَمَّا جَاءَ الْكِتَابُ إِلَى عَلِيٍّ اتَّهَمَهُ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَغْزُوَ أَهْلَ خِرِبْتَا الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْبَيْعَةِ، فَبَعَثَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وَهُمْ وُجُوهُ النَّاسِ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا أَمَرْتَنِي بِهَذَا لِتَخْتَبِرَنِي ; لِأَنَّكَ اتَّهَمْتَنِي فِي طَاعَتِكَ، فَابْعَثْ عَلَى عَمَلِكَ بِمِصْرَ غَيْرِي. فَبَعَثَ عَلِيٌّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، فَسَارٍ إِلَيْهَا فَلَمَّا بَلَغَ الْقُلْزُمَ شَرِبَ شَرْبَةً مِنْ عَسَلٍ فَكَانَ فِيهَا حَتْفُهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الشَّامِ فَقَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ جُنْدًا مِنْ عَسَلٍ. تولية علي محمد بن أبي بكر على ديار مصر فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا مَهْلِكُ الْأَشْتَرِ، بَعَثَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى إِمْرَةِ مِصْرَ، وَقَدْ قِيلَ - وَهُوَ الْأَصَحُّ -: إِنَّهُ إِنَّمَا وَلَّاهُ مِصْرَ بَعْدَ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ فَارْتَحَلَ قَيْسٌ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ رَكِبَ هُوَ وَسَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ إِلَى عَلِيٍّ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ فَعَذَرَهُ عَلِيٌّ، وَشَهِدَا مَعَهُ صِفِّينَ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ. فَلَمْ يَزَلْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَائِمَ الْأَمْرِ مَهْنِيًّا بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ صِفِّينَ، وَبَلَغَ أَهْلَ مِصْرَ صَبْرُ مُعَاوِيَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فِي قِتَالِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَصَارُوا إِلَى التَّحْكِيمِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعَ أَهْلُ مِصْرَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَاجْتَرَءُوا عَلَيْهِ وَبَارَزُوهُ بِالْعَدَاوَةِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ. ذكر قُدُومِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَمُتَابَعَتِهِ لَهُ قِيلَ: كَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدْ سَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ، قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ عُثْمَانُ، نَحْوَ فِلَسْطِينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أُحِيطَ بِعُثْمَانِ قَالَ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ لَا يُقِيمُ أَحَدٌ فَيُدْرِكُهُ قَتْلُ هَذَا الرَّجُلِ إِلَّا ضَرَبَهُ اللَّهُ بِذُلٍّ، مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ نَصْرَهُ فَلْيَهْرُبْ. فَسَارَ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ - وَقَدْ تَقَدَّمَ -، وَسَارَ مَعَهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَمُحَمَّدٌ، فَسَكَنَ فِلَسْطِينَ، فَمَرَّ بِهِ رَاكِبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: حَصِيرَةٌ. قَالَ عَمْرٌو: حُصِرَ الرَّجُلُ ! فَمَا الْخَبَرُ ؟ قَالَ: تَرَكْتُ عُثْمَانَ مَحْصُورًا. ثُمَّ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ آخَرُ بَعْدَ أَيَّامٍ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: قَتَّالٌ. قَالَ: قُتِلَ الرَّجُلُ ! فَمَا الْخَبَرُ ؟ قَالَ قُتِلَ عُثْمَانُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إِلَى أَنْ سِرْتُ. ثُمَّ مَرَّ بِهِ رَاكِبٌ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: حَرْبٌ. قَالَ عَمْرٌو: يَكُونُ حَرْبٌ، وَقَالَ لَهُ: مَا الْخَبَرُ ؟ فَقَالَ: بَايَعَ النَّاسُ عَلِيًّا. فَقَالَ سَلْمُ بْنُ زِنْبَاعٍ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ بَابٌ فَكُسِرَ، فَاتَّخَذُوا بَابًا غَيْرَهُ. فَقَالَ عَمْرٌو: ذَلِكَ الَّذِي نُرِيدُهُ. ثُمَّ ارْتَحَلَ عَمْرٌو رَاجِلًا مَعَهُ ابْنَاهُ يَبْكِي كَمَا تَبْكِي الْمَرْأَةُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاعُثْمَانَاهُ ! أَنْعِي الْحَيَاءَ وَالدِّينَ ! حَتَّى قَدِمَ دِمَشْقَ، وَكَانَ قَدْ عَلِمَ الَّذِي يَكُونُ فَعَمِلَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ قَدْ بَعَثَهُ إِلَى عَمَّانَ، فَسَمِعَ مِنْ حَبْرٍ هُنَاكَ شَيْئًا عَرَفَ مِصْدَاقَهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ يَكُونُ بَعْدَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِأَبِي بَكْرٍ وَأَنَّ مُدَّتَهُ قَصِيرَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مَنْ قَوْمِهِ مِثْلُهُ تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَيُقْتَلُ غِيلَةً، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مَنْ قَوْمِهِ تَطُولُ مُدَّتُهُ، وَيُقْتَلُ عَنْ مَلَإٍ، قَالَ: ذَلِكَ أَشَدُّ، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ يَنْتَشِرُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ عَلَى رَأْسِهِ حَرْبٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْتَلُ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَلِي بَعْدَهُ أَمِيرُ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَيَطُولُ مُلْكُهُ، وَتَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ تِلْكَ الْفِرْقَةِ، ثُمَّ يَمُوتُ. وَقِيلَ: إِنَّ عَمْرًا لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ عُثْمَانَ قَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَنَا قَتَلْتُهُ، وَأَنَا بَوَادِي السِّبَاعِ، إِنْ يَلِ هَذَا الْأَمْرَ طَلْحَةُ فَهُوَ فَتَى الْعَرَبِ سَيْبًا، وَإِنْ يَلِهِ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ فَهُوَ أَكْرَهُ مَنْ يَلِيهِ إِلَيَّ. فَبَلَغَهُ بَيْعَةُ عَلِيٍّ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، فَأَتَاهُ مَسِيرُ عَائِشَةَ، وَطَلْحَةَ، وَالزُّبَيْرِ، فَأَقَامَ يَنْتَظِرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَقْعَةِ الْجَمَلِ، فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ، فَسَمِعَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ لَا يُبَايِعُ عَلِيًّا، وَأَنَّهُ يُعَظِّمُ شَأْنَ عُثْمَانَ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ عَلِيٍّ، فَدَعَا ابْنَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ وَمُحَمَّدًا فَاسْتَشَارَهُمَا وَقَالَ: مَا تَرَيَانِ ؟ أَمَّا عَلِيٌّ فَلَا خَيْرَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يَدُلُّ بِسَابِقَتِهِ، وَهُوَ غَيْرُ مُشْرِكِي فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ، فَأَرَى أَنْ تَكُفَّ يَدَكَ وَتَجْلِسَ فِي بَيْتِكَ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ [ عَلَى إِمَامٍ فَتُبَايِعَهُ ]. وَقَالَ لَهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ: أَنْتَ نَابٌ مِنْ أَنْيَابِ الْعَرَبِ وَلَا أَرَى أَنْ [ يَجْتَمِعَ هَذَا الْأَمْرُ ] وَلَيْسَ لَكَ فِيهِ صَوْتٌ. فَقَالَ عَمْرٌو: أَمَّا أَنْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ فَأَمَرْتَنِي بِمَا هُوَ خَيْرٌ لِي فِي آخِرَتِي وَأَسْلَمُ لِي فِي دِينِي، وَأَمَّا أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَمَرْتَنِي بِمَا هُوَ خَيْرٌ لِي فِي دُنْيَايَ، وَشَرٌّ لِي فِي آخِرَتِي. ثُمَّ خَرَجَ وَمَعَهُ ابْنَاهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ.
التاريخ 2063لا حكم مسجّل
فَصَلٌ فِي ذِكْرِ وَقْعَةِ صِفِّينَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَبَيْنَ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ شهود صفين من أهل بدر عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عَشَرَاتُ أُلُوفٍ فَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْهُمْ مِائَةٌ، بَلْ لَمْ يَبْلُغُوا ثَلَاثِينَ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَبْعُونَ رَجُلًا. فَقَالَ: كَذَبَ أَبُو شَيْبَةَ، وَاللَّهِ لَقَدْ ذَاكَرْنَا الْحَكَمَ فِي ذَلِكَ، فَمَا وَجَدْنَاهُ شَهِدَ صِفِّينَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ غَيْرَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَهَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَكَذَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ. قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِ " الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضَةِ ". وَرَوَى ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ قَالَ: أَمَا إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ لَزِمُوا بُيُوتَهُمْ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ فَلَمْ يَخْرُجُوا إِلَّا إِلَى قُبُورِهِمْ. إظهار معاوية الخلاف لعلي وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ؓ، فَإِنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَدَخَلَ الْبَصْرَةَ وَشَيَّعَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ لَمَّا أَرَادَتِ الرُّجُوعَ إِلَى مَكَّةَ، سَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، قَالَ ابْنُ أَبِي الْكَنُودِ عُبَيْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدٍ: فَدَخَلَهَا عَلِيٌّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَقِيلَ لَهُ: انْزِلْ بِالْقَصْرِ الْأَبْيَضِ. فَقَالَ: لَا، إِنَّ عُمَرَ كَانَ يَكْرَهُ نُزُولَهُ، فَأَنَا أَكْرَهُهُ لِذَلِكَ. فَنَزَلَ فِي الرَّحْبَةِ وَصَلَّى فِي الْجَامِعِ الْأَعْظَمِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فَحَثَّهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّرِّ، وَمَدَحَ أَهْلَ الْكُوفَةِ فِي خُطْبَتِهِ هَذِهِ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - وَكَانَ عَلَى هَمَذَانَ مِنْ زَمَانِ عُثْمَانَ - وَإِلَى الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ - وَهُوَ عَلَى نِيَابَةِ أَذْرَبِيجَانَ مِنْ أَيَّامِ عُثْمَانَ - يَأْمُرُهُمَا أَنْ يَأْخُذَا الْبَيْعَةَ لَهُ عَلَى مَنْ هُنَالِكَ ثُمَّ يُقْبِلَا إِلَيْهِ، فَفَعَلَا ذَلِكَ. علي يرسل جرير لمعاوية لأخذ البيعة منه ؓ فَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ، ؓ، أَنْ يَبْعَثَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، ؓ، يَدْعُوهُ إِلَى بَيْعَتِهِ، قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَذْهَبُ إِلَيْهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وُدًّا، فَآخُذُ لَكَ الْبَيْعَةَ مِنْهُ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: لَا تَبْعَثْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَوَاهُ مَعَهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: دَعْهُ. فَبَعَثَهُ وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَى مُعَاوِيَةَ يُعْلِمُهُ بِاجْتِمَاعِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ عَلَى بَيْعَتِهِ، وَيُخْبِرُهُ بِمَا كَانَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَيَدْعُوهُ إِلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ. مبايعة عمرو بن العاص لمعاوية لمحاربة علي ؓ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَعْطَاهُ الْكِتَابَ. وَطَلَبَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَرُءُوسَ أَهْلِ الشَّامِ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوا حَتَّى يَقْتُلَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، أَوْ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِمْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قَاتَلُوهُ وَلَمْ يُبَايِعُوهُ حَتَّى يَقْتُلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. فَرَجَعَ جَرِيرٌ إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالُوا، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: أَلَمْ أَنْهَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ تَبْعَثَ جَرِيرًا ؟ فَلَوْ كُنْتَ بَعَثْتَنِي لَمَا فَتَحَ مُعَاوِيَةُ بَابًا إِلَّا أَغْلَقْتُهُ. فَقَالَ لَهُ جَرِيرٌ لَوْ كُنْتَ ثَمَّ لَقَتَلُوكَ بِدَمِ عُثْمَانَ. فَقَالَ الْأَشْتَرُ: وَاللَّهِ لَوْ بَعَثَنِي لَمْ يُعْيِنِي جَوَابُ مُعَاوِيَةَ وَلَأُعْجِلَنَّهُ عَنِ الْفِكْرَةِ، وَلَوْ أَطَاعَنِي فِيكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، لَحَبَسَكَ وَأَمْثَالَكَ حَتَّى يَسْتَقِيمَ أَمْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ. فَقَامَ جَرِيرٌ مُغْضَبًا فَأَقَامَ بِقَرْقِيسِياءَ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ بِمَا قَالَ وَمَا قِيلَ لَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ. خروج علي بن أبي طالب إلى صفين وَخَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مِنَ الْكُوفَةِ عَازِمًا عَلَى الدُّخُولِ إِلَى الشَّامِ، فَعَسْكَرَ بِالنُّخَيْلَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ أَبَا مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنَ عَمْرٍو الْبَدْرِيَّ الْأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ قَدْ أَشَارَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ بِأَنْ يُقِيمَ بِالْكُوفَةِ وَيَبْعَثَ الْجُنُودَ، وَأَشَارَ آخَرُونَ عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ. وَبَلَغَ مُعَاوِيَةَ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ خَرَجَ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ فَاسْتَشَارَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَيْهِ أَيْضًا أَنْتَ بِنَفْسِكَ. وَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ صَنَادِيدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ قَدْ تَفَانَوْا يَوْمَ الْجَمَلِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ عَلِيٍّ إِلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِمَّنْ قَتَلَ الْخَلِيفَةَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي حَقِّكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوهُ، وَفِي دَمِ عُثْمَانَ خَلِيفَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِلُّوهُ. وَكَتَبَ إِلَى أَجْنَادِ الشَّامِ فَحَضَرُوا، وَعُقِدَتِ الْأَلْوِيَةُ وَالرَّايَاتُ لِلْأُمَرَاءِ، وَتَهَيَّأَ أَهْلُ الشَّامِ وَتَأَهَّبُوا، وَخَرَجُوا أَيْضًا إِلَى نَحْوِ الْفُرَاتِ مِنْ نَاحِيَةِ صِفِّينَ - حَيْثُ يَكُونُ مَقْدَمُ عَلِيٍّ - وَسَارَ عَلِيٌّ، ؓ، بِمَنْ مَعَهُ مِنَ النُّخَيْلَةِ قَاصِدًا أَرْضَ الشَّامِ. قَالَ أَبُو إِسْرَائِيلَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ: وَكَانَ فِي جَيْشِ عَلِيٍّ ثَمَانُونَ بَدْرِيًّا، وَمِائَةٌ وَخَمْسُونَ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. رَوَاهُ ابْنُ دِيزِيلَ. قصة الراهب مع علي ؓ وَقَدِ اجْتَازَ فِي طَرِيقِهِ بِرَاهِبٍ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ فِي كِتَابِهِ، عَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: لَمَّا أَتَى عَلِيٌّ الرَّقَّةَ، نَزَلَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الْبَلِيخُ. عَلَى جَانِبِ الْفُرَاتِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ رَاهِبٌ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: إِنَّ عِنْدَنَا كِتَابًا تَوَارَثْنَاهُ عَنْ آبَائِنَا، كَتَبَهُ أَصْحَابُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، أَعْرِضُهُ عَلَيْكَ ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ. فَقَرَأَ الرَّاهِبُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي قَضَى فِيمَا قَضَى، وَسَطَّرَ فِيمَا سَطَّرَ، وَكَتَبَ فِيمَا كَتَبَ أَنَّهُ بَاعِثٌ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ، وَيَدُلُّهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللَّهِ، لَا فَظٌّ وَلَا غَلِيظٌ وَلَا صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، أُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، وَفِي كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ تَذِلُّ أَلْسِنَتُهُمْ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ، وَيَنْصُرُهُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ مَنْ نَاوَأَهُ، فَإِذَا تَوَفَّاهُ اللَّهُ اخْتَلَفَتْ أُمَّتُهُ ثُمَّ اجْتَمَعَتْ فَلَبِثَتْ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ، ثُمَّ يَمُرُّ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ بِشَاطِئِ هَذَا الْفُرَاتِ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَقْضِي بِالْحَقِّ، وَلَا يُنَكِّسُ الْحُكْمُ، الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّمَادِ - أَوْ قَالَ: التُّرَابِ - فِي يَوْمٍ عَصَفَتْ فِيهِ الرِّيحُ، وَالْمَوْتُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ، يَخَافُ اللَّهَ فِي السِّرِّ، وَيَنْصَحُ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ النَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ فَآمَنَ بِهِ، كَانَ ثَوَابُهُ رِضْوَانِي وَالْجَنَّةَ، وَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الْعَبْدَ الصَّالِحَ فَلْيَنْصُرْهُ، فَإِنَّ الْقَتْلَ مَعَهُ شَهَادَةٌ. ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ: فَأَنَا أُصَاحِبُكَ فَلَا أُفَارِقُكَ حَتَّى يُصِيبَنِي مَا أَصَابَكَ. فَبَكَى عَلِيٌّ ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْنِي عِنْدَهُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَكَرَنِي عِنْدَهُ فِي كُتُبِ الْأَبْرَارِ. فَمَضَى الرَّاهِبُ مَعَهُ وَأَسْلَمَ، فَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ حَتَّى أُصِيبَ يَوْمَ صِفِّينَ، فَلَمَّا خَرَجَ النَّاسُ يَدْفِنُونَ قَتْلَاهُمْ قَالَ عَلِيٌّ: اطْلُبُوا الرَّاهِبَ. فَلَمَّا وَجَدُوهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَدَفَنَهُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. مسير جيش علي ؓ وأحداث المعركة وَقَدْ بَعَثَ عَلِىٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ زِيَادَ بْنَ النَّضْرِ الْحَارِثِيَّ طَلِيعَةً فِي ثَمَانِيَةِ آلَافٍ، وَمَعَهُ شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَسَارُوا فِي طَرِيقٍ بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرِ طَرِيقِهِ، وَجَاءَ عَلِيٌّ فَقَطَعَ دِجْلَةَ مِنْ جِسْرِ مَنْبِجٍ، وَسَارَتِ الْمُقَدِّمَتَانِ، فَبَلَغَهُمْ أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَكِبَ فِي أَهْلِ الشَّامِ ; لِيَلْقَى عَلِيًّا، فَهَمُّوا بِلِقَائِهِ، فَخَافُوا مِنْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِهِمْ وَجَاءُوا لِيَعْبُرُوا مِنْ عَانَاتَ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ عَانَاتَ، فَسَارُوا فَعَبَرُوا مِنْ هِيتَ، ثُمَّ لَحِقُوا عَلِيًّا - وَقَدْ سَبَقَهُمْ - فَقَالَ عَلِيٌّ: مُقَدِّمَتِي تَأْتِي مِنْ وَرَائِي ! فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِمَا جَرَى لَهُمْ، فَعَذَرَهُمْ ثُمَّ قَدَّمَهُمْ أَمَامَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَنْ عَبَرَ الْفُرَاتَ، فَتَلَقَّاهُمْ أَبُو الْأَعْوَرِ عَمْرُو بْنُ سُفْيَانَ السُّلَمِىُّ فِي مُقَدِّمَةِ أَهْلِ الشَّامِ، فَتَوَاقَفُوا، وَدَعَاهُمْ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ أَمِيرُ مُقَدِّمَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ فَلَمْ يُجِيبُوهُ بِشَيْءٍ، فَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ بِذَلِكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ أَمِيرًا، وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ شُرَيْحٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ بِقِتَالٍ حَتَّى يَبْدَأُوهُ أَوَّلًا بِالْقِتَالِ، وَلَكِنْ لِيَدْعُهُمْ إِلَى الْبَيْعَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، فَإِنِ امْتَنَعُوا فَلَا يُقَاتِلْهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوهُ، وَلَا يَقْرَبْ مِنْهُمْ قُرْبَ مَنْ يُرِيدُ الْحَرْبَ، وَلَا يُبْعُدْ مِنْهُمْ إِبْعَادَ مَنْ يَهَابُ الرِّجَالَ، وَلَكِنْ صَابِرْهُمْ حَتَّى آتِيَكَ، فَأَنَا حَثِيثُ السَّيْرِ وَرَاءَكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَبَعَثَ مَعَهُ بِكِتَابِ الْإِمَارَةِ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ جُمْهَانَ الْجُعْفِيِّ. فَلَمَّا قَدِمَ الْأَشْتَرُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، امْتَثَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ عَلِيٌّ، فَتَوَاقَفَ هُوَ وَمُقَدِّمَةُ مُعَاوِيَةَ وَعَلَيْهَا أَبُو الْأَعْوَرِ، فَلَمْ يَزَالُوا مُتَوَاقِفِينَ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ فَثَبَتُوا لَهُ، وَاضْطَرَبُوا سَاعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ أَهْلُ الشَّامِ عِنْدَ الْمَسَاءِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَوَاقَفُوا أَيْضًا وَتَصَابَرُوا، فَحَمَلَ الْأَشْتَرُ فَقَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُنْذِرِ التَّنُوخِيَّ - وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ أَهْلِ الشَّامِ - قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يُقَالُ لَهُ: ظَبْيَانُ بْنُ عُمَارَةَ التَّمِيمِيُّ. فَعِنْدَ ذَلِكَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ بِمَنْ مَعَهُ، فَتَقَدَّمُوا إِلَيْهِمْ، وَطَلَبَ الْأَشْتَرُ مِنْ أَبِي الْأَعْوَرِ أَنْ يُبَارِزَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَبُو الْأَعْوَرِ إِلَى ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ رَآهُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهُ فِي ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - ثُمَّ تَحَاجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْقِتَالِ عِنْدَ إِقْبَالِ اللَّيْلِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي. فَلَمَّا كَانَ صَبَاحُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ أَقْبَلَ عَلِيٌّ، ؓ، فِي جُيُوشِهِ وَجَاءَ مُعَاوِيَةُ، ؓ، فِي جُنُودِهِ فَتَوَاجَهَ الْفَرِيقَانِ، وَتَقَابَلَ الْجَمْعَانِ - وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ - فَتَوَاقَفُوا طَوِيلًا، وَذَلِكَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: صِفِّينَ. وَذَلِكَ فِي أَوَائِلِ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ عَدَلَ عَلِيٌّ، ؓ، فَارْتَادَ لِجَيْشِهِ مَنْزِلًا، وَقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ سَبَقَ بِجَيْشِهِ فَنَزَلُوا عَلَى مَشْرَعَةِ الْمَاءَ فِي أَسْهَلِ مَوْضِعٍ وَأَفْيَحِهِ، فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ نَزَلَ بَعِيدًا مِنَ الْمَاءِ، وَجَاءَ سَرَعَانُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لِيَرِدُوا مِنَ الْمَاءِ، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ مُقَاتَلَةٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ وَكَّلَ عَلَى الشَّرِيعَةِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَشْرَعَةٌ سِوَاهَا، فَعَطِشَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَعَثَ عَلِيٌّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ فِي جَمَاعَةٍ لِيَصِلُوا إِلَى الْمَاءِ، فَمَنَعَهُمْ أُولَئِكَ وَقَالُوا: مُوتُوا عَطَشًا كَمَا مَنَعْتُمْ عُثْمَانَ الْمَاءَ. فَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ سَاعَةً، ثُمَّ تَطَاعَنُوا بِالرِّمَاحِ أُخْرَى، ثُمَّ تَقَاتَلُوا بِالسُّيُوفِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَمَدَّ كُلَّ طَائِفَةٍ أَصْحَابُهَا، حَتَّى جَاءَ الْأَشْتَرُ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِيِّينَ، وَجَاءَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِيِّينَ، فَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ - وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْأَحْمَرِ الْأَزْدِيُّ - وَهُوَ يُقَاتِلُ: خَلُّوا لَنَا مَاءَ الْفُرَاتِ الْجَارِي أَوِ اثْبُتُوا لِجَحْفَلٍ جَرَّارِ لِكُلِّ قَرْمٍ مُسْتَمِيتٍ شَارِ مُطَاعِنٍ بِرُمْحِهِ كَرَّارِ ضَرَّابِ هَامَاتِ الْعِدَا مِغْوَارِ ثُمَّ مَا زَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَكْشِفُونَ الشَّامِيِّينَ عَنِ الْمَاءِ حَتَّى أَزَاحُوهُمْ عَنْهُ وَخَلَّوْا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى الْوُرُودِ حَتَّى صَارُوا يَزْدَحِمُونَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ لَا يُكَلِّمُ أَحَدٌ أَحَدًا، وَلَا يُؤْذِي إِنْسَانٌ مِنْهُمْ إِنْسَانًا. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا أَمَرَ أَبَا الْأَعْوَرِ بِحِفْظِ الشَّرِيعَةِ وَقَفَ دُونَهَا بِرِمَاحٍ مُشْرَعَةٍ، وَسُيُوفٍ مُسَلَّلَةٍ، وَسِهَامٍ مُفَوَّقَةٍ، وَقِسِيٍّ مُوَتَّرَةٍ، فَجَاءَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ عَلِيًّا فَشَكَوْا إِلَيْهِ ذَلِكَ، فَبَعَثَ صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحَانَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا جِئْنَا كَافِّينَ عَنْ قِتَالِكُمْ حَتَّى نُقِيمَ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ، فَبَعَثْتَ إِلَيْنَا مُقَدَّمَتَكَ فَقَاتَلَتْنَا قَبْلَ أَنْ نَبْدَأَكُمْ بِالْقِتَالِ، ثُمَّ هَذِهِ أُخْرَى قَدْ مَنَعْتُمُونَا الْمَاءَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْقَوْمِ: مَاذَا تَرَوْنَ ؟ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ خَلِّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَلَيْسَ مِنَ النَّصَفِ أَنْ نَكُونَ رَيَّانِينَ وَهُمْ عِطَاشٌ. وَقَالَ الْوَلِيدُ: دَعْهُمْ يَذُوقُوا مِنَ الْعَطَشِ مَا أَذَاقُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ حِينَ حَصَرُوهُ فِي دَارِهِ وَمَنَعُوهُ طَيِّبَ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ: امْنَعْهُمُ الْمَاءَ إِلَى اللَّيْلِ فَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى بِلَادِهِمْ. فَسَكَتَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ لَهُ صَعْصَعَةُ بْنُ صُوحَانَ: مَاذَا جَوَابُكَ ؟ فَقَالَ: سَيَأْتِيكُمْ رَأْيِي بَعْدَ هَذَا. فَلَمَّا رَجَعَ صَعْصَعَةُ فَأَخْبَرَ الْخَبَرَ، رَكِبَتِ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ فَمَا زَالُوا حَتَّى أَزَاحُوهُمْ عَنِ الْمَاءِ وَوَرَدُوهُ قَهْرًا، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى وُرُودِهِ، وَلَا يَمْنَعُ أَحَدٌ أَحَدًا مِنْهُ. دعَوة عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَقَامَ عَلِيٌّ يَوْمَيْنِ لَا يُكَاتِبُ مُعَاوِيَةَ وَلَا يُكَاتِبُهُ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ دَعَا عَلِيٌّ بَشِيرَ بْنَ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيَّ، وَسَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ التَّمِيمِيَّ فَقَالَ: ائْتُوا هَذَا الرَّجُلَ فَادْعُوهُ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَاسْمَعُوا مَا يَقُولُ لَكُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ عَمْرٍو: يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّ الدُّنْيَا عَنْكَ زَائِلَةٌ، وَإِنَّكَ رَاجِعٌ إِلَى الْآخِرَةِ، وَاللَّهُ مُحَاسِبُكُ بِعَمَلِكَ، وَمُجَازِيكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ، وَإِنِّي أَنْشُدُكَ اللَّهَ أَنْ تَفَرِّقَ جَمَاعَةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَأَنْ تَسْفِكَ دِمَاءَهَا بَيْنَهَا. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: هَلَّا أَوْصَيْتَ بِذَلِكَ صَاحِبَكُمْ ؟ ! فَقَالَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبِي أَحَقُّ هَذِهِ الْبَرِيَّةِ بِالْأَمْرِ فِي فَضْلِهِ وَدِينِهِ وَسَابِقَتِهِ وَقَرَابَتِهِ، وَإِنَّهُ يَدْعُوكَ إِلَى مُبَايَعَتِهِ، فَإِنَّهُ أَسْلَمُ لَكَ فِي دُنْيَاكَ، وَخَيْرٌ لَكَ فِي أُخْرَاكَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَيُطَلُّ دَمُ عُثْمَانَ ؟ لَا وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ ذَلِكَ أَبَدًا. ثُمَّ أَرَادَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ، فَبَدَرَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ فَتَكَلَّمَ قَبْلَهُ بِكَلَامٍ فِيهِ غِلْظَةٌ وَجَفَاءٌ فِي حَقِّ مُعَاوِيَةَ، فَزَجَرَهُ مُعَاوِيَةُ وَزَبَرَهُ فِي افْتِيَاتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَأَشْرَفُ، وَفِي كَلَامِهِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ، فَأُخْرِجُوا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَصَمَّمَ عَلَى الْقِيَامِ بِطَلَبِ دَمِ عُثْمَانَ الَّذِي قُتِلَ مَظْلُومًا. فَعِنْدَ ذَلِكَ نَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ عَلِيٌّ بِالطَّلَائِعِ وَالْأُمَرَاءِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا لِلْحَرْبِ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يُؤَمِّرُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الْحَرْبِ أَمِيرًا، فَمِنْ أُمَرَائِهِ عَلَى الْحَرْبِ ; الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ - وَهُوَ أَكْبَرُ مَنْ كَانَ يَخْرُجُ لِلْحَرْبِ - وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، وَشَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَخَالِدُ بْنُ الْمُعَمَّرِ، وَزِيَادُ بْنُ النَّضْرِ، وَزِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ. وَكَذَلِكَ فَعَلَ مُعَاوِيَةُ ; كَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَبْعَثُ عَلَى الْحَرْبِ أَمِيرًا، فَمِنْ أُمَرَائِهِ ; عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ؓ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ، وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ. وَرُبَّمَا اقْتَتَلَ النَّاسُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِكَمَالِهِ.
التاريخ 2064لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ أَسْلَمُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَسْلَمُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُكَنَّى أَبَا رَافِعٍ: وَكَانَ مَمْلُوكًا لِلْعَبَّاسِ، فَوَهَبَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا بُشِّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلَامِ الْعَبَّاسِ أَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَهَاجَرَ بَعْدَ بَدْرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا، وَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلْمَى مَوْلَاتَهُ. وَتُوُفِّيَ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ؓ. حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - وَالْيَمَانُ لَقَبٌ - وَاسْمُهُ حَسْلٌ - وَيُقَالُ: حَسِيلُ - بْنُ جَابِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جِرْوَةَ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَيُقَالُ إِنَّ جِرْوَةَ هُوَ الْيَمَانُ: خَرَجَ حُذَيْفَةُ هُوَ وَأَبُوهُ فَأَخَذَهُمَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: إِنَّكُمَا تُرِيدَانِ مُحَمَّدًا، فَقَالَا: مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنْهُمَا عَهْدًا أَلَّا يُقَاتِلَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنْ يَنْصَرِفَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَاهُ وَقَالَا: إِنْ شِئْتَ [قَاتَلْنَا مَعَكَ]، قَالَ: بَلَى نَفِي [لَهُمْ] وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَفَاتَهُمَا بَدْرٌ، وَشَهِدَ حُذَيْفَةُ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا. وَكَانَ حُذَيْفَةُ صَاحِبَ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقُرْبِهِ مِنْهُ وَثِقَتِهِ بِهِ ، وَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَسْمَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ بَخَسُوا بَعِيرَهُ لَيْلَةَ [الْعَقَبَةِ] بِتَبُوكَ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَأَنَا أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. وَوَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمَدَائِنَ، فَأَقَامَ بِهَا إِلَى حِينِ وَفَاتِهِ. وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا كَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلَانًا وَأَمَرْتُهُ بِكَذَا وَكَذَا، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَلَمَّا بَعَثَ حُذَيْفَةَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ: إِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ فُلَانًا فَأَطِيعُوهُ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ لَهُ شَأْنٌ، فَرَكِبُوا لِيَلْتَقُوهُ، فَلَقُوهُ عَلَى بَغْلٍ تَحْتَهُ أَكَافٍ وَهُوَ مُعْتَرِضٌ عَلَيْهِ رَجُلَاهُ مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَعْرِفُوهُ فَأَجَازُوهُ، فَلَقِيَهُمُ النَّاسُ، فَقَالُوا: أَيْنَ الْأَمِيرُ؟ قَالُوا: هُوَ الَّذِي لَقِيَكُمْ. قَالَ: فَرَكَضُوا فِي أَثَرِهِ، فَأَدْرَكُوهُ وَفِي يَدِهِ رَغِيفٌ وَفِي الْأُخْرَى عَرَقٌ وَهُوَ يَأْكُلُ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَى عَظِيمٍ مِنْهُمْ فَنَاوَلَهُ الْعَرَقَ وَالرَّغِيفَ. قَالَ: فَلَمَّا غَفَلَ أَلْقَاهُ أَوْ أَعْطَاهُ لِخَادِمِهِ. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ سَلَامُ بْنُ مِسْكِينٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، فَقَالَ فِيهِ: لَمَّا قَدِمَ حُذَيْفَةُ الْمَدَائِنَ اسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ وَالدَّهَاقِينُ وَبِيَدِهِ رَغِيفٌ وَعِرْقٌ مِنْ لَحْمٍ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى أَكَافٍ، فَقَرَأَ عَهْدَهُ عَلَيْهِمْ [فَقَالُوا: سَلْنَا مَا شِئْتَ، قَالَ: أَسْأَلُكُمْ طَعَامًا آكُلُهُ، وَعَلِيقًا لِحِمَارِي هَذَا مَا دُمْتُ فِيكُمْ] فَأَقَامَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنْ أَقْدِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ قُدُومُهُ عُمَرَ كَمَنَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ لَا يَرَاهُ، فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ عَلَى الْحَالِ الَّتِي خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ عَلَيْهَا، أَتَاهُ فَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: أَنْتَ أَخِي وَأَنَا أَخُوكَ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ، قَالَ: بَكَى حُذَيْفَةُ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ الْتَفَتَ فَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ، فَقَالَ: لَا تُعْلِمَنَّ هَذَا أَحَدًا. وَعَنْ زِيَادٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ دَخَلَ عَلَى حُذَيْفَةَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي أَرَى هَذَا الْيَوْمَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ لَمْ أَتَكَلَّمْ بِهِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ الْفَقْرَ عَلَى الْغِنَى، وَأُحِبُّ الذِّلَّةَ عَلَى الْعِزِّ، وَأُحِبُّ الْمَوْتَ عَلَى الْحَيَاةِ، حَبِيبٌ جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، لَا أَفْلَحَ مَنْ نَدِمَ، ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ. وَعَنْ خَالِدِ بْنِ رَبِيعٍ الْعَبْسِيِّ، قَالَ: سَمِعْنَا بِوَجَعِ حُذَيْفَةَ فَرَكِبَ إِلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي نَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ إِلَى الْمَدَائِنِ، فَأَتَيْنَاهُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: هَلْ جِئْتُمْ بِأَكْفَانِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا تُغَالُوا بِكَفَنِي، أَفَإِنْ يَكُنْ لِصَاحِبِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يُبَدَّلُ خَيْرًا مِنْ كِسْوَتِكُمْ وَإِلَّا يُسْلَبَ سَلْبًا سَرِيعًا، ثُمَّ ذَكَرَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَمْ أَشْهَدْ، وَلَمْ أَقْتُلْ، وَلَمْ أَرْضَ. وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: عَاشَ حُذَيْفَةُ بَعْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: مَاتَ حُذَيْفَةُ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ. اجْتَمَعَ عَلَى ذَلِكَ الْوَاقِدِيُّ، وَالْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ. الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصِيٍّ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصِيٍّ ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: أَسْلَمَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ رَابِعًا أَوْ خَامِسًا، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهَاجَرُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ جَمِيعًا، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ غَزَاةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ رَجُلًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، إِلَى الْخِفَّةِ مَا هُوَ فِي اللَّحْمِ، خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، أَسْمَرَ اللَّوْنِ أَشْعَرَ، وَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَحَدَ عَشَرَ ذِكْرًا، وَتِسْعُ نِسْوَةٍ: عَبْدُ اللَّهِ، وَمُصْعَبٌ، وَعُرْوَةُ، وَالْمُنْذِرُ، وَعَاصِمٌ، وَالْمُهَاجِرُ، وَخَدِيجَةُ الْكُبْرَى، وَأُمُّ الْحَسَنِ، وَعَائِشَةُ، وَأُمُّهُمْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. وَخَالِدٌ، وَعَمْرٌو، وَحَبِيبَةُ، وَسَوْدَةُ، وَهِنْدٌ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ خَالِدٍ، وَهِيَ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. وَمُصْعَبٌ، وَحَمْزَةُ وَرَمْلَةُ وَأُمُّهُمْ أُمُّ الرَّبَابِ بِنْتُ أُنَيْفٍ. وَعُبَيْدَةُ، وَجَعْفَرٌ، وَأُمُّهُمَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَرْثَدٍ. وَزَيْنَبُ، وَأُمُّهَا أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. وَخَدِيجَةُ الصُّغْرَى، وَأُمُّهَا الْحَلَالُ بِنْتُ قَيْسٍ. عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ عَلَى الزُّبَيْرِ رِيطَةٌ صَفْرَاءُ مُعْتَجِرًا بِهَا يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى سِيمَاءِ الزُّبَيْرِ ". [وَعَنْ جَابِرٍ] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ"؟ [يَوْمَ الْأَحْزَابِ] فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، قَالَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، قَالَ: "مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ؟ " قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا، وَإِنَّ حَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي يَوْمَ الْأَحْزَابِ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا أَبَهْ تُحْمَلُ عَلَى فَرَسٍ لَكَ أَشْقَرَ، قَالَ: قَدْ رَأَيْتَنِي أَيْ بُنَيَّ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَمَعَ لِي أَبَوَيْهِ يَقُولُ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا وَقَفَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ دَعَانِي فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْيَوْمَ إِلَّا ظَالِمٌ أَوْ مَظْلُومٌ ، وَإِنِّي لَا أَرَانِي إِلَّا سَأُقْتَلُ الْيَوْمَ مَظْلُومًا، وَإِنَّ مِنْ أَكْبَرَ هَمِّي لَدَيْنِي، أَفَتَرَى دَيْنَنَا يُبْقِي مِنْ مَالِنَا شَيْئًا؟ ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ بِعْ وَاقْضِ دَيْنِي وَأَوْصِ بِالثُّلُثِ، فَإِنْ فَضَلَ مِنْ مَالِنَا مِنْ بَعْدِ قَضَاءِ الدَّيْنِ شَيْءٌ فَثُلُثُهُ لِوَلَدِكَ. وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ بَنَاتٍ، قَالَ: فَجَعَلَ يُوصِينِي بِدَيْنِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ إِنْ عَجَزْتَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِنْ عَلَيْهِ مَوْلَايَ. قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا دَرَيْتُ مَا أَرَادَ حَتَّى قُلْتُ: يَا أَبَهْ، مَنْ مَوْلَاكَ؟ قَالَ: اللَّهُ، فَوَ اللَّهِ مَا وَقَعْتُ فِي كُرْبَةٍ مِنْ دَيْنِهِ إِلَّا قُلْتُ: يَا مَوْلَى الزُّبَيْرِ اقْضِ عَنْهُ دَيْنَهُ، فَيَقْضِيَهُ. قَالَ: وَقُتِلَ الزُّبَيْرُ وَلَمْ يَدَعْ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِلَّا أَرَضِينَ فِيهِمَا الْغَابَةُ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ دَارًا بِالْمَدِينَةِ، وَدَارَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَدَارًا بِالْكُوفَةِ، وَدَارًا بِمِصْرَ. قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ دَيْنُهُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَأْتِيهِ بِالْمَالِ فَيَسْتَوْدِعُهُ إِيَّاهُ، فَيَقُولُ الزُّبَيْرُ: لَا، وَلَكِنْ هُوَ سَلَفٌ، إِنِّي أَخْشَى عَلَيْهِ الضَّيْعَةَ، وَمَا وَلِيَ إِمَارَةً قَطُّ وَلَا جِبَايَةً وَلَا خَرَاجًا وَلَا شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي غَزْوٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ؓ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَحَسَبْتُ مَا عَلَيْهِ مِنِ الدِّينِ فَوَجَدْتُهُ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ، فَلَقِيَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي كَمْ عَلَى أَخِي مَنِ الدَّيْنِ؟ قَالَ: فَكَتَمْتُهُ وَقُلْتُ مِائَةُ أَلْفٍ، فَقَالَ حَكِيمٌ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَمْوَالَكُمْ تَتَّسِعُ لِهَذِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَفَرَأَيْتُكَ إِنْ كَانَتْ أَلْفَيْ أَلْفٍ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ؟ قَالَ: مَا أَرَاكُمْ تُطِيقُونَ هَذَا، فَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَاسْتَعِينُوا بِي، وَكَانَ الزُّبَيْرُ اشْتَرَى الْغَابَةَ بِسَبْعِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، فَبَاعَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ شَيْءٌ فَلْيُوَافِنَا بِالْغَابَةِ، فَأَتَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ - وَكَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ – فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: إِنْ شِئْتُمْ تَرَكْتُهَا لَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَأَخِّرُوهَا فِيمَا تُؤَخِّرُونَ، إِنْ أَخَّرْتُمْ شَيْئًا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَا، قَالَ: فَاقْطَعُوا لِي قِطْعَةً، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: لَكَ مِنْ هَاهُنَا إِلَى هَا هُنَا، قَالَ: فَبَاعَهُ مِنْهَا بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، فَأَوْفَاهُ وَبَقِيَ مِنْهَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ زَمْعَةَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَمْ قَوَّمْتَ الْغَابَةَ؟ قَالَ: كُلُّ سَهْمٍ مِائَةُ أَلْفٍ، قَالَ: كَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ وَنِصْفٌ، قَالَ: فَقَالَ الْمُنْذِرُ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، وَقَالَ ابْنُ زَمْعَةَ: قَدْ أَخَذْتُ سَهْمًا بِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: فَكَمْ بَقِيَ؟ قَالَ: سَهْمٌ وَنِصْفٌ، قَالَ: أَخَذْتُهُ بِخَمْسِينَ وَمِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ: وَبَاعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ نَصِيبَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ، فَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ، قَالَ بَنُو الزُّبَيْرِ: اقْسِمْ بَيْنَنَا مِيرَاثَنَا، قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ مِيرَاثَكُمْ حَتَّى أُنَادِيَ فِي الْمَوْسِمِ أَرْبَعَ سِنِينَ: أَلَا مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى الزُّبَيْرِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا فَلِنَقْضِهِ. قَالَ: فَجَعَلَ كُلَّ سَنَةٍ يُنَادِي بِالْمَوْسِمِ، فَلَمَّا مَضَتْ أَرْبَعُ سِنِينَ قَسَمَ بَيْنَهُمْ. قَالَ: وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، قَالَ: وَرُبْعُ الثَّمَنِ فَأَصَابَ كُلَّ امْرَأَةٍ أَلْفُ أَلْفٍ وَمِائَةُ أَلْفٍ. قَالَ: فَجَمِيعُ مَالِهِ خَمْسُونَ أَلْفَ أَلْفٍ وَمِائَتَا أَلْفٍ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: حَضَرَ الزُّبَيْرُ يَوْمَ الْجَمَلِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لا يُقَاتِلَ فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَانْطَلَقَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَلَحِقَهُ قَوْمٌ فَقَاتَلُوهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ جُرْمُوزٍ فَطَعَنَهُ فَأَثْبَتَهُ فَوَقَعَ فَاعْتَوَرُوهُ وَأَخَذُوا سَيْفَهُ، وَأَخَذَ ابْنُ جُرْمُوزٍ رَأْسَهُ فَحَمَلَهُ إِلَى عَلِيٍّ وَأَتَى بِسَيْفِهِ فَأَخَذَهُ عَلِيٌّ ؓ، وَقَالَ: سَيْفٌ وَاللَّهِ طَالَ مَا جَلَّا بِهِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْكَرْبَ . وَقَالَ: بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ صَفِيَّةَ بِالنَّارِ، وَجَلَسَ يَبْكِي عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ: إِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ أَكُونَ أَنَا وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ. وَدُفِنَ الزُّبَيْرُ بِوَادِي السِّبَاعِ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: مَنْ أَرَادَ الشَّهَادَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ عَاتِكَةَ، لِأَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُتِلَ عَنْهَا، ثُمَّ كَانَتْ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقُتِلَ عَنْهَا، ثُمَّ عِنْدَ الزُّبَيْرِ فَقُتِلَ عَنْهَا وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ بْنِ حُجْرِ بْنِ الْهِجْرِسِ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ بْنِ حُجْرِ بْنِ الْهِجْرِسِ، يُكَنَّى أَبَا عَائِشَةَ، [وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ]: سَمِعَ عُمَرَ وَعَلِيًّا ؓ. وَكَانَ يَصُومُ بِالنَّهَارِ وَيَقُومُ اللَّيْلَ. عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمْعَةِ أَحْيَاهَا، فَإِنْ كَانَ لَيَكْرَهُهَا [إِذَا جَاءَتْ] مِمَّا كَانَ يَلْقَى فِيهَا، فَبَلَغَ سَلْمَانَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَيْنَ زَيْدٌ ؟ قَالَتِ امْرَأَتُهُ: لَيْسَ هَا هُنَا، قَالَ: فَإِنِّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ لَمَا صَنَعْتَ طَعَامًا وَلَبِسَتْ مَحَاسِنَ ثِيَابِكَ، ثُمَّ بَعَثْتَ إِلَى زَيْدٍ، فَجَاءَ زَيْدٌ وَقَرَّبَ الطَّعَامَ، فَقَالَ سَلْمَانُ: كُلْ يَا زَيْدُ، فَقَالَ: إِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: كُلْ يَا زَيْدُ لَا تَنْقُصُ دِينَكَ، إِنَّ شَرَّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ، إِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِبَدَنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، كُلْ يَا زَيْدُ، فَأَكَلَ، وَتَرَكَ مَا يَصْنَعُ. قُتِلَ زَيْدٌ يَوْمَ الْجَمَلِ، فَقَالَ: ادْفِنُونِي فِي ثِيَابِي، فَإِنِّي مُخَاصِمٌ، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَلَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا. طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ : وَأُمُّهُ الصَّعْبَةُ بِنْتُ عَمَّارٍ الْحَضْرَمِيِّ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ. وَكَانَ وَهْبٌ صَاحِبَ الرِّفَادَةِ دُونَ قُرَيْشٍ كُلِّهَا. وَكَانَ لِطَلْحَةَ مِنَ الْوَلَدِ مُحَمَّدٌ، وَهُوَ السَّجَّادُ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ الْجَمَلِ، وَعِمْرَانُ، وَأُمُّهُمَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ. وَمُوسَى، وَأُمُّهُ خَوْلَةُ بِنْتُ الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدٍ، وَكَانَ يُقَالُ لِلْقَعْقَاعِ تَيَّارُ الْفُرَاتِ مِنْ سَخَائِهِ. وَيَعْقُوبُ وَكَانَ جَوَادًا قُتِلَ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَإِسْمَاعِيلُ، وَإِسْحَاقُ، وَأُمُّهُمْ أُمُّ أَبَانَ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. وَزَكَرِيَّا، وَيُوسُفُ، وَعَائِشَةُ، أُمُّهُمْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَعِيسَى وَيَحْيَى، وَأُمُّهُمَا سُعْدَى بِنْتُ عَوْفٍ. وَأُمُّ إِسْحَاقَ تَزَوَّجَهَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، فَوَلَدَتْ لَهُ طَلْحَةَ ثُمَّ تُوُفِّيَ عَنْهَا، فَخَلَفَ عَلَيْهَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوَلَدَتْ لَهُ فَاطِمَةَ، وَالصَّعْبَةَ، وَمَرْيَمَ، وَصَالِحَ الْأُمَّهَاتِ. وَكَانَ طَلْحَةُ آدَمَ كَثِيرَ الشَّعْرِ لَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطِطِ، وَلَا بِالسَّبْطِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، دَقِيقَ الْقَرْنَيْنِ لَا يُغَيِّرُ شَعْرَهُ . وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى فَإِذَا رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَتِهِ يَقُولُ: سَلُوا أَهْلَ هَذَا الْمَوْسِمِ أَفِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ ؟ قَالَ طَلْحَةُ: فَقُلْتُ: نَعَمْ أَنَا، فَقَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ؟ قَالَ: قُلْتُ: وَمَنْ أَحْمَدُ ؟ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، [هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ آَخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى نَخْلٍ وَحَرَّةٍ وَسِبَاخٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ]، قَالَ طَلْحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ، فَخَرَجْتُ سَرِيعًا حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَمِينُ تَنَبَّأَ وَقَدْ تَبِعَهُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ: اتَّبَعْتَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ فَادْخُلْ عَلَيْهِ فَاتَّبِعْهُ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ، فَأَخْبَرَهُ طَلْحَةُ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِطَلْحَةَ فَدَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَسْلَمَ طَلْحَةُ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ. فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخَذَهُمَا نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ الْعَدَوِيَّةِ فَشَّدَهُمَا فِي حَبْلٍ وَاحِدٍ وَلَمْ يَمْنَعْهُمَا بَنُو تَيْمٍ، وَكَانَ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ يُدْعَى أَسَدَ قُرَيْشٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ الْقَرِينَيْنِ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ طَلْحَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَبَعَثَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَسَّسَانِ خَبَرَ الْعِيرِ، فَخَرَجَا فَفَاتَتْهُمَا بَدْرٌ، فَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسِهَامِهِمَا وَأُجُورِهِمَا، فَكَانَا كَمَنْ شَهِدَهَا. وَشَهِدَ طَلْحَةُ أُحُدًا، وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ حِينَ وَلِيَ النَّاسَ ، وَرَمَى مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاتَّقَى طَلْحَةُ بِيَدِهِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَصَابَتْ خِنْصَرَهُ فَشُلَّتْ أُصْبُعَاهُ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً، وَقَعَ مِنْهَا فِي رَأْسِهِ شَجَّةٌ، فَلَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشُجَّ فِي وَجْهِهِ احْتَمَلَهُ طَلْحَةُ وَرَجَعَ بِهِ الْقَهْقَرَى، كُلَّمَا أَدْرَكَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَاتَلَ دُونَهُ حَتَّى أَسْنَدَهُ إِلَى الشِّعْبِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ ". وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَتْنِي جَدَّتِي سُعْدَى ابْنَةُ عَوْفٍ الْمُرِّيَّةُ، قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى طَلْحَةَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقُلْتُ: مَا لِي أَرَاكَ مَهْمُومًا؟ قَالَ: عِنْدِي مَالٌ قَدْ أَهَمَّنِي، فَقَسَمْتُهُ. فَسَأَلْتُهَا: كَمْ كَانَ الْمَالُ؟ قَالَتْ: أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفٍ. وَعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ طَلْحَةً بَاعَ أَرْضًا لَهُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِسَبْعمِائَةِ أَلْفٍ، فَحَمَلَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاءَ بِهَا، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا يُبَيِّتُ هَذِهِ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ لَا يَدْرِي مَا يَطْرُقُهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَغَرِيرٌ بِاللَّهِ، فَبَاتَ وَرُسُلُهُ تَخْتَلِفُ بِهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَسْحَرَ وَمَا عِنْدَهُ مِنْهَا دِرْهَمٌ. حَضَرَ طَلْحَةُ يَوْمَ الْجَمَلِ، فَرَمَاهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَأَصَابَ سَاقَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَنْزِفُ الدَّمَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذْ لِعُثْمَانَ مِنِّي حَتَّى يَرْضَى، فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ. وَتَرَكَ طَلْحَةُ مِنَ الْعَيْنِ أَلْفَيْ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَمِائَتَيْ أَلْفِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ عُرُوضًا كَثِيرَةً، وَقُوِّمْتُ أُصُولُهُ وَعَقَارُهُ ثَمَانِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: حُدِّثْتُ أَنَّ طَلْحَةَ تَرَكَ مِائَةَ بَهَارٍ فِي كُلِّ بَهَارٍ ثَلَاثَةُ قَنَاطِيرِ ذَهَبٍ. وَسَمِعْتُ أَنَّ الْبَهَارَ جِلْدُ ثَوْرٍ. تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجَمَلِ عَلَى مَا سَبَقَ شَرْحُهُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ ؓ صِفِّينَ، وَقُتِلَ هُنَاكَ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيُّ : بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. وَرَوَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَاخْتَطَّ بِهَا، وَكَانَ رَئِيسَ الْخَيْلِ الَّتِي سَارَتْ مِنْ مِصْرَ إِلَى عُثْمَانَ، وَقُتِلَ بِفِلَسْطِينَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، كَانَ قَدْ سُجِنَ فَهَرَبَ فَأَدْرَكَهُ فَارِسٌ، فَقَالَ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ فِي دَمِي فَإِنِّي مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: الشَّجَرُ فِي الْجَبَلِ كَثِيرٌ، [فَقَتَلَهُ]. عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ ضَبَّةَ أَبُو شَدَّادٍ عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ ضَبَّةَ، أَبُو شَدَّادٍ : شَهِدَ بَدْرًا وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ أَبُو عُمَرَ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ، أَبُو عُمَرَ : هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. كَعْبُ بْنُ سُورِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَزْدِيُّ كَعْبُ بْنُ سُورِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَزْدِيُّ : وَلَّاهُ عُمَرُ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَكَانَ سَبَبُ تَوْلِيَتِهِ إِيَّاهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنٍ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ زَوْجِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشْكُوَهُ وَهُوَ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ لَهَا: نِعْمَ الزَّوْجُ زَوْجُكِ، فَجَعَلَتْ تُكَرِّرُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ وَهُوَ يُكَرِّرُ عَلَيْهَا الْجَوَابَ، فَقَالَ لَهُ كَعْبٌ الْأَزْدِيُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذِهِ الْمَرْأَةُ تَشْكُو زَوْجَهَا فِي مُبَاعَدَتِهِ إِيَّاهَا عَنْ فِرَاشِهِ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: كَمَا فَهِمْتَ كَلَامَهَا فَاقْضِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ كَعْبٌ: عَلَيَّ بِزَوْجِهَا، فَأُتِيَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: امْرَأَتُكَ هَذِهِ تَشْكُوكَ، قَالَ: أَفِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، قَالَتِ الْمَرْأَةُ تَرْتَجِزُ: يَا أَيُّهَا الْقَاضِي الْحَكِيمُ رُشْدُهْ أَلْهَى خَلِيلِي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ زُهْدُهُ فِي مَضْجَعِي تَعَبُّدُهْ نَهَارُهُ وَلَيْلُهُ مَا يَرْقُدُهْ فَلَسْتُ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ أَحْمَدُهْ فَاقْضِ الْقَضَاءَ يَا كَعْبُ لَا تَرْدُدُهْ فَقَالَ زَوْجُهَا: أَزْهَدَنِي فِي فَرْشِهَا وَفِي الْحِجَلْ أَنِّي امْرُؤٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَفِي السَّبْعِ الطُّوَلْ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَخْوِيفٌ جَلَلْ فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ لَهَا عَلَيْكَ حَقًّا يَا رَجُلْ تُصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقَلْ فَاعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّ لَكَ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، فَلَكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ تَعْبُدُ فِيهِنَّ رَبَّكَ، وَلَهَا يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ أَمْرٍ بِكَ أَعْجَبُ، أَمِنْ فَهْمِكَ أَمْرَهُمَا أَمْ مِنْ حُكْمِكَ؟ اذْهَبْ فَقَدْ وَلَّيْتُكَ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: فَلَمَّا قَدِمَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ يُرْجِي اللَّهُ عَنْهُمُ الْبَصْرَةَ دَخَلَ كَعْبٌ إِلَى بَيْتٍ وَطِينٍ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ فِيهِ كُوَّةً يَتَنَاوَلُ مِنْهَا طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ اعْتِزَالًا لِلْفِتْنَةِ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّ كَعْبَ بْنَ سُورٍ إِنْ خَرَجَ مَعَكِ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنَ الْأَزْدِ أَحَدٌ، فَرَكِبَتْ إِلَيْهِ فَنَادَتْهُ فَلَمْ يُجِبْهَا، فَقَالَتْ: يَا كَعْبُ أَلَسْتُ أُمَّكَ وَلِي عَلَيْكَ حَقٌّ، فَكَلَّمَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ، فَخَرَجَ فَأَخَذَ الْمُصْحَفَ فَنَشَرَهُ وَمَشَى بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَدْعُوهُمْ إِلَى مَا فِيهِ، فَجَاءَهُ سَهْمٌ غَرِبٌ فَقَتَلَهُ. وَكَانَ خَيِّرًا صَالِحًا وَلَيْسَ لَهُ حَدِيثٌ. هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْمُرِّ : قَالَ: وَهُوَ أَخُو نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ، وَابْنُ أَخِي سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. أَسْلَمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَحَضَرَ مَعَ عَمِّهِ سَعْدٍ حَرْبَ الْفُرْسِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَلَمَّا هَزَمَ اللَّهُ الْعَدُوَّ، وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدَائِنِ اتَّبَعَهُمْ سَعْدٌ وَالْمُسْلِمُونَ، فَدَلَّ عِلْجٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدَائِنِ سَعْدًا عَلَى مَخَاضَةٍ، فَخَاضُوا وَأَتَوُا الْمَدَائِنَ فَحَاصَرُوهَا وَهَاشِمٌ فِيهِمْ. وَقُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ ؓ. ذكر قَتْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ قَدْ قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَتَرَكَ ابْنَهُ مُحَمَّدًا هَذَا، فَكَفَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ وَأَحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، وَكَانَ فِيمَا قِيلَ: أَصَابَ شَرَابًا فَحَدَّهُ عُثْمَانُ، ثُمَّ تَنَسَّكَ مُحَمَّدٌ وَأَقْبَلَ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَطَلَبَ مِنْ عُثْمَانَ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَمَلًا، فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ أَهْلًا لِذَلِكَ لَوَلَّيْتُكَ. فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي غَزْوِ الْبَحْرِ فَأْذَنْ [ لِي ] فِي إِتْيَانِ مِصْرَ، فَأَذِنَ لَهُ وَجَهَّزَهُ، فَلَمَّا قَدِمَهَا رَأَى النَّاسُ عِبَادَتَهُ فَلَزِمُوهُ وَعَظَّمُوهُ، وَغَزَا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ غَزْوَةَ الصَّوَارِي. وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَعِيبُهُ وَيَعِيبُ عُثْمَانَ بِتَوْلِيَتِهِ وَيَقُولُ: اسْتَعْمَلَ رَجُلًا أَبَاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ. فَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى عُثْمَانَ: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَفْسَدَ عَلَيَّ الْبِلَادَ هُوَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَمَّا ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ يُوهَبُ لِأَبِيهِ وَلِعَائِشَةَ، وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ فَإِنَّهُ ابْنِي وَابْنُ أَخِي وَتَرْبِيَتِي وَهُوَ فَرْخُ قُرَيْشٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا الْفَرْخَ قَدِ اسْتَوَى رِيشُهُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ يَطِيرَ. فَبَعَثَ عُثْمَانُ إِلَى ابْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَبِجَمَلٍ عَلَيْهِ كُسْوَةٌ، فَوَضَعَهَا مُحَمَّدٌ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَلَا تَرَوْنَ إِلَى عُثْمَانَ يُخَادِعُنِي عَنْ دِينِي وَيَرْشُونِي عَلَيْهِ ! فَازْدَادَ أَهْلُ مِصْرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَطَعْنًا عَلَى عُثْمَانَ، ( وَبَايَعُوهُ عَلَى رِيَاسَتِهِمْ )، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ يُذَكِّرُهُ بِرَّهُ بِهِ وَتَرْبِيَتَهُ إِيَّاهُ وَقِيَامَهُ بِشَأْنِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّكَ كَفَرْتَ إِحْسَانِي أَحْوَجُ مَا كُنْتُ إِلَى شُكْرِكَ. فَلَمْ يَرُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ ذَمَّهِ وَتَأْلِيبِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَحَثِّهِمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى حَصْرِهِ، وَمُسَاعَدَةِ مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ. فَلَمَّا سَارَ الْمِصْرِيُّونَ إِلَى عُثْمَانَ، أَقَامَ هُوَ بِمِصْرَ، وَخَرَجَ عَنْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، ( فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا ) وَضَبَطَهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا مُقِيمًا حَتَّى قُتِلَ عُثْمَانُ وَبُويِعَ عَلِيٌّ، وَاتَّفَقَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى خِلَافِ عَلِيٍّ، فَسَارَ إِلَى مِصْرَ قَبْلَ قُدُومِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ إِلَيْهَا أَمِيرًا، فَأَرَادَ دُخُولَهَا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَخَدَعَ مُحَمَّدًا حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْعَرِيشِ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، فَتَحَصَّنَ بِهَا، فَنَصَبَ عَلَيْهِ الْمَنْجَنِيقَ حَتَّى نَزَلَ فِي ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقُتِلَ. وَهَذَا الْقَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّ عَلِيًّا اسْتَعْمَلَ قَيْسًا عَلَى مِصْرَ أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ، وَلَوْ أَنَّ ابْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرٌو قَبْلَ وُصُولِ قَيْسٍ إِلَى مِصْرَ لَاسْتَوْلَيَا عَلَيْهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهَا أَمِيرٌ يَمْنَعُهُمَا عَنْهَا، وَلَا خِلَافَ أَنَّ اسْتِيلَاءَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو عَلَيْهَا كَانَ بَعْدَ صِفِّينِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ سَيَّرَ الْمِصْرِيِّينَ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا حَصَرُوهُ أَخْرَجَ مُحَمَّدٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ عَنْ مِصْرَ، وَهُوَ عَامِلُ عُثْمَانَ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، فَنَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى تُخُومِ مِصْرَ، وَانْتَظَرَ أَمْرَ عُثْمَانَ، فَطَلَعَ عَلَيْهِ رَاكِبٌ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِ عُثْمَانَ، فَاسْتَرْجَعَ، وَسَأَلَهُ عَمَّا صَنَعَ النَّاسُ بَعْدَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِبَيْعَةِ عَلِيٍّ، فَاسْتَرْجَعَ، فَقَالَ لَهُ: كَأَنَّ إِمْرَةَ عَلِيٍّ تَعْدِلُ عِنْدَكَ قَتْلَ عُثْمَانَ ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَظُنُّكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدٍ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ: إِنْ كَانَتْ لَكَ فِي نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَإِنَّ رَأْيَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ فِيكَ وَفِي أَصْحَابِكَ إِنْ ظَفِرَ بِكُمْ أَنْ يَقْتُلَكُمْ أَوْ يَنْفِيَكُمْ، وَهَذَا بَعْدِي أَمِيرٌ يَقْدَمُ عَلَيْكَ. فَقَالَ: مَنْ هُوَ ؟ قَالَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ: أَبْعَدَ اللَّهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ، فَإِنَّهُ بَغَى عَلَى ابْنِ عَمِّهِ وَسَعَى عَلَيْهِ، وَقَدْ كَفَلَهُ وَرَبَّاهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَأَسَاءَ جِوَارَهُ وَجَهَّزَ إِلَيْهِ الرِّجَالَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ وَلَّى عَلَيْهِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ وَمِنْ عُثْمَانَ، وَلَمْ يُمَتِّعْهُ بِسُلْطَانِ بِلَادِهِ شَهْرًا، وَلَمْ يَرَهْ لِذَلِكَ أَهْلًا. وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ هَارِبًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَدُلُّ عَلَى أَنْ قَيْسًا وَلِيَ مِصْرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ حَيٌّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ: إِنَّ عَمْرًا سَارَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ صِفِّينَ، فَلَقِيَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي جَيْشٍ، فَلَمَّا رَأَى عَمْرٌو كَثْرَةَ مَنْ مَعَهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَالْتَقَيَا وَاجْتَمَعَا، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّهُ قَدْ كَانَ مَا تَرَى وَقَدْ بَايَعْتُ هَذَا الرَّجُلَ، يَعْنِي مُعَاوِيَةَ، وَمَا أَنَا بِرَاضٍ بِكَثِيرٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَكَ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ نَفْسًا وَقَدِيمًا وَأَوْلَى بِهَذَا الْأَمْرِ، فَوَاعِدْنِي مَوْعِدًا أَلْتَقِي مَعَكَ فِيهِ فِي غَيْرِ جَيْشٍ، تَأْتِي فِي مِائَةٍ وَآتِي فِي مِثْلِهَا، وَلَيْسَ مَعَنَا إِلَّا السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ. فَتَعَاهَدَا وَتَعَاقَدَا عَلَى ذَلِكَ وَاتَّعَدَا الْعَرِيشَ، وَرَجَعَ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَلَمَّا جَاءَ الْأَجَلُ سَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فِي مِائَةٍ، وَجَعَلَ عَمْرٌو لَهُ جَيْشًا خَلْفَهُ لِيَنْطَوِيَ خَبَرُهُ، فَلَمَّا الْتَقَيَا بِالْعَرِيشِ قَدِمَ جَيْشُ عَمْرٍو عَلَى أَثَرِهِ، فَعَلِمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ قَدْ غُدِرَ بِهِ، فَدَخَلَ قَصْرًا بِالْعَرِيشِ فَتَحَصَّنَ بِهِ، فَحَصَرَهُ عَمْرٌو وَرَمَاهُ بِالْمَنْجَنِيقِ حَتَّى أُخِذَ أَسِيرًا، وَبَعَثَ بِهِ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ فَسَجَنَهُ، وَكَانَتِ ابْنَةُ قَرَظَةَ امْرَأَةَ مُعَاوِيَةَ ابْنَةَ عَمَّةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ أُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَكَانَتْ تَصْنَعُ لَهُ طَعَامًا تُرْسِلُهُ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ يَوْمًا فِي الطَّعَامِ مَبَارِدَ، فَبَرَدَ بِهَا قُيُودَهُ وَهَرَبَ فَاخْتَفَى فِي غَارٍ فَأُخِذَ وَقُتِلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ بَقِيَ مَحْبُوسًا إِلَى أَنْ قُتِلَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ، ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ، فَطَلَبَهُ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّكُّونِيُّ، فَظَفِرَ بِهِ فَقَتَلَهُ غَضَبًا لِحُجْرٍ، وَكَانَ مَالِكٌ قَدْ شَفَعَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فِي حُجْرٍ فَلَمْ يُشَفِّعْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ لَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ خَرَجَ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ إِلَى عَمْرٍو ( فَآمَنُهُ عَمْرٌو )، ثُمَّ غَدَرَ بِهِ وَحَمَلَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِفِلَسْطِينَ فَحَبَسَهُ، ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ، فَأَظْهَرَ مُعَاوِيَةُ لِلنَّاسِ أَنَّهُ كَرِهَ هَرَبَهُ وَأَمَرَ بِطَلَبِهِ، فَسَارَ فِي أَثَرِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ ظَلَّامٍ الْخَثْعَمِيُّ، فَأَدْرَكَهُ بِحَوْرَانَ فِي غَارٍ، وَجَاءَتْ حُمُرٌ تَدْخُلُ الْغَارَ، فَلَمَّا رَأَتْ مُحَمَّدًا نَفَرَتْ مِنْهُ، وَكَانَ هُنَاكَ نَاسٌ يَحْصُدُونَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ لِنُفْرَةِ هَذِهِ الْحُمُرِ لَشَأْنًا. فَذَهَبُوا إِلَى الْغَارِ فَرَأَوْهُ، فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، فَوَافَقَهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ فَسَأَلَهُمْ عَنْهُ وَوَصَفَهُ لَهُمْ، فَقَالُوا: هُوَ فِي الْغَارِ، فَأَخْرَجَهُ وَكَرِهَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُعَاوِيَةَ فَيُخْلِي سَبِيلَهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وَكَانَ ابْنَ خَالِ مُعَاوِيَةَ. وَمِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخُو طَلْحَةَ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِيهَا قُتِلَ الْمُحْرِزُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ شَمَّسٍ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى مَكَّةَ ثُمَّ عَزَلَهُ. وَفِيهَا قُتِلَ مُعَرِّضُ بْنُ عِلَاطٍ السُّلَمِيُّ أَخُو الْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ، قُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، وَفِيهَا قُتِلَ مُجَاشِعٌ وَمُجَالِدٌ ابْنَا مَسْعُودٍ السُّلَمِيَّانِ مَعَ عَائِشَةَ، لَهُمَا صُحْبَةٌ، فَأَمَّا مُجَاشِعٌ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ قُتِلَ فِي الْجَمَلِ. وَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ الْأَسَدِيُّ الْقُرَشِيُّ مَعَ عَائِشَةَ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَفِيهَا قُتِلَ هِنْدُ بْنُ أَبِي هَالَةَ الْأُسَيِّدِيُّ، أُمُّهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَلِيٍّ، وَقِيلَ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ( الْأُسَيِّدِيُّ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، مَنْسُوبٌ إِلَى أُسَيِّدٍ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ تَمِيمٍ. وَقُتِلَ هِلَالُ بْنُ وَكِيعِ بْنِ بِشْرٍ التَّمِيمِيُّ مَعَ عَائِشَةَ، لَهُ صُحْبَةٌ، وَفِيهَا قُتِلُ مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ أَخُو مُعَوِّذٍ، وَهُمَا ابْنَا الْحَرْثِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيَّانِ، وَشَهِدَا بَدْرًا، وَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: عَاشَ وَقُتِلَ فِي وَقْعَةِ الْحَرَّةِ.
التاريخ 2065لا حكم مسجّل
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ. قدوم ماهويه مرزبان مرو للصلح فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَدِمَ مَاهَوَيْهِ مَرْزُبَانُ مَرْوَ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ بَعْدَ الْجَمَلِ مُقِرًّا بِالصُّلْحِ، فَكَتَبَ لَهُ عَلِيٌّ كِتَابًا إِلَى دَهَاقِينِ مَرْوَ وَالْأَسَاوِرَةِ بِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ. استعمال يزيد بن حجية التيمي على الري وَفِيهَا اسْتَعْمَلَ عَلِيٌّ عَلَى الرَّيِّ يَزِيدَ بْنَ حُجَيَّةَ التَّيْمِيَّ تَيْمَ اللَّاتِ، فَكَسَرَ مِنْ خَرَاجِهَا ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ يَسْتَدْعِيهِ، فَحَضَرَ، فَسَأَلَهُ عَنِ الْمَالِ قَالَ: أَيْنَ مَا غَلَلْتَهُ مِنَ الْمَالِ ؟ قَالَ: مَا أَخَذْتُ شَيْئًا ! فَخَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ خَفَقَاتٍ وَحَبَسَهُ وَوَكَّلَ بِهِ سَعْدًا مَوْلَاهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ يَزِيدُ إِلَى الشَّامِ، فَسَوَّغَهُ مُعَاوِيَةُ الْمَالَ، فَكَانَ يَنَالُ مِنْ عَلِيٍّ، وَبَقِيَ بِالشَّامِ إِلَى أَنِ اجْتَمَعَ الْأَمْرُ لِمُعَاوِيَةَ فَسَارَ مَعَهُ إِلَى الْعِرَاقِ فَوَلَّاهُ الرَّيَّ، فَقِيلَ: إِنَّهُ شَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ الْجَمَلَ وَصِفِّينَ وَالنَّهْرَوَانَ، ثُمَّ وَلَّاهُ الرَّيَّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
التاريخ 2066لا حكم مسجّل
توقف القتال بين معاوية وعلي ؓ طلبًا للصلح ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ؓ، مُتَوَاقِفٌ هُوَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، ؓ، كُلٌّ مِنْهُمَا فِي جُنُودِهِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: صِفِّينَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْفُرَاتِ، شَرْقِيِّ بِلَادِ الشَّامِ، وَقَدِ اقْتَتَلُوا فِي مُدَّةِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلَّ يَوْمٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ رُبَّمَا اقْتَتَلُوا مَرَّتَيْنِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ تَحَاجَزُوا عَنِ الْقِتَالِ، طَلَبًا لِلصُّلْحِ وَرَجَاءَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ مُهَادَنَةٌ وَمُوَادَعَةٌ يَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، فَعَنْ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَيَزِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْأَرْحَبِيَّ، وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، وَزِيَادَ بْنَ خَصَفَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى جَانِبِهِ - قَالَ عَدِيٌّ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ -: أَمَّا بَعْدُ، يَا مُعَاوِيَةُ فَإِنَّا جِئْنَاكَ نَدْعُوكَ إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ اللَّهُ بِهِ كَلِمَتَنَا وَأُمَّتَنَا، وَتُحْقَنُ بِهِ دِمَاؤُنَا، وَيَأْمَنُ بِهِ السَّبِيلُ وَيُصْلَحُ بِهِ ذَاتُ الْبَيْنِ ; إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُهَا سَابِقَةً، وَأَحْسَنُهَا فِي الْإِسْلَامِ أَثَرًا، وَقَدِ اسْتَجْمَعَ لَهُ النَّاسُ وَقَدْ أَرْشَدَهُمُ اللَّهُ بِالَّذِي رَأَوْا فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرُكُ وَغَيْرُ مَنْ مَعَكَ، فَانْتَهِ يَا مُعَاوِيَةُ لَا يُصِبْكَ اللَّهُ وَأَصْحَابَكَ مِثْلَ مَا أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَ الْجَمَلِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَأَنَّكَ إِنَّمَا جِئْتَ مُتَهَدِّدًا وَلَمْ تَأْتِ مُصْلِحًا، هَيْهَاتَ يَا عَدِيُّ، كَلَّا وَاللَّهِ إِنِّي لِابْنُ حَرْبٍ، لَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكَ لِمِنَ الْمُجْلِبَيْنِ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ، وَإِنَّكَ لَمِنْ قَتَلَتِهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِهِ. وَتَكَلَّمَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَزِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ فَذَكَرَا مِنْ فَضْلِ عَلِيٍّ، وَقَالَا: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ وَلَا تُخَالِفْهُ، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ أَعْمَلَ بِالتَّقْوَى، وَلَا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَجْمَعَ لِخِصَالِ الْخَيْرِ كُلِّهَا مِنْهُ. فَتَكَلَّمَ مُعَاوِيَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ، فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَنِعِمَّا هِيَ، وَأَمَّا الطَّاعَةُ فَكَيْفَ أُطِيعُ رَجُلًا أَعَانَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ ؟ وَنَحْنُ لَا نَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا نَتَّهِمُهُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ أَوَى قَتَلَتَهُ ; فَيَدْفَعَهُمْ إِلَيْنَا حَتَّى نَقْتُلَهُمْ، ثُمَّ نَحْنُ نُجِيبُكُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةَ، لَوْ تَمَكَّنْتَ مَنْ عَمَّارٍ أَكُنْتَ قَاتِلَهُ بِعُثْمَانَ ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَوْ تَمَكَّنْتُ مِنَ ابْنِ سُمَيَّةَ مَا قَتَلْتُهُ بِعُثْمَانَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَقْتُلُهُ بِغُلَامِ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: وَإِلَهِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَا تَصِلُ إِلَى قَتْلِ عَمَّارٍ حَتَّى تَنْدُرَ الرُّءُوسُ عَنْ كَوَاهِلِهَا، وَيَضِيقُ فَضَاءُ الْأَرْضِ وَرَحْبُهَا عَلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ كَانَتْ عَلَيْكَ أَضْيَقَ. وَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَذَهَبُوا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ. بعث معاوية إلى علي وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، وَمَعْنَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ إِلَى عَلِيٍّ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَبَدَأَ حَبِيبٌ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ خَلِيفَةً مَهْدِيًّا، عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَثَبَتَ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَاسْتَثْقَلْتُمْ حَيَاتَهُ، وَاسْتَبْطَأْتُمْ وَفَاتَهُ، فَعَدَوْتُمْ عَلَيْهِ فَقَتَلْتُمُوهُ، فَادْفَعْ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ - إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ - ثُمَّ اعْتَزِلْ أَمْرَ النَّاسِ، فَيَكُونَ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فَيُوَلِّي النَّاسُ أَمْرَهُمْ مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ رَأْيَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا أَنْتَ، لَا أُمَّ لَكَ وَهَذَا الْأَمْرَ وَهَذَا الْعَزْلَ، فَاسْكُتْ فَإِنَّكَ لَسْتَ هُنَاكَ وَلَا بِأَهْلٍ لِذَاكَ. فَقَالَ لَهُ حَبِيبٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَتَرَيَنِّي حَيْثُ تَكْرَهُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا أَنْتَ وَلَوْ أَجَلَبْتَ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ لَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ، اذْهَبْ فَصَعِّدْ وَصَوِّبْ مَا بَدَا لَكَ. محاولة قراء أهل العراق الصلح بين معاوية وعلي وَقَدْ رَوَى أَنَّ قُرَّاءَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَقُرَّاءَ أَهْلِ الشَّامِ عَسْكَرُوا نَاحِيَةً، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ ; مِنْهُمْ عَبِيدَةُ السُّلْمَانِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمْ جَاءُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا لَهُ: مَا تَطْلُبُ ؟ قَالَ: أَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. قَالُوا: لِمَنْ تَطْلُبُ بِهِ ؟ قَالَ: عَلِيًّا. قَالُوا: أَهْوَ قَتَلَهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَوَى قَتَلَتَهُ. فَانْصَرَفُوا إِلَى عَلِيٍّ فَذَكَرُوا لَهُ مَا قَالَ، فَقَالَ: كَذَبَ، لَمْ أَقْتُلْهُ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَمْ أَقْتُلْهُ. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَمَالَأَ عَلَيْهِ. فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا قَتَلْتُ وَلَا أَمَرْتُ وَلَا مَالَأْتُ، فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُمْ فِي عَسْكَرِهِ وَجُنْدِهِ. فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ عَلِيٌّ: تَأَوَّلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي فِتْنَةٍ وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ لِأَجْلِهَا، وَقَتَلُوهُ فِي سُلْطَانِهِ وَلَيْسَ لِي عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقُولُ، فَمَا لَهُ انْتَهَزَ الْأَمْرَ دُونَنَا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا وَلَا مِمَّنْ هَاهُنَا ؟ فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّمَا النَّاسُ تَبَعُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَهُمْ شُهُودُ النَّاسِ عَلَى وِلَايَتِهِمْ وَأَمْرِ دِينِهِمْ، وَقَدْ رَضُوا وَبَايَعُونِي، وَلَسْتُ أَسْتَحِلُّ أَنْ أَدَعَ مِثْلَ مُعَاوِيَةَ يَحْكُمُ عَلَى الْأُمَّةِ وَيَشُقُّ عَصَاهَا. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مَا بَالُ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ ؟ فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا لِلْبَدْرِيِّينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَدْرِيٌّ إِلَّا وَهُوَ مَعِي، وَقَدْ تَابَعَنِي وَبَايَعَنِي وَرَضِيَ بِي، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ دِينِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. قَالَ: فَأَقَامُوا يَتَرَاسَلُونَ فِي ذَلِكَ مُدَّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَجُمَادَيَيْنِ، وَيَفْزَعُونَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ الْفَزْعَةَ بَعْدَ الْفَزْعَةِ، وَيَزْحَفُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَحْجِزُ بَيْنَهُمُ الْقُرَّاءُ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ قِتَالٌ. قَالَ: فَفَزِعُوا فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ فَزْعَةً. محاولة أبو الدرداء وأبو أمامة للصلح بين معاوية وعلي قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أُمَامَةَ، فَدَخَلَا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَا لَهُ: يَا مُعَاوِيَةُ، عَلَامَ تُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَقْدَمُ مِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ سَلْمًا، وَأَقْرَبُ مِنْكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَأَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ. فَقَالَ: أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ أَوَى قَتَلَتَهُ، فَاذْهَبَا إِلَيْهِ فَقُولَا لَهُ فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَذَهَبَا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَوْنَ. فَخَرَجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَةُ عُثْمَانَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْمِنَا وَلْيَكِدْنَا. قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أُمَامَةَ فَلَمْ يَشْهَدَا لَهُمْ قِتَالًا، بَلْ لَزِمَا بُيُوتَهُمَا. خداع معاوية بتفجير الفرات وَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَ رَجَبٌ وَخَشِيَ مُعَاوِيَةُ أَنْ تُبَايِعَ الْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ عَلِيًّا، كَتَبَ فِي سَهْمٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِحِ، يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ يُرِيدُ أَنْ يَفْجُرَ عَلَيْكُمُ الْفُرَاتَ لِيُغْرِقَكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَرَمَى بِهِ فِي جَيْشِ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَأَخَذَهُ النَّاسُ فَقَرَأُوهُ وَتَحَدَّثُوا بِهِ، وَذَكَرُوهُ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا مَا لَا يَكُونُ وَلَا يَقَعُ. وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ مِائَتَيْ فَاعِلٍ يَحْفِرُونَ فِي جَنْبِ الْفُرَاتِ وَبَلَغَ النَّاسَ ذَلِكَ، فَخَافَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ ذَلِكَ وَفَزِعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: وَيَحْكُمُ إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْدَعَكُمْ وَيُوهِنَ كَيْدَكُمْ، لِيُزِيلَكُمْ عَنْ مَكَانِكُمْ هَذَا وَيَنْزِلَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ مَكَانِهِ. فَقَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ نَرْتَحِلَ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ. فَارْتَحَلُوا مِنْهُ - وَجَاءَ مُعَاوِيَةُ فَنَزَلَهُ بِجَيْشِهِ - وَكَانَ عَلِيٌّ آخَرَ مَنِ ارْتَحَلَ، فَنَزَلَ بِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: فَلَوْ أَنِّي أَطَعْتُ عَصَمْتُ قَوْمِي إِلَى رُكْنِ الْيَمَامَةِ أَوْ شَمَامِ وَلَكِنِّي إِذَا أَبْرَمْتُ أَمْرًا يُخَالِفُهُ الطَّغَامُ بَنُو الطَّغَامِ قَالَ: فَأَقَامُوا إِلَى شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ شَرَعُوا فِي الْقِتَالِ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُؤَمِّرُ عَلَى الْحَرْبِ كُلَّ يَوْمٍ رَجُلًا، وَأَكْثَرُ مَنْ كَانَ يُؤَمِّرُ الْأَشْتَرُ. وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ كَانَ يُؤَمِّرُ كُلَّ يَوْمٍ أَمِيرًا. تعبئة جيشي علي ومعاوية والاستعداد للقتال قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَالنَّاسُ كَافُّونَ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى انْسَلَخَ الْمُحَرَّمُ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ صُلْحٌ، فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَرْثَدَ بْنَ الْحَارِثِ الْجُشَمِيَّ، فَنَادَى أَهْلَ الشَّامِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: أَلَا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي قَدِ اسْتَدَمْتُكُمْ لِتُرَاجِعُوا الْحَقَّ، وَأَقَمْتُ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ فَلَمْ تُجِيبُوا، وَإِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ وَنَبَذْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى سَوَاءٍ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ. فَفَزِعَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى أُمَرَائِهِمْ فَأَعْلَمُوهُمْ بِمَا سَمِعُوا الْمُنَادِي يُنَادِي بِهِ، فَنَهَضَ عِنْدَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرٌو، فَعَبَّيَا الْجَيْشَ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً، وَبَاتَ عَلِيٌّ يُعَبِّي جَيْشَهُ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَجَعَلَ عَلَى خَيْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَعَلَى خَيْلِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمْ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَهَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَعَلَى قُرَّائِهِمْ مِسْعَرَ بْنَ فَدَكِيٍّ التَّمِيمِيَّ، وَتَقَدَّمَ عَلِيٌّ إِلَى النَّاسِ أَنْ لَا يَبْدَأُوا أَحَدًا بِقِتَالٍ حَتَّى يَبْدَأَهُمْ وَيَعْتَدِيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يُكْشَفُ سِتْرَ امْرَأَةٍ وَلَا تُهَانُ وَإِنْ شَتَمَتْ أُمَرَاءَ النَّاسِ وَصُلَحَاءَهُمْ. وَبَرَزَ مُعَاوِيَةُ صُبْحَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ ابْنَ ذِي الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى خَيْلِ دِمَشْقَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَزَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ مَسِيرُ عَلِيٍّ إِلَيْهِ، سَارَ مُعَاوِيَةُ نَحْوَ عَلِيٍّ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ سُفْيَانَ بْنَ عَمْرٍو أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى السَّاقَةِ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ حَتَّى تَوَافَوْا جَمِيعًا بِقُنَاصِرِينَ إِلَى جَانِبِ صِفِّينَ. وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ: جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى السَّاقَةِ بُسْرًا، وَعَلَى الْخَيْلِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَجَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَعَلَى رَجَّالَتِهَا يَزِيدَ بْنَ زَحْرٍ الْعَنْسِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَلَى رَجَّالَتِهَا حَابِسَ بْنَ سَعْدٍ الطَّائِيَّ، وَعَلَى خَيْلِ دِمَشْقَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمْ يَزِيدَ بْنَ لَبِيدِ بْنِ كُرْزٍ الْبَجَلِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ ذَا الْكَلَاعِ، وَعَلَى أَهْلِ فِلَسْطِينَ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ،. خطبة معاوية وعلي في صفين وَقَامَ مُعَاوِيَةُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ الشَّامَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَلَا أَضْبِطُ حَرْبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا بِالصَّبْرِ، وَلَا أُكَابِدُ أَهْلَ الْحِجَازِ إِلَّا بِاللُّطْفِ، وَقَدْ تَهَيَّأْتُمْ وَسِرْتُمْ لِتَمْنَعُوا الشَّامَ وَتَأْخُذُوا الْعِرَاقَ، وَسَارَ الْقَوْمُ لِيَمْنَعُوا الْعِرَاقَ وَيَأْخُذُوا الشَّامَ وَلَعَمْرِي مَا لِلشَّامِ رَجَاءٌ فِي الْعِرَاقِ وَلَا أَمْوَالِهَا، وَلَا لِلْعِرَاقِ خِبْرَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَلَا بَصَائِرُهَا، مَعَ أَنَّ لِلْقَوْمِ أَعْدَادَهُمْ، وَلَيْسَ بَعْدَكُمْ غَيْرُكُمْ، فَإِنْ غَلَبْتُمُوهُمْ فَلَيْسَ تَغْلِبُوهُمْ إِلَّا مِنْ أَنَاتِكُمْ وَصَبْرِكُمْ، وَإِنْ غَلَبُوكُمْ غَلَبُوا مَنْ بَعْدَكُمْ، وَالْقَوْمُ لَاقُوكُمْ بِكَيْدِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَرِقَّةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَبَصَائِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَسْوَةِ أَهْلِ مِصْرَ، وَإِنَّمَا يُنْصَرُ غَدًا مَنْ يُنْصَرُ الْيَوْمَ، فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا خُطْبَةُ مُعَاوِيَةَ، قَامَ فِي أَصْحَابِهِ أَيْضًا خَطِيبًا وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَمَدَحَهُمْ بِالصَّبْرِ وَشَجَّعَهُمْ بِكَثْرَتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ. اليوم الأول والثاني والثالث من موقعة صفين قَالَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَزَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: سَارَ عَلِيٌّ إِلَى الشَّامِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي نَحْوٍ مِنْهُمْ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: أَقْبَلَ عَلِيٌّ فِي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ دِيزِيلَ فِي كِتَابِهِ. وَقَدْ تَعَاقَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، فَعَقَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَمَائِمِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ خَمْسَةَ صُفُوفٍ، وَمَعَهُمْ سِتَّةُ صُفُوفٍ آخَرِينَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَحَدَ عَشَرَ صَفًّا أَيْضًا، فَتَوَاقَفُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَ أَمِيرَ الْحَرْبِ يَوْمَئِذٍ لِلْعِرَاقِيِّينَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَأَمِيرَ الْحَرْبِ يَوْمَئِذٍ لِلشَّامِيِّينَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاقْتَتَلُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِمْ، وَقَدِ انْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَتَكَافَئُوا فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَأَمِيرُ حَرْبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَأَمِيرُ الشَّامِيِّينَ يَوْمَئِذٍ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ; تَحْمِلُ الْخَيْلُ عَلَى الْخَيْلِ، وَالرِّجَالُ عَلَى الرِّجَالُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِمْ، وَقَدْ صَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ وَتَكَافَئُوا، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ نَاحِيَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي الشَّامِيِّينَ فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عَمَّارٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَبَارَزَ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ - وَكَانَ عَلَى الْخَيَّالَةِ يَوْمَئِذٍ - رَجُلًا، فَلَمَّا تَوَاقَفَا تَعَارَفَا فَإِذَا هُمَا أَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ، فَانْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى قَوْمِهِ، وَتَرَكَ صَاحِبَهُ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ مِنَ الْعَشِيِّ، وَقَدْ صَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ لِصَاحِبِهِ. اليوم الرابع حتى السابع من موقعة صفين وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ - وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي جَحْفَلٍ كَثِيرٍ مِنْ جِهَةِ الشَّامِيِّينَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَبَرَزَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَطَلَبَ مِنَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَادَا أَنْ يَقْتَرِبَا قَالَ عَلِيٌّ: مَنِ الْمُبَارِزُ ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ ابْنُكُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا حَرَّكَ دَابَّتَهُ وَأَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ، وَتَقَدَّمَ عَلِيٌّ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ إِلَيَّ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي مُبَارَزَتِكَ. فَقَالَ: بَلَى. فَقَالَ: لَا. فَرَجَعَ عَنْهُ عَلِيٌّ وَتَحَاجَزَ النَّاسُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ - وَهُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ - فِي الْعِرَاقِيِّينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي الشَّامِيِّينَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا وَجَعَلَ الْوَلِيدُ يَنَالُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو مِخْنَفٍ - وَيَقُولُ: قَتَلْتُمْ خَلِيفَتَكُمْ وَلَمْ تَنَالُوا مَا طَلَبْتُمْ، وَوَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ نَاصِرُنَا عَلَيْكُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَابْرُزْ إِلَيَّ. فَأَبَى عَلَيْهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا بِنَفْسِهِ، ؓ، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ - وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ - مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَمِنْ جِهَةِ أَهْلِ الشَّامِ ابْنُ ذِي الْكَلَاعِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَيْضًا، وَتَصَابَرُوا ثُمَّ تَرَاجَعُوا، ثُمَّ خَرَجَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ - وَهُوَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ - مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ قِرْنُهُ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَيْضًا، وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدٌ أَحَدًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا. تعبئة معاوية وعلي ؓ جيوشهما مرة أخرى واشتداد القتال عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: حَتَّى مَتَى لَا نُنَاهِضُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَجْمَعِنَا ؟ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ عَشِيَّةَ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُبْرَمُ مَا نَقَضَ، وَمَا أَبْرَمَ لَمْ يَنْقُضْهُ النَّاقِضُونَ، لَوْ شَاءَ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا تَنَازَعَتِ الْأُمَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَا جَحَدَ الْمَفْضُولُ ذَا الْفَضْلِ فَضْلَهُ، وَقَدْ سَاقَتْنَا وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْأَقْدَارُ، فَلَفَّتْ بَيْنَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَنَحْنُ مِنْ رَبِّنَا بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ، فَلَوْ شَاءَ لَعَجَّلَ النِّقْمَةَ، وَكَانَ مِنْهُ التَّغْيِيرُ حَتَّى يُكَذِّبَ اللَّهُ الظَّالِمَ، وَيُعْلَمَ الْحَقُّ أَيْنَ مَصِيرُهُ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ عِنْدَهُ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النَّجْمِ: 31 ]. أَلَا وَإِنَّكُمْ لَاقُوا الْقَوْمِ غَدًا فَأَطِيلُوا اللَّيْلَةَ الْقِيَامَ، وَأَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَأَسْأَلُوا اللَّهَ النَّصْرَ وَالصَّبْرَ، وَالْقَوْهُمْ بِالْجِدِّ وَالْحَزْمِ، وَكُونُوا صَادِقِينَ. قَالَ: فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَى سُيُوفِهِمْ وَرِمَاحِهِمْ وَنِبَالِهِمْ يُصْلِحُونَهَا. قَالَ: وَمَرَّ بِالنَّاسِ وَهُمْ كَذَلِكَ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ التَّغْلَبِيُّ، فَرَأَى مَا يَصْنَعُونَ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَصْبَحَتِ الْأَمَّةُ فِي أَمْرِ عَجَبْ وَالْمُلْكُ مَجْمُوعٌ غَدًا لِمَنْ غَلَبْ فَقُلْتُ قَوْلًا صَادِقًا غَيْرَ كَذِبْ إِنَّ غَدًا تَهْلِكُ أَعْلَامُ الْعَرَبْ قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَ عَلِيٌّ فِي جُنُودِهِ قَدْ عَبَّأَهُمْ كَمَا أَرَادَ، وَرَكِبَ مُعَاوِيَةُ فِي جَيْشِهِ قَدْ عَبَّأَهُمْ كَمَا أَرَادَ، وَقَدْ أَمَرَ عَلِيٌّ كُلَّ قَبِيلَةِ مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ تَكْفِيَهُ أُخْتَهَا مَنْ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ زَحَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَتَقَاتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا لَا يَفِرُّ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَغْلِبُ أَحَدٌ أَحَدًا، ثُمَّ تَحَاجَزُوا عِنْدَ الْعَشِيِّ وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ فَصَلَّى الْفَجْرَ بِغَلَسٍ وَبَاكَرَ الْقِتَالَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ أَهْلَ الشَّامِ فَاسْتَقْبَلُوهُ بِوُجُوهِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَحْفُوظِ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضًا لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ مَجْرَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَنَازِلَ النُّجُومِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ سِبْطًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَسْأَمُونَ الْعِبَادَةَ، وَرَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَارًا لِلْأَنَامِ وَالْهَوَامِّ وَالْأَنْعَامِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَمَا لَا يُرَى مِنْ خَلْقِكَ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَرَبَّ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الْمُحِيطِ بِالْعَالَمِ، وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَادًا وَلِلْخَلْقِ مَتَاعًا، إِنْ أَظَهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَالْفَسَادَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَإِنْ أَظَهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ، وَجَنِّبْ بَقِيَّةَ أَصْحَابِي مِنَ الْفِتْنَةِ. ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلِيٌّ وَهُوَ فِي الْقَلْبِ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلَى الْقُرَّاءِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَالنَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، فَزَحَفَ بِهِمْ إِلَى الْقَوْمِ. وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ - وَقَدْ بَايَعَهُ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْمَوْتِ - فَتَوَاقَفَ النَّاسُ فِي مَوْطِنٍ مَهُولٍ وَأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ أَمِيرُ مَيْمَنَةِ عَلِيٍّ عَلَى مَيْسَرَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَيْهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاضْطَرَّهُ حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى الْقَلْبِ، وَفِيهِ مُعَاوِيَةُ، وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَقَامَ كُلُّ أَمِيرٍ فِي أَصْحَابِهِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْجِهَادِ، وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقِتَالِ، وَحَرَّضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ النَّاسَ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَتَلَا عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقِتَالِ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [ الصَّفِّ: 4 ]. ثُمَّ قَالَ: قَدِّمُوا الْمُدَارِعَ وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَصْوَنُ لِلْأَسِنَّةِ، وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبُطُ لِلْجَأْشِ وَأَسْكُنُ لِلْقَلْبِ، وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، وَأَوْلَى بِالْوَقَارِ، رَايَاتِكُمْ لَا تُمِيلُوهَا وَلَا تُزِيلُوهَا وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ. مبارزة علي بنفسه القتال يوم موقعة صفين وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ عَلِيًّا، ؓ، بَارَزَ فِي يَوْمِ صِفِّينَ وَقَاتَلَ وَقَتَلَ خَلْقَا، حَتَّى ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ خَمْسَمِائَةٍ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُرَيْبَ بْنَ الصَّبَّاحِ قَتَلَ أَرْبَعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُبَارَزَةً، ثُمَّ وَضَعَهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَنَادَى: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَتَجَاوَلَا سَاعَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ وَدَاعَةَ الْحِمْيَرِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ رُودُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَاعِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ الْمُطَاعُ بْنُ الْمُطَّلِبِ الْقَيْنِيُّ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ تَلَا عَلِيٌّ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [ الْبَقَرَةِ: 194 ] ثُمَّ نَادَى: وَيْحَكَ يَا مُعَاوِيَةُ ! ابْرُزْ إِلَيَّ وَلَا تُفْنِ الْعَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو يَا مُعَاوِيَةُ اغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَثْخَنَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُقْهَرْ قَطُّ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ قَتْلِي لِتُصِيبَ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي، اذْهَبْ إِلَيْكَ ! فَلَيْسَ مِثْلِي يُخْدَعُ. وَذَكَرُوا أَنَّ عَلِيًّا حَمَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمًا فَضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ، فَأَلْقَاهُ إِلَى الْأَرْضِ فَبَدَتْ سَوْءَتُهُ فَرَجَعَ عَلِيٌّ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَالَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَجَعَتْ عَنْهُ ؟ فَقَالَ: أَتُدْرُونَ مَنْ هُوَ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَإِنَّهُ تَلَقَّانِي بِسَوْءَتِهِ فَذَكَّرَنِي بِالرَّحِمِ فَرَجَعْتُ عَنْهُ. فَلَمَّا رَجَعَ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: احْمَدِ اللَّهَ، وَاحْمَدِ اسْتَكَ. احتدام القتال بين معاوية وعلي ؓ وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ قَالَ: شَهِدْنَا صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ عَلَيْنَا دَمًا عَبِيطًا. قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ: حَتَّى أَنْ كَانُوا لَيَأْخُذُونَهُ بِالصِّحَافِ وَالْآنِيَةِ. قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ فَتَمْتَلِئُ وَنُهْرِيقُهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُدَيْلٍ كَسَرَ الْمَيْسَرَةَ الَّتِي فِيهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتَّى أَدْخَلَهَا فِي الْقَلْبِ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ الشُّجْعَانَ أَنْ يُعَاوِنُوا حَبِيبًا عَلَى الْكَرَّةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُهُ بِالْحَمْلَةِ وَالْكَرَّةِ عَلَى ابْنِ بُدَيْلٍ، فَحَمَلَ حَبِيبٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الشُّجْعَانِ عَلَى مَيْمَنَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَزَالُوهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ وَانْكَشَفُوا عَنْ أَمِيرِهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا زُهَاءُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَانْجَفَلَ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ عَلِيٍّ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ إِلَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِمْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَثَبَتَ رَبِيعَةُ مَعَ عَلِيٍّ، ؓ، وَاقْتَرَبَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْهُ حَتَّى جَعَلَتْ نِبَالُهُمْ تَصِلُ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ مَوْلًى لِبَنِي أُمَيَّةَ فَاعْتَرَضَهُ مَوْلًى لِعَلِيٍّ فَقَتَلَهُ الْأُمَوِيُّ، وَأَقْبَلَ يُرِيدُ عَلِيًّا، وَحَوْلَهُ بَنُوهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى عَلِيٍّ، أَخَذَهُ عَلِيٌّ بِيَدِهِ، فَرَفَعَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ عَلَى الْأَرْضِ فَكَسَرَ عَضُدَهُ وَمَنْكِبَهِ وَابْتَدَرَهُ الْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدٌ بِأَسْيَافِهِمَا فَقَتَلَاهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ ابْنِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَا ؟ فَقَالَ: كَفَيَانِي أَمْرَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَسْرَعَ إِلَى عَلِيٍّ أَهْلُ الشَّامِ فَجَعَلَ عَلِيٌّ لَا يَزِيدُهُ قُرْبُهُمْ مِنْهُ سُرْعَةً فِي مِشْيَتِهِ، بَلْ هُوَ سَائِرٌ عَلَى هِينَتِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ: يَا أَبَهْ، لَوْ سَعَيْتَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ! فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ لِأَبِيكَ يَوْمًا لَنْ يَعْدُوَهُ، وَلَا يُبْطِئُ بِهِ عَنْهُ السَّعْيُ، وَلَا يُعَجِّلُ بِهِ إِلَيْهِ الْمَشْيُ، إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ مَا يُبَالِي أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا أَمَرَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ أَنْ يَلْحَقَ الْمُنْهَزِمِينَ فَيَرُدَّهُمْ، فَسَاقَ بِأَسْرَعِ سَوْقٍ حَتَّى اسْتَقْبَلَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، فَجَعَلَ يُؤَنِّبُهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ وَيُحَرِّضُ الْقَبَائِلَ وَالشُّجْعَانَ مِنْهُمْ عَلَى الْكَرَّةِ، فَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ وَاسْتَمَرَّ آخَرُونَ فِي هَزِيمَتِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَرَجَعَ بِهِمْ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَجَعَلَ لَا يَلْقَى قَبِيلَةً مِنَ الشَّامِيِّينَ إِلَّا كَشَفَهَا، وَلَا طَائِفَةَ إِلَّا رَدَّهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَمِيرِ الْمَيْمَنَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَمَعَهُ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ قَدْ ثَبَتُوا فِي مَكَانِهِمْ فَسَأَلُوهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: حَيٌّ صَالِحٌ. فَالْتَفُّوا عَلَيْهِ، فَتَقَدَّمَ بِهِمْ حَتَّى تَرَاجَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَأَرَادَ ابْنُ بُدَيْلٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَأَمَرَهُ الْأَشْتَرُ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ ابْنُ بُدَيْلٍ، وَحَمَلَ نَحْوَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ وَجَدَهُ وَاقِفًا أَمَامَ أَصْحَابِهِ وَفِي يَدِهِ سَيْفَانِ وَحَوْلَهُ كَتَائِبُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ ابْنُ بُدَيْلٍ حَمَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ إِلَى الْأَرْضِ قَتِيلًا، وَفَرَّ أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ وَأَكْثَرُهُمْ مَجْرُوحٌ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا قَالَ مُعَاوِيَةُ لِأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِهِمْ ؟ فَجَاءُوا إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَتَقَدَّمَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ - وَهُوَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ -: أَخُو الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا وَإِنْ شَمَّرَتْ يَوْمًا بِهِ الْحَرْبُ شَمَّرَا وَيَحْمِي إِذَا مَا الْمَوْتِ حَانَ لِقَاؤُهُ كَذَلِكَ ذُو الْأَشْبَالِ يَحْمِي إِذَا فَرَّا كَلَيْثً هِزَبْرٍ كَانَ يَحْمِي ذِمَارَهُ رَمَتْهُ الْمَنَايَا قَصْدَهَا فَتَقَطَّرَا ثُمَّ حَمَلَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيَّ بِمَنْ رَجَعَ مَعَهُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَصَدَقَ الْحَمْلَةَ حَتَّى خَالَطَ الصُّفُوفَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْمَوْتِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَهُمْ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَقَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً، وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ صَفٌّ وَاحِدٌ، قَالَ الْأَشْتَرُ: فَرَأَيْتُ هَوْلًا عَظِيمًا، وَكِدْتُ أَنْ أَفِرَّ فَمَا ثَبَّتَنِي إِلَّا قَوْلُ ابْنُ الْإِطْنَابَةِ - وَهِيَ أُمُّهُ مِنْ بَلْقَيْنَ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ: أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي وِإِقْدَامِي عَلَى الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَإِعْطَائِى عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي وَضَرْبِي هَامَةَ الرَّجُلِ السَّمِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي قَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي ثَبَّتَنِي فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ. وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ دِيزِيلَ رَوَى فِي كِتَابِهِ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ حَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الشَّامِ صَفٌّ إِلَّا أَزَالُوهُ، حَتَّى أَفْضَوْا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَدَعَا بِفَرَسِهِ لِيَنْجُوَ عَلَيْهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَلَمَّا وَضَعْتُ رِجْلِي فِي آلَةِ الرِّكَابِ تَمَثَّلْتُ بِأَبْيَاتِ عَمْرِو بْنِ الْإِطْنَابَةِ: أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ وَإِعْطَائِي عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي وَضَرْبِي هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي قَالَ: فَثَبَتُّ. وَنَظَرَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ صَبْرٌ وَغَدًا فَخْرٌ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: صَدَقْتَ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَأَصَبْتُ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ خَيْرًا فِي الْآخِرَةِ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ. مقتل عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ - وَهُوَ أَمِيرُ الْخَيَّالَةِ لِعَلِيٍّ - فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَلَكَ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ. فَطَمِعَ فِيهَا، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الْعِرَاقَ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا رَأَى الْمَيْمَنَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ، رَجَعَ إِلَى النَّاسِ فَأَنَّبَ بَعْضَهُمْ وَعَذَّرَ بَعْضَهُمْ وَحَرَّضَ النَّاسَ وَثَبَّتَهُمْ، ثُمَّ تَرَاجَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَاجْتَمَعَ شَمْلُهُمْ وَدَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ لَهُمْ وَجَالُوا فِي الشَّامِيِّينَ وَصَالُوا، وَتَبَارَزَ الشُّجْعَانُ فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْيَانِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ الشَّامِيِّينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَاتِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ هُوَ ؟ وَقَدْ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمَّا خَرَجَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَرْبِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، أَحْضَرَ امْرَأَتَيْهِ ; أَسْمَاءَ بِنْتَ عُطَارِدِ بْنِ حَاجِبٍ التَّمِيمِيِّ، وَبَحْرِيَّةَ بِنْتَ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ الشَيْبَانَيِّ، فَوَقَفَتَا وَرَاءَهُ فِي رَاحِلَتَيْنِ لِتَنْظُرَا إِلَى قِتَالِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَوَاجَهَتْهُ مِنْ جَيْشِ الْعِرَاقِيِّينَ رَبِيعَةُ الْكُوفَةِ وَعَلَيْهِمْ زِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ التَّيْمِيُّ، فَشَدُّوا عَلَيْهِ شَدَّةً وَاحِدَةً، فَقَتَلُوهُ بَعْدَ مَا انْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَنَزَلَتْ رَبِيعَةُ فَضَرَبُوا لِأَمِيرِهِمْ خَيْمَةً، فَبَقِيَ مِنْهَا طُنُبٌ لَمْ يَجِدُوا لَهُ وَتَدًا فَشَدُّوهُ بِرِجْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَاءَتِ امْرَأَتَاهُ تُوَلْوِلَانِ حَتَّى وَقَفَتَا عَلَيْهِ وَبَكَتَا عِنْدَهُ، وَشَفَعَتِ امْرَأَتُهُ بَحْرِيَّةُ إِلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُطْلِقَهُ لَهَا فَأَطْلَقَهُ لَهَا فَاحْتَمَلَتَاهُ فِي هَوْدَجِهِمَا. وَقُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا ذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَفِي مَقْتَلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ التَّغْلَبِيُّ: أَلَا إِنَّمَا تَبْكِي الْعُيُونُ لِفَارِسٍ بِصِفِّينَ وَلَّتْ خَيْلُهُ وَهْوَ وَاقِفُ تَبَدَّلَ مِنْ أَسْمَاءَ أَسْيَافَ وَائِلٍ وَكَانَ فَتًى لَوْ أَخْطَأَتْهُ الْمَتَالِفُ تَرَكْنَ عُبَيْدَ اللَّهِ بِالْقَاعِ ثَاوِيًا تَسِيلُ دَمَاهُ وَالْعُرُوقُ نَوَازِفُ يَنُوءُ وَيَغْشَاهُ شَآبِيبُ مِنْ دَمٍ كَمَا لَاحَ مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ الْكَفَائِفُ وَقَدْ صَبَرَتْ حَوْلَ ابْنِ عَمِّ مُحَمَّدٍ لَدَى الْمَوْتِ أَرْبَابُ الْمَنَاقِبِ شَارِفُ فَمَا بَرَحُوا حَتَّى رَأَى اللَّهُ صَبْرَهُمْ وَحَتَّى أُلِيِحَتْ بِالْأَكُفِّ الْمَصَاحِفُ وَزَادَ غَيْرُهُ فِيهَا: مُعَاوِيَ لَا تَنْهَضْ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ فَإِنَّكَ بَعْدَ الْيَوْمِ بِالذُّلِّ عَارِفُ وَقَدْ أَجَابَهُ أَبُو جَهْمَةَ الْأَسْدِيُّ بِقَصِيدَةٍ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْهِجَاءِ تَرَكْنَاهَا قَصْدًا. مَقْتَلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَقْتَلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، ؓ، مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ قَتَلَهُ أَهْلُ الشَّامِ وَبَانَ بِذَلِكَ وَظَهَرَ سِرُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، ﷺ، مِنْ أَنَّهُ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا مُحِقٌّ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ بَاغٍ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ. عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ عَمَّارًا قَالَ يَوْمَئِذٍ: أَيْنَ مَنْ يَبْتَغِي رِضْوَانَ اللَّهِ وَلَا يَلْوِي إِلَى مَالٍ وَلَا وَلَدٍ ؟ قَالَ: فَأَتَتْهُ عِصَابَةٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اقْصِدُوا بِنَا نَحْوَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ دَمَ عُثْمَانَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَاللَّهِ مَا قَصْدُهُمُ الْأَخْذَ بِدَمِهِ وَلَا الْقِيَامَ بِثَأْرِهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ ذَاقُوا الدُّنْيَا فَاسْتَحْلَوْهَا وَاسْتَمْرَءُوهَا، وَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ إِذَا لَزِمَهُمْ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَتَمَرَّغُونَ فِيهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سَابِقَةٌ فِي الْإِسْلَامِ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا طَاعَةَ النَّاسِ لَهُمْ وَالْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَمَكَّنَتْ مِنْ قُلُوبِهِمْ خَشْيَةُ اللَّهِ الَّتِي تَمْنَعُ مَنْ تَمَكَّنَتْ مِنْ قَلْبِهِ عَنْ نَيْلِ الشَّهَوَاتِ، وَتَعْقِلُهُ عَنْ إِرَادَةِ الدُّنْيَا وَطَلَبِ الْعُلُوِّ فِيهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْمَيْلِ إِلَى أَهْلِهِ، فَخَدَعُوا أَتْبَاعَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: إِمَامُنَا قُتِلَ مَظْلُومًا. لِيَكُونُوا بِذَلِكَ جَبَابِرَةً مُلُوكًا، وَتِلْكَ مَكِيدَةٌ بَلَغُوا بِهَا مَا تَرَوْنَ، وَلَوْلَا هِيَ مَا تَبِعَهُمْ مِنَ النَّاسِ رَجُلَانِ، وَلَكَانُوا أَذَلَّ وَأَخَسَّ وَأَقَلَّ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الْبَاطِلِ لَهُ حَلَاوَةٌ فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، فَسِيرُوا إِلَى اللَّهِ سَيْرًا جَمِيلًا، وَاذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَلَامَهُمَا وَانْتَهَرَهُمَا وَوَعَظَهُمَا، وَذَكَرُوا مِنْ كَلَامِهِ لَهُمَا مَا فِيهِ غِلْظَةٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ عَمَّارًا يَوْمَ صِفِّينَ شَيْخًا كَبِيرًا آدَمَ طُوَالًا، آخِذٌ الْحَرْبَةَ بِيَدِهِ وَيَدُهُ تَرْعَدُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ قَاتَلْتُ بِهَذِهِ الرَّايَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهَذِهِ الرَّابِعَةُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ ضَرَبُونَا حَتَّى يَبْلُغُوا بِنَا شَعَفَاتِ هَجَرَ، لَعَرَفْتُ أَنَّ مُصْلِحِينَا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ. وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ رَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ، فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً. وَهَذَا كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ ؟ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ فَإِذَا فِيهَا الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَأَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ صِفِّينَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَلَى الدِّينِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَقْدِرُ لَرَدَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَمْرَهُ، وَوَاللَّهِ مَا حَمَلْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا مُنْذُ أَسْلَمْنَا لِأَمْرٍ يَقْطَعُنَا إِلَّا أَسْهَلَنْ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ، غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا، فَإِنَّا لَا نَسُدُّ مِنْهُ خَصْمًا إِلَّا انْفَتَحَ لَنَا غَيْرُهُ لَا نَدْرِي كَيْفَ نُبَالِي لَهُ. وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّينَ: ائْتُونِي بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: آخِرُ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا مِنَ الدُّنْيَا شَرْبَةُ لَبَنٍ وَعَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ جَوْنٍ السَّكُونِيُّ، وَأَبُو الْغَادِيَةِ الْفَزَارِيُّ، فَأَمَّا أَبُو الْغَادِيَةِ فَطَعَنَهُ، وَأَمَّا ابْنُ جَوْنٍ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ. وَقَدْ كَانَ ذُو الْكَلَاعِ سَمِعَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَآخَرُ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا صَاعُ لَبَنٍ. فَكَانَ ذُو الْكَلَاعِ يَقُولُ لِعَمْرٍو: وَيْحَكَ مَا هَذَا يَا عَمْرُو ؟ فَيَقُولُ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّهُ سَيَرْجِعُ إِلَيْنَا. قَالَ: فَلَمَّا أُصِيبَ عَمَّارٌ بَعْدَ ذِي الْكَلَاعِ، قَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: مَا أَدْرِي بِقَتْلِ أَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحًا ; بِقَتْلِ عَمَّارٍ أَوْ ذِي الْكَلَاعِ، وَاللَّهِ لَوْ بَقِيَ ذُو الْكَلَاعِ حَتَّى يُقْتَلَ عَمَّارٌ لَمَالَ بِعَامَّةِ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى عَلِيٍّ، وَلَأَفْسَدَ عَلَيْنَا جُنْدَنَا. قَالَ: وَكَانَ لَا يَزَالُ يَجِيءُ رَجُلٌ فَيَقُولُ لِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو: أَنَا قَتَلْتُ عَمَّارًا. فَيَقُولُ لَهُ عَمْرٌو: فَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ ؟ فَيَخْلِطُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ، حَتَّى جَاءَ ابْنُ جَوْنٍ فَقَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: صَدَقْتَ أَنْتَ، إِنَّكَ صَاحِبُهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: رُوَيْدًا، أَمَا وَاللَّهِ مَا ظَفِرْتَ بِذَاكَ، وَلَقَدْ أَسَخَطْتَ رَبَّكَ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: " مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا ". وَبِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَوْسَطِ، قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ فِي سَلَبِ عَمَّارٍ وَفِي قَتْلِهِ، فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا، اخْرُجَا عَنِّي، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: وَلِعَتْ قُرَيْشٌ بِعَمَّارٍ، مَا لَهُمْ وَلِعَمَّارٍ ؟ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَاتِلُهُ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ. قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ. يَخْدَعُ بِذَلِكَ أَهْلَ الشَّامِ. وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ - وَكَانَ يَأْتِي مِنْ عِنْدِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - قَالَ: بَيْنَا هُوَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي قَتْلِ عَمَّارٍ، فَقَالَ لَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لِيَطِبْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نَفْسًا لِصَاحِبِهِ بِقَتْلِ عَمَّارٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرٍو: أَلَا تَنْهَى عَنَّا مَجْنُونَكَ هَذَا ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: فَلِمَ تُقَاتِلُ مَعَنَا ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، أَمَرَنِي بِطَاعَةِ وَالِدِي مَا كَانَ حَيًّا، وَأَنَا مَعَكُمْ وَلَسْتُ أُقَاتِلُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ قَاتِلُ عَمَّارٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ عَمْرٌو ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَ إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ وَكُنَّا قَدْ وَكَّلْنَا بِفَرَسِهِ نَفْسَيْنِ يَحْفَظَانِهِ وَيَمْنَعَانِهِ أَنْ يَحْمِلَ، فَكَانَ إِذَا حَانَتْ مِنْهُمَا غَفْلَةٌ، حَمَلَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَخْضِبَ سَيْفَهُ، وَإِنَّهُ حَمَلَ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى انْثَنَى سَيْفُهُ، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهُ انْثَنَى مَا رَجَعْتُ. قَالَ: وَرَأَيْتُ عَمَّارًا لَا يَأْخُذُ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَةِ صِفِّينَ إِلَّا اتَّبَعَهُ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَرَأَيْتُهُ جَاءَ إِلَى الْمِرْقَالِ، هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ رَايَةِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: يَا هَاشِمُ تَقَدَّمَ، الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، وَالْمَوْتُ فِي أَطْرَافِ الْأَسَلِ، وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتَزَيَّنَتِ الْحَوَرُ الْعَيْنُ: الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةْ مَحُمَّدًا وَحِزْبَهْ ثُمَّ حَمَلَا هُوَ وَهَاشِمٌ فَقُتِلَا، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: وَحَمَلَ حِينَئِذٍ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهُمَا كَانَا - يَعْنِي عَمَّارًا وَهَاشِمًا - عَلَمًا لَهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ قُلْتُ: لَأَدْخُلَنَّ اللَّيْلَةَ إِلَى عَسْكَرِ الشَّامِيِّينَ حَتَّى أَعْلَمَ هَلْ بَلَغَ مِنْهُمْ قَتْلُ عَمَّارٍ مَا بَلَغَ مِنَّا ؟ وَكُنَّا إِذَا تَوَادَعْنَا مِنَ الْقِتَالِ تَحَدَّثُوا إِلَيْنَا وَتَحَدَّثْنَا إِلَيْهِمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَقَدْ هَدَأَتِ الرِّجْلُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا أَنَا بِأَرْبَعَةٍ يَتَسَامَرُونَ ; مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو - وَهُوَ خَيْرُ الْأَرْبَعَةِ - فَأَدْخَلْتُ فَرَسِي بَيْنَهُمْ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَنِي مَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُلَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، وَقَدْ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مَا قَالَ ! قَالَ: وَمَا قَالَ ؟ قَالَ: أَلَمْ تَكُنْ مَعَنَا وَنَحْنُ نَبْنِي الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَنْقُلُونَ حَجَرًا حَجَرًا، وَلَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَنْقُلُ حَجَرَيْنِ حَجَرَيْنِ، وَلَبِنَتَيْنِ لِبِنْتَيْنِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: " وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، النَّاسُ يَنْقُلُونَ حَجَرًا حَجَرًا، وَلَبِنَةً لَبِنَةً، وَأَنْتَ تَنْقُلُ حَجَرَيْنِ حَجَرَيْنِ، وَلَبِنَتَيْنِ لِبِنْتَيْنِ ; رَغْبَةً مِنْكَ فِي الْأَجْرِ ! وَأَنْتَ وَيْحَكَ مَعَ ذَلِكَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ " ؟ قَالَ: فَدَفَعَ عَمْرٌو صَدْرَ فَرَسِهِ، ثُمَّ جَذَبَ مُعَاوِيَةَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ ؟ فَأَخْبَرُهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ شَيْخٌ أَخْرَقُ، وَلَا تَزَالُ تُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ، وَأَنْتَ تَدْحَضُ فِي بَوْلِكَ، أَوَنَحْنُ قَتَلْنَا عَمَّارًا ؟ إِنَّمَا قَتَلَ عَمَّارًا مَنْ جَاءَ بِهِ. قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ عِنْدِ فَسَاطِيطِهِمْ وَأَخْبِيَتِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا قَتَلَ عَمَّارًا مَنْ جَاءَ بِهِ. فَلَا أَدْرَى مَنْ كَانَ أَعْجَبُ هُوَ أَوْ هُمْ ؟ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لِعَمَّارٍ: يَا وَيْحَ عَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفِ النَّاسُ كَانَ ابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الْحَقِّ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَّنَنَا أَنْ يَظْلِمَنَا وَلَمْ يُؤَمِّنَّا أَنْ يَفْتِنَنَا، أَرَأَيْتَ إِذَا نَزَلَتْ فِتْنَةٌ كَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللَّهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ قَوْمٌ كُلُّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ كَانَ ابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الْحَقِّ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِعَمَّارٍ، قَالَتْ: اشْتَكَى عَمَّارٌ شَكْوَى أَرِقَ مِنْهَا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ وَنَحْنُ نَبْكِي حَوْلَهُ، فَقَالَ: مَا تَبْكُونَ، أَتَخْشَوْنَ أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي ؟ أَخْبَرَنِي حَبِيبِي، ﷺ، أَنَّهُ تَقْتُلُنِي الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَأَنَّ آخِرَ زَادِي مِنَ الدُّنْيَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عَمَّارًا لَمَّا قُتِلَ قَالَ عَلِيٌّ لِرَبِيعَةَ وَهَمْدَانَ: أَنْتُمْ دِرْعِي وَرُمْحِي. فَانْتُدِبَ لَهُ نَحْوٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَتَقَدَّمَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ فَحَمَلَ وَحَمَلُوا مَعَهُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الشَّامِ صَفٌّ إِلَّا انْتَقَضَ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنِ انْتَهَوْا إِلَيْهِ، حَتَّى بَلَغُوا مُعَاوِيَةَ، وَعَلِيٌّ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ: أَضْرِبُهُمْ وَلَا أَرَى مُعَاوِيَةْ الْجَاحِظَ الْعَيْنِ الْعَظِيمَ الْحَاوِيَةْ ليلة الهرير قَالَ ثُمَّ دَعَا عَلِىٌّ مُعَاوِيَةَ إِلَى أَنْ يُبَارِزَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُبَارِزْهُ رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَكِنَّكَ طَمِعْتَ فِيهَا بَعْدِي. ثُمَّ قَدَّمَ عَلِيٌّ ابْنَهُ مُحَمَّدًا فِي عِصَابَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيٌّ فِي عِصَابَةٍ أُخْرَى فَحَمَلَ بِهِمْ، فَقَتَلَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ خَلْقًا كَثِيرًا أَيْضًا، وَقُتِلَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَطَارَتْ أَكُفٌّ وَمَعَاصِمُ وَرُءُوسٌ عَنْ كَوَاهِلِهَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ثُمَّ حَانَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، فَمَا صَلَّى بِالنَّاسِ إِلَّا إِيمَاءً ; صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلِّهَا وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ اللَّيَالِي شَرًّا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ. وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَقَصَّفَتْ فِيهَا الرِّمَاحُ وَنَفَدَتِ النِّبَالُ، وَصَارَ النَّاسُ إِلَى السُّيُوفِ وَعَلِيٌّ، ؓ يُحَرِّضُ الْقَبَائِلَ، وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ، يَأْمُرُ بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَهُوَ أَمَامَ النَّاسِ فِي قَلْبِ الْجَيْشِ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، تَوَلَّاهَا بَ?ْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَذَلِكَ لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ، عَرَفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ بُغَاةٌ لَيْسَ مَعَهُمْ حَقٌّ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ، أَنَّهُمُ اقْتَتَلُوا بِالرِّمَاحِ حَتَّى تَقَصَّفَتْ، وَبِالنِّبَالِ حَتَّى فَنِيَتْ، وَبِالسُّيُوفِ حَتَّى تَحَطَّمَتْ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى أَنْ تَقَاتَلُوا بِالْأَيْدِي، وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ، وَالتُّرَابِ يَعْفِرُونَهُ فِي الْوُجُوهِ، ثُمَّ تَعَاضُّوا بِالْأَسْنَانِ، فَكَانَ يَقْتَتِلُ الرَّجُلَانِ حَتَّى يُثْخِنَا ثُمَّ يَجْلِسَانِ يَسْتَرِيحَانِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَهْمِزُ عَلَى الْآخَرِ وَيَهِرُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُومَانِ فَيَقْتَتِلَانِ كَمَا كَانَا، لَا يُمَكِّنُ أَحَدُهُمَا الْفِرَارَ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ النَّاسُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَصَلَّى النَّاسُ الصُّبْحَ إِيمَاءً وَهُمْ فِي الْقِتَالِ حَتَّى تَضَاحَى النَّهَارُ وَأَقْبَلَ النَّصْرُ، وَتُوَجَّهَ النَّصْرُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ صَارَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ الْمَيْمَنَةِ - وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحُرُوبَ وَلَا يَهَابُونَ الْقَتْلَ - فَحَمَلَ بِمَنْ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَتَبِعَهُ عَلِيٌّ فَانْفَضَّتْ غَالِبُ صُفُوفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْهَزِيمَةُ وَالْكَسْرَةُ وَالْفِرَارُ.
التاريخ 2067لا حكم مسجّل
أول من أشار برفع المصاحف ذَكِرُ رَفْعِ أَهْلِ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ مَكْرًا مِنْهُمْ بِأَهْلِ الْعِرَاقِ وَخَدِيعَةً فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ فَوْقَ الرِّمَاحِ، وَقَالُوا: هَذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ، قَدْ فَنِيَ النَّاسُ فَمَنْ لِلثِّغُورِ ؟ وَمَنْ لِجِهَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْكُفَّارِ ؟ وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ التَّارِيخِ، أَنَّ الَّذِي أَشَارَ بِرَفْعِ الْمَصَاحِفِ هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ ظَهَرُوا وَانْتَصَرُوا، أَحَبَّ أَنْ يَنْفَصِلَ الْحَالُ، وَأَنْ يَتَأَخَّرَ الْأَمْرُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَابِرٌ لِلْآخَرِ، وَالنَّاسُ يَتَفَانَوْنَ، فَقَالَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَمْرًا لَا يَزِيدُنَا إِلَّا اجْتِمَاعًا، وَلَا يَزِيدُ أَهْلَ الْعِرَاقِ إِلَّا تَفَرُّقًا وَاخْتِلَافًا، أَرَى أَنْ نَرْفَعَ الْمَصَاحِفَ وَنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهَا، فَإِنْ أَجَابُوا كُلُّهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَرَدَ الْقِتَالُ هَذِهِ السَّاعَةَ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ - بِأَنْ يَقُولَ بَعْضُهُمْ: نُجِيبُهُمْ. وَبَعْضُهُمْ: لَا نُجِيبُهُمْ. فَشِلُوا وَذَهَبَتْ رِيحُهُمْ. عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ فِي مَسْجِدِ أَهْلِهِ أَسْأَلُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ بِالنَّهْرَوَانِ، فِيمَ اسْتَجَابُوا لَهُ وَفِيمَ فَارَقُوهُ، وَفِيمَ اسْتَحَلَّ قِتَالَهُمْ ؟ فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَلَمَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِأَهْلِ الشَّامِ اعْتَصَمُوا بِتَلٍّ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ بِمُصْحَفٍ فَادْعُهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَنْ يَأْبَى عَلَيْكَ. فَجَاءَ بِهِ رَجُلٌ فَقَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ آلِ عِمْرَانَ: 544 ] فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ، أَنَا أَوْلَى بِذَلِكَ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ. اختلاف القراء على وقف القتال قَالَ فَجَاءَتْهُ الْخَوَارِجُ - وَنَحْنُ نَدْعُوهُمْ يَوْمَئِذٍ الْقُرَّاءَ - وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَنْتَظِرُ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ عَلَى التَّلِّ، أَلَا نَمْشِيَ إِلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ ؟ فَتَكَلَّمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهَمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ - يَوْمَ الصُّلْحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ - وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ ؟ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ. فَلَمَّا رُفِعَتِ الْمَصَاحِفُ، قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: نُجِيبُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَنُنِيبُ إِلَيْهِ. بعث علي إلى الأشتر بوقف القتال قَالُوا: فَابْعَثْ إِلَى الْأَشْتَرِ فَلْيَأْتِكَ وَيَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ لِيَكُفَّ عَنِ الْقِتَالِ. وَكَانَ مِمَّنْ دَعَا إِلَى ذَلِكَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ سَادَاتِ الشَّامِيِّينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ; قَامَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمُوَادَعَةِ وَالْكَفِّ وَتَرْكِ الْقِتَالَ وَالِائْتِمَارِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ عَنْ أَمْرِ مُعَاوِيَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ، ؓ. موقف الأشعث بن قيس الكندي من وقف القتال وَكَانَ مِمَّنْ أَشَارَ عَلَى عَلِيٍّ بِالْقَبُولِ وَالدُّخُولِ فِي ذَلِكَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، ؓ، فَرَوَى أَبُو مِخْنَفٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَعَثَ إِلَى الْأَشْتَرِ قَالَ: قُلْ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تُزِيلَنِي عَنْ مَوْقِفِي فِيهَا، إِنِّي قَدْ رَجَوْتُ أَنْ يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيَّ فَلَا تُعْجِلْنِي. فَرَجَعَ الرَّسُولُ - وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ هَانِئٍ - إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ الْأَشْتَرُ، وَصَمَّمَ الْأَشْتَرُ عَلَى الْقِتَالِ لِيَنْتَهِزَ الْفُرْصَةَ، فَارْتَفَعَ الْهَرْجُ وَعَلَتِ الْأَصْوَاتُ، فَقَالَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ لِعَلِيٍّ: وَاللَّهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا أَمَرْتَهُ أَنْ يُقَاتِلَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَرَأَيْتُمُونِي سَارَرْتُ الرَّسُولَ، أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْهِ جَهْرَةً وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ؟ فَقَالُوا: فَابْعَثْ إِلَيْهِ فَلْيَأْتِكَ وَإِلَّا وَاللَّهِ اعْتَزَلْنَاكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِيَزِيدَ بْنِ هَانِئٍ: وَيْحَكَ ! قُلْ لَهُ: أَقْبِلْ إِلَيَّ فَإِنَّ الْفِتْنَةَ قَدْ وَقَعَتْ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ هَانِئٍ وَأَبْلَغَهُ مَا قَالَ عَلِيٌّ أَنَّهُ يُقْبِلُ إِلَيْهِ، جَعَلَ الْأَشْتَرُ يَتَمَلْمَلُ وَيَقُولُ: وَيْحَكَ ! أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ النَّصْرِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ ؟ فَقُلْتُ: أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ ; أَنْ تَرْجِعَ أَوْ يَقْتَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قُتِلَ عُثْمَانُ ؟ ثُمَّ مَاذَا تُغْنِي عَنْكَ نَصْرَتُكُ هَاهُنَا ؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ الْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ وَتَرَكَ الْقِتَالَ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الذُّلِّ وَالْوَهْنِ، أَحِينَ عَلَوْتُمُ الْقَوْمَ، وَظَهَرْتُمْ وَظَنُّوا أَنَّكُمْ لَهُمْ قَاهِرُونَ ; رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَكُمْ إِلَى مَا فِيهَا، وَقَدْ وَاللَّهِ تَرَكُوا مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِيهَا، وَسُنَّةَ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، فَلَا تُجِيبُوهُمْ، أَمْهِلُونِي فَإِنِّي قَدْ أَحْسَسْتُ بِالْفَتْحِ. قَالُوا: لَا. قَالَ: أَمْهِلُونِي عَدْوَ الْفَرَسِ فَإِنِّي قَدْ طَمِعْتُ فِي النَّصْرِ. قَالُوا: إِذًا نَدْخُلُ مَعَكَ فِي خَطِيئَتِكَ. مناظرة الأشتر للقراء الداعين إلى إجابة أهل الشام ثُمَّ أَخَذَ الْأَشْتَرُ يُنَاظِرُ أُولَئِكَ الْقُرَّاءَ الدَّاعِينَ إِلَى إِجَابَةِ أَهْلِ الشَّامِ بِمَا حَاصِلُهُ: إِنْ كَانَ أَوَّلُ قِتَالِكُمْ لِهَؤُلَاءِ حَقًّا فَاسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا فَاشْهَدُوا لِقَتْلَاكُمْ بِالنَّارِ. فَقَالُوا: دَعْنَا مِنْكَ فَإِنَّا لَا نُطِيعُكَ وَلَا صَاحِبَكَ أَبَدًا، وَنَحْنُ قَاتَلْنَا هَؤُلَاءِ فِي اللَّهِ وَتَرَكْنَا قِتَالَهُمْ لِلَّهِ. فَقَالَ لَهُمُ الْأَشْتَرُ: خُدِعْتُمْ وَاللَّهِ فَانْخَدَعْتُمْ، وَدُعِيتُمْ إِلَى وَضْعِ الْحَرْبِ فَأَجَبْتُمْ يَا أَصْحَابَ السُّوءِ، كُنَّا نَظُنُّ صَلَاتَكُمْ زَهَادَةً فِي الدُّنْيَا وَشَوْقًا إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ، فَلَا أَرَى فِرَارَكُمْ إِلَّا إِلَى الدُّنْيَا مِنَ الْمَوْتِ، يَا أَشْبَاهَ النِّيبِ الْجَلَّالَةِ، مَا أَنْتُمْ بِرَبَّانِيِّينَ بَعْدَهَا، فَابْعُدُوا كَمَا بَعِدَ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ. فَسَبُّوهُ وَسَبَّهُمْ فَضَرَبُوا وَجْهَ دَابَّتِهِ بِسِيَاطِهِمْ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ أُمُورٌ طَوِيلَةٌ، وَرَغِبَ أَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ بِكَمَالِهِمْ إِلَى الْمُصَالَحَةِ وَالْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَعَلَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَمْرٍ يَكُونُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِحَقْنِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ تَفَانَوْا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّتِي كَانَ آخِرُهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةُ، وَهِيَ لَيْلَةُ الْهَرِيرِ. ما قتل من الفريقين ومدة المقام بصفين وَقَدْ صَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْجَيْشَيْنِ لِلْآخَرِ صَبْرًا لَمْ يُرَ مِثْلَهُ لِمَا كَانَ فِيهِمْ مِنَ الشُّجْعَانِ وَالْأَبْطَالِ مَا لَيْسَ يُوجَدُ مِثْلُهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَلِهَذَا لَمْ يَفِرَّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ بَلْ صَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ - فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ - سَبْعُونَ أَلْفًا ; خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ; مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَسَيْفٌ وَغَيْرُهُ. وَزَادَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: وَكَانَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ بَدْرِيًّا. قَالَ: وَكَانَ بَيْنَهُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ تِسْعُونَ زَحْفًا. وَاخْتَلَفَا فِي مُدَّةِ الْمُقَامِ بِصِفِّينَ ; فَقَالَ سَيْفٌ: سَبْعَةُ أَشْهُرٍ أَوْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: مِائَةٌ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ. قُلْتُ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي مِخْنَفٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ يَوْمًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُدْفَنُ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ خَمْسُونَ نَفْسًا. وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ أَهْلُ الشَّامِ سِتِّينَ أَلْفًا فَقُتِلَ مِنْهُمْ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِائَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا فَقُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يُقْتَلُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِنَّ رَحَى الْإِسْلَامِ سَتَزُولُ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ يَهْلَكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا. فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِمَّا مَضَى أَمْ مِمَّا بَقِيَ ؟ قَالَ: بَلْ مِمَّا بَقِيَ. وَعَنْ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: لَا يَنْتَطِحُ فِي قَتْلِهِ عَنْزَانِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ صِفِّينَ فُقِئَتْ عَيْنُهُ، فَقِيلَ: لَا يَنْتَطِحُ فِي قَتْلِهِ عَنْزَانِ ! فَقَالَ: بَلَى، وَتُفْقَأُ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ مَرَّ بِصِفِّينَ، فَرَأَى حِجَارَتَهَا فَقَالَ: لَقَدِ اقْتَتَلَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَنُو إِسْرَائِيلَ تِسْعَ مَرَّاتٍ، وَإِنَّ الْعَرَبَ سَتَقْتَتِلُ فِيهَا الْعَاشِرَةَ، حَتَّى يَتَقَاذَفُوا بِالْحِجَارَةِ الَّتِي تَقَاذَفَ بِهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَيَتَفَانَوْا كَمَا تَفَانَوْا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسِنَةٍ عَامَّةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا. ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [ الْأَنْعَامِ: 65 ]. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، هَذَا أَهْوَنُ.
التاريخ 2068لا حكم مسجّل
قِصَّةُ التَّحْكِيمِ توكيل معاوية لعمرو بن العاص وعلي لأبي موسى الأشعري ؓ ثُمَّ تَرَاوَضَ الْفَرِيقَانِ بَعْدَ مُكَاتَبَاتٍ وَمُرَاجَعَاتٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا عَلَى التَّحْكِيمِ وَهُوَ أَنْ يُحَكِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمِيرَيْنِ - عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ - رَجُلًا مِنْ جِهَتِهِ، ثُمَّ يَتَّفِقَ الْحَكَمَانِ عَلَى مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ. فَوَكَّلَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَأَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يُوَكِّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - وَلَيْتَهُ فَعَلَ - وَلَكِنَّهُ مَنَعَهُ الْقُرَّاءُ الْخَوَارِجُ مِمَّنْ ذَكَرْنَا، وَقَالُوا: لَا نَرْضَى إِلَّا بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِ " الْخَوَارِجِ " لَهُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَشَارَ بِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَتَابَعَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، وَوَصَفُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالْقِتَالِ، وَكَانَ أَبُو مُوسَى قَدِ اعْتَزَلَ فِي بَعْضِ أَرْضِ الْحِجَازِ، قَالَ عَلِيٌّ: فَإِنِّي أَجْعَلُ الْأَشْتَرَ حَكَمًا. فَقَالُوا: وَهَلْ سَعَّرَ، الْأَرْضَ إِلَّا الْأَشْتَرُ ؟ قَالَ: فَاصْنَعُوا مَا شِئْتُمْ. فَقَالَ الْأَحْنَفُ لِعَلِيٍّ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَمَيْتَ بِحَجَرٍ، إِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدْنُو مِنْهُمْ حَتَّى يَصِيرَ فِي أَكُفِّهِمْ، وَيَبْعُدُ عَنْهُمْ حَتَّى يَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ النَّجْمِ، فَإِنْ أَبَيْتَ أَنْ تَجْعَلَنِي حَكَمًا فَاجْعَلْنِي ثَانِيًا أَوْ ثَالِثًا، فَإِنَّهُ لَنْ يَعْقِدَ عُقْدَةً إِلَّا حَلَلْتُهَا، وَلَا يَحُلَّ عُقْدَةً عَقَدْتُهَا إِلَّا عَقَدْتُ لَكَ أُخْرَى مِثْلَهَا أَوْ أَحْكَمَ مِنْهَا. قَالَ: فَأَبَوْا إِلَّا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ. فَذَهَبَتِ الرُّسُلُ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ - وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ - فَلَمَّا قِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اصْطَلَحُوا. قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. قِيلَ لَهُ: وَقَدْ جُعِلْتَ حَكَمًا. فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. ثُمَّ أَخَذُوهُ حَتَّى أَحْضَرُوهُ إِلَى عَلِيٍّ، ؓ. صحيفة التحكيم وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا هَذِهِ صُورَتُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا تَقَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ اكْتُبِ اسْمَهُ وَاسْمَ أَبِيهِ هُوَ أَمِيرُكُمْ وَلَيْسَ بِأَمِيرِنَا. فَقَالَ الْأَحْنَفُ: لَا تَكْتُبْ إِلَّا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: امْحُهُ، وَاكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلِيٌّ بِقِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ امْتَنَعَ أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ قَوْلِهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَامْتَنَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالُوا: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَكَتَبَ الْكَاتِبُ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ; قَاضَى عَلِيٌّ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ شِيعَتِهِمْ وَالْمُسْلِمِينَ، وَقَاضَى مُعَاوِيَةُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، إِنَّا نَنْزِلُ عِنْدَ حُكْمِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ، وَنُحْيِي مَا أَحْيَا اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَنُمِيتُ مَا أَمَاتَ اللَّهُ، فَمَا وَجَدَ الْحَكَمَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ - وَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ - عَمِلَا بِهِ وَمَا لَمْ يَجِدَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَالسُّنَّةُ الْعَادِلَةُ الْجَامِعَةُ غَيْرُ الْمُتَفَرِّقَةِ. ثُمَّ أَخَذَ الْحَكَمَانِ مِنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَمِنَ الْجُنْدَيْنِ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ عَلَى أَنَّهُمَا آمِنَانِ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَأَهْلِهِمَا، وَالْأُمَّةُ لَهُمَا أَنْصَارٌ عَلَى الَّذِي يَتَقَاضَيَانِ عَلَيْهِ وَيَتَّفِقَانِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ كِلَيْهِمَا عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ أَنَّهُمْ عَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَجَّلَا الْقَضَاءَ إِلَى رَمَضَانَ، وَإِنْ أَحَبَّا أَنْ يُؤَخِّرَا ذَلِكَ عَلَى تَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَكُتِبَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، عَلَى أَنْ يُوَافِيَ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ مَوْضِعَ الْحَكَمَيْنِ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي رَمَضَانَ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَكَمَيْنِ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعَا لِذَلِكَ اجْتَمَعَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بِأَذْرُحَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ " الْخَوَارِجِ " أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالْكِتَابِ وَفِيهِ: هَذَا مَا قَاضَى عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ كَانَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ أُقَاتِلْهُ، وَلَكِنْ لِيَكْتُبِ اسْمَهُ وَلِيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ اسْمِي لِفَضْلِهِ وَسَابِقَتِهِ. فَرَجَعَ إِلَى عَلِيٍّ فَكَتَبَ كَمَا قَالَ مُعَاوِيَةُ. وَذَكَرَ الْهَيْثَمُ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ أَبَوْا أَنْ يَبْدَأُوا بِاسْمِ عَلِيٍّ قَبْلَ مُعَاوِيَةَ، وَبِاسْمِ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَبْلَهُمْ، حَتَّى كُتِبَ كِتَابَانِ ; كِتَابٌ لِهَؤُلَاءِ وَكِتَابٌ لِهَؤُلَاءِ بِمَا أَرَادُوا. ممن شهدوا التحكيم وَهَذِهِ تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ وَالتَّحْكِيمِ مَنْ جَيْشِ عَلِيٍّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيُّ، وَحُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ، وَوَرْقَاءُ بْنُ سُمَيٍّ الْبَجَلِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحِلٍّ الْعِجْلِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ زِيَادٍ الْحَضْرَمِيُّ، وَيَزِيدُ بْنُ حُجَيَّةَ التَّمِيمِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيُّ. فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ. وَأَمَّا مِنَ الشَّامِيِّينَ فَعَشَرَةٌ آخَرُونَ ; وَهُمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَحَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَمُخَارِقُ بْنُ الْحَارِثِ الزُّبَيْدِيُّ، زِمْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعُذْرِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، وَحَمْزَةُ بْنُ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ، وَسُبَيْعُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخُو مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ الْحُرِّ الْعَبْسِيُّ. وَخَرَجَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ بِذَلِكَ الْكِتَابِ يَقْرَأُهُ عَلَى النَّاسِ وَيَعْرِضُهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ. دفن القتلى وإطلاق الأسارى ثُمَّ شَرَعَ النَّاسُ فِي دَفْنِ قَتْلَاهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُدْفَنُ فِي كُلِّ قَبْرٍ خَمْسُونَ نَفْسًا. وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ أَسَرَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ عَنْ صِفِّينَ أَطْلَقَهُمْ، وَكَانَ مِثْلُهُمْ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُمْ قَدْ أَسَرَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِهِمْ لِظَنِّهِ أَنَّ عَلِيًّا قَدْ قَتَلَ أَسْرَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَطْلَقَهُمْ، أَطْلَقَ مُعَاو?يَةُ الَّذِينَ فِي يَدِهِ، وَيُقَالُ: إِنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ - مِنَ الْأَوْدِ. كَانَ مِنَ الْأُسَارَى، فَأَرَادَ مُعَاوِيَةُ قَتْلَهَ، فَقَالَ: امْنُنْ عَلَيَّ فَإِنَّكَ خَالِي. فَقَالَ: وَيْحَكَ ! مِنْ أَيْنَ أَنَا خَالُكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا ابْنُهَا وَأَنْتَ أَخُوهَا، فَأَنْتَ خَالِي. فَأَعْجَبَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ وَأَطْلَقَهُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمَ - وَذَكَرَ أَهْلَ صِفِّينَ - فَقَالَ: كَانُوا عَرَبًا يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَالْتَقَوْا فِي الْإِسْلَامِ مَعَهُمْ بِتِلْكَ الْحَمِيَّةِ نُهْيَةِ الْإِسْلَامِ، فَتَصَابَرُوا وَاسْتَحْيَوْا مِنَ الْفِرَارِ، وَكَانُوا إِذَا تَحَاجَزُوا دَخَلَ هَؤُلَاءِ فِي عَسْكَرِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ فِي عَسْكَرِ هَؤُلَاءِ، فَيَسْتَخْرِجُونَ قَتْلَاهُمْ فَيَدْفِنُوهُمْ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَلَمْ يَفِرَّ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ.
التاريخ 2069لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خُرُوجِ الْخَوَارِجِ سبب خروج الخوارج عن علي ؓ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ مَرَّ عَلَى مَلَأٍ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ ابْنُ أُدَيَّةَ - وَهِيَ أُمُّهُ، وَهُوَ عُرْوَةُ بْنُ حُدَيْرٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ حَنْظَلَةَ، وَهُوَ أَخُو أَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسِ بْنِ حُدَيْرٍ - فَقَالَ: أَتُحَكِّمُونَ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ ؟ ثُمَّ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ عَجُزَ دَابَّةِ الْأَشْعَثِ، فَغَضِبِ الْأَشْعَثُ وَقَوْمُهُ، وَجَاءَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ وَجَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي تَمِيمٍ يَعْتَذِرُونَ إِلَى الْأَشْعَثِ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَالْخَوَارِجُ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ حَكَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَقَدْ أَخَذَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ مِنَ الْقُرَّاءِ وَقَالُوا: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. فَسُمُّوا الْمُحَكِّمِيَّةَ. وَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ مِنْ صِفِّينَ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ عَلَى طَرِيقِ هِيتَ، وَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ بِأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: ذَهَبَ عَلِيٌّ وَرَجَعَ فِي غَيْرِ شَيْءٍ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَلَّذِينَ فَارَقْنَاهُمْ آنِفًا خَيْرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ. ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أَخُوكَ الَّذِي إِنَّ أَجْرَضَتْكَ مُلِمَّةٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَبْرَحْ لِبَثِّكَ وَاجِمَا وَلَيْسَ أَخُوكَ بِالَّذِي إِنْ تَشَعَّبَتْ عَلَيْكَ الْأُمُورُ ظَلَّ يَلْحَاكَ لَائِمَا ثُمَّ مَضَى فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى دَخَلَ قَصْرَ الْإِمَارَةِ مِنَ الْكُوفَةِ، وَلَمَّا كَانَ قَدْ قَرُبَ مِنْ دُخُولِ الْكُوفَةِ انْخَزَلَ مَنْ جَيْشِهِ قَرِيبٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَهُمُ الْخَوَارِجُ، وَأَبَوْا أَنْ يُسَاكِنُوهُ فِي بَلَدِهِ، وَنَزَلُوا بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: حَرُورَاءُ. وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ ارْتَكَبَهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ، ؓ، عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَنَاظَرَهُمْ، فَرَجَعَ أَكْثَرُهُمْ وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْخَوَارِجَ هُمُ الْمُشَارُ إِلَيْهِمْ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ - وَفِي رِوَايَةٍ: " مِنَ الْمُسْلِمِينَ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " مِنْ أُمَّتِي " - " فَيَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ". وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، ذَكَرَ قَوْمًا يَكُونُونَ فِي أُمَّتِهِ يَخْرُجُونَ فِي فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ - أَوْ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ - يَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْحَقِّ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَأَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ; لِأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ الْأَمْرُ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ الرَّسُولُ، ﷺ، وَفِيهِ الْحُكْمُ بِإِسْلَامِ الطَّائِفَتَيْنِ ; أَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ، لَا كَمَا يَزْعُمُهُ فِرْقَةُ الرَّافِضَةِ، أَهْلُ الْجَهْلِ وَالْجَوْرِ، مِنْ تَكْفِيرِهِمْ أَهْلَ الشَّامِ. وَفِيهِ أَنَّ أَصْحَابَ عَلِيٍّ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، أَنَّ عَلِيًّا هُوَ الْمُصِيبُ وَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدًا فِي قِتَالِهِ لَهُ وَقَدْ أَخْطَأَ، وَهُوَ مَأْجُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَكِنْ عَلِيًّا هُوَ الْإِمَامُ الْمُصِيبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَلَهُ أَجْرَانِ كَمَا ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ "، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ.
التاريخ 2070لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( مُنَاظَرَةُ عَلِيٍّ ؓ لِلْخَوَارِجِ ) قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَلِيًّا، ؓ، لَمَّا رَجَعَ مِنَ الشَّامِ بَعْدَ وَقْعَةِ صِفِّينَ، ذَهَبَ إِلَى الْكُوفَةِ فَلَمَّا دَخَلَهَا اعْتَزَلَهُ طَائِفَةٌ مِنْ جَيْشِهِ، قِيلَ: سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا. وَقِيلَ: أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ. فَبَايَنُوهُ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ، وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ أَشْيَاءَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، فَنَاظَرَهُمْ فِيهَا وَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا تَوَهَّمُوهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ، وَاسْتَمَرَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ضَلَالِهِ حَتَّى كَانَ مِنْهُمْ مَا سَنُورِدُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا، ؓ، ذَهَبَ إِلَيْهِمْ فَنَاظَرَهُمْ فِيمَا نَقَمُوا عَلَيْهِ حَتَّى اسَتَرْجَعَهُمْ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَدَخَلُوا مَعَهُ الْكُوفَةَ، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَادُوا فَنَكَثُوا مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ، وَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْقِيَامِ عَلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ تَحَيَّزُوا نَاحِيَةً إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: النَّهْرَوَانُ. وَفِيهِ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ كَمَا سَيَأْتِي. عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْقَارِيِّ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ - وَنَحْنُ عِنْدَهَا مَرْجِعَهُ مِنَ الْعِرَاقَ لَيَالِيَ قَتْلِ عَلِيٍّ - فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ، هَلْ أَنْتَ صَادِقِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ ؟ تُحَدِّثُنِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ عَلِيٌّ. قَالَ: وَمَا لِي لَا أَصْدُقُكِ. قَالَتْ: فَحَدِّثْنِي عَنْ قِصَّتِهِمْ. قَالَ: فَإِنَّ عَلِيًّا لَمَّا كَاتَبَ مُعَاوِيَةَ وَحَكَمَ الْحَكَمَانِ، خَرَجَ عَلَيْهِ ثَمَانِيَةُ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ فَنَزَلُوا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: حَرُورَاءُ. مِنْ جَانِبِ الْكُوفَةِ، وَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا: انْسَلَخْتَ مِنْ قَمِيصٍ أَلْبَسَكَهُ اللَّهُ، وَاسْمٍ سَمَّاكَ بِهِ اللَّهُ، ثُمَّ انْطَلَقْتَ فَحَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَلَمَّا أَنْ بَلَغَ عَلِيًّا مَا عَتَبُوا عَلَيْهِ وَفَارَقُوهُ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا رَجُلٌ قَدْ حَمَلَ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا أَنِ امْتَلَأَتِ الدَّارُ مِنْ قُرَّاءِ النَّاسِ، دَعَا بِمُصْحَفِ إِمَامٍ عَظِيمٍ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَصُكُّهُ بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: أَيُّهَا الْمُصْحَفُ، حَدِّثِ النَّاسِ ! فَنَادَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَسْأَلُ عَنْهُ ! إِنَّمَا هُوَ مِدَادٌ فِي وَرَقٍ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِمَا رُوِّينَا مِنْهُ، فَمَاذَا تُرِيدُ ؟ قَالَ: أَصْحَابُكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَرَجُوا، بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ كِتَابُ اللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فِي امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا [ النِّسَاءِ: 35 ]. فَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أَعْظَمُ دَمًا وَحُرْمَةً مِنَ امْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، وَنَقِمُوا عَلَيَّ أَنْ كَاتَبْتُ مُعَاوِيَةَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ جَاءَنَا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، بِالْحُدَيْبِيَةَ حِينَ صَالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ سُهَيْلُ: لَا أَكْتُبُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. فَقَالَ: " كَيْفَ نَكْتُبُ ؟ ". فَقَالَ: اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " فَكَتَبَ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قُرَيْشًا. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ [ الْأَحْزَابِ: 21 ] فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَخَرَجْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطْتُ عَسْكَرَهُمْ قَامَ ابْنُ الْكَوَّاءِ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ: يَا حَمَلَةَ الْقُرْآنِ، هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ، هَذَا مِمَّنْ يُخَاصِمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِمَا لَا يَعْرِفُهُ، هَذَا مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ وَفِي قَوْمِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [ الزُّخْرُفِ: 58 ]. فَرُدُّوهُ إِلَى صَاحِبِهِ وَلَا تُوَاضِعُوهُ كِتَابَ اللَّهِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاللَّهِ لَنُوَاضِعَنَّهُ، فَإِنْ جَاءَ بِحَقٍّ نَعْرِفُهُ لَنَتَّبِعَنَّهُ، وَإِنْ جَاءَ بِبَاطِلٍ لَنُبَكِّتَنَّهُ بِبَاطِلِهِ. فَوَاضَعُوا عَبْدَ اللَّهِ الْكِتَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ كُلُّهُمْ تَائِبٌ، فِيهِمُ ابْنُ الْكَوَّاءِ، حَتَّى أَدْخَلَهُمْ عَلَى عَلِيٍّ الْكُوفَةَ، فَبَعَثَ عَلِيٌّ إِلَى بَقِيَّتِهِمْ فَقَالَ: قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِنَا وَأَمْرِ النَّاسِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَقِفُوا حَيْثُ شِئْتُمْ حَتَّى تَجْتَمِعَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، ﷺ، بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا تَسْفِكُوا دَمًا حَرَامًا، أَوْ تَقْطَعُوا سَبِيلًا، أَوْ تَظْلِمُوا ذِمَّةً، فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ فَقَدْ نَبَذْنَا إِلَيْكُمُ الْحَرْبَ عَلَى سَوَاءٍ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [ الْأَنْفَالِ: 58 ]. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا ابْنَ شَدَّادٍ فَقَتَلَهُمْ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا بَعَثَ إِلَيْهِمْ حَتَّى قَطَعُوا السَّبِيلَ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَاسْتَحَلُّوا أَهْلَ الذِّمَّةِ. فَقَالَتْ: آللَّهِ ؟ قَالَ: آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كَانَ ذَلِكَ. قَالَتْ: فَمَا شَيْءٌ بَلَغَنِي عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ: ذُو الثُّدَيِّ وَذُو الثُّدَيَّةِ ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ، وَقُمْتُ مَعَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلَى، فَدَعَا النَّاسَ فَقَالَ: أَتَعْرِفُونَ هَذَا، فَمَا أَكْثَرَ مَنْ جَاءَ يَقُولُ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ، وَرَأَيْتُهُ فِي مَسْجِدِ بَنِي فُلَانٍ يُصَلِّي. وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِثَبَتٍ يُعْرَفُ إِلَّا ذَلِكَ. قَالَتْ: فَمَا قَوْلُ عَلِيٍّ حِينَ قَامَ عَلَيْهِ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْعِرَاقِ ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. قَالَتْ: هَلْ سَمِعْتَ مِنْهُ أَنَّهُ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا. قَالَتْ: أَجَلْ، صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، يَرْحَمُ اللَّهُ عَلِيًّا، إِنَّهُ كَانَ لَا يَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ إِلَّا قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَيَذْهَبُ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَكْذِبُونَ عَلَيْهِ وَيَزِيدُونَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَاخْتَارَهُ الضِّيَاءُ. فَفِي هَذَا السِّيَاقِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ عِدَّتَهُمْ كَانَتْ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، لَكِنْ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاطَأَهُمْ عَلَى مَذْهَبِهِمْ آخَرُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ حَتَّى بَلَغُوا اثْنِي عَشَرَ أَلْفًا، أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَلَمَّا نَاظَرَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَجَعَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فِي كَوْنِهِ حَكَّمَ الرِّجَالِ، وَأَنَّهُ مَحَا اسْمَهُ مِنَ الْإِمْرَةِ، وَأَنَّهُ غَزَا يَوْمَ الْجَمَلِ فَقَتَلَ الْأَنْفُسَ الْحَرَامَ وَلَمْ يَقْسِمِ الْأَمْوَالَ وَالسَّبْيَ، فَأَجَابَ عَنِ الْأَوَّلَتَيْنِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَعَنِ الثَّالِثَةِ بِأَنْ قَالَ: قَدْ كَانَ فِي السَّبْيِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، فَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ لَكُمْ بِأُمٍّ. فَقَدْ كَفَرْتُمْ، وَإِنِ اسْتَحْلَلْتُمْ سَبْيَ أُمِّكُمْ فَقَدْ كَفَرْتُمْ. قَالَ: فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَخَرَجَ سَائِرُهُمْ فَتَقَاتَلُوا. وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسِ لَبِسَ حُلَّةً لَمَّا خَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَنَاظَرُوهُ فِي لُبْسِهِ إِيَّاهَا، فَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ الْآيَةَ [ الْأَعْرَافِ: 32 ]. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَلِيًّا خَرَجَ بِنَفْسِهِ إِلَى بَقِيَّتِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاظِرُهُمْ حَتَّى رَجَعُوا مَعَهُ إِلَى الْكُوفَةِ، وَذَلِكَ يَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ أَوِ الْأَضْحَى - شَكَّ الرَّاوِي فِي ذَلِكَ - ثُمَّ جَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يُعَرِّضُونَ لَهُ فِي الْكَلَامِ، وَيُسْمِعُونَهُ شَتْمًا وَيَتَأَوَّلُونَ تَآوِيلَ فِي أَقْوَالِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ لِعَلِيٍّ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الزُّمَرِ: 65 ]. فَقَرَأَ عَلِيٌّ: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ [ الرُّومِ: 60 ]. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إِنَّمَا قَالَهُ وَعَلِيٌّ يَخْطُبُ، لَا فِي الصَّلَاةِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا أَنَّ عَلِيًّا بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمًا إِذْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ أَشْرَكْتَ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ وَلَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَتُنَادُوا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَجَعَلَ عَلِيٌّ يَقُولُ: هَذِهِ كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ فَيْئًا مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا، وَأَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَأَنْ لَا نَبْدَأَكُمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى تَبْدَأُونَا بِهِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ خَرَجُوا بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ الْكُوفَةِ وَتَحَيَّزُوا إِلَى النَّهْرَوَانِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ.
التاريخ 2071لا حكم مسجّل
صِفَةُ اجْتِمَاعِ الْحَكَمَيْنِ وَهُمَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، ؓ، بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا تَشَارَطُوا عَلَيْهِ وَقْتَ التَّحْكِيمِ بِصِفِّينَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: اجْتَمَعُوا فِي شَعْبَانَ. وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا، ؓ، لَمَّا كَانَ مَجِيءُ رَمَضَانَ، بَعَثَ أَرْبَعَمِائَةِ فَارِسٍ مَعَ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، وَمَعَهُمْ أَبُو مُوسَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَإِلَيْهِ الصَّلَاةُ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، ابْنُهُ فَتَوَافَوْا بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ بِأَذْرُحَ - وَهِيَ نِصْفٌ بَيْنَ الشَّامِ وَالْكُوفَةِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ كُلٍّ مِنَ الْبَلَدَيْنِ تِسْعُ مَرَاحِلَ - وَشَهِدَ ذَلِكَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ رُءُوسِ النَّاسِ ; كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيِّ، وَأَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ. شهود سعد بن أبي وقاص التحكيم وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ شَهِدَهُمْ أَيْضًا، وَأَنْكَرَ حُضُورَهُ آخَرُونَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ خَرَجَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ بِمَاءٍ لِبَنِي سُلَيْمٍ مُعْتَزِلٌ بِالْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا أَبَهْ، قَدْ بَلَغَكَ مَا كَانَ مِنَ النَّاسِ بِصِفِّينَ، وَقَدْ حَكَّمَ النَّاسُ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَقَدْ شَهِدَهُمْ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَاشْهَدْهُمْ فَإِنَّكَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَأَحَدُ أَصْحَابِ الشُّورَى، وَلَمْ تَدْخُلْ فِي شَيْءٍ كَرِهَتْهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ، فَاحْضُرْ إِنَّكَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالْخِلَافَةِ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِنَّهُ سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا الْخَفِيُّ التَّقِيُّ. وَاللَّهِ لَا أَشْهَدُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَبَدًا. وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ أَخَاهُ عُمَرَ انْطَلَقَ إِلَى سَعْدٍ فِي غَنَمٍ لَهُ خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدٌ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا الرَّاكِبِ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: يَا أَبَهْ، أَرَضِيتَ أَنْ تَكُونَ أَعْرَابِيًّا فِي غَنَمِكَ وَالنَّاسُ يَتَنَازَعُونَ فِي الْمُلْكِ بِالْمَدِينَةِ ؟ فَضَرَبَ سَعْدٌ صَدْرَ عُمَرَ وَقَالَ: اسْكُتْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ. وَعَنِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَاءَهُ ابْنُهُ عَامِرٌ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، أَفِي الْفِتْنَةِ تَأْمُرُنِي أَنْ أَكُونَ رَأْسًا ؟ لَا وَاللَّهِ حَتَّى أُعْطَى سَيْفًا إِنْ ضَرَبْتُ بِهِ مُؤْمِنًا نَبَا عَنْهُ، وَإِنْ ضَرَبْتُ بِهِ كَافِرًا قَتَلْتُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ التَّقِيَّ وَهَذا السِّيَاقُ كَأَنَّهُ عَكْسُ الْأَوَّلِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ سَعْدٍ اسْتَعَانَ بِأَخِيهِ عَامِرٍ عَلَى أَبِيهِ، لِيُشِيرَ عَلَيْهِ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ التَّحْكِيمِ لَعَلَّهُمْ يَعْدِلُونَ عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَيُوَلُّونَهُ، فَامْتَنَعَ سَعْدٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَبَاهُ أَشَدَّ الْإِبَاءِ وَقَنِعَ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالْخَفَاءِ، كَمَا ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ هَذَا يُحِبُّ الدُّنْيَا وَالْإِمَارَةَ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى كَانَ هُوَ مِنَ السَّرِيَّةِ الَّتِي قَتَلَتِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ، ؓ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ وَلَوْ قَنِعَ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَبُوهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ سَعْدًا لَمْ يَحْضُرْ أَمْرَ التَّحْكِيمِ وَلَا أَرَادَ ذَلِكَ وَلَا هَمَّ بِهِ، وَإِنَّمَا حَضَرَهُ مَنْ ذَكَرْنَا. اجتماع الحكمين وخلع علي وتثبيت معاوية ؓ فَلَمَّا اجْتَمَعَ الْحَكَمَانِ تَرَاوَضَا عَلَى الْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ بِعِلْمٍ وَنَظَرٍ فِي تَقْدِيرِ أُمُورٍ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَعْزِلَا عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ، ثُمَّ يَجْعَلَا الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ النَّاسِ لِيَتَّفِقُوا عَلَى الْأَصْلَحِ لَهُمْ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَقَدْ أَشَارَ أَبُو مُوسَى بِتَوْلِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: فَوَلِّ ابْنِي عَبْدَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُقَارِبُهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالزُّهْدِ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: إِنَّكَ قَدْ غَمَسْتَ ابْنَكَ فِي الْفِتَنِ وَالدُّنْيَا مَعَكَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ رَجُلُ صِدْقٍ. قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يُصْلِحُهُ إِلَّا رَجُلٌ لَهُ ضِرْسٌ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيهِ غَفْلَةٌ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ افْطَنْ وَانْتَبِهْ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَرْشُو عَلَيْهَا شَيْئًا أَبَدًا. ثُمَّ قَالَ: يَا ابْنَ الْعَاصِ، إِنَّ الْعَرَبَ قَدْ أَسْنَدَتْ إِلَيْكَ أَمْرَهَا بَعْدَ مَا تَقَارَعَتْ بِالسُّيُوفِ وَتَشَاكَّتْ بِالرِّمَاحِ، فَلَا تَرُدَّنَّهُمْ فِي فِتْنَةٍ مِثْلِهَا أَوْ أَشَدَّ مِنْهَا. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حَاوَلَ أَبَا مُوسَى عَلَى أَنْ يُقِرَّ مُعَاوِيَةَ وَحْدَهُ عَلَى النَّاسِ فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ حَاوَلَهُ لِيَكُونَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو هُوَ الْخَلِيفَةُ، فَأَبَى أَيْضًا، وَطَلَبَ أَبُو مُوسَى مِنْ عَمْرٍو أَنْ يُوَلِّيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَبَى عَمْرٌو أَيْضًا، ثُمَّ اصْطَلَحَا عَلَى أَنْ يَخْلَعَا مُعَاوِيَةَ وَعَلِيًّا وَيَتْرُكَا الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ النَّاسِ لِيَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَخْتَارُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ جَاءَا إِلَى الْمَجْمَعِ الَّذِي فِيهِ النَّاسُ - وَكَانَ عَمْرٌو لَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي مُوسَى بَلْ يُقَدِّمُهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ أَدَبًا وَإِجْلَالًا - فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا مُوسَى قُمْ فَأَعْلِمِ النَّاسَ بِمَا اتَّفَقْنَا عَلَيْهِ. فَخَطَبَ أَبُو مُوسَى النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ نَظَرْنَا فِي أَمْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَلَمْ نَرَ أَمْرًا أَصْلَحَ لَهَا وَلَا أَلَمَّ لِشَعَثِهَا مَنْ رَأَيٍ قَدِ اتَّفَقْتُ أَنَا وَعَمْرٌو عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّا نَخْلَعُ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ وَنَتْرُكُ الْأَمْرَ شُورَى، وَتَسْتَقْبِلُ الْأُمَّةُ هَذَا الْأَمْرَ فَيُوَلُّوا عَلَيْهِمْ مَنْ أَحَبُّوهُ وَاخْتَارُوهُ، وَإِنِّي قَدْ خَلَعْتُ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَةَ. ثُمَّ تَنَحَّى وَجَاءَ عَمْرٌو فَقَامَ مَقَامَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا قَالَ مَا قَدْ سَمِعْتُمْ، وَإِنَّهُ قَدْ خَلَعَ صَاحِبَهُ، وَإِنِّي قَدْ خَلَعْتُهُ أَيْضًا كَمَا خَلَعَهُ، وَأَثْبَتُّ صَاحِبِي مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّهُ وَلِيُّ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَالطَّالِبُ بِدَمِهِ، وَهُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِمَقَامِهِ. وَكَانَ عَمْرٌو رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ أَنَّ تَرْكَ النَّاسِ بِلَا إِمَامٍ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - يُؤَدِّي إِلَى مَفْسَدَةٍ طَوِيلَةٍ عَرِيضَةٍ أَعْظَمَ مِمَّا النَّاسُ فِيهِ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَأَقَرَّ مُعَاوِيَةَ لَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنَ الْمَصْلَحَةِ فَاجْتَهَدَ، وَالِاجْتِهَادُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَبَا مُوسَى تَكَلَّمَ مَعَ عَمْرٍو بِكَلَامِ فِيهِ غِلْظَةٌ، وَرَدَّ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مِثْلَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ شُرَيْحَ بْنَ هَانِئٍ - مُقَدَّمَ جَيْشِ عَلِيٍّ - وَثَبَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ، وَقَامَ إِلَيْهِ ابْنٌ لِعَمْرٍو فَضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي كُلِّ وَجْهٍ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَأَمَّا عَمْرٌو وَأَصْحَابُهُ فَدَخَلُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِتَحِيَّةِ الْخِلَافَةِ، وَأَمَّا أَبُو مُوسَى فَاسْتَحْيَى مِنْ عَلِيٍّ فَذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ، وَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ إِلَى عَلِيٍّ، فَأَخْبَرَاهُ بِمَا فَعَلَ أَبُو مُوسَى وَعَمْرٌو، فَاسْتَضْعَفُوا رَأْيَ أَبِي مُوسَى، وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يُوَازِنُ عَمْرًا.
التاريخ 2072لا حكم مسجّل
ذِكْرُ خُرُوجِ الْخَوَارِجِ مِنَ الْكُوفَةِ وَمُبَارَزَتِهِمْ عَلِيًّا، ؓ، بِالْعَدَاوَةِ وَالْمُخَالَفَةِ وَقِتَالِ عَلِيٍّ إِيَّاهُمْ وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ مناظرة علي وحرقوص بن زهير من الخوارج لَمَّا بَعَثَ عَلِيٌّ أَبَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ، اشْتَدَّ أَمْرُ الْخَوَارِجِ وَبَالَغُوا فِي النَّكِيرِ عَلَى عَلِيٍّ وَصَرَّحُوا بِكُفْرِهِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْهُمْ، وَهَمَا زُرْعَةُ بْنُ الْبُرْجِ الطَّائِيُّ، وَحُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ السَّعْدِيُّ، فَقَالَا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. فَقَالَ لَهُ حُرْقُوصُ: تُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ خَطِيئَتِكَ، وَارْجِعْ عَنْ قَضِيَّتِكَ، اذْهَبْ بِنَا إِلَى عَدُوِّنَا حَتَّى نُقَاتِلَهُمْ حَتَّى نَلْقَى رَبَّنَا. فَقَالَ عَلِيٌّ: قَدْ أَرَدْتُكُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَبَيْتُمْ، وَقَدْ كَتَبْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ كِتَابًا وَعُهُودًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ الْآيَةَ [ النَّحْلِ: 91 ]. فَقَالَ لَهُ حُرْقُوصُ: ذَلِكَ ذَنْبٌ يَنْبَغِي أَنْ تَتُوبَ مِنْهُ. فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا هُوَ بِذَنْبٍ وَلَكِنَّهُ عَجْزٌ مِنَ الرَّأْيِ، وَقَدْ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِيمَا كَانَ مِنْهُ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ. فَقَالَ لَهُ زُرْعَةُ بْنُ الْبُرْجِ: أَمَا وَاللَّهِ يَا عَلِيُّ لَئِنْ لَمْ تَدَعْ تَحْكِيمَ الرِّجَالِ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّكَ أَطْلُبُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ. فَقَالَ لَهُ: تَبًّا لَكَ مَا أَشْقَاكَ ! كَأَنِّي بِكَ قَتِيلًا تَسْفِي عَلَيْكَ الرِّيحُ. فَقَالَ: وَدِدْتُ أَنْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنَّكَ لَوْ كُنْتَ مُحِقًّا كَانَ فِي الْمَوْتِ تَعْزِيَةٌ عَنِ الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ الشَّيْطَانَ قَدِ اسْتَهْوَاكُمْ. فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ يُحَكِّمَانِ أَمْرَهُمَا، وَفَشَى فِيهِمْ ذَلِكَ، وَجَاهَرُوا بِهِ النَّاسَ، وَتَعَرَّضُوا لِعَلِيٍّ فِي خُطَبِهِ وَأَسْمَعُوهُ السَّبَّ وَالشَّتْمَ وَالتَّعْرِيضَ بِآيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا قَامَ خَطِيبًا فِي بَعْضِ الْجُمَعِ فَذَكَرَ أَمْرَ الْخَوَارِجِ فَذَمَّهُ وَعَابَهُ. فَقَامَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ كُلٌّ يَقُولُ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَهُوَ وَاضِعٌ أُصْبُعَهُ فِي أُذُنَيْهِ يَقُولُ: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ الزُّمَرِ: 65 ]. فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُقَلِّبُ يَدَيْهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: حُكْمَ اللَّهِ نَنْتَظِرُ فِيكُمْ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّ لَكُمْ عَلَيْنَا أَنْ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَنَا مَا لَمْ تَخْرُجُوا عَلَيْنَا، وَلَا نَمْنَعَكُمْ نَصِيبَكُمْ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا، وَلَا نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا. اجتماع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي حُرَّةَ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا بَعَثَ أَبَا مُوسَى لِإِنْفَاذِ الْحُكُومَةِ، اجْتَمَعَ الْخَوَارِجُ فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الرَّاسِبِيِّ فَخَطَبَهُمْ خُطْبَةً بَلِيغَةً زَهَّدَهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَرَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَالْجَنَّةِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، ثُمَّ قَالَ: فَاخْرُجُوا بِنَا إِخْوَانَنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا، إِلَى جَانِبِ هَذَا السَّوَادِ إِلَى بَعْضِ كُوَرِ الْجِبَالِ، أَوْ بَعْضِ هَذِهِ الْمَدَائِنِ مُنْكِرِينَ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْجَائِرَةِ. ثُمَّ قَامَ حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ: إِنَّ الْمَتَاعَ بِهَذِهِ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، وَإِنَّ الْفِرَاقَ لَهَا وَشِيكٌ، فَلَا تَدْعُوَنَّكُمْ زِينَتُهَا وَبَهْجَتُهَا إِلَى الْمُقَامِ بِهَا، وَلَا تَلْفِتَنَّكُمْ عَنْ طَلَبِ الْحَقِّ وَإِنْكَارِ الظُّلْمِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. فَقَالَ سِنَانُ بْنُ حَمْزَةَ الْأَسَدِيُّ: يَا قَوْمُ إِنَّ الرَّأْيَ مَا رَأَيْتُمْ، وَإِنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرْتُمْ، فَوَلُّوا أَمْرَكُمْ رَجُلًا مِنْكُمْ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ عِمَادٍ وَسِنَادٍ، وَمِنْ رَايَةٍ تَحُفُّونَ بِهَا وَتَرْجِعُونَ إِلَيْهَا. فَبَعَثُوا إِلَى زَيْدِ بْنِ حُصَيْنٍ الطَّائِيِّ - وَكَانَ مِنْ رُءُوسِهِمْ - فَعَرَضُوا عَلَيْهِ الْإِمَارَةَ عَلَيْهِمْ فَأَبَى، ثُمَّ عَرَضُوهَا عَلَى حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ فَأَبَى، ثُمَّ عَرَضُوهَا عَلَى حَمْزَةَ بْنِ سِنَانٍ فَأَبَى، ثُمَّ عَرَضُوهَا عَلَى شُرَيْحِ بْنِ أَوْفَى الْعَبْسِيِّ فَأَبَى، ثُمَّ عَرَضُوهَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الرَّاسِبِيِّ فَقَبِلَهَا، وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَا أَقْبَلُهَا رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَلَا أَدَعُهَا فَرَقًا مِنَ الْمَوْتِ. اجتماع الخوارج في منزل زيد بن حصين الطائي السنبسي وَاجْتَمَعُوا أَيْضًا فِي بَيْتِ زَيْدِ بْنِ حُصَيْنٍ الطَّائِيِّ السِّنْبِسِيِّ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الْآيَةَ [ ص: 26 ]. وَقَوْلُهُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ الْمَائِدَةِ: 44 ]. وَالَّتِي بَعْدَهَا وَبَعْدَهَا: الظَّالِمُونَ، الْفَاسِقُونَ [ الْمَائِدَةِ: 45، 47 ]. ثُمَّ قَالَ: فَأَشْهَدُ عَلَى أَهْلِ دَعْوَتِنَا مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِنَا أَنَّهُمْ قَدِ اتَّبَعُوا الْهَوَى، وَنَبَذُوا حُكْمَ الْكِتَابِ، وَجَارُوا فِي الْقَوْلِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَنَّ جِهَادَهُمْ حَقٌّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: فَبَكَى رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَجَرَةُ السُّلَمِيُّ. ثُمَّ حَرَّضَ أُولَئِكَ عَلَى الْخُرُوجِ عَلَى النَّاسِ، وَقَالَ فِي كَلَامِهِ: اضْرِبُوا وُجُوهَهُمْ وَجِبَاهَهُمْ بِالسُّيُوفِ حَتَّى يُطَاعَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، فَإِنْ أَنْتُمْ ظَفِرْتُمْ وَأُطِيعَ اللَّهُ كَمَا أَرَدْتُمْ، آتَاكُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الْمُطِيعِينَ لَهُ الْعَامِلِينَ بِأَمْرِهِ، وَإِنْ قُتِلْتُمْ فَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنَ الصَّبْرِ وَالْمَصِيرِ إِلَى اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ ؟ قُلْتُ: وَهَذَا الضَّرْبُ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَغْرَبَ أَشْكَالِ بَنِي آدَمَ، فَسُبْحَانَ مَنْ نَوَّعَ خَلْقَهُ كَمَا أَرَادَ، وَسَبَقَ فِي قَدَرِهِ ذَلِكَ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ فِي الْخَوَارِجِ: إِنَّهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا [ الْكَهْفِ: 103 - 105 ]. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةَ الضُّلَّالَ، وَالْأَشْقِيَاءَ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَوَاطَئُوا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْمَدَائِنِ ; لِيَمْلِكُوهَا وَيَتَحَصَّنُوا بِهَا، ثُمَّ يَبْعَثُوا إِلَى إِخْوَانِهِمْ وَأَضْرَابِهِمْ - مِمَّنْ هُوَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا - فَيُوَافُوهُمْ إِلَيْهَا، وَيَكُونُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْهَا. فَقَالَ لَهُمْ زَيْدُ بْنُ حُصَيْنٍ الطَّائِيُّ: إِنَّ الْمَدَائِنَ لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهَا، فَإِنَّ بِهَا جَيْشًا لَا تُطِيقُونَهُ وَسَيَمْنَعُوهَا مِنْكُمْ، وَلَكِنْ وَاعِدُوا إِخْوَانَكُمْ إِلَى جِسْرِ نَهْرِ جُوخَا، وَلَا تَخْرُجُوا مِنَ الْكُوفَةِ جَمَاعَاتٍ، وَلَكِنِ اخْرُجُوا وُحْدَانَا لِئَلَّا يَشْعُرُوا بِكُمْ. فَكَتَبُوا كِتَابًا عَامًّا إِلَى مَنْ هُوَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَمَسْلَكِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَبَعَثُوا بِهِ إِلَيْهِمْ لِيُوَافُوهُمْ إِلَى النَّهْرِ، لِيَكُونُوا يَدًا وَاحِدَةً عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجُوا يَتَسَلَّلُونَ وُحْدَانَا ; لِئَلَّا يَعْلَمَ أَحَدٌ بِهِمْ فَيَمْنَعُوهُمْ مِنَ الْخُرُوجِ فَخَرَجُوا مِنْ بَيْنِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَفَارَقُوا سَائِرَ الْقِرَابَاتِ، يَعْتَقِدُونَ بِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعَقْلِهِمْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يُرْضِي رَبَّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَالذُّنُوبِ الْمُوبِقَاتِ، وَالْعَظَائِمِ وَالْخَطِيئَاتِ، وَأَنَّهُ مِمَّا يُزَيِّنُهُ لَهُمْ إِبْلِيسُ وَأَنْفُسُهُمُ الَّتِي هِيَ بِالسُّوءِ أَمَّارَاتٌ. وَقَدْ تَدَارَكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بَعْضَ أَوْلَادِهِمْ وَقَرَابَاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ فَرَدُّوهُمْ وَوَبَّخُوهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَحِقَ بِالْخَوَارِجِ فَخَسِرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَوَافَى إِلَيْهِمْ مَنْ كَاتَبُوهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَغَيْرِهَا، وَاجْتَمَعَ الْجَمِيعُ بِالنَّهْرَوَانِ، وَصَارَتْ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ، وَهُمْ جُنْدٌ مُسْتَقِلُّونَ وَفِيهِمْ شَجَاعَةٌ وَثَبَاتٌ وَصَبْرٌ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ مُتَقَرِّبُونَ بِذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ ; فَهُمْ قَوْمٌ لَا يُصْطَلَى لَهُمْ بِنَارٍ، وَلَا يَطْمَعُ أَحَدٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ بِثَأْرٍ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. كتاب علي للخوارج يستحثهم للخروج إلى الشام وردهم في ذلك وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى النَّهْرَوَانِ وَهَرَبَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ إِلَى مَكَّةَ، وَرَدَّ ابْنَ عَبَّاسٍ إِلَى الْبَصْرَةِ، قَامَ فِي النَّاسِ بِالْكُوفَةِ خَطِيبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَإِنْ أَتَى الدَّهْرُ بِالْخَطْبِ الْفَادِحِ، وَالْحَدَثَانِ الْجَلِيلِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ تُورِثُ الْحَسْرَةَ، وَتُعْقِبُ النَّدَمَ، وَقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَفِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ بِأَمْرِي، وَنَحَلْتُكُمْ رَأْيِي، فَأَبَيْتُمْ إِلَّا مَا أَرَدْتُمْ، فَكُنْتُ أَنَا وَأَنْتُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ فَأَجَادَ: بَذَلْتُ لَهُمْ نُصْحِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى فَلَمْ يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ ثُمَّ تَكَلَّمَ فِيمَا فَعَلَهُ الْحَكَمَانِ فَرَدَّ عَلَيْهِمَا فِيمَا حَكَمَا بِهِ وَأَنَّبَهُمَا، وَبَيَّنَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ هَوًى وَزُورٍ وَمَحَبَّةٍ لِلدُّنْيَا، وَقِلَّةِ نُصْحٍ وَنَظَرٍ لِلْأُمَّةِ، وَحَطَّ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ نَدَبَ النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ وَالْجِهَادِ فِيهِمْ، وَعَيَّنَ لَهُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَكَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَالِى الْبَصْرَةِ يَسْتَنْفِرُ لَهُ النَّاسَ إِلَى الْخُرُوجِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ. وَكَتَبَ إِلَى الْخَوَارِجِ يُعْلِمُهُمْ أَنَّ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْحَكَمَانِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمَا، وَأَنَّهُ قَدْ عَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَهَلُمُّوا حَتَّى نَجْتَمِعَ عَلَى قِتَالِهِمْ، فَكَتَبُوا إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكَ لَمْ تَغْضَبْ لِرَبِّكَ وَإِنَّمَا غَضِبْتَ لِنَفْسِكَ، وَإِنْ شَهِدَتْ عَلَى نَفْسِكَ بِالْكُفْرِ وَاسْتَقْبَلْتَ التَّوْبَةَ نَظَرْنَا فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ، وَإِلَّا فَقَدَ نَابَذْنَاكَ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ [ الْأَنْفَالِ: 58 ]. فَلَمَّا قَرَأَ عَلِيٌّ كَتَابَهُمْ يَئِسَ مِنْهُمْ وَعَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ لِيُنَاجِزَهُمْ، وَخَرَجَ مِنَ الْكُوفَةِ إِلَى النُّخَيْلَةِ فِي عَسْكَرٍ كَثِيفٍ - خَمْسَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفًا - وَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ وَمِائَتَيْ فَارِسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مَعَ جَارِيَةَ بْنِ قُدَامَةَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ، وَمَعَ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّئَلِيِّ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةٍ، فَكَمَلَ جَيْشُهُ فِي ثَمَانِيَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَمِائَتَيْ فَارِسٍ. فساد الخوارج ومقتل عبد الله بن خباب وامرأته وَقَامَ عَلِيٌّ فِي النَّاسِ خَطِيبًا فَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ عِنْدَ اللِّقَاءِ ; فَبَيْنَمَا هُوَ عَازِمٌ عَلَى غَزْوِ أَهْلِ الشَّامِ إِذْ بَلَغَهُ أَنَّ الْخَوَارِجَ قَدْ عَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَقَطَعُوا السَّبِيلَ، وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِمَ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَتَلُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَسَرُوهُ وَامْرَأَتَهُ مَعَهُ وَهِيَ حَامِلٌ فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ. وَأَنْتُمْ قَدْ رَوَّعْتُمُونِي. فَقَالُوا: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ، حَدِّثْنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ. فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَقَادُوهُ بِيَدِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَهُمْ إِذْ لَقِيَ بَعْضُهُمْ خِنْزِيرًا لِبَعْضِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَضَرَبَهُ بَعْضُهُمْ بِسَيْفِهِ فَشَقَّ جِلْدَهُ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا وَهُوَ لِذِمِّيٍّ ؟ فَذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الذِّمِّيِّ فَاسْتَحَلَّهُ وَأَرْضَاهُ. وَبَيْنَمَا هُوَ مَعَهُمْ إِذْ سَقَطَتْ تَمْرَةٌ مِنْ نَخْلَةٍ فَأَخَذَهَا أَحَدُهُمْ فَأَلْقَاهَا فِي فَمِهِ، فَقَالَ لَهُ آخَرُ: بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلَا ثَمَنٍ ؟ فَأَلْقَاهَا ذَاكَ مِنْ فَمِهِ، وَمَعَ هَذَا قَدَّمُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ فَذَبَحُوهُ، وَجَاءُوا إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ حُبْلَى أَلَا تَتَّقُونَ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ ! فَذَبَحُوهَا وَبَقَرُوا بَطْنَهَا عَنْ وَلَدِهَا، فَلَمَّا بَلَغَ النَّاسَ هَذَا مِنْ صَنِيعِهِمْ، خَافُوا إِنْ هُمْ ذَهَبُوا إِلَى الشَّامِ وَاشْتَغَلُوا بِقِتَالٍ أَنْ يَخْلُفَهُمْ هَؤُلَاءِ فِي ذَرَارِيِّهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَيَفْعَلُوا هَذَا الصَّنِيعَ، فَخَافُوا غَائِلَتَهُمْ، وَأَشَارُوا عَلَى عَلِيٍّ بِأَنْ يَبْدَأَ بِهِمْ، ثُمَّ إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ سَارُوا مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، وَالنَّاسُ آمِنُونَ مِنْ شَرِّهِمْ، فَاجْتَمَعَ الرَّأْيُ عَلَى هَذَا وَفِيهِ خِيَرَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُمْ وَلِأَهْلِ الشَّامِ أَيْضًا ; إِذْ لَوْ قَوُوا هَؤُلَاءِ لَأَفْسَدُوا الْأَرْضَ كُلَّهَا عِرَاقًا وَشَامًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا طِفْلًا وَلَا طِفْلَةَ وَلَا رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً ; لِأَنَّ النَّاسَ عِنْدَهُمْ قَدْ فَسَدُوا فَسَادًا لَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا الْقَتْلُ جُمْلَةً. فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَيْهِمُ الْحَارِثَ بْنَ مُرَّةَ الْعَبْدِيَّ، وَقَالَ لَهُ: اخْبُرْ لِي خَبَرَهُمْ، وَاعْلَمْ لِي أَمْرَهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِهِ عَلَى الْجَلِيَّةِ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمُ الْحَارِثُ قَتَلُوهُ وَلَمْ يُنْظِرُوهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا سَارَ إِلَيْهِمْ وَتَرَكَ أَهْلَ الشَّامِ.
التاريخ 2073لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَسِيرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، ؓ، إِلَى الْخَوَارِجِ ملاقاة علي بالمنجم لَمَّا عَزَمَ عَلِيٌّ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ عَلَى الْبَدَاءَةِ بِالْخَوَارِجِ، نَادَى مُنَادِيهِ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ، فَعَبَرَ الْجِسْرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدِهِ، ثُمَّ سَلَكَ عَلَى دَيْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ دَيْرِ أَبِي مُوسَى، ثُمَّ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، فَلَقِيَهُ هُنَالِكَ مُنَجِّمٌ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ بِوَقْتٍ مِنَ النَّهَارِ يَسِيرُ فِيهِ وَلَا يَسِيرُ فِي غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ إِنْ سَارَ فِي غَيْرِهِ يُخْشَى عَلَيْهِ، فَخَالَفَهُ عَلِيٌّ، وَسَارَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ الْمُنَجِّمُ، وَقَالَ: نَسِيرُ ثِقَةً بِاللَّهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِ الْمُنَجِّمِ. فَأَظْفَرَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ عَلِيٌّ: إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أُبَيِّنَ لِلنَّاسِ خَطَأَهُ وَخَشِيْتُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: إِنَّمَا ظَفِرَ لِكَوْنِهِ وَافَقَهُ فِيمَا أَشَارَ بِهِ، فَيُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ. وَسَلَكَ عَلِيٌّ نَاحِيَةَ الْأَنْبَارِ، وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ الْمَدَائِنَ، وَأَنْ يَلْقَاهُ بِنَائِبِهَا سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ - وَهُوَ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ - فِي جَيْشِ الْمَدَائِنِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ هُنَالِكَ عَلَى عَلِيٍّ، وَبَعَثَ إِلَى الْخَوَارِجِ أَنِ ادْفَعُوا إِلَيْنَا قَتَلَةَ إِخْوَانِنَا مِنْكُمْ لِنَقْتُلَهُمْ بِهِمْ، ثُمَّ إِنَّا تَارَكُوكُمْ وَذَاهِبُونَ عَنْكُمْ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُقْبِلَ بِقُلُوبِكُمْ، وَيَرُدَّكُمْ إِلَى خَيْرٍ مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، فَبَعَثُوا إِلَيْهِ يَقُولُونَ: كُلُّنَا قَتَلَ إِخْوَانَكُمْ، وَنَحْنُ مُسْتَحِلُّونَ دِمَاءَهُمْ وَدِمَاءَكُمْ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَوَعَظَهُمْ فِيمَا هُمْ مُرْتَكِبُوهُ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَطْبِ الْجَسِيمِ فَلَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ ; أَنَّبَهُمْ وَوَبَّخَهُمْ، فَلَمْ يَنْجَعْ فِيهِمْ، وَتَقَدَّمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَيْهِمْ، فَوَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ وَأَنْذَرَهُمْ وَتَهَدَّدَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ، وَقَالَ: إِنَّكُمْ أَنْكَرْتُمْ عَلَيَّ أَمْرًا أَنْتُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَيْهِ وَأَبَيْتُمْ إِلَّا إِيَّاهُ، فَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَلَمْ تَقْبَلُوا، وَهَا أَنَا وَأَنْتُمْ فَارْجِعُوا إِلَى مَا خَرَجْتُمْ مِنْهُ، وَلَا تَرْكَبُوا مَحَارِمَ اللَّهِ فَإِنَّكُمْ قَدْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا تَقْتُلُونَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمِينَ، وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُمْ عَلَيْهِ دَجَاجَةً لَكَانَ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ؟ ! فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ إِلَّا أَنْ تَبَادَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنْ لَا تُخَاطِبُوهُمْ وَلَا تُكَلِّمُوهُمْ وَتَهَيَّئُوا لِلِقَاءِ الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، الرَّوَاحَ الرَّوَاحَ إِلَى الْجَنَّةِ ! وَتَقَدَّمُوا فَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، وَتَأَهَّبُوا لِلنِّزَالِ، فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ زَيْدَ بْنَ حُصَيْنٍ الطَّائِيَّ السِّنْبِسِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ شُرَيْحَ بْنَ أَوْفَى، وَعَلَى خَيَّالَتِهِمْ حَمْزَةَ بْنَ سِنَانٍ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ حُرْقُوصَ بْنَ زُهَيْرٍ السَّعْدِيَّ، وَوَقَفُوا مُقَاتِلِينَ لِعَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ. وَجَعَلَ عَلِيٌّ عَلَى مَيْمَنَتِهِ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ أَوْ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ الرِّيَاحِيَّ، وَعَلَى خَيَّالَتِهِ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ، وَعَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ - وَكَانُوا سَبْعَمِائَةٍ - قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَأَمَرَ عَلِيٌّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ أَنْ يَرْفَعَ رَايَةَ أَمَانٍ لِلْخَوَارِجِ، وَيَقُولَ لَهُمْ: مَنْ جَاءَ إِلَى هَذِهِ الرَّايَةِ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنِ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ وَالْمَدَائِنِ فَهُوَ آمِنٌ، إِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي دِمَائِكُمْ، إِلَّا فِي مَنْ قَتَلَ إِخْوَانَنَا. فَانْصَرَفَ مِنْهُمْ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ، وَكَانُوا فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَلْفٌ - أَوْ أَقَلُّ - مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ الرَّاسِبِيِّ، فَزَحَفُوا إِلَى عَلِيٍّ فَقَدَّمَ عَلِيٌّ بَيَنَ يَدَيْهِ الْخَيْلَ، وَقَدَّمَ مِنْهُمُ الرُّمَاةَ، وَصَفَّ الرَّجَّالَةَ وَرَاءَ الْخَيَّالَةِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُفُّوا عَنْهُمْ حَتَّى يَبْدَأُوكُمْ. وَأَقْبَلَتِ الْخَوَارِجُ وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، الرَّوَاحَ الرَّوَاحَ إِلَى الْجَنَّةِ ! فَحَمَلُوا عَلَى الْخَيَّالَةِ الَّذِينَ قَدَّمَهُمْ عَلِيٌّ، فَفَرَّقُوهُمْ حَتَّى أَخَذَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْخَيَّالَةِ إِلَى الْمَيْمَنَةِ، وَأُخْرَى إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الرُّمَاةُ بِالنَّبْلِ، فَرَمَوْا وُجُوهَهُمْ، وَعَطَفَتْ عَلَيْهِمُ الْخَيَّالَةُ مِنَ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ، وَنَهَضَ إِلَيْهِمُ الرِّجَالُ بِالرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ، فَأَنَامُوا الْخَوَارِجَ، فَصَارُوا صَرْعَى تَحْتَ سَنَابِكِ الْخُيُولِ، وَقُتِلَ أُمَرَاؤُهُمْ ; عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَحُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَشُرَيْحُ بْنُ أَوْفَى، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَجَرَةَ السُّلَمِيُّ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: وَطَعَنْتُ رَجُلًا مِنَ الْخَوَارِجِ بِالرُّمْحِ، فَأَنْفَذْتُهُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: أَبْشِرْ يَا عَدُوَّ اللَّهِ بِالنَّارِ، فَقَالَ: سَتَعْلَمُ أَيُّنَا أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا. قَالُوا: وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ إِلَّا سَبْعَةُ نَفَرٍ. وَجَعَلَ عَلِيٌّ يَمْشِي بَيْنَ الْقَتْلَى مِنْهُمْ وَيَقُولُ: بُؤْسًا لَكُمْ، لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ. فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ غَرَّهُمْ ؟ قَالَ: الشَّيْطَانُ، وَأَنْفُسٌ بِالسُّوءِ أَمَّارَةٌ، غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ، وَزَيَّنَتْ لَهُمُ الْمَعَاصِيَ، وَنَبَّأَتْهُمْ أَنَّهُمْ ظَاهِرُونَ. ثُمَّ أَمَرَ بِالْجَرْحَى مِنْ بَيْنِهِمْ فَإِذَا هُمْ أَرْبَعُمِائَةٍ، فَسَلَّمَهُمْ إِلَى قَبَائِلِهِمْ لِيُدَاوُوهُمْ، وَقَسَمَ مَا وَجَدَ مِنْ سِلَاحٍ وَمَتَاعٍ لَهُمْ. وَعَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُخَمِّسْ مَا أَصَابَ مِنَ الْخَوَارِجِ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ، وَلَكِنْ رَدَّهُ إِلَى أَهْلِيهِمْ كُلَّهُ، حَتَّى كَانَ آخِرَ ذَلِكَ مِرْجَلٌ أُتِيَ بِهِ فَرَدَّهُ. خروج علي ؓ في طلب ذي الثدية وَقَالَ أَبُو مِخْنَفٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي حُرَّةَ، أَنَّ عَلِيًّا خَرَجَ فِي طَلَبِ ذِى الثُّدَيَّةِ، وَمَعَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ ثُمَامَةَ الْحَنَفِيُّ أَبُو جَبْرَةَ، وَالرَّيَّانُ بْنُ صَبْرَةَ بْنِ هَوْذَةَ، فَوَجَدَهُ الرَّيَّانُ فِي حُفْرَةٍ عَلَى جَانِبِ النَّهْرِ فِي أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسِينَ قَتِيلًا، قَالَ: فَلَمَّا اسْتُخْرِجَ لَهُ نَظَرَ إِلَى عَضُدِهِ، فَإِذَا لَحْمٌ مُجْتَمِعٌ عَلَى مَنْكِبِهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ، لَهُ حَلَمَةٌ كَحَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهَا شَعَرَاتٌ سُودٌ، فَإِذَا مُدَّتِ امْتَدَّتْ حَتَّى تُحَاذِيَ يَدَهُ الْأُخْرَى، ثُمَّ تُتْرَكُ فَتَعُودُ إِلَى مَنْكِبِهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ عَلِيٌّ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَتَّكِلُوا عَلَى غَيْرِ الْعَمَلِ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ، ﷺ، لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُسْتَبْصِرًا فِي قِتَالِهِمْ عَارِفًا لِلْحَقِّ. وَعَنْ نَافِعِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَحْمَسِيِّ، قَالَ: كَانَ ذُو الثُّدَيَّةِ رَجُلًا مِنْ عُرَيْنَةَ مِنْ بَجِيلَةَ، وَكَانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ، لَهُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ مَعْرُوفٌ فِي الْعَسْكَرِ، يُرَافِقُنَا عَلَى ذَلِكَ وَيُنَازِلُنَا وَنُنَازِلُهُ. وَعَنِ الرَّيَّانِ بْنِ صِبْرَةَ الْحَنَفِيِّ قَالَ: شَهِدْنَا النَّهْرَوَانَ مَعَ عَلِيٍّ، فَلَمَّا وَجَدَ الْمُخْدَجَ سَجَدَ سَجْدَةً طَوِيلَةً شُكْرًا لِلَّهِ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يُكَنَّى أَبَا مُوسَى، أَنَّ عَلِيًّا لَمَّا وَجَدَ الْمُخَدَجَ سَجَدَ. وَعَنْ حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ قَالَ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي قَطَعَ دَابِرَهُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ: كَلَّا وَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَفِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَإِذَا خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ الشَّرَايِينِ فَقَلَّمَا يُقَاتِلُونَ أَحَدًا إِلَّا أَلِفُوا أَنْ يَظْهَرُوا عَلَيْهِ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ قَدْ قَحِلَتْ مَوَاضِعُ السُّجُودِ مِنْهُ مِنْ شِدَّةِ اجْتِهَادِهِ وَكَثْرَةِ سُجُودِهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْمَنْقَبَاتِ. وَرَوَى الْهَيْثَمُ عَنْ بَعْضِ الْخَوَارِجِ أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ مِنْ بَغْضَتِهِ لِعَلِيٍّ يُسَمِّيهِ إِلَّا الْجَاحِدَ. وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ أَمُشْرِكُونَ هُمْ ؟ فَقَالَ: مِنَ الشِّرْكِ فَرُّوا. قِيلَ: أَفَمُنَافِقُونَ هُمْ ؟ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. فَقِيلَ: فَمَا هُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: إِخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا فَقَاتَلْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ عَلَيْنَا.
