دليل
التاريخ

1. بداية الخلق وقصص الأنبياء

  1. التاريخ 9لا حكم مسجّل

    خَلَقَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ: 29 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فُصِّلَتْ: 9 - 12 ]. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ  لِأَنَّهَا كَالْأَسَاسِ لِلْبِنَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ غَافِرٍ: 64 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا. إِلَى أَنْ قَالَ: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا [ النَّبَأِ: 6 - 13 ]. وَقَالَ: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 30 ]. أَيْ فَصَلْنَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى هَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَنَزَلَتِ الْأَمْطَارُ، وَجَرَتِ الْعُيُونُ وَالْأَنْهَارُ، وَانْتَعَشَ الْحَيَوَانُ. ثُمَّ قَالَ: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 32 ]. أَيْ عَمَّا خُلِقَ فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ، وَالنُّجُومِ الزَّاهِرَاتِ، وَالْأَجْرَامِ النَّيِّرَاتِ، وَمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى حِكْمَةِ خَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [ يُوسُفَ: 105، 106 ]. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [ النَّازِعَاتِ: 27 - 32 ]. فَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَقَدُّمِ خَلْقِ السَّمَاءِ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ، فَخَالَفُوا صَرِيحَ الْآيَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ. فَإِنَّ مُقْتَضَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ دَحْيَ الْأَرْضِ وَإِخْرَاجَ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى مِنْهَا بِالْفِعْلِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُقَدَّرًا فِيهَا بِالْقُوَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا [ فُصِّلَتْ: 10 ]. أَيْ هَيَّأَ أَمَاكِنَ الزَّرْعِ وَمَوَاضِعَ الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ، ثُمَّ لَمَّا أَكْمَلَ خَلْقَ صُورَةِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ دَحَى الْأَرْضَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا فَخَرَجَتِ الْعُيُونُ، وَجَرَتِ الْأَنْهَارُ، وَنَبَتَ الزَّرْعُ وَالثِّمَارُ ; وَلِهَذَا فَسَّرَ الدَّحْىَ بِإِخْرَاجِ الْمَاءِ وَالْمَرْعَى مِنْهَا وَإِرْسَاءِ الْجِبَالِ، فَقَالَ: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَقَوْلُهُ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. أَيْ قَرَّرَهَا فِي أَمَاكِنِهَا الَّتِي وَضَعَهَا فِيهَا وَثَبَّتَهَا وَأَكَّدَهَا وَأَطَّدَهَا. وَقَوْلُهُ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ الذَّارِيَاتِ: 47 - 49 ]. بِأَيْدٍ أَيْ بِقُوَّةٍ، وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ; وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا عَلَا اتَّسَعَ فَكُلُّ سَمَاءٍ أَعْلَى مِنَ الَّتِي تَحْتَهَا فَهِيَ أَوْسَعُ مِنْهَا ; وَلِهَذَا كَانَ الْكُرْسِيُّ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ، وَهُوَ أَوْسَعُ مِنْهُنَّ كُلُّهُنَّ. وَالْعَرْشُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِكَثِيرٍ. وَقَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا. أَيْ بَسَطْنَاهَا وَجَعَلْنَاهَا مَهْدًا أَيْ قَارَّةً سَاكِنَةً غَيْرَ مُضْطَرِبَةٍ وَلَا مَائِدَةٍ بِكُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ. وَالْوَاوُ لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فِي الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا يَقْتَضِي الْإِخْبَارَ الْمُطْلَقَ فِي اللُّغَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ، فَأَتَاهُ نَاسٌ مَنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ " قَالُوا: قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: " اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ " قَالُوا: قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُوا: جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ قَالَ: " كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ " فَنَادَى مُنَادٍ: ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ. فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ، فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا. هَكَذَا رَوَاهُ هَاهُنَا، وَقَدْ رَوَاهُ فِي كِتَابِ الْمَغَازِي وَكِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَهُوَ لَفْظُ النَّسَائِيِّ أَيْضًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقَالَ: خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ فِيهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ آخِرَ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ، بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَوْمَ السَّابِعِ، وَخَلَقَ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ. قُلْتُ: أَمَّا مَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمِ كَذَا، فَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ، وَإِلَّا فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ أَيَّامٌ وَلَيَالٍ، لِأَنَّ الْأَيَّامَ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَاللَّيَالِي عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ غُرُوبِهَا وَطُلُوعِهَا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ سَمَاءٌ، وَلَا شَمْسٌ. وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِقْدَارِ يَوْمٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا

  2. التاريخ 10لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ  ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [ الطَّلَاقِ: 12 ]. ثُمَّ قَالَ: بسنده عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ، فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبِ الْأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا حَدِيثَ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. الْحَدِيثَ. وَمُرَادُهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - تَقْرِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ [ الطَّلَاقِ: 12 ]. أَيْ فِي الْعَدَدِ كَمَا أَنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ الْآنَ اثْنَا عَشَرَ مُطَابَقَةً لِعِدَّةِ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ فِي كِتَابِهِ الْأَوَّلِ فَهَذِهِ مُطَابَقَةٌ فِي الزَّمَنِ كَمَا أَنَّ تِلْكَ مُطَابَقَةٌ فِي الْمَكَانِ. وَالْأَحَادِيثُ في هذه المسألة كَالْمُتَوَاتِرَةِ فِي إِثْبَاتِ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ فَوْقَ الْأُخْرَى، وَالَّتِي تَحْتَهَا فِي وَسَطِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْهَيْئَةِ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إِلَى السَّابِعَةِ، وَهِيَ صَمَّاءُ لَا جَوْفَ لَهَا، وَفِي وَسَطِهَا الْمَرْكَزُ، وَهُوَ نُقْطَةٌ مُقَدَّرَةٌ مُتَوَهَّمَةٌ، وَهُوَ مَحَطُّ الْأَثْقَالِ إِلَيْهِ يَنْتَهِي مَا يَهْبِطُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إِذَا لَمْ يُعَاوِقْهُ مَانِعٌ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُنَّ مُتَرَاكِمَاتٌ بِلَا تُفَاصُلٍ أَوْ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَالَّتِي تَلِيهَا خَلَاءٌ  ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَهَذَا الْخِلَافُ جَارٍ فِي الْأَفْلَاكِ أَيْضًا. وَالظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَبَيْنَ الْأُخْرَى مَسَافَةً لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ [ الطَّلَاقِ: 12 ]. الْآيَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ مَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: الْعَنَانُ وَزَوَايَا الْأَرْضِ، يَسُوقُهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ لَا يَشْكُرُونَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَا يَدْعُونَهُ. أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ فَوْقَكُمْ ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: الرَّقِيعُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ وَسَقْفٌ مَحْفُوظٌ. أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الَّذِي فَوْقَهَا ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ. حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: الْعَرْشُ. أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، ثُمَّ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذِهِ تَحْتَكُمْ ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَرْضٌ. أَتَدْرُونَ مَا تَحْتَهَا ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَرْضٌ أُخْرَى أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ. حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرَضِينَ. ثُمَّ قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ لَوْ دَلَّيْتُمْ أَحَدَكُمْ إِلَى الْأَرْضِ السُّفْلَى السَّابِعَةِ لَهَبَطَ، ثُمَّ قَرَأَ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الْحَدِيدِ: 3 ].. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَذَكَرَهُ، إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ كُلِّ أَرْضَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ صِفَةِ الْعَرْشِ مِنْ حَدِيثِ الْأَوْعَالِ مَا يُخَالِفُ هَذَا فِي ارْتِفَاعِ الْعَرْشِ عَنِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَمَا يَشْهَدُ لَهُ. وَفِيهِ: " وَبُعْدُ مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، وَكِثَفُهَا أَيْ سُمْكُهَا خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ". وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى حَدِيثِ " طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ " أَنَّهَا سَبْعَةُ أَقَالِيمَ ; فَهُوَ قَوْلٌ يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثَ الصَّحِيحَ، وَصَرِيحَ كَثِيرٍ مِنْ أَلْفَاظِهِ مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ثُمَّ إِنَّهُ حَمَلَ الْحَدِيثَ وَالْآيَةَ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِهِمَا بِلَا مُسْتَنَدٍ وَلَا دَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمْ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ تُرَابٍ، وَالَّتِي تَحْتَهَا مِنْ حَدِيدٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ حِجَارَةٍ مِنْ كِبْرِيتٍ، وَالْأُخْرَى مِنْ كَذَا. فَكُلُّ هَذَا إِذَا لَمْ يُخْبَرْ بِهِ وَيَصِحَّ سَنَدُهُ إِلَى مَعْصُومٍ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ. وَهَكَذَا الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ أَرْضٍ مِنَ الْخَلْقِ مِثْلُ مَا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ حَتَّى آدَمَ كَآدَمِكُمْ، وَإِبْرَاهِيمَ كَإِبْرَاهِيمِكُمْ. فَهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مُخْتَصَرًا، وَاسْتَقْصَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ إِنْ صَحَّ نَقْلُهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ؓ أَخَذَهُ عَنِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقيل أَنَّ الْأَرْضَ كَانَ طَبَقًا وَاحِدًا، فَشَقَّهَا سُبْحَانَهُ سَبْعًا، وَكَذَلِكَ السَّمَاءُ  . قَالَ كَعْبٌ: هَذِهِ الْأَرْضُ عَلَى صَخْرَةٍ خَضْرَاءَ فِي كَفِّ مَلَكٍ، وَذَلِكَ الْمَلَكُ قَائِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ، وَذَلِكَ الْحُوتُ مُنْطَوٍ بِالسَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الصَّخْرَةُ عَلَى مَنْكِبَيْ مَلَكٍ وَالْمَلَكُ عَلَى الثَّوْرِ وَالثَّوْرُ عَلَى الْمَاءِ، وَالْمَاءُ مَتْنُ الرِّيحِ. وَقَالَ وَهْبٌ: اسْمُ الْحُوتِ بَهَمُوتُ.

  3. التاريخ 11لا حكم مسجّل

    ذِكْرِ الْبِلَادِ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: تَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مَعْنَى التَّوْرَاةِ أَنَّ الْأَرْضَ عَلَى صِفَةِ النَّسْرِ، فَالرَّأْسُ الشَّامُ، وَالْجَنَاحَانِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، وَالذَّنَبُ الْيَمَنُ، وَلَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَقْرَعِ الرَّأْسَ، فَإِذَا قَرَعَ الرَّأْسَ هَلَكَ النَّاسُ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ: الْأَرْضُ كُلُّهَا سَبْعَةُ أَقَالِيمَ  ، فَالْإِقْلِيمُ الْأَوَّلُ الْهِنْدُ، وَالثَّانِي الْحِجَازُ، وَالثَّالِثُ مِصْرُ، وَالرَّابِعُ بَابِلُ، وَالْخَامِسُ الرُّومُ، وَالسَّادِسُ التُّرْكُ وَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَالسَّابِعُ الصِّينُ، وَمِقْدَارُ كَلِّ إِقْلِيمٍ سَبْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ فِي سَبْعِمِائَةِ فَرْسَخٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْخُلَ فِي ذَلِكَ جَبَلٌ وَلَا وَادٍ، وَالْبَحْرُ الْأَعْظَمُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ، كُلُّهُ يُحِيطُ بِهِ جَبَلُ قَافٍ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ: الأقليم الأول أَمَّا الْإِقْلِيمُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّهُ يَبْتَدِئُ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الصِّينِ، فَيَمُرُّ عَلَى بِلَادِ الصِّينِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي الْجَنُوبَ، وَفِيهِ مَدِينَةُ مَلَكِ الصِّينِ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فِي جَنُوبِ بِلَادِ الْهِنْدِ، ثُمَّ بِلَادِ السِّنْدِ، ثُمَّ يَقْطَعُ الْبَحْرَ إِلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَرْضِ الْيَمَنِ، فَيَكُونُ فِيهِمْ مِنَ الْمَدَائِنِ الْمَعْرُوفَةِ مَدِينَةُ ظِفَارٍ وَعُمَانَ وَحَضْرَمَوْتَ وَصَنْعَاءَ وَعَدْنَ وَالتَّبَّالَةِ وَجَرْشٍ وَسَبَأٍ، ثُمَّ يَقْطَعُ الْإِقْلِيمَ بَحْرُ الْقُلْزُمِ فَيَمُرُّ فِي بِلَادِ الْحَبَشَةِ وَيَقْطَعُ نِيلَ مِصْرَ، وَفِيهِ مَدِينَةُ مِمْلَكَةِ الْحَبَشَةِ، وَتُسَمَّى جُرْمِي [وَتُسَمَّى] دُونْقَلَةَ مَدِينَةَ النُّوبَةِ، ثُمَّ يَمُرُّ الْإِقْلِيمُ فِي أَرْضِ الْمَغْرِبِ عَلَى جَنُوبِ بِلَادِ الْبَرْبَرِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى بَحْرِ الْمَغْرِبِ. الإقليم الثاني وَالْإِقْلِيمُ الثَّانِي: يَبْتَدِئُ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَيَمُرُّ عَلَى بِلَادِ الصِّينِ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى بِلَادِ الْهِنْدِ، ثُمَّ بِبِلَادِ السِّنْدِ، وَفِيهِ مَدِينَةُ الْمَنْصُورَةِ، وَالدَّيْبَلُ، ثُمَّ يَمُرُّ لِمُلْتَقَى الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ وَبَحْرِ الْبَصْرَةِ، وَيَقْطَعُ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ - فِي أَرْضِ نَجْدٍ وَأَرْضِ تِهَامَةَ، وَفِيهِ مِنَ الْمَدَائِنِ: الْيَمَامَةُ، وَالْبَحْرَيْنِ، وَهَجَرَ، وَيَثْرِبُ، وَمَكَّةُ، وَالطَّائِفُ، وَجَدَّةُ، ثُمَّ يَقْطَعُ بَحْرَ الْقُلْزُمِ، وَيَمُرُّ بِصَعِيدِ مِصْرَ، فَيَقْطَعُ النَّيْلَ فِيهِ مِنَ الْمَدَائِنِ تُومِنُ، وَأَخْمِيمُ، وَأَسْوَانُ، ثُمَّ يَمُرُّ فِي أَرْضِ الْمَغْرِبِ عَلَى وَسَطِ بِلَادِ أَفْرِيقِيَّةَ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى بِلَادِ الْبَرْبَرِ، وَيَنْتَهِي إِلَى بَحْرِ الْمَغْرِبِ. الإقليم الثالث وَالْإِقْلِيمُ الثَّالِثُ: يَبْتَدِئُ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَيَمُرُّ عَلَى شَمَالِ بِلَادِ الصِّينِ، ثُمَّ عَلَى بِلَادِ الْهِنْدِ، ثُمَّ عَلَى شَمَالِ بِلَادِ السِّنْدِ، ثُمَّ عَلَى بِلَادِ كَابُلَ وَكَرْمَانَ، وَسِجِسْتَانَ، وَالسِّيرَجَانَ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى سَوَاحِلِ بَحْرِ الْبَصْرَةِ، وَفِيهِ مَدِينَةُ إِصْطَخْرَ، وَنَسَا، وَسَابُورَ، وَشِيرَازَ، وَسَيُرَافَ، مَهْرُوبَانَ، ثُمَّ يَمُرُّ بِكَوْرِ الْأَهْوَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَفِيهِ الْبَصْرَةُ، وَوَاسِطُ، وَبَغْدَادُ، وَالْكُوفَةُ، وَالْأَنْبَارُ، وَهِيتُ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى بِلَادِ الشَّامِ، وَفِيهِ حِمْصُ وَدِمَشْقُ، وَالصُّوَرُ، وَعَكَّا، وَالطَّبَرِيَّةُ، وَقَيْسَارِيَّةُ، وَبَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَالرَّمْلَةُ، وَعَسْقَلَانُ، وَغَزَّةُ، ثُمَّ يَقْطَعُ أَسْفَلَ أَرْضِ مِصْرَ، وَفِيهِ مِنَ الْمُدُنِ هُنَالِكَ تُنِيسُ، وَدِمْيَاطُ، وَفُسْطَاطُ مِصْرَ، وَالْفَيُّومُ، وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَيَنْتَهِي إِلَى بَحْرِ الْمَغْرِب. الإقليم الرابع وَالْإِقْلِيمُ الرَّابِعُ: يَبْتَدِئُ مِنَ الْمَشْرِقِ فَيَمُرُّ بِبِلَادِ التِّبْتِ، ثُمَّ عَلَى خُرَاسَانَ، وَفِيهِ: فَرْغَانَةُ، وَسَمَرْقَنْدُ، وَبَلْخُ، وَبُخَارَى، وَهَرَاةَ، وَمُرْوٌ، وَسَرْخَسُ، وَطُوسٌ، وَنَيْسَابُورُ، وَجُرْجَانُ، وَقَوْمَسُ، وَطَبَرِسْتَانُ، وَقَزْوِينُ، وَالرَّيُّ، وَأَصْفَهَانُ، وَقُمُّ، وَهَمَذَانُ وَنَهَاوَنْدُ، وَالدِّينَوَرُ، وَحُلْوَانُ، وَشَهْرَزُورُ، وَسُرَّ مَنْ رَأَى، وَالْمُوصِلُ، وَبَلَدٌ، وَنَصِيبِينُ، وَآمِدُ، وَرَأْسُ عَينٍ، وَقَالِيقَا، وَسُمَيْسَاطُ، وَحَرَّانُ، وَالرَّقَّةُ، وَقَرْقِيسِيَا، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى شَمَالِ الشَّامِ، وَفِيهِ مِنَ الْمُدُنِ: بِالسِّرِّ، وَمَنْبَجُ، وَمَلَطِيَّةُ، وَحَلَبُ، وَقَنْسَرِينَ، وَأَنْطَاكِيَّةُ، وَطَرَابُلُسُ، وَالْمُصِيصَةُ، وَصَيْدَا، وَأَزْنَةُ، وَطَرْسُوسُ، وَعَمُورِيَّةُ. ثُمَّ يَمُرُّ فِي بَحْرِ الشَّامِ عَلَى جَزِيرَةِ قُبْرُسَ، ثُمَّ فِي أَرْضِ الْمَغْرِبِ عَلَى بِلَادِ طَنْجَةَ، وَيَنْتَهِي إِلَى بَحْرِ الْمَغْرِبِ. الإقليم الخامس وَالْإِقْلِيمُ الْخَامِسُ: يَبْتَدِئُ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ بِلَادِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَى شَمَالِ خُرَاسَانَ، وَفِيهِ: خَوَارِزْمُ، وَشَاشُ، وَأَذْرَبِيجَانُ، وَسِنْجَارُ، وَأَخْلَاطُ، ثُمَّ يَمُرُّ فِي بِلَادِ الرُّومِ عَلَى خَرَشَةَ، وَرُومِيَّةَ، وَيَمُرُّ عَلَى بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى بَحْرِ الْمَغْرِبِ. الإقليم السادس وَالْإِقْلِيمُ السَّادِسُ: يَبْتَدِئُ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَيَمُرُّ عَلَى بِلَادِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ عَلَى بِلَادِ الْخَزْرِ، وَيَمُرُّ عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَيَنْتَهِي إِلَى بَحْرِ الْمَغْرِبِ. الإقليم السابع وَالْإِقْلِيمُ السَّابِعُ: يَبْتَدِئُ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ شَمَالِ بِلَادِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ عَلَى بِلَادِ التُّرْكِ ثُمَّ عَلَى سَوَاحِلِ بَحْرِ جُرْجَانَ، ثُمَّ يَقْطَعُ بَحْرَ الرُّومِ، فَيَمُرُّ عَلَى الصَّقَالِبَةِ، وَيَنْتَهِي إِلَى بَحْرِ الْمَغْرِبِ. وَذَكَرَ غَيْرُهُ: أَنَّ الْمَسْكُونَ مِنَ الْأَرْضِ عَلَى تَفَاوُتِ أَقْطَارِهِ مَقْسُومٌ بَيْنَ سَبْعِ أُمَمٍ، وَهُمْ: الصِّينُ، وَالْهِنْدُ، وَالسُّودَانُ، وَالْبَرْبَرُ، وَالرُّومُ، وَالتُّرْكُ، وَالْفُرْسُ، وَالْفُرْسُ فِي وَسَطِ هَذِهِ الْمَمَالِكِ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْإِقْلِيمُ إِقْلِيمًا لِأَنَّهُ مَقْلُومٌ مِنَ الْأَقَالِيمِ الَّتِي بُنِيَ نَاحِيَتُهُ، أَيْ مَقْطُوعٌ عَنْهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الْأَمْصَارُ الْمَدِينَةُ، وَالشَّامُ، وَمِصْرُ، وَالْجَزِيرَةُ، وَالْكُوفَةُ، وَالْبَصْرَةُ، وَالْبَحْرَيْنِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هِيَ عَشَرَةٌ، فَزَادَ: دِمَشْقُ، وَحِمْصُ، وَالْأُرْدُنُّ، وَفِلَسْطِينُ، وَقَنْسَرِينَ. وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: الْعِرَاقَانِ الْبَصْرَةُ، وَالْكُوفَةُ. وَسَوَادُ الْبَصْرَةِ: الْأَهْوَازُ، وَفَارِسُ. وَسَوَادُ الْكُوفَةِ مَنْ كَسْكُرَ إِلَى حُلْوَانَ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَطْلَيْمُوسَ الْمَلِكِ أَنَّهُ أَحْصَى مُدُنَ الدُّنْيَا فِي زَمَانِهِ، فَإِذَا هِيَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَمِائَتَا مَدِينَةٍ. وَيُقَالُ: بِلَادُ الْأَنْدَلُسِ مَسِيرَةُ شَهْرٍ فِي مَثَلِهِ يَحْتَوِي أَرْبَعِينَ مَدِينَةً، وَبِلَادُ سَرَنْدِيبَ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ فَرْسَخًا فِي مِثْلِهَا، وَفِي بِلَادِ رُومِيَّةَ أَلْفٌ وَمِائَتَا كَنِيسَةٍ، وَأَرْبَعُونَ أَلْفَ حَمَّامٍ، وَبِهَا سُوقٌ لِلطَّيْرِ فَرْسَخٌ، وَلَا يَقْدِرُ غَرِيبٌ أَنْ يَدْخُلَهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ، لِأَنَّ مَدْخَلَهَا دُفُّ تَقْرِيحٍ، وَلَا يَقِفُ عَلَيْهَا إِلَّا أَصْلَهَانُ، وَكَذَلِكَ عَمُورِيَّةُ عَظِيمَةٌ، زَعَمُوا أَنَّ حَوْلَ سُورِهَا أَلْفَ عَمُودٍ وَمِائَتَيْ عَمُودٍ، وَعِشْرِينَ عَمُودًا فِيهَا رَهَابِينُ. عجائب القسطنطينية وَفِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مِنَ الْعَجَائِبِ سَبْعَةُ أَسْوَارٍ سُمْكُ سُورِهَا الْكَبِيرِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَسُمْكُ سُورِ الْفَصِيلِ عَشْرَةُ أَذْرُعٍ، وَسُمْكُ الْفَصِيلِ مِمَّا يَلِي الْبَحْرَ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَحْرِ وَجْهٌ يَكُونُ نَحْوَ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، فِي سُورِهَا مِائَةُ بَابٍ. وَمَمْلَكَةُ الرُّومِ يَدْخُلُ فِيهَا حُدُودُ الصَّقَالِبَةِ، وَمَنْ جَاوَرَهُمْ، وَالسَّرِيرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَزْرِ مَسِيرَةُ فَرْسَخَيْنِ. وَيُقَالُ: كَانَ هَذَا السَّرِيرُ لِبَعْضِ الْأَكَاسِرَةِ، وَدِيوَانُ مَلِكِ الرُّومِ مَوْسُومٌ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ رَجْلٍ، عَلَى كُلِّ عَشْرَةِ آلَافٍ بِطْرِيقٌ، جَزَائِرُ الرُّومِ خَمْسٌ: جَزِيرَةُ قُبْرُصَ، وَدُوْرُهَا مَسِيرَةُ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَجَزِيرَةُ أَقْرِيطِسَ، وَدُوُرَهَا مَسِيرَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَجَزِيرَةُ الرَّاهِبِ، وَبِهَا يُخَصُّ الْخَدَمُ، وَجَزِيرَةُ الْفِضَّةِ، وَجَزِيرَةُ الصَّقَلِّيَّةِ، وَدُورُهَا مَسِيرَةُ خَمْسَةَ عَشْرَةَ يَوْمًا، وَهِيَ بِإِزَاءِ أَفْرِيقِيَّةَ، وَالْحَبَشِيَّةُ عَلَى بَحْرِ الْقَلْزَمِ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمِصْرِ مَفَازَةٌ فِيهَا مَعْدِنُ الذَّهَبِ، وَمَدِينَةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ مِنْ عَمَلِ الرُّومِ، وَالْكَهْفِ فِي جَبَلِ بَابِجِلُوسَ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الرَّقِيمِ فَبِحُرِيَّةَ، وَهِيَ رُسْتَاقٌ بَيْنَ عَمُورِيَّةَ وَبِنْتِيهَ. وَأَمَّا طُولُ بِلَادِ الصِّينِ عَلَى الْبَحْرِ فَمَسِيرَةُ شَهْرَيْنِ بِهَا، وَبِهَا ثَلَاثُمِائَةِ مَدِينَةٍ كُلِّهَا عَامِرَةٌ. وَيُقَالُ مَا دَخَلَ الصِّينَ أَحَدٌ وَاشْتَهَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا سِيَّمَا بِلَادٌ مِنَ الصِّينِ يُدْعَى الْأَشْبِيلَا، يَكُونُ بِهَا الذَّهَبُ الْكَثِيرُ. وَالْهِنْدُ سَبْعَةُ أَجْنَاسٍ، وَهُمْ اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ مِلَّةً، مِنْهُمِ الْبَرَاهِمَةُ. وَمَدِينَةُ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ مِصْرَ أَرْبَعُونَ فَرْسَخًا، بَنَاهَا الْإِسْكَنْدَرُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَهْلَهَا مَكَثُوا سَبْعِينَ سَنَةً لَا يَمْشُونَ فِيهَا بِالنَّهَارِ إِلَّا بِخِرَقٍ سُودٍ حِيَالَ أَعْيُنِهِمْ، مَخَافَةً عَلَى أَبْصَارِهِمْ مِنْ شِدَّةِ بَيَاضِ حِيطَانِهَا. وَفِيهَا الْمَنَارَةُ الَّتِي هِيَ أَحَدُ عَجَائِبِ الدُّنْيَا، يَصْعَدُ عَلَى أَعْلَاهَا مَشْيًا وَلَا يَبِينُ لِمَنْ يَصْعَدُهَا أَنَّهُ يَرْتَقِي، لِأَنَّهُ يَدُورُ وَلَا يَنْقُلُ قَدَمَيْهِ عَلَى دَرَجٍ، إِنَّمَا يَمْشِي كَأَنَّهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَانَ فِيهَا سِوَى أَهْلِهَا سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْيَهُودِ خَوَلًا لِأَهْلِهَا. وَمَدِينَةُ فِرْعَوْنَ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُهَا، كَانَ لَهَا سَبْعُونَ بَابًا، وَجَعَلَ حِيطَانِهَا بِالْحَدِيدِ، وَالصُّفْرِ مَبْنِيَّةً، وَأَجْرَى فِيهَا الْأَنْهَارَ، وَنَصَبَ سَرِيرَهُ فِي وَسَطِ الْأَنْهَارِ، فَكَانَ الْمَاءُ يَجْرِي تَحْتَ سَرِيرِهِ بِمِقْدَارٍ يُسْتَحْسَنُ وَلَا يَضُرُّ. وَيُقَالُ: إِنَّ أَنْزَهَ الْأَرْضِ وَأَجْمَعَهَا طِيبًا  وَحُسْنَ مُسْتَشْرَفٍ سَمَرْقَنْدُ. قَالُوا: وَأَحْسَنُ الْأَرْضِ مَصْنُوعَةُ الرَّيِّ، وَأَحْسَنُهَا مَفْرُوقَةُ جُرْجَانَ وَطَبَرِسْتَانَ، وَأَحْسَنُهَا مُسْتَخْرَجَةً نَيْسَابُورُ، وَأَحْسَنُهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا جُنْدِيسَابُورُ، وَلَهَا حُسْنُ الْأَنْهَارِ، وَأَعْظْمُ بِلَادِ اللَّهِ بِرْكَةُ الشَّامِ  ، وَأَكْثَرُهَا أَنْهَارًا الْبَصْرَةُ، وَأَعْدَلُهَا هَوَاءً الْيَمَنُ وَأَغْنَاهَا مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبُرْسِ أَصْفَهَانُ، وَأَرَشُّهَا الْعِرَاقُ. وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ: أَنَّ جَابُلْقَ وَجَابُلْسَ مَدِينَتَانِ، إِحْدَاهُمَا بِالْمُشْرِقِ، وَالْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ، لَيْسَ وَرَاهُمَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا. وعن عُسَيْلُ بْنُ ذَكْوَانَ، قَالَ: قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: أَحْسَنُ الدُّنْيَا ثَلَاثَةُ أَنْهَارٍ، نَهْرُ الْأَيْلَةِ، وَغُوطَةُ دِمَشْقَ، وَسَمَرْقَنْدَ، وَحُشُوشُ الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ: عُمَانُ، وَأَرْدَبِيلُ، وَهِيتُ. أول قرية عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ الْفَرْعَ أَوَّلُ قَرْيَةٍ مَارَتْ لِأُمِّ إِسْمَاعِيلَ النَّبِيِّ ﷺ الثَّمَرَ بِمَكَّةَ  ، وَكَانَتْ مِنْ عَمَلِ عَادٍ، شُقَّتْ لَهَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ ثُمَّ كَمَّلَتِ السَّبِيلَ فِيهِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: سُمِّيَتْ خُرَاسَانُ بِخُرَاسِمِ الشَّمْسِ، أَيْ مَطْلَعِ الشَّمْسِ. وَحَدُّ خُرَاسَانَ مِنَ الدَّامِغَانِ إِلَى شَطِّ نَهْرِ بَلْخٍ، وَعَرْضُهَا مِنْ حَدِّ زَرَنْجَ إِلَى حَدِّ جُرْجَانَ، وَمُدُنُهَا الْكِبَارُ أَرْبَعَةٌ: نَيْسَابُورُ، وَمَرْوٌ، وَهَرَاةُ، وَبَلْخٌ. وَأَوَّلُهَا مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ نَيْسَابُورُ، بَنَاهَا سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ. وَتَفْسِيرُ خُوَارِزْمَ: أَرْضُ الْهَوَانِ، لِأَنَّ أَهْلَهَا لَا يُطِيعُونَ إِلَى عَلَى هَوَانٍ. بَلْخٌ بَنَاهَا لِهْرَاسِبُ. هَرَاةُ بَنَاهَا الضَّحَّاكُ. مَرْوٌ بَنَاهَا مَرْوُ الشَّاهِجَانُ، تَفْسِيرُ مَرْوٍ: مَرْجٌ، وَالشَّاهُ:الْمَلِكُ، وَالْجَانُ: الرُّوحُ، وَكَأَنَّهُ يُقَالُ: مَرَجَ نَفْسُ الْمَلِكِ. مُوقَانِ، وَأَرْدَبِيلُ، وَالْبَيْلَقَانُ، وَجُرْجَانُ، وَحُورَانُ سُمِّيَتْ بِأَسْمَاءِ أَصْحَابِهَا. حُلْوَانُ بِحُلْوَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ السَّحَّارِ بْنِ قُضَاعَةَ. رَامْهُرْمُزُ بَنَاهَا هُرْمُزُ بْنُ شَابُورُ، وَالْمَذُّ وَالْهِنْدُ إِخْوَانٌ مِنْ أَوْلَادِ سَامٍ. الصِّينُ سُمِّيَتْ بِصِينَ بْنِ يَعْبُرَ بِحَدِّ مَا بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى الطَّائِفِ. تِهَامَةٌ مَا سَائِرَ الْبَحْرِ بِمَكَّةَ. الْمُوصِلُ سُمِّيَتْ لِأَنَّهَا وَصَلَتْ مَا بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَمْلَكَةَ الْإِسْلَامِ شَرْقُهَا أَرْضُ الْهِنْدِ، وَغَرْبُهَا مَمْلَكَةُ الرُّومِ، وَشَمَالُهَا مَمْلَكَةُ الصِّينِ، وَجَنُوبُهَا بَحْرُ فَارِسَ. وَأَمَّا مَمْلَكَةُ فَارِسَ فَشَرْقُهَا بِلَادُ الْإِسْلَامِ، وَغَرْبُهَا وَجَنُوبُهَا الْبَحْرُ الْمُحِيطُ. وعَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَتِ الصِّحَّةُ أَنَا لَاحِقَةٌ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، قَالَ الْجُوعُ: أَنَا مَعَكَ، قَالَ الْإِيمَانُ: أَنَا لَاحِقٌ بِأَرْضِ الشَّامِ، قَالَ الْمَوْتُ: أَنَا مَعَكَ، قَالَ الْمُلْكَ. أَنَا لَاحِقٌ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ، قَالَ الْقَتْلُ: أَنَا مَعَكَ.

  4. التاريخ 12لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْجِبَالِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَلْقَاهَا عَلَيْهَا ; فَاسْتَقَرَّتْ فَتَعَجَّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خَلْقِ الْجِبَالِ، فَقَالَتْ: يَا رَبِّ هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْجِبَالِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ; الْحَدِيدُ. قَالَتْ: يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ; النَّارُ. قَالَتْ يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ; الْمَاءُ. قَالَتْ يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ; الرِّيحُ. قَالَتْ يَا رَبِّ فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ ؟ قَالَ: نَعَمْ ; ابْنُ آدَمَ، يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شَمَالِهِ. تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ أَحْمَدُ. وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ أَعْدَادَ جِبَالِ الْأَرْضِ فِي سَائِرِ بِقَاعِهَا  ، شَرْقًا وَغَرْبًا، وَذَكَرُوا أَطْوَالَهَا، وَبُعْدَ امْتِدَادِهَا، وَارْتِفَاعِهَا، وَأَوْسَعُوا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَطُولُ شَرْحُهُ هُنَا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ [ فَاطِرٍ: 27 ]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: الْجُدُدُ ; الطَّرَائِقُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ: الْغَرَابِيبُ الْجِبَالُ الطِّوَالُ السُّودُ، وَهَذَا هُوَ الْمُشَاهَدُ مِنَ الْجِبَالِ فِي سَائِرِ الْأَرْضِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ بِقَاعِهَا وَأَلْوَانِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْجُودِيَّ عَلَى التَّعْيِينِ ; وَهُوَ جَبَلٌ عَظِيمٌ شَرْقِيَّ جَزِيرَةِ ابْنِ عُمَرَ إِلَى جَانِبِ دِجْلَةَ عِنْدَ الْمَوْصِلِ امْتِدَادُهُ مِنَ الْجَنُوبِ إِلَى الشَّمَالِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَارْتِفَاعُهُ مَسِيرَةُ نِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ أَخْضَرُ ; لِأَنَّ فِيهِ شَجَرًا مِنَ الْبَلُّوطِ، وَإِلَى جَانِبِهِ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا قَرْيَةُ الثَّمَانِينَ ; لِسُكْنَى الَّذِينَ نَجَوْا فِي السَّفِينَةِ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مَوْضِعِهَا فَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ تَعَالَى طُورَ سَيْنَاءَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْبَهَاءُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ " الْمُسْتَقْصَى فِي فَضَائِلِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى " فِي تَرْجَمَةِ الْجِبَالِ الْمُقَدَّسَةِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ بَكْرٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْسَمَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ بِأَرْبَعَةِ أَجْبُلٍ فَقَالَ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [ التِّينِ: 1 - 3 ]. فَالتِّينُ طُورُ رَبِّنَا مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالزَّيْتُونُ طُورُ رَبِّنَا وَطُورُ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. جَبَلُ مَكَّةَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: التِّينُ جَبَلٌ عَلَيْهِ دِمَشْقُ، وَالزَّيْتُونُ جَبَلٌ عَلَيْهِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةُ أَجْبُلٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَبَلُ الْخَلِيلِ، وَلُبْنَانَ، وَالطُّورِ، وَالْجُودِيِّ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لُؤْلُؤَةً بَيْضَاءَ تُضِيءُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَرْجِعْنَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى تُجْعَلَ فِي زَوَايَاهُ نُورًا، وَيَضَعَ عَلَيْهَا كُرْسِيَّهُ حَتَّى يَقْضِيَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الزُّمَرِ: 75 ]. وَمِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي عَاتِكَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى جَبَلِ قَاسْيُونَ أَنْ هَبْ ظِلَّكَ وَبَرَكَتَكَ لِجَبَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ: فَفَعَلَ. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَمَا إِذْ فَعَلْتَ فَإِنِّي سَأَبْنِي لِي فِي حِضْنِكَ بَيْتًا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ الْوَلِيدُ: فِي حِضْنِكَ: أَيْ فِي وَسَطِهِ، وَهُوَ هَذَا الْمَسْجِدُ يَعْنِي مَسْجِدَ دِمَشْقَ أُعْبَدُ فِيهِ بَعْدَ خَرَابِ الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْكَ ظِلَّكَ وَبَرَكَتَكَ. قَالَ: فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ الْمُتَضَرِّعِ. وَعَنْ خَلِيلِ بْنِ دَعْلَجٍ: أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَتَتْ طَرَفَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَصَلَّتْ فِيهِ، وَصَعِدَتْ إِلَى طُورِ رَبِّنَا فَصَلَّتْ فِيهِ، وَبَاتَتْ عَلَى طَرَفِ الْجَبَلِ فَقَالَتْ: مِنْ هَاهُنَا يَتَفَرَّقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِلَى النَّارِ. مِنْ مَشَاهِيرِ الْجِبَالِ قَالَ الْعُلَمَاءُ بِالسِّيَرِ: أَبُو قُبَيْسٍ، هُوَ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ عَلَى الصَّفَا، سُمِّيَ بِرَجُلٍ مِنْ مُذْحِجٍ كَانَ يُكَنَّى أَبَا قُبَيْسٍ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ بَنَى فِيهِ. وَكَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأَمِينَ، لِأَنَّ الرُّكْنَ كَانَ مُسْتَوْدَعًا فِيهِ عَامَ الطُّوفَانِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَخْشَبَيْنِ. وَأُحُدٌ، مِنْ جِبَالِ الْمَدِينَةِ. وَثَوْرٌ، مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ، وَالْأَحْمَرُ جَبَلٌ، وَجُهْدُ جُهَيْنَةَ، مُشْرِفٌ عَلَى قَيْنُقَاعَ كَانَ يُسَمَّى الْأَعْرَفَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. الْحَجُونَ، الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ، الَّذِي بِحِذَاءِ مَسْجِدِ الْبَيْعَةِ الَّذِي يَلِي شِعْبَ الْجَزَّارِينَ. الْمُحَصَّبُ، جَبَلٌ مُشْرِفٌ عَلَى ذِي طُوًى، وَحِضْنُ نَجْدٍ. ذُبَابٌ، جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ. يَذْبُلُ، جَبَلٌ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَطَرِيقِ الْبَصْرَةِ. جَبَلٌ ذُو خَيْشٍ شَمَامٌ، جَبَلُ شِبَامٍ جَبَلٌ بِالْيَمَنِ. الظَّهْرَانِ، جَبَلُ عَسِيبٍ جَبَلٌ لَبَنِي هُذَيْلٍ وَعُشَيْبٌ جَبَلٌ لِقُرَيْشٍ، حَبُّودُ جَبَلٌ، الْمَنَاقِبُ جَبَلٌ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: جَبَلَا طَيٍّ عَظِيمَانِ طَوِيلَا الْمَسِيرِ. جَبَلُ الْعَرْجِ الَّذِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، يَمْضِي إِلَى الشَّامِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِلُبْنَانَ مِنْ حِمْصَ، ثُمَّ يَسِيرُ مِنْ دِمَشْقَ فَيَمْضِي حَتَّى يَتَّصِلَ بِجِبَالِ أَنْطَاكِيَةَ وَالْمَصِيصَةِ، وَيُسَمَّى هُنَالِكَ الْأَكَامَ، ثُمَّ يَتَّصِلُ بِجِبَالِ مَلْطِيَّةِ، وَشُمَيْشَاطَ، وَقَالِيقَلَا أَبَدًا إِلَى بَحْرِ الْخَزْرِ. وَأَمَّا سَاتِيدُ وَتُبَّلٍ فَحِيطَانٌ. وَأَمَّا جِبَالُ سَرَنْدِيبَ فَشَامِخَاتٍ أَيْضًا وَمِنْهَا الْجَبَلُ الَّذِي أُهْبِطَ عَلَيْهِ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَاسْمُهُ وَاشٍ، وَقِيلَ: وَاشِمٌ. وَزَعَمُوا أَنَّ فِيهِ أَثَرَ قَدَمِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ جَبَلٌ عَالٍ يُرَى فِي مَرَاكِبِ الْبَحْرِ مِنْ مَسِيرَةِ أَيَّامٍ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مَسَحُوا أَثَرَ قَدَمِ آدَمَ، فَإِذَا هُوَ مِقْدَارُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، قَالُوا: وَعَلَى هَذَا الْجَبَلِ شَبِيهُ الْبَرْقِ شِتَاءً وَصَيْفًا طُولَ السَّنَةِ لَا يَذْهَبُ، وَحَوْلَ هَذَا الْجَبَلِ يَاقُوتٌ وَأَلْوَانُهُ كَثِيرَةٌ. وَفِي وَادِي هَذَا الْجَبَلِ الْمَاسُ الَّذِي يَقْطَعُ الزُّجَاجَ وَالصُّخُورَ، وَيَثْقُبُ اللُّؤْلُؤَ، وَغَيْرَهُ. وَعَلَى هَذَا الْجَبَلِ الْعُودُ، وَالْفِلْفِلُ وَالْآفَاوِيَةُ وَفِيهِ دَابَّةُ الزَّبَادِ، وَدَوَابُّ الْمِسْكِ، ثُمَّ يَعْدِلُ إِلَى جِبَالِ الصِّينِ، وَفِيهَا أَلْوَانٌ مِنَ النَّبَاتِ وَالطِّيبِ وَالْمَنَافِعِ الْكَثِيرَةِ. جِبَالُ الْأَنْدَلُسِ وَجِبَالُ الْقَمَرِ، فَمَوْصُوفَاتٌ بِالْعَظْمِ طُولًا، وَسَعَةُ الشُّقَّةِ مَسِيرًا. وَأَمَّا جِبَالُ بِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ فَعِظَامٌ كَثِيرَةٌ، جِبَالُ بِلَادِ الرُّومِ، وَمِنْهَا جَبَلُ قَيْسَارِيَّةَ، وَذُو الْكُلَاعِ، وَحَصِيرٌ، وَجَبَلُ الرَّقِيمِ، وَجَبَلُ الرُّومِ الَّذِي اعْتَمَلَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَجَعَلَ وَرَاءَهَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، طُولُهُ سَبْعُمِائَةِ فَرْسَخٍ، بَدْؤُهُ خَارِجَ الْعُمْرَانِ فِي الْإِقْلِيمِ السَّابِعِ، وَطَرَفُ مَبْدَئِهِ مُسْتَقْبِلَ الْمَشْرِقِ، وَيَنْعَطِفُ هَذَا الْجَبَلِ فِي مَوْضِعٍ مَبْدَؤُهُ إِلَى نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ، ثُمَّ يَسْتَقِيمُ فَيَمُرُّ طُولًا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ طُولًا إِلَى الْبَحْرِ الْمُظْلِمِ، فَيَتَّصِلُ بِهِ وَالرُّومُ الْمَعْمُولُ سَدًّا دُونَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ هُوَ فِي وَادٍ مُتَوَسِّطَ هَذَا الْجَبَلِ. جبال ببلاد اليمن وَبِبِلَادِ الْيَمَنِ جَبَلَانِ عَظِيمَانِ مَسِيرَةُ مَا بَيْنَهُمَا فِي السَّهْلِ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ، وَرَأْسُهُمَا مُتَقَارِبَانِ، يُنَاوِلُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ مَا يُرِيدُ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى الْآخَرِ. وَبِالْيَمَنِ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الْمَصَانِعُ، طَوِيلٌ مُمْتَنِعٌ، وَوَرَاءَهُ جَبَلٌ آخَرُ، وَبَيْنَهُمَا فَضْلٌ مُتَقَارِبٌ. وَجِبَالُ فِرِنْجَةَ مِنْ جِبَالِ الْأَنْدَلُسِ، وَهُنَاكَ جَبَلٌ فِيهِ نَارٌ تَتَّقِدُ فِي تُرَابٍ وَحِجَارَةٍ، مَا طُفِئَتْ قَطُّ وَجِبَالُ الصَّقَالِبَةِ، وَبِلَادُ خُرَاسَانَ، وَنَوَاحِي الْمَشْرِقِ كَثِيرَةٌ. وَبِمَكَّةَ أَبُو قُبَيْسٍ، وَحِرَاءُ، وَثَبِيرُ وَبِعَرَفَاتٍ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ كَبْكَبُ، وَبِالْمَدِينَةِ أُحُدٌ، وَدَرْقَانُ، وَعَيْنَيْنِ، وَالْيَسَقُونُ، وَذُبَابٌ، وَسَلْعٌ، وَرَانِجُ، وَجَبَلُ بَنِي عُبْيَدٍ، وَهَمْدَانُ بَيْنَ الْجُحْفَةِ وَقَدِيدٍ، وَطُورُ رِيتَا بِرَأْسِ عَيْنٍ، وَبِبِلَادِ نَجْدٍ جَبَلٌ مُنِيفٌ يُقَالُ لَهُ حِصْنٌ، بِخَيْبَرَ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الرَّقَبَةِ، وَبَيْنَ قَدِيدٍ وَعُسْفَانَ جَبَلٌ يُسَمَّى الْمُشَلَّلَ بِالْكَدِيدِ،وَفِي الْأَرْضِ جِبَالٌ كَثِيرَةٌ لَا تُحْصَى  . تَعَالَى مَنْ يُثْبِتُهَا الْيَوْمَ وَيُسَيِّرُهَا غَدًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَبِالْيَمَنِ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ شَعْبَانُ. فعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّعْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَشْيَاخٌ مِنْ شَعْبَانَ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ عَالِمًا: أَنَّ مَطَرًا أَصَابَ الْيَمَنَ فَجَحَفَتِ السَّيْلُ مَوْضِعًا فَأَبْدَى عَنْ أَزَجَّ عَلَيْهِ بَابٌ مِنْ حِجَارَةٍ، فَكَسَرَ الْغَلَقَ وَدَخَلَ، فَإِذَا بَهْوٌ عَظِيمٌ فِيهِ سَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَإِذَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مُسَجًّى فَشَبَرْنَاهُ فَإِذَا طُولُهُ اثْنَا عَشَرَ شِبْرًا، وَإِذَا عَلَيْهِ حُبَابٌ مِنْ وَشْيٍ مَنْسُوجَةٌ بِالذَّهَبِ، وَإِلَى جَنْبِهِ مِحْجَنٌ مِنْ ذَهَبٍ وَعَلَى رَأْسِهِ [تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ عَلَيْهِ] يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، وَإِذَا رَجُلٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ لَهُ ضَفِيرَتَانِ، وَإِلَى جَنْبِهِ [لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ] مَكْتُوبٌ فِيهِ بِالْحِمْيَرِيَّةِ: "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ رَبَّ حِمْيَرَ، أَنَا حَسَّانُ بْنُ عَمْرٍو الْقِيلُ، إِذْ لَا قِيلَ إِلَّا اللَّهُ، عِشْتُ بِأَمَلٍ وَمُتُّ بِأَجَلٍ أَيَّامَ الطَّاعُونِ هَلَكَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قِيلٍ، فَكُنْتُ آخِرَهُمْ قِيلًا، فَأَتَيْتُ جَبَلَ ذِي شَعْبَيْنِ لِيُجِيرَنِي مِنَ الْمَوْتِ، فَأَخْفِرْنِي، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: هُوَ حَسَّانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَيْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ وَائِلِ بْنِ عَوْنٍ، وَحَسَّانُ هُوَ ذُو الشَّعْبَيْنِ، وَهُوَ جَبَلٌ بِالْيَمَنِ نَزَلَهُ هُوَ وَوَلَدَهُ، فَنُسِبُوا إِلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ بِالْكُوفَةِ قِيلَ: هُمْ شَعْبِيُّونَ، مِنْهُمْ عَامِرُ الشَّعْبِيُّ، وَمَنْ كَانَ بِالشَّامِ قِيلَ لَهُمْ: شَعْبَانِيُّونَ، وَمَنْ كَانَ بِالْيَمَنِ قِيلَ لَهُمْ: آلُ شَعْبَيْنِ وَمَنْ كَانَ بِمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ، قِيلَ لَهُمْ: الْأَشْعُوبُ، وَهُمْ جَمِيعًا بَنُو حَسَّانَ بْنِ عَمْرٍو ذِي شَعْبَيْنِ. وعن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَبُو الْأَشْعَثِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ عَرَّامُ بْنُ الْأَصْبَغِ السُّلَمِيُّ، قَالَ: أسماء جبال تهامة أَسْمَاءُ جِبَالِ تِهَامَةَ وَسُكَّانُهَا  وَمَا فِيهَا مِنَ الْقُرَى وَمَا يَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ الْأَشْجَارِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمِيَاهِ. أَوَّلُهَا رَضْوَى، مِنْ يَنْبُعُ عَلَى يَوْمٍ، وَمِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سَبْعِ مَرَاحِلَ، مَيَامِنُهُ طَرِيقُ مَكَّةَ، مَيَاسِرُهُ طَرِيقُ الْبُرَيْرَاءِ لِمَنْ كَانَ مِصْعَدًا إِلَى مَكَّةَ، وَعَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْبَحْرِ، وَبِحِذَائِهَا عَزْوَرُ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ رَضْوَى طَرِيقُ الْمُعْرِقَةِ، تَخْتَصِرُهُ الْعَرَبُ إِلَى الشَّامِ وَإِلَى مَكَّةَ. وَالْمَدِينَةُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، قَدْرَ شَوْطِ الْفَرَسِ، وَهُمَا جَبَلَانِ شَاهِقَانِ مَنِيعَانِ لَا يَرُوقُهُمَا أُحُدَيْنَا، بِهِمَا الشَّوْحَةُ، وَالنَّبْعُ وَالزَّنَقُ، وَهُوَ شَجَرٌ شِبْهُ الضَّهْيَاءِ، وَالضَّهْيَاءُ شَجَرٌ شِبْهُ الْعُنَّابِ تَأْكُلُهُ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ، لَا ثَمَرَ لَهُ، وَلِلضِّهْيَاءِ ثَمَرٌ شِبْهُ الْعُصْفُرِ لَا يُؤْكَلُ، [وَ] لَا رِيحَ لَهُ وَلَا طَعْمَ. وَفِي الْجَبَلَيْنِ جَمِيعُ مِيَاهٍ وَأَوْشَالٍ، وَالْوَشَلُ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ لَا يُطَوِّرُهَا أَحَدٌ، وَلَا يَعْرَفُ مُتَفَجَّرُهَا، وَيَسْكُنُ وَرَاءَهَا وَأَجْوَازَهَا نَهْدٌ وَجُهَيْنَةُ فِي الْوَبَرِ خَاصَّةً دُونَ الْمَدَرِ، وَلَهُمْ هُنَاكَ يَسَارٌ ظَاهِرٌ. وَيَصُبُّ الْجَبَلَانِ فِي وَادِي غَيْقَةَ، وَغَيْقَةُ تَصُبُّ فِي الْبَحْرِ، وَلَهَا مِسَاكٌ، وَهُوَ مَوْضِعٌ يُمْسِكُ الْمَاءَ. وَمِنْ عَنْ يَمِينَ رَضْوَى لِمَنْ كَانَ مُنْحَدِرًا مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَحْرِ عَلَى لَيْلَةٍ مِنْ رَضْوَى يَنْبُعُ. وَفِيهَا مُغْبَرٌّ، وَهِيَ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ غِنَاءُ، سُكَّانُهَا الْأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَلَيْثٌ أَيْضًا. وَفِيهَا عُيُونٌ عِذَابٌ غَزِيرَةٌ، وَوَادِيهَا يَلِيلُ يَصُبُّ فِي غَيْقَةَ. وَالصَّفْرَاءُ قَرْيَةٌ كَثِيرَةُ النَّخْلِ وَالْمَزَارِعِ، وَمَاؤُهَا عُيُونٌ كُلُّهَا، وَهُوَ فَوْقَ يَنْبُعَ مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ، وَمَاؤُهَا يَجْرِي إِلَى يَنْبُعَ، وَهِيَ لِجُهَيْنَةَ وَالْأَنْصَارِ، وَلِبَنِي فِهْرٍ وَنَهْدٍ. وَرَضْوَى مِنْهَا مِنْ نَاحِيَةِ مَغِيبِ الشَّمْسِ عَلَى يَوْمٍ، وَحَوَالَيْهَا قِنَانٌ - وَاحِدُهَا قِنَّةٌ - وَضَعْضَاعٌ - وَجَمْعُهَا ضَعَاضِعُ - وَ [فِي] وَالْقِنَانِ وَالضَّعَاضِعِ جَبَلٌ صِغَارٌ لَا يُسَمَّى. وَفِي يَلِيلُ هَذَا عَيْنٌ كَبِيرَةٌ تَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ رَمْلٍ مِنْ أَغْزَرِ مَا يَكُونُ مِنَ الْعُيُونِ، وَأَكْثَرُهَا يَجْرِي فِي الرَّمْلِ، فَلَا يُمْكِنُ لِلزَّارِعِينَ عَلَيْهَا [أَنْ يَزْرَعُوا] عَلَيْهَا إِلَّا فِي مَوَاضِعَ يَسِيرَةٍ بَيْنَ أَحْنَاءِ الرَّمْلِ، فِيهَا نَخِيلٌ، وَيُتَّخَذُ فِيهَا الْبُقُولُ وَالْبِطِّيخُ، وَتُسَمَّى هَذِهِ الْعَيْنُ بُحَيْرٌ. وَيَتْلُوهَا الْجَارُ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، تَرْفَأُ إِلَيْهَا السُّفُنُ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَمِصْرَ، وَمِنَ الْبَحْرِينِ وَالصِّينِ. وَبِهَا مِنْبَرٌ، وَهِيَ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ آهِلَةٌ، يَشْرَبُ أَهْلُهَا مِنَ الْبُحَيْرَةِ. وَبِالْجَارِ قُصُورٌ كَثِيرَةٌ، وَنِصْفُ الْجَارِ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ بَحْرِ الْعَرَبِ، وَنِصْفُهَا عَلَى السَّاحِلِ. [وَ] بِحِذَاءِ الْجَارِ قَرْيَةٌ فِي جَزِيرَةٍ مِنَ الْبَحْرِ تَكُونُ مِيلًا فِي مِيلٍ، لَا يُعْبَرُ إِلَيْهَا إِلَّا فِي سُفُنٍ، وَهِيَ مَرْسَا الْحَبَشَةِ خَاصَّةً، يُقَالُ لَهَا: قَرَاقِفُ، وَسُكَّانُهَا تُجَّارٌ كَنَحْوِ أَهْلِ الْجَارِ، وَيُؤْتُونَ بِالْمَاءِ مِنْ فَرْسَخَيْنِ. وَوَادِي يَلِيلَ يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ مِنْ عِنْدَ عُنُقِهِ الْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْمَدِينَةَ - عَنْ يَمِينِ الْمُصْعَدِ إِلَى مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَعَنْ يَسَارِ الْمُصْعِدِينَ مِنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ - جَبَلَانِ يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: ثَافِلٌ الْأَصْغَرُ، وَثَافِلٌ الْأَكْبَرُ، وَهُمَا لِضَمْرَةَ خَاصَّةً، وَهُمْ أَصْحَابُ حَلَالٍ وَدَعَةٍ وَيَسَارٍ. وَبَيْنَهُمَا ثَنِيَّةٌ لَا تَكُونُ رَمْيَةَ سَهْمٍ. وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ رَضْوَى وَعَزْوَرَ لَيْلَتَانِ، نَبَاتُهُمَا الْعَرْعَرُ، وَالْقَرْظُ، وَالظِّيَانُ، وَالْأَيْدَعُ، وَالشِّبْيَامُ، وَالظِّيَانُ [لَهُ] سَاقٌ غَلِيظَةٌ، وَهُوَ كَثِيرُ الشَّوْكِ وَالْحَطَبِ، وَلَهُ سِنْفَةٌ كَسِنْفَةِ الْعَشْرَقِ، وَالسِّنْفَةُ مَا تَدَلَّى كُمًّا مِنْ ثَمَرٍ وَخَرَجَ مِنْ أَغْصَانِهِ، وَالْعَشْرَقُ وَرَقٌ يُشْبِهُ الْحَنْدَقُوقَ مُنْتِنَةُ الرِّيحِ، وَالْأَيْدَعُ شَجَرٌ شِبْهُ الدُّلْبِ إِلَّا أَنَّ أَغْصَانَهُ أَشَدُّ تَقَارُبًا مِنْ أَغْصَانِ الدُّلْبِ، لَهَا وَرْدَةٌ حَمْرَاءُ طَيِّبَةُ الرِّيحِ وَلَيْسَ لَهَا ثَمَرٌ، نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ كَسْرِ شَيْءٍ مِنْ أَغْصَانِهَا [وَ] عَنِ السِّدْرِ وَالتَّنْطُبِ وَالسَّرْحِ وَالشَّبَهَانِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا ذَوَاتُ ظِلَالٍ يَسْكُنُ النَّاسُ فِيهَا مِنَ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ، وَلِلسِّدْرِ ثَمَرٌ، وَلِلتَّنْطُبِ ثَمَرٌ وَيُقَالُ لَهُ الْهَمْقَعُ يُشْبِهُ الْمِشْمِشَ، يُؤْكَلُ طَيِّبًا. وَفِي ثَافِلٍ الْأَصْغَرِ مَاءٌ فِي دِوَارٍ فِي جَوْقَةٍ يُقَالُ لَهَا الْقَاحَةُ، عَذْبَتَانِ غَزِيرَتَانِ وَهُمَا جَبَلَانِ كَبِيرَانِ شَامِخَانِ، وَكُلُّ جِبَالِ تِهَامَةَ تُنْبِتُ الْغُضُورَ، وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ عَزْوَرَ وَرَضْوَى سَبْعُ مَرَاحِلَ، وَبَيْنَ هَذِهِ الْجِبَالِ جِبَالٌ صِغَارٌ وَقُرَادِدُ. وَلِمَنْ صَدَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ مُصْعِدًا أَوَّلَ جَبَلٍ يَلْقَاهُ مِنْ عَنْ يَسَارِهِ وَرْقَانُ، وَهُوَ جَبَلٌ أَسْوَدُ عَظِيمٌ كَأَعْظَمِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجِبَالِ يَنْقَادُ مِنْ سَيَالَةَ إِلَى الْمُتَعَشَّى بَيْنَ الْعَرْجِ وَالرُّوَيْثَةِ، وَفِي وَرْقَانَ أَنْوَاعُ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ كُلِّهِ وَغَيْرُ الْمُثْمِرِ، وَفِيهِ الْقَرْظُ وَالسُّمَاقُ، وَالرُّمَّانُ، وَالْخَزَمُ، وَهُوَ شَجَرٌ يُشْبِهُ وَرَقُهُ وَرَقَ الْبَرَدَى، وَلَهُ سَاقٌ كَسَاقِ النَّخْلَةِ تُتَّخَذُ مِنْهُ الْأَرْشِيَةُ الْجِيَادُ. وَقِيلَ: [بِهِ] أَوْشَالٌ وَعُيُونٌ عِذَابٌ، سُكَّانُهُ بَنُو أَوْسٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، أَهْلُ عَمُودٍ وَلَهُمْ يَسَارٌ. وَهُمْ أَهْلُ صِدْقٍ. وَبِسَفْحِهِ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ سَيَّالَةُ، ثُمَّ الرَّوْحَاءُ، ثُمَّ الرُّوَثْيَةُ، وَيَفْلِقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُدْسِ الْأَبْيَضِ ثَنِيَّةُ بَنِي عَقَبَةَ، يُقَالُ لَهَا وَكْزَبَةُ، ثُمَّ يَقْطَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقُدْسِ الْأَسْوَدِ عَقَبَةٌ يُقَالُ لَهَا: حَمَتٌ. وَنَبَاتُ الْقُدْسَيْنِ جَمِيعًا الْعَرْعَرُ، وَالْقَرْظُ، وَالشَّوْحَطُ. وَالْقُدْسَانِ جَمِيعًا لِمُزَيْنَةَ، وَأَمْوَالُهُمْ مَاشِيَةٌ مِنَ الشَّاءِ وَالْبَعِيرِ، [وَهُمْ] أَهْلُ عَمُودٍ، وَفِيهِ أَوْشَالٌ كَثِيرَةٌ. وَيُقَابِلُهَا مِنْ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ الْمُصْعِدِ جَبَلَانِ يُقَالُ لَهُمَا نَهَبَانِ، نَهَبٌ الْأَسْفَلُ وَنَهَبٌ الْأَعْلَى مَا فِي دِوَارٍ مِنَ الْأَرْضِ بِئْرٌ وَاحِدَةٌ كَبِيرَةٌ غَزِيرَةُ الْمَاءِ مِثْلُهَا، عَلَيْهَا مَبَاطِخُ وَبُقُولُ نَخَلَاتٍ، وَفِي نَهَبٍ الْأَسْفَلِ أَوْشَالٌ. وَفِيهِ الْعَرْجُ، وَوَادِي الْعَرْجِ يُقَالُ لَهُ مُسَيْحَةُ، نَبَاتُهَا الْمَرْخُ وَالْأَرَاكُ وَالثُّمَامُ، وَمِنْ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ مُقَابِلًا قُدْسٌ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ جَبَلٌ مِنْ أَشْمَخِ مَا يَكُونُ مِنَ الْجِبَالِ يُقَالُ لَهَا آرَةٌ، وَهُوَ جَبَلٌ أَحْمَرُ تَخْرُجُ مِنْ جَوَانِبِهِ عُيُونٌ، عَلَى كُلِّ عَيْنٍ مِنْ جَانِبِهِ قَرْيَةٌ، فَمِنْهَا قَرْيَةٌ غِنَاءُ كَبِيرَةٌ يُقَالُ لَهَا: الْفَرْعُ، وَهِيَ لِقُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ وَمُزَيْنَةَ وَمِنْهَا أُمُّ الْعِيَالِ قَرْيَةُ صَدَقَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمِنْهَا قَرْيَةٌ غِنَاءُ كَبِيرَةٌ يُقَالُ لَهَا الْمَضِيقُ. وَمِنْهَا قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا الْعُمْرَةُ، وَقَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: خُضْرَةُ، وَقَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: الْفَغْوَةُ، وَفِي كُلِّ هَذِهِ الْقُرَى نَخِيلٌ وَزَرْعٌ، وَهِيَ مِنَ السُّقْيَا عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ، وَوَادِيهَا يَصُبُّ فِي الْأَبْوَاءِ وَفِي وَدَّانَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْقُرَى. وَالسِّتَارَةُ قَرْيَةٌ تَتَّصِلُ بِجَبَلَةَ وَادِيهَا وَاحِدٌ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ جَبَلَةَ أَوَّلُ قَرْيَةٍ اتُّخِذَتْ بِتِهَامَةَ، وَبِجَبَلَةَ حُصُونٌ مُنْكَرَةٌ مَبْنِيَّةٌ بِالصَّخْرِ، لَا يَرُومُهَا أَحَدٌ. وَشَمَنْصِيرُ جَبَلٌ مُلَمْلَمٌ لَمْ يَعُلْهُ قَطُّ أَحَدٌ، [وَلَا أَدْرِي مَا عَلَى ذُرْوَتِهِ] وَبِأَعْلَاهَا الْقُرُودُ، وَبِغَرْبَيْهِ قَرْيَةٌ بِحِذَائِهَا جَبَلٌ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ ضَعَاضِعُ، وَهَذِهِ الْقَرْيَةُ لِسَعِيدٍ وَبَنِي سُرُوحٍ، وَهُمُ الَّذِينَ نَشَأَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلِهُذَيْلٍ فِيهَا شَيْءٌ، وَلِفَهْمٍ أَيْضًا. وَعَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ جَبَلُ الْأَبْوَاءِ، ثُمَّ هَرْشِي، وَهُوَ عَلَى مُلْتَقَى الشَّامِ وَطَرِيقِ الْمَدِينَةِ، وَهَرْشِي فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ، وَهِيَ هَضْبَةٌ مُلَمْلَمَةٌ لَا يُنْبِتُ اللَّهُ فِيهَا شَيْئًا، وَأَسْفَلَ مِنْهُ وَدَّانُ عَلَى مِيلَيْنِ مِمَّا يَلِي مَغِيبَ الشَّمْسِ مِنْ عَنْ يَمِينِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَحْرُ يَقْطَعُهَا الْمُصِعِدُونَ مِنْ حُجَّاجِ الْمَدِينَةِ وَيَنْصَبُّونَ مِنْهَا مُنْصَرِفِينَ مِنْ مَكَّةَ، وَيَتَّصِلُ بِهَا مِمَّا يَلِي مَغِيبَ الشَّمْسِ مِنْ عَنْ يَمِينِهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَحْرِ خَبْتٌ، وَالْخَبْتُ الرَّمْلُ الَّذِي لَا يَنْبُتُ فِيهِ غَيْرُ الْأَرْطَى، وَهُوَ حَطَبٌ، وَفِيهَا مُتَوَسِّطَ الْخَبْتِ جُبَيْلٌ صَغِيرٌ أَسْوَدُ شَدِيدُ السَّوَادِ يُقَالُ لَهُ: طُفَيْلٌ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ عِنْدَ الْجِبَالِ ثَلَاثَةُ أَوْدِيَةٍ يَنْبُتُ فِيهَا الْأَرَاكُ، وَالْمَرْخُ، وَالدَّوْمُ - وَهُوَ الْمُقْلُ - وَالنَّخْلُ. وَمِنْهَا وَادٍ يُقَالُ لَهُ كُلَيَّةُ، بِأَعْلَاهُ ثَلَاثَةُ أَجْبُلٍ صِغَارٌ مُتَفَرِّقَاتٌ مِنَ الْجِبَالِ، وَدُونَ الْجُحْفَةِ عَلَى مِيلٍ وَادِي غَدِيرُ خُمٍّ، وَوَادِيهِ يَصُبُّ فِي الْبَحْرِ، لَا يُنْبِتُ إِلَّا الْمَرْخَ وَالثُّمَامُ وَالْأَرَاكَ، وَغَدِيرُ خُمٍّ لَا يُفَارِقُهُ أَبَدًا مَاءٌ مِنْ مَاءِ الْمَطَرِ، وَبِهِ نَاسٌ مِنْ خُزَاعَةَ وَكِنَانَةَ. ثُمَّ الشُّرَاةُ، وَهُوَ جَبَلٌ مُرْتَفِعٌ شَامِخٌ يَأْرَّيْهِ الْفَرْدُ، وَيُنْبِتُ النَّبْعَ وَالشَّوْحَطَ وَالْقَرْظَ. ثُمَّ عُسْفَانُ، وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ لِخُزَاعَةَ خَاصَّةً، ثُمَّ الْبَحْرُ، وَتَنْقَطِعُ عَنْكَ الْجِبَالُ ثُمَّ مَرُّ الظَّهْرَانِ، وَمَرُّ هِيَ الْقَرْيَةُ، وَالظَّهْرَانُ الْوَادِي، وَبِمَرَّ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ، وَنَخِيلٌ كَثِيرَةٌ. ثُمَّ تَؤُمُّ مَكَّةَ مُنْحَدِرًا مِنْ بَرِّيَّةٍ يُقَالُ لَهَا جَفْجَفُ. وَتَنْحَدِرُ فِي حَدِّ مَكَّةَ فِي وَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي تُرْبَةَ، تَنْصَبُّ إِلَى بُسْتَانِ بَنِي عَامِرٍ، وَحَوَالَيْهِ [بَيْنَ الْجِبَالِ السُّرَاةُ وَيَسُومُ وَفَرْقَدُ وَ] مَعْدِنُ الْبُرْمِ، وَجَبَلَانِ يُقَالُ لَهُمَا شُوَانَانِ، وَاحِدُهَا شُوَانُ. وَهَذِهِ الْبِلَادُ كُلُّهَا لِغَامِدٍ. وَفِي جِبَالِ السُّرَاةِ الْأَعْنَابُ وَقَصَبُ السُّكَّرِ. من جبال مكة وَمِنْ جِبَالِ مَكَّةَ  : أَبُو قُبَيْسٍ، وَالصَّفَا، وَالْجَبَلُ الْأَحْمَرُ، وَالْجَبَلُ الْأَسْوَدُ، وَمُرْتَفَعٌ يُقَالُ لَهُ الْهَيْلَاءُ، يُقْطَعُ مِنْهُ الْحِجَارَةُ لِلْبِنَاءِ وَلِلْأَرْحَاءِ. وَالْمَرْوَةُ جَبَلٌ [مَائِلٌ] إِلَى الْحُمْرَةِ، وَثَبِيرٌ جَبَلٌ شَامِخٌ يُقَابِلُهُ حِرَاءٌ، وَهُوَ أَرْفَعُ مِنْ ثَبِيرٍ، فِي أَعْلَاهُ قِلَّةٌ شَاهِقَةٌ، وَلَيْسَ فِي جَبَلِ مَكَّةَ نَبَاتٌ إِلَّا شَيْءٌ مِنَ الضَّهْيَاءِ يَكُونُ فِي الْجَبَلِ الْأَحْمَرِ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مَاءٌ. ثُمَّ جِبَالُ عَرَفَاتٍ تَتَّصِلُ بِهَا جِبَالُ الطَّائِفِ، وَفِيهَا مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ الْأَوْشَالِ. وَالْأَخْشَبَانِ جَبَلَانِ بِعَرَفَاتٍ  بَيْنَهُمَا يُعْرَفُ النَّاسُ، وَقُعْيَقَعَانُ قَرْيَةٌ بِهَا مِيَاهٌ كَثِيرَةٌ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ وَفَوَاكِهُ، وَهِيَ الْيَمَانِيَةُ. وَالطَّائِفُ ذَاتُ مَزَارِعَ وَنَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ [وَمَوْزٍ] وَسَائِرِ الْفَوَاكِهِ، وَفِيهَا مِيَاهٌ جَارِيَةٌ وَأَوْدِيَةٌ تَنْصَبُّ مِنْهَا إِلَى تَبَالَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ. وَحَدُّ الْحِجَازِ مِنْ مَعْدِنِ النُّقْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، [فَنِصْفُ الْمَدِينَةِ] حِجَازِيٌّ وَنَصِفُهَا تِهَامِيٌّ، وَمِنَ الْقُرَى الْحِجَازِيِّ بَطْنُ نَخْلٍ، وَبِحِذَاءِ نَخْلٍ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الْأَسْوَدُ، نِصْفُهُ نَجْدِيٌّ وَنِصْفُهُ حِجَازِيٌّ، وَهُوَ جَبَلٌ أَسْوَدُ شَامِخٌ. ثُمَّ الطَّرَفُ لِمَنْ أَمَّ الْمَدِينَةَ يَكْتَنِفُ ثَلَاثَةَ أَجْبُلٍ أَحَدُهَا ظُلْمٌ، وَهُوَ جَبَلٌ أَسْوَدُ شَامِخٌ لَا يُنْبِتُ [فِيهِ] شَيْئًا. وَالشَّوْرَانُ جَبَلٌ مُطِلٌّ عَلَى السَّدِّ كَبِيرٌ مُرْتَفِعٌ  . وَمِنْ قِبَلِ الْمَدِينَةِ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الصَّارِي، وَأُحُدٌ، وَجَبَلٌ حِذَاءَ شَوْرَانَ يُقَالُ لَهُ سِنٌّ، وَجِبَالٌ كِبَارٌ شَوَاهِقُ لَا يُنْبِتُ [فِيهَا] شَيْئًا، بَلْ يُقْطَعُ مِنْهَا الْأَرْحَاءُ وَالصُّخُورُ لِلْبِنَاءِ، تُنْقَلُ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَا حَوَالَيْهَا. وَحِذَاهَا جُبَيْلٌ لَيْسَ بِالشَّامِخِ يُقَالُ لَهُ قُنَّةُ الْحَجَرِ، وَهُنَاكَ وَادٍ. ثُمَّ تَمْضِي مُصْعِدًا نَحْوَ مَكَّةَ، فَتَمِيلُ إِلَى وَادٍ يُقَالُ لَهُ عُرَيْفَطَانُ، لَيْسَ بِهَا مَاءٌ وَلَا رَعْيٌ، وَحِذَاءَهُ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ أَبْلَى، وَفِي أَبْلَى مِيَاهٌ، مِنْهَا بِئْرُ مَعُونَةَ، وَحِذَاءُ أَبْلَى جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْمَوْقِعَةِ مِنْ شَرْقَيْهَا، وَهُوَ جَبَلُ مَعْدِنِ بَنِي سُلَيْمٍ، يَكُونُ بِهِ اللَّازَوَرْدُ كَثِيرًا، وَحِذَاؤُهُ مِنْ عَنْ يَمِينِهِ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ أَحَامِرُ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ. وَجَبَلٌ يُقَالُ لَهُ بُرَثْمٌ، [وَجَبَلٌ] يُقَالُ لَهُ تِعَارُ، وَهُمَا جَبَلَانِ عَالِيَانِ لَا يُنْبِتَانِ شَيْئًا، فِيهِمَا النُّمْرَانُ كَثِيرَةٌ. وَالْخَرِبُ جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، لَا يُنْبِتُ [فِيهِ] شَيْئًا، وَجَبَلٌ يُقَالُ لَهُ أَقْزَاحُ شَامِخٌ مُرْتَفِعٌ أَجْرَدُ، لَا يُنْبِتُ [فِيهِ] شَيْئًا، كَثِيرَةُ النُّمُورِ وَالْأَرَاوِي. ثُمَّ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ صَفَارُ، وَجَبَلٌ يُقَالُ لَهُ شَوَاحِطُ، وَجَبَلٌ لِصُفَيْنَةَ يُقَالُ لَهُ السِّتَارُ، وَبِصُفَيْنَةَ مَزَارِعُ وَنَخِيلٌ كَثِيرَةٌ، يَعْدِلُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْحِجَازِ إِذَا عَطِشُوا، وَجَبَلٌ يُقَالُ لَهُ هَكْرَانُ، وَجَبَلٌ يُقَالُ لَهُ عُنٌّ وَالْوَفْقَا جَبَلٌ لَبَنِي طَالٍ، حِذَاهُ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ: بُسٌّ. وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ قُعَيْقَعَانَ مَوْضِعٌ بِمَكَّةَ اقْتَتَلَ عِنْدَهُ قَبِيلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ فَسُمِّيَ قُعَيْقَعَانَ بِتَقَعْقُعِ السِّلَاحِ فِيهِ. قَالَ: وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ قُعَيْقَعَانُ لِأَنَّ حَرْبَهُمَا كَانَتْ تُجْعَلُ فِيهِ قِسِيُّهَا وَجِعَابُهَا وَدَرَقُهَا فَكَانَتْ تُقَعْقِعُ وَتُصَوِّتُ. قَالَ: وَقُعَيْقَعَانُ جَبَلٌ بِالْأَهْوَازِ  وَمِنْهُ نُحِتَ أَسَاطِينُ مَسْجِدِ الْبَصْرَةِ. قَالَ السُّدِّيُّ: الْجَبَلُ الَّذِي تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ وَرَائِهِ طُولُهُ ثَمَانُونَ فَرْسَخًا. وذَكَرَ قَدَامَةُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَاتِبُ قَالَ: الَّذِي وُجِدَ فِي الْإِقْلِيمِ الْأَوَّلِ مِنَ الْجِبَالِ تِسْعَةَ عَشَرَ جَبَلًا مِنْهَا جَبَلُ سَرَنْدِيبَ، وَطُولُهُ مِائَتَانِ وَنَيِّفٌ وَسِتُّونَ مِيلًا. وَالْإِقْلِيمُ الثَّانِي فِيهِ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ جَبَلًا مِنْهَا جَبَلُ كَرْمَانَ، وَطُولُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَنَيِّفٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا. وَالْإِقْلِيمُ الثَّالِثُ فِيهِ أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ جَبَلًا، وَالْإِقْلِيمُ الرَّابِعُ فِيهِ مِنَ الْجِبَالِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ جَبَلًا، وَمِنْهَا جَبَلُ الثَّلْجِ بِدِمَشْقَ طُولُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ مِيلًا، وَجَبَلُ اللُّكَامِ لِهَذِهِ النَّاحِيَةِ وَطُولُهُ مِائَةُ مِيلٍ، وَجَبَلٌ مُتَّصِلٌ بِحُوَّانَ وَطُولُهُ مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلًا. وَالْإِقْلِيمُ الْخَامِسُ فِيهِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ جَبَلًا. وَفِي الْإِقْلِيمِ السَّادِسِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ جَبَلًا، فَجَمِيعُ مَا عُرِفَ مِنَ الْجِبَالِ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَتِسْعُونَ جَبَلًا  .

  5. التاريخ 13لا حكم مسجّل

    التِّلَاعِ وَالْعُقَابِ وَالتِّلَالِ وَالتِّلَاعُ وَالْعُقَابُ اسْمٌ لِمَا هُوَ دُونَ الْجَبَلِ فِي الرِّفْعَةِ  ، وَكَذَلِكَ الضِّرَابُ وَالصُّوَى، وَذَلِكَ لَا يُحْصَى عَدَدُهُ إِلَّا مِنْ أَعْظِمِهَا عَقَبَةُ هُمَذَانَ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ، بِالْحِجَازِ عَقَبَةُ هَرْشِي، وَبِطَرِيقِ مَكَّةَ مِنْ وَجْهِ الْعِرَاقِ عَقَبَةُ وَاقِصَةَ، فَإِذَا عَلَوْتَ نَحْوَ الْحِجَازِ فَعَقَبَةُ كُرَاعٍ.

  6. التاريخ 14لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الرِّمَالِ   الرِّمَالُ تَتَلَاقَى وَتَنْتَقِلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ إِلَّا أَنَّ مِنَ الرِّمَالِ مَا يُوطِئُ مِنَ الْقَدَمِ، وَمِنْهَا مَا يُوفِضُ فِيهِ الرِّجُلُ لِوَقْتِهِ وَرُبَّمَا ابْتَلَعَ الشَّخْصَ فَمِنَ الرِّمَالِ مَا بَيْنَ الْعِرَاقِ وَالْمَدِينَةِ وَالرِّجْلُ يَثْبُتُ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الرَّمْلُ الَّتِي فِي تِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا بَيْنَ مِصْرَ وَمَكَّةَ وَبِلَادِ الْيَمَنِ فِي أَمَاكِنِ الْقِرَدَةِ، رِمَالُهَا لَيِّنَةٌ يُتَاهُ فِيهَا لِطُولِ الْمَسَافَةِ، وَتَنْقُلُهَا الرِّيحُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فَيَصِيرُ الْوَادِي هَضْبَةً وَالْهَضْبَةُ وَادِيًا فَتَشْتَبِهُ الْمَسَالِكُ. وَبِبِلَادِ الصَّمَدِ فِي الْبَحْرِ الشَّرْقِيِّ الْكَثِيرُ الْأَحْمَرُ، وَأَهْلُهُ عِظَامُ الْأَجْسَامِ سُودُ الْأَلْوَانِ وَرَمْلُ عَالِجَ طَوِيلُ الْمَسَافَةِ.

  7. التاريخ 15لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْقِلَاعِ إِنَّمَا اتَّخَذَ الْمُلُوكَ وَالْجَبَّارُونَ الْقِلَاعَ لِتَعْصِمَهُمْ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ الْمُنَادِي: وَمِنْ أَعْجَبِهَا بُنْيَانًا وَأَمْنَعُهَا قَلْعَةُ مَارْدِينَ، فَإِنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مُصَابَرَةِ الطَّالِبِ أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَوْ نَزَلَ عَلَيْهَا مَلِكٌ بِجَيْشِهِ هَذَا الْمِقْدَارَ لَمَا افْتَتَحَهَا لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ فِيهَا قُوتُ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَتَسَعُ بُيُوتُهَا وَمَنَارَاتُهَا مِنَ الْمُدَّخَرِ هُوَ أَكْثَرُ مِقْدَارًا مِنْ ذَلِكَ، وَفِيهَا مِنَ الْعُيُونِ الْعَذْبَةِ عَشَرَاتٌ كَثِيرَةٌ. وَقَلْعَةُ بَعْلَبَكَّ، وَقَلْعَةُ تَدْمُرَ، وَقَلْعَةُ فَامِيَةَ، وَقَلْعَةُ الشُّوشِ بِالْأَهْوَازِ، وَهُمَا قَلْعَتَانِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى، وَمِثْلُهَا قَلْعَةُ السُّوسِ الْأَقْصَى عَلَى بِنَائِهَا، وَبِبِلَادِ الرُّومِ حُصُونٌ وَقِلَاعٌ كَثِيرَةٌ، وَبِبِلَادِ أَرْمِينِيَّةَ مِنَ الْقِلَاعِ وَالْحُصُونِ أُلُوفٌ أَحْصَنُهَا قَلْعَةُ مَلِيحٍ الْكَبِيرِ، وَبِخُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ وَبِلَادِ الْمَشْرِقِ قِلَاعٌ عَلَى جِبَالٍ شَوَامِخَ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ، وَهُنَالِكَ قَلْعَةُ سُلَيْمَانَ. قَالَ الْحَسَنُ: كَانَ سُلَيْمَانُ يَغْدُو مِنْ جِبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيُقِيلُ بِإِصْطَخْرَ  ثُمَّ يَرُوحُ مِنْ إِصْطَخْرَ فَيَبِيتُ بِقَلْعَةِ خُرَاسَانَ يُقَالُ لَهَا قَلْعَةُ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  8. التاريخ 16لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْأَبْنِيَةِ الْحَصِينَةِ   هِيَ كَثِيرَةُ الْعَدَدِ إِلَّا أَنَّ الْمُشْتَهِرَ الْمُنْتَهَى مِنْهَا مَدِينَةُ فِرْعَوْنِ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُهَا، وَصَرْحُهُ الَّذِي بَنَاهُ لَهُ هَامَانُ، وَمَدَائِنُ كِسْرَى وَخَوَرْنَقُ بَهْرَامَ صُورٌ بِالْكُوفَةِ، وَمَدِينَةُ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَرُومِيَّةُ وَقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَعَمُورَيَّةُ.

  9. التاريخ 17لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْمَعَادِنِ قَدْ أَحْصَى بَعْضُ الْقُدَمَاءِ الْمَعَادِنَ الْمَعْرُوفَةَ كَالْجِصِّ وَالنَّوْرَةِ فَوَجَدُوهَا سَبْعَمِائَةِ مَعْدِنٍ  . قَالُوا: وَلَا يَنْعَقِدُ الْمِلْحُ إِلَّا فِي السَّبْخَةِ، وَالْجِصُّ [إِلَّا] فِي الرَّمْلِ وَالْحَصَى.

  10. التاريخ 18لا حكم مسجّل

    فِي الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ النَّحْلِ: 14 18 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ فَاطِرٍ: 12 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [ الْفُرْقَانِ: 53 ]. وَقَالَ تَعَالَى: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ [ الرَّحْمَنِ: 19، 20 ]. فَالْمُرَادُ بِالْبَحْرَيْنِ: الْبَحْرُ الْمِلْحُ الْمُرُّ وَهُوَ الْأُجَاجُ، وَالْبَحْرُ الْعَذْبُ هُوَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ بَيْنَ أَقْطَارِ الْأَمْصَارِ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ [ الشُّورَى: 32 - 34 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ [ لُقْمَانَ: 31، 32 ]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الْبَقَرَةِ: 164 ]. فَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنَ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ فَالْبَحْرُ الْمُحِيطُ بِسَائِرِ أَرْجَاءِ الْأَرْضِ، وَمَا يَنْبَثِقُ مِنْهُ فِي جَوَانِبِهَا الْجَمِيعُ مَالِحُ الطَّعْمِ مُرٌّ، وَفِي هَذَا حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِصِحَّةِ الْهَوَاءِ ; إِذْ لَوْ كَانَ حُلْوًا لَأَنْتَنَ الْجَوُّ وَفَسَدَ الْهَوَاءُ ; بِسَبَبِ مَا يَمُوتُ فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْعِظَامِ فَكَانَ يُؤَدِّي إِلَى تَفَانِي بَنِي آدَمَ وَفَسَادِ مَعَايِشِهِمْ، فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ. وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبَحْرِ ؟ قَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ. وَأَمَّا الْأَنْهَارُ فَاقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ مَاؤُهَا حُلْوًا عَذْبًا جَارِيًا فُرَاتًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَجَعَلَهَا جَارِيَةً سَارِحَةً يُنْبِعُهَا تَعَالَى فِي أَرْضٍ، وَيَسُوقُهَا إِلَى أُخْرَى رِزْقًا لِلْعِبَادِ، وَمِنْهَا كِبَارٌ وَمِنْهَا صِغَارٌ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ أَصْحَابُ عِلْمِ الْهَيْئَةِ وَالتَّسْيِيرِ عَلَى تَعْدَادِ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ، وَأُصُولِ مَنَابِعِهَا، وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي سَيْرُهَا بِكَلَامٍ فِيهِ حِكَمٌ، وَدَلَالَاتٌ عَلَى قُدْرَةِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ وَالْحِكْمَةِ. البحر المسجور وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ [ الطُّورِ: 6 ]. فِيهِ قَوْلَانِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْبَحْرُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ، وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَهُوَ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ الْمَطَرُ قَبْلَ الْبَعْثِ فَتَحْيَا مِنْهُ الْأَجْسَادُ مِنْ قُبُورِهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَحْرَ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ سَائِرَ الْبِحَارِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ فَقِيلَ: الْمَمْلُوءُ. وَقِيلَ: يَصِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا تُؤَجَّجُ فَيُحِيطُ بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ. كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ: الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ الْمَحْرُوسُ عَنْ أَنْ يَطْغَى فَيَغْمُرَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا فَيَغْرَقُوا. رَوَاهُ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ وَغَيْرِهِ. وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: قَالَ: لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذَا مِنْ نِعَمِهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ كَفَّ شَرَّ الْبَحْرِ عَنْ أَنْ يَطْغَى عَلَيْهِمْ، وَسَخَّرَهُ لَهُمْ يَحْمِلُ مَرَاكِبَهُمْ لِيَبْلُغُوا عَلَيْهَا إِلَى الْأَقَالِيمِ النَّائِيَةِ بِالتِّجَارَاتِ وَغَيْرِهَا، وَهَدَاهُمْ فِيهِ بِمَا خَلَقَهُ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنَ النُّجُومِ، وَالْجِبَالِ الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ عَلَامَاتٍ يَهْتَدُونَ بِهَا فِي سَيْرِهِمْ، وَبِمَا خَلَقَ لَهُمْ فِيهِ حِلْيَةً يَلْبَسُونَهَا مِنَ اللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ الْعَزِيزَةِ الْحَسَنَةِ الثَّمِينَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهِ، وَبِمَا خَلَقَ فِيهِ مِنَ الدَّوَابِّ الْغَرِيبَةِ، وَأَحَلَّهَا لَهُمْ حَتَّى مَيْتَتَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ [ الْمَائِدَةِ: 96 ]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ ; السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: كَلَّمَ اللَّهُ هَذَا الْبَحْرَ الْغَرْبِيَّ، وَكَلَّمَ الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ لِلْغَرْبِيِّ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي فَكَيْفَ أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ ؟ قَالَ: أُغْرِقُهُمْ. قَالَ: بَأْسُكَ فِي نَوَاحِيكَ. وَحَرَمَهُ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ، وَكَلَّمَ هَذَا الْبَحْرَ الشَّرْقِيَّ فَقَالَ: إِنِّي حَامِلٌ فِيكَ عِبَادًا مِنْ عِبَادِي فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِهِمْ ؟ قَالَ: أَحْمِلُهُمْ عَلَى يَدِي، وَأَكُونُ لَهُمْ كَالْوَالِدَةِ لِوَلَدِهَا. فَأَثَابَهُ الْحِلْيَةَ وَالصَّيْدَ. قَالَ عُلَمَاءُ التَّسْيِيرِ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الْعُرُوضِ، وَالْأَطْوَالِ، وَالْبِحَارِ، وَالْأَنْهَارِ، وَالْجِبَالِ، وَالْمِسَاحَاتِ، وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْمُدُنِ وَالْخَرَابِ وَالْعِمَارَاتِ، وَالْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي اصْطِلَاحِهِمْ، وَالْأَقَالِيمِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْعُرْفِيَّةِ، وَمَا فِي الْبُلْدَانِ وَالْأَقَالِيمِ مِنَ الْخَوَاصِّ وَالنَّبَاتَاتِ، وَمَا يُوجَدُ فِي كُلِّ قُطْرٍ مِنْ صُنُوفِ الْمَعَادِنِ وَالتِّجَارَاتِ قَالُوا: الْأَرْضُ مَغْمُورَةٌ بِالْمَاءِ الْعَظِيمِ إِلَّا مِقْدَارَ الرُّبْعِ مِنْهَا، وَهُوَ تِسْعُونَ دَرَجَةً، وَالْعِنَايَةُ الْإِلَهِيَّةُ اقْتَضَتِ انْحِسَارَ الْمَاءِ عَنْ هَذَا الْقَدْرِ مِنْهَا ; لِتَعِيشَ الْحَيَوَانَاتُ عَلَيْهِ، وَيَنْبُتَ الزَّرْعُ، وَالثِّمَارُ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرَّحْمَنِ: 10 - 13 ]. قَالُوا: الْمَعْمُورُ مِنْ هَذَا الْبَادِي مِنْهَا قَرِيبُ الثُّلُثَيْنِ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ قَلِيلًا وَهُوَ خَمْسٌ وَسِتُّونَ دَرَجَةً قَالُوا: فَالْبَحْرُ الْمُحِيطُ الْغَرْبِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ أُوقْيَانُوسُ، وَهُوَ الَّذِي يُتَاخِمُ بِلَادَ الْمَغْرِبِ، وَفِيهِ الْجَزَائِرُ الْخَالِدَاتُ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ سَاحِلِهِ عَشْرُ دَرَجٍ مَسَافَةُ شَهْرٍ تَقْرِيبًا، وَهُوَ بَحْرٌ لَا يُمْكِنُ سُلُوكُهُ، وَلَا رُكُوبُهُ لِكَثْرَةِ هَيْجِهِ وَاغْتِلَامِهِ وَمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاحِ، وَالْأَمْوَاجِ، وَلَيْسَ فِيهِ صَيْدٌ، وَلَا يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يُسَافَرُ فِيهِ لِمَتْجَرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَهُوَ آخِذٌ فِي نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ حَتَّى يُسَامِتَ الْجِبَالَ الْقُمْرَ، وَيُقَالُ جِبَالُ الْقَمَرِ الَّتِي مِنْهَا أَصْلُ مَنْبَعِ نِيلِ مِصْرَ، وَيَتَجَاوَزُ خَطَّ الِاسْتِوَاءِ، ثُمَّ يَمْتَدُّ شَرْقًا، وَيَصِيرُ جَنُوبِيَّ الْأَرْضِ، وَفِيهِ هُنَاكَ جَزَائِرُ الزَّنْجِ، وَعَلَى سَوَاحِلِهِ خَرَابٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ يَمْتَدُّ شَرْقًا، وَشَمَالًا حَتَّى يَتَّصِلَ بِبَحْرِ الصِّينِ وَالْهِنْدِ، ثُمَّ يَمْتَدُّ شَرْقًا حَتَّى يُسَامِتَ نِهَايَةَ الْأَرْضِ الشَّرْقِيَّةِ الْمَكْشُوفَةِ، وَهُنَاكَ بِلَادُ الصِّينِ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ فِي شَرْقِ الصِّينِ إِلَى جِهَةِ الشَّمَالِ حَتَّى يُجَاوِزَ بِلَادَ الصِّينِ، وَيُسَامِتَ سَدَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، ثُمَّ يَنْعَطِفُ وَيَسْتَدِيرُ عَلَى أَرْضٍ غَيْرِ مَعْلُومَةِ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ يَمْتَدُّ مَغْرِبًا فِي شَمَالِ الْأَرْضِ، وَيُسَامِتُ بِلَادَ الرُّوسِ وَيَتَجَاوَزُهَا، وَيَعْطِفُ مَغْرِبًا وَجَنُوبًا، وَيَسْتَدِيرُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَعُودُ إِلَى جِهَةِ الْغَرْبِ، وَيَنْبَثِقُ مِنَ الْغَرْبِيِّ إِلَى مَتْنِ الْأَرْضِ الزُّقَاقِ الَّذِي يَنْتَهِي أَقْصَاهُ إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ مِنَ الْغَرْبِ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي بِلَادِ الرُّومِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِهِمْ. وَيَنْبَعِثُ مِنَ الْمُحِيطِ الشَّرْقِيِّ بِحَارٌ أُخَرُ فِيهَا جَزَائِرُ كَثِيرَةٌ حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ إِنَّ فِي بَحْرِ الْهِنْدِ أَلْفُ جَزِيرَةٍ وَسَبْعُمِائَةِ جَزِيرَةٍ فِيهَا مُدُنٌ وَعِمَارَاتٌ سِوَى الْجَزَائِرِ الْعَاطِلَةِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْبَحْرُ الْأَخْضَرُ. فَشَرْقِيُّهُ بَحْرُ الصِّينِ، وَغَرْبِيُّهُ بَحْرُ الْيَمَنِ، وَشَمَالُهُ بَحْرُ الْهِنْدِ، وَجَنُوبِيُّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ. وَذَكَرُوا أَنَّ بَيْنَ بَحْرِ الْهِنْدِ، وَبَحْرِ الصِّينِ جِبَالًا فَاصِلَةً بَيْنَهُمَا، وَفِيهَا فِجَاجٌ تَسْلُكُ الْمَرَاكِبُ بَيْنَهَا يُسَيِّرُهَا لَهُمُ الَّذِي خَلَقَهَا، كَمَا جُعِلَ مِثْلُهَا فِي الْبَرِّ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 31 ]. وَقَدْ ذَكَرَ بَطْلَيْمُوسُ أَحَدُ مُلُوكِ الْهِنْدِ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَجِسْطِي الَّذِي عُرِّبَ فِي زَمَانِ الْمَأْمُونِ، وَهُوَ أَصْلُ هَذِهِ الْعُلُومِ أَنَّ الْبِحَارَ الْمُتَفَجِّرَةَ مِنَ الْمُحِيطِ الْغَرْبِيِّ، وَالشَّرْقِيِّ وَالْجَنُوبِيِّ، وَالشَّمَالِيِّ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَمِنْهَا مَا هُوَ وَاحِدٌ، وَلَكِنْ يُسَمَّى بِحَسَبِ الْبِلَادِ الْمُتَاخِمَةِ لَهُ فَمِنْ ذَلِكَ البحار المتفجرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي بَحْرُ الْقُلْزُمِ، وَالْقُلْزُمُ قَرْيَةٌ عَلَى سَاحِلِهِ قَرِيبٌ مِنْ أَيْلَةَ، وَبَحْرُ فَارِسَ، وَبَحْرُ الْخَزَرِ، وَبَحْرُ وَرْنَكَ، وَبَحْرُ الرُّومِ، وَبَحْرُ بَنْطَشَ، وَبَحْرُ الْأَزْرَقِ مَدِينَةٌ عَلَى سَاحِلِهِ، وَهُوَ بَحْرُ الْقَرْمِ أَيْضًا، وَيَتَضَايَقُ حَتَّى يَصُبَّ فِي بَحْرِ الرُّومِ عِنْدَ جَنُوبِيِّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَهُوَ خَلِيجُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ ; وَلِهَذَا تُسْرِعُ الْمَرَاكِبُ فِي سَيْرِهَا مِنَ الْقَرْمِ إِلَى بَحْرِ الرُّومِ، وَتُبْطِيءُ إِذَا جَاءَتْ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى الْقَرْمِ لِاسْتِقْبَالِهَا جَرَيَانَ الْمَاءِ، وَهَذَا مِنَ الْعَجَائِبِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلَّ مَاءٍ جَارٍ فَهُوَ حُلْوٌ إِلَّا هَذَا، وَكُلُّ بَحْرٍ رَاكِدٍ فَهُوَ مِلْحٌ أُجَاجٌ إِلَّا مَا يُذْكَرُ عَنْ بَحْرِ الْخَزَرِ وَهُوَ بَحْرُ جُرْجَانَ، وَبَحْرُ طَبَرِسْتَانَ أَنَّ فِيهِ قِطْعَةً كَبِيرَةً مَاءً حُلْوًا فُرَاتًا عَلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الْمُسَافِرُونَ عَنْهُ. قَالَ أَهْلُ الْهَيْئَةِ: وَهُوَ بَحْرٌ مُسْتَدِيرُ الشَّكْلِ إِلَى الطُّولِ مَا هُوَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مُثَلَّثٌ كَالْقَلْعِ وَلَيْسَ هُوَ مُتَّصِلًا بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ بَلْ مُنْفَرِدٌ وَحْدَهُ، وَطُولُهُ ثَمَانُمِائَةِ مِيلٍ، وَعَرْضُهُ سِتُّمِائَةٍ. وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ ذَلِكَ الْبَحْرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَدُّ وَالْجَزْرُ عِنْدَ الْبَصْرَةِ، وَفِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ نَظِيرُهُ أَيْضًا يَتَزَايَدُ الْمَاءُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَلَا يَزَالُ فِي زِيَادَةٍ إِلَى تَمَامِ اللَّيْلَةِ الرَّابِعَةَ عَشَرَ مِنْهُ وَهُوَ الْمَدُّ ثُمَّ يَشْرَعُ فِي النَّقْصِ وَهُوَ الْجَزْرُ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ. وَقَدْ ذَكَرُوا تَحْدِيدَ هَذِهِ الْبِحَارِ وَمُبْتَدَاهَا وَمُنْتَهَاهَا. وَذَكَرُوا مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْبُحَيْرَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ مِنَ الْأَنْهَارِ، وَغَيْرِهَا مِنَ السُّيُولِ، وَهِيَ الْبَطَائِحُ. وَذَكَرُوا مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْأَنْهَارِ الْمَشْهُورَةِ الْكِبَارِ، وَذَكَرُوا ابْتِدَاءَهَا، وَانْتِهَاءَهَا. وَلَسْنَا بِصَدَدِ بَسْطِ ذَلِكَ وَالتَّطْوِيلِ فِيهِ، وَإِنَّمَا نَتَكَلَّمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَنْهَارِ الْوَارِدِ ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [ إِبْرَاهِيمَ: 32 - 34 ]. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا ذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى قَالَ: فَإِذَا يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ ; فَأَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. وَفِي لَفْظٍ فِي الْبُخَارِيِّ " عُنْصُرُهُمَا " أَيْ: مَادَّتُهُمَا أَوْ شَكْلُهُمَا، وَعَلَى صِفَتِهِمَا وَنَعْتِهِمَا، وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فُجِّرَتْ أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنَ الْجَنَّةِ الْفُرَاتُ وَالنِّيلُ وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَكَأَنَّ الْمُرَادَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، مِنْ هَذَا أَنَّ هَذِهِ الْأَنْهَارَ تُشْبِهُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ فِي صَفَائِهَا وَعُذُوبَتِهَا وَجَرَيَانِهَا، وَمِنْ جِنْسِ تِلْكَ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَنَحْوِهَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ. أَيْ تُشْبِهُ ثَمَرَ الْجَنَّةِ لَا أَنَّهَا مُجْتَنَاةٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَإِنَّ الْحِسَّ يَشْهَدُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُهُ، وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ: الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ. وَهَكَذَا هَذِهِ الْأَنْهَارُ أَصْلُ مَنْبَعِهَا مُشَاهَدٌ مِنَ الْأَرْضِ. نهر النيل أَمَّا النِّيلُ ; وَهُوَ النَّهْرُ الَّذِي لَيْسَ فِي أَنْهَارِ الدُّنْيَا لَهُ نَظِيرٌ فِي خِفَّتِهِ، وَلَطَافَتِهِ، وَبُعْدِ مَسْرَاهُ فِيمَا بَيْنَ مُبْتَدَاهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ فَمُبْتَدَاهُ مِنَ الْجِبَالِ الْقُمْرِ أَيِ الْبِيضِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: جِبَالُ الْقَمَرِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْكَوْكَبِ. وَهِيَ فِي غَرْبِيِّ الْأَرْضِ وَرَاءَ خَطِّ الِاسْتِوَاءِ إِلَى الْجَانِبِ الْجَنُوبِيِّ. وَيُقَالُ: إِنَّهَا حُمْرٌ تَنْبُعُ مِنْ بَيْنِهَا عُيُونٌ، ثُمَّ تَجْتَمِعُ مِنْ عَشْرِ مَسِيلَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ، ثُمَّ تَجْتَمِعُ كُلُّ خَمْسَةٍ مِنْهَا فِي بَحْرٍ، ثُمَّ تَخْرُجُ مِنْهَا أَنْهَارٌ سِتَّةٌ، ثُمَّ تَجْتَمِعُ كُلُّهَا فِي بُحَيْرَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا نَهْرٌ وَاحِدٌ هُوَ النِّيلُ فَيَمُرُّ عَلَى بِلَادِ السُّودَانِ بِالْحَبَشَةِ، ثُمَّ عَلَى النَّوْبَةِ، وَمَدِينَتِهَا الْعُظْمَى دُمْقُلَةَ، ثُمَّ عَلَى أُسْوَانَ، ثُمَّ يَفِدُ عَلَى دِيَارِ مِصْرَ، وَقَدْ تَحَمَّلَ إِلَيْهَا مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ زِيَادَاتِ أَمْطَارِهَا، وَاجْتَرَفَ مِنْ تُرَابِهَا، وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِمَا مَعًا ; لِأَنَّ مَطَرَهَا قَلِيلٌ لَا يَكْفِي زُرُوعَهَا وَأَشْجَارَهَا، وَتُرْبَتَهَا رِمَالٌ لَا تُنْبِتُ شَيْئًا حَتَّى يَجِيءَ النِّيلُ بِزِيَادَتِهِ وَطِينِهِ فَيَنْبُتُ فِيهِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، وَهِيَ مِنْ أَحَقِّ الْأَرَاضِي بِدُخُولِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ [ السَّجْدَةِ: 27 ]. ثُمَّ يَتَجَاوَزُ النِّيلُ مِصْرَ قَلِيلًا فَيَفْتَرِقُ شَطْرَيْنِ عِنْدَ قَرْيَةٍ عَلَى شَاطِئِهِ يُقَالُ لَهَا شَطَنُوفُ فَيَمُرُّ الْغَرْبِيُّ عَلَى رَشِيدٍ، وَيَصُبُّ فِي الْبَحْرِ الْمَالِحِ، وَأَمَّا الشَّرْقِيُّ فَتَفْتَرِقُ أَيْضًا عِنْدَ جَوْجَرَ فِرْقَتَيْنِ تَمُرُّ الْغَرْبِيَّةُ مِنْهُمَا عَلَى دِمْيَاطَ مِنْ غَرْبِيِّهَا، وَيَصُبُّ فِي الْبَحْرِ، وَالشَّرْقِيَّةُ مِنْهُمَا تَمُرُّ عَلَى أَشْمُونِ طَنَّاحٍ فَيَصُبُّ هُنَاكَ فِي بُحَيْرَةٍ شَرْقِيِّ دِمْيَاطَ يُقَالُ لَهَا بُحَيْرَةُ تَنِّيسَ، وَبُحَيْرَةُ دِمْيَاطَ، وَهَذَا بُعْدٌ عَظِيمٌ فِيمَا بَيْنَ مُبْتَدَاهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ ; وَلِهَذَا كَانَ أَلْطَفَ الْمِيَاهِ قَالَ ابْنُ سِينَا: لَهُ خُصُوصِيَّاتٌ دُونَ مِيَاهِ سَائِرِ الْأَرْضِ فَمِنْهَا أَنَّهُ أَبْعَدُهَا مَسَافَةً مِنْ مَجْرَاهُ إِلَى أَقْصَاهُ، وَمِنْهَا أَنَّهُ يَجْرِي عَلَى صُخُورٍ، وَرِمَالٍ لَيْسَ فِيهِ خَزٌّ وَلَا طُحْلُبٌ وَلَا أَوْحَالٌ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَخْضَرُّ فِيهِ حَجَرٌ وَلَا حَصَاةٌ ; وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِصِحَّةِ مِزَاجِهِ، وَحَلَاوَتِهِ وَلَطَافَتِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ زِيَادَتَهُ فِي أَيَّامِ نُقْصَانِ سَائِرِ الْأَنْهَارِ، وَنُقْصَانَهُ فِي أَيَّامِ زِيَادَتِهَا، وَكَثْرَتِهَا، وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّ أَصْلَ مَنْبَعِ النِّيلِ مِنْ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ فَرَأَى هُنَاكَ هَوْلًا عَظِيمًا، وَجَوَارِيَ حِسَانًا، وَأَشْيَاءَ غَرِيبَةً، وَأَنَّ الَّذِي اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ لَا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ بَعْدَ هَذَا فَهُوَ مِنْ خُرَافَاتِ الْمُؤَرِّخِينَ، وَهَذَيَانَاتِ الْأَفَّاكِينَ. وَقَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ مِصْرُ أَتَى أَهْلُهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ دَخَلَ شَهْرُ بَؤُونَةَ مِنْ أَشْهُرِ الْعَجَمِ الْقِبْطِيَّةِ فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الْأَمِيرُ إِنَّ لِنِيلِنَا هَذَا سُنَّةً لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا. فَقَالَ لَهُمْ: وَمَا ذَاكَ قَالُوا: إِذَا كَانَ لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَةٍ بِكْرٍ بَيْنَ أَبَوَيْهَا فَأَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا، وَجَعَلْنَا عَلَيْهَا مِنَ الْحَلْيِ، وَالثِّيَابِ أَفْضَلَ مَا يَكُونُ، ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيلِ. فَقَالَ لَهُمْ عَمْرٌو: إِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ. فَأَقَامُوا بَؤُونَةَ، وَالنِّيلُ لَا يَجْرِي لَا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا. وَفِي رِوَايَةٍ فَأَقَامُوا بَؤُونَةَ، وَأَبِيبَ، وَمِسْرَى، وَهُوَ لَا يَجْرِي حَتَّى هَمُّوا بِالْجَلَاءِ، فَكَتَبَ عَمْرٌو إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِذَلِكَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ إِنَّكَ قَدْ أَصَبْتَ بِالَّذِي فَعَلْتَ، وَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ بِطَاقَةً دَاخِلَ كِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهَا فِي النِّيلِ. فَلَمَّا قَدِمَ كِتَابُهُ أَخَذَ عَمْرٌو الْبِطَاقَةَ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى نِيلِ مِصْرَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ فَلَا تَجْرِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي يُجْرِيكَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجْرِيَكَ. فَأَلْقَى عَمْرٌو الْبِطَاقَةَ فِي النِّيلِ فَأَصْبَحَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ النِّيلَ سِتَّةَ عَشَرَ ذِرَاعًا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَطَعَ اللَّهُ تِلْكَ السُّنَّةَ عَنْ أَهْلِ مِصْرَ إِلَى الْيَوْمِ. نهر الفرات وَأَمَّا الْفُرَاتُ فَأَصْلُهَا مِنْ شَمَالِيِّ أَرْزَنِ الرُّومِ فَتَمُرُّ إِلَى قُرْبِ مَلْطِيَّةَ، ثُمَّ تَمُرُّ عَلَى سُمَيْسَاطَ، ثُمَّ عَلَى إِلْبِيرَةَ قِبْلِيَّهَا، ثُمَّ تُشَرِّقُ إِلَى بَالِسَ، وَقَلْعَةِ جَعْبَرَ، ثُمَّ إِلَى الرَّقَّةِ، ثُمَّ إِلَى الرَّحْبَةِ شَمَالَيَّهَا، ثُمَّ إِلَى عَانَةَ، ثُمَّ إِلَى هِيتَ، ثُمَّ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ تَخْرُجُ إِلَى فَضَاءِ الْعِرَاقِ، وَتَصُبُّ فِي بِطَائِحَ كِبَارٍ أَيْ بُحَيْرَاتٍ، وَتَرُدُّ إِلَيْهَا، وَتَخْرُجُ مِنْهَا أَنْهَارٌ كِبَارٌ مَعْرُوفَةٌ تَصُبُّ فِي الْبَصْرَةِ. نهر سيحون وَأَمَّا سَيْحَانُ، وَيُقَالُ لَهُ سَيْحُونَ أَيْضًا فَأَوَّلُهُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَيَجْرِي مِنَ الشَّمَالِ، وَالْغَرْبِ إِلَى الْجَنُوبِ وَالشَّرْقِ، وَهُوَ غَرْبِيُّ مَجْرَى جَيْحَانَ، وَدُونَهُ فِي الْقَدْرِ، وَهُوَ بِبِلَادِ الْأَرْمَنِ الَّتِي تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِبِلَادِ سِيسَ، وَقَدْ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا تَغَلَّبَ الْفَاطِمِيُّونَ عَلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَمَلَكُوا الشَّامَ وَأَعْمَالَهَا عَجَزُوا عَنْ صَوْنِهَا، مِنَ الْأَعْدَاءِ فَتَغَلَّبَ نِقْفُورُ الْأَرْمَنِيُّ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادِ أَعْنِي بِلَادَ سِيسَ فِي حُدُودِ الثَّلَاثِمِائَةِ وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَاللَّهُ الْمَسْؤُولُ عَوْدَهَا إِلَيْنَا بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ. ثُمَّ يَجْتَمِعُ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ عِنْدَ أَذَنَةَ فَيَصِيرَانِ نَهْرًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَصُبَّانِ فِي بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ إِيَاسَ، وَطَرْسُوسَ. وَأَمَّا جَيْحَانُ، وَيُقَالُ لَهُ جَيْحُونُ أَيْضًا، وَتُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ جَاهَانَ، وَأَصْلُهُ فِي بِلَادِ الرُّومِ، وَيَسِيرُ فِي بِلَادِ سِيسَ مِنَ الشَّمَالِ إِلَى الْجَنُوبِ، وَهُوَ يُقَارِبُ الْفُرَاتَ فِي الْقَدْرِ، ثُمَّ يَجْتَمِعُ هُوَ وَسَيْحَانُ عِنْدَ أَذَنَةَ فَيَصِيرَانِ نَهْرًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَصُبَّانِ فِي الْبَحْرِ عِنْدَ إِيَاسَ، وَطَرْسُوسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الْمِيَاهِ الَّتِي تُسَمَّى بِالْبُحَيْرَاتِ  : تَشْبِيهًا بِالْبَحْرِ وَلِانْبِسَاطِهَا وَخُرُوجِهَا عَنْ حُدُودِ الْأَنْهَارِ كَبَطَائِحِ الْبَصْرَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِدِجْلَةَ، وَبُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ بِدِمَشْقَ، وَبُحَيْرَةِ بَنَوَاسَ، وَالْمَاءُ الْمُسْتَطِيلُ بِعُمْقِ أَنْطَاكِيَةَ، وَمِيَاهُ الْأَوْدِيَةِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا، وَمَاءُ الْمَطَرِ وَمَذَاوِبُ الثُّلُوجِ، وَلَا يَقِفُ أَحَدٌ عَلَى عَدَدِهَا.

  11. التاريخ 19لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الرَّعْدِ: 2 - 4 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرِينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ النَّمْلِ: 60، 61 ]. وَقَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ [ النَّحْلِ: 10 - 13 ]. فَذَكَرَ تَعَالَى مَا خَلَقَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِبَالِ، وَالْأَشْجَارِ، وَالثِّمَارِ، وَالسُّهُولِ، وَالْأَوْعَارِ، وَمَا خَلَقَ مِنْ صُنُوفِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ الْجَمَادَاتِ، وَالْحَيَوَانَاتِ فِي الْبَرَارِي، وَالْقِفَارِ، وَالْبِحَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، وَمَا سَهَّلَ لِكُلِّ دَابَّةٍ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي هِيَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ فِي لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا، وَصَيْفِهَا وَشِتَائِهَا، وَصَبَاحِهَا وَمَسَائِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ هُودٍ: 6 ]. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَلَقَ اللَّهُ أَلْفَ أُمَّةٍ مِنْهَا سِتُّمِائَةٍ فِي الْبَحْرِ، وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يَهْلِكُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَمِ الْجَرَادُ فَإِذَا هَلَكَ تَتَابَعَتْ مِثْلَ النِّظَامِ إِذَا قُطِعَ سِلْكُهُ. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [ الْأَنْعَامِ: 38 ].

  12. التاريخ 20لا حكم مسجّل

    أَجْنَاسِ الطَّيْرِ وَحَيَوَانِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ جَمِيعُ أَجْنَاسِ الطَّيْرِ وَجَمِيعُ دَوَابِّ الْأَرْضِ كَانَتْ مُنْتَشِرَةً فِي الْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ وَالْبِحَارِ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ  . قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَأُرِي حَمْلَ الْبَحْرِ النَّسْرَ، قَالَ: يَا خَطِيبَ الطَّيْرِ أَحَدَثَ حَدَثٌ، قَالَ: نَعَمْ، خُلِقَ خَلْقٌ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا مِنْ صِفَتِهِ كَذَا يُضَعِّفُهُ - يَعْنِي آدَمَ - غَيْرَ أَنَّهُ أُعْطِيَ الرِّفْقَ، فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ الرِّفْقَ اسْتَتَرَ لَكَ مِنَ السَّمَاءِ وَاسْتَخْرَجَنِي مِنَ الْبَحْرِ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ إِلَى الْأَرْضِ كَانَ فِيهَا نَسْرٌ فِي الْبَرِّ، وَحُوتٌ فِي الْبَحْرِ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ فِي انْهِبَاطِ آدَمَ.

  13. التاريخ 21لا حكم مسجّل

    طَرَفٍ مِنْ عَجَائِبِ مَا فِي الْأَرْضِ   عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي وُصِفَتْ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعُ: مَنَارَةُ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ  ، عَلَيْهَا مِرْآَةٌ مِنْ حَدِيدٍ يَقْعُدُ الْقَاعِدُ تَحْتَهَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَيَرَى مَنْ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَبَيْنَهَا عَرْضُ الْبَحْرِ، وَسَوْدَانِيٌّ مِنْ نُحَاسٍ عَلَى قَضِيبٍ مِنْ نُحَاسٍ عَلَى الْبَابِ الشَّرْقِيِّ بِرُومِيَّةَ، فَإِذَا كَانَ أَوَانُ الزَّيْتُونِ صَفَّرَ ذَلِكَ السَّوْدَانِيُّ صُفْرَةً فَلَا تَبْقَى سَوْدَانِيَّةٌ تَطِيرُ إِلَّا جَاءَتْ مَعَهَا بِثَلَاثِ زَيْتُونَاتٍ فِي رِجْلَيْهَا، وَزَيْتُونَةٍ فِي مِنْقَارِهَا فَأَلْقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ السَّوْدَانِيِّ فَيَحْمِلُهُ أَهْلُ رُومِيَّةَ فَيَعْصِرُونَ مَا يَكْفِيهِمْ لِسُرُجِهِمْ وَإِدَامِهِمْ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَرَجُلٌ مِنْ نُحَاسٍ بِأَرْضِ الْيَمَنِ مَا بَيْنَ الشَّجَرِ مَادًّا يَدَهُ إِلَى وَرَاءَ  كَأَنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ وَرَائِي مَذْهَبٌ وَلَا مَسْلَكٌ، وَهُوَ أَرْضٌ رَجْرَاجَةٌ لَا تَسْتَقِرُّ عَلَيْهَا الْأَقْدَامُ، غَزَاهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ نَمْلٌ كَنْجَاتِيٌّ، وَكَانَتِ النَّمْلَةُ تَخْطَفُ الْفَارِسَ عَنْ سَرْجِهِ. وَبَطَّةٌ مِنْ نُحَاسٍ بَيْنَ عَمُودٍ مِنْ نُحَاسٍ فِيمَا بَيْنَ الْهِنْدِ وَالصِّينِ  بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا كُثَارُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، شَرِبَتِ الْبَطَّةُ مِنَ الْمَاءِ حَاجَتَهَا، وَمَدَّتْ مِنْقَارَهَا فَيُفِيضُ مِنْ فِيهَا الْمَاءُ مَا يَكْفِيهِمْ لِزُرُوعِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ إِلَى الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الْعَجَائِبِ الَّتِي وُضِعَتْ فِي الدُّنْيَا  أَرْبَعُ: مِرْآَةٌ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِمَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَكَانَ الْجَالِسُ يَجْلِسُ تَحْتَهَا فَيَرَى [مَنْ] بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَبَيْنَهَا عَرْضُ الْبَحْرِ، وَعَمُودٌ مِنْ نُحَاسٍ بِأَرْضِ رُومِيَّةَ فَإِذَا كَانَ لِقَاطُ الزَّيْتُونِ لَمْ يَبْقَ سُودَانِيَّةً إِلَّا جَاءَتْ إِلَيْهِ بِثَلَاثِ زَيْتُونَاتٍ فَيَعْصِرُهَا أَهْلُ رُومِيَّةَ لإِدَامِهِمْ وَمَصَابِيحِهِمْ، وَفَرَسٌ مِنْ نُحَاسٍ عَلَيْهِ رَاكِبٌ مِنْ نُحَاسٍ بِأَرْضِ طُلَيْلَةَ قَرِيبَةٌ مِنْ قُرَى الْأَنْدَلُسِ مِنْ خَلْفِهَا بِأَرْضٍ رَجْرَاجَةٍ لَا يَطَأُ عَلَيْهَا أَحَدٌ إِلَّا ابْتَلَعَهُ، وَالْفَرَسُ قَافِلٌ بِيَدِهِ هَكَذَا مَكْتُوبٌ فِي جَبْهَتِهِ لَيْسَ وَرَائِي مَسْلَكٌ، وَعَمُودٌ مِنْ نُحَاسٍ عَلَيْهِ شَجَرَةٌ مِنْ نُحَاسٍ تَمْثَالُ عَادٍ، فَإِذَا كَانَ أَشْهُرُ الْحُرُمِ هَطَلَ مِنْهَا الْمَاءُ فَمُلِئَ مِنْهُ الْحِيَاضُ وَيَشْرَبُ النَّاسُ مِنْهُ وَسَقَطُوا ظُهُورَهُمْ فَإِذَا تَصَرَّمَتْ أَشْهُرُ الْحُرُمِ انْقَطَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ. وعَنْ أَبِي مُدْرِكٍ السَّعْدِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ طُلَيْلَةَ مِنْ وَرَاءِ الْأَنْدَلُسِ فَرَأَيْتُ صَنَمَيْنِ مِنْ نُحَاسٍ رُءُوسُهُمَا فِي الْهَوَاءِ قَائِمَيْنِ عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَاضِعٌ كَفَّهُ الْيُسْرَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: لَيْسَ خَلْفِي مَسْلَكٌ. قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَنَّ ذَا سَرْحٍ الْمَلِكُ سَارَ فِي الْجُمُوعِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ خَلْقٌ يُشْبِهُ النَّمْلَ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ مِنْ تِلْكَ الدَّوَابِّ لَتَخْطِفُ بِرِجْلَيْهَا رَجُلَيْنِ وَتَأْخُذُ الرَّجُلَ مَعَ بَقَرَةٍ مَعَهُ فَتَحْمِلُهُ فَمَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ذُو سَرْحٍ الْمَلِكُ انْصَرَفَ بِالْجَمْعِ. عجائب بأرض مصر وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَجَائِبِ: أَنَّهُ بِأَرْضِ مِصْرَ أُسْطُوَانَتَانِ مِنْ بَقَايَا أَسَاطِينَ  كَانَتْ هُنَاكَ فِي رَأْسِ كُلِّ أُسْطُوَانَةٍ طَوْقٌ مِنْ نُحَاسٍ يَقْطُرُ مِنْ إِحْدَاهُمَا مَاءٌ مِنْ تَحْتِ الطَّوْقِ إِلَى نِصْفِ الْأُسْطُوَانَةِ لَا يُجَاوِزُهُ وَلَا يَنْقَطِعُ قَطْرُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَمَوْضِعُهُ مِنَ الْأُسْطُوَانَةِ أَخْضَرُ رَطْبٌ. وَالْهَرَمَتَانِ بِمِصْرَ سُمْكُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ طُولًا فِي أَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ عَرْضًا كُلَّمَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ دَقَّ، وَهُمَا مِنْ رُخَامٍ وَمَرْمَرٍ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا طِبٌّ وَسِحْرٌ وَتَحْتَ ذَلِكَ مَكْتُوبٌ: "إِنِّي بَنْيَتُهَا بِمُلْكِي فَمَنْ يَدَّعِي قُوَّةً فِي مُلْكِهِ فَلْيَهْدِمْهَا فَإِنَّ الْهَدْمُ أَيْسَرُ مِنَ الْبِنَاءِ". قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ قَدَرُوا فَإِذَا خَرَاجُ الدُّنْيَا مِرَارًا كَثِيرَةً لَا يَقُومُ بِهَدْمِهَا. وَيُقَالُ إِنَّهُ مَا مِنْ بِنَاءٍ بِالْحِجَارَةِ أَبْهَى مِنْ كَنِيسَةِ حِمْصَ، وَلَا بِنَاءٌ بِالْآجُرِّ وَالْجِصِّ أَبْهَى مِنْ إِيوَانِ كِسْرَى بِالْمَدَائِنِ، وَلَا مَنَارَةٌ أَعْجَبُ مِنْ مَنَارَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَلَا بِنَاءٌ بِالْحِجَارَةِ أَحْكَمُ وَلَا أَبْهَى مِنْ شَاذِرْوَانَ تَسْتُرَ لِأَنَّهَا بِالصَّخْرِ وَأَعْمِدَةِ الْحَدِيدِ وَطَاطِ الرَّصَاصِ. وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهُ سَدُّ ذِي الْقَرْنَيْنِ الَّذِي أَمَدَّهُ اللَّهُ لِبِنَائِهِ،. من العجائب بصقلية وَمِنَ الْعَجَائِبِ: نَارٌ بِصِقِلِّيَةَ تَجِيءُ بِالْهِنْدِ وَبِالْأَنْدَلُسِ تُشْعَلُ فِي حِجَارَةٍ  وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُوقَدَ مِنْهَا. وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُمْطَرُونَ فِي الصَّيْفِ، وَلَيْسَ بِصِقِلِّيَةَ نَمْلٌ. وَمِنَ الْعَجَائِبِ: بَيْتَانِ وُجِدَا بِالْأَنْدَلُسِ عِنْدَ فَتْحِهَا فِي مَدِينَةِ الْمُلُوكِ، فَفُتِحَ أَحَدُ الْبَيْتَيْنِ وَهُوَ بَيْتُ الْمَالِ، فَوُجِدَ فِيهِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ تَاجًا عِدَّةَ مُلُوكِهِمْ، لَا يُدْرَى مَا قِيمَةُ التَّاجِ مِنْهَا، وَعَلَى كُلِّ تَاجٍ اسْمُ صَاحِبِهِ وَمَبْلَغُ سِنِّهِ وَكَمْ مَلَكَ مِنَ السِّنِينَ وَوُجِدَ فِيهِ مَائِدَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. وَوُجِدَ عَلَى الْبَيْتِ الْآخَرِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ قُفْلًا، كَانَ كُلَّمَا مَلَكَ مَلِكٌ مِنْهُمْ زَادَ قُفْلًا، وَلَا يَدْرُونَ مَا فِي الْبَيْتِ، فَلَمَّا مَلَكَ آخِرُ مُلُوكِهِمْ قَالَ: لَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَعْرِفَ مَا فِي هَذَا الْبَيْتِ، وَتَوَهَّمَ أَنَّ فِيهِ مَالًا، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ الْأَسَاقِفَةُ وَالشَّمَامِسَةُ وَأَعْظَمُوا ذَلِكَ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ بِمَا فَعَلَهُ الْمُلُوكُ قَبْلَهُ فَأَبَى، وَقَالَ: انْظُرْ مَا تَحْطِبُ عَلَى مَالِكَ مِنْ مَالٍ يُظَنُّ أَنَّهُ فِيهِ فَنَحْنُ نَدْفَعُهُ إِلَيْكَ مِنْ أَمْوَالِنَا فَلَا تَفْتَحُهُ. فَعَصَاهُمْ وَفَتَحَ الْبَابَ، فَإِذَا فِيهِ تَصَاوِيرُ الْعَرَبِ عَلَى خُيُولِهِمْ بِعَمَائِمِهِمْ وَنِعَالِهِمْ وَقِسِيِّهِمْ وَنَبْلِهِمْ، فَدَخَلَتِ الْعَرَبُ جَزِيرَةَ الْأَنْدَلُسِ فِي السَّنَةِ الَّتِي فَتَحَ فِيهَا الْبَابَ. وَوَجَدَ قُتَيْبَةَ بْنُ مُسْلِمٍ بِمَدِينَةٍ تُدْعَى بَيْكَنْدَ قُدُورًا عِظَامًا يُصْعَدُ إِلَيْهَا بِسَلَالِيمَ. وعن حُمَيْدًا دِهْقَانَ الْفَلُّوجَةِ السُّفْلَى، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ فَرَضَ لَهُ فِي أَلْفَيْ مَعَ عِدَّةٍ مِنَ الدَّهَاقِينِ، قَالَ: كَانَ بِبَابِلَ سَبْعَ مَدَائِنَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ أُعْجُوبَةٌ لَيْسَتْ فِي الْأُخْرَى،  وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ الْأَوْلَى الَّتِي مِنْهَا مَلِكُهَا تِمْثَالُ الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِذَا أَتَوْا عَلَيْهِ بِعَيْنِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِخَرَاجِهَا خَرَقَ أَنْهَارَهَا عَلَيْهِمْ فَعُرِفَتْ حَيْثُ كَانَتْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهَا سَدًّا حَتَّى يُؤَدُّونَ مَا عَلَيْهِمْ فَإِذَا سَدَّهَا عَلَيْهِمْ فِي تَمَاثِيلِهِمُ انْسَدَّتْ فِي بِلَادِهِمْ. وَفِي الْمَدِينَةِ الثَّانِيَةِ حَوْضٌ فَإِذَا أَرَادَ الْمَلِكُ أَنْ يَجْمَعَهُمْ لِطَعَامِهِمْ إِلَى مَنْ أَحَبَّ مِنْهُمْ بِمَا لَا أُحِبُّ مِنَ الْأَشْرِبَةِ نَصَبَهُ فِي ذَلِكَ الْحَوْضِ، فَاخْتَلَطَ جَمِيعًا، ثُمَّ تَقَدَّمَ السُّقَاةُ فَأَخَذُوا الْآنِيَةَ، فَمَنْ صَبَّ فِي إِنَائِهِ تِنِّينًا صَارَ فِي شَرَابِهِ الَّذِي جَارِيهِ. وَفِي الْمَدِينَةِ الثَّالِثَةِ طَبْلٌ إِذَا غَابَ مِنْ أَهْلِهَا غَائِبٌ فَأَرَادُوا أَنْ يَعْلَمُوا أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ أَتَوُا الطَّبْلَ فَضَرَبُوهُ، فَإِنْ كَانَ حَيًّا صَوَّتَ الطَّبْلُ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا لَمْ يُسْمَعْ لَهُ صَوْتٌ. وَفِي الْمَدِينَةِ الرَّابِعَةِ: مِرْآةٌ مِنْ حَدِيدٍ، إِذَا غَابَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِهِ فَأَحَبُّوا أَنْ يَعْلَمُوا حَالَهُ كَيْفَ هُوَ، أَتَوُا الْمِرْآةَ فَنَظَرُوا فِيهَا فَأَبْصَرُوهُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا. وَفِي الْمَدِينَةِ الْخَامِسَةِ: أَوَزَّةٌ مِنْ نُحَاسٍ إِذَا دَخَلَ الْمَدِينَةَ غَرِيبٌ صَوَّتَتْ صَوْتًا فَسَمِعَهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْمُدُنِ فَيُعْلَمُ أَنَّهُ دَخَلَهَا غَرِيبٌ. وَفِي الْمَدِينَةِ السَّادِسَةِ: قَاضِيَانِ جَالِسَانِ عَلَى الْمَاءِ فَيَجِيءُ الْمُحِقُّ وَالْمُبْطِلُ، فَيَمْشِي الْمُحِقُّ عَلَى الْمَاءِ حَتَّى يَجْلِسَ مَعَ الْقَاضِي وَيُغْمَسُ الْمُبْطِلُ فِي الْمَاءِ. وَفِي الْمَدِينَةِ السَّابِعَةِ: شَجَرَةٌ لَا تُظِلُّ إِلَّا سَاقَهَا فَإِنْ جَلَسَ تَحْتَهَا رَجُلٌ إِلَى أَلْفٍ أَظَلَّتْهُمْ، وَإِنْ زَادَ وَاحِدٌ جُعِلُوا كُلُّهُمْ فِي الشَّمْسِ.

  14. التاريخ 22لا حكم مسجّل

    أَوَّلِ مَنْ سَكَنَ الْأَرْضَ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَرْضَ الْجِنُّ  ، وَمَا زَالُوا يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ وَيَعْبُدُونَ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَيَتَنَاوَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَنَهَاهُمْ بَعْضُ مُلُوكِهِمْ، وَاسْمُهُ يُوسُفُ، وَيُقَالُ إِنَّهُ كَانَ نَبِيًّا، وَلَا يَثْبُتُ مِثْلُ هَذَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمْ إِبْلِيسُ، فَأَجْلَوْهُمْ عَنِ الْأَرْضِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْجِنُّ سُكَّانَ الْأَرْضِ، وَالْمَلَائِكَةُ سُكَّانَ السَّمَاءِ، وَهُمْ عُمَّارُهَا، لِكُلِ سَمَاءٍ مَلَائِكَةٌ، وَلِكُلِ أَهْلِ سَمَاءٍ صَلَاةٌ وَتَسْبِيحٌ وَدُعَاءٌ، فَكُلُّ أَهْلِ سَمَاءٍ أَشَدُّ عِبَادَةً وَأَكْثَرُ دُعَاءً وَصَلَاةً وَتَسْبِيحًا مِنَ الَّذِينَ تَحْتَهُمْ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءُ: عَمَّرُوا الْأَرْضَ أَلْفَيْ سَنَةٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ الْكِلَابَ مِنَ الْجِنِّ، وَهِيَ مِنْ ضُعَفَاءِ الْجِنِّ. وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ شَيْطَانَ الْجِنِّ فَمَسَخَهُمْ دَوَابَّ فِي الْأَرْضِ فَهِيَ هَذِهِ الْكِلَابُ السُّودُ، وَهِيَ الْجِنُّ".

  15. التاريخ 23لا حكم مسجّل

    سُكَّانِ الْأَرْضِ رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَلْفَ أُمَّةٍ، سِتُّمِائَةٍ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فِي الْبَرِّ"  . وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ الدُّنْيَا مِنْ ذَلِكَ وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْجِنُّ عَالَمٌ وَالْإِنْسُ عَالَمٌ، وَسِوَى ذَلِكَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْأَرْضُ أَرْبَعُ زَوَايَا كُلُّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَخَمْسُمِائَةِ عَالَمٍ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِعِبَادَتِهِ. عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي دَهْرَسٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ بِهَذَا الْمَغْرِبِ أَرْضًا بَيْضَاءَ مَسِيرَةٌ لِلشَّمْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِهَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَمْ يَعْصُوا اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ"، قَالُوا: فَأَيْنَ الشَّيْطَانُ عَنْهُمْ؟ قَالَ: "مَا تَدْرُونَ خُلِقَ الشَّيْطَانُ أَمْ لَمْ يُخْلَقْ"، قَالُوا: وَمِنْ وَرَاءِ آَدَمَ هُمْ؟ قَالَ: "وَمَا تَدْرُونَ خُلِقَ آدَمُ أَمْ لَمْ يُخْلُقْ".

  16. التاريخ 24لا حكم مسجّل

    مَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ كُلَّهَا قَدْ رُوِّينَا فِي الْحَدِيثِ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةُ أَنْفُسٍ  : مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنَانِ فَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَأَمَّا الْكَافِرَانِ فَبُخْتُ نَصَّرَ، وَنُمْرُودُ. وَقَدْ حَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُنَادِي، أَنَّ هِشَامَ بْنَ مُحَمَّدٍ، وَالشَّرْقِيُّ بْنُ قَطَامِيٍّ، قَالَا: مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ثَمَانِيَةٌ: فَثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ مِنْ وَلَدِ جَانٍّ: جُيُومَرْثُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ جُيُومَرْبُ بِالْبَاءِ، ثُمَّ مَلَكَهَا بَعْدَهُ طُهُمُورَثُ، ثُمَّ مَلَكَهَا مِنْ بَعْدِهِ ابْنُهُ أُوشَنْجُ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَى عَهْدٍ أُوشَنْجَ، وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَ الدُّنْيَا مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ  جَمْشَادُ بْنُ بُونْجَهَانَ مِنْ وَلَدِ قَابِيلَ، وَكَانَ يَقْطَعُ الدُّنْيَا كُلَّ يَوْمٍ كَمَا تَقْطَعُهَا الشَّمْسُ، يُضْحِي بِالْمُشْرِقِ وَيُمْسِي بِالْمَغْرِبِ، مَلَكَهَا بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ. وَالثَّانِي: نَمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ. وَالثَّالِثُ: بُوَارَسْبُ، وَهُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ الْآهُبُوبِ. وَالرَّابِعُ سُلَيْمَانُ. وَالْخَامِسُ ذُو الْقَرْنَيْنِ. قُلْتُ: وَإِذَا أُضِيفَ نَصَّرُ صَارُوا سِتَّةً إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ لَا أَرَاهُ ثَابِتًا. وَسَنَذْكُرُ جُيُومَرْثَ، وَطُهُمُورَثَ فِي أَوْلَادِ آدَمَ.

  17. التاريخ 25لا حكم مسجّل

    ذِكْرِ جَهَنَّمَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: النَّارُ فِي الْأَرْضِ. وَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّارَ فِي الْأَرْضِ مَا أَخْبَرَنَاهُ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَسَمِعْنَا وَجْبَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟"، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "هَذَا حَجَرٌ أُرْسِلَ فِي جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفًا، فَالْآنَ انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. فَإِنْ [قِيلَ]: كَيْفَ تَكُونُ جَهَنَّمُ فِي الْأَرْضِ  ، وَقَدْ رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؟ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ رَآهَا فِي الْأَرْضِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ رُئِيَ عَلَى سُورِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الشَّرْقِيِّ يَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَاهُنَا أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ رَأَى جَهَنَّمَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ فِي الْقُدْرَةِ أَنْ يَرَى جَهَنَّمَ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ وَقَدْ بَكَى لَهُ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَوَصَفَهُ لِلْقَوْمِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ"  . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَتْ فِي الْأَرْضِ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الدُّنْيَا مَعِيشَتَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ طَعَامُهُ وَلَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرُهُ". وعن ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ أَوَّلُهَا جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظًى، ثُمَّ الْحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ السَّقَرُ، ثُمَّ الْجَحِيمُ، وَفِيهَا أَبُو جَهْلٍ، ثُمَّ الْهَاوِيَةُ  . وعن ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَدْرِي مَا سِعَةُ جَهَنَّمَ  ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ وَبَيْنَ عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِينَ خَرِيفًا يَجْرِي فِيهَا أَوْدِيَةُ الْقَيْحِ وَالدَّمِ، قُلْتُ لَهُ: أَنْهَارٌ، قَالَ: لَا بَلْ أَوْدِيَةٌ. قَالَ كَعْبٌ: الْفَلَقُ بَيْتٌ فِي النَّارِ إِذَا فُتِحَ صَاحَ مِنْهُ جَمِيعُ أَهْلِ النَّارِ. وَقَالَ أَبُو الْمُثَنَّى الْأَمْلُوكِيُّ: إِنَّ فِي النَّارِ أَقْوَامًا يُرْبُطُونَ بِنَوَاعِيرَ مِنْ نَارٍ  يَدُورُ بِهِمْ مَلَكَ النَّوَاعِيرِ، مَا لَهُمْ فِيهَا رَاحَةٌ وَلَا فَتْرَةٌ.

  18. التاريخ 1لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا كَأَيَّامِنَا هَذِهِ. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْهَا كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، وَكَانَ آخِرَ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمْعَةِ وَهُوَ عِيدُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي هَدَاهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ حَوْلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ أَوَّلًا هَلْ خَلَقَ الْقَلَمَ أَمِ الْعَرْشَ أَوَّلًا أَمْ خَلَقَ الظُّلْمَةَ، وَهَلْ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كَانَ ثَمَّةَ شَيْءٌ وَالَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ خُلِقَتْ بَعْدَ الْقَلَمِ وَالْعَرْشِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ ذَلِكَ. كَمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ مُسْتَدِلِّينَ بِالْعَدِيدِ مِنَ الْآيَاتِ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ: 29 ]. وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا كَمَا خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَزَيَّنَهَا بِالنُّجُومِ وَالْكَوَاكِبِ، وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ، وَجَعَلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ مَسَافَةَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَكَذَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ وَالَّتِي تَلِيهَا وَكَثَافَةُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسَافَةُ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ. كَمَا خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي السَّمَاءِ الشَّمْسَ وَجَعَلَهَا تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا وَهِيَ تَذْهَبُ كُلَّ يَوْمٍ وَتَسْجُدُ لِرَبِّهَا وَتَأْذَنُ أَنْ تَعُودَ فَيَأْذَنُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهَا فَإِذَا كَانَ قُرْبَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا وَخَرَجَتْ مِنْ حَيْثُ أَتَتْ مِنَ الْمَغْرِبِ. وَقَدْ جَاءَ فِي النُّصُوصِ الْعَدِيدُ مِنَ الْإِجَابَاتِ عَنْ قَضَايَا تَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ فِيهِمَا فَقَدْ سَأَلَ هِرَقْلُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْقَوْسِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ يَعْنِي قُزَحَ وَعَنِ الْمَجَرَّةِ وَعَنَ الْأَرْضِ الَّتِي لَمْ تُصِبْهَا الشَّمْسُ إِلَّا سَاعَةً، وَقَالَ لَا يُجِيبُ عَنْ هَذَا إِلَّا مَنْ لَدَيْهِ إِرْثُ النُّبُوَّةِ، فَجَاءَ الْجَوَابُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِأَنَّ الْقَوْسَ أَمَانُ الْأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْمَجَرَّةَ بَابُ السَّمَاءِ الَّذِي تَنْشَقُّ مِنْهُ، وَأَمَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي لَمْ تُصِبْهَا الشَّمْسُ إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ فَالْبَحْرُ الَّذِي أُفْرِجَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَنَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ الْأَثَرِ كَمَا نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْعَدِيدِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَنِ الْعَدِيدِ مِنَ الظَّوَاهِرِ الْكَوْنِيَّةِ وَمَا جَاءَ فِيهَا مِنْ نُصُوصٍ مِثْلِ الْبَرْقِ وَالرَّعْدِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَنْ خَلْقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرُوا حَجْمَ الْقَمَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَرْضِ وَحَجْمَ الْأَرْضِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّمْسِ، كَمَا تَكَلَّمُوا عَنْ خَلْقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَيُّهُمَا خُلِقَ قَبْلَ صَاحِبِهِ، كَمَا تَكَلَّمُوا رَحِمَهُمُ اللَّهُ عَنْ خَلْقِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهَلْ كَانَا قَبْلَ آدَمَ أَمْ بَعْدَهُ وَمَا فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْعَجَائِبِ. خَلْقُ الْأَرْضِ هَذَا وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خَلْقِ الْأَرْضِ وَأَنَّهَا خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ وَأَنَّهُمَا كَانَتَا رَتْقًا كَمَا جَاءَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ فَفَتَقَهُمَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَأَنَّهُ خَلَقَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَتَكَلَّمُوا عَنْ هَيْئَاتِهِمَا. كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْأَرْضِينَ السَّبْعَ مُتَرَاكِمَاتٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَوَاصِلُ، وَذَكَرُوا أَقَالِيمَ الْأَرْضِ وَحُدُودَ كُلِّ إِقْلِيمٍ وَمَا فِيهَا مِنَ الْجِبَالِ وَأَشْهَرِ الْجِبَالِ وَأَقْدَسِهَا، كَمَا ذَكَرُوا مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ فِي الْأَرْضِ مِنَ التِّلَاعِ وَالْعُقَابِ وَالتِّلَالِ، وَالرِّمَالِ، وَأَشْهَرِ الْقِلَاعِ وَأَمْنَعِهَا، وَذَكَرُوا الْأَبْنِيَةَ الْحَصِينَةَ وَالْمَعَادِنَ وَأَهَمَّ الْبِحَارِ وَالْأَنْهَارِ وَعَنْ نَهْرِ النِّيلِ وَالْفُرَاتِ وَعَنِ الْعَدِيدِ مِنْ عَجَائِبِ الْأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ فِي الْأَرْضِ، وَذَكَرُوا أَجْنَاسَ الطَّيْرِ وَحَيَوَانَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالْأَشْجَارَ وَالثِّمَارَ، وَعَدَّدُوا مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ عَجَائِبِ خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ الْمُلُوكَ الَّذِينَ مَلَكُوا الْأَرْضَ كُلَّهَا كَذِي الْقَرْنَيْنِ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَيْرَهُمَا.

  19. التاريخ 2لا حكم مسجّل

    مَا وَرَدَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [ الْأَنْعَامِ: 1 ]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ الْأَعْرَافِ: 54 ]. فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ هَذِهِ السِّتَّةِ الْأَيَّامِ  عَلَى قَوْلَيْنِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا كَأَيَّامِنَا هَذِهِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالضَّحَّاكِ، وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مِنْهَا كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ. رَوَاهُنَّ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي كِتَابِهِ الَّذِي رَدَّ فِيهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، وَغَيْرِهِ أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَيَّامِ السِّتَّةِ: أَبْجَدْ هَوَّزْ حُطِّي كَلَمُنْ سَعْفَصْ قَرَشَتْ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْيَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي أَوَّلِ الْأَيَّامِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: فَرَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَيَقُولُ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ: ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَنَقُولُ نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ فِيمَا انْتَهَى إِلَيْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ابْتَدَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ السَّبْتِ. وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ. وَسَيَأْتِي فِيهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْأَحَدُ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَأَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَهُوَ نَصُّ التَّوْرَاةِ، وَمَالَ إِلَيْهِ طَائِفَةٌ آخَرُونَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِلَفْظِ الْأَحَدِ، وَلِهَذَا كَمُلَ الْخَلْقُ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فَكَانَ آخِرُهُنَّ الْجُمُعَةَ ; فَاتَّخَذَهُ الْمُسْلِمُونَ عِيدَهُمْ فِي الْأُسْبُوعِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَضَلَّ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ الْكِتَابِ قَبْلَنَا.

  20. التاريخ 3لا حكم مسجّل

    الْقَوْلُ فِي ابْتِدَاءِ الْخَلْقِ، وَمَا كَانَ أَوَّلَهُ  وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ قَبْلَهُمَا  ؟ فَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمَا شَيْءٌ، وَأَنَّهُمَا خُلِقَتَا مِنَ الْعَدَمِ الْمَحْضِ. وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ كَانَ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَخْلُوقَاتٌ أُخَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. [ هُودٍ: 7 ]. الْآيَةَ. وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَمَا كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عن أَبِي رَزِينٍ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟ قَالَ: كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ وَمَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ. وَهُوَ الْغَمَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ. قُلْتُ -ابن الأثير- هَذَا فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْقَلَمُ، وَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ. فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ بَعْدَ الْقَلَمِ، وَبَعْدَ أَنْ جَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ سَحَابًا، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْكِتَابَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ آلَةٍ يُكْتَبُ بِهَا، وَهُوَ الْقَلَمُ، وَمِنْ شَيْءٍ يُكْتَبُ فِيهِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ هَهُنَا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ اللَّوْحَ الْمَحْفُوظَ ثَانِيًا لِلْقَلَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرَكَ ذِكْرَهُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ بِطَرِيقَةِ الْمُلَازَمَةِ. وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي أَيِّهَا خَلَقَ أَوَّلًا ؟ فَقَالَ قَائِلُونَ: خَلَقَ الْقَلَمَ قَبْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَهَذَا هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَبَعْدَ الْقَلَمِ السَّحَابَ الرَّقِيقَ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ  الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَفْظُ أَحْمَدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فِيمَا نَقَلَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ الْهَمَذَانِيُّ وَغَيْرُهُ ; أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ قَبْلَ ذَلِكَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ. قَالُوا: فَهَذَا التَّقْدِيرُ هُوَ كِتَابَتُهُ بِالْقَلَمِ الْمَقَادِيرَ، وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ، فَثَبَتَ تَقَدُّمُ خَلْقِ الْعَرْشِ عَلَى الْقَلَمِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ الْمَقَادِيرَ كَمَا ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْجَمَاهِيرُ. وَيُحْمَلُ حَدِيثُ الْقَلَمِ عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصِيْنٍ قَالَ: قَالَ أَهْلُ الْيَمَنِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ ؟ فَقَالَ: كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: مَعَهُ وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. وَفِي لَفْظٍ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. فَسَأَلُوهُ عَنِ ابْتِدَاءِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلِهَذَا قَالُوا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ، فَأَجَابَهُمْ عَمَّا سَأَلُوا فَقَطْ، وَلِهَذَا لَمْ يُخْبِرْهُمْ بِخَلْقِ الْعَرْشِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْمُتَقَدِّمِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمَاءَ قَبْلَ الْعَرْشِ رَوَاهُ السُّدِّيُّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ، وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ الظُّلْمَةَ لَيْلًا أَسْوَدَ مُظْلِمًا، وَجَعَلَ النُّورَ نَهَارًا مُضِيئًا مُبْصِرًا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الَّذِي خَلَقَ رَبُّنَا بَعْدَ الْقَلَمِ الْكُرْسِيُّ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ الْكُرْسِيِّ الْعَرْشَ، ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْهَوَاءَ وَالظُّلْمَةَ، ثُمَّ خَلَقَ الْمَاءَ فَوَضَعَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمَاءَ خُلِقَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَاءَ كَانَ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ حِينَ خُلِقَ الْعَرْشُ ; قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ خُلِقَا قَبْلَ الْعَرْشِ.

  21. التاريخ 4لا حكم مسجّل

    مَا يَتَعَلَّقُ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيهِنَّ مِنَ الْآيَاتِ  قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ: 29 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فُصِّلَتْ: 9 - 12 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [ النَّازِعَاتِ: 27 - 30 ]. وَقَدْ أَجَبْنَا عَنْ قَوْلِهِ " وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا " بِأَنَّ الدَّحْيَ غَيْرُ الْخَلْقِ، وَهُوَ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ. وَقَالَ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [ الْمُلْكِ: 1 - 5 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا [ النَّبَأِ: 12 - 13 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا [ نُوحٍ: 15 - 16 ]. وَقَالَ تَعَالَى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [ الطَّلَاقِ: 12 ]. وَقَالَ تَعَالَى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [ الْفُرْقَانِ: 61 - 62 ]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [ الصَّافَّاتِ: 6 - 10 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [ الْحِجْرِ: 16 - 18 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ [ الذَّارِيَاتِ: 47 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 32 - 33 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس: 37 - 40 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ الْأَنْعَامِ: 96 - 97 ]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 54 ]. وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ تَعَالَى يُخْبِرُ عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَعَظَمَةِ اتِّسَاعِهَا وَارْتِفَاعِهَا وَأَنَّهَا فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالْبَهَاءِ وَالْكَمَالِ وَالسَّنَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [ الذَّارِيَاتِ: 7 ]. أَيِ الْخَلْقِ الْحَسَنِ. وَقَالَ تَعَالَى: فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [ الْمُلْكِ: 3 - 4 ]. أَيْ خَاسِئًا عَنْ أَنْ يَرَى فِيهَا نَقْصًا أَوْ خَلَلًا. وَهُوَ حَسِيرٌ أَيْ كَلَيْلٌ ضَعِيفٌ، وَلَوْ نَظَرَ حَتَّى يَعْيَ وَيَكِلَّ وَيَضْعُفَ لَمَا اطَّلَعَ عَلَى نَقْصٍ فِيهَا وَلَا عَيْبٍ ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَدْ أَحْكَمَ خَلْقَهَا، وَزَيَّنَ بِالْكَوَاكِبِ أُفُقَهَا كَمَا قَالَ: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [ الْبُرُوجِ: 1 ]. أَيِ النُّجُومِ. وَقِيلَ: مَحَالُّ الْحَرَسِ الَّتِي يُرْمَى مِنْهَا بِالشُّهُبِ لِمُسْتَرِقِ السَّمْعِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلِقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [ الْحِجْرِ: 16 - 17 ]. فَذَكَرَ أَنَّهُ زَيَّنَ مَنْظَرَهَا بِالْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ ; الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَالنُّجُومِ الزَّاهِرَاتِ، وَأَنَّهُ صَانَ حَوْزَتَهَا عَنْ حُلُولِ الشَّيَاطِينِ بِهَا، وَهَذَا زِينَةُ مَعْنًى فَقَالَ: وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. كَمَا قَالَ: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى [ الصَّافَّاتِ: 6 - 8 ]. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ: وَقَالَ قَتَادَةُ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ [ الْمُلْكِ: 5 ]. خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ  لِثَلَاثٍ ; جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا. فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [ الْمُلْكِ: 5 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [ الْأَنْعَامِ: 97 ]. فَمَنْ تَكَلَّفَ غَيْرَ هَذِهِ الثَّلَاثِ أَيْ مَنْ عِلْمِ أَحْكَامِ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ حَرَكَاتُهَا، وَمُقَارَنَاتُهَا فِي سَيْرِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى حَوَادِثَ أَرْضِيةٍ فَقَدْ أَخْطَأَ. وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ كَلَامِهِمْ فِي هَذَا الْبَابِ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا حَدْسٌ وَظُنُونٌ كَاذِبَةٌ وَدَعَاوَى بَاطِلَةٌ. وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا أَيْ ; وَاحِدَةً فَوْقَ وَاحِدَةٍ. السماوات هل هن متراكمات أو متفاضلات بينهن خلاء وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ هَلْ هُنَّ مُتَرَاكِمَاتٍ ؟ أَوْ مُتَفَاصِلَاتٍ بَيْنَهُنَّ خَلَاءٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَالصَّحِيحُ الثَّانِي ; لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ، عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنِ الْعَبَّاسِ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَثِفُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ. الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ قَالَ فِيهِ: وَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالَ مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِي نِعَمَ الِابْنُ أَنْتَ. إِلَى أَنْ قَالَ: ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ. وَكَذَا ذَكَرَ فِي الثَّالِثَةِ، وَالرَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَالسَّادِسَةِ، وَالسَّابِعَةِ. فَدَلَّ عَلَى التَّفَاصُلِ بَيْنَهَا لِقَوْلِهِ: ثُمَّ عُرِجَ بِنَا حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ مَنْ هَذَا ؟. إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. السماوات كرية مستديرة وَقَدْ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ الْمُنَادِي، وَأَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ السَّمَاوَاتِ كُرِّيَّةٌ مُسْتَدِيرَةٌ  ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس: 40 ]. قَالَ الْحَسَنُ: يَدُورُونَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي فَلْكَةٍ مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ قَالُوا: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ تَغْرُبُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ تَطْلُعُ فِي آخِرِهَا مِنَ الْمَشْرِقِ كَمَا قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ     لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ لَهُمْ فِي رِسْلِهَا إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا يُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ). هَذَا لَفْظُهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَإِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنِ اسْتِدَارَةِ الْأَفْلَاكِ  الَّتِي هِيَ السَّمَاوَاتُ عَلَى أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى كُرِّيَّةِ الْعَرْشِ كَمَا زَعَمَهُ زَاعِمُونَ قَدْ أَبْطَلْنَا قَوْلَهُمْ فِيمَا سَلَفَ. وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَصْعَدُ إِلَى فَوْقِ السَّمَاوَاتِ مِنْ جِهَتِنَا حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ بَلْ هِيَ تَغْرُبُ عَنْ أَعْيُنِنَا، وَهِيَ مُسْتَمِرَّةٌ فِي فَلَكِهَا الَّذِي هِيَ فِيهِ، وَهُوَ الرَّابِعُ فِيمَا قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّسْيِيرِ، وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مَا يَنْفِيهِ، بَلْ فِي الْحِسِّ وَهُوَ الْكُسُوفَاتُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيَقْتَضِيهِ فَإِذَا ذَهَبَتْ فِيهِ حَتَّى تَتَوَسَّطَهُ وَهُوَ وَقْتُ نِصْفِ اللَّيْلِ مَثَلًا فِي اعْتِدَالِ الزَّمَانِ، بِحَيْثُ يَكُونُ بَيْنَ الْقُطْبَيْنِ الْجَنُوبِيِّ وَالشَّمَالِيِّ فَإِنَّهَا تَكُونُ أَبْعَدَ مَا يَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ ; لِأَنَّهُ مُقَبَّبٌ مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْعَالَمِ، وَهَذَا مَحَلُّ سُجُودِهَا كَمَا يُنَاسِبُهَا، كَمَا أَنَّهَا أَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنَ الْعَرْشِ وَقْتَ الزَّوَالِ مِنْ جِهَتِنَا، فَإِذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّ سُجُودِهَا اسْتَأْذَنَتِ الرَّبَّ جَلَّ جَلَالُهُ فِي طُلُوعِهَا مِنَ الشَّرْقِ، فَيُؤْذَنُ لَهَا، فَتَبْدُو مِنْ جِهَةِ الشَّرْقِ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ كَارِهَةٌ لِعُصَاةِ بَنِي آدَمَ أَنْ تَطْلُعَ عَلَيْهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ أُمَيَّةُ: لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ لَهُمْ فِي رِسْلِهَا     إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ فَإِذَا كَانَ الْوَقْتُ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ طُلُوعَهَا فِيهِ مِنْ جِهَةِ مَغْرِبِهَا تَسْجُدُ عَلَى عَادَتِهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فِي الطُّلُوعِ مِنْ عَادَتِهَا فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، فَجَاءَ أَنَّهَا تَسْجُدُ أَيْضًا، ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَتَطُولُ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، فَتَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّ الْفَجْرَ قَدِ اقْتَرَبَ، وَإِنَّ الْمَدَى بَعِيدٌ. فَيُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنُوا جَمِيعًا، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا. وَفَسَّرُوا بِذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا [ يس: 38 ]. قِيلَ: لِوَقْتِهَا الَّذِي تُؤْمَرُ فِيهِ أَنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبِهَا وَقِيلَ: مُسْتَقَرُّهَا مَوْضِعُهَا الَّذِي تَسْجُدُ فِيهِ تَحْتَ الْعَرْشِ. وَقِيلَ: مُنْتَهَى سَيْرِهَا وَهُوَ آخِرُ الدُّنْيَا، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لَا مُسْتَقَرَّ لَهَا أَيْ لَيْسَتْ تَسْتَقِرُّ فَعَلَى هَذَا تَسْجُدُ، وَهِيَ سَائِرَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [ يس: 40 ]. أَيْ لَا تُدْرِكُ الشَّمْسُ الْقَمَرَ فَتَطْلُعُ فِي سُلْطَانِهِ وَدَوْلَتِهِ، وَلَا هُوَ أَيْضًا وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ. أَيْ: لَيْسَ سَابِقَهُ بِمَسَافَةٍ يَتَأَخَّرُ ذَاكَ عَنْهُ فِيهَا بَلْ إِذَا ذَهَبَ النَّهَارُ جَاءَ اللَّيْلُ فِي إِثْرِهِ مُتَعَقِّبًا لَهُ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 54 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [ الْفُرْقَانِ: 62 ]. أَيْ: يُخْلِفُ هَذَا لِهَذَا وَهَذَا لِهَذَا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ. فَالزَّمَانُ الْمُحَقِّقُ يَنْقَسِمُ إِلَى لَيْلٍ وَنَهَارٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا غَيْرُهُمَا ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [ فَاطِرٍ: 13 ]. أَيْ: يُولِجُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا أَيْ: يَأْخُذُ مِنْ طُولِ هَذَا فِي قَصْرِ هَذَا فَيَعْتَدِلَانِ كَمَا فِي أَوَّلِ فَصْلِ الرَّبِيعِ ; يَكُونُ اللَّيْلُ قَبْلَ ذَلِكَ طَوِيلًا وَالنَّهَارُ قَصِيرًا، فَلَا يَزَالُ اللَّيْلُ يَنْقُصُ وَالنَّهَارُ يَتَزَايَدُ حَتَّى يَعْتَدِلَا وَهُوَ أَوَّلُ الرَّبِيعِ، ثُمَّ يَشْرَعُ النَّهَارُ يَطُولُ وَيَتَزَايَدُ، وَاللَّيْلُ يَتَنَاقَصُ إِلَى آخِرِ فَصْلِ الرَّبِيعِ، ثُمَّ يَتَرَاجَعُ الْأَمْرُ وَيَنْعَكِسُ الْحَالُ فَيَشْرَعُ النَّهَارُ يَتَنَاقَصُ وَاللَّيْلُ فِي ازْدِيَادٍ حَتَّى يَعْتَدِلَا أَيْضًا فِي أَوَّلِ فَصْلِ الْخَرِيفِ، ثُمَّ يَشْرَعُ اللَّيْلُ يَطُولُ وَيَقْصُرُ النَّهَارُ إِلَى آخِرِ فَصْلِ الْخَرِيفِ، ثُمَّ يَتَرَجَّحُ النَّهَارُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَيَتَنَاقَصُ اللَّيْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَعْتَدِلَا فِي أَوَّلِ فَصْلِ الرَّبِيعِ كَمَا قَدَّمْنَا. وَهَكَذَا فِي كُلِّ عَامٍ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [ الْمُؤْمِنُونَ: 80 ]. أَيْ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْحَاكِمُ الَّذِي لَا يُخَالِفُ وَلَا يُمَانِعُ ; وَلِهَذَا يَقُولُ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ عِنْدَ ذِكْرِ السَّمَاوَاتِ، وَالنُّجُومِ، وَاللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ: ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ الْأَنْعَامِ: 80، يس: 38، فُصِّلَتْ: 12 ]. أَيِ الْعَزِيزِ الَّذِي قَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، وَدَانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ فَلَا يُمَانَعُ، وَلَا يُغَالَبُ، الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَقَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ تَقْدِيرًا عَلَى نِظَامٍ لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَضْطَرِبُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ اللَّهُ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَفِي رِوَايَةٍ فَأَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ ; كَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، وَغَيْرِهِمَا: يَسُبُّ الدَّهْرَ أَيْ يَقُولُ فَعَلَ بِنَا الدَّهْرُ كَذَا يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ أَيْتَمَ الْأَوْلَادَ أَرْمَلَ النِّسَاءَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنَا الدَّهْرُ. أَيْ أَنَا الدَّهْرُ الَّذِي يَعْنِيهِ فَإِنَّهُ فَاعِلُ ذَلِكَ الَّذِي أَسْنَدَهُ إِلَى الدَّهْرِ، وَالدَّهْرُ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ فَهُوَ يَسُبُّ فَاعِلَ ذَلِكَ، وَيَعْتَقِدُهُ الدَّهْرَ، وَاللَّهُ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ الْخَالِقُ لِكُلِّ شَيْءٍ، الْمُتَصَرِّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَمَا قَالَ: وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِيَ الْأَمْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ آلِ عِمْرَانَ: 26 - 27 ]. وَقَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [ يُونُسَ: 5 - 6 ]. أَيْ فَاوَتَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي نُورِهِمَا، وَفِي شَكْلِهِمَا، وَفِي وَقْتِهِمَا، وَفِي سَيْرِهِمَا فَجَعَلَ هَذَا ضِيَاءً وَهُوَ شُعَاعُ الشَّمْسِ بُرْهَانٌ سَاطِعٌ وَضَوْءٌ بَاهِرٌ، وَالْقَمَرَ نُورًا، أَيْ أَضْعَفُ مِنْ بُرْهَانِ الشَّمْسِ، وَجَعَلَهُ مُسْتَفَادًا مِنْ ضَوْئِهَا، وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ. أَيْ يَطَّلِعُ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ صَغِيرًا ضَئِيلًا قَلِيلَ النُّورِ لِقُرْبِهِ مِنَ الشَّمْسِ، وَقِلَّةِ مُقَابَلَتِهِ لَهَا فَبِقَدْرِ مُقَابَلَتِهِ لَهَا يَكُونُ نُورُهُ ; وَلِهَذَا فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ يَكُونُ أَبْعَدَ مِنْهَا بِضِعْفِ مَا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الْأَوْلَى فَيَكُونُ نُورُهُ بِضِعْفِ النُّورِ أَوَّلَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ كُلَّمَا بَعُدَ ازْدَادَ نُورُهُ حَتَّى يَتَكَامَلَ إِبْدَارُهُ لَيْلَةَ مُقَابَلَتِهِ إِيَّاهَا مِنَ الْمَشْرِقِ، وَذَلِكَ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ يَشْرَعُ فِي النَّقْصِ لِاقْتِرَابِهِ إِلَيْهَا مِنَ الْجِهَةِ الْأُخْرَى إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ، فَيَسْتَتِرُ حَتَّى يَعُودَ كَمَا بَدَأَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ الثَّانِي فَبِهِ تُعْرَفُ الشُّهُورُ، وَبِالشَّمْسِ تُعْرَفُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ، وَبِذَلِكَ تُعْرَفُ السِّنُونَ وَالْأَعْوَامُ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [ يُونُسَ: 5 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [ الْإِسْرَاءِ: 12 ]. الكلام عن الكواكب وَقَالَ تَعَالَى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [ الْبَقَرَةِ: 189 ].. فَالْكَوَاكِبُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ مِنْهَا سَيَّارَاتٌ ; وَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ فِي اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ التَّسْيِيرِ، وَهُوَ عِلْمٌ غَالِبُهُ صَحِيحٌ بِخِلَافِ عِلْمِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ غَالِبَهُ بَاطِلٌ، وَدَعْوَى مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَهِيَ سَبْعَةٌ ; الْقَمَرُ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَعُطَارِدُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالزُّهْرَةُ فِي الثَّالِثَةِ، وَالشَّمْسُ فِي الرَّابِعَةِ، وَالْمِرِّيخُ فِي الْخَامِسَةِ، وَالْمُشْتَرَى فِي السَّادِسَةِ، وَزُحَلُ فِي السَّابِعَةِ. وَبَقِيَّةُ الْكَوَاكِبِ يُسَمُّونَهَا الثَّوَابِتَ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ فِي الْفَلَكِ الثَّامِنِ، وَهُوَ الْكُرْسِيُّ فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْكَوَاكِبُ كُلُّهَا فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَلَا مَانِعَ مِنْ كَوْنَ بَعْضِهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [ الْمُلْكِ: 5 ]. وَبِقَوْلِهِ: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فُصِّلَتْ: 12 ]. فَخَصَّ سَمَاءَ الدُّنْيَا مِنْ بَيْنِهِنَّ بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ فَإِنْ دَلَّ هَذَا عَلَى كَوْنِهَا مُرَصَّعَةً فِيهَا فَذَاكَ وَإِلَّا فَلَا مَانِعَ مِمَّا قَالَهُ الْآخَرُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَفْلَاكَ السَّبْعَةَ بَلِ الثَّمَانِيَةَ تَدُورُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ دَوْرَةً كُلِّيَّةً مِنَ الشَّرْقِ إِلَى الْغَرْبِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَاتِ يَدُورُ عَلَى خِلَافِ فَلَكِهِ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ ; فَالْقَمَرُ يَقْطَعُ فَلَكَهُ فِي شَهْرٍ، وَالشَّمْسُ تَقْطَعُ فَلَكَهَا وَهُوَ الرَّابِعُ فِي سَنَةٍ فَإِذَا كَانَ السَّيْرَانِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ، وَحَرَكَاتُهُمَا مُتَقَارِبَةٌ كَانَ قَدْرُ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ بِقَدْرِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَزُحَلُ يَقْطَعُ فَلَكَهُ وَهُوَ السَّابِعُ فِي ثَلَاثِينَ سَنَةً، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بِقَدْرِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ثَلَثُمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَرَّةً. وَقَدْ تَكَلَّمُوا عَلَى مَقَادِيرِ أَجْرَامِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ وَسِيَرِهَا وَحَرَكَاتِهَا، وَتَوَسَّعُوا فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى تَعَدَّوْا إِلَى عِلْمِ الْأَحْكَامِ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْحَوَادِثِ الْأَرْضِيَّةِ، وَمِمَّا لَا عِلْمَ لِكَثِيرٍ مِنْهُمْ بِهِ. وَقَدْ كَانَ الْيُونَانِيُّونَ الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الشَّامَ قَبْلَ زَمَنِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِدُهُورٍ لَهُمْ فِي هَذَا كَلَامٌ كَثِيرٌ يَطُولُ بَسْطُهُ، وَهُمُ الَّذِينَ بَنَوْا مَدِينَةَ دِمَشْقَ، وَجَعَلُوا لَهَا أَبْوَابًا سَبْعَةً، وَجَعَلُوا عَلَى رَأْسِ كُلِّ بَابٍ هَيْكَلًا عَلَى صِفَةِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ يَعْبُدُونَ كُلَّ وَاحِدٍ فِي هَيْكَلِهِ، وَيَدْعُونَهُ بِدُعَاءٍ يَأْثَرُهُ عَنْهُمْ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ التَّوَارِيخِ وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرُهُ صَاحِبُ " السِّرِّ الْمَكْتُومِ فِي مُخَاطَبَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ " وَهُوَ خُرَافَاتٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا. وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَرَّنَانِيِّينَ فَلَاسِفَةِ حَرَّانَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَقَدْ كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَ، وَهُمْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّابِئِينَ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فُصِّلَتْ: 37 ]. وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْهُدْهُدِ أَنَّهُ قَالَ لِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُخْبِرًا عَنْ بِلْقِيسَ وَجُنُودِهَا ; مَلِكَةِ سَبَأٍ فِي الْيَمَنِ وَمَا وَالَاهَا: إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ النَّمْلِ: 23 26 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [ الْحَجِّ: 18 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ النَّحْلِ: 48 ] وَقَالَ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [ الرَّعْدِ: 15 ]. وَقَالَ تَعَالَى: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [ الْإِسْرَاءِ: 44 ]. وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَلِمَّا كَانَ أَشْرَفُ الْأَجْرَامِ الْمُشَاهَدَةِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هِيَ الْكَوَاكِبَ، وَأَشْرَقُهُنَّ مَنْظَرًا، وَأَشْرَفُهُنَّ مُعْتَبَرًا الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، اسْتَدَلَّ الْخَلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ شَيْءٍ مِنْهُنَّ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الْأَنْعَامِ: 77 - 79 ]. فَبَيَّنَ بِطْرِيقِ الْبُرْهَانِ الْقَطْعِيِّ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْرَامَ الْمُشَاهَدَاتِ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ لَا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنْهَا لِلْإِلَهِيَّةِ ; لِأَنَّهَا كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ مَرْبُوبَةٌ مُدَبَّرَةٌ مُسَخَّرَةٌ فِي سَيْرِهَا لَا تَحِيدُ عَمَّا خُلِقَتْ لَهُ، وَلَا تَزِيغُ عَنْهُ إِلَّا بِتَقْدِيرٍ مُتْقَنٍ مُحَرَّرٍ لَا تَضْطَرِبُ وَلَا تَخْتَلِفُ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهَا مَرْبُوبَةٌ مَصْنُوعَةٌ مُسَخَّرَةٌ مَقْهُورَةٌ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فُصِّلَتْ: 37 ]. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَئِذٍ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ بِأَبْسَطِ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فَقَالَ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ زَمَنَ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، وَجَاءَ الْحَسَنُ فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَحَدَّثَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ثَوْرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ الْحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا ؟ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ وَمَا ذَنْبُهُمَا ؟ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا يُرْوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَمْ يَرْوِ عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التَّكْوِيرِ: 1 ]. قَالَ: يُكَوِّرُ اللَّهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْبَحْرِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا دَبُورًا فَتُضْرِمُهَا نَارًا. فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآثَارُ عَلَى أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ  خَلَقَهَا اللَّهُ لِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَفْعَلُ فِيهَا مَا يَشَاءُ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ وَحُكْمِهِ الَّذِي لَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ. وَمَا أَحْسَنَ مَا أَوْرَدَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي أَوَّلِ كِتَابِ " السِّيرَةِ " مِنَ الشِّعْرِ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي خَلْقِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هِيَ لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: إِلَى اللَّهِ أُهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا     وَقَوْلًا رَصِينًا لَا يَنِي الدَّهْرَ بَاقِيًا إِلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ     إِلَهٌ وَلَا رَبٌّ يَكُونُ مُدَانِيَا أَلَا أيُّهَا الْإِنْسَانُ إِيَّاكَ وَالرَّدَى     فَإِنَّكَ لَا تُخْفِي مِنَ اللَّهِ خَافِيَا وَإِيَّاكَ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ     فَإِنَّ سَبِيلَ الرُّشْدِ أَصْبَحَ بَادِيَا حَنَانَيْكَ إِنَّ الْجِنَّ كَانَتْ رَجَاءَهُمْ     وَأَنْتَ إِلَهِي رَبَّنَا وَرَجَائِيَا رَضِيتُ بِكَ اَللَّهُمَّ رَبًّا فَلَنْ أُرَى     أَدِينُ إِلَهًا غَيْرَكَ اَللَّهُ ثَانِيَا وَأَنْتَ اَلَّذِي مِنْ فَضْلِ مَنٍّ وَرَحْمَةٍ     بَعَثْتَ إِلَى مُوسَى رَسُولًا مُنَادِيَا فَقُلْتَ لَهُ يَا اِذْهَبْ وَهَارُونَ فَادْعُوَا     إِلَى اَللَّهِ فِرْعَوْنَ اَلَّذِي كَانَ طَاغِيَا وَقُولَا لَهُ أَأَنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ بِلَا     وَتَدٍ حَتَّى اِطْمَأَنَّتْ كَمَا هِيَا وَقُولَا لَهُ أَأَنْتَ رَفَعْتَ هَذِهِ بِلَا     عَمَدٍ أَرْفِقْ إِذًا بِكَ بَانِيَا وَقُولَا لَهُ أَأَنْتَ سَوَّيْتَ وَسْطَهَا     مُنِيرًا إِذَا مَا جَنَّهُ اَللَّيْلُ هَادِيَا وَقُولَا لَهُ مَنْ يُرْسِلُ اَلشَّمْسَ غَدْوَةً     فَيُصْبِحُ مَا مَسَّتْ مِنَ اَلْأَرْضِ ضَاحِيَا وَقُولَا لَهُ مَنْ يُنْبِتُ اَلْحَبَّ فِي اَلثَّرَى     فَيُصْبِحُ مِنْهُ اَلْبَقْلُ يَهْتَزُّ رَابِيَا وَيُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّهُ فِي رُءُوسِهِ     وَفِي ذَاكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيَا وَأَنْتَ بِفَضْلٍ مِنْكَ نَجَّيْتَ يُونُسَا     وَقَدْ بَاتَ فِي أَضْعَافِ حُوتٍ لَيَالِيَا وَإِنِّي وَلَوْ سَبَّحْتُ بِاسْمِكَ رَبَّنَا     لِأُكْثِرَ إِلَّا مَا غَفَرْتَ خَطَائِيَا فَرَبَّ اَلْعِبَادِ أَلْقِ سَيْبًا وَرَحْمَةً     عَلَيَّ وَبَارِكْ فِي بَنِيَّ وَمَالِيَا . فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَالْكَوَاكِبُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ مِنَ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَاتِ، الْجَمِيعُ مَخْلُوقَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَالَ:وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ فُصِّلَتْ: 12 ]. وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ   ; مِنْ أَنَّ الزُّهْرَةَ كَانَتِ امْرَأَةً حَسْنَاءَ فَرَاوَدَاهَا عَلَى نَفْسِهَا، فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، فَعَلَّمَاهَا، فَقَالَتْهُ ; فَرُفِعَتْ كَوْكَبًا إِلَى السَّمَاءِ فَهَذَا أَظُنُّهُ مِنْ وَضْعِ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ بِهِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ، وَتَلَقَّاهُ عَنْهُ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ فَذَكَرُوهُ عَلَى سَبِيلِ الْحِكَايَةِ وَالتَّحْدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَذَكَرَ الْقِصَّةَ بِطُولِهَا، وَفِيهِ: فَمَثَّلَتْ لَهُمَا الزَّهْرَةُ امْرَأَةً مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ فَجَاءَتْهُمَا فَسَأَلَاهَا نَفْسَهَا. وَذَكَرَ الْقِصَّةَ. وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي تَفْسِيرِهِ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ بِهِ. وَهَذَا أَصَحُّ وَأَثْبَتُ. وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَهُ. وَقَالَ فِيهِ: وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ امْرَأَةٌ حُسْنُهَا فِي النِّسَاءِ كَحُسْنِ الزُّهْرَةِ فِي سَائِرِ الْكَوَاكِبِ. وَذَكَرَ تَمَامَهُ. وَهَذَا أَحْسَنُ لَفْظٍ رُوِيَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ سُهَيْلًا فَقَالَ: كَانَ عَشَّارًا ظَلُومًا فَمَسَخَهُ اللَّهُ شِهَابًا.

  22. التاريخ 5لا حكم مسجّل

    الْكَلَامِ عَلَى الْمَجَرَّةِ وَقَوْسِ قُزَحٍ   قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِرَقْلَ كَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ: إِنْ كَانَ بَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَسَيُخْبِرُنِي عَمَّا أَسْأَلُهُمْ عَنْهُ. قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَسْأَلُهُ عَنِ الْمَجَرَّةِ، وَعَنِ الْقَوْسِ، وَعَنِ الْبُقْعَةِ الَّتِي لَمَّ تُصِبْهَا الشَّمْسُ إِلَّا سَاعَةً وَاحِدَةً. قَالَ: فَلَمَّا أَتَى مُعَاوِيَةَ الْكِتَابُ وَالرَّسُولُ، قَالَ: إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا كُنْتُ آبَهُ لَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْهُ إِلَى يَوْمِي هَذَا، مَنْ لِهَذَا ؟. قِيلَ: ابْنُ عَبَّاسٍ. فَطَوَى مُعَاوِيَةُ كِتَابَ هِرَقْلَ، فَبُعِثَ بِهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّ الْقَوْسَ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنَ الْغَرَقِ، وَالْمَجَرَّةَ بَابُ السَّمَاءِ الَّذِي تَنْشَقُّ مِنْهُ، وَأَمَّا الْبُقْعَةُ الَّتِي لَمْ تُصِبْهَا الشَّمْسُ إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ فَالْبَحْرُ الَّذِي أُفْرِجَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا مُعَاذُ إِنِّي مُرْسِلُكَ إِلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ فَإِذَا سُئِلْتَ عَنِ الْمَجَرَّةِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ فَقُلْ هِيَ لُعَابُ حَيَّةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ. فَإِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدًّا، بَلِ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ. وَرِوَايَةُ الْفَضْلِ بْنِ الْمُخْتَارِ هَذَا أَبُو سَهْلٍ الْبَصْرِيُّ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مِصْرَ. قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: هُوَ مَجْهُولٌ يُحَدِّثُ بِالْأَبَاطِيلِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَتْحِ الْأَزْدِيُّ. مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَا يُتَابَعُ عَلَى أَحَادِيثِهِ لَا مَتْنًا، وَلَا إِسْنَادًا. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ [ الرَّعْدِ: 12 - 13 ]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الْبَقَرَةِ: 164 ]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بسنده عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنِ اللَّهَ يُنْشِئُ السَّحَابَ، فَيَنْطِقُ أَحْسَنَ النُّطْقِ، وَيَضْحَكُ أَحْسَنَ الضَّحِكِ. وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ نُطْقَهُ الرَّعْدُ. وَضَحِكَهُ الْبَرْقُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْبَرْقَ مَلَكٌ لَهُ أَرْبَعَةُ وُجُوهٍ ; وَجْهُ إِنْسَانٍ، وَوَجْهُ ثَوْرٍ، وَوَجْهُ نَسْرٍ، وَوَجْهُ أَسَدٍ، فَإِذَا مَصَعَ بِذَنْبِهِ فَذَلِكَ الْبَرْقُ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو مَطَرٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ وَالصَّوَاعِقَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ لَيْثٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ قَالَ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحَتْ لَهُ. وَكَذَا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَطَاوُسٍ، وَغَيْرِهِمْ. وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ مَنْ خِيفَتِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ: رَبُّكُمْ لَوْ أَنَّ عَبِيدِي أَطَاعُونِي لَأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِذَا سَمِعْتُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ فَاذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُ ذَاكِرًا.

  23. التاريخ 6لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "لَمَّا أَبْرَمَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلْقَهُ فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُ آَدَمَ خَلَقَ شَمْسَيْنِ مِنْ نُورِ عَرْشِهِ فَأَمَّا مَا كَانَ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ أَنْ يَطْمِسَهَا وَيُحَوِّلَهَا قَمَرًا فَإِنَّهُ خَلَقَهَا دُونَ الشَّمْسِ فِي الضَّوْءِ، وَلَوْ تَرَكَهَا شَمْسَيْنِ لَمْ يُعْرَفِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهَارِ، وَلَكَانَ الصَّائِمُ لَا يَدْرِي إِلَى مَتَى يَصُومُ، فَأَرْسَلَ جِبْرِيلَ فَأَمَرَّ جِنَاحَهُ عَلَى وَجْهِ الْقَمَرِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَمَحَا عَنْهُ الضَّوْءَ، وَبَقِيَ فِيهِ النُّورُ، وَخَلَقَ لِلشَّمْسِ عَجَلَةً لَهَا ثَلاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ عُرْوَةً، وَوَكَّلَ بِهَا ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ مَلَكًا قَدْ يَعْلَقُ كُلُّ مَلَكٍ بِعُرْوَةٍ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَ الْعِبَادِ آَيَةً خَرَّتِ الشَّمْسُ عَنْ عَجَلَتِهَا فَوَقَعَتْ فِي بَحْرٍ وَتَسْجُدُ الشَّمْسُ تَحْتَ الْعَرْشِ بِمِقْدَارِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تُؤْمَرُ بِالطُّلُوعِ  ، فَإِذَا مَا دَنَتِ الْقِيَامَةُ جُعِلَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَتْبَعُهَا الْقَمَرُ ثُمَّ يَطْلُعَانِ مِنَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ يُعُودُ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ". وَرَوَى طَاوُوسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِلسَّمَاءِ: "أَخْرِجِي شَمْسَكِ وَقَمَرَكِ وَنُجُومَكَ"، وَقَالَ لِلْأَرْضِ: "شَقِّقِي أَنْهَارَكِ وَأَخْرِجِي ثِمَارَكِ" فَقَالَتَا: أَتَيْنَا طَائِعِينَ. وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا قَوْمٌ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الظَّوَاهِرُ، وَقَلَّ فَهْمْهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَوْلُ السَّمَاءِ حَقِيقَةً، وَأَنَّهَا أَخْرَجَتْ شَمْسَهَا بِفِعْلٍ، وَهَذَا سُوقُهُمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ أَتَيَا طَوْعًا مَعْنَاهُ كَوْنًا بِتَكْوِينِنَا، وَهُوَ تَقْرِيبٌ إِلَى الْأَفْهَامِ تَقْرِيرُهُ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِ مَا يُرِيدُهُ لَوْ قَدَّرْنَا أَنَّ السَّمَاءَ مَوْجُودَةً أَنْ يُوَافِقَ أَوْ يُخَالِفَ، وَيُوَضِّحَ هَذَا أَنَّهُمَا إِنْ كَانَتَا حَالَةَ الْخِطَابِ مَعْدُومَتَيْنِ، فَالْمَعْدُومُ لَا يُخَاطَبُ، وَإِنْ كَانَتَا مَوْجُودَتَيْنِ اسْتَغْنَتَا بِوُجُودِهِمَا عَنِ التَّكْوِينِ، ثُمَّ أَيُّ قُدْرَةٍ لَهُمَا فِي إِخْرَاجِ شَمْسٍ أَوْ قَمَرٍ، وَهَلْ خَالِقٌ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ كُونِي بِتَكْوِينِي إِيَّاكَ، وَمِثْلُهُ [قَوْلُهُ] تَعَالَى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَقَوْلُهُ: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا، وَهَذَا مِنْ تَوَسُّعِ الْعَرَبِ فِي الْخِطَابِ يَقْصِدُونَ بِهِ إِعْلَامَ الْمُخَاطَبِ بِسُرْعَةِ التَّكْوِينِ. قَالَ مُجَاهِدٌ [فِي] قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ  قَالَ: مَشْرِقُ الشِّتَاءِ وَمَشْرِقُ الصَّيْفِ، وَمَغْرِبُ الشِّتَاءِ وَمَغْرِبُ الصَّيْفِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَطْلُعُ كُلَّ سَنَةٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ كُوَّةً، كُلَّ يَوْمٍ فِي كُوَّةٍ فَلَا يَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْكُوَّةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى الشَّمْسَ حِينَ غَابَتْ فَقَالَ: "فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ لَوْلَا مَا يَزَعُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لَأَهْلَكَتْ مَا عَلَى الْأَرْضِ". قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ: قَدْ نَظَرَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ دُعَاءٍ عَلَى الشَّمْسِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ وَصْفٌ لِلْعَيْنِ الَّتِي تُوَارِي الشَّمْسَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَطْلُعَ تَقَاعَسَتْ كَرَامَةَ أَنْ تُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَدْفَعُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَلَكًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَطْلُعُ إِلَّا وَهِيَ كَارِهَةٌ، تَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تُطْلِعْنِي عَلَى عِبَادِكَ فَإِنِّي أَرَاهُمْ يَعْصُونَكَ. وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وُكِّلَ بِالشَّمْسِ سَبْعَةُ أَمْلَاكٍ يَرْمُونَهَا بِالثَّلْجِ كُلَ يَوْمٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا أَتَتْ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا أَحْرَقَتْهُ". وعَنِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ بَيْنَ يَدِي اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فَتَسْتَأْذِنُ فِي الرِّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُ عُلُومِ الْهَنْدَسَةِ أَنَّ بُعْدَ الشَّمْسِ مِنَ الْأَرْضِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَعِشْرُونَ أَلْفَ مِيلٍ وَنِصْفٌ. وَذَكَرُوا أَنَّ جِرْمَ الْقَمَرِ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ جُزْءًا مِنَ الْأَرْضِ، وَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ، يَزِيدُ جِرْمُهُ عَلَى جِرْمِ الْأَرْضِ مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ مَرَّةً وَنِصْفٌ وَرُبْعٌ. وَزُحَلُ أَعْظَمُ مِنَ الْأَرْضِ تِسْعَةً وَسَبْعِينَ مَرَّةً وَنِصْفًا. وَأَمَّا الْكَوَاكِبُ الثَّابِتَةُ فَأَعْظَمُهَا الْخَمْسَةَ عَشَرَ الْعِظَامُ نَيِّرَةٌ  مِثْلُ الشِّعْرَى وَالسِّمَاكِ، وَقَلْبِ الْأَسَدِ، يَكُونُ جِرْمُ كُلِّ كَوْكَبٍ مِنْهَا أَعْظَمَ مِنَ الْأَرْضِ بِأَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ مَرَّةً وَنِصْفٍ.

  24. التاريخ 7لا حكم مسجّل

    الْقَوْلُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أَيُّهُمَا خُلِقَ قَبْلَ صَاحِبِهِ  ؟ قَدْ ذَكَرْنَا مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الْأَوْقَاتِ، وَأَنَّ الْأَزْمِنَةَ وَالْأَوْقَاتَ إِنَّمَا هِيَ سَاعَاتُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ قَطْعُ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ دَرَجَاتِ الْفَلَكِ. فَلْنَذْكُرِ الْآنَ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ الِابْتِدَاءُ، أَبِاللَّيْلِ أَمْ بِالنَّهَارِ ؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ اللَّيْلَ خُلِقَ قَبْلَ النَّهَارِ، وَيَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّهَارَ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ جَاءَ اللَّيْلُ فَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّهَارَ - وَهُوَ النُّورُ - وَارِدٌ عَلَى الظُّلْمَةِ الَّتِي هِيَ اللَّيْلُ. وَإِذَا لَمْ يَرِدْ نُورُ الشَّمْسِ كَانَ اللَّيْلُ ثَابِتًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّيْلَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ النَّهَارُ قَبْلَ اللَّيْلِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَلَا لَيْلَ وَلَا نَهَارَ، وَأَنَّ نُورَهُ كَانَ يُضِيءُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ حَتَّى خَلَقَ اللَّيْلَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ عِنْدَهُ لَيْلٌ، وَلَا نَهَارٌ. نُورُ السَّمَاوَاتِ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَوَّلًا، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا فَبَدَأَ بِاللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ الْحَارِثِيُّ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيٍّ فَسَأَلَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي فِي الْقَمَرِ، فَقَالَ: ذَلِكَ آيَةٌ مُحِيَتْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا، لِذَلِكَ خَلَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى الشَّمْسُ أَنْوَرُ مِنَ الْقَمَرِ.

  25. التاريخ 8لا حكم مسجّل

    ذِكْرِ الْجَنَّةِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ قَبْلَ آدَمَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: وَالْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ  . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى  . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ، قَالَ: الْمَطَرُ، وَمَا تُوعَدُونَ قَالَ: الْجَنَّةُ  . وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ قَدْ خُلِقَتْ قَوْلُهُ تَعَالَى: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ عَرْشُ اللَّهِ عَلَى الْمَاءِ  ، ثُمَّ اتَّخَذَ جَنَّةً، ثُمَّ اتَّخَذَ دُونَهَا أُخْرَى ثُمَّ أَطْبَقَهَا بِلُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ، فَقَالَ: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ. وعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا"  . وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ أَرْبَعٌ: ثِنْتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آَنِيَتُهُمَا وَحِلْيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَثِنْتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آَنِيَتُهُمَا وَحِلْيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَوْمِ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَى رِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي جَنَّةِ عَدْنٍ". قَالَ أَحْمَدُ: بسنده عن أَبُو الْمُدَلَّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا  ؟ قَالَ: لَبِنَتُهَا فِضَّةٌ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْخَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ لَا يَبْؤُسُ، وَيَخْلُدُ لَا يَمُوتُ، لَا يَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ". هَذَا الْحَدِيثُ حَسَنٌ، وَاللَّذَانِ قَبْلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

  26. التاريخ 26لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ خَلْقِ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِنَّ أَعْظَمَ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْعَرْشُ وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي الْعَدِيدِ مِنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ صِفَةِ الْعَرْشِ أَنَّ اتِّسَاعَهُ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَأَنَّ بُعْدَهُ عَنِ الْأَرْضِ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ وَأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ عَلَى صُورَةِ الْقُبَّةِ وَأَنَّهُ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنَّهُ يَئِطُّ بِالتَّسْبِيحِ لِلَّهِ تَعَالَى وَالرَّحْمَنُ مُسْتَوٍ عَلَى الْعَرْشِ سُبْحَانَهُ وَتَقَدَّسَ، وَأَنَّهُ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ وَأَنَّهُ فَوْقَ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَالسَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ فِي صَحْرَاءَ مُتَّسِعَةٍ، وَالْكُرْسِيُّ فِي الْعَرْشِ كَمَثَلِ حَلْقَةٍ فِي صَحْرَاءَ كَذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ صَفَحَاتِهَا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، لِلَّهِ فِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ لَحْظَةٍ، يَخْلَقُ وَيَرْزُقُ، وَيُمِيتُ وَيُحْيِي، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.

  27. التاريخ 27لا حكم مسجّل

    فِيمَا وَرَدَ فِي صِفَةِ خَلْقِ الْعَرْشِ  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ [ غَافِرٍ: 15 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [ الْمُؤْمِنُونَ: 116 ]. وَقَالَ اللَّهُ: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [ النَّمْلِ: 26 ]. وَقَالَ: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [ الْبُرُوجِ: 14 ]. وَقَالَ تَعَالَى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [ طه: 5 ]. وَقَالَ: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [ الْأَعْرَافِ: 54 ]. فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَقَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [ غَافِرٍ: 7 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [ الْحَاقَّةِ: 17 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الزُّمَرِ: 75 ]. وَفِي الدُّعَاءِ الْمَرْوِيِّ فِي الصَّحِيحِ فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ  : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْبَطْحَاءِ فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتُدْرُونَ مَا هَذَا قَالَ قُلْنَا: السَّحَابُ قَالَ: وَالْمُزْنُ قَالَ: قُلْنَا: وَالْمُزْنُ قَالَ: وَالْعَنَانُ قَالَ: فَسَكَتْنَا فَقَالَ: هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَكِثَفُ كُلِّ سَمَاءٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَفَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ بَيْنَ رُكَبِهِنَّ وَأَظْلَافِهِنَّ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ شَيْءٌ. وَرَوَى شَرِيكٌ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سِمَاكٍ وَوَقَفَهُ. وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ: وَهَلْ تَدْرُونَ بُعْدَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي. قَالَ: بُعْدُ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ أَوِ اثْنَتَانِ أَوِ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً. وَالْبَاقِي نَحْوُهُ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: بسنده عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَهَدَتِ الْأَنْفُسُ، وَجَاعَتِ الْعِيَالُ، وَنَهَكَتِ الْأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الْأَنْعَامُ، فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا تَقُولُ ؟ ! وَسَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ. قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: " إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَعَرْشُهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ ". وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ الْجَنَّةَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ ; فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَأَوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ. يُرْوَى: وَفَوْقَهُ بِالْفَتْحِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَبِالضَّمِّ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ: وَهُوَ أَحْسَنُ. أَيْ: وَأَعْلَاهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: أَنَّ أَهْلَ الْفِرْدَوْسِ يَسْمَعُونَ أَطِيطَ الْعَرْشِ، وَهُوَ تَسْبِيحُهُ وَتَعْظِيمُهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ، وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَقَدِ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ الْحَافِظِ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْعَرْشِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّ الْعَرْشَ مَخْلُوقٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، بُعْدُ مَا بَيْنَ قُطْرَيْهِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَذَكَرْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [ الْمَعَارِجِ: 4 ]. أَنَّهُ بُعْدُ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَنَّ اتِّسَاعَهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ الْعَرْشَ فَلَكٌ مُسْتَدِيرٌ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ، وَرُبَّمَا سَمَّوْهُ الْفَلَكَ التَّاسِعَ وَالْفَلَكَ الْأَطْلَسَ وَالْأَثِيرَ. وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ أَنَّ لَهُ قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَالْفَلَكُ لَا يَكُونُ لَهُ قَوَائِمُ وَلَا يُحْمَلُ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فَوْقَ الْجَنَّةِ، وَالْجَنَّةُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، وَفِيهَا مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَالْبُعْدُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُرْسِيِّ لَيْسَ هُوَ نِسْبَةُ فَلَكٍ إِلَى فَلَكٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَرْشَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ السَّرِيرِ الَّذِي لِلْمَلِكِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [ النَّمْلِ: 23 ]. وَلَيْسَ هُوَ فَلَكًا، وَلَا تَفْهَمُ مِنْهُ الْعَرَبُ ذَلِكَ، وَالْقُرْآنُ إِنَّمَا نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فَهُوَ سَرِيرٌ ذُو قَوَائِمَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ كَالْقُبَّةِ عَلَى الْعَالَمِ وَهُوَ سَقْفُ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [ غَافِرٍ: 7 ]. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْأَوْعَالِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةٌ، وَفَوْقَ ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ، وَقَالَ تَعَالَى: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [ الْحَاقَّةِ: 17 ]. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ  : أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَأَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَكَ الْحَمْدُ عَلَى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَّقَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ فَقَالَ: رُجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ وَالنِّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ فَقَالَ: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ     حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ لَهُمْ فِي رِسْلِهَا     إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ. فَإِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ حَمَلَةَ الْعَرْشِ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، فَيُعَارِضُهُ حَدِيثُ الْأَوْعَالِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ إِثْبَاتَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. شعر أمية بن أبي الصلت في العرش وَمِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي الْعَرْشِ قَوْلُهُ: مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ     رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرَا بِالْبِنَاءِ الْعَالِي الَّذِي بَهَرَ النَّاسَ     وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرَا شَرْجَعًا لَا يَنَالُهُ بَصَرُ الْعَيْنِ     تَرَى حَوْلَهُ الْمَلَائِكُ صُورَا صُورٌ جَمْعُ أَصْوَرَ، وَهُوَ الْمَائِلُ الْعُنُقِ لِنَظَرِهِ إِلَى الْعُلُوِّ، وَالشَّرْجَعُ هُوَ الْعَالِي الْمُنِيفُ، وَالسَّرِيرُ هُوَ الْعَرْشُ فِي اللُّغَةِ، وَمِنْ شِعْرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ؓ الَّذِي عَرَّضَ بِهِ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِامْرَأَتِهِ حِينَ اتَّهَمَتْهُ بِجَارِيَتِهِ: شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ     وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ     وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَتَحْمِلُهُ مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ     مَلَائِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ بسنده، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَلَفْظُهُ مَخْفِقُ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ.

  28. التاريخ 28لا حكم مسجّل

    وَأَمَّا الْكُرْسِيُّ: فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الْكُرْسِيُّ هُوَ الْعَرْشُ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنِ الْحَسَنِ بَلِ الصَّحِيحُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الْكُرْسِيَّ غَيْرُ الْعَرْشِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [ الْبَقَرَةِ: 255 ]. أَيْ عِلْمُهُ، وَالْمَحْفُوظُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ أَنَّهُ قَالَ: الْكُرْسِيُّ مَوْضِعُ الْقَدَمَيْنِ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: الْكُرْسِيُّ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي جَوْفِ الْكُرْسِيِّ، وَالْكُرْسِيُّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ بُسِطْنَ، ثُمَّ وُصِلْنَ بَعْضُهُنَّ إِلَى بَعْضٍ مَا كُنَّ فِي سَعَةِ الْكُرْسِيِّ إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْحَلْقَةِ فِي الْمَفَازَةِ، وقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ بسنده، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْكُرْسِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ عِنْدَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الْحَلْقَةِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [ هُودٍ: 7 ]. عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ ؟ قَالَ: عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ قَالَ: وَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ وَكُلُّ مَا فِيهِنَّ مِنْ شَيْءٍ تُحِيطُ بِهَا الْبِحَارُ، وَيُحِيطُ بِذَلِكَ كُلِّهِ الْهَيْكَلُ، وَيُحِيطُ بِالْهَيْكَلِ فِيمَا قِيلَ الْكُرْسِيُّ. وَرَوَى عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ نَحْوَهُ، وَفَسَّرَ وَهْبٌ الْهَيْكَلَ فَقَالَ: شَيْءٌ مِنْ أَطْرَافِ السَّمَاوَاتِ مُحْدِقٌ بِالْأَرَضِينَ وَالْبِحَارِ كَأَطْنَابِ الْفُسْطَاطِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَى عِلْمِ الْهَيْئَةِ أَنَّ الْكُرْسِيَّ عِبَارَةٌ عَنِ الْفَلَكِ الثَّامِنِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ فَلَكَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ، وَفِيمَا زَعَمُوهُ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ، كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّ نِسْبَتَهَا إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ حَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَهَذَا لَيْسَ نِسْبَةَ فَلَكٍ إِلَى فَلَكٍ، فَإِنْ قَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْتَرِفُ بِذَلِكَ وَنُسَمِّيهِ مَعَ ذَلِكَ فَلَكًا فَنَقُولُ الْكُرْسِيُّ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةً عَنِ الْفَلَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّ الْكُرْسِيَّ بَيْنَ يَدَيِ الْعَرْشِ كَالْمِرَقَاةِ إِلَيْهِ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ فَلَكًا. وَمَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّ الْكَوَاكِبَ الثَّوَابِتَ مُرَصَّعَةٌ فِيهِ فَقَدْ قَالَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَيْهِ هَذَا مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي كُتُبِهِمْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  29. التاريخ 29لا حكم مسجّل

    ذِكْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ   قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ صَفَحَاتُهَا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، قَلُمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، لِلَّهِ فِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ لَحْظَةٍ، يَخْلَقُ وَيَرْزُقُ، وَيُمِيتُ وَيُحْيِي، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ: بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلَامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَحَافَّتَاهُ الدُّرُّ وَالْيَاقُوتُ، وَدَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، وَقَلَمُهُ نُورٌ، وَكَلَامُهُ مَعْقُودٌ بِالْعَرْشِ، وَأَصْلُهُ فِي حِجْرِ مَلَكٍ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ فِي جَبْهَةِ إِسْرَافِيلَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ.

  30. التاريخ 30لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَصِفَاتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. الْآيَاتُ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا يَصِفُهُمْ تَعَالَى بِالْقُوَّةِ فِي الْعِبَادَةِ وَفِي الْخَلْقِ، وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ، وَعَظَمَةِ الْأَشْكَالِ، وَقُوَّةِ الشَّكْلِ فِي الصُّوَرِ الْمُتَعَدِّدَةِ. وَقَدْ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ وَمِنْ أَشْهَرِ الْمَلَائِكَةِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمِينُ الْوَحْيِ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ كُلِّ جَنَاحَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَالْمَلَائِكَةُ عَدَدُهُمْ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورُ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ الضُّرَاحُ، وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ فَوْقِهَا، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي الْأَرْضِ. وَمَا مِنْ مَوْضِعٍ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ إِلَّا وَهُوَ مَشْغُولٌ بِالْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ فِي صُنُوفٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ; مِنْهُمْ مَنْ هُوَ قَائِمٌ أَبَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ رَاكِعٌ أَبَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ سَاجِدٌ أَبَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي صُنُوفٍ أُخَرَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَهُمْ دَائِمُونَ فِي عِبَادَتِهِمْ، وَتَسْبِيحِهِمْ، وَأَذْكَارِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمُ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهَا، وَلَهُمْ مَنَازِلُ عِنْدَ رَبِّهِمْ. وَكَذَلِكَ إِسْرَافِيلُ، أَحَدُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَهُوَ الَّذِي يَنْفُخُ فِي الصُّورِ بِأَمْرِ رَبِّهِ نَفَخَاتٍ ثَلَاثَةً ; أُولَاهُنَّ: نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْبَعْثِ. وَمِيكَائِيلُ الْمُوَكَّلُ بِالْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ، وَهُوَ ذُو مَكَانَةٍ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ. وَمَلَكُ الْمَوْتِ وَلَمْ يُصَرَّحْ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ. هَذَا وَالْمَلَائِكَةُ أَصْنَافٌ مِنْهُمْ: حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَإِنَّ مَلَكًا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ، وَمِنْهُمُ الْكَرُوبِيُّونَ وَالْحَفَظَةُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِهِمُ الْكَثِيرَةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ حَوْلَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَصَالِحِي بَنِي آدَمَ أَيُّهُمْ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى.

  31. التاريخ 31لا حكم مسجّل

    خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَصِفَاتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ  وَالْآيَاتُ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا يَصِفُهُمْ تَعَالَى بِالْقُوَّةِ فِي الْعِبَادَةِ وَفِي الْخَلْقِ، وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ، وَعَظَمَةِ الْأَشْكَالِ، وَقُوَّةِ الشَّكْلِ فِي الصُّوَرِ الْمُتَعَدِّدَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [ هُودٍ: 77 - 78 ]. الْآيَاتِ. فَذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْدُو لَهُمْ فِي صُورَةِ شَبَابٍ حِسَانٍ امْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا حَتَّى قَامَتْ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ الْحُجَّةُ، وَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " خُلَقِتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ   ". انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ. صفة خلق جبريل عليه السلام جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ  كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي صِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ ; فَتَارَةً يَأْتِي فِي صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيِّ، وَتَارَةً فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ، وَتَارَةً فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ كُلِّ جَنَاحَيْنِ كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، كَمَا رَآهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ مَرَّتَيْنِ ; مَرَّةً مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَتَارَةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى [ النَّجْمِ: 5 - 8 ]. أَيْ جِبْرِيلُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. أَيْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى [ النَّجْمِ: 13 - 14 ]. وَكُلُّ ذَلِكَ الْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ. ذِكْرُ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ  وَفِيهِ: ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ. وَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْتَنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ. وَذَكَرْنَا وَجْهَ الْمُنَاسَبَةِ فِي هَذَا ; أَنَّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ فِي الْأَرْضِ. وعَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ; أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فَقَالَ: هُوَ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ الضُّرَاحُ، وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ فَوْقِهَا، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي الْأَرْضِ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُونَ: فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ يَعْمُرُهُ مَلَائِكَتُهُ بِالْعِبَادَةِ فِيهِ، وَيَفِدُونَ إِلَيْهِ بِالنَّوْبَةِ وَالْبَدَلِ، كَمَا يَعْمُرُ أَهْلُ الْأَرْضِ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ بِالْحَجِّ فِي كُلِّ عَامٍ، وَالِاعْتِمَارِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالطَّوَافِ وَالصَّلَاةِ فِي كُلِّ آنٍ. وفِي حَدِيثِ مُجَاهِدٍ: أَنَّ الْحَرَمَ حَرَامٌ مَنَاهُ يَعْنِي قَدْرَهُ مِنَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، وَأَنَّهُ رَابِعُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتًا ; فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ، وَفِي كُلِّ أَرْضٍ بَيْتٌ لَوْ سَقَطَتْ سَقَطَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ رَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: مَنَاهُ ; أَيْ مُقَابِلُهُ، وَهُوَ حَرْفٌ مَقْصُورٌ، وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: إِنَّ الْحَرَمَ مُحَرَّمٌ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مِقْدَارُهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنَّ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مُقَدَّسٌ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مِقْدَارُهُ مِنَ الْأَرْضِ. كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: إِنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتًا دَعَائِمُهُ أَشَدُّ وَأَطْوَلُ وَاسْمُ الْبَيْتِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بَيْتُ الْعِزَّةِ، وَاسْمُ الْمَلَكِ الَّذِي هُوَ مُقَدَّمُ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا إِسْمَاعِيلُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ السَّبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ: أَيْ لَا تَحْصُلُ لَهُمْ نَوْبَةٌ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ ; يَكُونُونَ مِنْ سُكَّانِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَحْدَهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ الْمُدَّثِّرِ: 31 ]. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ; مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ، لَوْ عَلِمْتُمْ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَيُرْوَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ مَوْضِعُ قَدَمٍ وَلَا شِبْرٍ وَلَا كَفٍّ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ أَوْ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ مَلَكٌ رَاكِعٌ فَإِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا جَمِيعًا: مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ إِلَّا أَنَّا لَا نُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا. فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّهُ مَا مِنْ مَوْضِعٍ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ إِلَّا وَهُوَ مَشْغُولٌ بِالْمَلَائِكَةِ، وَهُمْ فِي صُنُوفٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ; مِنْهُمْ مَنْ هُوَ قَائِمٌ أَبَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ رَاكِعٌ أَبَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ سَاجِدٌ أَبَدًا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي صُنُوفٍ أُخَرَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهَا، وَهُمْ دَائِمُونَ فِي عِبَادَتِهِمْ، وَتَسْبِيحِهِمْ، وَأَذْكَارِهِمْ، وَأَعْمَالِهِمُ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهَا، وَلَهُمْ مَنَازِلُ عِنْدَ رَبِّهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [ الصَّافَّاتِ: 164 - 166 ]. وَقَالَ ﷺ: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالُوا: وَكَيْفَ يَصُفُّونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ. وَقَالَ فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ ; جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ. وَكَذَلِكَ يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ صُفُوفًا. كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الْفَجْرِ: 22 ]. وَيَقِفُونَ صُفُوفًا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا [ النَّبَأِ: 38 ]. وَالْمُرَادُ بِالرُّوحِ هَاهُنَا بَنُو آدَمَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ. وَقِيلَ: ضَرْبٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُشْبِهُونَ بَنِي آدَمَ فِي الشَّكْلِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو صَالِحٍ، وَالْأَعْمَشُ. وَقِيلَ: جِبْرِيلُ. قَالَهُ الشَّعْبِيُّ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ. ذِكْرُ الْمَلَكِ الْمُسَمَّى بِالرُّوحِ  وَقِيلَ: مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ: الرُّوحُ بِقَدْرِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ. قَالَ: هُوَ مَلَكٌ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ خُلُقًا. وَذَكَرْنَا فِي صِفَةِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَلَفْظُهُ " مَخْفِقُ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ. " صفة جبريل عليه السلام وَقَدْ وَرَدَ فِي صِفَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ  أَمْرٌ عَظِيمٌ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [ النَّجْمِ: 5 ]. قَالُوا: كَانَ مِنْ شِدَّةِ قُوَّتِهِ أَنَّهُ رَفَعَ مَدَائِنَ قَوْمِ لُوطٍ، وَكُنَّ سَبْعًا بِمَنْ فِيهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ، وَمَا مَعَهُمْ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْحَيَوَانَاتِ، وَمَا لِتِلْكَ الْمُدُنِ مِنَ الْأَرَاضِي وَالْمُعْتَمَلَاتِ وَالْعِمَارَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، رَفَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى طَرَفِ جَنَاحِهِ حَتَّى بَلَغَ بِهِنَّ عَنَانَ السَّمَاءِ، حَتَّى سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ نُبَاحَ كِلَابِهِمْ وَصِيَاحَ دِيكَتِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا. فَهَذَا هُوَ شَدِيدُ الْقُوَى. وَقَوْلُهُ: ذُو مِرَّةٍ. أَيْ خَلْقٍ حَسَنٍ وَبَهَاءٍ وَسَنَاءٍ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [ التَّكْوِيرِ: 19 ]. أَيْ: جِبْرِيلُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ " كَرِيمٌ ". أَيْ: حَسَنُ الْمَنْظَرِ " ذِي قُوَّةٍ ". أَيْ: لَهُ قُوَّةٌ وَبَأْسٌ شَدِيدٌ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ. أَيْ: لَهُ مَكَانَةٌ وَمَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ رَفِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ ذِي الْعَرْشِ الْمَجِيدِ. " مُطَاعٍ ثَمَّ ". أَيْ: مُطَاعٍ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى " أَمِينٍ ". أَيْ: ذِي أَمَانَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلِهَذَا كَانَ هُوَ السَّفِيرَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بِالْوَحْيِ فِيهِ الْأَخْبَارُ الصَّادِقَةُ، وَالشَّرَائِعُ الْعَادِلَةُ. وَقَدْ كَانَ يَأْتِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي صِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَمَا قَدَّمْنَا. وَقَدْ رَآهُ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا مَرَّتَيْنِ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ زِرًّا، عَنْ قَوْلِهِ: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [ النَّجْمِ: 9 10 ]. قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ، وَلَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ ; كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، يُسْقِطُ مِنْ جَنَاحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ مِنَ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ بسنده عن شَقِيقٌ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَتَانِي جِبْرِيلُ فِي خَضْرٍ تَعَلَّقَ بِهِ الدُّرُّ. إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. بسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [ النَّجْمِ: 11 ]. قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ حُلَّتَا رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ [ التَّكْوِيرِ: 23 ]. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [ النَّجْمِ: 13 ]. فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا فَقَالَ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ، رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: أَلَا تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا قَالَ: فَنَزَلَتْ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا [ مَرْيَمَ: 64 ]. الْآيَةَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ عُمَرُ: أَعْلَمُ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ. يَحْسِبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ. صفة إِسْرَافِيلَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ مَلَكًا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى يُقَالُ لَهُ إِسْرَافِيلُ يَحْمِلُ زَاوِيَةً مِنْ زَوَايَا الْعَرْشِ عَلَى كَاهِلِهِ  ، وَقَدَمَاهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى قَدْ رَنَّقَ رَأْسَهُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ". قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ: وَالْمَلَائِكَةُ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُسْتَأْنَفَ مِنْهَا يُخْلَقُ مِنْ دُمُوعِ إِسْرَافِيلَ. وَمِنْ صِفَةِ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ   ; وَهُوَ أَحَدُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَهُوَ الَّذِي يُنْفَخُ فِي الصُّورِ بِأَمْرِ رَبِّهِ نَفَخَاتٍ ثَلَاثَةٍ ; أُولَاهُنَّ: نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالثَّانِيَةُ: نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالثَّالِثَةُ: نَفْخَةُ الْبَعْثِ. وَالصُّورُ: قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ، كُلُّ دَارَةٍ مِنْهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَفِيهِ مَوْضِعُ أَرْوَاحِ الْعِبَادِ حِينَ يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِالنَّفْخِ لِلْبَعْثِ، فَإِذَا نَفَخَ تَخْرُجُ الْأَرْوَاحُ تَتَوَهَّجُ، فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلُّ رُوحٍ إِلَى الْبَدَنِ الَّذِي كَانَتْ تُعَمِّرُهُ فِي الدُّنْيَا. فَتَدْخُلُ عَلَى الْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا ; فَتَدِبُّ فِيهَا كَمَا يَدِبُّ السُّمُّ فِي اللَّدِيغِ فَتَحْيَا الْأَجْسَادُ، وَتَنْشَقُّ عَنْهُمُ الْأَجْدَاثُ، فَيَخْرُجُونَ مِنْهَا سِرَاعًا إِلَى مَقَامِ الْمَحْشَرِ. وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ أَنْعَمُ، وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَانْتَظَرَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ ؟ قَالُوا: كَيْفَ نَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَاحِبَ الصُّورِ فَقَالَ: عَنْ يَمِينِهِ جِبْرِيلُ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَهُ جِبْرِيلُ بِنَاحِيَةٍ إِذِ انْشَقَّ أُفُقُ السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِسْرَافِيلُ يَدْنُو مِنَ الْأَرْضِ وَيَتَمَايَلُ، فَإِذَا مَلَكٌ قَدْ مَثُلَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَخْتَارَ بَيْنَ نَبِيٍّ عَبْدٍ أَوْ مَلِكٍ نَبِيٍّ ؟ قَالَ: فَأَشَارَ جِبْرِيلُ إِلَيَّ بِيَدِهِ أَنْ تَوَاضَعْ. فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لِي نَاصِحٌ، فَقُلْتُ: عَبْدٌ نَبِيٌّ. فَعَرَجَ ذَلِكَ الْمَلَكُ إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ قَدْ كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا فَرَأَيْتُ مِنْ حَالِكَ مَا شَغَلَنِي عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ: هَذَا إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَافًّا قَدَمَيْهِ لَا يَرْفَعُ طَرْفَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ سَبْعُونَ نُورًا، مَا مِنْهَا مِنْ نُورٍ يَكَادُ يَدْنُو مِنْهُ إِلَّا احْتَرَقَ بَيْنَ يَدَيْهِ لَوْحٌ، فَإِذَا أَذِنَ اللَّهُ فِي شَيْءٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ، ارْتَفَعَ ذَلِكَ اللَّوْحُ فَضَرَبَ جَبْهَتَهُ، فَيَنْظُرُ فَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِي أَمَرَنِي بِهِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ مِيكَائِيلَ أَمَرَهُ بِهِ. وَإِنْ كَانَ مِنْ عَمَلِ مَلَكِ الْمَوْتِ أَمَرَهُ بِهِ. قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ أَنْتَ ؟ قَالَ: عَلَى الرِّيحِ وَالْجُنُودِ. قُلْتُ: وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ مِيكَائِيلُ ؟ قَالَ: عَلَى النَّبَاتِ وَالْقَطْرِ ؟ قُلْتُ: وَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ مَلَكُ الْمَوْتِ ؟ قَالَ: عَلَى قَبْضِ الْأَنْفُسِ. وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ نَزَلَ إِلَّا لِقِيَامِ السَّاعَةِ، وَمَا الَّذِي رَأَيْتَ مِنِّي إِلَّا خَوْفًا مِنْ قِيَامِ السَّاعَةِ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَفِي حَدِيثِ الصُّورِ: أَنَّ إِسْرَافِيلَ أَوَّلُ مَنْ يَبْعَثُهُ اللَّهُ بَعْدَ الصَّعْقِ لِيَنْفُخَ فِي الصُّورِ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ: أَنَّ إِسْرَافِيلَ أَوَّلُ مَنْ سَجَدَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَجُوزِيَ بِوِلَايَةِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ " التَّعْرِيفُ وَالْإِعْلَامُ بِمَا أُبْهِمَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَعْلَامِ ". صفة ميكائيل عليه السلام وَقَالَ تَعَالَى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [ الْبَقَرَةِ: 98 ]. عَطَفَهُمَا عَلَى الْمَلَائِكَةِ لِشَرَفِهِمَا فَجِبْرِيلُ مَلَكٌ عَظِيمٌ، وَأَمَّا مِيكَائِيلُ فَمُوَكَّلٌ بِالْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ، وَهُوَ ذُو مَكَانَةٍ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِجِبْرِيلَ: مَا لِيَ لَمْ أَرَ مِيكَائِيلَ ضَاحِكًا قَطُّ. فَقَالَ: مَا ضَحِكَ مِيكَائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النَّارُ. فَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ الْمُصَرَّحُ بِذِكْرِهِمْ فِي الْقُرْآنِ، وَفِي الصِّحَاحِ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ. فَجِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالْهُدَى عَلَى الرُّسُلِ لِتَبْلِيغِ الْأُمَمِ، وَمِيكَائِيلُ مُوَكَّلٌ بِالْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ اللَّذَيْنِ يُخْلَقُ مِنْهُمَا الْأَرْزَاقُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، وَلَهُ أَعْوَانٌ يَفْعَلُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ بِأَمْرِ رَبِّهِ يُصَرِّفُونَ الرِّيَاحَ وَالسَّحَابَ كَمَا يَشَاءُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّهُ مَا مِنْ قَطْرَةٍ تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا وَمَعَهَا مَلَكٌ يُقَدِّرُهَا فِي مَوْضِعِهَا مِنَ الْأَرْضِ، وَإِسْرَافِيلُ مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ لِلْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ، وَالْحُضُورِ يَوْمَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ لِيَفُوزَ الشَّكُورُ، وَيُجَازَى الْكَفُورُ فَذَاكَ ذَنْبُهُ مَغْفُورٌ وَسَعْيُهُ مَشْكُورٌ، وَهَذَا قَدْ صَارَ عَمَلُهُ كَالْهَبَاءِ الْمَنْثُورِ وَهُوَ يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ. فَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَحْصُلُ بِمَا يَنْزِلُ بِهِ الْهُدَى، وَمِيكَائِيلُ يَحْصُلُ بِمَا هُوَ مُوَكَّلٌ بِهِ الرِّزْقُ، وَإِسْرَافِيلُ يَحْصُلُ بِمَا هُوَ مُوَكَّلٌ بِهِ النَّصْرُ وَالْجَزَاءُ صفة ملك الموت وَأَمَّا مَلَكُ الْمَوْتِ فَلَيْسَ بِمُصَرَّحٍ بِاسْمِهِ فِي الْقُرْآنِ، وَلَا فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ، وَقَدْ جَاءَ تَسْمِيَتُهُ فِي بَعْضِ الْآثَارِ بِعِزْرَائِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ [ السَّجْدَةِ: 11 ]. وَلَهُ أَعْوَانٌ يَسْتَخْرِجُونَ رُوحَ الْعَبْدِ مِنْ جُثَّتِهِ حَتَّى تَبْلُغَ الْحُلْقُومَ فَيَتَنَاوَلُهَا مَلَكُ الْمَوْتِ بِيَدِهِ، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا مِنْ يَدِهِ فَيَلُفُّوهَا فِي أَكْفَانٍ تَلِيقُ بِهَا. كَمَا قَدْ بُسِطَ عِنْدَ قَوْلِهِ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [ إِبْرَاهِيمَ: 27 ]. ثُمَّ يَصْعَدُونَ بِهَا، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَإِلَّا غُلِّقَتْ دُونَهَا، وَأُلْقِيَ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [ الْأَنْعَامِ: 61 - 62 ]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْ مَلَكِ الْمَوْتِ مِثْلُ الطَّسْتِ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَلَائِكَةَ الْمَوْتِ يَأْتُونَ الْإِنْسَانَ عَلَى حَسَبِ عَمَلِهِ إِنْ كَانَ مُؤْمِنًا أَتَاهُ مَلَائِكَةٌ بِيضُ الْوُجُوهِ بِيضُ الثِّيَابِ طَيِّبَةُ الْأَرْوَاحِ، وَإِنْ كَانَ كَافِرًا فَبِالضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ عِيَاذًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بسنده عن جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عِنْدَ رَأْسِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ ارْفُقْ بِصَاحِبِي فَإِنَّهُ مُؤْمِنٌ. فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: يَا مُحَمَّدُ طِبْ نَفْسًا، وَقَرَّ عَيْنًا فَإِنِّي بِكُلِّ مُؤْمِنٍ رَفِيقٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ، وَلَا شَعَرٍ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَأَنَا أَتَصَفَّحُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، حَتَّى إِنِّي أَعْرَفُ بِصَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ مِنْهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ لَوْ أَنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَقْبِضَ رُوحَ بَعُوضَةٍ مَا قَدَرْتُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الْآمِرَ بِقَبْضِهَا. قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ: بَلَغَنِي أَنَّهُ يَتَصَفَّحُهُمْ عِنْدَ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا حَضَرَ عِنْدَ الْمَوْتِ فَإِذَا كَانَ مِمَّنْ يُحَافِظُ عَلَى الصَّلَاةِ دَنَا مِنْهُ الْمَلَكُ، وَدَفَعَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ، وَلَقَّنَهُ الْمَلَكُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فِي تِلْكَ الْحَالِ الْعَظِيمَةِ. هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ. وَذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ الصُّورِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَفِيهِ: وَيَأْمُرُ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ بِنَفْخَةِ الصَّعْقِ، فَيَنْفُخُ نَفْخَةَ الصَّعْقِ ; فَيُصْعَقُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَإِذَا هُمْ قَدْ خَمَدُوا، جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شِئْتَ. فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ: فَمَنْ بَقِيَ ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيَتْ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ. فَيَقُولُ: لِيَمُتْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ. فَيُنْطِقُ اللَّهُ الْعَرْشَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ يَمُوتُ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ. فَيَقُولُ: اسْكُتْ فَإِنِّي كَتَبْتُ الْمَوْتَ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ تَحْتَ عَرْشِي. فَيَمُوتَانِ، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى الْجَبَّارِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ: بِمَنْ بَقِيَ فَمَنْ بَقِيَ ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيَتْ حَمَلَةُ عَرْشِكَ، وَبَقِيتُ أَنَا. فَيَقُولُ اللَّهُ: لِتَمُتْ حَمَلَةُ عَرْشِي. فَيَمُوتُونَ، وَيَأْمُرُ اللَّهُ الْعَرْشَ فَيَقْبِضُ الصُّورَ مِنْ إِسْرَافِيلَ، ثُمَّ يَأْتِي مَلَكُ الْمَوْتِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ مَاتَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ. فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ بَقِيَ فَمَنْ بَقِيَ ؟ فَيَقُولُ: بَقِيتَ أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَقِيتُ أَنَا فَيَقُولُ اللَّهُ: أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْتَ فَمُتْ. فَيَمُوتُ، فَإِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ، وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ كَانَ آخِرًا كَمَا كَانَ أَوَّلًا. وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ. وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي كِتَابِ " الطِّوَالَاتِ " وَعِنْدَهُ زِيَادَةٌ غَرِيبَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ: فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: " أَنْتَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِي خَلَقْتُكَ لِمَا أَرَدْتُ فَمُتْ مَوْتًا لَا تَحْيَا بَعْدَهُ أَبَدًا ". صفة هاروت وماروت وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَى أَسْمَائِهِمْ فِي الْقُرْآنِ: هَارُوتُ، وَمَارُوتُ،  فِي قَوْلِ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي قِصَّتِهِمَا وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ غَالِبُهَا إِسْرَائِيلِيَّاتٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " تَقَاسِيمِهِ "، وَفِي صِحَّتِهِ عِنْدِي نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَيَكُونُ مِمَّا تَلَقَّاهُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ: أَنَّهُ تَمَثَّلَتْ لَهُمَا الزُّهْرَةُ امْرَأَةً مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ. وَعَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ أَيْضًا: أَنَّ الزُّهْرَةَ كَانْتِ امْرَأَةً، وَأَنَّهُمَا لَمَّا طَلَبَا مِنْهَا مَا ذُكِرَ، أَبَتْ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، فَعَلَّمَاهَا فَقَالَتْهُ: فَارْتَفَعَتْ إِلَى السَّمَاءِ فَصَارَتْ كَوْكَبًا. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَفِي ذَلِكَ الزَّمَانِ امْرَأَةٌ حُسْنُهَا فِي النِّسَاءِ كَحُسْنِ الزُّهْرَةِ فِي سَائِرِ الْكَوَاكِبِ. وَهَذَا اللَّفْظُ أَحْسَنُ مَا وَرَدَ فِي شَأْنِ الزُّهْرَةِ، ثُمَّ قِيلَ: كَانَ أَمْرُهُمَا، وَقِصَّتُهُمَا فِي زَمَانِ إِدْرِيسَ. وَقِيلَ: فِي زَمَانِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. كَمَا حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَبَرٌ إِسْرَائِيلِيٌّ مَرْجِعُهُ إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ، ، ثُمَّ قَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [ الْبَقَرَةِ: 102 ]. قَبِيلَانِ مِنَ الْجَانِّ. قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَهَذَا غَرِيبٌ وَبَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَرَأَ: " وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلِكَيْنِ ". بِالْكَسْرِ، وَيَجْعَلُهُمَا عِلْجَيْنِ مِنْ أَهْلِ فَارِسٍ قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: هُمَا مَلَكَانِ مِنَ السَّمَاءِ. وَلَكِنْ سَبَقَ فِي قَدَرِ اللَّهِ لَهُمَا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِهِمَا إِنْ صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُمَا كَحُكْمِ إِبْلِيسَ إِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ،. صفة منكر ونكير وملك الجبال وَمِنِ الْمَلَائِكَةِ الْمُسَمَّيْنَ فِي الْحَدِيثِ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ فِي الْأَحَادِيثِ ذِكْرُهُمَا فِي سُؤَالِ الْقَبْرِ. وَقَدْ أَوْرَدْنَاهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [ إِبْرَاهِيمَ: 27 ]. وَهُمَا فَتَّانَا الْقَبْرِ، مُوَكَّلَانِ بِسُؤَالِ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ، عَنْ رَبِّهِ، وَدِينِهِ، وَنَبِيِّهِ، وَيَمْتَحِنَانِ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَهُمَا أَزْرَقَانِ أَفْرَقَانِ لَهُمَا أَنْيَابٌ وَأَشْكَالٌ مُزْعِجَةٌ وَأَصْوَاتٌ مُفْزِعَةٌ. أَجَارَنَا اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَثَبَّتَنَا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ آمِينَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا بِهِ عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ لَكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ: ذَلِكَ فَمَا شِئْتَ: إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ.

  32. التاريخ 32لا حكم مسجّل

    ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ  بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هَيَّأَهُمُ اللَّهُ لَهُ أَقْسَامٌ: فَمِنْهُمْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا.  ، وَعَدَدُهُمُ الْيَوْمَ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْبَشَرِ قَدْ وُكِّلَ بِالدُّعَاءِ لِنَسْلِ الْآدَمِيِّ، وَالْآخَرُ عَلَى صُورَةِ النَّسْرِ وَقَدْ وُكِّلَ بِالدُّعَاءِ لِأَجْنَاسِ الطَّيْرِ، وَالْآخَرُ عَلَى صُورَةِ الثَّوْرِ قَدْ وُكِّلَ بِالدُّعَاءِ لِنَسْلِ الْبَهِيمِيِّ، وَالْآخَرُ عَلَى صُورَةِ السَّبُعِ قَدْ وُكِّلَ بِالدُّعَاءِ لِأَجْنَاسِ السِّبَاعِ، فَإِذَا جَاءَتِ الْقِيَامَةُ صَارُوا ثَمَانِيَةً، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ  . وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ وَصَفَ أَحَدَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، فَقَالَ: "قَدَمَاهُ عَلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ مِنَ الْأَرَضِينِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ الطَّيْرَ سُخِّرَتْ مَا بَيْنَ أَصْلِ عُنُقِهِ إِلَى مُنْتَهَاهَا مِنْ رَأْسِهِ لَخَفَقَتْ فِيهِ سَبْعَمِائَةِ عَامٍ قَبْلَ أَنْ تَقْطَعَهُ". وعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ قَدْ لَزِقَتْ رِجْلَاهُ الْأَرْضَ وَعُنُقُهُ مَثْنِيَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَكَ رَبَّنَا، قَالَ: فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُ ذَلِكَ الَّذِي يَحْلِفُ بِهِ كَاذِبًا".، وَمِنْهُمُ الْكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ، وَهُمْ أَشْرَفُ الْمَلَائِكَةِ مَعَ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [ النِّسَاءِ: 172 ]. وعن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: الْمَلَائِكَةُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، الْكُرُوبِيُّونَ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ وَجُزْءٌ وَاحِدٌ الَّذِينَ وُكِلُوا بِخِزَانَةِ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ الْمَلَائِكَةُ وَجُزْءٌ وَاحِدٌ الْجِنُّ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، فَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ الْجِنُّ وَجُزْءٌ وَاحِدٌ الْإِنْسُ، فَإِذَا وُلِدَ وَاحِدٌ مِنَ الْإِنْسِ وُلِدَ تِسْعَةٌ مِنَ الْجِنِّ، وَالْإِنْسُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَجُزْءٌ وَاحِدٌ سَائِرُ الْإِنْسِ، وَمَا مِنَ السَّمَاءِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ. وعَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْمَلَائِكَةَ وَاسْتَوَوْا عَلَى أَقْدَامِهِمْ رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالُوا: رَبَّنَا مَعَ [مَنْ] أَنْتَ؟ قَالَ: مَعَ الْمَظْلُومِ حَتَّى يُؤَدَّى إِلَيْهِ حَقَّهُ. وَمِنْهُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [ غَافِرٍ: 7 - 9 ]. وَلَمَّا كَانَتْ سَجَايَاهُمْ هَذِهِ السَّجِيَّةَ الطَّاهِرَةَ، كَانُوا يُحِبُّونَ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَيَدْعُونَ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَعَا الْعَبْدُ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَ الْمَلَكُ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ. ذِكْرُ أَعْمَالِ الْمَلَائِكَةِ   جُمْهُورُ الْمَلَائِكَةِ مَشْغُولُونَ بِالتَّعَبُّدِ وَمِنْهُمْ سُكَّانُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ يَعْمُرُونَهَا عِبَادَةً دَائِبَةً لَيْلًا وَنَهَارًا صَبَاحًا وَمَسَاءً، كَمَا قَالَ: يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 20 ]. فَمِنْهُمُ الرَّاكِعُ دَائِمًا، وَالْقَائِمُ دَائِمًا، وَالسَّاجِدُ دَائِمًا، وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يَتَعَاقَبُونَ زُمْرَةً بَعْدَ زُمْرَةٍ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِالْجِنَانِ، وَإِعْدَادِ الْكَرَامَةِ لِأَهْلِهَا، وَتَهْيِئَةِ الضِّيَافَةِ لِسَاكِنِيهَا ; مِنْ مَلَابِسَ، وَمَصَاغٍ، وَمَسَاكِنَ، وَمَآكِلَ، وَمَشَارِبَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. وَخَازِنُ الْجَنَّةِ مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ: رِضْوَانُ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ. وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِالنَّارِ، وَهُمُ الزَّبَانِيَةُ، وَمُقَدِّمُوهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ، وَخَازِنُهَا مَالِكٌ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَزَنَةِ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [ غَافِرٍ: 49 ]. الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [ الزُّخْرُفِ: 77 - 78 ]. وَقَالَ تَعَالَى: عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ التَّحْرِيمِ: 6 ]. وَقَالَ تَعَالَى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ الْمُدَّثِّرِ: 30 - 31 ]. الملائكة الموكلون بحفظ بني آدم وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ بَنِي آدَمَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرَّعْدِ: 10 - 11 ]. الْآيَاتِ. قَالَ الْوَالِبِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ. قَالَ: مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، فَإِذَا جَاءَ قَدَرُ اللَّهِ خَلَّوْا عَنْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَمَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِحِفْظِهِ فِي نَوْمِهِ، وَيَقَظَتِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَامِّ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ يَأْتِيهِ يُرِيدُهُ إِلَّا قَالَ: وَرَاءَكَ. إِلَّا شَيْءٌ يَأْذَنُ اللَّهُ فِيهِ فَيُصِيبُهُ. وَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَمَعَهُ مَلَكٌ يَذُودُ عَنْهُ، حَتَّى يُسْلِمَهُ لِلَّذِي قُدِّرَ لَهُ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: إِنَّ نَفَرًا مِنْ مُرَادٍ يُرِيدُونَ قَتْلَكَ فَقَالَ: إِنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإِذَا جَاءَ الْقَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، إِنَّ الْأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ. الملائكة الموكلون بحفظ أعمال العباد وَمِنْهُمُ الْمُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق: 17 - 18 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [ الِانْفِطَارِ: 10 - 12 ]. وعَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ عَنِ التَّعَرِّي، فَاسْتَحْيُوا مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ الَّذِينَ مَعَكُمُ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ الَّذِينَ لَا يُفَارِقُونَكُمْ إِلَّا عِنْدَ إِحْدَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ ; الْغَائِطِ، وَالْجَنَابَةِ، وَالْغُسْلِ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ بِالْعَرَاءِ فَلْيَسْتَتِرْ بِثَوْبِهِ، أَوْ بِجِذْمِ حَائِطٍ، أَوْ بَعِيرِهِ. وَمَعْنَى إِكْرَامِهِمْ أَنْ يَسْتَحْيِيَ مِنْهُمْ فَلَا يُمْلِي عَلَيْهِمُ الْأَعْمَالَ الْقَبِيحَةَ الَّتِي يَكْتُبُونَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ كِرَامًا فِي خُلُقِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ. من صور إكرام الله للملائكة وَمِنْ كَرَمِهِمْ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي الصِّحَاحِ، وَالسُّنَنِ، وَالْمَسَانِيدِ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ. وَفِي رِوَايَةٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً مَعَهُمْ كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ. وَقَالَ الْبَزَّارُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ يَعْرِفُونَ بَنِي آدَمَ. وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَيَعْرِفُونَ أَعْمَالَهُمْ فَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ذَكَرُوهُ بَيْنَهُمْ وَسَمَّوْهُ، وَقَالُوا: أَفْلَحَ اللَّيْلَةَ فُلَانٌ، نَجَا اللَّيْلَةَ فُلَانٌ، وَإِذَا نَظَرُوا إِلَى عَبْدٍ يَعْمَلُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ ذَكَرُوهُ بَيْنَهُمْ وَسَمَّوْهُ، وَقَالُوا: هَلَكَ فُلَانٌ اللَّيْلَةَ. تعاقب الملائكة بالليل والنهار وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ ; مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يُعَرِّجُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ. هَذَا اللَّفْظُ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ بِهَذَا السِّيَاقِ. وَهَذَا اللَّفْظُ تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " فِي الْبَدْءِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهِ. وَقَالَ الْبَزَّارُ بسنده عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا حَفِظَا فِي يَوْمٍ فَيَرَى فِي أَوَّلِ الصَّحِيفَةِ وَفِي آخِرِهَا اسْتِغْفَارًا إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الصَّحِيفَةِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ لَهُ حَافِظَانِ مَلَكَانِ اثْنَانِ   ; وَاحِدٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، وَآخَرُ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظَانِهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَلَكَانِ كَاتِبَانِ ; عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ; وَكَاتِبُ الْيَمِينِ أَمِيرٌ عَلَى كَاتِبِ الشَّمَالِ يَكْتُبُ حَسَنَاتِهِ، وَكَاتِبُ الشَّمَالِ يَكْتُبُ سَيِّئَاتِهِ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الشِّمَالِ أَنْ يَكْتُبَهَا، قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْيَمِينِ: أَمْهِلْهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ أَوْ يَسْتَغْفِرَ. وَإِذَا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَهَا صَاحِبُ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَلَا اسْتِئْمَارٍ مَنْ صَاحِبِ الشِّمَالِ. كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق: 17 - 18 ]. القرين من الملائكة فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ. انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ بِهِ. فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْقَرِينَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ غَيْرُ الْقَرِينِ بِحِفْظِ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُوَكَّلٌ بِهِ لِيَهْدِيَهُ، وَيُرْشِدَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ إِلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ، وَطَرِيقِ الرَّشَادِ كَمَا أَنَّهُ قَدْ وُكِّلَ بِهِ الْقَرِينُ مِنَ الشَّيَاطِينِ لَا يَأْلُوهُ جَهْدًا فِي الْخَبَالِ وَالْإِضْلَالِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ. أحاديث في ذكر الملائكة وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكَرَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [ الْإِسْرَاءِ: 78 ]. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا. قَالَ: تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَسْبَاطٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ قُلْتُ: وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمِيعِ عَلَى صَلَاةِ الْوَاحِدِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً، وَيَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ. يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لِعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. حضور الملائكة حلق الذكر وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ هُوَ شَكٌّ يَعْنِي الْأَعْمَشَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ  فَضْلًا عَنْ كُتَّابِ النَّاسِ، فَإِذَا وَجَدُوا أَقْوَامًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى بُغْيَتِكُمْ. فَيَجِيئُونَ فَيَحِفُّونَ بِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ اللَّهُ: أَيُّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ، وَيُمَجِّدُونَكَ، وَيَذْكُرُونَكَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْنِي ؟ فَيَقُولُونَ لَا. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ لَكَانُوا أَشَدَّ تَحْمِيدًا، وَتَمْجِيدًا، وَذِكْرًا. قَالَ: فَيَقُولُ: فَأَيُّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: يَطْلُبُونَ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا. قَالَ: فَيَقُولُ: مِنْ أَيٍّ يَتَعَوَّذُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ. فَيَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا. فَيَقُولُونَ: لَا. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا وَأَشَدَّ مِنْهَا خَوْفًا. قَالَ: فَيَقُولُ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ: فَيَقُولُونَ: إِنَّ فِيهِمْ فَلَانًا الْخَطَّاءَ، لَمْ يُرِدْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السِّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. تواضع الملائكة لطالب العلم وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالسُّنَنِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ ; رِضًا بِمَا يَصْنَعُ. أَيْ: تَتَوَاضَعُ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الْإِسْرَاءِ: 24 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 215 ]. أحاديث في ذكر الملائكة وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ يُبَلِّغُونِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ أَنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً بِقَلْبِ الْعَبْدِ، وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِقَلْبِهِ فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إِيعَادٌ بِالْفَقْرِ وَفِي رِوَايَةٍ: بِالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ. وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ: إِذَا أَصْبَحَ الْعَبْدُ ابْتَدَرَهُ الشَّيْطَانُ وَالْمَلَكُ. فَيَقُولُ الْمَلَكُ: افْتَحْ بِخَيْرٍ. وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: افْتَحْ بِشَرٍّ. فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ وَحَمِدَهُ، تَوَلَّاهُ الْمَلَكُ، وَطَرَدَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ إِلَى اللَّيْلِ. فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ قَالَ الْمَلَكُ: اخْتِمْ بِخَيْرٍ، وَيَقُولُ الشَّيْطَانُ: اخْتِمْ بِشَرٍّ. فَإِنْ خَتَمَ نَهَارَهُ بِخَيْرٍ، تَوَلَّاهُ الْمَلَكُ حَتَّى يُصْبِحَ. وَطَرَدَ عَنْهُ الشَّيْطَانَ. وَكَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ الْعَبْدُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ. ثُمَّ يَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ. وَالْأَحَادِيثُ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَهُ الْحَمْدُ.

  33. التاريخ 33لا حكم مسجّل

    وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْضِيلِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْبَشَرِ  عَلَى أَقْوَالٍ: فَأَكْثَرُ مَا تُوجَدُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَالْخِلَافُ فِيهَا مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ. وَأَقْدَمُ كَلَامٍ رَأَيْتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ فِي تَرْجَمَةِ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسًا لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ. فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ كِرِيمِ بَنِي آدَمَ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ [ الْبَيِّنَةِ: 7 ]. وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ أُمَيَّةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ. فَقَالَ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ: مَا أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ هُمْ خَدَمَةُ دَارَيْهِ وَرُسُلُهُ إِلَى أَنْبِيَائِهِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ [ الْأَعْرَافِ: 20 ]. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: مَا تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا حَمْزَةَ ؟ فَقَالَ: قَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ آدَمَ فَخَلَقَهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةَ، وَجَعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَمَنْ يَزُورُهُ الْمَلَائِكَةُ. فَوَافَقَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْحُكْمِ، وَاسْتَدَلَّ بِغَيْرِ دَلِيلِهِ، وَأَضْعَفَ دَلَالَةَ مَا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ. مَضْمُونُهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِخَاصَّةٍ بِالْبَشَرِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَصَفَ الْمَلَائِكَةَ بِالْإِيمَانِ  فِي قَوْلِهِ: وَيُؤْمِنُونَ بِهِ [ غَافِرٍ: 7 ]. وَكَذَلِكَ الْجَانُّ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ [ الْجِنِّ: 13 ]. وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ [ الْجِنِّ: 14 ]. قُلْتُ: وَأَحْسَنُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا، وَهُوَ أَصَحُّ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبَّنَا اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ نَأْكُلُ مِنْهَا وَنَشْرَبُ فَإِنَّكَ خَلَقْتَ الدُّنْيَا لِبَنِي آدَمَ. فَقَالَ اللَّهُ: لَنْ أَجْعَلَ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ. فَكَانَ.

  34. التاريخ 34لا حكم مسجّل

    الْآيَاتُ فِي ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا يَصِفُهُمْ تَعَالَى بِالْقُوَّةِ فِي الْعِبَادَةِ وَفِي الْخَلْقِ، وَحُسْنِ الْمَنْظَرِ، وَعَظَمَةِ الْأَشْكَالِ، وَقُوَّةِ الشَّكْلِ فِي الصُّوَرِ الْمُتَعَدِّدَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ آلِ عِمْرَانَ: 18 ]. وَقَالَ: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ [ النِّسَاءِ: 166 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 26 - 29 ]. وَقَالَ تَعَالَى: تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الشُّورَى: 5 ]. وَقَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ غَافِرٍ: 7، 8 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ [ فُصِّلَتْ: 38 ]. وَقَالَ: وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 19 20 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [ الصَّافَّاتِ: 164 - 166 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مَرْيَمَ: 64 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ [ الِانْفِطَارِ: 10 - 12 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ الْمُدَّثِّرِ: 31 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [ الرَّعْدِ: 23 - 24 ]. وَقَالَ تَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ فَاطِرِ: 1 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [ الْفُرْقَانِ: 25 - 26 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا [ الْفُرْقَانِ: 21 22 ]. وَقَالَ تَعَالَى: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ [ الْبَقَرَةِ: 98 ]. وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ التَّحْرِيمِ: 6 ]. وقَالَ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ [ هُودٍ: 77 - 78 ].

  35. التاريخ 35لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ خَلْقِ الْجَانِّ وَقِصَّةُ الشَّيْطَانِ: خَلَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْجِنَّ قَبْلَ آدَمَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ أَيْ مِنْ لَهَبِ النَّارِ وَأَسْكَنَهُمُ الْأَرْضَ فَأَفْسَدُوا فِيهَا فَطُرِدُوا مِنْهَا، وَالْجِنُّ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَمِنْهُمُ الْجَانُّ عَلَى مَا قِيلَ وَهُمْ مَسِيخُ الْجِنِّ وَهُمُ الشَّيَاطِينُ، بَلْ وَمِنْهُمُ السُّنَّةُ وَالْمُبْتَدَعَةُ، وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاسَلُونَ. كَمَا فِي هَيْئَتِهِمْ أَصْنَافٌ: صِنْفٌ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَخَشَاشُ الْأَرْضِ، وَصِنْفٌ كَالرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَقَدْ كَانُوا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ صَالِحُ الْجِنِّ وَمُؤْمِنُهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ دُخُولَهُمُ الْجَنَّةَ وَسَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا هَلْ إِبْلِيسُ مِنَ الْجِنِّ أَمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالَّذِي يُهِمُّ أَنَّهُ كَانَ صَالِحًا حَسَنَ السِّيرَةِ فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا اطَّلَعَ عَلَى خَبِيئَةِ إِبْلِيسَ وَكِبْرِهِ وَأَمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ لَعَنَهُ اللَّهُ وَطَرَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأُنْظِرَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَجَعَلَهُ عَدُوًّا لِآدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، وَقَدْ سَلَّطَ إِبْلِيسُ ذُرِّيَّتَهُ عَلَى بَنِي آدَمَ فَاتَّخَذَ عَرْشًا لَهُ عَلَى الْمَاءِ، وَيَبُثُّ سَرَايَاهُ يَسْعَوْنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي إِضْلَالِ بَنِي آدَمَ، وَاللَّهُ يَحْفَظُهُمْ وَيَكْلَأُهُمْ إِلَّا مَنِ اسْتَجَابَ مِنْهُمْ لَهُ وَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ كَيْفَ يُحْصِّنُ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَيَقِيهَا مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، كَمَا حَذَّرَهُمْ مِنْ بَعْضِ الْأَفْعَالِ الَّتِي يُحِبُّهَا الشَّيْطَانُ كَالتَّثَاؤُبِ وَالِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي جَاءَتْ مَبْسُوطَةً فِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ.

  36. التاريخ 36لا حكم مسجّل

    خَلْقِ الْجَانِّ   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ   [ الرَّحْمَنِ: 14 - 16 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ [ الْحِجْرِ: 26 - 27 ]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ. قَالُوا: مِنْ طَرَفِ اللَّهَبِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ خَالِصِهِ وَأَحْسَنِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: خُلِقَتِ الْجِنُّ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ قَبْلَهُمْ فِي الْأَرْضِ الْحِنُّ وَالْبِنُّ، فَسَلَّطَ اللَّهُ الْجِنَّ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوهُمْ، وَأَجْلَوْهُمْ عَنْهَا وَأَبَادُوهُمْ مِنْهَا، وَسَكَنُوهَا بَعْدَهُمْ بِسَبَبِ مَا أَحْدَثُوا. أنواع الجن والْجِنُّ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: جَانٌّ، وَجِنٌّ، وَشَيَاطِينُ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْكُلَّ خُلِقُوا قَبْلَ آدَمَ  . فَأَمَّا الْجَانُّ: فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَبُو الْجِنِّ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ، وَالضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو الْجِنِّ اسْمُهُ سَوْمَا، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: تَمَنَّ، فَقَالَ: أَتَمَنَّى أَنْ نَرَى وَلَا نُرَى، وَأَنْ نَغِيبَ فِي الثَّرَى، وَأَنْ يَصِيرَ كَهْلُنَا شَابًّا، فَأُعْطِيَ ذَلِكَ، فَإِنَّ الدَّهْرَ لَيَمُرُ عَلَى إِبْلِيسَ فَيُهْرِمُهُ ثُمَّ يُصْبِحُ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجَانَّ هُوَ الِاثْنَيْنِ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَعَطَاءٌ، وَقَتَادَةُ، وَمُقَاتِلٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْجَانَّ مَسِيخُ الْجِنِّ. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْجَانُّ مَسِيخُ الْجِنِّ، كَمَا أَنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ مَسِيخُ الْإِنْسِ. وَأَمَّا الشَّيَاطِينُ: فَكُلُّ مُتَجَبِّرٍ عَاتٍ مِنَ الْجِنِّ  . وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ شَطَنَ أَيْ بَعُدَ عَنِ الْخَيْرِ وَقِيلَ بَعْدَ غَوْرِهِ فِي الشَّرِّ. وَكَذَلِكَ الْمَارِدُ وَالْعِفْرِيتُ. وَقَدْ رَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الشَّيَاطِينُ وِلْدَانُ إِبْلِيسَ لَا يَمُوتُونَ إِلَّا مَعَ إِبْلِيسَ. وَالْجِنُّ: يَمُوتُونَ، وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُ وَمِنْهُمُ الْكَافِرُ  . وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي الْجِنِّ شِيعَةٌ وَقَدَرِيَّةٌ وَمُرْجِئَةٌ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: خَلَقَ اللَّهُ الْجِنَّ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْغِيلَانِ، فَقَالَ: "هِيَ شَجَرَةُ الْجِنِّ". وَقِيلَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ إِنَّ الْغِيلَانَ تَتَحَوَّلُ عَنْ خَلْقِهَا، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَتَحَوَّلُ عَنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنْ لَهُمْ سَحَرَةٌ كَسَحَرَتِكُمْ، فَإِذَا أَحْسَسْتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَذِّنُوا. وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْجِنَّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ وَخَشَاشُ الْأَرْضِ، وَصِنْفٌ كَالرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ. وَخَلَقَ الْإِنْسَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَعْقِلُونَ بِهَا، وَصِنْفٌ أَجْسَادُهُمْ أَجْسَادُ بَنِي آَدَمَ وَأَرْوَاحُهُمْ أَرْوَاحُ الشَّيَاطِينِ، وَصِنْفٌ فِي ظِلِ اللَّهِ يَوْمَ لَا ظِلَ إِلَّا ظِلُّهِ". وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقُوا مِنَ النَّارِ  ، وَهُمْ كَبَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاسَلُونَ، وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَمِنْهُمُ الْكَافِرُونَ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْجِنِّ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [ الْأَحْقَافِ: 29 - 32 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [ الْجِنِّ: 1 - 17 ].

  37. التاريخ 37لا حكم مسجّل

    وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ يُدْخَلُ مُسْلِمُو الْجِنِّ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ الضَّحَّاكُ: يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُدْخِلُونَهَا وَلَكِنْ لَا يَأْكُلُونَ فِيهَا وَلَا يَشْرَبُونَ، يُلْهَمُونَ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ مَا يَجِدُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ لَذِيذِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ. وَقَالَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ: ثَوَابُهُمْ أَنْ يُجَارُوا مِنَ النَّارِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: كُونُوا تُرَابًا. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُؤْمِنِي الْجِنِّ هَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ  أَوْ يَكُونُ جَزَاءُ طَائِعِهِمْ أَنْ لَا يُعَذَّبَ بِالنَّارِ فَقَطْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ; الصَّحِيحُ: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لِعُمُومِ الْقُرْآنِ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرَّحْمَنِ: 46 - 47 ]. فَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَلَوْلَا أَنَّهُمْ يَنَالُونَهُ لَمَا ذَكَرَهُ، وَعَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

  38. التاريخ 38لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ إِبْلِيسَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَابْتِدَاءِ أَمْرِهِ   - فَأَوَّلُهُمْ، وَإِمَامُهُمْ، وَرَئِيسُهُمْ إِبْلِيسُ. وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ حَسَّنَ خَلْقَهُ، وَشَرَّفَهُ، وَمَلَّكَهُ عَلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ فِيمَا ذُكِرَ، وَجَعَلَهُ مَعَ ذَلِكَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ، فَاسْتَكْبَرَ عَلَى رَبِّهِ، وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ، وَدَعَا مَنْ كَانَ تَحْتَ يَدِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَمَسَخَهُ اللَّهُ تَعَالَى شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَشَوَّهَ خَلْقَهُ، وَسَلَبَهُ مَا كَانَ خَوَّلَهُ، وَلَعَنَهُ، وَطَرَدَهُ عَنْ سَمَاوَاتِهِ فِي الْعَاجِلِ، ثُمَّ جَعَلَ مَسْكَنَهُ، وَمَسْكَنَ أَتْبَاعِهِ فِي الْآخِرَةِ نَارَ جَهَنَّمَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَضَبِهِ، وَمِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ. هل كان إبليس من الجن أو من الملائكة واخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ، هَلْ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أَوْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ  عَلَى قَوْلَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَعْظَمُهُمْ قَبِيلَةً. وَإِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةً يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، وَكَانَ مِنْهُمْ، وَكَانَ [لَهُ] سُلْطَانُ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ الْأَرْضِ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَعَصَى فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُ الْجِنُّ خُلِقَ مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ، وَخُلِقَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ مِنْ نُورِ غَيْرِ هَذَا الْحَيِّ، وَخُلِقَ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَأَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْأَرْضَ الْجِنُّ فَأَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَبَعَثَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَيْهِمْ إِبْلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، فَقَتَلَهُمْ إِبْلِيسُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَلْحَقَهُمْ بِجَزَائِرِ الْبُحُورِ وَأَطْرَافِ الْجِبَالِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ اغْتَرَّ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعْتُ شَيْئًا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ: كَانَ إِبْلِيسٌ عَلَى مُلْكِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ [مَعَ] مُلْكِهِ خَازِنًا، فَوَقَعَ فِي صَدْرِهِ كِبْرٌ، وَقَالَ: مَا أَعْطَانَا اللَّهُ هَذَا إِلَّا لِمَزِيَّةٍ عَلَى الْمَلَائِكَةِ. وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ إِبْلِيسَ بُعِثَ حَكَمًا يَقْضِي بَيْنَ الْجِنِّ فِي الْأَرْضِ فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أَلْفَ سَنَةٍ فَسُمِّيَ حَكَمًا، فَدَخَلَهُ الْكِبْرُ فَأُلْقِيَ بَيْنَ الَّذِينَ كَانَ حَكَمَ بَيْنِهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ حَتَّى اقْتَتَلُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَيْهِمْ [نَارًا] فَأَحْرَقَتْهُمْ، فَعَرَّجَ السَّمَاءَ، وَأَقَامَ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ يَعْبُدُ اللَّهَ إِلَى أَنْ خُلِقَ آدَمُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ. قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَطُّ. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَأَسَرَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ مَسْعُودٍ: كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَقَاتِلُ الْجِنَّ فَسُبِيَ إِبْلِيسُ، وَكَانَ صَغِيرًا، وَكَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُ مَعَهَا، فَلَمَّا أُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا سَجَدُوا وَأَبَى إِبْلِيسُ  . وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ اسْمُهُ عَزَازِيلَ، ثُمَّ إِبْلِيسَ بَعْدُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كَانَ اسْمُ إِبْلِيسَ فِي السَّمَاءِ الْحَارِثَ. وَقَدْ رَوَى ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ إِبْلِيسَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، فَلَمَّا خُلِقَ عُلِّقَ فِي الْهَوَاءِ، فَقَالَ: يَا هَوَاءُ إِنْ كُنْتَ فَوْقِي فَارْفَعْنِي إِلَيْكَ، وَإِنْ كُنْتَ أَسْفَلَ مِنِّي فَأَهْبِطْنِي إِلَيْكَ. فَنُودِيَ: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ مَكَانٍ وَمَعَ كُلِّ إِنْسٍ وَجَانٍّ، فَاصْطَكَّتْ أَسْنَانُهُ، وَخَرَجَ مِنْ فِيهِ شَرَرٌ خُلِقَ مِنْ كُلِّ شَرَرَةٍ شَيْطَانٌ مُخَلَّدٌ. وعَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ إِبْلِيسُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ عَصَانِي، وَأَنَا أَعُدُّ مَنْ عَصَانِي مِنَ الْمَوْتَى. وعَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: لَمَّا أُهْبِطَ إِبْلِيسُ، قَالَ: يَا رَبِّ قَدْ لَعَنْتَهُ فَمَا عَمَلُهُ؟ قَالَ: السِّحْرُ، قَالَ: فَمَا قُرْآنُهُ، قَالَ: الشِّعْرُ، قَالَ: فَمَا كِتَابُهُ؟ قَالَ: الْوَشْمُ، قَالَ: فَمَا طَعَامُهُ؟ قَالَ: كُلُّ مَيْتَةٍ وَمَا لَمْ يُذْكُرِ اسْمُ اللَّهِ، قَالَ: فَمَا شَرَابُهُ؟ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ مَسْكَنُهُ؟ قَالَ: الْحَمَّامُ، قَالَ: فَأَيْنَ مَجْلِسُهُ؟ قَالَ: الْأَسْوَاقُ، قَالَ: فَمَا مُؤَذِّنُهُ؟ قَالَ: الْمِزْمَارُ، قَالَ: فَمَا مَصَائِدُهُ؟ قَالَ: النِّسَاءُ. قَالَ الْقُرَشِيُّ: بسنده عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لِإِبْلِيسَ خَمْسَةٌ مِنْ وَلَدِهِ قَدْ جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، ثُمَّ سَمَّاهُمْ فَذَكَرَ بَتَرُو، وَالْأَعْوَرَ، وَمِسْوَطَ، وَدَاسِمَ، وَزَلَنْبُورَ. فَأَمَّا بَتَرَ فَهُوَ صَاحِبُ الْمُصِيبَاتِ الَّذِي يَأْمُرُ بِشَقِّ الْجُيُوبِ، وَلَطْمِ الْخُدُودِ، وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ. وَأَمَّا الْأَعْوَرُ فَهُوَ صَاحِبُ الزِّنَا، يَأْمُرُ بِهِ وَيُزَيِّنُهُ. وَأَمَّا مِسْوَطُ فَهُوَ صَاحِبُ الْكَذِبِ الَّذِي يَسْمَعُ فَيُلْقِي فَيُخْبَرُهُ بِالْخَبَرِ فَيَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى الْقَوْمِ فَيَقُولُ لَهُمْ: قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَمَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ حَدَّثَنِي بِكَذَا وَكَذَا، وَمَا هُوَ الْأَمْرُ. وَأَمَّا دَاسِمٌ فَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ إِلَى أَهْلِهِ يُرِيهِ الْعَيْبَ فِيهِمْ وَيُبْغِضُهُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا زَلَنْبُورُ فَهُوَ صَاحِبُ السَّرْقَى الَّذِي يُرَكِّزُ رَايَتَهُ فِي السُّوقِ، وَلَا يَزَالُونَ مُلْتَطِمِينَ. وَقَالَ حَوْشَبُ بْنُ سَيْفٍ، قَالَ: اسْمُ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَفْتِنُ النَّاسَ فِي الْأَسْوَاقِ فَنْحُوَاصُ. وَقَدْ رَوَى سَيْفٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ إِبْلِيسَ نَكَحَ نَفْسَهُ فَبَاضَ خَمْسَ بَيْضَاتٍ، فَهُمْ أَوْلَادُهُ. وَهَذَا مِنْ أَبْعَدِ الْأَقْوَالِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: مِنْ أَوْلَادِ إِبْلِيسَ الْقَعْقَاعُ. وعن أُبَيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "لِلْوُضُوءِ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ، فَاتَّقُوهُ - أَوْ قَالَ: فَاحْذَرُوهُ"  . قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: وَقَدْ قِيلَ إِنَّ أَحَدَ الشَّيَاطِينَ يَجِيءُ فِي صُورَةِ طَائِرٍ يُقَالُ لَهُ الْقَرْقَصِيَّةُ يَخْفِقُ بِجَنَاحِهِ عَلَى عَيْنِ الرَّجُلِ الَّذِي يُقِرُّ عَلَى أَهْلِهِ الْفَاحِشَةَ فَلَا يُنْكِرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَيْهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْجَانَّ خُلِقُوا مِنَ النَّارِ  ، وَهُمْ كَبَنِي آدَمَ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاسَلُونَ، وَمِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَمِنْهُمُ الْكَافِرُونَ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْجِنِّ، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [ الْأَحْقَافِ: 29 - 32 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [ الْجِنِّ: 1 - 17 ]. وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ مِنْ جِنِّ بُصْرَى، وَأَنَّهُمْ مَرُّوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ بِبَطْنِ نَخْلَةٍ مِنْ أَرْضِ مَكَّةَ فَوَقَفُوا فَاسْتَمَعُوا لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ اجْتَمَعَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةً كَامِلَةً فَسَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ أَمَرَهُمْ بِهَا وَنَهَاهُمْ عَنْهَا، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَجِدُونَهُ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا، وَكُلُّ رَوْثَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُسْتَنْجَى بِهِمَا. وَقَالَ: إِنَّهُمَا زَادُ إِخْوَانِكُمُ الْجِنِّ. وَنَهَى عَنِ الْبَوْلِ فِي السَّرَبِ ; لِأَنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُورَةَ " الرَّحْمَنِ " فَمَا جَعَلَ يَمُرُّ فِيهَا بِآيَةِ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. إِلَّا قَالُوا: وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ. وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ السُّورَةَ عَلَى النَّاسِ فَسَكَتُوا فَقَالَ: الْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ مِنْكُمْ رَدًّا مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إِلَّا قَالُوا: وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ آلَائِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَالْبَزَّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مُؤْمِنِي الْجِنِّ هَلْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ  أَوْ يَكُونُ جَزَاءُ طَائِعِهِمْ أَنْ لَا يُعَذَّبَ بِالنَّارِ فَقَطْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ; الصَّحِيحُ: أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لِعُمُومِ الْقُرْآنِ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ الرَّحْمَنِ: 46 - 47 ]. فَامْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَلَوْلَا أَنَّهُمْ يَنَالُونَهُ لَمَا ذَكَرَهُ، وَعَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ كَافٍ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  39. التاريخ 39لا حكم مسجّل

    وَأَمَّا كَافِرُو الْجِنِّ فَمِنْهُمُ الشَّيَاطِينُ، وَمُقَدِّمُهُمُ الْأَكْبَرُ إِبْلِيسُ عَدُوُّ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، وَقَدْ سَلَّطَهُ هُوَ وَذُرِّيَّتَهُ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، وَتَكَفَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعِصْمَةٍ مَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ رُسُلَهَ، وَاتَّبَعَ شَرْعَهُ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [ الْإِسْرَاءِ: 65 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ سَبَأِ: 20 - 21 ]. وَقَالَ تَعَالَى: يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [ الْأَعْرَافِ: 27 ]. وَقَالَ: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [ الْحِجْرِ: 28 - 44 ]. وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي الْأَعْرَافِ، وَهَاهُنَا، وَفِي سُورَةِ سُبْحَانَ، وَفِي سُورَةِ طه، وَفِي سُورَةِ ص وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِبْلِيسَ أَنْظَرَهُ اللَّهُ، وَأَخَّرَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ; مِحْنَةً لِعِبَادِهِ، وَاخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ [ سَبَأِ: 21 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ [ إِبْرَاهِيمَ: 22 - 23 ]. فَإِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ حَيٌّ الْآنَ، مُنْظَرٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَهُ عَرْشٌ عَلَى وَجْهِ الْبَحْرِ، وَهُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَيَبْعَثُ سَرَايَاهُ يُلْقُونَ بَيْنَ النَّاسِ الشَّرَّ وَالْفِتَنَ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا [ النِّسَاءِ: 76 ].

  40. التاريخ 40لا حكم مسجّل

    قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِابْنِ صَيَّادٍ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. فَعَرَفَ أَنَّ مَادَّةَ مُكَاشَفَتِهِ الَّتِي كَاشَفَهُ بِهَا شَيْطَانِيَّةٌ مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ إِبْلِيسَ الَّذِي هُوَ يُشَاهِدُ عَرْشَهُ عَلَى الْبَحْرِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. أَيْ: لَنْ تُجَاوِزَ قِيمَتَكَ الدَّنِيَّةَ الْخَسِيسَةَ الْحَقِيرَةَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ  الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِابْنٍ صَائِدٍ: مَا تَرَى ؟ قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ. أَوْ قَالَ: عَلَى الْبَحْرِ حَوْلَهُ حَيَّاتٌ. قَالَ ﷺ: ذَاكَ عَرْشُ إِبْلِيسَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ. وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ بسنده عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي النَّاسِ فَأَقْرَبُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا زِلْتُ بِفُلَانٍ حَتَّى تَرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَيَقُولُ إِبْلِيسُ: لَا وَاللَّهِ، مَا صَنَعْتَ شَيْئًا. وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ. قَالَ: فَيُقَرِّبُهُ وَيُدْنِيهِ وَيَلْتَزِمُهُ، وَيَقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ. يُرْوَى بِفَتْحِ النُّونِ بِمَعْنَى: نَعَمْ أَنْتَ ذَاكَ الَّذِي تَسْتَحِقُّ الْإِكْرَامَ. وَبِكَسْرِهَا أَيْ: نِعْمَ مِنْكَ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ النُّحَاةِ عَلَى جَوَازِ كَوْنِ فَاعِلِ نَعَمْ مُضْمَرًا، وَهُوَ قَلِيلٌ وَاخْتَارَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْأَوَّلَ، وَرَجَّحَهُ، وَوَجَّهَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ أَوْرَدْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [ الْبَقَرَةِ: 102 ]. يَعْنِي: أَنَّ السِّحْرَ الْمُتَلَقَّى عَنِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُتَآلِفِينَ غَايَةَ التَّآلُفِ الْمُتَوَادِّينَ الْمُتَحَابِّينَ، وَلِهَذَا يَشْكُرُ إِبْلِيسُ سَعْيَ مَنْ كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ، فَالَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ يَمْدَحُهُ، وَالَّذِي يَغْضَبُ اللَّهُ يُرْضِيهِ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ سُورَتَيِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مُطَّرِدَةً لِأَنْوَاعِ الشَّرِّ وَأَسْبَابِهِ وَغَايَاتِهِ، وَلَا سِيَّمَا سُورَةُ: قُلْ أَعُوَذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِنْ ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ. وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ اللَّهِ مَطَرَدَةً لِلشَّيْطَانِ عَنِ الْقَلْبِ كَانَ فِيهِ تَذْكَارٌ لِلنَّاسِي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [ الْكَهْفِ: 24 ]. وَقَالَ فَتَى مُوسَى: وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ [ الْكَهْفِ: 63 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [ يُوسُفَ: 42 ]. يَعْنِي السَّاقِي لَمَّا قَالَ لَهُ يُوسُفُ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ. نَسِيَ السَّاقِي أَنْ يَذْكُرَهُ لِرَبِّهِ يَعْنِي مَوْلَاهُ الْمَلِكَ. وَكَانَ هَذَا النِّسْيَانُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلَبِثَ يُوسُفُ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [ يُوسُفَ: 45 ]. أَيْ: تَذَكَّرَ قَوْلَ يُوسُفَ لَهُ: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ. بَعْدَ مُدَّةٍ وَقُرِئَ: " بَعْدَ أَمَهٍ " أَيْ نِسْيَانٍ، وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّ النَّاسِيَ هُوَ السَّاقِي هُوَ الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ، بسنده عَنْ عَاصِمٍ سَمِعْتُ أَبَا تَمِيمَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَدِيفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عَثَرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ حِمَارُهُ فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ تَعَاظَمَ، وَقَالَ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ. وَإِذَا قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ. تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَهُوَ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ. وَقَالَ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَاءَ الشَّيْطَانُ فَأَبَسَّ بِهِ كَمَا يَبُسُّ الرَّجُلُ بِدَابَّتِهِ فَإِذَا سَكَنَ لَهُ زَنَقَهُ أَوْ أَلْجَمَهُ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَأَنْتُمْ تَرَوْنَ ذَلِكَ ; أَمَّا الْمَزْنُوقُ فَتَرَاهُ مَائِلًا كَذَا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ، وَأَمَّا الْمُلْجِمُ فَفَاتِحٌ فَاهُ لَا يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْعَيْنُ حَقٌّ وَيَحْضُرُهَا الشَّيْطَانُ وَحَسَدُ ابْنِ آدَمَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ ; لَأَنَّ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ، زَادَ النَّسَائِيُّ: وَالْأَعْمَشُ، كِلَاهُمَا عَنْ ذَرٍّ بِهِ. الاستعاذة من الشيطان وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلِيَنْتَهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [ الْأَعْرَافِ: 201 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوَذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [ الْمُؤْمِنُونَ: 97 - 98 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ الْأَعْرَافِ: 200 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ [ النَّحْلِ: 98 - 100 ]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ، وَنَفْخِهِ، وَنَفْثِهِ. وَتَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ: فَهَمْزُهُ الْمَوْتَةُ، وَهُوَ الْخَنْقُ الَّذِي هُوَ الصَّرْعُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ. قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا، فَلَا حَرَجَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ فَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ". فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ ! فَقَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَأْكُلُ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبُ بِشِمَالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ، وَمَنْ شَرِبَ بِشِمَالِهِ شَرِبَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده أَبِي زِيَادٍ الطَّحَّانِ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا، فَقَالَ لَهُ: " قِهْ ". قَالَ: لِمَ ؟ قَالَ: " أَيَسُرُّكَ أَنْ يَشْرَبَ مَعَكَ الْهِرُّ ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: " فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَكَ مَنْ هُوَ شَرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ ". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ جَابِرًا: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ حِينَ يَدْخُلُ وَحِينَ يَطْعَمُ، قَالَ الشَّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ هَاهُنَا. وَإِنْ دَخَلَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ. قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ، وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ أَوِ الشَّيَاطِينِ. " لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ " قَالَ هِشَامٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عن عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَقَالَ: هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ. مجلس الشيطان وَفِي السُّنَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالظِّلِّ. وَقَالَ إِنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ. وَقَدْ ذَكَرُوا فِي هَذَا مَعَانِي ; مِنْ أَحْسَنِهَا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْجُلُوسُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِيهِ تَشْوِيهٌ بِالْخِلْقَةِ فِيمَا يَرَى كَانَ يُحِبُّهُ الشَّيْطَانُ ; لِأَنَّ خِلْقَتَهُ فِي نَفْسِهِ مُشَوَّهَةٌ وَهَذَا مُسْتَقِرٌّ فِي الْأَذْهَانِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [ الصَّافَّاتِ: 65 ]. الصَّحِيحُ أَنَّهُمُ الشَّيَاطِينُ لَا ضَرْبٌ مِنَ الْحَيَّاتِ كَمَا زَعَمَهُ مَنْ زَعْمَهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنَّ النُّفُوسَ مَغْرُوزٌ فِيهَا قُبْحُ الشَّيَاطِينِ، وَحُسْنُ خُلُقِ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يُشَاهِدُوا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَقَالَ النِّسْوَةُ لَمَّا شَاهَدْنَ جَمَالَ يُوسُفَ: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [ يُوسُفَ: 45 ]. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اسْتَجْنَحَ أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ، وَأَوْكُوا أَسْقِيَتَكُمْ، وَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا، وَلَا يَكْشِفُ غِطَاءً، وَلَا يَحِلُّ وِكَاءً، وَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ الْبَيْتَ عَلَى أَهْلِهِ. يَعْنِي الْفَأْرَةَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي. فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ، وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ ; يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا، عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ. فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ  . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ. قَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ " أَوْ قَالَ: " فِي أُذُنِهِ. بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ، فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا. حَتَّى لَا يَدْرِيَ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا ؟ فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا، سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: رَاصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بَيْنَ الْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنِّي لِأَرَى الشَّيْطَانُ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهُ الْحَذْفُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَّضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ لِقَطْعِ الصَّلَاةِ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ. وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [ ص: 35 ].

  41. التاريخ 41لا حكم مسجّل

    قَالَ تَعَالَى: فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [ لُقْمَانَ: 33 ]. يَعْنِي الشَّيْطَانَ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ [ فَاطِرٍ: 6 ]. فَالشَّيْطَانُ لَا يَأْلُو الْإِنْسَانَ خَبَالًا جَهْدَهُ وَطَاقَتَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، كَمَا صَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا رَحِمَهُ اللَّهُ كِتَابًا فِي ذَلِكَ سَمَّاهُ " مَصَائِدَ الشَّيْطَانِ " وَفِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَرَوَيْنَا فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ وَعِزِّكَ وَجَلَالِكَ لَا أَزَالُ أُغْوِيهِمْ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَلَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [ الْبَقَرَةِ: 268 ]. فَوَعْدُ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ الصِّدْقُ، وَوَعْدُ الشَّيْطَانِ هُوَ الْبَاطِلُ، وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً ; فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمِنْ وَجَدَ الْأُخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ مِنَ الشَّيْطَانِ، ثُمَّ قَرَأَ: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. ومن فضائل سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تَقْرَأُ فِيهِ، ومن فضائل آيَةِ الْكُرْسِيِّ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَةٍ لَا يَقْرَبُهُ الشَّيْطَانُ حَتَّى يُصْبِحَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عِدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ رَجُلٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ ﷺ: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: هَا. ضَحِكَ الشَّيْطَانُ. وَفِي لَفْظٍ إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيُبْغِضُ أَوْ يَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ  ، فَإِذَا قَالَ: أَحَدُكُمْ هَا هَا. فَإِنَّمَا ذَلِكَ الشَّيْطَانُ يَضْحَكُ مِنْ جَوْفِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بسنده عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلِيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ أَنْ يَنْزِعَ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ. أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ.

  42. التاريخ 42لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [ الْمُلْكِ: 5 ]. وَقَالَ: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [ الصَّافَّاتِ: 6 - 10 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ [ الْحِجْرِ: 16 - 18 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 210 - 212 ]. وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْجَانِّ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [ الْجِنِّ: 8 - 9 ]. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ. بسنده عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ تَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ بِالْأَمْرِ يَكُونُ فِي الْأَرْضِ فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فَتُقِرُّهَا فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ، كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ. تَفَرَّدَ بِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ دُونَ مُسْلِمٍ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ سَأَلَ نَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْكُهَّانِ فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَنَا أَحْيَانًا بِشَيْءٍ فَيَكُونُ حَقًّا. فَقَالَ ﷺ: تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ فَيَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقُّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابَ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كِذِبَةٍ، فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا. فَيُصَدِّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ.

  43. التاريخ 43لا حكم مسجّل

    قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [ الزُّخْرُفِ: 36 - 38 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [ فُصِّلَتْ: 25 ]. الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [ ق: 27 - 29 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [ الْأَنْعَامِ: 112 - 113 ]. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ، بسنديهما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ. قَالُوا: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عن عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حَدَّثَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ. فَقَالَ: " مَالَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ. " قَالَتْ فَقُلْتُ: وَمَالِي أَنْ لَا يَغَارَ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَفَأَخَذَكِ شَيْطَانُكِ. " قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَ مَعِي شَيْطَانٌ ؟ قَالَ: " نَعَمْ. " قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ ؟ قَالَ: " نَعَمْ. " قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " نَعَمْ. " وَلَكِنَّ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ ". وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُنْضِي شَيْطَانَهُ كَمَا يُنْضِي أَحَدُكُمْ بِعِيرَهُ فِي السَّفَرِ. وَمَعْنَى لَيُنْضِي شَيْطَانَهُ: لَيَأْخُذُ بِنَاصِيَتِهِ فَيَغْلِبُهُ وَيَقْهَرُهُ، كَمَا يَفْعَلُ بِالْبَعِيرِ إِذَا شَرَدَ ثُمَّ غَلَبَهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْلِيسَ: قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [ الْأَعْرَافِ: 16 - 17 ]. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ   ; فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: أَتُسْلِمُ وَتَذْرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ ؟ قَالَ: " فَعَصَاهُ وَأَسْلَمَ " قَالَ: وَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: أَتُهَاجِرُ وَتَذْرُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ ؟ وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَالْفَرَسِ فِي الطُّولِ. فَعَصَاهُ وَهَاجَرَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، وَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَقَالَ: أَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقَسَّمُ الْمَالُ ؟ قَالَ: " فَعَصَاهُ وَجَاهَدَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ كَانَ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَدْخُلَهُ الْجَنَّةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده جُبَيْرُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي  : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي. قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي الْخَسْفَ.

  44. التاريخ 44لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَائِكَتَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّنْوِيهِ بِخَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا يُخْبِرُ بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ قَبْلَ كَوْنِهِ. فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ سَائِلِينَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِكْشَافِ وَالِاسْتِعْلَامِ عَنْ وَجْهِ الْحِكْمَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ وَالتَّنَقُّصِ لِبَنِي آدَمَ وَالْحَسَدِ لَهُمْ، أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ فَقِيلَ: عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ بِمَا رَأَوْا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَ آدَمَ مِنَ قَبَائِلَ يُقَالُ لَهَا الْحِنُّ وَالْبِنُّ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَسَفَكُوا الدِّمَاءَ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَطَرَدُوهُمْ إِلَى جَزَائِرِ الْبُحُورِ. وَقَدْ أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ ثَمَّةَ حِكْمَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخَذَ قَبْضَةً مِنَ الْأَرْضِ مِنْ سَهْلِهَا وَحَزَنِهَا أَسْوَدِهَا وَأَبْيَضِهَا وَأَحْمَرِهَا فَخَلَقَ مِنْهَا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَجَاءَ الْخَلْقُ عَلَى أَلْوَانِهَا مِنْهُمُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَالْأَحْمَرُ وَمِنْهُمُ السَّهْلُ وَالْحَزَنُ. فَخَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَتَرَكَهُ قِيلَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ أَعْمَارِنَا طِينًا طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ مِنْ رَأْسِهِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ فِي الْجَسَدِ عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ - وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذَرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَلَمَّا تَمَّ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ، فَسَجَدُوا امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَمَّا إِبْلِيسُ فَأَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ، وَجَنَحَ إِلَى الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ فَقَالَ أَأَسْجَدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا، وَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ. فَلَمَّا أَظْهَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَبِيئَةَ إِبْلِيسَ وَكِبْرَهُ وَعُجْبَهُ بِنَفْسِهِ لَعَنَهُ وَطَرَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ. وَعَلَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ آدَمَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، عَلَّمَهُ هَذِهِ: الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ، وَالْإِبِلَ، وَالْجِنَّ، وَالْوَحْشَ، ثُمَّ عَرَضَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ طَالِبًا سُبْحَانَهُ إِيَّاهُمْ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِبَارِ أَنْ يَذْكُرُوا أَسْمَاءَهَا قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتِنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ أَنْ يُنْبِئَ الْمَلَائِكَةَ بِأَسْمَاءِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ فَضْلَهُ وَمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ. وَأَسْكَنَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ الْجَنَّةَ كَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ امْرَأَةٌ، قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: تَسْكُنُ إِلَيَّ، قَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ عِلْمُهُ: مَا اسْمُهَا يَا آدَمُ ؟ قَالَ: حَوَّاءُ، قَالُوا: وَلِمَ سُمَّتْ حَوَّاءَ ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. وَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمَا فِي الْجَنَّةِ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الشَّجَرَةَ الَّتِي نَهَاهُمْ عَنْهَا سُبْحَانَهُ وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَاهِيَّةِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَقَدْ أَبْهَمَ اللَّهُ ذِكْرَهَا وَتَعْيِينَهَا، وَلَوْ كَانَ فِي ذِكْرِهَا مَصْلَحَةٌ تَعُودُ إِلَيْنَا لَعَيَّنَهَا لَنَا. كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْجَنَّةِ الَّتِي أَسْكَنَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِآدَمَ هَلْ هِيَ فِي الْأَرْضِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا مَحَلُّ الِابْتِلَاءِ أَوْ فِي السَّمَاءِ وَلَكِنْ غَيْرَ جَنَّةِ الْخُلْدِ، أَمْ هِيَ جَنَّةُ الْخُلْدِ. فَلَمَّا اسْتَقَرَّ آدَمُ وَزَوْجَتُهُ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُقِرَّ لِإِبْلِيسَ قَرَارٌ حَتَّى احْتَالَ فَدَخَلَهَا عَلَيْهِمَا وَقَبْلُ بَلْ وَسْوَسَ لَهُمَا مِنْ خَارِجِهَا بِأَكْلِ الشَّجَرَةِ وَأَخْبَرَهُمَا أَنَّكُمَا مَيِّتَانِ وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا نَهَاكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ، فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ، فَأَكَلَا مِنْهَا وَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا، ثُمَّ كَانَ مَا قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ تَوْبَتِهِ عَلَى آدَمَ وَلَعْنِهِ إِبْلِيسَ ثُمَّ أَهْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ وَزَوْجَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَأَهْبَطَ إِبْلِيسَ مَعَهُمَا وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوًّا، وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، قَدَّرَهُ اللَّهُ فِي عِلْمِهِ عَلَى آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ فَقَدَّرَ لَهُمُ الْهُبُوطَ مِنَ الْجَنَّةِ وَلَكِنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُمُ الْمَعْصِيَةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهَا وَإِنَّمَا قَدَّرَ لَهُمْ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا، وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى حَدِيثِ مُحَاجَّاتِ آدَمَ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَامَهُ عَلَى إِخْرَاجِهِ نَفْسَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنَا لَمْ أُخْرِجْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَكُمُ الَّذِي رَتَّبَ الْإِخْرَاجَ عَلَى أَكْلِي مِنَ الشَّجَرَةِ، وَالَّذِي رَتَّبَ ذَلِكَ، وَقَدَّرَهُ وَكَتَبَهُ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْتَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ لَيْسَ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَيَّ أَكْثَرَ مَا أَنِّي نُهِيتُ عَنِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ مِنْهَا، وَكَوْنُ الْإِخْرَاجِ مُتَرَتِّبًا عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِي، فَأَنَا لَمْ أُخْرِجْكُمْ وَلَا نَفْسِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ وَصُنْعِهِ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ فَلِهَذَا حَجَّ آدَمُ مُوسَى. هَذَا وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي مَكَثَهُ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ وَعَنِ السَّاعَةِ الَّتِي أُهْبِطَ فِيهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَاخْتَلَفُوا حَوْلَ ذَلِكَ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهَا هَلْ هُوَ فِي مَكَانٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ دَحْنَا أَمْ عَلَى جَبَلِ نُودٍ فِي الْهِنْدِ، كَمَا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ حَوَّاءَ لَمْ تَهْبِطْ مَعَهُ فِي نَفْسِ الْمَوْضِعِ وَإِنَّمَا أُهْبِطَ فِي مَكَّةَ وَهُوَ فِي الْهِنْدِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ إِبْلِيسُ أَيْضًا. ثُمَّ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ عَمَّا أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ مِنْ ثِمَارِهَا لِتَزْرَعَ فِي الْأَرْضِ، وَقَدْ نَزَلَ مَعَهُ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ كَيْفَ يَحْرُثُ وَيَزْرَعُ كَمَا عَلَّمَهُ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ وَكَيْفَ يُوقِدُ النَّارَ لِيَبْدَأَ رِحْلَةَ الْعَمَلِ الشَّاقِّ. هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مِنْ بُكَاءِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنَدَمِهِ عَلَى نُزُولِهِ الْأَرْضَ وَكَيْفَ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْ حَوَّاءَ مُدَّةً كَبِيرَةً وَلَمْ يَأْكُلْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَيُعِيدَهُ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ لَهُ إِنَّ لِي حَرَمًا حِيَالَ عَرْشِي فَانْطَلِقْ، وَابْنِ لِي بَيْتًا فِيهِ، ثُمَّ حُفَّ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ مَلَائِكَتِي يَحُفُّونَ بِعَرْشِي، فَهُنَالِكَ أَسْتَجِيبُ لَكَ، وَلِوَلَدِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي طَاعَتِي. فَقَالَ آدَمُ يَا رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ ! لَسْتُ أَقْوَى عَلَيْهِ وَلَا أَهْتَدِي إِلَيْهِ. فَقَيَّضَ اللَّهُ مَلَكًا فَانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مَكَّةَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَبَنَى الْبَيْتَ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: مِنْ طُورِ سِينَا، وَطُورِ زَيْتُونٍ، وَلُبْنَانَ، وَالْجُودِيِّ، وَبَنَى قَوَاعِدَهُ مِنْ حِرَاءٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ خَرَجَ بِهِ الْمَلَكُ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَأَرَاهُ الْمَنَاسِكَ الَّتِي يَفَعَلُهَا النَّاسُ الْيَوْمَ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ أَخَذَ عَلَى بَنِي آدَمَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ [الْأَعْرَافِ: 172]. وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ آدَمَ قَدْ وُلِدَ لَهُ أَرْبَعُونَ وَلَدًا مِنْ ذِكْرٍ وَأُنْثَى فِي عِشْرِينَ بَطْنًا ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَسْمَاءَهُمْ وَمِنْهُمْ قَابِيلُ وَهَابِيلُ وَشِيثُ...إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ تَوْأَمِهِمْ مِنَ النِّسَاءِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ وُلِدَ لَهُمَا بِالْجَنَّةِ شَيْءٌ مِنَ الْأَوْلَادِ؟ فَقِيلَ: لَمْ يُولَدْ لَهُمَا إِلَّا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: بَلْ وُلِدَ لَهُمَا فِيهَا. فَكَانَ قَابِيلُ وَأُخْتُهُ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا. وَقَدِ احْتَالَ إِبْلِيسُ عَلَى حَوَّاءَ وَمَا زَالَ بِهَا حَتَّى سَمَّتْ وَلَدَهَا بِمَا أَمْلَاهُ عَلَيْهَا فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ وَهُوَ اسْمُ إِبْلِيسَ، وَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ فَعَاشَ هَذَا بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ أَحَدِ وَلَدَيْ آدَمَ أَخَاهُ فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ وَكَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ كُلِّ دَمٍ يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَيْفَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِكْرَامًا لِلْمَقْتُولِ أَرْسَلَ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ، وَقَدْ عَاجَلَ اللَّهُ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ أَعَاقَهُ مَعَ مَا يَنْتَظِرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آدَمَ بِالنُّبُوَّةِ فَكَانَ نَبِيًّا مُكَلِّمًا مَعَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مُلْكِ الْأَرْضِ. هَذَا وَقَدْ أَوْصَى آدَمُ ابْنَهُ شِيثَ وَجَعَلَ الْأَمْرَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَذَلِكَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَقَدْ جَاءَ فِي وَفَاةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ رَاجَعَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِأَنَّهُ بَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ سِتُّونَ سَنَةً فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَكْتُبَهَا لِابْنِهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ ! " فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ فَحِينَئِذٍ وَضَعَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَ بِالشُّهُودِ وَأَكْمَلَ لِآدَمَ عُمْرَهُ وِلِدَاوُدَ عُمْرَهُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَلَمَّا مَاتَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلَ جِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ فَغَسَّلُوهُ وَحَنَّطُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَصَلَّى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ وَكَبَّرُوا عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَدَفَنُوهُ وَقَالُوا: هَذِهِ سُنَّتُكُمْ يَا بَنِي آدَمَ، وَقَدْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  45. التاريخ 45لا حكم مسجّل

    خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ   لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطْلِعَ مَلَائِكَتَهُ عَلَى مَا عَلِمَ مِنَ انْطِوَاءِ إِبْلِيسَ عَلَى الْكِبْرِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى دَنَا أَمْرُهُ مِنَ الْبَوَارِ وَمُلْكُهُ مِنَ الزَّوَالِ، فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. أَعْلَمَ بِمَا يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ الَّذِينَ يُخْلِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كَمَا قَالَ: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ [ الْأَنْعَامِ: 165 ]. وَقَالَ: وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ [ النَّمْلِ: 62 ]. فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْوِيهِ بِخَلْقِ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا يُخْبِرُ بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ قَبْلَ كَوْنِهِ. فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ سَائِلِينَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِكْشَافِ وَالِاسْتِعْلَامِ عَنْ وَجْهِ الْحِكْمَةِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاعْتِرَاضِ وَالتَّنَقُّصِ لِبَنِي آدَمَ وَالْحَسَدِ لَهُمْ، كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ جَهَلَةِ الْمُفَسِّرِينَ: قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. قِيلَ: عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ بِمَا رَأَوْا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَ آدَمَ مِنَ الْحِنِّ وَالْبِنِّ. قَالَهُ قَتَادَةُ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ كَانَتِ الْحِنُّ وَالْبِنُّ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَسَفَكُوا الدِّمَاءَ فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَطَرَدُوهُمْ إِلَى جَزَائِرِ الْبُحُورِ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالَتْ ذَلِكَ لِلَّذِي كَانُوا عَهِدُوا مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْجِنِّ الَّذِينَ كَانُوا سُكَّانَ الْأَرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقَالُوا لِرَبِّهِمْ تَعَالَى: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يَكُونُ مِثْلَ الْجِنِّ الَّذِينَ كَانُوا يَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ فِيهَا وَيُفْسِدُونَ وَيَعْصُونَكَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ؟ فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، يَعْنِي مِنَ انْطِوَاءِ إِبْلِيسَ عَلَى الْكِبْرِ وَالْعَزْمِ عَلَى خِلَافِ أَمْرِي وَاغْتِرَارِهِ، وَأَنَا مُبْدٍ ذَلِكَ لَكُمْ مِنْهُ لِتَرَوْهُ عِيَانًا. خلق آدم عليه السلام فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بَعَثَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- جِبْرَئِيلَ إِلَى الْأَرْضِ لِيَأْتِيَهُ بِطِينٍ مِنْهَا، قَالَتِ الْأَرْضُ: إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ أَنْ تَنْقُصَ مِنِّي أَوْ تَشِينَنِي، فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ، وَقَالَ: رَبِّ إِنَّهَا عَاذَتْ بِكَ فَأَعَذْتُهَا. فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ فَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا، فَبَعَثَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَعَاذَتْ مِنْهُ، فَقَالَ: وَأَنَا أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْجِعَ، وَلَمْ أُنَفِّذْ أَمْرَهُ، فَأَخَذَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَخَلَطَ، فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةٍ حَمْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَمَ مُخْتَلِفِينَ  . فَصَعِدَ بِهِ، فَبَلَّ التُّرَابَ حَتَّى عَادَ طِينًا، ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى تَغَيَّرَ وَأَنْتَنَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ  ، قَالَ: مُنْتِنٌ. وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ رَبُّ الْعِزَّةِ إِبْلِيسَ فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، وَمِنْ عَذْبِهَا وَمِنْ مِلْحِهَا، فَخَلَقَ آدَمَ، فَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ آدَمُ، لِأَنَّهُ خَلَقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِبْلِيسُ: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا  ، أَيْ هَذِهِ الطِّينَةُ أَنَا جِئْتُ بِهَا. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِبْلِيسَ فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ مِنْ عَذْبِهَا وَمَالِحِهَا، فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، فَكُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ عَذْبِهَا فَهُوَ صَائِرٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ ابْنَ كَافِرٍ، وَكُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ مَالِحِهَا فَهُوَ صَائِرٌ إِلَى النَّارِ وَإِنْ كَانَ ابْنَ نَبِيٍّ. قَالَ: فَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِبْلِيسُ: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا، لِأَنَّهُ جَاءِ بِالطِّينَةِ، وَسُمِّيَ آَدَمُ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ  . وعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آَدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَبْيَضُ، وَالْأَحْمَرُ، وَالْأَسْوَدُ، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالْخَبِيثُ، وَالطَّيِّبُ، وَالسَّهْلُ، وَالْحَزَنُ وَبَيْنَ ذَلِكَ". وعَنْ أَبِي لُبَابَةَ الْبَدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ  ، وَأَعْظَمُهَا عِنْدَهُ، وَأَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى، وَفِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ: خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ آَدَمَ، وَأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ آَدَمَ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تُوُفِّيَ آَدَمُ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَا رِيَاحٍ وَلَا جِبَالٍ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَهُنَّ يَسْتَغْفِرُونَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ". . ترك آدم أربعين ليلة جسدا لا روح فيه فَلَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ  تَرَكَهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَسَدًا مُلْقًى لَا رُوحَ فِيهِ، هَكَذَا رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: بَقِيَ جَسَدًا بَيْنَ طِينٍ وَمَاءٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ مِنْ أَعْوَامِنَا. وَقَدْ رَوَى أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: خَمَّرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- طِينَةَ آدَمَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّخْمِيرُ قَبْلَ التَّصْوِيرِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ خُلِقَ آدَمُ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: خُلِقَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ آخِرَ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ. ورَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ، قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: فَإِذَا نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ فِيهِ الرُّوحُ مِنْ رَأْسِهِ فَعَطَسَ  ، فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ اللَّهُ: رَحِمَكَ رَبُّكَ، فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوحُ فِي عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفِهِ اشْتَهَى الطَّعَامَ، فَوَثَبَ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ عَجْلَانَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ  . فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، فَقَالَ: أَتَتْهُ النَّفْخَةُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، فَجَعَلَ لَا يَجْرِي فِي شَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ إِلَّا صَارَ لَحْمًا وَدَمًا، فَلَمَّا انْتَهَتِ النَّفْخَةُ إِلَى سُرَّتِهِ فَنَظَرَ إِلَى جَسَدِهِ فَأَعْجَبَهُ، فَذَهَبَ لِيَنْهَضَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَلَمَّا تَمَّتِ النَّفْخَةُ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ  . وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمَّا صَوَّرَ آَدَمَ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَطِيفُ بِهِ فَلَمَّا رَآَهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خَلْقٌ لَا يَتَمَالَكُ". وعن أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: " خَلَقَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- آَدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا  ، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ - وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذَرِّيَّتكَ  ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آَدَمَ وَطُولِهِ فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ". هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،

  46. التاريخ 46لا حكم مسجّل

    الْأَسْمَاءُ الَّتِي عَلَّمَهَا اللَّهُ آدَمَ  وَاخْتَلَفَتِ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَسْمَاءِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا الَّتِي تَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ: إِنْسَانٌ، وَدَابَّةٌ، وَأَرْضٌ، وَسَهْلٌ، وَجَبَلٌ، وَفَرَسٌ، وَحِمَارٌ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، حَتَّى الْفَسْوَةُ، وَالْفُسَيَّةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: عُلِّمَ أَسْمَاءَ ذُرِّيَّتِهِ. وَقَالَ الرَّبِيعُ: عُلِّمَ أَسْمَاءَ الْمَلَائِكَةِ خَاصَّةً. فَلَمَّا عُلِّمَهَا عَرَضَ اللَّهُ أَهْلَ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إِنِّي إِنْ جَعَلْتُ الْخَلِيفَةَ مِنْكُمْ أَطَعْتُمُونِي، وَقَدَّسْتُمُونِي، وَلَمْ تَعْصُونِي، وَإِنْ جَعَلْتُهُ مِنْ غَيْرِكُمْ أَفْسَدَ فِيهَا، وَسَفَكَ الدِّمَاءَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَسْمَاءَ هَؤُلَاءِ وَأَنْتُمْ تُشَاهِدُونَهُمْ فَبِأَنْ لَا تَعْلَمُوا مَا يَكُونُ مِنْكُمْ وَمِنْ غَيْرِكُمْ وَهُوَ مُغَيَّبٌ عَنْكُمْ أَوْلَى وَأَحْرَى. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَرِوَايَةُ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: لَمَّا عَلَّمَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِخَلْقِ آدَمَ، وَاسْتِخْلَافِهِ وَ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: لِيَخْلُقْ رَبُّنَا مَا يَشَاءُ فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، وَأَعْلَمَ مِنْهُ. فَلَمَّا خَلَقَهُ وَأَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلِمُوا أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: إِنْ يَكُ خَيْرًا مِنَّا وَأَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَّا فَنَحْنُ أَعْلَمُ مِنْهُ. فَلَمَّا أُعْجِبُوا بِعِلْمِهِمُ ابْتُلُوا بِأَنْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إِنِّي لَا أَخْلُقُ أَكْرَمَ مِنْكُمْ وَلَا أَعْلَمَ مِنْكُمْ فَفَزِعُوا إِلَى التَّوْبَةِ، وَإِلَيْهَا يَفْزَعُ كُلُّ مُؤْمِنٍ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قَالَا: وَعَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ: الْخَيْلُ، وَالْبِغَالُ، وَالْإِبِلُ، وَالْجِنُّ، وَالْوَحْشُ، وَكُلَّ شَيْءٍ.

