التاريخ 344
كتاب أخبار الماضين من بني إسرائيل وغيرهم
ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِهِ رَوَى أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادَى بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ ذَا الْقَرْنَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ أَمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ غُلَامًا مِنَ الرُّومِ أُعْطِيَ مُلْكًا حَتَّى أَتَى أَرْضَ مِصْرَ، فَابْتَنَى عِنْدَهَا مَدِينَةً يُقَالُ لَهَا الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَائِهَا أَتَاهُ مَلَكٌ فَعَرَجَ بِهِ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ مَا تَحْتَكَ، قَالَ: مَا أَرَى مَدِينَتِي وَأَرَى مَدَائِنَ مَعَهَا، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ، فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ، فَقَالَ: قَدِ اخْتَلَطَتِ الْمَدَائِنُ، ثُمَّ زَادَ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ، فَقَالَ: أَرَى مَدِينَتِي وَحْدَهَا لَا أَرَى غَيْرَهَا، فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: إِنَّمَا تِلْكَ الْأَرْضُ كُلُّهَا، وَهَذَا السَّوَادُ الَّذِي تَرَى مُحِيطًا بِهِ الْبَحْرُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُرِيَكَ الْأَرْضَ وَقَدْ جَعَلَ لَكَ سُلْطَانًا فِيهَا، فَسِرْ فِي الْأَرْضِ عَلِّمِ الْجَاهِلَ وَثَبِّتِ الْعَالِمَ. [فَسَارَ] حَتَّى بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ثُمَّ أَتَى السَّدَّيْنِ، وَهُمَا جَبَلَانِ لَيِّنَانِ يَنْزِلُ عَنْهُمَا كُلُّ شَيْءٍ كما قال تَعَالَى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا يَعْنِي غُتْمًا. فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ هُمُ التُّرْكُ، أَبْنَاءُ عَمِّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقَبِيلَتَيْنِ قَدْ تَعَدَّوْا عَلَيْهِمْ وَأَفْسَدُوا فِي بِلَادِهِمْ، وَقَطَعُوا السُّبُلَ عَلَيْهِمْ، وَبَذَلُوا لَهُ حِمْلًا وَهُوَ الْخَرَاجُ عَلَى أَنْ يُقِيمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ حَاجِزًا يَمْنَعُهُمْ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَخْذِ الْخَرَاجِ ; اكْتِفَاءً بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْجَزِيلَةِ قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا لَهُ رِجَالًا وَآلَاتٍ لِيَبْنِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، وَهُوَ الرَّدْمُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ، وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ إِلَيْهِمْ إِلَّا مِنْ بَيْنِهِمَا، وَبَقِيَّةُ ذَلِكَ بِحَارٌ مُغْرِقَةٌ، وَجِبَالٌ شَاهِقَةٌ، فَبَنَاهُ ثُمَّ سَارَ فَوَجَدَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يُقَاتِلُونَ قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَوُجُوهِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَطَعَهُمْ، فَوَجَدَ أُمَّةً قِصَارًا يُقَاتِلُونَ الَّذِينَ وُجُوهُهُمْ كَوُجُوهِ الْكِلَابِ، ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ أُمَّةً مِنَ الْغَرَانِيقِ يُقَاتِلُونَ الْقَوْمَ الْقِصَارَ، ثُمَّ مَضَى فَوَجَدَ أُمَّةً مِنَ الْحَيَّاتِ تَلْتَقِمُ الْحَيَّةُ مِنْهَا الصَّخْرَةَ الْعَظِيمَةَ، ثُمَّ أَفْضَى إِلَى الْبَحْرِ الْمُدِيرِ بِالْأَرْضِ". قال ابن الأثير في كتابه الكامل وعنده أن ذا القرنين هو الإسكندر كَانَ فَيْلُفُوسُ أَبُو الْإِسْكَنْدَرِ الْيُونَانِيِّ مِنْ أَهْلِ بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا مَقْدُونِيَّةُ، كَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا وَعَلَى بِلَادٍ أُخْرَى، فَصَالَحَ دَارَا عَلَى خَرَاجٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ. فَلَمَّا هَلَكَ فَيْلُفُوسَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِ الرُّومِ أَجْمَعَ، فَقَوِيَ عَلَى دَارَا فَلَمْ يَحْمِلْ إِلَيْهِ مِنَ الْخَرَاجِ شَيْئًا وَكَانَ الْخَرَاجُ الَّذِي يَحْمِلُهُ بَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ فَسَخِطَ عَلَيْهِ دَارَا وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُؤَنِّبُهُ بِسُوءِ صَنِيعِهِ فِي تَرْكِ حَمْلِ الْخَرَاجِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصَوْلَجَانٍ وَكُرَةٍ وَقَفِيزٍ مِنْ سِمْسِمٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ صَبِيٌّ، وَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْعَبَ بِالصَّوْلَجَانِ، وَالْكُرَةِ، وَيَتْرُكَ الْمُلْكَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَاسْتَعْصَى عَلَيْهِ بَعَثَ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ فِي وَثَاقٍ، وَإِنَّ عِدَّةَ جُنُودِهِ كَعِدَّةِ حَبِّ السِّمْسِمِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْإِسْكَنْدَرُ: إِنَّهُ قَدْ فَهِمَ مَا كَتَبَ بِهِ، وَقَدْ نَظَرَ إِلَى مَا ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ مِنْ إِرْسَالِهِ الصَّوْلَجَانَ، وَالْكُرَةَ، وَتَيَمَّنَ بِهِ لِإِلْقَاءِ الْمُلْقِي الْكُرَةَ إِلَى الصَّوْلَجَانِ وَاحْتِرَازِهِ إِيَّاهَا، وَشَبَّهَ الْأَرْضَ بِالْكُرَةِ، وَأَنَّهُ يَجُرُّ مُلْكَ دَارَا إِلَى مُلْكِهِ، وَتَيَمُّنُهُ بِالسِّمْسِمِ الَّذِي بَعَثَ كَتَيَمُّنِهِ بِالصَّوْلَجَانِ، وَالْكُرَةِ لِدَسَمِهِ وَبُعْدِهِ مِنَ الْمَرَارَةِ وَالْحَرَافَةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِصُرَّةٍ فِيهَا خَرْدَلٌ، وَأَعْلَمَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا بُعِثَ بِهِ إِلَيْهِ قَلِيلٌ وَلَكِنَّهُ مُرٌّ حَرِّيفٌ، وَأَنَّ جُنُودَهُ مِثْلَهُ. فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُهُ إِلَى دَارَا تَأَهَّبَ لِمُحَارَبَتِهِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَخْبَارِ الْأَوَّلِينَ أَنَّ الْإِسْكَنْدَرَ الَّذِي حَارَبَ دَارَا بْنَ دَارَا هُوَ أَخُو دَارَا الْأَصْغَرُ الَّذِي حَارَبَهُ، وَأَنَّ أَبَاهُ دَارَا الْأَكْبَرَ كَانَ تَزَوَّجَ أُمَّ الْإِسْكَنْدَرِ، وَهِيَ ابْنَةُ مَلِكِ الرُّومِ، فَلَمَّا حُمِلَتْ إِلَيْهِ وَجَدَ نَتَنَ رِيحَهَا وَسَهَكَهَا، فَأَمَرَ أَنْ يُحْتَالَ لِذَلِكَ مِنْهَا، فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِي مُدَاوَاتِهَا عَلَى شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا بِالْفَارِسِيَّةِ سَنْدَرُ، فَغُسِلَتْ بِمَائِهَا فَأَذْهَبَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنْ نَتَنِهَا وَلَمْ يَذْهَبْ كُلُّهُ، وَانْتَهَتْ نَفْسُهُ عَنْهَا، فَرَدَّهَا إِلَى أَهْلِهَا، وَقَدْ عَلِقَتْ مِنْهُ فَوَلَدَتْ عِنْدَ أَهْلِهَا غُلَامًا فَسَمَّتْهُ بِاسْمِ الشَّجَرَةِ الَّتِي غُسِلَتْ بِمَائِهَا مُضَافًا إِلَى اسْمِهَا. وَقَدْ هَلَكَ أَبُوهَا وَمَلَكَ الْإِسْكَنْدَرُ بَعْدَهُ، فَمَنَعَ الْخَرَاجَ الَّذِي كَانَ يُؤَدِّيهِ جَدُّهُ إِلَى دَارَا، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُهُ، وَكَانَ بَيْضًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَجَابَهُ إِنِّي قَدْ ذَبَحْتُ الدَّجَاجَةَ الَّتِي كَانَتْ تَبِيضُ ذَلِكَ الْبَيْضَ وَأَكَلْتُ لَحْمَهَا، فَإِنْ أَحْبَبْتَ وَادَعْنَاكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ نَاجَزْنَاكَ. ثُمَّ خَافَ الْإِسْكَنْدَرُ مِنَ الْحَرْبِ فَطَلَبَ الصُّلْحَ، فَاسْتَشَارَ دَارَا أَصْحَابَهُ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْحَرْبِ لِفَسَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَاجَزَهُ دَارَا الْقِتَالَ، فَكَتَبَ الْإِسْكَنْدَرُ إِلَى حَاجِبَيْ دَارَا وَحَكَّمَهُمَا عَلَى الْفَتْكِ بِدَارَا، فَاحْتَكَمَا شَيْئًا، وَلَمْ يَشْتَرِطَا أَنْفُسَهُمَا. فَلَمَّا الْتَقَيَا لِلْحَرْبِ طَعَنَ دَارَا حَاجِبَاهُ فِي الْوَقْعَةِ، وَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا سَنَةً، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ دَارَا وَلَحِقَهُ الْإِسْكَنْدَرُ وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ. وَقِيلَ: بَلْ فَتَكَ بِهِ رَجُلَانِ مِنْ حَرَسِهِ مِنْ أَهْلِ هَمَذَانَ حُبًّا لِلرَّاحَةِ مِنْ ظُلْمِهِ، وَكَانَ فَتْكُهُمَا بِهِ لَمَّا رَأَيَا عَسْكَرَهُ قَدِ انْهَزَمَ عَنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ الْإِسْكَنْدَرِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ الْإِسْكَنْدَرُ مُنَادِيًا يُنَادِي عِنْدَ هَزِيمَةِ عَسْكَرِ دَارَا أَنْ يُؤْسَرَ دَارَا وَلَا يُقْتَلَ، فَأُخْبِرَ بِقَتْلِهِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَمَسَحَ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَجَعَلَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِهِ، وَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا قَتَلَكَ أَصْحَابُكَ وَإِنَّنِي لَمْ أَهُمَّ بِقَتْلِكَ قَطُّ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَرْغَبُ بِكَ يَا شَرِيفَ الْأَشْرَافِ وَيَا مَلِكَ الْمُلُوكِ وَحُرَّ الْأَحْرَارِ عَنْ هَذَا الْمَصْرَعِ، فَأَوْصِ بِمَا أَحْبَبْتَ، فَأَوْصَاهُ دَارَا أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَتَهُ رُوشَنْكَ وَيَرْعَى حَقَّهَا وَيُعَظِّمَ قَدْرَهَا، وَيَسْتَبْقِيَ أَحْرَارَ فَارِسَ وَيَأْخُذَ لَهُ بِثَأْرِهِ مِمَّنْ قَتَلَهُ. فَفَعَلَ الْإِسْكَنْدَرُ ذَلِكَ أَجْمَعَ وَقَتَلَ حَاجِبَيْ دَارَا، وَقَالَ لَهُمَا: إِنَّكُمَا لَمْ تَشْتَرِطَا نُفُوسَكُمَا، فَقَتَلَهُمَا بَعْدَ أَنْ وَفَى لَهُمَا بِمَا ضَمِنَ لَهُمَا، وَقَالَ: لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَبْقَى قَاتِلُ الْمُلُوكِ إِلَّا بِذِمَّةٍ لَا تُخْفَرُ. وَكَانَ الْتِقَاؤُهُمَا بِنَاحِيَةِ خُرَاسَانَ مِمَّا يَلِي الْخَزَرَ، وَقِيلَ بِبِلَادِ الْجَزِيرَةِ عِنْدَ دَارَا. وَكَانَ مُلْكُ الرُّومِ قَبْلَ الْإِسْكَنْدَرِ مُتَفَرِّقًا فَاجْتَمَعَ، وَمُلْكُ فَارِسَ مُجْتَمِعًا فَتَفَرَّقَ. وَحَمَلَ الْإِسْكَنْدَرُ كُتُبًا، وَعُلُومًا لِأَهْلِ فَارِسَ مِنْ عُلُومٍ، وَنُجُومٍ، وَحِكْمَةٍ، وَنَقَلَهُ إِلَى الرُّومِيَّةِ فَجَمَعَ بَعْدَ هُلْكِ دَارَا مُلْكَ دَارَا فَمَلَكَ الْعِرَاقَ، وَالشَّامَ، وَالرُّومَ، وَمِصْرَ، وَالْجَزِيرَةَ، وَعَرَضَ جُنْدَهُ فَوَجَدَهُمْ عَلَى مَا قِيلَ أَلْفَ أَلْفٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، مِنْهُمْ مِنْ جُنْدِهِ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَمِنْ جُنْدِ دَارَا سِتُّمِائَةِ أَلْفِ رَجُلٍ، وَتَقَدَّمَ بِهَدْمِ حُصُونِ فَارِسَ وَبُيُوتِ النِّيرَانِ وَقَتَلَ الْهَرَابِذَةَ، وَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَمْلَكَةِ فَارِسَ رِجَالًا، وَسَارَ قُدُمًا إِلَى أَرْضِ الْهِنْدِ، فَقَتَلَ مَلِكَهَا، وَفَتَحَ مُدَنَهَا، وَخَرَّبَ بُيُوتَ الْأَصْنَامِ، وَأَحْرَقَ كُتُبَ عُلُومِهِمْ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الصِّينِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا أَتَاهُ حَاجِبُهُ فِي اللَّيْلِ وَقَالَ: هَذَا رَسُولُ مَلِكِ الصِّينِ، فَأَحْضَرَهُ فَسَلَّمَ وَطَلَبَ الْخَلْوَةَ، فَفَتَّشُوهُ فَلَمْ يَرَوْا مَعَهُ شَيْئًا، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ عِنْدَ الْإِسْكَنْدَرِ، فَقَالَ: أَنَا مَلِكُ الصِّينِ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنِ الَّذِي تُرِيدُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ عَمَلُهُ عَمِلْتُهُ وَتَرَكْتَ الْحَرْبَ. فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: مَا الَّذِي آمَنَكَ مِنِّي ؟ قَالَ: عَلِمْتُ أَنَّكَ عَاقِلٌ حَكِيمٌ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَدَاوَةٌ وَلَا ذَحْلٌ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ إِنْ قَتَلْتَنِي لَمْ يَكُنْ قَتْلِي سَبَبًا لِتَسْلِيمِ أَهْلِ الصِّينِ مُلْكِي إِلَيْكَ، ثُمَّ إِنَّكَ تُنْسَبُ إِلَى الْغَدْرِ. فَعَلِمَ أَنَّهُ عَاقِلٌ فَقَالَ لَهُ: أُرِيدُ مِنْكَ ارْتِفَاعَ مُلْكِكَ لِثَلَاثِ سِنِينَ عَاجِلًا وَنِصْفَ الِارْتِفَاعِ لِكُلِّ سَنَةٍ. قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ وَلَكِنِ اسْأَلْنِي كَيْفَ حَالِي، قَالَ: كَيْفَ حَالُكَ ؟ قَالَ: أَكُونُ أَوَّلَ قَتِيلٍ لِمُحَارِبٍ وَأَوَّلَ أَكْلَةٍ لِمُفْتَرِسٍ. قَالَ: فَإِنْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِارْتِفَاعِ سَنَتَيْنِ ؟ قَالَ: يَكُونُ حَالِي أَصْلَحَ قَلِيلًا. قَالَ: فَإِنْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِارْتِفَاعِ سَنَةٍ ؟ قَالَ: يَبْقَى مُلْكِي وَتَذْهَبُ لَذَّاتِي. قَالَ: وَأَنَا أَتْرُكُ لَكَ مَا مَضَى وَآخَذُ الثُّلُثَ كُلَّ سَنَةٍ فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُكَ قَالَ: يَكُونُ السُّدُسُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَصَالِحِ الْبِلَادِ، وَالسُّدُسُ لِي، وَالثُّلُثُ لِلْعَسْكَرِ، وَالثُّلُثُ لَكَ. قَالَ: قَدْ قَنِعْتُ مِنْكَ بِذَلِكَ. فَشَكَرَهُ وَعَادَ، وَسَمِعَ الْعَسْكَرُ بِذَلِكَ فَفَرِحُوا بِالصُّلْحِ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ مَلِكُ الصِّينِ بِعَسْكَرٍ عَظِيمٍ أَحَاطَ بِعَسْكَرِ الْإِسْكَنْدَرِ، فَرَكِبَ الْإِسْكَنْدَرُ وَالنَّاسُ، فَظَهَرَ مَلِكُ الصِّينِ عَلَى الْفِيلِ وَعَلَى رَأْسِهِ التَّاجُ، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: أَغَدَرْتَ ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أُطِعْكَ مِنْ ضَعْفٍ وَلَكِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ مُقْبِلًا عَلَيْكَ أَرَدْتُ طَاعَتَهُ بِطَاعَتِكَ، وَالْقُرْبَ مِنْهُ بِالْقُرْبِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهُ الْإِسْكَنْدَرُ: لَا يُسَامُ مِثْلُكَ الْجِزْيَةَ، فَمَا رَأَيْتُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْفَضْلَ وَالْوَصْفَ بِالْعَقْلِ غَيْرَكَ، وَقَدْ أَعْفَيْتُكَ مِنْ جَمِيعِ مَا أَرَدْتُهُ مِنْكَ وَأَنَا مُنْصَرِفٌ عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ مَلِكُ الصِّينِ: فَلَسْتَ تَخْسَرُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِضِعْفِ مَا كَانَ قَرَّرَهُ، وَسَارَ الْإِسْكَنْدَرُ عَنْهُ مِنْ يَوْمِهِ وَدَانَتْ لَهُ عَامَّةُ الْأَرَضِينَ فِي الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ وَمَلَكَ التُّبَّتَ وَغَيْرَهَا. وعند ابن الأثير في كتابه الكامل وعنده أن ذا القرنين هو الإسكندر وَمِنْ حِيَلِ الْإِسْكَنْدَرِ فِي حُرُوبِهِ أَنَّهُ لَمَّا حَارَبَ دَارَا خَرَجَ إِلَى بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: يَا مَعْشَرَ الْفُرْسِ، قَدْ عَلِمْتُمْ مَا كَتَبْتُمْ إِلَيْنَا وَمَا كَتَبْنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الْأَمَانِ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ عَلَى الْوَفَاءِ فَلْيَعْتَزِلْ فَإِنَّهُ يَرَى مِنَّا الْوَفَاءَ. فَاتَّهَمَتِ الْفُرْسُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَاضْطَرَبُوا. وَمِنْ حِيَلِهِ أَنَّهُ تَلَقَّاهُ مَلِكُ الْهِنْدِ بِالْفِيَلَةِ، فَنَفَرَتْ خَيْلُ أَصْحَابِهِ عَنْهَا، فَعَادَ عَنْهُ وَأَمَرَ بِاتِّخَاذِ فِيَلَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَأَلْبَسَهَا السِّلَاحَ وَجَعَلَهَا مَعَ الْخَيْلِ حَتَّى أَلِفَتْهَا، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْهِنْدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْهِنْدِ، فَأَمَرَ الْإِسْكَنْدَرَ بِتِلْكَ الْفِيَلَةِ فَمُلِئَتْ بُطُونُهَا مِنَ النِّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ، وَجَرَتْ عَلَى الْعَجَلِ فِي وَسَطِ الْمَعْرَكَةِ وَمَعَهَا جَمْعٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا نَشِبَتِ الْحَرْبُ أَمَرَ بِإِشْعَالِ النَّارِ فِي تِلْكَ الْفِيَلَةِ، فَلَمَّا حَمِيَتِ انْكَشَفَ أَصْحَابُهُ عَنْهَا وَغَشِيَتْهَا فِيَلَةُ الْهِنْدِ، فَضَرَبَتْهَا بِخَرَاطِيمِهَا فَاحْتَرَقَتْ وَوَلَّتْ هَارِبَةً رَاجِعَةً إِلَى الْهِنْدِ، فَانْهَزَمُوا بَيْنَ يَدَيْهَا. وَمِنْ حِيَلِهِ أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَى مَدِينَةٍ حَصِينَةٍ وَكَانَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَقْوَاتِ وَبِهَا عُيُونُ مَاءٍ، فَعَادَ عَنْهَا فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا قَوْمًا عَلَى هَيْئَةِ التُّجَّارِ وَمَعَهُمْ أَمْتِعَةٌ يَبِيعُونَهَا وَأَمَرَهُمْ بِمُشْتَرَى الطَّعَامِ وَالْمَغَالَاتِ فِي ثَمَنِهَا، فَإِذَا صَارَ عِنْدَهُمْ أَحْرَقُوهُ وَهَرَبُوا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَهَرَبُوا إِلَيْهِ فَأَنْفَذَ السَّرَايَا إِلَى سَوَادِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالْغَارَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَهَرَبُوا وَدَخَلُوا الْبَلَدَ لِيَحْتَمُوا بِهِ، فَسَارَ الْإِسْكَنْدَرُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَمْتَنِعُوا عَلَيْهِ. وَكَتَبَ إِلَى أَرِسْطَا طَالِيسَ يَذْكُرُ لَهُ أَنَّهُ مِنْ خَاصَّةِ الرُّومِ جَمَاعَةٌ لَهُمْ هِمَمٌ بَعِيدَةٌ وَنُفُوسٌ كَبِيرَةٌ وَشُجَاعَةٌ، وَأَنَّهُ يَخَافُهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَيَكْرَهُ قَتْلَهُمْ بِالظِّنَّةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَرِسْطَا طَالِيسُ: فَهِمْتُ كِتَابَكَ، فَإِنَّ مَا ذَكَرْتَ مِنْ بُعْدِ هِمَمِهِمْ فَإِنَّ الْوَفَاءَ مِنْ بُعْدِ الْهِمَّةِ وَكِبَرِ النَّفْسِ، وَالْغَدْرَ مِنْ دَنَاءَةِ النَّفْسِ وَخِسَّتِهَا، وَأَمَّا شَجَاعَتُهُمْ وَنَقْصُ عُقُولِهِمْ، فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالَهُ فَرَفِّهْهُ فِي مَعِيشَتِهِ وَاخْصُصْهُ بِحِسَانِ النِّسَاءِ، فَإِنَّ رَفَاهِيَةَ الْعَيْشِ تُمِيتُ الشَّجَاعَةَ، وَتُحَبِّبُ السَّلَامَةَ، وَإِيَّاكَ وَالْقَتْلَ فَإِنَّهُ ذِلَّةٌ لَا تُسْتَقَالُ وَذَنْبٌ لَا يُغْفَرُ، وَعَاقِبْ بِدُونِ الْقَتْلِ تَكُنْ قَادِرًا عَلَى الْعَفْوِ، فَمَا أَحْسَنَ الْعَفْوَ مِنَ الْقَادِرِ، وَلْيَحْسُنْ خُلُقُكَ تَخْلُصْ لَكَ النِّيَّاتُ بِالْمَحَبَّةِ، وَلَا تُؤْثِرْ نَفْسَكَ عَلَى أَصْحَابِكَ، فَلَيْسَ مَعَ الِاسْتِئْثَارِ مَحَبَّةٌ، وَلَا مَعَ الْمُؤَاسَاةِ بُغْضَةٌ. وَكَتَبَ إِلَى أَرِسْطَا طَالِيسَ أَيْضًا لَمَّا مَلَكَ بِلَادَ فَارِسَ يَذْكُرُ أَنَّهُ رَأَى بِإِيرَانِ شَهْرَ رِجَالًا ذَوِي رَأْيٍ، وَصَرَامَةٍ، وَشَجَاعَةٍ، وَجَمَالٍ، وَأَنْسَابٍ رَفِيعَةٍ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا مَلَكَهُمْ بِالْحَظِّ وَالْإِنْفَاقِ، وَأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ - إِنْ سَافَرَ عَنْهُمْ فَأَفْرَغَهُمْ - وُثُوبَهُمْ وَأَنَّهُ لَا يُكْفَى شَرَّهُمْ بِبَوَارِهِمْ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ فَهِمْتُ كِتَابَكَ فِي رِجَالِ فَارِسَ، فَأَمَّا قَتْلُهُمْ فَهُوَ مِنَ الْفَسَادِ وَالْبَغْيِ الَّذِي لَا يُؤْمَنُ عَاقِبَتُهُ، وَلَوْ قَتَلْتَهُمْ لَأَنَبْتَ أَهْلَ الْبَلَدِ أَمْثَالَهُمْ وَصَارَ جَمِيعُ أَهْلِ الْبَلَدِ أَعْدَاءَكَ بِالطَّبْعِ وَأَعْدَاءَ عَقِبِكَ لِأَنَّكَ تَكُونُ قَدْ وَتَرْتَهُمْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، وَأَمَّا إِخْرَاجُكَ إِيَّاهُمْ مِنْ عَسْكَرِكَ فَمُخَاطَرَةٌ بِنَفْسِكَ وَأَصْحَابِكَ، وَلَكِنِّي أُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ هُوَ أَبْلَغُ مِنَ الْقَتْلِ، وَهُوَ أَنْ تَسْتَدْعِيَ مِنْهُمْ أَوْلَادَ الْمُلُوكِ وَمَنْ يَصْلُحُ لِلْمُلْكِ فَتُقَلِّدَهُمُ الْبُلْدَانَ وَتَجْعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَلِكًا بِرَأْسِهِ فَتَتَفَرَّقَ كَلِمَتُهُمْ وَيَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْمَحَبَّةِ لَكَ وَيَرَوْنَ أَنْفُسَهُمْ صَنِيعَتَكَ. فَفَعَلَ الْإِسْكَنْدَرُ ذَلِكَ، فَهُمْ مُلُوكُ الطَّوَائِفِ، وَقِيلَ فِي مُلُوكِ الطَّوَائِفِ غَيْرُ هَذَا السَّبَبِ
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.