التاريخ 2074لا حكم مسجّل
وَلِنَذْكُرِ الْآنَ مَا وَرَدَ فِيهِمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْفُوعَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عَلِيٍّ، ؓ، رَوَاهُ عَنْهُ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي " صَحِيحِهِ ": أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ، ؓ، الَّذِينَ سَارُوا إِلَى الْخَوَارِجِ، فَقَالَ عَلِيٌّ، ؓ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ، لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إِلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إِلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صِيَامُكُمْ إِلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ وَهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مَا قُضِيَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ، ﷺ، لَاتَّكَلُوا عَلَى الْعَمَلِ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ، عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ، فَتَذْهَبُونَ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَأَهْلِ الشَّامِ وَتَتْرُكُونَ هَؤُلَاءِ يَخْلُفُونَكُمْ فِي ذَرَارِيِّكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونُوا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ سَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ، وَأَغَارُوا فِي سَرْحِ النَّاسِ، فَسِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزِلًا مَنْزِلًا، حَتَّى قَالَ: مَرَرْنَا عَلَى قَنْطَرَةٍ. فَلَمَّا الْتَقَيْنَا، وَعَلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلْقُوا الرِّمَاحَ، وَسُلُّوا سُيُوفَكُمْ مِنْ جُفُونِهَا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُنَاشِدُوكُمْ كَمَا نَاشَدُوكُمْ يَوْمَ حَرُورَاءَ. فَرَجَعُوا فَوَحَّشُوا بِرِمَاحِهِمْ، وَسَلَّوُا السُّيُوفَ، فَشَجَرَهُمُ النَّاسُ بِرِمَاحِهِمْ. قَالَ: وَقُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَمَا أُصِيبَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ إِلَّا رَجُلَانِ، قَالَ عَلِيٌّ، ؓ: الْتَمِسُوا فِيهِمُ الْمُخْدَجَ. فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَامَ عَلِيٌّ، ؓ، بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: أَخِّرُوهُمْ. فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ، فَكَبَّرَ، قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ. قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عَبِيدَةُ السُّلْمَانِيُّ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ؟ فَقَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَاسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ. هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ. الْحَدِيثُ الثَّانِي الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ؓ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، أَحْدَاثٌ - أَوْ قَالَ: حُدَثَاءُ - الْأَسْنَانِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَمَنْ أَدْرَكَهُمْ فَلْيَقْتُلْهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ابْنُ مَسْعُودٍ مَاتَ قَبْلَ ظُهُورِ الْخَوَارِجِ بِنَحْوٍ مَنْ خَمْسِ سِنِينَ، فَحَدِيثُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَقْوَى الِاعْتِضَادِ. الْحَدِيثُ الثَّالِثُ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ رَجَعَ، أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ، قَالَ: " سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ ; قَوْمٌ يُحْسِنُونَ الْقِيلَ وَيُسِيئُونَ الْفِعْلَ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَلَيْسُوا مِنْهُ فِي شَيْءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا سِيمَاهُمْ ؟ قَالَ: " التَّحْلِيقُ " الْحَدِيثُ الرَّابِعُ الْحَدِيثُ الرَّابِعُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ؓ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عَامَ الْجِعْرَانَةِ وَهُوَ يَقْسِمُ فِضَّةً فِي ثَوْبِ بِلَالٍ لِلنَّاسِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ. فَقَالَ: " وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدَلْ ؟ ! لَقَدْ خِبْتُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ ". فَقَالَ: عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَقْتُلْ هَذَا الْمُنَافِقَ. فَقَالَ: " مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، أَوْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ ". الْحَدِيثُ الْخَامِسُ الْحَدِيثُ الْخَامِسُ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أُهَيْبٍ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، ؓ، قَالَ: يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، ذَا الثُّدَيَّةِ فَقَالَ: شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ، كَرَاعِي الْخَيْلِ يَحْتَدِرُهُ رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ ; يُقَالُ لَهُ: الْأَشْهَبُ أَوِ ابْنِ الْأَشْهَبِ، عَلَامَةٌ فِي قَوْمٍ ظَلَمَةٍ. قَالَ سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ، أَنَّهُ جَاءَ بِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْأَشْهَبُ، أَوِ ابْنُ الْأَشْهَبِ. الْحَدِيثُ السَّادِسُ الْحَدِيثُ السَّادِسُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ; سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيِّ، ؓ، وَلَهُ طَرُقٌ عَنْهُ: مِنْهَا: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي مَرَرْتُ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا رَجُلٌ مُتَخَشِّعٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ يُصَلِّي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " اذْهَبْ إِلَيْهِ فَاقْتُلْهُ ". قَالَ: فَذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا رَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ كَرِهَ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَقَالَ النَّبِيُّ، ﷺ، لِعُمَرَ: " اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ ". فَذَهَبَ عُمَرُ فَرَآهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ الَّتِي رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، فَكَرِهَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَرَجَعَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي مُتَخَشِّعًا فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَهُ. قَالَ: " يَا عَلِيُّ اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ ". فَذَهَبَ عَلِيٌّ فَلَمْ يَرَهُ، فَرَجَعَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: " إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ فِي فُوقِهِ ; فَاقْتُلُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. الْحَدِيثُ الثَّامِنُ الْحَدِيثُ الثَّامِنُ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَوْمٍ فَقَالَ: لِمَنْ هَذِهِ الْخِبَاءُ ؟ قَالُوا: لِسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. قَالَ: أَفَلَا تَنْطَلِقُونَ مَعِي فَيُحَدِّثَنَا وَنَسْمَعَ مِنْهُ ؟ فَانْطَلَقَ مَعَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوْ أَدْنَيْتَ خِبَاءَكَ إِلَيْنَا وَكُنْتَ مِنَّا قَرِيبًا فَحَدَّثْتَنَا وَسَمِعْنَا مِنْكَ ؟ فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. قَالَ سَلْمَانُ: قَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ مَعْرُوفٌ ; بَلَغَنِي أَنَّكَ تَخِفُّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتُقَاتِلُ الْعَدُوَّ، وَتَخْدِمُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَإِنْ أَخْطَأَتْكَ وَاحِدَةٌ أَنْ تَكُونَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ. قَالُوا: فَوُجِدَ ذَلِكَ الرَّجُلُ قَتِيلًا فِي أَصْحَابِ النَّهْرَوَانِ. الْحَدِيثُ التَّاسِعُ الْحَدِيثُ التَّاسِعُ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيِّ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ فِي الْحَرُورِيَّةِ. قَالَ: أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ، ﷺ، لَا أَزِيدُكَ عَلَيْهِ شَيْئًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَذْكُرُ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ هَاهُنَا - وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْعِرَاقِ - يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ. قَالَ: قُلْتُ: هَلْ ذَكَرَ لَهُمْ عَلَامَةً ؟ قَالَ: هَذَا مَا سَمِعْتُ لَا أَزِيدُكَ عَلَيْهِ. الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَتْنَا بَيْعَةُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَدِمْتُ الشَّامَ فَأُخْبِرْتُ بِمَقَامٍ يَقُومُهُ نَوْفٌ الْبِكَالِيُّ، فَجِئْتُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ فَانْتَبَذَ عَنِ النَّاسِ عَلَيْهِ خَمِيصَةٌ، فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَلَمَّا رَآهُ نَوْفٌ أَمْسَكَ عَنِ الْحَدِيثِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، يَنْحَازُ النَّاسُ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ، لَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ إِلَّا شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ الرَّحْمَنِ، تَحْشُرُهُمُ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا، وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا، وَتَأْكُلُ مَنْ تَخَلَّفَ ". قَالَ وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: " سَيَخْرُجُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، يَقْرَأُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، - حَتَّى عَدَّهَا زِيَادَةً عَلَى عَشْرِ مَرَّاتٍ - كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ قُطِعَ، حَتَّى يَخْرُجَ الدَّجَّالُ فِي بَقِيَّتِهِمْ ". الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ: عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: لَقَدْ عَلِمَتْ عَائِشَةُ أَنَّ جَيْشَ الْمَرْوَةِ وَأَهْلَ النَّهْرَوَانِ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، ﷺ. قَالَ ابْنُ عَيَّاشٍ: جَيْشُ الْمَرْوَةِ قَتَلَةُ عُثْمَانَ، ؓ. وَعَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، الْخَوَارِجَ فَقَالَ: شِرَارُ أُمَّتِي يَقْتُلُهُمْ خِيَارُ أُمَّتِي. وَعَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ ذِي الثُّدِيَّةِ الَّذِي أَصَابَهُ عَلِيٌّ فِي الْحَرُورِيَّةِ ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَتْ: فَاكْتُبْ لِي بِشَهَادَةِ مَنْ شَهِدَهُمْ. فَرَجَعْتُ إِلَى الْكُوفَةِ - وَبِهَا يَوْمَئِذٍ أَسْبَاعٌ - فَكَتَبْتُ شَهَادَةَ عَشَرَةٍ مِنْ كُلِّ سَبْعٍ، ثُمَّ أَتَيْتُهَا بِشَهَادَتِهِمْ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهَا، قَالَتْ: أَكُلُّ هَؤُلَاءِ عَايَنُوهُ ؟ قُلْتُ: لَقَدْ سَأَلْتُهُمْ فَأَخْبَرُونِي بِأَنَّ كُلَّهُمْ قَدْ عَايَنَهُ. فَقَالَتْ: لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا ; فَإِنَّهُ كَتَبَ إِلَيَّ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِنِيلِ مِصْرَ. ثُمَّ أَرْخَتْ عَيْنَيْهَا فَبَكَتْ فَلَمَّا سَكَنَتْ عَبْرَتُهَا قَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا ! لَقَدْ كَانَ عَلَى الْحَقِّ، وَمَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا كَمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأَحْمَائِهَا. حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ رَجُلَيْنِ مُبْهَمَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ: قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي " كِتَابِ الْخَوَارِجِ "، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ حَتَّى قَدِمَا الْعِرَاقَ فَقِيلَ لَهُمَا: مَا أَقْدَمَكُمَا الْعِرَاقَ ؟ قَالَا: رَجَوْنَا أَنْ نُدْرِكَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَوَجَدْنَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْ سَبَقَنَا إِلَيْهِمْ ; يَعْنِيَانِ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ. حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَدْحِ عَلِيٍّ، ؓ عَلَى قِتَالِهِ الْخَوَارِجَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَجَاءِ بْنِ رَبِيعَةَ الزُّبَيْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: " كُنَّا جُلُوسًا نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا مِنْ بُيُوتِ بَعْضِ نِسَائِهِ، قَالَ: فَقُمْنَا مَعَهُ، فَانْقَطَعَتْ نَعْلُهُ فَتَخَلَّفَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ يَخْصِفُهَا، فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، وَمَضَيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ يَنْتَظِرُهُ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ: " إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ ". فَاسْتَشْرَفْنَا لَهَا وَفِينَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ فَقَالَ: " لَا، وَلَكِنَّهُ خَاصِفُ النَّعْلِ ". قَالَ: فَجِئْنَا نُبَشِّرُهُ، قَالَ: فَكَأَنَّهُ قَدْ سَمِعَهُ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أُمَرْتُ بِقِتَالِ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ.
التاريخ 2075لا حكم مسجّل
فَصْلٌ ( مَا دَارَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِمْ مِنْ قِتَالِ الْخَوَارِجِ ) قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي جَمَعَهُ فِي الْخَوَارِجِ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ مَا صُنِّفَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: وَذَكَرَ عِيسَى بْنُ دَابٍّ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ عَلِيٌّ، ؓ، مِنَ النَّهْرَوَانِ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ نَصْرَكُمْ فَتَوَجَّهُوا مِنْ فَوْرِكُمْ هَذَا إِلَى عَدُوِّكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، نَفِدَ نَبْلُنَا، وَكَلَّتْ سُيُوفُنَا، وَنَصَلَتْ أَسِنَّتُنَا، فَانْصَرِفْ بِنَا إِلَى مِصْرِنَا حَتَّى نَسْتَعِدَّ بِأَحْسَنِ عُدَّتِنَا، وَلَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزِيدُ فِي عُدَّتِنَا عُدَّةَ مَنْ فَارَقَنَا وَهَلَكَ مِنَّا ; فَإِنَّهُ أَقْوَى لَنَا عَلَى عَدُوِّنَا - وَكَانَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهَذَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ - فَبَايَعَهُمْ، وَأَقْبَلَ بِالنَّاسِ حَتَّى نَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ، وَأَمْرَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا مُعَسْكَرَهُمْ، وَيُوَطِّنُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ، وَيُقِلُّوا زِيَارَةَ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، فَأَقَامُوا مَعَهُ أَيَّامًا مُسْتَمْسِكِينَ بِرَأْيِهِ وَقَوْلِهِ، ثُمَّ تَسَلَّلُوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا رُءُوسُ أَصْحَابِهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْخَلْقِ وَفَالِقِ الْإِصْبَاحِ، وَنَاشِرِ الْمَوْتَى وَبَاعِثِ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْعَبْدُ الْإِيمَانُ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ وَكَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ ; فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ; فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ; فَإِنَّهَا مِنْ فَرَائِضِهِ، وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ ; فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِهِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ ; فَإِنَّهُ مَنْفَاةٌ لِلْفَقْرِ مَدْحَضَةٌ لِلذَّنْبِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ ; فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الْأَجَلِ، مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ ; فَإِنَّهَا تَكْفِيرٌ لِلْخَطِيئَةِ، وَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصُنْعُ الْمَعْرُوفِ ; فَإِنَّهُ يَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ، وَيَقِي مَصَارِعَ الْهَوْلِ، أَفِيضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ ; فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الذِّكْرِ، وَارْغَبُوا فِيمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ; فَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ أَصْدُقُ الْوَعْدِ، وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ، ﷺ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ، وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ ; فَإِنَّهَا أَفْضَلُ السُّنَنِ، وَتَعَلَّمُوا كِتَابَ اللَّهِ ; فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْحَدِيثِ، وَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ; فَإِنَّهُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ، وَاسْتَشْفُوا بِنُورِهِ ; فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لَمَّا فِي الصُّدُورِ، وَأَحْسِنُوا تِلَاوَتَهُ ; فَإِنَّهُ أَحْسَنُ الْقَصَصِ، وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْكُمْ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، وَإِذَا هُدِيتُمْ لِعِلْمِهِ فَاعْمَلُوا بِمَا عَلِمْتُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ; فَإِنَّ الْعَالِمَ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالْجَاهِلِ الْحَائِرِ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ مِنْ جَهْلِهِ، بَلْ قَدْ رَأَيْتُ أَنَّ الْحُجَّةَ أَعْظَمُ، وَالْحَسْرَةَ أَدُومُ عَلَى هَذَا الْعَالِمِ الْمُنْسَلِخِ مَنْ عِلْمِهِ، وَضَرَرَهُ عَلَى هَذَا الْجَاهِلِ الْمُتَحَيِّرِ فِي جَهْلِهِ، وَكِلَاهُمَا حَائِرٌ مُضَلِّلٌ مَثْبُورٌ. لَا تَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا، وَلَا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا، وَلَا تُرَخِّصُوا لِأَنْفُسِكُمْ فَتَذْهَلُوا، وَلَا تُذْهَلُوا فِي الْحَقِّ فَتَخْسَرُوا، أَلَا وَإِنَّ مِنَ الْحَزْمِ أَنْ تَثِقُوا، وَمِنَ الثِّقَةِ أَنْ لَا تَغْتَرُّوا، وَإِنَّ أَنْصَحَكُمْ لِنَفْسِهِ أَطْوَعُكُمْ لِرَبِّهِ، وَإِنَّ أَغَشَّكُمْ لِنَفْسِهِ أَعَصَاكُمْ لِرَبِّهِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ يَأْمَنْ وَيَسْتَبْشِرْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ يَخَفْ وَيَنْدَمْ، سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ، وَارْغَبُوا إِلَيْهِ فِي الْعَافِيَةِ، وَخَيْرُ مَا دَامَ فِي الْقَلْبِ الْيَقِينُ، إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدَثَاتِهَا شَرُّهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدَعَةٌ وَكُلُّ مُحْدِثٍ مُبْتَدِعٌ، وَمَنِ ابْتَدَعَ فَقَدْ ضَيَّعَ، وَمَا أَحْدَثَ مُحْدِثٌ بِدْعَةً إِلَّا تَرَكَ بِهَا سُنَّةً، الْمَغْبُونُ مَنْ غَبَنَ دِينَهُ، وَالْمَفْتُونُ مَنْ خَسِرَ نَفْسَهُ، وَإِنَّ الرِّيَاءَ مِنَ الشِّرْكِ، وَإِنَّ الْإِخْلَاصَ مِنَ الْعَمَلِ وَالْإِيمَانِ. وَمَجَالِسُ اللَّهْوِ تُنْسِي الْقُرْآنَ وَيَحْضُرُهَا الشَّيْطَانُ، وَتَدْعُو إِلَى كُلِّ غَيٍّ، وَمُحَادَثَةُ النِّسَاءِ تُزِيغُ الْقُلُوبَ وَتُطْمِحُ لَهُنَّ الْأَبْصَارَ، وَهُنَّ مَصَائِدُ الشَّيْطَانِ، فَاصْدُقُوا اللَّهَ ; فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ مَنْ صَدَقَ، وَجَانِبُوا الْكَذِبَ ; فَإِنَّ الْكَذِبَ مُجَانِبٌ لِلْإِيمَانِ، أَلَا إِنَّ الصَّادِقَ عَلَى شَرَفِ مَنْجَاةٍ وَكَرَامَةٍ، وَإِنَّ الْكَاذِبَ عَلَى شَرَفِ رَدًى وَهَلَكَةٍ وَإِهَانَةٍ، أَلَا وَقُولُوا الْحَقَّ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مَنْ أَهْلِهِ، وَأَدُّوا الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ، وَصِلُوا أَرْحَامَ مَنْ قَطَعَكُمْ، وَعُودُوا بِالْفَضْلِ عَلَى مَنْ حَرَمَكُمْ، وَإِذَا عَاهَدْتُمْ فَأَوْفُوا، وَإِذَا حَكَمْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَا تَفَاخَرُوا بِالْآبَاءِ، وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ، وَلَا تَمَازَحُوا، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَأَعِينُوا الضَّعِيفَ وَالْمَظْلُومَ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلَيْنِ وَفِي الرِّقَابِ، وَارْحَمُوا الْأَرْمَلَةَ وَالْيَتِيمَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ وَرُدُّوا التَّحِيَّةَ عَلَى أَهْلِهَا مِثْلَهَا أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ الْمَائِدَةِ: 2 ]. وَأَكْرِمُوا الضَّيْفَ، وَأَحْسِنُوا إِلَى الْجَارِ، وَعُودُوا الْمَرْضَى، وَشَيِّعُوا الْجَنَائِزَ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلَاعٍ، وَإِنَّ الْمِضْمَارَ الْيَوْمَ، وَغَدًا السِّبَاقُ، وَإِنَّ السَّبَقَةَ وَالْغَايَةَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، أَلَا وَإِنَّكُمْ فِي أَيَّامِ مَهْلٍ مِنْ وَرَائِهَا أَجَلٌ حَثِيثٌ عَجِلٌ، فَمَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَمَلَهُ فِي أَيَّامِ مَهْلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ أَحْسَنَ عَمَلَهُ وَنَالَ أَمَلَهُ، وَمَنْ قَصَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ خَسِرَ عَمَلُهُ وَخَابَ أَمَلُهُ، وَضَرَّهُ أَمَلُهُ، أَلَا فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، فَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَغْبَةٌ فَاشْكُرُوا اللَّهَ وَاجْمَعُوا مَعَهَا رَهْبَةً، وَإِنْ نَزَلَتْ بِكُمْ رَهْبَةٌ فَاذْكُرُوا اللَّهَ وَاجْمَعُوا مَعَهَا رَغْبَةً ; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ تَأَذَّنَ الْمُسْلِمِينَ بِالْحُسْنَى، وَلِمَنْ شَكَرَ بِالزِّيَادَةِ، وَإِنِّي لَمْ أَرَ مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلَا كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا أَكْيَسَ مِنْ مُكْتَسِبٍ يَكْسِبُ شَيْئًا الْيَوْمَ يَدَّخِرُهُ لِيَوْمٍ تَنْفَعُ فِيهِ الذَّخَائِرُ، وَتُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، يُجْمَعُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، أَلَا وَإِنَّهُ مَنْ لَا يَنْفَعْهُ الْحَقُّ يَضُرَّهُ الْبَاطِلُ، وَمَنْ لَا يَسْتَقِمْ عَلَى الْهُدَى يَجُرْ بِهِ الضَّلَالُ، وَمَنْ لَا يَنْفَعْهُ الْيَقِينُ يَضُرَّهُ الشَّكُّ، وَمَنْ لَا يَنْفَعْهُ حَاضِرُهُ فَغَارِبُهُ عَنْهُ أَعْوَزُ وَغَائِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ، أَلَا وَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ وَدُلِلْتُمْ عَلَى الزَّادِ فَاعْمَلُوا عَلَى الْمُرَادِ، أَلَا وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ ; طُولُ الْأَمَلِ وَاتِّبَاعُ الْهَوَى ; فَطُولُ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَلَهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ; فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. وَهَذِهِ خُطْبَةٌ عَظِيمَةٌ بَلِيغَةٌ نَافِعَةٌ، جَامِعَةٌ لِلْخَيْرِ نَاهِيَةٌ عَنِ الشَّرِّ. وَقَدْ رُوِيَ لَهَا شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى مُتَّصِلَةٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَلِيًّا، ؓ، لَمَّا نَكَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنِ الذَّهَابِ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ خَطَبَهُمْ، فَوَبَّخَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ وَتَوَعَّدَهُمْ وَتَهَدَّدَهُمْ وَتَلَا عَلَيْهِمْ فِي الْجِهَادِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ سُوَرٍ مُتَفَرِّقَةٍ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى عَدُوِّهِمْ فَتَأَبَّوْا عَلَى ذَلِكَ، وَخَالَفُوهُ وَلَمْ يُوَافِقُوهُ، وَاسْتَمَرُّوا فِي بِلَادِهِمْ، وَانْصَرَفُوا عَنْهُ هَاهُنَا. قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ قَتْلِهِ الْخَوَارِجَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَرَابَاتِهِمْ وَإِخْوَانَهُمْ، وَيَرَوْنَهُمْ أَفْضَلَهُمْ وَخَيْرَهُمْ ; لِعِبَادَتِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ، فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ وَهَجَرُوهُ، فَدَخَلَ عَلِيٌّ الْكُوفَةَ فِي حَالَةٍ اللَّهُ بِهَا عَلِيمٌ.
التاريخ 2076لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ - عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ; نَائِبُ عَلِيٍّ عَلَى الْيَمَنِ وَمَخَالِفِيهَا، وَكَانَ نَائِبَ مَكَّةَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ تَمَّامُ بْنُ عَبَّاسٍ. وَقِيلَ: سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَعَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلَى قَضَائِهَا أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّئَلِيُّ، وَعَلَى مِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ مُقِيمٌ بِالْكُوفَةِ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بِالشَّامِ مُسْتَحْوِذٌ عَلَيْهَا. قُلْتُ: وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَأْخُذَ بِلَادَ مِصْرَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. بعث علي جعدة المخزومي إلى خراسان وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ عَلِيٌّ ؓ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ صِفِّينَ جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيَّ إِلَى خُرَاسَانَ فَانْتَهَى إِلَى قَوْمٍ قَدْ كَفَرُوا وَامْتَنَعُوا، فَرَجَعَ، فَبَعَثَ مَكَانَهُ خُلَيْدَ بْنَ قُرَّةَ الْيَرْبُوعِيَّ، فَحَاصَرَ أَهْلَ نَيْسَابُورَ حَتَّى صَالَحُوهُ، وَصَالَحَهُ أَهْلُ مَرْوَ فَأَصَابَ جَارِيَتَيْنِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ فَنَزَلَتَا بِأَمَانٍ، فَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى عَلِيٍّ ؓ فَأَعْطَاهُمَا بَعْضَ الدَّهَاقِينِ.
التاريخ 2077لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ الرَّبِيعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ الرَّبِيعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَحَدَّثَتْ عَنْهُ. وَكَانَتْ تَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَخْدِمُ الْقَوْمَ وَتَرُدُّ الْقَتْلَى وَالْجَرْحَى إِلَى الْمَدِينَةِ. خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ بْنِ جَنْدَلَةَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ بْنِ جَنْدَلَةَ كَانَ قَدْ أَصَابَهُ سِبَاءٌ فَبِيعَ بِمَكَّةَ وَاشْتَرَتْهُ أُمُّ أَنْمَارٍ، وَهِيَ أُمُّ سِبَاعٍ الْخُزَاعِيَّةُ. وَيُقَالُ: بَلْ أُمُّ سِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَاحِدَةٌ، وَكَانَتْ خَتَّانَةً بِمَكَّةَ، وَهِيَ الَّتِي عَنَى حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حِينَ قَالَ لِسِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَأُمِّهِ أُمِّ أَنْمَارٍ: هَلُمَّ يَا ابْنَ مُقَطِّعَةِ الْبُظُورِ، فَانْضَمَّ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ إِلَى آلِ سِبَاعٍ، وَادَّعَى حِلْفَ بَنِي زُهْرَةَ بِهَذَا السَّبَبِ. وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْعُوَ فِيهَا، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ لِيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ . وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: دَخَلَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ عَلَى عُمَرَ فَأَجْلَسَهُ عَلَى مُتَّكَئِهِ، وَقَالَ: مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ أَحَقُّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ لَهُ خَبَّابٌ: مَنْ هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بِلَالٌ، قَالَ: فَقَالَ خَبَّابٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا هُوَ بِأَحَقَّ مِنِّي، إِنَّ بِلَالًا كَانَ لَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمْنَعَهُ اللَّهُ بِهِ وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا أَخَذُونِي وَأَوْقَدُوا لِي نَارًا ثُمَّ سَلَقُونِي فِيهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي فَمَا اتَّقَيْتُ الْأَرْضَ إِلَّا بِظَهْرِي، قَالَ: ثُمَّ كَشَفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرَصَ. وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: عَادَ خَبَّابًا نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: أَبْشِرْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِخْوَانُكَ تُقْدِمُ عَلَيْهِمْ غَدًا، فَبَكَى وَقَالَ: [عَلَيْهَا مِنْ حَالِي]، أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بِي جَزَعٌ، وَلَكِنْ ذَكَّرْتُمُونِي أَقْوَامًا وَسَمَّيْتُمُوهُمْ لِي إِخْوَانًا، وَإِنَّ أُولَئِكَ مَضَوْا وَأُجُورُهُمْ كَمَا هِيَ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ ثَوَابُ مَا تَذْكُرُونَ مِنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ مَا أُوتِينَا بَعْدَهُمْ. تُوفِي خَبَّابٌ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ . خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْفَاكِهِ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْفَاكِهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَبُو عِمَارَةَ، وَهُوَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ : عَنْ عِمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عَمِّهِ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَعْرَابِ، فَاسْتَتْبَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُعْطِيَهُ ثَمَنَهُ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَشْيَ، وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ فَطَفِقَ رِجَالٌ يَلْقَوْنَ الْأَعْرَابِيَّ يُسَاوِمُونَهُ الْفَرَسَ وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ ابْتَاعَهُ، حَتَّى زَادَ بَعْضُهُمُ الْأَعْرَابِيَّ فِي السَّوْمِ عَلَى ثَمَنِ الْفَرَسِ الَّذِي ابْتَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِ. فَلَمَّا زَادَهُ نَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسَ فَابْتَعْهُ وَإِلَّا بِعْتُهُ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ الْأَعْرَابِيِّ حَتَّى أَتَاهُ الْأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَلَسْتُ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ؟ " فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: لَا وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَلَى قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ" فَطَفِقَ النَّاسُ يَلُوذُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِالْأَعْرَابِيِّ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ، وَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يُشْهِدُ لَكَ، فَمَنْ جَاءَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: وَيْلَكَ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ لِيَقُلْ إِلَّا حَقًّا، حَتَّى جَاءَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ، فَاسْتَمَعَ مُرَاجَعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمُرَاجَعَةَ الْأَعْرَابِيِّ، فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أَنِّي قَدْ بَايَعْتُكَ، فَقَالَ خُزَيْمَةُ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ: بِمَ تَشْهَدُ؟ قَالَ: بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: لَمْ يُسَمَّ لَنَا أَخُو خُزَيْمَةَ الَّذِي رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ، وَكَانَ لَهُ أَخَوَانِ، [يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا وَحْوَحٌ ] وَلَا عَقِبَ لَهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَلَهُ عَقِبٌ. وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أُصَدِّقُكَ بِخَبَرِ السَّمَاءِ، وَلَا أُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَكَانَتْ لَهُ رَايَةُ بَنِي خَطْمَةَ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ. سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَفِينَةُ - مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْمُهُ مِهْرَانُ، وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ : اشْتَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَأَعْتَقَتْهُ وَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ يَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا عَاشَ. عَنْ سَعِيدُ بْنُ جُهْمَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ سَفِينَةَ عَنِ اسْمِهِ، فَقَالَ: سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَفِينَةَ، قُلْتُ: وَبِمَا سَمَّاكَ سَفِينَةَ ؟ قَالَ: خَرَجَ مَعَهُ أَصْحَابُهُ فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَتَاعُهُمْ فَقَالَ لِي: ابْسُطْ لِي كُسَاكَ، فَبَسَطَهُ، فَحَوَّلُوا فِيهِ مَتَاعَهُمْ ثُمَّ حَمَلُوهُ عَلَيَّ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "احْمِلْ فَمَا أَنْتَ إِلَّا سَفِينَةُ". وَعَنْ سَفِينَةَ أَنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ، قَالَ: فَتَعَلَّقْتُ بِشَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى خَرَجْتُ إِلَى جَزِيرَةٍ، فَإِذَا فِيهَا الْأَسَدُ، فَقُلْتُ: أَبَا الْحَارِثِ، إِنَّمَا سَفِينَةُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ وَجَعَلَ يَدْفَعُنِي بِجَنْبَيْهِ، يَدُلُّنِي عَلَى الطَّرِيقِ فَلَمَّا خَرَجْتُ إِلَى الطَّرِيقِ هَمَّهُمْ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُوَدِّعُنِي. سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ سُحَيْمٌ، عَبْدُ بَنِي الْحِسْحَاسِ : اشْتَرَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، فَأَهْدَاهُ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ، وَلَهُ أَشْعَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَخْبَارٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: كَانَ سُحَيْمٌ حَبَشِيًّا وَقَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ. وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ الْمَاجِشُونِ، قَالَ: اشْتَرَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ سُحَيْمًا عَبْدَ بَنِي الْحَسْحَاسِ، وَكَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ لَكَ غُلَامًا حَبَشِيًّا شَاعِرًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، فَإِنَّمَا قُصَارَى الْعَبْدِ الشَّاعِرِ، إِنْ شَبِعَ تَشَبَّبَ بِنِسَائِهِمْ، وَإِنْ جَاعَ يَهْجُوهُمْ، فَرَدَّهُ عَبْدُ اللَّهِ فَاشْتَرَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ. وَكَانَ حَبَشِيًّا أَعْجَمِيَّ اللِّسَانِ يُنْشِدُ الشِّعْرَ. قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الْفَقْعَسِيِّ، قَالَ: كَانَ سُحَيْمٌ عَبْدًا لِبَنِي الْحَسْحَاسِ حَبَشِيًّا شَاعِرًا، وَكَانَ يَهْوَى ابْنَةَ مَوْلَاهُ عَمِيرَةَ بِنْتِ أَبِي مَعْبَدٍ، وَيُكَنَّى عَنْ حُبِّهَا إِلَى أَنْ خَرَجَ مَوْلَاهُ أَبُو مَعْبَدٍ سَفَرًا، وَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ، وَكَانَ أَبُو مَعْبَدٍ يَتَشَوَّقُ إِلَى ابْنَتِهِ وَيَقُولُ: عَمِيرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَادِيًا [يُرَدِّدُ النِّصْفَ وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ابْعُدْ يَا سُحَيْمُ، فَهَيَّجَ مِنْهُ مَا كَانَ بَاطِنًا فَقَالَ: عَمِيرَةَ وَدِّعْ إِنْ تَجَهَّزْتَ غَادِيًا] كَفَى الشَّيْبُ وَالْإِسْلَامُ لِلْمَرْءِ نَاهِيًا ثُمَّ بَنَى عَلَيْهَا وَأَتَمَّهَا قَصِيدَةً وَفَحَشَ فِيهَا فَقَالَ: وَبِتْنَا وِسَادَانَا [إِلَى عَلَجَانَةٍ وَحِقْفٍ تَهَادَاهُ الرِّيَاحُ تَهَادَيَا] تَوَسِّدُنِي كَفًّا وَتُثْنِي بِمِعْصَمٍ عَلَيَّ وَتَحْوِي رِجْلَهَا مِنْ وَرَائِيًا وَهَبَّتْ شَمَالًا آخِرَ اللَّيْلِ قُرَّةٌ وَلَا ثَوْبَ إِلَّا دِرْعُهَا وَرِدَائِيَا فَمَا زَالَ ثَوْبِي طَيِّبًا مِنْ نَسِيمِهَا إِلَى الْحَوْلِ حَتَّى أَنْهَجَ الثَّوْبُ بَالِيًا قَالَ: فَذَهَبَ بِهِ أَبُو مَعْبَدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَبِيعَهُ بِهَا، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ بِهَا: وَمَا كُنْتُ أَخْشَى مَعْبَدًا أَنْ يَبِيعَنِي بِشَيْءٍ وَلَوْ أَمْسَتْ أَنَامِلُهُ صِفْرَا أَخُوكُمْ وَمَوْلَى مَالِكُمْ وَرَبِيبُكُمْ وَمَنْ قَدْ ثَوَّى فِيكُمْ وَعَاشَرَكُمْ دَهْرَا أَشَوْقًا وَلَمَّا يَمْضِ لِي غَيْرُ لَيْلَةٍ فَكَيْفَ إِذَا سَارَ الْمَطِيُّ بِنَا عَشْرَا قَالَ: فَرَقَّ لَهُ وَرَدَّهُ، وَآلَ أَمْرُ سُحَيْمٍ أَنَّهُ أَحَبَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِ مَوْلَاهُ، فَأَخَذُوهُ وَأَحْرَقُوهُ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: سَقَوْهُ الْخَمْرَ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ نِسْوَةً، فَلَمَّا مَرَّتْ بِهِ الَّتِي كَانَ يُتَّهُمُ بِهَا أَهْوَى إِلَيْهَا فَقَتَلُوهُ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَرْقَمِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ [بْنِ وَهْبِ] بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ : أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَكَانَ يَكْتَبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَبِي بَكْرٍ ؓ. وَكُتِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كِتَابٌ فَقَالَ: مَنْ يُجِيبُ؟ فَقَالَ ابْنُ الْأَرْقَمِ: أَنَا، فَأَجَابَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعْجَبَهُ وَأَنْفَذَهُ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: أَصَابَ مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَقَالَ عُمَرُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَخْشَى لِلَّهِ مِنْهُ. وَعَنْ أُمِّ بَكْرِ بِنْتِ الْمَنْصُورِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: وَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيَّ، وَكَانَ عُمَرُ ؓ يَسْتَسْلِفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِذَا أَخْرَجَ الْعَطَاءَ جَاءَ عَبْدُ اللَّهِ فَتَقَاضَاهُ فَيُقْضِيهِ، فَلَمَّا وَلِيَ عُثْمَانُ أَقَرَّهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَكَانَ يَسْتَسْلِفُ مِنْهُ ثُمَّ يُقْضِيهِ كَعُمَرَ، ثُمَّ اجْتَمَعَ عِنْدَ عُثْمَانَ مَالٌ كَثِيرٌ وَحَضَرَ خُرُوجُ الْعَطَاءِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَدِّ الْمَالَ الَّذِي اسْتَسْلَفْتَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: مَا أَنْتَ وَذَاكَ، إِنَّمَا أَنْتَ خَازِنٌ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَصَاحَ بِالنَّاسِ، فَاجْتَمَعُوا فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ عُثْمَانُ وَقَالَ: هَذِهِ مَفَاتِيحُ بَيْتِ مَالِكُمْ. قَالَ ابنُ الجوزيّ: وَلَمَّا رَدَّ الْمَفَاتِيحَ اسْتَخْزَنَ عُثْمَانُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: وَلِدَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَوْصُوفًا بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَوَرَدَ الْمَدَائِنَ وَقَتَلَهُ الْخَوَارِجُ وَهُوَ بِالنَّهْرَوَانِ. فقد كَانَ مِنْزُلُهُ عَلَى شَطِ النَّهْرِ فَأَخْرَجُوهُ -الخوارج- مِنْ مَنْزِلِهِ، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا بِحَدِيثٍ حَدَّثَكَهُ أَبُوكَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي"، فَقَدَّمُوهُ إِلَى الْمَاءِ فَذَبَحُوهُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ، فَسَالَ دَمُهُ فِي الْمَاءِ مِثْلَ الشِّرَاكِ مَا امْذَقَرَّ. قَالَ الْحَكَمُ: فَسَأَلْتُ أَبَا أَيُّوبَ: مَا امْذَقَرَّ؟ قَالَ: مَا اخْتَلَطَ. قَالَ: وَأَخْرَجُوا أُمَّ وَلَدِهِ فَشَقُّوا عَمَّا فِي بَطْنِهَا. فقاتلهم علي ؓ فقتلهم. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ خُزَيْمَةَ : أَسْلَمَ قَدِيمًا. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ قَدِيمًا، وَكَانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَحْيَ، فَرُبَّمَا أَمْلَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "سَمِيعٌ عَلِيمٌ"، فَيَكْتُبُ "عَلِيمٌ حَكِيمٌ". فَيَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُقِرُّهُ، فَافْتُتِنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ، وَقَالَ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ مَا يَقُولُ، إِنِّي لَأَكَتْبُ لَهُ مَا شِئْتُ، هَذَا الَّذِي يُوحَى إِلَيَّ كَمَا يُوحَى إِلَى مُحَمَّدٍ. وَخَرَجَ هَارِبًا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، فَأَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَاءَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - وَكَانَ أَخَاهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ - فَقَالَ: يَا أَخِي إِنِّي وَاللَّهِ اخْتَرْتُكَ عَلَى غَيْرِكَ فَاحْبِسْنِي هَاهُنَا، وَاذْهَبْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلِّمْهُ فِيَّ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا إِنْ رَآنِي ضَرَبَ الَّذِي فِيهِ عَيْنَايَ، فَإِنَّ جُرْمِي أَعْظَمُ الْجُرْمِ، وَقَدْ جِئْتُ تَائِبًا، فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلِ اذْهَبْ مَعِي، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ رَآنِي لَيَضْرِبَنَّ عُنُقِي فَقَدْ أَهْدَرَ دَمِي وَأَصْحَابُهُ يَطْلُبُونَنِي فِي كُلِ مَوْضِعٍ، فَقَالَ عُثْمَانُ: انْطَلِقْ مَعِي فَلَا يَقْتُلَنَّكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَرْعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا بِعُثْمَانَ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ وَاقِفَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّهُ كَانَتْ تَحْمِلُنِي وَتُمْشِيهِ، وَتُرْضِعُنِي وَتَفْطِمُهُ، وَكَانَتْ تَلْطُفُنِي وَتَتْرُكُهُ فَهَبْهُ لِي، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَعَلَ عُثْمَانُ كُلَّمَا أَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ اسْتَقْبَلَهُ فَيُعِيدُ عَلَيْهِ هَذَا الْكَلَامَ، وَإِنَّمَا أَعْرَضَ النَّبِيُّ ﷺ إِرَادَةً أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَمِّنْهُ. فَلَمَّا رَأَىَ أَلَّا يَقُومَ أَحَدٌ وَعُثْمَانُ قَدْ أَكَبَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُبَايِعُهُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "نَعَمْ"، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: "مَا مَنَعَكُمْ أَنْ يَقُومَ رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلَى هَذَا الْكَلْبِ فَيَقْتُلَهُ" - أَوْ قَالَ: الْفَاسِقِ - فَقَالَ عَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ: أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَأَتَّبِعُ طَرَفَكَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ رَجَاءَ أَنْ تُشِيرَ إِلَيَّ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ - وَيُقَالُ: قَالَهُ أَبُو الْيُسْرِ، وَيُقَالُ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَلَعَلَّهُمْ قَالُوا جَمِيعًا - فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "إِنِّي لَا أَقْتُلُ بِالْإِشَارَةِ". وَقَالَ قَائِلٌ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَئِذٍ: "إِنَّ النَّبِيَّ لَا تَكُونُ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ" فَبَايَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّمَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفِرُّ مِنْهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَاهُ يَفِرُّ مِنْكَ كُلَّمَا رَآكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: "أَوَلَمْ أُبَايِعهُ وَأُؤَمِّنهُ" قَالَ: بَلَى وَلَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ عِظَمَ جُرْمِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ" فَرَجَعَ عُثْمَانُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ فَأَخْبَرَهُ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي فَيُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ النَّاسِ. وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ فَتْحَ مِصْرَ، وَاخْتَطَّ بِهَا، وَوَلَّاهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ، وَغَزَا إِفْرِيقِيَّةَ وَأَرْضَ النُّوبَةِ وَذَاتَ الصَّوَارِي مِنْ أَرْضِ الرُّومِ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ وَفَدَ عَلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنَعَهُ ابْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ الْفُسْطَاطِ، فَمَضَى إِلَى عَسْقَلَانَ فَأَقَامَ بِهَا وَلَمْ يُبَايِعْ لِعَلِيٍّ وَلَا لِمُعَاوِيَةَ. تُوُفِّيَ بِهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ. عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ قَيْسٍ، يُكَنَّى أَبَا الْيَقْظَانِ : أَسْلَمَ بِمَكَّةَ قَدِيمًا فِي دَارِ الْأَرْقَمِ بَعْدَ بِضْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عُذِّبَ فِي اللَّهِ بِمَكَّةَ وَأَسْلَمَ هُوَ وَأَبَوْهُ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ مَوْلَاةِ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَذِّبُهُمْ فِي الرَّمْضَاءِ لِيَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ، وَمَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِهِمْ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ، فَقَالَ: "اصْبِرُوا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ". وَكَانَ عَمَّارٌ يُعَذَّبُ حَتَّى لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا فِي بَيْتِهِ يُصَلِّي فِيهِ . شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ طَوِيلًا أَدِمًا مُضْطَرِبًا، أَشْهَلَ الْعَيْنَيْنِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَا يُغَيِّرُ شَيْبَهُ. عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَمَّارٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ بْنِ الْمُطَيَّبِ". وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلَاثَةِ [نَفَرٍ]: عَلِيٍّ، وَعَمَّارٍ، وَسَلْمَانَ ". وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ يَسِيرُ إِلَى صِفِّينَ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ: اللَّهُمَّ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أَرْمِيَ بِنَفْسِيِّ مِنْ هَذَا الْجَبَلِ فَأَتَرَدَّى فَأَسْقُطُ فَعَلْتُ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُوقِدَ نَارًا عَظِيمَةً فَأَقَعَ فِيهَا فَعَلْتُ، اللَّهُمَّ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَرْضَى لَكَ عَنِّي أَنْ أُلْقِيَ نَفْسِي فِي الْمَاءِ فَأُغْرِقَ نَفْسِي فَعَلْتُ، فَإِنِّي لَا أُقَاتِلُ إِلَّا أُرِيدُ وَجْهَكَ، وَأَنَا أَرْجُو أَلَّا تُخَيِّبَنِي وَأَنَا أَرِيدُ وَجْهَكَ. وَعَنْ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: رَأَيْتُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ دَعَا بِشَرَابٍ فَأُتِيَ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةَ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ آخِرَ شَيْءٍ تُزَوَّدَهُ مِنَ الدُّنْيَا صُحْفَةُ لَبَنٍ" . حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ عَبْسٍ مِنَ الْيَمَنِ، حَلِيفٌ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَيُكَنَّى أَبَا الْيَقْظَانِ، قُتِلَ بِصِفِّينَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ هُنَاكَ. وَعَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ: أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى عَلَى عَمَّارٍ وَلَمْ يُغَسِّلْهُ. قَالَ ابنُ الجوزيّ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ عَمَّارًا قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ إِحْدَى وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: أَرْبَعٌ وَتِسْعِينَ، قَتَلَهُ أَبُو عَادِيَةَ الْمُزْنِيُّ، طَعَنَهُ بِرُمْحٍ فَسَقَطَ، فَلَمَّا وَقَعَ أَكَبَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ فَاجْتَزَّ رَأْسَهُ، وَأَقْبَلَا يَخْتَصِمَانِ فِيهِ، كِلَاهُمَا يَقُولُ: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ إِنْ يَخْتَصِمَانِ إِلَّا فِي النَّارِ، فَسَمِعَهَا مِنْهُ مُعَاوِيَةُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الرَّجُلَانِ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرٍو: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَتْ قَوْمٌ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ دُونَنَا تَقُولُ لَهُمَا: إِنَّكُمَا تَخْتَصِمَانِ فِي النَّارِ، فَقَالَ عَمْرٌو: هُوَ وَاللَّهِ ذَاكَ، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُهُ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي مُتُّ قَبْلَ هَذَا بِعِشْرِينَ سَنَةً. قَتْلَى صِفِّينَ وَقَدْ قُتِلَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي أَيَّامِ صِفِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌ غَفِيرٌ ; فَقِيلَ: قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ خَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ أَلْفًا، وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. وَقِيلَ: قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَرْبَعُونَ أَلْفًا مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَقُتِلَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَانَ فِي قَتْلَى الْفَرِيقَيْنِ أَعْيَانٌ وَمَشَاهِيرُ يَطُولُ اسْتِقْصَاؤُهُمْ. وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَقُتِلَ أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ بِصِفِّينَ. وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ بِدِمَشْقَ، ( وَقِيلَ: بِأَرْمِينِيَّةَ، وَقِيلَ: بِسِجِسْتَانَ ). وَفِيهَا قُتِلَ جُنْدُبُ بْنُ زُهَيْرٍ الْأَزْدِيُّ - وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ - مَعَ عَلِيٍّ. وَقُتِلَ بِصِفِّينَ أَيْضًا حَابِسُ بْنُ سَعْدٍ الطَّائِيُّ مَعَ مُعَاوِيَةَ - وَهُوَ خَالُ يَزِيدَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ - فَقَتَلَ يَزِيدُ قَاتِلَهُ غَدْرًا، فَأَرَادَ عَدِيٌّ إِسْلَامَهُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَهَرَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وَمِمَّنْ شَهِدَ صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ، وَلَمْ يُقَاتِلْ، فَلَمَّا قُتِلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ جَرَّدَ سَيْفَهُ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ "، وَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ: سُهَيْلُ بْنُ عَمْرِو ( بْنِ أَبِي عُمَرَ ) الْأَنْصَارِيُّ - وَهُوَ بَدْرِيٌّ -. وَمِمَّنْ شَهِدَ وَقُتِلَ فِيهَا مَعَ عَلِيٍّ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَلَهُ صُحْبَةٌ. ( شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ: بِضَمِّ الشِّينِ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ. الْهَمْدَانِيُّ: بِفَتْحِ الْهَاءِ، وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ، نِسْبَةً إِلَى هَمْدَانَ - قَبِيلَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْيَمَنِ -. حُمْرَةُ بْنُ مَالِكٍ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَسُكُونِ الْمِيمِ، وَآخِرُهُ رَاءٌ. حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ: بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. يَرِيمُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ الثَّانِيَةِ، وَآخِرُهُ مِيمٌ. بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ. حَازِمُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ: بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُوَحَّدَةِ. وَالْعُرَنِيُّ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الرَّاءِ، وَآخِرُهُ نُونٌ ).