  47. التاريخ 47لا حكم مسجّل

    فلما أتم الله خلق آدم أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ. اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ. فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ؟ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فَلَمْ يَسْجُدْ كِبْرًا، وَبَغْيًا، وَحَسَدًا. فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ إِلَى قَوْلِهِ: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ. قياس إبليس لعنه الله قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: قَاسَ إِبْلِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَاسَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إِبْلِيسُ، وَمَا عُبِدَتِ الشَّمْسُ وَلَا الْقَمَرُ إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ. رَوَاهُمَا ابْنُ جُرَيْجٍ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ نَظَرَ نَفْسَهُ بِطَرِيقِ الْمُقَايَسَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ فَرَأَى نَفْسَهُ أَشْرَفَ مِنْ آدَمَ فَامْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ، مَعَ وُجُودِ الْأَمْرِ لَهُ وَلِسَائِرِ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ، وَالْقِيَاسُ إِذَا كَانَ مُقَابِلًا بِالنَّصِّ كَانَ فَاسِدَ الِاعْتِبَارِ، ثُمَّ هُوَ فَاسِدٌ فِي نَفْسِهِ فَإِنَّ الطِّينَ أَنْفَعُ وَخَيْرٌ مِنَ النَّارِ فَإِنَّ الطِّينَ فِيهِ ; الرَّزَانَةُ، وَالْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ، وَالنُّمُوُّ، وَالنَّارُ فِيهَا ; الطَّيْشُ، وَالْخِفَّةُ، وَالسُّرْعَةُ، وَالْإِحْرَاقُ. ثُمَّ آدَمُ شَرَّفَهُ اللَّهُ بِخَلْقِهِ لَهُ بِيَدِهِ، وَنَفْخِهِ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَلِهَذَا أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ إِبْلِيسَ وَمُعَاتَبَتِهِ، وَأَبَى إِلَّا الْمَعْصِيَةَ، وَأَوْقَعَ اللَّعْنَةَ، وَأَيْأَسَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَجَعَلَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. وقَالَ الشَّعْبِيُّ: أُنْزِلَ إِبْلِيسُ مُشْتَمِلَ الصَّمَّاءِ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ أَعْوَرَ فِي إِحْدَى رِجْلَيْهِ نَعْلٌ. وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ: نَزَلَ إِبْلِيسُ مُخْتَصِرًا فَلِذَلِكَ كُرِهَ الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمَّا أُنْزِلَ قَالَ: يَا رَبِّ، أَخْرَجْتَنِي مِنَ الْجَنَّةِ لِأَجْلِ آدَمَ، وَإِنِّي لَا أَقْوَى عَلَيْهِ إِلَّا بِسُلْطَانِكَ. قَالَ: فَأَنْتَ مُسَلَّطٌ. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: لَا يُولَدُ لَهُ وَلَدٌ إِلَّا وُلِدَ لَكَ مِثْلُهُ. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: صُدُورُهُمْ مَسَاكِنُ لَكَ، وَتَجْرِي مِنْهُمْ مَجْرَى الدَّمِ. قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ. قَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ، قَدْ أَنْظَرْتَهُ، وَسَلَّطْتَهُ عَلِيَّ، وَإِنَّنِي لَا أَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِكَ. قَالَ: لَا يُولَدُ لَكَ وَلَدٌ إِلَّا وَكَّلْتُ بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَأَزِيدُهَا، وَالسَّيِّئَةُ بِوَاحِدَةٍ، وَأَمْحُوهَا. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: التَّوْبَةُ لَا أَمْنَعُهَا مِنْ وَلَدِكَ مَا كَانَتْ فِيهِمُ الرُّوحُ. قَالَ: يَا رَبِّ، زِدْنِي. قَالَ: أَغْفِرُ وَلَا أُبَالِي. قَالَ: حَسْبِي. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ: إِيتِ أُولَئِكَ النَّفَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَأَتَاهُمْ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهُمْ. فَلَمَّا امْتَنَعَ إِبْلِيسُ مِنَ السُّجُودِ وَظَهَرَ لِلْمَلَائِكَةِ مَا كَانَ مُسْتَتِرًا عَنْهُمْ عَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. وقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ  أَوَّلُ مَنْ سَجَدَ لَهُ إِسْرَافِيلُ، فَأَثَابَهُ اللَّهُ بِأَنْ كَتَبَ الْقُرْآنَ فِي جَبْهَتِهِ  . وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، و ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا قَالَا: لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ، فَجَعَلَ إِبْلِيسَ عَلَى مُلْكِ سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَكَانَ مِنْ قَبِيلٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ، وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجِنَّ لِأَنَّهُمْ مِنْ خَزَنَةِ الْجَنَّةِ. وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَ مُلْكِهِ خَازِنًا فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ، وَقَالَ: مَا أَعْطَانِي اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِمَزِيَّةٍ لِي عَلَى الْمَلَائِكَةِ. فَاطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَكَانَ اسْمُهُ عَزَازِيلَ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَدَعَاهُ ذَلِكَ إِلَى الْكِبْرِ. وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي سَبَبِ كِبْرِهِ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ خَلْقًا، فَقَالَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَقَالُوا: لَا نَفْعَلُ. فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ خَلْقًا آخَرَ، فَقَالَ: إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ، فَاسْجُدُوا لِآدَمَ. فَأَبَوْا، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ، فَقَالَ: اسْجُدُوا لِآدَمَ. قَالُوا: نَعَمْ. وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ سَكَنُوا الْأَرْضَ، وَطَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَسَرَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ. وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فُسُوقُهُ مِنْ إِعْجَابِهِ بِنَفْسِهِ لِكَثْرَةِ عِبَادَتِهِ، وَاجْتِهَادِهِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ مِنَ الْجِنِّ.

  48. التاريخ 48لا حكم مسجّل

    إِسْكَانِ آدَمَ الْجَنَّةَ   فَلَمَّا ظَهَرَ لِلْمَلَائِكَةِ مِنْ مَعْصِيَةِ إِبْلِيسَ وَطُغْيَانِهِ مَا كَانَ مُسْتَتِرًا عَنْهُمْ وَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ بِتَرْكِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَأَصَرَّ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَأَقَامَ عَلَى غَيِّهِ، لَعَنَهُ اللَّهُ وَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَطَرَدَهُ مِنْهَا وَسَلَبَهُ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنْ مُلْكِ سَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضِ وَخَزْنِ الْجَنَّةِ، فَقَالَ اللَّهُ لَهُ: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَسْكَنَ آدَمَ الْجَنَّةَ.، فَمَا حَدَثَ أَبَاحَ آدَمَ جَمِيعَ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ سِوَى شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ  ، اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَقِيلَ: هِيَ الْحِنْطَةُ، وَقِيلَ: الْكَرْمَةُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ شَرَحْنَاهُ فِي التَّفْسِيرِ. وَمِمَّا حَدَثَ: مَا رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: لَمَّا أُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّةَ كَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ، فَسَأَلَهَا: مَا أَنْتِ؟ قَالَتِ امْرَأَةٌ، قَالَ: وَلِمَ خُلِقْتِ؟ قَالَتْ: تَسْكُنُ إِلَيَّ، قَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ عِلْمُهُ: مَا اسْمُهَا يَا آدَمُ ؟ قَالَ: حَوَّاءُ، قَالُوا: وَلِمَ سُمَّتْ حَوَّاءَ ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ قَالَ قَتَادَةُ: خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعٍ مِنْ أَضْلَاعِهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: خُلِقَتْ مِنْ قُصَيْرَى آدَمَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَغَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: أَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آدَمَ النَّوْمَ وَأَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحْمًا وَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ وَآدَمُ نَائِمٌ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَآهَا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: لَحْمِي، وَدَمِي، وَرُوحِي، فَسَكَنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا زَوَّجَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَ لَهُ سَكَنًا مِنْ نَفْسِهِ، قَالَ لَهُ: يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ. وَقَالَ فِي الْأَعْرَافِ: قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 18 - 19 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى [ طه: 116 - 119 ]. وَسِيَاقُ هَذِهِ الْآيَاتِ يَقْتَضِي أَنَّ خَلْقَ حَوَّاءَ  كَانَ قَبْلَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّةَ لِقَوْلِهِ: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. وَهَذَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَاتِ. الشجرة التي نهى آدم عن الأكل منها وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ  . فَقِيلَ هِيَ الْكَرْمُ. وَرَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ قَالَ: وَتَزْعُمُ يَهُودُ أَنَّهَا الْحِنْطَةُ. وقَالَ وَهْبٌ: وَالْحَبَّةُ مِنْهُ أَلْيَنُ مِنَ الزَّبَدِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. وعَنْ أَبِي مَالِكٍ: وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ. هِيَ النَّخْلَةُ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: هِيَ التِّينَةُ. وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَتْ شَجَرَةً مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ، وَلَا يَنْبَغِي فِي الْجَنَّةِ حَدَثٌ. وَهَذَا الْخِلَافُ قَرِيبٌ. وَقَدْ أَبْهَمَ اللَّهُ ذِكْرَهَا وَتَعْيِينَهَا، وَلَوْ كَانَ فِي ذِكْرِهَا مَصْلَحَةٌ تَعُودُ إِلَيْنَا لَعَيَّنَهَا لَنَا، كَمَا فِي غَيْرِهَا مِنَ الْمُحَالِّ الَّتِي تُبْهَمُ فِي الْقُرْآنِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي أَنَّ هَذِهِ الْجَنَّةَ الَّتِي أُسْكِنَهَا آدَمُ، هَلْ هِيَ فِي السَّمَاءِ أَوْ فِي الْأَرْضِ  ؟ هُوَ الْخِلَافُ الَّذِي يَنْبَغِي فَصْلُهُ وَالْخُرُوجُ مِنْهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا هِيَ الَّتِي فِي السَّمَاءِ، وَهِيَ جَنَّةُ الْمَأْوَى، لِظَاهِرِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [ الْبَقَرَةِ: 175 ]. وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لَيْسَتْ لِلْعُمُومِ، وَلَا لِمَعْهُودٍ لَفْظِيٍّ، وَإِنَّمَا تَعُودُ عَلَى مَعْهُودٍ ذِهْنِيٍّ، وَهُوَ الْمُسْتَقِرُّ شَرْعًا مِنْ جَنَّةِ الْمَأْوَى، وَكَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: عَلَامَ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ. الْحَدِيثَ. وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حِينَ تَزْلُفُ لَهُمُ الْجَنَّةُ فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ !. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَهَذَا فِيهِ قُوَّةٌ جَيِّدَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، وَلَيْسَتْ تَخْلُو عَنْ نَظَرٍ. وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْجَنَّةُ الَّتِي أُسْكِنَهَا آدَمُ  لَمْ تَكُنْ جَنَّةَ الْخُلْدِ ; لِأَنَّهُ كُلِّفَ فِيهَا أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وَلِأَنَّهُ نَامَ فِيهَا وَأَخْرَجَ مِنْهَا، وَدَخَلَ عَلَيْهِ إِبْلِيسُ فِيهَا، وَهَذَا مِمَّا يُنَافِي أَنْ تَكُونَ جَنَّةَ الْمَأْوَى. وَهَذَا الْقَوْلُ مَحْكِيٌّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ، وَالْقَاضِي مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَلُّوطِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَأُفْرِدَ لَهُ مُصَنَّفًا عَلَى حِدَةٍ، وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِمَامِ وَأَصْحَابِهِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ. وَنَقَلَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ ابْنُ خَطِيبِ الرَّيِّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَلْخِيِّ، وَأَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْبَهَانِيِّ. وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ نَصُّ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي " الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ " وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ، وَأَبُو عِيسَى الرُّمَّانِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ. وَحَكَى عَنِ الْجُمْهُورِ الْأَوَّلَ، وَأَبُو الْقَاسِمِ الرَّاغِبُ، وَالْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ: الجنة التي أسكناها آدم وحواء وَاخْتُلِفَ فِي الْجَنَّةِ الَّتِي أُسْكِنَاهَا يَعْنِي آدَمَ وَحَوَّاءَ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا جَنَّةُ الْخُلْدِ. الثَّانِي: جَنَّةٌ أَعَدَّهَا اللَّهُ لَهُمَا، وَجَعَلَهَا دَارَ ابْتِلَاءٍ، وَلَيْسَتْ جَنَّةَ الْخُلْدِ الَّتِي جَعَلَهَا دَارَ جَزَاءٍ. وَمَنْ قَالَ: بِهَذَا اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا فِي السَّمَاءِ، لِأَنَّهُ أَهْبَطَهُمَا مِنْهَا. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ امْتَحَنَهُمَا فِيهَا بِالنَّهْيِ عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَيَا عَنْهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الثِّمَارِ. وَهَكَذَا قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ مِنْ ذَلِكَ، هَذَا كَلَامُهُ. فَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ حِكَايَةَ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ، وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ أَنَّهُ مُتَوَقِّفٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَلِهَذَا حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ، هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمَاوَرْدِيُّ وَرَابِعُهَا: الْوَقْفُ. وَرَجَّحَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَحَكَى الْقَوْلَ بِأَنَّهَا فِي السَّمَاءِ وَلَيْسَتْ جَنَّةَ الْمَأْوَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ. وَقَدْ أَوْرَدَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثَّانِي سُؤَالًا يَحْتَاجُ مِثْلُهُ إِلَى جَوَابٍ فَقَالُوا: لَا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى طَرَدَ إِبْلِيسَ حِينَ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ عَنِ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا وَالْهُبُوطِ مِنْهَا، وَهَذَا الْأَمْرُ لَيْسَ مِنَ الْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ مُخَالَفَتُهُ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ قَدَرِيٌّ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلِهَذَا قَالَ: اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا [ الْأَعْرَافِ: 18 ]. وَقَالَ: اهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا [ الْأَعْرَافِ: 13 ]. وَقَالَ: اخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [ الْحِجْرِ: 34 ]. وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ أَوِ السَّمَاءِ أَوِ الْمَنْزِلَةِ، وَأَيًّا مَا كَانَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْكَوْنُ بَعْدَ هَذَا فِي الْمَكَانِ الَّذِي طُرِدَ عَنْهُ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْرَارِ، وَلَا عَلَى سَبِيلِ الْمُرُورِ وَالِاجْتِيَازِ. قَالُوا: وَمَعْلُومٌ مِنْ ظَاهِرِ سِيَاقَاتِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ وَسْوَسَ لِآدَمَ وَخَاطَبَهُ بِقَوْلِهِ لَهُ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [ طه: 120 ]. وَبِقَوْلِهِ: مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ [ الْأَعْرَافِ: 20 21 ]. الْآيَةَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اجْتِمَاعِهِ مَعَهُمَا فِي جَنَّتِهِمَا، وَقَدْ أُجِيبُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَجْتَمِعَ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمُرُورِ فِيهَا لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْرَارِ بِهَا، أَوْ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. وَفِي الثَّلَاثَةِ نَظَرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا احْتُضِرَ اشْتَهَى قِطْفًا مِنْ عِنَبِ الْجَنَّةِ، فَانْطَلَقَ بَنُوهُ لِيَطْلُبُوهُ لَهُ، فَلَقِيَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فَقَالُوا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا بَنِي آدَمَ ؟ فَقَالُوا: إِنَّ أَبَانَا اشْتَهَى قِطْفًا مِنْ عِنَبِ الْجَنَّةِ. فَقَالُوا لَهُمْ: ارْجِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ فَانْتَهَوْا إِلَيْهِ فَقَبَضُوا رُوحَهُ، وَغَسَّلُوهُ، وَحَنَّطُوهُ، وَكَفَّنُوهُ، وَصَلَّى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَبَنُوهُ خَلْفَ الْمَلَائِكَةِ، وَدَفَنُوهُ. وَقَالُوا: هَذِهِ سُنَّتُكُمْ فِي مَوْتَاكُمْ. قَالُوا: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ الْوُصُولُ إِلَى الْجَنَّةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا آدَمُ الَّتِي اشْتَهَى مِنْهَا الْقِطْفُ مُمْكِنًا لَمَا ذَهَبُوا يَطْلُبُونَ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي الْأَرْضِ لَا فِي السَّمَاءِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالُوا: وَالِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي قَوْلِهِ: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. لَمْ يَتَقَدَّمْ عَهْدٌ يُعُودُ عَلَيْهِ، فَهُوَ الْمَعْهُودُ الذِّهْنِيُّ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنْ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ فَإِنَّ آدَمَ خُلِقَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ. وَخُلِقَ لِيَكُونَ فِي الْأَرْضِ، وَبِهَذَا أَعْلَمَ الرَّبُّ الْمَلَائِكَةَ حَيْثُ قَالَ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. قَالُوا: وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ [ الْقَلَمِ: 17 ]. فَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لَيْسَ لِلْعُمُومِ، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ مَعْهُودٌ لَفْظِيٌّ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَهُوَ الْبُسْتَانُ. قَالُوا: وَذِكْرُ الْهُبُوطِ لَا يَدُلُّ عَلَى النُّزُولِ مِنَ السَّمَاءِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [ هُودٍ: 48 ]. الْآيَةَ. وَإِنَّمَا كَانَ فِي السَّفِينَةِ حِينَ اسْتَقَرَّ عَلَى الْجُودِيِّ وَنَضَبَ الْمَاءُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، أُمِرَ أَنْ يَهْبِطَ إِلَيْهَا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مُبَارَكًا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ [ الْبَقَرَةِ: 61 ]. الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ الْبَقَرَةِ: 74 ]. الْآيَةَ. وَفِي الْأَحَادِيثِ وَاللُّغَةِ مِنْ هَذَا كَثِيرٌ. قَالُوا: وَلَا مَانِعَ، بَلْ هُوَ الْوَاقِعُ، أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي أُسْكِنَهَا آدَمُ كَانَتْ مُرْتَفِعَةً عَنْ سَائِرِ بِقَاعِ الْأَرْضِ ذَاتِ أَشْجَارٍ، وَثِمَارٍ، وَظِلَالٍ، وَنَعِيمٍ، وَنَضْرَةٍ، وَسُرُورٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى [ طه: 118 ]. أَيْ لَا يُذَلُّ بَاطِنُكَ بِالْجُوعِ، وَلَا ظَاهِرُكَ بِالْعُرْيِ: وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى [ طه: 119 ]. أَيْ لَا يَمَسُّ بَاطِنَكَ حَرُّ الظَّمَأِ، وَلَا ظَاهِرَكَ حَرُّ الشَّمْسِ، وَلِهَذَا قَرَنَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا، وَبَيْنَ هَذَا وَهَذَا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُقَابَلَةِ. فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ مَا كَانَ مِنْ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا أُهْبِطَ إِلَى أَرْضِ الشَّقَاءِ، وَالتَّعَبِ، وَالنَّصَبِ، وَالْكَدَرِ، وَالسَّعْيِ، وَالنَّكَدِ، وَالِابْتِلَاءِ، وَالِاخْتِبَارِ، وَالِامْتِحَانِ، وَاخْتِلَافِ السُّكَّانِ ; دِينًا، وَأَخْلَاقًا، وَأَعْمَالًا، وَقُصُودًا، وَإِرَادَاتٍ، وَأَقْوَالًا، وَأَفْعَالًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [ الْبَقَرَةِ: 36 ]. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [ الْإِسْرَاءِ: 204 ]. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا فِيهَا لَمْ يَكُونُوا فِي السَّمَاءِ. قَالُوا: وَلَيْسَ هَذَا الْقَوْلُ مُفَرَّعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُنْكِرُ وُجُودَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْيَوْمَ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، فَكُلُّ مَنْ حُكِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ السَّلَفِ، وَأَكْثَرِ الْخَلَفِ مِمَّنْ يُثْبِتُ وُجُودَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْيَوْمَ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، كَمَا سَيَأْتِي إِيرَادُهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  49. التاريخ 49لا حكم مسجّل

    احْتِيَالُ إِبْلِيسَ فِي الدُّخُولِ إِلَى الْجَنَّةِ لِاسْتِذْلَالِ آدَمَ  . فَلَمَّا أَسْكَنَ اللَّهُ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ الْجَنَّةَ أَطْلَقَ لَهُمَا أَنْ يَأْكُلَا كُلَّ مَا أَرَادَا مِنْ كُلِّ ثِمَارِهِ غَيْرَ ثَمَرَةِ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، ابْتِلَاءً مِنْهُ لَهُمَا وَلِيَمْضِيَ قَضَاؤُهُ فِيهِمَا وَفِي ذُرِّيَّتِهِمَا. فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ. وَكَانَ سَبَبُ وُصُولِهِ إِلَيْهِمَا أَنَّهُ أَرَادَ دُخُولَ الْجَنَّةِ فَمَنَعَتْهُ الْخَزَنَةُ، فَأَتَى كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا أَنَّهَا تَحْمِلُهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ لِيُكَلِّمَ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ. فَكُلُّ الدَّوَابِّ أَبَى عَلَيْهِ حَتَّى أَتَى الْحَيَّةَ، وَقَالَ لَهَا: أَمْنَعُكِ مِنِ ابْنِ آدَمَ، فَأَنْتِ فِي ذِمَّتِي إِنْ أَنْتِ أَدْخَلْتِنِي، فَجَعَلَتْهُ بَيْنَ نَابَيْنِ مِنْ أَنْيَابِهَا، ثُمَّ دَخَلَتْ بِهِ، وَكَانَتْ كَاسِيَةً عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ مِنْ أَحْسَنِ دَابَّةٍ خَلْقَهَا اللَّهُ كَأَنَّهَا بُخْتِيَّةٌ، فَأَعْرَاهَا اللَّهُ وَجَعَلَهَا تَمْشِي عَلَى بَطْنِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْتُلُوهَا حَيْثُ وَجَدْتُمُوهَا وَاخْفِرُوا ذِمَّةَ عَدُوِّ اللَّهِ فِيهَا. فَلَمَّا دَخَلَتِ الْحَيَّةُ الْجَنَّةَ خَرَجَ إِبْلِيسُ مِنْ فِيهَا فَنَاحَ عَلَيْهِمْا نِيَاحَةً أَحْزَنَتْهُمَا حِينَ سَمِعَاهَا، فَقَالَا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ: أَبْكِي عَلَيْكُمَا تَمُوتَانِ فَتُفَارِقَانِ مَا أَنْتُمَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْكَرَامَةِ. فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمَا. ثُمَّ أَتَاهُمَا فَوَسْوَسَ لَهُمَا وَقَالَ: يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى، وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ قُولُ: مَا نَهَاكُمَا عَنْ أَكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنَّ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ. أَيْ: وَلَوْ أَكَلْتُمَا مِنْهَا لَصِرْتُمَا كَذَلِكَ: وَقَاسَمَهُمَا. أَيْ: حَلَفَ لَهُمَا عَلَى ذَلِكَ: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [ الْأَعْرَافِ: 21 ]. كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى [ طه: 120 ]. أَيْ: هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي إِذَا أَكَلْتَ مِنْهَا حَصَلَ لَكَ الْخُلْدُ فِيمَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، وَاسْتَمْرَرْتَ فِي مُلْكٍ لَا يَبِيدُ وَلَا يَنْقَضِي ؟ وَهَذَا مِنَ التَّغْرِيرِ وَالتَّزْوِيرِ وَالْإِخْبَارِ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ وَالْمَقْصُودُ أَنَّ قَوْلَهُ: شَجَرَةِ الْخُلْدِ. الَّتِي إِذَا أَكَلْتَ مِنْهَا خَلَّدْتَ. وَقَدْ تَكُونُ هِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي الضَّحَّاكِ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا ; شَجَرَةُ الْخُلْدِ. قَالَ غُنْدَرٌ: قُلْتُ لِشُعْبَةَ: هِيَ شَجَرَةُ الْخُلْدِ. قَالَ: لَيْسَ فِيهَا هِيَ. تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَقَوْلُهُ: فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [ الْأَعْرَافِ: 22 ]. كَمَا قَالَ فِي طه: فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ. وَكَانَ انْفِعَالُ حَوَّاءَ لِوَسْوَسَتِهِ أَعْظَمَ، فَدَعَاهَا آدَمُ لِحَاجَتِهِ. فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ هَهُنَا. فَلَمَّا أَتَى قَالَتْ: لَا ! إِلَّا أَنْ تَأْكُلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وَهِيَ الْحِنْطَةُ. قَالَ: فَأَكَلَا مِنْهَا، فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا، وَكَانَ لِبَاسُهُمَا الظَّفْرَ، فَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمْا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، قِيلَ: كَانَ وَرَقَ التِّينِ، وَكَانَتِ الشَّجَرَةُ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ. وَذَهَبَ آدَمُ هَارِبًا فِي الْجَنَّةِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: أَنْ يَا آدَمُ مِنِّي تَفِرُّ ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ حَيَاءً مِنْكَ. فَقَالَ: يَا آدَمُ، مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ ؟ قَالَ: مِنْ قِبَلِ حَوَّاءَ يَا رَبِّ. فَقَالَ اللَّهُ: فَإِنَّ عَلَيَّ أَنْ أُدْمِيَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ وَأَنْ أَجْعَلَهَا سَفِيهَةً، وَقَدْ كُنْتُ خَلَقْتُهَا حَلِيمَةً، وَأَنْ أَجْعَلَهَا تَحْمِلُ كُرْهًا وَتَضَعُ كُرْهًا وَتُشْرِفُ عَلَى الْمَوْتِ مِرَارًا، قَدْ كُنْتُ جَعَلْتُهَا تَحْمِلُ يُسْرًا وَتَضَعُ يُسْرًا، وَلَوْلَا بَلِيَّتُهَا لَكَانَ النِّسَاءُ لَا يَحِضْنَ، وَلَكُنَّ حَلِيمَاتٍ وَلَكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا، وَيَضَعْنَ يُسْرًا. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: لَأَلْعَنَنَّ الْأَرْضَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْهَا لَعْنَةً يَتَحَوَّلُ بِهَا ثِمَارُهَا شَوْكًا. وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَنَّةِ وَلَا فِي الْأَرْضِ شَجَرَةٌ أَفْضَلَ مِنَ الطَّلْحِ وَالسِّدْرِ. وَقَالَ لِلْحَيَّةِ: دَخَلَ الْمَلْعُونُ فِي جَوْفِكِ حَتَّى غَرَّ عَبْدِي، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ لَعْنَةً يَتَحَوَّلُ بِهَا قَوَائِمُكِ فِي بَطْنِكِ، وَلَا يَكُونُ لَكِ رِزْقٌ إِلَّا التُّرَابَ. أَنْتِ عَدُوَّةُ بَنِي آدَمَ وَهُمْ أَعْدَاؤُكِ، حَيْثُ لَقِيتِ وَاحِدًا مِنْهُمْ أَخَذْتِ بِعَقِبِهِ وَحَيْثُ لَقِيَكِ شَدَخَ رَأْسَكِ، اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ: آدَمُ، وَإِبْلِيسُ، وَالْحَيَّةُ. فَأَهْبَطَهُمْ إِلَى الْأَرْضِ، وَسَلَبَ اللَّهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ كُلَّ مَا كَانَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَالْكَرَامَةِ. وكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا يَسْتَثْنِي: مَا أَكَلَ آدَمُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَهُوَ يَعْقِلُ، وَلَكِنَّ حَوَّاءَ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى إِذَا سَكِرَ قَادَتْهُ إِلَيْهَا فَأَكَلَ. قَالَ ابن الجوزي: وَفِي هَذَا بُعْدٌ مِنْ جِهَتَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ خَمْرَ الْجَنَّةِ لَا يُسْكِرُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: لا فِيهَا غَوْلٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ شُرْبُهُ مُبَاحًا لَهُ أَوْ مَحْظُورًا وَقَدْ حَظَرَهُ لِأَنَّ الظَّاهِرَ إِبَاحَتَهُ جَمِيعَ مَا فِي الْجَنَّةِ لَهُ سِوَى تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَمَنْ فَعَلَ الْمُبَاحَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا يُؤَثِّرُهُ، عَلَى أَنَّ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَفِيهِ مَقَالٌ.

  50. التاريخ 50لا حكم مسجّل

    إِخْرَاجُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ  : قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمَّا وَاقَعَ آدَمُ وَحَوَّاءُ الْخَطِيئَةَ أَخْرَجَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْجَنَّةِ وَسَلَبَهُمَا مَا كَانَا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ، وَأَهْبَطَهُمَا وَعَدُوَّيْهِمَا إِبْلِيسَ وَالْحَيَّةَ إِلَى الْأَرْضِ. قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [ الْأَعْرَافِ: 24 ]. وَهَذَا خِطَابٌ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِبْلِيسَ. قِيلَ: وَالْحَيَّةُ مَعَهُمْ. أُمِرُوا أَنْ يَهْبِطُوا مِنَ الْجَنَّةِ فِي حَالِ كَوْنِهِمْ مُتَعَادِينَ مُتَحَارِبِينَ، وَقَدْ يُسْتَشْهَدُ لِذِكْرِ الْحَيَّةِ مَعَهُمَا بِمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ. وَقَالَ مَا سَالَمْنَاهُنَّ مُنْذُ حَارَبْنَاهُنَّ. وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ طه: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [ طه: 123 ]. هُوَ أَمْرٌ لِآدَمَ وَإِبْلِيسَ وَمَا تَنَاسَلَ مِنْهُمَا عَدَاوَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، وَاسْتَتْبَعَ آدَمَ حَوَّاءُ، وَإِبْلِيسَ الْحَيَّةُ. وَقِيلَ: هُوَ أَمْرٌ لَهُمْ بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ. كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 78 ]. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ الْحَاكِمُ لَا يَحْكُمُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ مُدَّعٍ وَمُدَّعَى عَلَيْهِ. قَالَ: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ. وَأَمَّا تَكْرِيرُهُ الْإِهْبَاطَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ الْبَقَرَةِ: 36 39 ]. فَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْمُرَادُ بِالْإِهْبَاطِ الْأَوَّلِ الْهُبُوطُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَبِالثَّانِي مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْضِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ لِقَوْلِهِ فِي الْأَوَّلِ: وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أُهْبِطُوا إِلَى الْأَرْضِ بِالْإِهْبَاطِ الْأَوَّلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَرَّرَهُ لَفْظًا، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، وَنَاطَ مَعَ كُلِّ مَرَّةٍ حُكْمًا ; فَنَاطَ بِالْأَوَّلِ: عَدَاوَتَهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَبِالثَّانِي: الِاشْتِرَاطَ عَلَيْهِمْ أَنَّ مَنْ تَبِعَ هُدَاهُ الَّذِي يُنَزِّلُهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ السَّعِيدُ، وَمَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ الشَّقِيُّ، وَهَذَا الْأُسْلُوبُ فِي الْكَلَامِ لَهُ نَظَائِرُ فِي الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ مَلَكَيْنِ أَنْ يُخْرِجَا آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنْ جِوَارِهِ، فَنَزَعَ جِبْرِيلُ التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وَحَلَّ مِيكَائِيلُ الْإِكْلِيلَ عَنْ جَبِينِهِ، وَتَعَلَّقَ بِهِ غُصْنٌ فَظَنَّ آدَمُ أَنَّهُ قَدْ عُوجِلَ بِالْعُقُوبَةِ فَنَكَّسَ رَأْسَهُ يَقُولُ: الْعَفْوَ الْعَفْوَ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: فِرَارًا مِنِّي يَا آدَمُ. قَالَ: بَلْ حَيَاءً مِنْكَ يَا سَيِّدِي

  51. التاريخ 51لا حكم مسجّل

    احْتِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ  قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: حَاجَّ مُوسَى آدَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ بِذَنْبِكَ مِنَ الْجَنَّةِ وَأَشْقَيْتَهُمْ ! قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ! أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي، أَوْ قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. فَأَرَاهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: أَنْتَ آدَمُ ! فَقَالَ لَهُ آدَمُ: نَعَمْ. قَالَ: أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا، وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: أَنْتَ مُوسَى نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَنْتَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ فَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْقَضَاءُ بِهِ قَبْلُ ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. وَقَدِ اخْتَلَفَتْ مَسَالِكُ النَّاسِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَرَدَّهُ قَوْمٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ لِمَا تَضَمَّنَ مِنْ إِثْبَاتِ الْقَدَرِ السَّابِقِ. وَاحْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ مِنَ الْجَبْرِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَهُمْ بَادِيَ الرَّأْيِ ; حَيْثُ قَالَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. لَمَّا احْتَجَّ عَلَيْهِ بِتَقْدِيمِ كِتَابِهِ، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا حَجَّهُ لِأَنَّهُ لَامَهُ عَلَى ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّمَا حَجَّهُ لِأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْهُ وَأَقْدَمُ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ أَبُوهُ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُمَا فِي شَرِيعَتَيْنِ مُتَغَايِرَتَيْنِ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُمَا فِي دَارِ الْبَرْزَخِ، وَقَدِ انْقَطَعَ التَّكْلِيفُ فِيمَا يَزْعُمُونَهُ. وَالتَّحْقِيقُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ بَعْضُهَا مَرْوِيٌّ بِالْمَعْنَى وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمَدَارُ مُعْظَمِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا عَلَى أَنَّهُ لَامَهُ عَلَى إِخْرَاجِهِ نَفْسَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنَا لَمْ أُخْرِجْكُمْ، وَإِنَّمَا أَخْرَجَكُمُ الَّذِي رَتَّبَ الْإِخْرَاجَ عَلَى أَكْلِي مِنَ الشَّجَرَةِ، وَالَّذِي رَتَّبَ ذَلِكَ، وَقَدَّرَهُ وَكَتَبَهُ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْتَ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ لَيْسَ لَهُ نِسْبَةٌ إِلَيَّ أَكْثَرَ مَا أَنِّي نُهِيتُ عَنِ الْأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ مِنْهَا، وَكَوْنُ الْإِخْرَاجِ مُتَرَتِّبًا عَلَى ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِي، فَأَنَا لَمْ أُخْرِجْكُمْ وَلَا نَفْسِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ وَصُنْعِهِ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ فَلِهَذَا حَجَّ آدَمُ مُوسَى. وَمَنْ كَذَّبَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَمُعَانِدٌ لِأَنَّهُ مُتَوَاتِرٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ، وَنَاهِيكَ بِهِ عَدَالَةً وَحِفْظًا وَإِتْقَانًا، ثُمَّ هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَمَنْ تَأَوَّلَهُ بِتِلْكَ التَّأْوِيلَاتِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا فَهُوَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَمَا فِيهِمْ مَنْ هُوَ أَقْوَى مَسْلَكًا مِنَ الْجَبْرِيَّةِ. وَفِيمَا قَالُوهُ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَلُومُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ فَاعِلُهُ. الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا، وَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ [ الْقَصَصِ: 16 ]. الْآيَةَ، الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْجَوَابُ عَنِ اللَّوْمِ عَلَى الذَّنْبِ بِالْقَدَرِ الْمُتَقَدِّمِ كِتَابَتُهُ عَلَى الْعَبْدِ لَانْفَتَحَ هَذَا لِكُلِّ مَنْ لِيمَ عَلَى أَمْرٍ قَدْ فَعَلَهُ، فَيَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ السَّابِقِ، فَيَنْسَدُّ بَابُ الْقِصَاصِ وَالْحُدُودِ، وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَاحْتَجَّ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ فِي الْأُمُورِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى لَوَازِمَ فَظِيعَةٍ. فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّ جَوَابَ آدَمَ إِنَّمَا كَانَ احْتِجَاجًا بِالْقَدَرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ لَا الْمَعْصِيَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

  52. التاريخ 52لا حكم مسجّل

    مِقْدَارِ مُكْثِ آدم عليه السلام فِي الْجَنَّةِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: مَكَثَ فِي الْجَنَّةِ خُمْسَ سَاعَةٍ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّهُ خُلِقَ آخِرَ النَّهَارِ مِنْ يَوْمِ الْجُمْعَةِ، فَعَلَى هَذِهِ يَكُونُ فِي السَّاعَةِ الْأَخِيرَةِ فَمَكَثَ جَسَدًا أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ سِنِيِّهَا، كَانَ مُكْثُهُ فِي السَّمَاءِ بَعْدَ تَصْوِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ إِلَى أَنْ أَصَابَ الْخَطِيئَةَ وَأُهْبِطَ، ثَلَاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي لَبِثَهَا آدَمُ فِي الْجَنَّةِ مِقْدَارَ أَرْبَعِينَ وَمِائَةً [مِنْ] سِنِينِكُمْ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ هُوَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَكَثَ آدَمُ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ عَامٍ، وَفِي رِوَايَةٍ سِتِّينَ عَامًا، وَبَكَى عَلَى الْجَنَّةِ سَبْعِينَ عَامًا، وَعَلَى خَطِيئَتِهِ سَبْعِينَ عَامًا، وَعَلَى وَلَدِهِ حِينَ قُتِلَ أَرْبَعِينَ عَامًا. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَقِيلَ: كَانَ مُكْثُهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ أَرَادَ أَنَّهُ سَكَنَ الْفِرْدَوْسَ لِسَاعَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ عَلَى مَا هِيَ بِهِ الْيَوْمَ، فَلَمْ يَبْعُدْ قَوْلُهُ مِنَ الصَّوَابِ لِأَنَّ الْأَخْبَارَ كَذَا كَانَتْ وَارِدَةً عَنِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَنَّ آدَمَ خُلِقَ آخِرَ سَاعَةٍ مِنَ الْيَوْمِ السَّادِسِ الَّتِي مِقْدَارُ الْيَوْمِ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِنَا، فَمَعْلُومٌ أَنَّ السَّاعَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ عَامًا مِنْ أَعْوَامِنَا، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ آدَمَ بَعْدَ أَنْ خَمَّرَ رَبُّنَا طِينَتَهُ بَقِيَ قَبْلَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَنَى بِهِ أَعْوَامَنَا، ثُمَّ بَعْدَ أَنْ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ إِلَى أَنْ تَنَاهَى أَمْرُهُ، وَأُسْكِنَ الْجَنَّةَ، وَأُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ، غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ ذَلِكَ مِنْ سِنِينِنَا قَدْرَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهُ سَكَنَ الْجَنَّةَ لِسَاعَتَيْنِ مَضَتَا مِنْ نَهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنَ الْأَيَّامِ الَّتِي مِقْدَارُ الْيَوْمِ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِنَا، فَقَدْ قَالَ غَيْرَ الْحَقِّ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ قَوْلٌ فِي ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إِنَّهُ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ آخِرَ نَهَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مُكْثَ آدَمَ كَانَ فِي الْجَنَّةِ نِصْفَ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ، وَهَذَا أَيْضًا خِلَافُ مَا وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الْعُلَمَاءِ.

  53. التاريخ 53لا حكم مسجّل

    الْوَقْتِ الَّذِي أُخْرِجَ فِيهِ آدم من الجنة رَوَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ خُلِقَ آَدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ"  . وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ آدَمَ أُخْرِجَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ أُسْكِنَ وَأُخْرِجَ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ سَاعَاتِ ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأُهْبِطَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ لِلسَّاعَةِ التَّاسِعَةِ، أَوِ الْعَاشِرَةِ مِنْهُ، وَأُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ لِتِسْعِ سَاعَاتٍ مَضَيْنَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ،

  54. التاريخ 54لا حكم مسجّل

    الْمَوْضِعِ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ آدَمُ، وَحَوَّاءُ مِنَ الْأَرْضِ   قِيلَ: ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْبَطَ آدَمَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي خَلَقَهُ فِيهِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَعَ زَوْجَتِهِ حَوَّاءَ مِنَ السَّمَاءِ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا دَحْنَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ. فقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ: أُهْبِطَ بِالْهِنْدِ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُهْبِطَ عَلَى جَبَلٍ بِالْهِنْدِ يُقَالُ لَهُ نَوْدٌ. وَحَوَّاءُ بِجُدَّةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَجَاءَ فِي طَلَبِهَا فَكَانَ كُلَّمَا وَضَعَ قَدَمَهُ بِمَوْضِعٍ صَارَ قَرْيَةً، وَمَا بَيْنَ خُطْوَتَيْهِ مَفَاوِزُ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا فَازْدَلَفَتْ إِلَيْهِ حَوَّاءُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةَ، وَتَعَارَفَا بِعَرَفَاتٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ، وَاجْتَمَعَا بِجَمْعٍ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ جَمْعًا. وَأُهْبِطَتِ الْحَيَّةُ بِأَصْفَهَانَ، وَإِبْلِيسُ بِمَيْسَانَ. وَقِيلَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالْبَرِّيَّةِ، وَإِبْلِيسُ بِالْأُبُلَّةِ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مَا لَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ إِلَّا بِخَبَرٍ يَجِيءُ مَجِيءَ الْحُجَّةِ، وَلَا نَعْلَمُ خَبَرًا فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا وَرَدَ فِي هُبُوطِ آدَمَ بِالْهِنْدِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَدْفَعُ صِحَّتَهُ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أُهْبِطَ آدَمُ عَلَى جَبَلِ نَوْذٍ كَانَتْ رِجْلَاهُ تَمَسَّانِ الْأَرْضَ وَرَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ يَسْمَعُ تَسْبِيحَ الْمَلَائِكَةِ، فَكَانَتْ تَهَابُهُ، فَسَأَلَتِ اللَّهَ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ طُولِهِ فَنَقَصَ طُولَهُ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَحَزِنَ آدَمُ لِمَا فَاتَهُ مِنَ الْأُنْسِ بِأَصْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَتَسْبِيحِهِمْ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، كُنْتُ جَارَكَ فِي دَارِكَ لَيْسَ لِي رَبٌّ غَيْرَكَ أَدْخَلْتَنِي جَنَّتَكَ آكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُ، وَأَسْكُنُ حَيْثُ شِئْتُ، فَأَهْبَطْتَنِي إِلَى الْجَبَلِ الْمُقَدَّسِ فَكُنْتُ أَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْمَلَائِكَةِ وَأَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ، فَحَطَطْتَنِي إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا، فَقَدِ انْقَطَعَ عَنِّي الصَّوْتُ، وَالنَّظَرُ، وَذَهَبَتْ عَنِّي رِيحُ الْجَنَّةِ ! فَأَجَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بِمَعْصِيَتِكَ يَا آدَمُ فَعَلْتُ بِكَ ذَلِكَ.

  55. التاريخ 55لا حكم مسجّل

    مَا هَبَطَ مَعَهُ مِنَ الْجَنَّةِ   قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: لَمَّا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ زَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِهَا، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ ثِمَارِهَا. غَيْرَ هَذِهِ تَتَغَيَّرُ، وَتِلْكَ لَا تَتَغَيَّرُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ حِينَ أُخْرِجُ لَا يَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلَّا عَبَثَ بِهِ، فَقِيلَ لِلْمَلَائِكَةِ: دَعُوهُ فَلْيَتَزَوَّدْ مِنْهَا مَا شَاءَ، فَنَزَلَ بِالْهِنْدِ، وَإِنَّ هَذَا الطِّيبَ الَّذِي يُجَاءُ بِهِ مِنَ الْهِنْدِ مِمَّا خَرَجَ بِهِ آدَمُ. وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: نَزَلَ آدَمُ مَعَهُ رِيحُ الْجَنَّةِ فَعَلِقَ بِشَجَرِهَا وَأَوْدِيَتِهَا – يَعْنِي الْهِنْدَ - وَأُنْزِلَ مَعَهُ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَكَانَ أَشَدَّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ  ، وَعَصَا مُوسَى، وَكَانَتْ مِنْ آسِ الْجَنَّةِ، طُولُهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، وَمُرٌّ، وَلُبَانٌ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أُخْرِجَ وَمَعَهُ غُصْنٌ مَنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ أَوْ إِكْلِيلٌ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أُهْبِطَ آدَمُ عَلَى جَبَلٍ بِالْهِنْدِ وَعَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلٌ مِنْ [شَجَرِ] الْجَنَّةِ فَعَبِقَ رِيحُ ذَلِكَ الْإِكْلِيلِ بِشَجَرِ ذَلِكَ الْجَبَلِ فَصَارَ طِيبًا. وعن أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرِّ، قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالْهِنْدِ فِي جَزِيرَةِ سَرَنْدِيبَ عَلَى جَبَلٍ يُدْعَى نَوْذُ، وَعَلَى آدَمَ الْوَرَقُ الَّذِي خَصَفَهُ فَيَبِسَ فَتَحَاتَّ فَنَبَتَ مِنْهُ أَنْوَاعُ الطِّيبِ وَالثِّمَارِ، فَعَلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ: الْعُودُ، وَالسُّنْبُلُ، وَالْقَرَنْفُلُ، وَالْأَفَاوَيْهِ، وَدَابَّةُ الْمِسْكِ، وَدَابَّةُ الزَّبَادِ، وَحَوْلَ الْجَبَلِ الْيَاقُوتُ، وَفِي وَادِيهِ الْمَاسُ، وَفِي أَرْضِ تِلْكَ الْجَزِيرَةِ السَّفَاذِجُ، وَفِي أَنْهَارِهَا الْبَلُّورُ، وَفِي بَحْرِهَا اللُّؤْلُؤُ. وَأُخْرِجَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ مَعَهُ صُرَّةُ حِنْطَةٍ، وَثَلَاثِينَ نَصِيبًا مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ  ، عَشَرَةٌ فِي الْقُشُورِ: الْجَوْزُ، وَاللَّوْزُ، وَالْفُسْتُقُ، وَالْبُنْدُقُ، وَالْخَشْخَاشُ، وَالْبَلُّوطُ، وَالشَّاهْبَلُّوطُ، وَالْجَوْزُ الْهِنْدِيُّ، وَالرُّمَّانُ، وَالْمَوْزُ. وَعَشَرَةٌ لَهَا نَوًى: الْخَوْخُ، وَالْمِشْمِشُ وَالْإِجَّاصُ، وَالرُّطَبُ، وَالْغُبَيْرَاءُ، وَالنَّبْقُ، وَالزُّعْرُورُ، وَالْعُنَّابُ، وَالْمَقْلُ وَالشَّامَلُّوكُ. وَعَشَرَةٌ لَا قُشُورَ لَهَا وَلَا نَوًى: التُّفَّاحُ، وَالسَّفَرْجَلُ، وَالْكُمَّثْرَى، وَالْعِنَبُ، وَالتُّوتُ، وَالتِّينُ، وَالْأُتْرُجُّ، وَالْخَرُّوبُ، وَالْخِيَارُ، وَالْبِطِّيخُ. وَأُنْزِلَ عَلَى آدَمَ مِنَ الصُّحُفِ إِحْدَى وَعِشْرُونَ صَحِيفَةً  ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِ الْمَيِّتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَفُرِضَ عَلَيْهِ صَلَاةُ خَمْسِينَ رَكْعَةً. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ حَزِنَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ جَاوَرَهُ إِلَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا: جَاوَرْتُكُمَا بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِي، ثُمَّ أُهْبِطُهُ مِنْ جِوَارِكُمَا، فَحَزِنَ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا أَنْتُمَا، قَالَا: إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا، أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ جَاوَرْتَنَا بِهِ وَهُوَ لَكَ مُطِيعٌ، فَلَمَّا عَصَاكَ لَمْ نُحِبَّ أَنْ نَحْزَنَ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهُمَا: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُعِزَّنَّكُمَا حَتَّى لَا يُنَالَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا بِكُمَا". وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ إِلَّا حُوتٌ وَنَسْرٌ، فَكَانَ النَّسْرُ إِذَا أَمْسَى آوَى إِلَى الْحُوتِ فَيَبِيتُ عِنْدَهُ، فَلَمَّا رَأَى النَّسْرُ آدَمَ أَتَى إِلَى الْحُوتِ، فَقَالَ: يَا حُوتُ قَدْ أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ شَيْءٌ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْهِ وَيَبْطِشُ بِيَدِهِ، فَقَالَتْ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَمَا لِي فِي الْبَحْرِ مَهْرَبٌ، وَلَا لَكَ فِي الْبَرِّ مَهْرَبٌ. يُرِيدُ أَنَّهُ يَحْتَالُ عَلَيْهِمَا. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَائِيلَ بِصُرَّةٍ فِيهَا حِنْطَةٌ، فَقَالَ آدَمُ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنَ الْجَنَّةِ فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهِ ؟ فَقَالَ: انْثُرْهُ فِي الْأَرْضِ. فَفَعَلَ، فَأَنْبَتَهُ اللَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ، ثُمَّ حَصَدَهُ، وَجَمَعَهُ، وَفَرَكَهُ، وَذَرَاهُ، وَطَحَنَهُ، وَعَجَنَهُ، وَخَبَزَهُ، كُلُّ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِ جَبْرَائِيلَ، وَجَمَعَ لَهُ جَبْرَائِيلُ الْحَجَرَ وَالْحَدِيدَ، فَقَدَحَهُ، فَخَرَجَتْ مِنْهُ النَّارُ، وَعَلَّمَهُ جَبْرَائِيلُ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ، وَالْحِرَاثَةَ، وَأَنْزَلَ إِلَيْهِ ثَوْرًا، فَكَانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ، قِيلَ هُوَ الشَّقَاءُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَ آدَمُ بِالْهِنْدِ، وَنَزَلَ مَعَهُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَبِقَبْضَةٍ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ، فَبَثَّهُ فِي الْهِنْدِ فَنَبَتَتْ شَجَرَةُ الطِّيبِ هُنَاكَ.

  56. التاريخ 56لا حكم مسجّل

    مَا حَدَثَ وَآدَمُ فِي الْأَرْضِ   فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ آدَمَ حِينَ نَزَلَ شَكَى حَالَهُ: فَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا رَأَى اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عُرْيَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَمَرَهُ أَنْ يَذْبَحَ كَبْشًا مِنَ الضَّأْنِ [مِنَ] الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ، فَذَبَحَهُ ثُمَّ أَخَذَ صُوفَهُ فَغَزَلَتْهُ حَوَّاءُ فَنَسَجَ آدَمُ جُبَّةً لِنَفْسِهِ، وَجَعَلَ لِحَوَّاءَ دِرْعًا وَخِمَارًا، فَلَبِسَا ذَلِكَ. وَقِيلَ: أَرْسَلَ إِلَيْهِمَا مَلَكًا يُعَلِّمُهُمَا مَا يَلْبَسَانِهِ مِنْ جُلُودِ الضَّأْنِ، وَالْأَنْعَامِ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ لِبَاسَ أَوْلَادِهِ، وَأَمَّا هُوَ وَحَوَّاءُ فَكَانَ لِبَاسُهُمَا مَا كَانَا خَصْفًا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْدُ الْعِلَاوَةَ، وَالْمِطْرَقَةَ، وَالْكَلْبَتَانَ، فَنَظَرَ إِلَى قَضِيبٍ نَابِتٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَأَخَذَهُ، فَجَعَلَ يَكْسِرُ أَشْجَارًا قَدْ يَبِسَتْ بِالْمِطْرَقَةِ، ثُمَّ أَوْقَدَ عَلَى ذَلِكَ الْغُصْنِ حَتَّى ذَابَ، [فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ] ضَرَبَهُ مُدْيَةً، فَكَانَ يَعْمَلُ بِهَا، ثُمَّ ضَرَبَ التَّنُّورَ الَّذِي وَرِثَهُ نُوحٌ، وَنَفَرَتْ مِنْهُ الْوُحُوشُ إِلَى الْبَرِّ، وَكَانَ لِبَاسُهُمَا مِنْ جُلُودِ الضَّأْنِ وَالسِّبَاعِ. وَرَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى آدَمَ بِالْجَلَمِ، وَأَمْرَهُ أَنْ يَجُزَّ الشَّاةَ، فَفَعَلَ فَغَزَلَتْهُ حَوَّاءُ وَحَاكَهُ آدَمُ فَاتَّخَذَ مِنْهُ عَبَاءَةً لِنَفْسِهِ وَأُخْرَى لِحَوَّاءَ. وَرَوَى عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى آدَمَ بِالثَّوْرَيْنِ وَصَمَدَهُمَا لَهُ وَأَمْرَهُ بِالزِّرَاعَةِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: عَلَّمَ آدَمَ صَنْعَةَ الْحَدِيدِ، وَأُمِرَ بِالْحَرْثَ فَحَرَثَ وَزَرَعَ ثُمَّ سَقَى حَتَّى إِذَا بَلَغَ حَصَدَهُ، ثُمَّ دَاسَهُ، ثُمَّ طَحَنَهُ. ثُمَّ عَجَنَهُ، ثُمَّ خَبَزَهُ، ثُمَّ أَكَلَهُ، فَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ. قَالَ سَعِيدٌ: وَأُهْبِطَ إِلَى آدَمَ ثَوْرٌ أَحْمَرُ فَكَانَ يَحْرُثُ عَلَيْهِ، وَيَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ. وَحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ آخَرِينَ، قَالُوا: جَاعَ آدَمُ فَاسْتَطْعَمَ رَبَّهُ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِسَبْعِ حَبَّاتٍ مِنْ حِنْطَةٍ فَوَضَعَهَا فِي يَدِهِ، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِهَذَا، قَالَ: تَتْرُكُهُ فِي الْأَرْضِ، فَفَعَلَ فَأَنْبَتَهُ اللَّهُ مِنْ سَاعَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَحَصَدَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَجَمَعَهُ وَفَرَكَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَذْرِيَهُ، ثُمَّ أَتَاهُ بِحَجَرَيْنِ فَطَحَنَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَخْبِزَهُ مَلَّةً. [إِنْ عَجَنَهُ]، وَجَمَعَ لَهُ جِبْرِيلُ الْحَجَرَ وَالْحَدِيدَ فَقَدَحَهُ، فَخَرَجَتِ النَّارُ، فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَبَزَ  الْمَلَّةَ.

  57. التاريخ 57لا حكم مسجّل

    ثم أَخَذَ آدَمَ فِي الْبُكَاءِ إِلَى أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَكَى آدَمُ وَحَوَّاءُ عَلَى مَا فَاتَهُمَا مِنْ نَعَمِ الْجَنَّةُ  مِائَتَيْ سَنَةٍ، لَمْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَشْرَبَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَلَمْ يَقْرُبْ آدَمُ حَوَّاءَ مِائَةَ سَنَةٍ. عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ [مِنَ] الْجَنَّةِ فَبَكَى ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْمَرْأَةِ وَلَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا. وعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى آدَمَ: يَا آدَمُ مَا هَذِهِ الْكَآبَةُ الَّتِي بِوَجْهِكَ وَالْبَلِيَّةُ الَّتِي قَدْ أَحَاطَتْ بِكَ؟ قَالَ: خُرُوجِي مِنْ دَارِ الْبَقَاءِ إِلَى دَارِ الْفَنَاءِ، مِنْ دَارِ النِّعَمِ إِلَى دَارِ الشَّقَاءِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ آدَمَ سَجَدَ سَجْدَةً عَلَى جَبَلِ الْهِنْدِ مِائَةَ عَامٍ يَبْكِي حَتَّى جَرَتِ دُمُوعُهُ فِي وَادِي سَرَنْدِيبَ، فَأَنْبَتَ اللَّهُ لِذَلِكَ الْوَادِي مِنْ دُمُوعِ آدَمَ الدَّارَ صِينِيَّ وَالْقَرَنْفُلَ، وَجَعَلَ طَيْرَ ذَلِكَ الْوَادِي الطَّوَاوِيسَ، ثُمَّ إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا آدَمُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَسَارَ آدَمُ إِلَى الْبَيْتِ لِيَحُجَّهُ، وَيَتُوبَ عِنْدَهُ، فأَتَى الْبَيْتَ فَطَافَ أُسْبُوعًا فَمَا أَتَمَّهُ حَتَّى خَاضَ فِي دُمُوعِهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ أَتَى مَوْضِعَ الْمَقَامِ وَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَبَكَى حَتَّى جَرَتْ دُمُوعُهُ عَلَى الْأَرْضِ. قبول توبة آدم قُلْتُ: وَكَانَ السَّبَبُ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ آدَمَ  أَنَّهُ تَلَقَّى كَلِمَاتٍ فَقَالَهَا فَتِيبَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ  . وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ عَلَى وُجُوهٍ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي التَّفْسِيرِ، وَالَّذِي نَخْتَارُهُ مِنَ الْأَقْوَالِ. ما جاء عَنْ مُجَاهِدٍ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ  . قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا... إِلَى آخِرَ الْآيَةِ. قَالَ قَتَادَةُ: تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ. وقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: الْكَلِمَاتُ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ. قَالَ: قَالَ: آدَمُ يَا رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ. قِيلَ لَهُ: بَلَى. وَنَفَخْتَ فِيَّ مَنْ رُوحِكَ. قِيلَ لَهُ: بَلَى. وَعَطَسْتُ، فَقُلْتَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ. قِيلَ لَهُ: بَلَى. وَكَتَبْتَ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ هَذَا. قِيلَ لَهُ: بَلَى. قَالَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ هَلْ أَنْتَ رَاجِعِي إِلَى الْجَنَّةِ ؟. قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ: لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الْخَطِيئَةَ قَالَ: يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ إِلَّا غَفَرْتَ لِي. فَقَالَ اللَّهُ: فَكَيْفَ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا وَلَمْ أَخْلُقْهُ بَعْدُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ لِأَنَّكَ لَمَّا خَلَقْتَنِي بِيَدِكَ، وَنَفَخْتَ فِيَّ مَنْ رُوحِكَ رَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ عَلَى قَوَائِمِ الْعَرْشِ مَكْتُوبًا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. فَعَلِمْتُ أَنَّكَ لَمْ تُضِفْ إِلَى اسْمِكَ إِلَّا أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْكَ. فَقَالَ اللَّهُ: صَدَقْتَ يَا آدَمُ إِنَّهُ لَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيَّ، وَإِذْ سَأَلْتَنِي بِحَقِّهِ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وَلَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  58. التاريخ 58لا حكم مسجّل

    وأَنْزَلَ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- يَاقُوتَةً مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، فَجَعَلَهَا فِي مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ  وأَوْحَى إِلَى آدَمَ: إِنَّ لِي حَرَمًا حِيَالَ عَرْشِي فَانْطَلِقْ، وَابْنِ لِي بَيْتًا فِيهِ، ثُمَّ حُفَّ بِهِ كَمَا رَأَيْتَ مَلَائِكَتِي يَحُفُّونَ بِعَرْشِي، فَهُنَالِكَ أَسْتَجِيبُ لَكَ، وَلِوَلَدِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي طَاعَتِي. فَقَالَ آدَمُ يَا رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ ! لَسْتُ أَقْوَى عَلَيْهِ وَلَا أَهْتَدِي إِلَيْهِ. فَقَيَّضَ اللَّهُ مَلَكًا فَانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مَكَّةَ، وَكَانَ آدَمُ إِذَا مَرَّ بِرَوْضَةٍ قَالَ لِلْمَلَكِ: انْزِلْ بِنَا هَهُنَا. فَيَقُولُ الْمَلَكُ: مَكَانَكَ، حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَكَانَ كُلُّ مَكَانٍ نَزَلَهُ آدَمُ عُمْرَانًا، وَمَا عَدَاهُ مَفَاوِزَ. فَبَنَى الْبَيْتَ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ: مِنْ طُورِ سِينَا، وَطُورِ زَيْتُونٍ، وَلُبْنَانَ، وَالْجُودِيِّ، وَبَنَى قَوَاعِدَهُ مِنْ حِرَاءٍ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ خَرَجَ بِهِ الْمَلَكُ إِلَى عَرَفَاتٍ، فَأَرَاهُ الْمَنَاسِكَ الَّتِي يَفَعَلُهَا النَّاسُ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْهِنْدِ فَمَاتَ عَلَى نَوْذٍ. وَقِيلَ: حَجَّ آدَمُ مِنَ الْهِنْدِ أَرْبَعِينَ حَجَّةً مَاشِيًا. وَقِيلَ: إِنَّ آدَمَ الْتَقَى بِحَوَّاءَ عَلَى عَرَفَاتٍ فَتَفَارَقَا ثُمَّ رَجَعَ بِهَا إِلَى الْهِنْدِ فَاتَّخَذَا مَغَارَةً يَأْوِيَانِ إِلَيْهَا.

  59. التاريخ 59لا حكم مسجّل

    إِخْرَاجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ وَأَخْذِ الْمِيثَاقِ   عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرٍ آَدَمَ بِنُعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَةٍ ذَرَأَهَا  فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قَبْلًا، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ  ، قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَزْوَاجًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ وَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا، اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي، وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يَذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي، قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبَّنَا وَإِلَهَنَا لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، فَرَفَعَ عَلَيْهِمْ آَدَمُ يَنْظُرُ إِلَيْهُمْ فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالْحَسَنَ الصُّورَةَ وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ أَلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ، وَرَأَى [ آدَمُ ] الْأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُّوا بِمِيثَاقٍ أُخْرَى فِي الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ...  إِلَى قَوْلِهِ... وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَكَانَ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ، وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- خَلَقَ آَدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرَّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَاسْتَخْرَجَ [مِنْهُ] ذُرَّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ [يَعْمَلُونَ] ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ". وعَنِ [ابْنِ] عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الدَّيْنِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ جَحَدَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ  ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَا هُوَ ذَارٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ ذُرِّيَتَهُ، فَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يَزْهَرُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ كَمْ عُمْرُهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا، قَالَ: أَيْ رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ، قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ أَزِيدَهُ مِنْ عُمْرِكَ - وَكَانَ عُمْرُ آدَمَ أَلْفَ عَامٍ - فَزَادَهُ [مِنْ عُمْرِهِ] أَرْبَعِينَ عَامًا فَكَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ كِتَابًا، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ، فَلَمَّا احْتُضِرَ آدَمُ وَأَتَتْهُ الْمَلَائِكَةُ لِتَقْبِضَهُ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ عَامًا، فَقِيلَ: إِنَّكَ وَهَبْتَهَا لِابْنِكَ دَاوُدَ، قَالَ: مَا فَعَلْتُ، فَأَبْرَزَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةَ". وَقَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ الْأَشِيبِ، عَنْ حَمَّادٍ فَزَادَ فِيهِ: "... ثُمَّ أَكْمَلَ اللَّهُ لآَدَمَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَأَكْمَلَ لِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَةٍ". وهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى اسْتِخْرَاجِهِ تَعَالَى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ كَالذَّرِّ  ، وَقِسْمَتِهِمْ قِسْمَيْنِ ; أَهْلِ الْيَمِينِ، وَأَهْلِ الشَّمَالِ. وَقَالَ: هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي. فَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَيْهِمْ، وَاسْتِنْطَاقُهُمْ بِالْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ فَلَمْ يَجِئْ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، وَتَفْسِيرُ الْآيَةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَحَمْلُهَا عَلَى هَذَا فِيهِ نَظَرٌ وَاسْتَأْنَسَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ ; وَهُوَ أَخْذُ الْمِيثَاقِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ  وَهُمُ الْجُمْهُورُ بِمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ. قَالَ: فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي. أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ.

  60. التاريخ 60لا حكم مسجّل

    أَوْلَادِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَدَتْ حَوَّاءُ لِآدَمَ أَرْبَعِينَ وَلَدًا مِنْ ذِكْرِ وَأُنْثَى فِي عِشْرِينَ بَطْنًا  ، قَالُوا: وَكَانَتْ لَا تَلِدُ إِلَّا تَوْأَمَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى. وَأَوَّلُ الْأَوْلَادِ: قَابِيلُ وَتَوْأَمَتُهُ قُلَيْمَا، وَيُقَالُ قُيَثْمَا، وَآخِرُهُمْ عَبْدُ الْمُغِيثِ وَتَوْأَمَتُهُ أَمَةُ الْمُغِيثِ. وَعَدَّ مِنْهُمُ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَيْنُ وَتَوْأَمَتُهُ، وَهَابِيلُ وَلِيُوذَا، وَآشُوثُ بِنْتُ آدَمَ وَتَوْأَمُهَا، وَشِيثُ، وَتَوْأَمَتُهُ وَحَزْوَرَةُ وَتَوْأَمُهَا، ثُمَّ إِيَادٌ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ بَالِغُ. وَيُقَالُ: بَاتِحُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ أَثَاثِي وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ تَوْبَةُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ بَنَانُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ شَبُوبَةُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ حَيَّانُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ ضَرَابِيسُ وَتَوْأَمَتُهُ، هَدَزُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ نُجُودُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ سَنْدَلُ وَتَوْأَمَتُهُ، ثُمَّ بَارِقُ وَتَوْأَمَتُهُ. وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَنْكِحُ أَيَّ أَخَوَاتِهِ شَاءَ إِلَّا الَّتِي وُلِدَتْ مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ. أول ولد ولدته حواء وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَوَّلَ وَلَدٍ وَلَدَتْهُ حَوَّاءُ سَمَّتْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ سَمَّتِ الثَّانِيَ صَالِحًا، ثُمَّ الثَّالِثَ عَبْدَ الْحَارِثِ  . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: وُلِدَ لِآدَمَ بَعْدَ قَتْلِ هَابِيلَ بِخَمْسِ سِنِينَ شِيثُ، وَزَعَمَ أَهَّلَ التَّوْرَاةُ أَنَّهُ لَمْ يُولَدْ مَعَهُ تَوْأَمٌ، وَتَفْسِيرُ شِيثَ عِنْدَهُمْ "هِبَةُ اللَّهِ"، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَفَ هَابِيلَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وُلِدَ شِيثُ وَأُخْتُهُ عَزُورَا، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ شَثُ، وَبِالسُّرْيَانِيَّةِ شَاثُ، وَبِالْعِبْرَانِيَّةِ شِيثُ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى آدَمُ، وَكَانَ آدَمُ [يَوْمَ] وُلِدَ لَهُ شِيثُ ابْنَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَدْ زَعَمَ أَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْفُرْسِ أَنْ جِيُومَرْتَ هُوَ آدَمُ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ [مِنْ حَوَّاءَ ]. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ حَامُ بْنُ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ جِيُومَرْتَ هُوَ أَبُو الْفُرْسِ مِنَ الْعَجَمِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ آدَمُ أَمْ غَيْرُهُ؟ وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّهُ مَلَكَ وَتَجَبَّرَ وَتَزَوَّجَ ثَلَاثِينَ امْرَأَةً وَكَثُرَ نَسْلُهُ وَتَسَمَّى بِآدَمَ، وَمَا زَالَ مُلْكُهُ وَمُلْكُ أَوْلَادِهِ مُنْتَظِمًا بِأَرْضِ الْمَشْرِقِ إِلَى أَنْ قُتِلَ يَزْدَجِرْدَ بْنُ شَهْرَيَارَ أَيَّامَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ: أَنَّ جِيُومَرْتَ مَلَكَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ كَانَ مِنْ سِوَى الْمَلِكِ هُوشَنْكَ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ مَلَكَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ طَهْمُورَثُ مِنْ أَوْلَادِ أَوْلَادِ هُوشَنْكَ، وَدَانَ بِدِينِ الصَّابِئِينَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ جَمْشِيدُ سِتَّمِائَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ مَلَكَ هَوَارِسْبُ أَلْفَ سَنَةٍ، وَمِنْ قَبْلِهِ كَانَ نَمْرُودُ صَاحِبِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مَلَكَ فِرَيْدُونَ مِائَتَيْ سَنَةً، وَقَسَّمَ الْمُلْكَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي حَيَاتِهِ، ثُمَّ مَلَكَ ابْنَهُ إِيرَجَ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى مَنُوشَهْرَ ثَمَانِينَ سَنَةً إِلَى أَنْ غَلَبَهُ التُّرْكِيُّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ غَلَبَهُ مَنُوشَهْرُ فَمَلَكَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقَدْ حَكَيْنَا آنِفًا عَنْ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُنَادِي أَنْ جِيُومَرْثَ وَطَهْمُوَرْثَ مِنْ أَوْلَادِ الْجَانِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ حَوَّاءَ حَمَلَتْ بِقَيْنَ بْنِ آدَمَ - وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: قَابِيلُ - فِي الْجَنَّةِ وَتَوْأَمَتُهُ فَلَمْ تَجِدْ وَحَمًا وَلَا وَصَبًا وَوَلَدَتْهُمَا وَلَمْ تَرَ مَعَهُمَا دَمًا لِطُهْرِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ إِلَى الْأَرْضِ حَمَلَتْ بِهَابِيلَ وَتَوْأَمَتِهِ. وَفِي هَذَا بَعْدٌ وَلَيْسَ مِمَّا يُوثَقُ بِنَقْلِهِ. هل ولد لآدم وحواء أولاد بالجنة وَاخْتَلَفُوا هَلْ وُلِدَ لَهُمَا بِالْجَنَّةِ شَيْءٌ مِنَ الْأَوْلَادِ ؟  فَقِيلَ: لَمْ يُولَدْ لَهُمَا إِلَّا فِي الْأَرْضِ. وَقِيلَ: بَلْ وُلِدَ لَهُمَا فِيهَا. فَكَانَ قَابِيلُ وَأُخْتُهُ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  61. التاريخ 61لا حكم مسجّل

    احْتِيَالُ إِبْلِيسَ عَلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ فِي تَسْمِيَةِ عَبْدِ الْحَارِثِ   عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ حَوَّاءَ لَمَّا حَمَلَتْ جَاءَهَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: إِنِّي أَخْرَجْتُكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ لَئِنْ لَمْ تُطِيعِينِي لِأَجْعَلَنَّ لِوَلَدِكِ قَرْنَيْنِ يَشُقَّانِ بَطْنَكِ أَوْ لَأَخْرَجْتُهُ مَيِّتًا، فَقَضَى اللَّهُ أَنْ خَرَجَ مَيِّتًا، فَلَمَّا حَمَلَتْ بِالثَّانِي جَاءَهَا فَقَالَ لَهَا مِثْلَ مَقَالَتِهِ الْأُولَى فَقَضَى اللَّهُ أَنَّ الْوَلَدَ خَرَجَ مَيِّتًا، فَلَمَّا حَمَلَتِ الثَّالِثَ جَاءَهَا فَقَالَ لَهَا مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَالَتْ: وَمَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ نُطِيعَكَ فِيهِ، قَالَ: سَمِّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، فَفَعَلَتْ فَقَالَ اللَّهُ: جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا  . وعن عَبْدُ الْمَلِكِ، قَالَ: قِيلَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: يَا أَبَا عَبْدَ اللَّهِ أَشْرَكَ آدَمُ ؟ قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَقُولَ أَشْرَكَ آدَمَ، إِنَّ حَوَّاءَ لَمَّا حَمَلَتْ وَأَثْقَلَتْ أَتَاهَا إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهَا: أَرَأَيْتِ هَذَا الَّذِي فِي بَطْنِكِ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ؟ أَمِنْ فِيكِ، أَمْ مِنْ مِنْخَرَكِ، أَمْ مِنْ أُذُنَيْكِ؟ أَرَأَيْتِ إِنْ خَرَجَ سَوِيًّا صَحِيحًا لَمْ يَضُرَّكِ، أَتُطِيعِينِي فِي اسْمِهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَ: سَمِّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ. فَسَمَّيَاهُ عَبْدَ الْحَارِثِ. وعَنْ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ وَطَافَ بِهَا إِبْلِيسُ فَكَانَ لَا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقَالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَارِثِ فَإِنَّهُ يَعِيشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ فَعَاشَ". وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالسُّدَّيِّ، وَغَيْرِهِمْ قَالُوا: كَانَتْ حَوَّاءُ تَلِدُ لِآدَمَ فَتُعَبِّدُهُمْ، أَيْ تُسَمِّيهِمْ عَبْدَ اللَّهِ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيُصِيبُهُمُ الْمَوْتُ، فَأَتَاهَا إِبْلِيسُ فَقَالَ: لَوْ سَمَّيْتِهِمَا بِغَيْرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَعَاشَ وَلَدُكُمَا. فَوَلَدَتْ وَلَدًا فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ، وَهُوَ اسْمُ إِبْلِيسَ، فَنَزَلَتْ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ الْآيَاتِ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا. قُلْتُ: إِنَّمَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُمِيتُ أَوْلَادَهُمْ أَوَّلًا، وَأَحْيَا هَذَا الْمُسَمَّى بِعَبْدِ الْحَارِثِ امْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بِغَيْرِ امْتِحَانٍ، لَكِنْ عِلْمًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ.

  62. التاريخ 62لا حكم مسجّل

    وَمِنَ الْأَحْدَاثِ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ عن مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبًا يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ آدَمُ ﷺ، وَقَالَ: لَا تَصْلُحُ الْمَعِيشَةُ إِلَّا بِهَا  . وعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: لَمَّا ضُرِبَتِ [الدَّرَاهِمُ] وَالدَّنَانِيرُ حَمَلَهُمَا إِبْلِيسُ فَقَبِلَهُمَا، وَقَالَ: سِلَاحِي وَقُرَّةُ عَيْنِي وَثَمَرَةُ قَلْبِي، بِكُمَا أُغْرِي وَبِكُمَا أُطْغِي، وَبِكُمَا أُكَفِّرُ ابْنَ آدَمَ، وَبِكُمَا تَسْتَوْجِبُ النَّارَ ابْنَ آدَمَ.

  63. التاريخ 63لا حكم مسجّل

    قَتْلُ قَابِيلَ أَخَاهُ هَابِيلَ  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [ الْمَائِدَةِ: 27 - 31 ]. وَأَهْلُ الْعِلْمِ مُخْتَلِفُونَ فِي اسْمِ قَابِيلَ، فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَيْنُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَائِينُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ قَايِنُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: قَابِيلُ. الاختلاف في سبب قتل قابيل هابيل وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي سَبَبِ قَتْلِهِ، فَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: كَانَ لَا يُولَدُ لِآدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا وَمَعَهُ جَارِيَةٌ، وَكَانَ يُزَوِّجُ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ جَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ، وَجَارِيَةَ هَذَا الْبَطْنِ غُلَامَ هَذَا الْبَطْنِ الْآخَرِ. حَتَّى وُلِدَ لَهُ قَابِيلُ وَهَابِيلُ، وَكَانَ قَابِيلُ صَاحِبَ زَرْعٍ، وَهَابِيلُ صَاحِبَ ضَرْعٍ، وَكَانَ قَابِيلُ الْأَكْبَرَ، وَكَانَتْ لَهُ أُخْتٌ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِ هَابِيلَ، وَطَلَبَ هَابِيلُ أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قَابِيلَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: هِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِكَ، وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ أَتَزَوَّجَهَا، فَأَمَرَهُ آدَمُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا، فَأَبَى. فَقَرَّبَا قُرْبَانًا، وَكَانَ آدَمُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ آدَمُ لِلسَّمَاءِ: احْفَظِي وَلَدَيَّ بِالْأَمَانَةِ، فَأَبَتْ، وَقَالَ لِلْأَرْضِ، فَأَبَتْ، وَقَالَ لِلْجِبَالِ فَأَبَتْ، فَقَالَ لِقَابِيلَ، فَقَالَ: نَعَمْ، تَرْجِعُ فَتَجِدُ أَهْلَكَ كَمَا يَسُرُّكَ. فَلَمَّا انْطَلَقَ [ آدَمُ ] قَرَّبَا قُرْبَانًا، قَرَّبَ هَابِيلُ جَذَعَةً سَمِينَةً، وَقَرَّبَ قَابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ، فَنَزَلَتْ فَأَكَلَتْ قُرْبَانَ [هَابِيلَ] وَتَرَكَتْ قُرْبَانَ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: لِأَقْتُلُنَّكَ حَتَّى لَا تَنْكِحَ أُخْتِي قَالَ هَابِيلُ: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِلَى قَوْلِهِ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَاتَّبَعَهُ وَهُوَ فِي مَاشِيَتِهِ فَقَتَلَهُ، فَهُمَا اللَّذَانِ قَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمَا فِي الْقُرْآنِ، فَقَالَ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. فلما قتله سقط في يده [لَا يَدْرِي] كَيْفَ يُدْفَنُ، إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهِ غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ثُمَّ حَفَرَ لَهُ ثُمَّ حَثَا عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَئِذٍ: أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ  . وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ لِآدَمَ أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ تَوْأَمٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ بَطْنٍ [وَذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ بَطْنٍ]، فَكَانَتْ أُخْتُ صَاحِبِ الْحَرْثِ وَضِيئَةً، وَكَانَتْ أُخْتُ صَاحِبِ الْغَنَمِ قَبِيحَةً، فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ: أَنَا أَحَقُّ بِهَا، وَقَالَ صَاحِبُ الْغَنَمِ: وَيْحَكَ أَتُرِيدُ أَنْ تَسْتَأْثِرَ بِوَضَاءَتِهَا عَلَيَّ، تَعَالَى حَتَّى نُقَرِّبَ قُرْبَانًا، فَإِنْ تُقُبِّلَ قُرْبَانُكَ كُنْتَ أَحَقَّ بِهَا، وَإِنْ تُقُبِّلَ قُرْبَانِي كُنْتَ أَحَقَّ بِهَا. قَالَ: فَقَرَّبَا قُرْبَانَيْهِمَا، فَجَاءَ صَاحِبُ الْغَنَمِ بِكَبْشٍ أَعَنَّ أَقْرَنَ أَبْيَضَ، وَجَاءَ صَاحِبُ الْحَرْثِ بَصُبْرَةٍ مِنْ طَعَامِهِ، فَقُبِلَ الْكَبْشُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إِبْرَاهِيمُ  ، فَقَالَ صَاحِبُ الْحَرْثِ: لَأَقْتُلَنَّكَ، فَقَتَلَهُ، فَوَلَدُ آَدَمَ كُلُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَافِرِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ قَابِيلَ كَانَ يَفْتَخِرُ عَلَى هَابِيلَ وَيَقُولُ: أَنَا وَأُخْتِي مِنْ وِلَادَةِ الْجَنَّةِ، فَامْتَنَعَ مِنْ تَزْوِيجِهِ فَقَتَلَهُ بَعْدَ هَذَا. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُمَا قَرَّبَا قُرْبَانًا تَطَوُّعًا لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ فَلَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبَانُ قَابِيلَ، فَغَضِبَ وَقَتَلَ أَخَاهُ، وَقَالَ: لَا يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيَّ وَإِلَيْكَ وَأَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي. وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ ابْنَيْ آدَمَ هَذَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَكُونَا مَنْ صُلْبِ آدَمَ، وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ آدَمُ  . وَفِي هَذَا بُعْدٌ، فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حَوَّاءَ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ، فَسَمَّتْ وَلَدَهَا عَبْدَ الْحَارِثِ، وَيُقَالُ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ مَاتَ آدَمُ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آَدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا"، لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ  . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَذُكِرَ فِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ هَابِيلَ قُتِلَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ لِقَابِيلَ يَوْمَئِذٍ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ، قَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا فَوَجْهُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌ قَبِيحْ     تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْمٍ وَلَوْنٍ وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الصَّبِيحْ     قَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلًا أَخَاهُ فَوَا حُزْنًا مَضَى الْوَجْهُ الْمَلِيحْ فَأَجَابَهُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ: تَنَحَّ عَنِ الْبِلَادِ وَسَاكِنِيهَا     بَنَى فِي الْخُلْدِ ضَاقَ لَكَ الْفَسِيحُ وَكُنْتَ بِهَا وَزَوْجَكَ فِي رَخَاءٍ     وَقَلْبُكُ مِنْ أَذَى الدُّنْيَا مُرِيحُ فَمَا انْفَكَّتْ مُكَايَدَتِي وَمَكْرِي     إِلَى أَنْ فَاتَكَ الثَّمَنُ الرَّبِيحُ فَلَوْلَا رَحْمَةُ الْجَبَّارِ أَضْحَى     بِكَفِّكَ مِنْ جِنَانِ الْخُلْدِ رِيحُ هروب قابيل إلى اليمن ثم إِنَّ قَابِيلَ [بَعْدَ أَنْ] قَتَلَ أَخَاهُ هَرَبَ إِلَى الْيَمَنِ وَشَاعَ فِي أَوْلَادِهِ الزِّنَا وَشُرْبُ الْخَمْرِ وَالْفَسَادُ  ، فَأَوْصَى آدَمُ أَنْ لَا يَنْكِحَ بَنُو شِيثَ بَنِي قَابِيلَ، فَجَعَلَ بَنُو شِيثَ آدَمَ فِي مَغَارَةٍ وَجَعَلُوا عَلَيْهِ حَافِظًا لَا يَقْرَبُهُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي قَابِيلَ. وَكَانَ الَّذِينَ يَأْتُونَهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمْ بَنُو شِيثَ، فَقَالَ مِائَةٌ مِنْ بَنِي شِيثَ صَبَاحٌ: لَوْ نَظَرْنَا مَا فَعَلَ عَمُّنَا. يَعْنُونَ بَنِي قَابِيلَ، فَهَبَطَتِ الْمِائَةُ إِلَى نِسَاءٍ مِنْ بَنِي قَابِيلَ فَاحْتَبَسُوهُنَّ، ثُمَّ قَالَ مِائَةٌ أُخْرَى: لَوْ نَظَرْنَا مَا فَعَلَ إِخْوَتُنَا فَهَبَطُوا فَاحْتَبَسَهُمُ النِّسَاءُ ثُمَّ هَبَطَ بَنُو شِيثَ كُلُّهُمْ فَجَاءَتِ الْمَعْصِيَةُ، فَكَثُرَ بَنُو قَابِيلَ حَتَّى مَلَئُوا الْأَرْضَ، وَهُمُ الَّذِينَ غَرِقُوا أَيَّامَ نُوحٍ. وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا كَثُرَ بَنُو آدَمَ دَعَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالْمَلَائِكَةُ: رَبَّنَا أَهْلِكْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْمَلَائِكَةِ: أَنِّي لَوْ أَنْزَلْتُ الشَّيْطَانَ وَالشَّهْوَةَ فِيكُمْ مَنْزِلَتَهُمَا مِنْ بَنِي آدَمَ لَفَعَلْتُمْ كَمَا يَفْعَلُونَ، فَحَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَنَّهُمْ إِنِ ابْتُلُوا سَيَعْتَصِمُونَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَنِ اخْتَارُوا مِنْ أَفْضَلِكُمْ مَلَكَيْنِ، فَاخْتَارُوا هَارُوتَ وَمَارُوتَ فَأُهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ حَكَمَيْنِ، وَهَبَطَتِ الزَّهْرَةُ فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ. وَأَهْلُ فَارِسَ يُسَمُّونَهُ بَيْدَخْتَ، وَكَانَ الْمَلَائِكَةُ قَبْلَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا، فَلَمَّا وَقَعَا فِي الْخَطِيئَةِ اسْتَغْفَرُوا لِمَنْ فِي الْأَرْضِ. وَقَدْ ذَكَرَ مُجَاهِدٌ: أَنَّ قَابِيلَ عُوجِلَ بِالْعُقُوبَةِ يَوْمَ قُتِلَ أَخَاهُ، فَعُلِّقَتْ سَاقُهُ إِلَى فَخِذِهِ، وَجُعِلَ وَجْهُهُ إِلَى الشَّمْسِ كَيْفَمَا دَارَتْ تَنْكِيلًا بِهِ وَتَعْجِيلًا لِذَنْبِهِ وَبَغْيِهِ وَحَسَدِهِ لِأَخِيهِ لِأَبَوَيْهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ. وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ التَّوْرَاةُ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَجَّلَهُ وَأَنْظَرَهُ، وَأَنَّهُ سَكَنَ فِي أَرْضِ نُودٍ فِي شَرْقِيِّ عَدَنٍ، وَهُمْ يُسَمُّونَهُ قَيْنًا، وَأَنَّهُ وُلِدَ لَهُ خَنُوخُ، وَلِخَنُوخَ عُنْدَرُ، وَلِعُنْدَرَ مَحْوَاوِيلُ، وَلِمَحْوَاوِيلَ مَتُّوشِيلُ، وَلِمَتُّوشِيلَ لَامَكُ، وَتَزَوَّجَ هَذَا امْرَأَتَيْنِ عَدَّا وَصَلَا، فَوَلَدَتْ عَدَّا وَلَدًا اسْمُهُ أَبُلُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَكَنَ الْقِبَابَ وَاقْتَنَى الْمَالَ، وَوَلَدَتْ أَيْضًا تَوْبَلَ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ فِي ضَرْبِ الْوَنَجِ وَالصَّنْجِ، وَوَلَدَتْ صَلَا وَلَدًا اسْمُهُ تُوبَلْقِينُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَعَ النُّحَاسَ وَالْحَدِيدَ، وَبِنْتًا اسْمُهَا نُعْمَى.

  64. التاريخ 64لا حكم مسجّل

    وِلَادَةِ شِيثٍ   وطَافَ آدَمَ طَافَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَوَلَدَتْ غُلَامًا وَدَعَتِ اسْمَهُ شِيثَ، وَقَالَتْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لِي خَلَفًا مِنْ هَابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قَابِيلُ. وَوُلِدَ لِشِيثَ أَنُوشُ. قَالُوا: وَكَانَ عُمُرُ آدَمَ يَوْمَ وُلِدَ لَهُ شِيثُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ عُمُرُ شِيثَ يَوْمَ وُلِدَ لَهُ أَنُوشُ مِائَةً وَخَمْسًا وَسِتِّينَ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعِ سِنِينَ، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ غَيْرُ أَنُوشَ، فَوُلِدَ لِأَنُوشَ قَيْنَانُ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ تِسْعُونَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَلَمَّا كَانَ عُمْرُ قَيْنَانَ سَبْعِينَ سَنَةً وُلِدَ لَهُ مَهْلَائِيلُ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَلَمَّا كَانَ لِمَهْلَائِيلَ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وُلِدَ لَهُ يَرْدُ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَلَمَّا كَانَ لِيَرْدَ مِائَةُ سَنَةٍ وَاثْنَتَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً وُلِدَ لَهُ خَنُوخُ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَلَمَّا كَانَ لِخَنُوخَ خَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وُلِدَ لَهُ مَتُّوشَلَخُ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ فَلَمَّا كَانَ لِمَتُّوشَلَخَ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وُلِدَ لَهُ لَامَكُ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَمِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَلَمَّا كَانَ لِلَامَكَ مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَاثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً وُلِدَ لَهُ نُوحٌ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ خَمْسَمِائَةٍ، وَخَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَلَمَّا كَانَ لِنُوحَ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وُلِدَ لَهُ بِنُونَ ; سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ. هَذَا مَضْمُونُ مَا فِي كِتَابِهِمْ صَرِيحًا. وَفِي كَوْنِ هَذِهِ التَّوَارِيخِ مَحْفُوظَةً فِيمَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ نَظَرٌ، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ طَاعِنِينَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُقْحَمَةٌ فِيهَا.

  65. التاريخ 65لا حكم مسجّل

    وَكَانَ آدَمُ مَعَ مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مُلْكِ الْأَرْضِ نَبِيًّا رَسُولًا إِلَى وَلَدِهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَحِيفَةً كَتَبَهَا آدَمُ بِيَدِهِ عَلَّمَهُ إِيَّاهَا جَبْرَائِيلُ. وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا، يَعْنِي كَثِيرًا، طَيِّبًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ أَوَّلُهُمْ ؟ قَالَ: آدَمُ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ سَوَّاهُ قَبْلًا، وَكَانَ مِمَّنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَحُرُوفُ الْمُعْجَمِ فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَرَقَةً. وقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنَبِيًّا كَانَ آَدَمُ ؟ قَالَ: "نَعَمْ مُكَلَّمًا". وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "أَوَّلُ الْمُرْسَلِينِ آَدَمُ "  .

  66. التاريخ 66لا حكم مسجّل

    وَمِنْ ذَلِكَ وَعْظُ بَنِيهِ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ كَثُرَتْ ذُرِّيَّتُهُ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَدُهُ، وَوَلَدُ وَلَدِهِ، وَوَلَدُ وَلَدِ وَلَدِهِ  ، فَجَعَلُوا يَتَحَدَّثُونَ حَوْلَهُ وَآَدَمُ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَالُوا: يَا أَبَانَا مَا لَنَا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ وَأَنْتَ سَاكِتٌ لَا تَتَكَلَّمُ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- لَمَّا أَهْبَطَنِي إِلَى الْأَرْضِ مِنْ جِوَارِهِ عَهِدَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا آدَمُ أَقِلَّ الْكَلَامَ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى جِوَارِي.

  67. التاريخ 67لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ آدَمَ وَوَصِيَّتِهِ إِلَى ابْنِهِ شِيثَ  . وَلَمَّا حَضَرَتْ آدَمَ الْوَفَاةُ عَهِدَ إِلَى شِيثٍ وَعَلَّمَهُ سَاعَاتِ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، وَعِبَادَةَ الْخَلْوَةِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنْهَا وَأَعْلَمَهُ بِالطُّوفَانِ، وَصَارَتِ الرِّيَاسَةُ بَعْدَ آدَمَ إِلَيْهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَإِلَيْهِ أَنْسَابُ بَنِي آدَمَ كُلِّهِمُ الْيَوْمَ. وقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ آدَمَ مَرِضَ أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَدَفَعَ إِلَى شِيثٍ كِتَابَ وَصِيَّتِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُخْفِيَهُ مِنْ قَابِيلَ، فَاسْتَخْفَى شِيثُ وَوَلَدُهُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَابِيلَ وَوَلَدِهِ عِلْمٌ يَنْتَفِعُونَ [بِهِ]. وَأَمَّا الْفُرْسُ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ جُيُومَرْثَ هُوَ آدَمُ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: وُلِدَ لِجُيُومَرْثَ ابْنَتُهُ مَيْشَانُ أُخْتُ مَيْشَى، وَتَزَوَّجَ مَيْشَى أُخْتَهُ مَيْشَانَ، فَوَلَدَتْ لَهُ سِيَامِكَ، وَسِيَامِي، فَوُلِدَ لِسِيَامِكَ بْنِ جُيُومَرْثَ أَفَرُوَالُ، وَدَقَسُ، وَبُوَاسِبُ، وَأَجْرَابُ، وَأَوْرَاشُ، وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا سِيَامِي ابْنَةُ مَيْشَى، وَهِيَ أُخْتُ أَبِيهِمْ. وَذَكَرُوا أَنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا سَبْعَةُ أَقَالِيمَ، فَأَرْضُ بَابِلَ وَمَا يُوَصِّلُ إِلَيْهِ مِمَّا يَأْتِيهِ النَّاسُ بَرًّا وَبَحْرًا فَهُوَ مِنْ إِقْلِيمٍ وَاحِدٍ وَسُكَّانُهُ وَلَدُ أَفَرُوَالَ بْنِ سِيَامِكَ مِنْ أَفَرَى ابْنَةِ سِيَامِكَ أُوشْهَنْجَ بِيشَدَادَ الْمَلِكِ، وَهُوَ الَّذِي خَلَفَ جَدَّهُ جُيُومَرْثَ فِي الْمُلْكِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنُ جَمَعَ مُلْكَ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ أُوشْهَنْجَ هَذَا هُوَ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ مِنْ حَوَّاءَ. وَأَمَّا ابْنُ الْكَلْبِيِّ فَإِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ مَلَكَ الْأَرْضَ أُوشْهَنْجُ بْنُ عَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، قَالَ: وَالْفُرْسُ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ آدَمَ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا كَانَ بَعْدَ نُوحٍ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ، وَلَمْ تَعْرِفِ الْفُرْسُ مَا كَانَ قَبْلَ نُوحٍ. وَالَّذِي ذَكَرَهُ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ لَا وَجْهَ لَهُ، لِأَنَّ أُوشْهَنْجَ مَشْهُورٌ عِنْدَ الْفُرْسِ، وَكُلُّ قَوْمٍ أَعْلَمُ بِأَنْسَابِهِمْ، وَأَيَّامِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ. قَالَ: وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَسَّابَةِ الْفُرْسِ أَنَّ أُوشْهَنْجَ هَذَا هُوَ مَهْلَائِيلُ، وَأَنَّ أَبَاهُ أَفَرُوَالُ هُوَ قَيْنَانُ، وَأَنَّ سِيَامِكَ هُوَ أَنْوَشُ أَبُو فَيْنَانَ، وَأَنَّ مَيْشَى هُوَ شِيثٌ أَبُو أَنْوَشَ، وَأَنَّ جُيُومَرْثَ هُوَ آدَمُ. فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمَ فَلَا شَكَّ أَنَّ أُوشْهَنْجَ كَانَ فِي زَمَنِ آدَمَ رَجُلًا، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَهْلَائِيلَ فِيمَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْأُولَى كَانَتْ وِلَادَةُ أُمِّهِ دِينَةَ ابْنَةِ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حُنُوخَ بْنِ قَيْنِ بْنِ آدَمَ إِيَّاهُ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِ آدَمَ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَقَدْ كَانَ لَهُ حِينَ وَفَاةِ أَبِيهِ آدَمَ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، عَلَى حِسَابِ أَنَّ عُمُرَ آدَمَ كَانَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَقَدْ زَعَمَتِ الْفُرْسُ أَنَّ مُلْكَ أُوشْهَنْجَ كَانَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ النَّسَّابَةُ الَّذِي ذَكَرْتُ عَنْهُ مَا ذَكَرْتُ فَمَا يَبْعُدُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مُلْكَهُ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَتَيْ سَنَةٍ.

  68. التاريخ 68لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ   رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِآدَمَ حِينَ خَلَقَهُ: ائْتِ أُولَئِكَ النَّفَرَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَمْ، فَأَتَاهُمْ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ لَهُ: هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ بَيْنَهُمْ. ثُمَّ قَبَضَ لَهُ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ خُذْ وَاخْتَرْ. فَقَالَ: أَحْبَبْتُ يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، فَفَتَحَهَا لَهُ فَإِذَا فِيهَا صُورَةُ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ كُلِّهِمْ، وَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ أَجَلُهُ، وَإِذَا آدَمُ قَدْ كُتِبَ لَهُ عُمُرُ أَلْفِ سَنَةٍ، وَإِذَا قَوْمٌ عَلَيْهِمُ النُّورُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ النُّورُ ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ الَّذِينَ أُرْسِلُهُمْ إِلَى عِبَادِي، وَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ هُوَ مِنْ أَضْوَئِهِمْ نُورًا وَلَمْ يُكْتَبْ لَهُ مِنَ الْعُمُرِ إِلَّا أَرْبَعُونَ سَنَةً. فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ، هَذَا مِنْ أَضْوَئِهِمْ وَلَمْ تَكْتُبْ لَهُ إِلَّا أَرْبَعِينَ سَنَةً، بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ دَاوُدُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ: ذَلِكَ مَا كَتَبْتُ لَهُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، انْقُصْ لَهُ مِنْ عُمُرِي سِتِّينَ سَنَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فَلَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ كَانَ يَعُدُّ أَيَّامَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ لِقَبْضِهِ قَالَ لَهُ آدَمُ: عَجِلْتَ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ ! قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي سِتُّونَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: مَا بَقِيَ شَيْءٌ، سَأَلْتَ رَبَّكَ أَنْ يَكْتُبَهُ لِابْنِكَ دَاوُدَ. فَقَالَ: مَا فَعَلْتُ ! " فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ فَحِينَئِذٍ وَضَعَ اللَّهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَ بِالشُّهُودِ ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عُمُرُ آدَمَ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عُمُرَ آدَمَ تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَالْعُلَمَاءِ مَا ذَكَرْنَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمُ الْخَلْقِ. وَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّ آدَمَ وَهَبَ دَاوُدَ مِنْ عُمُرِهِ سِتِّينَ سَنَةً لَمْ يَكُنْ كَثِيرُ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَنَّ عُمُرَهُ كَانَ تِسْعَمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَعَلَّ اللَّهَ ذَكَرَ عُمُرَهُ فِي التَّوْرَاةِ سِوَى مَا وَهَبَهُ لِدَاوُدَ. وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: رَأَيْتُ شَيْخًا بِالْمَدِينَةِ يَتَكَلَّمُ فَسَأَلْتُ عَنْهُ، فَقَالُوا هَذَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَقَالَ: إِنَّ آَدَمَ [عَلَيْهِ السَّلَامُ] لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ لِبَنِيهِ: أَيْ بَنِيَّ إِنِّي أَشْتَهِي مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَ لَهُ مِنْهَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَمَعَهُمْ أَكْفَانُهُ وَحَنُوطٌ، وَمَعَهُمُ الْفُؤُوسُ وَالْمَسَاحِي وَالْمَكَاتِلُ، فَقَالُوا لَهُمْ: يَا بَنِي آدَمَ مَا تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: أَبُونَا مَرِيضٌ وَاشْتَهَى مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، قَالُوا لَهُمُ: ارْجِعُوا قَدْ قَضَى أَبُوكُمْ. فَجَاءُوا فَلَمَّا رَأَتْهُمْ حَوَّاءُ عَرَفَتْهُمْ، فَلَاذَتْ بِآدَمَ، فَقَالَ: إِلَيْكِ عَنِّي إِنَّمَا أُتِيتُ مِنْ قِبَلِكِ، خَلِّي بَيْنِي وَبَيْنَ مَلَائِكَةِ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَقَبَضُوهُ وَغَسَّلُوهُ وَكَفَّنُوهُ وَحَنَّطُوهُ وَحَفَرُوا لَهُ وَأَلْحَدُوا لَهُ، وَصَلَّوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلُوا قَبْرَهُ فَوَضَعُوهُ فِي قَبْرِهِ وَوَضَعُوا عَلَيْهِ اللَّبِنَ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنَ الْقَبْرِ ثُمَّ حَثَوْا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالُوا: يَا بَنِي آدَمَ هَذِهِ سُنَّتُكُمْ. وعَنْ أُبَيِّ [بْنِ] كَعْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ صَلَّتْ عَلَى آَدَمَ وَكَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَقَالُوا: هَذِهِ سُنَّتُكُمْ يَا بَنِي آدَمَ   ". وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: صَلَّى جِبْرِيلُ عَلَى آدَمَ، كَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا وَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالْمَلَائِكَةِ يَوْمَئِذٍ، وَدُفِنَ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَحُدَّ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَلُحِدَ لَهُ وَكُتِمَ قَبْرُهُ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِثِيَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَحَنُوطٍ مِنْ حَنُوطِهَا، فَكَفَّنَهُ وَحَنَّطَهُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى وَضَعَتْهُ بِبَابِ الْكَعْبَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ثُمَّ حَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى دَفَنَتْهُ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قُبِرَ عِنْدَ مِنًى أَوَّلِ قَرْيَةٍ كَانَتْ فِي الْأَرْضِ  ، قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَاتَ بِمَكَّةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: قُبِرَ فِي غَارِ أَبِي قُبَيْسٍ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَاتَ آدَمُ عَلَى نَوْدٍ، الْجَبَلِ الَّذِي أُهْبِطَ عَلَيْهِ، فَقَالَ شِيثٌ لِجِبْرِيلَ: صَلِّ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ: تَقَدَّمْ أَنْتَ وَكَبِّرْ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ تَكْبِيرَةً. وَلَمَّا رَكِبَ نُوحٌ حَمَلَ مَعَهُ آدَمَ فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ دُفِنَ آدَمُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يَمُتْ آدَمُ حَتَّى بَلَغَ وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَرَأَى فِيهِمُ الزِّنَا وَشُرْبَ الْخَمْرِ وَالْفَسَادَ. وَقَدْ ذَكَّرْنَا أَنَّهُ تُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: لَمَّا مَاتَ آدَمُ بَكَتِ الْخَلَائِقُ عَلَيْهِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ

  69. التاريخ 69لا حكم مسجّل

    بَابُ مَا وَرَدَ فِي خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ   قصة آدم في القرآن في سورة البقرة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [ الْبَقَرَةِ: 30 - 31 ]. قصة آدم في مواضع متفرقة من القرآن وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آلِ عِمْرَانَ: 59 ]. وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [ النِّسَاءِ: 1 ]. كَمَا قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [ الْحُجُرَاتِ: 13 ]. قصة آدم في القرآن في سورة الأعراف وَقَالَ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [ الْأَعْرَافِ: 189 ]. الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ [ الْأَعْرَافِ: 11 - 25 ]. قصة آدم في القرآن في سورة طه كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [ طه: 55 ]. قصة آدم في القرآن في سورة الحجر وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ [ الْحِجْرِ 26 - 44 ]. قصة آدم في القرآن في سورة الإسراء وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا [ الْإِسْرَاءِ: 61 - 65 ]. قصة آدم في القرآن في سورة الكهف وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا [ الْكَهْفِ: 50 ]. قصة آدم في القرآن في سورة طه وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [ طه: 115 - 126 ]. قصة آدم في القرآن في سورة ص وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ ص: 67 - 88 ]. فَهَذَا ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ

  70. التاريخ 70لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ خَنُوخُ بْنُ يَرْدَ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ سُمِّيَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَرَسَ الْوَحْيَ الْمَكْتُوبَ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ هُوَ فِي عَمُودِ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا؟ وَيَذْكُرُ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ خَنُوخَ بْنَ يَرْدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَزَوَّجَ وَهُوَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ ابْنُهُ مَتُّوشَلَخُ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَهُ أَبُوهُ عَلَى أَمْرِ وَلَدِهِ، وَأَمْرِ اللَّهِ، وَأَوْصَاهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ. وَكَانَ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُعَذِّبُ وَلَدَ قَابِيلَ وَمَنْ خَالَطَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ، وَقَدْ ظَلَّ الْأَمْرُ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ إِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى أَنْ جَاءَ صَابِي بْنُ مَتُّوشَلَخَ. وَقَدْ لمَتُّوشَلَخَ ابْنٌ اسْمُهُ لَمَّكُ وَهُوَ أَبُو نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَإِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ أَوَّلُ مَنْ أُعْطِي النُّبُوَّةَ بَعْدَ آدَمَ وَشِيثَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ وَقَطَّعَ الثِّيَابَ وَخَاطَهَا، وَكَانَ فِي زَمَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ الْأَهْنُوبِ الَّذِي يُقَالُ أَنَّهُ صَدِيقُ إِبْلِيسَ، الَّذِي كَانَ دِينُهُ دِينَ الْبَرَاهِمَةِ، فَبَقِيَ مَلِكًا لِلْأَقَالِيمِ جَمِيعًا أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا نِصْفَ يَوْمٍ. وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَقِيلَ: إِلَى السَّادِسَةِ ثُمَّ قُبِضَ هُنَاكَ. هَذَا وَقَدْ كَانَتْ ثَمَّةَ أَحْدَاثٌ كَثِيرَةٌ لَا يُعْلَمُ أَكْثَرُهَا فِيمَا بَيْنَ إِدْرِيسَ وَنُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَلْفَ سَنَةٍ.

  71. التاريخ 71لا حكم مسجّل

    إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْمُهُ خَنُوخُ بْنُ يَرْدِ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: وَهُوَ إِدْرِيسُ بْنُ الْيَارْدِ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ الطَّاهِرِ بْنِ هَبْهَ، وَهُوَ شِيثُ بْنُ آدَمَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ إِدْرِيسُ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ دَرَسَ الْوَحْيَ الْمَكْتُوبَ  . و"حَنُوخُ" بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، و "يَرْذُ" بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. وَرُوِيَتِ الْكَلِمَةُ الْأَوْلَى بِخَاءَيْنِ مُعْجَمَتَيْنِ، و "يَرْدُ" بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ. وَهُوَ فِي عَمُودِ نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ النَّسَبِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِلْيَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ، وَاسْتَأْنَسُوا فِي ذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ فِي الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. وَلَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ آدَمُ وَإِبْرَاهِيمُ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ فِي عَمُودِ نَسَبِهِ لَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَا لَهُ. وَهَذَا لَا يَدُلُّ وَلَا بُدَّ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ الرَّاوِي حَفِظَهُ جَيِّدًا أَوْ لَعَلَّهُ قَالَهُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ، وَلَمْ يَنْتَصِبْ لَهُ فِي مَقَامِ الْأُبُوَّةِ، كَمَا انْتَصَبَ لِآدَمَ أَبِي الْبَشَرِ، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي هُوَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ أَكْبَرُ أُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.

  72. التاريخ 72لا حكم مسجّل

    ثُمَّ نَكَحَ حَنُوخُ بْنُ يَرْدَ هُدَانَةَ - وَتُقَالُ أَذَانَةَ - ابْنَةَ بَاوِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ مَتُوشَلَخَ بْنَ حَنُوخَ، فَعَاشَ بَعْدَمَا وُلِدَ مَتُوشَلَخَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ رُفِعَ وَاسْتَخْلَفَهُ حَنُوخُ عَلَى أَمْرِ وَلَدِهِ، وَأَمْرِ اللَّهِ، وَأَوْصَاهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَكِبَ الْبَحْرَ  ، وَمَلَكَ بِطَرِيقِ الطَّاعَةِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ. وَأَعْلَمَهُمْ إدريس أَنَّ اللَّهَ سَوْفَ يُعَذِّبُ وَلَدَ قَابِيلَ وَمَنْ خَالَطَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مُخَالَطَتِهِمْ، وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ رَكِبَ الْخَيْلَ  لِأَنَّهُ سَلَكَ رَسْمَ أَبِيهِ حَنُوخَ فِي الْجِهَادِ، ثُمَّ نَكَحَ مَتُوشَلَخَ عَرْبَا ابْنَةَ عَزَازِيلَ بْنِ أَنُوشِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ لَمَكَ بْنَ مَتُوشَلَخَ، فَعَاشَ بَعْدَمَا وُلِدَ لَهُ لَمَكُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ، فَكَانَ كُلُّ مَا عَاشَ مَتُوشَلَخَ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَاتَ وَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ لَمَكَ فَكَانَ لَمَكُ يَعِظُ قَوْمَهُ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ مُخَالَطَةِ وَلَدِ قَابِيلَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا حَتَّى نَزَلَ إِلَيْهِمْ جَمِيعُ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ فِي الْجَبَلِ. وَقِيلَ: كَانَ لِمَتُوشَلَخَ ابْنٌ آخَرُ غَيْرُ لَمَكَ يُقَالُ لَهُ صَابِي، وَبِهِ سُمِّيَ الصَّابِئُونَ. قُلْتُ: مَحْوِيلُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَبَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتٍ. وَقَيْنُ بِقَافٍ، وَيَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ تَحْتٍ. وَمَتُوشَلَخَ بِفَتْحِ الْمِيمِ، وَبِالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ مِنْ فَوْقٍ، وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَبِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَقِيلَ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ. وَنَكَحَ لَمَكُ بْنُ مَتُوشَلَخَ قِينُوشَ ابْنَةَ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَسَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، فَوَلَدَتْ لَهُ نُوحَ بْنَ لَمَكَ، وَهُوَ النَّبِيُّ، فَعَاشَ لَمَكُ بَعْدَ مَوْلِدِ نُوحٍ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ وَخَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً وَوُلِدَ لَهُ بَنُونَ وَبَنَاتٌ ثُمَّ مَاتَ. وَنَكَحَ نُوحُ بْنُ لَمَكَ عِزْرَةَ بِنْتَ بِرَاكِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَنُوخَ بْنِ قَيْنَ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدَهُ سَامًا، وَحَامًا، وَيَافِثَ بَنِي نُوحٍ. وَكَانَ مَوْلِدُ نُوحٍ  بَعْدَ مَوْتِ آدَمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَلَمَّا أَدْرَكَ قَالَ لَهُ أَبُوهُ لَمَكُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي هَذَا الْجَبَلِ غَيْرُنَا فَلَا تَسْتَوْحِشْ وَلَا تَتَّبِعِ الْأُمَّةَ الْخَاطِئَةَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَلَدَ لَمَكَ نُوحًا، وَكَانَ لَهُ يَوْمَ وُلِدَ نُوحٌ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً

  73. التاريخ 73لا حكم مسجّل

    كَانَ إدريس أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أَعْطِيَ النُّبُوَّةَ بَعْدَ آدَمَ وَشِيثَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ  ، وَقَطَعَ الثِّيَابَ وَخَاطَهَا وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ: إِنَّهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ لَمَّا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَطِّ بِالرَّمْلِ فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ نَبِيٌّ يَخُطُّ بِهِ فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ. وَيَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ التَّسْيِيرِ وَالْأَحْكَامِ: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَيُسَمُّونَهُ هَرْمَسَ الْهَرَامِسَةِ، وَيَكْذِبُونَ عَلَيْهِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً، كَمَا كَذَبُوا عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْحُكَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ. وَزَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ إِدْرِيسَ أَوَّلُ نَبِيٍّ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ  . وَقَدْ رَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: "أَرْبَعٌ مِنَ الرُّسُلِ سِرْيَانِيُّونَ: آَدَمُ، وَشِيثٌ، وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَنُوحٌ". وَقَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: نَبَّأَ اللَّهُ تَعَالَى إِدْرِيسَ فِي حَيَاةِ آدَمَ، وَقَدْ مَضَى مِنْ عُمْرِ آدَمَ سِتُّمِائَةٍ وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً فَدَعَا قَوْمَهُ وَوَعَظَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَمُخَالَفَةِ الشَّيْطَانِ، وَأَنْ لَا يُلَامِسُوا أَوْلَادَ قَابِيلَ، فَخَالَفُوا، فَجَاهَدَهُمْ وَسَبَى مِنْهُمْ وَاسْتَرَقَّ.

  74. التاريخ 74لا حكم مسجّل

    الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِ إِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ   مِنْهَا أَنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي عَهْدِ إِدْرِيسَ بِيَوَرَاسِبَ، وَيُقَالُ: بُورَاسِبُ، وَهُوَ الضَّحَّاكُ بْنُ الْأَهْنُوبِ، وَهُوَ صَدِيقُ إِبْلِيسَ، قَبَّلَ إِدْرِيسُ ظَهْرَهُ، وَظَهَرَتْ فِي مَنْكِبِهِ حِيتَانٌ، وَكَانَ دِينُهُ دِينَ الْبَرَاهِمَةِ، فَبَقِيَ مَلِكًا لِلْأَقَالِيمِ جَمِيعًا أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا نِصْفَ يَوْمٍ.

  75. التاريخ 75لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [ مَرْيَمَ: 56 - 57 ]. فَإِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالصِّدِّيقِيَّةِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا  . هُوَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا، وَأَنَا حَاضِرٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى لِإِدْرِيسَ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ؟ قَالَ كَعْبٌ: أَمَّا إِدْرِيسُ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنِّي أَرْفَعُ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ جَمِيعِ عَمَلِ بَنِي آدَمَ لَعَلَّهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَزْدَادَ عَمَلًا، فَأَتَاهُ خَلِيلٌ لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَكَلِّمْ مَلَكَ الْمَوْتِ فَلْيُؤَخِّرْنِي حَتَّى أَزْدَادَ عَمَلًا فَحَمَلَهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ تَلَقَّاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ مُنْحَدِرًا فَكَلَّمَ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ إِدْرِيسُ، فَقَالَ: وَأَيْنَ إِدْرِيسُ ؟ قَالَ: هُوَ ذَا عَلَى ظَهْرِي. فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: فَالْعَجَبُ بُعِثْتُ وَقِيلَ لِي: اقْبِضْ رُوحَ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. فَجَعَلْتُ أَقُولُ: كَيْفَ أَقْبِضُ رُوحَهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ ! فَقَبَضَ رُوحَهُ هُنَاكَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا وَعِنْدَهُ. فَقَالَ لِذَلِكَ الْمَلَكِ: سَلْ لِي مَلَكَ الْمَوْتِ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي ؟ فَسَأَلَهُ وَهُوَ مَعَهُ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَنْظُرَ. فَنَظَرَ فَقَالَ: إِنَّكَ لِتَسْأَلُنِي عَنْ رَجُلٍ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا طَرْفَةُ عَيْنٍ. فَنَظَرَ الْمَلَكُ إِلَى تَحْتِ جَنَاحِهِ إِلَى إِدْرِيسَ فَإِذَا هُوَ قَدْ قُبِضَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِي بَعْضِهِ نَكَارَةٌ، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. قَالَ: إِدْرِيسُ رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ، كَمَا رُفِعَ عِيسَى. إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ إِلَى الْآنِ فَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ رُفِعَ حَيًّا إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قُبِضَ هُنَاكَ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. قَالَ: رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَمَاتَ بِهَا. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. قَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ قَائِلُونَ: رُفِعَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ يَرْدُ بْنُ مَهْلَائِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سن إدريس عليه السلام حين رفعه وَرُفِعَ إِدْرِيسُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَأَبُوهُ حَيٌّ، فَعَاشَ أَبُوهُ بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ مِائَةً وَخَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ يَصْعَدُ لِإِدْرِيسَ مِنَ الْعَمَلِ مِثْلُ مَا يَصْعَدُ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَجَاءَهُ مَلَكٌ فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ فِي جَلْسَةٍ، فَأَذِنَ لَهُ فَهَبَطَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، وَكَانَ يَسْجُدُ، فَلَمَّا عَرَفَهُ، قَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ حَاجَةً، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تُذِيقُنِي الْمَوْتَ فَلَعَلِّي أَعْلَمُ مَا شِدَّتَهُ فَأَكُونُ لَهُ أَشَدَّ اسْتِعْدَادًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اقْبِضْ رُوحَهُ سَاعَةً ثُمَّ أَرْسِلْهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: أَشَدُّ مَا بَلَغَنِي عَنْهُ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرَيْنِي النَّارَ، قَالَ: فَحَمَلَهُ وَأَرَاهُ إِيَّاهَا، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرَيْنِي الْجَنَّةَ، فَأَرَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَطَافَ فِيهَا، قَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: اخْرُجْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يُخْرِجُنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا مَلَكَ الْمَوْتَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ مَا جَرَى، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا إِدْرِيسُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَقَدْ ذُقْتُهُ، وَقَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وَقَدْ وَرَدْتُهَا. وَقَالَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ. فَوَ اللَّهِ لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي، فَسَمِعَ هَاتِفًا مِنْ فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإِذْنِي دَخَلَ وَبِأَمْرِي فَعَلَ، فَخَلِّ سَبِيلَهُ. فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتُ لِإِدْرِيسَ ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِوُجُوبِ الْوُرُودِ، وَامْتِنَاعِ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالَهُ.

  76. التاريخ 76لا حكم مسجّل

    رَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى  ، قَالَ: كَانَ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ وَإِدْرِيسَ، وَكَانَتْ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنَّ بَطْنَيْنِ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، كَانَ أَحَدُهُمَا يَسْكُنُ السَّهْلَ، وَالْآخَرُ يَسْكُنُ الْجِبَالَ، وَكَانَ رِجَالُ الْجِبَالِ صِبَاحًا وَفِي النِّسَاءِ دَمَامَةٌ، وَكَانَ نِسَاءُ السَّهْلِ صِبَاحًا وَفِي الرِّجَالِ دَمَامَةٌ، وَأَتَى إِبْلِيسُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ السَّهْلِ فِي صُورَةِ غُلَامٍ، فَآجَرَ نَفْسَهُ مِنْهُ، وَكَانَ إِبْلِيسُ يَخْدِمُهُ، فَأَخَذَ إِبْلِيسُ مِثْلَ هَذَا الَّذِي يُزَمِّرُ فِيهِ الرِّعَاءُ، فَجَاءَ فِيهِ بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعِ النَّاسُ مِثْلَهُ، [فَبَلَغَ ذَلِكَ مَنْ حَوْلَهُمْ]، فَانْتَابُوهُمْ يَسْمَعُونَ إِلَيْهِ، [وَاتَّخَذُوا عِيدًا يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ فِي السَّنَةِ]، فَتَتَبَرَّجَ النِّسَاءُ لِلرِّجَالِ. [قَالَ: وَيَنْزِلُ الرِّجَالُ لَهُنَّ. وَإِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ هَجَمَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ فِي عِيدِهِمْ ذَلِكَ، فَرَأَى النِّسَاءَ وَصَبَاحَتِهِنَّ، فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ]، ثُمَّ تَحَوَّلُوا [إِلَيْهِنَّ]، فَنَزَلُوا مَعَهُنَّ، فَظَهَرَتِ الْفَاحِشَةُ [فِيهِنَّ]، فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى. وَقَدْ كَانَتْ أَحْدَاثٌ كَثِيرَةٌ وَقُرُونٌ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٌ لَا يُعْلَمُ أَكْثَرُهَا. وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمْ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ ؟ قَالَ: "عَشَرَةُ قُرُونٍ". الاختلاف في ترتيب القرون بين آدم ونوح قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَرْتِيبِ هَذِهِ الْقُرُونِ وَالْأَحْدَاثِ الْكَائِنَةِ فِيهَا. فَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: مَلَكَ طَهْمُرْثُ، وَيُقَالُ: طَهْمُورَبُ، بِالْبَاءِ، كَذَلِكَ ضَبَطَ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ الْمُنَادِي. وَيُقَالُ: طَهُومَرْتُ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ أُوشَنْجَ، وَبَيْنَهُمَا عِدَّةُ آبَاءٍ، فَسَلَكَ طَرِيقَ جَدِّهِ، وَمَلَكَ الْأَقَالِيمَ كُلَّهَا، وَبَنَى الْمَوْضِعَ الَّذِي جَدَّدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَابُورُ مَلِكُ فَارِسَ، وَنَزَّلَهُ، وَنَفَى الْأَشْرَارَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ بِالْفَارِسِيَّةِ  ، وَاتَّخَذَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَالْكِلَابَ لِحِفْظِ الْمَوَاشِي، وَاسْتَمَرَّتْ أَحْوَالُهُ عَلَى الصَّلَاحِ. ثُمَّ مَلَكَ أَخُوهُ جَمِ الشِّيذُ، وَتَفْسِيرُهُ سَدَّ الشُّعَاعَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ جَمِيلًا وَضِيئًا، فَمَلَكَ الْأَقَالِيمَ، وَسَلَكَ السِّيرَةَ الْجَمِيلَةَ وَزَادَ فِي الْمُلْكِ بِأَنِ ابْتَدَعَ عَمَلَ السُّيُوفِ وَالسِّلَاحِ وَدَلَّ عَلَى صَنْعَةِ الْإِبْرَيْسَمِ وَالْقَزِّ وَغَيْرِهِ وَمِمَّا يُغْزَلُ. وَأَمَرَ بِنَسْجِ الثِّيَابِ وَصَبْغِهَا، و [نَحْتِ] السُّرُوجِ وَالْأَكُفِّ، [وَتَذْلِيلِ الدَّوَابِّ بِهَا]. وَصَنَّفَ النَّاسَ أَرْبَعَ طَبَقَاتٍ: طَبَقَةٌ مُقَاتِلَةٌ، وَطَبَقَةٌ كُتَّابًا، وَطَبَقَةٌ صُنَّاعًا وَحَرَّاثِينَ، وَطَبَقَةٌ خَدَمًا. وَعَمِلَ أَرْبَعَةَ خَوَاتِمَ: خَاتَمًا لِلْحَرْثِ وَالشُّرَطِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْأَنَاةَ، وَخَاتَمًا لِلْخَرَاجِ وَجِبَايَةِ الْأَمْوَالِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْعِمَارَةَ. وَخَاتَمًا لِلْبَرِيدِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الرَّخَاءَ. وَخَاتَمًا لِلْمَظَالِمِ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ الْعَدْلَ، فَبَقِيَتْ هَذِهِ الرُّسُومُ فِي مُلُوكِ الْفَرَسِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ. وَأَلْزَمَ مَنْ غَلَبَهُ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ بِالْأَعْمَالِ الصَّعْبَةِ مِنْ قَطْعِ الصُّخُورِ مِنَ الْجِبَالِ، وَعَمِلِ الرُّخَامِ وَالْجِصِّ وَالْبِنَاءِ وَالْكِلْسِ وَالْحَمَّامَاتِ. وَأَخْرَجَ مِنَ الْبِحَارِ وَالْجِبَالِ وَالْمَعَادِنِ وَالْفَلَوَاتِ كُلَّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَا يُذَابُ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَأَنْوَاعِ الطِّيبِ وَالْأَدْوِيَةِ، وَأَحْدَثَ النَّوْرُوزَ فَجَعَلَهُ عِيدًا. ثُمَّ إِنَّهُ بَطِرَ وَجَمَعَ الْخَلْقَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَالِكُهُمْ وَالدَّافِعُ عَنْهُمْ بِقُوَّتِهِ الْهَرَمَ وَالسَّقَمَ وَالْمَوْتَ، وَجَحَدَ إِحْسَانَ اللَّهِ إِلَيْهِ، وَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ. فَأَحَسَّ بِذَلِكَ الْمَلِكُ بَيُورَاسِبَ الَّذِي يُسَمَّى الضَّحَّاكَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ جِيُومَرْثَ، وَيَزْعُمُ قَوْمٌ أَنَّ جَمَ الشِّيذِ زَوَّجَ أُخْتَهُ بَعْضَ أَشْرَافِ أَهْلِ بَيْتٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْحَكَمَ فَانْتَدَبَ إِلَى جَمٍ بِنَفْسِهِ، فَهَرَبَ مِنْهُ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِ الضَّحَّاكُ فَامْتَلَخَ أَمْعَاءَهُ وَنَشَرَهُ بِمِنْشَارٍ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قِصَّةً تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةَ جَمٍ لَوْلَا أَنَّ فِيهَا ذِكْرُ نَصْرَ، وَبَيْنَ جَمٍ وَنَصْرَ بَوْنٌ بَعِيدٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الضَّحَّاكُ سُمِّيَ بِذَلِكَ الزَّمَانِ بُخْتَ نَصَّرَ. وعن عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ رَجُلَا مَلِكٍ وَهُوَ شَابٌّ، فَقَالَ: إِنِّي لِأَجِدَ لِلْمُلْكِ لَذَّةً، وَلَا أَدْرِي أَكَذَلِكَ يَجِدُ النَّاسُ الْمُلْكَ أَمْ أَنَا أَجِدُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ؟ فَقِيلَ: بَلِ الْمُلْكُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: مَا الَّذِي يُقِيمُهُ لِي؟ فَقِيلَ لَهُ: يُقِيمُهُ أَنْ تُطِيعَ اللَّهَ وَلَا تَعْصِيهِ، فَدَعَا نَاسًا مِنْ خِيَارٍ مَنْ [كَانَ] فِي مُلْكِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: كُونُوا بِحَضْرَتِي وَفِي مَجْلِسِي، فَمَا رَأَيْتُمْ أَنَّهُ طَاعَةُ اللَّهِ فَمُرُونِي أَنْ أَعْمَلَ بِهِ، وَمَا رَأَيْتُمْ أَنَّهُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ فَازْجُرُونِي عَنْهُ أَنْزَجِرْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ هُوَ وَهُمْ، فَاسْتَقَامَ مُلْكُهُ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ مُطِيعًا لِلَّهِ. ثُمَّ إِنَّ إِبْلِيسَ انْتَبَهَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: تَرَكْتُ رَجُلًا يَعَبْدُ اللَّهِ مَلِكًا أَرْبَعَمِائَةِ [سَنَةٍ]، فَجَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَتَمَثَّلَ لَهُ بِرَجُلٍ، فَفَزِعَ مِنْهُ الْمَلِكُ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ إِبْلِيسُ: لَا تُرَعْ، وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ الْمَلِكُ: أَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: لَوْ كُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ لَقَدْ مُتَّ كَمَا يَمُوتُ بَنُو آدَمَ، أَلَمْ تَرَ كُمْ قَدْ مَاتَ مِنَ النَّاسِ وَذَهَبَ [مِنَ] الْقُرُونِ، وَلَكِنَّكَ إِلَهٌ، فَادْعُ النَّاسَ إِلَى عِبَادَتِكَ. فَدَخَلَ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي [قَدْ كُنْتُ] أَخْفَيْتُ عَلَيْكُمْ أَمْرًا بَانَ لِي إِظْهَارُهُ لَكُمْ، أَتَعْلَمُونَ أَنِّي مَلَكْتُكُمْ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَوْ كُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ لَقَدْ مُتُّ كَمَا مَاتُوا، وَلَكِنِّي إِلَهٌ فَاعْبُدُونَي فَأَرْعَشَ مَكَانَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى بَعْضِ مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: أَخْبِرْهُ أَنِّي [قَدِ] اسْتَقَمْتُ [لَهُ] مَا اسْتَقَامَ لِي، فَارْعَوَى مِنْ طَاعَتِي إِلَى مَعْصِيَتِي فَلَمْ يَسْتَقِمْ لِي، فَبِعِزَّتِي حَلَفْتُ لَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِ نَصَّرَ فَلَيَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، وَلَيَأْخُذَنَّ مَا فِي خِزَانَتِهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَسْخَطُ اللَّهُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا سَلَطَ عَلَيْهِ نَصَّرَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَوْقَرَ مِنْ خِزَانَتِهِ سَبْعِينَ سَفِينَةً [ذَهَبًا].

  77. التاريخ 89لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ نُوحٍ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [ الْإِسْرَاءِ: 3 ]. قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ، وَشَرَابِهِ، وَلِبَاسِهِ، وَشَأْنِهِ كُلِّهِ. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّكُورَ هُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، فَإِنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِهَذَا وَبِهَذَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا

  78. التاريخ 90لا حكم مسجّل

    صَوْمِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ بسنده عَنْ يَزِيدَ بْنِ رَبَاحٍ أَبِي فِرَاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: صَامَ نُوحٌ الدَّهْرَ إِلَّا يَوْمَ الْفِطْرِ، وَالْأَضْحَى، وَصَامَ دَاوُدُ نِصْفَ الدَّهْرِ، وَصَامَ إِبْرَاهِيمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَامَ الدَّهْرَ وَأَفْطَرَ الدَّهْرَ.

  79. التاريخ 91لا حكم مسجّل

    حَجَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ   عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا أَتَى وَادِي عُسْفَانَ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَيُّ وَادٍ هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا وَادِي عُسْفَانَ. قَالَ: لَقَدْ مَرَّ بِهَذَا الْوَادِي نُوحٌ وَهُودٌ وَإِبْرَاهِيمُ عَلَى بَكَرَاتٍ لَهُمْ حُمْرٍ خَطْمُهُمُ اللِّيفُ أَزُرُهُمُ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ. فِيهِ غَرَابَةٌ.

  80. التاريخ 92لا حكم مسجّل

    وَصِيَّتِهِ لِوَلَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ   عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ عَلَيْهِ جُبَّةُ سِيجَانٍ مَزْرُورَةٌ بِالدِّيبَاجِ، فَقَالَ: " أَلَا إِنَّ صَاحِبَكُمْ هَذَا قَدْ وَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ " أَوْ قَالَ: " يُرِيدُ أَنْ يَضَعَ كُلَّ فَارِسٍ ابْنِ فَارِسٍ، وَرَفَعَ كُلَّ رَاعٍ بْنِ رَاعٍ ". قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَجَامِعِ جُبَّتِهِ، وَقَالَ: " أَلَّا أَرَى عَلَيْكَ لِبَاسَ مَنْ لَا يَعْقِلُ ". ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الْوَصِيَّةَ آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ ; آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ، وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يَرْزُقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ ". قَالَ: قُلْتُ، أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الشِّرْكُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا الْكِبْرُ ؟ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا نَعْلَانِ حَسَنَتَانِ لَهُمَا شِرَاكَانِ حَسَنَانِ ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ: هُوَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا دَابَّةٌ يَرْكَبُهَا ؟ قَالَ: " لَا ". قَالَ: أَفَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِنَا أَصْحَابٌ يَجْلِسُونَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: " لَا ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الْكِبْرُ ؟ قَالَ: " سَفَهُ الْحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ ". وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ. وَيَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا رَكِبَ السَّفِينَةَ كَانَ عُمُرُهُ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ. وَزَادَ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَرٌ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ فَهُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ يَقْتَضِي أَنَّ نُوحًا مَكَثَ فِي قَوْمِهِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ، وَقَبْلَ الطُّوفَانِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ. [ الْعَنْكَبُوتِ: 14 ] ثُمَّ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَا ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْفُوظًا مِنْ أَنَّهُ بُعِثَ وَلَهُ أَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَأَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَيَكُونُ قَدْ عَاشَ عَلَى هَذَا أَلْفَ سَنَةٍ وَسَبْعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً. وَلَمَّا حَضَرَتْ نُوحًا الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا ؟ قَالَ: كَبَيْتٍ لَهُ بَابَانِ دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ قبر نوح وَأَمَّا قَبْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ أَنَّ قَبْرَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهَذَا أَقْوَى وَأَثْبَتُ مِنَ الذِّكْرِ الَّذِي يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْ أَنَّهُ بِبَلْدَةٍ بِالْبِقَاعِ تُعْرَفُ الْيَوْمَ بِكَرْكِ نُوحٍ، وَهُنَاكَ جَامِعٌ قَدْ بُنِيَ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَأُوْقِفَتْ عَلَيْهِ أَوْقَافٌ فِيمَا ذُكِرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  81. التاريخ 77لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خَنُوخَ، وَهُوَ إِدْرِيسُ بْنُ يَرْدَ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَنَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. كَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ كَمْ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِ الْقَرْنِ هَلْ هُوَ مِائَةُ سَنَةٍ أَمِ الْجِيلُ مِنَ النَّاسِ. وَقَدْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالنُّبُوَّةِ وَأَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمِهِ لَمَّا عَبَدُوا الْأَصْنَامَ وَالطَّوَاغِيتَ، وَكَانُوا قَدْ دَانُوا بِدِينِ الصَّابِئَةِ أَيْضًا، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سِنِّ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى قَوْمِهِ فَقِيلَ: كَانَ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. فَدَعَا نُوحٌ قَوْمَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَنَبْذِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ دَعَاهُمْ بِكُلِّ السُّبُلِ وَالطُّرُقِ وَالْأَوْقَاتِ فَمَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلٍ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [ نُوحٍ: 2 - 14 ]. وَقَدْ ظَلَّ يَدْعُوهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُمْ قَالَ: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا [ نُوحٍ: 26 - 27 ]، وَطَلَبَ الْفَتْحَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 117 - 118 ]. وَدَعَا رَبَّهُ أَيْضًا أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [ الْقَمَرِ: 10 ]. وَقَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [ الْمُؤْمِنُونَ: 26 ]. فَجَاءَ الْفَتْحُ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [ الْأَنْبِيَاءِ: 76 ] وَأَوْحَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مِنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [ هُودٍ: 36 ]. وَحِينَئِذٍ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبِنَاءِ السَّفِينَةِ وَأَعْلَمَهُ بِمَا سَيَحِلُّ بِقَوْمِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْإِغْرَاقِ وَنَهَاهُ أَنْ تَأْخُذَهُ بِهِمْ رَأْفَةٌ إِذَا مَا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ. وَكَانَ قَوْمُهُ كُلَّمَا مَرُّوا بِهِ سَخِرُوا مِنْهُ وَمِمَّا يَصْنَعُ مِنْ بِنَاءِ السَّفِينَةِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ أَوْصَافًا لِلسَّفِينَةِ عَنْ طُولِهَا وَعَرْضِهَا وَارْتِفَاعِهَا وَهَيْئَتِهَا، فَلَمَّا اكْتَمَلَ بِنَاؤُهَا أَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِنَ الْكَائِنَاتِ، فَلَمَّا اطْمَأَنَّ نُوحٌ وَمِنْ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ أَمَرَ اللَّهُ السَّمَاءَ بِنُزُولِ الْمَاءِ الْمُنْهَمِرِ وَفُجِّرَتِ الْأَرْضُ عُيُونًا فَعَمَّ الْأَرْضَ الْمَاءُ حَتَّى عَلَا جِبَالَهَا فَهَلَكَ مَنْ كَانَ خَارِجَ السَّفِينَةِ مِنَ الْبَشَرِ وَالْكَائِنَاتِ، وَهَلَكَ فِيمَنْ هَلَكَ ابْنُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ، وَأَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نُوحًا أَنْ يَهْبِطَ بِسَلَامٍ مِنْهُ وَبَرَكَاتٍ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ. هَذَا وَقَدْ أَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ جَهَلَةِ الْفُرْسِ وَأَهْلِ الْهِنْدِ، وُقُوعَ الطُّوفَانِ، وَاعْتَرَفَ بِهِ آخَرُونَ مِنْهُمْ. فَلَمَّا نَزَلَ نُوحٌ إِلَى الْأَرْضِ انْتَشَرَتْ ذُرِّيَّتُهُ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ سَامَ بْنَ نُوحٍ أَبُو الْعَرَبِ، وَفَارِسَ، وَالرُّومِ، وَإِنَّ حَامًا أَبُو السُّودَانِ، وَإِنَّ يَافِثَ أَبُو التُّرْكِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَقَدْ وَقَعَتِ الْعَدِيدُ مِنَ الْأَحْدَاثِ مَا بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَتَعَلَّقُ بِاقْتِسَامِ الْأَرْضِ وَسُكْنَاهَا بَيْنَ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَ هَلَاكِ الصَّالِحِينَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَكَانَ مِمَّنْ بُعِثَ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ دَانْيَالُ الْأَكْبَرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [ الْإِسْرَاءِ: 3 ]، وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَصُومُ الدَّهْرَ إِلَّا الْعِيدَيْنِ. وَلَمَّا حَضَرَتْ نُوحًا الْوَفَاةُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا ؟ قَالَ: كَبَيْتٍ لَهُ بَابَانِ دَخَلْتُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَخَرَجْتُ مِنَ الْآخَرِ.

  82. التاريخ 78لا حكم مسجّل

    نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَامَكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ خَنُوخَ، وَهُوَ إِدْرِيسُ بْنُ يَرْدَ بْنِ مَهْلَائِيلَ بْنِ قَيْنَنَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: نُوحُ بْنُ مَلْكَانَ بْنِ مَثُوبِ بْنِ إِدْرِيسَ وكَانَ مَوْلِدُهُ بَعْدَ وَفَاةِ آدَمَ بِمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ، وَعَلَى تَارِيخِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ يَكُونُ بَيْنَ مَوْلِدِ نُوحٍ وَمَوْتِ آدَمَ مِائَةٌ وَسِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَشَرَةُ قُرُونٍ، كَمَا قَالَ الْحَافِظُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وعن مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَّامٍ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَأَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَبِيٌّ كَانَ آدَمُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. مُكَلِّمٌ. قَالَ: فَكَمْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نُوحٍ ؟ قَالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ. قُلْتُ: وَهَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْقَرْنِ مِائَةَ سَنَةٍ، كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فَبَيْنَهُمَا أَلْفُ سَنَةٍ لَا مَحَالَةَ، لَكِنْ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ بِاعْتِبَارِ مَا قَيَّدَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْإِسْلَامِ ; إِذْ قَدْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا قُرُونٌ أُخَرُ مُتَأَخِّرَةٌ لَمْ يَكُونُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي أُمَامَةَ يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ فِي عَشَرَةِ قُرُونٍ، وَزَادَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ كَانُوا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْلِ التَّوَارِيخِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ قَابِيلَ وَبَنِيهِ عَبَدُوا النَّارَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْقَرْنِ الْجِيلَ مِنَ النَّاسِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [ الْإِسْرَاءِ: 17 ]. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 42 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [ الْفُرْقَانِ: 38 ]. وَقَالَ: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ [ مَرْيَمَ: 74 ]. وَكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي. الْحَدِيثَ. فَقَدْ كَانَ الْجِيلُ قَبْلَ نُوحٍ يُعَمِّرُونَ الدُّهُورَ الطَّوِيلَةَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ أُلُوفٌ مِنَ السِّنِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  83. التاريخ 79لا حكم مسجّل

    نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ وَالطَّوَاغِيتُ، وَشَرَعَ النَّاسُ فِي الضَّلَالَةِ، وَالْكُفْرِ فَبَعْثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعِبَادِ فَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بُعِثَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، كَمَا يَقُولُ لَهُ أَهْلُ الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ قَوْمُهُ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو رَاسِبٍ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. مقدار سن نوح يوم بعث وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ سِنِّهِ يَوْمَ بُعِثَ  . فَقِيلَ: كَانَ ابْنَ خَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ابْنَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: ابْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً حَكَاهَا ابْنُ جَرِيرٍ، وَعَزَا الثَّالِثَ مِنْهَا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى مِلَّةِ الْحَقِّ  ، وَأَنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ حَدَثَ فِي الْقَرْنِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ، وَهُوَ أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ بِالْإِنْذَارِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى التَّوْحِيدِ  ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةَ. خبر الملك المسمى بالضحاك خَبَرِ الْمَلِكِ الْمُسَمَّى بِالضَّحَّاكِ وَهُوَ بَيُورَاسِبُ. وَهُوَ الِازْدِهَاقُ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الضَّحَّاكَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يَدَّعُونَ أَنَّ الضَّحَّاكَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ الْفَرَاعِنَةِ، وَكَانَ مَلِكَ مِصْرَ لَمَّا قَدِمَهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ. وَالْفُرْسُ تَذْكُرُ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَتَنْسُبُهُ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ بِيَوْرَاسِبُ بْنُ أَرُونْدَاسِبَ بْنِ رِينْكَارَ بْنِ وُنْدَرِيشْتِكَ بْنِ يَارِينَ بْنِ فَرُوَالَ بْنِ سِيَامِكَ بْنِ مَيْشَى بْنِ جُيُومَرْثَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ غَيْرَ هَذِهِ النِّسْبَةِ وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا خَبَرَ بِيَوْرَاسِبَ هَهُنَا لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ نُوحًا كَانَ فِي زَمَانِهِ، وَإِنَّمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ وَإِلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ. وَكَانُوا قَوْمَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ تِسْعَمِائَةٍ وَسِتَّةً وَخَمْسِينَ سَنَةً كُلَّمَا مَضَى قَرْنٌ اتَّبَعَهُمْ قَرْنٌ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْكُفْرِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْعَذَابَ. وكَانَ الضَّحَّاكُ عَظِيمَ الْمَمْلَكَةِ. وَيُقَالُ: أَنَّ جَمًا الْمَلِكَ زَوَّجَ أُخْتَهُ مِنْ بَعْضِ أَشْرَافِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَمَلَّكَهُ عَلَى الْيَمَنِ، فَوَلَدَتْ لَهُ الضَّحَّاكَ. وَالْيَمَنُ تَدَّعِيهِ وَتَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ أَنْفَسِهَا، وَأَنَّهُ الضَّحَّاكُ بْنُ عُلْوَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجٍ، وَأَنَّهُ مَلَكَ عَلَى مِصْرَ أَخَاهُ سِنَانَ بْنَ عُلْوَانَ،  ، وَأَنَّهُ مَلَكَ مِصْرَ [حِينَ] قَدَمِهَا الْخَلِيلُ. وَالْفُرْسُ تَنْسُبُ الضَّحَّاكَ غَيْرَ هَذَا النَّسَبِ، فَتَرْفَعُ نَسَبَهُ إِلَى جِيُومَرْثَ، وَقِيلَ: كَانَ كَثِيرَ الْإِقَامَةِ بِبَابِلَ. وَعَامَّةُ الْمُؤَرِّخِينَ ذَكَرُوا أَنَّهُ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ كُلَّهَا، وَأَنَّهُ كَانَ سَاحِرًا فَاجِرًا. قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: مَلَكَ الضَّحَّاكُ بَعْدَ جَمٍ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - أَلْفَ سَنَةٍ، وَسَارَ بِالْجَوْرِ وَالْقَتْلِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الصَّلْبَ وَالْقَطْعَ، وَأَوَّلَ مَنْ وَضَعَ الْعُشُورَ وَضَرَبَ الدَّرَاهِمَ، وَأَوَّلَ مَنْ تَغَنَّى وَغُنِّيَ لَهُ  . وَيُقَالُ أَنَّهُ خَرَجَ فِي مَنْكِبِهِ سِلْعَتَانِ كَانَتَا تَضْرِبَانِ عَلَيْهِ حَتَّى يُطْلِيَهِمَا بِدِمَاغِ إِنْسَانٍ، وَكَانَ يَقْتُلُ لِذَلِكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَجُلَيْنِ، وَيُطْلِي سِلْعَتَيْهِ بِدِمَاغَيْهِمَا، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَكَنَ مَا يَجِدُ. قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ: وَهَذَا الضَّحَّاكُ هُوَ الَّذِي غَنَّاهُ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ بِقَوْلِهِ: بَلْ كَانَ كَالضَّحَّاكِ فِي سَطَوَاتِهِ بِالْعَالَمِينَ وَأَنْتَ أَفْرِيدُونُ وَأَفْرِيدُونُ مِنْ نَسْلٍ جَمٍ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ [مِنْ] قَبْلِ الضَّحَّاكِ، ثُمَّ قَدِمَ إِلَى مَنْزِلِ الضَّحَّاكِ فَاحْتَوَى عَلَيْهِ وَأَوْثَقَ الضَّحَّاكَ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ مَهْرَجَانًا، وَعَلَا أَفْرِيدُونُ سَرِيرَ الْمُلْكِ. وَكَانَ عَرْضُ صَدْرِ الْمَلِكِ أَفْرِيدُونَ أَرْبَعَةَ أَرْمَاحٍ. وَالْفُرْسُ تَزْعُمُ أَنَّ الْمُلْكَ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِلْبَطْنِ الَّذِي مِنْهُ أُوشَهَنْجُ وَجَمٌ وَطَهْمُوَرْثَ، وَأَنَّ الضَّحَّاكَ كَانَ غَاصِبًا، غَصَبَ أَهْلَ الْأَرْضِ بِسِحْرِهِ [وَخُبْثِهِ]. وَكَانَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ نَاتِئَتَانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ كَرَأْسِ الثُّعْبَانِ، فَكَانَ يَسْتُرُهُمَا وَيَزْعُمُ أَنَّهُمَا حَيَّتَانِ يَقْتَضِيَانِهِ الطَّعَامَ، وَكَانَتَا تَتَحَرَّكَانِ إِذَا جَاعَ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. وَقِيلَ: مَا زَالَ النَّاسُ مَعَهُ فِي جَهْدٍ حَتَّى وَثَبَ رَجُلٌ اسْمُهُ كَابِي مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ كَانَ قَدْ قُتِلَ لَهُ ابْنَيْنِ، فَجَمَعَ النَّاسَ لِقِتَالِهِ، فَهَرَبَ الضَّحَّاكُ وَوَلِيَ مَكَانَهُ أَفْرِيدُونُ فَاحْتَوَى عَلَى مُلْكِ الضَّحَّاكِ. وَمَلَكَ أَفْرِيدُونُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ عُمْرُ الضَّحَّاكِ أَلْفَ سَنَةٍ، وَمُلْكُهُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَسَّابِي الْفُرْسِ أَنَّ أَفْرِيدُونَ هُوَ نُوحٌ الَّذِي قَهَرَ الضَّحَّاكَ وَغَلَبَهُ وَسَلَبَهُ مُلْكَهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: أَفْرِيدُونُ هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَقَالَ الْفُرْسُ: أَفْرِيدُونُ مِنْ وَلَدِ جَمٍ الْمَلِكِ، وَهُوَ التَّاسِعُ مِنْ وَلَدِهِ. وَكَانَ أَفْرِيدُونُ قَدْ أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَظَرَ فِي النُّجُومِ وَالطِّبِّ، وَأَوَّلُ مَنْ ذَلَّلَ الْفِيَلَةَ وَامْتَطَاهَا وَقَاتَلَ بِهَا الْأَعْدَاءَ، وَاتَّخَذَ الْأَوَزَّ وَالْحَمَامَ  . وَكَانَ شَدِيدَ الْقُوَّةِ حَسَنَ الصُّورَةِ، وَعَالَجَ الدِّرْيَاقَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِكَيْ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ "كَيْ أَفْرِيدُونُ" وَهِيَ كَلِمَةُ مَعْنَاهَا التَّنْزِيهُ، أَيْ: هُوَ مُنَزَّهٌ مُتَّصِلٌ بِالرُّوحَانِيَّةِ. وَأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَوْلَادٍ لَهُ ثَلَاثَةٍ، فَوَثَبَ اثْنَانِ مِنْهُمْ عَلَى الثَّالِثِ فَقَتَلَاهُ وَاقْتَسَمَا الْأَرْضَ فَمَلَكَاهَا ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ بَغَى مِنْهُمْ طُوجُ بْنُ أَفْرِيدُونَ، ثُمَّ نَشَأَ لَهُ أَفْرِاسَيَابُ بْنُ تُرْكٍ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ التُّرْكُ مِنْ وَلَدِ طَوْجٍ. وَيُقَالُ: الضَّحَّاكُ هُوَ نَمْرُودُ الْخَلِيلِ وَأَنَّ الْخَلِيلَ وُلِدَ فِي زَمَانِهِ، وَأَنَّهُ صَاحِبُهُ الَّذِي أَرَادَ إِحْرَاقَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  84. التاريخ 80لا حكم مسجّل

    اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دِيَانَةِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَكْرَهُهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رُكُوبِ الْفَوَاحِشِ، وَالْكُفْرِ، وَشُرْبِ الْخُمُورِ، وَالِاشْتِغَالِ بِالْمَلَاهِي عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ طَاعَةٍ. وَبِيَوْرَاسِبُ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِمَذْهَبِ الصَّابِئِينَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ نُوحٌ وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ: فَيَنْطِقُ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ أَوْثَانٍ، قَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا. قُلْتُ: لَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ الْحَقَّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ هُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، كَمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّابِئِينَ، فَإِنَّ أَصْلَ مَذْهَبِ الصَّابِئِينَ عِبَادَةُ الرَّوْحَانِيِّينَ، وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ لِتُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى زُلْفَى، فَإِنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِصَانِعِ الْعَالَمِ وَأَنَّهُ حَكِيمٌ قَادِرٌ مُقَدَّسٌ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ الْعَجْزِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ جَلَالِهِ، وَإِنَّمَا نَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ بِالْوَسَائِطِ الْمُقَرَّبَةِ لَدَيْهِ، وَهُمُ الرَّوْحَانِيُّونَ، وَحَيْثُ لَمْ يُعَايِنُوا الرَّوْحَانِيِّينَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِمْ بِالْهَيَاكِلِ، وَهِيَ الْكَوَاكِبُ السَّبْعَةُ السَّيَّارَةُ لِأَنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِهَذَا الْعَالَمِ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَشْخَاصِ، حَيْثُ رَأَوْا أَنَّ الْهَيَاكِلَ تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ وَتُرَى لَيْلًا وَلَا تُرَى نَهَارًا - إِلَى وَضْعِ الْأَصْنَامِ لِتَكُونَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ لِيَتَوَسَّلُوا بِهَا إِلَى الْهَيَاكِلِ، وَالْهَيَاكِلُ إِلَى الرَّوْحَانِيِّينَ، وَالرَّوْحَانِيُّونَ إِلَى صَانِعِ الْعَالَمِ، فَهَذَا كَانَ أَصْلَ وَضْعِ الْأَصْنَامِ أَوَّلًا، وَقَدْ كَانَ أَخِيرًا فِي الْعَرَبِ مَنْ هُوَ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ، وَقَالَ تَعَالَى: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى فَقَدْ حَصَلَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ مَذْهَبُ الصَّابِئِينَ، وَالْكُفْرُ وَالْفَوَاحِشُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَاصِي. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، والْمُرَادَ بِالْقَرْنِ الْجِيلُ أَوِ الْمُدَّةُ، ثُمَّ بَعْدَ تِلْكَ الْقُرُونِ الصَّالِحَةِ حَدَثَتْ أُمُورٌ اقْتَضَتْ أَنْ آلَ الْحَالُ بِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ إِلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [ نُوحٍ: 23 ]. قَالَ: هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَصَارَتْ هَذِهِ الْأَوْثَانُ الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْمِ نُوحٍ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ. وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ، وَكَانَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَلَمَّا مَاتُوا قَالَ أَصْحَابُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِهِمْ: لَوْ صَوَّرْنَاهُمْ كَانَ أَشْوَقَ لَنَا إِلَى الْعِبَادَةِ إِذَا ذَكَرْنَاهُمْ. فَصَوَّرُوهُمْ، فَلَمَّا مَاتُوا وَجَاءَ آخَرُونَ دَبَّ إِلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، فَقَالَ: إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَبِهِمْ يُسْقَوْنَ الْمَطَرَ فَعَبَدُوهُمْ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: وَدٌّ، وَيَغُوثُ، وَيَعُوقُ، وَسُوَاعٌ، وَنَسْرٌ ; أَوْلَادُ آدَمَ. وَكَانَ وَدٌّ أَكْبَرَهُمْ وَأَبَرَّهُمْ بِهِ. وعَنْ أَبِي الْمُطَهَّرِ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ هُوَ الْبَاقِرُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ، قَالَ: فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: ذَكَرْتُمْ يَزِيدَ بْنَ الْمُهَلَّبِ أَمَا إِنَّهُ قُتِلَ فِي أَوَّلِ أَرْضٍ عُبِدَ فِيهَا غَيْرُ اللَّهِ. قَالَ: ذَكَرَ وَدًّا رَجُلًا مُسْلِمًا، وَكَانَ مُحَبَّبًا فِي قَوْمِهِ، فَلَمَّا مَاتَ عَسْكَرُوا حَوْلَ قَبْرِهِ فِي أَرْضِ بَابِلَ، وَجَزِعُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى إِبْلِيسُ جَزَعَهُمْ عَلَيْهِ تَشَبَّهَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي أَرَى جَزَعَكُمْ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ أُصَوِّرَ لَكُمْ مِثْلَهُ فَيَكُونَ فِي نَادِيكُمْ فَتَذْكُرُونَهُ. قَالُوا: نَعَمْ. فَصَوَّرَ لَهُمْ مِثْلَهُ، قَالَ: وَوَضَعُوهُ فِي نَادِيهِمْ وَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ ذِكْرِهِ، قَالَ: هَلْ لَكَمَ أَنْ أَجْعَلَ فِي مَنْزِلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ تِمْثَالًا مِثْلَهُ لِيَكُونَ لَهُ فِي بَيْتِهِ فَتَذْكُرُونَهُ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَمَثَّلَ لِكُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ تِمْثَالًا مِثْلَهُ، فَأَقْبَلُوا فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَهُ بِهِ. قَالَ: وَأَدْرَكَ أَبْنَاؤُهُمْ فَجَعَلُوا يَرَوْنَ مَا يَصْنَعُونَ بِهِ قَالَ: وَتَنَاسَلُوا، وَدُرِسَ أَمْرُ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ حَتَّى اتَّخَذُوهُ إِلَهًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِمْ فَكَانَ أَوَّلَ مَا عُبِدَ غَيْرَ اللَّهِ وَدٌّ الصَّنَمُ الَّذِي سَمَّوْهُ وَدًّا. وَمُقْتَضَى هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ كُلَّ صَنَمٍ مِنْ هَذِهِ عَبَدَهُ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا تَطَاوَلَتِ الْعُهُودُ وَالْأَزْمَانُ جَعَلُوا تِلْكَ الصُّوَرَ تَمَاثِيلَ مُجَسَّدَةً لِيَكُونَ أَثْبَتَ لَهَا، ثُمَّ عُبِدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَهُمْ فِي عِبَادَتِهَا مَسَالِكُ كَثِيرَةٌ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَتْ عِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ تِلْكَ الْكَنِيسَةَ الَّتِي رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَّةُ. فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا قَالَ: أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

  85. التاريخ 81لا حكم مسجّل

    لَمَّا تَمَادَى قَوْمُ نُوحٍ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعِصْيَانِهِمْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نُوحًا يُحَذِّرُهُمْ بَأْسَهُ، وَنِقْمَتَهُ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى ويَدْعُوهم إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وينهاهم عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، نوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض فَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ  ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ قَالَ: فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا، فَيَقُولُ: رَبِّي قَدْ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ. فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا، أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُولُ: رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ. نَفْسِي نَفْسِي. وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ، كَمَا أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي قِصَّةِ نُوحٍ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ دَعَاهُمْ إِلَى إِفْرَادِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ لَا يَعْبُدُوا مَعَهُ صَنَمًا، وَلَا تِمْثَالًا، وَلَا طَاغُوتًا، وَأَنْ يَعْتَرِفُوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ هُمْ كُلُّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [ الصَّافَّاتِ: 77 ]. وَقَالَ فِيهِ، وَفِي إِبْرَاهِيمَ: وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ الْحَدِيدِ: 26 ]. أَيْ: كُلُّ نَبِيٍّ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النَّحْلِ: 36 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [ الزُّخْرُفِ: 45 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الْأَنْبِيَاءِ: 25 ]. وَلِهَذَا قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ الْأَعْرَافِ: 59 ]. وَقَالَ: أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [ هُودٍ: 26 ]. وَقَالَ: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 23 ]. وَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [ نوحٍ: 2 - 14 ]. الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ. فَذَكَرَ أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ بِأَنْوَاعِ الدَّعْوَةِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالسِّرِّ وَالْإِجْهَارِ، بِالتَّرْغِيبِ تَارَةً وَالتَّرْهِيبِ أُخْرَى، وَكُلُّ هَذَا فَلَمْ يَنْجَحْ فِيهِمْ، بَلِ اسْتَمَرَّ أَكْثَرُهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَالطُّغْيَانِ، وَعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ، وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَأَوَانٍ، وَتَنَقَّصُوهُ وَتَنَقَّصُوا مَنْ آمَنَ بِهِ. وَتَوَعَّدُوهُمْ بِالرَّجْمِ وَالْإِخْرَاجِ، وَنَالُوا مِنْهُمْ، وَبَالَغُوا فِي أَمْرِهِمْ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ. أَيِ: السَّادَةُ الْكُبَرَاءُ مِنْهُمْ: إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 60 ]. أَيْ: لَسْتُ كَمَا تَزْعُمُونَ مِنْ أَنِّي ضَالٌّ بَلْ عَلَى الْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ، رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَيِ: الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [ الْأَعْرَافِ: 62 ]. وَهَذَا شَأْنُ الرَّسُولِ أَنْ يَكُونَ بَلِيغًا، أَيْ: فَصِيحًا نَاصِحًا أَعْلَمَ النَّاسِ باللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالُوا لَهُ فِيمَا قَالُوا: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [ هُودٍ: 27 ]. تَعَجَّبُوا أَنْ يَكُونَ بَشَرًا رَسُولًا، وَتَنَقَّصُوا بِمَنِ اتَّبَعَهُ، وَرَأَوْهُمْ أَرَاذِلَهُمْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَقْيَادِ النَّاسِ، وَهُمْ ضُعَفَاؤُهُمْ، كَمَا قَالَ هِرَقْلُ: وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ لَهُمْ مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ. وَقَوْلُهُمْ: بَادِيَ الرَّأْيِ. أَيْ: بِمُجَرَّدِ مَا دَعَوْتَهُمُ اسْتَجَابُوا لَكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا رَوِيَّةٍ، وَهَذَا الَّذِي ذَمُّوهُمْ بِهِ هُوَ عَيْنُ مَا يُمْدَحُونَ بِسَبَبِهِ ؓ، فَإِنَّ الْحَقَّ الظَّاهِرَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَوِيَّةٍ، وَلَا فِكْرٍ، وَلَا نَظَرٍ. بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ مَتَى ظَهَرَ، مدح النبي ﷺ لأبي بكر الصديق بسرعة استجابته لدعوته إلى الإسلام وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَادِحًا لِلصَّدِّيقِ. مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ لَهُ كَبْوَةٌ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَلَعْثَمْ. وَلِهَذَا كَانَتْ بَيْعَتُهُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ أَيْضًا سَرِيعَةً مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، وَلَا رَوِيَّةٍ ; لِأَنَّ أَفْضَلِيَّتَهُ عَلَى مَنْ عَدَاهُ ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ عِنْدَ الصَّحَابَةِ ؓ، وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ الْكِتَابَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَنُصَّ فِيهِ عَلَى خِلَافَتِهِ فَتَرَكَهُ. وَقَالَ: يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ. ؓ، وَقَوْلُ كَفَرَةِ قَوْمِ نُوحٍ لَهُ، وَلِمَنْ آمَنَ بِهِ: وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ. أَيْ: لَمْ يَظْهَرْ لَكُمْ أَمْرٌ بَعْدَ اتِّصَافِكُمْ بِالْإِيمَانِ، وَلَا مَزِيَّةٌ عَلَيْنَا: بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [ هُودٍ: 27 - 28 ]. وَهَذَا تَلَطُّفٌ فِي الْخِطَابِ مَعَهُمْ، وَتَرَفُّقٌ بِهِمْ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [ طه: 44 ]. وَقَالَ تَعَالَى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النَّحْلِ: 125 ]. وَهَذَا مِنْهُ يَقُولُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ. أَيُّ النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ. أَيْ فَلَمْ تَفْهَمُوهَا، وَلَمْ تَهْتَدُوا إِلَيْهَا أَنُلْزِمُكُمُوهَا. أَيْ أَنَغْصِبُكُمْ بِهَا، وَنَجْبُرُكُمْ عَلَيْهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ. أَيْ: لَيْسَ لِي فِيكُمْ حِيلَةٌ وَالْحَالَةُ هَذِهِ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ. أَيْ: لَسْتُ أُرِيدُ مِنْكُمْ أُجْرَةً عَلَى إِبْلَاغِي إِيَّاكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَأُخَرَاكُمْ إِنْ أَطْلُبْ ذَلِكَ إِلَّا مِنَ اللَّهِ الَّذِي ثَوَابُهُ خَيْرٌ لِي، وَأَبْقَى مِمَّا تُعْطُونَنِي أَنْتُمْ. وَقَوْلُهُ: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [ هُودٍ: 29 ] كَأَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُبْعِدَ هَؤُلَاءِ عَنْهُ، وَوَعَدُوهُ أَنْ يَجْتَمِعُوا بِهِ إِذَا هُوَ فَعَلَ ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَقَالَ إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ فَأَخَافُ إِنْ طَرَدَتْهُمْ أَنْ يَشْكُونِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا قَالَ: وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ [ هُودٍ: 30 ]. وَلِهَذَا لَمَّا سَأَلَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَطْرُدَ عَنْهُ ضُعَفَاءَ الْمُؤْمِنِينَ ; كَعَمَّارٍ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ، وَخَبَّابٍ، وَأَشْبَاهِهِمْ نَهَاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَتَيِ الْأَنْعَامِ، وَالْكَهْفِ: وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ. أَيْ بَلْ أَنَا عَبْدٌ رَسُولٌ لَا أَعْلَمُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مَا أَعْلَمَنِي بِهِ. وَلَا أَقْدِرُ إِلَّا عَلَى مَا أَقْدَرَنِي عَلَيْهِ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا، وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ. يَعْنِي مِنْ أَتْبَاعِهِ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ. أَيْ لَا أَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا خَيْرَ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِمْ، وَسَيُجَازِيهِمْ عَلَى مَا فِي نُفُوسِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنَّ شَرًّا فَشَرٌّ، كَمَا قَالُوا فِي الْمَوْضِعِ الْآخَرِ: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ [ الشُّعَرَاءِ: 111 ]. وَقَدْ تَطَاوَلَ الزَّمَانُ، وَالْمُجَادَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 14 ]. أَيْ: وَمَعَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَمَا آمَنَ بِهِ إِلَّا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ، وَكَانَ كُلَّمَا انْقَرَضَ جِيلٌ وَصَّوْا مَنْ بَعْدَهُمْ بِعَدَمِ الْإِيمَانِ بِهِ. وَمُحَارَبَتِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ، وَكَانَ الْوَالِدُ إِذَا بَلَغَ وَلَدُهُ وَعَقَلَ عَنْهُ كَلَامَهُ وَصَّاهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ أَنْ لَا يُؤْمِنَ بِنُوحٍ أَبَدًا مَا عَاشَ وَدَائِمًا مَا بَقِيَ، وَكَانَتْ سَجَايَاهُمْ تَأْبَى الْإِيمَانَ وَاتِّبَاعَ الْحَقِّ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [ نُوحٍ: 27 ]. وَلِهَذَا قَالُوا: يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [ هُودٍ: 32 - 33 ]. أَيْ: إِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَلَا يَكْتَرِثُهُ أَمْرٌ بَلْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ هُودٍ: 34 ]. أَيْ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ يَمْلِكَ أَحَدٌ هِدَايَتَهُ هُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ وَمَنْ يَسْتَحِقُّ الْغِوَايَةَ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ تعزية لنوح في قومه بأنه لن يؤمن معه إلا من قد آمن وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [ هُودٍ: 36 ]. وَهَذِهِ تَعْزِيَةٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْمِهِ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، وَتَسْلِيَةٌ لَهُ عَمَّا كَانَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. أَيْ: لَا يَسُوأَنَّكَ مَا جَرَى فَإِنَّ النَّصْرَ قَرِيبٌ، وَالنَّبَأَ عَجِيبٌ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ. وَذَلِكَ أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا يَئِسَ مِنْ صَلَاحِهِمْ، وَفَلَاحِهِمْ، وَرَأَى أَنَّهُمْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ، وَتَوَصَّلُوا إِلَى أَذِيَّتِهِ، وَمُخَالَفَتِهِ، وَتَكْذِيبِهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ مِنْ فِعَالٍ، وَمَقَالٍ دَعَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةَ غَضَبٍ لِلَّهِ فَلَبَّى اللَّهُ دَعْوَتَهُ وَأَجَابَ طِلْبَتَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [ الصَّافَّاتِ: 75 - 76 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [ الْأَنْبِيَاءِ: 76 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ونَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 117 - 118 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [ الْقَمَرِ: 10 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [ الْمُؤْمِنُونَ: 26 ]. وَقَالَ تَعَالَى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [ نُوحٍ: 25 - 27 ] فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ خَطَايَاهُمْ مِنْ كُفْرِهِمْ وَفُجُورِهِمْ، وَدَعْوَةِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِمْ. إيذاء قوم نوح له وقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: إِنَّ قَوْمَ نُوحٍ كَانُوا يَبْطِشُونَ بِهِ فَيَخْنُقُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ  ، فَإِذَا أَفَاقَ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ! حَتَّى إِذَا تَمَادَوْا فِي مَعْصِيَتِهِمْ وَعَظُمَتْ مِنْهُمُ الْخَطِيئَةُ، وَتَطَاوَلَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الشَّأْنُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ، وَانْتَظَرَ النَّجْلَ بَعْدَ النَّجْلِ فَلَا يَأْتِي قَرْنٌ إِلَّا كَانَ أَخْبَثَ مِنَ الْذِي كَانَ قَبْلَهُ حَتَّى إِنْ كَانَ الْآخَرُ لَيَقُولَ: قَدْ كَانَ هَذَا مَعَ آبَائِنَا، وَأَجْدَادِنَا مَجْنُونًا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ يُضْرَبُ وَيُلَفُّ، وَيُلْقَى فِي بَيْتِهِ، يَرَوْنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَإِذَا أَفَاقَ اغْتَسَلَ وَخَرَجَ إِلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَى الْأَوْلَادَ شَرًّا مِنَ الْآبَاءِ قَالَ: رَبِّ قَدْ تَرَى مَا يَفْعَلُ بِي عِبَادُكَ، فَإِنْ تَكُ لَكَ فِيهِمْ حَاجَةٌ فَاهْدِهِمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرُ ذَلِكَ فَصَيِّرْنِي إِلَى أَنْ تَحْكُمَ فِيهِمْ. فَأَوْحَى إِلَيْهِ: إِنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا

  86. التاريخ 82لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا شَكَا نوح إِلَى اللَّهِ وَاسْتَنْصَرَهُ عَلَيْهِمْ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ: اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَأَقْبَلَ نُوحٌ عَلَى عَمَلِ الْفُلْكِ وَهِيَ السَّفِينَةُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ لَهَا نَظِيرٌ قَبْلَهَا، وَلَا يَكُونُ بَعْدَهَا مِثْلَهَا، وَتَقَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ أَمْرُهُ، وَحَلَّ بِهِمْ بِأُسُهُ الَّذِي لَا يُرَدُّ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ أَنَّهُ لَا يُعَاوِدُهُ فِيهِمْ وَلَا يُرَاجِعُهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ قَدْ تُدْرِكُهُ رِقَّةٌ عَلَى قَوْمِهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ الْعَذَابِ النَّازِلِ بِهِمْ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ. أَيْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ اسْتِبْعَادًا لِوُقُوعِ مَا تَوَعَّدَهُمْ بِهِ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ. أَيْ: نَحْنُ الَّذِينَ نَسْخَرُ مِنْكُمْ، وَنَتَعَجَّبُ مِنْكُمْ فِي اسْتِمْرَارِكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَعِنَادِكُمُ الَّذِي يَقْتَضِي وُقُوعَ الْعَذَابِ بِكُمْ وَحُلُولَهُ عَلَيْكُمْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ. وَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ قَدْ صِرْتَ نَجَّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ ! وَقَدْ كَانَتْ سَجَايَاهُمُ الْكُفْرَ الْغَلِيظَ، وَالْعِنَادَ الْبَالِغَ فِي الدُّنْيَا. وَهَكَذَا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُمْ يَجْحَدُونَ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ رَسُولٌ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَجِيءُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: هَلْ بَلَّغْتَ. فَيَقُولُ: نَعَمْ. أَيْ رَبِّ. فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ. فَيَقُولُونَ: لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ. فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ. فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَتَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ. وَهُوَ قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [ الْبَقَرَةِ: 143 ]. وَالْوَسَطُ: الْعَدْلُ فَهَذِهِ الْأُمَّةُ تَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ نَبِيِّهَا الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ نُوحًا بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْحَقَّ وَأَمَرَهُ بِهِ. وَأَنَّهُ بَلَّغَهُ إِلَى أُمَّتِهِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَتَمِّهَا، وَلَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمَّا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ إِلَّا وَقَدْ أَمَرَهُمْ بِهِ. وَلَا شَيْئًا مِمَّا قَدْ يَضُرُّهُمْ إِلَّا وَقَدْ نَهَاهُمْ عَنْهُ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهُ. تحذير كل رسول قومه من الدجال وَهَكَذَا شَأْنُ جَمِيعِ الرُّسُلِ حَتَّى إِنَّهُ حَذَّرَ قَوْمَهُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَتَوَقَّعُ خُرُوجَهُ فِي زَمَانِهِمْ حَذَرًا عَلَيْهِمْ وَشَفَقَةً وَرَحْمَةً بِهِمْ، كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عن سَالِمٌ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنِّي لَأُنْذِرِكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ قَوْمُهُ، لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ ; تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ: لَمَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ أَنْ يَغْرِسَ شَجَرًا لِيَعْمَلَ مِنْهُ السَّفِينَةَ فَغَرَسَهُ، وَانْتَظَرَهُ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ نَجَرَهُ فِي مِائَةٍ أُخْرَى. وَقِيلَ: فِي أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الثَّوْرِيِّ: وَكَانَ مِنْ خَشَبِ السَّاجِ. وَقِيلَ: مِنَ الصَّنَوْبَرِ. وَهُوَ نَصُّ التَّوْرَاةِ. قَالَ الثَّوْرِيُّ: وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ طُولَهَا ثَمَانِينَ ذِرَاعًا، وَعَرْضَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا، وَأَنْ يُطْلَى ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا بِالْقَارِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهَا جُؤْجُؤًا أَزْوَرَ يَشُقُّ الْمَاءَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ طُولُهَا ثَلَثَمِائَةِ ذِرَاعٍ فِي عَرْضِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا. وَهَذَا الَّذِي فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَا رَأَيْتُهُ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: سِتُّمِائَةٍ فِي عَرْضِ ثَلَثِمِائَةٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَلْفٌ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ فِي عَرْضِ سِتِّمِائَةِ ذِرَاعٍ. وَقِيلَ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا مِائَةُ ذِرَاعٍ، قَالُوا كُلُّهُمْ: وَكَانَ ارْتِفَاعُهَا ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ أَذْرُعٍ ; فَالسُّفْلَى لِلدَّوَابِّ وَالْوُحُوشِ، وَالْوُسْطَى لِلنَّاسِ، وَالْعُلْيَا لِلطُّيُورِ، وَكَانَ بَابُهَا فِي عَرْضِهَا، وَلَهَا غِطَاءٌ مِنْ فَوْقِهَا مُطْبَقٌ عَلَيْهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [ الْمُؤْمِنُونَ: 26 ]. أَيْ ; بِأَمْرِنَا لَكَ، وَبِمَرْأَى مِنَّا لِصَنْعَتِكَ لَهَا، وَمُشَاهَدَتِنَا لِذَلِكَ لِنُرْشِدَكَ إِلَى الصَّوَابِ فِي صَنْعَتِهَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 27 ]. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ بِأَمْرِهِ الْعَظِيمِ الْعَالِي أَنَّهُ إِذَا جَاءَ أَمْرُهُ، وَحَلَّ بَأْسُهُ أَنْ يَحْمِلَ فِي هَذِهِ السَّفِينَةِ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَسَائِرِ مَا فِيهِ رُوحٌ مِنَ الْمَأْكُولَاتِ، وَغَيْرِهَا لِبَقَاءِ نَسْلِهَا، وَأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ أَهْلَهُ أَيْ: أَهْلَ بَيْتِهِ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ; أَيْ إِلَّا مَنْ كَانَ كَافِرًا فَإِنَّهُ قَدْ نَفَذَتْ فِيهِ الدَّعْوَةُ الَّتِي لَا تُرَدُّ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ حُلُولُ الْبَأْسِ الَّذِي لَا يُرَدُّ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يُرَاجِعَهُ فِيهِمْ إِذَا حَلَّ بِهِمْ مَا يُعَايِنُهُ مِنَ الْعَذَابِ الْعَظِيمِ الَّذِي قَدْ حَتَّمَهُ عَلَيْهِمُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ قَبْلُ. المقصود بالتنور وَالْمُرَادُ بِالتَّنُّورِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَجْهُ الْأَرْضِ أَيْ ; نَبَعَتِ الْأَرْضُ مِنْ سَائِرِ أَرْجَائِهَا حَتَّى نَبَعَتِ التَّنَانِيرُ الَّتِي هِيَ مَحَالُّ النَّارِ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: التَّنُّورُ عَيْنٌ فِي الْهِنْدِ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: بِالْكُوفَةِ. وَعَنْ قَتَادَةَ: بِالْجَزِيرَةِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: الْمُرَادُ بِالتَّنُّورِ فَلَقُ الصُّبْحِ. وَتَنْوِيرُ الْفَجْرِ أَيْ: إِشْرَاقُهُ وَضِيَاؤُهُ أَيْ: عِنْدَ ذَلِكَ فَاحْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. هَذَا أَمْرٌ ثَانٍ عِنْدَ حُلُولِ النِّقْمَةِ بِهِمْ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ. وَفِي كِتَابِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَحْمِلَ مِنْ كُلِّ مَا يُؤْكَلُ سَبْعَةَ أَزْوَاجٍ، وَمِمَّا لَا يُؤَكَلُ زَوْجَيْنِ ذَكَرًا وَأُنْثَى، وَهَذَا مُغَايِرٌ لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي كِتَابِنَا الْحَقِّ: اثْنَيْنِ. إِنْ جَعْلَنَا ذَلِكَ مَفْعُولًا بِهِ. وَأَمَّا إِنْ جَعَلْنَاهُ تَوْكِيدًا لِزَوْجَيْنِ، وَالْمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ فَلَا تَنَافِيَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ، وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ مِنَ الطُّيُورِ الدُّرَّةُ، وَآخِرُ مَا دَخَلَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْحِمَارُ، وَدَخَلَ إِبْلِيسُ مُتَعَلِّقًا بِذَنَبِ الْحِمَارِ. وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا حَمَلَ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ قَالَ أَصْحَابُهُ: وَكَيْفَ نُطَمْئِنُ أَوْ كَيْفَ تَطْمَئِنُّ الْمَوَاشِي وَمَعَنَا الْأَسَدُ ؟ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحُمَّى فَكَانَتْ أَوَّلَ حُمَّى نَزَلَتْ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ شَكَوُا الْفَأْرَةَ فَقَالُوا: الْفُوَيْسِقَةُ تُفْسِدُ عَلَيْنَا طَعَامَنَا وَمَتَاعَنَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْأَسَدِ فَعَطَسَ فَخَرَجَتِ الْهِرَّةُ مِنْهُ فَتَخَبَّأَتِ الْفَأْرَةُ مِنْهَا. هَذَا مُرْسَلٌ. وَقَوْلُهُ: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ. أَيْ مَنِ اسْتَجَبْتُ فِيهِمُ الدَّعْوَةَ النَّافِذَةَ مِمَّنْ كَفَرَ فَكَانَ مِنْهُمِ ابْنُهُ يَامٌ الَّذِي غَرِقَ، وَمَنْ آمَنَ، أَيْ وَاحْمِلْ فِيهَا مَنْ آمَنَ بِكَ مِنْ أُمَّتِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ. هَذَا مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ وَالْمُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَدَعْوَتِهِمُ الْأَكِيدَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا بِضُرُوبِ الْمَقَالِ، وَفُنُونِ التَّلَطُّفَاتِ، وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ تَارَةً، وَالتَّرْغِيبِ وَالْوَعْدِ أُخْرَى. عدة من كان مع نوح في السفينة وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِدَّةِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ  فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانُوا ثَمَانِينَ نَفْسًا مَعَهُمْ نِسَاؤُهُمْ. وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ كَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نَفْسًا. وَقِيلَ: كَانُوا عَشَرَةً. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانُوا نُوحًا وَبَنِيهِ الثَّلَاثَةَ، وَكَنَائِنَهُ الْأَرْبَعَ بِامْرَأَةِ يَامٍ الَّذِي انْخَزَلَ وَانْعَزَلَ وَسَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِ النَّجَاةِ فَمَا عَدَلَ إِذْ عَدَلَ. وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ بَلْ هِيَ نَصٌّ فِي أَنَّهُ قَدْ رَكِبَ مَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ طَائِفَةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. كَمَا قَالَ: وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَقِيلَ: كَانُوا سَبْعَةً. وَأَمَّا امْرَأَةُ نُوحٍ، وَهِيَ أَمُّ أَوْلَادِهِ كُلِّهِمْ ; وَهُمْ حَامٌ، وِسَامٌ، وَيَافِثُ، ويامٌ، وَتُسَمِّيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كَنْعَانَ، وَهُوَ الَّذِي قَدْ غَرِقَ، وَعَابِرٌ. وَقَدْ مَاتَ قَبْلَ الطُّوفَانِ. قِيلَ: إِنَّهَا غَرِقَتْ مَعَ مَنْ غَرِقَ، وَكَانَتْ مِمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ لِكُفْرِهَا. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي السَّفِينَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَفَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا أُنْظِرَتْ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ: لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [ نُوحٍ: 26 ]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 28 - 29 ]. أَمَرَهُ أَنَّ يَحْمَدَ رَبَّهُ عَلَى مَا سَخَّرَ لَهُ مِنْ هَذِهِ السَّفِينَةِ فَنَجَّاهُ بِهَا، وَفَتَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ، وَأَقَرَّ عَيْنَهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ وَكَذَّبَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [ الزُّخْرُفِ: 12 - 14 ]. وَهَكَذَا يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ فِي ابْتِدَاءِ الْأُمُورِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ  ، وَأَنْ تَكُونَ عَاقِبَتُهَا مَحْمُودَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ حِينَ هَاجَرَ: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا [ الْإِسْرَاءِ: 80 ].

  87. التاريخ 83لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا اطْمَأَنَّ نُوحٌ فِي الْفُلْكِ، وَأَدْخَلَ فِيهِ كُلَّ مَنْ أُمِرَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِهِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَحَمَلَ مَعَهُ مَنْ حَمَلَ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. أَيْ عَلَى اسْمِ اللَّهِ ابْتِدَاءُ سَيْرِهَا وَانْتِهَاؤُهُ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. أَيْ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ مَعَ كَوْنِهِ غَفُورًا رَحِيمًا لَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ، كَمَا أَحَلَّ بِأَهْلِ الْأَرْضِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ. وَعَبَدُوا غَيْرَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا لَمْ تَعْهَدْهُ الْأَرْضُ قَبْلَهُ، وَلَا تُمْطِرْهُ بَعْدَهُ كَانَ كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ، وَأَمَرَ الْأَرْضَ فَنَبَعَتْ مِنْ جَمِيعِ فِجَاجِهَا وَسَائِرِ أَرْجَائِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [ الْقَمَرِ: 10 - 13 ]. وَالدُّسُرُ: الْمَسَامِيرُ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا أَيْ بِحِفْظِنَا وَكَلَاءَتِنَا وَحِرَاسَتِنَا وَمُشَاهَدَتِنَا لَهَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ الطُّوفَانَ كَانَ فِي ثَالِثَ عَشَرَ شَهْرِ آبٍ فِي حَمَارَةِ الْقَيْظِ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ. أَيِ السَّفِينَةِ. لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: ارْتَفَعَ الْمَاءُ عَلَى أَعْلَى جَبَلٍ بِالْأَرْضِ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا. وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقِيلَ: ثَمَانِينَ ذِرَاعًا. وَعَمَّ جَمِيعَ الْأَرْضِ ; طُولَهَا وَالْعَرْضَ، سَهْلَهَا وَحَزْنَهَا، وَجِبَالَهَا، وَقِفَارَهَا وَرِمَالَهَا، وَلَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْأَحْيَاءِ عَيْنٌ تَطْرِفُ، وَلَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ قَدْ مَلَئُوا السَّهْلَ وَالْجَبَلَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَمْ تَكُنْ بُقْعَةٌ فِي الْأَرْضِ إِلَّا وَلَهَا مَالِكٌ وَحَائِزٌ. رَوَاهُمَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. موقف ابن نوح عليه السلام وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [ هُودٍ: 42 - 43 ]. وَهَذَا الِابْنُ هُوَ يَامٌ أَخُو سَامٍ وَحَامٍ وَيَافِثَ. وَقِيلَ: اسْمُهُ كَنْعَانُ. وَكَانَ كَافِرًا عَامِلًا غَيْرَ صَالِحٍ، مُخَالِفًا أَبَاهُ فِي دِينِهِ وَمَذْهَبِهِ، فَهَلَكَ مَعَ مَنْ هَلَكَ. هَذَا وَقَدْ نَجَا مَعَ أَبِيهِ الْأَجَانِبُ فِي النَّسَبِ لَمَّا كَانُوا مُوَافِقِينَ فِي الدِّينِ وَالْمَذْهَبِ: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. أَيْ ; لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ أَنْ تَبْلَعَ مَاءَهَا، وَأَمَرَ السَّمَاءَ أَنْ تُقْلِعَ. أَيْ تُمْسِكُ عَنِ الْمَطَرِ وَغِيضَ الْمَاءُ. أَيْ نَقَصَ عَمَّا كَانَ وَقُضِيَ الْأَمْرُ، أَيْ وَقَعَ بِهِمُ الَّذِي كَانَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ، مِنْ إِحْلَالِهِ بِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. أَيْ ; نُودِيَ عَلَيْهِمْ بِلِسَانِ الْقُدْرَةِ بُعْدًا لَهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 64 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [ يُونُسَ: 73 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 77 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشُّعَرَاءِ: 119 - 122 ] وَقَالَ تَعَالَى: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 14 - 15 ]. وَقَالَ تَعَالَى: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ [ الصَّافَّاتِ: 82 ] وَقَالَ: وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرٍ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ الْقَمَرِ: 15 - 17 ]. وَقَالَ تَعَالَى: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [ نُوحٍ: 25 - 27 ]. وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ دَعْوَتَهُ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامَانِ: أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا عن عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ أَحَدًا لِرَحِمِ أُمَّ الصَّبِيِّ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَكَثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ يَعْنِي إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا  ، وَغَرَسَ مِائَةَ سَنَةٍ الشَّجَرَ فَعَظُمَتْ، وَذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، ثُمَّ قَطَعَهَا، ثُمَّ جَعَلَهَا سَفِينَةً، وَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ، وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُونَ: تَعْمَلُ سَفِينَةً فِي الْبَرِّ كَيْفَ تَجْرِي. قَالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ. فَلَمَّا فَرَغَ وَنَبَعَ الْمَاءُ وَصَارَ فِي السِّكَكِ. خَشِيَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَلَيْهِ وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا خَرَجَتْ بِهِ إِلَى الْجَبَلِ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلْثَهُ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ، خَرَجَتْ بِهِ حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَاءُ رَقَبَتَهَا رَفَعَتْهُ بِيَدَيْهَا، فَغَرِقَا، فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لِرَحِمِ أُمَّ الصَّبِيِّ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمُجَاهِدٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ شَبِيهٌ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَحْرَى بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا مُتَلَقًّى عَنْ مِثْلِ كَعْبِ الْأَحْبَارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. الزعم بأن عوج بن عنق كان موجودا قبل نوح وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبْقِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، فَكَيْفَ يَزْعُمُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ عُوَجَ بْنَ عُنُقَ، وَيُقَالُ: ابْنَ عِنَاقَ كَانَ مَوْجُودًا مِنْ قَبْلِ نُوحٍ إِلَى زَمَانِ مُوسَى وَيَقُولُونَ: كَانَ كَافِرًا مُتَمَرِّدًا جَبَّارًا عَنِيدًا، وَيَقُولُونَ: كَانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ بَلْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عُنُقُ بِنْتُ آدَمَ مِنْ زِنًا، وَأَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ طُولِهِ السَّمَكَ مِنْ قَرَارِ الْبِحَارِ، وَيَشْوِيهِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِنُوحٍ، وَهُوَ فِي السَّفِينَةِ: مَا هَذِهِ الْقُصَيْعَةُ الَّتِي لَكَ، وَيَسْتَهْزِئُ بِهِ. وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُ كَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثَةٍ وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا وَثُلُثًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْهَذَيَانَاتِ الَّتِي لَوْلَا أَنَّهَا مُسَطَّرَةٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ، وَغَيْرِهَا مِنَ التَّوَارِيخِ، وَأَيَّامِ النَّاسِ لَمَا تَعَرَّضْنَا لِحِكَايَتِهَا لِسَقَاطَتِهَا، وَرَكَاكَتِهَا، ثُمَّ إِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِلْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ. أَمَّا الْمَعْقُولُ فَكَيْفَ يَسُوغُ فِيهِ أَنْ يُهْلِكَ اللَّهُ وَلَدَ نُوحٍ لِكُفْرِهِ، وَأَبُوهُ نَبِيُّ الْأُمَّةِ وَزَعِيمُ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَلَا يُهْلِكُ عُوجَ بْنَ عُنُقَ، وَيُقَالُ: عَنَاقُ. وَهُوَ أَظْلَمُ وَأَطْغَى عَلَى مَا ذَكَرُوا، وَكَيْفَ لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا، وَلَا أُمَّ الصَّبِيِّ، وَلَا الصَّبِيَّ، وَيَتْرُكُ هَذَا الدَّعِيَّ الْجَبَّارَ الْعَنِيدَ الْفَاجِرَ الشَّدِيدَ الْكَافِرَ الشَّيْطَانَ الْمَرِيدَ عَلَى مَا ذَكَرُوا ؟ ! وَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ. وَقَالَ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ثُمَّ هَذَا الطُّولُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ. فَهَذَا نَصُّ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ الْمَعْصُومِ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ أَيْ ; لَمْ يَزَلِ النَّاسُ فِي نُقْصَانٍ فِي طُولِهِمْ مِنْ آدَمَ إِلَى يَوْمِ إِخْبَارِهِ بِذَلِكَ، وَهَلُمَّ جَرًّا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مَنْ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ فَكَيْفَ يُتْرَكُ هَذَا وَيُذْهَلُ عَنْهُ، وَيُصَارُ إِلَى أَقْوَالِ الْكَذَبَةِ الْكَفَرَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَدَّلُوا كُتَبَ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةَ وَحَرَّفُوهَا وَأَوَّلُوهَا وَوَضَعُوهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، فَمَا ظَنُّكَ بِمَا هُمْ يَسْتَقِلُّونَ بِنَقْلِهِ أَوْ يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ، وَهُمُ الْكَذَبَةُ الْخَوَنَةُ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ عَنْ عُوجَ بْنِ عَنَاقَ إِلَّا اخْتِلَاقًا مِنْ بَعْضِ زَنَادِقَتِهِمْ وَفُجَّارِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا أَعْدَاءَ الْأَنْبِيَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مناشدة نوح عليه السلام ربه تعالى في ولده ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُنَاشَدَةَ نُوحٍ رَبَّهُ فِي وَلَدِهِ  ، وَسُؤَالَهُ لَهُ عَنْ غَرَقِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعْلَامِ وَالِاسْتِكْشَافِ، وَوَجْهُ السُّؤَالِ أَنَّكَ وَعَدْتَنِي بِنَجَاةِ أَهْلِي مَعِي وَهُوَ مِنْهُمْ وَقَدْ غَرِقَ فَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أَيِ الَّذِينَ وَعَدْتُ بِنَجَاتِهِمْ أَيْ أَمَا قُلْنَا لَكَ: وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ. فَكَانَ هَذَا مِمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ بِأَنْ سَيَغْرَقُ بِكُفْرِهِ، وَلِهَذَا سَاقَتْهُ الْأَقْدَارُ إِلَى أَنِ انْحَازَ عَنْ حَوْزَةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَغَرِقَ مَعَ حِزْبِهِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ.

  88. التاريخ 84لا حكم مسجّل

    ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. هَذَا أَمْرٌ لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا نَضَبَ الْمَاءُ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، وَأَمْكَنَ السَّعْيُ فِيهَا، وَالِاسْتِقْرَارُ عَلَيْهَا، أَنْ يَهْبِطَ مِنَ السَّفِينَةِ الَّتِي كَانَتْ قَدِ اسْتَقَرَّتْ بَعْدَ سَيْرِهَا الْعَظِيمِ عَلَى ظَهْرِ جَبَلِ الْجُودِيِّ وَهُوَ جَبَلٌ بِأَرْضِ الْجَزِيرَةِ مَشْهُورٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عِنْدَ خَلْقِ الْجِبَالِ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ. أَيِ اهْبِطْ سَالِمًا مُبَارَكًا عَلَيْكَ، وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ سَيُولَدُ بَعْدُ. أَيْ مِنْ أَوْلَادِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ نَسْلًا، وَلَا عَقِبًا سِوَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ. إخبار عيسى عليه السلام للحوارين عن سفينة نوح وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: لَوْ بَعَثْتَ لَنَا رَجُلًا شَهِدَ السَّفِينَةَ فَحَدَّثَنَا عَنْهَا ؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ بِهِمْ حَتَّى أَتَى إِلَى كَثِيبٍ مِنْ تُرَابٍ، فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ بِكَفِّهِ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هَذَا كَعْبُ حَامَ بْنِ نُوحٍ. قَالَ: وَضَرَبَ الْكَثِيبَ بِعَصَاهُ، وَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ قَدْ شَابَ. فَقَالَ لَهُ: عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَكَذَا هَلَكْتَ. قَالَ: لَا. وَلَكِنِّي مِتُّ وَأَنَا شَابٌّ، وَلَكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّهَا السَّاعَةُ فَمِنْ ثَمَّ شِبْتُ. قَالَ: حَدِّثْنَا عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ. قَالَ: كَانَ طُولُهَا أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَرْضُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَتْ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ ; فَطَبَقَةٌ فِيهَا الدَّوَابُّ وَالْوَحْشُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الْإِنْسُ، وَطَبَقَةٌ فِيهَا الطَّيْرُ، فَلَمَّا كَثُرَ أَرْوَاثُ الدَّوَابِّ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنِ اغْمِزْ ذَنَبَ الْفِيلِ، فَغَمَزَهُ فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِيرٌ وَخِنْزِيرَةٌ فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْثِ، وَلَمَّا وَقَعَ الْفَأْرُ يَخْرِزُ السَّفِينَةَ بِقَرْضِهِ أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنِ اضْرِبْ بَيْنَ عَيْنَيِ الْأَسَدِ، فَخَرَجَ مِنْ مَنْخَرِهِ سِنَّوْرٌ وَسِنَّوْرَةٌ فَأَقْبَلَا عَلَى الْفَأْرِ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: كَيْفَ عَلِمَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ. قَالَ: بَعَثَ الْغُرَابَ يَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ فَوَجَدَ جِيفَةً فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَدَعَا عَلَيْهِ بِالْخَوْفِ فَلِذَلِكَ لَا يَأْلَفُ الْبُيُوتَ. قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ الْحَمَامَةَ فَجَاءَتْ بِوَرَقِ زَيْتُونٍ بِمِنْقَارِهَا وَطِينٍ بِرِجْلَيْهَا، فَعَلِمَ أَنَّ الْبِلَادَ قَدْ غَرِقَتْ فَطَوَّقَهَا الْخُضْرَةَ الَّتِي فِي عُنُقِهَا، وَدَعَا لَهَا أَنْ تَكُونَ فِي أُنْسٍ وَأَمَانٍ فَمِنْ ثَمَّ تَأْلَفُ الْبُيُوتَ. قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَنْطَلِقُ بِهِ إِلَى أَهْلِينَا فَيَجْلِسُ مَعَنَا وَيُحَدِّثُنَا ؟ قَالَ: كَيْفَ يَتْبَعُكُمْ مَنْ لَا رِزْقَ لَهُ ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ: عُدْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَعَادَ تُرَابًا، وَهَذَا أَثَرٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ ثَمَانُونَ رَجُلًا مَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، وَأَنَّ اللَّهَ وَجَّهَ السَّفِينَةَ إِلَى مَكَّةَ فَدَارَتْ بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ وَجَّهَهَا إِلَى الْجُودِيِّ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ فَبَعَثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْغُرَابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَرْضِ، فَذَهَبَ فَوَقَعَ عَلَى الْجِيَفِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَبَعَثَ الْحَمَامَةَ فَأَتَتْهُ بِوَرَقِ الزَّيْتُونِ، وَلَطَّخَتْ رِجْلَيْهَا بِالطِّينِ، فَعَرَفَ نُوحٌ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ نَضَبَ، فَهَبَطَ إِلَى أَسْفَلِ الْجُودِيِّ فَابْتَنَى قَرْيَةً، وَسَمَّاهَا ثَمَانِينَ، فَأَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ، وَقَدْ تَبَلْبَلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى ثَمَانِينَ لُغَةً ; إِحْدَاهَا لُغَةُ الْعَرَبِيِّ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَفْقَهُ كَلَامَ بَعْضٍ، فَكَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَبِّرُ عَنْهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: رَكِبُوا فِي السَّفِينَةِ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ فَسَارُوا مِائَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا، وَاسْتَقَرَّتْ بِهِمْ عَلَى الْجُودِيِّ شَهْرًا، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ مِنَ السَّفِينَةِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ خَبَرًا مَرْفُوعًا يُوَافِقُ هَذَا، وَأَنَّهُمْ صَامُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَقَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: " مَا هَذَا مِنَ الصَّوْمِ ؟ " فَقَالُوا: هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وَهَذَا يَوْمٌ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ فَصَامَ نُوحٌ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ ". وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: " مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ غَدَاءِ أَهْلِهِ فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ". وَهَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَالْمُسْتَغْرَبُ ذِكْرُ نُوحٍ أَيْضًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْجَهَلَةِ: أَنَّهُمْ أَكَلُوا مِنْ فُضُولِ أَزْوَادِهِمْ، وَمِنْ حُبُوبٍ كَانَتْ مَعَهُمْ قَدِ اسْتَصْحَبُوهَا، وَطَحَنُوا الْحُبُوبَ يَوْمَئِذٍ، وَاكْتَحَلُوا بِالْإِثْمِدِ لِتَقْوِيَةِ أَبْصَارِهِمْ لَمَّا ابْهَارَّتْ مِنَ الضِّيَاءِ بَعْدَ مَا كَانُوا فِي ظُلْمَةِ السَّفِينَةِ، فَكُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يُذْكَرُ فِيهِ آثَارٌ مُنْقَطِعَةٌ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا وَلَا يُقْتَدَى بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهاء الطوفان وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ ذَلِكَ الطُّوفَانَ أَرْسَلَ رِيحًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَسَكَنَ الْمَاءُ، وَانْسَدَّتْ يَنَابِيعُ الْأَرْضِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْقُصُ وَيَغِيضُ وَيُدْبِرُ، وَكَانَ اسْتِوَاءُ الْفُلْكِ عَلَى الْجُودِيِّ فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ التَّوْرَاةِ فِي الشَّهْرِ السَّابِعِ لِسَبْعَ عَشْرَ لَيْلَةً مَضَتْ مِنْهُ، وَفِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ الشَّهْرِ الْعَاشِرِ رُئِيَتْ رُءُوسُ الْجِبَالِ، فَلَمَّا مَضَى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا فَتَحَ نُوحٌ كَوَّةَ الْفُلْكِ الَّتِي صَنَعَ فِيهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ الْغُرَابَ لِيَنْظُرَ لَهُ مَا فَعَلَ الْمَاءُ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ الْحَمَامَةَ فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ لِرِجْلَيْهَا مَوْضِعًا، فَبَسَطَ يَدَهُ لِلْحَمَامَةِ فَأَخَذَهَا فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ مَضَتْ سَبْعَةُ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا لِتَنْظُرَ لَهُ، فَرَجَعَتْ حِينَ أَمْسَتْ وَفِي فِيهَا وَرَقُ زَيْتُونَةٍ فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْمَاءَ قَدْ قَلَّ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، ثُمَّ مَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا فَلَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ فَعَلِمَ نُوحٌ أَنَّ الْأَرْضَ قَدْ بَرَزَتْ، فَلَمَّا كَمَلَتِ السَّنَةُ فِيمَا بَيْنَ أَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفَانَ إِلَى أَنْ أَرْسَلَ نُوحٌ الْحَمَامَةَ، وَدَخَلَ يَوْمٌ وَاحِدٌ مِنَ الشَّهْرِ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ بَرَزَ وَجْهُ الْأَرْضِ وَظَهَرَ الْبَرُّ، وَكَشَفَ نُوحٌ غِطَاءَ الْفُلْكِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ هُوَ بِعَيْنِهِ مَضْمُونُ سِيَاقِ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ فِي سِتٍّ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً مِنْهُ قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَفِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ نُوحًا قَائِلًا لَهُ: اخْرُجْ مِنَ الْفُلْكِ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ، وَجَمِيعُ الدَّوَابِّ الَّتِي مَعَكَ، وَلِتَنْمُوَا وَلِتَكْثُرُوا فِي الْأَرْضِ، فَخَرَجُوا، وَابْتَنَى نُوحٌ مَذْبَحًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَخَذَ مِنْ جَمِيعِ الدَّوَابِّ الْحَلَالِ وَالطَّيْرِ الْحَلَالِ فَذَبَحَهَا قُرْبَانًا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ لَا يُعِيدَ الطُّوفَانَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَجَعَلَ تَذْكَارَ الْمِيثَاقِ إِلَيْهِ الْقَوْسُ الَّذِي فِي الْغَمَامِ، وَهُوَ قَوْسُ قُزَحَ الَّذِي قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَمَانٌ مِنَ الْغَرَقِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ قَوْسٌ بِلَا وَتَرٍ. أَيْ ; أَنَّ هَذَا الْغَمَامَ لَا يُوجَدُ مِنْهُ طُوفَانٌ كَأَوَّلِ مَرَّةٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ

  89. التاريخ 85لا حكم مسجّل

    وَقَدْ أَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ مِنْ جَهَلَةِ الْفُرْسِ وَأَهْلِ الْهِنْدِ، وُقُوعَ الطُّوفَانِ، وَاعْتَرَفَ بِهِ آخَرُونَ مِنْهُمْ. وَقَالُوا: إِنَّمَا كَانَ بِأَرْضِ بَابِلَ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا. قَالُوا: وَلَمْ نَزَلْ نَتَوَارَثُ الْمُلْكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ مِنْ لَدُنْ كُيُومُرْثَ يَعْنُونَ آدَمَ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا. قَالُوا: وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ نَسَبُ الْقَوْمِ قَدِ انْقَطَعَ وَمُلْكُهُمْ قَدِ اضْمَحَلَّ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِالطُّوفَانِ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ كَانَ فِي إِقْلِيمِ بَابِلَ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ، وَأَنَّ مَسَاكِنَ وَلَدِ جُيُومَرْثَ كَانَتْ بِالْمَشْرِقِ فَلَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى أَصْدَقُ فِي أَنَّ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ هُمُ الْبَاقُونَ فَلَمْ يُعَقِّبْ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ غَيْرَ وَلَدِهِ سَامٍ، وَحَامٍ، وَيَافِثَ وَهَذَا قَالَهُ مَنْ قَالَهُ مِنْ زَنَادِقَةِ الْمَجُوسِ عُبَّادِ النِّيرَانِ، وَأَتْبَاعِ الشَّيْطَانِ. وَهَذِهِ سَفْسَطَةٌ مِنْهُمْ، وَكُفْرٌ فَظِيعٌ، وَجَهْلٌ بَلِيغٌ، وَمُكَابَرَةٌ لِلْمَحْسُوسَاتِ، وَتَكْذِيبٌ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ. وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْأَدْيَانِ النَّاقِلُونَ عَنْ رُسُلِ الرَّحْمَنِ مَعَ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَ النَّاسِ فِي سَائِرِ الْأَزْمَانِ عَلَى وُقُوعِ الطُّوفَانِ، وَأَنَّهُ عَمَّ جَمِيعَ الْبِلَادِ، وَلَمْ يُبْقِ اللَّهُ أَحَدًا مِنْ كَفَرَةِ الْعِبَادِ ; اسْتِجَابَةً لِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ الْمُؤَيِّدِ الْمَعْصُومِ، وَتَنْفِيذًا لِمَا سَبَقَ فِي الْقَدَرِ الْمَحْتُومِ.

  90. التاريخ 86لا حكم مسجّل

    ذُرِّيَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ   قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ، إِنَّهُمْ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِنَّ سَامَ بْنَ نُوحٍ أَبُو الْعَرَبِ، وَفَارِسَ، وَالرُّومِ،  وَإِنَّ حَامًا أَبُو السُّودَانِ، وَإِنَّ يَافِثَ أَبُو التُّرْكِ وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ.  وَقِيلَ إِنَّ الْقِبْطَ مِنْ وَلَدِ قُوطِ بْنِ حَامٍ، وَإِنَّمَا كَانَ السَّوَادُ مِنْ نَسْلِ حَامٍ لِأَنَّ نُوحًا نَامَ فَانْكَشَفَتْ سَوْءَتُهُ فَرَآهَا حَامٌ فَلَمْ يُغَطِّهَا وَرَآهَا سَامٌ وَيَافِثُ فَأَلْقَيَا عَلَيْهَا ثَوْبًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عَلِمَ مَا صَنَعَ حَامٌ، وَإِخْوَتُهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَتِ امْرَأَةُ سَامِ بْنِ نُوحٍ صُلْبَ ابْنَةَ بَتَاوِيلَ بْنِ مَحْوِيلَ بْنِ حَانُوخَ بْنِ قَيْنَ بْنِ آدَمَ فَوَلَدَتْ لَهُ نَفَرًا: أَرْفَخْشَذَ، وَأَسْوَدَ، وَلَاوُدَ، وَإِرَمَ. قَالَ: وَلَا أَدْرِي أَإِرْمُ لِأُمِّ أَرْفَخْشَذَ وَإِخْوَتِهِ أَمْ لَا ؟ فَمِنْ وَلَدِ لَاوُدَ بْنِ سَامِ فَارِسُ، وَجُرْجَانُ، وَطَسْمُ، وَعِمْلِيقُ، وَهُوَ أَبُو الْعَمَالِيقِ، وَمِنْهُمْ كَانَتِ الْجَبَابِرَةُ بِالشَّامِ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ الْكَنْعَانِيُّونَ، وَالْفَرَاعِنَةُ بِمِصْرَ، وَكَانَ أَهْلُ الْبَحْرَيْنِ، وَعُمَانُ مِنْهُمْ وَيُسَمَّوْنَ جَاشِمَ. وَكَانَ مِنْهُمْ بَنُو أُمَيْمِ بْنِ لَاوُدَ أَهْلُ وَبَارَ بِأَرْضِ الرَّمْلِ، وَهِيَ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَالشِّحْرِ، وَكَانُوا قَدْ كَثُرُوا فَأَصَابَتْهُمْ نِقْمَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنْ مَعْصِيَةٍ أَصَابُوهَا فَهَلَكُوا وَبَقِيَتْ مِنْهُمْ بَقِيَّةٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمُ النَّسْنَاسُ، وَكَانَ طَسْمُ سَاكِنِي الْيَمَامَةِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، فَكَانَتْ طَسْمُ، وَالْعَمَالِيقُ وَأُمَيْمٌ، وَجَاشِمٌ قَوْمًا عَرَبًا لِسَانُهُمْ عَرَبِيٌّ، وَلَحِقَتْ عَبِيلُ بِيَثْرِبَ قَبْلَ أَنْ تُبْنَى. وَلَحِقَتِ الْعَمَالِيقُ بِصَنْعَاءَ قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى صَنْعَاءَ. وَانْحَدَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى يَثْرِبَ فَأَخْرَجُوا مِنْهَا عَبِيلًا فَنَزَلُوا مَوْضِعَ الْجُحْفَةِ، فَأَقْبَلَ سَيْلٌ فَاجْتَحَفَهُمْ، أَيْ أَهْلَكَهَمْ، فَسُمِّيَتِ الْجَحْفَةَ. أولاد إرم بن سام قَالَ: وَوَلَدَ إِرَمُ بْنُ سَامٍ عَوْضًا وَغَاثِرًا وَحَوِيلًا  ، فَوَلَدَ عَوْضٌ غَاثِرًا، وَعَادًا، وَعَبِيلًا، وَوَلَدَ غَاثِرُ بْنُ إِرَمَ ثَمُودَ وَجَدِيسًا، وَكَانُوا عَرَبًا يَتَكَلَّمُونَ بِهَذَا اللِّسَانِ الْمُضَرِيِّ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ لِهَذِهِ الْأُمَمِ وَلِجُرْهُمَ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ. وَيَقُولُونَ لِبَنِي إِسْمَاعِيلَ الْعَرَبَ الْمُعَرَّبَةَ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا تَكَلَّمُوا بِلِسَانِ هَذِهِ الْأُمَمِ حِينَ سَكَنُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ. فَكَانَتْ عَادٌ بِهَذَا الرَّمْلِ إِلَى حَضْرَمَوْتَ. وَكَانَتْ ثَمُودُ بِالْحِجْرِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ إِلَى وَادِي الْقُرَى. وَلَحِقَتْ جَدِيسٌ بِطَسْمَ، وَكَانُوا مَعَهُمْ بِالْيَمَامَةِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، وَاسْمُ الْيَمَامَةِ إِذْ ذَاكَ جَوٌّ. وَسَكَنَتْ جَاشِمٌ عُمَانَ. وَالنَّبَطُ مِنْ وَلَدِ نَبِيطِ بْنِ مَاشِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ  . وَالْفُرْسُ بَنُو فَارِسَ بْنِ تِيرَشَ بْنِ مَاسُورَ بْنِ سَامٍ. قَالَ: وَوُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامٍ ابْنُهُ قَيْنَانُ، كَانَ سَاحِرًا، وَوُلِدَ لَقَيْنَانَ شَالَخُ بْنُ أَرْفَخْشَذَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ قَيْنَانَ لِمَا ذُكِرَ مِنْ سِحْرِهِ. وَوُلِدَ لِشَالَخَ غَابِرٌ، وَلِغَابِرٍ فَالَغُ، وَمَعْنَاهُ الْقَاسِمُ، لِأَنَّ الْأَرْضَ قُسِّمَتْ وَالْأَلْسُنَ تَبَلْبَلَتْ فِي أَيَّامِهِ، وَقَحْطَانُ بْنُ غَابِرٍ، فَوُلِدَ لِقَحْطَانَ يَعْرُبُ وَيَقْظَانُ، فَنَزَلَا الْيَمَنَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَكَنَ الْيَمَنَ، وَأَوَّلَ مَنْ سُلِّمَ عَلَيْهِ بِـ أَبَيْتَ اللَّعْنَ. وَوُلِدَ لِفَالَغِ بْنِ غَابِرٍ أَرْغُو، وَوُلِدَ لِأَرْغُوَ سَارُوغُ، وَوُلِدَ لِسَارُوغُ نَاخُورُ، وَوُلِدَ لِنَاخُورَ تَارَخُ، وَاسْمُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ آزَرُ. وَوُلِدَ لَآزَرَ إِبْرَاهِيمُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَوُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ أَيْضًا نُمْرُودُ، وَقِيلَ هُوَ نُمْرُودُ بْنُ كُوشِ بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: السِّنْدُ، وَالْهِنْدُ بَنُو تُوقِيرَ بْنِ يَقْطُنَ بْنِ غَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَجُرْهُمُ مِنْ وَلَدِ يَقْطُنَ بْنِ غَابِرٍ. وَحَضْرَمَوْتُ بْنُ يَقْطُنَ، وَيَقْطُنُ هُوَ قَحْطَانُ فِي قَوْلِ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى غَيْرِ إِسْمَاعِيلَ. وَالْبَرْبَرُ مِنْ وَلَدِ ثَمِيلَا بْنِ مَارِبَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلِيقَ بْنِ لَاوُدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، مَا خَلَا صَنْهَاجَةَ وَكَتَّامَةَ، فَإِنَّهُمَا بَنُو فُرَيْقِشَ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإٍ. ذِكْرُ أَوْلَادِ يَافِثٍ  أولاد يافث وَأَمَّا يَافِثُ فَمِنْ وَلَدِهِ جَامِرٌ  ، وَمَوْعِعُ، وَمَوْرِكُ، وَبَوَّانُ، وَفَوْبَا، وَمَاشِجُ، وَتِيرَشُ، فَمِنْ وَلَدِ جَامِرٍ مُلُوكُ فَارِسَ فِي قَوْلٍ، وَمِنْ وَلَدِ تِيرَشَ التُّرْكُ، وَالْخَزَرُ، وَمِنْ وَلَدِ مَاشِجَ الْأَشْبَانُ، وَمِنْ وَلَدِ مَوْعِعَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَمِنْ وَلَدِ بَوَّانَ الصَّقَالِبَةُ وَبُرْجَانُ. وَالْأَشْبَانُ كَانُوا فِي الْقَدِيمِ بِأَرْضِ الرُّومِ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِهَا مَنْ وَقَعَ مِنْ وَلَدِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ. وَقَصَدَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ أَرْضًا فَسَكَنُوهَا وَدَفَعُوا غَيْرَهُمْ عَنْهَا. وَمِنْ وَلَدِ يَافِثَ الرُّومُ، وَهُمْ بَنُو لَنْطَى بْنِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. أولاد حام أَوْلَادِ حَامٍ  وَأَمَّا حَامٌ فَوُلِدَ لَهُ كُوشُ، وَمِصْرَايِمُ، وَقُوطُ، وَكَنْعَانُ  ، فَمِنْ وَلَدِ كُوشَ نُمْرُودُ بْنُ كُوشَ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ وَلَدِ سَامٍ، وَصَارَتْ بَقِيَّةُ وَلَدِ حَامٍ بِالسَّوَاحِلِ مِنَ النُّوبَةِ، وَالْحَبَشَةِ، وَالزَّنْجِ، وَيُقَالُ: إِنَّ مِصْرَايِمَ وَلَدَ الْقِبْطَ وَالْبَرْبَرَ. وَأَمَّا قُوطُ فَقِيلَ إِنَّهُ سَارَ إِلَى الْهِنْدِ، وَالسِّنْدِ فَنَزَلَهَا وَأَهْلُهَا مِنْ وَلَدِهِ. وَأَمَّا الْكَنْعَانِيُّونَ فَلَحِقَ بَعْضُهُمْ بِالشَّامِ، ثُمَّ جَاءَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَقَتَلُوهُمْ بِهَا وَنَفَوْهُمْ عَنْهَا وَصَارَ الشَّامُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. ثُمَّ وَثَبَتِ الرُّومُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَجْلَوْهُمْ عَنِ الشَّامِ إِلَى الْعِرَاقِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ. ثُمَّ جَاءَتِ الْعَرَبُ فَغَلَبُوا عَلَى الشَّامِ. وَكَانَ يُقَالُ لِعَادٍ عَادُ إِرَمَ، فَلَمَّا هَلَكُوا قِيلَ لِثَمُودَ ثَمُودُ إِرَمَ قَالَ: وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ أَرْفَخْشَذَ وُلِدَ لِسَامٍ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ سَامٍ مِائَةُ سَنَةٍ وَسَنَتَانِ، وَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِ سَامٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ وُلِدَ لِأَرْفَخْشَذَ قَيْنَانُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِ أَرْفَخْشَذَ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لَقَيْنَانَ شَالَخُ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنْ عُمُرِهِ تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَلَمْ تُذْكَرْ مُدَّةُ عُمُرِ قَيْنَانَ فِي الْكُتُبِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ سِحْرِهِ. ثُمَّ وُلِدَ لِشَالَخَ غَابِرٌ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِغَابِرٍ فَالَغُ، وَأَخُوهُ قَحْطَانُ، وَكَانَ مَوْلِدُ فَالَغَ بَعْدَ الطُّوفَانِ بِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَأَرْبَعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِفَالَغَ أَرْغُو بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ فَالَغَ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَتَيْنِ وَتِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِأَرْغُو سَارُوغُ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ اثْنَتَانِ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ مِائَتَيْنِ وَتِسْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لِسَارُوغَ نَاخُورُ بَعْدَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. ثُمَّ وُلِدَ لِنَاخُورَ تَارِخُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بَعْدَمَا مَضَى مِنْ عُمُرِهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ مِائَتَيْنِ وَثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِتَارِخَ - وَهُوَ آزَرُ - إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَكَانَ بَيْنَ الطُّوفَانِ وَمَوْلِدِ إِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَثَلَاثِمَائَةٍ وَسَبْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَوُلِدَ لِقَحْطَانَ بْنِ غَابِرٍ يَعْرُبُ، فَوُلِدَ لِيَعْرُبَ يَشْجُبُ، فَوَلَدَ يَشْجُبُ سَبَأً، فَوَلَدَ سَبَأٌ حِمْيَرَ، وَكَهْلَانَ، وَعَمْرًا، وَالْأَشْعَرَ، وَأَنْمَارَ، وَمُرًّا، فَوَلَدَ عَمْرُو بْنُ سَبإٍ عَدِيًّا، وَوَلَدَ عَدِيٌّ لَخْمًا، وَجُذَامًا.

  91. التاريخ 87لا حكم مسجّل

    ذكَرَ اللَّهُ قصة نوح عليه السلام وَمَا كَانَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَا أَنْزَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ بِالطُّوفَانِ، وَكَيْفَ أَنْجَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَفِي الْأَعْرَافِ، وَيُونُسَ، وَهُودٍ، وَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالشُّعَرَاءِ، وَالْعَنْكَبُوتِ، وَالصَّافَّاتِ، وَاقْتَرَبَتْ. وَأَنْزَلَ فِيهِ سُورَةً كَامِلَةً قصة نوح في سورة الأعراف فَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 59 - 64 ]. قصة نوح في سورة يونس وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [ يُونُسَ: 71 73 ]. قصة نوح في سورة هود وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [ هُودٍ: 25 - 49 ]. قصة نوح في سورة الأنبياء وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 76، 77 ]. قصة نوح في سورة المؤمنون وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 23 - 30 ]. قصة نوح في سورة الشعراء وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا ونَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشُّعَرَاءِ: 105 - 122 ]. قصة نوح في سورة العنكبوت وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 14 - 15 ]. قصة نوح في سورة الصافات وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ: وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ [ الصَّافَّاتِ: 75 - 82 ]. قصة نوح في سورة القمر وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ اقْتَرَبَتْ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرٍ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ الْقَمَرِ: 9 - 17 ]. قصة نوح في سورة نوح وَقَالَ تَعَالَى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا [ نُوحٍ: 1 - 28 ]. قصة نوح في مواضع متفرقة من القرآن وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهُ أَيْضًا فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِيهَا مَدْحُهُ وَذَمُّ مَنْ خَالَفَهُ فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [ النِّسَاءِ: 163 - 165 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الْأَنْعَامِ: 83 - 87 ]. الْآيَاتِ. وَتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ فِي الْأَعْرَافِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ التَّوْبَةِ: 70 ]. وَتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ فِي يُونُسَ، وَهُودٍ. وَقَالَ فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ [ إِبْرَاهِيمَ: 9 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ سُبْحَانَ: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [ الْإِسْرَاءِ: 3 ]. وَقَالَ فِيهَا أَيْضًا: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [ الْإِسْرَاءِ: 17 ]. وَتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُؤْمِنُونَ، وَالشُّعَرَاءِ، وَالْعَنْكَبُوتِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [ الْأَحْزَابِ: 7 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ ص: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ [ ص: 12 - 14 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ غَافِرٍ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [ غَافِرٍ: 5، 6 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّورَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [ الشُّورَى: 13 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ [ ق: 12 - 14 ]. وَقَالَ فِي الذَّارِيَاتِ: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [ الذَّارِيَاتِ: 46 ]. وَقَالَ فِي النَّجْمِ: وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى [ النَّجْمِ: 52 ]. وَتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهُ فِي سُورَةِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَدِيدِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [ الْحَدِيدِ: 26 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [ التَّحْرِيمِ: 10 ].

  92. التاريخ 88لا حكم مسجّل

    الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ اقتسام أولاد نوح الأرض فَمِنَ الْأَحْدَاثِ: اقْتِسَامُ أَوْلَادِ نُوحٍ الْأَرْضَ  : وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ يَالِغَ بْنَ عَامِرٍ قَسَمَ الْأَرْضَ، فَنَزَلَ بَنُو سَامٍ سُرَّةَ الْأَرْضِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ سَاتِيدْمَا إِلَى الْبَحْرِ، وَمَا بَيْنَ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ، وَجَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِمُ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَالْجَمَالَ وَالْأُدْمَةَ وَالْبَيَاضَ، وَنَزَلَ بَنُو حَامٍ مَجْرَى الْجَنُوبِ وَالدَّبُورِ، وَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ أُدْمَةً وَبَيَاضًا قَلِيلًا وَرَفَعَ عَنْهُمُ الطَّاعُونَ. وَنَزَلَ بَنُو يَافِثٍ مَجْرَى الشَّمَالِ وَالصَّبَا، وَفِيهِمُ الْحُمْرَةُ وَالشُّقْرَةُ، وَأَخْلَى اللَّهُ أَرْضَهُمْ فَاشْتَدَّ بَرْدُهَا، وَأَخْلَى سَمَاءَهُمْ، فَلَيْسَ يَجْرِي فَوْقَهُمْ شَيْءٌ مِنَ النُّجُومِ السَّبْعَةِ الْجَارِيَةِ، لِأَنَّهُمْ صَارُوا تَحْتَ "بَنَاتِ نَعْشٍ" وَالْجَدْيِ وَالْفَرْقَدَيْنِ، وَابْتُلُوا بِالطَّاعُونِ. ثُمَّ لَحِقَتْ عَادٌ بِالشَّحْرِ، فَعَلَيْهِ هَلَكُوا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ "مُغِيثٌ". وَلَحِقَتْ عَبْلٌ، وَهُوَ عَبْلُ بْنُ عَوْصِ بْنِ آدَمَ صَنْعَاءَ قَبْلَ أَنْ تُسَمَّى صَنْعَاءَ، ثُمَّ انْحَدَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى يَثْرِبَ فَأَخْرَجُوا مِنْهَا عَبْلَ فَنَزَلُوا مَوْضِعَ الْجُحْفَةِ، فَأَقْبَلَ سَيْلٌ فَاحَتَجَفَهُمْ، فَذَهَبَ بِهِمْ فَسُمِّيَتِ الْحُجْفَةُ. وَلَحِقَتْ ثَمُودُ بِالْحِجْرِ، وَلَحِقَتْ طَسَمُ وَجَدِيسٌ بِالْيَمَامَةِ، وَلَحِقَتْ بَنُو يَقْطَنِ بْنِ عَامِرٍ بِالْيَمَنِ فَسُمِّيَتِ الْيَمَنُ حَيْثُ تَيَامَنُوا إِلَيْهَا. وَلَحِقَ قَوْمٌ مِنْ بَنِي كَنْعَانَ بِالشَّامِ فَسُمِّيَتِ الشَّامُ حَيْثُ تَشَامَوْا، وَكَانَتِ الشَّامُ يُقَالُ لَهَا أَرْضُ كَنْعَانَ. وَكَانَتِ الْعَمَالِيقُ فِي بُلْدَانٍ شَتَّى، وَكَانَ مِنْهُمْ بِالْمُشْرِقِ إِلَى عَمَّانَ، وَبِالْبَحْرَيْنِ طَائِفَةٌ، وَكَانَ بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَالْحِجَازَ وَنَجْدٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ. وَالطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُمْ بِالشَّامِ يُقَالُ لَهُمْ "الْكَنْعَانِيُّونَ" وَكَانُوا أَصْحَابَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، وَهُمُ الْجَبَابِرَةُ الْمَعْرُوفُونَ. وَالطَّائِفَةُ الَّتِي كَانَتْ بِمِصْرَ يُقَالُ لَهُمْ "الْفَرَاعِنَةُ"، وَمِنْهُمْ فِرْعَوْنُ يُوسُفَ، وَكَانَ اسْمُهُ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَفِرْعَوْنُ مُوسَى وَكَانَ اسْمُهُ وَائِلُ بْنُ مُصْعَبٍ. وَكَانَ بِمَكَّةَ أَيْضًا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ سَيِّدُهُمْ بَكْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ وَفْدُ عَادٍ حِينَ ذَهَبُوا يَسْتَسْقُونَ لِعَادٍ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ هَذَا نَازِلًا بِظَاهِرِ مَكَّةَ خَارِجًا مِنَ الْحَرَمِ، وَكَانَ يُتَّخَذُ مِنْهُمْ نَاسٌ يُقَالُ لَهُمْ: "بُدَيْلٌ وَرَاجِلٌ". فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ مِنْهُمْ بَنُو حَفٍّ وَسَعْدِ بْنِ هَزَّانَ وَبَنُو مَطَرٍ وَبَنُو الْأَرْزَنِ، وَكَانَ مَلِكُ الْحِجَازِ مِنْهُمُ الْمَلِكُ الَّذِي يُدْعَى الْأَرْقَمَ، وَكَانَ مَنْزِلُهُ تَيْمَاءُ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمُ الْمَدِينَةَ إِلَى تَيْمَاءَ وَإِلَى فَدَكٍ. عبادة الأصنام بعد نوح وَمِنَ الْأَحْدَاثِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ نُوحٍ عُبَادَةُ الْأَصْنَامِ  : رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: وَدٌّ، وَسُوَاعٌ، وَيَغُوثُ، وَيَعُوقُ، وَنَسْرٌ أَسْمَاءُ قَوْمٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا فِي مَجَالِسِهِمْ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى هَلَكَ أُولَئِكَ، وَنُسِخَ الْعِلْمُ فَعُبِدَتْ، وَصَارَتْ تِلْكَ الْأَوْثَانُ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ. أَمَّا وِدٌّ فَكَانَ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُوَاعٌ فَكَانَ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَ لِمُرَادِ بَنِي غَطِيفٍ بِالْجَرْفِ، وَأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَ لِهَمْدَانَ، وَأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الْكُلَاعِ. وَمِنَ الْأَحْدَاثِ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ طُغْيَانُ جَنِينٍ مِنْ أَوْلَادِ إِرَمَ: وَهُمَا: عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَهِيَ عَادٌ الْأُولَى، وَثَمُودُ بْنُ جَاثِرِ بْنِ إِرَمَ، وَهُمْ كَانُوا الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ. وَكَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ دَانْيَالُ الْأَكْبَرُ   فَأَمَّا دَانْيَالُ الْأَصْغَرُ فَكَانَ فِي زَمَانِ نَصَّرَ. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- إِلَى دَانِيَالَ الْأَكْبَرِ أَنْ يُجْرِيَ لِعِبَادِي نَهْرَيْنِ وَاجْعَلْ مَفِيضَهُمَا الْبَحْرَ، فَقَدْ أَمَرْتُ الْأَرْضَ أَنْ تُعْطِيَكَ، قَالَ: فَأَخَذَ قَنَاةً أَوْ قَصَبَةً فَجَعَلَ يَخُدُّ فِي الْأَرْضِ وَيُتْبِعُهُ الْمَاءَ، وَإِذَا مَرَّ بِأَرْضِ شَيْخٍ كَبِيرٍ أَوْ يَتِيمٍ نَاشَدَهُ اللَّهَ فَيَحِيدُ عَنْ أَرْضِهِ، فَعَوَاقِيلُ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ مِنْ ذَلِكَ. وعَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْحُوفِيِّ، قَالَ: كَانَ أَنْفُ دَانْيَالَ ذِرَاعًا.

  93. التاريخ 93لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ نَبِيِّ اللَّهِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ هُودُ بْنُ شَالِخِ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. أَرْسَلَ اللَّهُ هُودًا عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى قَوْمِهِ عَادٍ الْأُولَى وَكَانُوا جَبَّارِينَ طِوَالَ الْقَامَةِ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُمْ وَكَانُوا عَرَبَا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ، وَهِيَ جِبَالُ الرَّمْلِ، وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ مِنْ عُمَانَ وَحَضْرَمَوْتَ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَكَانُوا جُفَاةً كَافِرِينَ، عُتَاةً مُتَمَرِّدِينَ. فَدَعَاهُمْ هُودٌ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَتَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا الصَّدُّ وَالتَّسْفِيهُ لِنَبِيِّهِمْ، وَلَمَّا طَلَبُوا الْبَيِّنَةَ أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ الدَّامِغَةَ بِأَنَّ أَصْنَامَهُمْ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَمْلِكُ ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى عَجْزِهِمْ وَعَجْزِهَا فَقَالَ: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [ هُودٍ: 54 - 55 ]. فَلَا تُؤَخِّرُونِي سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِكُمْ، وَلَا أُفَكِّرُ فِيكُمْ، وَلَا أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي بَاطِلِهِمْ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِعَذَابِهِمْ نَجَّا اللَّهُ هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ فَأَوَّلُ مَا ابْتَدَأَهُمُ الْعَذَابُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُمْحِلِينَ مُسْنِتِينَ فَطَلَبُوا السُّقْيَا، فَرَأَوْا عَارِضًا فِي السَّمَاءِ وَظَنُّوهُ سُقْيَا رَحْمَةٍ فَإِذَا هُوَ سُقْيَا عَذَابٍ، وَكَانُوا إِذَا أَرَادُوا الِاسْتِسْقَاءَ ذَهَبُوا إِلَى الْحَرَمِ فَدَعَوُا اللَّهَ فَيَسْقِيهِمْ، فَأَرْسَلُوا وَفْدًا إِلَى الْحَرَمِ فَدَعَوْا فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَّابَاتٍ ثَلَاثًا ; بَيْضَاءَ، وَحَمْرَاءَ، وَسَوْدَاءَ. ثُمَّ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَلِقَوْمِكَ مِنْ هَذَا السَّحَابِ. فَقَالَ: اخْتَرْتُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ السَّحَابِ مَاءً. فَنَادَاهُ مُنَادٍ: اخْتَرْتَ رَمَادًا رِمْدَدًا لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا. وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَمْ تَأْتِ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَرَمِيمٍ. ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى هُودًا عَنْ عُمْرِ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْبِقَاعِ قَبْرُهُ فَقِيلَ فِي الْيَمَنِ فِي حَضْرَمَوْتَ وَقِيلَ: بِالْحِجْرِ بِمَكَّةَ وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّهُ بِدِمَشْقَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  94. التاريخ 94لا حكم مسجّل

    وَهُوَ هُودُ بْنُ شَالِخِ بْنِ أَرْفَخْشَدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُقَالُ: إِنَّ هُودًا هُوَ عَابِرُ بْنُ شَالِخِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَيُقَالُ: هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ بْنِ الْجَارُودِ بْنِ عَادِ بْنِ عَوْصَ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ

  95. التاريخ 95لا حكم مسجّل

    أَمَّا عَادٌ فَهُوَ عَادُ بْنُ عُوضِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامٍ بْنِ نُوحٍ، وَهُوَ عَادٌ الْأُولَى  وكَانُوا جَبَّارِينَ طِوَالَ الْقَامَةِ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُمْ وكَانُوا عَرَبَا يَسْكُنُونَ الْأَحْقَافَ، وَهِيَ جِبَالُ الرَّمْلِ، وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ مِنْ عُمَانَ وَحَضْرَمَوْتَ بِأَرْضٍ مُطِلَّةٍ عَلَى الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا: الشِّحْرُ، وَاسْمُ وَادِيهِمْ مُغِيثٌ، وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَسْكُنُونَ الْخِيَامَ ذَوَاتِ الْأَعْمِدَةِ الضِّخَامِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [ الْفَجْرِ: 6، 7 ]. أَيْ عَادَ إِرَمَ. وَهُمْ عَادٌ الْأُولَى، وَأَمَّا عَادٌ الثَّانِيَةُ فَمُتَأَخِّرَةٌ. وَأَمَّا عَادٌ الْأُولَى فَهُمْ عَادٌ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ [ الْفَجْرِ: 7 8 ]. أَيْ ; مِثْلُ الْقَبِيلَةِ. وَقِيلَ: مِثْلُ الْعَمَدِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. وَمِنْ زَعْمٍ أَنَّ إِرَمَ مَدِينَةٌ تَدُورُ فِي الْأَرْضِ، فَتَارَةً فِي الشَّامِ، وَتَارَةً فِي الْيَمَنِ، وَتَارَةً فِي الْحِجَازِ، وَتَارَةً فِي غَيْرِهَا، فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ. وَقَالَ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَلَا بُرْهَانَ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، وَلَا مُسْتَنَدَ يَرْكَنُ إِلَيْهِ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي حَدِيثِهِ الطَّوِيلِ فِي ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ قَالَ فِيهِ:. مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ ; هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ. وَيُقَالُ: إِنَّ هُودًا عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَزَعَمَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَنَّ أَبَاهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا نُوحٌ. وَقِيلَ آدَمُ وَهُوَ الْأَشْبَهُ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. العرب العاربة وَيُقَالُ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ. وَهُمْ قَبَائِلُ كَثِيرَةٌ مِنْهُمْ ; عَادٌ، وَثَمُودُ، وَجُرْهُمُ، وَطَسْمٌ، وَجَدِيسُ، وَأَمِيمُ، وَمَدْيَنُ، وَعِمْلَاقُ، وَعَبِيلٌ، وَجَاسِمٌ، وَقَحْطَانُ، وَبَنُو يَقْطُنَ، وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا الْعَرَبُ الْمُسْتَعْرِبَةُ فَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَكَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ الْفَصِيحَةِ الْبَلِيغَةِ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ كَلَامَ الْعَرَبِ مِنْ جُرْهُمَ الَّذِينَ نَزَلُوا عِنْدَ أُمِّهِ هَاجَرَ بِالْحَرَمِ، وَلَكِنْ أَنْطَقَهُ اللَّهُ بِهَا فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَتَلَفَّظُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

  96. التاريخ 96لا حكم مسجّل

    عَادًا وَهُمْ عَادٌ الْأُولَى كَانُوا أَوَّلَ مَنْ عَبَدَ الْأَصْنَامَ بَعْدَ الطُّوفَانِ، وَكَانَ أَصْنَامُهُمْ ثَلَاثَةً، صَدٌّ، وَصُمُودٌ، وَهِرَا. وقيل يُقَالُ لِأَحَدِهَا ضُرَا، وَلِلْآخَرِ ضَمُورُ، وَلِلثَّالِثِ الْهَبَا، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً [ الْأَعْرَافِ: 69 ]. أَيْ ; جَعَلَهُمْ أَشَدَّ أَهْلِ زَمَانِهِمْ فِي الْخِلْقَةِ وَالشِّدَّةِ وَالْبَطْشِ. وَقَالَ فِي الْمُؤْمِنُونَ: ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 31 ]. وَهُمْ قَوْمُ هُودٍ عَلَى الصَّحِيحِ. وَزَعَمَ آخَرُونَ: أَنَّهُمْ ثَمُودُ. لِقَوْلِهِ: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً [ الْمُؤْمِنُونَ: 41 ]. قَالُوا: وَقَوْمُ صَالِحٍ هَمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ [ الْحَاقَّةِ: 6 ]. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ لَا يَمْنَعُ مِنِ اجْتِمَاعِ الصَّيْحَةِ وَالرِّيحِ الْعَاتِيَةِ عَلَيْهِمْ، كَمَا سَيَأْتِي فِي قِصَّةِ أَهْلِ مَدْيَنَ أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ، فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ أَنَّ عَادًا قَبْلَ ثَمُودَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَادًا كَانُوا عَرَبًا جُفَاةً كَافِرِينَ، عُتَاةً مُتَمَرِّدِينَ فِي عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ.

  97. التاريخ 97لا حكم مسجّل

    إِنَّ قَوْمَ عَادٍ لَمَّا تَجَبَّرُوا وَعَتَوْا وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ أَرْسَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هُودًا رَجُلًا مِنْهُمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ، فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ وَتَنَقَّصُوهُ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، فَلَمَّا أَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَغَّبَهُمْ فِي طَاعَتِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ، وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ [ الْأَعْرَافِ 66 ]. أَيْ ; هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي تَدْعُونَا إِلَيْهِ سَفَهٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ هَذِهِ الْأَصْنَامِ الَّتِي يُرْتَجَى مِنْهَا النَّصْرُ وَالرِّزْقُ، وَمَعَ هَذَا نَظُنُّ أَنَّكَ تَكْذِبُ فِي دَعْوَاكَ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 67 ]. أَيْ ; لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَظُنُّونَ، وَلَا مَا تَعْتَقِدُونَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ [ الْأَعْرَافِ: 68 ]. وَالْبَلَاغُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْكَذِبِ فِي أَصْلِ الْمُبَلِّغِ، وَعَدَمَ الزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنَّقْصِ مِنْهُ، وَيَسْتَلْزِمُ إِبْلَاغَهُ بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ وَجِيزَةٍ جَامِعَةٍ مَانِعَةٍ، لَا لَبْسَ فِيهَا وَلَا اخْتِلَافَ وَلَا اضْطِرَابَ، وَهُوَ مَعَ هَذَا الْبَلَاغِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فِي غَايَةِ النُّصْحِ لِقَوْمِهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَالْحِرْصِ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، لَا يَبْتَغِي مِنْهُمْ أَجْرًا، وَلَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ جُعْلًا، بَلْ هُوَ مُخْلِصٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، وَالنُّصْحِ لِخَلْقِهِ لَا يَطْلُبُ أَجْرَهُ إِلَّا مِنَ الَّذِي أَرْسَلَهُ فَإِنَّ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلَّهُ فِي يَدَيْهِ، وَأَمْرُهُ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ هُودٍ: 51 ]. أَيْ ; مَا لَكُمْ عَقْلٌ تُمَيِّزُونَ بِهِ وَتَفْهَمُونَ أَنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ الَّذِي تَشْهَدُ بِهِ فِطَرُكُمُ الَّتِي خُلِقْتُمْ عَلَيْهَا، وَهُوَ دِينُ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نُوحًا، وَأَهْلَكَ مَنْ خَالَفَهُ مِنَ الْخَلْقِ، وَهَا أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ، وَلَا أَسْأَلُكُمْ أَجْرًا عَلَيْهِ، بَلْ أَبْتَغِي ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مَالِكُ الضُّرِّ وَالنَّفْعِ، وَلِهَذَا قَالَ مُؤْمِنُ يس: اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ يس: 21 - 22 ]. وَقَالَ قَوْمُ هُودٍ لَهُ فِيمَا قَالُوا: يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ. [ هُودٍ: 53 ]. يَقُولُونَ: مَا جِئْتَنَا بِخَارِقٍ يَشْهَدُ لَكَ بِصِدْقِ مَا جِئْتَ بِهِ. وَمَا نَحْنُ بِالَّذِينِ نَتْرُكُ عِبَادَةَ أَصْنَامِنَا عَنْ مُجَرَّدِ قَوْلِكَ بِلَا دَلِيلٍ أَقَمْتَهُ، وَلَا بُرْهَانٍ نَصَبْتَهُ، وَمَا نَظُنُّ إِلَّا أَنَّكَ مَجْنُونٌ فِيمَا تَزْعُمُهُ، وَعِنْدَنَا ; إِنَّمَا أَصَابَكَ هَذَا أَنَّ بَعْضَ آلِهَتِنَا غَضِبَ عَلَيْكَ فَأَصَابَكَ فِي عَقْلِكَ فَاعْتَرَاكَ جُنُونٌ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُهُمْ: إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ [ هُودٍ: 54 - 55 ]. وَهَذَا تَحَدٍّ مِنْهُ لَهُمْ، وَتَبَرُّؤٌ مِنْ آلِهَتِهِمْ، وَتَنَقُّصٌ مِنْهُ لَهَا، وَبَيَانُ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ شَيْئًا وَلَا تَضُرُّ، وَأَنَّهَا جَمَادٌ حُكْمُهَا حُكْمُهُ، وَفِعْلُهَا فِعْلُهُ، فَإِنْ كَانَتْ كَمَا تَزْعُمُونَ مِنْ أَنَّهَا تَنْصُرُ وَتَنْفَعُ وَتَضُرُّ، فَهَا أَنَا بَرِيءٌ مِنْهَا لَاعِنٌ لَهَا فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ. أَنْتُمْ وَهِيَ جَمِيعًا بِجَمِيعِ مَا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَصِلُوا إِلَيْهِ، وَتَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَلَا تُؤَخِّرُونِي سَاعَةً وَاحِدَةً، وَلَا طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِكُمْ، وَلَا أُفَكِّرُ فِيكُمْ، وَلَا أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. أَيْ ; أَنَا مُتَوَكِّلٌ عَلَى اللَّهِ وَمُتَأَيِّدٌ بِهِ. وَوَاثِقٌ بِجَنَابِهِ الَّذِي لَا يَضِيعُ مَنْ لَاذَ بِهِ. وَاسْتَنَدَ إِلَيْهِ، فَلَسْتُ أُبَالِي مَخْلُوقًا سِوَاهُ، وَلَسْتُ أَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا أَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، وَهَذَا وَحْدَهُ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ هُودًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّهُمْ عَلَى جَهْلٍ وَضَلَالٍ فِي عِبَادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بِسُوءٍ، وَلَا نَالُوا مِنْهُ مَكْرُوهًا، فَدَلَّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ وَبُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَفَسَادِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ بِعَيْنِهِ قَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَهُ فِي قَوْلِهِ: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ [ يُونُسَ: 71 ]. وَهَكَذَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الْأَنْعَامِ: 80 - 83 ]. استعباد قوم هود أن يبعث الله بشرا رسولا وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 33 - 35 ]. اسْتَبْعَدُوا أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا بَشَرِيًّا، وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ أَدْلَى بِهَا كَثِيرٌ مِنْ جَهَلَةِ الْكَفَرَةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ [ يُونُسَ: 2 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا [ الْإِسْرَاءِ: 94 - 95 ]. وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ. أَيْ ; لَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. وَقَوْلُهُ: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 35 - 39 ]. اسْتَبْعَدُوا الْمَعَادَ وَأَنْكَرُوا قِيَامَ الْأَجْسَادِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا تُرَابًا وَعِظَامًا، وَقَالُوا: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ. أَيْ ; بَعِيدٌ بَعِيدٌ هَذَا الْوَعْدُ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ. أَيْ ; يَمُوتُ قَوْمٌ وَيَحْيَا آخَرُونَ. وَهَذَا هُوَ اعْتِقَادُ الدَّهْرِيَّةِ، كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ: أَرْحَامٌ تَدْفَعُ، وَأَرْضٌ تَبْلَعُ. وَأَمَّا الدُّورِيَّةُ فَهُمُ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ يَعُودُونَ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ بَعْدَ كُلِّ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. وَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ، وَكُفْرٌ وَجَهْلٌ وَضَلَالٌ، وَأَقْوَالٌ بَاطِلَةٌ، وَخَيَالٌ فَاسِدٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَلَا دَلِيلٍ يَسْتَمِيلُ عَقْلَ الْفَجَرَةِ الْكَفَرَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ [ الْأَنْعَامِ: 113 ]. وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا وَعَظَهُمْ بِهِ: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. يَقُولُ لَهُمْ: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ بَنَاءً عَظِيمًا هَائِلًا كَالْقُصُورِ، وَنَحْوِهَا تَعْبَثُونَ بِبِنَائِهَا ; لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ فِيهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْخِيَامَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ. فَعَادُ إِرَمَ هُمْ عَادٌ الْأُولَى الَّذِينَ كَانُوا يَسْكُنُونَ الْأَعْمِدَةَ الَّتِي تَحْمِلُ الْخِيَامَ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ إِرَمَ مَدِينَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَهِيَ تَتَنَقَّلُ فِي الْبِلَادِ فَقَدْ غَلِطَ وَأَخْطَأَ. وَقَالَ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ. قِيلَ: هِيَ الْقُصُورُ. وَقِيلَ: بُرُوجُ الْحَمَامِ. وَقِيلَ: مَآخِذُ الْمَاءِ. لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. أَيْ ; رَجَاءً مِنْكُمْ أَنْ تُعَمِّرُوا فِي هَذِهِ الدَّارِ أَعْمَارًا طَوِيلَةً وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. وَقَالُوا لَهُ فِيمَا قَالُوا: أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. أَيْ ; أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنُخَالِفُ آبَاءَنَا وَأَسْلَافَنَا، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فِيمَا جِئْتَ بِهِ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ بِكَ وَلَا نَتْبَعُكَ وَلَا نُصَدِّقُكَ، كَمَا قَالُوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. أَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ فَتْحِ الْخَاءِ فَالْمُرَادُ بِهِ اخْتِلَاقُ الْأَوَّلِينَ أَيْ ; أَنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إِلَّا اخْتِلَاقٌ مِنْكَ، وَأَخَذْتَهُ مِنْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ هَكَذَا فَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعَيْنِ، وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ ضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ فَالْمُرَادُ بِهِ الدِّينُ أَيْ ; إِنْ هَذَا الدِّينَ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ إِلَّا دِينُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ مِنْ أَسْلَافِنَا، وَلَنْ نَتَحَوَّلَ عَنْهُ وَلَا نَتَغَيَّرَ وَلَا نَزَالُ مُتَمَسِّكِينَ بِهِ. وَيُنَاسِبُ كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ قَوْلُهُمْ: وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. قَالَ: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. أَيْ ; قَدِ اسْتَحَقَّيْتُمْ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ الرِّجْسَ، وَالْغَضَبَ مِنَ اللَّهِ أَتُعَارِضُونَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ بِعِبَادَةِ أَصْنَامٍ أَنْتُمْ نَحَتُّمُوهَا، وَسَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِكُمِ اصْطَلَحْتُمْ عَلَيْهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ. أَيْ ; لَمْ يُنَزِّلْ عَلَى مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ دَلِيلًا وَلَا بُرْهَانًا، وَإِذَا أَبَيْتُمْ قَبُولَ الْحَقِّ وَتَمَادَيْتُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَسَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَنْهَيْتُكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ أَمْ لَا، فَانْتَظِرُوا الْآنَ عَذَابَ اللَّهِ الْوَاقِعَ بِكُمْ، وَبَأْسَهُ الَّذِي لَا يُرَدُّ، وَنَكَالَهُ الَّذِي لَا يُصَدُّ. وَقَالَ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ

  98. التاريخ 98لا حكم مسجّل

    ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرَ إِهْلَاكِهِمْ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ، كَقَوْلِهِ: فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ. وَكَقَوْلِهِ: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ. وَكَقَوْلِهِ: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. تفصيل هلاك قوم هود وَأَمَّا تَفْصِيلُ إِهْلَاكِهِمْ ; فَلَمَّا قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. كَانَ هَذَا أَوَّلَ مَا ابْتَدَأَهُمُ الْعَذَابُ أَنَّهُمْ كَانُوا مُمْحِلِينَ مُسْنِتِينَ فَطَلَبُوا السُّقْيَا، فَرَأَوْا عَارِضًا فِي السَّمَاءِ وَظَنُّوهُ سُقْيَا رَحْمَةٍ فَإِذَا هُوَ سُقْيَا عَذَابٍ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ. أَيْ ; مِنْ وُقُوعِ الْعَذَابِ. وَهُوَ قَوْلُهُمْ: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. وَمِثْلُهَا فِي الْأَعْرَافِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ هَاهُنَا الْخَبَرَ. الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: فَلَمَّا أَبَوْا إِلَّا الْكُفْرَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أُمْسِكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى جَهَدَهُمْ ذَلِكَ. قَالَ: وَكَانَ النَّاسُ إِذَا جَهَدَهُمْ أَمْرٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَطَلَبُوا مِنَ اللَّهِ الْفَرَجَ مِنْهُ إِنَّمَا يَطْلُبُونَهُ بِحَرَمِهِ وَمَكَانِ بَيْتِهِ. وَكَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَبِهِ الْعَمَالِيقُ مُقِيمُونَ وَهُمْ مِنْ سُلَالَةِ عِمْلِيقَ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَكَانَ سَيِّدُهُمْ إِذْ ذَاكَ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ قَوْمِ عَادٍ، وَاسْمُهَا: جَلْهَدَةُ ابْنَةُ الْخَيْبَرِيِّ. قَالَ: فَبَعَثَ عَادٌ وَفْدًا قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَسْتَقُوا لَهُمْ عِنْدَ الْحَرَمِ، فَمَرُّوا بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ بِظَاهِرِ مَكَّةَ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ فَأَقَامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ تُغَنِّيهِمُ الْجَرَدَاتَانِ قَيْنَتَانِ لِمُعَاوِيَةَ وَكَانُوا قَدْ وَصَلُوا إِلَيْهِ فِي شَهْرٍ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُهُمْ عِنْدَهُ، وَأَخَذَتْهُ شَفَقَةٌ عَلَى قَوْمِهِ، وَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، عَمِلَ شِعْرًا يُعَرِّضُ لَهُمْ بِالِانْصِرَافِ، وَأَمَرَ الْقَيْنَتَيْنِ أَنْ تُغَنِّيَهُمْ بِهِ، فَقَالَ: أَلَّا يَا قَيْلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ لَعَلَّ اَللَّهَ يُصْبِحُنَا غَمَامًا     فَيَسْقِي أَرْضَ عَادٍ إِنَّ عَادًا قَدَ أمْسَوْا لَا يُبِينُونَ اَلْكَلَامَا     مِنَ الْعَطَشِ اَلشَّدِيدِ فَلَيْسَ نَرْجُو بِهِ اَلشَّيْخَ اَلْكَبِيرَ وَلَا اَلْغُلَامَا     وَقَدْ كَانَتْ نِسَاؤُهُمْ بِخَيْرٍ فَقَدْ أَمْسَتْ نِسَاؤُهُمْ عِيَامًا     وَإِنَّ اَلْوَحْشَ يَأْتِيهِمْ جِهَارًا وَلَا يَخْشَى لِعَادِيٍّ سِهَامًا     وَأَنْتُمْ هَاهُنَا فِيمَا اِشْتَهَيْتُمْ نَهَارَكُمْ وَلَيْلَكُمُ اِلتَّمَامَا     فَقُبِّحَ وَفْدُكُمْ مِنْ وَفْدِ قَوْمٍ وَلَا لُقُّوا اَلتَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَا قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ تَنَبَّهَ الْقَوْمُ لِمَا جَاءُوا لَهُ، فَنَهَضُوا إِلَى الْحَرَمِ وَدَعَوْا لِقَوْمِهِمْ فَدَعَا دَاعِيهِمْ، وَهُوَ قَيْلُ بْنُ عِتْرٍ فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَّابَاتٍ ثَلَاثًا ; بَيْضَاءَ، وَحَمْرَاءَ، وَسَوْدَاءَ. ثُمَّ نَادَاهُ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: اخْتَرْ لِنَفْسِكَ وَلِقَوْمِكَ مِنْ هَذَا السَّحَابِ. فَقَالَ: اخْتَرْتُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ السَّحَابِ مَاءً. فَنَادَاهُ مُنَادٍ: اخْتَرْتَ رَمَادًا رِمْدَدًا لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا لَا وَالِدًا تَتْرُكُ وَلَا وَلَدًا، إِلَّا جَعَلَتْهُ هَمِدَا، إِلَّا بَنِي اللَّوْذِيَّةِ الْمُهْدَا. قَالَ: وَهُوَ بَطْنٌ مِنْ عَادٍ كَانُوا مُقِيمِينَ بِمَكَّةَ فَلَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ قَوْمَهُمْ. قَالَ: وَمَنْ بَقِيَ مِنْ أَنْسَابِهِمْ وَأَعْقَابِهِمْ هُمْ عَادٌ الْآخِرَةُ. قَالَ: وَسَاقَ اللَّهُ السَّحَابَةَ السَّوْدَاءَ الَّتِي اخْتَارَهَا. قَيْلُ بْنُ عِتْرٍ بِمَا فِيهَا مِنَ النِّقْمَةِ إِلَى عَادٍ حَتَّى تَخَرَّجَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ: الْمُغِيثُ، فَلَمَّا رَأَوْهَا اسْتَبْشَرُوا، وَقَالُوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. فَيَقُولُ تَعَالَى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا. أَيْ ; كُلَّ شَيْءٍ أُمِرَتْ بِهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ أَبْصَرَ مَا فِيهَا وَعَرَفَ أَنَّهَا رِيحٌ فِيمَا يَذْكُرُونَ امْرَأَةً مِنْ عَادٍ يُقَالُ لَهَا: مَهْدٌ، فَلَمَّا تَبَيَّنَتْ مَا فِيهَا صَاحَتْ، ثُمَّ صَعِقَتْ، فَلَمَّا أَفَاقَتْ قَالُوا: مَا رَأَيْتِ يَا مَهْدُ ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رِيحًا فِيهَا كَشُهُبِ النَّارِ، أَمَامَهَا رِجَالٌ يَقُودُونَهَا. فَلَمَّا خَرَجَتِ الرِّيحُ مِنَ الْوَادِي قَالَ سَبْعَةُ رَهْطٍ مِنْهُمْ، أَحَدُهُمُ الْخَلَجَانُ: تَعَالَوْا حَتَّى نَقُومَ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي فَنَرُدَّهَا. فَجَعَلَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ تَحْتَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ فَتَحْمِلُهُ فَتَدُقُّ عُنُقَهُ، وَبَقِيَ الْخَلَجَانُ فَمَالَ إِلَى الْجَبَلِ وَقَالَ: لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْخَلَجَانُ نَفْسُهُ     يَا لَكَ مِنْ يَوْمٍ دَهَانِي أَمْسُهُ بِثَابِتِ الْوَطْءِ شَدِيدٍ وَطْسُهُ     لَوْ لَمْ يَجِئْنِي جِئْتُهُ أَجُسُّهُ فَقَالَ لَهُ هُودٌ: أَسْلِمْ تَسْلَمْ. فَقَالَ: وَمَا لِي ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. فَقَالَ: فَمَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ فِي السَّحَابِ كَأَنَّهُمُ الْبُخْتُ ؟ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ. قَالَ: أَيُعِيذُنِي رَبُّكَ مِنْهُمْ إِنْ أَسْلَمْتُ ؟ قَالَ: هَلْ رَأَيْتَ مَلِكًا يُعِيذُ مَنْ جَنَّدَهُ ؟ قَالَ: لَوْ فَعَلَ مَا رَضِيتُ. ثُمَّ جَاءَتِ الرِّيحُ وَأَلْحَقَتْهُ بِأَصْحَابِهِ استمرار الريح سبع ليال وثمانية أيام متواصلة فَسَخَّرَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا. وَالْحُسُومُ: الدَّائِمَةُ. فَلَمْ تَدَعْ مِنْ عَادٍ أَحَدًا إِلَّا هَلَكَ. قَالَ: وَاعْتَزَلَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا ذُكِرَ لِي فِي حَظِيرَةٍ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُصِيبُهُمْ إِلَّا مَا يَلِينُ عَلَيْهِمُ الْجُلُودُ، وَتَلْتَذُّ الْأَنْفُسُ، وَإِنَّهَا لِتَمُرُّ عَلَى عَادٍ بِالظَّعْنِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَتَدْمَغُهُمْ بِالْحِجَارَةِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْقِصَّةِ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عن ابْنُ يَزِيدَ الْبَكْرِيُّ. قَالَ: خَرَجْتُ أَشْكُو الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَمَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا عَجُوزٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٌ بِهَا، فَقَالَتْ لِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَاجَةً، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغِي إِلَيْهِ ؟ قَالَ: فَحَمَلْتُهَا فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا الْمَسْجِدُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ، وَإِذَا رَايَةٌ سَوْدَاءُ تَخْفِقُ، وَبِلَالٌ مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ قَالُوا: يُرِيدُ أَنْ يَبْعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَجْهًا، قَالَ: فَجَلَسْتُ، قَالَ: فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ أَوْ قَالَ: رَحْلَهُ، فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَسَلَّمْتُ، فَقَالَ: هَلْ كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي تَمِيمٍ شَيْءٌ. فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: وَكَانَتْ لَنَا الدَّبْرَةُ عَلَيْهِمْ، وَمَرَرْتُ بِعَجُوزٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مُنْقَطِعٍ بِهَا، فَسَأَلَتْنِي أَنْ أَحْمِلَهَا إِلَيْكَ، وَهَا هِيَ بِالْبَابِ، فَأَذِنَ لَهَا فَدَخَلَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي تَمِيمٍ حَاجِزًا فَاجْعَلِ الدَّهْنَاءَ، فَحَمِيَتِ الْعَجُوزُ وَاسْتَوْفَزَتْ، وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِلَى أَيْنَ تَضْطَرُّ مُضَرَكَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: إِنَّ مِثْلِي مَا قَالَ الْأَوَّلُ: مِعْزًى حَمَلَتْ حَتْفَهَا. حَمَلْتُ هَذِهِ وَلَا أَشْعُرُ أَنَّهَا كَانَتْ لِي خَصْمًا، أَعُوذُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أَكُونَ كَوَافِدِ عَادٍ، قَالَ: هِيهِ وَمَا وَافِدُ عَادٍ ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ، وَلَكِنْ يَسْتَطْعِمُهُ، قُلْتُ: إِنَّ عَادًا قَحَطُوا، فَبَعَثُوا وَفْدًا لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: قَيْلٌ فَمَرَّ بِمُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ فَأَقَامَ عِنْدَهُ شَهْرًا يَسْقِيهِ الْخَمْرَ، وَتُغَنِّيهِ جَارِيَتَانِ يُقَالُ لَهُمَا: الْجَرَادَتَانِ، فَلَمَّا مَضَى الشَّهْرُ خَرَجَ إِلَى جِبَالِ تِهَامَةَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَجِئْ إِلَى مَرِيضٍ فَأُدَاوِيَهُ، وَلَا إِلَى أَسِيرٍ فَأُفَادِيَهُ، اللَّهُمَّ اسْقِ عَادًا مَا كُنْتَ تَسْقِيهِ، فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَاتٌ سُودٌ، فَنُودِيَ مِنْهَا: اخْتَرْ. فَأَوْمَأَ إِلَى سَحَابَةٍ مِنْهَا سَوْدَاءَ. فَنُودِيَ مِنْهَا: خُذْهَا رَمَادًا رِمْدَدًا لَا تُبْقِي مِنْ عَادٍ أَحَدًا. قَالَ: فَمَا بَلَغَنِي أَنَّهُ بَعَثَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ إِلَّا كَقَدْرِ مَا يَجْرِي فِي خَاتَمِي هَذَا مِنَ الرِّيحِ حَتَّى هَلَكُوا. قَالَ أَبُو وَائِلٍ: وَصَدَقَ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ وَالرَّجُلُ إِذَا بَعَثُوا وَفْدًا لَهُمْ، قَالُوا: لَا تَكُنْ كَوَافِدِ عَادٍ. وَقَدْ يَكُونُ هَذَا السِّيَاقُ لِإِهْلَاكِ عَادٍ الْآخِرَةِ فَإِنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَغَيْرُهُ ذِكْرًا لِمَكَّةَ، وَلَمْ تُبْنَ إِلَّا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ حِينَ أَسْكَنَ فِيهَا هَاجَرَ وَابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ، فَنَزَلَتْ جُرْهُمٌ عِنْدَهُمْ، وَعَادٌ الْأُولَى قَبْلَ الْخَلِيلِ، وَفِيهِ ذِكْرُ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ وَشِعْرُهُ، وَهُوَ مِنَ الشِّعْرِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ زَمَانِ عَادٍ الْأُولَى لَا يُشْبِهُ كَلَامَ الْمُتَقَدِّمِينَ. وَفِيهِ أَنَّ فِي تِلْكَ السَّحَابَةِ شَرَرُ نَارٍ، وَعَادٌ الْأَوْلَى إِنَّمَا أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ: هِيَ الْبَارِدَةُ، وَالْعَاتِيَةُ الشَّدِيدَةُ الْهُبُوبِ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [ الْحَاقَّةِ: 7 ]. أَيْ ; كَوَامِلَ مُتَتَابِعَاتٍ. قِيلَ: كَانَ أَوَّلَهَا الْجُمُعَةُ. وَقِيلَ: الْأَرْبِعَاءُ. فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [ الْحَاقَّةِ: 7 ]. شَبَّهَهُمْ بِأَعْجَازِ النَّخْلِ الَّتِي لَا رُءُوسَ لَهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ تَجِيءُ إِلَى أَحَدِهِمْ فَتَحْمِلُهُ فَتَرْفَعُهُ فِي الْهَوَاءِ، ثُمَّ تُنَكِّسُهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ فَتَشْدَخُهُ، فَيَبْقَى جُثَّةً بِلَا رَأْسٍ، كَمَا قَالَ: إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ [ الْقَمَرِ: 19 ]. أَيْ ; فِي يَوْمِ نَحْسٍ عَلَيْهِمْ، مُسْتَمِرٌّ عَذَابُهُ عَلَيْهِمْ، تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [ الْقَمَرِ: 20 ]. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْيَوْمَ النَّحْسَ الْمُسْتَمِرَّ هُوَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ. وَتَشَاءَمَ بِهِ لِهَذَا الْفَهْمِ فَقَدْ أَخْطَأَ وَخَالَفَ الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ [ فُصِّلَتْ: 16 ]. وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ، فَلَوْ كَانَتْ نَحِسَاتٍ فِي أَنْفُسِهَا لَكَانَتْ جَمِيعُ الْأَيَّامِ السَّبْعَةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِيهَا مَشْئُومَةً. وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ أَيْ ; عَلَيْهِمْ. وَقَالَ تَعَالَى وَفِي عَادٍ: إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [ الذَّارِيَاتِ: 41 ]. أَيِ الَّتِي لَا تُنْتِجُ خَيْرًا فَإِنَّ الرِّيحَ الْمُفْرَدَةَ لَا تَنْثُرُ سَحَابًا وَلَا تُلَقِّحُ شَجَرًا، بَلْ هِيَ عَقِيمٌ لَا نَتِيجَةَ خَيْرٍ لَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [ الذَّارِيَاتِ: 42 ]. أَيْ ; كَالشَّيْءِ الْبَالِي الْفَانِي الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ الْأَحْقَافِ: 21 ]. فَالظَّاهِرُ أَنَّ عَادًا هَذِهِ هِيَ عَادٌ الْأُولَى فَإِنَّ سِيَاقَهَا شَبِيهٌ بِسِيَاقِ قَوْمِ هُودٍ، وَهُمُ الْأُولَى. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَذْكُورُونَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ هُمْ عَادٌ الثَّانِيَةُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [ الْأَحْقَافِ: 24 ]. فَإِنَّ عَادًا لَمَّا رَأَوْا هَذَا الْعَارِضَ، وَهُوَ النَّاشِئُ فِي الْجَوِّ كَالسَّحَابِ، ظَنُّوهُ سَحَابَ مَطَرٍ فَإِذَا هُوَ سَحَابُ عَذَابٍ، اعْتَقَدُوهُ رَحْمَةً فَإِذَا هُوَ نِقْمَةٌ، رَجَوْا فِيهِ الْخَيْرَ فَنَالُوا مِنْهُ غَايَةَ الشَّرِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ [ الْأَحْقَافِ: 24 ]. أَيْ ; مِنَ الْعَذَابِ، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ. [ الْأَحْقَافِ: 24 ]. يُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ هُوَ مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الرِّيحِ الصَّرْصَرِ الْعَاتِيَةِ الْبَارِدَةِ الشَّدِيدَةِ الْهُبُوبِ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ عَلَيْهِمْ سَبْعُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا الثَّمَانِيَةِ، فَلَمْ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا، بَلْ تَتَبَّعَتْهُمْ حَتَّى كَانَتْ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ كُهُوفَ الْجِبَالِ وَالْغِيرَانِ فَتَلُفُّهُمْ وَتُخْرِجُهُمْ وَتُهْلِكُهُمْ، وَتُدَمِّرُ عَلَيْهِمُ الْبُيُوتَ الْمُحْكَمَةَ، وَالْقُصُورَ الْمُشَيَّدَةَ فَكَمَا مُنُوا بِقُوَّتِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ، وَقَالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟ سَلَّطَ اللَّهُ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً، وَأَقْدَرُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الرِّيحُ الْعَقِيمُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الرِّيحَ أَثَارَتْ فِي آخِرِ الْأَمْرِ سَحَابَةً ظَنَّ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ أَنَّهَا سَحَابَةٌ فِيهَا رَحْمَةٌ بِهِمْ، وَغِيَاثٌ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فَأَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ شَرَرًا وَنَارًا، كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَيَكُونُ هَذَا كَمَا أَصَابَ أَصْحَابَ الظُّلَّةِ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ، وَجَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الرِّيحِ الْبَارِدَةِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ الْعَذَابِ بِالْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمُتَضَادَّةِ مَعَ الصَّيْحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي سُورَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى عَادٍ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي أُهْلِكُوا بِهَا إِلَّا مِثْلَ مَوْضِعِ الْخَاتَمِ فَمَرَّتْ بِأَهْلِ الْبَادِيَةِ فَحَمَلَتْهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاضِرَةِ مِنْ عَادٍ الرِّيحَ وَمَا فِيهَا قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. [ الْأَحْقَافِ: 24 ]. فَأَلْقَتْ أَهْلَ الْبَادِيَةِ وَمَوَاشِيَهُمْ عَلَى أَهْلِ الْحَاضِرَةِ. قَالَ: عَتَتْ عَلَى خَزَائِنِهَا حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ خِلَالِ الْأَبْوَابِ. قُلْتُ: وَقَالَ غَيْرُهُ خَرَجَتْ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّهُمْ رَأَوْا عَارِضًا، وَالْمَفْهُومُ مِنْهُ لُغَةً السَّحَابُ. كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ الْبَكْرِيِّ إِنْ جَعَلْنَاهُ مُفَسِّرًا لِهَذِهِ الْقِصَّةِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بسنده عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ. قَالَتْ: وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَخَرَجَ وَدَخَلَ وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا أَمْطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ فَسَأَلَتْهُ، فَقَالَ: لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ.

  99. التاريخ 99لا حكم مسجّل

    كَانَ عُمُرُ هُودٍ مِائَةً وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَقَبْرُهُ بِحَضْرَمَوْتَ، وَقِيلَ بِالْحِجْرِ مِنْ مَكَّةَ وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ ذَكَرَ صِفَةَ قَبْرِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ  فِي بِلَادِ الْيَمَنِ. وَذَكَرَ آخَرُونَ أَنَّهُ بِدِمَشْقَ، وَبِجَامِعِهَا مَكَانٌ فِي حَائِطِهِ الْقِبْلِيِّ يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ قَبْرُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  100. التاريخ 100لا حكم مسجّل

    قصة هود في سورة الأعراف قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ قَوْمِ نُوحٍ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ [ الْأَعْرَافِ: 65 - 72 ]. قصة هود في سورة هود وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ نُوحٍ فِي سُورَةِ هُودٍ: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ [ هُودٍ: 50 - 60 ]. قصة هود في سورة المؤمنون وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ: ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 31 - 41 ]. قصة هود في سورة الشعراء وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ أَيْضًا: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. قصة هود في مواضع متفرقة من القرآن وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ: وَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ [ فُصِّلَتْ: 15 - 16 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَحْقَافِ: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ [ الْأَحْقَافِ: 21 - 25 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي الذَّارِيَاتِ: وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [ الذَّارِيَاتِ: 41 - 42 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي النَّجْمِ: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى [ النَّجْمِ: 50 - 55 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ اقْتَرَبَتْ: كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ الْقَمَرِ: 18 - 22 ]. وَقَالَ فِي الْحَاقَّةِ: وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [ الْحَاقَّةِ: 6 - 8 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْفَجْرِ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [ الْفَجْرِ: 6 - 14 ]. وَقَدْ جَرَى ذِكْرُ عَادٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالْفَرْقَانِ، وَالْعَنْكَبُوتِ، وَفِي سُورَةِ ص، وَفِي سُورَةِ ق

  101. التاريخ 101لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ صَالِحٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: أَرْسَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ صَالِحَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ أَسِفِ بْنِ مَاشِجَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ جَادِرِ بْنِ ثَمُودَ، إِلَى قَوْمِهِ ثَمُودَ وَهُمْ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ تَسَمَّوْا بِاسْمِ جَدِّهِمْ وَهُوَ ابْنُ عَابِرِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. أَرْسَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا فَعَتَوَا عَنْ أَمْرِ رِبِّهِمْ وَأَبَوْا إِلَّا الْعِنَادَ فَلَمَّا اسْتَمَرَّ عَلَى دَعْوَتِهِمْ مُحَذِّرًا لَهُمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلَالِ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَ قَوْمُ عَادٍ قَالُوا لَهُ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ آيَةً فَائْتِنَا بِبَيِّنَةٍ وَطَلَبُوا أَنْ يَسْتَخْرِجَ لَهُمْ مِنْ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ نَاقَةً عُشَرَاءَ طَوِيلَةً ذَكَرُوا مِنْ أَوْصَافِهَا وَتَعَنَّتُوا فِي وَصْفِهَا فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَالْمَوَاثِيقَ إِنْ هُوَ أَجَابَهُمْ لِمَا طَلَبُوا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فَأَعْطَوْهُ عَهْدَهُمْ وَمِيثَاقَهُمْ، فَقَامَ وَصَلَّى لِلَّهِ وَدَعَا فَأَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ وَأَخْرَجَ لَهُمُ النَّاقَةَ وَجَعَلَهَا لَهُمْ فِتْنَةً بِأَلَّا يَمَسُّوهَا بِسُوءٍ وَإِلَّا أَخَذَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، وَجَعَلَ لَهُمْ شِرْبَ الْمَاءِ يَوْمًا وَلَهَا يَوْمٌ عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا مِنْ لَبَنِهَا وَيَنْتَفِعُوا بِهَا، وَلَمَّا أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُمْ آمَنَتْ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ وَكَانَ رَأْسُ كُفْرِهِمْ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ، فَلَمَّا طَالَ أَمَدُ النَّاقَةِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ قَتْلَهَا لِيَسْتَأْثِرُوا بِالْمَاءِ، وَاتَّفَقَ تِسْعَةُ رَهْطٍ مِنْهُمْ وَسَعَوْا فِي قَوْمِهِمْ وَزَيَّنُوا لَهُمْ قَتْلَهَا فَكَمَنُوا لِلنَّاقَةِ وَعَقَرُوهَا فَرَغَتْ لِيَهْرُبَ وَلَدُهَا، فَقِيلَ إِنَّهُ هَرَبَ وَدَخَلَ فِي صَخْرَةٍ وَغَابَ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ عَقَرُوهَا أَيْضًا، وَقَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ يَا صَالِحُ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَعْدًا غَيْرَ مَكْذُوبٍ فَعَتَوَا مَعَ ذَلِكَ وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَتَلَ النَّفَرَ الَّذِينَ هَمُّوا بِذَلِكَ، وَأَصْبَحَ قَوْمُ صَالِحٍ وَوُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي احْمَرَّتْ وُجُوهُهُمْ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ وَأَيْقَنُوا الْعَذَابَ فَجَاءَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ وَأَصْبَحُوا جُثَثًا خَامِدَةً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، وَنَجَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ، كَمَا نَجَّا أَبَا رِغَالٍ حَيْثُ كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ فَمَنَعَهُ الْعَذَابُ فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ لَحِقَهُ مَا لَحِقَ قَوْمَهُ مِنَ الْمَوْتِ فَدُفِنَ وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّحَابَةَ بِمَكَانِ قَبْرِهِ وَقَالَ: إِنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ دُفِنَ مَعَهُ فَنَبَشَ الصَّحَابَةُ قَبْرَهُ وَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ. وَقَدْ سَارَ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَتَّى نَزَلَ أَرْضَ فِلَسْطِينَ بِالشَّامِ ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَقَامَ بِهَا وَمَاتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاخْتَلَفُوا فِي عُمْرِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ ثَمَانِيَةً وَخَمْسِينَ عَامًا، وَقَالَ الْبَعْضُ مِائَتَيْنِ وَسَبْعِينَ عَامًا. وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بِدِيَارِ ثَمُودَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى تَبُوكَ أَنْ يُسْتَقَى مِنْ مَائِهِمْ أَوْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ إِلَّا بَاكِينَ أَوْ مُتَبَاكِينَ خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ.

  102. التاريخ 102لا حكم مسجّل

    صَالِحَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ أَسِفِ بْنِ مَاشِجَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ جَادِرِ بْنِ ثَمُودَ وَيُقَالُ: ابْنُ جَاثِرٍ بِالثَّاءِ وَقِيلَ: أَسِفِ بْنِ كَمَاشِجَ بْنِ إِرَمَ بْنِ ثَمُودَ

  103. التاريخ 103لا حكم مسجّل

    هُمْ قَبِيلَةٌ مَشْهُورَةٌ يُقَالُ: ثَمُودُ بِاسْمِ جَدِّهِمْ ثَمُودَ أَخِي جَدِيسٍ، وَهُمَا ابْنَا عَابَرَ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَكَانُوا عَرَبًا مِنَ الْعَارِبَةِ يَسْكُنُونَ الْحِجْرَ الَّذِي بَيْنَ الْحِجَازِ وَتَبُوكَ فَكَانَ أَحَدُهُمْ يَبْنِي الْمَسَاكِنَ مِنَ الْمَدَرِ فَتَنْهَدِمُ وَالرَّجُلَ مِنْهُمْ حَيٌّ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اتَّخَذُوا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَنَحَتُوهَا وَجَابُوهَا وَجَوَّفُوهَا.

  104. التاريخ 104لا حكم مسجّل

    بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ بَعْدَ هَلَاكِ قَوْمِ عَادٍ صَالِحَ بْنَ عُبَيْدِ بْنِ جَاذِرِ بْنِ جَابِرِ بْنِ ثَمُودَ وكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ يَخْلَعُوا الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا فَآمَنَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، وَكَفَرَ جُمْهُورُهُمْ، وَنَالُوا مِنْهُ بِالْمَقَالِ وَالْفَعَالِ، وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بِمَا حدث لعاد؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. أَيْ إِنَّمَا جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِهِمْ لِتَعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَتَعْمَلُوا بِخِلَافِ عَمَلِهِمْ، وَأَبَاحَ لَكُمْ هَذِهِ الْأَرْضَ تَبْنُونَ فِي سُهُولِهَا الْقُصُورَ، وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ. أَيْ حَاذِقِينَ فِي صَنْعَتِهَا وَإِتْقَانِهَا وَإِحْكَامِهَا، فَقَابِلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالْعِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَمُخَالَفَتَهُ، وَالْعُدُولَ عَنْ طَاعَتِهِ فَإِنَّ عَاقِبَةَ ذَلِكَ وَخِيمَةٌ؛ وَلِهَذَا وَعَظَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ. أَيْ مُتَرَاكِمٌ كَثِيرٌ حَسَنٌ بَهِيٌّ نَاضِجٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ. وَقَالَ لَهُمْ أَيْضًا: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا. أَيْ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَأَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَجَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا. أَيْ أَعْطَاكُمُوهَا بِمَا فِيهَا مِنَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ فَهُوَ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ فَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ وَحْدَهُ لَا سِوَاهُ فَاسْتَغْفِرُوهُ، ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ. أَيْ أَقْلِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَأَقْبِلُوا عَلَى عِبَادَتِهِ فَإِنَّهُ يَقْبَلُ مِنْكُمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْكُمْ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا. أَيْ قَدْ كُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ عَقْلُكَ كَامِلًا قَبْلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَهِيَ دُعَاؤُكَ إِيَّانَا إِلَى إِفْرَادِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَتَرْكِ مَا كُنَّا نَعْبُدُهُ مِنَ الْأَنْدَادِ، وَالْعُدُولِ عَنْ دِينِ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ. وَهَذَا تَلَطُّفٌ مِنْهُ لَهُمْ فِي الْعِبَارَةِ وَلِينِ الْجَانِبِ، وَحُسْنُ تَأَتٍّ فِي الدَّعْوَةِ لَهُمْ إِلَى الْخَيْرِ. أَيْ فَمَا ظَنُّكُمْ إِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ؟ مَاذَا عُذْرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ ؟ وَمَاذَا يُخَلِّصُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ؟ وَأَنْتُمْ تَطْلُبُونَ مِنِّي أَنْ أَتْرُكَ دُعَاءَكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ ؟ وَأَنَا لَا يُمْكِنُنِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيَّ، وَلَوْ تَرَكْتُهُ لَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنْكُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِكُمْ أَنْ يُجِيرَنِي مِنْهُ، وَلَا يَنْصُرَنِي فَأَنَا لَا أَزَالُ أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَقَالُوا لَهُ أَيْضًا: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ. أَيْ مِنَ الْمَسْحُورِينَ. يَعْنُونَ مَسْحُورًا لَا تَدْرِي مَا تَقُولُ فِي دُعَائِكَ إِيَّانَا إِلَى إِفْرَادِ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَخَلْعِ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ. وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُسَحَّرِينَ الْمَسْحُورُونَ. وَقِيلَ: مِنَ الْمُسَحَّرِينَ. أَيْ مِمَّنْ لَهُ سَحْرٌ وَهِيَ الرِّئَةُ كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا أَنْتَ بَشَرٌ لَهُ سَحْرٌ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِمْ بَعْدَ هَذَا: مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا. وَقَوْلُهُمْ: فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.

  105. التاريخ 105لا حكم مسجّل

    وَلَمْ يَزَلْ صَالِحٌ عليه السلام يَدْعُوهُمْ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَاؤُهُ إِلَّا طُغْيَانًا ولَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ، فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ، وَالتَّحْذِيرِ، وَالتَّخْوِيفِ سَأَلُوهُ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِخَارِقٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ. وَقَالَ: قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. وَقَالَ تَعَالَى: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ: أَنَّ ثَمُودَ اجْتَمَعُوا يَوْمًا فِي نَادِيهِمْ، فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَالِحٌ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَذَكَّرَهُمْ وَحَذَّرَهُمْ وَوَعَظَهُمْ وَأَمَرَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ أَنْتَ أَخْرَجْتَ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ وَأَشَارُوا إِلَى صَخْرَةٍ هُنَاكَ نَاقَةً مِنْ صِفَتِهَا كَيْتَ وَكَيْتَ، وَذَكَرُوا أَوْصَافًا سَمَّوْهَا وَنَعَتُوهَا وَتَعَنَّتُوا فِيهَا، وَأَنْ تَكُونَ عُشَرَاءَ طَوِيلَةً مِنْ صِفَتِهَا كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَجَبْتُكُمْ إِلَى مَا سَأَلْتُمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي طَلَبْتُمْ أَتُؤْمِنُونَ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ. وَتُصَدِّقُونِي فِيمَا أُرْسِلْتُ بِهِ. قَالُوا: نَعَمْ. فَأَخَذَ عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى مُصَلَّاهُ فَصَلَّى لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُجِيبَهُمْ إِلَى مَا طَلَبُوا فَأَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ تِلْكَ الصَّخْرَةَ أَنْ تَنْفَطِرَ عَنْ نَاقَةٍ عَظِيمَةٍ كَوْمَاءَ عُشَرَاءَ  عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ الَّذِي طَلَبُوا وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي نَعَتُوا، فَلَمَّا عَايَنُوهَا كَذَلِكَ رَأَوْا أَمْرًا عَظِيمًا، وَمَنْظَرًا هَائِلًا، وَقُدْرَةً بَاهِرَةً، وَدَلِيلًا قَاطِعًا، وَبُرْهَانًا سَاطِعًا فَآمَنَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَاسْتَمَرَّ أَكْثَرُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَعِنَادِهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: فَظَلَمُوا بِهَا. أَيْ جَحَدُوا بِهَا، وَلَمْ يَتَّبِعُوا الْحَقَّ بِسَبَبِهَا. أَيْ أَكْثَرُهُمْ، وَكَانَ رَئِيسُ الَّذِينَ آمَنُوا جُنْدَعَ بْنَ عَمْرِو بْنِ مِخْلَاةَ بْنِ لَبِيدِ بْنِ جَوَّاسٍ، وَكَانَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَهُمْ بَقِيَّةُ الْأَشْرَافِ بِالْإِسْلَامِ فَصَدَّهُمْ ذُؤَابُ بْنُ عُمَرَ بْنِ لَبِيدٍ، وَالْحُبَابُ صَاحِبُ أَوْثَانِهِمْ، وَرَبَابُ بْنُ صَمْعَرِ بْنِ جَلْهَسٍ، وَدَعَا جُنْدَعٌ ابْنَ عَمِّهِ شِهَابَ بْنَ خَلِيفَةَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَهَمَّ بِالْإِسْلَامِ فَنَهَاهُ أُولَئِكَ فَمَالَ إِلَيْهِمْ. شعر مهرش بن غنمة بن الدميل فَقَالَ فِي ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ: مِهْرَشُ بْنُ غَنْمَةَ بْنِ الدُّمَيْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ شِعْرًا: وَكَانَتْ عُصْبَةٌ مِنْ آلِ عَمْرٍو إِلَى دِينِ النَّبِيِّ دَعَوْا شِهَابَا     عَزِيزَ ثَمُودَ كُلُّهُمْ جَمِيعًا فَهَمَّ بِأَنْ يُجِيبَ وَلَوْ أَجَابَا     لَأَصْبَحَ صَالِحٌ فِينَا عَزِيزًا وَمَا عَدَلُوا بِصَاحِبِهِمْ ذُؤَابَا     وَلَكِنَّ الْغُوَاةَ مِنْ آلِ حِجْرٍ تَوَلَّوْا بَعْدَ رُشْدِهِمُ ذِئَابَا وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً. أَضَافَهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ، كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ. لَكُمْ آيَةً. أَيْ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ. فَاتَّفَقَ الْحَالُ عَلَى أَنْ تَبْقَى هَذِهِ النَّاقَةُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ مِنْ أَرْضِهِمْ، وَتَرِدُ الْمَاءَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَكَانَتْ إِذَا وَرَدَتِ الْمَاءَ تَشْرَبُ مَاءَ الْبِئْرِ يَوْمَهَا ذَلِكَ فَكَانُوا يَرْفَعُونَ حَاجَتَهُمْ مِنَ الْمَاءِ فِي يَوْمِهِمْ لِغَدِهِمْ، وَيُقَالُ إِنَّهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ لَبَنِهَا كِفَايَتَهُمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ: لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ. أَيِ اخْتِبَارًا لَهُمْ أَيُؤْمِنُونَ بِهَا أَمْ يَكْفُرُونَ ؟ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بِمَا يَفْعَلُونَ: فَارْتَقِبْهُمْ أَيِ انْتَظِرْ مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَاصْطَبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ فَسَيَأْتِيكَ الْخَبَرُ عَلَى جَلِيَّةٍ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ.

  106. التاريخ 106لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْحَالُ هَذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَعْقِرُوا هَذِهِ النَّاقَةَ لِيَسْتَرِيحُوا مِنْهَا، وَيَتَوَفَّرَ عَلَيْهِمْ مَاؤُهُمْ، وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الْأَعْرَافِ: 77 ]. وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى قَتْلَهَا مِنْهُمْ رَئِيسَهُمْ قُدَارَ بْنَ سَالِفِ بْنِ جُنْدَعٍ، وَكَانَ أَحْمَرَ أَزْرَقَ قَصِيرًا، وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ وَلَدُ زَانِيَةٍ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ سَالِفٍ. وَهُوَ مِنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: صِيبَانُ، وَكَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ جَمِيعِهِمْ؛ فَلِهَذَا نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى جَمِيعِهِمْ كُلِّهِمْ. وقيل أن سَبَبُ قَتْلِ النَّاقَةِ  : إِنَّ قُدَارَ بْنَ سَالِفٍ جَلَسَ مَعَ نَفَرٍ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مَاءٍ يَمْزُجُونَ بِهِ خَمْرَهُمْ لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمُ شِرْبِ النَّاقَةِ، فَحَرَّضَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى قَتْلِهَا. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ ثَمُودَ اسْمُ إِحْدَاهُمَا صَدُوفُ بِنْتُ الْمُحَيَّا بْنِ زُهَيْرِ بْنِ الْمُحَيَّا، وَكَانَتْ ذَاتَ حَسَبٍ وَمَالٍ، وَكَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَفَارَقَتْهُ فَدَعَتِ ابْنَ عَمٍّ لَهَا يُقَالُ لَهُ: مِصْدَعُ بْنُ مَهْرَجِ بْنِ الْمُحَيَّا، وَعَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا إِنْ هُوَ عَقَرَ النَّاقَةَ  ، وَاسْمُ الْأُخْرَى عُنَيْزَةُ بِنْتُ غُنَيْمِ بْنِ مِجْلَزٍ، وَتُكْنَى أُمَّ عُثْمَانَ، وَكَانَتْ عَجُوزًا كَافِرَةً، لَهَا بَنَاتٌ مِنْ زَوْجِهَا ذُؤَابِ بْنِ عَمْرٍو أَحَدِ الرُّؤَسَاءِ، فَعَرَضَتْ بَنَاتَهَا الْأَرْبَعَ عَلَى قُدَارِ بْنِ سَالِفٍ إِنْ هُوَ عَقَرَ النَّاقَةَ فَلَهُ أَيُّ بَنَاتِهَا شَاءَ، فَانْتُدِبَ هَذَانِ الشَّابَّانِ لِعَقْرِهَا، وَسَعَوْا فِي قَوْمِهِمْ بِذَلِكَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ سَبْعَةٌ آخَرُونَ فَصَارُوا تِسْعَةً، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ. وَسَعَوْا فِي بَقِيَّةِ الْقَبِيلَةِ، وَحَسَّنُوا لَهُمْ عَقْرَهَا فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَطَاوَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ فَانْطَلَقُوا يَرْصُدُونَ النَّاقَةَ، فَلَمَّا صَدَرَتْ مِنْ وِرْدِهَا كَمَنَ لَهَا مِصْدَعٌ فَرَمَاهَا بِسَهْمٍ فَانْتَظَمَ عَظْمَ سَاقِهَا، وَجَاءَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الْقَبِيلَةِ فِي قَتْلِهَا، وَحَسَرْنَ عَنْ وُجُوهِهِنَّ تَرْغِيبًا لَهُمْ، فَابْتَدَرَهُمْ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ فَشَدَّ عَلَيْهَا بِالسَّيْفِ فَكَشَفَ عَنْ عُرْقُوبِهَا، فَخَرَّتْ سَاقِطَةً إِلَى الْأَرْضِ، وَرَغَتْ رَغَاةً وَاحِدَةً عَظِيمَةً، تُحَذِّرُ وَلَدَهَا، ثُمَّ طَعَنَ فِي لَبَّتِهَا فَنَحَرَهَا، وَانْطَلَقَ سَقْبُهَا، وَهُوَ فَصِيلُهَا فَصَعِدَ جَبَلًا مَنِيعًا، وَرَغَا ثَلَاثًا. وعَنْ مَعْمَرٍ عَمَّنْ سَمِعَ الْحَسَنَ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ أَيْنَ أُمِّي، ثُمَّ دَخَلَ فِي صَخْرَةٍ فَغَابَ فِيهَا، وَيُقَالُ: بَلِ اتَّبَعُوهُ فَعَقَرُوهُ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. وَقَالَ تَعَالَى: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا. أَيِ احْذَرُوهَا فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النَّاقَةَ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا، فَقَالَ: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا انْبَعَثَ لَهَا رَجُلٌ عَارِمٌ عَزِيزٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ. أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ بِهِ. عَارِمٌ أَيْ شَهْمٌ عَزِيزٌ أَيْ رَئِيسٌ مَنِيعٌ أَيْ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ. وعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ. قَالَ: بَلَى. قَالَ: رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذَا - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتَّى تَبْتَلَّ مِنْهُ هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ تَعَالَى: فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الْأَعْرَافِ: 77 ]. فَجَمَعُوا فِي كَلَامِهِمْ هَذَا بَيْنَ كُفْرٍ بَلِيغٍ مِنْ وُجُوهٍ؛ مِنْهَا أَنَّهُمْ خَالَفُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي ارْتِكَابِهِمُ النَّهْيَ الْأَكِيدَ فِي عَقْرِ النَّاقَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ آيَةً  ، وَمِنْهَا أَنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا وُقُوعَ الْعَذَابِ بِهِمْ فَاسْتَحَقُّوهُ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: الشَّرْطُ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ. وَفِي آيَةٍ " عَظِيمٌ ". وَفِي الْأُخْرَى " أَلِيمٌ ". وَالْكُلُّ حَقٌّ. وَالثَّانِي: اسْتِعْجَالُهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَمِنْهَا أَنَّهُمْ كَذَّبُوا الرَّسُولَ الَّذِي قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عِلْمًا جَازِمًا.

  107. التاريخ 107لا حكم مسجّل

    وحَمَلَهُمُ الْكُفْرُ وَالضَّلَالُ وَالْعِنَادُ عَلَى اسْتِبْعَادِ الْحَقِّ، وَوُقُوعِ الْعَذَابِ بِهِمْ فَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ صَالِحٌ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. أَيْ غَيْرَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ أَيْضًا فِي هَذَا الْوَعْدِ الْأَكِيدِ، بَلْ لَمَّا أَمْسَوْا هَمُّوا بِقَتْلِهِ، وَأَرَادُوا فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنْ يُلْحِقُوهُ بِالنَّاقَةِ وَقَالُوا: نَخْرُجُ فَتَرَى النَّاسُ أَنَّنَا نُرِيدُ السَّفَرَ فَنَأْتِي الْغَارَ الَّذِي عَلَى طَرِيقِ صَالِحٍ فَنَكُونُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ وَخَرَجَ صَالِحٌ إِلَى مَسْجِدِهِ قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى الْغَارِ، ثُمَّ انْصَرَفْنَا إِلَى رِحَالِنَا، وَقُلْنَا مَا شَهِدْنَا قَتْلَهُ فَيُصَدِّقُنَا قَوْمُهُ. وَكَانَ صَالِحٌ لَا يَبِيتُ مَعَهُمْ، كَانَ يَخْرُجُ إِلَى مَسْجِدٍ لَهُ يُعْرَفُ بِمَسْجِدِ صَالِحٍ فَيَبِيتُ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلُوا الْغَارَ سَقَطَتْ عَلَيْهِمْ صَخْرَةٌ فَقَتَلَتْهُمْ، فَانْطَلَقَ رِجَالٌ مِمَّنْ عَرَفَ الْحَالَ إِلَى الْغَارِ فَرَأَوْهُمْ هَلْكَى، فَعَادُوا يَصِيحُونَ: إِنَّ صَالِحًا أَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ قَتَلَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ تَقَاسُمُ التِّسْعَةِ عَلَى قَتْلِ صَالِحٍ بَعْدَ عَقْرِ النَّاقَةِ وَإِنْذَارِ صَالِحٍ إِيَّاهُمْ بِالْعَذَابِ  ، وَذَلِكَ أَنَّ التِّسْعَةَ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ قَالُوا: تَعَالَوْا فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَا قَتْلَهُ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا أَلْحَقْنَاهُ بِالنَّاقَةِ، فَأَتَوْهُ لَيْلًا فِي أَهْلِهِ فَدَمَغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ فَهَلَكُوا، فَأَتَى أَصْحَابُهُمْ فَرَأَوْهُمْ هَلْكَى فَقَالُوا لِصَالِحٍ: أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُمْ عَشِيرَتُهُ وَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ أَنْذَرَكُمُ الْعَذَابَ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ غَضَبًا، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَنَحْنُ نُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ، فَعَادُوا عَنْهُ، فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ تَقَاسَمُوا غَيْرَ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ، وَالثَّانِي أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ. أَيْ لَنَكْبِسَنَّهُ فِي دَارِهِ مَعَ أَهْلِهِ فَلَنَقْتُلَنَّهُ، ثُمَّ نَجْحَدَنَّ قَتْلَهُ، وَنُنْكِرَنَّ ذَلِكَ إِنْ طَالَبَنَا أَوْلِيَاؤُهُ بِدَمِهِ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. وَأَصْبَحَتْ ثَمُودُ  يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَيَّامِ النَّظِرَةِ، وَوُجُوهُهُمْ مُصْفَرَّةٌ، كَمَا أَنْذَرَهُمْ صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا أَمْسَوْا نَادَوْا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمٌ مِنَ الْأَجَلِ، ثُمَّ أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّأْجِيلِ، وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَوُجُوهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ، فَلَمَّا أَمْسَوْا نَادَوْا: أَلَا قَدْ مَضَى يَوْمَانِ مِنَ الْأَجَلِ، ثُمَّ أَصْبَحُوا فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ الْمَتَاعِ، وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ، وَوُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ، فَلَمَّا أَمْسَوْا نَادَوْا: أَلَا قَدْ مَضَى الْأَجَلُ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةُ يَوْمِ الْأَحَدِ تَحَنَّطُوا وَتَأَهَّبُوا، وَقَعَدُوا يَنْظُرُونَ مَاذَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالنِّقْمَةِ لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يُفْعَلُ بِهِمْ، وَلَا مِنْ أَيِّ جِهَةٍ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ جَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَرَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَفَاضَتِ الْأَرْوَاحُ وَزَهَقَتِ النُّفُوسُ، وَسَكَنَتِ الْحَرَكَاتُ، وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَحُقَّتِ الْحَقَائِقُ، فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ جُثَثًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، وَلَا حِرَاكَ بِهَا قَالُوا: وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا جَارِيَةٌ كَانَتْ مُقْعَدَةً، وَاسْمُهَا: كَلْبَةُ بِنْتُ السَّلْقِ، وَيُقَالُ لَهَا: الزُّرَيْعَةُ. وَكَانَتْ شَدِيدَةَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةِ لِصَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْعَذَابَ أُطْلِقَتْ رِجْلَاهَا، فَقَامَتْ تَسْعَى كَأَسْرَعِ شَيْءٍ فَأَتَتْ حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ فَأَخْبَرَتْهُمْ بِمَا رَأَتْ وَمَا حَلَّ بِقَوْمِهَا، وَاسْتَسْقَتْهُمْ مَاءً، فَلَمَّا شَرِبَتْ مَاتَتْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا. أَيْ لَمْ يُقِيمُوا فِيهَا فِي سَعَةٍ، وَرِزْقٍ، وَغَنَاءٍ: أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ. أَيْ نَادَى عَلَيْهِمْ لِسَانُ الْقَدَرِ بِهَذَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحِجْرِ قَالَ: لَا تَسْأَلُوا الْآيَاتِ فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالِحٍ فَكَانَتْ يَعْنِي النَّاقَةَ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا، وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا، وَيَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا، فَعَقَرُوهَا، فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَهْمَدَ اللَّهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ. فَقَالُوا: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: هُوَ أَبُو رِغَالٍ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعن إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ، فَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ رَجُلٍ مِنْ ثَمُودَ كَانَ فِي حَرَمِ اللَّهِ، فَمَنَعَهُ حَرَمُ اللَّهِ عَذَابَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ، فَدُفِنَ هَاهُنَا وَدُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَنَزَلَ الْقَوْمُ فَابْتَدَرُوهُ بِأَسْيَافِهِمْ فَبَحَثُوا عَنْهُ، فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ. خطاب صالح قومه بعد هلاكهم وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ. إِخْبَارٌ عَنْ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ خَاطَبَ قَوْمَهُ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ، وَقَدْ أَخَذَ فِي الذَّهَابِ عَنْ مَحِلَّتِهِمْ إِلَى غَيْرِهَا قَائِلًا لَهُمْ: يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ. أَيْ جَهَدْتُ فِي هِدَايَتِكُمْ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَنِي، وَحَرَصْتُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِي وَفِعْلِي وَنِيَّتِي وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ. أَيْ لَمْ تَكُنْ سَجَايَاكُمْ تَقْبَلُ الْحَقَّ وَلَا تُرِيدُهُ، فَلِهَذَا صِرْتُمْ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ الْمُسْتَمِرِّ بِكُمُ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْأَبَدِ، وَلَيْسَ لِي فِيكُمْ حِيلَةٌ، وَلَا لِي بِالدَّفْعِ عَنْكُمْ يَدَانِ، وَالَّذِي وَجَبَ عَلَيَّ مِنْ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ وَالنُّصْحِ لَكُمْ قَدْ فَعَلْتُهُ وَبَذَلْتُهُ لَكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ. وَهَكَذَا خَاطَبَ النَّبِيُّ ﷺ أَهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَقَفَ عَلَيْهِمْ، وَقَدْ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَأَمَرَ بِالرَّحِيلِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ الْقَلِيبِ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا. وَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: بِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ كَذَّبْتُمُونِي وَصَدَّقَنِي النَّاسُ، وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النَّاسُ، وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النَّاسُ، فَبِئْسَ عَشِيرَةُ النَّبِيِّ كُنْتُمْ لِنَبِيِّكُمْ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخَاطِبُ أَقْوَامًا قَدْ جَيَّفُوا. فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يُجِيبُونَ. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْمَ صَالِحٍ كَانَتْ أَعْمَارُهُمْ طَوِيلَةً، فَكَانُوا يَبْنُونَ الْبُيُوتَ مِنَ الْمَدَرِ فَتَخْرَبُ قَبْلَ مَوْتِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ، فَنَحَتُوا لَهُمْ بُيُوتًا فِي الْجِبَالِ، وَذَكَرُوا أَنَّ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا سَأَلُوهُ آيَةً، فَأَخْرَجَ اللَّهُ لَهُمُ النَّاقَةَ مِنَ الصَّخْرَةِ أَمَرَهُمْ بِهَا وَبِالْوَلَدِ الَّذِي كَانَ فِي جَوْفِهَا، وَحَذَّرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ إِنْ هُمْ نَالُوهَا بِسُوءٍ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ سَيَعْقِرُونَهَا، وَيَكُونُ سَبَبُ هَلَاكِهِمْ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُمْ صِفَةَ عَاقِرِهَا، وَأَنَّهُ أَحْمَرُ أَزْرَقُ أَصْهَبُ، فَبَعَثُوا الْقَوَابِلَ فِي الْبَلَدِ مَتَى وَجَدُوا مَوْلُودًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَقْتُلْنَهُ، فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَانْقَرَضَ جِيلٌ وَأَتَى جِيلٌ آخَرُ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ الْأَعْصَارِ خَطَبَ رَئِيسٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَلَى ابْنِهِ بِنْتَ آخَرَ مِثْلِهِ فِي الرِّيَاسَةِ، فَزَوَّجَهُ فَوُلِدَ بَيْنَهُمَا عَاقِرُ النَّاقَةِ، وَهُوَ قُدَارُ بْنُ سَالِفٍ، فَلَمْ تَتَمَكَّنِ الْقَوَابِلُ مِنْ قَتْلِهِ لِشَرَفِ أَبَوَيْهِ وَجَدَّيْهِ فِيهِمْ، فَنَشَأَ نَشْأَةً سَرِيعَةً فَكَانَ يَشِبُّ فِي الْجُمُعَةِ، كَمَا يَشِبُّ غَيْرُهُ فِي شَهْرٍ، حَتَّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ خَرَجَ مُطَاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا بَيْنَهُمْ، فَسَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ عَقْرَ النَّاقَةِ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَهُمُ التِّسْعَةُ الَّذِينَ أَرَادُوا قَتْلَ صَالِحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا وَقَعَ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا وَقَعَ مِنْ عَقْرِ النَّاقَةِ، وَبَلَغَ ذَلِكَ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَهُمْ بَاكِيًا عَلَيْهَا فَتَلَقَّوْهُ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ عَنْ مَلَأٍ مِنَّا، وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا هَؤُلَاءِ الْأَحْدَاثُ فِينَا، فَيُقَالُ إِنَّهُ أَمَرَهُمْ بِاسْتِدْرَاكِ سَقْبِهَا حَتَّى يُحْسِنُوا إِلَيْهِ عِوَضًا عَنْهَا، فَذَهَبُوا وَرَاءَهُ فَصَعِدَ جَبَلًا هُنَاكَ، فَلَمَّا تَصَاعَدُوا فِيهِ وَرَاءَهُ تَعَالَى الْجَبَلُ حَتَّى ارْتَفَعَ فَلَا يَنَالُهُ الطَّيْرُ، وَبَكَى الْفَصِيلُ حَتَّى سَالَتْ دُمُوعُهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَغَا ثَلَاثًا فَعِنْدَهَا قَالَ صَالِحٌ: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ. وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ يُصْبِحُونَ مِنْ غَدِهِمْ صُفْرًا، ثُمَّ تَحْمَرُّ وُجُوهُهُمْ فِي الثَّانِي، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ تَسْوَدُّ وُجُوهُهُمْ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَتَتْهُمُ صَيْحَةٌ فِيهَا صَوْتُ كُلِّ صَاعِقَةٍ فَأَخْمَدَتْهُمْ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ، وَفِي بَعْضِ هَذَا السِّيَاقِ نَظَرٌ وَمُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي شَأْنِهِمْ وَقِصَّتِهِمْ، كَمَا قَدَّمْنَا. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

  108. التاريخ 108لا حكم مسجّل

    قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِوَادِي عُسْفَانَ حِينَ حَجَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَيُّ وَادٍ هَذَا ؟. قَالَ: وَادِي عُسْفَانَ. قَالَ: لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ، وَصَالِحٌ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى بَكَرَاتٍ حُمْرٍ خُطُمُهَا اللِّيفُ، أُزُرُهُمُ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ.

  109. التاريخ 109لا حكم مسجّل

    أَمَّا صَالِحٌ   - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ فِلَسْطِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا يَعْبُدُ اللَّهَ حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ أَقَامَ فِي قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ عِشْرِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: بَلْ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَسَبْعِينَ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَهُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ.

  110. التاريخ 110لا حكم مسجّل

    مُرُورِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَادِي الْحِجْرِ مِنْ أَرْضِ ثَمُودَ عَامَ تَبُوكَ   وَلَمَّا سَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى تَبُوكَ أَتَى عَلَى قَرْيَةِ ثَمُودَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: لَا يَدْخُلَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمُ الْقَرْيَةَ وَلَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا، وَأَرَاهُمْ مُرْتَقَى الْفَصِيلِ فِي الْجَبَلِ، وَأَرَاهُمُ الْفَجَّ الَّذِي كَانَتِ النَّاقَةُ تَرِدُ مِنْهُ الْمَاءَ. وقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ عَلَى تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمُ الْحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَى النَّاسُ مِنَ الْآبَارِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا ثَمُودُ، فَعَجَنُوا مِنْهَا وَنَصَبُوا الْقُدُورَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ فَأَهْرَاقُوا الْقُدُورَ، وَعَلَفُوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا النَّاقَةُ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا، وَقَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْحِجْرِ: لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا مَرَّ بِمَنَازِلِهِمْ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ رَاحِلَتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا، خَشْيَةَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ. صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عن عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ ؓ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى أَهْلِ الْحِجْرِ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَنَادَى فِي النَّاسِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ. قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ مُمْسِكٌ بَعِيرَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ؟ فَنَادَاهُ رَجُلٌ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا وَسَدِّدُوا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا، وَسَيَأْتِي قَوْمٌ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِشَيْءٍ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ.

  111. التاريخ 111لا حكم مسجّل

    أَمَّا أَهْلُ التَّوْرَاةِ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا ذِكْرَ لِعَادٍ، وَهُودٍ، وَثَمُودَ، وَصَالِحٍ فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: وَأَمْرُهُمْ عِنْدَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ كَشُهْرَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. قُلْتُ: وَلَيْسَ إِنْكَارُهُمْ ذَلِكَ بِأَعْجَبَ مِنْ إِنْكَارِهِمْ نُبُوَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَرِسَالَتَهُ، وَكَذَلِكَ إِنْكَارِهِمْ حَالَ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَلَكِنْ فِي الْقُرْآنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى أَخْبَرَ عَنْهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [ إِبْرَاهِيمَ: 8 - 9 ]. الْآيَةَ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ كَلَامِ مُوسَى مَعَ قَوْمِهِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ هَاتَانِ الْأُمَّتَانِ مِنَ الْعَرَبِ لَمْ يَضْبِطُوا خَبَرَهُمَا جَيِّدًا، وَلَا اعْتَنَوْا بِحِفْظِهِ، وَإِنْ كَانَ خَبَرُهُمَا كَانَ مَشْهُورًا فِي زَمَانِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  112. التاريخ 112لا حكم مسجّل

    قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ [ الْأَعْرَافِ: 73 - 79 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ [ هُودٍ: 61 - 68 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحِجْرِ: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [ الْحِجْرِ: 80 - 84 ]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ سُبْحَانَ: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [ الْإِسْرَاءِ: 59 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشُّعَرَاءِ: 141 - 159 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [ النَّمْلِ: 45 - 53 ].. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ اقْتَرَبَتْ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ الْقَمَرِ: 23 - 32 ]. وَقَالَ تَعَالَى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا [ الشَّمْسِ: 11 - 15 ]. وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ ذِكْرِ عَادٍ وَثَمُودَ، كَمَا فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَالْفُرْقَانِ، وَسُورَةِ ص، وَسُورَةِ ق، وَالنَّجْمِ، وَالْفَجْرِ.

  113. التاريخ 129لا حكم مسجّل

    صِفَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ   قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ؛ فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ يَعْنِي نَفْسَهُ ﷺ، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ. تَفَرَّدَ بِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ؛ فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ  ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ  . قَالُوا لَهُ: فَإِبْرَاهِيمُ ؟ قَالَ: انْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ. يَعْنِي نَفْسَهُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَذَكَرُوا لَهُ الدَّجَّالَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ: كَافِرٌ أَوْ ك ف ر فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ. وَلَكِنَّهُ قَالَ ﷺ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَجَعْدٌ آدَمُ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ انْحَدَرَ فِي الْوَادِي.

  114. التاريخ 130لا حكم مسجّل

    ثَنَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [ الْبَقَرَةِ: 124 ]. لَمَّا وَفَّى مَا أَمَرَهُ رَبُّهُ بِهِ مِنَ التَّكَالِيفِ الْعَظِيمَةِ جَعَلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا يَقْتَدُونَ بِهِ. وَيَأْتَمُّونَ بِهَدْيِهِ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْإِمَامَةُ مُتَّصِلَةً بِسَبَبِهِ وَبَاقِيَةً فِي نَسَبِهِ وَخَالِدَةً فِي عَقِبِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ وَرَامَ وَسُلِّمَتْ إِلَيْهِ الْإِمَامَةُ بِزِمَامٍ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْ نَيْلِهَا الظَّالِمُونَ، وَاخْتُصَّ بِهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 27 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ الْأَنْعَامِ: 84 - 87 ]. فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ عَائِدٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلُوطٌ، وَإِنْ كَانَ ابْنَ أَخِيهِ إِلَّا أَنَّهُ دَخَلَ فِي الذُّرِّيَّةِ تَغْلِيبًا، وَهَذَا هُوَ الْحَامِلُ لِلْقَائِلِ الْآخَرِ أَنَّ الضَّمِيرَ عَلَى نُوحٍ، كَمَا قَدَّمْنَا فِي قِصَّتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ [ الْحَدِيدِ: 26 ]. الْآيَةَ. فَكُلُّ كِتَابٍ أُنْزِلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَشِيعَتِهِ، وَهَذِهِ خِلْعَةٌ سَنِيَّةٌ لَا تُضَاهَى، وَمَرْتَبَةٌ عَلِيَّةٌ لَا تُبَاهَى، وَذَلِكَ أَنَّهُ وُلِدَ لَهُ لِصُلْبِهِ وَلَدَانِ ذَكَرَانِ عَظِيمَانِ؛ إِسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ، ثُمَّ إِسْحَاقُ مِنْ سَارَةَ، وَوُلِدَ لِهَذَا يَعْقُوبُ وَهُوَ إِسْرَائِيلُ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ سَائِرُ أَسْبَاطِهِمْ فَكَانَتْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ، وَكَثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الَّذِي بَعَثَهُمْ، وَاخْتَصَّهُمْ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ حَتَّى خُتِمُوا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَانَتْ مِنْهُ الْعَرَبُ  عَلَى اخْتِلَافِ قَبَائِلِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ سُلَالَتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى خَاتَمِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَسَيِّدِهِمْ، وَفَخْرِ بَنِي آدَمَ فِي الدُّنْيَا، وَالْآخِرَةِ؛ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْقُرَشِيِّ الْهَاشِمِيِّ الْمَكِّيِّ ثُمَّ الْمَدَنِيِّ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْ هَذَا الْفَرْعِ الشَّرِيفِ وَالْغُصْنِ الْمُنِيفِ سِوَى هَذِهِ الْجَوْهَرَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالدُّرَّةِ الزَّاهِرَةِ، وَوَاسِطَةِ الْعِقْدِ الْفَاخِرَةِ، وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي يَفْتَخِرُ بِهِ أَهْلُ الْجَمْعِ، وَيَغْبِطُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَقُومُ مَقَامًا يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ. فَمَدَحَ إِبْرَاهِيمَ أَبَاهُ مِدْحَةً عَظِيمَةً فِي هَذَا السِّيَاقِ، وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ بَعْدَهُ عِنْدَ الْخَلَّاقِ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ. وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ بِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ الْبَقَرَةِ: 260 ]. ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ لِهَذَا السُّؤَالِ أَسْبَابًا، عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ رَأَى مَيْتَةً تُمَزِّقُهَا الْهَوَامُّ وَالسِّبَاعُ، فَسَأَلَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَرَّ إِبْرَاهِيمُ بِرَجُلٍ مَيِّتٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَرَأَى دَوَابَّ الْبَحْرِ وَسِبَاعَ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْهُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: مَرَّ عَلَى دَابَّةٍ مَيِّتَةٍ. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَرَّ عَلَى جِيفَةِ حِمَارٍ. وَقَالَ ابْنُ يَزِيدَ: مَرَّ عَلَى حُوتٍ مَيِّتَةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا بُشِّرَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا سَأَلَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ بِإِجَابَتِهِ صِحَّةَ الْبِشَارَةِ. رَوَاهُ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يُزِيلَ عَوَارِضَ الْوَسَاوِسِ. وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ: رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ أَحَبَّ أَنْ يَرَى مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ. ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَزَعَمَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ جَرَتْ لِإِبْرَاهِيمَ بِالشَّامِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَقَبْلَ نُزُولِ الصُّحُفِ عَلَيْهِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمِدَ إِلَى أَرْبَعَةٍ مِنَ الطُّيُورِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهَا عَلَى أَقْوَالٍ، وَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُمَزِّقَ لُحُومَهُنَّ وَرِيشَهُنَّ، وَيَخْلِطَ ذَلِكَ بَعْضَهُ فِي بَعْضٍ، ثُمَّ يُقَسِّمُهُ قِسَمًا، وَيَجْعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا فَفَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ، ثُمَّ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَهُنَّ بِإِذْنِ رَبِّهِنَّ، فَلَمَّا دَعَاهُنَّ جَعَلَ كُلُّ عُضْوٍ يَطِيرُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَكُلُّ رِيشَةٍ تَأْتِي إِلَى أُخْتِهَا حَتَّى اجْتَمَعَ بَدَنُ كُلِّ طَائِرٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى قُدْرَةِ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ فَأَتَيْنَ إِلَيْهِ سَعْيًا لِيَكُونَ أَبْيَنَ لَهُ وَأَوْضَحَ لِمُشَاهَدَتِهِ مِنْ أَنْ يَأْتِينَ طَيَرَانًا. وَيُقَالُ: إِنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ رُءُوسَهُنَّ فِي يَدِهِ فَجَعَلَ كُلُّ طَائِرٍ يَأْتِي فَتَلْقَاهُ رَأْسُهُ فَيَتَرَكَّبُ عَلَى جُثَّتِهِ كَمَا كَانَ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعْلَمُ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى عِلْمًا يَقِينًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَلَكِنْ أَحَبَّ أَنْ يُشَاهِدَ ذَلِكَ عِيَانًا، وَيَتَرَقَّى مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ فَأَجَابَهُ اللَّهُ إِلَى سُؤَالِهِ، وَأَعْطَاهُ غَايَةَ مَأْمُولِهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَالْمَدْحِ لَهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي خَمْسَةٍ وَثَلَاثِينَ مَوْضِعًا، مِنْهَا خَمْسَةَ عَشَرَ فِي الْبَقَرَةِ وَحْدَهَا.

  115. التاريخ 131لا حكم مسجّل

    قَالَ تَعَالَى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 65 - 68 ]. يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي دَعْوَى كُلٍّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ كَوْنَ الْخَلِيلِ عَلَى مِلَّتِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَبَيَّنَ كَثْرَةَ جَهْلِهِمْ وَقِلَّةَ عَقْلِهِمْ فِي قَوْلِهِ: وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ. أَيْ فَكَيْفَ يَكُونُ عَلَى دِينِكُمْ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا شُرِعَ لَكُمْ مَا شُرِعَ بَعْدَهُ بِمُدَدٍ مُتَطَاوِلَةٍ ؟ وَلِهَذَا قَالَ: أَفَلَا تَعْقِلُونَ إِلَى أَنْ قَالَ: مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ اللَّهِ الْحَنِيفِ، وَهُوَ الْقَصْدُ إِلَى الْإِخْلَاصِ، وَالِانْحِرَافُ عَمْدًا عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي هُوَ مُخَالِفٌ لِلْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ وَالْمُشْرِكِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ الْبَقَرَةِ: 130 - 140 ]. فَنَزَّهَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلِيلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَبَيَّنَ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ. يَعْنِي الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِ مِنْ أَتْبَاعِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِهِ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَذَا النَّبِيُّ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهُ الدِّينَ الْحَنِيفَ الَّذِي شَرَعَهُ لِلْخَلِيلِ وَكَمَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَأَعْطَاهُ مَا لَمْ يُعْطِ نَبِيًّا وَلَا رَسُولًا قَبْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [ الْأَنْعَامِ: 161 - 163 ]. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ النَّحْلِ: 120 - 123 ]. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْ حَتَّى أَمَرَ بِهَا فَمُحِيَتْ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ بِأَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ  ، فَقَالَ: قَاتَلَهُمُ اللَّهُ، وَاللَّهُ إِنِ اسْتَقْسَمَا بِالْأَزْلَامِ قَطُّ. لَمْ يُخْرِجْهُ مُسْلِمٌ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ شَيْخَنَا لَمْ يَسْتَقْسِمْ بِهَا قَطُّ. فَقَوْلُهُ أُمَّةً أَيْ قُدْوَةً إِمَامًا مُهْتَدِيًا دَاعِيًا إِلَى الْخَيْرِ يُقْتَدَى بِهِ فِيهِ قَانِتًا لِلَّهِ أَيْ خَاشِعًا لَهُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ حَنِيفًا أَيْ مُخْلِصًا عَلَى بَصِيرَةٍ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ. أَيْ قَائِمًا بِشُكْرِ رَبِّهِ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ مِنْ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَأَعْمَالِهِ اجْتَبَاهُ أَيِ اخْتَارَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَاصْطَفَاهُ لِرِسَالَتِهِ وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا، وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [ النِّسَاءِ: 125 ]. يُرَغِّبُ تَعَالَى فِي اتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَلَى الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقَدْ قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، وَمَدَحَهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [ النَّجْمِ: 37 ].

  116. التاريخ 132لا حكم مسجّل

    اتِّخَاذُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا  اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا، وَالْخُلَّةُ هِيَ غَايَةُ الْمَحَبَّةِ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا وَهَكَذَا نَالَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَسَيِّدُ الرُّسُلِ؛ مُحَمَّدٌ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبٍ الْبَجَلِيِّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَقَالَ أَيْضًا فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا أَيُّهَا النَّاسُ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ. أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَثَبَتَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بسنده عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنَّ مُعَاذًا لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ فَقَرَأَ: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَسَمِعَ حَدِيثَهُمْ، وَإِذَا بَعْضُهُمْ يَقُولُ: عَجَبٌ أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِنْ خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُهُ. وَقَالَ آخَرُ: مَاذَا بِأَعْجَبَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا. وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ. وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ. فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ فَسَلَّمَ. وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ، وَعَجَبَكُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوسَى كَلِيمُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَعِيسَى رُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ أَلَا وَإِنِّي حَبِيبُ اللَّهِ، وَلَا فَخْرَ، أَلَا وَإِنِّي أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلْقَةَ بَابِ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَنَا أَكْرَمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتُنْكِرُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى، وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بسنده عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا أَلْقَى فِي قَلْبِهِ الْوَجَلَ حَتَّى إِنْ كَانَ خَفَقَانُ قَلْبِهِ لَيُسْمَعُ مِنْ بُعْدٍ، كَمَا يُسْمَعُ خَفَقَانُ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُضِيفُ النَّاسَ، فَخَرَجَ يَوْمًا يَلْتَمِسُ إِنْسَانًا يُضِيفُهُ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يُضِيفُهُ، فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلًا قَائِمًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا أَدْخَلَكَ دَارِي بِغَيْرِ إِذْنِي ؟ قَالَ: دَخَلْتُهَا بِإِذْنِ رَبِّهَا. قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا مَلَكُ الْمَوْتِ أَرْسَلَنِي رَبِّي إِلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ أُبَشِّرُهُ بِأَنَّ اللَّهَ قَدِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا. قَالَ: مَنْ هُوَ، فَوَاللَّهِ إِنْ أَخْبَرْتَنِي بِهِ، ثُمَّ كَانَ بِأَقْصَى الْبِلَادِ لَآتِيَنَّهُ، ثُمَّ لَا أَبْرَحُ لَهُ جَارًا حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَنَا الْمَوْتُ. قَالَ: ذَلِكَ الْعَبْدُ أَنْتَ. قَالَ: أَنَا ! قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَبِمَ اتَّخَذَنِي رَبِّي خَلِيلًا ؟ قَالَ: بِأَنَّكَ تُعْطِي النَّاسَ وَلَا تَسْأَلُهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ سبب اتخاذ إبراهيم خليلا واخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَبَبِ اتخاذ إبراهيم عليه السلام خليلا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لِإِطْعَامِهِ الطَّعَامَ فَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَعَ ضَيْفٍ لِسَعَةِ كَرَمِهِ.  وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَا جِبْرِيلُ لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا؟ قَالَ: لِإِطْعَامِهِ الطَّعَامَ يَا مُحَمَّدُ". وَالثَّانِي: أَنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ فَأَقْبَلُوا إِلَى بَابِ إِبْرَاهِيمَ يَطْلُبُونَ الطَّعَامَ وَكَانَتْ لَهُ مِيرَةٌ مِنْ صَدِيقٍ لَهُ بِمِصْرَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ، فَبَعَثَ غِلْمَانَهُ بِالْإِبِلِ إِلَى صَدِيقِهِ فَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، فَقَالُوا: لَوِ احْتَمَلْنَا مِنْ هَذِهِ الْبَطْحَاءِ لِيَرَى النَّاسُ أَنَّا قَدْ [جِئْنَا بِشَيْءٍ] فَمَلَئُوا الْغَرَائِرَ رَمْلًا ثُمَّ أَتَوْا إِبْرَاهِيمَ فَأَعْلَمُوهُ، فَاغْتَمَّ إِبْرَاهِيمُ لِأَجْلِ الْخَلْقِ فَنَامَ، وَجَاءَتْ سَارَّةُ وَهِيَ لَا تَعْلَمُ مَا كَانَ، فَفَتَحَتِ الْغَرَائِرَ فَإِذَا دَقِيقٌ حِوَارِيٌّ، فَأَمَرَتِ الْخَبَّازِينَ فَخَبَزُوا وَأَطْعَمُوا النَّاسَ، فَاسْتَيْقَظَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا الطَّعَامُ، فَقَالَتْ: مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ الْمِصْرِيِّ، قَالَ: بَلْ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِي اللَّهِ. فَيَوْمَئِذٍ اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا لِكَسْرِهِ الْأَصْنَامَ وَجِدَالِهِ قَوْمَهُ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا اتَّخَذَ اللَّهُ [إِبْرَاهِيمَ] خَلِيلًا وَنَبِيًّا كَانَ لَهُ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثُمِائَةِ عَبْدٍ أَعْتَقَهُمْ، وَأَسْلَمُوا وَكَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ بِالْعِصِيِّ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ عَمِلَ الْقِسِيَّ الْعَرَبِيَّةَ إِبْرَاهِيمُ   -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَمِلَ لِإِسْمَاعِيلَ قَوْسًا وَلَإِسْحَاقَ قَوْسًا، وَكَانُوا يَرْمُونَ بِهَا، وَعَلَّمَهُمَا الرَّمْيَ. وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الْقِسِيَّ الْفَارِسِيَّةَ نُمْرُودُ.

  117. التاريخ 133لا حكم مسجّل

    وَهُوَ أَحَدُ أُولِي الْعَزْمِ  الْخَمْسَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَى أَسْمَائِهِمْ تَخْصِيصًا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي آيَتَيِ الْأَحْزَابِ وَالشُّورَى، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [ الْأَحْزَابِ: 7 ]. وَقَوْلُهُ: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ الشُّورَى: 13 ]. الْآيَةَ، ثُمَّ هُوَ أَشْرَفُ أُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي وَجَدَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ، وَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ؛ مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، فَمِمَّا انْتُقِدَ عَلَى شَرِيكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ. ثُمَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى  الْحَدِيثُ الَّذِي قَالَ فِيهِ: وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؓ، وَهَذَا هُوَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ. ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِشْفَاعَ النَّاسِ بِآدَمَ  ، ثُمَّ بِنُوحٍ، ثُمَّ بِإِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى فَكُلُّهُمْ يَحِيدُ عَنْهَا، حَتَّى يَأْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ فَيَقُولُ: أَنَا لَهَا أَنَا لَهَا. الْحَدِيثَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ ؟ قَالَ: أَتْقَاهُمْ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ. قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي ؟ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا. وَقَالَ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: يُحْشَرُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ثُمَّ قَرَأَ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ. فَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِهِ. وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ الْمُعَيَّنَةُ لَا تَقْتَضِي الْأَفْضَلِيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا قَابَلَهَا مِمَّا ثَبَتَ لِصَاحِبِ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ الَّذِي يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ الَّذِي قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ فَقَالَ: " ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ ". فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ، وَالتَّوَاضُعِ مَعَ وَالِدِهِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا قَالَ: لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ  . وَقَالَ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ عَنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ. وَلَمَّا كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَفْضَلَ الرُّسُلِ وَأُولِي الْعَزْمِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ أُمِرَ الْمُصَلِّي أَنْ يَقُولَ فِي تَشَهُّدِهِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَغَيْرِهِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا السَّلَامُ عَلَيْكَ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ ؟ قَالَ: قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. قَالُوا: وَفَّى جَمِيعَ مَا أُمِرَ بِهِ. وَقَامَ بِجَمِيعِ خِصَالِ الْإِيمَانِ وَشُعَبِهِ، وَكَانَ لَا يَشْغَلُهُ مُرَاعَاةُ الْأَمْرِ الْجَلِيلِ عَنِ الْقِيَامِ بِمَصْلَحَةِ الْأَمْرِ الْقَلِيلِ، وَلَا يُنْسِيهِ الْقِيَامُ بِأَعْبَاءِ الْمَصَالِحِ الْكِبَارِ عَنِ الصِّغَارِ.

  118. التاريخ 134لا حكم مسجّل

    مَا امْتَحَنَ اللَّهُ بِهِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ   بَعْدَ ابْتِلَاءِ اللَّهِ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ بِمَا كَانَ مِنْ نُمْرُودَ، وَذَبْحِ وَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ رَجَا نَفْعَهُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْكَلِمَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ أَنَّهُ ابْتَلَاهُ بِهِنَّ فَقَالَ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ: لَمْ يُبْتَلَ أَحَدٌ بِهَذَا الدِّينِ فَأَقَامَهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ اللَّهُ: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، قَالَ: وَالْكَلِمَاتُ عَشْرٌ فِي " بَرَاءَةٌ "، وَهِيَ: الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ الْآيَةَ، وَعَشْرٌ فِي " الْأَحْزَابِ "، وَهِيَ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الْآيَةَ، وَعَشْرٌ فِي " الْمُؤْمِنِينَ " مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَشْرُ خِصَالٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ طَاوُسٍ، وَغَيْرِهِ عَنْهُ: الْكَلِمَاتُ عَشْرٌ، وَهِيَ خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَالْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ، وَفَرْقُ شَعَرِ الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، وَهِيَ: تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ؛ الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ. وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ؛ قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ لَا يَشْغَلُهُ الْقِيَامُ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخُشُوعُ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ عَنْ مُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ بَدَنِهِ، وَإِعْطَاءِ كُلِّ عُضْوٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْإِصْلَاحِ وَالتَّحْسِينِ، وَإِزَالَةِ مَا يَشِينُ مِنْ زِيَادَةِ شَعْرٍ أَوْ ظُفُرٍ، أَوْ وُجُودِ قَلَحٍ أَوْ وَسَخٍ، فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ مِنَ الْمَدْحِ الْعَظِيمِ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ مَنَاسِكُ الْحَجِّ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ، وَمُجَاهِدٍ. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ سِتَّةٌ، وَهِيَ: الْكَوَاكِبُ، وَالْقَمَرُ، وَالشَّمْسُ، وَالنَّارُ، وَالْهِجْرَةُ، وَالْخِتَانُ. وَذَبْحُ ابْنِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ، قَالَ: ابْتَلَاهُ بِذَلِكَ فَعَرَفَ أَنَّ رَبَّهُ دَائِمٌ لَا يَزُولُ فَوَجَّهَ وَجْهَهُ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَهَاجَرَ مِنْ وَطَنِهِ، وَأَرَادَ ذَبْحَ ابْنِهِ وَخَتَنَ نَفْسَهُ..

  119. التاريخ 135لا حكم مسجّل

    قَصْرِهِ فِي الْجَنَّةِ   عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ قَصْرًا أَحْسَبُهُ قَالَ: مِنْ لُؤْلُؤَةٍ لَيْسَ فِيهِ فَصْمٌ وَلَا وَهْنٌ، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ نُزُلًا.

  120. التاريخ 136لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ لُوطُ بْنُ هَارَانَ بْنِ تَارَحَ، وَهُوَ آزَرُ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، خَرَجَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ مُهَاجِرًا إِلَى الشَّامِ ثُمَّ إِلَى مِصْرَ ثُمَّ رَجَعَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ وَاسْتَقَرَّ فِي الْأُرْدُنِّ وَقَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِ سَدُومَ مِنْ أَرْضِ غَوْرِ زُغَرَ وَكَانَ أَهْلُهَا مِنْ أَفْجَرِ الْخَلْقِ وَأَسْوَئِهِمْ يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَيَأْتُونَ فِي نَادِيهِمُ الْمُنْكَرَ وَيَأْتُونَ بِالْفَاحِشَةِ الَّتِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا قَوْمٌ قَبْلَهُمْ وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكْرَانِ مِنَ الْعَالِمَيْنِ وَتَرْكُ مَا خَلَقَ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَدْ دَعَاهُمْ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمَا ارْعَوَوْا وَمَا اهْتَدَوْا بَلْ سَعَوْا لِخُرُوجِهِ مِنْ قَرْيَتِهِمْ مُصَرِّحِينَ مُعْتَرِفِينَ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنْ لَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَلَاكِهِمْ مَلَائِكَتَهُ وَهُمْ أَنْفُسُهُمْ مَلَائِكَةُ الْبُشْرَى لِإِبْرَاهِيمَ بِوَلَدِ إِسْحَاقَ، وَلَمَّا نَزَلَتِ الرُّسُلُ عَلَى لُوطٍ فِي صُورَةِ الضِّيفَانِ ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا خَشْيَةً عَلَيْهِ مِنْ قَوْمِهِ وَلَمْ يَنْتَبِهْ إِلَى كَوْنِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِ إِلَّا لَمَّا خَانَتْ زَوْجَتُهُ وَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا بِنُزُولِهِمْ عِنْدَ زَوْجِهَا وَقَدْ ذَكَرَتْ مِنْ حُسْنِ هَيْأَتِهِمْ فَلَمَّا اجْتَمَعَ قَوْمُهُ وَأَرَادُوا السُّوءَ هُنَا أَخْبَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَنْ يَطْمَئِنَّ بِأَنَّهُ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ وَأَمَرَتْهُ أَنْ يَخْرُجَ بِلَيْلٍ بِأَهْلِهِ وَلَا يَلْتَفِتَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَأَخْبَرُوهُ أَنَّ زَوْجَتَهُ سَتَلْتَفِتُ وَسَيُصِيبُهَا مَا سَيُصِيبُ قَوْمَهَا. فَنَجَّى اللَّهُ لُوطًا وَأَهْلَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ جَاءَ أَجَلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إِلَى لُوطٍ فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً.

  121. التاريخ 137لا حكم مسجّل

    وَمِمَّا وَقَعَ فِي حَيَاةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ قِصَّةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ الْعَمِيمَةِ   وَذَلِكَ أَنَّ لُوطًا ابْنُ هَارَانَ بْنِ تَارَحَ، وَهُوَ آزَرُ، وَلُوطٌ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فَإِبْرَاهِيمُ وَهَارَانُ وَنَاحُورُ إِخْوَةٌ فلُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ هَاجَرَ مَعَ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُؤْمِنًا بِهِ، مُتَّبِعًا لَهُ عَلَى دِينِهِ إِلَى الشَّامِ، مَعَهُمَا سَارَّةُ. وَقَدْ قِيلَ: كَانَ مَعَهُمْ تَارِخُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ حَتَّى صَارُوا إِلَى حَرَّانَ، فَمَاتَ تَارِخُ بِحَرَّانَ عَلَى كُفْرِهِ. وَشَخَصَ إِبْرَاهِيمُ وَلُوطٌ وَسَارَّةُ إِلَى الشَّامِ، وَاخْتَتَنَ لُوطٌ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَلُوطٌ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، ثُمَّ مَضَوْا إِلَى مِصْرَ فَصَادَفُوا هُنَاكَ فِرْعَوْنًا مِنْ فَرَاعِنَتِهَا، وَيُقَالُ لَهُ: أَخُو الضَّحَّاكِ، وَجَّهَهُ الضَّحَّاكُ عَامِلًا عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِهِ، فَرَجَعُوا عَوْدًا عَلَى بَدْئِهِمْ إِلَى الشَّامِ، فَنَزَلَ إِبْرَاهِيمُ فِلَسْطِينَ وَنَزَلَ لُوطٌ الْأُرْدُنَّ

  122. التاريخ 138لا حكم مسجّل

    فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى لُوطًا وَذَلِكَ فِي وَسَطِ عُمُرِ إِبْرَاهِيمَ. بُعِثَ إِلَى أَهْلِ سَدُومَ، مِنْ أَرْضِ غَوْرِ زُغَرَ، وَكَانَتْ أُمَّ تِلْكَ الْمَحَلَّةِ وَلَهَا أَرْضٌ وَمُعْمَلَاتٌ وَقُرًى مُضَافَةٌ إِلَيْهَا، وَلَهَا أَهْلٌ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَكْفَرِهِمْ وَأَسْوَئِهِمْ طَوِيَّةً وَأَرْدَئِهِمْ سَرِيرَةً وَسِيرَةً، يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَيَأْتُونَ فِي نَادِيهِمُ الْمُنْكَرَ، وَلَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ابْتَدَعُوا فَاحِشَةً لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ وَهِيَ إِتْيَانُ الذُّكْرَانِ مِنَ الْعَالَمَيْنِ، وَتَرْكُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ النِّسْوَانِ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، فَدَعَاهُمْ لُوطٌ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَاطِي هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَالْفَوَاحِشِ الْمُنْكَرَاتِ ، وَالْأَفَاعِيلِ الْمُسْتَقْبَحَاتِ فَتَمَادَوْا عَلَى ضَلَالِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، وَاسْتَمَرُّوا عَلَى فُجُورِهِمْ وَكُفْرَانِهِمْ. وكَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ، وَيَخُونُونَ الرَّفِيقَ، وَيَأْتُونَ فِي نَادِيهِمْ وَهُوَ مُجْتَمَعُهُمْ وَمَحَلُّ حَدِيثِهِمْ وَسَمَرِهِمُ الْمُنْكَرَ مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ وَلَا يَسْتَحْيُونَ مِنْ مُجَالِسِهِمْ، وَرُبَّمَا وَقَعَ مِنْهُمُ الْفَعْلَةُ الْعَظِيمَةُ فِي الْمَحَافِلِ وَلَا يَسْتَنْكِفُونَ، وَلَا يَرْعَوُونَ لِوَعْظِ وَاعِظٍ، وَلَا نَصِيحَةٍ مِنْ نَاقِلٍ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ كَالْأَنْعَامِ بَلْ أَضَلُّ سَبِيلًا قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ بَعْضُهُمْ يُجَامِعُ بَعْضًا فِي الْمَجَالِسِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ بِالسِّيَرِ: كَانَ لُوطٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْفَاحِشَةِ،  وَلَا يَزْجُرُهُمْ وَعِيدُهُ وَلَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا عُتُوًّا، فَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الْبَأْسِ الَّذِي لَا يُرَدُّ مَا لَمْ يَكُنْ فِي خَلَدِهِمْ وَحُسْبَانِهِمْ، وَجَعَلَهُمْ مَثُلَةً فِي الْعَالَمِينَ، وَعِبْرَةً يُتَّعِظُ بِهَا الْأَلِبَّاءُ مِنَ الْعَالِمِينَ

  123. التاريخ 139لا حكم مسجّل

    ذَلِكَ أَنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَاطِي مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْفَوَاحِشِ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، حَتَّى وَلَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَتْرُكُوا مَا عَنْهُ نُهُوا، بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَى حَالِهِمْ، وَلِمَ يَرْعَوُوا عَنْ غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ رَسُولِهِمْ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَمَا كَانَ حَاصِلُ جَوَابِهِمْ عَنْ خِطَابِهِمْ، إِذْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ: إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَجَعَلُوا غَايَةَ الْمَدْحِ ذَمًّا يَقْتَضِي الْإِخْرَاجَ، وَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى مَقَالَتِهِمْ هَذِهِ إِلَّا الْعِنَادُ وَاللَّجَاجُ، فَطَهَّرَهُ اللَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا أَحْسَنَ إِخْرَاجٍ، وَتَرَكَهُمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ خَالِدِينَ لَكِنْ بَعْدَ مَا صَيَّرَهَا عَلَيْهِمْ بَحْرَةً مُنْتِنَةً ذَاتَ أَمْوَاجٍ، لَكِنَّهَا عَلَيْهِمْ فِي الْحَقِيقَةِ نَارٌ تَأَجَّجُ وَحَرٌّ يَتَوَهَّجُ، وَمَاؤُهَا مِلْحٌ أُجَاجٌ، وَمَا كَانَ هَذَا جَوَابَهُمْ إِلَّا لَمَّا نَهَاهُمْ عَنِ الطَّامَّةِ الْعُظْمَى وَالْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ وَلِهَذَا صَارُوا مَثُلَةً فِيهَا، وَعِبْرَةً لِمَنْ عَلَيْهَا، فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ أَخَذًا وَبِيلًا، وَقَالُوا لَهُ فِيمَا قَالُوا: ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَطَلَبُوا مِنْهُ وُقُوعَ مَا حَذَّرَهُمْ عَنْهُ مِنَ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَحُلُولِ الْبَأْسِ الْعَظِيمِ فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمُ الْكَرِيمُ فَسَأَلَ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَإِلَهِ الْمُرْسَلِينَ أَنْ يَنْصُرَهُ عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ فَغَارَ اللَّهُ لِغَيْرَتِهِ، وَغَضِبَ لِغَضْبَتِهِ، وَاسْتَجَابَ لِدَعْوَتِهِ، وَأَجَابَهُ إِلَى طِلْبَتِهِ، وَبَعَثَ رُسُلَهُ الْكِرَامَ، وَمَلَائِكَتَهُ الْعِظَامَ فَمَرُّوا عَلَى الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَشَّرُوهُ بِالْغُلَامِ الْعَلِيمِ، وَأَخْبَرُوهُ بِمَا جَاءُوا لَهُ مِنَ الْأَمْرِ الْجَسِيمِ، وَالْخَطْبِ الْعَمِيمِ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ. وَقَالَ: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرْجُو أَنْ يُنِيبُوا وَيُسْلِمُوا وَيُقْلِعُوا وَيَرْجِعُوا؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ. أَيْ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا، وَتَكَلَّمْ فِي غَيْرِهِ فَإِنَّهُ قَدْ حُتِمَ أَمْرُهُمْ، وَوَجَبَ عَذَابُهُمْ وَتَدْمِيرُهُمْ وَهَلَاكُهُمْ. إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ. أَيْ قَدْ أَمَرَ بِهِ مَنْ لَا يُرَدُّ أَمْرُهُ، وَلَا يُرَدُّ بِأْسُهُ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ. وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ يَقُولُ: أَتُهْلِكُونَ قَرْيَةً فِيهَا ثَلَاثُمِائَةِ مُؤْمِنٍ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَمِائَتَا مُؤْمِنٍ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَرْبَعُونَ مُؤْمِنًا قَالُوا: لَا. قَالَ: فَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُؤْمِنًا ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ إِلَى أَنْ قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ فِيهَا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا. الْآيَةَ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ أَتُهْلِكُهُمْ وَفِيهِمْ خَمْسُونَ رَجُلًا صَالِحًا ؟ فَقَالَ اللَّهُ: لَا أُهْلِكُهُمْ وَفِيهِمْ خَمْسُونَ صَالِحًا. ثُمَّ تَنَازَلَ إِلَى عَشَرَةٍ، فَقَالَ اللَّهُ: لَا أُهْلِكُهُمْ وَفِيهِمْ عَشَرَةٌ صَالِحُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَمَّا فَصَلَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ وَهُمْ؛ جِبْرِيلُ، وَمِيكَائِيلُ، وَإِسْرَافِيلُ، أَقْبَلُوا حَتَّى أَتَوْا أَرْضَ سَدُومَ فِي صُورَةِ شُبَّانٍ حِسَانٍ اخْتِبَارًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْمِ لُوطٍ، وَإِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَاسْتَضَافُوا لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَخَشِيَ إِنْ لَمْ يُضِفْهُمْ أَنْ يُضِيفَهُمْ غَيْرُهُ مِنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ، وَحَسِبَهُمْ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ وَ سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: شَدِيدٌ بَلَاؤُهُ، وَذَلِكَ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ مُدَافَعَتِهِ اللَّيْلَةَ عَنْهُمْ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِغَيْرِهِمْ مَعَهُمْ، وَكَانُوا قَدِ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُضِيفَ أَحَدًا، وَلَكِنْ رَأَى مَنْ لَا يُمْكِنُ الْمَحِيدُ عَنْهُ. وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَنَّهُمْ وَرَدُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ يَعْمَلُ فِيهَا، فَتَضَيَّفُوهُ فَاسْتَحْيَى مِنْهُمْ وَانْطَلَقَ أَمَامَهُمْ، وَجَعَلَ يُعَرِّضُ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ لَعَلَّهُمْ يَنْصَرِفُونَ عَنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَيَنْزِلُونَ فِي غَيْرِهَا، فَقَالَ لَهُمْ فِيمَا قَالَ: وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ بَلَدٍ أَخْبَثَ مِنْ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ مَشَى قَلِيلًا، ثُمَّ أَعَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتَّى كَرَّرَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ: وَكَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ لَا يُهْلِكُوهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: خَرَجَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ عِنْدِ إِبْرَاهِيمَ نَحْوَ قَوْمِ لُوطٍ فَأَتَوْهَا نِصْفَ النَّهَارِ، فَلَمَّا بَلَغُوا نَهْرَ سَدُومَ لَقُوا ابْنَةَ لُوطٍ تَسْتَقِي مِنَ الْمَاءِ لِأَهْلِهَا، وَكَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ اسْمُ الْكُبْرَى أَرِيثَا، وَالصُّغْرَى دَغُوْثَا فَقَالُوا لَهَا: يَا جَارِيَةُ هَلْ مِنْ مَنْزِلٍ ؟ فَقَالَتْ لَهُمْ: مَكَانَكُمْ، لَا تَدْخُلُوا حَتَّى آتِيَكُمْ. فَرِقَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا فَقَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ أَرَادَكَ فِتْيَانٌ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، مَا رَأَيْتُ وُجُوهَ قَوْمٍ قَطُّ هِيَ أَحْسَنَ مِنْهُمْ، لَا يَأْخُذُهُمْ قَوْمُكَ فَيَفْضَحُوهُمْ. وَقَدْ كَانَ قَوْمُهُ نَهَوْهُ أَنْ يُضِيفَ رَجُلًا، فَجَاءَ بِهِمْ، فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلُ الْبَيْتِ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَأَخْبَرَتْ قَوْمَهَا فَقَالَتْ: إِنَّ فِي بَيْتِ لُوطٍ رِجَالًا مَا رَأَيْتُ مِثْلَ وُجُوهِهِمْ قَطُّ. فَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ. أَيْ هَذَا مَعَ مَا سَلَفَ لَهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ الْعَظِيمَةِ الْكَبِيرَةِ الْكَثِيرَةِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ. يُرْشِدُهُمْ إِلَى غِشْيَانِ نِسَائِهِمْ، وَهُنَّ بَنَاتُهُ شَرْعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ لِلْأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِدِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ [ الْأَحْزَابِ: 6 ]. وَفِي قِرَاءَةِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ: " وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ ". وَهَذَا كَقَوْلِهِ: أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 165 - 166 ]. وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ خَطَأٌ مَأْخُوذٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَدْ تَصَحَّفَ عَلَيْهِمْ، كَمَا أَخْطَئُوا فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانُوا اثْنَيْنِ، وَإِنَّهُمْ تَعَشَّوْا عِنْدَهُ، وَقَدْ خَبَّطَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ تَخْبِيطًا عَظِيمًا. وَقَوْلُهُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ نَهْيٌ لَهُمْ عَنْ تَعَاطِي مَا لَا يَلِيقُ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَشَهَادَةٌ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ رَجُلٌ لَهُ مُسْكَةٌ، وَلَا فِيهِ خَيْرٌ، بَلِ الْجَمِيعُ سُفَهَاءُ فَجَرَةٌ أَقْوِيَاءُ كَفَرَةٌ أَعْتِيَاءُ. وَكَانَ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا أَرَادَ الْمَلَائِكَةُ أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ قَوْمُهُ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ الْحَمِيدِ الْمَجِيدِ مُجِيبِينَ لِنَبِيِّهِمْ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ السَّدِيدِ:لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ. يَقُولُونَ: عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ يَا لُوطُ إِنَّهُ لَا أَرَبَ لَنَا فِي نِسَائِنَا، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مُرَادَنَا، وَغَرَضَنَا، وَاجَهُوا بِهَذَا الْكَلَامِ الْقَبِيحِ رَسُولَهُمُ الْكَرِيمَ، وَلَمْ يَخَافُوا سَطْوَةَ الْعَظِيمِ ذِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. وَدَّ أَنْ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِمْ قُوَّةٌ أَوْ لَهُ مَنَعَةٌ، وَعَشِيرَةٌ يَنْصُرُونَهُ عَلَيْهِمْ لِيُحِلَّ بِهِمْ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الْعَذَابِ عَلَى هَذَا الْخِطَابِ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. فَأَمَرَهُمْ بِقُرْبَانِ نِسَائِهِمْ، وَحَذَّرَهُمُ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وَسَيِّئَاتِهِمْ، هَذَا وَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا يَنْتَهُونَ وَلَا يَرْعَوُونَ، بَلْ كُلَّمَا نَهَاهُمْ يُبَالِغُونَ فِي تَحْصِيلِ هَؤُلَاءِ الضِّيفَانِ وَيَحْرِصُونَ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مَا حَمَّ بِهِ الْقَدَرُ مِمَّا هُمْ إِلَيْهِ صَائِرُونَ، وَصَبِيحَةَ لَيْلَتِهِمْ مُنْتَقِلُونَ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُقْسِمًا بِحَيَاةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ. منع لوط قومه من دخول بيته ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ جَعَلَ يُمَانِعُ قَوْمَهُ الدُّخُولَ وَيُدَافِعُهُمْ، وَالْبَابُ مُغْلَقٌ، وَهُمْ يَرُومُونَ فَتْحَهُ وَوُلُوجَهُ وَهُوَ يَعِظُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ، فَلَمَّا ضَاقَ الْأَمْرُ، وَعَسُرَ الْحَالُ قَالَ مَا قَالَ: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. لَأَحْلَلْتُ بِكُمُ النَّكَالَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ. وَذَكَرُوا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ خَفْقَةً بِطَرَفِ جَنَاحِهِ فَطُمِسَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى قِيلَ: إِنَّهَا غَارَتْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا مَحَلٌّ، وَلَا عَيْنٌ، وَلَا أَثَرٌ فَرَجَعُوا يَتَجَسَّسُونَ مَعَ الْحِيطَانِ، وَيَتَوَعَّدُونَ رَسُولَ الرَّحْمَنِ وَيَقُولُونَ: إِذَا كَانَ الْغَدُ كَانَ لَنَا وَلَهُ شَأنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَ?ْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ. فَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَقَدَّمَتْ إِلَى لُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ آمِرِينَ لَهُ بِأَنْ يَسْرِيَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ يَعْنِي عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ الْعَذَابِ إِذَا حَلَّ بِقَوْمِهِ. وَأَمَرُوهُ أَنْ يَكُونَ سَيْرُهُ فِي آخِرِهِمْ كَالسَّاقَةِ لَهُمْ. وَقَوْلُهُ: إِلَّا امْرَأَتَكَ عَلَى قِرَاءَةِ النَّصْبِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِلَّا امْرَأَتَكَ فَلَا تَسْرِ بِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ أَيْ فَإِنَّهَا سَتَلْتَفِتُ فَيُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ، وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَالَ قِرَاءَةُ الرَّفْعِ، وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَاسْمُ امْرَأَةِ لُوطٍ وَالِهَةُ، وَاسْمُ امْرَأَةِ نُوحٍ وَالِغَةُ. وَقَالُوا لَهُ مُبَشِّرِينَ بِهَلَاكِ هَؤُلَاءِ الْبُغَاةِ الْعُتَاةِ الْمَلْعُونِينَ النُّظَرَاءِ وَالْأَشْبَاهِ الَّذِينَ جَعَلَهُمُ اللَّهُ سَلَفًا لِكُلِّ خَائِنٍ مُرِيبٍ: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ. فَلَمَّا خَرَجَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَهْلِهِ، وَهُمُ ابْنَتَاهُ، وَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ امْرَأَتَهُ خَرَجَتْ مَعَهُ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا خَلَصُوا مِنْ بِلَادِهِمْ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَكَانَ عِنْدَ شُرُوقِهَا جَاءَهُمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا لَا يُرَدُّ، وَمِنَ الْبَأْسِ الشَّدِيدِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُصَدَّ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَمَرُوهُ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ الَّذِي هُنَاكَ فَاسْتَبْعَدَهُ، وَسَأَلَ مِنْهُمْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: اذْهَبْ فَإِنَّا نَنْتَظِرُكَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَيْهَا وَتَسْتَقِرَّ فِيهَا ثُمَّ نُحِلَّ بِهِمُ الْعَذَابَ فَذَكَرُوا أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَرْيَةِ صُغَرَ الَّتِي يَقُولُ النَّاسُ: غَوْرُ زُغَرَ. فَلَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ. قَالُوا: اقْتَلَعَهُنَّ جِبْرِيلُ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ مِنْ قَرَارِهِنَّ، وَكُنَّ سَبْعَ مُدُنٍ بِمَنْ فِيهِنَّ مِنَ الْأُمَمِ يُقَالُ: إِنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ نَسَمَةٍ. وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ آلَافِ أَلْفِ نَسَمَةٍ. وَمَا مَعَهُمْ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ، وَمَا يَتْبَعُ تِلْكَ الْمُدُنَ مِنَ الْأَرَاضِي وَالْأَمَاكِنِ وَالْمُعْتَمَلَاتِ، فَرَفَعَ الْجَمِيعَ حَتَّى بَلَغَ بِهِنَّ عَنَانَ السَّمَاءِ حَتَّى سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ أَصْوَاتَ دِيَكَتِهِمْ وَنُبَاحَ كِلَابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَهَا عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلَهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَكَانَ أَوَّلَ مَا سَقَطَ مِنْهَا شُرُفَاتُهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ. وَالسِّجِّيلُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ الشَّدِيدُ الصُّلْبُ الْقَوِيُّ مَنْضُودٍ أَيْ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي نُزُولِهَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مُسَوَّمَةً أَيْ مُعَلَّمَةً مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجْرٍ اسْمُ صَاحِبِهِ الَّذِي يَهْبِطُ عَلَيْهِ فَيَدْمَغُهُ، كَمَا قَالَ: مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى [ النَّجْمِ: 53 - 54 ]. يَعْنِي قَلَبَهَا فَأَهْوَى بِهَا مُنَكَّسَةً عَالِيَهَا سَافِلَهَا، وَغَشَّاهَا بِمَطَرٍ مِنْ حِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ مُتَتَابِعَةٍ مُسَوَّمَةٍ مَرْقُومٍ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ صَاحِبِهِ الَّذِي سَقَطَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَاضِرِينَ مِنْهُمْ فِي بَلَدِهِمْ وَالْغَائِبِينَ عَنْهَا مِنَ الْمُسَافِرِينَ وَالنَّازِحِينَ وَالشَّاذِّينَ مِنْهَا. مصير امرأة لوط وَيُقَالُ: إِنَّ امْرَأَةَ لُوطٍ مَكَثَتْ مَعَ قَوْمِهَا، وَيُقَالُ: إِنَّهَا خَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا وَبِنْتَيْهَا، وَلَكِنَّهَا لَمَّا سَمِعَتِ الصَّيْحَةَ وَسُقُوطَ الْبَلْدَةِ، وَالْتَفَتَتْ إِلَى قَوْمِهَا وَخَالَفَتْ أَمْرَ رَبِّهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَالَتْ: وَاقَوْمَاهْ. فَسَقَطَ عَلَيْهَا حَجْرٌ فَدَمَغَهَا، وَأَلْحَقَهَا بِقَوْمِهَا إِذْ كَانَتْ عَلَى دِينِهِمْ، وَكَانَتْ عَيْنًا لَهُمْ عَلَى مَنْ يَكُونُ عِنْدَ لُوطٍ مِنَ الضِّيفَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [ التَّحْرِيمِ: 10 ]. أَيْ خَانَتَاهُمَا فِي الدِّينِ فَلَمْ تَتْبَعَاهُمَا فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى فَاحِشَةٍ حَاشَا وَكَلَّا، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّرُ عَلَى نَبِيٍّ أَنْ تَبْغِيَ امْرَأَتُهُ  ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: مَا بَغَتِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ قَطُّ. وَمَنْ قَالَ خِلَافَ هَذَا فَقَدَ أَخْطَأَ خَطَأً كَبِيرًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ لَمَّا أَنْزَلَ بَرَاءَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَعَاتَبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنَّبَ وَزَجَرَ، وَوَعَظَ وَحَذَّرَ. وَقَالَ فِيمَا قَالَ: إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ [ النُّورِ: 15 - 16 ]. أَيْ سُبْحَانَكَ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةُ نَبِيِّكَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، عقوبة اللائط وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ. أَيْ وَمَا هَذِهِ الْعُقُوبَةُ بِبَعِيدَةٍ مِمَّنْ أَشْبَهَهُمْ فِي فِعْلِهِمْ؛ وَلِهَذَا ذَهَبَ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ اللَّائِطَ يُرْجَمُ  سَوَاءٌ كَانَ مُحْصَنًا أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَطَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ. وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ اللَّائِطَ يُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ، وَيُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ، كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ. وَجَعَلَ اللَّهُ مَكَانَ تِلْكَ الْبِلَادِ بَحْرَةً مُنْتِنَةً لَا يُنْتَفَعُ بِمَائِهَا، وَلَا بِمَا حَوْلَهَا مِنَ الْأَرَاضِي الْمُتَاخِمَةِ لِفِنَائِهَا لِرَدَاءَتِهَا وَدَنَاءَتِهَا، فَصَارَتْ عِبْرَةً وَمَثُلَةً، وَعِظَةً وَآيَةً عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَعِزَّتِهِ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، وَاتَّبَعْ هَوَاهُ وَعَصَى مَوْلَاهُ، وَدَلِيلًا عَلَى رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِنْجَائِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ، وَإِخْرَاجِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشُّعَرَاءِ: 8 - 9 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [ الْحِجْرِ: 73 - 77 ]. أَيْ مَنْ نَظَرَ بِعَيْنِ الْفِرَاسَةِ وَالتَّوَسُّمِ فِيهِمْ كَيْفَ غَيَّرَ اللَّهُ تِلْكَ الْبِلَادَ وَأَهْلَهَا ؟ وَكَيْفَ جَعَلَهَا بَعْدَ مَا كَانَتْ آهِلَةً عَامِرَةً هَالِكَةً غَامِرَةً ؟ كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُ مَرْفُوعًا اتَّقَوْا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ. ثُمَّ قَرَأَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَقَوْلُهُ: وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أَيْ لَبِطَرِيقٍ مَهْيَعٍ مَسْلُوكٍ إِلَى الْآنَ، كَمَا قَالَ: وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ الصَّافَّاتِ: 137 - 138 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 35 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [ الذَّارِيَاتِ: 35 - 37 ]. أَيْ تَرَكْنَاهَا عِبْرَةً وَعِظَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، وَخَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَانْزَجَرَ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ، وَتَرَكَ مَعَاصِيَهُ وَخَافَ أَنْ يُشَابِهَ قَوْمَ لُوطٍ، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَمِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ. فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا قَوْمَ لُوطٍ بِعَيْنِهِمْ فَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدِ فَالْعَاقِلُ اللَّبِيبُ الْخَائِفُ مِنْ رَبِّهِ الْفَاهِمُ يَمْتَثِلُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَقْبَلُ مَا أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ إِتْيَانِ مَا خُلِقَ لَهُ مِنَ الزَّوْجَاتِ الْحَلَالِ، وَالْجَوَارِي مِنَ السَّرَارِيِّ ذَوَاتِ الْجَمَالِ، وَإِيَّاهُ أَنْ يَتَّبِعَ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ فَيَحِقَّ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ، وَيَدْخُلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [ هُودٍ: 83 ].

  124. التاريخ 140لا حكم مسجّل

    وَتُوُفِّيَ لُوطٌ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَعَلَى مُقْتَضَى الْحِسَابِ يَكُونُ وَفَاةُ لُوطٍ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ.

  125. التاريخ 141لا حكم مسجّل

    ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّتَهُمْ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْمُبِينِ فَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ  إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 80 - 84 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [ هُودٍ: 69 - 83 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحِجْرِ: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ  قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [ الْحِجْرِ: 51 - 77 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ  إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشُّعَرَاءِ: 160 - 175 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّمْلِ: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ [ النَّمْلِ 54 - 58 ]. قصة لوط عليه السلام في سورة العنكبوت وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 28 - 35 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ: وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ الصَّافَّاتِ: 133 - 138 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي الذَّارِيَاتِ بَعْدَ قِصَّةِ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ وَبِشَارَتِهِمْ إِيَّاهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ: قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [ الذَّارِيَاتِ: 31 - 37 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَمَرِ: كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ  إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ الْقَمَرِ 33 - 40 ]. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ لُوطًا وَقَوْمَهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنَ الْقُرْآنِ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مَعَ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ.

  126. التاريخ 142لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ شُعَيْبُ بْنُ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجَنَ وَيُقَالُ: بْنُ يَشْجُنَ بْنَ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، وَيُقَالُ: شُعَيْبُ بْنُ ثُوَيْبِ بْنِ عَبَقَا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ. وَقَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَى أَصْحَابِ الْأَيْكَةِ مِنْ أَرْضِ مَدْيَنَ وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ مَعَانٍ بِأَطْرَافِ الشَّامِ، وَكَانَ أَهْلُ مَدْيَنَ كُفَّارًا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَيُخِيفُونَ الْمَارَّةَ، وَيَعْبُدُونَ الْأَيْكَةَ، وَهِيَ شَجَرَةٌ مِنَ الْأَيْكِ حَوْلَهَا غَيْضَةٌ مُلْتَفَّةٌ بِهَا، وَكَانُوا يَبْخَسُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، وَقَدْ نَهَاهُمْ نَبِيُّهُمْ عَنْ كُلِّ هَذَا فَلَمْ يَرْعَوْا وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا، وَادَّعَوْا أَنَّ لَهُمْ حُرِّيَّةَ التِّجَارَةِ بِمَا يَشَاؤُونَ مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ بِشَرْعٍ وَلَا دِينٍ، بَلْ وَزَادُوا فِي الْعِنَادِ بِأَنْ خَيَّرُوهُ بَيْنَ أَنْ يَخْرُجَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مِنْ قَرْيَتِهِمْ قَهْرًا أَوْ يَعُودُوا فِي مِلَّتِهِمْ، وَهُوَ مُنَاقَضَةٌ كَبِيرَةٌ فَكَيْفَ يُرِيدُونَ حُرِّيَّتَهُمْ فِي تِجَارَتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَيَأْبَوْنَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حُرِّيَّتَهُمْ فِيمَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْعَقِيدَةُ، فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُحَاجًّا عَنِ الْمُؤْمِنِينَ: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهِ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهِ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبُّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ وَهُنَا جَاءَ الْفَتْحُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِهَلَاكِ قَوْمِ شُعَيْبٍ بِالصَّيْحَةِ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا، وَنَجَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. ثُمَّ تَوَجَّهَ شُعَيْبٌ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَكَّةَ وَمَاتَ بِهَا وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.

  127. التاريخ 143لا حكم مسجّل

    وَشُعَيْبٌ نَبِيُّهُمْ هُوَ ابْنُ ميكيلَ بْنِ يَشْجَنَ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: وَيُقَالُ لَهُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ: بَثْرُونُ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ وَيُقَالُ: شُعَيْبُ بْنُ يشجنَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، وَيُقَالُ: شُعَيْبُ بْنُ ثَوِيبَ بْنِ عَبَقَا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَيُقَالُ: شُعَيْبُ بْنُ صِيفُورَ بْنِ عَبَقَا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَرَأَتْهُ بِخَطِّ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُنَادِي عَلَى خِلَافِ هَذَا النَّسَبِ وَهَذَا الِاسْمِ، قَالَ: هُوَ شُعَيْبُ بْنُ نُوبَبَ -بِبَاءَيْنِ مَعَ سُكُونِ الْوَاوِ- بْنِ رَعِيلَ بْنِ عَيْفَا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَيُقَالُ: جَدَّتُهُ وَيُقَالُ: أُمُّهُ بِنْتُ لُوطٍ وَكَانَ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ وَهَاجَرَ مَعَهُ وَدَخَلَ مَعَهُ دِمَشْقَ. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قَالَ: شُعَيْبٌ وَبَلْعَمُ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ يَوْمَ أُحْرِقَ بِالنَّارِ، وَهَاجَرَا مَعَهُ إِلَى الشَّامِ فَزَوَّجَهُمَا بِنْتَيْ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَفِي هَذَا كُلِّهِ نَظَرٌ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبِرِّ فِي " الِاسْتِيعَابِ " فِي تَرْجَمَةِ سَلَمَةَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَنَزِيِّ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَانْتَسَبَ إِلَى عَنَزَةَ فَقَالَ: نِعْمَ الْحَيُّ عَنَزَةُ مَبْغِيٌّ عَلَيْهِمْ، مَنْصُورُونَ، قَوْمُ شُعَيْبٍ وَأَخْتَانُ مُوسَى. فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَدَلَّ عَلَى أَنَّ شُعَيْبًا صِهْرُ مُوسَى، وَأَنَّهُ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ يُقَالُ لَهُمْ: عَنَزَةُ لَا أَنَّهُمْ مِنْ عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِّ بْنِ عَدْنَانَ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ بَعْدَهُ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ فِي ذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ قَالَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ؛ هُودٌ، وَصَالِحٌ، وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ. وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُسَمِّي شُعَيْبًا خَطِيبَ الْأَنْبِيَاءِ  ، يَعْنِي لِفَصَاحَتِهِ وَعُلُوِّ عِبَارَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ فِي دِعَايَةِ قَوْمِهِ إِلَى الْإِيمَانِ بِرِسَالَتِهِ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا ذَكَرَ شُعَيْبًا قَالَ: ذَاكَ خَطِيبُ الْأَنْبِيَاءِ.

  128. التاريخ 144لا حكم مسجّل

    كَانَ أَهْلُ مَدْيَنَ وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ. وَالْأَيْكَةُ: شَجَرٌ مُلْتَفٌّ قَوْمًا عَرَبًا يَسْكُنُونَ مَدِينَتَهُمْ مَدْيَنَ الَّتِي هِيَ قَرْيَةٌ مِنْ أَرْضِ مُعَانٍ مِنْ أَطْرَافِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي نَاحِيَةَ الْحِجَازِ قَرِيبًا مِنْ بُحَيْرَةِ قَوْمِ لُوطٍ، وَكَانُوا بَعْدَهُمْ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ، وَمَدْيَنُ قَبِيلَةٌ عُرِفَتْ بِهِمُ الْمَدِينَةُ، وَهُمْ مِنْ بَنِي مَدْيَنَ بْنِ مديَانَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَانَتْ مَدْيَنُ دَارَ شُعَيْبٍ وَالْأَيْكَةُ خَلْفَ مَدَيْنَ. وَكَانَ اسْمُهُ الْقَدِيمُ يَبْرُونَ، هَذَا نَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّ ابْنِ الْمُنَادِي. وَقَالَ قَوْمٌ: يَثْرُونُ بِيَاءِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ. وَقَالَ الشَّرْقِيُّ بْنُ الْقَطَّامِيِّ -وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَنْسَابِ-: هُوَ يَثْرُونُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَشُعَيْبٌ بِالْعَرَبِيَّةِ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: وَكَانَ أَبُو جَادٍ، وَهَوَّازُ، وَحُطِّي، وَكَلَمُونُ، وَسَعْفَصُ، وَقُرَيْشَاتُ بَنِي الْأَمْحَضِ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ يَعْصُبَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ مُلُوكًا. وَكَانَ أَبُو جَادٍ مَلِكَ مَكَّةَ وَمَا وَالَاهَا مِنْ تِهَامَةَ، وَكَانَ هَوَّازُ وَحُطِّي مَلِكَيْ وَجٍّ، وَهُوَ الطَّائِفُ. وَكَانَ سَعْفَصُ وَقُرَيْشَاتُ مَلِكَيْ مَدْيَنَ، ثُمَّ خَلَفَهُمْ كَلَمُونُ. وَكَانَ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فِي مُلْكِهِ، فَقَالَتْ حَالِفَةُ بِنْتُ كَلَمُونَ - وَفِي رِوَايَةٍ: أُخْتُ كَلَمُونَ- تَرِثِيهِ: كَلَمُونُ هَدَّ رُكْنِي هُلْكُهُ وَسْطَ الْمَحَلَّهْ     سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْـ ـحَتْفُ نَارًا وَسْطَ ظُلَّهْ     كُوِيتُ نَارًا فَأَضْحَتْ دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّهْ

  129. التاريخ 145لا حكم مسجّل

    وَكَانَ أَهْلُ مَدْيَنَ كُفَّارًا يَقْطَعُونَ السَّبِيلَ، وَيُخِيفُونَ الْمَارَّةَ، وَيَعْبُدُونَ الْأَيْكَةَ، وَهِيَ شَجَرَةٌ مِنَ الْأَيْكِ حَوْلَهَا غَيْضَةٌ مُلْتَفَّةٌ بِهَا، وَكَانُوا مِنْ أَسُوءِ النَّاسِ مُعَامَلَةً يَبْخَسُونَ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، وَيُطَفِّفُونَ فِيهِمَا يَأْخُذُونَ بِالزَّائِدِ، وَيَدْفَعُونَ بِالنَّاقِصِ وَكَانَ اللَّهُ وَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ وَبَسَطَ لَهُمْ فِي الْعَيْشِ اسْتِدْرَاجًا لَهُمْ مِنْهُ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ الْعُلَمَاءُ: بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مَدْيَنَ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَاطِي هَذِهِ الْأَفَاعِيلِ الْقَبِيحَةِ مِنْ بَخْسِ النَّاسِ أَشْيَاءَهُمْ، وَإِخَافَتِهِمْ لَهُمْ فِي سُبُلِهِمْ وَطُرُقَاتِهِمْ، فَآمَنَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَكَفَرَ أَكْثَرُهُمْ حَتَّى أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمُ الْبَأْسَ الشَّدِيدَ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ. أَيْ دَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ وَاضِحَةٌ، وَبُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى صِدْقِ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ. وَأَنَّهُ أَرْسَلَنِي، وَهُوَ مَا أَجْرَى اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لَمْ تُنْقَلْ إِلَيْنَا تَفْصِيلًا، وَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ قَدْ دَلَّ عَلَيْهَا إِجْمَالًا. فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا. أَمَرَهُمْ بِالْعَدْلِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الظُّلْمِ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَقَالَ: ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ. أَيْ طَرِيقٍ تُوعِدُونَ أَيْ تَتَوَعَّدُونَ النَّاسَ بِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ مِنْ مُكُوسٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَتُخِيفُونَ السُّبُلَ قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ: وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ. أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ الْعُشُورَ مِنْ أَمْوَالِ الْمَارَّةِ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانُوا قَوْمًا طُغَاةً بُغَاةً يَجْلِسُونَ عَلَى الطَّرِيقِ يَبْخَسُونَ النَّاسَ يَعْنِي يَعْشُرُونَهُمْ، وَكَانُوا أَوَّلَ مَنْ سَنَّ ذَلِكَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا. فَنَهَاهُمْ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الْحِسِّيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. ذَكَّرَهُمْ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي تَكْثِيرِهِمْ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَةَ اللَّهِ بِهِمْ إِنْ خَالَفُوا مَا أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ لَهُمْ فِي الْقِصَّةِ الْأُخْرَى: وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ. أَيْ لَا تَرْكَبُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَتَسْتَمِرُّوا فِيهِ، فَيَمْحَقَ اللَّهُ بَرَكَةَ مَا فِي أَيْدِيكُمْ وَيُفْقِرَكُمْ، وَيُذْهِبَ مَا بِهِ يُغْنِيكُمْ، وَهَذَا مُضَافٌ إِلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ جُمِعَ لَهُ هَذَا وَهَذَا فَقَدْ بَاءَ بِالصَّفْقَةِ الْخَاسِرَةِ، فَنَهَاهُمْ أَوَّلًا عَنْ تَعَاطِي مَا لَا يَلِيقُ مِنَ التَّطْفِيفِ، وَحَذَّرَهُمْ سَلْبَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ، وَعَذَابَهُ الْأَلِيمَ فِي أُخْرَاهُمْ، وَعَنَّفَهُمْ أَشَدَّ تَعْنِيفٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ آمِرًا بَعْدَمَا كَانَ عَنْ ضِدِّهِ زَاجِرًا: وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ. أَيْ رِزْقُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالتَّطْفِيفِ، وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَا فَضَلَ لَكُمْ مِنَ الرِّبْحِ بَعْدَ وَفَاءِ الْكَيْلِ، وَالْمِيزَانِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالتَّطْفِيفِ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ وَحَكَاهُ حَسَنٌ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [ الْمَائِدَةِ: 100 ]. يَعْنِي أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْحَلَالِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْكَثِيرِ مِنَ الْحَرَامِ فَإِنَّ الْحَلَالَ مُبَارَكٌ وَإِنْ قَلَّ  ، وَالْحَرَامَ مَمْحُوقٌ وَإِنْ كَثُرَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [ الْبَقَرَةِ: 276 ]. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ مَصِيرَهُ إِلَى قُلٍّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْ إِلَى قِلَّةٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا فَإِنْ صَدَقَا، وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنَّ كَتَمَا، وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الرِّبْحَ الْحَلَالَ مُبَارَكٌ فِيهِ وَإِنَّ قَلَّ، وَالْحَرَامَ لَا يُجْدِي وَإِنْ كَثُرَ؛ وَلِهَذَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ: بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَقَوْلُهُ: وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ. أَيِ افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ، وَرَجَاءَ ثَوَابِهِ لَا لِأَرَاكُمْ أَنَا وَغَيْرِي

  130. التاريخ 146لا حكم مسجّل

    قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ. يَقُولُونَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّنَقُّصِ وَالتَّهَكُّمِ: أَصَلَوَاتُكَ هَذِهِ الَّتِي تُصَلِّيهَا هِيَ الْآمِرَةُ لَكَ بِأَنْ تَحْجُرَ عَلَيْنَا فَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِلَهَكَ، وَنَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا الْأَقْدَمُونَ وَأَسْلَافُنَا الْأَوَّلُونَ، أَوْ أَنَّا لَا نَتَعَامَلُ إِلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَرْتَضِيهِ أَنْتَ، وَنَتْرُكُ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي تَأْبَاهَا وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ نَرْضَاهَا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَقُولُونَ ذَلِكَ - أَعْدَاءُ اللَّهِ - عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. هَذَا تَلَطُّفٌ مَعَهُمْ فِي الْعِبَارَةِ، وَدَعْوَةٌ لَهُمْ إِلَى الْحَقِّ بِأَبْيَنِ إِشَارَةٍ يَقُولُ لَهُمْ: أَرَأَيْتُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أَيْ عَلَى أَمْرٍ بَيِّنٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا. يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَالرِّسَالَةَ يَعْنِي، وَعَمَّى عَلَيْكُمْ مَعْرِفَتَهَا فَأَيُّ حِيلَةٍ لِي بِكُمْ ؟ وَهَذَا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ سَوَاءً. وَقَوْلُهُ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ. أَيْ لَسْتُ آمُرُكُمْ بِالْأَمْرِ إِلَّا وَأَنَا أَوَّلُ فَاعِلٍ لَهُ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنِ الشَّيْءِ فَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَتْرُكُهُ، وَهَذِهِ هِيَ الصِّفَةُ الْمَحْمُودَةُ الْعَظِيمَةُ وَضِدُّهَا هِيَ الْمَرْدُودَةُ الذَّمِيمَةُ، كَمَا تَلَبَّسَ بِهَا عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي آخِرِ زَمَانِهِمْ، وَخُطَبَاؤُهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [ الْبَقَرَةِ: 44 ]. وَذَكَرْنَا عِنْدَهَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ. أَيْ تَخْرُجُ أَمْعَاؤُهُ مِنْ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا، كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَالَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ؟ فَيَقُولُ: بَلَى كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ. وَهَذِهِ صِفَةُ مُخَالِفِي الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفُجَّارِ وَالْأَشْقِيَاءِ، فَأَمَّا السَّادَةُ مِنَ النُّجَبَاءِ وَالْأَلِبَّاءِ مِنَ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ فَحَالُهُمْ كَمَا قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ شُعَيْبٌ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ. أَيْ مَا أُرِيدُ فِي جَمِيعِ أَمْرِي إِلَّا الْإِصْلَاحَ فِي الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ بِجُهْدِي وَطَاقَتِي وَمَا تَوْفِيقِي أَيْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. أَيْ عَلَيْهِ أَتَوَكَّلُ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ وَإِلَيْهِ مَرْجِعِي وَمَصِيرِي فِي كُلِّ أَمْرِي، وَهَذَا مَقَامُ تَرْغِيبٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى نَوْعٍ مِنَ التَّرْهِيبِ فَقَالَ: وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ. أَيْ لَا تَحْمِلَنَّكُمْ مُخَالَفَتِي وَبُغْضُكُمْ مَا جِئْتُكُمْ بِهِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى ضَلَالِكُمْ وَجَهْلِكُمْ وَمُخَالَفَتِكُمْ فَيُحِلَّ اللَّهُ بِكُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ نَظِيرَ مَا أَحَلَّهُ بِنُظَرَائِكُمْ وَأَشْبَاهِكُمْ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ صَالِحٍ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الْمُخَالِفِينَ. وَقَوْلُهُ: وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ. قِيلَ: مَعْنَاهُ فِي الزَّمَانِ أَيْ مَا بِالْعَهْدِ مِنْ قِدَمٍ مِمَّا قَدْ بَلَغَكُمْ مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعُتُوِّهِمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ فِي الْمَحَلَّةِ وَالْمَكَانِ. وَقِيلَ: فِي الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَحَاتِ مِنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ جَهْرَةً، وَخُفْيَةً بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ وَالشُّبُهَاتِ. وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُمْكِنٌ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعِيدِينَ مِنْهُمْ لَا زَمَانًا وَلَا مَكَانًا وَلَا صِفَاتٍ. ثُمَّ مَزَجَ التَّرْهِيبَ بِالتَّرْغِيبِ فَقَالَ: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ. أَيْ أَقْلِعُوا عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ، وَتُوبُوا إِلَى رَبِّكُمُ الرَّحِيمِ الْوَدُودِ فَإِنَّهُ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ  فَإِنَّهُ رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، أَرْحَمُ بِهِمْ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا وَدُودٌ وَهُوَ الْحَبِيبُ، وَلَوْ بَعْدَ التَّوْبَةِ عَلَى عَبْدِهِ، وَلَوْ مِنَ الْمُوبِقَاتِ الْعِظَامِ . قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالثَّوْرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ ضَرِيرَ الْبَصَرِ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّهُ بَكَى مِنْ حُبِّ اللَّهِ حَتَّى عَمِيَ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ. وَقَالَ: يَا شُعَيْبُ أَتَبْكِي خَوْفًا مِنَ النَّارِ أَوْ مِنْ شَوْقِكَ إِلَى الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ: بَلْ مِنْ مَحَبَّتِكَ فَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ فَلَا أُبَالِي مَاذَا يُصْنَعُ بِي. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: هَنِيئًا لَكَ يَا شُعَيْبُ لِقَائِي فَلِذَلِكَ أَخَدَمْتُكَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ كَلِيمِي. وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ. وَهَذَا مِنْ كُفْرِهِمُ الْبَلِيغِ وَعِنَادِهِمُ الشَّنِيعِ حَيْثُ قَالُوا: مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ. أَيْ مَا نَفْهَمُهُ وَلَا نَتَعَقَّلُهُ لِأَنَّا لَا نُحِبُّهُ وَلَا نُرِيدُهُ، وَلَيْسَ لَنَا هِمَّةٌ إِلَيْهِ وَلَا إِقْبَالٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ [ فُصِّلَتْ: 5 ]. وَقَوْلُهُمْ: وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا. أَيْ مُضْطَهَدًا مَهْجُورًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ أَيْ: قَبِيلَتُكَ وَعَشِيرَتُكَ فِينَا لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ. أَيْ تَخَافُونَ قَبِيلَتِي وَعَشِيرَتِي وَتُرَاعُونِي بِسَبَبِهِمْ، وَلَا تَخَافُونَ جَنَبَةَ اللَّهِ، وَلَا تَرْعَوْنِي لِأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَصَارَ رَهْطِي أَعَزَّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا. أَيْ جَعَلْتُمْ جَانِبَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ. أَيْ هُوَ عَلِيمٌ بِمَا تَعْمَلُونَهُ وَمَا تَصْنَعُونَهُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهِ يَوْمَ تُرْجَعُونَ إِلَيْهِ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ. وَهَذَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ شَدِيدٍ وَوَعِيدٍ أَكِيدٍ بِأَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ وَمَنْهَجِهِمْ وَشَاكِلَتِهِمْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ، وَمَنْ يَحِلُّ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ وَالْبَوَارُ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ. أَيْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ. أَيْ فِي الْأُخْرَى وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ. أَيْ مِنِّي وَمِنْكُمْ فِيمَا أَخْبَرَ وَبَشَّرَ وَحَذَّرَ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ. وَهَذَا كَقَوْلِهِ: وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهِ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهِ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبُّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. طَلَبُوا بِزَعْمِهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ إِلَى مِلَّتِهِمْ فَانْتَصَبَ شُعَيْبٌ لِلْمُحَاجَّةِ عَنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ: أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ. أَيْ هَؤُلَاءِ لَا يَعُودُونَ إِلَيْكُمُ اخْتِيَارًا، وَإِنَّمَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِنْ عَادُوا اضْطِرَارًا مُكْرَهِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ  لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ، وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ مِنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ: قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا. أَيْ فَهُوَ كَافِينَا وَهُوَ الْعَاصِمُ لَنَا وَإِلَيْهِ مَلْجَؤُنَا فِي جَمِيعِ أَمْرِنَا

  131. التاريخ 147لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا طَالَ تَمَادِيهِمْ فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَلَمْ يَزِدْهُمْ تَذْكِيرُ شُعَيْبٍ إِيَّاهُمْ وَتَحْذِيرُهُ عَذَابَ اللَّهِ إِيَّاهُمْ إِلَّا تَمَادِيًا، اسْتَفْتَحَ وَاسْتَنْصَرَ رَبَّهُ عَلَيْهِمْ فِي تَعْجِيلِ مَا يَسْتَحِقُّونَهُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ. أَيِ الْحَاكِمِينَ فَدَعَا عَلَيْهِمْ، وَاللَّهُ لَا يَرُدُّ دُعَاءَ رُسُلِهِ إِذَا اسْتَنْصَرُوهُ عَلَى الَّذِينَ جَحَدُوهُ وَكَفَرُوهُ  ، وَرَسُولَهُ خَالَفُوهُ، وَمَعَ هَذَا صَمَّمُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مُشْتَمِلُونَ، وَبِهِ مُسْتَمْسِكُونَ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ. ذَكَرَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ أَنَّهُمْ أَخَذَتْهُمْ رَجْفَةٌ أَيْ رَجَفَتْ بِهِمْ أَرْضُهُمْ، وَزُلْزِلَتْ زِلْزَالًا شَدِيدًا أَزْهَقَتْ أَرْوَاحَهُمْ مِنْ أَجْسَادِهَا، وَصَيَّرَتْ حَيَوَانَاتِ أَرْضِهِمْ كَجَمَادِهَا، وَأَصْبَحَتْ جُثَّتُهُمْ جَاثِيَةً لَا أَرْوَاحَ فِيهَا وَلَا حَرَكَاتٍ بِهَا وَلَا حَوَاسَّ لَهَا، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْوَاعًا مِنَ الْعُقُوبَاتِ وَصُنُوفًا مِنَ الْمَثُلَاتِ، وَأَشْكَالًا مِنَ الْبَلِيَّاتِ، وَذَلِكَ لِمَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنْ قَبِيحِ الصِّفَاتِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَجْفَةً شَدِيدَةً أَسْكَنَتِ الْحَرَكَاتِ، وَصَيْحَةً عَظِيمَةً أَخْمَدَتِ الْأَصْوَاتَ، وَظُلَّةً أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا شَرَرَ النَّارِ مِنْ سَائِرِ أَرْجَائِهَا وَالْجِهَاتِ، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي كُلِّ سُورَةٍ بِمَا يُنَاسِبُ سِيَاقَهَا وَيُوَافِقُ طِبَاقَهَا فِي سِيَاقِ قِصَّةِ الْأَعْرَافِ أَرَجَفُوا نَبِيَّ اللَّهِ وَأَصْحَابَهُ، وَتَوَعَّدُوهُمْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ قَرْيَتِهِمْ أَوْ لَيَعُودُنَّ فِي مِلَّتِهِمْ رَاجِعِينَ فَقَالَ تَعَالَى: فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ. فَقَابَلَ الْإِرْجَافَ بِالرَّجْفَةِ، وَالْإِخَافَةَ بِالْخِيفَةِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِهَذَا السِّيَاقِ، وَمُتَعَلِّقٌ بِمَا تَقَدَّمَهُ مِنَ السِّيَاقِ، وَأَمَّا فِي سُورَةِ هُودٍ فَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَالُوا لِنَبِيِّ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّنَقُّصِ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ. فَنَاسَبَ أَنْ يَذْكُرَ الصَّيْحَةَ الَّتِي هِيَ كَالزَّجْرِ عَنْ تَعَاطِي هَذَا الْكَلَامِ الْقَبِيحِ الَّذِي جَهَّلُوا بِهِ هَذَا الرَّسُولَ الْكَرِيمَ الْأَمِينَ الْفَصِيحَ فَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَسْكَتَتْهُمْ مَعَ رَجْفَةٍ أَسْكَنَتْهُمْ. وَأَمَّا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ فَذَكَرَ أَنَّهُ أَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ. وَكَانَ ذَلِكَ إِجَابَةً لِمَا طَلَبُوا، وَتَقْرِيبًا إِلَى مَا إِلَيْهِ رَغِبُوا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 185 - 188 ]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ أَصْحَابَ الْأَيْكَةِ أُمَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ أَهْلِ مَدْيَنَ  فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، وَإِنَّمَا عُمْدَتُهُمْ شَيْئَانِ؛ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ. وَلَمْ يَقُلْ: أَخُوهُمْ كَمَا قَالَ: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذَكَرَ عَذَابَهُمْ بِيَوْمِ الظُّلَّةِ، وَذَكَرَ فِي أُولَئِكَ الرَّجْفَةَ، أَوِ الصَّيْحَةَ. وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْأُخُوَّةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ؛ لِأَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَيْكَةِ فَلَا يُنَاسِبُ ذِكْرُ الْأُخُوَّةِ هَاهُنَا، وَلَمَّا نَسَبَهُمْ إِلَى الْقَبِيلَةِ سَاغَ ذِكْرُ شُعَيْبٍ بِأَنَّهُ أَخُوهُمْ. وَهَذَا الْفَرْقُ مِنَ النَّفَائِسِ اللَّطِيفَةِ الْعَزِيزَةِ الشَّرِيفَةِ. وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِيَوْمِ الظُّلَّةِ، فَإِنْ كَانَ دَلِيلًا بِمُجَرَّدِهِ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ أُمَّةٌ أُخْرَى فَلْيَكُنْ تَعْدَادُ الِانْتِقَامِ بِالرَّجْفَةِ، وَالصَّيْحَةِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمَا أُمَّتَانِ أُخْرَيَانِ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ يَفْهَمُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الشَّأْنِ فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ النَّبِيِّ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا. إِنَّ مَدْيَنَ، وَأَصْحَابَ الْأَيْكَةِ أُمَّتَانِ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا شُعَيْبًا النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَإِنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي رِجَالِهِ مَنْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مِمَّا أَصَابَهُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ مِنْ تِلْكَ الزَّامِلَتَيْنِ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنْ أَهْلِ الْأَيْكَةِ مِنَ الْمَذَمَّةِ مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ مَدْيَنَ مِنَ التَّطْفِيفِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ أُهْلِكُوا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْعَذَابِ، وَذَكَرَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ الْخِطَابَ. وَقَوْلُهُ: فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. ذَكَرُوا أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ حَرٌّ شَدِيدٌ، وَأَسْكَنَ اللَّهُ هُبُوبَ الْهَوَاءِ عَنْهُمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فَكَانَ لَا يَنْفَعُهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَاءٌ وَلَا ظِلٌّ وَلَا دُخُولُهُمْ فِي الْأَسْرَابِ، فَهَرَبُوا مِنْ مَحَلَّتِهِمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ فَاجْتَمَعُوا تَحْتَهَا لِيَسْتَظِلُّوا بِظِلِّهَا، فَلَمَّا تَكَامَلُوا فِيهِ أَرْسَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَرْمِيهِمْ بِشَرَرٍ وَشُهُبٍ مِنْ نَارٍ، وَرَجَفَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ، وَجَاءَتْهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَزْهَقَتِ الْأَرْوَاحَ وَخَرَّبَتِ الْأَشْبَاحَ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ. نجاة شعيب ومن معه من المؤمنين وَنَجَّى اللَّهُ شُعَيْبًا وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ. وَهَذَا فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِمْ: لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِمْ أَنَّهُ نَعَاهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ مُوَبِّخًا وَمُؤَنِّبًا وَمُقَرِّعًا فَقَالَ تَعَالَى: يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ. أَيْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ مُوَلِّيًا عَنْ مَحَلَّتِهِمْ بَعْدَ هَلَاكِهِمْ قَائِلًا: يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ. أَيْ قَدْ أَدَّيْتُ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيَّ مِنَ الْبَلَاغِ التَّامِّ وَالنُّصْحِ الْكَامِلِ، وَحَرَصْتُ عَلَى هِدَايَتِكُمْ بِكُلِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَأَتَوَصَّلُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَنْفَعْكُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ، وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ، فَلَسْتُ أَتَأَسَّفُ بَعْدَ هَذَا عَلَيْكُمْ لِأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا تَقْبَلُونَ النَّصِيحَةَ، وَلَا تَخَافُونَ يَوْمَ الْفَضِيحَةِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: فَكَيْفَ آسَى أَيْ أَحْزَنُ عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ. أَيْ لَا تَقْبَلُونَ الْحَقَّ، وَلَا تَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَلَا تَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ، فَحَلَّ بِهِمْ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُرَدُّ مَا لَا يُدَافَعُ، وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا مَحِيدَ لِأَحَدٍ أُرِيدَ بِهِ عَنْهُ، وَلَا مَنَاصَ مِنْهُ. تعطيل قوم شعيب الحدود قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كَانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَطَّلُوا حَدًّا، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ، ثُمَّ عَطَّلُوا حَدًّا فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ، فَجَعَلُوا كُلَمَّا عَطَّلُوا حَدَّا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي الرِّزْقِ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ هَلَاكَهُمْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ حَرًّا لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَقَارُّوا وَلَا يَنْفَعَهُمْ ظِلٌّ وَلَا مَاءٌ حَتَّى ذَهَبَ ذَاهِبٌ مِنْهُمْ فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ ظُلَّةٍ فَوَجَدَ رَوْحًا فَنَادَى أَصْحَابَهُ: هَلُمُّوا إِلَى الرَّوْحِ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهَا أَلْهَبَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا، فَذَلِكَ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ. وَقَدْ رَوَى عَامِرٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَنْ حَدَّثَكَ مَا عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ فَكَذِّبْهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ هُوَ إِظْلَالُ الْعَذَابِ عَلَى قَوْمِ شُعَيْبٍ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، قَالَ: مِمَّا كَانَ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ قَطْعُ الدَّرَاهِمِ.

  132. التاريخ 148لا حكم مسجّل

    وَمِنَ الْحَوَادِثِ الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِ شُعَيْبٍ مُلْكُ مَنُوشِهْرَ وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُنَادِي "مَيُوشِهْرَ" قَدْ ضُبِطَ بِالْيَاءِ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ إِيرَجَ بْنِ أَفْرِيدُونَ، وَلَمَّا كَبِرَ صَارَ إِلَى جَدِّهِ أَفْرِيدُونَ فَتَوَجَّهَ. وَبُعِثَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ مَضَى مِنْ مُلْكِ مَنُوشِهْرَ سِتُّونَ سَنَةً، فَعَاشَ فِي الْمُلْكِ سِتِّينَ [سَنَةً] أُخْرَى، ثُمَّ وَثَبَ بِهِ عَدُوٌّ فَنَفَاهُ عَنْ بَلَدِهِ اثْنَيْ عَشَرَ سَنَةً، ثُمَّ أُدِيلَ مِنْهُ مَنُوشِهْرُ فَنَفَاهُ وَعَادَ إِلَى مُلْكِهِ، فَمَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِيًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَكَانَ مَنُوشِهْرَ يُوصَفُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَنْدَقَ الْخَنَادِقَ، وَجَمَعَ آلَةَ الْحَرْبِ، وَزَادَ فِي مِهْنَةِ الْمُقَاتَلَةِ الرَّمْيَ، وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الدَّهْقَنَةَ فَجَعَلَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ دِهْقَانًا، وَجَعَلَ أَهْلَهَا لَهُ خَوَلًا وَعَبِيدًا. وَسَارَ إِلَى بِلَادِ التُّرْكِ مُطَالِبًا بِدَمِ جَدِّهِ إِيرَجَ، فَقَتَلَ طُوخَ بْنَ أَفْرِيدُونَ فَانْصَرَفَ. وَاصْطَلَحَ هُوَ وَقُرَيْشَاتُ عَلَى أَنْ يَجْعَلَا حَدَّ مَا بَيْنَ مَمْلَكَتَيْهِمَا مُنْتَهَى رَمْيَةِ سَهْمِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ مَنُوشِهْرَ، فَحَيْثُ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ مِنْ مَوْضِعِ رَمْيَتِهِ تِلْكَ مِمَّا يَلِي التُّرْكَ فَهُوَ الْحَدُّ بَيْنَهُمَا. فَرَمَى ذَلِكَ فَبَلَغَتْ رَمْيَتُهُ نَهْرَ بَلْخَ، فَصَارَ حَدَّ مَا بَيْنَ التُّرْكِ وَوَلَدِ طُوخَ وَوَلَدِ إِيرَجَ. وَاشْتَقَّ مَنُوشِهْرُ مِنَ الصَّرَاةِ وَدِجْلَةَ وَنَهْرِ بَلْخَ أَنْهَارًا عِظَامًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ هُوَ الَّذِي كَرَى الْفُرَاتَ الْأَكْبَرَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِحِرَاثَةِ الْأَرْضِ وَعِمَارَتِهَا. قَالُوا: وَلَمَّا مَضَى مِنْ مُلْكِ مَنُوشِهْرَ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً تَنَاوَلَتِ التُّرْكُ مِنْ أَطْرَافِ رَعِيَّتِهِ فَقَامَ خَطِيبًا فَوَبَّخَ رَعِيَّتَهُ، وَيُقَالُ: هِيَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ سُمِعَتْ مِنْ خَطِيبٍ- وَقَالَ: إِنَّمَا النَّاسُ نَاسٌ مَا دَفَعُوا الْعَدُوَّ عَنْهُمْ، وَقَدْ نَالَتِ التُّرْكُ مِنْ أَطْرَافِكُمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ تَرْكِكُمْ جِهَادَ عَدُوِّكُمْ، وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَانَا هَذَا الْمُلْكَ لِيَبْلُوَنَا أَنَشْكُرُ فَيَزِيدُنَا أَمْ نَكْفُرُ فَيُعَاقِبُنَا،  فَإِذَا كَانَ غَدًا فَاحْضُرُوا. وَأَرْسَلَ إِلَى أَشْرَافِ الْأَسَاوِرَةِ فَدَعَاهُمْ وَأَدْخَلَ الرُّؤَسَاءَ، وَدَعَا مُوبِذَ مُوبِذَانَ، فَأُقْعِدَ عَلَى كُرْسِيٍّ مِمَّا يَلِي سَرِيرَهُ، ثُمَّ قَامَ عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَامَ أَشْرَافُ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَقَالَ: اجْلِسُوا فَإِنِّي إِنَّمَا قُمْتُ لِأُسْمِعَكُمْ كَلَامِي، فَجَلَسُوا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا الْخَلْقُ لِلْخَالِقِ، وَالشُّكْرُ لِلْمُنْعِمِ،  وَالتَّسْلِيمُ لِلْقَادِرِ، وَلَا بُدَّ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ، وَإِنَّهُ لَا أَضْعَفَ مِنْ مَخْلُوقٍ طَالِبًا كَانَ أَوْ مَطْلُوبًا، وَلَا أَقْوَى مِنْ خَالِقٍ، وَلَا أَقْدَرَ مِمَّنْ طِلْبَتُهُ فِي يَدِهِ، وَلَا أَعْجَزَ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِ طَالِبِهِ، وَإِنَّ التَّفَكُّرَ نُورٌ، وَالْغَفْلَةَ ظُلْمَةٌ، وَالْجَهَالَةَ ضَلَالَةٌ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَوَّلُ وَلَا بُدَّ لِلْآخِرِ مِنَ اللُّحُوقِ بِالْأَوَّلِ، وَقَدْ مَضَتْ قَبْلَنَا أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا، فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ؟! وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَعْطَانَا هَذَا الْمُلْكَ فَلَهُ الْحَمْدُ، وَنَسْأَلُهُ إِلْهَامَ الرُّشْدِ وَالصِّدْقِ وَالْيَقِينِ، وَإِنَّ لِلْمَلِكِ عَلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ [حَقًّا، وَلِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ عَلَيْهِ حَقًّا، فَحَقُّ الْمَلِكِ عَلَى أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ] أَنْ يُطِيعُوهُ وَيُنَاصِحُوهُ وَيُقَاتِلُوا عَدُوَّهُ، وَحَقُّهُمْ عَلَى الْمَلِكِ أَنْ يُعْطِيَهُمْ أَرْزَاقَهُمْ فِي أَوْقَاتِهَا؛ إِذْ لَا مُعْتَمَدَ لَهُمْ عَلَى غَيْرِهَا وَ[أَنَّهَا تِجَارَتُهُمْ، وَحَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْمَلِكِ] أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ، وَيَرْفُقَ بِهِمْ، وَلَا يُحَمِّلَهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ تَنْقُصُ مِنْ ثِمَارِهِمْ مِنْ آفَةٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوِ الْأَرْضِ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُمْ خَرَاجَ مَا نَقَصَ، وَإِنِ اجْتَاحَتْهُمْ مُصِيبَةٌ أَنْ يُعَوِّضَهُمْ مَا يُقَوِّيهِمْ عَلَى عِمَارَتِهَا، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَا لَا يُجْحِفُ بِهِمْ، وَالْجُنْدُ لِلْمَلِكِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحَيِ الطَّائِرِ، فَمَتَى قُصَّ مِنَ الْجَنَاحِ رِيشُهُ كَانَ ذَلِكَ نُقْصَانًا مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الْمَلِكُ إِنَّمَا هُوَ بِجَنَاحِهِ وَرِيشِهِ. أَلَا وَإِنَّ الْمَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ صَدُوقًا لَا يَكْذِبُ، وَأَنْ يَكُونَ سَخِيًّا لَا يَبْخَلُ، وَأَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَإِنَّهُ مُسَلَّطٌ وَيَدُهُ مَبْسُوطَةٌ، وَالْخَرَاجُ يَأْتِيهِ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَسْتَأْثِرَ عَنْ جُنْدِهِ وَرَعِيَّتِهِ بِمَا هُمْ أَهْلُهُ، وَأَنْ يُكْثِرَ الْعَفْوَ، فَإِنَّهُ لَا مَلِكَ أَبْقَى مِنْ مَلِكٍ فِيهِ الْعَفْوُ، وَلَا أَهْلَكَ مِنْ مَلِكٍ فِيهِ الْعُقُوبَةُ، وَلَأَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ فَيَعْفُوَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ. فَيَنْبَغِي لِلْمَلِكِ أَنْ يَتَثَبَّتَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ قَتْلُ النَّفْسِ [وَبَوَارُهَا]، وَإِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ مِنْ عَامِلٍ مِنْ عُمَّالِهِ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ الْعُقُوبَةَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحَابِيَهُ، وَلْيَجْمَعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَظَلِّمِ، فَإِنْ صَحَّ عَلَيْهِ لِلْمَظْلُومِ حَقٌّ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنْهُ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ آدَمِيٌّ أَدَّى عَنْهُ الْمَلِكُ [وَرَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ]، وَأَخَذَهُ بِإِصْلَاحِ مَا أَفْسَدَ، فَهَذَا لَكُمْ عَلَيْنَا. أَلَا مَنْ سَفَكَ دَمًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ قَطَعَ يَدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، فَإِنِّي لَا أَعْفُو عَنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ صَاحِبُهُ، فَخُذُوا هَذَا عَنِّي. وَإِنَّ التُّرْكَ قَدْ طَمِعَتْ فِيكُمْ فَاكْفُوهَا بِمَا تَكْفُونَ أَنْفُسَكُمْ بِهِ، وَقَدْ أَمَرْتُ لَكُمْ بِالسِّلَاحِ وَالْعُدَّةِ وَأَنَا شَرِيكُكُمْ فِي الرَّأْيِ، وَإِنَّمَا لِي مِنْ هَذَا الْمُلْكِ اسْمُهُ مَعَ الطَّاعَةِ مِنْكُمْ. أَلَا وَإِنَّ الْمَلِكَ مَلِكٌ إِذَا أُطِيعَ، فَإِذَا خُولِفَ فَذَلِكَ مَمْلُوكٌ لَيْسَ بِمَلِكٍ. فَمَهْمَا بَلَغَنَا مِنَ الْخِلَافِ فَإِنَّا لَا نَقْبَلُهُ مِنَ الْمُبَلِّغِ لَهُ حَتَّى نَتَيَقَّنَهُ مِنْهُ، فَإِذَا صَحَّتْ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ مَنْزِلَ الْمُخَالِفِ. أَلَا وَإِنَّ أَكْمَلَ الْأَدَاةِ عِنْدَ الْمُصِيبَاتِ الْأَخْذُ بِالصَّبْرِ وَالرَّاحَةِ إِلَى الْيَقِينِ، فَمَنْ قُتِلَ فِي مُجَاهَدَةِ الْعَدُوِّ رَجَوْتُ لَهُ الْفَوْزَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ. وَأَفْضَلُ الْأُمُورِ التَّسْلِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالرَّاحَةُ إِلَى الْيَقِينِ، وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ، أَيْنَ الْمَهْرَبُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ! وَإِنَّمَا يَتَقَلَّبُ فِي كَفِّ الطَّالِبِ، وَإِنَّمَا أَهْلُ هَذِهِ الدُّنْيَا سَفْرٌ لَا يَحُلُّونَ عُقَدَ الرِّحَالِ إِلَّا فِي غَيْرِهَا، وَإِنَّمَا بُلْغَتُهُمْ فِيهَا بِالْعَوَارِي، فَمَا أَحْسَنَ الشُّكْرَ لِلْمُنْعِمِ وَالتَّسْلِيمَ لِمَنِ الْقَضَاءُ لَهُ! وَمَنْ أَحَقُّ بِالتَّسْلِيمِ لِمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ لَا يَجِدُ مَهْرَبًا إِلَّا إِلَيْهِ، وَلَا مُعَوَّلًا إِلَّا عَلَيْهِ! فَثِقُوا أَنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكُونُوا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ دَرَكِ الطِّلْبَةِ إِذَا صَحَّتْ نِيَّاتُكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْمُلْكَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالِاسْتِقَامَةِ، وَحُسْنِ الطَّاعَةِ، وَقَمْعِ الْعَدُوِّ، وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَالْعَدْلِ لِلرَّعِيَّةِ، وَإِنْصَافِ الْمَظْلُومِ، فَشِفَاؤُكُمْ عِنْدَكُمْ، وَالدَّوَاءُ الَّذِي لَا دَاءَ فِيهِ الِاسْتِقَامَةُ، وَالْأَمْرُ بِالْخَيْرِ وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّرِّ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. انْظُرُوا لِلرَّعِيَّةِ فَإِنَّهَا مَطْعَمُكُمْ وَمَشْرَبُكُمْ، وَمَتَى عَدَلْتُمْ فِيهَا رَغِبُوا فِي الْعِمَارَةِ، فَزَادَ ذَلِكَ فِي خَرَاجِكُمْ، وَتَبَيَّنَ فِي زِيَادَةِ أَرْزَاقِكُمْ، وَإِذَا خِفْتُمْ عَلَى الرَّعِيَّةِ زَهِدُوا فِي الْعِمَارَةِ، وَعَطَّلُوا أَكْثَرَ الْأَرْضِ، فَنَقَصَ ذَلِكَ مِنْ خَرَاجِكُمْ، وَتَبَيَّنَ فِي نَقْصِ أَرْزَاقَكُمْ، فَتَعَاهَدُوا الرَّعِيَّةَ بِالْإِنْصَافِ. هَذَا قَوْلِي وَأَمْرِي يَا مُوبِذُ مُوبِذَانَ، الْزَمْ هَذَا الْقَوْلَ وَجِدَّ فِي هَذَا الَّذِي سَمِعْتَ فِي يَوْمِكَ، أَسَمِعْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ! فَقَالُوا: نَعَمْ، قَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ، وَنَحْنُ فَاعِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِالطَّعَامِ فَوُضِعَ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا، ثُمَّ خَرَجُوا وَهُمْ لَهُ شَاكِرُونَ. وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا هَلَكَ قُرَيْشَاتُ، وَتَغَلَّبَ عَلَى مَمْلَكَةِ فَارِسَ، وَصَارَ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ، وَأَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَأَكْثَرَ الْفَسَادَ فَبَقِيَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى أَنَّ ظَهَرَ زُو. الرَّائِشُ بْنُ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ وَكَانَ مِنَ الْمُلُوكِ فِي هَذَا الزَّمَانِ الرَّائِشُ بْنُ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، كَانَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ بَعْدَ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ وَإِخْوَتِهِ. وَكَانَ [مُلْكُهُ بِالْيَمَنِ أَيَّامَ] مُلْكِ [مَنُوشِهْرَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ] الرَّائِشَ -وَاسْمُهُ الْحَارِثُ- لِغَنِيمَةٍ غَنِمَهَا مِنْ قَوْمٍ غَزَاهُمْ فَأَدْخَلَهَا الْيَمَنَ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ الرَّائِشَ. وَأَنَّهُ غَزَا الْهِنْدَ فَقَتَلَ بِهَا وَسَبَى وَغَنِمَ الْأَمْوَالَ وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا عَلَى جَبَلِ طَيِّئٍ، ثُمَّ عَلَى الْأَنْبَارِ، ثُمَّ عَلَى الْمَوْصِلِ، وَأَنَّهُ وَجَّهَ مِنْهَا خَيْلَهُ وَعَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، يُقَالُ لَهُ: شِمْرُ بْنُ الْعَطَّافِ، فَدَخَلَ عَلَى التَّرْكِ أَرْضَ أَذْرَبِيجَانَ وَهِيَ فِي أَيْدِيهِمْ يَوْمَئِذٍ، فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ، وَزَبَرَ مَا كَانَ مِنْ مَسِيرِهِ فِي حَجَرَيْنِ، فَهُمَا مَعْرُوفَانِ بِبِلَادِ أَذْرَبِيجَانَ. وَمَلَكَ بَعْدَ الرَّائِشِ ابْنُهُ أَبْرَهَةُ، وَيُقَالُ لَهُ: ذُو مَنَارٍ. وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَزَا بِلَادَ الْمَغْرِبِ فَأَوْغَلَ فِيهَا فَخَافَ عَلَى جَيْشِهِ الضَّلَالَ عِنْدَ قُفُولِهِ، فَبَنَى الْمَنَارَ؛ لِيَهْتَدُوا بِهِ. وَهُوَ أَحَدُ الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَوَغَّلُوا فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ لَهُ وَلَدٌ يُقَالُ لَهُ: "الْعَبْدُ" فَبَعَثَهُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَغَنِمَ وَأَصَابَ مَالًا، وَقَدِمَ عَلَيْهِ بِسَبْيٍ لَهُمْ خُلُقٌ مُنْكَرَةٌ. فَذُعِرَ النَّاسُ مِنْهُمْ، فَسَمَّوْهُ ذَا الْأَذْعَارِ. وَيُقَالُ: إِنَّ مُلُوكَ الْيَمَنِ كَانُوا عُمَّالًا لِمُلُوكِ الْفُرْسِ بِهَا، وَمِنْ قَبْلِهِمْ كَانَتْ وِلَايَتُهُمْ بِهَا.

  133. التاريخ 149لا حكم مسجّل

    وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلَامُ مَاتَ بِمَكَّةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَقُبُورُهُمْ غَرْبِيَّ الْكَعْبَةِ بَيْنَ دَارِ النَّدْوَةِ وَدَارِ بَنِي سَهْمٍ. قَالَ أَبُو الْمُنْذِرِ: ثُمَّ إِنَّ شُعَيْبًا زَوَّجَ مُوسَى ابْنَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَتُوُفِّيَ بِهَا، وَأَوْصَى إِلَى مُوسَى، وَكَانَ عُمُرُهُ كُلُّهُ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَدُفِنَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حِيَالَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ.

  134. التاريخ 150لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهِ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهِ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبُّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمِ كَافِرِينَ [ الْأَعْرَافِ: 85 - 93 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ أَيْضًا: وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [ هُودٍ: 84 - 95 ]. وَقَالَ فِي الْحِجْرِ بَعْدَ قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ أَيْضًا: وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ [ الْحِجْرِ: 78 - 79 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي الشُّعَرَاءِ بَعْدَ قِصَّتِهِمْ: كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشُّعَرَاءِ: 176 - 191 ].

  135. التاريخ 113لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِخَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ سَارُوغَ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالَغَ بْنِ غَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وُلِدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي زَمَنِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ وَكَانَ الْمُنَجِّمُونَ قَدْ أَخْبَرُوهُ أَنَّ ثَمَّةَ غُلَامًا سَيُولَدُ فِي سَنَةِ كَذَا وَكَذَا يُخَالِفُ دِينَكَ وَيَكْسِرُ آلِهَتَكَ الَّتِي تُعْبَدُ فَأَمَرَ بِقَتْلِ كُلِّ وَلَدٍ يُولَدُ مُنْذُ هَذَا التَّارِيخِ إِلَّا أَنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ حَمْلِهَا وَخَرَجَتْ بِهِ إِلَى مَغَارَةٍ وَوَلَدَتْهُ فِيهَا وَخَبَّأَتْ أَمْرَهُ إِلَى أَنْ شَبَّ قَلِيلًا، فَلَمَّا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ تَفَكَّرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْخَلْقِ وَمَا عَلَيْهِ قَوْمُهُ وَقَالَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِهَذَا الْعَالَمِ مِنْ خَالِقٍ فَلَمَّا رَأَى الْكَوْكَبَ وَقَدْ أَفَلَ وَالْقَمَرَ الْبَازِغَ وَقَدْ أَفَلَ وَالشَّمْسَ بِضِيَائِهَا وَكَبُرَ حَجْمُهَا وَقَدْ أَفْلَتَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، وَعَلِمَ أَنَّ الْهُدَى مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَبَرِئَ مِنْ دِينِ قَوْمِهِ. وَكَانَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الصَّابِئَةِ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّيَّارَةَ وَكَانُوا يَتَوَصَّلُونَ إِلَيْهَا بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ الْكَوَاكِبَ هِيَ الَّتِي تُسَيِّرُ الْعَالَمَ. وَقَدْ كَانَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ آزَرُ صَانِعًا لِلْأَصْنَامِ وَكَانَ يُعْطِيهَا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَبِيعَهَا فَكَانَ يَسْخَرُ مِنْهَا وَيُدْنِيهَا إِلَى الْبَحْرِ، وَيَقُولُ لَهَا اشْرَبِي اسْتِهْزَاءً بِهَا وَقَدْ فَشَا خَبَرُهُ فِي النَّاسِ وَكَانَ قَدْ أَخْلَصَ النُّصْحَ لِأَبِيهِ أَلَّا يَتَّخِذَ الْأَصْنَامَ آلِهَةً فَهِيَ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ. وَقَدْ نَاظَرَ قَوْمَهُ عَلَيْهَا وَأَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ بِأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ فَلَمَّا أَصَرُّوا وَعَانَدُوا، قَالَ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ وَاتَّفَقَ أَنْ كَانَ لَهُمْ يَوْمُ عِيدٍ يَخْرُجُونَ فِيهِ عَنْ دِيَارِهِمْ وَمَعَابِدِهِمْ فَتَخَلَّفَ إِبْرَاهِيمُ مُتَحَجِّجًا بِالْمَرَضِ فَكَسَّرَ أَصْنَامَهُمْ جَمِيعًا إِلَّا أَكْبَرَ صَنَمٍ فِيهِمْ فَقَدْ وَضَعَ الْفَأْسَ مَعْصُوبَةً بِيَدَيْهِ فَلَمَّا رَجَعُوا وَرَأَوْا مَا حَلَّ بِآلِهَتِهِمْ وَسَأَلُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِهَا قَالُوا الَّذِينَ كَانُوا قَدْ سَمِعُوا مَقَالَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تَوَلَّوْا مُدَبِّرِينَ إِنَّا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ وَسَأَلُوهُ عَنْ فِعْلِهِ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا إِمْعَانًا فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ لَعَلَّهُمْ يُبْصِرُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ وَزِيَادَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ قَالَ فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَلَمَّا عَلِمُوا الْحَقَّ وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَأُقِيمَتِ الْحُجَّةُ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ وَرَكِبُوهَا وَعَانَدُوا وَتَبَجَّحُوا بِأَنْ طَلَبُوا نَصْرَ الْآلِهَةِ الَّتِي عَجَزَتْ عَنِ النُّطْقِ وَالدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهَا. وَقَدْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى حَرْقِهِ بِالنَّارِ وَجَمَعُوا لَهُ الْحَطَبَ وَأَخَذُوا أُهْبَتَهُمْ عَلَى فِعْلَتِهِمْ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَخْسَرِينَ، فَلَمَّا جِيءَ بِإِبْرَاهِيمَ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ قَالُوا إِنَّ كُلَّ الْكَائِنَاتِ طَلَبَتِ الدَّفْعَ وَالذَّبَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا الْوَزَغَ، فَقَدْ كَانَ يَنْفُخُ فِي النَّارِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لَهُمْ إِنْ جَعَلَ إِبْرَاهِيمُ حَاجَتَهُ لَكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا قِيلَ وَقَالَ هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فَرَدَّ عَلَيْهِ إِلَّا كَانَ إِلَيْكَ فَلَا، ثُمَّ قَالَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، وَهُنَا صَدَرَ الْأَمْرُ مِنَ الرَّبِّ الْجَلِيلِ أَنْ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَظَلَّ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ مُنَعَّمًا لَا يَمَسُّهُ السُّوءُ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ أَيَّامًا حَتَّى خَبَتِ النَّارُ وَخَرَجَ وَلَمْ يُمَسَّ بِسُوءٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَكَفَّ اللَّهُ عَنْهُ النَّمْرُودَ وَآمَنَ مَعَهُ عَدَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، مِنْهُمُ ابْنُ أَخِيهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ النَّمْرُودَ نَاظَرَهُ الْمُنَاظَرَةَ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ حِينَمَا خَرَجَ مِنَ النَّارِ وَكَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَلْتَقِي إِبْرَاهِيمُ فَسَأَلَهُ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَزَعَمَ الطَّاغُوتُ أَنَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَقَالَ لَمْ يُجَادِلْهُ إِبْرَاهِيمُ فِي هَذِهِ الْإِجَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَإِنَّمَا قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ حِينَئِذٍ، وَعَزَمَ عَلَى الْبَحْثِ عَنْ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ فَصَنَعَ صَرْحًا لِيَطَّلِعَ عَلَيْهِ بِعَقْلِهِ السَّقِيمِ لِيَرَى رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَقِيلَ إِنَّهُ طَارَ فِي السَّمَاءِ مِنْ خِلَالِ تَابُوتٍ تَحْمِلُهُ النُّسُورُ وَارْتَفَعَ حَتَّى رَأَى الْأَرْضَ وَوَقَعَ فِي ظُلْمَةِ الْفَلَكِ. هَذَا وَقَدْ فَارَقَ إِبْرَاهِيمُ قَوْمَهُ وَخَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي أَرْضِهِ الْوَاسِعَةِ هُوَ وَزَوْجَتُهُ وَابْنُ أَخِيهِ لُوطٌ وَبَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُ وَذَهَبَ إِلَى حَرَّانَ ثُمَّ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَدْ وَقَعَ جُوعٌ وَقَحْطٌ فِيهَا فَخَرَجَ إِلَى مِصْرَ وَفِيهَا أَرَادَ جَبَّارُهَا أَنْ يَتَنَاوَلَ سَارَةَ زَوْجَةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمَّا سُئِلَ عَنْهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ هِيَ أُخْتِي فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهَا إِلَى هَذَا الْجَبَّارِ وَأَرَادَ بِهَا سُوءًا دَعَتِ اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَأُخِذَ ثُمَّ طَلَبَ الْعَفْوَ فَأُرْسِلَ ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعُودَ أُخِذَ حَتَّى تَرَكَهَا وَقَالَ إِنَّمَا جِئْتُونِي بِشَيْطَانَةٍ وَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ، فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَالِمَةً غَانِمَةً لَا بَأْسَ عَلَيْهَا فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةٌ. ثُمَّ خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ مِصْرَ قَافِلًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُنَاكَ بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ وَهَبَتْ سَارَةُ لَهُ هَاجَرَ فَحَمِلَتْ مِنْهُ بِإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ بُشِّرَ بَعْدَ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَبِيِّ اللَّهِ إِسْحَاقَ مِنْ سَارَةَ، إِلَّا أَنَّ سَارَةَ قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِهَا الْغَيْرَةُ مِنْ هَاجَرَ بَعْدَ حَمْلِهَا بِإِسْمَاعِيلَ فَطَلَبَتْ مِنْ زَوْجِهَا أَنْ يُغَيِّبَ هَاجَرَ عَنْهَا فَخَرَجَ بِهَا إِلَى فَارَانَ حَيْثُ مَكَّةَ بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وَقَدْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ مَا قَصَّهُ الْقُرْآنُ، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ زَمْزَمَ بَعْدَ جُهْدٍ جَهِيدٍ اخْتَبَرَ فِيهِ صَبْرَ هَاجَرَ وَثِقَتَهَا بِاللَّهِ وَشَبَّ إِسْمَاعِيلُ فَتًى وَقَدْ نَزَلَتْ إِلَى جِوَارِهَا بِإِذْنِهَا قَبِيلَةُ جُرْهُمٍ وَمِنْهُمْ تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَمَّا بَلَغَ إِسْمَاعِيلُ السَّعْيَ مَعَ أَبِيهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ جَاءَهُ الْوَحْيُ مَنَامًا أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الذَّبِيحِ هَلْ هُوَ إِسْمَاعِيلُ أَمْ إِبْرَاهِيمُ، وَقَدْ رَجَّحَ أَكْثَرُهُمْ أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ وَقَدْ فَدَاهُ اللَّهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ بُشِّرَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبُ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، ثُمَّ جَاءَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَوَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ بِرَفْعِ قَوَاعِدِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَالَّذِي كَانَ قَدْ أَخْفَى مَعَالِمَهُ الطُّوفَانُ، فَقَامَا بِهِ أَفْضَلَ قِيَامٍ عَلَى مَا وَصَفَتْ لَهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَنِ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ مَنَاسِكَ الْحَجِّ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ يَأْتُونَهُ عَلَى كُلِّ ضَامِرٍ وَمِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. وَقَدْ تَوَفَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِبْرَاهِيمَ، قِيلَ وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ مِائَتَيْ عَامٍ وَكَانَ قَدِ اخْتَتَنَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ، وَقِيلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ بِالْقَدُومِ، وَقِيلَ هِيَ الْآلَةُ، وَقِيلَ اسْمُ قَرْيَةٍ. وَلَمْ يَمُتْ حَتَّى اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا وَأَرَاهُ كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى فِي قِصَّةِ الطَّيْرِ، وَهُوَ أَحَدُ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الْخَمْسَةِ وَأَبُو الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ.

  136. التاريخ 114لا حكم مسجّل

    هُوَ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ تَارِخِ بْنِ نَاحُورِ بْنِ سَارُوغِ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالِغِ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالِخِ بْنِ قَيْنَانَ بْنِ أَرْفَخْشِدِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: وَيَقُولُونَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ آزَرَ بْنِ النَّاحُورِ بْنِ الشَّارِغِ بْنِ الْقَاسِمِ، الَّذِي قَسَمَ الْأَرْضَ بَيْنَ أَهْلِهَا، ابْنِ يَعْبُرَ بْنِ السَّالِحِ بْنِ سَنَحَارِيبَ. وَاسْمُ أُمِّهِ نُونَا بِنْتُ كَرْنَبَا بْنِ كُوثَا مِنْ بَنِي أَرْفَخْشِدِ بْنِ سَامٍ. وَكَرْنْبَا هُوَ الَّذِي كَرَى نَهْرَ كُوثَا. وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ تَارِيخِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ بِشْرٍ الْكَاهِلِيِّ صَاحِبِ كِتَابِ الْمُبْتَدَأِ أَنَّ اسْمَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ أُمَيْلَةُ وَكَانَ بَيْنَ الطُّوفَانِ وَإِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً. وَقِيلَ: أَلْفٌ وَمِائَتَا سَنَةٍ وَثَلَاثٌ وَسِتُّونَ، وَذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ آدَمَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ سَنَةٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَقَدْ رَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: كَمْ بَيْنَ نُوحٍ وِإْبَرَاهِيمَ ؟ فَقَالَ: عَشَرَةُ قُرُونٍ. عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ يُكَنَّى أَبَا الْأَضْيَافِ  . قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ عُمُرُ تَارَخَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً وُلِدَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنَاحُورُ، وَهَارَانُ، وَوُلِدَ لِهَارَانَ لُوطٌ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الْأَوْسَطُ، وَأَنَّ هَارَانَ مَاتَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا، وَهِيَ أَرْضُ الْكَلْدَانِيِّينَ يَعْنُونَ أَرْضَ بَابِلَ. المكان الذي ولد فيه إبراهيم وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وُلِدَ فِي بَابِلَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالسَّوَادِ بِنَاحِيَةِ كُوثَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَّدَ [بِالسُّوسِ] مِنْ أَرْضِ الْأَهْوَازِ. وَقِيلَ: كَانَ بِنَاحِيَةِ كَسْكَرَ ثُمَّ نَقَلَهُ أَبُوهُ إِلَى نَاحِيَةِ كُوثَى، وَهِيَ الْمَكَانُ الَّذِي كَانَ بِهِ نَمْرُودُ. وَقِيلَ: كَانَ مَوْلِدُهُ بِحَرَّانَ، وَلَكِنَّ أَبَاهُ نَقَلَهُ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ. وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَلِيلَ وُلِدَ فِي عَهْدِ نَمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ بْنِ سَنَحَارِيبَ بْنِ نَمْرُودِ بْنِ كُوشِ بْنِ حَامٍ. وَكَانَ نَمْرُودُ هَذَا قَدْ مَلَكَ الشَّرْقَ وَالْغَرْبَ. وَبَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ يَقُولُ: نَمْرُودُ هَذَا هُوَ الضَّحَّاكُ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ إِحْرَاقَ الْخَلِيلِ، قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَوَّلُ مَلِكٍ مَلَكَ الْأَرْضَ شَرْقَهَا وَغَرْبَهَا نَمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ  . وَكَانَتِ الْمُلُوكُ الَّذِينَ مَلَكُوا الْأَرْضَ كُلَّهَا [أَرْبَعَةٌ:] نَمْرُودُ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَنَصَّرُ  . قَالَ الْعُلَمَاءُ بِالسِّيَرِ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ نَبِيٌّ إِلَّا هُودٌ وَصَالِحٌ، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى إِظْهَارَ إِبْرَاهِيمَ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِنُمْرُودَ: إِنَّا نَجِدُ فِي عِلْمِنَا أَنَّ غُلَامًا يُولَدُ فِي قَرْيَتِكَ هَذِهِ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ يُفَارِقُ دِينَكُمْ وَيَكْسِرُ أَوْثَانَكُمْ فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا دَخَلَتِ السَّنَةُ الْمَذْكُورَةُ بَعَثَ نَمْرُودُ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ حَامِلَةٍ بِقَرْيَتِهِ فَحَبَسَهَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِحِمْلِ أَمِّ إِبْرَاهِيمَ، فَجَعَلَ لَا يُولَدُ غُلَامٌ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ إِلَّا ذَبَحَهُ. فَلَّمَا وَجَدَتْ أَمُّ إِبْرَاهِيمَ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إِلَى مَغَارَةٍ ثُمَّ وَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ فِيهَا وَأَصْلَحَتْ مِنْ شَأْنِهِ ثُمَّ سَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَغَارَةَ ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى بَيْتِهَا وَكَانَتْ تُطَالِعُهُ فِي الْمَغَارَةِ لِتَنْظُرَ مَا فَعَلَ، فَتَجِدُهُ يَمُصُّ إِبْهَامَهُ - قَدْ جَعَلَ اللَّهُ رِزْقَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ آزَرُ قَدْ سَأَلَهَا عَنْ حَمْلِهَا، فَقَالَتْ: وَلَدْتُ غُلَامًا فَمَاتَ فَسَكَتَ عَنْهَا. وَقِيلَ: بَلْ عَلِمَ آزَرُ بِوِلَادَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَكَتَمَهُ حَتَّى نَسِيَ الْمَلِكُ ذِكْرَ ذَلِكَ، فَقَالَ آزَرُ: إِنَّ لِيَ ابْنًا قَدْ خَبَّأْتُهُ أَفَتَخَافُونَ عَلَيْهِ الْمَلِكَ إِنْ أَنَا جِئْتُ بِهِ ؟ فَقَالُوا: لَا. فَانْطَلَقَ فَأَخْرَجَهُ مِنَ السَّرَبِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الدَّوَابِّ، وَإِلَى الْخَلْقِ، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، جَعَلَ يَسْأَلُ أَبَاهُ عَمَّا يَرَاهُ، فَيَقُولُ أَبُوهُ: هَذَا بَعِيرٌ، أَوْ بَقَرَةٌ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَا لِهَؤُلَاءِ الْخَلْقِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ رَبٌّ ! وَكَانَ خُرُوجُهُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا هُوَ بِالْكَوْكَبِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ: ( هَذَا رَبِّي ). فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ غَابَ، فَقَالَ: ( لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ). وَكَانَ خُرُوجُهُ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَلِهَذَا رَأَى الْكَوْكَبَ قَبْلَ الْقَمَرِ. وَقِيلَ: كَانَ تَفَكَّرَ وَعُمُرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قَالَ لِأُمِّهِ وَهُوَ فِي الْمَغَارَةِ أَخْرِجِينِي أَنْظُرْ، فَأَخْرَجَتْهُ عِشَاءً فَنَظَرَ فَرَأَى الْكَوْكَبَ وَتَفَكَّرَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَقَالَ فِي الْكَوْكَبِ مَا تَقَدَّمَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا جَاءَ النَّهَارُ وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ رَأَى نُورًا أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ مَا رَأَى فَقَالَ: هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى أَبِيهِ وَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ وَبَرِئَ مِنْ دِينِ قَوْمِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُنَادِهِمْ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّهُ بِمَا كَانَتْ صَنَعَتْ مِنْ كِتْمَانِ حَالِهِ، فَسَّرَهُ ذَلِكَ.

  137. التاريخ 115لا حكم مسجّل

    كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ، وَالَّذِينَ عَمَّرُوا مَدِينَةَ دِمَشْقَ كَانُوا عَلَى هَذَا الدِّينِ يَسْتَقْبِلُونَ الْقُطْبَ الشَّمَالِيَّ، وَيَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ السَّبْعَةَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْفَعَالِ وَالْمَقَالِ؛ وَلِهَذَا كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ دِمَشْقَ السَّبْعَةِ الْقَدِيمَةِ هَيْكَلٌ لِكَوْكَبٍ مِنْهَا، وَيَعْمَلُونَ لَهَا أَعْيَادًا وَقَرَابِينَ. وَهَكَذَا كَانَ أَهْلُ حَرَّانَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالْأَصْنَامَ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَانُوا كُفَّارًا سِوَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَامْرَأَتِهِ، وَابْنِ أَخِيهِ لُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَكَانَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي أَزَالَ اللَّهُ بِهِ تِلْكَ الشُّرُورَ، وَأَبْطَلَ بِهِ ذَاكَ الضَّلَالَ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى آتَاهُ رُشْدَهُ فِي صِغَرِهِ، وَابْتَعَثَهُ رَسُولًا، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا فِي كِبَرِهِ. قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 51 ]. أَيْ كَانَ أَهْلًا لِذَلِكَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ أَوَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 16 - 27 ]

  138. التاريخ 116لا حكم مسجّل

    دعوة الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبَاهُ آزَرَ إِلَى الْإِيمَانِ،  كَانَ آزَرُ يَصْنَعُ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَيُعْطِيهَا إِبْرَاهِيمَ لِيَبِيعَهَا، فَكَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقُولُ: مَنْ يَشْتَرِي مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ؟  فَلَا يَشْتَرِيهَا مِنْهُ أَحَدٌ، وَكَانَ يَأْخُذُهَا، وَيَنْطَلِقُ بِهَا إِلَى نَهْرٍ فَيُصَوِّبُ رُءُوسَهَا فِيهِ وَيَقُولُ: اشْرَبِي ! اسْتِهْزَاءً بِقَوْمِهِ. حَتَّى فَشَا ذَلِكَ عَنْهُ فِي قَوْمِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ خَبَرُهُ نُمْرُودَ. فَلَمَّا بَدَا لِإِبْرَاهِيمَ أَنْ يَدْعُوَ قَوْمَهُ إِلَى تَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَيَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى  كَانَ أَوَّلُ دَعْوَتِهِ لِأَبِيهِ، لِأَنَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ بِإِخْلَاصِ النَّصِيحَةِ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا  إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا [ مَرْيَمَ: 41 - 48 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ مِنَ الْمُحَاوَرَةِ وَالْمُجَادَلَةِ، وَكَيْفَ دَعَا أَبَاهُ إِلَى الْحَقِّ بِأَلْطَفِ عِبَارَةٍ وَأَحْسَنِ إِشَارَةٍ، بَيَّنَ لَهُ بُطْلَانَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَسْمَعُ دُعَاءَ عَابِدِهَا وَلَا تُبْصِرُ مَكَانَهُ، كَيْفَ تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا أَوْ تَفْعَلُ بِهِ خَيْرًا مِنْ رِزْقٍ أَوْ نَصْرٍ ؟ ثُمَّ قَالَ مُنَبِّهًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ النَّافِعِ، وَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ سِنًّا مِنْ أَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. أَيْ مُسْتَقِيمًا وَاضِحًا سَهْلًا حَنِيفًا، يُفْضِي بِكَ إِلَى الْخَيْرِ فِي دُنْيَاكَ وَأُخْرَاكَ، فَلَمَّا عَرَضَ هَذَا الرُّشْدَ عَلَيْهِ، وَأَهْدَى هَذِهِ النَّصِيحَةَ إِلَيْهِ لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ، وَلَا أَخَذَهَا عَنْهُ بَلْ تَهَدَّدَهُ وَتَوَعَّدَهُ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ. قِيلَ: بِالْمَقَالِ. وَقِيلَ: بِالْفَعَالِ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا أَيْ وَاقْطَعْنِي وَأَطِلْ هِجْرَانِي فَعِنْدَهَا قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيْ لَا يَصِلُكَ مِنِّي مَكْرُوهٌ، وَلَا يَنَالُكَ مِنِّي أَذًى، بَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ نَاحِيَتِي، وَزَادَهُ خَيْرًا فَقَالَ: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ لَطِيفًا. يَعْنِي فِي أَنْ هَدَانِي لِعِبَادَتِهِ وَالْإِخْلَاصِ لَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا. وَقَدِ اسْتَغْفَرَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا وَعَدَهُ فِي أَدْعِيَتِهِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [ التَّوْبَةِ: 114 ]. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ. فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ لَا تَعْصِنِي. فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، وَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الْأَبْعَدِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ، فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ. هَكَذَا رَوَاهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ مُنْفَرِدًا. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْمَ أَبِي إِبْرَاهِيمَ آزَرُ. وَجُمْهُورُ أَهْلِ النَّسَبِ مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ اسْمَ أَبِيهِ تَارَحُ. وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَقُولُونَ: تَارَخُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. فَقِيلَ: إِنَّهُ لُقِّبَ بِصَنَمٍ كَانَ يَعْبُدُهُ اسْمُهُ آزَرُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ أَنَّ اسْمَهُ آزَرُ، وَلَعَلَّ لَهُ اسْمَانِ عَلَمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا لَقَبٌ، وَالْآخَرُ عَلَمٌ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  139. التاريخ 117لا حكم مسجّل

    ذَكَرَ تَعَالَى مُنَاظَرَتَهُ لقومه  ودعوتهم إِلَى تَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ وَأْمُرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فقال تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [ الْأَنْعَامِ: 75 - 83 ]. وَهَذَا الْمَقَامُ مَقَامُ مُنَاظَرَةٍ لِقَوْمِهِ، وَبَيَانٌ لَهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْرَامَ الْمُشَاهَدَةَ مِنَ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ لَا تَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ، وَلَا أَنْ تُعْبَدَ مَعَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ مَرْبُوبَةٌ مَصْنُوعَةٌ مُدَبَّرَةٌ مُسَخَّرَةٌ تَطْلُعُ تَارَةً وَتَأْفُلُ أُخْرَى، فَتَغِيبُ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ، وَالرَّبُّ تَعَالَى لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ. وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، بَلْ هُوَ الدَّائِمُ الْبَاقِي بِلَا زَوَالٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ فَبَيَّنَ لَهُمْ أَوَّلًا عَدَمَ صَلَاحِيَةِ الْكَوْكَبِ - قِيلَ: هُوَ الزُّهَرَةُ - لِذَلِكَ تَرَقَّى مِنْهَا إِلَى الْقَمَرِ الَّذِي هُوَ أَضْوَأُ مِنْهَا وَأَبْهَى مِنْ حُسْنِهَا، ثُمَّ تَرَقَّى إِلَى الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ أَشَدُّ الْأَجْرَامِ الْمُشَاهَدَةِ ضِيَاءً وَسَنَاءً وَبَهَاءً، فَبَيَّنَ أَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ مُسَيَّرَةٌ مُقَدَّرَةٌ مَرْبُوبَةٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [ فُصِّلَتْ: 37 ]. وَلِهَذَا قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً. أَيْ طَالِعَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا. أَيْ لَسْتُ أُبَالِي فِي هَذِهِ الْآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُ شَيْئًا وَلَا تَسْمَعُ وَلَا تَعْقِلُ، بَلْ هِيَ مَرْبُوبَةٌ مُسَخَّرَةٌ كَالْكَوَاكِبِ وَنَحْوِهَا، أَوْ مَصْنُوعَةٌ مَنْحُوتَةٌ مَنْجُورَةٌ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَوْعِظَتَهُ هَذِهِ فِي الْكَوَاكِبِ لِأَهْلِ حَرَّانَ فَإِنَّهُمْ كَانَ يَعْبُدُونَهَا، وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ قَالَ هَذَا حِينَ خَرَجَ مِنَ السَّرَبِ لَمَّا كَانَ صَغِيرًا، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى أَخْبَارٍ إِسْرَائِيلِيَّةٍ لَا يُوثَقُ بِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا خَالَفَتِ الْحَقَّ، وَأَمَّا أَهْلُ بَابِلَ فَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَهُمُ الَّذِينَ نَاظَرَهُمْ فِي عِبَادَتِهَا، وَكَسَرَهَا عَلَيْهِمْ وَأَهَانَهَا وَبَيَّنَ بُطْلَانَهَا. إنكار إبراهيم على قومه عبادة الأوثان كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ. وَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 51 - 70 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 69 - 83 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ: وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ [ الصَّافَّاتِ: 83 - 98 ]. يُخْبِرُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى قَوْمِهِ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَحَقَّرَهَا عِنْدَهُمْ، وَصَغَّرَهَا، وَتَنَقَّصَهَا فَقَالَ: مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ. أَيْ مُعْتَكِفُونَ عِنْدَهَا وَخَاضِعُونَ لَهَا قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ. مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا صَنِيعُ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَنْدَادِ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ قَتَادَةُ: فَمَا ظَنُّكُمْ بِهِ أَنَّهُ فَاعِلٌ بِكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ وَقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْرَهُ. وَقَالَ لَهُمْ: هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ. سَلَّمُوا لَهُ أَنَّهَا لَا تَسْمَعُ دَاعِيًا وَلَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى عِبَادَتِهَا الِاقْتِدَاءُ بِأَسْلَافِهِمْ، وَمَنْ هُوَ مِثْلُهُمْ فِي الضَّلَالِ مِنَ الْآبَاءِ الْجُهَّالِ؛ وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ: أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَهَذَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى بُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْأَصْنَامِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْهَا وَتَنَقَّصَ بِهَا، فَلَوْ كَانَتْ تَضُرُّ لَضَرَّتْهُ أَوْ تُؤَثِّرُ لَأَثَّرَتْ فِيهِ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ. يَقُولُونَ: هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي تَقُولُهُ لَنَا، وَتَنْتَقِصُ بِهِ آلِهَتَنَا، وَتَطْعَنُ بِسَبَبِهِ فِي آبَائِنَا تَقُولُهُ مُحِقًّا جَادًّا فِيهِ أَمْ لَاعِبًا قَالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. يَعْنِي: بَلْ أَقُولُ لَكُمْ ذَلِكَ جَادًّا مُحِقًّا، وَإِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّكُمْ، وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْخَالِقُ لَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ، فَهُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَقَوْلُهُ: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. أَقْسَمَ لَيَكِيدَنَّ هَذِهِ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا بَعْدَ أَنْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ إِلَى عِيدِهِمْ. قِيلَ: إِنَّهُ قَالَ هَذَا خُفْيَةً فِي نَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَمِعَهُ بَعْضُهُمْ. وَكَانَ لَهُمْ عِيدٌ يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ فَدَعَاهُ أَبُوهُ لِيَحْضُرَهُ، فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ. عَرَّضَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ حَتَّى تَوَصَّلَ إِلَى مَقْصُودِهِ مِنْ إِهَانَةِ أَصْنَامِهِمْ، وَنُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ الْحَقِّ فِي بُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُكَسَّرَ، وَأَنْ تُهَانَ غَايَةَ الْإِهَانَةِ، فَلَمَّا خَرَجُوا إِلَى عِيدِهِمْ، وَاسْتَقَرَّ هُوَ فِي بَلَدِهِمْ فرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ. أَيْ ذَهَبَ إِلَيْهَا مُسْرِعًا مُسْتَخْفِيًا فَوَجَدَهَا فِي بَهْوٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ وَضَعُوا بَيْنَ أَيْدِيَهَا أَنْوَاعًا مِنَ الْأَطْعِمَةِ قُرْبَانًا إِلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالِازْدِرَاءِ: أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى وَأَبْطَشُ وَأَسْرَعُ وَأَقْهَرُ، فَكَسَّرَهَا بِقَدُومٍ فِي يَدِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا أَيْ حُطَامًا كَسَّرَهَا كُلَّهَا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قِيلَ: إِنَّهُ وَضَعَ الْقَدُومَ فِي يَدِ الْكَبِيرِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ غَارَ أَنْ تُعْبَدَ مَعَهُ هَذِهِ الصِّغَارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ عِيدِهِمْ، وَوَجَدُوا مَا حَلَّ بِمَعْبُودِهِمْ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. وَهَذَا فِيهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْقِلُونَ، وَهُوَ مَا حَلَّ بِآلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا، فَلَوْ كَانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أَنْفُسِهَا مَنْ أَرَادَهَا بِسُوءٍ لَكِنَّهُمْ قَالُوا مِنْ جَهْلِهِمْ، وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، وَكَثْرَةِ ضَلَالِهِمْ، وَخَبَالِهِمْ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. أَيْ يَذْكُرُهَا بِالْعَيْبِ، وَالتَّنَقُّصِ لَهَا، وَالِازْدِرَاءِ بِهَا فَهُوَ الْمُقِيمُ عَلَيْهَا، وَالْكَاسِرُ لَهَا، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْ يَذْكُرُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. أَيْ فِي الْمَلَأِ الْأَكْبَرِ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ مَقَالَتَهُ، وَيَسْمَعُونَ كَلَامَهُ، وَيُعَايِنُونَ مَا يَحِلُّ بِهِ مِنَ الِاقْتِصَاصِ مِنْهُ، وَكَانَ هَذَا أَكْبَرَ مَقَاصِدِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَيُقِيمَ عَلَى جَمِيعِ عُبَّادِ الْأَصْنَامِ الْحُجَّةَ عَلَى بُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِفِرْعَوْنَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا وَجَاءُوا بِهِ. كَمَا ذَكَرُوا: قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا. قِيلَ: مَعْنَاهُ هُوَ الْحَامِلُ لِي عَلَى تَكْسِيرِهَا، وَإِنَّمَا عَرَّضَ لَهُمْ فِي الْقَوْلِ فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى الْقَوْلِ أَنَّ هَذِهِ لَا تَنْطِقُ فَيَعْتَرِفُوا بِأَنَّهَا جَمَادٌ كَسَائِرِ الْجَمَادَاتِ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. أَيْ فَعَادُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. أَيْ فِي تَرْكِهَا لَا حَافِظَ لَهَا، وَلَا حَارِسَ عِنْدَهَا ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ. قَالَ السُّدِّيُّ: أَيْ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْفِتْنَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. أَيْ فِي عِبَادَتِهَا. وَقَالَ قَتَادَةُ أَدْرَكَتِ الْقَوْمَ حَيْرَةُ سَوْءٍ أَيْ فَأَطْرَقُوا، ثُمَّ قَالُوا: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ. أَيْ لَقَدْ عَلِمْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنَّ هَذِهِ لَا تَنْطِقُ فَكَيْفَ تَأْمُرُنَا بِسُؤَالِهَا فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ لَهُمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ. كَمَا قَالَ: فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ. قَالَ مُجَاهِدٌ: يُسْرِعُونَ. قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ. أَيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ أَصْنَامًا أَنْتُمْ تَنْحِتُونَهَا مِنَ الْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ، وَتُصَوِّرُونَهَا وَتُشَكِّلُونَهَا كَمَا تُرِيدُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ؟ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مَا مَصْدَرِيَّةً أَوْ بِمَعْنَى الَّذِي فَمُقْتَضَى الْكَلَامِ أَنَّكُمْ مَخْلُوقُونَ وَهَذِهِ الْأَصْنَامَ مَخْلُوقَةٌ، فَكَيْفَ يَعْبُدُ مَخْلُوقٌ مَخْلُوقًا مِثْلَهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِبَادَتُكُمْ لَهَا بِأَوْلَى مِنْ عِبَادَتِهَا لَكُمْ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَالْآخَرُ بَاطِلٌ لِلتَّحَكُّمِ؛ إِذْ لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ تَصْلُحُ وَلَا تَجِبُ إِلَّا لِلْخَالِقِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

  140. التاريخ 118لا حكم مسجّل

    قِصَّةِ إِلْقَائِهِ فِي النَّارِ  ثُمَّ إِنَّ نمرود وَأَصْحَابَهُ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ إِبْرَاهِيمَ  قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ. عَدَلُوا عَنِ الْجِدَالِ وَالْمُنَاظَرَةِ لَمَّا انْقَطَعُوا وَغُلِبُوا، وَلَمْ تَبْقَ لَهُمْ حَجَّةٌ وَلَا شُبْهَةٌ، إِلَى اسْتِعْمَالِ قُوَّتِهِمْ وَسُلْطَانِهِمْ، لِيَنْصُرُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ سَفَهِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، فَكَادَهُمُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَأَعْلَى كَلِمَتَهُ وَدِينَهُ وَبُرْهَانَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ. وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَرَعُوا يَجْمَعُونَ حَطَبًا مِنْ جَمِيعِ مَا يُمْكِنُهُمْ مِنَ الْأَمَاكِنِ، فَمَكَثُوا مُدَّةً يَجْمَعُونَ لَهُ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُمْ كَانَتْ إِذَا مَرِضَتْ تَنْذِرُ لَئِنْ عُوفِيَتْ لَتَحْمِلَنَّ حَطَبًا لِحَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى جَوْبَةٍ عَظِيمَةٍ فَوَضَعُوا فِيهَا ذَلِكَ الْحَطَبَ، وَأَطْلَقُوا فِيهِ النَّارَ فَاضْطَرَمَتْ وَتَأَجَّجَتْ وَالْتَهَبَتْ، وَعَلَاهَا شَرَرٌ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ قَطُّ حَتَّى إِنْ كَانَتِ الطَّيْرُ لَتَمُرُّ بِهَا فَتَحْتَرِقُ مِنْ شِدَّتِهَا وَحَرِّهَا ثُمَّ وَضَعُوا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كِفَّةِ مَنْجَنِيقٍ صَنَعَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنَ الْأَكْرَادِ يُقَالُ لَهُ هِيزَنُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَنَعَ الْمَجَانِيقَ فَخَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أَخَذُوا يُقَيِّدُونَهُ وَيُكَتِّفُونَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ، لَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الْمُلْكُ لَا شَرِيكَ لَكَ. فَلَمَّا وُضِعَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كِفَّةِ الْمَنْجَنِيقِ مُقَيَّدًا مَكْتُوفًا، ثُمَّ أَلْقَوْهُ مِنْهُ إِلَى النَّارِ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ حِينَ قِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ [ آلِ عِمْرَانَ: 173 - 174 ]. الْآيَةَ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ ﷺ: لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ فِي السَّمَاءِ وَاحِدٌ، وَأَنَا فِي الْأَرْضِ وَاحِدٌ أَعْبُدُكَ. وَذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لَهُ فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ: أَلَكَ حَاجَةٌ ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا. وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: جَعَلَ مَلَكُ الْمَطَرِ يَقُولُ: مَتَى أُومَرُ فَأُرْسِلَ الْمَطَرَ ؟ فَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ أَسْرَعَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَيْ لَا تَضُرِّيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ: وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ لَأَذَى إِبْرَاهِيمَ بَرْدُهَا. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَمْ يَنْتَفِعْ أَهْلُ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ بِنَارٍ، وَلَمْ يُحْرَقْ مِنْهُ سِوَى وَثَاقِهِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: يُرْوَى أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ مَعَهُ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ وَجْهِهِ لَمْ يُصِبْهُ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ مَعَهُ أَيْضًا مَلَكُ الظِّلِّ. وَصَارَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي مِثْلِ الْجُونَةِ حَوْلَهُ النَّارُ، وَهُوَ فِي رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ، وَلَا هُوَ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَحْسَنُ كَلِمَةٍ قَالَهَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لَمَّا رَأَى وَلَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ: نِعْمَ الرَّبُّ رَبُّكَ يَا إِبْرَاهِيمُ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أُمَّ إِبْرَاهِيمَ نَظَرَتْ إِلَى ابْنِهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَادَتْهُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَجِيءَ إِلَيْكَ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُنَجِّيَنِي مِنْ حَرِّ النَّارِ حَوْلَكَ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ لَا يَمَسُّهَا شَيْءٌ مِنْ حَرِّ النَّارِ، فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِ اعْتَنَقَتْهُ، وَقَبَّلَتْهُ، ثُمَّ عَادَتْ. وَعَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ مَكَثَ هُنَاكَ إِمَّا أَرْبَعِينَ، وَإِمَّا خَمْسِينَ يَوْمًا، وَأَنَّهُ قَالَ: مَا كُنْتُ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ أَطْيَبَ عَيْشًا إِذْ كُنْتُ فِيهَا، وَوَدِدْتُ أَنَّ عَيْشِي وَحَيَاتِي كُلَّهَا مِثْلُ إِذْ كُنْتُ فِيهَا. صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. فَأَرَادُوا أَنْ يَنْتَصِرُوا فَخُذِلُوا، وَأَرَادُوا أَنْ يَرْتَفِعُوا فَاتَّضَعُوا، وَأَرَادُوا أَنْ يَغْلِبُوا فَغُلِبُوا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: الْأَسْفَلِينَ فَفَازُوا بِالْخَسَارَةِ وَالسَّفَالِ هَذَا فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّ نَارَهُمْ لَا تَكُونُ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَلَا سَلَامًا، وَلَا يُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَلَا سَلَامًا، بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا. ومَكَثَ نُمْرُودُ أَيَّامًا لَا يَشُكُّ أَنَّ النَّارَ قَدْ أَكَلَتْ إِبْرَاهِيمَ، فَرَأَى كَأَنَّهُ نَظَرَ فِيهَا وَهِيَ تُحْرِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَإِبْرَاهِيمُ جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ رَجُلٌ مِثْلُهُ. فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَقَدْ رَأَيْتُ كَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَيٌّ وَلَقَدْ شُبِّهَ عَلَيَّ، ابْنُوا لِي صَرْحًا يُشْرِفُ بِي عَلَى النَّارِ، فَبَنَوْا لَهُ وَأَشْرَفَ مِنْهُ فَرَأَى إِبْرَاهِيمَ جَالِسًا وَإِلَى جَانِبِهِ رَجُلٌ فِي صُورَتِهِ، فَنَادَاهُ نُمْرُودُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، كَبِيرٌ إِلَهُكَ الَّذِي بَلَغَتْ قُدْرَتُهُ وَعِزَّتُهُ أَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا أَرَى، هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَخْشَى إِنْ أَقَمْتَ فِيهَا أَنْ تَضُرَّكَ ؟ قَالَ: لَا. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ فَخَرَجَ مِنْهَا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتُ مَعَكَ مِثْلَ صُورَتِكَ ؟ قَالَ: ذَلِكَ مَلَكُ الظِّلِّ أَرْسَلَهُ إِلَيَّ رَبِّي لِيُؤْنِسَنِي. قَالَ نُمْرُودُ: إِنِّي مُقَرِّبٌ مِنْ إِلَهِكَ قُرْبَانًا لِمَا رَأَيْتُ مِنْ قُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ وَمَا صَنَعَ بِكَ حِينَ أَبَيْتَ إِلَّا عِبَادَتَهُ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذًا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْكَ مَا كُنْتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِكَ. فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، لَا أَسْتَطِيعُ تَرْكَ مُلْكِي. وَقَرَّبَ أَرْبَعَةَ آلَافِ بَقَرَةٍ وَكَفَّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُ. وَآمَنَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ رَأَوْا مَا صَنَعَ اللَّهُ بِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ نُمْرُودَ وَمَلَئِهِمْ، وَآمَنَ لَهُ لُوطُ بْنُ هَارَانَ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ لَهُمْ أَخٌ ثَالِثٌ يُقَالُ لَهُ نَاخُورُ بْنُ تَارِخَ، وَهُوَ أَبُو بِتْوِيلَ، وَبِتْوِيلُ أَبُو لَابَانَ وَأَبُو رَبْقَا امْرَأَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ أُمِّ يَعْقُوبَ، وَلَابَانُ أَبُو لَيَّا وَرَاحِيلَ زَوْجَتَيْ يَعْقُوبَ. وَآمَنَتْ بِهِ سَارَةُ، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّهِ، وَهِيَ سَارَةُ ابْنَةُ هَارَانَ الْأَكْبَرِ عَمِّ إِبْرَاهِيمَ، وَقِيلَ: كَانَتِ ابْنَةَ مَلِكِ حَرَّانَ. فَآمَنَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَعَ إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ أَحْمَدُ بسنده عَنْ نَافِعٍ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ، فَإِذَا رُمْحٌ مَنْصُوبٌ فَقَالَتْ: مَا هَذَا الرُّمْحُ؟ فَقَالَتْ: نَقْتُلُ بِهِ الْأَوْزَاغَ، ثُمَّ حَدَّثَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارِ جَعَلَتِ الدَّوَابُّ كُلُّهَا تُطْفِئُ عَنْهُ إِلَّا الْوَزَغَ فَإِنَّهُ جَعَلَ يَنْفُخُهَا عَلَيْهِ.

  141. التاريخ 119لا حكم مسجّل

    مُنَاظَرَةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مَعَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنَازِعَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ فِي إِزَارِ الْعَظَمَةِ وَرِدَاءِ الْكِبْرِيَاءِ فَادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الْعَبِيدِ الضُّعَفَاءِ   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. [ الْبَقَرَةِ: 258 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى مُنَاظَرَةَ خَلِيلِهِ مَعَ هَذَا الْمَلِكِ الْجَبَّارِ الْمُتَمَرِّدِ الَّذِي ادَّعَى لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةِ فَأَبْطَلَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَلِيلَهُ، وَبَيَّنَ كَثْرَةَ جَهْلِهِ وَقِلَّةَ عَقْلِهِ، وَأَلْجَمَهُ الْحُجَّةَ وَأَوْضَحَ لَهُ طَرِيقَ الْمَحَجَّةِ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ النَّسَبِ وَالْأَخْبَارِ: وَهَذَا الْمَلِكُ هُوَ مَلِكُ بَابِلَ، وَاسْمُهُ النُّمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ بْنِ كُوشِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَذَكَرُوا أَنَّ نُمْرُودًا هَذَا اسْتَمَرَّ فِي مُلْكِهِ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ قَدْ طَغَا وَبَغَا وَتَجَبَّرَ وَعَتَا، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَلَمَّا دَعَاهُ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ حَمَلَهُ الْجَهْلُ وَالضَّلَالُ وَطُولُ الْإِمْهَالِ عَلَى إِنْكَارِ الصَّانِعِ، فَحَاجَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ فِي ذَلِكَ وَادَّعَى لِنَفْسِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ الْخَلِيلُ: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قَالَ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا أُتِيَ بِالرَّجُلَيْنِ قَدْ تَحَتَّمَ قَتْلُهُمَا فَإِذَا أَمَرَ بِقَتْلِ أَحَدِهِمَا، وَعَفَا عَنِ الْآخَرِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ أَحْيَا هَذَا وَأَمَاتَ الْآخَرَ، وَهَذَا لَيْسَ بِمُعَارَضَةٍ لِلْخَلِيلِ، بَلْ هُوَ كَلَامٌ خَارِجِيٌّ عَنْ مَقَامِ الْمُنَاظَرَةِ لَيْسَ بِمَنْعٍ وَلَا بِمُعَارَضَةٍ، بَلْ هُوَ تَشْغِيبٌ مَحْضٌ، وَهُوَ انْقِطَاعٌ فِي الْحَقِيقَةِ، فَإِنَّ الْخَلِيلَ اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ بِحُدُوثِ هَذِهِ الْمُشَاهَدَاتِ؛ مِنْ إِحْيَاءِ الْحَيَوَانَاتِ، وَمَوْتِهَا عَلَى وُجُودِ فَاعِلِ ذَلِكَ الَّذِي لَا بُدَّ مِنِ اسْتِنَادِهَا إِلَى وُجُودِهِ ضَرُورَةً، وَعَدَمِ قِيَامِهَا بِنَفْسِهَا، وَلَا بُدَّ مِنْ فَاعِلٍ لِهَذِهِ الْحَوَادِثِ الْمُشَاهَدَةِ؛ مِنْ خَلْقِهَا، وَتَسْخِيرِهَا، وَتَسْيِيرِ هَذِهِ الْكَوَاكِبِ، وَالرِّيَاحِ، وَالسَّحَابِ، وَالْمَطَرِ، وَخَلْقِ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُوجَدُ مُشَاهَدَةً، ثُمَّ إِمَاتَتِهَا. وَلِهَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. فَقَوْلُ هَذَا الْمَلِكِ الْجَاهِلِ: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. إِنْ عَنَى أَنَّهُ الْفَاعِلُ لِهَذِهِ الْمُشَاهَدَاتِ فَقَدْ كَابَرَ وَعَانَدَ، وَإِنْ عَنَى مَا ذَكَرَهُ قَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا يَتَعَلَّقُ بِكَلَامِ الْخَلِيلِ؛ إِذْ لَمْ يَمْنَعْ مُقَدِّمَةً وَلَا عَارَضَ الدَّلِيلَ، وَلَمَّا كَانَ انْقِطَاعُ مُنَاظَرَةِ هَذَا الْمَلِكِ قَدْ تَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ حَضَرَهُ وَغَيْرِهِمْ، ذَكَرَ دَلِيلًا آخَرَ بَيَّنَ وُجُودَ الصَّانِعِ وَبُطْلَانَ مَا ادَّعَاهُ النُّمْرُودُ، وَانْقِطَاعَهُ جَهْرَةً قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ. أَيْ هَذِهِ الشَّمْسُ مُسَخَّرَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ كَمَا سَخَّرَهَا خَالِقُهَا وَمُسَيِّرُهَا وَقَاهِرُهَا، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَإِنْ كُنْتَ كَمَا زَعَمْتَ مِنْ أَنَّكَ الَّذِي تُحْيِي وَتُمِيتُ، فَأْتِ بِهَذِهِ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ، بَلْ قَدْ قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ، وَدَانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، فَإِنْ كُنْتَ كَمَا تَزْعُمُ فَافْعَلْ هَذَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْهُ فَلَسْتَ كَمَا زَعَمْتَ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ وَكُلُّ أَحَدٍ أَنَّكَ لَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا، بَلْ أَنْتَ أَعْجَزُ وَأَقَلُّ مِنْ أَنْ تَخْلُقَ بَعُوضَةً أَوْ تَنْتَصِرَ مِنْهَا فَبَيَّنَ ضَلَالَهُ وَجَهْلَهُ، وَكَذِبَهُ فِيمَا ادَّعَاهُ وَبُطْلَانَ مَا سَلَكَهُ وَتَبَجَّحَ بِهِ عِنْدَ جَهَلَةِ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ كَلَامٌ يُجِيبُ الْخَلِيلَ بِهِ، بَلِ انْقَطَعَ وَسَكَتَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. فَبُهِتَ عِنْدَ ذَلِكَ نَمْرُودُ وَحَبَسَهُ سَبْعَ سِنِينَ. وعَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: جُوِّعَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَسَدَانِ ثُمَّ أُرْسِلَا عَلَيْهِ، فَجَعَلَا يَلَحَسَانِهِ وَيَسْجُدَانِ لَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ السُّدِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةَ كَانَتْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَبَيْنَ النُّمْرُودِ يَوْمَ خَرَجَ مِنَ النَّارِ، وَلَمْ يَكُنِ اجْتَمَعَ بِهِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ فَكَانَتْ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الْمُنَاظَرَةُ، وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ النُّمْرُودَ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَفِدُونَ إِلَيْهِ لِلْمِيرَةِ فَوَفَدَ إِبْرَاهِيمُ فِي جُمْلَةِ مَنْ وَفَدَ لِلْمِيرَةِ فَكَانَ بَيْنَهُمَا هَذِهِ الْمُنَاظَرَةُ، وَلَمْ يُعْطَ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الطَّعَامِ كَمَا أُعْطِيَ النَّاسُ، بَلْ خَرَجَ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْلِهِ عَمَدَ إِلَى كَثِيبٍ مِنَ التُّرَابِ فَمَلَأَ مِنْهُ عِدْلَيْهِ. وَقَالَ أَشْغَلُ أَهْلِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ وَضَعَ رِحَالَهُ وَجَاءَ فَاتَّكَأَ فَنَامَ، فَقَامَتِ امْرَأَتُهُ سَارَةُ إِلَى الْعِدْلَيْنِ فَوَجَدَتْهُمَا مَلْآنَيْنِ طَعَامًا طَيِّبًا فَعَمِلَتْ مِنْهُ طَعَامًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ إِبْرَاهِيمُ وَجَدَ الَّذِي قَدْ أَصْلَحُوهُ، فَقَالَ: أَنَّى لَكُمْ هَذَا ؟ قَالَتْ: مِنَ الَّذِي جِئْتَ بِهِ. فَعَرَفَ أَنَّهُ رِزْقٌ رَزَقَهُمُوهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. احتيال نمرود في صعود السماء وبنيان الصرح احْتِيَالُ نُمْرُودَ فِي صُعُودِ السَّمَاءِ وَبُنْيَانِ الصَّرْحِ  وقيل لما أَخْرَجَ النمرود إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ مَدِينَتِهِ حَلَفَ أَنَّهُ يَطْلُبُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ أَرْبَعَةَ أَفْرُخِ نُسُورٍ فَرَبَّاهُنَّ بِاللَّحْمِ، وَالْخَمْرِ حَتَّى كَبِرْنَ، وَغَلُظْنَ، فَقَرَنَهُنَّ بِتَابُوتٍ وَقَعَدَ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ فَأَخَذَ مَعَهُ رَجُلًا وَمَعَهُ لَحْمٌ لَهُنَّ، فَطِرْنَ بِهِ حَتَّى إِذَا ذَهَبْنَ أَشْرَفَ يَنْظُرُ إِلَى الْأَرْضِ فَرَأَى الْجِبَالَ تَدِبُّ كَالنَّمْلِ، ثُمَّ رَفَعَ لَهُنَّ اللَّحْمَ وَنَظَرَ إِلَى الْأَرْضِ فَرَآهَا يُحِيطُ بِهَا بَحْرٌ كَأَنَّهَا فَلَكٌ فِي مَاءٍ، ثُمَّ رَفَعَ طَوِيلًا فَوَقَعَ فِي ظُلْمَةٍ فَلَمْ يَرَ مَا فَوْقَهُ وَمَا تَحْتَهُ، فَفَزِعَ وَأَلْقَى اللَّحْمَ، فَاتَّبَعَتْهُ النُّسُورُ مُنْقَضَّاتٍ، فَلَمَّا نَظَرَتِ الْجِبَالُ إِلَيْهِنَّ وَقَدْ أَقْبَلْنَ مُنْقَضَّاتٍ وَسَمِعْنَ حَفِيفَهُنَّ فَزِعَتِ الْجِبَالُ وَكَادَتْ تَزُولُ وَلَمْ يَفْعَلْنَ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ. وَكَانَتْ طَيْرُورَتُهُنَّ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَوُقُوعُهُنَّ فِي جَبَلِ الدُّخَانِ. فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيقُ شَيْئًا أَخَذَ فِي بُنْيَانِ الصَّرْحِ فَبَنَاهُ حَتَّى عَلَا وَارْتَقَى فَوْقَهُ يَنْظُرُ إِلَى إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ بِزَعْمِهِ وَأَحْدَثَ، وَلَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ، وَأَخَذَ اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ مِنْ أَسَاسِ الصَّرْحِ فَسَقَطَ وَتَبَلْبَلَتِ الْأَلْسُنُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْفَزَعِ، فَتَكَلَّمُوا بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَانًا، وَكَانَ لِسَانُ النَّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ سُرْيَانِيًّا. هَكَذَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يُحْدِثْ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإِنَّ الطَّبْعَ الْبَشَرِيَّ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَهُمْ أَكْثَرُ اتِّصَالًا بِالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ، وَأَشْرَفُ أَنْفُسًا، وَمَعَ هَذَا فَيَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَبُولُونَ وَيَتَغَوَّطُونَ، فَلَوْ نَجَا مِنْهُ أَحَدٌ لَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ أَوْلَى لِشَرَفِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: وَإِنْ كَانَ لِكَثْرَةِ مُلْكِهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْ مُسْتَقِلًّا، وَلَوْ مَلَكَ مُسْتَقِلًّا لَكَانَ الْإِسْكَنْدَرُ أَكْثَرَ مُلْكًا مِنْهُ وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقُلْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ هَذَا. وَمِنَ الْأَحْدَاثِ فِي زَمَنِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلَاكُ نُمْرُودَ   قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَى نُمْرُودَ مَلَكًا أَنْ آمِنْ بِي وَأَتْرُكْكَ عَلَى مُلْكِكَ. قَالَ: فَهَلْ رَبٌّ غَيْرِي؟ فَأَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: اجْمَعْ جُمُوعَكَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَجَمَعَ جُمُوعَهُ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَ فَفَتَحَ عَلَيْهِ بَابًا مِنَ الْبَعُوضِ، وَطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَرَوْهَا مِنْ كَثْرَتِهَا، فَبَعَثَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأَكَلَتْ لُحُومَهُمْ، وَشَرِبَتْ دِمَاءَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعِظَامُ، وَالْجَبَّارُ كَمَا هُوَ لَمْ يُصِبْهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ فِي مَنْخَرِهِ فَمَكَثَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يُضْرَبُ رَأْسُهُ بِالْمَطَارِقِ، وَأَرْحَمُ النَّاسِ بِهِ مَنْ جَمَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِمَا رَأْسَهُ، فَعَذَّبَهُ اللَّهُ أَرْبَعَمِائَةِ عَامٍ كَمَا مَلَّكَهُ، وَأَمَاتَهُ اللَّهُ. وَهُوَ الَّذِي بَنَى صَرْحًا إِلَى السَّمَاءِ، [فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ]: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [16: 26]. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: نُمْرُودُ هُوَ الضَّحَّاكُ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ نَسَبَ نُمْرُودَ فِي النَّبَطِ، وَنَسَبَ الضَّحَّاكِ فِي عَجَمِ الْفُرْسِ. وَذَكَرَ قَوْمٌ أَنَّ الضَّحَّاكَ ضَمَّ إِلَى نُمْرُودَ السَّوَادَ وَمَا اتَّصَلَ بِهَا، وَكَانَ عَامِلًا لَهُ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ بَابِلَ مِنْ قِبَلِ الضَّحَّاكِ، فَلَمَّا مَلَكَ أَفِرِيدُونَ وَقَهَرَ الضَّحَّاكَ قَتَلَ نُمْرُودَ وَشَرَّدَ النَّبَطَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  142. التاريخ 120لا حكم مسجّل

    هِجْرَةِ الْخَلِيلِ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ  وَدُخُولِهِ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَجْمَعُوا عَلَى فِرَاقِ قَوْمِهِمْ، فَخَرَجَ إِبْرَاهِيمُ مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَخَرَجَ مَعَهُ لُوطٌ مُهَاجِرًا، وَسَارَّةُ زَوْجَتُهُ. حَتَّى قَدِمَ مِصْرَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 26 - 27 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ  وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 71 - 73 ]. لَمَّا هَجَرَ قَوْمَهُ فِي اللَّهِ، وَهَاجَرَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِرًا لَا يُولَدُ لَهَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ أَحَدٌ، بَلْ مَعَهُ ابْنُ أَخِيهِ لُوطُ بْنُ هَارَانَ بْنِ آزَرَ وَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ الْأَوْلَادَ الصَّالِحِينَ، وَجَعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، فَكُلُّ نَبِيٍّ بُعِثَ بَعْدَهُ فَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، وَكُلُّ كِتَابٍ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ فَعَلَى أَحَدِ نَسْلِهِ وَعَقِبِهِ خِلْعَةً مِنَ اللَّهِ وَكَرَامَةً لَهُ حِينَ تَرَكَ بِلَادَهُ وَأَهْلَهُ وَأَقْرِبَاءَهُ، وَهَاجَرَ إِلَى بَلَدٍ يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدَعْوَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، وَالْأَرْضُ الَّتِي قَصَدَهَا بِالْهِجْرَةِ أَرْضُ الشَّامِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. قَالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمْ. وَرَوَى الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. مَكَّةَ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 96 ]. وَزَعَمَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ أَنَّهَا حَرَّانُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ نَقْلِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ هُوَ وَابْنُ أَخِيهِ لُوطٌ، وَأَخُوهُ نَاحُورُ، وَامْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ سَارَةُ، وَامْرَأَةُ أَخِيهِ مَلْكَا، فَنَزَلُوا حَرَّانَ فَمَاتَ تَارَخُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بِهَا. وَقَالَ السُّدِّيُّ: انْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ وَلُوطٌ قِبَلَ الشَّامِ فَلَقِيَ إِبْرَاهِيمُ سَارَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ مَلِكِ حَرَّانَ، وَقَدْ طَعَنَتْ عَلَى قَوْمِهَا فِي دِينِهِمْ فَتَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ لَا يُغَيِّرَهَا. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا ابْنَةُ عَمِّهِ هَارَانَ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ حَرَّانُ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا ابْنَةُ أَخِيهِ هَارَانَ أُخْتُ لُوطٍ، كَمَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ، عَنِ الْقُتَبِيِّ، وَالنَّقَّاشِ فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ، وَقَالَ بِلَا عِلْمٍ، وَادَّعَى أَنَّ تَزْوِيجَ بِنْتِ الْأَخِ كَانَ إِذْ ذَاكَ مَشْرُوعًا فَلَيْسَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ. وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ، كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنِ الرَّبَّانِيِّينَ مِنَ الْيَهُودِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تَتَعَاطَاهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ الْمَشْهُورُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بَابِلَ خَرَجَ بِسَارَةَ مُهَاجِرًا مِنْ بِلَادِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِنِّي جَاعِلٌ هَذِهِ الْأَرْضَ لِخَلَفِكَ مِنْ بَعْدِكَ فَابْتَنَى إِبْرَاهِيمُ مَذْبَحًا لِلَّهِ شُكْرًا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَضَرَبَ قُبَّتَهُ شَرْقِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ انْطَلَقَ مُرْتَحِلًا إِلَى الْيَمَنِ، وَأَنَّهُ كَانَ جُوعٌ أَيْ قَحْطٌ وَشِدَّةٌ، وَغَلَاءٌ فَارْتَحَلُوا إِلَى مِصْرَ قصة سارة مع ملك مصر وَذَكَرُوا قِصَّةَ سَارَةَ مَعَ مَلِكِهَا، وَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لَهَا قُولِي: أَنَا أُخْتُهُ. وَذَكَرُوا إِخْدَامَ الْمَلِكِ إِيَّاهَا هَاجَرَ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِ التَّيَمُّنِ يَعْنِي أَرْضَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَمَا وَالَاهَا وَمَعَهُ دَوَابُّ وَعَبِيدٌ وَأَمْوَالٌ. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ، ثِنْتَانِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: إِنِّي سَقِيمٌ وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا. وَقَالَ: بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ  إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: هَاهُنَا رَجُلٌ مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا. فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ: أُخْتِي. فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ: يَا سَارَةُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي فَلَا تُكَذِّبِينِي. فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي، وَلَا أَضُرُّكِ. فَدَعَتْ فَأُطْلِقَ فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، وَإِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ. فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ؛ مَهْيَمْ ؟ فَقَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الْكَافِرِ أَوِ الْفَاجِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَوْقُوفًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ؛ قَوْلُهُ حِينَ دُعِيَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ: إِنِّي سَقِيمٌ. وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا. وَقَوْلُهُ لِسَارَةَ: إِنَّهَا أُخْتِي. قَالَ: وَدَخَلَ إِبْرَاهِيمُ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ الْمُلُوكِ أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ اللَّيْلَةَ بِامْرَأَةٍ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ. قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ أَوِ الْجَبَّارُ مَنْ هَذِهِ مَعَكَ ؟ قَالَ: أُخْتِي. قَالَ: فَأَرْسِلْ بِهَا. قَالَ: فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ. وَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ أَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، إِنْ عَلَى الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَقْبَلَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ. قَالَ: فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَلْ: هِيَ قَتَلَتْهُ. قَالَ: فَأُرْسِلَ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا. قَالَ: فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ، وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الْكَافِرَ. قَالَ: فَغَطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ. قَالَ أَبُو الزِّنَادِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهَا قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَلْ هِيَ قَتَلَتْهُ. قَالَ: فَأُرْسِلَ. قَالَ: فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا أَرْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا هَاجَرَ. قَالَ: فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ لِإِبْرَاهِيمَ: أَشَعَرْتَ ؟ إِنَّ اللَّهَ رَدَّ كَيْدَ الْكَافِرِ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ وَقْتِ ذُهِبَ بِهَا إِلَى الْمَلِكِ قَامَ يُصَلِّي لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيَسْأَلُهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ أَهْلِهِ، وَأَنْ يَرُدَّ بَأْسَ هَذَا الَّذِي أَرَادَ أَهْلَهُ بِسُوءٍ، وَهَكَذَا فَعَلَتْ هِيَ أَيْضًا كُلَّمَا أَرَادَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنْ يَنَالَ مِنْهَا أَمْرًا قَامَتْ إِلَى وُضُوئِهَا وَصَلَاتِهَا، وَدَعَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ. فَعَصَمَهَا اللَّهُ وَصَانَهَا لِعِصْمَةِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَحَبِيبِهِ وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. نبوة النساء وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى نُبُوَّةِ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ؛ سَارَةَ، وَأُمِّ مُوسَى، وَمَرْيَمَ عَلَيْهِنَّ السَّلَامُ وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُنَّ صَدِّيقَاتٌ ؓ وَأَرْضَاهُنَّ وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَشَفَ الْحِجَابَ فِيمَا بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبَيْنَهَا فَلَمْ يَزَلْ يَرَاهَا مُنْذُ خَرَجَتْ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى أَنْ رَجَعَتْ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُشَاهِدًا لَهَا وَهِيَ عِنْدَ الْمَلِكِ، وَكَيْفَ عَصَمَهَا اللَّهُ مِنْهُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَقَرَّ لِعَيْنِهِ وَأَشَدَّ لِطُمَأْنِينَتِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا لِدِينِهَا، وَقَرَابَتِهَا مِنْهُ وَحُسْنِهَا الْبَاهِرِ، فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ تَكُنِ امْرَأَةٌ بَعْدَ حَوَّاءَ إِلَى زَمَانِهَا أَحْسَنَ مِنْهَا ؓ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التَّوَارِيخِ: أَنَّ فِرْعَوْنَ مِصْرَ هَذَا كَانَ أَخًا لِلضَّحَّاكِ الْمَلِكِ الْمَشْهُورِ بِالظُّلْمِ، وَكَانَ عَامِلًا لِأَخِيهِ عَلَى مِصْرَ. وَيُقَالُ: كَانَ اسْمُهُ سِنَانَ بْنَ عِلْوَانَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوجِ بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ أَنَّ الَّذِي أَرَادَهَا عَمْرُو بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ بَايلبونَ بْنِ سَبَأٍ، وَكَانَ عَلَى مِصْرَ نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  143. التاريخ 121لا حكم مسجّل

    ثُمَّ إِنَّ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجَعَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ التَّيَمُّنِ  ، وَهِيَ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي كَانَ فِيهَا، وَمَعَهُ أَنْعَامٌ وَعَبِيدٌ وَمَالٌ جَزِيلٌ، وَصَحِبَتْهُمْ هَاجَرُ الْقِبْطِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ، فَنَزَلَ السَّبْعَ مِنْ أَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدِ اتَّخَذَ بِالسَّبْعِ بِئْرًا وَمَسْجِدًا وَكَانَ مَاءُ الْبِئْرِ مَعِينًا طَاهِرًا، فَآذَاهُ أَهْلُ السَّبْعِ، فَانْتَقَلَ عَنْهُمْ، فَنَضَبَ الْمَاءُ فَاتَّبَعُوهُ يَسْأَلُونَهُ الْعَوْدَ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَعْطَاهُمْ سَبْعَةَ أَعْنُزٍ، وَقَالَ: إِذَا أَوْرَدْتُمُوهَا الْمَاءَ ظَهَرَ حَتَّى يَكُونَ مَعِينًا طَاهِرًا فَاشْرَبُوا مِنْهُ، وَلَا تَغْتَرِفْ مِنْهُ امْرَأَةٌ حَائِضٌ. فَخَرَجُوا بِالْأَعْنُزِ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَى الْمَاءِ ظَهَرَ إِلَيْهَا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْهُ، إِلَى أَنْ غَرَفَتْ مِنْهُ امْرَأَةٌ طَامِثٌ فَعَادَ الْمَاءُ إِلَى الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ. وَأَقَامَ إِبْرَاهِيمُ بَيْنَ الرَّمْلَةِ، وَإِيلِيَا بِبَلَدٍ يُقَالُ لَهُ قَطُّ أَوْ قِطُّ. ثُمَّ إِنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَحَ بِمَا لَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ بِأَمْرِ الْخَلِيلِ لَهُ فِي ذَلِكَ إِلَى أَرْضِ الْغَوْرِ، الْمَعْرُوفِ بِغَوْرِ زُغَرَ، فَنَزَلَ بِمَدِينَةَ سَدُومَ، وَهِيَ أُمُّ تِلْكَ الْبِلَادِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَ أَهْلُهَا أَشْرَارًا كُفَّارًا فُجَّارًا، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَمُدَّ بَصَرَهُ، وَيَنْظُرَ شَمَالًا وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، وَبَشَّرَهُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ كُلَّهَا سَأَجْعَلُهَا لَكَ، وَلِخَلَفِكَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَسَأُكْثِرُ ذُرِّيَّتَكَ حَتَّى يَصِيرُوا بِعَدَدِ تُرَابِ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ اتَّصَلَتْ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ مَا كَمَلَتْ وَلَا كَانَتْ أَعْظَمَ مِنْهَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زَوَى لِي مِنْهَا. قَالُوا: ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْجَبَّارِينَ تَسَلَّطُوا عَلَى لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَسَرُوهُ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُ وَاسْتَاقُوا أَنْعَامَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَارَ إِلَيْهِمْ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَنْقَذَ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَرْجَعَ أَمْوَالَهُ، وَقَتَلَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ خَلْقًا كَثِيرًا وَهَزَمَهُمْ، وَسَاقَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى وَصَلَ إِلَى شَمَالِيِّ دِمَشْقَ، وَعَسْكَرَ بِظَاهِرِهَا عِنْدَ بَرْزَةَ، وَأَظُنُّ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ الْمَنْسُوبَ إِلَيْهِ بِبَرْزَةَ الْيَوْمَ إِنَّمَا سُمِّيَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْضِعَ مَوْقِفِ جَيْشِ الْخَلِيلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ رَجَعَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا إِلَى بِلَادِهِ، وَتَلَقَّاهُ مُلُوكُ بِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مُعَظِّمِينَ لَهُ مُكْرِمِينَ خَاضِعِينَ، وَاسْتَقَرَّ بِبِلَادِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

  144. التاريخ 122لا حكم مسجّل

    مَوْلِدِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ هَاجَرَ  قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ اللَّهَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، وَأَنَّ اللَّهَ بَشَّرَهُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ بِبِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَشْرُ سِنِينَ، قَالَتْ سَارَةُ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّ الرَّبَّ قَدْ أَحْرَمَنِي الْوَلَدَ، فَادْخُلْ عَلَى أَمَتِي هَذِهِ لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنَا مِنْهَا وَلَدًا. فَلَمَّا وَهَبَتْهَا لَهُ دَخَلَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَحِينَ دَخَلَ بِهَا حَمَلَتْ مِنْهُ. قَالُوا: فَلَمَّا حَمَلَتِ ارْتَفَعَتْ نَفْسُهَا وَتَعَاظَمَتْ عَلَى سَيِّدَتِهَا، فَغَارَتْ مِنْهَا سَارَةُ فَشَكَتْ ذَلِكَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهَا: افْعَلِي بِهَا مَا شِئْتِ. فَخَافَتْ هَاجَرُ فَهَرَبَتْ فَنَزَلَتْ عِنْدَ عَيْنٍ هُنَاكَ، فَقَالَ لَهَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: لَا تَخَافِي فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ مِنْ هَذَا الْغُلَامِ الَّذِي حَمَلْتِ خَيْرًا. وَأَمَرَهَا بِالرُّجُوعِ، وَبَشَّرَهَا أَنَّهَا سَتَلِدُ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ إِسْمَاعِيلَ، وَيَكُونُ وَحْشَ النَّاسِ، يَدُهُ عَلَى الْكُلِّ، وَيَدُ الْكُلِّ بِهِ، وَيَمْلِكُ جَمِيعَ بِلَادِ إِخْوَتِهِ، فَشَكَرَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَلِكَ. وَهَذِهِ الْبِشَارَةُ إِنَّمَا انْطَبَقَتْ عَلَى وَلَدِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ الَّذِي سَادَتْ بِهِ الْعَرَبُ، وَمَلَكَتْ جَمِيعَ الْبِلَادِ غَرْبًا وَشَرْقًا، وَأَتَاهَا اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَمْ يُؤْتِ أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا بِشَرَفِ رَسُولِهَا عَلَى سَائِرِ الرُّسُلِ وَبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ وَيُمْنِ بِشَارَتِهِ وَكَمَالِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ. وَعُمُومِ بَعْثَتِهِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ. وَلَمَّا رَجَعَتْ هَاجَرُ وَضَعَتْ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِذَا اسْتَفْتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا، يَعْنِي وِلَادَةَ هَاجَرَ. وقَالُوا: وَلَدَتْهُ وَلِإِبْرَاهِيمَ مِنَ الْعُمُرِ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً قَبْلَ مَوْلِدِ إِسْحَاقَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَلَمَّا وُلِدَ إِسْمَاعِيلُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ يُبَشِّرُهُ بِإِسْحَاقَ مِنْ سَارَةَ فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا. وَقَالَ لَهُ: قَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلَ، وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ وَكَثَّرْتُهُ وَنَمَّيْتُهُ جَدًّا كَبِيرًا، وَيُولَدُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا، وَأَجْعَلُهُ رَئِيسًا لِشَعْبٍ عَظِيمٍ. وَهَذِهِ أَيْضًا بِشَارَةٌ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَهَؤُلَاءِ الِاثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا هُمُ الْخُلَفَاءُ الِاثْنَا عَشَرَ الْمُبَشَّرُ بِهِمْ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا. ثُمَّ قَالَ: كَلِمَةٌ لَمْ أَفْهَمْهَا فَسَأَلْتُ أَبِي مَا قَالَ ؟ قَالَ: كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ قَائِمًا. وَفِي رِوَايَةٍ عَزِيزًا حَتَّى يَكُونَ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ. فَهَؤُلَاءِ مِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ؛ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَمِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَيْضًا، وَمِنْهُمْ بَعْضُ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ اثْنَيْ عَشَرَ نَسَقًا، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِمْ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْأَئِمَّةَ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي يَعْتَقِدُ فِيهِمْ الرَّافِضَةُ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ الْمُنْتَظِرُ بِسِرْدَابِ سَامَرَّا، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ فِيمَا يَزْعُمُونَ، فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَنْفَعُ مِنْ عَلِيٍّ وَابْنِهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ حِينَ تَرَكَ الْقِتَالَ وَسَلَّمَ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ، وَأَخْمَدَ نَارَ الْفِتْنَةِ، وَسَكَّنَ رَحَى الْحُرُوبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَاقُونَ مِنْ جُمْلَةِ الرَّعَايَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حُكْمٌ عَلَى الْأُمَّةِ فِي أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ، وَأَمَّا مَا يَعْتَقِدُونَهُ بِسِرْدَابِ سَامَرَّا فَذَاكَ هَوَسٌ فِي الرُّءُوسِ، وَهَذَيَانٌ فِي النُّفُوسِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا عَيْنَ وَلَا أَثَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ النَّوَادِرِ: أَنَّ سَارَةَ تَغَضَّبَتْ عَلَى هَاجَرَ فَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ ثَلَاثَةَ أَعْضَاءٍ مِنْهَا، فَأَمَرَهَا الْخَلِيلُ أَنْ تَثْقُبَ أُذُنَيْهَا وَأَنْ تَخْفِضَهَا فَتَبَرَّ قَسَمُهَا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ مِنَ النِّسَاءِ، وَأَوَّلَ مَنْ ثَقَبَتْ أُذُنَيْهَا مِنْهُنَّ، وَأَوَّلَ مَنْ طَوَّلَتْ ذَيْلَهَا.

  145. التاريخ 123لا حكم مسجّل

    مُهَاجَرَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ إِلَى جِبَالِ فَارَانَ  وَهِيَ أَرْضُ مَكَّةَ وذلك أن هَاجَرَ عَلَيْهَا السَّلَامُ لَمَّا وُلِدَ لَهَا إِسْمَاعِيلُ اشْتَدَّتْ غَيْرَةُ سَارَةَ مِنْهَا، وَطَلَبَتْ مِنَ الْخَلِيلِ أَنْ يُغَيِّبَ وَجْهَهَا عَنْهَا، وَقَالَتْ سَارَةُ: لَا تُسَاكِنُنِي فِي بَلَدٍ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَأْتِيَ بِمَكَّةَ، وَلَيْسَ بِهَا يَوْمَئِذٍ نَبْتٌ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ هَاجَرَ فَوَضَعَهُمَا بِمَكَّةَ بِمَوْضِعِ زَمْزَمَ وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ [خَرَجَ] وَمَعَهُ جَبْرَئِيلُ، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِقَرْيَةٍ إِلَّا قَالَ: بِهَذِهِ أُمِرْتُ يَا جَبْرَئِيلُ؟ فَيَقُولُ جَبْرَئِيلُ: امْضِهِ، حَتَّى قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ وَهِيَ ذَاتُ عِضَاهٍ وَسَلَمٍ وَسَمُرٍ، وَبِهَا أُنَاسٌ يُقَالُ لَهُمُ الْعَمَالِيقُ خَارِجَ مَكَّةَ وَحَوْلَهَا، وَالْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ رَبْوَةٌ حَمْرَاءُ، فَقَالَ لِجَبْرَئِيلَ: أَهَاهُنَا [أُمِرْتُ] أَنْ أَضَعَهُمَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَمَدَ بِهِمَا إِلَى مَوْضِعِ الْحَجَرِ فَأَنْزَلَهُمَا فِيهِ، وَأَمَرَ هَاجَرَ أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِ عَرِيشًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الشَّامِ فَتَرَكَهُمَا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعْفِيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لَا يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [ إِبْرَاهِيمَ: 37 ]. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ حَتَّى إِذَا نَفَذَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى. أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِيَ تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى إِذَا جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا. فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ: صَهٍ. تُرِيدُ نَفْسَهَا، ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثٌ. فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تَخُوضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ. وَقِيلَ: إِنَّ الَّذِي أَنْبَعَ الْمَاءَ جَبْرَائِيلُ، فَإِنَّهُ نَزَلَ إِلَى هَاجَرَ وَهِيَ تَسْعَى فِي الْوَادِي فَسَمِعَتْ حِسَّهُ فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَنِي فَأَغِثْنِي فَقَدْ هَلَكْتُ أَنَا وَمَنْ مَعِي. فَجَاءَ بِهَا إِلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ، فَفَارَتْ عَيْنًا، فَتَعَجَّلَتْ، فَجَعَلَتْ تَفْرَغُ فِي شَنِّهَا. فَقَالَ لَهَا: لَا تَخَافِي الظَّمَأَ. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ  . أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا. قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافِي الضَّيْعَةَ فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتَ اللَّهِ يَبْنِي هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضَيِّعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ مرور قبيلة جرهم بأم إسماعيل عليهما السلام فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرْهُمٍ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءَ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى الْمَاءِ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي، وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَقْبَلُوا قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا: تَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ. قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ. فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلَامُ، وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا. ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ. وَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بَابِهِ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ. جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةٍ. قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ. قَالَ: ذَاكَ أَبِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكَ فَالْحَقِي بِأَهْلِكِ. فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى. زيارة إبراهيم لإسماعيل عليهما السلام وَلَبِثَ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ سَارَةَ أَنْ يَزُورَ إِسْمَاعِيلَ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَشَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْزِلَ. فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أَيْنَ صَاحِبُكِ ؟ قَالَتْ: ذَهَبَ لِيَتَصَيَّدَ وَهُوَ يَجِيءُ الْآنَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَانْزِلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَقَالَ لَهَا: فَعِنْدَكِ ضِيَافَةٌ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكِ خُبْزٌ، أَوْ بُرٌّ، أَوْ شَعِيرٌ، أَوْ تَمْرٌ ؟ قَالَ: فَجَاءَتْ بِاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ، فَدَعَا لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ، وَلَوْ جَاءَتْ يَوْمَئَذٍ بِخُبْزٍ، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ لَكَانَتْ أَكْثَرَ أَرْضِ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتِ: انْزِلْ حَتَّى أَغْسِلَ رَأْسَكَ. فَلَمْ يَنْزِلْ. فَجَاءَتْهُ بِالْمَقَامِ بِالْإِنَاءِ فَوَضَعَتْهُ عِنْدَ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، فَوَضَعَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ فَبَقِيَ أَثَرُ قَدَمِهِ فِيهِ، فَغَسَلَتْ شِقَّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنَ، ثُمَّ حَوَّلَتِ الْمَقَامَ إِلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَفَعَلَتْ بِهِ كَذَلِكَ. فَقَالَ لَهَا: إِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَأَقْرِئِيهِ عَنِّي السَّلَامَ وَقُولِي لَهُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ. فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ وَجَدَ رِيحَ أَبِيهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ جَاءَكِ أَحَدٌ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، شَيْخٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهًا وَأَطْيَبُهُمْ رِيحًا، فَقَالَ لِي كَذَا وَكَذَا. وَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَكَذَا، وَغَسَلْتُ رَأْسَهُ، وَهَذَا مَوْضِعُ قَدَمِهِ، وَهُوَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: قَدِ اسْتَقَامَتْ عَتَبَةُ بَابِكَ. قَالَ: ذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ. ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَلَدُ بِالْوَالِدِ وَالْوَالِدُ بِالْوَلَدِ، وقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلِهِ مَا كَانَ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ وَأُمِّ إِسْمَاعِيلَ وَمَعَهُمْ شَنَّةٌ فِيهَا مَاءٌ. وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُوَشَّحٌ بِرَفْعِ بَعْضِهِ، وَفِي بَعْضِهِ غَرَابَةٌ، وَكَأَنَّهُ مِمَّا تَلَقَّاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِيهِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ كَانَ رَضِيعًا إِذْ ذَاكَ وَعِنْدَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَنْ يَخْتِنَ وَلَدَهُ إِسْمَاعِيلَ، وَكُلَّ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَغَيْرِهِمْ فَخَتَنَهُمْ، وَذَلِكَ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، فَيَكُونُ عُمُرُ إِسْمَاعِيلَ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَهَذَا امْتِثَالٌ لِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَهْلِهِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ؛ وَلِهَذَا كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ. وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ  بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ. وَالْقَدُومُ هُوَ الْآلَةُ. وَقِيلَ: مَوْضِعٌ. وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يُنَافِي الزِّيَادَةَ عَلَى الثَّمَانِينَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِمَا سَيَأْتِي مِنَ الْحَدِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ وَفَاتِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً. رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا السِّيَاقِ ذِكْرُ قِصَّةِ الذَّبِيحِ  وَأَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي قَدَمَاتِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، أُولَاهُنَّ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ بَعْدَ مَوْتِ هَاجَرَ، وَكَيْفَ يَتْرُكُهُمْ مِنْ حِينِ صِغَرِ الْوَلَدِ عَلَى مَا ذُكِرَ إِلَى حِينِ تَزْوِيجِهِ لَا يَنْظُرُ فِي حَالِهِمْ ؟ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تُطْوَى لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ الْبُرَاقَ إِذَا سَارَ إِلَيْهِمْ، فَكَيْفَ يَتَخَلَّفُ عَنْ مُطَالَعَةِ حَالِهِمْ، وَهُمْ فِي غَايَةِ الضَّرُورَةِ الشَّدِيدَةِ وَالْحَاجَةِ الْأَكِيدَةِ ؟ وَكَأَنَّ بَعْضَ هَذَا السِّيَاقِ مُتَلَقًّى مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَمُطَرَّزٌ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ.

  146. التاريخ 124لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ الذَّبِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ   أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِذَبْحِ ابْنِهِ فِيمَا ذُكِرَ أَنَّهُ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا ذَكَرًا صَالِحًا، فَقَالَ: اللَّهُ تَعَالَى: وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [ الصَّافَّاتِ: 99 - 113 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّهُ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ بِلَادِ قَوْمِهِ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَهَبَ لَهُ وَلَدًا صَالِحًا فَبَشَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، وَهُوَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ لَهُ عَلَى رَأْسِ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِ الْخَلِيلِ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ أَنَّهُ أَوَّلُ وَلَدِهِ وَبِكْرُهُ. وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أَيْ شَبَّ وَصَارَ يَسْعَى فِي مَصَالِحِهِ كَأَبِيهِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ أَيْ شَبَّ وَارْتَحَلَ، وَأَطَاقَ مَا يَفْعَلُهُ أَبُوهُ مِنَ السَّعْيِ وَالْعَمَلِ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا أُرِيَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ هَذَا. وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا. رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ. قَالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَيْضًا. وَهَذَا اخْتِبَارٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِخَلِيلِهِ فِي أَنْ يَذْبَحَ هَذَا الْوَلَدَ الْعَزِيزَ الَّذِي جَاءَهُ عَلَى كِبَرٍ، وَقَدْ طَعَنَ فِي السِّنِّ بَعْدَ مَا أُمِرَ بِأَنْ يُسْكِنَهُ هُوَ وَأُمَّهُ فِي بِلَادٍ قَفْرٍ، وَوَادٍ لَيْسَ بِهِ حَسِيسٌ وَلَا أَنِيسٌ وَلَا زَرْعٌ وَلَا ضَرْعٌ، فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ، وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمَا فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وَرَزَقَهُمَا مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبَانِ، ثُمَّ لَمَّا أُمِرَ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ بِذَبْحِ وَلَدِهِ هَذَا، الَّذِي قَدْ أَفْرَدَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، وَهُوَ بِكْرُهُ وَوَحِيدُهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهُ أَجَابَ رَبَّهُ وَامْتَثَلَ أَمْرَهُ وَسَارَعَ إِلَى طَاعَتِهِ، ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ عَلَى وَلَدِهِ؛ لِيَكُونَ أَطْيَبَ لِقَلْبِهِ وَأَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَأْخُذَهُ قَسْرًا وَيَذْبَحَهُ قَهْرًا، قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. فَبَادَرَ الْغُلَامُ الْحَلِيمُ يَبَرُّ وَالِدَهُ الْخَلِيلَ  إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. وَهَذَا الْجَوَابُ فِي غَايَةِ السَّدَادِ وَالطَّاعَةِ لِلْوَالِدِ وَلِرَبِّ الْعِبَادِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. قِيلَ: أَسْلَمَا أَيِ اسْتَسْلَمَا لِأَمْرِ اللَّهِ وَعَزَمَا عَلَى ذَلِكَ. وَقِيلَ: هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ، وَالْمَعْنَى تَلَّهُ لِلْجَبِينِ أَيْ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ. قِيلَ: أَرَادَ أَنْ يَذْبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ لِئَلَّا يُشَاهِدَهُ فِي حَالِ ذَبْحِهِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ. وَقِيلَ: بَلْ أَضْجَعَهُ كَمَا تُضْجَعُ الذَّبَائِحُ، وَبَقِيَ طَرَفُ جَبِينِهِ لَاصِقًا بِالْأَرْضِ، وَأَسْلَمَا أَيْ سَمَّى إِبْرَاهِيمُ وَكَبَّرَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ الْوَلَدَ لِلْمَوْتِ. قَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ فَلَمْ تَقْطَعْ شَيْئًا. وَيُقَالُ: جُعِلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَلْقِهِ صَفِيحَةٌ مِنْ نُحَاسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَالَ لِابْنِهِ حِينَ أُمِرَ بِذَبْحِهِ: يَا بُنَيَّ، خُذِ الْحَبْلَ وَالْمُدْيَةَ ثُمَّ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى هَذَا الشِّعْبِ لِنَحْتَطِبَ لِأَهْلِكَ. فَلَمَّا تَوَجَّهَ اعْتَرَضَهُ إِبْلِيسُ لِيَصُدَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا عَدُوَّ اللَّهِ ! فَوَاللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِأَمْرِ اللَّهِ ! فَاعْتَرَضَ إِسْمَاعِيلَ فَأَعْلَمَهُ مَا يُرِيدُ إِبْرَاهِيمُ يَصْنَعُ بِهِ، فَقَالَ: سَمْعًا لِأَمْرِ رَبِّي وَطَاعَةً. فَذَهَبَ إِلَى هَاجَرَ فَأَعْلَمَهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ رَبُّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَتَسْلِيمًا لِأَمْرِ اللَّهِ. فَرَجَعَ بِغَيْظِهِ لَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ شَيْئًا. فَلَمَّا خَلَا إِبْرَاهِيمُ بِالشِّعْبِ، وَهُوَ شِعْبُ ثَبِيرٍ، قَالَ لَهُ: يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا أَبَتِ إِنْ أَرَدْتَ ذَبْحِي فَاشْدُدْ رِبَاطِي لَا يُصِبْكَ مِنْ دَمِي شَيْءٌ فَيَنْتَقِصَ أَجْرِي، فَإِنَّ الْمَوْتَ شَدِيدٌ، وَاشَحَذْ شَفْرَتَكَ حَتَّى تُرِيحَنِي، فَإِذَا أَضْجَعْتَنِي فَكُبَّنِي عَلَى وَجْهِي فَإِنِّي أَخْشَى إِنْ نَظَرْتَ فِي وَجْهِي أَنَّكَ تُدْرِكُ رَحْمَةً فَتَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَمْرِ اللَّهِ، وَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَرُدَّ قَمِيصِي إِلَى هَاجَرَ أُمِّي فَعَسَى أَنْ يَكُونَ أَسْلَى لَهَا عَنِّي، فَافْعَلْ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: نِعْمَ الْمُعِينُ أَنْتَ، أَيْ بُنَيَّ، عَلَى أَمْرِ اللَّهِ ! فَرَبَطَهُ كَمَا أَمَرَهُ، ثُمَّ حَدَّ شَفْرَتَهُ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، ثُمَّ أَدْخَلَ الشَّفْرَةَ لِحَلْقِهِ، فَقَلَبَهَا اللَّهُ لِقَفَاهَا، ثُمَّ اجْتَذَبَهَا إِلَيْهِ لِيَفْرُغَ مِنْهُ، فَنُودِيَ: أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، هَذِهِ ذَبِيحَتُكَ فِدَاءً لِابْنِكَ فَاذْبَحْهَا. أَيْ قَدْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنِ اخْتِبَارِكِ وَطَاعَتِكَ وَمُبَادَرَتِكَ إِلَى أَمْرِ رَبِّكَ وَبَذْلِكَ وَلَدَكَ لِلْقُرْبَانِ، كَمَا سَمَحْتَ بِبَدَنِكَ لِلنِّيرَانِ، وَكَمَا مَالُكَ مَبْذُولٌ لِلضِّيفَانِ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. أَيِ الِاخْتِبَارُ الظَّاهِرُ الْبَيِّنُ. وَقَوْلُهُ: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. أَيْ وَجَعَلْنَا فِدَاءَ ذَبْحِ وَلَدِهِ مَا يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَبْشٌ أَبْيَضُ أَعْيَنُ أَقْرَنُ رَآهُ مَرْبُوطًا بِسَمُرَةٍ فِي ثَبِيرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَبْشٌ قَدْ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ يَرْتَعُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى تَشَقَّقَ عَنْهُ ثَبِيرٌ، وَكَانَ عَلَيْهِ عِهْنٌ أَحْمَرُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَبَطَ عَلَيْهِ مِنْ ثَبِيرٍ كَبْشٌ أَعْيَنُ أَقْرَنُ لَهُ ثُغَاءٌ فَذَبَحَهُ، وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنْهُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ مُجَاهِدٌ: فَذَبَحَهُ بِمِنًى. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: ذَبَحَهُ بِالْمَقَامِ. فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ وَعْلًا، وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ تَيْسًا مِنَ الْأَرْوَى وَاسْمُهُ جَرِيرٌ فَلَا يَكَادُ يَصِحُّ عَنْهُمَا، ثُمَّ غَالِبُ مَا هَاهُنَا مِنَ الْآثَارِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِي الْقُرْآنِ كِفَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ وَالِاخْتِبَارِ الْبَاهِرِ وَأَنَّهُ فُدِيَ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ كَبْشًا، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ أَخْبَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَلَّدَتْ عَامَّةَ أَهْلِ دَارِنَا قَالَتْ: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ. وَقَالَ مَرَّةً: إِنَّهَا سَأَلَتْ عُثْمَانَ لِمَ دَعَاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ حِينَ دَخَلْتُ الْبَيْتَ فَنَسِيتُ أَنْ آمُرَكَ أَنْ تُخَمِّرَهُمَا فَخَمِّرْهُمَا فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ. قَالَ: سُفْيَانُ لَمْ تَزَلْ قَرْنَا الْكَبْشِ فِي الْبَيْتِ حَتَّى احْتِرَاقِ الْبَيْتِ فَاحْتَرَقَا. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَأْسَ الْكَبْشِ لَمْ يَزَلْ مُعَلَّقًا عِنْدَ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ قَدْ يَبِسَ، وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ  ؛ لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ الْمُقِيمَ بِمَكَّةَ وَإِسْحَاقُ لَا نَعْلَمُ أَنَّهُ قَدِمَهَا فِي حَالِ صِغَرِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْقُرْآنِ، بَلْ كَأَنَّهُ نَصٌّ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ؛ اختلاف السلف في الذبيح وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الذَّبِيحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إِسْمَاعِيلُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ إِسْحَاقُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كِلَا الْقَوْلَيْنِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا صَحِيحٌ لَمْ نَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَأَمَّا الْحَدِيثُ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ فَقَدْ رَوَى الْأَحْنَفُ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَ فِيهِ: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ هُوَ إِسْحَاقُ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْعَبَّاسِ مِنْ قَوْلِهِ لَمْ يَرْفَعْهُ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ فَقَدَ رَوَى الصُّنَابِحِيُّ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَذَكَرُوا الذَّبِيحَ فَقَالَ: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتُمْ، كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عُدَّ عَلَيَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ، فَضَحِكَ ﷺ فَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ، وَمَا الذَّبِيحَانِ ؟ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ نَذَرَ إِنْ سَهَّلَ اللَّهُ حَفْرَ زَمْزَمَ أَنْ يَذْبَحَ أَحَدَ أَوْلَادِهِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَبِي النَّبِيِّ ﷺ فَفَدَاهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالذَّبِيحُ الثَّانِي إِسْمَاعِيلُ. ذِكْرُ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِسْحَاقُ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٌّ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ؓ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ عِكْرِمَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَكَعْبٌ، وَابْنُ سَابِطٍ، وَابْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ، وَمَسْرُوقٌ إِلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. حَدَّثَ عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَبِي أَسِيدِ بْنِ أَبِي جَارِيَةَ الثَّقَفِيُّ أَنَّ كَعْبًا قَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: أَلَا أُخْبِرُكَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ كَعْبٌ: لَمَّا رَأَى إِبْرَاهِيمُ ذَبْحَ إِسْحَاقَ قَالَ الشَّيْطَانُ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَمْ أَفْتَتِنْ أَحَدًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَدًا، فَتَمَثَّلَ رَجُلًا يَعْرِفُونَهُ فَأَقْبَلَ حَتَّى إِذَا خَرَجَ إِبْرَاهِيمُ بِإِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ دَخَلَ عَلَى سَارَةَ امْرَأَةِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ أَصْبَحَ إِبْرَاهِيمُ غَادِيًا بِإِسْحَاقَ ؟ قَالَتْ: لِبَعْضِ حَاجَتِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِنَّمَا غَدَا بِهِ لِيَذْبَحَهُ ! قَالَتْ سَارَةُ: لَمْ يَكُنْ لِيَذْبَحَ وَلَدَهُ. قَالَ الشَّيْطَانُ: بَلَى وَاللَّهِ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ. قَالَتْ سَارَةُ: فَهَذَا أَحْسَنُ أَنْ يُطِيعَ رَبَّهُ. ثُمَّ خَرَجَ الشَّيْطَانُ، فَأَدْرَكَ إِسْحَاقَ وَهُوَ مَعَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَكَ. قَالَ إِسْحَاقُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ. قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ رَبَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ. قَالَ إِسْحَاقُ: فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِذَلِكَ لَيُطِيعَنَّهُ ! فَتَرَكَهُ وَلَحِقَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: أَيْنَ أَصْبَحْتَ غَادِيًا بِابْنِكَ ؟ قَالَ: لِبَعْضِ حَاجَتِي. قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِنَّمَا تُرِيدُ ذَبْحَهُ ! قَالَ: وَلِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِذَلِكَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَمَرَنِي بِذَلِكَ لَأَفْعَلَنَّ. فَلَمَّا أَخَذَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ لِيَذْبَحَهُ أَعْفَاهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَفَدَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِسْحَاقَ: إِنِّي مُعْطِيكَ دَعْوَةً أَسْتَجِيبُ لَكَ فِيهَا. قَالَ إِسْحَاقُ: اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا عَبْدٍ لَقِيَكَ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا فَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. قَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ يَقُولُونَ يَا إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْحَاقَ، وَيَعْقُوبَ، فَبِمَ نَالُوا ذَلِكَ ؟ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَعْدِلْ بِي شَيْئًا قَطُّ إِلَّا اخْتَارَنِي، وَإِنَّ إِسْحَاقَ جَادَ لِي بِالذَّبْحِ وَهُوَ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَجْوَدُ، وَإِنَّ يَعْقُوبَ كُلَمَّا زِدْتُهُ بَلَاءً زَادَنِي حُسْنَ ظَنٍّ بِي. ( أَسِيدٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ السِّينِ. وَجَارِيَةُ بِالْجِيمِ ). مَنْ قَالَ إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ   رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيُوسُفُ بْنُ مِهْرَانَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ، وَقَالَ: زَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ إِسْحَاقُ، وَكَذَبَتِ الْيَهُودُ. وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ، وَالشَّعْبِيُّ: رَأَيْتُ قَرْنَيِ الْكَبْشِ فِي الْكَعْبَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ مِنْ بَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ، وَإِنَّا لِنَجِدُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فِي قِصَّةِ الْخَبَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ ذَبْحِهِ ابْنَهُ أَنَّهُ إِسْمَاعِيلُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ فَرَغَ مِنْ قِصَّةِ الْمَذْبُوحِ مِنِ ابْنِي إِبْرَاهِيمَ قَالَ: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، وَيَقُولُ: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا، وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ بِابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ، فَلَمْ يَكُنْ يَأْمُرُهُ بِذَبْحِ إِسْحَاقَ، وَلَهُ فِيهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مَا وَعَدَهُ، وَمَا الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ إِلَّا إِسْمَاعِيلُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ لِعُمُرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا كُنْتُ أَنْظُرُ فِيهِ وَإِنِّي لَأُرَاهُ كَمَا قُلْتَ.

  147. التاريخ 125لا حكم مسجّل

    مَوْلِدِ إِسْحَاقَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ   فَلَمَّا وُلِدَ إِسْمَاعِيلُ حَزِنَتْ سَارَةُ حُزْنًا شَدِيدًا، فَوَهَبَهَا اللَّهُ إِسْحَاقَ  ، وَعُمُرُهَا سَبْعُونَ سَنَةً فَعُمُرُ إِبْرَاهِيمَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [ الصَّافَّاتِ: 112 ]. وَقَدْ كَانَتِ الْبِشَارَةُ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِإِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ لَمَّا مَرُّوا بِهِمْ مُجْتَازِينَ ذَاهِبِينَ إِلَى مَدَائِنِ قَوْمِ لُوطٍ لِيُدَمِّرُوا عَلَيْهِمْ لِكُفْرِهِمْ وَفُجُورِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [ هُودٍ: 69 - 73 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ  قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [ الْحِجْرِ: 51 - 56 ]. وَقَالَ تَعَالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [ الذَّارِيَاتِ: 24 - 30 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا وَكَانُوا ثَلَاثَةً؛ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، لَمَّا وَرَدُوا عَلَى الْخَلِيلِ حَسِبَهُمْ أَوَّلًا أَضْيَافًا فَعَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ الضُّيُوفِ شَوَى لَهُمْ عِجْلًا سَمِينًا مِنْ خِيَارِ بَقَرِهِ، فَلَمَّا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَرَ لَهُمْ هِمَّةً إِلَى الْأَكْلِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسَ فِيهِمْ قُوَّةُ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ  فَنَكِرَهُمْ إِبْرَاهِيمُ: وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. أَيْ لِنُدَمِّرَ عَلَيْهِمْ فَاسْتَبْشَرَتْ عِنْدَ ذَلِكَ سَارَةُ غَضَبًا لِلَّهِ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ قَائِمَةً عَلَى رُءُوسِ الْأَضْيَافِ، كَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ مِنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَلَمَّا ضَحِكَتِ اسْتِبْشَارًا بِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. أَيْ بَشَّرَتْهَا الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ. أَيْ فِي صَرْخَةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا أَيْ كَمَا يَفْعَلُ النِّسَاءُ عِنْدَ التَّعَجُّبِ، وَقَالَتْ: يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا. أَيْ كَيْفَ يَلِدُ مِثْلِي وَأَنَا كَبِيرَةٌ وَعَقِيمٌ أَيْضًا وَهَذَا بَعْلِي أَيْ زَوْجِي شَيْخًا، تَعَجَّبَتْ مِنْ وُجُودِ وَلَدٍ وَالْحَالَةُ هَذِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَكَذَلِكَ تَعَجَّبَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ اسْتِبْشَارًا بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ وَتَثْبِيتًا لَهَا وَفَرَحًا بِهَا قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ. أَكَّدُوا الْخَبَرَ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ، وَقَرَّرُوهُ مَعَهُ فَبَشَّرُوهُمَا بِغُلَامٍ عَلِيمٍ وَهُوَ إِسْحَاقُ وَأَخُوهُ إِسْمَاعِيلُ غُلَامٌ حَلِيمٌ مُنَاسِبٌ لِمَقَامِهِ وَصَبْرِهِ. وَهَكَذَا وَصَفَهُ رَبُّهُ بِصِدْقِ الْوَعْدِ وَالصَّبْرِ. وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. وَهَذَا مِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ، وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْمَاعِيلُ  ، وَأَنَّ إِسْحَاقَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْمَرَ بِذَبْحِهِ بَعْدَ أَنْ وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ بِوُجُودِهِ وَوُجُودِ وَلَدِهِ يَعْقُوبَ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْعَقِبِ مِنْ بَعْدِهِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ أَحْضَرَ مَعَ الْعِجْلِ الْحَنِيذِ وَهُوَ الْمَشْوِيُّ رَغِيفًا مِنْ مَلَّةٍ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَكْيَالٍ وَسَمْنٌ وَلَبَنٌ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ أَكَلُوا، وَهَذَا غَلَطٌ مَحْضٌ. وَقِيلَ: كَانُوا يُورُونَ أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ، وَالطَّعَامُ يَتَلَاشَى فِي الْهَوَاءِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِإِبْرَاهِيمَ: أَمَّا سَارَةُ امْرَأَتُكَ فَلَا يُدْعَى اسْمُهَا سَارَا، وَلَكِنِ اسْمُهَا سَارَةُ، وَأُبَارِكُ عَلَيْهَا، وَأُعْطِيكَ مِنْهَا ابْنًا وَأُبَارِكُهُ، وَيَكُونُ لِلشُّعُوبِ، وَمُلُوكُ الشُّعُوبِ مِنْهُ. فَخَرَّ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ يَعْنِي سَاجِدًا وَضَحِكَ قَائِلًا فِي نَفْسِهِ: أَبَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ يُولَدُ لِي غُلَامٌ، أَوْ سَارَةُ تَلِدُ وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهَا تِسْعُونَ سَنَةً ؟ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلَّهِ تَعَالَى: لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ قُدَّامَكَ ! فَقَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: بِحَقِّي إِنَّ امْرَأَتَكَ سَارَةَ تَلِدُ لَكَ غُلَامًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْحِينِ مِنْ قَابَلٍ، وَأُوَاثِقُهُ مِيثَاقِي إِلَى الدَّهْرِ، وَلِخَلَفِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَدِ اسْتَجَبْتُ لَكَ فِي إِسْمَاعِيلَ، وَبَارَكْتُ عَلَيْهِ وَكَبَّرْتُهُ وَنَمَّيْتُهُ جَدًّا كَبِيرًا، وَيُولَدُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا، وَأَجْعَلُهُ رَئِيسًا لِشَعْبٍ عَظِيمٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا تَسْتَمْتِعُ بِوُجُودِ وَلَدِهَا إِسْحَاقَ، ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ يُولَدُ وَلَدُهُ يَعْقُوبُ أَيْ يُولَدُ فِي حَيَاتِهِمَا لِتَقَرَّ أَعْيُنُهُمَا بِهِ. كَمَا قَرَّتْ بِوَالِدِهِ. وَلَوْ لَمْ يُرِدْ هَذَا لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ يَعْقُوبَ وَتَخْصِيصِ التَّنْصِيصِ عَلَيْهِ مِنْ دُونِ سَائِرِ نَسْلِ إِسْحَاقَ فَائِدَةٌ، وَلَمَّا عُيِّنَ بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ يَتَمَتَّعَانِ بِهِ وَيُسَرَّانِ بِمَوْلِدِهِ، كَمَا سُرَّا بِمَوْلِدِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا [ الْأَنْعَامِ: 84 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [ مَرْيَمَ: 49 ]. وَهَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ ظَاهِرٌ قَوِيٌّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى. قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ: ثُمَّ حَيْثُ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ فَصَلِّ فَكُلُّهَا مَسْجِدٌ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الَّذِي أَسَّسَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَهُوَ مَسْجِدُ إِيلِيَا، وَهُوَ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَرَّفَهُ اللَّهُ. وَهَذَا مُتَّجِهٌ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْحَدِيثِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ بِنَاءُ يَعْقُوبَ، وَهُوَ إِسْرَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ بِنَاءِ الْخَلِيلِ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ  بِأَرْبَعِينَ سَنَةً سَوَاءً، وَقَدْ كَانَ بِنَاؤُهُمَا ذَلِكَ بَعْدَ وُجُودِ إِسْحَاقَ؛ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا دَعَا قَالَ فِي دُعَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ [ إِبْرَاهِيمَ: 35 - 41 ]. وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ اللَّهَ خِلَالًا ثَلَاثًا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ ص: 35 ]. فَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أَنَّهُ جَدَّدَ بِنَاءَهُ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً  ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّ بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَإِبْرَاهِيمَ أَرْبَعِينَ سَنَةً سِوَى ابْنِ حِبَّانَ فِي تَقَاسِيمِهِ وَأَنْوَاعِهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ وَلَا سُبِقَ إِلَيْهِ.

  148. التاريخ 126لا حكم مسجّل

    بِنَاءِ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ   ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. [ الْحَجِّ: 26 - 27 ]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 96 - 97 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الْبَقَرَةِ: 124 - 129 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَصَفِيِّهِ وَخَلِيلِهِ، إِمَامِ الْحُنَفَاءِ، وَوَالِدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ صَلَاةٍ وَتَسْلِيمٍ، أَنَّهُ بَنَى الْبَيْتَ الْعَتِيقَ الَّذِي هُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ وُضِعَ لِعُمُومِ النَّاسِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهِ، وَبَوَّأَهُ اللَّهُ مَكَانَهُ أَيْ أَرْشَدَهُ إِلَيْهِ وَدَلَّهُ عَلَيْهِ،وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي صِفَةِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ أَنَّ الْكَعْبَةَ بِحِيَالِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ بِحَيْثُ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ عَلَيْهَا، وَكَذَلِكَ مَعَابِدُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ فِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتًا يَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ وَهُوَ فِيهَا كَالْكَعْبَةِ لِأَهْلِ الْأَرْضِ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا يَكُونُ لِأَهْلِ الْأَرْضِ كَتِلْكَ الْمَعَابِدِ لِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، وَأَرْشَدَهُ اللَّهُ إِلَى مَكَانِ الْبَيْتِ الْمُهَيَّأِ لَهُ الْمُعَيَّنِ لِذَلِكَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومٍ أَنَّ الْبَيْتَ كَانَ مَبْنِيًّا قَبْلَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ  وَمَنْ تَمَسَّكَ فِي هَذَا بِقَوْلِهِ: مَكَانَ الْبَيْتِ فَلَيْسَ بِنَاهِضٍ وَلَا ظَاهِرٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مَكَانُهُ الْمُقَدَّرُ فِي عِلْمِ اللَّهِ، الْمُقَدَّرُ فِي قَدَرِهِ، الْمُعَظَّمُ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ مَوْضِعُهُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى زَمَانِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ آدَمَ نَصَبَ عَلَيْهِ قُبَّةً، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا لَهُ: قَدْ طُفْنَا قَبْلَكَ بِهَذَا الْبَيْتِ. وَأَنَّ السَّفِينَةَ طَافَتْ بِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ كُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ قَرَّرْنَا أَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ وَلَا تُكَذَّبُ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا، فَأَمَّا إِنْ رَدَّهَا الْحَقُّ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ. أَيْ أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِعُمُومِ النَّاسِ لِلْبَرَكَةِ وَالْهُدَى الْبَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةَ قِيلَ: مَكَّةُ. وَقِيلَ: مَحَلَّةُ الْكَعْبَةِ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ. أَيْ عَلَى أَنَّهُ بِنَاءُ الْخَلِيلِ وَالِدِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ وَإِمَامِ الْحُنَفَاءِ مِنْ وَلَدِهِ الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِ. وَيَتَمَسَّكُونَ بِسُنَّتِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ أَيِ: الْحَجَرُ الَّذِي كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ قَائِمًا لَمَّا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ عَنْ قَامَتِهِ فَوَضَعَ لَهُ وَلَدُهُ هَذَا الْحَجَرَ الْمَشْهُورَ لِيَرْتَفِعَ عَلَيْهِ لَمَّا تَعَالَى الْبِنَاءُ وَعَظُمَ الْفِنَاءُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الطَّوِيلِ، وقِيلَ: لما أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، ضَاقَ بِذَلِكَ ذَرْعًا فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّكِينَةَ، وَهِيَ رِيحٌ خَجُوجُ، وَهِيَ اللَّيِّنَةُ الْهُبُوبِ، لَهَا رَأْسَانِ، فَسَارَ مَعَهَا إِبْرَاهِيمُ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَتَطَوَّتْ عَلَيْهِ كَطَيِّ الْحُجْفَةِ، فَأُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ، فَبَنَى إِبْرَاهِيمُ. وَقِيلَ: أَرْسَلَ اللَّهُ مِثْلَ الْغَمَامَةِ لَهُ رَأْسٌ فَكَلَّمَهُ وَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، ابْنِ عَلَى ظِلِّي، أَوْ عَلَى قَدْرِي، وَلَا تَزِدْ، وَلَا تَنْقُصْ، فَبَنَى. وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ نُقِلَا عَنْ عَلِيٍّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الَّذِي دَلَّهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ هُوَ جَبْرَائِيلُ. فَسَارَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَهَا وَجَدَ إِسْمَاعِيلَ يُصْلِحُ نَبْلًا لَهُ وَرَاءَ زَمْزَمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ لَهُ بَيْتًا. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَأَطِعْ رَبَّكَ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: قَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُعِينَنِي عَلَى بِنَائِهِ. قَالَ: إِذَنْ أَفْعَلُ. فَقَامَ مَعَهُ فَجَعَلَ إِبْرَاهِيمُ يَبْنِيهِ، وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ. ثُمَّ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ: إِيتِنِي بِحَجَرٍ حَسَنٍ أَضَعُهُ عَلَى الرُّكْنِ فَيَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَمًا. فَنَادَاهُ أَبُو قُبَيْسٍ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي وَدِيعَةً، وَقِيلَ: بَلْ جَبْرَائِيلُ أَخْبَرَهُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، فَأَخَذَهُ وَوَضَعَهُ مَوْضِعَهُ، وَكَانَا كُلَمَّا بَنَيَا دَعَوَا اللَّهَ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ وَضَعُفَ الشَّيْخُ عَنْ رَفْعِ الْحِجَارَةِ قَامَ عَلَى حَجَرٍ، وَهُوَ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ، فَجَعَلَ يُنَاوِلُهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا رَبِّ، وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي ؟ قَالَ: أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ. فَنَادَى: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكَمُ الْحَجَّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ! فَسَمِعَهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا مِنْ أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ، فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ مِمَّنْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنْ يَحُجَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَأُجِيبَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ! ثُمَّ خَرَجَ بِإِسْمَاعِيلَ مَعَهُ إِلَى التَّرْوِيَةِ فَنَزَلَ بِهِ مِنًى، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَصَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى بِهِمُ الْفَجْرَ، ثُمَّ سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِهِمْ هُنَاكَ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، ثُمَّ رَاحَ بِهِمْ إِلَى الْمَوْقِفِ مِنْ عَرَفَةَ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ، فَوَقَفَ بِهِ عَلَى الْأَرَاكِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ دَفَعَ بِهِ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَجَمَعَ بِهَا الصَّلَاتَيْنِ الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا وَمَنْ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى الْغَدَاةَ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى قُزَحَ حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ دَفَعَ بِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ يُرِيهِ، وَيُعَلِّمُهُ كَيْفَ يَصْنَعُ، حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ، وَأَرَاهُ الْمَنْحَرَ، ثُمَّ نَحَرَ وَحَلَقَ، وَأَرَاهُ كَيْفَ يَطُوفُ، ثُمَّ عَادَ بِهِ إِلَى مِنًى لِيُرِيَهُ كَيْفَ رَمْيُ الْجِمَارِ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ جَبْرَائِيلَ هُوَ الَّذِي أَرَى إِبْرَاهِيمَ كَيْفَ يَحُجُّ، وَرَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ. وَلَمْ يَزَلِ الْبَيْتُ عَلَى مَا بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِلَى أَنْ هَدَمَتْهُ قُرَيْشٌ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنْ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ. تأخير مقام إبراهيم عن البيت في عهد عمر بن الخطاب ؓ وَقَدْ كَانَ هَذَا الْحَجَرُ مُلْصَقًا بِحَائِطِ الْكَعْبَةِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَدِيمِ الزَّمَانِ إِلَى أَيَّامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ فَأَخَّرَهُ عَنِ الْبَيْتِ قَلِيلًا لِئَلَّا يَشْغَلَ الْمُصَلُّونَ عِنْدَهُ الطَّائِفِينَ بِالْبَيْتِ، وَاتَّبَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ فِي هَذَا، فَإِنَّهُ قَدْ وَافَقَهُ رَبُّهُ فِي أَشْيَاءَ مِنْهَا؛ فِي قَوْلِهِ لِرَسُولِهِ ﷺ: لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَقَدْ كَانَتْ آثَارُ قَدَمَيِ الْخَلِيلِ بَاقِيَةً فِي الصَّخْرَةِ إِلَى أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ اللَّامِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ: وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءَ وَنَازِلِ     وَبِالْبَيْتِ حَقِّ الْبَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَبِاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ     وَبِالْحَجَرِ الْمُسْوَدِّ إِذْ يَمْسَحُونَهُ إِذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضُّحَى وَالْأَصَائِلِ     وَمَوْطِئُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ يَعْنِي أَنَّ رِجْلَهُ الْكَرِيمَةَ غَاصَتْ فِي الصَّخْرَةِ فَصَارَتْ عَلَى قَدْرِ قَدَمِهِ حَافِيَةً لَا مُنْتَعِلَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ. أَيْ فِي حَالِ قَوْلِهِمَا: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَهُمَا فِي غَايَةِ الْإِخْلَاصِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُمَا يَسْأَلَانِ مِنَ اللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا مَا هُمَا فِيهِ مِنَ الطَّاعَةِ الْعَظِيمَةِ وَالسَّعْيِ الْمَشْكُورِ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. دعوة إبراهيم عليه السلام لأهل مكة وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْخَلِيلَ بَنَى أَشْرَفَ الْمَسَاجِدِ فِي أَشْرَفِ الْبِقَاعِ فِي وَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا بِالْبَرَكَةِ، وَأَنْ يُرْزَقُوا مِنَ الثَّمَرَاتِ مَعَ قِلَّةِ الْمِيَاهِ، وَعَدَمِ الْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ حَرَمًا مُحَرَّمًا وَأَمْنًا مُحَتَّمًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ - وَلَهُ الْحَمْدُ - لَهُ مَسْأَلَتَهُ، وَلَبَّى دَعْوَتَهُ وَأَتَاهُ طِلْبَتَهُ، فَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [ الْعَنْكَبُوتِ: 67 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا [ الْقِصَصِ: 57 ]. وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ وَعَلَى لُغَتِهِمُ الْفَصِيحَةِ الْبَلِيغَةِ النَّصِيحَةِ لِتَتِمَّ عَلَيْهِمُ النِّعْمَتَانِ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالدِّينِيَّةُ، بِسَعَادَةِ الْأُولَى وَالْآخِرَةِ، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ فَبَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا، وَأَيَّ رَسُولٍ، خَتَمَ بِهِ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَأَكْمَلَ لَهُ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا قَبْلَهُ، وَعَمَّ بِدَعْوَتِهِ أَهْلَ الْأَرْضِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ فِي سَائِرِ الْأَقْطَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَانَ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ لِشَرَفِهِ فِي نَفْسِهِ، وَكَمَالِ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَشَرَفِ بُقْعَتِهِ، وَفَصَاحَةِ لُغَتِهِ، وَكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، وَلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَكِرِيمِ مَحْتِدِهِ، وَعَظِيمِ مَوْلِدِهِ، وَطِيبِ مَصْدَرِهِ وَمَوْرِدِهِ؛ وَلِهَذَا اسْتَحَقَّ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ كَانَ بَانِيَ كَعْبَةِ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَكُونُ مَنْصِبُهُ وَمَحَلُّهُ وَمَوْضِعُهُ فِي مَنَازِلِ السَّمَاوَاتِ، وَرَفِيعِ الدَّرَجَاتِ عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ الْمُبَارَكِ الْمَبْرُورِ الَّذِي يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، وقَالَ السُّدِّيُّ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ يَبْنِيَا الْبَيْتَ، ثُمَّ لَمْ يَدْرِيَا أَيْنَ مَكَانُهُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا يُقَالُ لَهُ الْخَجُوجُ لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْسٌ فِي صُورَةِ حَيَّةٍ، فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ عَنْ أَسَاسِ الْبَيْتِ الْأَوَّلِ، وَأَتْبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يَحْفِرَانِ حَتَّى وَضَعَا الْأَسَاسَ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [ الْحَجِّ: 26 ]. فَلَمَّا بَلَغَا الْقَوَاعِدَ بَنَيَا الرُّكْنَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِإِسْمَاعِيلَ: يَا بُنَيَّ اطْلُبْ لِي حَجَرًا حَسَنًا أَضَعُهُ هَاهُنَا قَالَ: يَا أَبَتِ إِنِّي كَسْلَانُ تَعِبٌ. قَالَ: عَلَيَّ ذَلِكَ. فَانْطَلَقَ وَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ  مِنَ الْهِنْدِ، وَكَانَ يَاقُوتَةً بَيْضَاءَ مِثْلَ الثَّغَامَةِ، وَكَانَ آدَمُ هَبَطَ بِهِ مِنَ الْجَنَّةِ فَاسْوَدَّ مِنْ خَطَايَا النَّاسِ، فَجَاءَهُ إِسْمَاعِيلُ بِحَجَرٍ فَوَجَدَهُ عِنْدَ الرُّكْنِ، فَقَالَ: يَا أَبَتِ مَنْ جَاءَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ: جَاءَ بِهِ مَنْ هُوَ أَنْشَطُ مِنْكَ. فَبَنَيَا، وَهُمَا يَدْعُوَانِ اللَّهَ: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ بَنَاهُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ، وَأَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ - وَكَانَ مَلِكَ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ - مَرَّ بِهِمَا وَهُمَا يَبْنِيَانِهِ، فَقَالَ: مَنْ أَمَرَكُمَا بِهَذَا ؟ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: اللَّهُ أَمَرَنَا بِهِ. فَقَالَ: وَمَا يُدْرِينِي بِمَا تَقُولُ ؟ فَشَهِدَتْ خَمْسَةُ أَكْبُشٍ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَآمَنَ وَصَدَّقَ. وَذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ أَنَّهُ طَافَ مَعَ الْخَلِيلِ بِالْبَيْتِ. وَقَدْ كَانَتْ عَلَى بِنَاءِ الْخَلِيلِ مُدَّةً طَوِيلَةً إعادة بناء قريش للكعبة ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ فَقَصُرَتْ بِهَا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ  مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ مِمَّا يَلِي الشَّامَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، بسنده عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ ؟ فَقَالَ: لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ - وَفِي رِوَايَةٍ: لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ. أَوْ قَالَ: بِكُفْرٍ - لَأَنْفَقْتُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَجَعَلْتُ بَابَهَا بِالْأَرْضِ، وَلَأَدْخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ. وَقَدْ بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَيَّامِهِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسْبَمَا أَخْبَرَتْهُ خَالَتُهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْهُ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةِ إِذْ ذَاكَ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا صَنَعَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، فَأَمَرَ بِرَدِّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فَنَقَضُوا الْحَائِطَ الشَّامِيَّ وَأَخْرَجُوا مِنْهَا الْحِجْرَ، ثُمَّ سَدُّوا الْحَائِطَ وَرَدَمُوا الْأَحْجَارَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ فَارْتَفَعَ بَابُهَا الشَّرْقِيُّ وَسَدُّوا الْغَرْبِيَّ بِالْكُلِّيَّةِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ إِلَى الْيَوْمِ، ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُمْ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لَمَّا أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَتَأَسَّفُوا أَنْ لَوْ كَانُوا تَرَكُوهُ وَمَا تَوَلَّى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ بْنِ الْمَنْصُورِ اسْتَشَارَ الْإِمَامَ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ فِي رَدِّهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّخِذَهَا الْمُلُوكُ لُعْبَةً، يَعْنِي كُلَّمَا جَاءَ مَلِكٌ بَنَاهَا عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يُرِيدُ فَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ.

  149. التاريخ 127لا حكم مسجّل

    أَوْلَادِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ  أَوَّلُ مَنْ وُلِدَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ مِنْ هَاجَرَ الْقِبْطِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ، ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إِسْحَاقُ مِنْ سَارَةَ بِنْتِ عَمِّ الْخَلِيلِ وَمَاتَتْ سَارَةُ قَبْلَهُ بِقَرْيَةِ حَبْرُونَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلَهَا مِنَ الْعُمُرِ مِائَةٌ وَسَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً فِيمَا ذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَحَزِنَ عَلَيْهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَثَاهَا رَحِمَهَا اللَّهُ، وَاشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حِيثَ يُقَالُ لَهُ: عَفْرُونُ بْنُ صَخْرٍ مَغَارَةً بِأَرْبَعِمِائَةِ مِثْقَالِ فِضَّةٍ، وَدَفَنَ فِيهَا سَارَةَ هُنَالِكَ. قَالُوا: ثُمَّ خَطَبَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى ابْنِهِ إِسْحَاقَ فَزَوَّجَهُ رِفْقَا بِنْتَ ثَبْوِيلَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَارَخَ وَبَعَثَ مَوْلَاهُ، فَحَمَلَهَا مِنْ بِلَادِهَا وَمَعَهَا مُرْضِعَتُهَا وَجَوَارِيهَا عَلَى الْإِبِلِ. قَالُوا: ثُمَّ تَزَوَّجَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَنْطُورَا فَوَلَدَتْ لَهُ؛ زَمَرَانَ، وَيَقِشَانَ، وَمَادَانَ، وَمَدْيَنَ، وَشَيَاقَ، وَشُوحَ، وَذَكَرُوا مَا وَلَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ أَوْلَادِ قَنْطُورَا. ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدَهَا حَجُونَ بِنْتَ أَمِينَ فَوَلَدَتْ لَهُ خَمْسَةً؛ كَيْسَانَ، وَسُورَجَ، وَأَمِيمَ، وَلُوطَانَ، وَنَافَسَ. هَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ " التَّعْرِيفُ وَالْإِعْلَامُ ". وَقِيلَ: عَاشَتْ هَاجَرُ بَعْدَ سَارَةَ مُدَّةً. وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَاجَرَ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ سَارَةَ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي مَسِيرِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  150. التاريخ 128لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ إِبْرَاهِيمَ، وَعَدَدِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ  رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ عَنْ أَخْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي صِفَةِ مَجِيءِ مَلَكِ الْمَوْتِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَارًا كَثِيرَةً اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا. وقِيلَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ قَبْضَ رُوحِ إِبْرَاهِيمَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي صُورَةِ شَيْخٍ هَرِمٍ، فَرَآهُ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فِي الْحَرِّ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِحِمَارٍ فَرَكِبَهُ حَتَّى أَتَاهُ، فَجَعَلَ الشَّيْخُ يَأْخُذُ اللُّقْمَةَ يُرِيدُ أَنْ يُدْخِلَهَا فَاهُ فَيُدْخِلَهَا فِي عَيْنِهِ وَأُذُنِهِ، ثُمَّ يُدْخِلَهَا فَاهُ، فَإِذَا دَخَلَتْ جَوْفَهُ خَرَجَتْ مِنْ دُبُرِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ لَا يَقْبِضَ رُوحَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُهُ الْمَوْتَ، فَقَالَ: يَا شَيْخُ مَالَكَ تَصْنَعُ هَذَا ؟ قَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ الْكِبَرُ. قَالَ: ابْنُ كَمْ أَنْتَ ؟ فَزَادَ عَلَى عُمْرِ إِبْرَاهِيمَ سَنَتَيْنِ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَصِيرَ هَكَذَا سَنَتَانِ، اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إِلَيْكَ ! فَقَامَ الشَّيْخُ وَقَبَضَ رُوحَهُ وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَتَيْ سَنَةٍ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ مَاتَ فَجْأَةً. وَكَذَا دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ خِلَافُ ذَلِكَ. قَالُوا: ثُمَّ مَرِضَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَاتَ عَنْ مِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعِينَ. وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِسَنَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ مَنْ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ كَيْفَ لَا يَرَى مَنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْقَرِيبِ ؟ وَلَكِنْ هَكَذَا رُوِيَ، ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ بَلَغَ عُمْرَ نُوحٍ وَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِمَّا رَأَى بِذَلِكَ الرَّجُلِ. وَدُفِنَ فِي الْمَغَارَةِ الْمَذْكُورَةِ عِنْدَ امْرَأَتِهِ سَارَةَ الَّتِي فِي مَزْرَعَةِ عَفْرُونَ الْحِيثِيِّ، وَتَوَلَّى دَفْنَهُ إِسْمَاعِيلُ وَإِسْحَاقُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَقَدْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ أَنَّهُ عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ بِالْقَدُومِ، وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا. ثُمَّ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: ذِكْرُ الْخَبَرِ الْمُدْحِضِ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ رَفَعَ هَذَا الْخَبَرِ وَهْمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ حِينَ بَلَغَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِقَدُومٍ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً. ثُمَّ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ: الْقَدُومُ اسْمُ الْقَرْيَةِ. قُلْتُ: الَّذِي فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ اخْتَتَنَ وَقَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَفِي رِوَايَةٍ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً. وَلَيْسَ فِيهِمَا تَعَرُّضٌ لِمَا عَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ تَسَرْوَلَ، وَأَوَّلَ مَنْ فَرَقَ، وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ، وَأَوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَأَوَّلَ مَنْ قَرَى الضَّيْفَ، وَأَوَّلَ مَنْ شَابَ. هَكَذَا رَوَاهُ مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِالْمَرْفُوعِ خِلَافًا لِابْنِ حِبَّانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ أَوَّلَ مَنْ أَضَافَ الضَّيْفَ  ، وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ  ، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ  ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ  ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا هَذَا ؟ فَقَالَ اللَّهُ: وَقَارٌ. فَقَالَ: يَا رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا. وَزَادَ غَيْرُهُمَا: وَأَوَّلَ مَنْ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ، وَأَوَّلَ مَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، فَقَبْرُهُ وَقَبْرُ وَلَدِهِ إِسْحَاقَ وَقَبْرُ وَلَدِ وَلَدِهِ يَعْقُوبَ فِي الْمَرْبَعَةِ الَّتِي بَنَاهَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَلَدِ حَبْرُونَ، وَهُوَ الْبَلَدُ الْمَعْرُوفُ بِالْخَلِيلِ الْيَوْمَ. وَهَذَا مُتَلَقًّى بِالتَّوَاتُرِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وَجِيلًا بَعْدَ جِيلٍ مِنْ زَمَنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا أَنَّ قَبْرَهُ بِالْمَرْبَعَةِ تَحْقِيقًا. فَأَمَّا تَعْيِينُهُ مِنْهَا فَلَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ عَنْ مَعْصُومٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَاعَى تِلْكَ الْمَحَلَّةُ، وَأَنْ تُحْتَرَمَ احْتِرَامَ مِثْلِهَا، وَأَنْ تُبَجَّلَ، وَأَنْ تُجَلَّ أَنْ يُدَاسَ فِي أَرْجَائِهَا خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَبْرُ الْخَلِيلِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ تَحْتَهَا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: وُجِدَ عِنْدَ قَبْرِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَى حَجَرٍ كِتَابَةٌ خَلِقَةٌ: أَلْهَى جَهُولًا أَمَلُهْ يَمُوتُ مَنْ جَا أَجَلُهْ     وَمَنْ دَنَا مِنْ حَتْفِهْ لَمْ تُغْنِ عَنْهُ حِيَلُهْ     وَكَيْفَ يَبْقَى آخِرُهْ مَنْ مَاتَ عَنْهُ أَوَّلُهْ     وَالْمَرْءُ لَا يَصْحَبُهْ فِي الْقَبْرِ إِلَّا عَمَلُهْ وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ: كَانَتْ أَمْثَالًا كُلُّهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ لِتَجْمَعَ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ. وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ، مِنْهَا: وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ، سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَاجَتِهِ مِنَ الْحَلَالِ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ ظَاعِنًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادِهِ، وَمَرَمَّةٍ لِمَعَاشِهِ، وَلَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ. [وَسَلَامٌ عَلَى مَنْ أَكْرَمَ الضَّيْفَ،  وَمَنْ أَهَانَهُ فَهُوَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَلِهَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَعَ الضَّيْفِ].

  151. التاريخ 151لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: نَبِيُّ اللَّهِ بْنُ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ وَأَكْبَرُ أَبْنَاءِ أَبِيهِ، أُمُّهُ هَاجَرُ الْقِبْطِيَّةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ. وَقَدْ تَزَوَّجَ عَلَيْهِ السَّلَامُ امْرَأَةً مِنَ الْعَمَالِيقِ وَقَدْ أَمَرَهُ أَبُوهُ بِمُفَارَقَتِهَا فِي قِصَّةٍ فَفَارَقَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَ السَّيِّدَةَ بِنْتَ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ، وَهُوَ أَبُو الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ وَكُلُّ الْعَرَبِ مِنْ نَسْلِهِ وَنَسْلِ وَلَدِهِ قَيْدَارَ أَوْ نَابِتٍ، وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ، وَبُعِثَ إِلَى الْعَمَالِيقِ وَجُرْهُمَ وَقَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَآمَنَتْ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَكَفَرَ الْأَكْثَرُونَ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ وَوَصَفَهُ بِالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَصِدْقِ الْوَعْدِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا لِأَهْلِهِ، وَمَاتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَكَّةَ وَدُفِنَ إِلَى جِوَارِ أُمِّهِ هَاجَرَ عَنْ عُمْرِ مِائَةٍ وَسَبْعَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  152. التاريخ 152لا حكم مسجّل

    كَانَ لِلْخَلِيلِ بَنُونَ، وَلَكِنَّ أَشْهَرَهُمُ الْأَخَوَانِ النَّبِيَّانِ الْعَظِيمَانِ الرَّسُولَانِ أَسَنُّهُمَا وَأَجَلُّهُمَا الَّذِي هُوَ الذَّبِيحُ عَلَى الصَّحِيحِ إِسْمَاعِيلُ بِكْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ مِنْ هَاجَرَ الْقِبْطِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَيْهَا السَّلَامُ مِنَ الْعَظِيمِ الْجَلِيلِ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الذَّبِيحَ هُوَ إِسْحَاقُ فَإِنَّمَا تَلَقَّاهُ مِنْ نَقَلَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَأَوَّلُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَخَالَفُوا بِأَيْدِيهِمْ فِي هَذَا مِنَ التَّنْزِيلِ فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ أُمِرَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ الْبِكْرِ، وَفِي رِوَايَةٍ الْوَحِيدِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَهُوَ إِسْمَاعِيلُ بِنَصِّ الدَّلِيلِ فَفِي نَصِّ كِتَابِهِمْ إِنَّ إِسْمَاعِيلَ وُلِدَ وَلِإِبْرَاهِيمَ مِنَ الْعُمُرِ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً، وَإِنَّمَا وُلِدَ إِسْحَاقُ بَعْدَ مُضِيِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ عُمُرِ الْخَلِيلِ، فَإِسْمَاعِيلُ هُوَ الْبِكْرُ لَا مَحَالَةَ، وَهُوَ الْوَحِيدُ صُورَةً وَمَعْنًى عَلَى كُلِّ حَالَةٍ أَمَّا فِي الصُّورَةِ فَلِأَنَّهُ كَانَ وَحْدَهُ وَلَدَهُ أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَمَّا أَنَّهُ وَحِيدٌ فِي الْمَعْنَى فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ وَمَعَهُ أُمُّهُ هَاجَرُ وَكَانَ صَغِيرًا رَضِيعًا فِيمَا قِيلَ فَوَضَعَهُمَا فِي وِهَادِ جِبَالِ فَارَانَ، وَهِيَ الْجِبَالُ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ، نِعْمَ الْمَقِيلُ، وَتَرَكَهُمَا هُنَالِكَ لَيْسَ مَعَهُمَا مِنَ الزَّادِ وَالْمَاءِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَذَلِكَ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ، فَحَاطَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِعِنَايَتِهِ وَكِفَايَتِهِ فَنِعْمَ الْحَسِيبُ وَالْكَافِي وَالْوَكِيلُ وَالْكَفِيلُ. . فَهَذَا هُوَ الْوَلَدُ الْوَحِيدُ فِي الصُّورَةِ، وَالْمَعْنَى، وَلَكِنْ أَيْنَ مَنْ يَتَفَطَّنُ لِهَذَا السِّرِّ ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَحُلُّ بِهَذَا الْمَحَلِّ ؟ وَالْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ، وَيُحِيطُ بِعِلْمِهِ إِلَّا كُلُّ نَبِيهٍ نَبِيلٍ.

  153. التاريخ 153لا حكم مسجّل

    تَزَوَّجَ لَمَّا شَبَّ مِنَ الْعَمَالِيقِ امْرَأَةً، وَأَنَّ أَبَاهُ أَمَرَهُ بِفِرَاقِهَا فَفَارَقَهَا. قَالَ الْأُمَوِيُّ: وَهِيَ عِمَارَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ أَكِيلَ الْعِمْلَاقِيِّ، ثُمَّ نَكَحَ غَيْرَهَا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ بِهَا فَاسْتَمَرَّ بِهَا، وَهِيَ السَّيِّدَةُ بِنْتُ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ. وَقِيلَ: هَذِهِ ثَالِثَةٌ فَوَلَدَتْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا، وَقَدْ سَمَّاهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُمْ؛ نَابِتٌ، وَقَيْدَرٌ، وَأَذْبَلُ، وَمِيشَى، وَمِسْمَعٌ، وَمَاشٌ، وَدُمَا، وَأُدَرُ، وَيَطُورُ، وَبَنْشٌ، وَطِيمَا، وَقَيْذُمَا. وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِمْ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّهُمُ الِاثْنَا عَشَرَ عَظِيمًا الْمُبَشَّرُ بِهِمُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ، وَكَذَبُوا فِي تَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ وَيُقَالُ قَيْذَارٌ، الَّذِي نَشَرَ اللَّهُ مِنْهُ الْعَرَبَ، وَيُقَالُ: بَلِ الْعَرَبُ مِنْ نَابِتٍ وَمِنْ قَيْدَرٍ. وَقِيلَ: سُمِّيَتِ الْعَرَبَ الْعَارِبَةَ؛ لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ نَشَأَ بِعَرَبَةَ وَهِيَ مِنْ تِهَامَةَ. وَقِيلَ: بَلْ لِأَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَطَقَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ،  وَهُوَ أَبُو الْيَمَنِ فَهُمُ الْعَرَبُ الْعَارِبَةُ. وَعَرَبُ الْحِجَازِ كُلُّهُمْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى وَلَدَيْهِ نَابِتٍ وَقَيْدَارٍ وَزَوَّجَ إسماعيل عليه السلام ابْنَتَهُ نَسَمَةَ مِنِ ابْنِ أَخِيهِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ فَوَلَدَتْ لَهُ الرُّومَ، وَيُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الْأَصْفَرِ لِصُفْرَةٍ كَانَتْ فِي الْعِيصِ، وَوَلَدَتْ لَهُ الْيُونَانَ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ، وَمِنْ وَلَدِ الْعِيصِ الْأَشْبَانُ وَقِيلَ: مِنْهُمَا أَيْضًا. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.

  154. التاريخ 154لا حكم مسجّل

    جَعَلَ الله فِي ذُرِّية إبراهيم النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ، فَكُلُّ نَبِيٍّ أُرْسِلَ بَعْدَهُ فَمِنْ وَلَدِهِ. وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ، وَبُعِثَ إِلَى الْعَمَالِيقِ وَجُرْهُمَ وَقَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَنَهَاهُمْ عَنْ عُبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَآمَنَتْ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَكَفَرَ الْأَكْثَرُونَ.

  155. التاريخ 155لا حكم مسجّل

    أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ بِالْحِلْمِ وَالصَّبْرِ وَصِدْقِ الْوَعْدِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِهَا لِأَهْلِهِ لِيَقِيَهُمُ الْعَذَابَ، مَعَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّ الْأَرْبَابِ قَالَ تَعَالَى: فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [ الصَّافَّاتِ: 101 - 102 ]. فَطَاوَعَ أَبَاهُ عَلَى مَا إِلَيْهِ دَعَاهُ وَوَعَدَهُ بِأَنْ سَيَصْبِرُ، فَوَفَّى بِذَلِكَ وَصَبَرَ. وَقَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [ مَرْيَمَ: 54 - 55 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ [ ص: 45 - 48 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 85 - 86 ]. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ [ النِّسَاءِ: 163 ]. الْآيَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ [ الْبَقَرَةِ: 136 ]. الْآيَةَ. وَنَظِيرَتُهَا مِنَ السُّورَةِ الْأُخْرَى. وَقَالَ تَعَالَى: أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ [ الْبَقَرَةِ: 140 ]. الْآيَةَ فَذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ صِفَةٍ جَمِيلَةٍ، وَجَعَلَهُ نَبِيَّهُ وَرَسُولَهُ، وَبَرَّأَهُ مِنْ كُلِّ مَا نَسَبَ إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يُؤْمِنَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ عِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ. وَذَكَرَ عُلَمَاءُ النَّسَبِ وَأَيَّامِ النَّاسِ: أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ رَكِبَ الْخَيْلَ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وُحُوشًا فَأَنَّسَهَا وَرَكِبَهَا، وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: اتَّخِذُوا الْخَيْلَ وَاغْتَبِقُوهَا فَإِنَّهَا مِيرَاثُ أَبِيكُمْ إِسْمَاعِيلَ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْعِرَابُ وَحْشًا فَدَعَا لَهَا بِدَعْوَتِهِ الَّتِي كَانَ أُعْطِيَ فَأَجَابَتْهُ، وَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ  الْفَصِيحَةِ الْبَلِيغَةِ، وَكَانَ قَدْ تَعَلَّمَهَا مِنَ الْعَرَبِ الْعَارِبَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا عِنْدَهُمْ بِمَكَّةَ مِنْ جُرْهُمٍ وَالْعَمَالِيقِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ مِنَ الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْعَرَبِ قَبْلَ الْخَلِيلِ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ آبَائِهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ فَتَقَ لِسَانُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ الْبَيِّنَةِ إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ يُونُسُ: صَدَقْتَ يَا أَبَا يَسَارٍ. هَكَذَا أَبُو جُرَيٍّ حَدَّثَنِي.

  156. التاريخ 156لا حكم مسجّل

    لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ إِسْحَاقَ وَدُفِنَ إِسْمَاعِيلُ نَبِيُّ اللَّهِ بِالْحِجْرِ مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ، وَكَانَ عُمُرُهُ يَوْمَ مَاتَ  مِائَةً وَسَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ: شَكَا إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّ مَكَّةَ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي سَأَفْتَحُ لَكَ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي تُدْفَنُ فِيهِ تَجْرِي عَلَيْكَ رَوْحُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَفِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ تُوُفِّيَ. قَالَ خَالِدٌ الْمَخْزُومِيُّ: فَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَا بَيْنَ الْمِيزَابِ إِلَى بَابِ الْحِجْرِ الْغَرْبِيِّ فِيهِ قَبْرُهُ. وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْجُمَحِيُّ: حَفَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجْرَ فَوَجَدَ فِيهِ سَفَطًا مِنْ حِجَارَةٍ أَخْضَرَ، فَسَأَلَ قُرَيْشًا عَنْهُ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِيهِ عِلْمًا، فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي فَسَأَلَهُ فَقَالَ: هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ وَجَدَ حِجَارَةً خَضْرَاءَ مُنْطَبِقًا بِهَا، فَقِيلَ لَهُ: هَذَا قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ. وَقِيلَ: بَلْ قَبْرُهُ مُقَابِلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: هَذَا الْمُحْدَوْدَبُ -يُشِيرُ إِلَى مَا يَلِي الرُّكْنَ الشَّامِيَّ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ- فَقُبُورُ عَذَارَى بَنَاتِ إِسْمَاعِيلَ. قَالَ: وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ سُوِّيَ مَعَ الْمَسْجِدِ وَلَا يَثْبُتُ أَنْ يَعُودَ مُحْدَوْدَبًا كَمَا كَانَ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ دَبَّرَ أَمْرَ الْحَرَمِ بَعْدَهُ ابْنُهُ نَابِتُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَقِيلَ: اسْمُهُ نَبْتٌ، وَأُمُّهُ الْجُرْهُمِيَّةُ، ثُمَّ مَاتَ نَبْتٌ وَلَمْ يَكُنْ وَلَدُ إِسْمَاعِيلَ، فَغَلَبَتْ جُرْهُمْ عَلَى وِلَايَةِ الْبَيْتِ. وعَنْ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ، قَالَ: تُوُفِّيَ إِسْمَاعِيلُ بَعْدَ إِسْحَاقَ فَدُفِنَ دَاخِلَ الْحِجْرِ مِمَّا يَلِي الْكَعْبَةَ مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ. وَوَلِيَ نَابِتُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبَيْتَ بَعْدَ أَبِيهِ مَعَ أَخْوَالِهِ جُرْهُمَ. قَالَ وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، أَنَّهُ قَالَ: مَا يُعْلَمُ مَوْضِعُ قَبْرِ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا ثَلَاثَةً: قَبْرُ إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّهُ تَحْتَ الْمِيزَابِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَيْتِ، وَقَبْرُ هُودٍ فَإِنَّهُ فِي خَصْفٍ تَحْتَ جِبَالِ الْيَمَنِ عَلَيْهِ شَجَرَةُ نِدَاءٍ، وَمَوْضِعُهُ أَشَدُّ الْأَرْضِ [حَرًّا]، وَقَبْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

  157. التاريخ 157لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: نَبِيُّ اللَّهِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ وُلِدَ وَلِأَبِيهِ مِائَةُ سَنَةٍ بَعْدَ أَخِيهِ إِسْمَاعِيلَ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ بُعِثَ نَبِيًّا فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَدْ تَزَوَّجَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنْجَبَ الْعِيصُو الَّتِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْعِيصَ، وَيَعْقُوبُ وَهُوَ إِسْرَائِيلُ الَّذِي إِلَيْهِ تُنْسَبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَيُقَالُ إِنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ خَرَجَ إِلَى خَالِهِ فِي حَرَّانَ لِأَمْرٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِي الْعِيصِ قَدْ غَضِبَ فِيهِ عَلَيْهِ وَتَوَعَّدَهُ فَخَرَجَ حَتَّى يَسْكُنَ غَضَبُ أَخِيهِ وَهُنَاكَ تَزَوَّجَ ابْنَتَيْ خَالِهِ وَكَانَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي شَرِيعَتِهِمْ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ. ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَخِيهِ وَأَهْدَى إِلَيْهِ وَتَمَسْكَنَ لَهُ، فَرَحَّبَ بِهِ أَخُوهُ الْعِيصُ وَذَهَبَا سَوِيًّا إِلَى أُورْشَلِيمَ وَاسْتَقَرَّ هُنَاكَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَضَرَبَ هُنَالِكَ فُسْطَاطَهُ وَابْتَنَى ثَمَّ مَذْبَحًا فَسَمَّاهُ إِيلَ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ لِيَسْتَعْلِنَ لَهُ فِيهِ وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الْيَوْمَ. وَقَدْ مَرِضَ إِسْحَاقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَاتَ بِالشَّامِ وَعُمْرُهُ مِائَةٌ وَثَمَانُونَ عَامًا، وَقِيلَ: مِائَةٌ وَسِتُّونَ عَامًا، وَدُفِنَ إِلَى جِوَارِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  158. التاريخ 158لا حكم مسجّل

    إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ  وُلِدَ وَلِأَبِيهِ مِائَةُ سَنَةٍ بَعْدَ أَخِيهِ إِسْمَاعِيلَ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُ أُمِّهِ سَارَّةَ حِينَ بُشِّرَتْ بِهِ تِسْعِينَ سَنَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [ الصَّافَّاتِ: 112، 113 ].

  159. التاريخ 159لا حكم مسجّل

    ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَقَدَّمْنَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ  يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.

  160. التاريخ 160لا حكم مسجّل

    زَعَمَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ أَنَّ إِسْحَاقَ أَوَّلُ مُرْسَلٍ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: وَلَمْ يَمُتْ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى بُعِثَ إِسْحَاقُ إِلَى أَرْضِ الشَّامِ، وَبُعِثَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ إِلَى كَنْعَانَ، وَبُعِثَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى جُرْهُمَ، وَبُعِثَ لُوطٌ إِلَى سَدُومَ. قَالَ: وَكَانَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ أَحْيَاءً عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ

  161. التاريخ 161لا حكم مسجّل

    إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَأَوْلَادِهِ  وَذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّ إِسْحَاقَ لَمَّا تَزَوَّجَ رِفْقَا بِنْتَ ثَبْوَائِيلَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ كَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا فَدَعَا اللَّهَ لَهَا فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامَيْنِ تَوْءَمَيْنِ أَوَّلُهُمَا سَمَّوْهُ عِيصُو، وَهُوَ الَّذِي تُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْعِيصَ. وَهُوَ وَالِدُ الرُّومِ، وَالثَّانِي خَرَجَ وَهُوَ آخِذٌ بِعَقِبِ أَخِيهِ فَسَمَّوْهُ يَعْقُوبَ، وَهُوَ إِسْرَائِيلُ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَالُوا: وَكَانَ إِسْحَاقُ يُحِبُّ الْعِيصَ أَكْثَرَ مِنْ يَعْقُوبَ لِأَنَّهُ بِكْرُهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُمَا رِفْقَا تُحِبُّ يَعْقُوبَ أَكْثَرَ لِأَنَّهُ الْأَصْغَرُ. قَالُوا: فَلَمَّا كَبِرَ إِسْحَاقُ، وَضَعُفَ بَصَرُهُ اشْتَهَى عَلَى ابْنِهِ الْعِيصِ طَعَامًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ فَيَصْطَادَ لَهُ صَيْدًا، وَيَطْبُخَهُ لَهُ لِيُبَارِكَ عَلَيْهِ وَيَدْعُوَ لَهُ، وَكَانَ الْعِيصُ صَاحِبَ صَيْدٍ فَذَهَبَ يَبْتَغِي ذَلِكَ فَأَمَرَتْ رِفْقَا ابْنَهَا يَعْقُوبَ أَنْ يَذْبَحَ جَدْيَيْنِ مِنْ خِيَارِ غَنَمِهِ، وَيَصْنَعَ مِنْهُمَا طَعَامًا، كَمَا اشْتَهَاهُ أَبُوهُ، وَيَأْتِيَ إِلَيْهِ بِهِ قَبْلَ أَخِيهِ لِيَدْعُوَ لَهُ وَقَامَتْ فَأَلْبَسَتْهُ ثِيَابَ أَخِيهِ، وَجَعَلَتْ عَلَى ذِرَاعَيْهِ وَعُنُقِهِ مِنْ جِلْدِ الْجَدْيَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعِيصَ كَانَ أَشْعَرَ الْجَسَدِ وَيَعْقُوبَ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَهُ بِهِ وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ قَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: وَلَدُكَ. فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَجَسَّهُ، وَجَعَلَ يَقُولُ: أَمَّا الصَّوْتُ فَصَوْتُ يَعْقُوبَ، وَأَمَّا الْجَسُّ وَالثِّيَابُ فَالْعِيصُ، فَلَمَّا أَكَلَ وَفَرَغَ دَعَا لَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ إِخْوَتِهِ قَدْرًا، وَكَلِمَتُهُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى الشُّعُوبِ بَعْدَهُ، وَأَنْ يَكْثُرَ رِزْقُهُ وَوَلَدُهُ. فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ جَاءَ أَخُوهُ الْعِيصُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَالِدُهُ يُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا يَا بُنَيَّ ؟ قَالَ: هَذَا الطَّعَامُ الَّذِي اشْتَهَيْتَهُ. فَقَالَ: أَمَا جِئْتَنِي بِهِ قَبْلَ السَّاعَةِ وَأَكَلْتُ مِنْهُ وَدَعَوْتُ لَكَ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. وَعَرَفَ أَنَّ أَخَاهُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ عَلَيْهِ وَجْدًا كَثِيرًا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ تَوَاعَدَهُ بِالْقَتْلِ إِذَا مَاتَ أَبُوهُمَا، وَسَأَلَ أَبَاهُ فَدَعَا لَهُ بِدَعْوَةٍ أُخْرَى، وَأَنْ يَجْعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ غَلِيظَ الْأَرْضِ، وَأَنْ يُكْثِرَ أَرْزَاقَهُمْ وَثِمَارَهُمْ، فَلَمَّا سَمِعَتْ أُمُّهُمَا مَا يَتَوَاعَدُ بِهِ الْعِيصُ أَخَاهُ يَعْقُوبَ أَمَرَتِ ابْنَهَا يَعْقُوبَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَخِيهَا لَابَانَ الَّذِي بِأَرْضِ حَرَّانَ، وَأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ إِلَى حِينِ يَسْكُنُ غَضَبُ أَخِيهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ بَنَاتِهِ، وَقَالَتْ لِزَوْجِهَا إِسْحَاقَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ وَيُوصِيَهُ وَيَدْعُوَ لَهُ فَفَعَلَ فَخَرَجَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ عِنْدِهِمْ آخِرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأَدْرَكَهُ الْمَسَاءُ فِي مَوْضِعٍ فَنَامَ فِيهِ أَخَذَ حَجَرًا فَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ وَنَامَ فَرَأَى فِي نَوْمِهِ ذَلِكَ مِعْرَاجًا مَنْصُوبًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَإِذَا الْمَلَائِكَةُ يَصْعَدُونَ فِيهِ وَيَنْزِلُونَ، وَالرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُخَاطِبُهُ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنِّي سَأُبَارِكُ عَلَيْكَ، وَأُكْثِرُ ذُرِّيَّتَكَ، وَأَجْعَلُ لَكَ هَذِهِ الْأَرْضَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ، فَلَمَّا هَبَّ مِنْ نَوْمِهِ فَرِحَ بِمَا رَأَى، وَنَذَرَ لِلَّهِ لَئِنْ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ سَالِمًا لَيَبْنِيَنَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْبَدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ جَمِيعَ مَا يَرْزُقُهُ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ لِلَّهِ عُشْرُهُ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى ذَلِكَ الْحَجَرِ فَجَعَلَ عَلَيْهِ دُهْنًا يَتَعَرَّفُهُ بِهِ. وَسَمَّى ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بَيْتَ إِيلَ أَيْ بَيْتَ اللَّهِ، وَهُوَ مَوْضِعُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الْيَوْمَ الَّذِي بَنَاهُ يَعْقُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي زواج يعقوب عليه السلام قَالُوا: فَلَمَّا قَدِمَ يَعْقُوبُ عَلَى خَالِهِ أَرْضَ حَرَّانَ إِذَا لَهُ ابْنَتَانِ اسْمُ الْكُبْرَى لَيَا، وَاسْمُ الصُّغْرَى رَاحِيلُ، فَخَطَبَ إِلَيْهِ رَاحِيلَ، وَكَانَتْ أَحْسَنَهُمَا، وَأَجْمَلَهُمَا فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يَرْعَى عَلَى غَنَمِهِ سَبْعَ سِنِينَ، فَلَمَّا مَضَتِ الْمُدَّةُ عَمِلَ خَالُهُ لَابَانُ طَعَامًا، وَجَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَزَفَّ إِلَيْهِ لَيْلًا ابْنَتَهُ الْكُبْرَى لَيَا، وَكَانَتْ ضَعِيفَةَ الْعَيْنَيْنِ قَبِيحَةَ الْمَنْظَرِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ يَعْقُوبُ إِذَا هِيَ لَيَا، فَقَالَ لِخَالِهِ: لِمَ غَدَرْتَ بِي، وَأَنْتَ إِنَّمَا خَطَبْتُ إِلَيْكَ رَاحِيلَ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ سُنَّتِنَا أَنْ نُزَوِّجَ الصُّغْرَى قَبْلَ الْكُبْرَى فَإِنْ أَحْبَبْتَ أُخْتَهَا فَاعْمَلْ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى وَأُزَوِّجُكَهَا. فَعَمِلَ سَبْعَ سِنِينَ، وَأَدْخَلَهَا عَلَيْهِ مَعَ أُخْتِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ. ثُمَّ نُسِخَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ، وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ كَافٍ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ  ؛ لِأَنَّ فِعْلَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ هَذَا وَإِبَاحَتِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْصُومٌ. وَوَهَبَ لَابَانُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنِ ابْنَتَيْهِ جَارِيَةً؛ فَوَهَبَ لِلَيَا جَارِيَةً اسْمُهَا زُلْفَا، وَوَهَبَ لِرَاحِيلَ جَارِيَةً اسْمُهَا بَلُهَا، وَجَبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ضَعْفَ لَيَا بِأَنْ وَهَبَ لَهَا أَوْلَادًا فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ وَلَدَتْ لِيَعْقُوبَ رُوبِيلُ، ثُمَّ شَمْعُونُ، ثُمَّ لَاوِي، ثُمَّ يَهُوذَا، فَغَارَتْ عِنْدَ ذَلِكَ رَاحِيلُ، وَكَانَتْ لَا تَحْبَلُ فَوَهَبَتْ لِيَعْقُوبَ جَارِيَتَهَا بَلْهَا فَوَطِئَهَا فَحَمَلَتْ وَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا سَمَّتْهُ دَانَ، وَحَمَلَتْ وَوَلَدَتْ غُلَامًا آخَرَ سَمَّتْهُ يَفْثَالِي، فَعَمَدَتْ عِنْدَ ذَلِكَ لَيَا فَوَهَبَتْ جَارِيَتَهَا زُلْفَا مِنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَوَلَدَتْ لَهُ جَادَ وَأَشِيرَ غُلَامَيْنِ ذَكَرَيْنِ، ثُمَّ حَمَلَتْ لَيَا أَيْضًا فَوَلَدَتْ غُلَامًا خَامِسًا مِنْهَا وَسَمَّتْهُ أَيْسَاخَرَ، ثُمَّ حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ غُلَامًا سَادِسًا سَمَّتْهُ زَابِلُونَ، ثُمَّ حَمَلَتْ وَوَلَدَتْ بِنْتًا سَمَّتْهَا دِينَا، فَصَارَ لَهَا سَبْعَةٌ مِنْ يَعْقُوبَ، ثُمَّ دَعَتِ اللَّهَ تَعَالَى رَاحِيلُ وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَهَبَ لَهَا غُلَامًا مِنْ يَعْقُوبَ، فَسَمِعَ اللَّهُ نِدَاءَهَا وَأَجَابَ دُعَاءَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ نَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا عَظِيمًا شَرِيفًا حَسَنًا جَمِيلًا سَمَّتْهُ يُوسُفَ كُلُّ هَذَا، وَهُمْ مُقِيمُونَ بِأَرْضِ حَرَّانَ، وَهُوَ يَرْعَى عَلَى خَالِهِ غَنَمَهُ بَعْدَ دُخُولِهِ عَلَى الْبِنْتَيْنِ سِتَّ سِنِينَ أُخْرَى فَصَارَ مُدَّةُ مُقَامِهِ عِشْرِينَ سَنَةً، فَطَلَبَ يَعْقُوبُ مِنْ خَالِهِ لَابَانَ أَنْ يُسَرِّحَهُ لِيَمُرَّ إِلَى أَهْلِهِ فَقَالَ لَهُ خَالُهُ: إِنِّي قَدْ بُورِكَ لِي بِسَبَبِكَ فَسَلْنِي مِنْ مَالِي مَا شِئْتَ. فَقَالَ: تُعْطِينِي كُلَّ حَمَلٍ يُولَدُ مِنْ غَنَمِكَ هَذِهِ السَّنَةَ أَبْقَعَ، وَكُلَّ حَمَلٍ مُلْمِعٍ أَبْيَضَ بِسَوَادٍ، وَكُلَّ أَمْلَحَ بِبَيَاضٍ، وَكُلَّ أَجْلَحَ أَبْيَضَ مِنَ الْمَعْزِ. فَقَالَ: نَعَمْ. فَعَمَدَ بَنُوهُ فَأَبْرَزُوا مِنْ غَنَمِ أَبِيهِمْ مَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنَ التُّيُوسِ لِئَلَّا يُوَلَدَ شَيْءٌ مِنَ الْحُمْلَانِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَسَارُوا بِهَا مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عَنْ غَنَمِ أَبِيهِمْ قَالُوا: فَعَمَدَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى قُضْبَانٍ رَطْبَةٍ بِيضٍ مِنْ لَوْزٍ وَدُلْبٍ، فَكَانَ يُقَشِّرُهَا بَلْقَاءَ وَبَيْضَاءَ، وَيَضَعُهَا فِي مَسَاقِي الْغَنَمِ مِنَ الْمِيَاهِ لِيَنْظُرَ الْغَنَمُ إِلَيْهَا فَتَفْزَعَ، وَتَتَحَرَّكَ أَوْلَادُهَا فِي بُطُونِهَا فَتَصِيرَ أَلْوَانُ حُمْلَانِهَا كَذَلِكَ. وَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ  ، وَيَنْتَظِمُ فِي سِلْكِ الْمُعْجِزَاتِ. فَصَارَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَغْنَامٌ كَثِيرَةٌ وَدَوَابُّ وَعَبِيدٌ، وَتَغَيَّرَ لَهُ وَجْهُ خَالِهِ وَبَنِيهِ، وَكَأَنَّهُمُ انْحَصَرُوا مِنْهُ. رجوع يعقوب عليه السلام إلى بلاد أبيه وقومه وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى يَعْقُوبَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بِلَادِ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ، وَوَعَدَهُ بِأَنْ يَكُونَ مَعَهُ فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ فَأَجَابُوهُ مُبَادِرِينَ إِلَى طَاعَتِهِ، فَتَحَمَّلَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، وَسَرَقَتْ رَاحِيلُ أَصْنَامَ أَبِيهَا، فَلَمَّا جَاوَزُوا وَتَحَيَّزُوا عَنْ بِلَادِهِمْ لِحَقَهُمْ لَابَانُ وَقَوْمُهُ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ لَابَانُ بِيَعْقُوبَ عَاتَبَهُ فِي خُرُوجِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَعِلْمِهِ، وَهَلَّا أَعْلَمَهُ فَيُخْرِجَهُمْ فِي فَرَحٍ وَمَزَامِرَ وَطُبُولٍ، وَحَتَّى يُوَدِّعَ بَنَاتِهِ وَأَوْلَادَهُنَّ، وَلِمَ أَخَذُوا أَصْنَامَهُ مَعَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ يَعْقُوبَ عِلْمٌ مِنْ أَصْنَامِهِ، فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ أَخَذُوا لَهُ أَصْنَامًا فَدَخَلَ بُيُوتَ بَنَاتِهِ وَإِمَائِهِنَّ يُفَتِّشُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، وَكَانَتْ رَاحِيلُ قَدْ جَعَلَتْهُنَّ فِي بَرْدَعَةِ الْجَمَلِ، وَهِيَ تَحْتَهَا فَلَمْ تَقُمْ، وَاعْتَذَرَتْ بِأَنَّهَا طَامِثٌ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِنَّ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَاثَقُوا عَلَى رَابِيَةٍ هُنَاكَ يُقَالُ لَهَا: جَلْعَادُ. عَلَى أَنَّهُ لَا يُهِينُ بَنَاتِهِ وَلَا يَتَزَوَّجُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا يُجَاوِزُ هَذِهِ الرَّابِيَةَ إِلَى بِلَادِ الْآخَرِ لَا لَابَانُ وَلَا يَعْقُوبُ، وَعَمِلَا طَعَامًا وَأَكَلَ الْقَوْمُ مَعَهُمْ، وَتَوَدَّعَ كُلٌّ مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ، وَتَفَارَقُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ يَعْقُوبُ مِنْ أَرْضِ سَاعِيرَ تَلَقَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ يُبَشِّرُونَهُ بِالْقُدُومِ، وَبَعَثَ يَعْقُوبُ الْبُرُدَ إِلَى أَخِيهِ الْعِيصُو يَتَرَقَّقُ لَهُ وَيَتَوَاضَعُ لَهُ، فَرَجَعَتِ الْبُرُدُ وَأَخْبَرَتْ يَعْقُوبَ بِأَنَّ الْعِيصَ قَدْ رَكِبَ إِلَيْكَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ، فَخَشِيَ يَعْقُوبُ مِنْ ذَلِكَ، وَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَصَلَّى لَهُ وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ وَتَمَسْكَنَ لَدَيْهِ، وَنَاشَدَهُ عَهْدَهُ وَوَعْدَهُ الَّذِي وَعَدَهُ بِهِ. وَسَأَلَهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ شَرَّ أَخِيهِ الْعِيصَ، وَأَعَدَّ لِأَخِيهِ هَدِيَّةً عَظِيمَةً وَهِيَ؛ مِائَتَا شَاةٍ، وَعِشْرُونَ تَيْسًا، وَمِائَتَا نَعْجَةٍ، وَعِشْرُونَ كَبْشًا، وَثَلَاثُونَ لِقْحَةً، وَأَرْبَعُونَ بَقَرَةً، وَعَشَرَةٌ مِنَ الثِّيرَانِ، وَعِشْرُونَ أَتَانًا، وَعَشَرَةٌ مِنَ الْحُمُرِ، وَأَمَرَ عَبِيدَهُ أَنْ يَسُوقُوا كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ وَحْدَهُ، وَلْيَكُنْ بَيْنَ كُلِّ قَطِيعٍ وَقَطِيعٍ مَسَافَةٌ فَإِذَا لَقِيَهُمُ الْعِيصُ فَقَالَ لِلْأَوَّلِ: لِمَنْ أَنْتَ ؟ وَلِمَنْ هَذِهِ مَعَكَ ؟ فَلْيَقُلْ: لِعَبْدِكَ يَعْقُوبَ، أَهْدَاهَا لِسَيِّدِي الْعِيصَ. وَلْيَقُلِ الَّذِي بَعْدَهُ كَذَلِكَ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، وَكَذَا الَّذِي بَعْدَهُ، وَيَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمْ: وَهُوَ جَاءَ بَعْدَنَا. وَتَأَخَّرَ يَعْقُوبُ بِزَوْجَتَيْهِ وَأَمَتَيْهِ وَبَنِيهِ الْأَحَدَ عَشَرَ بَعْدَ الْكُلِّ بِلَيْلَتَيْنِ، وَجَعَلَ يَسِيرُ فِيهِمَا لَيْلًا وَيَكْمُنُ نَهَارًا، فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْفَجْرِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ تَبَدَّى لَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي صُورَةِ رَجُلٍ فَظَنَّهُ يَعْقُوبُ رَجُلًا مِنَ النَّاسِ فَأَتَاهُ يَعْقُوبُ لِيُصَارِعَهُ وَيُغَالِبَهُ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ فِيمَا يُرَى إِلَّا أَنَّ الْمَلَكَ أَصَابَ وَرِكَهُ فَعَرَجَ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا أَضَاءَ الْفَجْرُ قَالَ لَهُ الْمَلَكُ: مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ: يَعْقُوبُ. قَالَ: لَا يَنْبَغِي أَنْ تُدْعَى بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَّا إِسْرَائِيلُ. فَقَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: وَمَنْ أَنْتَ ؟ وَمَا اسْمُكَ ؟ فَذَهَبَ عَنْهُ فَعَلِمَ أَنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، وَأَصْبَحَ يَعْقُوبُ وَهُوَ يَعْرُجُ مِنْ رِجْلِهِ فَلِذَلِكَ لَا يَأْكُلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِرْقَ النِّسَا، وَرَفَعَ يَعْقُوبُ عَيْنَيْهِ فَإِذَا أَخُوهُ عِيصُ قَدْ أَقْبَلَ فِي أَرْبَعِمِائَةِ رَاجِلٍ، فَتَقَدَّمَ أَمَامَ أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَخَاهُ الْعِيصَ سَجَدَ لَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَكَانَتْ هَذِهِ تَحِيَّتَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَكَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ، كَمَا سَجَدَتِ الْمَلَائِكَةُ لِآدَمَ تَحِيَّةً لَهُ، وَكَمَا سَجَدَ إِخْوَةُ يُوسُفَ وَأَبَوَاهُ لَهُ،، فَلَمَّا رَآهُ الْعِيصُ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ وَاحْتَضَنَهُ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى، وَرَفَعَ الْعِيصُ عَيْنَيْهِ، وَنَظَرَ إِلَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَهَبَ اللَّهُ لِعَبْدِكَ. فَدَنَتِ الْأَمَتَانِ وَبَنُوهُمَا فَسَجَدُوا لَهُ، وَدَنَتْ لِيَا وَبَنُوهَا فَسَجَدُوا لَهُ، وَدَنَتْ رَاحِيلُ وَابْنُهَا يُوسُفُ آخِرًا فَسَجَدَا لَهُ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْبَلَ هَدِيَّتَهُ وَأَلَحَّ عَلَيْهِ فَقَبِلَهَا، وَرَجَعَ الْعِيصُ فَتَقَدَّمَ أَمَامَهُ، وَلَحِقَهُ يَعْقُوبُ بِأَهْلِهِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْمَوَاشِي وَالْعَبِيدِ قَاصِدِينَ جِبَالَ سَاعِيرَ، فَلَمَّا مَرَّ بِسَاحُورَا ابْتَنَى لَهُ بَيْتًا وَلِدَوَابِّهِ ظِلَالًا، ثُمَّ مَرَّ عَلَى أُورْشَلِيمَ قَرْيَةِ سَحِيمٍ فَنَزَلَ قَبْلَ الْقَرْيَةِ وَاشْتَرَى مَزْرَعَةَ بَنِي حَمُورَ أَبِي سَحِيمٍ بِمِائَةِ نَعْجَةٍ، فَضَرَبَ هُنَالِكَ فُسْطَاطَهُ وَابْتَنَى ثَمَّ مَذْبَحًا فَسَمَّاهُ إِيلَ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ بِبِنَائِهِ لِيَسْتَعْلِنَ لَهُ فِيهِ وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ الْيَوْمَ الَّذِي جَدَّدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ مَكَانُ الصَّخْرَةِ الَّتِي أَعْلَمَهَا بِوَضْعِ الدُّهْنِ عَلَيْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا ذَكَرْنَا أَوَّلًا. قصة دينا بنت يعقوب وَذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ هُنَا قِصَّةَ دِينَا بِنْتِ يَعْقُوبَ مِنْ لَيَا، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا مَعَ سَحِيمِ بْنِ حَمُورٍ الَّذِي قَهَرَهَا عَلَى نَفْسِهَا وَأَدْخَلَهَا مَنْزِلَهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا مِنْ أَبِيهَا وَإِخْوَتِهَا، فَقَالَ إِخْوَتُهَا: لَا نَفْعَلُ إِلَّا أَنْ تَخْتَتِنُوا كُلُّكُمْ فَنُصَاهِرَكُمْ وَتُصَاهِرُونَا، فَإِنَّا لَا نُصَاهِرُ قَوْمًا غُلْفًا. فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَاخْتَتَنُوا كُلُّهُمْ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُمْ مِنْ أَلَمِ الْخِتَانِ، مَالَ عَلَيْهِمْ بَنُو يَعْقُوبَ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ وَقَتَلُوا سَحِيمًا وَأَبَاهُ حَمُورًا لِقَبِيحِ مَا صَنَعُوا إِلَيْهِمْ، مُضَافًا إِلَى كُفْرِهِمْ، وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنْ أَصْنَامِهِمْ فَلِهَذَا قَتَلَهُمْ بَنُو يَعْقُوبَ، وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ غَنِيمَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ حَمَلَتْ رَاحِيلُ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، وَهُوَ بِنْيَامِينُ إِلَّا أَنَّهَا جَهَدَتْ فِي طَلْقِهَا بِهِ جَهْدًا شَدِيدًا، وَمَاتَتْ عَقِيبَهُ فَدَفَنَهَا يَعْقُوبُ فِي أَفَرَاثٍ، وَهِيَ بَيْتُ لَحْمٍ، وَصَنَعَ يَعْقُوبُ عَلَى قَبْرِهَا حَجَرًا، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِقَبْرِ رَاحِيلَ إِلَى الْيَوْمِ. وَكَانَ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ الذُّكُورُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَمِنْ لَيَا؛ رُوبِيلُ، وَشَمْعَونُ، وَلَاوِي، وَيَهُوذَا، وَأَيْسَاخَرُ، وَزَابِلُونَ. وَمِنْ رَاحِيلَ؛ يُوسُفُ، وَبِنْيَامِينُ، وَمِنْ أَمَةِ رَاحِيلَ؛ دَانٌ، وَنَفْثَالِي. وَمِنْ أَمَةِ لَيَا؛ جَادٌ، وَأَشِيرُ. عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَجَاءَ يَعْقُوبُ إِلَى أَبِيهِ إِسْحَاقَ فَأَقَامَ عِنْدَهُ بِقَرْيَةِ حَبْرُونَ الَّتِي فِي أَرْضِ كَنْعَانَ حَيْثُ كَانَ يَسْكُنُ إِبْرَاهِيمُ.

  162. التاريخ 162لا حكم مسجّل

    مَرِضَ إِسْحَاقُ وَمَاتَ بِالشَّامِ عَنْ مِائَةٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَدَفَنَهُ ابْنَاهُ الْعِيصُ وَيَعْقُوبُ مَعَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: عَاشَ إِسْحَاقُ مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً، وَانْتَقَلَ الْمُلْكُ إِلَى وَلَدِ إِسْحَاقَ، فَمَلَكَ مِنْهُمْ مُلُوكٌ. وَكَانَ مِنْ زَمَنِ كِيُومِرْتَ إِلَى انْتِقَالِ الْمُلْكِ إِلَى وَلَدِ إِسْحَاقَ أَلْفُ سَنَةٍ وَتِسْعُمِائَةٍ وَاثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ سَنَةً.

  163. التاريخ 163لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ الْأَكْرَمِينَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقَدْ جَاءَتْ قِصَّتُهُ كَامِلَةً فِي سُورَةٍ بِاسْمِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفِيهَا مِنَ الْعِبَرِ الْكَثِيرُ وَقَدْ وُلِدَ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أُمِّهِ رَاحِيلَ فَدَفَعَهُ أَبُوهُ إِلَى أُخْتِهِ وَهِيَ عَمَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَحْتَضِنُهُ ثُمَّ طَلَبَهُ مِنْهَا لِفَرَاغِ قَلْبِهِ لِفِرَاقِهِ فَأَبَتْ عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ فِي شَرِيعَتِهِمْ أَنَّ مَنْ سَرَقَ يُسَلَّمُ لِلْمَسْرُوقِ يَفْعَلُ فِيهِ مَا يَشَاءُ فَقَدْ كَادَتْ يُوسُفَ وَاتَّهَمَتْهُ بِسَرِقَةِ مِنْطَقَةِ إِسْحَاقَ لِيُسَلَّمَ لَهَا وَيَظَلَّ مَعَهَا وَهِيَ السَّرِقَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا إِخْوَتُهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ. وَلَمَّا مَاتَتْ عَمَّتُهُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَلَمَّا وَجَدَ إِخْوَتُهُ شِدَّةَ حُبِّ أَبِيهِ لَهُ، أَرَادُوا قَتْلَهُ ثُمَّ عَدَلُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَلْقَوْهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ لِيَلْتَقِطَهُ بَعْضُ الْمُسَافِرِينَ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ اسْتِقَائِهِمْ مِنَ الْبِئْرِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ، وَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ كَذَبُوا عَلَيْهِ بِأَنَّ يُوسُفَ قَدْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ عَنْ غَفْلَةِ مِنْهُمْ، وَقَدْ حَزِنَ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُزْنًا شَدِيدًا ذَهَبَ مَعَهُ بَصَرُهُ فَعَمِيَ. وَلَمَّا أُخِذَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيعَ فِي مِصْرَ بِدَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ، وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا فَيَكْفِيَنَا بَعْضَ الْأَعْمَالِ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَلَمَّا شَبَّ يُوسُفُ أَتَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَكَانَ قَدْ رُزِقَ الْجِمَالَ وَالْعَقْلَ فَأُشْرِبَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ حُبَّهُ وَرَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ فَأَبَى عَلَيْهَا وَلَمَّا اشْتُهِرَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا فِي مُرَاوَدَتِهِ وَتَأَبِّيهِ عَلَيْهَا، وَتَحَدَّثَتْ بِذَلِكَ النِّسَاءُ وَرَأَيْنَ مِنْهُ مَا لَا صَبْرَ لَهُنَّ عَلَيْهِ وَأَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فَقَدْ رَأَوْا أَنْ يَحْبِسُوهُ، وَقَدْ كَانَ، وَدَخَلَ السِّجْنَ وَدَخَلَ مَعَهُ فَتَيَانِ، أَحَدُهُمَا صَاحِبُ طَعَامِ فِرْعَوْنَ مِصْرَ، وَالثَّانِي صَاحِبُ شَرَابِهِ، وَقَدْ قَصَّا عَلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كُلٌّ مِنْهُمَا رُؤْيَا وَقَدْ فَسَّرَهَا لَهُمَا أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ مُوجَبُ تَفْسِيرِ رُؤْيَتِهِ أَنَّهُ يَسْقِي الْفِرْعَوْنَ وَيَنْجُو مِنَ السِّجْنِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَسَيُصْلَبُ، وَقَدْ قَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ يَعْنِي سَيِّدَهُ عَسَى أَنْ يَخْرُجَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ حَتَّى كَانَ مَا كَانَ مِنْ رُؤْيَا فِرْعَوْنَ مِصْرَ الَّتِي أَفْزَعَتْهُ وَسَأَلَ عُلَمَاءَ مَمْلَكَتِهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى تَفْسِيرِهَا وَقَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَهُنَا تَذَكَّرَ الْفَتَى السَّاقِي الَّذِي نَجَا وَذَهَبَ إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَا الْمَلِكِ فَفَسَّرَهَا لَهُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنْ تَفْسِيرٍ وَهُنَا قَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ إِلَّا أَنَّ يُوسُفَ أَبَى أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى تُعْلَمَ بَرَاءَتُهُ أَمَامَ الْخَلْقِ فَطَلَبَ أَنْ يَسْأَلَ الْمَلِكُ أَوَّلًا عَنْ شَأْنِ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، فَلَمَّا سُئِلْنَّ قُلْنَ حَاشَا لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وَهُنَا ظَهَرَ الْحَقُّ وَبَانَ وَاعْتَرَفَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ بِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَقَدِ اسْتَعْصَمَ مِنْهَا. فَعِنْدَئِذٍ خَرَجَ يُوسُفُ مِنَ السَّجْنِ مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا مُمَكَّنًا، فَقَالَ لِلْمَلِكِ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، وَكَانَ مَا أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي الْحَلَالِ بَعْدَمَا رَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِ دُعَائِهِ شَابَّةً، وَتَمُرُّ السُّنُونَ وَيَأْتِي إِلَيْهِ إِخْوَتُهُ يَطْلُبُونَ الْمِيرَةَ وَقَدْ عَرَفَهُمْ وَهُمْ لَمْ يَتَعَرَّفُوا عَلَيْهِ ثُمَّ يَكِيدُ لَهُمْ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ مَعَهُ، وَضَمَّ أَخَاهُ بِالْحِيلَةِ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا مُفَصَّلًا فِي كِتَابِ اللَّهِ ثُمَّ مَا فَتِئَ أَنْ وَاجَهَهُ إِخْوَتُهُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وَهُمْ جَاهِلُونَ وَهُنَا تَنَبَّهُوا إِلَيْهِ وَتَعَرَّفُوا عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَ الشَّمْلُ وَظَهَرَ مَعْدِنُ النُّبُوَّةِ السَّمْحِ فَعَفَا وَلَمْ يُعَاتِبْ وَضَمَّ إِلَيْهِ إِخْوَتَهُ وَأَبِيهِ وَأُمَّهُ، وَرَدَّ اللَّهُ عَلَى أَبِيهِ بَصَرَهُ، وَخَرُّوا جَمِيعًا لَهُ سُجَّدًا وَقَدْ كَانَ هَذَا جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ وَصَارَ تَأْوِيلُ رُؤْيَاهُ صِدْقًا.

  164. التاريخ 164لا حكم مسجّل

    وَمِنَ الْحَوَادِثِ فِي زَمَانِ يَعْقُوبَ مَا جَرَى لِيُوسُفَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ   فَإِنَّ أُمَّهُ رَاحِيلَ لَمَّا وَلَدَتْهُ دَفَعَهُ يَعْقُوبُ إِلَى أُخْتِهِ تَحْضُنُهُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: أَوَّلُ مَا دَخَلَ عَلَى يُوسُفَ مِنَ الْبَلَاءِ فِيمَا بَلَغَنَا أَنَّ عَمَّتَهُ ابْنَةَ إِسْحَاقَ، وَكَانَتْ أَكْبَرَ وَلَدِ إِسْحَاقَ، وَكَانَتْ إِلَيْهَا مِنْطَقَةُ إِسْحَاقَ وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَهَا بِالْكِبَرِ، وَكَانَ مِنْ أَخْتَانِهَا مِمَّنْ وَلِيَهَا، كَانَ لَهُ سَلَمًا لَا يُنَازَعُ فِيهِ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ، فَلَمَّا حَضَنَتْ يُوسُفَ أَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا وكَانَ يُوسُفُ قَدْ قُسِمَ لَهُ وَلِأُمِّهِ شَطْرُ الْحُسْنِ، وَأَحَبَّهُ يَعْقُوبُ أَيْضًا حُبًّا شَدِيدًا، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: يَا أُخَيَّةُ، سَلِّمِي إِلَيَّ يُوسُفَ فَوَاللَّهِ مَا أَقْدِرُ أَنْ يَغِيبَ عَنِّي سَاعَةً. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِتَارِكَتِهِ سَاعَةً. فَأَصَرَّ يَعْقُوبُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْهَا، فَقَالَتْ: اتْرُكْهُ عِنْدِي أَيَّامًا لَعَلَّ ذَلِكَ يُسَلِّينِي فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا يَعْقُوبُ عَمَدَتْ إِلَى مِنْطَقَةِ إِسْحَاقَ، فَشَدَّتْهَا عَلَى يُوسُفَ مِنْ تَحْتِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: قَدْ فَقَدْتُ مِنْطَقَةَ إِسْحَاقَ فَانْظُرُوا مَنْ أَخَذَهَا، فَوُجِدَتْ مَعَ يُوسُفَ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ يُسَلَّمُ لِي أَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتُ، فَقَالَ يَعْقُوبُ: أَنْتِ وَذَاكَ، فَأَمْسَكَتْهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ يَعْقُوبُ حَتَّى مَاتَتْ، وَبِذَلِكَ عَيَّرَهُ إِخْوَتُهُ فِي قَوْلِهِمْ: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ [12: 77]. وَقِيلَ فِي سَرِقَتِهِ غَيْرُ هَذَا

  165. التاريخ 165لا حكم مسجّل

    قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا رَأَى إِخْوَةُ يُوسُفَ شِدَّةَ مَحَبَّةِ يَعْقُوبَ لَهُ، وَإِقْبَالَهُ عَلَيْهِ حَسَدُوهُ وَعَظُمَ عِنْدَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ يُوسُفَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ تَسْجُدُ لَهُ، فَقَصَّهَا عَلَى أَبِيهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ. ثُمَّ عَبَرَ لَهُ رُؤْيَاهُ. فَقَالَ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ. وَسَمِعَتِ امْرَأَةُ يَعْقُوبَ مَا قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ فَقَالَ لَهَا يَعْقُوبُ: اكْتُمِي مَا قَالَ يُوسُفُ وَلَا تُخْبِرِي أَوْلَادَكِ. قَالَتْ: نَعَمْ. فَلَمَّا أَقْبَلَ أَوْلَادُ يَعْقُوبَ مِنَ الرَّعْيِ أَخْبَرَتْهُمْ بِالرُّؤْيَا، فَازْدَادُوا حَسَدًا وَكَرَاهَةً لَهُ، وَقَالُوا: مَا عَنَى بِالشَّمْسِ غَيْرَ أَبِينَا، وَلَا بِالْقَمَرِ غَيْرَكِ، وَلَا بِالْكَوَاكِبِ غَيْرَنَا، إِنَّ ابْنَ رَاحِيلَ يُرِيدُ أَنْ يَتَمَلَّكَ عَلَيْنَا وَيَقُولَ أَنَا سَيِّدُكُمْ. وَتَآمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَقَالُوا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فِي خَطَإٍ بَيِّنٍ فِي إِيثَارِهِمَا عَلَيْنَا اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ أَيْ تَائِبِينَ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ يَهُودَا، وَكَانَ أَفْضَلَهُمْ وَأَعْقَلَهُمْ: لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فَإِنَّ الْقَتْلَ عَظِيمٌ، ( وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ )، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَهُ، فَأَجْمَعُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى يَعْقُوبَ وَيُكَلِّمُوهُ فِي إِرْسَالِ يُوسُفَ مَعَهُمْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ وَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا أَرَادُوا مِنْهُ حَاجَةً، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ: مَا حَاجَتُكُمْ ؟ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ نَحْفَظُهُ حَتَّى نَرُدَّهُ أَرْسِلْهُ مَعَنَا إِلَى الصَّحْرَاءِ غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ لَا تَشْعُرُونَ، وَإِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ يُوسُفَ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَكَأَنَّ عَشَرَةً مِنَ الذِّئَابِ قَدْ شَدُّوا عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ، وَإِذَا ذِئْبٌ مِنْهَا يَحْمِي عَنْهُ، وَكَأَنَّ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ فَذَهَبَ فِيهَا فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَلِذَلِكَ خَافَ عَلَيْهِ الذِّئْبَ. فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ. فَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ يُوسُفُ: يَا أَبَتِ أَرْسِلْنِي مَعَهُمْ، قَالَ: أَوَ تُحِبُّ ذَلِكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَذِنَ لَهُ، فَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَخَرَجَ مَعَهُمْ وَهُمْ يُكْرِمُونَهُ، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ إِلَى الْبَرِّيَّةِ أَظْهَرُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَجَعَلَ هَذَا يَضْرِبُهُ فَيَسْتَغِيثُ بِالْآخَرِ فَيَضْرِبُهُ، فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا أَبَتَاهُ، يَا يَعْقُوبُ لَوْ تَعْلَمُ مَا يُصْنَعُ بِابْنِكِ، فَأَلْقَوْهُ فِي الْجُبِّ، فَجَعَلُوا يُدَلُّونَهُ فَيَتَعَلَّقُ بِشَفِيرِ الْبِئْرِ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ وَنَزَعُوا قَمِيصَهُ، فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهُ رُدُّوا عَلَيَّ قَمِيصِي أَتَوَارَى بِهِ فِي الْجُبِّ، فَقَالُوا: ادْعُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْكَوَاكِبَ [تُؤْنِسْكَ]. فَأَلْقَوْهُ فِي الْمَاءِ، فَآوَى إِلَى الصَّخْرَةِ فِي الْجُبِّ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَرْضَخُوهُ بِصَخْرَةٍ، فَمَنَعَهُمْ يَهُوذَا، وَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُمُونِي مَوْثِقًا أَنْ لَا تَقْتُلُوهُ، وَكَانَ يَهُوذَا يَأْتِيهِ بِالطَّعَامِ ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِالْوَحْيِ، وَقِيلَ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُ يُوسُفُ. وَالْجُبُّ بِأَرْضِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعْرُوفٌ. ثُمَّ عَادُوا إِلَى أَبِيهِمْ عِشَاءً يَبْكُونَ فَقَالُوا: يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ. فَقَالَ لَهُمْ أَبُوهُمْ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَرُونِي قَمِيصَهُ. فَأَرَوْهُ. فَقَالَ: تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ ذِئْبًا أَحْلَمَ مِنْ هَذَا ! أَكَلَ ابْنِي وَلَمْ يَشُقَّ قَمِيصَهُ ! ثُمَّ صَاحَ وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ سَاعَةً، فَلَمَّا أَفَاقَ بَكَى بُكَاءً طَوِيلًا فَأَخَذَ الْقَمِيصَ يُقَبِّلُهُ وَيَشُمُّهُ.

