التاريخ 286
باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان
[ذِكْرُ قِصَّةِ أُرْمِيَاءَ] وَهُوَ أُرْمِيَاءُ -الْأَلِفُ مَضْمُومَةٌ- كَذَلِكَ قَرَأْتُهُ عَلَى شَيْخِنَا أَبِي مَنْصُورٍ اللُّغَوِيِّ. عَنْ وَهْبٍ: أَنَّ أُرْمِيَاءَ كَانَ غُلَامًا مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ، وَكَانَ زَاهِدًا، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِيهِ ابْنٌ غَيْرُهُ، وَكَانَ أَبُوهُ يُعْرِضُ النِّكَاحَ، وَكَانَ يَأْبَى مَخَافَةَ أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ وَزَوَّجَهُ فِي أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، قَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ، إِنِّي مُسِرٌّ إِلَيْكِ أَمْرًا فَإِنْ كَتَمْتِهِ عَلَيَّ وَسَتَرْتِهِ سَتَرَكِ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ أَنْتِ أَفْشَيْتِهِ قَصَمَكِ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَتْ: فَإِنِّي سَأَكْتُمُهُ عَلَيْكَ، قَالَ: فَإِنِّي لَا أُرِيدُ النِّسَاءَ. فَأَقَامَتْ مَعَهُ سَنَةً، ثُمَّ إِنَّ أَبَاهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَا أَبَهْ مَا طَالَ ذَلِكَ بَعْدُ، فَدَعَا امْرَأَتَهُ فَسَأَلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَزَوَّجَهُ امْرَأَةً فِي بَيْتِ أَشْرَافِهِمْ، فَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فَاسْتَكْتَمَهَا أَمْرَهُ، فَلَمَّا مَضَتْ سَنَةٌ سَأَلَهُ أَبُوهُ مِثْلَ مَا سَأَلَ، فَقَالَ: مَا طَالَ ذَلِكَ، فَسَأَلَ الْمَرْأَةَ فَقَالَتْ: كَيْفَ تَحْمِلُ امْرَأَةٌ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ مَا مَسَّنِي؟ فَغَضِبَ أَبُوهُ، فَهَرَبَ مِنْهُ. فَبَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا مَعَ "نَاشِيَةَ"، وَ"نَاشِيَةُ" مَلِكٌ. وَذَلِكَ حِينَ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي. ذِكْرُ خَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [ الْإِسْرَاءِ: 2 - 8 ]. وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَعَثَ أَرْمِيَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَذَلِكَ حِينَ عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ فِيهِمْ ; فَعَمِلُوا بِالْمَعَاصِي وَقَتَلُوا الْأَنْبِيَاءَ، طَمِعَ بُخْتُ نَصَّرَ فِيهِمْ، وَقَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ، وَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ ; لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَنْتَقِمَ بِهِ مِنْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَرْمِيَا أَنِّي مُهْلِكٌ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمُنْتَقِمٌ مِنْهُمْ، فَقُمْ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَأْتِيكَ أَمْرِي وَوَحْيِي. فَقَامَ أَرْمِيَا، فَشَقَّ ثِيَابَهُ، وَجَعَلَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ، وَخَرَّ سَاجِدًا وَقَالَ: يَا رَبِّ، وَدِدْتُ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي حِينَ جَعَلْتَنِي آخِرَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَكُونُ خَرَابُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبَوَارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَجْلِي. فَقِيلَ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ. فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ مَنْ تُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ ؟ قَالَ: عَبَدَةُ النِّيرَانِ، لَا يَخَافُونَ عِقَابِي وَلَا يَرْجُونَ ثَوَابِي، قُمْ يَا أَرْمِيَا، فَاسْتَمِعْ وَحْيِي أُخْبِرْكَ خَبَرَكَ وَخَبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُصَوِّرَكَ فِي رَحِمِ أُمِّكَ قَدَّسْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْرِجَكَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ طَهَّرْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ نَبَّأْتُكَ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ تَبْلُغَ الْأَشُدَّ اخْتَرْتُكَ، وَلِأَمْرٍ عَظِيمٍ اجْتَبَيْتُكَ، فَقُمْ مَعَ الْمَلِكِ تُسَدِّدُهُ وَتُرْشِدُهُ. فَكَانَ مَعَ الْمَلِكِ يُرْشِدُهُ وَيَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ، حَتَّى عَظُمَتِ الْأَحْدَاثُ، وَنَسَوْا مَا نَجَّاهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ عَدَوِّهِمْ سَنْحَارِيبَ وَجُنُودِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى أَرْمِيَا قُمْ، فَاقْصُصْ عَلَيْهِمْ مَا آمُرُكَ بِهِ، وَذَكِّرْهُمْ نِعْمَتِي عَلَيْهِمْ وَعَرِّفْهُمْ أَحْدَاثَهُمْ. فَقَالَ أَرْمِيَا: يَا رَبِّ، إِنِّي ضَعِيفٌ إِنْ لَمْ تُقَوِّنِي، عَاجِزٌ إِنْ لَمْ تُبَلِّغْنِي، مُخْطِئٌ إِنْ لَمْ تُسَدِّدْنِي، مَخْذُولٌ إِنْ لَمْ تَنْصُرْنِي، ذَلِيلٌ إِنْ لَمْ تُعِزَّنِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: أَوَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا تَصْدُرُ عَنْ مَشِيئَتِي، وَأَنَّ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ كُلَّهُ لِي، وَأَنَّ الْقُلُوبَ وَالْأَلْسِنَةَ كُلَّهَا بِيَدِي، فَأُقَلِّبُهَا كَيْفَ شِئْتُ فَتُطِيعُنِي، فَأَنَا اللَّهُ الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ مِثْلِي، قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا فِيهِنَّ بِكَلِمَتِي، وَأَنَّهُ لَا يَخْلُصُ التَّوْحِيدُ وَلَمْ تَتِمَّ الْقُدْرَةُ إِلَّا لِي، وَلَا يَعْلَمُ مَا عِنْدِي غَيْرِي، وَأَنَا الَّذِي كَلَّمْتُ الْبِحَارَ فَفَهِمَتْ قَوْلِي، وَأَمَرْتُهَا فَفَعَلَتْ أَمْرِي، وَحَدَّدْتُ عَلَيْهَا حُدُودًا فَلَا تَعْدُو حَدِّي، وَتَأْتِي بِأَمْوَاجٍ كَالْجِبَالِ، فَإِذَا بَلَغَتْ حَدِّي أَلْبَسْتُهَا مَذَلَّةً لِطَاعَتِي، وَخَوْفًا وَاعْتِرَافًا لِأَمْرِي، وَإِنِّي مَعَكَ، وَلَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ شَيْءٌ مَعِي، وَإِنِّي بَعَثْتُكَ إِلَى خَلْقٍ عَظِيمٍ مِنْ خَلْقِي ; لِتُبَلِّغَهُمْ رِسَالَاتِي فَتَسْتَوْجِبَ لِذَلِكَ أَجْرَ مَنِ اتَّبَعَكَ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَإِنْ تُقَصِّرْ عَنْهَا تَسْتَحِقَّ بِذَلِكَ وِزْرَ مَنْ تَرَكْتَهُ فِي عِمَايَةٍ، وَلَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا، انْطَلِقْ إِلَى قَوْمِكَ فَقُمْ فِيهِمْ، وَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَكُمْ بِصَلَاحِ آبَائِكُمْ ; فَلِذَلِكَ اسْتَبَقَاكُمْ يَا مَعْشَرَ أَبْنَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، كَيْفَ وَجَدَ آبَاؤُكُمْ مَغَبَّةَ طَاعَتِي، وَكَيْفَ وَجَدْتُمْ مَغَبَّةَ مَعْصِيَتِي ؟ وَهَلْ وَجَدُوا أَحَدًا عَصَانِي فَسَعِدَ بِمَعْصِيَتِي ؟ وَهَلْ عَلِمُوا أَحَدًا أَطَاعَنِي فَشَقِيَ بِطَاعَتِي ؟ إِنَّ الدَّوَابَّ إِذَا ذَكَرَتْ أَوْطَانَهَا الصَّالِحَةَ نَزَعَتْ إِلَيْهَا، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ رَتَعُوا فِي مُرُوجِ الْهَلَكَةِ وَتَرَكُوا الْأَمْرَ الَّذِي بِهِ أَكْرَمْتُ آبَاءَهُمْ وَابْتَغَوُا الْكَرَامَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا. أَمَّا أَحْبَارُهُمْ وَرُهْبَانُهُمْ فَاتَّخَذُوا عِبَادِي خَوَلًا يَتَعَبَّدُونَهُمْ وَيَحْكُمُونَ فِيهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِي، حَتَّى أَجْهَلُوهُمْ أَمْرِي، وَأَنْسَوْهُمْ ذِكْرِي وَسُنَّتِي، وَغَرُّوهُمْ عَنِّي، فَدَانَ لَهُمْ عِبَادِي بِالطَّاعَةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِي، فَهُمْ يُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَتِي. وَأَمَّا