التاريخ 2078لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ بعث معاوية عمرو بن العاص إلى مصر فِيهَا بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى دِيَارِ مِصْرَ لِيَأْخُذَهَا مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وَاسْتَنَابَ مُعَاوِيَةُ عَمْرًا عَلَيْهَا، وَذَلِكَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ. وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ، ؓ، اسْتَنَابَ عَلَيْهَا قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَانْتَزَعَهَا مِنْ يَدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ، وَقَدْ كَانَ أَخَذَهَا مِنَ ابْنِ أَبِي سَرْحٍ نَائِبِ عُثْمَانَ عَلَيْهَا، وَكَانَ عُثْمَانُ قَدْ عَزَلَ عَنْهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَكَانَ عَمْرٌو هُوَ الَّذِي افْتَتَحَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا عَزَلَ عَنْهَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ، وَوَلَّى عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ قَيْسٌ كُفْئًا لِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو، فَلَمَّا وُلِّيَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ قُوَّةٌ تُعَادِلُ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرًا، وَحِينَ عُزِلَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْهَا رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَلِيٍّ بِالْعِرَاقِ فَكَانَ مَعَهُ. وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عِنْدَ عَلِيٍّ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ تَكُونُ مَعَهُ بَدَلَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ مِنْ صِفِّينَ، وَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ مِصْرَ قَدِ اسْتَخَفُّوا بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ; لِكَوْنِهِ شَابًّا ابْنَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَزَمَ عَلِيٌّ عَلَى رَدِّ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ إِلَيْهَا، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدْ جَعَلَهُ عَلَى شُرَطَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتَمَرَّ بِقَيْسٍ عِنْدَهُ، وَوَلَّى الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ مِصْرَ، وَقَدْ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْمَوْصِلِ وَنَصِيبِينَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ فَاسْتَقْدَمَهُ عَلَيْهِ، وَوَلَّاهُ مِصْرَ. تَوْلِيَةُ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ مِصْرَ بَدَلَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ومقتل الأشتر فَلَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ تَوْلِيَةُ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ مِصْرَ بَدَلَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَشْتَرَ سَيَمْنَعُهَا مِنْهُ ; لِجُرْأَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، فَسَارَ الْأَشْتَرُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا بَلَغَ الْقُلْزُمَ اسْتَقْبَلَهُ الْجَايْسَارُ، وَهُوَ مُقَدَّمُ عَلِيٍّ عَلَى الْخَرَاجِ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ طَعَامًا، وَسَقَاهُ شَرَابًا مِنْ عَسَلٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرًا وَأَهْلَ الشَّامِ قَالُوا: إِنَّ لِلَّهِ لَجُنُودًا مِنْ عَسَلٍ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي أَنْ يَحْتَالَ عَلَى الْأَشْتَرِ ; فَيَقْتُلَهُ، وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ، وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ يَسْتَجِيزُ قَتْلَ الْأَشْتَرِ ; لِأَنَّهُ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ؓ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَهْلَ الشَّامِ فَرِحُوا فَرَحًا شَدِيدًا بِمَوْتِ الْأَشْتَرِ النَّخَعِيِّ تولية علي محمد بن أبي بكر ديار مصر بعد الأشتر مرة أخرى وَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا تَأَسَّفَ عَلَى شَجَاعَتِهِ وَغَنَائِهِ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِاسْتِقْرَارِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَلَكِنَّهُ ضَعُفَ جَأْشُهُ مَعَ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْخِلَافِ عَلَيْهِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ الَّذِينَ بِبَلَدِ خِرِبْتَا، وَقَدْ كَانُوا اسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ حِينَ انْصَرَفَ عَلِيٌّ مِنْ صِفِّينَ وَكَانَ مِنْ أَمْرِ التَّحْكِيمِ مَا كَانَ، وَحِينَ نَكَلَ أَهْلُ الْعِرَاقِ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ مَعَهُ. وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ لَمَّا انْقَضَتِ الْحُكُومَةُ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ سَلَّمُوا عَلَى مُعَاوِيَةَ بِالْخِلَافَةِ، وَقَوِيَ أَمْرُهُمْ جِدًّا. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَمَعَ مُعَاوِيَةُ أُمَرَاءَهُ ; عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَبُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ، وَأَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَحَمْزَةَ بْنَ سِنَانٍ الْهَمْدَانِيَّ، وَغَيْرَهُمْ، فَاسْتَشَارَهُمْ فِي الْمَسِيرِ إِلَى مِصْرَ فَاسْتَجَابُوا لَهُ، وَقَالُوا: سِرْ حَيْثُ شِئْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ. وَعَيَّنَ مُعَاوِيَةُ نِيَابَتَهَا لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ إِذَا فَتَحَهَا، فَفَرِحَ بِذَلِكَ عَمْرٌو، ثُمَّ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى أَنْ تَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلًا مَعَهُ جُنْدٌ مَأْمُونٌ عَارِفٌ بِالْحَرْبِ، فَإِنَّ بِهَا جَمَاعَةً مِمَّنْ يُوَالِي عُثْمَانَ فَيُسَاعِدُونَهُ عَلَى حَرْبِ مَنْ خَالَفَهُمْ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَكِنْ أَرَى أَنْ أَبْعَثَ إِلَى شِيعَتِنَا مِمَّنْ هُنَالِكَ كِتَابًا نُعْلِمُهُمْ بِقُدُومِنَا عَلَيْهِمْ، وَنَبْعَثُ إِلَى مُخَالِفِينَا كِتَابًا نَدْعُوهُمْ فِيهِ إِلَى الصُّلْحِ. وَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّكَ يَا عَمْرُو رَجُلٌ بُورِكَ لَكَ فِي الْعَجَلَةِ، وَإِنِّي امْرُؤٌ بُورِكَ لِي فِي التُّؤَدَةِ. فَقَالَ عَمْرٌو: اعْمَلْ مَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَمَا أَرَى أَمْرَكَ وَأَمْرَهُمْ إِلَّا سَيَصِيرُ إِلَى الْحَرْبِ الْعَوَانِ. فَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَإِلَى مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ السَّكُونِيِّ - وَهُمَا رَئِيسَا الْعُثْمَانِيَّةِ بِبِلَادِ مِصْرَ وَكَانَا مِمَّنْ لَمْ يُبَايِعُ عَلِيًّا، وَلَمْ يَأْتَمِرْ بِأَمْرِ نُوَّابِهِ بِمِصْرَ فِي نَحْوٍ مَنْ عَشَرَةَ آلَافٍ - يُخْبِرُهُمْ بِقُدُومِ الْجَيْشِ إِلَيْهِمْ سَرِيعًا، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ: سُبَيْعٌ. فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَى مَسْلَمَةَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ فَرِحَا بِهِ وَرَدَّا جَوَابَهُ بِالِاسْتِبْشَارِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ لَهُ، وَلِمَنْ يَبْعَثُهُ مِنَ الْجَيْشِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ مُعَاوِيَةُ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، وَخَرَجَ مَعَهُ مُوَدِّعًا وَأَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالرِّفْقِ وَالْمَهْلِ وَالتُّؤَدَةِ، وَأَنْ يَقْتُلَ مَنْ قَاتَلَ وَيَعْفُوَ عَمَّنْ أَدْبَرَ، وَأَنْ يَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى الصُّلْحِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِذَا أَنْتَ ظَهَرْتَ فَلْيَكُنْ أَنْصَارُكَ آثَرَ النَّاسِ عِنْدَكَ. دخول عمرو بن العاص مصر فَسَارَ عَمْرٌو فَلَمَّا دَخَلَ مِصْرَ، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْعُثْمَانِيَّةُ فَقَادَهُمْ، وَكَتَبَ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَتَنَحَّ عَنِّي بِدَمِكَ، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ يُصِيبَكَ مِنِّي ظُفُرٌ ; فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اجْتَمَعُوا بِهَذِهِ الْبِلَادِ عَلَى خِلَافِكَ وَرَفْضِ أَمْرِكَ، وَنَدِمُوا عَلَى اتِّبَاعِكَ، فَهُمْ مُسْلِمُوكَ لَوْ قَدِ الْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ، فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنِّي لَكَ لَمِنَ النَّاصِحِينَ وَالسَّلَامُ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَمْرٌو أَيْضًا بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ إِلَيْهِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ غِبَّ الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ عَظِيمُ الْوَبَالِ، وَإِنَّ سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ لَا يَسْلَمُ فَاعِلُهُ مِنَ النِّقْمَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّبِعَةِ الْمُوبِقَةِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ أَشَدَّ خِلَافًا عَلَى عُثْمَانَ مِنْكَ حِينَ تَطْعَنُ بِمَشَاقِصِكَ بَيْنَ حُشَاشَتِهِ وَأَوْدَاجِهِ، ثُمَّ أَنْتَ تَظُنُّ أَنِّي عَنْكَ نَائِمٌ أَوْ لِفِعْلِكَ نَاسٍ، حَتَّى تَأْتِيَ فَتَتَأَمَّرَ عَلَى بِلَادٍ أَنْتِ بِهَا جَارِي، وَجُلُّ أَهْلِهَا أَنْصَارِي، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجُيُوشٍ يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللَّهِ بِجِهَادِكَ، وَلَنْ يُسَلِّمَكَ اللَّهُ مِنَ الْقَصَّاصِ أَيْنَمَا كُنْتَ، وَالسَّلَامُ. قَالَ: فَطَوَى مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْكِتَابَيْنِ، وَبَعَثَ بِهِمَا إِلَى عَلِيٍّ وَأَعْلَمَهُ بِقُدُومِ عَمْرٍو إِلَى مِصْرَ فِي جَيْشٍ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ ; فَإِنْ كَانَتْ لَكَ بِأَرْضِ مِصْرَ حَاجَةٌ فَابْعَثْ إِلَيَّ بِأَمْوَالٍ وَرِجَالٍ، وَالسَّلَامُ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ يَأْمُرُهُ بِالصَّبْرِ وَبِمُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ، وَأَنَّهُ سَيَبْعَثُ إِلَيْهِ الرِّجَالَ وَالْأَمْوَالَ، وَيَمُدُّهُ بِالْجُيُوشِ. وَكَتَبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ كِتَابًا فِي جَوَابِ مَا قَالَ وَفِيهِ غِلْظَةٌ. وَكَذَلِكَ كَتَبَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كِتَابًا فِيهِ كَلَامٌ غَلِيظٌ. وَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي النَّاسِ فَخَطَبَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَمُنَاجَزَةِ مَنْ قَصَدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَتَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مِصْرَ فِي جُيُوشِهِ، وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنَ الْعُثْمَانِيَّةِ، وَالْجَمِيعُ فِي قَرِيبٍ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَرَكِبَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي قَرِيبٍ مِنْ أَلْفَيْ فَارِسٍ وَهُمُ الَّذِينَ انْتَدَبُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ جَيْشِهِ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا مِنَ الشَّامِيِّينَ إِلَّا قَاتَلَهُمْ حَتَّى يُلْحِقَهُمْ مَغْلُوبِينَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مقتل محمد بن أبي بكر فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةَ بْنَ حُدَيْجٍ، فَجَاءَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ الشَّامِيُّونَ حَتَّى أَحَاطُوا بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ; فَتَرَجَّلَ عِنْدَ ذَلِكَ كِنَانَةُ وَهُوَ يَقُولُ: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا الْآيَةَ [ آلِ عِمْرَانَ: 145 ]. ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، وَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ، وَرَجَعَ يَمْشِي فَرَأَى خَرِبَةً فَأَوَى إِلَيْهَا، وَدَخَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فُسْطَاطَ مِصْرَ، وَذَهَبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ فِي طَلَبِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَمَرَّ بِعُلُوجٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ مَرَّ بِكُمْ أَحَدٌ تَسْتَنْكِرُونَهُ ؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنِّي رَأَيْتُ رَجُلًا جَالِسًا فِي هَذِهِ الْخَرِبَةِ. فَقَالَ: هُوَ هُوَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْهَا - وَقَدْ كَادَ يَمُوتُ عَطَشًا - فَانْطَلَقَ أَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مَعَهُ إِلَى مِصْرَ، فَقَالَ: أَيُقْتَلُ أَخِي صَبْرًا ؟ فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا يَقْتُلَهُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ، أَيَقْتُلُونَ كِنَانَةَ بْنَ بِشْرٍ وَأَتْرُكُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ كَانَ فِي مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ، وَقَدْ سَأَلَهُمْ عُثْمَانُ الْمَاءَ فَلَمْ يَسْقُوهُ ؟ وَقَدْ سَأَلَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَسْقُوهُ شَرْبَةً مِنَ الْمَاءِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا سَقَانِي اللَّهُ إِنْ سَقَيْتُكَ قَطْرَةً مِنَ الْمَاءِ أَبَدًا ; إِنَّكُمْ مَنَعْتُمْ عُثْمَانَ أَنْ يَشْرَبَ الْمَاءَ حَتَّى قَتَلْتُمُوهُ صَائِمًا مُحْرِمًا، فَتَلَقَّاهُ اللَّهُ بِالرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ نَالَ مِنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ هَذَا وَشَتَمَهُ، وَمِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَمِنْ مُعَاوِيَةَ وَمِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَيْضًا ; فَعِنْدَ ذَلِكَ غَضِبَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ، فَقَدَّمَهُ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جَعَلَهُ فِي جِيفَةِ حِمَارٍ فَأَحْرَقَهُ بِالنَّارِ. جزع عائشة ؓ من مقتل محمد بن أبي بكر فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَائِشَةَ جَزِعَتْ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا، وَضَمَّتْ عِيَالَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ فِيهِمُ ابْنُهُ الْقَاسِمُ، وَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَدِمَ مِصْرَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فِيهِمْ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، فَالْتَقَوْا مَعَ الْمِصْرِيِّينَ بِالْمُسَنَّاةِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى قُتِلَ كِنَانَةُ بْنُ بِشْرِ بْنِ غَيَّاثِ التُّجِيبِيُّ، فَهَرَبَ عِنْدَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَاخْتَبَأَ عِنْدَ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: جَبَلَةُ بْنُ مَسْرُوقٍ. فَدَلَّ عَلَيْهِ فَجَاءَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ وَأَصْحَابُهُ فَأَحَاطُوا بِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَكَانَ ذَلِكَ فِي صَفَرٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بَعَثَ عَلِيٌّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ إِلَى مِصْرَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. مقتل محمد بن أبي حذيفة بن عتبة قَالَ: وَكَانَتْ أَذْرُحُ فِي شَعْبَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، فَلَمَّا قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، كَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُخْبِرُهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ فَتَحَ عَلَيْهِ بِلَادَ مِصْرَ وَرَجَعُوا إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. وَقَدْ زَعَمَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ مُسِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعْدَ مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ قُتِلَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، كَمَا قَدَّمْنَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. استحلال عمرو بن العاص مال قبطي من قبط مصر وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ اسْتَحَلَّ مَالَ قِبْطِيٍّ مِنْ قِبْطِ مِصْرَ ; لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ الرُّومَ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ - يَكْتُبُ إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ - فَاسْتَخْرَجَ مِنْ مَالِهِ بِضْعًا وَخَمْسِينَ إِرْدَبًّا دَنَانِيرَ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ: وَالْإِرْدَبُّ سِتُّ وَيْبَاتٍ، وَالْوَيْبَةُ مِثْلُ الْقَفِيزِ، وَاعْتَبَرْنَا الْوَيْبَةَ فَوَجَدْنَاهَا تِسْعًا وَثَلَاثِينَ أَلْفَ دِينَارٍ. قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَبْلَغُ مَا أَخَذَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ. حزن علي ؓ على مقتل محمد بن أبي بكر وترحمه عليه قَالَ أَبُو مِخْنَفٍ بِإِسْنَادِهِ: وَلَمَّا بَلَغَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَقْتَلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، وَتَمَلُّكُ عَمْرٍو مِصْرَ، وَاجْتِمَاعُ النَّاسِ عَلَيْهِ وَعَلَى مُعَاوِيَةَ، قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ وَالصَّبْرِ وَالْمَسِيرِ إِلَى أَعْدَائِهِمْ مِنَ الشَّامِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ، وَوَاعَدَهُمُ الْجَرَعَةَ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَالْحِيرَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ يَمْشِي إِلَيْهَا حَتَّى نَزَلَهَا فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيُّ بَعَثَ إِلَى أَشْرَافِهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ وَهُوَ حَزِينٌ كَئِيبٌ، فَقَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا قَضَى مِنْ أَمْرٍ، وَقَدَّرَ مِنْ فِعْلٍ، وَابْتَلَانِي بِكُمْ، وَبِمَنْ لَا يُطِيعُ إِذَا أَمَرْتُ، وَلَا يُجِيبُ إِذَا دَعَوْتُ، أَوَلَيْسَ عَجَبًا أَنَّ مُعَاوِيَةَ يَدْعُو الْجُفَاةَ الطَّغَامَ فَيَتَّبِعُونَهُ بِغَيْرِ عَطَاءٍ وَلَا مَعُونَةٍ وَيُجِيبُونَهُ فِي السَّنَةِ الْمَرَّتَيْنِ وَالثَّلَاثَ إِلَى أَيِّ وَجْهٍ شَاءَ، وَأَنَا أَدْعُوكُمْ - وَأَنْتُمْ أُولُو النُّهَى وَبَقِيَّةُ النَّاسِ - عَلَى الْمَعُونَةِ وَالْعَطَاءِ فَتَتَفَرَّقُونَ وَتَنْفِرُونَ عَنِّي وَتَعْصُونِي وَتَخْتَلِفُونَ عَلَيَّ ؟ فَقَامَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيُّ، ثُمَّ الْأَرْحَبِيُّ، فَنَدَبَ النَّاسَ إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ عَلِيٍّ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ، فَانْتَدَبَ أَلْفَانِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ مَالِكَ بْنَ كَعْبٍ هَذَا، فَسَارَ بِهِمْ خَمْسًا ثُمَّ قَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، بِمِصْرَ فَأَخْبَرُوهُ كَيْفَ وَقَعَ الْأَمْرُ، وَكَيْفَ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَيْفَ اسْتَقَرَّ أَمْرُ عَمْرٍو بِهَا. فَبَعَثَ إِلَى مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ فَرَدَّهُ مِنَ الطَّرِيقِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إِلَى مِصْرَ. وَاسْتَقَرَّ أَمْرُ الْعِرَاقِيِّينَ عَلَى مُخَالَفَةِ عَلِيٍّ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ، وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِ، وَانْتِقَادِ أَحْكَامِهِ، وَرَدِّ أَقْوَالِهِ، وَحَلِّ إِبْرَامِهِ ; لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ وَجَفَائِهِمْ وَغِلْظَتِهِمْ وَفُجُورِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ. وَلَمَّا جَاءَ عَلِيًّا الْخَبَرُ عَنْ مِصْرَ وَمَا حَلَّ بِهَا، وَقَتْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، حَزِنَ عَلَى مُحَمَّدٍ حُزْنًا كَثِيرًا، وَتَرَحَّمَ وَرُئِيَ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ عَلَيْهِ، مَعَ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: إِنِّي وَاللَّهِ بِمَوَاضِعِ الْحَرْبِ لَجَدِيرٌ خَبِيرٌ، وَإِنِّي لَأَعْرِفُ وَجْهَ الْحَزْمِ، وَأَقُومُ فِيكُمْ بِالرَّأْيِ الْمُصِيبِ فَأَسْتَصْرِخُكُمْ مُعْلِنًا، وَأُنَادِيكُمْ نِدَاءَ الْمُسْتَغِيثِ، وَلَا أَرَى فِيكُمْ مُغِيثًا، وَلَا تَسْمَعُونَ لِي قَوْلًا، وَلَا تُطِيعُونَ لِي أَمْرًا حَتَّى تَصِيرَ بِيَ الْأُمُورُ إِلَى عَوَاقِبِ الْمَسَاءَةِ، فَأَنْتُمْ وَاللَّهِ الْقَوْمُ لَا يُدْرَكُ بِكُمْ ثَأْرٌ، دَعَوْتُكُمْ إِلَى غِيَاثِ إِخْوَانِكُمْ مُنْذُ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَتَجَرْجَرْتُمْ جَرْجَرَةَ الْجَمَلِ الْأَشْدَقِ، وَتَثَاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ تَثَاقُلَ مَنْ لَيْسَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ وَلَا اكْتِسَابِ الْأَجْرِ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ مِنْكُمْ مَرَايِبُ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ فَأُفٍّ لَكُمْ. مخالفة الناس لعلي وشكوته لابن عباس ؓ ثُمَّ كَتَبَ عَلِيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - وَهُوَ نَائِبُهُ عَلَى الْبَصْرَةِ - يَشْكُو إِلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَيَقُولُ: إِنِّي دَعَوْتُهُمْ إِلَى غَوْثِ إِخْوَانِهِمْ ; فَمِنْهُمْ مَنْ أَتَى كَارِهًا، وَمِنْهُمُ الْمُعْتَذِرُ كَاذِبًا، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي مِنْهُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا وَأَنْ يُرِيحَنِي مِنْهُمْ عَاجِلًا، وَلَوْلَا مَا أُحَاوِلُ مِنَ الشَّهَادَةِ لَأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَبْقَى مَعَ هَؤُلَاءِ يَوْمًا وَاحِدًا، عَزْمُ اللَّهِ لَنَا وَلَكُمْ عَلَى تَقْوَاهُ وَهُدَاهُ، إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالسَّلَامُ. فَرَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ يُسَلِّيهِ عَنِ النَّاسِ، وَيُعَزِّيهِ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَيَحُثُّهُ عَلَى مُلَاطَفَةِ النَّاسِ وَالصَّبْرِ عَلَى مُسِيئِهِمْ، فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَقَالَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ رُبَّمَا تَثَاقَلُوا ثُمَّ نَشَطُوا، فَارْفُقْ بِهِمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ رَكِبَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى عَلِيٍّ، وَهُوَ بِالْكُوفَةِ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى الْبَصْرَةِ زِيَادًا. بعث معاوية عبد الله بن عمرو الحضرمي إلى البصرة وَفِي هَذَا الْعَامِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ كِتَابًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الْحَضْرَمِيِّ إِلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِمَا حَكَمَ لَهُ بِهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَلَمَّا قَدِمَهَا نَزَلَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ فَأَجَارُوهُ، فَنَهَضَ إِلَيْهِ زِيَادٌ وَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَعْيَنَ بْنَ ضُبَيْعَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَثَارُوا إِلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ أَعْيَنُ بْنُ ضُبَيْعَةَ أَمِيرُ السَّرِيَّةِ الَّتِي بَعَثَهَا عَلِيٌّ، فَكَتَبَ نَائِبُ ابْنِ عَبَّاسٍ زِيَادٌ إِلَى عَلِيٍّ يُعْلِمُهُ بِمَا وَقَعَ بِالْبَصْرَةِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ بَعْدَ خُرُوجِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْهَا، فَبَعَثَ عِنْدَ ذَلِكَ عَلِيٌّ جَارِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا إِلَى قَوْمِهِ بَنِي تَمِيمٍ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا إِلَيْهِمْ، فَرَجَعَ أَكْثَرُهُمْ عَنِ ابْنِ الْحَضْرَمِيِّ فَقَصَدَهُ جَارِيَةُ فَحَصَرَهَ فِي دَارٍ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ - قِيلَ: كَانَ عَدَدُهُمْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا. وَقِيلَ: سَبْعِينَ - فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ، بَعْدَ أَنْ أَعْذَرَ إِلَيْهِمْ وَأَنْذَرَهُمْ ; فَلَمْ يَقْبَلُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا عَمَّا جَاءُوا لَهُ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ. قتال علي ؓ بني ناجية من الخوارج فَصْلٌ ( قِتَالُ عَلِيٍّ بَنِي نَاجِيَةَ مِنَ الْخَوَارِجِ ) وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ قِتَالَ عَلِيٍّ لِأَهْلِ النَّهْرَوَانِ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَذَلِكَ خُرُوجُ الْخِرِّيتِ بْنِ رَاشِدٍ النَّاجِيِّ كَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَيْضًا، وَكَانَ مَعَ الْخِرِّيتِ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي نَاجِيَةَ - وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ - فَجَاءَ إِلَى عَلِيٍّ فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ يَا عَلِيُّ لَا أُطِيعُ أَمْرَكَ وَلَا أُصَلِّي خَلْفَكَ إِنِّي لَكَ غَدًا لَمُفَارِقٌ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إِذًا تَعْصِي رَبَّكَ، وَتَنْقُضُ عَهْدَكَ، وَلَا تَضُرُّ إِلَّا نَفْسَكَ، وَلِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ حَكَّمْتَ فِي الْكِتَابِ، وَضَعُفْتَ عَنْ قِيَامِ الْحَقِّ إِذْ جَدَّ الْجِدُّ، وَرَكَنْتَ إِلَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، فَأَنَا عَلَيْكَ زَارٍ وَعَلَيْكَ نَاقِمٌ، وَإِنَّا لَكُمْ جَمِيعًا مُبَايِنُونَ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ بِلَادِ الْبَصْرَةِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلِيٌّ مَعْقِلَ بْنَ قَيْسٍ، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الطَّائِيِّ - وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ وَالدِّينِ وَالْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ - وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْمَعَ لَهُ وَيُطِيعَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا صَارُوا جَيْشًا وَاحِدًا، ثُمَّ خَرَجُوا فِي آثَارِ الْخِرِّيتِ وَأَصْحَابِهِ فَلَحِقُوهُمْ، وَقَدْ أَخَذُوا فِي جِبَالِ رَامَهُرْمُزَ قَالَ: فَصَفَفْنَا لَهُمْ ثُمَّ أَقْبَلْنَا إِلَيْهِمْ، فَجَعَلَ مَعْقِلٌ عَلَى مَيْمَنَتِهِ يَزِيدَ بْنَ مَعْقِلَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهِ مِنْجَابَ بْنَ رَاشِدٍ الضَّبِّيَّ، وَوَقَفَ الْخِرِّيتُ فِي مَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَرَبِ فَكَانُوا مَيْمَنَةً، وَجَعَلَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الْأَكْرَادِ وَالْعُلُوجِ مَيْسَرَةً. قَالَ: وَسَارَ فِينَا مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ لَا تَبْدَأُوا الْقَوْمَ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَأَقِلُّوا الْكَلَامَ، وَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الطَّعْنِ وَالضَّرْبِ، وَأَبْشِرُوا فِي قِتَالِهِمْ بِالْأَجْرِ، إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ مَارِقَةً مَرَقَتْ مِنَ الدِّينِ، وَعُلُوجًا كَسَرُوا الْخَرَاجَ، وَلُصُوصًا وَأَكْرَادًا، فَإِذَا حَمَلْتُ فَشُدُّوا شَدَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَحَرَّكَ دَابَّتَهُ تَحْرِيكَتَيْنِ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ فِي الثَّالِثَةِ وَحَمَلْنَا مَعَهُ جَمِيعًا، فَوَاللَّهِ مَا صَبَرُوا لَنَا سَاعَةً وَاحِدَةً حَتَّى وَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَقَتَلْنَا مِنَ الْعُلُوجِ وَالْأَكْرَادِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَفَرَّ الْخِرِّيتُ مُنْهَزِمًا حَتَّى لَحِقَ بِأَسْيَافَ - وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ كَثِيرَةٌ - فَاتَّبَعُوهُ فَقَتَلُوهُ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِسَيْفِ الْبَحْرِ، قَتَلَهُ النُّعْمَانُ بْنُ صُهْبَانَ، وَقُتِلَ مَعَهُ فِي الْمَعْرَكَةِ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَقَعَاتٍ كَثِيرَةً كَانَتْ فِيهَا بَيْنَ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَالْخَوَارِجِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ، ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ - يَعْنِي الْمَدَائِنِيَّ - عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ، عَلِيِّ بْنِ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ، خَالَفَهُ قَوْمٌ كَثِيرُونَ، وَانْتَقَضَتْ أَطْرَافُهُ وَخَالَفَهُ بَنُو نَاجِيَةَ، وَقَدِمَ ابْنُ الْحَضْرَمِيِّ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَانْتَقَضَ أَهْلُ الْجِبَالِ، وَطَمِعَ أَهْلُ الْخَرَاجِ فِي كَسْرِهِ، وَأَخْرَجُوا سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ مِنْ فَارِسَ - وَكَانَ عَامِلًا عَلَيْهَا لِعَلِيٍّ - فَأَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِزِيَادِ بْنِ أَبِيهِ أَنْ يُوَلِّيَهُ إِيَّاهَا فَوَلَّاهُ إِيَّاهَا، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، فَوَطِئَهُمْ حَتَّى أَدَّوُا الْخَرَاجَ. من حج بالناس في هذه السنة قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، نَائِبُ عَلِيٍّ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ أَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ نَائِبَ الْيَمَنِ، وَأَخُوهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ نَائِبَ الْبَصْرَةِ، وَأَخُوهُمْ تَمَّامُ بْنُ عَبَّاسٍ نَائِبَ الْمَدِينَةِ، وَعَلَى خُرَاسَانَ خَالِدُ بْنُ قُرَّةَ الْيَرْبُوعِيُّ، وَقِيلَ: ابْنُ أَبْزَى، وَاسْتَقَرَّتْ مِصْرُ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ، فَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 2079لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَعْيَانِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ بْنِ وَاهِبِ بْنِ الْعُكَيْمِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا، وَثَبَتَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَحَضَرَ بَقِيَّةَ الْمَشَاهِدِ، وَكَانَ صَاحِبًا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ شَهِدَ مَعَهُ مَشَاهِدَهُ كُلَّهَا أَيْضًا غَيْرَ الْجَمَلِ، فَإِنَّهُ كَانَ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَمَاتَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بِالْكُوفَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْسًا، وَقِيلَ: سِتًّا. وَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، ؓ. صَفْوَانُ بْنُ بَيْضَاءَ صَفْوَانُ بْنُ بَيْضَاءَ أَخُو سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ. صُهَيْبُ بْنُ سِنَانِ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانِ بْنِ مَالِكٍ أَبُو يَحْيَى الرُّومِيُّ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْيَمَنِ، مِنْ قَاسِطَ، وَكَانَ أَبُوهُ أَوْ عَمُّهُ عَامِلًا لِكِسْرَى عَلَى الْأُبُلَّةِ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ عَلَى دِجْلَةَ عِنْدَ الْمَوْصِلِ - وَقِيلَ: عَلَى الْفُرَاتِ - فَأَغَارَتْ عَلَى بِلَادِهِمُ الرُّومُ، فَأَسَرَتْهُ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ حِينًا، ثُمَّ اشْتَرَتْهُ بَنُو كَلْبٍ، فَحَمَلُوهُ إِلَى مَكَّةَ، فَابْتَاعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، فَأَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ حِينًا، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، آمَنَ بِهِ قَدِيمًا هُوَ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَعْدَ بِضْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، هَاجَرَ صُهَيْبٌ بَعْدَهُ بِأَيَّامٍ، فَلَحِقَهُ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ نَثَلَ كِنَانَتَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْمَاكُمْ رَجُلًا، وَوَاللَّهِ لَا تَصِلُونَ إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَ بِكُلِّ سَهْمٍ مِنْ هَذِهِ رَجُلًا مِنْكُمْ، ثُمَّ أُقَاتِلَكُمْ بِسَيْفِي حَتَّى أُقْتَلَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الْمَالَ فَأَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَالِي، هُوَ مَدْفُونٌ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ فَأَخَذُوا مَالَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لَهُ: رَبِحَ الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهِ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [ الْبَقَرَةِ: 207 ]. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: وَشَهِدَ صُهَيْبٌ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا، وَلَمَّا طُعِنَ عُمَرُ، كَانَ صُهَيْبٌ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ أَيَّامَ الشُّورَى حَتَّى تَعَيَّنَ عُثْمَانُ، وَهُوَ الَّذِي صَلَّى عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ لَهُ صَاحِبًا وَصَدِيقًا. وَكَانَ صُهَيْبٌ أَحْمَرَ شَدِيدَ الْحُمْرَةِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَقْرَنَ الْحَاجِبَيْنِ كَثِيرَ الشَّعَرِ، وَكَانَ فِي لِسَانِهِ عُجْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ مَعَ فَضْلِهِ وَدِينِهِ فِيهِ دُعَابَةٌ وَفُكَاهَةٌ وَانْشِرَاحٌ. رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، رَآهُ يَأْكُلُ بِقِثَّاءٍ رُطَبًا وَهُوَ أَرْمَدُ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، فَقَالَ: أَتَأْكُلُ رُطَبًا وَأَنْتَ أَرْمَدُ ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا آكُلُ مِنْ نَاحِيَةِ عَيْنِي الصَّحِيحَةِ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مِنْ قَوْلِهِ. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ. وَقَدْ نَيَّفَ عَلَى السَّبْعِينَ. مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ، ﷺ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عِنْدَ الْمَحْرَمِ. وَأَمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، وَلَمَّا احْتُضِرَ الصِّدِّيقُ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ أَسْمَاءُ فَغَسَّلَتْهُ، ثُمَّ لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ فَنَشَأَ مُحَمَّدٌ فِي حِجْرِهِ، فَلَمَّا صَارَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ اسْتَنَابَهُ عَلَى مِصْرَ بَعْدَ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السَّنَةُ قُتِلَ بِبِلَادِ مِصْرَ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ دُونَ الثَّلَاثِينَ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَحَزِنَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ وَعَلِيٌّ وَغَيْرُهُمَا. أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ مَعْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَثْعَمِيَّةِ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ مَعْدِ بْنِ الْحَارِثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَهِيَ أُمُّ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورِ، أَسْلَمَتْ قَدِيمًا بِمَكَّةَ وَهَاجَرَتْ مَعَ زَوْجِهَا جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَقَدِمَتْ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ، وَلَهَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٌ، وَعَوْنٌ. وَلَمَّا قُتِلَ جَعْفَرٌ بِمُؤْتَةَ، تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَمِيرَ مِصْرَ. ثُمَّ لَمَّا مَاتَ الصِّدِّيقُ تَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ يَحْيَى وَعَوْنًا، وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لِأُمِّهَا. وَكَذَلِكَ هِيَ أُخْتُ أُمِّ الْفَضْلِ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ لِأُمِّهَا، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْأَخَوَاتِ لِأُمِّهَا تِسْعُ أَخَوَاتٍ، وَهِيَ أُخْتُ سَلْمَى بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ الْعَبَّاسِ الَّتِي لَهُ مِنْهَا بِنْتٌ اسْمُهَا عُمَارَةُ.
التاريخ 2080لا حكم مسجّل
تَفْرِيقُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ جُيُوشًا كَثِيرَةً فِي أَطْرَافِ مُعَامَلَاتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ فِيهَا فَرَّقَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ جُيُوشًا كَثِيرَةً فِي أَطْرَافِ مُعَامَلَاتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَأَى بَعْدَ أَنْ وَلَّاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِ هُوَ وَأَبُو مُوسَى عَلَى خَلْعِ عَلِيٍّ وَعَزْلِهِ عَنِ الْأَمْرِ - أَنَّ وِلَايَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْمَوْقِعَ، فَهُوَ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ خَالَفُوا عَلِيًّا فَلَا يُطِيعُونَهُ، وَلَا يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ، فَلَا يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهِ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَأَنَا أَوْلَى مِنْهُ ; إِذْ كَانَتْ كَلِمَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ مَجْمُوعَةً عَلَيَّ، وَهُمْ طَائِعُونَ لِي، يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِي، وَكَلِمَتِي نَافِذَةٌ فِيهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَةِ عَلِيٍّ، فَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ إِلَى عَيْنِ التَّمْرِ، وَعَلَيْهَا مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مَسْلَحَةً لِعَلِيٍّ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ الشَّامِيِّينَ ارْفَضُّوا عَنْهُ فَلَمْ يَبْقَ مَعَ مَالِكٍ إِلَّا مِائَةُ رَجُلٍ، فَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيٍّ يُخْبِرُهُ بِأَمْرِ النُّعْمَانِ، فَنَدَبَ عَلِيٌّ النَّاسَ إِلَى إِغَاثَةِ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ، فَتَثَاقَلُوا عَلَيْهِ وَنَكَلُوا، وَلَمْ يُجِيبُوا إِلَى الْخُرُوجِ فَخَطَبَهُمْ عَلِيٌّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، كُلَّمَا سَمِعْتُمْ بِمِنْسَرٍ مِنْ مَنَاسِرِ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ أَظَلَّكُمُ، انْجَحَرَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْكُمْ فِي بَيْتِهِ، وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابَهُ، انْجِحَارَ الضَّبِّ فِي جُحْرِهِ، وَالضَّبُعِ فِي وِجَارِهِ، الْمَغْرُورُ وَاللَّهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَمَنْ فَازَ بِكُمْ فَازَ بِالسَّهْمِ الْأَخْيَبِ، لَا أَحْرَارٌ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَلَا إِخْوَانٌ ثِقَةٌ عِنْدَ النَّجَاءِ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، مَاذَا مُنِيتُ بِهِ مِنْكُمْ ؟ عُمْيٌ لَا تُبْصِرُونَ، وَبُكْمٌ لَا تَنْطِقُونَ، وَصُمٌّ لَا تَسْمَعُونَ، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَدَهَمَهُمُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فِي أَلْفَيْ مُقَاتِلٍ، وَلَيْسَ مَعَ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ إِلَّا مِائَةُ رَجُلٍ قَدْ كَسَرُوا جُفُونَ سُيُوفِهُمْ، وَاسْتَقْتَلُوا أُولَئِكَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ نَجْدَةٌ مِنْ جِهَةِ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ مَعَ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِخْنَفٍ فِي خَمْسِينَ رَجُلًا، فَلَمَّا رَآهُمُ الشَّامِيُّونَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ مَدَدٌ عَظِيمٌ، فَفَرُّوا هِرَابًا عَلَى وُجُوهِهِمْ، فَاتَّبَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ كَعْبٍ فَقَتَلَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةَ أَنْفُسٍ، وَذَهَبَ الْبَاقُونَ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ حَتَّى قَدِمُوا الشَّامَ وَلَمْ يَتِمَّ لَهُمْ مَا رَجَوْا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. بعث معاوية سفيان بن عوف إلى هيت والأنبار وَفِيهَا: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ سُفْيَانَ بْنَ عَوْفٍ فِي سِتَّةِ آلَافٍ إِلَى هِيتَ فَيُغِيرُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَأْتِي الْأَنْبَارَ وَالْمَدَائِنَ. فَسَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى هِيتَ فَلَمْ يَجِدْ بِهَا أَحَدًا، ثُمَّ أَتَى الْأَنْبَارَ وَبِهَا مَسْلَحَةٌ لِعَلِيٍّ نَحْوٌ مَنْ خَمْسِمِائَةٍ، فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا إِلَّا مِائَةُ رَجُلٍ، فَقَاتَلُوا مَعَ قِلَّتِهِمْ وَصَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ أَمِيرُهُمْ - وَهُوَ أَشْرَسُ بْنُ حَسَّانَ الْبَكْرِيُّ - فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ، وَاحْتَمَلَ الشَّامِيُّونَ مَا كَانَ بِالْأَنْبَارِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَكَرُّوا رَاجِعِينَ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا مَا جَرَى لِأَهْلِ الْأَنْبَارِ، رَكِبَ بِنَفْسِهِ فَنَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: نَحْنُ نَكْفِيكَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَكْفُونَنِي وَلَا أَنْفُسَكُمْ، وَسَرَّحَ سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فِي أَثَرِ الْقَوْمِ، فَسَارَ وَرَاءَهُمْ حَتَّى بَلَغَ هِيتَ فَلَمْ يَلْحَقْهُمْ فَرَجَعَ. بعث معاوية عبد الله بن مسعد الفزاري إلى تيماء وَفِيهَا: بَعَثَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعَدَةَ الْفَزَارِيَّ فِي أَلْفٍ وَسَبْعِمِائَةٍ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَدِّقَ أَهْلَ الْبَوَادِي، وَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ إِعْطَائِهِ فَلْيَقْتُلْهُ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَدِينَةَ وَمَكَّةَ وَالْحِجَازَ. فَسَارَ إِلَى تَيْمَاءَ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا خَبَرُهُ بَعَثَ الْمُسَيَّبَ بْنَ نَجَبَةَ الْفَزَارِيَّ فِي أَلْفَيْ رَجُلٍ، فَالْتَقَوْا بِتَيْمَاءَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَحَمَلَ الْمُسَيَّبُ بْنُ نَجَبَةَ عَلَى ابْنِ مَسْعَدَةَ فَضَرَبَهُ ثَلَاثَ ضَرَبَاتٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ قَتْلَهُ بَلْ يَقُولُ لَهُ: النَّجَاءَ النَّجَاءَ. فَانْحَازَ ابْنُ مَسْعَدَةَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى حِصْنٍ هُنَاكَ فَتَحَصَّنُوا بِهِ، وَهَرَبَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الشَّامِ، وَانْتَهَبَتِ الْأَعْرَابُ مَا كَانَ جَمَعَهَ ابْنُ مَسْعَدَةَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَحَاصَرَهُمُ الْمُسَيَّبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَلْقَى الْحَطَبَ عَلَى الْبَابِ، وَأَلْهَبَ فِيهِ النَّارَ، فَلَمَّا أَحَسُّوا بِالْهَلَاكِ أَشْرَفُوا مِنَ الْحِصْنِ، وَمَتُّوا إِلَيْهِ بِأَنَّهُمْ مِنْ قَوْمِهِ، فَرَقَّ لَهُمْ وَأَطْفَأَ النَّارَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ فَتَحَ بَابَ الْحِصْنِ، وَخَرَجُوا مِنْهُ هِرَابًا إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَبِيبٍ لِلْمُسَيَّبِ بْنِ نَجَبَةَ: سَرِّحْنِي أَلْحَقْهُمْ. فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: غَشَشْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَدَاهَنْتَ فِي أَمْرِهِمْ. توجيه معاوية الضحاك بن قيس ليغير على أطراف جيش علي وَفِيهَا: وَجَّهَ مُعَاوِيَةُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى أَطْرَافِ جَيْشِ عَلِيٍّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنْفَقَ فِيهِمْ كُلَّ وَاحِدٍ خَمْسِينَ دِرْهَمًا خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فَالْتَقَوْا بِتَدْمُرَ فَقَتَلَ حُجْرٌ مِنْ أَصْحَابِ الضَّحَّاكَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ حُجْرٍ رَجُلَانِ، وَغَشِيَهُمُ اللَّيْلُ، فَتَفَرَّقُوا وَانْشَمَرَ الضَّحَّاكَ بِأَصْحَابِهِ فَارًّا إِلَى الشَّامِ. خروج معاوية إلى دجلة ثم رجوعه منها وَفِيهَا: سَارَ مُعَاوِيَةُ بِنَفْسِهِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ حَتَّى بَلَغَ دِجْلَةَ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا. ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الْوَاقِدِيِّ بِإِسْنَادِهِ، وَأَبُو مَعْشَرَ مَعَهُ أَيْضًا. وَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ عَلَى أَرْضِ فَارِسَ وَفِيهَا وَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ عَلَى أَرْضِ فَارِسَ، وَكَانُوا قَدْ مَنَعُوا الْخَرَاجَ وَالطَّاعَةَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَتْلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ وَأَصْحَابِهِ بِالنَّارِ حِينَ حَرَّقَهُمْ جَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ،، فَلَمَّا اشْتُهِرَ هَذَا الصَّنِيعُ فِي الْبِلَادِ شَوَّشَ قُلُوبَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَأَنْكَرُوهُ جِدًّا، وَاخْتَلَفُوا عَلَى عَلِيٍّ، وَمَنَعَ أَكْثَرُ أَهْلِ تِلْكَ النَّوَاحِي الْخَرَاجَ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ فَارِسَ فَإِنَّهُمْ تَمَرَّدُوا وَأَخْرَجُوا عَامِلَهُمْ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ عَنْهُمْ، فَاسْتَشَارَ عَلِيٌّ النَّاسَ فِي مَنْ يُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ، فَأَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَارِيَةُ بْنُ قُدَامَةَ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، فَإِنَّهُ صَلِيبُ الرَّأْيِ، عَالِمٌ بِالسِّيَاسَةِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: هُوَ لَهَا، فَوَلَّاهُ عَلَى فَارِسَ وَكَرْمَانَ، فَجَهَّزَهُ إِلَيْهَا فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ فَارِسٍ، فَسَارَ إِلَيْهَا فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فَدَوَّخَ أَهْلَهَا وَقَهَرَهُمْ حَتَّى اسْتَقَامُوا وَأَدَّوُا الْخَرَاجَ، وَرَجَعُوا إِلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَسَارَ فِيهِمْ بِالْمَعْدَلَةِ وَالْأَمَانَةِ، حَتَّى كَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ يَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا سِيرَةً أَشْبَهَ بِسِيرَةِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ مِنْ سِيرَةِ هَذَا الْعَرَبِيِّ فِي اللِّينِ وَالْمُدَارَاةِ وَالْعِلْمِ بِمَا يَأْتِي وَمَا يَذْرُ، وَصَفَتْ لَهُ تِلْكَ الْبِلَادُ بِعَدْلِهِ وَعِلْمِهِ وَصَرَامَتِهِ، وَاتَّخَذَ لِلْمَالِ قَلْعَةً حَصِينَةً، فَكَانَتْ تُعْرَفُ بِقَلْعَةِ زِيَادٍ، ثُمَّ لَمَّا تَحَصَّنَ فِيهَا مَنْصُورٌ الْيَشْكُرِيُّ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ، عُرِفَتْ بِهِ فَكَانَ يُقَالُ لَهَا: قَلْعَةُ مَنْصُورٍ. بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْمَوْسِمِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْمَوْسِمِ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ يَزِيدَ بْنَ شَجَرَةَ الرَّهَاوِيَّ لِيُقِيمَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا بِمَكَّةَ تَنَازَعَا، وَأَبَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ لِصَاحِبِهِ، فَاصْطَلَحَا عَلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْحَجَبِيِّ، فَحَجَّ بِالنَّاسِ، وَصَلَّى بِهِمْ فِي أَيَّامِ الْمَوْسِمِ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِنِيُّ: لَمْ يَشْهَدْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الْمَوْسِمَ فِي أَيَّامِ عَلِيٍّ حَتَّى قُتِلَ، وَالَّذِي نَازَعَهُ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ إِنَّمَا هُوَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، حَتَّى اصْطَلَحَا عَلَى شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ. عُمَّالُ عَلِيٍّ عَلَى الْأَمْصَارِ في هذه السنة قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَمَّا عُمَّالُ عَلِيٍّ عَلَى الْأَمْصَارِ فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، غَيْرَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ قَدْ سَارَ مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَصْرَةِ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ، ثُمَّ سَارَ زِيَادٌ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلَى فَارِسَ وَكَرْمَانَ كَمَا ذَكَرْنَا. ذكر غَارَةِ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى أَهْلِ الْجَزِيرَةِ وَفِيهَا سَيَّرَ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ قَبَاثِ بْنِ أَشْيَمَ إِلَى بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، وَفِيهَا شَبِيبُ بْنُ عَامِرٍ جَدُّ الْكِرْمَانِيِّ الَّذِي كَانَ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ شَبِيبٌ بِنَصِيبِينَ، فَكَتَبَ إِلَى كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ، وَهُوَ بِهِيتَ، يُعْلِمْهُ الْخَبَرَ، فَسَارَ كُمَيْلٌ إِلَيْهِ نَجْدَةً لَهُ فِي سِتِّمِائَةِ فَارِسٍ، فَأَدْرَكُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ وَمَعَهُ مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ السُّلَمِيُّ، فَقَاتَلَهُمَا كُمَيْلٌ وَهَزَمَهُمَا، فَغَلَبَ عَلَى عَسْكَرِهِمَا وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَهْلِ الشَّامِ، وَأَمَرَ أَنْ لَا يُتْبَعَ مُدْبِرٌ وَلَا يُجْهَزَ عَلَى جَرِيحٍ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ كُمَيْلٍ رَجُلَانِ، وَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ بِالْفَتْحِ فَجَزَاهُ خَيْرًا، وَأَجَابَهُ جَوَابًا حَسَنًا ؓ. وَأَقْبَلَ شَبِيبُ بْنُ عَامِرٍ مِنْ نَصِيبِينَ، فَرَأَى كُمَيْلًا قَدْ أَوْقَعَ بِالْقَوْمِ، فَهَنَّأَهُ بِالظَّفَرِ، وَاتَّبَعَ الشَّامِيِّينَ، فَلَمْ يَلْحَقْهُمْ، فَعَبَرَ الْفُرَاتَ، وَبَثَّ خَيْلَهُ فَأَغَارَتْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ حَتَّى بَلَغَ بَعْلَبَكَّ، فَوَجَّهَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، وَرَجَعَ شَبِيبٌ فَأَغَارَ عَلَى نَوَاحِي الرَّقَّةِ فَلَمْ يَدَعْ لِلْعُثْمَانِيَّةِ بِهَا مَاشِيَةً إِلَّا اسْتَاقَهَا، وَلَا خَيْلًا وَلَا سِلَاحًا إِلَّا أَخَذَهُ، وَعَادَ إِلَى نَصِيبِينَ، وَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ يَنْهَاهُ عَنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ إِلَّا الْخَيْلَ وَالسِّلَاحَ الَّذِي يُقَاتِلُونَ بِهِ، وَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ شَبِيبًا، لَقَدْ أَبْعَدَ الْغَارَةَ وَعَجَّلَ الِانْتِصَارَ. ذكر غَارَةِ الْحَارِثِ بْنِ نِمْرٍ التَّنُوخِيِّ وَلَمَّا قَدِمَ يَزِيدُ بْنُ شَجَرَةَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَجَّهَ الْحَارِثَ بْنَ نِمْرٍ التَّنُوخِيَّ إِلَى الْجَزِيرَةِ لِيَأْتِيَهُ بِمَنْ كَانَ فِي طَاعَةِ عَلِيٍّ، فَأَخَذَ مِنْ أَهْلِ دَارَا سَبْعَةَ نَفَرٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ قَدْ فَارَقُوا عَلِيًّا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَسَأَلُوهُ فِي إِطْلَاقِ أَصْحَابِهِمْ فَلَمْ يَفْعَلْ، فَاعْتَزَلُوهُ أَيْضًا. وَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ لِيُفَادِيَهُ بِمَنْ أَسَرَ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ أَصْحَابِ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ، فَسَيَّرَهُمْ عَلِيٌّ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَأَطْلَقَ مُعَاوِيَةُ هَؤُلَاءِ، وَبَعَثَ عَلِيٌّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَى نَاحِيَةِ الْمَوْصِلِ لِيُسَكِّنَ النَّاسَ، فَلَقِيَهُ أُولَئِكَ التَّغْلِبِيُّونَ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا مُعَاوِيَةَ، وَعَلَيْهِمْ قُرَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ التَّغْلِبِيُّ، فَتَشَاتَمُوا ثُمَّ اقْتَتَلُوا فَقَتَلُوهُ، فَأَرَادَ عَلِيٌّ أَنْ يُوَجِّهَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا، فَكَلَّمَتْهُ رَبِيعَةُ وَقَالُوا: هُمْ مُعْتَزِلُونَ لِعَدُوِّكَ دَاخِلُونَ فِي طَاعَتِكَ، وَإِنَّمَا قَتَلُوهُ خَطَأً. فَأَمْسَكَ عَنْهُمْ. ذِكْرُ أَمْرِ ابْنِ الْعُشْبَةِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ زُهَيْرَ بْنَ مَكْحُولٍ الْعَامِرِيَّ - مِنْ عَامِرِ الْأَجْدَارِ - إِلَى السَّمَاوَةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ صَدَقَاتِ النَّاسِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَبَعَثَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْجَعِيَّ، وَعُرْوَةَ بْنَ الْعُشْبَةِ، وَالْجُلَاسَ بْنَ عُمَيْرٍ الْكَلْبِيَّيْنِ، لِيُصَدِّقُوا مَنْ فِي طَاعَتِهِ مِنْ كَلْبٍ وَبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَوَافَوْا زُهَيْرًا فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَلِيٍّ وَقُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَحِقَ ابْنُ الْعُشْبَةِ بِعَلِيٍّ، فَعَنَّفَهُ وَعَلَاهُ بِالدِّرَّةِ، فَغَضِبَ وَلَحِقَ بِمُعَاوِيَةَ، وَكَانَ زُهَيْرٌ قَدْ حَمَلَ ابْنَ الْعُشْبَةِ عَلَى فَرَسٍ، فَلِذَلِكَ اتَّهَمَهُ. وَأَمَّا الْجُلَاسُ فَإِنَّهُ مَرَّ بِرَاعٍ، فَأَخَذَ جُبَّتَهُ، وَأَعْطَاهُ جُبَّةَ خَزٍّ، فَأَدْرَكَتْهُ الْخَيْلُ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَخَذَ هَؤُلَاءِ التُّرَابِيُّونَ ؟ فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: أَخَذُوا هَاهُنَا، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى الْكُوفَةِ ذكر أَمْرِ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ وَبَعْثَ مُعَاوِيَةُ مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ الْمُرِّيَّ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ أَهْلُهَا قَدِ امْتَنَعُوا مِنْ بَيْعَةِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ جَمِيعًا، فَدَعَاهُمْ إِلَى طَاعَةِ مُعَاوِيَةَ وَبَيْعَتِهِ، فَامْتَنَعُوا، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَسَيَّرَ مَالِكَ بْنَ كَعْبٍ الْهَمْدَانِيَّ فِي جَمْعٍ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَلَمْ يَشْعُرْ مُسْلِمٌ إِلَّا وَقَدْ وَافَاهُ مَالِكٌ، فَاقْتَتَلُوا يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ مُسْلِمٌ مُنْهَزِمًا، وَأَقَامَ مَالِكٌ أَيَّامًا يَدْعُو أَهْلَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ إِلَى الْبَيْعَةِ لِعَلِيٍّ فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَقَالُوا: لَا نُبَايِعُ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَى إِمَامٍ، فَانْصَرَفَ وَتَرَكَهُمْ. وَفِيهَا تَوَجَّهَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ الْعَبْدِيُّ إِلَى بِلَادِ السِّنْدِ ( غَازِيًا مُتَطَوِّعًا بِأَمْرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، فَغَنِمَ وَأَصَابَ غَنَائِمَ وَسَبْيًا كَثِيرًا، وَقَسَّمَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَلْفَ رَأْسٍ وَبَقِيَ غَازِيًا ) إِلَى أَنْ قُتِلَ بِأَرْضِ الْقِيقَانِ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، إِلَّا قَلِيلًا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ.
التاريخ 2081لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِيهَا مِنَ الْأَعْيَانِ سَعْدُ الْقَرَظِ سَعْدُ الْقَرَظِ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ قُبَاءٍ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ الْخِلَافَةَ وَلَّاهُ أَذَانَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَكَانَ أَصْلُهُ مَوْلًى لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ الْعَنَزَةَ بَيْنَ يَدِيْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إِلَى الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ، وَبَقِيَ الْأَذَانُ فِي ذُرِّيَّتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ ، سَكَنَ مَاءَ بَدْرٍ فَنُسِبَ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَشْهَدِ الْوَقْعَةَ بِبَدْرٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقَدْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ يَنُوبُ لِعَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ إِذَا خَرَجَ مِنْهَا إِلَى الْقِتَالِ.
التاريخ 2082لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَقْتَلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ وَمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تنبؤ علي ؓ بمصيره كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ؓ، قَدِ انْتَقَضَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ، وَخَالَفَهُ جَيْشُهُ مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَكَلُوا عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ أَهْلِ الشَّامِ وَصَالُوا وَجَالُوا يَمِينًا وَشِمَالًا زَاعِمِينَ أَنَّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ ; بِمُقْتَضَى حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ فِي خَلْعِهِمَا عَلِيًّا وَتَوْلِيَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ خُلُوِّ الْإِمْرَةِ عَنْ أَحَدٍ، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الشَّامِ بَعْدَ التَّحْكِيمِ يُسَمُّونَ مُعَاوِيَةَ الْأَمِيرَ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ أَهْلُ الشَّامِ قُوَّةً ضَعُفَ جَأْشُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَوَهَنُوا، هَذَا وَأَمِيرُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَهُوَ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَأَخْشَاهُمْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ خَذَلُوهُ وَتَخَلَّوْا عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ وَالْمَالَ الْجَزِيلَ، فَلَا زَالَ هَذَا دَأْبَهُمْ مَعَهُ حَتَّى كَرِهَ الْحَيَاةَ وَتَمَنَّى الْمَوْتَ ; وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْمِحَنِ، فَكَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: مَاذَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا - أَيْ مَا يَنْتَظِرُ - مَا لَهُ لَا يَقْتُلُ ؟ ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ - وَيُشِيرُ إِلَى لِحْيَتِهِ - مِنْ هَذِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى هَامَتِهِ. عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ - لِلِحْيَتِهِ مِنْ رَأْسِهِ - فَمَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَبُعٍ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ أَنَّ رَجُلَا فَعَلَ ذَلِكَ لَأَبَرْنَا عِتْرَتَهُ. فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَنْ يُقْتَلَ بِي غَيْرُ قَاتِلِي. فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تَسْتَخْلِفُ ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَتْرُكُكُمْ كَمَا تَرَكَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالُوا: فَمَا تَقُولُ لِرَبِّكَ إِذَا لَقِيتَهُ وَقَدْ تَرَكْتَنَا هَمَلًا ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ اسْتَخْلَفْتَنِي فِيهِمْ مَا بَدَا لَكَ، ثُمَّ قَبَضْتَنِي وَتَرَكْتُكَ فِيهِمْ، فَإِنْ شِئْتَ أَصْلَحْتَهُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَفْسَدْتَهُمْ. فِيهِ ضَعْفٌ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ.
