دليل

التاريخ 314

قصة عيسى بن مريم عليه السلام

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَقَدَّمْنَا فِي قِصَّةِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، كَانَ يَلْبَسُ الشَّعْرَ وَيَأْكُلُ مِنْ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَلَا يَأْوِي إِلَى مَنْزِلٍ وَلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ يَأْكُلُ مِنْ غَزْلِ أُمِّهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بسنده عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ السَّاعَةُ صَاحَ  ، وَيَقُولُ: لَا يَنْبَغِي لِابْنِ مَرْيَمَ أَنْ تُذْكَرَ عِنْدَهُ السَّاعَةُ وَيَسْكُتَ. وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبْجَرَ، أَنَّ عِيسَى كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمَوْعِظَةَ صَرَخَ صُرَاخَ الثَّكْلَى. وعن جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ: أَنَّ عِيسَى كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ لَا أَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَا أَكْرَهُ، وَلَا أَمْلِكُ نَفْعَ مَا أَرْجُو، وَأَصْبَحَ الْأَمْرُ بِيَدِ غَيْرِي، وَأَصْبَحْتُ مُرْتَهِنًا بِعَمَلِي، فَلَا فَقِيرَ أَفْقَرُ مِنِّي، اللَّهُمَّ لَا تُشْمِتْ بِيَ عَدُوِّي، وَلَا تَسُؤْ بِي صَدِيقِي، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتِي فِي دِينِي، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ مَنْ لَا يَرْحَمُنِي. وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ كَانَ عِيسَى يَقُولُ: لَا يُصِيبُ أَحَدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى لَا يُبَالِيَ مِنْ أَكْلِ الدُّنْيَا. قَالَ الْفُضَيْلُ: وَكَانَ عِيسَى يَقُولُ: فَكَّرْتُ فِي الْخَلْقِ، فَوَجَدْتُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ أَغْبَطَ عِنْدِي مِمَّنْ خُلِقَ. وَعَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: إِنَّ عِيسَى رَأْسُ الزَّاهِدِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  . قَالَ: وَإِنَّ الْفَرَّارِينَ بِذُنُوبِهِمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ عِيسَى. قَالَ: وَبَيْنَمَا عِيسَى يَوْمًا نَائِمٌ عَلَى حَجَرٍ قَدْ تَوَسَّدَهُ، وَقَدْ وَجَدَ لَذَّةَ النَّوْمِ، إِذْ مَرَّ بِهِ إِبْلِيسُ، فَقَالَ: يَا عِيسَى، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تُرِيدُ شَيْئًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا ؟ فَهَذَا الْحَجَرُ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا. فَقَامَ عِيسَى فَأَخَذَ الْحَجَرَ فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِ، وَقَالَ: هَذَا لَكَ مَعَ الدُّنْيَا. وَقَالَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: خَرَجَ عِيسَى عَلَى أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ وَكِسَاءٌ وَتُبَّانٌ، حَافِيًا بَاكِيًا شَعِثًا، مُصْفَرَّ اللَّوْنِ مِنَ الْجُوعِ، يَابِسَ الشَّفَتَيْنِ مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَنَا الَّذِي أَنْزَلْتُ الدُّنْيَا مَنْزِلَتَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَا عَجَبَ وَلَا فَخْرَ، أَتَدْرُونَ أَيْنَ بَيْتِي ؟ قَالُوا: أَيْنَ بَيْتُكَ يَا رُوحَ اللَّهِ ؟ قَالَ: بِيتِي الْمَسَاجِدُ، وَطِيبِي الْمَاءُ، وَإِدَامِي الْجُوعُ، وَسِرَاجِي الْقَمَرُ بِاللَّيْلِ، وَصَلَاتِي فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ، وَرَيْحَانِي بُقُولُ الْأَرْضِ، وَلِبَاسِي الصُّوفُ، وَشِعَارِي خَوْفُ رَبِّ الْعِزَّةِ، وَجُلَسَائِي الزَّمْنَى وَالْمَسَاكِينُ، أُصْبِحُ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَأُمْسِي وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ غَنِيٌّ مُكْثِرٌ، فَمَنْ أَغْنَى مِنِّي وَأَرْبَحُ ؟ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى عِيسَى، أَنْ يَا عِيسَى انْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، لِئَلَّا تُعْرَفَ فَتُؤْذَى، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَأُزَوِّجَنَّكَ أَلْفَ حَوْرَاءَ، وَلَأُولِمَنَّ عَلَيْكَ أَرْبَعَمِائَةِ عَامٍ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ رَفْعُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَوْقُوفًا مِنْ رِوَايَةِ شُفَيِّ بْنِ مَاتِعٍ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ: قَالَ عِيسَى لِلْحَوَارِيِّينَ: كَمَا تَرَكَ لَكُمُ الْمُلُوكَ الْحِكْمَةَ، فَكَذَلِكَ فَاتْرُكُوا لَهُمُ الدُّنْيَا. وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَلُونِي فَإِنِّي لَيِّنُ الْقَلْبِ، وَإِنِّي صَغِيرٌ عِنْدَ نَفْسِي. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لِلْحِوَارِيَّيْنِ: كُلُوا خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَاشْرَبُوا الْمَاءَ الْقَرَاحَ، وَاخْرُجُوا مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ آمِنِينَ، لَحَقٌّ مَا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ حَلَاوَةَ الدُّنْيَا مَرَارَةُ الْآخِرَةِ،  وَإِنَّ مَرَارَةَ الدُّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ، لَحَقٌّ مَا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ شَرَّكُمْ عَالِمٌ يُؤْثِرُ هَوَاهُ عَلَى عِلْمِهِ، يَوَدُّ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ: إِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عِيسَى كَانَ يَقُولُ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، عَلَيْكُمْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَالْبَقْلِ الْبَرِّيِّ، وَالْخُبْزِ الشَّعِيرِ، وَإِيَّاكُمْ وَخُبْزَ الْبُرِّ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَقُومُوا بِشُكْرِهِ. وعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: كَانَ عِيسَى يَقُولُ: اعْبُرُوا الدُّنْيَا وَلَا تُعَمِّرُوهَا. وَكَانَ يَقُولُ: حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ،  وَالنَّظَرُ يَزْرَعُ فِي الْقَلْبِ الشَّهْوَةَ. وَحَكَى وُهَيْبُ بْنُ الْوَرْدِ مِثْلَهُ، وَزَادَ: وَرُبَّ شَهْوَةٍ أَوْرَثَتْ أَهْلَهَا حُزْنًا طَوِيلًا. وَعَنْ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا ابْنَ آدَمَ الضَّعِيفَ، اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَكُنْ فِي الدُّنْيَا ضَيْفًا، وَاتَّخَذِ الْمَسَاجِدَ بَيْتًا، وَعَلِّمْ عَيْنَكَ الْبُكَاءَ، وَجَسَدَكَ الصَّبْرَ، وَقَلْبَكَ التَّفَكُّرَ، وَلَا تَهْتَمَّ بِرِزْقِ غَدٍ، فَإِنَّهَا خَطِيئَةٌ. وَعَنْهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّهُ قَالَ: كَمَا أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَّخِذَ عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ دَارًا، فَلَا يَتَّخِذِ الدُّنْيَا قَرَارًا. وَفِي هَذَا يَقُولُ سَابِقٌ الْبَرْبَرِيُّ: لَكُمْ بُيُوتٌ بِمُسْتَنِّ السُّيُولِ وَهَلْ يَبْقَى عَلَى الْمَاءِ بَيْتٌ أُسُّهُ مَدَرُ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: لَا يَسْتَقِيمُ حُبُّ الدُّنْيَا وَحُبُّ الْآخِرَةِ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ، كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ الْمَاءُ وَالنَّارُ فِي