مُلُوكُهُمْ وَأُمَرَاؤُهُمْ، فَبَطَرُوا نِعْمَتِي، وَأَمِنُوا مَكْرِي، وَغَرَّتْهُمُ الدُّنْيَا، حَتَّى نَبَذُوا كِتَابِي، وَنَسُوا عَهْدِي، فَهُمْ يُحَرِّفُونَ كِتَابِي وَيَفْتَرُونَ عَلَى رُسُلِي ; جُرْأَةً مِنْهُمْ عَلَيَّ وَغِرَّةً بِي. فَسُبْحَانَ جَلَالِي، وَعُلُوِّ مَكَانِي، وَعَظَمَةِ شَأْنِي، هَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِي شَرِيكٌ فِي مُلْكِي ؟! وَهَلْ يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَتِي ؟! وَهَلْ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَخْلُقَ عِبَادًا أَجْعَلُهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِي ؟! أَوْ آذَنَ لِأَحَدٍ بِالطَّاعَةِ لِأَحَدٍ وَهِيَ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِي! وَأَمَّا قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ، فَيَدْرُسُونَ مَا يَتَخَيَّرُونَ، فَيَنْقَادُونَ لِلْمُلُوكِ، فَيُتَابِعُونَهُمْ عَلَى الْبِدَعِ الَّتِي يَبْتَدِعُونَ فِي دِينِي، وَيُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَتِي، وَيُوفُونَ لَهُمْ بِالْعُهُودِ النَّاقِضَةِ لِعَهْدِي، فَهُمْ جَهَلَةٌ بِمَا يَعْلَمُونَ، لَا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا عَلِمُوا مِنْ كِتَابِي. وَأَمَّا أَوْلَادُ النَّبِيِّينَ، فَمَقْهُورُونَ وَمَفْتُونُونَ، يَخُوضُونَ مَعَ الْخَائِضِينَ، يَتَمَنَّوْنَ مِثْلَ نَصْرِي آبَاءَهُمْ، وَالْكَرَامَةَ الَّتِي أَكْرَمْتُهُمْ بِهَا، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا أَحَدَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُمْ، بِغَيْرِ صِدْقٍ مِنْهُمْ، وَلَا تَفَكُّرٍ، وَلَا يَذْكُرُونَ كَيْفَ كَانَ صَبْرُ آبَائِهِمْ، وَكَيْفَ كَانَ جُهْدُهُمْ فِي أَمْرِي، حَتَّى اغْتَرَّ الْمُغْتَرُّونَ، وَكَيْفَ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ، فَصَبَرُوا وَصَدَقُوا، حَتَّى عَزَّ أَمْرِي، وَظَهَرَ دِينِي، فَتَأَنَّيْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَعَلَّهُمْ يَسْتَحْيُونَ مِنِّي وَيَرْجِعُونَ، فَتَطَوَّلْتُ عَلَيْهِمْ وَصَفَحْتُ عَنْهُمْ، فَأَكْثَرْتُ وَمَدَدْتُ لَهُمْ فِي الْعُمُرِ، وَأَعْذَرْتُ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَكُلُّ ذَلِكَ أُمْطِرُ عَلَيْهِمُ السَّمَاءَ، وَأُنْبِتُ لَهُمُ الْأَرْضَ، وَأُلْبِسُهُمُ الْعَافِيَةَ، وَأُظْهِرُهُمْ عَلَى الْعَدُوِّ، وَلَا يَزْدَادُونَ إِلَّا طُغْيَانًا وَبُعْدًا مِنِّي، فَحَتَّى مَتَى هَذَا! أَبِي يَسْخَرُونَ! أَمْ بِي يَتَمَرَّسُونَ! أَمْ إِيَّايَ يُخَادِعُونَ! أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ! فَإِنِّي أُقْسِمُ بِعِزَّتِي، لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ فِتْنَةً يَتَحَيَّرُ فِيهَا الْحَلِيمُ وَيَضِلُّ فِيهَا رَأْيُ ذَوِي الرَّأْيِ وَحِكْمَةُ الْحَكِيمِ، ثُمَّ لَأُسَلِّطَنَّ عَلَيْهِمْ جَبَّارًا قَاسِيًا عَاتِيًا، أُلْبِسُهُ الْهَيْبَةَ، وَأَنْزِعُ مِنْ قَلْبِهِ الرَّأْفَةَ وَالرَّحْمَةَ، وَآلَيْتُ أَنْ يَتَّبِعَهُ عَدَدٌ وَسَوَادٌ مِثْلُ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، لَهُ فِيهِ عَسَاكِرُ مِثْلُ قِطَعِ السَّحَابِ، وَمُوَاكِبُ مِثْلُ الْعَجَاجِ، وَكَأَنَّ حَفِيفَ رَايَاتِهِ طَيَرَانُ النُّسُورِ، وَحَمْلَ فُرْسَانِهِ كَسِرْبِ الْعِقْبَانِ، يُعِيدُونَ الْعِمْرَانَ خَرَابًا، وَالْقُرَى وَحْشًا، وَيَعِيثُونَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، وَيُتَبِّرُونَ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، قَاسِيَةً قُلُوبُهُمْ; لَا يَكْتَرِثُونَ، وَلَا يَرِقُّونَ، وَلَا يَرْحَمُونَ، وَلَا يُبْصِرُونَ، وَلَا يَسْمَعُونَ، يَجُولُونَ فِي الْأَسْوَاقِ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ مِثْلَ زَئِيرِ الْأُسْدِ، تَقْشَعِرُّ مِنْ هَيْبَتِهَا الْجُلُودُ، وَتَطِيشُ مِنْ سَمْعِهَا الْأَحْلَامُ، بِأَلْسِنَةٍ لَا يَفْقَهُونَهَا، وَوُجُوهٍ ظَاهِرٌ عَلَيْهَا الْمُنْكَرُ، لَا يَعْرِفُونَهَا. فَوَعِزَّتِي لَأُعَطِّلَنَّ بُيُوتَهُمْ مِنْ كُتُبِي وَقُدُسِي، وَلَأُخْلِيَنَّ مَجَالِسَهُمْ مِنْ حَدِيثِهَا وَدُرُوسِهَا، وَلَأُوحِشَنَّ مَسَاجِدَهُمْ مِنْ عُمَّارِهَا وَزُوَّارِهَا، الَّذِينَ كَانُوا يَتَزَيَّنُونَ بِعِمَارَتِهَا لِغَيْرِي، وَيَتَهَجَّدُونَ فِيهَا وَيَتَعَبَّدُونَ لِكَسْبِ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، وَيَتَفَقَّهُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الدِّينِ، وَيَتَعَلَّمُونَ فِيهَا لِغَيْرِ الْعَمَلِ. لَأُبَدِّلَنَّ مُلُوكَهَا بِالْعِزِّ الذُّلَّ، وَبِالْأَمْنِ الْخَوْفَ، وَبِالْغِنَى الْفَقْرَ، وَبِالنِّعْمَةِ الْجُوعَ، وَبِطُولِ الْعَافِيَةِ وَالرَّخَاءِ أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ، وَبِلِبَاسِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ مَدَارِعَ الْوَبَرِ وَالْعَبَاءَ، وَبِالْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ وَالْأَدْهَانِ جِيَفَ الْقَتْلَى، وَبِلِبَاسِ التِّيجَانِ أَطْوَاقَ الْحَدِيدِ وَالسَّلَاسِلَ وَالْأَغْلَالَ. ثُمَّ لَأُعِيدَنَّ فِيهِمْ بَعْدَ الْقُصُورِ الْوَاسِعَةِ وَالْحُصُونِ الْحَصِينَةِ الْخَرَابَ، وَبَعْدَ الْبُرُوجِ الْمُشَيَّدَةِ مَسَاكِنَ السِّبَاعِ، وَبَعْدَ صَهِيلِ الْخَيْلِ عُوَاءَ الذِّئَابِ، وَبَعْدَ ضَوْءِ السِّرَاجِ دُخَانَ الْحَرِيقِ، وَبَعْدَ الْأُنْسِ الْوَحْشَةَ وَالْقِفَارَ، ثُمَّ لَأُبَدِّلَنَّ نِسَاءَهَا بِالْأَسْوِرَةِ الْأَغْلَالَ، وَبِقَلَائِدِ الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ سَلَاسِلَ الْحَدِيدِ، وَبِأَلْوَانِ الطِّيبِ وَالْأَدْهَانِ النَّقْعَ وَالْغُبَارَ، وَبِالْمَشْيِ عَلَى الزَّرَابِيِّ عُبُورَ الْأَسْوَاقِ وَالْأَنْهَارِ وَالْخَبَبَ إِلَى اللَّيْلِ فِي بُطُونِ الْأَسْوَاقِ، وَبِالْخُدُورِ وَالسُّتُورِ الْحُسُورَ عَنِ الْوُجُوهِ وَالسُّوقِ وَالْإِسْفَارَ، وَالْأَرْوَاحِ السَّمُومَ، ثُمَّ لَأَدُوسَنَّهُمْ بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْكَائِنُ مِنْهُمْ فِي حَالِقٍ، لَوَصَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. إِنِّي إِنَّمَا أُكْرِمُ مَنْ أَكْرَمَنِي، وَإِنَّمَا أُهِينُ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ أَمْرِي. ثُمَّ لَآمُرَنَّ السَّمَاءَ خِلَالَ ذَلِكَ ; فَلَتَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ طَبَقًا مِنْ حَدِيدٍ، وَلَآمُرَنَّ الْأَرْضَ فَلَتَكُونَنَّ سَبِيكَةً مِنْ نُحَاسٍ، فَلَا سَمَاءَ تُمْطِرُ وَلَا أَرْضَ تُنْبِتُ، فَإِنْ أَمْطَرَتْ خِلَالَ ذَلِكَ شَيْئًا سَلَّطْتُ عَلَيْهِمُ الْآفَةَ، فَإِنْ خَلُصَ مِنْهُ شَيْءٌ نَزَعْتُ مِنْهُ الْبَرَكَةَ، وَإِنْ دَعَوْنِي لَمْ أُجِبْهُمْ، وَإِنْ سَأَلُونِي لَمْ أُعْطِهِمْ، وَإِنْ بَكَوْا لَمْ أَرْحَمْهُمْ، وَإِنْ تَضَرَّعُوا إِلَيَّ صَرَفْتُ وَجْهِي عَنْهُمْ. وَإِنْ قَالُوا: اللَّهُمَّ أَنْتَ الَّذِي ابْتَدَأْتَنَا وَآبَاءَنَا مِنْ قَبْلِنَا بِرَحْمَتِكَ وَكَرَامَتِكَ وَذَلِكَ بِأَنَّكَ اخْتَرْتَنَا لِنَفْسِكَ وَجَعَلْتَ فِينَا نُبُوَّتَكَ وَكِتَابَكَ وَمَسَاجِدَكَ، ثُمَّ مَكَّنَتْ لَنَا فِي الْبِلَادِ وَاسْتَخْلَفْتَنَا فِيهَا وَرَبَّيْتَنَا وَآبَاءَنَا مِنْ قَبْلِنَا بِنِعْمَتِكَ صِغَارًا، وَحَفِظْتَنَا وَإِيَّاهُمْ بِرَحْمَتِكَ كِبَارًا، فَأَنْتَ أَوْفَى الْمُنْعِمِينَ، فَلَا تُغَيِّرْ وَإِنْ غَيَّرْنَا، وَلَا تُبَدِّلْ وَإِنْ بَدَّلْنَا، وَأَنْ تُتِمَّ فَضْلَكَ وَمَنَّكَ وَطَوْلَكَ وَإِحْسَانَكَ. فَإِنْ قَالُوا ذَلِكَ قُلْتُ لَهُمْ: إِنِّي أَبْتَدِئُ عِبَادِي