التاريخ 2083لا حكم مسجّل
صِفَةُ مَقْتَلِهِ ، ؓ اتفاق ثلاثة من الخوارج على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، أَنَّ ثَلَاثَةً مِنِ الْخَوَارِجِ ; وَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ ثُمَّ الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي جَبَلَةَ مِنْ كِنْدَةَ، الْمِصْرِيُّ، وَكَانَ أَسْمَرَ حَسَنَ الْوَجْهِ أَبْلَجَ، شَعْرُهُ مَعَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ، وَفِي جَبْهَتِهِ أَثَرُ السُّجُودِ. وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ. وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ أَيْضًا، اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا قَتْلَ عَلِيٍّ إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَتَرَحَّمُوا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: مَاذَا نَصْنَعُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُمْ ؟! كَانُوا مِنْ خَيْرِ النَّاسِ وَأَكْثَرَهُمْ صَلَاةً، وَكَانُوا دُعَاةَ النَّاسِ إِلَى رَبِّهِمْ، لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَلَوْ شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ فَقَتَلْنَاهُمْ فَأَرَحْنَا مِنْهُمُ الْبِلَادَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَ إِخْوَانِنَا. فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَتَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَنْكِصَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ أَوْ يَمُوتَ دُونَهُ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ فَسَمُّوهَا، وَاتَّعَدُوا لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يُبَيِّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ فِي بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. فَأَمَّا ابْنُ مُلْجَمٍ فَسَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا، وَكَتَمَ أَمْرَهُ حَتَّى عَنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ هُمْ بِهَا، فَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي قَوْمٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ الرَّبَابِ وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ قَتْلَاهُمْ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا: قَطَامِ بِنْتُ الشِّجْنَةِ. قَدْ قَتَلَ عَلِيٌّ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ أَبَاهَا وَأَخَاهَا، وَكَانَتْ فَائِقَةَ الْجَمَالِ مَشْهُورَةً بِهِ، وَكَانَتْ قَدِ انْقَطَعَتْ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ تَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَلَمَّا رَآهَا ابْنُ مُلْجَمٍ سَلَبَتْ عَقْلَهُ، وَنَسِيَ حَاجَتَهُ الَّتِي جَاءَ لَهَا، وَخَطَبَهَا إِلَى نَفْسِهَا، فَاشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَخَادِمًا وَقَيْنَةً، وَأَنْ يَقْتُلَ لَهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: فَهُوَ لَكِ، وَوَاللَّهِ مَا جَاءَ بِي إِلَى هَذِهِ الْبَلْدَةِ إِلَّا قَتْلُ عَلِيٍّ. فَتَزَوَّجَهَا وَدَخَلَ بِهَا، ثُمَّ شَرَعَتْ تُحَرِّضُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَنَدَبَتْ لَهُ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهَا مِنْ تَيْمِ الرَّبَابِ يُقَالُ لَهُ: وَرْدَانُ. لِيَكُونَ مَعَهُ رِدْءًا، وَاسْتَمَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ رَجُلًا آخَرَ يُقَالُ لَهُ: شَبِيبُ بْنُ بَجَرَةَ الْأَشْجَعِيُّ الْحَرُورِيُّ. قَالَ لَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ هَلْ لَكَ فِي شَرَفِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؟ فَقَالَ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: قَتْلُ عَلِيٍّ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ! لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِدًّا، كَيْفَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ ؟ قَالَ: أَكْمُنُ لَهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا خَرَجَ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ شَدَدْنَا عَلَيْهِ فَقَتَلْنَاهُ، فَإِنْ نَجَوْنَا شَفَيْنَا أَنْفُسَنَا وَأَدْرَكْنَا ثَأْرَنَا، وَإِنْ قُتِلْنَا فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا. فَقَالَ: وَيْحَكَ لَوْ غَيْرَ عَلِيٍّ لَكَانَ أَهْوَنَ عَلَيَّ، قَدْ عَرَفْتُ سَابِقَتَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَقَرَابَتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَمَا أَجِدُنِي أَنْشَرِحُ صَدْرًا لِقَتْلِهِ. فَقَالَ: أَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ قَتَلَ أَهْلَ النَّهْرَوَانِ ؟ فَقَالَ: بَلَى قَالَ: فَنَقْتُلُهُ بِمَنْ قَتَلَ مِنْ إِخْوَانِنَا. فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ لَأْيٍ. وَدَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَوَاعَدَهُمُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ، وَقَالَ: هَذِهِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْتُ أَصْحَابِي يَقْتُلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا فِيهَا صَاحِبَهُ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ. مقتل علي ؓ ثُمَّ جَاءُوا إِلَى قَطَامِ، وَهِيَ امْرَأَةُ ابْنِ مُلْجَمٍ، فَدَعَتْ لَهُمْ بِعِصَبِ الْحَرِيرِ فَعَصَبَتْهُمْ بِهَا، وَكَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ ; وَهُمُ ابْنُ مُلْجَمٍ وَوَرْدَانُ وَشَبِيبٌ، وَهُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَى سُيُوفِهِمْ، فَجَلَسُوا مُقَابِلَ السُّدَّةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا عَلِيٌّ، فَلَمَّا خَرَجَ جَعَلَ يُنْهِضُ النَّاسَ مِنَ النَّوْمِ إِلَى الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ. فَثَارَ إِلَيْهِ شَبِيبٌ بِالسَّيْفِ فَضَرَبَهُ فَوَقَعَ فِي الطَّاقِ، فَضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ بِالسَّيْفِ عَلَى قَرْنِهِ، فَسَالَ دَمُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ، ؓ، وَلَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ قَالَ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، لَيْسَ لَكَ يَا عَلِيُّ وَلَا لِأَصْحَابِكَ. وَجَعَلَ يَتْلُو قَوْلُهُ تَعَالَى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ [ الْبَقَرَةِ: 207 ] وَنَادَى عَلِيٌّ: عَلَيْكُمْ بِهِ. وَهَرَبَ وَرْدَانُ، فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ فَقَتَلَهُ، وَذَهَبَ شَبِيبٌ فَنَجَا بِنَفْسِهِ وَفَاتَ النَّاسَ، وَمُسِكَ ابْنُ مُلْجَمٍ، وَقَدَّمَ عَلِيٌّ جَعْدَةَ بْنَ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَحُمِلَ عَلِيٌّ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ ابْنُ مُلْجَمٍ، فَأُوقِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ مَكْتُوفٌ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، فَقَالَ لَهُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ: شَحَذْتُهُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَقْتُلَ بِهِ شَرَّ خَلْقِهِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ: لَا أُرَاكَ إِلَّا مَقْتُولًا بِهِ، وَلَا أُرَاكَ إِلَّا مِنْ شَرِّ خَلْقِهِ. ثُمَّ قَالَ: إِنْ مِتُّ فَاقْتُلُوهُ، وَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا أَعْلَمُ كَيْفَ أَصْنَعُ بِهِ. وَعَنْ أَبِي تِحْيَى قَالَ: لَمَّا ضَرَبَ ابْنُ مُلْجَمٍ عَلِيًّا قَالَ لَهُمُ: افْعَلُوا بِهِ كَمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَفْعَلَ بِرَجُلٍ أَرَادَ قَتْلَهُ فَقَالَ " اقْتُلُوهُ ثُمَّ حَرِّقُوهُ ". وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ قَالَتْ لِابْنِ مُلْجَمٍ وَهُوَ وَاقِفٌ: وَيْحَكَ ! لِمَ ضَرَبْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: إِنَّمَا ضَرَبْتُ أَبَاكِ. فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: فَلِمَ تَبْكِينَ ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً لَوْ أَصَابَتْ أَهْلَ الْمِصْرِ لَمَاتُوا أَجْمَعِينَ، وَاللَّهِ لَقَدْ سَمَمْتُ هَذَا السَّيْفَ شَهْرًا، وَلَقَدِ اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ وَسَمَمْتُهُ بِأَلْفٍ. فَقَالَ جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنْ مِتَّ نُبَايِعُ الْحَسَنَ ؟ فَقَالَ: لَا آمُرُكُمْ وَلَا أَنْهَاكُمْ، أَنْتُمْ أَبْصَرُ. احتضار علي ؓ وَلَمَّا احْتُضِرَ عَلِيٌّ جَعْلَ يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِهَا - وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ [ الزَّلْزَلَةِ: 7، 8 ] - وصية علي ؓ لولديه الحسن والحسين وَقَدْ أَوْصَى وَلَدَيْهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَغَفْرِ الذَّنْبَ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَالْحِلْمِ عَنِ الْجَاهِلِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ، وَالتَّثَبُّتِ فِي الْأَمْرِ، وَالتَّعَاهُدِ لِلْقُرْآنِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ، وَوَصَّاهُمَا بِأَخِيهِمَا مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، وَوَصَّاهُ بِمَا وَصَّاهُمَا بِهِ، وَأَنْ يُعَظِّمَهُمَا وَلَا يَقْطَعَ أَمْرًا دُونَهُمَا، وَكَتَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِ وَصِيَّتِهِ، ؓ وَأَرْضَاهُ. محاولة قتل معاوية وعمرو بن العاص ؓ أَمَّا الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ قَعَدَ لِمُعَاوِيَةَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي ضُرِبَ فِيهَا عَلِيٌّ، فَلَمَّا خَرَجَ مُعَاوِيَةُ لِيُصَلِّيَ الْغَدَاةَ، شَدَّ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَوَقَعَ السَّيْفُ فِي أَلْيَتِهِ، فَأُخِذَ، فَقَالَ: إِنْ عِنْدِي خَبَرًا أُسِرُّكَ بِهِ، فَإِنْ أَخْبَرْتُكَ فَنَافِعِي ذَلِكَ [ عِنْدَكَ ] ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّ أَخًا لِي قَتَلَ عَلِيًّا هَذِهِ اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَعَلَّهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: بَلَى، إِنَّ عَلِيًّا لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ يَحْرُسُهُ. فَأَمَرَ بِهِ مُعَاوِيَةُ فَقُتِلَ. وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى السَّاعِدِيِّ، وَكَانَ طَبِيبًا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ قَالَ: اخْتَرْ إِمَّا أَنْ أُحْمِيَ حَدِيدَةً فَأَضَعُهَا مَوْضِعَ السَّيْفِ، وَإِمَّا أَنْ أَسْقِيَكَ شَرْبَةً تَقْطَعُ مِنْكَ الْوَلَدَ وَتَبْرَأُ مِنْهَا، فَإِنَّ ضَرْبَتَكَ مَسْمُومَةٌ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَمَّا النَّارُ فَلَا صَبْرَ لِي عَلَيْهَا، وَأَمَّا الْوَلَدُ فَإِنَّ يَزِيدَ وَعَبْدَ اللَّهِ مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنِي. فَسَقَاهُ شَرْبَةً فَبَرَأَ وَلَمْ يُولَدْ لَهُ بَعْدَهَا. وَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ عِنْدَ ذَلِكَ بِالْمَقْصُوَرَاتِ، وَحَرَسِ اللَّيْلِ، وَقِيَامِ الشُّرَطِ عَلَى رَأْسِهِ إِذَا سَجَدَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَمِلَهَا فِي الْإِسْلَامِ. وَقِيلَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَقْتُلِ الْبُرَكَ، وَإِنَّمَا أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، وَبَقِيَ إِلَى أَنْ وَلِي زِيَادٌ الْبَصْرَةَ، وَكَانَ الْبُرَكُ قَدْ صَارَ إِلَيْهَا وَوُلِدَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: يُولَدُ لَكَ، وَتَرَكْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يُولَدُ لَهُ ؟ فَقَتَلَهُ وَصَلَبَهُ. وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ، فَإِنَّهُ جَلَسَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ، وَكَانَ اشْتَكَى بَطْنَهُ، فَأَمَرَ خَارِجَةَ بْنَ أَبِي حَبِيبَةَ - وَكَانَ صَاحِبَ شُرْطَتِهِ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، - فَخَرَجَ لِيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَشَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ إِلَى عَمْرٍو فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا: عَمْرٌو. قَالَ: فَمَنْ قَتَلْتُ ؟ قَالُوا: خَارِجَةَ. قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ يَا فَاسِقُ مَا ظَنَنْتُهُ غَيْرَكَ ! فَقَالَ عَمْرٌو: أَرَدْتَنِي وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ. فَقَدَّمَهُ عَمْرٌو فَقَتَلَهُ.
التاريخ 2084لا حكم مسجّل
تغسيل ودفن علي ؓ والصلاة عليه وَلَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ وَلِيَ غُسْلَهُ وَدَفْنَهُ أَهْلُهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا وَقِيلَ: أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَدُفِنَ عَلِيٌّ بِدَارِ الْخِلَافَةِ بِالْكُوفَةِ. وَقِيلَ: تُجَاهَ الْجَامِعِ مِنَ الْقِبْلَةِ، فِي حُجْرَةٍ مِنْ دُورِ آلِ جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بِحِذَاءِ بَابِ الْوَرَّاقِينَ. وَقِيلَ: بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ. وَقِيلَ: بِالْكُنَاسَةِ. وَقِيلَ: دُفِنَ بِالثَّوِيَّةِ. وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: نَقَلَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ بَعْدَ صُلْحِهِ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَدَفَنَهُ بِالْبَقِيعِ إِلَى جَانِبِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ عِيسَى بْنُ دَأْبٍ: بَلْ لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَحْمِلُوهُ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيَدْفِنُوهُ بِهَا جَعَلُوهُ فِي صُنْدُوقٍ عَلَى بَعِيرٍ، فَلَمَّا مَرُّوا بِهِ بِبِلَادِ طَيِّئٍ أَضَلُّوا الْبَعِيرَ، فَأَخَذَتْ طَيِّئٌ ذَلِكَ الْبَعِيرَ بِمَا عَلَيْهِ يَحْسَبُونَهُ مَالًا، فَلَمَّا وَجَدُوا بِالصُّنْدُوقِ مَيِّتًا دَفَنُوهُ بِالصُّنْدُوقِ فِي بِلَادِهِمْ، فَلَا يُعْرَفُ قَبْرُهُ إِلَى الْآنَ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ قَبْرَهُ إِلَى الْآنَ بِالْكُوفَةِ كَمَا ذَكَرَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ نَائِبَ بَنِي أُمَيَّةَ فِي زَمَانِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، لَمَّا كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْعِرَاقِ هَدَمَ دُورًا لِيَبْنِيَهَا دَارًا وَجَدَ قَبْرًا فِيهِ شَيْخٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُحَرِّقَهُ بِالنَّارِ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ، إِنَّ بَنَى أُمَيَّةَ لَا يُرِيدُونَ مِنْكَ هَذَا كُلَّهُ. فَلَفَّهُ فِي قَبَاطِيَّ وَدَفَنَهُ هُنَاكَ. قَالُوا: فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَسْكُنَ تِلْكَ الدَّارَ الَّتِي هُوَ فِيهَا إِلَّا ارْتَحَلَ مِنْهَا. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. ما فعل بابن ملجم بعد مقتل علي ؓ ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ اسْتَحْضَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجَمٍ مِنَ السِّجْنِ فَأَحْضَرَ النَّاسَ النِّفْطَ وَالْبَوَارِيَّ لِيُحَرِّقُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ أَوْلَادُ عَلِيٍّ: دَعَوْنَا نَشْتَفِي مِنْهُ. فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، فَلَمْ يَجْزَعْ وَلَا فَتَرَ عَنِ الذِّكْرِ، ثُمَّ كُحِلَتْ عَيْنَاهُ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَذْكُرُ اللَّهَ وَقَرَأَ سُورَةَ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ إِلَى آخِرِهَا، وَإِنَّ عَيْنَيْهِ لَتَسِيلَانِ عَلَى خَدَّيْهِ، ثُمَّ حَاوَلُوا لِسَانَهُ لِيَقْطَعُوهُ، فَجَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَمْكُثَ فِي الدُّنْيَا فَوَاقًا لَا أَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ. فَقُتِلَ عِنْدَ ذَلِكَ وَحُرِّقَ بِالنَّارِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: كَانَ ابْنُ مُلْجَمٍ رَجُلًا أَسْمَرَ، حَسَنَ الْوَجْهِ، أَبْلَجَ، شَعْرُهُ مَعَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ، فِي جَبْهَتِهِ أَثَرُ السُّجُودِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَمْ يُنْتَظَرْ بِقَتْلِهِ بُلُوغُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ ; فَإِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا يَوْمَ قُتِلَ أَبُوهُ. قَالُوا: لِأَنَّهُ كَانَ قُتِلَ مُحَارَبَةً لَا قِصَاصًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. متى طعن علي بن أبي طالب ؓ وَكَانَ طَعْنُ عَلِيٍّ ، ؓ، يَوْمَ الْجُمْعَةَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، بِلَا خِلَافٍ. فَقِيلَ: مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْأَحَدِ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْهُ. قَالَ الْفَلَّاسُ: وَقِيلَ: ضُرِبَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَمَاتَ لَيْلَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ عَنْ تِسْعٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَهُوَ الْمَشْهُورُ. قَالَهُ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ: خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ خَمْسَ سِنِينَ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعَ سِنِينَ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: وَسِتَّةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَقِيلَ: أَرْبَعَ سِنِينَ وَثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا. ؓ. وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الْقَائِلَةِ، وَكَانَ نَائِمًا مَعَ امْرَأَتِهِ فَاخِتَةَ بِنْتِ قَرَظَةَ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ، جَلَسَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. وَجَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَتْ لَهُ فَاخِتَةُ: أَنْتَ بِالْأَمْسِ تَطْعَنُ عَلَيْهِ، وَالْيَوْمَ تُبْكِي عَلَيْهِ ! فَقَالَ: وَيْحَكَ ! إِنَّمَا أَبْكِي لِمَا فَقَدَ النَّاسُ مِنْ حِلْمِهِ وَعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ وَسَوَابِقِهِ وَخَيْرِهِ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ " مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ " أَنَّ رَجُلًا مِنَ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ أُمَرَاءِ مُعَاوِيَةَ غَضِبَ ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى ابْنِهِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، فَخَرَجَ الْغُلَامُ لَا يَدْرِي أَيْنَ يَذْهَبُ، فَجَلَسَ وَرَاءَ الْبَابِ مِنْ خَارِجٍ، فَنَامَ سَاعَةً ثُمَّ اسْتَيْقَظَ، فَإِذَا هُوَ بَهِرٍّ أَسْوَدَ بَرِيٍّ قَدْ جَاءَ إِلَى الْبَابِ الَّذِي لَهُمْ فَنَادَى: يَا سُوَيْدُ، يَا سُوَيْدُ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ الْهِرُّ الَّذِي فِي مَنْزِلِهِمْ، فَقَالَ لَهُ الْبَرِيُّ: وَيْحَكَ ! افْتَحْ. فَقَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ ! ائْتِنِي بِشَيْءٍ أَتَبَلَّغُ بِهِ فَإِنِّي جَائِعٌ وَتَعْبَانُ، هَذَا أَوَانُ مَجِيئِي مِنَ الْكُوفَةِ، وَقَدْ حَدَثَ اللَّيْلَةَ حَدَثٌ عَظِيمٌ، قُتِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْهِرُّ الْأَهْلِيُّ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ ذَكَرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ غَيْرَ سَفُّودٍ كَانُوا يَشْوُونَ عَلَيْهِ اللَّحْمَ. فَقَالَ: ائْتِنِي بِهِ. فَجَاءَ بِهِ فَجَعَلَ يَلْحَسُهُ حَتَّى أَخَذَ حَاجَتَهُ وَانْصَرَفَ، وَذَلِكَ بِمَرْأَى مِنَ الْغُلَامِ وَمَسْمَعٍ، فَقَامَ إِلَى الْبَابِ فَطَرَقَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُوهُ فَقَالَ: مَنْ ؟ فَقَالَ لَهُ: افْتَحْ. فَقَالَ: وَيْحَكَ ! مَا لَكَ ؟ فَقَالَ: افْتَحْ. فَفَتَحَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ ! أَمَنَامٌ هَذَا ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ. قَالَ: وَيْحَكَ ! أَفَأَصَابَكَ جُنُونٌ بَعْدِي ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنَّ الْأَمْرَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، فَاذْهَبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ الْآنَ فَاتَّخِذْ عِنْدَهُ يَدًا بِمَا قُلْتُ لَكَ. فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَأَخْبَرُهُ الْخَبَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ وَلَدُهُ، فَأَرَّخُوا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ قَبْلَ مَجِيءِ الْبُرُدِ، وَلَمَّا جَاءَتِ الْبُرُدُ وَجَدُوا مَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ مُطَابِقًا لِمَا كَانَ أَخْبَرَ بِهِ أَبُو الْغُلَامِ. اعتقاد الروافض أن قبر علي ؓ بالنجف وَمَا يَعْتَقِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الرَّوَافِضِ مِنْ أَنَّ قَبْرَهُ بِمَشْهَدِ النَّجَفِ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَصْلَ لَهُ، وَيُقَالُ: إِنَّمَا ذَاكَ قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ حَكَاهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْحَافِظِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الطَّلْحِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيِّ الْحَافِظِ، هُوَ مُطَيَّنٌ، أَنَّهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَتِ الشِّيعَةُ قَبْرَ هَذَا الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ بِالنَّجَفِ لَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، هَذَا قَبْرُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ.
التاريخ 2085لا حكم مسجّل
وَصُورَةُ الْوَصِيَّةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ; أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ، ثُمَّ إِنَّ صِلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أُوصِيكَ يَا حَسَنُ وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ رَبِّكُمْ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ يَقُولُ " إِنَّ صَلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ ". انْظُرُوا إِلَى ذَوِي أَرْحَامِكُمْ فَصِلُوهُمْ يُهَوِّنِ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْحِسَابَ، اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ ; فَلَا تُعْفُوا أَفَوَاهَهُمْ وَلَا يُضَيَّعُنَّ بِحَضْرَتِكُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ ; فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ ﷺ، مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُورَثِّهُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ ; فَلَا يَسْبِقَنَّكُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ ; فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ، فَلَا يَخْلُوَنَّ مِنْكُمْ مَا بَقِيتُمْ ; فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ; فَإِنَّ صِيَامَهُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الزَّكَاةِ ; فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي ذِمَّةِ نَبِيِّكُمْ ; لَا تُظْلَمَنَّ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِ نَبِيِّكُمْ ; فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْصَى بِهِمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِي الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ فَأَشْرِكُوهُمْ فِي مَعَاشِكُمْ، وَاللَّهَ اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فَإِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ قَالَ: " أُوصِيكُمْ بِالضَّعِيفَيْنِ ; نِسَائِكُمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ". الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، لَا تَخَافُنَّ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ يَكْفِكُمْ مَنْ أَرَادَكُمْ وَبَغَى عَلَيْكُمْ، وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وَلَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَيُوَلَّى الْأَمْرَ شِرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ، وَعَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَالتَّبَاذُلِ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّدَابُرَ وَالتَّقَاطُعَ وَالتَّفَرُّقَ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ حَفِظَكُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ، وَحَفِظَ فِيكُمْ نَبِيَّكُمْ، أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ. ثُمَّ لَمْ يَنْطِقْ إِلَّا بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، حَتَّى قُبِضَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
التاريخ 2086لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ ذكر سَرِيَّةِ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ إِلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ، وَهُوَ مِنْ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ، فَسَارَ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَبِهَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ عَامِلُ عَلِيٍّ عَلَيْهَا، فَهَرَبَ أَبُو أَيُّوبَ فَأَتَى عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ، وَدَخَلَ بُسْرٌ الْمَدِينَةَ وَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ، فَصَعِدَ مِنْبَرَهَا فَنَادَى عَلَيْهِ: يَا دِينَارُ، يَا نَجَّارُ، يَا زُرَيْقُ ! وَهَذِهِ بُطُونٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، شَيْخِي شَيْخِي، عَهِدْتُهُ هَاهُنَا بِالْأَمْسِ، فَأَيْنَ هُوَ ؟ يَعْنِي عُثْمَانَ. ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَوْلَا مَا عَهِدَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ مَا تَرَكْتُ بِهَا مُحْتَلِمًا. فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكَمَ عِنْدِي أَمَانٌ حَتَّى تَأْتُونِي بِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ! فَانْطَلَقَ جَابِرٌ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهَا: مَاذَا تَرَيْنَ ؟ إِنَّ هَذِهِ بَيْعَةُ ضَلَالَةٍ، وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُقْتَلَ. قَالَتْ: أَرَى أَنْ تُبَايِعَ، فَإِنِّي قَدْ أَمَرْتُ ابْنِي عُمَرَ وَخَتَنِي ابْنَ زَمْعَةَ أَنْ يُبَايِعَا، وَكَانَتِ ابْنَتُهَا زَيْنَبُ تَحْتَ ابْنِ زَمْعَةَ، فَأَتَاهُ جَابِرٌ فَبَايَعَهُ. وَهَدَمَ بِالْمَدِينَةِ دُورًا ثُمَّ سَارَ إِلَى مَكَّةَ، فَخَافَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنْ يَقْتُلَهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ، وَأَكْرَهَ النَّاسَ عَلَى الْبَيْعَةِ. مقتل أولاد عبيد الله بن عباس على يد بسر بن أرطأة ثُمَّ سَارَ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ عَلَيْهَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ عَامِلًا لِعَلِيٍّ، فَهَرَبَ مِنْهُ إِلَى عَلِيٍّ بِالْكُوفَةِ. وَاسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ [ عَلَى ] الْيَمَنِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُدَانِ الْحَارِثِيَّ، فَأَتَاهُ بُسْرٌ فَقَتَلَهُ، وَقَتَلَ ابْنَهُ، وَأَخَذَ ابْنَيْنِ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ صَغِيرَيْنِ هَمَا: عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقُثَمُ فَقَتَلَهُمَا، وَكَانَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةٍ بِالْبَادِيَةِ، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُمَا قَالَ لَهُ الْكِنَانِيُّ: لِمَ تَقْتُلُ هَذَيْنِ وَلَا ذَنْبَ لَهُمَا ؟ فَإِنْ كُنْتَ قَاتِلَهُمَا فَاقْتُلْنِي مَعَهُمَا ! فَقَتَلَهُ وَقَتَلَهُمَا بَعْدَهُ. وَقِيلَ إِنَّ الْكِنَانِيَّ أَخَذَ سَيْفَهُ وَقَاتَلَ عَنِ الْغُلَامَيْنِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّيْثُ مَنْ يَمْنَعُ حَافَاتِ الدَّارِ وَلَا يَزَالُ مُصْلِتًا دُونَ الْجَارِ وَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. وَأَخَذَ الْغُلَامَيْنِ فَدَفَنَهُمَا. فَخَرَجَ نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا هَذَا ! قَتَلْتَ الرِّجَالَ فَعَلَامَ تَقْتُلُ هَذَيْنِ ؟ وَاللَّهِ مَا كَانُوا يُقْتَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ! وَاللَّهِ يَا ابْنَ أَبِي أَرْطَاةَ إِنَّ سُلْطَانًا لَا يَقُومُ إِلَّا بِقَتْلِ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ، وَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَنَزْعِ الرَّحْمَةِ، وَعُقُوقِ الْأَرْحَامِ لَسُلْطَانُ سُوءٍ ! وَقَتَلَ بُسْرٌ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ جَمَاعَةً مِنْ شِيعَةِ عَلِيٍّ بِالْيَمَنِ، وَبَلَغَ عَلِيًّا الْخَبَرُ، فَأَرْسَلَ جَارِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ السَّعْدِيَّ فِي أَلْفَيْنِ، وَوَهْبَ بْنَ مَسْعُودٍ فِي أَلْفَيْنِ، فَسَارَ جَارِيَةُ حَتَّى أَتَى نَجْرَانَ، فَقَتَلَ بِهَا نَاسًا مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ، وَهَرَبَ بُسْرٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْهُ، وَاتَّبَعَهُ جَارِيَةُ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَقَالَ: بَايِعُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالُوا: قَدْ هَلَكَ فَلِمَنْ نُبَايِعُ ؟ قَالَ: لِمَنْ بَايَعَ لَهُ أَصْحَابُ عَلِيٍّ. فَبَايَعُوا خَوْفًا مِنْهُ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، فَقَالَ جَارِيَةُ: لَوْ وَجَدْتُ أَبَا سِنَّوْرٍ لَقَتَلْتُهُ. ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ: بَايِعُوا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَبَايَعُوهُ، وَأَقَامَ يَوْمَهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ وَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُصَلِّي بِهِمْ. دعاء علي ؓ على بسر بن أرطأة وَكَانَتْ أُمَّ ابْنَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ أُمُّ الْحَكَمِ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ قَارِظٍ، ( وَقِيلَ: عَائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُدَانِ ). فَلَمَّا قُتِلَ وَلَدَاهَا وَلِهَتْ عَلَيْهِمَا، فَكَانَتْ لَا تَعْقِلْ وَلَا تُصْفِي، وَلَا تَزَالُ تَنْشُدُهُمَا فِي الْمَوَاسِمِ فَتَقُولُ: يَا مَنْ أَحَسَّ بُنَيَّيَّ اللَّذَيْنِ هُمَا كَالدُّرَّتَيْنِ تَشَظَّى عَنْهُمَا الصَّدَفُ يَا مَنْ أَحَسَّ بُنَيَّيَّ اللَّذَيْنِ هُمَا مُخُّ الْعِظَامِ فَمُخِّي الْيَوْمَ مُزْدَهَفُ يَا مَنْ أَحَسَّ بُنَيَّيَّ اللَّذَيْنِ هُمَا قَلْبِي وَسَمْعِي فَقَلْبِي الْيَوْمَ مُخْتَطَفُ مِنْ ذُلِّ وَالِهَةٍ حَيْرَى مُدَلَّهَةٍ عَلَى صَبِيَّيْنِ ذُلَّا إِذْ غَدَا السَّلَفُ نُبِّئْتُ بُسْرًا وَمَا صَدَّقْتُ مَا زَعَمُوا مِنْ إِفْكِهِمْ وَمِنَ الْقَوْلِ الَّذِي اقْتَرَفُوا أَحَنَى عَلَى وَدِجَيْ إبْنَيَّ مُرْهَفَةً مِنَ الشِّفَارِ، كَذَاكَ الْإِثْمُ يُقْتَرَفُ وَهِيَ أَبْيَاتٌ مَشْهُورَةٌ، فَلَمَّا سَمِعَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِهِمَا جَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا وَدَعَا عَلَى بُسْرٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْلُبْهُ دِينَهُ وَعَقْلَهُ ! فَأَصَابَهُ ذَلِكَ وَفَقَدَ عَقْلَهُ، فَكَانَ يَهْذِي بِالسَّيْفِ وَيَطْلُبُهُ فَيُؤْتَى بِسَيْفٍ مِنْ خَشَبٍ، وَيُجْعَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ زِقٌّ مَنْفُوخٌ، فَلَا يَزَالُ يَضْرِبُهُ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ. اجتماع عبيد الله بن عباس مع بسر عند معاوية وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ لِمُعَاوِيَةَ دَخَلَ عَلَيْهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعِنْدَهُ بُسْرٌ، فَقَالَ لِبُسْرٍ: وَدِدْتُ أَنَّ الْأَرْضَ أَنْبَتَتْنِي عِنْدَكَ حِينَ قَتَلْتَ وَلَدَيَّ. فَقَالَ بُسْرٌ: هَاكَ سَيْفِي. فَأَهْوَى عُبَيْدُ اللَّهِ لِيَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَهُ مُعَاوِيَةُ وَقَالَ لِبُسْرٍ: أَخْزَاكَ اللَّهُ شَيْخًا قَدْ خَرِفْتَ ! وَاللَّهِ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْهُ لَبَدَأَ بِي ! قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَجَلْ، ثُمَّ ثَنَّيْتُ بِهِ. ( سَلِمَةُ: بِكَسْرِ اللَّامِ، بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ ). وَقِيلَ: إِنَّ مَسِيرَ بُسْرٍ إِلَى الْحِجَازِ كَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ شَهْرًا يَسْتَعْرِضُ النَّاسَ، لَا يُقَالُ لَهُ عَنْ أَحَدٍ إِنَّهُ شَرِكَ فِي دَمِ عُثْمَانَ إِلَّا قَتَلَهُ. المهادنة بين معاوية وعلي ؓ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ جَرَتْ بَيْنَ عَلِيٍّ ؓ وَمُعَاوِيَةَ مُهَادَنَةٌ بَعْدَ مُكَاتَبَاتٍ كَثِيرَةٍ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمَا، وَيَكُونُ لِعَلِيٍّ الْعِرَاقُ، وَلِمُعَاوِيَةَ الشَّامُ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي حَمْلَةٍ بِجَيْشٍ وَلَا غَارَةٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا لَمْ يُعْطِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ صَاحِبَهُ الطَّاعَةَ، كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَلِيٍّ ؓ: أَمَّا إِذَا شِئْتَ فَلَكَ الْعِرَاقُ وَلِي الشَّامُ، وَكُفَّ هَذَا السَّيْفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا تُرِقْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ عَلِيٌّ ؓ، وَتَرَاضَوْا عَلَى ذَلِكَ. خروج عبد الله بن العباس من البصرة وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ مِنَ الْبَصْرَةِ وَلَحِقَ بِمَكَّةَ وَذَلِكَ أَنَّهُ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي الْأَسْوَدِ كَلَامٌ، فَكَتَبَ أَبُو الْأَسْوَدِ إِلَى عَلِيٍّ ؓ: إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ قَدْ أَكَلَ مَا تَحْتَ يَدِهِ بِغَيْرِ عِلْمِكَ، فَلَمْ يَسَعْنِي كِتْمَانُكَ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الَّذِي بَلَغَكَ بَاطِلٌ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: فَأَعْلِمْنِي مَا أَخَذْتَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذْتَ؟ وَفِيمَ وَضَعْتَ؟ فَكَتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ابْعَثْ إِلَى عَمَلِكَ مَنْ أَحْبَبْتَ، فَإِنِّي ظَاعِنٌ [عَنْهُ]. وَرَحَلَ بِمَالٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَتْ أَرْزَاقًا قَدِ اجْتَمَعَتْ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَبْرَحْ مِنَ الْبَصْرَةِ حَتَّى قُتِلَ عَلِيٌّ ؓ، فَشَخَصَ إِلَى الْحَسَنِ فَشَهِدَ الصُّلْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ وَثِقْلُهُ بِهَا فَحَمَلَهُ وَحَمَلَ مَالًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَلِيلًا، وَقَالَ: هِيَ أَرْزَاقِي. وَقَدْ أَنْكَرَ الْمَدَائِنِيُّ هَذَا وَقَالَ: إِنَّ عَلِيًّا قُتِلَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ، وَإِنَّ الَّذِي شَهِدَ الصُّلْحَ بَيْنَ الْحَسَنِ وَمُعَاوِيَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ. من حج بالناس في هذه السنة وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ أَرْبَعِينَ - الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ. مبايعة معاوية بإيلياء قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بُويِعَ لِمُعَاوِيَةَ بِإِيلِيَاءَ. يَعْنِي لَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ قَامَ أَهْلُ الشَّامِ فَبَايَعُوا مُعَاوِيَةَ عَلَى إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ لَهُ عِنْدَهُمْ مُنَازِعٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَقَامَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ ؓ، لِيُمَانِعُوا بِهِ أَهْلَ الشَّامِ، فَلَمْ يُتِمَّ لَهُمْ مَا أَرَادُوهُ وَمَا حَاوَلُوهُ، وَإِنَّمَا كَانَ خِذْلَانُهُمْ مِنْ قِبَلِ تَدْبِيرِهِمُ السَّيِّئِ وَآرَائِهِمُ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُخَالِفَةِ لِأُمَرَائِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ لَعَظَّمُوا مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ مُبَايَعَتِهِمُ ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَحَدَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَحُلَمَائِهِمْ وَذَوَى آرَائِهِمْ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا ". وَإِنَّمَا كَمَلَتِ الثَّلَاثُونَ بِخِلَافَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ؓ، فَإِنَّهُ نَزَلَ عَنِ الْخِلَافَةِ لِمُعَاوِيَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَذَلِكَ كَمَالُ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ مَدَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى صَنِيعِهِ هَذَا، وَهُوَ تَرْكُهُ الدُّنْيَا الْفَانِيَةَ، وَرَغْبَتُهُ فِي الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ، وَحَقْنُهُ دِمَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَنَزَلَ عَنِ الْخِلَافَةِ وَجَعَلَ الْمُلْكَ بِيَدِ مُعَاوِيَةَ، حَتَّى تَجْتَمِعَ الْكَلِمَةُ عَلَى أَمِيرٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا الْمَدْحُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ وَسَنُورِدُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ الْمِنْبَرَ يَوْمًا، وَجَلَسَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَانِبِهِ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ أُخْرَى، ثُمَّ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ". وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ عَلِيٌّ ؓ. وَكَانَ عَامِلَهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عَلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ، وَعَلَى الْمَدِينَةِ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقِيلَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِ بُسْرِ بْنِ أَرْطَأَةَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْبَصْرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ عَلَى خِلَافٍ قَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ.
التاريخ 2087لا حكم مسجّل
[رِثَاءُ أَبِي الْأَسْوَدِ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ ؓ ] وَلِأَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ يَرْثِي عَلِيًّا ؓ: أَلَا يَا عَيْنُ وَيْحَكِ أَسْعِدِينَا أَلَا تَبْكِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَا أَتَبْكِي أُمُّ كُلْثُومٍ عَلَيْهِ بِعَبْرَتِهَا وَقَدْ رَأَتِ الْيَقِينَا أَلَا قُلْ لِلْخَوَارِجِ حَيْثُ كَانُوا فَلَا قَرَّتْ عُيُونُ الْحَاسِدِينَا أَفِي شَهْرِ الصِّيَامِ فَجَعْتُمُونَا بِخَيْرِ النَّاسِ طُرًّا أَجْمَعِينَا؟! قَتَلْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَذَلَّلَهَا وَمَنْ رَكِبَ السَّفِينَا وَمَنْ لَبِسَ النِّعَالَ وَمَنْ حَذَاهَا وَمَنْ قَرَأَ الْمَثَانِيَ وَالْمُبِينَا وَكُلُّ مَنَاقِبِ الْخَيْرَاتِ فِيهِ وَحِبُّ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَا لَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ حَيْثُ كَانَتْ بِأَنَّكَ خَيْرُهُمْ حَسَبًا وَدِينَا إِذَا اسْتَقْبَلْتَ وَجْهَ أَبِي حُسَيْنٍ رَأَيْتَ الْبَدْرَ فَوْقَ النَّاظِرِينَا وَكُنَّا قَبْلَ مَقْتَلِهِ بِخَيْرٍ نَرَى مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ فِينَا يُقِيمُ الْحَقَّ لَا يَرْتَابُ فِيهِ وَيَعْدِلُ فِي الْعِدَى وَالْأَقْرَبِينَا وَلَيْسَ بِكَاتِمٍ عِلْمًا لَدَيْهِ وَلَمْ يُخْلَقْ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَا كَأَنَّ النَّاسَ إِذْ فَقَدُوا عَلِيًّا نَعَامٌ حَارَ فِي بَلَدٍ سِنِينَا فَلَا تَشْمَتْ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَخْرٍ فَإِنَّ بَقِيَّةَ الْخُلَفَاءِ فِينَا رثاء عائشة لعلي ؓ قَالَ: وَلَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ قَتْلُ عَلِيٍّ قَالَتْ: فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّتْ بِهَا النَّوَى كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ وَقَالَ بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ التَّاهَرْتِيُّ: قُلْ لِابْنِ مُلْجَمَ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ هَدَمْتَ لِلدِّينِ وَالْإِسْلَامِ أَرْكَانَا قَتَلْتَ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ وَأَعْظَمَ النَّاسِ إِسْلَامًا وَإِيمَانَا وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ بِمَا سَنَّ الرَّسُولُ لَنَا شَرْعًا وَتِبْيَانَا صِهْرَ النَّبِيِّ وَمَوْلَاهُ وَنَاصِرَهُ أَضْحَتْ مَنَاقِبُهُ نُورًا وَبُرْهَانَا وَكَانَ مِنْهُ عَلَى رُغْمِ الْحَسُودِ لَهُ مَكَانُ هَارُونَ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَا ذكرتُ قَاتِلَهُ وَالدَّمْعُ مُنْحَدِرٌ فَقُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ سُبْحَانَا إِنِّي لَأَحْسَبُهُ مَا كَانَ مِنْ أَنَسٍ كَلَّا وَلَكِنَّهُ قَدْ كَانَ شَيْطَانَا قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ [ هَذَا ] بِمَقْتَلِهِ قَبْلَ الْمَنِيَّةِ أَزْمَانًا فَأَزْمَانَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ سُوءَ فَعْلَتِهِ وَلَا سَقَى قَبْرَ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَا يَا ضَرْبَةً مِنْ شَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا بَلْ ضَرْبَةٌ مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَدَتْهُ لَظًى وَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا كَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ إِلَّا لِيَصْلَيَ عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانَا )
التاريخ 2088لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ إِبْرَاهِيمُ الْقِبْطِيُّ إِبْرَاهِيمُ الْقِبْطِيُّ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يُكَنَّى أَبَا رَافِعٍ : شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَاخْتَطَّ بِهَا، وَرَوَى عَنْهُ مِنْ أَهْلِهَا عَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ، وَصَارَ أَبُو رَافِعٍ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَوَلَّاهُ بَيْتَ مَالِ الْكُوفَةِ. وَتُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، ؓ. الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، أَبُو مُحَمَّدٍ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْتَدَّ فَأُخِذَ وَحُمِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ مُقَيَّدًا، فَأَسْلَمَ وَمَنَّ عَلَيْهِ وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ. وَرَوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَ مَعَ سَعْدٍ قِتَالَ الْفُرْسِ بِالْعِرَاقِ، وَكَانَ عَلَى رَايَةِ كِنْدَةَ بِصِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ ؓ، وَحَضَرَ قِتَالَ الْخَوَارِجِ بِالنَّهْرَوَانِ، وَوَرَدَ الْمَدَائِنَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَالَحَ فِيهِ الْحَسَنُ مُعَاوِيَةَ، وَتُوُفِّيَ ابْنَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، أَوْ لُبَابَةُ : رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الرَّوْحَاءِ حِينَ خَرَجَ إِلَى بَدْرٍ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، فَكَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا، وَشَهِدَ أُحُدًا، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى غَزَاةِ السَّوِيقِ، وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعَ الْمَشَاهِدِ، وَلَمَّا اسْتَشَارُوهُ بِبَنِي قُرَيْظَةَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْحُ، ثُمَّ نَدِمَ فَارْتَبَطَ إِلَى أُسْطُوَانَةٍ حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. تَمِيمُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الدَّارِيُّ تَمِيمُ بْنُ أَوْسِ بْنِ خَارِجَةَ بْنِ سُوَيْدٍ الدَّارِيُّ، وَيُكَنَّى أَبَا رُقَيَّةَ : وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ جَمَاعَةِ الدَّارِيَيْنِ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ، فَأَقَامُوا حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ: كُنْتُ بِالشَّامِ حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجْتُ إِلَى بَعْضِ حَاجَتِي، فَأَدْرَكَنِي اللَّيْلُ، فَقُلْتُ: أَنَا فِي جِوَارِ عَظِيمِ هَذَا الْوَادِي اللَّيْلَةَ. قَالَ: فَلَمَّا أَخَذْتُ مَضْجَعِي إِذْ مُنَادٍ يُنَادِي لَا أَرَاهُ: عُذْ بِاللَّهِ فَإِنَّ الْجِنَّ لَا تُجِيرُ أَحَدًا عَلَى اللَّهِ، فَقُلْتُ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ الْأَمِينُ وَصَلَّيْنَا خَلْفَهُ بِالْحُجُونِ وَأَسْلَمْنَا وَاتَّبَعْنَاهُ وَوُهِنَ كَيْدُ الْجِنِّ وَرُمِيَتْ بِالشُّهُبِ، وَانْطَلِقْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأَسْلِمْ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ ذَهَبْتُ إِلَى دَيْرِ أَيُّوبَ فَسَأَلْتُ رَاهِبًا بِهِ وَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ، فَقَالَ: قَدْ صَدَقُوكَ، نَجِدُهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ وَهُوَ خَيْرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَا تُسْبَقْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَتَكَلَّفْتُ الشُّخُوصَ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَسْلَمْتُ. وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَخْتُمُ الْقُرْآنَ فِي سَبْعِ لَيَالٍ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: اسْتَأْذَنَ تَمِيمٌ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ أَنْ يَقُصَّ عَلَى النَّاسِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ ؓ تَحَوَّلَ إِلَى الشَّامِ. الْحَارِثُ بْنُ خَزْمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَبِي بْنِ غَنْمٍ الْحَارِثُ بْنُ خَزْمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَبِي بْنِ غَنْمٍ، أَبُو بَشِيرٍ : شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ غَانِمٍ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ غَانِمٍ : شَهِدَ الْفَتْحَ بِمِصْرَ، وَاخْتَطَّ بِهَا، وَكَانَ أَمِيرَ الْمَدَدِ الَّذِينَ أَمَدَّ بِهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَكَانَ عَلَى شُرْطَةِ مِصْرَ فِي إِمْرَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ، قَتَلَهُ خَارِجِيٌّ بِمِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ أَبُو صَالِحٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ: وَهُوَ صَاحِبُ ذَاتِ النَّحْيَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي ضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ، فَقِيلَ: "أَشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النَّحْيَيْنِ". أَسْلَمَ خَوَّاتٌ وَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [إِلَى بَدْرٍ ]، فَأَصَابَهُ بِالرَّوْحَاءِ حَجَرٌ، فَكُسِرَ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَضَرَبَ لَهُ بِأَجْرِهِ وَبِسَهْمِهِ فَكَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا. وَقَدْ شَهِدَ أُحُدًا وَالْمَشَاهِدَ بَعْدَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأَمَّا قِصَّةُ ذَاتِ النَّحْيَيْنِ: عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ، قَالَ: قَالَ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ: كُنْتُ صَاحِبَ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ - وَالنِّحْيُ الزِّقُّ الصَّغِيرُ - وَإِنِّي أَتَيْتُ سُوقَ عُكَاظَ فَإِذَا أَنَا بِجَارِيَةٍ مَعَهَا نِحْيَانِ مِنْ سَمْنٍ كَأَنَّهَا فَلْقَةُ قَمَرٍ، فَقُلْتُ لَهَا: مَنْ أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا سَلْمَى بِنْتُ يَعَارَ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَقُلْتُ: لَعَلَّ سَمْنَكَ هَذَا مَشُوبًا؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ تَشِيبُ الْحُرَّةُ؟ فَقُلْتُ لَهَا: انْزِلِي إِلَى بَطْنِ الْوَادِي لِأَذُوقَ سَمْنَكِ، فَنَزَلَتْ فَأَخَذْتُ إِحْدَى النِّحْيَيْنِ فَذُقْتُهُ، ثُمَّ قُلْتُ لَهَا: مَا هَذَا بِمَشُوبٍ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيْهَا فِي يَدِهَا مَفْتُوحًا، ثُمَّ أَخَذْتُ الْآخَرَ فَذُقْتُهُ ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيْهَا فِي يَدِهَا الْيُسْرَى، ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَيْهَا فَقَضَيْتُ مِنْهَا حَاجَتِي، وَكَرِهْتُ أَنْ تُرْسِلَهُ، وَكَانَ قُوتَ أَهْلِهَا، فَذَهَبَتْ مَثَلًا: "أَشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ" ثُمَّ أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ إِذَا أَنَا بِبَغِيٍّ مِنْ بَغَايَا الْجَاهِلِيَّةِ قَدْ كَانَتْ لِي خَلًّا فَحَجَبَنِي إِسْلَامِي عَنْهَا، وَدَعَتْنِي نَفْسِي إِلَيْهَا، فَلَمْ أَزَلْ أَلْتَفِتُ إِلَيْهَا حَتَّى تَلَقَّانِي جِدَارُ بَنِي جَذْرَةَ، فَسَالَتِ الدِّمَاءُ وَهُشِّمَ وَجْهِي، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ، فَقَالَ: "مَهْيَمْ" فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "فَلَا تَعُدْ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا". ثُمَّ مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ لَيَالٍ وَأَنَا جَالِسٌ مَعَ نِسْوَانٍ مِنْ نِسْوَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تُنَاشِدْنَنِي وَتُضَاحِكْنَنِي وَتُمَازِحْنَنِي، قَالَ: فَعَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ رَآنِي، قَالَ: فَمَضَى وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْغَدِ غَدَوْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "يَا خَوَّاتُ أَمَا آنَ لِذَلِكَ الْبَعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ شُرُودِهِ" قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَرَدَ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، قَالَ: "صَدَقْتَ وَلَكِنْ لَا تَعُدْ إِلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَإِنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ". [قَالَ ابنُ الجوزيّ رَحِمَهُ اللَّهُ]: قَدْ فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْهَرَوِيُّ وَقَالَ: عَرَضَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقِصَّتِهِ مَعَ ذَاتِ النِّحْيَيْنِ. قَالَ: وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ: "شُرُودُهُ" أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ شَرَدَ فِي الْأَرْضِ خَوْفًا، وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَا كَانَ لِيُعَيِّرَهُ بِشَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا لَامُهُ عَلَى مُجَالَسَتِهِ النِّسْوَانِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ رَوَى ذَلِكَ لَنَا فِي حَدِيثٍ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا. عَنْ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ يُحَدِّثُ أَنَّ خَوَّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ، قَالَ: نَزَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَخَرَجْتُ مِنْ خِبَائِي، فَإِذَا [أَنَا] بِنِسْوَةٍ يَتَحَدَّثْنِ فَأَعْجَبْنَنِي فَرَجَعْتُ، فَاسْتَخْرَجْتُ حُلَّةً لِي مِنْ عَيْبَتِي فَلَبِسْتُهَا، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَيْهِنَّ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُبَّتِهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا يُجْلِسُكَ إِلَيْهِنَّ"؟ قَالَ: فَهِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَمَلٌ لِي شَرُودٌ أَبْتَغِي لَهُ قَيْدًا قَالَ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَبِعْتُهُ، فَأَلْقَى إِلَيَّ رِدَاءَهُ وَدَخَلَ الْأَرَاكَ فَقَضَى حَاجَتَهُ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: " أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا فَعَلَ شِرَادُ جَمَلِكَ؟ " قَالَ: فَتَعَجَّلْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَاجْتَنَبْتُ الْمَسْجِدَ وَمُجَالَسَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ تَحَيَّنْتُ سَاعَةَ خَلْوَةٍ لِلْمَسْجِدِ فَجَعَلْتُ أُصَلِّي، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ فَجَاءَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ، وَطَوَّلْتُ رَجَاءً أَنْ يَذْهَبَ وَيَدَعَنِي، فَقَالَ: "طَوِّلْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا شِئْتَ، فَلَسْتُ بِنَازِحٍ حَتَّى تَنْصَرِفَ" فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَعْتَذِرَنَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَأُبْرِئَنَّ صَدْرَهُ. قَالَ: فَانْصَرَفْتُ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا فَعَلَ شِرَادُ الْجَمَلِ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا شَرَدَ ذَلِكَ الْجَمَلُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، فَقَالَ: "رَحِمَكَ اللَّهُ" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَمْسَكَ عَنِّي فَلَمْ يَعُدْ. تُوُفِّيَ خَوَّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ بِالْمَدِينَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ. لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، أَبُو عَقِيلٍ الشَّاعِرُ : كَانَ يُقَالُ لِأَبِيهِ رَبِيعَةُ الْمُقَتِّرِينَ، لِجُودِهِ وَسَخَائِهِ، قَدِمَ فِي وَفْدٍ فَأَسْلَمُوا وَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَذَلِكَ بَعْدَ وَفَاةِ أَخِيهِ أَرْبَدَ وَعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، ثُمَّ هَاجَرَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ فِي أَيَّامِ عُمَرَ، وَكَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجَوِّدِينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي الْإِسْلَامِ. وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ: أَنْشِدْنِي مَا قُلْتَ مِنَ الشِّعْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، فَقَالَ: قَدْ أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ يَقُلْ لَبِيدٌ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بَيْتًا وَاحِدًا، وَهُوَ هَذَا: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي حَتَّى لَبِسْتُ مِنَ الْإِسْلَامِ سِرْبَالًا قَالَ عَمْرُو بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ، قَالَ: كَانَ لَبِيدٌ مِنْ أَجْوَادِ الْعَرَبِ، وَكَانَ قَدْ آلَى أَلَّا تَهُبُّ الصَّبَا إِلَّا أَطْعَمَ، وَكَانَ لَهُ جَفْنَتَانِ يُغْدَى بِهِمَا وَيُرَاحَ فِي كُلِّ يَوْمٍ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدِ قَوْمِهِ، فَهَبَّتِ الصَّبَا يَوْمًا وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ عَلَى الْكُوفَةِ، فَصَعِدَ الْوَلِيدُ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ أَخَاكُمْ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَلَّا تَهُبَّ الصَّبَا إِلَّا أَطْعَمَ، وَهَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِهِ، وَقَدْ هَبَّتِ الصَّبَا فَأَعِينُوهُ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ فَعَلَ، ثُمَّ نَزَلَ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ بَكْرَةٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِأَبْيَاتٍ قَالَهَا: مَا أَرَى الْجَزَّارَ يَشْحَذُ شَفْرَتَيْهِ إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ أَبِي عَقِيلِ أَشَمَّ الْأَنْفِ أَصْيَدِ عَامِرِيٍّ طَوِيلِ الْبَاعِ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ فَقَالَ لِابْنَتِهِ: أَجِيبِيهِ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ عِشْتُ بُرْهَةً وَمَا أَنْحَنِي بِجَوَابِ شَاعِرٍ، فَقَالَتْ: إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ أَبِي عَقِيلٍ دَعَوْنَا عِنْدَ هِبَتِهَا الْوَلِيدَا أَشَمَّ الْأَنْفِ أَرْوَعَ عَبْشَمِيًّا أَعَانَ عَلَى مُرُوءَتِهِ لَبِيدَا بِأَمْثَالِ الْهِضَابِ كَأَنَّ رَكْبًا عَلَيْهَا مِنْ بَنِي حَامٍ قُعُودًا أَبَا وَهْبٍ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا نَحَرْنَاهَا وَأَطْعَمْنَا الثَّرِيدَا فَعِدْ إِنَّ الْكَرِيمَ لَهُ مَعَادٌ وَظَنِّي بِابْنِ أَرْوَى أَنْ تَعُودَا فَقَالَ لَبِيدٌ: لَقَدْ أَحْسَنْتِ لَوْلَاِ أَنَّكَ اسْتَطْعَمْتِهِ، فَقَالَتْ: إِنَّ الْمُلُوكَ لَا تَسْتَحِي مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ، فَقَالَ: وَأَنْتِ فِي هَذَا يَا بُنِّيَّةُ أَشْعَرُ. وَلَمَّا بَلَغَ لَبِيدٌ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، قَالَ: بَاتَتْ تُشْكَى إِلَيَّ النَّفْسُ مُجْهِشَةً وَقَدْ حَمَلَتْكَ سَبْعًا بَعْدَ سَبْعِينَا فَإِنْ تَرَاءَى ثَلَاثًا تَبْلُغِي أَمَلًا وَفِي الْبِلَادِ وَفَاءٌ لِلثَّمَانِينَا فَلَمَّا بَلَغَ التِّسْعِينَ، قَالَ: كَأَنِّي قَدْ جَاوَزْتُ تِسْعِينَ بَعْدَ مَا خَلَعْتُ بِهَا عَنْ مَنْكِبِي رِدَائِيَا فَلَمَّا بَلَغَ مِائَةً وَعَشْرًا قَالَ: أَلَيْسَ فِي مِائَةٍ قَدْ عَاشَهَا رَجُلٌ وَفِي تَكَامُلِ عَشْرٍ بَعْدَهَا عُمْرُ فَلَمَّا جَاوَزَهَا قَالَ: وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا وَسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ كَيْفَ لَبِيدُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ : أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ، وَبَايَعَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ مِنَ النِّسَاءِ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَتْ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ. وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عُثْمَانَ وَقُدَامَةَ، قَالَا: لَا نَعْلَمُ قُرَشِيَّةً خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ أَبَوَيْهَا مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً إِلَّا أُمَّ كُلْثُومٍ. قَالَتْ: كُنْتُ أَخْرُجُ إِلَى بَادِيَةٍ لَنَا فِيهَا أَهْلِي فَأُقِيمُ بِهَا الثَّلَاثَ وَالْأَرْبَعَ، وَهِيَ نَاحِيَةَ التَّنْعِيمِ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَلَا يُنْكِرُونَ ذَهَابِي الْبَادِيَةَ، حَتَّى أَجْمَعْتُ الْمَسِيرَ، فَخَرَجْتُ يَوْمًا مِنْ مَكَّةَ كَأَنِّي أُرِيدُ الْبَادِيَةَ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنْ تَبِعَنِي إِذَا رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ [قَالَ: أَيْنَ تُرِيدِينَ؟ قُلْتُ: وَمَا مَسْأَلَتُكَ وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ ] اطْمَأْنَنْتُ إِلَيْهِ لِدُخُولِ خُزَاعَةَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَقْدِهِ - فَقُلْتُ: إِنِّي امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنِّي أُرِيدُ اللُّحُوقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا عِلْمَ لِي بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ: أَنَا صَاحِبُكِ حَتَّى أُورِدَكِ الْمَدِينَةَ، ثُمَّ جَاءَنِي بِبَعِيرٍ فَرَكِبْتُهُ فَكَانَ يَقُودُ بِي الْبَعِيرَ، وَلَا وَاللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي بِكَلِمَةٍ حَتَّى إِذَا أَنَاخَ الْبَعِيرَ تَنَحَّى عَنِّي، فَإِذَا نَزَلْتُ جَاءَ إِلَى الْبَعِيرِ فَقَيَّدَهُ بِالشَّجَرِ، وَتَنَحَّى إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ حَتَّى إِذَا كَانَ الرَّوَاحُ خَدَجَ الْبَعِيرَ فَقَرَّبَهُ وَوَلَّى عَنِّي، فَإِذَا رَكِبْتُ أَخَذَ بِرَأْسِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ وَرَاءَهُ حَتَّى أَنْزِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَجَزَاهُ اللَّهُ مِنْ صَاحِبٍ خَيْرًا. فَدَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَا مُتَنَقِّبَةٌ، فَمَا عَرَفَتْنِي حَتَّى كَشَفْتُ النِّقَابَ فَالْتَزَمَتْنِي وَقَالَتْ: هَاجَرْتِ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَرُدَّنِي كَمَا رَدَّ أَبَا جَنْدَلٍ وَأَبَا بَصِيرٍ، وَحَالُ الرِّجَالِ لَيْسَ كَحَالِ النِّسَاءِ، وَالْقَوْمُ مُصْبِحِي قَدْ طَالَتْ غَيْبَتِي عَنْهُمُ الْيَوْمَ خَمْسَةَ أَيَّامٍ مُنْذُ فَارَقْتُهُمْ، وَهُمْ يَتَحَيَّنُونَ قَدْرَ مَا كُنْتُ أَغِيبُ ثُمَّ يَطْلُبُونِي فَإِنْ لَمْ يَجِدُونِي رَحَلُوا. فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْبَرَتْهُ خَبَرَ أُمِّ كُلْثُومٍ، فَرَحَّبَ بِهَا وَسَهَّلَ، فَقُلْتُ: إِنِّي فَرَرْتُ إِلَيْكَ بِدِينِي فَامْنَعْنِي وَلَا تَرُدَّنِي إِلَيْهِمْ يَفْتِنُونِي وَيُعَذِّبُونِي وَلَا صَبْرَ لِي عَلَى الْعَذَابِ، إِنَّمَا أَنَا امْرَأَةٌ وَضَعْفُ النِّسَاءِ عَلَى مَا تَعْرِفُ، وَقَدْ رَأَيْتُكَ رَدَدْتَ رَجُلَيْنِ حَتَّى امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَقَضَ الْعَهْدَ فِي النِّسَاءِ" وَحَكَمَ فِي ذَلِكَ بِحُكْمٍ رَضُوهُ كُلُّهُمْ وَكَانَ يَرُدُّ النِّسَاءَ، فَقَدِمَ أَخَوَاهَا الْوَلِيدُ وَعِمَارَةُ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَا: أَوْفِ لَنَا بِشَرْطِنَا وَمَا عَاهَدْتَنَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "قَدْ نَقَضَ اللَّهُ ذَلِكَ" فَانْصَرَفَا. قَالَ ابنُ الجوزيّ: وَمَعْنَى نَقْضِ الْعَهْدِ فِي النِّسَاءِ، نُزُولُ الِامْتِحَانِ فِي حَقِّهِنَّ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرْأَةِ: وَاللَّهِ مَا أَخْرَجَكِ إِلَّا حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْإِسْلَامِ، وَلَا خَرَجْتِ لِزَوْجٍ وَلَا مَالٍ، فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ تُرِكَتْ وَلَمْ تُرَدَّ. وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ عَذْرَاءَ، فَتَزَوَّجَهَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَلَمَّا قُتِلَ عَنْهَا، تَزَوَّجَهَا الزُّبَيْرُ فَوَلَدَتْ لَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَوَلَدَتْ لَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَمَاتَتْ عِنْدَهُ. شرحبيل بن السمط الكندي وجهجاه الغفاري وَفِيهَا مَاتَ شُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ الْكِنْدِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ. قِيلَ لَهُ صُحْبَةٌ. وَفِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عَلِيٍّ مَاتَ جَهْجَاهُ الْغِفَارِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ. قرظة بن كعب الأنصاري وحسان بن ثابت وَفِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ مَاتَ قَرَظَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيُّ بِالْكُوفَةِ ، ( وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ فِي إِمَارَةِ الْمُغِيرَةِ عَلَى الْكُوفَةِ لِمُعَاوِيَةَ )، شَهِدَ أُحُدًا وَغَيْرَهَا وَشَهِدَ سَائِرَ الْمَشَاهِدِ مَعَ عَلِيٍّ. وَفِيهَا مَاتَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ.
