دليل

التاريخ 75

قصة إدريس عليه السلام

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [ مَرْيَمَ: 56 - 57 ]. فَإِدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ، وَوَصَفَهُ بِالنُّبُوَّةِ وَالصِّدِّيقِيَّةِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا  . هُوَ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِهِ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، وعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: سَأَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا، وَأَنَا حَاضِرٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى لِإِدْرِيسَ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ؟ قَالَ كَعْبٌ: أَمَّا إِدْرِيسُ فَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ أَنِّي أَرْفَعُ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ جَمِيعِ عَمَلِ بَنِي آدَمَ لَعَلَّهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَزْدَادَ عَمَلًا، فَأَتَاهُ خَلِيلٌ لَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ: إِنِ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَكَلِّمْ مَلَكَ الْمَوْتِ فَلْيُؤَخِّرْنِي حَتَّى أَزْدَادَ عَمَلًا فَحَمَلَهُ بَيْنَ جَنَاحَيْهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا كَانَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ تَلَقَّاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ مُنْحَدِرًا فَكَلَّمَ مَلَكَ الْمَوْتِ فِي الَّذِي كَلَّمَهُ فِيهِ إِدْرِيسُ، فَقَالَ: وَأَيْنَ إِدْرِيسُ ؟ قَالَ: هُوَ ذَا عَلَى ظَهْرِي. فَقَالَ مَلَكُ الْمَوْتِ: فَالْعَجَبُ بُعِثْتُ وَقِيلَ لِي: اقْبِضْ رُوحَ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ. فَجَعَلْتُ أَقُولُ: كَيْفَ أَقْبِضُ رُوحَهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ ! فَقَبَضَ رُوحَهُ هُنَاكَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عِنْدَ تَفْسِيرِهَا وَعِنْدَهُ. فَقَالَ لِذَلِكَ الْمَلَكِ: سَلْ لِي مَلَكَ الْمَوْتِ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِي ؟ فَسَأَلَهُ وَهُوَ مَعَهُ كَمْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَنْظُرَ. فَنَظَرَ فَقَالَ: إِنَّكَ لِتَسْأَلُنِي عَنْ رَجُلٍ مَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا طَرْفَةُ عَيْنٍ. فَنَظَرَ الْمَلَكُ إِلَى تَحْتِ جَنَاحِهِ إِلَى إِدْرِيسَ فَإِذَا هُوَ قَدْ قُبِضَ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، وَهَذَا مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَفِي بَعْضِهِ نَكَارَةٌ، وَقَوْلُ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. قَالَ: إِدْرِيسُ رُفِعَ وَلَمْ يَمُتْ، كَمَا رُفِعَ عِيسَى. إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ إِلَى الْآنِ فَفِي هَذَا نَظَرٌ. وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ رُفِعَ حَيًّا إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ قُبِضَ هُنَاكَ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. قَالَ: رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَمَاتَ بِهَا. وَهَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ، وَالْحَدِيثُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا. قَالَ: إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ قَائِلُونَ: رُفِعَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ يَرْدُ بْنُ مَهْلَائِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سن إدريس عليه السلام حين رفعه وَرُفِعَ إِدْرِيسُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَخَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَأَبُوهُ حَيٌّ، فَعَاشَ أَبُوهُ بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ مِائَةً وَخَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً. قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: كَانَ يَصْعَدُ لِإِدْرِيسَ مِنَ الْعَمَلِ مِثْلُ مَا يَصْعَدُ لِجَمِيعِ بَنِي آدَمَ، فَجَاءَهُ مَلَكٌ فَاسْتَأْذَنَ اللَّهَ فِي جَلْسَةٍ، فَأَذِنَ لَهُ فَهَبَطَ إِلَيْهِ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، وَكَانَ يَسْجُدُ، فَلَمَّا عَرَفَهُ، قَالَ: إِنِّي أَسْأَلُكَ حَاجَةً، قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تُذِيقُنِي الْمَوْتَ فَلَعَلِّي أَعْلَمُ مَا شِدَّتَهُ فَأَكُونُ لَهُ أَشَدَّ اسْتِعْدَادًا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اقْبِضْ رُوحَهُ سَاعَةً ثُمَّ أَرْسِلْهُ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ رَأَيْتَ؟ قَالَ: أَشَدُّ مَا بَلَغَنِي عَنْهُ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرَيْنِي النَّارَ، قَالَ: فَحَمَلَهُ وَأَرَاهُ إِيَّاهَا، قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرَيْنِي الْجَنَّةَ، فَأَرَاهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا دَخَلَهَا وَطَافَ فِيهَا، قَالَ لَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ: اخْرُجْ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يُخْرِجُنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا مَلَكَ الْمَوْتَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ مَا جَرَى، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا إِدْرِيسُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَقَدْ ذُقْتُهُ، وَقَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا وَقَدْ وَرَدْتُهَا. وَقَالَ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ. فَوَ اللَّهِ لَا أَخْرُجُ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ يُخْرِجُنِي، فَسَمِعَ هَاتِفًا مِنْ فَوْقِهِ يَقُولُ: بِإِذْنِي دَخَلَ وَبِأَمْرِي فَعَلَ، فَخَلِّ سَبِيلَهُ. فَإِنْ قِيلَ: أَيْنَ هَذِهِ الْآيَاتُ لِإِدْرِيسَ ؟ فَالْجَوَابُ: إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمُ بِوُجُوبِ الْوُرُودِ، وَامْتِنَاعِ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَالَهُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.