بِرَحْمَتِي وَنِعْمَتِي، فَإِنْ قَبِلُوا أَتْمَمْتُ، وَإِنِ اسْتَزَادُوا زِدْتُ، وَإِنْ شَكَرُوا ضَاعَفْتُ، وَإِنْ بَدَّلُوا غَيَّرْتُ، وَإِذَا غَيَّرُوا غَضِبْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ عَذَّبْتُ، وَلَيْسَ يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي. قَالَ كَعْبٌ: فَقَالَ أَرْمِيَا: بِرَحْمَتِكَ أَصْبَحْتُ أَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهَلْ يَنْبَغِي ذَلِكَ لِي وَأَنَا أَذَلُّ وَأَضْعَفُ مِنْ أَنْ يَنْبَغِيَ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَلَكِنْ بِرَحْمَتِكَ أَبْقَيْتَنِي لِهَذَا الْيَوْمِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ أَنْ يَخَافَ هَذَا الْعَذَابَ وَهَذَا الْوَعِيدَ مِنِّي، بِمَا رَضِيتَ بِهِ مِنِّي طَوْلًا، وَالْإِقَامَةِ فِي دَارِ الْخَاطِئِينَ وَهُمْ يَعْصُونَكَ حَوْلِي بِغَيْرِ نَكِيرٍ وَلَا تَغْيِيرٍ مِنِّي، فَإِنْ تُعَذِّبْنِي فَبِذَنْبِي وَإِنْ تَرْحَمْنِي فَذَلِكَ ظَنِّي بِكَ. ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، أَتُهْلِكُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَمَا حَوْلَهَا وَهِيَ مَسَاكِنُ أَنْبِيَائِكَ، وَمَنْزِلُ وَحْيِكَ ؟ يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ لِمَخْرَبِ هَذَا الْمَسْجِدِ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَمِنَ الْبُيُوتِ الَّتِي رُفِعَتْ لِذِكْرِكَ ؟ يَا رَبِّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ لِمَقْتِكَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَعَذَابِكَ إِيَّاهُمْ وَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ، وَأُمَّةِ مُوسَى نَجِيِّكَ، وَقَوْمِ دَاوُدَ صَفِيِّكَ، يَا رَبِّ، أَيُّ الْقُرَى تَأْمَنُ عُقُوبَتَكَ بَعْدَ أُورْشَلِيمَ ؟ وَأَيُّ الْعِبَادِ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَكَ بَعْدَ وَلَدِ خَلِيلِكَ إِبْرَاهِيمَ، وَأُمَّةِ نَجِيِّكَ مُوسَى، وَقَوْمِ خَلِيفَتِكَ دَاوُدَ ؟ تُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَبَدَةَ النِّيرَانِ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا أَرْمِيَا مَنْ عَصَانِي فَلَا يَسْتَنْكِرُ نِقْمَتِي ; فَإِنِّي إِنَّمَا أَكْرَمْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَلَى طَاعَتِي، وَلَوْ أَنَّهُمْ عَصَوْنِي لَأَنْزَلْتُهُمْ دَارَ الْعَاصِينَ، إِلَّا أَنْ أَتَدَارَكَهُمْ بِرَحْمَتِي. قَالَ أَرْمِيَا: يَا رَبِّ، اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَحَفِظْتَنَا بِهِ، وَمُوسَى قَرَّبْتَهُ نَجَّيًا، فَنَسْأَلُكَ أَنْ تَحْفَظَنَا وَلَا تَتَخَطَّفَنَا، وَلَا تُسَلِّطَ عَلَيْنَا عَدُوَّنَا. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا أَرْمِيَا إِنِّي قَدَّسْتُكَ فِي بَطْنِ أُمِّكَ، وَأَخَّرْتُكَ إِلَى هَذَا الْيَوْمِ، فَلَوْ أَنَّ قَوْمَكَ حَفِظُوا الْيَتَامَى وَالْأَرَامِلَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ، لَكُنْتُ الدَّاعِمَ لَهُمْ، وَكَانُوا عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ جَنَّةٍ نَاعِمٍ شَجَرُهَا، طَاهِرٍ مَاؤُهَا، وَلَا يَغُورُ مَاؤُهَا، وَلَا تَبُورُ ثِمَارُهَا، وَلَا تَنْقَطِعُ وَلَكِنْ سَأَشْكُو إِلَيْكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ; إِنِّي كُنْتُ لَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الرَّاعِي الشَّفِيقِ، أُجَنِّبُهُمْ كُلَّ قَحْطٍ وَكُلَّ عُسْرَةٍ، وَأُتْبِعُ بِهِمُ الْخَصْبَ، حَتَّى صَارُوا كِبَاشًا يَنْطَحُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَا وَيْلَهُمْ ثُمَّ يَا وَيْلَهُمْ، إِنَّمَا أُكْرِمُ مَنْ أَكْرَمَنِي، وَأُهِينَ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ أَمْرِي، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنَ الْقُرُونِ يَسْتَخْفُونَ بِمَعْصِيَتِي، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ يَتَبَرَّعُونَ بِمَعْصِيَتِي تَبَرُّعًا ; فَيُظْهِرُونَهَا فِي الْمَسَاجِدِ، وَالْأَسْوَاقِ، وَعَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَظِلَالِ الْأَشْجَارِ، حَتَّى عَجَّتِ السَّمَاءُ إِلَيَّ مِنْهُمْ، وَعَجَّتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ، وَنَفَرَتْ مِنْهَا الْوُحُوشُ بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ وَأَقَاصِيهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ لَا يَنْتَهُونَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا عَلِمُوا مِنَ الْكِتَابِ. قَالَ: فَلَمَّا بَلَّغَهُمْ أَرْمِيَا رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، وَسَمِعُوا مَا فِيهَا مِنَ الْوَعِيدِ وَالْعَذَابِ، عَصَوْهُ وَكَذَّبُوهُ وَاتَّهَمُوهُ وَقَالُوا: كَذَبْتَ وَعَظَّمْتَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، فَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ مُعَطِّلٌ أَرْضَهُ وَمَسَاجِدَهُ مِنْ كِتَابِهِ وَعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَمَنْ يَعْبُدُهُ حِينَ لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْأَرْضِ عَابِدٌ وَلَا مَسْجِدٌ وَلَا كِتَابٌ ؟ لَقَدْ أَعْظَمْتَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَاعْتَرَاكَ الْجُنُونُ. فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ وَسَجَنُوهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُ نَصَّرَ فَأَقْبَلَ يَسِيرُ بِجُنُودِهِ حَتَّى نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ حَاصَرَهُمْ، فَكَانَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ [ الْإِسْرَاءِ: 5 ]. قَالَ: فَلَمَّا طَالَ بِهِمُ الْحَصْرُ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ، وَتَخَلَّلُوا الْأَزِقَّةَ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَحَكَمَ فِيهِمْ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَطْشَ الْجَبَّارِينَ، فَقَتَلَ مِنْهُمُ الثُّلُثَ، وَسَبَى الثُّلُثَ، وَتَرَكَ الزَّمْنَى وَالشُّيُوخَ وَالْعَجَائِزَ، ثُمَّ وَطِئَهُمْ بِالْخَيْلِ، وَهَدَمَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَسَاقَ الصِّبْيَانَ، وَأَوْقَفَ النِّسَاءَ فِي الْأَسْوَاقِ مُحْسَرَاتٍ، وَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ، وَخَرَّبَ الْحُصُونَ، وَهَدَمَ الْمَسَاجِدَ، وَحَرَقَ التَّوْرَاةَ، وَسَأَلَ عَنْ دَانْيَالَ الَّذِي كَانَ كَتَبَ لَهُ الْكِتَابَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ، وَأَخْرَجَ أَهْلُ بَيْتِهِ الْكِتَابَ إِلَيْهِ، وَكَانَ فِيهِمْ دَانْيَالُ بْنُ حِزْقِيلَ الْأَصْغَرُ وَمِيشَائِيلُ، وَعِزْرَائِيلُ، وَمِيخَائِيلُ، فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، وَكَانَ دَانْيَالُ بْنُ حِزْقِيلَ خَلَفًا مِنْ دَانْيَالَ الْأَكْبَرِ، وَدَخَلَ بُخْتُ نَصَّرَ بِجُنُودِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَوَطِئَ الشَّامَ كُلَّهَا، وَقَتَلَ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى أَفْنَاهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا انْصَرَفَ رَاجِعًا، وَحَمَلَ الْأَمْوَالَ الَّتِي كَانَتْ بِهَا وَسَاقَ السَّبَايَا، فَبَلَغَ مَعَهُ عِدَّةُ صِبْيَانِهِمْ مِنْ أَبْنَاءِ الْأَحْبَارِ وَالْمُلُوكِ تِسْعِينَ أَلْفَ غُلَامٍ، وَقَذَفَ الْكُنَاسَاتِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَذَبَحَ فِيهِ الْخَنَازِيرَ، وَكَانَ الْغِلْمَانُ سَبْعَةَ آلَافِ غُلَامٍ مَنْ بَيْتِ دَاوُدَ، وَأَحَدَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ وَأَخِيهِ بِنْيَامِينَ، وَثَمَانِيَةَ آلَافٍ مِنْ سِبْطِ إِيشَا بْنِ يَعْقُوبَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ زَبَالُونَ وَنِفْتَالِي ابْنَيْ يَعْقُوبَ، وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سِبْطِ دَانِ بْنِ يَعْقُوبَ، وَثَمَانِيَةَ آلَافٍ مِنْ سِبْطِ يَسْتَاخِرَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَأَلْفَيْنِ مِنْ سِبْطِ رَايْلُونَ بْنِ يَعْقُوبَ، وَأَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ سِبْطِ رُوبِيلَ وَلَاوِي، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَانْطَلَقَ حَتَّى قَدِمَ أَرْضَ بَابِلَ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ: قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: فَلَمَّا فَعَلَ مَا فَعَلَ قِيلَ لَهُ: كَانَ لَهُمْ صَاحِبٌ يُحَذِّرُهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَيَصِفُكَ وَخَبَرَكَ لَهُمْ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّكَ تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَتَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ وَتَهْدِمُ مَسَاجِدَهُمْ وَتَحْرِقُ كَنَائِسَهُمْ، فَكَذَّبُوهُ وَاتَّهَمُوهُ، وَضَرَبُوهُ، وَقَيَّدُوهُ، وَحَبَسُوهُ. فَأَمَرَ بُخْتَ نَصَّرَ فَأَخْرَجَ أَرْمِيَا مِنَ السِّجْنِ، فَقَالَ لَهُ: أَكُنْتَ تُحَذِّرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَا أَصَابَهُمْ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي عَلِمْتُ ذَلِكَ. قَالَ: أَرْسَلَنِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ فَكَذَّبُونِي. قَالَ: كَذَّبُوكَ وَضَرَبُوكَ وَسَجَنُوكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ وَكَذَّبُوا رِسَالَةَ رَبِّهِمْ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَلْحَقَ بِي، فَأُكْرِمُكَ وَأُوَاسِيكَ، وَإِنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُقِيمَ فِي بِلَادِكَ فَقَدْ أَمَّنْتُكَ. قَالَ لَهُ أَرْمِيَا: إِنِّي لَمْ أَزَلْ فِي أَمَانِ اللَّهِ مُنْذُ كُنْتُ لَمْ أَخْرُجْ مِنْهُ سَاعَةً قَطُّ، وَلَوْ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْرُجُوا مِنْهُ، لَمْ يَخَافُوكَ وَلَا غَيْرَكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ. فَلَمَّا سَمِعَ بُخْتَ نَصَّرَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْهُ، تَرَكَهُ، فَأَقَامَ أَرْمِيَا مَكَانَهُ بِأَرْضِ إِيلِيَاءَ. وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ حِكَمٌ وَمَوَاعِظُ وَأَشْيَاءُ مَلِيحَةٌ، وَفِيهِ مِنْ جِهَةِ التَّعْرِيبِ غَرَابَةٌ. بعث بختنصر لقتال بني إسرائيل بالشام وَقَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ: كَانَ بُخْتُ نَصَّرَ أُصْفَهْبَذًا لِمَا بَيْنَ الْأَهْوَازِ إِلَى الرُّومِ ; لِلْمَلِكِ عَلَى الْفُرْسِ وَهُوَ لِهْرَاسْبُ، وَكَانَ قَدْ بَنَى مَدِينَةَ بَلْخَ الَّتِي تُلَقَّبُ بِ " الْخَنْسَاءِ، وَقَاتَلَ التُّرْكَ، وَأَلْجَأَهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الْأَمَاكِنِ، وَبَعَثَ بُخْتُ نَصَّرَ لِقِتَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ الشَّامَ صَالَحَهُ أَهْلُ دِمَشْقَ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي بَعَثَ بُخْتُ نَصَّرَ إِنَّمَا هُوَ بَهْمَنُ مَلِكُ الْفُرْسِ بَعْدَ بَشْتَاسِبُ بْنِ لَهْرَاسِبُ ; وَذَلِكَ لِتَعَدِّي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى رُسُلِهِ إِلَيْهِمْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ بُخْتُ نَصَّرَ لَمَّا قَدِمَ دِمَشْقَ، وَجَدَ بِهَا دَمًا يَغْلِي عَلَى كِبًا - يَعْنِي الْقُمَامَةَ - فَسَأَلَهُمْ: مَا هَذَا الدَّمُ ؟ فَقَالُوا: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذَا، وَكُلَّمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الْكِبَا ظَهَرَ. قَالَ: فَقَتَلَ عَلَى ذَلِكَ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، فَسَكَنَ. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا دَمُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بَعْدَ بُخْتُ نَصَّرَ بِمُدَّةٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا دَمُ نَبِيٍّ مُتَقَدِّمٍ، أَوْ دَمٌ لِبَعْضِ الصَّالِحِينَ، أَوْ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِمَّنِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ. تفرق بني إسرائيل في البلاد قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: ثُمَّ قَدِمَ بُخْتُ نَصَّرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَصَالَحَهُ مَلِكُهَا، وَكَانَ مِنْ آلِ دَاوُدَ وَصَانَعَهُ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَخَذَ مِنْهُ بُخْتُ نَصَّرَ رَهَائِنَ وَرَجَعَ، فَلَمَّا بَلَغَ طَبَرِيَّةَ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثَارُوا عَلَى مَلِكِهِمْ فَقَتَلُوهُ لِأَجْلِ أَنَّهُ صَالَحَهُ، فَضَرَبَ رِقَابَ مَنْ مَعَهُ مِنَ الرَّهَائِنِ وَرَجَعَ إِلَيْهِمْ، فَأَخَذَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً وَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ. قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُ وَجَدَ فِي السِّجْنِ أَرْمِيَا النَّبِيَّ، فَأَخْرَجَهُ، وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ إِيَّاهُمْ، وَتَحْذِيرِهِ لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَّبُوهُ وَسَجَنُوهُ، فَقَالَ بُخْتُ نَصَّرَ: بِئْسَ الْقَوْمُ قَوْمٌ عَصَوْا رَسُولَ اللَّهِ. وَخَلَّى سَبِيلَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ. وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ مِنْ ضُعَفَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: إِنَّا قَدْ أَسَأْنَا وَظَلَمْنَا وَنَحْنُ نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِمَّا صَنَعْنَا، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَ تَوْبَتَنَا. فَدَعَا رَبَّهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ فَاعِلٍ، فَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَلْيُقِيمُوا مَعَكَ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ. فَأَخْبَرَهُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، فَقَالُوا: كَيْفَ نُقِيمُ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ وَقَدْ خَرِبَتْ، وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَى أَهْلِهَا! فَأَبَوْا أَنْ يُقِيمُوا. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: وَمِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْبِلَادِ، فَنَزَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمُ الْحِجَازَ وَطَائِفَةٌ يَثْرِبَ وَطَائِفَةٌ وَادِي الْقُرَى وَذَهَبَتْ شِرْذِمَةٌ مِنْهُمْ إِلَى مِصْرَ فَكَتَبَ بُخْتُ نَصَّرَ إِلَى مَلِكِهَا يَطْلُبُ مِنْهُ مَنْ شَرَدَ مِنْهُمْ إِلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَرَكِبَ فِي جَيْشِهِ فَقَاتَلَهُ وَقَهَرَهُ وَغَلَبَهُ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، حَتَّى بَلَغَ أَقْصَى تِلْكَ النَّاحِيَةِ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ بِسَبْيٍ كَثِيرٍ مِنْ أَرْضِ الْمَغْرِبِ، وَمِصْرَ، وَأَهْلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَرْضِ فِلَسْطِينَ، وَالْأُرْدُنِّ وَفِي السَّبْيِ دَانْيَالُ. قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ دَانْيَالُ بْنُ حَزْقِيلَ الْأَصْغَرُ لَا الْأَكْبَرُ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.