التاريخ 2089لا حكم مسجّل
ولادة الحسن ؓ وفضله خِلَافَةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ [سِتَّةُ أَشْهُرٍ] أَبُو مُحَمَّدٍ، سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَيْحَانَتُهُ، وَآخِرُ الْخُلَفَاءِ بِنَصِّهِ. أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عِمَرَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: (الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ: اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَا سَمَّتِ الْعَرَبُ بِهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ). وُلِدَ الْحَسَنُ ؓ فِي نِصْفَ رَمَضَانَ، سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَرَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثُ. رَوَى عَنْهُ: عَائِشَةُ ؓ، وَخَلَائِقُ مِنَ التَّابِعِينَ؛ مِنْهُمُ: ابْنُهُ الْحَسَنُ، وَأَبُو الْحَوْرَاءِ رَبِيعَةُ بْنُ شَيْبَانَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَأَبُو وَائِلٍ. [شَبَهُهُ بِالنَّبِيَّ ﷺ وَذِكْرُ بَعْضِ فَضَائِلِهِ ؓ وَكَانَ شَبِيهًا بِالنَّبِيِّ ﷺ، سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ الْحَسَنَ، وَعَقَّ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَحَلَقَ شَعْرَهُ وَأَمَرَ أَنْ يُتَصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً، وَهُوَ خَامِسُ أَهْلِ الْكِسَاءِ. قَالَ الْعَسْكَرِيُّ: (لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمُ يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ). وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: (إِنَّ اللَّهَ حَجَبَ اسْمَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ حَتَّى سَمَّى بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ ابْنَيْهِ). وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: (لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ). وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالْحَسَنُ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ». وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ إِلَى جَنْبِهِ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ مَرَّةً وَإِلَيْهِ مَرَّةً يَقُولُ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا». يَعْنِي: الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ». وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وِرْكَيْهِ فَقَالَ: «هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِي، اللَّهُمَّ، إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا». وَأُخْرِجَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ». وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ حَمَلَ الْحَسَنَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: نِعْمَ الْمَرْكَبُ رَكَبْتَ يَا غُلَامُ!! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ». وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: (أَشْبَهُ أَهْلِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، رَأَيْتُهُ يَجِيءُ وَهُوَ سَاجِدٌ فَيَرْكَبُ رَقَبَتَهُ - أَوْ قَالَ: ظَهْرَهُ، فَمَا يُنْزِلُهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَيُفَرِّجُ لَهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدْلِعُ لِسَانَهُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، فَإِذَا رَأَى الصَّبِيَّ حُمْرَةَ اللِّسَانِ.. يَهِشُّ إِلَيْهِ). وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ الْأَقْمَرِ قَالَ: قَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَخْطُبُ، فَقَامَ رَجُلٌ مَنْ أَزِدْ شَنُوءَةَ فَقَالَ: أَشْهَدُ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاضِعَهُ فِي حَبْوَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّنِي.. فَلْيُحِبَّهُ، وَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ». وَلَوْلَا كَرَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ... مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَحَدًا. كَانَ الْحَسَنُ ؓ لَهُ مَنَاقِبُ كَثِيرَةٌ، سَيِّدًا حَلِيمًا، ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَحِشْمَةٍ، جَوَادًا مَمْدُوحًا، يَكْرَهُ الْفِتَنَ وَالسَّيْفَ، تَزَوَّجَ كَثِيرًا، وَكَانَ يُجِيزُ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ بِمِائَةِ أَلْفٍ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: (لَقَدْ حَجَّ الْحَسَنُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ حِجَّةً مَاشِيًا وَإِنَّ النَّجَائِبَ لَتُقَادُ مَعَهُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: (مَا تَكَلَّمَ عِنْدِي أَحَدٌ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ إِذَا تَكَلَّمَ... أَلَّا يَسْكُتَ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَمَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةَ فُحْشٍ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً؛ فَإِنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَعَرَضَ الْحُسَيْنُ أَمْرًا لَمْ يَرْضَهُ عَمْرٌو، فَقَالَ الْحَسَنُ: فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَنَا إِلَّا مَا رَغِمَ أَنْفَهُ، قَالَ: فَهَذِهِ أَشَدُّ كَلِمَةِ فُحْشٍ سَمِعْتُهَا مِنْهُ). [حِلْمُهُ ؓ عَلَى مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرٌ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: (كَانَ مَرْوَانُ أَمِيرًا عَلَيْنَا، فَكَانَ يَسُبُّ عَلِيًّا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَحَسَنٌ يَسْمَعُ فَلَا يَرُدُّ شَيْئًا، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَجُلًا يَقُولُ لَهُ: بِعَلِيٍّ وَبِعَلِيٍّ وَبِعَلِيٍّ وَبِكَ وَبِكَوَبِكَ، وَمَا وَجَدْتُ مَثَلَكَ إِلَّا مَثَلَ الْبَغْلَةِ يُقَالُ لَهَا: مَنْ أَبُوكِ؟ فَتَقُولُ: أُمِّي الْفَرَسُ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: ارْجِعْ إِلَيْهِ؛ فَقُلْ لَهُ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَمْحُو عَنْكَ شَيْئًا مِمَّا قُلْتَ بِأَنْ أَسُبَّكَ، وَلَكِنَّ مَوْعِدِي وَمَوْعِدَكَ اللَّهُ؛ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا... جَزَاكَ اللَّهُ بِصِدْقِكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا... فَاللَّهُ أَشَدُّ نِقْمَةً). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ رُزَيْقِ بْنِ سَوَّارٍ قَالَ: (كَانَ بَيْنَ الْحَسَنِ وَبَيْنَ مَرْوَانَ كَلَامٌ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ مَرْوَانُ، فَجَعَلَ يُغْلِظُ لَهُ، وَحَسَنٌ سَاكِتٌ، فَامْتَخَطَ مَرْوَانُ بِيَمِينِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: وَيْحَكَ؛ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْيَمِينَ لِلْوَجْهِ وَالشَّمَالِ لِلْفَرْجِ؟! أُفٍّ لَكَ!! فَسَكَتَ مَرْوَانُ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ: (جَلَسَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ فَقَالَ: إِنَّكَ جَلَسْتَ إِلَيْنَا عَلَى حِينِ قِيَامٍ مِنَّا، أَفَتَأْذَنُ؟) وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ قَالَ: (خَرَجَ الْحَسَنُ مِنْ مَالِهِ لِلَّهِ مَرَّتَيْنِ، وَقَاسَمَ اللَّهَ مَالَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيُعْطِي نَعْلًا وَيُمْسِكُ نَعْلًا، وَيُعْطِي خُفًّا وَيُمْسِكُ خُفًّا). [كَثْرَةُ زَوَاجِهِ وَطَلَاقِهِ لِتَكْثِيرِ نَسْلِهِ ؓ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: قَالَ: (كَانَ الْحَسَنُ مِطْلَاقًا لِلنِّسَاءِ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ امْرَأَةً... إِلَّا وَهِيَ تُحِبُّهُ، وَأَحْصَنَ تِسْعِينَ امْرَأَةً). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (كَانَ الْحَسَنُ يَتَزَوَّجُ وَيُطَّلِقُ، حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُورِثَنَا عَدَاوَةً فِي الْقَبَائِلِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: (يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ؛ لَا تَزَوَّجُوا الْحَسَنَ؛ فَإِنَّهُ رَجُلٌ مِطْلَاقٌ)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ هَمَدَانَ: وَاللَّهِ لَنُزَوِّجَنَّهُ، فَمَا رَضِيَ... أَمْسَكَ، وَمَا كَرِهَ... طَلَّقَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ، قَالَ: (كَانَ الْحَسَنُ رَجُلًا كَثِيرَ نِكَاحِ النِّسَاءِ، وَكُنَّ قَلَّمَا يَحْظَيْنَ عِنْدَهُ، وَكَانَ قَلَّ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَهَا إِلَّا أَحَبَّتْهُ وَصَبَتْ بِهِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جُوَيْرِيَّةَ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: (لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ... بَكَى مَرْوَانُ فِي جِنَازَتِهِ، فَقَالَ لَهُ حُسَيْنٌ: أَتَبْكِيهِ وَقَدْ كُنْتَ تُجَرِّعُهُ مَا تُجَرِّعُهُ؟! فَقَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَى أَحْلَمَ مِنْ هَذَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْجَبَلِ). وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْمُبَرِّدِ قَالَ: (قِيلَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ يَقُولُ: الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغِنَى، وَالسَّقَمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصِّحَّةِ، فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ!! أَمَّا أَنَا أَقُولُ: مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ... لَمْ يَتَمَنَّ أَنَّهُ فِي غَيْرِ الْحَالَةِ الَّتِي اخْتَارَ اللَّهُ لَهُ، وَهَذَا حَدُّ الْوُقُوفِ عَلَى الرِّضَا بِمَا تَصَرَّفَ بِهِ الْقَضَا). [وَفَاةُ الْحَسَنِ ؓ ] تُوُفِّيَ الْحَسَنُ ؓ بِالْمَدِينَةِ مَسْمُومًا، سَمَّتْهُ زَوْجَتُهُ جَعْدَةُ بِنْتُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، دَسَّ إِلَيْهَا يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنْ تَسُمَّهُ وَيَتَزَوَّجَهَا، فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ... بَعَثَتْ إِلَى يَزِيدَ تَسْأَلُهُ الْوَفَاءَ بِمَا وَعَدَهَا، فَقَالَ: إِنَّا لَمْ نَرْضَكَ لِلْحَسَنِ فَنَرْضَاكَ لِأَنْفُسِنَا؟! وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: فِي خَامِسِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَقِيلَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ، وَجَهِدَ بِهِ أَخُوهُ أَنْ يُخْبِرَهُ مَنْ سَقَاهُ، فَلَمْ يُخْبِرْهُ، وَقَالَ: (اللَّهُ أَشَدُّ نِقْمَةً إِنْ كَانَ الَّذِي أَظُنُّ، وَإِلَّا... فَلَا يُقْتَلُ بِي - وَاللَّهِ - بَرِيءٌ). وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: رَأَى الْحَسَنُ كَأَنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبًا: { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فَاسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَصُّوهَا عَلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَقَالَ: (إِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُ.. فَقَلَّ مَا بَقِيَ مِنْ أَجَلِهِ، فَمَا بَقِيَ إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ). [كَرَامَةٌ لِمَنْ رَجَا الْخَالِقَ وَلَمْ يَرْجُ الْمَخْلُوقَ] وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْمُنْذِرِ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَضَاقَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَكَانَ عَطَاؤُهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ مِائَةَ أَلْفٍ، فَحَبَسَهَا عَنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي إِحْدَى السِّنِينَ، فَأَضَاقَ إِضَاقَةً شَدِيدَةً، قَالَ: فَدَعَوْتُ بِدَوَاةٍ لِأَكْتُبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ لِأُذَكِّرَهُ نَفْسِي، ثُمَّ أَمْسَكْتُ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: «كَيْفَ أَنْتَ يَا حَسَنُ؟» فَقُلْتُ: بِخَيْرٍ يَا أَبَتِ، وَشَكَوْتُ إِلَيْهِ تَأَخُّرَ الْمَالَ عَنِّي، فَقَالَ: «أَدَعَوْتَ بِدَوَاةٍ لِتَكْتُبَ إِلَى مَخْلُوقٍ مِثْلِكَ تُذَكِّرُهُ ذَلِكَ؟!» فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟» فَقَالَ: «قُلِ: اللَّهُمَّ؛ اقْذِفْ فِي قَلْبِي رَجَاءَكَ، وَاقْطَعْ رَجَائِي عَمَّنْ سِوَاكَ حَتَّى لَا أَرْجُوَ أَحَدًا غَيْرَكَ، اللَّهُمَّ وَمَا ضَعُفَتْ عَنْهُ قُوَّتِي، وَقَصُرَ عَنْهُ عَمَلِي، وَلَمْ تَنْتَهِ إِلَيْهِ رَغْبَتِي، وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَسْأَلَتِي، وَلَمْ يَجْرِ عَلَى لِسَانِي مِمَّا أَعْطَيْتَ أَحَدًا مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ الْيَقِينِ... فَخُصَّنِي بِهِ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ». قَالَ: فَوَاللَّهِ؛ مَا أَلْحَحْتُ بِهِ أُسْبُوعًا حَتَّى بَعَثَ إِلَيَّ مُعَاوِيَةُ بِأَلْفِ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَلَا يَخِيبُ مَنْ دَعَاهُ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ: «يَا حَسَنُ؛ كَيْفَ أَنْتَ؟» فَقُلْتُ: بِخَيْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَحَدَّثْتُهُ حَدِيثِي، فَقَالَ: «يَا بُنَيَّ؛ هَكَذَا مَنْ رَجَا الْخَالِقَ وَلَمْ يَرْجُ الْمَخْلُوقَ». [نُصْحُهُ لِأَخِيهِ الْحُسَيْنِ وَتَثْبِيتُ الْحُسَيْنِ لَهُ ؓ ] وَفِي «الطُّيُورِيَّاتِ» عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عِيسَى قَارِئِ أَهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ: (لَمَّا حَضَرَتِ الْحَسَنَ الْوَفَاةُ.. جَزِعَ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: يَا أَخِي؛ مَا هَذَا الْجَزَعُ؟! إِنَّكَ تَرِدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى عَلِيٍّ، وَهُمَا أَبَوَاكَ، وَعَلَى خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ؛ وَهُمَا أُمَّاكَ، وَعَلَى الْقَاسِمِ وَالطَّاهِرِ، وَهُمَا خَالَاكَ، وَعَلَى حَمْزَةَ وَجَعْفَرَ؛ وَهُمَا عَمَّاكَ. فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: أَيْ أَخِي؛ إِنِّي أَدْخُلُ فِي أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَمْ أَدْخُلْ فِي مِثْلِهِ، وَأَرَى خَلْقًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ). قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَرُوِّينَا مِنْ وُجُوهٍ: (أَنَّهُ لَمَّا احْتُضِرَ.. قَالَ لِأَخِيهِ: يَا أَخِي؛ إِنَّ أَبَاكَ اسْتَشْرَفَ لِهَذَا الْأَمْرِ فَصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ، وَوَلِيَهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشْرَفَ لَهَا، فَصُرِفَتْ عَنْهُ إِلَى عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَشُكَّ وَقْتَ الشُّورَى أَنَّهَا لَا تَعْدُوهُ، فَصُرِفَتْ عَنْهُ إِلَى عُثْمَانَ، فَلَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ... بُويِعَ، ثُمَّ نُوزِعَ حَتَّى جَرَّدَ السَّيْفَ، فَمَا صَفَتْ لَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ، مَا أَرَى أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ فِينَا النُّبُوَّةَ وَالْخِلَافَةَ، فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا اسْتَخْلَفَكَ سُفَهَاءُ الْكُوفَةِ فَأَخْرَجُوكَ، وَقَدْ كُنْتُ طَلَبْتُ إِلَى عَائِشَةَ ؓ أَنْ أُدْفَنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَإِذَا مُتُّ... فَاطْلُبْ ذَلِكَ إِلَيْهَا، وَمَا أَظُنُّ الْقَوْمَ إِلَّا سَيَمْنَعُونَكَ، فَإِنْ فَعَلُوا.. فَلَا تُرَاجِعْهُمْ، فَلَمَّا مَاتَ... أَتَى الْحُسَيْنُ عَائِشَةَ ؓ فَقَالَتْ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ، فَمَنَعَهُمْ مَرْوَانُ، فَلَبِسَ الْحُسَيْنُ وَمَنْ مَعَهُ السِّلَاحَ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، ثُمَّ دُفِنَ فِي الْبَقِيعِ إِلَى جَنْبِ أُمِّهِ ؓ ).
التاريخ 2090لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ أول من بايع الحسن ؓ بالخلافة قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَلِيًّا، ؓ لَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ قَالُوا لَهُ: اسْتَخْلِفْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَدَعُكُمْ كَمَا تَرَكَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَنْهُ وَسَلَّمَ - يَعْنِي بِغَيْرِ اسْتِخْلَافٍ - فَإِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِكُمْ خَيْرًا يَجْمَعْكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ، كَمَا جَمَعَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْحَسَنُ، لِأَنَّهُ أَكْبَرُ بَنِيهِ، ؓ، وَدُفِنَ كَمَا ذَكَرْنَا بِدَارِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ شَأْنِهِ كَانَ أَوَّلُ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ؓ، قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ: ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ. فَسَكَتَ الْحَسَنُ، فَبَايَعَهُ ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ بَعْدَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ مَاتَ عَلِيٌّ، وَكَانَ مَوْتُهُ يَوْمَ ضُرِبَ، عَلَى قَوْلٍ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّمَا مَاتَ بَعْدَ الطَّعْنَةِ بِيَوْمَيْنِ. وَقِيلَ: مَاتَ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَمِنْ يَوْمَئِذٍ وَلِيَ الْحَسَنُ ابْنُهُ. خروج الحسن لحرب معاوية ؓ وَكَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى إِمْرَةِ أَذْرَبِيجَانَ تَحْتَ يَدِهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ قَدْ بَايَعُوا عَلِيًّا عَلَى الْمَوْتِ، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيٌّ أَلَحَّ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى الْحَسَنِ فِي النَّفِيرِ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ فَعَزْلَ قَيْسًا عَنْ إِمْرَةِ أَذْرَبِيجَانَ، وَوَلَّى عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي نِيَّةِ الْحَسَنِ أَنْ يُقَاتِلَ أَحَدًا، وَلَكِنْ غَلَبُوهُ عَلَى رَأْيِهِ، فَاجْتَمَعُوا اجْتِمَاعًا عَظِيمًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، فَأَمَرَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَارَ هُوَ بِالْجُيُوشِ فِي إِثْرِهِ قَاصِدًا بِلَادَ الشَّامِ لِيُقَاتِلَ مُعَاوِيَةَ وَأَهْلَ الشَّامِ فَلَمَّا اجْتَازَ بِالْمَدَائِنِ نَزَلَهَا وَقَدَّمَ الْمُقَدِّمَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي الْمَدَائِنِ مُعَسْكِرٌ بِظَاهِرِهَا، إِذْ صَرَخَ فِي النَّاسِ صَارِخٌ: أَلَا إِنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَدْ قُتِلَ. فَثَارَ النَّاسُ فَانْتَهَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى انْتَهَبُوا سُرَادِقَ الْحَسَنِ. حَتَّى نَازَعُوهُ بِسَاطًا كَانَ جَالِسًا عَلَيْهِ، وَطَعَنَهُ بَعْضُهُمْ حِينَ رَكِبَ طَعْنَةً أَشْوَتْهُ، فَكَرِهَهُمُ الْحَسَنُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ رَكِبَ فَدَخَلَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ مِنَ الْمَدَائِنِ فَنَزَلَهُ وَهُوَ جَرِيحٌ، وَكَانَ عَامِلَهُ عَلَى الْمَدَائِنِ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، أَخُو أَبِي عُبَيْدٍ صَاحِبِ يَوْمِ الْجِسْرِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ الْحَسَنُ بِالْقَصْرِ قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبَى عُبَيْدٍ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، لِعَمِّهِ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ: هَلْ لَكَ فِي الشَّرَفِ وَالْغِنَى ؟ قَالَ: وَمَا ذَا ؟ قَالَ: تَأْخُذُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَتُقَيِّدُهُ وَتَبْعَثُ بِهِ إِلَى مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ ! أَأَغْدِرُ بِابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ ! الصلح بين معاوية والحسن ؓ وَلَمَّا رَأَى الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَفَرُّقَ جَيْشِهِ عَلَيْهِ مَقَتَهُمْ، وَكَتَبَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ - وَكَانَ قَدْ رَكِبَ فِي أَهْلِ الشَّامِ فَنَزَلَ مَسْكِنَ - يُرَاوِضُهُ عَلَى الصُّلْحِ بَيْنَهُمَا فَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ الْكُوفَةَ فَبَذَلًا لَهُ مَا أَرَادَ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَاشْتَرَطَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ خَمْسَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَأَنْ يَكُونَ خَرَاجُ دَارَابْجِرْدَ لَهُ، وَأَنْ لَا يُسَبَّ عَلِيٌّ وَهُوَ يَسْمَعُ، فَإِذَا فُعِلَ ذَلِكَ نَزَلَ عَنِ الْإِمْرَةِ لِمُعَاوِيَةَ، وَيَحْقِنُ الدِّمَاءَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. فَاصْطَلَحُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَقَدْ لَامَ الْحُسَيْنُ أَخَاهُ الْحَسَنَ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ، وَالصَّوَابُ مَعَ الْحَسَنِ، ؓ. مبايعة قيس لمعاوية ؓ ثُمَّ بَعَثَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى أَمِيرِ الْمُقَدِّمَةِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَنْ يَسْمَعَ وَيُطِيعَ لِمُعَاوِيَةَ، فَأَبَى قَيْسٌ مِنْ قَبُولِ ذَلِكَ، وَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِمَا جَمِيعًا، وَاعْتَزَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ، ثُمَّ رَاجَعَ الْأَمْرَ فَبَايَعَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَرِيبَةٍ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ. ثُمَّ الْمَشْهُورُ أَنَّ مُبَايَعَةَ الْحَسَنِ لِمُعَاوِيَةَ كَانَتْ فِي سَنَةِ أَرْبَعِينَ، وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُ: عَامُ الْجَمَاعَةِ. لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَائِلِ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. إقامة الحسن في المدينة ثُمَّ ارْتَحَلَ الْحَسَنُ عَنِ الْكُوفَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قَالَ: (قُلْتُ لِلْحَسَنِ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تُرِيدُ الْخِلَافَةَ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ جَمَاجِمُ الْعَرَبِ فِي يَدِي يُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ، وَيُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ، تَرَكْتُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَحَقْنِ دِمَاءِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ أَبْتَزُّهَا بِأَتْيَاسِ أَهْلِ الْحِجَازِ).
التاريخ 2091لا حكم مسجّل
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فِيهَا سَلَّمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبَى سُفْيَانَ . ثُمَّ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ طَفِقَ يُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، مُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ، مُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ. فَارْتَابَ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَقَالُوا: مَا هَذَا لَكُمْ بِصَاحِبٍ. فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى طَعَنُوهُ فَأَشْوَوْهُ، فَازْدَادَ لَهُمْ بُغْضًا، وَازْدَادَ مِنْهُمْ ذُعْرًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ تَفَرُّقَهُمْ وَاخْتِلَافَهُمْ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُسَالِمُهُ وَيُرَاسِلُهُ فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى مَا يَخْتَارَانِ. وَعَنْ أَبَى مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: اسْتَقْبَلَ وَاللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبَى سُفْيَانَ بِكَتَائِبَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: إِنِّي لَأَرَى كَتَائِبَ لَا تُوَلِّي حَتَّى تَقْتُلَ أَقْرَانَهَا. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ، وَكَانَ وَاللَّهِ خَيْرَ الرَّجُلَيْنِ: أَيْ عَمْرُو، إِنَّ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، مَنْ لِي بِأُمُورِ النَّاسِ ؟ مَنْ لِي بِضَيْعَتِهِمْ ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ ؟ فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنَى عَبْدِ شَمْسٍ ; عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ، فَقَالَ: اذْهَبَا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فَاعْرِضَا عَلَيْهِ، وَقُولَا لَهُ، وَاطْلُبَا إِلَيْهِ. فَأَتَيَاهُ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَتَكَلَّمَا، وَقَالَا لَهُ، وَطَلَبَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: إِنَّا بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ أَصَبْنَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا. قَالَا: فَإِنَّهُ يَعْرِضُ عَلَيْكَ كَذَا وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْأَلُكَ. قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا ؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَمَا سَأَلَهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ. فَصَالَحَهُ. قَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ، وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى، وَيَقُولُ: " إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. " قَالَ الْحَسَنُ: فَوَاللَّهِ وَاللَّهِ بَعْدَ أَنْ وَلِيَ لَمْ يُهْرَقْ فِي خِلَافَتِهِ مِلْءُ مِحْجِمَةٍ مِنْ دَمٍ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَسَلَّمَ فَرَدَدْنَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمَضَى، فَقُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ قَدْ سَلَّمَ عَلَيْنَا. قَالَ: فَتَبِعَهُ فَلَحِقَهُ، وَقَالَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا سَيِّدِي. وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " إِنَّهُ سَيِّدٌ ". وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ: كَانَ تَسْلِيمُ الْحَسَنِ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ فِي الْخَامِسِ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ. وَيُقَالُ: فِي غُرَّةِ جُمَادَى الْأُولَى. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. خطبة الحسن بن علي لإعلام الناس بنزوله لأمر معاوية قَالَ: وَحِينَئِذٍ دَخَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْكُوفَةِ فَخَطَبَ النَّاسَ بِهَا بَعْدَ الْبَيْعَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَشَارَ عَلَى مُعَاوِيَةَ أَنْ يَأْمُرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ وَيُعْلِمَهُمْ بِنُزُولِهِ عَنِ الْأَمْرِ لِمُعَاوِيَةَ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ الْحَسَنَ، فَقَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ هَدَاكُمْ بِأَوَّلِنَا، وَحَقَنَ دِمَاءَكُمْ بِآخِرِنَا، وَإِنَّ لِهَذَا الْأَمْرِ مُدَّةً، وَالدُّنْيَا دُوَلٌ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [ الْأَنْبِيَاءِ: 111 ]. فَلَمَّا قَالَهَا غَضِبَ مُعَاوِيَةُ وَأَمَرَهُ بِالْجُلُوسِ، وَعَتَبَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي إِشَارَتِهِ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ لِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تبكيت الناس للحسن على نزوله لأمر معاوية وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ مَا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: سَوَّدْتَ وُجُوهَ الْمُؤْمِنِينَ - أَوْ: يَا مُسَوِّدَ وُجُوهِ الْمُؤْمِنِينَ - فَقَالَ: لَا تُؤَنِّبْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ، فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ يَا مُحَمَّدُ. يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ، وَنَزَلَتْ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يَمْلِكُهَا بَعْدَكَ بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ. قَالَ الْقَاسِمُ: فَعَدَدْنَا فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ، لَا تَزِيدُ يَوْمًا وَلَا تَنْقُصُ. وَعَنْ أَبُو الْغَرِيفِ قَالَ: كُنَّا فِي مُقَدِّمَةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا بِمَسْكِنَ مُسْتَمِيتِينَ، تَقْطُرُ أَسْيَافُنَا مِنَ الْجِدِّ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَيْنَا أَبُو الْعَمَرَّطَةِ، فَلَمَّا جَاءَنَا صُلْحُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ كَأَنَّمَا كُسِرَتْ ظُهُورُنَا مِنَ الْغَيْظِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَامِرٍ سُفْيَانُ بْنُ اللَّيْلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ. فَقَالَ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَبَا عَامِرٍ، لَسْتُ بِمُذِلِّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَقْتُلَهُمْ عَلَى الْمُلْكِ. استقرار الحسن بن علي في المدينة وَلَمَّا تَسَلَّمَ مُعَاوِيَةُ الْبِلَادَ وَدَخْلَ الْكُوفَةَ وَخَطْبَ بِهَا، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ فِي سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالْآفَاقِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ دُهَاةُ الْعَرَبِ، وَقَدْ كَانَ عَزَمَ عَلَى الشِّقَاقِ، وَحَصَلَ عَلَى بَيْعَةِ مُعَاوِيَةَ عَامَئِذٍ الْإِجْمَاعُ وَالِاتِّفَاقُ، تَرَحَّلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَمَعَهُ أَخُوهُ الْحُسَيْنُ وَبَقِيَّةُ إِخْوَتِهِمْ وَابْنُ عَمِّهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ إِلَى أَرْضِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنْ شِيعَتِهِمْ يُبَكِّتُونَهُ عَلَى مَا صَنَعَ مِنْ نُزُولِهِ عَنِ الْأَمْرِ لِمُعَاوِيَةَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ مُصِيبٌ بَارٌّ رَاشِدٌ مَمْدُوحٌ، وَلَيْسَ يَجِدُ فِي صَدْرِهِ حَرَجًا وَلَا تَلَوُّمًا وَلَا نَدَمًا، بَلْ هُوَ رَاضٍ بِذَلِكَ مُسْتَبْشِرٌ بِهِ، وَإِنَّ كَانَ قَدْ سَاءَ هَذَا خُلُقًا مِنْ ذَوِيهِ وَأَهْلِهِ وَشِيعَتِهِ، وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَدٍ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ اتِّبَاعُ السُّنَّةِ وَمَدْحُهُ فِيمَا حَقَنَ بِهِ دِمَاءَ الْأُمَّةِ، كَمَا مَدَحَهُ عَلَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
التاريخ 2044لا حكم مسجّل
خِلَافَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ لَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ ؓ دَخَلَ عَلِيٌّ ؓ مِنْزِلَهُ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَأَتَاهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ قُتِلَ، وَلَا بُدَ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ، وَلَا نَجِدُ الْيَوْمَ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ، لَا أَقْدَمَ سَابِقَةً، وَلَا أَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي أَكُونُ وَزِيرًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ، قَالَ: فَفِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ بَيْعَتِي لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ رِضَا الْمُسْلِمِينَ. فَدَخَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ طَلْحَةُ، وَعَنْ قَيْسٍ، قَالَ: رَأَى أَعْرَابِيٌّ طَلْحَةَ يُبَايِعُ عَلِيًّا ؓ، قَالَ: يَدٌ شَلَّاءُ وَأَمْرٌ لَا يَتِمُّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرَادَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلَ غَزْوَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَلْفِ مَرْكَبٍ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَأَغْرَقَهُمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِيهَا قَامَ عَلِيٌّ ؓ بِإِرْسَالِ عُمَّالِهِ إِلَى الْأَمْصَارِ فَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مِصْرَهُ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اهَُّ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ مِصْرِهِ فَبَايَعَ بَعْضُهُمْ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُبَايِعْ وَبَعْضُهُمْ تَوَقَّفَ حَتَّى يَرَى مَا تَفْعَلُهُ بَقِيَّةُ الْأَمْصَارِ، وَمِنْهُمْ مَنِ امْتَنَعَ أَهْلُ مِصْرِهِ مِنَ الْبَيْعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَأَهْلِ الشَّامِ حَتَّى يُقَادَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ؓ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ، وَالَّتِي أَوْقَعَ فِيهَا الْمُنَافِقُونَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ ؓ بَيْنَ جَيْشَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ؓ وَبَيْنَ جَيْشِ عَلِيٍّ ؓ بَعْدَمَا اتَّفَقُوا عَلَى الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ، فَوَقَعَتْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ الزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ ؓ وَمُحَاوَلَةُ قَتْلِ عَائِشَةَ ؓ مِنْ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ وَمُدَافِعَةِ النَّاسِ عَنْ عَائِشَةَ وَالْجَمَلِ الَّذِي عَلَيْهِ هَوْدَجُهَا ثُمَّ انْتِهَاءُ الْقِتَالِ وَرُجُوعُ عَائِشَةَ ؓ وَإِكْرَامُ عَلِيٍّ ؓ لَهَا. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ صِفِّينَ أَيْضًا بَيْنَ جَيْشِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا ؓ لَمَّا بَلَغَهُ امْتِنَاعُ مُعَاوِيَةَ ؓ خَرَجَ بِالْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ وَدَعَا مُعَاوِيَةَ لِيَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الطَّاعَةِ فَأَبَى إِلَّا أَنْ يُقَادَ أَوَّلًا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ؓ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَجَيْشُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ؓ مُتَوَاجِهَانِ مُتَقَاتِلَانِ فِي صِفِّينَ وَقَدِ اقْتَتَلُوا فِي مُدَّةِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلَّ يَوْمٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ رُبَّمَا اقْتَتَلُوا مَرَّتَيْنِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ تَحَاجَزُوا عَنِ الْقِتَالِ، طَلَبًا لِلصُّلْحِ وَرَجَاءَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ مُهَادَنَةٌ وَمُوَادَعَةٌ يَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَقَدْ جَرَتِ الْعَدِيدُ مِنَ الْمُحَاوَلَاتِ لِلصُّلْحِ كُلُّهَا لَمْ تُفْلِحْ وَظَلَّ الْقِتَالُ حَتَّى رَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ طَالِبِينَ التَّحْكِيمَ، ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ التَّحْكِيمِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ؓ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ ؓ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ؓ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ ؓ وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَخْلَعَا صَاحِبَيْهِمَا ثُمَّ يَتْرُكَا النَّاسَ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يُوَلُّوا وَقَدْ أَعْلَنَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْمَلَأِ فَلَمَّا قَامَ عَمْرٌو وَافَقَهُ عَلَى خَلْعِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى خَلْعِ مُعَاوِيَةَ بَلْ إِثْبَاتُ مُعَاوِيَةَ. وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى عَلِيٍّ ؓ بِالْبَاطِلِ رَافِعِينَ شِعَارَ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أَرَادُوا بِهَا بَاطِلًا وَقَدْ نَاظَرَهُمْ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ؓ وَرَدَّا عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا أَوْرَدُوهُ مِنْ شُبَهَاتٍ فَرَجَعَ عَدَدٌ كَبِيرٌ إِلَى الْجَادَّةِ وَاعْتِقَادِ الْمُسْلِمِينَ وَبَقِيَ مَنْ عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ وَضَلَّ سَعْيُهُ، ثُمَّ تَطَوَّرَتِ الْأَحْدَاثُ فَخَرَجُوا عَلَى الْأُمَّةِ بِالسِّلَاحِ وَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ وَقَتَلُوا امْرَأَتَهُ وَبَقَرُوا بَطْنَهَا وَقَتَلُوا جَنِينَهَا، فَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ ؓ فِي النَّهْرَوَانِ وَكَسَرَهُمْ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَفِيهَا أَخَذَ مُعَاوِيَةُ ؓ مِصْرَ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا عَزَلَ عَلِيٌّ ؓ عَنْهَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَوَلَّاهَا الْأَشْتَرَ فَمَاتَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهَا، فَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَزَمَ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَخْذِ مِصْرَ مِنْهُ فَأَرْسَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَيْهَا فَمَا زَالَ عَمْرٌو بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ إِلَى عَرِيشِ مِصْرَ فِي عَدَدٍ قَلِيلٍ مِنْ جُنْدِهِ وَظَفَرَ بِهِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ فَهَرَبَ وَظَلَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَدِيجٍ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَسَرَهُ وَقَتَلَهُ وَمَثَّلَ بِهِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَفِيهَا فَرَّقَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ جُيُوشًا كَثِيرَةً فِي أَطْرَافِ مُعَامَلَاتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَأَى بَعْدَ أَنْ وَلَّاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِ هُوَ وَأَبُو مُوسَى عَلَى خَلْعِ عَلِيٍّ وَعَزْلِهِ عَنِ الْأَمْرِ - أَنَّ وِلَايَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْمَوْقِعَ، فَهُوَ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ خَالَفُوا عَلِيًّا فَلَا يُطِيعُونَهُ، وَلَا يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ، فَلَا يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهِ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَأَنَا أَوْلَى مِنْهُ ; إِذْ كَانَتْ كَلِمَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ مَجْمُوعَةً عَلَيَّ، وَهُمْ طَائِعُونَ لِي، يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِي، وَكَلِمَتِي نَافِذَةٌ فِيهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَةِ عَلِيٍّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى عَلِيٌّ ؓ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ عَلَى أَرْضِ فَارِسٍ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ عَلِيٍّ ؓ، وَمُحَاوَلَةُ قَتْلِ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو ؓ وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ؓ، قَدِ انْتَقَضَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ، وَخَالَفَهُ جَيْشُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَكَلُوا عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، هَذَا وَأَمِيرُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَهُوَ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَأَخْشَاهُمْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ خَذَلُوهُ وَتَخَلَّوْا عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ وَالْمَالَ الْجَزِيلَ، فَلَا زَالَ هَذَا دَأْبَهُمْ مَعَهُ حَتَّى كَرِهَ الْحَيَاةَ وَتَمَنَّى الْمَوْتَ; وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْمِحَنِ، فَكَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: مَاذَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا - أَيْ مَا يَنْتَظِرُ - مَا لَهُ لَا يَقْتُلُ؟ ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ- وَيُشِيرُ إِلَى لِحْيَتِهِ- مِنْ هَذِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى هَامَتِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ، أَنَّ ثَلَاثَةً مِنَ الْخَوَارِجِ; وَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ. وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا قَتْلَ عَلِيٍّ إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَتَرَحَمُوا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: مَاذَا نَصْنَعُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُمْ؟! كَانُوا مِنْ خَيْرِ النَّاسِ وَأَكْثَرِهِمْ صَلَاةً، وَكَانُوا دُعَاةَ النَّاسِ إِلَى رَبِّهِمْ، لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَلَوْ شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ فَقَتَلْنَاهُمْ فَأَرَحْنَا مِنْهُمُ الْبِلَادَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَ إِخْوَانِنَا. فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَتَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَنْكِصَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ أَوْ يَمُوتَ دُونَهُ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ فَسَمُّوهَا، وَاتَّعَدُوا لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يُبَيِّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ فِي بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. فَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَدْ قَتَلَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَضُرِبَ إِلَّا أَنَّ الضَّرْبَةَ وَقَعَتْ فِي فَخِذِهِ وَعُولِجَ مِنْهَا وَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا وَأَمَّا عَمْرٌو فَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَلَّا يَخْرُجَ لِلصَّلَاةِ كَمَا هِيَ عَادَتُهُ لِمَرَضٍ أَلَمَّ بِهِ فَخَرَجَ خَارِجَةُ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ فَقُتِلَ بَدَلًا مِنْهُ فَقَالَ عَمْرٌو حِينَئِذٍ: أَرَدْتَنِي وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ. فَقَدَّمَهُ عَمْرٌو فَقَتَلَهُ. التَّعْرِيفُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ؓ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، مِنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصَّحَابَةِ ؓ وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَ أَسْلَمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيلَ: تِسْعٌ، وَقِيلَ: ثَمَانٌ، وَقِيلَ: دُونَ ذَلِكَ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ: (وَلَمْ يَعْبُدِ الْأَوْثَانَ قَطُّ; لِصِغَرِهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَلَمَّا هَاجَرَ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ.. أَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ أَيَّامًا; حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ أَمَانَتَهُ وَالْوَدَائِعَ وَالْوَصَايَا الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَلْحَقَهُ بِأَهْلِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ إِلَّا تَبُوكَ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَلَهُ فِي جَمِيعِ الْمَشَاهِدِ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ، وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ اللِّوَاءَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. وَهُوَ زَوْجُ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ﷺ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» وَهُوَ بَلِيغُ الْخُطَبَاءِ خَطِيبُ الْبُلَغَاءِ، الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ الْمُفَسِّرُ الْفَقِيهُ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْجَنَانِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ إِلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ قَهْرًا وَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ قَهْرًا لِمُعَاوِيَةَ ثُمَّ دَخَلَ الْيَمَنَ فَقَتَلَ وَلَدَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ طِفْلَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَدَعَا عَلَيْهِ عَلِيٌّ ؓ. وَفِيهَا كَانَتْ خِلَافَةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ؓ، وَقَدْ عَلِمَ عَجْزَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْخِلَافِ وَالشَّرِّ فَعَمِلَ عَلَى الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَتَوْحِيدِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَمَا قَالَ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفِيهَا سَلَّمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ. فَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ طَفِقَ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، مُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ، مُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ. فَارْتَابَ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَقَالُوا: مَا هَذَا لَكُمْ بِصَاحِبٍ. فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى طَعَنُوهُ فَأَشْوَوْهُ، فَازْدَادَ لَهُمْ بُغْضًا، وَازْدَادَ مِنْهُمْ ذُعْرًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ تَفَرُّقَهُمْ وَاخْتِلَافَهُمْ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُسَالِمُهُ وَيُرَاسِلُهُ فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.