  166. التاريخ 166لا حكم مسجّل

    وَأَقَامَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا فَحَلَّ كِتَافَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ إِلَى الْمَاءِ، فَأَدْلَى دَلْوَهُ إِلَى الْبِئْرِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ يُوسُفُ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الْجُبِّ، فَقَالَ: يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ [12: 19]. فَقَالَ إِخْوَتُهُ: هَذَا غُلَامٌ آبِقٌ مِنَّا. وَاشْتَرَوْهُ مِنْهُمْ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ بَاعُوهُ بِمِصْرَ، فَاشْتَرَاهُ قِطْفِيرُ، وَكَانَ عَلَى خَزَائِنِ مِصْرَ، وَفِرْعَوْنُ مِصْرَ يَوْمَئِذٍ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَوْلَادِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ هَذَا الْمَلِكَ لَمْ يَمُتْ حَتَّى آمَنَ بِيُوسُفَ، ثُمَّ مَاتَ وَيُوسُفُ حَيٌّ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ قَابُوسُ بْنُ مُصْعَبٍ، فَدَعَاهُ يُوسُفُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَى.

  167. التاريخ 167لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا اشْتَرَى يُوسُفَ وَأَتَى بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ لِامْرَأَتِهِ، وَاسْمُهَا رَاعِيلُ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا [ فَيَكْفِيَنَا ] إِذَا [ هُوَ بَلَغَ وَ ] فَهِمَ الْأُمُورَ بَعْضَ مَا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَكَانَ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ حَسْنَاءَ نَاعِمَةً فِي مُلْكٍ وَدُنْيَا. فَلَمَّا خَلَا مِنْ عُمُرِ يُوسُفَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً آتَاهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْحِكْمَةَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَرَاوَدَتْهُ رَاعِيلُ عَنْ نَفْسِهِ وَأَغْلَقَتِ الْأَبْوَابَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا وَدَعَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا وَقَالَتْ: هَيْتَ لَكَ [12: 23]، أَيْ: تَهَيَّأْتُ لَكَ، قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ [12: 23]. فَأَمَّا قَوْلُهُ: وَهَمَّ بِهَا [12: 24]، فَإِنَّهُ حَدِيثُ الطَّبْعِ وَتَمَنِّيهِ نَيْلَ الشَّهْوَةِ لَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا صَامَ اشْتَهَى شُرْبَ الْمَاءِ، غَيْرَ أَنَّ الصَّوْمَ مَانِعٌ، فَرَأَى الْبُرْهَانَ وَهُوَ عِلْمُهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الزِّنَا، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يُرْوَى فِي التَّوَارِيخِ وَالتَّفَاسِيرِ مِنْ أَنَّهُ رَأَى يَعْقُوبَ عَاضًّا عَلَى يَدِهِ فَإِنَّ مَرْتَبَةَ يُوسُفَ كَانَتْ أَعْلَى مِنْ هَذَا. وَالشَّاهِدُ الَّذِي [شَهِدَ] كَانَ طِفْلًا صَغِيرًا تَكَلَّمَ هَكَذَا قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ وَجَعَلَتْ تَذْكُرُ مَحَاسِنَهُ وَتُشَوِّقُهُ إِلَى نَفْسِهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا يُوسُفُ مَا أَحْسَنَ شَعْرَكَ ! قَالَ: هُوَ أَوَّلُ مَا يَنْتَثِرُ مِنْ جَسَدِي. قَالَتْ: يَا يُوسُفُ مَا أَحْسَنَ عَيْنَيْكَ ! قَالَ: هُمَا أَوَّلُ مَا يَسِيلُ مِنْ جَسَدِي. قَالَتْ: مَا أَحْسَنَ وَجْهَكَ ! قَالَ: هُوَ لِلتُّرَابِ. فَقَامَ حِينَ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ هَارِبًا يُرِيدُ الْبَابَ، فَأَدْرَكَتْهُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَابِ فَجَذَبَتْ قَمِيصَهُ مِنْ قِبَلِ ظَهْرِهِ فَقَدَّتْهُ، وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ - وَابْنَ عَمِّهَا مَعَهُ، فَقَالَتْ لَهُ - مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ. قَالَ يُوسُفُ: بَلْ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي فَهَرَبْتُ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْنِي فَقَدَّتْ قَمِيصِي. قَالَ لَهَا ابْنُ عَمِّهَا: تِبْيَانُ هَذَا فِي الْقَمِيصِ فَإِنْ كَانَ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ، وَإِنْ كَانَ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ، فَأُتِيَ بِالْقَمِيصِ فَوَجَدَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ. وَقِيلَ: كَانَ الشَّاهِدُ صَبِيًّا فِي الْمَهْدِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ فِي الْمَهْدِ وَهُمْ صِغَارٌ  ، ابْنُ مَاشِطَةِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وَقَالَ زَوْجُهَا لِيُوسُفَ: أَعْرِضْ عَنْ هَذَا أَيْ ذِكْرِ مَا كَانَ مِنْهَا فَلَا تَذْكُرْهُ لِأَحَدٍ، ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتِهِ. اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ

  168. التاريخ 168لا حكم مسجّل

    وَتَحَدَّثَتِ النِّسَاءُ بِأَمْرِ يُوسُفَ وَامْرَأَةِ الْعَزِيزِ، وَجَعَلَ النِّسْوَةُ يَقُلْنَ: امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ [12: 30]، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ أَعَدَّتْ لَهُنَّ طَعَامًا وَمَا يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الْوَسَائِدِ، وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا [12: 31] لِقَطْعِ الْأُتْرُجِّ، وَقَدْ أَجْلَسَتْ يُوسُفَ فِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ الَّذِي هُنَّ فِيهِ وَقَالَتْ لَهُ: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ - فَخَرَجَ - فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ - وَأَعْظَمْنَهُ - وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ بِالسَّكَاكِينِ وَلَا يَشْعُرْنَ، وَقُلْنَ: مَعَاذَ اللَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ فَلَمَّا حَلَّ بِهِنَّ مَا حَلَّ مِنْ قَطْعِهِنَّ أَيْدِيَهُنَّ وَذَهَابِ عُقُولِهِنَّ، وَعَرَفْنَ خَطَأَهُنَّ فِيمَا قُلْنَ أَقَرَّتْ عَلَى نَفْسِهَا، وَقَالَتْ: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ. فَاخْتَارَ يُوسُفُ السَّجْنَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَقَالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ. فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ثُمَّ بَدَا لِلْعَزِيزِ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَى الْآيَاتِ مِنَ الْقَمِيصِ، وَخَمْشِ الْوَجْهِ، وَشَهَادَةِ الطِّفْلِ، وَتَقْطِيعِ النِّسْوَةِ أَيْدِيَهُنَّ فِي تَرْكِ يُوسُفَ مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إِنَّهَا شَكَتْ إِلَى زَوْجِهَا، وَقَالَتْ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاسِ يُخْبِرُهُمْ أَنَّنِي رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَسَجَنَهُ سَبْعَ سِنِينَ.

  169. التاريخ 169لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا حُبِسَ يُوسُفُ أُدْخِلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ مِنْ أَصْحَابِ فِرْعَوْنِ مِصْرَ، أَحَدُهُمَا صَاحِبُ طَعَامِهِ، وَالْآخَرُ صَاحِبُ شَرَابِهِ، لِأَنَّهُمَا نُقِلَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا يُرِيدَا أَنْ يَسُمَّا الْمَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ يُوسُفُ السِّجْنَ قَالَ: إِنِّي أَعْبُرُ الْأَحْلَامَ. فَقَالَ أَحَدُ الْفَتَيَيْنِ لِلْآخَرِ: هَلُمَّ فَلْنُجَرِّبْهُ. قَالَ الْخَبَّازُ: إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا. فَقَالَ لَهُمَا يُوسُفُ: لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا. كَرِهَ أَنْ يَعْبُرَ لَهُمَا مَا سَأَلَاهُ عَنْهُ، وَأَخَذَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ: أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ. خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وَكَانَ اسْمُ الْخَبَّازِ مَخْلَتَ، وَاسْمُ الْآخَرِ نَبْوَ، فَلَمْ يَدَعَاهُ حَتَّى أَخْبَرَهُمَا بِتَأْوِيلِ مَا سَأَلَاهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَمَّا أَحَدُكُمَا، وَهُوَ الَّذِي رَأَى أَنَّهُ يَعْصِرُ الْخَمْرَ، فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا، يَعْنِي سَيِّدَهُ الْمَلِكَ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ فَلَمَّا عَبَرَ لَهُمَا قَالَا: مَا رَأَيْنَا شَيْئًا ! قَالَ: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ. ثُمَّ قَالَ لِنَبْوَ، وَهُوَ الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ الْمَلِكِ، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي مَحْبُوسٌ ظُلْمًا. فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ غَفْلَةٌ عَرَضَتْ لِيُوسُفَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا يُوسُفُ، اتَّخَذْتَ مِنْ دُونِي وَكِيلًا ! لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ سَبْعَ سِنِينَ.

  170. التاريخ 170لا حكم مسجّل

    ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ، وَهُوَ الرَّيَّانُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْهَرَوَانِ بْنِ أَرَاشَةَ بْنِ فَارَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلَاقِ بْنِ لَاوُذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، رَأَى رُؤْيَا هَائِلَةً، رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ، وَرَأَى سَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ، فَجَمَعَ السَّحَرَةَ وَالْكَهَنَةَ وَالْحَازَةَ وَالْعَافَةَ فَقَصَّهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ [12: 44] فَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنَ الْفَتَيَيْنِ، وَهُوَ السَّاقِي وَادَّكَرَ [12: 45] أَيْ: ذَكَرَ حَاجَةَ يُوسُفَ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ [12: 45] فَأَرْسَلُوهُ، فَأَتَى يُوسُفَ فَقَصَّ عَلَيْهِ الرُّؤْيَا، فَقَالَ: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ، فَإِنَّ الْبَقَرَ السِّمَانَ: السِّنُونَ الْمَخَاصِيبُ، وَالْبَقَرَاتُ الْعِجَافُ: السِّنُونَ الْمُحُولُ، وَكَذَلِكَ السُّنْبُلَاتُ الْخُضْرُ وَالْيَابِسَاتُ، فَعَادَ نَبْوُ إِلَى الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ، فَعَلِمَ أَنَّ قَوْلَ يُوسُفَ حَقٌّ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِهِ. فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُولُ وَدَعَاهُ إِلَى الْمَلِكِ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فَلَمَّا رَجَعَ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ يُوسُفَ سَأَلَ الْمَلِكُ أُولَئِكَ النِّسْوَةَ فَقُلْنَ: حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ وَلَكِنَّ امْرَأَةَ الْعَزِيزِ خَبَّرَتْنَا أَنَّهَا رَاوَدَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ يُوسُفُ: إِنَّمَا رَدَدْتُ الرُّسُلَ لِيَعْلَمَ سَيِّدِي أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فِي زَوْجَتِهِ. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ: وَلَا حِينَ هَمَمْتَ بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُفُ: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ.

  171. التاريخ 171لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا تَبَيَّنَ لِلْمَلِكِ عُذْرُ يُوسُفَ وَرَأَى أَمَانَتَهُ، قَالَ: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي [12: 54] فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ خَرَجَ مَعَهُ وَدَعَا لِأَهْلِ السِّجْنِ وَكَتَبَ عَلَى بَابِهِ: هَذَا قَبْرُ الْأَحْيَاءِ وَبَيْتُ الْأَحْزَانِ وَتَجْرِبَةُ الْأَصْدِقَاءِ وَشَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ. ثُمَّ اغْتَسَلَ وَلَبِسَ ثِيَابَهُ وَقَصَدَ الْمَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ وَ كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ. فَقَالَ يُوسُفُ: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ. فَاسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَلَوْ لَمْ يَقُلِ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لَاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَلَّمَ خَزَائِنَهُ كُلَّهَا بَعْدَ سَنَةٍ وَجَعَلَ الْقَضَاءَ إِلَيْهِ وَحُكْمَهُ نَافِذًا، فَوَلَّاهُ عَمَلَ قِطْفِيرَ، وَعَزَلَ قِطْفِيرُ، فَهَلَكَ قِطْفِيرُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَزَوَّجَ الْمَلِكُ يُوسُفَ امْرَأَةَ قِطْفِيرَ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَالَ: أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِمَّا كُنْتِ تُرِيدِينَ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا الصَّادِقُ لَا تَلُمْنِي فَإِنِّي كُنْتُ امْرَأَةً حَسْنَاءَ فِي مُلْكٍ وَدُنْيَا، وَكَانَ صَاحِبِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ، وَكُنْتَ فِيمَا أَعْطَاكَ رَبُّكَ مِنَ الْحُسْنِ فَغَلَبَتْنِي نَفْسِي، فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ وَجَدَهَا عَذْرَاءَ فَأَصَابَهَا، فَوَلَدَتْ لَهُ أَفْرَايِيمَ وَمِيشَا، فَوُلِدَ لِأَفْرَايِيمَ نُونُ، وَوُلِدَ لِنُونَ يُوشَعُ فَتَى مُوسَى، وَوُلِدَ لَمِيشَا مُوسَى، وَهُوَ نَبِيٌّ قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. وَقَدْ رُوِيَ فِي حَقِّهَا غَيْرُ هَذَا عَلَى مَا سَيَأْتِي. فَلَمَّا وُلِّيَ يُوسُفُ أَمَرَ النَّاسَ بِالزَّرْعِ فَزَرَعُوا، فَأَمَرَ بِتَرْكِ الزَّرْعِ فِي سُنْبُلِهِ، وَدَخَلَتِ السُّنُونَ الْمُجْدِبَةُ، وَقُحِطَ النَّاسُ وَأَجْدَبَتْ بِلَادُ فِلَسْطِينَ، وَبَاعَ يُوسُفُ الطَّعَامَ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَالْحُلِيِّ وَالْجَلَلِ، ثُمَّ بَاعَهُمْ فِي السَّنَةِ الْأُخْرَى بِالْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ، ثُمَّ بَاعَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ، ثُمَّ بِالْمَوَاشِي وَالْبَقَرِ وَالطَّيْرِ، ثُمَّ بِالْقُرَى وَالضِّيَاعِ وَالْمَنَازِلِ، ثُمَّ بَاعَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ بِمِصْرَ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ وَلَا صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ إِلَّا صَارَ فِي مُلْكِ يُوسُفَ. عن عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: جَاءَ سَيْلٌ [بِمِصْرَ] فَحَسَرَ عَنْ بَيْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِي أَصْلِ جَبَلٍ عَلَيْهِ مِصْرَاعَانِ، وَفِيهِ امْرَأَةٌ عَلَيْهَا سَبْعَةُ عُقُودٍ وَسَبْعَةُ أَسْوِرَةٍ، وَإِلَى جَانِبِهَا صَخْرَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: أَنَا شَادَّةُ بِنْتُ فُلَانٍ الْمَلِكِ، أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ عَلَى عَهْدِ يُوسُفَ، فَبَذَلْتُ صَاعًا مِنْ دِرْهَمٍ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَذَلْتُ صَاعًا مِنْ دَنَانِيرَ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَذَلْتُ صَاعًا مِنْ لُؤْلُؤٍ بِصَاعٍ مِنْ طَعَامٍ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَعَمَدْتُ إِلَى اللُّؤْلُؤِ فَسَحَقْتُهُ ثُمَّ شَرِبْتُهُ فَزَادَنِي جُوعًا، فَمُتُّ جُوعًا، فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلَبَتِ الدُّنْيَا بَعْدُ فَأَمَاتَهَا اللَّهُ مَوْتِي؛ فَإِنِّي إِنَّمَا مُتُّ جُوعًا.

  172. التاريخ 172لا حكم مسجّل

    وَدَخَلَتِ السِّنُونَ الْمُجْدِبَةُ وَقَحَطَ النَّاسُ، وَأَصَابَهُمُ الْجُوعُ قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَبَلَغَ الْجَدْبُ أَرْضَ كَنْعَانَ وَهَلَكَتْ مَاشِيَةُ يَعْقُوبَ وَدَوَابُّهُ، وَجَاعَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ، فَقَالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا فَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ عَزِيزِ مِصْرَ طَعَامًا. وَكَانَ يُوسُفُ قَدْ أَقْعَدَ صَاحِبَ جَوَازِهِ عَلَى الطَّرِيقِ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يَدْخُلُ مِصْرَ إِلَّا سَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ وَقِصَّتِهِ، فَلَمَّا قَدِمَ وَلَدُ يَعْقُوبَ سَأَلَهُمْ مِنْ أَيْنَ هُمْ؟ فَقَالُوا: نَحْنُ كَنْعَانِيُّونَ مِنْ بَنِي يَعْقُوبَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَتَبَ إِلَى يُوسُفَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اشْتِرَاءَ طَعَامٍ، فَوَرَدَ الْكِتَابُ عَلَى يُوسُفَ فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: عَزَّ عَلَيَّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِمَا قَاسَيْتَ مِنْ فُقَرَاءِ الشَّامِ وَجُوعِهَا، وَأَنَا مَلِكُ مِصْرَ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [12: 58] فَجَعَتْهُ الْعَبْرَةُ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: مِنْ وَادِي كَنْعَانَ، قَالَ: وَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: بَنُو يَعْقُوبَ النَّبِيِّ ابْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، فَقَالَ: حَيَّاكُمُ اللَّهُ يَا وَلَدَ يَعْقُوبَ، أَلْكُمُ حَاجَةٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، أَصَابَتْنَا خَصَاصَةٌ، فَوَجَّهَنَا يَعْقُوبُ إِلَيْكَ نَمْتَارُ مِنْكَ طَعَامًا، فَأَمَرَ بِصِرَارِهِمْ فَأُخِذَتْ، ثُمَّ دَعَا فَتَاهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ صُرَّةٍ فِي حِمْلٍ مِنَ الْأَحْمَالِ الَّتِي يَكِيلُ فِيهَا الطَّعَامَ لَهُمْ، وَكَانَ هُوَ يَتَوَلَّى الْكَيْلَ بِنَفْسِهِ وَيَخِيطُ الْحِمْلَ بِنَفْسِهِ، فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّحِيلَ، قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتُمْ سِيرَتِي وَحُسْنَ ضَيْفِي؟ قَالُوا: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَالَ: إِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً، قَالُوا: وَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: تُخْبِرُونِي كَمْ وَلَدُ يَعْقُوبَ؟ قَالُوا: اثْنَا عَشَرَ، قَالَ: فَمَا أَرَى إِلَّا عَشَرَةً، قَالُوا: أَمَّا أَحَدُهُمَا وَكَانَ يُقَالُ لَهُ يُوسُفُ، وَكَانَ أَجْمَلَنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ، قَالَ: فَالْآخَرُ، قَالُوا: مُوَكَّلٌ بِخِدْمَةِ يَعْقُوبَ يَتَسَلَّى بِهِ، قَالَ: فَآتُونِي بِأَخِيكُمْ هَذَا، فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ [12: 60]. فَرَجَعُوا إِلَى يَعْقُوبَ فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ، فَبَكَى يَعْقُوبُ، وَقَالَ: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ [12: 64] ثُمَّ فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ فَوَجَدُوا الصِّرَارَ، فَقَالُوا: يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا [12: 65] ثُمَّ مَا زَالُوا بِيَعْقُوبَ حَتَّى بَعَثَ مَعَهُمُ ابْنَ يَامِينَ، ثُمَّ إِنَّهُ كَرِهَ أَنْ تُصِيبَهُمُ الْعَيْنُ، فَقَالَ: لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ [12: 67]. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهِ فَرَأَى يُوسُفُ ابْنَ يَامِينَ خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ، فَلَمَّا جَلَسُوا نَصَبَ لَهُمْ مَوَائِدَ سِتَّةً، وَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِ أَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ وَأَبِيهِ فَيَجْلِسَانِ عَلَى مَائِدَةٍ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِيَدِ أَخِيهِ، فَبَقِيَتْ مَائِدَةٌ خَالِيَةٌ وَابْنُ يَامِينَ قَائِمٌ وَحْدَهُ، فَقَالَ يُوسُفُ: يَا غُلَامُ مَا لَكَ لَا تَقْعُدُ مَعَ إِخْوَتِكَ؟ قَالَ: لَيْسَ لِي قَرِينٌ، وَلَقَدْ كَانَ لِي أَخٌ فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَقَالَ: أَتُحِبُّ يَا غُلَامُ أَنْ أَجْلِسَ أَنَا مَعَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسَ مَعَهُ فَجَعَلَ ابْنُ يَامِينَ يَبْكِي، قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَرَى فِي وَجْهِكَ عَلَامَاتٍ طَالَمَا كُنْتُ أَرَاهَا فِي وَجْهِ أَخِي يُوسُفَ. فَلَمَّا كَالَ لَهُمْ أَمَرَ فَتَاهُ أَنْ يَجْعَلَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِ ابْنِ يَامِينَ فَلَمَّا خَرَجُوا نَادَى مُنَادٍ: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ [12: 70]. فَجَرَى لَهُمْ مَا قُصَّ فِي الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ ظَهَرَ الصُّوَاعُ فِي رَحْلِ ابْنِ يَامِينَ، فَأَقْبَلُوا يَلْطُمُونَ وَجْهَ ابْنِ يَامِينَ، وَهُوَ يَقُولُ: وَحَقِّ شَيْبَةِ إِبْرَاهِيمَ مَا سَرَقْتُ وَلَا عَلِمْتُ كَمَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ بِصِرَارِكُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ، تَخَلَّفَ رُوبِيلُ، وَقَالَ: فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي [12: 80]. فَلَمَّا أَخْبَرُوا يَعْقُوبَ، قَالَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا [12: 83]، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ [12: 84]، وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ مَمْلُوءٌ مِنَ الْحُزْنِ وَالْغَيْظِ فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ: تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا - أَيْ: دَنِفًا - أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ. فَأَجَابَهُمْ يَعْقُوبُ فَقَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ صِدْقِ رُؤْيَا يُوسُفَ. وَقِيلَ: بَلَغَ مِنْ وَجْدِ يَعْقُوبَ وَجْدَ سَبْعِينَ مُبْتَلًى، وَأُعْطِيَ عَلَى ذَلِكَ أَجْرَ مِائَةِ شَهِيدٍ. قِيلَ: دَخَلَ عَلَى يَعْقُوبَ جَارٌ لَهُ فَقَالَ: يَا يَعْقُوبُ، قَدِ انْهَشَمْتَ وَفَنِيتَ وَلَمْ تَبْلُغْ مِنَ السِّنِّ مَا بَلَغَ أَبُوكَ ! فَقَالَ: هَشَمَنِي وَأَفْنَانِي مَا ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ هَمِّ يُوسُفَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَتَشْكُونِي إِلَى خَلْقِي ؟ قَالَ: يَا رَبِّ خَطِيئَةٌ فَاغْفِرْهَا. قَالَ: قَدْ غَفَرْتُهَا لَكَ. فَكَانَ يَعْقُوبُ إِذَا سُئِلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَوْ كَانَا مَيِّتَيْنِ لَأَحْيَيْتُهُمَا لَكَ، إِنَّمَا ابْتَلَيْتُكَ لِأَنَّكَ قَدْ شَوَيْتَ وَقَتَّرْتَ عَلَى جَارِكَ وَلَمْ تُطْعِمْهُ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُ بَقَرَةٌ لَهَا عُجُولٌ فَذَبَحَ عُجُولَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَهِيَ تَخُورُ فَلَمْ يَرْحَمْهَا يَعْقُوبُ، فَابْتُلِيَ بِفَقْدِ أَعَزِّ وَلَدِهِ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: ذَبَحَ شَاةً، فَقَامَ بِبَابِهِ مِسْكِينٌ فَلَمْ يُطْعِمْهُ مِنْهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ سَبَبُ ابْتِلَائِهِ، فَصَنَعَ طَعَامًا وَنَادَى: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُفْطِرْ عِنْدَ يَعْقُوبَ. ثُمَّ إِنَّ يَعْقُوبَ أَمَرَ بَنِيهِ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ مِصْرَ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا وَتَجَسُّسِ الْأَخْبَارِ عَنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ، فَرَجَعُوا إِلَى مِصْرَ

  173. التاريخ 173لا حكم مسجّل

    فَرَجَعُوا إِلَى مِصْرَ، فَدَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ فَقَالُوا: مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ [12: 88] وَكَانَتْ سَمْنًا وَصُوفًا، فَسَأَلُوا التَّجَاوُزَ عَنْهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا [12: 88] أَيْ: بِفَضْلِ مَا بَيْنَ الرَّدِيءِ وَالْجَيِّدِ، وَقِيلَ: تَرُدُّ أَخَانَا. فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَهُمْ غَلَبَتْهُ نَفْسُهُ فَارْفَضَّ دَمْعُهُ بَاكِيًا ثُمَّ بَاحَ لَهُمْ بِالَّذِي كَانَ يَكْتُمُ، وَقِيلَ: إِنَّمَا أَظْهَرَ لَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّ أَبَاهُ كَتَبَ إِلَيْهِ، حِينَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ أَخَذَ ابْنَهُ لِأَنَّهُ سَرَقَ - كِتَابًا: مِنْ يَعْقُوبَ إِسْرَائِيلِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إِلَى عَزِيزِ مِصْرَ الْمُظْهِرِ الْعَدْلَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنَا الْبَلَاءُ، وَأَمَّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَمَّا أَبِي فَشُدَّتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ، وَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلَى حَلْقِهِ لِيُذْبَحَ فَفَدَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا أَنَا فَكَانَ لِيَ ابْنٌ وَكَانَ أَحَبَّ أَوْلَادِي إِلَيَّ فَذَهَبَ بِهِ إِخْوَتُهُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَعَادُوا وَمَعَهُمْ قَمِيصُهُ مُلَطَّخًا بِدَمٍ، وَقَالُوا: أَكَلَهُ الذِّئْبُ، وَكَانَ لِيَ ابْنٌ آخَرُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ فَكُنْتُ أَتَسَلَّى بِهِ فَذَهَبُوا بِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا، وَقَالُوا: إِنَّهُ سَرَقَ وَإِنَّكَ حَبَسْتَهُ، وَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَسْرِقُ، وَلَا نَلِدُ سَارِقًا، فَإِنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وَإِلَّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السَّابِعَ مِنْ وَلَدِكَ. فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَكَى وَأَظْهَرَ لَهُمْ فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِأَنْ جَمَعَ بَيْنَنَا، فَاعْتَذَرُوا وَ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ. أَيْ لَا أَذْكُرُ لَكُمْ ذَنْبَكُمْ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ أَبِيهِ، فَقَالُوا: لَمَّا فَاتَهُ بِنْيَامِينُ عَمِيَ مِنَ الْحُزْنِ، فَقَالَ: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ. فَقَالَ يَهُودَا: أَنَا أَذْهَبُ بِهِ لِأَنِّي ذَهَبْتُ إِلَيْهِ بِالْقَمِيصِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ وَأَخْبَرْتُهُ أَنَّ يُوسُفَ أَكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأَنَا أُخْبِرُهُ أَنَّهُ حَيٌّ فَأُفْرِحُهُ كَمَا أَحْزَنْتُهُ. وَكَانَ هُوَ الْبَشِيرَ. وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ عَنْ مِصْرَ حَمَلَتِ الرِّيحُ إِلَى يَعْقُوبَ رِيحَ يُوسُفَ، وَبَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا، يُوسُفُ بِمِصْرَ وَيَعْقُوبُ بِأَرْضِ كَنْعَانَ. فَقَالَ يَعْقُوبُ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ؟ فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ: تَاللَّهِ إِنَّكَ مِنْ ذِكْرِ يُوسُفَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ بِقَمِيصِ يُوسُفَ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِ يَعْقُوبَ فَعَادَ بَصِيرًا وَ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ، يَعْنِي تَصْدِيقَ اللَّهِ تَأْوِيلَ رُؤْيَا يُوسُفَ، وَ لَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ قَالَ لَهُ يَعْقُوبُ: كَيْفَ تَرَكْتَ يُوسُفَ ؟ قَالَ: إِنَّهُ مَلِكُ مِصْرَ. قَالَ: مَا أَصْنَعُ بِالْمُلْكِ ! عَلَى أَيِّ دِينٍ تَرَكْتَهُ ؟ قَالَ: عَلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ: الْآنَ تَمَّتِ النِّعْمَةُ. فَلَمَّا رَأَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ قَمِيصَ يُوسُفَ وَخَبَرَهُ قَالُوا لَهُ: يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ أَخَّرَ الدُّعَاءَ إِلَى السَّحَرِ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ.

  174. التاريخ 174لا حكم مسجّل

    ثُمَّ دَخَلَ يَعْقُوبُ وَأَوْلَادُهُ وَأَهْلُهُ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا بَلَغُوا خَرَجَ يُوسُفُ يَتَلَقَّاهُ فِي أُلُوفٍ كَثِيرَةٍ، فَنَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى الْخَيْلِ، فَقَالَ لِابْنِهِ يَهُوذَا وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِ: هَذَا فِرْعَوْنُ [مِصْرَ]؟ فَقَالَ: لَا، هَذَا ابْنُكَ يُوسُفُ. فَلَمَّا الْتَقَيَا قَالَ يَعْقُوبُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذْهِبَ الْأَحْزَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَارِقْهُ الْحُزْنُ وَالْبُكَاءُ مُدَّةَ غَيْبَةِ يُوسُفَ عَنْهُ. قَالَ: فَلَمَّا دَخَلُوا مِصْرَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ، يَعْنِي أُمَّهُ وَأَبَاهُ، وَقِيلَ: كَانَتْ خَالَتَهُ. وَكَانَتْ أَمُّهُ قَدْ مَاتَتْ، وَخَرَّ لَهُ يَعْقُوبُ وَأُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ سُجَّدًا، وَكَانَ السُّجُودُ تَحِيَّةَ النَّاسِ لِلْمُلُوكِ، وَلَمْ يُرِدْ بِالسُّجُودِ وَضْعَ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْخُضُوعَ وَالتَّوَاضُعَ وَالِانْحِنَاءَ عِنْدَ السَّلَامِ كَمَا يُفْعَلُ الْآنَ بِالْمُلُوكِ. وَالْعَرْشُ: السَّرِيرُ. وَقَالَ: يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا. وَكَانَ بَيْنَ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَجِيءِ يَعْقُوبَ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ سَنَةً، فَإِنَّهُ أُلْقِيَ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَقِيَهُ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَعَاشَ بَعْدَ جَمْعِ شَمْلِهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَ وَلَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَأَوْصَى إِلَى أَخِيهِ يَهُودَا. وَقِيلَ كَانَتْ غَيْبَةُ يُوسُفَ عَنْ يَعْقُوبَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّ يُوسُفَ دَخَلَ مِصْرَ وَلَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَاسْتَوْزَرَهُ فِرْعَوْنُ بَعْدَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ قُدُومِهِ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَتْ مُدَّةُ غَيْبَتِهِ عَنْ يَعْقُوبَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُقَامُ يَعْقُوبَ بِمِصْرَ وَأَهْلِهِ مَعَهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وفاة يعقوب عليه السلام وَلَمَّا مَاتَ يَعْقُوبُ أَوْصَى إِلَى يُوسُفَ أَنْ يَدْفِنَهُ مَعَ أَبِيهِ إِسْحَاقَ، فَفَعَلَ يُوسُفُ، فَسَارَ بِهِ إِلَى الشَّامِ فَدَفَنَهُ عِنْدَ أَبِيهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى مِصْرَ وَأَوْصَى يُوسُفُ أَنْ يُحْمَلَ مِنْ مِصْرَ وَيُدْفَنَ عِنْدَ آبَائِهِ، فَحَمَلَهُ مُوسَى لَمَّا خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَوَلَدَ يُوسُفُ إِفْرَائِيمَ وَمَنْشَى، فَوُلِدَ لِإِفْرَائِيمَ نُونٌ، وَلِنُونَ يُوشَعُ فَتَى مُوسَى، وَوُلِدَ لِمَنْشَى مُوسَى، قَبْلَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّهُ مُوسَى الْخَضِرُ، وَوُلِدَ لَهُ رَحْمَةُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ فِي قَوْلٍ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ يَعْقُوبُ بَكَى عَلَيْهِ أَهْلُ مِصْرَ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَأَمَرَ يُوسُفُ الْأَطِبَّاءَ فَطَيَّبُوهُ بِطِيبٍ، وَمَكَثَ فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ يُوسُفُ مَلِكَ مِصْرَ فِي الْخُرُوجِ مَعَ أَبِيهِ لِيَدْفِنَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَأَذِنَ لَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ أَكَابِرُ مِصْرَ وَشُيُوخُهَا، فَلَمَّا وَصَلُوا حَبْرُونَ دَفَنُوهُ فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي كَانَ اشْتَرَاهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ مِنْ عَفْرُونَ بْنِ صَخْرٍ الْحِيثِيِّ، وَعَمِلُوا لَهُ عَزَاءً سَبْعَةَ أَيَّامٍ. قَالُوا: ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَعَزَّى إِخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ فِي أَبِيهِمْ، وَتَرَقَّقُوا لَهُ فَأَكْرَمَهُمْ وَأَحْسَنَ مُنْقَلَبَهُمْ، فَأَقَامُوا بِبِلَادِ مِصْرَ، ثُمَّ حَضَرَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى أَنْ يُحْمَلَ مَعَهُمْ إِذَا خَرَجُوا مِنْ مِصْرَ فَيُدْفَنَ عِنْدَ آبَائِهِ، فَحَنَّطُوهُ وَوَضَعُوهُ فِي تَابُوتٍ فَكَانَ بِمِصْرَ حَتَّى أَخْرَجَهُ مَعَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَدَفَنَهُ عِنْدَ آبَائِهِ، كَمَا سَيَأْتِي. قَالُوا: فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَشْرِ سِنِينَ. هَذَا نَصُّهُمْ فِيمَا رَأَيْتُهُ وَفِيمَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا. وَقَالَ مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ عَنِ الْحَسَنِ أُلْقِيَ يُوسُفُ فِي الْجُبِّ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَغَابَ عَنْ أَبِيهِ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ أَوْصَى إِلَى أَخِيهِ يَهُوذَا. صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعِينَ.

  175. التاريخ 175لا حكم مسجّل

    يَعْقُوبَ كَانَ لَهُ مِنَ الْبَنِينَ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا ذَكَرًا، وَسَمَّيْنَاهُمْ، وَإِلَيْهِمْ تُنْسَبُ أَسْبَاطُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُّهُمْ، وَكَانَ أَشْرَفُهُمْ وَأَجَلُّهُمْ وَأَعْظَمُهُمْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نَبِيٌّ غَيْرُهُ وَبَاقِي إِخْوَتِهِ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِمْ، وَظَاهِرُ مَا ذُكِرَ مِنْ فِعَالِهِمْ، وَمَقَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ [ الْبَقَرَةِ: 136 ]. وَزَعَمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَسْبَاطُ، فَلَيْسَ اسْتِدْلَالُهُ بِقَوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَاطِ شُعُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَا كَانَ يُوجَدُ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الْمُخْتَصُّ مِنْ بَيْنِ إِخْوَتِهِ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَالْإِيحَاءِ إِلَيْهِ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ إِخْوَتِهِ سِوَاهُ، فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذَا بِمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ

  176. التاريخ 176لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ يُوسُفَ ابْنِ رَاحِيلَ   وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي شَأْنِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِيُتَدَبَّرَ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْآدَابِ وَالْأَمْرِ الْحَكِيمِ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [ يُوسُفَ: 1 - 3 ]. إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ يُوسُفَ: 4 - 6 ]. لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ [ يُوسُفَ: 7 - 10 ] قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ [ يُوسُفَ: 11 - 14 ]. فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [ يُوسُفَ: 15 - 18 ]. وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ يُوسُفَ: 19 - 22 ]. وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ [ يُوسُفَ: 23 - 29 ]. وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [ يُوسُفَ: 30 - 34 ] رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ. يَعْنِي: إِنْ وَكَلْتَنِي إِلَى نَفْسِي فَلَيْسَ لِي مِنْ نَفْسِي إِلَّا الْعَجْزُ وَالضَّعْفُ، وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأَنَا ضَعِيفٌ إِلَّا مَا قَوَّيْتَنِي وَعَصَمْتَنِي وَحَفِظْتَنِي وَحُطْتَنِي بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ [ يُوسُفَ: 35 - 41 ] وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ [ يُوسُفَ: 43 - 49 ]. وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ [ يُوسُفَ: 50 - 53 ]. وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [ يُوسُفَ: 54 - 57 ]. وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [ يُوسُفَ: 58 - 62 ]. فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [ يُوسُفَ: 63 - 68 ]. وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ [ يُوسُفَ: 69 - 79 ] فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [ يُوسُفَ: 80 - 87 ]. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قَالُوا تَاللَّهَ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ [ يُوسُفَ: 88 - 93 ]. وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ يُوسُفَ: 94 - 98 ] فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يُوسُفَ: 99 - 101 ]

  177. التاريخ 177لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ أَيُّوبُ بْنُ مُوصَ بْنِ رَزَاحَ بْنِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، قِيلَ إِنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ بِنْتَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَمِمَّا يُؤْثِرُ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَرَادَ حَاجَةً سَجَدَ ثُمَّ طَلَبَهَا، وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَهْلِ الْمَالِ وَقَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا، وَذُرِّيَّةً طَيِّبَةً فَطَلَبَ إِبْلِيسُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَيْهِ وَادَّعَى أَنَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَفْتِنَهُ، فَسُلِّطَ عَلَيْهِ فَابْتُلِيَ فِي مَالِهِ وَأَوْلَادِهِ وَجَسَدِهِ وَصَارَ عَظْمًا وَعَصَبًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَجَفَاهُ النَّاسُ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا زَوْجَتُهُ وَقَدِ اضْطُرَّتْ إِلَى أَنْ تَعْمَلَ لِتُنْفِقَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ إِلَّا يَقِينًا بِاللَّهِ وَصَبْرًا حَتَّى ضَرَبَ بِصَبْرِهِ الْأَمْثَالَ، وَاخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ بَلَائِهِ كَمْ كَانَتْ، حَتَّى أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا يَتَعَجَّبُ مِنْهُ خَلْقُهُ بِأَنْ رَدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَأَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، وَرَدَّ إِلَيْهِ جَسَدَهُ أَفْضَلَ مِمَّا كَانَ، وَكَانَ أَيُّوبُ قَدْ حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَأْخُذُ ضِغْثًا يَجْمَعُ أَعْوَادًا بِعَدَدٍ مَا حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَهَا، وَيَضْرِبَهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَكُونُ كَفَّارَةً عَنْ يَمِينِهِ. هَذَا وَقَدْ مَاتَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعُمْرُهُ ثَلَاثَةٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ.

  178. التاريخ 178لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ رَجُلًا مِنَ الرُّومِ، وَهُوَ أَيُّوبُ بْنُ مُوصَ بْنَ رَزَاحَ بْنِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ أَيُّوبُ بْنُ مُوصَ بْنِ رَغْوِيلَ بْنِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَعْقُوبَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ، وَحَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ أُمَّهُ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقِيلَ: كَانَ أَبُوهُ مِمَّنْ آمَنَ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَوْمَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ فَلَمْ تَحْرِقْهُ. وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، كَمَا قَرَّرْنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ الْآيَاتِ [ الْأَنْعَامِ: 84 ]. مِنْ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ دُونَ نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهُوَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمَنْصُوصِ عَلَى الْإِيحَاءِ إِلَيْهِمْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ [ النِّسَاءِ: 163 ]. الْآيَةَ. فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَامْرَأَتُهُ الَّتِي أُمِرَ أَنْ يَضْرِبَهَا بِالضِّغْثِ قِيلَ: اسْمُهَا لَيَا بِنْتُ يَعْقُوبَ. وَقِيلَ: رَحْمَةُ بِنْتُ أَفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَهَذَا أَشْهَرُ. وقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ أَيُّوبُ فِي زَمَنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ يَعْقُوبَ.

  179. التاريخ 179لا حكم مسجّل

    وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ  إِدْرِيسُ، ثُمَّ نُوحٌ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ إِسْمَاعِيلُ، ثُمَّ إِسْحَاقُ، ثُمَّ يَعْقُوبُ، ثُمَّ يُوسُفُ، ثُمَّ لُوطٌ، ثُمَّ هُودٌ، ثُمَّ صَالِحٌ، ثُمَّ شُعَيْبٌ، ثُمَّ مُوسَى وَهَارُونُ، ثُمَّ إِلْيَاسُ، ثُمَّ الْيَسَعُ، ثُمَّ عُرْفِيُّ بْنُ سَوِيلَخَ بْنِ أَفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ يُونُسُ بْنُ مَتَّى مِنْ بَنِي يَعْقُوبَ، ثُمَّ أَيُّوبَ بْنِ رَزَاحَ بْنِ آمُوصَ بْنِ لِيفَرَزَ بْنِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي بَعْضِ هَذَا التَّرْتِيبِ نَظَرٌ فَإِنَّ هُودًا وَصَالِحًا الْمَشْهُورُ أَنَّهُمَا بَعْدَ نُوحٍ، وَقَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ أَيُّوبَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ يُونُسَ. وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الصَّوَابُ تَقْدِيمُهُ، عَلَى مَا قَدِ اخْتَرْنَا. وَنَبِيُّنَا أَيُّوبُ فِي زَمَنِ يَعْقُوبَ، وكَانَ دِينُهُ التَّوْحِيدَ وَالْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِذَا أَرَادَ حَاجَةً سَجَدَ ثُمَّ طَلَبَهَا.

  180. التاريخ 180لا حكم مسجّل

    وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ وَسَبَبِ بَلَائِهِ أَنَّ إِبْلِيسَ سَمِعَ تَجَاوُبَ الْمَلَائِكَةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَيُّوبَ حِينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ فَحَسَدَهُ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَيْهِ لِيَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ، فَسَلَّطَهُ عَلَى مَالِهِ حَسْبَ، فَجَمَعَ إِبْلِيسُ عُظَمَاءَ أَصْحَابِهِ مِنَ الْعَفَارِيتِوقَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ، وَالتَّارِيخِ، وَغَيْرُهُمْ: كَانَ أَيُّوبُ رَجُلًا كَثِيرَ الْمَالِ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِهِ وَأَنْوَاعِهِ مِنَ الْأَنْعَامِ وَالْعَبِيدِ وَالْمَوَاشِي وَالْأَرَاضِي الْمُتَّسِعَةِ بِأَرْضِ الْبَثْنِيَّةِ مِنْ أَرْضِ حُورَانَ. وَحَكَى ابْنُ عَسَاكِرَ: أَنَّهَا كُلَّهَا كَانَتْ لَهُ، وَكَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَأَهْلُونَ كَثِيرٌ، فَسُلِبَ مِنْ ذَلِكَ جَمِيعِهِ، وَابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ بِأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ عُضْوٌ سَلِيمٌ سِوَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهِمَا، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ ذَاكِرٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وَصَبَاحِهِ وَمَسَائِهِ، وَطَالَ مَرَضُهُ حَتَّى عَافَهُ الْجَلِيسُ، وَأَوْحَشَ مِنْهُ الْأَنِيسُ، وَأُخْرِجَ مِنْ بَلَدِهِ وَأُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ خَارِجَهَا، وَانْقَطَعَ عَنْهُ النَّاسُ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَحْنُو عَلَيْهِ سِوَى زَوْجَتِهِ كَانَتْ تَرْعَى لَهُ حَقَّهُ، وَتَعْرِفُ قَدِيمَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهَا وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهَا، فَكَانَتْ تَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ فَتُصْلِحُ مِنْ شَأْنِهِ، وَتُعِينُهُ عَلَى قَضَاءِ حَاجَتِهِ وَتَقُومُ بِمَصْلَحَتِهِ، وَضَعُفَ حَالُهَا، وَقَلَّ مَالُهَا حَتَّى كَانَتْ تَخْدِمُ النَّاسَ بِالْأَجْرِ لِتُطْعِمَهُ، وَتَقُومَ بِأَوَدِهِ ؓ وَأَرْضَاهَا وَهِيَ صَابِرَةٌ مَعَهُ عَلَى مَا حَلَّ بِهِمَا مِنْ فِرَاقِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَمَا يَخْتَصُّ بِهَا مِنَ الْمُصِيبَةِ بِالزَّوْجِ، وَضِيقِ ذَاتِ الْيَدِ، وَخِدْمَةِ النَّاسِ بَعْدَ السَّعَادَةِ وَالنِّعْمَةِ وَالْخِدْمَةِ، وَالْحُرْمَةِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً  الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ. وَلَمْ يَزِدْ هَذَا كُلُّهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَّا صَبْرًا وَاحْتِسَابًا، وَحَمْدًا وَشُكْرًا، حَتَّى إِنَّ الْمَثَلَ لَيُضْرَبُ بِصَبْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُضْرَبُ الْمَثَلُ أَيْضًا بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَلَايَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ خَبَرٌ طَوِيلٌ فِي كَيْفِيَّةِ ذَهَابِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ، وَبَلَائِهِ فِي جَسَدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهِ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوَّلَ مَنْ أَصَابَهُ الْجُدَرِيُّ. مدة بلاء أيوب عليه السلام ومرضه وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ بَلْوَاهُ عَلَى أَقْوَالٍ؛ فَزَعَمَ وَهْبٌ أَنَّهُ ابْتُلِيَ ثَلَاثَ سِنِينَ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ. وَقَالَ أَنَسٌ ابْتُلِيَ سَبْعَ سِنِينَ وَأَشْهُرًا، وَأُلْقِيَ عَلَى مَزْبَلَةٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ تَخْتَلِفُ الدَّوَابُّ فِي جَسَدِهِ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعَظَّمَ لَهُ الْأَجْرَ، وَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ: مَكَثَ فِي بَلْوَاهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ: تَسَاقَطَ لَحْمُهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ، فَكَانَتِ امْرَأَتُهُ تَأْتِيهِ بِالرَّمَادِ تَفْرُشُهُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهَا قَالَتْ: يَا أَيُّوبُ لَوْ دَعَوْتَ رَبَّكَ لَفَرَّجَ عَنْكَ. فَقَالَ: قَدْ عِشْتُ سَبْعِينَ سَنَةً صَحِيحًا فَهُوَ قَلِيلٌ لِلَّهِ أَنْ أَصْبِرَ لَهُ سَبْعِينَ سَنَةً، فَجَزِعَتْ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، وَكَانَتْ تَخْدُمُ النَّاسَ بِالْأَجْرِ، وَتُطْعِمُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ  ، ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَسْتَخْدِمُونَهَا لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا امْرَأَةُ أَيُّوبَ خَوْفًا أَنْ يَنَالَهُمْ مِنْ بَلَائِهِ أَوْ تُعْدِيَهُمْ بِمُخَالَطَتِهِ، فَلَمَّا لَمْ تَجِدْ أَحَدًا يَسْتَخْدِمُهَا عَمَدَتْ فَبَاعَتْ لِبَعْضِ بَنَاتِ الْأَشْرَافِ إِحْدَى ضَفِيرَتَيْهَا بِطَعَامٍ طَيِّبٍ كَثِيرٍ فَأَتَتْ بِهِ أَيُّوبَ. فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا ؟ وَأَنْكَرَهُ فَقَالَتْ: خَدَمْتُ بِهِ أُنَاسًا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ لَمْ تَجِدْ أَحَدًا فَبَاعَتِ الضَّفِيرَةَ الْأُخْرَى بِطَعَامٍ فَأَتَتْهُ بِهِ فَأَنْكَرَهُ أَيْضًا، وَحَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ حَتَّى تُخْبِرَهُ مِنْ أَيْنَ لَهَا هَذَا الطَّعَامُ ؟ فَكَشَفَتْ عَنْ رَأْسِهَا خِمَارَهَا، فَلَمَّا رَأَى رَأْسَهَا مَحْلُوقًا. قَالَ فِي دُعَائِهِ: أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ لِأَيُّوبَ أَخَوَانِ فَجَاءَا يَوْمًا فَلَمْ يَسْتَطِيعَا أَنْ يَدْنُوَا مِنْهُ مِنْ رِيحِهِ فَقَامَا مِنْ بَعِيدٍ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ كَانَ اللَّهُ عَلِمَ مِنْ أَيُّوبَ خَيْرًا مَا ابْتَلَاهُ بِهَذَا. فَجَزِعَ أَيُّوبُ مِنْ قَوْلِهِمَا جَزَعًا لَمْ يَجْزَعْ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ مِثْلَهُ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَبِتْ لَيْلَةً قَطُّ شَبْعَانًا، وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ جَائِعٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمَا يَسْمَعَانِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ يَكُنْ لِي قَمِيصَانِ قَطُّ، وَأَنَا أَعْلَمُ مَكَانَ عَارٍ فَصَدِّقْنِي. فَصُدِّقَ مِنَ السَّمَاءِ وَهُمَا يَسْمَعَانِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بِعِزَّتِكَ وَخَرَّ سَاجِدًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بِعِزَّتِكَ لَا أَرْفَعُ رَأْسِي أَبَدًا حَتَّى تَكْشِفَ عَنِّي فَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى كَشَفَ عَنْهُ. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ لَبِثَ بِهِ بَلَاؤُهُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً  ، فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إِخْوَانِهِ كَانَا مِنْ أَخَصِّ إِخْوَانِهِ لَهُ كَانَا يَغْدُوَانِ إِلَيْهِ وَيَرُوحَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: تَعْلَمُ وَاللَّهِ لَقَدْ أَذْنَبَ أَيُّوبُ ذَنْبًا مَا أَذْنَبَهُ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ. قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً لَمْ يَرْحَمْهُ رَبُّهُ فَيَكْشِفَ مَا بِهِ. فَلَمَّا رَاحَا إِلَيْهِ لَمْ يَصْبِرِ الرَّجُلُ حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ أَمُرُّ عَلَى الرَّجُلَيْنِ يَتَنَازَعَانِ فَيَذْكُرَانِ اللَّهَ، فَأَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي فَأُكَفِّرُ عَنْهُمَا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَذْكُرَا اللَّهَ إِلَّا فِي حَقٍّ. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُ دُعَائِهِ أَنَّهُ كَانَ قَدِ اتَّبَعَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ عَلَى دِينِهِ اسْمُ أَحَدِهِمْ بَلْدَدُ وَالْآخَرُ الِيفَرُ، وَالثَّالِثُ صَافَرُ، فَانْطَلَقُوا إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْبَلَاءِ فَبَكَّتُوهُ أَشَدَّ تَبْكِيتٍ، وَقَالُوا لَهُ: لَقَدْ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا مَا أَذَنَبَهُ أَحَدٌ، فَلِهَذَا لَمْ يُكْشَفِ الْعَذَابُ عَنْكَ. وَطَالَ الْجِدَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، فَقَالَ فَتًى كَانَ مَعَهُمْ لَهُمْ كَلَامًا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: قَدْ تَرَكْتُمْ مِنَ الْقَوْلِ أَحْسَنَهُ، وَمِنَ الرَّأْيِ أَصْوَبَهُ، وَمِنَ الْأَمْرِ أَجْمَلَهُ، وَقَدْ كَانَ لِأَيُّوبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقِّ وَالذِّمَامِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي وَصَفْتُمْ، فَهَلْ تَدْرُونَ حَقَّ مَنِ انْتَقَصْتُمْ وَحُرْمَةَ مَنِ انْتَهَكْتُمْ، وَمَنِ الرَّجُلُ الَّذِي عِبْتُمْ ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَيُّوبَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ يَوْمَكُمْ هَذَا ؟ ثُمَّ لَمْ تَعْلَمُوا وَلَمْ يَعْلَمْكُمُ اللَّهُ أَنَّهُ سَخِطَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ وَلَا أَنَّهُ نَزَعَ شَيْئًا مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي كَرَّمَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ وَلَا أَنَّ أَيُّوبَ فَعَلَ غَيْرَ الْحَقِّ فِي طُولِ مَا صَحِبْتُمُوهُ، فَإِنْ كَانَ الْبَلَاءُ هُوَ الَّذِي أَزْرَى بِهِ عِنْدَكُمْ وَوَضَعَهُ فِي نُفُوسِكُمْ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءَ، وَالصَّالِحِينَ وَلَيْسَ بَلَاؤُهُ لِأُولَئِكَ دَلِيلًا عَلَى سُخْطِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى هَوَانِهِمْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهَا كَرَامَةٌ وَخَيْرَةٌ لَهُمْ. وَأَطَالَ فِي هَذَا النَّحْوِ مِنَ الْكَلَامِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: وَقَدْ كَانَ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلَالِهِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ مَا يَكِلُّ أَلْسِنَتَكُمْ وَيَكْسِرُ قُلُوبَكُمْ وَيَقْطَعُ حُجَّتَكُمْ، أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَسْكَتَتْهُمْ خَشْيَتُهُ عَنِ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ عَيٍّ وَلَا بَكَمٍ ؟ وَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْفُصَحَاءُ الْأَلِبَّاءُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظْمَةَ اللَّهِ انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَطَاشَتْ أَحْلَامُهُمْ، وَعُقُولُهُمْ فَزَعًا مِنَ اللَّهِ وَهَيْبَةً لَهُ، فَإِذَا أَفَاقُوا اسْتَبَقُوا إِلَى اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الظَّالِمِينَ وَإِنَّهُمْ لَأَبْرَارٌ، وَمَعَ الْمُقَصِّرِينَ وَإِنَّهُمْ لَأَكْيَاسٌ أَتْقِيَاءُ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَكْثِرُونَ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - الْكَثِيرَ وَلَا يَرْضَوْنَ لَهُ الْقَلِيلَ وَلَا يُدِلُّونَ عَلَيْهِ بِالْأَعْمَالِ فَهُمْ أَيْنَمَا لَقِيتَهُمْ خَائِفُونَ مَهِيمُونَ وَجِلُونَ. فَلَمَّا سَمِعَ أَيُّوبُ كَلَامَهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَزْرَعُ الْحِكْمَةَ بِالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِ الصَّغِيرِ، وَالْكَبِيرِ، فَمَتَّى كَانَتْ فِي الْقَلْبِ ظَهَرَتْ عَلَى اللِّسَانِ وَلَا تَكُونُ الْحِكْمَةُ مِنْ قِبَلِ السِّنِّ، وَالشَّيْبَةِ، وَلَا طُولِ التَّجْرِبَةِ، وَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدًا حَكِيمًا عِنْدَ الصِّبَا لَمْ تَسْقُطْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ الْحُكَّامِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: رَهِبْتُمْ قَبْلَ أَنْ تُسْتَرْهَبُوا، وَبَكَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبُوا، كَيْفَ بِكُمْ لَوْ قُلْتُ لَكُمْ تَصَدَّقُوا عَنِّي بِأَمْوَالِكُمْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي، أَوْ قَرِّبُوا قُرْبَانًا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَقَبَّلَ وَيَرْضَى عَنِّي ؟ وَإِنَّكُمْ قَدْ أَعْجَبَتْكُمْ أَنْفُسُكُمْ فَظَنَنْتُمْ أَنَّكُمْ عُوفِيتُمْ بِإِحْسَانِكُمْ فَبَغَيْتُمْ وَتَعَزَّزْتُمْ، لَوْ صَدَقْتُمْ وَنَظَرْتُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ لَوَجَدْتُمْ لَكُمْ عُيُوبًا سَتَرَهَا اللَّهُ بِالْعَافِيَةِ، وَقَدْ كُنْتُ فِيمَا خَلَا وَالرِّجَالُ يُوَقِّرُونَنِي وَأَنَا مَسْمُوعٌ كَلَامِي، مَعْرُوفٌ مِنْ حَقِّي، مُنْتَصَفٌ مِنْ خَصْمِي، فَأَصْبَحْتُ الْيَوْمَ وَلَيْسَ لِي رَأْيٌ وَلَا كَلَامٌ مَعَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ مُصِيبَتِي. ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُمْ، وَأَقْبَلَ عَلَى رَبِّهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ مُتَضَرِّعًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَبِّ، لِأَيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَنِي ! لَيْتَنِي إِنْ كَرِهْتَنِي لَمْ تَخْلُقْنِي، يَا لَيْتَنِي كُنْتُ حَيْضَةً مُلْقَاةً، وَيَا لَيْتَنِي عَرَفْتُ الذَّنْبَ الَّذِي أَذْنَبْتُ فَصَرَفْتَ وَجْهَكَ الْكَرِيمَ عَنِّي ! لَوْ كُنْتَ أَمَتَّنِي فَالْمَوْتُ أَجْمَلُ بِي ! أَلَمْ أَكُنْ لِلْغَرِيبِ دَارًا، وَلِلْمِسْكِينِ قَرَارًا، وَلِلْيَتِيمِ وَلِيًّا، وَلِلْأَرْمَلَةِ قَيِّمًا ؟ إِلَهِي أَنَا عَبْدٌ ذَلِيلٌ إِنْ أَحْسَنْتُ فَالْمَنُّ لَكَ، وَإِنْ أَسَأْتُ فَبِيَدِكَ عُقُوبَتِي ! جَعَلْتَنِي لِلْبَلَاءِ غَرَضًا فَقَدْ وَقَعَ عَلِيَّ الْبَلَاءُ لَوْ سَلَّطْتَهُ عَلَى جَبَلٍ لَضَعُفَ عَنْ حَمْلِهِ فَكَيْفَ يَحْمِلُهُ ضَعْفِي ! ذَهَبَ الْمَالُ فَصِرْتُ أَسْأَلُ بِكَفِّي فَيُطْعِمُنِي مَنْ كُنْتُ أَعُولُهُ اللُّقْمَةَ الْوَاحِدَةَ فَيَمُنُّهَا عَلَيَّ وَيُعَيِّرُنِي ! هَلَكَ أَوْلَادِي، وَلَوْ بَقِيَ أَحَدُهُمْ أَعَانَنِي. فَقَدْ مَلَّتْنِي أَهْلِي وَعَقَّنِي أَرْحَامِي فَتَنَكَّرَتْ مَعَارِفِي، وَرَغِبَ عَنِّي صَدِيقِي، وَجُحِدَتْ حُقُوقِي، وَنُسِيَتْ صَنَائِعِي. أَصْرُخُ فَلَا يُصْرِخُونَنِي، وَأَعْتَذِرُ فَلَا يَعْذِرُونَنِي. دَعَوْتُ غُلَامِي فَلَمْ يُجِبْنِي، وَتَضَرَّعْتُ إِلَى أَمَتِي فَلَمْ تَرْحَمْنِي، وَإِنَّ قَضَاءَكَ هُوَ الَّذِي آذَانِي وَأَقْمَأَنِي، وَإِنَّ سُلْطَانَكَ هُوَ الَّذِي أَسْقَمَنِي. فَلَوْ أَنَّ رَبِّي نَزَعَ الْهَيْبَةَ الَّتِي فِي صَدْرِي وَأَطْلَقَ لِسَانِي حَتَّى أَتَكَلَّمَ مِلْءَ فَمِي، ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُحَاجَّ مَوْلَاهُ عَنْ نَفْسِهِ - لَرَجَوْتُ أَنْ تُعَافِيَنِي عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ أَلْقَانِي وَعَلَا عَنِّي فَهُوَ يَرَانِي وَلَا أَرَاهُ، وَيَسْمَعُنِي وَلَا أَسْمَعُهُ، لَا نَظَرَ إِلَيَّ فَرَحِمَنِي، وَلَا دَنَا مِنِّي فَأَتَكَلَّمَ بِبَرَاءَتِي وَأُخَاصِمَ عَنْ نَفْسِي. فَلَمَّا قَالَ أَيُّوبُ ذَلِكَ أَظَلَّتْهُمْ غَمَامَةٌ وَنُودِيَ مِنْهَا: يَا أَيُّوبُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ قَدْ دَنَوْتُ مِنْكَ وَلَمْ أَزَلْ مِنْكَ قَرِيبًا، فَقُمْ فَأَدْلِ بِحُجَّتِكَ، وَتَكَلَّمْ بِبَرَاءَتِكَ، وَقُمْ مَقَامَ جَبَّارٍ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاصِمَنِي إِلَّا جَبَّارٌ. تَجْعَلُ الزِّيَارَ فِي فَمِ الْأَسَدِ، وَاللِّجَامَ فِي فَمِ التِّنِّينِ، وَتَكِيلُ مِكْيَالًا مِنَ النُّورِ، وَتَزِنُ مِثْقَالًا مِنَ الرِّيحِ، وَتُصِرُّ صُرَّةً مِنَ الشَّمْسِ، وَتَرُدُّ أَمْسِ. لَقَدْ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ أَمْرًا لَا تَبْلُغُهُ بِمِثْلِ قُوَّتِكَ. أَرَدْتَ أَنْ تُكَابِرَنِي بِضَعْفِكَ أَمْ تُخَاصِمَنِي بِعَيِّكَ أَمْ تُحَاجِّنِي بِخَطَلِكَ ! أَيْنَ أَنْتَ مِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ الْأَرْضَ ؟ هَلْ عَلِمْتَ بِأَيِّ مِقْدَارٍ قَدَّرْتُهَا ؟ أَيْنَ كُنْتَ مَعِي يَوْمَ رَفَعْتُ السَّمَاءَ سَقْفًا فِي الْهَوَاءِ لَا بِعَلَائِقَ وَلَا بِدَعَائِمَ تَحْمِلُهَا ؟ هَلْ تَبْلُغُ حِكْمَتُكَ أَنْ تُجْرِيَ نُورَهَا، أَوْ تُسَيِّرَ نُجُومَهَا، أَوْ يَخْتَلِفَ بِأَمْرِكَ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا ؟ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْ مَصْنُوعَاتِ اللَّهِ. فَقَالَ أَيُّوبُ: قَصَّرْتُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ ! لَيْتَ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ لِي فَذَهَبْتُ فِيهَا وَلَمْ أَتَكَلَّمْ بِشَيْءٍ يُسْخِطُكَ ! إِلَهِي اجْتَمَعَ عَلَيَّ الْبَلَاءُ، وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الَّذِي ذَكَرْتَ صُنْعُ يَدَيْكَ، وَتَدْبِيرُ حِكْمَتِكَ لَا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ وَلَا تَخْفَى عَلَيْكَ خَافِيَةٌ، تَعْلَمُ مَا تُخْفِي الْقُلُوبُ، وَقَدْ عَلِمْتَ بَلَائِي مَا لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُهُ. كُنْتُ أَسْمَعُ بِسَطْوَتِكَ سَمْعًا فَأَمَّا الْآنَ فَهُوَ نَظَرُ الْعَيْنِ. وَإِنَّمَا تَكَلَّمْتُ بِمَا تَكَلَّمْتُ بِهِ لِتَعْذِرَنِي، وَسَكَتُّ لِتَرْحَمَنِي، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى فَمِي، وَعَضِضْتُ عَلَى لِسَانِي، وَأَلْصَقْتُ بِالتُّرَابِ خَدِّي فَدَسَسْتُ فِيهِ وَجْهِي فَلَا أَعُودُ لِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ. وَدَعَا. فَقَالَ اللَّهُ: يَا أَيُّوبُ، نَفَذَ فِيكَ حُكْمِي، وَسَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي، قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَرَدَدْتُ عَلَيْكَ أَهْلَكَ، وَمَالَكَ، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَعِبْرَةً لِأَهْلِ الْبَلَاءِ وَعَزَاءً لِلصَّابِرِينَ، فَـ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فِيهِ شِفَاءٌ، وَقَرِّبْ عَنْ أَصْحَابِكَ قُرْبَانًا وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوْنِي فِيكَ. فَرَكَضَ بِرِجْلِهِ فَانْفَجَرَتْ لَهُ عَيْنُ مَاءٍ، فَاغْتَسَلَ فِيهَا، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْبَلَاءَ، ثُمَّ خَرَجَ فَجَلَسَ وَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفِينَهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، مَالِي لَا أَعْرِفُهُ ! فَتَبَسَّمَ، فَعَرَفَتْهُ بِضَحِكِهِ، فَاعْتَنَقَتْهُ فَلَمْ تُفَارِقْهُ مِنْ عِنَاقِهِ حَتَّى مَرَّ بِهِمَا كُلُّ مَالٍ لَهُمَا وَوَلَدٍ. وقيل: وَكَانَ يَخْرُجُ فِي حَاجَتِهِ فَإِذَا قَضَاهَا أَمْسَكَتِ امْرَأَتُهُ بِيَدِهِ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَبْطَأَتْ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَيُّوبَ فِي مَكَانِهِ أَنِ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ فَاسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقَّتْهُ تَنْظُرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا قَدْ أَذْهَبُ اللَّهُ مَا بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَهُوَ عَلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، هَلْ رَأَيْتَ نَبِيَّ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى ؟ فَوَاللَّهِ عَلَى ذَلِكَ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِهِ مِنْكَ إِذْ كَانَ صَحِيحًا. قَالَ: فَإِنِّي أَنَا هُوَ. قَالَ: وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ؛ أَنْدَرٌ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرٌ لِلشَّعِيرِ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَحَابَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ، وَأَفْرَغَتِ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ. هَذَا لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَأَلْبَسُهُ اللَّهُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ فَتَنَحَّى أَيُّوبُ، وَجَلَسَ فِي نَاحِيَةٍ، وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ تَعْرِفْهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا الْمُبْتَلَى الَّذِي كَانَ هَاهُنَا، لَعَلَّ الْكِلَابَ ذَهَبَتْ بِهِ أَوِ الذِّئَابَ ؟ وَجَعَلَتْ تُكَلِّمُهُ سَاعَةً. قَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ. قَالَتْ: أَتَسْخَرُ مِنِّي يَا عَبْدَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ قَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ جَسَدِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَلَدَهُ بِأَعْيَانِهِمْ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ أَهْلَكَ وَمَالَكَ، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ، فَاغْتَسِلْ بِهَذَا الْمَاءِ فَإِنَّ فِيهِ شِفَاءَكَ وَقَرِّبْ عَنْ صَحَابَتِكَ قُرْبَانًا، وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ قَدْ عَصَوْنِي فِيكَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وعَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَمَّا عَافَى اللَّهُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمْطَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ  فَجَعَلَ يَأْخُذُ بِيَدِهِ، وَيَجْعَلُ فِي ثَوْبِهِ. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: يَا أَيُّوبُ أَمَا تَشْبَعُ ؟ قَالَ: يَا رَبِّ وَمَنْ يَشْبَعُ مِنْ رَحْمَتِكَ. وَقَوْلُهُ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ أَيِ اضْرِبِ الْأَرْضَ بِرِجْلِكَ فَامْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَأَنْبَعَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا بَارِدَةَ الْمَاءِ، وَأُمِرَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِيهَا، وَيَشْرَبَ مِنْهَا، فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ مَا كَانَ يَجِدُهُ مِنَ الْأَلَمِ وَالْأَذَى وَالسَّقَمِ وَالْمَرَضِ، الَّذِي كَانَ فِي جَسَدِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَأَبْدَلَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ صِحَّةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً، وَجَمَالًا تَامًّا، وَمَالًا كَثِيرًا حَتَّى صَبَّ لَهُ مِنَ الْمَالِ صَبًّا مَطَرًا عَظِيمًا جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ، وَأَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ أَهْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ. فَقِيلَ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ بِأَعْيَانِهِمْ. وَقِيلَ: آجَرَهُ فِيمَنْ سَلَفَ، وَعَوَّضَهُ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا بَدَلَهُمْ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ بِكُلِّهِمْ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا. أَيْ رَفَعْنَا عَنْهُ شِدَّتَهُ، وَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ رَحْمَةً مِنَّا بِهِ وَرَأْفَةً وَإِحْسَانًا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ أَيْ تَذْكِرَةً لِمَنِ ابْتُلِيَ فِي جَسَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ وَلَدِهِ فَلَهُ أُسْوَةٌ بِنَبِيِّ اللَّهِ أَيُّوبَ، حَيْثُ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ. وَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا اسْمَ امْرَأَتِهِ. فَقَالَ: هِيَ رَحْمَةُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَدْ أَبْعَدَ النُّجْعَةَ، وَأَغْرَقَ فِي النَّزْعِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: رَدَّ اللَّهُ إِلَيْهَا شَبَابَهَا وَزَادَهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَلَدًا ذَكَرًا. وَعَاشَ أَيُّوبُ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعِينَ سَنَةً بِأَرْضِ الرُّومِ عَلَى دِينِ الْحَنِيفِيَّةِ، ثُمَّ غَيَّرُوا بَعْدَهُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ. رخصة أيوب عليه السلام فِيمَا كَانَ مِنْ حَلِفِهِ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ سَوْطٍ وَقَوْلُهُ: خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا كَانَ مِنْ حَلِفِهِ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ سَوْطٍ. فَقِيلَ: حَلِفُهُ ذَلِكَ لِبَيْعِهَا ضَفَائِرَهَا. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ اعْتَرَضَهَا الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ طَبِيبٍ يَصِفُ لَهَا دَوَاءً لِأَيُّوبَ، فَأَتَتْهُ فَأَخْبَرَتْهُ، فَعَرَفَ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ فَحَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ سَوْطٍ، فَلَمَّا عَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَفْتَاهُ أَنْ يَأْخُذَ ضِغْثًا، وَهُوَ كَالْعِثْكَالِ الَّذِي يَجْمَعُ الشَّمَارِيخَ فَيَجْمَعَهَا كُلَّهَا وَيَضْرِبَهَا بِهِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَيَكُونُ هَذَا مُنْزَلًا مَنْزِلَةَ الضَّرْبِ بِمِائَةِ سَوْطٍ، وَيَبَرُّ وَلَا يَحْنَثُ. وَهَذَا مِنَ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ، وَأَطَاعَهُ، وَلَا سِيَّمَا فِي حَقِّ امْرَأَتِهِ الصَّابِرَةِ الْمُحْتَسِبَةِ الْمُكَابِدَةِ الصِّدِّيقَةِ الْبَارَّةِ الرَّاشِدَةِ ؓ؛ وَلِهَذَا عَقَّبَ اللَّهُ هَذِهِ الرُّخْصَةَ، وَعَلَّلَهَا بِقَوْلِهِ: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ. وَقَدِ اسْتَعْمَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ هَذِهِ الرُّخْصَةَ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، وَتَوَسَّعَ آخَرُونَ فِيهَا حَتَّى وَضَعُوا كِتَابَ الْحِيَلِ فِي الْخَلَاصِ مِنَ الْأَيْمَانِ، وَصَدَّرُوهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَتَوْا فِيهِ بِأَشْيَاءَ مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ.

  181. التاريخ 181لا حكم مسجّل

    ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ عُمُرُهُ ثَلَاثًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَقِيلَ: إِنَّهُ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ رَوَى لَيْثٌ عَنْ مُجَاهِدٍ مَا مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يَحْتَجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ، وَبِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْأَرِقَّاءِ، وَبِأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَاءِ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ بِمَعْنَاهُ، وَأَنَّهُ أَوْصَى إِلَى وَلَدِهِ حَوْمَلَ، وَقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَلَدُهُ بِشْرُ بْنُ أَيُّوبَ، وَهُوَ الَّذِي يَزْعُمُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُ ذُو الْكِفْلِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَاتَ ابْنُهُ هَذَا، وَكَانَ نَبِيًّا فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَكَانَ عُمُرُهُ مِنَ السِّنِينَ خَمْسًا وَسَبْعِينَ. فَأَوْصَى إِلَى ابْنِهِ عَبْدَانَ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ بَعْدَهُ شُعَيْبَ بْنَ ضَيْعُونَ بْنِ عُنُقَا بْنِ ثَابِتِ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -.

  182. التاريخ 182لا حكم مسجّل

    قال اللَّهُ تَعَالَى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 83 - 84 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ ص: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ ص: 41 - 44 ].

  183. التاريخ 183لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ ذِي الْكِفْلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي نُبُوَّةِ ذِي الْكِفْلِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ نَبِيٌّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِهِ مَنْ يَكُونُ؟ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّهُ بِشْرُ بْنُ أَيُّوبَ، وَأَرْسَلَهُ أَيُّوبُ دَاعِيًا إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ بِالشَّامِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ. وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ ذِي الْكِفْلِ عَلَى أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: أَنَّهُ تَكَفَّلَ بِأَنْ يَصُومَ النَّهَارَ وَيُقِيمَ اللَّيْلَ وَلَا يَغْضَبَ وَوَفَّى لِلَّهِ بِذَلِكَ، وَمِنْهَا: أَنَّ مَلِكًا ظَالِمًا قَتَلَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَهَرَبَ مِنْهُ مِائَةُ نَبِيٍّ فَكَفَلَهُمْ فَسُمِّيَ الْكِفْلُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ. وَقَدْ مَاتَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ بِالشَّامِ وَعُمْرُهُ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً.

  184. التاريخ 184لا حكم مسجّل

    اخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إِنَّمَا كَانَ عَبْدًا صَالِحًا. قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَمُجَاهِدٌ فِي آخَرِينَ. والظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَقْرُونًا مَعَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ نَبِيٌّ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا عَادِلًا. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْكِفْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلَاةٍ فَتُوُفِّيَ فَكَفَلَ هَذَا بِصَلَاتِهِ، فَسُمِّيَ ذَا الْكِفْلِ. قَالَهُ أَبُو مُوسَى. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَكَفَّلَ لِلنَّبِيِّ بِقَوْمِهِ أَنْ يَكْفِيَهُ أَمْرَهُمْ وَتَعَهَّدَ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ فَفَعَلَ، فَسُمِّيَ ذَا الْكِفْلِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَلِكًا قَتَلَ فِي يَوْمٍ ثَلَاثَمِائَةِ نَبِيٍّ وَفَرَّ مِنْهُ مِائَةُ نَبِيٍّ، فَكَفَلَهُمْ ذُو الْكِفْلِ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ حَتَّى أَفْلَتُوا. فَسُمِّيَ ذَا الْكِفْلِ، قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا. قَالَهُ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْكِتَابِ. قَالَ عَطَاءٌ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذِي الْكِفْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْبِضَ رُوحَكَ، فَاعْرِضْ مُلْكَكَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَنْ تَكَفَّلَ لَكَ بِأَنَّهُ يُصَلِّي اللَّيْلَ لَا يَفْتُرُ، وَيَصُومُ النَّهَارَ لَا يُفْطِرُ، وَيَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ فَلَا يَغْضَبُ فَارْفَعْ مُلْكَكَ إِلَيْهِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَقَامَ شَابٌّ، فَقَالَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ لَكَ بِهَذَا، فَكَفَلَ بِهِ فَوَفَّى. وَحَكَى بَعْضُ عُلَمَاءِ السِّيَرِ: أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ ذِي الْكِفْلِ جَبَّارٌ مِنَ الْعَمَالِيقِ فَدَعَاهُ ذُو الْكِفْلِ إِلَى الْإِيمَانِ وَضَمِنَ لَهُ الْجَنَّةَ، فَقَالَ: مَنْ كَفَلَ لِي بِذَلِكَ، قَالَ: أَنَا، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا تَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ إِنَّ هُوَ آمَنَ. فَتَرَكَ الْمَلِكُ مُلْكَهُ وَلَحِقَ بِالنُّسَّاكِ. فَلَمَّا مَاتَ دُفِنَ الْكِتَابُ مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ الْكِتَابَ إِلَى ذِي الْكِفْلِ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَفَّى الْمَلِكَ بِمَا ضَمِنَ لَهُ، فَآمَنَ بِهِ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِمِثْلِ مَا تَكَفَّلَ لِمَلِكِهِمْ، فَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَا الْكِفْلِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَبُرَ الْيَسَعُ قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَخْلَفْتُ رَجُلًا عَلَى النَّاسِ يَعْمَلُ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاتِي حَتَّى أَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ. فَجَمَعَ النَّاسَ. فَقَالَ: مَنْ يَتَقَبَّلُ لِي بِثَلَاثٍ أَسْتَخْلِفُهُ؛ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا يَغْضَبُ ؟ قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ تَزْدَرِيهِ الْعَيْنُ. فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا تَغْضَبُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَدَّهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَقَالَ مِثْلَهَا الْيَوْمَ الْآخَرَ فَسَكَتَ النَّاسُ، وَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَنَا. فَاسْتَخْلَفَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَقُولُ لِلشَّيَاطِينِ: عَلَيْكُمْ بِفُلَانٍ. فَأَعْيَاهُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَعُونِي وَإِيَّاهُ، فَأَتَاهُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ فَقِيرٍ، وَأَتَاهُ حِينَ أَخَذَ مَضْجَعَهُ لِلْقَائِلَةِ، وَكَانَ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِلَّا تِلْكَ النَّوْمَةَ فَدَقَّ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَظْلُومٌ. قَالَ: فَقَامَ فَفَتَحَ الْبَابَ فَجَعَلَ يَقُصُّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي خُصُومَةً، وَإِنَّهُمْ ظَلَمُونِي وَفَعَلُوا بِي وَفَعَلُوا، وَجَعَلَ يُطَوِّلُ عَلَيْهِ حَتَّى حَضَرَ الرَّوَاحُ، وَذَهَبَتِ الْقَائِلَةُ. وَقَالَ: إِذَا رُحْتُ فَأْتِنِي آخُذْ لَكَ بِحَقِّكَ فَانْطَلَقَ، وَرَاحَ فَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ هَلْ يَرَى الشَّيْخَ فَلَمْ يَرَهُ، فَقَامَ يَتْبَعُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَعَلَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، وَيَنْتَظِرُهُ فَلَا يَرَاهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْقَائِلَةِ فَأَخَذَ مَضْجَعَهُ أَتَاهُ فَدَقَّ الْبَابَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْمَظْلُومُ فَفَتَحَ لَهُ. فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِذَا قَعَدْتُ فَأْتِنِي ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ أَخْبَثُ قَوْمٍ، إِذَا عَرَفُوا أَنَّكَ قَاعِدٌ قَالُوا: نَحْنُ نُعْطِيكَ حَقَّكَ. وَإِذَا قُمْتَ جَحَدُونِي، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَإِذَا رُحْتُ فَأْتِنِي. قَالَ: فَفَاتَتْهُ الْقَائِلَةُ فَرَاحَ فَجَعَلَ يَنْتَظِرُ فَلَا يَرَاهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ النُّعَاسُ. فَقَالَ: لِبَعْضِ أَهْلِهِ لَا تَدَعَنَّ أَحَدًا يَقْرُبُ هَذَا الْبَابَ حَتَّى أَنَامَ فَإِنِّي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ النَّوْمُ، فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ السَّاعَةَ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَرَاءَكَ، وَرَاءَكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَتَيْتُهُ أَمْسِ فَذَكَرْتُ لَهُ أَمْرِي. فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ لَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَدَعَ أَحَدًا يَقْرُبُهُ، فَلَمَّا أَعْيَاهُ نَظَرَ فَرَأَى كُوَّةً فِي الْبَيْتِ فَتَسَوَّرَ مِنْهَا فَإِذَا هُوَ فِي الْبَيْتِ، وَإِذَا هُوَ يَدُقُّ الْبَابَ مِنْ دَاخِلٍ قَالَ: فَاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ. فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَلَمْ آمُرْكَ ؟ قَالَ: أَمَّا مِنْ قِبَلِي، وَاللَّهِ لَمْ تُؤْتَ فَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ ؟ قَالَ: فَقَامَ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُغْلَقٌ، كَمَا أَغْلَقَهُ، وَإِذَا الرَّجُلُ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَعَرَفَهُ. فَقَالَ: أَعَدُوَّ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَعْيَيْتَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَفَعَلْتُ مَا تَرَى لِأُغْضِبَكَ فَسَمَّاهُ اللَّهُ ذَا الْكِفْلِ؛ لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِأَمْرٍ فَوَفَّى بِهِ. وأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مِرَارٍ، وَلَكِنْ قَدْ سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ ارْتَعَدَتْ، وَبَكَتْ فَقَالَ لَهَا مَا يُبْكِيكِ أَكْرَهْتُكِ. قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ هَذَا عَمَلٌ لَمْ أَعْمَلْهُ قَطُّ، وَإِنَّمَا حَمَلَتْنِي عَلَيْهِ الْحَاجَةُ. قَالَ: فَتَفْعَلِينَ هَذَا، وَلَمْ تَفْعَلِيهِ قَطُّ ؟ ثُمَّ نَزَلَ. فَقَالَ: اذْهَبِي بِالدَّنَانِيرِ لَكِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَعْصِي اللَّهَ الْكِفْلُ أَبَدًا. فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلْكِفْلِ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ. وَقَالَ حَسَنٌ. وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ فَوَقَفَهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ فَإِنَّ سَعْدًا هَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا أَعْرِفُهُ إِلَّا بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ. وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ هَذَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَلَيْسَ هُوَ ذَا الْكِفْلِ. وَإِنَّمَا لَفْظُ الْحَدِيثِ " الْكِفْلُ " مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ فَهُوَ رَجُلٌ آخَرُ غَيْرُ الْمَذْكُورِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  185. التاريخ 185لا حكم مسجّل

    رَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ ذَا الْكِفْلِ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ ذُو الْكِفْلِ مِنْ أَوْلَادِ أَيُّوبَ، فَأَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى دَاعِيًا إِلَى تَوْحِيدِهِ بِالشَّامِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ الْيَسَعُ بْنُ أُخْطُوبَ، وَكَانَ قَبْلَ دَاوُدَ. قَالَ وَهْبٌ: كَانَ بَعْدَ الْيَسَعَ. وَذُكِرَ أَنَّ أَيُّوبَ أَوْصَى عِنْدَ مَوْتِهِ إِلَى ابْنِهِ حَوْمَلَ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ بَعْدَهُ ابْنَهُ بِشْرَ بْنَ أَيُّوبَ نَبِيًّا وَسَمَّاهُ ذَا الْكِفْلِ، وَكَانَ مُقِيمًا بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ، وَكَانَ عُمُرُهُ خَمْسًا وَسَبْعِينَ سَنَةً

  186. التاريخ 186لا حكم مسجّل

    وَأَقَامَ ذُو الْكِفْلِ عُمُرَهُ بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً.

  187. التاريخ 187لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قِصَّةِ أَيُّوبَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 85 - 86 ]. وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ قِصَّةِ أَيُّوبَ أَيْضًا فِي سُورَةِ ص: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ [ ص: 45 - 48 ].

  188. التاريخ 188لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ أَصْحَابِ الرَّسِّ جَاءَ ذِكْرُ أَصْحَابِ الرَّسِّ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا [الْفَرْقَانِ: 38]، وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ [ق: 12]. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُؤَرِّخُونَ فِي أَصْحَابِ الرَّسِّ مَنْ يَكُونُونَ فَمَال بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى ثَمُودَ، وَقِيلَ: بِئْرُ بِأَذْرَبِيجَانَ، وَقِيلَ: بِئْرُ رَسُوًّا فِيهَا نَبِيُّهُمْ أَيْ دَفَنُوهُ فِيهَا، وَقِيلَ: هُمْ أَصْحَابُ يَاسِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ، أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ كَانَتْ لَهُمْ بِئْرٌ تَرْوِيهِمْ، وَتَكْفِي أَرْضَهُمْ جَمِيعَهَا، وَكَانَ لَهُمْ مَلِكٌ عَادِلٌ حَسَنُ السِّيرَةِ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوا عَلَيْهِ وَجْدًا عَظِيمًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ تَصَوَّرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ، وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَمُتْ، وَلَكِنْ تَغَيَّبْتُ عَنْكُمْ حَتَّى أَرَى صَنِيعَكُمْ. فَفَرِحُوا أَشَدَّ الْفَرَحِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ حِجَابٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَبَدًا، فَصَدَّقَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَافْتَتَنُوا بِهِ، وَعَبَدُوهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ نَبِيًّا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا شَيْطَانٌ يُخَاطِبُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَكَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ اسْمُهُ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ، فَغَارَ مَاؤُهَا، وَعَطِشُوا بَعْدَ رَيِّهِمْ وَيَبِسَتْ أَشْجَارُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ ثِمَارُهُمْ، وَخَرِبَتْ دِيَارُهُمْ، وَتَبَدَّلُوا بَعْدَ الْأُنْسِ بِالْوَحْشَةِ، وَبَعْدَ الِاجْتِمَاعِ بِالْفُرْقَةِ، وَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَسَكَنَ فِي مَسَاكِنِهِمُ الْجِنُّ وَالْوُحُوشُ، فَلَا يُسْمَعُ بِبِقَاعِهِمْ إِلَّا عَزِيفُ الْجِنِّ، وَزَئِيرُ الْأُسْدِ، وَصَوْتُ الضِّبَاعِ. أَصْحَابُ يَاسِينَ جَاءَ ذِكْرُ قَوْمِ يَاسِينَ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ يس فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ حَوَارِيِّهِ إِلَى هَذِهِ الْقَرْيَةِ، -يُقَالُ هِيَ أَنْطَاكِيَةُ-، فَكَذَّبَهُمَا أَهْلُهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ شَمْعُونُ أَحَدُ كِبَارِ الْحَوَارِيِّينَ، وَقَدِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ دَخَلَ مُتَخَفِّيًا وَاخْتَلَطَ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ وَحَاشِيَةِ الْمَلِكِ حَتَّى أَدْنَاهُ الْمَلِكُ وَأَصْبَحَ مِنْ خَوَاصِّهِ فَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى أَنْ يَسْمَعَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمَا الْمَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَمِعَ وَرَأَى مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ مِنْ شِفَاءِ الْمَرْضَى وَإِحْيَاءِ، فَأَسْلَمَ وَآمَنَ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ مَعَهُ، وَثَمَّةَ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَقُولُ: بِأَنَّ الْمَلِكَ لَمْ يُسْلِمْ بَلْ قَتَلَ الرُّسُلَ وَذَلِكَ حِينَمَا دَعَوْهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ وَافَقَ ذَلِكَ بِأَنْ مُنِعُوا الْمَطَرَ فَتَشَاءَمَ الْقَوْمُ وَهَمُّوا بِهِمْ فَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى كَانَ قَدْ آمَنَ بِهِمْ لِمَا رَأَى مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ مِنْ شِفَاءِ الْمَرْضَى وَالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهُ حَبِيبٌ النَّجَّارُ، فَدَعَّى النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِالرُّسُلِ فَقَتَلُوهُ، فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ

  189. التاريخ 189لا حكم مسجّل

    بَابُ ذِكْرِ أُمَمٍ أُهْلِكُوا بِعَامَّةٍ وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ ; بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى [ الْقَصَصِ: 43 ]. الْآيَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ مَا أَهْلَكَ اللَّهُ قَوْمًا بِعَذَابٍ مِنَ السَّمَاءِ أَوْ مِنَ الْأَرْضِ، بَعْدَ مَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، غَيْرَ الْقَرْيَةِ الَّتِي مُسِخُوا قِرَدَةً ; أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَالْأَشْبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَقْفُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُهْلِكَتْ بِعَامَّةٍ، قَبْلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ  . فَمِنْهُمْ: أَصْحَابُ الرَّسِّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي سُورَةِ " الْفُرْقَانِ " وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا [ الْفُرْقَانِ: 38، 39 ]. وَقَالَ تَعَالَى، فِي سُورَةِ " ق " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَ وَعِيدِ [ ق: 12 - 14 ]. وَهَذَا السِّيَاقُ وَالَّذِي قَبْلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا، وَدُمِّرُوا، وَتُبِّرُوا، وَهُوَ الْهَلَاكُ. وَهَذَا يَرُدُّ اخْتِيَارَ ابْنِ جَرِيرٍ ; مِنْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي سُورَةِ " الْبُرُوجِ " ; لِأَنَّ أُولَئِكَ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٍ، كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ.، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَصْحَابُ الرَّسِّ أَهْلُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى ثَمُودَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي أَوَّلِ " تَارِيخِهِ "، عِنْدَ ذِكْرِ بِنَاءِ دِمَشْقَ عَنْ " تَارِيخِ " أَبِي الْقَاسِمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُرْدَاذَبَةَ، وَغَيْرِهِ، أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ كَانُوا بِحَضُورٍ، فَبَعْثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نَبِيًّا يُقَالُ لَهُ: حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ. فَكَذَّبُوهُ وَقَتَلُوهُ، فَسَارَ عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، بِوَلَدِهِ مِنَ الرَّسِّ، فَنَزَلَ الْأَحْقَافَ، وَأَهْلَكَ اللَّهُ أَصْحَابَ الرَّسِّ، وَانْتَشَرُوا فِي الْيَمَنِ كُلِّهَا، وَفَشَوْا مَعَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا، حَتَّى نَزَلَ جَيْرُونُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إِرَمَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ دِمَشْقَ وَبَنَى مَدِينَتَهَا، وَسَمَّاهَا جَيْرُونَ وَهِيَ إِرَمُ ذَاتُ الْعِمَادِ، وَلَيْسَ أَعْمِدَةُ الْحِجَارَةِ فِي مَوْضِعٍ أَكْثَرَ مِنْهَا بِدِمَشْقَ، فَبَعَثَ اللَّهُ هُودَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْخُلُودِ بْنِ عَادٍ إِلَى عَادٍ - يَعْنِي أَوْلَادَ عَادٍ - بِالْأَحْقَافِ، فَكَذَّبُوهُ، وَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ قَبْلَ عَادٍ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأَذْرَبِيجَانَ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: الرَّسُّ بِئْرٌ رَسُّوا فِيهَا نَبِيَّهُمْ. أَيْ ; دَفَنُوهُ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ عِكْرِمَةُ: أَصْحَابُ الرَّسِّ بِفَلْجَ، وَهُمْ أَصْحَابُ يَاسِينَ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فَلْجُ مِنْ قُرَى الْيَمَامَةِ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانُوا أَصْحَابَ يَاسِينَ، كَمَا زَعَمَهُ عِكْرِمَةُ، فَقَدْ أُهْلِكُوا بِعَامَّةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قِصَّتِهِمْ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [ يس: 29 ]. وَسَتَأْتِي قِصَّتُهُمْ بَعْدَ هَؤُلَاءِ. وَإِنْ كَانُوا غَيْرَهُمْ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَقَدْ أُهْلِكُوا أَيْضًا وَتُبِّرُوا. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيُنَافِي مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ، أَنَّ أَصْحَابَ الرَّسِّ كَانَتْ لَهُمْ بِئْرٌ تَرْوِيهِمْ، وَتَكْفِي أَرْضَهُمْ جَمِيعَهَا، وَكَانَ لَهُمْ مَلَكٌ عَادِلٌ حَسَنُ السِّيرَةِ، فَلَمَّا مَاتَ وَجَدُوا عَلَيْهِ وَجْدًا عَظِيمًا، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ تَصَوَّرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ، وَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَمُتْ، وَلَكِنْ تَغَيَّبْتُ عَنْكُمْ حَتَّى أَرَى صَنِيعَكُمْ. فَفَرِحُوا أَشَدَّ الْفَرَحِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ حِجَابٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَبَدًا، فَصَدَّقَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَافْتَتَنُوا بِهِ، وَعَبَدُوهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ نَبِيًّا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ هَذَا شَيْطَانٌ يُخَاطِبُهُمْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَكَانَ يُوحَى إِلَيْهِ فِي النَّوْمِ، وَكَانَ اسْمُهُ حَنْظَلَةَ بْنَ صَفْوَانَ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَلْقَوْهُ فِي الْبِئْرِ، فَغَارَ مَاؤُهَا، وَعَطِشُوا بَعْدَ رَيِّهِمْ وَيَبِسَتْ أَشْجَارُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ ثِمَارُهُمْ، وَخَرِبَتْ دِيَارُهُمْ، وَتَبَدَّلُوا بَعْدَ الْأُنْسِ بِالْوَحْشَةِ، وَبَعْدَ الِاجْتِمَاعِ بِالْفُرْقَةِ، وَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، وَسَكَنَ فِي مَسَاكِنِهِمُ الْجِنُّ وَالْوُحُوشُ، فَلَا يُسْمَعُ بِبِقَاعِهِمْ إِلَّا عَزِيفُ الْجِنِّ، وَزَئِيرُ الْأُسْدِ، وَصَوْتُ الضِّبَاعِ. وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ نَبِيًّا إِلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ، فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا ذَلِكَ الْأَسْوَدُ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَةِ عَدَوْا عَلَى النَّبِيِّ، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا، فَأَلْقَوْهُ فِيهَا، ثُمَّ أَطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ أَصَمَّ قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ الْعَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ، وَيَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا وَشَرَابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إِلَى ذَلِكَ الْبِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ، وَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَيُدْلِي إِلَيْهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، ثُمَّ يَرُدُّهَا كَمَا كَانَتْ. قَالَ: فَكَانَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ وَحَزَمَ حُزْمَتَهُ وَفَرَغَ مِنْهَا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَهَا، وَجَدَ سِنَةً، فَاضْطَجَعَ يَنَامُ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نَائِمًا، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ، فَتَمَطَّى وَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الْآخَرِ فَاضْطَجَعَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرَى، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ، وَاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ، وَلَا يَحْسَبُ أَنَّهُ نَامَ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَجَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ، فَبَاعَ حُزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرَى طَعَامًا وَشَرَابًا، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْحُفْرَةِ، إِلَى مَوْضِعِهَا الَّذِي كَانَتْ فِيهِ، فَالْتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَقَدْ كَانَ بَدَا لِقَوْمِهِ فِيهِ بَدَاءٌ، فَاسْتَخْرَجُوهُ، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ. قَالَ: فَكَانَ نَبِيُّهُمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدِ: مَا فَعَلَ؟ فَيَقُولُونَ لَهُ: مَا نَدْرِي. حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ النَّبِيَّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَهَبَّ الْأَسْوَدُ مِنْ نَوْمِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنْ ذَلِكَ الْأَسْوَدَ لَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. ثُمَّ قَدْ رَدَّهُ ابْنُ جَرِيرٍ نَفْسُهُ، وَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الرَّسِّ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ. قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ عَنْ أَصْحَابِ الرَّسِّ أَنَّهُ أَهْلَكَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ قَدْ بَدَا لَهُمْ فَآمَنُوا بِنَبِيِّهِمْ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَدَثَتْ لَهُمْ أَحْدَاثٌ، آمَنُوا بِالنَّبِيِّ بَعْدَ هَلَاكِ آبَائِهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ; لِمَا تَقَدَّمَ وَلِمَا ذُكِرَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ، حَيْثُ تُوُعِّدُوا بِالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ إِنْ لَمْ يَتُوبُوا، وَلَمْ يُذْكَرْ هَلَاكُهُمْ، وَقَدْ صُرِّحَ بِهَلَاكِ أَصْحَابِ الرَّسِّ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى أَنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: " مَا صُدِّقَ نَبِيٌّ مَا صُدِّقْتُ، إِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ ". فَمِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَصْحَابُ الرَّسِّ. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ: كَانَ أَصْحَابُ الرَّسِّ يَعْبُدُونَ شَجَرَةً، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ، فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا وَأَلْقَوْهُ فِيهَا فَهَلَكُوا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ لَهُمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ: " حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ " قَتَلُوهُ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ.

  190. التاريخ 190لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ قَوْمِ يس  وَهُمْ أَصْحَابُ الْقَرْيَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ [ يس: 13 - 29 ]. اشْتُهِرَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ أَنْطَاكِيَةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا بَلَّغَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَعْبٍ، وَوَهْبٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: وَكَانَ لَهَا مَلِكٌ اسْمُهُ أَنْطِيخَسُ بْنُ أَنْطِيحَسَ، وَكَانَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ ثَلَاثَةً مِنَ الرُّسُلِ ; وَهُمْ صَادِقٌ، وَصَدُوقٌ، وَشَلُومُ، فَكَذَّبَهُمْ. وَعَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَائِيِّ: كَانَ اسْمُ الرَّسُولَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ: شَمْعُونَ وَيُوحَنَّا، وَاسْمُ الثَّالِثِ بُولِسَ، وَالْقَرْيَةِ أَنْطَاكِيَةَ. وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ جِدًّا ; لِأَنَّ أَهْلَ أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا بَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمَسِيحُ ثَلَاثَةً مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، كَانُوا أَوَّلَ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلِهَذَا كَانَتْ إِحْدَى الْمُدُنِ الْأَرْبَعِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا بَطَارِقَةُ النَّصَارَى ; وَهُنَّ أَنْطَاكِيَةُ وَالْقُدْسُ وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَرُومِيَّةُ. ثُمَّ بَعْدَهَا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَلَمْ يُهْلَكُوا، وَأَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ أُهْلِكُوا، كَمَا قَالَ فِي آخِرِ قِصَّتِهَا بَعْدَ قَتْلِهِمْ صِدِّيقَ الْمُرْسَلِينَ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الرُّسُلُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ، بُعِثُوا إِلَى أَهْلِ أَنْطَاكِيَةَ قَدِيمًا، فَكَذَّبُوهُمْ وَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ عُمِرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَسِيحِ آمَنُوا بِرُسُلِهِ إِلَيْهِمْ، فَلَا يُمْنَعُ هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا يَعْنِي: لِقَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ يَعْنِي الْمَدِينَةَ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ أَيْ ; أَيَّدْنَاهُمَا بِثَالِثٍ فِي الرِّسَالَةِ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، كَمَا قَالَتِ الْأُمَمُ الْكَافِرَةُ لِرُسُلِهِمْ، يَسْتَبْعِدُونَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا بَشَرِيًّا، فَأَجَابُوهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّا رُسُلُهُ إِلَيْكُمْ، وَلَوْ كُنَّا كَذَّبَنَا عَلَيْهِ لَعَاقَبْنَا وَانْتَقَمَ مِنَّا أَشَدَّ الِانْتِقَامِ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ أَيْ; إِنَّمَا عَلَيْنَا، أَيْ نُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْنَا بِهِ إِلَيْكُمْ، وَاللَّهُ هُوَ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ أَيْ ; تَشَاءَمْنَا بِمَا جِئْتُمُونَا بِهِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ قِيلَ بِالْمَقَالِ. وَقِيلَ بِالْفِعَالِ. وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ تَوَعَّدُوهُمْ بِالْقَتْلِ وَالْإِهَانَةِ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَيْ ; مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ أَيْ ; بِسَبَبِ أَنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ بِالْهُدَى وَدَعَوْنَاكُمْ إِلَيْهِ، تَوَعَّدْتُمُونَا بِالْقَتْلِ وَالْإِهَانَةِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ أَيْ ; لَا تَقْبَلُونَ الْحَقَّ، وَلَا تُرِيدُونَهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَجَاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى يَعْنِي: لِنُصْرَةِ الرُّسُلِ، وَإِظْهَارِ الْإِيمَانِ بِهِمْ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ أَيْ ; يَدْعُونَكُمْ إِلَى الْحَقِّ الْمَحْضِ، بِلَا أُجْرَةٍ وَلَا جِعَالَةٍ. ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، مِمَّا لَا يَنْفَعُ شَيْئًا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ أَيْ ; إِنْ تَرَكْتُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَعَبَدْتُ سِوَاهُ. ثُمَّ قَالَ مُخَاطِبًا لِلرُّسُلِ إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ قِيلَ: فَاسْتَمِعُوا مَقَالَتِي، وَاشْهَدُوا لِي بِهَا عِنْدَ رَبِّكُمْ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ فَاسْمَعُوا يَا قَوْمِي إِيمَانِي بِرُسُلِ اللَّهِ جَهْرَةً. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَتَلُوهُ. قِيلَ: رَجَمًا. وَقِيلَ: عَضًّا. وَقِيلَ: وَثَبُوا إِلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَتَلُوهُ. وَحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وَطِئُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ حَتَّى أَخْرَجُوا قُصْبَهُ. وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ: كَانَ اسْمُ هَذَا الرَّجُلِ حَبِيبَ بْنَ مُرَى. ثُمَّ قِيلَ: كَانَ نَجَّارًا. وَقِيلَ: حَبَّالًا. وَقِيلَ: إِسْكَافًا. وَقِيلَ: قَصَّارًا. وَقِيلَ: كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي غَارٍ هُنَاكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ قَدْ أَسْرَعَ فِيهِ الْجُذَامُ، وَكَانَ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ، قَتَلَهُ قَوْمُهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ادْخُلِ الْجَنَّةَ يَعْنِي: لَمَّا قَتَلَهُ قَوْمُهُ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ يَعْنِي: لِيُؤْمِنُوا بِمَا آمَنْتُ بِهِ، فَيَحْصُلَ لَهُمْ مَا حَصَلَ لِي. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَصَحَ قَوْمَهُ فِي حَيَاتِهِ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ قَتَادَةُ: لَا تَلْقَى الْمُؤْمِنَ إِلَّا نَاصِحًا، لَا تَلْقَاهُ غَاشًّا، لَمَّا عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ قَالَ: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ أَنْ يَعْلَمَ قَوْمُهُ بِمَا عَايَنَ مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَمَا هَجَمَ عَلَيْهِ. قَالَ قَتَادَةُ فَلَا وَاللَّهِ، مَا عَاتَبَ اللَّهُ قَوْمَهُ بَعْدَ قَتْلِهِ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ أَيْ ; مَا احْتَجْنَا فِي الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ إِلَى إِنْزَالِ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ جُنْدًا، أَيْ رِسَالَةً أُخْرَى. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. قُلْتُ: وَأَقْوَى. وَلِهَذَا قَالَ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ أَيْ ; وَمَا كُنَّا نَحْتَاجُ فِي الِانْتِقَامِ إِلَى هَذَا، حِينَ كَذَّبُوا رُسُلنَا وَقَتَلُوا وَلِيَّنَا إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ الَّذِي لِبَلَدِهِمْ، ثُمَّ صَاحَ بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ أَيْ ; قَدْ أُخْمِدَتْ أَصْوَاتُهُمْ، وَسَكَنَتْ حَرَكَاتُهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ. وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَرْيَةَ لَيْسَتْ أَنْطَاكِيَةَ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ أُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَأَهْلُ أَنْطَاكِيَةَ آمَنُوا، وَاتَّبَعُوا رُسُلَ الْمَسِيحِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِلَيْهِمْ ; فَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ آمَنَتْ بِالْمَسِيحِ. وَقِيلَ: وَمِمَّا كَانَ مِنَ الْأَحْدَاثِ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ إِرْسَالُ اللَّهِ تَعَالَى الرُّسُلَ الثَّلَاثَةَ إِلَى مَدِينَةِ أَنْطَاكِيَّةَ  ، وَكَانُوا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ أَصْحَابِ الْمَسِيحِ، وَأَرْسَلَ أَوَّلًا اثْنَيْنِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَسْمَائِهِمَا، فَقَدِمَا أَنْطَاكِيَّةَ فَرَأَيَا عِنْدَهَا شَيْخًا يَرْعَى غَنَمًا، وَهُوَ حَبِيبٌ النَّجَّارُ، فَسَلَّمَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا ؟ قَالَا: رَسُولَا عِيسَى نَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: مَعَكُمَا آيَةٌ ؟ قَالَا: نَعَمْ، نَحْنُ نَشْفِي الْمَرْضَى وَنُبَرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِ اللَّهِ. قَالَ حَبِيبٌ إِنَّ لِي ابْنًا مَرِيضًا مُنْذُ سِنِينَ، وَأَتَى بِهِمَا مَنْزِلَهُ، فَمَسَحَا ابْنَهُ، فَقَامَ فِي الْوَقْتِ صَحِيحًا، فَفَشَا الْخَبَرُ فِي الْمَدِينَةِ، وَشَفَى اللَّهُ عَلَى أَيْدِيهِمَا كَثِيرًا مِنَ الْمَرْضَى، وَكَانَ لَهُمْ مَلِكٌ اسْمُهُ أَنْطِيخَسْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، فَبَلَغَ إِلَيْهِ خَبَرُهُمَا، فَدَعَاهُمَا، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمَا ؟ قَالَا: رُسُلُ عِيسَى نَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: فَمَا آيَتُكُمَا ؟ قَالَا: نُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَنَشْفِي الْمَرْضَى بِإِذْنِ اللَّهِ. فَقَالَ: قُومَا حَتَّى نَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمَا، فَقَامَا، فَضَرَبَهُمَا الْعَامَّةُ. وَقِيلَ: إِنَّهُمَا قَدِمَا الْمَدِينَةَ فَبَقِيَا مُدَّةً لَا يَصِلَانِ إِلَى الْمَلِكِ، فَخَرَجَ الْمَلِكُ يَوْمًا، فَكَبَّرَا وَذَكَرَا اللَّهَ، فَغَضِبَ وَحَبَسَهُمَا وَجَلَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَلَمَّا كُذِّبَا وَضُرِبَا بَعَثَ الْمَسِيحُ شَمْعُونَ رَأْسَ الْحَوَارِيِّينَ لِيَنْصُرَهُمَا، فَدَخَلَ الْبَلَدَ مُتَنَكِّرًا وَعَاشَرَ حَاشِيَةَ الْمَلِكِ، فَرَفَعُوا خَبَرَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَأَحْضَرَهُ وَرَضِيَ عِشْرَتَهُ وَأَنِسَ بِهِ وَأَكْرَمَهُ، فَقَالَ لَهُ يَوْمًا: أَيُّهَا الْمَلِكُ بَلَغَنِي أَنَّكَ حَبَسْتَ رَجُلَيْنِ فِي السِّجْنِ وَضَرَبْتَهُمَا حِينَ دَعَوَاكَ إِلَى دِينِهِمَا فَهَلْ كَلَّمْتَهُمَا وَسَمِعْتَ قَوْلَهُمَا ؟ فَقَالَ الْمَلِكُ: حَالَ الْغَضَبُ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنْ رَأَى الْمَلِكُ أَنْ يُحْضِرَهُمَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُمَا، فَدَعَاهُمَا الْمَلِكُ، فَقَالَ لَهُمَا شَمْعُونُ: مَنْ أَرْسَلَكُمَا ؟ قَالَا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَلَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: فَوَصَفَاهُ وَأَوْجَزَا. قَالَا: إِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. قَالَ شَمْعُونُ: فَمَا آيَتُكُمَا ؟ قَالَا: مَا تَتَمَنَّاهُ. فَأَمَرَ الْمَلِكُ، فَجِيءَ بِغُلَامٍ مَطْمُوسِ الْعَيْنَيْنِ مَوْضِعُهُمَا كَاللُّحْمَةِ، فَمَا زَالَا يَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا حَتَّى انْشَقَّ مَوْضِعُ الْبَصَرِ، وَأَخَذَا بُنْدُقَتَيْنِ مِنَ الطِّينِ فَوَضَعَاهُمَا فِي حَدَقَتَيْهِ فَصَارَتَا مُقْلَتَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا. فَعَجِبَ الْمَلِكُ لِذَلِكَ فَقَالَ: إِنْ قَدَرَ إِلَهُكُمَا الَّذِي تَعْبُدَانِهِ عَلَى إِحْيَاءِ مَيِّتٍ آمَنَّا بِهِ وَبِكُمَا. قَالَا: إِنَّ إِلَهَنَا قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ الْمَلِكُ: إِنَّ هَاهُنَا مَيِّتًا مُنْذُ سَبْعَةِ أَيَّامٍ فَلَمْ نَدْفِنْهُ حَتَّى يَرْجِعَ أَبُوهُ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأُحْضِرَ الْمَيِّتُ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ رِيحُهُ، فَدَعَوَا اللَّهَ تَعَالَى عَلَانِيَةً وَشَمْعُونُ يَدْعُو سِرًّا، فَقَامَ الْمَيِّتُ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: إِنِّي مُتُّ مُشْرِكًا وَأُدْخِلْتُ فِي أَوْدِيَةٍ مِنَ النَّارِ وَأَنَا أُحَذِّرُكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُ شَابًّا حَسَنَ الْوَجْهِ يَشْفَعُ لِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَمَنْ هُمْ ؟ فَقَالَ: هَذَا، وَأَوْمَأَ إِلَى شَمْعُونَ، وَهَذَانِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِمَا، فَعَجِبَ الْمَلِكُ، فَحِينَئِذٍ دَعَا شَمْعُونُ الْمَلِكَ إِلَى دِينِهِ، فَآمَنَ قَوْمُهُ، وَكَانَ الْمَلِكُ فِيمَنْ آمَنَ وَكَفَرَ آخَرُونَ. وَقِيلَ: بَلْ كَفَرَ الْمَلِكُ وَأَجْمَعَ هُوَ وَقَوْمُهُ عَلَى قَتْلِ الرُّسُلِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حَبِيبًا النَّجَّارَ، وَهُوَ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ يَسْعَى إِلَيْهِمْ فَيُذَكِّرُهُمْ وَيَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ الْمُرْسَلِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ )، وَهُوَ شَمْعُونُ، فَأَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى الْإِرْسَالَ إِلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَهُمُ الْمَسِيحُ لِأَنَّهُ أَرْسَلَهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَلَمَّا كَذَّبَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ، فَقَالَ أَهْلُهَا لِلرُّسُلِ: ( إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ )، فَلَمَّا حَضَرَ حَبِيبٌ، وَكَانَ مُؤْمِنًا يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَكَانَ يَجْمَعُ كَسْبَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَيُنْفِقُ عَلَى عِيَالِهِ نِصْفَهُ وَيَتَصَدَّقُ بِنِصْفِهِ، فَقَالَ: ( يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ). فَقَالَ قَوْمُهُ: وَأَنْتَ مُخَالِفٌ لِرَبِّنَا وَمُؤْمِنٌ بِإِلَهِ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ: ( وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ قَتَلُوهُ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً فَمَاتُوا.

  191. التاريخ 191لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ ذِكْرُ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [يُونُسَ: 98]. وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الْأَنْبِيَاءِ: 87، 88]. وَقَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [الصَّافَّاتِ: 139 - 148]. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [الْقَلَمِ: 48 - 50]. فِي هَذِهِ الْآيَاتُ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُمْ أَهْلُ نِينَوَى مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ، مِنْ تَكْذِيبِهِمْ لنَبِيِّهِمْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانُوا قَوْمًا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ، وَأَقَامَ فِيهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ فَلَمْ يُؤْمِنْ لَهُ إِلَّا رَجُلَانِ فَلَمَّا آيَسَ مِنْهُمْ دَعَا عَلَيْهِمْ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَلَمَّا دَعَاهُمْ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ يَوْمًا حَذَّرَهُمْ أَنَّ الْعَذَابَ وَاقِعٌ بِهِمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَنَّ آيَةَ ذَلِكَ تَغَيُّرُ أَلْوَانِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَشْعَرُوا مَا قَالَهُ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ، وَقَدْ خَرَجَ عَنْهُمْ وَلَمَّا قَرُبَ مَوْعِدُ نُزُولِ الْعَذَابِ لَجَؤُوا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَابُوا إِلَيْهِ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا وَيُرْجَى لَهُمْ أَنْ يَكْشِفَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَذَابَ الْآخِرَةِ. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ عَدَدِ قَوْمِ يُونُسَ وَأَنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْمُؤَرِّخُونَ حَوْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّهَا عَشَرَةُ آلَافٍ وَالْبَعْضُ يَقُولُ عِشْرِينَ، وَأَوْصَلَهَا بَعْضُهُمْ إِلَى سَبْعِينَ أَلْفًا. وَلَمَّا فَارَقَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْمَهُ وَذَهَبَ مُغَاضِبًا لِقَوْمِهِ رَكِبَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ فَلَجَّتْ بِهِمْ وَاضْطَرَبَتْ وَثَقُلَتْ بِمَنْ فِيهَا فَاسْتَهَمُوا مَنْ يُلْقَى مِنْهَا، فَسَاهَمَ فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأُلْقِيَ فِي الْيَمِّ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ، وَمَكَثَ فِي بَطْنِهِ مُدَّةً، اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ حَوْلَهَا، فَأَلْهَمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ التَّسْبِيحَ وَالتَّوْبَةَ، فَقَالَ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَنْجَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ وَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَهُوَ الْقَرْعُ. وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلُهُ ﷺ: مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى

  192. التاريخ 192لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ يُونُسَ  ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ما نزل في يونس من القرآن قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " يُونُسَ " فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [ يُونُسَ: 98 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْأَنْبِيَاءِ ": وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 87، 88 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الصَّافَّاتِ " وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ [ الصَّافَّاتِ: 139 - 148 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " نُونْ ": فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [ الْقَلَمِ: 48 - 50 ]. نسبه وبعثته قَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ: بَعَثَ اللَّهُ يُونُسَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى أَهْلِ نِينَوَى ; مِنْ أَرْضِ الْمَوْصِلِ. وَهُوَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى، وَمَتَّى أَبُوهُ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ. وَقِيلَ: لَمْ يُنْسَبْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى أُمِّهِ إِلَّا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ وَيُونُسَ بْنَ مَتَّى، وَهِيَ أُمُّهُ. وَكَانَ يُونُسُ بَعْدَ سُلَيْمَانَ. وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَجْعَلُ بَيْنَهُمَا أَيُّوبَ، وَتَقْدِيمُ أَيُّوبَ عَلَى مَا اخْتَرْنَا أَوْضَحُ. دعوته إلى قومه وتكذيبهم ثم إيمانهم كَانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِالنَّهْيِ عَنْ عِبَادَتِهَا وَالْأَمْرِ بِالتَّوْحِيدِ، فَأَقَامَ فِيهَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً يَدْعُوهُمْ، فَلَمْ يُؤْمِنْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ، فَلَمَّا أَيِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ دَعَا عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ لَهُ: مَا أَسْرَعَ مَا دَعَوْتَ عَلَى عِبَادِي ! ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَادْعُهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَدَعَاهُمْ سَبْعَةً وَثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الْعَذَابَ يَأْتِيكُمْ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَلْوَانُكُمْ تَتَغَيَّرُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَغَيَّرَتْ أَلْوَانُهُمْ، فَقَالُوا: قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مَا قَالَ يُونُسُ وَلَمْ نُجَرِّبْ عَلَيْهِ كَذِبًا فَانْظُرُوا فَإِنْ بَاتَ فِيكُمْ فَأْمَنُوا مِنَ الْعَذَابِ، وَإِنْ لَمْ يَبِتْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الْعَذَابَ يُصَبِّحُكُمْ. فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْأَرْبَعِينَ أَيْقَنَ يُونُسُ بِنُزُولِ الْعَذَابِ، فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ تَغَشَّاهُمُ الْعَذَابُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ، خَرَجَ عَلَيْهِمْ غَيْمٌ أَسْوَدُ هَائِلٌ يُدَخِّنُ دُخَانًا شَدِيدًا، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَاسْوَدَّتْ مِنْهُ سُطُوحُهُمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ أَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ، فَطَلَبُوا يُونُسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأَلْهَمَهُمُ اللَّهُ التَّوْبَةَ، فَأَخْلَصُوا النِّيَّةَ فِي ذَلِكَ وَقَصَدُوا شَيْخًا وَقَالُوا لَهُ: قَدْ نَزَلَ بِنَا مَا تَرَى فَمَا نَفْعَلُ ؟ فَقَالَ: آمِنُوا بِاللَّهِ وَتُوبُوا وَقُولُوا: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ، يَا حَيُّ مُحْيِي الْمَوْتَى، يَا حَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. فَخَرَجُوا مِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى مَكَانٍ رَفِيعٍ فِي بِرَازٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ دَابَّةِ وَوَلَدِهَا، ثُمَّ عَجُّوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَقَالُوهُ وَرَدُّوا الْمَظَالِمَ جَمِيعًا حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَقْلَعُ الْحَجَرَ مِنْ بِنَائِهِ فَيَرُدُّهُ إِلَى صَاحِبِهِ. فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَكَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَقِيلَ: لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ. رفع العذاب الأخروي عن قوم يونس عليه السلام وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ ; هَلْ يَنْفَعُهُمْ هَذَا الْإِيمَانُ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَيُنْقِذُهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ، كَمَا أَنْقَذَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، الْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَمَّا آمَنُوا وَقَالَ تَعَالَى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ وَهَذَا الْمَتَاعُ إِلَى حِينٍ لَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ مِنْ رَفْعِ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عدد قوم يونس عليه السلام الذين أرسل إليهم وَقَدْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ لَا مَحَالَةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الزِّيَادَةِ ; فَعَنْ مَكْحُولٍ: عَشَرَةُ آلَافٍ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بسنده عن أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قَالَ: يَزِيدُونَ عِشْرِينَ أَلْفًا. فَلَوْلَا هَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ لَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ فَاصِلًا فِي هَذَا الْبَابِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَعَنْهُ، وَبِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَعَنْهُ، وَبِضْعَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ وَسَبْعِينَ أَلْفًا. إلقاء يونس في البحر والتقام الحوت له وَاخْتَلَفُوا ; هَلْ كَانَ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ قَبْلَ الْحُوتِ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ هُمَا أُمَّتَانِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، هِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي التَّفْسِيرِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا ذَهَبَ مُغَاضِبًا بِسَبَبِ قَوْمِهِ، رَكِبَ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، فَلَجَّتْ بِهِمْ وَاضْطَرَبَتْ، وَمَاجَتْ بِهِمْ وَثَقُلَتْ بِمَا فِيهَا، وَكَادُوا يَغْرَقُونَ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ، قَالُوا: فَاشْتَوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَقْتَرِعُوا، فَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أَلْقَوْهُ مِنَ السَّفِينَةِ ; لِيَتَخَفَّفُوا مِنْهُ، فَلَمَّا اقْتَرَعُوا وَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ يُونُسَ، فَلَمْ يَسْمَحُوا بِهِ، فَأَعَادُوهَا ثَانِيَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا، فَشَمَّرَ لِيَخْلَعَ ثِيَابَهُ وَيُلْقِيَ بِنَفْسِهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ ذَلِكَ، ثُمَّ أَعَادُوا الْقُرْعَةَ ثَالِثَةً فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا ; لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ، أُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ، وَبَعَثَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، حُوتًا عَظِيمًا مِنَ الْبَحْرِ الْأَخْضَرِ فَالْتَقَمَهُ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْ لَا تَأْكُلَ لَهُ لَحْمًا، وَلَا تُهَشِّمَ لَهُ عَظْمًا، فَلَيْسَ لَكَ بِرِزْقٍ، فَأَخْذَهُ فَطَافَ بِهِ الْبِحَارَ كُلَّهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْتَلَعَ ذَلِكَ الْحُوتَ حُوتٌ آخَرُ أَكْبَرُ مِنْهُ. قَالُوا: وَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي جَوْفِ الْحُوتِ، حَسِبَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَحَرَّكَ جَوَارِحَهُ فَتَحَرَّكَتْ، فَإِذَا هُوَ حَيٌّ، فَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَقَالَ: يَا رَبِّ، اتَّخَذْتُ لَكَ مَسْجِدًا لَمْ يَعْبُدْكَ أَحَدٌ فِي مَثَلِهِ. مقدار لبث يونس عليه السلام في بطن الحوت وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ لُبْثِهِ فِي بَطْنِهِ ; فَقَالَ مَجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ: الْتَقَمَهُ ضُحًى، وَلَفَظَهُ عَشِيَّةً. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَكَثَ فِيهِ ثَلَاثًا. وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَيَشْهَدُ لَهُ شِعْرُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ: وَأَنْتَ بِفَضْلٍ مِنْكَ نَجَّيْتَ يُوُنُسَا وَقَدْ بَاتَ فِي أَضْعَافِ حُوتٍ لَيَالِيَا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ، وَأَبُو مَالِكٍ: مَكَثَ فِي جَوْفِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مِقْدَارُ مَا لَبِثَ فِيهِ. تسبيح يونس عليه السلام في بطن الحوت وَلَمَّا جُعِلَ الْحُوتُ يَطُوفُ بِهِ فِي قَرَارِ الْبِحَارِ اللُّجِّيَّةِ، وَيَقْتَحِمُ بِهِ لُجَجَ الْمَوْجِ الْأُجَاجِيِّ، فَسَمِعَ تَسْبِيحَ الْحِيتَانِ لِلرَّحْمَنِ، وَحَتَّى سَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَى لِفَالِقِ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ، وَمَا بَيْنَهَا، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، فَعِنْدَ ذَلِكَ وَهُنَالِكَ قَالَ مَا قَالَ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْمَقَالِ، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ ذُو الْعِزَّةِ وَالْجَلَالِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، وَيَكْشِفُ الضُّرَّ وَالْبَلْوَى، سَامِعُ الْأَصْوَاتِ وَإِنْ ضَعُفَتْ، وَعَالِمُ الْخِفْيَاتِ وَإِنْ دَقَّتْ، وَمُجِيبُ الدَّعَوَاتِ وَإِنْ عَظُمَتْ، حَيْثُ قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، الْمُنَزَّلِ عَلَى رَسُولِهِ الْأَمِينِ، وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ، وَإِلَهُ الْمُرْسَلِينَ: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ. فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أَيْ ; نُضَيِّقَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ نُقَدِّرُ، مِنَ التَّقْدِيرِ. وَهِيَ لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ: قَدَرَ، وَقَدَّرَ. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فَلَا عَائِدٌ ذَاكَ الزَّمَانُ الَّذِي مَضَى     تَبَارَكْتَ مَا تُقَدِّرْ يَكُنْ فَلَكَ الْأَمْرُ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: ظُلْمَةُ بَطْنِ الْحُوتِ، وَظُلْمَةُ الْبَحْرِ، وَظُلْمَةُ اللَّيْلِ. وَقَالَ سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ: ابْتَلَعَ الْحُوتَ حُوتٌ آخَرُ، فَصَارَ ظُلْمَةُ الْحُوتَيْنِ مَعَ ظُلْمَةِ الْبَحْرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قِيلَ: مَعْنَاهُ ; لَوْلَا أَنَّهُ سَبَّحَ اللَّهَ هُنَالِكَ، وَقَالَ مَا قَالَ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ، وَالِاعْتِرَافِ لِلَّهِ بِالْخُضُوعِ، وَالتَّوْبَةِ إِلَيْهِ، وَالرُّجُوعِ إِلَيْهِ، لَلَبِثَ هُنَالِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَبُعِثَ مِنْ جَوْفِ ذَلِكَ الْحُوتِ. هَذَا مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ قَبْلِ أَخْذِ الْحُوتِ لَهُ مِنَ الْمُسَبِّحِينِ أَيِ ; الْمُطِيعِينَ الْمُصَلِّينَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا. قَالَهُ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَيَشْهَدُ لِهَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَبَعْضُ أَهْلِ السُّنَنِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِي: يَا غُلَامُ، إِنِّي مُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ; احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي " تَفْسِيرِهِ "، وَالْبَزَّارُ فِي " مَسْنَدِهِ "، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أَمِّ سَلَمَةَ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ حَبْسَ يُونُسَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْحُوتِ، أَنْ خُذْ وَلَا تَخْدِشْ لَحْمًا، وَلَا تَكْسِرْ عَظْمًا. فَلَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْبَحْرِ، سَمِعَ يُونُسَ حِسًّا، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: مَا هَذَا ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: إِنَّ هَذَا تَسْبِيحُ دَوَابِّ الْبَحْرِ قَالَ فَسَبَّحَ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فَسَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ تَسْبِيحَهُ، فَقَالُوا يَا رَبَّنَا، إِنَّا نَسْمَعُ صَوْتًا ضَعِيفًا بِأَرْضٍ غَرِيبَةٍ. قَالَ ذَلِكَ عَبْدِي يُونُسُ، عَصَانِي فَحَبَسْتُهُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ فِي الْبَحْرِ. قَالُوا: الْعَبْدُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يَصْعَدُ إِلَيْكَ مِنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عَمَلٌ صَالِحٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَشَفَعُوا لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ الْحُوتَ فَقَذَفَهُ فِي السَّاحِلِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ سَقِيمٌ دعاء يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت وطرحه بالعراء وإنبات القرع عليه قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي " تَفْسِيرِهِ ": أَنَّ يَزِيدَ الرَّقَاشِيَّ حَدَّثَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّ أَنَسًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَنَّ يُونُسَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حِينَ بَدَا لَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَأَقْبَلَتِ الدَّعْوَةُ تَحِنُّ بِالْعَرْشِ، فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ، صَوْتٌ ضَعِيفٌ مَعْرُوفٌ مِنْ بِلَادٍ غَرِيبَةٍ. فَقَالَ: أَمَا تَعْرِفُونَ ذَاكَ ؟ قَالُوا: يَا رَبِّ، وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: عَبْدِي يُونُسُ. قَالُوا: عَبَدُكَ يُونُسُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُرْفَعُ لَهُ عَمَلٌ مُتَقَبَّلٌ وَدَعْوَةٌ مُجَابَةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالُوا: يَا رَبِّ، أَوَلَا تَرْحَمُ مَا كَانَ يَصْنَعُهُ فِي الرَّخَاءِ، فَتُنَجِّيَهُ مِنَ الْبَلَاءِ ؟ قَالَ: بَلَى. فَأَمَرَ الْحُوتَ فَطَرَحَهُ فِي الْعَرَاءِ.. وعن أَبي هُرَيْرَةَ قال: طُرِحَ بِالْعَرَاءِ، وَأَنْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْيَقْطِينَةَ. قُلْنَا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَا الْيَقْطِينَةُ ؟ قَالَ: شَجَرَةُ الدُّبَّاءِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَهَيَّأَ اللَّهُ لَهُ أُرْوِيَّةً وَحْشِيَّةً تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ - أَوْ قَالَ: هَشَاشِ الْأَرْضِ - قَالَ: فَتَنْفَشِخُ عَلَيْهِ فَتَرْوِيهِ مِنْ لَبَنِهَا، كُلَّ عَشِيَّةٍ وَبُكْرَةٍ، حَتَّى نَبَتَ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ فِي ذَلِكَ بَيْتًا مِنْ شِعْرِهِ فَأَنْبَتَ يَقْطِينًا عَلَيْهِ بِرِحْمَةٍ     مِنَ اللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ أُلْفِيَ ضَاحِيَا وَهَذَا غَرِيبٌ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ ضَعِيفٌ، وَلَكِنْ يَتَقَوَّى بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، كَمَا يَتَقَوَّى ذَاكَ بِهَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَنَبَذْنَاهُ أَيْ ; أَلْقَيْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْقَفْرُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْجَارِ، بَلْ هُوَ عَارٍ مِنْهَا وَهُوَ سَقِيمٌ أَيْ ; ضَعِيفُ الْبَدَنِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَهَيْئَةِ الْفَرْخِ، لَيْسَ عَلَيْهِ رِيشٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ زَيْدٍ: كَهَيْئَةِ الصَّبِيِّ حِينَ يُولَدُ، وَهُوَ الْمَنْفُوسُ، لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ الْقَرْعُ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِي إِنْبَاتِ الْقَرْعِ عَلَيْهِ حِكَمٌ جَمَّةٌ ; مِنْهَا أَنَّ وَرَقَهُ فِي غَايَةِ النُّعُومَةِ، وَكَثِيرٌ وَظَلِيلٌ، وَلَا يَقْرَبُهُ ذُبَابٌ، وَيُؤْكَلُ ثَمَرُهُ مِنْ أَوَّلِ طُلُوعِهِ إِلَى آخِرِهِ، نِيئًا وَمَطْبُوخًا، وَبِقِشْرِهِ وَبِبِزْرِهِ أَيْضًا، وَفِيهِ نَفْعٌ كَثِيرٌ، وَتَقْوِيَةٌ لِلدِّمَاغِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ تِلْكَ الْأُرْوِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تُرْضِعُهُ لَبَنَهَا، وَتَرْعَى فِي الْبَرِّيَّةِ، وَتَأْتِيهِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً. وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ، وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. استجابته سبحانه وتعالى لدعاء يونس عليه السلام ونجاته وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ أَيِ ; الْكَرْبِ وَالضِّيقِ الَّذِي كَانَ فِيهِ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ أَيْ ; وَهَذَا صَنِيعُنَا بِكُلِّ مُؤْمِنٍ دَعَانَا وَاسْتَجَارَ بِنَا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اسْمُ اللَّهِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، دَعْوَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هِيَ لِيُونُسَ خَاصَّةً أَمْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ هِيَ لِيُونُسَ خَاصَّةً، وَلِلْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً إِذَا دَعَوْا بِهَا، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ فَهُوَ شَرْطٌ مِنَ اللَّهِ لِمَنْ دَعَاهُ بِهِ وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ دَعَا بِدُعَاءِ يُونُسَ اسْتُجِيبَ لَهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: يُرِيدُ بِهِ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ سَعْدٍ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - قَالَ: مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي ثُمَّ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَأَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ حَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ شَيْءٌ ؟ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: لَا، وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ: لَا، إِلَّا أَنِّي مَرَرْتُ بِعُثْمَانَ آنِفًا فِي الْمَسْجِدِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَمَلَأَ عَيْنَيْهِ مِنِّي، ثُمَّ لَمْ يَرْدُدْ عَلَيَّ السَّلَامَ. قَالَ: فَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عُثْمَانَ فَدَعَاهُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَكُونَ رَدَدْتَ عَلَى أَخِيكَ السَّلَامَ ؟ قَالَ: مَا فَعَلْتُ. قَالَ سَعْدٌ: قُلْتُ: بَلَى. حَتَّى حَلَفَ وَحَلَفْتُ. قَالَ: ثُمَّ إِنْ عُثْمَانَ ذَكَرَ، فَقَالَ: بَلَى، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، إِنَّكَ مَرَرْتَ بِي آنِفًا، وَأَنَا أُحَدِّثُ نَفْسِي بِكَلِمَةٍ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَا وَاللَّهِ، مَا ذَكَرْتُهَا قَطُّ إِلَّا تَغَشَّى بَصَرِي وَقَلْبِي غِشَاوَةٌ. قَالَ سَعْدٌ: فَأَنَا أُنْبِئُكَ بِهَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَشَغَلَهُ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاتَّبَعْتُهُ، فَلَمَّا أَشْفَقْتُ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَى مَنْزِلِهِ، ضَرَبْتُ بِقَدَمِي الْأَرْضَ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ أَبُو إِسْحَاقَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَمَهْ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا أَنَّكَ ذَكَرْتَ لَنَا أَوَّلَ دَعْوَةٍ، ثُمَّ جَاءَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ فَشَغَلَكَ. قَالَ: نَعَمْ، دَعْوَةُ ذِي النُّونِ ; إِذْ هُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا مُسْلِمٌ رَبَّهُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ لَهُ

  193. التاريخ 193لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ فَضْلِ يُونُسَ  عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الصَّافَّاتِ: 139 ]. وَذَكَرَهُ تَعَالَى فِي جُمْلَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ، فِي سُورَتَيِ " النِّسَاءِ " و " الْأَنْعَامِ "، عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فِي قِصَّةِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ حِينَ قَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِهِ: وَلَا أَقُولُ: إِنَّ أَحَدًا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى أَيْ ; لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ نَفْسَهُ عَلَى يُونُسَ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَنِي عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى كَمَا قَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى  وَهَذَا مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ مِنْهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَالْمُرْسَلِينَ.

  194. التاريخ 223لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ   الْخَضِرُ قَدْ كَانَ قَبْلَ مُوسَى، قَالَ الطَّبَرِيُّ: كَانَ فِي أَيَّامِ أَفْرِيدُونَ الْمَلِكِ بْنِ أَثْفِيَانَ. قَالَ: وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ عَلَى مُقَدِّمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَكْبَرِ، الَّذِي كَانَ أَيَّامَ إِبْرَاهِيمَ. وَذُو الْقَرْنَيْنِ عِنْدَ قَوْمٍ هُوَ أَفْرِيدُونَ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ مَنْ كَانَ آمَنَ بِالْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَاجَرَ مَعَهُ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَوْذَبٍ: الْخَضِرُ مِنْ وَلَدِ فَارِسَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي زَمَانِ أَفْرِيدُونَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ، وَالْخَضِرِ قَدِيمٌ إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذِكْرُهُ لَمْ يَنْبُغْ إِلَّا فِي زَمَانِ مُوسَى ذَكَرْنَاهُ هَاهُنَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ بَلَغَ مَعَ ذِي الْقَرْنَيْنِ نَهْرَ الْحَيَاةِ فَشَرِبَ مِنْ مَائِهِ وَلَا يَعْلَمُ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَمَنْ مَعَهُ، فَخُلِّدَ وَهُوَ حَيٌّ عِنْدَهُمْ إِلَى الْآنِ. وَقَالَ آخَرُونَ: ذُو الْقَرْنَيْنِ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَثْغِيَانَ، وَعَلَى مَقْدَمَتِهِ كَانَ الْخَضِرُ. وَقَدْ أَغْرَبَ جِدًّا مَنْ قَالَ: هُوَ ابْنُ فِرْعَوْنَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ ضَحَّاكٍ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيَا أَلْفَ سَنَةٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَالَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ أَفْرِيدُونَ

  195. التاريخ 224لا حكم مسجّل

    قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ: إِنَّ مُوسَى هَذَا الَّذِي رَحَلَ إِلَى الْخَضِرِ، هُوَ مُوسَى بْنُ مِيشَا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَتَابَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ يَأْخُذُ مِنْ صُحُفِهِمْ، وَيَنْقُلُ عَنْ كُتُبِهِمْ، مِنْهُمْ نَوْفُ بْنُ فَضَالَةَ الْحِمْيَرِيُّ الشَّامِيُّ الْبِكَالِيُّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ دِمَشْقِيٌّ. وَكَانَتْ أُمُّهُ زَوْجَةَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ سِيَاقِ الْقُرْآنِ، وَنَصُّ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، أَنَّهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، صَاحِبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عن سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ; حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ; إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، إِنَّ لِي عَبْدًا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ لِي بِهِ؟ قَالَ: تَأْخُذُ مَعَكَ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ فَحَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهُوَ ثَمَّ. فَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ بِمِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ، وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُءُوسَهُمَا فَنَامَا، وَاضْطَرَبَ الْحُوتَ فِي الْمِكْتَلِ، فَخَرَجَ مِنْهُ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جَرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ عَلَيْهِ مِثْلُ الطَّاقِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ صَاحِبُهُ أَنْ يُخْبِرَهُ بِالْحُوتِ، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ " قَالَ " مُوسَى لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا. وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ " قَالَ " لَهُ فَتَاهَ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ: فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا، وَلِمُوسَى وَلِفَتَاهُ عَجَبًا قَالَ: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا قَالَ: فَرَجَعَا يَقُصَّانِ أَثَرَهُمَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ الْخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ. قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا. " قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا "، يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ، لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مَنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ، فَقَالَ مُوسَى: سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ لَمْ يَفْجَأْ إِلَّا وَالْخَضِرُ قَدْ قَلَعَ لَوْحًا مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ بِالْقَدُومِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا " لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا " قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتِ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. قَالَ: وَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلُ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنْ هَذَا الْبَحْرِ. ثُمَّ خَرَجَا مِنَ السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الْخَضِرُ غُلَامًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: " أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا " قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى، " قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ " قَالَ: مَائِلٌ. فَقَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ " فَأَقَامَهُ " فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا، وَلَمْ يُضَيِّفُونَا " لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ، حَتَّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ: ( وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا ). وَكَانَ يَقْرَأُ: ( وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ) بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ. وَفِيهِ: فَخَرَجَ مُوسَى، وَمَعَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَمَعَهُمَا الْحُوتُ، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَنَزَلَا عِنْدَهَا. قَالَ: فَوَضَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَنَامَ قَالَ سُفْيَانُ: وَفِي حَدِيثِ غَيْرِ عَمْرٍو، قَالَ: وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا: الْحَيَاةُ. لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ، فَأَصَابَ الْحُوتُ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ، قَالَ: فَتَحَرَّكَ، وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ، وَدَخَلَ الْبَحْرَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا كَذَا قَالَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ قصة الجدار وَقَوْلُهُ: وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُمَا أَصْرَمُ وَصَرِيمُ، ابْنَا كَاشِحَ. وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا قِيلَ: كَانَ ذَهَبًا. قَالَهُ عِكْرِمَةُ، وَقِيلَ: عِلْمًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ كَانَ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ، مَكْتُوبًا فِيهِ عِلْمٌ. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، رَفَعَهُ قَالَ: إِنَّ الْكَنْزَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مُصْمَتٍ: عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ نَصِبَ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ ذَكَرَ النَّارَ ثُمَّ ضَحِكَ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ ذَكَرَ الْمَوْتَ ثُمَّ غَفَلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَعُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ، وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ، نَحْوُ هَذَا. وَقَوْلُهُ: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ الْأَبَ السَّابِعَ، وَقِيلَ: الْعَاشِرَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ الصَّالِحَ يُحْفَظُ فِي ذُرِّيَّتِهِ، فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

  196. التاريخ 225لا حكم مسجّل

    [ اسْمِ الْخَضِرِ] فَأَمَّا اسْمُ الْخَضِرِ، فَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: هُوَ الْخَضِرُ بْنُ عَامِيلَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: اسْمُهُ أُرْمِيَاءُ بْنُ خِلْقِيَا. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ أُرْمِيَاءَ كَانَ فِي أَيَّامِ بُخْتَ نَصَّرَ، وَبَيْنَ عَهْدِ مُوسَى وَبُخْتَ نَصَّرَ [زَمَنٌ] طَوِيلٌ. وَقِيلَ: هُوَ الْخَضِرُ بْنُ مِلْكَانَ بْنِ فَالِغِ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالِحَ بْنِ أَرْفَخَشْدَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ: هُوَ خَضْرُونُ بْنُ عَامِيلَ بْنِ أَلِيفَرْنَ بْنِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَإِنَّهُ ابْنُ خَالَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَوَزِيرُهُ. قَالَ الطَّبَرِيُّ: إِنَّ الْخَضِرَ هُوَ الْوَلَدُ الرَّابِعُ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْخَضِرُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وَنُسِئَ لَهُ فِي أَجَلِهِ حَتَّى يُكَذِّبَ الدَّجَّالَ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ وَغَرِيبٌ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ السِّجِسْتَانِيُّ: سَمِعْتُ مَشْيَخَتَنَا; مِنْهُمْ، أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ، قَالُوا: إِنَّ أَطْوَلَ بَنِي آدَمَ عُمْرًا الْخَضِرُ، وَاسْمَهُ: خَضْرُونُ بْنُ قَابِيلَ بْنِ آدَمَ. قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، أَخْبَرَ بَنِيهِ أَنَّ الطُّوفَانَ سَيَقَعُ بِالنَّاسِ، وَأَوْصَاهُمْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْ يَحْمِلُوا جَسَدَهُ مَعَهُمْ فِي السَّفِينَةِ، وَأَنْ يَدْفِنُوهُ فِي مَكَانٍ عَيَّنَهُ لَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ، حَمَلُوهُ مَعَهُمْ، فَلَمَّا هَبَطُوا إِلَى الْأَرْضِ، أَمَرَ نُوحٌ بَنِيهِ أَنْ يَذْهَبُوا بِبَدَنِهِ فَيَدْفِنُوهُ حَيْثُ أَوْصَى، فَقَالُوا: إِنَّ الْأَرْضَ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ، وَعَلَيْهَا وَحْشَةٌ، فَحَرَّضَهُمْ، وَحَثَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ: إِنَّ آدَمَ دَعَا لِمَنْ يَلِي دَفْنَهُ بِطُولِ الْعُمْرِ، فَهَابُوا الْمَسِيرَ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَلَمْ يَزَلْ جَسَدُهُ عِنْدَهُمْ، حَتَّى كَانَ الْخَضِرُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى دَفْنَهُ، وَأَنْجَزَ اللَّهُ مَا وَعَدَهُ، فَهُوَ يَحْيَى إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنَّ يَحْيَى. وَقيل اسْمُهُ بَلْيَا بْنُ مَلْكَانَ بْنِ فَالَغَ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالَخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: اسْمُ الْخَضِرِ فِيمَا بَلَغْنَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْمُعَمَّرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُنْيَتُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ. وَالْأَشْبَهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ الْخَضِرَ لَقَبٌ غَلَبَ عَلَيْهِ.

  197. التاريخ 226لا حكم مسجّل

    [لِمَ سُمِّيَ الْخَضِرَ] وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ لَمْ سُمِّيَ الْخَضِرَ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَاخْضَرَّتْ، وَالْفَرْوَةُ الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ خَضِرًا لِأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ تَحْتَهُ خَضْرَاءَ".   وَالثَّانِي: إِنَّهُ كَانَ إِذَا جَلَسَ اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ. قَالَهُ عِكْرِمَةُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانَ إِذَا صَلَّى اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ خَضِرًا; لِحُسْنِهِ وَإِشْرَاقِ وَجْهِهِ. قُلْتُ: هَذَا لَا يُنَافِي مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ "، فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مِنَ التَّعْلِيلِ بِأَحَدِهِمَا، فَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَوْلَى وَأَقْوَى، بَلْ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا عَدَاهُ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ خَضِرًا لِأَنَّهُ صَلَّى عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فَاهْتَزَّتْ خَضْرَاءَ وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ مُوسَى، وَيُوشَعَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، لَمَّا رَجَعَا يَقُصَّانِ الْأَثَرَ، وَجَدَاهُ عَلَى طِنْفِسَةٍ خَضْرَاءَ عَلَى كَبِدِ الْبَحْرِ، وَهُوَ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، قَدْ جُعِلَ طَرَفَاهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ وَقَدَمَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، فَرَدَّ وَقَالَ: أَنَّى بِأَرْضِكِ السَّلَامُ! مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَنْهُمَا.

  198. التاريخ 227لا حكم مسجّل

    وَقَدْ دَلَّ سِيَاقُ الْقِصَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِ مِنْ وُجُوهٍ  أَحَدُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا [ الْكَهْفِ: 65 ]. الثَّانِي، قَوْلُ مُوسَى لَهُ: هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا [ الْكَهْفِ: 66 - 70 ]. فَلَوْ كَانَ وَلِيًّا وَلَيْسَ بِنَبِيٍّ، لَمْ يُخَاطِبْهُ مُوسَى بِهَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَى مُوسَى هَذَا الرَّدَّ، بَلْ مُوسَى إِنَّمَا سَأَلَ صُحْبَتَهُ لِيَنَالَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ، الَّذِي اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِ دُونَهُ، فَلَوْ كَانَ غَيْرَ نَبِيٍّ لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا، وَلَمْ تَكُنْ لِمُوسَى - وَهُوَ نَبِيٌّ عَظِيمٌ، وَرَسُولٌ كَرِيمٌ، وَاجِبُ الْعِصْمَةِ - كَبِيرُ رَغْبَةٍ، وَلَا عَظِيمُ طَلِبَةٍ فِي عِلْمِ وَلِيٍّ غَيْرِ وَاجِبِ الْعِصْمَةِ، وَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهِ، وَالتَّفْتِيشِ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَنَّهُ يَمْضِي حُقُبًا مِنَ الزَّمَانِ، قِيلَ: ثَمَانِينَ سَنَةً. ثُمَّ لَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ تَوَاضَعَ لَهُ، وَعَظَّمَهُ، وَاتَّبَعَهُ فِي صُورَةِ مُسْتَفِيدٍ مِنْهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ نَبِيٌّ مِثْلُهُ يُوحَى إِلَيْهِ كَمَا يُوحَى إِلَيْهِ، وَقَدْ خُصَّ مِنَ الْعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، وَالْأَسْرَارِ النَّبَوِيَّةِ، بِمَا لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى، الْكَلِيمَ، نَبِيَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكَرِيمَ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْمَسْلَكِ بِعَيْنِهِ الرُّمَّانِيُّ، عَلَى نُبُوَّةِ الْخَضِرِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. الثَّالِثُ، أَنَّ الْخَضِرَ أَقْدَمَ عَلَى قَتْلِ ذَلِكَ الْغُلَامِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِلْوَحْيِ إِلَيْهِ مِنَ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ. وَهَذَا دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَبُرْهَانٌ ظَاهِرٌ عَلَى عِصْمَتِهِ; لِأَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَجُوزُ لَهُ الْإِقْدَامُ عَلَى قَتْلِ النُّفُوسِ بِمُجَرَّدِ مَا يُلْقَى فِي خَلَدِهِ، لِأَنَّ خَاطِرَهُ لَيْسَ بِوَاجِبِ الْعِصْمَةِ; إِذْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ بِالِاتِّفَاقِ. وَلَمَّا أَقْدَمَ الْخَضِرُ عَلَى قَتْلِ ذَلِكَ الْغُلَامِ، الَّذِي لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ، عِلْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ إِذَا بَلَغَ يَكْفُرُ، وَيَحْمِلُ أَبَوَيْهِ عَنِ الْكُفْرِ; لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِمَا لَهُ، فَيُتَابِعَانِهِ عَلَيْهِ، فَفِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ تَرْبُو عَلَى بَقَاءِ مُهْجَتِهِ; صِيَانَةً لِأَبَوَيْهِ عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْكُفْرِ وَعُقُوبَتِهِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَأَنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ بِعِصْمَتِهِ. وَقَدْ رَأَيْتُ الشَّيْخَ أَبَا الْفَرَجِ ابْنَ الْجَوْزِيِّ طَرَقَ هَذَا الْمَسْلَكَ بِعَيْنِهِ فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى نُبُوَّةِ الْخَضِرِ وَصَحَّحَهُ. وَحَكَى الِاحْتِجَاجَ عَلَيْهِ الرُّمَّانِيُّ أَيْضًا. الرَّابِعُ، أَنَّهُ لَمَّا فَسَّرَ الْخَضِرُ تَأْوِيلَ تِلْكَ الْأَفَاعِيلِ لِمُوسَى، وَوَضَّحَ لَهُ عَنْ حَقِيقَةِ أَمْرِهِ، وَجَلَّى، قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي يَعْنِي: مَا فَعَلَتْهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، بَلْ أُمِرْتُ بِهِ، وَأُوحِيَ إِلَيَّ فِيهِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ حُصُولَ وِلَايَتِهِ، بَلْ وَلَا رِسَالَتَهُ، كَمَا قَالَ آخَرُونَ. وَأَمَّا كَوْنُهُ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَغَرِيبٌ جِدًّا. وَإِذَا ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، لَمْ يَبْقَ لِمَنْ قَالَ بِوِلَايَتِهِ - وَإِنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَةِ الْأُمُورِ دُونَ أَرْبَابِ الشَّرْعِ الظَّاهِرِ - مُسْتَنَدٌ يَسْتَنِدُونَ إِلَيْهِ، وَلَا مُعْتَمَدٌ يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: كَانَ نَبِيًّا فِي زَمَنِ سَبَاسِبَ بْنِ لَهْرَاسِبَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ كَانَ بَيْنَ أَفْرِيدُونَ وَبَيْنَ سَبَاسِبَ دُهُورٌ طَوِيلَةٌ، لَا يَجْهَلُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَنْسَابِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ أَفْرِيدُونَ، وَاسْتَمَرَّ حَيًّا إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ نُبُوَّةُ مُوسَى فِي زَمَنِ مَنُوشِهْرَ، الَّذِي هُوَ مِنْ وَلَدِ إِيرَجَ بْنِ أَفْرِيدُونَ، أَحَدِ مُلُوكِ الْفُرْسِ وَكَانَ إِلَيْهِ الْمُلْكُ بَعْدَ جَدِّهِ أَفْرِيدُونَ لِعَهْدِهِ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: اسْتَخْلَفَ اللَّهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ نَاشِيَةُ بْنُ أَمُوصَ، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمُ الْخَضِرَ مَعَهُ نَبِيًّا

  199. التاريخ 228لا حكم مسجّل

    [فِي اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي حَيَاةِ الْخَضِرِ وَمَوْتِهِ]   وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْخَضِرَ حَيٌّ إِلَى الْآنَ، وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيثَ لَا تَثْبُتُ، وَحِكَايَاتٍ عَنْ أَقْوَامٍ سَلِيمِي الصُّدُورِ، وَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: لَقِيتُ الْخَضِرَ. فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ: فَمِنْهَا مَا يُرْوَى عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ مَعَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَأَنَّهُ سَبَقَ إِلَى الْعَيْنِ الَّتِي قَصَدَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ لَمَّا وَصَفَ لَهُ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا خُلِّدَ فِي الدُّنْيَا، فَشَرِبَ مِنْهَا فَأُعْطِيَ الْخُلْدَ لِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "يَلْتَقِي الْخَضِرُ وَإِلْيَاسُ فِي كُلِّ عَامٍ فِي الْمَوْسِمِ، فَيَحْلِقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى رَأْسِ صَاحِبِهِ وَيَتَفَرَّقَانِ عَنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: "بِسْمِ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ، لَا يَسُوقُ الْخَيْرَ إِلَّا اللَّهُ، بِسْمِ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا يَصْرِفُ السُّوءَ إِلَّا اللَّهُ، مَا شَاءَ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ". وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ، قَالَ: وُكِّلَ إِلْيَاسُ بِالْفَيَافِي، وَوُكِّلَ الْخَضِرُ بِالْبُحُورِ، وَقَدْ أُعْطِيَا الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا إِلَى الصَّيْحَةِ الْأُولَى، وَأَنَّهُمَا يَجْتَمِعَانِ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ فِي كُلِّ عَامٍ. وعَنْ دَاوُدَ بْنِ يَحْيَى مَوْلَى عَوْنٍ الطَّفَاوِيِّ، عَنْ رَجُلٍ كَانَ مُرَابِطًا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِعَسْقَلَانَ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي وَادِي الْأُرْدُنِّ إِذَا أَنَا بَرَجُلٍ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي قَائِمٍ يُصَلِّي، فَإِذَا سَحَابَةٌ تُظِلُّهُ مِنَ الشَّمْسِ فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَنَّهُ إِلْيَاسُ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَانْفَتَلَ مِنْ صِلَاتِهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ شَيْئًا، فَأَعَدْتُ الْقَوْلَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ: أَنَا إِلْيَاسُ النَّبِيُّ، فَأَخَذَتْنِي رِعْدَةٌ شَدِيدَةٌ خَشِيتُ عَلَى عَقْلِي أَنْ يَذْهَبَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ رَأَيْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوَ لِي أَنْ يَذْهَبَ عَنِّي مَا أَجِدُ حَتَّى أَفْهَمَ حَدِيثَكَ، فَدَعَا لِي بِثَمَانِ دَعَوَاتٍ، فَقَالَ: يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ،...، فَذَهَبَ عَنِّي مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَقُلْتُ: إِلَى مَنْ بُعِثْتَ؟ قَالَ: إِلَى أَهْلِ بَعْلَبَكَّ، قُلْتُ: فَهَلْ يُوحَى إِلَيْكَ الْيَوْمَ، فَقَالَ: مُنْذُ بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فَلَا. قُلْتُ: فَكَمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْحَيَاةِ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ أَنَا وَالْخَضِرُ فِي الْأَرْضِ، وَإِدْرِيسُ وَعِيسَى فِي السَّمَاءِ، قُلْتُ: فَهَلْ تَلْتَقِي أَنْتَ وَالْخَضِرُ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي كُلِّ عَامٍ بِعَرَفَاتٍ، قُلْتُ: فَمَا حَدِيثُكُمَا؟ قَالَ: يَأْخُذُ مِنْ شَعَرِي وَآخُذُ مِنْ شَعَرِهِ، قُلْتُ: فَكَمِ الْأَبْدَالُ؟ قَالَ: هُمْ سِتُّونَ رَجُلًا، خَمْسُونَ مَا بَيْنَ عَرِيشِ مِصْرَ إِلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَرَجُلَانِ بِالْمِصِّيصَةِ، وَرَجُلَانِ بِأَنْطَاكِيَةَ، وَسَبْعَةٌ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ، تُسْقَوْنَ بِهِمُ الْغَيْثَ، وَبِهِمْ يُنْصَرُونَ عَلَى عَدُّوِهِمْ، وَبِهِمْ يُقِيمُ اللَّهُ أَمْرَ الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الدُّنْيَا أَمَاتَهُمْ جَمِيعًا. القول بأن الخضر كان في زمن النبي ﷺ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ نَبِيِّنَا ﷺ، وَرَوَوْا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِثْبَاتَ حَيَاةِ الْخَضِرِ. وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْخَضِرِ، وَقَالَ: ادْعُ لِرَسُولِ اللَّهِ. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَابْنَ عُمَرَ أَثْبَتُوا وُجُودَهُ، وَأَنَّهُ رَآهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَرَوَاهُ مَسْلَمَةُ، وَرَبَاحُ بْنُ عُبَيْدَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالُوا: وَرَآهُ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَا تَثْبُتُ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: هُوَ مَجْهُولٌ. وَفِي الْحَدِيثِ الثَّانِي السَّلَّامُ بْنُ الطَّوِيلِ، قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَالرَّازِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَى مَسْلَمَةُ بْنُ مِصْقَلَةَ، أَنَّهُ رَأَى إِلْيَاسَ وَجَرَى لَهُ مَعَهُ نَحْوُ مَا سَبَقَ. وَرُبَّمَا ظَهَرَ الشَّيْطَانُ لِشَخْصٍ فَكَلَّمَهُ، وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَّهَمِينَ لِبَعْضٍ أَنَا الْخُضِرُ، وَأَعْجَبُ الْأَشْيَاءِ أَنْ يُصَدَّقَ الْقَائِلُ أَنَا الْخَضِرُ وَلَيْسَ لَنَا فِيهِ عَلَامَةٌ نَعْرِفُهُ بِهَا، وَقَدْ جَمَعْتُ كِتَابًا سَمَّيْتُهُ «عُجَالَةَ الْمُنْتَظِرِ بِشَرْحِ حَالِ الْخَضِرِ» وَذَكَرْتُ فِيهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَالْحِكَايَاتِ وَنَظَائِرَهَا، وَبَيَّنْتُ خَطَأَهَا، فَلَمْ أَرَ الْإِطَالَةَ بِذَلِكَ هَاهُنَا. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي -وَنَقَلْتُهُ مِنْ خَطِّهِ- عَنْ تَعْمِيرِ الْخَضِرِ وَهَلْ هُوَ بَاقٍ فِي الدُّنْيَا أَمْ لَا: فَإِذَا أَكْثَرُ الْمُغَفَّلِينَ مَغْرُورُونَ بِأَنَّهُ بَاقٍ مِنْ أَجْلِ مَا قَدْ رُوِيَ، وَسَاقَ بَعْضَ مَا قَدْ ذَكَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَوَاهٍ بِالْوَضَّاعِ، وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَضَعِيفٌ بِالْحَسَنِ بْنِ رَزِينٍ، وَأَمَّا قَوْلُ الْحُسَيْنِ فَمَأْخُوذٌ عَنْ غَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِنَا مَرْبُوطٌ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الْخَضِرَ شَرِبَ مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي قَصَدَهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ، مَوْصُولٌ بِمَا قِيلَ: إِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي يَقْتُلُهُ الدَّجَّالُ، وَالْمُسْنَدُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ فَسَاقِطٌ لِعَدَمِ ثِقَتِهِمْ. وَخَبَرُ مَسْلَمَةَ فَكَلَا شَيْءٍ، وَخَبَرُ رِيَاحٍ كَالرِّيَاحِ، ثُمَّ مَدَّ اللَّهُ عَلَى السَّرِيِّ وَضَمْرَةَ عَفَى اللَّهُ عَنْهُمَا. وَأَيْنَ كَانَ الْخَضِرُ عَنْ تَبْشِيرِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ؓ بِالْخِلَافَةِ. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَاهِيَةُ الصُّدُورِ وَالْأَعْجَازِ، لَا تَخْلُو فِي حَالِهَا مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ أُدْخِلَتْ مِنْ حَدِيثِ بَعْضِ الرُّوَاةِ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتِغْفَالًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ عَرَفُوا حَالَهَا فَرَوَوْهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، فَنُسِبَتْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَبِيلِ التَّحْقِيقِ. الخلد لا يكون لبشر قَالَ: وَالتَّخْلِيدُ لَا يَكُونُ لِبَشَرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [21: 34]. وَأَهْلُ الْحَدِيثِ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ مُنْكَرُ الْإِسْنَادِ، سَقِيمُ الْمَتْنِ، بَيِّنٌ فِيهِ أَثَرُ الصَّنْعَةِ، وَأَنَّ الْخَضِرَ لَمْ يُرَاسِلْ نَبِيَّنَا وَلَمْ يَلْقَهُ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ عُرِضَ عَلَيْهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ ذِكْرٌ فِي عَهْدِهِ بِالْبَقَاءِ، وَلَوْ أَنَّهُ كَانَ فِي عَدَدِ الْأَحْيَاءِ حِينَئِذٍ لَمَا وَسِعَهُ التَّخَلُّفُ عَنْ لِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْهِجْرَةُ إِلَيْهِ. قَالَ: وَمَا أَعْجَبَ إِغْرَاءَ أَهْلِ الضَّعْفِ بِذِكْرِ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ! وَالْمَعْنِيُّ مِنْهُمْ بِذَلِكَ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى رُؤْيَةِ الْأَبْدَالِ وَمُشَاهَدَةِ الْآيَاتِ. قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ ابْنَ إِسْحَاقَ سُئِلَ عَنْ تَعْمِيرِ الْخَضِرِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: هُوَ مُتَقَادِمُ الْمَوْتِ. قَالَ: وَرُوجِعَ غَيْرُهُ فِي تَعْمِيرِهِ، وَأَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا يَرَوْنَهُ وَيَرْوُونَ عَنْهُ، فَقَالَ: مَنْ أَحَالَ عَلَى غَائِبٍ حَيٍّ أَوْ مَفْقُودٍ مَيِّتٍ لَمْ يَنْتَصِفْ مِنْهُ، وَمَا أَلْقَى ذِكْرَ هَذَا بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا الشَّيْطَانُ. قَالَ: فَإِنْ قِيلَ: هَذَا هَامَةُ بْنُ الْهَيْمِ وَزُرَيْبُ بْنُ بَرْثَمَلَا مُعَمَّرَانِ، قِيلَ: وَمَنْ صَحَّحَ لَهُمَا وِجَادَةً حَتَّى يَكُونَ لَهُمَا تَعْمِيرٌ؟! وَلَوْ أَنَّهُمَا مَعْرُوفَانِ لَكَانَ سَبِيلُهُمَا فِي التَّخْلِيدِ سَبِيلَ سَائِرِ الْبَشَرِ، بَلْ هَذَانِ حَدِيثَانِ دُسَّا إِلَى مُغَفَّلِينَ فَرَوَوْهُمَا بِلَا تَفَقُّدٍ وَلَا تَمْيِيزٍ. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا هَارُوتُ وَمَارُوتُ وَإِبْلِيسُ بَاقُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قِيلَ: لَيْسَ هَؤُلَاءِ بَشَرًا، وَلَوْ كَانُوا بَشَرًا لَمَا نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى تَخْلِيدِهِمْ، وَلَمَا أَنْكَرَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ. وَتَخْلِيدُ إِبْلِيسَ ثَابِتٌ بِقَوْلِهِ: فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ [15: 37 - 38]. وَتَخْلِيدُ الْمَلَكَيْنِ بِقَوْلِهِ: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [2: 102] وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى مُسْتَقْبَلِ الْأَيَّامِ. قَالَ: وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُمَا مَصْلُوبَانِ مُنَكَّسَانِ فِي بِئْرٍ بِبَابِلَ؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَارَا عَذَابَ الدُّنْيَا عَلَى عَذَابِ الْآخِرَةِ فَأُعْطِيَا مَا سَأَلَا. فَأَمَّا بَقَاءُ الدَّجَّالِ الْأَعْوَرِ  فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالطَّوِيلِ؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ بِالْمَدِينَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَحْيَا إِلَى نُزُولِ الْمَسِيحِ عِيسَى فَيَقْتُلُهُ. قَالَ: فَقَدْ صَحَّ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْخَضِرَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ نُصِبَ لِمُوسَى لِأَمْرٍ أَرَادَهُ اللَّهُ، وَقَدْ مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلْيُعْرَفْ ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِعَ مِنْ جَاهِلٍ خِلَافُ ذَلِكَ فَلَا يُمَارَيَنَّ؛ لِأَنَّ الْمِرَاءَ فِي ذَلِكَ نَقْصٌ، زَادَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ فَهْمًا. هَذَا آخِرُ كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْمُنَادِي، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ سُئِلَ عَنِ الْخَضِرِ وَإِلْيَاسَ هَلْ هُمَا فِي الْأَحْيَاءِ؟ فَقَالَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا يَبْقَى عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ".  وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ [ آلِ عِمْرَانَ: 81 ]. فَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ كُلِّ نَبِيٍّ عَلَى أَنْ يُؤْمِنَ بِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَيَنْصُرُهُ، فَلَوْ كَانَ الْخَضِرُ حَيًّا فِي زَمَانِهِ، لَمَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعُهُ، وَالِاجْتِمَاعُ بِهِ، وَالْقِيَامُ بِنَصْرِهِ، وَلَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ تَحْتَ لِوَائِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، كَمَا كَانَ تَحْتَهَا جِبْرِيلُ وَسَادَاتٌ مِنَ الْمَلَائِكَة وَقُصَارَى الْخَضِرِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وَهُوَ الْحَقُّ، أَوْ رَسُولًا، كَمَا قِيلَ، أَوْ مَلَكًا فِيمَا ذُكِرَ، وَأَيًّا مَا كَانَ، فَجِبْرِيلُ رَئِيسُ الْمَلَائِكَةِ، وَمُوسَى أَشْرَفُ مِنَ الْخَضِرِ، وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ بِمُحَمَّدٍ وَنُصْرَتُهُ، فَكَيْفَ إِنْ كَانَ الْخَضِرُ وَلِيًّا، كَمَا يَقُولُهُ طَوَائِفُ كَثِيرُونَ، فَأَوْلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي عُمُومِ الْبَعْثَةِ، وَأَحْرَى. وَلَمْ يُنْقَلْ فِي حَدِيثٍ حَسَنٍ، بَلْ وَلَا ضَعِيفٍ يُعْتَمَدُ، أَنَّهُ جَاءَ يَوْمًا وَاحِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَا اجْتَمَعَ بِهِ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ حَدِيثِ التَّعْزِيَةِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ قَدْ رَوَاهُ، فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  200. التاريخ 229لا حكم مسجّل

    وَهَذِهِ وَصِيَّتُهُ لِمُوسَى حِينَ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [ الْكَهْفِ: 78 ]. رُوِيَ فِي ذَلِكَ آثَارٌ مُنْقَطِعَةٌ كَثِيرَةٌ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ بسنده عن أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَلْطِيُّ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ مُوسَى أَنْ يُفَارِقَ الْخَضِرَ، قَالَ لَهُ مُوسَى: أَوْصِنِي. قَالَ: كُنْ نَفَّاعًا وَلَا تَكُنْ ضَرَّارًا، كُنْ بَشَّاشًا وَلَا تَكُنْ غَضْبَانَ، ارْجِعْ عَنِ اللَّجَاجَةِ، وَلَا تَمْشِ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى زِيَادَةُ: وَلَا تَضْحَكْ إِلَّا مِنْ عَجَبٍ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ قَالَ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى، إِنَّ النَّاسَ مُعَذَّبُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى قَدْرِ هُمُومِهِمْ بِهَا. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ الْحَافِي: قَالَ مُوسَى لِلْخَضِرِ: أَوْصِنِي. فَقَالَ: يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْكَ طَاعَتَهُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، بسنده عن أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ أَخِي مُوسَى: يَا رَبِّ. ذَكَرَ كَلِمَةً، فَأَتَاهُ الْخَضِرُ، وَهُوَ فَتًى طَيِّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، مُشَمِّرُهَا، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ. قَالَ مُوسَى: هُوَ السَّلَامُ، وَإِلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي لَا أُحْصِي نِعَمَهُ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ شُكْرِهِ إِلَّا بِمَعُونَتِهِ، ثُمَّ قَالَ مُوسَى: أُرِيدُ أَنْ تُوصِيَنِي بِوَصِيَّةٍ، يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا بَعْدَكَ. فَقَالَ الْخُضَرُ: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ إِنَّ الْقَائِلَ أَقَلُّ مَلَالَةً مِنَ الْمُسْتَمِعِ، فَلَا تُمِلَّ جُلَسَاءَكَ إِذَا حَدَّثَتْهُمْ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَلْبَكَ وِعَاءٌ فَانْظُرْ مَاذَا تَحْشُو بِهِ وِعَاءَكَ؟ وَاعْزِفْ عَنِ الدُّنْيَا وَأَنْبِذْهَا وَرَاءَكَ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ بِدَارٍ، وَلَا لَكَ فِيهَا مَحَلُّ قَرَارٍ. وَإِنَّمَا جُعِلَتْ بُلْغَةً لِلْعِبَادِ، وَالتَّزَوُّدِ مِنْهَا لِيَوْمِ الْمَعَادِ. وَرُضْ نَفْسَكَ عَلَى الصَّبْرِ، تَخْلُصْ مِنَ الْإِثْمِ، يَا مُوسَى تَفَرَّغْ لِلْعِلْمِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهُ، فَإِنَّمَا الْعِلْمُ لِمَنْ تَفَرَّغَ لَهُ، وَلَا تَكُنْ مِكْثَارًا بِالْمَنْطِقِ مِهْدَارًا; فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَنْطِقِ تَشِينُ الْعُلَمَاءَ، وَتُبْدِي مَسَاوِئَ السُّخَفَاءِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالِاقْتِصَادِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجُهَّالِ وَبَاطِلِهِمْ، وَاحْلُمْ عَنِ السُّفَهَاءِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْحُكَمَاءِ، وَزَيْنُ الْعُلَمَاءِ، إِذَا شَتَمَكَ الْجَاهِلُ فَاسْكُتْ عَنْهُ حِلْمًا، وَجَانِبْهُ حَزْمًا; فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ جَهْلِهِ عَلَيْكَ، وَسَبِّهِ إِيَّاكَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ. يَا ابْنَ عِمْرَانَ، وَلَا تَرَ أَنَّكَ أُوتِيتَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا; فَإِنَّ الِانْدِلَاثَ وَالتَّعَسُّفَ، مِنَ الِاقْتِحَامِ وَالتَّكَلُّفِ، يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَا تَفْتَحَنَّ بَابًا لَا تَدْرِي مَا غَلْقُهُ، وَلَا تُغْلِقَنَّ بَابًا لَا تَدْرِي مَا فَتْحُهُ. يَا ابْنَ عِمْرَانَ مَنْ لَا تَنْتَهِي مِنَ الدُّنْيَا نَهْمَتُهُ، وَلَا تَنْقَضِي مِنْهَا رَغْبَتُهُ، كَيْفَ يَكُونُ عَابِدًا؟! وَمَنْ يُحَقِّرُ حَالَهُ وَيَتَّهِمُ اللَّهَ فِيمَا قَضَى لَهُ، كَيْفَ يَكُونُ زَاهِدًا؟! هَلْ يَكُفُّ عَنِ الشَّهَوَاتِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ، أَوْ يَنْفَعُهُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْجَهْلُ قَدْ حَوَاهُ; لِأَنَّ سَعْيَهُ إِلَى آخِرَتِهِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى دُنْيَاهُ؟! يَا مُوسَى تَعَلَّمْ مَا تَعَلَّمْتَ لِتَعْمَلَ بِهِ، وَلَا تَعَلَّمْهُ لِتُحَدِّثَ بِهِ، فَيَكُونَ عَلَيْكَ بَوَارُهُ وَلِغَيْرِكَ نُورُهُ. يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، اجْعَلِ الزُّهْدَ وَالتَّقْوَى لِبَاسَكَ، وَالْعِلْمَ وَالذِّكْرَ كَلَامَكَ، وَاسْتَكْثِرْ مِنَ الْحَسَنَاتِ، فَإِنَّكَ مُصِيبٌ السَّيِّئَاتِ، وَزَعْزِعْ بِالْخَوْفِ قَلْبَكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُرْضِي رَبَّكَ، وَاعْمَلْ خَيْرًا فَإِنَّكَ لَا بُدَّ عَامِلٌ سُوءًا. قَدْ وُعِظْتَ إِنْ حَفِظْتَ قَالَ: فَتَوَلَّى الْخَضِرُ، وَبَقِيَ مُوسَى مَحْزُونًا مَكْرُوبًا يَبْكِي. لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ، وَأَظُنُّهُ مِنْ صَنْعَةِ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْوَقَارِ الْمِصْرِيِّ، كَذَّبَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ الْحَافِظَ ابْنَ عَسَاكِرَ سَكَتَ عَنْهُ.

  201. التاريخ 230لا حكم مسجّل

    وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ بسنده عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَلَّا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الْخَضِرِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ يَمْشِي فِي سُوقِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَبْصَرَهُ رَجُلٌ مَكَاتَبٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ عَلَيَّ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ. فَقَالَ الْخَضِرُ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَمْرٍ يَكُونُ، مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ أُعْطِيكَهُ. فَقَالَ الْمِسْكِينُ: أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ لَمَا تَصَدَّقْتَ عَلَيَّ، فَإِنِّي نَظَرْتُ السِّيمَاءَ فِي وَجْهِكَ، وَرَجَوْتُ الْبَرَكَةَ عِنْدَكَ. فَقَالَ الْخَضِرُ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ أُعْطِيكَهُ، إِلَّا أَنْ تَأْخُذَنِي فَتَبِيعَنِي. فَقَالَ الْمِسْكِينُ: وَهَلْ يَسْتَقِيمُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ، لَقَدْ سَأَلْتَنِي بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، أَمَا إِنِّي لَا أُخَيِّبُكَ بِوَجْهِ رَبِّي بِعْنِي. قَالَ: فَقَدَّمَهُ إِلَى السُّوقِ فَبَاعَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَمَكَثَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي زَمَانًا لَا يَسْتَعْمِلُهُ فِي شَيْءٍ; فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا ابْتَعْتَنِي الْتِمَاسَ خَيْرٍ عِنْدِي، فَأَوْصِنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: أَكْرَهُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، إِنَّكَ شَيْخٌ كَبِيرٌ ضَعِيفٌ. قَالَ: لَيْسَ تَشُقُّ عَلَيَّ. قَالَ: فَانْقُلْ هَذِهِ الْحِجَارَةَ. وَكَانَ لَا يَنْقُلُهَا دُونَ سِتَّةِ نَفَرٍ فِي يَوْمٍ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ نَقَلَ الْحِجَارَةَ فِي سَاعَةٍ. فَقَالَ: أَحْسَنْتَ وَأَجْمَلْتَ، وَأَطَقْتَ مَا لَمْ أَرَكَ تُطِيقُهُ. ثُمَّ عُرِضَ لِلرَّجُلِ سَفَرٌ فَقَالَ: إِنِّي أَحْسَبُكَ أَمِينًا فاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي خِلَافَةً حَسَنَةً. قَالَ: فَأَوْصِنِي بِعَمَلٍ. قَالَ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ. قَالَ: لَيْسَ تَشُقُّ عَلَيَّ. قَالَ: فَاضْرِبْ مِنَ اللَّبِنِ لِبَيْتِي حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ. فَمَضَى الرَّجُلُ لِسَفَرِهِ فَرَجَعَ وَقَدْ شَيَّدَ بِنَاءَهُ. فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ اللَّهِ مَا سَبِيلُكَ وَمَا أَمْرُكَ؟ فَقَالَ: سَأَلْتَنِي بِوَجْهِ اللَّهِ، وَالسُّؤَالُ بِوَجْهِ اللَّهِ أَوْقَعَنِي فِي الْعُبُودِيَّةِ، سَأُخْبِرُكَ مَنْ أَنَا، أَنَا الْخَضِرُ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ، سَأَلَنِي مِسْكِينٌ صَدَقَةً، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيهِ، فَسَأَلَنِي بِوَجْهِ اللَّهِ فَأَمْكَنْتُهُ مِنْ رَقَبَتِي، فَبَاعَنِي، وَأُخْبِرُكَ أَنَّهُ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، فَرَدَّ سَائِلَهُ وَهُوَ يَقْدِرُ، وَقَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ; جِلْدُهُ لَا لَحْمَ لَهُ وَلَا عَظْمَ يَتَقَعْقَعُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، شَقَقْتُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَلَمْ أَعْلَمْ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ أَحْسَنْتَ وَأَبْقَيْتَ. فَقَالَ الرَّجُلُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ، احْكُمْ فِي أَهْلِي وَمَالِي بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، أَوْ أُخَيِّرُكَ فَأُخَلِّي سَبِيلَكَ. فَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلِي فَأَعْبُدُ رَبِّي. فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَالَ الْخَضِرُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْقَعَنِي فِي الْعُبُودِيَّةِ ثُمَّ نَجَّانِي مِنْهَا وَهَذَا حَدِيثٌ رَفْعُهُ خَطَأٌ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا، وَفِي رِجَالِهِ مَنْ لَا يُعْرَفُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، فِي كِتَابِهِ " عُجَالَةِ الْمُنْتَظِرِ فِي شَرْحِ حَالِ الْخَضِرِ " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الضَّحَّاكِ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ عَنْ بَقِيَّةَ

  202. التاريخ 241لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أَفْرَايِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ مُصَرَّحٍ بِاسْمِهِ، فِي قِصَّةِ مُوسَى وَالْخَضِرِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ نُبِّئَ فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَاخْتَلَفُوا فِي فَتْحِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، هَلْ كَانَ فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ كَانَ عَلَى مُقَدَّمَةِ جَيْشِهِ أَمْ أَنَّهُ فَتَحَهَا بَعْدَهُ، وَقَدْ حَبَسَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّمْسَ أَنْ تَغِيبَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَقَدْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاسْتَقَرَّتْ يَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَعَهُ يُوشَعُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ حَتَّى قُبِضَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  203. التاريخ 242لا حكم مسجّل

    [ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ]  هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أَفْرَايِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَقُولُونَ: يُوشَعُ بْنُ عَمِّ هُودٍ. وَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِاسْمِهِ فِي قِصَّةِ الْخَضِرِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ [ الْكَهْفِ: 60 ]. فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ [ الْكَهْفِ: 62 ]. وَقَدَّمْنَا مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ "، مِنْ رِوَايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ؓ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْ أَنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ

  204. التاريخ 243لا حكم مسجّل

    وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَى نُبُوَّتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ وَهُمُ السَّامِرَةُ لَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ أَحَدٍ بَعْدَ مُوسَى إِلَّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ; لِأَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي التَّوْرَاةِ وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ، وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، فَعَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، مِنْ أَنَّ النُّبُوَّةَ حُوِّلَتْ مِنْ مُوسَى إِلَى يُوشَعَ فِي آخِرِ عُمْرِ مُوسَى، فَكَانَ مُوسَى يَلْقَى يُوشَعَ فَيَسْأَلُهُ مَا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، حَتَّى قَالَ لَهُ: يَا كَلِيمَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ لَا أَسْأَلُكَ عَمَّا يُوحِي اللَّهُ إِلَيْكَ، حَتَّى تُخْبِرَنِي أَنْتَ ابْتِدَاءً مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِكَ. فَعِنْدَ ذَلِكَ كَرِهَ مُوسَى الْحَيَاةَ، وَأَحَبَّ الْمَوْتَ. فَفِي هَذَا نَظَرٌ; لِأَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ، وَالْوَحْيُ، وَالتَّشْرِيعُ، وَالْكَلَامُ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَزَلْ مُعَزَّزًا، مُكَرَّمًا، مُدَلَّلًا، وَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ يُوشَعَ نَبِيًّا فِي زَمَنِ مُوسَى، فَلَمَّا تُوُفِّيَ مُوسَى ابْتَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَقَامَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ، وَهُوَ الَّذِي قَسَّمَ الشَّامَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وعن إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَمْرٍو الصَّنْعَانِيُّ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ: إِنِّي مُهْلِكٌ مِنْ قَوْمِكَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ خِيَارِهِمْ، وَسِتِّينَ أَلْفًا مِنْ شِرَارِهِمْ. قَالَ: يَا رَبِّ فَمَا بَالُ الْأَخْيَارِ؟ قَالَ: إِنَّهُمْ لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وَكَانُوا يُؤَاكِلُونَهُمْ وَيُشَارِبُونَهُمْ.

  205. التاريخ 244لا حكم مسجّل

    يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ وَفَتْحِ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ  أَمَرَ اللَّهَ تَعَالَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَ الْمُقَاتِلَةِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِمَّنْ يَحْمِلُ السِّلَاحَ وَيُقَاتِلُ، مِمَّنْ بَلَغَ عِشْرِينَ سَنَةً فَصَاعِدًا، وَأَنْ يَجْعَلَ عَلَى كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا مِنْهُمْ; السِّبْطُ الْأَوَّلُ سِبْطُ رُوبِيلَ; لِأَنَّهُ بِكْرُ يَعْقُوبَ، كَانَ عِدَّةُ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمْ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَلِيصُورُ بْنُ شَدَيْئُورَا، السِّبْطُ الثَّانِي سِبْطُ شَمْعُونَ، وَكَانُوا تِسْعَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ شَلُومِيئِيلُ بْنُ هُورِيشَدَّاي، السِّبْطُ الثَّالِثُ سِبْطُ يَهُوذَا، وَكَانُوا أَرْبَعَةً وَسَبْعِينَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ نَحْشُوَنُ بْنُ عَمِّينَادَابَ، السِّبْطُ الرَّابِعُ سِبْطُ إِيسَّاخَرَ، وَكَانُوا أَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ نَشَائِيلُ بْنُ صُوغَرَ، السِّبْطُ الْخَامِسُ سِبْطُ يُوسُفَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، السِّبْطُ السَّادِسُ سِبْطُ مِيشَا، وَكَانُوا أَحَدًا وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَمِائَتَيْنِ، وَنَقِيبَهُمْ جَمْلِيئِيلُ بْنُ فَدَهْصُورَ. السِّبْطُ السَّابِعُ سِبْطُ بِنْيَامِينَ، وَكَانُوا خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ أَبِيدَنُ بْنُ جِدْعُونَ، السِّبْطُ الثَّامِنُ سِبْطُ جَادَ، وَكَانُوا خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، وَنَقِيبُهُمْ الْيَاسَافُ بْنُ رَعُوئِيلَ، السِّبْطُ التَّاسِعُ سِبْطُ أَشِيرَ، وَكَانُوا أَحَدًا وَأَرْبَعِينَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ فَجْعِيئِيلُ بْنُ عُكْرَنَ، السِّبْطُ الْعَاشِرُ سِبْطُ دَانَ، وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ أَلْفًا وَسَبْعَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ أَخِيعَزَرُ بْنُ عَمِّيشَدَّايْ، السِّبْطُ الْحَادِي عَشَرَ سِبْطُ نِفْتَالِي، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ أَخِيرَعُ بْنُ عِينَ، السِّبْطُ الثَّانِي عَشَرَ سَبْطُ زَبُولُونَ، وَكَانُوا سَبْعَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَنَقِيبُهُمْ أَلْبَابُ بْنُ حِيلُونَ. هَذَا نَصُّ كِتَابِهِمُ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَيْسَ مِنْهُمْ بَنُو لَاوِي، فَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ لَا يَعُدَّهُمْ مَعَهُمْ; لِأَنَّهُمْ مُوَكَّلُونَ بِحَمْلِ قُبَّةِ الشَّهَادَةِ، وَخَزْنِهَا وَنَصْبِهَا إِذَا ارْتَحَلُوا وَهُمْ سَبِطُ مُوسَى وَهَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَكَانُوا اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ أَلْفًا مِنِ ابْنِ شَهْرٍ فَمَا فَوْقُ، ذَلِكَ وَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَبَائِلُ، إِلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ طَائِفَةٌ مِنْ قُبَّةِ الزَّمَانِ يَحْرُسُونَهَا، وَيَحْفَظُونَهَا، وَيَقُومُونَ بِمَصَالِحِهَا، وَنَصْبِهَا، وَحَمْلِهَا، وَهُمْ كُلُّهُمْ حَوْلَهَا يَنْزِلُونَ وَيَرْتَحِلُونَ أَمَامَهَا وَيَمِينَهَا وَشِمَالَهَا وَوَرَاءَهَا. وَجُمْلَةُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، غَيْرَ بَنِي لَاوِي، خَمْسُمِائَةِ أَلْفٍ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا وَسِتُّمِائَةٍ وَسِتَّةٌ وَخَمْسُونَ، لَكِنْ قَالُوا: فَكَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِمَّنْ عُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِمَّنْ حَمَلَ السِّلَاحَ، سِتَّمِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، سِوَى بَنِي لَاوِي وَفِي هَذَا نَظَرٌ; فَإِنَّ جَمِيعَ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إِنْ كَانَتْ كَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِهِمْ لَا تُطَابِقُ الْجُمْلَةَ الَّتِي ذَكَرُوهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَكَانَ بَنُو لَاوِي الْمُوَكَّلُونَ بِحِفْظِ قُبَّةِ الزَّمَانِ، يَسِيرُونَ فِي وَسَطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمُ الْقَلْبُ، وَرَأْسُ الْمَيْمَنَةِ بَنُو رُوبِيلَ، وَرَأْسُ الْمَيْسَرَةِ بَنُو رَانَ، وَبَنُو نِفْتَالِي يَكُونُونَ سَاقَةً، وَقَرَّرَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، الْكِهَانَةَ فِي بَنِي هَارُونَ، كَمَا كَانَتْ لِأَبِيهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَهُمْ: نَادَابُ، وَهُوَ بِكْرُهُ، وَأَبِيهُو، وَالْعَازَرُ، وَيَثْمَرُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ نَكَلَ عَنْ دُخُولِ مَدِينَةِ الْجَبَّارِينَ، الَّذِينَ قَالُوا: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [ الْمَائِدَةِ: 24 ]. قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَهُ قَتَادَةُ، وَعِكْرِمَةُ، وَرَوَاهُ السُّدِّيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: وَمَاتَ مُوسَى، وَهَارُونُ قَبْلَهُ، كِلَاهُمَا فِي التِّيهِ جَمِيعًا. وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ الَّذِي فَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هُوَ مُوسَى، وَإِنَّمَا كَانَ يُوشَعُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ لَكِنْ لَعَلَّهُ لَمَّا أَرَادَ مُوسَى دُخُولَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوَّلَ مَقْدَمِهِ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَلَكِنَّهُ مَا فَهِمَهُ بَعْضُ النَّاقِلِينَ عَنْهُ. وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ نَصِّ التَّوْرَاةِ مَا يَشْهَدُ لِبَعْضِ هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَعَلَّ هَذِهِ قِصَّةٌ أُخْرَى كَانَتْ فِي خِلَالِ سَيْرِهِمْ فِي التِّيهِ، فَإِنَّ فِي هَذَا السِّيَاقِ ذِكْرَ حُسْبَانَ، وَهِيَ بَعِيدَةٌ عَنْ أَرْضِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ هَذَا لِجَيْشِ مُوسَى الَّذِينَ عَلَيْهِمْ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حِينَ خَرَجَ بِهِمْ مِنَ التِّيهِ قَاصِدًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّدِّيَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وفاة هارون بالتيه وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، أَنَّ هَارُونَ تُوُفِّيَ بِالتِّيهِ قَبِلَ مُوسَى أَخِيهِ بِنَحْوٍ مَنْ سَنَتَيْنِ. وَبَعْدَهُ مُوسَى فِي التِّيهِ أَيْضًا، كَمَا قَدَّمْنَا، وَأَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُقَرَّبَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، فَكَانَ الَّذِي خَرَجَ بِهِمْ مِنَ التِّيهِ، وَقَصَدَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَذَكَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّارِيخِ، أَنَّهُ قَطَعَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ نَهْرَ الْأُرْدُنِّ، وَانْتَهَى إِلَى أَرِيحَا، وَكَانَتْ مَنْ أَحْصَنِ الْمَدَائِنَ سُورًا، وَأَعْلَاهَا قُصُورًا، وَأَكْثَرِهَا أَهْلًا، فَحَاصَرَهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَحَاطُوا بِهَا يَوْمًا، وَضَرَبُوا بِالْقُرُونِ، يَعْنِي الْأَبْوَاقَ، وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَتَفَسَّخَ سُورُهَا، وَسَقَطَ وَجْبَةً وَاحِدَةً، فَدَخَلُوهَا، وَأَخَذُوا مَا وَجَدُوا فِيهَا مِنَ الْغَنَائِمِ، وَقَتَلُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَحَارَبُوا مُلُوكًا كَثِيرَةً، وَيُقَالُ: إِنَّ يُوشَعَ ظَهَرَ عَلَى أَحَدٍ وَثَلَاثِينَ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الشَّامِ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ انْتَهَى مُحَاصَرَتُهُ لَهَا إِلَى يَوْمِ جُمُعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، أَوْ كَادَتْ تَغْرُبُ، وَيَدْخُلُ عَلَيْهِمُ السَّبْتُ الَّذِي جُعِلَ عَلَيْهِمْ، وَشُرِعَ لَهُمْ ذَلِكَ الزَّمَانَ، قَالَ لَهَا: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ. فَحَبَسَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ، حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ فَتْحِ الْبَلَدِ، وَأَمَرَ الْقَمَرَ فَوَقَفَ عِنْدَ الطُّلُوعِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ كَانَتِ اللَّيْلَةَ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ. وَالْأَوَّلُ، وَهُوَ قِصَّةُ الشَّمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي سَأَذْكُرُهُ. وَأَمَّا قِصَّةُ الْقَمَرِ، فَمِنْ عِنْدِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ، بَلْ فِيهِ زِيَادَةٌ تُسْتَفَادُ، فَلَا تُصَدَّقُ وَلَا تُكَذَّبُ، وَلَكِنَّ ذِكْرَهُمْ أَنَّ هَذَا فِي فَتْحِ أَرِيحَا فِيهِ نَظَرٌ، وَالْأَشْبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّ هَذَا كَانَ فِي فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، وَفَتْحُ أَرِيحَا كَانَ وَسِيلَةً إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِبَشَرٍ إِلَّا لِيُوشَعَ لَيَالِيَ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. انْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ. وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي فَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا مُوسَى، وَأَنَّ حَبْسَ الشَّمْسِ كَانَ فِي فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَا أَرِيحَا، كَمَا قُلْنَا وَفِيهِ أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِ يُوشَعَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ; أَنَّ الشَّمْسَ رَجَعَتْ حَتَّى صَلَّى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ صَلَاةَ الْعَصْرِ، بَعْدَ مَا فَاتَتْهُ، بِسَبَبِ نَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رُكْبَتِهِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ، حَتَّى يُصَلِّيَ الْعَصْرَ، فَرَجَعَتْ. وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، وَلَكِنَّهُ مُنْكَرٌ، لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الصِّحَاحِ وَلَا الْحِسَانِ، وَهُوَ مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ، وَتَفَرَّدَتْ بِنَقْلِهِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ مَجْهُولَةٌ، لَا يُعْرَفُ حَالُهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعُنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ، وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا وَلَمْ يَرْفَعْ سَقْفَهَا، وَلَا آخَرِ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خُلُفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلَادَهَا. فَغَزَا فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: أَنْتِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا. فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتِ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ، فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ فَقَالَ: فِيكُمْ غُلُولٌ فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ. فَبَايَعُوهُ، فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ، فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ وَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُكَ. فَبَايَعَتْهُ قَبِيلَتُهُ، فَلَصِقَ بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَقَالَ: فِيكُمُ الْغُلُولُ، أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ. فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَوَضَعُوهُ بِالْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ، فَأَقْبَلَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ، فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا، وَعَجْزَنَا، فَطَيَّبَهَا لَنَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ بِهِمْ بَابَ الْمَدِينَةِ، أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا سُجَّدًا أَيْ رُكَّعًا مُتَوَاضِعِينَ شَاكِرِينَ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَتْحِ الْعَظِيمِ، الَّذِي كَانَ اللَّهُ وَعْدَهُمْ إِيَّاهُ، وَأَنْ يَقُولُوا حَالَ دُخُولِهِمْ: حِطَّةٌ. أَيْ; حُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا الَّتِي سَلَفَتْ مِنْ نُكُولِنَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَّا. وَلِهَذَا لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ فَتْحِهَا دَخَلَهَا وَهُوَ رَاكِبٌ نَاقَتَهُ، وَهُوَ مُتَوَاضِعٌ حَامِدٌ شَاكِرٌ، حَتَّى إِنَّ عُثْنُونَهُ، وَهُوَ طَرَفُ لِحْيَتِهِ، لَيَمَسُّ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، مِمَّا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ خُضْعَانًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَهُ الْجُنُودُ وَالْجُيُوشُ، مِمَّنْ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الْحَدَقُ لَا سِيَّمَا الْكَتِيبَةُ الْخَضْرَاءُ، الَّتِي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَمَّا دَخَلَهَا، اغْتَسَلَ وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ. وَهِيَ صَلَاةُ الشُّكْرِ عَلَى النَّصْرِ، عَلَى الْمَنْصُورِ مِنْ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَقِيلَ: إِنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى. وَمَا حَمَلَ هَذَا الْقَائِلَ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا، إِلَّا لِأَنَّهَا وَقَعَتْ وَقْتَ الضُّحَى. وَأَمَّا بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّهُمْ خَالَفُوا مَا أُمِرُوا بِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا; دَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أسْتَاهِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: حِنْطَةٌ فِي شَعْرَةٍ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُمْ بَدَّلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى، حَاكِيًا عَنْهُمْ فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ "، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ [ الْأَعْرَافِ: 161، 162 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ مُخَاطِبًا لَهُمْ: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ الْبَقَرَةِ: 58، 59 ]. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا قَالَ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ، وَالضَّحَّاكُ: الْبَابُ هُوَ بَابُ حِطَّةٍ مِنْ بَيْتِ إِيلِيَاءَ، بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَدَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ، ضِدَّ مَا أُمِرُوا بِهِ. وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمْ دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ.، فَإِنَّهُمْ دَخَلُوا يَزْحَفُونَ وَهُمْ مُقْنِعُو رُءُوسِهِمْ. وَقَوْلُهُ: وَقُولُوا حِطَّةٌ الْوَاوُ هُنَا حَالِيَّةٌ، لَا عَاطِفَةٌ أَيِ ادْخُلُوا سُجَّدًا فِي حَالِ قَوْلِكُمْ: حِطَّةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ: أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا، وَقُولُوا حِطَّةٌ. فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ فَبَدَّلُوا وَقَالُوا: حِطَّةٌ حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ قَالَ: قَالُوا: ( هطى سمقاثا أزبة مزبا ) فَهِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ: حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَمْرَاءُ مَثْقُوبَةٌ، فِيهَا شَعْرَةٌ سَوْدَاءُ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ عَاقَبَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ بِإِرْسَالِ الرِّجْزِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الطَّاعُونُ، كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ - أَوِ السَّقَمَ - رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: هُوَ الْغَضَبُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: الرِّجْزُ إِمَّا الطَّاعُونُ، وَإِمَّا الْبَرْدُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ هُوَ الطَّاعُونُ. وَزَعَمَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ: أَنَّ بَقِيَّةً بَقِيَتْ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ بَعْدَ قَتْلِ يُوشَعَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ، وَأَنَّ إِفْرَيْقِيشَ بْنَ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَأِ بْنِ كَعْبٍ مَرَّ بِهِمْ مُتَوَجِّهًا إِلَى إِفْرِيقِيَّةَ، فَاحْتَلَّهَا وَقَتَلَ مُلُوكَهَا وَأَسْكَنَهَا الْبَقِيَّةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ، فَهُمُ الْبَرَابِرَةُ، وَإِنَّمَا سُمُّوا بَرْبَرًا لِأَنَّ إِفْرَيْقِيشَ قَالَ لَهُمْ: مَا أَكْثَرَ بَرْبَرَتَكُمْ، فَسُمُّوا لِذَلِكَ بَرْبَرًا. فَقَالُوا: وَنَهَضَ يُوشَعُ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ فَقَاتَلَهُ فَغَلَبَهُ وَصَلَبَهُ عَلَى خَشَبَةٍ وَأَحْرَقَ الْمَدِينَةَ، وَقَتَلَ مِنْ أَهْلِهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَاحْتَالَ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ حَتَّى جَعَلَ لَهُمْ أَمَانًا فَظَهَرَ عَلَى بَاطِنِهِمْ، فَدَعَا اللَّهَ عَلَيْهِمْ أَنَّ يَكُونُوا حَطَّابِينَ وَسَقَّاءِينَ، فَكَانُوا كَذَلِكَ. وَهَرَبَ خَمْسَةٌ مِنَ الْمُلُوكِ فَاخْتَفَوْا فِي غَارٍ، فَأَمَرَ يُوشَعُ بِسَدِّ بَابِ الْغَارِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ أَعْدَائِهِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ فَقَتَلَهُمْ وَصَلَبَهُمْ. وَتَتَبَّعَ سَائِرَ الْمُلُوكِ وَاسْتَبَاحَ مِنْهُمْ وَاحِدًا وَثَلَاثِينَ مَلِكًا، وَقَسَّمَ الْأَرْضَ الَّتِي غَلَبَ عَلَيْهَا. وَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ يَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ  ، اسْتَمَرُّوا فِيهِ، وَبَيْنَ أَظْهُرِهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ يُوشَعُ، يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ التَّوْرَاةِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَسَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَكَانَ مُدَّةُ حَيَّاتِهِ بَعْدَ مُوسَى، سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. لَا يَعْلَمُ بِقَبْرِهِ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ. وَقيل دُفِنَ فِي جَبَلِ إِفْرَايِيمَ.

  206. التاريخ 245لا حكم مسجّل

    [ الْمُلُوكِ بَعْدَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ]   فَأَمَّا الْمُلُوكُ، فَإِنَّ مَنُوشِهْرَ هَلَكَ فِي زَمَنِ يُوشَعَ فَمَلَكَ أَفْرَاسِيَابُ، وَكَانَ يُكْثِرُ الْمَقَامَ بِبَابِلَ وَبِمِهْرَجَانِ قَذَقَ، فَأَكْثَرَ الْفَسَادَ فِي مَمْلَكَةِ فَارِسَ، وَدَفَنَ الْأَنْهَارَ وَالْقُنْيَ، وَقُحِطَ النَّاسُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنْ [مُلْكِهِ، إِلَى أَنْ خَرَجَ عَنْ] مَمْلَكَةِ [أَهْلِ فَارِسَ]، وَغَارَتِ الْمِيَاهُ، وَحَالَتِ الْأَشْجَارُ الْمُثْمِرَةُ إِلَى أَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ: "زَوُّ" مِنْ أَوْلَادٍ مَنُوشِهْرَ، وَبَيْنَهُمَا عِدَّةُ آبَاءٍ، فَطَرَدَهُ عَنْ مَمْلَكَةِ أَهْلِ فَارِسَ، وَأَصْلَحَ مَا كَانَ أَفْسَدَ، وَوَضَعَ عَنِ النَّاسِ الْخَرَاجَ سَبْعَ سِنِينَ، فَعَمَرَتِ الْبِلَادُ فِي مَمْلَكَتِهِ، وَكَثُرَتِ الْمِيَاهُ فِيهَا، وَاسْتَخْرَجَ بِالسَّوَادِ نَهْرًا فَسَمَّاهُ الزَّابَ، وَأَمَرَ فَبُنِيَتْ عَلَى حَافَتَيْهِ مَدِينَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى الْمَدِينَةَ الْعَتِيقَةَ، وَغَرَسَ فِيهَا الْغُرُوسَ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَنِ اتُّخِذَ لَهُ أَلْوَانُ الطَّبِيخِ، وَقَالَ يَوْمَ مَلَكَ وَعَقَدَ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ: نَحْنُ مُتَقَدِّمُونَ فِي عِمَارَةِ مَا أَخْرَبَهُ السَّاحِرُ فَرِيسَابُ. وَكَانَ جَمِيعُ مُلْكِ زَوٍّ ثَلَاثَ سِنِينَ، مَلَكَ ابْنُهُ بَعْدَهُ كَيْقَبَادُ، وَكَانَ يُشْبِهُ فِرْعَوْنَ فِي الْكِبْرِ. وَجَاءَ بِأَوْلَادٍ جَبَابِرَةٍ، وَسَمَّى الْمُدُنَ بِأَسْمَائِهَا، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التُّرْكِ وَغَيْرِهِمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ نَازِلًا بِالْقُرْبِ مِنْ نَهْرِ بَلْخٍ لِيَمْنَعَ التُّرْكَ أَنْ يَتَطَرَّقُوا إِلَى حُدُودِ فَارِسَ، وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَكَانَ الْقَيِّمَ بِأَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُوشَعُ، ثُمَّ كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا، ثُمَّ حِزْقِيلُ.

  207. التاريخ 194لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ مُوسَى الْكَلِيمِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ عَازِرَ بْنَ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقَدْ جَاءَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَلْفِ سَنَةٍ، مَا زَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُنْذُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسُوسُهُمُ الْفَرَاعِنَةُ فِي مِصْرَ وَلَا يَتَعَرَّضُونَ لِلْإِيذَاءِ حَتَّى جَاءَ فِرْعَوْنُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ رَابِعُ الْفَرَاعِنَةِ مِنْ بَعْدِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَطْوَلُهُمْ عُمْرًا، فَسَاسَهُمْ بِالْقَهْرِ وَالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، يَقْتُلُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَيُكَلِّفُ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ عَلِمَ مَا تَحَدَّثَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ أَنَّ غُلَامًا يُولَدُ فِيهِمْ يَكُونُ هَلَاكُ مُلْكِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ فَعِنْدَئِذٍ أَمَرَ بِقَتْلِ الذُّكُورِ مِنْ أَطْفَالِهِمْ فَلَمَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْقَتْلُ خَشَتِ الْقِبْطُ أَلَّا يَجِدُوا مَنْ يَقُومُ بِالْأَعْمَالِ بَدَلًا عَنْهُمْ مَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَشَكَوَا ذَلِكَ إِلَى فِرْعَوْنَ فَأَمَرَ بِقَتْلِ ذُكُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَامًا وَاسْتَبَقَاهُمْ عَامًا، وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى سُبْحَانَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وُلِدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْعَامِ الَّذِي يُذْبَحُ فِيهِ مَنْ وُلِدَ مِنَ الذُّكُورِ، فَلَمَّا وَضَعَتْ أُمُّ مُوسَى أُلْهِمَتْ أَنِ اتَّخَذَتْ لَهُ تَابُوتًا، فَرَبَطَتْهُ فِي حَبْلٍ، وَكَانَتْ دَارُهَا مُتَاخِمَةً لِلنِّيلِ، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، فَإِذَا خَشِيَتْ مِنْ أَحَدٍ وَضَعَتْهُ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ فَأَرْسَلَتْهُ فِي الْبَحْرِ، وَأَمْسَكَتْ طَرَفَ الْحَبْلِ عِنْدَهَا، فَإِذَا ذَهَبُوا اسْتَرْجَعَتْهُ إِلَيْهَا بِهِ، فَأَرْسَلَتْهُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَذُهِلَتْ أَنْ تَرْبُطَ طَرَفَ الْحَبْلِ عِنْدَهَا، فَذَهَبَ مَعَ النِّيلِ فَمَرَّ عَلَى دَارِ فِرْعَوْنَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ، وَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى مَحَبَّتَهُ فِي قَلْبِ آسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ فِرْعَوْنُ اسْتَوْهَبَتْهُ مِنْهُ، وَقَالَتْ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وَطَلَبَتْ لَهُ الْمَرَاضِعَ فَلَمْ يَجِدُوا أَهْلَ بَيْتٍ يُرْضِعُهُ حَتَّى رَأَتْهُ أُخْتُهُ فَدَلَّتْهُمْ عَلَى أُمِّهَا، وَكَانَتْ أُمُّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ بَلَغَ بِهَا الْخَوْفُ عَلَيْهِ أَنْ كَادَتْ لِتُظْهِرَ أَمْرَهُ لَوْلَا أَنْ رَبَطَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهَا، وَفِي الْأَخِيرِ رَدَّهُ إِلَيْهَا كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ. وَلَمَّا بَلَغَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَبْلَغَ الْأَطْفَالِ نَاوَلَتْهُ يَوْمًا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ إِلَيْهِ فَنَتَفَ مُوسَى لِحْيَتَهُ فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ إِنَّهُ لَا يُمَيِّزُ وَلَا يَعْقِلُ وَجَعَلَتْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْتَارُ بَيْنَ جَمْرَةٍ وَحُلِيِّهَا اخْتِبَارًا فَاخْتَارَ الْجَمْرَةَ وَوَضَعَهُ عَلَى لِسَانِهِ فَاحْتَرَقَ. وَلَمَّا شَبَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَارَ فَتًى وَدَخَلَ مَدِينَةَ مَنْفَ وَقْتَ غَلْقِ النَّاسِ أَسْوَاقِهِمْ وَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ أَحَدُهُمَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْآخَرُ مِنَ الْقِبْطِ فَوَكَزَ مُوسَى الْقِبْطِيَّ فَمَاتَ، وَقَدْ تَابَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ رَغْمَ كَوْنِهِ قَتْلَ خَطَأٍ، وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِيَقْتَصُّوا مِنْ مُوسَى فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ مُحَذِّرًا أَنَّ الْمَلَأَ يَجْتَمِعُونَ لِيَقْتُلُوكَ فَخَرَجَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ حَتَّى وَصَلَ إِلَى مَدْيَنَ حَيْثُ مَاؤُهُمْ وَوَجَدَ عَلَيْهِ امْرَأَتَيْنِ تَسْقِيَانِ غَنَمَهُمَا وَلَا يَسْقِيَانِ حَتَّى يَسْقِيَ النَّاسُ فَلَمَّا عَلِمَ مِنْ خَبَرِهِمَا سَقَى لَهُمَا، وَتَوَجَّهَ إِلَى الظِّلِّ وَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَدْعُوهُ إِلَى أَبِيهَا لِيَجْزِيَهُ أَجْرَ مَا سَقَى لَهُمَا فَلَّمَا وَصَلَ إِلَى حَيْثُ أَبِيهِمَا وَعَلِمَ أَبُوهُمَا خَبَرَهُ طَمْأَنَهُ بِأَنَّهُ نُجِّيَ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُزَوِّجَهُ إِحْدَى ابْنَتَيْهِ عَلَى أَنْ يَأْجُرَهُ ثَمَانِيَ حِجَجٍ وَإِنْ زَادَ لِعَشْرٍ فَمِنْ عِنْدِهِ، فَوَافَقَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَلَمَّا أَتَمَّ الْمُدَّةَ أَرَادَ أَنْ يَرْحَلَ بِأَهْلِهِ فَأَعْطَاهُ صِهْرَهُ مَا وَلَدَتْ غَنَمُهُ مِنْ قَالَبِ لَوْنِ مَنْ وُلِدَ هَذَا الْعَامُ، فَأَخَذَهَا مُوسَى وَسَارَ بِأَهْلِهِ. وَكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمُوسَى كَرَامَتَهُ، وَابْتِدَاءَهُ فِيهَا بِنُبُوَّتِهِ، وَكَلَامِهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ حَامِلًا، فَأَخَذَهَا الطَّلْقُ فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ ذَاتِ مَطَرٍ، وَرَعْدٍ، وَبَرْقٍ، فَأَخْرَجَ زَنْدَهُ لِيَقْدَحَ نَارًا لِأَهْلِهِ لِيَصْطَلُوا وَيَبِيتُوا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَعْلَمَ وَجْهَ طَرِيقِهِ، فَأَصْلَدَ زَنْدَهُ فَقَدَحَ حَتَّى أَعْيَا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَبْصَرَ عَنْ بُعْدٍ نَارًا تَأَجَّجُ فِي جَانِبِ الطُّورِ وَهُوَ الْجَبَلُ الْغَرْبِيُّ مِنْهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَيْ; لَعَلِّي أَسْتَعْلِمُ مِنْ عِنْدِهَا عَنِ الطَّرِيقِ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَاهُوا عَنِ الطَّرِيقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ وَمُظْلِمَةٍ. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنْ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ فَكَلَّمَهُ رَبُّهُ سُبْحَانَهُ ثُمَّ أَرْسَلَهُ وَأَخَاهُ هَارُونُ إِلَى فِرْعَوْنَ، لِيَدْعُوَانِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى، وَقَدْ دَعَا مُوسَى أَنْ يَشْرَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ صَدْرَهُ وَيَحْلِلَ الْعُقْدَةَ مِنْ لِسَانِهِ فَيَفْقَهُوا قَوْلَهُ، وَقَدْ دَخَلَا عَلَى فِرْعَوْنَ، وَدَعَاهُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ يَجْحَدُ وَيُنْكِرُ، ثُمَّ هَدَّدَ وَتَوَعَّدَ، وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يُقَابِلُهُ بِالْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ ثُمَّ عَدَلَ إِلَى الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ فَأَخْرَجَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ وَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، فَمَا ارْعَوَى فِرْعَوْنُ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَادَّعَى أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا هُوَ السِّحْرُ وَأَنَّهُ سَيُعَارِضُهُ بِمِثْلِهِ، وَطَلَبَ الْمُنَاظَرَةَ فَضَرَبَ لَهُ يَوْمَ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى فَجَمَعَ فِرْعَوْنُ كَيْدَهُ مِنَ السَّحَرَةِ مِنْ جَمِيعِ مَمْلَكَتِهِ وَوَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ وَقَدَّمَهُمْ فَلَمَّا جَاءَ الْحَقُّ وَتَوَاجَهَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالسَّحَرَةُ نَصَحَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَلَّا يَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَنْ يَتَّقُوا فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَخُيِّلَ لِلنَّاسِ أَنَّهَا تَسْعَى وَكَادَ مُوسَى يَتَأَثَّرُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ رَبُّهُ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوهُ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَلَمَّا أَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ يَبْتَلِعُ مَا صَنَعُوا وَأَيْقَنَ السَّحَرَةُ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَآمَنُوا بِاللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَقَعُوا لِلَّهِ سَاجِدِينَ، فَمَا كَانَ مِنْ فِرْعَوْنَ إِلَّا التَّهْدِيدُ وَالْوَعِيدُ لَهُمْ إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّهْدِيدَ لَمْ يَثْبُتْ أَمَامَ الْإِيمَانِ الرَّاسِخِ فَقَالُوا بِلُغَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الِانْحِنَاءَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى سُبْحَانَهُ وَلِدِينِهِ: اقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَهُنَا مَا كَانَ مِنْ فِرْعَوْنَ إِلَّا أَنْ أَنْفَذَ فِيهِمْ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَبَاءَ بِإِثْمِهِمْ فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ وَصَلَّبَهُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ فَأَكْرَمَهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالشَّهَادَةِ. وَأَوْحَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَى مُوسَى بِالْمَسِيرِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ التَّابُوتَ وَيَدْفِنَهُ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، فَدُلَّ عَلَى التَّابُوتِ دَلَّتْهُ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ وَلَهَا قِصَّةٌ. فَطَارَدَ فِرْعَوْنُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَوْمَهُ فَمَا كَانَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنْ أَمَرَ قَوْمَهُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالصَّبْرِ وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَخَرَجَ فِرْعَوْنُ بَطَرًا وَأَشَرًا حَتَّى أَلْجَأَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْبَحْرِ حَتَّى إِذَا مَا تَرَاءَ الْجَمْعَانِ، وَقَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ جَاءَ الْأَمْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنِ اضْرِبِ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ وَكَانَ كُلُّ فَرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَمَرَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فَأَطْبَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَهْلَكَهُ وَجُنْدَهُ أَجْمَعِينَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. هَذَا وَإِنَّ مِنْ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ أَنْ قَتَلَ زَوْجَتَهُ آسِيَةَ لَمَّا آمَنَتْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ كَمَا حَرَّقَ مَاشِطَةَ ابْنَتِهِ، وَحَرَّقَ أَبْنَاءَهَا، وَلَمَّا بَلَغَ مِنْ طُغْيَانِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ مَا بَلَغَ أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ وَكَانُوا كُلَّمَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ يَطْلُبُونَ مِنْ مُوسَى أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ يَرْفَعُ عَنْهُمُ الْبَلَاءَ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ فَلَمَّا يَدْعُو فَيَرْفَعُ عَنْهُمْ لَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا كُفْرًا فَلَمَّا أَيْقَنَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ أَهْلُ زَيْغٍ وَضَلَالٍ دَعَا عَلَيْهِمْ. وَلَمَّا سَارَ مُوسَى بِقَوْمِهِ وَنَجَّاهُمُ اللَّهُ إِذَا بِهِمْ يَجِدُونَ قَوْمًا عَاكِفِينَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ فَطَلَبُوا مِنْ مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةً فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَشَدَّ النَّكِيرِ وَذَكَّرَهُمْ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَلَمَّا طَلَبَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ لَمْ يَقْبَلُوا وَقَالُوا إِنَّ بِهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ، فَكَتَبَ عَلَيْهِمُ التِّيهَ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ الْكَثِيرُ، وَتَوَفَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التِّيهِ. ثُمَّ لَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِمُلَاقَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَخْذِ التَّوْرَاةِ صَنَعَ لَهُمُ السَّامِرِيُّ الْعِجْلَ وَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِهِ وَقَدْ نَهَاهُمْ هَارُونُ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ وَقَدْ رَجَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهِمْ مُغْضَبًا وَأَلْقَى أَلْوَاحَ التَّوْرَاةِ مِنْ يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ وَحَرَّقَ الْعِجْلَ وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ، وَاخْتَارَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا يَذْهَبُونَ مَعَهُ إِلَى الطُّورِ لِيَعْتَذِرُوا عَمَّا وَقَعَ مِنْ قَوْمِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَيَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ طَلَبُوا أَنْ يَرَوُا اللَّهَ تَعَالَى جَهْرَةً فَصُعِقُوا وَذَلِكَ فِي قِصَّةٍ. وَمِمَّا وَقَعَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا قَصَّهُ الرَّحْمَنُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِنْ قِصَّةِ الْبَقَرَةِ وَإِحْيَاءِ الْقَتِيلِ بِضَرْبِهِ بِبَعْضِهَا، وَمَا جَاءَ مِنْ لِقَاءِ مُوسَى لِلْخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِلْمِ النَّافِعِ كَمَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْخَضِرِ هَلْ كَانَ نَبِيًّا أَمْ وَلِيًّا؟ وَهَلْ مَا زَالَ حَيًّا أَمْ قَضَى؟ وَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ قَارُونَ وَتَجَبُّرِهِ، وَبِلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ. وَقَدِ احْتَمَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ إِيذَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكَثِيرَ حَتَّى نَسَبُوهُ إِلَى الْأُدْرِ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا قَالُوا وَأَطْلَعَهُمْ عَلَى اسْتِوَاءِ خِلْقَتِهِ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي التِّيهِ، فَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُقَرِّبَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ.

  208. التاريخ 195لا حكم مسجّل

    كَانَ بَيْنَ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ أَلْفُ سَنَةٍ، وَبَيْنَ إِبْرَاهِيمَ وَنُوحٍ أَلْفُ سَنَةٍ، وَبَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ أَلْفُ سَنَةٍ. عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ  كُلُّهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. .

  209. التاريخ 196لا حكم مسجّل

    هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ عَازِرَ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، كَذَلِكَ قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثَ بْنِ لَاوِي. وَرَأَيْتُهُ بِخَطِّ أَبِي الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُنَادِي: "نَاهِبُ" بِالنُّونِ وَالْبَاءِ. وَوُلِدَ لَاوِي لِيَعْقُوبَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ قَاهِثُ لِلَاوِي وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَوُلِدَ لِقَاهِثَ يَصْهَرُ، وَوُلِدَ عِمْرَانُ لِيَصْهَرَ وَلَهُ سِتُّونَ سَنَةً، وَكَانَ عُمُرُهُ جَمِيعُهُ مِائَةً وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَأُمُّ مُوسَى يُوخَابِدُ. وَاسْمُ امْرَأَتِهِ صَفُورَا بِنْتُ شُعَيْبٍ النَّبِيِّ.

  210. التاريخ 197لا حكم مسجّل

    كَانَ فِرْعَوْنُ يُوسُفَ لَا يُؤْذِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلْ يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا مَاتَ وَلِي بَعْدَهُ فِرْعَوْنُ مِنْ فَرَاعِنَتِهِمْ فَلَمْ يُؤْذِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ مَلَكَ فِرْعَوْنُ مُوسَى، وَهُوَ الرَّابِعُ مِنَ الْفَرَاعِنَةِ، وَكَانَ أَخْبَثَهُمْ، وَعَاشَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وَاسْتَعْبَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَذَّبَهُمْ. عن مَعْمَرُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ، يَقُولُ: كَانَ فِرْعَوْنُ عَطَّارًا، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ فَأَفْلَسَ وَرَكِبَهُ دَيْنٌ، فَخَرَجَ يَلْتَمِسُ مَا يَقْضِي دَيْنَهُ فَلَمْ تَزَلْ تَرْفَعُهُ أَرْضٌ وَتَضَعُهُ أُخْرَى حَتَّى دَخَلَ مِصْرَ، وَرَأَى عِنْدَ بَابِ الْمَدِينَةِ وَقْرَ بِطِّيخٍ بِدِرْهَمٍ، وَفِي الْمَدِينَةِ بِطِّيخَةٌ بِدِرْهَمٍ. قَالَ فِرْعَوْنُ: قَدْ صِرْتُ إِلَى مَوْضِعٍ أَقْضِي دَيْنِي وَأَسْتَغْنِي فَاشْتَرَى وَقْرًا بِدِرْهَمٍ. وَمَضَى لِيُدْخِلَهُ الْمَدِينَةَ فَتَنَاوَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِطِّيخَةً حَتَّى بَقِيَ مَعَهُ وَاحِدَةٌ وَبَاعَهَا بِدِرْهَمٍ، فَضَجِرَ، فَقَالُوا لَهُ: هَكَذَا سُنَّتُنَا، فَقَالَ: أَمَا هَا هُنَا أَحَدٌ يَعْدِلُ أَوْ نَصِيرٌ؟ فَقَالُوا: لَا هَا هُنَا مَلِكٌ، قَدْ خَلَا بِلَذَّاتِهِ، وَسَلَّطَ وَزِيرَهُ عَلَى النَّاسِ لَيْسَ يَنْظُرُ فِي شَيْءٍ، فَبَسَطَ لِبْدًا عَلَى الْمَقَابِرِ، فَجَعَلَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ جِنَازَةٍ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَصَبَرَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى مَاتَتْ بِنْتُ الْمَلِكِ، فَمَرُّوا بِهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: هَاتُوا أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالُوا: هَذِهِ بِنْتُ الْمَلِكِ، فَقَالَ: هَاتُوا ثَمَانِيَةً، فَمَا زَالَ وَزَالُوا يَتَنَازَعُونَ حَتَّى أَضْعَفَ عَلَيْهِمْ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَجَعُوا قَالُوا لِلْمَلِكِ: عَمِلَ بِنَا عَامِلُ الْمَوْتَى كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَمَنْ عَامِلُ الْمَوْتَى، فَوَصَفُوا لَهُ. فَبَعَثَ إِلَى وَزِيرِهِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: أَنْتَ اسْتَعْمَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: لَا، فَدَعَاهُ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلَكَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، وَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِ الْبِطِّيخِ وَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَيْسَ هَا هُنَا أَحَدٌ يَعْدِلُ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ صَنَعْتُ مَا تَرَى لِيَنْتَهِيَ إِلَيْكَ، فَتَغَيَّرَ وَتَنْتَبِهَ لِمُلْكِكَ. قَالَ: فَمُذْ كَمْ أَنْتَ عَلَى حَالِكَ، فَقَالَ: سِنِينَ كَثِيرَةٍ حَتَّى صِرْتُ إِلَى الْأَمْوَالِ الْكَثِيرَةِ، فَأَمَرَ بِوَزِيرِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ، وَاسْتَوْزَرَ فِرْعَوْنَ فَسَارَ فِيهِمْ بِسِيرَةٍ حَسَنَةٍ وَأَذَاقَهُمْ فِيهَا طَعْمَ الْعَيْشِ؛ لِمَا كَانُوا فِيهِ قَبْلُ، يَقْضِي [بِالْحَقِّ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ. ثُمَّ] إِنَّ الْمَلِكَ مَاتَ، فَقَالُوا: مَنْ نَسْتَخْلِفُ؟ فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ فَقَالُوا: لَا نَسْتَعْمِلُ غَيْرَ هَذَا الَّذِي أَذَاقَنَا طَعْمَ الْعَيْشِ، فَمَلَّكُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَيْهِمْ يَمُوتُ قَرْنٌ وَيُخْلِفُهُمْ آخَرُونَ، وَتَرَاخَى بِهِ السِّنُّ وَطَالَ مُلْكُهُ حَتَّى ادَّعَى مَا عَلِمْتُمْ. تاريخ وجود بني إسرائيل في مصر وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَبَضَ يُوسُفَ وَهَلَكَ الْمَلِكُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ وَتَوَارَثَتِ الْفَرَاعِنَةُ مُلْكَ مِصْرَ وَنَشَرَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَزَلْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَحْتَ يَدِ الْفَرَاعِنَةِ وَهُمْ عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِهِمْ مِمَّا كَانَ يُوسُفُ، وَيَعْقُوبُ، وَإِسْحَاقُ، وَإِبْرَاهِيمُ شَرَعُوا فِيهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ حَتَّى كَانَ فِرْعَوْنُ مُوسَى، وَكَانَ أَعْتَاهُمْ عَلَى اللَّهِ وَأَعْظَمَهُمْ قَوْلًا وَأَطْوَلَهُمْ عُمُرًا، وَاسْمُهُ فِيمَا ذُكِرَ الْوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، وَكَانَ سَيِّئَ الْمَلَكَةِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يُعَذِّبُهُمْ وَيَجْعَلُهُمْ خَوَلًا وَيَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ. قال تعالى إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا أَيْ ; تَجَبَّرَ وَعَتَا، وَطَغَى وَبَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَأَعْرَضَ عَنْ طَاعَةِ الرَّبِّ الْأَعْلَى. وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا أَيْ قَسَّمَ رَعِيَّتَهُ إِلَى أَقْسَامٍ وَفِرَقٍ وَأَنْوَاعٍ يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ وَهُمْ شَعْبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، الَّذِينَ هُمْ مِنْ سُلَالَةِ نَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ. وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ خِيَارَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَقَدْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ هَذَا الْمَلِكَ الظَّالِمَ الْغَاشِمَ الْكَافِرَ الْفَاجِرَ، يَسْتَعْبِدُهُمْ وَيَسْتَخْدِمُهُمْ فِي أَخَسِّ الصَّنَائِعِ وَالْحِرَفِ، وَأَرْدَئِهَا، وَأَدْنَاهَا، وَمَعَ هَذَا يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَكَانَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ الْقَبِيحِ، أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يَتَدَارَسُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَا كَانُوا يَأْثُرُونَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ أَنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ غُلَامٌ يَكُونُ هَلَاكُ مَلِكِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ، وَذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، حِينَ جَرَى عَلَى سَارَّةَ امْرَأَةِ الْخَلِيلِ مِنْ مَلِكِ مِصْرَ، مِنْ إِرَادَتِهِ إِيَّاهَا عَلَى السُّوءِ، وَعِصْمَةِ اللَّهِ لَهَا. وَكَانَتْ هَذِهِ الْبِشَارَةُ مَشْهُورَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَحَدَّثَ بِهَا الْقِبْطُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَوَصَلَتْ إِلَى فِرْعَوْنَ فِي مَجْلِسِ مُسَامَرَتِهِ مَعَ أُمَرَائِهِ وَأَسَاوِرَتِهِ وَهُمْ يَسْمُرُونَ عِنْدَهُ، فَأَمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَتْلِ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ; حَذَرًا مِنْ وُجُودِ هَذَا الْغُلَامِ، وَلَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ. وَقِيلَ: بَلْ تَذَاكَرَ فِرْعَوْنُ وَجُلَسَاؤُهُ مَعًا مَا وَعَدَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَمُلُوكًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانُوا يَظُنُّونَهُ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، فَلَمَّا هَلَكَ قَالُوا: لَيْسَ هَكَذَا وَعْدُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ. فَقَالَ فِرْعَوْنُ: كَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَبْعَثَ رِجَالًا يَقْتُلُونَ كُلَّ مَوْلُودٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ لِلْقِبْطِ: انْظُرُوا مَمَالِيكَكُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ خَارِجًا فَأَدْخِلُوهُمْ وَاجْعَلُوا بَنِي إِسْرَائِيلَ يَلُونَ ذَلِكَ، فَجَعَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي أَعْمَالِ غِلْمَانِهِمْ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ -: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ، فَجَعَلَ لَا يُولَدُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَوْلُودٌ إِلَّا ذُبِحَ وَكَانَ يَأْمُرُ بِتَعْذِيبِ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ، فَكَانَ يَشُقُّ الْقَصَبَ وَيُوقِفُ الْمَرْأَةَ عَلَيْهِ فَيَقْطَعُ أَقْدَامَهُنَّ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَضَعُ فَتَتَّقِي بِوَلَدِهَا الْقَصَبَ، وَقَذَفَ اللَّهُ الْمَوْتَ فِي مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ فِرْعَوْنَ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ نَارًا قَدْ أَقْبَلَتْ مِنْ نَحْوِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَحْرَقَتْ دَوْرَ مِصْرَ وَجَمِيعَ الْقِبْطِ، وَلَمْ تَضُرَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ هَالَهُ ذَلِكَ فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالْحُزَاةَ وَالسَّحَرَةَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ الْكَهَنَةُ: هَذَا غُلَامٌ يُولَدُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَكُونُ سَبَبَ هَلَاكِ أَهْلِ مِصْرَ عَلَى يَدَيْهِ. فَلِهَذَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْغِلْمَانِ وَتَرْكِ النِّسْوَانِ. وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ أَيِ ; الَّذِينَ يَئُولُ مُلْكُ مِصْرَ وَبِلَادُهَا إِلَيْهِمْ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ أَيْ ; سَنَجْعَلُ الضَّعِيفَ قَوِيًّا، وَالْمَقْهُورَ قَاهِرًا، وَالذَّلِيلَ عَزِيزًا. وَقَدْ جَرَى هَذَا كُلُّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا [ الْأَعْرَافِ: 137 ] وَقَالَ تَعَالَى: فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الشُّعَرَاءِ 57 - 59 ]. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِرْعَوْنَ احْتَرَزَ كُلَّ الِاحْتِرَازِ أَنْ لَا يُوجَدَ مُوسَى، حَتَّى جَعَلَ رِجَالًا وَقَوَابِلَ يَدُورُونَ عَلَى الْحَبَالَى، وَيَعْلَمُونَ مِيقَاتَ وَضْعِهِنَّ، فَلَا تَلِدُ امْرَأَةٌ ذَكَرًا إِلَّا ذَبَحَهُ أُولَئِكَ الذَّبَّاحُونَ مِنْ سَاعَتِهِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَأْمُرُ بِذَبْحِ الْغِلْمَانِ لِتَضْعُفَ شَوْكَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَا يُقَاوِمُونَهُمْ إِذَا غَالَبُوهُمْ أَوْ قَاتَلُوهُمْ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلْ هُوَ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ هَذَا بَعْدَ بَعْثَةِ مُوسَى فَجَعَلَ يَقْتُلُ الْوِلْدَانَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ [ غَافِرٍ: 5 ]. وَلِهَذَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا [ الْأَعْرَافِ: 129 ]. فَالصَّحِيحُ أَنَّ فِرْعَوْنَ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِ الْغِلْمَانِ أَوَّلًا حَذَرًا مِنْ وُجُودِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. هَذَا، وَالْقَدَرُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الْجَبَّارُ، الْمَغْرُورُ بِكَثْرَةِ جُنُودِهِ، وَسُلْطَةِ بَأْسِهِ وَاتِّسَاعِ سُلْطَانِهِ، قَدْ حَكَمَ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يُغَالَبُ وَلَا يُمَانَعُ، وَلَا تُخَالَفُ أَقْدَارُهُ أَنَّ هَذَا الْمَوْلُودَ الَّذِي تَحْتَرِزُ مِنْهُ، وَقَدْ قَتَلْتَ بِسَبَبِهِ مِنَ النُّفُوسِ مَا لَا يُعَدُّ وَلَا يُحْصَى، لَا يَكُونُ مُرَبَّاهُ إِلَّا فِي دَارِكَ وَعَلَى فِرَاشِكَ، وَلَا يُغَذَّى إِلَّا بِطَعَامِكَ وَشَرَابِكَ فِي مَنْزِلِكَ، وَأَنْتَ الَّذِي تَتَبَنَّاهُ وَتُرَبِّيهِ وَتَتَعَدَّاهُ، وَلَا تَطَّلِعُ عَلَى سِرِّ مَعْنَاهُ، ثُمَّ يَكُونُ هَلَاكُكَ فِي دُنْيَاكَ وَأُخْرَاكَ عَلَى يَدَيْهِ ; لِمُخَالَفَتِكَ مَا جَاءَكَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَتَكْذِيبِكَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، لِتَعْلَمَ أَنْتَ وَسَائِرُ الْخَلْقِ أَنَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْقَوِيُّ الشَّدِيدُ، ذُو الْبَأْسِ الْعَظِيمِ، وَالْحَوَلِ وَالْقُوَّةِ وَالْمَشِيئَةِ، الَّتِي لَا مَرَدَّ لَهَا.

  211. التاريخ 198لا حكم مسجّل

    دَخَلَ رُءُوسُ الْقِبْطِ عَلَى فِرْعَوْنَ وَكَلَّمُوهُ، وَقَالُوا: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ وَقَعَ فِيهِمُ الْمَوْتُ فَيُوشِكُ أَنْ يَقَعَ الْعَمَلُ عَلَى غِلْمَانِنَا، تَذْبَحُ الصِّغَارَ وَتُفْنِي الْكِبَارَ، فَلَوْ أَنَّكَ كَتَبْتَ تُبْقِي مِنْ أَوْلَادِهِمْ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ الْأَبْنَاءِ عَامًا، وَأَنْ يُتْرَكُوا عَامًا، فَوُلِدَ هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي عَامِ الْمُسَامَحَةِ عَنْ قَتْلِ الْأَبْنَاءِ، وَوُلِدَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي عَامِ قَتْلِهِمْ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَيْنَهُمَا ثَلَاثُ سِنِينَ. قَالَ وَهْبٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ ذَبَحَ سَبْعِينَ أَلْفَ وَلِيدٍ فَضَاقَتْ أُمُّهُ بِهِ ذَرْعًا، وَاحْتَرَزَتْ مِنْ أَوَّلِ مَا حَبِلَتْ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْهَرُ عَلَيْهَا مَخَايِلُ الْحَبَلِ، وَلَمْ تَعْلَمْ بِوِلَادَتِهَا إِلَّا أُخْتُهُ مَرْيَمُ، فَكَتَمَتْهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. فَلَمَّا وَضَعَتْ أُلْهِمَتْ أَنِ اتَّخَذَتْ لَهُ تَابُوتًا، فَرَبَطَتْهُ فِي حَبْلٍ، وَكَانَتْ دَارُهَا مُتَاخِمَةً لِلنِّيلِ، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، فَإِذَا خَشِيَتْ مِنْ أَحَدٍ وَضَعَتْهُ فِي ذَلِكَ التَّابُوتِ فَأَرْسَلَتْهُ فِي الْبَحْرِ، وَأَمْسَكَتْ طَرَفَ الْحَبْلِ عِنْدَهَا، فَإِذَا ذَهَبُوا اسْتَرْجَعَتْهُ إِلَيْهَا بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ هَذَا الْوَحْيُ وَحَيُّ إِلْهَامٍ وَإِرْشَادٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا [ النَّحْلِ: 68، 69 ]. وَلَيْسَ هُوَ بِوَحْيِ نُبُوَّةٍ ; كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، بَلِ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، كَمَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَاسْمُ أُمِّ مُوسَى يَاوِخُ وَقِيلَ: أَيَاذَخْتُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهَا أُرْشِدَتْ إِلَى هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَأُلْقِيَ فِي خَلَدِهَا وَرُوعِهَا أَنْ لَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي، فَإِنَّهُ إِنْ ذَهَبَ فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرُدُّهُ إِلَيْكِ، وَإِنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا، يُعْلِي كَلِمَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَكَانَتْ تَصْنَعُ مَا أُمِرَتْ بِهِ.

  212. التاريخ 199لا حكم مسجّل

    فَأَرْسَلَتْهُ ذَاتَ يَوْمٍ، وَذَهَلَتْ أَنْ تَرْبُطَ طَرَفَ الْحَبْلِ عِنْدَهَا، فَذَهَبَ مَعَ النِّيلِ فَمَرَّ عَلَى دَارِ فِرْعَوْنَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ لَامُ الْعَاقِبَةِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ إِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ فَالْتَقَطَهُ وَأَمَّا إِنْ جُعِلَ مُتَعَلِّقًا بِمَضْمُونِ الْكَلَامِ ; وَهُوَ أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ قُيِّضُوا لِالْتِقَاطِهِ ; لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا، صَارَتِ اللَّامُ مُعَلِّلَةً لِغَيْرِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَوِّي هَذَا التَّفْسِيرَ الثَّانِيَ قَوْلُهُ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَهُوَ الْوَزِيرُ السُّوءُ وَجُنُودَهُمَا الْمُتَابِعِينَ لَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ أَيْ ; كَانُوا عَلَى خِلَافِ الصَّوَابِ، فَاسْتَحَقُّوا هَذِهِ الْعُقُوبَةَ وَالْحَسْرَةَ. وَذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْجَوَارِيَ الْتَقَطْنَهُ مِنَ الْبَحْرِ فِي تَابُوتٍ مُغْلَقٍ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَتَجَاسَرْنَ عَلَى فَتْحِهِ، حَتَّى وَضَعْنَهُ بَيْنَ يَدَيِ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الرَّيَّانِ بْنِ الْوَلِيدِ، الَّذِي كَانَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ فِي زَمَنِ يُوسُفَ. وَقِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطِ مُوسَى. وَقِيلَ: بَلْ كَانَتْ عَمَّتَهُ. حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي مَدْحُهَا وَالثَّنَاءُ عَلَيْهَا فِي قِصَّةِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَأَنَّهُمَا يَكُونَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَنَّةِ. فَلَمَّا فَتَحَتِ الْبَابَ وَكَشَفَتِ الْحِجَابَ، رَأَتْ وَجْهَهُ يَتَلَأْلَأُ بِتِلْكَ الْأَنْوَارِ النَّبَوِيَّةِ وَالْجَلَالَةِ الْمُوسَوِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ وَوَقَعَ نَظَرُهَا عَلَيْهِ أَحَبَّتْهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَلَمَّا جَاءَ فِرْعَوْنُ قَالَ: مَا هَذَا ؟ وَأَمَرَ بِذَبْحِهِ، فَاسْتَوْهَبَتْهُ مِنْهُ وَدَفَعَتْ عَنْهُ، وَقَالَتْ: قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ فَقَالَ لَهَا فِرْعَوْنُ: أَمَّا لَكِ فَنَعَمْ، وَأَمَّا لِي فَلَا. أَيْ ; لَا حَاجَةَ لِي بِهِ. وَالْب?لَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ. وَقَوْلُهَا: عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا وَقَدْ أَنَالَهَا اللَّهُ مَا رَجَتْ مِنَ النَّفْعِ أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَهَدَاهَا اللَّهُ بِهِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَأَسْكَنَهَا جَنَّتَهُ بِسَبَبِهِ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا تَبَنَّيَاهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَيْ ; لَا يَدْرُونَ مَاذَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِمْ، أَنَّ قَيَّضَهُمْ لِالْتِقَاطِهِ، مِنَ النِّقْمَةِ الْعَظِيمَةِ بِفِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ الَّذِي الْتَقَطَتْ مُوسَى وَرَبَّتْهُ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ، وَلَيْسَ لِامْرَأَتِهِ ذِكْرٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَهَذَا مِنْ غَلَطِهِمْ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ? عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ الْقَصَصِ: 10 - 13 ]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا أَيْ ; مَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَّا مِنْ أَمْرِ مُوسَى إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أَيْ ; لَتُظْهِرُ أَمْرَهُ وَتَسْأَلُ عَنْهُ جَهْرَةً. لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا أَيْ ; صَبَّرْنَاهَا وَثَبَّتْنَاهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ وَهِيَ ابْنَتُهَا الْكَبِيرَةُ: قُصِّيهِ أَيِ; اتَّبِعِي أَثَرَهُ وَاطْلُبِي لِي خَبَرَهُ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ قَالَ مُجَاهِدٌ: عَنْ بُعْدٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: جَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَكَأَنَّهَا لَا تُرِيدُهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا اسْتَقَرَّ بِدَارِ فِرْعَوْنَ أَرَادُوا أَنْ يُغَذُّوهُ بِرَضَاعَةٍ، فَلَمْ يَقْبَلْ ثَدْيًا وَلَا أَخَذَ طَعَامًا، فَحَارُوا فِي أَمْرِهِ وَاجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ، أَيْ عَلَى تَغْذِيَتِهِ بِكُلِّ مُمْكِنٍ فَلَمْ يَفْعَلْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَأَرْسَلُوهُ مَعَ الْقَوَابِلِ وَالنِّسَاءِ إِلَى السُّوقِ ; لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَ مَنْ يُوَافِقُ رَضَاعَتَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ وُقُوفٌ بِهِ وَالنَّاسُ عُكُوفٌ عَلَيْهِ، إِذْ بَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ، وَاسْمُهَا مَرْيَمُ دلالة أخت موسى على من يقوم بإرضاعه فَلَمْ تُظْهِرْ أَنَّهَا تَعْرِفُهُ، بَلْ قَالَتْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ، قَالُوا لَهَا: مَا يُدْرِيكِ بِنُصْحِهِمْ وَشَفَقَتِهِمْ علَيْهِ ؟ فَقَالَتْ: رَغْبَةً فِي صِهْرِ الْمَلِكِ، وَرَجَاءَ مَنْفَعَتِهِ. فَأَطْلَقُوهَا وَذَهَبُوا مَعَهَا إِلَى مَنْزِلِهِمْ، فَأَخَذَتْهُ أُمُّهُ، فَلَمَّا أَرْضَعَتْهُ الْتَقَمَ ثَدْيَهَا وَأَخَذَ يَمْتَصُّهُ وَيَرْتَضِعُهُ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا، وَذَهَبَ الْبَشِيرُ إِلَى آسِيَةَ يُعْلِمُهَا بِذَلِكَ، فَاسْتَدْعَتْهَا إِلَى مَنْزِلِهَا، وَعَرَضَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ عِنْدَهَا، وَأَنَّ تُحْسِنَ إِلَيْهَا، فَأَبَتْ عَلَيْهَا وَقَالَتْ: إِنَّ لِي بَعْلًا وَأَوْلَادًا، وَلَسْتُ أَقْدِرُ عَلَى هَذَا إِلَّا أَنْ تُرْسِلِيهِ مَعِي. فَأَرْسَلَتْهُ مَعَهَا، وَرَتَّبَتْ لَهَا رَوَاتِبَ، وَأَجْرَتْ عَلَيْهَا النَّفَقَاتِ وَالْكُسَاوى وَالْهِبَاتِ، فَرَجَعَتْ بِهِ تَحُوزُهُ إِلَى رَحْلِهَا، وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ شَمَلَهُ بِشَمْلِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ أَيْ ; كَمَا وَعَدْنَاهَا بِرَدِّهِ وَرِسَالَتِهِ، فَهَذَا رَدُّهُ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِ الْبِشَارَةِ بِرِسَالَتِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. وَقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ بِهَذَا عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ كَلَّمَهُ، فَقَالَ لَهُ فِيمَا قَالَ لَهُ: وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [ طه 37 - 39 ]. وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ إِلَّا أَحَبَّهُ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي قَالَ قَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: أَيْ تُطْعَمَ وَتُرَفَّهَ وَتُغَذَّى بِأَطْيَبِ الْمَآكِلِ، وَتَلْبَسَ أَحْسَنَ الْمَلَابِسِ ; بِمَرْأًى مِنِّي، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحِفْظِي وَكَلَاءَتِي لَكَ فِيمَا صَنَعْتُ بِكَ وَلَكَ، وَقَدَّرْتُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا غَيْرِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا [ طه: 40 ]. فَلَمَّا انْتَهَى رَضَاعُهُ نتف موسى لحية فرعون حَمَلَتْهُ أُمُّهُ إِلَى آسِيَةَ، فَأَخَذَتْهُ تُرَقِّصُهُ وَتَلْعَبُ بِهِ وَنَاوَلَتْهُ فِرْعَوْنَ، فَلَمَّا أَخَذَهُ إِلَيْهِ أَخَذَ الْغُلَامُ بِلِحْيَتِهِ فَنَتَفَهَا، قَالَ فِرْعَوْنُ: عَلَيَّ بِالذَّبَّاحِينَ يَذْبَحُونَهُ، هُوَ هَذَا ! قَالَتْ آسِيَةُ: لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، إِنَّمَا هُوَ صَبِيٌّ لَا يَعْقِلُ وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ جَهْلٍ، وَلَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مِصْرَ امْرَأَةٌ أَكْثَرَ حُلِيًّا مِنِّي، أَنَا أَضَعُ لَهُ حُلِيًّا مِنْ يَاقُوتٍ وَجَمْرًا فَإِنْ أَخَذَ الْيَاقُوتَةَ فَهُوَ يَعْقِلُ فَاذْبَحْهُ وَإِنَّ أَخَذَ الْجَمْرَ فَإِنَّمَا هُوَ صَبِيٌّ، فَأَخْرَجَتْ لَهُ يَاقُوتَهَا وَوَضَعَتْ لَهُ طَشْتًا مِنْ جَمْرٍ فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَمْرَةٍ فَأَخَذَهَا فَطَرَحَهَا مُوسَى فِي فَمِهِ، فَأَحْرَقَتْ لِسَانَهُ، فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي. فَدَرَأَتْ عَنْ مُوسَى الْقَتْلَ. وَكَبِرَ مُوسَى، وَكَانَ يَرْكَبُ مَرْكَبَ فِرْعَوْنَ وَيَلْبَسُ مَا يَلْبَسُ، وَإِنَّمَا يُدْعَى مُوسَى بْنَ فِرْعَوْنَ، وَامْتَنَعَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَلَمْ يَبْقَ قِبْطِيٌّ يَظْلِمُ إِسْرَائِيلِيًّا خَوْفًا مِنْهُ.

  213. التاريخ 200لا حكم مسجّل

    ثُمَّ إِنَّ فِرْعَوْنَ رَكِبَ مَرْكِبًا وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُوسَى فَلَمَّا جَاءَ مُوسَى قِيلَ لَهُ: فِرْعَوْنُ قَدْ رَكِبَ، فَرَكِبَ مُوسَى فِي أَثَرِهِ فَأَدْرَكَهُ الْمَقِيلُ بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا مَنْفُ - وَهَذِهِ مَنْفُ ( بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ النُّونِ ) - مِصْرُ الْقَدِيمَةُ الَّتِي هِيَ مِصْرُ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ، وَهِيَ الْآنُ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ، فدخلها وَقَدْ أَغْلَقَتْ أَسْوَاقَهَا، قَالَ تَعَالَى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ: وَذَلِكَ نِصْفَ النَّهَارِ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: بَيْنَ الْعِشَائَيْنِ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ أَيْ ; يَتَضَارَبَانِ وَيَتَهَاوَشَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ أَيْ ; إِسْرَائِيلِيٌّ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ أَيْ ; قِبْطِيٌّ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَتْ لَهُ بِدِيَارِ مِصْرَ صَوْلَةٌ ; بِسَبَبِ نِسْبَتِهِ إِلَى تَبَنِّي فِرْعَوْنَ لَهُ وَتَرْبِيَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدْ عَزُّوَا وَصَارَتْ لَهُمْ وَجَاهَةٌ، وَارْتَفَعَتْ رُءُوسُهُمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ أَرْضَعُوهُ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ، أَيْ مِنَ الرَّضَاعَةِ، فَلَمَّا اسْتَغَاثَ ذَلِكَ الْإِسْرَائِيلِيُّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى ذَلِكَ الْقِبْطِيِّ، أَقْبَلَ إِلَيْهِ مُوسَى فَوَكَزَهُ قَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ طَعْنَهُ بِجُمْعِ كَفِّهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ فَقَضَى عَلَيْهِ أَيْ ; فَمَاتَ مِنْهَا. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الْقِبْطِيُّ كَافِرًا مُشْرِكًا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَمْ يُرِدْ مُوسَى قَتْلَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ زَجْرَهُ وَرَدْعَهُ، وَمَعَ هَذَا قَالَ مُوسَى هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى: وَعِزَّتِي لَوْ أَنَّ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ أَقَرَّتْ لِي سَاعَةً وَاحِدَةً أَنِّي خَالِقٌ رَازِقٌ لَأَذَقْتُكَ الْعَذَابَ. قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ أَيْ، مِنَ الْعِزِّ وَالْجَاهِ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ قِيلَ: كَانَ حِزْقِيلَ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ، كَانَ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى. فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمْ خوف موسى وخروجه من مصر فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ الْقَصَصِ 18 - 21 ]. يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ مُوسَى أَصْبَحَ بِمَدِينَةِ مِصْرَ خَائِفًا أَيْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا الْقَتِيلَ الَّذِي رُفِعَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ إِنَّمَا قَتَلَهُ مُوسَى فِي نُصْرَةِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَقْوَى ظُنُونُهُمْ أَنَّ مُوسَى مِنْهُمْ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَصَارَ يَسِيرُ فِي الْمَدِينَةِ فِي صَبِيحَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ أَيْ ; يَتَلَفَّتُ. فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا ذَلِكَ الرَّجُلُ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ أَيْ ; يَصْرُخُ بِهِ، وَيَسْتَغِيثُهُ عَلَى آخَرَ قَدْ قَاتَلَهُ، فَعَنَّفَهُ مُوسَى وَلَامَهُ عَلَى كَثْرَةِ شَرِّهِ، وَمُخَاصَمَتِهِ، قَالَ لَهُ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِذَلِكَ الْقِبْطِيِّ، الَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لِمُوسَى وَلِلْإِسْرَائِيلِيِّ، فَيَرْدَعُهُ عَنْهُ وَيُخَلِّصُهُ مِنْهُ، فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْقِبْطِيِّ قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ [ الْقَصَصِ: 19 ]. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَامَ الْإِسْرَائِيلِيُّ الَّذِي اطَّلَعَ عَلَى مَا كَانَ صَنَعَ مُوسَى بِالْأَمْسِ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا رَأَى مُوسَى مُقْبِلًا إِلَى الْقِبْطِيِّ، اعْتَقَدَ أَنَّهُ جَاءَ إِلَيْهِ لَمَّا عَنَّفَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فَقَالَ مَا قَالَ لِمُوسَى، وَأَظْهَرَ الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ وَقَعَ بِالْأَمْسِ، فَذَهَبَ الْقِبْطِيُّ فَاسْتَعْدَى فِرْعَوْنَ عَلَى مُوسَى. وَهَذَا الَّذِي لَمْ يَذْكُرْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ سِوَاهُ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَائِلَ هَذَا هُوَ الْقِبْطِيُّ، وَأَنَّهُ لَمَّا رَآهُ مُقْبِلًا إِلَيْهِ خَافَهُ ; وَرَأَى مِنْ سَجِيَّتِهِ انْتِصَارًا جَيِّدًا لِلْإِسْرَائِيلِيِّ، فَقَالَ مَا قَالَ مِنْ بَابِ الظَّنِّ وَالْفِرَاسَةِ، أَنَّ هَذَا لَعَلَّهُ قَاتِلُ ذَاكَ الْقَتِيلِ بِالْأَمْسِ، أَوْ لَعَلَّهُ فَهِمَ مِنْ كَلَامِ الْإِسْرَائِيلِيِّ، حِينَ اسْتَصْرَخَهُ عَلَيْهِ، مَا دَلَّهُ عَلَى هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِرْعَوْنَ بَلَغَهُ أَنَّ مُوسَى هُوَ قَاتِلُ ذَلِكَ الْمَقْتُولِ بِالْأَمْسِ، فَأَرْسَلَ فِي طَلَبِهِ، وَسَبَقَهُمْ رَجُلٌ نَاصِحٌ مِنْ طَرِيقٍ أَقْرَبَ إِلَيْهِ، وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى سَاعِيًا إِلَيْهِ مُشْفِقًا عَلَيْهِ فَقَالَ: يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ أَيْ ; مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ أَيْ ; فِيمَا أَقُولُهُ لَكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ أَيْ ; فَخَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ مِصْرَ مِنْ فَوْرِهِ، عَلَى وَجْهِهِ، لَا يَهْتَدِي إِلَى طَرِيقٍ وَلَا يَعْرِفُهُ، قَائِلًا: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَأَخَذَ فِي ثَنَيَاتِ الطَّرِيقِ، فَجَاءَهُ مَلَكٌ عَلَى فَرَسٍ وَفِي يَدِهِ عَنَزَةٌ، وَهِيَ الْحَرْبَةُ الصَّغِيرَةُ، فَلَمَّا رَآهُ مُوسَى سَجَدَ لَهُ مِنَ الْفَرَقِ. فَقَالَ لَهُ: لَا تَسْجُدْ لِي وَلَكِنِ اتَّبِعْنِي، فَهَدَاهُ نَحْوَ مَدْيَنَ. وَقَالَ مُوسَى وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهَا: عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ. فَانْطَلَقَ بِهِ الْمَلَكُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى مَدْيَنَ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: خَرَجَ إِلَى مَدْيَنَ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَسِيرَةُ ثَمَانٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَعَامٌ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ فَخَرَجَ حَافِيًا.

  214. التاريخ 201لا حكم مسجّل

    وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَكَانَتْ بِئْرًا يَسْتَقُونَ مِنْهَا. وَمَدْيَنُ هِيَ الْمَدِينَةُ الَّتِي أَهْلَكَ اللَّهُ فِيهَا أَصْحَابَ الْأَيْكَةِ، وَهُمْ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ كَانَ هَلَاكُهُمْ قَبْلَ زَمَنِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي أَحَدِ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ. وَلَمَّا وَرَدَ الْمَاءَ الْمَذْكُورَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ أَيْ ; تُكَفْكِفَانِ غَنَمَهُمَا أَنْ تَخْتَلِطَ بِغَنَمِ النَّاسِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعَ بَنَاتٍ. وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْغَلَطِ. وَلَعَلَّهُ كَانَ لَهُ سَبْعٌ، وَلَكِنْ إِنَّمَا كَانَ تَسْقِي اثْنَتَانِ مِنْهُنَّ. وَهَذَا الْجَمْعُ مُمْكِنٌ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَحْفُوظًا، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَى بِنْتَيْنِ. قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ أَيْ ; لَا نَقْدِرُ عَلَى وِرْدِ الْمَاءِ إِلَّا بَعْدَ صُدُورِ الرِّعَاءِ ; لِضَعْفِنَا، وَسَبَبُ مُبَاشَرَتِنَا هَذِهِ الرَّعِيَّةَ ضَعْفُ أَبِينَا وَكِبَرُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَسَقَى لَهُمَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: وَذَلِكَ أَنَّ الرِّعَاءَ كَانُوا إِذَا فَرَغُوا مِنْ وِرْدِهِمْ، وَضَعُوا عَلَى فَمِ الْبِئْرِ صَخْرَةً عَظِيمَةً، فَتَجِيءُ هَاتَانِ الْمَرْأَتَانِ فَيَشْرَعَانِ غَنَمَهُمَا فِي فَضْلِ أَغْنَامِ النَّاسِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ جَاءَ مُوسَى فَرَفْعَ تِلْكَ الصَّخْرَةِ وَحْدَهُ، ثُمَّ اسْتَقَى لَهُمَا، وَسَقَى غَنَمَهُمَا، ثُمَّ رَدَّ الصَّخْرَةَ كَمَا كَانَتْ. قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمْرُ: وَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ إِلَّا عَشَرَةٌ. وَإِنَّمَا اسْتَقَى ذَنُوبًا وَاحِدًا فَكَفَاهُمَا، ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ. قَالُوا: وَكَانَ ظِلَّ شَجَرَةٍ مِنَ السَّمُرِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ رَآهَا خَضْرَاءَ تَرِفُّ. فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَارَ مِنْ مِصْرَ إِلَى مَدْيَنَ، لَمْ يَأْكُلْ إِلَّا الْبَقْلَ وَوَرَقَ الشَّجَرِ، وَكَانَ حَافِيًا فَسَقَطَتْ نَعْلَا قَدَمَيْهِ مِنَ الْحَفَاءِ وَجَلَسَ فِي الظِّلِّ، وَهُوَ صَفْوَةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَإِنَّ بَطْنَهُ لَاصِقٌ بِظَهْرِهِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنَّ خُضْرَةَ الْبَقْلِ لَتُرَى مِنْ دَاخِلِ جَوْفِهِ، وَأَنَّهُ لَمُحْتَاجٌ إِلَى شِقِّ تَمْرَةٍ. قَالَ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ: لَمَّا قَالَ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ أَسْمَعَ الْمَرْأَةَ. فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتَ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [ الْقَصَصِ: 25 - 28 ]. لَمَّا جَلَسَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الظِّلِّ، وَقَالَ: رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ سَمِعَتْهُ الْمَرْأَتَانِ، فِيمَا قِيلَ، فَذَهَبَتَا إِلَى أَبِيهِمَا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ اسْتَنْكَرَ سُرْعَةَ رُجُوعِهِمَا، فَأَخْبَرَتَاهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَرَ إِحْدَاهُمَا أَنْ تَذْهَبَ إِلَيْهِ فَتَدْعُوهُ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ أَيْ ; مَشْيَ الْحَرَائِرِ. قَالَ عُمْرُ، ؓ: تَسْتُرُ وَجْهَهَا بِكُمِّ دِرْعِهَا إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا صَرَّحَتْ لَهُ بِهَذَا ; لِئَلَّا يُوهِمَ كَلَامُهَا رِيبَةً، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ حَيَائِهَا وَصِيَانَتِهَا. ذهاب موسى إلى صاحب مدين فَقَامَ مَعَهَا، فَمَشَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَضَرَبَتِ الرِّيحُ ثَوْبَهَا فَحَكَى عَجِيزَتَهَا، فَقَالَ لَهَا: امْشِي خَلْفِي وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ، فَإِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَنْظُرُ فِي أَعْقَابِ النِّسَاءِ. فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أَيْ ; وَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، وَمَا كَانَ مَنْ أَمْرِهِ ; فِي خُرُوجِهِ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ فِرَارًا مَنْ فِرَعَوْنِهَا، قَالَ لَهُ ذَلِكَ الشَّيْخُ: لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أَيْ ; خَرَجْتَ مِنْ سُلْطَانِهِمْ، فَلَسْتَ فِي دَوْلَتِهِمْ. الاختلاف في تحديد شخصية صاحب مدين وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا الشَّيْخِ ; مَنْ هُوَ ؟ فَقِيلَ: هُوَ شُعَيْبٌ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ كَثِيرِينَ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَجَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثٍ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ. وَصَرَّحَ طَائِفَةٌ بِأَنَّ شُعَيْبًا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَاشَ عُمْرًا طَوِيلًا بَعْدَ هَلَاكِ قَوْمِهِ، حَتَّى أَدْرَكَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتَزَوَّجَ بِابْنَتِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَذَا اسْمُهُ شُعَيْبٌ، وَكَانَ سَيِّدَ الْمَاءِ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِالنَّبِيِّ صَاحِبِ مَدْيَنَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ أَخِي شُعَيْبٍ. وَقِيلَ: ابْنُ عَمِّهِ. وَقِيلَ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ. وَقِيلَ: رَجُلٌ اسْمُهُ يَثْرُونُ. هَكَذَا هُوَ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ: يَثْرُونُ كَاهِنُ مَدْيَنَ. أَيْ ; كَبِيرُهَا وَعَالِمُهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: اسْمُهُ يَثْرُونُ. زَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَهُوَ ابْنُ أَخِي شُعَيْبٍ. زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَاحِبُ مَدْيَنَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، بَشَّرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ نَجَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَتْ إِحْدَى الْبِنْتَيْنِ لِأَبِيهَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ أَيْ; لِرَعْيِ غَنَمِكَ. ثُمَّ مَدَحَتْهُ بِأَنَّهُ قَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ عُمْرُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَأَبُو مَالِكٍ، وَقَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: لَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ قَالَ لَهَا أَبُوهَا: وَمَا عِلْمُكِ بِهَذَا؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ رَفَعَ صَخْرَةً لَا يُطِيقُ رَفْعَهَا إِلَّا عَشَرَةٌ، وَإِنَّهُ لَمَّا جِئْتُ مَعَهُ تَقَدَّمْتُ أَمَامَهُ، فَقَالَ: كُونِي مِنْ وَرَائِي، فَإِذَا اخْتَلَفَ الطَّرِيقُ فَاحْذِفِي لِي بِحَصَاةٍ أَعْلَمْ بِهَا كَيْفَ الطَّرِيقُ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ; صَاحِبُ يُوسُفَ حِينَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ وَصَاحِبَةُ مُوسَى حِينَ قَالَتْ: يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ وَأَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ اسْتَدَلَّ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَلَى صِحَّةِ مَا إِذَا بَاعَهُ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ أَوِ الثَّوْبَيْنِ،  وَنَحْوَ ذَلِكَ، أَنَّهُ يَصِحُّ; لِقَوْلِهِ: إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ; لِأَنَّ هَذِهِ مُرَاوَضَةٌ لَا مُعَاقَدَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مشروعية الإيجار بالطعمة والكسوة وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُ أَحْمَدَ عَلَى صِحَّةِ الْإِيجَارِ بِالطُّعْمَةِ وَالْكُسْوَةِ،  كَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَاسْتَأْنَسُوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مُتَرْجَمًا فِي كِتَابِهِ " بَابُ اسْتِئْجَارِ الْأَجِيرِ عَلَى طَعَامِ بَطْنِهِ ": عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ اللَّخْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُتْبَةَ بْنَ النُّدَّرِ السُّلَمِيَّ، صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: إِنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، آجَرَ نَفْسَهُ لِعِفَّةِ فَرْجِهِ وَطُعْمَةِ بَطْنِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [ الْقَصَصِ: 28 ]. يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى قَالَ لِصِهْرِهِ: الْأَمْرُ عَلَى مَا قُلْتَ، فَأَيُّهُمَا قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ، وَاللَّهُ عَلَى مَقَالَتِنَا سَامِعٌ وَشَاهِدٌ، وَوَكِيلٌ عَلِيَّ وَعَلَيْكَ. وَمَعَ هَذَا فَلَمْ يَقْضِ مُوسَى إِلَّا أَكْمَلَ الْأَجَلَيْنِ وَأَتَمَّهُمَا، وَهُوَ الْعَشْرُ سِنِينَ كَوَامِلَ تَامَّةً. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلَنِي يَهُودِيٌّ مَنْ أَهْلِ الْحِيرَةِ: أَيَّ الْأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، حَتَّى أَقْدِمَ عَلَى حَبْرِ الْعَرَبِ فَأَسْأَلَهُ. فَقَدِمْتُ، فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: قَضَى أَكْثَرَهُمَا وَأَطْيَبَهُمَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ إِذَا قَالَ فَعَلَ. وعَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ جِبْرِيلَ، فَسَأَلَ جِبْرِيلُ إِسْرَافِيلَ، فَسَأَلَ إِسْرَافِيلُ الرَّبَّ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: أَبَرَّهُمَا وَأَوْفَاهُمَا قَالَ: وَإِنْ سُئِلَ: أَيَّ الْمَرْأَتَيْنِ تَزَوَّجَ؟ فَقُلِ: الصُّغْرَى مِنْهُمَا وأَمَّا اسْمُ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَزَوَّجَهَا فَهُوَ صُفُورَا، وَالْأُخْرَى لَيَّا. فَلَمَّا أَرَادَ فِرَاقَ شُعَيْبٍ، أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَسْأَلَ أَبَاهَا أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ غَنَمِهِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ، فَأَعْطَاهَا مَا وَلَدَتْ غَنَمُهُ مِنْ قَالِبِ لَوْنٍ مِنْ وَلَدِ ذَلِكَ الْعَامِ، وَكَانَتْ غَنَمُهُ سُودًا حِسَانًا، فَانْطَلَقَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى عَصًا قَسَمَهَا مِنْ طَرَفِهَا، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي أَدْنَى الْحَوْضِ، ثُمَّ أَوْرَدَهَا فَسَقَاهَا، وَوَقَفَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِإِزَاءِ الْحَوْضِ، فَلَمْ تَصْدُرْ مِنْهَا شَاةٌ إِلَّا ضَرَبَ جَنْبَهَا شَاةً شَاةً قَالَ: فَأَتْأَمَتْ وَأَثْلَثَتْ وَوَضَعَتْ كُلُّهَا قَوَالِبَ أَلْوَانٍ، إِلَّا شَاةً أَوْ شَاتَيْنِ; لَيْسَ فِيهَا فَشُوشٌ، وَلَا ضَبُوبٌ، وَلَا عَزُوزٌ، وَلَا ثَعُولٌ، وَلَا كَمْشَةٌ تَفُوتُ الْكَفَّ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوِ افْتَتَحْتُمُ الشَّامَ وَجَدْتُمْ بَقَايَا تِلْكَ الْغَنَمِ، وَهِيَ السَّامِرِيَّةُ

  215. التاريخ 202لا حكم مسجّل

    مَا جَرَى لَهُ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ مَدْيَنِ  لما أَتَمَّ مُوسَى الْأَجَلَيْنِ وَأَكْمَلَهُمَا، سَارَ بِأَهْلِهِ أَيْ مِنْ عِنْدِ صِهْرِهِ ذَاهِبًا، فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُ اشْتَاقَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَصَدَ زِيَارَتَهُمْ بِبِلَادِ مِصْرَ، فِي صُورَةِ مُخْتَفٍ، فَلَمَّا سَارَ بِأَهْلِهِ، وَمَعَهُ وِلْدَانٌ مِنْهُمْ، وَغَنَمٌ قَدِ اسْتَفَادَهَا مُدَّةَ مُقَامِهِ. قَالُوا: وَاتَّفَقَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ بَارِدَةٍ، وَتَاهُوا فِي طَرِيقِهِمْ، فَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى السُّلُوكِ فِي الدَّرْبِ الْمَأْلُوفِ وكَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمُوسَى كَرَامَتَهُ، وَابْتِدَاءَهُ فِيهَا بِنُبُوَّتِهِ، وَكَلَامِهِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ حَامِلًا، فَأَخَذَهَا الطَّلْقُ فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ ذَاتِ مَطَرٍ، وَرَعْدٍ، وَبَرْقٍ، فَأَخْرَجَ زَنْدَهُ لِيَقْدَحَ نَارًا لِأَهْلِهِ لِيَصْطَلُوا وَيَبِيتُوا حَتَّى يُصْبِحَ وَيَعْلَمَ وَجْهَ طَرِيقِهِ، فَأَصْلَدَ زَنْدَهُ فَقَدَحَ حَتَّى أَعْيَا، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَبْصَرَ عَنْ بُعْدٍ نَارًا تَأَجَّجُ فِي جَانِبِ الطُّورِ، وَهُوَ الْجَبَلُ الْغَرْبِيُّ مِنْهُ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ لِأَهْلِهِ: امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا وَكَأَنَّهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - رَآهَا دُونَهُمْ; لِأَنَّ هَذِهِ النَّارَ هِيَ نُورٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَا تَصْلُحُ رُؤْيَتُهَا لِكُلِّ أَحَدٍ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَيْ; لَعَلِّي أَسْتَعْلِمُ مِنْ عِنْدِهَا عَنِ الطَّرِيقِ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ تَاهُوا عَنِ الطَّرِيقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ وَمُظْلِمَةٍ; لِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [ طه: 9، 10 ]. فَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الظَّلَامِ، وَكَوْنِهِمْ تَاهُوا عَنِ الطَّرِيقِ. وَجَمَعَ الْكُلَّ فِي سُورَةِ " النَّمْلِ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [ النَّمْلِ: 7 ]. وَقَدْ أَتَاهُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ، وَأَيُّ خَبَرٍ؟ وَوَجَدَ عِنْدَهَا هُدًى، وَأَيُّ هُدًى؟ وَاقْتَبَسَ مِنْهَا نُورًا، وَأَيُّ نُورٍ؟. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَقَالَ تَعَالَى فِي " النَّمْلِ ": فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ النَّمْلِ: 8 ]. أَيْ سُبْحَانَ اللَّهِ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ. يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ النَّمْلِ: 9 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ " طه ": فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [ طه: 11 - 16 ]. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: لَمَّا قَصَدَ مُوسَى إِلَى تِلْكَ النار الَّتِي رَآهَا، فَانْتَهَى إِلَيْهَا، وَجَدَهَا تَأَجَّجُ فِي شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ مِنَ الْعَوْسَجِ، وَكُلُّ مَا لِتِلْكَ النَّارِ فِي اضْطِرَامٍ، وَكُلُّ مَا لِخُضْرَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ فِي ازْدِيَادٍ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا، وَكَانَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ فِي لِحْفِ جَبَلٍ غَرْبِيٍّ مِنْهُ عَنْ يَمِينِهِ; كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ الْقَصَصِ: 44 ]. وَكَانَ مُوسَى فِي وَادٍ اسْمُهُ طُوًى، فَكَانَ مُوسَى مُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ، وَتِلْكَ الشَّجَرَةُ عَنْ يَمِينِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْغَرْبِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، فَأُمِرَ أَوَّلًا بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ; تَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَتَوْقِيرًا لِتِلْكَ الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَلَا سِيَّمَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْمُبَارَكَةِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ النُّورِ; مَهَابَةً لَهُ وَخَوْفًا عَلَى بَصَرِهِ. ثُمَّ خَاطَبَهُ تَعَالَى كَمَا يَشَاءُ قَائِلًا لَهُ: إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُ الْعَالَمِينَ إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي أَيْ; أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ وَإِقَامَةُ الصَّلَاةِ إِلَّا لَهُ. ثُمَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارٍ، إِنَّمَا الدَّارُ الْبَاقِيَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى أَيْ; مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. وَحَضَّهُ وَحَثَّهُ عَلَى الْعَمَلِ لَهَا وَمُجَانَبَةِ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا مِمَّنْ عَصَى مَوْلَاهُ، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ مُخَاطِبًا وَمُؤَانِسًا، وَمُبَيِّنًا لَهُ أَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءِ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ. فَيَكُونُ: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى [ طه: 17 ]. أَيْ; أَمَّا هَذِهِ عَصَاكَ الَّتِي تَعْرِفُهَا مُنْذُ صَحِبْتَهَا؟ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَئارِبُ أُخْرَى [ طه: 18 ]. أَيْ; بَلْ هَذِهِ عَصَايَ الَّتِي أَعْرِفُهَا وَأَتَحَقَّقُهَا قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى [ طه: 19، 20 ]. وَهَذَا خَارِقٌ عَظِيمٌ، وَبُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يُكَلِّمُهُ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ فَيَكُونُ. وَأَنَّهُ الْفَعَّالُ بِالِاخْتِيَارِ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ سَأَلَ بُرْهَانًا عَلَى صِدْقِهِ عِنْدَ مَنْ يُكَذِّبُهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَا هَذِهِ الَّتِي فِي يَدِكَ؟ قَالَ: عَصَايَ. قَالَ: أَلْقِهَا إِلَى الْأَرْضِ فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ قُدَّامِهَا، فَأَمَرَهُ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَبْسُطَ يَدَهُ وَيَأْخُذَهَا بِذَنَبِهَا، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهَا ارْتَدَّتْ عَصًا فِي يَدِهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ أَيْ; صَارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً لَهَا ضَخَامَةٌ هَائِلَةٌ، وَأَنْيَابٌ تَصْطَكُّ، وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ فِي سُرْعَةِ حَرَكَةِ الْجَانِّ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْحَيَّاتِ يُقَالُ لَهُ: الْجَانُّ وَالْجَنَانُ. وَهُوَ لَطِيفٌ، وَلَكِنَّهُ سَرِيعُ الِاضْطِرَابِ وَالْحَرَكَةِ جِدًّا، فَهَذِهِ جَمَعَتِ الضَّخَامَةَ وَالسُّرْعَةَ الشَّدِيدَةَ هروب موسى بعد معاينة العصى فَلَمَّا عَايَنَهَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَّى مُدَبِّرًا أَيْ; هَارِبًا مِنْهَا; لِأَنَّ طَبِيعَتَهُ الْبَشَرِيَّةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَلَمْ يُعَقِّبْ أَيْ; وَلَمْ يَلْتَفِتْ فَنَادَاهُ رَبُّهُ قَائِلًا لَهُ: يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ فَلَمَّا رَجَعَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُمْسِكَهَا قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى فَيُقَالُ: إِنَّهُ هَابَهَا شَدِيدًا، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي كُمِّ مِدْرَعَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ فِي وَسَطِ فَمِهَا - وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ: بِذَنَبِهَا - فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهَا، إِذَا هِيَ قَدْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ عَصًا ذَاتَ شُعْبَتَيْنِ. فَسُبْحَانُ الْقَدِيرِ الْعَظِيمِ رَبِّ الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ. ثُمَّ أَمَرَهُ تَعَالَى بِإِدْخَالِ يَدِهِ فِي جَيْبِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِنَزْعِهَا فَإِذَا هِيَ تَتَلَأْلَأُ كَالْقَمَرِ بَيَاضًا مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أَيْ; مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ وَلَا بَهَقٍ. وَلِهَذَا قَالَ: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قِيلَ: مَعْنَاهُ إِذَا خِفْتَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى فُؤَادِكَ يَسْكُنْ جَأْشُكَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِهِ، إِلَّا أَنَّ بِبَرَكَةِ الْإِيمَانِ بِهِ حَقَّ الْإِيمَانِ يَنْتَفِعُ مَنِ اسْتَعْمَلَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِدَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ. وَقَالَ فِي سُورَةِ " النَّمْلِ ": وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [ النَّمْلِ: 12 ]. أَيْ; هَاتَانِ الْآيَتَانِ وَهُمَا الْعَصَا وَالْيَدُ، وَهُمَا الْبُرْهَانَانِ الْمُشَارُ إِلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ: فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَعَ ذَلِكَ سَبْعُ آيَاتٍ أُخَرُ فَذَلِكَ تِسْعُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي آخِرِ سُورَةِ " سُبْحَانَ " حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [ الْإِسْرَاءِ: 101، 102 ]. وَهِيَ الْمَبْسُوطَةُ فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 130 - 133 ]. وَهَذِهِ التِّسْعُ الْآيَاتِ غَيْرُ الْعَشْرِ كَلِمَاتٍ فَإِنَّ التِّسْعَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ الْقَدَرِيَّةِ، وَالْعَشْرَ مِنْ كَلِمَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ. وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَى هَذَا; لِأَنَّهُ قَدِ اشْتَبَهَ أَمْرُهَا عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَظَنَّ أَنَّ هَذِهِ هِيَ هَذِهِ.

  216. التاريخ 203لا حكم مسجّل

    ثم أَمَرَ الله مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِالذَّهَابِ إِلَى فِرْعَوْنَ وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُهُ مَكَانَهُمْ لَا يَدْرُونَ مَا فَعَلَ حَتَّى مَرَّ رَاعٍ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ فَعَرَفَهُمْ فَاحْتَمَلَهُمْ إِلَى مَدْيَنَ، فَكَانُوا عِنْدَ شُعَيْبٍ حَتَّى بَلَغَهُمْ خَبَرُ مُوسَى بَعْدَمَا فَلَقَ الْبَحْرَ، فَسَارُوا إِلَيْهِ. وَأَمَّا مُوسَى فَإِنَّهُ سَارَ إِلَى عَدُوِّهِ، الَّذِي خَرَجَ مِنْ دِيَارِ مِصْرَ فِرَارًا مِنْ سَطْوَتِهِ وَظُلْمِهِ، حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ فِي قَتْلِ ذَلِكَ الْقِبْطِيِّ وَلِهَذَاقَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ أَيْ; اجْعَلْهُ مَعِي مُعِينًا وَرِدْءًا وَوَزِيرًا يُسَاعِدُنِي وَيُعِينُنِي عَلَى أَدَاءِ رِسَالَتِكَ إِلَيْهِمْ فَإِنَّهُ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا وَأَبْلَغُ بَيَانًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، مُجِيبًا لَهُ إِلَى سُؤَالِهِ: سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا أَيْ; بُرْهَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَيْ; فَلَا يَنَالُونَ مِنْكُمَا مَكْرُوهًا بِسَبَبِ قِيَامِكُمَا بِآيَاتِنَا. وَقِيلَ بِبَرَكَةِ آيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ وَقَالَ فِي سُورَةِ " طه ": اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي [ طه: 24 - 28 ]. قِيلَ: إِنَّهُ أَصَابَهُ فِي لِسَانِهِ لُثْغَةٌ; بِسَبَبِ تِلْكَ الْجَمْرَةِ الَّتِي وَضَعَهَا عَلَى لِسَانِهِ، الَّتِي كَانَ فِرْعَوْنُ أَرَادَ اخْتِبَارَ عَقْلِهِ، حِينَ أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ، فَهَمَّ بِقَتْلِهِ، فَخَافَتْ عَلَيْهِ آسِيَةُ، وَقَالَتْ: إِنَّهُ طِفْلٌ. فَاخْتَبَرَهُ بِوَضْعِ تَمْرَةٍ وَجَمْرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَهَمَّ بِأَخْذِ التَّمْرَةِ، فَصَرَفَ الْمَلَكُ يَدَهُ إِلَى الْجَمْرَةِ، فَأَخَذَهَا، فَوَضَعَهَا عَلَى لِسَانِهِ، فَأَصَابَهُ لُثْغَةٌ بِسَبَبِهَا، فَسَأَلَ زَوَالَ بَعْضِهَا بِمِقْدَارِ مَا يَفْهَمُونَ قَوْلَهُ، وَلَمْ يَسْأَلْ زَوَالَهَا بِالْكُلِّيَّةِ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَالرُّسُلُ إِنَّمَا يَسْأَلُونَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ. وَلِهَذَا بَقِيَتْ فِي لِسَانِهِ بَقِيَّةٌ، وَلِهَذَا قَالَ فِرْعَوْنُ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، فِيمَا زَعَمَ إِنَّهُ يَعِيبُ بِهِ الْكِلِيمَ: وَلَا يَكَادُ يُبِينُ [ الزُّخْرُفِ: 52 ]. أَيْ يُفْصِحُ عَنْ مُرَادِهِ، وَيُعَبِّرُ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَفُؤَادِهِ. ثُمَّ قَالَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [ طه: 29 - 36 ]. أَيْ; قَدْ أَجَبْنَاكَ إِلَى جَمِيعِ مَا سَأَلْتَ، وَأَعْطَيْنَاكَ الَّذِي طَلَبْتَ. وَهَذَا مِنْ وَجَاهَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، حِينَ شَفَعَ أَنْ يُوحِيَ اللَّهُ إِلَى أَخِيهِ فَأَوْحَى إِلَيْهِ، وَهَذَا جَاهٌ عَظِيمٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [ الْأَحْزَابِ: 69 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [ مَرْيَمَ: 53 ]. وَقَدْ سَمِعَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَجُلًا يَقُولُ لِأُنَاسٍ، وَهُمْ سَائِرُونَ فِي طَرِيقِ الْحَجِّ: أَيُّ أَخٍ أَمَنُّ عَلَى أَخِيهِ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَنْ حَوْلَ هَوْدَجِهَا: هُوَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ حِينَ شَفَعَ فِي أَخِيهِ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا يُوحَى إِلَيْهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا. وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَارُونَ يُعْلِمُهُ بِقُفُولِ مُوسَى وَيَأْمُرُهُ بِتَلَقِّيهِ، فَخَرَجَ مِنْ مِصْرَ فَالْتَقَى بِهِ، ذهاب موسى وهارون إلى فرعون قَالَ مُوسَى: يَا هَارُونُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَرْسَلَنَا إِلَى فِرْعَوْنَ فَانْطَلِقْ مَعِي إِلَيْهِ. قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، فَلَمَّا جَاءَ إِلَى بَيْتِ هَارُونَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُمَا يَنْطَلِقَانِ إِلَى فِرْعَوْنَ سَمِعَتْ ذَلِكَ ابْنَةُ هَارُونَ فَصَاحَتْ أُمُّهُمَا فَقَالَتْ: أُنْشِدُكُمَا اللَّهَ أَنْ لَا تَذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُمَا جَمِيعًا ! فَأَبَيَا فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ لَيْلًا، فَضَرَبَا بَابَهُ، فَقَالَ فِرْعَوْنُ لِبَوَّابِهِ: مَنْ هَذَا الَّذِي يَضْرِبُ بَابِي هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْا الْبَوَّابُ فَكَلَّمَهُمَا، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: إِنَّا رَسُولَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأَخْبَرَ فِرْعَوْنَ، فَأُدْخِلَا إِلَيْهِ. وَقِيلَ إِنَّ مُوسَى وَهَارُونَ مَكَثَا سَنَتَيْنِ يَغْدُوَانِ إِلَى بَابِ فِرْعَوْنَ وَيَرُوحَانِ يَلْتَمِسَانِ الدُّخُولَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ يُخْبِرُهُ بِشَأْنِهِمَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ مَسْخَرَةٌ كَانَ يُضْحِكُهُ بِقَوْلِهِ، فَأَمَرَ حِينَئِذٍ فِرْعَوْنُ بِإِدْخَالِهِمَا. وقيل إن الله عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لَهُ:ادْنُ، فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ حَتَّى أَسْنَدَ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ،  فَاسْتَقَرَّ وَذَهَبَتْ عَنْهُ الرِّعْدَةُ، وَجَمَعَ يَدَيْهِ فِي الْعَصَا، وَخَضَعَ بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ الْيَوْمَ مَقَامًا لَا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ بَعْدَكَ أَنْ يَقُومَ مَقَامَكَ، أَدْنَيْتُكَ وَقَرَّبْتُكَ حَتَّى سَمِعْتَ كَلَامِي، وَكُنْتَ بِأَقْرَبِ الْأَمْكِنَةِ مِنِّي، فَانْطَلِقْ بِرِسَالَتِي فَإِنَّكَ بِعَيْنِي وَسَمْعِي، فَإِنَّ مَعَكَ يَدِي وَبَصَرِي، وَإِنِّي قَدْ أَلْبَسْتُكَ جُبَّةً مِنْ سُلْطَانِي تَسْتَكْمِلُ بِهَا الْقُوَّةَ فِي أَمْرِي، فَأَنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِنْ جُنُودِي، بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِنْ خَلْقِي بَطَرَ نِعْمَتِي، وَأَمِنَ مَكْرِي، وَغَرَّتْهُ الدُّنْيَا عَنِّي، حَتَّى جَحَدَ حَقِّي وَأَنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي، وَعَبَدَ [غَيْرِي]، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُنِي، وَإِنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي لَوْلَا الْعُذْرُ وَالْحَجَّةُ اللَّذَانِ وَضَعْتُ بَيْنِي وَبَيْنَ خَلْقِي لَبَطَشْتُ بَطْشَةَ جَبَّارٍ يَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَالْبِحَارُ، فَإِنْ أَمَرْتُ السَّمَاءَ حَصَبَتْهُ، وَإِنْ أَمَرْتُ الْأَرْضَ ابْتَلَعَتْهُ، وَإِنْ أَمَرْتُ [الْجِبَالَ] دَمَّرَتْهُ، وَإِنْ أَمَرْتُ الْبِحَارَ غَرَّقَتْهُ، وَلَكِنَّهُ هَانَ عَلَيَّ، وَسَقَطَ مِنْ عَيْنِي، وَوَسِعَهُ حِلْمِي، وَاسْتَغْنَيْتُ بِمَا عِنْدِي، وَحُقَّ لِي أَنِّي أَنَا الْغَنِيُّ لَا غَنِيَّ غَيْرِي. فَبَلِّغْهُ رِسَالَاتِي، وَادْعُهُ إِلَى عِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي، وَإِخْلَاصِ اسْمِي،  وَذِكِّرْهُ بِآيَاتِي وَحَذِّرْهُ نِقْمَتِي وَبَأْسِي، وَأَخْبِرْهُ أَنِّي إِلَى الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ أَسْرَعُ مِنِّي إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ، وَلَا يُرْعِبْكَ مَا أُلْبِسَهُ مِنْ لِبَاسِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِي لَيْسَ يَطْرِفُ وَلَا يَنْطِقُ وَلَا يَتَنَفَّسُ إِلَّا بِإِذْنِي. قُلْ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَمْهَلَكَ أَرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، وَفِي كُلِّهَا أَنْتَ مُبَارِزٌ لِمُحَارَبَتِهِ، تُشَبِّهُ وَتُمَثِّلُ وَتَصُدُّ عِبَادَهُ عَنْ سُبُلِهِ، وَهُوَ يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّمَاءَ، وَيُنْبِتُ لَكَ الْأَرْضَ، لَمْ تَسْقَمْ وَلَمْ تَهْرَمْ وَلَمْ تَفْتَقِرْ وَلَمْ تُغْلَبْ. وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُعَجِّلَ ذَلِكَ لَكَ أَوْ يَسْلُبَكَهُ فَعَلَ، وَلَكِنَّهُ ذُو أَنَاةٍ، وَحِلْمٍ عَظِيمٍ. وَجَاهِدْهُ بِنَفْسِكَ وَأَخِيكَ، وَأَنْتُمَا مُحْتَسِبَانِ بِجِهَادِهِ، فَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ آتِيَهُ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُ بِهَا لَفَعَلْتُ، وَلَكِنْ لِيَعْلَمَ هَذَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ الَّذِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَجُمُوعُهُ أَنَّ الْفِئَةَ الْقَلِيلَةَ -وَلَا قَلِيلَ مِنِّي- تَغْلِبُ الْفِئَةَ الْكَثِيرَةَ بِإِذْنِي. وَلَا تُعْجِبَنَّكُمَا زِينَتُهُ، وَلَا مَا يَتَمَتَّعُ بِهِ، وَلَا تَمُدَّا إِلَى ذَلِكَ أَعْيُنَكُمَا، فَإِنَّهَا زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَزِينَةُ الْمُتْرَفِينَ، وَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ أُزَيِّنَكُمَا مِنَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ يَعْلَمُ فِرْعَوْنُ حِينَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَنَّ مَقْدِرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِ مَا أُوتِيتُمَا فَعَلْتُ، وَلَكِنِّي أَرْغَبُ بِكُمَا عَنْ ذَلِكَ وَأَزْوِيهِ عَنْكُمَا، وَكَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي قَدِيمًا، فَأَخَّرْتُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنِّي لِأَذُودُهُمْ عَنْ نَعِيمِهَا وَرَخَائِهَا كَمَا يَذُودُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ مِنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ، وَإِنِّي لَأُجَنِّبَهُمْ سَلْوَتَهَا وَعَيْشَهَا كَمَا يُجَنِّبُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ عَنْ مَبَارَكِ الْغِرَّةِ. وَمَا ذَاكَ لِهَوَانِهِمْ عَلَيَّ وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سَالِمًا مُوَفَّرًا لَمْ تُكَلِّمْهُ الدُّنْيَا وَلَمْ يُطِعِ الْهَوَى. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَيَّنِ الْعِبَادُ بِزِينَةٍ هِيَ أَبْلَغُ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا زِينَةُ الْمُتَّقِينَ، عَلَيْهِمْ مِنْهَا لِبَاسٌ يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْخُشُوعِ، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [48: 29]. أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقًّا حَقًّا، فَإِذَا لَقِيتَهُمْ فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَذَلِّلْ لَهُمْ قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا إِذَا خَافَهُ فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا رَآنِي، وَعَرَّضَ نَفْسَهُ [لِلْهَلَكَةِ] وَدَعَانِي إِلَيْهَا، وَأَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي، أَفَيَظُنُّ الَّذِي يُحَارِبُنِي أَنْ يَقُومَ لِي؟ أَوْ يَظُنُّ الَّذِي يُعَادِينِي أَنْ يُعْجِزَنِي؟ أَمْ يَظُنُّ الَّذِي بَارَزَنِي أَنْ يَسْبِقَنِي أَوْ يَفُوتَنِي؟ فَكَيْفَ وَأَنَا الثَّائِرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لَا أَكِلُ نُصْرَتَهُمْ إِلَى غَيْرِي؟! قَالَ: فَأَقْبَلَ مُوسَى ﷺ إِلَى فِرْعَوْنَ فِي مَدِينَتِهِ، قَدْ جَعَلَ حَوْلَهَا الْأُسْدَ فِي غَيْضَةٍ قَدْ غَرَسَهَا، فَالْأُسْدُ فِيهَا مَعَ سَاسَتِهَا، إِذَا آسَدَتْهَا عَلَى أَحَدٍ أُكِلَ. وَلِلْمَدِينَةِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ فِي الْغَيْضَةِ، فَأَقْبَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ الَّذِي يَرَاهُ مِنْهُ فِرْعَوْنُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْأُسْدُ صَاحَتْ صِيَاحَ الثَّعَالِبِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ السَّاسَةُ، وَفَرِقُوا مِنْ فِرْعَوْنَ. وَأَقْبَلَ مُوسَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَابِ إِلَى قُبَّةِ فِرْعَوْنَ فَقَرَعَهُ بِعَصَاهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَوَّابُ عَجِبَ مِنْ جُرْأَتِهِ فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ، وَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَنْ تَضْرِبُ؟ إِنَّمَا تَضْرِبُ بَابَ سَيِّدِكَ، قَالَ: أَنْتَ وَأَنَا وَفِرْعَوْنُ عَبِيدٌ لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنَا آمُرُهُ، فَأَخْبَرَ الْبَوَّابَ الَّذِي يَلِيهِ وَالْبَوَّابِينَ حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ أَدْنَاهُمْ، وَدُونَهُمْ سَبْعُونَ حَاجِبًا، كُلُّ حَاجِبٍ مِنْهُمْ تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الْجُنُودِ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، كَأَعْظَمِ أَمِيرٍ الْيَوْمَ إِمَارَةً، حَتَّى خَلَصَ الْخَبَرُ إِلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ: أَدْخِلُوهُ عَلَيَّ [فَأَدْخَلُوهُ]

  217. التاريخ 204لا حكم مسجّل

    أمر الله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام باللين في القول لفرعون قَالَ تَعَالَى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى وَهَذَا مِنْ حِلْمِهِ تَعَالَى، وَكَرَمِهِ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِ فِرْعَوْنَ وَعُتُوِّهِ وَتَجَبُّرِهِ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ أَرْدَى خَلْقِهِ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْهِ صَفْوَتَهُ مِنْ خَلَقَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَمَعَ هَذَا يَقُولُ لَهُمَا وَيَأْمُرُهُمَا أَنْ يَدْعُوَاهُ إِلَيْهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ; بِرِفْقٍ وَلِينٍ، وَيُعَامِلَاهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَرْجُو أَنْ يَتَذَكَّرَ أَوْ يَخْشَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ ﷺ: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النَّحْلِ: 125 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمُ الْآيَةَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 46 ]. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا. أَعْذِرَا إِلَيْهِ، قَوْلًا لَهُ: إِنَّ لَكَ رَبًّا وَلَكَ مَعَادًا، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً وَنَارًا. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قُولَا لَهُ: إِنِّي إِلَيَّ الْعَفْوُ وَالْمَغْفِرَةُ أَقْرَبُ مِنِّي إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ: يَا مَنْ يَتَحَبَّبُ إِلَى مَنْ يُعَادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَتَوَلَّاهُ وَيُنَادِيهِ؟ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ جَبَّارًا عَنِيدًا، شَيْطَانًا مَرِيدًا، لَهُ سُلْطَانٌ فِي بِلَادِ مِصْرَ طَوِيلٌ عَرِيضٌ، وَجَاهٌ وَجُنُودٌ وَعَسَاكِرُ وَسَطْوَةٌ، فَهَابَاهُ مِنْ حَيْثُ الْبَشَرِيَّةُ، وَخَافَا أَنْ يَسْطُوَ عَلَيْهِمَا فِي بَادِئِ الْأَمْرِ، فَثَبَّتَهُمَا تَعَالَى، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى، فَقَالَ: لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ طه: 47، 48 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ أَمَرَهُمَا أَنْ يَذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ، فَيَدْعُوَاهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى; أَنْ يَعْبُدَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ يُرْسِلَ مَعَهُمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَيُطْلِقَهُمْ مِنْ أَسْرِهِ وَقَهْرِهِ، وَلَا يُعَذِّبَهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَهُوَ الْبُرْهَانُ الْعَظِيمُ فِي الْعِصِيِّ وَالْيَدِ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى تَقْيِيدٌ مُفِيدٌ بَلِيغٌ عَظِيمٌ. ثُمَّ تَهَدَّدَاهُ وَتَوَعَّدَاهُ عَلَى التَّكْذِيبِ، فَقَالَا: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَيْ; كَذَّبَ بِالْحَقِّ بِقَلْبِهِ، وَتَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِقَالَبِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ مِنْ بِلَادِ مَدْيَنَ، دَخَلَ عَلَى أُمِّهِ وَأَخِيهِ هَارُونَ وَهُمَا يَتَعَشَّيَانِ مِنْ طَعَامٍ فِيهِ الطَّفَيْشَلُ; وَهُوَ اللِّفْتُ فَأَكَلَ مَعَهُمَا، ثُمَّ قَالَ يَا هَارُونُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي وَأَمَرَكَ أَنْ نَدْعُوَ فِرْعَوْنَ إِلَى عِبَادَتِهِ، فَقُمْ مَعِي. فَقَامَا يَقْصِدَانِ بَابَ فِرْعَوْنَ، فَإِذَا هُوَ مُغْلَقٌ، فَقَالَ مُوسَى لِلْبَوَّابِينَ وَالْحَجَبَةِ: أَعْلِمُوهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِالْبَابِ. فَجَعَلُوا يَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ حِينٍ طَوِيلٍ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَذِنَ لَهُمَا بَعْدَ سَنَتَيْنِ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُ أَحَدٌ يَتَجَاسَرُ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ لَهُمَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَالُ: إِنَّ مُوسَى تَقَدَّمَ إِلَى الْبَابِ فَطَرَقَهُ بِعَصَاهُ فَانْزَعَجَ فِرْعَوْنُ وَأَمَرَ بِإِحْضَارِهِمَا، فَوَقَفَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَعَوَاهُ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا أَمَرَهُمَا. وقِيلَ إِنَّ مُوسَى وَهَارُونَ مَكَثَا سَنَتَيْنِ يَغْدُوَانِ إِلَى بَابِ فِرْعَوْنَ وَيَرُوحَانِ يَلْتَمِسَانِ الدُّخُولَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ يُخْبِرُهُ بِشَأْنِهِمَا، حَتَّى أَخْبَرَهُ مَسْخَرَةٌ كَانَ يُضْحِكُهُ بِقَوْلِهِ، فَأَمَرَ حِينَئِذٍ فِرْعَوْنُ بِإِدْخَالِهِمَا. دخول موسى وهارون على فرعون فَلَمَّا دَخَلَا قَالَ لَهُ مُوسَى: إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. فَعَرَفَهُ فِرْعَوْنُ فتَكَبَّرَ فِي نَفْسِهِ، وَعَتَا وَطَغَى، وَنَظَرَ إِلَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعَيْنِ الِازْدِرَاءِ وَالتَّنَقُّصِ، قَائِلًا لَهُ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ أَيْ; أَمَا أَنْتَ الَّذِي رَبَّيْنَاهُ فِي مَنْزِلِنَا وَأَحْسَنَّا إِلَيْهِ، وَأَنْعَمْنَا عَلَيْهِ مُدَّةً مِنَ الدَّهْرِ؟ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ، خِلَافًا لِمَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي فَرَّ مِنْهُ مَاتَ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِمَدْيَنَ، وَأَنَّ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِ فِرْعَوْنُ آخَرُ. وَقَوْلُهُ: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَيْ; وَقَتَلْتَ الرَّجُلَ الْقِبْطِيَّ، وَفَرَرْتَ مِنَّا، وَجَحَدْتَ نِعْمَتَنَا قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أَيْ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَى، وَيَنْزِلَ عَلَى فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 21 ]. ثُمَّ قَالَ مُجِيبًا لِفِرْعَوْنَ عَمَّا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الشُّعَرَاءِ: 22 ]. أَيْ; وَهَذِهِ النِّعْمَةُ الَّتِي ذَكَرْتَ، مِنْ أَنَّكَ أَحْسَنْتَ إِلَيَّ، وَأَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، تُقَابِلُ مَا اسْتَخْدَمْتَ هَذَا الشَّعْبَ الْعَظِيمَ بِكَمَالِهِ، وَاسْتَعْبَدْتَهُمْ فِي أَعْمَالِكَ وَخِدْمَتِكَ وَأَشْغَالِكَ. قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 23 - 28 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى مَا كَانَ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وَمُوسَى، مِنَ الْمُقَاوَلَةِ وَالْمُحَاجَّةِ وَالْمُنَاظَرَةِ، وَمَا أَقَامَهُ الْكَلِيمُ عَلَى فِرْعَوْنَ اللَّئِيمِ مِنَ الْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْمَعْنَوِيَّةِ ثُمَّ الْحِسِّيَّةِ. وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ، قَبَّحَهُ اللَّهُ، أَظْهَرَ جَحْدَ الصَّانِعِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْإِلَهُ فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [ النَّازِعَاتِ: 23، 24 ]. وَقَالَ: يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [ الْقَصَصِ: 38 ]. وَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ مُعَانِدٌ، يَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ، الْإِلَهُ الْحَقُّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [ النَّمْلِ: 14 ]. وَلِهَذَا قَالَ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ لِرِسَالَتِهِ، وَالْإِظْهَارِ أَنَّهُ مَا ثَمَّ رَبٌّ أَرْسَلَهُ: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 23 ]. لِأَنَّهُمَا قَالَا لَهُ: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمَا: وَمَنْ رَبُّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي تَزْعُمَانِ أَنَّهُ أَرْسَلَكُمَا وَابْتَعَثَكُمَا؟ فَأَجَابَهُ مُوسَى قَائِلًا: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 24 ]. يَعْنِي رَبَّ الْعَالَمِينَ، خَالِقَ هَذِهِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْمُشَاهَدَةِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الْمُتَجَدِّدَةِ; مِنَ السَّحَابِ وَالرِّيَاحِ وَالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانَاتِ، الَّتِي يَعْلَمُ كُلُّ مُوقِنٍ أَنَّهَا لَمْ تَحْدُثْ بِأَنْفُسِهَا، وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُوجِدٍ وَمُحْدِثٍ وَخَالِقٍ، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. قَالَ أَيْ; فِرْعَوْنُ لِمَنْ حَوْلَهُ مِنْ أُمَرَائِهِ، وَمَرَازِبَتِهِ وَوُزَرَائِهِ، عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ وَالتَّنَقُّصِ لِمَا قَرَّرَهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلَّا تَسْتَمِعُونَ يَعْنِي كَلَامَهُ هَذَا. قَالَ مُوسَى مُخَاطِبًا لَهُ وَلَهُمْ: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 26 ]. أَيْ; هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ; مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ وَالْقُرُونِ السَّالِفَةِ فِي الْآبَادِ، فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ نَفْسَهُ وَلَا أَبُوهُ وَلَا أُمُّهُ، وَلَمْ يَحْدُثْ مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ، وَإِنَّمَا أَوْجَدَهُ وَخَلَقَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَهَذَانِ الْمَقَامَانِ هُمَا الْمَذْكُورَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [ فُصِّلَتْ: 53 ]. وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَسْتَفِقْ فِرْعَوْنُ مِنْ رَقْدَتِهِ، وَلَا نَزَعَ عَنْ ضَلَالَتِهِ، بَلِ اسْتَمَرَّ عَلَى طُغْيَانِهِ وَعِنَادِهِ، وَكُفْرَانِهِ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 27، 28 ]. أَيْ; هُوَ الْمُسَخِّرُ لِهَذِهِ الْكَوَاكِبِ الزَّاهِرَةِ، الْمُسَيَّرُ لِلْأَفْلَاكِ الدَّائِرَةِ، خَالِقُ الظَّلَّامِ وَالضِّيَاءِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، رَبُّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ، خَالِقُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَالْكَوَاكِبِ السَّائِرَةِ وَالثَّوَابِتِ الْحَائِرَةِ، خَالِقُ اللَّيْلِ بِظَلَامِهِ وَالنَّهَارِ بِضِيَائِهِ، وَالْكُلُّ تَحْتَ قَهْرِهِ وَتَسْخِيرِهِ وَتَسْيِيرِهِ سَائِرُونَ، وَفِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ، يَتَعَاقَبُونَ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ وَيَدُورُونَ، فَهُوَ تَعَالَى الْخَالِقُ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ. معجزة العصى واليد فَلَمَّا قَامَتِ الْحُجَجُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَانْقَطَعَتْ شُبَهُهُ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ قَوْلٌ سِوَى الْعِنَادِ، عَدَلَ إِلَى اسْتِعْمَالِ سُلْطَانِهِ وَجَاهِهِ وَسَطْوَتِهِ، قَالَ: قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 29 - 33 ]. وَهَذَانِ هُمَا الْبُرْهَانَانِ اللَّذَانِ أَيَّدَهُ اللَّهُ بِهِمَا، وَهَمَا الْعَصَا وَالْيَدُ. وَذَلِكَ مَقَامٌ أَظْهَرَ فِيهِ الْخَارِقَ الْعَظِيمَ، الَّذِي بَهَرَ بِهِ الْعُقُولَ وَالْأَبْصَارَ، حِينَ أَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ، أَيْ عَظِيمُ الشَّكْلِ، بَدِيعٌ فِي الضَّخَامَةِ وَالْهَوْلِ، وَالْمَنْظَرِ الْعَظِيمِ الْفَظِيعِ الْبَاهِرِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا شَاهَدَ ذَلِكَ وَعَايَنَهُ، أَخَذَهُ رُعْبٌ شَدِيدٌ، وَخَوْفٌ عَظِيمٌ، بِحَيْثُ إِنَّهُ حَصَلَ لَهُ إِسْهَالٌ عَظِيمٌ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ مَرَّةً فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَبَرَّزُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَانْعَكَسَ عَلَيْهِ الْحَالُ. وقيل فَحَمَلَتْ عَلَى النَّاسِ فَانْهَزَمُوا مِنْهَا، فَمَاتَ مِنْهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَهَكَذَا لَمَّا أَدْخَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدَهُ فِي جَيْبِهِ وَاسْتَخْرَجَهَا، أَخْرَجَهَا وَهِيَ كَفِلْقَةِ الْقَمَرِ، تَتَلَأْلَأُ نُورًا يَبْهَرُ الْأَبْصَارَ، فَإِذَا أَعَادَهَا إِلَى جَيْبِهِ رَجَعَتْ إِلَى صِفَتِهَا الْأُولَى، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَنْتَفِعْ فِرْعَوْنُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، بَلِ اسْتَمَرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ سِحْرٌ، وَأَرَادَ مُعَارَضَتَهُ بِالسَّحَرَةِ، فَأَرْسَلَ يَجْمَعُهُمْ مِنْ سَائِرِ مَمْلَكَتِهِ، وَمَنْ فِي رَعِيَّتِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَدَوْلَتِهِ، مِنْ إِظْهَارِ اللَّهِ الْحَقَّ الْمُبِينَ، وَالْحُجَّةَ الْبَاهِرَةَ الْقَاطِعَةَ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، وَأَهْلِ دَوْلَتِهِ وَمِلَّتِهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " طه ": فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [ طه: 40 - 46 ]. يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِمُوسَى، فِيمَا كَلَّمَهُ بِهِ لَيْلَةَ أَوْحَى إِلَيْهِ، وَأَنْعَمَ بِالنُّبُوَّةِ عَلَيْهِ، وَكَلَّمَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ: قَدْ كُنْتُ مُشَاهِدًا لَكَ وَأَنْتَ فِي دَارِ فِرْعَوْنَ، وَأَنْتَ تَحْتَ كَنَفِي وَحِفْظِي وَلُطْفِي، ثُمَّ أَخْرَجْتُكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ إِلَى أَرْضِ مَدْيَنَ بِمَشِيئَتِي وَقُدْرَتِي وَتَدْبِيرِي، فَلَبِثْتَ فِيهَا سِنِينَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ أَيْ; مِنِّي لِذَلِكَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ تَقْدِيرِي وَتَسْيِيرِي وَاصْطَنَعَتْكَ لِنَفْسِي أَيْ; اصْطَفَيْتُكَ لِنَفْسِي بِرِسَالَتِي وَبِكَلَامِي اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي يَعْنِي: وَلَا تَفْتُرَا فِي ذَكَرِي إِذْ قَدِمْتُمَا عَلَيْهِ، وَوَفَدْتُمَا إِلَيْهِ; فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَكُمَا عَلَى مُخَاطَبَتِهِ وَمُجَاوَبَتِهِ، وَإِهْدَاءِ النَّصِيحَةِ إِلَيْهِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي الَّذِي يَذْكُرُنِي وَهُوَ مُلَاقٍ قِرْنَهُ وَقَالَ تَعَالَى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ الْأَنْفَالِ: 45 ]. وَقَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [ طه: 49 - 55 ]. يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ أَنْكَرَ إِثْبَاتَ الصَّانِعِ تَعَالَى، قَائِلًا: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى أَيْ; هُوَ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ، وَقَدَّرَ لَهُمْ أَعْمَالًا وَأَرْزَاقًا وَآجَالًا، وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي كِتَابِهِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، ثُمَّ هَدَى كُلَّ مَخْلُوقٍ إِلَى مَا قَدَّرَهُ لَهُ، فَطَابَقَ عِلْمَهُ فِيهِمْ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَدَّرَهُ وَعَلِمَهُ; لِكَمَالِ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَقَدَرِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [ الْأَعْلَى: 1 - 3 ]. أَيْ; قَدَّرَ قَدَرًا وَهَدَى الْخَلَائِقَ إِلَيْهِ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى يَقُولُ فِرْعَوْنُ لِمُوسَى: فَإِذَا كَانَ رَبُّكَ هُوَ الْخَالِقُ الْمُقَدِّرُ، الْهَادِي الْخَلَائِقَ، لِمَا قَدَّرَهُ، وَهُوَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ سِوَاهُ، فَلِمَ عَبَدَ الْأَوَّلُونَ غَيْرَهُ وَأَشْرَكُوا بِهِ مِنَ الْكَوَاكِبِ وَالْأَنْدَادِ مَا قَدْ عَلِمْتَ؟ فَهَلَّا اهْتَدَى إِلَى مَا ذَكَرْتَهُ الْقُرُونُ الْأُولَى؟ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى أَيْ; هُمْ وَإِنْ عَبَدُوا غَيْرَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ لَكَ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا أَقُولُ; لِأَنَّهُمْ جَهَلَةٌ مِثْلُكَ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ مُسْتَطَرٌ عَلَيْهِمْ فِي الزُّبُرِ مِنْ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ رَبِّي، عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ; لِأَنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ عَنْهُ شَيْءٌ، وَلَا يَنْسَى رَبِّي شَيْئًا. ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ عَظَمَةَ الرَّبِّ، وَقُدْرَتَهُ عَلَى خَلْقِ الْأَشْيَاءِ وَجَعْلَهُ الْأَرْضَ مِهَادًا، وَالسَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا، وَتَسْخِيرَهُ السَّحَابَ وَالْأَمْطَارَ لِرِزْقِ الْعِبَادِ وَدَوَابِّهِمْ وَأَنْعَامِهِمْ، كَمَا قَالَ: كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى أَيْ; لِذَوِي الْعُقُولِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْقَوِيمَةِ غَيْرِ السَّقِيمَةِ. فَهُوَ تَعَالَى الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ: 21، 22 ]. وَلَمَّا ذَكَرَ إِحْيَاءَ الْأَرْضِ بِالْمَطَرِ، وَاهْتِزَازَهَا بِإِخْرَاجِ نَبَاتِهَا فِيهِ، نَبَّهَ بِهِ عَلَى الْمَعَادِ فَقَالَ: مِنْهَا أَيْ; مِنَ الْأَرْضِ خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ [ الْأَعْرَافِ: 29 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الرُّومِ: 27 ]. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ففِرْعَوْنَ لكثرة جَهْلِهِ وَقِلَّةِ عَقْلِهِ فِي تَكْذِيبِهِ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاسْتِكْبَارِهِ عَنِ اتِّبَاعِهَا، قال لِمُوسَى: إِنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتَ بِهِ سِحْرٌ وَنَحْنُ نُعَارِضُكَ بِمِثْلِهِ.