إِنَاءٍ. وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصُّوفِيِّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى: طَالِبُ الدُّنْيَا مِثْلُ شَارِبِ مَاءِ الْبَحْرِ، كُلَّمَا ازْدَادَ شُرْبًا ازْدَادَ عَطَشًا، حَتَّى يَقْتُلَهُ. وَعَنْ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الدُّنْيَا، وَمَكْرَهُ مَعَ الْمَالِ، وَتَزْيِينَهُ مَعَ الْهَوَى، وَاسْتِمْكَانَهُ عِنْدَ الشَّهَوَاتِ. وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ: كَانَ عِيسَى يَصْنَعُ الطَّعَامَ لِأَصْحَابِهِ وَيَقُومُ عَلَيْهِمْ، وَيَقُولُ: هَكَذَا فَاصْنَعُوا بِالْقِرَى. وَبِهِ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِعِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: طُوبَى لِحِجْرٍ حَمَلَكَ، وَلِثَدْيٍ أَرْضَعَكَ. فَقَالَ: طُوبَى لِمَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ وَاتَّبَعَهُ  . وَعَنْهُ: طُوبَى لِمَنْ بَكَى مِنْ ذِكْرِ خَطِيئَتِهِ  ، وَحَفِظَ لِسَانَهُ، وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ. وَعَنْهُ: طُوبَى لِعَيْنٍ نَامَتْ، وَلَمْ تُحَدِّثْ نَفْسَهَا بِالْمَعْصِيَةِ، وَانْتَبَهَتْ إِلَى غَيْرِ إِثْمٍ. وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: مَرَّ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ بِجِيفَةٍ، فَقَالُوا: مَا أَنْتَنَ رِيحَهَا. فَقَالَ: مَا أَبْيَضَ أَسْنَانَهَا. لِيَنْهَاهُمْ عَنِ الْغِيِبَةِ. وَعَنْ زَكَرِيَّا بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، ارْضَوْا بِدَنِيِّ الدُّنْيَا مَعَ سَلَامَةِ الدِّينِ، كَمَا رَضِيَ أَهْلُ الدُّنْيَا بَدَنِيِّ الدِّينِ مَعَ سَلَامَةِ الدُّنْيَا. قَالَ زَكَرِيَّا: وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الشَّاعِرُ: أَرَى رِجَالًا بِأَدْنَى الدِّينِ قَدْ قَنَعُوا     وَلَا أَرَاهُمْ رَضُوا فِي الْعَيْشِ بِالدُّونِ فَاسْتَغْنِ بِالدِّينِ عَنْ دُنْيَا الْمُلُوكِ كَمَا     اسْتَغْنَى الْمُلُوكُ بِدُنْيَاهُمْ عَنِ الدِّينِ وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ، عَنْ مَالِكٍ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَا تُكْثِرُوا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّ الْقَلْبَ الْقَاسِيَ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ الْعِبَادِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا فِيهَا كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ، فَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: مُعَافًى وَمُبْتَلًى، فَارْحَمُوا أَهْلَ الْبَلَاءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ طَلَبَ الْفِرْدَوْسَ، فَخُبْزُ الشَّعِيرِ لَهُ، وَالنَّوْمُ فِي الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ كَثِيرٌ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: قَالَ عِيسَى: إِنَّ أَكْلَ الشَّعِيرِ مَعَ الرَّمَادِ، وَالنَّوْمَ عَلَى الْمَزَابِلِ مَعَ الْكِلَابِ لَقَلِيلٌ فِي طَلَبِ الْفِرْدَوْسِ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قَالَ عِيسَى: اعْمَلُوا لِلَّهِ وَلَا تَعْمَلُوا لِبُطُونِكُمُ، انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الطَّيْرِ تَغْدُو وَتَرُوحُ، لَا تَحْرُثُ وَلَا تَحْصُدُ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا، فَإِنْ قُلْتُمْ: نَحْنُ أَعْظَمُ بُطُونًا مِنَ الطَّيْرِ. فَانْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْأَبَاقِرِ مِنَ الْوُحُوشِ وَالْحُمُرِ، فَإِنَّهَا تَغْدُو وَتَرُوحُ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَحْصُدُ، وَاللَّهُ يَرْزُقُهَا. وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ لِلْمَسِيحِ: يَا مَسِيحَ اللَّهِ، انْظُرْ إِلَى مَسْجِدِ اللَّهِ مَا أَحْسَنَهُ. قَالَ: آمِينَ آمِينَ، بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ حَجَرًا قَائِمًا إِلَّا أَهْلَكَهُ بِذُنُوبِ أَهْلِهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِالذَّهَبِ وَلَا بِالْفِضَّةِ، وَلَا بِهَذِهِ الْأَحْجَارِ الَّتِي تُعْجِبُكُمْ شَيْئًا، إِنَّ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا الْقُلُوبُ الصَّالِحَةُ، وَبِهَا يُعَمِّرُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَبِهَا يُخَرِّبُ اللَّهُ الْأَرْضَ إِذَا كَانَتْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: مَرَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى مَدِينَةٍ خَرِبَةٍ فَأَعْجَبَهُ الْبُنْيَانُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، مُرْ هَذِهِ الْمَدِينَةَ أَنْ تُجِيبَنِي. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَيَّتُهَا الْمَدِينَةُ الْخَرِبَةُ جَاوِبِي عِيسَى. قَالَ: فَنَادَتِ الْمَدِينَةُ عِيسَى: حَبِيبِي، وَمَا تُرِيدُ مِنِّي ؟ قَالَ: مَا فَعَلَ أَشْجَارُكِ، وَمَا فَعَلَ أَنْهَارُكِ، وَمَا فَعَلَ قُصُورُكِ، وَأَيْنَ سُكَّانُكِ ؟ قَالَتْ: حَبِيبِي، جَاءَ وَعْدُ رَبِّكَ الْحَقُّ، فَيَبِسَتْ أَشْجَارِي، وَنَشَفَتْ أَنْهَارِي، وَخَرِبَتْ قُصُورِي، وَمَاتَ سُكَّانِي. قَالَ: فَأَيْنَ أَمْوَالُهُمْ ؟ قَالَتْ: جَمَعُوهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَوْضُوعَةٌ فِي بَطْنِي، لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. قَالَ: فَنَادَى عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَعَجِبْتُ مِنْ ثَلَاثِ أُنَاسٍ: طَالِبِ الدُّنْيَا وَالْمَوْتُ يَطْلُبُهُ، وَبَانِي الْقُصُورِ وَالْقَبْرُ مَنْزِلُهُ، وَمَنْ يَضْحَكُ مِلْءَ فِيهِ وَالنَّارُ أَمَامَهُ، ابْنَ آدَمَ، لَا بِالْكَثِيرِ تَشْبَعُ، وَلَا بِالْقَلِيلِ تَقْنَعُ، تَجْمَعُ مَالَكَ لِمَنْ لَا يَحْمَدُكَ، وَتُقْدِمُ عَلَى رَبٍّ لَا يَعْذُرُكَ، إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ بَطْنِكَ وَشَهْوَتِكَ، وَإِنَّمَا تَمْلَأُ بَطْنَكَ إِذَا دَخَلْتَ قَبْرَكَ، وَأَنْتَ يَا ابْنَ آدَمَ تَرَى حَشْدَ مَالِكَ فِي مِيزَانِ غَيْرِكَ. هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا، وَفِيهِ مَوْعِظَةٌ حَسَنَةٌ، فَكَتَبْنَاهُ لِذَلِكَ. وعَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: قَالَ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، اجْعَلُوا كُنُوزَكُمْ فِي السَّمَاءِ، فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُلِ حَيْثُ كَنْزُهُ. وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ ظَبْيَانَ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ تَعَلَّمَ وَعَلَّمَ وَعَمِلَ، دُعِيَ عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ  . وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: رُوِيَ أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَالَ: لَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يَعْبُرُ مَعَكَ الْوَادِيَ، وَلَا يَعْمُرُ بِكَ النَّادِيَ. وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، بِإِسْنَادٍ غَرِيبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، أَنَّ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لَا تُحَدِّثُوا بِالْحِكْمَةِ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا، فَتَظْلِمُوهُمْ، وَالْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ تَبَيَّنَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ عَلَيْكُمْ. فِيهِ فَرُدُّوا عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ وعَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ عِيسَى: لَا تَطْرَحُوا اللُّؤْلُؤَ إِلَى الْخِنْزِيرِ ; فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَصْنَعُ بِاللُّؤْلُؤِ شَيْئًا، وَلَا تُعْطُوا الْحِكْمَةَ مَنْ لَا يُرِيدُهَا ; فَإِنَّ الْحِكْمَةَ خَيْرٌ مِنَ اللُّؤْلُؤِ  ، وَمَنْ لَا يُرِيدُهَا شَرٌّ مِنَ الْخِنْزِيرِ. وَكَذَا حَكَى وَهْبٌ وَغَيْرُهُ عَنْهُ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ مِلْحُ الْأَرْضِ، فَإِذَا فَسَدْتُمْ فَلَا دَوَاءَ لَكُمْ، وَإِنَّ فِيكُمْ خَصْلَتَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ: الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالصُّبْحَةُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ فِتْنَةً ؟ قَالَ: زَلَّةُ الْعَالِمِ، فَإِنَّ الْعَالِمَ إِذَا زَلَّ يَزِلُّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ. وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا عُلَمَاءَ السُّوءِ جَعَلْتُمُ الدُّنْيَا عَلَى رُءُوسِكُمْ، وَالْآخِرَةَ تَحْتَ أَقْدَامِكُمْ، قَوْلُكُمْ شِفَاءٌ وَعَمَلُكُمْ دَاءٌ، مَثَلُكُمْ مَثَلُ شَجَرَةِ الدِّفْلَى، تُعْجِبُ مَنْ رَآهَا، وَتَقْتُلُ مَنْ أَكَلَهَا. وَقَالَ وَهْبٌ: قَالَ عِيسَى: يَا عُلَمَاءَ السُّوءِ، جَلَسْتُمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَلَا أَنْتُمْ تَدْخُلُونَهَا، وَلَا تَدَعُونَ الْمَسَاكِينَ يَدْخُلُونَهَا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ عَالِمٌ يَطْلُبُ الدُّنْيَا بِعِلْمِهِ  . وَقَالَ مَكْحُولٌ: التَقَى يَحْيَى وَعِيسَى، فَصَافَحَهُ عِيسَى، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: يَا ابْنَ خَالَةٍ، مَا لِي أَرَاكَ ضَاحِكًا كَأَنَّكَ قَدْ أَمِنْتَ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: مَا لِي أَرَاكَ عَابِسًا كَأَنَّكَ قَدْ يَئِسْتَ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمَا: إِنَّ أَحَبَّكُمَا إِلَيَّ أَبَشُّكُمَا بِصَاحِبِهِ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وَقَفَ عِيسَى هُوَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى قَبْرٍ، وَصَاحِبُهُ يُدْلَى فِيهِ، فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ الْقَبْرَ وَضِيقَهُ، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُمْ فِيمَا هُوَ أَضْيَقُ مِنْهُ فِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِكُمْ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ أَنْ يُوَسِّعَ وَسَّعَ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى كَانَ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْتَ يَقْطُرُ جِلْدُهُ دَمًا  . وَالْآثَارُ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا، اقْتَصَرْنَا مِنْهُ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفَّقُ لِلصَّوَابِ. ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ مَوَاعِظِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ   عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ: " إِنَّ لِلْحِكْمَةِ أَهْلًا، إِنْ كَتَمْتَهَا عَنْ أَهْلِهَا جَهِلْتَ، وَإِنْ تَكَلَّمْتَ بِهَا عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا جَهِلْتَ، فَكُنْ كَالطَّبِيبِ الْعَالِمِ الَّذِي يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ ". وعن عِيسَى بْنُ عَطِيَّةَ السَّعْدِيُّ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ، قَالَا: عَنْ بَعْضِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْحَوَارِيِّينَ: " لَا تُجَالِسُوا الْخَطَّائِينَ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ تُقَسِّي الْقَلْبَ، تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُفَارَقَتِهِمْ. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لَا تَحْمِلُوا عَلَى الْيَوْمِ هَمَّ غَدٍ، حَسْبُ كُلِّ يَوْمٍ هَمُّهُ، وَلَا يَهْتَمَّ أَحَدُكُمْ لِرِزْقِ غَدٍ، خَالِقُ غَدٍ يَأْتِيكُمْ فِيهِ بِالرِّزْقِ. وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الشِّتَاءَ: مِنْ أَيْنَ آكُلُ وَمِنْ أَيْنَ [ أَلْبَسُ ؟ وَإِذَا اسْتَقْبَلَهُ الصَّيْفُ يَقُولُ: مِنْ أَيْنَ آكُلُ وَمِنْ أَيْنَ ] أَشْرَبُ ؟ فَإِنْ كَانَ لَكَ فِي الشِّتَاءِ بَقَاءٌ فَلَكَ فِيهِ رِزْقٌ، وَإِنْ كَانَ لَكَ فِي الصَّيْفِ بَقَاءٌ فَلَكَ فِيهِ رِزْقٌ. وَلَا تَحْمِلْ هَمَّ شِتَائِكَ وَصَيْفِكَ عَلَى يَوْمِكَ، حَسْبُ هَمِّ كُلِّ يَوْمٍ بِمَا فِيهِ. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ. إِنَّ ابْنَ آدَمَ خُلِقَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَرْبَعَةِ مَنَازِلَ، فَهُوَ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْهَا بِاللَّهِ وَاثِقٌ، وَظَنُّهُ بِاللَّهِ حَسَنٌ، وَهُوَ فِي الرَّابِعَةِ سَيِّئٌ ظَنُّهُ بِرَبِّهِ يَخَافُ خِذْلَانَ اللَّهِ إِيَّاهُ: أَمَّا الْمَنْزِلَةُ الْأُولَى، فَإِنَّهُ يُخْلَقُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ، فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ: ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، وَظُلْمَةِ الرَّحِمِ، وَظُلْمَةِ الْمَشِيمَةِ، يُدِرُّ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فِي ظُلْمَةِ الْبَطْنِ، فَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْبَطْنِ وَقَعَ فِي اللَّبَنِ، لَا يَسْعَى إِلَيْهِ بِقَدَمٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ بِيَدِهِ، وَلَا يَنْهَضُ إِلَيْهِ بِقُوَّةٍ بَلْ يُكْرَهُ عَلَيْهِ، حَتَّى يَرْتَفِعَ عَنِ اللَّبَنِ وَيُفْطَمَ، وَيَقَعَ فِي الْمَنْزِلَةِ الثَّالِثَةِ بَيْنَ أَبَوَيْنِ يَحِنَّانِ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَا وَتَرَكَاهُ يَتِيمًا تَعَطَّفَ عَلَيْهِ النَّاسُ، يُطْعِمُهُ هَذَا وَيَكْسُوهُ هَذَا رَحْمَةً لَهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَنْزِلَتَهُ الرَّابِعَةَ وَاسْتَوَى خَلْقُهُ وَاجْتَمَعَ حَتَّى أَنَّهُ لَا يَرْزُقُهُ إِلَّا اللَّهُ، اجْتَرَأَ عَلَى اللَّهِ، وَغَدَا عَلَى النَّاسِ يُقَاتِلُهُمْ عَلَى الدُّنْيَا. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، اعْتَبِرُوا بِالطَّيْرِ، هَلْ رَأَيْتُمْ طَيْرًا قَطُّ يَدَّخِرُ، وَكَذَلِكَ الْبَهَائِمُ وَالسِّبَاعُ، الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَمْسَيْتُمْ فِي زَمَانِ [ قَوْمٍ ] كَلَامُهُمْ كَلَامُ الْأَنْبِيَاءِ، وَفِعَالُهُمْ فِعَالُ السُّفَهَاءِ، كَلَامُهُمْ دَوَاءٌ يُبْرِئُ الدَّاءَ، وَقُلُوبُكُمْ مَا تَقْبَلُ الدَّوَاءَ. قُلُوبُكُمْ تَبْكِي مِنْ أَعْمَالِكُمْ، أَصْبَحَتِ الدُّنْيَا عِنْدَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْعَرُوسِ الْمَجْلِيَّةِ يَعْشَقُهَا كُلُّ مَنْ يَرَاهَا، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَيَّةِ، لَيِّنٌ لَمْسُهَا، يَقْتُلُ سُمُّهَا. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لِيَكُنْ هَمُّكُمْ مِنَ الدُّنْيَا أَنْفُسَكُمْ تَفُوزُوا بِهَا، وَلَا تَكُنْ هَمَّكُمْ بُطُونُكُمْ وَفُرُوجُكُمْ، تَمْلَئُوهَا مِنَ الطَّعَامِ وَتُضْمِرُوهَا مِنَ الْحِكْمَةِ، كُلُوا خُبْزَ الشَّعِيرِ، وَمِلْحَ الْجَرِيشِ، وَاخْرُجُوا مِنَ الدُّنْيَا سَالِمِينَ. وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّظَرَ إِلَى النِّسَاءِ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، وَهُوَ يَزْرَعُ الشَّهْوَةَ فِي الْقَلْبِ، وَإِنَّ مَثَلَ الْحَكِيمِ يَعْمَلُ حِكْمَتَهُ كَمَثَلِ الشَّمْسِ: تُضِيءُ لِلْخَلَائِقِ وَلَا تُحْرِقُ نَفْسَهَا، وَإِنَّ مَثَلَ الْحَكِيمِ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِحِكْمَتِهِ كَمَثَلِ السِّرَاجِ: يُضِيءُ لِمَنْ حَوْلَهُ، وَيُحْرِقُ نَفْسَهُ. يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لَا تَضَعُوا الْبَعُوضَ عَنْ شَرَابِكُمْ وَتَشْتَرِطُونَ الْفِيَلَةَ، لَا تَنْظُرُوا فِي ذُنُوبِ النَّاسِ كَالْأَرْبَابِ وَانْظُرُوا فِي ذُنُوبِكُمْ كَالْعَبِيدِ، مَا النَّاسُ إِلَّا كَرَجُلَيْنِ: مُبْتَلًى وَمُعَافًى، فَارْحَمُوا صَاحِبَ الْبَلَاءِ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الْعَافِيَةِ. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، كُونُوا حُكَمَاءَ عُلَمَاءَ، لَا تَضَعُوا الْحِكْمَةَ إِلَّا عِنْدَ أَهْلِهَا وَلَا تَكْتُمُوهَا أَهْلَهَا، فَإِنَّكُمْ إِنْ تَكَلَّمْتُمْ بِالْحِكْمَةِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهَا جَهِلْتُمْ، وَإِنْ مَنَعْتُمُوهَا أَهْلَهَا فَقَدْ ظَلَمْتُمُوهَا وَضَيَّعْتُمُوهَا، فَكُونُوا كَالطَّبِيبِ الْعَالِمِ الَّذِي يَضَعُ دَوَاءَهُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَنْفَعُ، اعْفُوا عَنِ النَّاسِ يَعْفُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكُمْ. يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَا يُغْنِي عَنِ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ السِّرَاجُ عَلَى ظَهْرِهِ وَبَاطِنُهُ مُظْلِمٌ، تُخْرِجُونَ الْحِكْمَةَ إِلَى النَّاسِ وَتُمْسِكُونَ الْغِلَّ فِي صُدُورِكُمْ. لَا تَكُونُوا كَالْمُنْخُلِ يَخْرُجُ مِنْهُ الدَّقِيقُ وَيُمْسِكُ النُّخَالَةَ، كَذَلِكَ الْحِكْمَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ وَتُبْقِي الْغِلَّ فِي صُدُورِكُمْ. إِنَّ الَّذِي يَخُوضُ الْمَاءَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَ ثَوْبَهُ الْمَاءُ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُحِبُّ الدُّنْيَا لَا يَنْجُو مِنَ الْخَطَايَا. طُوبَى لِلْمُجْتَهِدِينَ بالَّليلِ، وَرَعَوْا فِي مَسَاجِدِهِمُ الْعَمَلَ، وَسَقَوْا زَرْعَهُمْ مِنْ دُمُوعِ أَعْيُنِهِمْ حَتَّى نَبَتَ وَأَدْرَكَ الْحَصَادَ لِيَوْمِ فَقْرِهِمْ، فَوَجَدُوا عَاقِبَةَ ذَلِكَ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَمَنْ يَكُنْ زَرْعُهُ الْمُرَّ لَا يَحْصُدُ حُلْوًا. يَا عَبْدَ الدُّنْيَا، مَا أَكْثَرَ الشَّجَرَ وَلَيْسَ كُلُّهُ يُثْمِرُ، وَمَا أَكْثَرَ الْعُلَمَاءَ وَلَيْسَ كُلُّهُمْ يَعْمَلُ، إِنَّ الدَّابَّةَ مَا لَمْ تُرَضْ تُسْتَصْعَبْ. يَا عَبِيدَ الدُّنْيَا، إِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَ مَا تَأْمُلُونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ، وَلَا تَبْلُغُونَ مَا تُرِيدُونَ إِلَّا بِتَرْكِ مَا تَشْتَهُونَ، كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ، وَحِينَ أَحْيَاكُمْ مُتُّمْ، وَحِينَ كُنْتُمْ. ضُلَّالًا هَدَاكُمْ، وَحِينَ اهْتَدَيْتُمْ ضَلَلْتُمْ. إِنَّ الزَّانِيَةَ إِذَا حَمَلَتْ يَفْضَحُهَا حَمْلُهَا، وَكَذَلِكَ يَفْتَضِحُ بِالْعَمَلِ مَنْ كَانَ يَغُرُّ النَّاسَ بِالْقَوْلِ الْحَسَنِ وَيَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.