  218. التاريخ 205لا حكم مسجّل

    وَقَامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَقَالَ لِمُوسَى: اجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ أَجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ وَأَنَا أُمِرْتُ بِمُنَاجَزَتِكَ، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إِلَيَّ دَخَلْتُ إِلَيْكَ. فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مُوسَى: أَنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَجَلًا، وَاجْعَلْ ذَلِكَ إِلَيْهِ، قَالَ فِرْعَوْنُ: أَجْعَلُهُ إِلَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفَعَلَ. وَكَانَ فِرْعَوْنُ لَا يَأْتِي الْخَلَاءَ إِلَّا فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً، فَاخْتَلَفَ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً. وَكَانَ هَذَا مِنْ أَكْبَرِ مَقَاصِدِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ; أَنْ يُظْهِرَ آيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجَهُ وَبَرَاهِينَهُ جَهْرَةً بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَلِهَذَا قَالَ: مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ، وَمُجْتَمَعٍ لَهُمْ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى أَيْ; مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فِي وَقْتِ اشْتِدَادِ ضِيَاءِ الشَّمْسِ، فَيَكُونُ الْحَقُّ أَظْهَرَ وَأَجْلَى. وَلَمْ يَطْلُبْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَيْلًا فِي ظَلَامٍ، كَيْمَا يُرَوِّجُ عَلَيْهِمْ مِحَالًا وَبَاطِلًا، بَلْ طَلَبَ أَنْ يَكُونَ نَهَارًا جَهْرَةً لِأَنَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ رَبِّهِ، وَيَقِينٍ أَنَّ اللَّهَ سَيُظْهِرُ كَلِمَتَهُ وَدِينَهُ وَإِنْ رَغِمَتْ أُنُوفُ الْقِبْطِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى [ طه: 60 - 64 ]. يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ ذَهَبَ، فَجَمَعَ مَنْ كَانَ بِبِلَادِهِ مِنَ السَّحَرَةِ، وَكَانَتْ بِلَادُ مِصْرَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَمْلُوءَةً سَحَرَةً، فُضَلَاءَ، فِي فَنِّهِمْ غَايَةٌ فَجَمَعُوا لَهُ مَنْ كُلِّ بَلَدٍ، وَمِنْ كُلِّ مَكَانٍ، عدد السحرة الذين جمعهم فرعون فَاجْتَمَعَ مِنْهُمْ خُلُقٌ كَثِيرٌ وَجَمُّ غَفِيرٌ. فَقِيلَ: كَانُوا ثَمَانِينَ أَلْفًا. قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. وَقِيلَ: سَبْعِينَ أَلْفًا. قَالَهُ الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ وَقَالَ السُّدِّيُّ: بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: تِسْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا. وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا. وَرَوَى عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ غُلَامًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَمَرَهُمْ فِرْعَوْنُ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى الْعُرَفَاءِ، فَيَتَعَلَّمُوا السِّحْرَ. وَلِهَذَا قَالُوا: وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَفِي هَذَا نَظَرٌ. قَالَ وَهْبٌ: بَعَثَ إِلَى السَّحَرَةِ [فَجَمَعَهُمْ] وَقَالَ: قَدْ جَاءَنَا سَاحِرٌ مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطُّ، فَإِنْ غَلَبْتُمُوهُ أُكْرِمْكُمْ. وَكَانَ يَرْأَسُ السَّحَرَةَ سَاتُورُ، وَعَازُورُ، وَحَطْحَطُ، وَمُصَفَّى، وَهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا لَمَّا رَأَوْا سُلْطَانَ اللَّهِ فَتَبِعَتْهُمُ السَّحَرَةُ فِي الْإِيمَانِ. وَفِي عَدَدِ السَّحَرَةِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي التَّفْسِيرِ وَحَضَرَ فِرْعَوْنُ وَأُمَرَاؤُهُ وَأَهْلُ دَوْلَتِهِ وَأَهْلُ بَلَدِهِ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ; وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ نَادَى فِيهِمْ أَنْ يَحْضُرُوا هَذَا الْمَوْقِفَ الْعَظِيمَ، فَخَرَجُوا وَهُمْ يَقُولُونَ: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 40 ]. وعظ موسى للسحرة ونهيهم عن تعاطي السحر وَتَقَدَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى السَّحَرَةِ، فَوَعَظَهُمْ وَزَجَرَهُمْ عَنْ تَعَاطِي السِّحْرِ الْبَاطِلِ، الَّذِي فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِآيَاتِ اللَّهِ وَحُجَجِهِ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ; فَقَائِلٌ يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ نَبِيٍّ وَلَيْسَ بِسَاحِرٍ. وَقَائِلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: بَلْ هُوَ سَاحِرٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَسَرُّوا التَّنَاجِيَ بِهَذَا وَغَيْرِهِ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا يَقُولُونَ: إِنَّ هَذَا وَأَخَاهُ هَارُونَ سَاحِرَانِ، عَلِيمَانِ، مُطْبِقَانِ مُتْقِنَانِ لِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ، وَمُرَادُهُمْ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ عَلَيْهِمَا، وَيَصُولَا عَلَى الْمَلِكِ وَحَاشِيَتِهِ، وَيَسْتَأْصِلَاكُمْ عَنْ آخِرِكُمْ، وَيَسْتَأْمِرَا عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى وَإِنَّمَا قَالُوا الْكَلَامَ الْأَوَّلَ لِيَتَدَبَّرُوا وَيَتَوَاصَوْا، وَيَأْتُوا بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَكِيدَةِ وَالْمَكْرِ وَالْخَدِيعَةِ وَالسِّحْرِ وَالْبُهْتَانِ. وَهَيْهَاتَ، كَذَبَتْ وَاللَّهِ الظُّنُونُ وَأَخْطَأَتِ الْآرَاءُ، أَنَّى يُعَارِضُ الْبُهْتَانُ وَالسِّحْرُ وَالْهَذَيَانُ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ، الَّتِي أَجْرَاهَا الدَّيَّانُ عَلَى يَدَيْ عَبْدِهِ الْكَلِيمِ وَرَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيَّدِ بِالْبُرْهَانِ الَّذِي يَبْهَرُ الْأَبْصَارَ، وَتَحَارُ فِيهِ الْعُقُولُ وَالْأَذْهَانُ. وَقَوْلُهُمْ: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أَيْ; جَمِيعَ مَا عِنْدَكُمْ، ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا أَيْ; جُمْلَةً وَاحِدَةً. ثُمَّ حَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى التَّقَدُّمِ فِي هَذَا الْمَقَامِ; لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ قَدْ وَعَدَهُمْ وَمَنَّاهُمْ، وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [ طه: 65 - 69 ]. لَمَّا اصْطَفَّ السَّحَرَةُ وَوَقَفَ مُوسَى وَهَارُونُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، تُجَاهَهُمْ، قَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ قَبْلَنَا، وَإِمَّا أَنْ نُلْقِيَ قَبْلَكَ. قَالَ: بَلْ أَلْقُوا أَنْتُمْ. وَكَانُوا قَدْ عَمَدُوا إِلَى حِبَالٍ وَعِصِيٍّ فَأَوْدَعُوهَا الزِّئْبَقَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْآلَاتِ الَّتِي تَضْطَرِبُ بِسَبَبِهَا تِلْكَ الْحِبَالُ وَالْعِصِيُّ اضْطِرَابًا يُخَيَّلُ لِلرَّائِي أَنَّهَا تَسْعَى بِاخْتِيَارِهَا، وَإِنَّمَا تَتَحَرَّكُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ، وَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 44 ]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الْأَعْرَافِ: 116 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى أَيْ; خَافَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَفْتَتِنُوا بِسِحْرِهِمْ وَمِحَالِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَ مَا فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَضَعُ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ: لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَعِنْدَ ذَلِكَ أَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ وَقَالَ: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [ يُونُسَ: 81، 82 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 45 ]. وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا تَقَدَّمَ وَأَلْقَاهَا صَارَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً ذَاتَ قَوَائِمَ - فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ - وَعُنُقٍ عَظِيمٍ، وَشَكْلٍ هَائِلٍ مُزْعِجٍ، بِحَيْثُ إِنَّ النَّاسَ انْحَازُوا مِنْهَا، وَهَرَبُوا سِرَاعًا، وَتَأَخَّرُوا عَنْ مَكَانِهَا وَأَقْبَلَتْ هِيَ عَلَى مَا أَلْقَوْهُ مِنَ الْحِبَالِ وَالْعِصِيِّ، فَجَعَلَتْ تَلَقَّفَهُ وَاحِدًا وَاحِدًا، فِي أَسْرَعِ مَا يَكُونُ مِنَ الْحَرَكَةِ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا، وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْهَا.

  219. التاريخ 206لا حكم مسجّل

    فلما رأى السَّحَرَةُ مَا هَالَهُمْ وَحَيَّرَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ، وَاطَّلَعُوا عَلَى أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ فِي خَلَدِهِمْ وَلَا بَالِهِمْ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ صِنَاعَاتِهِمْ وَأَشْغَالِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ وَهُنَالِكَ تَحَقَّقُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسِحْرٍ، وَلَا شَعْبَذَةٍ، وَلَا مِحَالٍ وَلَا خَيَالٍ وَلَا زُورٍ وَلَا بُهْتَانٍ وَلَا ضَلَالٍ، بَلْ حَقٌّ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْحَقُّ الَّذِي ابْتَعَثَ هَذَا الْمُؤَيَّدَ بِهِ بِالْحَقِّ، وَكَشَفَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ غِشَاوَةَ الْغَفْلَةِ، وَأَنَارَهَا بِمَا خَلَقَ فِيهَا مِنَ الْهُدَى وَأَزَاحَ عَنْهَا الْقَسْوَةَ، وَأَنَابُوا إِلَى رَبِّهِمْ، وَخَرُّوا لَهُ سَاجِدِينَ، وَقَالُوا جَهْرَةً لِلْحَاضِرِينَ، وَلَمْ يَخْشَوْا عُقُوبَةً وَلَا بَلْوَى: آمَنَّا بِرَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. فَوَاعَدَهُمْ فِرْعَوْنُ بِالْقَتْلِ، فَقَالُوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ [20: 72]. فَرَجَعَ مَغْلُوبًا، وَأَبَى إِلَّا التَّمَادِيَ فِي الْكُفْرِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَغَيْرُهُمْ: لَمَّا سَجَدَ السَّحَرَةُ، رَأَوْا مَنَازِلَهُمْ وَقُصُورَهُمْ فِي الْجَنَّةِ تُهَيَّأُ لَهُمْ، وَتُزَخْرَفُ لِقُدُومِهِمْ، وَلِهَذَا لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى تَهْوِيلِ فِرْعَوْنَ، وَتَهْدِيدِهِ وَوَعِيدِهِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ لَمَّا رَأَى هَؤُلَاءِ السَّحَرَةَ قَدْ أَسْلَمُوا وَأَشْهَرُوا ذِكْرَ مُوسَى وَهَارُونَ فِي النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْجَمِيلَةِ، أَفْزَعَهُ ذَلِكَ، وَرَأَى أَمْرًا بَهَرَهُ، وَأَعْمَى بَصِيرَتَهُ وَبَصَرَهُ، وَكَانَ فِيهِ كَيْدٌ وَمَكْرٌ وَخِدَاعٌ، وَصَنْعَةٌ بَلِيغَةٌ فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لِلسَّحَرَةِ بِحَضْرَةِ النَّاسِ: آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ أَيْ; هَلَّا شَاوَرْتُمُونِي فِيمَا صَنَعْتُمْ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ بِحَضْرَةِ رَعِيَّتِي. ثُمَّ تَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ، وَأَبْرَقَ وَأَرْعَدَ، وَكَذَبَ فَأَبْعَدَ، قَائِلًا: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [ الْأَعْرَافِ: 123 ]. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مِنَ الْبُهْتَانِ الَّذِي يَعْلَمُ كُلُّ فَرْدٍ عَاقِلٍ مَا فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكَذِبِ وَالْهَذَيَانِ، بَلْ لَا يَرُوجُ مَثَلَهُ عَلَى الصِّبْيَانِ فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ، مِنْ أَهْلِ دَوْلَتِهِ وَغَيْرِهِمْ، يَعْلَمُونَ أَنَّ مُوسَى لَمْ يَرَهُ هَؤُلَاءِ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَبِيرَهُمُ الَّذِي عَلَّمَهُمُ السِّحْرَ؟! ثُمَّ هُوَ لَمْ يَجْمَعْهُمْ وَلَا عِلْمَ بِاجْتِمَاعِهِمْ، حَتَّى كَانَ فِرْعَوْنُ هُوَ الَّذِي اسْتَدْعَاهُمْ وَاجْتَبَاهُمْ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ وَوَادٍ سَحِيقٍ، وَمِنْ حَوَاضِرِ بِلَادِ مِصْرَ وَالْأَطْرَافِ، وَمِنَ الْمُدُنِ وَالْأَرْيَافِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِرْعَوْنَ كَذَّبَ وَافْتَرَى، وَكَفَرَ غَايَةَ الْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ وَأَتَى بِبُهْتَانٍ يَعْلَمُهُ الْعَالِمُونَ، بَلِ الْعَالَمُونَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وَقَوْلُهُ: لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ يَعْنِي: يَقْطَعُ الْيَدَ الْيُمْنَى وَالرِّجْلَ الْيُسْرَى وَعَكْسَهُ، وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ أَيْ; لَيَجْعَلُهُمْ مَثُلَةً وَنَكَالًا; لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِمْ أَحَدٌ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَأَهْلِ مِلَّتِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ أَيْ; عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ; لِأَنَّهَا أَعْلَى وَأَشْهَرُ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى يَعْنِي: فِي الدُّنْيَا قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ أَيْ; لَنْ نُطِيعَكَ وَنَتْرُكَ مَا وَقَرَ فِي قُلُوبِنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ، وَالدَّلَائِلِ الْقَاطِعَاتِ، وَالَّذِي فَطَرَنَا قِيلَ: مَعْطُوفٌ. وَقِيلَ: قَسَمٌ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ أَيْ; فَافْعَلْ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا أَيْ; إِنَّمَا حُكْمُكَ عَلَيْنَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَإِذَا انْتَقَلْنَا مِنْهَا إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ، صِرْنَا إِلَى حُكْمِ الَّذِي أَسْلَمْنَا لَهُ وَاتَّبَعْنَا رُسُلَهُ إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [ طه: 73 ]. أَيْ; وَثَوَابُهُ خَيْرٌ مِمَّا وَعَدَتْنَا بِهِ مِنَ التَّقْرِيبِ وَالتَّرْغِيبِ، وَأَبْقَى أَيْ; وَأَدْوَمُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ الْفَانِيَةِ. وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَيْ; مَا اجْتَرَمْنَاهُ مِنَ الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ; مِنَ الْقِبْطِ، بِمُوسَى وَهَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَالُوا لَهُ أَيْضًا: وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا أَيْ لَيْسَ لَنَا عِنْدَكَ ذَنْبٌ إِلَّا إِيمَانُنَا بِمَا جَاءَنَا بِهِ رَسُولُنَا، وَاتِّبَاعُنَا آيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا، رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا أَيْ; ثَبِّتْنَا عَلَى مَا ابْتُلِينَا بِهِ مِنْ عُقُوبَةِ هَذَا الْجَبَّارِ الْعَنِيدِ، وَالسُّلْطَانِ الشَّدِيدِ، بَلِ الشَّيْطَانِ الْمَرِيدِ، وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ وَقَالُوا أَيْضًا يَعِظُونَهُ وَيُخَوِّفُونَهُ بِأْسَ رَبِّهِ الْعَظِيمِ: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا يَقُولُونَ لَهُ: فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ فَكَانَ مِنْهُمْ. وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا أَيِ; الْمَنَازِلُ الْعَالِيَةُ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى فَاحْرِصْ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ. فَحَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ الْأَقْدَارُ الَّتِي لَا تُغَالَبُ، وَلَا تُمَانَعُ وَحُكْمُ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ بِأَنَّ فِرْعَوْنَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مِنْ أَهْلِ الْجَحِيمِ، لِيُبَاشِرَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ، يَصُبُّ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ الْحَمِيمُ. وَيُقَالُ لَهُ، عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ، وَهُوَ الْمَقْبُوحُ الْمَنْبُوحُ، الذَّمِيمُ اللَّئِيمُ: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. [ الدُّخَانِ: 49 ]. وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ السِّيَاقَاتِ أَنَّ فِرْعَوْنَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، صَلَبَهُمْ وَعَذَّبَهُمْ، ؓ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: كَانُوا مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً، فَصَارُوا مِنْ آخِرِهِ شُهَدَاءَ بَرَرَةً. وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُمْ: رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ.

  220. التاريخ 207لا حكم مسجّل

    وَلَمَّا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ الْغَلَبُ الَّذِي غُلِبَهُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْهَائِلِ، وَأَسْلَمَ السَّحَرَةُ، الَّذِينَ اسْتَنْصَرُوا رَبَّهُمْ لَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا كُفْرًا وَعِنَادًا وَبُعْدًا عَنِ الْحَقِّ فأخبر تَعَالَى عَنِ الْمَلَأِ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَهُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْكُبَرَاءُ، أَنَّهُمْ حَرَّضُوا مِلَكَهُمْ فِرْعَوْنَ عَلَى أَذِيَّةِ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى  ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمُقَابَلَتِهِ - بَدَلَ التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ - بِالْكُفْرِ وَالرَّدِّ وَالْأَذَى، فَقَالُوا أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ يَعْنُونَ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ، أَنَّ دَعْوَتَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالنَّهْيَ عَنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ فَسَادٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْقِبْطِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: " وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ " أَيْ ; وَعِبَادَتَكَ. وَيَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ ; أَحَدُهُمَا وَيَذْرُ دِينَكَ. وَتُقَوِّيهِ الْقِرَاءَةُ الْأُخْرَى. الثَّانِي، وَيَذَرُ أَنْ يَعْبُدَكَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ إِلَهٌ، لَعَنَهُ اللَّهُ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ أَيْ ; لِئَلَّا تَكْثُرَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ أَيْ ; غَالِبُونَ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أَيْ ; إِذَا هَمُّوا هُمْ بِأَذِيَّتِكُمْ وَالْفَتْكِ بِكُمْ فَاسْتَعِينُوا أَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ، وَاصْبِرُوا عَلَى بَلِيَّتِكُمْ، إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أَيْ ; فَكُونُوا أَنْتُمْ مِنَ الْمُتَّقِينَ ; لِتَكُونَ لَكُمُ الْعَاقِبَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ يُونُسَ: 84 - 86 ]. وَقَوْلُهُمْ: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا أَيْ ; قَدْ كَانَتِ الْأَبْنَاءُ تُقْتَلُ قَبْلَ مَجِيئِكَ، وَبَعْدَ مَجِيئِكَ إِلَيْنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " حم الْمُؤْمِنِ ": وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ غَافِرٍ: 23، 24 ]. وَكَانَ فِرْعَوْنُ الْمَلِكَ، وَهَامَانُ الْوَزِيرَ، وَكَانَ قَارُونُ إِسْرَائِيلِيًّا مِنْ قَوْمِ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى دِينِ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ، وَكَانَ ذَا مَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا،. فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [ غَافِرٍ: 25 ]. وَهَذَا الْقَتْلُ لِلْغِلْمَانِ، مِنْ بَعْدِ بَعْثَةِ مُوسَى، إِنَّمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِهَانَةِ وَالْإِذْلَالِ، وَالتَّقْلِيلِ لِمَلَأِ بَنِي إِسْرَائِيلَ   ; لِئَلَّا تَكُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ يَمْتَنِعُونَ بِهَا أَوْ يَصُولُونَ عَلَى الْقِبْطِ بِسَبَبِهَا، وَكَانَتِ الْقِبْطُ مِنْهُمْ يَحْذَرُونَ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ ذَلِكَ ; وَلَمْ يَرُدَّ عَنْهُمْ قَدَرَ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ. فَيَكُونُ. وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [ غَافِرٍ: 26 ]. وَلِهَذَا يَقُولُ النَّاسُ عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ: صَارَ فِرْعَوْنُ مُذَكِّرًا. وَهَذَا مِنْهُ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ فِي زَعْمِهِ يَخَافُ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُضِلَّهُمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [ غَافِرٍ: 27 ]. أَيْ ; عُذْتُ بِاللَّهِ، وَلَجَأْتُ إِلَيْهِ وَاسْتَجَرْتُ بِجَنَابِهِ مِنْ أَنْ يَسْطُوَ فِرْعَوْنُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَيَّ بِسُوءٍ. وَقَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ أَيْ ; جَبَّارٍ عَنِيدٍ، لَا يَرْعَوِي وَلَا يَنْتَهِي، وَلَا يَخَافُ عَذَابَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ مَعَادًا وَلَا جَزَاءً، وَلِهَذَا قَالَ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ.

  221. التاريخ 208لا حكم مسجّل

    مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ  هَذَا الرَّجُلُ هُوَ ابْنُ عَمِّ فِرْعَوْنَ، وَكَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ قَوْمِهِ، خَوْفًا مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ. وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ كَانَ إِسْرَائِيلِيًّا، وَهُوَ بَعِيدٌ وَمُخَالِفٌ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ لَفْظًا وَمَعْنًى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ يُؤْمِنْ مِنَ الْقِبْطِ بِمُوسَى إِلَّا هَذَا، وَالَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَامْرَأَةِ فِرْعَوْنَ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا يُعْرَفُ مَنِ اسْمُهُ شَمْعَانُ - بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - إِلَّا مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ. حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. وَفِي " تَارِيخِ الطَّبَرَانِيِّ " أَنَّ اسْمَهُ: جَبْرٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقيل خِرْبِيلُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ هُوَ النَّجَّارُ الَّذِي صَنَعَ التَّابُوتَ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ مُوسَى وَأُلْقِيَ فِي النِّيلِ، فَلَمَّا رَأَى غَلَبَةَ مُوسَى السَّحَرَةَ أَظْهَرَ إِيمَانَهُ، وَقِيلَ: أَظْهَرَ إِيمَانَهُ قَبْلُ فَقُتِلَ وَصُلِبَ مَعَ السَّحَرَةِ، وَكَانَ لَهُ امْرَأَةٌ مُؤْمِنَةٌ تَكْتُمُ إِيمَانَهَا أَيْضًا، وَكَانَتْ مَاشِطَةَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ  وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، فَلَمَّا هَمَّ فِرْعَوْنُ، لَعَنَهُ اللَّهُ، بِقَتْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَشَاوَرَ مَلَأَهُ فِيهِ، خَافَ هَذَا الْمُؤْمِنُ عَلَى مُوسَى، فَتَلَطَّفَ فِي رَدِّ فِرْعَوْنَ بِكَلَامٍ جَمَعَ فِيهِ التَّرْغِيبَ وَالتَّرْهِيبَ، فَقَالَ كَلِمَةَ الْحَقِّ عَلَى وَجْهِ الْمَشُورَةِ وَالرَّأْيِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: أَفْضَلُ الْجِهَادِ  كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ وَهَذَا مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ هَذَا الْمَقَامِ، فَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَا يَكُونُ أَشَدُّ جَوْرًا مِنْهُ، وَهَذَا الْكَلَامُ لَا أَعْدَلَ مِنْهُ; لِأَنَّ فِيهِ عِصْمَةَ دَمِ نَبِيٍّ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ لَهُمْ بِإِظْهَارِ إِيمَانِهِ، وَصَرَّحَ لَهُمْ بِمَا كَانَ يَكْتُمُهُ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ أَيْ; مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ. فَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَابَلُ بِمِثْلِ هَذَا، بَلْ بِالْإِكْرَامِ وَالِاحْتِرَامِ وَالْمُوَادَعَةِ وَتَرَكِ الِانْتِقَامِ، يَعْنِي: لِأَنَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ أَيْ; بِالْخَوَارِقِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى صَدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَمَّنْ أَرْسَلَهُ فَهَذَا إِنْ وَادَعْتُمُوهُ كُنْتُمْ فِي سَلَامَةٍ; لِأَنَّهُ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَلَا يَضُرُّكُمْ ذَلِكَ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا وَقَدْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أَيْ; وَأَنْتُمْ تُشْفِقُونَ أَنْ يَنَالَكُمْ أَيْسَرُ جَزَاءٍ مِمَّا يَتَوَعَّدُكُمْ بِهِ، فَكَيْفَ بِكُمْ إِنَّ حَلَّ جَمِيعُهُ عَلَيْكُمْ؟ وَهَذَا الْكَلَامُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ أَعْلَى مَقَامَاتِ التَّلَطُّفِ وَالِاحْتِرَازِ  وَالْعَقْلِ التَّامِّ. وَقَوْلُهُ: يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ يُحَذِّرُهُمْ أَنَّ يَسْلُبُوا هَذَا الْمُلْكَ الْعَزِيزَ، فَإِنَّهُ مَا تَعَرَّضَتِ الدُّوَلُ لِلدِّينِ إِلَّا سُلِبُوا مُلْكَهُمْ وَذَلُّوا بَعْدَ عِزِّهِمْ، وَكَذَا وَقْعَ لِآلِ فِرْعَوْنَ; مَا زَالُوا فِي شَكٍّ وَرَيْبٍ، وَمُخَالَفَةٍ وَمُعَانَدَةٍ لِمَا جَاءَهُمْ مُوسَى بِهِ، حَتَّى أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالْأَمْلَاكِ وَالدُّورِ وَالْقُصُورِ، وَالنِّعْمَةِ وَالْحُبُورِ، ثُمَّ حُوِّلُوا إِلَى الْبَحْرِ مُهَانِينَ، وَنُقِلَتْ أَرْوَاحُهُمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِينَ. وَلِهَذَا قَالَ هَذَا الرَّجُلُ الْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ، الْبَارُّ الرَّاشِدُ، التَّابِعُ لِلْحَقِّ النَّاصِحُ لِقَوْمِهِ، الْكَامِلُ الْعَقْلِ: يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ أَيْ; عَالِينَ عَلَى النَّاسِ حَاكِمِينَ عَلَيْهِمْ، فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا أَيْ; لَوْ كُنْتُمْ أَضْعَافَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ وَالشِّدَّةِ لَمَا نَفَعَنَا ذَلِكَ وَلَا رَدَّ عَنَّا بَأْسَ مَالِكِ الْمَمَالِكِ. من مواعظ مؤمن آل فرعون لقومه ثم واصل مَوْعِظَتِهِ وَاحْتِجَاجِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [ غَافِرٍ: 38 - 40 ]. يَدْعُوهُمْ، ؓ، إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ وَالْحَقِّ، وَهِيَ مُتَابَعَةُ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ رَبِّهِ، ثُمَّ زَهَّدَهُمْ فِي الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ الْفَانِيَةِ الْمُنْقَضِيَةِ لَا مَحَالَةَ، وَرَغَّبَهُمْ فِي طَلَبِ الثَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ، الَّذِي لَا يُضَيِّعُ عَمَلَ عَامِلٍ لَدَيْهِ، الْقَدِيرِ الَّذِي مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ بِيَدَيْهِ، الَّذِي يُعْطِي عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا، وَمِنْ عَدْلِهِ لَا يُجَازَى عَلَى السَّيِّئَةِ إِلَّا مِثْلَهَا. وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، الَّتِي مِنْ وَافَاهَا مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ، فَلَهُمُ الْجَنَّاتُ الْعَالِيَاتُ، وَالْغُرَفُ الْآمِنَاتُ، وَالْخَيْرَاتُ الْكَثِيرَةِ الْفَائِقَاتُ، وَالْأَرْزَاقُ الدَّائِمَةُ الَّتِي لَا تَبِيدُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي كُلُّ مَا لَهُمْ مِنْهُ فِي مَزِيدٍ. ثُمَّ شَرَعَ فِي إِبْطَالِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَتَخْوِيفِهِمْ مِمَّا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [ غَافِرٍ: 41 - 46 ]. كَانَ يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ. فَيَكُونُ، وَهُمْ يَدْعُونَهُ إِلَى عِبَادَةِ فِرْعَوْنَ الْجَاهِلِ الضَّالِّ الْمَلْعُونِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ بُطْلَانَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مِنْ نَفْعٍ وَلَا إِضْرَارٍ. فَقَالَ: لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ أَيْ; لَا تَمْلِكُ تَصَرُّفًا وَلَا حُكْمًا فِي هَذِهِ الدَّارِ، فَكَيْفَ تَمْلِكُهُ يَوْمَ الْقَرَارِ؟ وَأَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ لِلْأَبْرَارِ وَالْفُجَّارِ، وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الْعِبَادَ وَيُمِيتُهُمْ وَيَبْعَثُهُمْ، فَيُدْخِلُ طَائِعَهُمُ الْجَنَّةَ وَعَاصِيَهُمُ النَّارَ. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ إِنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلَى الْعِنَادِ بِقَوْلِهِ: فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا أَيْ; بِإِنْكَارِهِ سَلِمَ مِمَّا أَصَابَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَمَكْرِهِمْ فِي صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا أَظْهَرُوا لِلْعَامَّةِ مِنَ الْخَيَالَاتِ وَالْمُحَالَاتِ الَّتِي لَبَّسُوا بِهَا عَلَى عَوَامِّهِمْ وَطَغَامِهِمْ; وَلِهَذَا قَالَ: وَحَاقَ أَيْ; أَحَاطَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا أَيْ; تُعْرَضُ أَرْوَاحُهُمْ فِي بَرْزَخِهِمْ صَبَاحًا وَمَسَاءً عَلَى النَّارِ، وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ. وقَالَ فِرْعَوْنُ فِي جَوَابِ هَذَا كُلِّهِ: مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى أَيْ; مَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا مَا عِنْدِي وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ وَكَذَبَ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَاتَيْنِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ يَتَحَقَّقُ وَيَعْلَمُ فِي بَاطِنِهِ وَفِي نَفْسِهِ أَنَّ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ يُظْهِرُ خِلَافَهُ بَغْيًا وَعُدْوَانًا، وَعُتُوًّا وَكُفْرَانًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [ الْإِسْرَاءِ: 102 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [ النَّمْلِ: 13، 14 ]. وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ. فَقَدْ كَذَبَ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَشَادٍ مِنَ الْأَمْرِ، بَلْ كَانَ عَلَى سَفَهٍ وَضَلَالٍ، وَخَبَالٍ، وَكَانَ أَوَّلًا مِمَّنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَالْأَمْثَالَ، ثُمَّ دَعَا قَوْمَهُ الْجَهَلَةَ الضُّلَّالَ إِلَى أَنِ اتَّبَعُوهُ وَطَاوَعُوهُ، وَصَدَّقُوهُ فِيمَا زَعَمَ مِنَ الْكُفْرِ الْمُحَالِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ رَبٌّ، تَعَالَى اللَّهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ.

  222. التاريخ 209لا حكم مسجّل

    وَمِمَّنْ آمَنَ بموسى مَاشِطَةُ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ مَرَّتْ بِهِ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟ قَالَ: مَاشِطَةُ ابْنَةِ فَرْعَوْنَ،  كَانَتْ تُمَشِّطُهَا فَوَقَعَ الْمُشْطُ مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَقَالَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: بَلْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ، قَالَتْ: أُخْبِرُ بِذَلِكَ أَبِي، قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَا بِهَا، فَقَالَ: مَنْ رَبُّكِ؟ قَالَتْ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ بِبَقَرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمَتْ وَدَعَا بِهَا وَبِوَلَدِهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ بِعِظَامِي وَعِظَامِ وَلَدِي فَتَدُقُّهَا جَمِيعًا، قَالَ: ذَلِكَ لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ، قَالَ: فَأَلْقَى وَلَدَهَا وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ وَلَدِهَا كَانَ صَبِيًّا مُرْضَعًا قَالَ: اصْبِرِي يَا أُمَّاهُ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ،  قَالَ: ثُمَّ أُلْقِيَتْ مَعَ وَلَدِهَا. وَمِمَّنْ آمَنَتْ بِمُوسَى آسِيَةُ   قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ضَرَبَ فِرْعَوْنُ لِامْرَأَتِهِ أَوْتَارًا فِي يَدَيْهَا وَرِجْلَيْهَا، وَكَانُوا إِذَا تَفَرَّقُوا عَنْهَا أَظَلَّتْهَا الْمَلَائِكَةُ، فَقَالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ [66: 11] فَكَشَفَ اللَّهُ لَهَا عَنْ بَيْتِهَا فِي الْجَنَّةِ حَتَّى رَأَتْهُ قَبْلَ مَوْتِهَا. وعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ:  خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَمَرْيَمُ بُنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ ابْنَةُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنِ". وقيل كَانَتْ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ  مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقِيلَ: كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَكَانَتْ مُؤْمِنَةً تَكْتُمُ إِيمَانَهَا، فَلَمَّا قُتِلَتِ الْمَاشِطَةُ رَأَتْ آسِيَةُ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ بِرُوحِهَا، كَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَتِهَا، وَكَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهَا وَهِيَ تُعَذَّبُ، فَلَمَّا رَأَتِ الْمَلَائِكَةَ قَوِيَ إِيمَانُهَا وَازْدَادَتْ يَقِينًا وَتَصْدِيقًا لِمُوسَى، فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهَا فِرْعَوْنُ فَأَخْبَرَهَا خَبَرَ الْمَاشِطَةِ. قَالَتْ لَهُ آسِيَةُ: الْوَيْلُ لَكَ ! مَا أَجْرَأَكَ عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهَا: لَعَلَّكِ اعْتَرَاكِ الْجُنُونُ الَّذِي اعْتَرَى الْمَاشِطَةَ ؟ فَقَالَتْ: مَا بِي جُنُونٌ، وَلَكِنِّي آمَنْتُ بِاللَّهِ تَعَالَى رَبِّي وَرَبِّكِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ. فَدَعَا فِرْعَوْنُ أُمَّهَا، وَقَالَ لَهَا: إِنَّ ابْنَتَكِ قَدْ أَصَابَهَا مَا أَصَابَ الْمَاشِطَةَ فَأُقْسِمُ لَتَذُوقَنَّ الْمَوْتَ أَوْ لَتَكْفُرَنَّ بِإِلَهِ مُوسَى. فَخَلَتْ بِهَا أُمُّهَا، وَأَرَادَتْهَا عَلَى مُوَافَقَةِ فِرْعَوْنَ، فَأَبَتْ وَقَالَتْ: أَمَّا أَنْ أَكْفُرَ بِاللَّهِ فَلَا وَاللَّهِ ! فَأَمَرَ فِرْعَوْنُ حَتَّى مُدَّتْ بَيْنَ يَدَيْهِ أَرْبَعَةُ أَوْتَادٍ وَعُذِّبَتْ حَتَّى مَاتَتْ، فَلَمَّا عَايَنَتِ الْمَوْتَ قَالَتْ: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْ بَصِيرَتِهَا فَرَأَتِ الْمَلَائِكَةَ وَمَا أُعِدَّ لَهَا مِنَ الْكَرَامَةِ، فَضَحِكَتْ فَقَالَ فِرْعَوْنُ: انْظُرُوا إِلَى الْجُنُونِ الَّذِي بِهَا ! تَضْحَكُ وَهِيَ فِي الْعَذَابِ ! ثُمَّ مَاتَتْ.

  223. التاريخ 210لا حكم مسجّل

    لَمَّا رَأَى فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ قَدْ دَخَلَهُمُ الرُّعْبُ مِنْ مُوسَى خَافَ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَيَتْرُكُوا عِبَادَتَهُ فَاحْتَالَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ لِوَزِيرِهِ: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [ غَافِرٍ: 36، 37 ]. كَذَّبَ فِرْعَوْنُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي دَعْوَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، وَزَعَمَ فِرْعَوْنُ لِقَوْمِهِ مَا كَذَّبَهُ وَافْتَرَاهُ، فِي قَوْلِهِ لَهُمْ: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ [ الْقَصَصِ: 38 ]. وَقَالَ هَاهُنَا: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ أَيْ; طُرُقَهَا وَمَسَالِكَهَا فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَيَحْتَمِلُ هَذَا مَعْنَيَيْنِ; أَحَدُهُمَا، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ لِلْعَالَمِ رَبًّا غَيْرِي. وَالثَّانِي، فِي دَعْوَاهُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ. وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ حَالِ فِرْعَوْنَ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ ظَاهِرَ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَالثَّانِي أَقْرَبُ إِلَى اللَّفْظِ; حَيْثُ قَالَ: فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى أَيْ; فَأَسْأَلَهُ هَلْ أَرْسَلَهُ أَمْ لَا، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا أَيْ; فِي دَعْوَاهُ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُ فِرْعَوْنَ أَنْ يَصُدَّ النَّاسَ عَنْ تَصْدِيقِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنْ يَحُثَّهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَقُرِئَ: ( وَصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ: يَقُولُ: إِلَّا فِي خَسَارٍ. أَيْ بَاطِلٍ، لَا يَحْصُلُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ مَقْصُودِهِ الَّذِي رَامَهُ، فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْبَشَرِ أَنْ يَتَوَصَّلُوا بِقُوَاهُمْ إِلَى نَيْلِ السَّمَاءِ أَبَدًا - أَعْنِي السَّمَاءَ الدُّنْيَا - فَكَيْفَ بِمَا بَعْدَهَا مِنَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى، وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الِارْتِفَاعِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذَا الصَّرْحَ، وَهُوَ الْقَصْرُ الَّذِي بَنَاهُ وَزِيرُهُ هَامَانُ لَهُ، لَمْ يُرَ بِنَاءٌ أَعْلَى مِنْهُ، وَأَنَّهُ كَانَ مَبْنِيًّا مِنَ الْآجُرِّ الْمَشْوِيِّ بِالنَّارِ، وَلِهَذَا قَالَ: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا يُسَخَّرُونَ فِي ضَرْبِ اللَّبِنِ، وَكَانَ مِمَّا حَمَلُوا مِنَ التَّكَالِيفِ الْفِرْعَوْنِيَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُسَاعَدُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِيهِ، بَلْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ تُرَابَهُ وَتِبْنَهُ وَمَاءَهُ، وَيُطْلَبُ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ قِسْطٌ مُعَيَّنٌ، إِنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ وَإِلَّا ضُرِبُوا وَأُهِينُوا غَايَةَ الْإِهَانَةِ، وَأُوذُوا غَايَةَ الْأَذِيَّةِ. وَلِهَذَا قَالُوا لِمُوسَى: أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَوَعَدَهُمْ بِأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ عَلَى الْقِبْطِ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ. وَارْتَفَعَ الْبُنْيَانُ ارْتِفَاعًا لَمْ يَبْلُغْهُ بُنْيَانٌ آخَرُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مُوسَى وَاسْتَعْظَمَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ دَعْهُ وَمَا يُرِيدُ فَإِنِّي مُسْتَدْرِجُهُ وَمُبْطِلٌ مَا عَمِلَهُ سَاعَةً وَاحِدَةً. فَلَمَّا تَمَّ بِنَاؤُهُ أَمَرَ اللَّهُ جَبْرَائِيلَ فَخَرَّبَهُ وَأَهْلَكَ كُلَّ مَنْ عَمَلِ فِيهِ مِنْ صَانِعٍ وَمُسْتَعْمَلٍ.

  224. التاريخ 211لا حكم مسجّل

    الْآيَاتِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ   لَمَّا فُرِغَ مِنْ أَمْرِ السَّحَرَةِ وَلَمْ يُؤْمِنْ فِرْعَوْنُ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ. وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ أَنَّ الْآيَاتِ أُرْسِلَتْ قَبْلَ لِقَاءِ السَّحَرَةِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُهْلِكْهُمْ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ، وَإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِمْ، وَإِزَاحَةِ الشُّبَهِ عَنْهُمْ، وَأَخْذِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ، فَبِالتَّرْهِيبِ تَارَةً وَالتَّرْغِيبِ أُخْرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ الْأَعْرَافِ: 130 - 133 ]. فالله تعالى ابْتَلَى آلَ فِرْعَوْنَ، وَهُمْ قَوْمُهُ مِنَ الْقِبْطِ، بِالسِّنِينَ، وَهِيَ أَعْوَامُ الْجَدْبِ الَّتِي لَا يُسْتَغَلُّ فِيهَا زَرْعٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِضَرْعٍ. وَقَوْلُهُ: وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ وَهِيَ قِلَّةُ الثِّمَارِ مِنَ الْأَشْجَارِ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أَيْ; فَلَمْ يَنْتَفِعُوا وَلَمْ يَرْعَوُوا، بَلْ تَمَرَّدُوا وَاسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ وَهُوَ الْخِصْبُ وَنَحْوُهُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ أَيْ; هَذَا الَّذِي نَسْتَحِقُّهُ وَهَذَا الَّذِي يَلِيقُ بِنَا، وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَيْ; يَقُولُونَ هَذَا; بِشُؤْمِهِمْ أَصَابَنَا هَذَا. وَلَا يَقُولُونَ فِي الْأَوَّلِ: إِنَّهُ بَرَكَتُهُمْ وَحُسْنُ مُجَاوَرَتِهِمْ، وَلَكِنَّ قُلُوبَهُمْ مُنْكِرَةٌ مُسْتَكْبِرَةٌ نَافِرَةٌ عَنِ الْحَقِّ، إِذَا جَاءَ الشَّرُّ أَسْنَدُوهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ رَأَوْا خَيْرًا ادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَيِ; اللَّهُ يَجْزِيهِمْ عَلَى هَذَا أَوْفَرَ الْجَزَاءِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ أَيْ; مَهْمَا جِئْتَنَا بِهِ مِنَ الْآيَاتِ،  وَهِيَ الْخَوَارِقُ لِلْعَادَاتِ فَلَسْنَا نُؤْمِنُ بِكَ وَلَا نَتَّبِعُكَ وَلَا نُطِيعُكَ وَلَوْ جِئْتَنَا بِكُلِّ آيَةٍ. وَهَكَذَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [ يُونُسَ: 96، 97 ]. فأرسل الله عليهم الطُّوفَانُ، وهُوَ كَثْرَةُ الْأَمْطَارِ الْمُتْلِفَةِ لِلزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ: هُوَ كَثْرَةُ الْمَوْتِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّوفَانُ الْمَاءُ، وَالطَّاعُونُ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَمْرٌ طَافَ بِهِمْ. وَأَمَّا الْجَرَادُ فَمَعْرُوفٌ. وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْجَرَادِ، فَقَالَ: أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ وَتَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْلَهُ إِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّقَذُّرِ لَهُ; كَمَا تَرَكَ أَكْلَ الضَّبِّ،  وَتَنَزَّهَ عَنْ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالثُّومِ وَالْكُرَّاثِ، لِمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: غَزْونَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ اسْتَاقَ خَضْرَاءَهُمْ، فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ زُرُوعًا وَلَا ثِمَارًا، وَلَا سَبَدًا وَلَا لَبَدًا. من الآيات التي أرسلت على بني إسرائيل القمل وَأَمَّا الْقُمَّلُ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ السُّوسُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَعَنْهُ، أَنَّهُ الْجَرَادُ الصِّغَارُ الَّذِي لَا أَجْنِحَةَ لَهُ.وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ: هُوَ دَوَابُّ سُودٌ صِغَارٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: هِيَ الْبَرَاغِيثُ. وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهَا الْحَمْنَانُ. وَهُوَ صِغَارُ الْقِرْدَانِ فَوْقَ الْقَمْقَامَةِ، فَدَخَلَ مَعَهُمُ الْبُيُوتَ وَالْفُرُشَ، فَلَمْ يَقِرَّ لَهُمْ قَرَارٌ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ مَعَهُ الْغَمْضُ وَلَا الْعَيْشُ. وَفَسَّرَهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ بِهَذَا الْقُمَّلِ الْمَعْرُوفِ. إرسال الضفادع على قوم فرعون وَأَمَّا الضَّفَادِعُ فَمَعْرُوفَةٌ، لَبَّسَتْهُمْ حَتَّى كَانَتْ تَسْقُطُ فِي أَطَعِمَاتِهِمْ وَأَوَانِيهِمْ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا فَتَحَ فَمَهُ لِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، سَقَطَتْ فِي فِيهِ ضِفْدِعَةٌ مِنْ تِلْكَ الضَّفَادِعِ. وَأَمَّا الدَّمُ فَكَانَ قَدْ مُزِجَ مَاؤُهُمْ كُلُّهُ بِهِ، فَلَا يَسْتَقُونَ مِنَ النِّيلِ شَيْئًا إِلَّا وَجَدُوهُ دَمًا عَبِيطًا، وَلَا مِنْ نَهْرٍ وَلَا بِئْرٍ وَلَا شَيْءٍ إِلَّا كَانَ دَمًا فِي السَّاعَةِ الرَّاهِنَةِ. هَذَا كُلُّهُ، وَلَمْ يَنَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ بِالْكُلِّيَّةِ. وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ، وَالْحُجَّةِ الْقَاطِعَةِ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ عَنْ فِعْلِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَنَالُهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، وَلَا يَحْصُلُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَفِي هَذَا أَدَلُّ دَلِيلٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَرَجَعَ عَدُوُّ اللَّهِ فِرْعَوْنُ حِينَ آمَنَتِ السَّحَرَةُ مَغْلُوبًا مَفْلُولًا، ثُمَّ أَبَى إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى الْكُفْرِ وَالتَّمَادِيَ فِي الشَّرِّ، فَتَابَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْآيَاتِ، فَأَخَذَهُ بِالسِّنِينَ، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الطُّوفَانَ، ثُمَّ الْجَرَادَ، ثُمَّ الْقُمَّلَ، ثُمَّ الضَّفَادِعَ، ثُمَّ الدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ; فَأَرْسَلَ الطُّوفَانَ - وَهُوَ الْمَاءُ - فَفَاضَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ثُمَّ رَكَدَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَحْرُثُوا وَلَا أَنْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، حَتَّى جُهِدُوا جُوعًا، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ، وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الْأَعْرَافِ: 134 ]. فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ، فَكَشْفَهُ عَنْهُمْ، فَلَمَّا لَمَّ يَفُوا لَهُ بِشَيْءٍ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَرَادَ، فَأَكَلَ الشَّجَرَ، فِيمَا بَلَغَنِي، حَتَّى إِنْ كَانَ لَيَأْكُلُ مَسَامِيرَ الْأَبْوَابِ مِنَ الْحَدِيدِ، حَتَّى تَقَعَ دُورُهُمْ وَمَسَاكِنُهُمْ، فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالُوا، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَفُوا لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْقُمَّلَ، فَذَكَرَ لِي أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أُمِرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى كَثِيبٍ حَتَّى يَضْرِبَهُ بِعَصَاهُ فَمَشَى إِلَى كَثِيبٍ أَهْيَلَ عَظِيمٍ، فَضَرَبَهُ بِهَا، فَانْثَالَ عَلَيْهِمْ قُمَّلًا حَتَّى غَلَبَ عَلَى الْبُيُوتِ وَالْأَطْعِمَةِ، وَمَنَعَهُمُ النَّوْمَ وَالْقَرَارَ، فَلَمَّا جَهَدَهُمْ، قَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالُوا لَهُ، فَدَعَا رَبَّهُ، فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَفُوا لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفَادِعَ، فَمَلَأَتِ الْبُيُوتَ وَالْأَطْعِمَةَ وَالْآنِيَةَ، فَلَمْ يَكْشِفْ أَحَدٌ ثَوْبًا وَلَا طَعَامًا إِلَّا وَجَدَ فِيهِ الضَّفَادِعَ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَهَدَهُمْ ذَلِكَ، قَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالُوا، فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَفُوا لَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا قَالُوا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ فَصَارَتْ مِيَاهُ آلِ فِرْعَوْنَ دَمًا، لَا يَسْتَقُونَ مِنْ بِئْرٍ، وَلَا نَهْرٍ وَلَا يَغْتَرِفُونَ مِنْ إِنَاءٍ، إِلَّا عَادَ دَمًا عَبِيطًا. وَكُلَّمَا شَاهَدُوا آيَةً وَعَايَنُوهَا وَجَهَدَتْهُمْ وَأَضْنَكَتْهُمْ، حَلَفُوا وَعَاهَدُوا مُوسَى; لَئِنْ كَشَفَ عَنْهُمْ هَذِهِ لِيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَيُرْسِلُنَّ مَعَهُ مَنْ هُوَ مِنْ حِزْبِهِ، فَكُلَّمَا رُفِعَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْآيَةُ عَادُوا إِلَى شَرٍّ مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ، وَأَعْرَضُوا عَمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ آيَةً أُخْرَى، هِيَ أَشَدُّ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَهَا وَأَقْوَى، فَيَقُولُونَ، فَيَكْذِبُونَ. وَيَعِدُونَ وَلَا يَفُونَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيُكْشَفُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْعَذَابُ الْوَبِيلُ. ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى جَهْلِهِمُ الْعَرِيضِ الطَّوِيلِ. هَذَا، وَالْعَظِيمُ الْحَلِيمُ الْقَدِيرُ يُنْظِرُهُمْ وَلَا يَعْجَلُ عَلَيْهِمْ، وَيُؤَخِّرُهُمْ وَيَتَقَدَّمُ بِالْوَعِيدِ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا يَئِسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ وَمِنْ إِيمَانِ فِرْعَوْنَ دَعَا مُوسَى وَأَمَّنَ هَارُونُ فَقَالَ: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ. فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُمَا، فَمَسَخَ اللَّهُ أَمْوَالَهُمْ، مَا عَدَا خَيْلَهُمْ وَجَوَاهِرَهُمْ وَزِينَتَهُمْ حِجَارَةً، وَالنَّخْلَ، وَالْأَطْعِمَةَ، وَالدَّقِيقَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَكَانَتْ إِحْدَى الْآيَاتِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى  .

  225. التاريخ 212لا حكم مسجّل

    هَلَاكِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ   لَمَّا تَمَادَى قِبْطُ مِصْرَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعُتُوِّهِمْ، وَعِنَادِهِمْ، مُتَابَعَةً لِمَلِكِهِمْ فِرْعَوْنَ، وَمُخَالَفَةً لِنَبِيِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكَلِيمِهِ، مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَقَامَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ الْحُجَجَ الْعَظِيمَةَ الْقَاهِرَةَ وَأَرَاهُمْ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ مَا بَهَرَ الْأَبْصَارَ وَحَيَّرَ الْعُقُولَ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرْعَوُونَ، وَلَا يَنْتَهُونَ، وَلَا يَنْزِعُونَ، وَلَا يَرْجِعُونَ، وَلَمْ يُؤْمِنْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، قِيلَ: ثَلَاثَةٌ; وَهُمُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَلَا عِلْمَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِخَبَرِهَا، وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَالرَّجُلُ النَّاصِحُ، الَّذِي جَاءَ يَسْعَى مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ. وَمُرَادُهُ غَيْرُ السَّحَرَةِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مِنَ الْقِبْطِ. وَقِيلَ: بَلْ آمَنَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْقِبْطِ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَالسَّحَرَةُ كُلُّهُمْ، وَجَمِيعُ شَعْبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ [ يُونُسَ: 83 ]. فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَائِدٌ عَلَى فِرْعَوْنَ لِأَنَّ السِّيَاقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: عَلَى مُوسَى; لِقُرْبِهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَإِيمَانُهُمْ كَانَ خُفْيَةً لِمَخَافَتِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَسَطْوَتِهِ، وَجَبَرُوتِهِ وَسُلْطَتِهِ، وَمِنْ مَلَئِهِمْ أَنْ يَنِمُّوا عَلَيْهِمْ إِلَيْهِ، فَيَفْتِنَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا: وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ أَيْ; جَبَّارٌ، عَنِيدٌ، مُسْتَعْلٍ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ أَيْ; فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ وَشُئُونِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَلَكِنَّهُ جُرْثُومَةٌ قَدْ حَانَ انْجِعَافُهَا، وَثَمَرَةٌ خَبِيثَةٌ قَدْ آنَ قِطَافُهَا، وَمُهْجَةٌ مَلْعُونَةٌ قَدْ حُتِمَ إِتْلَافُهَا. وَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ مُوسَى: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ يُونُسَ 84 - 86 ]. يَأْمُرُهُمْ بِالتَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَالِالْتِجَاءِ إِلَيْهِ، فَأْتَمَرُوا بِذَلِكَ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ هَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، أَنْ يَتَّخِذُوا لِقَوْمِهِمَا بُيُوتًا مُتَمَيِّزَةً فِيمَا بَيْنَهُمْ عَنْ بُيُوتِ الْقِبْطِ; لِيَكُونُوا عَلَى أُهْبَةٍ مِنَ الرَّحِيلِ، إِذَا أَمَرُوا بِهِ، لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بُيُوتَ بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً قِيلَ: مَسَاجِدَ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ فِيهَا. وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا الِاسْتِعَانَةِ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ، وَالشِّدَّةِ، وَالضِّيقِ، بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ [ الْبَقَرَةِ: 45 ]. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا حِينَئِذٍ يَقْدِرُونَ عَلَى إِظْهَارِ عِبَادَتِهِمْ فِي مُجْتَمَعَاتِهِمْ، وَمَعَابِدِهِمْ، فَأُمِرُوا أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ، عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُمْ مِنْ إِظْهَارِ شِعَارِ الدِّينِ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، الَّذِي اقْتَضَى حَالُهُمْ إِخْفَاءَهُ; خَوْفًا مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ. وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَقْوَى; لِقَوْلِهِ: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ لَا يُنَافِي الثَّانِيَ أَيْضًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أَيْ; مُتَقَابِلَةً. وقَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: اسْتَأْذَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِرْعَوْنَ، فِي الْخُرُوجِ إِلَى عِيدٍ لَهُمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ وَهُوَ كَارِهٌ، وَلَكِنَّهُمْ تَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ وَتَأَهَّبُوا لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَكِيدَةٌ بِفِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ; لِيَتَخَلَّصُوا مِنْهُمْ، وَيَخْرُجُوا عَنْهُمْ، وأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْ مُوسَى يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ تَابُوتَ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ وَيَدْفِنَهُ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ  ، فَسَأَلَ مُوسَى عَنْهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ إِلَّا امْرَأَةٌ عَجُوزٌ فَأَرَتْهُ مَكَانَهُ فِي النِّيلِ، فَاسْتَخْرَجَهُ مُوسَى، وَهُوَ فِي صُنْدُوقٍ مَرْمَرٍ، فَأَخَذَهُ مَعَهُ فَسَارَ، وَأَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَسْتَعِيرُوا مِنْ حُلِيِّ الْقِبْطِ مَا أَمْكَنَهُمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَأَخَذُوا شَيْئًا كَثِيرًا. وَخَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا وَالْقِبْطُ لَا يَعْلَمُونَ، وَكَانَ مُوسَى عَلَى سَاقَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَارُونُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِمْ فَسَارُوا مُسْتَمِرِّينَ ذَاهِبِينَ مِنْ فَوْرِهِمْ طَالِبِينَ بِلَادَ الشَّامِ، عمر موسى حين خروجه من مصر قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: وَكَانَ لِمُوسَى حِينَ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ ثَمَانُونَ سَنَةً، وَيُقَالُ: إِنَّ بَيْنَ مَوْلِدِ إِبْرَاهِيمَ إِلَى خُرُوجِ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسُ سِنِينَ، وَأَنَّ مِنْ هُبُوطِ آدَمَ إِلَى خُرُوجِ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَثَمَانِمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. فَلَمَّا عَلِمَ بِذَهَابِهِمْ فِرْعَوْنُ، حَنِقَ عَلَيْهِمْ كُلَّ الْحَنَقِ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ، وَشَرَعَ فِي اسْتِحْثَاثِ جَيْشِهِ، وَجَمْعِ جُنُودِهِ لِيَلْحَقَهُمْ، وَيَمْحَقَهُمْ وقَالَ عُلَمَاءُ التَّفْسِيرِ: لَمَّا رَكِبَ فِرْعَوْنُ فِي جُنُودِهِ، طَالِبًا بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقْفُو أَثَرَهُمْ، كَانَ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ عَرَمْرَمٍ، حَتَّى قِيلَ: كَانَ فِي خُيُولِهِ مِائَةُ أَلْفِ فَحْلٍ أَدْهَمَ. وَكَانَتْ عِدَّةُ جُنُودِهِ تَزِيدُ عَلَى أَلْفِ أَلْفٍ، وَسِتِّمِائَةِ أَلْفٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا نَحْوًا مِنْ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ غَيْرَ الذُّرِّيَّةِ، وَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَدُخُولِهِمْ إِلَيْهَا صُحْبَةَ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ، أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتٍّ وَعِشْرِينَ سَنَةً شَمْسِيَّةً. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَحِقَهُمْ بِالْجُنُودِ، فَأَدْرَكَهُمْ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ، وَلَمْ يَبْقَ ثَمَّ رَيْبٌ، وَلَا لَبْسٌ، وَعَايَنَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَاحِبَهُ، وَتَحَقَّقَهُ وَرَآهُ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمُقَاتَلَةُ، وَالْمُجَاوَلَةُ، وَالْمُحَامَاةُ، فَعِنْدَهَا قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى، وَهُمْ خَائِفُونَ: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اضْطُرُّوا فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الْبَحْرِ، فَلَيْسَ لَهُمْ طَرِيقٌ وَلَا مَحِيدٌ إِلَّا سُلُوكُهُ وَخَوْضُهُ، وَهَذَا مَا لَا يَسْتَطِيعُهُ أَحَدٌ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَالْجِبَالُ عَنْ يَسْرَتِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَهِيَ شَاهِقَةٌ مُنِيفَةٌ، وَفِرْعَوْنُ قَدْ غَالَقَهُمْ وَوَاجَهَهُمْ، وَعَايَنُوهُ فِي جُنُودِهِ وَجُيُوشِهِ وَعَدَدِهِ وَعُدَدِهِ، وَهُمْ مِنْهُ فِي غَايَةِ الْخَوْفِ وَالذُّعْرِ، لِمَا قَاسَوْا فِي سُلْطَانِهِ مِنَ الْإِهَانَةِ وَالنُّكْرِ، فَشَكَوْا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ مَا هُمْ فِيهِ، مِمَّا قَدْ شَاهَدُوهُ وَعَايَنُوهُ، فَقَالَ لَهُمُ الرَّسُولُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ وَكَانَ فِي السَّاقَةِ، فَتَقَدَّمَ إِلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَنَظَرَ إِلَى الْبَحْرِ، وَهُوَ يَتَلَاطَمُ بِأَمْوَاجِهِ، وَيَتَزَايَدُ زَبَدُ أُجَاجِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: هَاهُنَا أُمِرْتُ. وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ; وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٌ مِنْ سَادَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعُلَمَائِهِمْ، وَعُبَّادِهِمُ الْكِبَارِ، وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَهُ نَبِيًّا بَعْدَ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ،، وَمَعَهُمْ أَيْضًا مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وَهُمْ وُقُوفٌ، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ بِكَمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ عُكُوفٌ. وَيُقَالُ: إِنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ جَعَلَ يَقْتَحِمُ بِفَرَسِهِ مِرَارًا فِي الْبَحْرِ، هَلْ يُمْكِنُ سُلُوكُهُ؟ فَلَا يُمْكِنُ، وَيَقُولُ لِمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَهَاهُنَا أُمِرْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَلَمَّا تَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَضَاقَ الْحَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَاقْتَرَبَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ فِي جِدِّهِمْ، وَحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ، وَغَضَبِهِمْ، وَحَنَقِهِمْ، وَزَاغَتِ الْأَبْصَارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَوْحَى الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ الْقَدِيرُ، رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ إِلَى مُوسَى الْكَلِيمِ: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَلَمَّا ضَرَبَهُ، يُقَالُ: إِنَّهُ قَالَ لَهُ: انْفَلِقْ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَنَّاهُ بِأَبِي خَالِدٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَيُقَالُ: إِنَّهُ انْفَلَقَ اثْنَيْ عَشْرَةَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ يَسِيرُونَ فِيهِ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ صَارَ أَيْضًا شَبَابِيكَ; لِيَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَفِي هَذَا نَظَرٌ; لِأَنَّ الْمَاءَ جِرْمٌ شَفَّافٌ، إِذَا كَانَ مِنْ وَرَائِهِ ضِيَاءٌ حَكَاهُ. وَهَكَذَا كَانَ مَاءُ الْبَحْرِ قَائِمًا مِثْلَ الْجِبَالِ مَكْفُوفًا بِالْقُدْرَةِ الْعَظِيمَةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الَّذِي يَقُولُ لِلشَّيْءِ: كُنْ. فَيَكُونُ. وَأَمَرَ اللَّهُ رِيحَ الدَّبُورِ فَلَفَحَتْ حَالَ الْبَحْرِ، فَأَذْهَبَتْهُ حَتَّى صَارَ يَابِسًا لَا يَعْلَقُ فِي سَنَابِكِ الْخُيُولِ وَالدَّوَابِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [ طه: 77 - 79 ]. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا آلَ أَمْرُ الْبَحْرِ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ، بِإِذْنِ الرَّبِّ الْعَظِيمِ الشَّدِيدِ الْمِحَالِ، أُمِرَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَجُوزَهُ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَانْحَدَرُوا فِيهِ مُسْرِعِينَ، مُسْتَبْشِرِينَ، مُبَادِرِينَ، وَقَدْ شَاهَدُوا مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ مَا يُحَيِّرُ النَّاظِرِينَ، وَيَهْدِي قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا جَاوَزُوهُ، وَجَاوَزَهُ، وَخَرَجَ آخِرُهُمْ مِنْهُ، وَانْفَصَلُوا عَنْهُ، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِ أَوَّلِ جَيْشِ فِرْعَوْنَ إِلَيْهِ، وَوُفُودِهِمْ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ لِيَرْجِعَ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ; لِئَلَّا يَكُونَ لِفِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ وَصُولٌ إِلَيْهِ، وَلَا سَبِيلٌ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ الْقَدِيرُ ذُو الْجَلَالِ، أَنَّ يَتْرُكَ الْبَحْرَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ، كَمَا قَالَ، وَهُوَ الصَّادِقُ فِي الْمَقَالِ فَلَمَّا تَرَكَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ وَحَالَتِهِ، وَانْتَهَى فِرْعَوْنُ، فَرَأَى مَا رَأَى، وَعَايَنَ مَا عَايَنَ، هَالَهُ هَذَا الْمَنْظَرُ الْعَظِيمُ وَتَحَقَّقَ مَا كَانَ يَتَحَقَّقُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، مِنْ أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِ رَبِّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، فَأَحْجَمَ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ، وَنَدِمَ فِي نَفْسِهِ عَلَى خُرُوجِهِ فِي طَلَبِهِمْ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ، لَكِنَّهُ أَظْهَرَ لِجُنُودِهِ تَجَلُّدًا، وَعَامَلَهُمْ مُعَامَلَةَ الْعِدَا، وَحَمَلَتْهُ النَّفْسُ الْكَافِرَةُ وَالسَّجِيَّةُ الْفَاجِرَةُ، عَلَى أَنْ قَالَ لِمَنِ اسْتَخَفَّهُمْ فَأَطَاعُوهُ، وَعَلَى بَاطِلِهِ تَابَعُوهُ: انْظُرُوا كَيْفَ انْحَسَرَ الْبَحْرُ لِي; لِأُدْرِكَ عَبِيدِي الْآبِقِينَ مِنْ يَدِي، الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِي وَبَلَدِي؟ وَجَعَلَ يُورِي فِي نَفْسِهِ أَنْ يَذْهَبَ خَلْفَهُمْ، وَيَرْجُو أَنْ يَنْجُوَ وَهَيْهَاتَ، وَيُقْدِمُ تَارَةً، وَيُحْجِمُ تَارَاتٍ. فَذَكَرُوا أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَبَدَّى فِي صُورَةِ فَارِسٍ، رَاكِبٍ عَلَى رَمَكَةِ حَائِلٍ، فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْ فَحْلِ فِرْعَوْنَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فَحَمْحَمَ إِلَيْهَا، وَأَقْبَلَ عَلَيْهَا، وَأَسْرَعَ جِبْرِيلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاقْتَحَمَ الْبَحْرَ، وَاسْتَبَقَ الْجَوَادَ، وَقَدْ أَجَادَ فَبَادَرَ مُسْرِعًا، هَذَا وَفِرْعَوْنُ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا لِنَفْسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْجُنُودُ قَدْ سَلَكَ الْبَحْرَ، اقْتَحَمُوا وَرَاءَهُ مُسْرِعِينَ، فَحَصَلُوا فِي الْبَحْرِ أَجْمَعِينَ أَكْتَعِينَ أَبْصَعِينَ، حَتَّى هَمَّ أَوَّلُهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى كَلِيمَهُ ﷺ فِيمَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ، أَنْ يَضْرِبَ الْبَحْرَ بِعَصَاهُ، فَضَرَبَهُ، فَارْتَطَمَ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ كَمَا كَانَ، فَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِنْسَانٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أَيْ فِي إِنْجَائِهِ أَوْلِيَاءَهُ فَلَمْ يَغْرَقْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَإِغْرَاقِهِ أَعْدَاءَهُ، فَلَمْ يَخْلُصْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَبُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالَى الْعَظِيمَةِ، وَصِدْقِ رَسُولِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْكَرِيمَةِ، وَالْمَنَاهِجِ الْمُسْتَقِيمَةِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [ يُونُسَ: 90 - 92 ]. يُخْبِرُ تَعَالَى، عَنْ كَيْفِيَّةِ غَرَقِ فِرْعَوْنَ، زَعِيمِ كَفَرَةِ الْقِبْطِ، وَأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَتِ الْأَمْوَاجُ تَخْفِضُهُ تَارَةً، وَتَرْفَعُهُ أُخْرَى، وَبَنُو إِسْرَائِيلَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَإِلَى جُنُودِهِ، مَاذَا أَحَلَّ اللَّهُ بِهِ وَبِهِمْ مِنَ الْبَأْسِ الْعَظِيمِ وَالْخَطْبِ الْجَسِيمِ، لِيَكُونَ أَقَرَّ لِأَعْيُنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَشْفَى لِنُفُوسِهِمْ، فَلَمَّا عَايَنَ فِرْعَوْنُ الْهَلَكَةَ وَأُحِيطَ بِهِ، وَبَاشَرَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، أَنَابَ حِينَئِذٍ وَتَابَ، وَآمَنَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ: لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخِذٌ مِنْ حَالِ الْبَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فَمِ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ: مَا بَغَضْتُ أَحَدًا بُغْضِي لِفِرْعَوْنَ، حِينَ قَالَ: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى. وَلَقَدْ جَعَلْتُ أَدُسُّ فِي فِيهِ الطِّينَ حِينَ قَالَ مَا قَالَ عدم قبول إيمان فرعون وَقَوْلُهُ تَعَالَى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ، وَنَصٌّ عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ تَعَالَى مِنْهُ; ذَلِكَ لِأَنَّهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَوْ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَمَا كَانَ، لَعَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ، إِذَا عَايَنُوا النَّارَ وَشَاهَدُوهَا، أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الْأَنْعَامِ: 27 ]. قَالَ اللَّهُ: بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ [ الْأَنْعَامِ: 28 ]. وَقَوْلُهُ: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: شَكَّ بَعْضُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَوْتِ فِرْعَوْنَ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَمُوتُ. فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ، فَرَفَعَهُ عَلَى مُرْتَفَعٍ - قِيلَ: عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ. وَقِيلَ: عَلَى نَجْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ - وَعَلَيْهِ دِرْعُهُ الَّتِي يَعْرِفُونَهَا مِنْ مَلَابِسِهِ; لِيَتَحَقَّقُوا بِذَلِكَ هَلَاكَهُ، وَيَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ; وَلِهَذَا قَالَ: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ أَيْ; مُصَاحِبًا دِرْعَكَ الْمَعْرُوفَةَ بِكَ لِتَكُونَ أَيْ; أَنْتَ آيَةً لِمَنْ خَلْفَكَ أَيْ; مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، دَلِيلًا عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ الَّذِي أَهْلَكَهُ. وَلِهَذَا قَرَأَ بَعْضُ السَّلَفِ: ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلَقَكَ آيَةً ). وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: نُنَجِّيكَ مُصَاحِبًا دِرْعَكَ; لِيَكُونَ دِرْعُكَ عَلَامَةً لِمَنْ وَرَاءَكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَى مَعْرِفَتِكَ، وَأَنَّكَ هَلَكْتَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ كَانَ هَلَاكُهُ وَجُنُودِهِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ. كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوا وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ولَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، حِينَئِذٍ سَبَّحَ مُوسَى وَبَنُو إِسْرَائِيلَ بِهَذَا التَّسْبِيحِ لِلرَّبِّ، وَقَالُوا: نُسَبِّحُ الرَّبَّ الْبَهِيَّ الَّذِي قَهَرَ الْجُنُودَ، وَنَبَذَ فُرْسَانَهَا فِي الْبَحْرِ الْمَنِيعِ الْمَحْمُودِ. وَهُوَ تَسْبِيحٌ طَوِيلٌ. قَالُوا: وَأَخَذَتْ مَرْيَمُ النَّبِيَّةُ، أُخْتُ هَارُونَ دُفًّا بِيَدِهَا، وَخَرَجَ النِّسَاءُ فِي أَثَرِهَا، كُلُّهُنَّ بِدُفُوفٍ وَطُبُولٍ، وَجَعَلَتْ مَرْيَمُ تُرَتِّلُ لَهُنَّ وَتَقُولُ: سُبْحَانَ الرَّبِّ الْقَهَّارِ، الَّذِي قَهَرَ الْخُيُولَ وَرُكْبَانَهَا، إِلْقَاءً فِي الْبَحْرِ. هَكَذَا رَأَيْتُهُ فِي كِتَابِهِمْ. وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مِنَ الَّذِي حَمَلَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ عَلَى زَعْمِهِ أَنَّ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، أُمَّ عِيسَى، هِيَ أُخْتُ هَارُونَ وَمُوسَى، مَعَ قَوْلِهِ: يَا أُخْتَ هَارُونَ وَقَدْ بَيَّنَّا غَلَطَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ خَالَفَهُ فِيهِ، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا مَحْفُوظٌ، فَهَذِهِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، أُخْتُ مُوسَى وَهَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَأُمُّ عِيسَى عَلَيْهَا السَّلَامُ، وَافَقَتْهَا فِي الِاسْمِ، وَاسْمِ الْأَبِ، وَاسْمِ الْأَخِ; لِأَنَّهُمْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَمَّا سَأَلَهُ أَهْلُ نَجْرَانَ، عَنْ قَوْلِهِ: يَا أُخْتَ هَارُونَ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ لَهُمْ، حَتَّى سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَوْلُهُمْ: النَّبِيَّةُ. كَمَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ: مَلِكَةٌ. وَمِنْ بَيْتِ الْإِمْرَةِ: أَمِيرَةٌ. وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُبَاشِرَةً شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَكَذَا هَذِهِ اسْتِعَارَةٌ لَهَا، لَا أَنَّهَا نَبِيَّةٌ حَقِيقَةً يُوحَى إِلَيْهَا. وَضَرْبُهَا بِالدُّفِّ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ - الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْأَعْيَادِ عِنْدَهُمْ - دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ضَرْبَ الدُّفِّ فِي الْعِيدِ. وَهَذَا مَشْرُوعٌ لَنَا أَيْضًا فِي حَقِّ النِّسَاءِ; لِحَدِيثِ الْجَارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَ عَائِشَةَ تَضْرِبَانِ بِالدُّفِّ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُضْطَجِعٌ، مُوَلٍّ ظَهْرَهُ إِلَيْهِمْ، وَوَجْهُهُ إِلَى الْحَائِطِ، فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ زَجَرَهُنَّ، وَقَالَ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: دَعْهُنَّ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا، وَهَذَا عِيدُنَا وَهَكَذَا يُشْرَعُ عِنْدَنَا فِي الْأَعْرَاسِ، وَلِقُدُومِ الْغُيَّابِ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  226. التاريخ 213لا حكم مسجّل

    وَذَكَرُوا أَنَّهُمْ لَمَّا جَاوَزُوا الْبَحْرَ، وَذَهَبُوا قَاصِدِينَ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ، مَكَثُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لَا يَجِدُونَ مَاءً، فَتَكَلَّمَ مَنْ تَكَلَّمَ مِنْهُمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، فَوَجَدُوا مَاءً زُعَاقًا أُجَاجًا، لَمْ يَسْتَطِيعُوا شُرْبَهُ، فَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَوَضَعَهَا فِيهِ، فَحَلَا وَسَاغَ شُرْبُهُ، وَعَلَّمَهُ الرَّبُّ هُنَالِكَ فَرَائِضَ وَسُنَنًا، وَوَصَّاهُ وَصَايَا كَثِيرَةً. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، الْمُهَيْمِنِ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنَ الْكُتُبِ ثُمَّ سَارُوا فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالُوا هَذَا الْجَهْلَ وَالضَّلَالَ، وَقَدْ عَايَنُوا مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، مَا دَلَّهُمْ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُولُ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا، قِيلَ: كَانَتْ عَلَى صُوَرِ الْبَقَرِ. فَكَأَنَّهُمْ سَأَلُوهُمْ: لِمَ يَعْبُدُونَهَا، فَزَعَمُوا لَهُمْ أَنَّهَا تَنْفَعُهُمْ وَتَضُرُّهُمْ، وَيَسْتَرْزِقُونَ بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَاتِ، فَكَأَنَّ بَعْضَ الْجُهَّالِ مِنْهُمْ صَدَّقُوهُمْ فِي ذَلِكَ، فَسَأَلُوا نَبِيَّهُمُ الْكَلِيمَ الْكَرِيمَ الْعَظِيمَ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ آلِهَةً كَمَا لِأُولَئِكَ آلِهَةٌ، فَقَالَ لَهُمْ مُبَيِّنًا لَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَهْتَدُونَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فِي تَفْضِيلِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى عَالِمِي زَمَانِهِمْ بِالْعِلْمِ، وَالشَّرْعِ، وَالرَّسُولِ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَمَا أَحْسَنَ بِهِ إِلَيْهِمْ، وَمَا امْتَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ، مِنْ إِنْجَائِهِمْ مِنْ قَبْضَةِ فِرْعَوْنَ الْجَبَّارِ الْعَنِيدِ، وَإِهْلَاكِهِ إِيَّاهُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَتَوْرِيثِهِ إِيَّاهُمْ مَا كَانَ فِرْعَوْنُ وَمَلَؤُهُ يَجْمَعُونَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالسَّعَادَةِ، وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ; لِأَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْقَهَّارُ، وَلَيْسَ كُلُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ هَذَا السُّؤَالَ، بَلِ الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْجِنْسِ فِي قَوْلِهِ: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ أَيْ; قَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا [ الْكَهْفِ: 47، 48 ]. فَالَّذِينَ زَعَمُوا هَذَا بَعْضُ النَّاسِ، لَا كُلُّهُمْ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَبْلَ حُنَيْنٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. وَكَانَ الْكَفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ، وَيَعْكُفُونَ حَوْلَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ. إِنَّكُمْ تَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

  227. التاريخ 214لا حكم مسجّل

    ثم إنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا انْفَصَلَ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ، أمره اللَّهَ تَعَالَى /أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى أَرِيحَا بَلَدِ الْجَبَّارِينَ، وَهِيَ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فوَجَدَ فِيهَا قَوْمًا مِنَ الْجَبَّارِينَ، مِنْ الْحَيْثَانِيِّينَ، وَالْفَزَارِيِّينَ، وَالْكَنْعَانِيِّينَ، وَغَيْرِهِمْ فَأَمَرَهُمْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ، وَمُقَاتَلَتِهِمْ وَإِجْلَائِهِمْ إِيَّاهُمْ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَهُ لَهُمْ، وَوَعَدَهُمْ إِيَّاهُ، عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَمُوسَى الْكَلِيمِ الْجَلِيلِ، فَأَبَوْا وَنَكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ، فذَكِّرُهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، إِحْسَانَهُ عَلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمُقَاتَلَةِ أَعْدَائِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ أَيْ; تَنْكِصُوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ، وَتَنْكِلُوا عَلَى قِتَالِ أَعْدَائِكُمْ. فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ أَيْ; فَتَخْسَرُوا بَعْدَ الرِّبْحِ، وَتَنْقُصُوا بَعْدَ الْكَمَالِ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ أَيْ; عُتَاةً كَفَرَةً مُتَمَرِّدِينَ، وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ، خَافُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الْجَبَّارِينَ، وَقَدْ عَايَنُوا هَلَاكَ فِرْعَوْنَ، وَهُوَ أَجْبَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَأَشَدُّ بَأْسًا، وَأَكْثَرُ جَمْعًا، وَأَعْظَمُ جُنْدًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ مَلُومُونَ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَمَذْمُومُونَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، مِنَ الذِّلَّةِ عَنْ مُصَاوَلَةِ الْأَعْدَاءِ، وَمُقَاوَمَةِ الْمَرَدَةِ الْأَشْقِيَاءِ. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا آثَارًا، فِيهَا مُجَازَفَاتٌ كَثِيرَةٌ بَاطِلَةٌ، يَدُلُّ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ عَلَى خِلَافِهَا; مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا أَشْكَالًا هَائِلَةً ضِخَامًا جِدًّا، حَتَّى إِنَّهُمْ ذَكَرُوا أَنَّ رُسُلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِمْ، تَلَقَّاهُمْ رَجُلٌ مِنْ رُسُلِ الْجَبَّارِينَ، فَجَعَلَ يَأْخُذُهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَيَلُفُّهُمْ فِي أَكْمَامِهِ وَحُجْزَةِ سَرَاوِيلِهِ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَجَاءَ بِهِمْ، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْجَبَّارِينَ، فَقَالَ: مَا هَؤُلَاءِ؟ وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ حَتَّى عَرَّفُوهُ. وَكُلُّ هَذِهِ هَذَيَانَاتٌ وَخُرَافَاتٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَأَنَّ الْمَلِكَ بَعَثَ مَعَهُمْ عِنَبًا، كُلُّ عِنَبَةٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، وَشَيْئًا مِنْ ثِمَارِهِمْ; لِيَعْلَمُوا ضَخَامَةَ أَشْكَالِهِمْ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ. ولَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا لَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَعْذُورِينَ فِي النُّكُولِ عَنْ قِتَالِهِمْ، وَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ عَلَى نُكُولِهِمْ، وَعَاقَبَهُمْ بِالتِّيهِ عَلَى تَرْكِ جِهَادِهِمْ، وَمُخَالَفَتِهِمْ رَسُولَهُمْ، وَقَدْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ مِنْهُمْ بِالْإِقْدَامِ، وَنَهَيَاهُمْ عَنِ الْإِحْجَامِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُمَا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَعَطِيَّةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَيْ; يَخَافُونَ اللَّهَ وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ( يُخَافُونَ ) ; أَيْ يُهَابُونَ، أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أَيْ; بِالْإِسْلَامِ، وَالْإِيمَانِ، وَالطَّاعَةِ، وَالشَّجَاعَةِ: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أَيْ; إِذَا تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ، وَاسْتَعَنْتُمْ بِهِ، وَلَجَأْتُمْ إِلَيْهِ، نَصَرَكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَأَيَّدَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَظْفَرَكُمْ بِهِمْ. قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ فَصَمَّمَ مَلَؤُهُمْ علىالنُّكُولِ عَنِ الْجِهَادِ، وَوَقَعَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَوَهَنٌ كَبِيرٌ. فَيُقَالُ: إِنَّ يُوشَعَ، وَكَالِبَ لَمَّا سَمِعَا هَذَا الْكَلَامَ شَقَّا ثِيَابَهُمَا، وَإِنَّ مُوسَى وَهَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، سَجَدَا; إِعْظَامًا لِهَذَا الْكَلَامِ وَغَضَبًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ مِنْ وَبِيلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ. قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ عُوقِبُوا عَلَى نُكُولِهِمْ بِالتَّيَهَانِ فِي الْأَرْضِ، يَسِيرُوا إِلَى غَيْرِ مَقْصِدٍ، لَيْلًا وَنَهَارًا، وَصَبَاحًا وَمَسَاءً. وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ التِّيهِ مِمَّنْ دَخَلَهُ، بَلْ مَاتُوا كُلُّهُمْ فِي مُدَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا ذَرَّارِيُّهُمْ سِوَى يُوشَعَ، وَكَالِبَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.

  228. التاريخ 215لا حكم مسجّل

    قِصَّةَ بِلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ  ، الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [ الْأَعْرَافِ: 175 - 177 ]. وَأَنَّهُ كَانَ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ، يَعْلَمُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، وَأَنَّ قَوْمَهُ سَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مُوسَى وَقَوْمِهِ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ مُوسَى لَمَّا نَزَلَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَكَانَ بِلْعَامُ بِقَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَلْقَاءِ، فَأَتَى قَوْمُ بَلْعَمٍ إِلَى بَلْعَمٍ، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، قَدْ جَاءَ يُخْرِجُنَا مِنْ بِلَادِنَا وَيَقْتُلُنَا وَيُحِلُّهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَسْكُنُهَا، وَإِنَّا قَوْمُكَ وَلَيْسَ لَنَا مَنْزِلٌ، وَأَنْتَ رَجُلٌ مُجَابُ الدَّعْوَةِ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ: وَيَلْكُمْ! نَبِيُّ اللَّهِ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَكَيْفَ أَدْعُو عَلَيْهِمْ وَأَنَا أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ [مَا أَعْلَمُ]. قَالُوا: مَا لَنَا مِنْ مَنْزِلٍ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ يُرَقِّقُونَهُ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهِ حَتَّى فَتَنُوهُ فَافْتَتَنَ فَرَكِبَ حِمَارَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْجَبَلِ الَّذِي يُطْلِعُهُ عَلَى عَسْكَرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَا سَارَ عَلَيْهَا غَيْرَ قَلِيلٍ حَتَّى رَبَضَتْ بِهِ، فَنَزَلَ عَنْهَا فَضَرَبَهَا حَتَّى أَذْلَقَهَا وَأَذِنَ اللَّهُ لَهَا فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَتْ: وَيْحَكَ يَا بَلْعَمُ! أَيْنَ تَذْهَبُ؟! أَلَا تَرَى الْمَلَائِكَةَ أَمَامِي تَرُدُّنِي [عَنْ] وَجْهِي هَذَا، أَتَذْهَبُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ تَدْعُو عَلَيْهِمْ! فَلَمْ يَنْزِعْ عَنْهَا يَضْرِبُهَا، فَخَلَّى اللَّهُ سَبِيلَهَا حِينَ فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ. فَانْطَلَقَتْ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَتْ بِهِ عَلَى عَسْكَرِ مُوسَى وَبَنَى إِسْرَائِيلَ جَعَلَ لَا يَدْعُو لِقَوْمِهِ بِخَيْرٍ إِلَّا صُرِفَ لِسَانُهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. قَالَ: فَقَالَ قَوْمُهُ: أَتَدْرِي يَا بَلْعَمُ مَا تَصْنَعُ إِنَّمَا تَدْعُو لَهُمْ وَتَدْعُو عَلَيْنَا، قَالَ: فَهَذَا مَا لَا أَمْلِكُ، هَذَا شَيْءٌ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَانْدَلَعَ لِسَانُهُ فَوَقَعَ عَلَى صَدْرِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ ذَهَبَتِ الْآنَ مِنِّي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْمَكْرُ وَالْحِيلَةُ، فَسَأَحْتَالُ لَكُمْ. جَمِّلُوا النِّسَاءَ وَأَعْطُوهُنَّ السِّلَعَ، ثُمَّ أَرْسَلُوهُنَّ إِلَى الْعَسْكَرِ يَبِعْنَهَا فِيهِ، وَأْمُرُوهُنَّ أَنْ لَا تَمْنَعَ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا مِنْ رَجُلٍ أَرَادَهَا، فَإِنَّهُ إِنْ زَنَى رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ كُفِيتُمُوهُمْ. فَزَيَّنُوا نِسَاءَهُمْ وَبَعَثُوهُنَّ إِلَى الْمُعَسْكَرِ، فَمَرَّتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمُ اسْمُهَا كَسْتَى بِرَجُلٍ مِنْ عُظَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ زِمْرِيُّ بْنُ شَلُومَ، يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ رَأْسَ سِبْطِ بَنِي شَمْعُونَ بْنِ يَعْقُوبَ. فَدَخَلَ بِهَا قُبَّتَهُ، فَلَمَّا خَلَا بِهَا أَرْسَلَ اللَّهُ الطَّاعُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَجَعَلَ يَجُوسُ فِيهِمْ، فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى فِنْحَاصَ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ، أَخَذَ حَرْبَتَهُ، وَكَانَتْ مِنْ حَدِيدٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا الْقُبَّةَ، فَانْتَظَمَهُمَا جَمِيعًا فِيهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا عَلَى النَّاسِ وَالْحَرْبَةِ فِي يَدِهِ، وَقَدِ اعْتَمَدَ عَلَى خَاصِرَتِهِ وَأَسْنَدَهَا إِلَى لِحْيَتِهِ، وَرَفْعَهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ وَجَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَكَذَا نَفْعَلُ بِمَنْ يَعْصِيكَ. وَرَفَعَ الطَّاعُونَ، فَكَانَ جُمْلَةُ مَنْ مَاتَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَالْمُقَلِّلُ يَقُولُ: عِشْرِينَ أَلْفًا. وَكَانَ فِنْحَاصُ بِكْرَ أَبِيهِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ، فَلِهَذَا يَجْعَلُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِوَلَدِ فِنْحَاصَ مِنَ الذَّبِيحَةِ الْقِبَةَ وَالذِّرَاعَ وَاللَّحْيَ، وَلَهُمُ الْبِكْرُ مِنْ كُلِّ أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ بِلْعَامَ لَمَّا دَعَا عَلَى قَوْمِ مُوسَى تَاهُوا، وَإِنَّ مُوسَى دَعَا عَلَيْهِ ثُمَّ حَارَبَ أَهْلَ بَلَدِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ التِّيهِ، فَأَسَرَهُ وَقَتَلَهُ، وَحَارَبَ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَقَتَلَ عُوجَ، وَحَارَبَ مُوسَى الْيُونَانِيِّينَ وَالْمَدْيَانِيِّينَ وَالْأُمَمَ الْكَافِرَةَ.

  229. التاريخ 216لا حكم مسجّل

    وَمِنَ الْحَوَادِثِ قَتْلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامَ عُوجَ بْنَ عَنَاقَ  ثُمَّ إِنَّ مُوسَى الْتَقَى هُوَ وَعَوْجُ بْنُ عِنَاقٍ وحَكَى أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ أَنَّ عِوَجًا عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ الْتَقَى بِمُوسَى، فَضَرَبَ مُوسَى كَعْبَ عِوَجٍ فَقَتَلَهُ. وَعَنَاقُ اسْمُ أَبِيهِ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: بَلِ اسْمُ أُمِّهِ، وَكَانَتْ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ. قَالَ: وَوُلِدَ عُوجٌ فِي زَمَنِ آدَمَ، وَكَانَ جَبَّارًا لَا يُوصَفُ عِظَمًا، وَعُمُرُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَسِتُّمِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى أَدْرَكَ مُوسَى، وَكَانَ الْمَاءُ فِي زَمَانِ الْغَرَقِ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَكَانَ يَتَنَاوَلُ الْحُوتَ مِنَ الْبَحْرِ فَيَرْفَعُهُ بِيَدِهِ فِي الْهَوَاءِ فَيَفُورُ فِي حَرِّ الشَّمْسِ ثُمَّ يَأْكُلُهُ. وَكَانَ سَبَبُ هَلَاكِهِ أَنَّهُ قَطَعَ حَجَرًا مِنْ جَبَلٍ فَجَاءَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ لِيَقْلِبَهُ عَلَى عَسْكَرِ مُوسَى، فَبَعَثَ اللَّهُ طَائِرًا فَنَقَرَ الْحَجَرَ فَنَزَلَ فِي عُنُقِهِ، فَجَاءَ مُوسَى فَضَرَبَهُ بِالْعَصَا فِي كَعْبِهِ فَقَتَلَهُ. وقيل أَنَّ عُوجَ بْنَ عُنُقَ، خَرَجَ مِنْ عِنْدِ الْجَبَّارِينَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ; لِيُهْلِكَهُمْ، وَكَانَ طُولُهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ ذِرَاعٍ، وَثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا، وَثُلْثَ ذِرَاعٍ، هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ. قَالُوا: فَعَمَدَ عُوجُ إِلَى قِمَّةِ جَبَلٍ، فَاقْتَلَعَهَا، ثُمَّ أَخَذَهَا بِيَدَيْهِ; لِيُلْقِيَهَا عَلَى جَيْشِ مُوسَى، فَجَاءَ طَائِرٌ، فَنَقَرَ تِلْكَ الصَّخْرَةَ، فَخَرَقَهَا، فَصَارَتْ طَوْقًا فِي عُنُقِ عُوجَ بْنِ عُنُقَ، ثُمَّ عَمَدَ مُوسَى إِلَيْهِ، فَوَثَبَ فِي الْهَوَاءِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ، وَطُولُهُ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، وَبِيَدِهِ عَصَاهُ، وَطُولُهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ، فَوَصَلَ إِلَى كَعْبِ قَدَمِهِ فَقَتَلَهُ. يُرْوَى هَذَا عَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ، وَنَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي إِسْنَادِهِ إِلَيْهِ نَظَرٌ. ثُمَّ هُوَ مَعَ هَذَا كُلِّهِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ مِنْ وَضْعِ جُهَّالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّ الْأَخْبَارَ الْكِذْبَةَ قَدْ كَثُرَتْ عِنْدَهُمْ، وَلَا تَمْيِيزَ لَهُمْ بَيْنَ صَحِيحِهَا وَبَاطِلِهَا.

  230. التاريخ 217لا حكم مسجّل

    دُخُولِ بَنِي إِسْرَائِيلَ التِّيهَ  وَمَا جَرَى لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ فَلَمَّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ نَدِمَ مُوسَى، فَقَالُوا: يَا مُوسَى كَيْفَ لَنَا هَا هُنَا بِالطَّعَامِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى فَأَمَّا الْمَنُّ فَقِيلَ هُوَ كَالصَّمْغِ وَطَعْمُهُ كَالشَّهْدِ يَقَعُ عَلَى الْأَشْجَارِ، وَقِيلَ: هُوَ التَّرَنْجَبِينُ، وَقِيلَ: هُوَ الْخُبْزُ الرِّقَاقُ، وَقِيلَ: هُوَ عَسَلٌ كَانَ يَنْزِلُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ صَاعٌ، وَأَمَّا السَّلْوَى فَهُوَ طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى. فَقَالُوا: أَيْنَ الشَّرَابُ ؟ فَأَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ. فَقَالُوا: أَيْنَ الظِّلُّ ؟ فَظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ فَقَالُوا: أَيْنَ اللِّبَاسُ ؟ فَكَانَتْ ثِيَابُهُمْ تَطُولُ مَعَهُمْ وَلَا يَتَمَزَّقُ لَهُمْ ثَوْبٌ. ثُمَّ قَالُوا: يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ. فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ رُفِعَ عَنْهُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى. مما جرى في فترة التيه ومما جرى في فترة التيه أَنَّ يُوشَعَ جَهَّزَهُ مُوسَى لِقِتَالِ طَائِفَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ، وَأَنَّ مُوسَى وَهَارُونَ، وَخُورَ، جَلَسُوا عَلَى رَأْسِ أَكَمَةٍ، وَرَفَعَ مُوسَى عَصَاهُ، فَكُلَّمَا رَفَعَهَا انْتَصَرَ يُوشَعُ عَلَيْهِمْ وَكُلَّمَا مَالَتْ يَدُهُ بِهَا مِنْ تَعَبٍ أَوْ نَحْوِهِ، غَلَبَهُ أُولَئِكَ، وَجَعَلَ هَارُونُ وَخُورُ يُدَعِّمَانِ يَدَيْهِ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَانْتَصَرَ حِزْبُ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَعِنْدَهُمْ; أَنَّ يَثْرُونَ كَاهِنَ مَدْيَنَ، وَخَتَنَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ مُوسَى، وَكَيْفَ أَظْفَرَهُ اللَّهُ بِعَدُوِّهِ فِرْعَوْنَ فَقَدِمَ عَلَى مُوسَى مُسْلِمًا وَمَعَهُ ابْنَتُهُ صِفُّورَا زَوْجَةُ مُوسَى، وَابْنَاهَا مِنْهُ جَرْشُونُ، وَعَازِرُ، فَتَلَقَّاهُ مُوسَى وَأَكْرَمَهُ، وَاجْتَمَعَ بِهِ شُيُوخُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعَظَّمُوهُ وَأَجَلُّوهُ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ رَأَى كَثْرَةَ اجْتِمَاعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مُوسَى، فِي الْخُصُومَاتِ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَهُمْ، فَأَشَارَ عَلَى مُوسَى أَنْ يَجْعَلَ عَلَى النَّاسِ رِجَالًا أُمَنَاءَ، أَتْقِيَاءَ، أَعِفَّاءَ، يُبْغِضُونَ الرِّشَاءَ وَالْخِيَانَةَ، فَيَجْعَلُهُمْ عَلَى النَّاسِ رُءُوسَ أُلُوفٍ، وَرُءُوسَ مِئِينَ، وَرُؤْسَ خَمْسِينَ، وَرُؤْسَ عَشَرَةٍ، فَيَقْضُوا بَيْنَ النَّاسِ، فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرٌ جَاءُوكَ، فَفَصَلْتَ بَيْنَهُمْ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالُوا: وَدَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ الْبَرِّيَّةَ، عِنْدَ سَيْنَاءَ فِي الشَّهْرِ الثَّالِثِ مِنْ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهُمْ، وَهِيَ أَوَّلُ فَصْلِ الرَّبِيعِ. فَكَأَنَّهُمْ دَخَلُوا التِّيهَ فِي أَوَّلِ فَصْلِ الصَّيْفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالُوا: وَنَزَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ حَوْلَ طُورِ سَيْنَاءَ، وَصَعِدَ مُوسَى الْجَبَلَ، فَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُذَكِّرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِنْجَائِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَكَيْفَ حَمَلَهُمْ عَلَى مِثْلِ جَنَاحَيْ نِسْرٍ مِنْ يَدِهِ وَقَبْضَتِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يَتَطَهَّرُوا وَيَغْتَسِلُوا وَيَغْسِلُوا ثِيَابَهُمْ وَلْيَسْتَعِدُّوا إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ، فَإِذَا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَلْيَجْتَمِعُوا حَوْلَ الْجَبَلِ، وَلَا يَقْتَرِبَنَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَيْهِ، فَمَنْ دَنَا مِنْهُ قُتِلَ، حَتَّى وَلَا شَيْءٌ مِنَ الْبَهَائِمِ، مَا دَامُوا يَسْمَعُونَ صَوْتَ الْقَرْنِ، فَإِذَا سَكَنَ الْقَرْنُ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ أَنْ تَرْتَقُوهُ، فَسَمِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ، وَأَطَاعُوا، وَاغْتَسَلُوا، وَتَنَظَّفُوا، وَتَطَيَّبُوا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ رَكِبَ الْجَبَلَ غَمَامَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِيهَا أَصْوَاتٌ وَبُرُوقٌ، وَصَوْتُ الصُّورِ شَدِيدٌ جِدًّا، فَفَزِعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَخَرَجُوا فَقَامُوا فِي سَفْحِ الْجَبَلِ، وَغَشِيَ الْجَبَلَ دُخَانٌ عَظِيمٌ فِي وَسَطِهِ عَمُودُ نُورٍ، وَتَزَلْزَلَ الْجَبَلُ كُلُّهُ زَلْزَلَةً شَدِيدَةً، وَاسْتَمَرَّ صَوْتُ الصُّورِ، وَهُوَ الْبُوقُ، وَاشْتَدَّ، وَمُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَوْقَ الْجَبَلِ، وَاللَّهِ يُكَلِّمُهُ وَيُنَاجِيهِ، وَأَمَرَ الرَّبُّ، عَزَّ وَجَلَّ، مُوسَى أَنْ يَنْزِلَ، فَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَقْتَرِبُوا مِنَ الْجَبَلِ; لِيَسْمَعُوا وَصِيَّةَ اللَّهِ، وَيَأْمُرَ الْأَحْبَارَ، وَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، أَنْ يَدْنُوا فَيَصْعَدُوا الْجَبَلَ; لِيَتَقَدَّمُوا بِالْقُرْبِ - وَهَذَا نَصٌّ فِي كِتَابِهِمْ عَلَى وُقُوعِ النَّسْخِ لَا مَحَالَةَ - فَقَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ إِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصْعَدُوهُ، وَقَدْ نَهَيْتَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَذْهَبَ، فَيَأْتِيَ مَعَهُ بِأَخِيهِ هَارُونَ، وَلْيَكُنِ الْكَهَنَةُ، وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، وَالشَّعْبُ، وَهُمْ بَقِيَّةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، غَيْرَ بَعِيدٍ. فَفَعَلَ مُوسَى، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمَرَهُ حِينَئِذٍ بِالْعَشْرِ كَلِمَاتٍ. وَعِنْدَهُمْ; أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَمْ يَفْهَمُوا حَتَّى فَهَّمَهُمْ مُوسَى، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ لِمُوسَى: بَلِّغْنَا أَنْتَ عَنِ الرَّبِّ، فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ نَمُوتَ. فَبَلَّغَهُمْ عَنْهُ، فَقَالَ هَذِهِ الْعَشْرُ الْكَلِمَاتِ; وَهِيَ الْأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ كَاذِبًا، وَالْأَمْرُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى السَّبْتِ، وَمَعْنَاهُ تَفَرُّغُ يَوْمٍ مِنَ الْأُسْبُوعِ لِلْعِبَادَةِ. وَهَذَا حَاصِلٌ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، الَّذِي نَسَخَ اللَّهُ بِهِ السَّبْتَ، أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، لِيَطُولَ عُمْرُكَ فِي الْأَرْضِ، الَّذِي يُعْطِيكَ اللَّهُ رَبُّكَ، لَا تَقْتُلْ، لَا تَزْنِ، لَا تَسْرِقْ، لَا تَشْهَدْ عَلَى صَاحِبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ، لَا تَمُدَّ عَيْنَكَ إِلَى بَيْتِ صَاحِبِكَ، وَلَا تَشْتَهِ امْرَأَةَ صَاحِبِكَ، وَلَا عَبْدَهُ، وَلَا أَمَتَهُ، وَلَا ثَوْرَهُ، وَلَا حِمَارَهُ، وَلَا شَيْئًا مِنَ الَّذِي لِصَاحِبِكَ، وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنِ الْحَسَدِ. وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَغَيْرِهِمْ: مَضْمُونُ هَذِهِ الْعَشْرِ الْكَلِمَاتِ فِي آيَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [ الْأَنْعَامِ: 151 - 153 ]. وَذَكَرُوا بَعْدَ الْعَشْرِ الْكَلِمَاتِ وَصَايَا كَثِيرَةً، وَأَحْكَامًا مُتَفَرِّقَةً عَزِيزَةً، كَانَتْ فَزَالَتْ وَعُمِلَ بِهَا حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهَا عِصْيَانٌ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا ثُمَّ عَمَدُوا إِلَيْهَا فَبَدَّلُوهَا، وَحَرَّفُوهَا، وَأَوَّلُوهَا. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ سَلَبُوهَا، فَصَارَتْ مَنْسُوخَةً مُبَدَّلَةً، بَعْدَ مَا كَانَتْ مَشْرُوعَةً مُكَمِّلَةً، فَلِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَهُوَ الَّذِي يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ، وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، أَلَّا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.

  231. التاريخ 218لا حكم مسجّل

    لَمَّا أَهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ  وَأَنْجَى بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا: يَا مُوسَى ائْتِنَا بِالْكِتَابِ الَّذِي وَعَدْتَنَا. فَسَأَلَ مُوسَى  رَبَّهُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَيَتَطَهَّرَ وَيُطَهِّرَ ثِيَابَهُ وَيَأْتِيَ إِلَى الْجَبَلِ - جَبَلِ طَوْرِ سِينَا - لِيُكَلِّمَهُ وَيُعْطِيَهُ الْكِتَابَ، فَصَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ; مِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمَسْرُوقٌ، وَمُجَاهِدٌ: الثَّلَاثُونَ لَيْلَةً هِيَ; شَهْرُ ذِي الْقَعْدَةِ بِكَمَالِهِ، وَأُتِمَّتْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً بِعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَلَامُ اللَّهِ لَهُ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، وَفِي مِثْلِهِ أَكْمَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ ﷺ دِينَهُ، وَأَقَامَ حُجَّتَهُ وَبَرَاهِينَهُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا اسْتَكْمَلَ الْمِيقَاتَ، وَكَانَ فِيهِ صَائِمًا، يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَسْتَطْعِمِ الطَّعَامَ. فَلَمَّا كَمَلَ الشَّهْرُ أَخَذَ لِحَا شَجَرَةٍ فَمَضَغَهُ، لِيُطَيِّبَ رِيحَ فَمِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُمْسِكَ عَشْرًا أُخْرَى، فَصَارَتْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ: خَلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى الذَّهَابِ، اسْتَخْلَفَ عَلَى شَعْبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَاهُ هَارُونَ الْمُحَبَّبَ الْمُبَجَّلَ الْجَلِيلَ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَوَزِيرُهُ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى مُصْطَفِيهِ، فَوَصَّاهُ وَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ، وَلَيْسَ فِي هَذَا لِعُلُوِّ مَنْزِلَتِهِ فِي نُبُوَّتِهِ مُنَافَاةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا أَيْ; فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُمِرَ بِالْمَجِيءِ فِيهِ، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ أَيْ; كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ،  إِلَّا أَنَّهُ أَسْمَعَهُ الْخِطَابَ، فَنَادَاهُ وَنَاجَاهُ، وَقَرَّبَهُ وَأَدْنَاهُ، وَهَذَا مَقَامٌ رَفِيعٌ، وَمَعْقِلٌ مَنِيعٌ، وَمَنْصِبٌ شَرِيفٌ، وَمَنْزِلٌ مُنِيفٌ، فَصَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ تَتْرَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى. وَلَمَّا أُعْطِيَ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعَلِيَّةَ وَالْمَرْتَبَةَ السَّنِيَّةَ، وَسَمِعَ الْخِطَابَ، سَأَلَ رَفْعَ الْحِجَابِ، فَقَالَ لِلْعَظِيمِ الَّذِي لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، الْقَوِّيُّ الْبُرْهَانِ: رَبِّي أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ تَجَلِّيهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى; لِأَنَّ الْجَبَلَ الَّذِي هُوَ أَقْوَى وَأَكْبَرُ ذَاتًا، وَأَشَدُّ ثَبَاتًا مِنَ الْإِنْسَانِ، لَا يَثْبُتُ عِنْدَ التَّجَلِّي مِنَ الرَّحْمَنِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي. وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لَهُ: يَا مُوسَى، إِنَّهُ لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: حِجَابُهُ النُّورُ وَفِي رِوَايَةٍ: النَّارُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ذَاكَ نُورُهُ الَّذِي هُوَ نُورُهُ إِذَا تَجَلَّى لِشَيْءٍ لَا يَقُومُ لَهُ شَيْءٌ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ مُجَاهِدٌ: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَإِنَّهُ أَكْبَرُ مِنْكَ وَأَشَدُّ خَلْقًا، فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ فَنَظَرَ إِلَى الْجَبَلِ لَا يَتَمَالَكُ، وَأَقْبَلَ الْجَبَلُ فَدُكَّ عَلَى أَوَّلِهِ، وَرَأَى مُوسَى مَا يَصْنَعُ الْجَبَلُ، فَخَرَّ صَعِقَا. وروى الإمام أحمد بسنده عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا قَالَ: هَكَذَا بِأُصْبُعِهِ وَوَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ الْإِبْهَامَ عَلَى الْمَفْصِلِ الْأَعْلَى مِنَ الْخِنْصَرِ، فَسَاخَ الْجَبَلُ. لَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَا تَجَلَّى - يَعْنِي مِنَ الْعَظَمَةِ - إِلَّا قَدْرُ الْخِنْصَرِ، فَجَعَلَ الْجَبَلَ دَكًّا، قَالَ: تُرَابًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا أَيْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: مَيِّتًا. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ; لِقَوْلِهِ: فَلَمَّا أَفَاقَ فَإِنَّ الْإِفَاقَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ غَشْيٍ. قَالَ: سُبْحَانَكَ تَنْزِيهٌ، وَتَعْظِيمٌ، وَإِجْلَالٌ أَنْ يَرَاهُ بِعَظَمَتِهِ أَحَدٌ. تُبْتُ إِلَيْكَ أَيْ: فَلَسْتُ أَسْأَلُ بَعْدَ هَذَا الرُّؤْيَةَ: وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لَا يَرَاكَ حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُخَيِّرُونِي مِنْ بَيْنِ الْأَنْبِيَاءِ فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٍ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، نزول التوراة على موسى وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَكَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ جَوْهَرٍ نَفِيسٍ، فَفِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ لَهُ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ وَفِيهَا مَوَاعِظُ عَنِ الْآثَامِ، وَتَفْصِيلٌ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ، فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ أَيْ; بِعَزْمٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ قَوِيَّةٍ، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا أَيْ، يَضَعُوهَا عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهَا، وَأَجْمَلِ مَحَامِلِهَا، سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ أَيْ; سَتَرَوْا عَاقِبَةَ الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِي، الْمُخَالِفِينَ لِأَمْرِي، الْمُكَذِّبِينَ لِرُسُلِي. سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي أَيْ; عَنْ فَهْمِهَا، وَتَدَبُّرِهَا، وَتَعْقُّلِ مَعْنَاهَا الَّذِي أُرِيدَ مِنْهَا، وَدَلَّ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهَا، الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا أَيْ; وَلَوْ شَاهَدُوا مَهْمَا شَاهَدُوا مِنَ الْخَوَارِقِ، وَالْمُعْجِزَاتِ، لَا يَنْقَادُوا لِاتِّبَاعِهَا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا أَيْ; لَا يَسْلُكُوهُ، وَلَا يَتَّبِعُوهُ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أَيْ; صَرَفْنَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ; لِتَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِنَا، وَتَغَافُلِهِمْ عَنْهَا، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهَا، وَالتَّفَكُّرِ فِي مَعْنَاهَا، وَتَرْكِ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. وَعَادَ مُوسَى وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَجْعَلُ عَلَيْهِ حَرِيرَةً نَحْوَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكْشِفُهَا لِمَا تَغَشَّاهُ مِنَ النُّورِ.

  232. التاريخ 219لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ فِي غَيْبَةِ كَلِيمِ اللَّهِ مُوسَى  ، عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ ذَهَبَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ، فَمَكَثَ عَلَى الطُّورِ يُنَاجِيهِ رَبُّهُ، وَيَسْأَلُهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ تَعَالَى يُجِيبُهُ عَنْهَا، فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: السَّامِرِيُّ. وَكَانَ مِنْ أَهْلِ بَاجَرْمَى، وَقِيلَ: مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَاسْمُ السَّامِرِيِّ مُنَجَّا، كَذَلِكَ ضَبَطَهُ ابْنُ الْمُنَادِي. فَأَخَذَ السامريي مَا كَانَ اسْتَعَارُوهُ مِنَ الْحُلِيِّ فَصَاغَ مِنْهُ عِجْلًا، وَأَلْقَى فِيهِ قَبْضَةً مِنَ التُّرَابِ، كَانَ أَخَذَهَا مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ، حِينَ رَآهُ يَوْمَ أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ عَلَى يَدَيْهِ، فَلَمَّا أَلْقَاهَا فِيهِ خَارَ كَمَا يَخُورُ الْعِجْلُ الْحَقِيقِيُّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ اسْتَحَالَ عِجْلًا جَسَدًا. أَيْ لَحْمًا وَدَمًا، حَيًّا يَخُورُ. قَالَهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَتِ الرِّيحُ إِذَا دَخَلَتْ مِنْ دُبُرِهِ، خَرَجَتْ مِنْ فَمِهِ، فَيَخُورُ كَمَا تَخُورُ الْبَقَرَةُ، فَيَرْقُصُونَ حَوْلَهُ وَيَفْرَحُونَ. فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَيْ فَنَسِيَ مُوسَى رَبَّهُ عِنْدَنَا، وَذَهَبَ يَتَطَلَّبُهُ، وَهُوَ هَاهُنَا. تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ، وَتَضَاعَفَتْ آلَاؤُهُ وَعِدَاتُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، مُبَيِّنًا لَهُمْ بُطْلَانَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَمَا عَوَّلُوا عَلَيْهِ، مِنْ إِلَهِيَّةِ هَذَا الَّذِي قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ حَيَوَانًا بَهِيمًا وَشَيْطَانًا رَجِيمًا: أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَقَالَ: أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ فَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْحَيَوَانَ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَرُدُّ جَوَابًا وَلَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَهْدِي إِلَى رُشْدٍ، اتَّخَذُوهُ وَهُمْ ظَالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَالِمُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ بُطْلَانَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ، وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أَيْ; نَدِمُوا عَلَى مَا صَنَعُوا، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَيْهِمْ، وَرَأَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَمَعَهُ الْأَلْوَاحُ الْمُتَضَمِّنَةُ التَّوْرَاةَ، أَلْقَاهَا، فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَسَرَهَا. وَهَكَذَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّ اللَّهَ أَبْدَلَهُ غَيْرَهَا. وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ الْقُرْآنِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ أَلْقَاهَا حِينَ عَايَنَ مَا عَايَنَ. وَعِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَنَّهُمَا كَانَا لَوْحَيْنِ. وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهَا أَلْوَاحٌ مُتَعَدِّدَةٌ، وَلَمْ يَتَأَثَّرْ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، فَأَمَرَهُ بِمُعَايَنَةِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ فَعَنَّفَهُمْ، وَوَبَّخَهُمْ، وَهَجَّنَهُمْ فِي صَنِيعِهِمْ، هَذَا الْقَبِيحِ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِمَا لَيْسَ بِصَحِيح; قَالُوا: إِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ تَحَرَّجُوا مِنْ تَمَلُّكِ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ، وَهُمْ أَهْلُ حَرْبٍ، وَقَدْ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِأَخْذِهِ، وَأَبَاحَهُ لَهُمْ وَلَمْ يَتَحَرَّجُوا بِجَهْلِهِمْ، وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَعَقْلِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ الْجَسَدِ، الَّذِي لَهُ خُوَارٌ، مَعَ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، الْفَرْدِ الصَّمَدِ الْقَهَّارِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَخِيهِ هَارُونَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قَائِلًا لَهُ: قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَيْ; هَلَّا لَمَّا رَأَيْتَ مَا صَنَعُوا اتَّبَعْتَنِي فَأَعْلَمْتَنِي بِمَا فَعَلُوا، فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ; تَرَكْتَهُمْ وَجِئْتَنِي، وَأَنْتَ قَدِ اسْتَخْلَفْتَنِي فِيهِمْ، قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَقَدْ كَانَ هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ الْفَظِيعِ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَزَجَرَهُمْ عَنْهُ أَتَمَّ الزَّجْرِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ أَيْ; إِنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ أَمَرَ هَذَا الْعِجْلِ، وَجَعَلَهُ يَخُورُ فِتْنَةً وَاخْتِبَارًا لَكُمْ. وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ أَيْ; لَا هَذَا الْعِجْلُ فَاتَّبِعُونِي أَيْ; فِيمَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى يَشْهَدُ اللَّهُ لِهَارُونَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، أَنَّهُ نَهَاهُمْ وَزَجَرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَلَمْ يُطِيعُوهُ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ، سؤال موسى السامري عن سبب فعله ثُمَّ أَقْبَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى السَّامِرِيِّ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ أَيْ; مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ. قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ أَيْ; رَأَيْتُ جِبْرَائِيلَ، وَهُوَ رَاكِبٌ فَرَسًا فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ أَيْ; مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ رَآهُ وَكَانَ كُلَّمَا وَطِئَتْ بِحَوَافِرِهَا عَلَى مَوْضِعٍ، اخْضَرَّ وَأَعْشَبَ، فَأَخَذَ مِنْ أَثَرِ حَافِرِهَا، فَلَمَّا أَلْقَاهُ فِي هَذَا الْعِجْلِ الْمَصْنُوعِ مِنَ الذَّهَبِ، كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، وَلِهَذَا قَالَ: فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَهَذَا دُعَاءٌ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَمَسَّ أَحَدًا; مُعَاقَبَةً لَهُ عَلَى مَسِّهِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسُّهُ. هَذَا مُعَاقَبَةٌ لَهُ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ تَوَعَّدَهُ فِي الْأُخْرَى فَقَالَ: وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ قُرِئَ: ( لَنْ نُخْلِفَهُ ). وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا قَالَ: فَعَمَدَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى هَذَا الْعِجْلِ فَحَرَقَهُ، قِيلَ: بِالنَّارِ. كَمَا قَالَهُ قَتَادَةُ، وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: بِالْمَبَارِدِ. كَمَا قَالَهُ عَلِيٌّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمَا. وَهُوَ نَصُّ أَهْلِ الْكِتَابِ. ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْبَحْرِ، وَأَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَشَرِبُوا، فَمَنْ كَانَ مِنْ عَابِدِيهِ، عَلَّقَ عَلَى شِفَاهِهِمْ مِنْ ذَلِكَ الرَّمَادِ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلِ اصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ. غضب الله على من عبدوا العجل ثُمَّ قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ وَهَكَذَا وَقَعَ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ مُسَجَّلَةٌ لِكُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ حِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، وَإِحْسَانِهِ عَلَى عَبِيدِهِ فِي قَبُولِهِ تَوْبَةَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، بِتَوْبَتِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَكِنْ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَوْبَةَ عَابِدِي الْعِجْلِ إِلَّا بِالْقَتْلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ الْبَقَرَةِ: 54 ]. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ أَصْبَحُوا يَوْمًا وَقَدْ أَخَذَ مَنْ لَمْ يَعْبُدِ الْعِجْلَ فِي أَيْدِيهِمُ السُّيُوفَ، وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ ضَبَابًا، حَتَّى لَا يَعْرِفَ الْقَرِيبُ قَرِيبَهُ، وَلَا النَّسِيبُ نَسِيبَهُ، ثُمَّ مَالُوا عَلَى عَابِدِيهِ، فَقَتَلُوهُمْ، وَحَصَدُوهُمْ. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَتَلُوا فِي صَبِيحَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ: وَفِي نُسْخَتِهَا عَلَى أَنَّهَا تَكَسَّرَتْ، وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَكَسَّرَتْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الْفُتُونِ، كَمَا سَيَأْتِي، أَنَّ عِبَادَتَهُمُ الْعِجْلَ كَانَتْ عَلَى أَثَرِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ، وَمَا هُوَ بِبَعِيدٍ; لِأَنَّهُمْ حِينَ خَرَجُوا قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ. وَهَكَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ عِبَادَتَهُمُ الْعِجْلَ كَانَتْ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ بِلَادَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا أُمِرُوا بِقَتْلِ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ، قَتَلُوا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ. ثُمَّ ذَهَبَ مُوسَى يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَغُفِرَ لَهُمْ، بِشَرْطِ أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ.

  233. التاريخ 220لا حكم مسجّل

    [ذَهَابُ السَّبْعِينَ إِلَى الطُّورِ يَعْتَذِرُونَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ] ثُمَّ إِنَّ مُوسَى اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَخْيَارِهِمْ، وَقَالَ لَهُمُ: انْطَلِقُوا مَعِي إِلَى اللَّهِ فَتُوبُوا مِمَّا صَنَعْتُمْ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سِينَا لِلْمِيقَاتِ الَّذِي وَقَّتَهُ اللَّهُ لَهُ وذَكَرَ السُّدِّيُّ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُمَا، أَنَّ هَؤُلَاءِ السَّبْعِينَ كَانُوا عُلَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَعَهُمْ مُوسَى، وَهَارُونُ، وَيُوشَعُ، وَنَادَابُ، وَأَبِيهُو، ذَهَبُوا مَعَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِيَعْتَذِرُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عِبَادَةِ مَنْ عَبَدَ مِنْهُمُ الْعِجْلَ، وَكَانُوا قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَتَطَيَّبُوا وَيَتَطَهَّرُوا وَيَغْتَسِلُوا، فَلَمَّا ذَهَبُوا مَعَهُ، وَاقْتَرَبُوا مِنَ الْجَبَلِ، وَعَلَيْهِ الْغَمَامُ، وَعَمُودُ النُّورِ سَاطِعٌ، وَصَعِدَ مُوسَى الْجَبَلَ، فَذَكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا كَلَامَ اللَّهِ، وَهَذَا قَدْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ: 57 ]. وَلَيْسَ هَذَا بِلَازِمٍ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ أَيْ; مُبَلَّغًا، وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ سَمِعُوهُ مُبَلَّغًا مِنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَزَعَمُوا أَيْضًا أَنَّ السَّبْعِينَ رَأَوُا اللَّهَ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوا الرُّؤْيَةَ أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ; كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ الْبَقَرَةِ: 55، 56 ]. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: اخْتَارَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا، الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ وَقَالَ: انْطَلَقُوا إِلَى اللَّهِ، فَتُوبُوا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ، وَسَلُوهُ التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ، صُومُوا وَتَطَهَّرُوا، وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ. فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَاءَ لِمِيقَاتٍ وَقَّتَهُ لَهُ رَبَّهُ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ السَّبْعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا كَلَامَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ، وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِي الْغَمَامِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا. وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَقَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ نُورٌ سَاطِعٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَضَرَبَ دُونَهُ بِالْحِجَابِ، وَدَنَا الْقَوْمُ، حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي الْغَمَامِ، وَقَعُوا سُجُودًا، فَسَمِعُوهُ وَهُوَ يُكَلِّمُ مُوسَى، يَأْمُرُ وَيَنْهَاهُ; افْعَلْ. وَلَا تَفْعَلْ. فَلَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِهِ، وَانْكَشَفَ عَنْ مُوسَى الْغَمَامَ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ قَالُوا لِمُوسَى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ - وَهِيَ الصَّاعِقَةُ - فَافْتَلَتَتْ أَرْوَاحُهُمْ، فَمَاتُوا جَمِيعًا فَقَامَ مُوسَى يُنَاشِدُ رَبَّهُ، وَيَدْعُوهُ، وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ، وَيَقُولُ: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا أَيْ; لَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ مِنَّا، فَإِنَّا بُرَآءُ مِمَّا عَمِلُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّمَا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْهَوْا قَوْمَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ. وَقَوْلُهُ: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أَيِ; اخْتِبَارُكَ، وَابْتِلَاؤُكَ، وَامْتِحَانُكَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ. يَعْنِي: أَنْتَ الَّذِي قَدَّرْتَ هَذَا، وَخَلَقْتَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْعِجْلِ، اخْتِبَارًا تَخْتَبِرُهُمْ بِهِ، كَمَا قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ: يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ أَيِ ; اخْتُبِرْتُمْ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَيْ ; مَنْ شِئْتَ أَضْلَلْتَهُ بِاخْتِبَارِكَ إِيَّاهُ، وَمَنْ شِئْتَ هَدَيْتَهُ، لَكَ الْحُكْمُ وَالْمَشِيئَةُ، فَلَا مَانِعَ وَلَا رَادَّ لِمَا حَكَمْتَ وَقَضَيْتَ. أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ. وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ أَيْ; تُبْنَا إِلَيْكَ وَرَجَعْنَا وَأَنَبْنَا. قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ; أَنَا أُعَذِّبُ مَنْ شِئْتُ بِمَا أَشَاءُ مِنَ الْأُمُورِ، الَّتِي أَخْلُقُهَا وَأُقَدِّرُهَا، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ كَمًّا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَتَبَ كِتَابًا، فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ أَيْ; فَسَأُوجِبُهَا حَتْمًا لِمَنْ يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ.

  234. التاريخ 221لا حكم مسجّل

    [وَمِنَ الْحَوَادِثِ] مَوْتُ هَارُونَ فِي زَمَانِ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ   رَوَى السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى: إِنِّي مُتَوَفٍّ هَارُونَ، فَأْتِ بِهِ جَبَلَ كَذَا وَكَذَا، فَانْطَلَقَ مُوسَى وَهَارُونُ نَحْوَ الْجَبَلِ، فَإِذَا [هُمَا] فِيهِ بِشَجَرَةٍ لَمْ يُرَ شَجَرٌ مِثْلَهَا، وَإِذَا هُمَا بِبَيْتٍ مَبْنِيٍّ، وَإِذَا هُمَا فِيهِ بِسَرِيرٍ عَلَيْهِ فُرُشٌ، وَإِذَا فِيهِ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، فَلَمَّا نَظَرَ هَارُونُ إِلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ وَالْبَيْتِ وَمَا فِيهِ أَعْجَبَهُ، فَقَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَنَامَ عَلَى هَذَا السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: فَنَمْ عَلَيْهِ، قَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَأْتِيَ رَبُّ هَذَا الْبَيْتِ فَيَغْضَبَ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: لَا تَرْهَبْ، أَنَا أَكْفِيكَ رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، فَنَمْ، فَقَالَ: يَا مُوسَى نَمْ مَعِي. فَنَامَا، فَأَخَذَ هَارُونَ الْمَوْتُ، فَلَمَّا قُبِضَ رُفِعَ ذَلِكَ الْبَيْتُ، وَذَهَبَتْ تِلْكَ الشَّجَرَةُ، وَرُفِعَ السَّرِيرُ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَيْسَ مَعَهُ هَارُونُ، قَالُوا: إِنَّ مُوسَى قَتَلَ هَارُونَ وَحَسَدَهُ عَلَى حُبِّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، وَكَانَ هَارُونُ أَكُفَّ عَنْهُمْ وَأَلْيَنَ لَهُمْ مِنْ مُوسَى، وَكَانَ فِي بَعْضِ الْغِلَظِ عَلَيْهِمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: وَيَحْكُمْ! أَتَرَوْنَنِي أَقْتُلُ أَخِي؟! فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَعَا اللَّهَ فَنَزَلَ بِالسَّرِيرِ حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَصَدَّقُوهُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: مَاتَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي التِّيهِ، مَاتَ هَارُونُ قَبْلَ مُوسَى، وَكَانَا أُخْرِجَا فِي التِّيهِ إِلَى بَعْضِ الْكُهُوفِ، فَمَاتَ فَدَفَنَهُ مُوسَى وَانْصَرَفَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا فَعَلَ هَارُونُ؟ قَالَ: مَاتَ، قَالُوا: لَكِنَّكَ قَتَلْتَهُ لِحُبِّنَا إِيَّاهُ. فَشَكَى مُوسَى مَا لَقِيَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنِ انْطَلِقْ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ قَبْرِهِ، فَإِنِّي بَاعِثُهُ حَتَّى يُخْبِرَهُمْ أَنَّهُ مَاتَ مَوْتًا. فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى قَبْرِ هَارُونَ، فَنَادَى: يَا هَارُونُ، فَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ يَنْفُضُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَنَا قَتَلْتُكَ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنِّي مُتُّ، قَالَ: فَعُدْ إِلَى مَضْجَعِكَ. قَالَ الْحَسَنُ: مَاتَ هَارُونُ وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً، قَبْلَ مُوسَى بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّ هَارُونَ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي التِّيهِ.

  235. التاريخ 222لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ بَقَرَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوَذٌ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَءتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ الْبَقَرَةِ: 67 - 73 ]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ: كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَثِيرَ الْمَالِ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا وَلَهُ بَنُو أَخٍ، وَكَانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَهُ; لِيَرِثُوهُ، فَعَمَدَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ فِي اللَّيْلِ، وَطَرْحَهُ فِي مَجْمَعِ الطُّرُقِ، وَيُقَالُ: عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْهُمْ. فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ اخْتَصَمُوا فِيهِ، وَجَاءَ ابْنُ أَخِيهِ، فَجَعَلَ يَصْرُخُ وَيَتَظَلَّمُ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ تَخْتَصِمُونَ وَلَا تَأْتُونَ نَبِيَّ اللَّهِ، فَجَاءَ ابْنُ أَخِيهِ فَشَكَى أَمْرَ عَمِّهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْقَتِيلِ إِلَّا أَعْلَمَنَا بِهِ. فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ عِلْمٌ، وَسَأَلُوهُ أَنَّ يَسْأَلَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَسَأَلَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي ذَلِكَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا يَعْنُونَ; نَحْنُ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرِ هَذَا الْقَتِيلِ، وَأَنْتَ تَقُولُ هَذَا. قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ أَيْ; أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَقُولَ عَنْهُ غَيْرَ مَا أَوْحَى إِلَيَّ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجَابَنِي حِينَ سَأَلْتُهُ عَمَّا سَأَلْتُمُونِي عَنْهُ أَنْ أَسْأَلَهُ فِيهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: فَلَوْ أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى أَيِّ بَقَرَةٍ فَذَبَحُوهَا لَحَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، فَسَأَلُوا عَنْ صِفَتِهَا، ثُمَّ عَنْ لَوْنِهَا ثُمَّ عَنْ سِنِّهَا فَأُجِيبُوا بِمَا عَزَّ وُجُودُهُ عَلَيْهِمْ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ عَوَانٍ; وَهِيَ الْوَسَطُ بَيْنَ النِّصْفِ الْفَارِضِ، وَهِيَ الْكَبِيرَةُ، وَالْبِكْرُ، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَجَمَاعَةٌ. ثُمَّ شَدَّدُوا، وَضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسَأَلُوا عَنْ لَوْنِهَا، فَأُمِرُوا بِصَفْرَاءَ فَاقِعٍ لَوْنُهَا، أَيْ مُشْرَبٍ بِحُمْرَةٍ، تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، وَهَذَا اللَّوْنُ عَزِيزٌ. ثُمَّ شَدَّدُوا أَيْضًا فَقَالُوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ فَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ، الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ: لَوْلَا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَثْنَوْا لَمَا أُعْطُوا وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَهَذِهِ الصِّفَاتُ أَضْيَقُ مِمَّا تَقَدَّمَ، حَيْثُ أُمِرُوا بِذَبْحِ بَقَرَةٍ، لَيْسَتْ بِالذَّلُولِ، وَهِيَ الْمُذَلَّلَةُ بِالْحِرَاثَةِ وَسَقْيِ الْأَرْضِ بِالسَّانِيَةِ، مُسَلَّمَةٌ; وَهِيَ الصَّحِيحَةُ الَّتِي لَا عَيْبَ فِيهَا. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَقَتَادَةُ. وَقَوْلُهُ: لَا شِيَةَ فِيهَا أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْنٌ يُخَالِفُ لَوْنَهَا بَلْ هِيَ مُسَلَّمَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ وَمِنْ مُخَالَطَةِ سَائِرِ الْأَلْوَانِ غَيْرِ لَوْنِهَا، فَلَمَّا حَدَّدَهَا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ، وَحَصَرَهَا بِهَذِهِ النُّعُوتِ وَالْأَوْصَافِ، قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا هَذِهِ الْبَقَرَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِلَّا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْهُمْ، كَانَ بَارًّا بِأَبِيهِ، فَطَلَبُوهَا مِنْهُ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَأَرْغَبُوهُ فِي ثَمَنِهَا، حَتَّى - أَعْطَوْهُ فِيمَا ذَكَرَ السُّدِّيُّ - بِوَزْنِهَا ذَهَبًا، فَأَبَى عَلَيْهِمْ حَتَّى أَعْطَوْهُ بِوَزْنِهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ، فَبَاعَهَا مِنْهُمْ، فَأَمَرَهُمْ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى بِذَبْحِهَا، فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ أَيْ; وَهُمْ يَتَرَدَّدُونَ فِي أَمْرِهَا. ثُمَّ أَمَرَهُمْ عَنِ اللَّهِ أَنْ يَضْرِبُوا ذَلِكَ الْقَتِيلَ بِبَعْضِهَا، قِيلَ: بِلَحْمِ فَخِذِهَا. وَقِيلَ: بِالْعَظْمِ الَّذِي يَلِي الْغُضْرُوفَ. وَقِيلَ: بِالْبِضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ، فَلَمَّا ضَرَبُوهُ بِبَعْضِهَا أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَامَ وَهُوَ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ، فَسَأَلَهُ نَبِيُّ اللَّهِ: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ قَتَلَنِي ابْنُ أَخِي. ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا كَمَا كَانَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أَيْ; كَمَا شَاهَدْتُمْ إِحْيَاءَ هَذَا الْقَتِيلِ، عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ، كَذَلِكَ أَمْرُهُ فِي سَائِرِ الْمَوْتَى، إِذَا شَاءَ إِحْيَاءَهُمْ أَحْيَاهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، كَمَا قَالَ: مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ الْآيَةَ [ لُقْمَانَ: 28 ]. رواية أخرى في قصة بقرة بني إسرائيل وفي رواية أخرى عن السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُكْثِرًا مِنَ الْمَالِ، وَكَانَتْ لَهُ بِنْتٌ، وَكَانَ لَهُ ابْنُ أَخٍ مُحْتَاجٌ، فَخَاطَبَ إِلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ ابْنَتَهُ، فَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَغَضِبَ الصَّبِيُّ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَقْتُلَنَّ عَمِّي، وَلَآخُذَنَّ مَالَهُ، وَلَأَنْكِحَنَّ ابْنَتَهُ، وَلَآكُلَنَّ دِيَتَهُ. فَأَتَاهُ الْفَتَى فَقَالَ لَهُ: يَا عَمُّ، قَدْ قَدِمَ تُجَّارٌ فِي بَعْضِ أَسْبَاطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَانْطَلِقْ مَعِي فَخُذْ لِي مِنْ تِجَارَةِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَعَلِّي أُصِيبُ فِيهَا فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْكَ مَعِيَ أَعْطَوْنِي. فَخَرَجَ الْعَمُّ مَعَ الْفَتَى لَيْلًا، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ السِّبْطَ قَتَلَهُ الْفَتَى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ كَأَنَّهُ يَطْلُبُ عَمَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ، وَإِذَا هُوَ بِذَلِكَ السِّبْطِ مُجْتَمِعِينَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُمْ، وَقَالَ: قَتَلْتُمْ عَمِّي فَأَدُّوا إِلَيَّ دِيَتَهُ، وَجَعَلَ يَبْكِي وَيَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيُنَادِي: وَاعَمَّاهْ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: وَأَتَى الْقَاتِلُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ قَرِيبِي قُتِلَ وَلَا أَجِدُ مَنْ يُبَيِّنُ لِي مَنْ قَتَلَهُ غَيْرَكَ. فَنَادَى مُوسَى فِي النَّاسِ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ هَذَا الْقَتِيلِ عِلْمٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَنَا، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ، فَأَقْبَلَ الْقَاتِلُ عَلَى مُوسَى وَقَالَ: أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ فَأَسْأَلِ اللَّهَ أَنْ يُبَيِّنَ لَنَا، فَسَأَلَ رَبَّهُ فَأَمَرَهُ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ. وعن عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ فَتًى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ بَرًّا بِوَالِدَتِهِ،  وَكَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، وَيَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِ وَالِدَتِهِ ثُلُثَ اللَّيْلِ، فَيُذَكِّرُهَا التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ،  وَيَقُولُ: يَا أُمَّاهْ إِنْ كُنْتِ ضَعُفْتِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ فَكَبِّرِي اللَّهَ وَسَبِّحِيهِ وَهَلِّلِيهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَمَلَهُمَا الدَّهْرَ كُلَّهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ أَتَى الْجَبَلَ فَاحْتَطَبَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَأْتِي بِهِ السُّوقَ فَيَبِيعُهُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبِيعَهُ، فَيَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَيُبْقِي لِعِبَادَتِهِ ثُلُثًا، وَيُعْطِي الثُّلُثَ أُمَّهُ، فَكَانَتْ أُمُّهُ تَأْكُلُ النِّصْفَ وَتَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَمَلَهُمَا الدَّهْرَ. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، قَالَتْ: يَا بُنَيَّ اعْلَمْ أَنِّي وَرِثْتُ مِنْ أَبِيكَ بَقَرَةً وَخَتَمْتُ عُنُقَهَا، وَتَرَكْتُهَا فِي الْبَقَرِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَسَأُبَيِّنُ لَكَ مَا لَوْنُهَا وَهَيْئَتُهَا، فَادْعُهَا بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، وَإِنَّ عَلَامَتَهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِهَرِمَةٍ وَلَا فَتِيَّةٍ غَيْرَ أَنَّهَا بَيْنَهُمَا، وَهِيَ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، إِذَا نَظَرْتَ إِلَى جِلْدِهَا خُيِّلَ إِلَيْكَ أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مَنْ جِلْدِهَا، وَلَيْسَتْ بِالذَّلُولِ، لَوْنُهَا وَاحِدٌ، فَإِذَا رَأَيْتَهَا فَخُذْ عُنُقَهَا فَأَزِلَّهَا تَتَّبِعْكَ بِإِذْنِ إِلَهِ إِسْرَائِيلَ. فَانْطَلَقَ الْفَتَى وَحَفِظَ وَصِيَّةَ وَالِدَتِهِ، وَسَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ صَاحَ بِهَا، وَقَالَ: بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ إِلَّا مَا أَتَيْتِينِي، فَأَقْبَلَتِ الْبَقَرَةُ إِلَيْهِ وَتَرَكَتِ الرَّعْيَ وَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيِ الْفَتَى. فَأَخَذَ بِعُنُقِهَا، فَتَكَلَّمَتِ الْبَقَرَةُ وَقَالَتْ: يَا أَيُّهَا الْفَتَى الْبَرُّ بِوَالِدَتِهِ ارْكَبْنِي، فَقَالَ الْفَتَى: لَمْ تَأْمُرْنِي وَالِدَتِي أَنْ أَرْكَبَ عَلَيْكِ، وَلَكِنَّهَا أَمَرَتْنِي أَنْ أَسُوقَكِ، فَأُحِبُّ أَنْ أَتَّبِعَ قَوْلَهَا، قَالَتْ: وَإِلَهِ إِسْرَائِيلَ لَوْ رَكِبْتَنِي مَا كُنْتَ لِتَقْدِرَ عَلَيَّ، فَانْطَلِقْ أَيُّهَا الْفَتَى الْبَرُّ بِوَالِدَتِهِ، فَإِنَّكَ لَوْ أَمَرْتَ هَذَا الْجَبَلَ أَنْ يَنْقَلِعَ مِنْ أَصْلِهِ لَاقْتَلَعَ لِبِرِّكَ بِوَالِدَتِكَ وَطَاعَتِكَ إِلَهَكَ. فَانْطَلَقَ فَطَارَ طَائِرٌ مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَاخْتَلَسَ الْبَقَرَةَ، فَدَعَاهَا بِإِلَهِ إِبْرَاهِيمَ فَأَقْبَلَتْ وَقَالَتْ: إِنَّ الطَّائِرَ إِبْلِيسَ اخْتَلَسَنِي، فَلَمَّا نَادَيْتَنِي جَاءَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَانْتَزَعَنِي مِنْهُ فَرَدَّنِي إِلَيْكَ لِبِرِّكَ بِوَالِدَتِكَ وَطَاعَتِكَ إِلَهَكَ. فَدَخَلَ الْفَتَى إِلَى أُمِّهِ فَأَخْبَرَهَا بِالْخَبَرِ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَاكَ تَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِكَ فَاذْهَبْ بِهَذِهِ الْبَقَرَةِ فَبِعْهَا وَخُذْ ثَمَنَهَا وَتَقَوَّ بِهِ فَقَالَ: بِكُمْ أَبِيعُهَا؟ قَالَتْ: بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنِّي. فَانْطَلَقَ إِلَى السُّوقِ فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ لِلْفَتَى: بِكُمْ تَبِيعُهَا؟ قَالَ: بِثَلَاثَةِ دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنْ وَالِدَتِي، قَالَ: لَكَ سِتَّةُ دَنَانِيرَ وَلَا تَسْتَأْمِرْ وَالِدَتِكَ، قَالَ: لَوْ أَعْطَيْتَنِي زِنَتَهَا لَنْ أَبَيِعَهَا حَتَّى أَسْتَأْمِرَهَا. فَخَرَجَ الْفَتَى فَأَخْبَرَ وَالِدَتَهُ الْخَبَرَ فَقَالَتْ: بِعْهَا بِسِتَّةِ دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنِّي. فَانْطَلَقَ، فَأَتَاهُ الْمَلَكُ وَقَالَ: مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: أَبِيعُهَا بِسِتَّةِ دَنَانِيرَ عَلَى رِضًى مِنْ وَالِدَتِي، فَقَالَ: فَخُذِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا وَلَا تَسْتَأْمِرْهَا، قَالَ: لَا. فَانْطَلَقَ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَإِذَا أَتَاكَ فَقُلْ لَهُ: إِنَّ وَالِدَتِي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَتَقُولُ: بِكُمْ تَأْمُرُنِي أَنْ أَبِيعَ هَذِهِ الْبَقَرَةَ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: أَيُّهَا الْفَتَى يَشْتَرِي بَقَرَتَكَ هَذِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ لِقَتِيلٍ يُقْتَلُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَاشْتَرَوْهَا مِنْهُ عَلَى أَنْ يَمْلَئُوا لَهُ جِلْدَهَا دَنَانِيرَ، فَعَمَدُوا إِلَى جَلْدِهَا فَمَلَئُوهُ دَنَانِيرَ، ثُمَّ دَفَعُوهُ إِلَى الْفَتَى. فَعَمَدَ الْفَتَى فَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثَيْنِ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَقَوَّى بِالثُّلُثِ.

  236. التاريخ 231لا حكم مسجّل

    بِنَاءِ قُبَّةِ الزَّمَانِ   قَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِعَمَلِ قُبَّةٍ مِنْ خَشَبِ الشَّمْشَارِ، وَجُلُودِ الْأَنْعَامِ، وَشَعْرِ الْأَغْنَامِ، وَأَمَرَ بِزِينَتِهَا بِالْحَرِيرِ الْمُصَبَّغِ، وَالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ، عَلَى كَيْفِيَّاتٍ مُفَصَّلَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَهَا عَشْرُ سُرَادِقَاتٍ، طُولُ كُلِّ وَاحِدٍ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَعَرْضُهُ أَرْبَعَةُ أَذْرُعٍ، وَلَهَا أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، وَأَطْنَابٌ مِنْ حَرِيرٍ، وَدِمَقْسٍ مُصَبَّغٍ، وَفِيهَا رُفُوفٌ وَصَفَائِحُ، مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَلِكُلِّ زَاوِيَةٍ بَابَانِ، وَأَبْوَابٌ أُخَرُ كَبِيرَةٌ، وَسُتُورٌ مِنْ حَرِيرٍ مُصَبَّغٍ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَبِعَمَلِ تَابُوتٍ مِنْ خَشَبِ الشَّمْشَارِ، يَكُونُ طُولُهُ ذِرَاعَيْنِ وَنِصْفًا، وَعَرْضُهُ ذِرَاعَيْنِ، وَارْتِفَاعُهُ ذِرَاعًا وَنِصْفًا، وَيَكُونُ مُضَبَّبًا بِذَهَبٍ خَالِصٍ مِنْ دَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ، وَلَهُ أَرْبَعُ حِلَقٍ، فِي أَرْبَعِ زَوَايَاهُ، وَيَكُونُ عَلَى حَافَّتَيْهِ كَرُوبِيَّانِ مِنْ ذَهَبٍ، يَعْنُونَ صِفَةَ مَلِكَيْنِ بِأَجْنِحَةٍ، وَهُمَا مُتَقَابِلَانِ صَنَعَهُ رَجُلٌ اسْمُهُ بَصْلِيَالُ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمَلَ مَائِدَةً مِنْ خَشَبِ الشَّمْشَارِ، طُولُهَا ذِرَاعَانِ، وَعَرْضُهَا ذِرَاعٌ وَنَصِفٌ، لَهَا ضِبَابُ ذَهَبٍ، وَإِكْلِيلُ ذَهَبٍ بِشَفَةٍ مُرْتَفِعَةٍ، بِإِكْلِيلٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَأَرْبَعِ حِلَقٍ مِنْ نَوَاحِيهَا مِنْ ذَهَبٍ; خَرَزُهُ مِثْلِ الرُّمَّانِ مِنْ خَشَبٍ مُلَبَّسٍ ذَهَبًا، وَاعْمَلْ صِحَافًا وَمَصَافِيَ وَقِصَاعًا عَلَى الْمَائِدَةِ، وَاصْنَعْ مَنَارَةً مِنْ ذَهَبٍ دُلِيَّ فِيهَا سِتُّ قَصَبَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ، مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ثَلَاثٌ، عَلَى كُلِّ قَصَبَةٍ ثَلَاثُ سُرُجٍ، وَلْيَكُنْ فِي الْمَنَارَةِ أَرْبَعُ قَنَادِيلَ، وَلْتَكُنْ هِيَ وَجَمِيعُ هَذِهِ الْآنِيَةِ مِنْ قِنْطَارٍ مِنْ ذَهَبٍ، صَنَعَ ذَلِكَ بَصْلِيَالُ أَيْضًا، وَهُوَ الَّذِي عَمِلَ الْمَذْبَحَ أَيْضًا، وَنَصَبَ هَذِهِ الْقُبَّةَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ سَنَتِهِمْ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ الرَّبِيعِ وَنَصَبَ تَابُوتَ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. [ الْبَقَرَةِ: 248 ]. وَقَدْ بُسِطَ هَذَا الْفَصْلُ فِي كِتَابِهِمْ مُطَوَّلًا جِدًّا، وَفِيهِ شَرَائِعُ لَهُمْ وَأَحْكَامٌ، وَصِفَةُ قُرْبَانِهِمْ، وَكَيْفِيَّتُهُ، وَفِيهِ أَنَّ قُبَّةَ الزَّمَانِ كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، الَّذِي هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مَجِيئِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ لَهُمْ كَالْكَعْبَةِ يُصَلُّونَ فِيهَا وَإِلَيْهَا، وَيَتَقَرَّبُونَ عِنْدَهَا، وَأَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ إِذَا دَخَلَهَا يَقِفُونَ عِنْدَهَا، وَيُنْزِلُ عَمُودَ الْغَمَامِ عَلَى بَابِهَا فَيَخِرُّونَ عِنْدَ ذَلِكَ سُجَّدًا لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيُكَلِّمُ اللَّهُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ ذَلِكَ الْعَمُودِ الْغَمَامِ، الَّذِي هُوَ نُورٌ وَيُخَاطِبُهُ، وَيُنَاجِيهِ، وَيَأْمُرُهُ، وَيَنْهَاهُ، وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ التَّابُوتِ صَامِدٌ إِلَى مَا بَيْنَ الْكَرُوبِيِّيْنِ، فَإِذَا فُصِلَ الْخِطَابُ، يُخْبِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَوْحَاهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَيْهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَإِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي شَيْءٍ، لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ فِيهِ شَيْءٌ، يَجِيءُ إِلَى قُبَّةِ الزَّمَانِ، وَيَقِفُ عِنْدَ التَّابُوتِ، وَيَصْمُدُ لِمَا بَيْنَ ذَيْنِكَ الْكَرُوبِيِّيْنِ، فَيَأْتِيهِ الْخِطَابُ بِمَا فِيهِ فَصْلُ تِلْكَ الْحُكُومَةِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا لَهُمْ فِي زَمَانِهِمْ، أَعْنِي اسْتِعْمَالَ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ الْمُصَبَّغِ، وَاللَّآلِيءِ فِي مَعْبَدِهِمْ، وَعِنْدَ مُصَلَّاهُمْ، زخرفة المساجد فَأَمَّا فِي شَرِيعَتِنَا فَلَا، بَلْ قَدْ نُهِينَا عَنْ زَخْرَفَةِ الْمَسَاجِدِ وَتَزْيِينِهَا; لِئَلَّا تَشْغَلَ الْمُصَلِّينَ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ؓ، لَمَّا وَسَّعَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِلَّذِي وَكَّلَهُ عَلَى عِمَارَتِهِ: ابْنِ لِلنَّاسِ مَا يُكِنُّهُمْ وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَنَائِسَهُمْ. وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ وَالتَّنْزِيهِ، فَهَذِهِ الْأُمَّةُ غَيْرُ مُشَابِهَةٍ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ; إِذْ جَمَعَ اللَّهُ هَمَّهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَيْهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَصَانَ أَبْصَارَهُمْ وَخَوَاطِرَهُمْ عَنِ الِاشْتِغَالِ وَالتَّفَكُّرِ فِي غَيْرِ مَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ الْعَظِيمَةِ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ كَانَتْ قُبَّةُ الزَّمَانِ هَذِهِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التِّيهِ، يُصَلُّونَ إِلَيْهَا، وَهِيَ قِبْلَتُهُمْ وَكَعْبَتُهُمْ، وَإِمَامُهُمْ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمُقَدِّمُ الْقُرْبَانِ أَخُوهُ هَارُونُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَلَمَّا مَاتَ هَارُونُ، ثُمَّ مُوسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، اسْتَمَرَّتْ بَنُو هَارُونَ فِي الَّذِي كَانَ يَلِيهِ أَبُوهُمْ مِنْ أَمْرِ الْقُرْبَانِ، وَهُوَ فِيهِمْ إِلَى الْآنَ، وَقَامَ بِأَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ مُوسَى وَتَدْبِيرِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ، فَتَاهَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ الَّذِي دَخَلَ بِهِمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ;. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّتْ يَدُهُ عَلَى الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، نَصَبَ هَذِهِ الْقُبَّةَ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكَانُوا يُصَلُّونَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا بَادَتْ صَلَّوْا إِلَى مَحِلَّتِهَا، وَهِيَ الصَّخْرَةُ، فَلِهَذَا كَانَتْ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ إِلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

  237. التاريخ 232لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ قَارُونَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ  وَسَلْبِهِ كُلَّ مَكْنُونٍ وَمَخْزُونٍ قَالَ الْأَعْمَشُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ قَارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسَى. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَسِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، وَقَتَادَةُ، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَزَادَ فَقَالَ: هُوَ قَارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنَ قَاهَثَ، وَمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهَثَ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَمِّ مُوسَى. وَرَدَّ قَوْلَ ابْنِ إِسْحَاقَ إِنَّهُ كَانَ عَمَّ مُوسَى. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ يُسَمَّى الْمُنَوِّرَ; لِحُسْنِ صَوْتِهِ بِالتَّوْرَاةِ وَلَكِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ نَافَقَ، كَمَا نَافَقَ السَّامِرِيُّ، فَأَهْلَكَهُ الْبَغْيُ لِكَثْرَةِ مَالِهِ. وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: زَادَ فِي ثِيَابِهِ شِبْرًا طُولًا; تَرَفُّعًا عَلَى قَوْمِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى كَثْرَةَ كُنُوزِهِ; حَتَّى إِنَّ مَفَاتِيحَهُ كَانَ يَثْقُلُ حِمْلُهَا عَلَى الْفِئَامِ مِنَ الرِّجَالِ الشِّدَادِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ مِنَ الْجُلُودِ، وَإِنَّهَا كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى سِتِّينَ بَغْلًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ وَعَظَهُ النُّصَحَاءُ مِنْ قَوْمِهِ; قَائِلِينَ: لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ أَيْ; لَا تَبْطَرْ بِمَا أُعْطِيتَ، وَتَفْخَرْ عَلَى غَيْرِكَ. وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ يَقُولُونَ: لِتَكُنْ هِمَّتُكَ مَصْرُوفَةً لِتَحْصِيلِ ثَوَابِ اللَّهِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَمَعَ هَذَا وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا أَيْ; وَتَنَاوَلْ مِنْهَا بِمَالِكَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ، فَتَمَتَّعْ لِنَفْسِكَ بِالْمَلَاذِّ الطَّيِّبَةِ الْحَلَالِ، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ أَيْ; وَأَحْسِنْ إِلَى خَلْقِ اللَّهِ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ خَالِقُهُمْ وَبَارِئُهُمْ إِلَيْكَ، وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ أَيْ; وَلَا تُسِئْ إِلَيْهِمْ، وَلَا تُفْسِدْ فِيهِمْ فَتُقَابِلَهُمْ ضِدَّ مَا أُمِرْتَ فِيهِمْ، فَيُعَاقِبَكَ وَيَسْلُبَكَ مَا وَهَبَكَ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ فَمَا كَانَ جَوَابَهُ قَوْمَهُ لِهَذِهِ النَّصِيحَةِ الصَّحِيحَةِ الْفَصِيحَةِ، إِلَّا أَنَّ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي يَعْنِي: أَنَا لَا أَحْتَاجُ إِلَى اسْتِعْمَالِ مَا ذَكَرْتُمْ، وَلَا إِلَى مَا إِلَيْهِ أَشَرْتُمْ; فَإِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَعْطَانِي هَذَا لِعِلْمِهِ أَنِّي أَسْتَحِقُّهُ، وَأَنِّي أَهْلٌ لَهُ، وَلَوْلَا أَنِّي حَبِيبٌ إِلَيْهِ، وَحَظِيٌّ عِنْدَهُ، لَمَا أَعْطَانِي مَا أَعْطَانِي. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى رَدًّا عَلَيْهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ أَيْ; قَدْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ بِذُنُوبِهِمْ وَخَطَايَاهُمْ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْ قَارُونَ قُوَّةً وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا، فَلَوْ كَانَ مَا قَالَ صَحِيحًا لَمْ نُعَاقِبْ أَحَدًا مِمَّنْ كَانَ أَكْثَرَ مَالًا مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مَالُهُ دَلِيلًا عَلَى مَحَبَّتِنَا لَهُ، وَاعْتِنَائِنَا بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا [ سَبَأٍ: 37 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 55، 56 ]. وَهَذَا الرَّدُّ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي. وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ صَنْعَةَ الْكِيمْيَاءِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ، فَاسْتَعْمَلَهُ فِي جَمْعِ الْأَمْوَالِ، فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ; لِأَنَّ الْكِيمْيَاءَ تَخْيِيلٌ وَصِبْغَةٌ لَا تُحِيلُ الْحَقَائِقَ، وَلَا تُشَابِهُ صَنْعَةَ الْخَالِقِ، وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ لَا يَصْعَدُ الدُّعَاءُ بِهِ مِنْ كَافِرٍ بِهِ، وَقَارُونُ كَانَ كَافِرًا فِي الْبَاطِنِ، مُنَافِقًا فِي الظَّاهِرِ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ جَوَابُهُ لَهُمْ بِهَذَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَلَا يَبْقَى بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ تَلَازُمٌ،. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ; مِنْ مَلَابِسَ، وَمَرَاكِبَ، وَخَدَمٍ، وَحَشَمٍ. وَقَدْ حَمَلَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ جَارِيَةٍ عَلَى مِثْلِ بِرْذَوْنِهِ وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَبَنَى دَارَهُ، وَضَرَبَ عَلَيْهَا صَفَائِحَ الذَّهَبِ، وَعَمِلَ لَهَا بَابًا مِنْ ذَهَبٍ، فَتَمَنَّى أَهْلُ الْغَفْلَةِ وَالْجَهْلِ مِثْلَ مَا لَهُ، فَنَهَاهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ. وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالزَّكَاةِ، فَجَاءَ إِلَى مُوسَى مِنْ كُلِّ أَلْفِ دِينَارٍ دِينَارٌ، وَعَلَى هَذَا مِنْ كُلِّ أَلْفِ شَيْءٍ شَيْءٌ، فَلَمَّا عَادَ إِلَى بَيْتِهِ وَجَدَهُ كَثِيرًا، فَجَمَعَ نَفَرًا يَثِقُ بِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: إِنَّ مُوسَى أَمَرَكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ فَأَطَعْتُمُوهُ، وَهُوَ الْآنَ يُرِيدُ أَخْذَ أَمْوَالِكُمْ. فَقَالُوا: أَنْتَ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ. فَقَالَ: آمُرُكُمْ أَنْ تُحْضِرُوا فُلَانَةً الْبَغِيَّ فَتَجْعَلُوا لَهَا جُعْلًا فَتَقْذِفُهُ بِنَفْسِهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَأَجَابَتْهُمْ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَتَى مُوسَى، فَقَالَ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِتَأْمُرَهُمْ وَتَنْهَاهُمْ. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَاهُ، وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ، وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ. فَقَالَ لَهُ قَارُونُ: وَإِنْ كُنْتَ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ فَجَرْتَ بِفُلَانَةَ. فَقَالَ ادْعُوهَا فَإِنْ قَالَتْ فَهُوَ كَمَا قَالَتْ. فَلَمَّا جَاءَتْ قَالَ لَهَا مُوسَى: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ إِلَّا صَدَقْتِ: أَنَا فَعَلْتُ بِكِ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَتْ: لَا، كَذَبُوا، وَلَكِنْ جَعَلُوا لِي جُعْلًا عَلَى أَنْ أَقْذِفَكَ. فَسَجَدَ وَدَعَا عَلَيْهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ. فَقَالَ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ بَلَغَ مُوسَى، فَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مُرِ الْأَرْضَ بِمَا شِئْتَ تُطِعْكَ. فَجَاءَ مُوسَى إِلَى قَارُونَ، خسف الأرض بقارون فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي. فَقَالَ مُوسَى: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ. فَاضْطَرَبَتْ دَارُهُ وَسَاخَتْ بِقَارُونَ، وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي. قَالَ يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، فَأَخَذَتْهُمْ إِلَى رُكَبِهِمْ. فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَعْطِفُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَرْضُ خُذِيهِمْ، حَتَّى خُسِفَ بِهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى: مَا أَفَظَّكَ ! أَمَا وَعِزَّتِي لَوْ إِيَّايَ نَادَى لَأَجَبْتُهُ، وَلَا أُعِيدُ الْأَرْضَ تُطِيعُ أَحَدًا أَبَدًا بَعْدَكَ، فَهُوَ يُخْسَفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ نِقْمَتَهُ حَمِدَ الْمُؤْمِنُونَ اللَّهَ، وَعَرَفَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ خَطَأَ أَنْفُسِهِمْ وَاسْتَغْفَرُوا، وَتَابُوا. لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى خُرُوجَهُ فِي زِينَتِهِ، وَاخْتِيَالَهُ فِيهَا، وَفَخْرَهُ عَلَى قَوْمِهِ بِهَا، قَالَ: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ كَمَّا رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ، إِذْ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: يُخْسَفُ بِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قَامَةً، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: خُسِفَ بِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ هَاهُنَا إِسْرَائِيلِيَّاتٍ كَثِيرَةً، أَضْرَبْنَا عَنْهَا صَفْحًا وَتَرَكْنَاهَا قَصْدًا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاصِرٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [ الطَّارِقِ: 10 ]. وَلَمَّا حَلَّ بِهِ مَا حَلَّ مِنَ الْخَسْفِ، وَذَهَابِ الْأَمْوَالِ، وَخَرَابِ الدَّارِ، وَهَلَاكِ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْعَقَارِ، نَدِمَ مَنْ كَانَ تَمَنَّى مِثْلَ مَا أُوتِيَ، وَشَكَرُوا اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي يُدَبِّرُ عِبَادَهُ بِمَا يَشَاءُ مِنْ حُسْنِ التَّدْبِيرِ الْمَخْزُونِ، وَلِهَذَا قَالُوا: لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ، وَقَدْ قَالَ قَتَادَةُ: وَيْكَأَنَّ بِمَعْنَى أَلَمْ تَرَ أَنَّ. وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ وَهِيَ دَارُ الْقَرَارِ. وَهِيَ الدَّارُ الَّتِي يُغْبَطُ مَنْ أُعْطِيَهَا، وَيُعَزَّى مَنْ حُرِمَهَا، إِنَّمَا هِيَ مُعَدَّةٌ لِلَّذِينِ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا. فَالْعُلُوُّ هُوَ التَّكَبُّرُ وَالْفَخْرُ وَالْأَشَرُ وَالْبَطَرُ. وَالْفَسَادُ هُوَ عَمَلُ الْمَعَاصِي اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ; مِنْ أَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَإِفْسَادِ مَعَايِشِهِمْ، وَالْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمْ، وَعَدَمِ النُّصْحِ لَهُمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ. وَقِصَّةُ قَارُونَ هَذِهِ، قَدْ تَكُونُ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنْ مِصْرَ; لِقَوْلِهِ: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَإِنَّ الدَّارَ ظَاهِرَةٌ فِي الْبُنْيَانِ، وَقَدْ تَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التِّيهِ، وَتَكُونُ الدَّارُ عِبَارَةً عَنِ الْمَحِلَّةِ الَّتِي تُضْرَبُ فِيهَا الْخِيَامُ.

  238. التاريخ 233لا حكم مسجّل

    فِي ذِكْرِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ آذَوْا مُوسَى فَنَسَبُوهُ إِلَى الْآدَرِ] إِنَّ قَوْمًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَابُوا مُوسَى لِكَوْنِهِ يَغْتَسِلُ مُؤْتَزِرًا، فَقَالُوا إِنَّهُ آدَرُ. وَالْآدَرُ: الْعَظِيمُ الْخُصْيَتَيْنِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ،  وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَّا أَنَّهُ آدَرُ. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَعَ مُوسَى فِي أَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ، ثَوْبِي يَا حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ. وقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يَرَى جِلْدَهُ شَيْءٌ; اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجِلْدِهِ; إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ  وَإِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجْرِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ  . حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَلَأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا، أَحْسَنَ مَا خَلْقَ اللَّهُ وَبَرَّأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، أَوْ خَمْسًا قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ خَرَجَ مُوسَى عُرْيَانًا حَتَّى رَآهُ النَّاسُ؟ فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: . أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ خَرَجَ وَلَيْسَ هُنَاكَ أَحَدٌ فَرَأَوْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مِئْزَرٌ، وَالْإِزْرَةُ تَبِينُ تَحْتَ الثَّوْبِ الْمُبْتَلِّ بِالْمَاءِ.

  239. التاريخ 234لا حكم مسجّل

    [ذِكْرُ الْمُلُوكِ] فِي زَمَانِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ] إِنَّ أَوَّلَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ مَلَكَ كَانَ لَهُمْ فِي زَمَانِ مُوسَى مِنْ حِمْيَرَ، يُقَالُ لَهُ: شُمَيْرُ بْنُ الْأُهْلُوكِ. وَهُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ ظِفَارَ بِالْيَمَنِ، وَأَخْرَجَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ، وَإِنَّ هَذَا الْمَلِكَ الْحِمْيَرِيَّ كَانَ مِنْ عُمَّالِ مُلُوكِ الْفُرْسِ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْيَمَنِ وَنَوَاحِيهَا.

  240. التاريخ 235لا حكم مسجّل

    [احْتِرَاقُ ابْنَيْ هَارُونَ] قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ يُسْرَجُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَلْفُ قِنْدِيلٍ، وَكَانَ يَخْرُجُ زَيْتٌ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ مِثْلَ عُنُقِ الْبَعِيرِ حَتَّى يُصَبَّ فِي الْقِنْدِيلِ، وَلَا يُمَسَّ بِالْأَيْدِي، وَكَانَتْ تَنْحَدِرُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ بَيْضَاءُ فَيُسْرَجُ بِهَا، وَكَانَ يَلِي السِّرَاجَ ابْنَا هَارُونَ. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمَا: أَنْ لَا تُسْرِجَا بِنَارِ الدُّنْيَا، فَأَبْطَأَتِ النَّارُ عَنْهُمَا عَشِيَّةً، فَعَمَدَا إِلَى نَارٍ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا فَأَسْرَجَا بِهَا، فَانْحَدَرَتِ النَّارُ فَأَحْرَقَتْهُمَا. فَخَرَجَ الصَّرِيخُ إِلَى مُوسَى فَخَرَجَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُنَاجِي فِيهِ رَبَّهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ ابْنَا هَارُونَ أَخِي، قَدْ عَلِمْتَ مَنْزِلَتَهُمَا مِنِّي، فَانْحَدَرَتِ النَّارُ فَأَحْرَقَتْهُمَا، وَنَادَاهُ: يَا مُوسَى هَكَذَا أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي إِذَا عَصَوْنِي، فَكَيْفَ أَفْعَلُ بِأَعْدَائِي.

  241. التاريخ 236لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ فَضَائِلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشَمَائِلِهِ وَصِفَاتِهِ  وَوَفَاتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [ مَرْيَمَ: 51 - 53 ]. ذَكَرَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالتَّكْلِيمِ وَالتَّقْرِيبِ، وَمَنَّ عَلَيْهِ بِأَنْ جَعَلَ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا وَقَالَ تَعَالَى: قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي [ الْأَعْرَافِ: 144 ]. وَتَقَدَّمَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَأَجِدُ مُوسَى بَاطِشًا بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَصُعِقُ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ. وَقَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَابِ الْهَضْمِ وَالتَّوَاضُعِ، وَإِلَّا فَهُوَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ، عَلَيْهِ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَطْعًا جَزْمًا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [ النِّسَاءِ: 163، 164 ]. وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [ الْأَحْزَابِ: 69 ]. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: كَانَ مِنْ وَجَاهَتِهِ أَنَّهُ شَفَعَ فِي أَخِيهِ عِنْدَ اللَّهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ وَزِيرًا، فَأَجَابَهُ اللَّهُ إِلَى سُؤَالِهِ، وَأَعْطَاهُ طَلِبَتَهُ، وَجَعَلَهُ نَبِيًّا; كَمَا قَالَ: وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ عن الْأَعْمَشُ، سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ مرور النبي ﷺ بقبر موسى عليه السلام وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " فِي أَحَادِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِمُوسَى، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ مَرَّ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، بِمُوسَى فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالْأَخِ الصَّالِحِ. فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى; قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي وَذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ. وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسٍ، مِنْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ، بِتَفْضِيلِ كَلَامِ اللَّهِ فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ، أَنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَادَّةُ، أَنَّ مُوسَى فِي السَّادِسَةِ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّابِعَةِ، وَأَنَّهُ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ. وَاتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا فَرَضَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأُمَّتِهِ، خَمْسِينَ صَلَاةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَرَّ بِمُوسَى، قَالَ: " ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَإِنِّي قَدْ عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَكَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ أَضْعَفُ أَسْمَاعًا، وَأَبْصَارًا، وَأَفْئِدَةً " فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى وَبَيْنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَيُخَفِّفُ عَنْهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ، حَتَّى صَارَتْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ أَيْ; بِالْمُضَاعَفَةِ فَجَزَى اللَّهُ عَنَّا مُحَمَّدًا ﷺ خَيْرًا، وَجَزَى اللَّهُ عَنَّا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَيْرًا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: عُرِضْتَ عَلَيَّ الْأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفُقَ، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ ذكر موسى في القرآن وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَأَوْرَدَ قِصَّتَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ مِرَارًا، وَكَرَّرَهَا كَثِيرًا، مُطَوَّلَةً، وَمَبْسُوطَةً، وَمُخْتَصَرَةً، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بَلِيغًا. وَكَثِيرًا مَا يَقْرِنُهُ اللَّهُ، وَيَذْكُرُهُ، وَيَذْكُرُ كِتَابَهُ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَكِتَابِهِ كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ ": وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ الْبَقَرَةِ: 110 ]. وَقَالَ تَعَالَى: الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [ آلِ عِمْرَانَ: 1 - 4 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْأَنْعَامِ ": وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ [ الْأَنْعَامِ: 91، 92 ]. فَأَثْنَى تَعَالَى عَلَى التَّوْرَاةِ، ثُمَّ مَدَحَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ مَدْحًا عَظِيمًا، وَقَالَ تَعَالَى فِي آخِرِهَا: ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ الْأَنْعَامِ: 154، 155 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْمَائِدَةِ ": إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ الْمَائِدَةِ: 44 ]. إِلَى أَنْ قَالَ: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [ الْمَائِدَةِ: 47، 48 ]. الْآيَةَ. فَجُعِلَ الْقُرْآنُ حَاكِمًا عَلَى سَائِرِ الْكُتُبِ غَيْرِهِ، وَجَعَلَهُ مُصَدِّقًا لَهَا، وَمُبَيِّنًا مَا وَقَعَ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ اسْتُحْفِظُوا عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى حِفْظِهَا، وَلَا عَلَى ضَبْطِهَا وَصَوْنِهَا، فَلِهَذَا دَخَلَهَا مَا دَخَلَهَا مِنْ تَغْيِيرِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ; لِسُوءِ فُهُومِهِمْ، وَقُصُورِهِمْ فِي عُلُومِهِمْ، وَرَدَاءَةِ قُصُودِهِمْ، وَخِيَانَتِهِمْ لِمَعْبُودِهِمْ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلِهَذَا يُوجَدُ فِي كُتُبِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ الْبَيِّنِ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رُسُلِهِ، مَا لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَمَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ وَلَا يُعْرَفُ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْأَنْبِيَاءِ ": وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 48 - 50 ]. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْقَصَصِ ": فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ الْقَصَصِ: 48، 49 ]. فَأَثْنَى اللَّهُ عَلَى الْكِتَابَيْنِ، وَعَلَى الرَّسُولَيْنِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَالَتِ الْجِنُّ لِقَوْمِهِمْ: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [ الْأَحْقَافِ: 30 ]. وَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لَمَّا قَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، خَبَرَ مَا رَأَى مِنْ أَوَّلِ الْوَحْيِ، وَتَلَا عَلَيْهِ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [ الْعَلَقِ: 1 - 5 ]. قَالَ سُبُّوحٌ سُبُّوحٌ، هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ. وَبِالْجُمْلَةِ فَشَرِيعَةُ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَتْ عَظِيمَةً، وَأُمَّتُهُ كَانَتْ أُمَّةً كَثِيرَةً، وَوُجِدَ فِيهَا أَنْبِيَاءُ، وَعُلَمَاءُ، وَعُبَّادٌ، وَزُهَّادٌ، وَأَلِبَّاءُ، وَمُلُوكٌ، وَأُمَرَاءُ، وَسَادَاتٌ، وَكُبَرَاءُ، لَكِنَّهُمْ كَانُوا فَبَادُوا وَتَبَدَّلُوا، كَمَا بُدِّلَتْ شَرِيعَتُهُمْ، وَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بَعْدَ كُلِّ حِسَابٍ مِلَّتُهُمْ، وَجَرَتْ عَلَيْهِمْ خُطُوبٌ وَأُمُورٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا.

  242. التاريخ 237لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ حَجِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ وَصِفَتِهِ  قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، مَرَّ بِوَادِي الْأَزْرَقِ، فَقَالَ: أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ قَالُوا: وَادِي الْأَزْرَقِ. قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى، وَهُوَ هَابِطٌ مِنَ الثَّنِيَّةِ، وَلَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى أَتَى عَلَى ثَنِيَّةِ هَرْشَاءَ فَقَالَ: أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ قَالُوا: هَذِهِ ثَنِيَّةُ هَرْشَاءَ. قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى، عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتُهُ خُلْبَةٌ، - قَالَ هُشَيْمٌ: يَعْنِي لِيفًا - وَهُوَ يُلَبِّي وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: إِنَّ مُوسَى حَجَّ عَلَى ثَوْرٍ أَحْمَرَ وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَذَكَرُوا الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: ( ك ف ر ). قَالَ: مَا تَقُولُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ( ك ف ر ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَلِكَ وَلَكِنْ قَالَ: أَمَّا إِبْرَاهِيمُ فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْحَدَرَ مِنَ الْوَادِي يُلَبِّي قَالَ هُشَيْمٌ: الْخُلْبَةُ اللِّيفُ.

  243. التاريخ 238لا حكم مسجّل

    وَمِنْ مَا كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ   مَا روي عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: إِنَّ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِمُوسَى: يَا مُوسَى إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ: ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ، وَإِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ: مَرْحَبًا بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ. يَا مُوسَى، إِنَّكَ لَنْ تَقْرُبَ عَلَيَّ بِعَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الرِّضَا بِقَضَائِي، وَلَنْ تَأْتِيَ بِعْمَلٍ أَحْبَطَ لِحَسَنَاتِكَ مِنَ الْبَطَرِ، وَإِيَّاكَ وَالتَّضَرُّعَ لِأَبْنَاءِ الدُّنْيَا، إِذَنْ أُعْرِضُ عَنْكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجُودَ بِدِينِكَ لِدُنْيَاهُمْ إِذِنْ آمُرُ أَبْوَابَ رَحْمَتِي أَنْ تُغْلَقَ دُونَكَ. ادْنِ الْفُقَرَاءَ، وَقَرِّبْ مَجْلِسَهُمْ مِنْكَ، وَلَا تَرْكَنْ إِلَى حُبِّ الدُّنْيَا، فَإِنَّكَ لَنْ تَلْقَانِي بِكَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ أَضَرَّ عَلَيْكَ مِنَ الرُّكُونِ إِلَى الدُّنْيَا. يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، قُلْ لِلْمُذْنِبِينَ النَّادِمِينَ: أَبْشِرُوا، وَقُلْ لِلْعَالِمِينَ الْمُعْجَبِينِ: اخْسَئُوا. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُرَى النُّورُ عَلَى وَجْهِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلنِّسَاءِ مُذْ كَلَّمَهُ. وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدِرِيُّ قَالَ: افْتَخَرَ أَهْلُ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ، وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْإِبِلِ"  . وَقَالَ: "بُعِثَ مُوسَى وَهُوَ يَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِهِ، وَبُعِثْتُ وَأَنَا أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِي بِجِيَادٍ". وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ أَجِدُّ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً، خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ. قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً، هُمُ الْآخِرُونَ فِي الْخَلْقِ، السَّابِقُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ. قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً، أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، يَقْرَؤُونَهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ نَظَرًا، حَتَّى إِذَا رَفَعُوهَا لَمْ يَحْفَظُوا شَيْئًا وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ مِنَ الْحِفْظِ شَيْئًا، لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنَ الْأُمَمِ. قَالَ: رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ. قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً، يُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، وَبِالْكِتَابِ الْآخِرِ، وَيُقَاتِلُونَ فُضُولَ الضَّلَالَةِ، حَتَّى يُقَاتِلُوا الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ. قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً، صَدَقَاتُهُمْ يَأْكُلُونَهَا فِي بُطُونِهِمْ، وَيُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَقُبِلَتْ مِنْهُ بَعْثَ اللَّهُ عَلَيْهَا نَارًا فَأَكْلَتْهَا، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ تُرِكَتْ فَتَأْكُلُهَا السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ، وَإِنَّ اللَّهَ أَخَذَ صَدَقَاتِكُمْ مِنْ غَنِيِّكُمْ لِفَقِيرِكُمْ قَالَ: رَبِّ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ. قَالَ: رَبِّ فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً، إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ: رَبِّ، اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ. قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْمُشَفَّعُونَ، الْمَشْفُوعُ لَهُمْ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي. قَالَ تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ. قَالَ لَنَا قَتَادَةُ: فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، نَبَذَ الْأَلْوَاحَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ أَحْمَدَ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو حَاتِمٍ، مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ ": ذِكْرُ سُؤَالِ كَلِيمِ اللَّهِ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَرْفَعِهِمْ مَنْزِلَةً; وعن - شَيْخَانِ صَالِحَانِ - سَمِعْنَا الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، سَأَلَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: أَيُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَدْنَى مَنْزِلَةً؟ فَقَالَ: رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، فَيُقَالُ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: كَيْفَ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ. فَيُقَالُ لَهُ: تَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِنَ الْجَنَّةِ مِثْلُ مَا كَانَ لِمَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. فَيُقَالُ: لَكَ هَذَا، وَمِثْلُهُ، وَمِثْلُهُ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، رَضِيتُ. فَيُقَالُ: إِنَّ لَكَ هَذَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهِ. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ رَضِيتُ. فَيُقَالُ لَهُ: لَكَ مَعَ هَذَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ، وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. وَسَأَلَ رَبَّهُ: أَيُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْفَعُ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: سَأُحَدِّثُكَ عَنْهُمْ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ الْآيَةَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، عَنْ سُفْيَانَ، وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، بِهِ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ: فَيُقَالُ لَهُ: أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلَ مُلْكِ مَلِكٍ مَنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. فَيَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ، وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ: رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ: رَبِّ، فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً؟ قَالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ قَالَ: وَمِصْدَاقُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. ذكر سؤال موسى ربه عن سبع خصال وَقَالَ ابْنُ حِبَّانِ: ذِكْرُ سُؤَالِ الْكَلِيمِ رَبَّهُ عَنْ خِصَالٍ سَبْعٍ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، عَنْ سِتِّ خِصَالٍ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهَا لَهُ خَالِصَةٌ، وَالسَّابِعَةُ لَمْ يَكُنْ مُوسَى يُحِبُّهَا; قَالَ: يَا رَبِّ أَيُّ عِبَادِكَ أَتْقَى؟ قَالَ: الَّذِي يَذْكُرُ وَلَا يَنْسَى. قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَهْدَى؟ قَالَ الَّذِي يَتَّبِعُ الْهُدَى. قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَحْكَمُ؟ قَالَ: الَّذِي يَحْكُمُ لِلنَّاسِ كَمَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ. قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَعْلَمُ؟ قَالَ: عَالِمٌ لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ، يَجْمَعُ عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ. قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَعَزُّ؟ قَالَ: الَّذِي إِذَا قَدَرَ غَفَرَ. قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَغْنَى؟ قَالَ: الَّذِي يَرْضَى بِمَا يُؤْتَى. قَالَ: فَأَيُّ عِبَادِكَ أَفْقَرُ؟ قَالَ: صَاحِبٌ مَنْقُوصٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَيْسَ الْغِنَى عَنْ ظَهْرٍ، إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا جَعَلَ غِنَاهُ فِي نَفْسِهِ، وَتُقَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرًّا جَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: قَوْلُهُ: صَاحِبٌ مَنْقُوصٌ. يُرِيدُ بِهِ مَنْقُوصَ حَالَتِهِ، يَسْتَقِلُّ مَا أُوتِيَ، وَيَطْلُبُ الْفَضْلَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَفِيهِ: قَالَ: أَيْ رَبِّ، فَأَيُّ عِبَادِكَ أَعْلَمُ؟ قَالَ: الَّذِي يَبْتَغِي عِلْمَ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ، عَسَى أَنْ يُصِيبَ كَلِمَةً تَهْدِيهِ إِلَى هُدًى، أَوْ تَرُدُّهُ عَنْ رَدًى. قَالَ: أَيْ رَبِّ، فَهَلْ فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ أَعْلَمُ مِنِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، الْخَضِرُ. فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: ذِكْرُ سُؤَالِ كَلِيمِ اللَّهِ رَبَّهُ، جَلَّ وَعَلَا، أَنْ يُعَلِّمَهُ شَيْئًا يَذْكُرُهُ بِهِ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ. قَالَ: قُلْ يَا مُوسَى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: يَا رَبِّ كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا. قَالَ: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ مَالَتْ بِهِمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عِنْدَ تَفْسِيرِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالُوا لِمُوسَى: هَلْ يَنَامُ رَبُّكَ؟ قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ. فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا مُوسَى سَأَلُوكَ هَلْ يَنَامُ رَبُّكَ، فَخُذْ زُجَاجَتَيْنِ فِي يَدَيْكَ فَقُمِ اللَّيْلَ، فَفَعَلَ مُوسَى، فَلَمَّا ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ ثُلُثُ، نَعَسَ فَوَقَعَ لِرُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ انْتَعَشَ، فَضَبَطَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ نَعَسَ، فَسَقَطَتِ الزُّجَاجَتَانِ، فَانْكَسَرَتَا. فَقَالَ: يَا مُوسَى، لَوْ كُنْتُ أَنَامُ، لَسَقَطَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَهَلَكْنَ كَمَا هَلَكَتِ الزُّجَاجَتَانِ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي عَنْ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَلْ يَنَامُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ؟ فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، فَأَرَّقَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدِ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِمَا، قَالَ: فَجَعَلَ يَنَامُ، وَكَادَتْ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ فَيَسْتَيْقِظُ، فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَةً، فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ، فَانْكَسَرَتِ الْقَارُورَتَانِ قَالَ: ضَرَبَ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا، أَنْ لَوْ كَانَ يَنَامُ، لَمْ تَسْتَمْسِكِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ.

  244. التاريخ 239لا حكم مسجّل

    وَفَاةِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ   قِيلَ: بَيْنَمَا مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَمْشِي وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَتَاهَ إِذْ أَقْبَلَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا يُوشَعُ ظَنَّ أَنَّهَا السَّاعَةُ، فَالْتَزَمَ مُوسَى، وَقَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَأَنَا مُلْتَزِمٌ نَبِيَّ اللَّهِ، فَاسْتُلَّ مُوسَى مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ وَبَقِيَ الْقَمِيصُ فِي يَدَيْ يُوشَعَ. فَلَمَّا جَاءَ يُوشَعُ بِالْقَمِيصِ أَخَذَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَقَالُوا: قَتَلْتَ نَبِيَّ اللَّهِ ! فَقَالَ: مَا قَتَلْتُهُ وَلَكِنَّهُ اسْتُلَّ مِنِّي. فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ. قَالَ: فَإِذَا لَمْ تُصَدِّقُونِي فَأَخِّرُونِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَوَكَّلُوا بِهِ مَنْ يَحْفَظُهُ، فَدَعَا اللَّهَ، فَأَتَى كُلُّ رَجُلٍ كَانَ يَحْرُسُهُ فِي الْمَنَامِ فَأَخْبَرَ أَنَّ يُوشَعَ لَمْ يَقْتُلْ مُوسَى، وَأَنَّا قَدْ رَفَعْنَاهُ إِلَيْنَا، فَتَرَكُوهُ. وَقِيلَ: إِنَّ مُوسَى كَرِهَ الْمَوْتَ فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الْمَوْتَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَكَانَ يَغْدُو عَلَيْهِ وَيَرُوحُ، وَيَقُولُ لَهُ مُوسَى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ ؟ فَقَالَ لَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَلَمْ أَصْحَبْكَ كَذَا وَكَذَا سَنَةً، فَهَلْ كُنْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَكَ ؟ وَلَا يَذْكُرُ لَهُ شَيْئًا. فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ كَرِهَ الْحَيَاةَ وَأَحَبَّ الْمَوْتَ. كَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: كَانَ تَحْوِيلُ النُّبُوَّةِ إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ قَبْلَ مَوْتِ مُوسَى، وَكَانَ يَخْتَلِفُ يُوشَعُ إِلَى مُوسَى غَدْوَةً وَعَشِيَّةً، فَيَقُولُ لَهُ مُوسَى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ هَلْ أَحْدَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ الْيَوْمَ شَيْئًا؟ فَيَقُولُ لَهُ يُوشَعُ: يَا صَفِيَّ اللَّهِ صَحِبْتُكَ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ، فَهَلْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ يُحْدِثُهُ اللَّهُ إِلَيْكَ حَتَّى تَكُونَ أَنْتَ الَّذِي تَبْتَدِئُهُ لِي؟ فَلَمَّا رَأَى مُوسَى الْجَمَاعَةَ عِنْدَ يُوشَعُ أَحَبَّ الْمَوْتَ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُوهِمُ بَعْضَ الْأَغْبِيَاءِ أَنَّ مُوسَى غَاظَهُ مَا رَأَى، فَأَحَبَّ الْمَوْتَ؛ إِذْ ضَاقَ ذَرْعًا بِالَّذِي أَبْصَرَ مِنْ مَنْزِلَةِ يُوشَعَ حِينَ عَلَتْ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّمَا أَحَبَّ مُوسَى الْمَوْتَ لَمَّا رَأَى لَهُ خَلَفًا فِي أُمَّتِهِ كَافِيًا يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِمْ، فَاسْتَطَابَ حِينَئِذٍ الْمَوْتَ لِمَا وَصَفْنَا لَا غَيْرُ. وَأَمَّا اسْتِجَابَةُ يُوشَعُ وَامْتِنَاعُ يُوشَعُ مِنْ إِفْشَائِهِ مَا يَكُونُ مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِ فَلَمْ يَكُ مِنْ بَابِ التَّعَزُّزِ مِنْ يُوشَعُ وَلَا مِنْ حُبِّهِ الِاقْتِصَارَ مِنْ مُوسَى إِلَيْهِ، بَلْ هُوَ مِنِ اسْتِخْبَارِ مُوسَى يُوشَعَ هَلْ بَلَغَ حَدَّ الْأُمَنَاءِ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا يَجِبُ كَتْمُهُ عَنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ وَأَعَزِّهِمْ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَلْفَى يُوشَعَ بَالِغًا هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ لَمْ يَشُكَّ فِي نُهُوضِهِ بِالْوَحْيِ وَاسْتِمْكَانِهِ مِنَ الْحَالِ الَّتِي أُهِّلَ لَهَا فَهَذَا الَّذِي أَصَارَ مُوسَى إِلَى السُّؤَالِ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ، قَالَ: لَمَّا وَدَّعَ مُوسَى أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ أَرْسَلَ إِلَى يُوشَعَ فَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى النَّاسِ، قَالَ: وَكَانَ مُوسَى إِنَّمَا يَسْتَظِلُّ فِي عَرِيشٍ وَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي نَقِيرٍ مِنْ حَجَرٍ؛ تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ أَكْرَمَهُ بِكَلَامِهِ. قَالَ وَهْبٌ: ذُكِرَ لِي أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَمْرِ وَفَاتِهِ أَنَّهُ أُخْرِجَ يَوْمًا مِنْ عَرِيشِهِ ذَلِكَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَمَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَحْفِرُونَ قَبْرًا، فَعَرَفَهُمْ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَإِذَا هُمْ يَحْفِرُونَ قَبْرًا لَمْ يَرَ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَمْ يَرَ مِثْلَ مَا فِيهِ مِنَ الْخُضْرَةِ وَالنَّضْرَةِ وَالْبَهْجَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ لِمَ تَحْفِرُونَ هَذَا الْقَبْرَ؟ قَالُوا: نَحْفِرُهُ وَاللَّهِ لَعَبْدٍ كَرِيمٍ عَلَى اللَّهِ، قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِنَ اللَّهِ لَبِمَنْزِلَةٍ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ مَضْجَعًا، قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا صَفِيَّ اللَّهِ أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَكَ؟ قَالَ: وَدِدْتُ، قَالُوا: فَانْزِلْ فَاضْطَجِعْ فِيهِ وَتَوَجَّهْ إِلَى رَبِّكَ، ثُمَّ تَنَفَّسْ، فَنَزَلَ فَاضْطَجَعَ فِيهِ وَتَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ فَقَبَضَ اللَّهُ رُوحَهُ، ثُمَّ سَوَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ. قَالَ ابن الجوزي: وَفِي هَذَا بُعْدٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ هَذَا. وعن أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا،  فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ لَهُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدَ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَيَتْ بِيَدِكَ مِنْ شَعَرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً. [فَعَادَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ] فَقَالَ: ثُمَّ مَهْ، قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ. قَالَ: يَا رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حَجَرٍ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ [قَبْرَهُ] إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ". ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ، لَمَّا قَالَ لَهُ هَذَا لَمْ يَعْرِفْهُ; لِمَجِيئِهِ لَهُ عَلَى غَيْرِ صُورَةٍ يَعْرِفُهَا مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا جَاءَ جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ، وَكَمَا وَرَدَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَلَوْ فِي صُورَةِ شَبَابٍ، فَلَمْ يَعْرِفْهُمْ إِبْرَاهِيمُ وَلَا لُوطٌ أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ مُوسَى لَعَلَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُ لِذَلِكَ وَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ; لِأَنَّهُ دَخَلَ دَارَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِشَرِيعَتِنَا فِي جَوَازِ فَقْءِ عَيْنِ مَنْ نَظَرَ إِلَيْكَ فِي دَارِكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ. قَالَ أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ: لَمَّا مَثُلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامَ جَعَلَ يَبْكِي وَيَقُولُ: لَسْتُ أَجْزَعُ لِلْمَوْتِ، وَلَكِنِّي أَجْزَعُ أَنْ يَيْبَسَ لِسَانِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ. قَالَ: وَكَانَ لِمُوسَى ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَدَعَاهُنَّ فَقَالَ: يَا بَنَاتِي، إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَيَعْرِضُونَ عَلَيْكُنَّ الدُّنْيَا بَعْدِي فَلَا تَقْبَلْنَ مِنْهَا شَيْئًا، تَلْقُطْنَ هَذَا السُّنْبُلَ فَافْرُكْنَهُ ثُمَّ كُلْنَهُ، وَسَتَبْلُغْنَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: تُوُفِّيَ مُوسَى بَعْدَ هَارُونَ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَأَوْصَى إِلَى يُوشَعُ، وَتُوُفِّيَ بِبَابِ لُدٍّ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: كَانَ جَمِيعُ مُدَّةِ عُمُرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، عِشْرُونَ مِنْهَا فِي مُلْكِ أَفْرِيدُونَ، وَمِائَةٌ مِنْهَا فِي مُلْكٍ مَنُوشِهْرَ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِهِ مُنْذُ بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ فِي مُلْكِ مَنُوشِهْرَ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ مَاتَ بِأَرْضِ الشَّامِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِأَرْضِ التِّيهِ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَاتُوا كُلُّهُمْ فِي التِّيهِ وَمُوسَى وَهَارُونُ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَّا يُوشَعُ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا، وَالْحَدِيثُ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى هَذَا. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَمَّا مَضَتِ الْأَرْبَعُونَ خَرَجَ مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ التِّيهِ، وَقَالَ لَهُمُ: ادْخُلُوا الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ. قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّ مُوسَى هُوَ الَّذِي فَتَحَ قَرْيَةَ الْجَبَّارِينَ مَعَ الصَّالِحِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السِّيَرِ أَجْمَعُوا أَنَّ مُوسَى هُوَ قَاتِلُ عُوجٍ، وَكَانَ عُوجٌ مَلِكَهُمْ، وَكَانَ بِلْعَامُ فِيمَنْ سَبَاهُ، سَبَاهُ مُوسَى وَقَتَلَهُ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْيَهُودَ لَا تَدْرِي أَيْنَ قَبْرُ مُوسَى وَهَارُونَ، وَلَوْ عَلِمُوا لَاتَّخَذُوهُمَا إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

  245. التاريخ 240لا حكم مسجّل

    ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَذَكَرَ قِصَّتَهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ مَبْسُوطَةٍ، وَمُتَوَسِّطَةٍ، وَمُخْتَصَرَةٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ [ الْقِصَصِ 1 - 6 ]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [ الْقَصَصِ 7 - 9 ]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ [ الْقَصَصِ: 10 - 13 ]. وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ [ الْقَصَصِ: 14 - 17 ]. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [ الْقَصَصِ 18 - 21 ]. وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى سَاعِيًا إِلَيْهِ مُشْفِقًا عَلَيْهِ فَقَالَ: يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ أَيْ ; مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ أَيْ ; فِيمَا أَقُولُهُ لَكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ أَيْ ; فَخَرَجَ مِنْ مَدِينَةِ مِصْرَ مِنْ فَوْرِهِ، عَلَى وَجْهِهِ، لَا يَهْتَدِي إِلَى طَرِيقٍ وَلَا يَعْرِفُهُ، قَائِلًا: رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ [ الْقَصَصِ: 22 - 24 ] فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتَ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [ الْقَصَصِ: 25 - 28 ]. فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبٍ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [ الْقَصَصِ: 29 - 32 ] قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ [ الْقَصَصِ: 33 - 35 ] وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى [ طه: 9، 10 ]. قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ [ النَّمْلِ: 7 ]. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَقَالَ تَعَالَى فِي " النَّمْلِ ": فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ النَّمْلِ: 8 ]. يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ النَّمْلِ: 9 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ " طه ": فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى [ طه: 11 - 16 ] وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا [ الْإِسْرَاءِ: 101، 102 ]. وَهِيَ الْمَبْسُوطَةُ فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 130 - 133 ] قصة نبي الله موسي عليه السلام في سورة طه اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي [ طه: 24 - 28 ]. وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى [ طه: 29 - 36 ] وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا [ مَرْيَمَ: 53 ] وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 10 - 19 ] قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 23 - 28 ] فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [ النَّازِعَاتِ: 23، 24 ]. وَقَالَ: يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [ الْقَصَصِ: 38 ] قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 29 - 33 ] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " طه ": فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [ طه: 40 - 46 ] لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ طه: 47، 48 ]. قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [ طه: 49 - 55 ]. يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فِرْعَوْنَ أَنَّهُ أَنْكَرَ إِثْبَاتَ الصَّانِعِ تَعَالَى، قَائِلًا: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [ طه: 56 - 59 ] فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى [ طه: 60 - 64 ] وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [ طه: 65 - 69 ]. فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [ الْأَعْرَافِ: 116 ] لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى فَعِنْدَ ذَلِكَ أَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ وَقَالَ: مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [ يُونُسَ: 81، 82 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [ الشُّعَرَاءِ: 45 ]. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [ الْأَعْرَافِ: 118 - 122 ]. فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِ سَاحِرٍ عَلِيمٍ وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ [ الْأَعْرَافِ: 103 - 126 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " يُونُسَ ": ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [ يُونُسَ: 75 - 82 ]. قصة موسى عليه السلام في سورة الشعراء وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الشُّعَرَاءِ " قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ قَالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ [ الشُّعَرَاءِ: 29 - 51 ]. قالَ اللَّهُ تَعَالَى، بَعْدَ قَصَصِ مَا تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ ": وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [ الْأَعْرَافِ: 127 - 129 ]. وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ يُونُسَ: 84 - 86 ]. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " حم الْمُؤْمِنِ ": وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ غَافِرٍ: 23، 24 ] فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ [ غَافِرٍ: 25 ]. وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [ غَافِرٍ: 27 ] وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [ غَافِرٍ: 28، 29 ]. وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [ يُونُسَ 88 - 89 ]. قال اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [ الشُّعَرَاءِ: 52 - 68 ]. وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنِعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ [ الدُّخَانِ: 17 - 33 ]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ قَالَ تَعَالَى: وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ [ يُونُسَ: 90 - 92 ] فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ [ الْأَعْرَافِ: 136 - 141 ] وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ [ الْمَائِدَةِ: 20 - 26 ] يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ [ الْبَقَرَةِ: 40، 41 ]. إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ الْبَقَرَةِ: 49 - 57 ]. إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ [ الْبَقَرَةِ: 60، 61 ] قصة موسى عليه السلام في سورة الأعراف قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ الْأَعْرَافِ: 142 - 147 ] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [ الْأَعْرَافِ: 148 - 154 ]. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَ شَيْءٍ عِلْمًا [ طه: 83 - 98 ] وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الْأَعْرَافِ: 155 - 157 ]. قصة بقرة بني إسرائيل في القرآن قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوَذٌ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَءتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [ الْبَقَرَةِ: 67 - 73 ]. قصة موسى عليه السلام في سورة الكهف قالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا [ الْكَهْفِ: 60 - 82 ]. قصة قارون في القرآن قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [ الْقَصَصِ: 76 - 83 ]. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَذَمَّةَ قَارُونَ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ; قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ [ غَافِرٍ: 23، 24 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْعَنْكَبُوتِ " بَعْدَ ذِكْرِ عَادٍ وَثَمُودَ: وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [ الْعَنْكَبُوتِ: 39، 40 ] قِصَّةَ بِلْعَامَ بْنِ بَاعُورَاءَ  ، الَّذِي قَالَ تَعَالَى فِيهِ: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ [ الْأَعْرَافِ: 175 - 177 ]

  246. التاريخ 246لا حكم مسجّل

    [نسب إِلْيَاسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ]  قَالَ عُلَمَاءُ النَّسَبِ: هُوَ إِلْيَاسُ بْنُ تَسْبِي. وَيُقَالُ: ابْنُ يَاسِينَ بْنِ فِنْحَاصَ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ. وَقِيلَ: إِلْيَاسُ بْنُ الْعَازِرِ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ وَهُوَ إِلْيَاسِينُ، وَهُوَ إِدْرَاسِينُ، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: ( سَلَامٌ عَلَى إِدْرَاسِينَ ). وَنُقِلَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ عَنْ عُبَيْدَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ قَالَ: إِلْيَاسُ هُوَ إِدْرِيسُ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ، وَحَكَاهُ قَتَادَةُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ غَيْرُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

  247. التاريخ 247لا حكم مسجّل

    إِلْيَاسَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ   لَمَّا تُوُفِّيَ حِزْقِيلُ كَثُرَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَرَكُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ بْنَ يَاسِينَ بْنِ فَنْحَاصَ بْنِ الْعِزَازِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ نَبِيًّا، وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ يُبْعَثُونَ بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنَ التَّوْرَاةِ. وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى أَلْفَ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ  سِوَى مَنْ أَرْسَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ فَتْرَةٌ. وَكَانَ إِلْيَاسُ مَعَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ أَخَابُ، وَكَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ وَيُصَدِّقُهُ، وَكَانَ إِلْيَاسُ يُقِيمُ لَهُ أَمْرَهُ وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَدِ اتَّخَذُوا صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ يُقَالُ لَهُ بَعْلُ وكَانَ إِرْسَالُهُ إِلَى أَهْلِ بَعْلَبَكَّ، غَرْبِيَّ دِمَشْقَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ يَتْرُكُوا عِبَادَةَ صنمهم وَقِيلَ: كَانَتِ امْرَأَةً اسْمُهَا بَعْلُ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَلِهَذَا قَالَ لَهُمْ: أَلَا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَاخْتَفَى عَنْهُمْ. وعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ إِلْيَاسَ اخْتَبَأَ مَنْ مَلِكِ قَوْمِهِ، فِي الْغَارِ الَّذِي تَحْتَ الدَّمِ، عَشْرَ سِنِينَ، حَتَّى أَهْلَكَ اللَّهُ الْمَلِكَ، وَوَلَّى غَيْرَهُ، فَأَتَاهُ إِلْيَاسُ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ، وَأَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ خَلْقٌ عَظِيمٌ، غَيْرَ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْهُمْ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ. وعن حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ بَعْضِ مَشْيَخَةِ دِمَشْقَ، قَالَ: أَقَامَ إِلْيَاسُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هَارِبًا مِنْ قَوْمِهِ، فِي كَهْفِ جَبَلٍ، عِشْرِينَ لَيْلَةً، أَوْ قَالَ: أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، تَأْتِيهِ الْغِرْبَانُ بِرِزْقِهِ. وَكَانَ مُلُوكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَفَرِّقَةً كُلُّ مَلِكٍ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى نَاحِيَةٍ يَأْكُلُهَا، فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلِكُ الَّذِي كَانَ إِلْيَاسُ مَعَهُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ بَاطِلًا لِأَنِّي أَرَى فُلَانًا وَفُلَانًا - يَعُدُّ مُلُوكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ - قَدْ عَبَدُوا الْأَوْثَانَ فَلَمْ يَضُرَّهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا، يَأْكُلُونَ، وَيَشْرَبُونَ، وَيَتَمَتَّعُونَ مَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَمَا نَرَى لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلٍ. فَفَارَقَهُ إِلْيَاسُ وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ، فَعَبَدَ ذَلِكَ الْمَلِكُ الْأَوْثَانَ أَيْضًا، وَكَانَ لِلْمَلِكِ جَارٌ صَالِحٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ، وَلَهُ بُسْتَانٌ إِلَى جَانِبِ دَارِ الْمَلِكِ وَالْمَلِكُ يُحْسِنُ جِوَارَهُ، وَلِلْمَلِكِ زَوْجَةٌ عَظِيمَةُ الشَّرِّ وَالْكُفْرِ، فَقَالَتْ لَهُ لِيَأْخُذَ بُسْتَانَ الرَّجُلِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَكَانَتْ تَخْلُفُ زَوْجَهَا إِذَا سَارَ عَنْ بَلَدِهِ وَتَظْهَرُ لِلنَّاسِ، فَغَابَ مَرَّةً فَوَضَعَتِ امْرَأَتُهُ عَلَى صَاحِبِ الْبُسْتَانِ مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَبَّ الْمَلِكَ، فَقَتَلَتْهُ وَأَخَذَتْ بُسْتَانَهُ، فَلَمَّا عَادَ الْمَلِكُ غَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَعْظَمَهُ وَأَنْكَرَهُ فَقَالَتْ: فَاتَ أَمْرُهُ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى إِلْيَاسَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمَلِكِ وَامْرَأَتِهِ أَنْ يَرُدَّا الْبُسْتَانَ عَلَى وَرَثَةِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلَا غَضِبَ عَلَيْهِمْا، وَأَهْلَكَهُمَا فِي الْبُسْتَانِ وَلَمْ يَتَمَتَّعَا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا. فَأَخْبَرَهُمَا إِلْيَاسُ بِذَلِكَ فَلَمْ يُرَاجِعَا الْحَقَّ. فَلَمَّا رَأَى إِلْيَاسُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَبَوْا إِلَّا الْكُفْرَ وَالظُّلْمَ دَعَا عَلَيْهِمْ، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمَطَرَ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَهَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ، وَالطُّيُورُ، وَالْهَوَامُّ، وَالشَّجَرُ، وَجَهِدَ النَّاسُ جَهْدًا شَدِيدًا، وَاسْتَخْفَى إِلْيَاسُ خَوْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ يَأْتِيهِ رِزْقُهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَوَى لَيْلَةً إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهَا ابْنٌ يُقَالُ لَهُ الْيَسَعُ بْنُ أَخُطُوبَ بِهِ ضُرٌّ شَدِيدٌ، فَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ مِنَ الضُّرِّ الَّذِي كَانَ بِهِ وَاتَّبَعَ إِلْيَاسَ، وَكَانَ مَعَهُ وَصَحِبَهُ وَصَدَّقَهُ، وَكَانَ إِلْيَاسُ قَدْ كَبِرَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ قَدْ أَهْلَكْتَ كَثِيرًا مِنَ الْخَلْقِ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَالدَّوَابِّ، وَالطَّيْرِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَعْصِ سِوَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَقَالَ إِلْيَاسُ: أَيْ رَبِّي، دَعْنِي أَكُنْ أَنَا الَّذِي أَدْعُو لَهُمْ وَأَبْتَهِجُ بِالْفَرَجِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. فَجَاءَ إِلْيَاسُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَدْ هَلَكْتُمْ وَهَلَكَتِ الدَّوَابُّ بِخَطَايَاكُمْ، فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَاخِطٌ عَلَيْكَمْ بِفِعْلِكُمْ، وَأَنَّ الَّذِي أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ فَاخْرُجُوا بِأَصْنَامِكُمْ وَادْعُوهَا ; فَإِنِ اسْتَجَابَتْ لَكُمْ فَذَلِكَ الْحَقُّ كَمَا تَقُولُونَ، وَإِنْ هِيَ لَمْ تَفْعَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّكُمْ عَلَى بَاطِلٍ فَنَزَعْتُمْ وَدَعَوْتُ اللَّهَ فَفَرَّجَ عَنْكُمْ. قَالُوا: أَنْصَفْتَ. فَخَرَجُوا بِأَصْنَامِهِمْ فَدَعَوْهَا فَلَمْ تَسْتَجِبْ لَهُمْ، وَلَمْ يُفَرَّجْ عَنْهُمْ. فَقَالُوا لِإِلْيَاسَ: إِنَّا قَدْ هَلَكْنَا فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَدَعَا لَهُمْ بِالْفَرَجِ وَأَنْ يُسْقَوْا، فَخَرَجَتْ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، وَعَظُمَتْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْهَا الْمَطَرَ، فَحَيِيَتْ بِلَادُهُمْ، وَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ، فَلَمْ يَنْزِعُوا وَلَمْ يُرَاجِعُوا الْحَقَّ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ إِلْيَاسُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يَقْبِضَهُ فَيُرِيحَهُ مِنْهُمْ، فَكَسَاهُ اللَّهُ الرِّيشَ وَأَلْبَسَهُ النُّورَ، وَقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، فَصَارَ مَلَكِيًّا إِنْسِيًّا سَمَاوِيًّا أَرْضِيًّا، وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَى الْمَلِكِ وَقَوْمِهِ عَدُوًّا فَظَفِرَ بِهِمْ، وَقَتَلَ الْمَلِكَ وَزَوْجَتَهُ بِذَلِكَ الْبُسْتَانِ وَأَلْقَاهُمَا فِيهِ حَتَّى بَلِيَتْ لُحُومُهُمَا. وَسُمِّيَتِ الْأَرْضُ الَّتِي كَانُوا فِيهَا بَعْلَبَكَّ بِاسْمِ الصَّنَمِ الَّذِي اسْمُهُ الْبَعْلُ.

  248. التاريخ 248لا حكم مسجّل

    أَمَّا إِلْيَاسُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ   فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى، بَعْدَ قِصَّةِ مُوسَى وَهَارُونَ مِنْ سُورَةِ " الصَّافَّاتِ ": وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِلَ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ [ الصَّافَّاتِ: 123 - 132 ].

  249. التاريخ 249لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ حِزْقِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ حِزْقِيلُ بْنُ بُوزِي بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَقَامَ عَلَيْهِ رَجُلٌ صَالِحٌ هُوَ كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا فَظَلَّ فِيهِمْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ فَبَغَى بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ وَفَسَدُوا فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى حِزْقِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَجُوزًا قَدْ وَلَدَتْهُ عَلَى كِبَرٍ. وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا اللَّهُ لَهُ قَوْمُهُ بَعْدَمَا هَرَبُوا مِنَ الطَّاعُونِ فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ بَعَثَهُمْ لَهُ. فَبَقِيَ فِيهِمْ حِزْقِيلُ يُقِيمُ لَهُمُ الدِّينَ حَتَّى قُتِلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَنَسِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مَا عُهِدَ إِلَيْهِ وَبَدَّلُوا وَعَبَدُوا الْأَصْنَامَ.

  250. التاريخ 250لا حكم مسجّل

    قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، فِي " تَارِيخِهِ ": لَا خِلَافَ بَيْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَخْبَارِ الْمَاضِينَ، وَأُمُورِ السَّالِفِينِ مِنْ أُمَّتِنَا، وَغَيْرِهِمْ; أَنَّ الْقَيِّمَ بِأُمُورِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ يُوشَعَ، كَالِبُ بْنُ يُوفَنَّا. يَعْنِي أَحَدَ أَصْحَابِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ زَوْجُ أُخْتِهِ مَرْيَمَ، وَهُوَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ مِمَّنْ يَخَافُونَ اللَّهَ، وَهُمَا يُوشَعُ، وَكَالِبُ وَهُمَا الْقَائِلَانِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ نَكَلُوا عَنِ الْجِهَادِ: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ الْمَائِدَةِ: 23 ]. قَالَ الْقُرَظِيُّ: وَلَمْ يَكُنْ لِكَالِبَ نُبُوَّةٌ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا يَوَدُّونَهُ فَوَلِيَهُمْ زَمَانًا يُقِيمُ فِيهِمْ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ مَا كَانَ يُقِيمُ يُوشَعُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مِنْهَاجِ يُوشَعَ. فَاسْتَخْلَفَ كَالِبُ ابْنًا لَهُ فَأَقَامَ الْعَدْلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمَّا مَاتَ اخْتَلَفَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَدَعَا كُلٌّ إِلَى نَفْسِهِ وَإِلَى سِبْطِهِ، ثُمَّ عَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَتَشَاحَنُوا عَلَى الدُّنْيَا، وَأَحَبُّوا الْمُلْكَ،  فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى [ حِزْقِيلَ بْنِ بُوزِي]   وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْعَجُوزِ، وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ الْعَجُوزِ أَشْمَوِيلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ: ابْنُ الْعَجُوزِ؛ لِأَنَّهَا سَأَلَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الْوَلَدَ بَعْدَمَا كَبِرَتْ وَعَقِمَتْ فَوَهَبَهُ اللَّهُ لَهَا، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ابْنُ الْعَجُوزِ. وَهُوَ الَّذِي دَعَا لِلْقَوْمِ الْمَوْتَى فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ.

  251. التاريخ 251لا حكم مسجّل

    قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَصَابَ نَاسًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَاءٌ وَشِدَّةٌ مِنَ الزَّمَانِ فَشَكَوْا مَا أَصَابَهُمْ، وَقَالُوا: يَا لَيْتَنَا مُتْنَا فَاسْتَرَحْنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى حِزْقِيلَ: إِنَّ قَوْمَكَ صَاحُوا مِنَ الْبَلَاءِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ وَدُّوا لَوْ مَاتُوا فَاسْتَرَاحُوا، وَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي الْمَوْتِ، أَيَظُنُّونَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَبْعَثَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَانْطَلِقْ إِلَى جَبَّانَةِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ -قَالَ وَهْبٌ: وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ [2: 243]- فَقُمْ فِيهِمْ فَنَادِهِمْ، وَكَانَتْ عِظَامُهُمْ قَدْ تَفَرَّقَتْ، فَرَّقَتْهَا الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ، فَنَادَاهَا حِزْقِيلُ، فَقَالَ: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي، فَاجْتَمَعَ عِظَامُ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَادَى ثَانِيَةً فَقَالَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِيَ اللَّحْمَ، فَاكْتَسَتِ اللَّحْمَ، وَبَعْدَ اللَّحْمِ جِلْدًا، فَكَانَتْ أَجْسَادًا، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ: أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَعُودِي فِي أَجْسَادِكَ، فَقَامُوا بِإِذْنِ اللَّهِ وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: كَانَتْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا دَاوَرْدَانُ وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ، فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا، فَهَلَكَ مَنْ بَقِيَ فِي الْقَرْيَةِ، وَسَلِمَ الْآخَرُونَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعُوا سَالِمِينَ، فَقَالَ الَّذِينَ سَلِمُوا: أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ كَانُوا أَحْزَمَ مِنَّا، لَوْ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعُوا بَقِينَا! وَلَئِنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ ثَانِيَةً لَنَخْرُجَنَّ مَعَهُمْ. فَوَقَعَ الطَّاعُونُ مِنْ قَابِلَ، فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا، وَهُمْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَقِيلَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ; أَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ. وَعَنْهُ: ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ: تِسْعَةَ آلَافٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا: كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: كَانُوا مِنْ أَهْلِ " أَذَرِعَاتٍ " وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، حَتَّى نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ، وَهُوَ وَادٍ أَفْيَحُ، فَنَادَاهُمْ مَلَكٌ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي وَآخَرُ مِنْ أَعْلَاهُ: مُوتُوا، فَمَاتُوا. جَمِيعًا، فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً دُونَ السِّبَاعِ، فَمَضَتْ عَلَيْهِمْ دُهُورٌ طَوِيلَةٌ فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ هِزْقِيلُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَجَعَلَ يُفَكِّرُ فِيهِمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَتُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ كَيْفَ أُحْيِيهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: نَادِ، فَنَادَى: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي، فَجَعَلَتِ الْعِظَامُ يَطِيرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ حَتَّى كَانَتْ أَجْسَادًا مِنْ عِظَامٍ، ثُمَّ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ نَادِ: يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِيَ لَحْمًا وَدَمًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: نَادِ، فَنَادَى يَا أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَقُومِي، فَقَامُوا. قَالَ مُجَاهِدٌ: قَالُوا حِينَ أُحْيُوا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبَحْمَدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ أَحْيَاءً، سَحْنَةُ الْمَوْتِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، لَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا إِلَّا عَادَ دَسْمًا مِثْلَ الْكَفَنِ، حَتَّى مَاتُوا لِآجَالِهِمُ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُمْ. وَقِيلَ: كَانُوا قَوْمَ حِزْقِيلَ، فَلَمَّا أَنْ مَاتُوا بَكَى حِزْقِيلُ، وَقَالَ: يَا رَبِّ، كُنْتُ فِي قَوْمٍ يَعْبُدُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ، فَبَقِيتُ وَحِيدًا ! فَقَالَ اللَّهُ: أَتُحِبُّ أَنْ أُحْيِيَهُمْ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ حَيَاتَهُمْ إِلَيْكَ. فَقَالَ حِزْقِيلُ: احْيَوْا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَعَاشُوا.

  252. التاريخ 252لا حكم مسجّل

    مَاتَ حِزْقِيلُ، وَلَمْ تُذْكَرْ مُدَّتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَلَمَّا قُبِضَ نَسِيَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ، وَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَصْنَامِ، صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ: بَعْلٌ. فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ بْنَ يَاسِيَنَ بْنِ فِنْحَاصَ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ.

  253. التاريخ 253لا حكم مسجّل

    [ الْمُلُوكِ] الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَنِ حِزْقِيلَ   إِنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ حِزْقِيلَ] مِنَ الْمُلُوكِ: بُخْتُ نَصَّرَ الْبَابِلِيُّ، وَهُوَ الَّذِي أَفْنَى مُلُوكَ أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَفْتَحُ الْحُصُونَ وَيَقْتُلُ مَنْ فِيهَا، وَكَانَ فِي هَذَا الزَّمَانِ عِدَّةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، مِنْهُمْ: أَرْمِياءُ، وَدَانْيَالُ، فَلَمَّا هَرَبَتِ الْيَهُودُ مِنْ بُخْتَ نَصَّرَ إِلَى مِصْرَ أَخَذُوا مَعَهُمْ أَرْمِياءَ وَدَانْيَالَ، فَلَمَّا أَهْبَطُوهُ أَرْضَ مِصْرَ قَتَلُوهُ، وَمَضَى قَوْمٌ مِنْهُمْ إِلَى أَرْضِ بَابِلَ فَوَثَبُوا بِحِزْقِيلَ فَقَتَلُوهُ وَقَبَرُوهُ هُنَاكَ. وَلَمَّا قُبِضَ حِزْقِيلُ -وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةَ بَقَائِهِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ- كَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ، وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَجْعَلُ حِزْقِيلَ بَعْدَ إِلْيَاسَ، فَالِاخْتِلَافُ فِي تَقْدِيمِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَأْخِيرِهِمْ مُتَفَاوِتٌ بَيْنَ النَّقَلَةِ، وَنَحْنُ نَتَخَيَّرُ الْأَصْوَبَ عِنْدَنَا.

  254. التاريخ 254لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ الْيَسَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ الْيَسَعُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ شُوَيْلِخَ بْنِ إِفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي زَمَنِهِ، فَقِيلَ كَانَ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ إِلْيَاسَ مُنْقَطِعًا إِلَيْهِ وَكَانَ مَضْرُورًا فَدَعَا لَهُ فَعَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى وَآتَاهُ النُّبُوَّةَ فَمَكَثَ فِي قَوْمِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَقَدْ قَامَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ عَيْلُوقُ رَجُلٌ مِنْ صَالِحِيهِمْ، وَقَدْ كَانَ لَهُ وَلَدَانِ فَاسِقَانِ فَلَمْ يَغْضَبْ لِلَّهِ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمَا فَاسْتَبْدَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَشْمُوئِيلَ وَبَعَثَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبِيًّا لَهُمْ. وَلَمَّا مَرَّ أَمْرُ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ الْيَسَعَ وَكَانُوا قَدْ حَدَثَتْ فِيهِمْ أَحْدَاثٌ وَفَسَادٌ وَكَانُوا يَخْرُجُونَ إِذَا أَرَادُوا قِتَالَ أَحَدٍ بِالتَّابُوتِ حَتَّى خَرَجُوا مَرَّةً فِي قِتَالٍ فَأَخَذَهُ عَدُوُّهُمْ مِنْهُمْ وَظَلَّ فِي عَدُوِّهِمْ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ طَالُوتَ مَلِكًا.

  255. التاريخ 255لا حكم مسجّل

    [ مَنْ كَانَ بَعْدَ إِلْيَاسَ] قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ كَانَ بَعْدَ إِلْيَاسَ.  فَقَالَ الْحَسَنُ وَوَهْبٌ: نُبِّيَ بَعْدَ إِلْيَاسَ الْيَسَعُ، وَقَدْ عَوَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ حَكَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: بَلْ كَانَ بَعْدَ إِلْيَاسَ يُونُسُ. قَالَ: وَقَالُوا: إِنَّ يُونُسَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ، وَأَيُّوبَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ أَيْضًا. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّ أَيُّوبَ كَانَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ، وَأَنَّ يُونُسَ بَعْدَ أَيُّوبَ. وَنَحْنُ نَتَخَيَّرُ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ فِي التَّرْتِيبِ أَقْرَبَهُ إِلَى الصَّوَابِ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

  256. التاريخ 256لا حكم مسجّل

    وَهَذَا الْيَسَعُ: هُوَ الْيَسَعُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ شُوَيْلِخَ بْنِ إِفْرَائِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُوَ الْيَسَعُ بْنُ خُطُوبَ، وَيُقَالُ: ابْنُ أَخْطُوبَ. وَقَدْ فَرَّقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ الْيَسَعَ الَّذِي صَحِبَ إِلْيَاسَ وَبَيْنَ ابْنِ أَخْطُوبَ، فَقَالَ: هُمَا اثْنَانِ، وَابْنُ أَخْطُوبٍ لَمْ يَصْحَبْ إِلْيَاسَ، وَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ، فِي حَرْفِ الْيَاءِ مِنْ " تَارِيخِهِ ": الْيَسَعُ; وَهُوَ: الْأَسْبَاطُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ شُوتَلْمَ بْنِ أَفْرَاثِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَيُقَالُ: هُوَ ابْنُ عَمِّ إِلْيَاسَ النَّبِيِّ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَيُقَالُ: كَانَ مُسْتَخْفِيًا مَعَهُ بِجَبَلِ قَاسِيُونَ مِنْ مَلِكِ بَعْلَبَكَّ، ثُمَّ ذَهَبَ مَعَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا رُفِعَ إِلْيَاسُ خَلَفَهُ الْيَسَعُ فَى قَوْمِهِ، وَنَبَّأَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ. ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ الْأَسْبَاطُ بِبَانْيَاسَ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: الْيَسَعُ، بِالتَّخْفِيفِ وَبِالتَّشْدِيدِ، وَمَنْ قَرَأَ: " اللَّيْسَعَ "، وَهُوَ اسْمٌ وَاحِدٌ لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ.

  257. التاريخ 257لا حكم مسجّل

    نُبُوَّةِ الْيَسَعَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ،   فَلَمَّا انْقَطَعَ إِلْيَاسُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعَثَ اللَّهُ الْيَسَعَ وكَانَ يَتِيمًا مَضْرُورًا فَانْقَطَعَ إِلَى إِلْيَاسَ وَآمَنَ بِهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَكَشَفَ عَنْهُ ضُرَّهُ، وَأَتَاهُ الْحِكْمَةَ وَالنُّبُوَّةَ، فَبُعِثَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَكَثَ فِيهِمْ زَمَانًا يَدْعُوهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَنْ يَتَمَسَّكُوا بِمِنْهَاجِ إِلْيَاسَ وَشَرِيعَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى. ثم خَلَفَ فِيهِمُ الْخُلُوفُ، وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَالْخَطَايَا، وَكَثُرَتِ الْجَبَابِرَةُ، وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، وَكَانَ فِيهِمْ مَلَكٌ جَبَّارٌ عَنِيدٌ طَاغٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي تَكَفَّلَ لَهُ ذُو الْكِفْلِ إِنْ هُوَ تَابَ وَرَاجَعَ، دَخَلَ الْجَنَّةَ; فَسُمِّى ذَا الْكِفْلِ

  258. التاريخ 258لا حكم مسجّل

    ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ الْأَنْبِيَاءِ، فِي سُورَةِ " الْأَنْعَامِ " فِي قَوْلِهِ: وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ [ الْأَنْعَامِ: 86 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " ص ": وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ [ ص: 48 ].

  259. التاريخ 259لا حكم مسجّل

    [ مَنْ كَانَ] بَعْدَ الْيَسَعَ قَالَ وَهْبٌ: قَامَ بَعْدَ الْيَسَعَ شَابٌّ اسْمُهُ شَمْعُونُ مِنْ أَفَاضِلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَيْلُوقُ، وَهُوَ ابْنُ سِتِّينَ سَنَةً، فَأَقَامَ لَهُمُ الْحَقَّ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَتَمَّتْ لَهُ مِائَةُ سَنَةٍ، وَكَانَ لَهُ ابْنَانِ يَأْخُذَانِ الرِّشْوَةَ وَيَفْعَلَانِ الْفِسْقَ، فَاسْتَبْدَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَشْمُوئِيلَ. وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: إِنَّمَا غَضِبَ اللَّهُ عَلَى عَيْلُوقَ أَنَّهُ رَأَى ابْنًا لَهُ يَتَعَاطَى مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ، فَقَالَ: مَهْلًا يَا بُنَيَّ، فَغَضِبَ عَلَيْهِ رَبُّهُ وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ مِنْ غَضَبِكَ حَتَّى انْتُهِكَتْ مَحَارِمِي إِلَّا أَنَّكَ قُلْتَ مَهْلًا يَا بُنَيَّ. فَسَقَطَ عَنْ سَرِيرِهِ، فَانْقَطَعَ نُخَاعُهُ وَأُسْقِطَتْ إِمَارَتُهُ. وَقُتِلَ ابْنٌ لَهُ فِي جَيْشٍ كَانَ بَعَثَهُ، وَكَانَ مَعَهُمُ التَّابُوتُ، وَكَانَ عَدُوُّهُمُ الْعَمَالِقَةَ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَسَبَوُا التَّابُوتَ، وَحُوِّلَتِ النُّبُوَّةُ وَالْخِلَافَةُ إِلَى أَشْمُوئِيلَ.

  260. التاريخ 260لا حكم مسجّل

    عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: لَمَّا قَبَضَ اللَّهُ الْيَسَعَ مَرَجَ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَالْخُطُوبُ وَالْخَطَايَا، وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَدَلَ الْأَنْبِيَاءِ مُلُوكًا جَبَّارِينَ يَظْلِمُونَهُمْ، وَيَسْفِكُونَ دِمَاءَهُمْ، وَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْأَعْدَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَيْضًا. وَكَانُوا إِذَا قَاتَلُوا أَحَدًا مِنَ الْأَعْدَاءِ، يَكُونُ مَعَهُمْ تَابُوتُ الْمِيثَاقِ الَّذِي كَانَ فِي قُبَّةِ الزَّمَانِ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَكَانُوا يُنْصَرُونَ بِبَرَكَتِهِ، وَبِمَا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ السِّكِّينَةِ وَالْبَقِيَّةِ، مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ وَكَانُوا لَا يَلْقَاهُمْ عَدُوٌّ فَيُقَدِّمُونَ التَّابُوتَ وَيَزْحَفُونَ بِهِ مَعَهُمْ إِلَّا هَزَمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَدُوَّ. وَكَانَتِ السَّكِينَةُ شِبْهَ رَأْسِ هِرٍّ، فَإِذَا صَرَخَتْ فِي التَّابُوتِ بِصُرَاخِ هِرٍّ أَيْقَنُوا بِالنَّصْرِ وَجَاءَهُمُ الْفَتْحُ. ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ إِيلَافُ، فَكَانُوا إِذَا نَزَلَ بِهِمْ عَدُوٌّ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَأَخْرَجُوا التَّابُوتَ، فَنَزَلَ بِهِمْ عَدُوٌّ فَأَخَذَ مِنْ أَيْدِهِمُ التَّابُوتَ، فَأُخْبِرَ مَلِكُهُمْ إِيلَافُ بِأَخْذِ التَّابُوتِ فَمَاتَ كَمَدًا، وَوَطِئَهُمْ عَدُّوهُمْ حَتَّى أُصِيبَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، فَمَكَثُوا عَلَى اضْطِرَابٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَاخْتِلَالٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ يَتَمَادَوْنَ فِي غَيِّهِمْ وَضَلَالِهِمْ، فَسُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَنْ يَنْتَقِمُ مِنْهُمْ، ثُمَّ يُرَاجِعُونَ التَّوْبَةَ فَيَكُفُّ [اللَّهُ] عَنْهُمْ شَرَّ مَنْ يَبْغِيهِمْ إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى أَشْمُوئِيلَ. فَبُعِثَ فِي زَمَانِهِ طَالُوتُ مَلِكًا، فَاسْتَخْلَصَ التَّابُوتَ، وَكَانَ أَمْرُهُمْ مِنْ مُدَّةِ وَفَاةِ يُوشَعَ تَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَارَةً إِلَى الْقُضَاةِ، وَتَارَةً إِلَى السَّاسَةِ، وَتَارَةً إِلَى عَدُوٍّ يَقْهَرُهُمْ، إِلَى أَنْ عَادَ الْمُلْكُ وَالنُّبُوَّةُ إِلَيْهِمْ بِأَشْمُوئِيلَ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ مَلَكَهُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ رَجُلًا مِنْ نَسْلِ لُوطٍ يُقَالُ لَهُ "كُوسَانُ" فَقَهَرَهُمْ وَأَذَلَّهُمْ ثَمَانِيَ سِنِينَ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ أَخٌ لِكَالِبَ الْأَصْغَرِ يُقَالُ لَهُ "عَثَانِيلُ بْنُ يُوفَنَّا" فَقَامَ بِأَمْرِهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكًا يُقَالُ لَهُ "جَعْلُونُ" وَيُقَالُ "أَعْلُونُ" فَمَلَكَهُمْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ "أَيْلُونُ" مِنْ وَلَدِ إِفْرَائِيمَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، فَقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا تَمَّتْ لَهُ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً مِنْ مُلْكِهِ عَلَيْهِمْ تَمَّتْ لِلْعَالَمِ أَرْبَعَةُ آلَافِ سَنَةٍ. ثُمَّ مَلَكَهُمْ رَجُلٌ مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ يُقَالُ لَهُ "أَهْوَزُ بْنُ حَنُّو الْأَشَلُّ" فَقَامَ بِأَمْرِهِمْ ثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ يُقَالُ لَهُ "يَافِينُ" فَمَلَكَهُمْ عِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ اسْتَنْقَذَتْهُمُ امْرَأَةُ نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ يُقَالُ لَهَا "دَيْوَارُ" فَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ مِنْ قِبَلِهَا رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ "بَارَاقُ" أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ قَوْمٌ مِنْ نَسْلِ لُوطٍ فَمَلَكُوهُمْ سَبْعَ سِنِينَ. ثُمَّ أَنْقَذَهُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ نَفْثَالِي بْنِ يَعْقُوبَ يُقَالُ لَهُ "جَدْعُونُ بْنُ بَرَانِسَ" فَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ دَبَّرَ أَمْرَهُمْ [مِنْ] بَعْدُ ابْنُهُ أَبِيمَلْكُ -وَقِيلَ: إِنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ- ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ دَبَّرَهُمْ بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ "بَابِينُ" اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَهُمْ بَعْدَهُ بَنُو عَمُونَ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ قَامَ بِأَمْرِهِمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: "يَفْتَحُ" سِتَّ سِنِينَ. ثُمَّ دَبَّرَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ "أَلُونُ" عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ دَبَّرَ أَمْرَهُمْ يَحْنُونُ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ دَبَّرَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ "لَيْزُونُ"، وَيُسَمِّيهِ بَعْضُهُمْ عَكْرُونُ ثَمَانِيَ سِنِينَ، ثُمَّ قَهَرَهُمْ أَهْلُ فِلَسْطِينَ وَمَلَكُوهُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ وَلِيَهُمْ شَمْشُونُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ بَقُوا بِغَيْرِ رَئِيسٍ وَلَا مُدَبِّرٍ عَشْرَ سِنِينَ. ثُمَّ دَبَّرَ أَمْرَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَالِي الْكَاهِنِ، وَفِي أَيَّامِهِ غَلَبَ أَهْلُ غَزَّةَ وَعَسْقَلَانَ عَلَى التَّابُوتِ، ثُمَّ مَضَى مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ بِأَمْرِهِمْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، بُعِثَ شَمْوِيلُ نَبِيًّا فَدَبَّرَ أَمْرَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ. ثُمَّ سَأَلُوهُ حِينَ نَالَهُمْ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ [بِمَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ] أَعْدَاؤُهُمْ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا مَعَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَعَثَ لَهُمْ طَالُوتَ.

  261. التاريخ 261لا حكم مسجّل

    هُوَ شَمْوِيلُ - وَيُقَالُ: أَشْمَوِيلُ - بْنُ بَالَى بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ يَرْخَامَ بْنِ أَلْيَهْوَ بْنِ تَهْوِ بْنِ صُوفَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَاحِثَ بْنِ عَمُوصَا بْنِ عِزْرِيَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ أَشْمَوِيلُ بْنُ هَلْفَاقَا. وَلَمْ يَرْفَعْ فِي نَسَبِهِ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وكَانَ مِنْ خَبَرِ أَشْمُوِيلَ بْنِ بَالِي أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَطَمِعَ فِيهِمُ الْأَعْدَاءُ، وَأُخِذَ التَّابُوتُ مِنْهُمْ، فَصَارُوا بَعْدَهُ لَا يَلْقَوْنَ مَلِكًا إِلَّا خَائِفِينَ، فَقَصَدَهُمْ جَالُوتُ مَلِكُ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَكَانَ مُلْكُهُ مَا بَيْنَ مِصْرَ وَفِلَسْطِينَ، فَظَفِرَ بِهِمْ فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَأَخَذَ مِنْهُمُ التَّوْرَاةَ، فَدَعَوُا اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ نَبِيًّا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ، وَكَانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ هَلَكُوا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ امْرَأَةٍ حُبْلَى، فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ خِيفَةَ أَنْ تَلِدَ جَارِيَةً فَتُبَدِّلَهَا بِغُلَامٍ لِمَا تَرَى مِنْ رَغْبَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي وَلَدِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا سَمَّتْهُ أَشْمُوِيلَ، وَمَعْنَاهُ: سَمِعَ اللَّهُ دُعَائِي. وَسَبَبُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّهَا كَانَتْ عَاقِرًا، وَكَانَ لِزَوْجِهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى قَدْ وَلَدَتْ لَهُ عَشَرَةَ أَوْلَادٍ فَبَغَتَ عَلَيْهَا بِكَثْرَةِ الْأَوْلَادِ، فَانْكَسَرَتِ الْعَجُوزُ وَدَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا وَلَدًا، فَرَحِمَ اللَّهُ انْكِسَارَهَا وَحَاضَتْ لِوَقْتِهَا وَقَرُبَ مِنْهَا زَوْجُهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ أَشْمُوِيلَ

  262. التاريخ 262لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا كَبِرَ أشمويل أَسْلَمَتْهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَتَعَلَّمُ التَّوْرَاةَ، وَكَفَلَهُ شَيْخٌ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَتَبَنَّاهُ. فَلَمَّا بَلَغَ أَنْ يَبْعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا أَتَاهُ جَبْرَائِيلُ وَهُوَ يُصَلِّي فَنَادَاهُ بِصَوْتٍ يُشْبِهُ صَوْتَ الشَّيْخِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا تُرِيدُ ؟ فَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَدْعُكَ فَيَفْزَعَ، فَقَالَ: ارْجِعْ فَنَمْ. فَرَجَعَ، فَعَادَ جَبْرَائِيلُ لِمِثْلِهَا، فَجَاءَ إِلَى الشَّيْخِ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ عُدْ فَإِذَا دَعَوْتُكَ فَلَا تُجِبْنِي. فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ ظَهَرَ لَهُ جَبْرَائِيلُ وَأَمَرَهُ بِإِنْذَارِ قَوْمِهِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَسُولًا، فَدَعَاهُمْ فَكَذَّبُوهُ، ثُمَّ أَطَاعُوهُ، وَأَقَامَ يُدِيرُ أَمْرَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَكَانَ أَمْرُ بني إسرائيل مِنْ مُدَّةِ وَفَاةِ يُوشَعَ تَارَةً إِلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَتَارَةً إِلَى الْقُضَاةِ، وَتَارَةً إِلَى السَّاسَةِ، وَتَارَةً إِلَى عَدُوٍّ يَقْهَرُهُمْ، إِلَى أَنْ عَادَ الْمُلْكُ وَالنُّبُوَّةُ إِلَيْهِمْ بِأَشْمُوئِيلَ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ أَرْبَعَمِائَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً.

  263. التاريخ 263لا حكم مسجّل

    كَانَ الْعَمَالِقَةُ مَعَ مَلِكِهِمْ جَالُوتَ قَدْ عَظُمَتْ نِكَايَتُهُمْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى كَادُوا يُهْلِكُونَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ قَالُوا: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا. أَيْ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُنَا مِنَ الْقِتَالِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا يَقُولُونَ: نَحْنُ مَحْرُوبُونَ مَوْتُورُونَ، فَحَقِيقٌ لَنَا أَنْ نُقَاتِلَ عَنْ أَبْنَائِنَا الْمَنْهُوبِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِيهِمْ، الْمَأْسُورِينَ فِي قَبْضَتِهِمْ. فَدَعَا اللَّهَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَصًا وَقَرْنًا فِيهِ دُهْنٌ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ يَكُونُ فِي طُولِهِ طُولُ هَذِهِ الْعَصَا، وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي فِي الْقَرْنِ فَهُوَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَادِّهِنْ رَأْسَهُ بِهِ وَمَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ، فَقَاسُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَصَا فَلَمْ يَكُونُوا مِثْلَهَا، وَكَانَ طَالُوتُ دَبَّاغًا. وَقِيلَ كَانَ سَقَّاءً يَسْقِي الْمَاءَ وَيَبِيعُهُ، فَضَلَّ حِمَارُهُ فَانْطَلَقَ يَطْلُبُهُ، فَلَمَّا اجْتَازَ بِالْمَكَانِ الَّذِي فِيهِ أَشْمُوِيلُ دَخَلَ يَسْأَلُهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ لِيَرُدَّ اللَّهُ حِمَارَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ نَشَّ الدُّهْنَ، فَقَاسُوهُ بِالْعَصَا فَكَانَ مِثْلَهَا، وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا، وَهُوَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ شَاوَلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ أَنْمَارَ بْنِ ضِرَارِ بْنِ يَحْرُفَ بْنِ يَفْتَحَ بْنِ أَيْشَ بْنِ بِنْيَامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ. فَقَالُوا لَهُ: مَا كُنْتَ قَطُّ أَكْذَبَ مِنْكَ السَّاعَةَ وَنَحْنُ مِنْ سِبْطِ الْمَمْلَكَةِ وَلَمْ يُؤْتَ طَالُوتُ سَعَةً مِنَ الْمَالِ فَنَتَّبِعَهُ. فَقَالَ أَشْمُوِيلُ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ. فَقَالُوا إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأْتِ بِآيَةٍ. فَقَالَ: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ. هَذَا أَيْضًا مِنْ بَرَكَةِ وِلَايَةِ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ عَلَيْهِمْ وَيُمْنِهِ عَلَيْهِمْ; أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التَّابُوتَ الَّذِي كَانَ سُلِبَ مِنْهُمْ، وَقَهْرَهُمُ الْأَعْدَاءُ عَلَيْهِ، وَقَدْ كَانُوا يُنْصَرُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ بِسَبَبِهِ. فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ تفسير السكينة وَالسَّكِينَةُ رَأْسُ هِرٍّ، وَقِيلَ طَشْتٌ مِنْ ذَهَبٍ يُغْسَلُ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَفِيهِ الْأَلْوَاحُ وَهِيَ مِنْ دُرٍّ، وَيَاقُوتٍ، وَزَبَرْجَدٍ، وَأَمَّا الْبَقِيَّةُ فَهِيَ عَصَا مُوسَى، وَرَضَاضَةُ الْأَلْوَاحِ. فَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَأَتَتْ بِهِ إِلَى طَالُوتَ نَهَارًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ لِيَكُونَ آيَةً لِلَّهِ عَلَيْكُمْ وَحُجَّةً بَاهِرَةً عَلَى صِدْقِ مَا أَقُولُهُ لَكُمْ، وَعَلَى صِحَّةِ وِلَايَةِ هَذَا الْمَلِكِ الصَّالِحِ عَلَيْكُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا غَلَبَ الْعَمَالِقَةُ عَلَى هَذَا التَّابُوتِ، وَكَانَ فِيهِ مَا ذُكِرَ مِنَ السِّكِّينَةِ وَالْبَقِيَّةِ الْمُبَارَكَةِ - وَقِيلَ: كَانَ فِيهِ التَّوْرَاةُ أَيْضًا - فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي أَيْدِيهِمْ وَضَعُوهُ تَحْتَ صَنَمٍ لَهُمْ بِأَرْضِهِمْ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا إِذَا التَّابُوتُ عَلَى رَأْسِ الصَّنَمِ فَوَضَعُوهُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي إِذَا التَّابُوتُ فَوْقَ الصَّنَمِ، فَلَمَّا تَكَرَّرَ هَذَا عَلِمُوا أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخْرَجُوهُ مِنْ بَلَدِهِمْ، وَجَعَلُوهُ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهُمْ، فَأَخَذَهُمْ دَاءٌ فِي رِقَابِهِمْ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ هَذَا جَعَلُوهُ فِي عَجَلَةٍ وَرَبَطُوهَا فِي بَقَرَتَيْنِ وَأَرْسَلُوهُمَا، فَيُقَالُ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ سَاقَتْهُمَا حَتَّى جَاءُوا بِهِمَا مَلَأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، كَمَا أَخْبَرَهُمْ نَبِيُّهُمْ بِذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ جَاءَتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ بِأَنْفُسِهِمْ، كَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنَ الْآيَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ. فَأَخْرَجَهُ طَالُوتُ إِلَيْهِمْ، فَأَقَرُّوا بِمُلْكِهِ سَاخِطِينَ وَخَرَجُوا مَعَهُ كَارِهِينَ، وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفًا. فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ لَهُمْ طَالُوتُ: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي. وَهُوَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ، وَقِيلَ: الْأُرْدُنُّ، فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا، وَهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ عَطِشَ وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ إِلَّا غُرْفَةً رَوِيَ، فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ. لَقِيَهُمْ جَالُوتُ، وَكَانَ ذَا بَأْسٍ شَدِيدٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ رَجَعَ أَكْثَرُهُمْ وَ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ غَيْرُ ثَلَاثِمَائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَدَدُ أَهْلِ بَدْرٍ، فَلَمَّا رَجَعَ مَنْ رَجَعَ قَالُوا: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَكَانَ فِيهِمْ إِيشَى أَبُو دَاوُدَ وَمَعَهُ مِنْ أَوْلَادِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ ابْنًا، وَكَانَ دَاوُدُ أَصْغَرَ بَنِيهِ، وَقَدْ خَلَّفَهُ يَرْعَى لَهُمْ وَيَحْمِلُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ لِأَبِيهِ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَبَتَاهْ، مَا أَرْمِي بِقَذَّافَتِي شَيْئًا إِلَّا صَرَعْتُهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: لَقَدْ دَخَلْتُ بَيْنَ الْجِبَالِ فَوَجَدْتُ أَسَدًا رَابِضًا فَرَكِبْتُ عَلَيْهِ وَأَخَذْتُ بِأُذُنَيْهِ فَلَمْ أَخَفْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ يَوْمًا آخَرَ فَقَالَ: إِنِّي لَأَمْشِي بَيْنَ الْجِبَالِ فَأُسَبِّحُ فَلَا يَبْقَى جَبَلٌ إِلَّا سَبَّحَ مَعِي. فَقَالَ لَهُ: أَبْشِرْ، فَإِنَّ هَذَا خَيْرٌ أَعْطَاكَهُ اللَّهُ. فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ الَّذِي مَعَ طَالُوتَ قَرْنًا فِيهِ دُهْنٌ وَتَنُّورٌ مِنْ حَدِيدٍ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى طَالُوتَ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكُمُ الَّذِي يَقْتُلُ جَالُوتَ يُوضَعُ هَذَا الدُّهْنُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَغْلِي حَتَّى يَسِيلَ مِنَ الْقَرْنِ، وَلَا يُجَاوِزَ رَأْسَهُ إِلَى وَجْهِهِ وَيَبْقَى عَلَى رَأْسِهِ كَهَيْئَةِ الْإِكْلِيلِ، وَيَدْخُلَ فِي هَذَا التَّنُّورِ فَيَمْلَأَهُ. فَدَعَا طَالُوتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَرَّبَهُمْ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، فَأُحْضِرَ دَاوُدُ مِنْ رَعْيِهِ، فَمَرَّ فِي طَرِيقِهِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَكَلَّمَتْهُ وَقُلْنَ: خُذْنَا يَا دَاوُدُ تَقْتُلْ بِنَا جَالُوتَ، فَأَخَذَهُنَّ فَجَعَلَهُنَّ فِي مِخْلَاتِهِ، وَكَانَ طَالُوتُ قَدْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ جَالُوتَ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي وَأَجْرَيْتُ خَاتَمَهُ فِي مَمْلَكَتِي. فَلَمَّا جَاءَ دَاوُدُ، وَضَعُوا الْقَرْنَ عَلَى رَأْسِهِ، فَغَلَى حَتَّى ادَّهَنَ مِنْهُ وَلَبِسَ التَّنُّورَ فَمَلَأَهُ، وَكَانَ دَاوُدُ مِسْقَامًا أَزْرَقَ مِصْفَارًا، فَلَمَّا دَخَلَ فِي التَّنُّورِ تَضَايَقَ عَلَيْهِ حَتَّى مَلَأَهُ، فَرِحَ أَشْمُوِيلُ وَطَالُوتُ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ بِذَلِكَ وَتَقَدَّمُوا إِلَى جَالُوتَ، وَتَصَافُّوا لِلْقِتَالِ، وَخَرَجَ دَاوُدُ نَحْوَ جَالُوتَ وَأَخَذَ الْأَحْجَارَ وَوَضَعَهَا فِي قَذَّافَتِهِ وَرَمَى بِهَا جَالُوتَ، فَوَقَعَ الْحَجَرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَنَقَبَ رَأْسَهُ فَقَتَلَهُ، وَلَمْ يَزَلِ الْحَجَرُ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ أَصَابَهُ يَنْفُذُ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ جَالُوتَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ أَنْ يُفْرِغَ عَلَيْهِمُ الصَّبْرَ; أَيْ يَغْمُرَهُمْ بِهِ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَتَسْتَقِرَّ قُلُوبُهُمْ وَلَا تَقْلَقَ، وَأَنْ يُثَبِّتَ أَقْدَامَهُمْ فِي مَجَالِ الْحَرْبِ، وَمُعْتَرَكِ الْأَبْطَالِ، وَحَوْمَةِ الْوَغَى، وَالدُّعَاءِ إِلَى النِّزَالِ، فَسَأَلُوا التَّثَبُّتَ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ، وَأَنْ يُنْزِلَ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَأَعْدَائِهِ، مِنَ الْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ بِآيَاتِهِ وَآلَائِهِ، فَأَجَابَهُمُ الْعَظِيمُ الْقَدِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ إِلَى مَا سَأَلُوا وَأَنَالَهُمْ مَا إِلَيْهِ فِيهِ رَغِبُوا وَلِهَذَا قَالَ: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ أَيْ; بِحَوْلِ اللَّهِ لَا بِحَوْلِهِمْ، وَبِقُوَّةِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ لَا بِقُوَّتِهِمْ وَعَدَدِهِمْ، مَعَ كَثْرَةِ أَعْدَائِهِمْ وَكَمَالِ عَدَدِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ شجاعة داود عليه السلام فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى شَجَاعَةِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّهُ قَتَلَهُ قَتْلًا أَذَلَّ بِهِ جُنْدَهُ وَكَسَّرَ جَيْشَهُ، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ غَزْوَةٍ يَقْتُلُ فِيهَا مَلِكٌ عَدُوَّهُ، فَيَغْنَمُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْأَمْوَالَ الْجَزِيلَةَ، وَيَأْسِرُ الْأَبْطَالَ وَالشُّجْعَانَ وَالْأَقْرَانَ، وَتَعْلُو كَلِمَةُ الْإِيمَانِ عَلَى الْأَوْثَانِ، وَيُدَالُ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَيَظْهَرُ الدِّينُ الْحَقُّ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَوْلِيَائِهِ. ووفى طَالُوتُ بِمَا وَعَدَ وزَوَّجَ داود ابْنَتَهُ وَأَجْرَى حُكْمَهُ فِي مُلْكِهِ، وَعَظُمَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عِنْدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَحَبُّوهُ وَمَالُوا إِلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ طَالُوتَ، فَذَكَرُوا أَنَّ طَالُوتَ حَسَدَهُ وَأَرَادَ قَتْلَهُ، وَاحْتَالَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الْعُلَمَاءُ يَنْهَوْنَ طَالُوتَ عَنْ قَتْلِ دَاوُدَ، فَتَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلَهُمْ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، ثُمَّ حَصَلَ لَهُ تَوْبَةٌ وَنَدَمٌ وَإِقْلَاعٌ عَمَّا سَلَفَ مِنْهُ، وَجَعَلَ يُكْثِرُ مِنَ الْبُكَاءِ، وَيَخْرُجُ إِلَى الْجَبَّانَةِ فَيَبْكِي حَتَّى يَبُلَّ الثَّرَى بِدُمُوعِهِ، فَنُودِيَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْجَبَّانَةِ: أَنْ يَا طَالُوتُ، قَتَلْتَنَا وَنَحْنُ أَحْيَاءٌ، وَآذَيْتَنَا وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ. فَازْدَادَ لِذَلِكَ بُكَاؤُهُ وَخَوْفُهُ، وَاشْتَدَّ وَجَلُهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ عَالِمٍ يَسْأَلُهُ عَنْ أَمْرِهِ، وَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، فَقِيلَ لَهُ: وَهَلْ أَبْقَيْتَ عَالِمًا؟ حَتَّى دُلَّ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْعَابِدَاتِ، فَأَخَذَتْهُ فَذَهَبَتْ بِهِ إِلَى قَبْرِ يُوشَعَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالُوا: فَدَعَتِ اللَّهَ فَقَامَ يُوشَعُ مِنْ قَبْرِهِ، فَقَالَ: أَقَامَتِ الْقِيَامَةُ؟ فَقَالَتْ: لَا وَلَكِنَّ هَذَا طَالُوتُ يَسْأَلُكَ: هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، يَنْخَلِعُ مِنَ الْمُلْكِ، وَيَذْهَبُ فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يُقْتَلَ. ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا. فَتَرَكَ الْمُلْكَ لِدَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَهَبَ وَمَعَهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ، فَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى قُتِلُوا. قَالُوا: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ هَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي " تَارِيخِهِ " مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ بِإِسْنَادِهِ. وَفِي بَعْضِ هَذَا نَظَرٌ وَنَكَارَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: النَّبِيُّ الَّذِي بُعِثَ فَأَخْبَرَ طَالُوتَ بِتَوْبَتِهِ، هُوَ الْيَسَعُ بْنُ أَخْطُوبَ. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا. وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ أَنَّهَا أَتَتْ بِهِ إِلَى قَبْرِ أَشْمَوِيلَ، فَعَاتَبَهُ عَلَى مَا صَنَعَ بَعْدَهُ مِنَ الْأُمُورِ. وَهَذَا أَنْسَبُ. وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا رَآهُ فِي النَّوْمِ، لَا أَنَّهُ قَامَ مِنَ الْقَبْرِ حَيًّا; فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ، وَتِلْكَ الْمَرْأَةُ لَمْ تَكُنْ نَبِيَّةً. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَزَعَمَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنَّ مُدَّةَ مُلْكِ طَالُوتَ إِلَى أَنْ قُتِلَ مَعَ أَوْلَادِهِ، كَانَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  264. التاريخ 264لا حكم مسجّل

    كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَعَ قومه مَا قَصَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [ الْبَقَرَةِ: 246 - 251 ]

  265. التاريخ 265لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ شَمْوِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ شَمْوِيلُ - وَيُقَالُ: أَشْمَوِيلُ - بْنُ بَالَى بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ يَرْخَامَ بْنِ أَلْيَهْوَ بْنِ تَهْوِ بْنِ صُوفَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَاحِثَ بْنِ عَمُوصَا بْنِ عِزْرِيَا. قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ، وَمَعْنَى أَشْمَوِيلَ سَمِعَ اللَّهُ دُعَائِي وَذَلِكَ أَنَّ أُمَّهُ وَلَدَتْهُ وَهِيَ عَجُوزٌ بَعْدَمَا دَعَتِ اللَّهَ أَنْ يُرْزَقَهَا الْوَلَدَ. وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا دَعَوْا أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ مَلِكًا أَوْ نَبِيًّا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ لَمَّا أُخِذَ التَّابُوتُ مِنْهُمْ، وَقَدْ قَصَدَهُمْ جَالُوتُ بِجُنُودِهِ، وَفِي عَهْدِهِ بَعَثَ اللَّهُ طَالُوتَ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ جَالُوتَ، وَعَادَ إِلَيْهِمُ التَّابُوتُ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَقَتَلَ - فِي عَهْدِهِ أَيْضًا - دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ.

  266. التاريخ 266لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعُودُ نَسَبُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ فَهُوَ دَاوُدُ بْنُ إِيشَا بْنِ عُوَيْدَ بْنِ بَاعَزَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَوِينَاذَبَ بْنِ إِرَمَ بْنِ حَصَرُونَ بْنِ فَارَصَ بْنِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ مِنْ أَحْوَالِهِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [الْبَقَرَةِ: 251]. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: كَانَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَصِيرًا، أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ، قَلِيلَ الشَّعْرِ، طَاهِرَ الْقَلْبِ نَقِيَّهُ. وَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَكَانَ تَوْلِيَتُهُ الْمُلْكَ عَقِبَ قَتْلِهِ جَالُوتَ حَيْثُ مَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَيْهِ، وَأَحَبُّوهُ حُبًّا شَدِيدًا وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جُمِعَ لَهُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ وَكَانَا يَفْتَرِقَانِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ وَقَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى صِنَاعَةَ الدُّرُوعِ فَكَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا وَيَبِيعُهُ وَيَأْكُلُ مِنْ ثَمَنِهِ وَقَدْ أَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَ كَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سَبَأٍ: 10]. وَأَمَّا عَنْ عِبَادَتِهِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ; كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى". وَقَدْ وَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَوْتًا شَجِيًّا نَدِيًّا فَكَانَ إِذَا قَرَأَ الزَّبُورَ وَسَبَّحَ الرَّحْمَنَ سَبَّحَ مَعَهُ كُلُّ شَيْءٍ فَكَانَتْ تُرِدِّدُ مَعَهُ الْجِبَالُ وَالطَّيْرُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ نِعْمَةً قَالَ سُبْحَانَهُ: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سَبَأٍ: 10]. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَنَّهُ فَتَنَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ أَنَابَ وَتَابَ، وَقَدْ ذُكِرَ حَوْلَ هَذَا الْأَمْرِ الْعَدِيدُ مِنَ الْقِصَصِ وَالْإِسْرَائِيلِيَّاتِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهَا وَإِنَّمَا يُقْتَصَرُ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْبَيَانِ فَقَدْ قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةً وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ص: 21 - 25]. وَمِنْ مَأْثُورَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَا رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ كَذَلِكَ تَحْصُدُ». وَقَوْلُهُ: «مَا أَقْبَحَ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَى، وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى». وَقَدْ كَانَ فِي زَمَانِهِ ﷺ الْبَدْءُ فِي بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ كَانَ قَدْ أَصَابَهُمْ فِي زَمَانِ دَاوُدَ طَاعُونٌ جَارِفٌ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَرَى الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ مِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلِهَذَا قَصَدَهُ لِيَدْعُوَ فِيهِ، فَلَمَّا وَقَفَ مَوْضِعَ الصَّخْرَةِ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فِي كَشْفِ الطَّاعُونِ عَنْهُمْ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَسْجِدًا، وَكَانَ الشُّرُوعُ فِي بِنَائِهِ إِحْدَى عَشْرَةِ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ بِنَاءَهُ. وَقَدْ تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَنْ عُمْرِ مِائَةِ سَنَةٍ، وَقَدْ جَاءَ فِي وَفَاتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ دَاوُدُ النَّبِيُّ فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ، قَالَ: فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَغُلِّقَتِ الدَّارُ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطَّلِعُ إِلَى الدَّارِ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ، فَقَالَتْ لِمَنْ فِي الْبَيْتِ: مِنْ أَيْنَ دَخَلَ هَذَا الرَّجُلُ وَالدَّارُ مُغْلَقَةٌ ؟ وَاللَّهِ لَتُفْتَضَحُنَّ بِدَاوُدَ. فَجَاءَ دَاوُدُ، فَإِذَا الرَّجُلُ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا الَّذِي لَا أَهَابُ الْمُلُوكَ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنِّي شَيْءٌ، فَقَالَ دَاوُدُ: أَنْتَ وَاللَّهِ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَمَرْحَبًا بِأَمْرِ اللَّهِ. فَرَمَلَ دَاوُدُ مَكَانَهُ حَيْثُ قُبِضَتْ رُوحُهُ، حَتَّى فُرِغَ مِنْ شَأْنِهِ، وَطَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلطَّيْرِ: أَظِلِّي عَلَى دَاوُدَ. فَأَظَلَّتْهُ الطَّيْرُ حَتَّى أَظْلَمَتْ عَلَيْهِمَا الْأَرْضُ، فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ: اقْبِضِي جَنَاحًا جَنَاحًا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُرِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ فَعَلَتِ الطَّيْرُ. وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ.

  267. التاريخ 267لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ فِي أَيَّامِهِ وَذِكْرُ فَضَائِلِهِ وَشَمَائِلِهِ  وَدَلَائِلُ نُبُوَّتِهِ وَأَعْلَامِهِ نسب داود عليه السلام وصفته هُوَ دَاوُدُ بْنُ إِيشَا بْنِ عُوَيْدَ بْنِ بَاعَزَ بْنِ سَلَمُونَ بْنِ نَحْشُوَنَ بْنِ عَوِينَاذَبَ بْنِ إِرَمَ بْنِ حَصَرُونَ بْنِ فَارَصَ بْنِ يَهُوذَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَبْدُ اللَّهِ وَنَبِيُّهُ وَخَلِيفَتُهُ فِي أَرْضِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، كَانَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَصِيرًا، أَزْرَقَ الْعَيْنَيْنِ، قَلِيلَ الشَّعْرِ، طَاهِرَ الْقَلْبِ نَقِيَّهُ. قتله جالوت وتنصيبه ملكًا تُقُدِّمَ أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَ جَالُوتَ، وَكَانَ قَتْلُهُ لَهُ - فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ - عِنْدَ قَصْرِ أُمِّ حَكِيمٍ بِقُرْبِ مَرْجِ الصُّفَّرِ. فَأَحَبَّتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَمَالُوا إِلَيْهِ وَإِلَى مُلْكِهِ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِ طَالُوتَ مَا كَانَ وَصَارَ الْمُلْكُ إِلَى دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ، بَيْنَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكَانَ الْمُلْكُ يَكُونُ فِي سِبْطٍ، وَالنُّبُوَّةُ فِي سِبْطٍ آخَرَ، فَاجْتَمَعَ فِي دَاوُدَ هَذَا وَهَذَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [ الْبَقَرَةِ: 251 ]. أَيْ: لَوْلَا إِقَامَةُ الْمُلُوكِ حُكَّامًا عَلَى النَّاسِ لَأَكَلَ قَوِيُّ النَّاسِ ضَعِيفَهُمْ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ: السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِنَّ اللَّهَ لَيَزَعُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي " تَارِيخِهِ ": أَنَّ جَالُوتَ لَمَّا بَارَزَ طَالُوتَ، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ إِلَيَّ أَوْ أَخْرُجُ إِلَيْكَ فَنَدَبَ طَالُوتُ النَّاسَ، فَانْتَدَبَ دَاوُدُ، فَقَتَلَ جَالُوتَ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَمَالَ النَّاسُ إِلَى دَاوُدَ، حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِطَالُوتَ ذِكْرٌ وَخَلَعُوا طَالُوتَ وَوَلَّوْا عَلَيْهِمْ دَاوُدَ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ شَمْوِيلَ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ وَلَّاهُ قَبْلَ الْوَقْعَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ إِنَّمَا وَلِيَ الْمُلْكَ بَعْدَ قَتْلِ جَالُوتَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ قَتْلَهُ جَالُوتَ كَانَ عِنْدَ قَصْرِ أَمِّ حَكِيمٍ، وَأَنَّ النَّهْرَ الَّذِي هُنَاكَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. معجزات داود عليه السلام وعبادته وَقَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ سَبَأٍ: 10، 11 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 79، 80 ]. أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلِ الدُّرُوعِ مِنَ الْحَدِيدِ ; لِيُحَصِّنَ الْمُقَاتِلَةَ مِنَ الْأَعْدَاءِ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى صَنْعَتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا، فَقَالَ: وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أَيْ: لَا تُدِقَّ الْمِسْمَارَ فَيَقْلَقَ، وَلَا تُغَلِّظْهُ فَيَفْصِمَ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ، وَالْحَكَمُ، وَعِكْرِمَةُ، وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالْأَعْمَشُ: كَانَ اللَّهُ قَدْ أَلَانَ لَهُ الْحَدِيدَ حَتَّى كَانَ يَفْتِلُهُ بِيَدِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى نَارٍ وَلَا مِطْرَقَةٍ. قَالَ قَتَادَةُ: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَمِلَ الدُّرُوعَ مِنْ زَرَدٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ صَفَائِحَ. قَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: كَانَ يَعْمَلُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْعًا يَبِيعُهَا بِسِتَّةِ آلَافِ دِرْهَمٍ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: أَنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ ص: 17 - 20 ]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ: الْأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ. يَعْنِي: ذَا قُوَّةٍ فِي الْعِبَادَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ. قَالَ قَتَادَةُ: أُعْطِيَ قُوَّةً فِي الْعِبَادَةِ وَفِقْهًا فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ: وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ نِصْفَ الدَّهْرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ،  وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ;  كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى وَقَوْلُهُ: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ كَمَا قَالَ: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ أَيْ: سَبِّحِي مَعَهُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ أَيْ: عِنْدَ آخَرِ النَّهَارِ وَأَوَّلِهِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ وَهَبَهُ مِنَ الصَّوْتِ الْعَظِيمِ مَا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ إِذَا تَرَنَّمَ بِقِرَاءَةِ كِتَابِهِ، يَقِفُ الطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، يُرَجِّعُ بِتَرْجِيعِهِ وَيُسَبَّحُ بِتَسْبِيحِهِ، وَكَذَلِكَ الْجِبَالُ تُجِيبُهُ، وَتُسَبِّحُ مَعَهُ، كُلَّمَا سَبَّحَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: أُعْطِيَ دَاوُدُ مِنْ حُسْنِ الصَّوْتِ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ قَطُّ ; حَتَّى إِنْ كَانَ الطَّيْرُ وَالْوَحْشُ لَيَعْكُفُ حَوْلَهُ حَتَّى يَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا، وَحَتَّى إِنَّ الْأَنْهَارَ لَتَقِفُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ كَانَ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا حَجَلَ كَهَيْئَةِ الرَّقْصِ، وَكَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ بِصَوْتٍ لَمْ تَسْمَعِ الْآذَانُ بِمِثْلِهِ، فَيَعْكُفُ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالطَّيْرُ وَالدَّوَابُّ عَلَى صَوْتِهِ حَتَّى يَهْلَكَ بَعْضُهَا جُوعًا. وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا أَخَذَ فِي قِرَاءَةِ الزَّبُورِ، تَفَتَّقَتِ الْعَذَارَى. وَهَذَا غَرِيبٌ. وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ سَأَلْتُ عَطَاءً عَنِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْغِنَاءِ  ، فَقَالَ: وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ ؟ سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: كَانَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَأْخُذُ الْمِعْزَفَةَ فَيَضْرِبُ بِهَا، فَيَقْرَأُ عَلَيْهَا، فَتَرُدُّ عَلَيْهِ صَوْتَهُ ; يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَبْكِيَ وَيُبْكِيَ. وَعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَوْتَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ، فَقَالَ لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ وَهَذَا عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدَيِّ، أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ الْبَرْبَطَ وَالْمِزْمَارَ، فَمَا سَمِعْتُ صَوْتًا أَحْسَنَ مِنْ صَوْتِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ. وَقَدْ كَانَ مَعَ هَذَا الصَّوْتِ الرَّخِيمِ، سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ لِكِتَابِهِ الزَّبُورِ، وَعَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقِرَاءَةُ  ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَابَّتِهِ فَتُسْرَجُ فَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُسْرَجَ دَابَّتُهُ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ، وَلَفْظُهُ خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ. وَالْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ هَاهُنَا الزَّبُورُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَوْحَاهُ إِلَيْهِ. وَذِكْرُ دَوَابِّهِ أَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا ; فَإِنَّهُ كَانَ مَلِكًا لَهُ أَتْبَاعٌ، فَكَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ بِمِقْدَارِ مَا تُسْرَجُ الدَّوَابُّ، وَهَذَا أَمْرٌ سَرِيعٌ مَعَ التَّدَبُّرِ وَالتَّرَنُّمِ وَالتَّغَنِّي بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّخَشُّعِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَالزَّبُورُ كِتَابٌ مَشْهُورٌ، وَذَكَرْنَا فِي " التَّفْسِيرِ " الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ أُنْزِلَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَفِيهِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْحِكَمِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ. ملك داود عليه السلام وحكمته وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ [ ص: 20 ]. أَيْ: أَعْطَيْنَاهُ مُلْكًا عَظِيمًا وَحُكْمًا نَافِذًا. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا إِلَى دَاوُدَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي بَقَرٍ، ادَّعَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنَّهُ اغْتَصَبَهَا مِنْهُ، فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَأَرْجَأَ أَمْرَهُمَا إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَ الْمُدَّعِيَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ دَاوُدُ: إِنِ اللَّهَ قَدْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ أَقْتُلَكَ، فَأَنَا قَاتِلُكَ لَا مَحَالَةَ فَمَا خَبَرُكَ فِيمَا ادَّعَيْتَهُ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي لَمُحِقٌّ فِيمَا ادَّعَيْتُ عَلَيْهِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ أَبَاهُ قَبْلَ هَذَا فَقَتَلْتُهُ. فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ فَقُتِلَ ; فَعَظُمَ أَمْرُ دَاوُدَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ جِدًّا، وَخَضَعُوا لَهُ خُضُوعًا عَظِيمًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ، أَيِ النُّبُوَّةَ. وَفَصْلَ الْخِطَابِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَغَيْرُهُمْ وَفَصْلَ الْخِطَابِ الشُّهُودُ وَالْأَيْمَانُ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ: هُوَ إِصَابَةُ الْقَضَاءِ وَفَهْمُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْفَصْلُ فِي الْكَلَامِ وَفِي الْحُكْمِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ قَوْلُ: أَمَّا بَعْدُ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمَّا كَثُرَ الشَّرُّ وَشَهَادَاتُ الزُّورِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أُعْطِيَ دَاوُدُ سِلْسِلَةٌ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، فَكَانَتْ مَمْدُودَةً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ، فَإِذَا تَشَاجَرَ الرَّجُلَانِ فِي حَقٍّ، فَأَيُّهُمَا كَانَ مُحِقًّا نَالَهَا، وَالْآخَرُ لَا يَصِلُ إِلَيْهَا، فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى أَوْدَعَ رَجُلٌ رَجُلًا لُؤْلُؤَةً، فَجَحَدَهَا مِنْهُ، وَاتَّخَذَ عُكَّازًا وَأَوْدَعَهَا فِيهِ، فَلَمَّا حَضَرَا عِنْدَ السِّلْسِلَةِ تَنَاوَلَهَا الْمُدَّعِي، فَلَمَّا قِيلَ لِلْآخَرِ: خُذْهَا بِيَدِكَ. عَمَدَ إِلَى الْعُكَّازِ، فَأَعْطَاهُ الْمُدَّعِي وَفِيهِ تِلْكَ اللُّؤْلُؤَةُ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّلْسِلَةَ فَنَالَهَا، فَأَشْكَلَ أَمْرُهَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، ثُمَّ رُفِعَتْ سَرِيعًا مِنْ بَيْنِهِمْ. ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ. نبأ الخصم قَالَ تَعَالَى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِيُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ ص: 21 - 25 ]. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، هَاهُنَا قِصَصًا وَأَخْبَارًا أَكْثَرُهَا إِسْرَائِيلِيَّاتٌ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْذُوبٌ لَا مَحَالَةَ، تَرَكْنَا إِيرَادَهَا فِي كِتَابِنَا قَصْدًا ; اكْتِفَاءً وَاقْتِصَارًا عَلَى مُجَرَّدِ تِلَاوَةِ الْقِصَّةِ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. سجدة ص وَقَدِ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي سَجْدَةِ " ص " ; هَلْ هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ،  أَوْ إِنَّمَا هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَعَنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ " ص "، فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ ؟ فَقَالَ: أَوَمَا تَقْرَأُ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ [ الْأَنْعَامِ: 84 ] أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ [ الْأَنْعَامِ: 90 ].، فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي السُّجُودِ فِي " ص ": لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ فِي " ص " وَقَالَ سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ " ص "، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ، نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: إِنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ، وَلَكِنْ رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ فَنَزَلَ وَسَجَدَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَأَى رُؤْيَا، أَنَّهُ يَكْتُبُ " ص " فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى الَّتِي يَسْجُدُ بِهَا رَأَى الدَّوَاةَ وَالْقَلَمَ وَكُلَّ شَيْءٍ بِحَضْرَتِهِ انْقَلَبَ سَاجِدًا. قَالَ: فَقَصَّهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْجُدُ بِهَا بَعْدُ. تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَقَرَأْتُ السَّجْدَةَ فَسَجَدْتُ، فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ وَهِيَ سَاجِدَةٌ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَقَرَأَ السَّجْدَةَ ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَهُوَ سَاجِدٌ كَمَا حَكَى الرَّجُلُ عَنْ كَلَامِ الشَّجَرَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَكَثَ سَاجِدًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ. مقام داود عند الله سبحانه وتعالى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ ص: 25 ]. أَيْ: وَإِنَّ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِزُلْفَى، وَهِيَ الْقُرْبَةُ الَّتِي يُقَرِّبُهُ اللَّهُ بِهَا، وَيُدْنِيهِ مِنْ حَظِيرَةِ قُدُسِهِ بِسَبَبِهَا، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: الْمُقْسِطُونَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يُقْسِطُونَ فِي أَهْلِيهِمْ وَحُكْمِهِمْ وَمَا وَلُوا. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا، إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا، إِمَامٌ جَائِرٌ وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: بسنده عن مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ فِي قَوْلِهِ: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ قَالَ: يُقَامُ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا دَاوُدُ مَجِّدْنِي الْيَوْمَ بِذَلِكَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ الرَّخِيمِ، الَّذِي كُنْتَ تُمَجِّدُنِي بِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: وَكَيْفَ وَقَدْ سُلِبْتُهُ ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي أَرُدُّهُ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَيَرْفَعُ دَاوُدُ بِصَوْتٍ يَسْتَفْرِغُ نَعِيمَ أَهْلِ الْجِنَانِ. داود خليفة الله في الأرض وشكر آل داود قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ دَاوُدَ وَالْمُرَادُ: وُلَاةُ الْأُمُورِ وَحُكَّامُ النَّاسِ، وَأَمْرُهُمْ بِالْعَدْلِ وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ الْمُنَزَّلِ  مِنَ اللَّهِ لَا مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ، وَتَوَعُّدُ مَنْ سَلَكَ غَيْرَ ذَلِكَ وَحَكَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هُوَ الْمُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فِي الْعَدْلِ وَكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ لَا تَمْضِي سَاعَةٌ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ إِلَّا وَأَهْلُ بَيْتِهِ فِي عِبَادَةٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ سَبَأٍ: 13 ]. عَنْ أَبِي الْجَلْدِ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي مَسْأَلَةِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ لِي أَنْ أَشْكُرَكَ وَأَنَا لَا أَصِلُ إِلَى شُكْرِكَ إِلَّا بِنِعْمَتِكَ ؟ قَالَ: فَأَتَاهُ الْوَحْيُ: أَنْ يَا دَاوُدُ، أَلَيْسَ تَعَلَمُ أَنَّ الَّذِي بِكَ مِنَ النِّعَمِ مِنِّي ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ. قَالَ: فَإِنِّي أَرْضَى بِذَلِكَ مِنْكَ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ دَاوُدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ كَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزِّ جَلَالِهِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ أَتْعَبْتَ الْحَفَظَةَ يَا دَاوُدَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ " الزُّهْدِ ": أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: إِنَّ فِي حِكْمَةِ آلِ دَاوُدَ: حَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفْضِي فِيهَا إِلَى إِخْوَانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ وَيَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ; فَإِنَّ هَذِهِ السَّاعَةَ عَوْنٌ عَلَى هَذِهِ السَّاعَاتِ، وَإِجْمَامٌ لِلْقُلُوبِ، وَحَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ زَمَانَهُ، وَيَحْفَظَ لِسَانَهُ، وَيُقْبِلَ عَلَى شَأْنِهِ، وَحَقٌّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَظْعَنَ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ: زَادٌ لِمَعَادِهِ، وَمَرَمَّةٌ لِمَعَاشِهِ، وَلَذَّةٌ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ. وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَرْجَمَةِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَلِيحَةً، مِنْهَا قَوْلُهُ: كُنْ لِلْيَتِيمِ كَالْأَبِ الرَّحِيمِ، وَاعْلَمْ أَنَّكَ كَمَا تَزْرَعُ كَذَلِكَ تَحْصُدُ. وَرَوَى بِسَنَدٍ غَرِيبٍ مَرْفُوعًا، قَالَ دَاوُدُ: يَا زَارِعَ السَّيِّئَاتِ، أَنْتَ تَحْصُدُ شَوْكَهَا وَحَسَكَهَا. وَعَنْ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: مَثَلُ الْخَطِيبِ الْأَحْمَقِ فِي نَادِي الْقَوْمِ، كَمَثَلِ الْمُغَنِّي عِنْدَ رَأْسِ الْمَيِّتِ. وَقَالَ أَيْضًا: مَا أَقْبَحَ الْفَقْرَ بَعْدَ الْغِنَى، وَأَقْبَحُ مِنْ ذَلِكَ الضَّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى. وَقَالَ: انْظُرْ مَا تَكْرَهُ أَنْ يُذْكَرَ عَنْكَ فِي نَادِي الْقَوْمِ، فَلَا تَفْعَلْهُ إِذَا خَلَوْتَ. وَقَالَ: لَا تَعِدَنَّ أَخَاكَ بِمَا لَا تُنْجِزُهُ لَهُ. فَإِنَّ ذَلِكَ عَدَاوَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. زوجات داود عليه السلام عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ، قَالَ: قَالَتْ يَهُودُ لَمَّا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الَّذِي لَا يَشْبَعُ مِنَ الطَّعَامِ، وَلَا وَاللَّهِ مَا لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا إِلَى النِّسَاءِ. حَسَدُوهُ لِكَثْرَةِ نِسَائِهِ، وَعَابُوهُ بِذَلِكَ فَقَالُوا: لَوْ كَانَ نَبِيًّا مَا رَغِبَ فِي النِّسَاءِ. وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَسِعَتِهِ عَلَى نَبِيِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَقَالَ: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النِّسَاءِ: 54 ]. يَعْنِي بِالنَّاسِ: رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [ النِّسَاءِ: 54 ]. يَعْنِي مَا آتَى اللَّهُ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، كَانَتْ لَهُ أَلْفُ امْرَأَةٍ: سَبْعُمِائَةٍ مَهِيرَةٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ سُرِّيَّةٌ. وَكَانَتْ لِدَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِائَةُ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ امْرَأَةُ أُورْيَا أَمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، الَّتِي تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْفِتْنَةِ، هَذَا أَكْثَرُ مِمَّا لِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَقَدْ ذَكَرَ الْكَلْبِيُّ نَحْوَ هَذَا، وَأَنَّهُ كَانَ لِدَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِائَةُ امْرَأَةٍ وَلِسُلَيْمَانَ أَلْفُ امْرَأَةٍ، مِنْهُنَّ ثَلَاثُمِائَةٍ سُرِّيَّةٌ. صيام داود عليه السلام وَعَنْ صَدَقَةَ الدِّمَشْقِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصِّيَامِ فَقَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكَ بِحَدِيثٍ كَانَ عِنْدِي فِي التَّخْتِ مَخْزُونًا، إِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِصَوْمِ دَاوُدَ فَإِنَّهُ كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَكَانَ شُجَاعًا لَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفْضَلُ الصِّيَامِ صِيَامُ دَاوُدَ وَكَانَ يَقْرَأُ الزَّبُورَ بِسَبْعِينَ صَوْتًا يُلَوِّنُ فِيهَا، وَكَانَتْ لَهُ رَكْعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ يُبْكِي فِيهَا نَفْسَهُ، وَيَبْكِي بِبُكَائِهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَطْرَبُ بِصَوْتِهِ الْمَهْمُومُ وَالْمَحْمُومُ. وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِصَوْمِ ابْنِهِ سُلَيْمَانَ ; فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمِنْ وَسَطِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَمِنْ آخِرِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، يَسْتَفْتِحُ الشَّهْرَ بِصِيَامٍ وَوَسَطَهُ بِصِيَامٍ وَيَخْتِمُهُ بِصِيَامٍ. وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِصَوْمِ ابْنِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ; فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ وَيَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَيَلْبَسُ الشَّعْرَ، يَأْكُلُ مَا وَجَدَ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا فَقَدَ، لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ يَمُوتُ وَلَا بَيْتٌ يَخْرَبُ، وَكَانَ أَيْنَمَا أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ صَفَنَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَقَامَ يُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ رَامِيًا لَا يَفُوتُهُ صَيْدٌ يُرِيدُهُ، وَكَانَ يَمُرُّ بِمَجَالِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَقْضِي لَهُمْ حَوَائِجَهُمْ. وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِصَوْمِ أُمِّهِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ; فَإِنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمًا وَتُفْطِرُ يَوْمَيْنِ. وَإِنْ شِئْتَ أَنْبَأْتُكَ بِصَوْمِ النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ; فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ. ذِكْرُ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ   قِيلَ: أَصَابَ النَّاسَ فِي زَمَانِ دَاوُدَ طَاعُونٌ جَارِفٌ  ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَرَى الْمَلَائِكَةَ تَعْرُجُ مِنْهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلِهَذَا قَصَدَهُ لِيَدْعُوَ فِيهِ، فَلَمَّا وَقَفَ مَوْضِعَ الصَّخْرَةِ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى فِي كَشْفِ الطَّاعُونِ عَنْهُمْ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَرُفِعَ الطَّاعُونُ، فَاتَّخَذُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مَسْجِدًا، وَكَانَ الشُّرُوعُ فِي بِنَائِهِ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِهِ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَّ بِنَاءَهُ، وَأَوْصَى إِلَى سُلَيْمَانَ بِإِتْمَامِهِ وَقَتْلِ الْقَائِدِ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ إِيشَى بْنَ دَاوُدَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ دَاوُدُ، وَدَفَنَهُ سُلَيْمَانُ، تَقَدَّمَ بِإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، فَقَتَلَ الْقَائِدَ، وَاسْتَتَمَّ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، بَنَاهُ بِالرُّخَامِ، وَزَخْرَفَهُ بِالذَّهَبِ، وَرَصَّعَهُ بِالْجَوَاهِرِ، وَقَوِيَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعِهِ بِالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ، فَلَمَّا فَرَغَ اتَّخَذَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا عَظِيمًا، وَقَرَّبَ قُرْبَانًا، فَتَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَكَانَ ابْتِدَاؤُهُ أَوَّلًا بِبِنَاءِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا ابْتَدَأَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَقَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ فِي صِفَةِ الْبِنَاءِ مِمَّا يُسْتَبْعَدُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ سُلَيْمَانَ هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ بِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ دَاوُدُ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: إِنَّ هَذَا بَيْتٌ مُقَدَّسٌ وَإِنَّكَ قَدْ صَبَغْتَ يَدَكَ فِي الدِّمَاءِ فَلَسْتَ بِبَانِيهِ، وَلَكِنَّ ابْنَكَ سُلَيْمَانَ يَبْنِيهِ لِسَلَامَتِهِ مِنَ الدِّمَاءِ. فَلَمَّا مَلَكَ سُلَيْمَانُ بَنَاهُ.

  268. التاريخ 268لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ كَمِّيَّةِ حَيَّاتِهِ وَكَيْفِيَّةِ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ   قَدْ تَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي خَلْقِ آدَمَ، أَنَّ اللَّهَ لَمَّا اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَى فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَرَأَى فِيهِمْ رَجُلًا يُزْهِرُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ، كَمْ عُمُرُهُ ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا. قَالَ: أَيْ رَبِّ، زِدْ فِي عُمُرِهِ. قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ أَزِيدَهُ مِنْ عُمُرِكَ. وَكَانَ عُمُرُ آدَمَ أَلْفَ عَامٍ فَزَادَهُ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ: بَقِيَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً. وَنَسِيَ آدَمُ مَا كَانَ وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ دَاوُدَ، فَأَتَمَّهَا اللَّهُ لِآدَمَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَلِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَةٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ عُمُرَ دَاوُدَ كَانَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. قُلْتُ: هَذَا غَلَطٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ. قَالُوا: وَكَانَ مُدَّةُ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَهَذَا قَدْ يُقْبَلُ نَقْلُهُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا مَا يُنَافِيهِ وَلَا مَا يَقْتَضِيهِ. وَأَمَّا وَفَاتُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ دَاوُدُ النَّبِيُّ فِيهِ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ إِذَا خَرَجَ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَى أَهْلِهِ أَحَدٌ حَتَّى يَرْجِعَ، قَالَ: فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَغُلِّقَتِ الدَّارُ، فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ تَطَّلِعُ إِلَى الدَّارِ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ، فَقَالَتْ لِمَنْ فِي الْبَيْتِ: مِنْ أَيْنَ دَخَلَ هَذَا الرَّجُلُ وَالدَّارُ مُغْلَقَةٌ ؟ وَاللَّهِ لَتُفْتَضَحُنَّ بِدَاوُدَ. فَجَاءَ دَاوُدُ، فَإِذَا الرَّجُلُ قَائِمٌ وَسَطَ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا الَّذِي لَا أَهَابُ الْمُلُوكَ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنِّي شَيْءٌ، فَقَالَ دَاوُدُ: أَنْتَ وَاللَّهِ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَمَرْحَبًا بِأَمْرِ اللَّهِ. فَرَمَلَ دَاوُدُ مَكَانَهُ حَيْثُ قُبِضَتْ رُوحُهُ، حَتَّى فُرِغَ مِنْ شَأْنِهِ، وَطَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلطَّيْرِ: أَظِلِّي عَلَى دَاوُدَ. فَأَظَلَّتْهُ الطَّيْرُ حَتَّى أَظْلَمَتْ عَلَيْهِمَا الْأَرْضُ، فَقَالَ لَهَا سُلَيْمَانُ: اقْبِضِي جَنَاحًا جَنَاحًا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: يُرِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ فَعَلَتِ الطَّيْرُ. وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ الْمَضْرَحِيَّةُ انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ; رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: وَغَلَبَتْ عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ الْمَضْرَحِيَّةُ ; أَيْ: وَغَلَبَتْ عَلَى التَّظْلِيلِ عَلَيْهِ الْمَضْرَحِيَّةُ، وَهِيَ الصُّقُورُ الطِّوَالُ الْأَجْنِحَةِ، وَاحِدُهَا مَضْرَحِيٌّ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ الصَّقْرُ الطَّوِيلُ الْجَنَاحِ. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَاتَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَجْأَةً، وَكَانَ يَسْبِتُ، وَكَانَتِ الطَّيْرُ تُظِلُّهُ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَوْمَ السَّبْتِ فَجْأَةً. وَعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: مَاتَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وَمَاتَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَجْأَةً. وَقَالَ أَبُو السَّكَنِ الْهَجَرِيُّ: مَاتَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، فَجْأَةً وَدَاوُدُ فَجْأَةً، وَابْنُهُ سُلَيْمَانُ فَجْأَةً، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَرَوَى عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ جَاءَهُ وَهُوَ نَازِلٌ مِنْ مِحْرَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: دَعْنِي أَنْزِلُ أَوْ أَصْعَدُ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ نَفِذَتِ السُّنُونُ وَالشُّهُورُ وَالْآثَارُ وَالْأَرْزَاقُ. قَالَ: فَخَرَّ سَاجِدًا عَلَى مَرْقَاةٍ مِنْ تِلْكَ الْمَرَاقِي، فَقَبَضَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ: أَنْبَأَنَا وَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْفِلَسْطِينِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: إِنِ النَّاسَ حَضَرُوا جِنَازَةَ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَجَلَسُوا فِي الشَّمْسِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ. قَالَ: وَكَانَ قَدْ شَيَّعَ جِنَازَتَهُ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ أَلْفَ رَاهِبٍ، عَلَيْهِمُ الْبَرَانِسُ، سِوَى غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَمُتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ - بَعْدَ مُوسَى وَهَارُونَ - أَحَدٌ كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ جَزَعًا عَلَيْهِ مِنْهُمْ عَلَى دَاوُدَ. قَالَ: فَآذَاهُمُ الْحَرُّ، فَنَادَوْا سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنْ يَعْجَلَ عَلَيْهِمْ لِمَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْحَرِّ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ فَنَادَى الطَّيْرَ فَأَجَابَتْ، فَأَمَرَهَا فَأَظَلَّتِ النَّاسَ. قَالَ: فَتَرَاصَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى اسْتَمْسَكَتِ الرِّيحُ، فَكَادَ النَّاسُ أَنْ يَهْلِكُوا غَمًّا، فَصَاحُوا إِلَى سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنَ الْغَمِّ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ فَنَادَى الطَّيْرَ أَنْ أَظِلِّي النَّاسَ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّمْسِ، وَتَنَحِّي عَنْ نَاحِيَةِ الرِّيحِ. فَفَعَلَتْ، فَكَانَ النَّاسُ فِي ظِلٍّ وَتَهُبُّ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا رَأَوْهُ مِنْ مُلْكِ سُلَيْمَانَ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ قَبَضَ اللَّهُ دَاوُدَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ مَا فُتِنُوا وَلَا بَدَّلُوا وَلَقَدْ مَكَثَ أَصْحَابُ الْمَسِيحِ عَلَى سُنَّتِهِ وَهَدْيِهِ مِائَتَيْ سَنَةٍ.

  269. التاريخ 270لا حكم مسجّل

    قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ إِيشَا بْنِ عُوَيْدِ بْنِ بَاعِزَ بْنِ سَلْمُونَ بْنِ نَحْشُونَ بْنِ عَمِينَاذِبَ بْنِ إِرَمَ بْنِ حَصَرُونَ بْنِ فَارِصَ بْنِ يَهُودَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو الرَّبِيعِ، نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ. جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهُ دَخَلَ دِمَشْقَ. وَكَانَ أَبْيَضَ جَسِيمًا كَثِيرَ الشَّعَرِ يَلْبَسُ الْبَيَاضَ، وَكَانَ أَبُوهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي حَيَاتِهِ وَيَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْلِهِ: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ، الْآيَةَ.

  270. التاريخ 271لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [ النَّمْلِ: 16 ]. أَيْ: وَرِثَهُ فِي النُّبُوَّةِ وَالْمُلْكِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ وِرَاثَةَ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُ بَنُونَ غَيْرُهُ، فَمَا كَانَ لِيُخَصَّ بِالْمَالِ دُونَهُمْ. وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصِّحَاحِ " مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ وَفِي لَفْظٍ: إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ فَأَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تُورَثُ أَمْوَالُهُمْ عَنْهُمْ كَمَا يُورَثُ غَيْرُهُمْ  ، بَلْ تَكُونُ أَمْوَالُهُمْ صَدَقَةً مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، لَا يَخُصُّونَ بِهَا أَقْرِبَاءَهُمْ ; لِأَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ وَأَحْقَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا هِيَ عِنْدَ الَّذِي أَرْسَلَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ وَفَضَّلَهُمْ. وَقِيلَ: لَمَّا تُوُفِّيَ دَاوُدُ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ سُلَيْمَانُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ ابْنَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَآتَاهُ اللَّهُ مَعَ الْمُلْكِ النُّبُوَّةَ، وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَاسْتَجَابَ لَهُ وَسَخَّرَ لَهُ الْإِنْسَ، وَالْجِنَّ، وَالشَّيَاطِينَ، وَالطَّيْرَ، وَالرِّيحَ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى مَجْلِسِهِ عَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ وَقَامَ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ حَتَّى يَجْلِسَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ، وَالْجِنَّ، وَالشَّيَاطِينَ، وَالطَّيْرَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ زَالَ مُلْكُهُ، وَأَعَادَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ.

  271. التاريخ 272لا حكم مسجّل

    وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ يَعْنِي أَنَّهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَعْرِفُ مَا تَتَخَاطَبُ بِهِ الطُّيُورُ بِلُغَاتِهَا، وَيُعَبِّرُ لِلنَّاسِ عَنْ مَقَاصِدِهَا وَإِرَادَاتِهَا. وعَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكٍ، قَالَ: مَرَّ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بِعُصْفُورٍ يَدُورُ حَوْلَ عُصْفُورَةٍ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَتَدْرُونَ مَا يَقُولُ ؟ قَالُوا: وَمَا يَقُولُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ يَخْطُبُهَا إِلَى نَفْسِهِ، وَيَقُولُ: زَوِّجِينِي أُسْكِنْكِ أَيَّ غُرَفِ دِمَشْقَ شِئْتِ. قَالَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لِأَنَّ غُرَفَ دِمَشْقَ مَبْنِيَّةٌ بِالصَّخْرِ، لَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْكُنَهَا أَحَدٌ، وَلَكِنْ كَلُّ خَاطِبٍ كَذَّابٌ. وَكَذَلِكَ مَا عَدَاهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَسَائِرِ صُنُوفِ الْمَخْلُوقَاتِ ; وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا مِنَ الْآيَاتِ: وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَيْ: مِنْ كُلِّ مَا يَحْتَاجُ الْمَلِكُ إِلَيْهِ، مِنَ الْعِدَدِ، وَالْآلَاتِ، وَالْجُنُودِ، وَالْجُيُوشِ، وَالْجَمَاعَاتِ مِنَ الْجِنِّ، وَالْإِنْسِ، وَالطُّيُورِ، وَالْوُحُوشِ، وَالشَّيَاطِينِ السَّارِحَاتِ، وَالْعُلُومِ، وَالْفُهُومِ، وَالتَّعْبِيرِ عَنْ ضَمَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ مِنَ النَّاطِقَاتِ وَالصَّامِتَاتِ.

  272. التاريخ 273لا حكم مسجّل

    ثُمَّ قَالَ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ أَيْ: مِنْ بَارِئِ الْبَرِيَّاتِ وَخَالِقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ [ النَّمْلِ: 17 - 19 ]. يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَنَبِيِّهِ وَابْنِ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، أَنَّهُ رَكِبَ يَوْمًا فِي جَيْشِهِ جَمِيعِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ، فَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَسِيرُونَ مَعَهُ، وَالطَّيْرُ سَائِرَةٌ مَعَهُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا مِنَ الْحَرِّ وَغَيْرِهِ، وَعَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْجُيُوشِ الثَّلَاثَةِ وَزَعَةٌ، أَيْ نُقَبَاءُ يَرُدُّونَ أَوَّلَهُ عَلَى آخِرِهِ، فَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَأَمَرَتْ، وَحَذَّرَتْ، وَاعْتَذَرَتْ عَنْ سُلَيْمَانَ وَجُنُودِهِ بِعَدَمِ الشُّعُورِ. وَقَدْ ذَكَرَ وَهْبٌ أَنَّهُ مَرَّ وَهُوَ عَلَى الْبِسَاطِ بِوَادٍ بِالطَّائِفِ، وَأَنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ كَانَ اسْمُهَا " جَرْسَ " وَكَانَتْ مِنْ قَبِيلَةٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الشَّيْصَبَانِ، وَكَانَتْ عَرْجَاءَ، وَكَانَتْ بِقَدْرِ الذِّئْبِ. وَفِي هَذَا كُلِّهِ نَظَرٌ، بَلْ فِي هَذَا السِّيَاقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي مَوْكِبِهِ رَاكِبًا فِي خُيُولِهِ وَفُرْسَانِهِ، لَا كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهُ كَانَ إِذْ ذَاكَ عَلَى الْبِسَاطِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَنَلِ النَّمْلَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا وَطْءٌ ; لَأَنَّ الْبِسَاطَ كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْجُيُوشِ وَالْخُيُولِ وَالْجِمَالِ وَالْأَثْقَالِ وَالْخِيَامِ وَالْأَنْعَامِ، وَالطَّيْرُ مِنْ فَوْقِ ذَلِكَ كُلِّهِ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ  ، فَهِمَ مَا خَاطَبَتْ بِهِ تِلْكَ النَّمْلَةُ لِأُمَّتِهَا مِنَ الرَّأْيِ السَّدِيدِ وَالْأَمْرِ الْحَمِيدِ، وَتَبَسَّمَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِبْشَارِ وَالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ بِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْجَهَلَةِ، مِنْ أَنَّ الدَّوَابَّ كَانَتْ تَنْطِقُ قَبْلَ سُلَيْمَانَ، وَتُخَاطِبُ النَّاسَ حَتَّى أَخَذَ عَلَيْهِمْ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَهْدَ وَأَلْجَمَهَا، فَلَمْ تَتَكَلَّمْ مَعَ النَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، وَلَوْ كَانَ هَذَا هَكَذَا لَمْ يَكُنْ لِسُلَيْمَانَ فِي فَهْمِ لُغَاتِهَا مَزِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ ; إِذْ قَدْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يَفْهَمُونَ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَخَذَ عَلَيْهَا الْعَهْدَ أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ مَعَ غَيْرِهِ، وَكَانَ هُوَ يَفْهَمُهَا، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا أَيْضًا فَائِدَةٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالَ: رَبِّ أَوْزِعْنِي أَيْ: أَلْهِمْنِي وَأَرْشِدْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُقَيِّضَهُ لِلشُّكْرِ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وَعَلَى مَا خَصَّهُ بِهِ مِنَ الْمَزِيَّةِ عَلَى غَيْرِهِ، وَأَنْ يُيَسِّرَ عَلَيْهِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَأَنْ يَحْشُرَهُ إِذَا تَوَفَّاهُ مَعَ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ. وَالْمُرَادُ بِوَالِدَيْهِ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأُمُّهُ، وَكَانَتْ مِنَ الْعَابِدَاتِ الصَّالِحَاتِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَتْ أَمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ: يَا بُنَيَّ لَا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ; فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَدَعُ الْعَبْدَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: إِنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَسْقُونَ، فَرَأَى نَمْلَةً قَائِمَةً رَافِعَةً إِحْدَى قَوَائِمِهَا تَسْتَسْقِي، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ، إِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فَاسْتُجِيبَ لَهَا. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقُونَ اللَّهَ، فَإِذَا هُمْ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ النَّبِيُّ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ النَّمْلَةِ وَقَالَ السُّدِّيُّ: أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَمَرَ النَّاسَ فَخَرَجُوا، فَإِذَا بِنَمْلَةٍ قَائِمَةٍ عَلَى رِجْلَيْهَا، بَاسِطَةٍ يَدَيْهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ وَلَا غَنَاءَ بِنَا عَنْ فَضْلِكَ. قَالَ: فَصَبَّ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ.

  273. التاريخ 274لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَا جَرَى لَهُ مَعَ بِلْقِيسَ   نسب بلقيس وملكها نَذْكُرُ أَوَّلًا مَا قِيلَ فِي نَسَبِهَا وَمُلْكِهَا، ثُمَّ مَا جَرَى لَهُ مَعَهَا، فَنَقُولُ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْمِ آبَائِهَا، فَقِيلَ: إِنَّهَا هِيَ بِلْقَمَةُ ابْنَةُ لَيْشَرَحَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ سَبَإِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَقِيلَ: هِيَ بِلْقَمَةُ ابْنَةُ هَادَدَ، وَاسْمُهُ لَيْشَرَحَ بْنُ تُبَّعٍ ذِي الْأَذْعَارِ بْنِ تُبَّعٍ ذِي الْمَنَارِ بْنِ تُبَّعٍ الرَّايِشِ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهَا غَيْرُ ذَلِكَ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي التَّبَابِعَةِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَزِيَادَةٍ فِي عَدَدِهِمْ وَنُقْصَانٍ، اخْتِلَافًا لَا يَحْصُلُ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى طَائِلٍ، وَكَذَا أَيْضًا اخْتَلَفُوا فِي نَسَبِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الرُّوَاةِ: إِنَّ أُمَّهَا جِنِّيَّةٌ ابْنَةُ مَلِكِ الْجِنِّ وَاسْمُهَا رَوَاحَةُ بَنَتُ السَّكَنِ. وَقِيلَ: اسْمُ أُمِّهَا يَلْقَمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الْجِنِّيِّ، وَإِنَّمَا نَكَحَ أَبُوهَا إِلَى الْجِنِّ لِأَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِي الْإِنْسِ لِي كُفُوَةٌ، فَخَطَبَ إِلَى الْجِنِّ فَزَوَّجُوهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ وُصُولِهِ إِلَى الْجِنِّ حَتَّى خَطَبَ إِلَيْهِمْ فَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لَهِجًا بِالصَّيْدِ، فَرُبَّمَا اصْطَادَ الْجِنَّ عَلَى صُوَرِ الظِّبَاءِ فَيُخَلِّي عَنْهُنَّ فَظَهَرَ لَهُ مَلَكُ الْجِنِّ وَشَكَرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَاتَّخَذَهُ صَدِيقًا، فَخَطَبَ ابْنَتَهُ، فَأَنْكَحَهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ سَاحِلَ الْبَحْرِ مَا بَيْنَ يَبْرِينَ إِلَى عَدَنَ، وَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا خَرَجَ يَوْمًا مُتَصَيِّدًا فَرَأَى حَيَّتَيْنِ تَقْتَتِلَانِ بَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَقَدْ ظَهَرَتِ السَّوْدَاءُ عَلَى الْبَيْضَاءِ فَأَمَرَ بِقَتْلِ السَّوْدَاءِ، وَحَمَلَ الْبَيْضَاءَ وَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَأَفَاقَتْ، فَأَطْلَقَهَا وَعَادَ إِلَى دَارِهِ وَجَلَسَ مُنْفَرِدًا، وَإِذَا مَعَهُ شَابٌّ جَمِيلٌ، فَذُعِرَ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: لَا تَخَفْ أَنَا الْحَيَّةُ الَّتِي أَنْجَيْتَنِي، وَالْأَسْوَدُ الَّذِي قَتَلْتَهُ غُلَامٌ لَنَا تَمَرَّدَ عَلَيْنَا وَقَتَلَ عِدَّةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمَالَ وَعِلْمَ الطِّبِّ، فَقَالَ: أَمَّا الْمَالُ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهِ، وَأَمَّا الطِّبُّ فَهُوَ قَبِيحٌ بِالْمَلِكِ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ لَكَ بِنْتٌ فَزَوِّجْنِيهَا، فَزَوَّجَهُ عَلَى شَرْطِ أَنْ لَا يُغَيِّرَ عَلَيْهَا شَيْئًا تَعْمَلُهُ وَمَتَى غَيَّرَ عَلَيْهَا فَارَقَتْهُ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ لَهُ غُلَامًا فَأَلْقَتْهُ فِي النَّارِ فَجَزَعَ لِذَلِكَ وَسَكَتَ لِلشَّرْطِ، ثُمَّ حَمَلَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ جَارِيَةً فَأَلْقَتْهَا إِلَى كَلْبَةٍ فَأَخَذَتْهَا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَصَبَرَ لِلشَّرْطِ، ثُمَّ إِنَّهُ عَصَى عَلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَجَمَعَ عَسْكَرَهُ فَسَارَ إِلَيْهِ لِيُقَاتِلَهُ وَهِيَ مَعَهُ، فَانْتَهَى إِلَى مَفَازَةٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطَهَا رَأَى جَمِيعَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الزَّادِ يُخْلَطُ بِالتُّرَابِ، وَإِذَا الْمَاءُ يُصَبُّ مِنَ الْقِرَبِ وَالْمَزَاوِدِ. فَأَيْقَنُوا بِالْهَلَاكِ وَعَلِمُوا أَنَّهُ مِنْ فِعَالِ الْجِنِّ عَنْ أَمْرِ زَوْجَتِهِ فَضَاقَ ذَرْعًا عَنْ حَمْلِ ذَلِكَ، فَأَتَاهَا وَجَلَسَ وَأَوْمَأَ إِلَى الْأَرْضِ وَقَالَ: يَا أَرْضُ، صَبَرْتُ لَكِ عَلَى إِحْرَاقِ ابْنِي وَإِطْعَامِ الْكَلْبَةِ ابْنَتِي، ثُمَّ أَنْتِ الْآنَ قَدْ فَجَعْتِنَا بِالزَّادِ وَالْمَاءِ وَقَدْ أَشْرَفْنَا عَلَى الْهَلَاكِ ! فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَوْ صَبَرْتَ لَكَانَ خَيْرًا لَكَ، وَسَأُخْبِرُكَ: إِنَّ عَدُوَّكَ خَدَعَ وَزِيرَكَ فَجَعَلَ السُّمَّ فِي الْأَزْوَادِ وَالْمِيَاهِ لِيَقْتُلَكَ وَأَصْحَابَكَ، فَمُرْ وَزِيرَكَ لِيَشْرَبَ مِنَ الْمَاءِ وَيَأْكُلَ مِنَ الزَّادِ، فَأَمَرَهُ فَامْتَنَعَ، فَقَتَلَهُ، وَدَلَّتْهُمْ عَلَى الْمَاءِ وَالْمِيرَةِ مِنْ قَرِيبٍ وَقَالَتْ: أَمَّا ابْنُكَ فَدَفَعْتُهُ إِلَى حَاضِنَةٍ تُرَبِّيهِ وَقَدْ مَاتَ، وَأَمَّا ابْنَتُكَ فَهِيَ بَاقِيَةٌ، وَإِذَا بِجُوَيْرِيَةٍ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْأَرْضِ، وَهِيَ بِلْقِيسُ، وَفَارَقَتْهُ امْرَأَتُهُ وَسَارَ إِلَى عَدُوِّهِ فَظَفِرَ بِهِ. وَقِيلَ فِي سَبَبِ نِكَاحِهِ إِلَيْهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْجَمِيعُ حَدِيثُ خُرَافَةٍ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَا حَقِيقَةَ. وَأَمَّا مُلْكُهَا الْيَمَنَ فَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا فَوَّضَ إِلَيْهَا الْمُلْكَ فَمَلَكَتْ بَعْدَهُ، وَقِيلَ: بَلْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ بِالْمُلْكِ لِأَحَدٍ فَأَقَامَ النَّاسُ ابْنَ أَخٍ لَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا فَاسِقًا لَا يَبْلُغُهُ عَنْ بِنْتِ قَيْلٍ وَلَا مَلِكٍ ذَاتِ جَمَالٍ إِلَّا أَحْضَرَهَا وَفَضَحَهَا، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بِلْقِيسَ بِنْتِ عَمِّهِ، فَأَرَادَ ذَلِكَ مِنْهَا فَوَعَدَتْهُ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهَا إِلَى قَصْرِهَا وَأَعَدَّتْ لَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَقَارِبِهَا وَأَمَرَتْهُمَا بِقَتْلِهِ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا وَانْفَرَدَ بِهَا، فَلَمَّا دَخَلَ إِلَيْهَا وَثَبَا عَلَيْهِ فَقَتَلَاهُ. فَلَمَّا قُتِلَ أَحْضَرَتْ وُزَرَاءَهُ فَقَرَّعَتْهُمْ، فَقَالَتْ: أَمَا كَانَ فِيكُمْ مَنْ يَأْنَفُ لِكَرِيمَتِهِ، وَكَرَائِمِ عَشِيرَتِهِ ! ثُمَّ أَرَتْهُمْ إِيَّاهُ قَتِيلًا، وَقَالَتِ: اخْتَارُوا رَجُلًا تُمَلِّكُونَهُ. فَقَالُوا: لَا نَرْضَى بِغَيْرِكِ، فَمَلَّكُوهَا. وَقِيلَ: إِنَّ أَبَاهَا لَمْ يَكُنْ مَلِكًا، وَإِنَّمَا كَانَ وَزِيرَ الْمَلِكِ، وَكَانَ الْمَلِكُ خَبِيثًا، قَبِيحَ السِّيرَةِ يَأْخُذُ بَنَاتِ الْأَقْيَالِ، وَالْأَعْيَانِ، وَالْأَشْرَافِ، وَإِنَّهَا قَتَلَتْهُ، فَمَلَّكَهَا النَّاسُ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ أَيْضًا عَظَّمُوا مُلْكَهَا وَكَثْرَةِ جُنْدِهَا فَقِيلَ: كَانَ تَحْتَ يَدِهَا أَرْبَعُمِائَةِ مَلِكٍ، كُلُّ مَلِكٍ مِنْهُمْ عَلَى كُورَةٍ، مَعَ كُلِّ مَلِكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَكَانَ لَهَا ثَلَاثُمِائَةِ وَزِيرٍ يَتَدَبَّرُونَ مُلْكَهَا، وَكَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ قَائِدًا يَقُودُ كُلُّ قَائِدٍ مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ. وَبَالَغَ آخَرُونَ مُبَالَغَةً تَدُلُّ عَلَى سُخْفِ عُقُولِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، قَالُوا: كَانَ لَهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ قَيْلٍ، تَحْتَ يَدِ كُلِّ قَيْلٍ مِائَةُ أَلْفٍ مُقَاتِلٍ، مَعَ كُلِّ مُقَاتِلٍ سَبْعُونَ أَلْفَ جَيْشٍ، فِي كُلِّ جَيْشٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مُبَارِزٍ، لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا أَبْنَاءُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ رَاوِي هَذَا الْكَذِبِ الْفَاحِشِ عَرَفَ الْحِسَابَ حَتَّى يَعْلَمَ مِقْدَارَ جَهْلِهِ، وَلَوْ عَرَفَ مَبْلَغَ الْعَدَدِ لَأَقْصَرَ عَنْ إِقْدَامِهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ السَّخِيفِ، فَإِنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ لَا يَبْلُغُونَ جَمِيعُهُمْ، شَبَابُهُمْ وَشُيُوخُهُمْ، وَصِبْيَانُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ هَذَا الْعَدَدَ، فَكَيْفَ أَنْ يَكُونُوا أَبْنَاءَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ! فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَمْ يَكُونُ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ مِنْ أَسْنَانِهِمْ، وَكَمْ تَكُونُ الرَّعِيَّةُ وَأَرْبَابُ الْحِرَفِ وَالْفِلَاحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْجُنْدُ بَعْضُ أَهْلِ الْبِلَادِ، وَإِنْ كَانَ الْحَاصِلُ مِنَ الْيَمَنِ قَدْ قَلَّ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّ رُقْعَةَ أَرْضِهِ لَمْ تَصْغُرْ، وَهِيَ لَا تَسَعُ هَذَا الْعَدَدَ قِيَامًا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى جَانِبِ الْآخَرِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا: أَنْفَقَتْ عَلَى كُوَّةِ بَيْتِهَا الَّتِي تَدْخُلُ الشَّمْسُ مِنْهَا فَتَسْجُدُ لَهَا ثَلَاثَمِائَةِ أَلْفِ أُوقِيَّةٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَقَالُوا غَيْرَ ذَلِكَ، وَذَكَرُوا مِنْ أَمْرِ عَرْشِهَا مَا يُنَاسِبُ كَثْرَةَ جَيْشِهَا، فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ. وَقَدْ تَوَاطَئُوا عَلَى الْكَذِبِ وَالتَّلَاعُبِ بِعُقُولِ الْجُهَّالِ وَاسْتَهَانُوا بِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ اسْتِجْهَالِ الْعُقَلَاءِ لَهُمْ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا عَلَى قُبْحِهِ لِيَقِفَ بَعْضُ مَنْ كَانَ يُصَدِّقُ بِهِ عَلَيْهِ فَيَنْتَهِيَ إِلَى الْحَقِّ. عمل الهدهد وغيابه عن سليمان عليه السلام وَأَمَّا سَبَبُ مَجِيئِهَا إِلَى سُلَيْمَانَ وَإِسْلَامِهَا فَإِنَّهُ طَلَبَ الْهُدْهُدَ فَلَمْ يَرَهُ، وَإِنَّمَا طَلَبَهُ لِأَنَّ الْهُدْهُدَ يَرَى الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ فَيَعْلَمُ هَلْ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ مَاءٌ أَمْ لَا، وَهَلْ هُوَ قَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ، فَبَيْنَمَا سُلَيْمَانُ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ احْتَاجَ إِلَى الْمَاءِ فَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مِمَّنْ مَعَهُ بُعْدَهُ، فَطَلَبَ الْهُدْهُدَ لِيَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَهُ. وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَتِ الشَّمْسُ إِلَى سُلَيْمَانَ، فَنَظَرَ لِيَرَى مِنْ أَيْنَ نَزَلَتْ لِأَنَّ الطَّيْرَ كَانَتْ تُظِلُّهُ، فَرَأَى مَوْضِعَ الْهُدْهُدِ فَارِغًا، فَقَالَ: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. وَكَانَ الْهُدْهُدُ قَدْ مَرَّ عَلَى قَصْرِ بِلْقِيسَ فَرَأَى بُسْتَانًا لَهَا خَلْفَ قَصْرِهَا، فَمَالَ إِلَى الْخُضْرَةِ، فَرَأَى فِيهِ هُدْهُدًا فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَا تَصْنَعُ هَهُنَا ؟ فَقَالَ لَهُ: وَمَنْ سُلَيْمَانُ ؟ فَذَكَرَ لَهُ حَالَهُ وَمَا سُخِّرَ لَهُ مِنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ، فَعَجِبَ مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ هُدْهُدُ سُلَيْمَانَ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَثْرَةَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. وَجَعَلُوا الشُّكْرَ لِلَّهِ أَنْ سَجَدُوا لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِهِ، وَكَانَ عَرْشُهَا سَرِيرًا مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلٌ بِالْجَوَاهِرِ النَّفِيسَةِ مِنَ الْيَوَاقِيتِ وَالزَّبَرْجَدِ وَاللُّؤْلُؤِ. كتاب سليمان عليه السلام إلى بلقيس ثُمَّ إِنَّ الْهُدْهُدَ عَادَ إِلَى سُلَيْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ فِي تَأْخِيرِهِ، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهَا، فَوَافَاهَا وَهِيَ فِي قَصْرِهَا فَأَلْقَاهُ فِي حِجْرِهَا، فَأَخَذَتْهُ وَقَرَأَتْهُ، وَأَحْضَرَتْ قَوْمَهَا وَقَالَتْ: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ.... مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ. إرسال بلقيس هدية إلى سليمان عليه السلام قَالَتْ وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَإِنْ قَبِلَهَا فَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَنَحْنُ أَعَزُّ مِنْهُ وَأَقْوَى، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهَا فَهُوَ نَبِيٌّ مِنَ اللَّهِ. فَلَمَّا جَاءَتِ الْهَدِيَّةُ إِلَى سُلَيْمَانَ قَالَ لِلرُّسُلِ: أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ - إِلَى قَوْلِهِ -: وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَلَمَّا رَجَعَ الرُّسُلُ إِلَيْهَا سَارَتْ إِلَيْهِ وَأَخَذَتْ مَعَهَا الْأَقْيَالَ مِنْ قَوْمِهَا، وَهُمُ الْقُوَّادُ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ. عرش بلقيس فَلَمَّا قَارَبَتْهُ وَصَارَتْ مِنْهُ عَلَى نَحْوِ فَرْسَخٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ، يَعْنِي قَبْلَ أَنْ تَقُومَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَقْصِدُ فِيهِ بَيْتَكَ لِلْغَدَاءِ. قَالَ سُلَيْمَانُ: أُرِيدُ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ. فَـ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ - وَهُوَ آصَفُ بْنُ بَرْخِيَا، وَكَانَ يَعْرِفُ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ - أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، وَقَالَ لَهُ انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَأَدِمِ النَّظَرَ فَلَا تَرُدَّ طَرْفَكَ حَتَّى أُحْضِرَهُ عِنْدَكَ. وَسَجَدَ وَدَعَا، فَرَأَى سُلَيْمَانُ الْعَرْشَ قَدْ نَبَعَ مِنْ تَحْتِ سَرِيرِهِ، فَقَالَ: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ إِذْ أَتَانِي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيَّ طَرْفِي أَمْ أَكْفُرُ إِذْ جَعَلَ تَحْتَ يَدِي مَنْ هُوَ أَقْدَرُ مِنِّي عَلَى إِحْضَارِهِ. فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ: أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَلَقَدْ تَرَكْتُهُ فِي حُصُونٍ وَعِنْدَهُ جُنُودٌ تَحْفَظُهُ فَكَيْفَ جَاءَ إِلَى هَهُنَا ؟ بناء صرح تدخل منه بلقيس فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلشَّيَاطِينِ: ابْنُوا لِي صَرْحًا تَدْخُلُ عَلَيَّ فِيهِ بِلْقِيسُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ سُخِّرَ لَهُ مَا سُخِّرَ وَبِلْقِيسُ مَلِكَةُ سَبَإٍ يَنْكِحُهَا فَتَلِدُ غُلَامًا فَلَا نَنْفَكُّ مِنَ الْعُبُودِيَّةِ أَبَدًا، وَكَانَتِ امْرَأَةً شَعْرَاءَ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ لِلشَّيَاطِينِ: ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا يُرَى ذَلِكَ مِنْهَا فَلَا يَتَزَوَّجُهَا، فَبَنَوْا لَهُ صَرْحًا مِنْ قَوَارِيرَ خُضْرٍ وَجَعَلُوا لَهُ طَوَابِيقَ مِنْ قَوَارِيرَ بِيضٍ، فَبَقِيَ كَأَنَّهُ الْمَاءُ، وَجَعَلُوا تَحْتَ الطَّوَابِيقِ صُوَرَ دَوَابِّ الْبَحْرِ مِنَ السَّمَكِ وَغَيْرِهِ، وَقَعَدَ سُلَيْمَانُ عَلَى كُرْسِيٍّ، ثُمَّ أَمَرَ فَأُدْخِلَتْ بِلْقِيسُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَدْخُلَهُ وَرَأَتْ صُوَرَ السَّمَكِ وَدَوَابَّ الْمَاءِ حَسِبَتْهُ لُجَّةَ مَاءٍ فَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا لِتَدْخُلَ، فَلَمَّا رَآهَا سُلَيْمَانُ صَرَفَ نَظَرَهُ عَنْهَا وَقَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أول ما عملت النورة فَاسْتَشَارَ سُلَيْمَانُ فِي شَيْءٍ يُزِيلُ الشَّعَرَ وَلَا يَضُرُّ الْجَسَدَ، فَعَمِلَ لَهُ الشَّيَاطِينُ النُّورَةَ، فَهِيَ أَوَّلُ مَا عَمِلَتِ النُّورَةَ. زواج سليمان عليه السلام من بلقيس وَنَكَحَهَا سُلَيْمَانُ وَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا وَرَدَّهَا إِلَى مُلْكِهَا بِالْيَمَنِ، فَكَانَ يَزُورُهَا كُلَّ شَهْرٍ مَرَّةً يُقِيمُ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَنْكِحَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهَا فَامْتَنَعَتْ وَأَنِفَتْ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يَكُونُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا ذَلِكَ. فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَزَوِّجْنِي ذَا تُبَّعٍ مَلِكَ هَمْدَانَ، فَزَوَّجَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى الْيَمَنِ، وَسَلَّطَ زَوْجَهَا ذَا تُبَّعٍ عَلَى الْمُلْكِ، وَأَمَرَ الْجِنَّ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ بِطَاعَتِهِ، فَاسْتَعْمَلَهُمْ ذُو تُبَّعٍ، فَعَمِلُوا لَهُ عِدَّةَ حُصُونٍ بِالْيَمَنِ، مِنْهَا سَلَحِينُ، وَمَرَاوِحُ، وَفِلْيُونُ، وَهُنَيْدَةُ، وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ لَمْ يُطِيعُوا ذَا تُبَّعٍ وَانْقَضَى مُلْكُ ذِي تُبَّعٍ، وَمُلْكُ بِلْقِيسَ مَعَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ. وفاة بلقيس وَقِيلَ: إِنَّ بِلْقِيسَ مَاتَتْ قَبْلَ سُلَيْمَانَ بِالشَّامِ وَإِنَّهُ دَفَنَهَا بِتَدْمُرَ، وَأَخْفَى قَبْرَهَا.

  274. التاريخ 275لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ غَزْوَتِهِ أَبَا زَوْجَتِهِ جَرَادَةَ وَنِكَاحِهَا، وَعِبَادَةِ الصَّنَمِ فِي دَارِهِ، وَأَخْذِ خَاتَمِهِ، وَعَوْدِهِ إِلَيْهِ   قِيلَ: سَمِعَ سُلَيْمَانُ بِمَلِكٍ فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ وَشِدَّةِ مُلْكِهِ، وَعِظَمِ شَأْنِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ إِلَيْهِ سَبِيلٌ، فَخَرَجَ سُلَيْمَانُ إِلَى تِلْكَ الْجَزِيرَةِ وَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى نَزَلَ بِجُنُودِهِ بِهَا فَقَتَلَ مَلِكَهَا وَغَنِمَ مَا فِيهَا وَغَنِمَ بِنْتًا لِلْمَلِكِ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا حُسْنًا وَجَمَالًا فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَدَعَاهَا لِلْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَتْ عَلَى قِلَّةِ رَغْبَةٍ فِيهِ، وَأَحَبَّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَكَانَتْ لَا يَذْهَبُ حُزْنُهَا وَلَا تَزَالُ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: وَيْحَكِ مَا هَذَا الْحُزْنُ، وَالدَّمْعُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ ؟ قَالَتْ: إِنِّي أَذْكُرُ أَبِي وَمُلْكَهُ وَمَا أَصَابَهُ فَيُحْزِنُنِي ذَلِكَ. قَالَ: فَقَدْ أَبْدَلَكِ اللَّهُ مُلْكًا خَيْرًا مِنْ مُلْكِهِ وَهَدَاكِ إِلَى الْإِسْلَامِ. قَالَتْ: إِنَّهُ كَذَلِكَ وَلَكِنِّي إِذَا ذَكَرْتُهُ أَصَابَنِي مَا تَرَى، فَلَوْ أَمَرْتَ الشَّيَاطِينَ فَصَوَّرُوا صُورَتَهُ فِي دَارِي أَرَاهَا بِكُرَةً وَعَشِيَّةً لَرَجَوْتُ أَنْ يُذْهِبَ ذَلِكَ حُزْنِي. فَأَمَرَ الشَّيَاطِينَ فَعَمِلُوا لَهَا مِثْلَ صُورَتِهِ لَا تُنْكِرُ مِنْهَا شَيْئًا، وَأَلْبَسَتْهَا ثِيَابًا مِثْلَ ثِيَابِ أَبِيهَا. عبادة الصنم في دار سليمان عليه السلام وَكَانَتْ إِذَا خَرَجَ سُلَيْمَانُ مِنْ دَارِهَا تَغْدُو عَلَيْهِ فِي جَوَارِيهَا فَتَسْجُدُ لَهُ وَيَسْجُدْنَ مَعَهَا، وَتَرُوحُ عَشِيَّةً وَيَرُحْنَ، فَتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا يَعْلَمُ سُلَيْمَانُ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا. وَبَلَغَ الْخَبَرُ آصَفَ بْنَ بَرْخِيَّا، وَكَانَ صَدِيقًا، وَكَانَ لَا يَرِدُ مِنْ مَنَازِلِ سُلَيْمَانَ أَيَّ وَقْتٍ أَرَادَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ سَوَاءٌ كَانَ سُلَيْمَانُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا. فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ كَبِرَ سِنِّي وَدَقَّ عَظْمِي، وَقَدْ حَانَ مِنِّي ذَهَابُ عُمُرِي وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَقُومَ مَقَامًا أَذْكُرُ فِيهِ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَأُثْنِي عَلَيْهِمْ بِعِلْمِي فِيهِمْ، وَأُعَلِّمُ النَّاسَ بَعْضَ مَا يَجْهَلُونَ. قَالَ: افْعَلْ. فَجَمَعَ لَهُ سُلَيْمَانُ النَّاسَ، فَقَامَ آصَفُ خَطِيبًا فِيهِمْ فَذَكَرَ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: مَا كَانَ أَحْلَمَكَ فِي صِغَرِكَ، وَأَبْعَدَكَ مِنْ كُلِّ مَا يُكْرَهُ فِي صِغَرِكَ. ثُمَّ انْصَرَفَ. فَمُلِئَ سُلَيْمَانُ غَضَبًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا آصَفُ لَمَّا ذَكَرْتَنِي جَعَلْتَ تُثْنِي عَلَيَّ فِي صِغَرِي وَسَكَتَّ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ، فَمَا الَّذِي أَحْدَثْتُ فِي آخِرِ أَمْرِي ؟ قَالَ: إِنَّ غَيْرَ اللَّهِ لَيُعْبَدُ فِي دَارِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي هَوَى امْرَأَةٍ. قَالَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ مَا قُلْتُ إِلَّا عَنْ شَيْءٍ بَلَغَكَ، وَدَخَلَ دَارَهُ وَكَسَرَ الصَّنَمَ وَعَاقَبَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ وَجَوَارِيَهَا. ثُمَّ أَمَرَ بِثِيَابِ الطَّهَارَةِ فَأُتِيَ بِهَا، وَهِيَ ثِيَابٌ تَغْزِلُهَا الْأَبْكَارُ اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَلَمْ تَمَسَّهَا امْرَأَةٌ ذَاتُ دَمٍ، فَلَبِسَهَا وَخَرَجَ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَفَرَشَ الرَّمَادَ، ثُمَّ أَقْبَلَ تَائِبًا إِلَى اللَّهِ وَتَمَعَّكَ فِي الرَّمَادِ بِثِيَابِهِ تَذَلُّلًا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَضَرُّعًا، وَبَكَى وَاسْتَغْفَرَ يَوْمَهُ ذَلِكَ ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِهِ. وَكَانَتْ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ لَا يَثِقُ إِلَّا بِهَا يُسَلِّمُ خَاتَمَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَ لَا يَنْزِعُهُ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ، وَإِذَا أَرَادَ يُصِيبُ امْرَأَةً فَيُسَلِّمُهُ إِلَيْهَا حَتَّى يَتَطَهَّرَ. أخذ خاتم سليمان عليه السلام وَكَانَ مُلْكُهُ فِي خَاتَمِهِ، فَدَخَلَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَيَّامِ الْخَلَاءَ وَسَلَّمَ خَاتَمَهُ إِلَيْهَا، فَأَتَاهَا شَيْطَانٌ اسْمُهُ صَخْرٌ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ فَأَخَذَ الْخَاتَمَ وَخَرَجَ إِلَى كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ فِي صُورَةِ سُلَيْمَانَ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ. وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالَتُهُ وَهَيْئَتُهُ، فَقَالَ: خَاتَمِي ! قَالَتْ: وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ. قَالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ بِسُلَيْمَانَ ! قَدْ جَاءَ سُلَيْمَانُ وَأَخَذَ خَاتَمَهُ مِنِّي وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ ! فَعَرَفَ سُلَيْمَانُ خَطِيئَتَهُ فَخَرَجَ وَجَعَلَ يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنَا سُلَيْمَانُ، فَيَحْثُونَ عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَصَدَ الْبَحْرَ وَجَعَلَ يَنْقُلُ سَمَكَ الصَّيَّادِينَ وَيُعْطُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَمَكَتَيْنِ يَبِيعُ إِحْدَاهُمَا بِخُبْزٍ وَيَأْكُلُ الْأُخْرَى، فَبَقِيَ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. ثُمَّ إِنَّ آصَفَ وَعُظَمَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْكَرُوا حُكْمَ الشَّيْطَانِ الْمُشْتَبَهِ بِسُلَيْمَانَ، فَقَالَ آصَفُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَلْ رَأَيْتُمْ مِنَ اخْتِلَافِ حُكْمِ سُلَيْمَانَ مَا رَأَيْتُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَمْهِلُونِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ وَأَسْأَلَهُنَّ هَلْ أَنْكَرْنَ مَا أَنْكَرْنَا مِنْهُ. فَدَخَلَ عَلَيْهِنَّ وَسَأَلَهُنَّ، فَذَكَرْنَ أَشَدَّ مِمَّا عِنْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. استرداد سليمان عليه السلام لخاتمه ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَخْبَرَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى الشَّيْطَانُ أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا بِهِ طَارَ مِنْ مَجْلِسِهِ فَمَرَّ بِالْبَحْرِ فَأَلْقَى الْخَاتَمَ فِيهِ، فَبَلَعَتْهُ سَمَكَةٌ، وَاصْطَادَهَا صَيَّادٌ، وَحَمَلَ لَهُ سُلَيْمَانُ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ سَمَكَتَيْنِ، تِلْكَ السَّمَكَةُ إِحْدَاهُمَا. فَأَخَذَهَا فَشَقَّهَا لِيُصْلِحَهَا، وَيَأْكُلَهَا فَرَأَى خَاتَمَهُ فِي جَوْفِهَا، فَأَخَذَهُ وَجَعَلَهُ فِي إِصْبُعِهِ وَخَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَعَكَفَتْ عَلَيْهِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالطَّيْرُ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّاسُ وَرَجَعَ إِلَى مُلْكِهِ، وَأَظْهَرَ التَّوْبَةَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَبَثَّ الشَّيَاطِينَ فِي إِحْضَارِ صَخْرٍ الَّذِي أَخَذَ الْخَاتَمَ، فَأَحْضَرُوهُ، فَثَقَبَ لَهُ صَخْرَةً، وَجَعَلَهُ فِيهَا وَسَدَّ النَّقَبَ بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ، وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ. وَكَانَ مُقَامُهُ فِي الْمُلْكِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، بِمِقْدَارِ عِبَادَةِ الصَّنَمِ فِي دَارِ سُلَيْمَانَ. وَقِيلَ: كَانَ السَّبَبُ فِي ذَهَابِ مُلْكِهِ أَنَّ امْرَأَةً لَهُ كَانَتْ أَبَرَّ نِسَائِهِ عِنْدَهُ تُسَمَّى جَرَادَةَ وَلَا يَأْتَمِنُ عَلَى خَاتَمِهِ سِوَاهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَخِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ فُلَانٍ حُكُومَةٌ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَقْضِيَ لَهُ. فَقَالَ: أَفْعَلُ، وَلَمْ يَفْعَلْ، فَابْتُلِيَ، وَأَعْطَاهَا خَاتَمَهُ، وَدَخَلَ الْخَلَاءَ، فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فَأَخَذَهُ، وَخَرَجَ سُلَيْمَانُ بَعْدَهُ فَطَلَبَ الْخَاتَمَ، فَقَالَتْ: أَلَمْ تَأْخُذْهُ ؟ قَالَ: لَا، وَخَرَجَ مِنْ مَكَانِهِ تَائِهًا وَبَقِيَ الشَّيْطَانُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، فَفَطِنُوا لَهُ وَأَحْدَقُوا بِهِ وَنَشَرُوا التَّوْرَاةَ فَقَرَءُوهَا، فَطَارَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، وَأَلْقَى الْخَاتَمَ فِي الْبَحْرِ، فَابْتَلَعَهُ حُوتٌ، ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَانَ قَصَدَ صَيَّادًا وَهُوَ جَائِعٌ فَاسْتَطْعَمَهُ، وَقَالَ: أَنَا سُلَيْمَانُ، فَكَذَّبَهُ، وَضَرَبَهُ فَشَجَّهُ، فَجَعَلَ يَغْسِلُ الدَّمَ، فَلَامَ الصَّيَّادُونَ صَاحِبَهُمْ، وَأَعْطَوْهُ سَمَكَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا الَّتِي ابْتَلَعَتِ الْخَاتَمَ، فَشَقَّ بَطْنَهَا، وَأَخَذَ الْخَاتَمَ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ مُلْكَهُ، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَا أَحْمَدُكُمْ عَلَى عُذْرِكُمْ وَلَا أَلُومُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْكُمْ. وَسَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الْجِنَّ وَالشَّيَاطِينَ وَالرِّيحَ، وَلَمْ يَكُنْ سَخَّرَهَا لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ. وَقِيلَ فِي سَبَبِ زَوَالِ مُلْكِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  275. التاريخ 276لا حكم مسجّل

    وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " ص ": وَوَهَبَنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ [ ص: 30 - 40 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ وَهَبَ لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَقَالَ: نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ أَيْ: رَجَّاعٌ مُطِيعٌ لِلَّهِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي الْخَيْلِ الصَّافِنَاتِ - وَهِيَ الَّتِي تَقِفُ عَلَى ثَلَاثٍ وَطَرَفِ حَافِرِ الرَّابِعَةِ - الْجِيَادِ ; وَهِيَ الْمُضَمَّرَةُ السِّرَاعُ: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ يَعْنِي الشَّمْسَ. وَقِيلَ: الْخَيْلُ. عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ. رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ قِيلَ: مَسَحَ عَرَاقِيبَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسُّيُوفِ. وَقِيلَ: مَسَحَ عَنْهَا الْعَرَقَ لَمَّا أَجْرَاهَا وَسَابَقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ يَدَيْهِ، عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ. وَالَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّلَفِ الْأَوَّلُ ; فَقَالُوا اشْتَغَلَ بِعَرْضِ تِلْكَ الْخُيُولِ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ. رُوِيَ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَغَيْرِهِ. وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ، أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكِ الصَّلَاةَ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ كَانَ سَائِغًا فِي شَرِيعَتِهِمْ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ أَسْبَابِ الْجِهَادِ، وَعَرْضُ الْخَيْلِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدِ ادَّعَى طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَأْخِيرِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَنَّ هَذَا كَانَ مَشْرُوعًا إِذْ ذَاكَ، حَتَّى نُسِخَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ. قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ مَكْحُولٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: بَلْ هُوَ حُكْمٌ مُحْكَمٌ إِلَى الْيَوْمِ، أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرِ الْقِتَالِ الشَّدِيدِ. كَمَا ذَكَرْنَا تَقْرِيرَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " النِّسَاءِ " عِنْدَ صَلَاةِ الْخَوْفِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ تَأْخِيرُ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ نِسْيَانًا. وَعَلَى هَذَا فَيُحْمَلُ فِعْلُ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى هَذَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ عَائِدٌ عَلَى الْخَيْلِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ وَقْتُ صَلَاةٍ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ يَعْنِي: مَسَحَ الْعَرَقَ عَنْ عَرَاقِيبِهَا وَأَعْنَاقِهَا. فَهَذَا الْقَوْلُ اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَرَوَاهُ الْوَالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَسْحِ الْعَرَقِ. وَوَجَّهَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ ; بِأَنَّهُ مَا كَانَ لِيُعَذِّبَ الْحَيَوَانَ بِالْعَرْقَبَةِ، وَيُهْلِكَ مَالًا بِلَا سَبَبٍ وَلَا ذَنْبٍ لَهَا. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ هَذَا سَائِغًا فِي مِلَّتِهِمْ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا إِلَى أَنَّهُ إِذَا خَافَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَظْفَرَ الْكُفَّارُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ مِنْ أَغْنَامٍ وَنَحْوِهَا ;  جَازَ ذَبْحُهَا وَإِهْلَاكُهَا لِئَلَّا يَتَقَوَّوْا بِهَا، وَعَلَيْهِ حُمِلَ صَنِيعُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ يَوْمَ عَقَرَ فَرَسَهُ بِمَوْتِهِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ خَيْلًا عَظِيمَةً ; قِيلَ: كَانَتْ عَشَرَةَ آلَافِ فَرَسٍ. وَقِيلَ: عِشْرِينَ أَلْفَ فَرَسٍ. وَقِيلَ: كَانَ فِيهَا عِشْرُونَ فَرَسًا مِنْ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ بسنده عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ - أَوْ خَيْبَرَ - وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ ! فَقَالَتْ: بَنَاتِي. وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ ؟ قَالَتْ: فَرَسٌ. قَالَ: وَمَا الَّذِي عَلَيْهِ هَذَا ؟ قَالَتْ: جَنَاحَانِ. قَالَ: فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ ؟ قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ! قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ ﷺ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَمَّا تَرَكَ الْخَيْلَ لِلَّهِ، عَوَّضَهُ اللَّهُ عَنْهَا بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْهَا، وَهُوَ الرِّيحُ الَّتِي كَانَ غُدُوُّهَا شَهْرًا وَرَوَاحُهَا شَهْرًا، كَمَا سَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي الدَّهْمَاءِ وَكَانَا يُكْثِرَانِ السَّفَرَ نَحْوَ الْبَيْتِ، قَالَا: أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَقَالَ الْبَدَوِيُّ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، وَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَدَعُ شَيْئًا اتِّقَاءَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعْطَاكَ اللَّهُ خَيْرًا مِنْهُ.

  276. التاريخ 277لا حكم مسجّل

    وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، هَاهُنَا، آثَارًا كَثِيرَةً عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَأَكْثَرُهَا أَوْ كُلُّهَا مُتَلَقَّاةٌ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْهَا نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا " التَّفْسِيرِ "، وَاقْتَصَرْنَا هَاهُنَا عَلَى مُجَرَّدِ التِّلَاوَةِ. وَمَضْمُونُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ غَابَ عَنْ سَرِيرِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ، وَلَمَّا عَادَ أَمَرَ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَنَاهُ بِنَاءً مُحْكَمًا، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ جَدَّدَهُ وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ جَعَلَهُ مَسْجِدًا إِسْرَائِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلَ ؟ قَالَ: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ قُلْتُ: ثُمَّ أَيْ ؟ قَالَ: مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً وَمَعْلُومٌ أَنْ بَيْنَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي بَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَبَيْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، أَزِيدَ مِنْ أَلْفِ سَنَةٍ، دَعْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَكَانَ سُؤَالُهُ الْمُلْكَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، بَعْدَ إِكْمَالِهِ بِنَاءَ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ سُلَيْمَانَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، خِلَالًا ثَلَاثًا، فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ، وَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ تَكُونَ لَنَا الثَّالِثَةُ ; سَأَلَهُ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَسَأَلَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ مَنْ بَيْتِهِ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ خَرَجَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مِثْلَ يَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فَنَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أَعْطَانَا إِيَّاهَا ".

  277. التاريخ 278لا حكم مسجّل

    فَأَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي يُوَافِقُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ فِي قَوْلِهِ: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَقَدْ ذَكَرَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ كَانَ لَهُمْ كَرْمٌ فَنَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ قَوْمٍ آخَرِينَ أَيْ رَعَتْهُ بِاللَّيْلِ فَأَكَلَتْ شَجَرَهُ بِالْكُلِّيَّةِ، فَتَحَاكَمُوا إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَحَكَمَ لِأَصْحَابِ الْكَرْمِ بِقِيمَتِهِ، فَلَمَّا خَرَجُوا عَلَى سُلَيْمَانَ قَالَ: بِمَا حَكَمَ لَكُمْ نَبِيُّ اللَّهِ ؟ فَقَالُوا: بِكَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: أَمَا لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمَا حَكَمْتُ إِلَّا بِتَسْلِيمِ الْغَنَمِ إِلَى أَصْحَابِ الْكَرْمِ، فَيَسْتَغِلُّونَهَا نِتَاجًا وَدَرًّا حَتَّى يُصْلِحَ أَصْحَابُ الْغَنَمِ كَرْمَ أُولَئِكَ وَيَرُدُّوهُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَسَلَّمُوا غَنَمَهُمْ. فَبَلَغَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ذَلِكَ فَحَكَمَ بِهِ. وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَأَخَذَ ابْنَ إِحْدَاهُمَا فَتَنَازَعَتَا فِي الْآخَرِ، فَقَالَتِ الْكُبْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. وَقَالَتِ الصُّغْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَحَكَمَ بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ نِصْفَيْنِ، لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا نِصْفُهُ. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لَهَا وَلَعَلَّ كُلًّا مِنَ الْحُكْمَيْنِ كَانَ سَائِغًا فِي شَرِيعَتِهِمْ، وَلَكِنْ مَا قَالَهُ سُلَيْمَانُ أَرْجَحُ، وَلِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِمَا أَلْهَمَهُ إِيَّاهُ، وَمَدَحَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَاهُ فَقَالَ: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِي الْأَحْكَامِ الْفُرُوعِيَّةِ مُصِيبٌ، فَإِنَّ دَاوُدَ أَخْطَأَ الْحُكْمَ الصَّحِيحَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصَابَهُ سُلَيْمَانُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا.

  278. التاريخ 279لا حكم مسجّل

    ثُمَّ قَالَ: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً أَيْ: وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 80 - 82 ]. وَقَالَ فِي سُورَةِ " ص ": فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ لَمَّا تَرَكَ الْخَيْلَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْهَا الرِّيحَ، الَّتِي هِيَ أَسْرَعُ سَيْرًا وَأَقْوَى وَأَعْظَمُ، وَلَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ لَهَا. تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ أَيْ: حَيْثُ أَرَادَ مِنْ أَيِّ الْبِلَادِ. كَانَ لَهُ بِسَاطٌ مُرَكَّبٌ مِنْ أَخْشَابٍ، بِحَيْثُ إِنَّهُ يَسَعُ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الدُّورِ الْمَبْنِيَّةِ وَالْقُصُورِ وَالْخِيَامِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْخُيُولِ وَالْجِمَالِ وَالْأَثْقَالِ وَالرِّجَالِ مِنَ الْأِنْسِ وَالْجَانِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ وَالطُّيُورِ، فَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَوْ مُسْتَنْزَهًا، أَوْ قِتَالَ مَلِكٍ أَوْ أَعْدَاءٍ مِنْ أَيِّ بِلَادِ اللَّهِ شَاءَ، فَإِذَا حَمَلَ هَذِهِ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى الْبِسَاطِ، أَمَرَ الرِّيحَ فَدَخَلَتْ تَحْتَهُ فَرَفَعَتْهُ، فَإِذَا اسْتَقَلَّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَرَ الرُّخَاءَ فَسَارَتْ بِهِ، فَإِنْ أَرَادَ أَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ أَمَرَ الْعَاصِفَةَ فَحَمَلَتْهُ أَسْرَعَ مَا يَكُونُ، فَوَضَعَتْهُ فِي أَيِّ مَكَانٍ شَاءَ، بِحَيْثُ إِنَّهُ كَانَ يَرْتَحِلُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَتَغْدُو بِهِ الرِّيحُ فَتَضَعُهُ بِإِصْطَخْرَ، مَسِيرَةَ شَهْرٍ، فَيُقِيمُ هُنَاكَ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ، ثُمَّ يَرُوحُ مِنْ آخِرِهِ، فَتَرُدُّهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [ سَبَأٍ: 12، 13 ]. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ يَغْدُو مِنْ دِمَشْقَ، فَيَنْزِلُ بِإِصْطَخْرَ فَيَتَغَدَّى بِهَا، وَيَذْهَبُ رَائِحًا مِنْهَا فَيَبِيتُ بِكَابُلَ، وَبَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْنَ إِصْطَخْرَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَبَيْنَ إِصْطَخْرَ وَكَابُلَ مَسِيرَةُ شَهْرٍ. قُلْتُ: قَدْ ذَكَرَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الْعِمْرَانِ وَالْبُلْدَانِ، أَنَّ إِصْطَخْرَ بَنَتْهَا الْجَانُّ لِسُلَيْمَانَ وَكَانَ فِيهَا قَرَارُ مَمْلَكَةِ التُّرْكِ قَدِيمًا، وَكَذَلِكَ غَيْرُهَا مِنْ بُلْدَانٍ شَتَّى; كَتَدْمُرَ، وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبَابِ جَيْرُونَ، وَبَابِ الْبَرِيدِ، اللَّذَيْنِ بِدِمَشْقَ، عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ. وَأَمَّا الْقِطْرُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ النُّحَاسُ. قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ ; أَنَبْعَهَا اللَّهُ لَهُ. قَالَ السُّدِّيُّ: ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ، أَخَذَ مِنْهَا جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِلْبِنَايَاتِ وَغَيْرِهَا.

  279. التاريخ 280لا حكم مسجّل

    وَقَوْلُهُ: وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ أَيْ: وَسَخَّرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْجِنِّ عُمَّالًا يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ، لَا يَفْتُرُونَ وَلَا يَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ عَنِ الْأَمْرِ عَذَّبَهُ وَنَكَّلَ بِهِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَهِيَ الْأَمَاكِنُ الْحَسَنَةُ وَصُدُورُ الْمَجَالِسِ. وَتَمَاثِيلَ وَهِيَ الصُّوَرُ فِي الْجُدْرَانِ، وَكَانَ هَذَا سَائِغًا فِي شَرِيعَتِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ. وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجَفْنَةُ كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ. وَعَنْهُ: كَالْحِيَاضِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يَكُونُ ( الْجَوَابُ ): جَمْعُ جَابِيَةٍ ; وَهِيَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى: نَفَى الذَّمَّ عَنْ آلِ الْمُحَلَّقِ جَفْنَةٌ كَجَابِيَةِ السَّيْحِ الْعِرَاقِيِّ تَفْهَقُ وَأَمَّا الْقُدُورُ الرَّاسِيَاتُ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَثَافِيُّهَا مِنْهَا. يَعْنِي أَنَّهُنَّ ثَوَابِتُ لَا يَزُلْنَ عَنْ أَمَاكِنِهِنَّ. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا بِصَدَدِ إِطْعَامِ الطَّعَامِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ مِنْ إِنْسٍ وَجَانٍّ، قَالَ تَعَالَى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ وَقَالَ تَعَالَى: وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ [ ص: 37، 38 ]. يَعْنِي أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ سَخَّرَهُ فِي الْبِنَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْمُرُهُ بِالْغَوْصِ فِي الْمَاءِ لِاسْتِخْرَاجِ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَاللَّلَآلِئِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجَدُ إِلَّا هُنَالِكَ. وَقَوْلُهُ: وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ أَيْ: قَدْ عَصَوْا فَقُيِّدُوا مُقَرَّنِينَ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فِي الْأَصْفَادِ، وَهِيَ الْقُيُودُ. هَذَا كُلُّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا هَيَّأَ اللَّهُ وَسَخَّرَ لَهُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَمَامِ الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا لِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلَّى، فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ. ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ. قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ. فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ صَاحِبُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: رَأَيْتُ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ اللَّيْثِيَّ قَائِمًا يُصَلِّي، فَذَهَبْتُ أَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَرَدَّنِي ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَامَ فَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ وَهُوَ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ فَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ قَالَ: لَوْ رَأَيْتُمُونِي وَإِبْلِيسَ، فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي، فَمَا زِلْتُ أَخْنُقُهُ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ لُعَابِهِ بَيْنَ أُصْبُعَيَّ هَاتَيْنِ - الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا - وَلَوْلَا دَعْوَةُ أَخِي سُلَيْمَانَ لَأَصْبَحَ مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، يَتَلَاعَبُ بِهِ صِبْيَانُ الْمَدِينَةِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ أَحَدٌ فَلْيَفْعَلْ.

  280. التاريخ 281لا حكم مسجّل

    وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، أَنَّهُ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ مِنَ النِّسَاءِ أَلْفُ امْرَأَةٍ ;  سَبْعُمِائَةٍ بِمُهُورٍ، وَثَلَاثُمِائَةٍ سَرَارِيُّ. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ: ثَلَاثُمِائَةٍ حَرَائِرُ وَسَبْعُمِائَةٍ مِنَ الْإِمَاءِ. وَقَدْ كَانَ يُطِيقُ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالنِّسَاءِ أَمْرًا عَظِيمًا جِدًّا. قَالَ الْبُخَارِيُّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ، فَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالَ شُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ: " تِسْعِينَ ". وَهُوَ أَصَحُّ. تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.

  281. التاريخ 282لا حكم مسجّل

    وَقَدْ كَانَ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ أُمُورِ الْمُلْكِ، وَاتِّسَاعِ الدَّوْلَةِ، وَكَثْرَةِ الْجُنُودِ وَتَنَوُّعِهَا، مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ، وَلَا يُعْطِيهِ اللَّهُ أَحَدًا بَعْدَهُ، كَمَا قَالَ: وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَقَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ وَقَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ بِنَصِّ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَأَسْدَاهُ مِنَ النِّعَمِ الْكَامِلَةِ الْعَظِيمَةِ إِلَيْهِ، قَالَ: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَيْ; أَعْطِ مَنْ شِئْتَ وَاحْرِمْ مَنْ شِئْتَ، فَلَا حِسَابَ عَلَيْكَ، أَيْ: تَصَرَّفْ فِي الْمَالِ كَيْفَ شِئْتَ ; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَوَّغَ لَكَ كُلَّ مَا تَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُحَاسِبُكَ عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا شَأْنُ النَّبِيِّ الْمَلِكِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الرَّسُولِ ; فَإِنَّ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ لَا يُعْطِيَ أَحَدًا وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ خُيِّرَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَقَامَيْنِ فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ اسْتَشَارَ جِبْرِيلَ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ تَوَاضَعْ. فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْخِلَافَةَ وَالْمُلْكَ مِنْ بَعْدِهِ فِي أُمَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِهِ ظَاهِرِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَلَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا وَهَبَهُ لِنَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا، نَبَّهَ عَلَى مَا أَعَدَّهُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ وَالْأَجْرِ الْجَمِيلِ، وَالْقُرْبَةِ الَّتِي تُقَرِّبُهُ إِلَيْهِ، وَالْفَوْزِ الْعَظِيمِ وَالْإِكْرَامِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْمَعَادِ وَالْحِسَابِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ.

  282. التاريخ 269لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ، ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ إِيشَا بْنِ عُوَيْدِ بْنِ بَاعِزَ بْنِ سَلْمُونَ بْنِ نَحْشُونَ بْنِ عَمِينَاذِبَ بْنِ إِرَمَ بْنِ حَصَرُونَ بْنِ فَارِصَ بْنِ يَهُودَا بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَبُو الرَّبِيعِ. كَانَ أَبْيَضَ جَسِيمًا وَكَانَ مَوْضِعَ اسْتِشَارَةِ أَبِيهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَلَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ لَا يُورَثُونَ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ الْمُلْكَ وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْمُلْكِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ. فَسَخَّرَ اللَّهُ لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رَخَاءً حَيْثُ أَصَابَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ، وَحُشِرَ لَهُ الطَّيْرُ وَسُخِّرَ لَهُ الْإِنْسُ وَالْجَانُّ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجَفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ، كَمَا جُعِلَ سُلْطَانُهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ مَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِهِ يَحْبِسْهُ وَيُعَاقِبْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ وَقَدْ مَلَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعُمْرُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ عَامًا. وَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَعَلَّمَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَجَمِيعَ الْكَائِنَاتِ، وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ بَعْضِ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَقِصَّةِ النَّمْلَةِ وَالْهُدْهُدِ. وَقَدْ وَرَدَ الْعَدِيدُ مِنَ الْقِصَصِ حَوْلَ مُلْكِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِثْلُ قِصَّةِ زَوَاجِهِ مِنْ زَوْجَتِهِ جَرَادَةَ وَصُنْعِهَا صَنَمًا لِأَبِيهَا لِتَتَذَكَّرَهُ بِهِ، وَقَدْ كَانَ هَذَا جَائِزٌ فِي زَمَانِهِ ﷺ ثُمَّ تَحَوَّلَ الْأَمْرُ إِلَى عِبَادَةِ هَذَا الصَّنَمِ وَاطِّلَاعِ آصِفَ بْنِ بَرَخْيَا، وَإِعْلَامِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا كَانَ وَمُعَاقَبَتُهُ زَوْجَتَهُ وَجَوَارِيهَا. ثُمَّ مَا كَانَ مِنْ ضَيَاعِ خَاتَمِهِ وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مُلْكَهُ كَانَ مُرْتَبِطًا بِهِ، وَرُجُوعُهُ إِلَيْهِ وَعَوْدَةُ مُلْكِهِ لَهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَذْكُرُهُ الْمُؤَرِّخُونَ فِي كُتُبِهِمْ، وَلَا يُدْرَى صِحَّتُهُ مِنْ ضَعْفِهِ. وَقَدْ وَهَبَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّ اللَّهِ سُلَيْمَانَ مِنَ الْخَيْلِ الْكَثِيرِ، وَالَّتِي مِنْهَا الْخَيْلُ الْمُجَنَّحَةُ وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَرْضَهَا أَمَامَهُ حَتَّى خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ، قِيلَ: فَمَسَحَ عَرَاقِيبَهَا وَأَعْنَاقَهَا بِالسُّيُوفِ. كَمَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى الزَّوْجَاتِ الْكَثِيرَةَ وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، أَنَّهُ كَانَتْ لِسُلَيْمَانَ مِنَ النِّسَاءِ أَلْفُ امْرَأَةٍ ;  سَبْعُمِائَةٍ بِمُهُورٍ، وَثَلَاثُمِائَةٍ سَرَارِيُّ. وَقِيلَ بِالْعَكْسِ: ثَلَاثُمِائَةٍ حَرَائِرُ وَسَبْعُمِائَةٍ مِنَ الْإِمَاءِ. هَذَا وَقَدْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ سَأَلَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حُكْمًا يُوَافِقُ حُكْمَهُ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَبِيهِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا

  283. التاريخ 283لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ سُلَيْمَانُ نَبِيُّ اللَّهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ  ، إِذَا صَلَّى رَأَى شَجَرَةً نَابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ لَهَا: مَا اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ: كَذَا. فَيَقُولُ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ ؟ فَإِنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ، وَإِنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ كُتِبَتْ، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهَا: مَا اسْمُكِ ؟ قَالَتِ: الْخَرُّوبُ. قَالَ: لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ ؟ قَالَتْ: لِخَرَابِ هَذَا الْبَيْتِ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: اللَّهُمَّ عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتِي ; حَتَّى تَعْلَمَ الْإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ. فَنَحَتَهَا عَصًا، فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا حَوْلًا وَالْجِنُّ تَعْمَلُ، فَأَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ فَتَبَيَّنَتِ الْإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا حَوْلًا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ. قَالَ: فَشَكَرَتِ الْجِنُّ لِلْأَرَضَةِ، فَكَانَتْ تَأْتِيهَا بِالْمَاءِ. وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ: مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ يَقُولُ: تَبَيَّنَ أَمْرُهُمْ لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْذِبُونَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِلْأَرَضَةِ: لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ لَأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ، وَلَوْ كُنْتِ تَشْرَبِينَ الشَّرَابَ سَقَيْنَاكِ أَطْيَبَ الشَّرَابِ، وَلَكِنَّا سَنَنْقُلُ إِلَيْكِ الْمَاءَ وَالطِّينَ. قَالَ: فَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهَا ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ، قَالَ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الطِّينِ الَّذِي يَكُونُ فِي جَوْفِ الْخَشَبِ، فَهُوَ مَا تَأْتِيهَا بِهِ الشَّيَاطِينُ شُكْرًا لَهَا. وَعَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، لِمَلَكِ الْمَوْتِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَقْبِضَ رُوحِي فَأَعْلِمْنِي. قَالَ: مَا أَنَا بِأَعْلَمَ بِذَاكَ مِنْكَ ; إِنَّمَا هِيَ كُتُبٌ تُلْقَى إِلَيَّ، فِيهَا تَسْمِيَةُ مَنْ يَمُوتُ. وَقَالَ أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ سُلَيْمَانُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: إِذَا أُمِرْتَ بِي فَأَعْلِمْنِي. فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا سُلَيْمَانُ قَدْ أُمِرْتُ بِكَ قَدْ بَقِيَتْ لَكَ سُوَيْعَةٌ. فَدَعَا الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِنْ قَوَارِيرَ لَيْسَ لَهُ بَابٌ، فَقَامَ يُصَلِّي فَاتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ. قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَبَضَ رُوحَهُ وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عَصَاهُ. وَلَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ. قَالَ: وَالْجِنُّ تَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُ حَيٌّ. قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ دَابَّةَ الْأَرْضِ، يَعْنِي إِلَى مِنْسَأَتِهِ، فَأَكْلَتْهَا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ جَوْفَ الْعَصَا ضَعُفَتْ وَثَقُلَ عَلَيْهَا، فَخَرَّ فَلَمَّا رَأَتِ الْجِنُّ ذَلِكَ، انْفَضُّوا وَذَهَبُوا. قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ مدة ملكه وحياته عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَغَيْرِهِ: أَنَّ سُلَيْمَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَاشَ ثِنْتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مُلْكَهُ كَانَ عِشْرِينَ سَنَةً. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَكَانَ جَمِيعُ عُمْرِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً. وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ مِنْ مُلْكِهِ ابْتَدَأَ بِبِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِيمَا ذُكِرَ. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ رُحُبْعُمُ مُدَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بَعْدَهُ مَمْلَكَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

  284. التاريخ 284لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَصِ جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قِصَّةُ شِعْيَا بْنِ أَمْصِيَا: كَانَ قَبْلَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَهُوَ مِمَّنْ بَشَّرَ بِعِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِهِ مَلِكٌ صَالِحٌ يُسَمَّى صَدِيقَةَ وَكَانَ لَا يَقْطَعُ أَمْرًا دُونَ شِعْيَا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمِمَّا وَقَعَ فِي أَيَّامِهِ إِهْلَاكُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ جَيْشَ مَلِكِ بَابِلَ سَنْحَارِيبَ لَمَّا أَرَادَ غَزْوَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَهْلَكَ اللَّهُ تَعَالَى جَيْشَهُ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا سَنْحَارِيبَ وَخَمْسَةً مَعَهُ فِيهِمْ بُخْتُ نَصَّرَ فَأَخَذَ صَدِيقَةَ ثُمَّ أَمَرَهُ شِعْيَا أَنْ يُرْسِلَهُمْ إِلَى دِيَارِهِمْ لِيُنْذِرُوا مَنْ خَلْفَهُمْ بِمَا حَصَلَ لَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنِ ابْتُلِيَ صَدِيقَةُ بِمَرَضِ الْمَوْتِ فَصَبَرَ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَمَدَّ فِي عُمُرِهِ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا. ثُمَّ رَجَعَ سَنْحَارِيبُ وَأَنْذَرَ قَوْمَهُ وَأَعْلَمَهُمْ بِمَا قَدْ حَصَلَ وَمَكَثَ فِيهِ سَبْعَ سِنِينَ وَمَاتَ. وَجَاءَ الْأَجَلُ إِلَى الْمَلِكِ صَدِيقَةَ فَمَاتَ فَمَرَجَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِهِ فَقَامَ فِيهِمْ شِعْيَا وَاعِظًا إِيَّاهُمْ فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَهَرَبَ وَقَدْ دَخَلَ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ مُخْتَبِئًا بِهَا فَأَدْرَكُوهُ وَنَشَرُوهَا وَنَشَرُوهُ فِيهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَذُكِرَ فِي اسْمِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ شِعْيَا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ. قِصَّةُ أَرْمِيَا بْنُ حَلْقِيَا وَمَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ كَانَ أَرْمِيَا عَلَيْهِ السَّلَامُ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ وَكَانَ زَاهِدًا وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ غَيْرُهُ وَقَدْ رَغِبَ أَبُوهُ فِي أَنْ يُزَوِّجَهُ وَكَانَ يَأْبَى ذَلِكَ حَتَّى أَلَحَّ عَلَيْهِ، وَزَوَّجَهُ مِنَ امْرَأَةٍ فَلَمْ يَمَسَّهَا سَنَةً حَتَّى فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ زَوَّجَهُ بِأُخْرَى فَلَمْ يَمَسَّهَا أَيْضًا فَغَضِبَ أَبُوهُ فَهَرَبَ مِنْهُ فَبَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا مَعَ أَحَدِ الْمُلُوكِ وَاسْمُهُ نَاشِيَةُ، إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا عَصَوْا وَبَغَوْا وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ. فَلَمَّا كَانَ مِنْهُمْ ذَلِكَ طَمِعَ فِيهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَرْمِيَا أَنْ قُمْ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى يَأْتِيَكَ وَحْيٌ فَإِنِّي مُهْلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعَبَدَةِ النِّيرَانِ، فَقَامَ أَرْمِيَا وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَبَكَى أَنْ جَعَلَهُ آخِرَ الْأَنْبِيَاءِ وَجَعَلَ خَرَابَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهَلَاكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ لَهُ يَعِظُهُ وَيُعَلِّمُهُ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِيَدِهِ وَهُوَ وَحْدَهُ يُدَبِّرُهُ سُبْحَانَهُ. فَقَامَ أَرْمِيَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا مُحَذِّرًا إِيَّاهُمْ مَغَبَّةَ الْمَعْصِيَةِ فَكَذَّبُوهُ وَاتَّهَمُوهُ وَسَجَنُوهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ وَجُنُودَهُ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ، وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَالذُّرِّيَّةَ وَقَتَلُوا الْمُقَاتَلَةَ وَهَدَمُوا الْمَسَاجِدَ. وَأُخْبِرَ بُخْتَ نَصَّرَ بِأَمْرِ أَرْمِيَا عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَخْرَجَهُ وَأَكْرَمَهُ وَأَمَّنَهُ، وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ أَرْمِيَا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَظْهَرُوا التَّوْبَةَ وَأَرَادُوا أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ وَيَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فَاخْتَبَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ أَوْحَى إِلَى أَرْمِيَا بِأَنْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَبْقَوْا لِيَقْبَلَ اللهُ تَوْبَتَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ. ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ خَبَرِ دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْبِلَادِ طَلَبَهُمْ بُخْتُ نَصَّرَ وَقَتَلَ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَأَسَرَ دَانْيَالَ بْنَ حِزْقِيلَ الْأَصْغَرَ، ثُمَّ جَاءَ بِأَسَدَيْنِ ضَارِيَيْنِ فَجَوَّعَهُمَا ثُمَّ أَلْقَاهُمَا فِي جُبٍّ وَأَلْقَى إِلَيْهِمْ دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَمْ يَمَسَّاهُ بِسُوءٍ، وَقَدْ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى أَرْمِيَا أَنْ جَهِّزْ طَعَامًا إِلَى دَانْيَالَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَدَانْيَالُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالشَّامِ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ حَمَلَهُ وَالطَّعَامَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْجُبِّ فَحَمِدَ اللَّهَ دَانْيَالُ عَلَى مَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ سُبْحَانَهُ. وَاتُّفِقَ أَنْ رَأَى بُخْتَ نَصَّرَ رُؤْيَا أَفْزَعَتْهُ وَقَدْ نَسِيَهَا فَجَمَعَ الْكُهَّانَ وَسَأَلَهُمْ أَنْ يُخْبِرُوهُ بِمَا رَأَى وَبِتَأْوِيلِهِ فَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُوهُ حَتَّى يُخْبِرَهُمْ هُوَ فَأَجَّلَهُمْ ثَلَاثًا حَتَّى يُخْبِرُوهُ وَإِلَّا قَتَلَهُمْ فَشَاعَ الْخَبَرُ وَوَصَلَ إِلَى دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ فِي الْجُبِّ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا رَأَى الْمَلِكُ وَتَأْوِيلُ مَا رَأَى، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَصَّ عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ تَأْوِيلَهَا، فَعَلِمَ حِينَئِذٍ بُخْتُ نَصَّرَ فَضْلَهُ وَنَزَلَ مِنْهُ أَفْضَلَ مَنْزِلٍ، ثُمَّ مَاتَ بُخْتُ نَصَّرَ وَوُلِّيَ ابْنُهُ بَلْطَا فَزَادَ فِي الْفُجُورِ وَالْفِسْقِ فَأَنْذَرَ دَانْيَالَ وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَقَدْ كَانَ ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى دَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ أَيَّامَ عُمَرَ جَسَدًا مُسَجًّى عَلَى سَرِيرٍ قِيلَ هُوَ لِدَانْيَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقَدْ ذَكَرُوا مِنْ أَوْصَافِهِ وَكِبَرِ جَسَدِهِ مَا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ، وَقَدْ أَمَرَ عُمَرُ بِدَفْنِهِ لَيْلًا حَتَّى لَا يُفْتَنَ النَّاسُ. فَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الْأَحْمَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ دَانْيَالَ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَدْفِنَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا افْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ تُسْتَرَ، وَجَدَهُ فِي تَابُوتٍ، تَضْرِبُ عُرُوقُهُ وَوَرِيدُهُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ دَلَّ عَلَى دَانْيَالَ فَبَشِّرُوهُ بِالْجَنَّةِ. فَكَانَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: حُرْقُوصٌ فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بِخَبَرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ ادْفِنْهُ، وَابْعَثْ إِلَى حُرْقُوصٍ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ.

  285. التاريخ 285لا حكم مسجّل

    بَابُ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَقَبْلَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ   فَمِنْهُمْ شِعْيَا بْنُ أَمْصِيَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ قَبْلَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَهُوَ مِمَّنْ بَشَّرَ بِعِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَكَانَ فِي زَمَانِهِ مَلِكٌ اسْمُهُ صَدِيقَةُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِبِلَادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ سَامِعًا مُطِيعًا لِشِعْيَا فِيمَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَيَنْهَاهُ عَنْهُ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَكَانَتِ الْأَحْدَاثُ قَدْ عَظُمَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَرِضَ الْمَلِكُ وَخَرَجَتْ فِي رِجْلِهِ قُرْحَةٌ. مسير سنحاريب إلى بني إسرائيل وَقَصَدَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ مَلِكُ بَابِلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَهُوَ سَنْحَارِيبُ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سِتِّمِائَةِ أَلْفِ رَايَةٍ. وَفَزِعَ النَّاسُ فَزَعًا عَظِيمًا شَدِيدًا، وَقَالَ الْمَلِكُ لِلنَّبِيِّ شِعْيَا  : مَاذَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْكَ فِي أَمْرِ سَنْحَارِيبَ وَجُنُودِهِ ؟ فَقَالَ: لَمْ يُوحِ إِلَيَّ فِيهِمْ شَيْئًا بَعْدُ. ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بِالْأَمْرِ لِلْمَلِكِ صَدِيقَةَ بِأَنْ يُوصِيَ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى مُلْكِهِ مَنْ يَشَاءُ ; فَإِنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ أَقْبَلَ الْمَلِكُ عَلَى الْقِبْلَةِ فَصَلَّى وَسَبَّحَ وَدَعَا وَبَكَى، فَقَالَ وَهُوَ يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، بِقَلْبٍ مُخْلِصٍ وَتَوَكُّلٍ وَصَبْرٍ: اللَّهُمَّ رَبَّ الْأَرْبَابِ وَإِلَهَ الْآلِهَةِ، يَا رَحْمَنُ يَا رَحِيمُ، يَا مَنْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، اذْكُرْنِي بِعِلْمِي، وَفِعْلِي، وَحُسْنِ قَضَائِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذَلِكَ كُلُّهُ كَانَ مِنْكَ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي، سِرِّي وَإِعْلَانِي لَكَ. قَالَ: فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شِعْيَا أَنْ يُبَشِّرَهُ بِأَنَّهُ قَدْ رَحِمَ بُكَاءَهُ، وَقَدْ أَخَّرَ فِي أَجَلِهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَنْجَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ سَنْحَارِيبَ. فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ ذَهَبَ مِنْهُ الْوَجَعُ وَانْقَطَعَ عَنْهُ الشَّرُّ وَالْحُزْنُ، وَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الَّذِي تُعْطِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ، وَتَنْزِعُهُ مِمَّنْ تَشَاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ، وَأَنْتَ تَرْحَمُ وَتَسْتَجِيبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ. فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى شِعْيَا أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَاءَ التِّينِ فَيَجْعَلَهُ عَلَى قُرْحَتِهِ، فَيَشْفَى وَيُصْبِحَ قَدْ بَرِئَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَشُفِيَ، وَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَى جَيْشِ سَنْحَارِيبَ الْمَوْتَ فَأَصْبَحُوا وَقَدْ هَلَكُوا كُلُّهُمْ سِوَى سَنْحَارِيبَ وَخَمْسَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، مِنْهُمْ بُخْتُ نَصَّرَ فَأَرْسَلَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَجَاءَ بِهِمْ، فَجَعَلَهُمْ فِي الْأَغْلَالِ وَطَافَ بِهِمْ فِي الْبِلَادِ عَلَى وَجْهِ التَّنْكِيلِ بِهِمْ وَالْإِهَانَةِ لَهُمْ سَبْعِينَ يَوْمًا، وَيُطْعِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَوْدَعَهُمُ السِّجْنَ، وَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى شِعْيَا أَنْ يَأْمُرَ الْمَلِكَ بِإِرْسَالِهِمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ مَا قَدْ حَلَّ بِهِمْ، فَلَمَّا رَجَعُوا جَمَعَ سَنْحَارِيبُ قَوْمَهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُ السَّحَرَةُ وَالْكَهَنَةُ: إِنَّا أَخْبَرْنَاكَ عَنْ شَأْنِ رَبِّهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ فَلَمْ تُطِعْنَا، وَهِيَ أُمَّةٌ لَا يَسْتَطِيعُهَا أَحَدٌ مِنْ رَبِّهِمْ. فَكَانَ أَمْرُ سَنْحَارِيبَ مِمَّا خَوَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ. ثُمَّ مَاتَ سَنْحَارِيبُ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ. وفاة النبي شعيا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ لَمَّا مَاتَ صَدِيقَةُ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَجَ أَمَرُهُمْ وَاخْتَلَطَتْ أَحْدَاثُهُمْ، وَكَثُرَ شَرُّهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى شِعْيَا، فَقَامَ فِيهِمْ فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنِ اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَأَنْذَرَهُمْ بَأْسَهُ وَعِقَابَهُ إِنْ خَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ عَدَوْا عَلَيْهِ وَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ، فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ فَانْفَلَقَتْ لَهُ فَدَخَلَ فِيهَا، وَأَدْرَكَهُ الشَّيْطَانُ فَأَخَذَ بِهُدْبَةِ ثَوْبِهِ فَأَبْرَزَهَا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ جَاءُوا بِالْمِنْشَارِ فَوَضَعُوهُ عَلَى الشَّجَرَةِ، فَنَشَرُوهَا وَنَشَرُوهُ مَعَهَا، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ الَّذِي قَالَ لِإِيلِيَا وَهِيَ قَرْيَةٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَاسْمُهَا "أُورَى شَلِمَ"، فَقَالَ: أَبْشِرِي أُورَى شَلِمَ، يَأْتِيكِ الْآنَ رَاكِبُ الْحِمَارِ، يَعْنِي عِيسَى، وَيَأْتِيكِ بَعْدَهُ رَاكِبُ الْبَعِيرِ، يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ. وَقَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَلِكٌ يُدْعَى صِدْقِيَا، وَكَانَ إِذَا مَلَكَ الْمُلْكَ عَلَيْهِمْ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيًّا يُسَدِّدُهُ وَيُرْشِدُهُ وَيَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الْكُتُبُ، إِنَّمَا يُؤْمَرُونَ بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاةِ. فَلَمَّا مَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ بَعَثَ اللَّهُ مَعَهُ شَعْيَا، فَمَلَكَ ذَلِكَ الْمَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ زَمَانًا. فَلَمَّا انْقَضَى مُلْكُهُ عَظُمَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَشَعْيَا مَعَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ سَنْحَارِيثَ مَعَهُ سِتَّمِائَةُ أَلْفِ رَايَةٍ، فَأَقْبَلَ سَابِيًا حَتَّى نَزَلَ [حَوْلَ] بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْمَلِكُ مَرِيضٌ، فِي سَاقِهِ قُرْحَةٌ، فَجَاءَهُ النَّبِيُّ شَعْيَا، فَقَالَ لَهُ: يَا مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّ سَنْحَارِيثَ مَلِكَ بَابِلَ قَدْ نَزَلَ بِكَ هُوَ وَجُنُودِهِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ رَايَةٍ، فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَلْ أَتَاكَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ كَيْفَ يَفْعَلُ اللَّهُ بِنَا وَبِسَنْحَارِيثَ وَجُنُودِهِ؟ قَالَ: لَا. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى شَعْيَا: أَرَأَيْتَ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمُرْهُ أَنْ يُوصِيَ وَصِيَّتَهُ وَيَسْتَخْلِفَ عَلَى مُلْكِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ. فَأَتَى النَّبِيُّ شَعْيَا مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَخْبَرَهُ، فَأَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ فَصَلَّى وَسَبَّحَ وَدَعَا وَبَكَى، وَقَالَ وَهُوَ يَبْكِي وَيَتَضَرَّعُ إِلَى اللَّهِ: زِدْنِي فِي عُمُرِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شَعْيَا أَنْ يُخْبِرَ الْمَلِكَ أَنَّ رَبَّهُ قَدْ رَحِمَهُ وَقَدْ أَخَّرَ أَجَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَنْجَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ. فَقَالَ الْمَلِكُ لَشَعْيَا: سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا عِلْمًا بِمَا هُوَ صَانِعٌ بِعَدُوِّنَا هَذَا. قَالَ: فَقَالَ اللَّهُ لَشَعْيَا: قُلْ لَهُ إِنِّي قَدْ كَفَيْتُكَ عَدُوَّكَ وَأَنْجَيْتُكَ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ سَيُصْبِحُونَ مَوْتَى كُلُّهُمْ إِلَّا سَنْحَارِيثَ وَخَمْسَةً مِنْ كُتَّابِهِ. فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ صَارِخٌ فَصَرَخَ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ: يَا مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَاكَ عَدُوَّكَ، فَاخْرُجْ فَإِنَّ سَنْحَارِيثَ وَمَنْ مَعَهُ قَدْ هَلَكُوا. فَلَمَّا خَرَجَ [الْمَلِكُ] الْتَمَسَ سَنْحَارِيثَ فَلَمْ يُوجَدْ فِي الْمَوْتَى، فَبَعَثَ الْمَلِكُ فِي طَلَبِهِ، فَأَدْرَكَهُ الطَّلَبُ فِي مَغَارَةٍ هُوَ وَخَمْسَةٌ مِنْ كُتَّابِهِ أَحَدُهُمْ بُخْتُ نَصَّرَ، فَجَعَلُوهُمْ فِي الْجَوَامِعِ، ثُمَّ أَتَوْا بِهِمْ مَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا رَآهُمْ خَرَّ سَاجِدًا، ثُمَّ قَالَ لِسَنْحَارِيثَ: كَيْفَ تَرَى فِعْلَ رَبِّنَا بِكُمْ؟ أَلَمْ يَقْتُلْكُمْ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ غَافِلُونَ! فَقَالَ سَنْحَارِيثُ لَهُ: قَدْ أَتَانِي خَبَرُ رَبِّكُمْ وَنَصْرُهُ إِيَّاكُمْ وَرَحْمَتُهُ الَّتِي رَحِمَكُمْ بِهَا قَبْلَ أَنْ أَخْرَجَ مِنْ بِلَادِي، فَلَمْ أُطِعْ مُرْشِدًا، وَلَمْ يُلْقِنِي فِي الشِّقْوَةِ إِلَّا قِلَّةُ عَقْلِي. فَقَالَ مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّ رَبَّنَا إِنَّمَا أَبْقَاكَ وَمَنْ مَعَكَ لِتُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَكُمْ بِمَا رَأَيْتُمْ مِنْ فِعْلِ رَبِّنَا، وَلِتُنْذِرُوا مَنْ بَعْدَكُمْ. ثُمَّ أَمَرَ أَمِيرَ حَرَسِهِ فَقَذَفَ فِي رِقَابِهِمُ الْجَوَامِعَ، وَطَافَ بِهِمْ سَبْعِينَ يَوْمًا حَوْلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَرْزُقُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ خُبْزَتَيْنِ مِنْ شَعِيرٍ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ. فَقَالَ سِنْحَارِيثُ لِمَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: الْقَتْلُ خَيْرٌ مِمَّا تَفْعَلُ بِنَا، فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ. فَأَمَرَ بِهِمْ إِلَى سِجْنِ الْقَتْلِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى شَعْيَا النَّبِيِّ: أَنْ قُلْ لِمَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُرْسِلْ سَنْحَارِيثَ وَمَنْ مَعَهُ لِيُنْذِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ  ، وَلْيُكْرِمْهُمْ وَلْيَحْمِلْهُمْ حَتَّى يَبْلُغُوا بِلَادَهُمْ. فَبَلَّغَ النَّبِيُّ شَعْيَا ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَفَعَلَ، فَخَرَجَ سَنْحَارِيثُ وَمَنْ مَعَهُ حَتَّى قَدِمُوا بَابِلَ، فَلَمَّا قَدِمُوا جَمَعَ النَّاسَ فَأَخْبَرَهُمْ كَيْفَ فَعَلَ اللَّهُ بِجُنُودِهِ، ثُمَّ لَبِثَ سَنْحَارِيثُ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ ثُمَّ مَاتَ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ هَذَا الْمَلِكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي سَارَ إِلَيْهِ سَنْحَارِيثَ كَانَ أَعْرَجَ، وَكَانَ عَرَجُهُ مِنْ عِرْقِ النَّسَا، وَأَنَّ سَنْحَارِيثَ إِنَّمَا طَمِعَ فِي مَمْلَكَتِهِ لِزَمَانَتِهِ وَضَعْفِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ سَارَ إِلَيْهِ قَبْلَ سَنْحَارِيثَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ يُقَالُ لَهُ "لِيفَرُ"، وَكَانَ بُخْتُ نَصَّرَ ابْنَ عَمِّهِ وَكَاتِبَهُ، وَأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ عَلَيْهِ رِيحًا أَهْلَكَتْ جَيْشَهُ، وَأَفْلَتَ هُوَ وَكَاتِبُهُ، وَأَنَّ هَذَا الْبَابِلِيَّ قَتَلَهُ ابْنٌ لَهُ، وَأَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ غَضِبَ لِصَاحِبِهِ فَقَتَلَ ابْنَهُ الَّذِي قَتَلَ أَبَاهُ، وَأَنَّ سَنْحَارِيثَ سَارَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَكَانَ مَسْكَنُهُ نِينَوَى مَعَ مَلِكِ أَذْرَبِيجَانَ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ يُدْعَى سَلْمَانَ الْأَعْسَرَ، وَأَنْ سَنْحَارِيثَ وَسَلْمَانَ اخْتَلَفَا، فَتَحَارَبَا حَتَّى تَفَانَى جُنْدَاهُمَا، وَصَارَ مَا كَانَ مَعَهُمَا غَنِيمَةً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ الَّذِي غَزَاهُ سَنْحَارِيثُ حِزْقِيَا صَاحِبُ شَعْيَا، وَأَنَّهُ لَمَّا أَحَاطَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ بِجُنُودِهِ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَكًا، فَقَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَمَانِينَ أَلْفًا. وَكَانَ مُلْكُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ "مَنْشَا بْنُ حِزْقِيَا" إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً. ملك أولاد سنحاريث ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ "أَمُونُ" إِلَى أَنْ قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ ابْنُهُ "يُوشِيَا" إِلَى أَنْ قَتَلَهُ فِرْعَوْنُ الْمُقْعَدُ مَلِكُ مِصْرَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ "يَاهُوَاحَازُ" فَغَزَاهُ فِرْعَوْنُ الْمُقْعَدُ فَأَسَرَهُ وَأَشْخَصَهُ إِلَى مِصْرَ، وَمَلَّكَ "يُوثَاقِيمَ بْنَ يَاهُوَاحَازَ" عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أُبُوهُ، وَوَظَّفَ عَلَيْهِ خَرَاجًا يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً. ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ "يُوثَاحِينُ"، فَغَزَاهُ بُخْتُ نَصَّرَ، فَأَسَرَهُ وَأَشْخَصَهُ إِلَى بَابِلَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُلْكِهِ، وَمَلَكَ مَكَانَهُ "شَيَا" عَمُّهُ وَسَمَّاهُ "صَدِيقِيَا" فَخَالَفَهُ، فَغَزَاهُ فَظَفِرَ بِهِ، فَذَبَحَ وَلَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ وَحَمَلَهُ إِلَى بَابِلَ، وَخَرَّبَ الْمَدِينَةَ وَسَبَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَحَمَلَهُمْ إِلَى بَابِلَ، فَمَكَثُوا بِهَا إِلَى أَنْ رَدَّهُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ كِيرَشُ بْنُ جَامَا سَبَّ" لِقَرَابَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ، فَكَانَ جَمِيعُ مَا مَلَكَ "صَدِيقِيَا" إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ صَارَ مُلْكُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالشَّامِ "لِأَشْتَاسِبَ بْنِ بَهْرَاسِبَ"، وَعَامِلُهُ عَلَى ذَلِكَ كُلُّهُ بُخْتُ نَصَّرَ.

  286. التاريخ 286لا حكم مسجّل

    [ذِكْرُ قِصَّةِ أُرْمِيَاءَ]   وَهُوَ أُرْمِيَاءُ -الْأَلِفُ مَضْمُومَةٌ- كَذَلِكَ قَرَأْتُهُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ. عَنْ وَهْبٍ: أَنَّ أُرْمِيَاءَ كَانَ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَكَانَ زَاهِدًا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ ابْنٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ أَبُوهُ يُعْرِضُ النِّكَاحَ، وَكَانَ يَأْبَى مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَزَوَّجَهُ فِي أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، قَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ، إِنِّي مُسِرٌّ إِلَيْكِ أَمْرًا فَإِنْ كَتَمْتِهِ عَلَيَّ وَسَتَرْتِهِ سَتَرَكِ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ أَنْتِ أَفْشَيْتِهِ قَصَمَكِ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَتْ: فَإِنِّي سَأَكْتُمُهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَإِنِّي لَا أُرِيدُ النِّسَاءَ. فَأَقَامَتْ مَعَهُ سَنَةً، ثُمَّ إِنَّ أَبَاهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَهْ مَا طَالَ ذَلِكَ بَعْدُ، فَدَعَا امْرَأَتَهُ فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَزَوَّجَهُ امْرَأَةً فِي بَيْتِ أَشْرَافِهِمْ، فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فَاسْتَكْتَمَهَا أَمْرَهُ، فَلَمَّا مَضَتْ سَنَةٌ سَأَلَهُ أَبُوهُ مِثْلَ مَا سَأَلَ، فَقَالَ: مَا طَالَ ذَلِكَ، فَسَأَلَ الْمَرْأَةَ فَقَالَتْ: كَيْفَ تَحْمِلُ امْرَأَةٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ مَا مَسَّنِي؟ فَغَضِبَ أَبُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ. فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا مَعَ "نَاشِيَةَ"، وَ"نَاشِيَةُ" مَلِكٌ. وَذَلِكَ حِينَ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي. ذِكْرُ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ  وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [ الْإِسْرَاءِ: 2 - 8 ]. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ أَرْمِيَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذَلِكَ حِينَ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِيهِمْ ; فَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، طَمِعَ بُخْتُ نَصَّرَ فِيهِمْ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ ; لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْتَقِمَ بِهِ مِنْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَرْمِيَا أَنِّي مُهْلِكٌ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُنْتَقِمٌ مِنْهُمْ، فَقُمْ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَأْتِيكَ أَمْرِي وَوَحْيِي. فَقَامَ أَرْمِيَا، فَشَقَّ ثِيَابَهُ، وَجَعَلَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ، وَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ: يَا رَبِّ، وَدِدْتُ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي حِينَ جَعَلْتَنِي آخِرَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَكُونُ خَرَابُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَوَارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَجْلِي. فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ مَنْ تُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ: عَبَدَةُ النِّيرَانِ، لَا يَخَافُونَ عِقَابِي وَلَا يَرْجُونَ ثَوَابِي، قُمْ يَا أَرْمِيَا، فَاسْتَمِعْ وَحْيِي أُخْبِرْكَ خَبَرَكَ وَخَبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي رَحِمِ أُمِّكَ قَدَّسْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْرِجَكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ طَهَّرْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ نَبَّأْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ الْأَشُدَّ اخْتَرْتُكَ، وَلِأَمْرٍ عَظِيمٍ اجْتَبَيْتُكَ، فَقُمْ مَعَ الْمَلِكِ تُسَدِّدُهُ وَتُرْشِدُهُ. فَكَانَ مَعَ الْمَلِكِ يُرْشِدُهُ وَيَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ، حَتَّى عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ، وَنَسَوْا مَا نَجَّاهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ عَدَوِّهِمْ سَنْحَارِيبَ وَجُنُودِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَرْمِيَا قُمْ، فَاقْصُصْ عَلَيْهِمْ مَا آمُرُكَ بِهِ، وَذَكِّرْهُمْ نِعْمَتِي عَلَيْهِمْ وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثَهُمْ. فَقَالَ أَرْمِيَا: يَا رَبِّ، إِنِّي ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي، عَاجِزٌ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْنِي، مُخْطِئٌ إِنْ لَمْ تُسَدِّدْنِي، مَخْذُولٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي، ذَلِيلٌ إِنْ لَمْ تُعِزَّنِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَصْدُرُ عَنْ مَشِيئَتِي، وَأَنَّ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ كُلَّهُ لِي، وَأَنَّ الْقُلُوبَ وَالْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا بِيَدِي، فَأُقَلِّبُهَا كَيْفَ شِئْتُ فَتُطِيعُنِي، فَأَنَا اللَّهُ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلِي، قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ بِكَلِمَتِي، وَأَنَّهُ لَا يَخْلُصُ التَّوْحِيدُ وَلَمْ تَتِمَّ الْقُدْرَةُ إِلَّا لِي، وَلَا يَعْلَمُ مَا عِنْدِي غَيْرِي، وَأَنَا الَّذِي كَلَّمْتُ الْبِحَارَ فَفَهِمَتْ قَوْلِي، وَأَمَرْتُهَا فَفَعَلَتْ أَمْرِي، وَحَدَّدْتُ عَلَيْهَا حُدُودًا فَلَا تَعْدُو حَدِّي، وَتَأْتِي بِأَمْوَاجٍ كَالْجِبَالِ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَدِّي أَلْبَسْتُهَا مَذَلَّةً لِطَاعَتِي، وَخَوْفًا وَاعْتِرَافًا لِأَمْرِي، وَإِنِّي مَعَكَ، وَلَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ شَيْءٌ مَعِي، وَإِنِّي بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ مِنْ خَلْقِي ; لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَاتِي فَتَسْتَوْجِبَ لِذَلِكَ أَجْرَ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَإِنْ تُقَصِّرْ عَنْهَا تَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ وِزْرَ مَنْ تَرَكْتَهُ فِي عِمَايَةٍ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا، انْطَلِقْ إِلَى قَوْمِكَ فَقُمْ فِيهِمْ، وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَكُمْ بِصَلَاحِ آبَائِكُمْ ; فَلِذَلِكَ اسْتَبَقَاكُمْ يَا مَعْشَرَ أَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، كَيْفَ وَجَدَ آبَاؤُكُمْ مَغَبَّةَ طَاعَتِي، وَكَيْفَ وَجَدْتُمْ مَغَبَّةَ مَعْصِيَتِي ؟ وَهَلْ وَجَدُوا أَحَدًا عَصَانِي فَسَعِدَ بِمَعْصِيَتِي ؟ وَهَلْ عَلِمُوا أَحَدًا أَطَاعَنِي فَشَقِيَ بِطَاعَتِي ؟ إِنَّ الدَّوَابَّ إِذَا ذَكَرَتْ أَوْطَانَهَا الصَّالِحَةَ نَزَعَتْ إِلَيْهَا، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَتَعُوا فِي مُرُوجِ الْهَلَكَةِ وَتَرَكُوا الْأَمْرَ الَّذِي بِهِ أَكْرَمْتُ آبَاءَهُمْ وَابْتَغَوُا الْكَرَامَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا. أَمَّا أَحْبَارُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ فَاتَّخَذُوا عِبَادِي خَوَلًا يَتَعَبَّدُونَهُمْ وَيَحْكُمُونَ فِيهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِي، حَتَّى أَجْهَلُوهُمْ أَمْرِي، وَأَنْسَوْهُمْ ذِكْرِي وَسُنَّتِي، وَغَرُّوهُمْ عَنِّي، فَدَانَ لَهُمْ عِبَادِي بِالطَّاعَةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِي، فَهُمْ يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَتِي. وَأَمَّا مُلُوكُهُمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ، فَبَطَرُوا نِعْمَتِي، وَأَمِنُوا مَكْرِي، وَغَرَّتْهُمُ الدُّنْيَا، حَتَّى نَبَذُوا كِتَابِي، وَنَسُوا عَهْدِي، فَهُمْ يُحَرِّفُونَ كِتَابِي وَيَفْتَرُونَ عَلَى رُسُلِي ; جُرْأَةً مِنْهُمْ عَلَيَّ وَغِرَّةً بِي. فَسُبْحَانَ جَلَالِي، وَعُلُوِّ مَكَانِي، وَعَظَمَةِ شَأْنِي، هَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِي شَرِيكٌ فِي مُلْكِي ؟! وَهَلْ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَتِي ؟! وَهَلْ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْلُقَ عِبَادًا أَجْعَلُهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِي ؟! أَوْ آذَنَ لِأَحَدٍ بِالطَّاعَةِ لِأَحَدٍ وَهِيَ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِي! وَأَمَّا قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ، فَيَدْرُسُونَ مَا يَتَخَيَّرُونَ، فَيَنْقَادُونَ لِلْمُلُوكِ، فَيُتَابِعُونَهُمْ عَلَى الْبِدَعِ الَّتِي يَبْتَدِعُونَ فِي دِينِي، وَيُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَتِي، وَيُوفُونَ لَهُمْ بِالْعُهُودِ النَّاقِضَةِ لِعَهْدِي، فَهُمْ جَهَلَةٌ بِمَا يَعْلَمُونَ، لَا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا عَلِمُوا مِنْ كِتَابِي. وَأَمَّا أَوْلَادُ النَّبِيِّينَ، فَمَقْهُورُونَ وَمَفْتُونُونَ، يَخُوضُونَ مَعَ الْخَائِضِينَ، يَتَمَنَّوْنَ مِثْلَ نَصْرِي آبَاءَهُمْ، وَالْكَرَامَةَ الَّتِي أَكْرَمْتُهُمْ بِهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ، بِغَيْرِ صِدْقٍ مِنْهُمْ، وَلَا تَفَكُّرٍ، وَلَا يَذْكُرُونَ كَيْفَ كَانَ صَبْرُ آبَائِهِمْ، وَكَيْفَ كَانَ جُهْدُهُمْ فِي أَمْرِي، حَتَّى اغْتَرَّ الْمُغْتَرُّونَ، وَكَيْفَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، فَصَبَرُوا وَصَدَقُوا، حَتَّى عَزَّ أَمْرِي، وَظَهَرَ دِينِي، فَتَأَنَّيْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَعَلَّهُمْ يَسْتَحْيُونَ مِنِّي وَيَرْجِعُونَ، فَتَطَوَّلْتُ عَلَيْهِمْ وَصَفَحْتُ عَنْهُمْ، فَأَكْثَرْتُ وَمَدَدْتُ لَهُمْ فِي الْعُمُرِ، وَأَعْذَرْتُ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَكُلُّ ذَلِكَ أُمْطِرُ عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ، وَأُنْبِتُ لَهُمُ الْأَرْضَ، وَأُلْبِسُهُمُ الْعَافِيَةَ، وَأُظْهِرُهُمْ عَلَى الْعَدُوِّ، وَلَا يَزْدَادُونَ إِلَّا طُغْيَانًا وَبُعْدًا مِنِّي، فَحَتَّى مَتَى هَذَا! أَبِي يَسْخَرُونَ! أَمْ بِي يَتَمَرَّسُونَ! أَمْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ! أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ! فَإِنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي، لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَتَحَيَّرُ فِيهَا الْحَلِيمُ وَيَضِلُّ فِيهَا رَأْيُ ذَوِي الرَّأْيِ وَحِكْمَةُ الْحَكِيمِ، ثُمَّ لَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ جَبَّارًا قَاسِيًا عَاتِيًا، أُلْبِسُهُ الْهَيْبَةَ، وَأَنْزِعُ مِنْ قَلْبِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَآلَيْتُ أَنْ يَتَّبِعَهُ عَدَدٌ وَسَوَادٌ مِثْلُ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَهُ فِيهِ عَسَاكِرُ مِثْلُ قِطَعِ السَّحَابِ، وَمُوَاكِبُ مِثْلُ الْعَجَاجِ، وَكَأَنَّ حَفِيفَ رَايَاتِهِ طَيَرَانُ النُّسُورِ، وَحَمْلَ فُرْسَانِهِ كَسِرْبِ الْعِقْبَانِ، يُعِيدُونَ الْعِمْرَانَ خَرَابًا، وَالْقُرَى وَحْشًا، وَيَعِيثُونَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَيُتَبِّرُونَ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، قَاسِيَةً قُلُوبُهُمْ; لَا يَكْتَرِثُونَ، وَلَا يَرِقُّونَ، وَلَا يَرْحَمُونَ، وَلَا يُبْصِرُونَ، وَلَا يَسْمَعُونَ، يَجُولُونَ فِي الْأَسْوَاقِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ مِثْلَ زَئِيرِ الْأُسْدِ، تَقْشَعِرُّ مِنْ هَيْبَتِهَا الْجُلُودُ، وَتَطِيشُ مِنْ سَمْعِهَا الْأَحْلَامُ، بِأَلْسِنَةٍ لَا يَفْقَهُونَهَا، وَوُجُوهٍ ظَاهِرٌ عَلَيْهَا الْمُنْكَرُ، لَا يَعْرِفُونَهَا. فَوَعِزَّتِي لَأُعَطِّلَنَّ بُيُوتَهُمْ مِنْ كُتُبِي وَقُدُسِي، وَلَأُخْلِيَنَّ مَجَالِسَهُمْ مِنْ حَدِيثِهَا وَدُرُوسِهَا، وَلَأُوحِشَنَّ مَسَاجِدَهُمْ مِنْ عُمَّارِهَا وَزُوَّارِهَا، الَّذِينَ كَانُوا يَتَزَيَّنُونَ بِعِمَارَتِهَا لِغَيْرِي، وَيَتَهَجَّدُونَ فِيهَا وَيَتَعَبَّدُونَ لِكَسْبِ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، وَيَتَفَقَّهُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الدِّينِ، وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعَمَلِ. لَأُبَدِّلَنَّ مُلُوكَهَا بِالْعِزِّ الذُّلَّ، وَبِالْأَمْنِ الْخَوْفَ، وَبِالْغِنَى الْفَقْرَ، وَبِالنِّعْمَةِ الْجُوعَ، وَبِطُولِ الْعَافِيَةِ وَالرَّخَاءِ أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ، وَبِلِبَاسِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ مَدَارِعَ الْوَبَرِ وَالْعَبَاءَ، وَبِالْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ وَالْأَدْهَانِ جِيَفَ الْقَتْلَى، وَبِلِبَاسِ التِّيجَانِ أَطْوَاقَ الْحَدِيدِ وَالسَّلَاسِلَ وَالْأَغْلَالَ. ثُمَّ لَأُعِيدَنَّ فِيهِمْ بَعْدَ الْقُصُورِ الْوَاسِعَةِ وَالْحُصُونِ الْحَصِينَةِ الْخَرَابَ، وَبَعْدَ الْبُرُوجِ الْمُشَيَّدَةِ مَسَاكِنَ السِّبَاعِ، وَبَعْدَ صَهِيلِ الْخَيْلِ عُوَاءَ الذِّئَابِ، وَبَعْدَ ضَوْءِ السِّرَاجِ دُخَانَ الْحَرِيقِ، وَبَعْدَ الْأُنْسِ الْوَحْشَةَ وَالْقِفَارَ، ثُمَّ لَأُبَدِّلَنَّ نِسَاءَهَا بِالْأَسْوِرَةِ الْأَغْلَالَ، وَبِقَلَائِدِ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ سَلَاسِلَ الْحَدِيدِ، وَبِأَلْوَانِ الطِّيبِ وَالْأَدْهَانِ النَّقْعَ وَالْغُبَارَ، وَبِالْمَشْيِ عَلَى الزَّرَابِيِّ عُبُورَ الْأَسْوَاقِ وَالْأَنْهَارِ وَالْخَبَبَ إِلَى اللَّيْلِ فِي بُطُونِ الْأَسْوَاقِ، وَبِالْخُدُورِ وَالسُّتُورِ الْحُسُورَ عَنِ الْوُجُوهِ وَالسُّوقِ وَالْإِسْفَارَ، وَالْأَرْوَاحِ السَّمُومَ، ثُمَّ لَأَدُوسَنَّهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْكَائِنُ مِنْهُمْ فِي حَالِقٍ، لَوَصَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. إِنِّي إِنَّمَا أُكْرِمُ مَنْ أَكْرَمَنِي، وَإِنَّمَا أُهِينُ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ أَمْرِي. ثُمَّ لَآمُرَنَّ السَّمَاءَ خِلَالَ ذَلِكَ ; فَلَتَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ طَبَقًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَآمُرَنَّ الْأَرْضَ فَلَتَكُونَنَّ سَبِيكَةً مِنْ نُحَاسٍ، فَلَا سَمَاءَ تُمْطِرُ وَلَا أَرْضَ تُنْبِتُ، فَإِنْ أَمْطَرَتْ خِلَالَ ذَلِكَ شَيْئًا سَلَّطْتُ عَلَيْهِمُ الْآفَةَ، فَإِنْ خَلُصَ مِنْهُ شَيْءٌ نَزَعْتُ مِنْهُ الْبَرَكَةَ، وَإِنْ دَعَوْنِي لَمْ أُجِبْهُمْ، وَإِنْ سَأَلُونِي لَمْ أُعْطِهِمْ، وَإِنْ بَكَوْا لَمْ أَرْحَمْهُمْ، وَإِنْ تَضَرَّعُوا إِلَيَّ صَرَفْتُ وَجْهِي عَنْهُمْ. وَإِنْ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَنْتَ الَّذِي ابْتَدَأْتَنَا وَآبَاءَنَا مِنْ قَبْلِنَا بِرَحْمَتِكَ وَكَرَامَتِكَ وَذَلِكَ بِأَنَّكَ اخْتَرْتَنَا لِنَفْسِكَ وَجَعَلْتَ فِينَا نُبُوَّتَكَ وَكِتَابَكَ وَمَسَاجِدَكَ، ثُمَّ مَكَّنَتْ لَنَا فِي الْبِلَادِ وَاسْتَخْلَفْتَنَا فِيهَا وَرَبَّيْتَنَا وَآبَاءَنَا مِنْ قَبْلِنَا بِنِعْمَتِكَ صِغَارًا، وَحَفِظْتَنَا وَإِيَّاهُمْ بِرَحْمَتِكَ كِبَارًا، فَأَنْتَ أَوْفَى الْمُنْعِمِينَ، فَلَا تُغَيِّرْ وَإِنْ غَيَّرْنَا، وَلَا تُبَدِّلْ وَإِنْ بَدَّلْنَا، وَأَنْ تُتِمَّ فَضْلَكَ وَمَنَّكَ وَطَوْلَكَ وَإِحْسَانَكَ. فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ قُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي أَبْتَدِئُ عِبَادِي بِرَحْمَتِي وَنِعْمَتِي، فَإِنْ قَبِلُوا أَتْمَمْتُ، وَإِنِ اسْتَزَادُوا زِدْتُ، وَإِنْ شَكَرُوا ضَاعَفْتُ، وَإِنْ بَدَّلُوا غَيَّرْتُ، وَإِذَا غَيَّرُوا غَضِبْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ عَذَّبْتُ، وَلَيْسَ يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي. قَالَ كَعْبٌ: فَقَالَ أَرْمِيَا: بِرَحْمَتِكَ أَصْبَحْتُ أَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهَلْ يَنْبَغِي ذَلِكَ لِي وَأَنَا أَذَلُّ وَأَضْعَفُ مِنْ أَنْ يَنْبَغِيَ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَكِنْ بِرَحْمَتِكَ أَبْقَيْتَنِي لِهَذَا الْيَوْمِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ أَنْ يَخَافَ هَذَا الْعَذَابَ وَهَذَا الْوَعِيدَ مِنِّي، بِمَا رَضِيتَ بِهِ مِنِّي طَوْلًا، وَالْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْخَاطِئِينَ وَهُمْ يَعْصُونَكَ حَوْلِي بِغَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا تَغْيِيرٍ مِنِّي، فَإِنْ تُعَذِّبْنِي فَبِذَنْبِي وَإِنْ تَرْحَمْنِي فَذَلِكَ ظَنِّي بِكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، أَتُهْلِكُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَمَا حَوْلَهَا وَهِيَ مَسَاكِنُ أَنْبِيَائِكَ، وَمَنْزِلُ وَحْيِكَ ؟ يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ لِمَخْرَبِ هَذَا الْمَسْجِدِ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَمِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي رُفِعَتْ لِذِكْرِكَ ؟ يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ لِمَقْتِكَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَعَذَابِكَ إِيَّاهُمْ وَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ، وَأُمَّةِ مُوسَى نَجِيِّكَ، وَقَوْمِ دَاوُدَ صَفِيِّكَ، يَا رَبِّ، أَيُّ الْقُرَى تَأْمَنُ عُقُوبَتَكَ بَعْدَ أُورْشَلِيمَ ؟ وَأَيُّ الْعِبَادِ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَكَ بَعْدَ وَلَدِ خَلِيلِكَ إِبْرَاهِيمَ، وَأُمَّةِ نَجِيِّكَ مُوسَى، وَقَوْمِ خَلِيفَتِكَ دَاوُدَ ؟ تُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَبَدَةَ النِّيرَانِ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَرْمِيَا مَنْ عَصَانِي فَلَا يَسْتَنْكِرُ نِقْمَتِي ; فَإِنِّي إِنَّمَا أَكْرَمْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَلَى طَاعَتِي، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَصَوْنِي لَأَنْزَلْتُهُمْ دَارَ الْعَاصِينَ، إِلَّا أَنْ أَتَدَارَكَهُمْ بِرَحْمَتِي. قَالَ أَرْمِيَا: يَا رَبِّ، اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَحَفِظْتَنَا بِهِ، وَمُوسَى قَرَّبْتَهُ نَجَّيًا، فَنَسْأَلُكَ أَنْ تَحْفَظَنَا وَلَا تَتَخَطَّفَنَا، وَلَا تُسَلِّطَ عَلَيْنَا عَدُوَّنَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا أَرْمِيَا إِنِّي قَدَّسْتُكَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ، وَأَخَّرْتُكَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، فَلَوْ أَنَّ قَوْمَكَ حَفِظُوا الْيَتَامَى وَالْأَرَامِلَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، لَكُنْتُ الدَّاعِمَ لَهُمْ، وَكَانُوا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ جَنَّةٍ نَاعِمٍ شَجَرُهَا، طَاهِرٍ مَاؤُهَا، وَلَا يَغُورُ مَاؤُهَا، وَلَا تَبُورُ ثِمَارُهَا، وَلَا تَنْقَطِعُ وَلَكِنْ سَأَشْكُو إِلَيْكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ; إِنِّي كُنْتُ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاعِي الشَّفِيقِ، أُجَنِّبُهُمْ كُلَّ قَحْطٍ وَكُلَّ عُسْرَةٍ، وَأُتْبِعُ بِهِمُ الْخَصْبَ، حَتَّى صَارُوا كِبَاشًا يَنْطَحُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَا وَيْلَهُمْ ثُمَّ يَا وَيْلَهُمْ، إِنَّمَا أُكْرِمُ مَنْ أَكْرَمَنِي، وَأُهِينَ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ أَمْرِي، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنَ الْقُرُونِ يَسْتَخْفُونَ بِمَعْصِيَتِي، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَتَبَرَّعُونَ بِمَعْصِيَتِي تَبَرُّعًا ; فَيُظْهِرُونَهَا فِي الْمَسَاجِدِ، وَالْأَسْوَاقِ، وَعَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَظِلَالِ الْأَشْجَارِ، حَتَّى عَجَّتِ السَّمَاءُ إِلَيَّ مِنْهُمْ، وَعَجَّتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ، وَنَفَرَتْ مِنْهَا الْوُحُوشُ بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ وَأَقَاصِيهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ لَا يَنْتَهُونَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا عَلِمُوا مِنَ الْكِتَابِ. قَالَ: فَلَمَّا بَلَّغَهُمْ أَرْمِيَا رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَسَمِعُوا مَا فِيهَا مِنَ الْوَعِيدِ وَالْعَذَابِ، عَصَوْهُ وَكَذَّبُوهُ وَاتَّهَمُوهُ وَقَالُوا: كَذَبْتَ وَعَظَّمْتَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، فَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ مُعَطِّلٌ أَرْضَهُ وَمَسَاجِدَهُ مِنْ كِتَابِهِ وَعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَمَنْ يَعْبُدُهُ حِينَ لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْأَرْضِ عَابِدٌ وَلَا مَسْجِدٌ وَلَا كِتَابٌ ؟ لَقَدْ أَعْظَمْتَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَاعْتَرَاكَ الْجُنُونُ. فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ وَسَجَنُوهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُ نَصَّرَ فَأَقْبَلَ يَسِيرُ بِجُنُودِهِ حَتَّى نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ حَاصَرَهُمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ [ الْإِسْرَاءِ: 5 ]. قَالَ: فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الْحَصْرُ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ، وَتَخَلَّلُوا الْأَزِقَّةَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَحَكَمَ فِيهِمْ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَطْشَ الْجَبَّارِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمُ الثُّلُثَ، وَسَبَى الثُّلُثَ، وَتَرَكَ الزَّمْنَى وَالشُّيُوخَ وَالْعَجَائِزَ، ثُمَّ وَطِئَهُمْ بِالْخَيْلِ، وَهَدَمَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَسَاقَ الصِّبْيَانَ، وَأَوْقَفَ النِّسَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ مُحْسَرَاتٍ، وَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَخَرَّبَ الْحُصُونَ، وَهَدَمَ الْمَسَاجِدَ، وَحَرَقَ التَّوْرَاةَ، وَسَأَلَ عَنْ دَانْيَالَ الَّذِي كَانَ كَتَبَ لَهُ الْكِتَابَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، وَأَخْرَجَ أَهْلُ بَيْتِهِ الْكِتَابَ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِمْ دَانْيَالُ بْنُ حِزْقِيلَ الْأَصْغَرُ وَمِيشَائِيلُ، وَعِزْرَائِيلُ، وَمِيخَائِيلُ، فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، وَكَانَ دَانْيَالُ بْنُ حِزْقِيلَ خَلَفًا مِنْ دَانْيَالَ الْأَكْبَرِ، وَدَخَلَ بُخْتُ نَصَّرَ بِجُنُودِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَوَطِئَ الشَّامَ كُلَّهَا، وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا انْصَرَفَ رَاجِعًا، وَحَمَلَ الْأَمْوَالَ الَّتِي كَانَتْ بِهَا وَسَاقَ السَّبَايَا، فَبَلَغَ مَعَهُ عِدَّةُ صِبْيَانِهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَحْبَارِ وَالْمُلُوكِ تِسْعِينَ أَلْفَ غُلَامٍ، وَقَذَفَ الْكُنَاسَاتِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَذَبَحَ فِيهِ الْخَنَازِيرَ، وَكَانَ الْغِلْمَانُ سَبْعَةَ آلَافِ غُلَامٍ مَنْ بَيْتِ دَاوُدَ، وَأَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ وَأَخِيهِ بِنْيَامِينَ، وَثَمَانِيَةَ آلَافٍ مِنْ سِبْطِ إِيشَا بْنِ يَعْقُوبَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ زَبَالُونَ وَنِفْتَالِي ابْنَيْ يَعْقُوبَ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ دَانِ بْنِ يَعْقُوبَ، وَثَمَانِيَةَ آلَافٍ مِنْ سِبْطِ يَسْتَاخِرَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَأَلْفَيْنِ مِنْ سِبْطِ رَايْلُونَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ وَلَاوِي، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَانْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ أَرْضَ بَابِلَ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ: قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَلَمَّا فَعَلَ مَا فَعَلَ قِيلَ لَهُ: كَانَ لَهُمْ صَاحِبٌ يُحَذِّرُهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَيَصِفُكَ وَخَبَرَكَ لَهُمْ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَتَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ وَتَهْدِمُ مَسَاجِدَهُمْ وَتَحْرِقُ كَنَائِسَهُمْ، فَكَذَّبُوهُ وَاتَّهَمُوهُ، وَضَرَبُوهُ، وَقَيَّدُوهُ، وَحَبَسُوهُ. فَأَمَرَ بُخْتَ نَصَّرَ فَأَخْرَجَ أَرْمِيَا مِنَ السِّجْنِ، فَقَالَ لَهُ: أَكُنْتَ تُحَذِّرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا أَصَابَهُمْ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي عَلِمْتُ ذَلِكَ. قَالَ: أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ فَكَذَّبُونِي. قَالَ: كَذَّبُوكَ وَضَرَبُوكَ وَسَجَنُوكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ وَكَذَّبُوا رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَلْحَقَ بِي، فَأُكْرِمُكَ وَأُوَاسِيكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُقِيمَ فِي بِلَادِكَ فَقَدْ أَمَّنْتُكَ. قَالَ لَهُ أَرْمِيَا: إِنِّي لَمْ أَزَلْ فِي أَمَانِ اللَّهِ مُنْذُ كُنْتُ لَمْ أَخْرُجْ مِنْهُ سَاعَةً قَطُّ، وَلَوْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهُ، لَمْ يَخَافُوكَ وَلَا غَيْرَكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بُخْتَ نَصَّرَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ، تَرَكَهُ، فَأَقَامَ أَرْمِيَا مَكَانَهُ بِأَرْضِ إِيلِيَاءَ. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ وَأَشْيَاءُ مَلِيحَةٌ، وَفِيهِ مِنْ جِهَةِ التَّعْرِيبِ غَرَابَةٌ. بعث بختنصر لقتال بني إسرائيل بالشام وَقَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ: كَانَ بُخْتُ نَصَّرَ أُصْفَهْبَذًا لِمَا بَيْنَ الْأَهْوَازِ إِلَى الرُّومِ ; لِلْمَلِكِ عَلَى الْفُرْسِ وَهُوَ لِهْرَاسْبُ، وَكَانَ قَدْ بَنَى مَدِينَةَ بَلْخَ الَّتِي تُلَقَّبُ بِ " الْخَنْسَاءِ، وَقَاتَلَ التُّرْكَ، وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الْأَمَاكِنِ، وَبَعَثَ بُخْتُ نَصَّرَ لِقِتَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ صَالَحَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي بَعَثَ بُخْتُ نَصَّرَ إِنَّمَا هُوَ بَهْمَنُ مَلِكُ الْفُرْسِ بَعْدَ بَشْتَاسِبُ بْنِ لَهْرَاسِبُ ; وَذَلِكَ لِتَعَدِّي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى رُسُلِهِ إِلَيْهِمْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ بُخْتُ نَصَّرَ لَمَّا قَدِمَ دِمَشْقَ، وَجَدَ بِهَا دَمًا يَغْلِي عَلَى كِبًا - يَعْنِي الْقُمَامَةَ - فَسَأَلَهُمْ: مَا هَذَا الدَّمُ ؟ فَقَالُوا: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذَا، وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْكِبَا ظَهَرَ. قَالَ: فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَسَكَنَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا دَمُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بَعْدَ بُخْتُ نَصَّرَ بِمُدَّةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا دَمُ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٍ، أَوْ دَمٌ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ، أَوْ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِمَّنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. تفرق بني إسرائيل في البلاد قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: ثُمَّ قَدِمَ بُخْتُ نَصَّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا، وَكَانَ مِنْ آلِ دَاوُدَ وَصَانَعَهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَخَذَ مِنْهُ بُخْتُ نَصَّرَ رَهَائِنَ وَرَجَعَ، فَلَمَّا بَلَغَ طَبَرِيَّةَ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَارُوا عَلَى مَلِكِهِمْ فَقَتَلُوهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ صَالَحَهُ، فَضَرَبَ رِقَابَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الرَّهَائِنِ وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَأَخَذَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً وَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ وَجَدَ فِي السِّجْنِ أَرْمِيَا النَّبِيَّ، فَأَخْرَجَهُ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ، وَتَحْذِيرِهِ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَّبُوهُ وَسَجَنُوهُ، فَقَالَ بُخْتُ نَصَّرَ: بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ. وَخَلَّى سَبِيلَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ مِنْ ضُعَفَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَسَأْنَا وَظَلَمْنَا وَنَحْنُ نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا صَنَعْنَا، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَنَا. فَدَعَا رَبَّهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ فَاعِلٍ، فَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَلْيُقِيمُوا مَعَكَ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ. فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَقَالُوا: كَيْفَ نُقِيمُ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ وَقَدْ خَرِبَتْ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِهَا! فَأَبَوْا أَنْ يُقِيمُوا. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَمِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْبِلَادِ، فَنَزَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْحِجَازَ وَطَائِفَةٌ يَثْرِبَ وَطَائِفَةٌ وَادِي الْقُرَى وَذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ مِنْهُمْ إِلَى مِصْرَ فَكَتَبَ بُخْتُ نَصَّرَ إِلَى مَلِكِهَا يَطْلُبُ مِنْهُ مَنْ شَرَدَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَرَكِبَ فِي جَيْشِهِ فَقَاتَلَهُ وَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، حَتَّى بَلَغَ أَقْصَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ بِسَبْيٍ كَثِيرٍ مِنْ أَرْضِ الْمَغْرِبِ، وَمِصْرَ، وَأَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَالْأُرْدُنِّ وَفِي السَّبْيِ دَانْيَالُ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ دَانْيَالُ بْنُ حَزْقِيلَ الْأَصْغَرُ لَا الْأَكْبَرُ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  287. التاريخ 287لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ خَبَرِ دَانْيَالَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ   عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ، قَالَ: ضَرَّى بُخْتُ نَصَّرَ أَسَدَيْنِ، فَأَلْقَاهُمَا فِي جُبٍّ وَجَاءَ بِدَانْيَالَ فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِمَا، فَلَمْ يُهَيِّجَاهُ فَمَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اشْتَهَى مَا يَشْتَهِي الْآدَمِيُّونَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَرْمِيَا وَهُوَ بِالشَّامِ: أَنْ أَعْدِدْ طَعَامًا وَشَرَابًا لِدَانْيَالَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنَا بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَدَانْيَالُ بِأَرْضِ بَابِلَ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ أَعْدِدْ مَا أَمَرْنَاكَ بِهِ فَإِنَّا سَنُرْسِلُ مَنْ يَحْمِلُكَ وَيَحْمِلُ مَا أَعْدَدْتَ. فَفَعَلَ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ حَمَلَهُ وَحَمَلَ مَا أَعَدَّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَأْسِ الْجُبِّ فَقَالَ: دَانْيَالُ، دَانْيَالُ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: أَنَا أَرْمِيَا. فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ ؟ فَقَالَ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَنِي رَبِّي ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ دَانْيَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُخَيِّبُ مَنْ رَجَاهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنْ وَثِقَ بِهِ لَمْ يَكِلْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالصَّبْرِ نَجَاةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ يَكْشِفُ ضُرَّنَا بَعْدَ كَرْبِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ ثِقَتُنَا حِينَ تَسُوءُ ظُنُونُنَا بِأَعْمَالِنَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ رَجَاؤُنَا حِينَ تَنْقَطِعُ الْحِيَلُ عَنَّا. ما وجده المسلمون عند فتح تستر ودعاء النبي دانيال وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لَمَّا افْتَتَحْنَا تُسْتَرَ وَجَدْنَا فِي مَالِ بَيْتِ الْهُرْمُزَانِ سَرِيرًا، عَلَيْهِ رَجُلٌ مَيِّتٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مُصْحَفٌ، فَأَخَذْنَا الْمُصْحَفَ فَحَمَلْنَاهُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَدَعَا لَهُ كَعْبًا فَنَسَخَهُ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَأَنَا أَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ قَرَأَهُ، قَرَأْتُهُ مِثْلَ مَا أَقْرَأُ الْقُرْآنَ هَذَا. فَقُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: مَا كَانَ فِيهِ ؟ قَالَ: سِيَرُكُمْ وَأُمُورُكُمْ وَلُحُونُ كَلَامِكُمْ وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدُ. قُلْتُ: فَمَا صَنَعْتُمْ بِالرَّجُلِ ؟ قَالَ: حَفَرْنَا بِالنَّهَارِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا مُتَفَرِّقَةً، فَلَمَّا كَانَ بِاللَّيْلِ دَفَنَّاهُ وَسَوَّيْنَا الْقُبُورَ كُلَّهَا ; لِنُعَمِّيَهُ عَلَى النَّاسِ فَلَا يَنْبِشُونَهُ. قُلْتُ: فَمَا يَرْجُونَ مِنْهُ ؟ قَالَ: كَانَتِ السَّمَاءُ إِذَا حُبِسَتْ عَنْهُمْ بَرَزُوا بِسَرِيرِهِ فَيُمْطَرُونَ. قُلْتُ: مَنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَ الرَّجُلَ ؟ قَالَ: رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ دَانْيَالُ. قُلْتُ: مُنْذُ كَمْ وَجَدْتُمُوهُ قَدْ مَاتَ ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ. قُلْتُ: مَا تَغَيَّرَ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ قَالَ: لَا إِلَّا شَعَرَاتٌ مِنْ قَفَاهُ ; إِنَّ لُحُومَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تُبْلِيهَا الْأَرْضُ وَلَا تَأْكُلُهَا السِّبَاعُ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى أَبِي الْعَالِيَةِ وَلَكِنْ إِنْ كَانَ تَارِيخُ وَفَاتِهِ مَحْفُوظًا مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ بَلْ هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ ; لِأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبِيٌّ، بِنَصِّ الْحَدِيثِ الَّذِي فِي الْبُخَارِيِّ وَالْفَتْرَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمَا أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ، وَقِيلَ: سِتُّمِائَةٍ. وَقِيلَ: سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَقَدْ يَكُونُ تَارِيخُ وَفَاتِهِ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ وَقْتِ دَانْيَالَ إِنْ كَانَ كَوْنُهُ دَانْيَالَ هُوَ الْمُطَابِقَ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ; فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَجُلًا آخَرَ ; إِمَّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوِ الصَّالِحِينَ، وَلَكِنْ قَرُبَتِ الظُّنُونُ أَنَّهُ دَانْيَالُ لِأَنَّ دَانْيَالَ كَانَ قَدْ أَخَذَهُ مَلِكُ الْفُرْسِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ مَسْجُونًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّ طُولَ أَنْفِهِ شِبْرٌ. وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، أَنَّ طُولَ أَنْفِهِ ذِرَاعٌ. فَيَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْأَقْدَمِينَ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَدِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الْأَحْمَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ دَانْيَالَ دَعَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ تَدْفِنَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ فَلَمَّا افْتَتَحَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ تُسْتَرَ، وَجَدَهُ فِي تَابُوتٍ  ، تَضْرِبُ عُرُوقُهُ وَوَرِيدَهُ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ دَلَّ عَلَى دَانْيَالَ فَبَشِّرُوهُ بِالْجَنَّةِ. فَكَانَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: حُرْقُوصٌ فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ بِخَبَرِهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ أَنِ ادْفِنْهُ، وَابْعَثْ إِلَى حُرْقُوصٍ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ. وَعَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ سَعِيدٍ، - وَكَانَ عَالِمًا - قَالَ: وَجَدَ أَبُو مُوسَى مَعَ دَانْيَالَ مُصْحَفًا، وَجَرَّةً فِيهَا وَدَكٌ وَدَرَاهِمُ، وَخَاتَمُهُ، فَكَتَبَ أَبُو مُوسَى بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: أَمَّا الْمُصْحَفُ فَابْعَثْ بِهِ إِلَيْنَا، وَأَمَّا الْوَدَكُ فَابْعَثْ إِلَيْنَا مِنْهُ، وَمُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَشْفُونَ بِهِ، وَاقْسِمِ الدَّرَاهِمَ بَيْنَهُمْ، وَأَمَّا الْخَاتَمُ فَقَدْ نَفَّلْنَاكَهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى لَمَّا وَجَدَهُ وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّهُ دَانْيَالُ، الْتَزَمَهُ وَعَا?َقَهُ وَقَبَّلَهُ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ يَذْكُرُ لَهُ أَمْرَهُ، وَأَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهُ مَالًا مَوْضُوعًا، قَرِيبًا مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَكَانَ مَنْ جَاءَ اقْتَرَضَ مِنْهَا، فَإِنْ رَدَّهَا وَإِلَّا مَرِضَ، وَأَنَّ عِنْدَهُ رَبْعَةً، فَأَمَرَ عُمَرُ بِأَنْ يُغْسَلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَيُكَفَّنَ وَيُدْفَنَ، وَيُخْفَى قَبْرُهُ، فَلَا يَعْلَمُ بِهِ أَحَدٌ، وَأَمَرَ بِالْمَالِ أَنْ يُرَدَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَبِالرَّبْعَةِ فَتُحْمَلُ إِلَيْهِ، وَنَفَلَهُ خَاتَمَهُ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ أَمَرَ أَرْبَعَةً مِنَ الْأُسَرَاءِ فَسَكَرُوا نَهْرًا، وَحَفَرُوا فِي وَسَطِهِ قَبْرًا، فَدَفَنَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَدَّمَ الْأَرْبَعَةَ الْإُسَرَاءَ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَلَمْ يَعْلَمْ مَوْضِعَ قَبْرِهِ غَيْرُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، ؓ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: رَأَيْتُ فِي يَدِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ خَاتَمًا، نَقْشُ فَصِّهِ أَسَدَانِ بَيْنَهُمَا رَجُلٌ يَلْحَسَانِ ذَلِكَ الرَّجُلَ، قَالَ أَبُو بُرْدَةُ: هَذَا خَاتَمُ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَيِّتِ الَّذِي زَعَمَ أَهْلُ هَذِهِ الْبَلْدَةِ أَنَّهُ دَانْيَالُ أَخَذَهُ أَبُو مُوسَى يَوْمَ دَفَنَهُ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: فَسَأَلَ أَبُو مُوسَى عُلَمَاءَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ عَنْ نَقْشِ ذَلِكَ الْخَاتَمِ، فَقَالُوا: إِنَّ الْمَلِكَ الَّذِي كَانَ دَانْيَالُ فِي سُلْطَانِهِ جَاءَهُ الْمُنَجِّمُونَ وَأَصْحَابُ الْعِلْمِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ يُولَدُ لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا غُلَامٌ يَعُورُ مُلْكَكَ وَيُفْسِدُهُ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَاللَّهِ لَا يَبْقَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ. إِلَّا أَنَّهُمْ أَخَذُوا دَانْيَالَ فَأَلْقَوْهُ فِي أَجَمَةِ الْأَسَدِ، فَبَاتَ الْأَسَدُ وَلَبْوَتُهُ يَلْحَسَانِهِ، وَلَمْ يَضُرَّاهُ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ فَوَجَدَتْهُمَا يَلْحَسَانِهِ، فَنَجَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ مَا بَلَغَ. قَالَ أَبُو بُرْدَةَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ عُلَمَاءُ تِلْكَ الْقَرْيَةِ: فَنَقَشَ دَانْيَالُ صُورَتَهُ وَصُورَةَ الْأَسَدَيْنِ يَلْحَسَانِهِ فِي فَصِّ خَاتَمِهِ ; لِئَلَّا يَنْسَى نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. وَقِيلَ: لَمَّا تَمَّتْ عِمَارَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ أُرْمِيَا رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ، فَمَاتَ، وَأَنْقَذَ اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ عَلَى يَدَيْ دَانْيَالَ. وَكَانَ دَانْيَالُ مِمَّنْ سَبَاهُ بُخْتُ نَصَّرَ فِي تَخْرِيبِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَرَمَى بِهِ فِي جُبٍّ مَغْلُولًا فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَأَلْقَى مَعَهُ سَبُعَيْنِ، وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ الْجُبَّ، فَبَقِيَ تِسْعَةَ أَيَّامٍ. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: انْطَلِقْ فَاسْتَخْرِجْ دَانْيَالَ مِنَ الْجُبِّ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَيْهِ؟ قَالَ: يَدُلُّكَ عَلَيْهِ مَرْكَبُكَ، فَرَكِبَ أَتَانًا لَهُ، فَخَرَجَ يَطُوفُ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْجُبِّ، فَأَجَابَهُ دَانْيَالُ، فَقَالَ: قَدْ أَسْمَعْتَ فَمَا تُرِيدُ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ لِأَسْتَخْرِجَكَ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ دَانْيَالُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَنْسَى مَنْ ذَكَرَهُ،  وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَكِلُ مَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، وَبِالْإِسَاءَةِ غُفْرَانًا. ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ وَالسَّبُعَانِ يَمْشِيَانِ مَعَهُ، فَعَزَمَ عَلَيْهِمَا دَانْيَالُ أَنْ يَرْجِعَا إِلَى الْغَيْضَةِ. وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ اتَّخَذَ صَنَمًا وَأَمَرَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَلَمْ يَسْجُدْ دَانْيَالُ وَأَصْحَابُهُ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُلْقُوا فِي أَتُونٍ فَلَمْ يَحْتَرِقُوا. رؤيا بختنصر وتأويل دانيال لها عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ سَبَبُ اسْتِنْقَاذِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَرْضِ بَابِلَ أَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ لَمَّا صَدَرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْأُسَارَى، وَفِيهِمْ دَانْيَالُ وَعُزَيْرٌ، فَاتَّخَذَ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَوَلًا زَمَانًا طَوِيلًا، وَإِنَّهُ رَأَى رُؤْيَا فَزِعَ مِنْهَا، فَدَعَا كَهَنَتَهُ وَسَحَرَتَهُ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا أَصَابَهُ مِنَ الْكَرْبِ فِي رُؤْيَاهُ، وَسَأَلَهُمْ أَنْ يَعْبُرُوهَا، فَقَالُوا: قُصَّهَا عَلَيْنَا، قَالَ: قَدْ أُنْسِيتُهَا، فَأَخْبِرُونِي بِتَأْوِيلِهَا، قَالُوا: لَا نَقْدِرُ حَتَّى تَقُصَّهَا، فَغَضِبَ وَقَالَ: قَدْ أَجَّلْتُكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَتَيْتُمُونِي بِتَأْوِيلِهَا وَإِلَّا قَتَلْتُكُمْ. وَشَاعَ ذَلِكَ فِي النَّاسِ، فَبَلَغَ دَانْيَالَ وَهُوَ مَحْبُوسٌ، فَقَالَ لِصَاحِبِ السَّجْنِ: هَلْ لَكَ أَنْ تَذْكُرَنِي لِلْمَلِكِ، فَإِنَّ عِنْدِي عِلْمَ رُؤْيَاهُ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَنَالَ بِذَلِكَ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ سَطْوَةَ الْمَلِكِ، لَعَلَّ غَمَّ السَّجْنِ حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تُرَوِّحَ بِمَا لَيْسَ عِنْدَكَ فِيهِ عِلْمٌ، قَالَ دَانْيَالُ: لَا تَخَفْ عَلَيَّ فَإِنَّ لِي رَبًّا يُخْبِرُنِي بِمَا شِئْتُ مِنْ حَاجَتِي. فَانْطَلَقَ صَاحِبُ السَّجْنِ فَأَخْبَرَ بُخْتَ نَصَّرَ بِذَلِكَ، فَدَعَا دَانْيَالَ فَدَخَلَ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ إِلَّا سَجَدَ لَهُ، فَوَقَفَ دَانْيَالُ وَلَمْ يَسْجُدْ، فَقَالَ الْمَلِكُ لِمَنْ فِي الْبَيْتِ: اخْرُجُوا، فَخَرَجُوا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِي؟ قَالَ: إِنَّ لِي رَبًّا أَتَانِي هَذَا الْعِلْمَ عَلَى أَنْ لَا أَسْجُدَ لِغَيْرِهِ، فَخَشِيتُ أَنْ أَسْجُدَ لَكَ فَيَنْسَلِخَ عَنِّي الْعِلْمُ ثُمَّ أَصِيرَ فِي يَدَيْكَ أُمِّيًّا لَا تَنْتَفِعُ بِي فَتَقْتُلُنِي، فَرَأَيْتُ تَرْكَ السَّجْدَةِ أَهْوَنَ مِنَ الْقَتْلِ، وَخَطَرُ سَجْدَةٍ أَهْوَنُ مِنَ الْكَرْبِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ، فَتَرَكْتُ السُّجُودَ نَظَرًا إِلَى ذَلِكَ. فَقَالَ بُخْتُ نَصَّرَ: لَمْ يَكُنْ قَطُّ أَوْثَقَ فِي نَفْسِي مِنْكَ حَيْثُ وَفَيْتَ لِإِلَهِكَ، وَأَعْجَبُ الرِّجَالِ عِنْدِي الَّذِينَ يُوفُونَ لِأَرْبَابِهِمْ بِالْعُهُودِ، فَهَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِهَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ عِنْدِي عِلْمُهَا وَتَفْسِيرُهَا. قَالَ: رَأَيْتَ صَنَمًا عَظِيمًا، رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَرَأْسُهُ يَمَسُّ السَّمَاءَ، أَعْلَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَوَسَطُهُ مِنْ فِضَّةٍ، وَأَسْفَلُهُ مِنْ نُحَاسٍ، وَسَاقَاهُ مِنْ حَدِيدٍ، وَرِجْلَاهُ مِنْ فَخَّارٍ، فَبَيْنَا أَنْتَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُ وَإِحْكَامُ صَنْعَتِهِ قَذَفَهُ اللَّهُ بِحَجَرٍ مِنَ السَّمَاءِ فَوَقَعَ عَلَى قُبَّةِ رَأْسِهِ، فَدَقَّهُ حَتَّى طَحَنَهُ، فَاخْتَلَطَ ذَهَبُهُ وَفِضَّتُهُ وَنُحَاسُهُ وَحَدِيدُهُ وَفَخَّارُهُ حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْكَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَمَعَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يُمَيِّزُوا بَعْضَهُ مِنْ بَعْضٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ، وَلَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ لَأَذْرَتْهُ. وَنَظَرْتَ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي قُذِفَ بِهِ يَرْبُو وَيَعْظُمُ وَيَنْتَشِرُ حَتَّى مَلَأَ الْأَرَضِينَ كُلَّهَا فَصِرْتَ لَا تَرَى [إِلَّا] السَّمَاءَ وَالْحَجَرَ. قَالَ لَهُ بُخْتُ نَصَّرَ: صَدَقْتَ هَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي رَأَيْتُ. فَمَا تَأْوِيلُهَا؟ قَالَ: أَمَّا الصَّنَمُ فَأُمَمٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَفِي أَوْسَطِهِ وَفِي آخِرِهِ. وَأَمَّا الذَّهَبُ فَهَذَا الزَّمَانُ، وَهَذِهِ الْأُمَّةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا وَأَنْتَ مَلِكُهَا. وَأَمَّا الْفِضَّةُ ابْنُكَ مِنْ بَعْدِكَ يَمْلِكُهَا، وَأَمَّا النُّحَاسُ فَإِنَّهُ الرُّومُ، وَأَمَّا الْحَدِيدُ فَفَارِسُ، وَأَمَّا الْفَخَّارُ فَأُمَّتَانِ تَمْلِكُهُمَا امْرَأَتَانِ إِحْدَاهُمَا فِي مَشْرِقِ الْيَمَنِ، وَالْأُخْرَى فِي غَرْبِيِّ الشَّامِ. وَأَمَّا الْحَجَرُ الَّذِي قُذِفَ بِهِ الصَّنَمُ؟ حَذَفَ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَظْهَرُ عَلَيْهَا حَتَّى يُبْعَثَ نَبِيٌّ أُمِّيٌّ مِنَ الْعَرَبِ فَيُدَوِّخُ بِهِ الْأُمَمَ وَالْأَدْيَانَ كَمَا رَأَيْتَ الْحَجْرَ دَوَّخَ أَصْنَافَ الصَّنَمِ، وَيُظْهِرُهُ عَلَى الْأَدْيَانِ وَالْأُمَمِ كَمَا رَأَيْتَ الْحَجَرَ ظَهَرَ عَلَى الْأَرْضِ وَانْتَشَرَ فِيهَا حَتَّى مَلَأَهَا، فَيُحِقُّ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ، وَيُزْهِقُ بِهِ الْبَاطِلَ، وَيُعِزُّ بِهِ الْأَذِلَّةَ، وَيَنْصُرُ بِهِ الْمُسْتَضْعَفِينَ. فَقَالَ لَهُ بُخْتُ نَصَّرَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا اسْتَفْتَيْتُ بِهِ مُنْذُ وُلِّيتُ الْمُلْكَ عَلَى شَيْءٍ غَلَبَنِي غَيْرَكَ، وَلَا لِأَحَدٍ عِنْدِي يَدٌ أَعْظَمُ مِنْ يَدِكَ، وَأَنَا أُجَازِيكَ بِإِحْسَانِكَ، فَاخْتَرْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ أَعْرِضُهُنَّ عَلَيْكَ: إِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ أَرُدَّكَ إِلَى بِلَادِكَ، وَأُعْمِرَ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ خَرَّبْتُهُ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ كَتَبْتُ لَكَ أَمَانًا تَأْمَنُ بِهِ حَيْثُ مَا مَلَكْتَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُقِيمَ مَعِي فَأُوَاسِيَكَ. قَالَ دَانْيَالُ: أَمَّا قَوْلُكَ تَرُدُّنِي إِلَى بِلَادِي وَتَعْمُرُ لِي مَا خَرَّبْتَ، فَإِنَّهَا أَرْضٌ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا الْخَرَابَ وَعَلَى أَهْلِهَا الْفَنَاءَ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَلَيْسَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَعْمُرَ مَا خَرَّبَ اللَّهُ وَلَا تَرُدَّ أَجَلًا أَجَّلَهُ اللَّهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، وَيَنْقَضِيَ هَذَا الْبَلَاءُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَى إِيلِيَا وَأَهْلِهَا. وَأَمَّا قَوْلُكَ: أَنْ تَكْتُبَ لِي أَمَانًا آمَنُ بِهِ حَيْثُ مَا تَوَجَّهْتُ، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَطْلُبَ مَعَ أَمَانِ اللَّهِ أَمَانَ مَخْلُوقٍ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ مُوَاسَاتِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَرْفَقُ لِي يَوْمِي هَذَا حَتَّى يُقْضَى فِينَا قَضَاءٌ. منزلة دانيال عند بختنصر فَجَمَعَ بُخْتُ نَصَّرَ وَلَدَهُ وَحَشَمَهُ وَأَهْلَ الْعِلْمِ وَالرَّأْيِ مِنْ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: هَذَا رَجُلٌ حَكِيمٌ، قَدْ فَرَّجَ اللَّهُ بِهِ عَنِّي الْكَرْبَ الَّذِي عَجَزْتُ عَنْهُ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أُوَلِّيَهُ أَمْرَكُمْ، فَخُذُوا مِنْ أَدَبِهِ وَحِكْمَتِهِ وَأَعْظِمُوا حَقَّهُ، فَإِذَا جَاءَكُمْ رَسُولَانِ أَحَدُهُمَا مِنِّي وَالْآخَرُ مِنْ دَانْيَالَ فَآثِرُوا حَاجَتَهُ عَلَى حَاجَتِي. قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ دَانْيَالُ أَفْضَلَ الْمَنَازِلِ، فَجَعَلَ تَدْبِيرَ مُلْكِهِ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عُظَمَاءُ أَهْلِ بَابِلَ حَسَدُوا دَانْيَالَ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى بُخْتَ نَصَّرَ، فَقَالُوا لَهُ: لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَرْضِ مَلِكٌ أَعَزُّ مِنْ مَلِكِنَا، وَلَا قَوْمٌ أَهْيَبُ فِي صُدُورِ أَهْلِ الْأَرْضِ مِنَّا، حَتَّى دَانَتْ لَنَا الْأَرْضُ، وَالْآنَ قَدْ طَمِعُوا فِينَا مُنْذُ قَلَّدْتَ مُلْكَكَ هَذَا الْعَبْدَ الْإِسْرَائِيلِيَّ، فَقَالَ: أَتَنْقِمُونِي أَنِّي عَمَدْتُ إِلَى أَحْكَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَاسْتَعَنْتُ بِهِ. هلاك بختنصر وتنصيب ابنه مكانه ثُمَّ إِنَّ بُخْتَ نَصَّرَ هَلَكَ بِبَعُوضَةٍ سُلِّطَتْ عَلَيْهِ وَمَلَكَ مَكَانَهُ ابْنُهُ "بَلْطَا" فَبَطَشَ بَطْشَ الْجَبَّارِينَ، وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي آنِيَةِ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ الَّتِي غَنِمَهَا أَبُوهُ، فَنَهَاهُ دَانْيَالُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنَّكَ تُقْتَلُ إِلَى ثَلَاثَةٍ، وَيَسْلُبُ اللَّهُ مُلْكَكَ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ وَأَغْلَقَ بَابَهُ وَدَعَا أَوْثَقَ النَّاسِ عِنْدَهُ، وَقَالَ: الْزَمْ عَتَبَةَ بَابِي فَلَا يَمُرُّ بِكَ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إِلَّا قَتَلْتَهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنِّي أَنَا الْمَلِكُ. فَلَمَّا مَضَتِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ قَامَ الْمَلِكُ فَخَرَجَ مِنَ الْبَابِ فَرِحًا، فَمَرَّ بِالْحَارِسِ، فَقَامَ الْحَارِسُ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، فَيَقُولُ: كَذَبْتَ فَقَتَلَهُ. وفاة دانيال وَرَجَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَمَكَثُوا بِأَحْسَنِ حَالٍ حَتَّى مَاتَ دَانْيَالُ، ثُمَّ كَثُرَتْ فِيهِمُ الْأَحْدَاثُ وَالْبَغْيُ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَرْطَاصُوسَ، فَقَتَلَ وَسَبَى. وَهَذَا دَانْيَالُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُوَ مَدْفُونٌ بِالسُّوسِ، وَلَمَّا فَتَحَ أَبُو مُوسَى السُّوسَ دُلَّ عَلَى جُثَّةِ دَانْيَالَ، فَقَامَ رَجُلٌ إِلَى جُثَّتِهِ، فَكَانَتْ رُكْبَةُ دَانْيَالَ مُحَاذِيَةً رَأْسَهُ، وَلَيْسَ بِدَانْيَالَ الْأَكْبَرِ، فَإِنَّ ذَاكَ كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ،

  288. التاريخ 288لا حكم مسجّل

    [ذِكْرُ عِمَارَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ]   اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أُرِمْيَا. رَوَى عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَقَامَ أُرْمِيَا بِأَرْضِ مِصْرَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنِ الْحَقْ بِأَرْضِ إِيلِيَا، فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ لَكَ بِأَرْضٍ، فَقَامَ فَرَكِبَ حِمَارَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَقَدْ أَخَذَ مَعَهُ سَلَّةً مِنْ عِنَبٍ وَسِقَاءً جَدِيدًا أَمْلَاهُ مَاءً. فَلَمَّا بَدَا لَهُ شَخْصُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْقُرَى نَظَرَ إِلَى خَرَابٍ لَا يُوصَفُ، فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [2: 259]، ثُمَّ تَبَوَّأَ مِنْهَا مَنْزِلَهُ وَرَبَطَ حِمَارَهُ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِ السُّبَاتَ وَنَزَعَ رُوحَهُ مِائَةَ عَامٍ. فَلَمَّا مَرَّتْ مِنْهَا سَبْعُونَ أَرْسَلَ اللَّهُ مَلَكًا إِلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَنْفِرَ بِقَوْمِكَ فَتَعْمُرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِيلِيَا وَأَرْضَهَا حَتَّى تَعُودَ أَعْمَرَ مَا كَانَتْ. فَقَالَ الْمَلِكُ: أَنْظِرْنِي ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَتَأَهَّبَ لِهَذَا الْعَمَلِ. فَنَدَبَ أَلْفَ قَهْرَمَانٍ، مَعَ كُلِّ قَهْرَمَانٍ ثَلَاثَةُ آلَافِ عَامِلٍ، وَمَا يُصْلِحُهُ مِنْ أَدَاةِ الْعَمَلِ، فَسَارَتِ الْقَهَارِمَةُ فَلَمَّا وَقَعُوا فِي الْعَمَلِ رَدَّ اللَّهُ رُوحَ الْحَيَاةِ فِي عَيْنَيْ أُرْمِيَاءَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا تُعْمَرُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: اسْمُهُ كُورَشُ، وَلَمْ يَتِمَّ بِنَاؤُهَا إِلَّا بَعْدَ الْمَلِكِ الرَّابِعِ بَعْدَ كُورَشَ عَلَى سَمَاعَةَ بْنِ أَصْيَدَ، وَهُوَ مِنْ رَهْطِ دَاوُدَ. [الْقَوْلُ الثَّانِي]: إِنَّ أَرْمِيَاءَ لَبِثَ فِي مَوْتِهِ إِلَى أَنْ هَلَكَ بُخْتُ نَصَّرَ، وَكَانَ قَدْ عَاشَ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ، وَهَلَكَ بِبَعُوضَةٍ دَخَلَتْ فِي رَأْسِهِ، وَهَلَكَ الْمَلِكُ الَّذِي فَوْقَهُ، وَهُوَ لِهْرَاسِبُ، وَكَانَ مُلْكُهُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً. وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ بُشَاسِبُ، فَبَلَغَهُ عَنْ بِلَادِ الشَّامِ خَرَابٌ، وَأَنَّ السِّبَاعَ قَدْ كَثُرَتْ فِي بِلَادِ فِلَسْطِينَ فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مِنَ الْإِنْسِ أَحَدٌ، فَنَادَى فِي أَرْضِ بَابِلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الشَّامِ فَلْيَرْجِعْ، وَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ آلِ دَاوُدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْمُرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَيَبْنِيَ مَسْجِدَهَا، فَرَجَعُوا فَعَمَرُوهَا، وَرَدَّ اللَّهُ الرَّوْحَ إِلَى أُرْمِيَاءَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. [الْقَوْلُ الثَّالِثُ] وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ عُزَيْرُ بْنُ شَرْوِيقَ بْنِ عَزِيَّا بْنِ أَيُّوبَ بْنِ زُرَحْيَا بْنِ عُزَيٍّ مِنْ وَلَدِ هَارُونَ. عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ   [2: 259] قَالَ: هُوَ عُزَيْرٌ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا قَالَ عُزَيْزٌ: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [2: 259]، أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، وَأَوَّلُ مَا خُلِقَ مِنْهُ عَيْنَاهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عِظَامِهِ يَنْضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ كُسِيَتْ لَحْمًا وَنُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَاتَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَابْنُهُ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ بُعِثَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَابْنُهُ ابْنُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَأَقْبَلَ حَتَّى أَتَى قَوْمَهُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: أَنَا عُزَيْرٌ، فَقَالُوا: حَدَّثَنَا آبَاؤُنَا أَنَّ عُزَيْرًا مَاتَ، فَقَالَ: أَنَا هُوَ، أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْكُمْ أُجَدِّدُ لَكُمْ تَوْرَاتَكُمْ، وَكَانَتْ قَدْ ذَهَبَتْ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْرَأُهَا، فَأَمْلَاهَا عَلَيْهِمْ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ عُزَيْرٌ مِنَ السَّبَايَا الَّتِي سَبَاهَا بُخْتُ نَصَّرَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَرَجَعَ إِلَى الشَّامِ يَبْكِي عَلَى فَقْدِ التَّوْرَاةِ، فَجَاءَ مَلَكٌ، فَقَالَ: صُمْ وَتَطَهَّرْ وَطَهِّرْ ثِيَابِكَ وَتَعَالَى إِلَى هَذَا الْمَكَانِ، فَفَعَلَ، فَأَتَاهُ بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ فَسَقَاهُ، فَمَثُلَتِ التَّوْرَاةُ فِي صَدْرِهِ، فَرَجَعَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَلَاهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَامَ فِيهِمْ مُقِيمًا بِحَقِّ اللَّهِ، ثُمَّ تَوَفَّاهُ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْمُنَادِي: لَمَّا تَلَا عَلَيْهِمْ بَعْضَهَا افْتَتَنُوا، فَقَالُوا مَا قَالُوا، فَلَمَّا مَاتَ بُدِّلَتْ، وَكَانَ الْمُتَوَلِّي لِتَبْدِيلِهَا مِيخَائِيلَ تِلْمِيذَ عُزَيْرٍ، وَهُوَ رَأْسُ بَابِلَ كُلِّهَا. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا خَرِبَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَحْرَقَ التَّوْرَاةَ وَسَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى بَابِلَ، فَذَهَبَتِ التَّوْرَاةُ، فَجَاءَ عُزَيْرٌ فَجَدَّدَهَا لَهُمْ وَدَفَعَهَا إِلَى تِلْمِيذٍ لَهُ وَمَاتَ، فَذَلِكَ التِّلْمِيذُ زَادَ فِيهَا وَنَقَصَ. وَيَدُلُّ عَلَى تَبْدِيلِهَا أَنَّ فِيهَا أَسْفَارَ مُوسَى وَمَا جَرَى لَهُ، وَكَيْفَ كَانَ مَوْتُهُ وَوَصِيَّتُهُ إِلَى يُوشَعَ، وَحُزْنُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُشْكِلُ عَلَى عَاقِلٍ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَلَا مِنْ كَلَامِ مُوسَى، وَفِي أَيْدِي السَّامِرَةِ تَوْرَاةٌ تُخَالِفُ هَذِهِ الْمَوْجُودَةَ. وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ: سَأَلَ عُزَيْرٌ رَبَّهُ عَنِ الْقَدَرِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: سَأَلْتَنِي عَنْ عِلْمِي فَعُقُوبَتُكَ أَنْ لَا أُسَمِّيَكَ فِي الْأَنْبِيَاءِ،  فَلَمْ يُذْكَرْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: لَمَّا بُنِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ أَقَامَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَمَرَهُمْ وَكَثُرُوا إِلَى أَنْ غَلَبَتَهُمُ الرُّومُ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ.

  289. التاريخ 289لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ قِصَّةِ عُزَيْرٍ وَمَا جَاءَ فِي هَلْ كَانَ عُزَيْرٌ نَبِيًّا أَمْ لَا؟ هُوَ عُزَيْرُ بْنُ حَيْوَةَ وَيُقَالُ: ابْنُ سُورَيْقَ بْنِ عِرْنَا بْنِ أَيُّوبَ بْنِ دِرِثْنَا بْنِ عَرَى بْنِ تَقَى بْنِ السُّبُوعِ بْنِ فِنْحَاصَ بْنِ الْعَازِرِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَثَرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: وَلَا أَدْرِي أَكَانَ عُزَيْرٌ نَبِيًّا أَمْ لَا. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عُزَيْرًا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَنَّهُ كَانَ فِيمَا بَيْنَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَبَيْنَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ أَلْهَمَهُ اللَّهُ حِفْظَهَا، فَسَرَدَهَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّتَهُ فِي الْقُرْآنِ حِينَمَا دَخَلَ قَرْيَةً قَدْ بَادَ أَهْلَهَا وَهَلَكَتْ وَصَارَتْ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا فَتَعَجَّبَ كَيْفَ يُحْيِيهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. وَقَدْ عَادَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى قَوْمِهِ وَجَدَّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ وَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى آيَةً لَهُمْ.

  290. التاريخ 290لا حكم مسجّل

    وَهَذِهِ قِصَّةُ الْعُزَيْرِ   قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ: هُوَ عُزَيْرُ بْنُ حَيْوَةَ وَيُقَالُ: ابْنُ سُورَيْقَ بْنِ عِرْنَا بْنِ أَيُّوبَ بْنِ دِرِثْنَا بْنِ عَرَى بْنِ تَقَى بْنِ السُّبُوعِ بْنِ فِنْحَاصَ بْنِ الْعَازِرِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ. وَيُقَالُ: عُزَيْرُ بْنُ شُرُوخَا. جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ قَبْرَهُ بِدِمَشْقَ. هل كان العزير نبيا أم لا؟ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: لَا أَدْرِي أَلُعِنَ تُبَّعٌ أَمْ لَا، وَلَا أَدْرِي أَكَانَ عُزَيْرٌ نَبِيًّا أَمْ لَا ؟. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، أَنَّ عُزَيْرًا هُوَ الْعَبْدُ الَّذِي أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ عُزَيْرًا كَانَ عَبْدًا صَالِحًا حَكِيمًا خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى ضَيْعَةٍ لَهُ يَتَعَاهَدُهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ انْتَهَى إِلَى خَرِبَةٍ حِينَ قَامَتِ الظَّهِيرَةُ وَأَصَابَهُ الْحَرُّ، وَدَخَلَ الْخَرِبَةَ وَهُوَ عَلَى حِمَارِهِ، فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَمَعَهُ سَلَّةٌ فِيهَا تِينٌ، وَسَلَّةٌ فِيهَا عِنَبٌ، فَنَزَلَ فِي ظِلِّ تِلْكَ الْخَرِبَةِ وَأَخْرَجَ قَصْعَةً مَعَهُ، فَاعْتَصَرَ مِنَ الْعِنَبِ الَّذِي كَانَ مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ، ثُمَّ أَخْرَجَ خُبْزًا يَابِسًا مَعَهُ، فَأَلْقَاهُ فِي تِلْكَ الْقَصْعَةِ فِي الْعَصِيرِ ; لِيَبْتَلَّ لِيَأْكُلَهُ، ثُمَّ اسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَأَسْنَدَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْحَائِطِ فَنَظَرَ سَقْفَ تِلْكَ الْبُيُوتِ وَرَأَى مَا فِيهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَقَدْ بَادَ أَهْلُهَا، وَرَأَى عِظَامًا بَالِيَةً فَقَالَ: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَلَمْ يَشُكَّ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِيهَا وَلَكِنْ قَالَهَا تَعَجُّبًا، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكَ الْمَوْتِ، فَقَبَضَ رُوحَهُ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ، فَلَمَّا أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَةُ عَامٍ، وَكَانَتْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أُمُورٌ وَأَحْدَاثٌ. قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَى عُزَيْرٍ مَلَكًا فَخَلَقَ قَلْبَهُ لِيَعْقِلَ بِهِ، وَعَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ بِهِمَا ; فَيَعْقِلَ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى، ثُمَّ رَكَّبَ خَلْقَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ، ثُمَّ كَسَى عِظَامَهُ اللَّحْمَ، وَالشَّعْرَ، وَالْجِلْدَ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، كُلُّ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَى وَيَعْقِلُ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: كَمْ لَبِثْتَ، قَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ نَامَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ الظَّهِيرَةِ، وَبُعِثَ فِي آخِرِ النَّهَارِ وَالشَّمْسُ لَمْ تَغِبْ، فَقَالَ: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ وَلَمْ يَتِمَّ لِي يَوْمٌ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ يَعْنِي الطَّعَامَ ; الْخُبْزَ الْيَابِسَ، وَشَرَابَهُ ; الْعَصِيرَ الَّذِي كَانَ اعْتَصَرَ فِي الْقَصْعَةِ، فَإِذَا هُمَا عَلَى حَالِهِمَا لَمْ يَتَغَيَّرِ الْعَصِيرُ وَالْخُبْزُ يَابِسٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَمْ يَتَسَنَّهْ يَعْنِي لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَكَذَلِكَ التِّينُ وَالْعِنَبُ غَضٌّ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ حَالِهِمَا، فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ فِي قَلْبِهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: أَنْكَرْتَ مَا قُلْتُ لَكَ ؟ انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ. فَنَظَرَ فَإِذَا حِمَارُهُ قَدْ بَلِيَتْ عِظَامُهُ وَصَارَتْ نَخِرَةً، فَنَادَى الْمَلَكُ عِظَامَ الْحِمَارِ، فَأَجَابَتْ وَأَقْبَلَتْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى رَكَّبَهُ الْمَلَكُ، وَعُزَيْرٌ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَلْبَسَهَا الْعُرُوقَ وَالْعَصَبَ، ثُمَّ كَسَاهَا اللَّحْمَ، ثُمَّ أَنْبَتَ عَلَيْهَا الْجِلْدَ وَالشَّعْرَ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الْمَلَكُ، فَقَامَ الْحِمَارُ رَافِعًا رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، نَاهِقًا يَظُنُّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا [ الْبَقَرَةِ: 259 ]. يَعْنِي انْظُرْ إِلَى عِظَامِ حِمَارِكَ كَيْفَ نُرَكِّبُ بَعْضَهَا بَعْضًا فِي أَوْصَالِهَا، حَتَّى إِذَا صَارَتْ عِظَامًا مُصَوَّرًا حِمَارًا بِلَا لَحْمٍ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ نَكْسُوهَا لَحْمًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَغَيْرِهِ. قَالَ: فَرَكِبَ حِمَارَهُ حَتَّى أَتَى مَحِلَّتَهُ فَأَنْكَرَهُ النَّاسُ، وَأَنْكَرَ النَّاسَ، وَأَنْكَرَ مَنَازِلَهُمْ، فَانْطَلَقَ عَلَى وَهَمٍ مِنْهُ، حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ، فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَمْيَاءَ مُقْعَدَةٍ قَدْ أَتَى عَلَيْهَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، كَانَتْ أَمَةً لَهُمْ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ عُزَيْرٌ وَهِيَ بِنْتُ عِشْرِينَ سَنَةً، كَانَتْ عَرَفَتْهُ وَعَقَلَتْهُ، فَلَمَّا أَصَابَهَا الْكِبَرُ أَصَابَهَا الزَّمَانَةُ فَقَالَ لَهَا عُزَيْرٌ: يَا هَذِهِ أَهَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ هَذَا مَنْزِلُ عُزَيْرٍ. فَبَكَتْ وَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ كَذَا وَكَذَا سَنَةٍ يَذْكُرُ عُزَيْرًا وَقَدْ نَسِيَهُ النَّاسُ. قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ، كَانَ اللَّهُ أَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي. قَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! فَإِنَّ عُزَيْرًا قَدْ فَقَدْنَاهُ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمْ نَسْمَعْ لَهُ بِذِكْرٍ. قَالَ: فَإِنِّي أَنَا عُزَيْرٌ. قَالَتْ: فَإِنَّ عُزَيْرًا رَجُلٌ مُسْتَجَابُ الدَّعْوَةِ، يَدْعُو لِلْمَرِيضِ وَلِصَاحِبِ الْبَلَاءِ بِالْعَافِيَةِ وَالشِّفَاءِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ بَصَرِي حَتَّى أَرَاكَ، فَإِنْ كُنْتَ عُزَيْرًا عَرَفْتُكَ. قَالَ: فَدَعَا رَبَّهُ وَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى عَيْنَيْهَا فَصَحَّتَا وَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ: قُومِي بِإِذْنِ اللَّهِ. فَأَطْلَقَ اللَّهُ رِجْلَيْهَا، فَقَامَتْ صَحِيحَةً كَأَنَّمَا نَشِطَتْ مِنْ عِقَالٍ، فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ: أَشْهَدُ أَنَّكَ عُزَيْرٌ وَانْطَلَقَتْ إِلَى مَحِلَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، وَابْنٌ لِعُزَيْرٍ شَيْخٌ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وَثَمَانِي عَشْرَ سَنَةً وَبَنُو بَنِيهِ شُيُوخٌ فِي الْمَجْلِسِ، فَنَادَتْهُمْ فَقَالَتْ: هَذَا عُزَيْرٌ قَدْ جَاءَكُمْ. فَكَذَّبُوهَا، فَقَالَتْ: أَنَا فُلَانَةٌ مَوْلَاتُكُمْ دَعَا لِي رَبَّهُ، فَرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وَأَطْلَقَ رِجْلَيَّ، وَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ أَمَاتَهُ مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. قَالَ: فَنَهَضَ النَّاسُ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ، فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَقَالَ ابْنُهُ: كَانَ لِأَبِي شَامَةٌ سَوْدَاءُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. فَكَشَفَ عَنْ كَتِفَيْهِ، فَإِذَا هُوَ عُزَيْرٌ فَقَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ: فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِينَا أَحَدٌ حَفِظَ التَّوْرَاةَ فِيمَا حُدِّثْنَا غَيْرُ عُزَيْرٍ وَقَدْ حَرَّقَ بُخْتُ نَصَّرَ التَّوْرَاةَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا مَا حَفِظَتِ الرِّجَالُ فَاكْتُبْهَا لَنَا. وَكَانَ أَبُوهُ سَرُوخَا قَدْ دَفَنَ التَّوْرَاةَ أَيَّامَ بُخْتُ نَصَّرَ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَعْرِفْهُ أَحَدٌ غَيْرُ عُزَيْرٍ فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَحَفَرَهُ فَاسْتَخْرَجَ التَّوْرَاةَ، وَكَانَ قَدْ عَفِنَ الْوَرَقُ، وَدَرَسَ الْكِتَابُ. قَالَ: وَجَلَسَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ وَبَنُو إِسْرَائِيلَ حَوْلَهُ، فَجَدَّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ، وَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ شِهَابَانِ، حَتَّى دَخَلَا جَوْفَهُ، فَتَذَكَّرَ التَّوْرَاةَ، فَجَدَّدَهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. فَمِنْ ثَمَّ قَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ - جَلَّ اللَّهُ وَعَزَّ - لِلَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِ الشِّهَابَيْنِ وَتَجْدِيدِهِ التَّوْرَاةَ وَقِيَامِهِ بِأَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ جَدَّدَ لَهُمُ التَّوْرَاةَ بِأَرْضِ السَّوَادِ بِدَيْرِ حَزْقِيلَ. وَالْقَرْيَةُ الَّتِي مَاتَ فِيهَا يُقَالُ لَهَا: سَايْرَابَاذَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكَانَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ يَعْنِي لِبَنِي إِسْرَائِيلَ. وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِسُ مَعَ بَنِيهِ وَهُمْ شُيُوخٌ وَهُوَ شَابٌّ ; لِأَنَّهُ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَبَعَثَهُ اللَّهُ شَابًّا، كَهَيْئَةِ يَوْمَ مَاتَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بُعِثَ بَعْدَ بُخْتُ نَصَّرَ. وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ. وَقَدْ أَنْشَدَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ فِي مَعْنَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَسْوَدُ رَأْسٍ شَابَ مِنْ قَبْلِهِ ابْنُهُ وَمِنْ قَبْلِهِ ابْنُ ابْنِهِ فَهْوَ أَكْبَرُ     يَرَى ابْنَ ابْنِهِ شَيْخًا يَدِبُّ عَلَى عَصَا وَلِحْيَتُهُ سَوْدَاءُ وَالرَّأْسُ أَشْقَرُ     وَمَا لِابْنِهِ حَيْلٌ وَلَا فَضْلُ قُوَّةٍ يَقُومُ كَمَا يَمْشِي الصَّبِيُّ فَيَعْثِرُ     يُعَدَّ ابْنُهُ فِي النَّاسِ تِسْعِينَ حِجَّةً وَعِشْرِينَ لَا يَجْرِي وَلَا يَتَبَخْتَرُ     وَعُمْرُ أَبْيهِ أَرْبَعُونَ أَمَرَّهَا وَلِابْنِ ابْنِهِ تِسْعُونَ فِي النَّاسِ غُبَّرُ     فَمَا هُوَ فِي الْمَعْقُولِ إِنْ كُنْتَ دَارِيًا وَإِنَّ كُنْتَ لَا تَدْرِي فَبِالْجَهْلِ تُعْذَرُ

  291. التاريخ 291لا حكم مسجّل

    الْمَشْهُورُ أَنَّ عُزَيْرًا نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ  وَأَنَّهُ كَانَ فِيمَا بَيْنَ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَبَيْنَ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى، وَأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَبْقَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مَنْ يَحْفَظُ التَّوْرَاةَ أَلْهَمَهُ اللَّهُ حِفْظَهَا، فَسَرَدَهَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أَمَرَ اللَّهُ مَلَكًا فَنَزَلَ بِمِغْرَفَةٍ مِنْ نُورٍ فَقَذَفَهَا فِي فِي عُزَيْرٍ فَنَسَخَ التَّوْرَاةَ حَرْفًا بِحَرْفٍ، حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [ التَّوْبَةِ: 30 ]. لِمَ قَالُوا ذَلِكَ ؟ فَذَكَرُ لَهُ ابْنُ سَلَامٍ مَا كَانَ مِنْ كَتْبِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ التَّوْرَاةَ مِنْ حِفْظِهِ، وَقَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: لَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يَأْتِيَنَا بِالتَّوْرَاةِ إِلَّا فِي كِتَابٍ، وَإِنَّ عُزَيْرًا قَدْ جَاءَنَا بِهَا مِنْ غَيْرِ كِتَابٍ. فَرَمَاهُ طَوَائِفُ مِنْهُمْ، وَقَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وَلِهَذَا يَقُولُ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ تَوَاتُرَ التَّوْرَاةِ انْقَطَعَ فِي زَمَنِ الْعُزَيْرِ. وَهَذَا مُتَّجِهٌ جِدًّا إِذَا كَانَ الْعُزَيْزُ غَيْرَ نَبِيٍّ، كَمَا قَالَهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: كَانَ فِي الْفَتْرَةِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ: بُخْتُ نَصَّرَ وَجَنَّةُ صَنْعَاءَ، وَجَنَّةُ سَبَأٍ، وَأَصْحَابُ الْأُخْدُودِ وَأَمْرُ حَاصُورَا، وَأَصْحَابُ الْكَهْفِ، وَأَصْحَابُ الْفِيلِ، وَمَدِينَةُ أَنْطَاكِيَةَ، وَأَمْرُ تُبَّعٍ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَ أَمْرُ عُزَيْرٍ وَبُخْتُ نَصَّرَ فِي الْفَتْرَةِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَأَنَا، إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ فِيمَا بَيْنَ سُلَيْمَانَ وَعِيسَى، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ عُزَيْرًا كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَأَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ - يَعْنِي لِمَا كَانَ مِنْ سُؤَالِهِ عَنِ الْقَدَرِ - وَأَنَّهُ انْصَرَفَ وَهُوَ يَقُولُ: مِائَةُ مَوْتَةٍ أَهْوَنُ مِنْ ذُلِّ سَاعَةٍ. وَفِي مَعْنَى قَوْلِ عُزَيْرٍ: مِائَةُ مَوْتَةٍ أَهْوَنُ مِنْ ذُلِّ سَاعَةٍ. قَوْلُ بَعْضِ الشُّعَرَاءِ: قَدْ يَصْبِرُ الْحُرُّ عَلَى السَّيْفِ وَيَأْنَفُ الصَّبْرَ عَلَى الْحَيْفِ     وَيُؤْثِرُ الْمَوْتَ عَلَى حَالَةٍ يَعْجَزُ فِيهَا عَنْ قِرَى الضَّيْفِ وَعَنْ نَوْفٍ الْبِكَالِيِّ قَالَ: قَالَ عُزَيْرٌ فِيمَا يُنَاجِي رَبَّهُ: يَا رَبِّ، تَخْلُقُ خَلْقًا، فَتُضِلُّ مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ. فَقِيلَ لَهُ: أَعْرِضْ عَنْ هَذَا. فَعَادَ فَقِيلَ لَهُ: لَتُعْرِضَنَّ عَنْ هَذَا أَوْ لَأَمْحُوَنَّ اسْمَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، إِنِّي لَا أُسْأَلُ عَمَّا أَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَهَذَا يَقْتَضِي وُقُوعَ مَا تُوُعِّدَ عَلَيْهِ لَوْ عَادَ، فَمَا عَادَ، فَمَا مُحِيَ اسْمُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَزَلَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ، فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً فَرَوَى عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ عُزَيْرٌ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ عُزَيْرٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  292. التاريخ 292لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ نَبِيِّ اللَّهِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُصَّ عَلَى النَّاسِ خَبَرَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ، وَذَلِكَ لَمَّا كَفَلَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، وَكَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا مِحْرَابَهَا وَجَدَ عِنْدَهَا فَاكِهَةً فِي غَيْرِ أَوَانِهَا، وَلَا فِي أَوَانِهَا، وَهَذِهِ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَعَلِمَ أَنَّ الرَّازِقَ لِلشَّيْءِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَعَنَ فِي سِنِّهِ. و هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمُرَادُ بِالْمَوَالِي الْعُصْبَةُ، وَكَأَنَّهُ خَافَ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ بَعْدَهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا يُوَافِقُ شَرْعَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ، فَسَأَلَ وُجُودَ وَلَدٍ مِنْ صُلْبِهِ يَكُونُ بَرًّا تَقِيًّا مَرْضِيًّا، وَلِهَذَا قَالَ: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ. وَلِيًّا يَرِثُنِي أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ وَالْحُكْمِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَعْنِي كَمَا كَانَ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ أَنْبِيَاءَ، فَاجْعَلْهُ مِثْلَهُمْ فِي الْكَرَامَةِ الَّتِي أَكْرَمْتَهُمْ بِهَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ. وَعِنْدَئِذٍ قَالَ زَكَرِيَّا رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً عَلَامَةً أَعْرِفُ بِهَا وَقْتَ حَمْلِ امْرَأَتِي بِهَذَا الْوَلَدِ، قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا، فَيَعْتَرِيكَ الصَّمْتُ فَلَا تَقْدِرُ عَلَى التَّكَلُّمِ إِلَّا رَمْزًا رَغْمَ صِحَّةِ الْبَدَنِ وَانْتِفَاءِ الْمَرَضِ، فَلَمَّا بُشِّرَ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ خَرَجَ مَسْرُورًا فَأَشَارَ إِلَى قَوْمِهِ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا وَقَدْ وَهَبَهُ اللَّهُ وَلَدًا عَلَى الْكِبَرِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِرًا فِي حَالِ شَبِيبَتِهَا، حَتَّى لَا يَيْأَسَ أَحَدٌ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَلَا يَقْنَطَ مِنْ فَضْلِهِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ. فَوَهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. هَذَا وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي مَوْتِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ هَلْ قُتِلَ قَطْعًا بِالْمِنْشَارِ حِينَمَا هَرَبَ مِنْ قَوْمِهِ فَاخْتَبَأَ فِي شَجَرَةٍ فَقَطَعُوهَا وَهُوَ بِدَاخِلِهَا أَمْ أَنَّهُ مَاتَ مَوْتًا عَلَيْهِ السَّلَامُ.

  293. التاريخ 293لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ  . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي كِتَابِهِ " التَّارِيخُ " الْمَشْهُورِ الْحَافِلِ: زَكَرِيَّا بْنُ حَنَّا وَيُقَالُ: زَكَرِيَّا بْنُ دَانٍ، وَيُقَالُ: زَكَرِيَّا بْنُ أَدَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ صَدُوقِ بْنِ مَحْمَانَ بْنِ دَاوُدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ صَدِيقَةَ بْنِ بِرْحِيَةَ بْنِ مَلْقَاطْيَةَ بْنِ نَاحُورَ بْنِ سَلُومَ بْنِ بَهَفَانْيَا بْنِ حَاشَ بْنِ أَنِي بْنِ خَثْعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، أَبُو يَحْيَى النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، دَخَلَ الْبَثَنِيَّةَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ فِي طَلَبِ ابْنِهِ يَحْيَى. وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ بِدِمَشْقَ حِينَ قُتِلَ ابْنُهُ يَحْيَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي نَسَبِهِ. وَيُقَالُ فِيهِ: زَكَرِيَّاءُ بِالْمَدِّ وَبِالْقَصْرِ. وَيُقَالُ: زَكَرِيٌّ أَيْضًا. وَقِيلَ: ابْنُ بَرْخِيَا - مِنْ أَوْلَادِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ [ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ]

  294. التاريخ 294لا حكم مسجّل

    حياة زكريا عليه السلام قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلٌ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا [ مَرْيَمَ: 1 - 15 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ [ آلِ عِمْرَانَ: 37 - 41 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْأَنْبِيَاءِ ": وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 89، 90 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ [ الْأَنْعَامِ: 85 ]. اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَقُصَّ عَلَى النَّاسِ خَبَرَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ حِينَ وَهَبَهُ اللَّهُ وَلَدًا عَلَى الْكِبَرِ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ عَاقِرًا فِي حَالِ شَبِيبَتِهَا، وَقَدْ أَسَنَّتْ أَيْضًا ; حَتَّى لَا يَيْأَسَ أَحَدٌ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، وَلَا يَقْنَطَ مَنْ فَضْلِهِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، فَقَالَ تَعَالَى: ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ قَتَادَةُ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْقَلْبَ النَّقِيَّ وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ الْخَفِيَّ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَنَادَى رَبَّهُ مُنَادَاةً أَسَرَّهَا عَمَّنْ كَانَ حَاضِرًا عِنْدَهُ ; مُخَافَتَةً فَقَالَ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ. فَقَالَ اللَّهُ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي أَيْ: ضَعُفَ وَخَارَ مِنَ الْكِبَرِ. وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا اسْتِعَارَةٌ مِنَ اشْتِعَالِ النَّارِ فِي الْحَطَبِ، أَيْ غَلَبَ عَلَى سَوَادِ الشَّعْرِ شَيْبُهُ، كَمَا قَالَ ابْنُ دُرَيْدٍ فِي مَقْصُورَتِهِ: إِمَّا تَرَى رَأْسِي حَاكَى لَوْنُهُ طُرَّةَ صُبْحٍ تَحْتَ أَذْيَالِ الدُّجَى     وَاشْتَعَلَ الْمُبْيَضُّ فِي مُسْوَدِّهِ مِثْلَ اشْتِعَالِ النَّارِ فِي جَزْلِ الْغَضَا     وَآضَ رَوْضُ اللَّهْوِ يَبْسًا ذَاوِيًا مِنْ بَعْدِ مَا قَدْ كَانَ مَجَّاجَ الثَّرَى يَذْكُرُ أَنَّ الضَّعْفَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَهَكَذَا قَالَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَقَوْلُهُ: وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا أَيْ: مَا عَوَّدْتَنِي فِيمَا أَسْأَلُكَ فِيهِ إِلَّا الْإِجَابَةَ. وَكَانَ الْبَاعِثُ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

  295. التاريخ 295لا حكم مسجّل

    دعاء زكريا عليه السلام وَأَنَّهُ لَمَّا كَفَلَ مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ بْنِ مَاثَانَ، وَكَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا مِحْرَابَهَا وَجَدَ عِنْدَهَا فَاكِهَةً فِي غَيْرِ أَوَانِهَا، وَلَا فِي أَوَانِهَا، وَهَذِهِ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، فَعَلِمَ أَنَّ الرَّازِقَ لِلشَّيْءِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَهُ وَلَدًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ طَعَنَ فِي سِنِّهِ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ وَقَوْلُهُ: وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَوَالِي الْعُصْبَةُ، وَكَأَنَّهُ خَافَ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ بَعْدَهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا لَا يُوَافِقُ شَرْعَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ، فَسَأَلَ وُجُودَ وَلَدٍ مِنْ صُلْبِهِ يَكُونُ بَرًّا تَقِيًّا مَرْضِيًّا، وَلِهَذَا قَالَ: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ. الأنبياء لا تورث وَلِيًّا يَرِثُنِي أَيْ: فِي النُّبُوَّةِ وَالْحُكْمِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا يَعْنِي كَمَا كَانَ آبَاؤُهُ وَأَسْلَافُهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ أَنْبِيَاءَ، فَاجْعَلْهُ مِثْلَهُمْ فِي الْكَرَامَةِ الَّتِي أَكْرَمْتَهُمْ بِهَا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْوَحْيِ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ هَاهُنَا وِرَاثَةَ الْمَالِ. قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ فَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يُورَثُ، وَلِهَذَا مَنَعَ الصِّدِّيقُ أَنْ يُصْرَفُ مَا كَانَ يَخْتَصُّ بِهِ فِي حَيَاتِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ وُرَّاثِهِ الَّذِينَ لَوْلَا هَذَا النَّصُّ لَصُرَفَ إِلَيْهِمْ، وَهُمُ: ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ، وَأَزْوَاجُهُ التِّسْعُ، وَعَمُّهُ الْعَبَّاسُ، ؓ، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمُ الصِّدِّيقُ فِي مَنْعِهِ إِيَّاهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَآخَرُونَ، ؓ. الثَّانِي أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَاهُ بِلَفْظٍ يَعُمُّ سَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ: نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ وَصَحَّحَهُ. الثَّالِثُ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ أَحْقَرَ عِنْدَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ أَنْ يَكْنِزُوا لَهَا أَوْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهَا أَوْ يُهِمَّهُمْ أَمْرُهَا، حَتَّى يَسْأَلُوا الْأَوْلَادَ لِيَحُوزُوهَا بَعْدَهُمْ ; فَإِنَّ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ مَنَازِلِهِمْ فِي الزَّهَادَةِ لَا يَهْتَمُّ بِهَذَا الْمِقْدَارِ أَنْ يَسْأَلَ وَلَدًا يَكُونُ وَارِثًا لَهُ فِيهَا. عمل زكريا عليه السلام الرَّابِعُ، أَنَّ زَكَرِيَّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ نَجَّارًا يَعْمَلُ بِيَدِهِ، وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهَا  ، كَمَا كَانَ دَاوُدُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، وَالْغَالِبُ - وَلَا سِيَّمَا مَنْ مِثْلُ حَالِ الْأَنْبِيَاءِ - أَنَّهُ لَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي الْعَمَلِ إِجْهَادًا يَسْتَفْضِلُ مِنْهُ مَالًا يَكُونُ ذَخِيرَةً لَهُ يَخْلُفُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ بَيِّنٌ وَاضِحٌ لِكُلِّ مِنْ تَأَمَّلَهُ بِتَدَبُّرٍ وَتَفَهُّمٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا.

  296. التاريخ 296لا حكم مسجّل

    بشارة زكريا بابنه يحيى عليهما السلام وَقَوْلُهُ: يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا وَهَذَا مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَلَمَّا بُشِّرَ بِالْوَلَدِ وَتَحَقَّقَ الْبِشَارَةَ، شَرَعَ يَسْتَعْلِمُ - عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ - وُجُودَ الْوَلَدِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ لَهُ: قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أَيْ: كَيْفَ يُوجَدُ وَلَدٌ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ، قِيلَ: كَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ سَبْعًا وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَالْأَشْبَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، أَنَّهُ كَانَ أَسَنَّ مِنْ ذَلِكَ. وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا يَعْنِي، وَقَدْ كَانَتِ امْرَأَتِي فِي حَالِ شَبِيبَتِهَا عَاقِرًا لَا تَلِدُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونِ وَقَالَتْ سَارَّةُ: يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [ هُودٍ: 72، 73 ]. وَهَكَذَا أُجِيبَ زَكَرِيَّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ ; قَالَ لَهُ الْمَلَكُ الَّذِي يُوحِي إِلَيْهِ بِأَمْرِ رَبِّهِ: كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أَيْ: هَذَا سَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا أَيْ: قُدْرَتُهُ أَوْجَدَتْكَ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، أَفَلَا يُوجِدُ مِنْكَ وَلَدًا وَإِنْ كُنْتَ شَيْخًا كَبِيرًا ؟! وَقَالَ تَعَالَى: فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 90 ]. وَمَعْنَى إِصْلَاحِ زَوْجَتِهِ  ، أَنَّهَا كَانَتْ لَا تَحِيضُ فَحَاضَتْ. وَقِيلَ: كَانَ فِي لِسَانِهَا شَيْءٌ ; أَيْ بَذَاءَةٌ.

  297. التاريخ 297لا حكم مسجّل

    آية زكريا عليه السلام قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أَيْ: عَلَامَةً عَلَى وَقْتَ تَعْلَقُ مِنِّي الْمَرْأَةُ بِهَذَا الْوَلَدِ الْمُبَشَّرِ بِهِ. قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا يَقُولُ: عَلَامَةُ ذَلِكَ أَنْ يَعْتَرِيَكَ سَكْتٌ، لَا تَنْطِقُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا، وَأَنْتَ فِي ذَلِكَ سَوِيُّ الْخَلْقِ، صَحِيحُ الْمِزَاجِ، مُعْتَدِلُ الْبِنْيَةِ. وَأُمِرَ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ فِي هَذِهِ الْحَالِ بِالْقَلْبِ، وَاسْتِحْضَارِ ذَلِكَ بِفُؤَادِهِ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ، فَلَمَّا بُشِّرَ بِهَذِهِ الْبِشَارَةِ، خَرَجَ مَسْرُورًا بِهَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ مِحْرَابِهِ. فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا وَالْوَحْيُ هَاهُنَا هُوَ الْأَمْرُ الْخَفِيُّ ; إِمَّا بِكِتَابَةٍ، كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ أَوْ إِشَارَةٍ، كَمَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ - أَيْضًا - وَوَهْبٌ، وَقَتَادَةُ. قَالَ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَوَهُبٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ: اعْتُقِلَ لِسَانُهُ مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كَانَ يَقْرَأُ وَيُسَبِّحُ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَطِيعُ كَلَامَ أَحَدٍ.

  298. التاريخ 298لا حكم مسجّل

    وفاة زكريا عليه السلام لَمَّا قُتِلَ يَحْيَى وَسَمِعَ أَبُوهُ بِقَتْلِهِ فَرَّ هَارِبًا فَدَخَلَ بُسْتَانًا عِنْدَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِيهِ أَشْجَارٌ، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ فِي طَلَبِهِ، فَمَرَّ زَكَرِيَّاءُ بِالشَّجَرَةِ. فَنَادَتْهُ: هَلُمَّ إِلَيَّ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! فَلَمَّا أَتَاهَا انْشَقَّتْ فَدَخَلَهَا، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِ وَبَقِيَ فِي وَسَطِهَا. فَأَتَى عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ فَأَخَذَ هُدْبَ رِدَائِهِ فَأَخْرَجَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ لِيُصَدِّقُوهُ إِذَا أَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا نَلْتَمِسُ زَكَرِيَّاءَ. فَقَالَ: إِنَّهُ سَحَرَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَانْشَقَّتْ لَهُ فَدَخَلَهَا، قَالُوا: لَا نُصَدِّقُكَ ! قَالَ: فَإِنَّ لِي عَلَامَةً تُصَدِّقُونِي بِهَا، فَأَرَاهُمْ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَأَخَذُوا الْفُئُوسَ وَقَطَعُوا الشَّجَرَةَ بِاثْنَتَيْنِ وَشَقُّوهَا بِالْمِنْشَارِ، فَمَاتَ زَكَرِيَّاءُ فِيهَا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَخْبَثَ أَهْلِ الْأَرْضِ فَانْتَقَمَ بِهِ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ السَّبَبَ فِي قَتْلِهِ أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى مَجَالِسِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَذَفَ زَكَرِيَّاءَ بِمَرْيَمَ وَقَالَ لَهُمْ: مَا أَحْبَلَهَا غَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَطَلَبُوهُ فَهَرَبَ. وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، هَلْ مَاتَ زَكَرِيَّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَوْتًا، أَوْ قُتِلَ قَتْلًا  ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ; فَرَوَى عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ قَالَ: هَرَبَ مِنْ قَوْمِهِ، فَدَخَلَ شَجَرَةً فَجَاءُوا فَوَضَعُوا الْمِنْشَارَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا وَصَلَ الْمِنْشَارُ إِلَى أَضْلَاعِهِ أَنَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لَئِنْ لَمْ يَسْكُنْ أَنِينُكَ لَأَقْلِبَنَّ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. فَسَكَنَ أَنِينُهُ حَتَّى قُطِعَ بِاثْنَتَيْنِ. وَعَنْ وَهْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي انْصَدَعَتْ لَهُ الشَّجَرَةُ هُوَ أَشْعِيَا، فَأَمَّا زَكَرِيَّا فَمَاتَ مَوْتًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  299. التاريخ 299لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ نَبِيِّ اللَّهِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وُلِدَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَسَمَّاهُ وَالِدَيْهِ يَحْيَى وَلَمْ يُسَمَّى قَبْلَهُ أَحَدٌ بِهَذَا الِاسْمِ. وَقَدْ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ وَهُوَ فِي صِبَاهُ قَالَ قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الصِّبْيَانُ لِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا: اذْهَبْ بِنَا نَلْعَبْ. فَقَالَ: مَا لِلَّعِبِ خُلِقْنَا. وَكَانَ صِفَتَهُ الْحُنُوُّ عَلَى أَهْلِهِ وَطَهَارَةُ الْخُلُقِ وَالسُّمُوُّ عَنِ النَّقَائِصِ وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا. كَانَ كَثِيرَ الْعُزْلَةِ عَنِ النَّاسِ، حَيْثُ كَانَ يَأْنَسُ إِلَى الْبَرَارِيِّ، وَيَأْكُلُ مِنْ وَرَقِ الْأَشْجَارِ، وَيَرِدُ مَاءَ الْأَنْهَارِ، وَيَتَغَذَّى بِالْجَرَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَيَقُولُ: مَنْ أَنْعَمَ مِنْكَ يَا يَحْيَى. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْعَاصِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا. حَيْثُ كَانَ سَيِّدًا وَحَصُورًا. وَقَدْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ. وَقَدْ قَتَلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ذَبْحًا لِأَجْلِ امْرَأَةٍ بِغَيٍّ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فَظَلَّ دَمُهُ يَغْلِي حَتَّى جَاءَ بُخْتَ نَصَّرَ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ عَلَى الدَّمِ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى سَكَنَ.

  300. التاريخ 300لا حكم مسجّل

    بَابُ ذِكْرِ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلَامُ   وُلِدَ يَحْيَى قَبْلَ عِيسَى بِسِتَّةِ [ أَشْهُرٍ ]. وَقِيلَ: قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى [ يَحْيَى ] وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مَنْ تَسَمَّى هَذَا الِاسْمَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا.

  301. التاريخ 301لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَا عُوقِبَ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِقَتْلِهِمْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا   [ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِنْ هَوَانِ الدُّنْيَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا قَتَلَتْهُ امْرَأَةٌ ]. زَعَمَ السُّدِّيُّ، عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ رَجُلًا رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ خَرَابَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهَلَاكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى يَدَيْ غُلَامٍ يَتِيمٍ ابْنِ أَرْمَلَةٍ مِنْ أَهْلِ بَابِلَ يُدْعَى " بُخْتَ نَصَّرَ "، فَأَقْبَلَ يَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أُمِّهِ وَهِيَ تَحْتَطِبُ، فَلَمَّا جَاءَ عَلَى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ أَلْقَاهَا ثُمَّ قَعَدَ فِي الْبَيْتِ، فَكَلَّمَهُ ثُمَّ أَعْطَاهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِهَا طَعَامًا وَشَرَابًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَكْتُبَ لِي أَمَانًا إِنْ أَنْتَ مَلَكَتْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ. قَالَ: تَسْخَرُ بِي ؟ !. قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مَا عَلَيْكَ أَنْ تَتَّخِذَ عِنْدِي بِهَا يَدًا. قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: وَمَا عَلَيْكَ إِنْ كَانَ، وَإِلَّا لَمْ يَنْقُصْكَ شَيْئًا. فَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَالنَّاسُ حَوْلَكَ قَدْ حَالُوا بَيْنِي وَبَيْنَكَ ؟ فَاجْعَلْ لِي آيَةً تَعْرِفُنِي بِهَا. قَالَ: تَرْفَعُ صَحِيفَتَكَ عَلَى قَصَبَةٍ فَأَعْرِفُكَ بِهَا، فَكَسَاهُ وَأَعْطَاهُ. فَلَمَّا قُتِلَ يَحْيَى أَصْبَحَ دَمُهُ يَغْلِي، فَلَمْ يَزَلْ يُلْقَى عَلَيْهِ التُّرَابُ وَيَغْلِي إِلَى أَنْ بَلَغَ سُورَ الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ بُخْتَ نَصَّرَ مِنْ قِبَلِ صِيحَائِينَ الْمَلِكِ، فَتَحَصَّنَ الْقَوْمُ مِنْهُ فِي مَدَائِنِهِمْ، فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْمُقَامُ هَمَّ بِالرُّجُوعِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَتْ: إِنْ فَتَحْتُ لَكَ الْمَدِينَةَ، أَتُعْطِينِي مَا أَسْأَلُكَ فَتَقْتُلُ مَنْ آمُرُكَ بِقَتْلِهِ، وَتَكُفُّ إِذَا أَمَرْتُكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَاقْسِمْ جُنْدَكَ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ، ثُمَّ أَقِمْ عَلَى كُلِّ زَاوِيَةٍ رُبْعًا، ثُمَّ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ فَنَادُوا: إِنَّا نَسْتَفْتِحُكِ بِاللَّهِ بِدَمِ يَحْيَى [ ابْنِ زَكَرِيَّا، فَإِنَّهَا سَوْفَ تَتَسَاقَطُ. فَفَعَلُوا فَتَسَاقَطَتِ الْمَدِينَةُ، وَدَخَلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، فَقَالَتِ: اقْتُلْ عَلَى هَذَا الدَّمِ حَتَّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ أَلْفًا، فَلَمَّا سَكَنَ الدَّمُ، قَالَتْ: كُفَّ يَدَكَ، فَإِنَّهُ إِذَا قُتِلَ نَبِيٌّ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ حَتَّى يُقْتَلَ مَنْ قَتَلَهُ، وَمَنْ رَضِيَ قَتْلَهُ. فَأَتَاهُ صَاحِبُ الصَّحِيفَةِ بِصَحِيفَةٍ فَكَفَّ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَخَرَّبَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَأَمَرَ أَنْ يُطْرَحَ فِيهِ الْجِيَفُ، وَقَالَ: مَنْ طَرَحَ فِيهِ جِيفَةً فَلَهُ جِزْيَتُهُ تِلْكَ السَّنَةِ، وَأَعَانَهُ عَلَى إِخْرَابِهِ الرُّومُ مِنْ أَجْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ قَتَلُوا يَحْيَى. فَلَمَّا خَرَّبَهُ بُخْتَ نَصَّرَ ذَهَبَ مَعَهُ بِوُجُوهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْهُمْ: دَانْيَالُ، فَلَمَّا قَدِمَ أَرْضَ بَابِلَ وَجَدَ صِيحَائِينَ قَدْ مَاتَ، فَمَلَكَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَجُوسُ: إِنَّ الَّذِينَ قَدِمْتَ بِهِمْ دَانْيَالُ وَأَصْحَابُهُ، لَا يَعْبُدُونَ إِلَهَكَ، وَلَا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَبِيحَتِكَ، [ فَدَعَاهُمْ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَالُوا: أَجَلْ [ إِنَّ ] لَنَا رَبًّا نَعْبُدُهُ وَلَا نَأْكُلُ مِنْ ذِبْحَتِكُمْ ] فَأَمَرَ بِخَدٍّ فَخُدَّ لَهُمْ، فَأُلْقُوا فِيهِ وَهُمْ سِتَّةٌ، وَأُلْقِيَ مَعَهُمْ سَبْعٌ ضَارٍ لِيَأْكُلَهُمْ، فَلَمَّا رَاحُوا إِلَيْهِمْ وَجَدُوهُمْ جُلُوسًا، وَالسَّبْعُ مُفْتَرِشٌ ذِرَاعَيْهِ، وَوَجَدُوا مَعَهُمْ رَجُلًا فَعَدُّوهُمْ فَوَجَدُوهُمْ سَبْعَةً، فَقَالُوا: إِنَّمَا كَانُوا سِتَّةً، فَخَرَجَ السَّابِعُ وَكَانَ مَلَكًا فَلَطَمَ بُخْتَ نَصَّرَ لَطْمَةً، فَصَارَ فِي الْوَحْشِ، فَكَانَ فِيهِمْ سَبْعَ سِنِينَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ بُخْتَ نَصَّرَ هُوَ الَّذِي غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَتْلِهِمْ يَحْيَى غَلَطٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأُمُورِ الْمَاضِينَ، لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بُخْتَ نَصَّرَ إِنَّمَا غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ قَتْلِهِمْ نَبِيَّهُمْ شَعْيَاءَ فِي عَهْدِ إِرْمِيَاءَ، وَبَيْنَ أَرْمِيَاءَ وَتَخْرِيبِ بُخْتَ نَصَّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَى مَوْلِدِ يَحْيَى أَرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً، وَهَذَا مِمَّا يَتَّفِقُ عَلَيْهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَيَذْكُرُونَ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَسْفَارِهِمْ مُبَيَّنٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَعُدُّونَ مِنْ لَدُنِ تَخْرِيبِ بُخْتَ نَصَّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ إِلَى حِينِ عُمْرَانِهَا فِي عَهْدِ كِيرَشَ أَصْبَهْبَذِ بَابِلَ مِنْ قِبَلِ بَهْمَنَ، ثُمَّ مِنْ قِبَلِ خَمَّانِي سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ عُمْرَانِهِ إِلَى ظُهُورِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَيْهَا وَحِيَازَةِ مُمْلَكِهَا إِلَى مَمْلَكَتِهِ ثَمَانِيًا وَثَمَانِينَ سَنَةً، ثُمَّ مِنْ بَعْدِ مَمْلَكَةِ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَى مَوْلِدِ يَحْيَى ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَ سِنِينَ، فَذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمْ أَرْبَعُمِائَةٍ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً. وَأَمَّا الْمَجُوسُ: فَإِنَّهَا تُوَافِقُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى فِي مُدَّةِ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ  وَأَمْرِ بُخْتَ نَصَّرَ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ [ إِلَى غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالشَّامِ وَهَلَاكِ دَارَا، وَتُخَالِفُهُمْ فِي مُدَّةِ مَا بَيْنَ مِلْكِ الْإِسْكَنْدَرِ ] وَمَوْلِدِ يَحْيَى، فَتَزْعُمُ أَنَّ مُدَّةَ ذَلِكَ إِحْدَى وَخَمْسُونَ سَنَةً. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا رَجَعَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مِنْ بَابِلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، مَا زَالُوا يُحْدِثُونَ الْأَحْدَاثَ، وَيُبْعَثُ إِلَيْهِمُ الرُّسُلُ، فَرِيقًا يُكَذِّبُونَ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ، حَتَّى كَانَ مِنْ آخِرِ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى، وَكَانُوا مِنْ بَيْتِ آلِ دَاوُدَ، فَلَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِيسَى، وَقَتَلُوا يَحْيَى - وَبَعْضُ [ النَّاسِ ] يَقُولُ: وَقَتَلُوا زَكَرِيَّا - ابْتَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَابِلَ [ يُقَالُ لَهُ: خُرْدُوسُ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِأَهْلِ بَابِلَ ]، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ [ الشَّامَ ]، فَقَالَ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: إِنِّي كُنْتُ حَلَفْتُ بِإِلَهِي: لَئِنْ أَنَا ظَهَرْتُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَأَقْتُلَنَّهُمْ حَتَّى تَسِيلَ دِمَاؤُهُمْ فِي وَسَطِ عَسْكَرِي، إِلَى أَلَّا أَجِدَ أَحَدًا أَقْتُلُهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ دَمًا يَغْلِي، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا الدَّمِ يَغْلِي ؟ فَقَالُوا: هَذَا دَمُ قُرْبَانٍ قَرَّبْنَاهُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنَّا. فَقَالَ: مَا صَدَقْتُمُونِي. فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا عَلَى ذَلِكَ الدَّمِ فَلَمْ يَسْكُنْ. فَقَالَ: وَيْلَكُمُ اصْدُقُونِي قَبْلَ أَلَّا أَتْرُكَ مِنْكُمْ أَحَدًا، فَقَالُوا: هَذَا دَمُ نَبِيٍّ مِنَّا قَتَلْنَاهُ، فَقَالَ: لِهَذَا يَنْتَقِمُ مِنْكُمْ رَبُّكُمْ، فَأَمَرَ وَذَبَحَ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبَقَرِ وَالْبِغَالِ وَالْغَنَمِ حَتَّى سَالَ الدَّمُ إِلَى خُرْدُوسَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ: حَسْبُكَ. وَهَذِهِ الْوَقْعَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ. فَكَانَتِ الْوَقْعَةُ الْأُولَى بُخْتَ نَصَّرَ وَجُنُودَهُ، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ لَهُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ كَانَتِ الْوَقْعَةُ الْأَخِيرَةُ خُرْدُوسَ وَجُنُودَهُ، وَهِيَ كَانَتْ أَعْظَمَ الْوَقْعَتَيْنِ، فِيهَا كَانَ خَرَابُ بِلَادِهِمْ، وَقَتْلُ رِجَالِهِمْ، وَسَبْيُ ذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا.

  302. التاريخ 302لا حكم مسجّل

    صفات وشمائل يحيى عليه السلام وَقَوْلُهُ: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ وُجُودِ الْوَلَدِ وَفْقَ الْبِشَارَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِأَبِيهِ زَكَرِيَّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَهُوَ صَغِيرٌ فِي حَالِ صِبَاهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الصِّبْيَانُ لِيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا: اذْهَبْ بِنَا نَلْعَبُ. فَقَالَ: مَا لِلَّعِبِ خُلِقْنَا. قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا الْحَنَانُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ: وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا أَيْ: رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا رَحِمْنَا بِهَا زَكَرِيَّا، فَوَهَبْنَا لَهُ هَذَا الْوَلَدَ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: ( وَحَنَانًا ) أَيْ: مَحَبَّةً عَلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صِفَةً لِتَحَنُّنِ يَحْيَى عَلَى النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا عَلَى أَبَوَيْهِ، وَهُوَ مَحَبَّتُهُمَا وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِمَا، وَبِرُّهُ بِهِمَا. وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَهُوَ طَهَارَةُ الْخُلُقِ وَسَلَامَتُهُ مِنَ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ. وَالتَّقْوَى طَاعَةُ اللَّهِ بِامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ بِرَّهُ بِوَالِدَيْهِ وَطَاعَتَهُ لَهُمَا أَمْرًا وَنَهْيًا، وَتَرْكَ عُقُوقِهِمَا قَوْلًا وَفِعْلًا، فَقَالَ: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا

  303. التاريخ 303لا حكم مسجّل

    زهد وحياة يحيى عليه السلام وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ يَحْيَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ كَثِيرَ الِانْفِرَادِ مِنَ النَّاسِ، إِنَّمَا كَانَ يَأْنَسُ إِلَى الْبَرَارِي، وَيَأْكُلُ مِنْ وَرَقِ الْأَشْجَارِ، وَيَرِدُ مَاءَ الْأَنْهَارِ، وَيَتَغَذَّى بِالْجَرَادِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَيَقُولُ: مَنْ أَنْعَمُ مِنْكَ يَا يَحْيَى. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، أَنَّ أَبَوَيْهِ خَرَجَا فِي تَطَلُّبِهِ، فَوَجَدَاهُ عِنْدَ بُحَيْرَةِ الْأُرْدُنِّ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا بِهِ أَبْكَاهُمَا بُكَاءً شَدِيدًا ; لِمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ وَالْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: كَانَ طَعَامُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْعُشْبَ، وَإِنْ كَانَ لَيَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْقَارُ عَلَى عَيْنَيْهِ لَحَرَقَهُ. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَلَسْتُ يَوْمًا إِلَى أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ وَهُوَ يَقُصُّ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ كَانَ أَطْيَبَ النَّاسِ طَعَامًا ؟ فَلَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدْ نَظَرُوا إِلَيْهِ قَالَ: إِنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، كَانَ أَطْيَبَ النَّاسِ طَعَامًا ; إِنَّمَا كَانَ يَأْكُلُ مَعَ الْوَحْشِ ; كَرَاهَةَ أَنْ يُخَالِطَ النَّاسَ فِي مَعَايِشِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: فَقَدَ زَكَرِيَّا ابْنَهُ يَحْيَى ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَخَرَجَ يَلْتَمِسُهُ فِي الْبَرِّيَّةِ، فَإِذَا هُوَ قَدِ احْتَفَرَ قَبْرًا وَأَقَامَ فِيهِ يَبْكِي عَلَى نَفْسِهِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ أَنَا أَطْلُبُكَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَنْتَ فِي قَبْرٍ قَدِ احْتَفَرْتَهُ، قَائِمٌ تَبْكِي فِيهِ ؟! فَقَالَ: يَا أَبَتِ، أَلَسْتَ أَنْتَ أَخْبَرْتَنِي أَنَّ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مَفَازَةً لَا تُقْطَعُ إِلَّا بِدُمُوعِ الْبَكَّائِينَ ؟ فَقَالَ لَهُ: ابْكِ يَا بُنَيَّ. فَبَكَيَا جَمِيعًا. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ لِلَذَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ، فَكَذَا يَنْبَغِي لِلصِّدِّيقِينَ أَنْ لَا يَنَامُوا ; لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ نَعِيمِ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. ثُمَّ قَالَ: كَمْ بَيْنَ النَّعِيمَيْنِ وَكَمْ بَيْنَهُمَا. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ كَثِيرَ الْبُكَاءِ، حَتَّى أَثَّرَ الْبُكَاءُ فِي خَدَّيْهِ مِنْ كَثْرَةِ دُمُوعِهِ.

  304. التاريخ 304لا حكم مسجّل

    أفضلية يحيى عليه السلام على غيره من الأنبياء ثُمَّ قَالَ: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا هَذِهِ الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ أَشَدُّ مَا تَكُونُ عَلَى الْإِنْسَانِ ; فَإِنَّهُ يَنْتَقِلُ فِي كُلٍّ مِنْهَا، مِنْ عَالَمٍ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ فَيَفْقِدُ الْأَوَّلَ بَعْدَ مَا كَانَ أَلِفَهُ وَعَرَفَهُ، وَيَصِيرُ إِلَى الْآخَرِ وَلَا يَدْرِي مَا بَيْنَ يَدَيْهِ ; وَلِهَذَا يَسْتَهِلُّ صَارِخًا إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الْأَحْشَاءِ وَفَارَقَ لِينَهَا وَضَمَّهَا، وَيَنْتَقِلُ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ لِيُكَابِدَ هُمُومَهَا وَغُمُومَهَا، وَكَذَلِكَ إِذَا فَارَقَ هَذِهِ الدَّارَ، وَانْتَقَلَ إِلَى عَالَمِ الْبَرْزَخِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَارِ الْقَرَارِ، وَصَارَ بَعْدَ الدُّورِ وَالْقُصُورِ، إِلَى عَرْصَةِ الْأَمْوَاتِ سُكَّانِ الْقُبُورِ، وَانْتَظَرَ هُنَاكَ النَّفْخَةَ فِي الصُّوَرِ لِيَوْمِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ، فَمِنْ مَسْرُورٍ وَمَحْبُورٍ، وَمِنْ مَحْزُونٍ وَمَثْبُورٍ، وَمَا بَيْنَ جَبِيرٍ وَمَكْسُورٍ، وَفَرِيقٍ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٍ فِي السَّعِيرِ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ حَيْثُ قَالَ: وَلَدَتْكَ أُمُّكَ بَاكِيًا مُسْتَصْرِخًا وَالنَّاسُ حَوْلَكَ يَضْحَكُونَ سُرَورًا     فَاحْرِصْ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ إِذَا بَكَوْا فِي يَومِ مَوْتِكَ ضَاحِكًا مَسْرُورًا وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَوَاطِنُ الثَّلَاثَةُ أَشَقَّ مَا تَكُونُ عَلَى ابْنِ آدَمَ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَى يَحْيَى فِي كُلِّ مَوْطِنٍ مِنْهَا، فَقَالَ: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ: إِنْ يَحْيَى وَعِيسَى الْتَقَيَا فَقَالَ لَهُ عِيسَى: اسْتَغْفِرْ لِي، أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: اسْتَغْفِرْ لِي، أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَنْتَ خَيْرٌ مِنِّي ; سَلَّمْتُ عَلَى نَفْسِي، وَسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ. فَعَرَفَ وَاللَّهِ فَضْلَهَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْحَصُورِ، الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَهُوَ أَشْبَهُ ; لِقَوْلِهِ: هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إِلَّا وَقَدْ أَخْطَأَ أَوْ هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَيْسَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا  ، وَمَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ يَوْمًا وَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ فَضْلَ الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ قَائِلٌ: مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ. وَقَالَ قَائِلٌ: عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ. وَقَائِلٌ يَقُولُ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُمْ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الشَّهِيدُ، أَيْنَ الشَّهِيدُ يَلْبَسُ الْوَبَرَ، وَيَأْكُلُ الشَّجَرَ، مَخَافَةَ الذَّنْبِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يُرِيدُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْعَاصِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَا أَحَدٌ إِلَّا يَلْقَى اللَّهَ بِذَنْبٍ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا. ثُمَّ تَلَا: وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ثُمَّ رَفَعَ شَيْئًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: مَا كَانَ مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هَذَا، ثُمَّ ذُبِحَ ذَبْحًا. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا ابْنَيِ الْخَالَةِ يَحْيَى، وَعِيسَى عَلَيْهَا السَّلَامُ. وَعَنْ خَيْثَمَةَ قَالَ: كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ابْنَيْ خَالَةٍ، وَكَانَ عِيسَى يَلْبَسُ الصُّوفَ، وَكَانَ يَحْيَى يَلْبَسُ الْوَبَرَ، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، وَلَا عَبْدٌ وَلَا أَمَةٌ، وَلَا مَا يَأْوِيَانِ إِلَيْهِ، أَيْنَمَا جَنَّهُمَا اللَّيْلُ أَوَيَا، فَلَمَّا أَرَادَا أَنْ يَتَفَرَّقَا قَالَ لَهُ يَحْيَى: أَوْصِنِي. قَالَ: لَا تَغْضَبْ. قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ إِلَّا أَنْ أَغْضَبَ. قَالَ: فَلَا تَقْتَنِ مَالًا. قَالَ: أَمَّا هَذِهِ فَعَسَى.

  305. التاريخ 305لا حكم مسجّل

    إرسال يحيى عليه السلام بخمس كلمات عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، أَنْ يَعْمَلَ بِهِنَّ، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ، وَكَادَ أَنْ يُبْطِئَ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: إِنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، أَنْ تَعْمَلَ بِهِنَّ وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ ; فَإِمَّا أَنْ تُبْلِّغَهُنَّ، وَإِمَّا أَنَّ أُبَلِّغَهُنَّ. فَقَالَ: يَا أَخِي إِنِّي أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي أَنْ أُعَذَّبَ أَوْ يُخْسَفَ بِي. قَالَ: فَجَمَعَ يَحْيَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ حَتَّى امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ، فَقَعَدَ عَلَى الشَّرَفِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ، أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ، أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ، وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ ; أَوَّلُهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ يَسُرُّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ ؟ وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَآمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ قِبَلَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلَا تَلْتَفِتُوا. وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِنْ مِسْكٍ فِي عِصَابَةٍ، كُلُّهُمْ يَجِدُ رِيحَ الْمِسْكِ، وَإِنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ. وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ فَشَدُّوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقَالَ: هَلْ لَكَمَ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنْكُمْ ؟ فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فَكَّ نَفْسَهُ. وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، كَثِيرًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ طَلَبَهُ الْعَدُوُّ سِرَاعًا فِي إِثْرِهِ فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا، فَتَحَصَّنَ فِيهِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ أَحْصَنُ مَا يَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، إِذَا كَانَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ، اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمَ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى ؟ قَالَ: وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، ادْعُوَا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ، بِمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا سَمِعُوا مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا أُرْسِلَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ. وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ.

  306. التاريخ 306لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ سَبَبِ قَتْلِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا   عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا فِي اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ، وَكَانَ فِيمَا نَهَوْهُمْ عَنْهُ نِكَاحُ ابْنَةِ الْأَخِ، وَكَانَ لِمَلِكِهِمُ ابْنَةُ أَخٍ تُعْجِبُهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَكَانَ لَهَا كُلَّ يَوْمٍ حَاجَةٌ يَقْضِيهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَّهَا، فَقَالَتْ لَهَا: إِذَا دَخَلْتِ عَلَى الْمَلِكِ فَسَأَلَكِ مَا حَاجَتُكِ، فَقُولِي: حَاجَتِي أَنْ تَذْبَحَ لِي يَحْيَى، فَقَالَتْ لَهُ: فَقَالَ: سَلِي غَيْرَ هَذَا، قَالَتْ: مَا أَسْأَلُ غَيْرَهُ. فَدَعَا يَحْيَى وَدَعَا بِطَسْتٍ فَذَبَحَهُ، فَنَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ بُخْتَ نَصَّرَ [ عَلَيْهِمْ ] فَجَاءَتْهُ عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَلَّتْهُ عَلَى ذَلِكَ الدَّمَ، فَأَلْقَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَلْبِهِ أَنْ يَقْتُلَ عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكُنَ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ أَلْفًا [ مِنْهُمْ ] فَسَكَنَ. وعن الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ لِلْمَلِكِ ابْنَةٌ شَابَّةٌ، فَكَانَتْ تَأْتِي أَبَاهَا فَتُغَنِّي عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا أَرَادَتِ الرُّجُوعَ، قَالَ لَهَا: سَلِي حَاجَتَكِ ؟ وَأَنَّ أُمَّهَا رَأَتْ يَحْيَى قَدْ أُعْطِيَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَأَرَادَتْهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَبَى عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي قَاتِلَتُكَ أَوْ تَأْتِي حَاجَتِي، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ. فَقَالَتْ لِابْنَتِهَا: إِذَا أَتَيْتِ أَبَاكِ اللَّيْلَةَ فَقَالَ: سَلِي حَاجَتَكِ، فَقُولِي: أَسْأَلُكَ رَأْسَ يَحْيَى. فَلَمَّا جَاءَتْ وَقَالَ: سَلِي حَاجَتَكِ، قَالَتْ: رَأْسَ يَحْيَى، فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَى أُمِّكِ فَتَأْمُرُكِ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ هَذَا. فَرَجَعَتْ إِلَى أُمِّهَا فَحَدَّثَتْهَا، فَقَالَتْ: لَا تَسْأَلِيهِ إِلَّا رَأْسَ يَحْيَى. فَلَمَّا جَاءَتْ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ فَغَنَّتْهُ، قَالَ: سَلِي حَاجَتَكِ، قَالَتْ: رَأْسَ يَحْيَى. فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَى أُمِّكِ فَتَأْمُرُكِ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَكِ مِنْ هَذَا، فَرَجَعَتْ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَا تَسْأَلِيهِ إِلَّا رَأْسَ يَحْيَى. فَلَمَّا جَاءَتْ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ فَغَنَّتْهُ، قَالَ: سَلِي حَاجَتَكِ، قَالَتْ: رَأْسَ يَحْيَى، فَقَالَ: ارْجِعِي إِلَى أُمِّكِ فَتَأْمُرُكِ بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لَكِ مِنْ هَذَا. فَرَجَعَتْ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: لَا تَسْأَلِيهِ إِلَّا رَأْسَ يَحْيَى. فَقَالَ: لَكِ مَا سَأَلْتِ، فَرَجَعَتْ إِلَى أُمِّهَا فَرِحَةً فَأَخْبَرَتْهَا. فَأَرْسَلَتْ إِلَى يَحْيَى، فَقَالَتْ: إِنِّي [ قَدْ ] أُعْطِيتُ رَأْسَكَ إِنْ لَمْ تَأْتِ حَاجَتِي، فَأَبَى عَلَيْهَا، فَقَالَتْ [ لَهُ ] إِنِّي ذَابِحَتُكَ. فَذَبَحَتْهُ ثُمَّ نَدِمَتْ، وَجَعَلَتْ تُنَادِي: وَيْلٌ لَهَا، وَيْلٌ لَهَا. حَتَّى مَاتَتْ، فَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ النَّارَ  ، وَأَنَّ الدَّمَ صَارَ يَغْلِي وَلَا يَسْكُنُ، وَإِنَّ بُخْتَ نَصَّرَ جَازَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: هَذَا دَمُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا قَتَلَتْهُ امْرَأَةُ خِيَارِهِمْ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ؓ: أَنَّ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: " رَبَّةٌ " قَتَلَتْ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، فَأُتِيَتْ بِرَأْسِهِ فِي طَسْتٍ، فَأُمِرَتِ الْأَرْضُ فَأَخَذَتْهَا. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: وَقَتَلَتْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ فِي يَوْمٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا، وَهِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي التَّوْرَاةِ: مُقَتِّلَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهَا عَلَى مِنْبَرٍ فِي النَّارِ [ يَسْمَعُ صُرَاخَهَا أَقْصَى أَهْلِ النَّارِ ]. وَرَوَتْ فَاطِمَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ مَكَثَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ". قَالَ قَتَادَةُ: قُتِلَ بِدِمَشْقَ.

  307. التاريخ 309لا حكم مسجّل

    ذَكَرْنَا حَالَ مَرْيَمَ فِي خِدْمَةِ الْكَنِيسَةِ، وَكَانَتْ هِيَ وَابْنُ عَمِّهَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مَاثَانَ النَّجَّارُ يَلِيَانِ خِدْمَةَ الْكَنِيسَةِ، وَكَانَ يُوسُفُ حَكِيمًا نَجَّارًا يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ وَيَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: إِنَّ مَرْيَمَ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهَا يُوسُفُ ابْنُ عَمِّهَا إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْرَبْهَا إِلَّا بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ مَرْيَمُ إِذَا نَفِدَ مَاؤُهَا وَمَاءُ يُوسُفَ ابْنِ عَمِّهَا أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُلَّتَهُ وَانْطَلَقَ إِلَى الْمَغَارَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَاءُ يَسْتَعْذِبَانِ مِنْهُ ثُمَّ يَرْجِعَانِ إِلَى الْكَنِيسَةِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي لَقِيَهَا فِيهِ جِبْرِيلُ نَفِدَ مَاؤُهَا فَقَالَتْ لِيُوسُفَ لِيَذْهَبَ مَعَهَا إِلَى الْمَاءِ، فَقَالَ: عِنْدِي مِنَ الْمَاءِ مَا يَكْفِينِي إِلَى غَدٍ، فَأَخَذَتْ قُلَّتَهَا وَانْطَلَقَتْ وَحْدَهَا حَتَّى دَخَلَتِ الْمَغَارَةَ، فَوَجَدَتْ جَبْرَائِيلَ قَدْ مَثَّلَهُ اللَّهُ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، فَقَالَ لَهَا: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا أَيْ مُطِيعًا لِلَّهِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ، وَتَحْسَبُهُ رَجُلًا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا - أَيْ زَانِيَةً - قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ، إِلَى قَوْلِهِ أَمْرًا مَقْضِيًّا فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ اسْتَسْلَمَتْ لِقَضَاءِ اللَّهِ، وَنَفَخَ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا وَقَدْ حَمَلَتْ بِالْمَسِيحِ، وَمَلَأَتْ قُلَّتَهَا وَعَادَتْ، وَكَانَ لَا يُعْلَمُ فِي أَهْلِ زَمَانِهَا أَعْبَدُ مِنْهَا وَمِنِ ابْنِ عَمِّهَا يُوسُفَ النَّجَّارِ، وَكَانَ مَعَهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَنْكَرَ حَمْلَهَا، فَلَمَّا رَأَى الَّذِي بِهَا اسْتَعْظَمَهُ وَلَمْ يَدْرِ عَلَى مَاذَا يَضَعُ ذَلِكَ مِنْهَا، فَإِذَا أَرَادَ يَتَّهِمُهَا ذَكَرَ صَلَاحَهَا وَأَنَّهَا لَمْ تَغِبْ عَنْهُ سَاعَةً قَطُّ، وَإِذَا أَرَادَ يُبَرِّئُهَا رَأَى الَّذِي بِهَا، فَلَمَّا اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ كَلَّمَهَا فَكَانَ أَوَّلُ كَلَامِهِ لَهَا أَنْ قَالَ لَهَا: إِنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ أَمْرِكِ شَيْءٌ قَدْ حَرَصْتُ عَلَى أَنْ أُمِيتَهُ وَأَكْتُمَهُ فَغَلَبَنِي. فَقَالَتْ: قُلْ قَوْلًا جَمِيلًا. فَقَالَ: حَدِّثِينِي هَلْ يَنْبُتُ زَرْعٌ بِغَيْرِ بَذْرٍ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ يَنْبُتُ شَجَرٌ بِغَيْرِ غَيْثٍ يُصِيبُهُ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: فَهَلْ يَكُونُ وَلَدٌ بِغَيْرِ ذَكَرٍ ؟ قَالَتْ لَهُ: نَعَمْ، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْبَتَ الزَّرْعَ يَوْمَ خَلَقَهُ بِغَيْرِ بَذْرٍ ! أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الشَّجَرَ مِنْ غَيْرِ مَطَرٍ ! وَأَنَّهُ جَعَلَ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ الْغَيْثَ حَيَاةً لِلشَّجَرِ بَعْدَمَا خَلَقَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحْدَهُ ! أَوَ تَقُولُ لَنْ يَقْدِرَ اللَّهُ عَلَى أَنْ يُنْبِتَ حَتَّى يَسْتَعِينَ بِالْبَذْرِ وَالْمَطَرِ ! قَالَ يُوسُفُ: لَا أَقُولُ هَكَذَا وَلَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَشَاءُ، إِنَّمَا يَقُولُ لِذَلِكَ كُنْ فَيَكُونُ. قَالَتْ لَهُ: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ وَلَا أُنْثَى ! قَالَ: بَلَى، فَلَمَّا قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الَّذِي بِهَا شَيْءٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَسْأَلَهَا عَنْهُ لِمَا رَأَى مِنْ كِتْمَانِهَا لَهُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْحُجُرَاتِ لِحَيْضٍ أَصَابَهَا فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا مِنَ الْجُدْرَانِ، فَلَمَّا طَهُرَتْ إِذَا بِرَجُلٍ مَعَهَا، وَذَكَرَ الْآيَاتِ، فَلَمَّا حَمَلَتْ أَتَتْهَا خَالَتُهَا امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ لَيْلَةً تَزُورُهَا، فَلَمَّا فَتَحَتْ لَهَا الْبَابَ الْتَزَمَتْهَا، فَقَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ: إِنِّي حُبْلَى. فَقَالَتْ لَهَا مَرْيَمُ: وَأَنَا أَيْضًا حُبْلَى. قَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ: فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِمَا فِي بَطْنِكِ. وَوَلَدَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّاءَ يَحْيَى. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ حَمْلِهَا، فَقِيلَ: تِسْعَةُ أَشْهُرٍ، وَهُوَ قَوْلُ النَّصَارَى، وَقِيلَ ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ، فَكَانَ ذَلِكَ آيَةً أُخْرَى لِأَنَّهُ لَمْ يَعِشْ مَوْلُودٌ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرِ غَيْرُهُ، وَقِيلَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، وَقِيلَ: سَاعَةً وَاحِدَةً.

  308. التاريخ 310لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ وِلَادَةِ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ   كَانَتْ وِلَادَةُ الْمَسِيحِ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ. قَالَتِ الْمَجُوسُ: كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى أَرْضِ بَابِلَ، وَبَعْدَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ الْأَشْكَانِيِّينَ. وَقَالَتِ النَّصَارَى: إِنَّ وِلَادَتَهُ كَانَتْ لِمُضِيِّ ثَلَاثِمِائَةٍ وَثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً مِنْ وَقْتِ غَلَبَةِ الْإِسْكَنْدَرِ عَلَى أَرْضِ بَابِلَ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَوْلِدَ يَحْيَى كَانَ قَبْلَ مَوْلِدِ الْمَسِيحِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَأَنَّ مَرْيَمَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ، حَمَلَتْ بِعِيسَى وَلَهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: عِشْرُونَ، وَأَنَّ عِيسَى عَاشَ إِلَى أَنْ رُفِعَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَيَّامًا، وَأَنَّ مَرْيَمَ عَاشَتْ بَعْدَهُ سِتَّ سِنِينَ، فَكَانَ جَمِيعُ عُمُرِهَا إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَأَنَّ يَحْيَى قُتِلَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْمَسِيحُ، وَأَتَتِ الْمَسِيحَ النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ وَعُمُرُهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً. فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا عَقَبَةُ بِالْفَاءَ. فَلَمَّا أَحَسَّتْ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ الشَّرْقِيِّ فَأَتَتْ أَقْصَاهُ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ - وَهِيَ تُطْلِقُ مِنَ الْحَبَلِ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ - يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، يَعْنِي نُسِيَ ذِكْرِي وَأَثَرِي فَلَا يُرَى لِي أَثَرٌ وَلَا عَيْنٌ. قَالَتْ مَرْيَمُ: كُنْتُ إِذَا خَلَوْتُ حَدَّثَنِي عِيسَى وَحَدَّثْتُهُ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَنَا إِنْسَانٌ سَمِعْتُ تَسْبِيحَهُ فِي بَطْنِي. فَنَادَاهَا جَبْرَائِيلُ مِنْ تَحْتِهَا - أَيْ مِنْ أَسْفَلِ الْجَبَلِ - أَنْ لَا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا وَهُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، أَجْرَاهُ تَحْتَهَا، فَمَنْ قَرَأَ: مِنْ تَحْتِهَا، بِكَسْرِ الْمِيمِ، جَعَلَ الْمُنَادِي جَبْرَائِيلَ، وَمَنْ فَتَحَهَا قَالَ إِنَّهُ عِيسَى، أَنْطَقَهُ اللَّهُ، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ، كَانَ جِذْعًا مَقْطُوعًا فَهَزَّتْهُ فَإِذَا هُوَ نَخْلَةٌ، وَقِيلَ: كَانَ مَقْطُوعًا فَلَمَّا أَجْهَدْهَا الطَّلْقُ احْتَضَنَتْهُ فَاسْتَقَامَ وَاخْضَرَّ وَأَرْطَبَ، فَقِيلَ لَهَا: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ فَهَزَّتْهُ فَتَسَاقَطَ الرُّطَبُ فَقَالَ لَهَا: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا، وَكَانَ مَنْ صَامَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى يُمْسِيَ. ذهاب مريم بعيسى عليه السلام إلى أرض مصر وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا دَنَا نِفَاسُهَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهَا: أَنِ اخْرُجِي مِنْ أَرْضِ قَوْمِكِ فَإِنَّهُمْ إِذَا ظَفِرُوا بِكِ عَيَّرُوكِ وَقَتَلُوكِ وَوَلَدَكِ. فَاحْتَمَلَهَا يُوسُفُ النَّجَّارُ وَسَارَ بِهَا إِلَى أَرْضِ مِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَا إِلَى تُخُومِ مِصْرَ أَدْرَكَهَا الْمَخَاضُ، فَلَمَّا وَضَعَتْ وَهِيَ مَحْزُونَةٌ قِيلَ لَهَا: لَا تَحْزَنِي الْآيَةَ إِلَى ( إِنْسِيًّا )، فَكَانَ الرُّطَبُ يَتَسَاقَطُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ. وَأَصْبَحَتِ الْأَصْنَامُ مَنْكُوسَةً عَلَى رُءُوسِهَا، وَفَزِعَتِ الشَّيَاطِينُ فَجَاءُوا إِلَى إِبْلِيسَ، فَلَمَّا رَأَى جَمَاعَتَهُمْ سَأَلَهُمْ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَادِثٌ، فَطَارَ عِنْدَ ذَلِكَ وَغَابَ عَنْهُمْ فَمَرَّ بِالْمَكَانِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ عِيسَى فَرَأَى الْمَلَائِكَةَ مُحْدِقِينَ فِيهِ، فَعَلِمَ أَنَّ الْحَدَثَ فِيهِ، وَلَمْ تُمَكِّنْهُ الْمَلَائِكَةُ مِنَ الدُّنُوِّ مِنْ عِيسَى، فَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ لَهُمْ: مَا وَلَدَتِ امْرَأَةٌ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَضِلَّ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّنْ يَهْتَدِي. وَاحْتَمَلَتْهُ مَرْيَمُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ فَمَكَثَتِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً تَكْتُمُهُ مِنَ النَّاسِ، فَكَانَتْ تَلْتَقِطُ السُّنْبُلَ وَالْمَهْدُ فِي مَنْكِبَيْهَا. قُلْتُ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ فِي وِلَادَتِهِ بِأَرْضِ قَوْمِهَا لِلْقُرْآنِ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، وَقَوْلِهِ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. وَقِيلَ: إِنَّ مَرْيَمَ حَمَلَتِ الْمَسِيحَ إِلَى مِصْرَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ وَمَعَهَا يُوسُفُ النَّجَّارُ، وَهِيَ الرَّبْوَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقِيلَ: الرَّبْوَةُ دِمَشْقُ، وَقِيلَ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، فَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ الْخَوْفَ مِنْ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مِنَ الرُّومِ، وَاسْمُهُ هِيرُودَسُ، فَإِنَّ الْيَهُودَ أَغْرَوْهُ بِقَتْلِهِ، فَسَارُوا إِلَى مِصْرَ وَأَقَامُوا بِهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى أَنْ مَاتَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَعَادُوا إِلَى الشَّامِ، وَقِيلَ: إِنَّ هِيرُودَسُ لَمْ يُرِدْ قَتْلَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ بِهِ إِلَّا بَعْدَ رَفْعِهِ، وَإِنَّمَا خَافُوا الْيَهُودَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  309. التاريخ 311لا حكم مسجّل

    ما جرى لمريم مع قومها حين لقوها وَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ مِمَّنْ يَنْقُلُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَنَّهُمْ لَمَّا افْتَقَدُوهَا مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ذَهَبُوا فِي طَلَبِهَا، فَمَرُّوا عَلَى مَحِلَّتِهَا وَالْأَنْوَارُ حَوْلَهَا، فَلَمَّا وَاجَهُوهَا وَجَدُوا مَعَهَا وَلَدَهَا، فَقَالُوا لَهَا: يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا أَيْ أَمْرًا عَظِيمًا مُنْكَرًا. وَفِي هَذَا الَّذِي قَالُوهُ نَظَرٌ، مَعَ أَنَّهُ كَلَامٌ يَنْقُضُ أَوَّلُهُ آخِرَهُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا حَمَلَتْهُ بِنَفْسِهَا، وَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا وَهِيَ تَحْمِلُهُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ بَعْدَ مَا تَعَالَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْهَا تَحْمِلُ مَعَهَا وَلَدَهَا قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا وَالْفِرْيَةُ هِيَ الْفِعْلَةُ الْمُنْكَرَةُ الْعَظِيمَةُ مِنَ الْفِعَالِ وَالْمَقَالِ. ثُمَّ قَالُوا لَهَا: يَا أُخْتَ هَارُونَ قِيلَ: شَبَّهُوهَا بِعَابِدٍ مِنْ عُبَّادِ زَمَانِهِمْ كَانَتْ تُسَامِيهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَكَانَ اسْمُهُ هَارُونَ. وَقِيلَ: شَبَّهُوهَا بِرَجُلٍ فَاجِرٍ فِي زَمَانِهِمُ، اسْمُهُ هَارُونُ. قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وَقِيلَ: أَرَادُوا بِهَارُونَ أَخَا مُوسَى شَبَّهُوهَا بِهِ فِي الْعِبَادَةِ. وَأَخْطَأَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ فِي زَعْمِهِ أَنَّهَا أُخْتُ مُوسَى وَهَارُونَ نَسَبًا ; فَإِنَّ بَيْنَهُمَا مِنَ الدُّهُورِ الطَّوِيلَةِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى مَنْ عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ مَا يَرُدُّهُ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ الْفَظِيعِ، وَكَأَنَّهُ غَرَّهُ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ مَرْيَمَ أُخْتَ مُوسَى وَهَارُونَ ضَرَبَتْ بِالدُّفِّ يَوْمَ نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ، فَاعْتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ هِيَ هَذِهِ، وَهَذَا فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ وَالْمُخَالَفَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَعَ نَصِّ الْقُرْآنِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي " التَّفْسِيرِ " مُطَوَّلًا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الدَّالُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ لَهَا أَخٌ اسْمُهُ هَارُونُ وَلَيْسَ فِي ذِكْرِ قِصَّةِ وِلَادَتِهَا وَتَحْرِيرِ أُمِّهَا لَهَا، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَ لَهَا أَخٌ سِوَاهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إِلَى نَجْرَانَ فَقَالُوا: أَرَأَيْتَ مَا تَقْرَءُونَ: يَا أُخْتَ هَارُونَ وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِالْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ صَالِحِيهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ وَذَكَرَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْثِرُونَ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهَارُونَ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهُ حَضَرَ بَعْضَ جَنَائِزِهِمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، مِمَّنْ يُسَمَّى بِهَارُونَ، أَرْبَعُونَ أَلْفًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا أُخْتَ هَارُونَ وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهَا قَدْ كَانَ لَهَا أَخٌ نَسَبِيٌّ اسْمُهُ هَارُونُ، وَكَانَ مَشْهُورًا بِالدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالْخَيْرِ ; وَلِهَذَا قَالُوا:مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا أَيْ: لَسْتِ مِنْ بَيْتٍ هَذَا شِيمَتُهُمْ وَلَا سَجِيَّتُهُمْ ; لَا أَخُوكِ وَلَا أُمُّكِ وَلَا أَبُوكِ، فَاتَّهَمُوهَا بِالْفَاحِشَةِ الْعُظْمَى، وَرَمَوْهَا بِالدَّاهِيَةِ الدَّهْيَاءِ، فَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّهُمُ اتَّهَمُوا بِهَا زَكَرِيَّا، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَفَرَّ مِنْهُمْ فَلَحِقُوهُ وَقَدِ انْشَقَّتْ لَهُ الشَّجَرَةُ فَدَخَلَهَا، وَأَمْسَكَ إِبْلِيسُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ فَنَشَرُوهُ فِيهَا، كَمَا قَدَّمْنَا. وَمِنَ الْمُنَافِقِينَ مَنِ اتَّهَمَهَا بِابْنِ خَالِهَا يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ النَّجَّارِ.

  310. التاريخ 312لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ قِيلَ: سُمِّيَ الْمَسِيحَ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ، وَهُوَ سِيَاحَتُهُ فِيهَا، وَفِرَارُهُ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ; لِشِدَّةِ تَكْذِيبِ الْيَهُودِ لَهُ، وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمِّهِ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. وَقِيلَ: لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ الْقَدَمَيْنِ.

  311. التاريخ 313لا حكم مسجّل

    وَقَالَ تَعَالَى: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَقَالَ تَعَالَى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [ الْبَقَرَةِ: 87 ]. وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ": مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَطْعَنُ فِي خَاصِرَتِهِ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعْنَ فِي الْحِجَابِ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ جُنَادَةَ عَنْ عُبَادَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ  ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ، فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا  كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا آمَنَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ثُمَّ آمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ وَأَطَاعَ مَوَالِيَهِ  ، فَلَهُ أَجْرَانِ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ: لَقِيتُ مُوسَى قَالَ: فَنَعَتَهُ فَإِذَا رَجُلٌ حِسْبْتُهُ قَالَ: مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ. قَالَ: وَلَقِيتُ عِيسَى فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، يَعْنِي الْحَمَّامَ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشَبَهُ وَلَدِهِ بِهِ الْحَدِيثَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قِصَّتَيْ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: رَأَيْتُ عِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سِبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ، يَوْمًا بَيْنَ ظَهَرَانَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، إِلَّا إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى،  كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مَنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعْرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا وَرَاءَهُ جَعْدًا قَطَطًا أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَابْنُ قَطَنٍ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ، هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَبَيَّنَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، صِفَةَ الْمَسِيحَيْنِ ; مَسِيحِ الْهُدَى وَمَسِيحِ الضَّلَالَةِ; لِيُعْرَفَ هَذَا إِذَا نَزَلَ، فَيُؤْمِنَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ، وَيُعْرَفَ الْآخَرُ فَيَحَذَرَهُ الْمُوَحِّدُونَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ ؟ قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنَيَّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى سَجِيَّةٍ طَاهِرَةٍ ; حَيْثُ قَدَّمَ حَلِفَ ذَلِكَ الرَّجُلِ - وَظَنَّ أَنَّ أَحَدًا لَا يَحْلِفُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ كَاذِبًا - عَلَى مَا شَاهَدَهُ مِنْهُ عِيَانًا، فَقَبِلَ عُذْرَهُ، وَرَجَعَ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: آمَنْتُ بِاللَّهِ. أَيْ: صَدَّقْتُكُ. وَكَذَّبْتُ بَصَرِي ; لِأَجْلِ حَلِفِكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا  ثُمَّ قَرَأَ: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ فَأَوَّلُ الْخَلْقِ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَمِعَ عُمَرَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطَرْتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ  : عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ. يُصَلِّي إِذْ جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي ؟ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَاتُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهِ وُجُوهَ الْمُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ، فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ ؟ فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ ؟ قَالَ: فُلَانٌ الرَّاعِي. قَالُوا: أَنَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ ابْنًا لَهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ. فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمُصُّهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمُصُّ أُصْبُعَهُ: ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ. فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَقَالَتْ: لِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الْأَمَةُ يَقُولُونَ: سَرَقْتِ وَزَنَيْتِ. وَلَمْ تَفْعَلْ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لَعَلَّاتٍ  ، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَاعْرِفُوهُ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطٌ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيُعَطِّلُ الْمِلَلَ، حَتَّى تَهْلِكَ فِي زَمَانِهِ الْمِلَلُ كُلُّهَا غَيْرَ الْإِسْلَامِ، وَيُهْلِكُ اللَّهُ فِي زَمَانِهِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ الْكَذَّابَ، وَتَقَعُ الْأَمَنَةُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَرْتَعَ الْإِبِلُ مَعَ الْأُسْدِ جَمِيعًا، وَالنُّمُورُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ وَالْغِلْمَانُ بِالْحَيَّاتِ، لَا يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيَمْكُثُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ يَتَوَفَّى، فَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَيَدْفِنُونَهُ. وَقَالَ: فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَسَيَأْتِي بَيَانُ نُزُولِهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي آخِرِ الزَّمَانِ  فِي كِتَابِ " الْمَلَاحِمِ " كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ أَيْضًا فِي " التَّفْسِيرِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " النِّسَاءِ ": وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا وَقَوْلِهِ: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ الْآيَةَ. وَإِنَّهُ يَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ بِدِمَشْقَ، وَقَدْ أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَيَقُولُ لَهُ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ: تَقَدَّمْ يَا رُوحَ اللَّهِ فَصَلِّ. فَيَقُولُ: لَا، بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ، تَكْرِمَةُ اللَّهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ  . وَفِي رِوَايَةٍ: فَيَقُولُ لَهُ عِيسَى: إِنَّمَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ لَكَ. فَيُصَلِّي خَلْفَهُ، ثُمَّ يَرْكَبُ وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ فِي طَلَبِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَيَلْحَقُهُ عِنْدَ بَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ. وَذَكَرْنَا أَنَّهُ قَوِيَ الرَّجَاءُ حِينَ بُنِيَتْ هَذِهِ الْمَنَارَةُ الشَّرْقِيَّةُ بِدِمَشْقَ الَّتِي هِيَ مِنْ حِجَارَةٍ بِيضٍ، وَقَدْ بُنِيَتْ أَيْضًا مِنْ أَمْوَالِ النَّصَارَى حِينَ حَرَقُوا الَّتِي هُدِمَتْ وَمَا حَوْلَهَا، فَيَنْزِلُ عَلَيْهَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا الْإِسْلَامَ، وَأَنَّهُ يَحُجُّ مِنْ فَجِّ الرَّوْحَاءِ، حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، أَوْ لِثِنْتَيْهِمَا، وَيُقِيمُ أَرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ - فِيمَا قِيلَ - فِي الْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ أَنَّهُ يُدْفَنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ فِي الْحُجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَكِنْ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، يُدْفَنُ مَعَهُ. قَالَ أَبُو مَوْدُودٍ: وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ. وَعَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: الْفَتْرَةُ مَا بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ  ، سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. وَعَنْ قَتَادَةَ: خَمْسُمِائَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً. وَقِيلَ: خَمْسُمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً. وَعَنِ الضَّحَّاكِ: أَرْبَعُمِائَةٍ وَبِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً. وَالْمَشْهُورُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ سَنَةً بِالْقَمَرِيَّةِ فَتَكُونُ سِتَّمِائَةٍ بِالشَّمْسِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ قَبَضَ اللَّهُ دَاوُدَ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ فَمَا فُتِنُوا وَلَا بَدَّلُوا، وَلَقَدْ مَكَثَ أَصْحَابُ الْمَسِيحِ عَلَى سُنَّتِهِ وَهَدْيِهِ مِائَتَيْ سَنَةٍ وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَإِنْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ وَصَّى الْحَوَارِيِّينَ بِأَنْ يَدْعُوَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَعَيَّنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ فِي إِقْلِيمٍ مِنَ الْأَقَالِيمِ مِنَ الشَّامِ وَالْمَشْرِقِ، وَبِلَادِ الْمَغْرِبِ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَصْبَحَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُ الْمَسِيحُ إِلَيْهِمْ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ الْإِنْجِيلَ نَقَلَهُ عَنْهُ أَرْبَعَةٌ: لُوقَا، وَمَتَّى وَمُرْقُسُ، وَيُوحَنَّا. وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ  تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ نُسْخَةٍ وَنُسْخَةٍ، وَزِيَادَاتٌ كَثِيرَةٌ وَنَقْصٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأُخْرَى، وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مِنْهُمُ اثْنَانِ مِمَّنْ أَدْرَكَ الْمَسِيحَ وَرَآهُ، وَهُمَا مَتَّى وَيُوحَنَّا وَمِنْهُمُ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ أَصْحَابِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهُمَا مُرْقُسُ وَلُوقَا. وَكَانَ مِمَّنْ آمَنَ بِالْمَسِيحِ وَصَدَّقَهُ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: ضِينَا، وَكَانَ مُخْتَفِيًا فِي مَغَارَةٍ دَاخِلَ الْبَابِ الشَّرْقِيِّ قَرِيبًا مِنَ الْكَنِيسَةِ الْمُصَلَّبَةِ ; خَوْفًا مِنْ بُولِصَ الْيَهُودِيِّ، وَكَانَ ظَالِمًا غَاشِمًا مُبْغِضًا لِلْمَسِيحِ، وَلَمَّا جَاءَ بِهِ. وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَ ابْنِ أَخِيهِ حِينَ آمَنَ بِالْمَسِيحِ، وَطَافَ بِهِ فِي الْبَلَدِ ثُمَّ رَجَمَهُ حَتَّى مَاتَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَلَمَّا سَمِعَ بُولِصُ أَنَّ الْمَسِيحَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَدْ تَوَجَّهَ نَحْوَ دِمَشْقَ جَهَّزَ بِغَالَهُ وَخَرَجَ لِيَقْتُلَهُ فَتَلَقَّاهُ عِنْدَ كَوْكَبَا، فَلَمَّا وَاجَهَ أَصْحَابَ الْمَسِيحِ، جَاءَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَضَرَبَ وَجْهَهُ بِطَرَفِ جَنَاحِهِ فَأَعْمَاهُ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ تَصْدِيقُ الْمَسِيحِ، فَجَاءَ إِلَيْهِ وَاعْتَذَرَ مِمَّا صَنَعَ، وَآمَنَ بِهِ فَقَبِلَ مِنْهُ، وَسَأَلَهُ أَنْ يَمْسَحَ عَيْنَيْهِ ; لِيَرُدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى ضِينَا عِنْدَكَ بِدِمَشْقَ فِي طَرَفِ السُّوقِ الْمُسْتَطِيلِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَهُوَ يَدْعُو لَكَ. فَجَاءَ إِلَيْهِ فَدَعَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ بَصَرَهُ، وَحَسُنَ إِيمَانُ بُولِصَ بِالْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَبُنِيَتْ لَهُ كَنِيسَةٌ بِاسْمِهِ، فَهِيَ كَنِيسَةُ بُولِصَ الْمَشْهُورَةُ بِدِمَشْقَ، مِنْ زَمَنِ فَتَحَهَا الصَّحَابَةُ، ؓ، حَتَّى خَرِبَتْ فِي الزَّمَانِ الَّذِي سَنُورِدُهُ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

  312. التاريخ 314لا حكم مسجّل

    قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَقَدَّمْنَا فِي قِصَّةِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ وَيَأْكُلُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَلَا يَأْوِي إِلَى مَنْزِلٍ وَلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ يَأْكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بسنده عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ السَّاعَةُ صَاحَ  ، وَيَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِابْنِ مَرْيَمَ أَنْ تُذْكَرَ عِنْدَهُ السَّاعَةُ وَيَسْكُتَ. وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبْجَرَ، أَنَّ عِيسَى كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمَوْعِظَةَ صَرَخَ صُرَاخَ الثَّكْلَى. وعن جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ: أَنَّ عِيسَى كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ لَا أَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَا أَكْرَهُ، وَلَا أَمْلِكُ نَفْعَ مَا أَرْجُو، وَأَصْبَحَ الْأَمْرُ بِيَدِ غَيْرِي، وَأَصْبَحْتُ مُرْتَهِنًا بِعَمَلِي، فَلَا فَقِيرَ أَفْقَرُ مِنِّي، اللَّهُمَّ لَا تُشْمِتْ بِيَ عَدُوِّي، وَلَا تَسُؤْ بِي صَدِيقِي، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتِي فِي دِينِي، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ مَنْ لَا يَرْحَمُنِي. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ كَانَ عِيسَى يَقُولُ: لَا يُصِيبُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ مِنْ أَكْلِ الدُّنْيَا. قَالَ الْفُضَيْلُ: وَكَانَ عِيسَى يَقُولُ: فَكَّرْتُ فِي الْخَلْقِ، فَوَجَدْتُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ أَغْبَطَ عِنْدِي مِمَّنْ خُلِقَ. وَعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: إِنَّ عِيسَى رَأْسُ الزَّاهِدِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  . قَالَ: وَإِنَّ الْفَرَّارِينَ بِذُنُوبِهِمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ عِيسَى. قَالَ: وَبَيْنَمَا عِيسَى يَوْمًا نَائِمٌ عَلَى حَجَرٍ قَدْ تَوَسَّدَهُ، وَقَدْ وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ، إِذْ مَرَّ بِهِ إِبْلِيسُ، فَقَالَ: يَا عِيسَى، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تُرِيدُ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ؟ فَهَذَا الْحَجَرُ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا. فَقَامَ عِيسَى فَأَخَذَ الْحَجَرَ فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا لَكَ مَعَ الدُّنْيَا. وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: خَرَجَ عِيسَى عَلَى أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ وَكِسَاءٌ وَتُبَّانٌ، حَافِيًا بَاكِيًا شَعِثًا، مُصْفَرَّ اللَّوْنِ مِنَ الْجُوعِ، يَابِسَ الشَّفَتَيْنِ مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَنَا الَّذِي أَنْزَلْتُ الدُّنْيَا مَنْزِلَتَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَا عَجَبَ وَلَا فَخْرَ، أَتَدْرُونَ أَيْنَ بَيْتِي ؟ قَالُوا: أَيْنَ بَيْتُكَ يَا رُوحَ اللَّهِ ؟ قَالَ: بِيتِي الْمَسَاجِدُ، وَطِيبِي الْمَاءُ، وَإِدَامِي الْجُوعُ، وَسِرَاجِي الْقَمَرُ بِاللَّيْلِ، وَصَلَاتِي فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ، وَرَيْحَانِي بُقُولُ الْأَرْضِ، وَلِبَاسِي الصُّوفُ، وَشِعَارِي خَوْفُ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَجُلَسَائِي الزَّمْنَى وَالْمَسَاكِينُ، أُصْبِحُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَأُمْسِي وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ غَنِيٌّ مُكْثِرٌ، فَمَنْ أَغْنَى مِنِّي وَأَرْبَحُ ؟ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى، أَنْ يَا عِيسَى انْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، لِئَلَّا تُعْرَفَ فَتُؤْذَى، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَأُزَوِّجَنَّكَ أَلْفَ حَوْرَاءَ، وَلَأُولِمَنَّ عَلَيْكَ أَرْبَعَمِائَةِ عَامٍ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَفْعُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَةِ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ عِيسَى لِلْحَوَارِيِّينَ: كَمَا تَرَكَ لَكُمُ الْمُلُوكَ الْحِكْمَةَ، فَكَذَلِكَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَلُونِي فَإِنِّي لَيِّنُ الْقَلْبِ، وَإِنِّي صَغِيرٌ عِنْدَ نَفْسِي. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلْحِوَارِيَّيْنِ: كُلُوا خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَاشْرَبُوا الْمَاءَ الْقَرَاحَ، وَاخْرُجُوا مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ آمِنِينَ، لَحَقٌّ مَا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ حَلَاوَةَ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الْآخِرَةِ،  وَإِنَّ مَرَارَةَ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ، لَحَقٌّ مَا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ شَرَّكُمْ عَالِمٌ يُؤْثِرُ هَوَاهُ عَلَى عِلْمِهِ، يَوَدُّ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ: إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَقُولُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ، وَالْخُبْزِ الشَّعِيرِ، وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ. وعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ عِيسَى يَقُولُ: اعْبُرُوا الدُّنْيَا وَلَا تُعَمِّرُوهَا. وَكَانَ يَقُولُ: حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ،  وَالنَّظَرُ يَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ. وَحَكَى وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَرُبَّ شَهْوَةٍ أَوْرَثَتْ أَهْلَهَا حُزْنًا طَوِيلًا. وَعَنْ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا ابْنَ آدَمَ الضَّعِيفَ، اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَكُنْ فِي الدُّنْيَا ضَيْفًا، وَاتَّخَذِ الْمَسَاجِدَ بَيْتًا، وَعَلِّمْ عَيْنَكَ الْبُكَاءَ، وَجَسَدَكَ الصَّبْرَ، وَقَلْبَكَ التَّفَكُّرَ، وَلَا تَهْتَمَّ بِرِزْقِ غَدٍ، فَإِنَّهَا خَطِيئَةٌ. وَعَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: كَمَا أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ دَارًا، فَلَا يَتَّخِذِ الدُّنْيَا قَرَارًا. وَفِي هَذَا يَقُولُ سَابِقٌ الْبَرْبَرِيُّ: لَكُمْ بُيُوتٌ بِمُسْتَنِّ السُّيُولِ وَهَلْ يَبْقَى عَلَى الْمَاءِ بَيْتٌ أُسُّهُ مَدَرُ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: لَا يَسْتَقِيمُ حُبُّ الدُّنْيَا وَحُبُّ الْآخِرَةِ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ، كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ الْمَاءُ وَالنَّارُ فِي إِنَاءٍ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيِّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى: طَالِبُ الدُّنْيَا مِثْلُ شَارِبِ مَاءِ الْبَحْرِ، كُلَّمَا ازْدَادَ شُرْبًا ازْدَادَ عَطَشًا، حَتَّى يَقْتُلَهُ. وَعَنْ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الدُّنْيَا، وَمَكْرَهُ مَعَ الْمَالِ، وَتَزْيِينَهُ مَعَ الْهَوَى، وَاسْتِمْكَانَهُ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ: كَانَ عِيسَى يَصْنَعُ الطَّعَامَ لِأَصْحَابِهِ وَيَقُومُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: هَكَذَا فَاصْنَعُوا بِالْقِرَى. وَبِهِ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: طُوبَى لِحِجْرٍ حَمَلَكَ، وَلِثَدْيٍ أَرْضَعَكَ. فَقَالَ: طُوبَى لِمَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ وَاتَّبَعَهُ  . وَعَنْهُ: طُوبَى لِمَنْ بَكَى مِنْ ذِكْرِ خَطِيئَتِهِ  ، وَحَفِظَ لِسَانَهُ، وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ. وَعَنْهُ: طُوبَى لِعَيْنٍ نَامَتْ، وَلَمْ تُحَدِّثْ نَفْسَهَا بِالْمَعْصِيَةِ، وَانْتَبَهَتْ إِلَى غَيْرِ إِثْمٍ. وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: مَرَّ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ بِجِيفَةٍ، فَقَالُوا: مَا أَنْتَنَ رِيحَهَا. فَقَالَ: مَا أَبْيَضَ أَسْنَانَهَا. لِيَنْهَاهُمْ عَنِ الْغِيِبَةِ. وَعَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، ارْضَوْا بِدَنِيِّ الدُّنْيَا مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ، كَمَا رَضِيَ أَهْلُ الدُّنْيَا بَدَنِيِّ الدِّينِ مَعَ سَلَامَةِ الدُّنْيَا. قَالَ زَكَرِيَّا: وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: أَرَى رِجَالًا بِأَدْنَى الدِّينِ قَدْ قَنَعُوا     وَلَا أَرَاهُمْ رَضُوا فِي الْعَيْشِ بِالدُّونِ فَاسْتَغْنِ بِالدِّينِ عَنْ دُنْيَا الْمُلُوكِ كَمَا     اسْتَغْنَى الْمُلُوكُ بِدُنْيَاهُمْ عَنِ الدِّينِ وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تُكْثِرُوا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ الْعِبَادِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا فِيهَا كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ، فَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: مُعَافًى وَمُبْتَلًى، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ طَلَبَ الْفِرْدَوْسَ، فَخُبْزُ الشَّعِيرِ لَهُ، وَالنَّوْمُ فِي الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ كَثِيرٌ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: قَالَ عِيسَى: إِنَّ أَكْلَ الشَّعِيرِ مَعَ الرَّمَادِ، وَالنَّوْمَ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ لَقَلِيلٌ فِي طَلَبِ الْفِرْدَوْسِ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قَالَ عِيسَى: اعْمَلُوا لِلَّهِ وَلَا تَعْمَلُوا لِبُطُونِكُمُ، انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الطَّيْرِ تَغْدُو وَتَرُوحُ، لَا تَحْرُثُ وَلَا تَحْصُدُ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا، فَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ أَعْظَمُ بُطُونًا مِنَ الطَّيْرِ. فَانْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْأَبَاقِرِ مِنَ الْوُحُوشِ وَالْحُمُرِ، فَإِنَّهَا تَغْدُو وَتَرُوحُ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَحْصُدُ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا. وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِلْمَسِيحِ: يَا مَسِيحَ اللَّهِ، انْظُرْ إِلَى مَسْجِدِ اللَّهِ مَا أَحْسَنَهُ. قَالَ: آمِينَ آمِينَ، بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ حَجَرًا قَائِمًا إِلَّا أَهْلَكَهُ بِذُنُوبِ أَهْلِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِالذَّهَبِ وَلَا بِالْفِضَّةِ، وَلَا بِهَذِهِ الْأَحْجَارِ الَّتِي تُعْجِبُكُمْ شَيْئًا، إِنَّ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا الْقُلُوبُ الصَّالِحَةُ، وَبِهَا يُعَمِّرُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَبِهَا يُخَرِّبُ اللَّهُ الْأَرْضَ إِذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: مَرَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى مَدِينَةٍ خَرِبَةٍ فَأَعْجَبَهُ الْبُنْيَانُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مُرْ هَذِهِ الْمَدِينَةَ أَنْ تُجِيبَنِي. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيَّتُهَا الْمَدِينَةُ الْخَرِبَةُ جَاوِبِي عِيسَى. قَالَ: فَنَادَتِ الْمَدِينَةُ عِيسَى: حَبِيبِي، وَمَا تُرِيدُ مِنِّي ؟ قَالَ: مَا فَعَلَ أَشْجَارُكِ، وَمَا فَعَلَ أَنْهَارُكِ، وَمَا فَعَلَ قُصُورُكِ، وَأَيْنَ سُكَّانُكِ ؟ قَالَتْ: حَبِيبِي، جَاءَ وَعْدُ رَبِّكَ الْحَقُّ، فَيَبِسَتْ أَشْجَارِي، وَنَشَفَتْ أَنْهَارِي، وَخَرِبَتْ قُصُورِي، وَمَاتَ سُكَّانِي. قَالَ: فَأَيْنَ أَمْوَالُهُمْ ؟ قَالَتْ: جَمَعُوهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَوْضُوعَةٌ فِي بَطْنِي، لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. قَالَ: فَنَادَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَعَجِبْتُ مِنْ ثَلَاثِ أُنَاسٍ: طَالِبِ الدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَبَانِي الْقُصُورِ وَالْقَبْرُ مَنْزِلُهُ، وَمَنْ يَضْحَكُ مِلْءَ فِيهِ وَالنَّارُ أَمَامَهُ، ابْنَ آدَمَ، لَا بِالْكَثِيرِ تَشْبَعُ، وَلَا بِالْقَلِيلِ تَقْنَعُ، تَجْمَعُ مَالَكَ لِمَنْ لَا يَحْمَدُكَ، وَتُقْدِمُ عَلَى رَبٍّ لَا يَعْذُرُكَ، إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ بَطْنِكَ وَشَهْوَتِكَ، وَإِنَّمَا تَمْلَأُ بَطْنَكَ إِذَا دَخَلْتَ قَبْرَكَ، وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ تَرَى حَشْدَ مَالِكَ فِي مِيزَانِ غَيْرِكَ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِيهِ مَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ، فَكَتَبْنَاهُ لِذَلِكَ. وعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، اجْعَلُوا كُنُوزَكُمْ فِي السَّمَاءِ، فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُلِ حَيْثُ كَنْزُهُ. وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ ظَبْيَانَ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ وَعَمِلَ، دُعِيَ عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ  . وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: رُوِيَ أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَعْبُرُ مَعَكَ الْوَادِيَ، وَلَا يَعْمُرُ بِكَ النَّادِيَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لَا تُحَدِّثُوا بِالْحِكْمَةِ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا، فَتَظْلِمُوهُمْ، وَالْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ عَلَيْكُمْ. فِيهِ فَرُدُّوا عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ وعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ عِيسَى: لَا تَطْرَحُوا اللُّؤْلُؤَ إِلَى الْخِنْزِيرِ ; فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَصْنَعُ بِاللُّؤْلُؤِ شَيْئًا، وَلَا تُعْطُوا الْحِكْمَةَ مَنْ لَا يُرِيدُهَا ; فَإِنَّ الْحِكْمَةَ خَيْرٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ  ، وَمَنْ لَا يُرِيدُهَا شَرٌّ مِنَ الْخِنْزِيرِ. وَكَذَا حَكَى وَهْبٌ وَغَيْرُهُ عَنْهُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ مِلْحُ الْأَرْضِ، فَإِذَا فَسَدْتُمْ فَلَا دَوَاءَ لَكُمْ، وَإِنَّ فِيكُمْ خَصْلَتَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ: الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالصُّبْحَةُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ فِتْنَةً ؟ قَالَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ، فَإِنَّ الْعَالِمَ إِذَا زَلَّ يَزِلُّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا عُلَمَاءَ السُّوءِ جَعَلْتُمُ الدُّنْيَا عَلَى رُءُوسِكُمْ، وَالْآخِرَةَ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، قَوْلُكُمْ شِفَاءٌ وَعَمَلُكُمْ دَاءٌ، مَثَلُكُمْ مَثَلُ شَجَرَةِ الدِّفْلَى، تُعْجِبُ مَنْ رَآهَا، وَتَقْتُلُ مَنْ أَكَلَهَا. وَقَالَ وَهْبٌ: قَالَ عِيسَى: يَا عُلَمَاءَ السُّوءِ، جَلَسْتُمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَلَا أَنْتُمْ تَدْخُلُونَهَا، وَلَا تَدَعُونَ الْمَسَاكِينَ يَدْخُلُونَهَا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ عَالِمٌ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعِلْمِهِ  . وَقَالَ مَكْحُولٌ: التَقَى يَحْيَى وَعِيسَى، فَصَافَحَهُ عِيسَى، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: يَا ابْنَ خَالَةٍ، مَا لِي أَرَاكَ ضَاحِكًا كَأَنَّكَ قَدْ أَمِنْتَ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: مَا لِي أَرَاكَ عَابِسًا كَأَنَّكَ قَدْ يَئِسْتَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا: إِنَّ أَحَبَّكُمَا إِلَيَّ أَبَشُّكُمَا بِصَاحِبِهِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وَقَفَ عِيسَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى قَبْرٍ، وَصَاحِبُهُ يُدْلَى فِيهِ، فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ الْقَبْرَ وَضِيقَهُ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُمْ فِيمَا هُوَ أَضْيَقُ مِنْهُ فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِكُمْ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يُوَسِّعَ وَسَّعَ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى كَانَ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْتَ يَقْطُرُ جِلْدُهُ دَمًا  . وَالْآثَارُ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا، اقْتَصَرْنَا مِنْهُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ. ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ مَوَاعِظِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ   عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ: " إِنَّ لِلْحِكْمَةِ أَهْلًا، إِنْ كَتَمْتَهَا عَنْ أَهْلِهَا جَهِلْتَ، وَإِنْ تَكَلَّمْتَ بِهَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا جَهِلْتَ، فَكُنْ كَالطَّبِيبِ الْعَالِمِ الَّذِي يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ ". وعن عِيسَى بْنُ عَطِيَّةَ السَّعْدِيُّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَا: عَنْ بَعْضِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْحَوَارِيِّينَ: " لَا تُجَالِسُوا الْخَطَّائِينَ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ تُقَسِّي الْقَلْبَ، تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُفَارَقَتِهِمْ. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لَا تَحْمِلُوا عَلَى الْيَوْمِ هَمَّ غَدٍ، حَسْبُ كُلِّ يَوْمٍ هَمُّهُ، وَلَا يَهْتَمَّ أَحَدُكُمْ لِرِزْقِ غَدٍ، خَالِقُ غَدٍ يَأْتِيكُمْ فِيهِ بِالرِّزْقِ. وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الشِّتَاءَ: مِنْ أَيْنَ آكُلُ وَمِنْ أَيْنَ [ أَلْبَسُ ؟ وَإِذَا اسْتَقْبَلَهُ الصَّيْفُ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ آكُلُ وَمِنْ أَيْنَ ] أَشْرَبُ ؟ فَإِنْ كَانَ لَكَ فِي الشِّتَاءِ بَقَاءٌ فَلَكَ فِيهِ رِزْقٌ، وَإِنْ كَانَ لَكَ فِي الصَّيْفِ بَقَاءٌ فَلَكَ فِيهِ رِزْقٌ. وَلَا تَحْمِلْ هَمَّ شِتَائِكَ وَصَيْفِكَ عَلَى يَوْمِكَ، حَسْبُ هَمِّ كُلِّ يَوْمٍ بِمَا فِيهِ. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ. إِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَرْبَعَةِ مَنَازِلَ، فَهُوَ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْهَا بِاللَّهِ وَاثِقٌ، وَظَنُّهُ بِاللَّهِ حَسَنٌ، وَهُوَ فِي الرَّابِعَةِ سَيِّئٌ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ يَخَافُ خِذْلَانَ اللَّهِ إِيَّاهُ: أَمَّا الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى، فَإِنَّهُ يُخْلَقُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ: ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، وَظُلْمَةِ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ، يُدِرُّ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فِي ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْبَطْنِ وَقَعَ فِي اللَّبَنِ، لَا يَسْعَى إِلَيْهِ بِقَدَمٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ بِيَدِهِ، وَلَا يَنْهَضُ إِلَيْهِ بِقُوَّةٍ بَلْ يُكْرَهُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَرْتَفِعَ عَنِ اللَّبَنِ وَيُفْطَمَ، وَيَقَعَ فِي الْمَنْزِلَةِ الثَّالِثَةِ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يَحِنَّانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَا وَتَرَكَاهُ يَتِيمًا تَعَطَّفَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يُطْعِمُهُ هَذَا وَيَكْسُوهُ هَذَا رَحْمَةً لَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَنْزِلَتَهُ الرَّابِعَةَ وَاسْتَوَى خَلْقُهُ وَاجْتَمَعَ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَرْزُقُهُ إِلَّا اللَّهُ، اجْتَرَأَ عَلَى اللَّهِ، وَغَدَا عَلَى النَّاسِ يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدُّنْيَا. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، اعْتَبِرُوا بِالطَّيْرِ، هَلْ رَأَيْتُمْ طَيْرًا قَطُّ يَدَّخِرُ، وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ وَالسِّبَاعُ، الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَمْسَيْتُمْ فِي زَمَانِ [ قَوْمٍ ] كَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِعَالُهُمْ فِعَالُ السُّفَهَاءِ، كَلَامُهُمْ دَوَاءٌ يُبْرِئُ الدَّاءَ، وَقُلُوبُكُمْ مَا تَقْبَلُ الدَّوَاءَ. قُلُوبُكُمْ تَبْكِي مِنْ أَعْمَالِكُمْ، أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا عِنْدَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَرُوسِ الْمَجْلِيَّةِ يَعْشَقُهَا كُلُّ مَنْ يَرَاهَا، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيَّةِ، لَيِّنٌ لَمْسُهَا، يَقْتُلُ سُمُّهَا. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لِيَكُنْ هَمُّكُمْ مِنَ الدُّنْيَا أَنْفُسَكُمْ تَفُوزُوا بِهَا، وَلَا تَكُنْ هَمَّكُمْ بُطُونُكُمْ وَفُرُوجُكُمْ، تَمْلَئُوهَا مِنَ الطَّعَامِ وَتُضْمِرُوهَا مِنَ الْحِكْمَةِ، كُلُوا خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَمِلْحَ الْجَرِيشِ، وَاخْرُجُوا مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، وَهُوَ يَزْرَعُ الشَّهْوَةَ فِي الْقَلْبِ، وَإِنَّ مَثَلَ الْحَكِيمِ يَعْمَلُ حِكْمَتَهُ كَمَثَلِ الشَّمْسِ: تُضِيءُ لِلْخَلَائِقِ وَلَا تُحْرِقُ نَفْسَهَا، وَإِنَّ مَثَلَ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِحِكْمَتِهِ كَمَثَلِ السِّرَاجِ: يُضِيءُ لِمَنْ حَوْلَهُ، وَيُحْرِقُ نَفْسَهُ. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لَا تَضَعُوا الْبَعُوضَ عَنْ شَرَابِكُمْ وَتَشْتَرِطُونَ الْفِيَلَةَ، لَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَالْأَرْبَابِ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَالْعَبِيدِ، مَا النَّاسُ إِلَّا كَرَجُلَيْنِ: مُبْتَلًى وَمُعَافًى، فَارْحَمُوا صَاحِبَ الْبَلَاءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، كُونُوا حُكَمَاءَ عُلَمَاءَ، لَا تَضَعُوا الْحِكْمَةَ إِلَّا عِنْدَ أَهْلِهَا وَلَا تَكْتُمُوهَا أَهْلَهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِالْحِكْمَةِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا جَهِلْتُمْ، وَإِنْ مَنَعْتُمُوهَا أَهْلَهَا فَقَدْ ظَلَمْتُمُوهَا وَضَيَّعْتُمُوهَا، فَكُونُوا كَالطَّبِيبِ الْعَالِمِ الَّذِي يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ، اعْفُوا عَنِ النَّاسِ يَعْفُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكُمْ. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَا يُغْنِي عَنِ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ السِّرَاجُ عَلَى ظَهْرِهِ وَبَاطِنُهُ مُظْلِمٌ، تُخْرِجُونَ الْحِكْمَةَ إِلَى النَّاسِ وَتُمْسِكُونَ الْغِلَّ فِي صُدُورِكُمْ. لَا تَكُونُوا كَالْمُنْخُلِ يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّقِيقُ وَيُمْسِكُ النُّخَالَةَ، كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ وَتُبْقِي الْغِلَّ فِي صُدُورِكُمْ. إِنَّ الَّذِي يَخُوضُ الْمَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ ثَوْبَهُ الْمَاءُ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُحِبُّ الدُّنْيَا لَا يَنْجُو مِنَ الْخَطَايَا. طُوبَى لِلْمُجْتَهِدِينَ بالَّليلِ، وَرَعَوْا فِي مَسَاجِدِهِمُ الْعَمَلَ، وَسَقَوْا زَرْعَهُمْ مِنْ دُمُوعِ أَعْيُنِهِمْ حَتَّى نَبَتَ وَأَدْرَكَ الْحَصَادَ لِيَوْمِ فَقْرِهِمْ، فَوَجَدُوا عَاقِبَةَ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَمَنْ يَكُنْ زَرْعُهُ الْمُرَّ لَا يَحْصُدُ حُلْوًا. يَا عَبْدَ الدُّنْيَا، مَا أَكْثَرَ الشَّجَرَ وَلَيْسَ كُلُّهُ يُثْمِرُ، وَمَا أَكْثَرَ الْعُلَمَاءَ وَلَيْسَ كُلُّهُمْ يَعْمَلُ، إِنَّ الدَّابَّةَ مَا لَمْ تُرَضْ تُسْتَصْعَبْ. يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا، إِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَ مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ، وَلَا تَبْلُغُونَ مَا تُرِيدُونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ، كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ، وَحِينَ أَحْيَاكُمْ مُتُّمْ، وَحِينَ كُنْتُمْ. ضُلَّالًا هَدَاكُمْ، وَحِينَ اهْتَدَيْتُمْ ضَلَلْتُمْ. إِنَّ الزَّانِيَةَ إِذَا حَمَلَتْ يَفْضَحُهَا حَمْلُهَا، وَكَذَلِكَ يَفْتَضِحُ بِالْعَمَلِ مَنْ كَانَ يَغُرُّ النَّاسَ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَيَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ.

  313. التاريخ 315لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ مَسْكَنِهِ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] قَالَ ابن الجوزي: كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْكُنُ مِنْ سَاعِيرِ أَرْضِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقَرْيَةٍ تُدْعَى نَاصِرَةَ.

  314. التاريخ 316لا حكم مسجّل

    عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ إِبْلِيسَ، فَقَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَكَ إِلَّا مَا كُتِبَ لَكَ ؟ قَالَ إِبْلِيسُ: فَارْقَ بِذِرْوَةِ هَذَا الْجَبَلِ، فَتَرَدَّ مِنْهُ فَانْظُرْ تَعِيشُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ: فَقَالَ عِيسَى: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ: لَا يُجَرِّبُنِي عَبْدِي، فَإِنِّي أَفْعَلُ مَا شِئْتُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنَّ الْعَبْدَ لَا يَبْتَلِي رَبَّهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي عَبْدَهُ. وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: أَتَى الشَّيْطَانُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ تَزْعُمُ أَنَّكَ صَادِقٌ ؟ فَأْتِ هَذِهِ فَأَلْقِ نَفْسَكَ. قَالَ: وَيْلَكَ! أَلَيْسَ قَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تَسْأَلْنِي هَلَاكَ نَفْسِكَ، فَإِنِّي أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ. وعن خَالِدَ بْنَ يَزِيدَ، قَالَ: تَعَبَّدَ الشَّيْطَانُ مَعَ عِيسَى عَشْرَ سِنِينَ أَوْ سَنَتَيْنِ، أَقَامَ يَوْمًا عَلَى شَفِيرِ جَبَلٍ، فَقَالَ الشَّيْطَانُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَلْقَيْتُ نَفْسِي، هَلْ يُصِيبُنِي إِلَّا مَا كُتِبَ لِي ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِالَّذِي أَبْتَلِي رَبِّي وَلَكِنَّ رَبِّي إِذَا شَاءَ ابْتَلَانِي. وَعَرَفَ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ، فَفَارَقَهُ. وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: كَانَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يُصَلِّي عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ فَأَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَلْقِ نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْجَبَلِ وَقُلْ: قَدَرٌ عَلَيَّ. فَقَالَ: يَا لِعَيْنُ، اللَّهُ يَخْتَبِرُ الْعِبَادَ، وَلَيْسَ الْعِبَادُ يَخْتَبِرُونَ اللَّهَ، عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ أَيْضًا: وعن سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قال: لَقِيَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ إِبْلِيسُ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، أَنْتَ الَّذِي بَلَغَ مِنْ عِظَمِ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أَحَدٌ قَبْلَكَ. قَالَ: بَلِ الرُّبُوبِيَّةُ لِلْإِلَهِ الَّذِي أَنْطَقَنِي، ثُمَّ يُمِيتُنِي، ثُمَّ يُحْيِينِي. قَالَ: فَأَنْتَ الَّذِي بَلَغَ مِنْ عِظَمِ رُبُوبِيَّتِكَ أَنَّكَ تُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: بَلِ الرُّبُوبِيَّةُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ مَنْ أَحْيَيْتُ ثُمَّ يُحْيِيهِ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَإِلَهٌ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهٌ فِي الْأَرْضِ. قَالَ: فَصَكَّهُ جِبْرِيلُ صَكَّةً بِجَنَاحِهِ فَمَا تَنَاهَى دُونَ قُرُونِ الشَّمْسِ، ثُمَّ صَكَّهُ أُخْرَى بِجَنَاحِهِ فَمَا تَنَاهَى دُونَ الْعَيْنِ الْحَامِيَةِ، ثُمَّ صَكَّهُ أُخْرَى فَأَدْخَلَهُ بِحَارَ السَّابِعَةِ فَأَسَاخَهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَسْلَكَهُ - فِيهَا حَتَّى وَجَدَ طَعْمَ الْحَمْأَةِ، فَخَرَجَ مِنْهَا وَهُوَ يَقُولُ: مَا لَقِيَ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ مَا لَقِيتُ مِنْكَ يَا ابْنَ مَرْيَمَ. . وَعَنْ أَبُو سَلَمَةَ سُوَيْدٌ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، قَالَ: صَلَّى عِيسَى بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَانْصَرَفَ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الْعَقَبَةِ، عَرَضَ لَهُ إِبْلِيسُ فَاحْتَبَسَهُ، فَجَعَلَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ وَيُكَلِّمُهُ وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَكُونَ عَبْدًا. فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ، وَجَعَلَ عِيسَى يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْهُ، فَجَعَلَ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ فِيمَا يَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لَكَ يَا عِيسَى أَنْ تَكُونَ عَبْدًا. قَالَ: فَاسْتَغَاثَ عِيسَى بِرَبِّهِ، فَأَقْبَلَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَلَمَّا رَآهُمَا إِبْلِيسُ كَفَّ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّا مَعَهُ عَلَى الْعَقَبَةِ، اكْتَنَفَا عِيسَى، وَضَرَبَ جِبْرِيلُ إِبْلِيسَ بِجَنَاحِهِ، فَقَذَفَهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي. قَالَ: فَعَادَ إِبْلِيسُ مَعَهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُمَا لَمْ يُؤْمَرَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَالَ لِعِيسَى: قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَبْدًا، إِنَّ غَضَبَكَ لَيْسَ بِغَضَبِ عَبْدٍ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَا لَقِيتُ مِنْكَ حِينَ غَضِبْتَ، وَلَكِنْ أَدْعُوكَ إِلَى أَمْرٍ هُوَ لَكَ ; آمُرُ الشَّيَاطِينَ فَلْيُطِيعُوكَ، فَإِذَا رَأَى الْبَشَرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ أَطَاعُوكَ، عَبَدُوكَ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ أَنْ تَكُونَ إِلَهًا لَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَكُونُ إِلَهًا فِي السَّمَاءِ، وَتَكُونُ أَنْتَ إِلَهًا فِي الْأَرْضِ. فَلَمَّا سَمِعَ عِيسَى ذَلِكَ مِنْهُ، اسْتَغَاثَ بِرَبِّهِ وَصَرَخَ صَرْخَةً شَدِيدَةً، فَإِذَا إِسْرَافِيلُ قَدْ هَبَطَ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، فَكَفَّ إِبْلِيسُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ مَعَهُمْ ضَرَبَ إِسْرَافِيلُ إِبْلِيسَ بِجَنَاحِهِ، فَصَكَّ بِهِ عَيْنَ الشَّمْسِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً أُخْرَى، فَأَقْبَلَ إِبْلِيسُ يَهْوِي، وَمَرَّ بِعِيسَى وَهُوَ بِمَكَانِهِ، فَقَالَ: يَا عِيسَى، لَقَدْ لَقِيتُ فِيكَ الْيَوْمَ تَعَبًا شَدِيدًا. فَرَمَى بِهِ فِي عَيْنِ الشَّمْسِ، فَوَجَدَ سَبْعَةَ أَمْلَاكٍ عِنْدَ الْعَيْنِ الْحَامِيَةِ. قَالَ: فَغَطُّوهُ، فَجَعَلَ كُلَّمَا خَرَجَ غَطُّوهُ فِي تِلْكَ الْحَمْأَةِ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَادَ إِلَيْهِ بَعْدُ. قَالَ: وعن أَبي حُذَيْفَةَ، قَالَ: وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ شَيَاطِينُهُ، فَقَالُوا: سَيِّدُنَا، قَدْ لَقِيتَ تَعَبًا. قَالَ: إِنَّ هَذَا عَبْدٌ مَعْصُومٌ، لَيْسَ لِي عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَسَأُضِلُّ بِهِ بَشَرًا كَثِيرًا، وَأَبُثُّ فِيهِمْ أَهْوَاءً مُخْتَلِفَةً، وَأَجْعَلُهُمْ شِيَعًا، وَيَجْعَلُونَهُ وَأُمَّهُ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيمَا أَيَّدَ بِهِ عِيسَى وَعَصَمَهُ مِنْ إِبْلِيسَ قُرْآنًا نَاطِقًا بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلَى عِيسَى، فَقَالَ: يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ يَعْنِي: إِذْ قَوَّيْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ 72، يَعْنِي جِبْرِيلَ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ يَعْنِي الْإِنْجِيلَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْحِكْمَةَ، وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ [ الْمَائِدَةِ: 110 ]. وَإِذْ جَعَلْتُ الْمَسَاكِينَ لَكَ بِطَانَةً وَصَحَابَةً وَأَعْوَانًا تَرْضَى بِهِمْ، وَصَحَابَةً وَأَعْوَانًا يَرْضَوْنَ بِكَ هَادِيًا وَقَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ، فَذَلِكَ - فَاعْلَمْ - خُلُقَانِ عَظِيمَانِ، مَنْ لَقِيَنِي بِهِمَا فَقَدْ لَقِيَنِي بِأَزْكَى الْخَلَائِقِ وَأَرْضَاهَا عِنْدِي، وَسَيَقُولُ لَكَ بَنُو إِسْرَائِيلَ: صُمْنَا فَلَمْ يَتَقَبَّلْ صِيَامَنَا، وَصَلَّيْنَا فَلَمْ يَقْبَلْ صَلَاتَنَا، وَتَصَدَّقْنَا فَلَمْ يَقْبَلْ صَدَقَاتِنَا، وَبَكَيْنَا بِمِثْلِ حَنِينِ الْجِمَالِ فَلَمْ يَرْحَمْ بُكَاءَنَا. فَقُلْ لَهُمْ: وَلَمَّ ذَلِكَ ؟ وَمَا الَّذِي يَمْنَعُنِي، أَنَّ ذَاتَ يَدِي قَلَّتْ ؟! أَوَلَيِسَ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِيَدِي أُنْفِقَ مِنْهَا كَيْفَ أَشَاءُ، أَوْ أَنَّ الْبُخْلَ يَعْتَرِينِي ؟ أَوَلَسْتُ أَجْوَدَ مَنْ سُئِلَ وَأَوْسَعَ مَنْ أَعْطَى ؟ أَوْ أَنَّ رَحْمَتِي ضَاقَتْ ؟ وَإِنَّمَا يَتَرَاحَمُ الْمُتَرَاحِمُونَ بِفَضْلِ رَحْمَتِي، وَلَوْلَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ، يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، عَدُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالْحِكْمَةِ الَّتِي تُورِثُ فِي قُلُوبِهِمْ مَا اسْتَأْثَرُوا بِهِ الدُّنْيَا أَثَرَةً عَلَى الْآخِرَةِ، لَعَرَفُوا مِنْ أَيْنَ أُتُوا، وَإِذًا لَأَيْقَنُوا أَنَّ أَنْفُسَهُمْ هِيَ أَعْدَى الْأَعْدَاءِ لَهُمْ، وَكَيْفَ أَقْبَلُ صِيَامَهُمْ وَهُمْ يَتَقَوَّوْنَ عَلَيْهِ بِالْأَطْعِمَةِ الْحَرَامِ ؟! وَكَيْفَ أَقْبَلُ صَلَاتَهُمْ وَقُلُوبُهُمْ تَرْكَنُ إِلَى الَّذِينَ يُحَارِبُونِي وَيَسْتَحِلُّونَ مَحَارِمِي ؟! وَكَيْفَ أَقْبَلُ صَدَقَاتِهِمْ وَهُمْ يَغْصِبُونَ النَّاسَ عَلَيْهَا، فَيَأْخُذُونَهَا مِنْ غَيْرِ حِلِّهَا ؟! يَا عِيسَى، إِنَّمَا أَجْزِي عَلَيْهَا أَهْلَهَا، وَكَيْفَ أَرْحَمُ بُكَاءَهُمْ وَأَيْدِيهِمْ تَقْطُرُ مِنْ دِمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، ازْدَدْتُ عَلَيْهِمْ غَضَبًا، يَا عِيسَى، وَقَضَيْتُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنَّهُ مَنْ عَبَدَنِي وَقَالَ فِيكُمَا بِقَوْلِي، أَنْ أَجْعَلَهُمْ جِيرَانَكَ فِي الدَّارِ، وَرُفَقَاءَكَ فِي الْمَنَازِلِ، وَشُرَكَاءَكَ فِي الْكَرَامَةِ، وَقَضَيْتُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، أَنَّهُ مَنِ اتَّخَذَكَ وَأُمَّكَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْ أَجْعَلَهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، وَقَضَيْتُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، أَنِّي مُثَبِّتٌ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى يَدَيْ عَبْدِي مُحَمَّدٍ وَأَخْتِمُ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَمَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا مُتَزَيِّنٌ بِالْفُحْشِ، وَلَا قَوَّالٍ بِالْخَنَا، أُسَدِّدُهُ لِكُلِّ أَمْرٍ جَمِيلٍ، وَأَهَبُّ لَهُ كُلَّ خُلُقٍ كَرِيمٍ، أَجْعَلُ التَّقْوَى ضَمِيرَهُ، وَالْحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، وَالْوَفَاءَ طَبِيعَتَهُ، وَالْعَدْلَ سِيرَتَهُ، وَالْحَقَّ شَرِيعَتَهُ، وَالْإِسْلَامَ مِلَّتَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، أَهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلَالَةِ، وَأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الْجَهَالَةِ، وَأُغْنِي بِهِ بَعْدَ الْعَائِلَةِ، وَأَرْفَعُ بِهِ بَعْدَ الضَّعَةِ، أَهْدِي بِهِ، وَأَفْتَحُ بِهِ بَيْنَ آذَانٍ صُمٍّ، وَقُلُوبٍ غُلْفٍ، وَأَهْوَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، أَجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ; إِخْلَاصًا لِاسْمِي وَتَصْدِيقًا لِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، أُلْهِمُهُمُ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّقْدِيسَ فِي مَسَاجِدِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ وَمُنْقَلَبِهِمْ وَمَثْوَاهُمْ، يُصَلُّونَ لِي قِيَامًا وَقُعُودًا وَرُكَّعًا وَسُجَّدًا، وَيُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِي صُفُوفًا وَزُحُوفًا، قُرْبَانُهُمْ دِمَاؤُهُمْ، وَأَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَقُرْبَانُهُمْ فِي بُطُونِهِمْ، رُهْبَانٌ بِاللَّيْلِ، لُيُوثٌ بِالنَّهَارِ، ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ، وَأَنَا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

  315. التاريخ 317لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [ الْمَائِدَةِ: 110، 111 ]. يُذَكِّرُهُ تَعَالَى بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِ فِي خَلْقِهِ إِيَّاهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، بَلْ مِنْ أُمٍّ بِلَا ذَكَرٍ، وَجَعْلِهِ لَهُ آيَةً لِلنَّاسِ، وَدَلَالَةً عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى، ثُمَّ إِرْسَالِهِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ وَعَلَى وَالِدَتِكَ فِي اصْطِفَائِهَا وَاخْتِيَارِهَا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَإِقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى بَرَاءَتِهَا مِمَّا نَسَبَهَا إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ ; وَلِهَذَا قَالَ: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَهُوَ جِبْرِيلُ، بِإِلْقَاءِ رُوحِهِ إِلَى أُمِّهِ، وَقَرْنِهِ مَعَهُ فِي حَالِ رِسَالَتِهِ، وَمُدَافَعَتِهِ عَنْهُ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا أَيْ: تَدْعُو النَّاسَ إِلَى اللَّهِ فِي حَالِ صِغَرِكَ فِي مَهْدِكَ، وَفِي كُهُولَتِكَ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ أَيِ الْخَطَّ وَالْفَهْمَ. نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ السَّلَفِ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَقَوْلُهُ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي أَيْ: تُصَوِّرُهُ وَتُشَكِّلُهُ مِنَ الطِّينِ عَلَى هَيْئَتِهِ، عَنْ أَمْرِ اللَّهِ لَهُ بِذَلِكَ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي أَيْ: بِأَمْرِي. يُؤَكِّدُ تَعَالَى بِذِكْرِ الْإِذْنِ لَهُ فِي ذَلِكَ ; لِرَفْعِ التَّوَهُّمِ. وَقَوْلُهُ: وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَهُوَ الَّذِي يُولَدُ أَعْمَى، وَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ مِنَ الْحُكَمَاءِ إِلَى مُدَاوَاتِهِ وَالْأَبْرَصَ وَهُوَ الَّذِي لَا طِبَّ فِيهِ، بَلْ قَدْ مَرِضَ بِالْبَرَصِ وَصَارَ دَاؤُهُ عُضَالًا وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى أَيْ مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءً بِإِذْنِي. وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ مِرَارًا مُتَعَدِّدَةً مِمَّا فِيهِ كِفَايَةٌ. وَقَوْلُهُ:وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَذَلِكَ حِينَ أَرَادُوا صَلْبَهُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَأَنْقَذَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ; صِيَانَةً لِجَنَابِهِ الْكَرِيمِ عَنِ الْأَذَى، وَسَلَامَةً لَهُ مِنَ الرَّدَى. وَقَوْلُهُ: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذَا الْوَحْيِ وَحْيُ إِلْهَامٍ. أَيْ أَرْشَدَهُمُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النَّحْلِ: 68 ]. وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ [ الْقَصَصِ: 7 ]. وَقِيلَ: الْمُرَادُ وَحْيٌ بِوَاسِطَةِ الرَّسُولِ، وَتَوْفِيقٌ فِي قُلُوبِهِمْ لِقَبُولِ الْحَقِّ ; وَلِهَذَا اسْتَجَابُوا قَائِلِينَ: آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ. وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ;  أَنْ جَعْلَ لَهُ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا يَنْصُرُونَهُ وَيَدْعُونَ مَعَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى لِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ الْأَنْفَالِ: 62، 63 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 48 - 54 ]. كَانَتْ مُعْجِزَةُ كُلِّ نَبِيٍّ فِي زَمَانِهِ بِمَا يُنَاسِبُ أَهْلَ ذَلِكَ الزَّمَانِ   ; فَذَكَرُوا أَنَّ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَتْ مُعْجِزَتُهُ مِمَّا يُنَاسِبُ أَهْلَ زَمَانِهِ، فَكَانُوا سَحَرَةً أَذْكِيَاءَ، فَبُعِثَ بِآيَاتٍ بَهَرَتِ الْأَبْصَارَ، وَخَضَعَتْ لَهَا الرِّقَابُ، وَلَمَّا كَانَ السَّحَرَةُ خَبِيرِينَ بِفُنُونِ السِّحْرِ وَمَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَعَايَنُوا مَا عَايَنُوا مِنَ الْأَمْرِ الْبَاهِرِ الْهَائِلِ، الَّذِي لَا يُمْكِنُ صُدُورُهُ إِلَّا مِمَّنْ أَيَّدَهُ اللَّهُ وَأَجْرَى الْخَارِقَ عَلَى يَدَيْهِ تَصْدِيقًا لَهُ، أَسْلَمُوا سِرَاعًا، وَلَمْ يَتَلَعْثَمُوا، وَهَكَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، بُعِثَ فِي زَمَنِ الطَّبَائِعِيَّةِ الْحُكَمَاءِ، فَأُرْسِلَ بِمُعْجِزَاتٍ لَا يَسْتَطِيعُونَهَا وَلَا يَهْتَدُونَ إِلَيْهَا، وَأَنَّى لِحَكِيمٍ إِبْرَاءُ الْأَكْمَهِ، الَّذِي هُوَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصِ وَالْمَجْذُومِ، وَمَنْ بِهِ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، وَكَيْفَ يَتَوَصَّلُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَ الْمَيِّتَ مِنْ قَبْرِهِ، هَذَا مِمَّا يَعْلَمُ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُ مُعْجِزَةٌ دَالَّةٌ عَلَى صِدْقِ مَنْ قَامَتْ بِهِ، وَعَلَى قُدْرَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ، وَهَكَذَا مُحَمَّدٌ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، بُعِثَ فِي زَمَنِ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ، الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ، فَلَفْظُهُ مُعْجِزٌ تَحَدَّى بِهِ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنْ مَثَلِهِ، أَوْ بِسُورَةٍ، وَقَطَعَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ، لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي الِاسْتِقْبَالِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا وَلَنْ يَفْعَلُوا، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّهُ كَلَامُ الْخَالِقِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا أَقَامَ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ وَالْبَرَاهِينَ، اسْتَمَرَّ أَكْثَرُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَطُغْيَانِهِمْ، فَانْتَدَبَ لَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ طَائِفَةً صَالِحَةً، فَكَانُوا لَهُ أَنْصَارًا وَأَعْوَانًا  ، قَامُوا بِمُتَابَعَتِهِ وَنُصْرَتِهِ وَمُنَاصَحَتِهِ، وَذَلِكَ حِينَ هَمَّ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَوَشَوْا بِهِ إِلَى بَعْضِ مُلُوكِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَعَزَمُوا عَلَى قَتْلِهِ وَصَلْبِهِ، فَأَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، وَرَفَعَهُ إِلَيْهِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَأَلْقَى شَبَهَهُ عَلَى أَحَدِ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَهُ عِيسَى، وَهْمُ فِي ذَلِكَ غَالِطُونَ، وَلِلْحَقِّ مُكَابِرُونَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى مَا ادَّعَوْهُ، وَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ فِي ذَلِكَ مُخْطِئُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ.

  316. التاريخ 318لا حكم مسجّل

    بدء الوحي قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ تَمَّ لَهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً  ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَبْرُزَ لِلنَّاسِ فَيَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَانُوا أَرْبَابَ أَوْثَانٍ، ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. معجزة إحياء الموتى وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ فِي مَدِينَتِهِمْ زَمِنٌ وَلَا مُبْتَلًى وَلَا مَرِيضٌ إِلَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَدَعَا لَهُمْ فَشَفَاهُمُ اللَّهُ، فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: ابْعَثْ لَنَا مِنَ الْآخِرَةِ، قَالَ: مَنْ تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا: سَامَ بْنَ نُوحٍ، فَإِنَّهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا أَلْفِ سَنَةٍ، قَالَ: تَعْلَمُونَ أَيْنَ قَبْرُهُ ؟ قَالُوا: فِي وَادِي كَذَا وَكَذَا. فَانْطَلَقُوا إِلَى الْوَادِي، فَصَلَّى عِيسَى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، إِنَّهُمْ سَأَلُونِي مَا قَدْ عَلِمْتَ، فَابْعَثْ لِي سَامَ بْنَ نُوحٍ، فَقَالَ: يَا سَامُ بْنَ نُوحٍ، قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، ثُمَّ نَادَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ، فَأَجَابَهُ فَنَظَرَ إِلَى الْأَرْضِ قَدِ انْشَقَّتْ عَنْهُ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، هَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ. فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَذَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، ابْنُ الْعَذْرَاءِ الْمُبَارَكَةِ، رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، فَآمِنُوا بِهِ وَاتَّبِعُوهُ. ثُمَّ قَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ، إِنَّكَ لَمَّا دَعَوْتَنِي جَمَعَ اللَّهُ مَفَاصِلِي وَعِظَامِي، ثُمَّ سَوَّانِي [ خَلْقًا ] فَلَمَّا دَعَوْتَنِي الثَّانِيَةَ رَجَعَتْ إِلَيَّ رُوحِي، فَلَمَّا دَعَوْتَنِي الثَّالِثَةَ خِفْتُ أَنْ تَكُونَ الْقِيَامَةَ، فَشَابَ رَأْسِي وَأَتَانِي مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا عِيسَى يَدْعُوكَ لِتُصَدِّقَ مَقَالَتَهُ، يَا رُوحَ اللَّهِ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَرُدَّنِي إِلَى الْآخِرَةِ فَلَا حَاجَةَ لِي فِي الدُّنْيَا. قَالَ عِيسَى: فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَكُونَ مَعِي، قَالَ: يَا عِيسَى، أَكْرَهُ كَرْبَ الْمَوْتِ، مَا ذَاقَ الذَّائِقُونَ مِثْلَهُ. فَدَعَا رَبَّهُ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِ الأْرَضُ، وَقَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، فَبَلَغَ عِدَّةُ مَنْ آمَنَ بِعِيسَى سَبْعَةَ آلَافٍ. قَالَ ابن الجوزي: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الَّذِي أَحْيَاهُ حَامُ [ بْنُ نُوحٍ ]. وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قِيلَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَحْيِ حَامَ بْنَ نُوحٍ، فَقَالَ: أَرُونِي قَبْرَهُ، فَأَرَوْهُ فَقَامَ فَقَالَ: يَا حَامُ بْنَ نُوحٍ احْيَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَإِذَا شِقُّ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ أَبْيَضُ. فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: سَمِعْتُ الدُّعَاءَ الْأَوَّلَ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَشَابَ لَهُ شِقِّي، ثُمَّ سَمِعْتُ الثَّانِيَ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مِنَ الدُّنْيَا فَخَرَجْتُ. قَالَ: مُنْذُ كَمْ مِتَّ ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعَةِ آلَافِ سَنَةٍ مَا ذَهَبَتْ عَنِّي سَكْرَةُ الْمَوْتِ. وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ - قَالُوا: لَمَّا بُعِثَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، جَعَلَ الْكَافِرُونَ وَالْمُنَافِقُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ فَيَقُولُونَ: مَا أَكَلَ فُلَانٌ الْبَارِحَةَ، وَمَا ادَّخَرَ فِي بَيْتِهِ ؟ فَيُخْبِرُهُمْ، فَيَزْدَادُ الْمُؤْمِنُونَ إِيمَانًا، وَالْكَافِرُونَ وَالْمُنَافِقُونَ شَكًّا وَكُفْرَانًا، وَكَانَ عِيسَى، مَعَ ذَلِكَ، لَيْسَ لَهُ مَنْزِلٌ يَأْوِي إِلَيْهِ، إِنَّمَا يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ لَيْسَ لَهُ قَرَارٌ وَلَا مَوْضِعٌ يُعْرَفُ بِهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا أَحْيَا مِنَ الْمَوْتَى  ، أَنَّهُ مَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى امْرَأَةٍ قَاعِدَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ ؟ فَقَالَتْ: مَاتَتِ ابْنَةٌ لِي لَمْ يَكُنْ لِي وَلَدٌ غَيْرُهَا، وَإِنِّي عَاهَدْتُ رَبِّي أَنْ لَا أَبْرَحُ مِنْ مَوْضِعِي هَذَا حَتَّى أَذُوقَ مَا ذَاقَتْ مِنَ الْمَوْتِ، أَوْ يُحْيِيَهَا اللَّهُ لِي فَأَنْظُرُ إِلَيْهَا. فَقَالَ لَهَا عِيسَى: أَرَأَيْتِ إِنْ نَظَرْتِ إِلَيْهَا أَرَاجِعَةٌ أَنْتِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالُوا: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ عِنْدَ الْقَبْرِ، فَنَادَى: يَا فُلَانَةُ قُومِي بِإِذْنِ الرَّحْمَنِ فَاخْرُجِي. قَالَ: فَتَحَرَّكَ الْقَبْرُ، ثُمَّ نَادَى الثَّانِيَةَ، فَانْصَدَعَ الْقَبْرُ بِإِذْنِ اللَّهِ، ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ، فَخَرَجَتْ وَهِيَ تَنْفُضُ رَأْسَهَا مِنَ التُّرَابِ، فَقَالَ لَهَا عِيسَى: مَا بَطَّأَ بِكِ عَنِّي ؟ فَقَالَتْ: لَمَّا جَاءَتْنِي الصَّيْحَةُ الْأُولَى بَعَثَ اللَّهُ لِي مَلَكًا فَرَكَّبَ خَلْقِي، ثُمَّ جَاءَتْنِي الصَّيْحَةُ الثَّانِيَةُ، فَرَجَعَ إِلَيَّ رُوحِي، ثُمَّ جَاءَتْنِي الصَّيْحَةُ الثَّالِثَةُ، فَخِفْتُ أَنَّهَا صَيْحَةُ الْقِيَامَةِ، فَشَابَ رَأْسِي وَحَاجِبَايَ وَأَشْفَارُ عَيْنِي ; مِنْ مَخَافَةِ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى أُمِّهَا فَقَالَتْ: يَا أُمَّتَاهُ، مَا حَمَلَكِ عَلَى أَنْ أَذُوقَ كَرْبَ الْمَوْتِ مَرَّتَيْنِ ؟ يَا أُمَّتَاهُ، اصْبِرِي وَاحْتَسِبِي، فَلَا حَاجَةَ لِي فِي الدُّنْيَا، يَا رُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ، سَلْ رَبِّي أَنْ يَرُدَّنِي إِلَى الْآخِرَةِ، وَأَنْ يُهَوِّنَ عَلَيَّ كَرْبَ الْمَوْتِ. فَدَعَا رَبَّهُ فَقَبَضَهَا إِلَيْهِ، وَاسْتَوَتْ عَلَيْهَا الْأَرْضُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَازْدَادُوا عَلَيْهِ غَضَبًا. قَالَ وَهْبٌ: بَيْنَمَا عِيسَى يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ إِذْ وَثَبَ غُلَامٌ عَلَى صَبِيٍّ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَقَتَلَهُ فَأَلْقَاهُ بَيْنَ رِجْلَيِ الْمَسِيحِ مُتَلَطِّخًا بِالدَّمِ، فَانْطَلَقُوا بِهِ إِلَى الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَقَالُوا: قَتَلَ صَبِيًّا، فَسَأَلَهُ الْحَاكِمُ، فَقَالَ: مَا قَتَلْتُهُ. فَأَرَادُوا أَنْ يَبْطِشُوا بِهِ، فَقَالَ: إِيتُونِي بِالصَّبِيِّ حَتَّى أَسْأَلَهُ مَنْ قَتَلَهُ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ قَوْلِهِ، وَأَحْضَرُوا عِنْدَهُ الْقَتِيلَ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَحْيَاهُ، فَقَالَ: مَنْ قَتَلَكَ ؟ فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، يَعْنِي الَّذِي قَتَلَهُ. فَقَالَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِلْقَتِيلِ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ مَاتَ الْغُلَامُ مِنْ سَاعَتِهِ.

  317. التاريخ 319لا حكم مسجّل

    فَلَمَّا ضَاقَ الْحَالُ -يعني على مريم عليها السلام-، وَانْحَصَرَ الْمَجَالُ وَامْتَنَعَ الْمَقَالُ، عَظُمَ التَّوَكُّلُ عَلَى ذِي الْجَلَالِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْإِخْلَاصُ وَالِاتِّكَالُ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ أَيْ: خَاطِبُوهُ وَكَلِّمُوهُ ; فَإِنَّ جَوَابَكُمْ عَلَيْهِ، وَمَا تَبْغُونَ مِنَ الْكَلَامِ لَدَيْهِ. فَعِنْدَهَا قَالَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ جَبَّارًا شَقِيًّا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أَيْ: كَيْفَ تُحِيلِينَنَا فِي الْجَوَابِ عَلَى صَبِيٍّ صَغِيرٍ لَا يَعْقِلُ الْخِطَابَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ رَضِيعٌ فِي مَهْدِهِ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَحْضٍ وَزَبَدِهِ، وَمَا هَذَا مِنْكِ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِنَا وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَالتَّنَقُّصِ لَنَا وَالِازْدِرَاءِ ; إِذْ لَا تَرُدِّينَ عَلَيْنَا قَوْلًا نُطْقِيًّا، بَلْ تُحِيلِينَ فِي الْجَوَابِ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، فَعِنْدَهَا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا هَذَا أَوَّلُ كَلَامٍ تَفَوَّهَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ اعْتَرَفَ لِرَبِّهِ تَعَالَى بِالْعُبُودِيَّةِ، وَأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، فَنَزَّهَ جَنَابَ اللَّهِ عَنْ قَوْلِ الظَّالِمِينَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، بَلْ هُوَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ، ثُمَّ بَرَّأَ أُمَّهُ مِمَّا نَسَبَهَا إِلَيْهِ الْجَاهِلُونَ، وَقَذَفُوهَا بِهِ وَرَمَوْهَا بِسَبَبِهِ بِقَوْلِهِ: آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعْطِي النُّبُوَّةَ مَنْ هُوَ كَمَا زَعَمُوا، لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَقَبَّحَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا [ النِّسَاءِ: 156 ]. وَذَلِكَ أَنَّ طَائِفَةً مِنَ الْيَهُودِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَالُوا: إِنَّهَا حَمَلَتْ بِهِ مِنْ زِنًا فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ. فَبَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ عَنْهَا أَنَّهَا صِدِّيقَةٌ، وَاتَّخَذَ وَلَدَهَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، أَحَدَ أُولِي الْعَزْمِ الْخَمْسَةِ الْكِبَارِ، وَلِهَذَا قَالَ: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ دَعَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَزَّهَ جَنَابَهُ عَنِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ ; مِنِ اتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ. وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَهَذِهِ وَظِيفَةُ الْعَبِيدِ فِي الْقِيَامِ بِحَقِّ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ; بِالصَّلَاةِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلِيقَةِ بِالزَّكَاةِ، وَهِيَ تَشْتَمِلُ عَلَى طَهَارَةِ النُّفُوسِ مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَتَطْهِيرِ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ بِالْعَطِيَّةِ لِلْمَحَاوِيجِ، عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْنَافِ، وَقِرَى الْأَضْيَافِ، وَالنَّفَقَاتِ عَلَى الزَّوْجَاتِ، وَالْأَرِقَّاءِ، وَالْقَرَابَاتِ، وَسَائِرِ وُجُوهِ الطَّاعَاتِ وَأَنْوَاعِ الْقُرُبَاتِ، ثُمَّ قَالَ: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا أَيْ: وَجَعَلَنِي بَرًّا بِوَالِدَتِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَأَكَّدَ حَقُّهَا عَلَيْهِ، لِتَمَحُّضِ جِهَتِهَا، إِذْ لَا وَالِدَ لَهُ سِوَاهَا، فَسُبْحَانَ مَنْ خَلَقَ الْخَلِيقَةَ وَبَرَأَهَا، وَأَعْطَى كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا. وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا أَيْ: لَسْتُ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا يَصْدُرُ مِنِّي قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ يُنَافِي أَمْرَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ. وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا وَهَذِهِ الْمَوَاطِنُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي قِصَّةِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.

  318. التاريخ 320لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ خَبَرِ الْمَائِدَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [ الْمَائِدَةِ: 112 - 115 ]. قَدْ ذَكَرْنَا فِي التَّفْسِيرِ الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي نُزُولِ الْمَائِدَةِ، أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَمَرَ الْحَوَارِيِّينَ بِصِيَامِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا أَتَمُّوهَا سَأَلُوا مِنْ عِيسَى إِنْزَالَ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ عَلَيْهِمْ لِيَأْكُلُوا مِنْهَا  وَتَطْمَئِنَّ بِذَلِكَ قُلُوبُهُمْ، أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ صِيَامَهُمْ وَأَجَابَهُمْ إِلَى طَلِبَتِهِمْ، وَتَكُونَ لَهُمْ عِيدًا يُفْطِرُونَ عَلَيْهَا يَوْمَ فِطْرِهِمْ، وَتَكُونَ كَافِيَةً لِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، لِغَنِيِّهِمْ وَفَقِيرِهِمْ، فَوَعَظَهُمْ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي ذَلِكَ وَخَافَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَقُومُوا بِشُكْرِهَا، وَلَا يُؤَدُّوا حَقَّ شُرُوطِهَا، فَأَبَوْا عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمَّا لَمْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ، قَامَ إِلَى مُصَلَّاهُ وَلَبِسَ مِسْحًا مِنْ شَعْرٍ، وَصَفَّ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَأَطْرَقَ رَأْسَهُ، وَأَسْبَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ، وَتَضَرَّعَ إِلَى اللَّهِ فِي الدُّعَاءِ وَالسُّؤَالِ، أَنْ يُجَابُوا إِلَى مَا طَلَبُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا تَنْحَدِرُ بَيْنَ غَمَامَتَيْنِ، وَجَعَلَتْ تَدْنُو قَلِيلًا قَلِيلًا، وَكُلَّمَا دَنَتْ سَأَلَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، رَبَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يَجْعَلَهَا رَحْمَةً لَا نِقْمَةً وَأَنْ يَجْعَلَهَا بَرَكَةً وَسَلَامَةً، فَلَمْ تَزَلْ تَدْنُو حَتَّى اسْتَقَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهِيَ مُغَطَّاةٌ بِمَنْدِيلٍ، فَقَامَ عِيسَى يَكْشِفُ عَنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. فَإِذَا عَلَيْهَا سَبْعَةٌ مِنَ الْحِيتَانِ، وَسَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، وَيُقَالُ: وَخَلٌّ. وَيُقَالُ: وَرُمَّانٌ وَثِمَارٌ. وَلَهَا رَائِحَةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا. قَالَ اللَّهُ لَهَا: كُونِي. فَكَانَتْ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْأَكْلِ مِنْهَا، فَقَالُوا: لَا نَأْكُلُ حَتَّى تَأْكُلَ. فَقَالَ: إِنَّكُمُ الَّذِينَ ابْتَدَأْتُمُ السُّؤَالَ لَهَا. فَأَبَوْا أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ابْتِدَاءً، فَأَمَرَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَحَاوِيجَ وَالْمَرْضَى وَالزَّمْنَى، وَكَانُوا قَرِبَيًا مِنْ أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا فَبَرَأَ كُلُّ مَنْ بِهِ عَاهَةٌ، أَوْ آفَةٌ، أَوْ مَرَضٌ مُزْمِنٌ، فَنَدِمَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ الْأَكْلِ مِنْهَا ; لِمَا رَأَوْا مِنْ إِصْلَاحِ حَالِ أُولَئِكَ، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ تَنْزِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً، فَيَأْكُلُ النَّاسُ مِنْهَا، يَأْكُلُ آخِرُهُمْ كَمَا يَأْكُلُ أَوَّلُهُمْ، حَتَّى قِيلَ: إِنَّهَا كَانَ يَأْكُلُ مِنْهَا نَحْوُ سَبْعَةِ آلَافٍ. ثُمَّ كَانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، كَمَا كَانَتْ نَاقَةُ صَالِحٍ يَشْرَبُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ عِيسَى أَنْ يَقْصُرَهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَحَاوِيجِ، دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَتَكَلَّمَ مُنَافِقُوهُمْ فِي ذَلِكَ، فَرُفِعَتْ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمُسِخَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ خَنَازِيرَ. وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: نَزَلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا، وَلَا يَدَّخِرُوا، وَلَا يَرْفَعُوا لِغَدٍ، فَخَانُوا وَادَّخَرُوا وَرَفَعُوا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ وَقِيلَ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْمَائِدَةِ، هَلْ نَزَلَتْ أَمْ لَا ؟ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآثَارُ، وَكَمَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ ظَاهِرِ سِيَاقِ الْقُرْآنِ، وَلَا سِيَّمَا قَوْلُهُ: إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ كَمَا قَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى مُجَاهِدٍ، وَإِلَى الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: لَمْ تَنْزِلْ. وَإِنَّهُمْ أَبَوْا نُزُولَهَا، حِينَ قَالَ: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ وَلِهَذَا قِيلَ: إِنَّ النَّصَارَى لَا يَعْرِفُونَ خَبَرَ الْمَائِدَةِ، وَلَيْسَ مَذْكُورًا فِي كِتَابِهِمْ مَعَ أَنَّ خَبَرَهَا مِمَّا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: أَنَّ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَوَارِيِّينَ قَالُوا لَهُ: يَا عِيسَى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ فَدَعَا عِيسَى فَقَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ الَمَّائِدَةَ عَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَلَا تَنْفَدُ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهَا مُقِيمَةٌ مَا لَمْ تَدَّخِرُوا مِنْهَا. فَمَا مَضَى يَوْمُهُمْ حَتَّى ادَّخَرُوا. وَقِيلَ: أَقْبَلَتِ الْمَلَائِكَةُ تَحْمِلُ الْمَائِدَةَ عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ وَسَبْعَةُ أَحْوَاتٍ حَتَّى وَضَعُوهَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَأَكَلَ مِنْهَا آخِرُ النَّاسِ كَمَا أَكَلَ أَوَّلُهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ عَلَيْهَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَقِيلَ: كَانَتْ تُمَدُّ بِكُلِّ طَعَامٍ إِلَّا اللَّحْمَ، وَقِيلَ: كَانَتْ سَمَكَةً فِيهَا طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَمَّا أَكَلُوا مِنْهَا، وَهُمْ خَمْسَةُ آلَافٍ، وَزَادَتْ حَتَّى بَلَغَ الطَّعَامُ رُكَبَهُمْ، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ. فَكَذَّبَ بِهِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهُ، وَقَالُوا: سَحَرَ أَعْيُنَكُمْ، فَافْتَتَنَ بَعْضُهُمْ وَكَفَرَ، فَمُسِخُوا خَنَازِيرَ لَيْسَ فِيهِمُ امْرَأَةٌ وَلَا صَبِيٌّ، فَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ هَلَكُوا وَلَمْ يَتَوَالَدُوا. وَقِيلَ: كَانَتِ الَمَّائِدَةُ سُفْرَةً حَمْرَاءَ تَحْتَهَا غَمَامَةٌ وَفَوْقَهَا غَمَامَةٌ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا تَنْزِلُ حَتَّى سَقَطَتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَبَكَى عِيسَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشَّاكِرِينَ ! اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا مُثْلَةً وَلَا عُقُوبَةً ! وَالْيَهُودُ يَنْظُرُونَ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ وَلَمْ يَجِدُوا رِيحًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِهَا. فَقَالَ شَمْعُونُ: يَا رُوحَ اللَّهِ، أَمِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ الْمَسِيحُ: لَا مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا وَلَا مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: كُلُوا مِمَّا سَأَلْتُمْ. فَقَالُوا لَهُ: كُلْ أَنْتَ يَا رُوحُ. فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ آكُلَ مِنْهَا ! فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا، فَدَعَا الْمَرْضَى، وَالزَّمْنَى، وَالْفُقَرَاءَ، فَأَكَلُوا مِنْهَا، وَهُمْ أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ، فَشَبِعُوا، وَهِيَ بِحَالِهَا لَمْ تَنْقُصْ، فَصَحَّ الْمَرْضَى، وَالزَّمْنَى، وَاسْتَغْنَى الْفُقَرَاءُ، ثُمَّ صَعِدَتْ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا حَتَّى تَوَارَتْ، وَنَدِمَ الْحَوَارِيُّونَ حَيْثُ لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا. وَقِيلَ: إِنَّهَا نَزَلَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، كَانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا وَتَنْقَطِعُ يَوْمًا، وَأَمَرَ اللَّهُ عِيسَى أَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهَا الْفُقَرَاءَ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَجَحَدُوا نُزُولَهَا وَشَكُّوا فِي ذَلِكَ وَشَكَّكُوا غَيْرَهُمْ فِيهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي شَرَطْتُ أَنْ أُعَذِّبَ الْمُكَذِّبِينَ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُ بِهِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَمَسَخَ مِنْهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا فَأَصْبَحُوا خَنَازِيرَ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ فَزِعُوا إِلَى عِيسَى وَبَكَوْا، وَبَكَى عِيسَى عَلَى الْمَمْسُوخِينَ. فَلَمَّا أَبْصَرَتِ الْخَنَازِيرُ عِيسَى بَكَوْا وَطَافُوا وَهُوَ يَدْعُوهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَيُشِيرُونَ بِرُءُوسِهِمْ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْكَلَامِ، فَعَاشُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا.

  319. التاريخ 321لا حكم مسجّل

    عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: فَقَدَ الْحَوَارِيُّونَ نَبِيَّهُمْ عِيسَى، فَقِيلَ لَهُمْ: تَوَجَّهَ نَحْوَ الْبَحْرِ. فَانْطَلَقُوا يَطْلُبُونَهُ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْبَحْرِ، إِذَا هُوَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ، يَرْفَعُهُ الْمَوْجُ مَرَّةً وَيَضَعُهُ أُخْرَى، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ، مُرْتَدٍ بِنِصْفِهِ، وَمُؤْتَزِرٌ بِنِصْفِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ - قَالَ أَبُو هِلَالٍ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ مَنْ أَفَاضِلِهِمْ -: أَلَا أَجِيءُ إِلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَوَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَضَعَ الْأُخْرَى فَقَالَ: أَوَّهْ، غَرِقْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. فَقَالَ: أَرِنِي يَدَكَ يَا قَصِيرَ الْإِيمَانِ، لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ مِنَ الْيَقِينِ قَدْرَ شَعِيرَةٍ، مَشَى عَلَى الْمَاءِ. وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: قِيلَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: يَا عِيسَى، بِأَيِّ شَيْءٍ تَمْشِي عَلَى الْمَاءِ ؟ قَالَ: بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ. قَالُوا: فَإِنَّا آمَنَّا كَمَا آمَنْتَ وَأَيْقَنَّا كَمَا أَيْقَنْتَ. قَالَ: فَامْشُوا إِذًا. قَالَ: فَمَشَوْا مَعَهُ فِي الْمَوْجِ فَغَرِقُوا. فَقَالَ لَهُمْ عِيسَى: مَا لَكُمْ ؟ فَقَالُوا: خِفْنَا الْمَوْجَ. قَالَ: أَلَا خِفْتُمْ رَبَّ الْمَوْجِ. قَالَ: فَأَخْرَجَهُمْ ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَبَضَ بِهَا ثُمَّ بَسَطَهَا، فَإِذَا فِي إِحْدَى يَدَيْهِ ذَهَبٌ، وَفِي الْأُخْرَى مَدَرٌ أَوْ حَصًى، فَقَالَ: أَيُّهُمَا أَحْلَى فِي قُلُوبِكُمْ ؟ قَالُوا: هَذَا الذَّهَبُ. قَالَ: فَإِنَّهُمَا عِنْدِي سَوَاءٌ.

  320. التاريخ 322لا حكم مسجّل

    وَقَالَ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [ الصَّفِّ: 6 - 9 ]. إِلَى أَنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [ الصَّفِّ: 14 ]. فَعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، هُوَ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ قَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَبَشَّرَهُمْ بِخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ الْآتِي بَعْدَهُ  ، وَنَوَّهَ بِاسْمِهِ، وَذَكَرَ لَهُمْ صِفَتَهُ لِيَعْرِفُوهُ وَيُتَابِعُوهُ إِذَا شَاهَدُوهُ ; إِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَإِحْسَانًا مِنَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الْأَعْرَافِ: 157 ]. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ نَفْسِكَ. قَالَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي حِينَ حَمَلَتْ بِي كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، وَأَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوُ هَذَا، وَفِيهِ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى وَذَلِكَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا بَنَى الْكَعْبَةَ قَالَ: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [ الْبَقَرَةِ: 129 ]. الْآيَةَ. وَلَمَّا انْتَهَتِ النُّبُوَّةُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى عِيسَى، قَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ النُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُمْ، وَأَنَّهَا بَعْدَهُ فِي النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْأُمِّيِّ، خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، أَحْمَدَ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، الَّذِي هُوَ مِنْ سُلَالَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ يُحْتَمَلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إِلَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيُحْتَمَلُ عُودُهُ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ حَرَّضَ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَنُصْرَةِ نَبِيِّهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَمُعَاوَنَتِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ وَنَشْرِ الدَّعْوَةِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ أَيْ: مَنْ يُسَاعِدُنِي فِي الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: النَّاصِرَةُ. فَسُمُّوا النَّصَارَى بِذَلِكَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ يَعْنِي، لَمَّا دَعَا عِيسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ، فَكَانَ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ أَهْلُ أَنْطَاكِيَةَ بِكَمَالِهِمْ، فِيمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ وَالتَّوَارِيخِ وَالتَّفْسِيرِ، بَعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلًا ثَلَاثَةً، أَحَدُهُمْ شَمْعُونُ الصَّفَا، فَآمَنُوا وَاسْتَجَابُوا، وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ هُمُ الْمَذْكُورِينَ فِي سُورَةِ " يس " لِمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْقَرْيَةِ، وَكَفَرَ آخَرُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهْمُ جُمْهُورُ الْيَهُودِ، فَأَيَّدَ اللَّهُ مَنْ آمَنَ بِهِ عَلَى مَنْ كَفَرَ فِيمَا بَعْدُ، وَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ عَلَيْهِمْ قَاهِرِينَ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [ آلِ عِمْرَانَ: 55 ]. الْآيَةَ. فَكُلُّ مَنْ كَانَ إِلَيْهِ أَقْرَبَ، كَانَ غَالِبًا لِمَنْ دُونَهُ، وَلَمَّا كَانَ قَوْلُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ هُوَ الْحَقَّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ، مِنْ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، كَانُوا ظَاهِرِينَ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ غَلَوْا فِيهِ وَأَطْرَوْهُ، وَأَنْزَلُوهُ فَوْقَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَمَّا كَانَ النَّصَارَى أَقْرَبَ فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْيَهُودُ فِيهِ، عَلَيْهِمْ لِعَائِنُ اللَّهِ، كَانَ النَّصَارَى قَاهِرِينَ لِلْيَهُودِ فِي أَزْمَانِ الْفَتْرَةِ إِلَى زَمَنِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

  321. التاريخ 323لا حكم مسجّل

    إخباره عمن سرق وبركته في طعامه وشرابه وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ بِمِصْرَ نَزَلَتْ عَلَى دِهْقَانَ، وَكَانَتْ دَارُهُ يَأْوِي إِلَيْهَا الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، فَسُرِقَ لَهُ مَالٌ، فَلَمْ يَتَّهِمِ الْمَسَاكِينَ، فَحَزِنَتْ مَرْيَمُ فَلَمَّا رَأَى عِيسَى حُزْنَ أُمِّهِ قَالَ: أَتُرِيدِينَ أَنْ أَدُلَّهُ عَلَى مَالِهِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّهُ أَخْذَهُ الْأَعْمَى وَالْمُقْعَدُ، اشْتَرَكَا فِيهِ، حَمَلَ الْأَعْمَى الْمُقْعَدَ فَأَخَذَهُ، فَقِيلَ لِلْأَعْمَى لِيَحْمِلَ الْمُقْعَدَ، فَأَظْهَرَ الْعَجْزَ، فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: كَيْفَ قَوِيتَ عَلَى حَمْلِهِ الْبَارِحَةَ لَمَّا أَخَذْتُمَا الْمَالَ ؟ فَاعْتَرَفَا وَأَعَادَاهُ. وَنَزَلَ بِالدِّهْقَانِ أَضْيَافٌ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَرَابٌ، فَاهْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا رَآهُ عِيسَى دَخَلَ بَيْتًا لِلدِّهْقَانِ فِيهِ صَفَّانِ مِنْ جِرَارٍ فَأَمَرَّ عِيسَى يَدَهُ عَلَى أَفْوَاهِهَا وَهُوَ يَمْشِي، فَامْتَلَأَتْ شَرَابًا، وَعُمُرُهُ حِينَئِذٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَ فِي الْكُتَّابِ يُحَدِّثُ الصِّبْيَانَ بِمَا يَصْنَعُ أَهْلُوهُمْ وَبِمَا كَانُوا يَأْكُلُونَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: سَلَّمَتْ مَرْيَمُ عِيسَى إِلَى صَبَّاغٍ يَتَعَلَّمُ عِنْدَهُ، فَاجْتَمَعَ عِنْدَ الصَّبَّاغِ ثِيَابٌ وَعَرَضَ لَهُ حَاجَةٌ، فَقَالَ لِلْمَسِيحِ: هَذِهِ ثِيَابٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَلْوَانِ وَقَدْ جَعَلْتُ فِي كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا خَيْطًا عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي يُصْبَغُ بِهِ فَاصْبُغْهَا حَتَّى أَعُودَ مِنْ حَاجَتِي هَذِهِ. فَأَخَذَهَا الْمَسِيحُ وَأَلْقَاهَا فِي جُبٍّ وَاحِدٍ، فَلَمَّا عَادَ الصَّبَّاغُ سَأَلَهُ عَنِ الثِّيَابِ فَقَالَ: صَبَغْتُهَا. فَقَالَ: أَيْنَ هِيَ ؟ قَالَ: فِي هَذَا الْجُبِّ، فَقَالَ: كُلُّهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ أَفْسَدْتَهَا عَلَى أَصْحَابِهَا ! وَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْمَسِيحُ: لَا تَعْجَلْ وَانْظُرْ إِلَيْهَا، وَقَامَ وَأَخْرَجَهَا كُلُّ ثَوْبٍ مِنْهَا عَلَى اللَّوْنِ الَّذِي أَرَادَ صَاحِبُهُ، فَتَعَجَّبَ الصَّبَّاغُ مِنْهُ وَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَحَضَرَ يَوْمًا طَعَامَ بَعْضِ الْمُلُوكِ كَانَ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ، فَقَعَدَ عَلَى قَصْعَةٍ يَأْكُلُ مِنْهَا وَلَا تَنْقُصُ، فَقَالَ الْمَلِكُ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. فَنَزَلَ الْمَلِكُ عَنْ مُلْكِهِ وَاتَّبَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَكَانُوا الْحَوَارِيِّينَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْحَوَارِيِّينَ هُمُ الصَّبَّاغُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَأَصْحَابٌ لَهُ، وَقِيلَ: كَانُوا صَيَّادِينَ، وَقِيلَ: قَصَّارِينَ، وَقِيلَ: مَلَّاحِينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَتْ عِدَّتُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانُوا إِذَا جَاعُوا أَوْ عَطِشُوا قَالُوا: يَا رُوحَ اللَّهِ قَدْ جُعْنَا وَعَطِشْنَا، فَيَضْرِبُ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ فَيَخْرُجُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ رَغِيفَيْنِ وَمَا يَشْرَبُونَ. فَقَالُوا: مَنْ أَفْضَلُ مِنَّا، إِذَا شِئْنَا أَطْعَمْتَنَا وَسَقَيْتَنَا ! فَقَالَ: أَفْضَلُ مِنْكُمْ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ كَسْبِ يَدِهِ، فَصَارُوا يَغْسِلُونَ الثِّيَابَ بِالْأُجْرَةِ. مداوة المرضى قَالَ وَهْبٌ: وَكَانَ يَجْتَمِعُ عَلَى بَابِهِ مِنَ الْمَرْضَى خَمْسُونَ أَلْفًا. وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: لَمْ يَبْقَ فِي مَدِينَتِهِمْ زَمِنٌ وَلَا مُبْتَلًى وَلَا مَرِيضٌ إِلَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَدَعَا لَهُمْ فَشَفَاهُمُ اللَّهُ، فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ.

  322. التاريخ 324لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ كَلِمَاتٍ مِمَّا أُوحِيَ إِلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ   عَنْ بَعْضِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى: يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، اذْكُرْنِي فِي الدُّنْيَا أَذْكُرْكَ فِي الْمَعَادِ، أَكْحِلْ عَيْنَكَ بِمَلُولِ الْحُزْنِ، تَيَقَّظْ لِي فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ. أَسْمِعْنِي لَذَاذَةَ الْإِنْجِيلِ، إِذَا دَخَلْتَ مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِي فَلْيَضْطَرِبْ قَلْبُكَ خَوْفًا مِنِّي، وَلْتَخْشَعْ جَوَارِحُكَ لِي. وَقُلْ لِقَوْمِكَ إِذَا دَخَلُوا مَسْجِدًا مِنْ مَسَاجِدِي: لَا تَدْخُلُوا إِلَّا بِقُلُوبٍ خَائِفَةٍ، وَأَبْصَارٍ خَاشِعَةٍ خَافِضَةٍ، وَأَيْدٍ طَاهِرَةٍ مِنَ الدَّنَسِ. وَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي لَا أَسْتَجِيبُ دُعَاءَ الظَّالِمِ حَتَّى يَرُدَّ الْمَظْلَمَةَ إِلَى صَاحِبِهَا. يَا عِيسَى، لَا تُجَالِسِ الْخَطَّائِينَ حَتَّى يَتُوبُوا. [ يَا عِيسَى، إِنِّي ذَاكِرٌ كُلَّ مَنْ ذَكَرَنِي، وَأَلْعَنُ الظَّالِمِينَ إِذَا ذَكَرُونِي ]. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْسَجَةَ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: أَنْزِلْنِي مِنْ نَفْسِكَ كَهَمِّكَ، وَاجْعَلْنِي ذُخْرًا لَكَ فِي مَعَادِكَ، وَتَقَرَّبْ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ أُحِبَّكَ، وَلَا تَوَلَّ غَيْرِي فَأَخْذُلَكَ، اصْبِرْ عَلَى الْبَلَاءِ، وَارْضَ بِالْقَضَاءِ، وَكُنْ لِمَسَرَّتِي فِيكَ، فَإِنَّ مَسَرَّتِي أَنْ أُطَاعَ فَلَا أُعْصَى، وَكُنْ مِنِّي قَرِيبًا، وَأَحْيِ ذِكْرِي بِلِسَانِكَ، وَلْتَكُنْ مَوَدَّتِي فِي صَدْرِكَ، تَيَقَّظْ مِنْ سَاعَاتِ الْغَفْلَةِ، وَاحْكُمْ لِي لَطِيفَ الْفِطْنَةِ، وَكُنْ لِي رَاغِبًا رَاهِبًا، وَأَمِتْ قَلْبَكَ مِنَ الْخَشْيَةِ لِي، وَرَاعِ اللَّيْلَ لِحَقِّ مَسَرَّتِي، وَأَظْمِ نَهَارَكَ لِيَوْمِ الرَّيِّ عِنْدِي، نَافِسْ فِي الْخَيْرَاتِ جَهْدَكَ وَأَعْرِفْ بِالْخَيْرِ حَيْثُ تَوَجَّهْتَ وَقُمْ فِي الْخَلَائِقِ بِنَصِيحَتِي، وَاحْكُمْ فِي عِبَادِي بِعَدْلِي، فَقَدْ أَنْزَلْتُ عَلَيْكَ شِفَاءَ وَسَاوِسِ الصُّدُورِ مِنْ مَرَضِ النِّسْيَانِ، وَجِلَاءَ الْأَبْصَارِ مِنْ غِشَاءِ الْكَلَالِ، وَلَا تَكُنْ حَلِسًا كَأَنَّكَ مَقْبُوضٌ وَأَنْتَ حَيٌّ تَنَفَّسُ، يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، مَا آمَنَتْ بِي خَلِيقَةٌ إِلَّا خَشَعَتْ، وَلَا خَشَعَتْ لِي إِلَّا رَجَتْ ثَوَابِي، فَأُشْهِدُكَ أَنَّهَا آمِنَةٌ مِنْ عِقَابِي، مَا لَمْ تُغَيِّرْ أَوْ تُبَدِّلْ سُنَّتِي، يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبِكْرِ الْبَتُولِ، ابْكِ عَلَى نَفْسِكَ أَيَّامَ الْحَيَاةِ بُكَاءَ مَنْ وَدَّعَ الْأَهْلَ وَقَلَا الدُّنْيَا، وَتَرَكَ اللَّذَّاتِ لِأَهْلِهَا، وَارْتَفَعَتْ رَغْبَتُهُ فِيمَا عِنْدَ إِلَهِهِ، وَكُنْ فِي ذَلِكَ تُلِينُ الْكَلَامَ، وَتُفْشِي السَّلَامَ، وَكُنْ يَقِظَانَ إِذَا نَامَتْ عُيُونُ الْأَبْرَارِ، حَذَارِ مَا هُوَ آتٍ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ، وَزَلَازِلِ شَدَائِدِ الْأَهْوَالِ، قَبْلَ أَنْ لَا يَنْفَعَ أَهْلٌ وَلَا مَالٌ، وَاكْحَلْ عَيْنَكَ بِمُلْمُولِ الْحُزْنِ إِذَا ضَحِكَ الْبَطَّالُونَ، وَكُنْ فِي ذَلِكَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، فَطُوبَى لَكَ إِنْ نَالَكَ مَا وَعَدْتُ الصَّابِرِينَ، رَجِّ مِنَ الدُّنْيَا بِاللَّهِ: يَوْمٌ بِيَوْمٍ، وَذُقْ مَذَاقَةَ مَا قَدْ هَرَبَ مِنْكَ أَيْنَ طَعْمُهُ، وَمَا لَمْ يَأْتِكَ كَيْفَ لَذَّتُهُ، فَرَجِّ مِنَ الدُّنْيَا بِالْبُلْغَةِ، وَلْيَكْفِكَ مِنْهَا الْخَشِنُ الْجَشِيبُ، قَدْ رَأَيْتَ إِلَى مَا تَصِيرُ، اعْمَلْ عَلَى حِسَابٍ فَإِنَّكَ مَسْئُولٌ، لَوْ رَأَتْ عَيْنُكَ مَا أَعْدَدْتُ لِأَوْلِيَائِي الصَّالِحِينَ، ذَابَ قَلْبُكَ وَزَهَقَتْ نَفْسُكَ.

  323. التاريخ 329لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ الْحَوَادِثِ فِي زَمَانِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْهَا: إِيمَانُ الْحَوَارِيِّينَ  : وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا اتَّبَعُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَجْعَلُونَهُمْ رُسُلًا، وَيُسَمُّونَهُمْ: فَأَوَّلُهُمْ شَمْعُونُ الصَّفَا، ثُمَّ أَنْدِرْوَاسُ أَخُوهُ [ ثُمَّ رِبْدَى، ثُمَّ يُوحَنَّا أَخُوهُ ] ثُمَّ تُولُوسُ، ثُمَّ لُوقَا، ثُمَّ بَرْتِمْلَى، ثُمَّ ثُومَا، ثُمَّ مَتَّى الْمَاكِسُ، ثُمَّ يَعْقُوبُ بْنُ خَلْفَى، ثُمَّ شَمْعُونُ الْعَتَّانِيُّ، ثُمَّ مَارْقُوشُ. قَالَ ابن الجوزي: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَأَلُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نُزُولَ الْمَائِدَةِ  .

  324. التاريخ 330لا حكم مسجّل

    وَمِنَ الْحَوَادِثِ: إِيفَادُ عِيسَى رَجُلَيْنِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ لِإِنْذَارِ أَهْلِهَا: عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ  . قَالَ: " ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعَثَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ [ مَدِينَةٍ بِالرُّومِ ] فَكَذَّبُوهُمَا، فَبَعَثَ ثَالِثًا ". وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْهُمْ كَعْبٌ، وَوَهْبٌ [ إِلَى ] أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ. وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يُضَافَ إِرْسَالُهُمْ إِلَى اللَّهِ وَإِنْ كَانَ عِيسَى قَدْ أَرْسَلَهُمْ، لِأَنَّهُمْ رُسُلُ رَسُولِهِ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْمَيْهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: صَادِقٌ، وَصَدُوقٌ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَعْبٌ. وَالثَّانِي: يُحَنَّا، وَيُونُسُ، قَالَهُ وَهْبٌ. وَالثَّالِثُ: يُومَارُ، وَبُولِسُ. قَالَهُ مُقَاتِلٌ، قَالَ: وَاسْمُ الثَّالِثِ شَمْعُونُ، وَكَانَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَهُوَ وَصِيُّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ كَعْبٌ: كَانَ بِأَنْطَاكِيَةَ فِرْعَوْنٌ يُقَالُ لَهُ: أَنْطَبْجَسُ، يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ، فَكَذَّبَهُمْ وَأَرَادَ قَتْلَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حَبِيبًا، وَكَانَ مَجْذُومًا، فَجَاءَ يَسْعَى وَيَقُولُ: يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ فَقَتَلُوهُ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَوَطِئُوهُ بِأَرْجُلِهِمْ، فَلَمَّا مَضَى إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ قَالَ: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِاسْتِضْعَافِهِمْ إِيَّاهُ، فَعَجَّلَ الِانْتِقَامَ مِنْهُمْ، فَصِيحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: حَبِيبٌ النَّجَّارُ هُوَ نَبِيُّ أَصْحَابِ الرَّسِّ الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ. قَالَ ابن الجوزي: وَفِي هَذَا بُعْدٌ. وَمِنَ الْحَوَادِثِ: لِقَاءُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ  : عَنْ أَبِي الْجَلْدِ، قَالَ: لَقِيَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ إِبْلِيسَ، فَقَالَ لَهُ: أَسْأَلُكَ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي جَعَلَ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ، مَا الَّذِي يُسِيلُ جِسْمَكَ وَيَقْطَعُ ظَهْرَكَ ؟ فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ الْأَرْضَ ثُمَّ قَامَ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ سَأَلْتَنِي بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ مَا أَخْبَرْتُكَ، أَمَّا الَّذِي يَقْطَعُ ظَهْرِي فَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ نَافِلَتَهُ، وَفِي الْجَمَاعَةِ فَرْضَهُ. وَأَمَّا الَّذِي يُسِيلُ جِسْمِي فَصَهِيلُ الْخَيْلِ - أَوْ قَالَ الْفَرَسِ - فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمِنَ الْحَوَادِثِ فِي زَمَانِهِ قَتْلُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا  : وَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قُتِلَ وَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْأَرْضِ

  325. التاريخ 331لا حكم مسجّل

    وَمِنَ الْحَوَادِثِ فِي زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّ الْأَرْضَ أَجْدَبَتْ فَخَرَجَ يَسْتَسْقِي  : عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ، فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ: لَا يَسْتَسْقِي مَعَكَ خَطَّاءٌ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَطَايَا فَلْيَعْتَزِلْ. فَاعْتَزَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلًا مُصَابًا بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: مَا لَكَ لَا تَعْتَزِلُ ؟ فَقَالَ: يَا رُوحَ اللَّهِ، مَا عَصَيْتُ اللَّهَ طَرْفَةَ [ عَيْنٍ ]، وَلَقَدِ الْتَفَتُّ بِعَيْنِي هَذِهِ إِلَى قَدَمِ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ كُنْتُ أَرَدْتُ النَّظَرَ إِلَيْهَا فَقَلَعْتُهَا، وَلَوْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِالْيُسْرَى لَقَلَعْتُهَا. قَالَ: فَبَكَى عِيسَى حَتَّى ابْتَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِدُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَادْعُ، فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالدُّعَاءِ مِنِّي، فَإِنِّي مَعْصُومٌ بِالْوَحْيِ وَأَنْتَ لَمْ تُعْصَمْ [ وَلَمْ تَعْصِ ]، فَتَقَدَّمَ الرَّجُلُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَنَا وَقَدْ عَلِمْتَ مَا نَعْمَلُ مِنْ قَبْلِ أَنْ خَلَقْتَنَا، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذَلِكَ أَنْ لَا تَخْلُقَنَا، فَكَمَا خَلَقْتَنَا وَتَكَفَّلْتَ بِأَرْزَاقِنَا فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا، فَو الَّذِي نَفْسُ عِيسَى بِيَدِهِ مَا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ تَامَّةً مِنْ فِيهِ حَتَّى أَرْخَتِ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا، وَسُقِيَ الْحَاضِرُ وَالْبَادِي.

  326. التاريخ 307لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ أَنَّ امْرَأَةَ عِمْرَانَ أُمَّ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ نَذَرَتْ إِنْ حَمَلَتْ وَأَكْرَمَهَا اللَّهُ بِالْوَلَدِ أَنْ تَجْعَلَ مَا فِي بَطْنِهَا مُحَرَّرًا أَيْ حَبِيسًا فِي خِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَقَدْ أَخَذَتْهَا وَذَهَبَتْ بِهَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَسَلَّمَتْهَا، وَمَرْيَمُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ رَئِيسِ صَلَاتِهِمْ فَتَنَازَعُوا بَيْنَهُمْ مَنْ مِنْهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ فَاقْتَرَعُوا بَيْنَهُمْ فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَحَقُّ بِكَفَالَتِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا حَيْثُ إِنَّهُ نَبِيُّ هَذَا الزَّمَانِ وَزَوْجُ أُخْتِهَا عَلَى قَوْلٍ أَوْ زَوْجُ خَالَتِهَا عَلَى قَوْلٍ آخَرَ. وَقَدْ نَشَأَتْ مَرْيَمُ عَلَيْهَا السَّلَامُ بَيْنَ جَنَبَاتِ الْمَسْجِدِ تَقُومُ بِنَوْبَتِهَا فِي خِدْمَةِ الْمَسْجِدِ وَلَا تَفْتُرُ مِنَ الْعِبَادَةِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا حَتَّى اشْتَهَرَ أَمْرُهَا وَكَرَمُهَا وَشَرَفُهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا وَجَدَ مِنْ عَجَائِبِ الرِّزْقِ حَيْثُ كَانَ يَجِدُ فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، فَلَمَّا سَأَلَهَا أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهِ يَرْزُقُ مِنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آلِ عِمْرَانَ: 37]. وَلَمَّا شَبَّتْ مَرْيَمُ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا يُبَشِّرُهَا بِأَنَّهَا سَتَلِدُ غُلَامًا زَكِيًّا، فَلَمَّا اسْتَعْجَبَتْ مِنْ ذَلِكَ أَخْبَرَهَا بِأَنَّهُ أَمْرٌ قَضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَنَفَخَ فِي جَيْبِهَا فَحَمَلَتْ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَلَمَّا أَحَسَّتْ مَرْيَمُ خَرَجَتْ إِلَى جَانِبِ الْمِحْرَابِ الشَّرْقِيِّ فَأَتَتْ أَقْصَاهُ فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ - وَهِيَ تُطْلِقُ مِنَ الْحَبَلِ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ - يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، يَعْنِي نُسِيَ ذِكْرِي وَأَثَرِي فَلَا يُرَى لِي أَثَرٌ وَلَا عَيْنٌ. وَحِينَئِذٍ نَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا جِبْرِيلُ أَوْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا نَهْرًا وَكَانَ ثَمَّةَ جِذْعُ نَخْلَةٍ كَانَتْ قَدِ احْتَضَنَتْهُ مِنْ شِدَّةِ الْأَلَمِ فَاخْضَرَّ وَأَرْطَبَ فَأَمَرَهَا بِهَزِّهِ فَسَقَطَ عَلَيْهَا الرُّطَبُ فَأَكَلَتْ وَشَرِبَتْ وَقَرَّتْ عَيْنُهَا، وَأَمَرَهَا إِنْ رَأَتْ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا أَنْ تُخْبِرَهُ بِأَنَّهَا صَائِمَةٌ فَلَنْ تُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. وَلَمَّا حَمَلَتْهُ وَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ، وَأَقَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِطُهْرِهَا وَعَفَافِهَا أَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ قَضَاهُ اللَّهُ عَلَيْهَا خَرَجَتْ بِهِ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ وَسَارَتْ بِهِ وَيُوسُفُ النَّجَّارُ إِلَى أَرْضِ مِصْرَ. وَقَدْ عَصَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ أَنْ يَمَسَّهُ وَأُمَّهُ الشَّيْطَانُ، وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ وَيَأْكُلُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَلَا يَأْوِي إِلَى مَنْزِلٍ وَلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ. وَعَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ عِيسَى لِلْحَوَارِيِّينَ: كَمَا تَرَكَ لَكُمُ الْمُلُوكُ الْحِكْمَةَ، فَكَذَلِكَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا، وَكَانَ يَقُولُ: حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ، وَالنَّظَرُ يَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ. وَالْمَأْثُورُ عَنْهُ مِنَ الْمَوَاعِظِ كَثِيرٌ، وَقَدْ كَانَ يَسْكُنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّاصِرَةَ مِنْ سَاعِيرَ أَرْضِ الْخَلِيلِ، وَقَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِبْلِيسَ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ رَغْمَ مُحَاوَلَاتِ إِغْوَائِهِ الْمُتَكَرِّرَةِ. هَذَا وَقَدْ وَهَبَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْعَدِيدَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ حُجَّةً عَلَى قَوْمِهِ بَدْءًا مِنْ مُعْجِزَةِ وِلَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَتَكَلُّمِهِ فِي الْمَهْدِ وَحَتَّى شِفَاءِ الْمَرْضَى وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِنْزَالِ مَائِدَةٍ مِنَ السَّمَاءِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ وَالْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ. فَلَمَّا زَادَ الْيَهُودُ فِي الْعِنَادِ وَأَرَادُوا بِهِ الْكَيْدَ رَفَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ فَكَانَ فِي رَفْعِهِ آيَةٌ وَفِتْنَةٌ هَلَكَ فِيهَا مَنْ هَلَكَ وَضَلَّ وَآمَنَ فِيهَا مَنْ آمَنَ وَاسْتَقَامَ. وَقَدْ أَخْبَرَ نَبِيُّنَا ﷺ أَنَّهُ نَازِلٌ فِينَا فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَالدَّجَّالَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ رَفْعِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ ﷺ عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ النَّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ. وَظَلَّ الْجِدَالُ حَوْلَ الْمَسِيحِ وَطَبِيعَتِهِ يَشْتَدُّ وَيَحْتَدُّ حَتَّى كَانَ عَهْدُ قُسْطَنْطِينَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْمَجْمَعِ الْأَوَّلِ وَأَقَرَّ فِيهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ الْمُوَحِّدُونَ إِلَى الْجِبَالِ الصَّحَارِي وَبَنَوْا بِهَا الصَّوَامِعَ وَالْبِيَعَ وَرَضُوا بِالزَّهِيدِ مِنَ الْعَيْشِ مَعَ بَقَائِهِمْ عَلَى تَوْحِيدِ رَبِّهِمْ. وَقَدْ نَصَّتْ بَعْضُ الْكُتُبِ عَلَى أَسْمَاءِ الْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَوَّلُهُمْ شَمْعُونُ الصَّفَا، ثُمَّ أَنْدِرْوَاسُ أَخُوهُ ثُمَّ رِبْدَى، ثُمَّ يُوحَنَّا أَخُوهُ ثُمَّ تُولُوسُ، ثُمَّ لُوقَا، ثُمَّ بَرْتِمْلَى، ثُمَّ ثُومَا، ثُمَّ مَتَّى الْمَاكِسُ، ثُمَّ يَعْقُوبُ بْنُ خَلْفَى، ثُمَّ شَمْعُونُ الْعَتَّانِيُّ، ثُمَّ مَارْقُوشُ. وَقَدْ تَوَفَّى اللَّهُ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِسِتِّ سِنِينَ وَكَانَتْ قَدْ تَجَاوَزَ عُمْرُهَا الْخَمْسِينَ عَامًا عَلَيْهَا السَّلَامُ.

  327. التاريخ 308لا حكم مسجّل

    نزول سورة آل عمران قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " آلِ عِمْرَانَ "، الَّتِي أُنْزِلَ صَدْرُهَا، وَهُوَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ آيَةً مِنْهَا، فِي الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ، الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ مِنْهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ، مِنَ التَّثْلِيثِ فِي الْأَقَانِيمِ، وَيَدَّعُونَ - بِزَعْمِهِمْ - أَنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ; وَهُمُ الذَّاتُ الْمُقَدَّسَةُ، وَعِيسَى، وَمَرْيَمُ، عَلَى اخْتِلَافِ فِرَقِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ بَيَّنَ فِيهَا، أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ فِي الرَّحِمِ، كَمَا صَوَّرَ غَيْرَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ وَقَالَ لَهُ: كُنْ. فَكَانَ. ميلاد مريم ونسبها وَبَيَّنَ تَعَالَى أَصْلَ مِيلَادِ أُمِّهِ مَرْيَمَ، وَكَيْفَ كَانَ مِنْ أَمْرِهَا، وَكَيْفَ حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا عِيسَى،  وَكَذَلِكَ بَسَطَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " مَرْيَمَ " كَمَا سَنَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بِعَوْنِ اللَّهِ وَحُسْنِ تَوْفِيقِهِ وَهِدَايَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ آلِ عِمْرَانَ: 33 - 37 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّهُ اصْطَفَى آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالْخُلَّصَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ الْمُتَّبِعِينَ شَرْعَهُ الْمُلَازِمِينَ طَاعَتَهُ، ثُمَّ خَصَّصَ فَقَالَ: وَآلَ إِبْرَاهِيمَ، فَدَخَلَ فِيهِمْ بَنُو إِسْمَاعِيلَ، وَبَنُو إِسْحَاقَ. ثُمَّ ذَكَرَ فَضْلَ هَذَا الْبَيْتِ الطَّاهِرِ الطَّيِّبِ، وَهُمْ آلُ عِمْرَانَ، وَالْمُرَادُ بِعِمْرَانَ هَذَا وَالِدُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَهُوَ عِمْرَانُ بْنُ بَاشِمَ بْنُ أَمُونَ بْنِ مَنْشَا بْنِ حِزْقِيَا بْنِ أَحْزِيقَ بْنِ مَوْثِمَ بْنِ عَزَارْيَا بْنِ أَمْصِيَا بْنِ يَاوِشَ بْنِ أَحْزِيهُو بْنُ يَارِمَ بْنُ يَهْفَاشَاطَ بْنِ أَيْشِ بْنِ أَبَانَ بْنِ رَحْبَعَامَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بْنِ مَاتَانَ بْنِ الَيعَازِرَ بْنِ الْيُودِ بْنِ أَجْبَنَ بْنِ صَادُوقَ بْنِ عَيَازُورَ بْنِ الْيَاقِيمِ بْنِ أَيْبُودَ بْنِ زَرْبَائِيلَ بْنِ شَالْتَانِ بْنِ يُوحِنْيَا بْنِ بِرِسْتِيَا بْنِ آمُونَ بْنِ مِيشَا بْنِ حَزْقِيلَ بْنِ أَجَازَ بْنِ يُوثَامَ بْنِ عَزِرْيَا بْنِ بُورَامَ بْنِ بُوسَافَاطَ بْنِ أَسَا بْنِ أَبْيَا بْنِ رَخِيعَمَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَفِيهِ مُخَالَفَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا مِنْ سُلَالَةِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ أَبُوهَا عِمْرَانُ صَاحِبَ صَلَاةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهَا، وَهِيَ حَنَّةُ بِنْتُ فَاقُودَ بْنِ قُبَيْلَ، مِنَ الْعَابِدَاتِ، وَكَانَ زَكَرِيَّا نَبِيُّ ذَلِكَ الزَّمَانِ زَوْجَ أُخْتِ مَرْيَمَ أَشْيَاعَ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ: زَوْجُ خَالَتِهَا أَشْيَاعَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، أَنَّ أُمَّ مَرْيَمَ كَانَتْ لَا تَحْبَلُ، فَرَأَتْ يَوْمًا طَائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ، فَاشْتَهَتِ الْوَلَدَ، فَنَذَرَتْ لِلَّهِ إِنْ حَمَلَتْ لَتَجْعَلَنَّ وَلَدَهَا مُحَرَّرًا ; أَيْ حَبِيسًا فِي خِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قَالُوا: فَحَاضَتْ مِنْ فَوْرِهَا، فَلَمَّا طَهُرَتْ وَاقَعَهَا بَعْلُهَا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَقُرِئَ بِضَمِّ التَّاءِ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى أَيْ: فِي خِدْمَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانُوا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَنْذِرُونَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ خُدَّامًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ. تسميتها بمريم وَقَوْلُهَا: وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ يُولَدُ،  وَكَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ فِي ذَهَابِهِ بِأَخِيهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَنَّكَ أَخَاهُ وَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ. وَجَاءَ فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا: كُلُّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: وَ " يُدَمَّى " بَدَلَ: وَ " يُسَمَّى ". وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهَا: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَدِ اسْتُجِيبَ لَهَا فِي هَذَا، كَمَا تُقُبِّلَ مِنْهَا نَذْرُهَا ; فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ. كفالة زكريا عليه السلام لمريم وَقَوْلُهُ: فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ أُمَّهَا حِينَ وَضَعَتْهَا، لَفَّتْهَا فِي خُرُوقِهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهَا إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَلَّمَتْهَا إِلَى الْعُبَّادِ الَّذِينَ هُمْ مُقِيمُونَ بِهِ، وَكَانَتِ ابْنَةَ إِمَامِهِمْ وَصَاحِبِ صَلَاتِهِمْ، فَتَنَازَعُوا فِيهَا. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا إِنَّمَا سَلَّمَتْهَا إِلَيْهِمْ بَعْدَ رَضَاعِهَا وَكَفَالَةِ مِثْلِهَا فِي صِغَرِهَا، ثُمَّ لَمَّا دَفَعَتْهَا إِلَيْهِمْ تَنَازَعُوا فِي أَيِّهِمْ يَكْفُلُهَا، وَكَانَ زَكَرِيَّا نَبِيَّهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَبِدَّ بِهَا دُونَهُمْ ; مِنْ أَجْلِ أَنَّ زَوْجَتَهُ أُخْتُهَا أَوْ خَالَتُهَا، عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فَشَاحُّوهُ فِي ذَلِكَ، وَطَلَبُوا أَنْ يَقْتَرِعَ مَعَهُمْ، فَسَاعَدَتْهُ الْمَقَادِيرُ، فَخَرَجَتْ قُرْعَتُهُ غَالِبَةً لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا أَيْ: بِسَبَبِ غَلَبِهِ لَهُمْ فِي الْقُرْعَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ [ آلِ عِمْرَانَ: 44 ]. قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ أَلْقَى قَلَمَهُ مَعْرُوفًا بِهِ، ثُمَّ حَمَلُوهَا وَوَضَعُوهَا فِي مَوْضِعٍ، وَأَمَرُوا غُلَامًا لَمْ يَبْلُغِ الْحِنْثَ، فَأَخْرَجَ وَاحِدًا مِنْهَا، وَظَهَرَ قَلَمُ زَكَرِيَّا، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَطَلَبُوا أَنْ يَقْتَرِعُوا مَرَّةً ثَانِيَةً، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِأَنْ يُلْقُوا أَقْلَامَهُمْ فِي النَّهْرِ، فَأَيُّهُمْ جَرَى قَلَمُهُ عَلَى خِلَافِ جَرْيَةِ الْمَاءِ فَهُوَ الْغَالِبُ، فَفَعَلُوا، فَكَانَ قَلَمُ زَكَرِيَّا هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَى خِلَافِ جَرْيَةِ الْمَاءِ، وَسَارَتْ أَقْلَامُهُمْ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَقْتَرِعُوا ثَالِثَةً، فَأَيُّهُمْ جَرَى قَلَمُهُ مَعَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ بَقِيَّةُ الْأَقْلَامِ قَدِ انْعَكَسَ سَيْرُهَا صُعُدًا ; فَهُوَ الْغَالِبُ، فَفَعَلُوا، فَكَانَ زَكَرِيَّا هُوَ الْغَالِبَ لَهُمْ، فَكَفَلَهَا إِذْ كَانَ أَحَقَّ بِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا ; لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ. عبادة وكرامات مريم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: اتَّخَذَ لَهَا زَكَرِيَّا مَكَانًا شَرِيفًا مِنَ الْمَسْجِدِ، لَا يَدْخُلُهُ سِوَاهَا، فَكَانَتْ تَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ، وَتَقُومُ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ سَدَانَةِ الْبَيْتِ إِذَا جَاءَتْ نَوْبَتُهَا، وَتَقُومُ بِالْعِبَادَةِ لَيْلَهَا وَنَهَارَهَا، حَتَّى صَارَتْ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ بِعِبَادَتِهَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَاشْتَهَرَتْ بِمَا ظَهَرَ عَلَيْهَا مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَرِيمَةِ، وَالصِّفَاتِ الشَّرِيفَةِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا مَوْضِعَ عِبَادَتِهَا، يَجِدُ عِنْدَهَا رِزْقًا غَرِيبًا فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، فَكَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، فَيَسْأَلُهَا: أَنَّى لَكِ هَذَا فَتَقُولُ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَيْ: رِزْقٌ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَعِنْدَ ذَلِكَ وَهُنَالِكَ طَمِعَ زَكَرِيَّا فِي وُجُودِ وَلَدٍ مِنْ صُلْبِهِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَسَنَّ وَكَبِرَ. قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ قَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ: يَا مَنْ يَرْزُقُ مَرْيَمَ الثَّمَرَ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ، هَبْ لِي وَلَدًا، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ. فَكَانَ مِنْ خَبَرِهِ وَقَضِيَّتِهِ، مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي قِصَّتِهِ. اصطفاء مريم وبشارتها بعيسى عليه السلام قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فَلَمَّا أَحَسَّ [ آلِ عِمْرَانَ: 42 - 51 ]. يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَشَّرَتْ مَرْيَمَ بِاصْطِفَاءِ اللَّهِ لَهَا، مِنْ بَيْنِ سَائِرِ نِسَاءِ عَالَمِي زَمَانِهَا، بِأَنِ اخْتَارَهَا لِإِيجَادِ وَلَدٍ مِنْهَا، مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَبُشِّرَتْ بِأَنْ يَكُونَ نَبِيًّا شَرِيفًا وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ أَيْ: فِي صِغَرِهِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَكَذَلِكَ فِي حَالِ كُهُولَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ الْكُهُولَةَ، وَيَدْعُو إِلَى اللَّهِ فِيهَا، وَأُمِرَتْ بِكَثْرَةِ الْعِبَادَةِ وَالْقُنُوتِ وَالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ ; لِتَكُونَ أَهْلًا لِهَذِهِ الْكَرَامَةِ، وَلِتَقُومَ بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعْمَةِ. فَيُقَالُ: إِنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهَا، ؓ وَرَحِمَهَا، وَرَحِمَ أُمَّهَا وَأَبَاهَا. فَقَوْلُ الْمَلَائِكَةِ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ أَيِ اخْتَارَكِ وَاجْتَبَاكِ. ( وَطَهَّرَكِ ) أَيْ: مِنَ الْأَخْلَاقِ الرَّذِيلَةِ، وَأَعْطَاكِ الصِّفَاتِ الْجَمِيلَةِ. وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عَالَمِي زَمَانِهَا، كَقَوْلِهِ لِمُوسَى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ وَكَقَوْلِهِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [ الدُّخَانِ: 32 ]. وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَفْضَلُ مِنْ مُوسَى، وَأَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ، أَفْضَلُ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا، وَأَكْثَرُ عَدَدًا، وَأَفْضَلُ عِلْمًا، وَأَزْكَى عَمَلًا، مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَحْفُوظَ الْعُمُومِ ; فَتَكُونَ أَفْضَلَ نِسَاءِ الدُّنْيَا  مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهَا، وَوُجِدَ بَعْدَهَا ; لِأَنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَبِيَّةً، عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِنُبُوَّتِهَا وَنُبُوَّةِ سَارَّةَ أُمِّ إِسْحَاقَ، وَنُبُوَّةِ أُمِّ مُوسَى، مُحْتَجًّا بِكَلَامِ الْمَلَائِكَةِ وَالْوَحْيِ إِلَى أُمِّ مُوسَى، كَمَا يَزْعُمُ ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ، فَلَا يَمْتَنِعُ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ أَفْضَلَ مِنْ سَارَّةَ وَأُمِّ مُوسَى ; لِعُمُومِ قَوْلِهِ: وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ إِذْ لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ، كَمَا قَدْ حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، مِنْ أَنَّ النُّبُوَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِالرِّجَالِ، وَلَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ، فَيَكُونُ أَعْلَى مَقَامَاتِ مَرْيَمَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ [ الْمَائِدَةِ: 75 ]. فَعَلَى هَذَا لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ الصِّدِّيقَاتِ الْمَشْهُورَاتِ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَهَا، وَمِمَّنْ يَكُونُ بَعْدَهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. أفضل نساء العالمين وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهَا مَقْرُونًا مَعَ آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ، وَخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ، ؓ وَأَرْضَاهُنَّ. وَعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ  أَرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ. وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ، صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ،  أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ لِزَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بَعِيرًا قَطُّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ ابْنَةَ عِمْرَانَ لَمْ تَرْكَبِ الْإِبِلَ. وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِفَاطِمَةَ: أَرَأَيْتِ حِينَ أَكْبَبْتِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَكَيْتِ، ثُمَّ ضَحِكْتِ ؟ قَالَتْ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ هَذَا فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَكْبَبْتُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَسْرَعُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ، وَأَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ،  إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، فَضَحِكْتُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ وَفَاطِمَةَ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأَرْبَعِ، ثُمَّ يَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءُ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ أَفْضَلَ مِنْ فَاطِمَةَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا عَلَى السَّوَاءِ فِي الْفَضِيلَةِ ; لَكِنْ وَرَدَ حَدِيثٌ، إِنْ صَحَّ عَيَّنَ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، ثُمَّ فَاطِمَةُ، ثُمَّ خَدِيجَةُ، ثُمَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ فَإِنْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ مَحْفُوظًا بِ " ثُمَّ " الَّتِي لِلتَّرْتِيبِ، فَهُوَ مُبَيِّنٌ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِمَا الِاسْتِثْنَاءُ، وَيُقَدَّمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي وَرَدَتْ بِوَاوِ الْعَطْفِ، الَّتِي لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَلَا تَنْفِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ فَإِنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا تَرَى، اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إِخْرَاجِهِ، وَلَفْظُهُ يَقْتَضِي حَصْرَ الْكَمَالِ فِي النِّسَاءِ فِي مَرْيَمَ وَآسِيَةَ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ فِي زَمَانِهِمَا، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَفَلَتْ نَبِيًّا فِي حَالِ صِغَرِهِ، فَآسِيَةُ كَفَلَتْ مُوسَى الْكَلِيمَ، وَمَرْيَمُ كَفَلَتْ وَلَدَهَا عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَا يَنْفِي كَمَالَ غَيْرِهِمَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَخَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ ; فَخَدِيجَةُ خَدَمَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَبْلَ الْبَعْثَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ سَنَةً، وَبَعْدَهَا أَزْيَدَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا، ؓ وَأَرْضَاهَا، وَأَمَّا فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهَا خُصَّتْ بِمَزِيدِ فَضِيلَةٍ عَلَى أَخَوَاتِهَا ; لِأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَقِيَّةُ أَخَوَاتِهَا مِتْنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَّا عَائِشَةُ ; فَإِنَّهَا كَانَتْ أَحَبَّ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَا يُعْرَفُ فِي سَائِرِ النِّسَاءِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ وَلَا فِي غَيْرِهَا، أَعْلَمُ مِنْهَا وَلَا أَفْهَمُ، وَقَدْ غَارَ اللَّهُ لَهَا حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا، فَأَنْزَلَ بَرَاءَتَهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَقَدْ عُمِّرَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، تُبَلِّغُ عَنْهُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَتُفْتِي الْمُسْلِمِينَ وَتُصْلِحُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، وَهِيَ أَشْرَفُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ أُمِّ الْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ، فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّابِقِينَ وَاللَّاحِقِينَ، وَالْأَحْسَنُ الْوَقْفُ فِيهِمَا، ؓ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ: وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرِهِنَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَدَا الْمَذْكُورَاتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْمَقْصُودُ هَاهُنَا ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِمَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، عَلَيْهَا السَّلَامُ، فَإِنَّ اللَّهَ طَهَّرَهَا وَاصْطَفَاهَا عَلَى نِسَاءِ عَالَمِي زَمَانِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْضِيلُهَا عَلَى النِّسَاءِ مُطْلَقًا، كَمَا قَدَّمْنَا. مريم من أزواج النبي ﷺ في الجنة وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهَا تَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنَّةِ، هِيَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التَّفْسِيرِ " عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ، وَاسْتَأْنَسَ بِقَوْلِهِ: ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [ التَّحْرِيمِ: 5 ]. قَالَ: فَالثَّيِّبُ آسِيَةُ، وَمِنَ الْأَبْكَارِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَشْعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ، وَكَلْثَمَ أُخْتَ مُوسَى رَوَاهُ ابْنُ جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ النُّورِ بِهِ، وَزَادَ: فَقُلْتُ: هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ وَهِيَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ، إِذَا لَقِيتِ ضَرَائِرَكِ فَأَقْرِئِيهِنَّ مِنِّي السَّلَامَ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ تَزَوَّجْتَ قَبْلِي ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِي مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ بِنْتَ مُزَاحِمٍ، وَكَلْثَمَ أُخْتَ مُوسَى.

  328. التاريخ 325لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ رَفْعِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى السَّمَاءِ  فِي حِفْظِ الرَّبِّ، وَبَيَانُ كَذِبِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ، فِي دَعْوَى الصَّلْبِ   ذكر رفع عيسى عليه السلام في القرآن قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [ آلِ عِمْرَانَ: 54، 55 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا [ النِّسَاءِ: 155 - 159 ]. فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ رَفَعَهُ إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ مَا تَوَفَّاهُ بِالنَّوْمِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَقْطُوعِ بِهِ، وَخَلَّصَهُ مِمَّنْ كَانَ أَرَادَ أَذِيَّتَهُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَشَوْا بِهِ إِلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ الْكَفَرَةِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ اسْمُهُ دَاوُدَ بْنَ يُورَا فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ وَصَلْبِهِ فَحَصَرُوهُ فِي دَارٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَذَلِكَ عَشِيَّةَ الْجُمُعَةِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَمَّا حَانَ وَقْتُ دُخُولِهِمْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ الْحَاضِرِينَ عِنْدَهُ، وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَهْلُ الْبَيْتِ يَنْظُرُونَ، وَدَخَلَ الشُّرَطُ فَوَجَدُوا ذَلِكَ الشَّابَّ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فَأَخَذُوهُ ظَانِّينَ أَنَّهُ عِيسَى، فَصَلَبُوهُ وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ إِهَانَةً لَهُ، وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ عَامَّةُ النَّصَارَى الَّذِينَ لَمْ يُشَاهِدُوا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى أَنَّهُ صُلِبَ، وَضَلُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ ضَلَالًا مُبِينًا كَثِيرًا فَاحِشًا بَعِيدًا، وَأَخْبَرَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أَيْ: بَعْدَ نُزُولِهِ إِلَى الْأَرْضِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ  ، قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، فَإِنَّهُ يَنْزِلُ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ. الْآثَارِ فِي صِفَةِ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَهَذَا ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي الْآثَارِ فِي صِفَةِ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ - مِنَ الْحَوَارِيِّينَ يَعْنِي - فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ مَكَانِي، وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي ؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ الشَّابُّ، فَقَالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ، فَقَامَ الشَّابُّ، فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ. فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسَى، وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ صَلَبُوهُ، فَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيِّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ النَّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [ الصَّفِّ: 14 ]. وَمِمَّنْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُطَوَّلًا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: وَجَعَلَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَدْعُو اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ، أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلَهُ، يَعْنِي لِيُبَلِّغَ الرِّسَالَةَ، وَيُكْمِلَ الدَّعْوَةَ، وَيُكْثِرَ النَّاسُ الدُّخُولَ فِي دِينِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. حواريي نبي الله عيسى عليه السلام وقتل من ألقي عليه شبهه قِيلَ: وَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ;  بُطْرُسُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي، وَيَحْنَسُ أَخُو يَعْقُوبَ، وَأَنْدَرَاوِسُ، وَفِلِيبُّسُ، وَأَبْرَثَلْمَا، وَمَتَّى، وَتُومَاسُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْقِيَا، وَتُدَّاوُسُ، وَفَتَاتْيَا، يُودُسُ زَكَرِيَّا يَوُطَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّ الْيَهُودَ عَلَى عِيسَى. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ آخَرُ اسْمُهُ سَرْجَسُ، كَتَمَتْهُ النَّصَارَى، وَهُوَ الَّذِي أُلْقِيَ شَبَهُ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ، فَصُلِبَ عَنْهُ. قَالَ: وَبَعْضُ النَّصَارَى يَزْعُمُ أَنَّ الَّذِي صُلِبَ عَنِ الْمَسِيحِ وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، يُودُسُ زَكَرِيَّا يَوُطَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اسْتَخْلَفَ عِيسَى شَمْعُونَ، وَقَتَلَتِ الْيَهُودُ يُودُسُ زَكَرِيَّا يَوُطَا الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ الشَّبَهُ. وَقَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْجَهْمِ. قَالَ: سَمِعْتُ الْفَرَّاءَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ قَالَ: إِنَّ عِيسَى غَابَ عَنْ خَالَتِهِ زَمَانًا، فَأَتَاهَا فَقَامَ رَأْسُ الْجَالُوتِ الْيَهُودِيُّ، فَضَرَبَ عَلَى عِيسَى، حَتَّى اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِ دَارِهِ، فَكَسَرُوا الْبَابَ، وَدَخَلَ رَأْسُ الْجَالُوتِ لِيَأْخُذَ عِيسَى، فَطَمَسَ اللَّهُ عَيْنَيْهِ عَنْ عِيسَى ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: لَمْ أَرَهُ. وَمَعَهُ سَيْفٌ مَسْلُولٌ، فَقَالُوا: أَنْتَ عِيسَى. وَأَلْقَى اللَّهُ شَبَهَ عِيسَى عَلَيْهِ، فَأَخَذُوهُ، فَقَتَلُوهُ، وَصَلَبُوهُ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَتَى عِيسَى وَمَعَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ، فَأَحَاطُوا بِهِمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِمْ صَوَّرَهُمُ اللَّهُ كُلَّهُمْ عَلَى صُورَةِ عِيسَى، فَقَالُوا لَهُمْ: سَحَرْتُمُونَا، لَتُبْرِزُنَّ لَنَا عِيسَى أَوْ لَنَقْتُلَنَّكُمْ جَمِيعًا، فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: مَنْ يَشْتَرِي مِنْكُمْ نَفْسَهُ الْيَوْمَ بِالْجَنَّةِ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: أَنَا عِيسَى. وَقَدْ صَوَّرَهُ اللَّهُ عَلَى صُورَةِ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فَقَتَلُوهُ وَصَلَبُوهُ، فَمِنْ ثَمَّ شُبِّهَ لَهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عِيسَى، وَظَنَّتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، أَنَّهُ عِيسَى، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبًا يَقُولُ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الدُّنْيَا جَزِعَ مِنَ الْمَوْتِ، وَشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعَا الْحَوَارِيِّينَ وَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا فَقَالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ ; فَإِنَّ لِي إِلَيْكُمْ حَاجَةً. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ مِنَ اللَّيْلِ عَشَّاهُمْ، وَقَامَ يَخْدِمُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ، أَخَذَ يَغْسِلُ أَيْدِيَهُمْ وَيُوَضِّئُهُمْ بِيَدِهِ، وَيَمْسَحُ أَيْدِيَهُمْ بِثِيَابِهِ، فَتَعَاظَمُوا ذَلِكَ وَتَكَارَهُوهُ، فَقَالَ: أَلَا مَنْ رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمَّا أَصْنَعُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُ. فَأَقَرُّوهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَمَّا مَا صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ مِمَّا خَدَمْتُكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، وَغَسَلْتُ أَيْدِيَكُمْ بِيَدِي، فَلْيَكُنْ لَكُمْ بِي أُسْوَةٌ، فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي خَيْرُكُمْ فَلَا يَتَعَظَّمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلْيَبْذُلْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْسَهُ كَمَا بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ، وَأَمَّا حَاجَتِي الَّتِي اسْتَعَنْتُكُمْ عَلَيْهَا، فَتَدْعُونَ لِيَ اللَّهَ وَتَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلِي. فَلَمَّا نَصَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلدُّعَاءِ وَأَرَادُوا أَنْ يَجْتَهِدُوا، أَخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتَّى لَمَّ يَسْتَطِيعُوا دُعَاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهُمْ وَيَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَمَا تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً وَاحِدَةً، تُعِينُونِي فِيهَا ؟ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي مَا لَنَا، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَسْمُرُ فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وَمَا نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرًا، وَمَا نُرِيدُ دُعَاءً إِلَّا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: يُذْهَبُ بِالرَّاعِي وَتَتَفَرَّقُ الْغَنَمُ. وَجَعَلَ يَأْتِي بِكَلَامٍ نَحْوَ هَذَا يَنْعَى بِهِ نَفْسَهُ. ثُمَّ قَالَ: الْحَقُّ لَيَكْفُرَنَّ بِي أَحَدُكُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَيَبِيعَنِّي أَحَدُكُمْ بِدَرَاهِمَ يَسِيرَةٍ، وَلَيَأْكُلَنَّ ثَمْنِي. فَخَرَجُوا وَتَفَرَّقُوا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَطْلُبُهُ فَأَخَذُوا شَمْعُونَ - أَحَدَ الْحَوَارِيِّينَ - فَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَصْحَابِهِ. فَجَحَدَ وَقَالَ: مَا أَنَا بِصَاحِبِهِ. فَتَرَكُوهُ ثُمَّ أَخَذَهُ آخَرُونَ فَجَحَدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتَ دِيكٍ فَبَكَى وَأَحْزَنَهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَحَدُ الْحَوَارِيِّينَ إِلَى الْيَهُودِ، فَقَالَ: مَا تَجْعَلُونَ لِي إِنْ دَلَلْتُكُمْ عَلَى الْمَسِيحِ. فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا فَأَخَذَهَا وَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ. وَكَانَ شُبِّهَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَأَخَذُوهُ وَاسْتَوْثَقُوا مِنْهُ، وَرَبَطُوهُ بِالْحَبْلِ وَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ، وَيَقُولُونَ: أَنْتَ كُنْتَ تُحْيِي الْمَوْتَى وَتَنْتَهِرُ الشَّيْطَانَ، وَتُبْرِئُ الْمَجْنُونَ، أَفَلَا تُنَجِّي نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْحَبْلِ ؟ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ، وَيُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتَّى أَتَوْا بِهِ الْخَشَبَةَ الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْهَا، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَصَلَبُوا مَا شُبِّهَ لَهُمْ، فَمَكَثَ سَبْعًا. ثُمَّ إِنْ أُمَّهُ وَالْمَرْأَةَ الَّتِي كَانَ يُدَاوِيهَا عِيسَى، فَأَبْرَأَهَا اللَّهُ مِنَ الْجُنُونِ، جَاءَتَا تَبْكِيَانِ حَيْثُ كَانَ الْمَصْلُوبُ، فَجَاءَهُمَا عِيسَى، فَقَالَ: عَلَامَ تَبْكِيَانِ. قَالَتَا: عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ، وَإِنَّ هَذَا شَيْءٌ شُبِّهَ لَهُمْ، فَأْمُرَا الْحَوَارِيِّينَ أَنْ يَلْقَوْنِي إِلَى مَكَانِ كَذَا وَكَذَا. فَلَقَوْهُ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ أَحَدَ عَشَرَ، وَفَقَدَ الَّذِي كَانَ بَاعَهُ وَدَلَّ عَلَيْهِ الْيَهُودَ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَصْحَابَهُ فَقَالُوا: إِنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاخْتَنَقَ وَقَتَلَ نَفْسَهُ. فَقَالَ: لَوْ تَابَ لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ غُلَامٍ يَتْبَعُهُمْ يُقَالُ لَهُ: يُحَنَّا. فَقَالَ: هُوَ مَعَكُمْ فَانْطَلِقُوا فَإِنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يُحَدِّثُ بِلُغَةِ قَوْمٍ فَلْيُنْذِرْهُمْ وَلْيَدْعُهُمْ. وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مِمَّا ذَكَرَهُ النَّصَارَى، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ جَاءَ إِلَى مَرْيَمَ، وَهِيَ جَالِسَةٌ تَبْكِي عِنْدَ جِذْعِهِ، فَأَرَاهَا مَكَانَ الْمَسَامِيرِ مِنْ جَسَدِهِ، وَأَخْبَرَهَا أَنَّ رُوحَهُ رُفِعَتْ، وَأَنَّ جَسَدَهُ صُلِبَ، وَهَذَا بُهْتٌ وَكَذِبٌ وَاخْتِلَاقٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ وَزِيَادَةٌ بَاطِلَةٌ فِي الْإِنْجِيلِ عَلَى خِلَافِ الْحَقِّ وَمُقْتَضَى النَّقْلِ. زيارة مريم قبر عيسى عليه السلام ومعرفتها أنه رفع وَحَكَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَبِيبٍ، فِيمَا بَلَغَهُ أَنَّ مَرْيَمَ سَأَلَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ - بَعْدَ مَا صُلِبَ الْمَصْلُوبُ بِسَبْعَةِ أَيَّامٍ، وَهِيَ تَحْسَبُ أَنَّهُ ابْنُهَا - أَنْ يُنْزِلَ جَسَدَهُ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَدُفِنَ هُنَالِكَ، فَقَالَتْ مَرْيَمُ لِأُمِّ يَحْيَى: أَلَا تَذْهَبِينَ بِنَا نَزُورُ قَبْرَ الْمَسِيحِ. فَذَهَبَتَا فَلَمَّا دَنَتَا مِنَ الْقَبْرِ، قَالَتْ مَرْيَمُ لِأُمِّ يَحْيَى: أَلَا تَسْتَتِرِينَ. فَقَالَتْ: وَمِمَّنْ أَسْتَتِرُ. فَقَالَتْ: مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي هُوَ عِنْدَ الْقَبْرِ. فَقَالَتْ أُمُّ يَحْيَى: إِنِّي لَا أَرَى أَحَدًا. فَرَجَتْ مَرْيَمُ أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلَ، وَكَانَتْ قَدْ بَعُدَ عَهْدُهَا بِهِ فَاسْتَوْقَفَتْ أُمَّ يَحْيَى وَذَهَبَتْ نَحْوَ الْقَبْرِ، فَلَمَّا دَنَتْ مِنَ الْقَبْرِ قَالَ لَهَا جِبْرِيلُ، وَعَرَفَتْهُ: يَا مَرْيَمُ، أَيْنَ تُرِيدِينَ ؟ فَقَالَتْ: أَزُورُ قَبْرَ الْمَسِيحِ وَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَأَحْدِثُ عَهْدًا بِهِ. فَقَالَ: يَا مَرْيَمُ، إِنَّ هَذَا لَيْسَ الْمَسِيحَ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ رَفَعَ الْمَسِيحَ وَطَهَّرَهُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَلَكِنْ هَذَا الْفَتَى الَّذِي أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ وَصُلِبَ وَقُتِلَ مَكَانَهُ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَهُ قَدْ فَقَدُوهُ فَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِهِ، فَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا، فَأْتِي غَيْضَةَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّكِ تَلْقَيْنَ الْمَسِيحَ. قَالَ: فَرَجَعَتْ إِلَى أُخْتِهَا، وَصَعِدَ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَتْهَا عَنْ جِبْرِيلَ، وَمَا قَالَ لَهَا مِنْ أَمْرِ الْغَيْضَةِ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ، ذَهَبَتْ فَوَجَدَتْ عِيسَى فِي الْغَيْضَةِ، فَلَمَّا رَآهَا أَسْرَعَ إِلَيْهَا فَأَكَبَّ عَلَيْهَا، فَقَبَّلَ رَأْسَهَا وَجَعَلَ يَدْعُو لَهَا كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، وَقَالَ: يَا أُمَّهْ، إِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَقْتُلُونِي، وَلَكِنَّ اللَّهَ رَفَعَنِي إِلَيْهِ، وَأَذِنَ لِي فِي لِقَائِكَ، وَالْمَوْتُ يَأْتِيكِ قَرِيبًا، فَاصْبِرِي وَاذْكُرِي اللَّهَ. ثُمَّ صَعِدَ عِيسَى فَلَمْ تَلْقَهُ إِلَّا تِلْكَ الْمَرَّةَ حَتَّى مَاتَتْ. قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّ مَرْيَمَ بَقِيَتْ بَعْدَ عِيسَى خَمْسَ سِنِينَ، وَمَاتَتْ وَلَهَا ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً، ؓ وَأَرْضَاهَا. عمر عيسى عليه السلام يوم رفع وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ عُمَرُ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَوْمَ رُفِعَ  ، أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَدْخُلُونَهَا جُرْدًا مُرْدًّا مُكَحَّلِينَ، أَبْنَاءَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: عَلَى مِيلَادِ عِيسَى، وَحُسْنِ يُوسُفَ وَكَذَا قَالَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّهُ قَالَ: رُفِعَ عِيسَى، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، أَنَّ أُمَّهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي فَاطِمَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ كَانَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إِلَّا عَاشَ الَّذِي بَعْدَهُ نِصْفَ عُمْرِ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ أَخْبَرَنِي: أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَاشَ عِشْرِينَ وَمِائَةَ سَنَةٍ، فَلَا أَرَانِي إِلَّا ذَاهِبٌ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ هَذَا لَفْظُ الْفَسَوِيِّ ; فَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قَالَ الْحَافِظُ بْنُ عَسَاكِرَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ عِيسَى لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْعُمْرَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ مُدَّةَ مَقَامِهِ فِي أُمَّتِهِ، كَمَا رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَكَثَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَهَذَا مُنْقَطِعٌ. وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ: مَكَثَ عِيسَى فِي قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا. وَيُرْوَى عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ، أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، رُفِعَ لَيْلَةَ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةُ فِي مِثْلِهَا تُوُفِّيَ عَلِيٌّ بَعْدَ طَعْنِهِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَقَدْ رَوَى الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عِيسَى لَمَّا رَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ جَاءَتْهُ سَحَابَةٌ فَدَنَتْ مِنْهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَيْهَا، وَجَاءَتْهُ مَرْيَمُ فَوَدَّعَتْهُ وَبَكَتْ، ثُمَّ رُفِعَ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَلْقَى إِلَيْهَا عِيسَى بُرْدًا لَهُ وَقَالَ: هَذَا عَلَامَةُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَأَلْقَى عِمَامَتَهُ إِلَى شَمْعُونَ، وَجَعَلَتْ أُمُّهُ تُوَدِّعُهُ بِأُصْبُعِهَا، تُشِيرُ بِهَا إِلَيْهِ حَتَّى غَابَ عَنْهَا. وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ; لِأَنَّهُ تَوَفَّرَ عَلَيْهَا حُبُّهُ مِنْ جِهَتَيِ الْوَالِدَيْنِ، إِذْ لَا أَبَ لَهُ، وَكَانَتْ لَا تُفَارِقُهُ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا. قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: وَكُنْتُ أَرَى كَالْمَوْتِ مِنْ بَيْنِ سَاعَةٍ فَكَيفَ بِبَيْنٍ كَانَ مَوْعِدَهُ الْحَشْرُ سبب دخول الروم النصرانية والرد على ذلك وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ، أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا صَلَبُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ، وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ الْمَسِيحَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ أَكْثَرُ النَّصَارَى ; بِجَهْلِهِمْ ذَلِكَ، تَسَلَّطُوا عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْقَتْلِ وَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ فَبَلَغَ أَمْرُهُمْ إِلَى صَاحِبِ الرُّومِ، وَهُوَ مَلِكُ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ تَسَلَّطُوا عَلَى أَصْحَابِ رَجُلٍ كَانَ يَذْكُرُ لَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيَفْعَلُ الْعَجَائِبَ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَأَهَانُوا أَصْحَابَهُ وَحَبَسُوهُمْ. فَبَعَثَ فَجِيءَ بِهِمْ وَفِيهِمْ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، وَشَمْعُونُ، وَجَمَاعَةٌ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ أَمْرِ الْمَسِيحِ، فَأَخْبَرُوهُ عَنْهُ فتَابَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ وَأَعْلَى كَلِمَتَهُمْ، وَظَهَرَ الْحَقُّ عَلَى الْيَهُودِ، وَعَلَتْ كَلِمَةُ النَّصَارَى عَلَيْهِمْ، وَبَعَثَ إِلَى الْمَصْلُوبِ فَوُضِعَ عَنْ جِذْعِهِ، وَجِيءَ بِالْجِذْعِ الَّذِي صُلِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَعَظَّمَهُ، فَمِنْ ثَمَّ عَظَّمَتِ النَّصَارَى الصَّلِيبَ، وَمِنْ هَاهُنَا دَخَلَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ فِي الرُّومِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ ; أَحَدُهَا، أَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا نَبِيٌّ، لَا يُقِرُّ عَلَى أَنَّ الْمَصْلُوبَ عِيسَى ; فَإِنَّهُ مَعْصُومٌ يَعْلَمُ مَا وَقَعَ عَلَى جِهَةِ الْحَقِّ. الثَّانِي، أَنَّ الرُّومَ لَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِ الْمَسِيحِ إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قَسْطَسَ بَانِي الْمَدِينَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. الثَّالِثُ، أَنَّ الْيَهُودَ لَمَّا صَلَبُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ ثُمَّ أَلْقَوْهُ بِخَشَبَتِهِ جَعَلُوا مَكَانَهُ مَطْرَحًا لِلْقُمَامَةِ وَالنَّجَاسَةَ وَجِيَفَ الْمَيْتَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ فِي زَمَانِ قُسْطَنْطِينَ الْمَذْكُورِ، فَعَمَدَتْ أُمُّهُ هِيلَانَةُ الْحَرَّانِيَّةُ الْفِنْدِقَانِيَّةُ فَاسْتَخْرَجَتْهُ مِنْ هُنَالِكَ مُعْتَقِدَةً أَنَّهُ الْمَسِيحُ، وَوَجَدُوا الْخَشَبَةَ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا الْمَصْلُوبُ، فَذَكَرُوا أَنَّهُ مَا مَسَّهَا ذُو عَاهَةٍ إِلَّا عُوفِيَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ هَذَا أَمْ لَا ؟ وَهَلْ كَانَ هَذَا لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، أَوْ كَانَ هَذَا مِحْنَةً وَفِتْنَةً لِأُمَّةِ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ؟ حَتَّى عَظَّمُوا تِلْكَ الْخَشَبَةَ وَغَشَّوْهَا بِالذَّهَبِ وَاللَّآلِئِ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذُوا الصُّلْبَانَاتِ وَتَبَرَّكُوا بِشَكْلِهَا وَقَبَّلُوهَا، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَأَمَرَتْ أُمُّ الْمَلِكِ هِيلَانَةُ فَأُزِيلَتْ تِلْكَ الْقُمَامَةُ، وَبُنِيَ مَكَانَهَا كَنِيسَةٌ هَائِلَةٌ مُزَخْرَفَةٌ بِأَنْوَاعِ الزِّينَةِ. فَهِيَ هَذِهِ الْمَشْهُورَةُ الْيَوْمَ بِبَلَدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، الَّتِي يُقَالُ لَهَا: الْقُمَامَةُ. بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ عِنْدَهَا، وَيُسَمُّونَهَا الْقِيَامَةَ، يَعْنُونَ الَّتِي يَقُومُ جَسَدُ الْمَسِيحِ مِنْهَا. ثُمَّ أَمَرَتْ هِيلَانَةُ بِأَنْ تُوضَعَ قُمَامَةُ الْبَلَدِ، وَكُنَاسَتُهُ وَقَاذُورَاتُهُ عَلَى الصَّخْرَةِ الَّتِي هِيَ قِبْلَةُ الْيَهُودِ، فَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ، بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَكَنَسَ عَنْهَا الْقُمَامَةَ بِرِدَائِهِ، وَطَهَّرَهَا مِنَ الْأَخْبَاثِ وَالْأَنْجَاسِ، وَلَمْ يَضَعِ الْمَسْجِدَ وَرَاءَهَا، وَلَكِنْ أَمَامَهَا، حَيْثُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بِالْأَنْبِيَاءِ، وَهُوَ الْأَقْصَى. اختلاف العلماء في موته قبل رفعه إلى السماء وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَوْتِهِ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَقِيلَ: رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ، وَقِيلَ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَقِيلَ سَبْعَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ أَحْيَاهُ وَرَفَعَهُ، وَلَمَّا رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ قَالَ اللَّهُ لَهُ: انْزِلْ إِلَى مَرْيَمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْكِ عَلَيْكَ أَحَدٌ بُكَاءَهَا وَلَمْ يَحْزَنْ أَحَدٌ حُزْنَهَا. فَنَزَلَ عَلَيْهَا بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ. فَتَفَرَّقَ الْحَوَارِيُّونَ حَيْثُ أَمَرَهُمْ، فَتِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي أَهْبَطَهُ اللَّهُ فِيهَا هِيَ الَّتِي تُدَخِّنُ فِيهَا النَّصَارَى. وَتَعَدَّى الْيَهُودُ عَلَى بَقِيَّةِ الْحَوَارِيِّينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَشْتُمُونَهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وَاسْمُهُ " هِيرُودَسُ "، وَكَانُوا تَحْتَ يَدِهِ، وَكَانَ صَاحِبَ وَثَنٍ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَانَ يَفْعَلُ الْآيَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ وَالْإِخْبَارِ عَنِ الْغُيُوبِ فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ الْمَلِكُ: وَيْحَكُمْ مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ مَا خَلَّيْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ! ثُمَّ بَعَثَ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ فَانْتَزَعَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْيَهُودِ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ دِينِ عِيسَى، فَأَخْبَرُوهُ، وَتَابَعَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَاسْتَنْزَلَ الْمَصْلُوبَ الَّذِي شُبِّهَ لَهُمْ فَغَيَّبَهُ، وَأَخَذَ الْخَشَبَةَ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا فَأَكْرَمَهَا، وَصَانَهَا وَعَدَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَتْلَى كَثِيرَةً، فَمِنْ هُنَاكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ فِي الرُّومِ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا الْمَلِكُ هِيرُودَسُ يَنُوبُ عَنِ الْمَلِكِ الْأَعْظَمِ الْمُلَقَّبِ قَيْصَرَ، وَاسْمُهُ طِيبَارِيُوسُ، وَكَانَ هَذَا أَيْضًا يُسَمَّى مَلِكًا. وَكَانَ مُلْكُ طِيبَارِيُوسَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، مِنْهَا إِلَى ارْتِفَاعِ الْمَسِيحِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَيَّامٌ.

  329. التاريخ 326لا حكم مسجّل

    اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ - بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ   - فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ، كَمَا أَوْرَدْنَاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: قَالَ قَائِلُونَ مِنْهُمْ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اللَّهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ. فَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقُّ، وَالْقَوْلَانِ الْآخَرَانِ كُفْرٌ عَظِيمٌ، كَمَا قَالَ: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ مَرْيَمَ: 37 ]. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي نَقْلِ الْأَنَاجِيلِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقَاوِيلَ، مَا بَيْنَ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ وَتَحْرِيفٍ وَتَبْدِيلٍ، ثُمَّ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ حَدَثَتْ فِيهِ الطَّامَّةُ الْعُظْمَى، وَالْبَلِيَّةُ الْكُبْرَى اخْتَلَفَ الْبَطَارِكَةُ الْأَرْبَعَةُ وَجَمِيعُ الْأَسَاقِفَةِ وَالْقَسَاوِسَةُ وَالشَّمَامِسَةُ وَالرَّهَابِينُ فِي الْمَسِيحِ عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ لَا تَنْحَصِرُ وَلَا تَنْضَبِطُ، وَاجْتَمَعُوا وَتَحَاكَمُوا إِلَى الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ، بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَهُمُ الْمَجْمَعُ الْأَوَّلُ، فَصَارَ الْمَلِكُ إِلَى قَوْلِ أَكْثَرِ فِرْقَةٍ اتَّفَقَتْ عَلَى قَوْلٍ مِنْ تِلْكَ الْمَقَالَاتِ، فَسُمُّوا الْمَلَائِكَةَ، وَدَحَضَ مَنْ عَدَاهُمْ، وَأَبْعَدَهُمْ، وَتَفَرَّدَتِ الْفِرْقَةُ التَّابِعَةُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَدْيُوسَ، الَّذِي ثَبَتَ عَلَى أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَرَسُولٌ مِنْ رُسُلِهِ، فَسَكَنُوا الْبَرَارِيَ وَالْبَوَادِيَ، وَبَنَوُا الصَّوَامِعَ وَالدِّيَارَاتِ وَالْقَلَّايَاتِ، وَقَنِعُوا بِالْعَيْشِ الزَّهِيدِ، وَلَمْ يُخَالِطُوا أُولَئِكَ الْمِلَلَ وَالنِّحَلَ، وَبَنَتِ الْمَلَائِكَةُ الْكَنَائِسَ الْهَائِلَةَ، عَمَدُوا إِلَى مَا كَانَ مِنْ بِنَاءِ الْيُونَانِ، فَحَوَّلُوا مَحَارِيبَهَا إِلَى الشَّرْقِ، وَقَدْ كَانَتْ إِلَى الشَّمَالِ إِلَى الْجَدْيِ.

  330. التاريخ 327لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ حَالِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءِ   رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ ذَكَرَ عِيسَى، فَقَالَ: " إِنَّهُ نَازِلٌ يَدُقُّ الصَّليِبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيُفِيضُ الْمَالَ، وَيُقَاتِلُ النَّاسَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَيُهْلِكُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَمَانِهِ مَسِيحَ الضَّلَالَةِ الدَّجَّالَ الْكَذَّابَ  ، وَيَقَعُ الْأَمْنُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَرْعَى الْأَسَدُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنَّمِرُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ، وَيَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ، لَا يَضُرُّهُمْ شَيْئًا، فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَهً، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ ". وَرَوَى النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " يَنْزِلُ عِيسَى عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: " مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ يُدْفَنُ مَعَهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الْأَرْضِ فَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ، وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ مَعِي فِي قَبْرِي، فَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنْ قَبْرٍ وَاحِدٍ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ".

  331. التاريخ 328لا حكم مسجّل

    بَيَانُ شَجَرَةِ طُوبَى مَا هِيَ قَالَ عِيسَى: يَا رَبِّ، وَمَا طُوبَى  ؟ قَالَ: غَرْسُ شَجَرَةٍ أَنَا غَرَسْتُهَا بِيَدِي فَهِيَ لِلْجِنَانِ كُلِّهَا، أَصْلُهَا مِنْ رِضْوَانٍ، وَمَاؤُهَا مِنْ تَسْنِيمٍ، وَبَرْدُهَا بَرْدُ الْكَافُورِ، وَطَعْمُهَا طَعْمُ الزَّنْجَبِيلِ، وَرِيحُهَا رِيحُ الْمِسْكِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا. قَالَ عِيسَى: يَا رَبِّ، اسْقِنِي مِنْهَا. قَالَ: حَرَامٌ عَلَى النَّبِيِّينَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهَا، حَتَّى يَشْرَبَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، وَحَرَامٌ عَلَى الْأُمَمِ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهَا، حَتَّى تَشْرَبَ مِنْهَا أُمَّةُ ذَلِكَ النَّبِيِّ. قَالَ: يَا عِيسَى، أَرْفَعُكَ إِلَيَّ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَلِمَ تَرْفَعُنِي ؟ قَالَ: أَرْفَعُكَ ثُمَّ أُهْبِطُكَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ; لِتَرَى مِنْ أُمَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ الْعَجَائِبَ، وَلِتُعِينَهُمْ عَلَى قِتَالِ اللَّعِينِ الدَّجَّالِ، أُهْبِطُكَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ، ثُمَّ لَا تُصَلِّي بِهِمْ ; لِأَنَّهَا أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عِيسَى قَالَ: يَا رَبِّ، أَنْبِئْنِي عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ. قَالَ: أُمَّةُ أَحْمَدَ، هَمْ عُلَمَاءُ حُكَمَاءُ كَأَنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ، يَرْضَوْنَ مِنِّي بِالْقَلِيلِ مِنَ الْعَطَاءِ، وَأَرْضَى مِنْهُمْ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَا عِيسَى، هُمْ أَكْثَرُ سُكَّانِ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّهُ لَمْ تَذِلَّ أَلْسُنُ قَوْمٍ قَطُّ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَمَا ذَلَّتْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَلَمْ تَذِلَّ رِقَابُ قَوْمٍ قَطُّ بِالسُّجُودِ كَمَا ذَلَّتْ بِهِ رِقَابُهُمْ.

  332. التاريخ 332لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ حَوَادِثَ مَرَّتْ عَقِيبَ رَفْعِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَمِنْهَا افْتِرَاقُ الْعَقَائِدِ  : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: لَمَّا رُفِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ اجْتَمَعَ مِنْ عُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِائَةُ رَجُلٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَنْتُمْ كَثِيرٌ وَنَتَخَوَّفُ الْفُرْقَةَ، لِيَخْرُجْ بَعْضُكُمْ. فَأَخْرَجُوا عَشَرَةً عَشَرَةً حَتَّى بَقَّتْ عَشَرَةً، فَقَالُوا: أَنْتُمْ كَثِيرٌ، أَخْرِجُوا بَعْضَكُمْ، فَأَخْرَجُوا سِتَّةً وَبَقِيَ أَرْبَعَةٌ، إِلَيْهِمْ يَنْتَهِي عِلْمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا يُحْيِى الْمَوْتَى إِلَّا اللَّهَ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا يَعْلَمُ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهَ ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ إِلَّا اللَّهَ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنَّهُ هُوَ اللَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَا بَدَا لَهُ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ حِينَ بَدَا لَهُ. فَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا لَا أَقُولُ كَمَا [ قُلْتَ، قَدْ عَرَفْنَا عِيسَى وَعَرَفْنَا أُمَّهُ، بَلْ هُوَ وَلَدُهُ. فَقَالَ الْآخَرُ: لَا أَقُولُ كَمَا ] قُلْتُمَا، وَلَكِنْ جَاءَتْ بِهِ أُمُّهُ مِنْ عَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ. فَقَالَ الْآخَرُ: لَا أَقُولُ كَمَا تَقُولُونَ، قَدْ كَانَ عِيسَى يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ فَقُولُوا كَمَا قَالَ لِنَفْسِهِ. فَتَفَرَّقُوا فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَسَأَلُوهُ: مَا قُلْتَ ؟ قَالَ: قُلْتُ هُوَ اللَّهُ، فَاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ. ثُمَّ قَالُوا لِلْآخَرِ: مَا قُلْتَ ؟ قَالَ: قُلْتُ هُوَ وَلَدُهُ، فَاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ، ثُمَّ خَرَجَ الثَّالِثُ فَقَالُوا: مَا قُلْتَ ؟ قَالَ: قُلْتُ جَاءَتْ بِهِ أُمُّهُ مِنْ عَمَلٍ غَيْرِ صَالِحٍ، [ فَاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ ] ثُمَّ خَرَجَ الْآخَرُ، فَقَالُوا: مَا قُلْتَ ؟ قَالَ: قُلْتُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، فَاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ. وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا رُفِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتُخِبَ أَرْبَعَةٌ مِنْ فُقَهَائِهِمْ فَقَالُوا لِلْأَوَّلِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى ؟ قَالَ: هُوَ اللَّهُ [ هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ فَخَلَقَ مَا خَلَقَ وَأَحْيَا مَا أَحْيَا ] ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. فَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ، فَكَانَتِ الْيَعْقُوبِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى. فَقَالَتِ الثَّلَاثَةُ الْأُخَرُ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، فَقَالُوا لِلثَّانِي: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى ؟ فَقَالَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ. وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ، فَكَانَتِ النُّسْطُورِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى. فَقَالَ الِاثْنَانِ الْآخَرَانِ: نَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، فَقَالُوا لِلثَّالِثِ: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى ؟ فَقَالَ: هُوَ إِلَهٌ، وَأُمُّهُ إِلَهٌ، وَاللَّهُ إِلَهٌ، فَبَايَعَهُ عَلَى ذَلِكَ نَاسٌ. فَكَانَتِ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ مِنَ النَّصَارَى الَّذِي يُقَالُ دِينُ الْمَلِكِ. فَقَالَ الرَّابِعُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَاذِبٌ، وَلَكِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحُهُ. فَاخْتَصَمَ الْقَوْمُ، فَقَالَ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَطْعَمُ الطَّعَامَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: وَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَطْعَمُ الطَّعَامَ ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَنَامُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَخَصَمَهُمْ. وَمِنَ الْأَحْدَاثِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَفَاةُ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ  : فَإِنَّهَا بَقِيَتْ بَعْدَ رَفْعِهِ سِتَّ سِنِينَ، وَكَانَ جَمِيعُ عُمْرِهَا نَيِّفًا وَخَمْسِينَ سَنَةً. حَرْبِ الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ   قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا قَصَدَتِ الْيَهُودُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَصَلَبُوا الَّذِي شُبِّهَ بِهِ، عَدَوْا عَلَى الْحَوَارِيِّينَ فَشَمَّسُوهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ وَطَافُوا بِهِمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ - وَكَانُوا تَحْتَ يَدِهِ، وَكَانَ صَاحِبَ وَثَنٍ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِي هَؤُلَاءِ النَّاسِ الَّذِينَ تَحْتَ يَدَيْكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ أَرَاهُمُ الْعَجَائِبَ، وَأَحْيَا لَهُمُ الْمَوْتَى، وَأَبْرَأَ لَهُمُ الْأَسْقَامَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِالْغُيُوبِ. قَالَ: وَيْحَكُمْ، فَمَا مَنَعَكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا هَذَا لِي، فَوَاللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ فَمَا خَلَّيْتُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ. ثُمَّ بَعَثَ فَانْتَزَعَ الْحَوَارِيِّينَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ دِينِ عِيسَى وَأَمْرِهِ، فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَبَايَعَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ، وَأَخَذَ الْخَشَبَةَ الَّتِي صُلِبَ عَلَيْهَا فَأَكْرَمَهَا وَصَانَهَا لِمَا مَسَّهَا مِنْهُ. وَقَتَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَتْلَى كَثِيرَةً، فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ أَصْلُ النَّصْرَانِيَّةِ فِي الرُّومِ. قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: اجْتَمَعَ الْحَوَارِيُّونَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى، فَقَالُوا: نُرِيدُ أَنْ نُخْرِجَ دُعَاةً فِي الْأَرْضِ، وَكَانَ مِمَّنْ تَوَجَّهَ إِلَى الرُّومِ: نُسْطُورُ، وَصَاحِبَانِ لَهُ. فَأَمَّا نُسْطُورُ فَحَبَسَتْهُ حَاجَةٌ، فَقَالَ لِصَاحِبَيْهِ: أَرْفِقَا وَلَا تَحْرُقَا وَلَا تَسْتَبْطِئَانِي. فَلَمَّا قَدِمَا الْكُورَةَ، إِذَا قَوْمٌ فِي يَوْمِ عِيدِهِمْ، وَقَدْ بَرَزَ مَلِكُهُمْ وَأَهْلُ مَمْلَكَتِهِ، فَأَتَاهُ الرَّجُلَانِ فَقَامَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَا لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإِنَّكُمْ تَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي وَتَنْتَهِكُونَ حُرَمَ اللَّهِ. فَغَضِبَ الْمَلِكُ وَهَمَّ بِقَتْلِهِمَا، فَقَامَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَا تُهْرِيقَ فِيهِ دِمَاءٌ، وَقَدْ ظَفِرْتَ بِصَاحِبَيْكَ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَحْبِسَهُمَا حَتَّى يَمْضِيَ عِيدُنَا ثُمَّ تَرَى فِيهِمَا رَأْيَكَ فَعَلْتَ. فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمَا، ثُمَّ ضُرِبَ عَلَى أُذُنِهِ بِالنِّسْيَانِ لَهُمَا حَتَّى قَدِمَ نُسْطُورُ، فَسَأَلَ عَنْهُمَا فَأُخْبِرَ بِشَأْنِهِمَا وَأَنَّهُمَا مَحْبُوسَانِ فِي السِّجْنِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمَا أَرْفِقَا، وَلَا تَحْرُقَا، وَلَا تَسْتَبْطِئَانِي، فَهَلْ تَدْرِيَانِ مَا مَثَلُكُمَا ؟ [ مَثَلُكُمَا ] مَثَلُ امْرَأَةٍ لَمْ تُصِبْ وَاحِدًا حَتَّى دَخَلَتْ فِي السِّنِّ، فَأَصَابَتْ بَعْدَ مَا دَخَلَتْ فِي السِّنِّ وَلَدًا، فَأَحَبَّتْ أَنْ يُعَجَّلَ شَبَابُهُ حَتَّى يَكْبَرَ، فَحَمَلَتْ عَلَى مَعِدَتِهِ مَا لَا يُطِيقُ فَقَتَلَتْهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: وَالْآنَ فَلَا تَسْتَبْطِئَانِي حَتَّى آتِيَ إِلَى بَابِ الْمَلِكِ. فَأَتَاهُ وَقَدْ جَلَسَ لِلنَّاسِ، وَكَانُوا إِذَا ابْتُلُوا بِحَرَامٍ وَبِحَلَالٍ رَفَعُوهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ سَأَلَ عَنْهُ مَا يَلِيهِ، وَسَأَلَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى أَقْصَى الْمَجْلِسِ. فَجَلَسَ نُسْطُورُ فِي أَقْصَى الْمَجْلِسِ، فَلَمَّا رَدُّوا عَلَى الْمَلِكِ جَوَابَ مَنْ أَجَابَهُ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ جَوَابَ نُسْطُورَ، فَسَمِعَ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ نُورٌ، [ وَحَلَا ] فِي مَسَامِعِهِ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ ؟ قَالُوا: الرَّجُلُ الَّذِي فِي أَقْصَى الْمَجْلِسِ، قَالَ: عَلَيَّ بِهِ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَنْتَ الْقَائِلُ كَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ فِي كَذَا وَكَذَا ؟ فَجَعَلَ لَا يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ إِلَّا فَسَّرَهُ لَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: عِنْدَكَ هَذَا الْعِلْمُ وَأَنْتَ تَجْلِسُ فِي آخِرِ الْقَوْمِ ؟ ضَعُوا لَهُ عِنْدَ سَرِيرِي مَجْلِسًا. ثُمَّ قَالَ لَهُ: إِنْ أَتَاكَ ابْنِي فَلَا تَقُمْ لَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نُسْطُورَ وَتَرَكَ النَّاسَ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّ مَنْزِلَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ، قَالَ: لَأَرُوزَنَّهُ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَنَا رَجُلٌ بَعِيدُ الدَّارِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتَكَ مِنِّي فَأْذَنْ لِي فَأَنْصَرِفُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ: يَا نُسْطُورُ، مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَحْمِلَ أَهْلَكَ إِلَيْنَا فَلَكَ الْمُوَاسَاةُ، وَإِنْ [ أَحْبَبْتَ أَنْ ] تَأْخُذَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ حَاجَتَكَ فَتَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَهْلِكَ فَعَلْتَ. فَسَكَتَ نُسْطُورُ. ثُمَّ تَخَيَّرَ يَوْمًا مَاتَ لَهُمْ فِيهِ مَيِّتٌ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلَيْنِ أَتَيَاكَ يَعِيبَانِ عَلَيْكَ دِينَكَ. قَالَ: فَذَكَرَهُمَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ: يَا نُسْطُورُ، أَنْتَ حَكَمٌ بَيْنِي وَبَيْنَهُمَا، مَا قُلْتَ مِنْ شَيْءٍ رَضِيتُ بِهِ، قَالَ: نَعَمْ، أَيُّهَا الْمَلِكُ، هَذَا مَيِّتٌ قَدْ مَاتَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَمُرْهُمَا يَدْعُوَانِ رَبَّهُمَا فَيُحْيِيهِ لَهُمَا، فَفِي ذَلِكَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ. قَالَ: فَأُتِيَ بِالْمَيِّتِ فَوُضِعَ عِنْدَهُ، وَقَامَا وَتَوَضَّئَا وَدَعَوَا رَبَّهُمَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ رُوحَهُ وَتَكَلَّمَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ [ إِنَّ ] فِي هَذَا لَآيَةً بَيِّنَةً، وَلَكِنْ مُرْهُمَا بِغَيْرِ ذَلِكَ، اجْمَعْ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، ثُمَّ قُلْ لِآلِهَتِكَ، فَإِنْ كُنْتَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ تَضُرَّ بِهِمَا فَلَيْسَ أَمْرُهُمَا بِشَيْءٍ، وَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلَى أَنْ يَضُرَّا آلِهَتَكَ فَأَمْرُهُمَا قَوِيٌّ. فَجَمَعَ الْمَلِكُ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ، وَدَخَلَ الْبَهْوَ الَّذِي فِيهِ الْآلِهَةُ، فَخَرَّ سَاجِدًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، وَخَرَّ نُسْطُورُ سَاجِدًا، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْجُدُ لَكَ وَأَكِيدُ هَذِهِ الْآلِهَةَ أَنْ تُعْبَدَ مِنْ دُونِكَ، ثُمَّ رَفَعَ الْمَلِكُ رَأْسَهُ وَقَالَ: إِنَّ هَذَيْنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُبَدِّلَا دِينَكُمْ، وَيَدْعُوَا إِلَى إِلَهٍ غَيْرِكُمْ، فَافْقَئُوا أَعْيُنَهُمْ، أَوْ جَدِّعُوهُمَا. فَلَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ الْآلِهَةُ شَيْئًا، فَقَامَ نُسْطُورُ وَأَمَرَ صَاحِبَيْهِ أَنْ يَحْمِلَا مَعَهُمَا فَأْسًا، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، قُلْ لِهَذَيْنِ: أَتَقْدِرَانِ عَلَى أَنْ تُضِرَّا آلِهَتِي. [ فَقَالَ لَهُمَا: أَتَقْدِرَانِ عَلَى أَنْ تُضِرَّا آلِهَتَنَا ؟ ] قَالَا: خَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. فَفَعَلَ، فَأَقْبَلَا عَلَيْهَا فَكَسَّرَاهَا، فَقَالَ نُسْطُورُ: أَمَّا أَنَا فَقَدْ آمَنْتُ بِرَبِّ هَذَيْنِ. وَقَالَ الْمَلِكُ: وَأَنَا فَقَدْ آمَنْتُ بِرَبِّ هَذَيْنِ. وَقَالَ جَمِيعُ النَّاسِ: آمَنَّا بِرَبِّ هَذَيْنِ، فَقَالَ نُسْطُورُ لِصَاحِبَيْهِ: هَكَذَا الرِّفْقُ.

  333. التاريخ 333لا حكم مسجّل

    لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى قِصَّتَهُ عَلَى الْجَلِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَمْرَهُ وَوَضَّحَهُ وَشَرَحَهُ، قَالَ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ كَمَا قَالَ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّتِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ فِي آلِ عِمْرَانَ: ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 58 - 63 ]. وَلِهَذَا لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا، يَرْجِعُ أَمْرُهُمْ إِلَى أَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ، وَيَؤُولُ أَمْرُ الْجَمِيعِ إِلَى ثَلَاثَةٍ، هُمْ أَشْرَافُهُمْ وَسَادَاتُهُمْ، وَهُمْ: الْعَاقِبُ، وَالسَّيِّدُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، فَجَعَلُوا يُنَاظِرُونَ فِي أَمْرِ الْمَسِيحِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ صَدْرَ سُورَةِ " آلِ عِمْرَانَ " فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنَ أَمْرَ الْمَسِيحِ وَابْتِدَاءَ خَلْقِهِ وَخَلْقِ أُمِّهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَمَرَ رَسُولَهُ بِأَنْ يُبَاهِلَهُمْ إِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ وَيَتَّبِعُوهُ، فَلَمَّا رَأَوْا عَيْنَيْهَا وَأُذُنَيْهَا نَكَصُوا، وَامْتَنَعُوا عَنِ الْمُبَاهَلَةِ، وَعَدَلُوا إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَالْمُوَادَعَةِ، وَقَالَ قَائِلُهُمْ، وَهُوَ الْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ: يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ، فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَإِنَّهَا لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ وَانْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ. فَطَلَبُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمْ جِزْيَةً، وَأَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ رَجُلًا أَمِينًا، فَبَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ أَمْرَ الْمَسِيحِ، قَالَ لِرَسُولِهِ: ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يَعْنِي مِنْ أَنَّهُ عَبْدٌ مَخْلُوقٌ مِنِ امْرَأَةٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَلِهَذَا قَالَ: مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أَيْ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وَلَا يَكْرُثُهُ وَلَا يَؤُودُهُ، بَلْ هُوَ الْقَدِيرُ الْفَعَّالُ لِمَا يَشَاءُ. إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس: 82 ]. وَقَوْلُهُ: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا هُوَ مِنْ تَمَامِ كَلَامِ عِيسَى لَهُمْ فِي الْمَهْدِ، أَخْبَرَهُمْ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وَرَبُّهُمْ وَإِلَهُهُ وَإِلَهُهُمْ، وَأَنَّ هَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ أَيْ: فَاخْتَلَفَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيهِ، فَمِنْ قَائِلٍ مِنَ الْيَهُودِ: إِنَّهُ وَلَدُ زَنْيَةٍ. وَاسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَقَابَلَهُمْ آخَرُونَ فِي الْكُفْرِ فَقَالُوا: هُوَ اللَّهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ ابْنُ اللَّهِ. وَقَالَ الْمُؤْمِنُونَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ. وَهَؤُلَاءِ هُمُ النَّاجُونَ الْمُثَابُونَ، الْمُؤَيَّدُونَ الْمَنْصُورُونَ، وَمَنْ خَالَفَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقُيُودِ، فَهُمُ الْكَافِرُونَ الظَّالِمُونَ، الضَّالُّونَ الْجَاهِلُونَ، وَقَدْ تَوَعَّدَهُمُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ، بِقَوْلِهِ: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ. . عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ وعَنْ جُنَادَةَ، وَزَادَ: مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ أَيَّهَا شَاءَ.

  334. التاريخ 334لا حكم مسجّل

    بَابُ بَيَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْوَلَدِ   قَالَ تَعَالَى فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا أَيْ شَيْئًا عَظِيمًا، وَمُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا. تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا فَبَيِّنَ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَنْبَغِي لَهُ الْوَلَدُ ; لِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَالِكُهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، خَاضِعٌ ذَلِيلٌ لَدَيْهِ، وَجَمِيعُ سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبِيدُهُ، وَهُوَ رَبُّهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [ الْأَنْعَامِ: 100 - 103 ]. فَبَيَّنَ أَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَالْوَلَدُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَنَاسِبَيْنِ! وَاللَّهُ تَعَالَى لَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ،  وَلَا عَدِيلَ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ، فَلَا يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [ الْإِخْلَاصِ: 1 - 4 ]. فَتَقَرَّرَ أَنَّهُ " الْأَحَدُ " الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ الصَّمَدُ وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَجَمِيعِ صِفَاتِهِ. لَمْ يَلِدْ أَيْ: لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ وَلَدٌ. وَلَمْ يُولَدْ أَيْ: وَلَمْ يَتَوَلَّدْ عَنْ شَيْءٍ قَبْلَهُ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَيْ: وَلَيْسَ لَهُ عِدْلٌ وَلَا مُكَافِئٌ وَلَا مُسَاوٍ، فَقَطَعَ النَّظِيرَ الْمُدَانِيَ وَالْأَعْلَى وَالْمُسَاوِيَ ; فَانْتَفَى أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، إِذْ لَا يَكُونُ الْوَلَدُ إِلَّا مُتَوَلِّدًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُتَعَادِلَيْنِ أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ، وَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَتَقَدَّسَ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [ النِّسَاءِ: 171 - 173 ]. يَنْهَى تَعَالَى أَهْلَ الْكِتَابِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ، عَنِ الْغُلُوِّ وَالْإِطْرَاءِ فِي الدِّينِ، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ ; فَالنَّصَارَى - لَعَنَهُمُ اللَّهُ - غَلَوْا وَأَطْرَوُا الْمَسِيحَ حَتَّى جَاوَزُوا الْحَدَّ، فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَابْنُ أَمَتِهِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ، الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، فَبَعَثَ اللَّهُ الْمَلَكَ جِبْرِيلَ إِلَيْهَا، فَنَفَخَ فِيهَا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ نَفْخَةً حَمَلَتْ مِنْهَا بِوَلَدِهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالَّذِي اتَّصَلَ بِهَا مِنَ الْمَلَكِ هِيَ الرُّوحُ الْمُضَافَةُ إِلَى اللَّهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا يُقَالُ: بَيْتُ اللَّهِ، وَنَاقَةُ اللَّهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَكَذَا: رُوحُ اللَّهِ، أُضِيفَتْ إِلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهَا وَتَكْرِيمًا، وَسُمِّيَ عِيسَى بِهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَبٍ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ أَيْضًا الَّتِي عَنْهَا خُلِقَ، وَبِسَبَبِهَا وُجِدَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آلِ عِمْرَانَ: 59 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ الْبَقَرَةِ: 116، 117 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ التَّوْبَةِ: 30 ]. فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ، كُلٌّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ ادَّعَوْا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا، وَزَعَمُوا أَنَّ لَهُ وَلَدًا، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ مُسْتَنَدٌ فِيمَا زَعَمُوهُ، وَلَا فِيمَا ائْتَفَكُوهُ، إِلَّا مُجَرَّدُ الْقَوْلِ وَمُشَابَهَةُ مَنْ سَبَقَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الضَّالَّةِ، تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ - عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ - زَعَمُوا أَنَّ الْعَقْلَ الْأَوَّلَ صَدَرَ عَنْ وَاجِبِ الْوُجُودِ، الَّذِي يُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِعِلَّةِ الْعِلَلِ، وَالْمَبْدَأِ الْأَوَّلِ، وَأَنَّهُ صَدَرَ عَنِ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ عَقْلٌ ثَانٍ، وَنَفْسٌ وَفَلَكٌ، ثُمَّ صَدَرَ عَنِ الثَّانِي كَذَلِكَ، حَتَّى تَنَاهَتِ الْعُقُولُ إِلَى عَشَرَةٍ، وَالنُّفُوسُ إِلَى تِسْعَةٍ، وَالْأَفْلَاكُ إِلَى تِسْعَةٍ، بِاعْتِبَارَاتٍ فَاسِدَةٍ ذَكَرُوهَا، وَاخْتِيَارَاتٍ بَارِدَةٍ أَوْرَدُوهَا، وَلِبَسْطِ الْكَلَامِ مَعَهُمْ، وَبَيَانِ جَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَوْضِعٌ آخَرُ. وَهَكَذَا طَوَائِفُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ; زَعَمُوا لِجَهْلِهِمْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ صَاهَرَ سَرَوَاتِ الْجِنِّ فَتَوَلَّدَ مِنْهُمَا الْمَلَائِكَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ، وَتَنَزَّهَ عَمَّا يُشْرِكُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [ الزُّخْرُفِ: 19 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ [ الصَّافَّاتِ: 149 - 160 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 26 - 29 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْكَهْفِ "، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا [ الْكَهْفِ: 1 - 5 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [ يُونُسَ: 68 - 70 ]. فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْمَكِّيَاتُ الْكَرِيمَاتُ تَشْمَلُ الرَّدَّ عَلَى سَائِرِ فِرَقِ الْكَفَرَةِ ; مِنَ الْفَلَاسِفَةِ وَمُشْرِكِي الْعَرَبِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ ادَّعَوْا وَزَعَمُوا بِلَا عِلْمٍ، أَنَّ لِلَّهِ وَلَدًا، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ الْمُعْتَدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَلَمَّا كَانَتِ النَّصَارَى، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مِنْ أَشْهَرِ مَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ، ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ; لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَبَيَانِ تَنَاقُضِهِمْ، وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ، وَكَثْرَةِ جَهْلِهِمْ، وَقَدْ تَنَوَّعَتْ أَقْوَالُهُمْ فِي كُفْرِهِمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْبَاطِلَ كَثِيرُ التَّشَعُّبِ وَالِاخْتِلَافِ وَالتَّنَاقُضِ، وَأَمَّا الْحَقُّ فَلَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَضْطَرِبُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [ النِّسَاءِ: 82 ]. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ يَتَّحِدُ وَيَتَّفِقُ، وَالْبَاطِلَ يَخْتَلِفُ وَيَضْطَرِبُ. فَطَائِفَةٌ مِنْ ضُلَّالِهِمْ وَجُهَّالِهِمْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَسِيحَ هُوَ اللَّهُ  . تَعَالَى اللَّهُ، وَطَائِفَةٌ قَالُوا: هُوَ ابْنُ اللَّهِ، عَزَّ اللَّهُ. وَطَائِفَةٌ قَالُوا: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. جَلَّ اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْمَائِدَةِ ": لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ الْمَائِدَةِ: 17 ]. فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ كُفْرِهِمْ وَجَهْلِهِمْ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الْخَالِقُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْمُتَصَرِّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَإِلَهُهُ. وَقَالَ فِي أَوَاخِرِهَا: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ الْمَائِدَةِ: 72 - 75 ]. حَكَمَ تَعَالَى بِكُفْرِهِمْ شَرْعًا وَقَدَرًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ هَذَا صَدَرَ مِنْهُمْ، مَعَ أَنَّ الرَّسُولَ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ، مُصَوَّرٌ فِي الرَّحِمِ، دَاعٍ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بِالنَّارِ، وَعَدَمِ الْفَوْزِ بِدَارِ الْقَرَارِ، وَالْخِزْيِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْهَوَانِ وَالْعَارِ، وَلِهَذَا قَالَ: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ القول بالأقانيم الثلاثة الأب والابن والكلمة ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ: أُقْنُومُ الْأَبِ، وَأُقْنُومُ الِابْنِ، وَأُقْنُومُ الْكَلِمَةِ الْمُنْبَثِقَةِ مِنَ الْأَبِ إِلَى الِابْنِ، عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ مَا بَيْنَ الْمَلَكِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ، كَمَا سَنُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَمَجَامِعَهُمُ الثَّلَاثَةَ فِي زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قَسْطَسَ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَقَبْلَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ أَيْ: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا كُفْءَ لَهُ، وَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، ثُمَّ تَوَعَدَهُمْ وَتَهَدَّدَهُمْ فَقَالَ: وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ثُمَّ دَعَاهُمْ بِرَحْمَتِهِ وَلُطْفِهِ إِلَى التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْكِبَارِ، وَالْعَظَائِمِ الَّتِي تُوجِبُ النَّارَ، فَقَالَ: أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ حال المسيح وأمه وأنه عبد رسول وأمه صديقة ثُمَّ بَيَّنَ حَالَ الْمَسِيحِ وَأُمِّهِ، وَأَنَّهُ عَبْدٌ رَسُولٌ، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ  ، أَيْ لَيْسَتْ بِفَاجِرَةٍ، كَمَا يَقُولُهُ الْيَهُودُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَبِيَّةٍ، كَمَا زَعَمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَائِنَا. وَقَوْلُهُ: كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ كِنَايَةٌ عَنْ خُرُوجِهِ مِنْهُمَا، كَمَا يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِهِمَا، أَيْ: وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، كَيْفَ يَكُونُ إِلَهًا ؟! تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ وَجَهْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَالَ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ زَعْمُهُمْ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ أَنَّهُمَا إِلَهَانِ مَعَ اللَّهِ ; يَعْنِي كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى كُفْرَهُمْ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ الْمَائِدَةِ: 116 - 118 ]. يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ يَسْأَلُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ لَهُ وَالتَّقْرِيعِ وَالتَّوْبِيخِ لِعَابِدِيهِ، مِمَّنْ كَذَبَ عَلَيْهِ وَافْتَرَى وَزَعَمَ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، أَوْ أَنَّهُ اللَّهُ، أَوْ أَنَّهُ شَرِيكُهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ، فَيَسْأَلُهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مَا يَسْأَلُهُ عَنْهُ، وَلَكِنْ لِتَوْبِيخِ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ لَهُ: ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ أَيْ: تَعَالَيْتَ أَنْ يَكُونَ مَعَكَ شَرِيكٌ. مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ أَيْ: لَيْسَ هَذَا يَسْتَحِقُّهُ أَحَدٌ سِوَاكَ. إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ وَهَذَا تَأَدُّبٌ عَظِيمٌ فِي الْخِطَابِ وَالْجَوَابِ. مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ حِينَ أَرْسَلْتَنِي إِلَيْهِمْ، وَأَنْزَلْتَ عَلَيَّ الْكِتَابَ الَّذِي كَانَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ، ثُمَّ فَسَّرَ مَا قَالَ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ أَيْ خَالِقِي وَخَالِقُكُمْ، وَرَازِقِي وَرَازِقُكُمْ. وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أَيْ: رَفَعْتَنِي إِلَيْكَ حِينَ أَرَادُوا قَتْلِي وَصَلْبِي، فَرَحِمْتَنِي وَخَلَّصْتَنِي مِنْهُمْ، وَأَلْقَيْتَ شَبَهِي عَلَى أَحَدِهِمْ، حَتَّى انْتَقَمُوا مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ. كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ثُمَّ قَالَ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ إِلَى الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّبَرِّي مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ أَيْ: وَهُمْ يَسْتَحِقُّونَ ذَلِكَ. وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَهَذَا التَّفْوِيضُ وَالْإِسْنَادُ إِلَى الْمَشِيئَةِ بِالشَّرْطِ، لَا يَقْتَضِي وُقُوعَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَلَمْ يَقُلْ: الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التَّفْسِيرِ " مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَامَ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ لَيْلَةً حَتَّى أَصْبَحَ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي فَأَعْطَانِيهَا، وَهِيَ نَائِلَةٌ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 16 - 20 ]. وَقَالَ تَعَالَى: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ [ الزُّمَرِ: 4، 5 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الزُّخْرُفِ: 81، 82 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا [ الْإِسْرَاءِ: 111 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; يَزْعُمُ أَنَّ لِي وَلَدًا، وَأَنَا الْأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمَّ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ وَفِي " الصَّحِيحِ " أَيْضًا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ ; إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " أَيْضًا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ثُمَّ قَرَأَ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هُودٍ: 102 ]. وَهَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [ الْحَجِّ: 48 ]. وَقَالَ تَعَالَى: نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ [ لُقْمَانٍ: 24 ]. وَقَالَ تَعَالَى: قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [ يُونُسَ: 69، 70 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [ الطَّارِقِ: 17 ].

  335. التاريخ 335لا حكم مسجّل

    بَيَانُ بِنَاءِ بَيْتِ لَحْمٍ وَالْقُمَامَةِ   وَبَنَى الْمَلِكُ قُسْطَنْطِينُ بَيْتَ لَحْمٍ عَلَى مَحَلِّ مَوْلِدِ الْمَسِيحِ، وَبِنَتْ أُمُّهُ هِيلَ?نَةُ الْقُمَامَةَ، يَعْنِي عَلَى قَبْرِ الْمَصْلُوبِ، وَهُمْ يُسَلِّمُونَ لِلْيَهُودِ أَنَّهُ الْمَسِيحُ، وَقَدْ كَفَرَتْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، وَوَضَعُوا الْقَوَانِينَ وَالْأَحْكَامَ، وَمِنْهَا مُخَالِفٌ لِلْعَتِيقَةِ الَّتِي هِيَ التَّوْرَاةُ، وَأَحَلُّوا أَشْيَاءَ هِيَ حَرَامٌ بِنَصِّ التَّوْرَاةِ، وَمِنْ ذَلِكَ الْخِنْزِيرُ، وَصَلَّوْا إِلَى الشَّرْقِ وَلَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ صَلَّى إِلَّا إِلَى صَخْرَةِبَيْتِ الْمَقْدِسِ  ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ مُوسَى وَمُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ صَلَّى إِلَيْهَا بَعْدَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، سِتَّةَ عَشَرَ - أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ - شَهْرًا، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ الَّتِي بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ، وَصَوَّرُوا الْكَنَائِسَ وَلَمْ تَكُنْ مُصَوَّرَةً قَبْلَ ذَلِكَ، وَوَضَعُوا الْعَقِيدَةَ الَّتِي يَحْفَظُهَا أَطْفَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَرِجَالُهُمُ الَّتِي يُسَمُّونَهَا بِالْأَمَانَةِ  وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ أَكْبَرُ الْكُفْرِ وَالْخِيَانَةِ. وَجَمِيعُ الْمَلَكِيَّةِ وَالنَّسْطُورِيَّةِ أَصْحَابُ نَسْطُورَسَ أَهْلِ الْمَجْمَعِ الثَّانِي، وَالْيَعْقُوبِيَّةِ أَصْحَابِ يَعْقُوبَ الْبَرَادِعِيِّ، أَصْحَابِ الْمَجْمَعِ الثَّالِثِ، يَعْتَقِدُونَ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي تَفْسِيرِهَا، وَهَا أَنَا أَحْكِيهَا، وَحَاكِي الْكُفْرِ لَيْسَ بِكَافِرٍ  لِأَبُثَّ، عَلَى مَا فِيهَا، رَكَّةَ الْأَلْفَاظِ وَكَثْرَةَ الْكُفْرِ وَالْخَبَالِ الْمُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى النَّارِ ذَاتِ الشُّوَاظِ ; فَيَقُولُونَ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ الْمُتَتَابِعَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة?: نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ ضَابِطِ الْكُلِّ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ; كُلِّ مَا يُرَى، وَكُلِّ مَا لَا يُرَى، وَبِرَبٍّ وَاحِدٍ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ، الْوَحِيدِ الْمَوْلُودِ مِنَ الْأَبِ قَبْلَ الدُّهُورِ، نُورٍ مِنْ نُورٍ إِلَهٍ حَقٍّ، مِنْ إِلَهٍ حَقٍّ، مَوْلُودٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ، مُسَاوٍ لِلْأَبِ فِي الْجَوْهَرِ الَّذِي كَانَ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِنَا، نَحْنُ الْبَشَرَ، وَمِنْ أَجْلِ خَلَاصِنَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، وَتَجَسَّدَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ، وَمِنْ مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ وَتَأَنَّسَ، وَصُلِبِ عَلَى عَهْدِ مَلَاطِسَ النَّبَطِيِّ، وَتَأَلَّمَ وَقُبِرَ، وَقَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، كَمَا فِي الْكُتُبِ، وَصَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ، وَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ الْأَبِ. وَأَيْضًا فَسَيَأْتِي بِجَسَدِهِ ; لِيُدَبِّرَ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ، الَّذِي لَا فَنَاءَ لِمُلْكِهِ، وَرُوحُ الْقُدُسِ الرَّبُّ الْمُحْيِي الْمُنْبَثِقُ مِنَ الْأَبِ مَعَ الْأَبِ، وَالِابْنُ مَسْجُودٌ لَهُ، وَبِمَجْدِ النَّاطِقِ فِي الْأَنْبِيَاءِ، كَنِسْبَةٍ وَاحِدَةٍ جَامِعَةٍ مُقَدَّسَةٍ يَهُولِيَّةٍ، وَاعْتَرَفَ بِمَعْمُودِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا، وَأَنَّهُ حَيُّ قِيَامَةَ الْمَوْتَى وَحَيَاةَ الدَّهْرِ الْعَتِيدِ كَوْنُهُ. آمِينَ.

  336. التاريخ 336لا حكم مسجّل

    بَيَانُ نُزُولِ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ وَمَوَاقِيتِهَا   وعن مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ قَالَ: أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى فِي سِتِّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَنَزَلَ الزَّبُورُ عَلَى دَاوُدَ فِي اثْنَتَيْ عَشْرَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ بَعْدَ التَّوْرَاةِ بِأَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وَاثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، بَعْدَ الزَّبُورِ بِأَلْفِ عَامٍ وَخَمْسِينَ عَامًا، وَأُنْزِلَ الْفَرْقَانُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي " التَّفْسِيرِ " عِنْدَ قَوْلِهِ: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ، وَفِيهَا أَنَّ الْإِنْجِيلَ أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي " تَارِيخِهِ " أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَكَثَ حَتَّى رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: يَا عِيسَى جِدَّ فِي أَمْرِي وَلَا تَهِنْ، وَاسْمَعْ وَأَطِعْ يَا ابْنَ الطَّاهِرَةِ الْبِكْرِ الْبَتُولِ، إِنَّكَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ وَأَنَا خَلَقْتُكَ آيَةً لِلْعَالَمِينَ، إِيَّايَ فَاعْبُدْ وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ، خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، فَسِّرْ لِأَهْلِ السُّرْيَانِيَّةِ، بَلِّغْ مَنْ بَيْنَ يَدَيْكَ أَنِّي أَنَا الْحَيُّ الْقَائِمُ الَّذِي لَا أَزُولُ، صَدِّقُوا النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الْعَرَبِيَّ، صَاحِبَ الْجَمَلِ وَالتَّاجِ - وَهِيَ الْعِمَامَةُ - وَالْمِدْرَعَةِ وَالنَّعْلَيْنِ وَالْهِرَاوَةِ - وَهِيَ الْقَضِيبُ - الْأَنْجَلَ الْعَيْنَيْنِ، الصَّلْتَ الْجَبِينِ، الْوَاضِحَ الْخَدَّيْنِ، الْجَعْدَ الرَّأْسِ، الْكَثَّ اللِّحْيَةِ، الْمَقْرُونَ الْحَاجِبَيْنِ، الْأَقْنَى الْأَنْفِ، الْمُفَلَّجَ الثَّنَايَا، الْبَادِيَ الْعَنْفَقَةِ، الَّذِي كَأَنَّ عُنُقَهُ إِبْرِيقُ فِضَّةٍ، وَكَأَنَّ الذَّهَبَ يَجْرِي فِي تَرَاقِيهِ، لَهُ شَعَرَاتٌ مِنْ لَبَّتِهِ إِلَى سُرَّتِهِ تَجْرِي كَالْقَضِيبِ، لَيْسَ عَلَى بَطْنِهِ وَلَا عَلَى صَدْرِهِ شَعْرٌ غَيْرُهُ، شَثْنَ الْكَفِّ وَالْقَدَمِ، إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا، وَإِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَتَقَلَّعُ مِنْ صَخْرٍ وَيَنْحَدِرُ مِنْ صَبَبٍ، عَرَقُهُ فِي وَجْهِهِ كَاللُّؤْلُؤِ، وَرِيحُ الْمِسْكِ يَنْفَحُ مِنْهُ، لَمْ يُرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلُهُ، الْحَسَنَ الْقَامَةِ، الطَّيِّبَ الرِّيحِ، نَكَّاحَ النِّسَاءِ، ذَا النَّسْلِ الْقَلِيلِ، إِنَّمَا نَسْلُهُ مِنْ مُبَارَكَةٍ لَهَا بَيْتٌ - يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ - مِنْ قَصَبٍ، لَا نَصَبَ فِيهِ وَلَا صَخَبَ، تُكَفِّلُهُ - يَا عِيسَى - فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَمَا كَفَّلَ زَكَرِيَّا أُمَّكَ، لَهُ مِنْهَا فَرْخَانِ مُسْتَشْهَدَانِ، وَلَهُ عِنْدِي مَنْزِلَةٌ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، كَلَامُهُ الْقُرْآنُ، وَدِينُهُ الْإِسْلَامُ، وَأَنَا السَّلَامُ، طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ، وَشَهِدَ أَيَّامَهُ، وَسَمِعَ كَلَامَهُ.

  337. التاريخ 338لا حكم مسجّل

    اخْتَلَفُوا فِي زَمَانِ كَوْنِهِ. فَرَوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ؓ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ مِنَ الْقُرُونِ الْأُوَلِ مِنْ وَلَدِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ وَلَدِ عَيْلَمَ بْنِ سَامٍ. وَأَنَّهُ وُلِدَ بِأَرْضِ الرُّومِ حِينَ نَزَلَهَا وَلَدُ سَامٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ بَعْدَ ثَمُودَ. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَانِ الْخَلِيلِ، وَمَاتَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَهَذَا الْأَشْبَهُ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَقِيَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ بِمَكَّةَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَصَافَحَهُ وَاعْتَنَقَهُ. وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ كَانَ جَالِسًا فِي مَكَانٍ فَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قِيلَ لَهُ: هَذَا ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي جُنُودِهِ. فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ: ائْتِ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، قَالَ: وَمَنْ إِبْرَاهِيمُ؟ قَالَ: خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: وَإِنَّهُ لَهَاهُنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَنَزَلَ [عَنْ فَرَسِهِ وَمَشَى]، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَسَافَةً، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَرْكَبُ فِي بَلَدٍ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ، فَمَشَى إِلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَوْصَاهُ، وَأَهْدَى إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ بَقَرًا وَغَنَمًا.

  338. التاريخ 339لا حكم مسجّل

    وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ  عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: عَبْدُ اللَّهِ. قَالَهُ عَلِيٌّ ؓ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ. وَالثَّانِي: الْإِسْكَنْدَرُ، قَالَهُ وَهْبٌ. وَقِيلَ: هُوَ الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ قَيْصَرَ. قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ الْمُنَادِي، وَكَانَ قَيْصَرُ هَذَا أَوَّلَ الْقَيَاصِرَةِ وَأَقْدَمَهُمْ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ طَوِيلٍ. وَالثَّالِثُ: عَيَّاشٌ، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ. وَالرَّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جَاثِرِ بْنِ الْقَلَمَّسِ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ يَسُوقُ الْأَحَادِيثَ عَنْ الْأَعَاجِمِ فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. اسْمُهُ مَرْزُبَانُ بْنُ مَرْذُبَةَ الْيُونَانِيُّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فَنُسِبَتْ إلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكُلَاعِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: مَلِكٌ مَسَحَ الْأَرْضَ مِنْ تَحْتِهَا بِالْأَسْبَابِ وَقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قِنانَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَزْدِ بْنِ غَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ قَحْطَانَ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ حِمْيَرٍ، وَأُمُّهُ رُومِيَّةٌ، وَأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْفَيْلَسُوفِ ; لِعَقْلِهِ. شعر لأحد الحميريين يفخر بكونه أحد أجداده وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُ الْحِمْيَرِيِّينَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا يَفْخَرُ بِكَوْنِهِ أَحَدَ أَجْدَادِهِ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ جَدِّيَ مُسْلِمًا مَلِكًا تَدِينُ لَهُ الْمُلُوكُ وَتَحْشُدُ     بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ يَبْتَغِي أَسْبَابَ أَمْرٍ مِنْ حَكِيمٍ مُرْشِدِ     فَرَأَى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِهَا فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَأْطٍ حَرْمَدِ     مِنْ بَعْدِهِ بَلْقِيسُ كَانَتْ عَمَّتِي مَلَكَتْهُمُ حَتَّى أَتَاهَا الْهُدْهُدُ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ مَرْزَبَى بْنَ مَرْذَبَةَ، ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ، وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ اسْمَهُ الصَّعْبُ بْنُ ذِي مَرَاثِدَ. وَهُوَ أَوَّلُ التَّبَابِعَةِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَمَ لِإِبْرَاهِيمَ فِي بِئْرِ السَّبْعِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ أَفْرِيدُونُ بْنُ أَسْفِيَانَ، الَّذِي قَتَلَ الضَّحَّاكَ. وَفِي خُطْبَةِ قَسٍّ: يَا مَعْشَرَ إِيَادٍ، أَيْنَ الصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ، مَلَكَ الْخَافِقَيْنِ، وَأَذَلَّ الثَّقَلَيْنِ، وَعَمَّرَ أَلْفَيْنِ، ثُمَّ كَانَ كَلَحْظَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ أَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِلْأَعْشَى: وَالصَّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَصْبَحَ ثَاوِيًا     بِالْحِنْوِ فِي جَدَثٍ أُمَيْمَ مقُيِمِ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ مَاكُولَا أَنَّ اسْمَهُ هَرْمَسُ. وَيُقَالُ: هَرْدِيسُ بْنُ فَيَطْوُنَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ لَنْطِيِّ بْنِ كَسْلُوجِينَ بْنِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: إِسْكَنْدَرُ هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَأَبُوهُ أَوَّلُ الْقَيَاصِرَةِ، وَكَانَ مِنْ وَلَدِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَأَمَّا ذُو الْقَرْنَيْنِ الثَّانِي فَهُوَ إِسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلَيبْسَ بْنِ مَضْرِيمَ بْنِ هَرْمَسَ بْنِ هَرْدَسَ بْنِ مَيْطُونَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ لَنْطِيِّ بْنِ يُونَانَ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُونَةَ بْنِ سَرْحُونَ بْنِ رُومَةَ بْنِ ثَرْنَطَ بْنِ تَوْفِيلَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ الْأَصْفَرِ بْنِ الْيَفَزَ بْنِ الْعِيصَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ. كَذَا نَسَبَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ " الْمَقْدُونِيُّ الْيُونَانِيُّ الْمِصْرِيُّ، بَانِي إِسْكَنْدَرِيَّةَ، الَّذِي يُؤَرِّخُ بِأَيَّامِهِ الرُّومُ، وَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنِ الْأَوَّلِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، كَانَ هَذَا قَبْلَ الْمَسِيحِ بِنَحْوٍ مَنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَانَ أَرِسْطَاطَالِيسُ الْفَيْلَسُوفُ وَزِيرَهُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ دَارَا بْنَ دَارَا، وَأَذَلَّ مُلُوكَ الْفُرْسِ وَأَوْطَأَ أَرْضَهُمْ. وَإِنَّمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ ; لِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّهُمَا وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ هُوَ الَّذِي كَانَ أَرِسْطَاطَالِيسُ وَزِيرَهُ، فَيَقَعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ خَطَأٌ كَبِيرٌ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ طَوِيلٌ كَثِيرٌ، فَإِنَّ الْأَوَّلَ كَانَ عَبْدًا مُؤْمِنًا صَالِحًا وَمَلِكًا عَادِلًا، وَكَانَ وَزِيرُهُ الْخَضِرَ، وَقَدْ كَانَ نَبِيًّا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ قَبْلَ هَذَا. وَأَمَّا الثَّانِي، فَكَانَ مُشْرِكًا، وَكَانَ وَزِيرُهُ فَيْلَسُوفًا، وَقَدْ كَانَ بَيْنَ زَمَانَيْهِمَا أَزْيَدُ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ. فَأَيْنَ هَذَا مِنْ هَذَا، لَا يَسْتَوِيَانِ وَلَا يَشْتَبِهَانِ، إِلَّا عَلَى غَبِيٍّ لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَ الْأُمُورِ. قال ابن الأثير رحمه الله في كتابه الكامل وعنده أن ذا القرنين هو الإسكندر وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْإِسْكَنْدَرَ أَخُو دَارَا لِأَبِيهِ، وَأَمَّا أَهْلُ الرُّومِ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَنْسَابِ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلُفُوسَ، وَقِيلَ: فَيْلُبُوسُ بْنُ مَطَرْيُوسَ، وَقِيلَ: ابْنُ مَصْرَيِمِ بْنِ هِرْمِسَ بْنِ هِرْدِسَ بْنِ مُنْطَوْنَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ لَيْطَى بْنِ يُونَاقَ بْنِ يَافِثَ بْنِ ثَوْبَةَ بْنِ سَرْحُونَ بْنِ رُومِيطَ بْنِ زَنَطَ بْنِ تُوقِيلَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ الْأَصْفَرِ بْنِ أَلِيفَزِ بْنِ الْعِيصِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ.

  339. التاريخ 340لا حكم مسجّل

    وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: كَانَ نَبِيًّا. وَخَالَفَهُمُ الْأَكْثَرُونَ فِي هَذَا، فَرُوِّينَا عَنْ عَلِيٍّ ؓ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَبْدًا صَالِحًا أَمَرَ قَوْمَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا وَلَا مَلَكًا. وَقَالَ وَهْبٌ: كَانَ مَلَكًا وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ كَانَ لَعِينًا أَمْ لَا، وَلَا أَدْرِي الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا، وَلَا أَدْرِي ذُو الْقَرْنَيْنِ كَانَ نَبِيًّا أَمْ لَا وَهَذَا غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَلِكًا صَالِحًا، رَضِيَ اللَّهُ عَمَلَهُ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، وَكَانَ مَنْصُورًا، وَكَانَ الْخَضِرُ وَزِيرَهُ. وَذَكَرَ أَنَّ الْخَضِرَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ عَلَى مُقَدَّمَةِ جَيْشِهِ وَكَانَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشَاوِرِ، الَّذِي هُوَ مِنَ الْمَلِكِ بِمَنْزِلَةِ الْوَزِيرِ فِي إِصْلَاحِ النَّاسِ الْيَوْمَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، وَطَافَ مَعَهُ بِالْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ هُوَ وَإِسْمَاعِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَغْرَبَ مَنْ قَالَ: مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَقَدْ حُكِيَ هَذَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: مَهْ، مَا كَفَاكُمْ أَنْ تَتَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى تَسَمَّيْتُمْ بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ. ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ الْعَادِلِينَ

  340. التاريخ 341لا حكم مسجّل

    وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَرَ زَمَانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنِهِ الْآخَرِ فَهَلَكَ، فَذَلِكَ قَرْنَاهُ. قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ فِي رِوَايَةٍ. وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: دَعَا مَلِكًا جَبَّارًا إِلَى اللَّهِ فَضَرَبَهُ عَلَى قَرْنِهِ فَكَسَرَهُ وَرَضَّهُ، ثُمَّ دَعَاهُ فَدَقَّ قَرْنَهُ الثَّانِيَ، فَكَسَرَهُ، فَسُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ سُمِّيَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ سَارَ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وَإِلَى مَطْلَعِهَا. رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وعَنْ حَبِيبِ بْنِ جَادِمٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيٍّ ؓ: كَيْفَ بَلَغَ ذُو الْقَرْنَيْنِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: سُخِّرَ لَهُ السَّحَابُ، وَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ، وَبُسِطَ لَهُ النُّورُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ ؓ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَبْدًا صَالِحًا نَاصَحَ لِلَّهِ وَأَطَاعَهُ، فَسَخَّرَ لَهُ السَّحَابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، وَبَسَطَ النُّورَ. وَالثَّالِثُ: لِأَنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كَانَتَا مِنْ نُحَاسٍ. وَالرَّابِعُ: لِأَنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمِ كَأَنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى قَوْمِهِ فَسُمِّيَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ. وَالْخَامِسُ: لِأَنَّهُ مَلَكَ فَارِسَ وَالرُّومَ. وَالسَّادِسُ: لِأَنَّهُ كَانَ فِي رَأْسِهِ شِبْهُ الْقَرْنَيْنِ. رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْأَرْبَعَةُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وَالسَّابِعُ: لِأَنَّهُ كَانَتْ لَهُ غَدِيرَتَانِ مِنْ شَعَرٍ. قَالَهُ الْحَسَنُ. قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْأَنْبَارِيِّ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعَرِ غَدِيرَتَيْنِ وَضَفِيرَتَيْنِ وَقَرْنَيْنِ. وَمَنْ قَالَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَلَكَ فَارِسَ وَالرُّومَ قَالَ: لِأَنَّهُمَا عَالِيَانِ عَلَى جَانِبَيْنِ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ لَهُمَا قَرْنَانِ. وَالثَّامِنُ: لِأَنَّهُ كَانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ ذَوِي شَرَفٍ. وَالتَّاسِعُ: لِأَنَّهُ انْقَرَضَ فِي زَمَانِهِ قَرْنَانِ مِنَ النَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ. وَالْعَاشِرُ: لِأَنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ وَالنُّورَ. ذَكَرَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ [الْأَرْبَعَةَ] أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ. قَالَ مُجَاهِدٌ: مَلَكَ الْأَرْضَ أَرْبَعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وَكَافِرَانِ، فَالْمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَذُو الْقَرْنَيْنِ، وَالْكَافِرَانِ: نُمْرُودُ، وَبُخْتُ نَصَّرَ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ: زَعَمُوا أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَحَدُ عُظَمَاءِ مُلُوكِ الْأَرْضِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ مَعَ ذَلِكَ التَّوْحِيدَ وَالطَّاعَةَ وَاصْطِنَاعَ الْخَيْرِ، وَمَدَّ لَهُ فِي الْأَسْبَابِ، وَأَعَانَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَفَتَحَ الْمَدَائِنَ وَالْحُصُونَ، وَغَلَبَ الرِّجَالَ، وَعَمَّرَ عُمُرًا طَوِيلًا، بَلَغَ فِيهِ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ، وَبَنَى السَّدَّ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَكَانَ ذَلِكَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وَحِرْزًا مَنِيعًا مِنَ الْبَلَاءِ الَّذِي لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ.

  341. التاريخ 342لا حكم مسجّل

    قَوْلُهُ تَعَالَى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ [ الْكَهْفِ: 83 ]. كَانَ سَبَبُهُ أَنَّ قُرَيْشًا سَأَلُوا الْيَهُودَ عَنْ شَيْءٍ يَمْتَحِنُونَ بِهِ عِلْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُمْ: سَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ فِي الْأَرْضِ، وَعَنْ فِتْيَةٍ خَرَجُوا لَا يُدْرَى مَا فَعَلُوا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قِصَّةَ أَصْحَابِ الْكَهْفِ  وَقِصَّةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ  . وَلِهَذَا قَالَ: قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا أَيْ مِنْ خَبَرِهِ وَشَأْنِهِ ذِكْرًا أَيْ خَبَرًا نَافِعًا كَافِيًا فِي تَعْرِيفِ أَمَرِهِ وَشَرْحِ حَالِهِ. فَقَالَ: إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أَيْ: وَسَّعْنَا مَمْلَكَتَهُ فِي الْبِلَادِ وَأَعْطَيْنَاهُ مِنْ آلَاتِ الْمَمْلَكَةِ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ مَا يُحَاوِلُهُ مِنَ الْمُهِمَّاتِ الْعَظِيمَةِ وَالْمَقَاصِدِ الْجَسِيمَةِ. عَنْ حَبِيبِ بْنِ حِمَازٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، كَيْفَ بَلَغَ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ ؟ فَقَالَ: سُخِّرَ لَهُ السَّحَابُ، وَمُدَّتْ لَهُ الْأَسْبَابُ، وَبُسِطَ لَهُ فِي النُّورِ. وَقَالَ: أَزِيدُكَ ؟ فَسَكَتَ الرَّجُلُ، وَسَكَتَ عَلِيٌّ، ؓ. وعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ، مَلَكَ بَعْدَ النَّمْرُودِ وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُسْلِمًا صَالِحًا أَتَى الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، مَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْأَجَلِ وَنَصَرَهُ، حَتَّى قَهَرَ الْبِلَادَ وَاحْتَوَى عَلَى الْأَمْوَالِ، وَفَتَحَ الْمَدَائِنَ وَقَتَلَ الرِّجَالَ وَجَالَ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاعِ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا أَيْ: خَبَرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا أَيْ: عِلْمًا بِطَلَبِ أَسْبَابِ الْمَنَازِلِ. قَالَ إِسْحَاقُ: وَزَعَمَ مُقَاتِلٌ أَنَّهُ كَانَ يَفْتَحُ الْمَدَائِنَ وَيَجْمَعُ الْكُنُوزَ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا قَتَلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَعُبَيْدُ بْنُ يَعْلَى، وَالسُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا يَعْنِي عِلْمًا. وَقَالَ قَتَادَةُ، وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ: مَعَالِمُ الْأَرْضِ وَمَنَازِلُهَا وَأَعْلَامُهَا وَآثَارُهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي تَعْلِيمَ الْأَلْسِنَةِ، كَانَ لَا يَغْزُو قَوْمًا إِلَّا حَدَّثَهُمْ بِلُغَتِهِمْ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ سَبَبٍ يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى نَيْلِ مَقْصُودِهِ فِي الْمَمْلَكَةِ وَغَيْرِهَا; فَإِنَّهُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إِقْلِيمٍ مِنَ الْأَمْتِعَةِ وَالْمَطَاعِمِ وَالزَّادِ مَا يَكْفِيهِ وَيُعِينُهُ عَلَى أَهْلِ الْإِقْلِيمِ الْآخَرِ. وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ مَكَثَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ يَجُوبُ الْأَرْضَ، وَيَدْعُو أَهْلَهَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَفِي كُلِّ هَذِهِ الْمُدَّةِ نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ عَسَاكِرَ حَدِيثًا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا مُطَوَّلًا جِدًّا، وَهُوَ مُنْكَرٌ جِدًّا. وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْكُدَيْمِيُّ وَهُوَ مُتَّهَمٌ، فَلِهَذَا لَمْ نَكْتُبْهُ لِسُقُوطِهِ عِنْدَنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: فَأَتْبَعَ سَبَبًا أَيْ: طَرِيقًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ يَعْنِي مِنَ الْأَرْضِ، انْتَهَى إِلَى حَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا أَنْ يُجَاوِزَهُ، وَوَقَفَ عَلَى حَافَّةِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ الْغَرْبِيِّ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: أُوقْيَانُوسُ الَّذِي فِيهِ الْجَزَائِرُ الْمُسَمَّاةُ بِالْخَالِدَاتِ، الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْأَطْوَالِ، عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ أَرْبَابِ الْهَيْئَةِ، وَالثَّانِي مِنْ سَاحِلِ هَذَا الْبَحْرِ كَمَا قَدَّمْنَا. وَعِنْدَهُ شَاهَدَ مَغِيبَ الشَّمْسِ - فِيمَا رَآهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُشَاهَدَتِهِ - تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْبَحْرُ فِي نَظَرِهِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ فِي الْبَحْرِ أَوْ عَلَى سَاحِلِهِ يَرَى الشَّمْسَ كَأَنَّهَا تَطْلُعُ مِنَ الْبَحْرِ وَتَغْرُبُ فِيهِ، وَلِهَذَا قَالَ وَجَدَهَا، أَيْ: فِي نَظَرِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِذَا هِيَ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ. أَيْ: ذَاتِ حَمْأَةٍ. قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَهُوَ الطِّينُ الْأَسْوَدُ. وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ ( حَامِيَةٍ ). فَقِيلَ: يَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ. وَقِيلَ: مِنَ الْحَرَارَةِ. وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْمُقَابَلَةِ لِوَهَجِ ضَوْءِ الشَّمْسِ وَشُعَاعِهَا. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الشَّمْسِ حِينَ غَابَتْ فَقَالَ: فِي نَارِ اللَّهِ الْحَامِيَةِ، لَوْلَا مَا يَزَعُهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَأَحْرَقَتْ مَا عَلَى الْأَرْضِ فِيهِ غَرَابَةٌ، وَفِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، وَرَفْعُهُ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ أَصَابَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ زَامِلَتَيْنِ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ زَعَمَ مِنَ الْقُصَّاصِ، أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ جَاوَزَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ، وَصَارَ يَمْشِي بِجُيُوشِهِ فِي ظُلُمَاتٍ مُدَدًا طَوِيلَةً، فَقَدْ أَخْطَأَ، وَأَبْعَدَ النُّجْعَةَ، وَقَالَ مَا يُخَالِفُ الْعَقْلَ وَالنَّقْلَ.

  342. التاريخ 343لا حكم مسجّل

    طَلَبِ ذِي الْقَرْنَيْنِ عَيْنَ الْحَيَاةِ   وَرَوَى أَبُو الْحُسَيْنِ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، [عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ] بْنِ أَبِي [طَالِبٍ] ؓ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ ذُو الْقَرْنَيْنِ عَبْدًا صَالِحًا، وَكَانَ قَدْ مَلَكَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَكَانَ لَهُ خَلِيلٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُهُ رَفَائِيلُ يَأْتِي ذَا الْقَرْنَيْنِ وَيَزُورُهُ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَوْمًا يَتَحَدَّثَانِ، قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: يَا رَفَائِيلُ، حَدِّثْنِي كَيْفَ عِبَادَتُكُمْ فِي السَّمَاءِ، فَبَكَى رَفَائِيلُ وَقَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ وَمَا عِبَادَتُكُمْ عِنْدَ عِبَادَتِنَا، إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ هُوَ قَائِمٌ أَبَدًا لَا يَجْلِسُ، وَمِنْهُمُ السَّاجِدُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ أَبَدًا،  وَمِنْهُمُ الرَّاكِعُ لَا يَسْتَوِي قَائِمًا أَبَدًا، وَمِنْهُمُ الرَّافِعُ وَجْهَهُ لَا يَجْلِسُ أَبَدًا، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ رِبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ، رَبَّنَا مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادِتَكَ. فَبَكَى ذُو الْقَرْنَيْنِ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَفَائِيلُ إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَعِيشَ فَأَبْلُغَ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّي حَقَّ طَاعَتِهِ. فَقَالَ رَفَائِيلُ: أَوَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَيْنَا فِي الْأَرْضِ تُسَمَّى عَيْنَ الْحَيَاةِ فِيهَا عَزِيمَةٌ أَنَّهُ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا شَرْبَةً إِنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ الْمَوْتَ. قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: فَهَلْ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ مَوْضِعَ تِلْكَ الْعَيْنِ، فَقَالَ رَفَائِيلُ: لَا، غَيْرَ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ فِي السَّمَاءِ أَنَّ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ ظُلْمَةً لَا يَطَؤُهَا إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، فَنَحْنُ نَظُنُّ أَنَّ تِلْكَ الْعَيْنَ هِيَ الَّتِي فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ، فَجَمَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ حُكَمَاءَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَأَهْلِ دِرَاسَةِ الْكُتُبِ وَآثَارِ النُّبُوَّةِ، وَقَالَ: أَخْبِرُونِي هَلْ وَجَدْتُمْ فِيمَا قَرَأْتُمْ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَمَا جَاءَكُمْ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ، وَحَدِيثِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ فِي الْأَرْضِ عَيْنًا سَمَّاهُ عَيْنَ الْحَيَاةِ؟ فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ: لَا، فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: فَهَلْ وَجَدْتُمْ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ فِي الْأَرْضِ ظُلْمَةً لَا يَطَؤُهَا إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ؟ قَالُوا: لَا، فَقَالَ عَالِمٌ [مِنَ] الْعُلَمَاءِ وَاسْمُهُ أَفْشَنْجِيرُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ لِمَ تَسْأَلُ عَنْ هَذَا؟ فَأَخْبَرَهُ بِالْحَدِيثِ وَمَا قَالَ لَهُ رَفَائِيلُ فِي الْعَيْنِ وَالظُّلْمَةِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنِّي قَرَأْتُ وَصِيَّةَ آدَمَ فَوَجَدْتُ فِيهَا أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ فِي الْأَرْضِ ظُلْمَةً لَا يَطَؤُهَا إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ، فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: فَأَيَّ أَرْضٍ وَجَدْتَهَا فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: وَجَدْتُهَا عَلَى قَرْنِ الشَّمْسِ. فَبَعَثَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي الْأَرْضِ فَحُشِرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، الْفُقَهَاءُ وَالْأَشْرَافُ وَالْمُلُوكُ، ثُمَّ سَارَ يَطْلُبُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، فَسَارَ إِلَى أَنْ بَلَغَ طَرَفَ الظُّلْمَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَإِذَا الظُّلْمَةُ لَيْسَتْ بِلَيْلٍ، وَظُلْمَةٌ تَفُورُ مِثْلَ الدُّخَانِ، فَعَسْكَرَ ثُمَّ جَمَعَ عُلَمَاءَ عَسْكَرِهِ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْلُكَ هَذِهِ الظُّلْمَةَ، فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّهُ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَطْلُبُوا هَذِهِ الظُّلْمَةَ فَلَا تَطْلُبْهَا، فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَتَّفِقَ عَلَيْكَ مِنْهَا [أَمْرٌ] تَكْرَهُهُ، وَيَكُونَ فِيهَا فَسَادُ الْأَرْضِ، فَقَالَ: مَا بُدٌّ مِنْ أَنْ أَسْلُكَهَا، فَخَرَّتِ الْعُلَمَاءُ سُجَّدًا، وَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ كُفَّ عَنْ هَذِهِ الظُّلْمَةِ وَلَا تَطْلُبْهَا فَإِنَّا لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ إِنْ طَلَبْتَهَا ظَفَرْتَ بِمَا تُرِيدُ وَلَكِنَّا نَخَافُ الْعَتَبَ مِنَ اللَّهِ، وَيَتَّفِقُ عَلَيْكَ أَمْرٌ يَكُونُ فِيهِ فَسَادُ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا، فَقَالَ: مَا بُدٌّ مِنْ أَنْ أَسْلُكَهَا، فَقَالَتِ الْعُلَمَاءُ: شَأْنُكَ بِهَا، فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: أَيُّ الدَّوَابِ بِاللَّيْلِ أَبْصَرُ؟ قَالُوا: الْخَيْلُ، قَالَ: فَأَيُّهَا أَبْصَرُ؟ قَالُوا: الْإِنَاثُ أَبْصَرُ، قَالَ: فَأَيُّ الْإِنَاثِ؟ قَالُوا: الْبَكَارَةُ. فَأَرْسَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَجُمِعَ لَهُ سِتَّةُ آلَافِ فَرَسٍ أُنْثَى بَكَارَةٍ، ثُمَّ انْتَخَبَ مِنْ أَهْلِ عَسْكَرِهِ أَهْلَ الْجَلَدِ وَالْعَقْلِ سِتَّةَ آلَافِ رَجُلٍ، فَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ فَرَسًا، وَعَقَدَ لِلْخَضِرِ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ عَلَى أَلْفَيْنِ، وَكَانَ الْخَضِرُ وَزِيرَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وَهُوَ ابْنُ خَالَتِهِ. وَبَقِيَ ذُو الْقَرْنَيْنِ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ لِلنَّاسِ: لَا تَبْرَحُوا مِنْ عَسْكَرِكُمْ هَذَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَإِنْ نَحْنُ رَجَعْنَا إِلَيْكُمْ فَذَلِكَ وَإِلَّا فَارْجِعُوا إِلَى بِلَادِكُمْ، فَقَالَ الْخَضِرُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّا نَسْلُكُ ظُلْمَةً لَا نَدْرِي كَمِ السَّيْرُ فِيهَا وَلَا يُبْصِرُ بَعْضُنَا بَعْضًا، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِالضَّلَالِ إِذَا أَصَابَنَا؟ فَدَفَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى الْخَضِرِ خَرَزَةً حَمْرَاءَ، فَقَالَ: حَيْثُ يُصِيبُكَ الضَّلَالُ فَاطْرَحْ هَذِهِ الْخَرَزَةَ إِلَى الْأَرْضِ فَإِذَا صَاحَتْ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهَا أَهْلُ الضَّلَالِ. فَسَارَ الْخَضِرُ بَيْنَ يَدَيْ ذِي الْقَرْنَيْنِ يَرْتَحِلُ وَنَزَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَقَدْ عَرَفَ الْخَضِرُ مَا يَطْلُبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَذُو الْقَرْنَيْنِ يَكْتُمُ الْخَضِرَ. فَبَيْنَمَا الْخَضِرُ يَسِيرُ إِذْ عَارَضَهُ وَادٍ، فَظَنَّ الْخَضِرُ أَنَّ الْعَيْنَ فِي الْوَادِي، فَلَّمَا قَامَ عَلَى شَفِيرِ الْوَادِي قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا وَلَا يَبْرَحَنَّ رَجُلٌ مِنْ مَوْقِفِهِ، وَرَمَى بِالْخَرَزَةِ فِي الْوَادِي، فَمَكَثَ طَوِيلًا ثُمَّ أَضَاءَتْهُ الْخَرَزَةُ وَطَلَبَ صَوْتَهَا، فَانْتَهَى إِلَيْهَا فَإِذَا هِيَ عَلَى حَافَّةِ الْعَيْنِ، فَنَزَعَ الْخَضِرُ ثِيَابَهُ ثُمَّ دَخَلَ الْعَيْنَ، فَإِذَا مَاءٌ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ فَشَرِبَ وَاغْتَسَلَ وَتَوَّضَّأَ، ثُمَّ خَرَجَ فَلَبِسَ ثِيَابَهُ ثُمَّ رَمَى بِالْخَرَزَةِ نَحْوَ أَصْحَابِهِ فَصَاحَتْ، فَرَجَعَ الْخَضِرُ إِلَى صَوْتِهَا وَإِلَى أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَهَا وَرَكِبَ فَسَارَ. وَمَرَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَأَخْطَأَ الْوَادِيَ فَسَلَكُوا تِلْكَ الظُّلْمَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَخَرَجُوا إِلَى ضَوْءٍ لَيْسَ بِضَوْءِ شَمْسٍ وَلَا قَمَرٍ، وَأَرْضٍ حَمْرَاءَ، وَرَمْلَةٍ. وَإِذَا قَصْرٌ مَبْنِيٌّ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ طَوْلُهُ فَرْسَخٌ فِي فَرْسَخٍ مُسَوَّرٌ لَيْسَ عَلَيْهِ بَابٌ، فَنَزَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِعَسْكَرِهِ ثُمَّ خَرَجَ وَحْدَهُ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ، فَإِذَا حَدِيدَةٌ طَرَفَاهَا عَلَى حَافَتَيِ الْقَصْرِ، وَإِذَا طَائِرٌ أَسْوَدُ كَأَنَّهُ الْخُطَّافُ أَوْ شُبِّهَ بِالْخُطَّافِ، مَذْمُومٌ بِأَنْفِهِ إِلَى الْحَدِيدَةِ، مُعَلَّقٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَمَّا سَمِعَ الطَّائِرُ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ الطَّائِرُ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَمَا كَفَاكَ مَا وَرَاءَكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَيَّ، يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ حَدِّثْنِي هَلْ كَثُرَ الْبِنَاءُ بِالْآجُرِّ وَالْجُصِّ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَانْتَفَضَ الطَّائِرُ انْتِفَاضَةً ثُمَّ انْتَفَخَ فَبَلَغَ ثُلُثَ الْحَدِيدَةِ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ كَثُرَتْ شَهَادَاتُ الزُّورِ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَانْتَفَضَ الطَّائِرُ ثُمَّ انْتَفَخَ فَبَلَغَ ثُلُثَيِ الْحَدِيدَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ: حَدِّثْنِي هَلْ كَثُرَتِ الْمَعَازِفُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَانْتَفَضَ ثُمَّ انْتَفَخَ فَمَلَأَ الْحَدِيدَةَ، وَسَدَّ مَا بَيْنَ جِدَارَيِ الْقَصْرِ، فَاجْتُثَّ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَرَحًا، فَقَالَ الطَّائِرُ: هَلْ تَرَكَ النَّاسُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: لَا، فَانْضَمَّ الطَّائِرُ ثُلُثًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تُرِكَتِ الصَّلَاةُ الْمَفْرُوضَةُ؟ قَالَ: لَا، فَانْضَمَّ الطَّائِرُ ثُلُثًا، ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَرَكَ النَّاسُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، قَالَ: لَا، فَعَادَ الطَّائِرُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ اسْلُكْ هَذِهِ الدَّرَجَةَ إِلَى أَعْلَى الْقَصْرِ، فَسَلَكَهَا فَإِذَا سَطْحٌ وَعَلَيْهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، فَلَمَّا سَمِعَ خَشْخَشَةَ ذِي الْقَرْنَيْنِ قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: أَنَا ذُو الْقَرْنَيْنِ، قَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَمَا كَفَاكَ مَا وَرَاءَكَ حَتَّى وَصَلْتَ إِلَيَّ؟ قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا صَاحِبُ الصُّورِ، وَإِنَّ السَّاعَةَ اقْتَرَبَتْ، وَأَنَا أَنْتَظِرُ أَمْرَ رَبِّي أَنِ أَنْفُخَ فَأَنْفُخَ. ثُمَّ نَاوَلَهُ حَجَرًا، فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنْ شَبِعَ شَبِعْتَ وَإِنْ جَاعَ جُعْتَ، فَرَجَعَ بِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَوَضَعُوا الْحَجَرَ فِي كَفِّهِ وَوَضَعُوا حَجَرًا آخَرَ مُقَابِلَهُ، فَإِذَا بِهِ يَمِيلُ، فَتَرَكُوا آخَرَ كَذَلِكَ إِلَى أَلْفِ حَجَرٍ، فَمَالَ ذَلِكَ الْحَجَرُ بِالْكُلِّ. فَأَخَذَ الْخَضِرُ [كَفًّا مِنْ تُرَابٍ] وَتَرَكَهُ فِي إِحْدَى الْكِفَّتَيْنِ وَأَخَذَ حَجَرًا مِنْ تِلْكَ الْحِجَارَةِ فَوَضَعَهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى وَتَرَكَ مَعَهُ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ، فَوَضَعَهُ عَلَى الْحَجَرِ الَّذِي جَاءَ بِهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ، فَاسْتَوَى فِي الْمِيزَانِ، فَقَالَ الْخَضِرُ: هَذَا مَثَلٌ ضُرِبَ لَكُمْ، إِنَّ ابْنَ آدَمَ لَا يَشْبَعُ أَبَدًا دُونَ أَنْ يُحْثَى عَلَيْهِ التُّرَابُ، كَمَا لَمْ يَشْبَعْ هَذَا الْحَجَرُ حَتَّى وَضَعْتُ عَلَيْهِ التُّرَابَ. قَالَ: صَدَقْتَ يَا خَضِرُ لَا جَرَمَ، لَا طَلَبْتُ أَثَرًا فِي الْبِلَادِ بَعْدِ مَسِيرِي هَذَا، فَارْتَحَلَ رَاجِعًا حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسْطِ الظُّلْمَةِ وَطِئَ الْوَادِيَ الَّذِي فِيهِ زَبَرْجَدٌ، فَقَالَ مَنْ مَعَهُ: مَا هَذَا الَّذِي تَحْتَنَا؟ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: خُذُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ نَدِمَ وَمَنْ تَرَكَ نَدِمَ. فَأَخَذَ قَوْمٌ وَتَرَكَ قَوْمٌ، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الظُّلْمَةِ إِذَا هُوَ بِزَبَرْجَدٍ، فَنَدِمَ الْآخِذُ وَالتَّارِكُ. ثُمَّ رَجَعَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ وَكَانَتْ مَنْزِلَهُ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ يَرْكَبُ وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ، وَعَلَى سَاقَتِهِ سِتُّمِائَةِ أَلْفٍ. وعند ابن الأثير في كتابه الكامل وعنده أن ذا القرنين هو الإسكندر فَلَمَّا دَخَلَ الظُّلُمَاتِ أَخَذَ مَعَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَطْلُبُ عَيْنَ الْخُلْدِ، فَسَارَ فِيهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا، وَكَانَ الْخَضِرُ عَلَى مَقْدَمَتِهِ، فَظَفِرَ بِهَا وَسَبَحَ فِيهَا وَشَرِبَ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

  343. التاريخ 344لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِهِ   رَوَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادَى بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا مِنَ الرُّومِ أُعْطِيَ مُلْكًا حَتَّى أَتَى أَرْضَ مِصْرَ، فَابْتَنَى عِنْدَهَا مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهَا أَتَاهُ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ مَا تَحْتَكَ، قَالَ: مَا أَرَى مَدِينَتِي وَأَرَى مَدَائِنَ مَعَهَا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ، فَقَالَ: قَدِ اخْتَلَطَتِ الْمَدَائِنُ، ثُمَّ زَادَ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ، فَقَالَ: أَرَى مَدِينَتِي وَحْدَهَا لَا أَرَى غَيْرَهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إِنَّمَا تِلْكَ الْأَرْضُ كُلُّهَا، وَهَذَا السَّوَادُ الَّذِي تَرَى مُحِيطًا بِهِ الْبَحْرُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُرِيَكَ الْأَرْضَ وَقَدْ جَعَلَ لَكَ سُلْطَانًا فِيهَا، فَسِرْ فِي الْأَرْضِ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَثَبِّتِ الْعَالِمَ. [فَسَارَ] حَتَّى بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ثُمَّ أَتَى السَّدَّيْنِ، وَهُمَا جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَنْزِلُ عَنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ كما قال تَعَالَى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا  يَعْنِي غُتْمًا. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ هُمُ التُّرْكُ، أَبْنَاءُ عَمِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ قَدْ تَعَدَّوْا عَلَيْهِمْ وَأَفْسَدُوا فِي بِلَادِهِمْ، وَقَطَعُوا السُّبُلَ عَلَيْهِمْ، وَبَذَلُوا لَهُ حِمْلًا وَهُوَ الْخَرَاجُ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ حَاجِزًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَخْذِ الْخَرَاجِ ; اكْتِفَاءً بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ رِجَالًا وَآلَاتٍ لِيَبْنِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، وَهُوَ الرَّدْمُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ إِلَّا مِنْ بَيْنِهِمَا، وَبَقِيَّةُ ذَلِكَ بِحَارٌ مُغْرِقَةٌ، وَجِبَالٌ شَاهِقَةٌ، فَبَنَاهُ ثُمَّ سَارَ فَوَجَدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يُقَاتِلُونَ قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَوُجُوهِ الْكِلَابِ،  ثُمَّ قَطَعَهُمْ، فَوَجَدَ أُمَّةً قِصَارًا يُقَاتِلُونَ الَّذِينَ وُجُوهُهُمْ كَوُجُوهِ الْكِلَابِ، ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ أُمَّةً مِنَ الْغَرَانِيقِ يُقَاتِلُونَ الْقَوْمَ الْقِصَارَ، ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ أُمَّةً مِنَ الْحَيَّاتِ تَلْتَقِمُ الْحَيَّةُ مِنْهَا الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَى الْبَحْرِ الْمُدِيرِ بِالْأَرْضِ". قال ابن الأثير في كتابه الكامل وعنده أن ذا القرنين هو الإسكندر كَانَ فَيْلُفُوسُ أَبُو الْإِسْكَنْدَرِ الْيُونَانِيِّ مِنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا مَقْدُونِيَّةُ، كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا وَعَلَى بِلَادٍ أُخْرَى، فَصَالَحَ دَارَا عَلَى خَرَاجٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ. فَلَمَّا هَلَكَ فَيْلُفُوسَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ الرُّومِ أَجْمَعَ، فَقَوِيَ عَلَى دَارَا فَلَمْ يَحْمِلْ إِلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ شَيْئًا وَكَانَ الْخَرَاجُ الَّذِي يَحْمِلُهُ بَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ فَسَخِطَ عَلَيْهِ دَارَا وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُؤَنِّبُهُ بِسُوءِ صَنِيعِهِ فِي تَرْكِ حَمْلِ الْخَرَاجِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصَوْلَجَانٍ وَكُرَةٍ وَقَفِيزٍ مِنْ سِمْسِمٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ صَبِيٌّ، وَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْعَبَ بِالصَّوْلَجَانِ، وَالْكُرَةِ، وَيَتْرُكَ الْمُلْكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَاسْتَعْصَى عَلَيْهِ بَعَثَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي وَثَاقٍ، وَإِنَّ عِدَّةَ جُنُودِهِ كَعِدَّةِ حَبِّ السِّمْسِمِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْإِسْكَنْدَرُ: إِنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَا كَتَبَ بِهِ، وَقَدْ نَظَرَ إِلَى مَا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مِنْ إِرْسَالِهِ الصَّوْلَجَانَ، وَالْكُرَةَ، وَتَيَمَّنَ بِهِ لِإِلْقَاءِ الْمُلْقِي الْكُرَةَ إِلَى الصَّوْلَجَانِ وَاحْتِرَازِهِ إِيَّاهَا، وَشَبَّهَ الْأَرْضَ بِالْكُرَةِ، وَأَنَّهُ يَجُرُّ مُلْكَ دَارَا إِلَى مُلْكِهِ، وَتَيَمُّنُهُ بِالسِّمْسِمِ الَّذِي بَعَثَ كَتَيَمُّنِهِ بِالصَّوْلَجَانِ، وَالْكُرَةِ لِدَسَمِهِ وَبُعْدِهِ مِنَ الْمَرَارَةِ وَالْحَرَافَةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصُرَّةٍ فِيهَا خَرْدَلٌ، وَأَعْلَمَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا بُعِثَ بِهِ إِلَيْهِ قَلِيلٌ وَلَكِنَّهُ مُرٌّ حَرِّيفٌ، وَأَنَّ جُنُودَهُ مِثْلَهُ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى دَارَا تَأَهَّبَ لِمُحَارَبَتِهِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الَّذِي حَارَبَ دَارَا بْنَ دَارَا هُوَ أَخُو دَارَا الْأَصْغَرُ الَّذِي حَارَبَهُ، وَأَنَّ أَبَاهُ دَارَا الْأَكْبَرَ كَانَ تَزَوَّجَ أُمَّ الْإِسْكَنْدَرِ، وَهِيَ ابْنَةُ مَلِكِ الرُّومِ، فَلَمَّا حُمِلَتْ إِلَيْهِ وَجَدَ نَتَنَ رِيحَهَا وَسَهَكَهَا، فَأَمَرَ أَنْ يُحْتَالَ لِذَلِكَ مِنْهَا، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي مُدَاوَاتِهَا عَلَى شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ سَنْدَرُ، فَغُسِلَتْ بِمَائِهَا فَأَذْهَبَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ نَتَنِهَا وَلَمْ يَذْهَبْ كُلُّهُ، وَانْتَهَتْ نَفْسُهُ عَنْهَا، فَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَقَدْ عَلِقَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ عِنْدَ أَهْلِهَا غُلَامًا فَسَمَّتْهُ بِاسْمِ الشَّجَرَةِ الَّتِي غُسِلَتْ بِمَائِهَا مُضَافًا إِلَى اسْمِهَا. وَقَدْ هَلَكَ أَبُوهَا وَمَلَكَ الْإِسْكَنْدَرُ بَعْدَهُ، فَمَنَعَ الْخَرَاجَ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّيهِ جَدُّهُ إِلَى دَارَا، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُهُ، وَكَانَ بَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَجَابَهُ إِنِّي قَدْ ذَبَحْتُ الدَّجَاجَةَ الَّتِي كَانَتْ تَبِيضُ ذَلِكَ الْبَيْضَ وَأَكَلْتُ لَحْمَهَا، فَإِنْ أَحْبَبْتَ وَادَعْنَاكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ نَاجَزْنَاكَ. ثُمَّ خَافَ الْإِسْكَنْدَرُ مِنَ الْحَرْبِ فَطَلَبَ الصُّلْحَ، فَاسْتَشَارَ دَارَا أَصْحَابَهُ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْحَرْبِ لِفَسَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَاجَزَهُ دَارَا الْقِتَالَ، فَكَتَبَ الْإِسْكَنْدَرُ إِلَى حَاجِبَيْ دَارَا وَحَكَّمَهُمَا عَلَى الْفَتْكِ بِدَارَا، فَاحْتَكَمَا شَيْئًا، وَلَمْ يَشْتَرِطَا أَنْفُسَهُمَا. فَلَمَّا الْتَقَيَا لِلْحَرْبِ طَعَنَ دَارَا حَاجِبَاهُ فِي الْوَقْعَةِ، وَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا سَنَةً، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ دَارَا وَلَحِقَهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ. وَقِيلَ: بَلْ فَتَكَ بِهِ رَجُلَانِ مِنْ حَرَسِهِ مِنْ أَهْلِ هَمَذَانَ حُبًّا لِلرَّاحَةِ مِنْ ظُلْمِهِ، وَكَانَ فَتْكُهُمَا بِهِ لَمَّا رَأَيَا عَسْكَرَهُ قَدِ انْهَزَمَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْإِسْكَنْدَرِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ الْإِسْكَنْدَرُ مُنَادِيًا يُنَادِي عِنْدَ هَزِيمَةِ عَسْكَرِ دَارَا أَنْ يُؤْسَرَ دَارَا وَلَا يُقْتَلَ، فَأُخْبِرَ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَجَعَلَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا قَتَلَكَ أَصْحَابُكَ وَإِنَّنِي لَمْ أَهُمَّ بِقَتْلِكَ قَطُّ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَرْغَبُ بِكَ يَا شَرِيفَ الْأَشْرَافِ وَيَا مَلِكَ الْمُلُوكِ وَحُرَّ الْأَحْرَارِ عَنْ هَذَا الْمَصْرَعِ، فَأَوْصِ بِمَا أَحْبَبْتَ، فَأَوْصَاهُ دَارَا أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ رُوشَنْكَ وَيَرْعَى حَقَّهَا وَيُعَظِّمَ قَدْرَهَا، وَيَسْتَبْقِيَ أَحْرَارَ فَارِسَ وَيَأْخُذَ لَهُ بِثَأْرِهِ مِمَّنْ قَتَلَهُ. فَفَعَلَ الْإِسْكَنْدَرُ ذَلِكَ أَجْمَعَ وَقَتَلَ حَاجِبَيْ دَارَا، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّكُمَا لَمْ تَشْتَرِطَا نُفُوسَكُمَا، فَقَتَلَهُمَا بَعْدَ أَنْ وَفَى لَهُمَا بِمَا ضَمِنَ لَهُمَا، وَقَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَبْقَى قَاتِلُ الْمُلُوكِ إِلَّا بِذِمَّةٍ لَا تُخْفَرُ. وَكَانَ الْتِقَاؤُهُمَا بِنَاحِيَةِ خُرَاسَانَ مِمَّا يَلِي الْخَزَرَ، وَقِيلَ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ عِنْدَ دَارَا. وَكَانَ مُلْكُ الرُّومِ قَبْلَ الْإِسْكَنْدَرِ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ، وَمُلْكُ فَارِسَ مُجْتَمِعًا فَتَفَرَّقَ. وَحَمَلَ الْإِسْكَنْدَرُ كُتُبًا، وَعُلُومًا لِأَهْلِ فَارِسَ مِنْ عُلُومٍ، وَنُجُومٍ، وَحِكْمَةٍ، وَنَقَلَهُ إِلَى الرُّومِيَّةِ فَجَمَعَ بَعْدَ هُلْكِ دَارَا مُلْكَ دَارَا فَمَلَكَ الْعِرَاقَ، وَالشَّامَ، وَالرُّومَ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَعَرَضَ جُنْدَهُ فَوَجَدَهُمْ عَلَى مَا قِيلَ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، مِنْهُمْ مِنْ جُنْدِهِ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَمِنْ جُنْدِ دَارَا سِتُّمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَتَقَدَّمَ بِهَدْمِ حُصُونِ فَارِسَ وَبُيُوتِ النِّيرَانِ وَقَتَلَ الْهَرَابِذَةَ، وَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَمْلَكَةِ فَارِسَ رِجَالًا، وَسَارَ قُدُمًا إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَفَتَحَ مُدَنَهَا، وَخَرَّبَ بُيُوتَ الْأَصْنَامِ، وَأَحْرَقَ كُتُبَ عُلُومِهِمْ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الصِّينِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَتَاهُ حَاجِبُهُ فِي اللَّيْلِ وَقَالَ: هَذَا رَسُولُ مَلِكِ الصِّينِ، فَأَحْضَرَهُ فَسَلَّمَ وَطَلَبَ الْخَلْوَةَ، فَفَتَّشُوهُ فَلَمْ يَرَوْا مَعَهُ شَيْئًا، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ عِنْدَ الْإِسْكَنْدَرِ، فَقَالَ: أَنَا مَلِكُ الصِّينِ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الَّذِي تُرِيدُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَمَلُهُ عَمِلْتُهُ وَتَرَكْتَ الْحَرْبَ. فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: مَا الَّذِي آمَنَكَ مِنِّي ؟ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّكَ عَاقِلٌ حَكِيمٌ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَدَاوَةٌ وَلَا ذَحْلٌ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ إِنْ قَتَلْتَنِي لَمْ يَكُنْ قَتْلِي سَبَبًا لِتَسْلِيمِ أَهْلِ الصِّينِ مُلْكِي إِلَيْكَ، ثُمَّ إِنَّكَ تُنْسَبُ إِلَى الْغَدْرِ. فَعَلِمَ أَنَّهُ عَاقِلٌ فَقَالَ لَهُ: أُرِيدُ مِنْكَ ارْتِفَاعَ مُلْكِكَ لِثَلَاثِ سِنِينَ عَاجِلًا وَنِصْفَ الِارْتِفَاعِ لِكُلِّ سَنَةٍ. قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ وَلَكِنِ اسْأَلْنِي كَيْفَ حَالِي، قَالَ: كَيْفَ حَالُكَ ؟ قَالَ: أَكُونُ أَوَّلَ قَتِيلٍ لِمُحَارِبٍ وَأَوَّلَ أَكْلَةٍ لِمُفْتَرِسٍ. قَالَ: فَإِنْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِارْتِفَاعِ سَنَتَيْنِ ؟ قَالَ: يَكُونُ حَالِي أَصْلَحَ قَلِيلًا. قَالَ: فَإِنْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِارْتِفَاعِ سَنَةٍ ؟ قَالَ: يَبْقَى مُلْكِي وَتَذْهَبُ لَذَّاتِي. قَالَ: وَأَنَا أَتْرُكُ لَكَ مَا مَضَى وَآخَذُ الثُّلُثَ كُلَّ سَنَةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُكَ قَالَ: يَكُونُ السُّدُسُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَصَالِحِ الْبِلَادِ، وَالسُّدُسُ لِي، وَالثُّلُثُ لِلْعَسْكَرِ، وَالثُّلُثُ لَكَ. قَالَ: قَدْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِذَلِكَ. فَشَكَرَهُ وَعَادَ، وَسَمِعَ الْعَسْكَرُ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا بِالصُّلْحِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ مَلِكُ الصِّينِ بِعَسْكَرٍ عَظِيمٍ أَحَاطَ بِعَسْكَرِ الْإِسْكَنْدَرِ، فَرَكِبَ الْإِسْكَنْدَرُ وَالنَّاسُ، فَظَهَرَ مَلِكُ الصِّينِ عَلَى الْفِيلِ وَعَلَى رَأْسِهِ التَّاجُ، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: أَغَدَرْتَ ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أُطِعْكَ مِنْ ضَعْفٍ وَلَكِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ مُقْبِلًا عَلَيْكَ أَرَدْتُ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِكَ، وَالْقُرْبَ مِنْهُ بِالْقُرْبِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: لَا يُسَامُ مِثْلُكَ الْجِزْيَةَ، فَمَا رَأَيْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْفَضْلَ وَالْوَصْفَ بِالْعَقْلِ غَيْرَكَ، وَقَدْ أَعْفَيْتُكَ مِنْ جَمِيعِ مَا أَرَدْتُهُ مِنْكَ وَأَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ مَلِكُ الصِّينِ: فَلَسْتَ تَخْسَرُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِضِعْفِ مَا كَانَ قَرَّرَهُ، وَسَارَ الْإِسْكَنْدَرُ عَنْهُ مِنْ يَوْمِهِ وَدَانَتْ لَهُ عَامَّةُ الْأَرَضِينَ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَمَلَكَ التُّبَّتَ وَغَيْرَهَا. وعند ابن الأثير في كتابه الكامل وعنده أن ذا القرنين هو الإسكندر وَمِنْ حِيَلِ الْإِسْكَنْدَرِ فِي حُرُوبِهِ أَنَّهُ لَمَّا حَارَبَ دَارَا خَرَجَ إِلَى بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْفُرْسِ، قَدْ عَلِمْتُمْ مَا كَتَبْتُمْ إِلَيْنَا وَمَا كَتَبْنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الْأَمَانِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَلَى الْوَفَاءِ فَلْيَعْتَزِلْ فَإِنَّهُ يَرَى مِنَّا الْوَفَاءَ. فَاتَّهَمَتِ الْفُرْسُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَاضْطَرَبُوا. وَمِنْ حِيَلِهِ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مَلِكُ الْهِنْدِ بِالْفِيَلَةِ، فَنَفَرَتْ خَيْلُ أَصْحَابِهِ عَنْهَا، فَعَادَ عَنْهُ وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ فِيَلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَأَلْبَسَهَا السِّلَاحَ وَجَعَلَهَا مَعَ الْخَيْلِ حَتَّى أَلِفَتْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْهِنْدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْهِنْدِ، فَأَمَرَ الْإِسْكَنْدَرَ بِتِلْكَ الْفِيَلَةِ فَمُلِئَتْ بُطُونُهَا مِنَ النِّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ، وَجَرَتْ عَلَى الْعَجَلِ فِي وَسَطِ الْمَعْرَكَةِ وَمَعَهَا جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا نَشِبَتِ الْحَرْبُ أَمَرَ بِإِشْعَالِ النَّارِ فِي تِلْكَ الْفِيَلَةِ، فَلَمَّا حَمِيَتِ انْكَشَفَ أَصْحَابُهُ عَنْهَا وَغَشِيَتْهَا فِيَلَةُ الْهِنْدِ، فَضَرَبَتْهَا بِخَرَاطِيمِهَا فَاحْتَرَقَتْ وَوَلَّتْ هَارِبَةً رَاجِعَةً إِلَى الْهِنْدِ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ يَدَيْهَا. وَمِنْ حِيَلِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى مَدِينَةٍ حَصِينَةٍ وَكَانَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَقْوَاتِ وَبِهَا عُيُونُ مَاءٍ، فَعَادَ عَنْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا قَوْمًا عَلَى هَيْئَةِ التُّجَّارِ وَمَعَهُمْ أَمْتِعَةٌ يَبِيعُونَهَا وَأَمَرَهُمْ بِمُشْتَرَى الطَّعَامِ وَالْمَغَالَاتِ فِي ثَمَنِهَا، فَإِذَا صَارَ عِنْدَهُمْ أَحْرَقُوهُ وَهَرَبُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَهَرَبُوا إِلَيْهِ فَأَنْفَذَ السَّرَايَا إِلَى سَوَادِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَهَرَبُوا وَدَخَلُوا الْبَلَدَ لِيَحْتَمُوا بِهِ، فَسَارَ الْإِسْكَنْدَرُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَمْتَنِعُوا عَلَيْهِ. وَكَتَبَ إِلَى أَرِسْطَا طَالِيسَ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ الرُّومِ جَمَاعَةٌ لَهُمْ هِمَمٌ بَعِيدَةٌ وَنُفُوسٌ كَبِيرَةٌ وَشُجَاعَةٌ، وَأَنَّهُ يَخَافُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَيَكْرَهُ قَتْلَهُمْ بِالظِّنَّةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَرِسْطَا طَالِيسُ: فَهِمْتُ كِتَابَكَ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ بُعْدِ هِمَمِهِمْ فَإِنَّ الْوَفَاءَ مِنْ بُعْدِ الْهِمَّةِ وَكِبَرِ النَّفْسِ، وَالْغَدْرَ مِنْ دَنَاءَةِ النَّفْسِ وَخِسَّتِهَا، وَأَمَّا شَجَاعَتُهُمْ وَنَقْصُ عُقُولِهِمْ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ فَرَفِّهْهُ فِي مَعِيشَتِهِ وَاخْصُصْهُ بِحِسَانِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ رَفَاهِيَةَ الْعَيْشِ تُمِيتُ الشَّجَاعَةَ، وَتُحَبِّبُ السَّلَامَةَ، وَإِيَّاكَ وَالْقَتْلَ فَإِنَّهُ ذِلَّةٌ لَا تُسْتَقَالُ وَذَنْبٌ لَا يُغْفَرُ، وَعَاقِبْ بِدُونِ الْقَتْلِ تَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْعَفْوِ، فَمَا أَحْسَنَ الْعَفْوَ مِنَ الْقَادِرِ، وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ تَخْلُصْ لَكَ النِّيَّاتُ بِالْمَحَبَّةِ، وَلَا تُؤْثِرْ نَفْسَكَ عَلَى أَصْحَابِكَ، فَلَيْسَ مَعَ الِاسْتِئْثَارِ مَحَبَّةٌ، وَلَا مَعَ الْمُؤَاسَاةِ بُغْضَةٌ. وَكَتَبَ إِلَى أَرِسْطَا طَالِيسَ أَيْضًا لَمَّا مَلَكَ بِلَادَ فَارِسَ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى بِإِيرَانِ شَهْرَ رِجَالًا ذَوِي رَأْيٍ، وَصَرَامَةٍ، وَشَجَاعَةٍ، وَجَمَالٍ، وَأَنْسَابٍ رَفِيعَةٍ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا مَلَكَهُمْ بِالْحَظِّ وَالْإِنْفَاقِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ - إِنْ سَافَرَ عَنْهُمْ فَأَفْرَغَهُمْ - وُثُوبَهُمْ وَأَنَّهُ لَا يُكْفَى شَرَّهُمْ بِبَوَارِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكَ فِي رِجَالِ فَارِسَ، فَأَمَّا قَتْلُهُمْ فَهُوَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْبَغْيِ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ، وَلَوْ قَتَلْتَهُمْ لَأَنَبْتَ أَهْلَ الْبَلَدِ أَمْثَالَهُمْ وَصَارَ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَلَدِ أَعْدَاءَكَ بِالطَّبْعِ وَأَعْدَاءَ عَقِبِكَ لِأَنَّكَ تَكُونُ قَدْ وَتَرْتَهُمْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، وَأَمَّا إِخْرَاجُكَ إِيَّاهُمْ مِنْ عَسْكَرِكَ فَمُخَاطَرَةٌ بِنَفْسِكَ وَأَصْحَابِكَ، وَلَكِنِّي أُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَتْلِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَدْعِيَ مِنْهُمْ أَوْلَادَ الْمُلُوكِ وَمَنْ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ فَتُقَلِّدَهُمُ الْبُلْدَانَ وَتَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَلِكًا بِرَأْسِهِ فَتَتَفَرَّقَ كَلِمَتُهُمْ وَيَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَحَبَّةِ لَكَ وَيَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ صَنِيعَتَكَ. فَفَعَلَ الْإِسْكَنْدَرُ ذَلِكَ، فَهُمْ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ، وَقِيلَ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ غَيْرُ هَذَا السَّبَبِ

  344. التاريخ 345لا حكم مسجّل

    اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ فِيهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ نَوْعٌ مِنَ التُّرْكِ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَفِيهِمْ شَرٌّ، وَهُمْ كَثِيرُونَ، وَكَانُوا يُفْسِدُونَ فِيمَا يُجَاوِرُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَيُخَرِّبُونَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَيُؤْذُونَ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ. وقيل هُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ، قُمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ فَيَقُولُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَوَاحِدٌ إِلَى الْجَنَّةِ. فَحِينَئِذٍ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَبْشِرُوا ; فَإِنَّ مِنْكُمْ وَاحِدًا، وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ فِيكُمْ أُمَّتَيْنِ ; مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ - أَيْ غَلَبَتَاهُ - كَثْرَةً وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَتِهِمْ، وَأَنَّهُمْ أَضْعَافُ النَّاسِ مِرَارًا عَدِيدَةً. ثُمَّ هُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ اسْتَجَابَ لِعَبْدِهِ نُوحٍ فِي دُعَائِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بِقَوْلِهِ: رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [ نُوحٍ: 26 ]. وَقَالَ تَعَالَى: فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [ الْعَنْكَبُوتِ: 15 ]. وَقَالَ: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [ الصَّافَّاتِ: 77 ]. وَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِي " الْمُسْنَدِ " و " السُّنَنِ ": أَنَّ نُوحًا وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ ; وَهُمْ سَامٌ، وَحَامٌ، وَيَافِثُ، فَسَامٌ أَبُو الْعَرَبِ، وَحَامٌ أَبُو السُّودَانِ وَيَافِثُ أَبُو التُّرْكِ، فَيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ طَائِفَةٌ مِنَ التُّرْكِ، وَهُمْ مَغْلُ الْمَغُولِ، وَهُمْ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَكْثَرُ فَسَادًا مِنْ هَؤُلَاءِ، وَنِسْبَتُهُمْ إِلَيْهِمْ كَنِسْبَةِ هَؤُلَاءِ إِلَى غَيْرِهِمْ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ التُّرْكَ إِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ حِينَ بَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ السَّدَّ وَأَلْجَأَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، فَبَقِيَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ كَفَسَادِهِمْ فَتُرِكُوا مِنْ وَرَائِهِ. فَلِهَذَا قِيلَ لَهُمُ: التُّرْكُ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ خُلِقُوا مِنْ نُطْفَةِ آدَمَ حِينَ احْتَلَمَ، فَاخْتَلَطَتْ بِتُرَابٍ فَخُلِقُوا مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ حَوَّاءَ، فَهُوَ قَوْلٌ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَاوِيُّ، فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " وَغَيْرِهِ، وَضَعَّفُوهُ، وَهُوَ جَدِيرٌ بِذَلِكَ ; إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ الْيَوْمَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، بِنَصِّ الْقُرْآنِ. وَهَكَذَا مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ عَلَى أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَطْوَالٍ مُتَبَايِنَةٍ جِدًّا ; فَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ كَالنَّخْلَةِ السَّحُوقِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ غَايَةٌ فِي الْقِصَرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْتَرِشُ أُذُنًا مِنْ أُذُنَيْهِ وَيَتَغَطَّى بِالْأُخْرَى، فَكُلُّ هَذِهِ أَقْوَالٌ بِلَا دَلِيلٍ، وَرَجْمٌ بِالْغَيْبِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي آدَمَ وَعَلَى أَشْكَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ وَهَذَا فَيْصَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ. وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَرَى مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا، فَإِنْ صَحَّ فِي خَبَرٍ قُلْنَا بِهِ، وَإِلَّا فَلَا نَرُدُّهُ، إِذْ يَحْتَمِلُهُ الْعَقْلُ، وَالنَّقْلُ أَيْضًا قَدْ يُرْشِدُ إِلَيْهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. بَلْ قَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ مُصَرِّحٌ بِذَلِكَ، إِنْ صَحَّ ; قَالَ الطَّبَرَانِيُّ بسنده عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، وَلَوْ أُرْسِلُوا لَأَفْسَدُوا عَلَى النَّاسِ مَعَائِشَهُمْ، وَلَنْ يَمُوتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا تَرَكَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَلْفًا فَصَاعِدًا. وَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِمْ ثَلَاثَ أُمَمٍ: تَاوِيلَ، وَتَارِيسَ، وَمَنْسَكَ وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. وَفِيهِ نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي " تَارِيخِهِ "، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ فَامْتَنَعُوا مِنْ إِجَابَتِهِ وَمُتَابَعَتِهِ، وَأَنَّهُ دَعَا تِلْكَ الْأُمَمَ الَّتِي هُنَاكَ ; تَارِيسَ، وَتَاوِيلَ، وَمَنْسَكَ، فَأَجَابُوهُ، فَهُوَ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ اخْتَلَقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ عُمَرُ بْنُ الصُّبْحِ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ الْكِبَارِ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِوَضْعِ الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ دَلَّ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُمْ فِدَاءُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُمْ فِي النَّارِ، وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ رُسُلٌ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُمْ لَا يُعَذَّبُونَ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وَالْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا فَإِنْ كَانُوا فِي الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَ بَعْثِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْ أَتَتْهُمْ رُسُلٌ مِنْهُمْ، فَقَدْ قَامَتْ عَلَى أُولَئِكَ الْحُجَّةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ رُسُلًا، فَهُمْ فِي حُكْمِ أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ  . وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ يُمْتَحَنُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ أَبَى دَخَلَ النَّارَ. وَقَدْ أَوْرَدْنَا الْحَدِيثَ بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ، وَكَلَامَ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ فِي تَفْسِيرِنَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا وَقَدْ حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ إِجْمَاعًا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَامْتِحَانُهُمْ لَا يَقْتَضِي نَجَاتَهُمْ وَلَا يُنَافِي الْإِخْبَارَ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ; لِأَنَّ اللَّهَ يُطْلِعُ رَسُولَهُ ﷺ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ أَمْرِ الْغَيْبِ، وَقَدْ أَطْلَعَهُ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ، وَأَنْ سَجَايَاهُمْ تَأْبَى قَبُولَ الْحَقِّ وَالِانْقِيَادَ لَهُ، فَهُمْ لَا يُجِيبُونَ الدَّاعِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ تَكْذِيبًا لِلْحَقِّ فِي الدُّنْيَا لَوْ بَلَغَهُمْ فِيهَا ; لِأَنَّ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةَ يَنْقَادُ خَلْقٌ مِمَّنْ كَانَ مُكَذِّبًا فِي الدُّنْيَا، فَإِيقَاعُ الْإِيمَانِ هُنَاكَ لِمَا يُشَاهَدُ مِنَ الْأَهْوَالِ أَوْلَى وَأَحْرَى مِنْهُ فِي الدُّنْيَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ [ السَّجْدَةِ: 12 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا [ مَرْيَمَ: 38 ].

  345. التاريخ 346لا حكم مسجّل

    صِفَةُ بِنَاءِ السَّدِّ   وَأَمَّا السَّدُّ فَلَا يُعْرَفُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بِنَاءٌ أَجَلُّ مِنْهُ، وَلَا أَنْفَعُ لِلْخَلْقِ مِنْهُ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: رَأَيْتُ السَّدَّ. قَالَ: وَكَيْفَ رَأَيْتَهُ ؟ قَالَ: مِثْلَ الْبُرْدِ الْمُحَبَّرِ. فَقَالَ: رَأَيْتَهُ هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقًا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، وقد ذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي عَنِ الْمَوْجُودِ فِي أَيْدِي الْفُرْسِ عَنْ كُتُبِهِمُ الْمَوْرُوثَةِ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى مَطْلَعِ الشَّمْسِ أَخَذَ عَلَى طَرِيقِ كَابُلَ فِي الْهِنْدِ وَتِبْتَ، فَتَلَقَّتْهُ الْمُلُوكُ بِالْهَدَايَا الْعَظِيمَةِ، وَالتَّحَايَا الْكَرِيمَةِ وَالطَّاعَةِ وَالْأَمْوَالِ، إِلَى أَنْ صَارَ إِلَى الْأَرْضِ الْمُنْتِنَةِ السَّوْدَاءِ، فَقَطَعَهَا سَيْرًا فِي شَهْرٍ، ثُمَّ جَاءَتْهُ الْأَدِلَّاءُ فَانْتَهَوْا بِهِ إِلَى الْحُصُونِ الشَّامِخَةِ وَالْمُدُنِ الْمُعَطَّلَةِ مِنْ أَهْلِهَا، وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُمْ فِيهَا بَقَايَا سَأَلُوهُ بِأَجْمَعِهِمْ أَنْ يَسُدَّ عَنْهُمُ الْفَجَّ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَنَزَلَ بِجَيْشِهِ الْعَظِيمِ الْهَائِلِ وَمَعَهُ الْفَلَاسِفَةُ وَالصُّنَّاعِ وَالْحَدَّادُونَ، فَاتَّخَذَ قُدُورَ الْحَدِيدِ الْكِبَارَ وَالْمَغَارِفَ الْحَدِيدِيَّةَ، وَأَمَرَ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ أَرْبَعَةٍ مِنْ تِلْكَ الْقُدُورِ عَلَى دِيكْدَانٍ، طُولُ كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا أَوْ نَحْوُهَا، وَأَمَرَ الصُّنَّاعِ أَنْ يَضْرِبُوا اللَّبِنَ الْحَدِيدَ، فَاتَّخَذُوا النُّحَاسَ وَالْحَدِيدَ، وَأَضْرَمُوا عَلَيْهِ النَّارَ، فَصَارَتْ حِجَارَةً لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهَا كَأَنَّهَا تُشْبِهُ جَبَلَ السَّدِّ، طُولُ كُلِّ لَبِنَةٍ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ بِالذِّرَاعِ الْأَعْظَمِ، وَسُمْكُهَا شِبْرٌ. فَمَا زَالُوا يَبْنُونَ السَّدَّ مِنْ جَانِبِ الْجَبَلِ، وَجَعَلَ فِي وَسَطِهِ بَابًا عَظِيمًا، طُولُهُ أَقَلُّ مِنْ عَرْضِهِ، فَالْعَرْضُ مِائَةُ ذِرَاعٍ، كُلُّ مِصْرَاعٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَالطُّولُ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، وَعَلَيْهِ قُفْلٌ عَظِيمٌ نَحْوُ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ، وَفَوْقَهُ بِأَذْرُعٍ غَلَقٌ أَطْوَلُ مِنْ ذَلِكَ الْقُفْلِ. وَكُلُّ ذَلِكَ أَمْلَسُ كَمِلَاسَةِ الْجَبَلِ وَبِلَوْنِهِ. فَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ السَّدِّ أَمَرَ بِالنَّارِ فَأُضْرِمَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَسْفَلِهِ إِلَى أَعْلَاهُ، فَصَارَ مَعْجُونًا كَأَنَّهُ حَجَرٌ وَاحِدٌ مِثْلُ الْجَبَلِ سَوَاءً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءَهُ مَالَ رَاجِعًا بَعْدَ أَنْ لَقِيَ الْأُمَمَ الَّتِي خَلَفَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ: وَبَلَغَنِي عَنْ خُرْدَاذَبَهْ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَّامٌ التُّرْجُمَانُ: أَنَّ الْوَاثِقَ لَمَّا رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ السَّدَّ الَّذِي سَدَّهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِبِنَاءٍ بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ انْفَتَحَ وَجَّهَنِي فَقَالَ: عَايِنْهُ وَأْتِنِي بِخَبَرِهِ، وَضَمَّ إِلَيَّ خَمْسِينَ رَجُلًا، وَوَصَلَنِي بِخَمْسَةِ آلَافِ دِينَارٍ، وَأَعْطَانِي دِيَتِي عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرَ بِإِعْطَاءِ كُلِّ رَجُلٍ مَعِيَ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَرِزْقَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، وَأَعْطَانِي مِائَتَيْ بَغْلٍ يَحْمِلُ الزَّادَ وَالْمَاءَ. فَشَخَصْنَا مِنْ سُرَّ مَنْ رَأَى بِكِتَابٍ مِنَ الْوَاثِقِ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ صَاحِبِ أَرْمِينِيَّةَ وَهُوَ بِتَفْلِيسَ، فِي إِنْفَاذِنَا، فَكَتَبَ لَنَا إِلَى إِسْحَاقَ صَاحِبِ السَّرِيرِ، وَكَتَبَ لَنَا ذَاكَ إِلَى مَلِكِ الدَّانِ، فَكَتَبَ لَنَا إِلَى قُلَانْشَاهْ، فَكَتَبَ لَنَا إِلَى مَلِكِ الْخَرَزِ، [وَسِرْنَا مِنْ عِنْدَ مَلِكِ الْخَرَزِ] يَوْمًا وَلَيْلَةً، ثُمَّ وَجَّهَ مَعَنَا خَمْسِينَ رَجُلًا أَدِلَّاءَ، فَسِرْنَا مِنْ عِنْدِهِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ سِرْنَا إِلَى أَرْضٍ سَوْدَاءَ مُنْتِنَةِ الرِّيحِ وَقَدْ كُنَّا تَزَوَّدْنَا قَبْلَ دُخُولِهَا طِيبًا نَشُمُّهُ لِلرَّائِحَةِ الْمَكْرُوهَةِ، فَسِرْنَا فِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى مُدُنٍ خَرَابٍ فَسِرْنَا فِيهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَسَأَلْنَا عَنْ تِلْكَ الْمُدُنِ الَّتِي كَانَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ طَرَقُوهَا فَخَرَّبُوهَا، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى حُصُونٍ بِالْقُرْبِ مِنْ جَبَلِ السَّدِّ فِي شِعْبٍ مِنْهُ. وَفِي تِلْكَ الْحُصُونِ قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ مُسْلِمُونَ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لَهُمْ كَتَاتِيبُ وَمَسَاجِدُ، فَسَأَلُوا: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُمْ أَنَّا رُسُلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَقْبَلُوا يَتَعَجَّبُونَ وَيَقُولُونَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ!! قُلْنَا: نَعَمْ، فَقَالُوا: أَشَيْخٌ هُوَ أَمْ شَابٌّ؟ فَقُلْنَا: شَابٌّ، فَتَعَجَّبُوا وَقَالُوا: أَيْنَ يَكُونُ؟ قُلْنَا: بِالْعِرَاقِ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا سُرَّ مَنْ رَأَى، فَقَالُوا: مَا سَمِعْنَا بِهَذَا قَطُّ. ثُمَّ سِرْنَا إِلَى جَبَلٍ أَمْلَسَ لَيْسَ عَلَيْهِ خَضْرَاءُ، وَإِذَا جَبَلٌ مَقْطُوعٌ بِوَادٍ عَرْضُهُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا، [وَفِيهِ السَّدُّ]، وَإِذَا عِضَادَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ لِلْمَشْيِ مِمَّا يَلِي الْجَبَلَ مِنْ جَنَبَتَيِ الْوَادِي، عَرْضُ كُلِّ عِضَادَةٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، الظَّاهِرُ مِنْ تَحْتِهَا عَشَرَةُ أَذْرُعٍ خَارِجَ الْبَابِ، وَعَلَيْهِ بِنَاءٌ مَكِينٌ مِنْ حَدِيدٍ مُغَيَّبٍ فِي نُحَاسٍ فِي سُمْكِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا. وَإِذَا دَرَوَنْدُ حَدِيدٍ طَرَفَاهُ عَلَى الْعِضَادَتَيْنِ، طُولُهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، قَدْ رُكِّبَ عَلَى الْعِضَادَتَيْنِ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِمِقْدَارِ عَشَرَةِ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ، وَفَوْقَ الدَّرَوَنْدِ بِنَاءٌ بِذَلِكَ الْحَدِيدِ الْمُغَيَّبِ فِي النُّحَاسِ إِلَى رَأْسِ الْجَبَلِ فِي ارْتِفَاعِهِ مَدَّ الْبَصَرِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ شُرَفُ حَدِيدٍ، فِي كُلِّ شُرْفَةٍ قَرْنَانِ يُشِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، وَإِذَا بَابٌ حَدِيدٌ مِصْرَاعَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ، عَرْضُ كُلِّ مِصْرَاعٍ خَمْسُونَ ذِرَاعًا فِي ارْتِفَاعِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا فِي ثِخَنِ خَمْسَةِ أَذْرُعٍ، وَقَائِمَتَاهُمَا فِي دَوَّارَةٍ فِي قِدْرٍ، وَعَلَى الْبَابِ قُفْلٌ طُولُهُ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ فِي غِلَظِ ذِرَاعٍ فِي الِاسْتِدَارَةِ، وَارْتِفَاعُ الْقُفْلِ مِنَ الْأَرْضِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَفَوْقَ الْقُفْلِ بِقَدْرِ خَمْسِ أَذْرُعٍ غَلَقٌ طُولُهُ أَكْثَرُ مِنْ طُولِ الْقُفْلِ، وَقَعْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذِرَاعَانِ، وَعَلَى الْغَلَقِ مِفْتَاحٌ مُغْلَقٌ طُولُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ، وَلَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ دَنْدَانِجَةً، كُلُّ وَاحِدٍ كَدَسْتَجٍ أَكْبَرُ مَا يَكُونُ مِنْ هَاوُونٍ مُعَلَّقٍ فِي سِلْسِلَةٍ طُولُهَا ثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ فِي اسْتِدَارَةِ أَرْبَعَةِ أَشْبَارٍ، وَالْحَلْقَةُ الَّتِي فِيهَا السِّلْسِلَةُ مِثْلُ حَلْقَةِ الْمَنْجَنِيقِ، وَعَتَبَةُ الْبَابِ عَشَرَةُ أَذْرُعٍ بَسْطُ مِائَةِ ذِرَاعٍ، سِوَى مَا تَحْتَ الْعِضَادَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ مِنْهَا خَمْسُ أَذْرُعٍ، وَهَذَا الذِّرَاعُ كُلُّهُ بِالذِّرَاعِ السَّوْدَاءِ. وَرَئِيسُ تِلْكَ الْحُصُونِ يَرْكَبُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ، مَعَ كُلِّ فَارِسٍ مِرْزَبَّةُ حَدِيدٍ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ خَمْسُونَ وَمِائَةٌ مَنٍّ، فَيَضْرِبُ الْقُفْلَ بِتِلْكَ الْمِرْزَبَّاتِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ لِيَسْمَعَ مِنْ نُقَبَاءِ الْبَابِ الصَّوْتَ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ هُنَالِكَ حَفَظَةً، وَيَعْلَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ أُولَئِكَ لَمْ يُحْدِثُوا فِي الْبَابِ حَدَثًا، وَإِذَا ضَرَبَ أَصْحَابُنَا الْقُفْلَ وَضَعُوا آذَانَهُمْ فَيَسْمَعُونَ بِمَنْ دَاخَلَ دَوِيًّا. وَبِالْقُرْبِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ حِصْنٌ كَبِيرٌ يَكُونُ عَشَرَةَ فَرَاسِخَ فِي عَشَرَةِ فَرَاسِخَ، بِكَسْرِ مِائَةِ فَرْسَخٍ، وَمَعَ الْبَابِ حِصْنَانِ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمِائَتَيْ ذِرَاعٍ فِي مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَعَلَى بَابِ هَذَيْنِ الْحِصْنَيْنِ شَجَرَتَانِ، وَبَيْنَ الْحِصْنَيْنِ عَيْنٌ عَذْبَةٌ، فِي أَحَدِ الْحِصْنَيْنِ آلَةُ الْبِنَاءِ الَّذِي كَانَ بُنِيَ بِهِ السَّدُّ مِنَ الْقُدُورِ وَالْحَدِيدِ وَالْمَغَارِفِ الْحَدِيدِ، عَلَى كُلِّ أَنْصِبَةٍ أَرْبَعُ قُدُورٍ مِثْلُ قُدُورِ الصَّابُونِ، وَهُنَالِكَ بَقِيَّةٌ مِنَ اللَّبِنِ قَدِ الْتَزَقَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ مِنَ الصَّدَاءِ، وَاللَّبِنَةُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ فِي سُمْكِ شِبْرٍ. وَسَأَلُوا مَنْ هُنَالِكَ: هَلْ رَأَوْا أَحَدًا مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَذَكَرُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا مَرَّةً عَدَدًا فَوْقَ الشُّرَفِ، فَهَبَّتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ فَأَلْقَتْهُمْ إِلَى جَانِبِهِمْ، فَكَانَ مِقْدَارُ الرَّجُلِ مِنْهُمْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ شِبْرًا وَنِصْفًا. قَالَ سَلَّامٌ التُّرْجُمَانُ: فَلَمَّا انْصَرَفْنَا أَخَذَتْنَا الْأَدِلَّاءُ إِلَى نَاحِيَةِ خُرَاسَانَ فَسِرْنَا إِلَيْهَا حَتَّى خَرَجْنَا خَلْفَ سَمَرْقَنْدَ سَبْعَ فَرَاسِخَ، وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ الْحُصُونِ زَوَّدُونَا مَا كَفَانَا، ثُمَّ صِرْنَا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ. قَالَ سَلَّامٌ: فَوَصَلَنِي بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَوَصَلَ كُلَّ رَجُلٍ مَعِي بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَأَجْرَى لِلْفَارِسِ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَلِلرَّاجِلِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى الَّذِي. فَرَجَعْنَا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى بَعْدَ خُرُوجِنَا بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا. قَالَ ابْنُ خُرْدَاذَبَهْ: فَحَدَّثَنِي سَلَّامٌ التُّرْجُمَانُ بِجُمْلَةِ هَذَا الْخَبَرِ ثُمَّ أَتْلَيْتُهُ مِنْ كِتَابٍ كَتَبَهُ الْوَاثِقُ. وعند ابن الأثير في كتابه الكامل فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ الْإِسْكَنْدَرَ شَكَوْا إِلَيْهِ مِنْ شَرِّهِمْ، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا. يَقُولُ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ مِنْ خُرْجِكُمْ، وَلَكِنْ أَعِينُونِي بِالْقُوَّةِ، وَالْقُوَّةُ الْفَعَلَةُ وَالصُّنَّاعُ، وَالْآلَةُ الَّتِي يُبْنَى بِهَا، فَقَالَ: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ، أَيْ قِطَعَ الْحَدِيدِ، فَآتَوْهُ بِهَا، فَحَفَرَ الْأَسَاسَ حَتَّى بَلَغَ الْمَاءَ، ثُمَّ جَعَلَ الْحَدِيدَ وَالْحَطَبَ صُفُوفًا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وَهُمَا جَبَلَانِ، أَشْعَلَ النَّارَ فِي الْحَطَبِ فَحَمِيَ الْحَدِيدُ وَأَفْرَغَ عَلَيْهِ الْقِطْرَ، وَهُوَ النُّحَاسُ الْمُذَابُ، فَصَارَ مَوْضِعَ الْحَطَبِ وَبَيْنَ قِطَعِ الْحَدِيدِ، فَبَقِيَ كَأَنَّهُ بُرْدٌ مُحَبَّرٌ مِنْ حُمْرَةِ النُّحَاسِ وَسَوَادِ الْحَدِيدِ، وَجَعَلَ أَعْلَاهُ شَرَفًا مِنَ الْحَدِيدِ فَامْتَنَعَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْبِلَادِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا. فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ السَّدِّ دَخَلَ الظُّلُمَاتِ مِمَّا يَلِي الْقُطْبَ الشَّمَالِيَّ، وَالشَّمْسُ جَنُوبِيَّةٌ، فَلِهَذَا كَانَتْ ظُلْمَةً، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مَوْضِعٌ إِلَّا وَتَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِ أَبَدًا.

  346. التاريخ 347لا حكم مسجّل

    وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: "إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ فَيَرَوْنَهُ أَشَدَّ مَا كَانَ حَتَّى، إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسَهَامِهِمْ نَحْوَ السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ وَعَلَيْهَا كَهَيْئَةِ الدَّمِ، فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ. فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ لَتَسْمَنُ وَتَشْكُرُ مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ". وعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، فَقَالَ: "لَيَسْتَوْقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جِعَابِهِمْ وَثِيَابِهِمْ وَتَرَاسِيهِمْ وَقِسِيِّهِمْ سَبْعَ سِنِينَ". فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا [ الْكَهْفِ: 97 ]. وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، ؓ، قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَوْمٍ، مُحْمَرًّا وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ! فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَحَلَّقَ تِسْعِينَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟! قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ وَأَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، مِثْلُ هَذَا وَعَقَدَ تِسْعِينَ فَالْجَوَابُ: أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى فَتْحِ أَبْوَابِ الشَّرِّ وَالْفِتَنِ، وَأَنَّ هَذَا اسْتِعَارَةٌ مَحْضَةٌ وَضَرْبُ مَثَلٍ، فَلَا إِشْكَالَ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ إِخْبَارًا عَنْ أَمْرٍ مَحْسُوسٍ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ، فَلَا إِشْكَالَ أَيْضًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا أَيْ: فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، لِأَنَّ هَذِهِ صِيغَةُ خَبَرٍ مَاضٍ، فَلَا يَنْفِي وُقُوعَهُ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ بِإِذْنِ اللَّهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ قَدَرًا، وَتَسْلِيطَهُمْ عَلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى يَتِمَّ الْأَجَلُ وَيَنْقَضِيَ الْأَمَدُ الْمَقْدُورُ، فَيَخْرُجُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 96 ]. وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ الْآخَرَ أَشْكَلُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " قَائِلًا: بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ لَيَحْفِرُونَ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا. فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ كَأَشَدِّ مَا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ، وَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ، حَفَرُوا حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَيَسْتَثْنِي، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ فَيُنَشِّفُونَ الْمِيَاهَ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ وَعَلَيْهَا كَهَيْئَةِ الدَّمِ، فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ، وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ. فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ، فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ لَتَسْمَنُ شُكْرًا مِنْ لُحُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ، قَتَادَةَ بِهِ. ثُمَّ قَالَ: غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. فَقَدْ أَخْبَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كُلَّ يَوْمٍ يَلْحَسُونَهُ، حَتَّى كَادُوا يَنْظُرُونَ شُعَاعَ الشَّمْسِ مِنْ وَرَائِهِ ; لِرِقَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَفْعُ هَذَا الْحَدِيثِ مَحْفُوظًا، وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، فَقَدِ اسْتَرَحْنَا مِنَ الْمَئُونَةِ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ صَنِيعَهُمْ هَذَا يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ اقْتِرَابِ خُرُوجِهِمْ، كَمَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا أَيْ: نَافِذًا مِنْهُ، فَلَا يَنْفِي أَنْ يَلْحَسُوهُ وَلَا يَنْفُذُوهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَلَى هَذَا فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ؓ: فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ وَعَقَدَ تِسْعِينَ. أَيْ: فُتِحَ فَتْحًا نَافِذًا فِيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  347. التاريخ 348لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ أَشْيَاءَ جَرَتْ لِذِي الْقَرْنَيْنِ فِي الْمَسِيرِ   عن صَفْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَتَى عَلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ لَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا يَسْتَمْتِعُ بِهِ النَّاسُ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَقَدِ احْتَفَرُوا قُبُورًا، فَإِذَا أَصْبَحُوا تَعَهَّدُوا تِلْكَ الْقُبُورَ وَكَنَسُوهَا وَصَلَّوْا عِنْدَهَا، وَرَعَوُا الْبَقْلَ كَمَا تَرْعَى الْبَهَائِمُ، وَقَدْ قُيِّضَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَاشٌ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ، فَأَرْسَلَ ذُو الْقَرْنَيْنِ إِلَى مَلِكِهِمْ، فَقَالَ الرَّسُولُ: أَجِبِ الْمَلِكَ، فَقَالَ: مَا لِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِتَأْتِيَنِي، فَمَا أَتَيْتَ، فَهَا أَنَا ذَا قَدْ جِئْتُكَ، فَقَالَ: لَوْ كَانَتْ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ لَأَتَيْتُكَ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَلَى الْحَالِ الَّتِي رَأَيْتُ، لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنَ الْأُمَمِ عَلَيْهَا. قَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: لَيْسَ لَكُمْ دُنْيَا وَلَا شَيْءٌ، أَفَلَا اتَّخَذْتُمُ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا كَرِهْنَا؛ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى أَفْضَلَ مِنْهُ، فَقَالَ: مَا بَالُكُمْ قَدِ احْتَفَرْتُمْ قُبُورًا فَإِذَا أَصْبَحْتُمْ تَعَهَّدْتُمُوهَا وَكَنَسْتُمُوهَا وَصَلَّيْتُمْ عِنْدَهَا، قَالُوا: أَرَدْنَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَيْهَا وَأَلْهَتْنَا الدُّنْيَا مَنَعَتْ قُبُورُنَا مِنَ الْأَمَلِ، قَالَ: وَأَرَاكُمْ لَا طَعَامَ لَكُمْ إِلَّا الْبَقْلَ مِنَ الْأَرْضِ، أَفَلَا اتَّخَذْتُمُ الْبَهَائِمَ مِنَ الْأَنْعَامِ فَاحْتَلَبْتُمُوهَا وَذَبَحْتُمُوهَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا، فَقَالُوا: رَأَيْنَا أَنَّ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ بَلَاغًا، ثُمَّ بَسَطَ مَلِكُ تِلْكَ الْأَرْضِ يَدَهُ خَلْفَ ذِي الْقَرْنَيْنِ، فَتَنَاوَلَ جُمْجُمَةً، فَقَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ أَتَدْرِي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، مَنْ هُوَ؟ قَالَ: مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ أَعْطَاهُ اللَّهُ سُلْطَانًا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَغَشَمَ وَظَلَمَ وَعَتَى، فَلَمَّا رَأَى [اللَّهُ] ذَلِكَ مِنْهُ حَسَمَهُ بِالْمَوْتِ فَصَارَ كَالْحَجَرِ الْمُلْقَى، قَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ حَتَّى يُجَازِيَهُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ. ثُمَّ تَنَاوَلَ جُمْجُمَةً أُخْرَى إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ، هَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا؟ قَالَ: لَا، مَنْ هَذَا؟ قَالَ: مَلِكٌ مَلَّكَهُ اللَّهُ بَعْدَهُ قَدْ كَانَ يَرَى مَا يَصْنَعُ الَّذِي قَبْلَهُ بِالنَّاسِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْغَشْمِ وَالتَّجَبُّرَ، فَتَوَاضَعَ وَخَشَعَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَمِلَ بِالْعَدْلِ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَصَارَ كَمَا تَرَى، قَدْ أَحْصَى اللَّهُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ حَتَّى يَجْزِيَهُ بِهِ فِي آخِرَتِهِ، ثُمَّ أَهْوَى إِلَى جُمْجُمَةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، [وَقَالَ: وَهَذِهِ الْجُمْجُمَةُ تَصِيرُ إِلَى مَا صَارَتْ إِلَيْهِ هَذِهِ الْجَمَاجِمُ، فَانْظُرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا أَنْتَ صَانِعٌ]، فَقَالَ لَهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ: هَلْ لَكَ فِي صُحْبَتِي فَأَتَّخِذَكَ وَزِيرًا وَشَرِيكًا فِيمَا أَنَا فِيهِ مِنْ هَذَا الْمَالِ، فَقَالَ: مَا أَصْلُحُ أَنَا وَأَنْتَ فِي مَكَانٍ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَكَ عَدُوٌّ وَلِي صَدِيقٌ، قَالَ: وَلِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: يُعَادُونَكَ لِمَا فِي يَدِكَ مِنَ الْمُلْكِ وَلَا أَجِدُ أَحَدًا يُعَادِينِي لِرَفْضِي ذَلِكَ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ. وَذَكَرُوا أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا رَجَعَ عَنْ سُلُوكِ الظُّلْمَةِ قَصَدَ بِلَادَ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى نَهْرِ بَلْخٍ هَالَهُ أَمْرُهُ، فَأَمَرَهُمْ بِشَقِّ الْخَشَبِ الْغِلَاظِ وَتَرْقِيقِهَا، ثُمَّ أَمَرَ الْحَدَّادِينَ فَضَرَبُوا الْمَسَامِيرَ، ثُمَّ أَمَرَ بِثَلَاثِمِائَةِ سَفِينَةٍ فَصُنِعَتْ، وَأَمَرَ بِحِبَالٍ مِنْ لِيفٍ وَبِحِبَالٍ مِنْ قَنَبٍ فَنُصِعَتْ غِلَاظًا طِوَالًا، فَأَمَرَ بِبِنَاءِ [جِسْرٍ] مِنْ جَانِبَيِ النَّهْرِ، وَشُدَّتْ تِلْكَ الْحِبَالُ مِنْهُمَا مَمْدُودًا عَلَى الْمَاءِ عَرْضًا، وَجُعِلَتِ السُّفُنُ جِسْرًا بَيْنَ الْحِبَالِ فِي صُدُورِ السُّفُنِ وَفِي أَعْجَازِهَا لِتُمْسِكَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِالْخَشَبِ فَقُطِعَ بِمِقْدَارِ عَرْضِ السُّفُنِ، وَقُصِدَتْ سَقْفًا، وَهِيلَ عَلَيْهِ التُّرَابُ، وَلُبَّ بِالْمَاءِ حَتَّى اطْمَأَنَّ وَنَشَفَ، فَلَمَّا أَمْكَنَ الْعُبُورُ عَلَيْهِ عَبَرَهُ بِجُيُوشِهِ سَائِرًا إِلَى قُومِسَ، فَاشْتَكَى فَأَخَذَهُ الرُّعَافُ حَتَّى مَاتَ فِي طَرِيقِهِ، وَقَدْ كَانَ حِينَ بَلَغَ الصِّينَ أَمَرَ بِمُدُنٍ كَثِيرَةٍ فَبُنِيَتْ هُنَالِكَ، فَمِنْهَا: الدُّبْوَاسِيَةُ، وَحَمْدَانُ، وَشَيْرَكُ، وَبُرْجُ الْحِجَارَةِ، وَكَذَلِكَ أَمَرَ حِينَ بَلَغَ الْهِنْدَ فَبَنَى هُنَالِكَ مَدِينَةَ سَرَنْدِيبَ، وَلَهُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَبْنِيَةِ فِي النَّوَاحِي الَّتِي طَافَهَا. وعن سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ بُرَيْدَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "سَيَكُونُ بَعْدِي بُعُوثٌ كَثِيرَةٌ فَكُونُوا فِي بَعْثِ خُرَاسَانَ، ثُمَّ انْزِلُوا مَدِينَةَ مَرْوَ؛ فَإِنَّهُ بَنَاهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ، وَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ، وَلَا يُضَرُّ أَهْلُهَا بِسُوءٍ".

  348. التاريخ 349لا حكم مسجّل

    كِتَابُ أُمِّ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَيْهِ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنَّ أُمَّ ذِي الْقَرْنَيْنِ كَانَتْ حَازِمَةً عَاقِلَةً، فَلَمَّا بَلَغَهَا أَنَّ ابْنَهَا قَدْ فَتَحَ الْمَدَائِنَ وَاسْتَعْبَدَ الرِّجَالَ، وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوكُ كَتَبَتْ إِلَيْهِ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ رُوقَيَّةَ أُمُّ الْإِسْكَنْدَرِ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِ الْمَوْتَى لَهُ، الضَّعِيفُ الَّذِي بِقُوَّةِ رَبِّهِ قَوِيَ، وَبِقُدْرَتِهِ قَهَرَ، وَبِعِزَّتِهِ اسْتَعْلَى، يَا بُنَيَّ لَا تَدَعْ لِلْعُجْبِ فِيكَ مَسَاغًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُرْدِيكَ، وَلَا تَدَعْ لِلْعَظَمَةِ فِيكَ مَطْمَعًا فَإِنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُكَ، يَا بُنَيَّ ذَلِّلْ نَفْسَكَ [لِلَّذِي رَفَعَكَ]. وَاعْلَمْ أَنَّكَ عَنْ قَلِيلٍ مُحَوَّلٌ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالشُّحَّ؛ فَإِنَّ الشُّحَّ يُرْدِيكَ، وَيُزْرِي بِكَ، وَانْظُرْ هَذِهِ الْكُنُوزَ الَّتِي جَمَعْتَهَا أَنْ تُعَجِّلَ حَمْلَهَا إِلَيَّ كُلَّهَا مَعَ رَجُلٍ مُفْرَدٍ عَلَى فَرَسٍ أَجْرَدَ. فَلَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ جَمَعَ النَّاسَ، فَقَالَ: انْظُرُوا فِيمَا كَتَبَتْ أُمِّي وَسَأَلَتْنِي فِيهِ: أَنْ أَرْسِلَ بِهَذِهِ الْأَمْوَالِ، فَقَالُوا: وَكَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى حَمْلِهَا عَلَى فَرَسٍ؟ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ غَيْرُ هَذَا؟ قَالُوا: لَا، فَدَعَا كَاتِبَهُ فَقَالَ: اكْتُبْ كُلَّ مَالٍ جَمَعْتُهُ، فَأَحْصِهِ وَاجْعَلْهُ فِي كِتَابٍ وَبَيِّنْ مَوَاضِعَهَا وَعُدَّتَهَا، فَفَعَلَ الْكَاتِبُ ثُمَّ، خُتِمَ الْكِتَابُ، وَحَمَلَ رَجُلًا عَلَى فَرَسٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: امْضِ بِهَذَا الْكِتَابِ إِلَى أُمِّي، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّمَا سَأَلَتْنِي أُمِّي أَنْ أَبْعَثَ إِلَيْهَا بِعِلْمِ مَا لِي أَجْمَعَ وَمَوَاضِعِهَا. قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ مَعْرُوفٌ بِالرُّومِ فِي بَيْتِ مَمْلَكَتِهِمْ وَبُيُوتِ أَمْوَالِهِمْ، يَجِدُونَ عِلْمَ ذَلِكَ فِي أَرْضِ كَذَا وَكُورَةِ كَذَا، وَمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، وَمِنَ الْمَالِ كَذَا وَكَذَا، مِمَّا كَنَزَهُ الْإِسْكَنْدَرُ، وَكَانَ اللَّهُ لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ مِنَ الْحِرْصِ شَيْئًا، وَلَمْ يَجْمَعِ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَانَ يَسُرُّ بِمَنْ مَعَهُ فَيُقَوِّيهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مَسِيرُهُ ذَلِكَ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ.

  349. التاريخ 350لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ وَفَاتِهِ   قَدْ رُوِّينَا أَنَّ الْخَضِرَ شَرِبَ مِنْ عَيْنِ الْحَيَاةِ، وَفَاتَتْ ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَزَعَمَ أَقْوَامٌ أَنَّهَا لَمَّا فَاتَتْهُ اغْتَمَّ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَّابُ: لَا تَحْزَنْ؛ إِنَّا نَرَى لَكَ مُدَّةً وَإِنَّكَ لَا تَمُوتُ إِلَّا عَلَى أَرْضٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَسَمَاءٍ مِنْ خَشَبٍ، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا يُرِيدُ الرُّومَ، فَأَقْبَلَ يَدْفِنُ كُنُوزَ كُلِّ أَرْضٍ بِهَا، وَيَكْتُبُ ذِكْرَ ذَلِكَ وَمَبْلَغَ مَا دَفَنَ وَمَوْضِعَهُ، وَحَمَلَ الْكِتَابَ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ بَابِلَ، فَرَعَفَ وَهُوَ فِي مَسِيرٍ، فَسَقَطَ عَنْ دَابَّتِهِ، فَبُسِطَ لَهُ دِرْعٌ، وَكَانَتِ الدِّرْعُ إِذْ ذَاكَ صَفَائِحَ، فَنَامَ عَلَى تِلْكَ الدِّرْعِ، فَآذَتْهُ الشَّمْسُ، فَدَعَوْا تُرْسًا فَأَظَلُّوهُ تَطَرُّفًا، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَدِيدٍ وَفَوْقَهُ خَشَبٌ، فَقَالَ: هَذِهِ أَرْضٌ مِنْ حَدِيدٍ وَسَمَاءٌ مِنْ خَشَبٍ، فَأَيْقَنَ الْمَوْتَ. كِتَابِهِ إِلَى أُمِّهِ يُعَزِّيهَا عَنْ نَفْسِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ قَرَأَ الْكُتُبَ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا بَلَغَ أَرْضَ بَابِلَ، فَمَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا أَشْفَقَ مِنْ مَرَضِهِ أَنْ يَمُوتَ بَعْدَمَا دَوَّخَ الْبِلَادَ، وَجَمَعَ الْأَمْوَالَ، فَنَزَلَ بَابِلَ فَدَعَا كَاتِبَهُ، فَقَالَ: خَفِّفْ عَلَيَّ فِي الْمَوْتَةِ بِكِتَابٍ تَكْتُبُهُ إِلَى أُمِّي تُعَزِّيهَا بِي، وَاسْتَعِنْ بِبَعْضِ عُلَمَاءِ أَهْلِ فَارِسَ، ثُمَّ اقْرَأْهُ [عَلَيَّ] فَكَتَبَ الْكِتَابَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنَ الْإِسْكَنْدَرِ بْنِ قَيْصَرَ رَفِيقِ أَهْلِ الْأَرْضِ بِجَسَدِهِ قَلِيلًا، وَرَفِيقِ أَهْلِ السَّمَاءِ بِرُوحِهِ طَوِيلًا، إِلَى أُمِّهِ رُوقَيَّةَ ذَاتِ الصَّفَاءِ الَّتِي لَمْ تُمَتَّعْ بِثَمَرَتِهَا فِي دَارِ الْقُرْبِ، وَهِيَ مُجَاوِرَتُهُ عَمَّا قَلِيلٍ فِي دَارِ الْبُعْدِ، يَا أُمَّتَاهُ، يَا ذَاتَ الْحِكْمَةِ أَسْأَلُكِ بِرَحْمَتِي وَوِدِّي وَوِلَادَتِكِ إِيَّايَ، هَلْ وَجَدْتِ لِشَيْءٍ قَرَارًا بَاقِيًا وَخَيَالًا دَائِمًا، أَلَمْ تَرَيْ إِلَى الشَّجَرَةِ كَيْفَ تَنْضُرُ أَغْصَانُهَا وَتَخْرُجُ ثَمَرَتُهَا وَتَلْتَفُّ أَوْرَاقُهَا ثُمَّ لَا يَلْبَثُ الْغُصْنُ أَنْ يَتَهَشَّمَ، وَالثَّمَرُ أَنْ يَتَسَاقَطَ، وَالْوَرَقُ أَنْ يَتَبَايَنَ؟! أَلَمْ تَرَيِ النَّبْتَ الْأَزْهَرَ يُصْبِحُ نَضِيرًا ثُمَّ يُمْسِي هَشِيمًا؟! أَلَمْ تَرَيْ إِلَى النَّهَارِ الْمُضِيءِ ثُمَّ يُخْلِفُهُ اللَّيْلُ الْمُظْلِمُ؟! أَلَمْ تَرَيْ إِلَى الْقَمَرِ الزَّاهِرِ لَيْلَةَ بَدْرِهِ كَيْفَ يَغْشَاهُ الْكُسُوفُ؟! أَلَمْ تَرَيْ إِلَى شُهُبِ النَّارِ الْمُوقَدَةِ مَا أَوْشَكَ مَا تُخْمَدُ؟! أَلَمْ تَرَيْ إِلَى عَذْبِ الْمِيَاهِ الصَّافِيَةِ مَا أَسْرَعَهَا إِلَى الْبُحُورِ الْمُتَغَيِّرَةِ؟! أَلَمْ تَرَيْ إِلَى هَذَا الْخَلْقِ كَيْفَ يَعِيشُ فِي الدُّنْيَا قَدِ امْتَلَأَتْ مِنْهُ الْآفَاقُ، وَاسْتَعْلَتْ بِهِ الْأَشْيَاءُ، وَوَلَهَتْ بِهِ الْأَبْصَارُ وَالْقُلُوبُ؟! إِنَّمَا هُمَا شَيْئَانِ: إِمَّا مَوْلُودٌ وَإِمَّا مَيِّتٌ، كِلَاهُمَا مَقْرُونٌ بِالْفَنَاءِ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّهُ قِيلَ لِهَذِهِ الدَّارِ: رَوِّحِي بِأَهْلِكِ فَإِنَّكِ لَسْتِ لَهُمْ بِدَارٍ؟! يَا وَاهِبَةَ الْمَوْتِ، وَيَا مُوَرِّثَةَ الْأَحْزَانِ، وَيَا مُفَرِّقَةً بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، وَيَا مُخَرِّبَةَ الْعِمْرَانِ، أَلَمْ تَرَيْ إِلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ يَجْرِي عَلَى مَا لَا يَدْرِي؟ هَلْ رَأَيْتِ يَا أُمَّاهُ مُعْطِيًا لَا يَأْخُذُ، وَمُقْرِضًا لَا يَتَقَاضَى، وَمُسْتَوْدِعًا لَا يَسْتَرِدُّ وَدِيعَتَهُ؟! يَا أُمَّاهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ بِالْبُكَاءِ حَقِيقًا فَلْتَبْكِ السَّمَاءُ عَلَى نُجُومِهَا، وَلْتَبْكِ الْحِيتَانُ عَلَى بُحُورِهَا وَلْيَبْكِ الْجَوُّ عَلَى طَائِرِهِ، وَلْتَبْكِ الْأَرْضُ عَلَى أَوْلَادِهَا وَالنَّبْتِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهَا، وَلْيَبْكِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ الَّتِي تَمُوتُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَعِنْدَ كُلِّ طَرْفَةٍ. يَا أُمَّتَاهُ إِنَّ الْمَوْتَ لَا يُعْتِقُنِي مِنْ أَجْلِ أَنِّي كُنْتُ عَارِفًا أَنَّهُ نَازِلٌ بِي، فَلَا يُتْعِبْكِ الْحُزْنُ فَإِنَّكَ لَمْ تَكُونِي جَاهِلَةً بِأَنِّي مِنَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ. يَا أُمَّتَاهُ إِنِّي كَتَبْتُ كِتَابِي هَذَا وَأَنَا أَرْجُو أَنْ تَعْتَبِرِي بِهِ، وَيَحْسُنَ مَوْقِعُهُ مِنْكِ، فَلَا تُخْلِفِي ظَنِّي وَلَا تُحْزِنِي رُوحِي، يَا أُمَّتَاهُ إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ يَقِينًا أَنَّ الَّذِي أَذْهَبُ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ مَكَانِي الَّذِي أَنَا فِيهِ، وَأَطْهَرُ مِنَ الْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْأَسْقَامِ وَالنَّصَبِ وَالْأَمْرَاضِ، فَاغْتَبِطِي لِي بِمَذْهَبِي، وَاسْتَعِدِّي لِاتِّبَاعِي، يَا أُمَّتَاهُ إِنَّ ذِكْرِي قَدِ انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا كُنْتُ أُذْكَرُ بِهِ مِنَ الْمُلْكِ وَالرَّأْيِ، فَاجْعَلِي لِي مِنْ بَعْدِي ذِكْرًا أُذْكَرُ بِهِ فِي حِلْمِكِ وَصَبْرِكِ وَالرِّضَا [بِمَا يَقُولُ الْحُكَمَاءُ، يَا أُمَّتَاهُ إِنَّ النَّاسَ سَيَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا مِنْكِ وَهُمْ رَاضٍ وَكَارِهٌ وَمُسْتَمِعٌ وَقَائِلٌ، فَأَحْسِنِي إِلَيَّ وَإِلَى نَفْسِكِ فِي ذَلِكَ، يَا أُمَّتَاهُ السَّلَامُ فِي هَذَا الدَّارِ قَلِيلٌ زَائِلٌ فَلْيَكُنْ عَلَيْكِ] وَعَلَيْنَا فِي دَارِ الْأَزَلِ السَّلَامُ الدَّائِمُ. فَتَفَكَّرِي بِفَهْمِ وَدِيعَةِ نَفْسِكِ أَنْ تَكُونِي شِبْهَ النِّسَاءِ فِي الْجَزَعِ، كَمَا كُنْتُ لَا أَرْضَى شِبْهَ الرِّجَالِ فِي الِاسْتِكَانَةِ وَالضَّعْفِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يُرْضِيكِ فِيَّ. ثُمَّ مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ. ورُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أُمَّهُ ; إِذَا هُوَ مَاتَ أَنْ تَصْنَعَ طَعَامًا، وَتَجْمَعَ نِسَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَتَضَعَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ، وَتَأْذَنَ لَهُنَّ فِيهِ، إِلَّا مَنْ كَانَتْ ثَكْلَى، فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ لَمْ تَضَعْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ يَدَهَا فِيهِ، فَقَالَتْ لَهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كُلُّكُنَّ ثَكْلَى! فَقُلْنَ: أَيْ وَاللَّهِ مَا مِنَّا إِلَّا مَنْ أُثْكِلَتْ. فَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِأُمِّهِ. فَلَمَّا حُمِلَ تَابُوتُهُ إِلَيْهَا تَلَفَّتَتْ بِعُظَمَاءِ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: يَا ذَا الَّذِي بَلَغَ السَّمَاءَ حِلْمُهُ، وَجَازَ أَقْطَارَ الْأَرْضِ مُلْكُهُ، وَدَانَتِ الْمُلُوكُ عَنْوَةً لَهُ، مَا لَكَ الْيَوْمَ نَائِمًا لَا تَسْتَيْقِظُ، وَسَاكِتًا لَا تَتَكَلَّمُ، مَنْ بَلَّغَكَ عَنِّي بِأَنَّكَ وَعَظْتَنِي فَاتَّعَظْتُ، وَعَزَّيْتَنِي فَتَعَزَّيْتُ، فَعَلَيْكَ السَّلَامُ حَيًّا وَمَيِّتًا. ثُمَّ أَمَرَتْ بِدَفْنِهِ. عمر ذو القرنين وَاخْتُلِفَ فِي قَدْرِ عُمُرِهِ  ، فَذُكِرَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهُ عَاشَ أَلْفًا وَسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ. فَأَمَّا مَنْ يَقُولُ: عَاشَ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَإِنَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ بِالْإِسْكَنْدَرِ الْيُونَانِيِّ، وعند ابن الأثير في كتابه الكامل وَرَجَعَ إِلَى الْعِرَاقِ فَمَاتَ فِي طَرِيقِهِ بَشَهْرَزُورَ بِعِلَّةِ الْخَوَانِيقِ، وَكَانَ عُمُرُهُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً فِي قَوْلٍ، وَدُفِنَ فِي تَابُوتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُرَصَّعٍ بِالْجَوَاهِرِ، وَطُلِيَ بِالصَّبْرِ لِئَلَّا يَتَغَيَّرَ وَحُمِلَ إِلَى أُمِّهِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ. وَكَانَ مُلْكُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقَتَلَ دَارَا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ مُلْكِهِ. وَبَنَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَدِينَةً، مِنْهَا: أَصْبَهَانُ، وَهِيَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا جَيُّ، وَمَدِينَةَ هَرَاةَ، وَمَرْوَ، وَسَمَرْقَنْدَ، وَبَنَى بِالسَّوَادِ مَدِينَةً لِرُوشَنْكَ ابْنَةِ دَارَا، وَبِأَرْضِ الْيُونَانِ مَدِينَةً، وَبِمِصْرَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةَ. فَلَمَّا مَاتَ الْإِسْكَنْدَرُ طَافَ بِهِ مَنْ مَعَهُ مِنَ الْحُكَمَاءِ الْيُونَانِيِّينَ وَالْفُرْسِ وَالْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ، فَكَانَ يَجْمَعُهُمْ وَيَسْتَرِيحُ إِلَى كَلَامِهِمْ، فَوَقَفُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ كَبِيرُهُمْ: لِيَتَكَلَّمْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِكَلَامٍ يَكُونُ لِلْخَاصَّةِ مُعَزِّيًا وَلِلْعَامَّةِ وَاعِظًا، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى التَّابُوتِ، وَقَالَ: أَصْبَحَ آسِرُ الْأُسَرَاءِ أَسِيرًا. وَقَالَ آخَرُ: هَذَا الْمَلِكُ كَانَ يُخَبِّئُ الذَّهَبَ فَقَدْ صَارَ الذَّهَبُ يُخَبِّؤُهُ. وَقَالَ آخَرُ: مَا أَزْهَدَ النَّاسَ فِي هَذَا الْجَسَدِ وَمَا أَرْغَبَهُمْ فِي التَّابُوتِ. وَقَالَ آخَرُ: مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ أَنَّ الْقَوِيَّ قَدْ غُلِبَ، وَالضُّعَفَاءَ لَاهُونَ مُغْتَرُّونَ. وَقَالَ آخَرُ: هَذَا الَّذِي جَعَلَ أَجَلَهُ ضَمَانًا وَجَعَلَ أَمَلَهُ عِيَانًا، هَلَّا بَاعَدْتَ مِنْ أَجَلِكَ لِتَبْلُغَ بَعْضَ أَمَلِكَ، بَلْ هَلَّا حَقَّقْتَ مِنْ أَمَلِكَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ فَوْتِ أَجْلِكَ. وَقَالَ آخَرُ: أَيُّهَا السَّاعِي الْمُنْتَصِبُ، مَا خَذَلَكَ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، فَغُودِرَتْ عَلَيْكَ أَوْزَارُهُ، وَقَارَفْتَ آثَامَهُ، فَجَمَعْتَ لِغَيْرِكَ وَإِثْمُهُ عَلَيْكَ. وَقَالَ آخَرُ: قَدْ كُنْتَ لَنَا وَاعِظًا فَمَا وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةً أَبْلَغَ مِنْ وَفَاتِكَ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَعْقُولٌ فَلْيَعْقِلْ، وَمَنْ كَانَ مُعْتَبِرًا فَلْيَعْتَبِرْ. وَقَالَ آخَرُ: رُبَّ هَائِبٍ لَكَ يَخَافُكَ مِنْ وَرَائِكَ وَهُوَ الْيَوْمَ بِحَضْرَتِكَ وَلَا يَخَافُكَ. رُبَّ حَرِيصٍ عَلَى سُكُوتِكَ إِذْ لَا تَسْكُتُ، وَهُوَ الْيَوْمَ حَرِيصٌ عَلَى كَلَامِكَ إِذْ لَا تَتَكَلَّمُ. وَقَالَ آخَرُ: كَمْ أَمَاتَتْ هَذِهِ النَّفْسُ لِئَلَّا تَمُوتَ وَقَدْ مَاتَتْ. وَقَالَ آخَرُ، وَكَانَ صَاحِبَ كُتُبِ الْحِكْمَةِ: قَدْ كُنْتَ تَأْمُرُنِي أَنْ لَا أَبْعُدَ عَنْكَ فَالْيَوْمَ لَا أَقْدِرُ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْكَ. وَقَالَ آخَرُ: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ أَقْبَلَ مِنْ شَرِّهِ مَا كَانَ مُدْبِرًا، وَأَدْبَرَ مِنْ خَيْرِهِ مَا كَانَ مُقْبِلًا، فَمَنْ كَانَ بَاكِيًا عَلَى مَنْ زَالَ مُلْكُهُ فَلْيَبْكِ. وَقَالَ آخَرُ: يَا عَظِيمَ السُّلْطَانِ اضْمَحَلَّ سُلْطَانُكَ كَمَا اضْمَحَلَّ ظِلُّ السَّحَابِ، وَعَفَتْ آثَارُ مَمْلَكَتِكَ كَمَا عَفَتْ آثَارُ الذُّبَابِ. وَقَالَ آخَرُ: يَا مَنْ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ طُولًا وَعَرْضًا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حَالُكَ بِمَا احْتَوَى عَلَيْكَ مِنْهَا ! وَقَالَ آخَرُ: اعْجَبُوا مِمَّنْ كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ كَيْفَ شَهَرَ نَفْسَهُ بِجَمْعِ الْأَمْوَالِ الْحُطَامِ الْبَائِدِ، وَالْهَشِيمِ النَّافِذِ. وَقَالَ آخَرُ: أَيُّهَا الْجَمْعُ الْحَافِلُ، وَالْمُلْقَى الْفَاضِلُ لَا تَرْغَبُوا فِيمَا لَا يَدُومُ سُرُورُهُ، وَتَنْقَطِعُ لَذَّتُهُ، فَقَدْ بَانَ لَكُمُ الصَّلَاحُ، وَالرَّشَادُ مِنَ الْغَيِّ وَالْفَسَادِ. وَقَالَ آخَرُ انْظُرُوا إِلَى حُلْمِ النَّائِمِ كَيْفَ انْقَضَى، وَظِلِّ الْغَمَامِ كَيْفَ انْجَلَى. وَقَالَ آخَرُ: يَا مَنْ كَانَ غَضَبُهُ الْمَوْتَ هَلَّا غَضِبْتَ عَلَى الْمَوْتِ ! وَقَالَ آخَرُ: قَدْ رَأَيْتُمْ هَذَا الْمَلِكَ الَمَاضِيَ فَلْيَتَّعِظْ بِهِ هَذَا الْمَلِكُ الْبَاقِي. وَقَالَ آخَرُ: إِنَّ الَّذِي كَانَتِ الْآذَانُ تُنْصِتُ لَهُ قَدْ سَكَتَ فَلْيَتَكَلَّمِ الْآنَ كُلُّ سَاكِتٍ. وَقَالَ آخَرُ: سَيَلْحَقُ بِكَ مَنْ سَرَّهُ مَوْتُكَ كَمَا لَحِقْتَ بِمَنْ سَرَّكَ مَوْتُهُ. وَقَالَ آخَرُ: مَا لَكَ لَا تُقِلُّ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِكَ وَقَدْ كُنْتَ تَسْتَقِلُّ بِمُلْكِ الْأَرْضِ ! بَلْ مَا لَكَ لَا تَرْغَبُ عَنْ ضِيقِ الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَقَدْ كُنْتَ تَرْغَبُ عَنْ رُحْبِ الْبِلَادِ ! وَقَالَ آخَرُ: إِنَّ دُنْيَا يَكُونُ هَذَا فِي آخِرِهَا فَالزُّهْدُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهَا. وَقَالَ صَاحِبُ مَائِدَتِهِ: قَدْ فُرِشَتِ النَّمَارِقُ، وَنُضِّدَتِ النَّضَائِدُ، وَلَا أَرَى عَمِيدَ الْقَوْمِ. وَقَالَ صَاحِبُ بَيْتِ مَالِهِ: قَدْ كُنْتَ تَأْمُرُنِي بِالِادِّخَارِ فَإِلَى مَنْ أَدْفَعُ ذَخَائِرَكَ ؟ وَقَالَ آخَرُ: هَذِهِ الدُّنْيَا الطَّوِيلَةُ الْعَرِيضَةُ قَدْ طَوَيْتَ مِنْهَا سَبْعَةَ أَشْبَارٍ وَلَوْ كُنْتَ بِذَلِكَ مُوقِنًا لَمْ تَحْمِلْ عَلَى نَفْسِكَ فِي الطَّلَبِ. وَقَالَتْ زَوْجَتُهُ رُوشَنْكُ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ غَالِبَ دَارَا يُغْلَبُ، فَإِنَّ الْكَلَامَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْكُمْ فِيهِ شَمَاتَةٌ، فَقَدْ خَلَّفَ الْكَأْسَ الَّذِي شَرِبَ مِنْهُ لِيَشْرَبَهُ الْجَمَاعَةُ. وَقَالَتْ أُمُّهُ حِينَ بَلَغَهَا مَوْتُهُ: لَئِنْ فَقَدْتُ مِنَ ابْنِي أَمْرَهُ لَمْ يُفْقَدْ مِنْ قَلْبِي ذِكْرُهُ. فَهَذَا كَلَامُ الْحُكَمَاءِ فِيهِ مَوَاعِظُ وَحِكَمٌ حَسَنَةٌ فَلِهَذَا أُثْبِتُهَا.

  350. التاريخ 351لا حكم مسجّل

    ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَا الْقَرْنَيْنِ هَذَا، وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالْعَدْلِ، وَأَنَّهُ بَلَغَ الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ، وَمَلَكَ الْأَقَالِيمَ وَقَهَرَ أَهْلَهَا، وَسَارَ فِيهِمْ بِالْمَعْدَلَةِ التَّامَّةِ، وَالسُّلْطَانِ الْمُؤَيَّدِ الْمُظَفَّرِ الْمَنْصُورِ الْقَاهِرِ الْمُقْسِطِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا [ الْكَهْفِ: 83 - 98 ].

  351. التاريخ 352لا حكم مسجّل

    كَانَ سَبَبُ نُزُولِ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ  ، وَخَبَرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، فِي " السِّيرَةِ " وَغَيْرُهُ، أَنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا إِلَى الْيَهُودِ يَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ يَمْتَحِنُونَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَسْأَلُونَهُ عَنْهَا ; لِيَخْتَبِرُوا مَا يُجِيبُ بِهِ فِيهَا، فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ قِصَّةٌ عَجَبٌ؛ وَعَنْ رَجُلٍ كَانَ طَوَّافًا قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا؛ وَأَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوحِ مَا هِيَ ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ فِيمَا يَذْكُرُونَ - خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُحْدِثُ اللَّهُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ، وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا، وَالْيَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْهَا لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءِ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، وَحَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُكْثُ الْوَحْيِ عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ: ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الْفِتْيَةَ، وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ، وَالرُّوحِ. وأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [ الْإِسْرَاءِ: 58 ]. وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَقَالَ هَاهُنَا: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا أَيْ: لَيْسُوا بِعَجَبٍ عَظِيمٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا أَطْلَعْنَاكَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَخْبَارِ الْعَظِيمَةِ، وَالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ وَالْعَجَائِبِ الْغَرِيبَةِ.

  352. التاريخ 353لا حكم مسجّل

    ذِكْرُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ  ، وَكَانُوا أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ كَانَ أَصْحَابُ الْكَهْفِ أَيَّامَ مَلِكٍ اسْمُهُ دِقْيُوسْ، وَيُقَالُ دِقْيَانُوسْ، وَكَانُوا بِمَدِينَةٍ لِلرُّومِ اسْمُهَا أَفْسُوسْ، وَمَلِكَهُمْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَكَانُوا فَتِيَّةً آمَنُوا بِرَبِّهِمْ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى فَقَالَ: ( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا )، وَالرَّقِيمُ خَبَرُهُمْ كُتِبَ فِي لَوْحٍ، وَجُعِلَ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ الَّذِي أَوَوْا إِلَيْهِ، وَقِيلَ: كَتَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ زَمَانِهِمْ وَجَعَلَهُ فِي الْبِنَاءِ وَفِيهِ أَسْمَاؤُهُمْ وَفِي أَيَّامِ مَنْ كَانُوا وَسَبَبُ وُصُولِهِمْ إِلَى الْكَهْفِ. وَكَانُوا مِنَ الرُّومِ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، فَهَدَاهُمُ اللَّهُ، وَكَانَتْ شَرِيعَتُهُمْ شَرِيعَةَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ الْمَسِيحِ، وَأَنَّ الْمَسِيحَ أَعْلَمُ قَوْمِهِ بِهِمْ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ بَعْدَ رَفْعِ الْمَسِيحِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَاعْتِنَاءُ الْيَهُودِ بِأَمْرِهِمْ وَمَعْرِفَةِ خَبَرِهِمْ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ زَمَانَهُمْ مُتَقَدِّمٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا بَعْدَ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا نَصَارَى.

  353. التاريخ 354لا حكم مسجّل

    وَكَانَتْ عِدَّتُهُمْ، فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ، سَبْعَةً وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ، وَقَالَ: إِنَّا مِنَ الْقَلِيلِ الَّذِينَ تَعْلَمُونَهُمْ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانُوا ثَمَانِيَةً، فَعَلَى قَوْلِهِ يَكُونُ تَاسِعُهُمْ كَلْبَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ فَذَكَرَ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي كَمِّيَّتِهِمْ، فَحَكَى ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ وَضَعَّفَ الْأَوَّلَيْنِ، وَقَرَّرَ الثَّالِثَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْحَقُّ ; إِذْ لَوْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ لَحَكَاهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الثَّالِثُ هُوَ الصَّحِيحَ لَوَهَّاهُ، فَدَلَّ عَلَى مَا قُلْنَاهُ، وَلَمَّا كَانَ النِّزَاعُ فِي مِثْلِ هَذَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَلَا جَدْوَى عِنْدَهُ، أَرْشَدَ نَبِيَّهُ ﷺ، إِلَى الْأَدَبِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ، إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. وَلِهَذَا قَالَ: قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ وَقَوْلُهُ: مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ أَيْ: مِنَ النَّاسِ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا أَيْ سَهْلًا، وَلَا تَتَكَلَّفْ إِعْمَالَ الْجِدَالِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ، وَلَا تَسْتَفْتِ فِي أَمْرِهِمْ أَحَدًا مِنَ الرِّجَالِ; وَلِهَذَا أَبْهَمَ تَعَالَى عِدَّتَهُمْ فِي أَوَّلِ الْقِصَّةِ فَقَالَ: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَلَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِ عِدَّتِهِمْ كَبِيرُ فَائِدَةٍ لَذَكَرَهَا عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ. وقيل أن أَسْمَاءُ الْفِتْيَةِ: مَكْسِلْمِينْيَا وَيَمْلِيخَا وَمَرْطُوسْ وَنِيرُوِيسْ وَكَسْطُومَسْ وَدَيْنَمُوسْ وَرِيطُوفَسْ وَقَالُوسْ وَمَخْسِيلْمِينْيَا، وَهَذِهِ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ

  354. التاريخ 355لا حكم مسجّل

    الظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْمَ أصحاب الكهف كَانُوا مُشْرِكِينَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ. قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ وَغَيْرِهِمْ: كَانُوا فِي زَمَنِ مَلِكٍ يُقَالُ لَهُ: دِقْيَانُوسُ. وَكَانُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْأَكَابِرِ. وَقِيلَ: مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ. وَاتَّفَقَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي يَوْمِ عِيدٍ لِقَوْمِهِمْ فَرَأَوْا مَا يَتَعَاطَاهُ قَوْمُهُمْ، مِنَ السُّجُودِ لِلْأَصْنَامِ وَالتَّعْظِيمِ لِلْأَوْثَانِ، فَنَظَرُوا بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ، وَكَشَفَ اللَّهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ حِجَابَ الْغَفْلَةِ، وَأَلْهَمَهُمْ رُشْدَهُمْ، فَعَلِمُوا أَنَّ قَوْمَهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، فَخَرَجُوا عَنْ دِينِهِمْ، وَانْتَمَوْا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمَّا أَوْقَعَ اللَّهُ فِي نَفْسِهِ مَا هَدَاهُ إِلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، انْحَازَ عَنِ النَّاسِ، وَاتَّفَقَ اجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، كَمَا صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ فَكُلٌّ مِنْهُمْ سَأَلَ الْآخَرَ عَنْ أَمْرِهِ وَعَنْ شَأْنِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا هُوَ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الِانْحِيَازِ عَنْ قَوْمِهِمْ، وَالتَّبَرِّي مِنْهُمْ، وَالْخُرُوجِ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، وَالْفِرَارِ بِدِينِهِمْ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْمَشْرُوعُ حَالَ الْفِتَنِ وَظُهُورِ الشُّرُورِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ أَيْ: بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، وَصَارُوا مِنَ الْأَمْرِ عَلَيْهِ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ أَيْ: وَإِذْ قَدْ فَارَقْتُمُوهُمْ فِي دِينِهِمْ وَتَبَرَّأْتُمْ مِمَّا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشْرِكُونَ مَعَ اللَّهِ، كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ: إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [ الزُّخْرُفِ: 26، 27 ]. وَهَكَذَا هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِذْ قَدْ فَارَقْتُمْ قَوْمَكُمْ فِي دِينِهِمْ، فَاعْتَزَلُوهُمْ بِأَبْدَانِكُمْ لِتَسْلَمُوا مِنْهُمْ أَنْ يُوصِلُوا إِلَيْكُمْ شَرًّا فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا أَيْ: يُسْبِلْ عَلَيْكُمْ سِتْرَهُ، وَتَكُونُوا تَحْتَ حِفْظِهِ وَكَنَفِهِ، وَيَجْعَلْ عَاقِبَةَ أَمْرِكُمْ إِلَى خَيْرٍ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَمِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَا هُوَ الْأَنْفَعُ مِنْ خَبَرِهِمْ وَالْأَهَمُّ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَوَصَفَ حَالَهُمْ، حَتَّى كَأَنَّ السَّامِعَ رَاءٍ، وَالْمُخْبَرَ مُشَاهِدٌ لِصِفَةِ كَهْفِهِمْ، وَكَيْفِيَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ الْكَهْفِ وَتَقَلُّبِهِمْ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ، وَأَنَّ كَلْبَهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ. قَالَ: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا أَيْ: لِمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَهَابَةِ وَالْجَلَالَةِ فِي أَمْرِهِمُ الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْخِطَابَ هَاهُنَا لِجِنْسِ الْإِنْسَانِ الْمُخَاطَبِ، لَا لِخُصُوصِيَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، كَقَوْلِهِ: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [ التِّينِ: 7 ]. أَيْ: أَيُّهَا الْإِنْسَانُ ; وَذَلِكَ لِأَنَّ طَبِيعَةَ الْبَشَرِيَّةِ تَفِرُّ مِنْ رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَهِيبَةِ غَالِبًا، وَلِهَذَا قَالَ: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا، وَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَ لَيْسَ كَالْمُعَايَنَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ; لِأَنَّ الْخَبَرَ قَدْ حَصَلَ وَلَمْ يَحْصُلِ الْفِرَارُ وَلَا الرُّعْبُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ بَعَثَهُمْ مِنْ رَقْدَتِهِمْ بَعْدَ نَوْمِهِمْ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَتِسْعِ سِنِينَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيْ: بِدَرَاهِمِكُمْ هَذِهِ، يَعْنِي الَّتِي مَعَهُمْ، إِلَى الْمَدِينَةِ. وَيُقَالُ، كَانَ اسْمُهَا دَفْسُوسَ. فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا أَيْ: أَطْيَبَ مَالًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أَيْ: بِطَعَامٍ تَأْكُلُونَهُ، وَهَذَا مِنْ زُهْدِهِمْ وَوَرَعِهِمْ وَلْيَتَلَطَّفْ أَيْ: فِي دُخُولِهِ إِلَيْهَا وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا أَيْ: إِنْ عُدْتُمْ فِي مِلَّتِهِمْ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَكُمُ اللَّهُ مِنْهَا ; وَهَذَا كُلُّهُ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ رَقَدُوا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْسَبُوا أَنَّهُمْ قَدْ رَقَدُوا أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَقَدْ تَبَدَّلَتِ الدُّوَلُ أَطْوَارًا عَدِيدَةً، وَتَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَذَهَبَ أُولَئِكَ الْقَرْنُ الَّذِينَ كَانُوا فِيهِمْ، وَجَاءَ غَيْرُهُمْ وَذَهَبُوا، وَجَاءَ غَيْرُهُمْ ; وَلِهَذَا لَمَّا خَرَجَ أَحَدُهُمْ، وَهُوَ تِيذُوسِيسُ فِيمَا قِيلَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُتَنَكِّرًا ; لِئَلَّا يَعْرِفَهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيمَا يَحْسَبُهُ، تَنَكَّرَتْ لَهُ الْبِلَادُ وَاسْتَنْكَرَهُ مَنْ رَآهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَاسْتَغْرَبُوا شَكْلَهُ وَصِفَتَهُ وَدَرَاهِمَهُ. وقيل أنهم قَالُوا لِتَمْلِيخَا صَاحِبِ نَفَقَتِهِمْ: انْطَلِقْ [ فَاسْمَعْ مَا يَذْكُرُونَهُ ] وَابْتَعْ لَنَا طَعَامًا، فَوَضَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ الثِّيَابَ الَّتِي يَتَنَكَّرُ فِيهَا وَخَرَجَ، فَمَرَّ مُسْتَخْفِيًا مُتَخَوِّفًا أَنْ يَرَاهُ أَحَدٌ، فَلَمَّا رَأَى بَابَ الْمَدِينَةِ رَأَى عَلَيْهِ عَلَامَةً تَكُونُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ فَعَجِبَ، وَخُيِّلَ إِلَيْهِ أَنَّهَا لَيْسَتِ الْمَدِينَةُ الَّتِي يَعْرِفُ، وَرَأَى نَاسًا لَا يَعْرِفُهُمْ، فَتَعَجَّبَ، وَجَعَلَ يَقُولُ: لَعَلِّي نَائِمٌ، فَلَمَّا دَخَلَهَا رَأَى قَوْمًا يَحْلِفُونَ بَاسِمِ عِيسَى فَقَامَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى جِدَارٍ، وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي لَمَا هَذَا إِلَّا غَشْيَةً، أَمْسِ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يَذْكُرُ عِيسَى إِلَّا قُتِلَ، وَالْيَوْمَ أَسْمَعُهُمْ يَذْكُرُونَهُ، لَعَلَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِالْمَدِينَةِ الَّتِي أَعْرِفُ، وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مَدِينَةً قُرْبَ مَدِينَتِنَا [ شَيْئًا ]. فَقَامَ كَالْحَيَوَانِ، وَأَخْرَجَ وَرَقًا، فَأَعْطَاهُ رَجُلًا، وَقَالَ: بِعْنِي طَعَامًا. فَنَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى نَقْشِهِ فَعَجِبَ ثُمَّ أَلْقَاهُ إِلَى آخَرَ، فَجَعَلُوا يَتَطَارَحُونَهُ بَيْنَهُمْ وَيَتَعَجَّبُونَ وَيَتَنَاقَدُونَ وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا قَدْ أَصَابَ كَنْزًا فَفَرَقَ مِنْهُمْ وَظَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوهُ، فَقَالَ: أَمْسِكُوا طَعَامَكُمْ فَلَا حَاجَةَ لِي إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: مَنْ أَنْتَ يَا فَتًى، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتَ كَنْزًا، وَأَنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُخْفِيهِ، فَشَارِكْنَا فِيهِ، وَإِلَّا أَتَيْنَا بِكَ إِلَى السُّلْطَانِ فَيَقْتُلُكَ. فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، فَطَرَحُوا كِسَاءَهُ فِي عُنُقِهِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: فُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي يَا لَيْتَهُمْ يَعْلَمُونَ مَا أَصَبْتُ فَأَتَوْا بِهِ إِلَى رَجُلَيْنِ كَانَا يُدَبِّرَانِ أَمْرَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَا: أَيْنَ الْكَنْزُ الَّذِي وَجَدْتَ ؟ فَقَالَ: مَا وَجَدْتُ كَنْزًا، وَلَكِنْ مَا هَذِهِ وَرِقُ آبَائِي وَنَقْشُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ وَضَرْبُهَا، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا شَأْنِي وَلَا مَا أَقُولُ [ لَكُمْ ]. قَالَ مُجَاهِدٌ: وَكَانَ وَرِقُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ مِثْلُ أَخْفَافِ الْإِبِلِ فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ، وَمَا اسْمُ أَبِيكَ ؟ فَأَخْبَرَهُمْ، فَلَمْ يَجِدُوا مَنْ يَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا: أَتُظَنُّ أَنَّكَ تَسْخَرُ مِنَّا وَخَزَائِنُ هَذِهِ الْمَدِينَةِ بِأَيْدِينَا وَلَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ هَذَا الضَّرْبِ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارٌ، إِنِّي سَآمُرُ بِكَ فَتُعَذَّبَ عَذَابًا شَدِيدًا، ثُمَّ أُوثِقُكَ حَتَّى تَعْرِفَ هَذَا الْكَنْزَ. فَقَالَ تَمْلِيخَا: أَنْبَئُونِي عَنْ شَيْءٍ أَسْأَلُكُمْ عَنْهُ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ صَدَقْتُمْ. قَالُوا: سَلْ، قَالَ: مَا فَعَلَ الْمَلِكُ دِقْيَانُوسُ، قَالُوا: لَا نَعْرِفُ الْيَوْمَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَلِكًا يُسَمَّى دِقْيَانُوسُ، وَإِنَّمَا هَذَا مَلِكٌ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ، وَهَلَكَتْ بَعْدَهُ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَصْدُقُنِي أَحَدٌ بِمَا أَقُولُهُ، لَقَدْ كُنَّا فَتِيَّةٌ، وَأَكْرَهَنَا الْمَلِكُ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالذَّبْحِ لِلطَّوَاغِيتِ، فَهَرَبْنَا مِنْهُ عَشِيَّةَ أَمْسِ، فَنِمْنَا، فَلَمَّا انْتَبَهْنَا خَرَجْتُ أَشْتَرِي لِأَصْحَابِي طَعَامًا، فَإِذَا أَنَا كَمَا تَرَوْنَ، فَانْطَلِقُوا مَعِي إِلَى الْكَهْفِ أُرِيكُمْ أَصْحَابِي. فَانْطَلَقُوا مَعَهُ وَسَارَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَكَانَ أَصْحَابُهُ قَدْ ظَنُّوا لِإِبْطَائِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ قَدْ أُخِذَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَتَخَوَّفُونَ ذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا الْأَصْوَاتَ وَجَلَبَةَ الْخَيْلِ، فَظَنُّوا أَنَّهُمْ رُسُلُ دِقْيَانُوسُ، فَقَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَسَلَّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَسَبَقَ تَمْلِيخَا إِلَيْهِمْ وَهُوَ يَبْكِي فَبَكَوْا مَعَهُ وَسَأَلُوهُ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَهُمْ، وَقَصَّ عَلَيْهِمُ النَّبَأَ كُلَّهُ، فَعَرَفُوا أَنَّهُمْ كَانُوا نِيَامًا بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّمَا أُوقِظُوا لِيَكُونُوا آيَةً لِلنَّاسِ، وَتَصْدِيقًا لِلْبَعْثِ. وَنَظَرَ النَّاسُ [ إِلَى ] الْمَسْطُورِ الَّذِي فِيهِ أَسْمَاؤُهُمْ وَقِصَّتُهُمْ فَأَرْسَلُوا إِلَى مِلْكِهِمْ، فَجَاءَ وَاعْتَنَقَ الْقَوْمَ وَبَكَى، فَقَالُوا لَهُ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ وَنَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، حَفِظَكَ اللَّهُ، وَحَفِظَ مُلْكَكَ، فَبَيْنَا الْمَلِكُ قَائِمٌ رَجَعُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَتَوَفَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْفُسَهُمْ وقيل أن أَهْلُ الْبَلْدَةِ، لَمْ يَهْتَدُوا إِلَى مَوْضِعِهِمْ مِنَ الْغَارِ، وَعَمَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَمْرَهُمْ. وَيُقَالُ: لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُخُولَهُ حِسًّا. وَيُقَالُ: مَهَابَةً لَهُمْ. سبب إيمان أصحاب الكهف وفي رواية أخرى ذكرها ابن الأثير في كتابه الكامل أن سَبَبَ إِيمَانِهِمْ أَنَّهُ جَاءَ حَوَارِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ عِيسَى إِلَى مَدِينَتِهِمْ فَأَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَلَى بَابِهَا صَنَمًا لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ حَتَّى يَسْجُدَ لَهُ، فَلَمْ يَدْخُلْهَا وَأَتَى حَمَّامًا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَعْمَلُ فِيهِ، فَرَأَى صَاحِبُ الْحَمَّامِ الْبَرَكَةَ وَعَلِقَهُ الْفِتْيَةُ، فَجَعَلَ يُخْبِرُهُمْ خَبَرَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَخَبَرَ الْآخِرَةِ حَتَّى آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ. فَكَانَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَ ابْنُ الْمَلِكِ بِامْرَأَةٍ فَدَخَلَ بِهَا الْحَمَّامَ، فَعَيَّرَهُ الْحِوَارِيُّ فَاسْتَحْيَا، ثُمَّ رَجَعَ مَرَّةً أُخْرَى فَعَيَّرَهُ فَسَبَّهُ وَانْتَهَرَهُ وَدَخَلَ الْحَمَّامَ وَمَعَهُ الْمَرْأَةُ، فَمَاتَا فِي الْحَمَّامِ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: إِنَّ الَّذِي بِالْحَمَّامِ قَتَلَهُمَا، فَطُلِبَ فَلَمْ يُوجَدْ، فَقِيلَ: مَنْ كَانَ يَصْحَبُهُ ؟ فَذُكِرَ الْفِتْيَةُ، فَطُلِبُوا فَهَرَبُوا، فَمَرُّوا بِصَاحِبٍ لَهُمْ عَلَى حَالِهِمْ فِي زَرْعٍ لَهُ فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَهُمْ. فَسَارَ مَعَهُمْ وَتَبِعَهُمُ الْكَلْبُ الَّذِي لَهُ، حَتَّى آوَاهُمُ اللَّيْلُ إِلَى الْكَهْفِ، فَقَالُوا: نَبِيتُ هَهُنَا حَتَّى نُصْبِحَ ثُمَّ نَرَى رَأْيَنَا، فَدَخَلُوهُ فَرَأَوْا عِنْدَهُ عَيْنَ مَاءٍ وَثِمَارًا، فَأَكَلُوا مِنَ الثِّمَارِ وَشَرِبُوا مِنَ الْمَاءِ، فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ وَوَكَّلَ بِهِمْ مَلَائِكَةً يُقَلِّبُونَهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ لِئَلَّا تَأْكُلَ الْأَرْضُ أَجْسَادَهُمْ، وَكَانَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ عَلَيْهِمْ. وَسَمِعَ الْمَلِكُ دِقْيَانُوسْ خَبَرَهُمْ فَخَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَتْبَعُونَ أَثَرَهُمْ حَتَّى وَجَدَهُمْ قَدْ دَخَلُوا الْكَهْفَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالدُّخُولِ إِلَيْهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ. فَكُلَّمَا أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَدْخُلَ فَأُرْعِبَ فَعَادَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلَيْسَ لَوْ كُنْتَ ظَفِرْتَ بِهِمْ قَتَلْتَهُمْ ؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَابْنِ عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَهْفِ وَدَعْهُمْ يَمُوتُوا جُوعًا وَعَطَشًا. فَفَعَلَ، فَبَقُوا زَمَانًا بَعْدَ زَمَانٍ. ثُمَّ إِنَّ رَاعِيًا أَدْرَكَهُ الْمَطَرُ فَقَالَ: لَوْ فَتَحْتُ بَابَ هَذَا الْكَهْفِ فَأَدْخَلْتُ غَنَمِي فِيهِ، فَفَتَحَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَرْوَاحَهُمْ مِنَ الْغَدِ حِينَ أَصْبَحُوا، فَبَعَثُوا أَحَدَهُمْ بِوَرِقٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ طَعَامًا، وَاسْمُهُ تَمْلِيخَا، فَلَمَّا أَتَى بَابَ الْمَدِينَةِ رَأَى مَا أَنْكَرَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ: بِعْنِي بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ طَعَامًا. فَقَالَ: فَمِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ ؟ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَصْحَابٌ لِي أَمْسِ ثُمَّ أَصْبَحُوا فَأَرْسَلُونِي. فَقَالَ: هَذِهِ الدَّرَاهِمُ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ الْمَلِكِ الْفُلَانِيِّ. فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، وَكَانَ مَلِكًا صَالِحًا، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَأَعَادَ عَلَيْهِ حَالَهُمْ. فَقَالَ الْمَلِكُ: أَيْنَ أَصْحَابُكَ ؟ قَالَ: انْطَلِقُوا مَعِي. فَانْطَلَقُوا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا بَابَ الْكَهْفِ، فَقَالَ: دَعُونِي أَدْخُلْ إِلَى أَصْحَابِي قَبْلَكُمْ لِئَلَّا يَسْمَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَيَخَافُوا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ دِقْيَانُوسْ قَدْ عَلِمَ بِهِمْ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَسَجَدُوا شُكْرًا لِلَّهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَتَوَفَّاهُمْ، فَاسْتَجَابَ لَهُمْ. فَضَرَبَ عَلَى أُذُنِهِ وَآذَانِهِمْ، وَأَرَادَ الْمَلِكُ الدُّخُولَ عَلَيْهِمْ فَكَانُوا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ أُرْعِبَ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، فَعَادَ عَنْهُمْ، فَبَنَوْا عَلَيْهِمْ كَنِيسَةً يُصَلُّونَ فِيهَا. قَالَ عِكْرِمَةُ: لَمَّا بَعَثَهُمُ اللَّهُ كَانَ الْمَلِكُ حِينَئِذٍ مُؤْمِنًا، وَكَانَ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ وَبَعْثِهِمَا، فَقَالَ قَائِلٌ: يَبْعَثُ اللَّهُ الرُّوحَ دُونَ الْجَسَدِ. وَقَالَ قَائِلٌ: يُبْعَثَانِ جَمِيعًا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِكِ فَلَبِسَ الْمُسُوحَ وَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْحَقَّ، فَبَعَثَ اللَّهُ أَصْحَابَ الْكَهْفِ بُكْرَةً، فَلَمَّا بَزَغَتِ الشَّمْسُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ غَفَلْنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَنِ الْعِبَادَةِ، فَقَامُوا إِلَى الْمَاءِ، وَكَانَ عِنْدَ الْكَهْفِ عَيْنٌ وَشَجَرَةٌ، فَإِذَا الْعَيْنُ قَدْ غَارَتْ وَالْأَشْجَارُ قَدْ يَبِسَتْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ أَمْرَنَا لَعَجَبٌ ! هَذِهِ الْعَيْنُ غَارَتْ وَهَذِهِ الْأَشْجَارُ يَبِسَتْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ ! وَأَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجُوعَ، فَقَالُوا أَيُّكُمْ يَذْهَبُ ( إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ). فَدَخَلَ أَحَدُهُمْ يَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَلَمَّا رَأَى السُّوقَ عَرَفَ طُرُقَهَا وَأَنْكَرَ الْوُجُوهَ وَرَأَى الْإِيمَانَ ظَاهِرًا بِهَا، فَأَتَى رَجُلًا يَشْتَرِي مِنْهُ، فَأَنْكَرَ الدَّرَاهِمَ، فَرَفَعَهُ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ الْفَتَى: أَلَيْسَ مَلِكَكُمْ فُلَانٌ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا بَلْ فُلَانٌ فَعَجِبَ لِذَلِكَ. فَلَمَّا أُحْضِرَ عِنْدَ الْمَلِكِ أَخْبَرَهُ بِخَبَرِ أَصْحَابِهِ، فَجَمَعَ الْمَلِكُ النَّاسَ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ فِي الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ آيَةً هَذَا الرَّجُلُ مِنْ قَوْمِ فُلَانٍ، يَعْنِي الْمَلِكَ الَّذِي مَضَى. فَقَالَ الْفَتَى: انْطَلِقُوا بِي إِلَى أَصْحَابِي، فَرَكِبَ الْمَلِكُ وَالنَّاسُ مَعَهُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْكَهْفِ قَالَ الْفَتَى لِلْمَلِكِ: ذَرُونِي أَسْبِقُكُمْ إِلَى أَصْحَابِي أُعَرِّفُهُمْ خَبَرَكُمْ لِئَلَّا يَخَافُوا إِذَا سَمِعُوا وَقْعَ حَوَافِّ دَوَابِّكُمْ وَأَصْوَاتَكُمْ فَيَظُنُّوكُمْ دِقْيَانُوسْ. فَقَالَ: افْعَلْ، فَسَبَقَهُمْ إِلَى أَصْحَابِهِ وَدَخَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ مِقْدَارَ لَبْثِهِمْ فِي الْكَهْفِ وَبَكَوْا فَرَحًا وَدَعَوُا اللَّهَ أَنْ يُمِيتَهُمْ وَلَا يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِمَّنْ جَاءَهُمْ، فَمَاتُوا لِسَاعَتِهِمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِهِ وَآذَانِهِمْ مَعَهُ. فَلَمَّا اسْتَبْطَأُوهُ دَخَلُوا إِلَى الْفِتْيَةِ فَإِذَا أَجْسَادُهُمْ لَا يُنْكِرُونَ مِنْهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهَا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، فَقَالَ الْمَلِكُ: هَذِهِ آيَةٌ لَكُمْ. وَرَأَى الْمَلِكُ تَابُوتًا مِنْ نُحَاسٍ مَخْتُومًا بِخَاتَمٍ، فَفَتَحَهُ، فَرَأَى فِيهِ لَوْحًا مِنْ رَصَاصٍ مَكْتُوبَا فِيهِ أَسْمَاءُ الْفِتْيَةِ، وَأَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنْ دِقْيَانُوسْ الْمَلِكِ مَخَافَةً عَلَى نُفُوسِهِمْ وَدِينِهِمْ فَدَخَلُوا هَذَا الْكَهْفَ. فَلَمَّا عَلِمَ دِقْيَانُوسْ بِمَكَانِهِمْ بِالْكَهْفِ سَدَّهُ عَلَيْهِمْ. فَلْيَعْلَمْ مَنْ يَقْرَأُ كِتَابَنَا هَذَا شَأْنَهُمْ. فَلَمَّا قَرَأُوهُ عَجِبُوا وَحَمِدُوا اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَرَاهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ لِلْبَعْثِ وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ. وَقِيلَ: إِنَّ الْمَلِكَ وَمَنْ مَعَهُ دَخَلُوا عَلَى الْفِتْيَةِ فَرَأَوْهُمْ أَحْيَاءً مُشْرِقَةً وُجُوهُهُمْ وَأَلْوَانُهُمْ لَمْ تُبْلَ ثِيَابُهُمْ، وَأَخْبَرَهُمُ الْفِتْيَةُ بِمَا لَقُوا مِنْ مَلِكِهِمْ دِقْيَانُوسْ، وَاعْتَنَقَهُمُ الْمَلِكُ، وَقَعَدُوا مَعَهُ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَيَذْكُرُونَهُ. ثُمَّ قَالُوا لَهُ: نَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ. وَرَجَعُوا إِلَى مَضَاجِعِهِمْ كَمَا كَانُوا، فَعَمِلَ الْمَلِكُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَابُوتًا مِنَ الذَّهَبِ، فَلَمَّا نَامَ رَآهُمْ فِي مَنَامِهِ وَقَالُوا: إِنَّنَا لَمْ نُخْلَقْ مِنَ الذَّهَبِ إِنَّمَا خُلِقْنَا مِنَ التُّرَابِ وَإِلَيْهِ نَصِيرُ، فَعَمِلَ لَهُمْ حِينَئِذٍ تَوَابِيتَ مِنْ خَشَبٍ، فَحَجَبَهُمُ اللَّهُ بِالرُّعْبِ، وَبَنَى الْمَلِكُ عَلَى بَابِ الْكَهْفِ مَسْجِدًا وَجَعَلَ لَهُمْ عِيدًا عَظِيمًا.

  355. التاريخ 356لا حكم مسجّل

    الْكَهْفُ هُوَ الْغَارُ فِي الْجَبَلِ. قَالَ شُعَيْبٌ الْجَبَائِيُّ: وَاسْمُ كَهْفِهِمْ حَيْزَمُ. وقد ذكَرَ تَعَالَى صِفَةَ الْغَارِ الَّذِي آوَوْا إِلَيْهِ، وَأَنَّ بَابَهُ مُوَجَّهٌ إِلَى نَحْوِ الشَّمَالِ، وَأَعْمَاقَهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ أَنْفَعُ الْأَمَاكِنِ ; أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ قِبْلِيًّا، وَبَابُهُ نَحْوَ الشَّمَالِ، فَقَالَ: وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ وَقُرِئَ: ( تَزْوَرُّ ) عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَخْبَرَ أَنَّ الشَّمْسَ، يَعْنِي فِي زَمَنِ الصَّيْفِ وَأَشْبَاهِهِ، تُشْرِقُ أَوَّلَ طُلُوعِهَا فِي الْغَارِ فِي جَانِبِهِ الْغَرْبِيِّ، ثُمَّ تَشْرَعُ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ قَلِيلًا قَلِيلًا، وَهُوَ ازْوِرَارُهَا ذَاتَ الْيَمِينِ فَتَرْتَفِعُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ وَتَتَقَلَّصُ عَنْ بَابِ الْغَارِ، ثُمَّ إِذَا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ تَشْرَعُ فِي الدُّخُولِ فِيهِ مِنْ جِهَتِهِ الشَّرْقِيَّةِ قَلِيلًا قَلِيلًا إِلَى حِينِ الْغُرُوبِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهَدُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَكَانِ، وَالْحِكْمَةُ فِي دُخُولِ الشَّمْسِ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَنْ لَا يَفْسُدَ هَوَاؤُهُ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ أَيْ: بَقَاؤُهُمْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ دَهْرًا طَوِيلًا مِنَ السِّنِينَ، لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَلَا تَتَغَذَّى أَجْسَادُهُمْ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَبُرْهَانِ قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ قَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ أَعْيُنَهُمْ مَفْتُوحَةٌ ; لِئَلَّا تَفْسُدَ بِطُولِ الْغَمْضِ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ قِيلَ: فِي كُلِّ عَامٍ يَتَحَوَّلُونَ مَرَّةً مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ، وَيَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ قَالَ شُعَيْبٌ الْجَبَائِيُّ: اسْمُ كَلْبِهِمْ حُمْرَانُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: الْوَصِيدُ أُسْكُفَّةُ الْبَابِ. وَالْمُرَادُ أَنَّ كَلْبَهُمُ الَّذِي كَانَ مَعَهُمْ، وَصَحِبَهُمْ حَالَ انْفِرَادِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، لَزِمَهُمْ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الْكَهْفِ، بَلْ رَبَضَ عَلَى بَابِهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْوَصِيدِ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ أَدَبِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أُكْرِمُوا بِهِ ; فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَمَّا كَانَتِ التَّبَعِيَّةُ مُؤَثِّرَةً، حَتَّى فِي كَلْبِ هَؤُلَاءِ، صَارَ بَاقِيًا مَعَهُمْ بِبَقَائِهِمْ ; لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا سَعِدَ بِهِمْ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ كَلْبٍ فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَبِعَ أَهْلَ الْخَيْرِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْإِكْرَامِ. وَقَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُصَّاصِ وَالْمُفَسِّرِينَ لِهَذَا الْكَلْبِ نَبَأً وَخَبَرًا طَوِيلًا، أَكْثَرُهُ مُتَلَقًّى مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا كَذِبٌ، وَمِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، كَاخْتِلَافِهِمْ فِي اسْمِهِ وَلَوْنِهِ.

  356. التاريخ 357لا حكم مسجّل

    وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي مَحَلَّةِ هَذَا الْكَهْفِ،  فَقَالَ كَثِيرُونَ: هُوَ بِأَرْضِ أَيْلَةَ. وَقِيلَ: بِأَرْضِ نِينَوَى. وَقِيلَ: بِالْبَلْقَاءِ. وَقِيلَ: بِبِلَادِ الرُّومِ. وَهُوَ أَشْبَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  357. التاريخ 358لا حكم مسجّل

    وَاخْتَلَفُوا فِي أَمْرِهِمْ ; فَقَائِلُونَ يَقُولُونَ: ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا أَيْ: سُدُّوا عَلَيْهِمْ بَابَ الْكَهْفِ ; لِئَلَّا يَخْرُجُوا أَوْ لِئَلَّا يَصِلَ إِلَيْهِمْ مَا يُؤْذِيهِمْ، وَآخَرُونَ، وَهُمُ الْغَالِبُونَ عَلَى أَمْرِهِمْ قَالُوا: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا أَيْ: مَعْبَدًا يَكُونُ مُبَارَكًا لِمُجَاوَرَتِهِ هَؤُلَاءِ الصَّالِحِينَ. وَهَذَا كَانَ شَائِعًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا فَمَعْنَى ( أَعْثَرْنَا ) أَطْلَعَنَا عَلَى أَمْرِهِمُ النَّاسَ. قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الْمَعَادَ حَقٌّ، وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا، إِذَا عَلِمُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَقَدُوا أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ ثُمَّ قَامُوا، كَمَا كَانُوا مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ مَنْ أَبْقَاهُمْ كَمَا هُمْ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَةِ الْأَبْدَانِ وَإِنْ أَكَلَتْهَا الدِّيدَانُ، وَعَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ وَإِنْ صَارَتْ أَجْسَامُهُمْ وَعِظَامُهُمْ رُفَاتًا، وَهَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ النَّحْلِ: 40 ]. هَذَا وَيَحْتَمِلُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ: لِيَعْلَمُوا إِلَى أَصْحَابِ الْكَهْفِ، إِذْ عِلْمُهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَبْلَغُ مِنْ عِلْمِ غَيْرِهِمْ بِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى الْجَمِيعِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  358. التاريخ 359لا حكم مسجّل

    ثُمَّ قَالَ: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا لَمَّا كَانَ فِي الْإِخْبَارِ بِطُولِ مُدَّةِ لُبْثِهِمْ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، ذَكَرَهَا تَعَالَى، وَهَذِهِ التِّسْعُ الْمَزِيدَةُ بِالْقَمَرِيَّةِ، وَهِيَ لِتَكْمِيلِ ثَلَاثِمِائَةٍ شَمْسِيَّةٍ، فَإِنَّ كُلَّ مِائَةٍ قَمَرِيَّةٍ تَنْقُصُ عَنِ الشَّمْسِيَّةِ ثَلَاثَ سِنِينَ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا أَيْ إِذَا سُئِلْتَ عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَلَيْسَ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ نَقْلٌ، فَرُدَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ: هُوَ الْعَالِمُ بِالْغَيْبِ، فَلَا يُطْلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ يَعْنِي أَنَّهُ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ التَّامِّ بِخَلْقِهِ، وَبِمَا يَسْتَحِقُّونَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا أَيْ: بَلْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْمُلْكِ وَالْمُتَصَرِّفُ فِيهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.

  359. التاريخ 360لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ   قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا [ الْكَهْفِ: 9 - 26 ].

  360. التاريخ 361لا حكم مسجّل

    قَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا. وَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ وَقَعَ، وَقَوْلُهُ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا يَعْنِي لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، فِي عَدَمِ اجْتِمَاعِهِمْ بِالضُّعَفَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَازْدِرَائِهِمْ بِهِمْ، وَافْتِخَارِهِمْ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ [ يس: 13 ]. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَيْنِ كَانَا رَجُلَيْنِ مُصْطَحِبَيْنِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُؤْمِنًا وَالْآخِرُ كَافِرًا، وَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَالٌ، فَأَنْفَقَ الْمُؤْمِنُ مَالَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ اتَّخَذَ لَهُ بُسْتَانَيْنِ، وَهُمَا الْجَنَّتَانِ الْمَذْكُورَتَانِ فِي الْآيَةِ، عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ الْمَذْكُورِ ; فِيهِمَا أَعْنَابٌ، وَنَخْلٌ تَحُفُّ تِلْكَ الْأَعْنَابَ وَالزُّرُوعُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ، وَالْأَنْهَارُ سَارِحَةٌ هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِلسَّقْيِ وَالتَّنَزُّهِ، وَقَدِ اسْتَوْسَقَتْ فِيهِمَا الثِّمَارُ، وَاضْطَرَبَتْ فِيهِمَا الْأَنْهَارُ، وَابْتَهَجَتِ الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ، وَافْتَخَرَ مَالِكُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ الْمُؤْمِنِ الْفَقِيرِ قَائِلًا لَهُ: أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا أَيْ: وَأَمْنَعُ جَنَابًا. وَمُرَادُهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، وَمَعْنَاهُ، مَاذَا أَغْنَى عَنْكَ إِنْفَاقُكَ مَا كُنْتَ تَمْلِكُهُ فِي الْوَجْهِ الَّذِي صَرَفْتَهُ فِيهِ ؟ كَانَ الْأَوْلَى بِكَ أَنْ تَفْعَلَ كَمَا فَعَلْتُ لِتَكَوْنَ مِثْلِي. فَافْتَخَرَ عَلَى صَاحِبِهِ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ أَيْ: وَهُوَ عَلَى غَيْرِ طَرِيقَةٍ مَرْضِيَّةٍ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَذَلِكَ لِمَا رَأَى مِنِ اتِّسَاعِ أَرْضِهَا، وَكَثْرَةِ مَائِهَا وَحُسْنِ نَبَاتِ أَشْجَارِهَا ; وَلَوْ قَدْ بَادَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْجَارِ لَاسْتَخْلَفَ مَكَانَهَا أَحْسَنَ مِنْهَا، وَزُرُوعُهَا دَارَّةٌ لِكَثْرَةِ مِيَاهِهَا. ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً فَوَثِقَ بِزَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، وَكَذَّبَ بِوُجُودِ الْآخِرَةِ الْبَاقِيَةِ الدَّائِمَةِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا أَيْ: وَلَئِنْ كَانَ ثَمَّ آخِرَةٌ وَمَعَادٌ فَلَأَجِدَنَّ هُنَاكَ خَيْرًا مِنْ هَذَا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اغْتَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِهِ ذَلِكَ فِيهَا إِلَّا لِحُبِّهِ لَهُ وَحَظْوَتِهِ عِنْدَهُ، كَمَا قَالَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ فِيمَا قَصَّ اللَّهُ مِنْ خَبَرِهِ وَخَبَرِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ فِي قَوْلِهِ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا [ مَرْيَمَ: 77، 78 ]. وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْإِنْسَانِ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى [ فُصِّلَتْ: 50 ]. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ [ فُصِّلَتْ: 50 ]. وَقَالَ قَارُونُ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [ الْقَصَصِ: 78 ]. أَيْ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيَّ أَنِّي أَسْتَحِقُّهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ [ الْقَصَصِ: 78 ]. وَقَالَ تَعَالَى: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ [ سَبَأٍ: 37 ]. وَقَالَ تَعَالَى: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ [ الْمُؤْمِنُونَ: 55، 56 ].

  361. التاريخ 362لا حكم مسجّل

    وَلَمَّا اغْتَرَّ هَذَا الْجَاهِلُ بِمَا خَوَّلَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، فَجَحَدَ الْآخِرَةَ، وَادَّعَى أَنَّهَا إِنْ وُجِدَتْ لَيَجِدَنَّ عِنْدَ رَبِّهِ خَيْرًا مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَسَمِعَهُ صَاحِبُهُ يَقُولُ ذَلِكَ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَيْ: يُجَادِلُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا أَيْ: أَجَحَدْتَ الْمَعَادَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ صَوَّرَكَ أَطْوَارًا حَتَّى صِرْتَ رَجُلًا سَوِيًّا سَمِيعًا بَصِيرًا، تَعْلَمُ وَتَبْطِشُ وَتَفْهَمُ، فَكَيْفَ أَنْكَرْتَ الْمَعَادَ وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْبَدَاءَةِ لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أَيْ: لَكِنْ أَنَا أَقُولُ بِخِلَافِ مَا قُلْتَ وَأَعْتَقِدُ خِلَافَ مُعْتَقَدِكَ هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا أَيْ: لَا أَعْبُدُ سِوَاهُ، وَأَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَبْعَثُ الْأَجْسَادَ بَعْدَ فَنَائِهَا، وَيُعِيدُ الْأَمْوَاتَ، وَيَجْمَعُ الْعِظَامَ الرُّفَاتَ، وَأَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ، وَلَا فِي مُلْكِهِ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ. ثُمَّ أَرْشَدَهُ إِلَى مَا كَانَ الْأَوْلَى بِهِ أَنْ يَسْلُكَهُ عِنْدَ دُخُولِ جَنَّتِهِ فَقَالَ: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ أَعْجَبَهُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ حَالِهِ أَنْ يَقُولَ كَذَلِكَ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، فِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً مِنْ أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَيَرَى فِيهِ آفَةً دُونَ الْمَوْتِ وَكَانَ يَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ: وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ الْمُؤْمِنُ لِلْكَافِرِ: فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ أَيْ: فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ: أَيْ: عَذَابًا مِنَ السَّمَاءِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمَطَرُ الْمُزْعِجُ الْبَاهِرُ، الَّذِي يَقْتَلِعُ زُرُوعَهَا وَأَشْجَارَهَا فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا وَهُوَ التُّرَابُ الْأَمْلَسُ الَّذِي لَا نَبَاتَ فِيهِ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا وَهُوَ ضِدُّ الْمَعِينِ السَّارِحِ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا يَعْنِي، فَلَا تَقْدِرُ عَلَى اسْتِرْجَاعِهِ.

  362. التاريخ 363لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أَيْ: جَاءَهُ أَمْرٌ أَحَاطَ بِجَمِيعِ حَوَاصِلِهِ، وَخَرَّبَ جَنَّتَهُ، وَدَمَّرَهَا فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا أَيْ: خَرِبَتْ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا عَوْدَةَ لَهَا، وَذَلِكَ ضِدُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمَّلَ حَيْثُ قَالَ: وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي كَفَرَ بِسَبَبِهِ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، فَهُوَ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يَتَدَارَكُ مَا فَرَطَ مِنْ أَمْرِهِ، وَمَا كَانَ لَهُ قُدْرَةٌ فِي نَفْسِهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ [ الطَّارِقِ: 10 ]. وَقَوْلُهُ: الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَبْتَدِئُ بِقَوْلِهِ: هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ وَهُوَ حَسَنٌ أَيْضًا، كَقَوْلِهِ: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [ الْفُرْقَانِ: 26 ]. فَالْحُكْمُ الَّذِي لَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ وَلَا يُغَالَبُ - فِي تِلْكَ الْحَالِ وَفِي كُلِّ حَالٍ - لِلَّهِ الْحَقِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَفَعَ ( الْحَقِّ ) جَعَلَهُ صِفَةً لِ ( الْوِلَايَةَ ) وَهُمَا مُتَلَازِمَتَانِ. وَقَوْلُهُ: هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا أَيْ: مُعَامَلَتُهُ خَيْرٌ لِصَاحِبِهَا ثَوَابًا، وَهُوَ الْجَزَاءُ، وَخَيْرٌ عُقْبًا ; وَهُوَ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

  363. التاريخ 364لا حكم مسجّل

    وَهَذِهِ الْقِصَّةُ تَضَمَّنَتْ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَرْكَنَ إِلَى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَلَا يَغْتَرَّ بِهَا،  وَلَا يَثِقَ بِهَا، بَلْ يَجْعَلَ طَاعَةَ اللَّهِ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ. وَفِيهَا أَنَّ مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِهِ، عُذِّبَ بِهِ، وَرُبَّمَا سُلِبَ مِنْهُ ; مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ. وَفِيهَا أَنَّ الْوَاجِبَ قَبُولُ نَصِيحَةِ الْأَخِ الْمُشْفِقِ  ، وَأَنَّ مُخَالَفَتَهُ وَبَالٌ وَدَمَارٌ عَلَى مَنْ رَدَّ النَّصِيحَةَ الصَّحِيحَةَ. وَفِيهَا، أَنَّ النَّدَامَةَ لَا تَنْفَعُ إِذَا حَانَ الْقَدَرُ، وَنَفَذَ الْأَمْرُ الْحَتْمُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

  364. التاريخ 365لا حكم مسجّل

    قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْكَهْفِ " بَعْدَ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا  كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا [ الْكَهْفِ: 32 - 44 ].

  365. التاريخ 368لا حكم مسجّل

    هُوَ لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَاءَ بْنِ سَدُونَ، وَيُقَالَ لُقْمَانُ بْنُ ثَارَانَ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ وَالْقُتَيْبِيِّ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَكَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ قُلْتُ: وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، ذَا عِبَادَةٍ، وَعِبَارَةٍ، وَحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَيُقَالُ: كَانَ قَاضِيًا فِي زَمَنِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قُلْتُ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَا انْتَهَى الَيْكُمْ فِي شَأْنِ لُقْمَانَ ؟ قَالَ: كَانَ قَصِيرًا، أَفْطَسَ مِنَ النُّوبَةِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ مِنْ سُودَانِ مِصْرَ، ذَا مَشَافِرَ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ، وَمَنَعَهُ النُّبُوَّةَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَرْمَلَةَ قَالَ: جَاءَ أَسْوَدُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَسْأَلُهُ فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: لَا تَحْزَنَ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ أَسْوَدُ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَخْيَرِ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ مِنَ السُّودَانِ ; بِلَالٌ، وَمِهْجَعٌ مَوْلَى عُمَرَ، وَلُقْمَانُ الْحَكِيمُ، كَانَ أَسْوَدَ نُوبِيًّا ذَا مَشَافِرَ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ، كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا أَسْوَدَ عَظِيمَ الشَّفَتَيْنِ، مُشَقَّقَ الْقَدَمَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ: مُصَفَّحَ الْقَدَمَيْنِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ: كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ، مُصَفَّحَ الْقَدَمَيْنِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ أُنَاسٍ يُحَدِّثُهُمْ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى مَعِيَ الْغَنَمَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ وَالصَّمْتُ عَمَّا لَا يَعْنِينِي. عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ رَفَعَ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ بِحِكْمَتِهِ فَرَآهُ رَجُلٌ كَانَ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَلَسْتَ عَبْدَ بَنِي فُلَانٍ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى بِالْأَمْسِ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى ؟ قَالَ: قَدَرُ اللَّهِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَصِدْقُ الْحَدِيثِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي. وعَنْ عُمَرَ مَوْلَى غَفْرَةَ قَالَ: وَقَفَ رَجُلٌ عَلَى لُقْمَانَ الْحَكِيمِ فَقَالَ: أَنْتَ لُقْمَانُ أَنْتَ عَبْدُ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَنْتَ رَاعِي الْغَنَمِ الْأَسْوَدُ قَالَ: أَمَّا سَوَادِي فَظَاهِرٌ فَمَا الَّذِي يُعْجِبُكَ مِنْ أَمْرِي قَالَ: وَطْءُ النَّاسِ بِسَاطَكَ، وَغَشْيُهُمْ بَابَكَ، وَرِضَاهُمْ بِقَوْلِكَ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنْ صَنَعْتَ مَا أَقُولُ لَكَ كُنْتَ كَذَلِكَ قَالَ: مَا هُوَ ؟ قَالَ لُقْمَانُ: غَضِّي بَصَرِي، وَكَفِّي لِسَانِي، وَعِفَّةُ مَطْعَمِي، وَحِفْظِي فَرْجِي، وَقِيَامِي بِعُدَّتِي، وَوَفَائِي بِعَهْدِي، وَتَكْرُمَتِي ضَيْفِي، وَحِفْظِي جَارِي، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي; فَذَاكَ الَّذِي صَيَّرَنِي كَمَا تَرَى. وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا، وَذَكَرَ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ فَقَالَ: مَا أُوتِيَ مَا أُوتِيَ عَنْ أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا حَسَبٍ وَلَا خِصَالٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَمْصَامَةً سِكِّيتًا طَوِيلَ التَّفَكُّرِ، عَمِيقَ النَّظَرِ، لَمْ يَنَمْ نَهَارًا قَطُّ، وَلَمْ يَرَهُ أَحَدٌ يَبْزُقُ وَلَا يَتَنَخَّعُ وَلَا يَبُولُ وَلَا يَتَغَوَّطُ وَلَا يَغْتَسِلُ وَلَا يَعْبَثُ وَلَا يَضْحَكُ وَكَانَ لَا يُعِيدُ مَنْطِقًا نَطَقَهُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ حِكْمَةً يَسْتَعِيدُهَا إِيَّاهُ أَحَدٌ وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ، وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ فَمَاتُوا فَلَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ وَكَانَ يَغْشَى السُّلْطَانَ، وَيَأْتِي الْحُكَّامَ لِيَنْظُرَ وَيَتَفَكَّرَ وَيَعْتَبِرَ فَبِذَلِكَ أُوتِيَ مَا أُوتِيَ.

  366. التاريخ 369لا حكم مسجّل

    مِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةَ فَخَافَ أَنْ لَا يَقُومُ بِأَعْبَائِهَا; فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ لِأَنَّهَا أَسْهَلُ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ نَبِيًّا. وَهَذَا ضَعِيفٌ لِحَالِ الْجُعْفِيِّ. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلِيًّا، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: خَيَّرَ اللَّهُ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ فَاخْتَارَ الْحِكْمَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ قَالَ: فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ نَائِمٌ فَذَرَّ عَلَيْهِ الْحِكْمَةَ. قَالَ: فَأَصْبَحَ يَنْطِقُ بِهَا. قَالَ سَعِيدٌ: فَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ: قِيلَ لِلُقْمَانَ: كَيْفَ اخْتَرْتَ الْحِكْمَةَ عَلَى النُّبُوَّةِ وَقَدْ خَيَّرَكَ رَبُّكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَوْ أُرْسِلَ إِلَيَّ بِالنُّبُوَّةِ عَزْمَةً، لَرَجَوْتُ فِيهِ الْفَوْزَ مِنْهُ، وَلَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَقُومَ بِهَا، وَلَكِنْ خَيَّرَنِي فَخِفْتُ أَنْ أَضْعُفَ عَنِ النُّبُوَّةِ فَكَانَتِ الْحِكْمَةُ أَحَبَّ إِلَيَّ. وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ; قَدْ تَكَلَّمُوا فِيهِ وَالَّذِي رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ قَالَ: يَعْنِي الْفِقْهَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ، وَهَكَذَا نَصَّ عَلَى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  367. التاريخ 370لا حكم مسجّل

    ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ فَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَحَكَى مِنْ كَلَامِهِ فِيمَا وَعَظَ بِهِ وَلَدَهُ الَّذِي هُوَ أَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ وَهُوَ أَشْفَقُ النَّاسِ عَلَيْهِ فَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا وَعَظَ بِهِ  أَنْ قَالَ: يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لُقْمَانَ: 13 ] فَنَهَاهُ عَنْهُ، وَحَذَّرَهُ مِنْهُ. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [ الْأَنْعَامِ: 82 ] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ ؟ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لُقْمَانَ: 13 ] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ الْأَعْمَشِ بِهِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ تَعَالَى بِالْوَصِيَّةِ بِالْوَالِدَيْنِ، وَبَيَانِ حَقِّهِمَا عَلَى الْوَلَدِ، وَتَأَكُّدِهِ، وَأَمَرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا حَتَّى وَلَوْ كَانَا مُشْرِكَيْنِ، وَلَكِنْ لَا يُطَاعَانِ عَلَى الدُّخُولِ فِي دِينِهِمَا، إِلَى أَنْ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ لُقْمَانَ فِيمَا وَعَظَ بِهِ وَلَدَهُ يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَنْهَاهُ عَنْ ظُلْمِ النَّاسِ وَلَوْ بِحَبَّةِ خَرْدَلٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُ عَنْهَا وَيُحْضِرُهَا حَوْزَةَ الْحِسَابِ، وَيَضَعُهَا فِي الْمِيزَانِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ [ النِّسَاءِ: 40 ] وَقَالَ تَعَالَى وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 47 ]. وَأَخْبَرَهُ أَنَّ هَذَا الظُّلْمَ لَوْ كَانَ فِي الْحَقَارَةِ كَالْخَرْدَلَةِ وَلَوْ كَانَ فِي جَوْفِ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كُوَّةَ، أَوْ لَوْ كَانَتْ سَاقِطَةً فِي شَيْءٍ مِنْ ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ أَوِ السَّمَاوَاتِ فِي اتِّسَاعِهِمَا، وَامْتِدَادِ أَرْجَائِهِمَا لَعَلِمَ اللَّهُ مَكَانَهَا إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ أَيْ عِلْمُهُ دَقِيقٌ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ الذَّرُّ مِمَّا تَرَاءَى لِلنَّوَاظِرِ أَوْ تَوَارَى كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ الْأَنْعَامِ: 59 ] وَقَالَ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ النَّمْلِ: 75 ] وَقَالَ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [ سَبَأٍ: 3 ] وَقَدْ زَعَمَ السُّدِّيُّ فِي خَبَرِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذِهِ الصَّخْرَةِ; الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الْأَرْضِينَ السَّبْعِ، وَهَكَذَا حُكِيَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، وَأَبِي مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمْ، وَفِي صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ أَصْلِهِ نَظَرٌ، ثُمَّ فِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ نَظَرٌ آخَرُ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَكِرَةٌ غَيْرُ مُعَرَّفَةٍ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهَا مَا قَالُوهُ لَقَالَ: فَتَكُنْ فِي الصَّخْرَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَيِّ صَخْرَةٍ كَانَتْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ يَعْمَلُ فِي صَخْرَةٍ صَمَّاءَ لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَلَا كُوَّةٌ لَخَرَجَ عَمَلُهُ لِلنَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ أَيْ أَدِّهَا بِجَمِيعِ وَاجِبَاتِهَا مِنْ حُدُودِهَا، وَأَوْقَاتِهَا، وَرُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا، وَطُمَأْنِينَتِهَا، وَخُشُوعِهَا وَمَا شُرِعَ فِيهَا، وَاجْتَنِبْ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ أَيْ بِجُهْدِكَ، وَطَاقَتِكَ أَيْ إِنِ اسْتَطَعْتَ بِالْيَدِ فَبِالْيَدِ، وَإِلَّا فَبِلِسَانِكَ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِكَ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ فَقَالَ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ وَذَلِكَ أَنَّ الْآمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي مَظِنَّةِ أَنْ يُعَادَى، وَيُنَالَ مِنْهُ، وَلَكِنَّ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَلِهَذَا أَمَرَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَاقِبَةَ الصَّبْرِ الْفَرَجُ، وَقَوْلُهُ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أَيْ أَنَّ أَمْرَكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَكَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَصَبْرَكَ عَلَى الْأَذَى مِنْ عَزَائِمِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا وَلَا مَحِيدَ عَنْهَا، وَقَوْلُهُ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: مَعْنَاهُ لَا تَتَكَبَّرْ عَلَى النَّاسِ، وَتُمِيلُ خَدَّكَ حَالَ كَلَامِكَ لَهُمْ، وَكَلَامِهِمْ لَكَ عَلَى وَجْهِ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِمْ وَالِازْدِرَاءِ لَهُمْ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: وَأَصْلُ الصَّعَرِ دَاءٌ يَأْخُذُ الْإِبِلَ فِي أَعْنَاقِهَا فَتَلْتَوِي رُءُوسُهَا فَشَبَّهَ بِهِ الرَّجُلَ الْمُتَكَبِّرَ الَّذِي يَمِيلُ وَجْهُهُ إِذَا كَلَّمَ النَّاسَ أَوْ كَلَّمُوهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَاظُمِ عَلَيْهِمْ. قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي شِعْرِهِ وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً إِذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا وَقَالَ عَمْرُو بْنُ حُنَيٍّ التَّغْلِبِيُّ وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّارُ صَعَّرَ خَدَّهُ     أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَتَقَوَّمَا وَقَوْلُهُ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ يَنْهَاهُ عَنِ التَّبَخْتُرِ فِي الْمِشْيَةِ عَلَى وَجْهِ الْعَظَمَةِ وَالْفَخْرِ عَلَى النَّاسِ  كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [ الْإِسْرَاءِ: 37 ] يَعْنِي: لَسْتَ بِسُرْعَةِ مَشْيِكَ تَقْطَعُ الْبِلَادَ فِي مِشْيَتِكَ هَذِهِ، وَلَسْتَ بِدَقِّكَ الْأَرْضَ بِرِجْلِكَ تَخْسِفَ الْأَرْضَ بِوَطْئِكَ عَلَيْهَا، وَلَسْتَ بِتَشَامُخِكَ، وَتَعَاظُمِكَ، وَتَرَفُّعِكَ تَبْلُغُ الْجِبَالَ طُولًا فَاتَّئِدْ عَلَى نَفْسِكَ فَلَسْتَ تَعْدُوَ قَدْرَكَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي بُرْدَيْهِ يَتَبَخْتَرُ فِيهِمَا إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إِيَّاكَ، وَإِسْبَالُ الْإِزَارِ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ وَالْمَخِيلَةُ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ. كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَلَمَّا نَهَاهُ عَنِ الِاخْتِيَالِ فِي الْمَشْيِ أَمَرَهُ بِالْقَصْدِ فِيهِ فَإِنَّهُ لَابُدَّ لَهُ أَنْ يَمْشِيَ فَنَهَاهُ عَنِ الشَّرِّ، وَأَمَرَهُ بِالْخَيْرِ فَقَالَ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أَيْ لَا تَتَبَاطَأْ مُفْرِطًا وَلَا تُسْرِعْ إِسْرَاعًا مُفْرِطًا، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا [ الْفُرْقَانِ: 63 ] ثُمَّ قَالَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ يَعْنِي: إِذَا تَكَلَّمْتَ فَلَا تَتَكَلَّفْ رَفْعَ صَوْتِكَ فَإِنَّ أَرْفَعَ الْأَصْوَاتِ، وَأَنْكَرَهَا صَوْتُ الْحَمِيرِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ الْأَمْرُ بِالِاسْتِعَاذَةِ عِنْدَ سَمَاعِ صَوْتِ الْحَمِيرِ  بِاللَّيْلِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا، وَلِهَذَا نُهِيَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ حَيْثُ لَا حَاجَةَ إِلَيْهِ  وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْعُطَاسِ فَيُسْتَحَبُّ خَفْضُ الصَّوْتِ، وَتَخْمِيرُ الْوَجْهِ; كَمَا ثَبَتَ بِهِ الْحَدِيثُ مِنْ صَنِيعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ، وَعِنْدَ الدُّعَاءِ إِلَى الْفِئَةِ لِلْقِتَالِ، وَعِنْدَ الْإِهْلَالِ،  وَنَحْوِ ذَلِكَ فَذَلِكَ مَشْرُوعٌ فَهَذَا مِمَّا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ لُقْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَوَاعِظِ وَالْوَصَايَا النَّافِعَةِ الْجَامِعَةِ لِلْخَيْرِ الْمَانِعَةِ مِنَ الشَّرِّ، آثار في أخبار ومواعظ لقمان عليه السلام وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ كَثِيرَةٌ فِي أَخْبَارِهِ وَمَوَاعِظِهِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ كِتَابٌ يُؤْثَرُ عَنْهُ يُسَمَّى بِحِكْمَةِ لُقْمَانَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتُودِعَ شَيْئًا حَفِظَهُ وعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالتَّقَنُّعَ; فَإِنَّهُ مَخْوَفَةٌ بِاللَّيْلِ مَذَلَّةٌ بِالنَّهَارِ.. وعن السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الْحِكْمَةَ أَجْلَسَتِ الْمَسَاكِينَ مَجَالِسَ الْمُلُوكِ، وعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِذَا أَتَيْتَ نَادِي قَوْمٍ فَارْمِهِمْ بِسَهْمِ الْإِسْلَامِ - يَعْنِي السَّلَامَ - ثُمَّ اجْلِسْ فِي نَاحِيَتِهِمْ فَلَا تَنْطِقُ حَتَّى تَرَاهُمْ قَدْ نَطَقُوا فَإِنْ أَفَاضُوا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فَأَجِلْ سَهْمَكَ مَعَهُمْ، وَإِنْ أَفَاضُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَتَحَوَّلَ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ. وعَنْ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَضَعَ لُقْمَانُ جِرَابًا مِنْ خَرْدَلٍ إِلَى جَانِبِهِ، وَجَعَلَ يَعِظُ ابْنَهُ وَعْظَةً وَيُخْرِجُ خَرْدَلَةً حَتَّى نَفِدَ الْخَرْدَلُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَقَدْ وَعَظْتُكَ مَوْعِظَةً لَوْ وُعِظَهَا جَبَلٌ لَتَفَطَّرَ. قَالَ: فَتَفَطَّرَ ابْنُهُ. فوائد الإمام أحمد في كتابه الزهد عن لقمان عليه السلام وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ تَرْجَمَةً فِي كِتَابِ الزُّهْدِ ذَكَرَ فِيهَا فَوَائِدَ مُهِمَّةً وَفَرَائِدَ جَمَّةً فَقَالَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ قَالَ: الْفِقْهَ وَالْإِصَابَةَ فِي غَيْرِ نُبُوَّةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ لُقْمَانَ كَانَ خَيَّاطًا. وعن مَالِكٌ - يَعْنِي - ابْنَ دِينَارٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ اتَّخِذْ طَاعَةَ اللَّهِ تِجَارَةً ; تَأْتِكَ الْأَرْبَاحُ مِنْ غَيْرِ بِضَاعَةٍ. وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ يَقُولُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُرِ النَّاسَ أَنَّكَ تَخْشَى اللَّهَ لِيُكْرِمُوكَ بِذَلِكَ وَقَلْبُكَ فَاجِرٌ. وعَنْ خَالِدٍ الرِّبْعِيِّ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: اذْبَحْ لِي شَاةً فَذَبَحَ لَهُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: ائْتِنِي بِأَطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا فَأَتَاهُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيهَا شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْ هَذَيْنَ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ مَا سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْبَحْ لِي شَاةً فَذَبَحَ لَهُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: أَلْقِ أَخْبَثَهَا مُضْغَتَيْنِ فَرَمَى بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فَقَالَ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِأَطْيَبِهَا مُضْغَتَيْنِ; فَأَتَيْتَنِي بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَأَمَرْتُكَ أَنْ تُلْقِيَ أَخْبَثَهَا مُضْغَتَيْنِ; فَأَلْقَيْتَ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا وَلَا أَخْبَثَ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا. وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْجَعْدُ أَبُو عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: لَا تَرْغَبْ فِي وُدِّ الْجَاهِلِ فَيَرَى أَنَّكَ تَرْضَى عَمَلَهُ وَلَا تَهَاوَنْ بِمَقْتِ الْحَكِيمِ فَيَزْهَدَ فِيكَ. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ: أَلَا إِنَّ يَدَ اللَّهِ عَلَى أَفْوَاهِ الْحُكَمَاءِ لَا يَتَكَلَّمُ أَحَدُهُمْ إِلَّا مَا هَيَّأَ اللَّهُ لَهُ. وعن ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ: كُنْتُ أُقَنِّعُ رَأْسِي بِاللَّيْلِ فَقَالَ لِي عَمْرٌو: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ: الْقِنَاعُ بِالنَّهَارِ مَذَلَّةٌ، مَعْذِرَةٌ أَوْ قَالَ مَعْجَزَةٌ بِاللَّيْلِ فَلِمَ تُقَنِّعُ رَأْسَكَ بِاللَّيْلِ ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: إِنَّ لُقْمَانَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وعن سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ مَا نَدِمْتُ عَلَى الصَّمْتِ قَطُّ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ فِضَّةٍ فَالسُّكُوتُ مِنْ ذَهَبٍ. وعَنْ قَتَادَةَ أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ اعْتَزِلِ الشَّرَّ يَعْتَزِلْكَ فَإِنَّ الشَّرَّ لِلشَّرِّ خُلِقَ. وعن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالرَّغَبَ فَإِنَّ الرَّغَبَ كُلَّ الرَّغَبِ يُبْعِدُ الْقَرِيبُ مِنَ الْقَرِيبِ، وَيُزِيلُ الْحِلْمَ كَمَا يُزِيلُ الطَّرَبَ يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَشِدَّةَ الْغَضَبِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْغَضَبِ مَمْحَقَةٌ لِفُؤَادِ الْحَكِيمِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ: يَا بُنَيَّ اخْتَرِ الْمَجَالِسَ عَلَى عَيْنِكَ فَإِذَا رَأَيْتَ الْمَجْلِسَ يُذْكَرُ فِيهِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ فَإِنَّكَ إِنْ تَكُ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ غَبِيًّا يُعَلِّمُوكَ، وَإِنْ يَطَّلِعِ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَةٍ تُصِبْكَ مَعَهُمْ يَا بُنَيَّ لَا تَجْلِسْ فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ فَإِنَّكَ إِنْ تَكُ عَالِمًا لَا يَنْفَعُكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ غَبِيًّا يُزِيدُوكَ غَبَاءً، وَإِنْ يَطَّلِعِ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِسُخْطٍ يُصِبْكَ مَعَهُمْ يَا بُنَيَّ لَا تَغْبِطَنَّ امْرَأً رَحْبَ الذِّرَاعَيْنِ يَسْفِكُ دِمَاءَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ. وعن هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: بُنِيَّ لِتَكُنْ كَلِمَتُكَ طَيِّبَةً، وَلْيَكُنْ وَجْهُكَ بَسْطًا، تَكُنْ أَحَبَّ إِلَى النَّاسِ مِمَّنْ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ، وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ أَوِ فِي التَّوْرَاةِ: الرِّفْقُ رَأْسُ الْحِكْمَةِ. وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ: كَمَا تَرْحَمُونَ تُرْحَمُونَ، وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: كَمَا تَزْرَعُونَ تَحْصُدُونَ، وَقَالَ مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: أَحِبَّ خَلِيلَكَ، وَخَلِيلَ أَبِيكَ. وعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: قِيلَ لِلُقْمَانَ: أَيُّ النَّاسِ أَصْبَرُ ؟ قَالَ: صَبْرٌ لَا يَتْبَعُهُ أَذًى قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ قَالَ: مَنِ ازْدَادَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ إِلَى عِلْمِهِ قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ: الْغَنِيُّ قِيلَ: الْغَنِيُّ مِنَ الْمَالِ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْغَنِيَّ الَّذِي إِذَا الْتُمِسَ عِنْدَهُ خَيْرٌ وُجِدَ، وَإِلَّا أَغْنَى نَفْسَهُ عَنِ النَّاسِ. وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ - هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ - قَالَ قِيلَ لِلُقْمَانَ: أَيُّ النَّاسِ شَرٌّ ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يُبَالِي أَنْ يَرَاهُ النَّاسُ مُسِيئًا، وعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ الْحِكْمَةِ يُبَدِّدُ اللَّهُ عِظَامَ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَهْوَاءِ النَّاسِ، وَوَجَدْتُ فِيهَا لَا خَيْرَ لَكَ فِي أَنْ تَعْلَمَ مَا لَمْ تَعْلَمْ، وَلَمَّا تَعْمَلْ بِمَا قَدْ عَلِمْتَ ; فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ احْتَطَبَ حَطَبًا فَحَزَمَ حُزْمَةً، ثُمَّ ذَهَبَ يَحْمِلَهَا فَعَجَزَ عَنْهَا فَضَمَّ إِلَيْهَا أُخْرَى. وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا الْأَتْقِيَاءُ، وَشَاوِرْ فِي أَمْرِكَ الْعُلَمَاءَ. وَهَذَا مَجْمُوعُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنَ الْآثَارِ كَثِيرًا لَمْ يَرْوِهَا كَمَا أَنَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ عِنْدَنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  368. التاريخ 371لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ لُقْمَانَ   قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [ لُقْمَانَ 12 - 19 ]

  369. التاريخ 337لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ كِتَابُ أَخْبَارِ الْمَاضِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ وَالْجَامِعُ لِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ قِصَّةِ ذِي الْقَرْنَيْنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَخَبَرُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجٍ: ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا أَنَّ اسْمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحَّاكِ، وَقِيلَ: الْإِسْكَنْدَرُ بْنُ قَيْصَرَ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ ذَا قَرْنَيْنِ آخَرَ اسْمُهُ إِسْكَنْدَرُ بْنُ فِيلَيْبَسَ بْنِ مَضْرِيمَ بْنِ هَرْمَسَ وَيَرْفَعُونَ نَسَبَهُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَهُوَ بَانِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ. وَالْإِسْكَنْدَرُ الْأَوَّلُ كَانَ مُؤْمِنًا وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي نُبُوَّتِهِ، بَيْنَمَا الْإِسْكَنْدَرُ الثَّانِي بَانِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ كَانَ كَافِرًا. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ اخْتِلَافًا كَبِيرًا. وَقَدْ سَأَلَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ ﷺ بِإِيعَازٍ مِنَ الْيَهُودِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَنَزَلَ الْجَوَابُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْكَهْفِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ آتَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ الْبُلْدَانَ حَتَّى بَلَغَ أَقْصَى الْأَرْضِ، وَطَلَبَ عَيْنَ الْحَيَاةِ الَّتِي مَنْ شَرِبَ مِنْهَا لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ طَلَبَهَا فِي الْأَرْضِ الظَّلَمَةِ وَكَيْفَ أَنَّهُ رَغْمَ طَلَبِهِ لَهَا لَمْ تَحْصُلْ لَهُ وَخَطَأَ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهَا وَحَصَلَتْ لِقَائِدِ جَيْشِهِ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَدْ شَرِبَ مِنْهَا وَتَوَضَّأَ وَاغْتَسَلَ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ طَرَفًا مِنْ غَلَبَتِهِ عَلَى الْخُصُومِ بِالْحِيلَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَقُوَّةِ جَيْشِهِ وَكَمَالِ عَقْلِهِ وَحُسْنِ سِيَاسَتِهِ، وَأَنَّهُ سَارَ حَتَّى بَلَغَ السَّدَّيْنِ اللَّذَيْنِ عِنْدَهُمَا قَوْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ فِيهِمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ نَوْعٌ مِنَ التُّرْكِ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَفِيهِمْ شَرٌّ، وَهُمْ كَثِيرُونَ، وَكَانُوا يُفْسِدُونَ فِيمَا يُجَاوِرُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ، وَيُخَرِّبُونَ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبِلَادِ، وَيُؤْذُونَ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ يَخْرُجُ مِنْهُمْ بَعْثُ النَّارِ مِنْ بَنِي آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ يُقَابِلُهُ أَلْفٌ مِنْهُمْ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ. وَلَمَّا أَفْسَدُوا عَلَى النَّاسِ مِمَّنْ يُجَاوِرُونَهُمْ مَعَايِشَهُمْ طَلَبُوا مِنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ سَدًّا فَبَنَى ذُو الْقَرْنَيْنِ سَدًّا مَنِيعًا وَقَدْ أَرْسَلَ فِي اقْتِفَاءِ خَبَرِهِ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ بِاللَّهِ وَفَدًا فَجَاؤُوهُ وَرَجَعُوا إِلَيْهِ بِخَبَرِهِ وَصِفَتِهِ وَذَكَرُوا لَهُ مَا وَجَدُوهُ مِنَ الْعَجَائِبِ. وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ فُتِحَ فِي وَقْتِهِ شَيْءٌ مِنْ رَدْمِهِمْ، وَأَنَّهُمْ سَيَنْقُبُونَ السَّدَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ وَيُهْلِكُونَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا يُهْلِكُهُمْ. وَيُقَالُ مِنْ مَآثِرِ ذِي الْقَرْنَيْنِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَى الْعَدِيدَ مِنَ الْمُدُنِ فَفِي الصِّينِ بَنَى الدُّبْوَاسِيَةَ، وَحَمْدَانَ، وَشَيْرَكَ، وَبُرْجَ الْحِجَارَةِ وَبِخُرْسَانَ بَنَى مَدِينَةَ مَرْوٍ، وَبِالْهِنْدِ بَنَى مَدِينَةَ سَرَنْدِيبَ وَغَيْرَهَا. وَذَكَرُوا أَنَّ أُمَّ ذِي الْقَرْنَيْنِ لَمَّا بَلَغَهَا مَا وَصَلَ إِلَيْهِ مُلْكُ وَلَدِهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُذَكِّرُهُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَنْهَاهُ عَنِ الشُّحِّ وَكَتَبَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهَا كُلَّ مَالِهِ مَعَ رَجُلٍ مُفْرَدٍ عَلَى فَرَسٍ أَجْرَدٍ، فَعَجِبَ النَّاسُ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَالْمَالُ كَثِيرٌ فَقَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: إِنَّهَا طَلَبَتْ أَنْ أَكْتُبَ لَهَا بِالْمَالِ وَمَوَاضِعِهِ وَإِحْصَائِهِ وَإِرْسَالِهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي ذَكَرَتْ. وَعِنْدَمَا حَضَرَتْ ذُو الْقَرْنَيْنِ الْوَفَاةَ كَتَبَ إِلَى أُمِّهِ يُعَزِّيهَا عَنْ نَفْسِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهَا يَقُولُ: إِذَا بَلَغَكِ وَفَاتِي فَاصْنَعِي طَعَامًا ثُمَّ ادْعِي إِلَيْهِ نِسَاءً وَلَا تَأْكُلْ إِلَّا مَنْ كَانَتْ غَيْرَ ثَكْلَى، فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَقَرَّبَتِ الطَّعَامَ مِنَ النِّسَاءِ فَلَمْ تَأْكُلِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ لَهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ! كُلُّكُنَّ ثَكْلَى! فَقُلْنَ: أَيْ وَاللَّهِ مَا مِنَّا إِلَّا مَنْ أُثْكِلَتْ. فَكَانَ ذَلِكَ تَسْلِيَةً لِأُمِّهِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ عُمْرِهِ وَخَلَطَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ ذِي الْقَرْنَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي. مُلَخَّصُ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ لَمَّا سَأَلَتْ قُرَيْشٌ النَّبِيَّ ﷺ بِإِيعَازٍ مِنْ يَهُودٍ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ قِصَّةٌ عَجَبٌ، نَزَلَتْ سُورَةُ الْكَهْفِ تَرْوِي قِصَّتَهُمْ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي زَمَنِ مَلِكٍ يُدْعَى دِقْيَانُوسَ فِي مَدِينَةٍ مِنَ الرُّومِ تُسَمَّى أَفُسُوسَ وَكَانَ مَلِكُهُمْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَقَدْ فَرُّوا مِنْهُ بِدِينِهِمْ، وَصَحِبَهُمْ كَلْبٌ فِي الطَّرِيقِ فَدَخَلُوا كَهْفًا يَخْتَبِئُونَ بِهِ فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَتِسْعَةِ سَنَةً، فَلَمَّا اسْتَيْقَظُوا بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَا يَعْرِفُونَ كَمْ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ سَأَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا كَمْ لَبِثْنَا وَنِمْنَا فِي هَذَا الْكَهْفِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَخْرُجَ أَحَدُهُمْ بِبَعْضِ الْمَالِ لِيَأْتِيَ لَهُمْ بِطَعَامٍ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى السُّوقِ لِيَشْتَرِيَ لَهُمْ طَعَامًا وَجَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ مُتَنَكِّرًا ; لِئَلَّا يَعْرِفَهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيمَا يَحْسَبُهُ، تَنَكَّرَتْ لَهُ الْبِلَادُ وَاسْتَنْكَرَهُ مَنْ رَآهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَاسْتَغْرَبُوا شَكْلَهُ وَصِفَتَهُ وَدَرَاهِمَهُ، فَأَخَذُوهُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ كَنْزًا، ثُمَّ بَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرُهُ وَعَلِمَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ السُّلْطَانُ ثُمَّ تَوَفَّاهُمُ اللَّهُ فِي كَهْفِهِمْ وَعُمِّيَ عَلَى النَّاسِ مَوْضِعُهُمْ، وَقِيلَ فِي رَاوِيَةٍ أُخْرَى: إِنَّ الْمَلِكَ بَنَى عَلَى بَابِ كَهْفٍ مَسْجِدًا، وَأَنَّهُمْ لَمَّا مَاتُوا صَنَعَ لَهُمْ تَوَابِيتَ مِنْ خَشَبٍ. وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى صِفَةَ الْغَارِ الَّذِي آوَوْا إِلَيْهِ، وَأَنَّ بَابَهُ مُوَجَّهٌ إِلَى نَحْوِ الشَّمَالِ، وَأَعْمَاقَهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَذَلِكَ أَنْفَعُ الْأَمَاكِنِ ; أَنْ يَكُونَ الْمَكَانُ قِبْلِيًّا، وَبَابُهُ نَحْوَ الشَّمَالِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَكَانِ هَذَا الْكَهْفِ، فَقَالَ كَثِيرُونَ: هُوَ بِأَرْضِ أَيْلَةَ. وَقِيلَ: بِأَرْضِ نِينَوَى. وَقِيلَ: بِالْبَلْقَاءِ. وَقِيلَ: بِبِلَادِ الرُّومِ. مُلَخَّصُ قِصَّةِ صَاحِبِ الْجَنَّتَيْنِ. قَدْ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا بِرَجُلَيْنِ فِي الْقُرْآنِ كَانَا مُصْطَحِبَيْنِ وَكَانَ أَحَدُهُمَا مُؤْمِنًا وَالْآخِرُ كَافِرًا، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَكَانَ قَدْ أَنْفَقَ مَا مَعَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْجَاحِدُ بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَانَ قَدْ نَمَّاهَا فَصَارَتْ لَهُ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ عِنَبٍ وَأَنْهَارٍ تَجْرِي خِلَالَ بَسَاتِينِهِ، فِي رَخَاءٍ دُونَ عَنَاءٍ، ثُمَّ إِنَّهُ افْتَخَرَ عَلَى صَاحِبِهِ وَجَحَدَ نِعْمَةَ رَبِّهِ وَأَنْكَرَ الْآخِرَةَ وَزَعَمَ أَنْ لَوْ كَانَ هُنَاكَ آخِرَةٌ فَإِنَّهُ سَيَرْزُقُهُ اللَّهُ أَفْضَلَ مِمَّا فِي يَدَيْهِ زَاعِمًا أَنَّ مَا هُوَ فِيهِ إِنَّمَا لِ ؓ، وَأَنَّهُ أَهْلٌ لَهُ دُونَ صَاحِبِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ صَاحِبَهُ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى جُحُودِهِ وَكُفْرِهِ نَبَّهَهُ إِلَى ذَلِكَ فَقَالَ: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا وَقَالَ مُصَوِّبًا لَهُ وَمُفْهِمًا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ثُمَّ نَبَّهَهُ أَنَّهُ لَوْلَا شُكْرُ اللَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِأَنْ رَدَّ مَا هُوَ فِيهِ إِلَى حَوْلِ اللَّهِ وَقُوتِهِ فَقَالَ لَهُ: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَسَى إِنْ لَمْ تَتُبْ إِلَيْهِ وَتَرْجِعْ أَنْ يُرْسِلَ عَلَى جَنَّتِكَ مِنَ السَّمَاءِ مَا يُدَمِّرُهَا فَتُصْبِحَ تُرَابًا وَمَاؤُهَا مَعِينٌ ذَاهِبٌ فِي غَوْرِ الْأَرْضِ فَلَا تَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، وَيُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ هَذِهِ الَّتِي تَفْتَخِرُ بِهَا عَلَيَّ. فَأُحِيطَ بِثَمَرِ الْمُفْتَخِرِ وَدُمِّرَتْ جَنَّتُهُ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا نَادِمًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مِنَ الْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا، وَعَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْوَلَايَةَ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقُبًا. وَهَكَذَا ذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْعَدِيدَ مِنَ الْقَصَصِ الَّتِي تُؤَكِّدُ عَلَى أَهَمِّيَّةِ الصَّدَقَةِ كَمَا حَصَلَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَ ذِكْرُهَا فِي سُورَةِ الْقَلَمِ وَكَيْفَ أَنَّهُمْ لَمَّا مَنَعُوا حَقَّ الْفُقَرَاءِ فِي مَالِهِمْ أَصْبَحَتْ جَنَّتُهُمْ وَقَدِ احْتَرَقَتْ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا مَكَانَهَا وَنَدِمُوا حِينَ لَمْ يَنْفَعِ النَّدَمُ. كَمَا ذَكَرَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ قِصَّةَ أَصْحَابِ السَّبْتِ مِنْ أَصْحَابِ أَيْلَةَ الَّذِينَ مَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ لَمَّا عَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَتَحَايَلُوا عَلَى أَوَامِرِهِ وَلَمْ يَرْعَوْا لِنُصْحِ الْمُصْلِحِينَ فِيهِمْ، وَكَيْفَ نَجَّى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصْلِحِينَ وَأَهْلَكَ الْبَاغِينَ وَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً. مُلَخَّصُ قِصَّةِ لُقْمَانَ ؓ. لُقْمَانُ بْنُ عَنْقَاءَ بْنِ سَدُونَ، وَيُقَالَ لُقْمَانُ بْنُ ثَارَانَ، وَكَانَ نُوبِيًّا مِنْ أَهْلِ أَيْلَةَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، ذَا عِبَادَةٍ، وَعِبَارَةٍ، وَحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَيُقَالُ: كَانَ قَاضِيًا فِي زَمَنِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَكَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ غَلِيظَ الشَّفَتَيْنِ، مُصَفَّحَ الْقَدَمَيْنِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ أُنَاسٍ يُحَدِّثُهُمْ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى مَعِيَ الْغَنَمَ فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ وَالصَّمْتُ عَمَّا لَا يَعْنِينِي. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ حَوْلَ نُبُوَّتِهِ وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلِيًّا، وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. وَلَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ طَرَفًا مِنْ وَصَايَا لُقْمَانَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي سُورَةٍ بِاسْمِهِ ؓ. وَعَنْ خَالِدٍ الرِّبْعِيِّ قَالَ: كَانَ لُقْمَانُ عَبْدًا حَبَشِيًّا نَجَّارًا فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: اذْبَحْ لِي شَاةً فَذَبَحَ لَهُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: ائْتِنِي بِأَطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ فِيهَا فَأَتَاهُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فَقَالَ: أَمَا كَانَ فِيهَا شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْ هَذَيْنَ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ مَا سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْبَحْ لِي شَاةً فَذَبَحَ لَهُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: أَلْقِ أَخْبَثَهَا مُضْغَتَيْنِ فَرَمَى بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ فَقَالَ: أَمَرْتُكَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِأَطْيَبِهَا مُضْغَتَيْنِ; فَأَتَيْتِنِي بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، وَأَمَرْتُكَ أَنْ تُلْقِيَ أَخْبَثَهَا مُضْغَتَيْنِ; فَأَلْقَيْتَ اللِّسَانَ وَالْقَلْبَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَطْيَبَ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا وَلَا أَخْبَثَ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا. هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ عَدَدًا مِنَ الْقِصَصِ عَنْ عُبَّادِ وَزُهَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْهَا: قِصَّةُ جُرَيْجٍ أَحَدِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالَّذِي دَعَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ فَابْتُلِيَ بِاتِّهَامِهِ بِالزِّنَا وَعَلَى يَدَيْهِ تَكَلَّمَ الطِّفْلُ فِي الْمَهْدِ مُبَرِّئًا إِيَّاهُ. وَقِصَّةُ بَرْصِيصَا الْعَابِدِ الَّذِي زَنَا بِأُخْتِ النَّفَرِ الَّذِينَ اسْتَأْمَنُوهُ عَلَى أُخْتِهِمْ فَمَا زَالَ الشَّيْطَانُ بِهِ حَتَّى زَنَا وَقَتَلَ وَسَجَدَ لَهُ ثُمَّ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ. وَقِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَوْا إِلَى الْغَارِ وَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ فَأَنْجَاهُمُ الدُّعَاءُ بِعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ. وَقِصَّةُ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصِ وَالْأَقْرَعِ وَكَيْفَ عَافَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْمَرَضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ فَتَنَكَّرَ الْأَبْرَصُ وَالْأَقْرَعُ وَشَكَرَ الْأَعْمَى نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَصَيَّرَ صَاحِبَاهُ إِلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ. وَقِصَّةُ الَّذِي اسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِهِ أَلْفَ دِينَارٍ فَلَمَّا حَلَّ أَجَلُهَا وَلَمْ يَجِدْ سَفِينَةً تُقِلُّهُ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَى صَاحِبَهُ فَيُؤَدِّيهَا فَأَخَذَ خَشَبَةً وَوَضَعَ فِيهَا الْمَالَ ثُمَّ دَفَعَهَا فِي الْبَحْرِ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُؤَدِّيَهَا عَنْهُ، فَأَدَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ. وَقِصَّةُ مَنِ اشْتَرَى عَقَارًا وَوَجَدَ فِيهِ جَرَّةَ ذَهَبٍ فَأَدَّاهَا لِصَاحِبِ الْعَقَارِ فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَهَا وَقَالَ إِنَّمَا بِعْتُكَ الْعَقَارَ بِمَا فِيهِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِيَ وَإِنَّمَا اشْتَرَيْتُ الْعَقَارَ وَلَمْ أَشْتَرِ الذَّهَبَ فَاخْتَصَمَا لِلْقَاضِي. وَقِصَّةُ تَوْبَةِ قَاتِلِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ نَفْسًا، وَقِصَّةُ الْبَغِيِّ الَّتِي سَقَتْ كَلْبًا فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَقِصَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي دَخَلَتِ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، وَقِصَّةُ الْبَقَرَةِ وَالذِّئْبِ الْمُتَكَلِّمَيْنِ، وَقِصَّةُ الْمَرْأَةِ الَّتِي اتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، وَقِصَّةُ الْمَرْأَةِ وَالتَّنُّورِ، وَقِصَّةُ الْمَلِكَيْنِ التَّائِبَيْنِ، وَقِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُقْرِضُ النَّاسَ وَيَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ، وَقِصَّةُ الَّذِي طَلَبَ مِنْ بَنِيهِ أَنْ يُحَرِّقُوهُ إِذَا مَاتَ، وَقِصَّةُ سَرِقَةِ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ، وَقِصَّةُ ذِي الْكِفْلِ وَمَا جَاءَ فِيهَا، وَقِصَّةُ الْعَجُوزَتَيْنِ، وَقِصَّةُ الْعَابِدِ وَالرُّمَّانَةِ، وَقِصَّةُ يَرْخَ الْعَابِدِ، وَقِصَّةُ تَائِبٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي نَادَاهُ النَّهْرُ، وَقِصَّةُ مَنْ خَدَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ طَلَبَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، و قِصَّةُ قَصَّارٍ، وَقِصَّةُ ذِي الرَّجُلِ، وَقِصَّةُ بَيَّاعِ الْقِفَافِ وَفَتَاةِ الْجَوْسَقِ، وَقِصَّةُ ابْنِ مَلَكٍ زَهِدَ فِي مُلْكِ أَبِيهِ، وَقِصَّةُ أَنْطُونَسَ السَّائِحِ، وَشَمْشُونَ، جَرْجِيسَ، وَغَيْرِهَا مِنْ قِصَصِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، هَذَا وَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ فِيمَا لَا يُخَالِفُ شَرْعَنَا وَلَا نُصَدِّقُهُمْ وَلَا نُكَذِّبُهُمْ، لِمَا فِي كُتُبِهِمْ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّحْرِيفِ.

  370. التاريخ 366لا حكم مسجّل

    قَالَ عُلَمَاءُ السِّيَرِ: كَانَ رَجُلَ بِنَاحِيَةِ الْيَمَنِ بِبُسْتَانٍ، مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: ضِرْوَانُ. وَقِيلَ: مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَانَ مُؤْمِنًا، وَذَلِكَ بَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ قَدْرَ قُوتِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْبَاقِي، فَمَاتَ عَنْ ثَلَاثَةِ بَنِينَ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ الْمَالَ لَقَلِيلٌ، وَإِنَّ الْعِيَالَ لَكَثِيرٌ، وَإِنَّمَا كَانَ أَبُونَا فَعَلَ هَذَا، إِذْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا وَالْعِيَالُ قَلِيلًا، فَأَمَّا الْآنَ فَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَفْعَلَ هَذَا، فَعَزَمُوا عَلَى حِرْمَانِ الْمَسَاكِينِ وَتَحَالَفُوا بَيْنَهُمْ لَيَغْدُونَ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ فَلَيَصْرِمُنَّ نَخْلَهُمْ، وَلَمْ يَقُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى بِاللَّيْلِ نَارًا، فَأَحْرَقَتْ، فَصَارَتْ سَوْدَاءَ، فَانْطَلَقُوا إِلَى جَنَّتِهِمْ يَتَشَاوَرُونَ بَيْنَهُمْ أَنْ لَا يَدْخُلَّنَهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ، فَلَمَّا رَأَوْهَا مُحْتَرِقَةً قَالَ: قَدْ ضَلَلْنَا طَرِيقَ جَنَّتِنَا فَلَيْسَتْ هَذِهِ، ثُمَّ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةً، فَقَالُوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، قَدْ حُرِمْنَا تَمْرَ جَنَّتِنَا، فَأَخَذُوا يَتَلَاوَمُونَ عَلَى مَنْعِ حُقُوقِ الْفُقَرَاءِ. وقد ورد ذكر القصة في سورة القلم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [ الْقَلَمِ: 17 - 33 ]. وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ، فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ إِرْسَالِ الرَّسُولِ الْعَظِيمِ الْكَرِيمِ إِلَيْهِمْ، فَقَابَلُوهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالْمُخَالَفَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ [ إِبْرَاهِيمَ: 28، 29 ]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ. فَضَرَبَ تَعَالَى لَهُمْ مَثَلًا بِأَصْحَابِ الْجَنَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الَّتِي قَدِ انْتَهَتْ وَاسْتَحَقَّتْ أَنْ تُجَدَّ ; وَهُوَ الصِّرَامُ، وَلِهَذَا قَالَ: إِذْ أَقْسَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَيَصْرِمُنَّهَا أَيْ: لَيَجُدُّنَّهَا، وَهُوَ الِاسْتِغْلَالُ ( مُصْبِحِينَ ) أَيْ: وَقْتَ الصُّبْحِ، حَيْثُ لَا يَرَاهُمْ فَقِيرٌ وَلَا مُحْتَاجٌ فَيُعْطُوهُ شَيْئًا، فَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا فِي يَمِينِهِمْ، فَعَجَّزَهُمُ اللَّهُ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا الْآفَةَ الَّتِي أَحْرَقَتْهَا ; وَهِيَ السَّفْعَةُ الَّتِي اجْتَاحَتْهَا وَلَمْ تُبْقِ بِهَا شَيْئًا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ أَيْ: كَاللَّيْلِ الْأَسْوَدِ الْمُنْصَرِمِ مِنَ الضِّيَاءِ وَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ أَيْ: فَاسْتَيْقَظُوا مِنْ نَوْمِهِمْ فَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا قَائِلِينَ: اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ أَيْ: بَاكِرُوا إِلَى بُسْتَانِكُمْ فَاصْرِمُوهُ. قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ النَّهَارُ وَيَكْثُرَ السُّؤَالُ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَيْ: يَتَحَدَّثُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ خُفْيَةً قَائِلِينَ: لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ أَيْ: اتَّفِقُوا عَلَى هَذَا وَاشْتَوِرُوا عَلَيْهِ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ أَيْ: انْطَلَقُوا مُجِدِّينَ فِي ذَلِكَ قَادِرِينَ عَلَيْهِ مُصَمِّمِينَ مُصِرِّينَ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ الْفَاسِدَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ: وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ أَيْ: غَضَبٍ عَلَى الْمَسَاكِينِ. وَأَبْعَدَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ ; أَنَّ اسْمَ حَرْثِهِمْ حَرْدٌ. فَلَمَّا رَأَوْهَا أَيْ: وَصَلُوا إِلَيْهَا، وَنَظَرُوا مَا حَلَّ بِهَا، وَمَا قَدْ صَارَتْ إِلَيْهِ مِنَ الصِّفَةِ الْمُنْكَرَةِ بَعْدَ تِلْكَ النَّضْرَةِ وَالْحُسْنِ وَالْبَهْجَةِ، فَانْقَلَبَتْ بِسَبَبِ النِّيَّةِ الْفَاسِدَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ أَيْ: قَدْ تُهْنَا عَنْهَا وَسَلَكْنَا غَيْرَ طَرِيقِهَا. ثُمَّ قَالُوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ أَيْ: بَلْ عُوقِبْنَا بِسَبَبِ سُوءِ قَصْدِنَا، وَحُرِمْنَا بَرَكَةَ حَرْثِنَا قَالَ أَوْسَطُهُمْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ أَعْدَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ. أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قِيلَ: تَسْتَثْنُونَ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَقِيلَ: تَقُولُونَ خَيْرًا بَدَلَ مَا قُلْتُمْ مِنَ الشَّرِّ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ فَنَدِمُوا حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ، وَاعْتَرَفُوا بِالذَّنْبِ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ، وَذَلِكَ حَيْثُ لَا يَنْجَعُ، وَلِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالصَّدَقَةِ مِنَ الثِّمَارِ وَحَثَّ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَ الْجَدَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ [ الْأَنْعَامِ: 141 ]. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ الْعَذَابُ أَيْ: هَكَذَا نُعَذِّبُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَنَا، وَلَمْ يَعْطِفْ عَلَى الْمَحَاوِيجِ مِنْ خَلْقِنَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ أَيْ: أَعْظَمُ وَأَطَمُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنْيَا لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ. وَقِصَّةُ هَؤُلَاءِ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [ النَّحْلِ: 112، 113 ]. قِيلَ: هَذَا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ لِأَهْلِ مَكَّةَ. وَقِيلَ: هُمْ أَهْلُ مَكَّةَ أَنْفُسُهُمْ، ضَرَبَهُمْ مَثَلًا لِأَنْفُسِهِمْ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  371. التاريخ 367لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ أَصْحَابِ أَيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي سَبْتِهِمْ  وردت قصة أصحاب السبت في عدة مواضع من القرآن الكريم منها في البقرة والنساء وغيرها من السور، كما وردت بتفصيل أكثر في سورة الأعراف قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، فِي سُورَةِ " الْأَعْرَافِ ": وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [ الْأَعْرَافِ: 163 - 166 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ ": وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [ الْبَقَرَةِ: 65، 66 ]. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ " النِّسَاءِ ": أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [ النِّسَاءِ: 47 ]. مكان وأحداث قصة أصحاب السبت قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ: هُمْ أَهْلُ أَيْلَةَ. زَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بَيْنَ مَدْيَنَ وَالطُّورِ. قَالُوا: وَكَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ التَّوْرَاةِ فِي تَحْرِيمِ السَّبْتِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ قَدْ أَلِفَتْ مِنْهُمُ السَّكِينَةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الِاصْطِيَادُ فِيهِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصَّنَائِعِ وَالتِّجَارَاتِ وَالْمَكَاسِبِ، فَكَانَتِ الْحِيتَانُ فِي مِثْلِ يَوْمِ السَّبْتِ يَكْثُرُ غَشَيَانُهَا لِمَحِلَّتِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ ; فَتَأْتِي مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا ظَاهِرَةً آمِنَةً مُسْتَرْسِلَةً فَلَا يُهَيِّجُونَهَا وَلَا يَذْعَرُونَهَا. وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصْطَادُونَهَا فِيمَا عَدَا السَّبْتِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ أَيْ: نَخْتَبِرُهُمْ بِكَثْرَةِ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ. بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ أَيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ الْمُتَقَدِّمِ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ احْتَالُوا عَلَى اصْطِيَادِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ، بِأَنْ نَصَبُوا الْحِبَالَ وَالشِّبَاكَ وَالشُّصُوصَ، وَحَفَرُوا الْحُفَرَ الَّتِي يَجْرِي مَعَهَا الْمَاءُ إِلَى مَصَانِعَ قَدْ أَعَدُّوهَا، إِذَا دَخَلَهَا السَّمَكُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِذَا جَاءَتِ الْحِيتَانُ مُسْتَرْسِلَةً يَوْمَ السَّبْتِ، عَلِقَتْ بِهَذِهِ الْمَصَايِدِ، فَإِذَا خَرَجَ سَبْتُهُمْ أَخَذُوهَا، فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ ; لَمَّا احْتَالُوا عَلَى خِلَافِ أَمْرِهِ، وَانْتَهَكُوا مَحَارِمَهُ بِالْحِيَلِ الَّتِي هِيَ ظَاهِرَةٌ لِلنَّاظِرِ، وَهِيَ فِي الْبَاطِنِ مُخَالَفَةٌ مَحْضَةٌ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ افْتَرَقَ الَّذِينَ لَمْ يَفْعَلُوا فِرْقَتَيْنِ ; فِرْقَةٌ أَنْكَرُوا عَلَيْهِمْ صَنِيعَهُمْ هَذَا وَاحْتِيَالَهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَفِرْقَةٌ أُخْرَى لَمْ يَفْعَلُوا وَلَمْ يَنْهَوْا، بَلْ أَنْكَرُوا عَلَى الَّذِينَ نَهَوْا وَقَالُوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا يَقُولُونَ لَهُمْ: مَا الْفَائِدَةُ فِي نَهْيِكُمْ هَؤُلَاءِ وَقَدِ اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ لَا مَحَالَةَ ؟ فَأَجَابَتْهُمُ الطَّائِفَةُ الْمُنْكِرَةُ بِأَنْ قَالُوا: مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ أَيْ: فِيمَا أُمِرْنَا بِهِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَنَقُومُ بِهِ خَوْفًا مِنْ عَذَابِهِ. وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَيْ: وَلَعَلَّ هَؤُلَاءِ يَتْرُكُونَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الصَّنِيعِ، فَيَقِيهِمُ اللَّهُ عَذَابَهُ وَيَعْفُو عَنْهُمْ إِذَا هُمْ رَجَعُوا وَاسْتَمَعُوا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَيْ: لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَى مَنْ نَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الصَّنِيعِ الشَّنِيعِ الْفَظِيعِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَهُمُ الْفِرْقَةُ الْآمِرَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَةُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَهُمُ الْمُرْتَكِبُونَ الْفَاحِشَةَ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ وَهُوَ الشَّدِيدُ الْمُؤْلِمُ الْمُوجِعُ. بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ثُمَّ فَسَّرَ الْعَذَابَ الَّذِي أَصَابَهُمْ بِقَوْلِهِ: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ وَسَنَذْكُرُ مَا وَرَدَ مِنَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَهْلَكَ الظَّالِمِينَ، وَنَجَّى الْمُؤْمِنِينَ الْمُنْكِرِينَ، وَسَكَتَ عَنِ السَّاكِتِينَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِمُ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ النَّاجِينَ. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ مِنَ الْهَالِكِينَ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ الَّذِي رَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُنَاظَرَةِ مَوْلَاهُ عِكْرِمَةُ، فَكَسَاهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حُلَّةً سَنِيَّةً ; تَكْرِمَةً. قُلْتُ: وَإِنِمَّا لَمْ يُذْكَرُوا مَعَ النَّاجِينَ ; لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَرِهُوا بِبَوَاطِنِهِمْ تِلْكَ الْفَاحِشَةَ، إِلَّا أَنَّهُمْ كَانَ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا ظَوَاهِرَهُمْ بِالْعَمَلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنَ الْإِنْكَارِ الْقَوْلِيِّ، الَّذِي هُوَ أَوْسَطُ الْمَرَاتِبِ الثَّلَاثِ، الَّتِي أَعْلَاهَا الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ ذَاتِ الْبَنَانِ، وَبَعْدَهَا الْإِنْكَارُ الْقَوْلِيِّ بِاللِّسَانِ، وَثَالِثُهَا الْإِنْكَارُ بِالْجَنَانِ. فَلَمَّا لَمْ يُذَكِّرُوا، لَمْ يُذْكَرُوا مَعَ النَّاجِينَ، إِذْ لَمْ يَفْعَلُوا الْفَاحِشَةَ، بَلْ أَنْكَرُوا. وعَنْ قَتَادَةَ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، مَا مَضْمُونُهُ أَنَّ الَّذِينَ ارْتَكَبُوا هَذَا الصُّنْعَ، اعْتَزَلَهُمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَنَهَاهُمْ مَنْ نَهَاهُمْ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَكَانُوا يَبِيتُونَ وَحْدَهُمْ وَيُغْلِقُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ أَبْوَابًا، حَاجِزًا لِمَا كَانُوا يَتَرَقَّبُونَ مِنْ هَلَاكِهِمْ فَأَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَأَبْوَابُ نَاحِيَتِهِمْ مُغْلَقَةٌ لَمْ يَفْتَحُوهَا، وَارْتَفَعَ النَّهَارُ وَاشْتَدَّ الضُحَاءُ فَأَمَرَ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْبَلَدِ رَجُلًا أَنْ يَصْعَدَ عَلَى سَلَالِمَ وَيُشْرِفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، إِذَا هُمْ قِرَدَةٌ لَهَا أَذْنَابٌ يَتَعَاوَوْنَ وَيَتَعَادَوْنَ، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الْأَبْوَابَ فَجَعَلَتِ الْقِرَدَةُ تَعْرِفُ قَرَابَاتِهِمْ، وَلَا تَعْرِفُهُمْ قَرَابَاتُهُمْ، فَجَعَلُوا يَلُوذُونَ بِهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمُ النَّاهُونَ: أَلَمْ نَنْهَكُمْ عَنْ صَنِيعِكُمْ ؟ فَتُشِيرُ الْقِرَدَةُ بِرُءُوسِهَا أَنْ نَعَمْ. ثُمَّ بَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: إِنَّا لَنَرَى مُنْكَرَاتٍ كَثِيرَةً، وَلَا نُنْكِرُهَا، وَلَا نَقُولُ فِيهَا شَيْئًا. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: صَارَ شَبَابُ الْقَرْيَةِ قِرَدَةً، وَشُيُوخُهَا خَنَازِيرَ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُمْ لَمْ يَعِيشُوا إِلَّا فُوَاقًا، ثُمَّ هَلَكُوا، مَا كَانَ لَهُمْ نَسْلٌ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَشْرَبُوا وَلَمْ يَنْسِلُوا. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ، كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. وَهَذَا صَحِيحٌ إِلَيْهِ، وَغَرِيبٌ مِنْهُ جِدًّا، وَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَلِمَا نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ

  372. التاريخ 372لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ جُرَيْجٍ أَحَدِ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ   قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ ; عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَالَ: وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَابِدٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ فَابْتَنَى صَوْمَعَةً وَتَعَبَّدَ فِيهَا قَالَ: فَذَكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ عِبَادَةَ جُرَيْجٍ فَقَالَتْ بَغِيٌّ مِنْهُمْ: لَئِنْ شِئْتُمْ لِأَفْتِنَنَّهُ ! فَقَالُوا: قَدْ شِئْنَا ذَاكَ. قَالَ: فَأَتَتْهُ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَأَمْكَنَتْ نَفْسَهَا مِنْ رَاعٍ كَانَ يَأْوِي غَنَمَهُ إِلَى أَصْلِ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالُوا: مِمَّنْ ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ فَشَتَمُوهُ وَضَرَبُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا: إِنَّكَ زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقَالَ: وَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالُوا: هُوَ هَذَا قَالَ: فَقَامَ فَصَلَّى وَدَعَا، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْغُلَامِ فَطَعَنَهُ بِإِصْبَعِهِ فَقَالَ: بِاللَّهِ يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ ؟ فَقَالَ: أَنَا ابْنُ الرَّاعِي فَوَثَبُوا إِلَى جُرَيْجٍ فَجَعَلُوا يُقَبِّلُونَهُ، وَقَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ ابْنُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ قَالَ: وَبَيْنَمَا امْرَأَةٌ فِي حِجْرِهَا ابْنٌ لَهَا تُرْضِعُهُ إِذْ مَرَّ بِهَا رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، قَالَ: فَتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ قَالَ: ثُمَّ عَادَ إِلَى ثَدْيِهَا فَمَصَّهُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي صَنِيعَ الصَّبِيِّ، وَوَضَعَ أُصْبَعَهُ فِي فَمِهِ يَمَصُّهَا، ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ تُضْرَبُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا قَالَ: فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الْأَمَةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا قَالَ: فَذَاكَ حِينَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ فَقَالَتْ: حَلْقَى ! مَرَّ الرَّاكِبُ ذُو الشَّارَةِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمُرَّ بِهَذِهِ الْأَمَةِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا فَقَالَ: يَا أُمَّتَاهُ إِنَّ الرَّاكِبَ ذُو الشَّارَةِ جَبَّارٌ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ يَقُولُونَ: زَنَتْ وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقَتْ وَلَمْ تَسْرِقْ، وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَتِهِ قَالَ: فَأَتَتْهُ أُمُّهُ فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي قَالَ: وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَصِفُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصِفُهَا، وَضَعَ يَدَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الْأَيْمَنِ قَالَ: فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي قَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَرَجَعَتْ ثُمَّ أَتَتْهُ فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ أَنَا أُمُّكَ فَكَلِّمْنِي فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَاخْتَارَ صَلَاتَهُ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ هَذَا جُرَيْجٌ وَإِنَّهُ ابْنِي، وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي، اللَّهُمَّ فَلَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ. وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَتَنَ لَافْتَتَنَ قَالَ: وَكَانَ رَاعٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَقِيلَ: مِمَّنْ هَذَا ؟ فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ صَاحِبِ الدَّيْرِ، فَأَقْبَلُوا بِفُئُوسِهِمْ وَمِسَاحِيهِمْ وَأَقْبَلُوا إِلَى الدَّيْرِ فَنَادَوْهُ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ، فَأَقْبَلُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: سَلْ هَذِهِ الْمَرْأَةَ قَالَ أُرَاهُ تَبَسَّمَ قَالَ: ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيَّ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ ؟ قَالَ: رَاعِي الضَّأْنِ قَالُوا: يَا جُرَيْجُ نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ قَالَ: لَا وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ كَمَا كَانَ فَفَعَلُوا وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَادَتْهُ فَقَالَتْ: أَيْ جُرَيْجُ أَيْ بُنَيَّ أَشْرِفْ عَلَيَّ أُكَلِّمْكَ أَنَا أَمُّكَ أَشْرِفْ عَلَيَّ فَقَالَ: أَيْ رَبِّي صَلَاتِي وَأُمِّي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ، ثُمَّ عَادَتْ فَنَادَتْهُ مِرَارًا فَقَالَتْ: أَيْ جُرَيْجُ أَيْ بُنَيَّ أَشْرِفْ عَلَيَّ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ صَلَاتِي وَأُمِّي فَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَةَ. وَكَانَتْ رَاعِيَةً تَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِهَا، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى ظِلِّ صَوْمَعَتِهِ فَأَصَابَتْ فَاحِشَةً فَحَمَلَتْ فَأُخِذَتْ، - وَكَانَ مَنْ زَنَى مِنْهُمْ قُتِلَ - فَقَالُوا: مِمَّنْ ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ صَاحِبِ الصَّوْمَعَةِ فَجَاءُوا بِالْفُئُوسِ وَالْمُرُورِ فَقَالُوا: أَيْ جُرَيْجُ أَيْ مُرَاءٍ انْزِلْ فَأَبَى وَأَقْبَلَ عَلَى صِلَاتِهِ يُصَلِّي، فَأَخَذُوا فِي هَدْمِ صَوْمَعَتِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ نَزَلَ فَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ وَعُنُقِهَا حَبْلًا فَجَعَلُوا يَطُوفُونَ بِهِمَا فِي النَّاسِ، فَوَضَعَ أُصْبُعَهُ عَلَى بَطْنِهَا فَقَالَ: أَيْ غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ ؟ فَقَالَ: أَبِي فُلَانٌ رَاعِي الضَّأْنِ. فَقَبَّلُوهُ وَقَالُوا: إِنْ شِئْتَ بَنَيْنَا لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ. قَالَ أَعِيدُوهَا كَمَا كَانَتْ.. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ تَكَلَّمُوا فِي الْمَهْدِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ ابْنُ الْبَغِيِّ مِنَ الرَّاعِي كَمَا سَمِعْتَ وَالثَّالِثُ ابْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تُرْضِعُهُ فَتَمَنَّتْ لَهُ أَنْ يَكُونَ كَصَاحِبِ الشَّارَةِ الْحَسَنَةِ فَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ كَتِلْكَ الْأَمَةِ الْمَتْهُومَةِ بِمَا هِيَ بَرِيئَةٌ مِنْهُ، وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.

  373. التاريخ 373لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ بَرْصِيصَا وَهِيَ عَكْسُ قَضِيَّةِ جُرَيْجٍ فَإِنَّ جُرَيْجًا عُصِمَ، وَذَلِكَ فُتِنَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ  فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ [ الْحَشْرِ: 16، 17 ] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَكَانَتِ امْرَأَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ وَكَانَ لَهَا إِخْوَةٌ أَرْبَعَةٌ، وَكَانَتْ تَأْوِي بِاللَّيْلِ إِلَى صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ. قَالَ: فَنَزَلَ الرَّاهِبُ فَفَجَرَ بِهَا فَحَمَلَتْ فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: اقْتُلْهَا ثُمَّ ادْفِنْهَا فَإِنَّكَ رَجُلٌ مُصَدَّقٌ يُسْمَعُ قَوْلُكَ فَقَتَلَهَا، ثُمَّ دَفَنَهَا قَالَ: فَأَتَى الشَّيْطَانُ إِخْوَتَهَا فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ صَاحِبُ الصَّوْمَعَةِ فَجَرَ بِأُخْتِكُمْ فَلَمَّا أَحْبَلَهَا قَتَلَهَا، ثُمَّ دَفَنَهَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رُؤْيًا مَا أَدْرِي أَقُصُّهَا عَلَيْكُمْ أَمْ أَتْرُكُ ؟ قَالُوا: لَا بَلْ قُصَّهَا عَلَيْنَا، قَالَ: فَقَصَّهَا فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ فَقَالَ الْآخَرُ: وَأَنَا وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ ذَلِكَ قَالُوا: فَوَاللَّهِ مَا هَذَا إِلَّا لِشَيْءٍ فَانْطَلَقُوا فَاسْتَعَدَوْا مَلِكَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الرَّاهِبِ فَأَتَوْهُ فَأَنْزَلُوهُ، ثُمَّ انْطَلَقُوا بِهِ فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: إِنِّي أَنَا الَّذِي أَوْقَعْتُكَ فِي هَذَا، وَلَنْ يُنْجِيَكَ مِنْهُ غَيْرِي فَاسْجُدْ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً وَأُنَجِّيَكَ مِمَّا أَوْقَعْتُكَ فِيهِ، قَالَ: فَسَجَدَ لَهُ، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ مَلِكَهُمْ تَبَرَّأَ مِنْهُ وَأُخِذَ فَقُتِلَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ بِسِيَاقٍ آخَرَ فعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ نَهِيكٍ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: إِنَّ رَاهِبًا تَعَبَّدَ سِتِّينَ سَنَةً، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ أَرَادَهُ فَأَعْيَاهُ فَعَمَدَ إِلَى امْرَأَةٍ فَأَجَنَّهَا، وَلَهَا إِخْوَةٌ فَقَالَ لِإِخْوَتِهَا: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقَسِّ فَيُدَاوِيَهَا قَالَ: فَجَاءُوا بِهَا إِلَيْهِ فَدَاوَاهَا وَكَانَتْ عِنْدَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا عِنْدَهَا، إِذْ أَعْجَبَتْهُ فَأَتَاهَا فَحَمَلَتْ فَعَمَدَ إِلَيْهَا فَقَتَلَهَا، فَجَاءَ إِخْوَتُهَا فَقَالَ الشَّيْطَانُ: لِلرَّاهِبِ أَنَا صَاحِبُكَ إِنَّكَ أَعْيَيْتَنِي أَنَا صَنَعْتُ هَذَا بِكَ فَأَطِعْنِي أُنَجِّكَ مِمَّا صَنَعْتُ بِكَ، اسْجُدْ لِي سَجْدَةً فَسَجَدَ لَهُ فَلَمَّا سَجَدَ لَهُ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى ]. فعن عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أَنَّ عَابِدًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مِنْ أَعْبَدِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَكَانَ فِي زَمَانِهِ ثَلَاثَةُ إِخْوَةٌ وَكَانَتْ لَهُمْ أُخْتٌ وَكَانَتْ بِكْرًا [، لَيْسَتْ لَهُمْ أُخْتٌ غَيْرُهَا ] فَخَرَجَ الْبَعْثُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَدْرُوا عِنْدَ مَنْ يُخَلِّفُونَ أُخْتَهُمْ وَلَا مَنْ يَأْمَنُونَ عَلَيْهَا [ وَلَا عِنْدَ مَنْ يَضَعُونَهَا ]، فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يُخَلِّفُوهَا عِنْدَ عَابِدِ بَنِي إِسْرَائِيلَ [ كَانَ ثِقَةً فِي أَنْفُسِهِمْ، فَأَتَوْهُ ] فَسَأَلُوهُ أَنْ يُخَلِّفُوهَا عِنْدَهُ فَأَبَى ذَلِكَ فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى أَطَاعَهُمْ. فَقَالَ: أَنْزِلُوهَا فِي بَيْتٍ حِذَاءَ صَوْمَعَتِي فَأَنْزَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ، ثُمَّ انْطَلَقُوا وَتَرَكُوهَا، فَمَكَثَتْ فِي جِوَارِ ذَلِكَ الْعَابِدِ زَمَانًا يُنْزِلُ إِلَيْهَا الطَّعَامَ مِنْ [ صَوْمَعَتِهِ ] فَيَضَعُهُ عِنْدَ بَابِ الصَّوْمَعَةِ، ثُمَّ يُغْلِقُ بَابَهُ وَيَصْعَدُ فِي صَوْمَعَتِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُهَا فَتَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهَا فَتَأْخُذُ مَا وُضِعَ لَهَا مِنَ الطَّعَامِ قَالَ: فَتَلَطَّفَ لَهُ الشَّيْطَانُ فَلَمْ يَزَلْ يُرَغِّبُهُ فِي الْخَيْرِ وَيُعَظِّمُ عَلَيْهِ خُرُوجَ الْجَارِيَةِ مِنْ بَيْتِهَا نَهَارًا وَيُخَوِّفُهُ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ فَيُعَلِّقُهَا، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى مَشَى بِطَعَامِهَا حَتَّى وَضَعَهُ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا، وَلَا يُكَلِّمَهَا. قَالَ: فَلَبِثَ بِذَلِكَ زَمَانًا ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَالْأَجْرِ [ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ ] وَقَالَ: لَوْ كُنْتَ تَمْشِي إِلَيْهَا بِطَعَامِهَا حَتَّى تَضَعَهُ فِي بَيْتِهَا كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكَ. قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى مَشَى إِلَيْهَا بِطَعَامِهَا حَتَّى يَضَعَهُ فِي بَيْتِهَا. قَالَ: فَثَبَتَ بِذَلِكَ زَمَانًا، ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسٌ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُ: لَوْ كُنْتَ تُكَلِّمُهَا وَتُحَدِّثُهَا حَتَّى تَسْتَأْنِسَ بِحَدِيثِكَ، فَإِنَّهَا قَدِ اسْتَوْحَشَتْ وَحْشَةً شَدِيدَةً قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى حَدَّثَهَا زَمَانًا يَطْلُعُ إِلَيْهَا مِنْ صَوْمَعَتِهِ، قَالَ: ثُمَّ أَتَاهُ إِبْلِيسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ تَنْزِلُ إِلَيْهَا فَتَقْعُدُ عَلَى بَابِ صَوْمَعَتِكَ وَتُحَدِّثُهَا، وَتَقْعُدُ هِيَ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا فَتُحَدِّثُكَ كَانَ آنَسُ بِهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَنْزَلَهُ فَأَجْلَسَهُ عَلَى بَابِ صَوْمَعَتِهِ يُحَدِّثُهَا وَتَخْرُجُ الْجَارِيَةُ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى تَقْعُدَ عَلَى بَابِ بَيْتِهَا، قَالَ: فَلَبِثَا زَمَانًا يَتَحَادَثَانِ. ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَرَغَّبَهُ فِي الْخَيْرِ، فَقَالَ: لَوْ خَرَجْتَ مِنْ بَابِ صَوْمَعَتِكَ فَجَلَسْتَ قَرِيبًا مِنْهَا فَحَدَّثْتَهَا كَانَ آنَسُ لَهَا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى فَعَلَ فَلَبِثَا بِذَلِكَ زَمَانًا، ثُمَّ جَاءَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ: لَوْ دَنَوْتَ مِنْ بَابِ بَيْتِهَا، ثُمَّ قَالَ: لَوْ دَخَلْتَ الْبَيْتَ فَحَدَّثْتَهَا وَلَمْ [ تَتْرُكْهَا ] تُبْرِزْ وَجْهَهَا لِأَحَدٍ كَانَ أَحْسَنَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُهَا نَهَارَهُ كُلَّهُ، فَإِذَا أَمْسَى صَعَدَ فِي صَوْمَعَتِهِ. قَالَ: ثُمَّ أَتَاهُ إِبْلِيسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ يُزَيِّنُهَا لَهُ حَتَّى ضَرَبَ الْعَابِدُ عَلَى فَخِذِهَا وَقَبَّلَهَا، فَلَمْ يَزَلْ إِبْلِيسُ يُحَسِّنُهَا فِي عَيْنِهِ وَيُسَوِّلُ لَهُ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا فَأَحْبَلَهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا. فَجَاءَهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ [ لَهُ: ] أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ إِخْوَةُ هَذِهِ الْجَارِيَةِ وَقَدْ وَلَدَتْ مِنْكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ ؟ فَاعْمَدْ إِلَى وَلَدِهَا فَاذْبَحْهُ وَادْفِنْهُ، فَإِنَّهَا سَتَكْتُمُ ذَلِكَ عَلَيْكَ مَخَافَةَ إِخْوَتِهَا، فَفَعَلَ، فَقَالَ: أَتُرَاهَا تَكْتُمُ مَا فَعَلَتْ ؟ خُذْهَا فَاذْبَحْهَا وَادْفِنْهَا مَعَ ابْنِهَا، فَذَبَحَهَا وَأَلْقَاهَا فِي الْحُفْرَةِ مَعَ ابْنِهَا، فَذَبَحَهَا كَمَا قُلْنَا، فَمَكَثَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى قَفَلَ إِخْوَتُهَا مِنَ الْغَزْوِ فَجَاءُوا فَسَأَلُوهُ عَنْ أُخْتِهِمْ فَنَعَاهَا لَهُمْ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهَا وَبَكَى، وَقَالَ: كَانَتْ خَيْرَ امْرَأَةٍ وَهَذَا قَبْرُهَا، فَأَتَى إِخْوَتُهَا الْقَبْرَ، فَبَكَوْا أُخْتَهُمْ وَتَرَحَّمُوا عَلَيْهَا، وَأَقَامُوا عَلَى قَبْرِهَا أَيَّامًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى أَهَالِيهِمْ. فَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ أَتَاهُمُ الشَّيْطَانُ فِي النَّوْمِ فَبَدَأَ بِأَكْبَرِهِمْ فَسَأَلَهُ عَنْ أُخْتِهِمْ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْعَابِدِ وَبِمَوْتِهَا، فَكَذَّبَهُ الشَّيْطَانُ، وَقَالَ: لَمْ يَصْدُقْكُمْ أَمْرَ أُخْتِكُمْ إِنَّهُ قَدْ أَحْبَلَ أُخْتَكُمْ وَوَلَدَتْ مِنْهُ غُلَامًا فَذَبَحَهُ وَذَبَحَهَا مَعَهُ خَوْفًا مِنْكُمْ فَأَلْقَاهَا فِي حُفَيْرَةٍ خَلْفَ بَابِ الْبَيْتِ، فَأَتَى الْأَوْسَطَ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى أَصْغَرَهُمْ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ اسْتَيْقَظُوا مُتَعَجِّبِينَ لِمَا رَأَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتُ عَجَبًا، فَأَخْبَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِمَّا رَأَى، فَقَالَ أَكْبَرُهُمْ: هَذَا حُلْمٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَامْضُوا بِنَا وَدَعُوا هَذَا، فَقَالَ صَغِيرُهُمْ: لَا أَمْضِيَ حَتَّى آتِيَ الْمَوْضِعَ فَأَنْظُرُ فِيهِ، فَانْطَلَقُوا فَبَحَثُوا الْمَوْضِعَ فَوَجَدُوا أُخْتَهُمْ وَابْنَهَا مَذْبُوحِينَ، فَسَأَلُوا عَنْهَا الْعَابِدَ، فَصَدَّقَ قَوْلَ إِبْلِيسَ فِيمَا صَنَعَ بِهَا. قَالَ: فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِمْ مَلِكَهُمْ، فَأُنْزِلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيُصْلَبَ، فَلَمَّا أَوْثَقُوهُ عَلَى الْخَشَبَةِ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ، إِنِّي صَاحِبُكَ الَّذِي فَتَنْتُكَ فِي الْمَرْأَةِ حَتَّى أَحْبَلْتَهَا وَذَبَحْتَهَا وَابْنَهَا، فَإِنْ أَنْتَ أَطَعْتِنِي الْيَوْمَ وَكَفَرْتَ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ خَلَّصْتُكَ مِمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَكَفَرَ الْعَابِدُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَلَمَّا كَفَرَ خَلَّى الشَّيْطَانُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ فَصَلَبُوهُ فَفِيهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ إِلَى قَوْلِهِ: جَزَاءُ الظَّالِمِينَ.

  374. التاريخ 374لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى الْغَارِ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ  فَتَوَسَّلُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ فَفُرِّجَ عَنْهُمْ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ: بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَمْشُونَ إِذْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ يَا هَؤُلَاءِ لَا يُنَجِّيكُمْ إِلَّا الصِّدْقُ فَلْيَدْعُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ صَدَقَ فِيهِ فَقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَجِيرٌ، عَمِلَ لِي عَلَى فَرَقٍ مِنْ أَرُزٍّ فَذَهَبَ وَتَرَكَهُ، وَأَنِّي عَمَدْتُ إِلَى ذَلِكَ الْفَرَقِ فَزَرَعْتُهُ فَصَارَ مِنْ أَمْرِهِ أَنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا، وَأَنَّهُ أَتَانِي يَطْلُبُ أَجْرَهُ فَقُلْتُ: اعْمَدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَسُقْهَا فَقَالَ لِي: إِنَّمَا لِي عِنْدَكَ فَرَقٌ مِنْ أَرُزٍّ فَقُلْتُ لَهُ: اعْمَدْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا مِنْ ذَلِكَ الْفَرَقِ فَسَاقَهَا فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا فَانْسَاخَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ. فَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ آتِيهُمَا كُلَّ لَيْلَةٍ بِلَبَنِ غَنَمٍ لِي فَأَبْطَأْتُ عَنْهُمَا لَيْلَةً فَجِئْتُ وَقَدْ رَقَدَا، وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنَ الْجُوعِ، وَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتَكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرَ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْسَاخَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا فَأَمْكَنَتْنِي مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتِ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَفَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا

  375. التاريخ 375لا حكم مسجّل

    خَبَرُ الثَّلَاثَةِ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصِ وَالْأَقْرَعِ   رَوَى الْبُخَارِيُّ بسنده أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصُ وَأَعْمَى وَأَقْرَعُ، بَدَا لِلَّهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الْأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ فَقَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ قَالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ فَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، فَقَالَ: أَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ الَيْكَ ؟ قَالَ: الْإِبِلُ - أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ هُوَ شَكٌّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَبْرَصَ وَالْأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الْإِبِلُ، وَقَالَ الْآخَرُ: الْبَقَرُ - فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ فَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. قَالَ: وَأَتَى الْأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ: شَعْرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ، وَأُعْطِيَ شَعْرًا حَسَنًا. قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ الَيْكَ ؟ قَالَ: الْبَقَرُ فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلًا، وَقَالَ: يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الْأَعْمَى فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ الَيْكَ ؟ قَالَ: يَرُدُّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قَالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ الَيْكَ ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا، فَأَنْتَجَ هَذَانِ وَوَلَدَ هَذَا فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الْأَبْرَصَ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ تَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ فَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ ؟ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ ! فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الْأَقْرَعُ فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَمَا قَالَ لِهَذَا فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الْأَعْمَى فِي صُورَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ، وَابْنُ سَبِيلٍ، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي فَلَا بَلَاغَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ، شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، وَفَقِيرًا فَقَدْ أَغْنَانِي فَخُذْ مَا شِئْتَ فَوَاللَّهِ لَا أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ فَقَدْ ؓ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي أَحَادِيثِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.

  376. التاريخ 376لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ الَّذِي اسْتَسْلَفَ مِنْ صَاحِبِهِ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَدَّاهَا   قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ: ائْتِنِي بِشُهَدَاءَ أُشْهِدُهُمْ قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا قَالَ: ائْتِنِي بِكَفِيلٍ قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا قَالَ: صَدَقْتَ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجْلِ الَّذِي كَانَ أَجَّلَهُ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مَعَهَا إِلَى صَاحِبِهَا، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا الْبَحْرَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي اسْتَلَفْتُ مِنْ فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَسَأَلَنِي كَفِيلًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنِّي قَدْ جَهِدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ بِالَّذِي لَهُ فَلَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا، وَإِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَهَا فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ يَنْظُرُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَطْلُبُ مَرْكَبًا إِلَى بَلَدِهِ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا يَجِيءُ بِمَالِهِ فَاذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا فَلَمَّا كَسَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ تَسَلَّفَ مِنْهُ فَأَتَاهُ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ هَذَا الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ بِهِ فِي الْخَشَبَةِ فَانْصَرِفْ بِأَلْفِكَ رَاشِدًا

  377. التاريخ 377لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الْأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الْأَرْضُ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الْأَرْضَ وَمَا فِيهَا فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ ؟ قَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: لِي جَارِيَةٌ قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ، وَتَصَدَّقَا هَكَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ فِي زَمَنِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِدُهُورٍ مُتَطَاوِلَةٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنِ الْحَسَنِ: إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ يَتَفَقَّدُ أُمُورَ مُلُوكِهِ، وَعُمَّالِهِ بِنَفْسِهِ وَكَانَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ خِيَانَةً إِلَّا أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَطَّلِعَ هُوَ بِنَفْسِهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مُتَنَكِّرًا فِي بَعْضِ الْمَدَائِنِ فَجَلَسَ إِلَى قَاضٍ مِنْ قُضَاتِهِمْ أَيَّامًا لَا يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي خُصُومَةٍ فَلَمَّا أَنْ طَالَ ذَلِكَ بِذِي الْقَرْنَيْنِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ ذَلِكَ الْقَاضِي، وَهَمَّ بِالِانْصِرَافِ إِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ قَدِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فَادَّعَى أَحَدُهُمَا فَقَالَ: أَيُّهَا الْقَاضِي إِنِّي اشْتَرَيْتُ مِنْ هَذَا دَارًا عَمَّرْتُهَا، وَوَجَدْتُ فِيهَا كَنْزًا، وَإِنِّي دَعَوْتُهُ إِلَى أَخْذِهِ فَأَبَى عَلَيَّ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: مَا تَقُولُ قَالَ: مَا دَفَنْتُ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ فَلَيْسَ هُوَ لِي وَلَا أَقْبِضُهُ مِنْهُ قَالَ الْمُدَّعِي: أَيُّهَا الْقَاضِي مُرْ مَنْ يَقْبِضُهُ فَتَضَعُهُ حَيْثُ أَحْبَبْتَ فَقَالَ الْقَاضِي: تَفِرُّ مِنَ الشَّرِّ وَتُدْخِلُنِي فِيهِ مَا أَنْصَفْتَنِي وَمَا أَظُنُّ هَذَا فِي قَضَاءِ الْمَلِكِ، فَقَالَ الْقَاضِي: هَلْ لَكَمَا فِي أَمْرٍ أَنْصَفَ مِمَّا دَعَوْتُمَانِي إِلَيْهِ ؟ قَالَا: نَعَمْ قَالَ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ ابْنٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَلَكَ ابْنَةٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبَا فَزَوِّجِ ابْنَتَكَ مِنِ ابْنِ هَذَا وَجَهِّزُوهُمَا مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَادْفَعُوا فَضْلَ مَا بَقِيَ إِلَيْهِمَا يَعِيشَانِ بِهِ فَتَكُونَا قَدْ صَلَيْتُمَا بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَعَجِبَ ذُو الْقَرْنَيْنِ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ لِلْقَاضِي: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ فِي الْأَرْضِ أَحَدًا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا أَوَقَاضٍ يَقْضِي بِمِثْلِ هَذَا ؟ ! فَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، وَهَلْ أَحَدٌ يَفْعَلُ غَيْرَ هَذَا ؟ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ: نَعَمْ. قَالَ الْقَاضِي: فَهَلْ يُمْطَرُونَ فِي بِلَادِهِمْ ؟ فَعَجِبَ ذُو الْقَرْنَيْنِ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: بِمِثْلِ هَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

  378. التاريخ 378لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ: لَا. فَقَتَلَهُ فَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ هَكَذَا رَوَاهُ هَاهُنَا مُخْتَصَرًا وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدَارٍ بِهِ وَمِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتَادَةَ بِهِ مُطَوَّلًا.

  379. التاريخ 379لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ ! فَقَالَ: فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - وَمَا هُمَا ثَمَّ -. وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي ! فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي ؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ ! قَالَ فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ - وَمَا هُمَا. : وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ.

  380. التاريخ 380لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْحِ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ بِهِ.

  381. التاريخ 381لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا إِذْ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ بِهِ.

  382. التاريخ 382لا حكم مسجّل

    قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ امْرَأَةٌ قَصِيرَةٌ فَصَنَعَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ فَكَانَتْ تَمْشِي بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ قَصِيرَتَيْنِ، وَاتَّخَذَتْ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَحَشَتْ تَحْتَ فَصِّهِ أَطْيَبَ الطِّيبِ الْمِسْكَ فَكَانَتْ إِذَا مَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ حَرَّكَتْهُ فَنَفَحَ رِيحُهُ

  383. التاريخ 383لا حكم مسجّل

    قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لَهُ فِي السَّلَفِ الْخَالِي، لَا يَقْدِرَانِ عَلَى شَيْءٍ فَجَاءَ الرَّجُلُ مِنْ سَفَرِهِ فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ جَائِعًا قَدْ أَصَابَتْهُ مَسْغَبَةٌ شَدِيدَةٌ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَعِنْدَكِ شَيْءٌ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ أَبْشِرْ أَتَاكَ رِزْقُ اللَّهِ. فَاسْتَحَثَّهَا فَقَالَ: وَيَحَكِ ابْتَغِي إِنْ كَانَ عِنْدَكِ شَيْءٌ قَالَتْ: نَعَمْ هُنَيَّةً نَرْجُو رَحْمَةَ اللَّهِ حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيْهِ الطَّوَى قَالَ: وَيْحَكِ قُومِي فَابْتَغِي إِنْ كَانَ عِنْدَكِ خُبْزٌ فَأْتِينِي بِهِ فَإِنِّي قَدْ بَلَغْتُ وَجَهَدْتُ فَقَالَتْ: نَعَمِ الْآنَ يُنْضِجُ التَّنُّورُ فَلَا تَعْجَلْ، فَلَمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا سَاعَةً، وَتَحَيَّنَتْ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ لَهَا قَالَتْ هِيَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهَا: لَوْ قُمْتُ فَنَظَرْتُ إِلَى تَنُّورِي فَقَامَتْ فَوَجَدَتْ تَنُّورَهَا مَلْآنَ مِنْ جُنُوبِ الْغَنَمِ، وَرَحْيَيْهَا تَطْحَنَانِ فَقَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَنَفَضَتْهَا وَأَخْرَجَتْ مَا فِي تَنُّورِهَا مِنْ جُنُوبِ الْغَنَمِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ - عَنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ - لَوْ أَخَذَتْ مَا فِي رَحْيَيْهَا وَلَمْ تَنْفُضْهَا، لَطَحَنَتْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ خَرَجَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا، وَإِلَى التَّنُّورِ فَسَجَرَتْهُ، ثُمَّ قَالَتِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا فَنَظَرَتْ فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدِ امْتَلَأَتْ. قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًا قَالَتِ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ مِنْ رَبِّنَا. قَامَ إِلَى الرَّحَى فَرَفَعَهَا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا، لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ وَاللَّهِ لَأَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ صَبِيرًا، ثُمَّ يَحْمِلَهُ فَيَبِيعَهُ فَيَسْتَعِفَّ مِنْهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ.

  384. التاريخ 384لا حكم مسجّل

    قِصَّةُ الْمَلِكَيْنِ التَّائِبَيْنِ   قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ فِي مَمْلَكَتِهِ فَتَفَكَّرَ فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ، وَأَنَّ مَا هُوَ فِيهِ قَدْ شَغَلَهُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ فَتَسَرَّبَ فَانْسَابَ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنْ قَصْرِهِ فَأَصْبَحَ فِي مَمْلَكَةِ غَيْرِهِ، وَأَتَى سَاحِلَ الْبَحْرِ وَكَانَ بِهِ يَضْرِبُ اللَّبِنَ بِالْأَجْرِ فَيَأْكُلُ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى رَقِيَ أَمْرُهُ إِلَى مِلْكِهِمْ وَعِبَادَتُهُ وَفَضْلُهُ فَأَرْسَلَ مَلِكُهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ فَأَعَادَ ثُمَّ أَعَادَ إِلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ، وَقَالَ: مَا لَهُ وَمَا لِي ؟ قَالَ: فَرَكِبَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ فَلَمَّا رَآهُ الرَّجُلُ، وَلَّى هَارِبًا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمَلِكُ رَكَضَ فِي أَثَرِهِ فَلَمْ يُدْرِكْهُ قَالَ: فَنَادَاهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنِّي بَأْسٌ، فَقَامَ حَتَّى أَدْرَكَهُ فَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ ؟ فَقَالَ أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ صَاحِبُ مُلْكِ كَذَا وَكَذَا، تَفَكَّرْتُ فِي أَمْرِي فَعَلِمْتُ أَنَّ مَا أَنَا فِيهِ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُ قَدْ شَغَلَنِي عَنْ عِبَادَةِ رَبِّي فَتَرَكْتُهُ وَجِئْتُ هَاهُنَا أَعْبُدُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا أَنْتَ بِأَحْوَجَ إِلَى مَا صَنَعْتَ مِنِّي. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فَسَيَّبَهَا ثُمَّ تَبِعَهُ فَكَانَا جَمِيعًا يَعْبُدَانِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَدَعَوَا اللَّهَ أَنْ يُمِيتَهُمَا جَمِيعًا قَالَ: فَمَاتَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَوْ كُنْتُ بِرُمَيْلَةِ مِصْرَ، لَأَرَيْتُكُمْ قُبُورَهُمَا، بِالنَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

  385. التاريخ 385لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ رَجُلًا كَانَ قَبْلَكُمْ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالًا فَقَالَ لِبَنِيهِ لَمَّا حُضِرَ: أَيَّ أَبٍ كُنْتُ لَكُمْ ؟ قَالُوا: خَيْرَ أَبٍ. قَالَ: فَإِنِّي لَمْ أَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ فَاذَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ. فَفَعَلُوا فَجَمَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ ؟ قَالَ: مَخَافَتُكَ. فَتَلَقَّاهُ بِرَحْمَتِهِ. وَرَوَاهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ بِهِ. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ  ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ وَقَدْ رَوَاهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ بِهِ.

  386. التاريخ 386لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ طُرُقٍ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِهِ.

  387. التاريخ 387لا حكم مسجّل

    وَهَذِهِ قِصَّةُ ذِي الْكِفْلِ  الَّذِي زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُ ابْنُ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ قِصَّةِ أَيُّوبَ فِي سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ: وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 85 - 86 ]. وَقَالَ تَعَالَى بَعْدَ قِصَّةِ أَيُّوبَ أَيْضًا فِي سُورَةِ ص: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ [ ص: 45 - 48 ]. فَالظَّاهِرُ مِنْ ذِكْرِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَقْرُونًا مَعَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُ نَبِيٌّ عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَدْ زَعَمَ آخَرُونَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا عَادِلًا. وَتَوَقَّفَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي ذَلِكَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ قَدْ تَكَفَّلَ لِبَنِي قَوْمِهِ أَنْ يَكْفِيَهُ أَمْرَهُمْ، وَيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ فَفَعَلَ فَسُمِّيَ ذَا الْكِفْلِ. وعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَبُرَ الْيَسَعُ قَالَ: لَوْ أَنِّي اسْتَخْلَفْتُ رَجُلًا عَلَى النَّاسِ يَعْمَلُ عَلَيْهِمْ فِي حَيَاتِي حَتَّى أَنْظُرَ كَيْفَ يَعْمَلُ. فَجَمَعَ النَّاسَ. فَقَالَ: مَنْ يَتَقَبَّلُ لِي بِثَلَاثٍ أَسْتَخْلِفُهُ؛ يَصُومُ النَّهَارَ، وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا يَغْضَبُ ؟ قَالَ: فَقَامَ رَجُلٌ تَزْدَرِيهِ الْعَيْنُ. فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ تَصُومُ النَّهَارَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا تَغْضَبُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَرَدَّهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَقَالَ مِثْلَهَا الْيَوْمَ الْآخَرَ فَسَكَتَ النَّاسُ، وَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ: أَنَا. فَاسْتَخْلَفَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يَقُولُ لِلشَّيَاطِينِ: عَلَيْكُمْ بِفُلَانٍ. فَأَعْيَاهُمْ ذَلِكَ، فَقَالَ: دَعُونِي وَإِيَّاهُ، فَأَتَاهُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ فَقِيرٍ، وَأَتَاهُ حِينَ أَخَذَ مَضْجَعَهُ لِلْقَائِلَةِ، وَكَانَ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِلَّا تِلْكَ النَّوْمَةَ فَدَقَّ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَظْلُومٌ. قَالَ: فَقَامَ فَفَتَحَ الْبَابَ فَجَعَلَ يَقُصُّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ قَوْمِي خُصُومَةً، وَإِنَّهُمْ ظَلَمُونِي وَفَعَلُوا بِي وَفَعَلُوا، وَجَعَلَ يُطَوِّلُ عَلَيْهِ حَتَّى حَضَرَ الرَّوَاحُ، وَذَهَبَتِ الْقَائِلَةُ. وَقَالَ: إِذَا رُحْتُ فَأْتِنِي آخُذْ لَكَ بِحَقِّكَ فَانْطَلَقَ، وَرَاحَ فَكَانَ فِي مَجْلِسِهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ هَلْ يَرَى الشَّيْخَ فَلَمْ يَرَهُ، فَقَامَ يَتْبَعُهُ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ جَعَلَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ، وَيَنْتَظِرُهُ فَلَا يَرَاهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْقَائِلَةِ فَأَخَذَ مَضْجَعَهُ أَتَاهُ فَدَقَّ الْبَابَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الْمَظْلُومُ فَفَتَحَ لَهُ. فَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِذَا قَعَدْتُ فَأْتِنِي ؟ فَقَالَ: إِنَّهُمْ أَخْبَثُ قَوْمٍ، إِذَا عَرَفُوا أَنَّكَ قَاعِدٌ قَالُوا: نَحْنُ نُعْطِيكَ حَقَّكَ. وَإِذَا قُمْتَ جَحَدُونِي، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَإِذَا رُحْتُ فَأْتِنِي. قَالَ: فَفَاتَتْهُ الْقَائِلَةُ فَرَاحَ فَجَعَلَ يَنْتَظِرُ فَلَا يَرَاهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ النُّعَاسُ. فَقَالَ: لِبَعْضِ أَهْلِهِ لَا تَدَعَنَّ أَحَدًا يَقْرُبُ هَذَا الْبَابَ حَتَّى أَنَامَ فَإِنِّي قَدْ شَقَّ عَلَيَّ النَّوْمُ، فَلَمَّا كَانَ تِلْكَ السَّاعَةَ جَاءَ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: وَرَاءَكَ، وَرَاءَكَ. فَقَالَ: إِنِّي قَدْ أَتَيْتُهُ أَمْسِ فَذَكَرْتُ لَهُ أَمْرِي. فَقَالَ: لَا، وَاللَّهِ لَقَدْ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَدَعَ أَحَدًا يَقْرُبُهُ، فَلَمَّا أَعْيَاهُ نَظَرَ فَرَأَى كُوَّةً فِي الْبَيْتِ فَتَسَوَّرَ مِنْهَا فَإِذَا هُوَ فِي الْبَيْتِ، وَإِذَا هُوَ يَدُقُّ الْبَابَ مِنْ دَاخِلٍ قَالَ: فَاسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ. فَقَالَ: يَا فُلَانُ أَلَمْ آمُرْكَ ؟ قَالَ: أَمَّا مِنْ قِبَلِي، وَاللَّهِ لَمْ تُؤْتَ فَانْظُرْ مِنْ أَيْنَ أُتِيتَ ؟ قَالَ: فَقَامَ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُغْلَقٌ، كَمَا أَغْلَقَهُ، وَإِذَا الرَّجُلُ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ فَعَرَفَهُ. فَقَالَ: أَعَدُوَّ اللَّهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. أَعْيَيْتَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَفَعَلْتُ مَا تَرَى لِأُغْضِبَكَ فَسَمَّاهُ اللَّهُ ذَا الْكِفْلِ؛ لِأَنَّهُ تَكَفَّلَ بِأَمْرٍ فَوَفَّى بِهِ. وعَنْ كِنَانَةَ بْنِ الْأَخْنَسِ قَالَ: سَمِعْتُ الْأَشْعَرِيَّ يَعْنِي أَبَا مُوسَى ؓ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْمِنْبَرِ يَقُولُ: مَا كَانَ ذُو الْكِفْلِ نَبِيًّا، وَلَكِنْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلَاةٍ، فَتَكَفَّلَ لَهُ ذُو الْكِفْلِ مِنْ بَعْدِهِ يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلَاةٍ فَسُمِّيَ ذَا الْكِفْلِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مِرَارٍ، وَلَكِنْ قَدْ سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ ارْتَعَدَتْ، وَبَكَتْ فَقَالَ لَهَا مَا يُبْكِيكِ أَكْرَهْتُكِ. قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ هَذَا عَمَلٌ لَمْ أَعْمَلْهُ قَطُّ، وَإِنَّمَا حَمَلَتْنِي عَلَيْهِ الْحَاجَةُ. قَالَ: فَتَفْعَلِينَ هَذَا، وَلَمْ تَفْعَلِيهِ قَطُّ ؟ ثُمَّ نَزَلَ. فَقَالَ: اذْهَبِي بِالدَّنَانِيرِ لَكِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَعْصِي اللَّهَ الْكِفْلُ أَبَدًا. فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لِلْكِفْلِ.

  388. التاريخ 388لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ الْعَجُوزَتَيْنِ  : عن أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " كُلُ الْأَعَاجِيبِ كَانَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، حَدِّثُوا عَنْهُمْ وَلَا حَرَجَ، فَلَوْ حَدَّثْتُكُمْ حَدِيثَ الْعَجُوزَتَيْنِ لَعَجِبْتُمْ، قَالُوا: حَدِّثْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ لَهُ امْرَأَةٌ يُحِبُّهَا وَمَعَهُ أُمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ امْرَأَةُ صِدْقٍ، وَمَعَ امْرَأَتِهِ أُمٌّ لَهَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ امْرَأَةُ سُوءٍ، وَكَانَتْ تُغْرِي ابْنَتَهَا بِأُمِّ زَوْجِهَا، وَكَانَ زَوْجُهَا يَسْمَعُ مِنْهَا وَكَانَ يُحِبُّهَا، فَقَالَتْ لِزَوْجِهَا: لَا أَرْضَى عَنْكَ أَبَدًا، حَتَّى تُخْرِجَ عَنِّي أُمَّكَ وَكِلْتَا الْعَجُوزَتَيْنِ، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُمَا، فَلَمْ تَدَعْهُ حَتَّى خَرَجَ بِأُمِّهِ فَوَضَعَهَا فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، لَيْسَ مَعَهَا طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ لِيَأْكُلَهَا السِّبَاعُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا. فَلَمَّا أَمْسَتْ غَشِيَتْهَا السِّبَاعُ، فَجَاءَهَا مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ لَهَا: مَا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ الَّتِي أَسْمَعُ حَوْلَكِ قَالَتْ: خَيْرٌ، هَذِهِ أَصْوَاتُ بَقَرٍ وَإِبِلٍ وَغَنَمٍ، قَالَ: خَيْرًا فَلْيَكُنْ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا وَتَرَكَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ أَصْبَحَ الْوَادِي مُمْتَلِئًا إِبِلًا وَبَقَرًا وَغَنَمًا، فَقَالَ ابْنُهَا: لَوْ جِئْتُ أُمِّي فَنَظَرْتُ مَا فَعَلَتْ، فَجَاءَ فَإِذَا الْوَادِي مُمْتَلِئٌ إِبِلًا وَغَنَمًا وَبَقَرًا، قَالَ: أَيْ أُمَّاهُ مَا هَذَا. قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ هَذَا رِزْقُ اللَّهِ وَعَطَاؤُهُ إِذْ عَقَقْتَنِي وَأَطَعْتَ امْرَأَتَكَ فِيَّ، فَاحْتَمَلَ أُمَّهُ وَسَاقَ مَعَهَا مَا أَعْطَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. فَلَمَّا رَجَعَ بِهَا إِلَى امْرَأَتِهِ وَبِمَالِهَا قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ وَاللَّهِ لَا أَرْضَى عَنْكَ أَوْ تَذْهَبْ بِأُمِّي فَتَضَعُهَا حَيْثُ وَضَعْتَ أُمَّكَ فَيُصِيبُهَا مِثْلَ مَا أَصَابَ أُمَّكَ، فَانْطَلَقَ بِالْعَجُوزِ فَوَضَعَهَا حَيْثُ وَضَعَ أُمَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا، فَلَمَّا أَمْسَتْ غَشِيَهَا السِّبَاعُ وَجَاءَهَا الْمَلَكُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى الْعَجُوزِ قَبْلَهَا، فَقَالَ: أَيَّتُهَا الْعَجُوزُ مَا هَذِهِ الْأَصْوَاتُ الَّتِي أَسْمَعُ حَوْلَكِ ؟ قَالَتْ: شَرٌّ، وَاللَّهِ وَعْرٌ، هَذِهِ أَصْوَاتُ سِبَاعٍ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَنِي، قَالَ: شَرٌّ فَلْيَكُنْ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهَا فَأَتَاهَا سَبُعٌ فَأَكَلَهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَا فَعَلَتْ أُمِّي، فَذَهَبَ لِيَنْظُرَ فَلَمْ يَجِدْ مِنْهَا إِلَّا فَضْلَ مَا تَرَكَ السَّبُعُ، فَرَجَعَ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَخْبَرَهَا، فَحَزِنَتْ عَلَى أُمِّهَا حُزْنًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عِظَامَهَا فِي كِسَاءٍ حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيِ ابْنَتِهَا فَمَاتَتْ كَمَدًا.

  389. التاريخ 389لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ الْعَابِدِ وَالرُّمَّانَةِ  : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " خَرَجَ مِنْ عِنْدِي خَلِيلِي عَلَيْهِ السَّلَامُ آنِفًا. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنَّ لِلَّهِ عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ عَبَدَ اللَّهَ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ عَرْضُهُ وَطُولُهُ ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا وَالْبَحْرُ مُحِيطٌ بِهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ فَرْسَخٍ مِنْ كُلِ نَاحِيَةٍ، فَأَخْرَجَ اللَّهُ لَهُ عَيْنًا عَذْبَةً بِعَرْضِ الْأُصْبُعِ يَبُضُّ بِمَاءٍ عَذْبٍ، وَتَسْفَحُ فِي أَسْفَلِ جَبَلٍ وَشَجَرَةَ رُمَّانٍ تُخْرِجُ لَهُ فِي كُلِ يَوْمٍ رُمَّانَةً فَتُغْذِيهِ يَوْمَهُ، فَإِذَا أَمْسَى نَزَلَ وَأَصَابَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَخَذَ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الرُّمَّانَةَ فَأَكَلَهَا ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. فَسَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَ وَقْتِ الْأَجَلِ أَنْ يَقْبِضَهُ سَاجِدًا، وَأَنْ لَا يَجْعَلَ لِلْأَرْضِ وَلَا لِشَيْءٍ يُفْسِدَهُ عَلَيْهِ سَبِيلًا حَتَّى يَبْعَثَهُ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَفَعَلَ وَنَحْنُ نَمُرُّ إِذَا هَبَطْنَا وَإِذَا رَجَعْنَا فَنَجِدُهُ فِي الْعِلْمِ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعَالَى: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: بَلْ بِعَمَلِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ: رَبِّ بَلْ بِعَمَلِي. فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ قَايِسُوا عَبْدِي بِنِعْمَتِي كُلِّهَا فَتُوجَدُ نِعْمَةُ الْبَصَرِ قَدْ أَحَاطَتْ بِعِبَادَةِ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ وَبَقِيَتِ الْجَسَدُ فَضْلًا عَلَيْهِ فَيَقُولُ: أَدْخِلُوا عَبْدِي النَّارَ قَالَ: فَيُجَرُّ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ بِرَحْمَتِكَ أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ رُدُّوا عَبْدِي فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَيَقُولُ: يَا عَبْدِي مَنْ خَلَقَكَ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَكَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِكَ أَمْ بِرَحْمَتِي، فَيَقُولُ بَلْ بِرَحْمَتِكَ، فَيَقُولُ: مَنْ قَوَّاكَ لِعِبَادَةِ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ، فَيَقُولُ: أَنْتَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ مَنْ أَنَزْلَكَ فِي جَبَلٍ وَسَطَ اللُّجَّةِ وَأَخْرَجَ لَكَ الْمَاءَ الْعَذْبَ مِنَ الْمَاءِ الْمَالِحِ، وَأَخْرَجَ لَكَ كُلَ يَوْمٍ رُمَّانَةً، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ، وَسَأَلْتِنِي أَنْ أَقْبِضَكَ سَاجِدًا فَفَعَلْتُ ذَلِكَ بِرَحْمَتِي، أَدْخِلُوا عَبْدِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، فَنِعْمَ الْعَبْدُ كُنْتَ يَا عَبْدِي فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّمَا الْأَشْيَاءُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى [ يَا مُحَمَّدُ ].

  390. التاريخ 390لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ يَرْخَ  : عَنْ كَعْبٍ قَالَ: قَحَطْتُ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَقَالَ اخْرُجُوا مَعِي إِلَى الْجَبَلِ، فَخَرَجُوا، فَلَمَّا أَصْعَدَ الْجَبَلَ قَالَ مُوسَى: لَا يَتْبَعُنِي رَجُلٌ أَصَابَ ذَنْبًا، قَالَ: فَانْصَرَفَ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ الْقَوْمِ، ثُمَّ قَالَ: الثَّانِيَةُ لَا يَتْبَعُنِي مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا، فَانْصَرَفُوا جَمِيعًا إِلَّا رَجُلٌ أَعْوَرُ، يُقَالُ لَهُ يَرْخُ الْعَابِدُ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قُلْتُ ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَلَمْ تُصِبْ ذَنْبًا قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا شَيْئًا أَذْكُرُهُ، فَإِنْ كَانَ ذَنْبًا رَجَعْتُ، قَالَ: مَا هُوَ ؟ قَالَ: مَرَرْتُ فِي طَرِيقٍ فَرَأَيْتُ بَابَ حُجْرَةٍ مَفْتُوحٍ، فَلَمَحْتُ بِعَيْنِي هَذِهِ الذَّاهِبَةَ شَخْصًا لَا أَعْلَمُ مَا هُوَ، فَقَلْتُ لِعَيْنِي أَنْتِ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ سَارَعْتِ إِلَى الْخَطِيئَةِ لَا تَصْحَبِينِي بَعْدَهَا، فَأَدْخَلْتُ إِصْبَعِي فِيهَا فَقَلَعْتُهَا، فَإِنْ كَانَ هَذَا ذَنْبًا رَجَعْتُ، فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَيْسَ هَذَا ذَنْبًا. ثُمَّ قَالَ لَهُ: اسْتَسْقِ يَا يَرْخُ، قَالَ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، مَا عِنْدَكَ لَا يَنْفَدُ وَخَزَائِنُكَ لَا تَفْنَى، وَأَنْتَ بِالْبُخْلِ لَا تَرْضَى، فَمَا هَذَا الَّذِي لَا يُعْرَفُ بِهِ اسْقِنَا الْغَيْثَ السَّاعَةَ السَّاعَةَ، قَالَ: فَانْصَرَفَا يَخُوضَانِ الْوَحْلَ. .

  391. التاريخ 391لا حكم مسجّل

    تَائِبٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ  : عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَتَى فَاحِشَةً، فَدَخَلَ نَهْرًا يَغْتَسِلُ [ فِيهِ ] فَنَادَاهُ الْمَاءُ يَا فُلَانُ أَلَمْ تَسْتَحْيِ أَلَمْ تَتُبْ مِنْ هَذَا الذَّنْبِ، وَقُلْتَ: إِنَّكَ لَا تَعُودُ فِيهِ فَخَرَجَ مِنَ الْمَاءِ فَزِعًا وَهُوَ يَقُولُ: لَا أَعْصِي اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ. فَأَتَى جَبَلًا فِيهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا يعَبْدُونَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُمْ حَتَّى قَحَطَ مَوْضِعُهُمْ، فَنَزَلُوا يَطْلُبُونَ الْكَلَأَ، فَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ النَّهْرِ، فَقَالَ لَهُمُ الرَّجُلُ: أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِذَاهِبٍ مَعَكُمْ، قَالُوا: لِمَ ؟ قَالَ: لِأَنَّ ثَمَّ مَنْ قَدِ اطَّلَعَ مِنِّي عَلَى خَطِيئَةٍ فَأَنَا أَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ يَرَانِي، فَتَرَكُوهُ، وَمَضَوْا فَنَادَاهُمُ النَّهْرُ، يَا أَيُّهَا الْعُبَّادُ، مَا فَعَلَ صَاحِبُكُمْ، قَالُوا: زَعَمَ [ لَنَا ] أَنَّ هَاهُنَا مِنْ [ قَدِ ] اطَّلَعَ مِنْهُ عَلَى خَطِيئَةٍ فَهُوَ يَسْتَحِي مِنْهُ أَنْ يَرَاهُ، قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ بَعْضَكُمْ يَغْضَبُ عَلَى وَلَدِهِ أَوْ عَلَى بَعْضِ قَرَابَاتِهِ، فَإِذَا تَابَ وَرَجَعَ إِلَى مَا يُحِبُّ أَحَبَّهُ، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ تَابَ وَرَجَعَ إِلَى مَا أُحِبُّ، فَأَنَا أُحِبُّهُ. فَأتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ وَعَبَدُوا اللَّهَ عَلَى شَاطِئِ [ النَّهْرِ ] فَأَخْبَرُوهُ، فَجَاءَ مَعَهُمْ، فَأَقَامُوا يعَبْدُونَ اللَّهَ زَمَانًا، ثُمَّ إِنَّ صَاحِبَ الْفَاحِشَةِ تُوُفِّيَ، فَنَادَاهُمُ النَّهْرُ: يَا أَيُّهَا الْعُبَّادُ، غَسِّلُوهُ مِنْ مَائِي، وَادْفِنُوهُ عَلَى شَاطِئِي حَتَّى يُبْعَثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُرْبِي، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبِيتُ لَيْلَتَنَا هَذِهِ عَلَى قَبْرِهِ لِنَبْكِيَ فَإِذَا أَصْبَحْنَا سِرْنَا، فَبَاتُوا عَلَى قَبْرِهِ يَبْكُونَ. فَلَمَّا جَاءَ وَجْهُ السَّحَرِ غَشِيَهُمُ النُّعَاسُ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أَثْبَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى قَبْرِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَرْوَةً، وَكَانَ أَوَّلُ سَرْوٍ أَنْبَتَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَقَالُوا: فَمَا أَنْبُتَ اللَّهُ هَذَا الشَّجَرَ فِي هَذَا الْمَكَانِ، إِلَّا وَقَدْ أَحَبَّ عِبَادَتَنَا فِيهِ، فَأَقَامُوا يعَبْدونَ اللَّهَ عَلَى قَبْرِهِ، كُلَّمَا مَاتَ فِيهِمْ رَجُلٌ دَفَنُوهُ إِلَى جَانِبِهِ، حَتَّى مَاتُوا بِأَجْمَعِهِمْ. قَالَ كَعْبٌ: فَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَحُجُّونَ إِلَى قُبُورِهِمْ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

  392. التاريخ 392لا حكم مسجّل

    عُقُوبَةُ كَذَّابٍ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ   عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَخْدِمُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَتَعَلَّمُ مِنْهُ، قَالَ: فَاسْتَأْذَنَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى قَرْيَتِهِ ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ فَانْطَلَقَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ بِكَذَا وَكَذَا، وَحَدَّثَنِي نَجِّيُ اللَّهِ بِكَذَا حَتَّى كَثُرَ مَالُهُ، وَجَعَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْأَلُ عَنْهُ، وَلَا يُخْبَرُ بِشَيْءٍ. فَبَيْنَمَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَاعِدٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ يَقُودُ خَزْرًا فِي عُنُقِهِ حَبَلٌ - وَالْخَزْرُ الْأَرْنَبُ الذَّكَرُ - فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ ؟ قَالَ: أَقْبَلْتُ مِنْ قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا، مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ قَالَ: فَتَعْرِفُ فُلَانًا ؟ قَالَ: نَعَمْ، هُوَ الَّذِي فِي يَدِي، قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ رُدَّهُ إِلَى حَالِهِ حَتَّى أَسْأَلَهُ فِيمَا صَنَعْتَ بِهِ هَذَا، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ لَوْ سَأَلَنِي آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ حَتَّى بَلَغَ مُحَمَّدًا ﷺ لَمْ أَرُدَّهُ إِلَى حَالِهِ، وَإِنَّمَا صَنَعْتُ بِهِ هَذَا لِأَنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ

  393. التاريخ 393لا حكم مسجّل

    قَصَّارٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: عن بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ: أَنَّ قَصَّارًا وَلِعَ بِجَارِيَةٍ لِبَعْضِ جِيرَانِهِ، فَأَرْسَلَهَا أَهْلُهَا إِلَى حَاجَةٍ لَهُمْ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَتَبِعَهَا، فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلُ لِأَنَّا أَشَدُّ حُبًّا لَكَ مِنْكَ، وَلَكِنِّي أَخَافُ اللَّهَ. فَقَالَ: فَأَنْتِ تَخَافِينَهُ وَأَنَا لَا أَخَافُهُ، فَرَجَعَ ثَانِيَةً فَأَصَابَهُ الْعَطَشُ حَتَّى كَادَ يَتَقَطَّعُ عُنُقُهُ، فَإِذَا هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ لِبَعْضِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ ؟ قَالَ: الْعَطَشُ قَالَ: تَعَالَ حَتَّى نَدْعُوَ، حَتَّى تُظِلَّنَا سَحَابَةٌ حَتَّى نَدْخُلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: مَا لِي عِنْدَ اللَّهِ عَمَلٌ فَأَدْعُو! قَالَ: فَأَدْعُو أَنَا، وَأَمِّنْ أَنْتَ. قَالَ: فَدَعَا الرَّسُولُ وَأَمَّنَ هُوَ فَأَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الْقَرْيَةِ، فَأَخَذَ الْقَصَّارُ إِلَى مَكَانٍ فَمَالَتِ السَّحَابَةُ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَقَالَ: زَعَمْتَ أَنْ لَيْسَ [ لَكَ ] عَمَلٌ وَأَنَا الَّذِي دَعَوْتُ وَأَنْتَ الَّذِي أَمَّنْتَ، فَأَظَلَّتْنَا سَحَابَةٌ، ثُمَّ تَبِعَتْكَ لَتُخْبِرْنِي مَا أَمْرُكَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ الرَّسُولُ: التَّائِبُ إِلَى اللَّهِ بِمَكَانٍ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ بِمَكَانِهِ  .

  394. التاريخ 394لا حكم مسجّل

    ذُو الرَّجُلِ: دَاوُدَ بْنِ أَبِي الرِّيَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَاهِبٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ  فَأَشْرَفَ مِنْهَا فَرَأَى امْرَأَةً فَفُتِنَ بِهَا، فَأَخْرَجَ رِجْلَهُ مِنَ الصَّوْمَعَةِ لِيَنْزِلَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا أَخْرَجَ رِجْلَهُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الْعِصْمَةُ وَأَدْرَكَتْهُ السَّعَادَةُ فَقَالَ: يَا لِنَفْسِ رِجْلٍ خَرَجَتْ مِنَ الصَّوْمَعَةِ لِتَعْصِيَ اللَّهَ يَعُودُ إِلَيْهَا وَيَكُونُ فِي صَوْمَعَتِي مَعِي، وَاللَّهِ لَا كَانَ هَذَا أَبَدًا، قَالَ: فَتَرَكَهَا مُعَلَّقَةً خَارِجَ الصَّوْمَعَةِ يَسْقُطُ عَلَيْهَا الثُّلُوجُ وَالْأَمْطَارُ وَتُصِيبُهَا الشَّمْسُ وَالرِّيَاحُ حَتَّى تَقَطَّعَتْ وَتَنَاثَرَتْ وَسَقَطَتْ، فَشَكَرَ اللَّهَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ، وَأَنْزَلَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ وَذُو الرِّجْلِ يَمْدَحُهُ بِذَلِكَ.

  395. التاريخ 395لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ بَغِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ  : عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ لَهَا ثُلْثُ الْحَسَنِ لَا تُمَكَّنُ مِنْ نَفْسِهَا إِلَّا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَإِنَّهُ أَبْصَرَهَا عَابِدٌ، فَأَعْجَبَتْهُ [ فَذَهَبَ ] فَعَمِلَ بِيَدَيْهِ وَعَالَجَ فَجَمَعَ مِائَةَ دِينَارٍ فَجَاءَ فَقَالَ: إِنَّكِ [ قَدْ ] أَعْجَبْتِنِي فَانْطَلَقْتُ فَعَمِلْتُ بِيَدِي وَعَالَجْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ. فَقَالَتْ: ادْفَعْهَا إِلَى الْقَهْرَمَانِ حَتَّى يَنْقُدَهَا وَيَزِنَهَا فَفَعَلَ فَقَالَتْ: أَنْقَدْتُ مِنْهُ مِائَةَ دِينَارٍ ] قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: ادْخُلْ، وَكَانَ لَهَا مِنَ الْجِمَالِ وَالْهَيْئَةِ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، [ وَكَانَ ] لَهَا بَيْتٌ مُنَجَّدٌ وَسَرِيرٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَتْ: هَلُمَّ إِلَيَّ، فَلَمَّا جَلَسَ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ الْخَائِنِ ذَكَرَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، وَمَاتَتْ شَهْوَتُهُ، فَقَالَ: اتْرُكِينِي أَخْرُجُ وَلَكِ مِائَةُ دِينَارٍ، قَالَتْ: مَا بَدَا لَكَ، وَقَدْ رَأَيْتَنِي كَمَا زَعَمْتَ فَأَعْجَبْتُكَ فَذَهَبْتَ وَعَالَجْتَ وَكَدَدْتَ حَتَّى جَمَعَتْ مِائَةَ دِينَارٍ، فَلَمَّا قَدَرَتْ عَلَيَّ فَعَلْتَ الَّذِي فَعَلْتَ. قَالَ: فَرَقٌ مِنَ اللَّهِ وَمَقَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَدْ بُغِّضْتِ إِلَيَّ، قَالَتْ: لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا مَا لِي زَوْجٌ غَيْرُكَ، قَالَ: ذَرِينِي لِأَخْرُجَ. قَالَتْ: لَا إِلَّا أَنْ تَجْعَلَ لِي عَهْدًا أَنْ تَتَزَوَّجَنِي [ قَالَ: لَا، حَتَّى أُخْرَجَ. قَالَتْ: خَلِّ عَلَيْكَ، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَتَزَوَّجَنِي ]، قَالَ: لَعَلَّ، قَالَ: فَيَقْبَعُ بِثَوْبِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى بَلَدِهِ، وَارْتَحَلَتِ الْأُخْرَى بِدُنْيَاهَا نَادِمَةً عَلَى مَا كَانَ مِنْهَا، حَتَّى قَدِمَتْ بَلَدَهُ، فَسَأَلَتْ عَنِ اسْمِهِ وَمَنْزِلِهِ، فَدُلَّتْ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: الْمَلِكَةُ جَاءَتْ تَسْأَلُ عَنْكَ، فَلَمَّا رَآهَا شَهِقَ شَهْقَةً فَمَاتَ، قَالَ: فَأُسْقِطَ فِي يَدَيْهَا، فَقَالَتْ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ فَاتَنِي، فَهَلْ لَهُ مِنْ قَرِيبٍ، قِيلَ أَخُوهُ فَقِيرٌ، فَحَضَرَ، قَالَتْ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكَ بِحُبِّ أَخِيكَ قَالَ: فَتَزَوَّجَتْهُ، فَوَلَّدَتْ لَهُ سَبْعَةَ أَبْنَاءٍ. حَدِيثُ بَغِيٍّ أُخْرَى: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا أُرَاهُ إِلَّا عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْغُوَاةِ إِلَى امْرَأَةٍ بَغِيٍّ، فَقَالُوا لَهَا: لَعَلَّكِ تُزِيلِينَهُ  فَجَاءَتْهُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَنَادَتْهُ فَأَشْرَفَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ آوِنِي إِلَيْكَ أَمَا تَرَى الظُّلْمَةَ وَالْمَطَرَ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى آوَاهَا. فَاضْطَجَعَتْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَعَلَتْ تُرِيهِ مَحَاسِنَ وَجْهِهَا حَتَّى دَعَتْهُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى أَنْظُرَ [ كَيْفَ ] صَبْرُكِ عَلَى النَّارِ، فَتَقَدَّمَ إِلَى الْمِصْبَاحِ فَوَضَعَ إِصْبَعًا مِنْ أَصَابِعِهِ فِيهِ حَتَّى احْتَرَقَتْ، ثُمَّ عَادَ إِلَى صِلَاتِهِ، فَدَعَتْهُ نَفْسُهُ أَيْضًا، وَعَاوَدَ الْمِصْبَاحَ فَوَضَعَ إِصْبَعَهُ الْأُخْرَى حَتَّى احْتَرَقَتْ، فَلَمْ تَزَلْ نَفْسُهُ تَدْعُوهُ وَهُوَ يَعُودُ إِلَى الْمِصْبَاحِ، حَتَّى احْتَرَقَتْ أَصَابِعُهُ جَمِيعًا [ وَهِيَ تَنْظُرُ ] فَضَعُفَتِ الْمَرْأَةُ فَمَاتَتْ.

  396. التاريخ 396لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ عَفِيفٍ مِنْهُمْ عَنِ الْمَعَاصِي  : عن أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ: أَنَّ شَابًّا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يُرَ شَابٌّ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَكَانَ يَبِيعُ الْقِفَافَ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ يَطُوفُ بِقِفَافِهِ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ مَنْ دَارِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمَّا رَأَتْهُ رَجَعَتْ مُبَادِرَةً، فَقَالَتْ لِابْنَةِ الْمَلِكِ: يَا فُلَانَةُ، إِنِّي رَأَيْتُ شَابًّا يَبِيعُ الْقِفَافَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ. قَالَتْ أَدْخِلِيهِ فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: يَا فَتَى ادْخُلْ، لِنَشْتَرِ مِنْكَ، فَدَخَلَ، فَأَغْلَقَتِ الْبَابَ دُونَهُ، ثُمَّ قَالَتْ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ فَأَغْلَقَتْ بَابًا آخَرَ دُونَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ بِنْتُ الْمَلِكِ كَاشِفَةً عَنْ وَجْهِهَا وَنَحْرِهَا، فَقَالَ لَهَا: اشْتَرِي عَافَاكِ اللَّهُ، قَالَتْ: إِنَّا لَمْ نَدْعُكَ لِهَذَا، إِنَّمَا دَعَوْنَاكَ لِكَذَا - يَعْنِي الْمُرَاوَدَةَ عَنْ نَفْسِهِ - فَقَالَ لَهَا: اتَّقِي اللَّهَ، قَالَتْ لَهُ: إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُطَاوِعْنِي عَلَى مَا أُرِيدُ أَخْبَرْتُ الْمَلِكَ أَنَّكَ إِنَّمَا دَخَلْتَ عَلَيَّ تُكَابِدُنِي عَلَى نَفْسِي قَالَ: فَأَبَى وَوَعَظَهَا فَأَبَتْ. فَقَالَ: ضَعُوا لِي وَضُوءًا فَقَالَتْ: أَعَلَيَّ نَعْلُكَ، يَا جَارِيَةُ ضَعُوا لَهُ وَضُوءًا فَوْقَ الْجَوْسَقِ مَكَانٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفِرَّ مِنْهُ وَمِنَ الْجَوْسَقِ إِلَى الْأَرْضِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا صَارَ إِلَى أَعْلَى الْجَوْسَقِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي دُعِيتُ إِلَى مَعْصِيَةٍ وَأَنَا أَخْتَارُ أَنْ أَضُرَّ نَفْسِي فَأُلْقِيهَا مِنْ هَذَا الْجَوْسَقِ وَلَا أَرْكَبُ الْمَعْصِيَةَ ثُمَّ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَأَلْقَى نَفْسَهُ مِنْ أَعْلَى الْجَوْسَقِ فَأَهْبَطَ اللَّهُ لَهُ مَلَكًا، فَأَخَذَ بِضَبْعِهِ فَوَقَعَ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ. فَلَمَّا صَارَ إِلَى الْأَرْضِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ رَزَقْتِنِي رِزْقًا يُغْنِينِي عَنْ هَذِهِ الْقِفَافِ قَالَ: فَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبَ فَأَخَذَ مِنْهُ حَتَّى مَلَأَ ثَوْبَهُ، فَلَمَّا صَارَ فِي ثَوْبِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا رِزْقًا رَزَقَتْنِيهِ فِي الدُّنْيَا فَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُنِي مِمَّا لِي عِنْدَكَ مِنَ الْآخِرَةِ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ فَنُودِيَ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْنَاكَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا لِصَبْرِكَ عَلَى إِلْقَائِكَ نَفْسَكَ مِنْ هَذَا الْجَوْسَقِ، قَالَ: اللَّهُمَّ لَا حَاجَةَ لِي فِيمَا يَنْقُصُنِي مِمَّا عِنْدَكَ فِي الْآخِرَةِ قَالَ: فَرُفِعَ.

  397. التاريخ 397لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ ابْنِ مَلَكٍ مُتَزَهِّدٍ  مِنْهُمْ: عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أُعْطِيَ طُولَ عُمْرٍ وَكَثْرَةَ مَالٍ وَكَثْرَةَ أَوْلَادٍ، وَكَانَ أَوْلَادُهُ إِذَا كَبِرَ أَحَدُهُمْ لَبِسَ [ ثِيَابَ ] الشَّعْرِ، وَلِحَقَ بِالْجِبَالِ، وَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرِ، وَسَاحَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ، فَفَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَتُهُمْ حَتَّى تَتَابَعَ بَنُوهُ عَلَى ذَلِكَ. فَأَصَابَ وَلَدًا بَعْدَ كِبَرٍ، فَدَعَا قَوْمَهُ وَقَالَ: إِنِّي أَصَبْتُ وَلَدًا بَعْدَ مَا كَبِرْتُ، وَتَرَوْنَ شَفَقَتِي عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتْبَعَ [ هَذَا ] سُنَّةَ إِخْوَتِهِ، وَأَنَا أَخَافُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِي بَعْدِي، فَبَنَوْا لَهُ حَائِطًا فَرْسَخًا فِي فَرْسَخٍ، فَكَانَ فِيهِ دَهْرًا مِنْ دَهْرِهِ. ثُمَّ رَكِبَ يَوْمًا فَإِذَا عَلَيْهِ حَائِطٌ مُصْمَتٌ، فَقَالَ: إِنِّي أَحْسَبُ أَنَّ خَلْفَ هَذَا الْحَائِطِ أُنَاسًا وَعَالَمًا آخَرَ، فَأَخْرَجُونِي أَزْدَدْ عِلْمًا وَأَلْقَى النَّاسَ. فَقِيلَ ذَلِكَ لِأَبِيهِ، فَفَزِعَ وَخَشِيَ أَنْ يَتْبَعَ سُنَةَ إِخْوَتِهِ، فَقَالَ: اجْمَعُوا عَلَيْهِ كُلَّ لَهْوٍ وَلَعِبٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ. ثُمَّ رَكِبَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ، فَقَالَ: أَخْرِجُوهُ، فَحُمِلَ عَلَى عَجَلَةٍ وَكُلِّلَ بِالزَّبَرْجَدِ وَالذَّهَبِ، وَصَارَ حَوْلَهُ حَافَّتَانِ مِنَ النَّاسِ. فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُبْتَلًى، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: رَجُلٌ مُبْتَلًى، فَقَالَ: أَيُصِيبُ نَاسًا دُونَ نَاسٍ أَوَ كُلٌّ خَائِفٌ لَهُ ؟ قَالُوا: كُلٌّ خَائِفُ لَهُ، قَالَ: وَأَنَا فِيمَا أَنَا فِيهِ مِنَ السُّلْطَانِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أُفٍّ لِعَيْشِكُمْ هَذَا، [ هَذَا ] عَيْشٌ كَدِرٌ. فَرَجَعَ مَغْمُومًا مَحْزُونًا، فَقِيلَ لِأَبِيهِ، فَقَالَ: انْشُرُوا عَلَيْهِ كُلَّ لَهْوٍ وَبَاطِلٍ حَتَّى تَنْزِعُوا مِنْ قَلْبِهِ هَذَا الْحُزْنَ وَالْغَمَّ. فَلَبِثَ حَوْلًا، ثُمَّ قَالَ: أَخْرِجُونِي، فَأُخْرِجَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأَوَّلِ، فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِذَا هُوَ بَرْجَلٌ قَدْ أَصَابَهُ الْهَرَمُ وَلُعَابُهُ يَسِيلُ مِنْ فِيهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: رَجُلٌ قَدْ هَرِمَ، قَالَ: يُصِيبُ نَاسًا دُونَ نَاسٍ، أَوَ كُلُّ خَائِفٍ لَهُ إِنْ هُوَ عَمَّرَ ؟ قَالُوا: كُلُّ خَائِفٍ [ لَهُ ]، قَالَ: أُفٍّ لِعَيْشِكُمْ هَذَا، [ هَذَا ] عَيْشٌ لَا يَصْفُو [ لِأَحَدٍ ]. فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبُوهُ، فَقَالَ: احْشَرُوا عَلَيْهِ كُلَّ لَهْوٍ وَبَاطِلٍ. فَحَشَرُوا عَلَيْهِ. فَمَكَثَ حَوْلًا ثُمَّ رَكِبَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ. فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِذَا هُوَ بِسَرِيرٍ تَحْمِلُهُ الرِّجَالُ عَلَى عَوَاتِقِهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا ؟ قَالُوا: رَجُلٌ مَاتَ، قَالَ لَهُمْ: وَمَا الْمَوْتُ ؟ ائْتُونِي بِهِ، فَأَتَوْهُ بِهِ، فَقَالَ: أَجْلَسُوهُ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَجْلِسُ، قَالَ: كَلِّمُوهُ، قَالُوا: إِنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ. قَالَ: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهِ، قَالُوا: نَدْفِنُهُ تَحْتَ الثَّرَى، قَالَ: فَيَكُونُ مَاذَا بَعْدُ هَذَا ؟ قَالُوا: الْحَشْرُ، قَالَ: وَمَا الْحَشْرُ ؟ قَالُوا: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً مُكَشَّفِي الرُّءُوسِ، فَيُجْزَى كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتِهِ، قَالَ: وَلَكُمْ دَارٌ غَيْرُ هَذِهِ تُجَازَوْنَ فِيهَا ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَرَمَى بِنَفْسِهِ مِنَ الْفَرَسِ وَجَعَلَ يُعَفِّرُ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ وَقَالَ لَهُمْ: مِنْ هَذَا كُنْتُ أَخْشَى، كَادَ هَذَا يَأْتِي عَلَيَّ، وَأَنَا لَا أَعْلَمُ بِهِ، أَمَا وَرَبِّ مَنْ يُعْطِي وَيَحْشُرُ وَيُجَازِي، إِنَّ هَذَا آخَرُ الدَّهْرِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيَّ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ، فَقَالُوا: لَا نَدْعُكَ حَتَّى نَرُدَّكَ إِلَى أَبِيكَ. قَالَ: فَرَدُّوهُ إِلَى أَبِيهِ، وَقَدْ كَادَ يَنْزِفُ دَمُهُ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، مَا هَذَا الْجَزَعُ ؟ قَالَ: جَزَعِي لِيَوْمٍ يُجَازَى فِيهِ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ عَلَى مَا عَمِلَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ. فَدَعَا بِثِيَابٍ مِنَ الشَّعْرِ فَلَبِسَهَا، وَقَالَ: إِنِّي عَازِمٌ فِي اللَّيْلِ أَنْ أُخْرِجَ. فَلَمَّا كَانَ [ فِي ] نِصْفِ اللَّيْلِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ بَابِ الْقَصْرِ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَمْرًا لَيْسَ لِي مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَقَدْ سَبَقَتْ فِيهِ الْمَقَادِيرُ. إِلَهِي لَوَدِدْتُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ فِي الْمَاءِ، وَأَنَّ الطِّينَ كَانَ فِي الطِّينِ، وَلَمْ أَنْظُرْ بِعَيْنِي إِلَى الدُّنْيَا نَظْرَةً وَاحِدَةً. قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فَهَذَا رَجُلٌ خَرَجَ مِنْ ذَنْبٍ [ وَاحِدٍ ] لَا يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ فِيهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ يُذْنِبُ وَهُوَ يَعْلَمُ بِمَا عَلَيْهِ، وَلَا يَتَحَرَّجُ وَلَا يَجْزَعُ وَلَا يَتُوبُ.

  398. التاريخ 398لا حكم مسجّل

    حَدِيثُ أَنْطُونَسَ السَّائِحِ  : عن أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: ذَكَرُوا أَنَّ مَلِكًا بَعْدَ زَمَانِ الْمَسِيحِ عَاشَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ بَعَثَ إِلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ عُظَمَاءَ [ أَهْلِ ] مَمْلَكَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ نَزَلَ بِي مَا تَرَوْنَ وَأَنْتُمْ رُءُوسُ أَهْلِ مَمْلَكَتِكُمْ، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا أَوْلَى بِتَدْبِيرِ رَعِيَّتِكُمْ مِنْكُمْ، وَقَدْ كَتَبْتُ عَهْدًا جَعَلْتُهُ إِلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ خِيَارِكُمْ لِيَخْتَارُوا رَجُلًا مِنْكُمْ لِتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِكُمْ، فَسَلِّمُوا ذَلِكَ لِمَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَلَؤُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالِاخْتِلَافَ فَتُهْلِكُونَ أَنْفُسَكُمْ وَرَعِيَّتَكُمْ، فَقَالُوا: بَلْ يَمُنُّ اللَّهِ عَلَيْنَا بِطُولِ مُدَّتِكَ، فَقَالَ: دَعُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَأَقْبِلُوا عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكُمْ. فَلَمْ تَمْضِ غَيْرُ لَيْلَةٍ حَتَّى هَلَكَ، فَدَبَّ أُولَئِكَ الثَّلَاثَةُ إِلَى السِّتَّةِ، فَصَارَ كُلُّ رَجُلَيْنِ مِنَ السِّتَّةِ يَدْعُوَانِ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ حُكَمَاؤُهُمْ قَالُوا: قَدِ افْتَرَقَتْ كَلِمَتُهُمْ وَبِحَضْرَتِكُمْ مَنْ لَا يُتَّهَمُ فِي حُكْمِهِ فَمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ [ مِنْكُمْ ] سَلَّمْتُمْ هَذَا الْأَمْرَ لَهُ، وَكَانَ بِحَضْرَتِهِمْ رَجُلٌ سَائِحٌ يُقَالُ لَهُ أَنْطُونَسَ فِي غَارٍ مَعْرُوفٍ قَدْ تَخَلَّى عَنِ الدُّنْيَا، فَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى الرِّضَا بِمَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ السَّائِحُ، فَوَكَّلُوا بِالْمَمْلَكَةِ رَجُلًا مِنَ السِّتَّةِ وَانْطَلَقَ الثَّلَاثَةُ إِلَيْهِ يَقُصُّونَ عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ، فَقَالَ: مَا أَرَى أَنِّي انْتَفَعْتُ بِاعْتِزَالِي عَنِ النَّاسِ، وَمَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ فِي مَنْزِلٍ غَشِيَهُ فِيهِ الذُّبَابُ، فَتَحَوَّلَ إِلَى مَنْزِلٍ فَغَشِيَهُ فِيهِ الْأَسَدُ، فَقَالُوا: وَمَا عَلَيْكَ أَنْ تُشِيرَ إِلَى أَفْضَلِنَا فِي نَفْسِكَ ؟ قَالَ: مَا عِلْمِي بِأَفْضَلِكُمْ وَأَنْتُمْ جَمِيعًا تَطْلُبُونَ أَمْرًا وَاحِدًا، وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ. فَطَمِعَ بَعْضُهُمْ إِنْ هُوَ أَظْهَرَ الْكَرَاهِيَةَ لِلْمُلْكِ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَغَيْرُ مُنْسَاحٍ لِصَاحِبِي هَذَيْنِ [ فِي الْمُلْكِ ]، وَإِنَّ السَّلَامَةَ لَدَيَّ لَفِي اعْتِزَالِ هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ السَّائِحُ: مَا أَظُنُّ صَاحِبَيْكَ يَكْرَهَانِ اعْتِزَالَكَ، فَأَشِرْ إِلَيَّ بِأَحَدِهِمَا وَأَتْرُكُكَ، قَالَ: بَلْ تَخْتَارُ مَا بَدَا لَكَ، قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا قَدْ نَزَعْتَ عَنْ قَوْلِكَ فَصِرْتُمْ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ وَاحِدٍ غَيْرَ أَنِّي سَأَعِظُكُمْ وَأَضْرِبُ لَكُمْ أَمْثَالَ الدُّنْيَا وَأَمْثَالِكُمْ فِيهَا وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ. فَأَخْبِرُونِي هَلْ عَرَفْتُمْ غَايَتَكُمْ مِنَ الْعُمْرِ ؟ قَالُوا: لَا لَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ طَرْفَةَ عَيْنٍ، قَالَ: فَلِمَ تُخَاطِرُونَ بِهَذِهِ الْغِرَّةِ ؟ قَالُوا: رَجَاءَ طُولِ الْمُدَّةِ، قَالَ: كَمْ أَتَتْ عَلَيْكُمْ سَنَةٌ ؟ قَالُوا: أَصْغَرُنَا ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، وَأَكْبَرُنَا ابْنُ أَرْبَعِينَ، قَالَ: فَاجْعَلُوا أَطْوَلَ مَا تَرْجُونَ مِنَ الْعُمْرِ مِثْلَ سِنِيِّكُمُ الَّتِي عَمَّرْتُمْ، قَالُوا: لَسْنَا نَطْمَعُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا خَيْرَ فِي الْعُمْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ: أَفَلَا تَبْتَغُونَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِكُمْ مَا تَرْجُونَ مِنْ مُلْكٍ لَا يَبْلَى، وَنَعِيمٍ لَا يَتَغَيَّرُ، وَلَذَّةٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَحَيَاةٍ لَا يُكَدِّرُهَا الْمَوْتُ، وَلَا تُنَغِّصُهَا الْأَحْزَانُ وَلَا الْهُمُومُ وَلَا الْأَسْقَامُ ؟ قَالُوا: إِنَّا نَرْجُو أَنْ نُصِيبَ ذَلِكَ بِمَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٍ. قَالَ: قَدْ كَانَ مَنْ أَصَابَهُ الْعَذَابُ مِنَ الْقُرُونِ الْأُولَى يَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا تَرْجُونَ، و [ لَا ] يُؤَمِّلُونَ مَا تُؤَمِّلُونَ، وَيُصِيعُونَ الْعَمَلَ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا بَلَغَكُمْ يُوشِكُ مَنْ سَلَكَ الْمَفَازَةَ بِغَيْرِ مَاءٍ أَنْ يَهْلِكَ عَطَشًا، أَرَاكُمْ تَتَّكِلُونَ عَلَى الرَّجَاءِ فِي هَلَاكِ أَبْدَانِكُمْ، وَلَا تَتَّكِلُونَ عَلَيْهِ فِي صَلَاحِ مَعَايِشِكُمْ، أَرَأَيْتَكَ مَدَائِنَكُمُ الَّتِي بَنَيْتُمُوهَا وَاعْتَقَدْتُمْ فِيهَا الْآيَاتِ، لَوْ قِيلَ لَكُمْ سَيَنْزِلُ عَلَيْكُمْ مَلِكٌ بِجُيُوشِهِ فَيَعُمُّ أَهْلَهَا بِالْقَتْلِ، وَبُنْيَانَهَا بِالْهَدْمِ، هَلْ كُنْتُمْ تَطِيبُونَ نَفْسًا بِالْمُقَامِ فِيهَا وَالْبُنْيَانِ بِهَا ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَوَ اللَّهِ إِنَّ أَمْرَ هَؤُلَاءِ الْآدَمِيِّينَ لَصَائِرٌ إِلَى هَذَا. قَالُوا: قَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُنَا حُبَّ الدُّنْيَا، قَالَ: مَعَ الْأَسْفَارِ الْبَعِيدَةِ تَكُونُ الْأَرْبَاحُ الْكَثِيرَةُ، فَيَا عَجَبًا لِلْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ كَيْفَ اسْتَوَيَا فِي هَلَاكِ أَنْفُسِهِمَا، إِلَّا أَنَّ الَّذِي يَسْرِقُ وَلَا يَعْرِفُ عُقُوبَةَ السَّارِقِ أَعْذَرُ مِنَ الْعَارِفِ بِعُقُوبَتِهِ، وَإِنِّي أَرَى هَذَا الْعَالَمَ يَبْذُلُونَ أَنْفُسَهُمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ أَنْبِيَاؤُهُمْ. قَالُوا: مَا سَمِعْنَا أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْمُلْكِ يُكَذِّبُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ، قَالَ: مِنْ ذَلِكَ اشْتَدَّ عَجَبِي مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى التَّصْدِيقِ وَمُخَالَفَتِهِمْ فِي الْفِعْلِ. قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ أَوَّلُ مَعْرِفَتِكَ لِلْأُمُورِ ؟ قَالَ: مِنْ قَبَلِ الْفِكْرِ تَفَكَّرْتُ فِي هَلَاكِ هَذَا الْعَالَمِ، فَإِذَا ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ جُعِلَتْ فِيهِنَّ اللَّذَّاتُ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ مُرَكَّبَةٍ فِي الْجَسَدِ، مِنْهَا ثَلَاثَةٌ فِي الرَّأْسِ: الْعَيْنَانِ وَالْمَنْخَرَانِ وَالْحَنَكُ، وَوَاحِدٌ فِي الْبَطْنِ وَهُوَ الْفَرَجُ، فَالْتَمَسْتُ خِفَّةَ الْمُؤْنَةِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ فَوَجَدْتُ أَيْسَرَهَا مَئُونَةً بَابَ الْمَنْخَرَيْنِ، ثُمَّ الْتَمَسْتُ الْخِفَّةَ الْمَئُونَةَ الْحَنَكَ، فَإِذَا هُوَ غِذَاءٌ لَا قِوَامَ لِلْجَسَدِ إِلَّا بِهِ، فَإِذَا صَارَتْ تِلْكَ الْمَئُونَةُ فِي الْوِعَاءِ اسْتَقَرَّتْ، فَتَنَاوَلَتْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَصِرْتُ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ كَانَ يَتَّخِذُ الرَّمَادَ مِنَ الْخَلَنْجِ وَالصَّنْدَلِ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْمَئُونَةُ، فَاتَّخَذَ الرَّمَادَ مِنَ الزِّبْلِ وَالْحَطَبِ. وَنَظَرْتُ فِي مَئُونَةِ الْفَرْجِ فَإِذَا هُوَ وَالْعَيْنَانِ مُوَصَّلَانِ بِالْقَلْبِ، فَلَمْ أَجِدْ شَيْئًا أَصْلَحَ لَهُمَا مِنَ الْعُزْلَةِ وَبُغِّضَ إِلَيَّ مَنْزِلِي الَّذِي كَانَ فِيهِ مُقَامِي مَعَ مَنْ لَا يَعْقِلُ إِلَّا أَمْرَ دُنْيَاهُ، فَتَخَبَّبْتُ هَذَا الْمَنْزِلَ فَقُطِعَتْ عَنِّي أَبْوَابُ الْخَطِيئَةِ، وَحَسَمْتُ فِي نَفْسِي لَذَّاتٍ أَرْبَعًا وَقَطَعْتُهُنَّ بِخِصَالٍ أَرْبَعٍ. قَالُوا: مَا اللَّذَّاتُ ؟ قَالَ: الْمَالُ، وَالْبَنُونَ، وَالْأَزْوَاجُ، وَالسُّلْطَانُ، فَقَطَعْتُهُنَّ بِالْهُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْخَوْفِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ. وَقَطَعْتُ ذَلِكَ أَجْمَعَ بِالْعُزْلَةِ، وَأَيُّ خَيْرٍ فِي لَذَّةِ وَالْمَوْتِ يُعْقِبُهَا، كُونُوا كَرَجُلٍ خَرَجَ مُسَافِرًا فَغَشِيَ مَدِينَتَهُ الْعَدُوُّ فَأَصَابُوا أَهْلَهَا، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا صُرِفَ عَنْهُ، [ وَلَقَدْ عَجِبْتُ كَيْفَ يَنْتَفِعُونَ بِلَذَّتِهَا مَعَ هُمُومِهَا وَأَحْزَانِهَا وَمَا تُجَرِّعُهُمْ ] مِنْ مَرَارَتِهَا بَعْدَ حَلَاوَتِهَا، وَاشْتَدَّ عَجَبِي مِنْ أَهْلِ الْعُقُولِ، كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَهْلَكُوا كَمَا هَلَكَ صَاحِبُ الْحَيَّةِ، قَالُوا: أَخْبِرْنَا كَيْفَ كَانَ أَمْرُ صَاحِبِ الْحَيَّةِ ؟ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي دَارِهِ حَيَّةٌ قَدْ عَرَفُوهُ مَكَانَهَا، وَكَانَتْ تِلْكَ الْحَيَّةُ تَبِيضُ كُلَّ يَوْمٍ بَيْضَةً مِنْ ذَهَبٍ، فَخَرَجَتْ يَوْمًا فَنَهَشَتْ عَنْزًا لَهُمْ حَلُوبًا فَهَلَكَتْ، فَجَزِعَ الرَّجُلُ وَأَهْلُهُ، وَقَالُوا: الَّذِي نَصِيبُ مِنَ الْحَيَّةِ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَنِ الْعَنْزِ، فَلَمَّا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ غَدَتْ عَلَى حِمَارٍ فَنَهَشَتْهُ فَقَتَلَتْهُ، فَجَزِعَ الرَّجُلُ وَقَالَ: سَنَصْبِرُ عَلَى هَذِهِ الْآفَاتِ مَا لَمْ تَعُدِ الْبَهَائِمُ. ثُمَّ مَرَّ عَامَانِ لَا تُؤْذِيهِمْ وَهُمْ مَسْرُورُونَ بِجِوَارِهَا إِذْ عَدَتْ عَلَى عَبْدِ الرَّجُلِ فَنَهَشَتْهُ فَهَلَكَ، فَجَزِعَ وَقَالَ: مَا آمَنُ أَنْ يَلْسَعَ بَعْضَ أَهْلِي فَمَكَثَ حَزِينًا خَائِفًا وَقَالَ: أَرَى سُمَّ هَذِهِ الْحَيَّةِ فِي مَالِي وَأَنَا أُصِيبُ مِنْهَا أَفْضَلَ مِمَّا رَأَيْتُ. فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نَهَشَتِ ابْنَ الرَّجُلِ، فَارْتَاعَ وَدَعَا بِالدِّرْيَاقِ وَغَيْرِهِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ، وَهَلَكَ الْغُلَامُ، فَاشْتَدَّ جَزَعَ وَالِدَيْهِ وَنَسِيَا كُلَّ لَذَّةٍ أَصَابَاهَا وَقَالَا: لَا خَيْرَ لَنَا فِي جِوَارِ هَذِهِ الْحَيَّةِ، وَالرَّأْيُ قَتْلُهَا. فَلَمَّا سَمِعَتِ الْحَيَّةُ ذَلِكَ تَغَيَّبَتْ عَنْهُمْ أَيَّامًا لَا يَرَوْنَهَا وَلَا يُصِيبُونَ مِنْ بَيْضِهَا، فَلَمَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا تَاقَتْ أَنْفُسُهُمَا إِلَى مَا كَانَا يُصِيبَانِ مِنْهَا، فَأَقْبَلَا عَلَى حُجْرِهَا وَجَعَلَا يَقُولَانِ: ارْجِعِي وَلَا تَضُرِّينَا وَلَا نَضُرُّكِ، فَرَجَعَتْ فَمَكَثَتْ عَامَيْنِ لَا يُنْكِرُونَ مِنْهَا شَيْئًا، ثُمَّ دَنَتْ إِلَى امْرَأَةِ الرَّجُلِ فَنَهَشَتْهَا، فَصَاحَتْ، فَثَارَ زَوْجُهَا يُعَالِجُهَا بِالدِّرْيَاقِ فَلَمْ يُغْنِ عَنْهَا، وَهَلَكَتِ الْمَرْأَةُ، فَبَقِيَ الرَّجُلُ كَئِيبًا، وَأَظْهَرَ أَمْرَ الْحَيَّةِ لِإِخْوَانِهِ وَأَهْلِ وِدِّهِ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِقَتْلِهَا، وَقَالُوا: لَقَدْ فَرَّطْتَ فِي أَمْرِهَا حِينَ تَبَيَّنَ لَكَ غَدْرُهَا، وَلَقَدْ كُنْتَ مُخَاطِرًا بِنَفْسِكَ، فَعَزَمَ عَلَى قَتْلِهَا. فَبَيْنَا هُوَ يُرَاصِدُهَا [ اطَّلَعَ فِي ] حُجْرِهَا، فَرَأَى فِيهِ دُرَّةً صَافِيَةً وَزْنُهَا مِثْقَالٌ، فَلَزِمَهُ الطَّمَعُ وَقَالَ: لَقَدْ غَيَّرَ الدَّهْرُ طَبْعَ هَذِهِ الْحَيَّةِ وَلَا أَحْسَبُ سُمُّهَا إِلَّا قَدْ تَغَيَّرَ، فَجَعَلَ يَتَعَاهَدُ حُجْرَهَا بِالْكَنْسِ وَالْبَخُورِ وَرَشِّ الْمَاءِ، وَعَمِدَ إِلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ مِنَ الذَّهَبِ فَعَمِلَ مِنْهُ حُقًّا فَجَعَلَ فِيهِ ذَلِكَ الدُّرَرَ وَجَعَلَ الْحُقَّ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةِ نَائِمٌ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ فَنَهَشَتْهُ، فَجَعَلَ يَسْتَغِيثُ بِصَوْتٍ عَالٍ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَجِيرَانُهُ يَلُومُونَهُ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِمُ الْحُقَّ وَأَرَاهُمْ مَا فِيهِ، فَقَالُوا: مَا أَقَلَّ غِنًا هَذَا عَنْكَ الْيَوْمَ، فَهَلَكَ، فَقَالُوا: أَبْعَدَهُ اللَّهُ، هُوَ قَتَلَ نَفْسَهُ. قَالَ: وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِأَهْلِ الْعُقُولِ يَعْرِفُونَ الْأَمْرَ الَّذِي ضَرَبْنَا لَهُ هَذِهِ الْأَمْثَالَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِالْمَعْرِفَةِ، وَيْلٌ لَهُمْ لَوْ قَدْ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ صَاحِبَ الْكَرْمِ، قَالُوا: وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ لَهُ كَرْمٌ وَاسِعٌ كَثِيرُ الْعِنَبِ، مُتَّصِلُ الشَّجَرِ، فَاسْتَأْجَرَ لِكَشْحِ الْكَرْمِ وَقَطْفِهِ ثَلَاثَةً، وَوَكَّلَ كُلَّ رَجُلٍ بِنَاحِيَةٍ، وَقَالَ: كُلُوا مِنَ الْعِنَبِ مَا شِئْتُمْ وَكُفُّوا عَنْ هَذِهِ الثِّمَارِ. فَأَخَذَ أَحَدُهُمْ عَلَى حِفْظٍ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَبَعَ يَأْكُلُ الْعِنَبَ وَحْدَهُ، وَفَعَلَ الْآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ حِينًا ثُمَّ تَاقَتْ نَفْسُهُ إِلَى الثِّمَارِ فَتَنَاوَلَهَا، وَأَقْبَلَ الثَّالِثُ عَلَى أَكْلِ الثِّمَارِ وَتَرَكَ الْعَمَلَ فَفَسَدَتْ نَاحِيَتُهُ، فَقَدِمَ صَاحِبُ الْكَرْمِ، فَحَمِدَ الْأَوَّلَ وَأَعْطَاهُ فَوْقَ أَجْرِهِ، وَعَاقَبَ الثَّانِي بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، وَبَالَغَ فِي عُقُوبَةِ الثَّالِثِ. فَهَكَذَا أَعْمَالُكُمْ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ. قَالَ: وَلَقَدْ عَجِبْتِ لِأَهْلِ الْأَمَلِ وَطَمَعِهِمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ، وَوَجَدْتُ أَعْدَى النَّاسِ الْأَوْلَادَ، اسْتَكْثَرَ الْآبَاءُ لَهُمْ وَأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي إِصْلَاحِ مَعَايِشِهِمْ بِهَلَاكِ أَنْفُسِهِمْ كَصَاحِبِ السَّفِينَةِ، قَالُوا: كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ رَجُلٌ نَجَّارٌ يَعْمَلُ بِيَدِهِ فَيُصِيبُ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا، يُنْفِقُ نِصْفَهُ عَلَى أَبٍ لَهُ شَيْخٍ كَبِيرٍ وَامْرَأَةٍ لَهُ وَابْنٍ وَبِنْتٍ، وَيَدَّخِرُ لِنَفْسِهِ نَصِفَهُ، فَعَمِلَ زَمَانًا وَعَاشَ بِخَيْرٍ، فَنَظَرَ يَوْمًا فَإِذَا هُوَ قَدِ اسْتَفْضَلَ مِائَةَ دِينَارٍ، فَقَالَ: لَوْ عَمِلْتُ سَفِينَةً وَاشْتَغَلْتُ بِتِجَارَةِ الْبَحْرِ رَجَوْتُ أَنْ أَتَمَوَّلَ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُنَجِّمِينَ أَخْبَرَنِي أَيَّامَ وُلِدْتَ أَنَّكَ تَمُوتُ غَرِيقًا، قَالَ: فَمَا أَخْبَرَكَ أَنِّي أُصِيبُ مَالًا ؟ قَالَ: بَلَى لِذَلِكَ نَهَيْتُكَ عَنِ التِّجَارَةِ وَالْتَمَسْتُ لَكَ عَمَلًا تَعِيشُ فِيهِ يَوْمًا بِيَوْمٍ، قَالَ: أَتَّجِرُ، وَإِنْ عِشْتُ عِشْتُ بِخَيْرٍ، وَإِنْ مُتُّ تَرَكْتُ أَوْلَادِي بِخَيْرٍ، قَالَ: يَا وَلَدِي لَا يَكُونَنَّ وَلَدُكَ آثَرُ عِنْدَكَ مِنْ نَفْسِكَ. فَعَمِلَ سَفِينَةً وَرَكِبَ فِيهَا بِتِجَارَةٍ فَغَابَ سَنَةً، ثُمَّ قَدِمَ بِمِائَةِ قِنْطَارٍ ذَهَبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَالِدُهُ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ لِلَّهِ تَعَالَى إِنْ رَدَّكَ سَالِمًا أَنْ أَحْرِقَ السَّفِينَةَ، قَالَ: لَقَدْ أَرَدْتَ هَلَاكِي، قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ حَيَاتَكَ، فَأَقْبِلْ عَلَى الشُّكْرِ فَقَدْ أَصَبْتَ غِنَى الدَّهْرِ، فَلَمْ يَقْبَلْ، وَخَرَجَ فَغَابَ سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى، فَقَدِمَ بِأَضْعَافِ مَا قَدِمَ بِهِ أَوْلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لِأَبِيهِ: لَوْ كُنْتُ أَطَعْتُكَ لَمْ أُصِبْ هَذَا الْمَالَ، قَالَ: يَا بَنَيَّ إِنَّمَا أَرَاكَ تَعْمَلُ لِغَيْرِكَ وَسَيُجَرِّعُكَ مَا تَرَى غُصَّةً فَتَتَمَنَّى لَوْ كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ هَذِهِ الْبَلْدَةِ جِبَالُ الْمَشْرِقِ، قَالَ: يَا أَبَتِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْمُنَجِّمُ أَصَابَ فِي الْغِنَى وَأَخْطَأَ فِي الْغَرَقِ. ثُمَّ صَنَعَ سَفِينَةً أُخْرَى، فَبَكَى أَبُوهُ، فَرَقَّ لِذَلِكَ وَقَالَ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَئِنْ رَدَّنِي اللَّهُ سَالِمًا لَا رَكِبْتُ بَحْرًا مَا عِشْتُ، قَالَ: يَا بُنَيَّ، الْيَوْمَ أَيْقَنْتُ تَفَقُّدَكَ. فَمَضَى، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْبَحْرَ أَصَابَهُ مَوْجٌ فَضَرَبَتْ إِحْدَى سَفِينَتِهِ الْأُخْرَى فَانْصَدَعَتَا فَغَرِقَتَا، فَجَعَلَ يَتَأَسَّفُ عَلَى عِصْيَانِ أَبِيهِ وَهَلَكَ وَمَنْ مَعَهُ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَاهُ فَكَمِدَ حَتَّى هَلَكَ، وَقُسِّمَ الْمِيرَاثُ عَلَى امْرَأَةِ التَّاجِرِ وَابْنِهِ وَابْنَتِهِ، فَتَزَوَّجُوا وَصَارَ ذَلِكَ الْمَالُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَكُلُّ مَا يَجْمَعُ الْأَشْقِيَاءُ إِلَى ذَلِكَ يَصِيرُ. وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِلْمُؤْثِرِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُؤْثِرِ غَيْرَهُ، وَيْحَكَ مَا تَبْلُغُ بِالْكَفَافِ لَا تُؤْثِرْ غَيْرَكَ فَتَلْقَى مَا لَقِيَ صَاحِبُ الْحُوتِ، قَالُوا: مَا لَقِيَ ؟ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ صَيَّادَ سَمَكٍ أَصَابَ فِي صَيْدِهِ حُوتًا عَظِيمًا، فَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِأَكْلِهِ مِنِّي، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَهْدَاهُ إِلَى جَارِهِ، فَأَهْدَاهُ الْجَارُ إِلَى مُقْعَدٍ مِسْكِينٍ، فَجَعَلَ الصَّيَّادُ يَنْدَمُ وَيَقُولُ: حَرَّمْتُهُ نَفْسِي وَصَارَ إِلَى أَعْدَى النَّاسِ لِي. وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِهَذَا الشُّغْلِ الَّذِي غَرَّ الْعُقَلَاءَ وَالْجُهَّالَ حَتَّى هَلَكُوا جَمِيعًا بِالرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ كَمَا هَلَكَ الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ، قَالُوا: وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: اصْطَحَبَ يَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ إِلَى أَرْضٍ فَصَارَا فِي عُمْرَانٍ وَمِيَاهٍ إِلَى أَنِ انْتَهَيَا إِلَى بِئْرٍ وَرَاءَهَا مَفَازَةٌ مَسِيرَتُهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِرْبَتْهُ، فَمَلَأَ الْيَهُودِيُّ قِرْبَتَهُ وَأَرَادَ النَّصْرَانِيُّ أَنْ يَمْلَأَ قِرْبَتَهُ، فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: تَكْفِينَا قِرْبَتُنَا هَذِهِ وَلَا نَنْقُلُ دَوَابَّنَا، فَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: أَنَا أَعْلَمُ بِالطَّرِيقِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَشْرَبَ الْمَاءَ كُلَّمَا عَطِشْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَتَرَكَ النَّصْرَانِيُّ قِرْبَتْهُ فَارِغَةً. فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْمَفَازَةَ أَصَابَ الْقِرْبَةَ سَهْمٌ فَنَفِدُ مَا فِيهَا، فَقَعَدَا يَتَلَاوَمَانِ، فَمَرَّ بِهِمَا رَجُلٌ مَعَهُ مَاءٌ، فَقَالَا: احْتَسِبْ عَلَيْنَا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: هَذَا طَرِيقٌ لَيْسَ فِيهِ حَسْبُهُ، قَالَا لَهُ: فَمَا دِينُكَ ؟ قَالَ: فَمَا دِينُكُمَا أَنْتُمَا ؟ قَالَا: فَإِنَّ أَحَدَنَا يَهُودِيٌّ وَالْآخَرُ نَصْرَانِيٌّ فَقَالَ: الْيَهُودِيُّ وَالنَّصْرَانِيُّ وَالْمُسْلِمُ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِي كِتَابِهِ وَاتَّكَلَ عَلَى الطَّمَعِ لَقِيَ مَا لَقِيتُمَا، فَقَالَا: هَذَا رَجُلٌ حَازِمٌ، قَالَ: مَا يُغْنِي عَنْكُمَا حَزْمِي. فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ آخِرَتِهِ كَمَا يَأْخُذُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَلَا يَتَّكِلُ عَلَى الطَّمَعِ. وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِأَهْلِ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ، يَسْتَتِرُونَ مِنَ الْخَلْقِ دُونَ الْخَالِقِ، كَيْفَ أَمِنُوا أَنْ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ صَاحِبَ الدَّيْرِ ؟ قَالُوا: كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَبِيعُ الْعَسَلَ وَالزَّيْتَ وَالسَّمْنَ، يَشْتَرِيهِ نَقِيًّا وَيَبِيعُهُ مَغْشُوشًا، وَكَانَ ذَا لِحْيَةٍ عَظِيمَةٍ، وَكَانَ أَكْثَرُ مَنْ يَرَاهُ يَقُولُ: لَوْ كُنْتَ أُسْقُفًا فَمَا صَلَحَتْ لِحْيَتُكَ إِلَّا لِلْأَسَاقِفَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَى تَعَلُّمِ الْإِنْجِيلِ وَالْمَزَامِيرِ وَتَرَهَّبَ طَلَبًا لِلدُّنْيَا، فَوَلَّوْهُ أَمْرَهُمْ فَنَقَصَ أَرْزَاقَهُمْ، وَغَيَّرَ مَرَاتِبَهُمْ، وَتَفَرَّغَ لِلَذَّتِهِ، فَانْتُدِبَ لَهُ سِيَاطٌ، فَجَعَلَ يَلُومُ الرُّهْبَانَ وَيَقُولُ: هَذَا مَا عَمِلَ بِكُمْ حُسْنُ نَظَرِكُمْ فِي طُولِ اللِّحَى، ثُمَّ آلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ أُحْرِقَ. وَلَقَدْ عَجِبْتُ لِأَهْلِ الْمَصَائِبِ كَيْفَ [ لَا ] يَسْتَعِينُونَ بِالصَّبْرِ، وَإِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَى صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ يَوْمٌ يَتَمَنَّى فِيهِ مِثْلَ مَا يَتَمَنَّى الْأَعْمَى فِي مُصِيبَتِهِ. قَالُوا: وَمَا تَمَنَّى الْأَعْمَى ؟ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ تَاجِرًا دَفَنَ مِائَةَ دِينَارٍ فِي مَوْضِعٍ فَبَصُرَ بِهَا جَارٌّ لَهُ فَأَخْرَجَهَا وَأَخَذَهَا، فَلَمَّا فَقَدَهَا التَّاجِرُ جَزَعَ، ثُمَّ طَالَ بِهِ الْعُمْرُ فَعَمِيَ وَاحْتَاجَ، فَلَمَّا حَضَرَتْ جَارَهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بِرَدِّ الْمَالِ إِلَى الْأَعْمَى، فَسُرَّ سُرُورًا شَدِيدًا إِذْ رَدَّ إِلَيْهِ الْمَالَ أَحْوَجَ مَا كَانَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَيْتَ كُلَّ مَالِي قُبِضَ يَوْمَئِذٍ. وَكَذَلِكَ مَنْ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ. وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ فَقْدِ عُقُولِهِمْ، كَيْفَ لَا يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ، كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَهْلَكُوا كَمَا هَلَكَ صَاحِبُ السَّيْلِ، قَالُوا: وَكَيْفَ كَانَ ذَلِكَ، قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ بَطْنَ مَسِيلٍ، فَقِيلَ لَهُ: تَحَوَّلْ فَهَذَا مَنْزِلٌ خَطَرٌ، قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ، وَلَكِنْ يُعْجِبُنِي نُزْهَتُهُ، فَقِيلَ: إِنَّمَا تَطْلُبُ الرِّفْقَ لِصَلَاحِ نَفْسِكَ فَلِمَ تُخَاطِرُ بِهَا، فَغَشِيَهُ السَّيْلُ فَذَهَبَ بِهِ، فَقَالُوا: أَبْعَدَهُ اللَّهُ. قَالَ أَنْطُونَسُ: فَلَوْ أَخَذْنَا بِالْحَزْمِ كُنَّا كَأَصْحَابِ أَصْقُولِيَّةَ، قِيلَ: كَيْفَ كَانَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: بَعَثَ مَلِكَ أَصْقُولِيَّةَ بَعْثًا إِلَى أَقْزُولِيَّةَ، وَكَانَ الْمَسِيرُ إِلَيْهَا فِي الْبَحْرِ سِتِّينَ لَيْلَةً، وَلَا زَادَ مَعَهُمْ إِلَّا مَا حَمَلُوهُ مَعَهُمْ، وَكَانَ مَعَ أَصْحَابِ أَصْقُولِيَّةَ كَاهِنَانِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَمَا إِنَّ هَذَا الْجَيْشَ لِأَصْقُولِيَّةَ سَيُقِيمُونَ عَلَى أَقْزُولِيَّةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ يَرْمُونَهَا بِالْمَجَانِيقِ، وَتُفْتَحُ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، فَقَالَ الْآخَرُ: تُقِيمُونَ سَبْعَةً وَتَنْصَرِفُونَ، فَعَمِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ بِفَتْحِهَا فَقَالُوا: لَا نَعْنِي أَنْفُسنَا بِحَمْلِ الزَّادِ، وَقَالَ الْآخَرُونَ: لَا نُخَاطِرُ، فَحَمَلُوا لِلْبَدْأَةِ وَالرَّجْعَةِ. فَلَمَّا نَزَلُوهَا لَمْ تُفْتَحْ، فَرَجَعُوا فَهَلَكَ مَنْ فَرَّطَ فِي حَمْلِ الزَّادِ. فَقَالَ النَّفَرُ لِأَنْطُونَسَ: مَا أَحْسَنَ كَلَامَكَ وَأَبْلَغَ مَوْعِظَتَكَ، فَقَالَ: أَمَا إِنَّ حَلَاوَةَ مَوْعِظَتِي لَا تَتَجَاوَزُ آذَانَكُمْ إِنْ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ جَمِيعَ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، وَانْظُرُوا فِي أَعْمَالِكُمْ وَانْصَرِفُوا عَنِّي، فَاقْتَرَعُوا بَيْنَهُمْ وَمَلَّكُوا أَحَدَهُمْ.

  399. التاريخ 399لا حكم مسجّل

    جِرْجِيسُ  : هُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ أَدْرَكَ بَقَايَا مِنْ حَوَارِيِّي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ  . رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبٍ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ كَانَ بِالْمُوصِلِ مَلِكٌ جَبَّارٌ، يُقَالُ لَهُ دَازَانَهْ، وَكَانَ جَبَّارًا عَاتِيًا وكَانَ جُرْجِيسُ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ فَكَتَمَ إِيمَانَهُ فِي عُصْبَةٍ مَعَهُ يَكْتُمُونَ الْإِيمَانَ قَدْ أَدْرَكُوا بَقَايَا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ، وَكَانَ جُرْجِيسُ كَثِيرَ الْمَالِ عَظِيمَ الصَّدَقَةِ رُبَّمَا نَفَدَ مَالُهُ فِي الصَّدَقَةِ ثُمَّ يَعُودُ يَكْتَسِبُ مِثْلَهُ، وَلَوْلَا الصَّدَقَةُ لَكَانَ الْفَقْرُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْغِنَى، وَكَانَ يَخَافُ بِالشَّامِ أَنْ يُفْتَتَنَ عَنْ دِينِهِ، فَقَصَدَ الْمَوْصِلَ وَمَعَهُ هَدِيَّةٌ لِمَلِكِهَا لِئَلَّا يَجْعَلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَجَاءَهُ حِينَ جَاءَهُ، وَقَدْ أَحْضَرَ عُظَمَاءَ قَوْمِهِ وَأَوْقَدَ نَارًا وَأَعَدَّ أَصْنَافًا مِنَ الْعَذَابِ وَأَمَرَ بِصَنَمٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ أَفَلُّونُ فَنُصِبَ، فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهُ عَذَّبَهُ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ. فَلَمَّا رَأَى جِرْجِيسُ مَا يَصْنَعُ اسْتَعْظَمَهُ وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِجِهَادِهِ، فَعَمِدَ إِلَى الْمَالِ الَّذِي مَعَهُ فَقَسَمَهُ فِي أَهْلِ مِلَّتِهِ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْغَضَبِ فَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّكَ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَا تَمْلِكُ لِنَفْسِكَ شَيْئًا وَلَا لِغَيْرِكَ شَيْئًا، وَأَنَّ فَوْقَكَ رَبًّا هُوَ الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ، فَأَخَذَ فِي ذِكْرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَيَّبَ صَنَمَهُ. فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ بِأَنْ سَأَلَهُ مَنْ هُوَ ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ ؟. فَقَالَ جِرْجِيسُ: أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ مِنَ التُّرَابِ خُلِقْتُ وَإِلَيْهِ أَعُودُ. فَدَعَاهُ الْمَلِكُ إِلَى عِبَادَةِ صَنَمِهِ وَقَالَ لَهُ: لَوْ كَانَ رَبُّكَ مَلِكَ الْمَلَكُوتِ لَرُؤِيَ عَلَيْكَ أَثَرُهُ كَمَا تَرَى عَلَى مَنْ حَوْلِي مِنْ مُلُوكِ قَوْمِي. فَأَجَابَهُ جِرْجِيسُ بِتَعْظِيمِ أَمْرِ اللَّهِ وَتَمْجِيدِهِ وَقَالَ لَهُ: تَعْبُدُ أَفَلُّونَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمْ تَعْبُدُ الَّذِي قَامَتْ بِأَمْرِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَمْ تَعْبُدُ طَرْقَلِينَا عَظِيمَ قَوْمِكَ مِنَ النَّاسِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَإِنَّهُ كَانَ آدَمِيًّا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَأَكْرَمَهُ اللَّهُ بِأَنْ جَعَلَهُ إِنْسِيًّا مَلَكِيًّا، أَمْ تَعْبُدُ عَظِيمَ قَوْمِكَ مَخْلِيطِيسْ أَيْضًا وَمَا نَالَ بِوِلَايَتِكَ مِنْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ! وَذَكَرَ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ وَمَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: إِنَّكَ أَتَيْتَنَا بِأَشْيَاءَ لَا نَعْلَمُهَا ! ثُمَّ خَيَّرَهُ بَيْنَ الْعَذَابِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ. فَقَالَ جِرْجِيسُ: إِنْ كَانَ صَنَمُكَ هُوَ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاءَ، وَعَدَّدَ أَشْيَاءَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ أَصَبْتَ وَنَصَحْتَ، وَإِلَّا فَاخْسَأْ أَيُّهَا الْمَلْعُونُ. فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ أَمَرَ بِحَبْسِهِ، وَمُشِطَ جَسَدُهُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ حَتَّى تَقَطَّعَ لَحْمُهُ وَعُرُوقُهُ، وَيُنْضَحُ بِالْخَلِّ وَالْخَرْدَلِ، فَلَمْ يَمُتْ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ أَمَرَ بِسِتَّةِ مَسَامِيرَ مِنْ حَدِيدٍ فَأُحْمِيَتْ حَتَّى صَارَتْ نَارًا ثُمَّ سَمَّرَ بِهَا رَأْسَهُ، فَسَالَ دِمَاغُهُ، فَحَفِظَهُ اللَّهُ تَعَالَى. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ أَمَرَ بِحَوْضٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأَوْقَدَ عَلَيْهِ حَتَّى جَعَلَهُ نَارًا ثُمَّ أَدْخَلَهُ فِيهِ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ حَتَّى بَرَدَ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ لَمْ يَقْتُلْهُ دَعَاهُ وَقَالَ لَهُ: أَلَمْ تَجِدْ أَلَمَ هَذَا الْعَذَابِ ؟ قَالَ: إِنَّ إِلَهِي حَمَلَ عَنِّي عَذَابَكَ وَصَبَّرَنِي لِيَحْتَجَّ عَلَيْكَ. فَأَيْقَنَ الْمَلِكُ بِالشَّرِّ وَخَافَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمُلْكِهِ فَأَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يُخَلِّدَهُ فِي السِّجْنِ، فَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ: إِنَّكَ إِنْ تَرَكْتَهُ فِي السِّجْنِ طَلِيقًا يُكَلِّمُ النَّاسَ وَيَمِيلُ بِهِمْ عَلَيْكَ، وَلَكِنْ يُعَذَّبُ بِعَذَابٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَلَامِ. فَأَمَرَ بِهِ فَبُطِحَ فِي السِّجْنِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أَوْتَدَ فِي يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ أَوْتَادًا مِنْ حَدِيدٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِأُسْطُوَانٍ مِنْ رُخَامٍ حَمَلَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَوُضِعَ عَلَى ظَهْرِهِ، فَظَلَّ يَوْمَهُ ذَلِكَ تَحْتَ الْحَجَرِ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكًا، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا أُيِّدَ بِالْمَلَائِكَةِ، فَأَوَّلُ مَا جَاءَهُ الْوَحْيُ قَلَعَ عَنْهُ الْحَجَرَ وَنَزَعَ الْأَوْتَادَ وَأَطْعَمَهُ وَسَقَاهُ وَبَشَّرَهُ وَعَزَّاهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ فَقَالَ لَهُ: الْحَقْ بِعَدُوِّكَ فَجَاهِدْهُ، فَإِنِّي قَدِ ابْتَلَيْتُكَ بِهِ سَبْعَ سِنِينَ يُعَذِّبُكَ وَيَقْتُلُكَ فِيهِنَّ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَرُدُّ إِلَيْكَ رُوحَكَ، فَإِذَا كَانَتِ الْقَتْلَةُ الرَّابِعَةُ تَقَبَّلْتُ رُوحَكَ وَأَوْفَيْتُكَ أَجْرَكَ. فَلَمْ يَشْعُرِ الْمَلِكُ إِلَّا وَقَدْ وَقَفَ جِرْجِيسُ عَلَى رَأْسِهِ يَدْعُوهُ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَجِرْجِيسُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَنْ أَخْرَجَكَ مِنَ السِّجْنِ ؟ قَالَ: أَخْرَجَنِي مَنْ سُلْطَانُهُ فَوْقَ سُلْطَانِكَ ! فَمُلِئَ غَيْظًا وَدَعَا بِأَصْنَافِ الْعَذَابِ وَمَدُّوهُ بَيْنَ خَشَبَتَيْنِ وَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ سَيْفًا ثُمَّ وَشَرُوهُ حَتَّى سَقَطَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَصَارَ جِزْلَتَيْنِ، ثُمَّ قَطَعُوهُمَا قِطَعًا، وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ أُسْدٍ ضَارِيَةٍ فِي جُبٍّ فَأَلْقَوْا جَسَدَهُ إِلَيْهَا، فَلَمَّا رَأَتْهُ خَضَعَتْ بِرُءُوسِهَا وَقَامَتْ عَلَى بَرَاثِنِهَا لَا تَأْلُو أَنْ تَقِيَهُ الْأَذَى الَّذِي تَحْتَهَا، فَظَلَّ يَوْمَهُ تَحْتَهَا مَيِّتًا، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَيْتَةٍ ذَاقَهَا. فَلَمَّا أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ جَمَعَ اللَّهُ جَسَدَهُ وَسَوَّاهُ وَرَدَّ فِيهِ رُوحَهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ قَعْرِ الْجُبِّ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا أَقْبَلَ جِرْجِيسُ، وَهُمْ فِي عِيدٍ لَهُمْ صَنَعُوهُ فَرَحًا بِمَوْتِ جِرْجِيسَ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ مُقْبِلًا قَالُوا: مَا أَشْبَهَ هَذَا بِجِرْجِيسَ ! قَالَ الْمَلِكُ: هُوَ هُوَ ! قَالَ جِرْجِيسُ: أَنَا هُوَ حَقًّا، بِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ ! قَتَلْتُمْ وَمَثَّلْتُمْ فَرَدَّ اللَّهُ رُوحِي إِلَيَّ ! هَلُمُّوا إِلَى هَذَا الرَّبِّ الْعَظِيمِ الَّذِي أَرَاكُمْ قُدْرَتَهُ. فَقَالُوا: سَاحِرٌ سَحَرَ أَعْيُنَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُ، فَجَعَلُوا مَنْ بِبِلَادِهِمْ مِنَ السَّحَرَةِ، فَلَمَّا جَاءُوا قَالَ الْمَلِكُ لِكَبِيرِهِمْ: اعْرِضْ عَلَيَّ مِنْ سِحْرِكَ مَا يُسَرَّى بِهِ عَنِّي. فَدَعَا بِثَوْرٍ فَنَفَخَ فِي أُذُنَيْهِ فَإِذَا هُوَ ثَوْرَانِ، وَدَعَا بِبَذْرٍ فَحُرِثَ وَزُرِعَ وَحُصِدَ وَدُقَّ وَذُرِّيَ وَطُحِنَ وَخُبِزَ وَأُكِلَ مِنْ سَاعَتِهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: هَلْ تَقْدِرُ أَنْ تَمْسَخَهُ كَلْبًا ؟ قَالَ: ادْعُ لِي بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِهِ، فَنَفَثَ فِيهِ السَّاحِرُ ثُمَّ قَالَ الْمَلِكُ لِجِرْجِيسَ: اشْرَبْهُ، فَشَرِبَهُ جِرْجِيسُ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ. فَقَالَ لَهُ السَّاحِرُ: مَاذَا تَجِدُ ؟ قَالَ: مَا أَجِدُ إِلَّا خَيْرًا ! كُنْتُ عَطْشَانَ فَلَطَفَ اللَّهُ بِي فَسَقَانِي. وَأَقْبَلَ السَّاحِرُ عَلَى الْمَلِكِ وَقَالَ: لَوْ كُنْتَ تُقَاسِي جَبَّارًا مِثْلَكَ لِغَلَبْتَهُ وَإِنَّمَا تُقَاسِي جَبَّارَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. وَكَانَتْ أَتَتْ جِرْجِيسَ امْرَأَةٌ مِنَ الشَّامِ، وَهُوَ فِي أَشَدِّ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِي مَالٌ إِلَّا ثَوْرًا أَعِيشُ بِهِ مِنْ حَرْثِهِ فَمَاتَ، وَجِئْتُكَ لِتَرْحَمَنِي وَتَسْأَلَ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَ ثَوْرِي. فَأَعْطَاهَا عَصًا وَقَالَ: اذْهَبِي إِلَى ثَوْرِكِ فَاضْرِبِيهِ بِهَذِهِ الْعَصَا وَقُولِي لَهُ: احْيَ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَأَخَذَتِ الْعَصَا وَأَتَتْ مَصْرَعَ الثَّوْرِ فَرَأَتْ رَوْقَيْهِ وَشَعْرَ ذَنَبِهِ فَجَمَعَتْهَا ثُمَّ قَرَعَتْهَا بِالْعَصَا وَقَالَتْ مَا أَمَرَهَا بِهِ جِرْجِيسُ، فَعَاشَ ثَوْرُهَا، وَجَاءَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ. فَلَمَّا قَالَ السَّاحِرُ مَا قَالَ، قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَلِكِ، وَكَانَ أَعْظَمَهُمْ بَعْدَ الْمَلِكِ: اسْمَعُوا مِنِّي. قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ قَدْ وَضَعْتُمْ أَمْرَهُ عَلَى السِّحْرِ، وَإِنَّهُ لَمْ يُعَذَّبْ وَلَمْ يُقْتَلْ، فَهَلْ رَأَيْتُمْ سَاحِرًا قَطُّ قَدَرَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ أَحْيَا مَيِّتًا ؟ وَذَكَرَ الثَّوْرَ وَإِحْيَاءَهُ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ كَلَامَكَ كَلَامُ رَجُلٍ قَدْ أَصْغَى إِلَيْهِ. فَقَالَ: قَدْ آمَنْتُ بِهِ وَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ! فَقَامَ إِلَيْهِ الْمَلِكُ وَأَصْحَابُهُ بِالْخَنَاجِرِ فَقَطَعُوا لِسَانَهُ بِالْخَنَاجِرِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، وَقِيلَ: أَصَابَهُ الطَّاعُونُ فَأَعْجَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، وَكَتَمُوا شَأْنَهُ، فَكَشَفَهُ جِرْجِيسُ لِلنَّاسِ، فَاتَّبَعَهُ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، فَقَتَلَهُمُ الْمَلِكُ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ حَتَّى أَفْنَاهُمْ، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ عُظَمَاءِ أَصْحَابِ الْمَلِكِ: يَا جِرْجِيسُ إِنَّكَ زَعَمْتَ أَنَّ إِلَهَكَ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَمْرًا إِنْ فَعَلَهُ إِلَهُكَ آمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُكَ وَكَفَيْتُكَ قَوْمِي. هَذَا تَحْتَنَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مُنِيرًا وَمَائِدَةٌ وَأَقْدَاحٌ وَصِحَافٌ مِنْ خَشَبٍ يَابِسٍ، وَهُوَ مِنْ أَشْجَارٍ شَتَّى، فَادْعُ رَبَّكَ أَنْ يُعِيدَهَا خُضْرًا كَمَا بَدَأَهَا، يُعْرَفُ كُلُّ عُودٍ بِلَوْنِهِ وَوَرَقِهِ وَزَهْرِهِ وَثَمَرِهِ. قَالَ جِرْجِيسُ: قَدْ سَأَلْتَ أَمْرًا عَزِيزًا عَلَيَّ وَعَلَيْكَ، وَإِنَّهُ عَلَى اللَّهِ يَسِيرُ، وَدَعَا اللَّهَ فَمَا بَرِحُوا حَتَّى اخْضَرَّتْ وَسَاخَتْ عُرُوقُهَا وَتَشَعَّبَتْ وَنَبَتَ وَرَقُهَا وَزَهْرُهَا حَتَّى عَرَفُوا كُلَّ عُودٍ بِاسْمِهِ. فَقَالَ الَّذِي سَأَلَهُ هَذَا: أَنَا أَتَوَلَّى عَذَابَهُ. فَعَمَدَ إِلَى نُحَاسٍ فَصَنَعَ مِنْهُ صُورَةَ ثَوْرٍ مُجَوَّفٍ ثُمَّ حَشَاهَا نِفْطًا وَرَصَاصًا وَكِبْرِيتًا وَزِرْنِيخًا وَأَدْخَلَ جِرْجِيسَ فِي وَسَطِهَا ثُمَّ أَوْقَدَ تَحْتَ الصُّورَةِ النَّارَ حَتَّى الْتَهَبَتْ وَذَابَ كُلُّ شَيْءٍ فِيهَا وَاخْتَلَطَ وَمَاتَ جِرْجِيسُ فِي جَوْفِهَا. فَلَمَّا مَاتَ أَرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا عَاصِفًا وَرَعْدًا وَبَرْقًا وَسَحَابًا مُظْلِمًا وَأَظْلَمَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَبَقُوا أَيَّامًا مُتَحَيِّرِينَ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ مِيكَائِيلَ، فَاحْتَمَلَ تِلْكَ الصُّورَةَ، فَلَمَّا أَقَلَّهَا ضَرَبَ بِهَا الْأَرْضَ، فَفَزِعَ مِنْ رَوْعَتِهَا كُلُّ مَنْ سَمِعَهَا وَانْكَسَرَتْ، وَخَرَجَ مِنْهَا جِرْجِيسُ حَيًّا، فَلَمَّا وَقَفَ وَكَلَّمَهُمُ انْكَشَفَتِ الظُّلْمَةُ وَأَسْفَرَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ. قَالَ لَهُ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَائِهِمُ: ادْعُ اللَّهَ بِأَنْ يُحْيِيَ مَوْتَانَا مِنْ هَذِهِ الْقُبُورِ. فَأَمَرَ جِرْجِيسُ بِالْقُبُورِ فَنُبِشَتْ وَهِيَ عِظَامٌ رُفَاتٌ، ثُمَّ دَعَا فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى نَظَرُوا إِلَى سَبْعَةَ عَشَرَ إِنْسَانًا، تِسْعَةِ رِجَالٍ وَخَمْسِ نِسْوَةٍ وَثَلَاثَةِ صِبْيَةٍ وَفِيهِمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَقَالَ لَهُ جِرْجِيسُ: مَتَى مُتَّ ؟ فَقَالَ: فِي زَمَانِ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا هُوَ أَرْبَعُمِائَةِ عَامٍ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمَلِكُ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنْ عَذَابِكُمْ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَذَّبْتُمُوهُ وَأَصْحَابَهُ بِهِ إِلَّا الْجُوعَ وَالْعَطَشَ، فَعَذِّبُوهُ بِهِ. فَعَمَدُوا إِلَى بَيْتِ عَجُوزٍ فَقِيرَةٍ، وَكَانَ لَهَا ابْنٌ أَعْمَى أَبْكَمُ مُقْعَدٌ، فَحَصَرُوهُ فِيهِ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ. فَلَمَّا جَاعَ قَالَ لِلْعَجُوزِ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ ؟ قَالَتْ: لَا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا لَنَا عَهْدٌ بِالطَّعَامِ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَسَأَخْرُجُ لِأَلْتَمِسَ لَكَ شَيْئًا. فَقَالَ لَهَا: هَلْ تَعْبُدِينَ اللَّهَ ؟ قَالَتْ: لَا. فَدَعَاهَا فَآمَنَتْ، وَانْطَلَقَتْ تَطْلُبُ لَهُ شَيْئًا، وَفِي بَيْتِهَا دِعَامَةٌ مِنْ خَشَبَةٍ يَابِسَةٍ تَحْمِلُ خَشَبَ الْبَيْتِ، فَدَعَا اللَّهَ فَاخْضَرَّتْ تِلْكَ الدِّعَامَةُ وَأَنْبَتَتْ كُلَّ فَاكِهَةٍ تُؤْكَلُ وَتُعْرَفُ، فَظَهَرَ لِلدِّعَامَةِ فُرُوعٌ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ تُظِلُّهُ وَمَا حَوْلَهُ، وَعَادَتِ الْعَجُوزُ وَهُوَ يَأْكُلُ رَغْدًا. فَلَمَّا رَأَتِ الَّذِي حَدَثَ فِي بَيْتِهَا قَالَتْ: آمَنْتُ بِالَّذِي أَطْعَمَكَ فِي بَيْتِ الْجُوعِ، فَادْعُ هَذَا الرَّبَّ الْعَظِيمَ أَنْ يَشْفِيَ ابْنِي. قَالَ: أَدْنِيهِ مِنِّي، فَأَدْنَتْهُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ فَأَبْصَرَ، فَنَفَثَ فِي أُذُنَيْهِ فَسَمِعَ. قَالَتْ لَهُ: أَطْلِقْ لِسَانَهُ وَرِجْلَيْهِ. قَالَ لَهَا: أَخِّرِيهِ فَإِنَّ لَهُ يَوْمًا عَظِيمًا. وَرَأَى الْمَلِكُ الشَّجَرَةَ فَقَالَ: أَرَى شَجَرَةً مَا كُنْتُ أَعْهَدُهَا ! قَالُوا: تِلْكَ الشَّجَرَةُ نَبَتَتْ لِذَلِكَ السَّاحِرِ الَّذِي أَرَدْتَ أَنْ تُعَذِّبَهُ بِالْجُوعِ وَقَدْ شَبِعَ مِنْهَا وَأَشْبَعَتِ الْعَجُوزَ، وَشَفَى لَهَا ابْنَهَا. فَأَمَرَ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، وَبِالشَّجَرَةِ أَنْ تُقْطَعَ، فَلَمَّا هَمُّوا بِقَطْعِهَا أَيْبَسَهَا اللَّهُ وَتَرَكُوهَا. وَأَمَرَ بِجِرْجِيسَ فَبُطِحَ عَلَى وَجْهِهِ، وَأَمَرَ بِعِجْلٍ فَأُوقِرَ أُسْطُوَانًا وَجَعَلَ فِي أَسْفَلِ الْعِجْلِ خَنَاجِرَ وَشِفَارًا ثُمَّ دَعَا بِأَرْبَعِينَ ثَوْرًا فَنَهَضَ بِالْعِجْلِ نَهْضَةً وَاحِدَةً وَجِرْجِيسُ تَحْتَهَا، فَانْقَطَعَ ثَلَاثَ قِطَعٍ، ثُمَّ أَمَرَ بِقِطَعِهِ فَأُحْرِقَتْ حَتَّى صَارَتْ رَمَادًا، وَبَعَثَ بِالرَّمَادِ مَعَ رِجَالٍ فَذَرُّوهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى سَمِعُوا صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ: يَا بَحْرُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَحْفَظَ مَا فِيكَ مِنْ هَذَا الْجَسَدِ الطَّيِّبِ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعِيدَهُ. فَأَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَجَمَعَتْهُ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَذُرُّوهُ، وَالَّذِينَ ذَرُّوهُ قِيَامٌ لَمْ يَبْرَحُوا، وَخَرَجَ جِرْجِيسُ حَيًّا مُغَبَّرًا، فَرَجَعُوا وَرَجَعَ مَعَهُمْ وَأَخْبَرُوا الْمَلِكَ خَبَرَ الصَّوْتِ وَالرِّيَاحِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: هَلْ لَكَ فِيمَا هُوَ خَيْرٌ لِي وَلَكَ ؟ وَلَوْلَا أَنْ يُقَالَ إِنَّكَ غَلَبْتَنِي لَآمَنْتُ بِكَ، وَلَكِنِ اسْجُدْ لِصَنَمِي سَجْدَةً وَاحِدَةً أَوِ اذْبَحْ لَهُ شَاةً وَاحِدَةً وَأَنَا أَفْعَلُ مَا يَسُرُّكَ. فَطَمِعَ جِرْجِيسُ فِي إِهْلَاكِ الصَّنَمِ حِينَ يَرَاهُ وَإِيمَانِ الْمَلِكِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَفْعَلُ - خَدِيعَةً مِنْهُ - وَأَدْخِلْنِي عَلَى صَنَمِكَ أَسْجُدُ لَهُ وَأَذْبَحُ. فَفَرِحَ الْمَلِكُ بِذَلِكَ وَقَبَّلَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ عِنْدَهُ، فَفَعَلَ، فَأَخْلَى لَهُ الْمَلِكُ بَيْتًا وَدَخَلَهُ جِرْجِيسُ، فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ قَامَ يُصَلِّي وَيَقْرَأُ الزَّبُورَ، وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَلَمَّا سَمِعَتْهُ امْرَأَةُ الْمَلِكِ اسْتَجَابَتْ لَهُ وَآمَنَتْ بِهِ وَكَتَمَتْ إِيمَانَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِ إِلَى بَيْتِ الْأَصْنَامِ لِيَسْجُدَ لَهَا. وَقِيلَ لِلْعَجُوزِ: إِنَّ جِرْجِيسَ قَدِ افْتُتِنَ وَطَمِعَ فِي الْمُلْكِ. فَخَرَجَتْ تَحْمِلُ ابْنَهَا عَلَى عَاتِقِهَا فِي أَعْرَاضِهِمْ تُوَبِّخُ جِرْجِيسَ، فَلَمَّا دَخَلَ بَيْتَ الْأَصْنَامِ نَظَرَ فَإِذَا الْعَجُوزُ وَابْنُهَا أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَدَعَا ابْنَهَا، فَأَجَابَهُ وَمَا تَكَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ قَطُّ، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى عَاتِقِ أُمِّهِ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ سَوِيَّتَيْنِ وَمَا وَطِئَ الْأَرْضَ قَطُّ. فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ جِرْجِيسَ قَالَ لَهُ: ادْعُ لِي هَذِهِ الْأَصْنَامَ، وَهِيَ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَاحِدٌ وَسَبْعُونَ صَنَمًا، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مَعَهَا، فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ تَتَدَحْرَجُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا انْتَهَتْ إِلَيْهِ رَكَضَ بِرِجْلِهِ الْأَرْضَ فَخُسِفَ بِهَا وَبِمَنَابِرِهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: يَا جِرْجِيسُ خَدَعْتَنِي وَأَهْلَكْتَ أَصْنَامِي ! فَقَالَ لَهُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عَمْدًا لِتَعْتَبِرَ وَتَعْلَمَ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ آلِهَةً لَامْتَنَعَتْ مِنِّي. فَلَمَّا قَالَ هَذَا قَالَتِ امْرَأَةُ الْمَلِكِ وَأَظْهَرَتْ إِسْلَامَهَا، وَعَدَّتْ عَلَيْهِمْ أَفْعَالَ جِرْجِيسَ وَقَالَتْ: مَا تَنْظُرُونَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ إِلَّا دَعْوَةً فَتَهْلَكُونَ كَمَا هَلَكَتْ أَصْنَامُكُمْ. فَقَالَ الْمَلِكُ: مَا أَسْرَعَ مَا أَضَلَّكِ هَذَا السَّاحِرُ ! ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ عَلَى خَشَبَةٍ، ثُمَّ مَشَّطَ لَحْمَهَا بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ، فَلَمَّا آلَمَهَا الْعَذَابُ قَالَتْ لِجِرْجِيسَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَفِّفَ عَلَيَّ الْأَلَمَ. فَقَالَ: انْظُرِي فَوْقَكِ. فَنَظَرَتْ فَضَحِكَتْ. فَقَالَ لَهَا الْمَلِكُ: مَا يُضْحِكُكَ ؟ قَالَتْ: أَرَى عَلَى رَأْسِي مَلَكَيْنِ مَعَهُمَا تَاجٌ مِنْ حُلِيِّ الْجَنَّةِ يَنْتَظِرَانِ خُرُوجَ رُوحِي لِيُزَيِّنَانِي بِهِ وَيَصْعَدَا بِهَا إِلَى الْجَنَّةِ. فَلَمَّا مَاتَتْ أَقْبَلَ جِرْجِيسُ عَلَى الدُّعَاءِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْرَمْتَنِي بِهَذَا الْبَلَاءِ لِتُعْطِيَنِي أَفْضَلَ مَنَازِلِ الشُّهَدَاءِ، وَهَذَا آخِرُ أَيَّامِي، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُنْزِلَ بِهَؤُلَاءِ الْمُنْكِرِينَ مِنْ سَطْوَتِكَ وَعُقُوبَتِكَ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَأَمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّارَ فَأَحْرَقَتْهُمْ. فَلَمَّا احْتَرَقُوا بِحَرِّهَا عَمَدُوا إِلَيْهِ فَضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ فَقَتَلُوهُ، وَهِيَ الْقَتْلَةُ الرَّابِعَةُ. فَلَمَّا احْتَرَقَتِ الْمَدِينَةُ بِجَمِيعِ مَا فِيهَا رُفِعَتْ مِنَ الْأَرْضِ وَجُعِلَ عَالِيهَا سَافِلَهَا، فَلَبِثَ زَمَانًا يَخْرُجُ مِنْ تَحْتِهَا دُخَانٌ مُنْتِنٌ. وَكَانَ جَمِيعُ مَنْ آمَنَ بِهِ وَقُتِلَ مَعَهُ أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا وَامْرَأَةَ الْمَلِكِ.

  400. التاريخ 400لا حكم مسجّل

    : : كَانَ فِي الْفَتْرَةِ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الرُّومِ، وَكَانَ قَوْمُهُ يعَبْدونَ الْأَوْثَانَ  . قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كَانَ يَغْزُوهُمْ وَيُجَاهِدُهُمْ فَيُقْتَلُ وَيَسْبِي وَيُصِيبُ الْمَالَ وَلَا يُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بَلِحْيِ جَمَلٍ، وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ قُوَّةً فِي الْبَطْشِ فَلَا يُوثِقُهُ حَدِيدٌ وَلَا غَيْرُهُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَدَخَلُوا عَلَى امْرَأَتِهِ فَجَعَلُوا لَهَا جَعْلًا، فَقَالَتْ: أَنَا أُوثِقُهُ لَكُمْ، فَأَعْطَوْهَا حَبْلًا وَثِيقًا، وَقَالُوا: إِذَا نَامَ فَأَوْثِقِي يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ حَتَّى نَأْتِيَ فَنَأْخُذُهُ، فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا هَبَّ جَذَبَهُ بِيَدِهِ فَوَقَعَ مِنْ عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهَا: لِمَ فَعَلْتِ هَذَا ؟ قَالَتْ: أُجَرِّبُ بِهِ قُوَّتَكَ. فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ تُخْبِرُهُمْ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ جَامِعَةً مِنْ حَدِيدٍ فَلَمَّا نَامَ، جَعَلَتْهَا فِي عُنُقِهِ، فَلِمَا هَبَّ جَذَبَهَا فَوَقَعَتْ، وَقَالَ: لِمَ فَعَلْتِ، قَالَتْ: أُجَرِّبُ قُوَّتَكَ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ فِي الدُّنْيَا يَا شَمْشُونُ، أَمَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ يَغْلِبُكَ قَالَ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ وَاحِدٌ، قَالَتْ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: مَا أَنَا بِمُخْبِرِكَ بِهِ، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ تَسْأَلُهُ حَتَّى قَالَ: وَيْحَكِ إِنْ أُمِّي جَعَلَتْنِي نَذْرًا، فَلَا يَغْلِبُنِي شَيْءٌ وَلَا يَضْبُطُنِي إِلَّا شَعْرِي. قَالَتْ: فَلَمَّا نَامَ، أَوْثَقَتْ يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ بِشَعْرِ رَأْسِهِ فَأَوْثَقَهُ ذَلِكَ، وَبَعَثَتْ إِلَى الْقَوْمِ، فَأَخَذُوهُ، فَجَدَعُوا أَنْفَهُ [ وَأُذُنَيْهِ ] وَفَقَئُوا عَيْنَهُ وَأَوْثَقُوهُ لِلنَّاسِ بَيْنَ ظَهَرَانِي الْمَدِينَةِ، وَدَعَا اللَّهَ أَنْ يُسَلِّطَهُ عَلَيْهِمْ، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ بِعَمُودَيْنِ مِنْ عَمَدِ الْمَدِينَةِ، كَانَتِ الْمَدِينَةُ ذَاتَ أَسَاطِينَ، فَأَخَذَ بِالْعَمُودَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا الْمَلَكُ وَالنَّاسُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَجَذَبَهُمَا، وَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، وَمَا أَصَابُوا مِنْ جَسَدِهِ وَوَقَعَتِ الْمَدِينَةُ بِالنَّاسِ وَالْمَلِكِ فَهَلَكُوا.. وَكَانَ شَمْسُونْ أَيَّامَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ.

  401. التاريخ 401لا حكم مسجّل

    عَابِدٌ مِنَ الرُّهْبَانِ  : وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: كَانَ عَابِدٌ مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يعَبْدُ اللَّهَ دَهْرًا طَوِيلًا فِي صَوْمَعَتِهِ [ فَعَفَّ ] وَزَهِدَ حَتَّى شَكَتْهُ الشَّيَاطِينُ إِلَى إِبْلِيسَ، فَقَالُوا: فُلَانٌ قَدْ أَعْيَانَا لَا نُصِيبُ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ: فَانْتُدِبَ لَهُ إِبْلِيسُ بِنَفْسِهِ، فَأَتَاهُ فَضَرَبَ دَيْرَهُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: ابْنُ سَبِيلٍ، افْتَحْ لِي حَتَّى آوِيَ اللَّيْلَةَ فِي دَيْرِكَ. قَالَ لَهُ الْعَابِدُ: هَذِهِ قُرًى مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، مِلْ إِلَى بَعْضِهَا فَأْوِ إِلَيْهَا، قَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَافْتَحْ لِي فَإِنِّي أَخَافُ اللُّصُوصَ، وَالسِّبَاعَ، قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَفْتَحُ لَكَ فَسَكَتَ إِبْلِيسُ، ثُمَّ ضَرَبَ بَابَ الدَّيْرِ، فَقَالَ: افْتَحْ لِي، قَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: أَنَا الْمَسِيحُ قَالَ: إِنْ تَكُنِ الْمَسِيحُ فَلَيْسَ لَكَ لِي حَاجَةً فَقَدْ بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّكَ فَمَوْعِدُكَ الْآخِرَةُ. فَسَكَتَ إِبْلِيسُ، ثُمَّ ضَرَبَ دَيْرَهُ، فَقَالَ: افْتَحْ لِي قَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا إِبْلِيسُ، قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَفْتَحُ لَكَ، فَقَالَ إِبْلِيسُ: لَكَ مَا لِلَّهِ، وَلَكَ وَجَعَلَ يُعَاهِدُهُ لَا أَعْمَلُ فِي مَضَرَّةٍ أَبَدًا افْتَحْ، قَالَ: فَنَزَلَ فَفَتَحَ لَهُ الْبَابَ، وَصَعِدَ إِبْلِيسُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: سَلْنِي عَمَّا شِئْتَ أُخْبِرُكَ، فَقَالَ: مَا لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، قَالَ: فَقَامَ إِبْلِيسُ فَوَلَّى فَنَادَاهُ أَقْبِلْ، فَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أَسْأَلَكَ، قَالَ: سَلْ، قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَهْوَنُ لَكُمْ فِي هُلْكِ ابْنِ آدَمَ ؟ قَالَ: السُّكْرُ، فَإِنَّهُ إِذَا أَسْكَرَ ابْنُ آدَمَ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنَّا مِنْ شَيْءٍ نُرِيدُهُ ثُمَّ لَعِبْنَا بِهِ كَمَا يَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالْكُرَةِ، قَالَ: وَمَاذَا ؟ قَالَ: الْحِدَّةُ لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ بَلَغَ فِي عِبَادَةِ [ اللَّهِ تَعَالَى ] مَا يُحْيِي الْمَوْتَى [ بِإِذْنِ اللَّهِ ] مَا يَئِسْنَا أَنْ نَصِيبَهُ فِي بَعْضِ غَضَبِهِ قَالَ: وَمَاذَا ؟ قَالَ: وَالْبُخْلُ، قَالَ: يَأْتِي ابْنُ آدَمَ فَنُقَلِّلُ نِعْمَةَ اللَّهِ عِنْدَهُ، وَنُكْثِرُ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ عِنْدَهُ حَتَّى يَبْخَلَ بِحَقِّ اللَّهِ فِي مَالِهِ فَيَهْلَكُ. عابدان أخوان من بني إسرائيل عَابِدَانِ أَخَوَانِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ  : عن أَبُو معَبْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ بِلَالَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: كَانَ أَخَوَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَرَجَا يتعَبْدانِ، فَلَمَّا أَرَادَتِ الطَّرِيقُ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا، قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: خُذْ أَنْتَ فِي هَذَا الطَّرِيقِ وَآخُذُ أَنَا فِي هَذَا الطَّرِيقِ، فَإِذَا كَانَ رَأْسُ السَّنَةِ فَهُوَ الْمَوْعِدُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَخَرَجَا يَتَعَبَّدَانِ، فَلَمَّا دَنَا رَأْسُ السَّنَةِ اجْتَمَعَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَيُّ ذَنْبٍ فِيمَا عَمِلْتَ أَعْظَمُ ؟ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ إِذَا بِسُنْبُلَةٍ فَأَخَذْتُهَا فَأَلْقَيْتُهَا فِي إِحْدَى الْأَرْضِينَ أَرْضٍ عَنْ يَمِينِي وَأَرْضٍ عَنْ شِمَالِي، فَلَا أَدْرِي هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَلْقَيْتُهَا فِيهَا أَمِ الْأُخْرَى، ثُمَّ قَالَ الْمَسْئُولُ لِلسَّائِلِ: أَيُّ ذَنْبٍ فِيمَا عَمِلْتَ أَعْظَمُ، قَالَ: كُنْتُ أَقُومُ فِي الصَّلَاةِ فَأَمِيلُ مَرَّةً عَلَى هَذِهِ الرِّجْلِ وَمَرَّةً عَلَى هَذِهِ الرِّجْلِ فَلَا أَدْرِي أَكَنْتُ أَعْدِلُ بَيْنَهُمَا أَمْ لَا فَسَمِعَهُمَا أَبُوهُمَا مِنْ دَاخِلِ الدَّارِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَا صَادِقَيْنِ فَأَمِتْهُمَا فَخَرَجَ فَإِذَا بِهِمَا قَدْ مَاتَا. ثلاثة من عباد بني إسرائيل ثَلَاثَةٌ مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ  : عَنْ كَعْبٍ قَالَ: اجْتَمَعَ ثَلَاثَةُ عُبَّادٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: تَعَالَوْا نَذْكُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَعْظَمَ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَذْكُرُ مِنْ ذَنْبٍ أَعْظَمَ مِنْ أَنِّي كُنْتُ مَعَ صَاحِبٍ لِي فَعَرَضَتْ لِي شَجَرَةٌ، فَخَرَجْتُ عَلَيْهِ فَفَزِعَ مِنِّي، وَقَالَ: اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. وَقَالَ أَحَدُهُمْ: إِنَّا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَصَابَ أَحَدَنَا بَوْلٌ قَطَعَهُ، فَأَصَابَنِي بَوْلٌ فَقَطَعْتُهُ فَلَمْ أُبَالِغْ فِي قَطْعِهِ. وَقَالَ أَحَدُهُمْ: كَانَتْ لِي وَالِدَةٌ، فَدَعَتْنِي مِنْ قِبَلِ شَمَالِ الرِّيحِ فَأَجَبْتُهَا وَلَمْ تَسْمَعْ فَجَاءَتْنِي مُغْضِبَةً [ فَجَعَلَتْ ] تَرْمِينِي بِالْحِجَارَةِ فَأَخَذْتُ عَصًا وَجِئْتُ لِأَقْعُدَ بَيْنَ يَدَيْهَا تَضْرِبُنِي بِهَا حَتَّى تُنْزِفَنِي [ فَفَزِعَتْ مِنِّي ] فَأَصَابَ وَجْهَهَا شَجَرَةٌ فَشَجَّتْهَا، فَهَذَا أَعْظَمُ ذَنْبٍ عَمِلْتُهُ. عابد من بني إسرائيل عَابِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ  : عن بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَفْضَلِ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَكَانَ يُزَارُ فَيَعِظُهُمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: إِنَّا قَدْ خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَفَارَقْنَا الْأَهْلَ وَالْأَمْوَالَ مَخَافَةَ الطُّغْيَانِ، وَقَدْ خِفْتُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا فِي حَالِنَا هَذِهِ مِنَ الطُّغْيَانِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ فِي أَمْوَالِهِمْ إِنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يُقْضَى لَهُ حَاجَتُهُ، فَإِنِ اشْتَرَى [ أَحَدُنَا ] بَيْعًا أَنْ يُقَارَبَ لِمَكَانِ دِينِهِ، وَإِنْ لَقِيَ حُقَّ وَوَقَفَ بِمَكَانِ دِينِهِ. فَشَاعَ ذَلِكَ الْكَلَامُ حَتَّى بَلَغَ الْمَلِكَ، فَعَجِبَ بِهِ الْمَلِكُ فَرَكِبَ إِلَيْهِ لِيُسَلِّمَ عَلَيْهِ [ وَيَنْظُرَ إِلَيْهِ ]، فَلَمَّا رَآهُ الرَّجُلُ قِيلَ لَهُ هَذَا الْمَلِكُ: قَدْ أَتَاكَ لِيُسَلِّمَ عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَمَا نَصْنَعُ ؟ فَقِيلَ: الْكَلَامُ الَّذِي وَعَظْتَ بِهِ، فَسَأَلَ رَدَّهُ هَلْ عِنْدَكَ طَعَامٌ، فَقَالَ شَيْءٌ مِنْ تَمْرِ الشَّجَرِ، فَمَا كُنْتُ أُفْطِرُ بِهِ وَامْرَأَتِي مَعِي عَلَى مَسْحٍ فَوُضِعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَخَذَ يَأْكُلُ مِنْهُ، وَكَانَ يَصُومُ النَّهَارَ وَلَا يُفْطِرُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ الْمَلِكُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَأَجَابَهُ خُفْيَةً، وَأَقْبَلَ عَلَى طَعَامِهِ، يَأْكُلُهُ، فَقَالَ الْمَلِكُ: فَأَيْنَ الرَّجُلُ قِيلَ لَهُ هُوَ هَذَا الَّذِي يَأْكُلُ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا عِنْدَ هَذَا مِنْ خَيْرٍ فَأَدْبَرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَرَفَكَ عَنِّي بِمَا صَرَفَكَ.. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قُدِّمَ لَهُ بَقْلٌ وَزَيْتٌ وَحِمَّصٌ فَجَعَلَ يَجْمَعُ مِنَ الْبُقُولِ وَالطَّعَامِ وَيَطْعَمُ اللُّقْمَةَ وَيَغْمِسُهَا فِي الزَّيْتِ فَيَأْكُلُ أَكْلًا عَنِيفًا، فَرَآهُ الْمَلِكُ فَذَهَبَ عَنْهُ. عابد آخر من بني إسرائيل عَابِدٌ آخَرُ مِنْهُمْ: عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَابِدٌ  فَلَبِثَ سَبْعًا لَمْ يَطْعَمْ هُوَ وَعِيَالُهُ شَيْئًا. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لَوْ خَرَجْتَ وَطَلَبْتَ لَنَا شَيْئًا. فَخَرَجَ فَوَقَفَ مَعَ الْعُمَّالِ فَاسْتُؤْجِرَ الْعُمَّالُ، وَصَرَفَ [ اللَّهُ ] عَنْهُ الرِّزْقَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَعْمَلَنَّ الْيَوْمَ مَعَ رَبِّي. فَجَاءَ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَاغْتَسَلَ وَمَا زَالَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا، حَتَّى إِذَا أَمْسَى أَتَى أَهْلَهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَاذَا صَنَعْتَ، فَقَالَ: قَدْ عَمِلْتُ مَعَ أُسْتَاذِي، وَقَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُعْطِيَنِي، ثُمَّ غَدَا إِلَى السُّوقِ، فَوَقَفَ مَعَ الْعُمَّالِ، فَاسْتُؤْجِرَ الْعُمَّالُ وَصَرَفَ [ اللَّهُ ] عَنْهُ الرِّزْقَ، وَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَعْمَلَنَّ [ الْيَوْمَ ] مَعَ رَبِّي، فَجَاءَ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ فَاغْتَسَلَ، وَمَا زَالَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا حَتَّى إِذَا أَمْسَى أَقْبَلَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَاذَا صَنَعْتَ، قَالَ: إِنَّ أُسْتَاذِي قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يَجْمَعَ لِي أَجْرِي، فَخَاصَمَتْهُ امْرَأَتُهُ، وَبَرَزَتْ عَلَيْهِ، فَلِبَثَ يَتَقَلَّبُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ وَبَطْنًا لِظَهْرِ، وَصِبْيَانُهُ يَتَضَاغَوْنَ جُوعًا. ثُمَّ غَدَا إِلَى السُّوقِ فَاسْتُؤْجِرَ الْعُمَّالُ، وَصُرِفَ عَنْهُ الرِّزْقُ، وَلَمْ يَسْتَأْجِرْهُ أَحَدٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَعْمَلَنَّ مَعَ رَبِّي، فَجَاءَ إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَاغْتَسَلَ وَمَا زَالَ رَاكِعًا وَسَاجِدًا، حَتَّى إِذَا أَمْسَى، قَالَ: أَيْنَ أَمْضِي، تَرَكْتُ أَقْوَامًا يَتَضَاغَوْنَ جُوعًا، ثُمَّ تَحَمَّلَ عَلَى جَهْدٍ مِنْهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ دَارِهِ، سَمِعَ ضَحِكًا وَسُرُورًا، وَسَمِعَ رَائِحَةَ قَدِيدٍ وَرَائِحَةَ شِوَاءٍ، فَأَخَذَ عَلَى بَصَرِهِ وَقَالَ: أَنَائِمٌ أَنَا أَمْ يَقِظَانُ، تَرَكْتُ أَقْوَامًا يَتَضَاغَوْنَ جُوعًا، وَأَشُمُّ رَائِحَةَ قَدِيدٍ وَرَائِحَةَ شِوَاءٍ، وَأَسْمَعُ ضَحِكًا وَسُرُورًا ثُمَّ دَنَا مِنَ الْبَابِ فَطَرَقَ الْبَابَ، فَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ حَاسِرَةً وَقَدْ حَسِرَتْ عَنْ ذِرَاعَيْهَا وَهِيَ تَضْحَكُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا فُلَانُ قَدْ جَاءَنَا رَسُولُ أُسْتَاذِكَ بِدَنَانِيرَ، وَدَرَاهِمَ وَكِسَاءٍ، وَوَدَكٍ وَدَقِيقٍ، وَقَالَ: إِذَا جَاءَ فُلَانٌ فَأَقْرِءُوهُ السَّلَامَ وَقُولُوا لَهُ: إِنَّ أُسْتَاذَكَ يَقُولُ لَكَ: رَأَيْتُ عَمَلَكَ فَرَضِيتُهُ، فَإِنْ أَنْتَ زِدْتَنِي فِي الْعَمَلِ زِدْتُكَ فِي الْأُجْرَةِ. عَابِدَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا سَارَةُ  : عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: أُتِيَ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهَا سَارَةُ وَسَبْعَةُ بَنِينَ لَهَا إِلَى مَلِكٍ كَانَ يَفْتِنُ النَّاسَ عَلَى أَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ. فَدَعَا أَكْبَرَهُمْ فَقَرَّبَ إِلَيْهِ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، فَقَالَ: كُلْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِآكُلَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَبَدًا، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرَجُلَاهُ، ثُمَّ قَطَعَهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ دَعَا بِالَّذِي يَلِيهِ فَقَالَ: كَلْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِآكُلَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأُمِرَ بِقِدْرٍ مِنْ نُحَاسٍ فَمُلِئَتْ زَيْتًا ثُمَّ أُغْلِيَتْ حَتَّى إِذَا غَلَتْ أَلْقَاهُ فِيهَا، ثُمَّ دَعَا الَّذِي يَلِيهِ، فَقَالَ: كُلْ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِآكُلَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ دَعَا الَّذِي يَلِيهِ، فَقَالَ: أَنْتَ أَذَلُّ وَأَقَلُّ وَأَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ آكُلَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ فَضَحِكَ الْمَلِكُ، وَقَالَ: أَتَدْرُونَ مَا أَرَادَ بِشَتْمِهِ إِيَّايَ، أَرَادَ أَنْ يُغْضِبَنِي، فَأُعَجِّلَ فِي قَتْلِهِ وَلِيُخْطِئَهُ ذَلِكَ وَأَمَرَ بِهِ، فَجَزَّ جِلْدَةَ عُنُقِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُسْلَخَ جِلْدَةُ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ فَسَلَخُوهُ سَلْخًا، فَلَمْ يَزَلْ يَقْتُلُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِلَوْنٍ غَيْرِ قَتْلِ أَخِيهِ حَتَّى بَقِيَ أَصْغَرُهُمْ، فَالْتَفَتَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ: لَقَدْ رَثَيْتُ لَكِ مِمَّا رَأَيْتِ فَانْطَلِقِي بِابْنِكِ هَذَا فَأَخْلِي بِهِ وَأَنْقِذِيهِ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ لُقْمَةً وَاحِدَةً فَيَعِيشُ لَكِ قَالَتْ: نَعَمْ. فَخَلَتْ بِهِ، فَقَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّهُ كَانَ لِي عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَتِكَ حَقُّ، وَلِي عَلَيْكَ حَقَّانِ.، وَذَلِكَ أَنِّي أَرْضَعْتُ كُلَّ وَاحِدٍ حَوْلَيْنِ، فَمَاتَ أَبُوكَ وَأَنْتَ حِمْلٌ، فَأَرْضَعْتُكَ لِضَعْفِكَ وَرَحْمَتِي إِيَّاكَ أَرْبَعَةً أَعْوَامٍ فَأَسْأَلُكَ بِاللَّهِ وَحَقِّي أَمَا صَبَرْتَ وَلَمْ تَأْكُلْ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ وَلَا تَلْقَيَّنَ أُخْوَتَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَسْتَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْمَعَنِي هَذَا مِنْكِ، أَمَا كُنْتُ أَخَافُ أَنْ تُرِيدِينِي عَلَى أَنْ آكُلَ [ مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ ]. ثُمَّ جَاءَتْ بِهِ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَتْ: هَا هُوَ ذَا قَدْ أَرَدْتُهُ وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ الْمَلِكُ أَنْ يَأْكُلَ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِآكُلَ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيَّ، فَقَتَلَهُ وَأَلْحَقَهُ بِأُخْوَتِهِ، وَقَالَ لِأُمِّهِمْ: إِنِّي لَأَجِدُنِي أَرْثِي لَكِ، فَمَا رَأَيْتِ الْيَوْمَ، وَيْحَكَ، فَكُلِي لُقْمَةً ثُمَّ أَصْنَعُ بِكِ مَا شِئْتِ وَأُعْطِيكِ مَا أَحْبَبْتِ تَعِيشِينَ بِهِ، قَالَتْ: مَا أَجْمَعُ بَيْنَ ثُكْلِ وَلَدِي وَمَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَوْ حَيِيتُ بَعْدَهُمْ مَا أَرَدْتُ ذَلِكَ، وَمَا كُنْتُ لِآكُلَ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَبَدًا فَقَتَلَهَا وَأَلْحَقَهَا بِبَنِيهَا

  402. التاريخ 402لا حكم مسجّل

    الْإِذْنِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ   قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؓ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ. وَقَالَ أَيْضًا: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَقَالَ حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ حَدِّثُوا عَنِّي وَلَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ قَالَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ - قَالَ هَمَّامٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ مُتَعَمِّدًا - فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ، وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ عَنْ هُدْبَةَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهِ ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَخْطَأَ فِيهِ هَمَّامٌ وَهُوَ مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ كَذَا قَالَ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُنَا عَامَّةَ لَيْلِهِ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى يُصْبِحَ مَا يَقُومُ فِيهَا إِلَّا لِعُظْم‌ِ صَلَاةٍ وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِمُ الْأَعَاجِيبُ ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ ﷺ قَالَ: خَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَتَوْا مَقْبَرَةً مِنْ مَقَابِرِهِمْ فَقَالُوا: لَوْ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، وَدَعَوْنَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَيُخْرِجُ لَنَا رَجُلًا قَدْ مَاتَ نُسَائِلُهُ يُحَدِّثُنَا عَنِ الْمَوْتِ فَفَعَلُوا فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَطْلَعَ رَجُلٌ رَأَسَهُ مِنْ قَبْرٍ مِنْ تِلْكَ الْقُبُورِ، بَيْنَ عَيْنَيْهِ أَثَرُ السُّجُودِ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ مَا أَرَدْتُمْ إِلَيَّ فَقَدْ مُتُّ مُنْذُ مِائَةِ عَامٍ فَمَا سَكَنَتْ عَنِّي حَرَارَةُ الْمَوْتِ حَتَّى الْآنَ، فَادْعُوَا اللَّهَ أَنْ يُعِيدَنِي كَمَا كُنْتَ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. إِذَا تَقَرَّرَ جَوَازُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَأَمَّا مَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ بُطْلَانُهُ، لِمُخَالَفَتِهِ الْحَقَّ الَّذِي بِأَيْدِينَا عَنِ الْمَعْصُومِ فَذَاكَ مَتْرُوكٌ مَرْدُودٌ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ، لَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ رِوَايَتِهِ أَنْ تَعْتَقِدَ صِحَّتَهُ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَائِلًا بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعَبْرَانِيَّةِ، وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا [ الْبَقَرَةِ: 136 ] تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وعَنْ أَبِي نَمْلَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَتَكَلَّمُ هَذِهِ الْجِنَازَةُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ أَعْلَمُ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: أَنَا أَشْهَدُ أَنَّهَا تَتَكَلَّمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فُلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ،  وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ، وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ. بسنده عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَغَضِبَ، وَقَالَ: أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. تحريف بني إسرائيل ما بأيديهم من الكتب السماوية فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ، وَحَرَّفُوهَا وَأَوَّلُوهَا، وَوَضَعُوهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا وَلَا سِيَّمَا مَا يُبْدُونَهُ مِنَ الْمُعَرَّبَاتِ الَّتِي لَمْ يُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا، وَهِيَ بِلُغَتِهِمْ فَكَيْفَ يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، وَلِأَجْلِ هَذَا وَقَعَ فِي تَعْرِيبِهِمْ خَطَأٌ كَبِيرٌ، وَوَهْمٌ كَثِيرٌ مَعَ مَا لَهُمْ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْفَاسِدَةِ وَالْآرَاءِ الْبَارِدَةِ. وَهَذَا يَتَحَقَّقُهُ مَنْ نَظَرَ فِي كُتُبِهِمُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، وَتَأَمَّلَ مَا فِيهَا مِنْ سُوءِ التَّعْبِيرِ، وَقَبِيحِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ. وَهَذِهِ التَّوْرَاةُ الَّتِي يُبْدُونَهَا، وَيُخْفُونَ مِنْهَا كَثِيرًا فِيمَا ذَكَرُوهُ فِيهَا تَحْرِيفٌ وَتَبْدِيلٌ وَتَغْيِيرٌ وَسُوءُ تَعْبِيرٍ، يَعْلَمُهُ مَنْ نَظَرَ فِيهَا، وَتَأَمَّلَ مَا قَالُوهُ وَمَا أَبْدَوْهُ وَمَا أَخْفَوْهُ، وَكَيْفَ يَصُوغُونَ عِبَارَةً فَاسِدَةَ الْبِنَاءِ وَالتَّرْكِيبِ، بَاطِلَةً مِنْ حَيْثُ مَعْنَاهَا وَأَلْفَاظُهَا. وَهَذَا كَعْبُ الْأَحْبَارِ مِنْ أَجْوَدِ مَنْ يَنْقُلُ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَسْلَمَ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَكَانَ يَنْقُلُ شَيْئًا عَنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَانَ عُمَرُ ؓ يَسْتَحْسِنُ بَعْضَ مَا يَنْقُلُهُ ; لِمَا يُصَدِّقُهُ مِنَ الْحَقِّ، وَتَأْلِيفًا لِقَلْبِهِ فَتَوَسَّعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي أَخْذِ مَا عِنْدَهُ، وَبَالَغَ أَيْضًا هُوَ فِي نَقْلِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي كَثِيرٌ مِنْهَا مَا يُسَاوِي مِدَادَهُ، وَمِنْهَا مَا هُوَ بَاطِلٌ لَا مَحَالَةَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ لِمَا يَشْهَدُ لَهُ الْحَقُّ الَّذِي بِأَيْدِينَا. وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عن حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ يُحَدِّثُ رَهْطًا مِنْ قُرَيْشٍ بِالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مِنْ أَصْدَقِ هَؤُلَاءِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ يُحَدِّثُونَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كُنَّا - مَعَ ذَلِكَ - لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ يَعْنِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ أَحْدَثُ الْكُتُبِ بِاللَّهِ تَقْرَءُونَهُ مَحْضًا لَمْ يَشِبْ ؟ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللَّهِ وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ، وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ، لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ رَجُلًا يَسْأَلُكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، إِمَّا أَنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، أَوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ مِمَّا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُؤَرَّخَيْنِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَمِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا وَقَعَ وَكَثِيرٌ مِنْهَا - بَلْ أَكْثَرُهَا - مِمَّا يَذْكُرُهُ الْقُصَّاصُ مَكْذُوبٌ مُفْتَرًى، وَضَعَهُ زَنَادِقَتُهُمْ وَضُلَّالُهُمْ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: مِنْهَا مَا هُوَ صَحِيحٌ لِمُوَافَقَتِهِ مَا قَصَّهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ أَخْبَرَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُومُ الْبُطْلَانِ لِمُخَالَفَتِهِ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ، وَمِنْهَا مَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ فَهَذَا الَّذِي أُمِرْنَا بِالتَّوَقُّفِ فِيهِ فَلَا نُصَدِّقُهُ وَلَا نُكَذِّبُهُ; لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ الَيْكُمْ وَتَجُوزُ رِوَايَتُهُ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ..

  403. التاريخ 403لا حكم مسجّل

    تَحْرِيفُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَبْدِيلِهِمْ أَدْيَانَهُمْ   أَمَّا الْيَهُودُ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ التَّوْرَاةَ عَلَى يَدَيْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَانَتْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَىثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [ الْأَنْعَامِ: 154 ] وَقَالَ تَعَالَى قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا [ الْأَنْعَامِ: 91 ] وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ [ الْأَنْبِيَاءِ: 48 ] وَقَالَ تَعَالَى وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الصَّافَّاتِ: 117، 118 ] وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ الْمَائِدَةِ: 44 ] فَكَانُوا يَحْكُمُونَ بِهَا وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِهَا بُرْهَةً مِنَ الزَّمَانِ، ثُمَّ شَرَعُوا فِي تَحْرِيفِهَا وَتَبْدِيلِهَا وَتَغْيِيرِهَا وَتَأْوِيلِهَا وَإِبْدَاءِ مَا لَيْسَ مِنْهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ آلِ عِمْرَانَ: 78 ] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَهَا وَيُئَوِّلُونَهَا، وَيَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا. وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ أَنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ فِي مَعَانِيهَا وَيَحْمِلُونَهَا عَلَى غَيْرِ الْمُرَادِ، كَمَا بَدَّلُوا حُكْمَ الرَّجْمِ وَالتَّحْمِيمِ مَعَ بَقَاءِ لَفْظِ الرَّجْمِ فِيهَا، وَكَمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَاذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، مَعَ أَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِاقَامَةِ الْحَدِّ وَالْقَطْعِ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ. تبديل اليهود لألفاظ التوراة فَأَمَّا تَبْدِيلُ أَلْفَاظِهَا ; فَقَالَ قَائِلُونَ بِأَنَّهَا جَمِيعَهَا بُدِّلَتْ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ تُبَدَّلْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ [ الْمَائِدَةِ: 43 ] وَقَوْلُهُ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ [ الْأَعْرَافِ: 157 ] الْآيَةَ. وَبِقَوْلِهِ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 93 ] وَبِقِصَّةِ الرَّجْمِ فَإِنَّهُمْ - كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَفِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ - لَمَّا تَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قِصَّةِ الْيَهُودِيِّ وَالْيَهُودِيَّةِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ: " مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ " فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِحْضَارِ التَّوْرَاةِ فَلَمَّا جَاءُوا بِهَا وَجَعَلُوا يَقْرَءُونَهَا وَيَكْتُمُونَ آيَةَ الرَّجْمِ الَّتِي فِيهَا، وَوَضَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ارْفَعْ يَدَكَ يَا أَعْوَرُ " فَرَفَعَ يَدَهُ فَاذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجْمِهِمَا، وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ ". وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُمْ لَمَّا جَاءُوا بِهَا نَزَعَ الْوِسَادَةَ مِنْ تَحْتِهِ فَوَضَعَهَا تَحْتَهَا، وَقَالَ: آمَنْتُ بِكِ وَبِمَنْ أَنْزَلَكِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَامَ لَهَا. وَلَمْ أَقِفْ عَلَى إِسْنَادِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا كُلُّهُ يُشْكِلُ عَلَى مَا يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمْ: إِنَّ التَّوْرَاةَ انْقَطَعَ تَوَاتُرُهَا فِي زَمَنِ بُخْتُنَصَّرَ، وَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَحْفَظُهَا إِلَّا الْعُزَيْرُ، ثُمَّ الْعُزَيْرُ إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَهُوَ مَعْصُومٌ وَالتَّوَاتُرُ إِلَى الْمَعْصُومِ يَكْفِي، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهَا لَمْ تَتَوَاتَرْ إِلَيْهِ، لَكِنْ بَعْدَهُ زَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى، وَكُلُّهُمْ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِالتَّوْرَاةِ فَلَوْ لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً مَعْمُولًا بِهَا، لَمَا اعْتَمَدُوا عَلَيْهَا وَهُمْ أَنْبِيَاءُ مَعْصُومُونَ، ثُمَّ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ فِي قَصْدِهِمُ الْفَاسِدِ إِذْ عَدَلُوا عَمَّا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ عِنْدَهُمْ - وَأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِهِ حَتْمًا - إِلَى التَّحَاكُمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يُعَانِدُونَ مَا جَاءَ بِهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ - فِي زَعْمِهِمْ - مَا قَدْ يُوَافِقُهُمْ عَلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ الْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ الْمُصَادِمِ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ حَتْمًا، وَقَالُوا: إِنْ حَكَمَ لَكُمْ بِالْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَاقْبَلُوهُ، وَتَكُونُونَ قَدِ اعْتَذَرْتُمْ بِحُكْمِ نَبِيٍّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ لَكُمْ بِهَذَا بَلْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا أَنْ تَقْبَلُوا مِنْهُ. فَأَنْكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي هَذَا الْقَصْدِ الْفَاسِدِ الَّذِي إِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَيْهِ الْغَرَضُ الْفَاسِدُ، وَمُوَافَقَةُ الْهَوَى لَا الدِّينُ الْحَقُّ فَقَالَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ [ الْمَائِدَةِ: 43، 44 ] الْآيَةَ. وَلِهَذَا لَمَّا حَكَمَ بِالرَّجْمِ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ " وَسَأَلَهُمْ مَا حَمَلَهُمْ عَلَى هَذَا ؟ وَلِمَ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ ؟ فَقَالُوا: إِنَّ الزِّنَا قَدْ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، وَلَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نُقِيمَهُ عَلَيْهِمْ، وَكُنَّا نَرْجُمُ مَنْ زَنَى مِنْ ضُعَفَائِنَا فَقُلْنَا: تَعَالَوْا إِلَى أَمْرٍ نِصْفٍ نَفْعَلُهُ مَعَ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ فَاصْطَلَحْنَا عَلَى الْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ فَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ تَحْرِيفِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ وَتَغْيِيرِهِمْ وَتَأْوِيلِهِمُ الْبَاطِلِ. وَهَذَا إِنَّمَا فَعَلُوهُ فِي الْمَعَانِي، مَعَ بَقَاءِ لَفْظِ الرَّجْمِ فِي كِتَابِهِمْ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ. فَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ هَذَا مِنَ النَّاسِ: إِنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَبْدِيلُهُمْ إِلَّا فِي الْمَعَانِي وَإِنَّ الْأَلْفَاظَ بَاقِيَةٌ، وَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ، إِذْ لَوْ أَقَامُوا مَا فِي كِتَابِهِمْ جَمِيعِهِ ; لَقَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ [ الْأَعْرَافِ: 157 ] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ [ الْمَائِدَةِ: 66 ] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ الَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الْمَائِدَةِ: 68 ] الْآيَةَ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ التَّبْدِيلَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي مَعَانِيهَا لَا فِي أَلْفَاظِهَا - حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخِرِ كِتَابِهِ " الصَّحِيحِ " وَقَرَّرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَحَكَاهُ الْعَلَّامَةُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي " تَفْسِيرِهِ " عَنْ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ. مس الجنب للتوراة وَذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ مَسُّ التَّوْرَاةِ  وَهُوَ مُحْدِثٌ، وَحَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ فِي فَتَاوِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى التَّوَسُّطِ فِي هَذَيْنَ الْقَوْلَيْنِ مِنْهُمْ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ: أَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا كُلَّهَا مُبَدَّلَةٌ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا بِدَّلُوهُ فَهَذَا بِعِيدٌ، وَكَذَا مَنْ قَالَ: لَمْ يُبَدَّلْ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ بَعِيدٌ أَيْضًا وَالْحَقُّ أَنَّهُ دَخَلَهَا تَبْدِيلٌ وَتَغْيِيرٌ، وَتَصَرَّفُوا فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهَا بِالزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ كَمَا تَصَرَّفُوا فِي مَعَانِيهَا. وَهَذَا مَعْلُومٌ عِنْدَ التَّأَمُّلِ، وَلِبَسْطِهِ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. كَمَا فِي قَوْلِهِمْ فِي قِصَّةِ الذَّبِيحِ: اذْبَحِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، وَفِي نُسْخَةٍ: بِكْرَكَ إِسْحَاقُ فَلَفْظَةُ إِسْحَاقَ مُقْحَمَةٌ مَزِيدَةٌ بِلَا مِرْيَةٍ ; لِأَنَّ الْوَحِيدَ - وَهُوَ الْبِكْرُ - إِسْمَاعِيلُ لِأَنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ إِسْحَاقَ بِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَكَيْفَ يَكُونُ الْوَحِيدُ الْبِكْرَ إِسْحَاقُ ؟! ! وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ حَسَدُ الْعَرَبِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُمْ هُوَ الذَّبِيحُ فَأَرَادُوا أَنْ يَذْهَبُوا بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ لَهُمْ فَزَادُوا ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، وَقَدِ اغْتَرَّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَوَافَقُوهُمْ عَلَى أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْحَاقُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الذَّبِيحَ إِسْمَاعِيلُ كَمَا قَدَّمْنَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَكَذَا فِي تَوْرَاةِ السَّامِرَةِ فِي الْعَشْرِ الْكَلِمَاتِ زِيَادَةُ الْأَمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الطُّورِ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ نُسَخِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَهَكَذَا يُوجَدُ فِي الزَّبُورِ الْمَأْثُورِ، عَنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُخْتَلِفًا كَثِيرًا، وَفِيهِ أَشْيَاءُ مَزِيدَةٌ مُلْحَقَةٌ فِيهِ، وَلَيْسَتْ مِنْهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قُلْتُ: وَأَمَّا مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ التَّوْرَاةِ الْمُعَرَّبَةِ  فَلَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي تَبْدِيلِهَا، وَتَحْرِيفِ كَثِيرٍ مِنْ أَلْفَاظِهَا، وَتَغْيِيرِ الْقَصَصِ وَالْأَلْفَاظِ وَالزِّيَادَاتِ وَالنَّقْصِ الْبَيِّنِ الْوَاضِحِ، وَفِيهَا مِنَ الْكَذِبِ الْبَيِّنِ وَالْخَطَأِ الْفَاحِشِ شَيْءٌ كَثِيرٌ جِدًّا فَأَمَّا مَا يَتْلُونَهُ بِلِسَانِهِمْ، وَيَكْتُبُونَهُ بِأَقْلَامِهِمْ فَلَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ وَالْمَظْنُونُ بِهِمْ أَنَّهُمْ كَذَبَةُ خَوَنَةٌ يُكْثِرُونَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ. تحريف النصارى وضلالهم وَأَمَّا النَّصَارَى  فَأَنَاجِيلُهُمُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طُرُقِ مُرْقُسٍ وَلُوقَا وَمَتَّى وَيُوحَنَّا، أَشَدُّ اخْتِلَافًا وَأَكْثَرُ زِيَادَةً وَنَقْصًا وَأَفْحَشُ تَفَاوُتًا مِنَ التَّوْرَاةِ وَقَدْ خَالَفُوا أَحْكَامَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فِي غَيْرِ مَا شَيْءٍ قَدْ شَرَعُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَمِنْ ذَلِكَ صَلَاتُهُمْ إِلَى الشَّرْقِ، وَلَيْسَتْ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا وَلَا مَأْمُورًا بِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَنَاجِيلِ الْأَرْبَعَةِ، وَهَكَذَا تَصْوِيرُهُمْ كَنَائِسَهُمْ، وَتَرْكُهُمُ الْخِتَانَ، وَنَقْلُهُمْ صِيَامَهُمْ إِلَى زَمَنِ الرَّبِيعِ، وَزِيَادَتُهُ فِيهِ إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا، وَأَكَلُهُمُ الْخِنْزِيرَ، وَوَضْعُهُمُ الْأَمَانَةَ الْكَبِيرَةَ، وَإِنَّمَا هِيَ الْخِيَانَةُ الصَّغِيرَةُ الْحَقِيرَةُ، وَالرَّهْبَانِيَّةُ، وَهِيَ تَرْكُ التَّزْوِيجِ لِمَنْ أَرَادَ التَّعَبُّدَ، وَتَحْرِيمَهُ عَلَيْهِ، وَكَتْبُهُمُ الْقَوَانِينَ الَّتِي وَضَعَتْهَا لَهُمُ الْأَسَاقِفَةُ الثَّلَاثُمِائَةِ وَالثَّمَانِيَةَ عَشَرَ. فَكُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ابْتَدَعُوهَا، وَوَضَعُوهَا فِي أَيَّامِ قُسْطَنْطِينَ بْنِ قَسْطَسَ بَانِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَكَانَ زَمَنُهُ بَعْدَ الْمَسِيحِ بِثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ وَكَانَ أَبُوهُ أَحَدَ مُلُوكِ الرُّومِ، وَتَزَوَّجَ أُمَّهُ هِيلَانَةَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ لِلصَّيْدِ مِنْ بِلَادِ حَرَّانَ وَكَانَتْ نَصْرَانِيَّةً عَلَى دِينِ الرَّهَابِينَ الْمُتَقَدِّمِينَ فَلَمَّا وُلِدَ لَهَا مِنْهُ قُسْطَنْطِينُ الْمَذْكُورُ تَعَلَّمَ الْفَلْسَفَةَ وَمَهَرَ فِيهَا، وَصَارَ فِيهِ مَيْلٌ بَعْضَ الشَّيْءِ إِلَى النَّصْرَانِيَّةِ الَّتِي أُمُّهُ عَلَيْهَا فَعَظَّمَ الْقَائِمِينَ بِهَا بَعْضَ الشَّيْءِ وَهُوَ عَلَى اعْتِقَادِ الْفَلَاسِفَةِ فَلَمَّا مَاتَ أَبَوْهُ، وَاسْتَقَلَّ هُوَ فِي الْمَمْلَكَةِ سَارَ فِي رَعِيَّتِهِ سِيرَةً عَادِلَةً فَأَحَبَّهُ النَّاسُ وَسَادَ فِيهِمْ، وَغَلَبَ عَلَى مَلِكِ الشَّامِ بِأَسْرِهِ مَعَ الْجَزِيرَةِ، وَعَظُمَ شَأْنُهُ. وَكَانَ أَوَّلَ الْقَيَاصِرَةِ، ثُمَّ اتَّفَقَ اخْتِلَافٌ فِي زَمَانِهِ بَيْنَ النَّصَارَى، وَمُنَازَعَةٌ وَقَعَتْ بَيْنَ بِطْرِيقِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِكْصَنْدَرُوسَ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ يُقَالَ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْيُوسَ فَذَهَبَ إِكْصَنْدَرُوسَ إِلَى أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ، - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِ - وَذَهَبَ ابْنُ أَرْيُوسَ إِلَى أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَاتَّبَعَهُ عَلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ النَّصَارَى، وَأَصْفَقَ الْأَكْثَرُونَ الْأَخْسَرُونَ عَلَى قَوْلِ بِطَرِيقِهِمْ، وَمَنْعِ ابْنِ أَرْيُوسَ مِنْ دُخُولِ الْكَنِيسَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَذَهَبَ يَسْتَعْدِي عَلَى إِكْصَنْدَرُوسَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ، فَسَأَلَهُ الْمَلِكُ عَنْ مَقَالَتِهِ فَعَرَضَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْيُوسَ مَا يَقُولُ فِي الْمَسِيحِ مِنْ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ فَمَالَ إِلَيْهِ، وَجَنَحَ إِلَى قَوْلِهِ فَقَالَ لَهُ قَائِلُونَ: فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْعَثَ إِلَى خَصْمِهِ فَتَسْمَعُ كَلَامَهُ فَأَمَرَ الْمَلِكُ بِإِحْضَارِهِ، وَطَلَبَ مِنْ سَائِرِ الْأَقَالِيمِ كُلَّ أُسْقُفٍ، وَكُلَّ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، وَجَمَعَ الْبَطَارِقَةَ الْأَرْبَعَةَ مِنَ الْقُدْسِ، وَأَنْطَاكِيَةَ وَرُومِيَّةَ وَالْإِسْكَنْدَرِيَّةَ فَيُقَالَ: إِنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي مُدَّةِ سَنَةٍ وَشَهْرَيْنِ مَا يَزِيدُ عَلَى أَلْفَيْ أُسْقُفٍ. فَجَمَعَهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْمَجْمَعُ الْأَوَّلُ مِنْ مَجَامِعِهِمُ الثَّلَاثَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا مُنْتَشِرًا جِدًّا فَمِنْهُمُ الشِّرْذِمَةُ عَلَى الْمَقَالَةِ الَّتِي لَا يُوَافِقُهُمْ أَحَدٌ مِنَ الْبَاقِينَ عَلَيْهَا فَهَؤُلَاءِ خَمْسُونَ عَلَى مَقَالَةٍ، وَهَؤُلَاءِ ثَمَانُونَ عَلَى مَقَالَةٍ أُخْرَى، وَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ عَلَى مَقَالَةٍ وَأَرْبَعُونَ عَلَى أُخْرَى وَمِائَةٌ عَلَى مَقَالَةٍ وَمِائَتَانِ عَلَى مَقَالَةٍ، وَطَائِفَةٌ عَلَى مَقَالَةِ ابْنِ أَرْيُوسَ، وَجَمَاعَةٌ عَلَى مَقَالَةٍ أُخْرَى فَلَمَّا تَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ، وَانْتَشَرَ اخْتِلَافُهُمْ حَارَ فِيهِمُ الْمَلِكُ قُسْطَنْطِينُ، مَعَ أَنَّهُ سَيِّئُ الظَّنِّ بِمَا عَدَا دِينَ الصَّابِئِينَ مِنْ أَسْلَافِهِ الْيُونَانِيِّينَ فَعَمَدَ إِلَى أَكْثَرِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ عَلَى مَقَالَةٍ مِنْ مَقَالَاتِهِمْ فَوَجَدَهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَمَانِيَةَ عَشَرَ أُسْقُفًا قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى مَقَالَةِ إِكْصَنْدَرُوسَ، وَلَمْ يَجِدْ طَائِفَةً بَلَغَتْ عِدَّتَهُمْ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَوْلَى بِنَصْرِ قَوْلِهِمْ ; لِأَنَّهُمْ أَكْثَرُ الْفِرَقِ فَاجْتَمَعَ بِهِمْ خُصُوصًا، وَوَضْعَ سَيْفَهُ وَخَاتَمَهُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُكُمْ أَكْثَرَ الْفِرَقِ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى مَقَالَتِكُمْ هَذِهِ فَأَنَا أَنْصُرُهَا وَأَذْهَبُ إِلَيْهَا فَسَجَدُوا لَهُ، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَضَعُوا لَهُ كِتَابًا فِي الْأَحْكَامِ، وَأَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ إِلَى الشَّرْقِ ; لِأَنَّهَا مَطْلِعُ الْكَوَاكِبِ النَّيِّرَةِ، وَأَنْ يُصَوِّرُوا فِي كَنَائِسِهِمْ صُوَرًا لَهَا جُثَثٌ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ تَكُونَ فِي الْحِيطَانِ فَلَمَّا تَوَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ أَخَذَ فِي نَصْرِهِمْ، وَإِظْهَارِ كَلِمَتِهِمْ وَإِقَامَةِ مَقَالَتِهِمْ، وَإِبْعَادِ مَنْ خَالَفَهُمْ وَتَضْعِيفِ رَأْيِهِ وَقَوْلِهِ، فَظَهَرَ أَصْحَابُهُ بِجَاهِهِ عَلَى مُخَالِفِهِمْ وَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِبِنَاءِ الْكَنَائِسِ عَلَى دِينِهِمْ، وَهُمُ الْمَلِكِيَّةُ ; نِسْبَةً إِلَى دِينِ الْمَلِكِ فَبُنِيَ فِي أَيَّامِ قُسْطَنْطِينَ بِالشَّامِ وَغَيْرِهَا فِي الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى أَزِيدُ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ كَنِيسَةٍ، وَاعْتَنَى الْمَلِكُ بِبِنَاءِ بَيْتِ لَحْمٍ يَعْنِي عَلَى مَكَانِ مَوْلِدِ الْمَسِيحِ، وَبَنَتْ أُمُّهُ هِيلَانَةُ قُمَامَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى مَكَانِ الْمَصْلُوبِ الَّذِي زَعَمَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِجَهْلِهِمْ، وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ أَنَّهُ الْمَسِيحُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَتَلَ مَنْ عَدَا أُولَئِكَ، وَخَدَّ لَهُمُ الْأَخَادِيدَ فِي الْأَرْضِ، وَأَجَّجَ فِيهَا النَّارَ وَأَحْرَقَهُمْ بِهَا، كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ الْبُرُوجِ. وَعَظُمَ دِينُ النَّصْرَانِيَّةِ، وَظَهَرَ أَمْرُهُ جِدًّا بِسَبَبِ الْمَلِكِ قُسْطَنْطِينَ وَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْهِمْ فَسَادًا لَا صَلَاحَ لَهُ وَلَا نَجَاحَ مَعَهُ وَلَا فَلَاحَ عِنْدِهِ، وَكَثُرَتْ أَعْيَادُهُمْ بِسَبَبِ عُظَمَائِهِمْ، وَكَثُرَتْ كَنَائِسُهُمْ عَلَى أَسْمَاءِ عُبَّادِهِمْ، وَتَفَاقَمَ كُفْرُهُمْ، وَغَلُظَتْ مُصِيبَتُهُمْ، وَتَخَلَّدَ ضَلَالُهُمْ، وَعَظُمَ وَبَالُهُمْ، وَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَلَا أَصْلَحَ بَالَهُمْ بَلْ صَرَفَ قُلُوبَهُمْ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَالَ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ حَالَهُمْ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَجْمَعَيْنِ فِي قَضِيَّةِ النُّسْطُورِيَّةِ وَالْيَعْقُوبِيَّةِ، وَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ هَؤُلَاءِ تُكَفِّرُ الْأُخْرَى، وَتَعْتَقِدُ تَخْلِيدَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَلَا تَرَى مُجَامَعَتَهُمْ فِي الْمَعَابِدِ وَالْكَنَائِسِ، وَكُلُّهُمْ يَقُولُ بِالْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ: أُقْنُومِ الْأَبِ، وَأُقْنُومِ الِابْنِ، وَأُقْنُومِ الْكَلِمَةِ، وَلَكِنْ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافٌ فِي الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ فِيمَا بَيْنُ اللَّاهُوتِ وَالنَّاسُوتِ هَلْ تَدَرَّعَهُ أَوْ حَلَّ فِيهِ أَوِ اتَّحَدَ بِهِ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ شَدِيدٌ، وَكُفْرُهُمْ بِسَبَبِهِ غَلِيظٌ، وَكُلُّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ إِلَّا مَنْ قَالَ مِنَ الْأَرْيُوسِيَّةِ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْيُوسَ: إِنَّ الْمَسِيحَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ. كَمَا يَقُولُ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَكِنْ لَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ الْأَرْيُوسِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ تَسَلَّطَ عَلَيْهِمُ الْفَرْقُ الثَّلَاثَةُ بِالْإِبْعَادِ وَالطَّرْدِ حَتَّى قَلُّوا فَلَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ مِنْهُمْ أَحَدٌ فِيمَا نَعْلَمُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

  404. التاريخ 404لا حكم مسجّل

    وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ قَالَ سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ خِلَافَهَا فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، وَقَالَ: كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ وَلَا تَخْتَلِفُوا فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا تَفَرَّدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ. وقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبِغُونَ فَخَالِفُوهُمْ تَفَرَّدَ بِهِ دُونَ مُسْلِمٍ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ صَلُّوا فِي نِعَالِكُمْ خَالِفُوا الْيَهُودَ.. وقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( سَمِعْتُ عُمَرَ ؓ يَقُولُ: قَاتَلَ اللَّهُ فُلَانًا أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ بِهِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ تَابَعَهُ جَابِرٌ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وقَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَأَنْ يُوْتِرَ الْإِقَامَةَ وَأَخْرَجَهُ بَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قِلَابَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْجَرْمِيِّ بِهِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي جَمِيعِ شِعَارِهِمْ  فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَحَيَّنُونَ وَقْتَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَمَرَ مَنْ يُنَادِي فِيهِمْ وَقْتَ الصَّلَاةِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ أَرَادُوا أَنْ يَدْعُوَا إِلَيْهَا بِشَيْءٍ يَعْرِفُهُ النَّاسُ فَقَالَ قَائِلُونَ: نَضْرِبُ بِالنَّاقُوسِ، وَقَالَ آخَرُ: نُورِي نَارًا فَكَرِهُوا ذَلِكَ لِمُشَابِهَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَأُرِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ الْأَنْصَارِيُّ فِي مَنَامِهِ الْأَذَانَ، فَقَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِهِ كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ بَابِ الْأَذَانِ فِي كِتَابِ " الْأَحْكَامِ ". وقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده أَنَّ عَائِشَةَ، وَابْنَ عَبَّاسٍ قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً عَلَى وَجْهِهِ فَاذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا وَهَكَذَا رَوَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ. وقَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، قَالَ النَّبِيَّ ﷺ: فَمَنْ ؟ ! وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهِ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَمَّا يَقَعُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا شَرْعًا مِمَّا يُشَابِهُ أَهْلَ الْكِتَابِ قَبْلَنَا فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِ عَنْ مُشَابِهَتِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ حَتَّى وَلَوْ كَانَ قَصْدُ الْمُؤْمِنِ خَيْرًا، لَكِنَّهُ تَشَبَّهَ بِفِعْلِهِ فِي الظَّاهِرِ مِنْ فِعْلِهِمْ. وَكَمَا نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا;  لِئَلَّا يُشَابِهَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُ لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَهَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ   [ الْبَقَرَةِ: 104 ] فَكَانَ الْكُفَّارُ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِي كَلَامِهِمْ مَعَهُ: رَاعِ نَا أَيِ: انْظُرْ إِلَيْنَا بِبَصَرِكَ، وَاسْمَعْ كَلَامَنَا، وَيَقْصِدُونَ بِقَوْلِهِمْ: رَاعِنَا مِنَ الرُّعُونَةِ فَنُهِيَ الْمُؤْمِنُونَ أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَخْطُرُ بِبَالِ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَذَا أَبَدًا. فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ فَلَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِهِمْ; لَا فِي عِبَادَاتِهِمْ وَلَا مَوَاسِمِهِمْ وَلَا فِي أَعْيَادِهِمْ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَّفَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِخَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ الدِّينَ الْعَظِيمَ الْقَوِيمَ الشَّامِلَ الْكَامِلَ الَّذِي لَوْ كَانَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْرَاةُ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلُ حَيَّيْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُمَا شَرْعٌ مُتَّبَعٌ بَلْ لَوْ كَانَا مَوْجُودَيْنِ بَلْ وَكُلُّ الْأَنْبِيَاءِ لَمَا سَاغَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونُ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ الْمُشَرَّفَةِ الْمُكَرَّمَةِ الْمُعَظَّمَةِ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ مَنَّ عَلَيْنَا، بِأَنْ جَعَلَنَا مِنْ أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِنَا أَنْ نَتَشَبَّهَ بِقَوْمٍ، قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [ الْمَائِدَةِ: 77 ] قَدْ بَدَّلُوا دِينَهُمْ وَحَرَّفُوهُ وَأَوَّلُوهُ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ غَيْرُ مَا شُرِعَ لَهُمْ أَوَّلًا، ثُمَّ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَنْسُوخٌ وَالتَّمَسُّكُ بِالْمَنْسُوخِ حَرَامٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي لَمْ يُشْرَعْ بِالْكُلِّيَّةِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

  405. التاريخ 405لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؓ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمِثْلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ ؟ أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، أَلَا لَكُمُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ. فَغَضِبَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً ! قَالَ اللَّهُ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ شِئْتُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ قَصِيرَةٌ، بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا مَضَى مِنْ مُدَدِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا;  لِقَوْلِهِ إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ. فَالْمَاضِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَمَا أَنَّ الْآتِيَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، وَلَكِنَّهُ قَصِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا سَبَقَ، وَلَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَى تَحْدِيدِ مَا بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [ الْأَعْرَافِ: 187 ] وَقَالَ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا [ النَّازِعَاتِ: 42 - 44 ] وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْعَامَّةِ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يُؤَلَّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ إِنَّ الدُّنْيَا جُمُعَةٌ مِنْ جُمَعِ الْآخِرَةِ وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ. وَالْمُرَادُ مِنْ هَذَا التَّشْبِيهِ بِالْعُمَّالِ تَفَاوُتُ أُجُورِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَنُوطًا بِكَثْرَةِ الْعَمَلِ وَلَا قِلَّتِهِ، بَلْ بِأُمُورٍ أُخَرَ مُعْتَبَرَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمْ مِنْ عَمَلٍ قَلِيلٍ أَجْدَى مَا لَا يُجْدِيهِ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ ;  هَذِهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ أَلْفِ شَهْرٍ سِوَاهَا، وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَنْفَقُوا فِي أَوْقَاتٍ لَوْ أَنْفَقَ غَيْرُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ مِثْلَ أُحُدٍ مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ مِنْ تَمْرٍ. وَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمُرِهِ، وَقَبَضَهُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقَدْ بَرَزَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ - الَّتِي هِيَ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً - فِي الْعُلُومِ النَّافِعَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ، حَتَّى عَلَى نُوحٍ الَّذِي لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا صَبَاحًا وَمَسَاءً صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ أَجْمَعِينَ. فَهَذِهِ الْأُمَّةُ إِنَّمَا شَرُفَتْ وَتَضَاعَفَ ثَوَابُهَا بِبَرَكَةِ سِيَادَةِ نَبِيِّهَا وَشَرَفِهِ وَعَظَمَتِهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهِ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. [ الْحَدِيدِ: 28، 29 ] فضل الأمة المحمدية فَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ   عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " إِنَّكُمْ تُوَفُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى "

  406. التاريخ 406لا حكم مسجّل

    مُلَخَّصُ الْجَامِعِ لِأَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ تَعَدُّدُ الرِّوَايَاتِ حَوْلَ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَبَعْضُ الرِّوَايَاتِ تَجْعَلُهُمْ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِائَةٌ وَأَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا. وَقَدْ تَنَوَّعَتْ حِرَفُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَرَّاثًا، وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا، وَكَانَ إِدْرِيسُ خَيَّاطًا، وَكَانَ صَالِحٌ تَاجِرًا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ زَرَّاعًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ رَاعِيًا. وَكَانَ دَاوُدُ زَرَّادًا، وَكَانَ سُلَيْمَانُ مَلِكًا، وَكَانَ عِيسَى لَا يُخَبِّأُ شَيْئًا لِغَدِهِ، وَكَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ بَيْتِهِ بِأَجْيَادَ. وَإِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَإِنَّ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ أَلَّا يُوَرَّثُوا وَمَا يَتْرُكُوهُ يَكُونُ صَدَقَةً، وَلَا يَدْعُونَ خَيْرًا إِلَّا وَدَعَوْا أُمَّتَهُمْ لَهُ وَلَا شَرًّا إِلَّا وَحَذَّرُوهُمْ مِنْهُ. وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ تَعَدَّدَتِ الشَّرَائِعُ.

  407. التاريخ 407لا حكم مسجّل

    بَابُ عَدَدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ  قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ: 253 ] وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا أَوْحَيْنَا الَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [ النِّسَاءِ: 163 ]. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ: بسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَعَثَ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ آلَافِ نَبِيٍّ أَرْبَعَةَ آلَافٍ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ إِلَى سَائِرِ النَّاسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ بسنده عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي لِخَاتَمُ أَلْفِ نَبِيٍّ أَوْ أَكْثَرَ، وَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ نَبِيٌّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ، وَإِنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لِي فِيهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، وَإِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ذِكْرِ عَدَدِ مَنْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ الدَّجَّالَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَكِنَّ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الْأَنْبِيَاءُ ؟ قَالَ: " مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ: " ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا " قُلْتُ: مَنْ كَانَ أَوَّلُهُمْ ؟ قَالَ: " آدَمُ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ؟ قَالَ: " نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ  ، وَسَوَّاهُ قَبْلًا. يَا أَبَا ذَرٍّ: أَرْبَعَةٌ سِرْيَانِيُّونَ: آدَمُ، وَشِيثُ وَأَخْنُوخُ وَهُوَ إِدْرِيسُ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ   - وَنُوحٌ، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ: هُودٌ، وَشُعَيْبٌ، وَصَالِحٌ، وَنَبِيُّكَ يَا أَبَا ذَرٍّ، وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: مُوسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَوَّلُ الْمُرْسَلِينَ: آدَمُ، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ كِتَابٌ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ؟ قَالَ: مِائَةُ كِتَابٍ وَأَرْبَعَةُ كُتُبٍ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى شِيثَ خَمْسِينَ صَحِيفَةً، وَعَلَى أَخْنُوخَ ثَلَاثِينَ صَحِيفَةً وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ عَلَى مُوسَى قَبْلَ أَنْ يُنْزِلَ التَّوْرَاةَ عَشْرَ صَحَائِفَ، وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ، وَالزَّبُورَ، وَالْفُرْقَانَ "  . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ ؟ قَالَ: " كَانَتْ أَمْثَالًا كُلَّهَا، كَانَ فِيهَا: أَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ الْمُبْتَلَى الْمَغْرُورُ، إِنِّي لَمْ أَبْعَثْكَ تَجْمَعُ الدُّنْيَا بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَرُدَّ عَنِّي دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنِّي لَا أَرُدُّهَا وَلَوْ كَانَتْ مِنْ كَافِرٍ، وَكَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يُفَكِّرُ فِي صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ، وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا بِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ طَائِعًا إِلَّا لِثَلَاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ، وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ، مُعِيلًا عَلَى شَأْنِهِ، حَافِظًا لِسَانَهُ، وَمَنْ يَحْسِبُ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ، قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كَانَتْ صُحُفُ مُوسَى ؟ قَالَ: " كَانَتْ عِبَرًا كُلَّهَا عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ، ثُمَّ هُوَ يَلْهُو، وَعَجِبْتُ لِمَنْ رَأَى الدُّنْيَا وَتَقَلُّبُهَا بِأَهْلِهَا ثُمَّ اطْمَأَنَّ إِلَيْهَا، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْحِسَابِ غَدًا كَيْفَ لَا يَعْمَلُ ". وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَوْحًا فِيهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَ عَشْرَةَ شَرِيعَةً، يَقُولُ الرَّحْمَنُ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يَأْتِينِي عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا فِيهِ وَاحِدٌ مِنْكُنَّ إِلَّا أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ ". قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادِي: هَذِهِ الشَّرَائِعُ عَائِدَةٌ إِلَى الْمُرْسَلِينَ. وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مِنَ الْفُرْسِ نَبِيٌّ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَالتَّوْرَاةُ لِسِتِّ [ لَيَالٍ ] خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، [ وَالزَّبُورُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ] وَالْإِنْجِيلُ لِثَمَانِي عَشْرَةَ [ لَيْلَةً ] خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْقُرْآنُ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ.

  408. التاريخ 408لا حكم مسجّل

    مَعَايِشِ الْأَنْبِيَاءِ   قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؓ: كَانَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَرَّاثًا، وَكَانَ نُوحٌ نَجَّارًا، وَكَانَ إِدْرِيسُ خَيَّاطًا، وَكَانَ صَالِحٌ تَاجِرًا، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ زَرَّاعًا، وَكَانَ شُعَيْبٌ رَاعِيًا [ وَكَانَ مُوسَى رَاعِيًا ] وَكَانَ دَاوُدُ زَرَّادًا، وَكَانَ سُلَيْمَانُ مَلِكًا، وَكَانَ عِيسَى لَا يَخْبَأُ شَيْئًا لِغَدِهِ، وَكَانَ نَبِيُّنَا ﷺ يَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِ بَيْتِهِ بِأَجْيَادَ، وَكَانَتْ حَوَّاءُ تَغْزِلُ الشَّعْرَ فَتَحُوكُهُ بِيَدِهَا فَتَكْسُو نَفْسَهَا وَوَلَدَهَا.

  409. التاريخ 409لا حكم مسجّل

    قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنْ فُرَاتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ قَالَ قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ بُنْدَارٍ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ فُرَاتٍ بِهِ نَحْوَهُ.

  410. التاريخ 410لا حكم مسجّل

    مَا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ السِّنِينَ رَوَى أَبُو صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ آدَمَ إِلَى نُوحٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَلْفَا سَنَةٍ وَمِائَتَا سَنَةٍ، وَبَيْنَ نُوحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَثَلَاثٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَمِنْ مُوسَى إِلَى دَاوُدَ خَمْسُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَسَبْعُونَ [ سَنَةً ] وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى عِيسَى أَلْفٌ وَثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ [ سَنَةً ]، وَمِنْ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ  . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: بَيْنَ آدَمَ إِلَى نُوحٍ أَلْفٌ وَمِائَتَا سَنَةٍ، وَمِنْ نُوحٍ إِلَى إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَاثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى مُوسَى خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، [ وَبَيْنَ مُوسَى وَدَاوُدَ خَمْسُمِائَةٍ وَتِسْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً ] وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى عِيسَى أَلْفٌ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتٌّ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَمِنْ عِيسَى إِلَى مُحَمَّدٍ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ إِلَى أَنْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ خَمْسَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ

  411. التاريخ 411لا حكم مسجّل

    مَنْ وُلِدَ مَخْتُونًا قَالَ ابن الجوزي: أَمَّا آدَمُ فَإِنَّهُ خُلِقَ مَخْتُونًا، وَوُلِدَ شِيثُ وَإِدْرِيسُ [ وَنُوحٌ ] وَسَامٌ، وَهُودٌ، وَصَالِحٌ، وَنَبِيُّ أَصْحَابِ الرَّسِّ، وَلُوطٌ، وَيُوسُفُ، وَمُوسَى، وَشُعَيْبٌ، وَسُلَيْمَانُ، وَزَكَرِيَّا، وَعِيسَى، وَنَبِيُّنَا مَخْتُونِينَ مَسْرُورِينَ، وَابْتُلِيَ بِالْخِتَانِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ  عَلَى مَا سَبَقَ

  412. التاريخ 412لا حكم مسجّل

    وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عن شَقِيقٌ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي ; فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ بِهِ نَحْوَهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ، وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُطِيقُ أَنْ أَضَعَ يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ كَمَا يُضَاعَفُ لَنَا الْأَجْرُ، إِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يُبْتَلَى بِالْقَمْلِ حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى يَأْخُذَ الْعَبَاءَةَ فَيُحَوِّيَهَا، وَإِنْ كَانُوا لَيَفْرَحُونَ بِالْبَلَاءِ كَمَا تَفْرَحُونَ بِالرَّخَاءِ ". وعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسْبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ

  413. التاريخ 413لا حكم مسجّل

    فِي الْحَدِيثِ نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلَادُ عَلَّاتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ، وَأُمَّهَاتُنَا شَتَّى وَالْمَعْنَى أَنَّ شَرَائِعَهُمْ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فِي الْفُرُوعِ، وَنَسَخَ بَعْضُهَا بَعْضًا حَتَّى انْتَهَى الْجَمِيعُ إِلَى مَا شَرَعَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فَإِنَّمَا دِينُهُ الْإِسْلَامُ وَهُوَ التَّوْحِيدُ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الْأَنْبِيَاءِ: 25 ] وَقَالَ تَعَالَى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [ الزُّخْرُفِ: 45 ] وَقَالَ تَعَالَى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ الْآيَةَ [ النَّحْلِ: 36 ] فَأَوْلَادُ الْعَلَّاتِ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ وَاحِدًا وَالْأُمَّهَاتُ مُتَفَرِّقَاتٌ فَالْأَبُ بِمَنْزِلَةِ الدِّينِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ وَالْأُمَّهَاتُ بِمَنْزِلَةِ الشَّرَائِعِ فِي اخْتِلَافِ أَحْكَامِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى. وَقَالَ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ [ الْحَجِّ: 67 ] وَقَالَ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [ الْبَقَرَةِ: 148 ] عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الشَّرَائِعَ، وَإِنْ تَنَوَّعَتْ فِي أَوْقَاتِهَا إِلَّا أَنَّ الْجَمِيعَ آمِرَةٌ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ  وَهُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 85 ] وَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ ابْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ الْبَقَرَةِ: 130 - 132 ] وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا الْآيَةَ [ الْمَائِدَةِ: 44 ] فَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَهُوَ الْإِخْلَاصُ لَهُ وَحْدَهُ دُونَ مَا سِوَاهُ وَالْإِحْسَانُ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلِهَذَا لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا بَعْدَ أَنْ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ، إِلَّا عَلَى مَا شَرَعَهُ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا [ الْأَعْرَافِ: 158 ] وَقَالَ تَعَالَى وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الْأَنْعَامِ: 19 ] وَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [ هُودٍ: 17 ] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بُعِثْتُ إِلَى الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ قِيلَ: أَرَادَ الْعَرَبَ وَالْعَجَمَ. وَقِيلَ: الْإِنْسَ وَالْجِنَّ. وَقَالَ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى، ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ إِخْوَةَ الْعَلَّاتِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، مَأْخُوذٌ مِنْ شُرْبِ الْعَلَلِ بَعْدَ النَّهَلِ، وَأَمَّا إِخْوَةُ الْأَخْيَافِ فَعَكْسُ هَذَا أَنْ تَكُونَ أُمُّهُمْ وَاحِدَةً مِنْ آبَاءٍ شَتَّى، وَإِخْوَةُ الْأَعْيَانِ فَهُمُ الْأَشِقَّاءُ مِنْ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

  414. التاريخ 414لا حكم مسجّل

    فِي الْحَدِيثِ نَحْنُ مُعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ. وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ أَنَّهُمْ لَا يُورَثُونَ  وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ الدُّنْيَا أَحْقَرُ عِنْدَهُمْ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُخَلَّفَةً عَنْهُمْ ; وَلِأَنَّ تَوَكُّلَهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، أَعْظَمُ وَأَشَدُّ وَآكَدُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجُوا مَعَهُ إِلَى أَنْ يَتْرُكُوا لِوَرَثَتِهِمْ - مِنْ بَعْدِهِمْ - مَالًا يَسْتَأْثِرُونَ بِهِ عَنِ النَّاسِ بَلْ يَكُونُ جَمِيعُ مَا تَرَكُوهُ صَدَقَةً لِفُقَرَاءِ النَّاسِ وَمَحَاوِيجِهِمْ وَذَوِي خَلَّتِهِمْ.

  415. التاريخ 415لا حكم مسجّل

    وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بسنده عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ انْتَهَيْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ إِذْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ إِذْ نَادَى مُنَادِيهِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا قَالَ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَطَبَنَا فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا دَلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ وَيُحَذِّرُهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَتْ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَإِنَّ آخِرَهَا سَيُصِيبُهَا بَلَاءٌ شَدِيدٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، تَجِيءُ فِتَنٌ يُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا تَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ. ثُمَّ تَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ، ثُمَّ تَنْكَشِفُ. فَمَنْ سَرَّهُ مِنْكُمْ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَأَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَوْتَتُهُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ. وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ. فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ. قَالَ فَأَدْخَلْتُ رَأْسِي مِنْ بَيْنِ النَّاسِ فَقُلْتُ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي قَالَ: فَقُلْتُ هَذَا ابْنُ عَمِّكَ - يَعْنِي مُعَاوِيَةَ - يَأْمُرُنَا بِأَكْلِ أَمْوَالِنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَأَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [ الْبَقَرَةِ: 188 ] قَالَ: فَجَمَعَ يَدَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى جَبْهَتِهِ، ثُمَّ نَكَّسَ هُنَيَّةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَقَالَ فِيهِ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ خَيْرًا لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ مَا يَعْلَمُهُ شَرًّا لَهُمْ. وَذَكَرَ تَمَامَهُ بِنَحْوِهِ، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِهِ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.